الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عبدالله بن سبا - السيد مرتضى العسكري ج 1

عبدالله بن سبا

السيد مرتضى العسكري ج 1


[1]

عبد الله بن سبا واساطير اخرى

[3]

دراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول (ص) عبد الله بن سبا و اساطير أخرى المجلد الاول تأليف السيد مرتضى العسكري

[4]

الطبعة السادسة مصححة سنة 1413 ه‍ - 1992 م

[5]

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الانبياء محمد وآله الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وأصحابه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

[7]

المقدمات مقدمة الطبعة الرابعة. مقدمة الطبعة الثالثة: كتاب الشيخ محمد جواد مغنية. كتاب الدكتور حامد حفني داود من مصر. موجز ما ورد من نقد: نقد مجلة الازهر. مقدمة الطبعة الاولى: سبب تسمية الكتاب.

[9]

مقدمة الطبعة الرابعة طبع هذا الكتاب بعيدا عن إشراف المؤلف في النجف الاشرف عام 1375 ه‍. وفي القاهرة عام 1381 ه‍. وفي بيروت عام 1388 ه‍. ومن ثم انتشرت فيه أخطاء صححناها في هذه الطبعة وخاصة أرقام صفحات مصادره الكثيرة، كما استدركنا ما فاتنا هناك في خلال صفحاته بآخر الكتاب، فينبغي تصحيح النسخ المطبوعة سابقا على هذه الطبعة والكمال لله وحده. مرتضى العسكري

[11]

مقدمة الطبعة الثالثة صدرت الطبعة الاولى من الكتاب عام 1375 ه‍ فتناولته أقلام الكتاب بالنقد والتقريض، وانتشرت بعض مواضيعه في موسوعات علمية. وإننا - مع تقديرنا لكل ما كتب - نكتفي بإيراد بعض المقالات التي أثارت نقاطا معينة تستحق الاهتمام وهي: أ - كتاب الشيخ محمد جواد مغنية. ب - كتاب الدكتور حامد حفني داود. ج - نقد مجلة الازهر. د - نقود أخرى. * * * أ - الشيخ محمد جواد مغنية من لبنان. أحد كبار الكتاب المعاصرين، وأكثر علمائنا إنتاجا - في العصر الحاضر - مع غزارة مادة، وسلاسة أسلوب، وكثرة نفع التآليف، قال: كل شئ تطور إلا الكتابة عن الشيعة، ولكل بداية نهاية، إلا الافتراء على الشيعة، ولكل حكم مصدره ودليله، إلا الاحكام على الشيعة !.. ولماذا ؟ هل الشيعة فوضويون ومشاغبون يعكرون صفو الناس وأمنهم ؟ !..

[12]

الجواب أن رجلا يسمى سيف بن عمر التميمي مات في القرن الثاني الهجري، وضع كتابين: الاول " الفتوح والردة " والثاني " الجمل ومسير عائشة وعلي " وحشاهما بما يلي: 1 - إختلاق الحوادث التي لا حقيقة لها ولا أساس. 2 - تحريف الحوادث الثابتة، وتزييفها تزييفا يجعل الايجاب سلبا والسلب إيجابا. فلقد اختلق سيف لرسول الله (ص) أصحابا لا وجود لهم، وأسماهم بأسماء لم يسمع بها الرسول ولا أحد من أصحابه، مثل سعير، والهزهاز، وأط، وحميضة، وما إلى ذلك، كما ابتدع رجالا من التابعين وغير التابعين، ووضع على لسانهم الاخبار والاحاديث. من هؤلاء بطل اختلق شخصيته، واختلق اسمه، واختلق قضايا ربطها به، هذا البطل الاسطوري هو " عبد الله بن سبأ " الذي اعتمد عليه كل من نسب إلى الشيعة ما ليس لهم بن علم، وتكلم عنهم جهلا وخطأ، ونفاقا وافتراء. وجاء المؤرخون بعد سيف الوضاع، فرأوا الكتابين المذكورين بين مصادر التاريخ، فنهلوا منهما دون فحص وتمحيص، ونقلوا عنهما بأعينهم وأيديهم وعقولهم، وأول من خدع بسيف، الطبري، ثم نقل عن الطبري ابن الاثير، وابن عساكر، وابن كثير وغيرهم، وبهذا امتدت أغصان سيف الكذاب إلى مصادر التاريخ بصورة غير مباشرة، أما الجذر والاصل فواحد هو: " كتاب الفتوح " و " الجمل ". أما الدليل الصحيح الواضح، أما الارقام المحسوسة الملموسة على

[13]

هذه الحقيقة، فتجدها في كتاب " عبد الله بن سبأ " للبحاثة العسكري، فقد اعتمد في كتابه هذا منهج الحق والعدل، والتزم بكل شرط يفرضه العلم في عملية البحث، بحيث لا يستطيع القارئ مهما بلغ من الفكر والعلم أن يرفض النتائج التي توصل إليها المؤلف، أو يشكك فيها، ولو باحتمال كيفي موهوم، لان الاسس التي بنى عليها المؤلف، مادية لا فكرية فحسب، ومشاهدات لا نظريات، وقضايا ضرورية لا اجتهادية. لقد رددت على المفترين والمعترضين مرات ومرات، واعترف أني لم آت بجديد لا تعرفه الناس، بل كنت أكرر ما أجاب به المفيد والمرتضى والعلامة، ولا شئ لي سوى الاسلوب والتوضيح. ذلك أن الاعتراض واحد لم يتغير منذ زمان وزمان، فجوابه أيضا واحد لم يتغير، تماما كجواب من أنكر الباري عزوجل. وكنت أعزي النفس بأن الكثير يجهلون ما أجاب به الاولون، وبأن السكوت يغري بنا السفهاء ويفسر بالضعف والعجز عن الجواب، وعلى أية حال فكنت أجيب كما أجاب غيري على أساس الاعتراف بابن سبأ، ثم الانكار والتبري منه ومن أقواله، أما صاحب كتاب " ابن سبأ " فقد هدم البناء من الاساس، وأثبت بأن ابن سبأ أسطورة لا وجود له، وهذا هو الجديد في الكتاب. ولا أغالي إذا قلت: إنه الكتاب العربي الوحيد الذي بحث التاريخ على أساس العلم، وتعمق فيه هذا التعمق. وأيضا لست مبالغا إذا قلت: إن المؤلف قد أدى إلى الدين والعلم - وبخاصة إلى مبدأ التشيع - خدمة لا يعادلها أي عمل في هذا العصر الذي

[14]

كثرت فيه التهجمات والافتراءات على الشيعة والتشيع، بل قد أدى خدمة جلى للاسلام وجميع المسلمين، لانه أقفل الباب في وجوه السماسرة والدساسين الذي يتشبثون بالطحلب لتمزيق وحدة المسلمين، وإضعاف قوتهم. لقد ذقنا من العملاء الادهى والامر، وتحملنا منهم الكثير رغبة في الوئام، وتجنب الخصام، وما زادهم ذلك إلا إغراء بالكذب، ومصدرهم الاول والاخير اسطورة " ابن سبأ " وخرافة (ابن السوداء) التي ابتدعها سيف، هذا الوضاع الذي لا يشعر بأية مسؤولية أمام الله والضمير. أما اليوم وبعد كتاب " عبد الله بن سبأ " فماذا يقول هؤلاء الانتهازيون المرتزقة ؟ !. وبالتالي، فإني أرى أن يتفضل السادة العلماء والمراجع الكبار في النجف الاشرف بتخصيص مبلغ من الحقوق، أو يأمروا من يمتثل أوامرهم من أصحاب الثراء بإعادة طبع هذا الكتاب طبعا حديثا وأنيقا على أجود ورق، ثم يعرض للبيع في البلاد الاسلامية والعربية بواسطة شركات التوزيع بثمن يقل عن نسف تكاليفه، كي يصبح في متناول الجميع، كما هي الحال في سائر كتب الدعايات التي يراد بها انتشار مبدأ وتشجيع فكرة، بل اقترح أن يأمروا بترجمته إلى عدة لغات، وينشر على هذا النحو، وبذلك يقدمون خدمة للدين دونها جميع الاعمال والخدمات. هذا هو والله الغرض الاكمل لمصرف الحق الالهي، وسهم الامام " منه وإليه ". والله سبحانه المسؤول أن يحفظهم جميعا، ويلهم أحد المقربين منهم إلى نقل اقتراحي هذا إلى مقامهم، وأن يستجيبوا له، أو يضعوه في موضع الدراسة على الاقل. محمد جواد مغنية

[15]

ب - كتاب الدكتور حامد حفني داود، دكتوراه في الادب العربي مع مرتبة الشرف وأستاذ الادب العربي بكلية الالسن العليا في القاهرة جاء فيه: مضى ثلاثة عشر قرنا من حياة التاريخ الاسلامي كان " أنصاف العلماء " خلالها يصدرون أحكامهم على الشيعة مشبوبة بعواطفهم وأهوائهم. وكان هذا النهج السقيم سببا في إحداث هذه الفجوة الواسعة بين الفرق الاسلامية ومن ثم خسر العلم الشئ الكثير من معارف أعلام هذه الفرق، كما خسر الكثير من فرائد آرائهم وثمار قرائحهم. وكانت خسارة العلم أعظم فيما يمس الشيعة والتشيع بسبب ما رماهم به مبغضوهم من نحل وترهات وخرافات هم في الحقيقة براء منها. ولو أن هؤلاء " الانصاف " ترفعوا بأنفسهم عن التعصب وطبقوا - وهم يكتبون عنهم أن يأخذون منهم - مناهج البحث العلمي الصحيح، وآثروا حكم العقل على حكم القلب، وقدموا الرأي على الهوى، لجاءنا علم كثير عن الشيعة، ولانتفعنا بالكثير من تراث هذا المذهب.

[16]

إن الباحث المنصف للحقائق العلمية يأخذ عن مذهب الشيعة بقدر ما يأخذ عن غيرها من المذاهب الاسلامية الاخرى. وهو مضطر - إن كان منصفا - إلى دراسة فقه الشيعة حين يدرس المذاهب الفقهية الاربعة عند أهل السنة. ناهيك أن الامام جعفر الصادق المتوفى سنة 148 ه‍ - وهو رافع لواء الفقه الشيعي - كان أستاذا للامامين السنيين: أبي حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة 150 ه‍، وأبي عبد الله مالك بن أنس المتوفى سنة 179 ه‍. وفي ذلك يقول أبو حنيفة مقرا له بالاستاذية وفضل السبق: " لولا السنتان لهلك النعمان " يقصد بهما السنتين اللتين اغترف فيهما من علم جعفر بن محمد. ويقول مالك بن أنس: " ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد ". ولقد كانت الطامة أعظم حين خرج على الناس بعض المحدثين الذين ينتحلون لانفسهم سمة العلم ويأتزرون بإزار المعرفة، وليتهم تواضعوا وتنزهوا عن رفع أنفسهم فوق قدرها لما أعلنوا الثورة على الفرق الاسلامية وأفردوا الشيعة بأعظم جانب منها. فأفسدوا - فيما كتبوا - مناهج البحث العلمي، وأوصدوا دونهم أبواب العلم. وكان - للاسف الشديد - أستاذنا أحمد أمين واحدا من هؤلاء النفر الذين حجبوا عن أنفسهم نور المعرفة في ركن عظيم من أركان الحضارة الاسلامية ذلك الركن الذي سبق فيه الشيعة غيرهم من بناة الحضارة الاسلامية والتراث الاسلامي. فكان هذا المسلك هنة سجلها التاريخ الاسلامي عليه كما سجلها على غيره ممن حذا حذوه من أساتذة الجامعات الذين آثروا التعصب الاعمى على حرية الرأي وجمدوا بآرائهم عند مذهب بعينه. وليس ذلك بالطريق السوي الذي يسلكه المحققون من الباحثين.

[17]

ولعل أعظم هذه الاخطاء التاريخية التي أفلتت من زمام هؤلاء الباحثين وغم عليهم أمرها فلم يفقهوها ويفطنوا إليها، هذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة حين لفقوا عليهم قصة " عبد الله بن سبأ " فيما لفقوه من قصص اشرت إلى بعضها في مؤلفاتي (1)، وزعموا أن كل خرافة أو أسطورة أو أكذوبة جاءت من فجر التاريخ الاسلامي، كانت من نسج خيال علماء الشيعة واعتبروها مغمزا يغمزون به عليهم. وها هو البحاثة الجليل " مرتضى العسكري " يسجل لنا في كتابه " عبد الله بن سبأ " أن هذه الشخصية لم تخرج عن كونها شخصية خرافية وأن ما أورده المؤرخون عنه من حكايات في ترويج التشيع لم يكن أكثر من أكذوبة سجلها الرواة حول هذه الشخصية الوهمية ليحملوا على الشيعة ما شاء لهم أن يحملوا وليغمزوا عليهم ما شاء لهم أن يغمزوا. لقد جمع هذا البحاثة المقارن تحقيقاته العلمية وأبحاثة الشيقة من متفرقات الكتب ومنشورات الآثار وبطون المصادر، وصال وجال في كل ميدان من ميادين التاريخ الاسلامي حتى وصل إلى هذه الحقيقة ناصعة جلية، وقد حاول الاستاذ المحقق في كل مبحث من مباحثه التي جاء بها في هذا الكتاب أن يقيم الحجة الدامغة على أعداء الشيعة وخصومهم حين استشهد على آرائه العلمية بنصوص ثابتة من أقوال الخصوم أنفسهم، فأقام الحجة عليهم من أقرب طريق. والمتطلع في هذا الكتاب يستطيع أن يقف في سهولة ويسر على التحقيقات العلمية التي أجراها المؤلف في أحاديث " سيف بن عمر " التي


(1) انظر مقدمة كتاب " مع أحمد أمين " للدكتور حامد حفني داود.

[18]

كانت تشغل أدمغة المؤرخين منذ ظهر التاريخ الاسلامي المدون إلى وقت قريب منا، قيض الله للتاريخ فيه جهابذة محققين لا يخشون في الله وفي الحق لومة لائم. كان الاستاذ المؤلف في الطليعة منهم، حين استطاع أن يحمل الباحثين على إعادة النظر فيما جاء به أبو جعفر الطبري في كتابه تاريخ الامم والملوك. وأن يحملهم على النقد التاريخي لكل ما جاء في هذا الكتاب وغيره من أمهات كتب التاريخ بعد أن كان هؤلاء ينظرون إلى الاحداث التاريخية نظرتهم إلى المقدسات التي لا تقبل التغيير والتبديل. وقد استطاع المؤلف بفضل القرائن التاريخية أن يكشف اللثام عن كثير من الاحداث التاريخية، وأن يوضح للباحثين الحقائق من أقرب طريق، وإن كان المؤلف قد جاء ببعض هذه الحقائق في صورة مذهلة مدهشة لمخالفتها ما اعتاده الناس وتوارثوه في معتقداتهم. ولكن الحق أحق أن يتبع. ولكي تقف بنفسك على صدق هذا القول فما عليك إلا أن تقرأ هذه الاحداث التاريخية التي أوردها المؤلف في كتابه واختلفت فيها الروايات مثل " بعث أسامة " و " وفاة الرسول عليه السلام " و " حديث السقيفة "... وغيرها. استطاع المؤلف أن يصل إليها بفضل إفادته من مقارنة النصوص ومعرفة سقيمها من صحيحها في هذه الابحاث الثلاثة. وقس على ذلك ما جاء في سائر أبحاثه خلال هذا السفر الجليل، الذي سيغير الكثير من وجه التاريخ الاسلامي. وأحب أن أذيل هذا التعليق بثلاثة أسئلة. الاول: هل يخطئ الصحابي الجليل ؟ الثاني: هل يجوز نقد الصحابي الجليل ؟ الثالث: هل يجوز تكفير الصحابي الجليل أو اتهامه بالنفاق ؟

[19]

أما إجابتنا على السؤالين الاول والثاني فنعم. وأما الثالث فلا. وليست " لا " هذه من باب الورع الذي لا يقوم على أساس من العلم، وإنما لعلة يقبلها العقل ويرتضيها المنطق. وذلك لان الكفر الخفي أو النفاق من باب " أفعال القلوب " التي لا يعلمها إلا الله، لذلك نمسك عنه القلم لاننا لا نستطيع إدخاله تحت " التجربة العلمية " لخفاء أمره علينا، وهو من اختصاصات علام الغيوب سبحانه. ذلك ما يقره " المنهج الحديث " الذي وضعنا أسسه واتبعنا ناموسه في سائر مؤلفاتنا. * * * وأخيرا يسرني - باسم العلم - أن أعلن إعجابي بهذا السفر الجليل ولصاحبه العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري، كما يسرني بهذه المناسبة أن أنوه عن الجهد العظيم الذي بذله السيد مرتضى الرضوي الكشميري الذي أعان القراء والباحثين على إخراج هذا السفر إلى حيز الوجود (1) في هذه الصورة الجميلة من الطباعة الدقيقة. وهو بنشره هذا البحث القيم قدم للعالم الاسلامي خدمة عظيمة سيكون لها أكبر الاثر في تقويم الحقائق التاريخية في الاسلام. الدكتور حامد حفني داود القاهرة: أول جمادى الاولى 1381 ه‍ 12 اكتوبر 1961 م.


(1) كتب الدكتور حامد هذه التعليقة على الطبعة المصرية من الكتاب.

[20]

ج - مقالان لمجلة الازهر الشريف (1) أهم ما جاء فيهما قوله: " أما أصحاب رسول الله فلندع خلافاتهم التي قد مضى عليها أربعة عشر قرنا، وقد افضوا جميعا إلى ربهم... " (2). تعليقنا على هذا: أولا: إن دراستنا المقارنة لاحاديث سيف فرضت علينا ذلك، فإن أحاديثه في كتاب (عبد الله بن سبأ) كانت كالاسطورة السبئية نفسها تدور غالبا حول خلافات أصحاب رسول الله، فكان لابد لنا من متابعته هناك كما تابعناه في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق)، ودار الحديث فيه غالبا حول الفتوح تبعا له، إذن فدراستنا المقارنة هي التي تفرض علينا - أحيانا - الحديث عن مواضيع يهتم العلماء بإغفالها وإسدال الستار عليها، ويثير شجونهم البحث والتحقيق فيها، كراهية منهم لما وقع، ونحن - أيضا - نكره ما وقع كما يكرهون، ويثير شجوننا حديثه والتفكير فيه كذلك، ولكن ماذا نصنع حين لم يخلق الله أصحاب النبي ملائكة ليتخلوا عن غرائز البشر ! ؟ بل كانوا كسائر البشر على درجات متفاوتة من الايمان


(1) المقال الاول نقد الكتاب في طبعته النحفية الاولى - ص 1150 - 1151 من المجلد 32 باب الكتب من ج 10 سنة - 1380 ه‍ والثاني نقده في طبعته المصرية الثانية ص 760 - 761 من المجلد 33 ج 6 سنة 1381 ه‍. (1) جاءت هذه الجملة في آخر المقال الاول، وكل ما في المقالين شرح وتفصيل لها، وكتب بدافع منها.

[21]

والتثبت. أجرى النبي الحد على بعضهم، ونزلت في بعضهم آيات الافك، وفي بعضهم آيات النفاق، ومع كل هذا لا نعلم كيف يسوغ لنا أن نترك أصحاب النبي وخلافاتهم وهم طريقنا إلى رسول الله في أخذ أحكام الاسلام وعقائده، وهل يستلزم احترام أصحاب النبي لصحبتهم له وجهادهم في سبيل الاسلام منع البحث والتحقيق، وسد باب العلم باسم الدين والاسلام - كما أغلقنا باب الاجتهاد قرونا طويلة - ؟ اللهم إنا لا نقر ذلك، بل نخوص البحث والتحقيق للاسلام وباسم الدين وللعمل به. ثانيا: ليتنا نعلم أن ما يظهره العلماء قديما وحديثا من الغيرة على كرامة أصحاب النبي هل تشملهم جميعا ؟ سواء منهم المعدم والامير، وإكبارا لشرف صحبة النبي فيهم، أم أنها تخص ذوي الجاه والسلطة منهم. واحتراما منهم - من حيث يشعرون أولايشعرون - لمركز القدرة والسلطة في بعضهم فحسب ! ؟ الذي يثبت للمتتبع النقيد هو الاخير، فإنك مثلا إذا رجعت إلى الطبري (1) في حوادث سنة 30 ه‍ من تاريخه وجدته يقول: " وفي هذه السنة أعني سنة ثلاثين كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها، فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب إلي بها السري يذكر أن شعيبا حدثه سيف... " الحديث. وإذا رجعت إلى ابن الاثير في تاريخه الكامل (2) وجدته يقول:


(1) الطبري ط. أوروبا تسلسل 1 / 2858. (2) الكامل في التاريخ 3 / 88 ط. أوروبا.

[22]

" وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذكر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة وقد ذكر في سبب ذلك أمور كثيرة من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة من الشام بغير وطاء ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع لا يصلح النقل به... ". فالطبري هنا حين كره ذكر كثير من الامور التي جرت بين أبي ذر ومعاوية لم يترك ذكرها بالمرة، وإنما اختار ذكر حديث سيف الذي يرويه " العاذرون معاوية " مع ما فيه من حط لكرامة الصحابي أبي ذر، وتنقيص لدينه، وتسخيف لعقله، وافتراء عليه في عمله، مع ضعف سنده (1)، ومخالفته للاخبار الكثيرة الصحيحة لان فيها عذر معاوية، وهكذا ضحى إمام المؤرخين الطبري بكرامة الصحابي الفقير في سبيل الحفاظ على كرامة معاوية الامير ! وكذلك فعل ابن الاثر، وابن كثير، وابن خلدون (2) إلى غيرهم، وإلى عصرنا الحاضر، ولذلك راج تاريخ الطبري، ونبه اسمه أكثر من غيره، وهكذا انتشرت أحاديث سيف المتهم بالزندقة. إذن فهؤلاء العلماء وغيرهم إنما يهمهم الحفاظ على كرامة أصحاب الجاه والسلطة ك‍: * - معاوية بن أبي سفيان الذي اعتبره الرسول من المؤلفة قلوبهم (3) مع أبيه، ودعا عليه بقوله: " لا أشبع الله بطنه " (4) لانه ولي السلطة.


(1) غير خاف على عالم كالطبري إجماع علماء الحديث وتراجم الرجال على تضعيف سيف، ونعته بالكذب، واتهامه بالزندقة، راجع فيما يأتي: فصل ترجمة سيف بن عمر. (2) راجع فصل منشأ الاسطورة من هذا الكتاب. (3) أجمعت السير على أن الرسول تألفهم على الاسلام بعد فتح حنين. (4) راجع صحيح مسلم، باب " من سبه النبي أو لعنه ".

[23]

* - وعبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي اسلم وكتب للرسول ثم ارتد وافترى على الرسول والقرآن فأهدر النبي دمه يوم فتح مكة، لانه ولي الامرة على مصر (1). * - والوليد أخي الخليفة عثمان الذي نزلت في حقه: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) * (2). لانه ولي الكوفة. * - ومروان بن الحكم الذي طرده الرسول مع أبيه إلى الطائف لانه ولي الحكم (3). إن هؤلاء ونظراءهم من سادة قريش ومن أفراد الاسر الحاكمة وممن ولي السلطة والامرة يجب المحافظة على كرامتهم، أما نظراء أبي ذر الغفاري الصحابي الزاهد الفقير، وعمار بن ياسر الصحابي الورع، ابن الامة سمية ! والصحابي البر عبد الرحمن بن عديس البلوي من أصحاب بيعة الشجرة الذين نزلت فيهم: * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) * (4)، والصحابيين زيد وصعصعة ابني صوحان العبدي، إلى عشرات من أمثالهم من أبرار الصحابة وأخيار التابعين من غير السادة الامراء من قريش. لندع


(1) راجع ترجمته فيما يأتي. (2) الحجرات الآية 6 وراجع تفسير الآية في كتب التفسير. (3) راجع ترجمته وترجمة سائر المذكورين في هذا الكتاب، فصل الاسطورة السبئية وما بعده. (4) الفتح / 18.

[24]

سيف بن عمر يطعن فيهم، ويختلق يهوديا من صنعاء اليمن يزعم أنه جمعهم حول نفسه وكون منهم السبئية وتآمر معهم على بني أمية أصحاب السلطة والجاه ! ! ! * * * انتشرت نظائر هذه الاساطير التي وضعها مختلقوها للدفاع عن ذوي السلطة والجاه، والحط من كرامة معارضيهم، وراجت على مر العصور حتى أصبحت من الحقائق التاريخية التي لا يتطرق الشك إليها، ويرى العلماء من الدين المحافظة عليها ! وهذا ما حدا العلماء، أن يحجروا البحث حول الصحابة ! إذن فما وسموه باسم الدين يقصد منه المحافظة على أصحاب السلطة. أما المستضعفون من الصحابة والتابعين الابرار فلا يستأثرون باهتمام العلماء إذا لم يكونوا ممن تابعوا السلطة وشايعوها ! رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وأخيرا يشهد الله أن الذي حداني إلى هذه الدراسات: أني كنت منذ الصغر تواقا إلى معرفة حياة الرسول والذين كانوا معه، وإلى معرفة الاسلام. كيف بدئ، كيف انتشر، كيف انحسر، انفقت جل عمري في هذا السبيل، ثم نشرت نتيجة دراساتي تباعا بقصد المساهمة في الوصول إلى معرفة ما وقع في ذلك العصر، وعساني أن أتلقى من الباحثين توجيها وتسديدا في ما أنا بصدده مع ثقتي بنفسي أني لست أقل حبا وتقديرا لاصحاب النبي من المتظاهرين بذلك إلا من ثبت تاريخيا نفاقهم. غير أني أعي الفرق بين احترام الصحابي وعبادته، وأرى أن هؤلاء العلماء قد جرهم احترام الصحابة إلى حد التقديس والتعبد، وأصبح بعضهم - والعياذ بالله - من زمرة عباد السلف الصالح من حيث لا يشعرون، نسأل الله أن يعصمنا

[25]

وإياهم وجميع المسلمين من ذلك. ولعلنا نختلف وإياهم في تحديد الانسان الخير، فإنا حين نحترم الصحابي الخير لا يعني ذلك أنا ننكر وجود الغرائز الانسانية وآثارها فيه، بينما هم يرون - من حيث لا يشعرون - أن الانسان الخير من انعدمت نوازع الشر في وجوده. ولما كانوا يعدون صحابيا كل من رأى النبي مسلما ولو ساعة من نهار (1)، والصحابي الخير عندهم كالملك خير بطبيعته قد عدم نوازع الشر. لهذا لا يرضون أن يسمعوا غير ذلك. ونتيجة لهذا الفهم وقعوا في مفارقات عجيبة لا مجال لبحثها ها هنا ! وختاما أرجو من النقاد أن يقرأوا في مقدمة الطبعة الاولى: " ينبغي لمن يؤمن بالتاريخ المدون إيمان العجائز بخرافاتها التقليدية أن لا يقرأ هذا الكتاب ". * * * د - نقود أخرى تناولت تسمية الكتاب ب‍ (عبد الله بن سبأ) مع أن الحديث عن غيره في الكتاب أكثر. هذا تساؤل أجبنا عنه في مقدمة الطبعة الاولى، ثم إن ما ورد على الغلاف في طبعات الكتاب المختلفه: " عبد الله بن سبأ " و " قصص أخرى " أو " أساطير أخرى "، فيه تصريح بأن الكتاب يبحث عن قصة عبد الله بن سبأ مع قصص أخرى، وقلنا في مقدمة الطبعة الاولى: " سوف يرى القارئ


(1) راجع مقدمة الاصابة لابن حجر.

[26]

أن البحث لا يقتصر فيه على (عبد الله بن سبأ) وقصصه وحدها وإنما هو أوسع من ذلك... " ولا نعلم كيف خفي ذلك على الكتاب ؟ ه‍ - نقد علمي نزيه، أو أسئلة أثارها الدكتور إحسان عباس، نشرناها مع جوابها في الملحق بآخر الكتاب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. تم تحريره في الساعة الثامنة بعد الغروب من عشية يوم عيد الاضحى المبارك - الاثنين 10 ذي الحجة 1387 ه‍ - بمضارب الحجيج بمنى، أعاد الله أمثال هذا العيد على المسلمين وهم أقرب إلى تحصيل رضاه بتنفيذ أحكام القرآن ليغير الله ما بهم و * (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) * (1) صدق الله العلي العظيم. مرتضى العسكري


(1) سورة الرعد الآية: 11.

[27]

مقدمة الطبعة الاولى في سنة 1369 ه‍ بينما كنت أراجع قسما من المصادر الاسلامية، جريا وراء مواضيع كنت أبحث عنها، رابني ما وجدت في بعض الروايات الواردة في أشهر الكتب التاريخية القديمة وأكثرها انتشارا، من ظواهر تدل على أنها مدسوسة وموضوعة، فأخذت أجمع تلك الروايات المريبة وأقارن بينها وبين غيرها، وإذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في أثنائه وضاعت في تياراته، ولما تجمع لدي من تلك الروايات عدد كبير يصلح لان يكون كتابا مستقلا بنفسه رأيت من الواجب الادبي أن أشهر تلك الحقيقة المجهولة فبوبت مذكراتي وقسمتها إلى فصول، وسميتها: (أحاديث سيف) ثم اطلع عليها فقيد العلم والدين الحجة الشيخ راضي آل ياسين مؤلف كتاب صلح الحسن (ع) طاب ثراه فشجعني على المضي في بحثي وارتأى أن أسميها (عبد الله بن سبأ) فأجبته إلى ذلك، ثم بقيت تلك المذكرات زهاء سبع سنين مطوية لم يطلع عليها إلا القليل من إخواني العلماء، وكان يمنعني من نشرها تهيب إثارة العواطف في الشرق المسلم، لان البحث في تلك المذكرات كان يدور حول التاريخ المدون عن الحوادث الاسلامية منذ وفاة الرسول (ص) حتى سنة 36 ه‍. وكان التاريخ المدون

[28]

قعد جعل عرضة لحوادث تلك الحقبة من الزمن شيئا واقعيا لا يمكن النقاش فيه، فكانت الجماهير المسلمة ترى فيه ما يتصل بصميم العقائد الدينية التي يجب أن يتلقاه الخلف عن السلف الصالح دون شك وارتياب، كما وإن البحث كان يهدم كثيرا من أسس بنى عليها أساتذة التاريخ مباني لا تقبل النقض والابرام، ويكشف عن زيف كثير من القصص الاسلامية وضعف كثير من المصادر التاريخية الوثيقة. ولذلك ينبغي لمن يؤمن بالتاريخ المدون إيمان العجائز بخرافاتها التقليدية أن لا يقرأ هذا الكتاب وسوف يرى القارئ أن البحث لا يقتصر فيه على (عبد الله بن سبأ) وقصصه وحدها، وإنما هو أوسع من ذلك وأعمق بكثير. لهذا السبب ولغيره كنت أتهيب نشر هذا الكتاب، حتى إذا ما قرأت لعلمين من كبار العلماء (1) الباحثين مواضيع تطرقوا فيها إلى نشر بعض ما كنت أتهيب نشره، أقدمت على نشر أبحاثي هذه مستندا فيها إلى أقدم المصادر التاريخية، إذ لم أنقل عمن جاء بعد الخمسمائة للهجرة إلا ما كان فيه زيادة بيان أو ترجمة إنسان، ولله الحمد والشكر ومنه التوفيق. 15 شهر رمضان 1375 ه‍. مرتضى العسكري


(1) هما كل من العلامة الجليل الشيخ الاميني تغمده الله برحمته في موسوعته (الغدير) والدكتور طه حسين في كتابه (الفتنة الكبرى).

[29]

عبد الله بن سبأ و الاسطورة السبئية * الاسطورة السبئية كما تخيلها مختلقها. * منشأها. * مختلقها. * سلسلة رواتها.

[31]

الاسطورة السبئية كما تخيلها مختلقها

[33]

بسم الله الرحمن الرحيم منذ ألف سنة والمؤرخون يكتبون عن ابن سبأ الاول كثيرا، وينسبون إليه وإلى السبئيين - أتباعه - أعمالا مدهشة خطيرة. فمن هو ابن سبأ ؟ ومن هم السبئيون ؟ وما هي دعاواه ؟ وما هي أهم أعماله ؟ يتلخص ما زعموا: بأن يهوديا من صنعاء اليمن أظهر الاسلام في عصر عثمان واندس بين المسلمين وأخذ يتنقل في حواضرهم وعواصم بلادهم: الشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، مبشرا بأن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رجعة، كما أن لعيسى بن مريم رجعة، وأن عليا هو وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما كان لكل نبي وصي، وأن عليا خاتم الاوصياء كما كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الانبياء. وأن عثمان غاصب حق هذا الوصي وظالمه فيجب مناهضته لارجاع الحق إلى أهله ! وسموا بطل قصتهم (عبد الله بن سبأ) ولقبوه ب‍ (ابن الامة السوداء) وزعموا أن (عبد الله بن سبأ) هذا بث في البلاد الاسلامية دعاته وأشار عليهم أن يظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. والطعن في

[34]

الامراء. فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح، من أمثال أبي ذر، وعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي حذيفة، وعبد الرحمن بن عديس، ومحمد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الاشتر، وغيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم. وزعموا: أن السبئيين أينما كانوا أخذوا يثيرون الناس على ولاتهم - تنفيذا لخطة زعيمهم - ويضعون كتبا في عيوب الامراء، ويرسلونها إلى غير مصرهم من الامصار فنتج من ذلك قيام جماعات من المسلمين بتحريض السبئيين، وقدومهم إلى المدينة، وحصرهم عثمان في داره حتى قتل فيها. وأن كل ذلك كان بقيادة السبئيين ومباشرتهم. وزعموا: أن المسلمين بعد أن بايعوا عليا وخرج طلحة (1) والزبير (2)


(1) أبو محمد طلحة بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي، وامه الصعبة بنت الحضرمي امرأة من أهل اليمن، وهي أخت العلاء بن الحضرمي. شهد أحدا فشلت اصبعه بها. وقد آخى النبي بينه وبين الزبير وكان من أشد المؤلبين على عثمان. فلما قتل عثمان سبق إلى بيعة علي ابن أبي طالب، ثم خرج إلى البصرة مطالبا بدم عثمان. ورآه مروان بن الحكم يوم الجمل فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم. فرماه بسهم قتل منه في سنة 36 ه‍. طبقات ابن سعد. 3 ق 1 / 156 و 159 والاصابة حرف الطاء القسم الاول 3 / 220 والمسعودي في مروج الذهب 2 / 11 وتهذيب ابن عساكر 7 / 84 وتاريخ ابن كثير 7 / 247 وأنساب الاشراف للبلاذري 5 / 44 - 90، والرياض النضرة 2 / 258. والعقد الفريد 3 / 92 و 96 و 98 - 109. (2) أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن كلاب القرشي - >

[35]

إلى البصرة لحرب الجمل رأى السبئيون أن رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، وأنهم إن تم ذلك سيؤخذون بدم عثمان. فاجتمعوا ليلا وقرروا أن يندسوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم، وأنهم استطاعوا أن ينفذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل قبل أن ينتبه الجيشان المتقابلان. فناوش المندسون من السبئيين في جيش علي من كان بإزائهم من جيش البصرة، والمندسون منهم في جيش البصرة من كان بإزائهم في جيش علي، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما وظن كل بخصمه شرا. وزعموا: أن حرب البصرة المشهورة بحرب الجمل وقعت هكذا دون أن يكون لرؤساء الجيشين فيها رأي أو علم ! ! إلى هنا ينتهي هذا القاص من نقل قصة السبئيين ولا يذكر بعد ذلك عن مصيرهم شيئا. لكي يتضح لنا مدى انسجام هذه التهمة مع الشخصيات التي


< - الاسدي: أسلم بمكة وعمره 12 أو 8 سنوات. وكان ممن خالفوا عثمان. ولما قتل عثمان بادر إلى بيعة علي ثم خرج إلى البصرة مطالبا بثأر عثمان. ولما تقابل الجيشان طلبه علي وقال له: أتذكر قول الرسول: " ستقاتل عليا وأنت له ظالم " فترك الحرب وانصرف، فتبعه عمرو بن جرموز التميمي وقتله غيلة في سنة 36 ه‍ وله ست أو سبع وستون سنة. راجع الطبري وابن الاثير، حوادث سنة 36 ه‍ وطبقات ابن سعد 3 ق 1 / 77 والاصابة حرف الزاي 1 / 526 والصواعق المحرقة آخر الباب الثامن في ذكر الخلافة. وكنز العمال كتاب الفتن في ذكر الجمل، والعقد الفريد 3 / 92 و 96 و 98 - 109 في ذكره واقعة الجمل، ومسند أحمد 1 / 165 ومروج الذهب 2 / 5 - 11، واليعقوبي 2 / 54 - 159 وشرح ابن أبي الحديد 1 / 75 - 85.

[36]

افترضوا فيها أنهم أتباع ابن سبأ ونسبوا إليهم القيام بأدوار مهمة في الاسطورة السبئية ينبغي لنا أن نتعرف عليهم أولا ثم ندرس منشأ الاسطورة ومبدأ اختلاقها. فمن هم السبئيون ؟ كبار السبئيين: أ - أبو ذر، ب - عمار بن ياسر، ج - محمد بن أبي حذيفة، د - عبد الرحمن بن عديس، ه‍ - محمد بن أبي بكر، و - صعصعة بن صوحان، ز - مالك الاشتر، فمن هؤلاء ؟ أ - أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، كان رابع أربعة سبقوا إلى الاسلام، وكان من المتأهلين في الجاهلية والذين عبدوا الله وتركوا الاصنام. ولما أسلم أجهر بإسلامه في البيت الحرام بمكة فضربه رجال من قريش حتى ضرجوه بدمه وأغمي عليه فتركوه ظنا منهم أنه قد مات. ثم رجع إلى بلاده بعد أن قال له الرسول: " إرجع إلى أهلك حتى يأتيك خبري " وأقام بها حتى مضت بدر وأحد فقدم إلى النبي صلى الله عليه وآله في المدينة، ثم سير إلى الشام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ومكث هناك حتى شكاه معاوية إلى الخليفة عثمان بن عفان، فاستقدمه الخليفة وعنفه ونفاه إلى الربذة - بين مكة والمدينة - وتوفي بها سنة 32 ه‍. وقد ورد عن الرسول أحاديث كثيرة في مدحه منها قوله صلى الله

[37]

عليه وآله وسلم: " ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " (1) ب - أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم من بني ثعلبة. وأمه سمية. وكان حليفا لبني محزوم. وكان هو ووالده من السابقين إلى الاسلام وهو سابع سبعة أجهروا بإسلامهم. وقد توفي والده إثر تعذيب قريش إياهما على إسلامهما. وقد ورد عن الرسول (ص) أحاديث صحيحة في مدحه، منها قوله صلى الله عليه وآله: " إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه " وكان مع علي في حرب الجمل وصفين وقتل بصفين مساء الخميس 9 صفر سنة 37 ه‍ وله من العمر 93 سنة (2). ج - أبو القاسم محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد


(1) راجع ترجمة أبي ذر في طبقات ابن سعد 4 ق / 1 / 161 - 171 ومسند احمد 2 / 163 و 175 و 223 و 5 / 147 و 155 و 159 و 165 و 166 و 172 و 174 و 351 و 356 و 6 / 442 والمستدرك (3 / 342) تأليف الحاكم. وصحيح البخاري باب مناقب أبي ذر من كتاب المناقب، وصحيح الترمذي وصحيح مسلم، كتاب المناقب، وسنن ابن ماجة باب 1 من المقدمة، ومسند الطيالسي الحديث 458. والطبري وابن الاثير في ذكر غزوة تبوك، وترجمته من الاستيعاب والاصابة واسد الغابة. (2) راجع مروج الذهب للمسعودي 2 / 21 و 22، والطبري وابن الاثير وابن كثير في ذكر حوادث سنة 36 - 37 ه‍ وانساب الاشراف للبلاذري 5 / 48 - 88، وطبقات ابن سعد 3 ق 1 / 176 - 189. ومسند أحمد - 1 / 99 و 123 و 125 و 130 و 137 - >

[38]

شمس بن عبد مناف العبشمي، وأمه سهلة بنت سهيل بن عمرو العامرية، ولد بأرض الحبشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. ولما استشهد أبوه. أبو حذيفة، باليمامة ضم عثمان ابنه محمدا هذا إليه ورباه فلما كبر واستخلف عثمان استأذنه في التوجه إلى مصر فأذن له، وكان من أشد الناس تأليبا عليه. ولما ذهب عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة 35 ه‍ إلى المدينة وأناب عقبة بن عامر على مصر، وثب محمد بن أبي حذيفة عليه، وأخرجه من مصر، فبايعه أهل مصر بالامارة ومنعوا عبد الله بن أبي سرح من الرجوع إلى مصر. فأرسل محمد عبد الرحمن بن عديس على رأس 600 مقاتل إلى المدينة لقتال عثمان. ولما ولي علي الخلافة ولى محمد بن أبي حذيفة على مصر، وأبقاه على إمارته حتى سار معاوية إليه عند مسيره إلى صفين، فخرج إليه محمد ومنعه من دخول الفسطاط (1) فتصالحوا على أن يخرج محمد بن أبي حذيفة ومن معه آمنين، فخرج محمد بن أبي حذيفة و 30 رجلا فيهم عبد الرحمن بن عديس فغدر بهم معاوية وحبسه في سجن دمشق، ثم قتله رشدين مولى معاوية. وكان محمد بن أبي حذيفة ممن


< - و 404 و 2 / 161 و 164 و 206 و 3 / 5 و 22 و 28 و 90 و 4 / 76 و 89 و 90 و 197 و 198 و 319 و 5 / 214 و 306 و 6 / 289 و 300 و 311 و 315 و 450 وصحيح البخاري، كتاب الجهاد باب 17 من شرح القسطلاني وصحيح مسلم في كتاب الفتن، وسنن ابن ماجة في الباب 11 من المقدمة، وسنن الترمذي في الباب 33 من كتاب المناقب، ومسند الطيالسي الحديث 117 و 603 و 643 و 649 و 1156 و 1598 و 2168 و 2202. والاستيعاب حرف العين 2 / 469. والاصابة بترجمته 2 / 505. (1) الفسطاط: مدينة بمصر بناها عمرو بن العاص بعد فتح مصر.

[39]

أدرك صحبة الرسول (1). د - عبد الرحمن بن عديس البلوي. كان ممن بايع النبي تحت الشجرة وشهد فتح مصر واختط بها وكان رئيسا على من سار إلى عثمان من مصر. وقد سجنه معاوية بفلسطين بعد أن غدر به وبمحمد بن أبي حذيفة بعد المهادنة ثم قتله سنة 36 ه‍ بعد أن فر من السجن (2). فقال لقاتله ويحك اتق الله في دمي فإني من أصحاب بيعة الشجرة، فقال: إن الشجر بالخليل كثير، ؟ قصد عبد الرحمن أنه ممن بايع الرسول تحت الشجرة فنزلت فيهم: " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " (الفتح / 18) وقصد القاتل الاستهزاء به وقال إن الشجر بمدينة الخليل كثير، وهي مدينة قريبة من القدس الشريف. ه‍ - محمد بن أبي بكر وأمه أسماء بنت عميس الخثعمية. تزوجها أبو بكر بعد استشهاد جعفر بن أبي طالب فولدت له محمدا في حجة الوداع بطريق مكة. ثم نشأ في حجر علي بعد أبيه وشهد معه حرب الجمل وكان على الرجالة وشهد معه صفين، ثم ولاه مصر فدخلها في 15 رمضان سنة 37 ه‍. فجهز معاوية جيشا بقيادة عمرو بن العاص لفتح مصر فتغلب عمرو عليه سنة 38 ه‍. وقتله معاوية بن خديج صبرا، ثم أدخلوا جسده في بطن


(1) راجع الطبري وابن الاثير وابن كثير في ذكر حوادث سنة 30 - 36 ه‍. والاصابة حرف الميم 3 ق 1 / 353 والاستيعاب 3 / 321 - 322. (2) راجع الطبري وابن الاثير في حوادث سنة 30 - 36 ه‍. والاصابة حرف العين. 4 ق 1 / 403 واسد الغابة 3 / 309.

[40]

حمار ميت وأحرقوه (1). و - صعصعة بن صوحان بن حجر بن الهجرس العبدي، أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله. كان خطيبا فصيحا شهد صفين مع علي ولما استولى معاوية على الكوفة نفاه إلى البحرين فمات بها (2). ز - الاشتر هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن سلمة بن (3) جذيمة بن مالك النخعي، أدرك الرسول صلى الله عليه وآله وهو من ثقات التابعين وكان رئيس قومه، شهد اليرموك فشترت عينه بها ولقب بالاشتر. صحب عليا (ع) في الجمل وصفين وله مواقف شهيرة فيهما. ولاه علي مصر سنة 38 ه‍. فلما وصل إلى القلزم (4) دس إليه معاوية السم بالعسل وتوفي متأثرا بالسم (5). هذه هي أسطورة ابن سبأ بإيجاز، وهؤلاء هم السبئيون إلى مئات


(1) راجع الطبري وابن الاثير وابن كثير في ذكر حوادث سنة 37 ه‍. والاصابة حرف الميم 3 ق 2 / 451 والاستيعاب 3 / 328 - 329. (2) راجع ترجمته في الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة الطبعة المصرية. (3) في جمهرة ابن حزم ص 415: " سلمة بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة ". (4) القزم من مدن مصر القديمة على ساحل البحر الاحمر. (5) رجع حوادث سنة 38 ه‍ في الطبري 6 / 54 وابن الاثير 3 / 141 وابن كثير 7 / 312 ولغة بعلبك من معجم البلدان وترجمته في الاصابة حرف الميم 3 / 459، والاستيعاب في ترجمة محمد بن أبي بكر 3 / 328، ومروج الذهب 6 / 29 باب ذكر حروبه (رض) مع أهل النهروان.

[41]

غيرهم من أبرار المسلمين (1) صحابة وتابعين ونظراءهم. فما هو منشأ هذه الاسطورة ؟


(1) سيأتي في فصول هذا الكتاب والكتاب الذي يليه " خمسون ومائة صحابي مختلق " ان الذي وضع هذه الاسطورة شخص متهم بالزندقة وترى انه استطاع فيما وضع ان يوجه الطعن إلى ابرار المسلمين مدى القرون.

[43]

منشأ الاسطورة السبئية مختلقها وسلسلة رواتها

[45]

عشرة قرون والمؤرخون يكتبون هذه القصة، وكلما تصرمت السنون ذاعت انتشارا حتى ندر أن يكتب في العصور الاخيرة كاتب عن تاريخ الصحابة ولا يذكر هذه القصة، غير أن القاص الاول قد أوردها بأسلوب الحديث، والمتأخرون قد زينوها بإطار من التجزئة والتحليل. تواترت هذه القصة وشاعت، ولا بد لنا في تمحيصها من الرجوع إلى مصادرها ورواتها من القدامى والمتأخرين. فمن هم رواتها ؟ وما هي أسانيدها ؟ - 1 - محمد رشيد رضا: نجد من المتأخرين السيد محمد رشيد رضا (1)، ينقل هذه القصة في صفحة 4 - 6 من كتابه " السنة والشيعة " ويقول: " كان التشيع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه مبدأ تفرق هذه الامة المحمدية في دينها وفي سياستها. كان مبتدع أصوله يهودي اسمه (عبد الله بن سبأ) أظهر الاسلام


(1) أنشأ " مجلة " المنار أواخر سنة 1315 ه‍ وتوفي سنة 1354 ه‍ - 1935 م.

[46]

خداعا، ودعا إلى الغلو في علي كرم الله وجهه لاجل تفريق هذه الامة وإفساد دينها ودنياها عليها ". ثم يسرد السيد رشيد هذه القصة إلى ص 6 من كتابه ويعلق عليها بما يهوى، فإذا فحصت عن مستنده فيما يزعم وجدته يقول بعد ذلك: " ومن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الاثير (1) مثلا يرى مبلغ تأثير إفساد السبئيين لذات البين دون ما كاد يقع من الصلح. راجع ص 95 و 96 و 103 من الجزء الثالث ". إن السيد رشيد قد نص في كتابه على أن المصدر الذي اعتمد عليه هو التاريخ الكامل لابن الاثير، وعين صفحات الكتاب تسهيلا للباحث. - 2 - أبو الفداء: كما أن أبا الفداء (2) المتوفى سنة 732 ه‍ أورد في كتابه المختصر نبذا من ذيول هذه القصة مع قصص أخرى غير صحيحة، وصرح في ديباجة كتابه - عند ذكره لمصادر تأليفه - بقوله: " فاخترته واختصرته من الكامل تأليف الشيخ عز الدين علي المعروف بابن الاثير الجزري ".


(1) هو علي بن أحمد بن الكرم المشهور بابن الاثير الجزري المتوفى سنة 630 ه‍ الموافق 1238 م. (2) هو اسماعيل بن علي عماد الدين صاحب حماه المتوفى سنة 1331 م واسم كتابه المختصر في أخبار البشر.

[47]

- 3 - ابن الاثير: وإذا راجعنا تاريخ ابن الاثير هذا المتوفى سنة 630 ه‍ نجده يورد هذه القصة كاملة في حوادث سنة 30 - 36، ولا يشير إلى المصدر الذي اعتمد عليه في نقلها غير أنه يقول في مقدمة كتابه (1): " إني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد. ومن تأمله علم صحة ذلك. فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الامام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه، والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم أخل بترجمة واحدة منها. وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد كل رواية منها مثل التي قبلها أو أقل منها. وربما زاد الشئ اليسير أو نقصه، فقصدت أتم الروايات فنقلتها، واضفت إليها من غيرها ما ليس فيها وأودعت كل شئ مكانه، فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقا واحدا على ما تراه. فلما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعته وأضفت إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه، ووضعت كل شئ منها موضعه إلا ما يتعلق بمما جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئا إلا ما فيه زيادة بيان، أو اسم إنسان، أو ما لا يطعن على أحد منهم في نقله. وإنما اعتمدت عليه من المؤرخين إذ هو الامام المتقن حقا الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا. على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة


(1) ص 5 من الطبعة المصرية سنة 1348 ه‍.

[48]

ممن يعلم صدقهم فيما نقلوه وصحة ما دونوه " إذن فابن الاثير الذي ينقل عنه كل من أبي الفداء (والسيد رشيد) اعتمد على تاريخ الطبري في نقل هذه القصة، ولما كانت القصة موضوعة لبيان الحوادث التي وقعت بين الصحابة لم يزد (ابن الاثير) على رواية الطبري شيئا. - 4 - ابن كثير: وكذلك فعل ابن كثير - المتوفى سنة 774 ه‍ - فإنه قد أورد هذه القصة في ج 7 من تاريخه - البداية والنهاية - وقال في ص 167 منه: " وذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الاحزاب على عثمان أن رجلا يقال له: - عبد الله بن سبأ - كان يهوديا فأظهر الاسلام وصار إلى مصر فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه ". ثم ينقل القصة بحذافيرها حتى إذا انتهى من سرد واقعة الجمل ص 246 منه قال: " هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير رحمه الله " انتهى. - 5 - ابن خلدون: وكذلك فعل ابن خلدون في تاريخه: المبتدأ والخبر، فإنه قد أورد قصة (السبئية) في ذكره حادثة الدار والجمل، ثم قال في 2 / 425 منه: " هذا أمر

[49]

الجمل ملخصا من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الاهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين ". وقال في ص 457 منه: " هذا آخر الكلام في الخلافة الاسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب، ثم الاتفاق والجماعة. أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتب محمد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن والشبه في كبار الامة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين ". - 6 - محمد فريد وجدي: وقد أوردها محمد فريد وجدي في مادة (عثم) من الجزء 7 من كتابه: دائرة المعارف وعند ذكره - حرب الجمل - ضمن ترجمة علي بن أبي طالب، واشار في ص 160 و 168 و 169 منه، إلى أنه قد نقلها عن تاريخ الطبري. - 7 - البستاني (ت: 1300 ه‍): ونقلها البستاني في مادة (عبد الله بن سبأ) من دائرة معارفه عن تاريخ ابن كثير: قال: " عبد الله بن سبأ، قال ابن كثير.. " ثم سرد الاسطورة وختمها بنقل يسير من خطط المقريزي.

[50]

- 8 - أحمد أمين (ت: 1373 ه‍) أما الكتاب المعاصرون الذين حاولوا أن يبحثوا في التاريخ الاسلامي بحثا تحليليا ويرجعوا كل شئ إلى أصله فنجد منهم أحمد أمين (1) - في بحثه عن الفرس وأثرهم في الاسلام - يروي عن الطبري والشهرستاني في مزدك ودينه (2) ما ملخصه: " أكبر ما امتاز به، تعاليمه الاشتراكية، فكان يرى أن الناس ولدوا سواء فليعيشوا سواء، وأهم ما تجب فيه المساواة المال والنساء، لان أكثر المخالفة والقتال يقع بسبب النساء والاموال، فأحل النساء وأباح الاموال فافترض السفلة ذلك واغتنموه وكاتفوا مزدك وأصحابه وشايعوهم فابتلي


(1) إن السيد رشيد قد سبق أحمد أمين في تحقيقاته هذه ! !. (2) إن مزدك على ما رواه النديم - اسم لاثنين: أ - مزدك القديم قال: وقد أحدث مذهبا جديدا في دين المجوس وأمر أصحابه بتناول اللذات، والانعكاف على الشهوات، والاكل والشرب والمساواة، والاختلاط، والمشاركة في الاهل وكان أصحابه لا يمتنع الواحد منهم عن حرمة الآخر ولا يمنعه من حرمته. وإذا أضافوا إنسانا لم يمنعوه من شئ يلتمسه كائنا ما كان، وكانوا يسكنون بنواحي الجبال بين آذربيجان وأرمينية وبلاد الديلم وهمدان ودينور. ب - ومزدك الاخير. وكان على مذهب مزدك القديم وقتله كسرى أنوشروان. راجع فهرست النديم المتوفى سنة 385 ه‍ ص 479 - 480. الطبعة المصرية سنة 1348 وم.

[51]

الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله فلم يلبثوا إلا قليلا حتى صاروا لا يعرف الرجل منهم ولده، ولا المولود أباه ولا يملك الرجل شيئا مما يتسع به - إلى قوله - ظل قوم يتبعون مذهبه إلى ما بعد الاسلام ". ونقل ؟ " أن بعض قرى كرمان كانوا يعتنقون المزدكية طول عهد الدولة الاموية - ثم قال - ونلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري وبين رأي مزدك (1) في الناحية المالية فقط، فالطبري يحدثنا أن ابا ذر قام بالشام وجعل يقول: يا معشر الاغنياء واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وظهورهم، فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك وأوجبوه على الاغنياء، وحتى شكا الاغنياء ما يلقون من الناس ". ثم بعث به معاوية إلى عثمان بن عفان بالمدينة حتى لا يفسد عليه أهل الشام، ولما سأله عثمان: ما لاهل الشام يشكون ذربك ؟ قال: لا ينبغي للاغنياء أن يقتنوا مالا ! فترى من هذا: أن رأيه قريب جدا من رأي مزدك في الاموال، ولكن من أين أتاه هذا الرأي ؟ يحدثنا الطبري عن جواب هذا السؤال فيقول: " إن ابن السوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك، وإن ابن السوداء هذا


(1) فجر الاسلام (109 - 110).

[52]

أتى ابا الدرداء (1) وعبادة بن الصامت (2) فلم يسمعا لقوله، وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له: هذا والله الذي بعث إليك أبا ذر ". ونحن نعلم أن (ابن السوداء) لقب لقب به (عبد الله بن سبأ) وكان يهوديا من صنعاء، أظهر الاسلام في عهد عثمان، وأنه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم وبث في البلاد عقائد كثيرة ضارة قد نعرض لها فيما بعد، وكان قد طوف في بلاد كثيرة في الحجاز والبصرة والكوفة والشام ومصر. فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقادها... الخ. ويقول في الهامش: " أنظر الطبري جزء: 5 ص 66 وما بعدها ". ويستمر هكذا في الاستنتاج حتى ص 112 منه حيث يقول: " فنظرة


(1) أبو الدرداء عويمر أو عامر. واسم أبيه ثعلبة أو عبد الله أو زيد أو عامر بن قيس بن أمية بن عدي بن كعب بن الخزرج الانصاري. أسلم يوم بدر. ولاه معاوية قضاء دمشق في خلافة عمر. مات سنة 32 ه‍. إلاصابة حرف العين ق 1 ج 3: 46. وجمهرة أنساب ابن حزم / 362. (2) أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن خزرج الانصاري، وأمه قرة العين بنت عباده بن فضلة العجلان كان من النقباء. شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأرسله عمر إلى فلسطين ليعلمهم القرآن ويفقههم في الدين. ولعبادة قصص متعددة مع معاوية أنكر عليه أشياء رجع معاوية في بعضها له. توفي بالرملة سنة 34 ه‍ وقيل إنه عاش إلى سنة 45 ه‍. جمهرة ان حزم ص 354. والاصابة حرف العين ق 1 ج 4 / 28. وطبقات ابن سعد 3 ق 2 / 94. ومسند أحمد 5: 326.

[53]

الشيعة في علي وأبنائه هي نظرة آبائهم الاولين من الملوك الساسانيين، وثنوية الفرس كانوا منبعا يستقي منه (الرافضة) في الاسلام... " وبرا بما وعد في قوله: " وبث في البلاد عقائد كثيرة ضارة قد نعرض لها فيما بعد ". قال في بحثه عن الفرق ص 254 منه: " وانتشرت الجمعيات السرية في آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره. ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر الدعاة له (عبد الله بن سبأ) - وكان من يهود اليمن فأسلم - فقد تنقل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن اظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب على وصيه. وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل ". ثم يردد النغمة نفسها بتوسع في فصل الشيعة (266 - 278) منه، ويقول في صفحة 270: " وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية. فعندهم أن النبي إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدين... - إلى قوله - وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الائمة وأن الامام المختفي سيعود فيملا الارض عدلا. ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر " (1). ويستنتج مما سبق في ص 276 فيقول: " والحق أن التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الاسلام لعداوة أو حقد. ومن كان يريد إدخال


(1) إن المؤلف قد اوضح عقيدة الشيعة في المهدي، وأدلتهم فيها في كتابه إلى العالم المصري الشيخ محمود أبوريه وقد نشر قسم من هذا الكتاب في كتاب أضواء على السنة المحمدية للشيخ أبو رية ص 192 ط. صور عام 1383 ه‍.

[54]

تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزردشتية... إلى قوله: كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستارا يخفون وراءه كل ما شاءت أهواؤهم. فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة... ". ويقول في ص 277: " وقد ذهب الاستاذ وله وسن إلى أن العقيدة الشيعية نبعت من اليهودية أكثر مما نبعت من الفارسية مستدلا بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ، وهو يهودي ". يتلخص ما استنتجه أحمد أمين في أن الشيعة أخذت العقيدة بالوصاية والرجعة من ابن سبأ، وأنهم أخذوا فكرة المهدي المنتظر بواسطته من اليهود القائلين بعودة إلياس لاحياء الدين، وأن أبا ذر أخذ من ابن سبأ الاشتراكية، وابن سبأ أخذها من المزدكية التي كانت موجودة في عصر الامويين. ولما كان مزدك فارسيا فقد انتقلت عقيدة الفرس في ملوكهم الساسانيين إلى الشيعة في أئمتهم، إذن فالتشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الاسلام لعداوة أو حقد أو أراد إدخال تعاليم آبائه من يهودية أو نصرانية أو زردشتية... الخ ". ؟ ستنتج كل هذا من أسطورة ابن سبأ التي رجع إلى الطبري في نقلها مرات وإلى ولها وزن مرة واحدة. وسنرى في ما يأتي أن ولها وزن أيضا نقلها عن الطبري، ومن يرجع إلى ولها وزن يرى أنه سبق أحمد أمين في ما استنتج وله فضل السبق عليه ! ! !.

[55]

- 9 - حسن إبراهيم حسن: وكذلك نجد الدكتور حسن إبراهيم حسن (1) في كتابه (تاريخ الاسلام السياسي) بعد أن يمهد بذكر الحالة التي كان المسلمون عليها في أخريات خلافة عثمان يقول في ص 347 منه: " فكان هذا الجو ملائما تمام الملاءمة ومهيئا لقبول دعوة (عبد الله بن سبأ) ومن لف لفه والتأثر بها إلى أبعد حد. وقد أذكى نيران هذه الثورة صحابي قديم اشتهر بالورع والتقوى - وكان من كبار ائمة الحديث - وهو أبو ذر الغفاري الذي تحدى سياسة عثمان ومعاوية واليه على الشام بتحريض رجل من أهل صنعاء هو عبد الله بن سبأ، وكان يهوديا فأسلم، ثم أخذ يتنقل في البلاد الاسلامية، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة فالكوفة والشام ومصر... الخ ". وها هنا يسجل في الهامش: الطبري 1: 2859. ويقول في ص 349 منه: " ولقد وجد ابن سبأ - وهو أول من حرض الناس على كره عثمان - الطريق ممهدة لخلعه "، ويشير في الهامش إلى صفحات مصدره الطبري أربع مرات. وهكذا يسرد القصة إلى ص 352 منه ويشير 12 مرة إلى صفحات الطبري مسدره الوحيد لهذه القصة. ولكنه لا يستسيغ ذكر ما رواه الطبري في حرب الجمل، مع أن (ابن سبأ) في كليهما واحد. المصدر واحد والقاص واحد ! ! هكذا اعتمد الكتاب ومؤرخو المسلمين


(1) أستاذ بكلية الاداب بالجامعة المصرية سابقا.

[56]

على تاريخ الطبري في نقلهم قصة السبئية. - 10 - فان فلوتن: وأما المستشرقون فقد قال (فان فلوتن) في كتابه (السيادة العربية والشيعة والاسرائيليات في عهد بني أمية) ترجمة الدكتور حسن إبراهيم حسن ومحمد زكي إبراهيم في ص 79 الطبعة المصرية الاولى سنة 1934 في ذكره طوائف الشيعة: " أما (السبئية) أنصار (عبد الله بن سبأ) الذي كان يرى أحقية علي بالخلافة منذ أيام عثمان بن عفان " الحديث. ويشير في هامش ص 80 إلى مصدره الطبري وصفحته. - 11 - نيكلسون: وقال نيكلسون في كتابه تاريخ الادب العربي طبعة كمبردج ص 215 ما يلي: (فعبدالله بن سبأ) الذي أسس طائفة (السبئيين) كان من سكان صنعاء اليمن، وقد قيل إنه كان من اليهود وقد أسلم في عهد عثمان وأصبح مبشرا متجولا، فيذكر لنا المؤرخون أنه كان يتنقل من مكان إلى مكان ليغوي المسلمين ويوردهم موارد الخطأ. فظهر في الحجاز، ومن ثم في البصرة والكوفة، ومن ثم ظهر في سورية، وألقى عصار الترحال أخيرا في مصر إذ استقر هناك حيث كان يدعو الناس إلى الاعتقاد بالرجعة. وقال:

[57]

(عقيدة ابن سبأ) كان يقول: " من الغريب حقا بأن أي شخص يعتقد بعودة عيسى إلى الحياة الدنيا ولا يؤمن بعودة محمد التي نص عليها القرآن. وفضلا عن ذلك فإن هناك ألف نبي ولكل نبي وصي، أما وصي محمد فهو علي، فمحمد هو آخر الانبياء وعلي آخر الاوصياء ". ويشير في الهامش إلى مصدره الطبري ويعين صفحته. - 12 - دائرة المعارف الاسلامية: وفي دائرة المعارف الاسلامية التي ألفها الاساتذة: هوتسمان، وينسينك، ورنولد، وبروفنسال، وهيفينك، وشادة، وباسية، وهارتمان، وجيب (1) طبعة ليدن 1 / 29 ما يلي: " وإذا اقتصرنا على روايات الطبري والمقريزي، فقد كان مما يدعو إليه (ابن سبأ) رجعة محمد... وأنشأ عبد الله كذلك القاعدة المعروفة عنه وهي: لكل نبي وصي، وان عليا هو وصي محمد، فرأى لذلك أنه يجب على كل مؤمن أن ينصر الحق مع علي قولا وعملا. ويقال: إن عبد الله كان يستعمل مبشرين لنشر هذه الفكرة وكان ابن سبأ من بين أولئك الذين


(1) قد ألفها هؤلاء التسعة من كبار المستشرقين باللغة الانكليزية والفرنسية وعربها الاساتذة: محمد ثابت، وأحمد الشنتاوي، وإبراهيم زكي خورشيد وعبد الحميد يونس ابتداء من إبريل - أكتوبر سنة 1933 م. وقد اعتمدنا في نقلنا هنا على الاصل الانكليزي.

[58]

تحركوا في شهر شوال من سنة 35 ه‍ إبريل سنة 656 م من مصر إلى المدينة "... الخ. لقد ذكرنا عن دائرة المعارف المذكورة هاهنا ما نقلوه عن الطبري. وأما المقريزي فلا يعتمد على روايته في حوادث وقعت قرابة 800 سنة قبله دون أن يذكر سنده إليها ولا المصدر الذي ينقل عنه، وليس من الصحيح أن نعتبر خطط المقريزي في عداد تاريخ الطبري الذي يسند القصة إلى راويها مع تقدم عصر الطبري عليه قرابة 500 سنة. وسوف نتعرض لرواية المقريزي في الكتاب الاخير من سلسلة هذه الدراسة إن شاء الله تعالى (1). - 13 - دوايت. م. دونالدسن: يقول دوايت م. دونالدسن في كتابه (عقيدة الشيعة) ص 85 من الترجمة العربية: " فتدلنا أقدم الروايات على أن ادعاء علي بالخلافة لم يكن بنظر أصحابه وشيعته مجرد طموح سياسي بل حق إلهي له. وكان لتعاليم ودسائس شخصية خفية نسبيا في تاريخ الاسلام اليد الطولى في ظهورها وانتشارها. فقد ظهر منذ زمن خلافة عثمان داعية متنقل اسمه عبد الله بن سبأ، قطع البلاد الاسلامية طولا وعرضا، يريد إفساد المسلمين كما يقول الطبري


(1) ناقشنا المقريزي في الجزء الثاني من " عبد الله بن سبأ " فصل " عبد الله بن سبأ في كتب المقالات " ص: 169. ط / طهران.

[59]

الخ... ". ويظهر من قوله في الهامش ص 59 أنه لم يأخذ ما نقله عن ابن سبأ من الطبري مباشرة بل استند في قوله إلى دائرة المعارف الاسلامية مادة (عبد الله بن سبأ) - تأليف المستشرقين المذكورين آنفا - وإلى (تاريخ الادب العربي) تأليف نيكلسون ص 315. وقد رأينا أن كليهما يستندان إلى الطبري فيما ينقلان عن (ابن سبأ). - 14 - ولها وزن: قال ولها وزن تحت عنوان (السبئية وروح النبوة) ص 56 - 57 من كتابه (الدولة الاموية وسقوطها): " وتبرز في هذه الظروف فرقة في الكوفة كانت قبل ذلك بعيدة عن الانظار يطلق عليها اسم السبئية وإذا هي تغير شكل الاسلام تغييرا تاما فهي وضعت شخص الرسول (ع) خارجا عن القانون الشخصي في (القرآن والسنة) وفوقه... إلى قوله: في رأس السبئية أن شخص الرسول لم يمت مع محمد بل استمر حيا يتعاقب في ذريته وأخذوا بمبدأ التناسخ، وادخلوا فيه فكرة خاصة تقول بأن روح الله التي تبعث الحياة في الرسل تنتقل بعد وفاة أحدهم إلى آخر، وان روح النبوة بصفة خاصة انتقلت إلى علي واستمرت في عائلته. وإذن فليس علي في نظرهم مجرد خلف شرعي للخلفاء الذين سبقوه. إنه ليس في مستوى واحد مع أبي بكر وعمر اللذين اندسا مغتصبين بينه وبين الرسول،

[60]

إنما هو الروح القدسية تجسدت فيه وهو وريث الرسالة ومن ثم فهو بعد وفاة محمد الحاكم الوحيد الممكن للامة، تلك الامة التي يجب أن يكون على إمامتها ممثل حي لله. ويقال: إن اسم السبئية مشتق من ابن سبأ وهو يهودي من اليمن ". وفي ص 396 - 397 أورد القصة أكثر تفصيلا مما سبق مع تعيين المصدر، وقال تحت عنوان: (السبئية متطرفة تقمصيون): " وللمتطرفين أسماء مختلفة لا تدل إلاعلى ظلال لا قيمة لها من المعاني، وكانوا أولا يسمون السبائية. ويقول سيف بن عمر: إن السبائية كانوا منذ أول الامر أهل الشر والسوء في تاريخ حكم الله، هم قتلة عثمان، فتحوا باب الحرب الاهلية، وأسسوا فرقة الخوارج الثورية، وتولد عنهم انهيار الاسلام. أما مكانتهم في التاريخ فبلغوها أول الامر بواسطة المختار، وإن كانوا قد وجدوا قبل ذلك. وكان موطنهم الكوفة وضواحيها، وليسوا من العرب وحدهم، بل معظمهم من الموالي، وهم يعتقدون بتعاليم ابن سبأ في تقمص الارواح ولا سيما عودة روح الرسول (عليه السلام) في آل بيته. تلك صفاتهم الاساسية. وقد نبذهم العلويون أبناء فاطمة بنت الرسول (عليه السلام) أولئك الذين تمسكوا باساس الاسلام القديم والعروبة فارتبط السبئية بابن لعلي من زواج ثان اسمه محمد بن الحنفية نسبة لامه. ثم إن ابنه أبا هاشم عبد الله - الذي كان تافها كوالده - أضحى يعتبر وريثه في الامامة حتى إذا توفي أوصى بالامامة لمحمد بن علي العباسي، إلى قوله: فمن مؤلهي ابن الحنفية ولد مؤلهو ابنه وهم الهاشمية ولم تنطفئ السبئية في الكوفة بانطفاء المختار، بل ظلوا في الحلقات الدنيا. ولا يختلف المذهب الباطني

[61]

للهاشمية - كما يعرضه الشهرستاني - أي اختلاف عن مذهب ابن سبأ، فالمؤامرة العباسية تشابه تمام المشابهة مؤامرة السبئيين - كما يصفها سيف - ومركز قيادتها في الكوفة أيضا. فمن الكوفة كانت تنتشر دعوتها إلى خراسان. إن الحركة في كلتا الحالتين دعمها الموالي الفرس ووجهت ضد العروبة في الاسلام وهكذا نرى التوافق بين العباسيين والسبئيين يمتد إلى جميع النقاط المهمة إلى المذهب وطريقة الدعوة ومكان الحزب وتكوينه ". وهكذا يسترسل حتى يتكلم عن سبئية (كوبات الخشب لابي مسلم) ويعين سنده الطبري في الهامش من هذه الصفحة بعد أن أورد اسم سيف قبل هذا مرتين. فمن هذا يتضح لنا أنه أخذ ما أورده عن سيف من طريق الطبري، ثم علق على الاسطورة وتوسع فيها وربط كل الآثام والشرور في الاسلام بها (1). - 15 - ميرخواند: اشتهرت قصة " ابن سبأ " وشاعت وقد رأيت ان الذين يذكرون سند روايتهم لها ينتهون إلى الطبري بلا واسطة أو بواسطة واحدة أو أكثر. وفي الكتاب والمؤرخين من يوردها في تأليفه، ولا يذكر سند روايته


(1) كان هذا المستشرق الفاضل حريصا على العروبة والاسلام كحرص سيف بن عمر في القرون السوالف. ولا نريد أن نوضح أماكن الخطأ في ما أورد ولا ما أضاف هو من عندياته على أصل الاسطورة لانا بصدد دراسة الواضع الاول للاسطورة فحسب.

[62]

ولا المصدر الذي اعتمد عليه فإذا ذكر مصادر بحثه بالجملة وجدت اسم الطبري هناك أو أسماء الكتب التي أخدت عن الطبري. كما فعل ميرخواند في " روضة الصفاء ". - 16 - غياث الدين: ومن ميرخواند أخذ ابنه غياث الدين المتوفى سنة (940 ه‍) في كتابه حبيب السير. راجع مقدمته. * * * وجدنا كل هؤلاء الكتاب يرجعون إلى الطبري في ما ينقلون عن (عبد الله بن سبأ، والسبئية)، فما هو مصدر الطبري فيما أورده من هذه القصة في تاريخه ؟ - 17 - الطبري وسنده: قد أورد الامام أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري الآملي المتوفى سنة 310 ه‍ قصة السبئية في كتابه " تاريخ الامم والملوك " منحصرا عن طريق سيف بن عمر التميمي، فقد قال في ذكره حوادث سنة 30 ه‍: " وفي هذه السنة أعني سنة 30 كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية، وإشخاص معاوية إياه منها إليها، أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها، فأما

[63]

العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة (1). كتب بها إلي السري يذكر أن شعيبا حدثه سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر، فقال: يا أبا ذر الا تعجب لمعاوية... " الحديث. ثم يورد قصة " ابن سبأ " مع أبي ذر عن طريق " سيف " وحده ثم يختم ترجمة ابي ذر بقوله: " أما الآخرون، فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأمورا شنيعة كرهت ذكرها ". ويورد في ذكره حوادث سنة 30 - 36 هجرية قصة ابن سبأ والسبئية في مقتل عثمان وحرب الجمل عن طريق " سيف " وحده وليس له طريق آخر لها. وللطبري إلى أحاديث " سيف " طريقان: (أ) عبيدالله بن سعيد الزهري (2)، عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن سيف. وما يخرجه الطبري من أحاديث " سيف " بهذا الطريق، حديث مشافهة. (ب) السري بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف ويخرج الطبري بهذا الطريق أحاديث " سيف " عن كتابه " الفتوح والردة " وكتابه " الجمل ومسير عائشة " بلفظ. (كتب إلي) (3)، وقد يخرج بهذا الاسناد عن " سيف " أحاديث مشافهة أيضا. والسري هو أبو عبيدة السري بن يحيى بن السري كما في كتاب (ذكر أخبار أصبهان) لابي نعيم ص 23.


(1) تابعنا الطبري - غالبا - في تسمية رواية " سيف " عن " السبئية " بالقصة. (2) ورد في بعض طبعات تاريخ الطبري " عبيدالله بن سعد " محرفا. (3) ورد في رواية واحدة للطبري " في كتاب إلي " راجع 1 / 2055.

[64]

- 18 - ابن عساكر: ولاحاديث " سيف " في قصته عن " ابن سبأ " طريق آخر غير تاريخ الطبري ومن أخذ عنه، وهو طريق " ابن عساكر " المتوفي سنة 571 ه‍، فإنه ايضا أورد من قصص " سيف " أحاديثه عن ابن سبأ والسبئية في تاريخه الكبير - تاريخ مدينة دمشق - ضمن تراجم " طلحة " و " عبد الله بن سبأ " وغيرهما ما اورده الطبري بطريقه إلى " سيف " في ذكره حوادث سنة 30 - 36 ه‍ وهذا سند ابن عساكر إلى احاديث " سيف ": أخبرنا أبو القاسم السمرقندي. أنا أبو الحسين النقور، أنا أبو طاهر المخلص. أنا أبو بكر بن سيف. أنا السري بن يحيى، نا شعيب بن إبراهيم، نا سيف بن عمر (1). وهكذا يتصل سند ابن عساكر إلى " سيف " بسند الطبري " السري " (2) بعد أربعة من الرواة.


(1) راجع صفحة 304 و 484 و 485 و 496 و 513 و 545 و 547 - 551 من المجلدة الاولى منه ط - المجمع العلمي العربي بدمشق، وإلى ترجمة " عبد الله بن سبأ " و " طلحة " وغيرهما في المجلدات المخطوطة والمصورة في المجمع العلمي بدمشق، ودار الكتب الظاهرية فيها. وأبو القاسم السمرقندي هو الحافظ اسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الاشعث السمرقندي، وأبو الحسين النقور: هو أحمد بن محمد النقور، وأبو طاهر المخلص هو: محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن المخلص، وأبو بكر بن سيف هو أحمد بن عبد الله ابن سيف بن سعيد، وكلمة (أنا) مخففة من أخبرنا. و (نا) من حدثنا. (2) سند (السري) احد طريقي الطبري إلى أحاديث سيف كما سبق ذكره.

[65]

- 19 - ابن بدران: أما ابن بدران المتوفى سنة 1346 ه‍ في تهذيبه لتاريخ مدينة دمشق، فإنه قد يسند تلك القصص إلى " سيف " نفسه ويحذف بقية السند، وقد يورد أحاديث " سيف " دونما إشارة إلى مصدر الحديث، وفي ص 406 من ج 5 منه بترجمة زياد بن أبيه نسب أحاديث سيف التي أخرجها بتلك الترجمة إلى تاريخ الطبري. وهذا الطريق طريق ابن عساكر إلى أحاديث " سيف " في قصصه عن " ابن سبأ " يأتي في الاهمية والذيوع بعد الطبري، والكتاب قد يرجعون إلى تأليف ابن عساكر تاريخ مدينة دمشق نفسه، وقد يرجعون إلى تهذيبه لابن بدران، وقد يرجعون اليهما معا. - 20 - ابن أبي بكر (ت 741 ه‍): ولهذه الاحاديث - أساطير سيف عن ابن سبأ والسبئية - طريق ثالث قد يرجع إليه الكتاب، وهو كتاب (التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان بن عفان) (1) فإنه يرجع إلى تأليف " سيف " نفسه على ما ذكر في مقدمة كتابه هذا حيث قال: " فهذا كتاب أذكر فيه مصرع الامام الشهيد... أذكر


(1) مصور بدار الكتب المصرية برقم 6622 وقد طبع اخيرا.

[66]

ما نقلته الائمة العلماء في كتبهم، وتواريخهم، مثل... وكتاب الفتوح لسيف ابن عمر التيمي (1) و... وكتاب التاريخ للشيخ عبد الكريم المعروف بابن الاثير الجزري... ". إذا فابن أبي بكر هذا تارة يأخذ من " سيف " مباشرة عن طريق كتابه، وأخرى بواسطة ابن الاثير الذي أخذ بدوره من تاريخ ابن جرير الطبري والذي أخذ من " سيف " تلك الاحاديث كما سبق ذكره. * * * هذه ثلاثة طرق رئيسية يرجع إليها الكتاب فيما ينقلون من أحاديث " سيف " في أسطورة " السبئية ". منهم من يرجع إلى واحد من المصادر الثلاثة، ومنهم من يرجع إلى مصدرين منها، ومنهم من يرجع إليها جميعا. - 21 - سعيد الافغاني: كما فعل سعيد الافغاني الذي نقل ما أورده من قصة " السبئية والسبئيين ". في كتابه " عائشة والسياسة " من المصادر الثلاثة جميعا، وقد أورد فيه فصول القصة تحت عنوان: " احتجاج عثمان وتتابع الحوادث " ص 32 - 35 منه و " ابن سبأ البطل المخيف " ص 48 - 52، و " الاشراف على الصلح " ص 145 - 147 و " المؤامرة والدسيسة " ص 155 - 185، وأورد ذيولا منها في غير هذه الصفحات. وينحصر طريقه في كل ما أورده من هذه


(1) التيمي غلط من الناسخ والصحيح " التميمي " وسيأتي ذكر كتاب سيف في ترجمة " سيف " إن شاء الله.

[67]

الاسطورة بالطبري أولا وابن عساكر في تاريخه وابن بدران في تهذيبه ثانيا، وابن أبي بكر في التمهيد والبيان ثالثا، على أن جل اعتماده فيما أورده على الطبري ويرجع إلى الاخيرين قليلا (1) وقد قال في ص 5 منه: " إني جعلت أكثر اعتمادي... على تاريخ الطبري خاصة فهو أقرب المصادر من الواقع، وصاحبه أكثر المؤرخين تحريا وأمانة، وعليه اعتمد كل من أتى بعده من الثقات... وحرصت هنا كل الحرص على عبارته ما وجدت إلى ذلك سبيلا... " وقال في ص 97: " ثم اعتمادنا فيما نسوق على الطبري ". - 22 - الذهبي: ولهذه الاسطورة طريق رابع. وهي رواية الذهبي المتوفى سنة 748 ه‍. في كتابه (تاريخ الاسلام) فإنه قد أورد نتفا منها في 2 / 122 - 128 منه (2) لدى ذكره مقتل عثمان في حوادث سنة 35 ه‍. وبدأ ما أورد بقوله في ص 122 منه: " وقال سيف بن عمر عن عطية عن يزيد الفقعسي، لما خرج ابن السوداء إلى مصر... " الحديث. واورد بعده حديثا آخر عن سيف إلى ص 122. وهذان الحديثان مزيدان على ما في تاريخ الطبري من الاسطورة ومكملان لها. أما ما جاء في


(1) يرجع إلى ابن عساكر في نقله أسطورة (السبئية) ص 48 و 49 منه وإلى تهذيبه ص 42 و 49 و 51 و 187، وإلى التمهيد والبيان ص 34 و 58 منه. (2) تاريخ الاسلام للذهبي ط. مصر نشر مكتبة القدس.

[68]

ص 123 - 128 منه فهو موجز ما أخرجه الطبري من الاسطورة. ويعرف سند الذهبي لهذه الاسطورة وغيرها من أحاديث سيف مما جاء في مقدمة الكتاب حين صنف مصادره التي طالعها إلى ثلاثة، وقال عن الصنف الاول: إن مادة الكتاب منها، وعن الصنف الثالث: إنه راجعها كثيرا، وذكر الفتوح لسيف بن عمر في الصنف الاول، وتاريخ الطبري في: الصنف الثالث، إذن فالذهبي كابن أبي بكر صاحب كتاب (التمهيد والبيان) كانت لديه نسخة من كتاب (الفتوح والردة) لسيف، وقد أخذ منها - مباشرة - ما رواه عن سيف في هذه الاسطورة مما لم نجده عند الطبري. وهكذا ينتهي سند جميع من أورد الاسطورة السبئية وذكر مصدر الخبر إلى هذه المصادر الاربعة، وهي ترويها عن سيف وحده لا شريك له في ذلك.

[71]

ترجمة سيف بن عمر

[73]

ترجمة سيف بن عمر: هو سيف بن عمر التميمي الاسيدي كما في الطبري 1 / 1749 ط أوروبا، ولباب الانساب 1 / 49 وأسيد هو عمرو بن تميم ونسبهم في جمهرة الانساب 199 والاشتقاق لابن دريد 201 - 206 وعلى هذا فهو من بني عمرو وهذا يكشف لنا عن سبب تكثيره ذكر بطولات بني عمرو خاصة (1). وما ورد في تهذيب التهذيب: " البرجمي والسعدي أو الضبي فإنها أنساب رواة آخرين كان اسم كل واحد منهم سيفا، وليسوا بسيف بن عمر هذا، وكان كوفيا على ما في تهذيب التهذيب وخلاصة التذهيب وفي هداية العارفين: بغدادي كوفي الاصل ". ذكروا وفاته بعد السبعين والمائة كما في خلاصة التذهيب. وفي التهذيب: " قرأت بخط الذهبي مات سيف زمن الرشيد ". ووهم اسماعيل باشا في قوله في الهداية: توفي ببغداد في خلافة الرشيد سنة 200 لان الرشيد قد توفي سنة 193 ه‍. ولم يذكر غيره هذا التاريخ ولم يذكر هو سنده. مؤلفات سيف: ألف سيف بن عمر كتاب " الفتوح الكبير والردة " و " الجمل ومسير


(1) راجع كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[74]

عائشة وعلي " على ما في الفهرست والهداية، وذكر له في اللباب والتهذيب وكشف الظنون كتاب الفتوح وحده. أخرج الطبري من كتابيه " الفتوح " و " الجمل " موزعا على حوادث السنين في تاريخه، وابن عساكر موزعا على تراجمه دونما ذكر لتأليفه. والذهبي في تاريخه الكبير مع التصريح باسم تأليفه في المقدمة، وكذلك فعل ابن أبي بكر في التمهيد. واستخرج مترجمو الصحابة أسماء كثيرة من أساطيره وترجموا لتلك الاسماء ضمن تراجم الصحابة. كابن عبد البر وابن الاثير، وابن حجر، والذهبي، وغيرهم (1). واستخرج الحموي أيضا من أساطيره أسماء أماكن وترجمها في معجمه، والحميري وترجمها في الروض، ومن الحموي أخذ عبد المؤمن (2). وآخر من وجدناه يصرح بوجود كتاب سيف عنده هو ابن حجر المتوفى سنة 852 ه‍. في كتابه الاصابة (3). قيمة أحاديث سيف: قال يحيى بن معين (ت: 233 ه‍): " ضعيف الحديث فلس خير منه " (4). وقال أبو داود (ت: 275 ه‍): " ليس بشئ، كذاب ".


(1) راجع كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق). (2) راجع فصل بلاد مستخرجة من أحاديث سيف من هذا الكتاب. (3) راجع كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق). (4) ميزان الاعتدال 2 / 255.

[75]

وقال النسائي صاحب الصحيح (ت: 303 ه‍): " ضعيف متروك الحديث، ليس بثقة، ولا مأمون ". وقال ابن أبي حاتم (ت: 327 ه‍): " متروك الحديث ". وقال ابن السكن (ت: 353 ه‍): ضعيف. وقال ابن حبان (ت: 354 ه‍): يروي الموضوعات عن الاثبات، أتهم بالزندقة، وقال: " قالوا: كان يضع الحديث ". وقال ابن عدي (ت: 365 ه‍): ضعيف، بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها. وقال الحاكم (ت: 405 ه‍): متروك، أتهم بالزندقة. ووهاه الخطيب البغدادي (ت: 463 ه‍) كما في ترجمة خزيمة غير ذي الشهادتين من الاصابة. ونقل ابن عبد البر (ت: 463 ه‍) عن أبي حيان أنه قال فيه: " سيف متروك وإنما ذكرنا حديثه للمعرفة " ولم يعقب ابن عبد البر على هذا الحديث شيئا. وقال الفيروز آبادي (ت: 817 ه‍): " صاحب تواليف " وذكره مع غيره وقال عنهم: " ضعفاء ". وقال ابن حجر (ت: 852 ه‍) بعد إيراد حديث ورد في سنده اسمه: " فيه ضعفاء أشدهم سيف ". وقال صفي الدين (ت: 923 ه‍): " ضعفوه، له في الترمذي فرد حديث ". هذا رأي العلماء مدى العصور في " سيف " وأحاديثه، وبعد أن اطلعنا

[76]

على ذلك نعود إلى دراسة أحاديث " سيف " نفسها، وفي سبيل هذه الدراسة نرجع إلى المصادر التي خرجت أحاديث " سيف " مسندة موصولة إليه فنجد في مقدمة تلك المصادر تاريخ الطبري فإنه أكثرها نقلا منه، وأسبقها زمنا، وأوسعها أثرا على المصادر التاريخية بعده، وقد أورد في تاريخه كثيرا من أحاديث " سيف " نقلا عن كتابيه: " الفتوح والردة " و " الجمل... "، ونقل عنه أحاديث أخرى في " السقيفة " و " مقتل عثمان " وبذلك جعل قصصه الموضوعة مصدرا مهما من مصادر التاريخ الاسلامي يرجع إليه الباحثون حتى اليوم. نرجع إلى تاريخ الطبري أولا، ثم إلى غيره من المصادر التي اعتمدت على أحاديث " سيف " وندرس تلك الاحاديث دراسة نقد وتحليل ونقارنها بأحاديث غيره من ثقات الرواة لنرى مدى أثر سيف على مصادر التاريخ الاسلامي أولا، وقيمة أحاديث " سيف " ثانيا، ونعرف مدى تحري " سيف " للواقع التاريخي أو مجانبته له، وبذلك نختم كتاب " عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى " هذا لندرس بعده أحاديث " سيف " في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق " الآتي بعده إن شاء الله تعالى.

[77]

مصادر البحث: 1 - الفهرست للنديم، ط الرحمانية بمصر سنة 1348 ه‍. 2 - الاشتقاق لابن دريد، ط. السنة المحمدية بمصر سنة 1378 ه‍. 3 - تاريخ الطبري، ط. أوروبا. 4 - الجرح والتعديل للرازي، ط. حيدر آباد سنة 1371 ه‍ بترجمة سيف والقعقاع. 5 - الاستيعاب، ط. حيدر آباد بترجمة القعقاع. 6 - الذهبي: أ - ميزان الاعتدال، ط. دار إحياء الكتب العربية، تحقيق علي محمد البجادي (1382 ه‍). ب - تاريخ الاسلام الكبير، نشر مكتبة القدسي 1367 - 1368 ه‍. 7 - لباب الانساب لابن الاثير، ط. مصر بترجمة اسيد. 8 - معجم البلدان للحموي، في تراجم ما أوردناه في فصل " بلاد اختلقها سيف " من هذا الكتاب. 9 - التمهيد والبيان لابن أبي بكر، مصور من دار الكتب المصرية. وط بيروت 1964. 10 - ابن حجر: أ - تهذيب التهذيب، ط حيدر آباد 1325 ه‍ بترجمة سيف.

[78]

ب - الاصابة، طبع مصر 1358 ه‍ ترجمة أبي محجن ولبابة بنت الحارث. 11 - القاموس للفيروز آبادي، في سيف. 12 - السيوطي، اللآلئ المصنوعة، الحديث 233. 13 - صفي الدين، خلاصة التذهيب، صفحة 136. 14 - كشف الظنون، ط. جامعة استانبول في: " الفتوح ". 15 - هداية العارفين، لاسماعيل باشا، ط. استانبول 1351 ه‍. عامود 413.

[79]

أحاديث سيف 1 - بعث أسامة. 2 - السقيفة. 3 - الردة. 4 - قصة مالك بن نويرة. 5 - قصة العلاء بن الحضرمي. 6 - نباح كلاب الحوأب. 7 - استلحاق زياد. 8 - قصة المغيرة بن شعبة. 9 - حبس أبي محجن. 10 - أيام اخترعها سيف. 11 - الشورى وبيعة عثمان. 12 - قماذبان بن الهرمزان. 13 - بلاد اختلقها سيف. 14 - تحريف في سني الحوادث التاريخية. 15 - خاتمة. 16 - ملحق.

[81]

1 - بعث أسامة بعث أسامة في حديث سيف. بعث أسامة عند غير سيف. نتيجة المقارنة.

[83]

بعث أسامة في حديث سيف: أخرج الطبري وابن عساكر في تاريخيهما أحاديث (1) عن " سيف " في بعث أسامة ومنها الحديث الآتي: " ضرب رسول الله قبل وفاته بعثا على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب وأمر عليهم أسامة بن زيد، فلم يجاوز آخرهم الخندق حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فوقف أسامة بالناس ثم قال لعمر: إرجع إلى خليفة رسول الله فاستأذنه يأذن لي أن أرجع الناس ". ثم ذكر أن الانصار أيضا طلبوا من عمر أن يكلم أبا بكر في تبديل أسامة بغيره، فلما كلم أبا بكر بذلك قال: " فوثب أبو بكر وكان جالسا فأخذ بلحية عمر وقال: ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب، استعمله رسول الله وتأمرني أن أنزعه ! ". ثم ذكر أن أبا بكر أشخصهم وشيعهم ووصاهم بعشر ثم ودعهم بقوله: " إندفعوا باسم الله أفناكم الله بالطعن والطاعون ". في هذا الحديث ذكر (سيف): أن بعث أسامة لم يجاوز آخرهم الخندق


(1) في ذكر حوادث سنة 11 من تاريخ الطبري 1 / 1849 - 1850، وابن عساكر في ذكره بعث أسامة 1 / 426 - 427.

[84]

حتى توفي الرسول، ولم يكن هناك تسويف ولا مماطلة في السير، وأن أسامة ما أن بلغه نبأ وفاة النبي حتى وقف وارسل إلى خليفة رسول الله يستأذنه الرجوع، كأن خلافة أبي بكر للنبي كانت معلومة منذ عصر الرسول حتى إذا بلغ أسامة نبأ الوفاة أرسل إلى خليفته يستأذنه في الرجوع. وذكر أن الانصار طلبوا تبديل أسامة بغيره ولا أدري إن كان عمر ذاهبا في طلب رجوع الجيش فما وجه طلبهم تبديل القائد لجيش يرجع أدراجه ؟ ثم ما وجه أخذ أبي بكر بلحية عمر في أدائه الرسالة ؟ ! وما على الرسول إلا البلاغ، ولا أدري لماذا يدعو الخليفة على جيش المسلمين بالفناء بالطعن والطاعون ؟ ! بعث أسامة في حديث غير سيف: كان ذلك حديث سيف عن بعث أسامة. أما غير سيف فقد قالوا: " لما كان يوم الاثنين لاربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجر رسول الله أمر رسول الله الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد، فقال سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش... فلما كان يوم الاربعاء بدئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحم وصدع. فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواءه بيده... فخرج بلوائه معقودا وعسكر بالجرف (1)، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الاولين والانصار إلا انتدب في تلك الغزوة، فيهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص،


(1) الجرف: موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام - معجم البلدان.

[85]

وسعيد بن زيد... الخ، فتكلم قوم، وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين، فغضب رسول الله غضبا شديدا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر وقال: ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة، ولقد طعنتم في إمارتي أباه قبله، وأيم الله إن كان للامارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للامارة، ثم نزل وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعونه ويمضون إلى المعسكر بالجرف، وثقل رسول الله صلى الله عليه وآله فجعل يقول: أنفذوا بعث أسامة، فلما كان يوم الاحد اشتد برسول الله وجعه فدخل أسامة من معسكره والنبي مغمور (1)، فطأطأ أسامة فقبله، ورسول الله لا يتكلم. ورجع أسامة إلى معسكره، ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله مفيقا فقال له: أغد على بركة الله فودعه أسامة، وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاء يقول: إن رسول الله يموت فأقبل، وأقبل معه عمر وأبو عبيدة فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يموت فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول " (2).


(1) مغمور: يغمى عليه. (2) أوردتها ملخصة من طبقات ابن سعد 2 / 190 - 192 ط بيروت في ذكره " سرية زيد " وفي عيون الاثر. 2 / 281، عند ذكره " سرية زيد "، وممن نص على أن أبا بكر وعمر وغيرهما كانوا في جيش أسامة. كنز العمال 5 / 312 ومنتخبه 4 / 180 عن عروة، وبترجمة أسامة من أنساب الاشراف 1 / 474 عن ابن عباس، وبترجمته من طبقات ابن سعد 4 / 44، عن ابن عمر، وبترجمته من تهذيب ابن عساكر 2 / 391، ولفظه: - >

[86]

هذا ما كان من أمر بعث أسامة في أيام الرسول، وأما بعده فكان ما رواه عروة قال: " لما فرغوا من البيعة واطمأن الناس قال أبو بكر لاسامة: إمض لوجهك الذي بعثك له رسول الله صلى الله عليه وآله، فكلمه رجال من المهاجرين والانصار أن يرجئ إرسال ذلك الجيش فأبى عليهم " (1) وفي رواية أخرى له (2) أرسل الجيش وشيعهم أبو بكر وقال له: " إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يوصيك فانفذ لامر رسول الله صلى الله عليه وآله فإني لست آمرك ولا أنهاك عنه... " الحديث. نتيجة المقارنة: ذكر " سيف " في حديثه أن آخر الجيش لم يجاوز الخندق حتى قبض الرسول (ص) بينا نجد في سائر الروايات أن الجيش بقي في معسكره خارج المدينة أياما يروح ويغدو رجاله إلى المدينة والرسول يستحثهم على السير، وذكر أيضا أن أسامة وقف بالناس، وأرسل عمر إلى الخليفة بينما الروايات تتفق على رجوع جميعهم إلى المدينة، وأن المهاجرين هم الذين كانوا قد طلبوا من رسول الله تبديل أسامة، وليست الانصار من أبي بكر،


< - (استعمله على جيش فيه أبو بكر وعمر)، وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 74 ط. بيروت في ذكر (وفاة الرسول) وكان عمر أسامة يومذاك عشرين سنة وقيل ثماني عشرة سنة، وابن الاثير في تاريخه 2 / 123. (1) ابن عساكر 1 / 433. (2) ابن عساكر 1 / 438.

[87]

وذكر عشر وصايا من أبي بكر لاسامة، بينما في حديث غيره (1) أن الرسول (ص) هو الذي أوصاه، وأن أبا بكر قال له: " إني سمعت رسول الله يوصيك فانفذ لامره فإني لست آمرك ولا أنهاك... " الحديث. هذا بعض ما قلب فيه " سيف " الواقع التاريخي في هذه القصة، وأما لماذا صنع ذلك، فلان الناس في عصره كانوا يرغبون في أن يسمعوا عن الصحابة أنهم كانوا يتسابقون إلى تنفيذ رغبة رسول الله فروى ذلك في حديثه، وبما أن السلطة كانت في قريش قوم المهاجرين فقد نسب طلب المهاجرين إلى الانصار، وهو في هذا وذاك قد أعطى السلطة رغبتها والناس رغبتهم ودس في حديثه ما ذكره من أخذ أبي بكر بلحية عمر ودعائه على الجيش بالفناء بالطعن والطاعون. وهذا ما نشك في أن يكون لما رمي به من الزندقة دخل فيه. ونسأل الله أن يوفقنا لدراسته مع نظائره الكثيرة من أحاديث " سيف " في القسم الثاني من هذا البحث ان شاء الله تعالى.


(1) راجع تاريخ ابن عساكر، ط. المجمع 1 / 438.

[89]

2 - السقيفة - السقيفة في أحاديث سيف. - أسانيد أحاديث سيف. - السقيفة في حديث غير سيف. - وصية الرسول (ص). - وفاته (ص). - إنكار موته (ص). - المرشحون للخلافة. - بيعة أبي بكر. - دفن الرسول. - التحصن بدار فاطمة. - مواقف وآراء في بيعة أبي بكر. - نتيجة المقارنة.

[91]

السقيفة في أحاديث سيف: 1 - من أحاديثه في السقيفة ما أخرجه ابن حجر بسنده إلى سيف بترجمة القعقاع من الاصابة (1) قال: " عن سيف بن عمر عن عمرو بن تمام عن أبيه عن القعقاع بن عمرو (2) قال: شهدت وفاة رسول الله (ص) فلما صلينا الظهر جاء رجل حتى قام في المسجد فأخبر بعضهم أن الانصار قد أجمعوا أن يولوا سعدا - يعني ابن عبادة - ويترك عهد رسول الله (ص) فاستوحش المهاجرون من ذلك ". 2 - ما أخرجه الطبري في حوادث عام / 11 ه‍. من تاريخه قال: " أخبرني سيف بن عمر عن الوليد بن عبد الله بن أبي ظبية البجلي، قال: حدثنا الوليد بن جميع الزهري قال لعمرو بن حريث: اشهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: نعم. قال: فمتى بويع أبو بكر ؟. قال: يوم مات رسول الله صلى الله عليه وآله. كرهوا أن يبقوا


(1) الاصابة 2 / 230. الجرح والتعديل للرازي 3 ق 2 / 136. (2) من مختلقات سيف من الصحابة ترجمته في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[92]

بعض يوم وليسوا في جماعة. قال: فخالف عليه أحد ؟ قال: لا ! إلا مرتد أو من كاد أن يرتد، لولا أن الله عزوجل ينقذهم من الانصار. قال: فهل قعد أحد من المهاجرين ؟. قال: لا ! تتابع المهاجرون على بيعته من غير أن يدعوهم (1) " ثم يذكر بعده مباشرة هذا الحديث. 3 - عن سيف: " عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: كان علي في بيته إذ أتي فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فتجلله ولزم مجلسه ". 4 - ويروي بعد ذلك في ص 210 (2) منه: " عن سيف بن عمر عن سهل وأبي عثمان عن الضحاك بن خليفة قال: لما قام الحباب بن المنذر وانتضى سيفه وقال: أنا جذيلها المحكك (3) وعذيقها المرجب (4) أنا أبو شبل في عرينة


(1) الطبري 1 / 1824 - 1825 ط. أوروبا. (2) الطبري 1 / 1844 ط. أوروبا. (3) جذيل: تصغير الجذل، أصل الشجرة والمحكك: عود ينصب في مبارك الابل تتمرس به الابل الجربى. (4) عذيق: تصغير العذق وهي النخلة، والمرجب: ما جعل له رجبة وهي دعامة تبنى من الحجارة حول النخلة الكريمة إذا طالت وتخوفوا عليها أن تنقعر في الرياح العواصف.

[93]

الاسد. فحامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد وتتابع القوم على البيعة وبايع سعد فكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها، وقال قائل حين أوطئ سعد: قتلتم سعدا، فقال عمر: قتله الله إنه منافق. واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعها ". ثم يورد هذه الرواية بعدها. 5 - " حدثنا عبيدالله بن سعيد " قال: حدثني عمي يعقوب، قال: حدثنا " سيف " عن مبشر عن جابر، قال: قال سعد بن عبادة (1) يومئذ لابي بكر: إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الامارة، وإنك وقومي أكرهتموني على البيعة فقالوا: " إنا لو أجبرناك على الفرقة فصرت إلى الجماعة كنت في سعة، ولكنا أجبرناك على الجماعة فلا إقالة فيها، لئن نزعت يدا من طاعة أو فرقت جماعة لنضربن الذي فيه عيناك ". 6 - أورد عن سيف خطبتين طويلتين للخليفة بعد الغد من وفاة رسول الله (ص) فيهما ذكر الموت وفناء الدنيا وبقاء الآخرة مما سندرسه في آخر البحث إن شاء الله تعالى نسب فيهما إلى الخليفة أنه قال: " ألا وإن لي شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم " (2). 7 - ما أخرجه عن سيف: " عن مبشر بن فضيل عن جبير بن صخر حارس النبي (ص) عن أبيه قال: كان خالد بن سعيد بن العاص باليمن زمن النبي (ص) وتوفي النبي (ص) وهو بها وقدم بعد وفاته بشهر وعليه جبة ديباج، فلقي عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، فصاح عمر بمن يليه:


(1) ستأتي ترجمته في ذكر موقفه من بيعة أبي بكر. (2) الطبري 1 / 1845 - 1846 ط. أوروبا.

[94]

مزقوا عليه جبته. أيلبس الحرير وهو في رجالنا في السلم مهجور ؟ فمزقوا عليه جبته. فقال خالد: يا أبا حسن ! يا بني عبد مناف ! اغلبتم عليها ؟ ! فقال علي (ع): أمغالبة ترى أم خلافة ؟ قال: لا يغالب على هذا الامر أولى منكم يا بني عبد مناف. وقال عمر لخالد: فض الله فاك ! والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت، ثم لا يضر إلا نفسه. فأبلغ عمر أبا بكر مقالته. فلما عقد أبو بكر الالوية لقتال أهل الردة عقد له فيمن عقد، فنهاه عنه عمر وقال: إنه لمخذول وإنه لضعيف التروية، ولقد كذب كذبة لا يفارق الارض مدل بها، وخائض فيها، فلا تستنصر به، فلم يحمل أبو بكر عليه وجعله ردءا بتيماء، اطاع عمر في بعض أمره وعصاه في بعض " (1). مناقشة السند: ورد في أسانيد تلكم الروايات الاسماء التالية: أ - (عمرو بن تمام، عن أبيه عن القعقاع بن عمرو) أما عمرو بن تمام وأبوه فهما من مختلفات سيف من الرواة ترجمناهما في كتابنا (رواة مختلقون). والقعقاع بن عمرو بن مختلقاته من الصحابة ترجمناه في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق). ب - (سهل) وقد تخيله سيف: ابن يوسف السلمي من الانصار وهو من مختلقاته من الرواة ترجمناه في (رواة مختلقون).


(1) الطبري 1 / 2080 ط. أوروبا.

[95]

ج - (مبشر بن فضيل) وقد ورد هذا الاسم في سند خمس عشرة رواية لسيف في تاريخ الطبري. قال عنه بترجمته من ميزان الاعتدال ولسان الميزان: " شيخ لسيف لا يدرى من هو ". د - (جبير بن صخر حارس النبي) ولم يذكر أصحاب السير والتواريخ حارسا للنبي بهذا الاسم. وبناء على ما ذكرناه اعتبرنا الرواة المذكورين من مختلقات سيف من الرواة. هذا ما كان في أسانيد روايات سيف في السقيفة. أما متونها فلا تتيسر دراستها، وكذلك لا تتيسر دراسة سائر روايات سيف في الردة والفتوح والفتن إلا بعد دراسة حوادث السقيفة في روايات غير سيف باستيعاب، لهذا نورد حوادث السقيفة بشئ من التفصيل في ما يلي ليمهد السبيل لنا في دراساتنا الآتية في أجزاء (عبد الله بن سبأ) و (خمسون ومائة صحابي مختلق) التاليين لهذا الكتاب. السقيفة في حديث غير سيف: إن حوادث السقيفة تتصل مقدماتها بأيام مرض الرسول (ص)، ومما وقع في أيام مرض الرسول ما رواه ابن هشام في سيرته 4 / 320 قال: " خرج رسول الله إلى البقيع مع مولاه أبي مويهبة، وقال: السلام عليكم يا أهل المقابر ليهنأ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبحت الناس فيه. اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الاولى ". ومنها: الكتاب الذي أراد أن يكتبه الرسول لامته، وقد ورد ذكره في حديث الخليفة

[96]

عمر بن الخطاب على ما في طبقات ابن سعد (1) هكذا: " قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وبيننا وبين النساء حجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إغسلوني بسبع قرب وأتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فقالت النسوة (2): إئتوا رسول الله بحاجته. قال عمر فقلت: أسكتن فإنكن صواحبه، إذا مرض عصرتن أعينكن وإذا صح أخذتن بعنقه. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم هن خير منكم ". وفي حديث جابر قال: دعا النبي عند موته بصحيفة ليكتب فيها لامته كتابا لا يضلون ولا يضلون فلغطوا عنده حتى رفضها النبي (3). وفي الحديث ابن عباس قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آتوني بكتف أكتب لكم فيه كتابا لا يختلف منكم رجلان بعدي. قال: فأقبل القوم في لغطهم، فقالت المرأة: ويحكم ! عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (4). وفي حديث آخر لابن عباس عن عكرمة قال: إن النبي قال في مرضه الذي مات فيه: آتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقال عمر بن الخطاب: من لفلانة وفلانة - مدائن الروم - إن رسول


(1) طبقات ابن سعد ط. بيروت 2 / 243 - 244 باب: الكتاب الذي أراد أن يكتبه الرسول لامته، ونهاية الارب 18 / 375، وكنز العمال 3 / 138، و 4 / 52. (2) في امتاع الاسماع ص 546 بدل: فقالت النسوة، وقالت زينب بنت جحش وصواحبها. (3) طبقات ابن سعد 2 / 244 ط. بيروت وفيه (لا يضلوا ولا يضلوا). (4) مسند أحمد تحقيق أحمد محمد شاكر، الحديث 2676.

[97]

الله ليس بميت حتى يفتحها، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى. فقالت زينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تسمعون النبي صلى الله عليه وسلم يعهد إليكم ؟ فلغطوا. فقال: قوموا ! فلما قبض النبي مكانه (1) يظهر من هذه الاحاديث وما يأتي بعدها أن النبي (ص) كان قد كرر طلب الدواة والقرطاس يومذاك، ودار لغط شديد عند رسول الله (ص)، وأنهم لم يكفوا عن اللغط حتى كف الرسول عن الطلب ورفض الكتابة. وتكشف لنا الاحاديث الآتية ظرفا مهما من اللغط الذي بسببه ترك الرسول كتابة الوصية. في البخاري (2) عن سعيد بن جبير أن ابن عباس قال: " يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: إشتد برسول الله وجعه، فقال: آتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع ! فقالوا: هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه... " الحديث (3).


(1) طبقات ابن سعد 2 / 244. ط. بيروت. (2) وأتم منه لفظ البلاذري في أنساب الاشراف 1 / 562. (3) اللفظ للبخاري باب جوائز الوفد من كتاب الجهاد 2 / 120 وأخرجه أيضا في الجزء الثاني 136 باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجزية، وأخرجه مسلم في 5 / 75 باب ترك الوصية. وفي مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر الحديث 195، وطبقات ابن سعد 2 / 244 ط. بيروت والطبري 3 / 193، وفي لفظهم: ما شأنه أهجر ؟ قال سفيان: يعني " هذى " استفهموه فذهبوا يعيدون عليه فقال: دعوني... الحديث.

[98]

وفي صحيح مسلم (1) قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ! ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أئتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر ! وفي حديث آخر لابن عباس - أخرجه البخاري - عين قائل هذا القول لرسول الله حيث قال: لما حضر النبي صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندكم كتاب الله، فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع (2) وفي لفظ أحمد، وابن سعد (3): " فلما أكثروا اللغط وغموا رسول الله، قال: قوموا عني ". قال عبيدالله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (4).


(1) صحيح مسلم 5 / 76 باب من ترك الوصية، والطبري 3 / 193، وابن سعد 2 / 243 ولفظه: " إنما يهجر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ". (2) هذه الجملة في آخر رواية البخاري باب كتابة العلم من كتاب العلم 1 / 22. (3) مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر، الحديث 2992، وطبقات ابن سعد 2 / 244 ط بيروت. (4) تخيرنا لفظ البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب كراهية الخلاف 4 - >

[99]

في كل هذه الاحاديث لم يذكر غير عمر في من تكلم ومنع الرسول من كتابة الوصية، فهو الذي قال لازواج النبي - لما قلن: إئتوا رسول الله حاجته - إنكن صواحبه (1)، وقال: من لمدائن الروم، وقال، لما رأى كفة الموافقين رجحت: إن النبي قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، فحسبنا كتاب الله، وهو الذي قال: إن الرجل ليهجر. وبهذا القول جعل الرسول أمام أمر واقع. فإنه لو كان قد كتب بعد هذا القول لجاز أن ينسب إليه الهذيان ويقال فيه: إنه كان يهذي ويهجر عندما أملى الكتاب. وإلى هذا يشير ما جاء في حديث آخر لابن عباس قال: فقال بعض من كان عنده: إن نبي الله ليهجر. قال: فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت، قال: أو بعد ماذا (2) ؟


< - 180، وأخرجه البخاري أيضا في كتاب المرضى باب قول المريض: قوموا عني 4 / 5 وأخرجه أيضا في 3 / 62 باب مرض النبي في كتاب المغازي. وفي مسلم 5 / 76 بآخر الوصية وفي مسند أحمد تحقيق أحمد شاكر محمد الحديث 3111 وابن كثير ج 5 / 227 - 228 وتيسير الوصول 4 / 194 وتاريخ الذهبي 1 / 311 وتاريخ الخميس 1 / 182، والبدء والتاريخ 5 / 59، وتاريخ ابن شحنة بهامش الكامل ص 108، وفي تاريخ أبي الفداء 1 / 151: " فقال قوموا عني لا ينبغي عند نبي تنازع " فقالوا: إن رسول الله يهجر صلى الله عليه وسلم، فذهبوا يعيدون عليه فقال: دعوني، ما أنا فيه خير مما تدعوني إليه. (1) في العصر الاسلامي الاول كانوا يعبرون عمن تتظاهر بحب رجل ما بقولهم: إنكن صويحباته تشبيها لها بصويحبات يوسف. (2) طبقات ابن سعد ج 2 / 242. ط. بيروت بما أن كتاب السير والتواريخ لم يذكروا غير اسم ابي حفص منع النبي من كتابة الوصية فلنا أن نعد هذا القول من خصائص أبي حفص. وتشابه كتابة وصية الرسول

[100]

أحدثوا الصخب المفتعل والضوضاء، ومنعوا الرسول (ص) في آخر ساعة من حياته عن كتابة وصيته فتوفي رسول الله دون أن يكتب لامته كتابا لن يضلوا بعده أبدا ! ! ! وفاة الرسول: توفي رسول الله (ص) نصف النهار يوم الاثنين، وأبو بكر غائب في السنح (1) وعمر حاضر (2) قالت عائشة:


< - حال احتضاره كتابة أبي بكر الوصية كذلك في ما روى الطبري ط. أوروبا 1 / 2138 و 3 / 52 قال: دعا أبو بكر عثمان خاليا، فقال: أكتب بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين، أما بعد. قال: ثم أغمي عليه فذهب عنه، فكتب عثمان: أما بعد فإني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم الكم خيرا، ثم أفاق أبو بكر فقال: إقرأ علي، فقرأ عليه، فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس إن أسلمت نفسي في غشيتي قال: نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله، وأقرها أبو بكر (رض) من هذا الموضع. وذكر قبل ذلك عن عمر أنه كان جالسا والناس معه وبيده جريدة ومعه شديد مولى لابي بكر معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر، وعمر يقول: " أيها الناس إسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إنه يقول: إني لم الكم نصحا ". (رضي الله عنك يا أبا حفص ! كم من الفرق بين موقفك هذا وموقفك من كتابة وصية الرسول) ! ! ! ؟ ؟ ؟ (1) كان لابي بكر منزل بالسنح على ميل من شرقي المدينة في منازل بني الحارث بعوالي المدينة. نزلها منذ قدومه المدينة برواية أم المؤمنين عائشة في الطبري 1 / 1769. - >

[101]

" فاستأذن عمر، والمغيرة بن شعبة (1)، ودخلا عليه، فكشفا الثوب عن وجهه، فقال عمر: واغشياه ! ما أشد غشي رسول الله (ص)، ثم قاما، فلما انتهيا إلى الباب قال المغيرة: يا عمر، مات والله رسول الله (ص)، فقال عمر: كذبت ! ما مات رسول الله ولكنك رجل تحوسك فتنة (2)، ولن يموت رسول الله حتى يفني المنافقين (3). أخذ عمر يهدد بالقتل من قال: إن رسول الله قد مات، ويقول: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وإن رسول الله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه 40 ليلة، ثم رجع بعد أن قيل مات، والله ليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال


< - تاريخ الخميس 1 / 185 وفي معجم البلدان بينها وبين منزل النبي ميل. (2) سيرة ابن هشام 4 / 331 - 334، والطبري 2 / 442. (1) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب مالك بن كعب بن عمرو بن سعد ابن عوف بن قيس الثقفي. وأمه امرأة من بني نصر بن معاوية. أسلم عام الخندق وهاجر إلى المدينة وشهد الحديبية. وقد أرسله الرسول مع أبي سفيان لهدم صنم ثقيف بالطائف وأصيبت عينه يوم اليرموك. ولاه عمر البصرة، ولما شهدوا عليه بالزنا عزله عنها وولاه الكوفة، وتوفي أميرا عليها من قبل معاوية سنة 50 ه‍ وأحصن 300 امرأة في الاسلام وقيل بل 1000 امرأة. الاستيعاب 3 / 368 - 370 والاصابة 3 / 432، وأسد الغابة 4 / 406. (2) تحوسك فتنة: تخالطك وتحثك على ركوبها. (3) تخيرت اللفظ من طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 54، وفي مسند أحمد 6 / 219، وأنساب الاشراف 1 / 563 وفي كنز العمال 4 / 50، والذهبي في تاريخه 1 / 317، وزيني دحلان في هامش الحلبية 3 / 389. ونهاية الارب 18 / 385.

[102]

وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات (1) قال: " من قال: إنه مات علوت رأسه بسيفي (2) هذا، وإنما ارتفع إلى السماء (3) ". فقرأ عليه عمرو بن قيس بن زائدة بن الاصم (4) في المسجد: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) * (5).


(1) في تاريخ اليعقوبي 2 / 95 والطبري 3 / 198، ط. أوروبا 1 / 1818، والبداية والنهاية لابن كثير 5 / 242 وتاريخ الخميس 2 / 185، وتيسير الوصول 2 / 41 وأنساب الاشراف 1 / 565. (2) تاريخ أبي الفداء 1 / 164، وتاريخ ابن شحنة بهامش الكامل ص 112 وفي سيرة زيني دحلان 3 / 390: من قال إن محمدا قد مات ضربته بسيفي وفي ص 387 منه: فسل عمر بن الخطاب (رض) سيفه وتوعد من يقول: مات رسول الله، وفي ص 388 منه: فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي هذا. (3) التتمة في تاريخ أبي الفداء 1 / 164. (4) هو ابن أم مكتوم المؤذن واسم أمه عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عائد المخزومي كان من المهاجرين الاولين. استخلفه رسول الله على المدينة 13 مرة عند خروجه من المدينة، وهو المقصود من " الاعمى " في سورة عبس، شهد القادسية واستشهد بها، وقيل توفي بعدها في المدينة. الاصابة 2 / 516، والاستيعاب 2 / 494 - 495، وأسد الغابة 4 / 127. (5) رواه ابن سعد في طبقاته 2 ق 2 / 57، وفي كنز العمال 4 / 53 رقم الحديث 1092، وابن كثير في 5 / 243 من تاريخه. ورواه الاميني في غديره عن شرح المواهب للزرقاني 8 / 281. وراجع ابن ماجة، الحديث 627 والآية 144 من سورة آل عمران.

[103]

وقال العباس بن عبد المطلب: " إن رسول الله قد مات وإني قد رأيت في وجهه ما لم أزل أعرفه في وجوه بني عبد المطلب عند الموت " (1). لم ينته عمر حتى " خرج العباس بن عبد المطلب على الناس فقال: هل عند أحدكم عهد من رسول الله (ص) في وفاته فليحدثنا ؟ قالوا: لا. قال: هل عندك يا عمر من علم ؟ قال: لا. فقال العباس: إشهدوا أيها الناس أن أحدا لا يشهد على رسول الله بعهد عهد إليه في وفاته " (2) والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله الموت (3). ولم يزل عمر يرعد ويهدد. " فقال العباس: إن رسول الله يأسن كما يأسن البشر، وإن رسول الله قد مات فادفنوا صاحبكم، أيميت أحدكم إماتة ويميته إماتتين ؟ ! هو أكرم على الله من ذلك، فإن كان كما تقولون فليس على الله بعزيز أن يبحث عنه التراب فيخرجه إن شاء الله. ما مات حتى ترك السبيل نهجا واضحا ". الخ (4).


(1) في التمهيد للباقلاني ص 192 - 193. (2) رواه ابن سعد في طبقاته 2 ق 2 / 57. وابن كثير في تاريخه 5 / 243، وفي السيرة الحلبية 3 / 390 - 391، وكنز العمال 4 / 53، الحديث 1092. (3) هذه التتمة في تاريخ أبي الفداء 1 / 152. (4) رواه ابن سعد في الطبقات 2 ق 2 / 53 وأنساب الاشراف 1 / 567. والدأرمي 1 / - >

[104]

" فما زال عمر يتكلم حتى ازبد شدقاه " (1). فذهب سالم بن عبيد (2) وراء الصديق (3) إلى السنح فأعلمه بموت رسول الله (4)، فأقبل أبو بكر فوجد عمر بن الخطاب قائما يوعد الناس (5) ويقول: إن رسول الله حي لم يمت، وإنه خارج إلى من أرجف به، وقاطع أيديهم، وضارب أعناقهم، وصالبهم. جلس عمر حين رأى أبا بكر مقبلا (6). فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم قال: من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ثم قرأ: وما محمد إلا رسول... الخ (7)، فقال عمر: هذا في كتاب الله ؟


< - 39 وفي كنز العمال 4 / 53 الحديث 1090، وبهامش الحلبية 3 / 390 عن الطبراني مختصرا، وفي تاريخ الخميس 2 / 185 وفي ص 192 منه مختصرا. ونهاية الارب 18 / 286. (1) أنساب الاشراف ج 1 / 567 وابن سعد 2 ق 2 / 53. وكنز العمال 4 / 53 وتاريخ الخميس 2 / 185 والسيرة الحلبية 3 / 392. (2) سالم بن عبيد الاشجعي كان من أهل الصفة ثم نزل الكوفة. الاستيعاب 2 / 70 والاصابة 2: 5 وأسد الغابة 2 / 247. (3) لم أثق بما ذكره بعض المصادر من أن أم المؤمنين عائشة هي التي أرسلت إلى أبي بكر وأخبرته بموت رسول الله (ص). (4) في تاريخ ابن كثير 5 / 244، وهامش الحلبية لزيني دحلان 3 / 390 - 391. (5) الطبري 2 / 443 وط. أوروبا 1 / 1818 وابن كثير 5 / 242 وابن أبي الحديد 1 / 60. (6) في الكنز 4 / 53 الحديث 1092. (7) الطبقات لابن سعد 2 ق 2 / 54، والطبري 1 / 1817 - 1818، وابن كثير 5 / - >

[105]

قال: نعم (1). إن أبا حفص لم يغير رأيه بكلام المغيرة، ولا بتلاوة عمرو بن قيس الآية المصرحة بأن النبي يموت، ولا باحتجاج العباس عم النبي، كلا ! إن كل ذلك لم يؤثر في نفس عمر، ولم يكن أبو حفص بمغير رأيه بما احتجوا به ومن احتج، حتى إذا رأى أبا بكر وسمع قوله اطمأن وهدأ، وقد ذكر موقفه هذا بعد حين وقال: " والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الارض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله قد مات " (2). ليت شعري هل كان الباعث لعمر في إشهاره السيف وتهديده من قال: إن رسول الله قد مات، حبه لرسول الله وحزنه على فقده ؟ وهل صح ما قاله بعضهم من ان عمر قد خبل في ذلك اليوم (3) ؟ !


< - 243. والسيرة الحلبية 3 / 392 وابن ماجة الحديث 1627 وإن هذه الآية، التي قرأها أبو بكر على عمر هي التي كان ابن أم مكتوم قد قرأها عليه قبل ذلك. وكان التشكيك في موت الرسول يوم وفاته من خصائص الخليفة عمر بن الخطاب فإن أصحاب السير والمؤرخين لم يذكروا هذا التشكيك عن غيره. (1) هذه التتمة في طبقات ابن سعد 2 ق 2 / 54، والطبري ط. أوروبا 1 / 1816 - 1817. (2) ابن هشام 4 / 334 و 335. والطبري 2 / 442 - 444. وابن كثير 5 / 242 وابن الاثير 2 / 219. وابن أبي الحديد 1 / 128 وصفوة الصفوة 1 / 99 أورده ملخصا. وكنز العمال 4 / 48 الحديث 1053، ونهاية الارب 18 / 387. (3) السيرة الحلبية 3 / 392 وبهامشه 3 / 391.

[106]

أم صح رأي ابن أبي الحديد حين يقول: " إن عمر لما علم أن رسول الله قد مات، خاف من وقوع فتنة في الامامة، وتغلب أقوام عليها، اما من الانصار أو من غيرهم، فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس، فأظهر ما أظهر، وأوقع تلك الشبهة في قلوبهم حراسة للدين والدولة إلى أن جاء أبو بكر " (1). إنا نرى أن ابن أبي الحديد كان مصيبا في قوله: إن عمر خاف من تغلب أقوام عليها - أي على الامارة - إما من الانصار أو من غيرهم، فاظهر ما أظهر. وكان علي من جملة " غير الانصار " الذين كان عمر يخاف من استيلائهم على الامامة، لان المرشحين للبيعة في ذلك اليوم كانوا ثلاثة: (أ) علي بن أبي طالب الذي تعصب له جميع بني هاشم وهتف باسمه أبو سفيان، وطالب له الزبير، وخالد بن سعيد الاموي، والبراء بن عازب الانصاري، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد، إلى غيرهم من مشاهير الصحابة (2) (ب) سعد بن عبادة الانصاري مرشح الخزرج من الانصار. (ج) أبو بكر مرشح عمر وأبي عبيدة (3) والمغيرة بن شعبة وعبد


(1) ابن أبي الحديد 1 / 129. (2) ستأتي تراجمهم في ذكر مواقفهم من بيعة أبي بكر إن شاء الله تعالى. (3) هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب، ويقال وهيب بن ضبة بن الحارث ابن فهر القرشي الفهري، وأمه أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى بن عامر بن عميرة، وكان من السابقين إلى الاسلام، وممن هاجر الهجرتين وتوفي في طاعون عمواس بالشام سنة 18 وهو أمير عليها ودفن بفحل في الاردن، الاستيعاب، 3 / 2 - 4، والاصابة، 2 / 243 وأسد الغابة 3 / 84 - 86.

[107]

الرحمن بن عوف (1) وسالم مولى أبي حذيفة. أما سعد بن عبادة فلم يكن لسيتولي على الامارة لان قبيلة أوس من الانصار كانوا يخالفونه، ولم يكن ليبايعه مهاجري واحد. إذا فهذا الامر كان يتم لعلي، لولا قيام حزب أبي بكر ضده، ولولا مبادرتهم إلى الامر من قبل أن يتم تجهيز الرسول، فإنهم لو أمهلوه حتى يتم تجهيز الرسول ويحضر الاجتماع هو ومن كان يرى الامر له من المهاجرين والانصار وجميع بني هاشم وبعض آل عبد مناف لما تم الامر لغيره. ويرى بعض الباحثين أن كل ما قام به أبو حفص (رض) بعيد وفاة الرسول وقبلها، من منع الرسول من كتابة وصية للمسلمين في مرض موته، ثم إنكاره موت الرسول، إنما كان لهذا الخوف (2). * * * وحقا لو كان الباعث لابي حفص (رض) على إنكاره موت الرسول حبه للرسول وحزنه عليه لما كان ينبغي له أن يترك جنازته بين أهله في بيته ويسارع إلى سقيفة بني ساعدة ويجالد الانصار في سبيل أخذ البيعة لابي


(1) أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري، وامه الشفاء بنت عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، ولد بعد الفيل بعشر سنين، وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو أو عبدالكعبة، فسماه الرسول عبد الرحمن، هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها، وعينه عمر في الستة أهل الشورى. توفي بالمدينة سنة 31 أو 32 ه‍ ودفن بالبقيع. الاستيعاب 2 / 385 - 390 والاصابة 2 / 408 - 410. وأسد الغابة 3 / 313 - 317. (2) راجع ص 98 - 102 أحاديث الكتف والدواة في مرض النبي (ص).

[108]

بكر. وفي سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق أن الشيخين لما أخبرا باجتماع الانصار في السقيفة (ورسول الله في بيته لم يفرغ من أمره) (1) قال عمر: قلت لابي بكر: إنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الانصار حتى ننظر ما هم عليه (2). وفي رواية الطبري (3): وعلي بن أبي طالب دائب في جهاز رسول الله، فمضيا مسرعين نحوهم فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فتماشوا إليهم ثلاثتهم. تركوا رسول الله كما هو وأغلقوا الباب دونه (4) وأسرعوا إلى السقيفة (5). وكانت الانصار قد سبقت إلى سقيفة بني ساعدة للمذاكرة في الامارة وتبعهم جماعة من المهاجرين، ولم يبق حول رسول الله إلا أقاربه، وهم الذين تولوا غسله وتكفينه (6).


(1) سيرة ابن هشام 4 / 336، والرياض النضرة 1 / 163، وتاريخ الخميس 1 / 186. والسقيفة لابي بكر الجوهري كما في ابن أبي الحديد ج 2 / 2. (2) وفي التنبيه والاشراف للمسعودي ص 247: " وعلي والعباس وغيرهم من المهاجرين مشتغلون بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ". (3) 2 / 456 وفي ط. أوروبا 1 / 1839، وفي الرياض النضرة ايضا ذكر ذهاب الثلاثة إلى السقيفة. (4) هذا لفظ البدء والتاريخ 5 / 65 وفي سيرة ابن هشام 4 / 336: وقد أغلق دونه الباب أهله، وكذلك في تاريخ الخميس 1 / 186. والرياض النضرة 1 / 163. (5) هذه التتمة من البدء والتاريخ. (6) مسند أحمد 1 / 260، أورده بالتفصيل في مسند ابن عباس، وابن كثير في 5 / 260، وصفوة الصفوة، 1 / 85. وتاريخ الخميس، 1 / 189، والطبري، 2 / 451. وفي ط. - >

[109]

وقال أبو ذؤيب الهذلي: قدمت المدينة ولها ضجيج كضجيج الحاج إذا أهلوا بالاحرام فقلت: مه ؟ قالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجئت إلى المسجد فوجدته خاليا، فأتيت بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبت بابه مرتجا، وقيل: هو مسجى. وقد خلا به أهله، فقلت: أين الناس ؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الانصار (1). ولما اجتمع القوم لغسل رسول الله وليس في البيت إلا أهله: عمه العباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، والفضل بن العباس (2)، وقثم بن العباس (3) وأسامة بن زيد بن حارثة (4)


أوروبا 1 / 1830 - 1831. وابن شحنة بهامش الكامل ص 100 ملخصا، وابو الفداء، 1 / 152. وأسد الغابة 1 / 34 مع اختلاف يسير في الالفاظ، والعقد الفريد 3 / 61، وتاريخ الذهبي 1 / 321. وابن سعد 2 ق 2 / 70، واليعقوبي 2 / 94، والبدء والتاريخ 5 / 68، وابن الاثير والتنبيه والاشراف للمسعودي: 244. قد صرح جميع هؤلاء المؤرخين: بأن الذين اشتغلوا في تجهيز رسول الله (ص) وولوا أمره هم أهل بيته فحسب، وقد تخيرنا لفظ الحديث من ابن حنبل من: " ولما اجتمع القوم لغسل رسول الله - إلى - ولم يل شيئا من أمر رسول الله ". (1) أبو ذؤيب قيل: اسمه خويلد، شاعر أسلم على عهد النبي ولم يره، سمع بمرض الرسول فأتى المدينة، وأدرك بيعة أبي بكر، ثم رجع إلى البادية. قيل: توفي غازيا بأرض الروم، وحديث حضوره السقيفة بترجمته من الاستيعاب 4 / 65، وأسد الغابة 5 / 188، وأورده ابن حجر في الاصابة 4 / 66 ملخصا إياه تلخصيصا مخلا، وأخباره في الاغاني 6 / 56 - 62 ط. ساسي. (2) الفضل بن العباس وأمه لبابة الصغرى بنت الحارت بن حزن الهلالية. كان أسن إخوته وهو ممن حضر حنينا وثبت فيها، توفي في خلافة أبي بكر أو عمر. الاستيعاب 3 / 202، - >

[110]

وصالح (1) مولاه، فأسنده علي إلى صدره وعليه قميصه - وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة بن زيد وصالح مولاه يصبان الماء وجعل علي يغسله - ودخل معهم أوس بن خولي الانصاري (2) ولم يل شيئا من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله. المرشحون للبيعة والنبي (ص) مسجى في بيته: إهتم أقرباء الرسول (ص) وأصحابه بالبيعة للخلافة من. قبل أن يتم تجهيز الرسول، وانقسموا إلى ثلاث طوائف كل طائفة ترشح زعيمها للخلافة، وكان علي بن أبي طالب هو المرشح الاول، فقد روى ابن سعد في الطبقات: " أن العباس قال لعلي: أمدد يدك أبايعك يبايعك الناس " (3) وفي


< - والاصابة 3 / 202 وأسد الغابة 4 / 184. (3) كان شبيها بالنبي. ولاه على مكة وبقي عليها حتى قتل. استشهد بسمرقند في ولاية معاوية. الاستيعاب 3: 262، والاصابة 3 / 218 - 219، وأسد الغابة 4 / 197. (4) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن عبدود بن عوف الكلبي، وأمه أم أيمن حاضنة النبي. ولد في الاسلام وتوفي في خلافة معاوية. (الاستيعاب 1 / 34 والاصابة 1 / 46). (1) هو شقران. كان عبدا حبشيا وشهد بدرا فلم يسهم له. الاستيعاب 2 / 161 - 162 والاصابة 2 / 150 وأسد الغابة 3 / 1. (2) أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم الحبلي الخزرجي، شهد بدرا ومات بعدها، توفي بالمدينة في خلافة عثمان. الاستيعاب 1 / 48 والاصابة 1 / 95 - 96 وأسد الغابة 1 / 170. (3) طبقات ابن سعد 2 / ق 2 / 38.

[111]

رواية المسعودي: " يا ابن أخي هلم لابايعك فلا يختلف عليك اثنان " (1)، وفي رواية عبد العزيز الجوهري: أن العباس عاتب عليا بعد ذلك وقال له: " فلما قبض رسول الله أتانا أبو سفيان بن حرب تلك الساعة فدعوناك إلى أن نبايعك وقلت لك: أبسط يدك أبايعك ويبايعك هذا الشيخ فإنا إن بايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف، وإن بايعك بنو عبد مناف لم يختلف عليك قرشي، وإذا بايعتك قريش لم يختلف عليك أحد من العرب، فقلت: لنا بجهاز رسول الله شغل " (2) في رواية الطبري: " وأشرت عليك بعد وفاة الرسول أن تعاجل بالامر فأبيت " (3) هذا مضافا إلى ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى من مواقف بعض الصحابة في طلب البيعة لعلي، غير أن علي بن أبي طالب كان منصرفا عن الخلافة مهتما بتجهيز الرسول فأبى أن يمد يده للبيعة والرسول مسجى بين أيديهم فلامه العباس بعدئذ على امتناعه من قبول البيعة. والحق أن العباس لم يكن مصيبا في رأيه ولا محقا في لومه. فإن الرسول إن كان قد رشح ابن عمه لولاية الامر من بعده (4) - كما يعتقد بذلك طائفة من


(1) مروج الذهب 2 / 200 وفي تاريخ الذهبي 1 / 329، وضحى الاسلام 3 / 291، وفي الامامة والسياسة 1 / 4: " أبسط يدك أبايعك فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ويبايعك أهل بيتك فإن هذا الامر إذا كان لم يقل ". (2) رواها ابن أبي الحديد في 1 / 131 عن كتاب (السقيفة) وفي ص 54 أوردها مختصرة. (3) الطبري 3 / 294. والعقد الفريد 3 / 74. (4) في أسد الغابة 4 / 31 قال رسول الله (ص) لعلي: " إنك بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي فإن أتاك هؤلاء القوم فسلموا لك الامر فاقبله منهم... " الحديث.

[112]

المسلمين - فالبيعة أو عدمها لم تكن بمغيرة من ذلك الحق المنصوص عليه شيئا - لو كان المسلمون يريدون أن يأخذوا بكل ما أتى به الرسول - وإن كان الرسول قد ترك أمته هملا - كما يذهب إليه طائفة أخرى من المسلمين - فلم يكن من الصواب أن يغصبوا من المسلمين حق الانتخاب. وأيا ما كان الامر فإن عليا آنذاك لو كان آخذا بنصيحة عمه لقيل في بيعته إنها فلتة كما قيل في بيعة أبي بكر " إنها فلتة " (1) ولاضرمت الجماعة عند ذاك نار حرب يشيب منها الوليد. لان هذا البعض كان يكره أن تجتمع الخلافة والنبوة لبني هاشم (2) وإن نص النبي لعلي لم يكن بمزيل هذه الكراهية إن لم يزدها. إذا فعلي كان أبعد نظرا من عمه في أمره. وأخرى أن عليا لم يكن ليرضى أن تنعقد له البيعة في البيت بمبادرة جماعة إليها دون أن يكون ذلك في ملا من المسلمين وبرضى عامتهم كما لم يقبل بذلك بعد وقعة الدار. وقد قال علي في جواب عمه: فإني لا أحب هذا الامر من وراء رتاج، وإنما أريد أن اصحر به (3).


(1) راجع فيما يأتي: رأي عمر في بيعة أبي بكر. (2) روى ابن عباس أن عمر قال له: " أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد ؟ ؟ قال ابن عباس: فقلت له: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني. فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا ". تأتي تتمته عن الطبري في ذكر رأي ابن عباس في بيعة أبي بكر إن شاء الله تعالى. (3) شرح النهج. وإن طلب العباس البيعة لعلي لا يدل على عدم وجود نص عليه فإن شأنها شأن طلب الرسول البيعة من أصحابه في الحديبية، فإن طلب النبي البيعة منهم لم تكن الغاية أخذ الاعتراف منهم بنبوته، وإنما كان القصد أخذ العهد منهم لنصرته. راجع الفصول المختارة للمفيد ص 41 وما بعدها.

[113]

وأخيرا هل كان يجدر بعلي وهو الاثير عند النبي أن يترك النبي مسجى على مغتسله وينصرف عنه ليأخذ لنفسه البيعة من هذا وذاك ! ! الحق أن هذا كان بعيدا من خلق علي. المرشح الثاني في السقيفة: اجتمعت الانصار في سقيفة بني ساعدة فقالوا: " نولي هذا الامر بعد محمد سعد بن عبادة وأخرجوا سعدا إليهم وهو مريض... ". فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الانصار في الدين وفضيلتهم في الاسلام، وإعزازهم للنبي وأصحابه، وجهادهم لاعدائه حتى استقامت العرب، وتوفي الرسول وهو عنهم راض، وقال: " استبدوا بهذا الامر دون الناس فأجابوه بأجمعهم. أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الامر، ثم إنهم ترادوا الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش فقالوا نحن المهاجرون، وصحابة رسول الله الاولون، ونحن عشيرته، وأولياؤه، فعلام تنازعوننا هذا الامر بعده ؟ فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير ومنكم أمير، فقال سعد بن عبادة: هذا أول الوهن " (1) المرشح الفائز: سمع أبو بكر وعمر بذلك، فاسرعا إلى السقيفة مع أبي عبيدة ابن


(1) الطبري في ذكره لحوادث سنة 11 ه‍، ط. أوروبا 1 / 838، و 2 / 456 عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الانصاري، وابن الاثير 2 / 125 وبتاريخ الخلفاء لابن قتيبة 1 / 5 قريب منه وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة ج 2 عن ابن أبي الحديد في خطبة: (ومن كلام له في معنى الانصار).

[114]

الجراح (1) وانحاز معهم اسيد بن حضير (2) وعويم بن ساعدة (3) وعاصم بن عدي (4) من بني العجلان (5) والمغيرة بن شعبة وعبد الرحمن بن عوف. قال أبو ذؤيب: وجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة أي ابن الجراح، وسالما وجماعة من قريش، ورأيت الانصار فيهم سعد بن عبادة وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وملا منهم فأويت إلى قريش وتكلمت الانصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، وتكلم أبو


(1) راجع قبله ص 110 - 111. (2) ابن هشام 4 / 335، أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن أمرئ القيس ابن زيد بن عبد الاشهل بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاشهلي، شهد العقبة الثانية وكان ممن ثبت في أحد، وشهد جميع مشاهد النبي وكان أبو بكر لا يقدم أحدا من الانصار عليه. توفي سنة 20 أو 21 ه‍ فحمل عمر نعشه بنفسه، الاستيعاب 1 / 31 - 33 والاصابة 1 / 64. (3) عويم بن ساعدة بن عائش بن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف ابن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، شهد العقبة وبدرا وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر وبترجمته في النبلاء إنه كان أخا الخليفة عمر. وقال عمر على قبره: " لا يستطيع أحد من أهل الارض أن يقول: (أنا خير من صاحب هذا القبر) ". الاستيعاب 3 / 170 والاصابة 3 / 45 وأسدا الغابة 4 / 158. (4) عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان بن حارثة بن ضبيعة بن حرام البلوي العجلاني، حليف الانصار وكان سيد بني عجلان، شهد أحدا وما بعدها، توفي سنة 45 هجرية، الاستيعاب 3 / 133، والاصابة 2 / 237 وأسد الغابة 3 / ص 75. (5) ابن هشام 4 / 339 وفي الموفقيات للزبير بن بكار (معن بن عدي) بدل (عاصم) راجع ابن أبي الحديد ج 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار).

[115]

بكر، فلله دره من رجل لا يطيل الكلام، ويعلم مواضع فصل الخطاب، والله لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه، ثم تكلم عمر بعده بدون كلامه، ومد يده فبايعه، ورجع أبو بكر ورجعت معه... الحديث (1). تركوا الرسول يغسله أهله (2)، واجتمعوا مع الانصار في ناديهم - السقيفة - يتنافسون على الامارة بعد الرسول. وذكر أصحاب السير تفصيل ما دار بينهم من حديث وقالوا: تكلم أبو بكر - بعد أن منع عمر عن الكلام - وحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال: " فهم أول من عبد الله في الارض وآمن بالرسول وهم أولياؤه، وعشيرته، وأحق الناس بهذا الامر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم "، ثم ذكر فضيلة الانصار، وقال: " فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الامراء، وأنتم الوزراء ". فقام الحباب بن المنذر، وقال: " يا معشر الانصار إملكوا عليكم أمركم فإن الناس في فيئكم، وفي ظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم. فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير ". فقال: عمر هيهات ! لا يجتمع اثنان في قرن... والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم. ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من


(1) هذه تتمة حديثه الذي أوردناه في ص 112. (2) راجع قبله ص 112 - 113 وما بعدهما.

[116]

كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة. والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته (1) إلا مدل بباطل أو متجانف لاثم أو متورط في هلكة ؟ ! فقام الحباب بن المنذر (2) وقال: يا معشر الانصار ! إملكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم، فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الامور، فأنتم والله أحق بهذا الامر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به. أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة (3). والله لا يرد أحد علي إلا حطمت أنفه بالسيف. قال عمر: إذن يقتلك الله. قال: بل إياك يقتل، (وأخذه ووطأ في بطنه ودس في فيه التراب) (4). فقال أبو عبيدة: " يا معشر الانصار إنكم كنتم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير ".


(1) لما سمع علي بن ابي طالب هذا الاحتجاج من المهاجرين قال: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، النهج وشرحه ج 2 في الصفحة الثانية منه. (2) الحباب بن المنذر بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الانصاري شهد بدرا وما بعدها، وتوفي في خلافة عمر، الاستيعاب 1 / 353 والاصابة 1 / 302 وأسد الغابة 1 / 364. ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 359. (3) أعدت الامر جذعا أي جديدا كما بدأ، وإذا طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم إن شئتم أعدناها جذعة أي: أول ما يبتدأ فيها. (4) هذه الزيادة في رواية السقيفة لابي بكر الجوهري. راجع ابن أبي الحديد 2 / 16.

[117]

فقام بشير بن سعد الخزرجي أبو نعمان بن بشير (وكان حاسدا له - أي لسعد - وكان من سادة الخزرج) (1) فقال: " يا معشر الانصار ! إنا والله لئن كنا أولي فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكدح لانفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا. فإن الله ولي النعمة علينا بذلك، ألا إن محمدا صلى الله عليه وسلم من قريش، وقومه أحق به، وأولى، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الامر أبدا، فاتقوا الله، ولا تخالفوهم، ولا تنازعوهم ". فقال أبو بكر: هذا عمر وهذا أبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا، فقالا: " والله لا نتولى هذا الامر عليك " (2). (وقام عبد الرحمن بن عوف، وتكلم فقال: " يا معشر الانصار ! إنكم وإن كنتم على فضل، فليس فيكم مثل أبي بكر وعمر وعلي ". وقام المنذر ابن الارقم فقال: ما ندفع فضل من ذكرت، وإن فيهم لرجلا لو طلب هذا الامر لم ينازعه فيه أحد - يعني علي بن أبي طالب -) (3). (فقالت الانصار أو بعض الانصار: لا نبايع إلا عليا) (4).


(1) هذه الزيادة برواية الجوهري في السقيفة راجع شرح النهج 2 / 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار). (2) لم نسجل هنا بقية الحوار وتعليقنا عليه طلبا للاختصار. (3) رواه اليعقوبي بعد ذكر ما تقدم في 2 / 103 من تاريخه. (4) في رواية الطبري ط. أوروبا 1 / 1818، و 3 / 208. عن إبراهيم، وابن الاثير 2 / 123: (أن الانصار قالت ذلك بعد أن بايع عمر أبا بكر). وقال ابن أبي الحديد في 1 / 122: إن الانصار لما فاتها ما طلبت من الخلافة قالت

[118]

قال عمر: (فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت: أبسط (1) يدك لابايعك) (2) فلما ذهبا ليبايعاه سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير ابن سعد عققت عقاق ! أنفست على ابن عمك الامارة، فقال: لا والله ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا جعله الله لهم. ولما رأت الاوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض، وفيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا فقوموا فبايعوا أبا بكر (3).


< - لا نبايع إلا عليا. وروى ذلك عن الزبير بن بكار في 2 / 8 أيضا. (1) قد قال عمر لابي بكر: أبسط يدك لابايعك. (2) عن سيرة ابن هشام 4 / 336 وجميع من روى حديث الفلتة، راجع بعده حديث الفلتة في ذكر رأي عمر في بيعة أبي بكر. وفي نهاية ابن كثير 5 / 246 بعد هذا: " خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة ان يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد ". أقول: بعد أن استطاع العمران أن يصرفا الانصار عن سعد بن عبادة اتجهوا نحو علي فتخوف أبو حفص من هذا الاتجاه القوي. فإن الانصار لو اتصلوا ببني هاشم بعد أن يفرغوا من تجهيز الرسول لاصبحت أقليتهم منها صفر اليدين، فلذلك بادر إلى بيعة أبي بكر وقضي الامر. (3) وفي رواية أبي بكر في سقيفته: لما رأت الاوس أن رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع قام أسيد بن حضير وهو رئيس الاوس فبايع حسدا لسعد ومنافسة له أن يلي الامر. راجع شرحه النهج 2 / 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار).

[119]

فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم، فأقبل الناس من كل جانب يبايعون أبا بكر وكادوا يطؤون سعد بن عبادة (1). فقال أناس من أصحاب سعد: إتقوا سعدا لا تطؤوه. فقال عمر: أقتلوه قتله الله. ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك. فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر فقال: " والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. فقال أبو بكر: مهلا يا عمر ! الرفق هاهنا أبلغ. فأعرض عنه عمر (2). وقال سعد: أما والله لو أن بي قوة ما أقوى على النهوض لسمعت مني في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك. أما والله إذا لالحقنك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع. إحملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره (3). وروى أبو بكر الجوهري: " أن عمر كان يومئذ - يعني يوم بويع أبو بكر - محتجزا يهرول بين يدي أبي بكر ويقول: الا إن الناس قد بايعوا أبا بكر ". (4).


(1) وفي رواية اليعقوبي 2 / 103: وبايع الناس وجعل الرجل يطفر وسادة سعد بن عبادة حتى وطئوا سعدا. (2) إن هذا الموقف يوضح بجلاء جماع سياسة الخليفتين من شدة ولين. (3) الطبري: 2 / 201 - 202. وط. أوروبا 1 / 1843. (4) في كتابه السقيفة، راجع ابن أبي الحديد: 1: 133. وفي 74 منه بلفظ آخر.

[120]

(بايع الناس أبا بكر وأتوا به المسجد يبايعونه فسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). فقال علي: ما هذا ؟ قال العباس: ما رؤي مثل هذا قط ! ! ما قلت لك (1) ؟ ! النذير: وجاء البراء بن عازب فضرب الباب على بني هاشم وقال: يا معشر بني هاشم ! بويع أبو بكر. فقال بعضهم لبعض: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد ! !. فقال العباس: فعلوها ورب الكعبة ! وكان المهاجرون والانصار " لا يشكون في علي " (2). روى الطبري: أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول:


(1) ابن عبد ربه في العقد الفريد 3: 63، وأبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد عنه في 1 / 123 وروي تفصيله في 74 منه والزبير بن بكار في الموفقيات كما يروي عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 2 في شرحه (ومن كلام له في معنى الانصار). (2) اليعقوبي 2 / 103، وفي ابن أبي الحديد 1 / 74 عن البراء بن عازب فقال العباس: تربت أيديكم إلى آخر الدهر، أما أني قد أمرتكم فعصيتموني.

[121]

(ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر) (1). فلما بويع أبو بكر أقبلت الجماعة التي بايعته تزفه زفا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد على المنبر - منبر رسول الله - فبايعه الناس حتى أمسى، وشغلوا عن دفن رسول الله حتى كانت ليلة الثلاثاء (2). البيعة العامة: (ولما بويع أبو بكر في السقيفة وكان في الغد جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه... وذكر أن قوله بالامس لم يكن من كتاب الله ولا عهدا من رسوله ولكنه كان يرى أن الرسول سيدبر أمرهم ويكون آخرهم) ثم قال: " وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه ". فبايع الناس أبا بكر بيعته العامة بعد بيعة السقيفة. وفي البخاري: " وكان طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة أبي بكر العامة على المنبر ". قال أنس بن مالك:


(1) الطبري 2 / 458. وط أوروبا 1 / 1843 وفي رواية ابن الاثير 2 / 224: (وجاءت أسلم فبايعت) وقال زبير بن بكار في الموفقيات برواية النهج 6 / 287: (فقوي بهم أبو بكر) ولم يعينا متى جاءت أسلم ويقوى الظن أن يكون ذلك يوم الثلاثاء. وقال المفيد في كتابه (الجمل): إن القبيلة كانت قد جاءت لتمتار من المدينة (الجمل ص 43). (2) الرياض النضرة 1 / 164، وتاريخ الخميس 1 / 188.

[122]

" سمعت عمر يقول لابي بكر يومئذ إصعد المنبر، فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة " (1). ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فاعينوني وإن أسأت فقوموني... إلى قوله: أطيعوني ما اطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله ". بعد بيعة أبي بكر العامة: " توفي رسول الله (ص) يوم الاثنين حين زاغت الشمس فشغل الناس عن دفنه " (2). شغل الناس عن رسول الله بقية يوم الاثنين حتى عصر الثلاثاء، شغل الناس بخطب السقيفة ثم ببيعة ابي بكر الاولى ثم ببيعته العامة وخطبته وخطبة عمر حتى أن صلى بهم.


(1) ابن هشام 4 / 340. والطبري 3 / 203 وفي ط. أوروبا 1 / 1829 وعيون الاخبار لابن قتيبة 2 / 234. والرياض النضرة 1 / 167. وابن كثير 5 / 248. والسيوطي في تاريخ الخلفاء: 47. وكنز العمال 3 / 129، الحديث: 2253، والحلبية 3 / 397، وذكر البخاري في صحيحه 4 / 165 كتاب البيعة عن أنس: خطبة عمر باختلاف يسير. وممن ذكر خطبة أبي بكر فقط، أبو الجوهري في كتابه السقيفة حسب رواية ابن ابي الحديد عنه، 1 / 134، وصفوة الصفوة 1 / 98. (2) طبقات ابن سعد ج 2 ق 2 ص 78 ط ليدن.

[123]

قالوا: " فلما بويع أبو بكر اقبل الناس على جهاز رسول الله يوم الثلاثاء " (1) " ثم دخل الناس يصلون عليه " (2) " وصلي على رسول الله بغير إمام. يدخل عليه المسلمون زمرا زمرا يصلون عليه " (3). دفن رسول الله ومن حضر دفنه: " ولي وضع رسول الله في قبره هؤلاء الرهط الذين غسلوه: العباس وعلي والفضل وصالح مولاه. وخلى أصحاب رسول الله بين رسول الله وأهله فولوا إجنانه " (4). " ودخل القبر علي، والفضل وقثم ابنا العباس، وشقران مولاه. ويقال: اسامة بن زيد وهم تولوا غسله وتكفينه وأمره كله " (5) " وإن أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبي " (6) وقالت عائشة: " ما علمنا بدفن الرسول حتى سمعنا صوت


(1) سيرة ابن هشام: 4 / 343 والطبري: 2 / 450. وفي ط. أوروبا 1 / 1830. وابن الاثير: 2 / 126. وابن كثير: 5 / 248. والحلبية: 3 / 392 و 394. وهذا الاخير لم يعين اليوم الذي انتهوا فيه من بيعة أبي بكر واقبلوا على جهاز رسول الله. (2) ابن هشام 4 / 343. (3) طبقات ابن سعد 2 ق 2 ص 70، والكامل لابن الاثير ج 2 في ذكر حوادث سنة 11 ه‍. (4) النص لابن سعد في الطبقات: 2 ق 2 / 70، وفي البدء والتاريخ قريب منه. وكنز العمال 4 / 54 و 60 وهذه عبارته: " ولي دفنه وإجنانه أربعة من الناس " ثم ذكر ما أوردناه. (5) العقد الفريد: 3 / 61. وقريب منه نص الذهبي في تاريخه: 1 / 321 و 324 و 326. (6) كنز العمال: 3 / 140.

[124]

المساحي من جوف الليل ليلة الاربعاء " (1). " ولم يله إلا أقاربه، ولقد سمعت بنو غنم صريف المساحي حين حضر وإنهم لفي بيوتهم " (2). وقال شيوخ الانصار من بني غنم " سمعنا صوت المساحي آخر الليل " (3). بعد دفن الرسول: اندحر سعد ومرشحوه، وبقي علي وجماعته - بعد أن أصبحوا أقلية - يتناحرون وحزب أبي بكر الظافر وكل يجتهد في جلب الانصار لحوزته. قال اليعقوبي (4): " وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار ومالوا مع علي بن أبي طالب (5) منهم العباس بن عبد المطلب


(1) ابن هشام: 4 / 344، والطبري: 2 / 452 و 455 وفي ط. أوروبا 1 / 1833 - 1837. وابن كثير: 5 / 270، وابن الاثير في اسد الغابة: 1 / 34، في ترجمة الرسول. وقد ورد في روايات أخرى أن سماعهم صريف المساحي كان ليلة الثلاثاء كما في طبقات ابن سعد: 2 ق 2 / 78 وتاريخ الخميس 1 / 191. والذهبي في تاريخه 1 / 327، والاصح أن ذلك كان ليلة الاربعاء. وفي مسند أحمد 6 / 62: في آخر ليلة الاربعاء، وفي ص 242 منه وص 274: " ما علمنا أين يدفن حتى سمعنا... ". (2) (3) ابن سعد 2 / ق 2 / 78. (4) في تاريخه 2 / 103، والسقيفة لابي بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد 2 / 13، والتفصيل في ص 74 منه وبلفظ قريب منه في الامامة والسياسة 1 / 14. (5) في نص الجوهري: " إنهم اجتمعوا ليلا وأرادوا أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين والانصار، وإن المجتمعين كانوا من الخامس إلى التاسع مضافا إلى عبادة بن الصامت - >

[125]

والفضل بن العباس، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو (1)، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب (2)، وأبي بن كعب (3) فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة


< - وأبي الهيثم ابن التيهان وحذيفة ". (1) المقداد بن الاسود الكندي هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود البهراني. أصاب دما في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة وتزوج امرأة فولدت له المقداد فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الاسود بن عبد يغوث الزهري فتبناه الاسود فصار يقال له: المقداد ابن الاسود الكندي. فلما نزلت " ادعوهم لآبائهم " قيل له: المقداد بن عمرو. وقال الرسول: " إن الله عزوجل أمرني بحب أربعة من أصحابي وأخبرني انه يحبهم ". فقيل: من هم ؟ فقال: " علي والمقداد وسلمان وأبو ذر ". توفي سنة 33 ه‍. الاستيعاب 2 / 451 والاصابة 3 / 433 - 434. (2) أبو عمرو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي، كان ممن استصغره الرسول يوم بدر ورده. وغزا مع الرسول 14 غزوة وشهد مع علي الجمل وصفين والنهروان. سكن الكوفة وابتنى بها دارا وتوفي بها في إمارة مصعب بن الزبير. الاستيعاب 1 / 144، والاصابة 1 / 147. (3) أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وهو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الاكبر، شهد العقبة الثانية وبايع النبي فيها وشهد بدرا وما بعدها، وكان من كتاب النبي، مات في آخر خلافة عمر أو صدر خلافة عثمان. الاستيعاب 1 / 27 - 30، والاصابة 1 / 31 - 32.

[126]

ابن الجراح، والمغيرة بن شعبة. فقال: ما الرأي ؟. قالوا: (1) الرأي أن تلقى العباس بن عبد المطلب فتجعل له في هذا الامر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده فتقطعون به ناحية علي بن أبي طالب " وتكون لكما حجة " (2) على علي إذا مال معكم. فانطلق أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، والمغيرة، حتى دخلوا على العباس ليلا (3) فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا نبيا، وللمؤمنين وليا، فمن عليهم بكونه بين أظهرهم حتى اختار له ما عنده فخلى على الناس أمورهم (4) ليختاروا لانفسهم في مصلحتهم مشفقين (5) فاختاروني عليهم واليا ولامورهم راعيا، فوليت ذلك وما أخاف - بعون الله وتسديده - وهنا ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وما انفك يبلغني عن طاعن بقول الخلاف على عامة المسلمين يتخذكم لجأ فتكونوا حصنه المنيع، وخطبه البديع، فإما دخلتم مع الناس فيما اجتمعوا عليه، وإما صرفتموهم عما مالوا إليه، ولقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الامر نصيبا يكون لك


(1) في نص الجوهري أن قائل هذا الرأي هو المغيرة بن شعبة وهذا هو الاقرب إلى الصواب. (2) هذه الزيادة في نسخة الامامة والسياسة 1 / 14. (3) في رواية ابن أبي الحديد أن ذلك كان في الليلة الثانية بعد وفاة النبي. (4) إن ضمير (هم) موجود في رواية ابن أبي الحديد. (5) في نسخة الامامة والسياسة وابن أبي الحديد ص 74 (متفقين) وهو الاشبه بالصواب.

[127]

ويكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان صاحبك " فعدلوا الامر عنكم " (1) على رسلكم بني هاشم فإن رسول الله منا ومنكم. وقال عمر بن الخطاب: وأخرى إنا لم نأتكم لحاجة اليكم، ولكن كرها أن يكون الطعن في ما اجتمع عليه المسلمون منكم فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لانفسكم ! فحمد العباس الله وأثنى عليه وقال: إن الله بعث محمدا كما وصفت نبيا وللمؤمنين وليا، فمن على أمته به حتى قبضه الله إليه واختار له ما عنده، فخلى على المسلمين أمورهم ليختاروا لانفسهم مصيبين الحق لا مائلين بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين أخذت فنحن منهم فما تقدمنا في أمرك فرطا، ولا حللنا وسطا، ولا برحنا سخطا، وإن كان هذا الامر وجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين. ما أبعد قولك من أنهم طعنوا عليك من قولك إنهم اختاروك ومالوا إليك، وما أبعد تسميتك خليفة رسول الله من قولك خلى على الناس أمورهم ليختاروا فاختاروك. فأما ما قلت: إنك تجعله لي، فإن كان حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم (2) فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض، وعلى رسلك، فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها. فخرجوا من عنده ".


(1) الزيادة في نسخة ابن أبي الحديد والامامة والسياسة. (2) في نسخة الجوهري والامامة والسياسة: فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه.

[128]

التحصن بدار فاطمة: قال عمر بن الخطاب: " وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة " (1). وذكر المؤرخون في عداد من تخلف عن بيعة أبي بكر وتحصن بدار فاطمة مع علي والزبير كلا من: 1 - العباس بن عبد المطلب. 2 - عتبة بن أبي لهب. 3 - سلمان الفارسي. 4 - أبو ذر الغفاري. 5 - عمار بن ياسر. 6 - المقداد بن الاسود. 7 - البراء بن عازب. 8 - أبي بن كعب. 9 - سعد بن أبي وقاص (2).


(1) مسند أحمد 1 / 55، والطبري 2 / 466، وفي ط. أوروبا 1 / 1822، وابن الاثير 2 / 124، وابن كثير 5 / 246، وصفوة الصفوة 1 / 97، وابن أبي الحديد 1 / 123، وتاريخ السيوطي في مبايعة أبي بكر ص 45، وابن هشام 4 / 338، وتيسير الوصول 2 / 41. (2) أبو إسحق سعد بن أبي وقاص واسم أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب القرشي، وكان سبع سبعة سبقوا إلى الاسلام، شهد بدرا وما بعدها. وهو أول من رمى بسهم في الاسلام، وكان رأس من فتح العراق وكوف الكوفة ووليها لعمر - >

[129]

10 - طلحة بن عبيدالله. وجماعة من بني هاشم وجمع من المهاجرين والانصار (1). وقد تواتر حديث تخلف علي ومن معه عن بيعة أبي بكر وتحصنهم بدار فاطمة في كتب السير، والتواريخ، والصحاح والمسانيد، والادب والكلام، والتراجم، غير انهم لما كرهوا ما جرى بين المتحصنين والحزب الظافر لم يفصحوا ببيان حوادثها إلا ما ورد ذكره عفوا. ومن ذلك ما رواه البلاذري وقال: بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي رضي الله عنهم حين قعد عن بيعته وقال: " ائتني به بأعنف العنف فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال: إحلب حلبا لك شطره. والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غدا... " الحديث (2). قال أبو بكر في مرض موته: " أما إني لا آسي على شئ في الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن - إلى قوله - فأما الثلاث التي فعلتها فوددت أني لم أكشف عن بيت فاطمة وتركته ولو أغلق على


< - وعينه في الستة اصحاب الشورى واعتزل الناس بعد مقتل عثمان ومات بمسكنه في العقيق في خلافة معاوية وحمل إلى المدينة ودفن بالبقيع. الاستيعاب 2 / 18 - 25، والاصابة 2 / 30 - 32. (1) صرحت المصادر الآتية بالاضافة إلى المصادر المذكورة آنفا أن هؤلاء كانوا قد تخلفوا عن بيعة أبي بكر واجتمعوا بدار فاطمة ومن هذه المصادر ما ذكرت اسم بعضهم وأنهم إنما إجتمعوا ليبايعوا عليا، الرياض النضرة 1 / 167 وتاريخ الخميس 1 / 188، وابن عبد ربه 3 / 64، وتاريخ أبي الفداء 1 / 156 وابن شحنة بهامش الكامل 11 / 112، والجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد 2 / 130 - 134 والحلبية 3 / 394، و 397. (2) أنساب الاشراف 1 / 587.

[130]

حرب " (1). وفي اليعقوبي: " وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب " (2)، وقد عد المؤرخون في الرجال الذين أدخلوا بيت فاطمة بنت رسول الله كلا من: 1 - عمر بن الخطاب. 2 - خالد بن الوليد (3). 3 - عبد الرحمن بن عوف. 4 - ثابت بن قيس بن شماس (4).


(1) الطبري 2 / 619 وفي ط. أوروبا 1 / 2140 عند ذكر وفاة أبي بكر، ومروج الذهب 1 / 414، وابن عبد ربه 3 / 69 عند ذكره استخلاف أبي بكر لعمر، والكنز 3 / 135، ومنتخب الكنز 2 / 171، والامامة والسياسة 1 / 18، والكامل للمبرد حسب رواية ابن أبي الحديد 2 / 130 - 131، وقد ذكر أبو عبيد في الاموال ص 131 قول أبي بكر هكذا: (أما الثلاث التي فعلتها فودتت أني لم أكن فعلت كذا وكذا - لخلة ذكرها - قال أبو عبيد: لا أريد ذكرها) انتهى، وأبو بكر الجوهري برواية النهج 9 / 130. ولسان الميزان 4 / 189 وراجع ترجمة أبي بكر في ابن عساكر ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي، وتاريخ الذهبي 1 / 388. (2) 2 / 115. (3) أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، وأمه لبابة بنت الحارث بن الحزن الهلالية أخت ميمونة زوجة النبي، وكانت إليه أعنة الخيل في الجاهلية، هاجر بعد الحديبية وشهد فتح مكة وأمره أبو بكر على الجيوش، وكان يقال له سيف الله ! توفي بحمص أو بالمدينة سنة 21 أو 22 ه‍. الاستيعاب 1 / 405 - 408. (4) ثابت بن قبس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن - >

[131]

5 - زياد بن لبيد (1). 6 - محمد بن مسلمة (2). 7 - زيد بن ثابت (3). 8 - سلمة بن سلامة بن وقش (4).


< - كعب بن الخزرج الانصاري. شهد أحدا وما بعدها وقتل مع خالد في اليمامة. الاستيعاب 1 / 193 والاصابة 1 / 197. (1) زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدي بن أمية بن بياضة الانصاري من بني بياضة بن عامر بن زريق مهاجري أنصاري. خرج إلى رسول الله بمكة وأقام معه حتى هاجر معه إلى المدينة، شهد العقبة وبدرا وما بعدها، مات في أول خلافة معاوية. الاستيعاب 1 / 545 والاصابة 1 / 540. في نسبه بجمهرة ابن حزم ص 356 سقط بياضة. (2) محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو بن مالك بن الاوس، شهد بدرا وما بعدها. وكان ممن لم يبايع علي بن أبي طالب ولم يشهد معه حروبه وتوفي سنة 43 أو 46 أو 47 ه‍. الاستيعاب 3 / 315 والاصابة 3 / 363 - 364. ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 341. (3) راجع أنساب الاشراف 1 / 585. (4) أبو عوف سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الاشهل الانصاري، وأمه سلمى بنت سلمة بن خالد بن عدي الانصارية، شهد العقبة الاولى والآخرة ثم شهد بدرا وما بعدها، توفي بالمدينة سنة 45 ه‍. الاستيعاب بهامش الاصابة 2 / 84 والاصابة 2 / 63.

[132]

9 - سلمة بن أسلم (1). 10 - أسيد بن حضير (2). وقد ذكروا في كيفية كشف بيت فاطمة وما جرى للمتحصنين وهؤلاء الرجال: إنه (غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر منهم علي بن أبي طالب والزبير فدخلا بيت فاطمة ومعهما السلاح) (3) (فبلغ ابا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والانصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله) (4) (وأنهم إنما اجتمعوا ليبايعوا عليا) (5) فبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب ! أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم أو تدخلوا في ما


(1) أبو سعيد سلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري، شهد بدرا وما بعدها وقتل يوم جسر أبي عبيد سنة 14 ه‍. الاستيعاب 2 / 83 والاصابة 2 / 61. (2) الطبري: 2 / 443 و 444 وأبو بكر الجوهري حسب رواية ابن أبي الحديد 2 / 130 - 134 و 2 / 19 و 17 في جواب قاضي القضاة الثاني. (3) الرياض النضرة: ط. مصر، عام 1373 ه‍: (1 / 218)، وأبو بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد 1 / 132 و 6 ص 293 وتاريخ الخميس، ط. مؤسسة شعبان - بيروت (ب، ت) (2 / 169). (4) اليعقوبي 2 / 105. (5) ابن شحنة بهامش الكامل 11 / 113، وابن أبي الحديد 2 / 134.

[133]

دخلت فيه الامة (1). وفي كنز العمال: " إن عمر قال لفاطمة: وما أحد أحب إلى أبيك منك وما ذلك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن أمرتهم أن يحرقوا عليك الباب " (2). وفي رواية الامامة والسياسة: " إن عمر جاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لاحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة، فقال: وإن " (3). وفي أنساب الاشراف: إن ابا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي ؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك (4). وروى أبو بكر في كتابه: السقيفة وقال: فجاءهم عمر بن الخطاب في عصابة من المسلمين (5) ليحرق عليهم البيت (6) وعبارة ابن شحنة (ليحرق البيت بمن فيه) (7) وإلى هذا كان يشير


(1) ابن عبد ربه 3 / 64، وأبو الفداء 1 / 156. (2) كنز العمال 3 / 140. (3) 1 / 12. (4) 1 / 586. (5) الرياض النضرة 1 / 167 وأبو بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد 2 / 132 و 6 في الصفحة الثانية منه، والخميس 1 / 178. (6) أبو بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد 2 / 134. (7) بهامش الكامل 11 / 113.

[134]

عروة بن الزبير حين كان يعتذر عن أخيه عبد الله بن الزبير فيما جرى له مع (بني هاشم وحصره إياهم في الشعب وجمعه الحطب لاحراقهم... إذ هم أبوا البيعة في ما سلف (1) يعني ما سلف لبني هاشم من قضية الحطب والنار عند امتناعهم عن بيعة أبي بكر، وفي هذا يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم: وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها وقال اليعقوبي: " فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار (إلى قوله) وكسر سيفه - أي سيف علي - ودخلوا الدار " (2). وقال الطبري: " أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه " (3). (وعلي يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له بايع فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى


(1) مروج الذهب 2 / 100 وأورده ابن أبي الحديد في 20 / 481 ط. إيران عند شرحه قول الامير: " ما زال الزبير منا حتى نشأ ابنه ". (2) اليعقوبي 2 / 105. (3) الطبري 2 / 443 و 444 و 446 وفي ط. أوروبا 1 / 1818 و 1820 و 1822 وقد أورده العقاد في عبقرية عمر ص 173، وذكر كسر سيف الزبير المحب الطبري في الرياض النضرة 1 / 167، والخميس 1 / 188، وابن أبي الحديد 2 / 122 و 132 و 134 و 58 وج 6 في الصفحة الثانية، وكنز العمال 3 / 128.

[135]

بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله فأعطوكم المقادة وسلموا إليكم الامارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، فانصفونا - إن كنتم تخافون الله - من أنفسكم واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الانصار لكم وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: إحلب يا عمر حلبا لك شطره أشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا. لا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني لم أكرهك. فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حدث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك وأشد احتمالا له واضطلاعا به فسلم له هذا الامر وارض به فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الامر لخليق وعليه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. فقال علي: يا معشر المهاجرين ! الله الله، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الامر منكم ما كان منا القارئ لكتاب الله، الفقيه لدين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية. والله إنا لفينا. فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد: " لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار يا علي قبل بيعتهم لابي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا "). وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع. رواه أبو بكر الجوهري كما في شرح النهج 6 / 285. وروى أبو بكر الجوهري أيضا وقال: " ورأت فاطمة ما صنع بهما

[136]

- أي بعلي والزبير - فقامت على باب الحجرة وقالت: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى القى الله " (1). وفي رواية أخرى: " وخرجت فاطمة تبكي وتصيح فنهنهت من الناس " (2). وقال اليعقوبي: " فخرجت فاطمة، فقالت: والله لتخرجن أو لاكشفن شعري ولاعجن إلى الله. فخرجوا وخرج من كان في الدار " (3). وقال المسعودي: " لما بويع أبو بكر في السقيفة وجددت له البيعة يوم الثلاثاء خرج علي فقال: أفسدت علينا أمورنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا ! ". فقال أبو بكر: " بلى ! ولكني خشيت الفتنة " (4). وقال اليعقوبي: " واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة فقال لهم: أغدوا علي محلقين الرؤوس، فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر " (5). ثم إن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الانصار يسألهم النصرة وتسألهم فاطمة الانتصار له فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي: أفكنت أترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ميتا


(1) برواية ابن أبي الحديد 2 / 134 و 6 / 286. (2) السقيفة، لابي بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد 2 / 134. (3) تاريخ اليعقوبي 2 / 105. (4) مروج الذهب 1 / 414، والامامة والسياسة 1 / 12 - 14 مع اختلاف. (5) تاريخ اليعقوبي 2 / 105، وفي شرح النهج 2 / 4.

[137]

في بيته لم أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ؟ فقالت فاطمة: " ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه ! ! " (1). ولقد اشار معاوية إلى هذا وإلى ما نقلناه عن اليعقوبي قبله في كتابه إلى علي: " وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع ابو بكر الصديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك، وأدللت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقا لاجابوك ولكنك ادعيت باطلا وقلت ما لا يعرف ورمت ما لا يدرك. ومهما نسيت فلا أنسى قولك لابي سفيان لما حركك وهيجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم ". (2) وروى معمر عن الزهري عن أم المؤمنين عائشة في حديثها عما جرى بين فاطمة وأبي بكر حول ميراث النبي صلى الله عليه وآله قالت: " فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي (ص) ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس


(1) أبو بكر الجوهري في كتابه: السقيفة برواية ابن أبي الحديد 6 / 28، وابن قتيبة 1 / 12. (2) ابن أبي الحديد 2 / 67، تحقيق " محمد أبو الفضل إبراهيم " وفي ط الاولى 1 / 131، وراجع صفين لنصر بن مزاحم ص 182.

[138]

عن علي. ومكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفيت ". قال معمر: فقال رجل للزهري: فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال: لا (1) ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر... الحديث (2). وقال البلاذري: لما ارتدت العرب، مشى عثمان إلى علي. فقال: يا ابن عم، إنه لا يخرج أحد إلى قتال هذا العدو. وأنت لم تبايع. فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر، فقام أبو بكر إليه فاعتنقا وبكى كل واحد إلى صاحبه. فبايعه فسر المسلمون وجد الناس في القتال وقطعت البعوث (3)


(1) في تيسير الوصول 2 / 46 (قال: لا والله ولا أحد من بني هاشم). (2) قد أوردت هذا الحديث مختصرا من كل من الطبري 2 / 448 وفي ط أوروبا 1 / 1825، وصحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر 3 / 38، وصحيح مسلم 1 / 72 و 5 / 153 - باب قول رسول الله: (نحن لا نورث: ما تركناه صدقة)، وابن كثير 5 / 285 - 286 وابن عبد ربه 3 / 64، وقد أورده ابن الاثير 2 / 126 مختصرا، والكنجي في كفاية الطالب 225 - 226. وابن أبي الحديد 2 / 122، والمسعودي 2 / 414 من مروج الذهب، وفي التنبيه والاشراف له ص 250: " ولم يبايع علي حتى توفيت فاطمة " والصواعق 1 / 12، وتاريخ الخميس 1 / 193، وفي الامامة والسياسة: أن بيعة علي كانت بعد وفاة فاطمة، وأنها قد بقيت بعد أبيها 75 يوما، وفي الاستيعاب: أن عليا لم يبايعه إلا بعد موت فاطمة 2 / 244، وأبو الفداء 1 / 156 والبدء والتاريخ 5 / 66 وأنساب الاشراف 1 / 586، وفي أسد الغابة 3 / 222 بترجمة أبي بكر: " كانت بيعتهم بعد ستة أشهر على الاصح " وقال اليعقوبي 2 / 105: " لم يبايع علي إلا بعد ستة أشهر " وفي الغدير 3 / 102 عن الفصل لابن حزم ص 96 - 97. (3) أنساب الاشراف 1 / 587. (*)

[139]

ضرع علي إلى مصالحة أبي بكر بعد وفاة فاطمة وانصراف وجوه الناس عنه، غير أنه بقي يشكو مما جرى عليه بعد وفاة النبي حتى في أيام خلافته. وقد قال في خطبته المشهورة بالشقشقية: أما والله لقد تقمصها ابن ابي قحافة وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى. ارى تراثي نهبا حتى مضى الاول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده، ثم تمثل بقول أعشى همدان: شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر فيا عجبا بينا يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته. لشد ما تشطرا ضرعيها (1). مواقف وآراء: الفضل بن العباس وعتبة بن ابي لهب. ذكر اليعقوبي عن موقف بني هاشم يوم السقيفة عندما بلغهم نبأ بيعة أبي بكر وهم مشغولون بتجهيز النبي وقال (2):


(1) نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد 2 / 50، وابن الجوزي في تذكرته في الباب السادس. (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 103 وفي رواية الموفقيات ط / بغداد 580 - 607 اكثر تفصيلا من هذا. راجع شرح النهج 1 / 287.

[140]

" فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس وقال: يا معشر قريش إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ونحن أهلها دونكم وصاحبنا أولى بها منكم ". وقال عتبة بن أبي لهب: ما كنت أحسب هذا الامر منصرفا * عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن عن أول الناس إيمانا وسابقة * وأعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن فبعث إليه علي عليه السلام فنهاه (1) عن ذلك وقال: إن سلامة الدين أحب إلينا من غيره. عبد الله بن عباس (2): إن ابن عباس يكشف عن رأيه " في بيعة أبي بكر " في روايته محاورة


(1) راجع شرح النهج 2 / 8 الطبعة المصرية وقد نسب ابن حجر في الاصابة 2 / 263 هذه الابيات إلى الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب الهاشمي كما في ترجمته للعباس ابن عتبة برقم 4508، وكذلك فعل أبو الفداء في تاريخه 1 / 164. ولا أراهما مصيبين في ذلك. (2) أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، قيل إنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، شهد مع علي الجمل وصفين والنهروان ثم ولاه البصرة وترك إمارة البصرة في أواخر خلافة علي وذهب إلى مكة وبقي فيها حتى بويع لابن الزبير بالخلافة فأبعده إلى الطائف وتوفي بها سنة 68 ه‍. هذا ما ذكروه غير أنه تواترت الروايات على أنه شارك في أخذ البيعة للحسن بعد دفن الامام بالكوفة. الاستيعاب 2 / 342 - 345 والاصابة 2 / 322 - 326 راجع الطبري 2 / 289 - >

[141]

له مع عمر فإنه يقول: " قال عمر: يا ابن عباس ! أتدري ما منع قومكم منكم بعد محمد ؟ فكرهت أن أجيبه. فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني. فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا (1) على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت. فقلت: يا أمير المؤمنين ! إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت. فقال: تكلم يا ابن عباس. فقلت: أما قولك - يا أمير المؤمنين - اختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت، فلو أن قريشا اختارت لانفسها حيث اختار الله عزوجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود. وأما قولك إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة فإن الله عزوجل وصف قوما بالكراهية فقال: * (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) * (2). فقال عمر: هيهات والله يا ابن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت كرهت أن أقرك عليها فتزيل منزلتك مني. فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين ؟ فإن كانت حقا فما ينبغي أن تزيل


< - في ذكر " سيرة عمر " وابن أبي الحديد في شرحه: (لله بلاد بني فلان) عن تاريخ بغداد لابن طيفور مسندا. وفي الحديث تصريح بأن سبب منع عمر من كتابة الرسول أن لا يكتب لعلي. (1) بجح بالشئ وتبجح: إفتخر به وعظمت نفسه عنده، وفلان يتبجح بكذا: أي يتعظم ويفتخر. النهاية لابن الاثير، والقاموس للفيروز آبادي. (2) الآية 9 من سورة محمد

[142]

منزلتي منك، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه. فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسدا وظلما. فقلت: أما قولك - يا أمير المؤمنين - ظلما فقد تبين للجاهل والحليم، وأما قولك حسدا فإن إبليس حسد آدم ونحن ولده المحسودون ". المقداد: روى اليعقوبي (1) عند ذكره بيعة عثمان عن بعضهم قال: دخلت مسجد رسول الله (ص) فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف تلهف من كانت الدنيا له فسلبها وهو يقول: " واعجبا لقريش ودفعهم هذا الامر عن أهل بيت نبيهم وفيهم أول المؤمنين... " الحديث. سلمان (2): روى أبو بكر (3): أن سلمان والزبير والانصار كان هواهم أن يبايعوا عليا بعد النبي فلما بويع أبو بكر قال سلمان: أصبتم الخيرة وأخطأتم المعدن ".


(1) اليعقوبي في تاريخه ط. سوريا 2 / 114. (2) أبو عبد الله سلمان الفارسي، اصبهاني أو رامهرمزي. كان معمرا صحب بعض أوصياء عيسى بن مريم واسترق وبيع بالمدينة من امرأة من اليهود. فكاتبها وأعتق نفسه. شهد الخندق وما بعدها وولي المدائن لعمر ومات في أخريات خلافته أو في أوائل خلافة عثمان. الاستيعاب 2 / 53 - 59 والاصابة 2 / 60. (3) أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد 2 / 131 - 132 و 6 / 17.

[143]

وقال سلمان يومئذ: " أصبتم ذا السن منكم وأخطأتم أهل بيت نبيكم. لو جعلتموها فيهم ما اختلف عليكم اثنان ولاكلتموها رغدا ". وفي الانساب: قال سلمان الفارسي حين بويع ابو بكر: " كرداذ وناكرداذ أي عملتم، وما عملتم، لو بايعوا عليا لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم " (1). أم مسطح بن أثاثة (2): قالوا (3): " لما أكثر في تخلف علي عن بيعة أبي بكر واشتد أبو بكر وعمر عليه في ذلك خرجت أم مسطح بن أثاثة فوقفت عند القبر وقالت: قد كان بعدك أنباء وهنبثة (4) * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب ". أبو ذر: توفي رسول الله، وأبو ذر غائب وقدم وقد ولي أبو بكر، فقال: " أصبتم قناعة وتركتم قرابة. لو جعلتم هذا الامر في أهل بيت نبيكم ما اختلف


(1) أنساب الاشراف 1 / 591 والجاحظ في العثمانية. (2) أم مسطح بن أثاثة اسمها سلمى ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ريطة بنت صخر بن عامر بن كعب سعد بن تيم بن مرة وهي ابنة خالة أبي بكر. الاستيعاب 3 / 470 والاصابة 4 / 472. (3) ابن أبي الحديد 2 / 131 - 132 و 6 / 17. (4) الهنبثة: الامر الشديد، الاختلاط في القول.

[144]

عليكم اثنان " (1) وفي تاريخ اليعقوبي أن أبا ذر كان يقول في عهد عثمان: " وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه. أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه. فأما إذا فعلتم ما فعلتم فذوقوا وبال أمركم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (2). أبو سفيان (3): في العقد الفريد 3 / 62، وأبو بكر الجوهري في سقيفته برواية ابن أبي الحديد 3 / 120: " توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف لقي رجلا في بعض طريقه مقبلا من المدينة. فقال له: مات محمد ؟ قال: نعم.


(1) أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة، شرح النهج 6 / 5 من الطبعة المصرية. (2) تاريخ اليعقوبي عند ذكره ما نقم على أبي ذر ص 120. والبحار للمجلسي 8 / 49 عن تفسير فرات والآية 227 من سورة الشعراء. (3) أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الاموي، حارب الرسول حتى غلب على أمره في فتح مكة وتوفي في صدر خلافة عثمان. الاصابة 2 / 172 - 173 والاستيعاب 2 / 183 - 184.

[145]

قال: فمن قام مقامه ؟ قال: أبو بكر. قال: أبو سفيان: فماذا فعل المستضعفان علي والعباس. قال: جالسين. قال: أما والله لئن بقيت لهما لارفعن من أعقابهما، ثم قال: إني أرى غبرة لا يطفيها إلا دم. فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقتها ويقول: بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الامر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي... الخ ". وفي رواية اليعقوبي (1) بعد هذين البيتين: " أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فإنك بالامر الذي يرتجى ملي وإن امرءا يرمي قصي وراءه * عزيز الحمى والناس من غالب قصي " وفي رواية الطبري 2 / 449 (2) أن أبا سفيان أقبل وهو يقول: " والله إني لارى عجابة لا يطفيها إلا دم، يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أموركم ؟ اين المستضعفان ؟ اين الاذلان علي والعباس ؟ " وقال: أبا حسن أبسط يدك حتى أبايعك، فأبى علي عليه السلام فجعل يتمثل بشعر المتلمس:


(1) في تاريخه 2 / 105 " وفي رواية الموفقيات أكثر تفصيلا من هذا " راجع شرح النهج 6 / 7. (2) وط. أوروبا 1 / 1827 - 1828.

[146]

إن الهوان حمار الاهل يعرفه * والجر ينكره والرسلة الاجد (1) ولا يقيم على ضيم يراد به * إلا الاذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف معكوس برمته * وذا يشج فلا يبكي له أحد (2) كان حريا بشعار نادى به شيخ الامويين صخر بن حرب - يا آل عبد مناف - أن يغير مجرى التاريخ لولا امتناع علي عن إقراره. فما بال أبي سفيان بعد أن حارب الرسول بكل قواه حتى غلب على أمره ينتصر لقرابة هذا الخصم بعد وفاته ؟ وهل كان أبو سفيان صادقا في انتصاره لعلي أم كان طالب فتنة كما قالوا ؟ !. وعجبا لعلي بينا يعارض بيعة أبي بكر ستة أشهر ويستنصر المهاجرين والانصار ويستنهضهم ويجمعهم في دار فاطمة - حتى يجلب الحطب لاحراقها بمن فيها - يعرض عن بيعة شيخي قريش عباس وصخر ! ! فما باله يستنصر الغريب ويرفض نصرة عمه وابن عمه القريب ؟ ! عجب هذا. ويرتفع هذا العجب بدراسة أهداف الطرفين: أما أبو سفيان فإنه كان ينظر إلى الرسول ومركزه بين قومه نظرة زعيم عربي إلى ابن عم منافس له في الزعامة قد توارثا المنافسة على الزعامة خلفا عن سلف. وأما الدين الذي جاء به ابن عمه هذا فلم يكن ليعبأ به - ليؤمن به أو يكفر - غير أنه كان يرى فيه امتدادا لتلك المنافسة الموروثة،


(1) الرسلة بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه: الجماعة، والاجد بضم أوله وثانيه: القوية. (2) وقريب من هذه الرواية رواية أبي بكر الجوهري في كتابه السقيفة على رواية ابن أبي الحديد 2 / 130، الطبعة المصرية.

[147]

وقد قال أبو سفيان للعباس يوم فتح مكة بعد أن أسلم ورأى عظم جيوش النبي: " والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ". فقال له العباس: يا أبا سفيان ! إنها النبوة. قال: فنعم إذا (1). لم يكن هذا الزعيم المغلوب على أمره ليرضى أن تخرج الزعامة من بيت ابن عمه إلى بيت قصي عنه بعد أن خرجت من بيته. وكانت العصبية القبلية في الجاهلية قبل الاسلام عماد الحياة في الجزيرة العربية. وأما العصر الاسلامي الاول، فمهما جاهد الرسول في إماتة العصبية القبلية ودفنها ! فإنها كانت تظهر بين حين وآخر متحدية جهاد الرسول في نشره الاخاء الانساني، وفي سيرة الرسول وأصحابه كثير من الشواهد الدالة على ذلك. وإن هذه العصبية لم تكن بين آل عبد مناف صاحب الزعامة القرشية بأقل منها في غيرها. روى ابن هشام عن العباس أنه ركب بغلة النبي ليلة فتح مكة، وخرج يبحث عن رسول يوفده إلى قريش فيخبرهم بقدوم النبي ليأتوا إليه فيستأمنوه، فرأى أبا سفيان فقال له: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. ثم أردفه وأخذه ليستأمن له من النبي، وكلما مر على نار من نيران المسلمين قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وآله على بغلته حتى مر على عمر بن الخطاب، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة، قال: أبو سفيان ! عدوالله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فركض العباس بالبغلة وسبقه، قال


(1) سيرة ابن هشام 4 / 23.

[148]

العباس: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد ولا عهد، فدعني فلاضرب عنقه، قال: فقلت: يا رسول الله إني قد أجرته، ثم جلست إلى رسول الله فأخذت برأسه فقلت: والله يناجيه الليلة دوني رجل. فلما أكثر عمر في شأنه، قلت: مهلا يا عمر ! فوالله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف (1)... الخ. إن ما ذكرناه مورد واحد مما ظهرت فيه العصبية القبلية جلية سافرة، فإن العصبية القبلية هي التي حفزت كلا من العباس وعمر ليشتدا نحو رسول الله بغية الوصول إلى ما يعنيهما من أمر العصبية القبلية. وكذلك العصبية القبلية هي التي دفعت أبا سفيان إلى أن ينادي بعيد وفاة الرسول: " يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أموركم (2). ويقول: ما لنا ولابي فصيل إنما هي بنو عبد مناف " (3). إذن فإن أبا سفيان الذي حارب ابن عمه الرسول فيما سبق كان صادقا في عزمه حينما قال: " أما والله لئن بقيت لارفعن من أعقابهما " (4) لانه الآن هو وأخوه وابن عمه على الغريب (5).


(1) عن ابن هشام 4 / 21 / ملخصا. (2) و (3) الطبري 2 / 449، وط. أوروبا 1 / 1827. (4) ابن عبد ربه 3 / 62. (5) في المثل العربي: " أنا على أخي وأنا وأخي على ابن عمي وأنا وأخي وابن عمي على الغريب ". في أنساب الاشراف 1 ص 589 قال أبو قحافة عندما بلغه نبأ وفاة الرسول وهو بمكة: (فمن ولي أمر الناس بعده ؟ قالوا له: ابنك، فقال: أرضي بذلك بنو هاشم وبنو عبد شمس وبنو المغيرة ؟ قالوا: نعم، قال: فإنه لا مانع لما أعطى الله). وفي شرح النهج 1 / 52 قال: أفرضي بذلك بنو عبد مناف ؟

[149]

كان حريا بهذا النداء أن يغير التاريخ على حساب العصبية القبلية، فإن زعامة قريش كانت في آل عبد مناف أعز قريش قبيلا وأكثرها عددا على اختلاف ذات بينها من هاشمية وأموية، فكيف بها وقد جمع شملها خشية خروج الزعامة من بيتها ؟ فقد كانت آل عبد مناف تنقسم إلى بطون: هاشم ونوفل والمطلب وعبد شمس، وإن عبد شمس وحدها كانت تنقسم إلى أفخاذ: العبلات وربيعة وعبد العزى وحبيبة وأمية... الخ، وإن أمية وحدها كانت تنقسم إلى بيوت كثيرة، منها بيت حرب. فما ظنك بهذه البطون والافخاذ إن اجتمعت هي وبنو أعمامها من قبائل قصي، إذن لقد صدق أبو سفيان في قوله: " وإن امرءا يرمي قصي وراءه - عزيز الحمى " وكان ذلك المرء عليا شبل شيخ الاباطح - أبي طالب - أما تيم بن مرة رهط أبي بكر فكان كما عرفها أبو سفيان: " أقل حي في قريش واذلها " وكذلك كان (عدي) رهط عمر وإن كلا الرهطين لم يكونا من قصي - صميم قريش وسادتها -. ولم يكن لنداء العباس وحده ما رأينا لنداء أبي سفيان من أثر، أما إذا اجتمعت اليدان والنداءان فهناك الصيلم (1). برزت العصبية الجاهلية سافرة بعد وفاة الرسول (ص)، فالانصار عندما اجتمعوا في سقيفتهم ليبايعوا سعدا إنما لبوا داعي العصبية وحدها فإنهم كانوا يعلمون بأن في المهاجرين من هو أفضل من سعد وأتقى. وكذلك الاوس قد اندفعت بداعي العصبية للمبادرة إلى بيعة أبي بكر لتدفع الامارة عن الخزرج، وإن جنوح عمر إلى هذه العصبية لجلي أيضا في حجاجه في السقيفة. ولم يشذ أبو سفيان عن غيره في موقفه لعلي وندائه له، غير أن عليا


(1) الامر الشديد، الداهية.

[150]

قد شذ عن هذه الفكرة ولم يرض أن يستولي على الحكم بالنعرة العصبية، وهو الذي اتبع الرسول في حربه للعصبية اتباع الفصيل أثر أمه، فهو يريدها دينية قرآنية لا قبلية جاهلية، ويطلب أنصارا من قبيل سلمان وأبي ذر وعمار ونظرائهم ممن يحدوهم المبدأ والعقيدة إلى نصرته (1)، ويأبى قبول نصرة أبي سفيان بداعي العصبية فإن فيه إحياء أمر الجاهلية، واماتة حكم الاسلام. إذا فإن ابا سفيان كان صادقا في تعصبه لعلي، غير أن نقلة الاحاديث وكتبة التاريخ لما كرهوا موقفه من بيعة أبي بكر، وصموه بأنه طالب فتنة، كما طعنوا في غيره من معارضي أبي بكر ووصموهم بالردة والفتنة. ومن العجيب أنهم وضعوا ما وصموا به أبا سفيان على لسان علي نفسه، فقد رووا أن عليا عندما قال له أبو سفيان: " ما بال هذا الامر في أقل حي من قريش، والله لئن شئت لاملانها خيلا ورجالا. قال: يا أبا سفيان طالما عاديت الاسلام وأهله فلم تضره بذلك شيئا، إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا (2) ". ولا نعلم لم لم يجبه أبو سفيان ويقول له فلم لا تبايعه (3) إن كنت قد وجدته لها أهلا !


(1) وقد قصد هذا في قوله لابي سفيان لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضتهم ". (2) الطبري 2 ص 449 وفي ط. أوروبا 1 / 1827. هذه الرواية عن عوانة، وفي لسان الميزان 4 / 386، كان يضع الاحاديث. وراجع آدم متز: الحضارة الاسلامية 1 / 38، ثم إن عوانة قد توفي سنة 158 ه‍ وروى هذه الرواية عن سنة 11 ه‍ بلا سند. (3) راجع قبله موقف علي من بيعة أبي بكر ص 123 - 143.

[151]

لا، لم يقل علي لابي سفيان: " إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا " ولكنه قال له: " لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضتهم " (1). وقد وصف علي موقف أبي سفيان في كتابه إلى معاوية، وقال: " فأبوك كان أعلم بحقي منك، وإن تعرف من حقي ما كان أبوك يعرفه تصب رشدك " (2). ولما يئس أبو سفيان من علي وخاف من (ندائه) الحزب الحاكم قرب أحدهما من الآخر (فقال عمر لابي بكر: إن هذا قد قدم وهو فاعل شرا، وقد كان النبي يستألفه على الاسلام فدع له ما بيده من الصدقة، ففعل، فرضي أبو سفيان وبايعه) (3). ويظهر من رواية الطبري أن التفاهم قد تم بينه وبينهم بعد تعيين ابنه يزيد بن أبي سفيان أميرا على الجيش الغازي سورية (4). رأي معاوية بن ابي سفيان: قال معاوية في كتابه له (5) إلى محمد بن أبي بكر:


(1) راجع قبله ص 140 - 141. (2) ابن عبد ربه 3 / 112 وفي ط لجنة التأليف 4 / 334 وابن أبي الحديد 2 / 221 وج 15 شرح غزاة مؤتة وصفين لنصر بن مزاحم ص 49. (3) ابن عبد ربه 3 / 62. (4) راجع الطبري 2 / 449. وفي ط. أوروبا 1 / 1827 ولفظه: (وقيل له قد ولى ابنك قال: وصلته رحم ". (5) المسعودي في مروجه 2 / 60. وابن ظهير في محاسن مصر والقاهرة مع اختلاف في اللفظ. راجع ص 265 من الغدير لصاحب العبقات السيد مير حامد حسين. - >

[152]

" فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا، فلما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عنده وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأبلج حجته، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه، كان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه وخالفه على أمره. على ذلك اتفقا واتسقا، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأرادا به العظيم، ثم إنه بايع لهما وسلم لهما وأقاما لا يشركانه في أمرهما ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما الله... فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك استبد به ونحن شركاؤه، ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله، فعب أباك بما بدا لك، أودع ذلك والسلام على من أناب ". موقف خالد بن سعيد الاموي (1): كان عاملا لرسول الله على صنعاء اليمن (فلما مات رسول الله رجع


< - وقد رواه كل من نصر بن مزاحم 135 - 136 ط القاهرة 1365 وفي شرح النهج 2 / 65 و 1 / 284 مع اختلاف في بعض ألفاظه. (1) خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس. أسلم قديما فكان ثالثا أو رابعا وقيل كان خامسا، وقال ابن قتيبة في المعارف ص 128: (أسلم قبل إسلام أبي بكر). وكان ممن هاجر إلى الحبشة واستعمله رسول الله مع أخويه على صدقات مذحج واستعمله على صنعاء اليمن، ثم رجعوا بعد وفاة النبي ثم مضوا جميعا إلى الشام فقتلوا هناك واستشهد خالد بإجنادين يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادى الاولى سنة 13 ه‍. الاستيعاب 1 / 398 - 400 والاصابة 1 / 406، وأسد الغابة 2 / 82، وراجع ابن أبي الحديد 6 / 13 و 16.

[153]

هو وأخواه أبان وعمر عن عمالتهم، فقال أبو بكر: ما لكم رجعتم عن عمالتكم ؟ ما أحد أحق بالعمل من عمال رسول الله (ص)، ارجعوا إلى أعمالكم. فقالوا: نحن بنو أحيحة لا نعمل لاحد بعد رسول الله) (1). وتأخر خالد وأخوه أبان عن بيعة أبي بكر، فقال لبني هاشم: إنكم لطوال الشجر طيبو الثمر نحن تبع لكم (2). و (تربص ببيعته شهرين يقول: قد أمرني رسول الله (ص) ثم لم يعزلني حتى قبضه الله، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، فقال: يا بني عبد مناف لقد طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم، فأما أبو بكر فلم يحفل بها عليه، وأما عمر فاضغنها عليه) (3). (وأتى عليا، فقال: هلم أبايعك فو الله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك) (4)، (فلما بايع بنو هاشم أبا بكر بايعه خالد) (5). (ثم بعث أبو بكر الجنود إلى الشام وكان أول من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمره وقد صنع ما صنع وقال ما قال ؟ ! فلم يزل بأبي بكر حتى عزله، وأمر يزيد بن أبي سفيان) (6).


(1) المصادر المذكورة آنفا. (2) أسد الغابة 2 / 82، وابن ابي الحديد 2 / 135. ط. المصرية الاولى. (3) الطبري ط. أوروبا 1 / 2079، وتهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 48 وفي أنساب الاشراف 1 / 588 ذكر أن خالد بن سعيد تأخر عن البيعة. (4) اليعقوبي 2 / 105. (5) أسد الغابة 2 / 82، وراجع تفصيل ذلك في ابن أبي الحديد 1 / 135 نقلا عن سقيفة أبي بكر الجوهري. (6) الطبري 2 / 586، وفي ط أوروبا 1 / 2079 وتهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 48. - >

[154]

موقف سعد بن عبادة بعد البيعة (1): ذكروا (2) (أن سعدا ترك أياما ثم بعث إليه أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس وبايع قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي فلا أفعل، وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الانس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي واعلم ما حسابي). فلما أتي أبو بكر بذلك، قال عمر: لا تدعه حتى يبايع. فقال له بشير بن سعد: إنه قد لج وأبى، وليس بمبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته، فاتركوه فليس تركه بضاركم، إنما هو رجل واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه لما بدا لهم منه،


< - وفي أنساب الاشراف 1 / 588 ذكر أن خالد بن سعيد تأخر عن البيعة. (1) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري، شهد العقبة ومغازي رسول الله عدا بدر، فإنه اختلف في أنه هل شهدها أم لم يشهدها، كان جوادا سخيا وكانت راية الانصار بيده يوم الفتح، ولما نادى: (اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة) نزع رسول الله اللواء منه وأعطاه لابنه قيس، ولم يبايع أبا بكر حتى قتل بسهمين في الشام سنة 15 ه‍ ودفن بحوارين. نسبه في جمهرة ابن حزم ص 65، والاستيعاب 2 / 32 - 38 والاصابة 2 / 27 - 28. (2) الطبري 3 / 459، وابن الاثير 2 / 126 أورد الرواية إلى: فاتركوه، وكنز العمال 3 / 134، الحديث المرقم 2296، الامامة والسياسة 1 / 10، والسيرة الحلبية 4 / 397. بعده (لا يسلم على من لقي منهم). والطبري ط أوروبا 1 / 1844.

[155]

فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع معهم ولا يحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم... الخ (فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر وولي عمر) (1). و (لما ولي عمر الخلافة لقيه في بعض طرق المدينة. فقال له: إيه يا سعد ؟ فقال له: إيه يا عمر ؟ فقال له عمر: أنت صاحب المقالة ؟ قال سعد: نعم أنا ذلك، وقد أفضى إليك هذا الامر. كان والله صاحبك أحب إلينا منك وقد أصبحت والله كارها لجوارك. فقال عمر: من كره جوار جار تحول عنه. فقال سعد: أما إني غير مستنسئ بذلك وأنا متحول إلى جوار من هو خير منك، فلم يلبث إلا قليلا حتى خرج إلى الشام في أول خلافة عمر... الخ (2). وفي رواية البلاذري: (أن سعد بن عبادة لم يبايع أبا بكر وخرج إلى الشام فبعث عمر رجلا، وقال: ادعه إلى البيعة واحتل له فإن أبى فاستعن الله عليه، فقدم الرجل الشام فوجد سعدا في حائط بحوارين (3) فدعاه إلى البيعة.


(1) الرياض النضرة 1 / 168 مضافا إلى المصادر. (2) طبقات ابن سعد 3 ق 2 / 145، وابن عساكر 6 / 90 بترجمة سعد من تهذيبه وكنز العمال 3 / 134، برقم 2296، والحلبية 3 / 397. (3) من قرى حلب معروفة. معجم البلدان.

[156]

فقال: لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فإني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني. قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الامة ؟ قال: أما من البيعة فإني خارج. فرماه بسهم فقتله) (1). وفي تبصرة العوام: أنهم أرسلوا محمد بن مسلمة الانصاري فرماه بسهم. وقيل إن خالدا كان في الشام يومذاك فأعانه على ذلك (2). قال المسعودي: " وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع فصار إلى الشام فقتل هناك سنة 15 ه‍ " (3). وفي رواية ابن عبد ربه: " رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات، فبكته الجن فقالت: وقتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * ورميناه بسهمين فلم نخطئ فؤاده (4) ". وروى ابن سعد: (5) " أنه جلس يبول في نفق فاقتتل فمات من ساعته ووجدوه قد اخضر جلده ".


(1) أنساب الاشراف 1 / 589، العقد الفريد 3 / 64 - 65 باختلاف يسير. (2) تبصرة العوام ط المجلس بطهران ص 32. (3) في مروج الذهب 1 / 414 و 2 / 194. (4) العقد الفريد 3 / 64 - 65. (5) في الطبقات 3 ق 2 / 145 وابن قتيبة الدينوري في المعارف ص 113.

[157]

وفي أسد الغابة (1): " لم يبايع سعد أبا بكر ولا عمر، وسار إلى الشام فأقام بحوارين إلى أن مات سنة 15 ه‍، ولم يختلفوا في أنه وجد ميتا على مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول من بئر ولا يرون أحدا ". هكذا انتهت حياة سعد بن عبادة، ولما كان قتل سعد بن عبادة من الحوادث التي كره المؤرخون وقوعها أغفل جمع منهم ذكرها (2) وأهمل قسم منهم بيان كيفيتها ونسبوها إلى الجن (3). غير أنهم لم يكشفوا عن منشأ العداء بين الجن وسعد بن عبادة، ولماذا فوقت سهمها إلى فؤاد سعد دون سائر الصحابة، فلو أنهم أكملوا الاسطورة وقالوا: إن صلحاء الجن كرهت امتناع سعد عن البيعة فرمته بسهمين فما أخطأ فؤاده لكانت أسطورتهم تامة. من روى أن سعدا لم يبايع: (1) ابن سعد في الطبقات. (2) ابن جرير في تاريخه. (3) البلاذري في ج 1 من أنسابه. (4) ابن عبد البر في الاستيعاب. (5) ابن عبد ربه في العقد الفريد. (6) ابن قتيبة في الامامة والسياسة في ج 1. (7) المسعودي في مروج الذهب. (8) ابن حجر العسقلاني في الاصابة 2 / 28. (9) محب الدين الطبري في الرياض النضرة 1 / 168. (10) أسد الغابة 3 /


(1) في ترجمة سعد، والاستيعاب 2 / 37. (2) كابن جرير وابن كثير وابن الاثير في تواريخهم. (3) كمحب الدين الطبري في الرياض النضرة، وابن عبد البر في الاستيعاب.

[158]

222. (11) تاريخ الخميس. (12) علي بن برهان الدين في السيرة الحلبية 3 / 396 و 397. (13) أبو بكر الجوهري برواية ابن أبي الحديد عنه. النعمان بن عجلان ورأيه (1): قال النعمان بن عجلان قصيدة في جواب أبيات عمرو بن العاص في قصة السقيفة منها هذه الابيات: وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم * عتيق بن عثمان حلال أبا بكر


(1) النعمان بن عجلان الزرقي الانصاري لسان الانصار وشاعرهم استعمله علي على البحرين، ترجمته في الاستيعاب. ط. حيدر آباد 1 / 298 رقم 1323، وأسد الغابة 5 / 26 والاصابة 3 / 532 ونسبه في الجمهرة ص 327 - 338، والاشتقاق ص 461 والابيات عن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار برواية ابن أبي الحديد تحقيق محمد أبو الفضل 6 / 31. وجاء ابن عبد البر بعده فأورد القصيدة بترجمته من الاستيعاب غير انه حذف البيتين (فذاك بعون الله... وصي النبي المصطفى...) وأبقى بعدهما: (وهذا بحمد الله يهدي...) حذف فذاك... في نعت علي، وأبقى وهذا في نعت أبي بكر ! وجاء ابن الاثير بعد ابن عبد البر فحذف في أسد الغابة 5 / 26 من القصيدة جميع هذه الابيات التي فيها ذكر أمر الخلافة بعد أن قال: (ومن شعره يذكر أيام الانصار ويذكر الخلافة بعد النبي) ثم أورد أبياته في أيام الانصار فحسب ثم قال: وهي طويلة. وجاء ابن حجر بعده فقال في ترجمته: (وهو القائل يفخر بقومه من أبيات) ثم أورد أبياته في المفاخرة بأيام الانصار ولم يذكر من أبيات هذه القصيدة ما فيه ذكر الخلافة. وهكذا كلما تأخر الزمن حذف العلماء من الروايات ما لم يرق لهم ذكره، فابتعدنا عن فهم الواقع التاريخي.

[159]

وأهل أبو بكر لها خير قائم * وإن عليا كان أخلق بالامر وكان هوانا في علي وإنه * لاهل لها يا عمرو من حيث لا تدري فذاك بعون الله يدعو إلى الهدى * وينهى عن الفحشاء والبغي والنكر وصي النبي المصطفى وابن عمه * وقاتل فرسان الضلالة والكفر وهذا بحمد الله يهدي من العمى * ويفتح آذانا ثقلن من الوقر نجي رسول الله في الغار وحده * وصاحبه الصديق في سالف الدهر فلولا اتقاء الله لم تذهبوا بها * ولكن هذا الخير أجمع للصبر موقف عمر ورأيه: لقد مر بيان موقف عمر من بيعة أبي بكر، أما رأيه فيها فقد قال: " إنه قد بلغني أن فلانا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، فلا يغرن امرءا أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها " (1)


(1) لقد تخيرت اللفظ من سيرة ابن هشام 4 / 336 - 338، والبخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا 4 / 119، و 120 وكنز العمال 3 / 139 الحديث 2326 وشرح النهج 2 / 3 باختلاف يسير. وراجع بقية مصادره في ص 131 - 139 (التحصن بدار فاطمه) وذكر اليعقوبي من كلام عمر قوله كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه " وفي أنساب الاشراف ج 1 عين المعزوم على بيعته من كان. فقد روى في ص 581 أن عمر قال بلغني أن الزبير قال وقد مات عمر بايعنا عليا..) الحديث وفي حديثه بصفحة 583 - 584 أن فلانا وفلانا قالا لو قد مات عمر بايعنا عليا... فمن بايع رجلا على غير مشورة فإنهما أهل أن يقتلا وإني أقسم بالله ليكفن الرجال أو ليقطعن أيديهم وأرجلهم وليصلبن في جذوع النخل...) الحديث.

[160]

نتيجة المقارنة: لقد أوردنا في مبدأ البحث سبعة من أحاديث سيف الموضوعة حول السقيفة وبيعة أبي بكر. وإن روايات سيف عن السقيفة تشمل أمورا قد تفرد سيف بروايتها. منها ما روي في امتناع خالد عن البيعة أنه كان لتمزيق جبته الديباج بأمر عمر، لانه كان قد لبسها في السلم وليس لرجل أن يلبس الحرير إلا في الحرب. وأنه لذلك قال لعلي: أغلبتم يا بني عبد مناف ؟ وأن عليا قال في جواب خالد بن سعيد: أمغالبة ترى أم خلافة، ومنها المحاورة التي نسبها إلى عمر، إلى غيرها مما لم يرد ذكر شئ منها في غير رواية (سيف) وإنما هم ذكروا ما نقلناه في ص 157 - 158 وأن موقفه ذلك وتربصه عن البيعة كان انتصارا لعلي بن أبي طالب لا غيظا منه وحنقا على تمزيقهم جبته الديباج كما زعمه (سيف). وقال في رواية عن سعد بن عبادة: أنه قد بايع مكرها (1) وكي يؤيد ذلك وضع محاورة عن لسان سعد، وزعم أنها قد جرت بين سعد وبينهم. ويسند (الفلتة) إلى الانصار في معارضتهم لبيعة أبي بكر ليعالج بذلك قول عمر في بيعة أبي بكر: (إنها كانت فلتة) (2) وفي روايته عن بيعة علي بن أبى طالب يقول:


(1) (2) راجع قبله ص 93 - 94.

[161]

إن عليا كان في بيته لما أنبى أن أبا بكر جلس للبيعة فخرج في قميص ما عليه رداء ولا إزار كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتي به فتجلله (1). ولدى مقارنة هذه الرواية بالروايات الصحيحة المتواترة، والتي أوردنا طرفا منها في ما سبق يتضح مبلغ ولع سيف في وضع الاخبار خلافا للواقع وذلك تغطية منه للحقيقة ومحوا لآثارها، فإنه قد اختار عليا مرشح المهاجرين وسعدا مرشح الانصار دون غيرهما من الصحابة ليصرح بأنهما قد بايعا. وإنك قد رأيت في ما أوردناه (2) أن سعدا لم يبايع حتى قتله الجن بسهمين طريدا بعيدا عن أهله وذلك لانه لم يبايع ! ! وأن عليا هو الذي طالب بها، وأن جميع بني هاشم وجمعا من المهاجرين تخلفوا عن بيعة أبي بكر وهم يطالبون له بالبيعة، وسيف يزعم أن عليا بادر إلى بيعة أبي بكر في اليوم الاول من بيعة أبي بكر، وأن أبا بكر قد بويع له في اليوم الاول من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لانهم كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة) على حد تعبير سيف. وكان علي عند ذاك مشغولا بتجهيز النبي لم يفارقه هو ولا بقية بني هاشم الاقربون إليه، ولم يتركوه كما فعل غيرهم. ويزعم سيف أنه خرج مسرعا بلا رداء ولا إزار ثم بايع أبا بكر وجلس إلى جنبه. أما جنازة النبي فقد نسيها سيف.


(1) راجع قبله صفحة - 94. (2) راجع قبله ص 159 - 163.

[162]

وقد وضع سيف سبع روايات في بيعة أبي بكر إتقانا للصنعة، وليؤيد بعضها بعضا فيظن القارئ ورود عدة روايات بطرق مختلفة تصرح بأنه لم يتخلف أحد عن بيعة أبي بكر، وقد خص روايتين منها ببيعة سعد، فيروي في أولاهما مخالفة سعد ثم بيعته، وفي الثانية عتابه لهم على أخذهم البيعة منه كرها، ويقول في الرابعة: " إنه ما خالف أحد إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد " ويسأل الراوي هل قعد أحد من المهاجرين ؟ فيقول: " تتابع المهاجرون على بيعة من غير أن يدعوهم " فإذا قارنت هذه بما مر من الاخبار المروية في كتب الصحاح والمسانيد والسير والتواريخ مما روي عن أبي بكر وندمه على إدخاله الرجال في دار فاطمة، وعن عمر في ذكره تخلف علي والزبير، ومن معهما عن البيعة، وقوله في بيعة أبي بكر إنها كانت فلتة، وغير ذلك مما وقع من كسر سيف الزبير، ووطئ سعد بن عبادة. إذا راجعت ما مر عرفت مدى تحري سيف الوقائع التاريخية ليضع أخبارا خلافا للواقع التاريخي. وقد ذكر سيف أنه لم يتخلف أحد عن بيعة أبي بكر إلا من ارتد أو قد كاد يرتد، إحتياطا للامر ولتظن الارتداد عن الاسلام في من يبلغك أنه خالف البيعة من الصحابة. أما الذين تشملهم تهمة الارتداد فقد صرح المؤرخون بأن ممن خالف بيعة أبي بكر مطالبا ببيعة علي هم: (1) الزبير بن العوام. (2) العباس بن عبد المطلب. (3) المقداد بن الاسود. (4) طلحة بن عبيدالله. (5) سعد بن أبي وقاص - وهؤلاء هم الذين صرحوا عنهم أنهم اجتمعوا في دار فاطمة ليبايعوا عليا - (6) أبو ذر الغفاري. (7) سلمان الفارسي. (8) الفضل بن العباس. (9) خالد بن سعيد الاموي. (10) البراء بن عازب. (11) عمار بن ياسر. (12) أبان ابن سعيد. (13) أبي بن كعب. (14) أبو سفيان بن حرب، وسعد بن

[163]

عبادة الذي كان يطلب البيعة لنفسه. وأن هؤلاء جميعا تشملهم تهمة سيف بالردة عن الدين (1).

[165]

3 - الردة * في اللغة والقرآن. * في عصر الرسول الاعظم (ص). * في عصر أبي بكر. * في أحاديث سيف. * مقارنة.

[167]

إذا راجعنا معاجم اللغة للبحث عن معنى الردة اللغوي وجدناهم يذكرون أن رده عن الشئ " أرجعه "، " صرفه عنه ". وقد ورد بالمعنى الاول في القرآن الكريم في السورة 3 آية 149 وسورة 12 آية 65 وسورة 28 آية 13 وبالمعنى الثاني في السورة 6 آية 147 وسورة 12 آية 110، إلى موارد أخرى غير ما ذكرنا. وذكروا: أن " الارتداد " الرجوع، وبهذا المعنى ورد في السورة 12 آية 96 من القرآن الكريم. وقد ورد " رد " في القرآن الكريم بمعنى الارجاع عن الدين وصرف المسلمين عن الاسلام كما في الآية الآتية: * (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) * سورة آل عمران الآية 100. وورد (إرتد) بمعنى رجع عن دينه كما في الآية الآتية: * (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين... الخ) * سورة المائدة الآية 54 والآية الآتية: * (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون) * سورة البقرة الآية 217، ثم شاع استعماله في المعنى الاخير عند المسلمين

[168]

حتى أنه لا يتبادر إلى ذهن السامع غيره من معانيه. والردة: اسم من الارتداد. الردة في عصر النبي: ارتد بعض المسلمين في عصر الرسول كعبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي أسلم وهاجر إلى المدينة وكتب الوحي لرسول الله، ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش بمكة، فقال لهم: إني كنت أصرف محمدا حيث أريد، كان يملي علي " عزيز حكيم "، فأقول: أو " عليم حكيم " ؟ فيقول: نعم كل صواب، فلما كان يوم الفتح أهدر رسول الله دمه وأمر بقتله ولو وجد متعلقا بأستار الكعبة، ففر عبد الله إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله (ص) فاستأمنه (1). وعبيدالله بن جحش زوج أم حبيبة فإنه أسلم معها وهاجر إلى الحبشة فتنصر هناك ومات على نصرانيته (2). وعبد الله بن خطل الذي قتل وهو متعلق بأستار الكعبة (3).


(1) وقد ولاه عثمان مصر سنة 25 ه‍ وبقي فيها حتى سنة 34 ه‍ فقدم على عثمان واستخلف على مصر السائب بن هشام العامري فانتزى عليه محمد بن أبي حذيفة وخلع السائب وتأمر على مصر، ولما رجع عبد الله بن سعد إلى مصر منعه ابن أبي حذيفة من دخولها، فمضى إلى عسقلان فأقام بها حتى قتل عثمان سنة 36 ه‍، وتوفي سنة 57 أو 59 ه‍. الاستيعاب 2 / 367 - 370 برقم 4711 والاصابة 2 / 309 - 310. (2) و (3) الاصابة 1 / 11 - 12.

[169]

الردة في عصر أبي بكر: انتشر خبر موت النبي في الجزيرة العربية وسكانها العرب على قسمين: منهم من كان قد أسلم قبل ذلك، ومنهم من بقي على دينه. أما غير المسلمين منهم فقد قويت شوكتهم وظهرت معارضتهم، وأما المسلمون فإنهم تربصوا وتريثوا واشرأبت أعناق الجميع إلى المدينة يتنسمون أخبارها، وإذا بهم يسمعون أن عاصمة الاسلام تغلي كالمرجل وتبلغهم أخبار " بيعة أبي بكر " وما جرى يومذاك بأوسع مما بلغنا بعد مئات السنين، فيبلغهم تناحر أصحاب الرسول على البيعة وتأخر عامة بني هاشم - رهط النبي - وامتناع سعد رئيس الخزرج عنها إلى غير ذلك مما وقع عند ذاك. ولذلك لم تعترف عشائر من عرب الجزيرة الذين كانوا قد أسلموا ببيعة كهذه ليرسلوا زكواتهم إلى المدينة. ولهذا تخلف من تخلف من المسلمين عن تسليم زكواتهم إلى مدينة الرسول بعد وفاة الرسول، وكان مرد ذلك إلى عدم الخضوع لابي بكر والامتناع عن بيعته لا الامتناع عن أداء الزكاة وعن قبول الصلاة كما وصمهم من وصمهم بذلك، وكان أمر هؤلاء الاعراب أهون على الخليفة وأتباعه من كبار الصحابة في المدينة، والذين كانوا قد امتنعوا عن بيعة أبي بكر أيضا فحاربوا أولئك الاعراب وقتلوهم حتى لم يبق معارض لابي بكر ولبيعته، ثم توجهوا إلى حرب بقية المشركين والمتنبئين الذين كانوا منتشرين في الجزيرة العربية منذ عهد الرسول، حتى إذا ما أبادوهم جميعا اتجهوا نحو الفتوحات. وقد سمى المؤرخون جميع الحروب التي وقعت بعد وفاة الرسول بين جيوش أبي بكر وعرب الجزيرة ب‍ (حروب الردة) كما سموا جميع المخالفين لابي بكر من الذين كانوا خارج المدينة

[170]

ب‍ (المرتدين). * * * قال الدكتور حسن في كتابه تاريخ الاسلام السياسي ص 251: فلما انتقل الرسول إلى جوار ربه وتحققوا من ذلك، شك فريق منهم في أمر هذا الدين الذي خلفه، وأوجس غيرهم إن وليت قريش أو غيرها هذا الامر أن تجعله ملكا عضودا (1) فأخذوا يفكرون في موقفهم وينظرون إلى مصيرهم، فرأوا أن هذا النبي الذي كان يقوم بالسفارة عن الله عزوجل ويبلغهم أمره ونهيه ويتمتع بالعصمة عن الخطأ والتنزه عن الزلل قد فارقهم إلى ربه، وليس ثمة إنسان في العالم يتصف بهذه الصفات التي كانت الضمان الوحيد لمساواة القبائل بعضهم ببعض، وجعل (الناس كأسنان المشط). فمن المحتمل أن يحكم من يحل محل هذا الرسول هواه وأهله وعشيرته في رقاب الناس ومصالحهم. كما لا يبعد أن يعلي هذا المركز - الخلافة - من شأن القبيلة التي ينتمي إليها الخليفة وبغض من شأن غيرها من القبائل، فيميل ميزان العدل بين الناس. ويفسر لنا هذا تسابق هذه القبائل والبطون عند وفاة الرسول على أن يكون هذا الامر لها دون غيرها. فتكشف ما في الصدور وتجلت النفس العربية والطبيعة القبلية إذ ذاك. فالانصار يخافون قريشا والمهاجرين أن يستأثروا بالامر دونهم، وهم فيما بينهم يتوجسون. ويخشى كل من الاوس


(1) هكذا ورد في الاصل والمشهور (ملكا عضوضا) وهو أنسب. لان الملك العضوض: الشديد الذي فيه عسف وعنف.

[171]

والخزرج صاحبه (1) ولم يكن الحال في مكة بأقل منه في المدينة، فقد دب التنافس في هذا الامر بين بطون قريش. فلما تم الامر لابي بكر وجد عليه بنو هاشم وامتنع علي عن مبايعته أشهرا وسعى أبو سفيان بن حرب ليوغر صدر علي بن أبي طالب على أبي بكر الذي انتزع الخلافة من بني عبد مناف. ولئن كان للمهاجرين من بني هاشم وغيرهم وللانصار أو سهم وخزرجهم من القرابة لرسول الله، أو الفضل والسبق في الاسلام، أو النصر والايواء لدين الله والذود عنه، لئن كان لهؤلاء وأولئك سبب من هذه الاسباب يدلون ويطمعون من أجله في الخلافة، فإن القبائل العربية الاخرى لم تجد لنفسها من السابقة في الاسلام ولا من القرابة للرسول ما تعتز به، وقد رأت المهاجرين والانصار يتنازعون هذا الامر فيما بينهم، فيقول المهاجرون منا الامراء ومنكم الوزراء " ويقول الانصار: " بل منا أمير ومنكم أمير " فيئست هذه القبائل وضاع أملها في الخلافة فأعلنت العصيان، ورفض أكثرهم أن يخضعوا لسلطان أبي بكر وامتنعوا عن أداء الزكاة التي ظنوها أتاوة. وقد اتخذ بعض المستشرقين (2) ارتداد بعض القبائل العربية عن الاسلام بعد وفاة الرسول دليلا على أن الاسلام قام بحد السيف وأن الخوف وحده هو الذي أدخل العرب في هذا الدين. وفي الحق أن العرب الذين حاربهم أبو بكر وسموا مرتدين لم يكفروا


(1) يؤيد هذا القول ما جرى في السقيفة، راجع قبله: السقيفة وبيعة أبي بكر. (2) ك‍: (فان فولتن) المستشرق الالماني الشهير.

[172]

بالاسلام ولم يرفضوه كما قد يتبادر إلى الذهن من تسميتهم مرتدين وإنما كانوا فريقين: 1 - فريق منع الزكاة فقط زاعما أنها أتاوة تدفع إلى الرسول، فإذا انتقل الرسول إلى جوار ربه أصبحوا في حل من دفعها إلى خليفته، وفي شأن هذا الفريق عارض عمر أبا بكر في حربهم محتجا بقوله عليه الصلاة والسلام: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله ". 2 - فريق ارتد ذووه عن الاسلام ولم يكونوا مسلمين حقا. ثم يقول بعد ذلك: " وأما معاقبة الاسلام من ارتد عنه بالقتل فذلك أمر اقتضته سياسة الدولة أكثر من الحرص على إسلام هؤلاء، على أن الاسلام شديد الحيطة في أمر المرتدين، فهو لا يأخذهم في ذلك بالشبهة ولا يحكم فيهم بالضنة، وإنما يمهل المرتد ثلاثة أيام يناقشه خلالها علماء المسلمين وفقهاؤهم فيما التبس عليه من أمر الدين وما عرض له من الشبهة في صحته ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ". وإلى القارئ طائفة من أقوال الائمة في هذا الموضوع: قال أبو حنيفة: إذا ارتد المسلم عرض عليه الاسلام وأجل ثلاثة أيام، لان الظاهر أنه دخلت عليه شبهة ارتد لاجلها، فعلينا إزالة تلك الشبهة، أو هو يحتاج إلى التفكر ليتبين له الحق فلا يكون ذلك إلا بمهلة، فإن استمهل كان على الامام أن يمهله، ومدة النظر مقدرة بثلاثة أيام في الشرع كما في الخيار (خيار الشرط وخيار الرؤية في البيوع) فلهذا يمهله ثلاثة أيام (1).


(1) وعين في الهامش مصدره كتاب المبسوط لشمس الدين السرخسي ط القاهرة سنة - >

[173]

ويقول بعض فقهاء المالكية ما نصه: " واستتيب المرتد وجوبا ولو عبدا أو امرأة ثلاثة أيام بلياليها من يوم الثبوت لا من يوم الكفر بلا جوع ولا عطش بل يطعم ويسقى من ماله وبلا معاقبة وإن لم يتب " (1). ويقول الامام الشافعي: " ويجب استتابة المرتد ذكرا أو غيره لانه كان محترما بالاسلام، وربما عرضت له شبهة فتزال. وقيل: يمهل ثلاثة أيام ". باب الردة في حاشية البجيرمي على شرح المنهج طبع بولاق سنة 1309 ه‍. وقال الامام أحمد بن حنبل: من ارتد عن الاسلام من الرجال والنساء هو بالغ عاقل دعي إليه ثلاثة أيام (كشاف القناع على متن الاقناع. طبع القاهرة سنة 1319 ه‍ ج 4 ص 100 - 105) على أنه لا ينبغي أن يكفر مسلم يحتمل عمله أو قوله الكفر وعدمه إلا إذا كان التكفير بقوله أو عمله مجمعا عليه. وقد صرح العلماء بأنه لا يكفر مسلم بقول يحتمل الكفر من تسع وتسعين وجها ويحتمل الايمان من وجه واحد، عن باب المرتد في حاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (ط مصر س 1272 ه‍) ص 283 - 292 - انتهى ما نقلناه ملخصا من كتاب تاريخ الاسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم حسن. وقال ابن كثير في ج 6 ص 311 من تاريخه البداية والنهاية: وقد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجة عن أبي هريرة: أن عمر


< - 1324 ه‍ جزء 10 ص 98 - 100. (1) نقل ذلك عن باب الردة وأحكامها في الشرح الكبير للدرديري (طبع بولاق سنة 1319) ج 4 ص 270 وحاشية الدسوقي ج 4 ص 267. وراجع الاحكام السلطانية للماوردي. ط المصرية الاولى.

[174]

ابن الخطاب قال لابي بكر: علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها " ؟ فقال أبو بكر: والله لو منعوني عناقا (1) وفي رواية عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لاقاتلنهم على منعها، إن الزكاة حق المال والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وفي رواية الطبري ج 2 ص 474: " وقد جاءته وفود العرب مرتدين يقرون بالصلاة ويمنعون الزكاة فلم يقبل ذلك منهم وردهم ". وقال ابن كثير أيضا في البداية والنهاية ج 6 ص 311: " وجعلت وفود العرب تقدم المدينة يقرون بالصلاة ويمنعون من أداء الزكاة، ومنهم من امتنع من أداء الزكاة إلى الصديق ". وأنشد بعضهم (2): أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فواعجبا ما بال ملك أبي بكر وذكر بعده في ص 313 منه: ايورثنا بكرا إذا مات بعده * وتلك لعمر الله قاصمة الظهر وقد أورد الطبري البيتين عن طريق سيف ص 477، وروى في ج


(1) العناق: الانثى من أولاد المعز قبل استكمالها الحول. (2) بهامش الاحكام السلطانية: إن القائل هو حارثة بن سراقة، وفي منتهى الآمال للقمي ص 94 القائل: مالك بن نويرة.

[175]

2 ص 48 (1) منه عن أبي مخنف: " إن خيل طئ كانت تلقى خيل بني أسد وفزارة قبل قدوم خالد عليهم فيتشاتمون ولا يقتتلون فتقول أسد وفزارة: لا والله لا نبايع أبا الفصيل (2) ابدا. فتقول لهم خيل طئ: اشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الاكبر " (3). ومما ذكرنا يظهر للباحث المتتبع أن ما وصفوه بالردة في عصر أبي بكر لم يكن بالارتداد عن الاسلام، وإنما كانت مخالفة لبيعة أبي بكر وامتناعا من دفع الزكاة إليه، وبما أن المعارضين لبيعة أبي بكر من القبائل العربية قد غلبوا على أمرهم وبقي الحكم للغالب المتنفذ وأنصاره وأحفاده، وأن الروايات التي بأيدينا عن حروبهم وما كانوا عليه جاءتنا عن طريق هؤلاء الغالبين فيلزمنا والحال هذه التثبت والتحري الدقيق عن صحة ما نسب إلى المعارضة المغلوبة على أمرها. حديث سيف: أما (سيف بن عمر) فقد روى عنه الطبري (4) في ج 2 ص 461 أنه قال: " لما بويع أبو بكر، ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة ".


(1) وط أوروبا 1 / 1890. (2) كانوا يكنونه أبا الفضيل غمزا به لان (البكر) هو الفتى من الابل و (الفصيل) ولد الناقة إذا فصل عن أمه. (3) تقول اسد، وفزارة لا نبايع أبا الفضيل أي ان أبا بكر أبو الفصيل. فتقول لهم طي: ان أبا بكر سيقاتلكم حتى تكنوه أبا الفحل الاكبر. (4) ط / أوروبا 1 / 1848.

[176]

وروى عنه أيضا في ص 475 (1) منه أنه قال: " كفرت الارض وتصرمت وارتدت من كل قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشا وثقيفا ". وروى عن سعيد بن زيد أنه قال: " لم يخالف بيعة أبي بكر إلا مرتد. أو من كاد يرتد " راجع قبله ص 93 - 94 تحت عنوان أحاديث سيف في السقيفة. وقد وضع سيف بن عمر قصصا روائية في وصف حروب الردة مما تجده مبثوثا في تاريخ الطبري، وهو في وضعه تلك القصص أبرع من واضعي قصص عنترة بن شداد ونظائرها وأوسع خيالا منهم، فإن أبطال قصص سيف تفيض لهم الدهناء، ويسيرون على الماء، وتكلمهم الحيوانات وتحدثهم الملائكة، مما لا يوجد في غيرها من القصص الوصفية التي وضعت في حروب الابطال، كما يمتاز سيف عن غيره ممن وضع القصص بأنه قد وضع أكثر قصصه لمدح ذوي السلطة والجاه والدفاع عنهم في كل أمر انتقدوا عليه. ثم يورد قصصه على صورة أحاديث يرويها عن رواة بعضهم ممن كان له وجود تاريخي محقق، وقد يختلق رواة يسند الرواية إليهم وبذلك يلبس الامر على الباحثين. ويكفينا استعراض بعض قصص سيف عن حروب الردة لمعرفة اسلوبه في كتاب (الفتوح والردة) الذي يروي كثيرا منها الطبري في تاريخه الكبير. نورد فيما يلي ثلاث قصص وصفية منها ونحيل دراسة الباقي منها إلى الجزء الثاني من هذا الكتاب فصل انتشار الاسلام بالسيف في حديث سيف، وإلى كتاب " خمسون ومائة صحابي مختلق " ترجمة طاهر بن أبي هالة ربيب رسول الله (ص) المختلق وغيرها.


(1) ط / أوروبا 1 / 1871.

[177]

4 - قصة مالك بن نويرة - قصة ارتداد مالك عند غير سيف. - ارتداد مالك في أحاديث سيف. - نتيجة المقارنة - مناقشة سند الحديث.

[179]

مالك بن نويرة في حديث غير سيف: مالك بن نويرة بن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع التميمي اليربوعي، يكنى أبا حنظلة ويلقب بالجفول (1): قال المرزباني: كان شاعرا شريفا فارسا معدودا في فرسان بني يربوع في الجاهلية وأشرافهم. فلما أسلم استعمله النبي على صدقات قومه، فلما توفي النبي (ص) أمسك الصدقة وفرقها في قومه وقال في ذلك: فقلت خذوا أموالكم غير خائف * ولا ناظر في ما يجئ من الغد فإن قام بالدين المحوق قائم * أطعنا وقلنا الدين دين محمد (2) وفي شرح ابن أبي الحديد (3): " فإن قام بالامر المجدد قائم ". في الطبري (4) 2 / 503 بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي بكر: ولما


(1) جفل جفولا: الشعر ثار شعثا وتنصب. البعير شرد. الجفول: الريح التي تجفل السحاب. (2) الاصابة 3 / 336. في معجم الشعراء ص 260: فإن قام بالامر المخوف قائم. (3) في الجواب السابع من أجوبة المرتضى على قاضي القضاة. (4) ط / أوروبا 1 / 1927 - 1928.

[180]

نزل خالد بالبطاح (1) بعث ضرار بن الازور (2) في سرية وفيهم أبو قتادة (3) فداهموا قوم مالك ليلا وكان أبو قتادة يحدث: أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح. قال: فقلنا إنا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون. قال: فما بال السلاح معكم ؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم ؟.


(1) البطاح: ماء في ديار أسد بن خزيمة، معجم البلدان للحموي. (2) ضرار بن الازور بن مرداس بن حبيب بن عمير بن كثير بن شيبان الاسدي. وقيل اسم الازور مالك وهو ابن أوس بن جذيمة بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. يكنى أبا الازور الاسدي. كان شاعرا فارسا شجاعا قتل يوم أجنادين، وقيل في اليمامة، وقيل توفي في خلافة عمر بالكوفة، الاستيعاب 2 / 203 - 204 وفي الاصابة 2 / 200 - 201، بعث خالد ضرارا في سرية فأغاروا على حي من بني أسد فأخذوا امرأة جميلة، فسأل ضرار أصحابه أن يهبوها له ففعلوا، فوطئها ثم ندم فذكر ذلك لخالد، فقال: قد طيبتها لك، فقال: لا ! حتى تكتب إلى عمر، فكتب: إرضخه بالحجارة، فجاء الكتاب وقد مات، فقال خالد: ما كان الله ليخزي ضرارا. ويقال: إنه ممن شرب الخمر مع أبي جندب، فكتب أبو عبيدة إلى عمر. فكتب إليه: إن قالوا إنها حلال فاقتلهم وإلا فاجلدهم، فقالوا: إنها حرام. (3) أبو قتادة الحارث أخو بني سلمة واسمه الحارث على الاشهر، وقيل إن اسمه النعمان أو عمرو بن ربعي بن بلدهة بن خناس بن سنان بن عبيد بن غنم بن سلمة الانصاري الخزرجي السلمي، وأمه كبشة بنت مطهر بن حرام بن سواد بن غنم. شهد أحدا وما بعدها واختلفوا في شهوده بدرا، وكان يقال له فارس رسول الله. وشهد مع علي في خلافته مشاهده كلها، وتوفي في الكوفة في خلافة علي سنة 38 أو سنة 40 ه‍ وهو ابن سبعين سنة فكبر علي في صلاته عليه ستا وقيل إنه توفي في المدينة سنة 54 ه‍ وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل: بل كان عمره 70 سنة، الاصابة 4 / 157 - 158، والاستيعاب 4 / 161 - 162. ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 360.

[181]

قلنا: فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال: فوضعوها ثم صلينا وصلوا (1). وفي شرح ابن أبي الحديد بعده: " فلما وضعوا السلاح ربطوا أسارى فأتوا بهم خالدا ". وفي كنز العمال 3 / 132: " إن خالد بن الوليد ادعى أن مالك بن نويرة ارتد بكلام بلغه عنه فأنكر مالك ذلك، وقال: أنا على الاسلام ما غيرت ولا بدلت، وشهد له أبو قتادة وعبد الله بن عمر، فقدمه خالد وأمر ضرار بن الازور الاسدي فضرب عنقه، وقبض خالد امرأته أم تميم فتزوجها ". وقال اليعقوبي في تاريخه 2 / 110 " فأتاه مالك بن نويرة يناظره واتبعته امرأته فلما رآها أعجبته فقال: والله ما نلت ما في مثابتك (2) حتى أقتلك ". وفي تاريخ أبي الفداء والوفيات: " وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الانصاري حاضرين فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما. فقال مالك: يا خالد: ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا فإنك بعثت إليه غيرنا ممن جرمه أكبر من جرمنا. فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك. وتقدم إلى ضرار بن الازور بضرب عنقه.


(1) وفي صحيح مسلم 2 / 3 - 4، كتاب الصلاة باب الاذان عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر وكان يسمع الاذان فإن سمع أذانا أمسك. الحديث. (2) مثابة البئر: مبلغ جموم مائها وما أشرف من الحجارة حولها ولا تبلغ مثابتك أي لا تشرب ماء بئرك حتى أقتلك.

[182]

فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني. وكانت في غاية الجمال. فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن الاسلام. فقال مالك: أنا على الاسلام. فقال خالد: يا ضرار اضرب عنقه، فضرب عنقه " (1). وفي الاصابة 3 / 337 أن ثابت بن قاسم روى في الدلائل: " أن خالدا رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال، فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتيني يعني سأقتل من أجلك ". وفي الاصابة أيضا عن الزبير بن بكار عن ابن شهاب: " إن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس فلما قتل، أمر خالد برأسه فنصب أثفية (2) فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شئون رأسه " (3). وتزوج خالد بامرأة مالك - أم تميم بنت المنهال - في تلك الليلة (4) وفي


(1) تاريخ أبي الفداء ص 158، وفيات الاعيان 5 / 66 بترجمة وثيمة وقد ذكر ذلك ابن شحنة في تاريخه ص 114 من هامش الكامل ج 11 وفي فوات الوفيات 2 / 627، عن ردة ابن وثيمة وردة الواقدي. (2) الاثفية: الحجر يوضع عليه القدر. (3) روى الطبري ذلك في 2 / 503 والاصابة 3 / 337 وابن الاثير في حرب البطاح وابن كثير 6 / 322 وأبو الفداء 158، وابن أبي الحديد ج 17 وبترجمة وثيمة من وفيات الاعيان وفوات الوفيات 2 / 627. (4) اليعقوبي 2 / 110.

[183]

ذلك يقول أبو نمير السعدي: ألا قل لحي أوطأوا بالسنابك * تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغيا عليه لعرسه * وكان له فيها هوى قبل ذلك فأمضى هواه خالد غير عاطف * عنان الهوى عنها ولا متمالك فأصبح ذا أهل وأصبح مالك * إلى غير أهل هالكا في الهوالك (1) ومر المنهال على أشلاء مالك بن نويرة هو ورجل من قومه حين قتله خالد فأخرج من خريطته (2) ثوبا فكفنه فيه (3). وفي تاريخ اليعقوبي: " فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر وحلف أن لا يسير تحت لواء خالد لانه قتل مالكا مسلما "، وفي رواية الطبري عن ابن أبي بكر: " وكان ممن شهد لمالك بالاسلام أبو قتادة وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا ". وفي تاريخ اليعقوبي: فقال عمر بن الخطاب لابي بكر: يا خليفة رسول الله إن خالدا قتل رجلا مسلما وتزوج امرأته من يومها فكتب أبو بكر إلى خالد فأشخصه فقال: يا خليفة رسول الله إني تأولت وأصبت وأخطأت. وكان متمم بن نويرة شاعرا فرثى أخاه بمراثي كثيرة، ولحق بالمدينة إلى أبي بكر فصلى خلف أبي بكر صلاة الصبح، فلما فرغ أبو بكر من صلاته قام متمم (4) فاتكأ على قوسه ثم قال:


(1) أبو الفداء 158، وتاريخ ابن شحنة بهامش الكامل 11 / 114 ووفيات الاعيان بترجمة وثيمة. (2) الخريطة: كالحقيبة وعاء من جلد وغيره ليجمع على ما فيه. (3) الاصابة 3 / 478. بترجمة المنهال. (4) كنيته أبو أدهم أو أبو نهيك أو أبو إبراهيم بن نويرة تقدم نسبه في ترجمة أخيه. أسلم - >

[184]

نعم القتيل إذ الرياح تناوحت * خلف البيوت قتلت يا ابن الازور ادعوته بالله ثم غدرته * لو هو دعاك بذمة لم يغدر وفي تاريخ أبي الفداء (1) ولما بلغ ذلك أبا بكر وعمر. قال عمر لابي بكر: إن خالدا قد زنى فارجمه. قال: ما كنت أرجمه فإنه تأول فأخطأ. قال: فإنه قتل مسلما فاقتله. قال: ما كنت أقتله فإنه تأول فأخطأ. قال: فاعزله. قال: ما كنت أغمد سيفا سله الله عليهم. وفي رواية الطبري عن ابن أبي بكر: " وكان خالد يعتذر في قتله أنه قال وهو يراجعه ما أخال صاحبكم إلا وقد كان يقول: كذا وكذا. قال: أو ما تعده لك صاحبا ؟ ثم قدمه فضرب عنقه وأعناق أصحابه. فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر. وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله، ثم نزا على امرأته. وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجرا (2) بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما، فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الاسهم من رأسه فحطمها، ثم قال: أرئاء ؟ قتلت أمرءا


هو وأخوه ونظم في أخيه مالك مراثي حسانا، الاصابة 3 / 340، والاستيعاب 3 / 488. (1) وكنز العمال 3 / 132 الحديث 228، وبترجمة وثيمة من وفيات الاعيان وفوات الوفيات. (2) اعتجر: لف عمامته دون التلحي.

[185]

مسلما ثم نزوت على امرأته ! والله لارجمنك بأحجارك. ولا يكلمه خالد بن الوليد ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر، فلما أن دخل عليه أخبره الخبر وأعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عما كان في حربه تلك. قال: فخرج حين رضي عنه أبو بكر وعمر جالس في المسجد. فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة، قال: فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه ودخل بيته ". حديث سيف: أما سيف فقد ذكر أمر مالك بن نويرة في سبع من رواياته يعضد بعضها ببعض، وأوردها الطبري في ذكره حوادث سنة 11 ه‍ من تاريخه، فروى: 1 - عن سيف في ذكره خبر بني تميم وسجاح ج 2 / 495 (1)، عن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه: " أن رسول الله قد توفي وقد فرق في بني تميم عماله. وكان من عماله مالك بن نويرة فاختلف عمال رسول الله في بني تميم بعد وفاته، فمنهم من ادى الزكاة ومنهم من منعها وتردد وتحير، وتشاغل الناس بعضهم ببعض، وكان مالك ممن ارتاب وتربص. فبينا الناس في بلاد بني تميم على ذلك قد شغل بعضهم بعضا، فمسلمهم بإزاء من تربص وارتاب، فجئتهم سجاح بنت الحارث - وكانت قد تنبأت بعد رسول الله - هي وبنو


(1) وط / أوروبا (1 / 1917).

[186]

أبيها والهذيل في عدة قبائل لتغزو بهم أبا بكر فراسلت مالك بن نويرة فأجابها فاجتمع وكيع ومالك وسجاح - وقد وادع بعضهم بعضا - على قتال الناس ". 2 - وروى في ذكر خبر أهل البحرين وردة الحطم وبعث العلاء بن الحضرمي إليها ص 522 (1) منه عن الصعب بن عطية بن بلال: إن ابن الحضرمي لما أقبل إليها وكان بحيال اليمامة، وكان أهلها مختلفين يتساجلون (2) فيما بينهم التحق به جماعة منها، وذكر عن الراوي أنه قال: " وكان مالك في البطاح ومعه جموعه يساجلنا ونساجله ". 3 - وروى عن سيف في (ذكر البطاح وخبره) ص 501 (3) منه عن الصعب بن عطية بن بلال، أنه قال: " لما انصرفت سجاح إلى الجزيرة ارعوى مالك بن نويرة وندم وتحير في أمره. وعرف وكيع وسماعة قبح ما أتيا فرجعا رجوعا حسنا ولم يتحيرا وأخرجا الصدقات فاستقبلا بها خالدا، ولم يبق في بلاد بني حنظلة شئ يكره إلا ما كان من أمر مالك بن نويرة ومن تأشب إليه (4) بالبطاح فهو على حاله متحير شج ". 4 - وروى عن سيف بعد هذا: " عن القاسم وعمرو بن شعيب قالا: لما أراد خالد السير وقد استبرأ أسد وغطفان، فسار يريد البطاح دون الحزن وعليها مالك بن نويرة وقد تردد عليه أمره، ترددت الانصار على


(1) ط / أوروبا 1 / 1957. (2) ساجله: باراه وفاخره وصنع مثل صنيعه معارضة له. (3) وط / أوروبا 1 / 1921. (4) تأشب إليه: إنضم إليه.

[187]

خالد وتخلفت عنه وقالوا: إن الخليفة عهد إلينا إن نحن فرغنا من البزاخة، نقيم حتى يكتب إلينا، فقال خالد: أنا الامير وإلي تنتهي الاخبار، وهذا مالك بن نويرة بحيالنا وأنا قاصد إليه ومن معي من المهاجرين والتابعين بإحسان، ولست أكرهكم، ومضى خالد، وندمت الانصار، ولحقوا به، ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد به أحدا ". 5 - إلى هنا ذكرنا خلاصات من روايات سيف في أمر مالك. وذكر سيف في رواية أخرى له بعد هذا عن خزيمة بن شجرة العقفاني عن عثمان ابن سويد بن المثعبة الرياحي وقال: " قدم خالد بن الوليد البطاح فلم يجد عليه أحدا ووجد مالكا قد فرقهم في أموالهم ونهاهم عن الاجتماع حين تردد عليه أمره، وقال: يا بني يربوع إنا كنا قد عصينا أمراءنا إذ دعونا إلى هذا الدين وبطأنا الناس عنه فلم نفلح ولم ننجح. وإني قد نظرت في هذا الامر فوجدت الامر يأتي بغير سياسة. وإذا الامر لا يسوسه الناس وإياكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرقوا إلى دياركم وادخلوا في هذا الامر. فتفرقوا على ذلك إلى أموالهم وخرج مالك حتى رجع إلى منزله. ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب وإن امتنع أن يقتلوه، وكان مما أوصى به أبو بكر: إذا نزلتم منزلا فأذنوا وأقيموا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم وإن لم يفعلوا فلا شئ إلا الغارة، ثم تقتلوا كل قتلة، الحرق فما سواه. وإن أجابوكم إلى داعية الاسلام فسائلوهم فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شئ إلا الغارة ولا كلمة. فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة من عاصم وعرين وعبيد وجعفر فاختلفت السرية فيهم، وفيهم أبو قتادة فكان فيمن

[188]

شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شئ. وجعلت تزداد بردا فأمر خالد مناديا فنادى: ادفئوا أسراكم، وكانت في لغة كنانة إذا قالوا: دثروا الرجل فأدفئوه، دفأه قتله، وفي لغة غيرهم. أدفه فاقتله فظن القوم وهي في لغتهم القتل أنه أراد القتل فقتلوهم، فقتل ضرار بن الازور مالكا، وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه. وقد اختلف القوم فيهم، فقال أبو قتادة: هذا عملك ! فزبره خالد فغضب ومضى حتى أتى أبا بكر فغضب عليه أبو بكر حتى كلمه عمر فيه فلم يرض إلا أن يرجع إليه فرجع إليه حتى قدم معه المدينة وتزوج خالد أم تميم ابنة المنهال، وتركها لينقضي طهرها. وكانت العرب تكره النساء في الحرب وتعايره، وقال عمر لابي بكر: إن في سيف خالد رهقا فإن لم يكن هذا حقا حق عليه أن تقيده وأكثر عليه في ذلك، وكان أبو بكر لا يقيد أحدا من عماله ولا وزعته، فقال: هيه يا عمر تأول فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد. وودى مالكا وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل، فأخبره خبره فعذره وقبل منه وعنفه في التزويج الذي كانت تعيب عليه العرب من ذلك ". 6 - وذكر أيضا في حديث آخر له بعد هذا وقال: " شهد قوم من السرية أنهم أذنوا وأقاموا وصلوا ففعل مثل ذلك. وشهد آخرون أنه لم يكن من ذلك شئ فقتلوه. وقدم أخوه متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في سبيهم، فكتب له برد السبي وألح عليه عمر في خالد أن يعزله وقال: إن في سيفه رهقا، فقال: لا يا عمر لم أكن لاشيم سيفا سله الله على الكافرين ".

[189]

7 - وذكر في روايته الاخيرة عن خزيمة عن عثمان عن سويد وقال: " كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعرا، وأن أهل العسكر أثفوا برؤوسهم القدور، فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكا، فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره، وأنشده متمم وذكر خصمه. وقد كان عمر رأى مقدمه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أكذاك يا متمم كان ؟ قال: أما مما أعني فنعم ". إنتهت بإيجاز أحاديث سيف في قصة مالك. نتيجة المقارنة: إن سيف بن عمر قد وضع قسما من هذه الروايات وأضاف إلى بعض آخر منها ودس فيها ليدفع بها ما انتقد به على خالد بن الوليد. فإنه قد مهد في (خبر أهل البحرين) و (خبر بني تميم وسجاح) إلى ما يريد فنسب إلى مالك بن نويرة الارتياب والتردد، ومقابلته المسلمين الثابتين على أمرهم ومساجلتهم بجماعته. وإنه مالا المتنبئة سجاح على غزو أبي بكر والقبائل الثابتة على إسلامها. وأنه بعد انصراف سجاح تردد في أمره وتحير، ولما لم يذكر أحد من المؤرخين أنه كان معه - عندما أسره ضرار - تلك التحشدات والجموع التي ذكرها سيف، فقد عالج ذلك في روايته الرابعة حين قال فيها: إن مالكا فرق جموعه ومن تأشب إليه وذلك خوفا منه وفرقا، لا ندما منه وتوبة ورجوعا حسنا. وبكل ذلك أثبت ارتداد مالك بن نويرة، وقد أثبت ارتداده في أحاديث لم يذكر فيها خالدا لئلا ينتبه أحد إلى ما يريد من الوقيعة في مالك

[190]

في سبيل الدفاع عن خالد وعن غير خالد، ليري أن خالدا كان محقا في قتل هذا المرتد المذبذب في ما لو ثبت على خالد قتل مالك عمدا. ثم أورد محاورة بين خالد والانصار الذين كانوا في جيشه ليدفع عن أبي بكر ما صدر عن خالد، فليس لك أن تنسب ما صدر منه إلى أبي بكر، لان الانصار ذكروا أن أبا بكر لم يأمرهم بذلك. كما أنه ليس لك أن تتهم خالدا بالعيث من تلقاء نفسه، لان خالدا صرح بأن الامر يأتيه بعد الامر، فلا يتوجه النقد إلى هذا ولا ذاك. ثم وضع قصة لغة كنانة " دثروا الرجل " لينسب قتل مالك إلى الخطأ في الفهم لا التعمد في العمل. وبعد هذا التمهيد يذكر أن خالدا " بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام أن يأتوه بكل من لم يجب " كما ذكر وصية أبي بكر بأكثر من هذا. ويذكر أن السرية جاءت بمالك وهي مختلفة في أمره فحبسه ومن معه في ليلة باردة ثم أمر بتدفئتهم فظن جيشه أنه يكلمهم بلغة كنانة ويأمرهم بقتل الاسارى فقتلوهم، ولما سمع خالد الواعية خرج وقد فرغوا منهم. وذكر أن خالدا تزوج امرأة مالك بعد أن انقضى طهرها. وأن ما نقم عليه في هذه تزوجه في الحرب فقط لان العرب كانت تكره ذلك. وذكر أيضا ما جرى بين خالد وأبي قتادة، وبينه وبين عمر محرفا. وقد زعم (سيف) أن قتل مالك وقع خطأ وكان سببه ظن جند خالد بأن خالدا يكلمهم بلغة كنانة، فليت شعري كيف كان هذا الظن مع أن خالدا كان قرشيا مخزوميا، وضرار بن الازور - القاتل - اسديا ثعلبيا ؟ ! وليت شعري إن كان قتلهم قد وقع خطأ فلم نصبت رؤوسهم أثافي للقدور بعد القتل ؟ !

[191]

هذا إلى غيره مما أشرنا إليه تفرد بروايته (سيف) غير أن الطبري جاء بعده فأدرجها في تاريخه، وأخذ منه كل من ابن الاثير وابن كثير ومير خواند في تواريخهم إلى غيرهم. وكذلك فعل ابن حجر إذ أدرجها في كتابه الاصابة. وهكذا انتشرت هذه الروايات الموضوعة في كتب التاريخ والتراجم فضاعت حقيقة الواقعة على الاجيال التي جاءت بعد هؤلاء إلا لمن بحث عنها في غير طريق (سيف) ورواته، وإن أمر خالد بقتل مالك بن نويرة صبرا خلافا لما رواه (سيف) قد ورد بالاضافة إلى المصادر الآنفة الذكر في كل من: فتوح البلدان للبلاذري ص 117، وتهذيب تاريخ ابن عساكر 5 / 105 و 112 وتاريخ الخميس 2 / 233، والنهاية لابن الاثير 3 / 257، والصواعق المحرقة ص 34، ط. مصر وتاج العروس للزبيدي 8 / 75. مناقشة السند: ورد في سند الحديث 1 و 2 و 3 " الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه " تارة أب وابن راويان في نسق واحد، وتارة عن غير أبيه، روى سيف 8 روايات عنه في تاريخ الطبري، وفي أسد الغابة رواية واحدة (1). وفي سند الحديث 5 و 7 عثمان بن سويد) روى سيف عنه حديثين في تاريخ الطبري.


(1) اسد الغابة 3 / 145 بترجمة عبد الحارث و 167 بترجمة عبد الله بن زيد والروايتان واحدة.

[192]

ولما لم نجد لهما ذكرا في ما رجعنا إليه من كتب تراجم الرواة والتاريخ، اعتبرناهما من مختلقات سيف. هذه قصة واحدة من حروب الردة " وعلى هذه فقس ما سواها ".

[193]

5 - قصة العلاء بن الحضرمي - حديث سيف. - فرار الابل في الدهناء وفيض الماء فيها. - اجتياز البحر. - الراكب والراجل. - مناقشة سند الحديث. - حديث غير سيف. - نتيجة المقارنة.

[195]

العلاء بن الحضرمي هو ابن عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة ابن مالك بن عويف الحضرمي، سكن أبوه مكة وحالف حرب بن أمية (1). كان النبي ولاه البحرين ثم أقره أبو بكر ثم عمر ومات عام 14 أو 21 ه‍ كما في الاستيعاب 3 / 146 - 148 والاصابة 2 / 491. حديث سيف: أورد الطبري في 2 / 522 - 528 (2) من تاريخه رواية (سيف) عن الصعب بن عطية بن بلال عن سهم بن منجاب عن منجاب بن راشد قال: بعث أبو بكر العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين إلى أن يقول: " وسلك بنا الدهناء (3) حتى إذا كنا في بحبوحتها، واراد الله أن يرينا آياته نزل وأمر الناس بالنزول فنفرت الابل في جوف الليل، فما بقي عندنا بعير ولا وزاد ولا بناء إلا ذهب عليها في عرض الرمل وذلك حين نزل الناس،


(1) نقلنا نسبه عن الاصابة ويخالف ما ذكره ابن حزم في جمهرته ص 461. (2) ط / أوروبا 1 / 1957 - 1975. (3) الدهناء كما في معجم البلدان 2 / 635 من ديار بني تميم وفيها سبعة أجبل من الرمل.

[196]

وقبل أن يحطوا، فما علمت جمعا هجم عليهم من الغم مثلما هجم علينا وأوصى بعضنا إلى بعض، ونادى منادي العلاء: اجتمعوا، فاجتمعنا إليه فقال: ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم ؟ فقال الناس: وكيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا ؟ ! فقال: أيها الناس لا تراعوا، ألستم مسلمين ؟ ألستم في سبيل الله ؟ ألستم أنصار الله ؟ قالوا: بلى. قال: فأبشروا، فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم، ونادى المنادي بصلاة الصبح حين طلع الفجر، فصلى بنا ومنا المتيمم ومنا من لم يزل على طهوره، فلما قضى صلاته جثا لركبتيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه فلمع لهم سراب الشمس، فالتفت إلى الصف فقال: رائد ينظر ما هذا، ففعل ثم رجع، فقال: سراب، فاقبل على الدعاء، ثم لمع لهم آخر فكذلك، ثم لمع لهم آخر، فقال: ماء، فقام وقام الناس فمشينا إليه حتى نزلنا عليه فشربنا واغتسلنا، فما تعالى النهار حتى أقبلت الابل تكرد من كل وجه فأناخت إلينا، فقام كل رجل إلى ظهره فأخذه، فما فقدنا سلكا. فأرويناها وأسقيناها العلل بعد النهل وتروينا ثم تروحنا. وكان أبو هريرة (1) رفيقي فلما غبنا عن ذلك المكان قال لي: كيف علمك بموضع ذلك الماء ؟ فقلت: أنا من أهدى العرب بهذه البلاد، قال: فكن معي حتى تقيمني عليه، فكررت به فأتيت به على ذلك المكان بعينه فإذا هو لا غدير به ولا أثر للماء، فقلت له: والله لولا


(1) أبو هريرة الدوسي، اختلفوا في اسمه ونسبه ولم يكن في الصحابة أكثر حديثا منه. وكانت أم المؤمنين عائشة تتهمه لاكثاره الرواية عن رسول الله، توفي سنة 57 أو 58 ه‍ ودفن بالبقيع. الاستيعاب 4 / 200 - 207، والاصابة 4 / 200 - 208.

[197]

أني لا أرى الغدير لاخبرتك أن هذا هو المكان. وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعا قبل اليوم. وإذا إداوة (1) مملوءة، فقال: يا أبا سهم هذا والله المكان ولهذا رجعت ورجعت بك. ملات إداوتي ثم وضعتها على شفيره فقلت: إن كانت منا من المن وكانت آية عرفتها، وإن كان غياثا عرفته فإذا من، من المن، فحمد الله ثم سرنا ". ثم ذكر قتال العلاء أهل الردة في البحرين وأنه غلب على جيوشهم في ليلة كانوا سكارى، إلى أن يقول في ص 526 منه (2): " فلما أيقن أنه لن يؤتى من خلفه بشئ يكرهه ندب الناس إلى دارين (3) ثم جمعهم فخطبهم وقال: إن الله قد جمع لكم أحزاب الشياطين وشرد الحرب في هذا البحر، وقد أراكم من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم ثم استعرضوا البحر إليهم فإن الله قد جمعهم " فقالوا: والله لا نهاب بعد الدهناء (4) هولا ما بقينا، فارتحل وارتحلوا حتى إذا أتى ساحل البحر اقتحموا على الصاهل والحامل والشاحج والناهق (5)، الراكب والراجل، ودعا ودعوا وكان دعاؤه ودعاؤهم: " يا أرحم الراحمين يا كريم يا حليم، يا أحد يا صمد، يا حي يا محيي الموتى، يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربنا "


(1) الاداوة: إناء صغير من جلد. (2) وط / أوروبا 1 / 1972. (3) في معجم البلدان 2 / 537 إنها فرضة بالبحرين يجلب إليها المسك من الهند. (4) الدهناء: الفلاة. (5) الصاهل: الفرس، والشاحج: البغل، والناهق: الحمار.

[198]

فاجتازوا ذلك الخليج بإذن الله جميعا يمشون على مثل رملة ميثاء (1) فوقها ماء يغمر أخفاف الابل، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر في بعض الحالات، فالتقوا بها واقتتلوا قتالا شديدا فما تركوا بها مخبرا، وسبوا الذراري واستاقوا الاموال فبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين. قطعوا إليهم وساروا يومهم، فلما فرغوا رجعوا عودهم على بدئهم، حتى عبروا. وفي ذلك يقول عفيف بن المنذر: ألم تر أن الله ذلل بحره * وأنزل بالكفار احدى الجلائل دعونا الذي شق الرمال فجاءنا * بأعجب من فلق البحار الاوائل فلما رجع العلاء إلى البحرين وضرب الاسلام فيها بجرانه (2) وعز الاسلام وأهله، وذل الشرك وأهله، وكان مع المسلمين راهب في هجر فأسلم يومئذ، فقيل، ما دعاك إلى الاسلام ؟ قال: ثلاثة أشياء، خشيت أن يمسخني الله بعدها إن أنا لم أفعل: فيض في الرمال، وتمهيد أثباج البحار، ودعاء سمعته في عسكرهم في الهواء من السحر قالوا: وما هو ؟ قال: " اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك، والبديع ليس قبلك شئ والدائم غير الغافل، والحي الذي لا يموت وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن، وعلمت اللهم كل شئ بغير تعلم " فعلمت أن القوم لم يعانوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله، فلقد كان أصحاب رسول الله يسمعون من ذلك الهجري بعد.


(1) الميثاء: الارض السهلة والرملة السهلة. (2) جران البعير: مقدم عنقه من منحره إلى مذبحه، وألقى البعير بجرانه: برك والقى الاسلام بجرانه: ثبت واستقر كتابه.

[199]

وكتب العلاء إلى أبي بكر: " أما بعد فإن الله تبارك وتعالى فجر لنا الدهناء فيضا لا ترى غواربه، وأرانا آية وعبرة بعد غم وكرب، لنحمد الله ونمجده فادع الله واستنصره لجنوده وأعوان دينه " فخطب أبو بكر وحمد الله ودعاه وقال: " ما زالت العرب فيما تحدث عن بلدانها يقولون: إن لقمان حين سئل عن الدهناء أيحتفرونها أو يدعونها نهاهم وقال: لا تبلغها الارشية (1) ولم تقر العيون وإن شأن هذا الفيض من عظيم الآيات وما سمعنا به في أمة قبلها. اللهم أخلف محمدا صلى الله عليه وآله فينا ". وقد أورد ابن كثير في 6 / 328 - 329 من تاريخه هذه القصة مفصلة عن طريق سيف وأوردها الحموي مختصرا في معجم البلدان 2 / 25 بعد أن قال: (في كتاب سيف) وأورد أبو الفرج في الاغاني عن الطبري رواية سيف هذه بتفصيلها. مناقشة السند: روى سيف هذا الحديث عن الصعب بن عطية بن بلال عن أبيه، أب وابن راويان في نسق واحد. ذكرنا في مناقشة السند لحديث مالك بن نويرة أنا اعتبرناهما من مختلقات سيف لما لم نجد لهما ذكرا في كتب الرجال والتاريخ ! حديث غير سيف: كان هذا سند حديث سيف ومتنه في قصة العلاء. أما غير سيف فقد


(1) الارشية جمع أرشاء، الحبل مطلقا أو حبل الدلو. يعني مهما حفروا لن يبلغوا الماء.

[200]

روى البلاذري في فتوح البلدان ص 103 و 104 أن العلاء غزا زارة (1) ودارين في خلافة عمر بن الخطاب، وأن أهل زارة صالحوه على أن له ثلث المدينة وثلث ما فيها من ذهب وفضة وعلى أن يأخذ النصف مما كان لهم خارجها (وأتى الاخنس بن العامري العلاء، فقال له: إنهم لم يصالحوك على ذراريهم وهم بدارين، ودله كراز النكري (2) على المخاضة إليهم فتقحم العلاء في جماعة من المسلمين البحر فلم يشعر أهل دارين إلا بالتكبير، فخرجوا فقاتلوهم من ثلاثة أوجه فقتلوا مقاتليهم وحووا الذراري والسبي). وبترجمة عبد الله بن قيس الصباحي من الاصابة 2 / 353: " أنه دل المسلمين على عورة أهل الحصن بالبحرين ". نتيجة المقارنة: ذكر سيف لجيوش أبي بكر في الحروب التي يسميها بالردة فيضا في الدهناء، بعد أن نفرت إبلهم وأيد ذلك برجوع أبي هريرة ورفيقه ورؤيتهما الاداوة التي تركاها عند الغدير، وأنهما لم يريا أثرا من الغدير، وذكر أن لقمان سئل عن حفر الدهناء فنهاهم عن حفرها لان الارشية لا تبلغها. ثم ذكر لهم آية أخرى لم يؤت نظيرها أحد قبلهم - كما يزعم - فإن موسى بن عمران وإن كان قد فلق له البحر غير أنه لم يمش على الماء. وأيد ذلك برواية بيتين عن لسان عفيف بن المنذر، وبإسلام الراهب الهجري لما رأى الآيات وسمع


(1) زارة: قرية كبيرة بالبحرين، معجم البلدان 2 / 907. (2) النكري بضم فسكون: فخذ من بني ثعلبة، من بني عبد القيس كانوا يسكنون البحرين. راجع اللباب والجمهرة 183 و 281.

[201]

دعاء الملائكة، وختم تأييداته بكتاب العلاء إلى أبي بكر ودعاء أبي بكر لهم على المنبر. يضع سيف هذا فيروي عنه الطبري والحموي وابن الاثير وابن كثير وأصحاب السنن والخصائص فيصبح جزءا من تاريخ الاسلام، والقصة لا تعدو عبور الجيش إلى دارين من مخاضة كان يخوض منها غيرهم، وكان كراز النكري يعرفها قبل ذلك وهو الذي دلهم عليها، ثم ان الغزوة لم تقع في عصر أبي بكر كما ذكرها (سيف) وإنما وقعت في عصر عمر، كل ذلك يتفرد فيه سيف كما يتفرد في قوله عن قتال جند العلاء بدارين. (واقتتلوا قتالا شديدا فما تركوا بها مخبرا) وهذه هي الثانية مما اخترنا ذكرها من حروب الردة التي أكثروا من ذكرها في التواريخ. ثالثا: قصة نباح كلاب الحوأب كما سيأتي ذكرها.

[203]

6 - نباح كلاب الحوأب - حديث سيف في الحوأب - نباح كلاب الحوأب على أم قرفة. - حديث غير سيف. - مقارنة. - مناقشة السند.

[205]

حديث سيف في الحوأب (1): روى الطبري عن سيف في 3 / 490 - 492 (2) في " ذكر ردة هوازن وسليم وعامر ": أن أم زمل (3) سلمى ابنة مالك بن حذيفة بن بدر كانت قد سبيت في عصر الرسول، في أيام أم قرفة، فوقعت لعائشة فأعتقتها، فكانت تكون عندها، ثم رجعت إلى قومها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليهن يوما فقال: إن إحداكن تستنبح كلاب الحوأب، ففعلت سلمى ذلك حين ارتدت وطلبت بذلك الثأر، فسيرت في ما بين ظفر والحوأب لتجمع إليها من تلك الاحياء، فلما بلغ ذلك خالدا، سار إلى المرأة وقد استكثف أمرها وغلظ شأنها، فنزل عليها وعلى جماعها فاقتتلوا قتالا شديدا وهي واقفة على جمل أمها، " حتى اجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها "... الخ.


(1) الحوأب ماء من مياه العرب على طريق البصرة. نسبة إلى الحوأب بنت كلب بن وبرة. وكانت عند مرة بن اد بن طابخة كما في فتوح البلدان ص 458 ومعجم البلدان وغيرهما. (2) وط / أوروبا 1 / 1091 - 1902. (3) أم زمل سلمى بنت مالك بن حذيفة بن بدر الفزارية ابنة عم عيينة بن حصن، الاصابة 4 / 325. وهي حفيدة أم قرفة المذكورة في رواية سيف آنفا. وكناها أم قرفة الصغرى. وهي من مختلقات سيف ويأتي ذكرها في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) إن شاء الله تعالى.

[206]

وقد أورد الحموي هذه الرواية عن (سيف) في لغة الحوأب من كتابه معجم البلدان وأوردها ابن حجر في الاصابة 4 / 325 ملخصا ولم يسندها إلى راويها. حديث غير سيف: إن قصة أم قرفة كانت في سرية زيد إلى بني فزارة في السنة السادسة من الهجرة. فقتل المقاتلة وسبى النساء والذرية وكان لحذيفة بن بدر ثلاثة عشر ولدا قتلوا وابنة اسمها (جارية) سبيت، فأهداها النبي إلى خاله حزن ابن أبي وهب فبقيت عنده وولدت له عبد الرحمن بن حزن (1) ولم يكن له غيرها. ولا أدري من اين جاء سيف بسلمى أم زمل إلى عائشة وكيف أخرجها إلى ظفر والحوأب. وكان قوم حذيفة بوادي القرى بين الشام والمدينة، والحوأب على طريق البصرة. هذه إلى غيرها مما وضعه في هذه الاسطورة مما لم يأت ذكرها عند غيره، فلماذا وضع كل هذه ؟ لقد وضع سيف هذه الاسطورة دفاعا عن أم المؤمنين عائشة في ما


(1) راجع سيرة ابن هشام 4 / 291. وطبقات ابن سعد 2 / 90 طبعة بيروت واليعقوبي 2 / 44 ط: بيروت والطبري 3 / 83 وط. أوروبا 1 / 1558 والمحبر ص 490 في باب من نصب رأسه من الاشراف. وعيون الاثر 2 / 111 والامتاع ص 269 - 270، ومعجم البلدان لغة الحوأب والقرى وجمهرة أنساب العرب ص 245. وأما ابن حجر فإن ما أورده في 4 / 325، من ترجمة سلمى أم زمل في الاصابة فإنها مستخرجة من أحاديث سيف.

[207]

ذكر المؤرخون من نباح كلاب الحوأب على جملها عند ذهابها لحرب البصرة. وقد ورد ذكر نباح كلاب الحوأب في حديث الرسول عدة مرات. فقد روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس أنه قال: " قال رسول الله، ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الادبب، تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يسارها وعن يمينها خلق كثير ". أخرجه ابن كثير في تاريخه 6 / 212 والسيوطي في خصائصه 2 / 137 وفي روايته بعده: " ثم تنجو بعد ما كادت " وأورده ابن عبد البر بترجمة عائشة في الاستيعاب، ثم قال: " وهذا الحديث من أعلام نبوته، وعصام بن قدامة - أحد رواة الحديث - ثقة وسائر الاسناد أشهر من أن يحتاج لذكره ". وروى البيهقي عن أم سلمة قالت: ذكر النبي خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال لها: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت، ثم التفت إلى علي وقال: " يا علي إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها ". أخرجه ابن كثير في تاريخه 6 / 212 والسيوطي في خصائصه 2 / 136 والخوارزمي في بيان قتال أهل الجمل من مناقبه. والمستدرك 3 / 119 والاجابة ص 62. وفي العقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 108 والسيرة الحلبية 3 / 320 - 321 " وقد كان النبي قال لها: يا حميراء كأني بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليا وأنت له ظالمة ". وروى الطبري في ج 3 ص / 475 (1) من تاريخه، وابن الجوزي في الباب الرابع من تذكرة خواص الامة في ذكره مسير علي إلى البصرة، وابن الاثير في ذكره (ابتداء أمر الجمل) من تاريخ الكامل عن العرني صاحب


(1) وط / أوروبا 1 / 3108.

[208]

(جمل أم المؤمنين) أنه قال: " بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: يا صاحب الجمل تبيع جملك ؟ قلت: نعم، قال: بكم ؟ فقلت: بألف درهم، قال: مجنون أنت ؟ جمل يباع بألف درهم ! ! قال: قلت: نعم جملي هذا، قال: ومم ذلك ؟ قلت: ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته، ولا طلبني وأنا عليه أحد قط إلا فته، قال: لو تعلم لمن نريده لاحسنت بيعنا، قال: قلت: ولمن تريده ؟ قال: لامك، قلت: لقد تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحا، قال: إنما أريده لام المؤمنين عائشة. قلت: فهو لك فخذه بغير ثمن. قال: لا، ولكن ارجع معنا إلى الرحل فلنعطك ناقة مهرية ونزيدك دراهم، قال: فرجعت فأعطوني ناقة لها مهرية وزادوني أربعمائة أو ستمائة درهم فقال لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق ؟ قال: قلت: نعم، أنا أدرك الناس، قال: فسر معنا فسرت معهم فلا أمر على واد ولا ماء إلا سألوني عنه حتى طرقنا ماء الحوأب فنبحتنا كلابها، قالوا: أي ماء هذا ؟ قلت: ماء الحوأب، قال: فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، ثم قالت: أنا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقا ردوني، تقول ذلك ثلاثا، فأناخت وأناخوا حولها وهم على ذلك وهي تأبى حتى كانت الساعة التي أناخوا فيها من الغد. قال: فجاءها ابن الزبير، فقال: النجاء النجاء فقد أدرككم والله علي بن أبي طالب. قال فارتحلوا وشتموني "... الخ. وفي مسند أحمد 6 / 97 أن الزبير قال عند ذاك: " ترجعين عسى الله عزوجل أن يصلح بك بين الناس " قال ابن كثير في 7 / 230: وهذا اسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي المستدرك 3 / 120: لما بلغت عائشة بعض ديار بني عامر

[209]

نبحت عليها الكلاب، فقالت: أي ماء هذا ؟ قالوا: الحوأب، قالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال الزبير: لا، تقدمي ويراك الناس... الحديث، وفي رواية الطبري 3 / 485 (1) عن الزهري: " فسمعت عائشة (رض) نباح الكلاب فقالت: أي ماء هذا ؟ فقالوا: الحوأب، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهي، لقد سمعت رسول الله (ص) يقول وعنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب. فأرادت الرجوع فأتاها عبد الله بن الزبير "... الخ. وفي رواية ابن كثير 7 / 230: " أنها ضربت بإحدى يديها على الاخرى وقالت... الخ ". وفيه أن الزبير قال لها: " إن الذي أخبرك أن هذا الماء الحوأب قد كذب " وقد رواه أبو الفداء في تاريخه ص 173، أيضا كذلك. وروى المسعودي في مروج الذهب 2 / 6 - 7 أن ابن الزبير قال: " بالله ما هذا الحوأب ولقد غلط في ما أخبرك به. وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها، فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب وشهد معهما خمسون رجلا ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الاسلام " انتهى. وفي تاريخ اليعقوبي 2 / 157 والكنز 6 / 83 - 84، أن عائشة قالت: " ردوني ردوني، هذا الماء الذي قال لي رسول الله: لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب، فأتاها القوم بأربعين رجلا فاقسموا بالله أنه ليس بماء الحوأب ". وفي الامامة والسياسة 1 / 59 - 60 ومناقب الخوارزمي في ذكره الجمل: " أن عائشة لما نبحتها كلاب الحوأب قالت لمحمد بن طلحة: أي ماء هذا ؟ " إلى قوله: " وإياك أن تكوني أنت يا حميراء، فقال لها محمد بن طلحة:


(1) وط / أوروبا 1 / 3126 - 3127.

[210]

تقدمي رحمك الله ودعي هذا القول. وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله: لقد خلفتيه أول الليل، وأتى ببينة زور من الاعراب، فشهدوا بذلك فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الاسلام ". وقد أورد الرواية عن الرسول ووقوع الحادثة غير المذكورين، ابن الاثير في لغة (الحوأب) من كتابه النهاية، والزمخشري في لغة (دبب) والحوأب من الفائق، والحموي في ذكره (الحوأب) من كتابه معجم البلدان، وابن الطقطقي في الفخري ص 78 من الطبعة المصرية، والزبيدي في لغة (حأب) 1 / 195 ودبب 1 / 244. وفي مسند أحمد 6 / 52 و 97 وابن أعثم ص 168 - 169 والسمعاني في الانساب بترجمة الحوأبي، وفي السيرة الحلبية 3 / 320 - 321 ومنتخب الكنز 5 / 444 - 445. نتيجة المقارنة: لقد أطبق كتاب السير والحديث والتراجم على أن أم المؤمنين عائشة هي التي استنبحت كلاب الحوأب، كما سبق للرسول ان أنبأ بذلك أكثر من مرة، وعدوا ذلك من اعلام نبوته، غير أن سيفا رغب في أن يغير هذه الحقيقة التاريخية تحببا إلى الجمهور المتعطش إلى موضوعاته، فوضع قصة أم زمل. ولما لم يقتصر الطبري هنا على نقل رواية سيف وحدها بل ذكر رواية العرني والزهري في قصة جمل أم المؤمنين، ونباح كلاب الحوأب عليها، لم يفت على رواة الطبري وقرائه الحقيقة التاريخية كما فات عليهم غيرها من الحقائق التاريخية.

[211]

مناقشة السند: ورد في سند رواية سيف عن قصة الحوأب: " سهل " و " أبو يعقوب " أما سهل فقد تخيله سيف - في أسانيد رواياته - سهل بن يوسف السلمي كما ذكرناه سابقا وترجمناه في كتابنا (رواة مختلقون). و (أبو يعقوب) تخيله سيف: سعيد بن عبيد وورد اسمه في أسانيد ست روايات لسيف في ذكر حروب الردة من تاريخ الطبري، وفي الرواة جماعة باسم سعيد بن عبيد ولا ندري هل تخيل سيف: (أبو يعقوب) هذا واحدا منهم أو تخيله راويا آخر من مختلقاته. * * * هذه بعض روايات سيف في الردة على عهد أبي بكر نكتفي بها ونورد قسما منها في كتابنا خمسون ومائة صحابي إن شاء الله تعالى. ونذكر في ما يلي رواياته في الفتوح وحوادث عصر الخليفة عمر.

[213]

7 - إستلحاق زياد - إنتساب زياد إلى أبي سفيان. - حديث سيف. - مناقشة السند. - حديث غير سيف وسنده. - نتيجة المقارنة.

[215]

أبو المغيرة زياد، وأمه سمية، كانت أمة لدهقان من دهاقين الفرس، فمرض الدهقان ودعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي فعالجه وبرئ، فوهبه سمية فولدت له نفيعا ونافعا. ثم زوج الحارث سمية من غلام له رومي اسمه عبيد، وحينذاك كان ذهاب أبي سفيان إلى الطائف وطلبه من أبي مريم السلولي الخمار (1) بغيا. وجمع السلولي بين أبي سفيان وسمية فولدت سمية زيادا على فراش عبيد سنة إحدى من الهجرة، وعند ما حاصر النبي الطائف خرج نفيع إلى النبي فأعتقه وكناه أبا بكرة، فقال الحارث لنافع: أنت ولدي لئلا يفر هذا إلى النبي كما فعل أخوه من قبل. فكان يقال لابي بكرة: مولى الرسول، ولنافع: ابن الحارث، ولزياد: ابن عبيد، فلما استلحقه معاوية صار يقال له: زياد بن أبي سفيان، فلما انقضت الدولة الاموية صار يقال له: زياد بن أبيه، وزياد بن سمية. تايخ الكامل لابن الاثير في ذكر حوادث سنة 44 ه‍. الاستيعاب 1 ص / 548 - 55 والاصابة 1 / 563. ووفيات الاعيان 5 / 398.


(1) أبو مريم مالك بن ربيعة السلولي من بني مرة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. يعرفون بأمهم سلول بنت ذهل بن شيبان، وهو بصري له صحبة، الاستيعاب 4 / 179.

[216]

حديث سيف: وقد تواتر نقل استلحاق معاوية زيادا بأبي سفيان وذاع، وعابه على ذلك عامة المسلمين، فأراد سيف أن يدفع النقد عن معاوية والعار عن زياد، فدس في رواية أوردها الطبري في 3 / 259 (1) في باب " خبر بيروذ من الاهواز " من حوادث سنة 23 ه‍ ذكر فيها سيف شكاية رجل عنزي أبا موسى (2) إلى عمر، فذكر أن العنزي قال لمعر: (وفوض إلى زياد بن أبي سفيان)... الخ. وإن سيفا يقصد من الدس في هذه الرواية أن زيادا كان مشهورا بأنه ابن أبي سفيان قبل عصر معاوية واستلحاقه زيادا بأبيه أبي سفيان، فإن العنزي الذي اشتكى أبا موسى إلى عمر نسب زيادا إلى أبي سفيان بمحضر عمر فلم يستنكر عليه عمر، ثم عالج نسبة زياد إلى عبيد بما لم


(1) وط / أوروبا 1 / 2708. (2) ابو موسى الاشعري اسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر ابن بكر بن عامر بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الاشعر، وهو ثبت بن ادد بن زيد ابن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان، وفي نسبه هذا بعض الاختلاف. قدم مكة وحالف سعيد بن العاص بن أمية أبا أحيحة ثم أسلم بمكة. ولاه عمر البصرة حين عزل عنها المغيرة وبقي عليها حتى خلافة عثمان إذ عزله عنها: ثم طلب أهل الكوفة من عثمان أن يوليه عليهم فولاه عليهم حتى عزله علي بن أبي طالب حين خذل الناس عن نصرته، ثم عينه للتحكيم بطلب من أهل العراق. ولما مكر به ابن العاص انتقل إلى مكة وبقي فيها حتى توفي بها سنة 42 أو 44 أو 50 أو 52 ه‍. الاستيعاب بهامش الاصابة 4 / 172 - 174، والاصابة بترجمته. وفي نسبه بجمهرة ابن حزم ص 397 ورد " سليم بن هصار ".

[217]

يخطر على قلب أحد حين ذكر بعد ذلك أن عمر جلب زيادا إليه، وسأله في ما سأله عما فعل بأول عطاء أخذه، فقال زياد: " اشتريت والدتي فاعتقتها واشتريت في الثاني ربيبي عبيدا فاعتقته " بذلك دفع عن معاوية نقد عامة المسلمين إياه في استلحاقه زيادا، وأثبت بنوة زياد من أبي سفيان في رواية وضها عن عصر عمر لتكون أوقع في النفس وأتقن للصنعة وأبعد من الشبهة. وفيما يلي ندرس سند الحديث ثم نقارنه بحديث غيره من ثقات الرواة. مناقشة السند: روى سيف هذا الحديث عن محمد وطلحة والمهلب. أما محمد فقد تخيله سيف محمد بن عبد الله بن سواد بن مالك بن نويرة. يروي عنه سيف في الطبري 216 حديثا. لم نجد ذكرا لهذا الراوية إلا في الاكمال (1) قال: " يروي عنه سيف " ويظهر من كلامه أنه - أيضا - لم يجد له ذكرا عند غير سيف. وطلحة في أحاديث سيف اثنان: أبو سفيان طلحة بن عبد الرحمن، وهذا أيضا لم نجد له ذكرا عند غير سيف، والثاني طلحة بن الاعلم قالوا: " كان يسكن في (جيان) من قرى ري " فأيهما قصد سيف ؟ ! !. والمهلب - في حديث سيف - ابن عقبة الاسدي روى عنه سيف في تاريخ الطبري 67 حديثا ولم نجد له ذكرا في كتب معرفة الرجال والحديث.


(1) الاكمال لابن ماكولا ط. حيدر أباد 1 / 560.

[218]

هذا ما في حديث سيف وسنده. حديث غير سيف: أما متنه فقد روى الدينوري في كتابه الاخبار الطوال ص 14: " ونظر أبو موسى إلى زياد بن عبيد، وكان عبدا مملوكا لثقيف فأعجبه عقله وأدبه فاتخذه كاتبا وأقام معه، وقد كان قبل ذلك مع المغيرة ". وقال ابن عبد البر بترجمة زياد في الاستيعاب 1 / 548: " وكان يقال له قبل الاستلحاق زياد بن عبيد الثقفي " وروى أيضا عن أبي عثمان النهدي أنه قال: " اشترى زياد أباه عبيدا بألف دينار فاعتقه فكنا نغبطه بذلك ". وروى في ص 549 منه أن زيادا خطب بمحضر عمر " خطبة لم يسمع الناس مثلها " فقال عمرو بن العاص: أما والله لو كان هذا الغلام قرشيا لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان: والله إني لاعرف الذي وضعه في رحم أمه، فقال علي بن أبي طالب: ومن هو يا أبا سفيان ؟ قال: أنا، قال: مهلا يا أبا سفيان، فقال أبو سفيان: " أما والله لولا خوف شخص * يراني يا علي من الاعادي لاظهر أمره صخر بن حرب * ولم يكن المقالة عن زياد " الخ... وأما قصة استلحاق معاوية زيادا فقد أوردها كل من ابن الاثير في ذكر حوادث سنة 44 ه‍، وابن عبد البر في الاستيعاب بترجمة زياد، واليعقوبي في تاريخه 2 / 195، والمسعودي في مروج الذهب 2 / 54، والسيوطي في تاريخه في ذكر حوادث سنة 41 ه‍، وابن كثير 8 / 28، وأبو

[219]

الفداء ص 194، وأشار إليه الطبري في تاريخه 4 / 259 (1) في ذكره رد نسب آل أبي بكرة وزياد من ذكر حوادث سنة 44 ه‍، وحوادث سنة 160 ص 334 - 335 (2) وصحيح مسلم 1 / 57 وفي أسد الغابة والاصابة بترجمته، وابن عساكر في 5 / 409 - 421 واليعقوبي 4 / 160 وغيرها من كتب التراجم وإنما أعرضنا عن إيرادها رعاية للاختصار. النتيجة: لقد أجمع النسابون والمؤرخون على أن زيادا ولد على فراش عبيد الرومي من زوجته البغي سمية، وذكروا عن أبي سفيان وذهابه إلى الطائف وطلبه من أبي مريم السلولي بغيا، وكيف اتصل بسمية في قصة أعرضنا عن ذكرها. ثم ما تفوه به سرا في مجلس عمر وتخوفه من عمر في إظهار أمره، وذكروا أن زيادا كان ينسب إلى عبيد حتى استلحقه معاوية، وكيف أبت بنو أمية ذلك، وما قالت الشعراء في الاستلحاق، وكيف انتقد الفقهاء معاوية بأنه خالف حكم الرسول " الولد للفراش وللعاهر الحجر " في قصص يطول شرحها. وذكروا أنه نسب زياد في عصر بني أمية إلى أبي سفيان وبعد ذلك إلى أبيه تارة وإلى سمية أخرى، وجاء " سيف " فأراد أن يمحو كل ذلك برواية دس فيها أن المشتكي الذي أتى عمر سماه: " زياد بن أبي سفيان " ونسبه إلى أبي سفيان بمحضر عمر الذي كان أبو سفيان يخافه في إظهار ذلك عنده. وذكر في آخر الرواية أن زيادا وصف عبيدا بأنه كان ربيبه، وزياد


(1) وط / أوروبا 2 / 62. (2) وط / أوروبا 3 / 479 - 480. (*)

[220]

يقول في خطبته بالشام بعد استلحاق معاوية إياه: " وما كان عبيد إلا والدا مبرورا مشكورا " كما ذكر اليعقوبي في تاريخه 2 / 195: وحقا إن سيفا كان ماهرا في وضعه ودسه !

[221]

8 - قصة المغيرة بن شعبة - حديث سيف في اتهام المغيرة - حديث غير سيف. - مناقشة سند الحديث. - مقارنة.

[223]

حديث سيف: أورد الطبري في 3 / 170 - 171 (1) في ذكر حوادث سنة 17 ه‍ عن (سيف) عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو باسنادهم في زناء المغيرة ما ملخصه: أن سبب شهادة الشهود بالزناء على المغيرة هي المنافرة التي كانت بين المغيرة وأبي بكرة (2) أحد الشهود، وكان لهما مشربتان متقابلتان بالبصرة لكل منهما كوة مقابلة الاخرى، وفيما كان عند أبي بكرة جماعة يتحدثون إذ (هبت ريح ففتحت باب الكوة وقام أبو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة - وقد فتحت الريح باب كوته - بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا، ثم قال: اشهدوا، قالوا: ومن هذه ؟ قال: أم جميل، وكانت غاشية (3) للمغيرة وتغشى الامراء والاشراف، فقالوا: إنما رأينا أعجازا ولا ندري ما الوجه،


(1) ط / أوروبا 1 / 2530 - 2533. . (2) أبو بكرة نفيع بن مسروح الحبشي. وقيل أبوه الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج ابن أبي سلمة بن عبد العزى بن عوف بن قيس وهو ثقيف، وأم أبي بكرة سمية جارية، وكان من عبيد الحارث. ولما حاصر النبي الطائف تدلى من حصن الطائف ببكرة ونزل إلى النبي صلى الله عليه وآله، فاعتقه رسول الله وكناه أبا بكرة وهو من موالي الرسول. سكن البصرة وكان ممن اعتزل الجمل بسبب رواية رواها عن الرسول وتوفي بها سنة 51 ه‍. الاستيعاب 3 / 538 و 4 / 24 والاصابه 3 / 542. (3) الغاشية: السؤال يأتونك والزوار والاصدقاء ينتابونك - القاموس وفي غيره اخدم أيضا.

[224]

ثم إنهم صمموا حين قامت) ثم قال في كيفية شهادة الشهود: إن المغيرة قال لعمر: " سل هؤلاء الاعبد كيف رأوني ؟ مستقبلهم أو مستدبرهم ؟ وكيف رأوا المرأة وعرفوها ؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم استتر ؟ ! ! أو مستدبري فبأي شئ استحلوا النظر إلي في منزلي على امرأتي. والله ما أتيت إلا امرأتي وهي تشبهها ". ثم ذكر أن أبا بكرة ونافعا (1) قالا: إنهما شهداهما مستدبرهما، وإن شبلا (2) قال: إنه رآهما مستقبلهما، وإن زيادا لم يشهد بمثل شهادتهم، فأمر بالشهود الثلاثة فجلدوا بالحد، وأنه قال للمغيرة: " أما والله لو تمت الشهادة لرجمتك ". حديث غير سيف: وأما غير سيف، فقد روى البلاذري في فتوح البلدان ص 423 والماوردي في الاحكام ص 280: " إن المغيرة جعل يختلف إلى امرأة من بني هلال يقال لها: أم جميل بنت الافقم بن محجن بن أبي عمرو بن شعبة بن


(1) نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي وأمه سمية مولاة الحارث، وقد اعترف الحارث ببنوته له، وكان ممن سكن البصرة وأول من اقتنى بها إبلا واقطعه عمر بن الخطاب عشرة أجربة من أراضيها. الاستيعاب 3 / 512 والاصابة 3 / 514. (2) شبل بن معبد بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن علي بن أسلم بن أحمس البجلي الاحمسي، اختلفوا في أنه صحابي أدرك النبي أم أنه تابعي. الاصابة 2 / 159 ونسبه في جمهرة ابن حزم ص 389.

[225]

الهرم (1) وقد كان لها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عتيك "... الخ. وقد رواها اليعقوبي في تاريخه 2 / 124، وأوردها الطبري وابن الاثير في ذكر حوادث سنة 17 ه‍ إلى غيرهم، ونورد تفصيل القصة عن الاغاني. ذكر أبو الفرج في ج 14 من الاغاني ص 139 - 142 من طبعة ساسي سنة 1959 وأخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج 2 / 161 انه: " كان المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة يختلف سرا إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء ولها زوج من ثقيف يقال له الحجاج بن عتيك، فلقيه أبو بكرة يوما فقال: أين تريد ؟ قال: أزور آل فلان، فأخذ بتلابيبه وقال: إن الامير يزار ولا يزور. وأن المغيرة كان يخرج من دار الامارة وسط النهار فكان أبو بكرة يلقاه فيقول له: أين يذهب الامير ؟ فيقول له: إلى حاجة، فيقول: حاجة ماذا ؟ إن الامير يزار ولا يزور. قالوا: وكانت المرأة التي يأتيها جارة لابي بكرة فقال فبينما أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له شبل بن معبد، وكانت غرفة جارته تلك محاذية غرفة أبي بكرة فضربت الريح باب غرفة المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة (2) ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بلية قد ابتليتم فانظروا. فنظروا حتى أثبتوا، فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له أبو بكرة: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، فذهب المغيرة وجاء ليصلي بالناس الظهر فمنعه أبو بكرة وقال: لا والله لا تصلي بنا وقد فعلت ما فعلت، فقال الناس: دعوة فليصل إنه الامير واكتبوا إلى عمر فكتبوا إليه فورد


(1) في جمهرة ابن حزم ص 274 بعض الاختلاف مع ما ذكر هنا من نسبها. (2) وقد ذكر قصة المغيرة كل من ابن جرير وابن الاثير وأبي الفداء في وقائع سنة 17 ه‍. والبلاذري في 1 / 490 - 492 بتفصيل أوفى. وفي الطبري ط / أوروبا 1 / 2529.

[226]

كتابه أن يقدموا عليه جميعا، فتجهز المغيرة وبعث إلى أبي موسى بعقيلة جارية عربية مربية من سبي اليمامة من بني حنيفة مولدة الطائف ومعها خادم وسار المغيرة، حتى قدم على عمر، فجلس له عمر ودعا به وبالشهود فتقدم أبو بكرة، فقال: أرأيته بين فخذيها ؟ قال: نعم والله لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها قال المغيرة: لقد الطفت النظر، قال أبو بكرة: لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به، فقال عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة، قال: أشهد نعم ذلك، فقال عمر: إذهب مغيرة ذهب ربعك ". قال أبو الفرج ويقال: إن عليا هو قائل هذا القول، ثم دعا نافعا، فقال: علام تشهد ؟ قال: على مثل شهادة ابي بكرة، فقال عمر: لا، حتى تشهد أنك رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة. قال: نعم حتى بلغ قذذه، فقال: إذهب مغيرة ذهب نصفك ثم دعا الثالث وهو شبل بن معبد، فقال: على مثل شهادة صاحبي فقال: إذهب مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك. قال: فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين فبكوا معه وبكى إلى أمهات المؤمنين حتى بكين معه قال: ولم يكن زياد حضر ذلك المجلس، فأمر عمر أن ينحى الشهود الثلاثة وأن لا يجالسهم من أهل المدينة أحد وانتظر قدوم زياد فلما قدم وجلس في المسجد واجتمع رؤوس المهاجرين والانصار قال المغيرة: وكنت قد أعددت كلمة أقولها، فلما رأى عمر زيادا مقبلا قال: إني لارى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين (1) وقد روى قول عمر هذا لزياد كل من اليعقوبي في تاريخه 2


(1) وقد أورده ابن خلكان في 5 / 406 من وفيات الاعيان بترجمة يزيد بن مفرغ.

[227]

/ 124 وفي كنز العمال 3 / 88 الحديث 12682 وفي منتخبه 2 / 413 قال عمر: إني أرى غلاما كيسا لن يشهد إن شاء الله إلا بحق. وفي الاصابة وأسد الغابة بترجمة شبل قريب من ذلك. وفي رواية أبي الفداء 1 / 171 أن عمر قال لزياد: " أرى رجلا أرجو أن لا يفضح الله به رجلا من اصحاب رسول الله ". وفي رواية الاغاني عن أبي عثمان النهدي (1): " أنه لما شهد الشاهد الاول عند عمر تغير لذلك لون عمر، ثم جاء الثاني فشهد فانكسر لذلك انكسارا شديدا، ثم جاء الثالث فشهد فكأن الرماد نثر على وجه عمر. فلما جاء زياد جاء شاب يخطر بيديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال: ما عندك أنت يا سلح العقاب (2) وصاح أبو عثمان النهدي صيحة تحكي صيحة عمر. قال الراوي: لقد كدت أن يغشى علي لصيحته. فقال المغيرة: يا زياد أذكرك الله وأذكرك موقف القيامة، فإن الله وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي إلى أن تتجاوزه إلى ما لم تر. فقال زياد: يا أمير المؤمنين أما أن أحق ما حق القوم فليس عندي،


(1) أبو عثمان عبد الرحمن بن مل بن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن كعب ابن جذيمة بن كعب، أسلم في عصر الرسول وشهد القادسية وما بعدها. مات سنة 100 ه‍ بعد أن عمر أكثر من 130 سنة. الاستيعاب 2 / 419 - 421. ونسبه بجمهرة ابن حزم ص 447. (2) وفي رواية اليعقوبي 2 / 124 وابن أبي الحديد تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم 12 / 237 قال له عمر: (ما عندك يا سلح العقاب) والسلح التغوط وهو خاص بالطائر وكان زياد يلبس ثيابا بيضا.

[228]

ولكني رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت نفسا حثيثا وانبهارا، ورأيته متبطنها فقال عمر: أرأيته يدخل ويخرج كالميل في المكحلة ؟ قال: لا ! قال أبو الفرج: وروى كثير من الرواة أنه قال: رأيته رافعا برجليها ورأيت خصيتيه مترددين بين فخذيها وسمعت حفزا شديدا وسمعت نفسا عاليا. فقال عمر: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة ؟ قال: لا. فقال عمر: الله أكبر، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم، فجاء المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين ! وروى قوم أن الضارب لهم الحد لم يكن المغيرة. وأعجب عمر قول زياد ودرأ الحد عن المغيرة " انتهى. وفي رواية الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه 3 / 448: " فكبر عمر وفرح إذ نجا المغيرة وضرب كلهم إلا زيادا " وفي فتوح البلدان: " فقال شبل: أتجلد شهود الحق وتبطل الحد ؟ " فلما جلد أبو بكرة قال: أشهد أن المغيرة زان، فقال عمر: حدوه، فقال علي: إن جعلتها شهادة فارجم صاحبك. وقريب من هذا ما ذكره في الكنز ومنتخبه، واليعقوبي في تاريخه من موقف علي. وذكر في الاغاني وشرح النهج: " فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا، فهم عمر بضربه فقال له علي (ع): إن ضربته رجمت صاحبك ونهاه ". قال أبو الفرج: " يعني إن ضربه تصير شهادته شهادتين فيوجب بذلك الرجم على المغيرة قال: فاستتاب عمر أبا بكرة فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي ؟ قال: أجل، قال: فإني لا اشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا، قال:

[229]

فلما ضربوا الحد قال المغيرة: الله أكبر الحمد لله الذي أخزاكم، فقال عمر: أسكت ! أخزى الله مكانا رأوك فيه، قال: وأقام أبو بكرة على قوله وكان يقول: والله لا أنسى فخذيها. فتاب الاثنان فقبلت شهادتهما، وكان أبو بكرة إذا طلب إلى شهادة قال: أطلبوا غيري فإن زيادا أفسد علي شهادتي ". وذكر بقاء أبي بكرة على رأيه وتوبة الاثنين الآخرين ابن عبد البر في ترجمة أبي بكرة. وروى في الاغاني وفي شرح النهج عن الشعبي قال: كانت الرقطاء التي رمي بها المغيرة تختلف إليه في أيام إمارته الكوفة في حوائجها فيقضيها لها. قال أبو الفرج: وحج عمر بعد ذلك مرة فوافق الرقطاء بالموسم فرآها، وكان المغيرة هناك فقال له عمر: أتعرف هذه ؟ قال: نعم هذه أم كلثوم بنت علي. فقال له: ويحك أتتجاهل علي ؟ والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء (1). فقال حسان بن ثابت يهجو المغيرة ويذكر هذه القصة: لو أن اللؤم ينسب كان عبدا * قبيح الوجه أعور من ثقيف تركت الدين والاسلام لما * بدت لك غدوة ذات النصيف (2) وراجعت الصبا وذكرت لهوا * مع القينات في العمر اللطيف انتهت رواية الاغاني وابن أبي الحديد. وروى البلاذري في ص 343 من فتوح البلدان: أن الخليفة عمر ابن الخطاب لما أراد أن يوليه الكوفة - بعد هذه الواقعة - قال له: إن وليتك


(1) وفي رواية اليعقوبي 2 / 124: (وكان عمر إذا رأى المغيرة بن شعبة قال: يا مغيرة ما رأيتك قط إلا خشيت أن يرجمني الله بالحجارة). (2) ذات النصيف: ذات الخمار.

[230]

الكوفة أتعود إلى شئ مما قرفت به ؟ قال: لا. وممن أشار إلى زنا المغيرة، الحموي في 1 / 642 من معجم البلدان. والمستدرك 3 / 449، والوفيات 2 / 455 و 5 / 406 وابن كثير 7 / 281. مناقشة السند: في سند الحديث محمد وطلحة والمهلب. وسبق الحديث عنهم في فصل استلحاق زياد. وورد ذكر عمرو، فمن هو عمرو هذا ؟ هل هو عمرو بن زيان أو الريان الذي يروي عنه سيف في الطبري ستة أحاديث، قال بترجمته في ميزان الاعتدال: (شيخ لسيف، لا شئ) أم تخيله سيف غير هذا ؟ لا ندري ! نتيجة المقارنة: زعم سيف أن أبا بكرة وأخويه وشبلا كانوا جالسين في مشربة مقابل دار المغيرة وعندما هبت الريح وانفتح باب الكوتين أبصروا المغيرة ينكح امرأة وهو في داره، وأن أم جميل كانت غاشية تغشى المغيرة، وأنهم رأوا أعجازا ولم يروا الوجه، وأنهم صمموا حين قاموا، وأن المغيرة طلب من عمر أن يسألهم كيف رأوه ؟ مستقبلا أم مستدبرا ؟ وكيف استحلوا النظر إلى داره وهو ينكح زوجته التي كانت تشبه أم جميل ؟ ثم يذكر اختلاف الشهود في كيفية رؤيتهم لهما وأن عمر قال للمغيرة: لو تمت الشهادة لرجمتك. بينما صرح الرواة بأن المغيرة كان يختلف سرا إلى أم جميل ولم تكن هي التي تأتيه إلى داره وأنهم رأوا المغيرة في دار أم جميل ينكحها ولم يذكر أحد أنها كانت غاشية

[231]

له، ولا ذكر أحد سؤال المغيرة من الشهود واختلافهم في جوابه، إلى غير ذلك مما أوردنا تفصيله. غير أن (سيفا) لما أراد الدفاع عن المغيرة الامير اختلق كل ذلك، وأخرجه الطبري في تاريخه، ورواه رواته فشاع وذاع ! ! !

[233]

9 - حبس أبي محجن - حديث غير سيف: سكر أبي محجن ونفيه. - حديث سيف. - مناقشة سند الحديث. - مقارنة.

[235]

حديث غير سيف: أبو محجن الثقفي في الاستيعاب والاغاني، اختلفوا في اسمه، وأبوه حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. أسلم حين أسلمت ثقيف. وكان شاعرا شجاعا من الابطال في الجاهلية والاسلام. وكان مدمنا للخمرة، وجلده الخليفة عمر بن الخطاب في الخمر سبع مرات أو ثماني مرات، وفي الاغاني ج 21 / 142: " أتي عمر بن الخطاب (رض) بجماعة فيهم أبو محجن الثقفي وقد شربوا الخمر فقال: أشربتم الخمر بعد أن حرمها الله ورسوله ؟ فقالوا: ما حرمها الله ورسوله، إن الله يقول: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات " (1). فقال عمر لاصحابه: ما ترون فيهم ؟ فاختلفوا فيه، فبعث إلى علي بن أبي طالب (ع) فشاوره، فقال علي: إن كانت الآية كما يقولون فينبغي أن يستحلوا الميتة والدم ولحم الخنزير. فسكتوا، فقال عمر لعلي: ما ترى فيهم ؟ قال: (أرى إن كانوا شربوها مستحلين لها أن يقتلوا، وإن كانوا شربوها وهم يؤمنون أنها حرام أن يحدوا). فسألهم، فقالوا: والله ما شككنا في أنها حرام، ولكنا قدرنا أن لنا نجاة فيما قلناه، فجعل يحدهم رجلا رجلا وهم يخرجون، حتى انتهى إلى أبي محجن فلما جلده أنشأ يقول:


(1) الآية 93 من سورة المائدة.

[236]

ألم تر أن الدهر يعثر بالفتى * ولا يستطيع المرء صرف المقادر صبرت فلم أجزع ولم أك كائعا * لحادث دهر في الحكومة جائر وإني لذو صبر وقد مات إخوتي * ولست على الصهباء يوما بصابر رماها أمير المؤمنين بحتفها * فخلانها يبكون حول المعاصر (1) فلما سمع عمر قوله: (ولست على الصهباء يوما بصابر) قال: قد أبديت ما في نفسك ولازيدنك عقوبة لاصرارك على شرب الخمر فقال علي (ع): ما ذلك لك، وما يجوز أن تعاقب رجلا قال: لافعلن وهو لم يفعل، وقد قال الله في الشعراء: " وإنهم يقولون ما لا يفعلون " (2). فقال عمر: قد استثنى منهم قوما فقال: " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " (3). فقال علي عليه السلام: أفهؤلاء عندك منهم ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا يشرب العبد الخمر حين يشربها وهو مؤمن " انتهى ". وفي الاصابة: " دخل أبو محجن على عمر فظنه قد شرب فقال: إستنكهوه، فقال أبو محجن: هذا من التجسس الذي نهيت عنه، فتركه ". وذكر الطبري (4) في حوادث سنة 14 ج 4 / 152 وقال: " وفيها ضرب عمر


(1) وقد حرف سيف هذه القضية ونسب الابيات أيضا إلى غيره. راجع الطبري حوادث سنة 18 ج 4 / 222. (2) الآية 226 من سورة الشعراء. (3) الآيه 227 من سورة الشعراء. (4) في ط / أوروبا 1 / 2388.

[237]

ابنه وأصحابه في شراب شربوه وأبا محجن " وقال ابن كثير في 7 / 48: " وفيها ضرب أبو محجن الثقفي في الشراب سبع مرات " وفي العقد الفريد في ذكره من حد في الخمر من الاشراف واشتهر به، ومنهم أبو محجن الثقفي وكان مغرما بالشراب، وقد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مرارا. وفي الاصابة أيضا والاغاني أنه " هوي امرأة من الانصار يقال لها: الشموس، فحاول النظر إليها بكل حيلة فلم يقدر عليها، فآجر نفسه من عامل يعمل في حائط إلى جانب منزلها فأشرف عليها من كوة فرآها فأنشد يقول: ولقد نظرت إلى الشموس ودونها * حرج من الرحمن غير قليل قد كنت أحسبني كأغنى واحد * ورد المدينة عن زراعة فول فاستعدى زوجها عمر فنفاه إلى حضوضى (1) وبعث معه رجلا يقال له: ابن جهراء النصري قد كان أبو بكر يستعين به، ورجلا آخر وقال له عمر: لا تدع أبا محجن يخرج معه سيفا، فعمد أبو محجن إلى سيفه فجعل نصله في غرارة وجعل جفنه في غرارة أخرى فيهما دقيق له. فلما انتهى به إلى الساحل وقرب البوصي (2) اشترى أبو محجن شاة وقال لابن جهراء هلم نتغدى، ووثب إلى الغرارة كأنه يخرج منها دقيقا فأخذ السيف، فلما رآه ابن جهراء والسيف في يده خرج يعدو حتى ركب بعيره راجعا إلى عمر فأخبره الخبر " اللفظ لابي الفرج في الاغاني 21 / 138. ط. ساسي، وفي ط بيروت 1959 م: 18 / 290 وفي الاصابة والاستيعاب أن أبا محجن ذهب بعد هذا إلى سعد بن


(1) حضوضى جبل في الغرب كانت العرب في الجاهلية تنفي خلعاءها إليه وحضوض جزيرة في البحر - معجم البلدان للحموي. (2) البوصي بالضم ضرب من السفن (القاموس للفيروز آبادي).

[238]

أبي وقاص، وكان حينذاك أيام القادسية. ورويا عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال: " لما كان يوم القادسية أتي سعيد بأبي محجن وهو سكران من الخمر فأمر به إلى القيد، وكان سعد به جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس. واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة ورفع فوق العذيب لينظر إلى الناس فلما التقى الناس قال أبو محجن: كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا * وأترك مشدودا علي وثاقيا فقال لابنة خصفة امرأة سعد: ويحك خليني ولك عهد من الله علي إن سلمني الله أن أجئ حتى اضع رجلي في القيد، وان قتلت استرحتم مني. فخلته. فوثب على فرس لسعد يقال لها: البلقاء. ثم أخذ الرمح، ثم انطلق حتى أتى الناس فجعل لا يحمل في ناحية إلا هزمهم. فجعل الناس يقولون: هذا ملك وسعد ينظر، فجعل سعد يقول: الضبر ضبر البلقاء (1) والطعن طعن أبي محجن وأبو محجن في القيد. فلما هزم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجله في القيد، فأخبرت ابنة خصفة سعدا بالذي كان من أمره فقال: لا والله لا أحد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم قال: فخلى سبيله. فقال أبو محجن: لقد كنت أشربها إذ كان يقام علي الحد أطهر منها فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدا " (2). حديث سيف: هذا أبو محجن وهذه قصته في القادسية على ما رواها محمد بن سعد.


(1) ضبر الفرس: جمع قوائمه ووثب. (2) أورد الطبري موجز هذه الرواية عن ابن إسحاق في 1 / 2351 - 55.

[239]

وأما (سيف) فقد ذكر في رواية أوردها الطبري (1) في 3 / 43 قال: " وكان ممن شغب عليه وجوه من وجوه الناس، فهم بهم سعد وشتمهم وقال: أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالا لغيركم فحبسهم ومنهم أبو محجن الثقفي وقيدهم في القصر " وقال (2) في 3 / 55 - 57: " إن أبا محجن بعد أن أطلقته زوجة سعد وحارب يوم القادسية رجع إلى سجنه وقيده. فقالت له سلمى: يا أبا محجن في أي شئ حبسك هذا الرجل ؟ قال: أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني يبعثه على شفتي أحيانا فيساء لذلك ثنائي ولذلك حبسني ". إلى قوله في قيام سلمى بإخبار زوجها سعد: " واخبرته خبرها وخبر أبي محجن فدعا به فأطلقه، وقال: إذهب فما أنا مؤاخذك بشئ تقوله حتى تفعله. قال: لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا ". وقد أورد أبو الفرج رواية سيف هذه في 21 من الاغاني بترجمة أبي محجن فقال: " حدثني محمد بن جرير الطبري، قال: كتب إلي السري بن يحيى عن شعيب عن سيف "... الخ، ثم أورد الرواية تامة بتفصيلها. وذكر ابن حجر في الاصابة 4 / 175: " إن ابن فتحون قد عاب أبا عمر (3) على ما ذكره في قصة أبي محجن، أنه كان منهمكا في الشراب، فقال: كان يكفيه ذكر حده عليه، والسكوت عنه أليق، والاولى في أمره ما


(1) ط / أوروبا 1 / 2288. (2) في ط أوروبا 1 / 2312 - 2316. (3) أبو عمر هو ابن عبد البر صاحب الاستيعاب.

[240]

أخرجه (سيف)، ثم أورد من رواية سيف ما ذكرناه، ثم قال ابن حجر مؤلف الاصابة: قلت: (سيف) ضعيف والروايات التي ذكرناها أقوى وأشهر. وأنكر ابن فتحون قول من روى أن سعدا أبطل عنه الحد، وقال: لا يظن هذا بسعد، ثم قال: لكن له وجه حسن ولم يذكره وكأنه أراد: أن سعدا أراد بقوله: " لا يجلده في الخمر " بشرط أضمره. وهو إن ثبت عليه أنه شربها فوفقه الله أن تاب توبة نصوحا فلم يعد إليها "... الخ. وأورد المسعودي في مروج الذهب 2 / 422 - 424 رواية (سيف) هذه بحذف السند، ولا أراه إلا أنه قد نقلها من تاريخ الطبري فإنه قد أكبر الطبري ومجده عندما ترجم المؤرخين في مقدمة كتابه في حين أن لم يذكر سيفا هناك ولا ذكر تآليفه. مناقشة السند: روى سيف (1) أن حبس أبي محجن لم يكن لحرام أكله ولا شربه، عن محمد وطلحة وزياد وابن مخراق عن رجل من طي. أما محمد وطلحة فقد سبق الحديث عنهما في فصل (استلحاق زياد) وزياد في أحاديث سيف هو ابن سرجس الاحمري روى عنه سيف في تاريخ الطبري 53 حديثا ولم نجد في غيره له ذكرا ! وابن مخراق عن رجل من طي، لم أدر من هو ابن مخراق وهل تخيله سيف المحروق بن المحراق ؟ ومن هو رجل من طي ! ؟ وما اسمه ؟ وهل كان


(1) عن الطبري ط. أوروبا 1 / 2311 - 2317 باختصار.

[241]

سيف جادا في ما اخترع من أسانيد لاساطيره، أم كان هازلا وهازئا بعقول المسلمين ؟ ! نتيجة المقارنة: قد رأيت الفرق بين رواية سيف هذه ورواية محمد بن سعد التي أوردناها قبلها من أن أبا محجن قال لزوجة سعد: (وإن قتلت استرحتم مني) مما يدل على أن زوجة سعد كانت عالمة بما يعانيه زوجها سعد من أبي محجن، على أن إدمان أبي محجن الشرب وجلده على ذلك مرات عدة، وتطلعه إلى دار الانصارية (الشموس) للنظر إليها، ثم نفيه إلى حضوضى منفى الخلعاء، وقصده الفتك بالحرسي، ثم التحاقه بسعد وسجنه على سكره في القادسية، كل ذلك لم يكن بخاف على أحد يوم ذاك ليخفى كله على زوجة القائد العام سعد لتسأل أبا محجن عن سبب سجنه وقد رأيت أن محمد بن سعد يصرح في روايته أنه: " لما كان يوم القادسية أتي سعد بأبي محجن وهو سكران من الخمر فأمر به إلى القيد " ورأيت محمد بن سعد هذا يذكر في آخر روايته أن سعدا قال: " لا والله لا أحد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم " وأن أبا محجن قال: " لقد كنت أشربها إذ كان يقام علي الحد فأطهر منها فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها ". أما (سيف) فقد وضع تلك المحاورة بين أبي محجن وزوجة سعد ودسها في روايته ليدفع بها النقد عن سعد بتعطيله الحد، وعن أبي محجن على إدمانه السكر، ثم أتم الوضع والدس بما وضعه عن لسان سعد: " ما أنا مؤاخذك لشئ تقوله حتى تفعله " وما وضعه عن لسان أبي محجن: " والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا " وبروايته

[242]

الموضوعة هذه نفى (سيف) عن أبي محجن كل ما تواتر عن سكره وجلده وتهتكه، ورغب في نشر هذه الموضوعة أمثال " ابن فتحون " ممن لا يرغبون في سماع الوقائع التاريخية الحقة إذا ما خالفت أهواءهم. وغفل المسعودي ذلك المؤرخ الثبت وجره اعتماده على الطبري إلى إدراجها في تاريخه القيم - مروج الذهب - والكريم لا يخلو من هفوة. ومع كل ذلك فإن (سيفا) ورواته لم ينجحوا في ستر هذه الواقعة التاريخية لتواتر الروايات الصحيحة الاخرى في سائر المصادر التاريخية الشهيرة !

[243]

10 - أيام اخترعها سيف أ - يوم الاباقر. ب - يوم أرماث. ج - يوم أغواث. د - يوم عماس. ه‍ - يوم الجراثيم. و - يوم النحيب. الايام في حديث سيف. مناقشة سند الحديث. حديث غيره. مقارنة.

[245]

يقصد من (اليوم) في اللغة العربية زمان وقوع حادثة مهمة وإن طال زمانها حتى استوعب عدة أيام في الاسبوع، بل وعدة أسابيع أو عدة شهور. وكانت للعرب أيام شهيرة في الجاهلية والاسلام، مثل (يوم الحديبية) ليوم صالح فيه رسول الله (ص) كفار قريش وهو بأرض الحديبية قريبا من مكة، و (يوم السقيفة) ليوم بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة من الانصار، و (يوم الجمل) ليوم وقعت فيه الحرب بين الامام علي بن أبي طالب (ع) وأم المؤمنين عائشة وهي راكبة على الجمل، و (يوم صفين) للايام التي وقعت فيها الحرب بين الامام علي ومعاوية، في أرض صفين وامتدت شهورا. وألفت كتب للتعريف بتلك الايام وذكر ما وقع فيها. ولم يفت سيف بن عمر فخر اختراع أيام من عنده بل اخترع أياما ودسها في أحاديثه، وانتشرت في كتب التاريخ والادب. نذكر بعضها في ما يلي:

[247]

1 - يوم الاباقر: حديث سيف: روى الطبري في 3 / 12 عن سيف عن عبد الله بن مسلم العكلي والمقدام بن أبي المقدام عن أبيه عن كرب بن أبي كرب العكلي - وكان في المقدمات - أن سعد بن أبي وقاص في حرب الفرس نزل عذيب الهجانات. ثم يسترسل في حديثه حتى يقول في ص 12 - 14 منه: " وبعث سعد في مقامه ذلك أسفل الفرات عاصم بن عمرو فسار حتى أتى ميسان فطلب غنما أو بقرا فلم يقدر عليها، وتحصن منه من في الافدان ووغلوا في الآجام، ووغل حتى أصاب رجلا على طف أجمة فسأله واستدله على البقر والغنم فحلف له وقال: لا أعلم، وإذا هو راعي ما في تلك الاجمة فصاح منها ثور: كذب والله وها نحن أولاء، فدخل فاستاق الثيران وأتى بها العسكر، فقسم ذلك سعد على الناس فأخصبوا أياما. وبلغ ذلك الحجاج في زمانه فأرسل إلى نفر ممن شهدوها أحدهم نذير بن عبد شمس وزاهر فسألهم فقالوا: نعم نحن سمعنا ذلك ورأينا واستقناها، فقال: كذبتم، فقالوا: كذلك إن كنت شهدتها وغبنا عنها، فقال: صدقتم فما كان الناس يقولون في ذلك ؟ قالوا: آية تبشير يستدل بها على رضاء الله وفتح عدونا،

[248]

فقال: والله ما يكون هذا إلا والجمع أبرار ". إلى أن يقول: " وكان هذا اليوم يوم الاباقر " (1). مناقشة السند: روى سيف الحديث عن عبد الله بن مسلم العكلي وعن كرب بن أبي كرب العكلي، راويان عكليان لم نجد لهما ذكرا في غير حديث سيف هذا، فلنا أن نعتبرهما من مخترعات سيف من الرواة. حديث غير سيف: كان هذا سند حديث سيف ومتنه. أما غير سيف فقد رواها بشكل آخر. قال البلاذري (2): إن جيوش سعد " كانوا إذا احتاجوا إلى العلف والطعام أخرجوا خيولا في البر فأغارت على أسفل الفرات، وكان عمر يبعث إليهم من المدينة الغنم والجزر ". هذا ما ذكره غير سيف. أما سيف فإنه بعدما اختلق بطلا أسطوريا سماه عاصما (3) ووضع أسطورة تكليم البقر له اخترع له سندا فيه راويان من مختلقاته من الرواة،


(1) الطبري ط. أوروبا 1 / 2231 - 2235. (2) في فتوح البلدان ص 314. (3) عاصم من مختلقات سيف من الصحابة وقد ترجمناه في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[249]

ثم عززها بثانية وهي تحقيق الحجاج وشهادة الشهود بصدق القصة أمامه. وأكدها بثالثة وهي أن اليوم سمي " بيوم الاباقر " كل ذلك منه إتقانا في العمل لئلا يرتاب أحد في حديثه. ونحن نؤكد في كل مرة أن سيفا قد تفرد في سرد هذه القصص لئلا يخفى ذلك على أحد. حديث سيف: 2 و 3 و 4 يوم أرماث وأغواث وعماس: في يوم القادسية (1) وقعت حرب ضروس بين جيش المسلمين والفرس أوردها سيف في أحاديثه عن الفتوح على شكل أساطير سمى فيها اليوم الاول منها بيوم أرماث، والثاني يوم أغواث، والثالث يوم عماس، واختلق بطولات فذة لابطال أساطير من قبيلته تميم كالاخوين القعقاع وعاصم. ثم اخترع لهذه الاساطير رواة روى أساطيره عنهم على صورة أحاديث فقال: حدثني فلان عن فلان فأخذ منه الطبري في ذكره حرب القادسية من تاريخه، ومن الطبري أخذ ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون في تواريخهم. وترجمها الحموي في معجم البلدان، وأشار إليها ابن عبدون في قصيدته وشرحها ابن بدرون (2) وأوردها القلقشندي (3) في " أيام الاسلام " وقد أوردنا تفصيل ما ذكره سيف في هذه الايام في ترجمة القعقاع وعاصم من كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) وهنا نقتصر على مناقشة سند الحديث


(1) القادسية بينها وبين الكوفة 15 فرسخا. معجم البلدان. (2) شرح قصيدة ابن عبدون. ط. ليدن ص 144 - 146. (توفي ابن بدرون بعد سنة 608 ه‍). (3) القلقشندي (ت 821 ه‍) في نهاية الارب تحقيق الخاقاني ص 425.

[250]

في ما يأتي: مناقشة السند: ورد في سند ستة من أحاديثه عن هذه الايام في تاريخ الطبري اسم (محمد) و (طلحة) و (زياد) وفي سند حديث واحد اسم (ابن مخراق) عن (رجل من قبيلة طي) وفي حديث آخر (الغصن بن قاسم عن رجل من كنانة) وقد ذكرنا في فصل (استلحاق زياد) رأينا في محمد وطلحة وفي حبس أبي محجن رأينا في زياد وابن مخراق والرجل المجهول من طي. أما الغصن بن قاسم فقد ورد اسمه في سند 13 حديثا لسيف عند الطبري ولما لم نجد له ذكرا في ما بحثنا من كتب الرجال فلنا أن نعتبره من مختلقات سيف من الرواة. وهذا أيضا يروي عن رجل من بني كنانة ولا ندري ماذا تخيل سيف اسمه لنبحث عنه في مصادر علم الرجال والتاريخ. 5 - يوم الجراثيم حديث سيف: روى الطبري عن سيف في ذكر حوادث سنة 16 ه‍ 15 حديثا يذكر فيها عبور جيش المسلمين دجلة إلى مدائن كسرى في حربهم مع الفرس وسمى تلك الواقعة بيوم الجراثيم نورد فيما يلي بعضها: قال في الاول منها (1): قام سعد بن أبي وقاص - القائد العام لحرب


(1) لم يذكر الطبري سند سيف في هذا الحديث واعتمدنا في هذا الفصل على الطبعة الاوربية (1 / 2432 - 2441 والحديث الاول 1 / 2432 - 2434).

[251]

فارس - بعد القادسية حائرا أمام نهر دجلة وقد فاضت وكانت السنة كثيرة المدود فخطب جيشه وقال لهم: إن عدوكم اعتصم منكم بهذا البحر يخلص إليكم متى ما شاء في سفنه وأنتم لا تخلصون إليه، وإني عزمت على قطع هذا البحر إليه. ثم قال: من يبدأ فيحمي لنا الفراض - فوهة النهر - فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس وانتدب معه ستمائة رجل فحاربوهم حتى ملكوا الشاطئ المقابل لهم. وفي آخر هذا الحديث الطويل يقول: " ولما رأى سعد عاصما على الفراض قد منعها أذن للناس في الاقتحام، فركبوا اللجة وإن دجلة لترمي بالزبد، وإنها لمسودة وإن الناس ليتحدثون في عومهم، وقد اقتربوا لا يكترثون، كما يتحدثون في مسيرهم على الارض ". وقال في حديث آخر بعده عن القاسم بن الوليد عن عمير الصائدي: " وما زال فرس يستوي قائما إذا أعيى ينشز له تلعة (1) فيستريح عليها كأنه على الارض فلم يكن بالمدائن أمر أعجب من ذلك وذلك (يوم الماء) وكان يدعى (يوم الجراثيم) (2) ". وعززها بثانية، روى فيها عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو: " قالوا كان يوم ركوب دجلة يدعى: (يوم الجراثيم) لا يعيى أحد إلا نشزت له (جرثومة) يريح عليها " (3). وفي التي بعدها قال: " خضنا دجلة وهي تطفح فلما كنا في أكثرها ماء لم يزل فارس واقفا ما يبلغ الماء حزامه ".


(1) التلعة: ما علا من الارض. (2) الطبري ط. أوروبا (1 / 2438). (3) الطبري ط. أوروبا (1 / 2438).

[252]

وفي حديث آخر له: " أنهم سلموا من عند آخرهم إلا رجلا من بارق يدعى غرقدة زال عن ظهر فرس له شقراء كأني أنظر إليها تنفض أعرافها عريا والغريق طاف، فثنى القعقاع بن عمرو عنان فرسه إليه فأخذه بيده وجره حتى عبر، فقال البارقي وكان من أشد الناس: أعجز الاخوات أن يلدن مثلك يا قعقاع ! وكان للقعقاع فيهم خؤولة " (1). أخرج هذا الحديث بهذا السند عن سيف أبو نعيم في دلائل النبوة معتبرا إياه من دلائل نبوة نبينا (ص) (2). مناقشة السند: لم يذكر الطبري سند الحديث الاول. وفي سند الحديث الثاني ورد اسم عمير الصائدي ولم نجد له اسما عند أحد ولا ذكرا في غير هذا الحديث. وفي الثالث ورد اسم محمد وطلحة والمهلب وعمرو. أما محمد وطلحة فقد مضى رأينا فيهما في فصل (استلحاق زياد) وأما المهلب فقد تخيله سيف: المهلب بن عقبة الاسدي يروي عنه في الطبري 67 حديثا ولم نجد له رواية عند غيره ولا ذكرا. وعمرو قد سبق الحديث عنه في فصل المغيرة بن شعبة. وورد في أسانيد أحاديثه عن يوم الجراثيم - أيضا - اسم النضر وهو عند سيف النضر بن السري الضبي روى عنه في الطبري 24 حديثا. وورد اسم ابن الرفيل وهو يروي عند سيف غالبا عن أبيه الرفيل. له عند الطبري 18 حديثا ولما لم نجد لهذا ومن سبقه ذكرا في ما بحثنا من


(1) الطبري ط. أوروبا (1 / 2437). (2) دلائل النبوة ط. حيدر آباد 3 / 208 - 209.

[253]

مصادر الدراسات الحديثية والتاريخية فقد اعتبرناهم من مختلقات سيف من الرواة. عبور جيش المسلمين في حديث غير سيف: كان ما سبق حديث سيف وسنده عن يوم الجراثيم، أما غير سيف فقد روى الحموي في ترجمة الكوفة (1) عند ذكره توجه سعد إلى المدائن بعد واقعة القادسية وقال: " وكان الدهاقين (2) ناصحوا المسلمين ودلوهم على عورات فارس، وأهدوا لهم وأقاموا لهم الاسواق. ثم توجه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد، وقدم خالد بن عرفطة حليف بني زهرة بن كلاب فلم يقدر عليه سعد حتى فتح خالد ساباط المدائن، ثم توجه إلى المدائن فلم يجد معابر فدلوه على مخاضة عند قرية الصيادين أسفل المدائن فاخاضوها الخيل حتى عبروا ". وروى ابن الاثير بترجمة مالك بن عامر بن هانئ بن خفاف الاشعري من أسد الغابة (4 / 282) قال: " وهو - أي مالك بن عامر - أول من عبر دجلة يوم المدائن وقال في ذلك مرتجزا: إمضوا فإن البحر بحر مأمور * والاول القاطع منكم مأجور * (هامش) معجم البلدان 4 / 333. (2) الدهقان: زعيم فلاحي العجم. القاموس.

[254]

قد خاب كسرى وأبوه سابور * ما تصنعون والحديث مأثور " وفي فتوح البلدان ص 323 بعده: " فجعل الفرس يرمونهم فسلموا، غير رجل من طي يقال له سليل بن يزيد بن مالك السنبسي لم يصب يومئذ غيره ". وفي مختصر جمهرة أنساب ابن الكلبي ص 265: " السليل بن زيد ابن مالك بن المعلى الذي غرق يوم عبر المسلمون دجلة إلى المدائن ولم يغرق غيره " (1). نتيجة المقارنة: قال سيف في هذه الاسطورة إن عاصم بن عمرو التميمي (ذو البأس) هو الذي كسر شوكة العدو، وأمن السبيل لعبور دجلة، ثم عام الجيش في الماء وكلما أعيى فرس ينشز له تلعة. وفي رواية قال وسمي ذلك اليوم بيوم الجراثيم لا يعيى أحد إلا نشزت له جرثومة ليستريح عليها. وفي الاخيرة قال إنهم سلموا من عند آخرهم إلا رجل يقال له غرقدة فأنقذه القعقاع. وكان للقعقاع فيهم خؤولة فقال: اعجز الاخوات أن يلدن مثلك ! وللاتقان روى عن الراوي أنه قال: زال عن فرسه الشقراء (كأني أنظر إليها تنفض أعرافها عريا) ليت شعري لم لم تنشز تلعة أو جرثومة لذوي خؤولة القعقاع كي لا يغرق ؟ هذا عند سيف. أما الحموي والبلاذري فقد رويا أن


(1) وكذلك في جمهرة ابن حزم ص 402.

[255]

الذي أمن السبيل خالد بن عرفطة قائد مقدمة سعد وليس بعاصم، وأن الدهاقين الذين كانوا يدلون المسلمين على عورات الفرس دلوهم على مخاضة خاضوها بخيولهم. فإذا قارنا بين روايات سيف وغيره اتضح لنا مدى دس سيف فيما يروي من الحوادث التاريخية. * * * أوردنا في ما مضى أمثلة من روايات سيف عن الفتوح وحوادث عصر الخليفة عمر (رض) وفيما يأتي نورد بعض رواياته في حوادث عصر الخليفة عثمان بعد إيراد يوم سادس من أيام سيف في ما يلي: 6 - يوم النحيب: حديث سيف: روى الطبري في حوادث سنة ست وثلاثين، عن سيف عن ابن الشهيد، عن ابن أبي مليكة قال: خرج الزبير وطلحة ففصلا، ثم خرجت عائشة، فتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق، فلم ير يوم كان أكثر باكيا على الاسلام أو باكيا له من ذلك اليوم، كان يسمى (يوم النحيب) وأمرت عبد الرحمن بن عتاب (1)، فكان يصلي بالناس، وكان عدلا بينهم، وفي رواية أخرى (فكان يصلي بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل).


(1) ذات عرق مهل أهل العراق وهو الحد بين نجد وتهامة - معجم البلدان، وعبد الرحمن ابن عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس. قتل يوم الجمل في جيش أم المؤمنين عائشة.

[256]

روى سيف هذا الحديث في ذكره خبر خروج طلحة والزبير وأم المؤمنين من مكة إلى البصرة لحرب الجمل والحديث يشتمل على ثلاثة أخبار. حديث غير سيف: أ - خبر مشايعة أمهات المؤمنين لام المؤمنين عائشة إلى ذات عرق، لم نجد لهذا الخبر أثرا غير ما روي من حديث أم سلمة، أو كتابها إلى عائشة في هذا الشأن وهذا نصه: قالت أم سلمة لعائشة لما همت بالخروج (1): " يا عائشة ! إنك سدة بين رسول الله وأمته، حجابك مضروب على حرمته، وقد جمع القرآن ذيلك فلا تنديحه، وسكن الله عقيراك فلا تصحريها. الله من وراء هذه الامة، قد علم رسول الله مكانك لو أراد أن يعهد فيك عهدا، بل قد نبأك عن الفرطة في البلاد، ما كنت قائلة لو أن رسول الله (ص) قد عارضك بأطراف الفلوات ناصة قلوصك قعودا من منهل إلى منهل ؟ ! إن بعين الله مثواك ! وعلى رسول الله (ص) تعرضين، ولو أمرت بدخول الفردوس لاستحييت أن ألقى محمدا هاتكة حجابا جعله الله علي فاجعليه سترك، وقاعة البيت قبرك، حتى تلقيه وهو عنك راض ". وفي رواية بعده: " ولو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول الله (ص) لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة والسلام " (2).


(1) في نسخة: " كتبت إليها أم سلمة ". (2) (السدة) الباب و (لا تندحيه) لا تفتحيه وتوسعيه و (العقيري) مصغر عقر الدار و (أصحر) خرج إلى الصحراء - أي جعل الله عقر دارك لك سكنى فلا تبرحيها - و - >

[257]

فقالت عائشة: " يا أم سلمة ! ما أقبلني لوعظك، وأعرفني بنصحك. ليس الامر كما تقولين، ولنعم المطلع مطلعا أصلحت فيه بين فئتين متناجزتين ". ب - خبر الاجتماع بذات عرق: ورد هذا الخبر في حديث غير سيف عن الطبري هكذا: (لقي سعيد بن العاص (1) مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق، فقال: أين تذهبون وثاركم على أعجاز الابل ؟ ! اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم، ولا تقتلوا أنفسكم (2).


< - (الفرطة) الخروج والتقدم و (ناصحة قلوصك) مستحثة ناقتك الشابة ومستقصية آخر ما عندها من السير، و (النهش): العض و (الرقشاء) الافعى المنقطة و (المطرقة) من صفات الافعى. (1) سعيد بن العاص بن أمية، أمه أم كلثوم بنت عمرو العامرية، قتل الامام علي أباه يوم بدر. كان سعيد من أشراف قريش وفصحائهم وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان ولاه عثمان على الكوفة بعد الوليد، اعتزل بعد عثمان الحروب، كان معاوية يوليه المدينة إذا عزل مروان ويولي مروان إذا عزله، ليلقي بينهما العداء، اسد الغابة (2 / 309). (2) في هذا الحديث يخاطب سعيد الاموي سائر بني أمية في ذلك الجيش ويطلب منهم أن يقتلوا طلحة والزبير وعائشة، لان ثار عثمان عندهم ثم يرجعوا إلى منازلهم، فيجيبونه أنهم يسيرون لعلهم يقتلون جميع قتلة عثمان، يقصدون أنهم يذهبون لعلهم يقتلون مع هؤلاء محمد بن أبي بكر وغيره ممن شارك هؤلاء في قتل عثمان !

[258]

قالوا: بل نسير، فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا. فخلا سعيد بطلحة والزبير، فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الامر ؟ أصدقاني ! قالا: لاحدنا، أينا اختاره الناس. قال: بل اجعلوه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه. قالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لابنائهم ! قال: فلا أراني أسعى لاخرجها من بني عبد مناف. فرجع ورجع معه عبد الله بن خالد بن أسيد (1)، فقال المغيرة بن شعبة: " الرأي ما رأى سعيد. من كان هاهنا من ثقيف فليرجع ". فرجع ومضى القوم ومعهم أبان بن عثمان والوليد بن عثمان فاختلفوا في الطريق وقالوا من ندعو لهذا الامر...) الحديث. ج - خبر إمامة عبد الرحمن بن عتاب للصلاة بأمر أم المؤمنين في الطريق وبالبصرة حتى قتل. ورد هذا الخبر في حديث غير سيف هكذا: روى الطبري عن ابن عباس قال: أذن مروان حين فصل من مكة، ثم جاء حتى وقف عليهما - أي على طلحة والزبير - فقال: " على أيكما أسلم بالامرة، وأؤذن بالصلاة ؟ ".


(1) عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، استعمله زياد على فارس واستخلفه على الكوفة حين مات فأقره معاوية عليها - أسد الغابة (3 / 149).

[259]

فقال عبد الله بن الزبير: " على أبي عبد الله ". وقال محمد بن طلحة: " على أبي محمد ". فأرسلت عائشة (رض) إلى مروان فقالت: " مالك ؟ أتريد أن تفرق أمرنا ؟ ! ليصل ابن اختي ". فكان بعضهم يقول: " والله لو ظفرنا لافتتنا ! ما خلى الزبير بين طلحة والامر، ولا خلى طلحة بن الزبير والامر ! ". كان هذا الاختلاف في الطريق، أما في البصرة فقد قال اليعقوبي في تاريخه: " انتهبوا بيت المال، وأخذوا ما فيه، فلما حضر وقت الصلاة، تنازع طلحة والزبير وجذب كل منهما صاحبه حتى فات وقت الصلاة وصاح الناس: " الصلاة، الصلاة، يا أصحاب محمد " فقالت عائشة: يصلي محمد بن طلحة يوما وعبد الله بن الزبير يوما ". وفي طبقات ابن سعد: فذهب ابن الزبير يتقدم فأخره محمد بن طلحة وذهب محمد ابن طلحة يتقدم فأخره عبد الله بن الزبير عن أول صلاة فاقترعا فقرعه محمد ابن طلحة فتقدم فقرأ سأل سائل بعذاب واقع. وفي الاغاني: وقال شاعرهم في ذلك: تبارى الغلامان إذ صليا * وشح على الملك شيخاهما ومالي وطلحة وابن الزبير * وهذا بذي الجزع مولاهما فأمهما اليوم غرتهما * ويعلى بن منية دلاهما (1)


(1) جزع الوادي منعطفه ويقصد من أمهما عائشة ويعلى بن أمية دلاهما بغرور ويعلى اسم - >

[260]

هذا ما كان في متن حديث سيف من خلاف الواقع، وفي سند حديثه ما يأتي: مناقشة السند: روى سيف حديث (يوم النحيب) عن ابن الشهيد، فمن هو الشهيد والد هذا الراوي ؟ ! وما اسم ابنه الراوي لنبحث عنهما ؟ وكيف السبيل إلى معرفة من تخيلهما سيف ؟ ! لهذا ولانا لم نجد ذكرا لابن الشهيد في غير حديث سيف فقد اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة ! وروى حديث إمامة عبد الرحمن بالبصرة عن مخلد بن قيس وهو أيضا من مختلقاته من الرواة (1). نتيجة المقارنة: روى حديثا صغيرا عالج فيه ثلاث مؤاخذات ترد على سروات مضر وهي: أولا - ما روى من تقريع أم سلمة لعائشة لخروجها إلى البصرة، فإنه عالجها بما روى أن أمهات المؤمنين خرجن مشيعات لعائشة إلى ذات عرق، وفيه من خبر إجماعهن على تجليلها في تلك الرحلة وخروجهن مشيعات لها


< - أمه منية بنت غزوان وأبوه أمية بن عبدة من بني تميم وكان حليفا لبني أمية كان واليا لعثمان على اليمن وجاء بعد قتله إلى مكة واشترك في حرب الجمل، الاغاني (11 / 119 - 121). (1) مجال البحث عنه في: (رواة مختلقون).

[261]

ما يعارض خبر تقريع أم سلمة لها، ويدحضه ! ثانيا - خبر محاورة سعيد الاموي مع بني أمية بذات عرق وطلبه منهم أن يقتلوا قتلة عثمان الذين خرجوا معهم يطالبون بدمه. وخبر محاورته لطلحة والزبير أن يختارا للخلافة أحد أولاد عثمان وامتناعهما من ذلك ثم رجوعه ورجوع من كان معهم من ثقيف. عالج سيف هذا الخبر بما روى: إنه ما رؤي أكثر باك من ذلك اليوم حتى سمي بيوم النحيب: إذا فما جرى في ذات عرق هو هذا ! هكذا عارض سيف بهذا الخبر، الخبر الذي فيه منقصة للصحابة من سادة مضر ودحضه. ثالثا - خبر النزاع على إمامة الصلاة في الطريق وفي البصرة وتعيين أم المؤمنين ابن أختها ومحمد بن طلحة ابن عمها للامامة قطعا للنزاع. عالج سيف هذا الخبر بما روى: إن أم المؤمنين عينت عبد الرحمن ابن عتاب للامامة فصلى بهم في الطريق وبالبصرة حتى قتل، عارض سيف بهذا الخبر خبر النزاع على إمامة الصلاة. عالج سيف كل ذلك في حديث صغير من مخترعاته، وأيده بجملة في حديث آخر. عالج كل ذلك من حيث لا يشعر القارئ ماذا يريد أن يصنع، وروى الخبر عن اثنين من مختلقاته من الرواة. تفرد سيف برواية خبر يوم النحيب بذات عرق وأخذ منه الطبري ومن الطبري أخذ ابن كثير في تاريخه وبذلك نجح سيف في ما أراد من تحريف وتشويش في التاريخ الاسلامي ! ! !

[262]

خاتمة البحث: رأينا في ما سبق (1) كيف اختلق سيف أياما شبيهة بالايام التي كانت للمسلمين والعرب في الجاهلية، وعرفنا كيف يتحرى الحوادث الواقعة ليضع نظائرها ويشوش بها على المسلمين تاريخهم ويدس السم والخرافة في عقائدهم * * * ولم تنحصر مخترعاته من الايام على ما ذكرنا (2) بل اكتفينا بما أوردنا قاصدين التعرف على مدى أثر هذا النوع من الوضع على المدونات التاريخية لندرس في البحوث الآتية أنواعا أخرى من مختلقاته ونتعرف على آثارها ونبدأ بتدارس رواياته في حوادث عصر عثمان. * * * مصادر يوم النحيب: رواية سيف خبر يوم النحيب في الطبري (1 / 314) وابن كثير (7 / 230). رواية سيف إمامة عبد الرحمن بن عتاب بالبصرة في الطبري (1 /


(1) ذكرنا في القسم الاول خمسة من أيام سيف وهي يوم الجراثيم ويوم الاباقر ويوم أغواث وعماس وأرماث. (2) مثل يوم الحيتان، قال سيف: سمي به يوم غنم فيه جيش سعد بن أبي وقاص في القادسية وقر ثلاثمائة بغل وحمار وثور سمكا - الطبري (1 / 2244) في ذكر يوم القادسية من حوادث سنة 12 ه‍. (*)

[263]

3103 - 3104) كتاب أم سلمة إلى عائشة - ابن طيفور بلاغات النساء (ص 8) والفائق للزمخشري (1 / 290) والعقد الفريد (3 / 69) وشرح النهج لابن أبي الحديد (2 / 79) واليعقوبي في تاريخه (2 / 180) وفي روايته اختلاف مع رواية غيره والزيادة الاخيرة من العقد الفريد. خبر اجتماع بذات عرق من غير رواية سيف في الطبري (1 / 3103 - 3104) ط. أوروبا. خبر نزاع طلحة والزبير على الصلاة في الطبري (1 / 305 - 306) وفي اليعقوبي في ذكره حرب الجمل، وفي طبقات ابن سعد (5 / 39) بترجمة محمد بن طلحة، والاغاني (11 / 120) عن أبي مخنف، وذكر نزاعهما على الصلاة - أيضا - المسعودي.

[265]

11 - الشورى وبيعة عثمان - حديث سيف. - حديث غير سيف. - مقارنة.

[267]

حديث سيف: روى الطبري في ج 3 من تاريخه ص 292 في ذكر حوادث سنة 23 ه‍ (1) عن (سيف) عن عبد الله بن عمر، قال: قال عمر: إني لاعلم أن الناس لا يعدلون بهذين الرجلين اللذين كان رسول الله صلى الله عليه وآله نجيا بينهما وبين جبريل يتبلغ عنه ويملي عليهما (يعني عليا وعثمان). وروى الطبري (2) في ص 266 منه في ذكره حوادث سنة 23 ه‍ وفي ص 305 (3) منه في ذكره حوادث سنة 24 ه‍ عن (سيف) قال: " اجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث مضين من المحرم وقد دخل وقت العصر، قد أذن مؤذن صهيب واجتمعوا بين الاذان والاقامة فخرج فصلى بالناس "... الخ. وروى في ص 305 (3) منه عن (سيف) قال: " لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما


(1) ط / أوروبا 1 / 2776. (2) ط / أوروبا 1 / 2727. (3) ط / أوروبا 1 / 2799 - 2800.

[268]

تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا فإنه لا يغفل عنكم، أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروا الارض ثم عمروها ومتعوا بها طويلا، ألم تلفظهم ؟ إرموا بالدنيا حيث رمى الله بها واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير، فقال عزوجل: " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء - إلى قوله - أملا (1) " وأقبل الناس يبايعونه " انتهى. حديث غير سيف. هذا ما يرويه " سيف " في الشورى وبيعة عثمان وخطبته، أما الشورى وكيفية تعيين الخليفة من بعد عمر فيظهر للباحث المتتبع أن أبا حفص كان يفكر في أمر الخلافة من بعده منذ عهد طويل. روى ابن هشام في السيرة 4 / 336 - 337 عن عبد الرحمن بن عوف أن عمر قال وهو بمنى عند ما قال له رجل: " يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ؟ قال: فغضب عمر، فقال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يردون أن يغصبوهم أمرهم. قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار السنة فتخلص بأهل


(1) الآية 45 من سورة الكهف.

[269]

الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا، فيعي أهل الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها، قال: فقال عمر: أما والله إن شاء الله لاقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة ". ثم يذكر بعده أن عمر صعد المنبر في أول جمعة قدم المدينة فخطب وقال في خطبته: " إنه قد بلغني أن فلانا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا، فلا يغرن امرءا أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر. فمن بايع رجلا من المسلمين بغير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا "... الخ. وقد ذكرنا بقية اسنادها في ذكر التحصن بدار فاطمة وفي ذكر موقف عمر ورأيه. وروى ابن أبي الحديد في 2 / 123 عن الجاحظ أنه قال: " إن الذي قال: لو قد مات عمر لبايعت فلانا، عمار بن ياسر، قال: لو قد مات عمر لبايعت عليا (ع) فهذا القول هو الذي هاج عمر فخطب ما خطب ". وقال غيره من أهل الحديث: إنما كان المعزوم على بيعته لو مات عمر (طلحة بن عبيدالله). لا يهمنا معرفة الرجل المعزوم على بيعته. وإنما المهم أن الخليفة قد ذكر في خطبته (المشورة) في أمر الخلافة. ولم يسبق للنبي أن ذكر الشورى والمشورة لتعيين الخليفة من بعده، وقد تمت بيعة أبي بكر بغتة وفلتة كما صرح هو بذلك. وإن عمر نفسه أيضا قد بويع بتعيين من أبي بكر لا بالشورى والمشورة. إذا فقد كان أبو حفص أول من فكر في تعيين الخليفة من بعده بطريقة الشورى، ويظهر من تصريحه في هذه الخطبة أنه كان قد فكر في الشورى من قبل أن يطعنه عبد المغيرة بن شعبة فيروز.

[270]

أما الشورى فقد روى البلاذري في ج 5 من كتابه أنساب الاشراف ص 15 - 16، وابن سعد في طبقاته ج 3 ق 1 ص 243: " إن عمر بن الخطاب خطب الناس يوم الجمعة فذكر النبي (ص) وأبا بكر، ثم قال: إني رأيت كأن ديكا نقرني ولا أراه إلا حضور أجلي، وإن قوما يأمرونني أن استخلف. وإن الله لم يكن ليضيع دينه وخلافته والذي بعث به نبيه، فإن عجل بي الامر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وقد علمت أنه سيطعن في هذا الامر أقوام أنا ضربتهم بيدي على الاسلام فإن فعلوا فأولئك أعداء الله ". وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد 3 / 73، قال: " لما طعن عمر ابن الخطاب قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت ؟ قال: إن تركتكم فقد ترككم من هو خير مني، وإن استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير مني، لو كان أبو عبيدة الجراح حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الامة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لاستخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إن سالم ليحب الله حبا لو لم يخف الله ما عصاه، قيل له: فلو أنك عهدت إلى عبد الله فإنه له أهل في دينه وفضله وقديم إسلامه، قال: بحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولوددت أني نجوت من هذا الامر كفافا لا لي ولا علي، ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت. فقال: لقد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أولي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق - وأشار إلى علي - ثم رأيت أن لا أتحملها حيا وميتا "... الخ. وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 16 عن عمرو بن

[271]

ميمون، قال: " كنت شاهدا لعمر يوم طعن فذكر حديثا طويلا ثم قال: قال عمر: أدعوا لي عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فلم يكلم أحدا منهم غير علي وعثمان، فقال: يا علي لعل هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبي صلى الله عليه وسلم وصهرك وما أنالك الله من الفقه والعلم، فإن وليت هذا الامر فاتق الله فيه، ثم دعا عثمان وقال: يا عثمان لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك فإن وليت هذا الامر فاتق الله ولا تحمل آل أبي معيط على رقاب الناس، ثم قال: ادعوا لي صهيبا فدعي، فقال: صل بالناس ثلاثا وليخل هؤلاء النفر في بيت فإذا اجتمعوا على رجل منهم فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فلما خرجوا من عند عمر قال: إن ولوها الاجلح (1) سلك بهم الطريق، قال ابن عمر: فما يمنعك منه يا أمير المؤمنين ؟ قال: أتحملها حيا وميتا ؟ " وقريب منه ما في طبقات ابن سعد 3 ق 1 / 247. وراجع ترجمة عمر من الاستيعاب ومنتخب الكنز 4 / 429. وفي الرياض النضرة 2 / 72 بعد ذكره ما رواه عمرو بن ميمون عن عمر في حق علي، قال أخرجه النسائي وفيه أيضا: " لله درهم إن ولوها الاصيلع كيف يحملهم على الحق وإن كان السيف على عنقه. قال محمد بن كعب: فقلت: أتعلم ذلك منه ولا توليه ؟ فقال: إن تركتهم فقد تركهم من هو خير مني ". روى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 17 عن الواقدي بسنده،


(1) الاجلح: من انحسر شعره من جانبي رأسه.

[272]

قال: " ذكر عمر من يستخلف فقيل: أين أنت عن عثمان ؟ قال: لو فعلت لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، قيل: الزبير ؟ قال: مؤمن الرضى كافر الغضب، قيل: طلحة ؟ قال: أنفه في السماء واسته في الماء، قيل: سعد ؟ قال: صاحب مقنب (1)، قرية له كثير، قيل: عبد الرحمن ؟ قال: بحسبه أن يجري على أهل بيته ". وروى عن ابن ميمون: " إن عمر جعل الشورى إلى ستة، وقال: عبد الله بن عمر معكم وليس معه شئ ". وروى البلاذري في 5 / 18 من أنساب الاشراف عن أبي مخنف: إن عمر بن الخطاب أمر صهيبا مولى عبد الله بن جدعان حين طعن أن يجمع إليه وجوه المهاجرين والانصار، فلما دخلوا عليه قال: إني جعلت أمركم شورى إلى ستة نفر من المهاجرين الاولين الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ليختاروا أحدهم لامامتكم وسماهم، ثم قال لابي طلحة زيد بن سهل الخزرجي: إختر خمسين رجلا من الانصار يكونوا معك، فإذا توفيت فاستحث هؤلاء النفر حتى يختاروا لانفسهم وللامة أحدهم ولا يتأخروا عن أمرهم فوق ثلاث، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس إلى أن يتفقوا على إمام، وكان طلحة بن عبيد الله غائبا في ماله بالسراة (2)، فقال عمر: إن قدم طلحة في الثلاثة الايام وإلا فلا تنتظروه بعدها وأبرموا الامر واصرموه وبايعوا من تتفقون عليه، فمن خالف عليكم فاضربوا عنقه، قال: فبعثوا إلى طلحة رسولا يستحثونه ويستعجلونه بالقدوم


(1) المقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة. (2) السراة: الجبل الذي فيه طرف الطائف ويقال لاماكن أخرى.

[273]

فلم يرد المدينة إلا بعد وفاة عمر والبيعة لعثمان، فجلس في بيته وقال: أعلى مثلي يفتات ! فأتاه عثمان، فقال له طلحة: إن رددت اترده ؟ ! قال: نعم، قال: فإني أمضيته فبايعه. وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 73. وروى في ص 20 منه قال: إن طلحة قال بعد ذلك: " فإن شئت بايعتك في مجلسك وإن شئت ففي المسجد فبايعه، فقال عبد الله بن سعد ابن أبي سرح: ما زلت خائفا لان ينتقض هذا الامر حتى كان من طلحة ما كان فوصلته رحم. ولم يزل عثمان مكرما لطلحة حتى حصر فكان اشد الناس عليه ". وروى البلاذري في ص 18 من كتابه أنساب الاشراف بسند ابن سعد قال: " قال عمر: ليتبع الاقل الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه ". وروى في ص 19 منه عن أبي مخنف أنه قال: " أمر عمر أصحاب الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثا فإن اجتمع اثنان على رجل واثنان على رجل رجعوا في الشورى. فإن اجتمع أربعة على واحد وأباه واحد كانوا مع الاربعة وإن كانوا ثلاثة (وثلاثة) كانوا مع الثلاثة الذين فيهم ابن عوف إذ كان الثقة في دينه ورأيه المأمون للاختيار على المسلمين " وقريب منه ما في العقد الفريد 3 / 74. وروى أيضا عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: " إن اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن ابن عوف واسمعوا وأطيعوا " وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1 ص 43. وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 15 عن الواقدي عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: " إن رجالا يقولون إن بيعة أبي بكر

[274]

كانت فلتة وقى الله شرها، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة والامر بعدي شورى فإذا اجتمع رأي أربعة فليتبع الاثنان الاربعة، وإذا اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا رأي عبد الرحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا، وإن صفق عبد الرحمن بإحدى يديه على الاخرى فاتبعوه ". وروى المتقي في كنز العمال 3 / 160 عن محمد بن جبير عن أبيه أن عمر قال: " إن ضرب عبد الرحمن بن عوف إحدى يديه على الاخرى فبايعوه " وعن أسلم أن عمر بن الخطاب قال: " بايعوا لمن بايع له عبد الرحمن بن عوف فمن أبى فاضربوا عنقه ". من كل هذا يظهر أن الخليفة كان قد جعل أمر الترشيح بيد عبد الرحمن بن عوف. روى البلاذري في 5 / 19 من كتابه أنساب الاشراف أيضا: " إن عليا شكا إلى عمه العباس ما سمع من قول عمر: كونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، وقال: والله لقد ذهب الامر منا، فقال العباس: وكيف قلت ذلك يا ابن أخي ؟ فقال: إن سعدا لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن نظير عثمان وصهره فأحدهما لا يخالف صاحبه لا محالة، وإن كان الزبير وطلحة معي فلن انتفع بذلك إذ كان ابن عوف في الثلاثة الآخرين. وقال ابن الكلبي: عبد الرحمن بن عوف زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وأمها أروى بنت كريز وأروى أم عثمان فلذلك قال صهره " وقريب منه في العقد الفريد 3 / 74. وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 20 عن أبي مخنف: " أن عليا خاف أن يجتمع أمر عبد الرحمن وعثمان وسعد فأتى سعدا ومعه الحسن

[275]

والحسين فقال له: يا أبا إسحاق إني لا أسألك أن تدع حق ابن عمك بحقي أو تؤثرني عليه فتبايعني وتدعه، ولكن إن دعاك إلى أن تكون له ولعثمان ثالثا فأنكر ذلك، فإني أدلي إليك من القرابة والحق ما لا يدلي به عثمان، وناشده بالقرابة بينه وبينه، وبينه وبين الحسن والحسين، وبحق آمنة أم رسول الله (ص)، فقال سعد: لك ما سألت، وأتى سعد عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن: هلم فلنجتمع، فقال سعد: إن كنت تدعوني والامر لك وقد فارقك عثمان على مبايعتك كنت معك، ! وإن كنت إنما تريد الامر لعثمان فعلي أحق بالامر وأحب إلي من عثمان، قال: وأتاهم أبو طلحة فاستحثهم وألح عليهم، فقال عبد الرحمن: يا قوم أراكم تتشاحنون عليها وتؤخرون إبرام هذا الامر أفكلكم رحمكم الله يرجو أن يكون خليفة ؟ ورأى أبو طلحة ما هم فيه فبكى وقال: كنت أظن بهم خلاف هذا الحرص، إنما كنت أخاف أن يتدافعوها ". وفي أنساب الاشراف 5 / 21 روى عن المدائني أن عمر أدخل ابنه في الشورى على أنه خارج من الخلافة وليس له إلا الاختيار فقط، قال أبو الحسن المدائني: ولم يجتمع على ذلك. وروى في ص 21 منه عن أبي مخنف قال: " لما دفن عمر أمسك أصحاب الشورى وأبو طلحة يؤمهم فلم يحدثوا شيئا، فلما أصبحوا جعل أبو طلحة يحوشهم للمناظرة في دار المال، وكان دفن عمر يوم الاحد وهو الرابع من يوم طعن. وصلى عليه صهيب بن سنان، قال: فلما رأى عبد الرحمن تناجي القوم وتناظرهم وأن كل واحد منهم يدفع صاحبه عنها، قال لهم: يا هؤلاء أنا أخرج نفسي وسعدا على أن أختار يا معشر الاربعة أحدكم فقد طال التناجي وتطلع الناس إلى معرفة خليفتهم وإمامهم واحتاج من

[276]

أقام الانتظار ذلك من أهل البلدان الرجوع إلى أوطانهم، فأجابوا إلى ما عرض عليهم إلا عليا فإنه قال: أنظر. وأتاهم أبو طلحة فأخبره عبد الرحمن بما عرض وبإجابة القوم إياه إلا عليا فأقبل أبو طلحة على علي، فقال: يا أبا الحسن إن أبا محمد ثقة لك وللمسلمين فما بالك تخالف وقد عدل الامر عن نفسه فلن يتحمل المأثم لغيره فأحلف علي عبد الرحمن بن عوف أن لا يميل إلى هوى وأن يؤثر الحق وأن يجتهد للامة، وأن لا يحابي ذا قرابة فحلف له، فقال: إختر مسددا، وكان ذلك في دار المال ويقال في دار المسور بن مخرمة. ثم إن عبد الرحمن أحلف رجلا رجلا منهم بالايمان المغلظة، وأخذ عليهم المواثيق والعهود أنهم لا يخالفونه إن بايع منهم رجلا وأن يكونوا معه على من يناويه فحلفوا على ذلك، ثم أخذ بيد علي فقال له: " عليك عهد الله وميثاقه إن بايعتك أن لا تحمل بني عبد المطلب على رقاب الناس، ولتسيرن بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحول عنها ولا تقتصر في شئ منها، فقال علي: لا أحمل عهد الله وميثاقه على ما لا أدركه ولا يدركه أحد. من ذا يطيق سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أسير من سيرته بما يبلغه الاجتهاد مني، وبما يمكنني وبقدر عملي " فأرسل عبد الرحمن يده ثم أحلف عثمان وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يحمل بني أمية على رقاب الناس وعلى أن يسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ولا يخالف شيئا من ذلك، فحلف له. فقال علي: قد أعطاك أبو عبد الله الرضا فشأنك فبايعه، ثم إن عبد الرحمن عاد إلى علي فأخذه بيده وعرض عليه أن يحلف بمثل تلك اليمين أن لا يخالف سيرة رسول الله وأبي بكر وعمر، فقال

[277]

علي: علي الاجتهاد، وعثمان يقول: نعم علي عهد الله وميثاقه وأشد ما أخذ على أنبيائه أن لا أخالف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في شئ ولا أقصر عنها، فبايعه عبد الرحمن وصافحه وبايعه أصحاب الشورى، وكان علي قائما فقعد، فقال له عبد الرحمن: بايع وإلا ضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف، فيقال: إن عليا خرج مغضبا فلحقه أصحاب الشورى، فقالوا: بايع وإلا جاهدناك، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان ". وفي تاريخ مختصر الدول لابن العبري ط. الكاثوليكية بيروت سنة 1958 م: قال عبد الرحمن لعلي بن أبي طالب: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين ؟ قال: أما كتاب الله وسنة نبيه فنعم وأما سنة الشيخين فأجتهد رأيي. فجاء إلى عثمان فقال له: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين، قال: اللهم نعم فبايعه. وروى البلاذري في أنساب الاشراف 5 / 24 عن الواقدي، قال: إن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أول مركب صعب وإن بعد اليوم أياما وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها فما كنا خطباء وسيعلمنا الله. وفي فرش كتاب الخطب من العقد الفريد 2 / 410 من أرتج عليه في خطبته أو في خطبة خطبها عثمان أرتج عليه فقال: (أيها الناس...) الحديث. وفي البيان والتبيين: " وصعد عثمان المنبر فارتج عليه فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام... " الحديث (1).


(1) البيان والتبيين 2 / 250 تحقيق محمد هارون وتاريخ الخلفاء للسيوطي عند ذكره أوليات عثمان، وابن كثير 7 / 214.

[278]

وروى البلاذري أن عثمان لما صعد المنبر قال: أيها الناس إن هذا مقام لم أزور له خطبة ولا أعددت له كلاما وسنعود فنقول إن شاء الله. وروى أيضا عن المدائني عن غياث بن إبراهيم أن عثمان صعد المنبر فقال: " أيها الناس إنا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء الله، وقد كان من قضاء الله أن عبيدالله بن عمر أصاب الهرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين، ولا وارث له إلا المسلمون عامة وأنا إمامكم وقد عفوت، أفتعفون ؟ قالوا: نعم، فقال علي: أقد (1) الفاسق فإنه أتى عظيما، قتل مسلما بلا ذنب، وقال لعبيد الله: يا فاسق لئن ظفرت بك يوما لاقتلنك بالهرمزان ". وروى في ص 25 منه أن عثمان خطب فقال: " إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وسيأتي الله به ". وقد أخرج ابن سعد هذه الخطبة في طبقاته بترجمة عثمان. وقد جمع الطبري الروايات التي أوردناها في قصة الشورى إلى غيرها وأدمج بعضها في بعض واختزل قسما منها وأوردها جميعها في سياق واحد في 3 / 292 - 302 (2) ما عدا خطبة عثمان، فإنه اقتصر في روايته إياها على حديث (سيف) وحده، وإنما أوردنا ما أوردنا من الروايات الورادة في بعض حوادث الشورى للمقارنة بينها وبين روايات (سيف) اللاتي ذكرنا قسما منها قبل هذا، واللاتي سنذكرها في ما يأتي، وتركنا التعليق على حوادثها وتحليلها ومناقشة الكتاب والمؤرخين في ما كتبوا حولها إلى ما سننشر حول


(1) أقاد القاتل بالقتيل قتله قودا أي بدلا. (2) ط / أوروبا 1 / 2776 - 2795.

[279]

السقيفة والشورى إن شاء الله تعالى. وإن لسيف - غير ما ذكرنا - عشرات المئات من روايات موضوعة ومدسوسة مما حرف بها الحوادث التاريخية وغشاها بطلاء من الدفاع عن ذوي الجاه والنباهة والامراء والاشراف، فرغب في نشرها جماعة من كبار المؤرخين، وفي مقدمتهم الطبري الذي استوعب في ذكره حوادث سنة 11 - 27 ه‍، قسما كبيرا منها ومن راجعها هناك يجد من الوضع والدس أمرا هائلا خطيرا. ومما وضع للدفاع عن ذوي الوجاهة والسلطة أسطورة قماذبان الآتية:

[281]

12 - قماذبان بن الهرمزان - حديث سيف. - حديث غير سيف. - مناقشة سند الحديث. - مقارنة.

[283]

حديث سيف: روى سيف عن أبي منصور قال: القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال: سمعت كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمر فيروز بأبي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد ؟ فقال: ابس به (1). فرآه رجل، فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيدالله فقتله. فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله فخرجت به وما في الارض أحد إلا ومعي غير أنهم يطلبون إلي فيه فقلت لهم: ألي قتله ؟ قالوا: نعم، وسبوا عبيدالله، فقلت: ألكم أن تمنعوه ؟ قالوا: لا ! وسبوه، فتركته لله ولهم، فاحتملوني فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم (1). وفي الثانية روى سيف عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: غداة طعن عمر: مررت على أبي لؤلؤة عشي أمس ومعه جفينة والهرمزان وهم نجي فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا بأي شئ قتل، وقد تخلل أهل المسجد وخرج في طلبه رجل من بني تميم فرجع


(1) الطبري 1 / 2801 حوادث سنة 24 ه‍، وبس الشئ: فتته وحطمه.

[284]

إليهم التميمي وقد كان ألظ بأبي لؤلوة منصرفه عن عمر حتى أخذه فقتله وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر فسمع بذلك عبيدالله ابن عمر فأمسك حتى مات عمر. ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله فلما عضه السيف، قال: لا إله إلا الله. ثم مضى حتى أتى جفينة وكان نصرانيا من أهل الحيرة ضئرا لسعد بن مالك أقدمه إلى المدينة للصلح الذي بينه وبينهم وليعلم بالمدينة الكتابة، فلما علاه بالسيف صلب بين عينيه وبلغ ذلك صهيبا فبعث إليه عمرو بن العاص، فلم يزل به وعنه ويقول: السيف بأبي وأمي حتى ناوله إياه وثاوره سعد فأخذ بشعره وجاءوا إلى صهيب (1). حديث غير سيف: هذا ما رواه سيف. أما غير سيف فقد روى الطبري (2) عن المسور ابن مخرمة: وقال: " ثم جلس عثمان في جانب المسجد ودعا عبيدالله بن عمر وكان محبوسا في دار سعد بن أبي وقاص وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة وكان يقول: والله لاقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي يعرض بالمهاجرين والانصار، فقام إليه سعد فنزع السيف من يده وجذب شعره حتى اضجعه إلى الارض، وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه. فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والانصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الاسلام ما فتق، فقال علي: أرى أن تقتله، فقال بعض


(1) حوادث سنة 23 الطبري 1 / 2797. (2) الطبري (ط) أوروبا 1 / 2795 - 2796.

[285]

المهاجرين: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم، فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك ". وفي رواية البلاذري (1) إن عثمان قال: " وقد كان من قضاء الله ان عبيدالله بن عمر أصاب الهرمزان، وكان الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلا المسلمون عامة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون ؟ ! قالوا: نعم، فقال علي: أقد الفاسق فإنه أتى عظيما، قتل مسلما بلا ذنب. وقال لعبيد الله: يا فاسق لئن ظفرت بك يوما لاقتلنك بالهرمزان ". وفي رواية الطبري السابقة: (قال عثمان أنا وليهم - أي ولي المسلمين) وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي. قال: وكان رجل من الانصار يقال له زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيدالله بن عمر قال: الا يا عبيدالله مالك مهرب * ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر أصبت دما والله في غير حله * حراما وقتل الهرمزان له خطر على غير شئ غير أن قال قائل * اتتهمون الهرمزان على عمر فقال سفيه والحوادث جمة * نعم أتهمه قد أشار وقد أمر وكان سلاح العبد في جوف بيته * يقلبها والامر بالامر يعتبر قال: فشكا عبيدالله بن بن عمر إلى عثمان زياد بن لبيد وشعره فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه قال: فأنشأ زياد يقول في عثمان: أبا عمرو عبيدالله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان فإنك إن غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان


(1) راجع فصل الشورى وبيعة عثمان فيما سبق عن أنساب الاشراف للبلاذري 5 / 24.

[286]

أتعفو إذ عفوت بغير حق * فمالك بالذي تحكي يدان فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه ! * * * مناقشة السند: روى سيف حديث وجود ولد للهرمزان اسمه القماذبان عن القماذبان نفسه وهو كما يظهر من مختلقات سيف من الرواة إذ لم يرد ذكره في غير رواية سيف هذه. * * * نتيجة المقارنة: في رواية سيف أن ابن العاص ضرع إلى عبيدالله حتى سلمه السيف وأنهم جميعا ذهبوا إلى صهيب. وفي رواية غيره أن سعد بن أبي وقاص هو الذي نزع السيف من يد عبيدالله وجذب شعره حتى أضجعه إلى الارض وسجنه في داره. وفي رواية غير سيف - أيضا - أن عثمان قال: (الهرمزان من المسلمين ولا وارث له إلا المسلمون عامة وأنا إمامكم وقد عفوت) بينما اختلق سيف للهرمزان ولدا سماه القماذبان وقال: إن عثمان سلمه عبيدالله ليقتله قودا بأبيه والقماذبان عفا عنه بعد أن تسلمه، فحمله الرجال على الرؤوس وقال: إن القماذبان هذا روى أن أباه وأبا لؤلؤة تداولا الخنجر الذي قتل به عمر ليلة طعن، وأن رجلا آخر رآهم على تلك الحالة. وعزز سيف روايته هذه

[287]

بأخرى قال فيها: إن ابن أبي بكر رآهم نجوى في ليلة طعن عمر فرهقهم فثاروا فسقط منهم خنجر وصفه يوم طعن عمر. فلما جئ بالخنجر - آلة الجرم - كان كما وصفه، فبلغ ذلك عبيدالله فأمسك حتى إذا مات عمر ذهب فقتلهم، وإذا كان الامر هكذا فلا لوم على الخليفة ولا تثريب على عبيدالله وكلاهما من سادة مضر القبيلة التي يتهالك سيف في الدفاع عن أمجادها (1) ولم يفت سيفا - أيضا - أن يكتسب فخرا لقبيلته تميم حين جعل قاتل أبي لؤلؤة رجلا من تميم. وهكذا يختلق سيف الاساطير ويختلق أشخاصا أسطوريين كالقماذبان ابنا للهرمزان، وغرقدة للغريق، وابن مخراق وابن الرفيل رواة للحديث. ولعل أسوأ أثر تركته قصص (سيف) على التاريخ الاسلامي ما كان من أمر الاسماء التي نسب إليها القيام بأعمال كبيرة في قصصه، فإنها قد أصبحت بمرور الزمن أعلاما تاريخية بعدما أصبحت قصصه حقائق تاريخية يعتمد عليها المؤرخون والبحاثون والمترجمون، فترجم قسما كبيرا من تلكم الاسماء في عداد تراجم الصحابة كل من ابن عبد البر في كتابه (الاستيعاب في أسماء الاصحاب) وابن الاثير في كتابه (أسد الغابة في معرفة الصحابة) والذهبي في كتابه (تجريد أسماء الصحابة) وابن حجر في كتابه (الاصابة في تمييز الصحابة) وابن عساكر في (تاريخه الكبير) ضمن تراجم من دخل الشام، وكذلك فعل غير هؤلاء ايضا، في حين أن تلكم الاسماء لم يكن لها وجود


(1) ندرس ذلك بتفصيل واف إن شاء الله في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[288]

خارج قصص سيف، بل كان شأنها شأن سائر أبطال القصص الموضوعة يمتد وجودها بامتداد القصة فحسب، وإن أقدم من أدخل تلكم الاسماء في عداد أصحاب النبي ممن بقي مؤلفه بمتناول أيدينا هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي المالكي (ت 363 - 463 ه‍) في كتابه الاستيعاب، وقد صرح هذا المؤلف في آخر كتابه 4 / 43 عند انتهائه من تأليفه وقال: " فهذا ما انتهى إلينا من الاسماء والكنى في الرجال والنساء من أصحاب رسول الله (ص) ممن روى أو جاءت عنه رواية أو انتظم ذكره في حكاية تدل على أنه رأى رسول الله (ص) مولودا بين أبوين مسلمين أو قدم عليه أو أدى الصدقة إليه، وقد جاءت أحاديث عن رجال منهم لا يذكرون بنسب ولا كنية ولا يسمون، وعن نساء لا يعرفن إلا بجدة فلان أو عمة فلان ونحو ذلك، وما انتهت إلينا معرفته من ذلك كله فقد ذكرناه "... الخ. وما أكثر الاسماء التي لا تعرف بنسب ولا كنية في قصص (سيف)، على أنه في بعض الموارد يلحق الاسم الذي يضع له قصة بنسب صريح، فيقول: (فلان الفلاني) أو يقول: (ابن فلان) أو (أخو فلان) فيخفى أمره على المترجمين والنسابين، وقد يحرف اسم شخص محقق الوجود فيلبس أمره على الباحثين ويشوش عليهم بحثهم. والامر في كل ذلك هين على (سيف)، فإنه إذا أراد أن يختلق أحدا اختلقه من كلام، ثم قال له كن فيكون. وللتحقيق عن أسماء الصحابة التي استخرجوها من أحاديث سيف دونا كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) وهو تال لهذا الكتاب. ندرس فيه أثر أحاديث سيف على الموسوعات الاسلامية في التراجم والتاريخ.

[289]

ولاحاديث سيف نوع آخر من الاثر على مصادر الدراسات الاسلامية عن طريق كتب تراجم البلاد كمعجم البلدان للحموي (ت 626 ه‍) فإن الحموي أيضا اعتمد على سيف في ترجمته بعض البلاد الاسلامية وعد أماكن وبقاعا لا وجود لها خارج قصص سيف في عداد البقاع والاماكن التي لها وجود حقيقي كما نرى ذلك في الفصل الاتي إن شاء الله تعالى.

[291]

13 - بلاد اختلقها سيف وترجمت في معجم البلدان وغيره - بلاد اختلقها سيف مثل: دلوث، طاووس، الجعرانة ونعمان العراق، القردودة، نهر أط، الثني، ثنية الركاب، القديس، المقر، وايه خرد، الولجة، الهوافي. - مقارنة حديث سيف بحديث غيره.

[293]

أحاديث سيف: يظهر للباحث المتتبع أن ياقوتا الحموي وجد في قصص سيف بغيته من النوادر والاشعار التي يكثر إيرادها في تراجم البلاد مما لم يجدها عند غيره فنثر كتاب سيف في كتابه معجم البلدان، ومن هنا جاءت ترجمته لاماكن لا وجود لها خارج قصص سيف، ويظهر مما ذكره في ترجمة جبار، والجعرانة، وشرجة، وصهيد أنه كانت لديه نسخة من كتاب سيف بخط ابن الخاضبة، وبهامشه تحقيقات لابي بكر بن سيف. وابن الخاضبة هذا هو أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي البغدادي، حافظ روى عن أبي بكر الخطيب وغيره وتوفي في ربيع الاول سنة 489 ه‍ (1). وأما أبو بكر بن سيف فهو إما أن يكون أبا بكر أحمد بن بكر بن سيف الجصيني الذي ترجمه السمعاني في مادة الجصيني من الانساب والحموي بترجمة الجصيني. أو هو أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف بن سعيد السجستاني


(1) الكامل ط ليدن 10 / 178، وشذرات الذهب في سنة 489 ه‍، وفي لسان الميزان 5 / 57 و 6 / 479 وتذكرة الحفاظ للذهبي ص 1224 الترجمة 1044 والانساب المتفقة لابن القيسراني ص 1. (*)

[294]

والذي يرد اسمه في سند كل رواية يخرجها ابن عساكر عن سيف (1) وترجمه النديم في ص 119 من الفهرست. وفي لفظه عبيد الله السجستاني. قد أورد الحموي من أحاديث سيف ما نجده عند الطبري، وقد يورد منها ما لا نجده عند الطبري، كما أن الطبري قد يخرج من أحاديث سيف ما لا يورده الحموي، وكل منهما يستقي من هذا المعين ما يلائمه. ويفترقان في أن الطبري قد يخرج عدة روايات لسيف مما يشكل مجموعها قصة واحدة من قصص سيف، وغالبا ما يورد الاسانيد التي وضعها سيف لرواياته تامة، بينما يأخذ الحموي من قصص سيف ما يستطرفه من شعر ونادرة فيسنده إلى سيف تارة، وأخرى يرسل ما أورده إرسالا دونما ذكر لسيف أو لغير سيف. ومما أورده من أحاديث سيف وأسنده إليه، بترجمته لدلوث، فقد قال: 1 - " دلوث: قال سيف عن رجل من عبد القيس يدعى صحارا، قال: قدمت على هرم بن حيان أيام حرب الهرمزان بنواحي الاهواز وهو فيما بين دلوث ودجيل بجلال من تمر "... الخ. وقد أخرج الطبري هذه القصة بسنده إلى سيف إلى قوله بجلال من تمر في: (1 / 2537 ط. أوروبا) في حوادث سنة 17 ه‍ ولم يخرج بقية ما ذكره الحموي بعد هذا. 2 - ومنها ترجمته لطاووس، قال: " طاووس: موضع بنواحي فارس. قال سيف: كان العلاء بن الحضرمي أرسل إليه جيشا في البحر من غير إذن عمر "... الخ. وقد أورد ياقوت من هذه القصة ما أخرجه الطبري بسنده إلى


(1) راجع تاريخ ابن عساكر 1 / 431.

[295]

سيف في: (1 / 2545 - 2551 ط. أوروبا) في حوادث سنة 17 ه‍، وأورد أيضا شعرا لخليد بن المنذر مما لم يخرج الطبري روايته. وأخرجه ملخصا في الروض المعطار. 3 - وكذلك ذكر ياقوت اسم سيف في ترجمة الجعرانة ونعمان اللتين ورد في أحاديث سيف أنهما كانتا في العراق. وقد وجدنا الحموي يذكر اسم سيف في بضعة عشر ترجمة من تراجم البلاد والاماكن التي استخرجها أو استخرج تراجمها من قصص سيف كالحمقتين. وأما الاماكن اللاتي استخرجها أو استخرج تراجمها من قصص سيف وأغفل ذكر اسم سيف فيها فكثيرة، منها: القردودة فقد قال في ترجمته: 4 - " القردودة: لما تنبأ طليحة ونزل بسميراء أرسل إليه ثمامة بن أوس بن لام الطائي: إن معي من جديلة خمسمائة فإن دهمكم أمر فنحن بالقردودة والانسر، دوين الرمل ". وقد أخرج الطبري هذه الرواية بسنده إلى سيف في رده غطفان سنة 11 ه‍ (1 / 1892) واعتمد على هذه الرواية كل من الحموي في ترجمته للقردودة، وابن حجر في ترجمته لثمامة ضمن الصحابة بينما لا نجد لها ذكرا عند غير سيف ورواته. 5 - وبما أن الحموي يورد أحاديث سيف غفلا عن ذكر اسمه فقد يوهم ذلك على القارئ أن عبارة الترجمة للحموي نفسه كما يوهم ذلك ترجمته لنهر أط، فقد قال هناك: " نهر أط: لما استولى خالد بن الوليد على الحيرة ونواحيها أرسل عماله إلى النواحي فكان فيمن أرسل من العمال أط بن أبي أط، رجل من بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم إلى دورقستان فنزل على نهر منها فسمي ذلك النهر به إلى هذه الغاية ".

[296]

وأخرج الطبري هذه الرواية عن سيف في ذكره خبر ما بعد الحيرة (1 / 2052) في حوادث سنة 12 ه‍ هكذا: " وبعث خالد بن الوليد عماله ومسالحه " إلى قوله: " وأط بن أبي أط إلى روذمستان (1) فنزلا منزلا على نهر يسمى ذلك النهر به ويقال نهر أط إلى اليوم وهو رجل من بني سعد بن زيد بن مناة "... الخ. وعلى هذه الرواية اعتمد ابن حجر في الاصابة حين قال في ترجمته: (1 / 118): " أط بن أبي أط أحد بني سعد بن بكر صحب خالد بن الوليد أيام أبي بكر واستعمله على خراج تلك الناحية فنسب نهرها إليه ". 6 - ومن هذا القبيل ما ذكره الحموي في ترجمة أرمات وأغواث وعماس. وقد أخرج الطبري بسنده إلى سيف تفاصيل قصصها في حرب القادسية. 7 - ومنها الثني، وقد أخرج الطبري قصتها بسنده إلى سيف في (1 / 2026 - 2030) في حوادث سنة 12 ه‍. 8 - ومنها ثنية الركاب، وقد أخرجها الطبري كذلك في (1 / 2648) في حوادث سنة 12 ه‍. 9 - ومنها قديس، وقد أخرجها الطبري كذلك في ذكره حرب القادسية (1 / 2230 و 2233 و 2243 و 2265 و 2288 و 2294 و 2326 و 2338). 10 - ومنها (المقر) وقد أخرجها الطبري كذلك في حوادث سنة 12


(1) لعله من غلط الناسخ والصحيح دورقستان كما عند الحموي. وأط بضم الهمزة في تاريخ الطبري ط / أوروبا وبفتح الهمزة في معجم البلدان ط / أوروبا. (*)

[297]

ه‍ (1 / 2037 و 2038). 11 - ومنها (وايه خرد) وقد أخرجها الطبري كذلك في ذكره حرب نهاوند سنة 21 ه‍ (1 / 2618 و 2625). 12 - ومنها (الولجة) بأرض كسكر وقد أخرجها الطبري كذلك في ذكره أمر الولجة من حوادث سنة 12 ه‍ (1 / 2029 - 2031). 13 - ومنها (الهوافي) وقد أخرجها الطبري كذلك في حوادث سنة 13 ه‍ (1 / 2169). هذه إلى كثير غيرها يوردها الحموي في معجم البلدان اعتمادا على قصص سيف، بينما لا نجد لها ذكرا في الكتب البلدانية الاخرى كالكتب الآتية: 1 - صفة جزيرة العرب - لابي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود المعروف بابن الحائك، المتوفي سنة 334 ه‍ (945 - 946 م). 2 - فتوح البلدان للبلاذري. 3 - مختصر البلدان - لابي بكر أحمد بن محمد الهمداني المعروف بابن الفقيه من علماء أواخر القرن الثالث الهجري. 4 - الآثار الباقية عن القرون الخالية - لابي ريحان محمد بن أحمد البيروني الخوارزمي المتوفى سنة 440 ه‍. 5 - معجم ما استعجم - لابي عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن مصعب البكري الوزير المتوفى سنة 478 ه‍. 6 - تقويم البلدان - لاسماعيل صاحب حماه المتوفى سنة 432 ه‍.

[298]

7 - ومن المتأخرين لم يعتمد كل من المستشرق لسترنج على الحموي فلم يترجم تلك البلاد في كتابه بلدان الخلافة الشرقية. 8 - وعمر رضا كحالة أيضا لم يترجم لها في كتابه " جغرافية شبه جزيرة العرب ".

[299]

14 - تحريف في سني الحوادث التاريخية - سنة فتح الابلة. تمصير البصرة. واقعة اليرموك. وقعة فحل. إرتحال هرقل من سورية. فتح بيت المقدس. طاعون عمواس. وقعات بين الفرس والمسلمين. غزوة خراسان. غزوة طبرستان. - مقارنة روايات سيف بروايات غيره.

[301]

حديث سيف وغير سيف: لم يقتصر سيف في تحريفاته على تغيير الحوادث التاريخية فحسب، وإنما حرف أيضا سني الوقائع التاريخية خلافا لما كان من الواقع التاريخي. 1 - منها ما أورده الطبري في فتح الابلة (1) في 2 / 533 - 556 (2)، فقد روى عن سيف: أن أبا بكر بعث خالدا إلى العراق فغزا أبلة، وكان المشركون قد نزلوا على الماء وحالوا بين جيش خالد والماء " فاقتتلوا وأرسل الله سحابة فأغدرت ما وراء صف المسلمين " إلى قوله: " وبعث خالد بالفتح وما بقي من الاخماس وبالفيل، فطيف به في المدينة ليراه الناس. وجعل ضعيفات النساء يقلن أمن خلق الله ما نرى ؟ ورأينه مصنوعا "... الخ، ثم قال أبو جعفر الطبري: " وهذه القصة في أمر الابلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل


(1) الابلة، بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة لان البصرة مصرت زمن عمر بن الخطاب (رض) وكانت الابلة حينئذ مدينة فيها مسالح من قبل كسرى، وقائد. معجم البلدان. (2) ط / أوروبا 1 / 2024.

[302]

السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح وإنما كان فتح الابلة أيام عمر رحمه الله وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة للهجرة ". في رواية هذه القصة حرف سيف سنة الواقعة مضافا إلى تحريفه اسم القائد والخليفة وغير ذلك مما تفرد بذكره فيها. 2 - ومنها ما ذكره الطبري في 2 / 89 (1) من تاريخه في تمصير البصرة حين قال: " وفي هذه السنة - أعني سنة 14 ه‍ - وجه عمر بن الخطاب عتبة ابن غزوان إلى البصرة، في قول المدائني وروايته، وزعم (سيف) أن البصرة مصرت في ربيع سنة 16 ه‍ "... الخ. وقد أورد ذلك أيضا ابن كثير في 7 / 47 - 48 من تاريخه، وأشار إلى اختلاف سيف مع غيره في تعيين سنة الواقعة. 3 - ومنها واقعة اليرموك (2) قال ابن كثير في تاريخه 7 / 61: " وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة هجرية في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبي معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خياط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ، وأما (سيف) بن عمر وأبو جعفر بن جرير فذكرا وقعة اليرموك في سنة 13 ه‍، وقد قدمنا ذكرها تبعا لابن جرير ". وذكر هذا الاختلاف أيضا في ص 4 منه في حوادث سنة 13 ه‍، قال: " قال ابن عساكر وهذا هو المحفوظ ".


(1) ط / أوروبا 1 / 2377 - 2378. (2) اليرموك: واد بناحية الشام في طرف الغور يصب في نهر الاردن ثم يمضي إلى البحيرة المنتنة. معجم البلدان.

[303]

وأما ما قاله سيف من أنها قبل فتح دمشق سنة 13 ه‍، فلم يتابع عليه. ولفظ ابن عساكر في تاريخه 1 / 159 هكذا: " ذكر سيف بن عمر أنها كانت سنة 13 ه‍، قبل فتح دمشق ولم يتابعه أحد على ما قاله ". 4 - ومنها وقعة فحل (1) قال ابن كثير في تاريخه 7 / 25: " وقعة فحل وقد ذكرها كثير من علماء السير قبل فتح دمشق، وإنما ذكرها الامام أبو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر "... الخ. وقال البلاذري في فتوح البلدان ص 137: " قالوا وكانت وقعة فحل الاردن لليلتين بقيتا من ذي القعدة بعد خلافة عمر بن الخطاب (رض) بخمسة أشهر "... الخ. 5 - ومنها خبر ارتحال هرقل من سورية، قال أبو جعفر الطبري في تاريخه (2) 3 / 99: " ثم خرج هرقل نحو القسطنطينية فاختلف في حين شخوصه إليها وتركه بلاد الشام، فقال ابن إسحاق كان ذلك سنة 15، وقال سيف كان سنة 16 "... الخ. وذكر هذا الاختلاف ابن كثير في تاريخه 7 / 53، وروى البلاذري رأي ابن إسحاق ص 162 من فتوح البلدان. 6 - ومنها فتح بيت المقدس، روى الطبري في (3) ج 3 من تاريخه ص 103 عن سيف كيفية فتح بيت المقدس، وذكر نص كتاب الصلح بين عمر وأهل بيت المقدس وقد جاء في آخر الكتاب: (وكتب وحضر سنة 15 ه‍)... الخ.


(1) فحل: اسم موضع بالشام كانت فيه وقعة للمسلمين مع الروم. (2) ط / أوروبا 1 / 2394. (3) ط. أوروبا (1 / 2406).

[304]

قال ابن كثير 7 / 57 من تاريخه بعد ذكره رواية سيف: " وهذا سياق سيف بن عمر وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة 16 "... الخ. ثم ذكر روايات أئمة السير الذين خالفوا سيفا فيما ذكر. وروى البلاذري بطريقه ص 164 - 165 أنها كانت سنة 16 - 17 ه‍. 7 - ومنها فتوح الجزيرة، قال الطبري (1) في تاريخه 3 / 155: " وفي هذه السنة، أعني سنة 17، افتتحت الجزيرة في رواية سيف. وأما ابن إسحاق فإنه ذكر أنها افتتحت في سنة تسع عشرة من الهجرة ". وذكر هذا الاختلاف ابن كثير في تاريخه 7 / 76. والحموي في معجم البلدان. وقد وافق البلاذري في فتوح البلدان ص 204 - 205 رواية ابن إسحاق وذكر أن فتوح الجزيرة كانت سنة 19 وما بعدها. 8 - ومنها طاعون عمواس، قال الطبري في 3 / 161 (2): " واختلف في خبر طاعون عمواس في أية سنة كان، فقال ابن إسحاق: ثم دخلت سنة ثماني عشرة ففيها كان طاعون عمواس "... الخ. ثم أورد روايات القائلين بذلك إلى ص 163 (3) حيث قال: " وأما (سيف) فإنه زعم أن طاعون عمواس كان سنة سبع عشرة "... الخ. وأورد ابن كثير تلك الروايات مفصلة في 7 / 77 - 79 وأشار إلى خطأ سيف في زعمه ص 77، وقال في ص 78: " وقد خالفه محمد بن إسحاق


(1) ط / أوروبا (1 / 2505). (2) و (3) ط / أوروبا (1 / 2517 - 2520).

[305]

وأبو معشر وغير واحد فذهبوا إلى أنه كان في سنة 18 ه‍ "... الخ. وروى البلاذري في فتوح البلدان ص 165 أيضا أن طاعون عمواس كان سنة 18 ه‍. 9 - ومنها وقعات بين الفرس والمسلمين، فقد ذكر الطبري أن سيفا قال بأنها كانت سنة 15 ه‍، وأن ابن إسحاق والواقدي قالا بأنها كانت في سنة 16 ه‍، وذكر ابن كثير هذا الاختلاف أيضا في تاريخه 7 / 60. 10 - ومنها غزوة خراسان، فقد ذكر الطبري في 3 / 244 (1) وابن كثير في 7 / 126 عن سيف أنها كانت في سنة 18 ه‍، وقال غيره: إنها كانت سنة 22 ه‍. 11 - ومنها غزوة طبرستان فقد روى الواقدي وأبو معشر والمدائني أن سعيد بن العاص غزاها في سنة 30 ه‍، وهو أول من غزاها، بينما نجد سيفا قد ذكر أن سويد بن مقرن قد صالحهم قبل ذلك وفي أيام عمر. راجع تاريخ الطبري (2) 3 / 323 وابن كثير 7 / 154 وفتوح البلدان للبلاذري 411 إلى غير ما ذكرنا من عشرات الحوادث الاسلامية اللاتي ذكرها سيف خلافا لما كانت عليه الوقائع التاريخية.


(1) ط / أوروبا (1 / 2680). (2) ط / أوروبا (1 / 2835 - 2836).

[307]

15 - خاتمة - سبب انتشار أحاديث سيف.

[309]

تتبعنا أحاديث سيف في الفتوح والردة فوجدنا من انتشارها وإهمال غيرها من الاخبار الصحاح أمرا عجبا، وما ذلك إلا لان سيفا قد وضع تلك الاحاديث كما رغب المعجبون بها أن يكون التاريخ لا كما كان. فقد وجد المعجبون بها من المسلمين ما رغبوا في أن يسمعوا عن أمراء المسلمين من طبايع ملائكية، وبطولات فذة، وكرامات معجزة خارقة لنواميس الطبيعة كانقلاب رمل الدهناء لجيشهم ماء، وماء البحار رملا، وتكليم البقر إياهم وإخبارهم بمكانها،... الخ. وقد وجدوا في تلك الاحاديث - لما أخذ على الامراء والولاة وذوي المكانة من أمور غير مستحسنة - تعليلا وبيانا يدفع عن أولئك الكرام كل نقد. وجدوا فيها أن عليا بادر إلى بيعة أبي بكر عجلا في أول يوم من البيعة ولم يتأخر عنها حتى توفيت فاطمة. وأن سعدا بايع مكرها ولم يبق ممتنعا عنها حتى قتل في منفاه بحوارين، وأن موقف خالد بن سعيد من البيعة لم يكن تأييدا لعلي وإنما كان لتمزيق عمر جبته الحرير، وأن جميع الذين قتلوا من القبائل العربية وجعلت رؤوسهم أثافي للقدور وسبيت نساؤهم لم يكن ذلك لامتناعهم عن البيعة، وإنما كان ذلك من جميعهم ارتدادا عن الاسلام، وأن صاحبة الجمل الادبب التي أخبر عنها الرسول (ص) لم تكن أم المؤمنين

[310]

عائشة وإنما هي أم زمل، وأن المغيرة بن شعبة لم ير في بيت أم جميل على أم جميل وإنما رآه الشهود في بيته على امرأة لم يتبينوها وشهدوا عليه للمنافرة التي كانت بينه وبين أحدهم، وأن أبا محجن الثقفي كان قد سجن لقوله في الخمر لا لشربه الخمر... الخ. ولعل بعض المستشرقين أيضا قد وجدوا في أحاديث سيف ما رغبوا في أن يسمعوه عن جيوش المسلمين الاولين، من إسراف في القتل، وقسوة في الحرب (1) فقد وجدوا في أحاديثه أن خالدا بقي ثلاثة أيام بلياليها في بعض حروبه يضرب أعناق أسرى الحرب ومن عثر عليه من الرعايا المسالمين، لانه آلى أن يجري نهرهم بدمائهم، وأن عدد القتلى كان ينوف على المائة ألف في غالب حروبهم، إلى غير ذلك مما يدل على أن جيوش المسلمين كانت كجيوش هولاكو غلاظ الاكبار متوحشة، وأن حروبهم كانت حروب إبادة وإفناء للبشرية. وجدوا فيها أن جميع المسلمين خارج الحرمين - مكة والمدينة - قد ارتدوا عن دينهم بعد النبي، وأنهم أرجعوا إلى الاسلام بحد السيف، إذن فالاسلام قد انتشر بحد السيف وحده (2). ووجدوا فيها أن يهوديا واحدا اسمه (ابن سبأ) استطاع أن يندس بين المسلمين ويغوي أصحاب النبي ومن تبعهم، وأن يدخل في عقائدهم ما ليس من دينهم، ويثير بعضهم على بعض ويوجههم إلى قتل الخليفة، وهم في كل ذلك مسيرون لمكر يهودي مجهول... الخ.


(1) و (2) لقد فصلنا القول عن هذا في فصل (إنتشار الاسلام بالسيف في حديث سيف) من الجزء الثاني من هذا الكتاب. (*)

[311]

لعل بعض المستشرقين وجدوا في أحاديث سيف وصف المسلمين هكذا فرغبوا فيها وبنوا أبحاثهم واستنتاجاتهم عليها ولم يبحثوا عن غيرها من الاخبار الصحاح. * * * تتبعنا أحاديث سيف في الفتوح والردة فوجدنا تأثيرها على الموسوعات العلمية التي تبحث عن صدر الاسلام عظيما، وقارنا بينها وبين غيرها من الاخبار فوجدنا الرجاليين صادقين في وصفهم إياه بالكذب، وأما اتهامه بالزندقة فذلك ما ندرسه في كتاب " خمسون ومائة صحابي مختلق " التالي لهذا الكتاب إن شاء الله تعالى، مع مناقشة أحاديثه في كتابه الآخر (الجمل ومسير علي وعائشة) الذي أورد فيه قصة عبد الله بن سبأ تعليلا لما وقع من الفتن في عصر عثمان، ودفاعا عن الولاة من آل أمية أمثال معاوية وعبد الله ابن أبي سرح، وبيانا لسبب نقمة المسلمين على بني أمية في البلاد الاسلامية. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. مرتضى العسكري

[313]

16 - ملحق - أسئلة الدكتور إحسان عباس أستاذ التاريخ بجامعة الخرطوم سابقا، وجوابنا إليه.

[315]

1 - كتاب الدكتور إحسان عباس من جامعة الخرطوم في 24 / / 1957. جاء فيه: تلقيت كتابك عبد الله بن سبأ - المدخل فسرني ما فيه من جهد صادق لمناقشة ما أسميته (أحاديث سيف بن عمر) وخاصة في المقارنات التي أجريتها بين رواية سيف وروايات غيره من المؤرخين. وقد أثار كتابك بعض التساؤل في نفسي فأحببت أن أعرضه عليك. 1 - هل تكفي إدانة أهل الحديث لسيف بأنه ضعيف متروك، لتحملنا على رفض روايته التاريخية. لقد كان لاهل الحديث مقاييسهم الخاصة في التعديل والتوثيق. أما في الاخبار فالامر لا يستدعي كل هذا التحرج، فتهمة " القول بالقدر " قد تجعلهم يجرحون شخصا ما، ويردون حديثه. إلى غير ذلك من تهم لا تضيرنا كثيرا حسب مقاييسنا الحديثية. 2 - هل من الممكن أن يكون سيف قد اختلق كل هذا ؟ أي كتب تاريخا من خياله، إن الانسان ليتملكه العجب لتلك المخيلة الواسعة، إن صح فرضك إذن.

[316]

3 - إن سيفا يؤرخ أحداثا على وجه التفصيل، والتفصيل معناه الالمام بالدقائق الكثيرة التي قد لا تجد اهتماما عند غيره وفي أثناء هذه التفصيلات يعرض لاسماء مغمورة. ولاضرب لك مثلا خذ كتاب فتوح البلدان للبلاذري وقارنه بكتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم، والثاني مخصص والاول عام. هل كل ما يورده ابن عبد الحكم - وهو ثقة عندي وعندك - يرد عند البلاذري ؟ كيف إذن نعرض عمل ابن الحكم على كتاب البلاذري ؟ وأعتقد أن شأن سيف قريب من هذا. فقد كان يحاول كتابة موسوعة تفصيلية للاحداث ولا يقتصر على ملخص عام، فهو يهتم بما يفوت غيره عمدا أو سهوا. ولست في حل من عرض كتاب سيف على الكتب التي تهتم بالطبقات كطبقات ابن سعد، ولا على كتب متأخرة كاسد الغابة والاصابة إلا للاستئناس بها ولارى كيف تدور فيها رواية سيف. ولكني أعرض على رواية أبي مخنف مثلا أو على رواية الآخرين من رواة الطبري، قبل كل شئ، واستكشف سبب تفرده، حين ينفرد برواية ما، فقد لا يكون الخيال هو العامل الوحيد في هذا التفرد، ولا الدفاع عن الناس الكبار الذين لحقهم لوم من بعض الاحداث التاريخية. 4 - ماذا تقول في سيف حين تتفق روايته مع روايات أخر لرواة آخرين ألا يزال في نظرك وضاعا قصاصا ؟ خذ مثلا هذه الرواية التي أظنها لم ترد عند الطبري: " وروى سيف عن عمر (رضي الله عنه) عن عبد الملك ابن جريج عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلت لعمر استخلف. ما تقول لربك إذا قدمت عليه وقد تركت أمة محمد (ص) لا راعي لها ؟ فقال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من

[317]

هو خير مني... الخ " هذا نص ما نقله ابن أبي بكر عن سيف، وإذا رجعت إلى ابن سعد ج 3 / 1: 248 وجدت الرواية نفسها بطريق أخرى. لقد كنت أرجو - وأنت تحاكم الروايات - أن تبين إن كان سيف يرفض كله أو يقبل جزء من روايته. 5 - نسبت إلى سيف التحريف في سني الحوادث التاريخية - وكلمة تحريف توحي (بالتعمد)، والاختلاف في سني الحوادث مما لا ينفرد به سيف عن غيره من الرواة، ولعلك لو رجعت قليلا إلى رواة المغازي كموسى بن عقبة وابن شهاب الزهري والواقدي وابن إسحاق، لوجدت بينهم اختلافا كثيرا في تعيين سنوات المواقع الحربية والسرايا، وإذا تقدمت قليلا في الزمن فأرجو أن تقرأ في الطبري عن فتح دمشق - حسب الروايات المختلفة - وعن الفتوحات في ديار الشام عامة، ولا أخالك تعتقد بعد ذلك أن سيفا كان يعمد إلى تحريف التاريخ الزمني. خذ مثلا حادث طاعون عمواس. فقد قال ابن إسحاق وأبو معشر إنه كان في سنة 18 وقال سيف إنه كان في سنة سبع عشرة - إن بعضا من الاختلاف نشأ أولا من البدء بالسنة الهجرية فقد جعل عمر البدء بها في المحرم في حين أن هجرة الرسول تمت في عشر ربيع الاول، فإذا قال مؤرخ إن الحادثة الفلانية حدثت سنة 17 وقال الآخر حدثت سنة 18 فالفرق بينهما هو هذه الاشهر، لان بعض الرواة تمسك بتاريخ الحوادث ابتداء من هجرة الرسول. أي لو أن حادثة ما وقعت في المحرم أو صفر لاستطاع واحد أن يقول إنها حدثت سنة 18 مثلا واستطاع الآخر أن يقول إنها حدثت في الشهر الاخير من سنة 17 أو قبله. كما أن بعض الاختلافات الاخرى في التواريخ الزمنية له أسبابه التي لا تتصل بسوء النية. ثم إذا خالف سيف غيره من الرواة في هذا فلم يكن هو مخطئا

[318]

وغيره مصيب ؟ لا بد من المناقشة التحليلية لكل حادثة، والاخذ بالاشد الاقوى. 6 - كنت أحب أيضا أن تتعرض للاسانيد التي يستعملها سيف في نقل روايته فهل ترى فيها مغمزا ولم ؟ لعل البحث يهدي إلى شئ جديد يقوي رأيك. هذا ما عن لي في هذه اللحظة بعد أن انتهيت من قراءة كتابك. وأنا أرجو أن تعتبرني مستفهما حائرا لا ناقدا متعنتا، وكلنا يحب بلوغ الحقيقة فعندها يوجد الاطمئنان النفسي. وعليك السلام ولك مني كل تقدير المخلص: إحسان عباس 2 - جوابنا إليه من الكاظمية العراق، جاء فيه: تلقيت كتابك المؤرخ 24 / 1 / 1957 وسرني ما فيه من نقد ومناقشة لكتابي (عبد الله بن سبأ) وذلك لما في النقد النزيه من تنبيه للكاتب إلى ما غفل عنه وتوجيه له إلى ما فيه إكمال البحث وإتمام الفائدة وأنت في نقدك الكتاب تشاركني في ما أبذله من جهد وتشركني في مطالعاتك وأتعابك فشكرا لك من عالم يؤدي واجبه تجاه أخيه. وأما ما تفضلت به من إبداء الملاحظات فقد سألت أولا: هل تكفي إدانة أهل الحديث لسيف بأنه ضعيف متروك لتحملنا على رفض روايته التاريخية وأهل الحديث يجرحون الشخص

[319]

بتهمة القول بالقدر مثلا ؟ فأقول: لا، فإنا لا نأخذ جل أقوال أهل الحديث في الجرح ولا نرفضها جملة، وإنما ننظر في تجريحهم فإن وجدناهم يجرحون شخصا ما مثلا دون أن يذكروا سببا لذلك توقفنا عن الاخذ برأيهم، وإذا رأيناهم يصرحون بعلة التجريح نظرنا إلى ما ذكروا من علة، فإن وجدناهم يقولون فيه: " مرجئ، يترك حديثه " " شيعي، متهم بالرفض "، " ضعيف، لقوله بخلق القرآن "، " متروك لترويجه أقوال الفلاسفة " فهناك لا نأبه بما ذكروا من أمثال هذا التجريح. وأما إذا ما وجدناهم يقولون في التجريح أمثال قولهم: " وضاع " " مدلس " " كان يضع الحديث وينسبه إلى مجهولين " وما أشبه ذلك، ولم يكن الجارح والمجروح متعاصرين متنافسين، ولا مختلفين في المذهب كالاشعري والمعتزلي مثلا فليس لنا أن نترك قولهم هذا بحجة اختلافنا وإياهم في غيرها من علل التجريح. وعلى هذا ذكرت أقوال أهل الحديث في سيف فإنهم قالوا فيه: " كان يضع الحديث " " يروي الموضوعات عن الاثبات "... الخ وكان القائلون فيه بذلك من شتى طبقات أهل الحديث في القرون التي جاءت بعده. على أني لم أكتف بقول أهل الحديث فيه فحسب وإنما قمت بمقارنات تفصيلية لاحاديثه انتهيت فيها إلى تصديق أقوال أهل الحديث فيه. ثم تفضلت في ملاحظتك الثانية فقلت: هل من الممكن أن يكون سيف قد اختلق كل هذا ؟ فأقول: وما المانع منه وأنت نفسك تقول ذلك في جرجي زيدان

[320]

وقصصه، والحريري ومقاماته، وواضعي قصص عنترة وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، إلى غيرها من آلاف القصص الادبية والحكمية مما أبدع فيها القصاصون والادباء في كل لسان، وخلقوا من خيالهم الخصب شخصيات وأبطالا لا وجود لها. وما المانع من أن يكون سيف كأحد هؤلاء ؟ ولا غرابة في ذلك، وإنما الغرابة في اعتماد بعض المؤرخين على قصص سيف وترك غيرها من الروايات الصحيحة. على أنه لا غرابة في ذلك أيضا بعد أن عرفنا دافعه إلى ذلك. وذكرت ثالثا ما ملخصه أن سيفا يؤرخ أحداثا على وجه التفصيل والبلاذري على وجه الاجمال، وشأنه في ذلك شأن فتوح مصر لابن عبد الحكم بالمقارنة إلى فتوح البلدان للبلاذري، والاول مخصص والثاني عام، والمخصص الذي يفصل يتعرض لذكر أسماء مغمورة فكيف يحمل عمل هذا على عمل ذاك ؟ فأقول: وكيف يجوز قياس فتوح سيف بفتوح ابن عبد الحكم مع وجود الفارق البعيد بينهما ؟ فبينما نرى أولا أن علماء الحديث وصفوا ابن عبد الحكم بقولهم لا بأس به، صدوق، ثقة، عالم بالتواريخ، إلى أمثال ذلك ولم يطعن فيه أحد، نجدهم يطعنون في سيف ورواياته وممن طعن فيه: ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود والدارقطني، وابن عدي، وابن حبان، والبرقاني وابن عبد البر والذهبي، وابن حجر، والسيوطي، والفيروز آبادي، والزبيدي. وثانيا: نرى البون في كتابيهما شاسعا، أما فتوح مصر فقد أرخ ابن عبد الحكم فيه ما يخص مصر قبل الاسلام وبعده. ولا يحاسب مؤرخو المسلمين عما دونوه من تواريخ قبل الاسلام لانهم قد منوا بها من غيرهم

[321]

وأغلب مصادرهم في ذلك إسرائيلي، وإنما يحاسبون عما كتبوا فيما يخصهم من تاريخ الاسلام، وهناك ينقسمون شيعا، فمنهم من يتحرى الحقائق فيما يكتب، ومنهم من ينجرف مع عاطفته فيزيد وينقص ويبدل، ومنهم من لا يفعل ذلك ولكنه يتحرى الاخبار التي تلائم هواه فإذا وجدها عند من زيد ونقص وغير وبدل رواها عنه تعمدا، ومنهم من يروي عن هؤلاء غفلة. وابن عبد الحكم إذا ما حاسبناه على ما دونه من التاريخ الاسلامي وجدنا علماء الحديث صادقين في حقه، فإنه ممن تحرى الحقائق في ما سجله عن تاريخ مصر الاسلامي وإذا ما قارناه بفتوح البلاذري وجدنا الفارق بينهما التفصيل والاجمال كما ذكرت وليس كذلك شأن سيف، وما أخذناه عليه في - عبد الله بن سبأ - نوعان: منها ما حرفه وقلبه كذكره عن علي بأنه كان في بيته إذ أتي فاخبر بأن أبا بكر جلس للبيعة فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه، ثم جلس وبعث إلى ثوبه فأتي به فتجلله ولزم مجلسه. بينا نرى الطبري نفسه يروي بعد ذلك أن عليا بقي ستة أشهر هو وبنو هاشم لم يبايعوا حتى توفيت فاطمة (1) ونرى الرواية بذلك في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما من الكتب عدا من أورد رواية سيف. وكذلك شأن ما ذكره في بيعة سعد بن عبادة (2) وكذلك شأن ما قاله في تخلف خالد بن


(1) راجع ص / 94 من عبد الله بن سبأ روايته أنه بايع في يومه وص / 141 - 142 منه أنه بقي ستة أشهر. (2) في ص / 95 من عبد الله بن سبأ رواية سيف وفي ص / 159 - 162 رواية غير سيف.

[322]

سعيد الاموي عن البيعة (1) وكذلك ذكره أم زمل بدلا من أم المؤمنين في قصة نباح كلاب الحوأب (2) وكذلك ما ذكره عن قصة زناء المغيرة بن شعبة (3) في كل هذا يورد الطبري رواية غير سيف، كما يورد فيها رواية سيف التي ذكر الواقعة محرفة. والنوع الثاني مما أخذناه عليه هي القصص التي دسها سيف في التاريخ الاسلامي ولم يكن لها وجود قبل أن يضعها سيف، أو أنه زاد فيها إلى حد بعيد. ومن ذلك ما ذكره في قصة العلاء بن الحضرمي من فيض الدهناء له ماء وعبور جيشه على الصاهل والحامل والشاحج والناهق، الراكب والراجل بحرا مسافة يوم وليلة في سفن البحر يجتازون على مثل رملة ميثاء فوقها ماء يغمر أخفاف الابل، وما ذكر فيها تبعا لذلك من إسلام الراهب الهجري إلى بشارة أبي بكر للصحابة بذلك (4). ومنها تكليم الابقار يوم الاباقر عاصم بن عمرو من جيش سعد (5). ومنها يوم الجراثيم قال فيه: أنهم عبروا دجلة ما يزال فرس يستوي قائما إذا أعيى ينشز له تلعة فيستريح عليها كأنه على الارض (6). ومنها ما ذكره عن الاخوين القعقاع وعاصم (7) ومنها قصة الصحابي


(1) في ص / 165 من عبد الله بن سبأ رواية سيف وفي ص / 157 رواية غير سيف. (2) في ص / 213 من عبد الله بن سبأ رواية سيف وفي ص / 214 رواية غير سيف. (3) في ص / 231 - 232 من عبد الله بن سبأ رواية سيف. (4) عبد الله بن سبأ ص / 203 - 207. (5) عبد الله بن سبأ ص / 255. (6) عبد الله بن سبأ ص / 258 - 259. (7) ترجمتهما في كتاب خمسون ومائة صحابي مختلق ط: 1، ج 1 / 67 - 128 و 131 - 158.

[323]

الجني عثيم (1) ومنها تكلم أطلال فرس بكير عندما قال لها: ثبي أطلال فقالت: وثبا وسورة البقرة (2) إلى غير ذلك. ومن اللاتي زاد فيها إلى حد بعيد ما ذكره عن قتل جيوش المسلمين مئات الالوف من الاعداء. وقد ذكر أن خالدا قتل منهم صبرا ثلاثة أيام بلياليها لانه كان آلى أن يجري نهرهم بدمائهم (3) إلى غير هذه التهويلات اللاتي اخترعها سيف لغرض في نفسه. فأي هذين النوعين نصدق سيفا في ما ذكره ؟ أفي الذي حرف فيه الواقعة دفاعا عن الشخصيات الكبرى ؟ مع أن الطبري نفسه حكى عن رواة آخرين ما يخالف سيفا. أم النوع الثاني من قصصه والمشابهة لخرافات العجائز ؟ وهل يعد هذا من باب التفصيل والاجمال، أم من باب التهويل والتحريف ؟ وأين فتوح سيف من فتوح ابن الحكم المبرأة عن المغالات والتهويل ! ! ! وأما ما ذكرت من أن المخصص يتعرض لذكر أسماء مغمورة مما لم يتعرض لذكرها العام. فأقول: وهل تحسب من سماه سيف بالقعقاع وعاصم ابني عمرو من المغمورين ؟ وسيف يذكر أن قعقاعا هذا كان من صحابة الرسول وقد حدث عنه أنه كان ممن حضر يوم السقيفة، وأمد به أبو بكر خالدا وقال فيه: لا يهزم جيش فيه مثل هذا، فساهم في حروب خالد بالعراق، واستأثر به خالد


(1) راجع المصدر السابق. (2) راجع المصدر السابق ترجمة القعقاع. (3) عبد الله بن سبأ ص 317 وراجع فصل " إنتشار الاسلام بالسيف " في ج 2 منه.

[324]

حينما ذهب لنجدة الغزاة بسورية. وكان سبب فتح دمشق تسلق القعقاع وصاحبه سورها، ثم رده عمر إلى العراق لامداد سعد في حرب القادسية ففقأ عين الفيل الابيض، وانتصر المسلمون بما فعله في الايام التي ذكرها سيف: الاغواث، وعماس، وأرماث، ووصفه سعد لعمر بأنه أفرس المحاربين، ثم أرجعه عمر إلى الشام لامداد المسلمين في اليرموك. وبعد انتصار المسلمين رجع إلى العراق ثالثا واشترك في حرب نهاوند، واستطاع أن يجلب الفرس من مدينتهم المحصنة إلى العراء. وبعد هذه الفتوحات عينه الخليفة عمر على الحامية في الحدود، فكان الخليفتان أبو بكر وعمر يدفعان قعقاعا لكل كريهة. وأما عثمان فقد عينه على الحرب في الكوفة وبقي على إمارته عليها حتى تارث السبئية على عثمان فاجتهد في تهدئة الثورة. فلما أخفق وحوصر عثمان خف على رأس جيش لنجدته، غير أن عثمان قتل قبل وصول النجدات، فعاد القعقاع إلى الكوفة. وفي عصر علي كان هو الذي استطاع أن يوجه أهل الكوفة إلى اللحاق بعلي في حرب الجمل، ثم نجح في سفارته للصلح بين علي وعائشة ومن معها - طلحة والزبير - لولا إشعال السبئيين الحرب غلسا دون علم غيرهم. ولما قامت الحرب هو الذي أنهاها بعقر جمل أم المؤمنين وهو الذي أعلن لجيش عائشة أنهم آمنون. وفي عصر معاوية كان ممن نفاه معاوية من الكوفة إلى إيليا بفلسطين لانه كان من المختصين بعلي. وأما أخوه عاصم فقد ذكر سيف أنه سار مع خالد في سنة 12 من

[325]

اليمامة إلى العراق، وذكر له بطولات كفق ء عين الفيل وندب الخليفة عمر إياه لنجدة العلاء بفارس، وأنه الذي كلمته الابقار. ودفع إليه عمر لواء سجستان ثم استعمله واليا على كرمان فبقي واليا عليها حتى توفي سنة 29. وقد ذكر لكل من البطلين أشعارا وأقوالا مضافا إلى ما نسب إليهم من مكارم الافعال، أفتحسب هذين البطلين الاخوين من صحابة الرسول - على حد تعبير سيف - من المغمورين. مع ما ذكر لهما سيف من البطولات وتأمير الخلفاء إياهما في الحرب والسلم وما روى عنهما من الاشعار ؟ وهل ذكر لخالد بن الوليد من البطولات أكثر مما نسبه سيف إلى القعقاع ؟ وكيف لا يجري ذكرهما إلا في روايات سيف ؟ وقد قارنت ما رواه الطبري في حوادث سنة 11 - 29 ه‍ عن سيف مع ما رواه من الرواة الآخرين في تلك المدة، وكذلك قارنت ما رواه ابن عساكر في ج 1 وج 2 عن سيف وغير سيف فلم أجد لهذين البطلين ذكرا عند ابن شهاب المتوفى (124 ه‍) وموسى بن عقبة (ت 141 ه‍) وابن إسحاق (ت 152 ه‍) وأبي مخنف (ت 157 ه‍) ومحمد بن السائب (ت 146 ه‍) وابن هشام (ت 206 ه‍) والواقدي (ت 207 ه‍) والزبير بن بكار (ت 247 ه‍) وغير هؤلاء الرواة ممن روى عنهم الطبري وابن عساكر عشرات الروايات في نفس الحوادث التي ذكر سيف اسمهما فيها. وقد اقتصرت في ما ذكرت إلى هنا على المقارنة بين ما رواه الطبري عن سيف وغير سيف وراجعت تاريخ ابن عساكر للاستئناس، لما فهمت من ملاحظتك الثالثة برغبتك في الاقتصار على تاريخ الطبري في المقارنة، غير أني لا أقرك على ما ذهبت إليه - إن كان هذا رأيك -.

[326]

فلماذا لا نرجع إلى طبقات ابن سعد في خصوص القعقاع وعاصم إلا للاستئناس على حد قولك ؟ أليس ابن سعد يترجم للصحابة والتابعين والعلماء الذين سكنوا الكوفة ؟ وهذان البطلان حسب ما ذكره سيف كانا من أبطال الكوفة. ولما لا نرجع (إلى الاصابة) إلا للاستئناس أيضا، وابن حجر يأخذ من فتوح سيف مباشرة ؟ ولماذا لا نرجع إلى الاستيعاب واسد الغابة والتجريد لنقرأ تراجم الصحابة الذين استخرجوا أسماءهم من أحاديث سيف، أليست هذه الكتب مخصصة لتراجم الصحابة ؟ ولم لا نرجع إلى تاريخ ابن عساكر وهو الموسوعة الكبرى التي يروي فيها كل ما استطاع أن يجمع من روايات سيف وغير سيف في كل موضوع يكتب عنه ؟ ولم لا نرجع إلى الرومي في (معجم البلدان) للبحث عما يرويه عن فتوح سيف، وكانت لديه نسخة من الفتوح مصححة بخط ابن الخاضبة، ثم نراجع غير الرومي من البلدانيين لنقارن بينهما ؟ ولماذا لا نرجع إلى غير هذه من الكتب التي تتعلق بموضوع البحث ؟ ولماذا أحصر مقارناتي برواة الطبري فقط ؟ وأنا أتهم الطبري بأنه تعمد في تركه الروايات الصحيحة، أليس هو الذي يقول بترجمته لابي ذر في ذكر حوادث سنة 30 ه‍: " وفي هذه السنة أعني سنة 30 كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، وقد ذكر في سبب اشخاص إياه منها أمورا كثيرة كرهت ذكر أكثرها. فأما العاذرون

[327]

معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب بها إلي السري يذكر أن شعيبا حدثه عن سيف " (1)... الخ. وهذا هو سبب رجحان تاريخ الطبري لدى من جاء بعد الطبري ووثوقهم به. راجع مقدمة تاريخ ابن الاثير عند ذكره خبر أبي ذر سنة 30 ه‍. وكذلك ابن كثير في 7 / 246 من تاريخه، وابن خلدون في آخر ذكره أمر الجمل ومن بعده في صلح الحسن لمعاوية. هذا هو شأن الطبري ومن أخذ عنه، فكيف أحصر مقارناتي في روايات الطبري فقط ؟ وقلت رابعا: ماذا تقول في سيف حين تتفق روايته مع روايات أخرى، ألا يزال في نظرك وضاعا قصاصا ؟ إلى قولك لقد كنت أرجو وأنت تحاكم الروايات أن تبين إن كان سيف يرفض كله أو يقبل جزء من روايته. فأقول: لا شأن لقصص سيف التاريخية عندي أكثر من كتاب ألف ليلة وليلة عندما يورد قصصا عن عهد الرشيد. فأنا لا أدرسها كنص تاريخي يروي لي وقائع عصر الرشيد، وإنما أدرسها كأدب قصصي ممتع أقتل السأم والفراغ بقراءته، نعم قد أدرس في تلك القصص شخصية القصاص، ومستوى أفكار معاصريه، ومدى تطور المدنية في عصره إلى غير ذلك مما لا يمت إلى مدلول القصة وما وضع لاجله بسبب. وهكذا شأني في دراسة قصص سيف، فإني أدرك من أسلوب القصة أن القصاص الوضاع كان يحتاج آنذاك إلى وضع أسانيد لقصصه ينتهي


(1) الطبري 4 / 66.

[328]

بسلسلتها إلى عصر الحادثة التي يقص عنها، ولم يكن عصره كعصر جرجي زيدان الذي لم يكن يحتاج القصاص فيه إلى وضع سند لقصصه التاريخية. هذا هو شأن روايات سيف عندي، وأما إذا ما وجدت الرواية بطريق أخرى فإني أنظر إلى الثانية وأبحث فيها فإما أن أقبلها على حساب الرواة الآخرين، أو أرفضها لعلة فيها. وذكرت خامسا: " إني نسبت إلى سيف: التحريف في سني الحوادث التاريخية، وكلمة التحريف توحي بالتعمد والاختلاق في سني الحوادث مما لا ينفرد به سيف ". فأقول: إن صح أن غير سيف من الرواة أيضا قد يختلفون في تعيين سني الحوادث التاريخية، لكن ذلك غير مطرد لديهم كاطراده عند سيف وحده، هذا بالاضافة إلى انا لم نجد عند أحدهم ما وجدناه عند سيف من الدس والوضع والتحريف في ما يرويه من القصص التاريخية تعمدا، فعطفنا الموارد التي قد خالف فيها سيف جميع الرواة في تعيين سني الحوادث التاريخية أيضا على تعمده في قلب الحقائق التاريخية التي رواها. وأما ما ذكرت من أن بعض الاختلافات الزمنية قد يكون لها أسباب مما لا تتصل بسوء النية، فأقول: قد يستطيع حسن الظن بسيف أن يحمل بعض ما خالف به سيف جميع الرواة على غير سوء النية، إلا أن هناك موارد لا يمكن حملها على غير سوء النية مهما حاول حسن الظن به أن يفعل ذلك. خذ مثلا ما أورده الطبري في ذكره حوادث سنة 12 ه‍، عن فتح الابلة في (4 / 5 - 6) (1) من تاريخه. فقد روى عن سيف أن أبا بكر بعث


(1) ط / أوروبا (1 / 2024).

[329]

خالدا إلى العراق وأمره أن يبدأ بفرج أهل السند والهند وهي يومئذ الابلة إلى قوله ما ملخصه: " ولقي المشركين وكانوا قد اقترنوا في السلاسل كي لا ينهزموا وكان الماء في أيديهم وقدم خالد عليهم فنزل على غير ماء فاقتتلوا، وأرسل الله سحابة فأغدرت ما وراء صف المسلمين فقواهم بها. وما ارتفع النهار وفي الغائط مقترن فسميت ذات السلاسل. وبعث خالد بالفتح وما بقي من الاخماس وبالفيل إلى أبي بكر فطيف به في المدينة ليراه الناس. وجعل ضعيفات النساء يقلن أمن خلق الله ما نرى ؟ ورأينه مصنوعا فرده أبو بكر مع زر ". ثم قال الطبري بعد ذلك، وهذه القصة في أمر الابلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير، وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح. وإنما كان فتح الابلة أيام عمر وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة. ثم أورد في ذكره حوادث سنة 14 ه‍، في 4 / 148 - 152 من غير روايات سيف ما ملخصه: إن عمر قال لعتبة إني استعملتك على أرض الهند، فسار عتبة فنزل دون الاجانة فأقام نحوا من شهر، ثم خرج إليه أهل الابلة فقاتلهم وولوا منهزمين وخرجوا عن المدينة فدخلها المسلمون فبعث عتبة إلى عمر بالفتح وبالاخماس. فانظر - رعاك الله - إلى سيف كيف يحرف حادثة وقعت في عصر عمر وعلى يد قائده عتبة فيجعلها في عصر أبي بكر وعلى يد خالد بن الوليد، وإن الاختلاف ليس في ضبط سنة الحادثة فقط كي نستطيع لتحريفه توجيها. هذا مضافا إلى أن سيفا قد زاد في ذكر هذه الواقعة نزول خالد

[330]

وجيشه على غير ماء وإرسال الله إليهم سحابة تغدر ما وراء صفهم فيقوى بها المسلمون وكأني بسيف قد أراد أن يأتي لهذا الجيش ما ذكر الله لنبيه في غزوة بدر في قوله تعالى من سورة الانفال: * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام) * (1). وزاد فيها أن خالدا أرسل فيلا مع الاخماس ليراه أهل المدينة فطيف به فجعل ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق الله ما نرى ؟ ورأينه مصنوعا، ولعمر الحق إنه مصنوع ! صنعه سيف بن عمر غير أنه لم يبرع في صنعه هذا، ولا أدري كيف ذهب عنه أن عرب الحجاز كانوا قد شاهدوا الفيل في جيش أبرهة وسار بوصفه الركبان في كل واد ووصفه السمار في كل ناد، وإن النساء ولا أدري كيف ذهب عنه أن عرب الحجاز كانوا قد شاهدوا الفيل في جيش أبرهة وسار بوصفه الركبان في كل واد ووصفه السمار في كل ناد، وإن النساء المسلمات كن يتلون في قرآنهن: * (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل) * (2). ولا أدري لماذا وضع سيف ما وضع في هذه القصة ؟ ! هل أراد أن يضع ما ذكره الله لنبيه، أم أراد أن يرفع من شأن خالد ويذكر له من الفتوح والبطولات والكرامات مما يرأب به صدعه لما وجده ناقما على صرفه من العراق إلى الشام وحرمانه من فتوح فارس، أم أراد أمرا آخر غير هذا وذاك ؟ ! ! وأما ما ذكرت سادسا من رغبتك في تعرضي للاسانيد التي يستعملها


(1) الآية 11 من سورة الانفال. (2) الآية 1 - 2 من سورة الفيل.

[331]

في روايته. فأقول: إذا ما انتهينا في بحثنا عن رواية سيف إلى أنه قد تفرد في رواية ما يرويه ووجدناه ينسبها إلى أحد الرواة، أفيجوز لنا عند ذاك أن نحمل وزر تلك الرواية على من ينسبها إليه. أرجو أن أسمع رأيك في هذا، فعلي أن آخذ به في ما يأتي من أبحاث الكتاب (1). وأختم كتابي إليك بتقديم الشكر لك والثناء عليك والسلام. مرتضى العسكري


(1) لقد أخذنا برأيه في دراساتنا لحديث سيف أخيرا. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية