الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




المباهلة- السيد عبدالله الحسيني

المباهلة

السيد عبدالله الحسيني


[1]

عبد الله الحسيني المباهلة فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " قرآن كريم " قدم له الكاتب القدير السيد صدر الدين شرف الدين الموسوي مطبوعات مكتبة النجاح طهران الطبعة الاولى 1366 ه‍ - 1947 م بغداد الطبعة الثانية 1982 - 1402 جدول الخطأ والصواب في الكتاب بعض الاغلاط التي يدركها القارئ ندرج اهمها بهذا الجدول الذي حاولنا جهدنا ان نستغني عنه فلم نتمكن.

[2]

الاهداء بسم الله الرحمن الرحيم يا رسول الله هذه آجال تمر علي يوم المباهلة - ذلك اليوم الذي شع منه نور للاسلام وانبعثت في الافاق متألقا منيرا - والناس لاتكاد تحس بمروره حتى ان بعض الناس لا يعرفون عنه شيئا أو انهم شاءوا ان لا يعرفوا عنه شيئا. ان هذا شئ يغيضك ولابد. فأنك قد أوضحت بيومك ذاك طريقا لاحبا سويا لو سار عليه المسلمون لكانوا على خير عظيم. وان يومك ذاك قد أهلتة ليكون عيدا من أعظم اعياد امتك ويوما من اكبر الايام واكرمها. لقد مر الناس علية مرورا عابرا.. ولكن علما من أعلام أمتك وحملة مواريثك وفرعا من دوحك الضاربة في السماء وأعني به الامام السيد عبد الحسين شرف الدين وهو احد اولئك الذين خلفتهم للسير بامتك على الطريق الذي رسمتة ولينهجوا بها على الصراط الذي نهجته. قد رفع صوته في يوم من الايام داعيا لاذاعة فضل هذا اليوم المبارك في الناس واخراج قصة مؤتمر نجران ليعرفوه وها أنى طلبا لرضائكم وآجابة لنداء شبلكم وحامل لوائكم اتقدم بمجهودي الضئيل هذا فارفعة بكلتا يدي الى سدتكم الرفيعة راجيا منكم القبول ومن شبلكم الرضاء عبد الله السبيتي

[3]

المقدمة بقلم: السيد صدر الدين شرف الدين اننا نقرأ الان كتابا جديدا للعلامة السبيتي، وما ادري اين يقع رقم هذا الكتاب من السلسلة التي افرغها مؤلفه في بضع سنين أهو الكتاب الخامس ؟ أم هو الكتاب السادس ؟ ما ادري ولا يهمني ان ادري ولكن الذي اهتم به من هذا انه يدلني على ان للشيخ عبد الله بلاءا حسنا في ميادين البحث وجهدا متواصلا في مجالات العلم يتجاوز به صفوف المتخلفين من رجال الدين المطمثين الى دعة الفتور المفتونين بحب السلامة ويشمر به بعيدا حيث يشارك بالحياة ويساير مواكبها السائرة نحوا من المشاركة والمسايرة اقل ما يثبت له انه جندي يجد من ايمانه ووعيه صارفا عن الفرار من الساحة ووازعا يأبى له تسليم " البدل " أو التماس المعاذير. واعظم بهذه مزية قبل ان تعرف ما وراءها من شمائل الفروسية في هذا الجندي النامي وقبل ان نستوثق من سلامة عدته وجدة سلاحه في اداتي التفكير والتعبير اللذين يسموان بالايمان سموا يتقاوت بنسب الهبات والثقافات من نفوس هؤلاء المجاهدين في العلم والحياة. هذه ميزة.. الرجل دائب في غير فتور، ماض في غير تقهقر.

[4]

وكثيرون من رجال العلم فاترون دائبون على الفتور متقهقرون ماضون في التقهقر في حال تنذر بوخامة العاقبة التي ينظرون إليها كالمكتوب المهم يستهول عمق الهوة دون ان يفكر بوسيلة تحميه من هول الانحدار. وافضل ما يوضح ميزة الشعور بالواجب أن يمضي الرجل منا في قوم واقفين ان لم نقل في قوم راجعين. ولا يصح اعتبار هذه الميزة ميزة - كما هو واضح - إلا حين يستمد بحث الباحث في التاريخ والمسائل النظرية القديمة من الحياة الحاضرة جدة في تبسيط الموضوع واسلوب عرضه على نحو يحيه احياء يلائم مناحي التفكير الحاضر. وقد عرفنا رجالا مكثرين لا يغنيهم الا كثار شيئا وراء تضييع الايام في انفاقها على نسخ كتب قديمة ينشرونها من اجداثها كما تنشر العظام البالية من اجدلتها مشوهة شائهة دون ان يسبلوا عليها رداء أو يكسوها بعمل فني حديث يجعل نشرها عملا مشروعا. فنحن حين نسجل للشيخ عبد الله ميزة في مؤلفاتة المستمدة من الفكر الاسلامي وتاريخه نحافظ على الدقة بالتعبير ونلمح به الى صنعه الخاص في ابحاثه التي يلبسها من فكره وجهده ورأية ما يشفع بالعودة إليها باعتبارها فكرة متصلة بحياتنا اتصالا مركزا بنظر المتجردين الاحرار. ولي كلمة احب ان اقولها في هذا السياق بهذه المناسبة وهي ان - التاريخ - باشمل مداليله - من كل امة جزء من حاضر كل امة والعودة إليه عمل لاغناء عنة في بناء النهضات أو ضع استمرارها. وعلى ذلك فمعالجوه طبقة لابد منها حين توزع اعمال الحياة الحاضرة لان حذفها حذف لحلقة من

[5]

حلقات الحيات الحاضرة الاساسية. ولكن يجب اختيار هذه الطبقة اختيارا على اساس الشروط الصحيحة لهذه البحوث ليصبح وجود هذه الطبقة مصادفا موقعة من التضامن مع الحياة وطريقة البحث واسلوب التفكير وصحة الضمير وحسن الانتقاء كل اولئك من الشروط أما النقل الصرف دون تحقيق ولا تعليق أو معهما تافهين غثيثين - أما ذلك فثرثرة ميسرة لطلب الشهرة فقط وذلك من اعباثنا التي يجب ان نتخفف منها ونتحرر ممن يحملنا اياها بصراحة وشجاعة وبعد فهذا كتاب يبحث في آية قرآنية كريمة كانت ولا تزال موضعا للاخذ والعطاء بين المسلمين. وكثرة الرد والبدل بمجردها في هذه الاية الكريمة تدل على انها ذات اثر بالغ في الحياة الواقعة التي لن تتغير ما دام للاسلام لواء يخفق، وما دام اسم محمد ينطلق في الفضاء البعيد والافق الواسع. تذيعه منائر الدين الحنيف كل يوم ثلاث مرات. أما الاية التي اختص بها هذا الكتاب فهي آية المباهلة. وهي من الايات الفواصل في مراحل الاسلام وادوار نشئه ولعظيم اثرها هذا كانت مدار بحث طويل بين المفسرين والفلاسفة من اعلام المسلمين حتى اليوم ذلك لانها قاعدة من قواعد الامامة التي شقيها السياسة متجنية على المفكرين والعلماء منذ تحكمت مطامع السياسين باصول الدين تخضعها لاهوائهم وتسيرها برغباتهم حتى جعلتها آخر الامر اداة للاقطاع والاثراء والارهاب على نحو ما عرفناه في اكثر ادوار الحكم الاسلامي منذ صدوره، الامر الذي اورده الخاتمة المعروفة. ولا اريد ان اشارك المؤلف بتأليفه بهذه الكلمة فذلك جهد قد لا

[6]

يقنع مني بالقليل من وقتي الضيق. بل ذلك تجن على المؤلف في جهد انفق فيه ليالى طوالا وخرج منه موفقا توفيق الباحث العصري الامين. فجاءت دراسته مستوفية لعناصر الدراسات الحديثة القيمة. قائمة على اصول البحث الجديد. فالكتاب صدى لرغبة تقدم بها إليه في احياء (قصة المباهلة) المطمورة في كتاب قديم بعد ان كان متحفزا لاحياء هذه القصة اخذا بنصيحة (الكلمة الغراء) (1). اذن فاساس الفكرة تجديد طبع (رواية قديمة) وتحقيقها في مذهب من مذاهب النشر الحديثة النافعة، غير انه بدأ له ان يلقي بين يدي (الرواية القديمة) كلمة تجمع بين التحقيق والايضاح ثم توسعت الكلمة فكانت بحثا يفصل القول في ظروف يوم المباهلة وعوامله واثاره. هكذا تكونت هذه الدراسة لتكون حلقة من حلقات قلم العلامة السبيتي التي نحمدها له ونتمنى عليه اطراد النشاط داعين الفرسان من جبهته الى مثل هذا الاثمار النافع. صدر الدين شرف الدين


1 - الكلمة الغراء رسالة لسيدنا الوالد ولعلها اوفى بحث تناول (تفصيل الزهراء) بحرية وعمق واستقلال.

[1]

تصدير في حياة علي (ع) وفي حياة الزهراء عليها السلام وفي حياة ولديهما عليهما السلام نواح كثيرة للحديث عنهم، وكفايات للاشادة بفضلهم، وفي كل ناحية من نواحي الفضلية والكمال ملتقى مع هؤلاء الاربعة.. وقد التقت في حياتهم وشائج الفضائل والمثل العليا مذ تفتحت اكمام حياتهم وعرفوا هذا الوجود، وإذا نظرنا إليهم من البداية الى النهاية لرأيناهم يتقلبون بين احضان الفضيلة وقد اسدلت عليهم ابرادها تلفهم من الفرع الى القدم فلا يساويهم في سموهم احد، ولا يدانيهم مخلوق. ولا جرم ان كانوا كذلك وقد تربوا في البيت الذي خرجت مننه الدعوة الى الاسلام، وكفلهم صاحب الدعوة الاسلامية. وليس عجبا بعد هذا ان كان في كل ناحية من نواحي حياتهم ملتقى للفضائل، فان لهذه التربية اثر فعال في صبغهم بالصبغة المثالية وتوجيههم الى الفضيلة والكمال.. ولقد كانن كل واحد منهم بحكم التربية وبحكم الوراثة معجزة خالدة انفصلت من جسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون معجزة في صميم الحياة

[2]

وان حياة كل واحد منهم تتصل بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله، ووجوده الكامل يتصل بوجوده (ص) المثالي وفضائله تتصل بفضائله، من الساعة الاولى التي انفصلوا فيها من وجود واستقرار في وجود آخر. هذه حقيقة ثابتة يستطيع القارئ ان يراها من خلال حياتهم، وان عرضا موجزا لحياتهم كفيل بان يرينا انه بعد النبوة لانجد فواصل اخرى بين كمال وجوده (ص) وكمال وجودهم، وان الله تعالى اعدهم للانسانية في اعلى مثاليه كما اعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل. وفي الحق انهم المعجزة الخالدة التي كشف الزمن ذيله عنهم، فجاءوا في وسط المعترك الهائج وليسوا منه، وجاءوا بين طرفي الزمن وليسوا من الزمن وانما هم اشعاعة من نور الله افاضه على هذا الوجود وعلى هذه الانسانية المعذبة يشق الطريق ليهديها في كل اجيالها الى الخير والسعادة، والى المثل العليا من الكمالات النفسية. موضوع هذا الكتاب ناحية واحدة من نواح كثيرة، وآية واحدة من كتاب الله المجيد من بين آيات كثيرة هي آية المباهلة: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ". هذا موضوع هذا الكتاب. وان موضوعا كهذا الموضوع ينكمش

[3]

فيه القلم على نفسه متهيبا فلا يستطيع ان يجري مترسلا لتشعب نواحيه، ورامي اطرافه، ومن ناحية ثانية لما احيط بهذا الموضوع من اسلاك شائكة متشابكة الاطراف، لا يكاد ينتزع طرف منها حتى يلتقي باطراف اخرى متحصنة بمتارك الزمن القاسي ومخلفات الاقلام المهوسة التي خلقت وراءها الزمن مظلما بالستائر الكثيفة والسحب الداكنة، تتصل بعهدها القديم المظلم. ولكن.. سيف الظلم مفلول الحد، ودولته دائما الى زوال، وان الحق مكفول لسائر الاجناس.. وفي الحق نور لاتخبو شعلته مهما احاطوه بحصون كثيفة الجدر، وسوروه بزبر الحديد، ومهما تراكمت عليه الاصداء، وعبرت عليه الازمان، ولا بد ان يخترق النور هذه الحجب ويكشف الظلمات.. وان السنين الطوال التي مرت تحمل سيف النقمة مسلولا لم يتسن لها ان تمس ذلك النور ولم تستطع ان تمد يدها الى القلوب المستنيرة بنور الحق.. وان الايدي العابثة بالحقائق التي اعقبت رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مرجوا لها ان تمتد الى المبادئ السامية لتفسدها وما كانت الا أيد عابثة في جدها، هزيلة في احكامها غير مرجوة في نهايتها، كما لم تكن رشيدة في بدايتها. وان تلك القلوب التي اغمضها ذل الاستبداد، وامتهنتها حكومات الاستبعاد لم تمت ولم تدفن ولم تهن ولم تتكل وانما انفردت في زاوية من الزمن تعمل نشيطة في سبيل هدفها في ظلمات الاستبداد وتحت قوارع النكبات لا متوانية ولا كسله...

[4]

وكان الزمن حريصا الحوص كله على ان يسد النوافذ وان يحول بين سوانح الفرص، ولكن بالرغم عنه يبد القبس ينير الطريق. ويوضح السبل ! ويفلت الاسد من اقفاصه الموصدة، ويزأر زأرته القاصفة، ويرجع بالحلقة المفقودة ليوصلها باخواتها، وليسلم السلسلة متلاصقة الحلقات، الا وان يومنا هذا موصول بايام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وموصول بيوم المباهلة وان جار عليه الزمن، واراد ان يلفه بطيات ماضيه، لولا ان كتاب الله المجيد يعالن الناس بذلك اليوم وبفضل اربعة فقط من مئات الالوف من المسلمين، وان سورة آل عمران تصارحهم بفضل آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم المرموق رغم كل حاسد وكل مناوء. ان الله بعث محمدا رسولا هاديا وداعيا مبشرا ونذيرا، يدعو الى الله الواحد الاحد، ونشر للناس كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، يهدي للتي هي أقوم، نعى ركود العقل واهاب بالانسان الى التفكير بملكوت السموات والارض قبل الايمان. " قل انظروا ما ذا في السموات والارض " " وان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب " ودعى الانسان الى النظر في نفسه " ومن آياته ان ان خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون " " والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون "

[5]

ودعى الانسان الى النظر في آيات الله الذي خلق كل شئ فاحسن صنعه واحكم تدبيره وما اودع في هذا الكون من بديع الصنع واحكام التنسيق " ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم الله فانى تؤفكون " " فالق الاصباح وجعل الله سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم " " ألم نجعل الارض مهادا والجبال اوتادا. وخلقناكم ازواجا. وجعلنا نومكم سباتا. وجعلنا الليل لباسا. والنهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا. وجعلنا سراجا وهاجا. وانزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج منه حبا ونباتا وجنات الفافا " " وفي الارض قطع متجاورات من اعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل ان في ذلك لايات لقوم يعقلون " الى امثال ذلك من الايات. اجل: امر بالنظر ثم بعد النظر والتفكير في صنع القادر الحكيم الايمان بالله الواحد الاحد ليخلص الانسان من رق تقليد الاباء وقد نعى على الانسان الركود والرجوع الى الاباء والاجداد في كثير من الايات. وكتاب الله سبحانه الذي شق طريقه الى قلوب الظمأى الى عدالة الحق لم يتبدل ولم يصبه تحريف. وانما انحرفت نفوس قامت على انفاذ شريعته ونصوصه متأثرة بعوامل هدامة في المبدأ والمنتهى وما زالت تعيش بين المسلمين وبمد حبائلها وشباكها الى القلوب والضمائر فتجرفها عاصبة عيونها بعصابة من التعصب المقيت.

[6]

بيد ان هذا عهد غبر وتولت ايامه وانتهت دولته الى اسوأ مصير وبدت الحقيقة تنكشف شعة لماعة وليس على طالب الحق الا ان يضع كتاب الله بين يديه يقلب صفحاته صفحة صفحة. فليس ثمة احد ارحم يطالب بحق من الله ولا احد اعلم بالخلق ظاهرهم وباطنهم منه تعالى. ثم يضع سنة رسول الله يقلبها حديثا فحديثا. وكتاب الله وسنة نبيه صريحان بان آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افضل من اقلته الارض واظلته السماء. والقارئ يقرأ في كتاب الله المجيد المراسيم الالهية بالتزام جانب آل رسول الله (ص) ومودة قرباه وهم علي وفاطمة وحسن وحسين عليهم السلام ومن استوعب القرآن استيعاب تأمل واستقصاء وقرأه قراءة تفهم واستنتاج استخلص منه اعظم المدح والثناء على آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا اريدك ان تقرأ فيه الايات مئة التي انزلت في علي عليه السلام (1) ولكن اقرأ قوله تعالى في سورة الاحزاب " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " وقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال نزلت في خمسة " في وفي علي والحسن


(1) في ينابيع المودة: اخرج الطبراني عن ابن عباس (رض) قال نزلت في علي اكثر من ثلثماية آية في مدحه

[7]

والحسين وفاطمة " (1) وجاء في القرآن في سورة حم الشورى (قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى (2) ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان الله غفور رحيم. ام يقولون افترى على الله كذبا) وقد رووا انه لما نزلت هذه الاية قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (علي وفاطمة وابناهما) (3)


(1) في الكلمة الغراء ص 7 وقد اورد الامام جلال الدين السيوطي في تفسير هذه الاية من كتابه الدر المنثور عشرين رواية من طرق مختلفة في ان المراد من اهل البيت هنا انما هم الخمسة لاغير. وذكر بن جرير الطبري - كما في الشرف المؤبد للنبهاني - خمس عشرة رواية باسانيد مختلفة في قصر الاية عليهم بالخصوص. 2 - القربى كالزلفي وهي بمعنى القرابة والاستثناء والمعنى لا اسألكم على اداء الرسالة من الاجر الا ان تودوا قرابتي ويصح الاستثناء منقطعا اي لا اسألكم عليه اجرا ولكن اسألكم ان تودوا قرابتي. 3 - اخرجه احمد والطبراني والحاكم وابن ابي حاتم عن ابن عباس كما في الصواعق المحرقة لابن حجر واخرجه ايضا عنه ابن المنذر وابن مردويه والمقريزي والبغوي والثعلبي في تفسيرها والسيوطي في درره المنشورة صرح بذلك النبهاني في اربعينه في الشرف المؤيد.

[8]

واقرأ ان شئت سورة الدهر - هل اتى - وامعن النظر في آية الابرار منها، واستوعب استيعاب متأمل نصوصها وروح معانيها لتعلم ان اهل هذه السورة قد بلغوا الشأو، ووصلوا الى القمة العليا وانتهت بهم المثالية الى اقصى الحدود التي لا تصل إليها الافكار ولا تبلغها العقول. ثم اقرأ آية المباهلة من سورة آل عمران (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) لتعلم انه سلام الله عليهم كما قال فيه الجاحظ " صفوة الامم، وخيرة العرب والعجم. ولياب البشر ومصاص بني آدم وزينة الدنيا. وحلية الدهر، والطينة البيضاء والمغرس المبارك والنصاب الوثيق ومعدن المكارم وينبوع الفضائل واعلام العلم وايمان الايمان " وخيرة الله للتأمين على دعاء رسول الله (ص) وبرهانه على صحة الاسلام والدعامه لتركيز الايمان. ولقد فهم المسلمونن يوم كانوا خلوا من المؤثرات السياسة مزيد عناية الله


ونحن لا نريد ان نأتي على كل ما جاء في هذه الايات الكريمة من رواية وتفسير وبحسب القارى ان يطلب الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء لسماحة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين فانها وضعت خصيصا للبحث في هذه الايات الكريمة والاحاديث الواردة في تفسيرها وقد اوضح هناك دلالة هذه الايات باجلى بيان واوضح برهان فجزاه الله عن الحق واهله خير جزاء المحسنين.

[9]

بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان سبيلهم الى فهم القرآن الكريم ورسول الله (ص) وهذه حقيقة لا سبيل الى نكرانها، غير انا نبخس الحقيقة والواقع حقهما إذا انكرنا انه كان في الافق الاسلامي بعض السحب الداكنة كانت تلوح حينا وتضمحل حينا آخر، ورسول الله والقرآن المجيد لم يكونا كفيلين باقتلاع بذرة الحقد على علي بن ابي طالب عليه السلام التي كانت مغروسة في النفوس والتي نمت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أو في اليوم الاول من وفاته وامتدت اغصانها في العصور المتوالية والى يومنا هذا والى ان يشاء الله وليس من موضوعنا ان نتبسط هنا ولا نريد ان نتغمس في هذا الحديث. ومهما يكن من امر فان الاية الكريمة والايات التي تقدمتها براهين واضحة جلية على سمو فضلهم، وعلو قدرهم، ورفعة مقامهم، وانهم صفوة الصفوة ولباب اللباب، والخيرة الخيرة من عامة المسلمين، لا يدانيهم احد من الخلق ولا يضاهيهم، ولا نريد ان نستوعب الكلام في هذه الايات ونحيل القارئ الكريم على " الكلمة الغراء في تفضل الزهراء " الملحقة بكتاب " الفصول المهمة، الطبعة الثانية لسماحة البحاثة المتتبع الثبت حجة الاسلام السيد عبد الحسين شرف الدين المجاهد في سبيل الله والحقيقة وهناك تجد ما يزيل كل ريب أو شك باجلى بيان واضح برهان. فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة فجفل العرب الوثنيون وهالهم امر

[10]

رسول الله واضطرب النصارى في نجران، وانخلعت قلوب القسس الذين يديرون شؤون كعبة نجران، وهالهم انتشار الاسلام، وبيناهم في حيرتهم سادرون إذ ورد عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم للاسلام أو اعطاء الجزية أو ينابذهم الحرب، والحرب كانت علاجا مرا يتجرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كره دفعا للاذى وكفا للفتنة، وليس في موضوعنا ان ندخل في هذا البحث. عظم على رؤساء نجران هذا التحدي من النبي (ص) وعقدوا مؤتمرا عاما اجتمع فيه رؤساء النصرانية ورجال حربها واحلافهم، يشتورون فيما يجب عليهم ان يصنعوه، لان عوامل الخطر اصبحت تحيط بنجران بصورة خاصة وبالنصرانية بصورة عامة، واصبح الاسلام قوى الدعائم بشمول عدله، وقوة برهانه، وقد تلقى الدعوة الاسلامية من تلقاها وهو مستريح إليها، لانها دعوة طبيعة ليس فيها ما ينفيه العقل أو ينافيه وليس فيها ما يحجزه عن النظر في ملكوت السموات والارض بل الاسلام دعوة الى ذلك بصراحة رفعت كل الحواجز وسهلت جميع السبل. ويلوح ان المؤتمر كان صريحا اتسع فيه المجال لرجاله المتعاقدين للنظر في الحوادث الجسيمة التي تقع على مقربة منهم وتحت سمعهم وبصرهم. وقد اهمل التاريخ - على عادته - ما دار في ذلك المؤتمر من جدل عنيف بين الاقطاب المشتورين في صحة رسالته وصدق دعواه. والذي يلوح انه ليس بمستطاع للتاريخ ان يقول كلمته في ذلك وليس

[11]

في استطاعة المؤرخين ان يبحثوا عن اصول الحوادث أو يقولوا كل شئ، فان شيئا مخوفا كان يكم الافواه، ويلجم الاقلام، ولو ان المؤرخين عنوا بانتهاج الحقائق حق العناية لكان التاريخ صورة صحيحة صادقة ليس فيها التواء ولا اسفاف ولكن للسلطة كلمة خاصة لابد ان توحي بها الى الاقلام، فلا تستطيع هذه ان تحيد عنها أو تخرج من محبسها الضيق، والمؤرخين انما يكتبون ما تلوح به لهم السياسة وما تفرضه عليهم فرضا ليكونوا بمنجاة من خبثها ولؤمها أو لعلهم كما يظن بعضهم " ان المؤرخين لم يوفقوا الى اقامة التاريخ على سنن منطقية، وقواعد نقدية تحتفل ببيان الدوافع والعوامل التي تهئ ظروف التاريخ المختلفة وتحدد له الاتجاهات " (1) ونحن نرى انه كان للسياسة اثر كبير في توجيه التاريخ، وكان للعقيدة ايضا اثر في تسييره، اقول هذا وانا ارى وجوها من الادلة تفيض في نفسي ولا معدى عنها عند تحليل الحوادث التاريخية. ولا شك ان هذا الارهاق السياسي الذي وقعت الاقلام تحت وطأته، وتلك الحدود الضيقة التي حبست فيها الاقلام والافكار كانت باعثا قويا الى توجيه افكار رجال صالحين من اهل العلم والامانة عملوا تحت نكبات الصعاب فدونوا كثيرا من الحقائق بامانة واخلاص كما هي بعيدين عن اغراض السياسة واهدافها. ولقد كلف هؤلاء الاعلام بالحق لذات الحق وهو الذي حملهم على


(1) هذا رأى الاستاذ عبد الله العلائي وقد استقاه من اللورد اكتن.

[12]

تسجيل الحقائق وتدوينها، وهذا الشعور دائما هو مفتاح اعمالهم وشفافيه نفوسهم الطيبة، فتحملوا النكبات، وصبروا على الاذى، ولم يخفهم سمل العيون وقطع الايدى والارجل والصلب على الجذوع النخل. ومن الحقائق التي حملت الينا على لسان اولئك البررة بامانة واخلاص حديث مؤتمر نجران وما دار فيه من جدل وحوار ونحن نقدمه الى القارئ في خاتمة هذا الكتاب، ولعل هذا الحديث النادر هو الذي حملنا على افراد هذا الكتاب... ففي سنة 1347 ه‍ اخرجت المطبعة رسالة سماحة المجتهد الاكبر البحاثة الجليل السيد عبد الحسين شرف الدين سماها " الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء " جاء في الصفحة الثالثة ما نصه بالحرف: " وقد تصدى سيدينا الشريف المقدس ابن طاووس لتفصيل المباهلة ومقدماتها وما كان قبلها في نجران، من المؤتمرات والمناظرات في جلساتهم المنعقدة لذلك حين دعاهم سيد الانبياء والمرسلين الى الله تعالى وارسل إليهم في ذلك رسله، فليراجع الاقبال من اراد الوقوف على تفصيل تلك الاحوال، ليرى اعلام النبوة، وآيات الاسلام، وبشائر النبيين بسيدهم محمد (ص) وبعترته الطيبين الطاهرين وبذريته المباركة من بضعته سيدة نساء العالمين، وكنت اردت ان اخرج هذه القصة من كتاب الاقبال وانتشرها في رسالة على حده تعميما لفوائدها وتسهيلا لطالبها، ولعل بعض اهل العلم العالية ممن حبسوا نفوسهم على نشر الحق يسبقني الى ذلك فاكون قد فزت بتنبيه الى هذه المهمة "

[13]

جلجل الصوت في سمعي فان الدعوة جميلة ومنبعثة عن شعور قلب كبير استوعبت مشاعري ووعاها سمعي وبصري، لانها دعوة الخير مست القلب فتحرك، وقرعت السمع فوعاها الذهن، ولكنها رهيبه ! أمن المستطاع ان تقرن بالتلبية ؟. ام هي عصيه على هذا القلم القاصر ؟ !... لقد حبست نفسي على نشر الحق، واوقفت هذا القلم - ان صح التعبير - على نشر الحق ايضا غير اني لست من اهل الهمم العالية الذين يقرنون الدعوة بالتلبية ولكن الصوت العالي المنطلق في الفضاء من الرجل الكبير كان رنانا عذبا مشت على نعماته النفس، وتحركت فيها البواعث القوية لاخراج هذه الصورة عن مؤتمر نجران التي حملها الينا السيد ابن طاووس، ولكنها مقدمة باحاديث معقبة بشروح وحواشي، غير انها رغبة ابت ان تحققها الايام وانحسر الستر عن القضاء فإذا هو باسم ساخر !... وكيف مضى الزمن والفكرة لم تحقق ! ؟ وليس عجبا ان تبقى الفكرة طوال هذه المدة إذا كانت مقودة بزمام القضاء والقدر ولكن الفكرة لم تتزحزح عن مكانها الذي ولدت فيه، وانما ركدت تحت اكداس من رماد القضاء. لم يتغير المبدأ الذي اتخذته لنفسي منذ تنسمت الحياة العملية في ميادين الاعمال، ولم تتبدل الفكرة انما برزت بروزا واضحا منذ سمعت الصوت من الرجل الجليل واخذت امهد السبل بالمطالعة والبحث عن يوم المباهلة، وإذا

[14]

بكتاب " فجر الاسلام " يشق طريقه من الافق المصرى وله في السمع دوى مجلجل، وفي القلب طعنات دامية، وفي الضمائر وخزات مؤلمة، فتركت يوم المباهلة وحديث مؤتمر نجران الى كتاب " تحت راية الحق " في الرد على طعون " فجر الاسلام ". كانت طعونن كتاب فجر الاسلام قاسية لا يرتكبها اديب مفكر ولا يقدم عليها عالم مثقف ولكن شاء الاديب الاستاذ احمد امين ان يتخلى عن ادبه وعلمه وشاء ان يكون مسفا ملتويا وابت عليه نفسه ان يكون حرا ودفعته الى التقليد فكتب مقلدا وطعن ظالما وتحدث بغير روية فتنكب عن الصراط السوى فانكره الادب والعلم واسف فجفاه الخلق والتوى في الطريق ففقد الثقة. وكان من الطبيعي لنا ان نترك كتاب (المباهلة) ونترك كل شئ، فان كتاب فجر الاسلام بما يحمله من طعون دامية يحتاج الى محاسبة دقيقة واقول دقيقة لا لان كتاب فجر الاسلام جائنا بشئ جديد لم يفتريه من قبل ابن تيمية والشهرستاني وابن حزم الظاهري ولم يلصقوه بالشيعة، وانما يوم احمد امين بماضي سلفه وليس ما في كتابه الا حلقة تتلقى باخواتها المختفية خلف التاريخ وكأن تلك الانفس التي لفها الماضي بطياته تقمصت في هذا الانسان الذي يسمونه اليوم احمد امين. وهكذا اسئ الى العلم والحق مرة ثانية ولكن مع الفرق بين الاسائتين فان تلك كانت في عصور مظلمة ظالمة غايتها ارضاء المحكوم لحاكمه

[15]

من عقيدة أو سياسة لا للحق والحقيقة، وتعتبر اليوم انها انحرفت عن وجهة الحق وغادرته لكن الى عقبى وخيمة سيئة ادت الى سخط المنصفين، وليس معنى هذا انه لا يوجد اليوم بين المسلمين من لا يحترم الاقلام المهوشة فان كتاب فجر الاسلام يعلن بان لا تزال باقية ولكن حتما ان هؤلاء سيفقدون قيمتهم الاجتاعية. والاساءة الثانية كانت في عصر النور والحريات ولكنها تستفى من تلك العصور المظلمة، ولا نعلم الهدف الذي يرمى إليه الاستاذ احمد امين وامثاله وقد انار العلم طريق الحياة، واخذ الشعور بحب التحرر من تلك الاراء البالية يراود النفوس الحرة لها الطريق، ولم يبق لتلك العناصر الهدامة اي قيمة غير انه يلوح في الافق ان عوامل الوراثة لم تمت في النفوس، وانما ركدت قليلا وهي تعود الى سيرتها الاولى والى ما كانت عليه من قبل في عهدها الاول تسير في الافق الضيق منبعثة عن ذلك الشعور الذي لم يعرف الحق، وانما هدفه النفوذ الى مأرب خاصة، ولا يبالي من اي كان طريق النفوذ لا يعلم واجبه العلمي، وغير مقدر تبعة ذلك. هذه حقيقة راهنة لاسبيل الى نكرانها ما دام يكشف عنها كتاب فجر الاسلام وليس من موضوعنا ان نسير وراء اهداف الكتاب وقد كشفت عن نوايا الاستاذ احمد امين طعونة التقليدية. وبالجملة فقد انصرفنا عن كتاب المباهلة الى الرد على مطاعن فجر الاسلام وكتبنا كتاب " تحت راية الحق " وقدمناه الى المطبعة ثم خرج منها

[16]

عائدا الى العراق المأوى الذي خرج منه ولكن مع الاسف لم يكن بالحسبان ان الكتاب يحبس في زاوية من زوايا الكمرك في العراق ثم يحرق. احرق الكتاب فكانت الصدمة عنيفة جدا وعلمت آنئذ ان الحق لا يزال سجيا في قفصه وكل ما يستطيع ان يفعله فعل الاسود في المحبس الضيق، وعلمت ايضا ان العلم لا يزال في محبسه الضيق تحوطه سيوف السياسة ورماحها ولم يتهئ له الانطلاق والتحرر لان اللحظة المرجوة لبروز العلم والحقائق لم يأت وقتها. وفي يوم من ايام سنة 1366 كنت جالسا في مكتبة الجامعة في بغداد مع جماعة من اهل الفضل والادب وكان الحديث متنوعا لم تحدد اطرافه وإذا بالاستاذ.. وهو احد المحامين المطلعين يدخل علينا ولم يمهلنا نحن الجالسين لحظة واحدة لنعطيه مكانه من مجلسنا وانما توجه الي بالسؤال التالي: " ارأيت كتاب الاقبال ؟... استقبلت السؤال بهدوء. ولماذا ؟ ! وما في الاقبال ؟ كانه كتاب يقرؤه اولئك البررة الذين يجأرون الى الله بالدعاء فان فيه اعمال الشهور وادعيتها فهل انت ممن يقرأه - " ان فيه حديث مؤتمر وفيه ادب جم وتاريخ اهملته كتب التاريخ وفيه التعريف بفضل اهل بيت النبوة آل رسول الله (ص) الذين غمط حقهم المؤرخون.. اخرجه.. اخرجه للناس وللمستشرقين ".

[17]

لقد كان في دعوته حرارة، وفي كلماته صدق، وعلى قسمات وجهه شئ من الجد الصريح. كلمات لمست باحدى يديها قلبي، وبالاخرى ازاحت الستار عن تلك الفكرة المدفونة، وكأنه شعر ان لحديث نجران موطن في نفسي، فاراد ان يزيح الرماد وينفخ في النار. نفخ النار. وعاد ذلك الصوت من فم الرجل العظيم الجالس في " صور " بجرسه الرنان صيحة عالية عذبة الرنة قرعت السمع فهفا إليها القلب فتقدمت الى القلم والكتاب وعدت الى الموضوع الذي اهملته من قبل وها انا اقدم هذا الكتاب الى قرائي الكرام تلبية لذلك الصوت الذي حفظه الاثير بين ذراته فان كنت اصبت الهدف فذلك من فضل الله علي وان اخطأني الحظ فتلك زلة يغفرها لي الداعي الاول وقرائي الكرام.

[18]

نجران من الامور القطعية التي لاشبهة فيها تطور الديانات على اختلاف الادوار التي مرت عليها ولم تطرد في طريق واحد متدرجة صعودا أو متراجعة هبوطا، والديانات التي نشأت في الشعوب كانت على اطوار مختلفة لا يمكن الحكم عليها بالتدرج، وانما كانت صاعدة هابطة ولم تكن على طور واحد. ومن الصعب جدا التعرف على تلك الاطوار التي مرت عليها مختلفة في شكلها وطقوسها، لان كل ما وصل الينا ظن لم يؤيد بالبرهانن الصحيح على انه ليس من موضوعنا الحديث عنها لنتبسط في ذلك ولا تهمنا بقليل ولا كثير. واما العقيدة بالاله أو الرب فهي فكرة سايرت الانسان في كل الادوار وآمن بها في اقدم العصور وان كانت احيطت بكثير من الضلال والسخف ولقد تعددت الارباب عند الامم الغابرة فتجاوزت العشرات الى المئات وربما كان لكل اسرة من الاسر ربا تعبده مضافا الى آله القبيلة وربما كان للشخص الواحد ربا يعبده وإذا خرج للسفر - ان اذن له - يصحبه كما هو الشأن عند بعض العرب. ولم تكن هذه الارباب نوعا واحدا، وانما هي انواع شتى، تمثل افكارا شتى كالارباب التي تمثل مشاهد الطبيعة كالبرق والرعد والمطر وارباب

[19]

الاسر والقبائل واله الخلق الى غير ذلك، وربما اشاروا بتماثيل مختلفة الصور والاشكال وقد اختلفت درجات قدسها بنظرهم. وفي نهاية مطاف اطوار الديانات المختلفة جاء " التوحيد " ومعناه عندهم كما يلوح لنا: هو اله يعلو جميع الالهة وينفرد بالعظمة والجلال. ثم الاديان الكتابية - بعد تلك الاطوار - هي التي اشارت الى الله سبحانه واثارت فكرة التوحيد الصحيح وعلمت الناس عبادة الاله الواحد الاحد الذي خلق كل شئ ووسعت قدرته كل موجود في السموات والارض وانه لا شريك له في خلقه ولا شبيه له في عظمته تفرد بالكمال وتنزه عن النقص لا تدركه الابصار واحاط بكل شئ علمه وهو على كل شئ قدير لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد. والسيد المسيح سلام الله عليه هو احد الدعاة الى توحيد الله جاء في جو مضطرب بالعقائد المفتونة بالفلسفة فدعا الناس الى الله وذكرهم بالله الرؤوف الرحيم وامرهم بعبادة الله الواحد الاحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن في دعوته ما يمس الوحدانية بشئ ولكن الاناجيل - وقد جاءت بعد عصره بجيلين - اشارت الى ان المسيح ابن الله " وانا قد رأيت وشهدت ان هذا هو ابن الله " يوحنا 24 اصحاح 1 واشارت الى انه قال " انا الراعي الصالح " يوحنا 14 اصحاح 10. واشارت الى انه ابن الله " قد اتيت باسم ابي ". يوحنا 43 اصحاح 5 " وكما ان الاب يعرفني اعرف الاب " يوحنا.. ثم تطورت النصرانية وامتزجت بعقائد وثنية واعتقدت الثالوث المقدس أو الاقانيم الثلاثة: الاب والابن وروح القدس، واعتقدت الكنيسة

[20]

اتحاد هذه الاقانيم الثلاثة " وان الاب والابن وجود واحد، وانك حين تقول الاب لاتدل على ذات منفصلة عن الابن أو روح القدس، لانه لا انفصال ولا تركيب في الذات الالهية " وهم شئ واحد " وان كان يستحيل على العقل البشري ادراك كيفية الاتحاد " (1) ولم يكن هذا التثليث المتحد معروفا عند العرب ولا مما يصل إليه عقل العربي ولا من ديانتهم ولكنه عبر حوض البحر المتوسط والبحر الاحمر - بحر القلزم - الى شبه جزيرة العرب واستقر في " نجران " الى جانب الوثنية في " مكة " يتضارعان. ان الوثنية كانت تتصرف بعقول الاسر والقبائل العربية في شبه جزيرة العرب، ووجدت فيها تربة خصبة، ومنهلا عذبا، ومرتعا صالحا، وقد كان للعرب افانين شتى في عبادة الاوثان وكان لهذه الاوثان في نفوسهم مكانة جليلة، وقدسية عظيمة، ويلوح انها لم تكن في درجة واحدة من القداسة فصنم القبيلة افضل من صنم البيت، وصنم الكعبة افضل من صنم القبيلة وقد اختلفت اشكال هذه المعبودات، فالصنم - وهو ما كان متخذا من خشب أو معدن على شكل الانسان، غير الوثن المتخذ من حجر على شكل الانسان وهما غير النصب وهو صخرة غير ذات صورة معينة. وكذلك اختلفت درجات هذه الاصنام، فهمل مثلا كبير آلهة العرب وهو منصوب على ظهر الكعبة يحجون إليه من كل فج عميق.


(1) المسيحية والاسلام للاب لويس ادء.

[21]

ولم يكتف العرب بهذه الاصنام الكبرى، بل ربما كان بعضهم أو اكثرهم يتخذ له صنما في بيته يطوف به عند خروجه وساعة اوبته، وربما صحبه معه في سفره. وكانوا يعتبرونها الوسيط بينهم وبين الله ويعبدونها لتقربهم من الله زلفى، فهم يذكرون الله على السنتهم، ويسمون عبد الله وتيم الله الا انهم نسوا عبادة الله واقتصروا على عبادة هذه الاصنام. ولقد تسرب الى الجزيرة العربية ديانات اصطدمت مع ديانتهم تسربت إليها اليهودية وكونت لها مستعمرات في شبه الجزيرة اهمها يثرب، ونشط اليهود لبث دعوتهم وعملوا على نشرها في الجنوب وتهود كثير من اهل اليمن. وتسربت إليها النصرانية، ولم يكن طريقها من الشمال فقط، فان النصرانية امتدت الى الحبشة ثم عبرت البحر الاحمر الى اليمن ثم استقرت في نجران وكذلك تسربت من الشام الى الحيرة وامتدت على شاطئي دجلة والفرات. النصرانية الحقيقة التي جاء بها عيسى عليه السلام ديانة روحية مقدسة لم تكن لتختلف بجوهرها عن الديانة اليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام وكذلك لا تختلف عن الاسلام بقدر ما يتراءى اليوم من الذين يدينون بالاديان الثلاثة.

[22]

وهي دين سامي متقشف دعى الى الزهد والمسالمة " اترك القيصر لقيصر وما لله لله " " ومن ضربك على خدك الايمن فادر له الايسر " ولم يكن فيها اي جدل في طبيعة السيد المسيح ولكنها اصطدمت بمدرسة الاسكندرية - وكانت ملتقى ثقافات ومجمعا من مجامع العلم والحركة الفكرية - والتقى الفكر السامي القائل بطبيعة واحدة بالفكر الروماني الوثني، ولم تخرج المسيحية بريئة من هذا المجتمع وانما تلقحت بالتثليث وبهذا تزحلقت النصرانية عن سموها الروحي وهوت من علياء مراتب الايمان الكامل الى الجدل في المسيح وامه عليهما السلام وعبادة الصور مما قربها الى الوثنية. ولم تكن النصرانية من قبل تعرف الصور ولكن المؤتمرات التي كانت تعقد تباعا وتقرر بشأن طبيعة المسيح عليه السلام هي التي كانت تقرر ادخال الصور وبعض المؤتمرات كان ينفيها والذي يلوح انه كان للاهواء الشخصية اثر كبير في ذلك. وقد انشقت النصرانية على نفسها الى فرق عديدة: فرقة يرون ان المسيح هو الله وان الله والانسان اتحدا في طبيعة واحدة هي المسيح. واخرى قالت ان للمسيح طبيعتين متميزتين الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية الى غيرر ذلك من الفرق، وقد اشار القرآن المجيد ورد عليها فقال: " لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم.. وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار. وما للظالمين من انصار. لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله الا اله واحد. قل فمن يملك من الله شيئا ان اراد ان يهلك المسيح بن

[23]

مريم وامه ومن في الارض جميعا " والمسيح نفسه نفى ما ينسب إليه من ادعاء الالوهية كما نص على ذلك الكتاب المجيد " واذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله. قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قد قلته فقد علمته فانك تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب " " ويلوح ان فكرة التثليث لم تكن قبل القرن الثالث للميلاد وان اول من نشر فكرة التثليث هو راهب مصري اسمه انناسيوس كان البابا العشرين الكنيسة الاسكندرية من سنة 326 - 373 " (1) والذي يظهر ان الذي عبر الى الجزيرة العربية من هذه العقائد عقيدتان: العقيدة النسطورية والعقيدة اليعقوبية وانتشرت النسطورية في الحيرة واليعقوبية عند الغسانيين وسائر بلاد الشام، ويظن بعضهم ان نجران ان كانت على مذهب اليعاقية. وقد انتشرت التعاليم المسيحية بين العرب ووجد فيهم من يميل الى الرهبنة، وبناء الاديرة، واشتهر منهم قس بن ساعدة وذكروا انه " كان يتقفز القفار، ولا تكنه دار، يتحسي الطعام ويأنس بالوحش والهوام " وذكروا ان قسا هذا كان اسقف نجران، وكذلك اشتهر منهم امية بن السلط وورقة بن نوفل. وقد نشط القسس والرهبان للتبشير بالدين المسيحي وكانوا يردون اسواق العرب لهذه الغاية.


(1) راجع تاريخ الكنيسة المصرية هلال شهر ديسمبر 1927

[24]

وكان اهم موطن للنصرانية في الجزيرة العربية نجران - وهي من مخاليف اليمن من ناحية مكة - وكانت بلدة زراعية خصبة " عامرة بالسكان تصنع الانسجة الحريرية وتتاجر في الجلود وفي صنع الاسلحة وكانت احدى المدن التي تصنع الحلل اليمانية التي تغني فيها الشعراء وكانت قريبة من الطريق التجاري الذي يمتد الى الحيرة ". وتغنى بنجران وبكعبتها الشعراء يقول الاعشى: وكعبة نجران حتم * عليك حتى تتاخى بابوابها نزور بزيدا وعبد المسيح * وفيساهم خير اربابها وشاهدنا الجل والياسمون * والمسمعات بقصابها وبربطنا دائم معمل * فاي الثلاثة ازرى بها وذكروا ان اهلها كانوا قبل النصرانية " على دين العرب يعبدون نحلة عظيمة بين اظهرهم، ولها في كل سنة عيد، فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلى النساء " وقد ذكروا اسبابا لاعنتاق اهلها دين النصرانية ولكن في كلها مجال للشك ولا يهمنا تحقيق ذلك. ومهما يكن من امر فان نجران تنصرت وصارت مركزا مهما للنصرانية، وبنوا فيها كعبة غرار الكعبة في مكة قال ياقوت: " وكعبة نجران هذه - يقال - بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة وسموها كعبة نجران وكان فيها اساقفة ة معتمونن، وهم الذين جاءوا الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعاهم الى المباهلة " (1)


(1) معجم البلدان ج 8 ص 264.

[25]

وقد غزوا ذو نواس نجران بجنوده ودعاهم الى اليهودية فابوا عليه، وذكروا في سبب ذلك " ان يهوديا كان بنجران عدا اهلها على ابنين له فقتلوهما ظلما فرفع امره الى ذي نواس وتوسل إليه اليهودية واستنصره على اهل نجران - وهم نصارى - فحمى له ولدينه وغزاهم " وقتل جماعة بالسيف وجماعة خدد لهم اخدودا من نار والقاهم فيه وبعضهم يرى انه نزل في تلك الواقعة قوله تعالى " قتل اصحاب الاخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحكيم " وللشك في ذلك مجال واسع. وقد استنجد نصارى نجران بالحبشة فانجدوهم وغزوا بلاد العرب وهزموا ذا نواس واستمرت النصرانية في نجران تحميها الحبشة من الجنوب والروم من الشمال. وكان يتولى كعبة نجران - وان شئت فقل نجران وتوابعها - ثلاثة: السيد - واسمه وهب - ويظهر انه كان يدير الامور الخارجية وبتولي امور العلاقات بينهم وبين القبائل من غيرهم وهو ما نسميه اليوم وزير الخارجية وكان ايضا رئيسهم في الحرب وهو ما نسميه وزير الحريبة أو وزير الدفاع. والعاقب - واسمه عبد المسيح - وكان يتولى الامور الداخلية وهو ما نسميه اليوم وزير الداخلية والاسقف - وهو أبو حارثة - وكان يتولى الامور الدينية. ولكن المهمات كان يشتور الثلاثة فيها. قال ياقوت: " ووفد على رسول الله (ص) وفد نجران وفيهم السيد - واسمه وهب - والعاقب - واسمه عبد المسيح - والاسقف - وهو أبو حاتم - واراد رسول الله (ص) مباهلتهم فامتنعوا وصالحوا النبي (ص) فكتب لهم كتابا فلما ولى أبو بكر نفذ ذلك لهم ولي عمر اجلاهم واشتري اموالهم "

[26]

وفد نجران في لحظة قصيرة من الزمن خفق علم الاسلام في الجزيرة العربية وانطلقت الالسن في البيوت وفي المساجد وعلى المآذن تشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك لهه وان محمدا رسول الله في كل يوم خمس مرات. في لحظة قصيرة جدا رأيت القلوب تهتز طربا عندما تنطق الشفاه بهذا الاسم المبارك الاغر. فان قرابة عشرين سنة يستظهر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على وثنية العرب دين آبائهم واجدادهم هي لحظة من الزمن قصيرة جدا، وما عشرون عاما إذا قسناها الى الجهود الجبارة، والفتح العظيم، والانتصار الباهر على الوثنية. لم يكن من حاجة لدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى زمن طويل ليظهر فيه على الاديان كلها، فانه دين تسكن إليه نفوس مؤمنة بدوام ظله وشمول عدله. ولم يكن من حاجة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الى زمن طويل ليستظهر على الوثنية الرعناء، وعلى النصرانية المتزحلقة، وعلى اليهودية المتكالبة لانها دعوة ليس فيها ما ينفيه العقل.

[27]

وهل محمد الا رسول الله ارسله رحمة للعالمين ؟ وهل محمد الا بشير ونذير ؟ واي نفس سامية تتردد في ترك عبادة الاوثان لعبادة الله الواحد الاحد ؟... واي نفس سامية مفتوحة للحق ولا تتسع لتعاليم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟.. أليس يدعو الناس الى الحب والمودة والاخاء في الله، والى التراحم والبر والاحسان واعطاء السائل والمحروم، والبر باليتيم ؟ ويدعوهم فيما يدعوهم الى فك العقل من قيوده والى الحرية المطلقة، ويدعوهم الى ترك الرذيلة، والى التمسك باهداب الفضيلة، ويدعوهم الى توحيد الله الذي خلق كل شئ وبيده ملكوت كل شئ، يدعوهم الى تحطيم كل ما بينهم وبين الله سبحانه من اغلال لا هبل ولا اللات ولا العزى فانها كلها لا تغني عن الله شيئا. لقد اعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل العدد، وهيأ الله له الاسباب وجاء نصر الله والفتح وفتح رسول الله (ص) مكة، ودخل الناس في دين الله افواجا، واقام الرسول (ص) في المدينة ومعه المسلمون مستريحين الى نصر الله وقد كال جهادهم بالفوز والظفر واستتب الامر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم استتابا جعل العرب الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله (ص) يخافون سطوة الاسلام فتوافدوا على رسول الله (ص) ليدخلوا في دين الله. ولكن هذا كله لم يكن تمهيدا كافيا للانتقال العظيم الذي اعد له الاسلام، ولنشر الدعوة في المملكتين العظيمتين فارس والروم، فان رسالة الاسلام عامة

[28]

لم تكن لبلاد دون اخرى، أو لقوم دون آخرين والنصر وان كان بيد الله، يؤتيه من يشاء من عباده، لكن لا يؤتيه الا لمن اعد له كل عدده. والدعوة الاسلامية قد بلغت يومئذ من النضوج في النفوس ما يجعل الاسلام دين الكافة من الناس، والدعوة في ذلك العهد تعدت عن دور التوحيد، والوعد والوعيد، الى النواحي الاجتماعية والاخلاقية والسياسية. وقد آن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يهئ المسلمين للانتقال العظيم الى خارج الجزيرة الى الشمال والى الجنوب.. وآن له ان يبعث في نفوسهم روح النشاط لفتح المملكتين فارس والروم. وآن للمسلمين ان يفهموا ان هذا العلم المبارك الذي يرفرف فوق شبه جزيرة العرب يجب ان يخرج الى خارجها ليرف ايضا فوق عروش القياصرة والا كاسرة، ثم ليطوف حول حوض البحر الابيض ثم ينتهي به المطاف الى ما وراء البحار.. ولم يكن في الدعوة الاسلامية ما يخشى معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة إليه فانه دين الحرية والمساواة، والبر والرحمة وفك العقل من القيود والاغلال، تتقبله النفوس مرتاحة إليه.. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتردد يوما في دعوة الملوك الى الاسلام ولكنه اراد ان يهئ اصحابه للنهوض فخرج عليهم يوما فقال: " ايها الناس: ان الله بعثني رحمة وكافة، فلا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم " - وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله " - دعاهم الى الذي دعوتكم إليه، فاما من بعثه مبعثا قريبا قر وسلم،

[29]

واما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل " ثم ذكر لهم انه مرسل الى هرقل وكسرى والمقوقس والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن، والى نجاشي الحبشة. وذكروا انه لما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وانقادت له العرب وارسل رسله ودعاته الى الامم، وكاتب الملكين كسرى وقيصر يدعوهما الى الاسلام أو الاقرار بالخزية أو الاذان بالحرب اكبر شأنه اهل نجران وخلطاؤهم من بني عبد المدان وجميع بني الحرث بن كعب ومن الضوي إليهم ونزل بهم من دهماء الناس على اختلافهم هناك في المذاهب النصرانية من الا روسية والسالوسية والمارونية والنسطورية، وقد امتلات قلوبهم - على تفاوت منازلهم - رهبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورعبا، وانهم لكذلك إذ وردت عليهم رسل رسول الله (ص) وهم: عتبة بن غزوان وعبد الله بن ابي امية والهديل بن عبد الله اخو تيم بن مرة وصبيب بن سنان يدعوهم الى الاسلام، فان اجابوا فاخوان في الله، فان ابوا فالى خطة الخسف الجزية عن يدوهم صاغرون، وان ابوا فاذنوهم على سواء، وكان في كتابه صلى الله عليه وآله وسلم لهم: " قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم " لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فاشهدوا بانا مسلمون " ذعر الاساقفة ذعرا شديدا وهز الكتاب نجران هزا عنيفا فعقدوا مؤتمرا عاما في كعبتهم اجتمع فيه رؤساء نجران، واهل الرأي من الاقيال

[30]

واجتمع من القبائل من عك وحمير وانمار ومن دنا منهم سببا ونسبا، فكان مؤتمرا عاما اشتوروا فيه وافاضوا فيه الرأي والجدل العنيف في حديث مفصل بجده القارئ في خاتمة هذا الكتاب (1) ويلوح لنا ان المشادة كانت عنيفة بينهم فيما يجب ان يتخذوه من حيطة ليأمنوا غزو الاسلام، وليحتفظوا بكعبتهم " لانهم اصابوا بموضعهم من دينهم شرفا ووجها عند ملوك النصرانية جميعا. " ويلوح ايضا انه كان في هؤلاء الاساقفة من هو مؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصدق بدعوته. وذكروا انه اجتمع عامة الناس على السيد والعاقب يسألونهما - بعد هذا الجدال العنيف - " عن رأيهما وما يعملان في دينهم فقالوا لهم " تمسكوا بدينكم حتى يكشف لنا دين محمد وسنسير الى يثرب وننتظر ما جاء به وفيما يدعوا إليه " قالوا: " وتجهز السيد والعاقب والاسقف ومعهم اربعة عشر راكبا من نصارى نجران وسبعون رجلا من اشراف بني الحرث بن كعب وساداتهم - وفيهم قيس بن الحصين ويزيد بن عبد المدان - فاغترز (2) القوم ظهور


(1) أهمل المؤرخون هذا المؤتمر كما اهملوا كثيرا من الحقائق الاخرى ومروا بيوم المباهلة وبالمؤتمر مرورا عابرا ونحن وضعنا هذه الرسالة لنقدم للقراء هذا المؤتمر المنعقد في نجران بما فيه من حوار واشادة بفضل آل رسول الله وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (2) غرز الرجل رجله في الغروز - الركاب - وضعها فيه

[31]

خيولهم واقبلوا لوجوههم الى المدينة " وقالوا: " ولما استراث (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبر اصحابه انفذ إليهم خالد بن الوليد في خيل سرحها معه لمشارفة امرهم فالفوهم وهم عائدون " وقالوا ايضا: " ولما دنوا من المدينة احب السيد والعاقب ان يباهيا المسلمين واهل المدينة باصحابهما، وبمن خف من بني الحرث معهما فاعترضاهم وقالا لو كففتم صدور ركابكم ومسستم الارض فالقيتم عنكم تفثكم (2) وثياب سفركم وشننتم (3) عليكم من باقي مياهكم كان ذلك امثل، فانحدر القوم عن الركاب، فاماطوا من شعثهم (4) والقوا عنهم ثياب بذلتهم (5) ولبسوا ثياب صونهم (6) من الانحميات (7) والحرير والحبر، وذروا المسك في لممهم (8) ومفاوقهم ثم ركبوا الخيل واعترضوا الرماح على مسابح (9) خيلهم، واقبلوا يسيرون زردقا (10) واحدا، وكانوا من اجمل العرب صورا واصحهم اجساما وخلقا،


(1) استراث الخبر استبطأه (2) اي ازلتم الوسخ عنكم (3) شن الماء عليه اي صبه (4) الشعث ككتف المغبر الرأس واماط كشف اي ازالوا الغبرة التي لحقتهم من السفر (5) البذلة من الثياب ما يستعمل كل يوم (6) الثياب التي تحفظ فيهم وتلفت انظار الناس إليهم (7) اتحم الحاثك الثوب وشاه (8) الشعر المجاوز شحمة الاذن فهو لمة فإذا بلغ المنكبين فهوا جمة (9) المسبح منتهى معرفة الفرس وقيل هو منتهى منبت العرف تحت القربوس اي وضعوا الرماح على فرابيس الخيل عرضا استهانة -

[32]

فلما كشفوهم الناس اقبلوا نحوهم، فقالوا " ما رأينا وفدا اجمل من هؤلاء " وكان المحارث بن كعب يقول " ما رأينا وفدا مثلهم " " واقبل القوم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده وحانت صلاتهم فضربوا ناقوسهم في المسجد وقاموا يصلون الى المشرق فاراد الناس ان ينهوهم عن ذلك فكفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم امهلهم وامهلوه ثلاثا، فلم يدعهم ولم يسألوه، لينظروا الى هديه ويعتبروا ما يشاهدون منه مما يجدون من صفته فلما كان بعد ثلاث دعاهم الى الاسلام فقالوا: " يا ابا القاسم ما اخبرتنا كتب الله عز وجل بشئ من صفة النبي المبعوث من بعد الروح عيسى " عليه السلام " الا وقد تعرفناه فيك الا خلة هي اعظم الخلال آية ومنزلة، واجلاها امارة ودلالة " ! !.. رسول الله (ص) - " وما هي " ؟. - " انا نجد في الانجيل من صفة النبي.. من بعد المسيح انه يصدق به ويؤمن به وانت تسبه وتكذبه وتزعم انه عبد " ! !... - " بل اصدقه واصدق به واؤمن به، واشهد انه النبي المرسل من


- بالمسلمين وعدم المبالاة على حد قول الشاعر: جاء شقيق عارضا رمحه ان بني عمك فيهم رماح والذي يتهيب الامر لابد ان يكون على استعداد فيحمل رمحه متهيئا للطوارئ (10) اي صفحا واحدا.

[33]

ربه عز وجل واقول: انه عبد لا يملك نفعا ولاضرا، ولا موتا، ولا حياة ولا نشورا. - وهل تستطيع العبيد ان تفعل ما كان يفعل ؟ وهل جاءت الانبياء بما جاء من القدرة القاهرة ؟ !. الم يكن يحى الموتى ويبرأ الاكمه والابرص، وينبئهم بما كانوا يكنون في صدورهم، وما يدخرونه في بيوتهم ؟ فهل يستطيع هذا الامر الا الله عز وجل أو ابن الله ؟ !. - وقد كان عيسى اخى كما قلتم يحي الموتى ويبرئ الاكمه والابرص ويخبر قومه بما في نفوسهم وبما يدخرون في بيوتهم، وكل ذلك باذن الله عز وجل وهو عبد الله.. غير مستنكف، فقد كان لحما ودما وشعرا وعظما وعصبا وامشاجا ياكل الطعام ويظمأ وينصب والله باريه وربه الاحد الحق الذي ليس كمثله شئ وليس له ند " -: " فأرنا مثله جاء من غير فحل ولا أب -: " هذا آدم عليه السلام اعجب منه خلقا من غير اب ولا ام، وليس شئ من الخلق باهون على الله عز وجل في قدرته من شئ ولا اصعب وانما امره ان اراد شيئا ان يقول له كن فيكون. " ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. فقالوا: " فما نزداد منك في امر صاحبنا الا تبينا، وهذا الامر الذي لا نقره لك فهلم فلنلا عنك (1) اينا اولى بالحق ونجعل على الكاذبين


(1) يلوح من هذه الرواية ان وفد نجران طلب الملاعنة، ويخالفها -

[34]

فانها مثله وآية معجلة " " فغشيه الوحي ونزل عليه قوله تعالى " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " وتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما نزل في ذلك عليه من القرآن وقال: " ان الله امرني ان اصير الى ملتمسكم وامرني بمباهلتكم ان اقمتم واصررتم على قولكم " - ذلك آية ما بيننا وبينك وإذا كان الغد باهلناك. ثم انصرفوا الى اماكنهم " تذوق الرجال العارفون من الوفذ حلاوة ما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اي القرآن الحكيم وادركوا صدق الحديث وادركوا شدة الخطرر الذي يحوطهم فيما إذا باهلوا، ولقد توفرت لدى بعضهم الامارات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وصحة رسالته وان كانن الجهل والتعصب كانا يسيطران على بعض ذوي الشأن منهم فكان يعتز بالحول والطول !.. ويظهر لنا ان بعضهم غلبت عليه شهواته في حب الرياسة والجاه العريض


- روايات شتى ويظهر منها ان الذي طلب المباهلة هو رسول الله (ص) وهذا الذي يظهر من القرآن المجيد.

[35]

الذي نالوه من ملوك النصرانية وهذا النعيم الترف الباذخ " اما رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم ؟. اكرمونا ومولونا ونصبوا لنا كنايسنا واعلوا فيها ذكرنا فكيف تطيب نفوسنا بدين يستوفي فيه الشريف والوضيع ؟ " ومن اليسير ان نعرف ان هذه الارستقراطية هي التي عصبت عيونهم عن الالتجاء الى الواقع المحسوس وتغلبت على عقولهم والانتقال من ارستقراطية الى ديمقراطية تتصل بالروح والعقل لا تقوى عليها النفوس المشغوفة بالملكية والثراء وحب الرياسة. وعلى الغالب ان فكرة القوة وفكرة الثراء وحب الجاه شعور مرده في بعض الاحيانن الى الغيرة النفسية التي تحصل عادة من المفضول على فاضله المتغلب عليه بالبرهان القطعي والدليل الواضح وقد برز الان واضحا في نفوس النجرانيين، بيد انه مهما كان لهذه العناصر من مظاهر الجد في النفوس وارادت ان تظهر بالمظهر الحازم في الساعة الحاسمة فانها لا تلبث ان تنهزم مخذولة من قوة الحق. وبحسبنا ان نطالع صورة ثانية يرسمها النجرانبون حينما انصرفوا الى منزلهم من الحرى وخلا بعضهم الى بعض وقد اعتصرت يد الاسي تلك القلوب المشغوفة بذلك البذخ وتلك الاموال التي تغدقها عليهم النصرانية من الشمال ومن الجنوب. وهذا رجل من العارفين يرشد قومه الى الحقيقة فيقول لهم: " قد جاءكم محمد بالفصل من امره وامركم فانظروا اولا بمن يباهلكم ؟ أبكافة اتباعه ام باهل المكانة من اصحابه. ام بذوي التخشع.. والصفوة ة دينا وهم القليل منهم عددا ؟ ! فان جاءكم بالكثرة وذوي الشدة فانما جاءكم مباهيا كما يصنع الملوك فالفلج إذا لكم دونه.. وان جاءكم بنفر قليل ذوي تخشع فهؤلاء

[36]

سجية الانبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم. فاياكم والاقدام إذا على مباهلتهم. فهذه لكم امارة فانظروا حينئذ ما تصنعون بينكم وبينهم " ! ! هذا قسط من الرأي الصائب والنصيحة الرشيدة وهو كاف للقارئ ان يفهم منه انهم على علم سابق من سيرة الرسل واوليائهم الذين طبعوا على غرارهم، وجلي بعد هذا ان اهل التخشع هم الصفوة من اتباع الرسل والانبياء، وموضع ثقتهم وبهلتهم. وهذه كلمات تلقي ضوءا على جانب كبير من الحق وهي في مجموعها صورة صادقة للحقيقة رسمتها كلمات الله في كتبه المنزلة على انبيائه ورسله وهي نصيحة على كل حال. ونصيحة موفقة في كثير من نواحيها. وجدير بمن كانن يصطفيهم الانبياء ان يكونوا القدوة لكل جيل من الاجيال، يجب على المؤمنين الاقتداء بهم والاسترشاد برشدهم وحقيق بالمؤمنين اتباعهم في الطريق التي يسيرون عليها لانهم لا يدلون الا على خير ولا يرشدون الا الى حق كما ورد في الحديث عن عمار بن ياسر ".. يا عمار ان سلك الناس كلهم واديا وسلك عليا واديا فاسلك وادي علي وخل عن الناس. ان عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردى. يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله " واصحاب محمد صلى الله عليه وآله أو بتعبير اوسع المسلمون وان بلغوا مئات الالوف في عهد صاحب الرسالة (ص) ولم يكن طريقهم الى الدين طريقا واحدا ولم يكن هدفهم واحدا ولم يصل الدين الى اعماق قلوبهم

[37]

بنسبة واحدة والذين امتازوا بهديهم واخلاقهم وكمالهم النفسي كانوا افرادا قلائل اولئك النخبة الممتازة ة ومن بين هذه النخبة الممتازة افراد هم الصفوة الصفوة ولباب اللباب هم " اهل بهلة الانبياء " وموضع عناية الله سبحانه وهداة الخلق الى الحق لا يقاس بهم احد ولا يساويهم في المنزلة عند الله احد وهم " سجية الانبياء وصفوتهم " الذين اصطفوهم من بين سائر المؤمنين ولو سئل الله بهم سؤال السائلين. وما كادت تطالع اساقفة نجران ان وجوه اهل بهلة الانبياء حتى ارتدوا على اعقابهم ترتعد فرائصهم بعد لم يثوبوا الى رشدهم من الدهشة التي اخذتهم حينما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى طالعتهم هذه الوجوه المشعة بالنور الرباني في الساعة الحاسمة فاحتوتهم الدهشة ثانية وطاشت عقولهم فقد رأوا وجوها لو سئل الله ان يزيل بها جبلا لازاله. ودنت اللحظة الفاصلة التي كادت ان تفصل بين عهدين، وتحسم بين مبدأين الى النهاية ة التي لا تتصل بحد من الزمن، وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقول الفصل من امره وامرهم، ولا بقاء على الدوام الا للاصلح. ولا شك بان المسيحية لم يبق لها شكلها الروحي، والعالم يحتاج المصلح الذي يطهر العقيدة من دنس الرذائل التي عمت اطراف العالم. واسقف نجران ابى وامتنع عن ان يباهل، فان تلمس الحقيقة في الوجوه التي خرجت لتباهله وليس في نجران ولا في غيرها من يدفع لعنة الله الحاطمة والعذاب النازل فيما لو سأل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه ان يجعل لعنته على الكاذبين ورفعت تلك الايدي للتأمين على دعاء نبيه، وعرفوا انه لن يخطئهم السهم المراش فيما إذا باهلوه وانهم في نقطة التحول، والعقل لا يتصور

[38]

في البراهين اقوى من برهان الوجدان والعيان وهذه سحب البلاء تتدافع في الفضاء. وعرفوا ايضا ان النصرانية قد بلغت حدها المحدود برسالة محمد صلى الله عليه وآله وانتهى اجلها الذي اجلت له وانطوى بين تلافيف الزمن كما طويت شرائع من قبل وليلحق آخرها باولها وحاضرها بماضيها. واستيقن الاسقف ان يومهم هذا لم يعد موصولا بماضيه، وانما هي شريعة جديدة وعدوا بها على لسان السيد المسيح، وكتاب جديد ورسالة نهجت للناس الطريق الامثل ومضت تشق طريقها الى ارواح الناس لتجلوها من صدء الاجرام الخلقي الذي انغمس في مبائتها العالم باسره. وهذا محمد رسول الله بحق يتقدم الى الامم وبيده كتاب الله المجيد ينير البصائر، ويرسم المثل العليا من الفضائل التي تأخذ بيد البشرية الى السعادة الدائمة.

[39]

السمر اجتاز الركب سكك المدينة على خيولهم المطهمة تفوح منه رائحة المسك وعليهم ثياب صونهم من الحرير اللماع، والحبر الموشى، على سرج مزركشة بالذهب الوهاج، قد اعترضوا الرماح على مناسج خيلهم، وكانوا من اجمل العرب صورا. وبعد - لم يكن عجبا إذا افنتن الضعفاء بالوفد النجراني الذي يتمتع بكل المغريات للنفوس الضعيفة. وليس عجبا إذا كان هذا الوفد حديث اهل المدينة، فقد دخلها وفود كثيرة في السنة العاشرة وقبلها يقدمون الطاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ليس فيهم مثل وفد نجران في معالمه الفاخرة وزينته اللماعة يقول المحارث ابن كعب: " ما رأينا وفد مثلهم ". كانت صورة الوفد تمر في نفس اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم جميعا، ولكنه مرور عابر في نفوس بعضهم، وهي اهون عليهم من أن تثير شيئا، فان الرسالة السماوية نهجت لهم الطريق الامثل. على حين استقرارها

[40]

في نفوس البعض الاخر مجلوة بترفها المغدق، ونعيمها الباذخ، رهيبة اللمعان، رنانة الجرس، هفت إليها النفوس الضعيفة واستوعبت مشاعرا وقلوبا ما اضاءها النور المنبثق من رسالة السماء، والضوء المنير من مصباح محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. كان الترف الناعم، والنعيم الباذخ، والعيش اللين الذي يتمتع به وفد نجران حديث جماعة من اهل المدينة في سمرهم ومجالسهم. واين المحتاج الذي يستطيع ان يرد طرفه عن حياة ناعمة، ونعيم ترف ودنيا مزهوة ؟ وأي المحرومين لا يفكر في هذا النضار الوهاج المدلى في صدورهم ؟ وقد صنعوا منه مقايض سيوفهم ووشوا به حبرهم، وسرج خيولهم، ثم لا تنكمش نفسه ولا يستهويه الذهب اللماع ولم تكن نفوسهم قد اكتملت بمناهج الدعوة الاسلامية ولم تتصل بارواحهم لينظروا الى زخرف الحياة نظر ازدراء وليجعلوا متعها تحت مواطئ الاقدام، فان الاسلام هدى الى الصراط القويم، والهدى رحمة من الله تجلو النفس، وصفاء يمحو الظلمة، وسعادة تصوغ النفس من جوهر تتضاءل امامه المادة فلا يبقى لها اي ثمن. ليلة مظلمة. لا يكاد ملتمس يحس فيها بطريقة لولا قبس ترسله النجوم المتلالئة في صفحة السماء تفتح يدها مرة وتقبضها اخرى.. تقدمت جيوش الظلام تسدل الستائر - وقد القى النهار سلاحه - على يثرب مدينة الرسول

[41]

(ص) ومصدر النور.. هو ذا الليل يوغل ايغالا ويلبس القضاء بردته السوداء فتمتد على الكون روعبة السكون، وليس فيه ما يعكر صفحة السماء الا هذه الغيوم التي تدفعها الرياح الى الفناء. ليلة مشهودة، لم تتصل بما قبلها ولا بما بعدها، فان اضطرابات فكرية ضربت حصارها على الافكار والعقول فحارت في شأنها، فان يدا قوية تمرست بعواصم من القوة لم تؤثر فيها قوة الحق. ليلة مشهودة، تزخر بالحوادث وتموج بالوان من الافكار والناس لا يعلمون انها تحمل الحادث الخطير، وان له شأنا بين الحوادث الخالدة الذكر وكل ما يعلمون ان الافكار تتدافع كلما اجتمع اثنان أو اكثر كما تتدافع امواج البحر في الريح العاصفة. فرغ المسلمون من صلاتهم وما كان ليطيب لاكثرهم العودة الى منازلهم ولكنهم تكتلوا في مسجدهم حيث اقاموا صلاتهم يتحدثون كل وما يعنيه من امر الحياة أو شؤون المسلمين العامة. ولقد كان الوفد النجراني سفرا ضخما تجمعت فيه كل الاحاديث وفيه نواح كثيرة للحديث فليس عجبا إذا كان حديث جماعات من المسلمين في هذه اللحظة من الزمن الحالك السواد، فقد كان هذا الاغراق في الترف حريا بان يدفع الناس للحديث عنه، وكان هذا العنت الشديد منه حريا بان يكون موضعا للعجب وللحديث، وان النفوس الفاحصة عن الوقائع اميل الى التوغل في الحديث عن نهاية الطاف في الحادث وانه مشهد يعسر نسيانه وفيه مغريات

[42]

قد لمست اكثر القلوب بكلتا راحتيها. وفي زاوية المسجد حلقة مستديرة كبيرة فيها الوان الافكار ومختلف الاذواق والميول يتصل حديثها بالوفد مباشرة. المحارث بن كعب - أرأيتم وفد نجران في معالمه الفاخرة، وزينته وقد ملات القلوب ؟ والحق اننا " ما رأينا وفد مثلهم " ولكن في حديثهم عن المسيح استحالة لا تصل إليها العقول وما اقر بها الى الوثنية التي كنا ندين بها قبل الاسلام، ولا ادري كيف يتوصل العقل البشري الى انحاد اقانيم ثلاثة في حقيقة واحدة ثم لا يؤثر اطلاق الاب على الابن أو الابن على الاب أو هما على روح القديس، ان هذه لشئ عجاب. بشير - ليس الذنب ذنب الاديان، وانما الاديان جميعها غايتها الاندماج في الكمال الروحي، وانها جميعها تربط البشرية في فكرة واحدة - الله - الواحد الاحد، وما تراه من تشعب المذاهب، واختلاف العقائد، ليس هو من طبيعة الاديان التي جاءت بها رسل الله الى خلفه وانما هو من ذنب القائمين عليها من بعد الرسل، والفكرة المسيحية التي قررها الانجيل فكرة ة واحدة لا تختلف عن الاسلام وهي لا تتصل بما نراه اليوم من نزاع حول طبيعة المسيح وامه والاقانيم الثلاثة. والمسيحية في حقيقتها دين مقدس بحث عن العلاقة بين الانسان وخالقه وبين الروح ومصدرها والشبهات المرتكزة التي نراهها هي بعيدة عن الناموس الاكبر الذي جاء به عيسى بن مريم. وهذه النصرانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها واعتنقها الملوك والامراء

[43]

واهل الغنى والثراء قد تزحلقت الى ما تراه وهي اقرب الى الوثنية: ونجران اهم موطن للنصرانية في البلاد العربية وهؤلاء القسس قد شاهدوا وثنية العرب تنهزم امام الاسلام، وهم اليوم يحاولون ان لا تنهزم النصرانية كما انهزمت الوثنية، ويحاولون ان لا ينخذلوا امام محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما انخذل زعماء الوثنية واذن ليس عجبا ان يظهروا بهذا المظهر الخلاب، واحسب ان الخاطر الاول لهذا الوفد هو العبث بالمسلمين عن طريق الغني والثراء، فانه المشهد الذي يشق طريقه الى النفوس سريعا، ويعسر على الذاكرة نسيانه طوال الايام ولكن ما اقصر مرمى عيونهم، فان رسالة الاسلام مضت تشق طريقها الى الارواح والقلوب، ونهجت للناس المنهج الامثل وتلقى الناس الاسلام مرتاحين إليه فلا يغري المسلمين الثراء. وركام المادة قد داسه المسلمون تحت حوافر خيولهم في ساحات التضحية في سبيل الله. انس - التوحيد دعامة الاسلام الكبرى وطبيعي ان يصطدم بالعقائد التقليدية التي عليها الناس ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع الى ذلك قبل ان يدعو الى فك قيود العقل والتأمل في ملكوت السماوات والارض والتوحيد اشرف العقائد واجدرها بالانسان في ارفع حالاته العقلية، غير ان هؤلاء القسس لم يأتوا عن طريق المعقول في دعواهم في عيسى عليه السلام، وليس في حقائبهم من البراهين على الثالوث المتحد الا الخوارق التي جاء بها عيسى من ابراء الاكمه والابرص واحياء الموتى وانه خلق من غير اب وليس هذا بالشئ الجديد في رسالة الرسل والانبياء، ولقد

[44]

كان لموسى من قبل عيسى امثال هذه المعجزات وقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم فخلقه ابلغ من خلق عيسى. لقد حاججهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق المنطق والعقل الا انه يلوح انهم ركبوا متن غرورهم وسدروا في الغي جاحدين كل دليل وبرهان، وكأنه كتب على الانسانية ان تبقى على الاعين هذه الحجب والغشاوات التي تصد عن الهدى. أبو سعيد - ان الامر تعدى عن طوره المعقول وقد افسد الديانون القائمون على الشرائع وتنفيذها فكرة التوحيد لاهواء نفسية واغراض شخصية وفكرة الله في الاسلام بلغت غاية المثل الاعلى في صفات الذات الالهية المقدسة وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل بكلتا راحتيه القرآن يشع بالنور وسحر البيان وقد بالغ في تقرير ما ينبغي الاعتقاد به في الذات الالهية كل ذلك بقياس من العقل والمنطق والبرهان الواضح. ولكن القسس واتباعهم عصبوا عيونهم بعصابة من التقليد فلم يبصروا النور ولا تلمسوا الهدى الذي يدعو إليه القرآن، وقد غلبت على عقلوهم فتنة البذخ والترف الذي هم عليه. ان هذه المتع الجوفاء التي تحجب عن الابصار الضوء، وعن القلوب النور وهذه المعالم الفاخره تسهل السبل للانسان من ان ينغمس في النعيم الزائل، افلا تنظر إليهم وما من واحد منهم الا ويهمس في اذن الاخر مشيرا الى حالة المسلمين الزاهدة، وكيف يولى بني المسلمين الدنيا ظهره معرضا عنها ؟. ولقد حدثني بعض من ارسله النبي الى نجران ان احد رجال هذا الوفد التفت الى محدثه وقال

[45]

: ".. اما رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم ؟ اكرمونا ومولونا ونصبوا لنا كنايسنا واعلوا فيها ذكرنا، فكيف تطيب النفوس بدين يستوى فيه الشريف والوضيع " ابن ارقم - هذه حقيقة واضحة يستطيع كل واحد ان يتلمسها في رجال هذا الوفد وكأنهم يرون الحياة في اثوابهم لا بقلوبهم وقديما، قالوا ان قوة المرء بقلبه ورجال نجران انحرفوا عن جادة المسيح عليه السلام الى اصطناع اساليب تضمن لهم العيش باسم الدين في اللحظة الاخيرة ولم تنفع البراهين ولم يؤمن وفد نجران بحجج الوحي المبين اوحى الله تعالى الى نبيه (ص) " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " وليس وراء برهان المشاهدة برهان آخر طائف - ان الله سبحانه امر نبيه ان يباهل وفد نجران صوت ججل في فضاء المسجد رنان الجرس لم يسمعه احد الا تلفت حواليه وتهللت اساريرر وجهه، وسرى في المدينة كنسمة الصبح العليله تحمل صوت الحق الناعم الى النفوس الخاشعة ويعبق شذاها بالامل الباسم في مرحلة التمييز - تمييز الحق من الباطل - والترجيح في كفتي الميزان العادل البراء بن عازب - لقد انيلج الصبح عن شمسه، واستبان الحق من الباطل، فان كشف الحقيقة عن طريق المشاهدة ة اوقع تجليا باكمل الوجوه

[46]

واوضحها في النفوس. ولهذه المباهلة قيمة تزيد عن قيمة المنطق والاقيسة لانها قيمة الشهود في النفس الحساسة والعقل الواعي. وان البراهين والادلة جميعا لا تغني في ساعة الجدل إذا لم يلتمس العقل قيمها المحسوسة، وإذا كانت ادلة المؤمن ارجح من ادلة المنكر وتلمسها المنكر بعقله الواعي فقد اغنى الدليل غناه، والا فليس في البراهين شئ ادل واصلح للاقناع من وضع الحق والباطل في كفتي الميزان. قيس - حقا ما تقول فداينع الغرس إذا كان هؤلاء يبصرون بعين أو يسمعون بأذن أو يرجعون الى عقل، واما وهم ليسوا كذلك - وقد فتنهم زخرف الحياة - فان الجدل لا تغني فيه البراهين والادلة، ولا تجلوه الاقيسة والحقائق والعقيدة فأن 1 زائد 1 يساوي 2 هذا في واقع الامر، اما في الجدل الديني والعقيدة فأن 1 زائد 1 يساوي 4 أو 5 أو الفا وكأنه خفى عليكم ان مسألة الثالوث مشكلة ة تطلب الحل ولقد استحال حلها ويستحيل على العقول حلها ولكن النصرانية اليوم قررتهها وان امتنع الحل وهل هذا الا من عمل الرهبان القائمين على تنفيذ شريعة المسيح. البراء - ان للانسان وعيا يشعر معه بما في هذا الكون من جمال ونظام، واسرار والغاز، وقد يحتجب ذلك عن انسان فلا يدرك شيئا من هذا الجمال والنظام والاسرار ولكن هذه المباهلة ترجيح بين نوعين من الادلة والبراهين. وليس ادل على تهيئ الجو الصالح لانبثاق النور والهدى من ترجيح هذا النوع من البرهان الملموس بالمشاهدة، فأنن لعنة الله الا بدية لابد ان تقع على الكاذب منهما، ولا يسلم الكاذب من العذاب المحيط الشامل.

[47]

رجل - اترون ان رسول الله (ص) يخرج لمباهلتهم منفردا ام يخرج معه اصحابه واهله ؟ ؟ انس - لاشك بأنه يخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وابو عبيده وجماعة من الانصار. البراء - على هونك ان هذا تراث من عوسج خلقته لنا النوازع النفسية والميول الشخصية التي حاربها الاسلام، وما اجملها لو اننا تحررنا من سيطرة هذه النوازع التي تقلبت على سائر الحدود ولم يقيدها حد، ولقد كانت الميول من قديم الزمن وقد اشغلت المفكرين ورجال الاصلاح لكن بدون جدوى. انك لتعلم وكل واحد ان صحب محمد (ص) ليسو فئة واحدة موحدة الهدف وانما هم فئات واغراضهم شتى واهدافهم مختلفة ولا اريد ان اقول انا نحيط بحكمة الله تعالى لتعلل هذا الاختلاف، ولكن الميزان الذي بأيدينا والذي يحسن ان نزنن به الاشخاص انما هو العمل فقط، واعمال كل شخص هي التي ترجحه في كفة الميزان، واغلب الظن ان رسول الله (ص) إذا اراد ان يصحب احدا انما يصحب معه الرجل المعدوم العثرات الزاهد في الحياة، وإذا كنا لا نحكم النوازع النفسية ولا نميل مع الاغراض، فكل احد يعلم بان في صحب محمد من هم ادنى إليه مجلسا واقرب من ربه مقاما أثمة ايمان اذلوا النفوس، وقهروا الابدان وفنيت قلوبهم ونفوسهم في ذات الله رضوا من الحياة بما دون الكفاف وهم غير من ذكرت. غلب على الجالسين وجوم آفتة ضيق افق نفوسهم

[48]

عن تفهم الصحابة واحدا واحدا وكأنهم رجعوا الى الماضي يفتشونه حادثا فحادثا ليميزوا بين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهل - حقا انا لا نملك الميزان الصحيح ولكن شيئا واحد لا يجوز ان ننساه ونغفل عنه فان منطق الحوادث التي رأيناها منذ بدء الدعوة الى الاسلام يقضى قضاء لا معدى عنه ان رسول الله سيصحب معه ابن عمه علي ابن ابي طالب فأنه " من اهل البيت لا يقاس به احد مع رسول الله (ص) في درجته " وهو وزيره وكاشف الكرب عن وجهه. في المواقف الكثيرة من حروبه وليس في المسلمين من يضاهي عليا بمكانه وزهدهه واخلاصه وعلمه وفضله ومنزلته فقد بلغ الغاية القصوى وارتقى الى اعلى مرتقى ولقد حدثني من سمع رسول الله يقول: " من اراد ان ينظر الى آدم في علمه والى نوح في عزمه والى ابراهيم في حلمه والى موسى في هيبتهه والى عيسى في زهده فلينظر الى علي بن ابي طالب " (1) وهو الرجل الذي لا يخزيه الله ابدا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (2) وهو من رسول الله بمنزله هارون من موسى. ومولى كل مؤمن ومؤمنه.


(1) اخرجه احمد في مسنده والبهقي في صحيحه والتفسير الكبير في تفسير آية المباهلة انه متفق على صحته (2) من حديث سهل الساعدي رواه البخاري ومسلم. (*)

[49]

البراء - لم يكن ما حدثتنا به الا حلقة من حلقات فضائل علي ولقد تساندت فضائله بعضها الى بعض وانتشرت انتشار عمود الصبح تجلي ظلمته القلوب وله في قلوب خلص المسلمين حضوة وفي نفوسهم ولاء. ان عليا نهج لنفسه الرسالة السماوية مثلا يسير عليه في كل خطوة من خطواته وفي كل حركة من حركاته وعند كل نفس من انفساسه، ومن استوعب حياة هذا الفتى عرف كيف ذهب يشق طريقه الى الله تعالى ولقد تفتحت جوانب قلبه للرسالة المحمدية فوعاها وآمن بها ايمانا لا بشبهة ايمان، ورأيناه في البدء اول من يبادر الى اعتناق الاسلام ثم سار مع الايام يشبع غرائزه من المنهلين العذبين القرآن واخلاق النبي، وصفت نفسه صفاء استوعب لب الاسلام من مصدريه. ولقد اصبح الرجل الاول بين المسلمين والمصدر الاول والاخير بعد رسول الله، نضج هذا الفتى نضوجا لم ينضجه احد من صحب محمد (ص) نضج في تفكيره في هذا الكون ونضج بملازمته لصاحب الرسالة منذ فجر صباه في سن الطفولة فليس ثمة احد يضاهي عليا بما دلف إليه من تعاليم الاسلام واخلاق محمد (ص). وفي الحق ان هذا الفتى نبتة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الاسلام، فندفع يسير كما يشاء له النبي ويريد له كتاب الله فبلغ غاية الشأو كما صار ملتقى المنبعين كتاب الله وسنة رسوله وقد قرن النبي حب علي بحبه وبغضه ببغضه.

[50]

ولكن هذا حدث خطير يحمل في دقائقه معالم الحكمة وفي روحه وتشريعه معالم الانذار بغضب الله، وقد انبأت عنه كلمات الله ولم يسبق له مثيل في الاسلام ولا قبله فلا تسيره مشيخه الاصحاب ولا كثرة الرجال والعدد وان محمدا في كل عمل من اعماله مقيد بمبدأ يسيره ربه عليه في الطريق الا خاذ الى المثل العليا التي اعدت للانسانن الكامل بسائر انواع الكمالات النفسية والسياسية فقد يسمح له ظرفه بأن يصحب عليا وغيره وقد لا يسمح له وقد يكون من السياسة ان يصحبه وقد لا يكون، والامر وراء ذلك كله ينزل من السماء. يمر حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي وابو ذر وعمار يتحدثونن بدعوة رسول الله (ص) وفد نجران الى المباهلة وحذيفة يقول: ان الوحي غشى النبي ونزل عليه " قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " البراء - صدق الله العظيم هذا ما كان يختلج في نفسي ويعتقده ضميري. بشير - اترى يخرج ومعه جميع نسائه ام يقتصر على عائشة وحفصة وام سلمة. زيد - ايم الله ان المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى ابيها وقومها ونساؤه من حرمت عليهن الصدقة (1) رجل - يلتفت الى البراء بن عازب - الانسان لا يدعو نفسه فمن هي النفس التي هي رسول الله ويدعوها الى المباهلة ؟.. ومن هم الابناء الذين تعينهم الاية الكريمة.


(1) اخرجه مسلم في صحيحه في باب فضائل علي.

[51]

البراء - لا اعلم ! الى حذيفه وسلمان وعمار وابي ذر فأنهم من خلص اصحاب النبي واعلم بالسر. يذهبون الى حلقة مؤلفة من اربعة يتناجون بصوت خافت كأنهم يحفرون قبرا لسر يريدون ان يدفنوه في ضمائرهم. بشير - الى حذيفة: يا ابا عبد الله لقد اشار الله سبحانه الى قصة الوفد في كتابه المجيد بابلغ واسمى ما تعرفه البلاغة من السمو وان هذه المباهلة ة قد رسمت المنهج الامثل للمتخاصمين في الله.. ولكن من هم الابناء الذين يدعوهم رسول الله ؟ ومن هم النساء والانفس ؟.. حذيفة - ان الحافز لهذه المباهلة هو الحرص على توطيد دعامة الحق، وواضح ان مقياس الاختيار انما هو فضل الاشخاص الذين يقع عليهم الاختيار وعلى مقدار تمتعهم بالفضيلة والتقوى يقع على الاختيار، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتجه الا حيث يوجهه الله تعالى ويلوح لي ان الذين سيقع عليهم اختياره هم: علي من الانفس وفاطمة من النساء والحسن والحسين من الابناء. بريدة - " يلتفت الى حذيفة وهو مضطرب الاعصاب " أيترك عمه العباس وابا بكر وعمر ويختار هذا الشاب الفتى ويجعله كنفسه ؟ ! ثم يترك احب نسائه إليه، واعزهم عليه عائشة ؟ ثم يترك ابناء عمه وعمومته وابناء المهاجرين والانصار ثم يختار طفلين ليباهل بهم هذا الوفد الجبار ؟ !.. ليس هذا من المنطق

[52]

الصحيح في شئ. أبو ذر - يلتفت الى بريرة بغضب شديد - لامك الهبل، انها كلمات جوفاء لا تملاء جوفا تملؤه ذرة من هذه الذرات المبعثرة في الفضاء، ولا يجهل احد انك خاضع في حديثك لتيارات جاشت بها نفسك حقدا وحسدا وهما يصتطنعان لك هذه الاساليب. أيقال لمثل ابن ابي طالب ذلك ؟ ! قل لي هل وقعت عينك أو عين احد على احد انقى صحيفة من علي صنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن فاطمة بضعته التي من اغضبها فقد اغضب رسول الله ومن اغضب رسول الله فقد اغضب الله ومن ريحانتيه من الدنيا سيدي شباب اهل الجنة. ولا اظن ان احدا من المسلمين لم يسمع رسول الله يقول " ان مثل اهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك (1) وان مثل اهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له (2) ولقد رأيته آخذا بيد علي فيقول " يا علي انت اخي ووصي ووزيري واميني مكانك مني مكان هارون من موسى الا انه لانبي بعدي من مات وهو يحبك ختم الله عز وجل له بالامن والايمان ومن مات وهو يبغضك لم يكن له نصيب في الاسلام. حذيفة - (الى بريده) ارى الافضل لنا ان نهئ قوانا العقلية لتصل


(1) اخرجه احمد. وللبزار - كما في ينابيع المودة - من تركها غرق. (2) اخرجه الطبراني في الاوسط وابو يعلى واحمد عن ابي ذر.

[53]

عن طريق الروح والعقل الى الواقع، وان الاهتداء لواقع الامر عن طريق القوى الروحية والعقلية هو اعلى ما تصل إليه افكار المفكرين، وانه العنت كل العنت الوصول الى الحقائق عن طريق الرأي وكم رأينا وسمعنا ان الرأي يخلق المصاعب ويضع العقبات في طريق التفكير وبالاخير لا اراه يصل وان وصل فان يصل وهو محطم القوى وحسبنا جميعا ان نرجع الى كتاب الله، فانه حفظ لنا كثيرا من الايات في فضل هؤلاء النفر ولحظات قصيرة في تلك الايات الكريمة كافية للتدليل على فضل العترة المباركة " ولكن الحسد اهلك الجسد " واخيرا احب ان اطلعك ان الله سبحانه اختار عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ليؤمنوا على دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن الاختيار من رسول الله.

[54]

يوم المباهلة استيقظت المدينة المنورة من نومها ومسحت عن عينها فترى الكرى وشبحت العيون فإذا صورة ثانية من الزمن غير التي يعرفونها بالامس الماضي. الارض واجفة.. والشمس كاسفة.. والسحب داكنة.. اصبحت البلدة الطيبة غيرها بالامس.. ولم تكن كعهدها بالهدوء.. الناس في جيئة وذهوبة.. اصبحوا وفي القلوب خلجات.. اصبحوا وعلى الشفاه همسات صغت إليها الاذان وارهفت غرب الاذهان.. لم يبق من لا يتحدث ثم هو لا يستفيض في الحديث.. والحديث كله عن المباهلة والمباهلة سفر ضخم فيه كل لون وكل حديث. انهم ليحزنهم التطيرر المشفي على الجزع ! انهم يشفقون من المستقبل !. مدت الاعناق لترى الساعة الرهيبة وصغت الاذان للرعدة القاصفة. انها لقريبة جدا ساعة المباهلة أو ساعة الانذار بلعنة الله على الكاذبين.

[55]

هذه الشمس تركت خباءها تزحف وشئ مجهول يزحف معها يجلجل صوته كالرعدة القاصفة. ها هي المسامع تستك والفرائص ترتعد. ساعة من الزمن منتظرة هي الزمن كله.. انها الساعة الاخيرة على احد المتباهلين أكانت هذه الساعة وليدا جديدا لم يشاهد لها مثيلات من قبل ؟ ! أم هي خلجات القلوب ترقب الحادث الجديد ؟.. انها ارتسامات الشعور الهادئ المضطرب معا.. عيون تنظر من كوة الحياة الى صنفين.. انها العقل الواعي يقارن بين عهدين: العهد الماضي والعهد الحاضر.. وبين مبدئين.. كلمة واحدة وليس بعدها اخرى ثم ترتفع السجف ويتضح الحق مشعا.. أمل باسم يطفح بالنور.. وقلوب معتمة حيرى عصف بها الاسى وتكاد تفر من اقفاصها لو فتح لها الباب. يوم مشهود يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة (1) تطلع الناس فيه الى بزوغ شمسه كما تطلعوا الى سابقه يوم دخل الوفد ولكل يوم منهما حدوده ومقاييسه فلا تغيب اثارهما. يحمل اليوم الاول فتنة البذخ الى نفوس الضعفاء. والثاني يحمل الدعوة سافرة.. اجل انه اليوم الذي يحمل بين


(1) هذا هو المشهور وقيل كانت المباهلة في يوم الواحد والعشرين وقيل الخامس والعشرين وقيل في السابع والعشرين.

[56]

تلافيفه المفاجأة الكبرى، والدعوة سافرة لا يسترها شئ، وهي من مقولة الارقام وليست من مقولة الجدل والبرهان.. يوم ليس كمثله يوم. يحمل بين طرفيه الحادث الخطير يجر في اعقابه الف حادث وحادث، يحمل في طياته عدالة السماء وغضب جبار السموات والاررض ليعطي كلا من المتباهلين نصيبه منهما، ويكاد الناس ان يؤمنوا انها النهاية بعد ان ترفع الاكف للابتهال، وتجأر الالسن بالدعاء. يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة يوم مشهود.. مصدر عظمة في سلسلة الايام الاسلامية.. يوم تألق نوره بين الايام المشعة في الرسالة المحمدية.. يوم مشهود حقت فيه كلمة الله العليا.. وتمت الغلبة للاسلام. و. يوم مشهود. عنت قبة رقاب اولئك السادة لشريعة الحق، واعطوا الجزية عن يد.. يوم مشهود.. يبسم بالامل الزاهر. يطوي صفحة من حياة ويفتح صفحة اخرى، يتلقاها العقل من مصدرها بالبرهان المشاهد. ولاشك في انها من المع صفحات تاريخ الاسلام. يوم مشهود. لا شبيه له ولا مثيل، ولا يقاس به يوم الا كان القياس خطأ لما تبين فيه من الحق، وظهر فيه من فضل آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم على سائر الناس.. وآل محمد لا يقاس بهم احد. يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة ناصع الحبين مشرق المحيا تتراءى خلاله العظمة باهرة الحلال، تلفت الى حيث شئت فالمك ترى روحية عالية،

[57]

وقدسية سامية تتصلان باعماق النفس. يوم مشهود. قف منه حيث شئت فانما تقف على عظمة الرسالة المحمدية تتجلى في نفس واحدة من الانفس الكثيرة وامرأة واحدة من نساء كثيرات وطفلين، طفلين لا غير. هم جميعا صفوة الصفوة ولباب اللباب، الذين اختارهم الله لكرامته، واعدهم لهداية امته من بعد نبيه... يوم مشهود.. اختصم فيه خصمان بربهم.. لقد جاءت الساعة المرتقبة. واللحظة المنتظرة لحظة فقط تتفجر فيها براكين الارض وترسل السماء شهب النار. لحظة واحدة يهلك فيها الكبير ويفنى الصغير حيث زلزلت الارض زلزالها. انطلقت الابصار الى الجهة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترقب الثغر الباسم والجبين المشرق والوجه الاغر.. يالجلال الله.. هو ذا رسول الله ووجهه يشع بالنور تسبيحه هيبة الله... يالعظمة الحق وجلال الايمان. هو ذا يحتضن الحسين ويمسك بيمناه الحسن وخلفه بضعته الزهراء مغشاة بملاءة من نور الله، وهذا علي يمشي خلفها باهر الجلال، يرتدي بردة من مهابة الله. المباهلة هي القول الفصل في نهاية الجدل وقد اختارها الله لنبيه واختار له الاشخاص الذين يؤمنون على دعائه.

[58]

وبعد - فالعقل لا يصل الى صورة ارفع من هذه الصورة والى اشخاص في رتبة هؤلاء أو ارفع لئلا يقع من العليم الحكيم الترجيح بدون مرجح في المرحلة الحاسمة.. ولان العقل لا يساند الاختيار الا إذا وقع على الامثل الامثل من المثل العليا. وليس في مكنون علم الله سبحانه امثل من هؤلاء. فالله " عالم الغيب والشهادة.. ولا يعزب عنه مثال ذرة " " امر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشجرتين فقصدنا (1) وكسح (2) ما بينهما حتى إذا كان الغد امر بكساء اسود رقيق فنشر على الشجرتين " على هيئة المخيم. " وخرج السيد والعاقب بولديهما وعليهما من الحلي واحلل ما يلفت الانظار ومعهم نصارى نجران وفرسانن بني الحرث على خيولهم، وهم على احسن هيئة كأنهم ليوث غاب " واجتمع الناس من اهل المدينة ومن حولها من الاعراب واهل الالوية يرقبون الحادث لا يعرفون ما هو مقبل عليهم، عندهم ثقة تامة ولكن يرتادهم شك، ولهم ايمان راسخ ولكن يراوده قلق، وقد ضرب الاضطراب عليهم نطاقه والقلق مد روافه، فهذه وجوه عليها غبرة ترهقها قترة، وهذه وجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة.. الشمس تسير بافقها مضطربة كاضطراب هذه القلوب... هذه الرياح تهب من حول الناس بالوان مختلفة تارة مهيبا واخرى رهيبا. الناس جمود يتحركون.. صامتون يتكلمون آمنون وجلون.. حيارى وما هم بحيارى، واوشك الناس يتبينوا ان الانقلاب


(1) اي كسرتا (2) كنس ما بينهما

[59]

العظيم، فخذلتهم عقولهم وخانهم صلب ايمانهم. " وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محتضنا الحسين وبيده الحسن ومن خلفه فاطمة الزهراء ومن خلفها علي.. فتقدموا الى ان وقفوا تحت ذلك الكساء على الهيئة التي خرج عليها " يقول لهم: " إذا دعوت امنوا - قولوا آمين - وارسل الى السيد والعاقب يدعوهما الى المباهلة. جفل الوفد وانكمش على نفسه، فانهم لم يثوبوا الى انفسهم من دهشتهم بالامس حينما اجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد اخذ عليهم آفاق الارض والسماء حتى احتوتهم الدهشة ثانية من هذه الاوجه الكريمة - لم يأتنا أبو القاسم باهل الكبر والشدة من اتباعه. وانما جاءنا بالاعزة والاحبة من اهل التخشع وبهلة الانبياء والصفوة الصفوة المختارة تمر لحظات يتهيب فيها الوفد ويحار.. لحظات كأنها الدهر الخالد. لحظات قاسية لم يعانها احد على نحو ما عاناها القسس، ولم يشق بها احد مثل ما شقي بها هؤلاء. انها الساعة الاخيرة وانه ليكاد اليقين يمس قلوبهم بصدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. يأس جامح ملك قلوبهم. يتقدم السيد والعاقب الى رسول الله (ص) - " يا ابا القاسم بمن تباهلنا ؟ ! - " اباهلكم بخير اهل الارض واكرمهم على الله. هؤلاء واشار الى

[60]

علي وفاطمة والحسن والحسين " - " فما نراك جئت لتباهلنا بالكبر ولا الكثر. ولا اهل الشارة ممن نرى ممن آمن بك واتبعك، وما نرى هنا معك الا هذا الشاب والمرأة والصبيين ابهؤلاء جئتنا نباهلك ؟ ! - اجل: " بهؤلاء وهم خير اهل الارض وافضل الخلق " استكت اسماعهم وارتعدوا كأنما الارض تريدان تسيخ بهم، ساعة خاصمتها الرياح المختلفة في هبوبها والاعاصير الهوجاء، ثم رجعوا الى اسقفهم. - ابا حارثة ماذا ترى ؟ - ماذا ارى ؟ " اني لارى وجوها لو سئل الله بها ان يزيل جبلا من مكانه لازاله.. أفلا ترون محمدا رافعا يديه ينظر الى ما تجيئان به ؟ وحق المسيح ان نطق فوه بكلمة فلا نرجع الى اهل ولا الى مال " أفلا ترون الشمس تغير لونها، والافق تتجمع فيه السحب الداكنة والرياح تهب هائجة سوداء حمراء وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان ؟ " لقد اطل العذاب انظروا الى الطير وهي تقئ حواصلها والى الشجر كيف تساقط اوراقها، والى هذه الارض كيف ترجف تحت اقدامنا ؟ ! " " والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالامر الفصل من امر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن وكان الاستئصال.. وانما عهدكم باخوانكم حديث وقد مسخوا قردة وخنازير.. "

[61]

وبحكم لا تباهلوه.. " لا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصراني الى يوم القيامة " - الى يوم القيامة !. - نعم: الى يوم القيامة. وذكروا انهم قالوا: " يا ابا القاسم رأينا ان لا نباهلك.. وان نقرك دينك، وان نثبت على ديننا. فإذا ابيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين - لا نسلم.. ولا نترك دين ابائنا !. - انا جزكم القتال انها الحرب المهلكة.. لا طاقة لنا بحرب العرب ولكن.. - ولكن ماذا ؟ ! نصالحك على ان لا تغزونا، ولا تردنا عن ديننا على ان نؤدي اليك في كل عام حلة الفا في صفر والفا في رجب وثلاثين درعا عاديه من حديد يقول اليعقوبي وغيره: فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الفى حلة من حلل الاواقي (كذا) قيمة كل حلة اربعون درهما فما زاد ونقص فعلى حساب ذلك وكتب لهم رسول الله (ص) كتابا. بسم الله الرحمن الرحيم. " هذا كتاب من محمد رسول الله لنجران وحاشيتها إذ كان له عليهم

[62]

حكمة في كل بيضاء وصفراء وثمرة ورقيق فما زاد ونقص فعلى هذا الحساب الف حلة في صفر والف في رجب وعليهم ثلاثون دينارا مثواة رسلي فما فوق وعليهم في كل حرب باليمن دروع عارية مضمونة لهم بذلك جوار الله وذمه محمد فمن اكل الربا بعد عامهم هذا فذمتي منه بريئة " فقال العاقب: يا رسول الله انا نخاف ان نأخذ بجناية غيرنا فقال اكتبوا: " ولا يؤخذ احد بجناية غيره " وذكروا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لاصحابه: " والذي نفسي بيده ان الهلاك تدلى على اهل نجران ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران واهله حتى الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا. " موقف حساس وهل من سامع لهذا الكلام من رسول الله، ومشاهد لموقف هؤلاء النفر الى جانبه صلى الله عليه وآله وسلم ثم لا يمثل قلبه اجلالا واكبارا ثم لا يعترف بفضل الانفس والنساء والابناء، والمؤمنون العازفون عن الدنيا شعروا بمقامهم وامتلات قلوبهم ايمانا بمنزلتهم السامية، واعترفوا بتقدمهم. ولم يشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يقف هنا ولم يدع الناس ان يمضوا قبل ان يتحدث إليهم عن ربه في نقاء هؤلاء الاربعة وطهرهم. في هذه الساعة التي لا يزال الناس في دهشتهم وروعة الجلال التي

[63]

ملكتهم يعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نقاء آل رسول الله وطهرهم من كل دنس. تقول السيدة عائشة: " خرج رسول الله وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت " ماذا بقى بعد هذا ما يحمل القلوب على الالتفاف حول اهل البيت واي شئ بعد الطهر والنقاء من كل رجس يحمل الناس على التهافت الى حضيرتهم السامية ؟. صوت رفيع من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلق من حاضرة الاسلام مع الريح ثم صار يشق طريقه في الفضاء رنان الجرس يقرع في سمع الاجيال جيلا فجيل حتى اليوم وحتى قيام الساعة صارخا. هؤلاء فقط اهل بيت النبوة وموضع الرسالة.. هؤلاء فقط. الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. كلمات طرقت الاذان واستوعبها مشاعر المؤمنين رسالة السماء وكلمات الله تنهج للناس الطريق الامثل الا يلج، انه التنزيل بنصوص آياته وروح معانيه يرسم لنا صورة مثالية لاولياء ارتفعت عن التفكير والتصوير. انه صوت الله يفرع الاسماع فأين اين ؟. والى اين ؟ انها الرواسب المادية في نفوس جعلت من المسلمين صنفين.

[64]

أفضل الخلق يجدر بنا ان نقف عند هذا الحادث الخطير قليلا، فأن لهذه المثالية الساميه التي رسمها كتاب الله لال رسوله حقوق في ذمة المسلمين لا يستطيع الزمن ان يقضى عليها أو يتناولها بتحريف، مهما انتهج من اساليب واصطنع من اعوان، لان النهج الذي نهجه كتاب الله واضح لا يدخله اي تعديل ولا يمكن ان يتناوله التحريف، وان تناوله التأويل، ومن ثمة تشعب الطريق بين المسلمين وذر الخلاف قرنه، ولكن الحق عزيز الجانب قد بث عيونه ونشر جنده ومن المستصوب ان نقف هنا موقف المعقب على هامش المباهلة علنا نخرج مع القاري ولم يفتنا الصواب حينما يسفر البحث عن براهين متنوعة لاثبات مثالية الانفس والنساء والابناء وحينما تكون النتيجة انهم افضل الخلق وهذا صحيح عن وجهة العقل ومن وجهة الواقع من وجهة الاختيار الذي وقع عليهم. فأنه واضح جلى ان الاختيار الذي وقع على علي وفاطمة وحسن وحسين له اهميته الكبرى في تقرير مرتبة الفضيلة وانحصارها. ولان السبب الذي طوى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعا وخفرات المجد من عمر العلى وشبيبة الحمد جميعا، واصحابه جميعا، وابناء

[65]

المسلمين جميعا في زاوية ولم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احد من هؤلاء لم يبق مجالا بأن الذين وقع عليهم الاختيار، لا يقاس بهم احد من الناس الا كان القياس خطأ لان القياس انما يقع في المرحلة التي يصح بها القياس، والذي لا مثيل له لا يقاس عليه. والاختيار دلنا على انهم لا مثيل لهم، والبداهة تستلزم ذلك، والعقل يحكم ونحن لانجد صعوبة في الفهم حين نفهم من هذا الاختيار التفضيل المطلق والكمال المطلق في المرحلة الاخيرة. ليس على الانسان حساب في فهم التفضيل حينما يعلم ان الله سبحانه اختارهم في ساعة المقايسة والموازنة. " والله بكل شئ عليم ". وهداية الله سبحانه تأخذ بيد الانسان فتخطو به الى المثالية الرفيعة وليس في العقل ما يمنع من الوصول الى اعلى درجات الكمال، ولكن العقل لا يفهم هذا الا باعتبار الوصول الى فهم الحقيقة الالهية فهما كاملا الى حد الفناء في الله. كما وانه ليس لاختيار الله مقاييس اخرى غير مقاييس الفضيلة على اعتبار الوصول إليه تعالى وصولا مقربا منه، وقد فنيت قلوب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذات الله وكان لهم من الحياة الفضلى والفناء ما يثبت لهم المثالية المطلقة في كل مقاييس الفضل، والكمال النفسي والشخصي، وقد جاء الاختيار منه برهانا ساطعا لا يفسح مجالا الى قيل وقال ولا الى استدلال.. وبعد - فالعقل لا يتصور مثالية ولا عبقرية ارفع من مثاليتهم وعبقريتهم، فهم الراجحون في مقاييس الفضل والسبق والشرف والايمان

[66]

اولئك هم كيف واجهتهم، ومن اي النواحي اتيتهم، تجدهم الراجحين في مقاييس الفضل والفضيلة. في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسع نسوة، ولسنا في حاجة ة الى تصوير من فيه منهن الكفاية من ناحية الدين والخلق والكمال فانهن امهات المؤمنين حقا، وفي المدينة من المهاجرين والانصار وبني هاشم جمع غفير تجاوز عشرات المئات الى عشرات الالوف، وفيهم النخبة الصالحة الممتازة من المقيمين على الحق، اعتصموا بحبل الله وحبل الرسول صبروا على الاذى، وجاهدوا في سبيل الله، اولو سابقة في الاسلام، اخلصوا لله في نياتهم، وتوجهوا إليه بقلوبهم واعمالهم، راضوا انفسهم في سبيل كمالها فرضوا من الدنيا بالكفاف، وفي بني هاشم والمسلمين من الابناء ما يزيد عن العد احتفل بهم التاريخ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طوى هؤلاء جميعا، واولئك جميعا وتركهم جانبا، ثم خرج بعلي (ع) من الانفس وبفاطمة (ع) من النساء وبالحسن والحسين (ع) من الابناء ولم يخرج معه احدا غيرهم. ولماذا ؟ ؟.. حدثونا فيما حدثونا به عن ابي رباح مولى ام سلمة يرفعه الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب هذا السؤال انه قال: " لو علم الله تعالى ان في الارض عبادا اكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين لامرني ان اباهل بهم، ولكن امرني بالمباهلة مع هؤلاء

[67]

- وهم افضل الخلق - فغلبت بهم النصارى " بهذا يواجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصحابه حيث يسأل وبهذه الكلمات الوجيزة يعلن عن قيم اصحاب الكساء واهل آية المباهلة وقدسهم وسموهم وعن مكانتهم من الله عز وعلا حقا ان مثل هذا الخبر له قيمته في تعرف قيم آل رسول الله الذين اختارهم الله ليباهل بهم رسوله قسس نجران ونحن لانجد تصويرا لسمو فضلهم ادق واصدق من هذا التصوير المعلن برفيع مكانهم وكبير قدرهم وسامي منزلتهم وعظيم فضلهم، ويحسبنا ان نستمع إليه يقول " لو علم ان في الارض اكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين لامرني ان اباهل بهم " بخ بخ ليس في علم الله احد افضل منهم، لا في الارض ولا في السماء. وان هذا التعبير ينشئ في نفوسنا صورا شتى من القيم المثالية التي تعبر عن قيمهم الرفيعة في المجتمع الروحاني الاقدس وهذا هو الشرف العظيم الذي تطامن إليه الرقاب نجوعا ولهذا الحديث منشآة عالية في النفوس فهو ينشئ في نفوسنا صورا من قدس النفس وعظيم المنزلة، وينشئ في نفوسنا صورة من الفضل والكرامة عند الله تعالى، وانه ليس احد اكرم عليه منهم، وينشئ في نفوسنا صورة مثالية رفيعة ارتفعت عن كل تفكير، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باهل بهم وهم افضل الخلق وبهم غلب النصارى، وحسب الناظر في هذا الحديث وغيره من الاحاديث الصحيحة ان يثبت اعلى درجة الكمال، ويحسبه

[68]

ان يكون رجع الى وعيه، وثاب الى رشده فاثبت ذلك بعقله ونحن اليوم نعيش في عصر المحاكمات وقياس الامور باقيسة الارقام لا باقيسة الثقل. وبعد - فلا احسب ان احدا من المسلمين يستطيع ان يرجع هذا الى مظهر من مظاهر عطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اهل بيته، وان وجد فيهم من يعتقد مثل هذا - والعياذ بالله - فقد قصدت نفسه الى نوازع الشيطان التي تحيك في السرائر، وزلقت قدمه فتدحرج الى هوة سحيقة، فخسر الدنيا والاخرة، وذلك هو الخسرانن المبين فان رسول الله. " لا ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى علمه شديد القوى انه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون. تنزيل من رب العالمين. ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من احد عنه حاجزين ". وليست آية المباهلة بالاية الاولى والاخيرة التي التقى فيها القرآن المجيد بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد التقى بهم مرات في كثير من النواحي. يقول بن العباس: " نزل في علي اكثر من ثلثمائة آية في مدحه وعن الاعمش عن اصحاب بن عباس قال: ما انزل الله يا أيها الذين آمنوا الا وعلي اميرها وشريفها ولقد عاتب الله اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غير مكان

[69]

وما ذكر عليا الا بخير " ولا نريد هنا ان ننقل الى القارئ كل ما نزل فيه وفي اصحاب الكساء، إذ ربما يكون في النقل الكثير شئ من الاطناب، ولكن مع امساكنا عن التبسط في الحديث لا يسعنا الا ان نلفت القارئ الى شئ ميسور فهمه: ذلك ان المفسرين وحملة الحديث لم يتفقوا على شئ من الايات التي يدعى نزولها في بعض الصحابة كما اتفقوا على الايات التي نزلت في اصحاب الكساء في مدحهم والثناء عليهم ونظرة عجلى في ذلك تثبت لنا صحة الدعوة ومثلا واحدا نضعه بين يديك، اقرأ قوله تعالى من سورة الدهر: " ان الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا. عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا. يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا. انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " اقرأ ذلك الى قوله تعالى " ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " اقرأ ذلك لتعلم مقام اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وقد ورد من طرق عديدة ان هذه الايات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (1)


(1) اخرج غير واحد من اعلام اهل السنة عن ابن عباس، ان هذه الايات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين واليك نص ما قاله الزمخشري في كشافه: " وعن ابن عباس (رض) ان الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناس معه، فقالوا يا ابا الحسن -

[70]

وهل من قارئ لهذه الايات لا يمتلئ قلبه اكبارا واجلالا وتقديسا لهؤلاء الابرار ؟ وهذه ناحية من نواحي عظمتهم المرموقة. أجل. ان هذه الايات وغيرها من الايات الكثيرة تلقي ضوءا على عبقرية اهل البيت عليهم السلام، ويكاد ان يعتقد كل منصف انه لا يجد في المسلمين من يشاركهم في فضلهم، وبوضوح ترسم لنا الوانا من السمو، وتحتفل بضروب من العظمة، وهي بمجموعها تمثل لنا صورة من المنزلة العالية


- لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة وفضة - جارية لهما - ان برئا مما بهما ان يصوموا ثلاثة ايام، فشفيا وما معهما شئ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة اصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة اقراص على عددهم فوضعوها بين ايديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم اهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة، فاثروه وباتوا لم يذوقوا الا الماء، واصبحوا صياما، فلما امسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم وقف عليهم يتيم فأثروه، ووقف عليهم اسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلما اصبحوا اخذ علي (رض) بيد الحسن والحسين واقبلوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ابصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال ما اشد ما يسوؤني ما ارى بكم، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها، وقد التصق بطنها في ظهرها، وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال: خذها يا محمد، هناك الله في اهل بيتك فاقرأه السورة " انتهى. من الكشاف في تفسير هل اتلى - الدهر.

[71]

والمقام الرفيع عند الله تعالى، وبالاخير المثالية التي خرجت عن حدود المقاييس والموازين. وليس هناك ما يمنعهم من هذه المثالية وقد خرجوا من البيت الذي خرجت منه الدعوة الاسلامية وساروا في الطريق التي يسير فيها القرآن المجيد ويدخلون كل بيت يدخله القرآن ولا يفترقون حتى يردوا على رسول الله يوم القيامة (1) ليس من السهل الهين على الانسان ان ينتزع من نفسه الانسجة


(1) من جملة حديث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرف بين المحدثين بحديث الثقلين أو حديث التمسك ولفظه عند الترمذي " اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين احدهما اعظم من الاخر: كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء الى الارض. وعترتي اهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " ؟ !. ولقد بسطنا البحث فيه في كتابنا " تحت راية الحق " وهو من الاخبار المتواترة اجمع المحدثون على رواية اخرجوه من طرق عديدة اخرجه مسلم في صحيحه وصاحب الجمع بين الصحاح الست وصاحب الجمع بين الصحيحين والترمذي والنسائي والحاكم والطبراني والطبري والبيهقي والبزار والملا وابو يعلي الى كثير منهم وقد اجمعوا على صحته. نعم البخاري لم يخرجه وان صح من طريقه ولكن حال البخاري في امثال هذا الحديث معلوم كل متتبع ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.

[72]

التي يحاك منها الخطأ ليشاهد الحقيقة الماثلة امام عينيه واضحة جلية لا يسترها ستر، ولكن من السهل الهين ان يوقظ في نفسه الروح العلمية فتقوده الى دراسة النفسيات والشخصيات عن طريق الحوادث التاريخية وبهذا يستطيع - إذا كان جريئا وكان صافي النفس - ان يكشف الستار عن الحقائق ويجليها من الاصداء المتراكمة عليها طوال السنين ومن السهل عليه اذن ان يكون ضميره اسرع الى اقتباس الحقائق من عينيه ويأمن كل خطأ. وايضا يجب ان لا نشك ان لكل جيل ولكل حضارة قيم اجتماعية هي مقياس الفضيلة في الموازين. وكذلك لاشك في اختلاف هذه القيم وتفاوت نسبها سموا واعتبارا، وواجب الباحث الفصل بينها بكل الاعتبارات المقومة لهذه القيم. والانسان الذي يرجح في كفة الميزان هو الذي تحف بشخصه اعلا القيم وامثلها وذلك بالحصول على امثل الصفات واعلاها التي هي تجعله فريدا وحيدا، وان يتصف بالصفات التي تقربه من الله " تخلقوا باخلاق الله " وكلما كان الانسان قريبا من الله فانيا في ذات الله كانت انسانيته اكمل ومنزلته اعلا وارفع. فانه " في كل ناحية من نواحي الانسانية ملتقى بسيرته (1) " وقد " ورث اما علي علي بحكم مولده ومرباه مناقب النبوة ومواهب الرسالة وبلاغة الوحي وصراحة المؤمن " (2) وقد تجمعت فيه اخلاق محمد صلى الله عليه وآله


(1) عبقرية الامام للعقاد. (2) تاريخ الاداب العربية للزيات.

[73]

وسلم، ومحمد انسان تجمعت في انسانيته صفات روحية جعلته افضل مخلوق واشرف مخلوق وفوق كل مخلوق. وعلي رديف محمد صلى الله عليه وآله وسلم. هذا للنبوة وهذا للامامة وهو غرسه قد اخذ عنه امثل الاخلاق واسمى الصفات فكان عنوانا كاملا لاسمي الصفات وامثل الاخلاق. والاسلام لم يعرف قط اصدق اسلاما ولا اشد ايمانا منه ولم ينفذ الاسلام الى اعماق قلب مسلم كما نفذ الى اعماق قلبه كان يؤثر الاخرة على الاولى ويعمل لارضاه الله ورسوله لا لارضاء الناس ولقد وصفه ضرار فأجاد الوصف فقال: " كانن والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطف الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة يقلب كفه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن مع تقريبه ايانا وقربه منا لانكاد نكلمه لهيبته ولا نبتدئه لعظمته بعظم اهل الدين ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، واشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد ارخى الليل سدوله وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين يقول: يا دنيا اليك عني غري غيري، أبي تعرضت أم الي تشوقت ؟ هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة لي عليك، فعمرك قصير، وخطرك حقير وخطبك يسير آه منن قلة الزاد وبعد السفر "

[74]

حقا هذا هو علي عليه السلام، الشديد في محاسبة نفسه، وهذا هو علي حقا في كفة الميزان. فهل يرجح عليه احد أو يساويه احد من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ هذا هو علي (ع) وتاريخه المجيد من طفولته مفعم بمئات من الادلة والشواهد، وحسب القارئ ان يرجع الى الاحاديث الصحيحة والمشهورة والمتواترة الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضل علي عليه السلام وقد مر عليك شئ منها ونزيدك هنا بما يرجحه في كفة الميزان إذا نصبت الموازين: رووا انه قد لرسول الله (ص) طير مشوي فقال: " اللهم آتني باحب خلقك اليك يأكل معي هذا الطير " فجاءه علي (ع) فأكل معه (2) وعن سعد بن ابي وقاص (1) " امر معاوية بسب علي فامتنعت، فقال: ما منعك ان تسب ابا تراب قال: اما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن اسبه، ولان تكون لي واحدة منهن احب


(1) احمد في مسنده وموفق بن احمد عن ابن عباس وعن انس والترمذي عن انس وابن ابي داود وابن المعازي من عشرين طريق. (2) اخرجه احمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن عامر ايضا الا انه قال " اما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلن اسبه، لان تكون لي واحدة منهن خير لي من حمر النعم والترمذي أيضا بعين ما عند مسلم.

[75]

الى من حمر النعم سمعت رسول الله (ص) يقول له حين خلفه في بعض مغازيه فقال له علي يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان. فقال له رسول الله (ص) أما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر: " لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فتطاولنا لها فقال ادعوا عليا فأتي به ارمدا، فبصق في عينيه ودفع الراية له ففتح الله عليه ولما نزلت الاية ندع ابناءنا وابناءكم الاية دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء اهلي. ومن رواية ابي بكر " رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيم خيمته وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال يا معشر المسلمين انا سلم لمن سالم اهل الخيمة، حرب لمن حاربهم ولي لمن والاهم، لا يحبهم الا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم الا شقى الجد ردئ الولادة " وبحسب علي عليه السلام ان يكون مع القرآن والقرآن معه. وأن يكون مع الحق والحق معه يدور معه كيف دار. وأن يكون عنوان صحيفة المؤمن حب علي. فبحسبها ان تكون مختارة الله ليباهل بها رسول الله من واما الزهراء تسع نسوة هن امهات المؤمنين ومن بين نسوة زكيات المغرس في المنبت الاثيل والشرف الموروث في المجد المؤثل خفرات عمر العلي غرة المجد وعقائل شبية الحمد كام هاني وصفية.

[76]

ولا يجوز عند العقل ان يكون اختيار ولا تكون افضلية ولا يتأتي الاختيار إذا لم يكن هناك كمال مطلق وافضلية على سائر النساء والا لزم الترجيح بدون مرجح وهذا مستحيل عند العقل لا يجوز على الحكيم. ومن اجل هذا الاختيار نفهم التفضيل المطلق بدون مشاركة لان العقل لا يفهم الاختيار مع التساوي في الفضيلة والمشاركة في الكمال. فلا بد اذن من افضلية واكملية ليقع الاختيار صحيحا طبق العقل. وإذا كانت سلام الله عليها قد اختارها الله مع من اختار فما ذلك الا من سمو القدس وغلبة الروحانية في الانسانية الطاهرة المهذبة وإذا غلبت الروحانية فقد تكاملت المثل العليا في النسوية العالية. وعلى قدر نشأة النواميس القدسية في هذا الملاك النسوي الطاهر فقد تهيأت النفس للمثل العليا وخرقت العادة في اطرادها البشري حتى استحيل الى معجزة في كمال الوجود وكمال الفضيلة. وهكذا كانت فاطمة بنت محمد عليه وعليها السلام، فقد تجمع في نسويتها نواميس روحية وكمالات نفسية رفعتها في الانسانية الى اسمى الدرجات التي يصح في العقل ان ترتفع إليها امرأة، فهي اذن سيدة نساء العالمين وكتب الحديث مليئة بالشواهد والبراهين على فضلها وعلو مقامها وحسبها انها بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من آذاها آذى رسول الله ومن اغضبها اغضبة.

[77]

فبحسبهما هذا الاختيار لهما من الله تعالى. اما الحسنان هذا الاختيار يجب ان يقطع جميع النوازع التي تحاك في الصدور وقد لا يكون صعوبة في فهم الافضلية حينما نفهم ان الاختيار من الله الحكيم، وقد رأينا من قبل ان الحكيم لا يختار الا الاكمل الافضل. والقول بان الله اختارهما امر يقتضيه العقل ويقره البرهان والمنطق السديد. والناس يخطئون فهم العقل ويخطئون صواب المنطق ويخطئون النبي حين يفهمون ان هذا الاختيار كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان تفسيرا منه للانفس والنساء والابناء مأخوذا بالعاطفة الانسانية. والمباهلة تشريع في المرحلة الحاسمة جاء النص بها من الله سبحانة وكما ترى المسألة الزام الخصم لم ينفع معه البرهان واذن ليس لرسول الله (ص) ان يختار مأخوذا بالعاطفة إذا جوزنا عليه ذلك تمشيا مع الخصم. على انه في عرف اللغة العربية ما يشهد لنننا ببنوة الحسنين عليهما السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واذن فالاية نص صريح.

[78]

المفسرون توطئه القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهداية البشر، وهو آخر كتاب سماوي منزل على آخر نبي مبعوث من عند اللهه سبحانه مربيا وهاديا ومنميا للاحساس " ان هذا القران يهدي للتي هي اقوم " وما ارسناك الا رحمة للعالمين " والقرآن هو الكتاب الخالد الذي لاتخلق جدتهه وما زال ولا يزال ولن يزال مظهرا من مظاهر هداية الله طبقا لما في علمه الازلي يسير مع العصور في كل بيئة ولكل جيل حتى النهاية والى قيام الساعة، وهو الكتاب الذي يتسامى عند العقل على كل كتاب انزله الله جل وعلا ومهمتهه هداية الناس الى السعادتين. وانه لمن الميسورر جدا فهم القرآن الكريم سواء في ذلك محكمه ومتشابهه لان مرده الى اللغة والى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والراسخين في العلم من بعده حفظته، ومنفذي احكامه، واعرف بحلاله وحرامه وخاصه وعامه ومطلقه ومقيده. والقرآن هو المصدر الاول للتشريع الاسلامي، والمخلصون لله وللدين لا يعدمون فيه الدليل على اي تكيلف من التكاليف اصولا وفروعا

[79]

فان في القرآن تبيان كل شئ يحتاجه المسلمون لمعالم دينهم " لم يغادر صغيرة ولا كبيرة " مما يرجع الى احكام الاسلام واصوله " الا احصاها " القرآن واشار إليها صريحا حينا وتلويحا حينا آخر. واما الصراع الذي نشاهده احيانا في التفسير فليس مرجعه عجز القرآن أو قصور لغته، أو عجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم والائمة من بعده عن تفسيره، وانما مرجع ذلك الصراع الى الخلاف الذي انغمس فيه المسلمون منذ الساعة الاولى، واكبر عناصر هذا الصراع هو الصراع الذي شق المسلمين الى نصفين نصف الى اليمين ونصف الى الشمال والقرآن بينهما. ولعل المفسرين انحرفوا مع ميولهم متأثرين بالسياسة من ناحية وبالعقيدة من ناحية اخرى واسدلوا على الواقع ستائر كثيفة مستندين الى احاديث احسن ما توصف به انها من وضع السياسة، ومالوا الى تأويلات تتجافاها اللغة وتأباها الملابسات في البداية والنهاية. ولعل السياسة في الصدر الاول شاءت ان تزج آية في غير مكانها لغرض صرف الاية عن المعنى الذي سيقت له كما ترى ذلك في آية " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " وليس ادل على تأثير العقيدة والسياسة على تفكير المفسرين من ذلك الصراع الحاد في تفسير قوله تعالى " يا آيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " فان هذه الاية الكريمة احيطت بميول ونوازع دفعت المفسرين الى التفسير البعيد الذي لا يتصل بالاية ولا بملابساتها، ولعل تلك الميول ارادت ان تصرف الاية عن معناها الى معنى آخر

[80]

يكاد ان يكون غريبا عن المعنى الذي يلوح به قوله " فان لم تفعل فما بلغت رسالته " فانه ليس في الشريعة من احكام يخشي اظهارها رسول الله صلى الله عليه وآله وكذلك ليس فيها تكاليف هي موضع العتبي ليعصمه الله من الناس وعند نزول الاية كانت الشريعة تامة كاملة. ولا نريد ان ننكر ان في المفسرين من لا قصد له ولكنه انخدع في الظواهر فسار في طريقه ورائده حسن الظن. ولكن يجب ان لانشك بان التفسير مع الاخلاص وحسن النية يلزمه البحث في كل مرحلة من مراحل الملابسات والعلل واسباب النزول وبدايتها ونهايتها وموقع الاية من الكلام وما الى ذلك من مراحل ظواهر الايات وسياقها وان تغاضي المفسر عن شئ من ذلك فقد اشطط في القول وصرف الكلام العربي البليغ عن معناه. وكذلك نرى العقيدة حكمت على بعض المفسرين بصرف معني الولاية في آية " انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وهم راكعون " فلقد فرقوا بين الولاية لله ولرسوله والولاية لاولي الامر الذين يعطون الزكاة وهم راكعون ولم يكن من داع لذلك سوى ان ان الذي اعطى الزكاة هو امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام. وانه لمن المؤسف اشد الاسف ان نجد من المفسرين من جرفته السياسة الخادعة الى اصطناع اساليب بعيدة عن المقصد السامي الذي يحاوله كتاب الله المجيد، ويجترئون على صرف الايات عن مقصدها لغرض اكثر ما يتصل بالسياسة والعقيدة، وهذه الجرأة قد ادت الى القول بالرأي في كتاب

[81]

الله المجيد. ولا نريد ان ننكر ان الميول كانت منذ الزمن الاول، وقد كانت تجد طريقها الى القلوب سهلا، وان لها اثرا كبيرا في النفوس ولكن لم نكن لنظن انها تمد يدها الى كتب الله المرسلة الى هداية البشر، ولكن مع الاسف الشديد فقد مدت يدها مأولة ومفسرة تفسيرا بعيدا عن المقصد، ووجد اولئك الميالون من العقيدة مرتعا خصبا لتأويلاتهم ففسروا كما يشتهون وكما تشتهي السياسة التي وضعت احاديث كثيرة لا تثبت تحت مبضعة المشرحين من اطباء الجرح والتعديل. لم يكن حظ آية الانفس والابناء عند بعض المفسرين احسن من غيرها على صراحتها، فقد طواها طياولفها لفا وقد تعوز الفاحص المعاذير عن هذا الطي واللف ولكن لا اراه تعوزه معرفة الدواعي الباعثة ولا اراه يخطئ الدوافع النفسية، وقل ما تجد مفسرا مر على آية المباهلة ولم تنقبض نفسه، ولم تتمرد عليه عقيدته، ولم تطوح به سريرته ووجد في الوسط المسلم اذانا مستعدة للسمع، وقلوبا ساذجة مستعدة للتصديق. ويسع المنصف ان يقف من آية المباهلة الموقف الذي تقتضيه دلالة المطابقة، ولكن بعضهم لم يكن منصفا ولا رشيدا وذهب في التفسير مسرعا الى ان الوفد امتنع عن المباهلة وصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الفي حلة وثلاثين درعا كأن الاية سيقت لهذا فقط، وكأن هذا الصلح هو مدلول الاية المطابقي والالتزامي والعقلي ولم يخرج في تفسيره عن الوهم في

[82]

الشعور والخطأ في التفكير، لان الاية الكريمة سيقت لاسمي من ذلك. وكانت الطريقة المثلى للمفسرين - إذا ارادوا الانتفاع بهذه التفاسير انتفاعا صحيحا - ان يعني المفسرون بالاخبار الصحيحة ملاحظين ما ورد عن اهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي، وخزانن العلم، فان القرآن لهم، ونزل عليهم في بيتهم، وهم اعلم الناس به خاصا وعاما، ومجملا ومبينا وناسخا ومنسوخا، ومحكما ومتشابها، والقرآن معهم وهم معه لن يفترقا حتى يردا على رسول الله صلى الله عليه وآله الحوض. ولكن شاءت السياسة للناس ان يعرضوا عن آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أئمة العلم، الراسخين في الدين قدما، الثابتين على منهاج رسول الله (ص) البعيدين عن الزلل المطهرين من الرجس - وشاءت لهؤلاء الناس ان يرجعوا الى القدري والجبري والمرجئي والى الوضاعين المتزلفين الى رجال السلطة. ولا نريد ان نتبسط في الحديث مع المفسرين فان لهم ما يرتأون من تفسير ولهم ما يشتهون من الطريقة التي يسيرون عليها. وكذلك لا نريد ان نتساءل عن المدى الذي اصابوه في ما ذهبوا إليه من تفسير أو تأويل وما استدعى ذلك من تغيير خطير لان البحث في ذلك يستدعي عناية خاصة ليس موضوعها هذا الكتاب. ومهما يكن من امر فان الاغراض اتسعت وكان الى جانبها مولود شاب يسير الاغراض في رقعتها الوسيعة، ولكن بالرغم عن ذلك فان في المفسرين من تحلل بعض التحلل فحدثونا عن النجرانيين انهم حينما رأوا ابا القاسم صلى الله عليه وآله ومعه " اهل بهلته " جفلوا وقال قائلهم:

[83]

" اني لارى وجوها لو سئل الله ان يزيل جبلا من مكانه لازاله بها " ولابد ان نحفظ لهم هذه المقالة لانها خرجت من طريق ملتوية بالرغم عن المولود الذي يسير الاقلام والى القارئ نقدم نموذجا من التفاسير. قال جار الله محمود عمر الزمخشري: " فمن حاجك " من النصارى " فيه " في عيسى " من بعد ما جاءك من العلم " اي من البينات الموجبة للعلم " تعالوا " هلموا والمراد المجئ بالرأي والعزم.. " ندع ابناءنا وابناءكم " أي يدع كل منا ومنكم ابناءه ونساءه ونفسه الى المباهلة. " وروي انهم لما دعاهم الى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر " فلما تخالوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما تري ؟ فقال: " والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من امر صاحبكم. والله ما باهل قوم نبيا فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن... وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا.. فقال اسقف نجران: يا معشر النصارى اني لارى وجوها لو شاء الله ان يزيل جبلا من مكانه لازاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصراني الى

[84]

يوم القيامة.. وقال: وعن عائشة (رض) ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر اسود، فجاء الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت " قال الزمخشري: " وفيه دليل لا شئ اقوى منه على فضل اصحاب الكساء عليهم السلام " وقال نظام الدين الحسن بن محمد النسابوري في تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان. ".. روى انه صلى الله عليه وآله وسلم لما اورد الدلائل على نصارى نجران ثم انهم اصروا على جهلهم قال صلى الله عليه وآله وسلم ان الله امرني ان لم تقبلوا الحجة ان اباهلكم، فقالوا يا ابا القاسم بل نرجع وننظر في امرنا ثم نأتيك، فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى ؟.. قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من امر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فان ابيتم الا الاصرار على دينكم والاقامة على ما انتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم، وقد خرج صلى الله عليه وسلم مرط من شعر اسود وكان صلى الله عليه

[85]

وسلم قد احتضن الحسين واخذ بيد الحسن وفاطمة تمشى خلفه وعلي خلفها وهو يقول: إذا دعوت فأمنوا. فقال الاسقف يا معشر النصارى اني لارى وجوها لو دعت الله ان يزيل جبلا من مكانه لازاله فلا تباهلوا فتهلكوا وروي عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت.. واما فضل اهل الكساء فلا شك في دلالة الاية على ذلك.. " وقال المحقق ناصر الدين عبد الله الشيرازي البيضاوي في تفسيره: انوار التنزيل واسرار التأويل. " فقل تعالوا " هاموا بالرأي والعزم " ندع ابناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم " اي يدعو كل منا ومنكم نفسه واعز اهله والصقهم بقلبه الى المباهلة.. " ثم نبتهل " اي تتباهل بان نعلن الكاذب منا.. فنجعل لعنة الله على الكاذبين. روي انه لما دعوا الى المباهلة قالوا حتى تنظر فلما تخالفوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - ما ترى ؟ فقال والله لقد عرفتم نبوته ولقد جاءكم بالفصل في امر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا قط الا هلكوا فان ابيتم الا الف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا فانه رسول الله (ص) وقد غدا محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي رضى الله عنه خلفها وهو يقول إذا دعوت

[86]

فأمنوا فقال الاسقف يا معشر النصارى اني لارى وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا من مكانه لازاله فلا تباهلوا فتهلكوا " قال الشيخ محمد نهاوندي في تفسيره " نفحات الرحمن ": ".. روي انه صلى الله عليه وآله لما اورد الدلائل على النصارى ثم انهم اصروا على جهلهم فقال صلى الله عليه وسلم ان لم تقبلوا الحجة اباهلكم فقالوا يا ابا القاسم بل نرجع وننظر في امرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى فقال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا صلى الله عليه وسلم نبي مرسل ولقد جاءكم بالكلام من امر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولان فعلتم لكنا الاستئصال فان ابيتم الا الاصرار على دينكم والاقامة على ما انتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم.. وكان رسول الله خرج وعليه مرط من شعر اسود وكان قد احتضن الحسين واخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول إذا دعوت فأمنوا فقال اسقف نجران يا معشر النصارى اني لارى وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا من مكانه لازاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصراني " وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير " مفاتيح الغيب ": ".. ولما اورد الدلائل على نصارى نجران ثم انهم اصروا على جهلهم فقال عليه السلام ان الله امرني ان لم تقبلوا الحجة ان اباهلكم فقالوا يا ابا القاسم بل نرجع فننظر في امرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى فقال والله لقد عرفتم يا معشر

[87]

النصارى ان محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالكلام الحق من امر صاحبكم والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولانبت صغيرهم ولان فعلتم لكان الاستئصال فان ابيتم الا الاصرار على دينكم والاقامة على ما انتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا الى بلادكم. وكان رسول الله خرج وعليه مرط من شعر اسود وكان قد احتضن الحسين واخذ بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول إذا دعوت فأمنوا فقال اسقف نجران يا معشر النصارى اني لاررى وجوها لو سألوا الله ان يزيل جبلا من مكانه لازاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصراني الى يوم القيامة.. وروي انه عليه السلام لما خرج في المرط الاسود فجاءه الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " قال الفخر الرازي: " واعلم ان هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين اهل التفسير والحديث ". هذا نموذج من التفسير الذي وقفنا عليه نضعه بين يدي القارئ وهو كما ترى لم يختلف تفكيرا ولا تعبيرا، ولم يتفاوت فيه العربي والفارسي ولا اختلف الذوق العربي مع الذوق الفارسي، وهو يشبه بعضه بعضا ومعنى هذا - فيما نرى - ان المفسرين لم يعنوا الحقائق العميقة القائمة في اللفظ والتركيب والحقيقة والمجاز الى آخره. ولا يتزودون منها الا باللمحات القصيرة الخاطفة والنظرات العابرة، ولا ندرى لماذا هذا المرور العابر ؟ !. مع ان لكتاب

[88]

الله المجيد حكمته وخصائصه في اساليبه وميزته في تعبيره عن المعاني المقصودة، وان في القرآن ايات محكمة واضحة المعنى قد يستوي في فهمها الناس، وفيه آيات متشابهة غامضة المعنى لا يستوى في فهمها الناس، وربما يحتاج الى الايضاح من المصدر الاول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والراسخين في العلم، وفيه المفردات التي تعبر عن الحقيقة حينا والمجاز حينا آخر، وعن الاستعارة والكناية الى غير ذلك، هذا مضافا الى ما في القرآن الكريم من " آيات لا يكفي في تفهمها معرفة الفاظ اللغة واساليبها مثل - والعاديات ضبحا والذاريات ذروا الى غيرها من مثيلاتها. وبعد - فلا احسب ان يكون القرآن في متناول الجميع على نمط واحد من الفهم، واستجلاء المعاني واكتشاف الدقائق أو بنسبة واحدة، للاختلاف في مقدار الفهم والادراك العقلي، فلابد ان يختلفوا في فهمه وادراك معانيه والوصول الى حقائقه ومجازاته حسب درجات افهامهم ومداركهم العقلية. ونحن حينما نقول هذا نكون قد حكمنا الذوق والمقاييس العلمية ونراه واضحا لا يحتاج الى التدليل عليه. ولابد اذن - والحالة هذه - ان يكون لهم مدرك واحد في فهم القرآن لا تتصل بالاذواق الفنية التي تطلبها اللغة العربية والمقاييس العلمية، ولا بمعان الالفاظ من حقيقة أو مجاز، واستعارة وكناية الى آخره، ولم تجد فيما رأينا وعنينا به مدركا سوى الرأي والاجتهاد وهما مصدران من مصادر التفسير عند الكثيرين.. والرأي والاجتهاد يتصلان بمعرفة الالفاظ واسباب النزول حينا وبالعقيدة حينا آخر.

[89]

ونراهم في امثال آية المباهلة حكموا بالعقيدة فقط ولم يتصلوا بالالفاظ واسباب النزول، ففسروا بالرأي والاجتهاد لكن عن العقيدة فقط. ونحن لا نريد ان نلتقي مع المفسرين هذا الملتقى عبثا أو جنوحا عن الحقيقة ولقد رأيت قولهم " يدع كل منكم نفسه واعز اهله " فهم يفسرون النفس بنفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا " ولهذا ضمهم الى نفسه بل قدمهم بالذكر " وقالوا ايضا " ولم يقتصر على تعريض نفسه.. وخص الابناء والنساء لانهم اعز الاهل والصقهم في القلوب وربما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم... وقدمهم بالذكر على الانفس لينبه على لطف مكانتهم، وقرب منزلتهم وليؤذن بانهم مقدمون على الانفس مفدون بها " الى امثال هذه التعبيرات التي تشير الى ان " النفس " في آية (قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم) انما هي نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلتفت اولئك الارائيون الى ان هذا لا يستقيم لمكان لفظة " ندع " من عدة وجوه: (1) ان الله سبحانه امر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ان يدعو من المسلمين الابناء والنساء والانفس، ومعلوم باجماع المسلمين كافة ان رسول الله انما دعا الحسنين واباهما وامهما عليهم السلام ولم يدع غيرهم، فالصرف دعاء الابناء الى الحسنين والنساء الى فاطمة والانفس الى علي عليه السلام لانه لا يصح في العرف ان يدع الانسان نفسه، كما لا يصح في مقام الامر ان يأمر نفسه وقد قال الفقهاء: " ان الامر لا يجوز ان يدخل تحت الامر لان من حقه ان يكون فوق المأمور بالرتبة، ويستحيل ان يكون فوق نفسه " فلا يشمله

[90]

امرء قطعا كما إذا امر القائد جنده بالهجوم على حصون العدو فهذا الامر منه لا يشمل القائد نفسه، فلو تخلف عن الهجوم لا يكون عاصيا، وإذا هجم مع الجند لا يكون ممتثلا لامر نفسه، وهذا بخلاف الجندي فانه يتصف بالعصيان إذا تخلف كما يتصف بالطاعة إذا تقدم. ولعله يستدل على ذلك بما ذكره الشريف الرضى في كتابه " حقائق التأويل " عن الواقدي في كتاب " المغازي " " من ان رسول الله (ص) لما اقبل ومن معه من اسارى المشركين كان سهيل بن عمر مقرونا الى ناقة النبي فلما صار من اميال عن المدينة انتشط (1) نفسه من القرن (2) وهرب فقال النبي: " من وجد سهيل بن عمرو فليقتله وافترق القوم في طلبه، فوجده النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بينهم منقبعا الى جذم (3) شجرة فلم يقتله واعاد الى الوثاق " قال الشريف الرضي في تعليل ذلك: " لانه لم يصح دخوله تحت امر نفسه، ولو وجده غيره من اصحابه لوجب عليه ان يقتله لما صح ان يدخل تحت امر النبي (ص) " وأنت جد عالم انه لا يصح قطعا ان يكون المراد من " انفسنا " نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا واضح لمن تأول وتجنب وحي العقيدة.


(1) انتشط اجتذب (2) القرن الحبل (3) جذم الشجرة اصلها

[91]

(2) وإذا كان المراد من الانفس نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد خرج بنفسه ومعه الابناء والنساء وانتهى كل شئ فكيف جاء امير المؤمنين علي عليه السلام مع المتباهلين ؟ !... وليس من السهل ان تجر العاطفة رسول الله فيخرج معه عليا إذا لم يكن مأمورا بذلك، فان رسول الله (ص) لم يكن سيد حزب، وانما هو سيد امة ة ولم تكن اعماله مما يشتبهه وانما اعماله ضمن حدود الله سبحانه فلا يتجاوز حدود الله، وبالاجماع خرج معه علي. ولماذا يا مفسرون ؟ فان قيل لمكان صيغة الجمع في " انفسنا " قلنا إن صيغة الجمع لا تستلزم ان يخرج عليا من بين مئات الالوف من صحبه فاما ان يفرض المفسرون ان رسول الله كان مأمورا باخراجه وهذا ما نقوله، واما ان يفرضوا ان اختاره من تلقاء نفسه، ولا محيص لهم عن الاعتماد على سبب مفهوم لهذا الاختيار، لامتناع تأثر النبي بالعاطفة. على ان الصيغة باعتبارها جمع تدل على الثلاثة على الاقل فاين الثالث يا ترى ؟ وهل ان النبي لم يجد بين اصحابه الرجل الذي يليق لان يخرج معه ؟ !. وايضا الكلام يأتي في صيغة " نساءنا " فلماذا اخرج الزهراء عليها السلام فقط ولم يخرج معه غيرها وفي بيته صلى الله عليه وآله وسلم تسع نسوة ؟.. ولماذا.. ؟ والاسئلة كثيرة ومحرجة. اذن ليس المراد هو ابناء المسلمين ونساءهم وانفسهم، وانما المراد هؤلاء فقط لاغيره واذن الامر من عند الله " ان هو الا وحي يوحى علمه

[92]

شديد القوى " واذن لابد ان يكون المراد من " الانفس " نفس علي فقط تنزيلا، وهذا يتأدى من الاية الكريمة، ومن مكان (ندع) في عرف اللغة كما هو واضح. (3) وفي اسباب النزول للواحدي ص 75 " وكان الشعبي يفسر الاية فيقول " ابناءنا " الحسنن والحسين و " نساءنا " فاطمة و " انفسنا " علي بن ابي طالب " وفي الصواعق المحرقة لابن حجر في الاية التاسعة من الباب الحادي عشر " اخرج الدارقطني ان عليا يوم الشورى احتج على اهلها فقال لهم: انشدكم الله هل فيكم احد جعله الله نفس النبي وابناءه ابناءه ونساءه نساءه غيري ؟ قالوا: اللهم لا. " وفي دلائل النبوة ج 2 ص 124 قال الشعبي قال جابر " وانفسنا انفسكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وابناءنا وابناءكم الحسن والحسين ونساءنا ونساءكم فاطمة رضي الله عنهم اجمعين " وقال جابر فيهم نزلت " تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم. "

[93]

تعقيب قد يظن الظانون ان قصة المباهلة مضت بطريقها الى الابدية، ولم يبق لاحد فيها مطمع، ولا لعين مأرب، ولا لاذن في سماعها من حاجة، فقد طواها الزمن بين طياته، وانقضت في يومها الذي وقعت فيه، وذهبت ليومها وساعتها. والواقع ان هذا الظن قد يتصل بالحقيقة من بعض جهاتها وفي بعض نواحيها، وكان الاولى ان لا يكون هذا الظن، لان قصة المباهلة قصة قومية اسلامية روحية، كان الواجب على المسلمين ان يتبنوا ذلك اليوم الذي وقعت فيه، ويجعلونه عيدا قوميا في مصاف الاعياد القومية، لانه ان صح - وهو صحيح - ان الاسلام امنية الحضارة العالمية، فيوم المباهلة احد الايام التي كانت سبيلا الى هذه الامنية الغالية بما ظهر للاسلام من عزة ومنعة، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عظمة وكرامة، بانزواء اولئك القسس في زاوية من الخيبة والفشل في آمالهم، وقد ارتعدت فرائصهم، وانخلعت قلوبهم وعادوا الى كعبتهم خائبين خاسرين، واعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولم يبق لنجران تلك المنزلة التي كانت لها في نفوس النصرانية، وذلك السمو الذي تغنى به الشعراء وذلك القدس الذين تدين له الملوك.

[94]

ومن حق يوم المباهلة ان يهز اعصاب المسلمين وان يكون موئل هنائهم، له ذمته التي لاتضاع، وعهده الذي لا يخفر، وموثقه الذي لا ينقض ومن حقه ان يكون بدر هالة الايام الاسلامية الزاهرة، ومن حقه ان تتجاوب فيه اصداء الشعور الاسلامي وتتبادل فيه التهاني، فانه اختل في ذلك اليوم توازن نجران، وجهة النصرانية في الجزيرة العربية وكعبتها وقبلة آمالها. ولكن شاءت السياسة ان ينشق المسلمون نصفين وان تصنفهم صنفين صنف مال مع السياسة وسار الى جنبها اصابت أم اخطأت. وليس من موضوعنا ان نتحدث عن مصاير هذه السياسة ومبلغ قسوتها، ولكنا نلاحظ انه ليس من مصلحة السياسة ان تذكره بخير حيث لا تستطيع ان تذكره بشر، ولا اقل من ان تلقيه في سلة مهملاتها الى ان يشاء الله غير ما تشاء السياسة. وصنف مال الى رسول الله صلى الله عليه وعليهم وسلم فتبنى يوم المباهلة فكان عيدا من اعيادهم، وكان يوما من ايام فرحهم وسرورهم بما ظهر لرسول الله صلى الله عليه وعليهم وسلم من الكرامة والشأن العظيم وللاسلام من عزة الجانب. ويوم المباهلة عند هذا الصنف من الناس يوم شريف مبارك، يجأرون فيه الى الله سبحانه بالدعاء، وهو عندهم من الايام الجليلة العظيمة بما فتح الله على الاسلام وعلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من الفتح العظيم. مضت السنون وكرت الاعوام وهذا اليوم المبارك ما زال جديدا عظيما عند هذا الصنف من المسلمين، منسيا مهجورا عند الصنف الاخر لا يعرفون عنه شيئا ! الا ما يثيره الجدل المذهبي الحين بعد الحين والفينة بعد الفينة

[95]

بين هذين الصنفين. وفي النهاية خلق الجدل العنيف عالما مفعما بالاقوال والاراء. ولا تزال المعركة الجدلية مشبوبة حارة يسعر نارها الحقد الكامن في النفوس. اجل. قضت السياسة ان ينشق المسلمون على انفسهم وان يفترقوا الى طائفتين، وسياسة قاسية كهذه السياسة تستطيع ان تحطم عظماء الرجال وتتغلب على الامور، ولكن لا تستطيع ان تحطم المبادئ ولا تجرأ ان تقتحم القلوب فالمبادئ يسيرها رجال خلقوا لان يعملوا تحت قوارع النكبات في ظلمات الصعاب وهي ابعد من ان يتناولها السياسيون الخياليون. وعلى كر السنين ومر الاعوام يتطور النزاع ويكثر الجدل ولم يشعر الناس شدة الخطر المحدق وتفشي هذا المرض الخبيث ولم يمنعهم مانع من ان ينشأ عليه صغيرهم، ويشب كبيرهم، ولعل ما نكب به الدين الاسلامي والمسلمون كان نتيجة لهذا الجدل أو المرض، وحتى الان لا يزال ينمو ويثمر هذه الثمرة الخبيثة. وطبيعي ان يكون ليوم المباهلة نصيب ليس بالقليل من هذا الجدل العنيف، ونحن وان كان موضوعنا التحدث عن يوم المباهلة وعن المباهلة، ولكن لا نريد ان نتغمس في هذا النزاع العقيم ولكن نريد ان نعقب حديث المباهلة بشئ من النوادر لمحناها حين مطالعتنا، وهي تتصل بهذه القصة. قال الشريف الرضي في كتابه " حقائق التأويل ":

[96]

" من شجون (1) هذه المسألة ما حكي عن القاسم بن سهل النوشجاني قال: " كنت بين يدي المأمون في ايوان مسلم بمرو، وعلي بن موسى الرضا (ع) قاعد عن يمينه فقال لي المأمون يا قاسم اي فضائل صاحبك افضل ؟ ! فقلت: " ليس شئ افضل من آية المباهلة، فان الله سبحانه جعل نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونفس علي عليه السلام واحدة " فقال لي: ان قال خصمك ان الناس قد عرفوا الابناء في هذه الاية والنساء وهم الحسن والحسين وفاطمة والانفس هي نفس رسول الله (ص) باي شئ تجيب ؟. قال النوشجاني: فاظلم علي ما بيني وبينه وامسكت لا اهتدي بحجة !. فقال المأمون للرضا عليه السلام: ما تقول فيها يا ابا الحسن ؟ فقال له الرضا عليه السلام: في هذا شئ لا مذهب عنه المأمون - ما هو الرضا - هو ان رسول الله صلى الله عليه وآله داع ولذلك قال الله سبحانه: " قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم " والداعي لا يدعو نفسه وانما يدعو غيره فلما دعا الابناء والنساء ولم يصح ان


(1) جمع شجن بالتحريك وهو الشعبة من كل شئ

[97]

يدعو نفسه لم يصح ان يتوجه دعاء الانفس الا الى علي بن ابي طالب عليه السلام، إذ لم يكن بحضرته - بعد من ذكرنا - غيره ممن يجوز توجه دعاء الانفس إليه، ولو لم يكن ذلك كذلك لبطل معنى الاية. قال النوشجاني: " فانجلى عن بصري، وامسك المأمون قليلا ثم قال يا أبا الحسن " إذا اصيب الصواب انقطع الجواب " هذه هي الكلمة المتصفة ما جاءت عابرة ولا هي خاطرة جرت ما قصد بنطقها الى دلالة الالفاظ وانما هي بيان لفهم مدلول اللفظ المطابقي واعتراف منه بالحقيقة التي لا مفر منها، والحق احق ان يتبع وحرى بالعاقل ان لا يندفع وراء تيارات نفسية كانت تسوق الكثيرين الى مناجزة رجل كل جرمه وجريرته انه علي ابن ابي طالب. هذا كل جرمه. ومن نوادر قصة المباهلة ما ذكره بعض العلماء - ولم يسمه الشريف الرضي - من ان للعرب في لسانها ان تخبر عن ابن العم اللاصق والقريب المقارب بانه نفس ابن عمه وان الحميم نفس حميمه. ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى " ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالالقاب " اراد تعالى ولا تعيبوا اخوانكم المؤمنين فاجرى الاخوة بالديانة مجرى الاخوة بالقرابة وإذا وقعت النفس عنده على البعيد النسب كانت اخلق ان تقع على القريب النسب.. لعل هذه النظرية محاولة اخرى لصرف النفس عن المراد منها وانكار هذه الفضيلة ليعسوب الدين.. ونحن إذا ما قبلنا النظر وانعمنا القسر

[98]

في هذا القول لرأينا انه ليس له من قيمة تشفع له في تصحيح اطلاق اللفظ على المعنى المدعى سوى هذه الاسس الهدامة التي يوحيها الوهم وليس لهذا القول الذي ارسله بعض العلماء ! وهو " ان للعرب في لسانها ان تخبر عن ابن العم اللاصق والقريب المقارب بانه نفس ابن عمه " صورة في الخارج الا هذه الصورة المغلوطة التي قامت على اساس الوهم والخيال صورها وحي العقيدة. ولعل القارئ يفهم من التعبير " ان للعرب في لسانها ان تخبر " ان العرب لم تخبر وانما يريد ان يجيز لهم ان يخبروا عن ابن العم اللاصق بانه نفس ابن عمه. ولو اخبروا عن ابن العم بالنفس لكان حق التعبير " ان العرب اخبرت " ولما لم يكن شئ من ذلك اراد ان يتحكم ليصرف ذلك الفضل عن علي امير المؤمنين عليه السلام. على ان اللغة توقيفية لا يجوز ان يتصرف بها باي نوع من انواع التصرف فما ورد من الالفاظ نستعمله فيما ورد فيه سواء كان على سبيل الحقيقة أو المجاز أو الكناية وما لم يرد فلا يصح استعماله ولم نقف في معاجم اللغة ولا في موارد الاستعمال التي بين ايدينا على صحة هذا الاستعمال. وما ذكره من الشواهد لا تدل على اكثر من اطلاق النفس على الاخ في الدين وهذا صحيح بنص القرآن الحكيم لايستطيع ان ينكره احد، ونحن لا ندعي ان عليا نفس رسول الله حقيقة وانما الدعوة ان الله سبحانه نزل نفس علي عليه السلام منزلة نفس رسول الله صلى الله عليه وآله

[99]

وسلم وما ذلك الا لمكانة علي من الله وسمو نفسه وعلو قدره وفنائه في ذات الله، وليس في المسلمين - وهم مئات الالوف يومئذ - من يصلح ان ينزل هذه المنزلة وليس فيهم من له مكانة ليصح تنزيله حقيقة وليس فيهم من يستحق هذه المرتبة السامية والمكانة الرفيعة والمنزلة العظيمة غير على صنو رسول الله وصهره على ابنته. ولو كان فيهم من له مكانته لما جاز من الحكيم ان يخصه دونه لانه ترجيح بدون مرجح، وحيث لم يدع غيره علما انه ليس في المسلمين ولا في الصحابة من يضاهيه ليصح تنزيله هذه المنزلة السامية. وواضح انه ليس اطلاق النفس على علي عليه السلام كان من اطلاق النفس على ابن العم القريب المقارب فان هذا الاطلاق لم يوجد في كلام العرب ولم تقصده الاية الكريمة. على انه ربما يكون ذلك مجازفة باللغة إذا فسخنا المجال للوهم في تفسير المفردات ولرأينا انقسام امام سيل جارف من الاعتراضات. ومن ذيول المباهلة ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره الكبير قال: " وكان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي وكان معلم الاثنى عشرية وكان يزعم ان عليا رضي الله عنه افضل من جميع الانبياء سوى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واستدل على ذلك بقوله تعالى " وانفسنا وانفسكم " إذ ليس المراد بقوله " انفسنا " نفس محمد صلى الله عليه وآله وسلم لان الانسان لا يدعو نفسه بل المراد غيره، واجمعوا على ان ذلك الغير كان علي بن ابي

[100]

طالب رضي الله عنه فدلت الاية على ان نفس علي هي نفس محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن ان يكون المراد ان هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد ان هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي المساواة في جميع الوجوه، تركنا العمل بهذا العموم في حق النبوة وفي حق الفضل لقيام الدلائل على ان محمدا عليه الصلاة والسلام كان افضل من علي رضي الله عنه فبقى فيما وراءه معمولا به، ثم دل الاجماع على ان محمدا عليه السلام كان افضل من سائر الانبياء عليهم السلام فيلزم ان يكون علي افضل من سائر الانبياء فهذا الاستدلال من ظواهر هذه الاية. ثم قال: ويؤيد الاستدلال بهذه الاية الحديث المقبول عند الموافق والمخالف وهو قوله عليه السلام: من اراد ان يرى آدم في علمه ونوحا في طاعته وابراهيم في خلته وموسى في هيبته وعيسى في صفوته فلينظر الى علي بن ابي طالب رضي الله عنه " فالحديث دل على انه اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم وذلك يدل على ان عليا رضي الله عنه افضل من جميع الانبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم " قال الرازي: " واما سائر الشيعة وقد كانوا قديما وحديثا يستدلون بهذه الاية على ان عليا افضل من سائر الصحابة لان الاية دلت على ان نفس علي رضي الله عنه مثل نفس محمد عليه السلام الا فيما خصه الدليل وكانت نفس محمد صلى الله عليه وسلم افضل من الصحابة رضوان الله عليهم فوجب ان تكون نفس

[101]

علي افضل من سائر الصحابة. هذا تقرير كلام الشيعة. والجواب انه كما انعقد الاجماع بين المسلمين على ان محمدا عليه السلام افضل من علي فكذلك انعقد الاجماع بينهم قبل ظهور هذا الانسان - محمود بن حسن الحمصي - على ان النبي افضل ممن ليس بنبي واجمعوا ان عليا ما كان نبيا فلزم القطع بان ظاهر الاية كما انه مخصوص في حق محمد صلى الله عليه وسلم فكذلك مخصوص في حق سائر الانبياء عليهم السلام " انتهى كلام الرازي. والقارئ يلاحظ معنا انه لم يناقش في دلالة الاية على افضلية علي عليه السلام على سائر الصحابة ويلاحظ ايضا انه لم يناقش في اتفاق المسلمين على صحة الخبر الدال على ما تفرق من الصفات في الانبياء قد اجتمعت جميعا في شخص علي عليه السلام وهذا يتضح من جوابه على دعوى ابن الحسن الحمصي ان عليا افضل من سائر الانبياء سوى محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذلم لم يرد على الشيعة ما استفادوه من دلالة الاية الكريمة على افضلية علي عليه السلام وكل ما في الامر انه ناقش ابن الحسن الحمصي فيما ادعاه من الاجماع باجماع ادعاه هو نفسه وفرضه على المسلمين فرضا. ولمحمود الحمصي ان يقول ان اجماعا يخرج منه النخبة الممتازة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويخرج منه الهاشميون جميعا ويخرج منه الشيعة جميعا ليس باجماع على كل تفسير يفسر به الفخر الرازي الاجماع ولا يقام لهذا الاجماع وزن بين الاجماعات التي يدعيها المسلمون. وغير جائز في حكم العقل ان يكون اجماع ونصف المسلمين على التقريب يقولون بافضلية علي عليه السلام على سائر الانبياء.

[102]

ثم يعود محمود بن الحسن الحمصي فيقول: ان المسلمين والنخبة الممتازة من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجمعوا قبل ان يخلق الله هذا الانسان - اعني الفخر الرازي - ومن على رأية. على ان عليا افضل من خلق الله باستثناء محمد رسول الله. ويبدوا لنا ان هذا صحيح من وجهة الامر الواقع وان هذا الاجماع هو الاجماع الصحيح المعتبر الذي يصح ان يحتج به المسلمون إذا رجعنا الى شروط حجية الاجماع وامكان تحققه ووقوعه. لقد رأينا من قبل ان الروايات متفقة على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اختار معه للمباهلة عليا وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام واجمع اهل القبلة كافة على انه صلى الله عليه وآله خرج بهؤلاء ولم يخرج معه غيرهم، وواضح من هذا الاجماع ومن الروايات ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع مجالا لاي احتمال، فقد فسر لفظة الانفس والنساء. وايضا لم يترك مجالا للشك أو التشكيك في صحة استعمال اللفظ أو صحة اطلاقه، فقد خرج واخرجهم معه على ان الحسنين مصداق الابناء وفاطمة مصداق النساء، وعلي مصداق الانفس، وحيث يفسر النبي العربي فلا متسع للقول، ويكفي ان يكون ذلك برهانا على صحة الاستعمال. ولكن بعض الصحفيين نسب الى بعض المفسرين ان حمل كلمة " نساءنا " على فاطمة فقط وكلمة " انفسنا " على علي فقط لا تتصل باللغة

[103]

وانما تستفى من مصدر شيعي وان هذه الروايات الكثيرة المتفق عليها مصدرها شيعي ايضا ! وان مقصد الشيعة منها معروف ! وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا، وقد نجحوا في ذلك الى حد بعيد ! فانهم استطاعوا ان يؤثروا على كثير من اهل السنة. وعلل ذلك بان كلمة " نساءنا " لا يقولها العربي ويريد بها بنته لاسيما إذا كان له ازواج وابعد من ذلك ان يراد من كلمة " انفسنا " علي فقط. ولعلك ترى معنا ان مصدر هذا القول فكرة واحدة متأصلة في النفوس، تلك هي الكراهية لعلي عليه السلام، لا لجرم له الا انه علي بن أبي طالب زوج الزهراء البتول. والا فقد فسر رسول الله لفظ " الانفس " بعلي ولفظ " النساء " بفاطمة وإذا كان هذا لا يصح فعمن نأخذ التفسير والى من ترجع في تصحيح الاستعمال يا مسلمون ؟ ؟ ! وبعد - فليست هذه النوازع بالشئ الجديد في تاريخ امير المؤمنين عليه السلام وانما الجديد فيها ان تقع في العصر الحاضر الذي تفتحت فيه جوانب النفوس وان يتخذ الباحثون اليوم من تلك النوازع شيئا وهو اقرب الى الثورة العصبية التي كانت تسيطر على عقول رجال الدين، وعلى الاقلام في الازمنة الغابرة. ومن الغريب جدا ان الزمن لم يغير من نفوس هؤلاء شيئا والعلم لم يخفف من هذه الفكرة المغلوطة مع العلم بان النفوس اليوم السبت لفهم الحقائق أكثر من قبل وبدأت العيون تنفتح على الحقائق التي غابت عنها طويلا وان

[104]

عليها من اصداء واخذت اليوم تتجلى وتتضح، ومع العلم ايضا بان مبضع التشريح اصبح حادا يستطيع ان يضع كل شخص وكل حقيقة تاريخية على المنضدة. وفي الازمنة الغابرة كان الناس يميلون الى هذه النوازع ويصدقونها من غير بحث عن حقيقتها بيد ان ههذا الزمن اصبح ينكر كل هذه الظواهر المنبعثة عن النوازع النفسية أو تقليد اولئك العصبيين، فلا الحقائق الدينية ولا الحقائق العلمية هي حقائق ما لم تعرض على الميزان وتوضع على المنضدة. والعجيب كيف فقد هؤلاء المقاييس المنطقية والتوازن العقلي فضلوا الصواب حينما نسبوا الجهل الى كبار علمائهم ومفسريهم وكبار محدثيهم ومؤرخيهم واين القواعد والشروط التي تأسست لحفظ الحديث وتدوينه وتصحيحه ؟ ! واين موازين الجرح والتعديل التي كانت تزن الرجال فتخرج من تخرج وتعدل من تعدل ؟ ! وكأنها بنظر هؤلاء كلها جفاء لا ترتكز على شئ واعجب من ذلك تضليل كبار محدثيهم وكبار علمائهم وطعنهم بالضعف العلمي الذي يرميهم به وينسبه إليهم ذلك المفسر - أو ذلك الصحفي بعبارة اصح - الى حد تمكن الشيعة بصحة ما يصح عندهم، كانه لا يعلم بانه في كل ذلك يعترف والى الاعتراف وتفسخ ميزان الجرح والعديل عندهم ولربما كان هذا فرضا صادقا أو راجحا أو على الاقل مما يوجب الشك في تصحيح ماصح عندهم من الاخبار. غريب جدا ان تمر آية المباهلة على اجيال من الناس وعلى طبقات من المؤرخين والمحدثين والمفسرين ثم تمر على موازين الجرح والتعديل

[105]

وفي كل هذه الادوار يلعب بعقول اولئك العلماء وبعلمهم وبموازين المحدثين وفيهم اصحاب الصحاح - فانهم جميعا رووا اخبار المباهلة - ثم لا يرشدهم علمهم ولا تهديهم موازينهم (1) وانا لا ادري اي منطق هذا، وكيف يتقبله علماء اهل السنة ويغضي عليهم الازهر الشريف ؟ ! أليس فيهم من يأسوا على السلف ويثأرهم ؟ ! وأيضا لا ادري الهدف الذي يرمي إليه المفكرون والمصلحون من وراء هذه الطعون القاتلة ؟ وما الذي يمنونه باخراجها على هذا الشكل من الطعن في الصميم ؟ ألم يكن لهم حاجز من ورع، وحريجة من دين عن


(1) لا ترمي بالحكم على اهل الصحاح بانهم رووا تفصيل آية المباهلة ولكنهم اتفقوا على انه لما نزلت دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا. روى ذلك مسلم في صحيحه والحاكم على شرط الشيخين وصححه الذهبي على شرط البخاري ومسلم والحميدي في الجمع بين الصحيحين والثعلبي في تفسيره وابن المغازي وابو نعيم في حليته والحمويني في فوائده وابن اسحاق في مغازيه وابن الصباغ المالكي في فصله والطبري في تفسيره والواحدي في اسباب النزول والزمخشري في كشافه والفخر الرازي في تفسيره وغيرهم ممن ذكرنا في مطاوي هذه الفصول التي مرت عليك وغيره ممن لم نذكر وبعبارة اوضح قيام الاجماع من المسلمين كافة على ان النبي (ص) لم يدع للمباهلة غيرهم.

[106]

الطعن في علم السلف، سلفهم الصالح ؟ ! حتى نزلوا باقدارهم العلمية الى احط منزلة يسعهم ان ينزلوا بهم إليها، فنسبوا لهم الضعف بالتفكير ونسبا لهم عدم التمييز بين الموضوع وغير الموضوع، والصحيح وغير الصحيح، ونسبوا لهم عدم النضوج العلمي الكافي لتمييز الصحيح من الموضوع كل ذلك بكلمة واحدة - ما اهونها عليهم - وهي " انهم - يعني الشيعة - استطاعوا ان يؤثروا على كثير من اهل السنة " وسهل عليهم هذا المنطق المخذول الذي حط من قدرهم العلمي وحط من قدر صحاحهم التي افنوا اعمارهم في جمعها ويكفي في اختلالها والحط من قدرها وعدم الوثوق بها ان اصحابها لا يملكون الميزان الصحيح حيث استطاع الشيعة ان يؤثروا عليهم وتأثر هؤلاء وهم غافلون أو وهم جاهلون ! وواضح بعد هذا ان لا يبقى وثوق باي كتاب واي حديث واي محدث واي جرح وأي تعديل، ولا اراه ينفع ذلك الصحفي اخراج بعض الصحاح، على إنا لا نراه يتمكن من ذلك بحكم الضرورة، وليس من موضوعنا ان ندخل في هذا البحث لان الكلام فيه طويل وعريض وهذا فيما اراه هو الخطأ احط من هذا الاسفاف، وحتى الان لم نعلم السبب الذي حمله على ان يسف وعلى ان يقع في هذا الخطأ. وعجيب ان ينسب الغفلة لكثير من سلفه وهل لانهم رووا اخبار قصة المباهلة كما وقعت ؟ ! أو لانهم حملو كلمة " نساءنا " على فاطمة عليها السلام وكلمة " انفسنا " على علي عليه السلام وهذا لا يصح يعرف اللغة كما يزعم ؟ !

[107]

وقد يكون من الواضح انه يشير الى الثاني من القولين لينجو من الطعن في مسانيد الحديث حتى الصحاح منها. ويكاد يبدو ذلك غريبا لان هذا الرأي في حاجة الى تمحيص قبل اثارته لان الواقع بين فرضين اثنين لا مفر من احدهما: فاما ان يفرض ان الشيعة هم الذين فسروا كلمة " نساءنا " وحملوها على فاطمة وكلمة " انفسنا " على علي عليه السلام. واما ان يفرض ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسر هذا التفسير، والذي لا يرتاب فيه احد انه لا سبيل الى الاول فطعا، وانما التفسير كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد رأينا من قبل ان المسلمين كافة بما فيهم الخوارج اجمعوا على انه لم يخرج مع النبي للمباهلة سوى علي عليه السلام من الانفس وسوى فاطمة عليها السلام من النساء وسوى الحسن والحسين من الابناء وهذا تفسير عملي على اي اعتبار اراد الناس ان يعتبروا هذا التفسير منه، وغير جائز بحكم العقل وبحكم اللغة العربية ان يكون تفسيره لا يصح بعرف اللغة كما يزعمون. وهذا صحيح من وجهة العقيدة الاسلامية ومن جهة اللسان لان رسول الله عربي وهو سيد العرب. ثم نعود فنقول لهؤلاء: ان هذا التفسير منه صلى الله عليه وآله وسلم سواء أكان مبعثه العاطفة أم صحة الاستعمال العربي أم تفسير من الله سبحانه فهو لا يتصل باحد من الشيعة ليموه هؤلاء على كثير من علماء السنة ويستجهلونهم.

[108]

ونحن لا يسعنا ان ننسب الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم التأثر بالعاطفة بل لا يجوز عليه التأثر بالعاطفة في مثل هذا الموقف بل في كل مقام وهو الذي لم ينس في وقت من الاوقات الدعوة الى المساواة بين افراد المسلمين، تلك المساواة التي اراد الاسلام ان يجمع بها بين كل الشعوب والافراد ويؤلف بينهم جميعا ليكون منهم امة واحدة تسودها المحبة والاخاء. لقد كان بين اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اهل الشرف والمكانة واللياقة والاحساس واهل البلاء الحسن في بناء الهيكل الاسلامي من لا يصبر على هذا التحيز الذي تجره العاطفة، ان كان ذلك عن عاطفة، بل كان في صحبه من كان يجرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف لا تصح فيها الجرأة ولا تحمد، أفتراهم يقفون منه موقف الجامد حينما يرونه عاطفيا متحيزا لذوي قرباه في ساحة الشرف الخالد بخلود الاسلام وخلود كتاب الله الذي يرتله المسلمون في اناء الليل واطراف النهار ؟ ؟ مع انهم فهموا ان الدعوة كانت عامة لانفس المسلمين ولنسائهم ولابنائهم ثم لا يخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه منهم سوى ابنته وابن عمه وولديهما عليهم السلام !. وليس عندي - بل في واقع الامر - اضعف من هذا الاحتمال على اي تفسير ارادوا ان يفسروا خلق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعظمته وسمو مقامه ومركزه الاجتماعي كنبي مرسل لهداية البشر وسعادتهم ورفع التنابز من، بينهم، ومن عرف اخلاق النبي وتركيب مزاجه يدفع عنه كل احتمال من

[109]

هذا القبيل. ولعله ليس لهؤلاء المهوسين اعتراض بجيش في نفوسهم سوى اعتراض واحد: هو انه لماذا لم يخرج معه احدا من اصحابه والفضليات من نسائه ؟.. هذا هو الاعتراض الواضح الصريح الذي يختلج في نفوس كثيرة ! ! ولكن ابن عساكر اراد ان يشبع تلك النفوس فاخرج رواية نسبها الى جعفر بن محمد الباقر عليه السلام عن ابيه " انه لما نزلت آية قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم " الاية جاء بابي بكر وولده وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولده " !. اخرجها بهذا الترقيم الرباعي المألوف في كل الحوادث. ولكن ليس في ذلك عرض صحيح متزن حري بان يعقل الالسن ويكم الافواه، وان حسب المهوسون ذلك عرضا صحيحا. فقد غاب عنهم رشدهم إذ لم يفقهوا ان هذا منازلة منه صلى الله عليه وآله وسلم لذوي المكانة السامية من كبار صحبه واهل الجهاد والبلاء في سبيل الله. ومنازلة منه لعمه العباس شيخ الهاشميين. ومنازلة منه لعمته صفية بنت عبد المطلب وأم هاني بنت عمه ابن طالب وهما من صفوة الهاشميات. على ان هؤلاء ليسوا باجل اصحابه وفيهم عمه العباس وسلمان وابو ذر وعمار والمقداد وامثالهم كسعد سيد الخزرج وحذيفة وابو عبيدة وغيرهم كثير. وعلى انه يلوح لنا ان الترقيم الثلاثي بهذا الشكل لم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانما وضعته السياسة في عهد الامويين والترقيم الرباعي وضعته السياسة في عصر العباسيين ومن يلاحظ الاخبار التي ترقم الترقيم الثلاثي والتي ترقم الترقيم الرباعي ويلاحظ مواردها يعلم ان منطق السياسة هو الذي قضى قضاء لا

[110]

معدى عنه بهذا الترقيم حسب ترتيب الخلافة !.. ولعل سائلا يسأل كيف لم يتخلف هذا الترتيب الثلاثي في حادثة من الحوادث التي اقتضت ان يتوارد الصحاب فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟. سواء أكان ذلك بدعوة أم كانت على سبيل الصدفة، وكيف لم يتفق ان سبق عثمان صاحبيه أو سبقهما عمر ؟ ! ولكن ليس على السائل المنصف الا ان يتأمل الحوادث التي ورد فيها هذا الترقيم ليعلم انه ترقيم مصطنع في عصرين متضاربين، وكلما القى ببصره على الحوادث المفاجئة وغير المفاجئة لا يلبث ان تطالعه الشكوك من جميع جهاته. وكانت السياسة قد اباحت لمصطنعيها في سبيل تحقيق غاياتها ان ينتهجوا من الوسائل ما يكفل لرجال السلطة سلطتهم الارستقراطية ومثل هذا كثير في كثير من الحوادث السياسية والدينية سواء في الصدر الاول أم في العصر الاموي أم في العصر العباسي وليس هذا الترقيم بهذا الترتيب لازما طبيعيا فلا ينفك، ولا هو تكوين ذاتي فلا يتخلف، على ان العادة قد تحيله على هذا الاطراد المصطنع مرتبا على ترتيب الخلافة وانما رقمته السياسة ثم فرضته على رواة الحديث والوقائع ووجد هؤلاء من انفسهم دوافعا وبواعث دفعتهم لاعتناق هذه السياسة فرقموا هذا الترقيم واعانها على ذلك ميل في النفوس !... وإنا نستطيع ان نفهم ان هذا الترتيب مصطنع ولم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانه حدث متأخرا من حوادث كثيرة لا نريد سردها، ولكن مثلا واحدا نضعه بين ايدى المنصفين من قرائنا ليحللوه ثم

[111]

لهم الحكم بعد ذلك. حدثونا عن عمر (رض) انه قال - ودماؤه تنزف - لو كان أبو عبيده حيا لاستخلفته وقال لو كان سالم مولى ابي عبيدة حيا لاستخلفته ! ! وهذا يدلنا على ان عثمان كان في مرتبة متأخرة ولو ان الترتيب والترقيم كان على اساس الفضيلة في عهد النبي لما صح من ابي حفص ان يستخلف ابا عبيده أو سالم مولاه. وبعد - فواضح ان معدن الترقيم سياسي ومن الميسور للباحث ان يلتمس العلل التي كانت تبعث على الاصطناع، ويسير عليه إذا رجع الى العصر الاموي والى احوال الصحابة الذين اصطنعهم الامويون. ولم يأت الوقت لدرس هذه الناحية. على ان الرواية لو صحت نسبتها الى الامام جعفر الصادق عليه السلام لاخرجها شيعته وهم الذين لاتأخذهم في الحق لومة لائم كيف والرواية منسوبة الى امامهم الذي ينتسبون إليه.. وبقى شئ واحد لابد ان نلفتك إليه هو ان كلمة " نساءنا " لا يقولها العربي ويريد بنته لاسيما إذا كان له ازواج. دعوى كبيرة جازف فيها بنفسه لانها تحتاج الى تتبع عام واستقصاء شامل تام. على ان سيد العرب استعمل كلمة " نساءنا " في ابنته فقط مع ان في بيته تسع نسوة وفسر كلمة " انفسنا " بعلي فقط مع ان حوله الالوف من اصحابه وبعد هذا لا تكون الدعوى الاهراء من نوازع الشيطان التي تحاك في الصدور.

[112]

وشئ واحد نريد ان نشير إليه هنا وهو ما ذكره سماحة البحاثة حجة الاسلام الامام السيد عبد الحسين شرف الدين في كلمته الغراء قال ما نصه بالحرف: " وانت تعلم ان مباهلته صلى الله عليه وآله وسلم بهم. والتماسه منهم التأمين على دعائه بمجرده فضل عظيم - وانتخابه اياهم لهذه المهمة العظيمة. واختصاصهم بهذا الشأن الكبير وايثارهم فيه على من سواهم من اهل السوابق فضل على فضل لم يسبقهم إليه سابق. ولن يلحقهم فيه لاحق - ونزول القرآن العزيز آمرا بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث يزيد فضل المباهلة ظهورا ويضيف الى شرف اختصاصهم بها شرفا والى نوره نورا " وهناك نكتة يعرف كنهها علماء البلاغة، ويقدر قدرها الراسخون في العلم، العارفون باسرار القرآن. وهي ان الاية الكريمة ظاهرة في عموم الابناء والنساء والانفس كما يشهد به علماء البيان. ولا يجهله احد ممن عرف ان الجمع المضاف حقيقة في الاستغراق. وانما اطلقت هذه العمومات عليهم بالخصوص تبيانا لكونهم ممثلي الاسلام، واعلانا لكونهم اكمل الانام واذانا بكونهم صفوة العالم، وبرهانا على انهم خيرة الخيرة من بني آدم، وتنبها الى ان فيهم من الروحانية الاسلامية والاخلاص لله في العبودية ما ليس في جميع البرية. وان دعوتهم الى المباهلة بحكم دعوى الجميع، وحضورهم خاصة فيها منزل منزلة حضور الامة عامة وتأمينهم عليهم بالخصوص - ومن غاص على اسرار الكتاب الحكيم، وتدبره ووقف على اغراضه يعلم ان اطلاق هذه

[113]

العمومات عليهم بالخصوص انما هو على حد قول القائل: ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد ولذا قال الزمخشري في تفسير الاية من كشافه: وفيه دليل لا شئ اقوى منه على فضل اصحاب الكساء " وقال: " بقيت نكتة يجب التنبيه لها وحاصلها ان اختصاص الزهراء من النساء والمرتضى من الانفس. مع عدم الاكتفاء باحد السبطين من الابناء دليل على ما ذكرناه من تفضيلهم عليهم السلام لان عليا وفاطمة لما لم يكن لهما نظير في الانفس والنساء وكان وجودهما مغنيا عن وجود من سواهما بخلاف كل من السبطين، فان وجود احدهما لا يغني عن وجود الاخر لتكافئهما. ولذا دعاهما (ص) جميعا. ولو دعا احدهما دون ضوء كان ترجيحا بلا مرجح وهذا ينافي العدل والحكمة.

[114]

مؤتمر نجران قال جمال العارفين وفخر المحققين الثبت الورع والمتتبع المحقق السيد على ابن طاووس في كتاب الاقبال من اعمال شهر ذي الحجة " فصل فيما نذكر من انفاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرسله الى نصارى نجران ومناظرتهم فيما بينهم وظهور تصديقه فيما دعاه. روينا ذلك بالاسانيد الصحيحة، والروايات الصريحة الى ابي الفضل محمد بن عبد المطلب الشيباني رحمه الله من كتاب المباهلة ومن اصل كتاب الحسن ابن اسماعيل بن اشناس من كتاب عمل ذي الحجة فما رويناه بالطرق الواضحة، عن ذوي الهمم الصالحة، لا حاجة الى ذكر اسمائهم لان المقصود ذكر كلامهم. قالوا: لما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وانقادت له العرب وارسل رسله ودعاته الى الامم وكاتب الملكين كسرى وقيصر يدعوهما الى الاسلام أو الاقرار بالجزية والصغار وإلا اذانا بالحرب العوان، اكبر شأنه نصارى نجران وخلطاؤهم من بني عبد المدان، وجميع بني الحرث بن كعب

[115]

ومن ضوى إليهم (1) ونزل بهم من دهماء الناس (2) على اختلافهم في دين النصرانية. وامتلات قلوبهم - على تفاوت منازلهم - رهبة منه ورعبا، فانهم كذلك من شأنهم إذ وردت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وكان رسول الله (ص) لا يقاتل قوما حتى يدعوهم فازداد القوم لورود رسل نبي الله (ص) وكتابه نفورا وامتزاجا (واهتياجا) ففرعوا لذلك الى بيعتهم العظمى، وامروا ففرش ارضها والبس جدرها بالحرير والديباج، ورفعوا الصليب العظيم وكان من ذهب مرصع انفذه إليهم قيصر الاكبر وحضر ذلك (المجلس) بنو الحرث بن كعب وكانوا ليوث الحرب، فاجتمع القوم جميعا للمشورة والنظر في امورهم، واسرعت إليهم القبائل من مذحج وعك وحمير وانمار ومن دنا منهم نسبا ودارا من قبائل سبأ وكلهم قد ورم انفه غضبا منن قومهم (لقومه) ونكص من تكلم بالاسلام ارتدادا فحاضروا (فخاضوا) وافاضوا في ركز المسير بنفسهم وجمعهم الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والنزول به بيثرب لمناجزته، فلما رأى أبو حامد (حارثة) حصين بن علقمه اسقفهم الاول، وصاحب مدارسهم وعلامهم - وكان رجلا من بني بكر بن وائل - ما ازمع القوم عليه من اطلاق الحرب، دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة ثم قام خطيبا معتمدا على عصى، وكانت فيه بقية وله رأي وروية، وكان موحدا يؤمن بالمسيح وبالنبي عليه السلام ويكتم (ايمانه) ذلك من كفرة


(1) يقال ضويت إذا اويت إليه وانضمت (2) دهماء الناس عامتهم وجماعتهم

[116]

قومه واصحابه فقال: مهلا بني عبد المدان مهلا استديموا العافية والسعادة فانهما مطويان في الهوادة (1) دبوا الى قوم في هذا الامر دبيب الذر، واياكم والسورة (2) العجلى، فان البديهة بها لاينجب (3) انكم والله على فعل ما لم تفعلوا اقدر منكم على رد ما فعلتم، الا ان النجاة مقرونة بالانات، الارب احجام افضل من اقدام، وكائن من قول ابلغ من صول، ثم امسك. فاقبل عليه كرز بن مسيرة (سيرة) الحارثي وكان يومئذ زعيم بني الحارث بن كعب وفي بيت شرفهم، والمعصب (4) فيهم، وامير حروبهم فقال: لقد انتفخ سحرك، واستطير قلبك (5) ابا حارثة كالمسبوع (6) النزاعة " اليراعة " (7) المهلوع (8) تضرب لنا الامثال، وتخوفنا النزال، لقد علمت - وحق المنان - الحرب وهم عقيم (10) تثقف اود (11) الملك الحيار، ولنحن اركان " الرايش " وذوي المنار الذين شددنا ملكهما واخرنا ملكهما فاي ايامنا ينكر أم لايهاويك تلمز " 12 " ؟ !


(1) الصلح (2) السورة الشدة (3) لا تحسن (4) السيد (5) السحر الريه يقال للجبان انتفخ سحر اي جبنت واستطار الفجر انتشر (6) الذي افترسه السبع (7) الاحمق الجبان (8) الهلع افحش الجزع (9) حمل الاثقال العظيمة يقال: ناء بالجمل إذا نهض (10) جعل الحرب ذات حمل وهي عقيم (11) الاود الاعوجاج. " 12 " ويك ويلك واللمز العيب.

[117]

فما اتى على آخر كلامه حتى انتضم نصل نبلة كانت في يده بكفه غيظا وغضبا وهو لا يشعر فلما امسك كرز بن سيرة اقبل عليه العاقب - واسمه عبد المسيح بن شرحيل - وهو يومئذ عميد القوم وأمير رأيهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون جميعا الا عن قوله فقال: افلح وجهك وانس ربعك " 1 " وعز جارك وامتنع ذمارك " 2 " ذكرت وحق مغيرة الجباه حسبا صميما وعيصا " 3 " كريما وعزا قديما، ولكن ابا سيرة لكل مقام مقال ولكل عصر رجال والمرء بيومه اشبه منه بأمسه، وهي الايام تهلك جيلا وتديل قبيلا " 4 " والعافية افضل جلباب وللافات اسباب، فمن اوكد اسبابها التعرض لابوابها. ثم صمت العاقب مطرقا فاقبل عليه السيد - واسمه اهتم " اهم " بن النعمان - وهو يومئذ اسقف نجران، وكان نظير العاقب في علو المنزلة وهو رجل من عاملة وعداده في لخم فقال له: سعد جدك وعلا جدك " 5 " ابا وائلة ان لكل لامعة ضياء، وعلى كل صواب نورا ولكن لا يدركه وحق واهب العقل الا من كان بصيرا، انك افضيت وهذان فيما تفرق بكم الكلم الى سبيلي حزن " 6 " وسهل،


" 1 " الربع الدار. " 2 " الذمار ما يلزمك حفظه " 3 " العيص بالكسر " 4 " الشجر الكثير الملتف اي شجرة كريمة " 4 " من الدالة اي الهلاك " 5 " الجد الثانية بمعنى الحظ. " 6 " ضد السهل الطريق الوعرة.

[118]

ولكل على تفاوتكم حظ من الرأي الربيق " 1 " والامر الوثيق إذا اصيب به مواضعه. ثم ان اخا قريش قد نجدكم " 2 " لخطب عظيم، وامر جسيم، فما عندكم فيه قولوا " تولوا " وانجزوا، انجوع واقرار ام نزوع ؟ " 3 " قال عتبه والهدير والنفر من اهل نجران: فعاد كرز بن سبرة لكلامه وكان كمتا (كميا) أبيا فقال: انحن نفارق دينا رسخت عليه عروقنا، ومضى عليه آباؤنا، وعرف ملوك الناس ثم العرب ذلك ؟ ! انتهالك الى ذلك، أم نقر بالجزية وهي الخزية حقا ؟ ! لا والله حتى تجرد البواتر من اغمادها وتذهل الحلائل عن اولادها، أو نشرق نحن ومحمد بدمائنا ثم يديل " 4 " الله عز وجل بنصره من يشاء قال السيد: اربع على نفسك، وعلينا ابا سبرة " 5 " فان سل السيف يسل السيوف، وان محمدا قد بخعت له العرب واعطته طاعتها، وملك رجالها واعنتها، وجرت احكامه في اهل الوبر منهم والمدر، ورمقه الملكان العظيمان كسرى وقيصر، فلا اراكم - والروح - لو تهدلكم الا وقد تصدع عنكم من


" 1 " أي الرأي الذي عزم عليه كأنه مشدود بحبل. " 2 " نجدكم دعاكم. " 3 " اي اما اطاعته انتهاء عنها والبخوع بالموحدة الخضوع والطاعة " 4 " دال نصر " 5 " اربع بفتع البا أي ارفق بنفسك وبنا.

[119]

خف معكم من هذه القبائل، فصرتم جفاء (1) كامس الذاهب، أو كلحم على وضم (2) وكان فيهم رجل يقال له جهرة بن سراقة البارقي من زنادقة نصارى العرب، وكان له منزلة من ملوك النصرانية، وكان مثواه في بنجران فقال له: ابا سعيد قل في امرنا، وانجدنا برأيك، فهذا مجلس له ما بعده فقال: فاني ارى لكم ان تقاربوا محمدا وتستطيعوه " وتطيعوه " في بعض ملتمسه عندكم، ولينطلق وفودكم الى ملوك اهل ملتكم الى الملك الاكبر بالروم قيصر والى ملوك هذه الجلدة السوداء الخمسة - يعني ملوك السودان: ملك النوبة وملك الحبشة وملك العلوة " علوة " وملك الرعادة وملك الراحات ومريس والقبط وكل هؤلاء كانوا نصارى - وقال: وكذلك من ضوى الى الشام وحل بها من ملوك غسان ولخم وجذام وقضاعة وغيرهم من ذوي يمنكم فهم لكم عشيرة وموالي واعوان وفي الدين اخوان - يعني انهم نصارى - وكذلك نصارى الحيرة من العباد وغيرهم فقد صبت الى دينهم قبائل تغلب بنت وائل وغيرهم من ربيعة بن نزار لتسير وفودكم ثم لنخرق (3) إليهم البلاد


(1) جفا الوادي رمى بالزبد والقذى (2) الوضم خشبة الجزار وكل شئ يوقى به اللحم عن الارض (3) خرق المفازة قطعها.

[120]

اغذاذا (1) فيستصرخونهم لدينكم، فستنجدكم الروم وتسير اليكم الاساودة مسير اصحاب الفيل، وتقبل اليكم نصارى العرب من ربيعة اليمن، فإذا وصلت الامداد واردة سرتم انتم في قبائلكم وسائر من ظافركم وبذل نصره وموازرته لكم حتى تضاهؤن من انجدكم واصرخكم من الاجناس والقبائل الواردة عليكم فاموا محمدا حتى نكجوا " تنجو " به جميعا فسيعنق اليكم وافدا لكم من صبا إليه مغلوبا مقهورا، وينعتق به من كان منهم في مدرته مكثورا (2) فيوشك ان تصطلموا حوزته (3) وتطفئوا جمرته، ويكون تتهافت دخولا في دينكم، ثم لتعظمن بيعتكم هذه ولتشرفن حتى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة هذا الرأي فانتهزوه فلا رأي لكم بعده !. فاعجب القوم كلام جهيرة بن سراقة ووقع منهم كل موقع، فكادوا ان يفترقوا على العمل به وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار من بني قيس بن ثعلبة يدعى حارثة بن اثاك (اتاك) على دين المسيح عليه السلام فقام على قدميه واقبل على جهير وقال متمثلا: متى ما تقد بالباطل الحق بابه وان قدت بالحق الرواسي ينقد إذا ما اتيت الامر من غير بابه ضللت وان تقصد الى الباب تهتد ثم استقبل السيد العاقب والقسيسين والرهبان وكافة نصارى نجران


(1) الاغذاذ في السير الاسراع. (2) المدرة البلدة والمكثور المغلوب. (3) تصمطلوا تستأصلوا والحوزة الناحية.

[121]

بوجهه لم يخلط معهم غيرهم فقال: سمعا سمعا يا ابناء الحكمة وبقايا حملة الحجة ان السعيد والله من نفعته الموعظة ولم يعش (1) عن التذكرة، الاواني انذركم واذكركم قول مسيح الله عز وجل، ثم شرح وصيته ونصه على وصيه شمعون بن يوحنا وما يحدث على امته من الافتراق. ثم ذكر عيسى عليه السلام وقال: ان الله جل جلاله اوحى إليه فخذيا ابن امتي كتابي بقوة ثم فسره لاهل سوريا بلسانهم واخبرهم اني انا الله لا اله الا انا الحي القيوم البديع الدائم، الذي لا احول ولا ازول، واني بعثت رسلي وانزلت كتبي رحمة ونور أو عصمة لخلقي، ثم اني باعث بذلك نجيب رسالتي احمد صفوتي من خيرتي البار قليطا عبدي ارسله في خلو من الزمان ابعثه (ابتعثه) بمولده فاران من مقام ابيه ابراهيم انزل عليه توراة حديثة افتح بها اعينا عميا واذانا صما، وقولوبا غلفا، طوبى لمن شهد ايامه، وسمع كلامه فامن من، واتبع النور الذي جاء به فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النبي فصل عليه، فاني وملائكتي نصلي عليه. قال فما اتي حارثة بن اتاك على قوله حتى اظلم السيد والعاقب مكانهما، وكرها ما قام به في الناس معربا ومخبرا عن المسيح عليه السلام بما اخبر واقدم على (من ذكر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لانهما كانا قد اصابا بموضعهما من دينهما شرفا بنجران ووجها عند ملوك النصرانية جميعا وكذا (وكذلك) عند سوقتهم وعربهم في البلاد فاشفقا ان يكون ذلك سببا لانصراف


(1) عشى الرجل ساء بصره.

[122]

قومهما عن طاعتهما لدينهما، وفسخا لمنزلتهما في الناس فاقبل العاقب على حارثة فقال: امسك عليك ياحار (1) فان راد هذا الكلام عليك اكثر من قابله، ورب قول يكون بينة على قائله، وللقلوب نفرات عند الاصداع (2) بمظنون الحكمة فاتق نفورها فلكل بناء اهل، ولكل خطب محل، وانما الدرك (3) ما اخذ لك بمواضي النجاة والبسك جنة السلامة (4) فلا تعدلن بهما حظا، فاني لم آلك - لا أبا لك - نصحا. ثم ارم - يعني امسك - فاوجب السيد ان يشرك العاقب فاقبل على حارثة فقال: اني لم ازل اتعرف لك فضلا تميل اليك الالباب، فاياك ان تقتعد مطية اللجاج وان ترجف " توجف " الى السراب فمن عذر بذلك فلست فيها ايها المرء بمعذور، وقد اخبرك أبو واثلة وهو ولي امرنا وسيد حضرنا عتابا فاوله اعتبارا، ثم تعلم ان ناجم (5) قريش - يعني رسول الله - يكون دره قليلا ثم ينقطع ويخلو (ويكون) بعد ذلك قرن يبعث في آخره النبي


(1) منادى مرخم (2) الصدع الشق وصدع بالامر تظلم به جهارا (3) الدرك الوصول واللحاق (4) كل ما وقى من سلاح وغيره (5) نجم الشئ ظهر

[123]

المبعوث بالحكمة والبيان، والسيف والسلطان، يملك ملكا مؤجلا تطبق فيه امته المشارق والمغارب، ومن ذريته الامير الظاهر يظهر على جميع الملكات والاديان، ويبلغ ملكه ما طلع عليه الليل والنهار وذلك يا حار امل من ورائه امد، ومن دونه اجل، فتمسك بدينك " من دينك " وتمتع - لله ابوك - عن " من " انس منصرم بالزمان، أو لعارض من الحدثان، فانما نحن ليومنا، ولغد اهله. فاجابه حارثة بن اتاك فقال: ايه عليك ابا قرة فانه لاحظ في يومه لمن لا درك له في غده " غدوه " واتق الله تجد الله جل وتعالى بحيث لا مفزع الا إليه، وعرضت مشيدا بذكر ابي واثلة، فهو العزيز المطاع الرحب الباع، واليكما معا يلقى الرجل " ملقى الرجال " فلو اضربت التذكرة عن احد لتبريز فضل لكنتما، لكنها ابكار الكلام " الكلمة " تهدي لاربابها، ونصيحة كنتما احق من اصغي لها، انكما مليكا ثمرات قلوبنا، ووليا طاعتنا في ديننا فالكيس الكيس يا آيها المعظمان عليكما به ارمقا ما بدهكما نواحيه " بواجبه " واهجرا التسويف فما انتما بعرضه، آثرا الله فيما كان يؤثر كما بالمزيد من فضله ولا تخلدا فما اظلكما الى الونية " 1 " فانه من اطال عنان الامر اهلكته العزة، ومن اقتعد مطية الحذر كان بسبيل آمن من المتالف، ومن استنصح عقله كان العبرة له لا به، ومن نصح الله عز وجل آنسه الله جل وتعالى بعزة الحياة، وسعادة المنقلب. ثم اقبل على العاقب معاتبا فقال:


" 1 " ونيت في الامر خففت

[124]

وزعمت ابا واثلة ان راد ما قلت اكثر من قائله وانت لعمر الله حري الا يؤثر هذا عنك فقد علمت وعلمنا امة الانجيل معا بسيرة ما قام به المسيح في حواريه ومن آمن له من قومه وهذه منك فهة " 1 " لا يرحضها " 2 " الا التوبة والاقرار بما سبق به من الانكار. فلما اتي على هذا الكلام صرف الى السيد وجهه فقال. لا سيف الا ذو نبوة، ولا علم الا ذو هفوة فمن نزع عن وهله واقلع فهو السعيد الرشيد، وانما الافة في الاصرار، واعرضت بذكر نبيين يخلقان زعمت بعد ابن البتول، فاين يذهب بك عما خلد في الصحف من ذكرى ذلك ؟ الم تعلم ما انبأنا به المسيح عليه السلام في بني اسرائيل ؟ وقوله لهم كيف بكم إذا ذهب بي الى ابي وابيكم (كذا) وخلف بعد اعصار تخلو من بعدي وبعدكم صادق وكاذب ؟ قالوا ومن هما يا مسيح الله ؟ قال: نبي من ذرية اسماعيل عليهما السلام صادق ومتنبئ من بني اسرائيل كاذب، فالصادق منبعث منهما برحمة وملحمة يكون له الملك والسلطان مادامت الدنيا واما الكاذب فله نبز يذكر به المسيح الدجال يملك فواقا ثم يقتله الله بيدي إذا رجع بي. قال حارثة: واحذركم يا قوم ان يكون من قبلكم من اليهود اسوة انهم انذروا بمسيحين: مسيح رحمة وهدى ومسيح ضلالة وجعل لهم على كل واحد منهما


" 1 " الفهة بالفتح والتشديد السقطة " 2 " الرحض بالحاء المهملة والضاد المعجمة غسل الثوب اي لا يغسلها الا التوبة

[125]

آية وامارة فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به وآمنوا بمسيح الضلالة الدجال واقبلوا على انتظاره، واضربوا في الفتنة وركبوا بختها " نصحها " ومن قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وقتلوا انبياءه والقوامين بالقسط من عبادء، فحجب الله عز وجل عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كتبت (كسبت) ايديهم ونزع ملكهم منهم ببغيهم والزمهم الذلة والصغار وجعل منقلبهم الى النار. قال العاقب: فما اشعرك يا حار ان يكون هذا النبي المذكور في الكتب وهو قاطن في يثرب ؟ ! ولعله ابن عمك صاحب اليمامة فانه يذكر من النبوة ما يذكر منها اخو قريش، وكلاهما من ذرية اسماعيل ولجميعهما اتباع واصحاب يشهدون بنبوته ويقرون برسالته فهل تجد بينهما في ذلك من فاصلة فتذكرها ؟ ! قال حارثة: اجل والله اجدها، والله اكبر وابعد مما بين السحاب والتراب وهي الاسباب التي بها وبمثلها تثبت حجة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وانبيائه، واما صاحب اليمامة فيكفيكم ما اخبركم به سفراؤكم (سفهاؤكم) وغيركم والمنتجعة (1) منكم ارضه ومن قدم من اهل اليمامة الى احمد بيثرب فعادوا إليه جميعا بما تعرفوا هناك في بني قيلة وتبينوا به، قالوا قدم علينا احمد بيثرب


(1) المنتجعة طالبي الكلاء

[126]

وبيارنا ثماد (1) ومياهنا ملحة، وكنا من قبله لا نستطيب ولا نستعذب فبصق في بعضها ومج في بعض فعادت عذابا محلولية وجاش (2) منها ماكان ماؤها ثمادا فصار بحرا، قالوا وتفل محمد في عيون رجال ذوي رمد وعلى كلوم رجال ذوى جروح فبرئت لوقتة عيونهم فما اشتكوها واندملت جراحاتهم فما الموها في كثير مما ادوا ونبئوا عن محمد (ص) من دلالة وآية، وارادوا صاحبهم مسيلمة على بعض ذلك فانعم لهم كارها، واقبل بهم الى بعض بيارهم فمج فيها. وكانت الركى (3) معذوذبة فحارت ملحا لا يستطاع، وبصق في بئر كان ماؤها وشلا فعادت ولم تبض (4) بقطرة من ماء، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت وعلى جراح، فاكتسى جلده برصا فقالوا: لمسيلمة فيما ابصروا ذلك منه واستبرأوه. فقال: ويحكم بئس الامة انتم لنبيكم، والعشيرة لابن عمكم انكم تحيفتموني يا هؤلاء من قبل ان يوحى الي في شئ، مما سألتم، والان فقد اذن لي في اجسادكم واشعاركم دون بياركم ومياهكم، هذا لمن كان منكم بي مؤمنا. واما من كان مرتابا فانه لا يزيده تفلي عليه الا بلاء فمن شاء الان منكم فليأت لاتفل في عينه وعلى جلده. قالوا: ما فينا - وابيك - احد يشاء ذلك. انا نخاف ان يشمت بك اهل يثرب واضربوا عنه حمية لنسبه فيهم وتذمما لمكانه منهم.


(1) قليلة الماء (2) جلش الوادي كثر ماؤه (3) البئر ذات الماء (4) وشل الماء سال وبعض الماء سال قليلا اي قطر (*)

[127]

فضحك السيد والعاقب حتى فحا الارض بارجلهما وقالا: ما النور والظلام والحق والباطل باشد بيانا وتفاوتا مما بين هذين الرجلين صدقا وكذبا قالوا: وكان العاقب احب مع ما تبين من ذلك ان يشيد ما فرط من تفريط مسليمة ويوثل منزلته ليجعله لرسول الله (ص) كفأ. استظهارا بذلك في بقاء عزه، وما طار له من السمو في اهل ملته فقال: ولئن فخر اخو بني حنيفة في زعمه ان الله عز وجل ارسله وقال من ذلك ما ليس له بحق فقدبر في ان نقل قومه من عبادة الاوثان الى الايمان بالرحمن. قال حارثة: انشدك بالله الذي دحاها واشرق باسمه قمراها هل تجد فيما انزل الله عز وجل في السابقة (السالفة) يقول الله عز وجل: انا الله ولا اله الا انا ديان يوم الدين انزلت كتبي وارسلت رسلي لاستنقذ بهم عبادي من حبائل الشيطان، وجعلتهم في بريتي وارضي كالنجوم الدراري في سمائي يهدون بوحي وامري، من اطاعهم اطاعني ومن عصاهم فقد عصاني. واني لعنت وملائكتي في سمائي وارضى واللاعنون من خلقي من جحد ربوبيتي أو عدل بي شيئا من بريتي أو كذب باحد من انبيائي ورسلي أو قال اوحي الي ولم يوح إليه شئ أو غمص (1) سلطاني أو نقضه متبرا واكمه عبادي واضلهم عني الا وانما يعبدوني من عرف ما اريد في (من) عبادتي وطاعتي من خلقي فمن لم


(1) احتقر وعاب

[128]

يقصد الي من السبيل التي نهجتها برسلي لم يزدد في عبادته مني الا بعدا. قال العاقب: رويدك لقد نبأت حقا. قال حارثة: فما دون الحق من مقنع وما بعده لامرء مفزع ولذلك قلت الذي قلت. فاعترضه السيد وكان ذا مجال (1) وجدال شديد فقال: ما احرى وما ارى اخا قريش مرسلا الا الى قومه بني اسماعيل (في دينه) وهو مع ذلك يزعم ان الله عز وجل ارسله الى الناس جميعا. فقال حارثة: أفتعلم انت يا ابا قرة ؟ ان محمدا مرسل الى قومه خاصة. قال: أجل ! - أتشهد له بذلك ؟ - ويحك وهل يستطاع دفع الشواهد ! نعم اشهد غير مرتاب بذلك وبذلك شهدت له الصحف الدارسة، والانباء الخالية !.. فاطرق حارثة ضاحكا ينكث الارض بسبابته. قال السيد: ما يضحكك يا ابن اتاك ؟ حارثة - عجبت فضحكت السيد - أو عجب ما تسمع ؟ حارثة - نعم العجب اجمع اليس - بالاله - بعجيب من رجل اوتي اثرة من علم وحكمة يزعم ان الله عز وجل اصطفى لنبوته واختص


(1) صاحب مكر وحيل

[129]

برسالته وايد بروحه وحكمته رجلا خراصا يكذب عليه، ويقول اوحى الي ولم يوحى إليه، فيخلط كالكاهن كذبا بصدق، وباطلا بحق ! فارتدع السيد وعلم انه قد وهل فامسك محجوجا. قالوا وكان حارثة بنجران حثيثا - يعني غريبا - فاقبل عليه العاقب وقد قطعه ما فرط الى السيد من قوله فقال له: عليك " 1 " اخا بني قيس من ابن تغلبة واحبس عليك ذلق " 2 " لسانك وما لم تزل تستحم لنا من مثابة سفهك، فرب كلمة ترفع صاحبها رأسا قد القته في قعر مظلمة ورب كلمة لامت ورأيت قلوبا نغله " 3 " فدع عنك ما يسبق الى القلوب انكاره وان كان عندك مالك اعتذاره. ثم اعلم ان لكل شئ صورة وصورة الانسان العقل وصورة العقل الادب، والادب ادبان طباعي ومرتاضي فافضلها ادب الله جل جلاله، ومن ادب الله سبحانه وحكمته ان يرى لسلطانه حقا ليس لشئ من خلقه، لان الحبل بين الله وبين عباده.. والسلطان اثنان سلطان مملكة وقهر وسلطان حكمة وشرع. فاعلاهما فوقا سلطان الحكمة وقد ترى يا هذا ان الله عز وجل قد صنع لنا حتى جعلنا حكاما وقواما على ملوك ملتنا ومن بعدهم من حشونهم واطرافهم، فاعرف لذي الحق حقه ايها المرء وخلاك ذم ثم قال: وذكرت اخا قريش وما جاء به من الايات والنذر فاطلت واعرضت ولقد برزت. فنحن بمحمد عالمون، وبه جدا


1) اسم فاعل بمعنى امسك. 2) اللسان الذلق اللسان الحديد البليغ. 3) نغلة فاسدة.

[130]

موقنون شهدت لقد انتظمت له الايات والبيانات سالفها وآنفها الا آية هي اسماها (اشفاها) واشرفها وانما مثلها فيما جاء به كمثل الرأس للجسد، فما حال جسد لا رأس له فامهل رويدا نتجسس الاخبار ونعتبر الاثار ولنستشف ما الفينا مما افضى الينا فان انسنا الاية الجامعة الخاتمة لديه فنحن إليه اسرع واليه (له) اطوع والا فاعلم ما تذكر به النبوة والسفارة عن الرب الذي لا تفاوت في امره، ولا تغاير في حكمه. قال حارثة: قد ناديت فاسمعت وفزعت فصدعت وسمعت واطعت، فما هذه الاية التي اوحش بعد الانسة فقدها واعقب الشك بعد البينة عدمها ؟ العاقب - قد اثلجك أبو قرة بها فذهبت عنها في غير مذهب وحاورتنا فاطلت في غير ما طائل حوارنا. حارثة - وانى ذلك فحلها الان لي فداك ابي وامي. العاقب - افلح من سلم للحق وصدع به ولم يرغب عنه، وقد احاط به علما. فقد علمنا وعلمت من انباء الكتب المستودعة علم القرون وما كان منها وما يكون، فانها استهلت بلسان كل امة منهم معربة مبشرة ومنذرة باحمد النبي العاقب الذي تطبق امته المشارق والمغارب يملك وشيعته من بعده ملكا مؤجلا يستأثر مقتبلهم ملكا على الاحم " 1 " منهم بذلك النبي وتباعة وبيتا ويوسع من بعدهم امنهم عدوانا وهضما فيملكون بذلك سبتا " 2 " طويلا حتى لا يبقى


" 1 " الاحم الاقرب. " 2 " السبت الدهر.

[131]

في جزيرة العرب بيت الا وهو راغب إليهم أو راهب لهم ثم يدال بعد لاي منهم " 1 " ويشعث سلطانهم " 2 " حدا حدا وبيتا فبيتا حتى تجنى امثال النغف " 3 " من الاقوام فيهم ثم يملك امرهم عبدانهم وقنهم يملكون جيلا فجيلا يسيرون في الناس بالقعرة خيطا خيطا " 4 " ويكون سلطانهم سلطانا عضوضا ضروسا فننقص الارض حينئذ من اطرافها ويشتد البلاء وتشتمل الاوقات حتى يكون الموت اعز من الحياة الحمراء واحب حينئذ الى احدهم من الحياة الى المعافات السليم، وما ذلك الا لما يدلون به من الضر والضراء والفتنة العشواء، وقوام الدين يومئذ وزعماؤه اناس ليسوا من اهله فيمج الدين بهم وتعفو آياته ويدبر توليا وامحاقا، فلا يبقى الا اسمه حتى ينعاه ناعيه والمؤمن يومئذ غريب، والديانون قليل ماهم حتى يسيئس الناس من روح وفرجة الا اقلهم، ويظن اقوام ان لن ينصر الله رسله ويحق وعده فإذا بهم الشصائب " 5 " والنقم واخذ من جميعهم بالكظم " 6 " تلافي الله دينه وراش عباده " 7 " من بعد ما قنطوا برجل من ذرية نبيهم احمد ونجله يأتي به الله عز وجل من حيث لا يشعرون تصلي عليه السموات وسكانها وتفرج به


" 1 " أي يتقلب من حال الي حال بعد مدة طويلة. " 2 " شعث السلطان تشتت. " 3 " النغف دود في انوف الابل والغنم. " 4 " خيطا بالياء المثناة من تحت الجماعة وبالموحدة كذلك. " 5 " الشصائب الشدائد. " 6 " مخرج النفس. " 7 " جمع عباده.

[132]

الارض وما عليها من هوام، وطائر وانام وتخرج له امكم - يعني الارض - بركتها وزينتها وتلقي إليها كنوزها وافلاذ كبدها حتى تعود كهيئتها على عهد آدم عليه السلام، وترفع عنهم المسكنة والعاهات في عهده والنقمات التي كانت تضرب بها الامم من قبل وتلقى افي البلاد الامنة وتنزع حمة كل ذات حمة ومخلب كل ذي مخلب وناب كل ذي ثاب حتى ان الجويرية اللكاع لتلعب بالافعوان فلا يضرها شيئا، وحتى يكون الاسد في الباقر (1) كأنه راعيها والذئب في البهم كأنه ربها ويظهر الله عبده على الدين كله فيملك مقاليد الاقاليم الى بيضاء الصين حتى لا يكون على عهده في الارض اجمعها الا دين الله الحق الذي ارتضاه لعباده وبعث به آدم بديع فطرته واحمد خاتم رسالته ومن بينهما من انبيائه ورسله. وما ان انتهى العاقب من اقتصاصه هذا قبل عليه حارثة مجيبا فقال: (اشهد بالله البديع يا ايها النبيه الخطير والعليم الاثير، لقد ابتسم الحق بقلبك واشرق الجنان بعدل منطقك وتنزلت كتب الله التي جعلها نورا في بلاده وشاهدة على عباده بما اقتصصت من سطورها حقا فلم يخالف طرس منها ولا رسم من آياتها رسما فما بعد هذا ؟ قال العاقب: فانك زعمته اخا قريش فكنت بما تؤثر من هذا حق غالط. حارثة - وبم ؟ ألم تعترف له بنبوته ورسالته الشواهد ؟ ! العاقب - بلى لعمر الله ولكنهما نبيان رسولان يعتقبان بين مسيح الله عز وجل وبين الساعة اشتق اسم احدهما من صاحبه محمد واحمد بشر باولهما


(1) الباقر جماعة البقر.

[133]

موسى وثانيهما عيسى فاخو قريش هذا مرسل الى قومه ويقفوه من بعده ذو الملك الشديد والا كل الطويل يبعثه الله عز وجل خاتما للدين وحجة على الخلائق اجمعين ثم تأتي من بعده فترة تتزايل فيها القواعد من مراسيها فيعيدها الله عز جل على الدين كله فيملك هو والملوك الصالحون من عقبه جميع ما طلع عليه الليل والنهار، من ارض وجبل وبر وبحر يرثون ارض الله عز وجل ملكا كما ورثها وملكها الابوان آدم ونوح. يلقون - وهم الملوك الاكابر - وفي مثل هيئة المساكين بذاذة واستكانة، فاولئك الاكرمون الاماثل لا تصلح عباد الله وبلاده الا عليهم ينزل عيسى ابن البشر على اخرهم بعد مكث طويل شديد لا خير في العيش بعدهم وتردفهم رجراجة (واخراجة) طغام في مثل احلام العصافير، (و) عليهم تقوم الساعة وانما تقوم على شرار الناس واخا فيهم فذلك الوعد الذي صلى به الله عز وجل على احمد كما صلى به على خليله ابراهيم (ع) في كثير مما لاحمد من البراهين والتأييد الذي خبرت به كتب الله الاولى. حارثة - فمن الاثر (الامر) المستقر عندك ابا وائلة في صدق هذين الاسمين انهما لشخصين لنبيين مرسلين في عصرين مختلفين ؟. العاقب - أجل حارثة - فهل يخالجك في ذلك ريب أو يعرض لك فيه ظن ؟ العاقب - كلا والمعبود ان هذا لاجلي من يوخ (1) - واشار الى جرم الشمس فاكب حارثة مطرقا وجعل ينكث الارض عجبا.


" 1 " يوخ بالمثناة الشمس

[134]

حارثة - انما الافة ايها الزعيم المطاع، ان يكون المال عند من يخزنه لامن ينفقه والسلاح عند من يتزين به لامن يقاتل به. والرأي عند من يملكه لا من ينصره. العاقب - لقد اسمعت يا حويرث فاقذعت، وطفقت فاقدمت فمه. الحارث - اقسم بالذي قامت به السموات والارضون باذنه وغلبت الجبابرة بامره انهما اسمان مشتقان لنفس واحدة ولنبي واحد ورسول واحد انذر به موسى بن عمران، وبشر به عيس بن مريم ومن قبلهما اشارت به صحف ابراهيم. فتضاحك السيد بري قومه ومن حضرهم ان ضحكة هزوء من حارثة وتعجبا وانتشط العاقب (من) ذلك فاقبل على حارثة مؤنبا فقال: لا يغررك باطل ابي قرة فانه وان ضحك لك فانما يضحك منك. حارثة - لئن فعلها لانها لاحدى الدهارس " 1 " أو بؤة (سؤة) أفلم تتعرفا - راجع الله بكما - من موروث الحكمة لا ينبغي للحكيم ان يكون عانسا في غير ارب ولا ضاحكا من غير عجب ؟ الم يبلغكما عن سيدكما المسيح عليه السلام قال: فضحك العالم في غير حينه غفلة من قلبه أو سكرة الهته عما في غده ؟ السيد - يا حارثة لا يعيش واحد بعقله حتى يعيش بظنه " 2 " وإذا


" 1 " دهرس كجعفر. الداهية " 2 " يريد ان التعيش بالظنون الفاسدة اكثر من التعيش بالعقل ومراده ان هذا الكلام صادق وان ضحكه لم يكن عبثا.

[135]

انا لم اعلم الا ما روبت فلا علمت، أو لم يبلغك انت عن سيدنا المسيح علينا سلامه ان لله عبادا ضحكوا جهرا من سعة رحمة ربهم وبكوا سرا من خيفة ربهم ! حارثة - إذا كان هذا فنعم السيد - فما هنا فليكن مراجم ظنونك بعباد ربك ؟ وعد بنا الى ما نحن بسبيله فقد طال التنازع والخصام بيننا يا حارثة. وذكروا ان هذا كان - جلسة - ثالثة في يوم ثالث من اجتماعهم للنظر من امرهم. فقال السيد - يا حارثة الم ينبئك أبو واثلة بافصح لفظ اخترق اذنا ودعا ذلك بمثله مخبرا فالقاك مع عرفائك (عزماتك) بموارده حجرا وها انا ذا أوكد عليك التذكرة من معدن ثالث فانشدك الله وما انزل الى كلمته من كلماته هل تجد في الزاجرة المنقولة من لسان اهل سوريا الى لسان العرب - يعنى صحيفة شمعون بن حمون الصفا التي توارثها عنه اهل نجران - الم يقل بعد بند طويل من كلام فإذا طبقت وقطعت الارحام وعفيت (وعلفت) الاعلام بعث الله عبده البارقليطا بالرحمة والمعدلة قالوا وما البارقليطا يا روح الله (يا مسيح الله) قال احمد النبي الخاتم الوارث ذلك الذي يصلي عليه حيا ويصلي عليه بعد ما يقبضه إليه بابنه الطاهر الخاير ينشره الله في آخر الزمان بعدما انقضت (انقضمت) عرى الدين وخبت مصابيح الناموس فافلت (وافلت) نجومه فلا يلبث العبد الصالح الا امما حتى يعود به الدين كما بدا ويقر الله عز وجل سلطانه في عبده ثم في الصالحين من عقبه وينشر منه حتى يبلغ ملكه

[136]

منقطع التراب. حارثة - قد انشدتما (بهذه المأثرة لاحمد وكررتما بها القول وهي كما) قد انشدتما حق لا وحشة مع (من) الحق ولا انس في غيره فمه. السيد - فان من الحق ان لاحظ في هذه الا كرومة للابتر. حارثة - انه لكذلك اليس لمحمد ولد السيد - انك ما علمت الا لدا " 1 " الم يخبرنا سفرنا واصحابنا فيما تجسسنا من خبره ان ولديه الذكران (من) القرشية والقبطية بادا، يعني هلكا وغودر محمد كقرن الا عضب " 2 " موف على ضريحه، فلو كان بقية لكان لك بذلك مقالا إذا ولت ابناؤه الذي ينكر (تذكر) الحارث - العبر لعمرو الله كثيرة والاعتبار بها قليل، والدليل موف على سنن السبيل ان لم يغش عنه ناظر وكما ان ابصار الرمد لا تستطيع النظر في قرص الشمس لسقمها فكذلك البصائر القصيرة لا تتعلق بنور الحكمة لعجزها الا ومن كان كذلك فلستماه - واشار الى السيد والعاقب - انكما ويمين الله لمحجوجين بما اتاكما الله عز وجل من ميراث الحكمة واستودعكما من بقايا الحجة ثم بما اوجب لكما من الشرف والمنزلة في الناس فقد جعل الله عز وجل من اناه سلطانا ملوكا للناس واربابا وجعلكما حكما وقواما على ملوك ملتنا وذادة لهم يفزعون اليكما في دينهم ولا تفزعان إليهم وتأمرانهم فيأتمرون لكما وحق لكل ملك أو موطأ الاكتاف (الاكناف) ان يتواضع لله عز وجل إذ رفعه


" 1 " الد الخصومة الشديدة " 2 " كناية عن الهلاك اي لم يبق له احد

[137]

وان ينصح لله عز وجل في عباده ولا يدهنن في امره، وذكرتما محمدا بما حكمت له بالشهادات (الشهادات) الصادقة وبينته فيه الاسفار المستحفظة، ورأيتماه مع ذلك مرسلا الى قومه لا الى الناس جميعا وان ليس بالخاتم الحاشر " 1 " ولا الوارث العاقب لانكما زعمتما ابترا اليس كذلك ؟ ! السيد والعاقب - نعم. حارثة - ارأيتما لو كان له بقية وعقب هل كنتما تمتريان (ممتريان) لما تجدان ؟. وبما تكذبان من الوراثة والظهور على النواميس ؟. انه النبي الخاتم والمرسل الى كافة البشر. السيد والعاقب - لا. حارثة - افليس هذا القيل لهذه الحال مع طول اللوائم والخصايم عندكما مستقرا. السيد والعاقب - اجل. حارثة - الله اكبر. السيد والعاقب - كبرت كبيرا فما دعاك الى ذلك ؟ حارثة - الحق ابلج، والباطل لجلج، ولنقل ماء البحر ونشق الصخر اهون من اماتة ما احياه الله عز وجل واحياء ما اماته الان، فاعلما ان محمدا غير ابتر، وانه الخاتم الوارث والعاقب الحاشر حقا فلا نبي بعده وعلى امته تقوم الساعة ويرث الله الارض ومن عليها وان من ذريته الامير الصالح الذي بينتماه، ونبئتما انه يملك مشارق الارض ومغاربها، ويظهره


" 1 " الحاشر من اسماء النبي (ص) لانه يحشر الناس ممن على دينه خلفه.

[138]

الله عز وجل بالحنفية (الحنيفية) الابراهيمية على النواميس كلها. السيد والعاقب - اولى لك يا حارثة، لقد اغفلناك وتأتي الامر مراوغة كالثعالبة فما تسأم المنازعة ولا تمل من المراجعة، ولقد زعمت مع ذلك عظيما فما برهانك ؟ حارثة - اما وجدكما لانبئكما ببرهان من الشبهة ويشفى به جوى الصدور. ثم اقبل على ابن حارثة حصين بن علقمة شيخهم واسقفهم الاول فقال: أرأيت أيها الاب الاثير ان تؤنس قلوبنا، وتثلج صدورنا باحضار الجامعة والزاجرة ؟ - وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع - وذلك لما خلقت " 1 " الارض (الشمس) وفي زمن قيظ شديد. فاقبلا على حارثة فقالا ارج هذا الى غد القلوب منا الصدور ففرقوا على احظار الزاجرة والجامعة من غد للنظر فيهما والعمل بما يتراؤن (يترائيان) منهما فلما كان من الغد صار اهل نجران الى بيعتهم لاعتبار ما اجمع صاحباهما مع حارثة على اقتباسه وتبينه (وتتبعه) من الجامعة، ولما رأى السيد والعاقب اجتماع الناس لذلك قطع بهما " 2 " لعلمهما بصواب حارثة، واعترضاه ليصدانه عن تصفح الصحف عن اعين الناس وكانا من شياطين الانس فقال السيد انك قد اكثرت وامللت فض " 3 "


" 1 " حلقت الشمس ارتفعت وركدت " 2 " قطع يفلان إذا عجز عن سفره من نفقة الذهاب " 3 " بالفاء المعجمة والضاد المعجمة الكسر اي دعنا نترك الكلام ونكسر الحديث وبالقاف والصادق المهملة من قطع جناح الطائر اي نقطع الكلام علنا ونجعله بيننا وقض بالقاف المثنات من قض اللؤلوء.

[139]

الحديث لنا مع قضة (قص الحديث لنا مع قصة) ودعنا من (مع تبيانه حارثة - وهل هذا الا منك ومن صاحبك ؟. فمن الان فقولا ما شئتما !. العاقب - ما من مقال الا قلنا، وسنعود فننجز يعض ذلك (لك) تنجيزا غير كاتمين لله عز وجل من حجة ولا جاحدين له آية ولا مفترين مع ذلك على الله عز وجل لعبد انه مرسل منه وليس برسوله، فنحن نعترف يا هذا بمحمد انه رسول من الله عز وجل الى قومه من بني اسماعيل (اسرائيل) في غير ان تجيب له بذلك على غيرهم من عرب الناس ولا اعاجمهم ولا طاعة بخروج له عن ملة ولا دخول معه في ملة الا الاقرار له بالنبوة والرسالة الى اعيان قومه ودينه. حارثة - بما شهدتما له بالنبوة والامر ؟ السيد والعاقب - حيث جاءتنا فيه البينة من تباشير الاناجيل والكتب الخالية. حارثة - منذ وجب هذا لمحمد عليكما في طويل الكلام وقصيره، وبدئه وعوده، فمن اين زعمتما انه ليس بالوارث الحاشر ولا المرسل الى كافة البشر ؟ ؟ السيد والعاقب - لقد علمت وعلمنا فما نمتري بان حجة الله عز وجل لم ينته امرها وانها كلمة الله جارية في الاعقاب ما اعتقب الليل والنهار، وما بقى من الناس شخصان، وقد ظننا من قبل ان محمدا ربها وانه القائد بزمامها فلما اعقمه الله عز وجل بمهلك الذكورة من ولده علمنا انه ليس به، لان

[140]

محمدا ابتر، وحجة الله عز وجل الباقية ونبيه الخاتم بشهادة كتب الله عز وجل المنزلة ليس بابتر فاذن هو نبي يأتي بعد محمد اسمه من اسم محمد وهو احمد الذي انبأ المسيح باسمه وبنبوته ورسالاته (ورسالته) الخاتمة ويملك ابنه القاهر (القاهرة) الجامعة للناس جميعا ناموس الله عز وجل الاعظم، ليس بمظهر (بمظهرة) دينه ولكنه ذريته وعقبه يملك قرى الارض وما بينهما من لوب 1 وسهل وصخر وبحر ملكا مورثا موطا وهذا نبأ أحاطت سفرة الاناجيل به علما وقد اوسعناك بهذا القيل سمعا وعدنا لك به آنفة بعد سالفة فما اربك الى تكراره ؟ !. حارثة - قد اعلم انا واياكم في رجع من القول منذ ثلاث وما ذاك الا ليذكر ناس ويرجع فارط ويظهر (وتطمئن) لنا الكلم (ويظهر لنا الكلام) وذكرتما نبيين يبعثان يعتقبان بين مسيح الله عز وجل والساعة قلتما وكلاهما من بني اسماعيل اولهما محمد بيثرب وثانيهما احمد العاقب واما محمد اخو قريش هذا الفاطن بيثرب فآياته (فانابه) حق مؤمن اجل وهو - والمعبود - احمد الذي نبأت به كتب الله عز وجل ودلت عليه آياته وهو حجة الله عز وجل ورسوله والخاتم الوارث حقا ولا نبوة ولا رسول لله عز وجل ولا حجة بين ابن البتول والساعة غيره بلى ومن كان (منه) من ابنته البهلولة 2 (البتولة) الصديقة فانتما ببلاغ الله لكنكما (اليكما) من نبوة محمد في امر مستقر ولولا انقطاع نسله لما ارتبتما فيما زعمتما به انه السابق العاقب.


1 اللوب جمع لابة: الحرة من الارض 2 البهلول بالضم السيد الجامع لكل خير

[141]

حارثة - فانتما والله فيما تزعمان من نبي ثان من بعده في امر ملتبس والجامعة تحكم في ذلك بيننا !. السيد والعاقب - اجل ان ذلك لمن اكبر اماراته عندنا. فتنادى الناس من (في) كل ناحية الجامعة يا ابا حارثة الجامعة وذلك لما مسهم في طول محاورة الثلاثة من السآمة والملل وظن القوم مع ذلك ان الفلج (الفلح) لصاحبيهما بما كانا يدعيان في تلك المجالس من ذلك، فاقبل أبو حارثة الى علج " 1 " واقف منه امما فقال امض يا غلام فات بها فجاء بالجامعة يحملها على رأسه وهو لا يكاد يتماسك بها لثقلها - قال - يعني الراوي - فحدثني رجل صدق من النجرانية ممن كان يلزم السيد والعاقب ويخف لهما في بعض امورهما ويطلع على كثير من شأنهما - لما حضرت الجامعة بلغ ذلك من السيد والعاقب كل مبلغ لعلمهما بما يهجمان عليه في تصفحها من دلائل رسول الله وصفته، وذكر اهل بيته وازواجه وذريته، وما يحدث في امته واصحابه، من بوائق الامور من بعده الى فناء الدنيا وانقطاعها فاقبل احدهما على صاحبه فقال هذا يوم ما بورك لنا في طلوع شمسه، لقد شهدته اجسامنا وغابت عنه آراؤنا بحضور صغاتنا وسفلتنا، ولقل ما شهد سفهاء قوم مجمعة الا كانت لهم الغلبة قال الاخر فهم شر غالب لمن غلب، ان احدهم ليفيق بادنى كلمة، ويفسد في بعض ساعته مالا يستطيع الاسى الحليم " 2 " له رتقا ولا الخولي النفيس اصلاحا " 3 " في حول


" 1 " العلج الرجل الضخم من كفار العجم وقيل الكافر مطلقا. " 2 " الاسى الطبيب " 3 " الخولي الراعي الصالح.

[142]

محرم، ذلك لان السفيه هادم، والحليم بان، وشتان بين الهدم والبنيان، فانتهز حارثة الفرصة فارسل في خفية وسر الى النفر من اصحاب رسول الله فاستحضرهم استظهارا بمشهدهم فحضروا، فلم يستطع الرجلان فض ذلك المجلس، ولا ارجاءه وذلك لما بيناه من تطلع عامتهما من نصارى نجران الى معرفة ما تضمنته الجامعة من صفة رسول الله (وانبعاث له مع حضور رسل رسول الله) لذلك وتأليب حارثة عليهما فيه وصفوا (كذا) " 1 " أبو حارثة شيخهم إليه. قال ذلك النجراني فكان الرأي عندهما ان ينقادا لما بذههما من هذا الخطب ولا يظهر ان شماسا منه (منهم) ولا نفورا حذار ان يطرقا الظنة فيه اليهما، وان يكونا ايضا أول معتبر للجامعة ومستحث (ومستحب) لها لئلا يفتات في شئ من ذلك المقام والمنزلة عليهما، ثم يستبين ان الصواب في الحال ويستنجد انه بموجبه، فتقدما لما تقدم انفسهما من ذلك الى الجامعة وهي بين يدي ابي حارثة وحاذاهما حارثة بن اتاك، وتطاولت اليهما فيه الاعناق، وحفت رسل رسول الله صلى بهم فامر أبو حارثة بالجامعة ففتح ظرفها واستخرج منها صحيفة آدم الكبرى المستودعة علم ملكوت الله عز وجل جلاله، وما ذرأ وما برأ في ارضه وسمائه، وما وصلهما جل جلاله من ذكر عالميه وهي الصحيفة التي ورثها شيت من ابيه عما دعا من الذكر المحفوظ فقرأ القوم - السيد والعاقب وحارثة - في الصحيفة تطلبا لما تنازعوا فيه من نعت رسول الله وصفته ومن حضرهم من الناس مصبحون (يصبحون) مرتفقون لما يستدرك من ذكر ذلك، فالفوا في المصباح (المسباح) الثاني من فواصلها بسم الله الرحمن الرحيم أنا


" 1 " يريد الميل.

[143]

الله لا اله الا انا الحي القيوم، معقب الدهور وفاصل الامور سبقت بمشيتي الاسباب وذلتت بقدرتي الصعاب فانا العزيز الحكيم الرحمن الرحيم ارحم ترحم سبقت رحمتي غضبي وعفوي عقوبتي، خلقت عبادي لعبادتي، والزمتهم حجتي الا ان باعث فيهم رسلي ومنزل عليهم كتبي ابرم ذلك من لدن اول مذكور من يشر الى احمد نبيي وخاتم رسلي ذلك الذي اجعل عليه صلواتي واسلك في قلبه بركاتي وبه اكمل انبيائي ونذري. قال آدم الهي من هؤلاء الرسل ومن احمد هذا الذي رفعت وشرفت قال كل من ذريتك واحمد عاقبهم قال رب انت باعثهم ومرسلهم قال بتوحيدي ثم اقفى ذلك بثلاثمائة وثلاثين شريعة انظمها واكملها لاحمد جميعا فأذنت (فاذن) لمن جاءني بشريعة منها مع الايمان بي وبرسلي ان ادخله الجنة. ثم ذكر ما جملته: ان الله عرض على آدم معرفة الانبياء وذريتهم ونظرهم آدم ثم قال ما هذا لفظه: ثم نظر آدم الى نور قد لمع فسد الجو المنخرق فاخذ بالمطامع من المشارق ثم سرى كذلك حتى طبق المغارب ثم سما حتى بلغ ملكوت السماء. فنظر فإذا هو محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإذا الاكناف قد تضوعت طيبا وإذا انوار اربعة قد اكتنفته عن يمينه وشماله ومن خلفه وامامه اشبه شئ به ارجا ونورا يتلوها انوار من بعدهها تستمد منها وإذا هي شبيهة بها في ضيائها ونشرها ثم دنت منها فتكللت عليها وحفت بها ونظر فإذا انوار من بعد ذلك في مثل عدد الكواكب ودون منازل الاوائل جدا جدا وبعض هذه اضوء

[144]

من بعض وهم في ذلك متقاربون جدا ثم طلع عليه سواد كالليل وكالسيل ينسلون من كل وجه واوب فاقبلوا كذلم حتى ملاءوا القاع والاكم فإذا هم اقبح شئ صورا وهيئة وانته ريحا فبهر آدم ما رأي من ذلك وقال: يا عالم الغيوب وغافر الذنوب يا ذا القدرة الباهرة (القاهرة) والمشيئة الغالبة من هذا الخلق السعيد الذي كرمت ورفعت على العالمين ؟ ومن هذه الانوار المنبعثة المكتنفة له ؟ فأوحى الله عز وجل إليه يا آدم هذا وهؤلاء وسيلتك ووسيلة من اسعدت من خلقي هؤلاء السابقون المقربون والشافعون المشفعون وهذا احمد سيدهم وسيد بريتي اخترته بعلمي واشققت (واشتققت) اسمه من اسمي فانا المحمود وهو محمد وهذا صنوه ووصيه آزرته به وجعلت بركاتي وتطهيري في عقبه وهذه سيدة امائي والبقية في علمي من احمد نبيي وهذان السبطان والخلفان لهم وهذه الاعيان المضارع نورها انوارهم بقية منهم الا ان كلا اصطفيت وطهرت وعلى كل باركت وترحمت فكلا بعلمي جعلت قدوة عبادي ونور بلادي. ونظر فإذا شيخ في آخرهم يزهر في ذلك الصفيح كما يزهر كوكب الصبح لاهل الدنيا فقال الله تعالى: وبعبدي هذا افك عن عبادي الاغلال واضع عنهم الاصار واملاء ارضي به حنانا ورأفة وعدلا كما ملئت من قبله قسوة وقشعرية وجورا قال آدم: رب ان الكريم من اكرمت والشريف من شرفت وحق يا الهي لمن رفعت واعليت ان يكون كذلك فياذا النعم التي لا تنقطع


1 الاصار - الذنوب

[145]

والاحسان الذي لايجارى ولا ينفذ بم بلغ عبادك هؤلاء العالون هذه المنزلة من شرف عطائك وعظيم فضلك وحبائك وكذلك من كرمت من عبادك المرسلين ؟ ؟ قال الله تبارك وتعالى: انا الله لا " اله الا انا " الرحمن الرحيم العزيز الحكيم عالم الغيوب ومضمرات القلوب اعلم ما لم يكن مما يكون (و) كيف يكون ومالا يكون كيف لو كان يكون واني اطلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي فلم ار فيهم اطوع لي ولا انصح لخلقي من انبيائي ورسلي فجعلت لذلك فيهم روحي وكلمتي والزمتهم عببء (هناء) حجتي واصطفيتهم على البرايا برسالتي ووحي ثم القيت بمكاناتهم تلك في منازلهم حوامهم (1) واوصيائهم من بعدهم فالحقتهم بانبيائي ورسلي وجعلتهم من بعدهم ودائع حجتي والسادة في بريتي لاجبر بهم كسر عبادي واقيم بهم اودهم ذلك انى بهم وبقلوبهم لطيف خبير ثم اطلعت على قلوب المصطفين من رسلي فلم اجد فيهم اطوع ولا انصح لخلقي من محمد خيرتي وخالصتي فاخترته على علم ورفعت ذكره الى ذكري ثم وجدت قلوب حامته اللائي من بعده على صبغة قلبه فالحقتهم به وجعلتهم ورثة كتابي ووحي واوكار حكمتي ونوري وآليت بي الا اعذب بناري من لقيتني معتصما بتوحيدي وحبل مودتهم ابدا. ثم امرهم أبو حارثة ان يصيروا الى صحيفة شيث الكبرى التي انتهى ميراثها الى ادريس النبي قال وكان كتابتها بالقلم السرياني القديم وهو الذي كتب من بعد نوح من ملوك الهياطلة (2) وهم النماردة قال فافتض القوم الصحيفة


(1) - قرابتهم (2) جنس من الترك وقيل من الهند لهم شوكة

[146]

وافضلوا منها الى هذا الرسم: اجمع الى ادريس قومه وصحابته وهو يومئذ في بيت من ارض كوفان فخبرهم فيما اقتص عليهم قال: ان بني ابيكم آدم (الصلبية) لصلبه وبني بنيه وذريته اختصموا فيما بينهم وقالوا: اي الخلق عندكم اكرم على الله عز وجل وارفع لديه مكانة واقرب منه منزلة ؟ فقال بعضهم ابوكم آدم خلقه الله عز وجل بيده واسجد له ملائكته وجعله الخليفة في ارضه وسخر له جميع خلقه. وقال آخرون بل الملائكة الذين لم يعصوا الله عز وجل وقال بعضهم لا بل رؤساء الملائكة الثلاثة جبرائيل وميكائيل واسرافيل وقال بعضهم لا بل امين الله جبرائيل فانطلقوا الى آدم فذكروا الذين قالوا واختلفوا فيه فقال: يا بني انا اخبركم باكرم الخلائق جميعا على الله عز وجل انه والله لما نفخ في الروح حتى استويت جالسا فبرق لي العرش العظيم فنظرت فيه فإذا فيه لا اله الا الله محمد رسول الله فلان امين الله فلان خيرة الله عز وجل فذكر عدة اسماء مقرونة بمحمد ثم لم ار في السماء موضع اديم أو صفيح منها الا فيه مكتوب لا اله الا الله وما من موضع فيه مكتوب لا اله الا الله ومكتوب خلقالا خطا محمد رسول الله وما من موضع مكتوب فيه محمد رسول الله الا ومكتوب علي (فلان) ولي الله الحسن (فلان) خيرة الله الحسين (فلان) صفوة الله فذكر عدة اسماء ينتظم حساب المعدود. قال آدم فمحمد يا بني ومن خط من تلك الاسماء معه اكرم الخلائق على الله جميعا. ثم ذكر ان ابا حارثة سأل السيد والعاقب ان يقفا على صلاة ابراهيم

[147]

الذي جاء " بها " الاملاك من عند الله عز وجل فقنعوا بما وقفوا عليه في الجامعة. قال أبو حارثة لا بل شارفوها باجمعها، واسبروها فانه اصرم للعذور وارفع لحكمة (لحسكة) الصدور واجدر الا ترتابوا في الامر من بعد علم فلم يجد من المصير الى قوله من بد فعمد القوم الى تابوت في الامر من بعد علم فلم يجد من المصير الى قوله من بد فعمد القوم الى تابوت ابراهيم. وكان الله عز وجل يفضله على من يشاء من خلقه قد اصطفى ابراهيم عليه بخلته وشرفه بصلواته وبركاته وجلعه قبلة واماما لمن يأتي من بعده وجعل النبوة والكتاب والامامة في ذريته يتلقاها آخرين اول، وورثه تابوت آدم المتضمن للحكمة والعلم الذي فضله الله عز وجل به على الملائكة طرا، فنظر ابراهيم في ذلك التابوت فابصر بيوتا بعدد ذوي العزم من الانبياء المرسلين واوصيائهم من بعدهم ونظر فإذا بيت محمد آخر الانبياء وعن يمينه علي ابن ابي طالب اخذا بحجزته فإذا شكل عظيم يتلالا نورا فيه هذا صنوه ووصيه المؤيد بالنصر. فقال ابراهيم: الهي وسيدي من هذا الخلق الشريف ؟ فأوحى الله عز وجل هذا عبدي وصفوتي الفاتح الخاتم وهذا وصيه الوارث قال: ربي ما الفاتح الخاتم ؟ قال: هذا محمد خيرتي وبكر فطرني وحجتي الكبرى في بريتي نبئته واجتبيته. إذ آدم بين الطين والجسد. اني باعثه عند (بعد) انقطاع الزمان لتكملة ديني وخاتم به رسالتي (رسالاتي) ونذري وهذا علي اخوه وصديقه الاكبر آخيت بينهما واخترتهما وصليت وباركت عليهما وطهرتهما واخلصتهما والابرار منهما وذرياتهما، قبل ان اخلق سمائي وارضي وما فيها من خلقي، وذلك لعلمي بهم وبقلوبهم، اني بعبادي عليم خبير.

[148]

ونظر ابراهيم فإذا اثنا عشر عظيما يكاد تلالا اشكالهم لحسنها نورا فسأل ربه جل وتعالى فقال ربي نبئني باسماء هذه الصور المقرونة بصورة محمد ووصيه، وذلك لما رأى من رفيع درجاتهم والتحاقهم بشكلي محمد ووصيه فأوحى الله عز وجل. امتي والبقية من بنى فاطمة الصديقة الزهراء وجعلتها مع خليلها عصبة لذرية نبي هؤلاء وهذان الحسنان وهذا فلان وهذا فلان وهذه كلمتي التي انشر به رحمتي في بلادي وبه انتاش ديني وعبادي، ذلك بعد يأس منهم وقنوط منهم من غياثي، فإذا ذكرت محمدا نبيي لصلواتك فصل عليهم معه يا ابراهيم. فعندها صلى عليهم ابراهيم فقال رب صل على محمد وآل محمد كما اجتبيتهم واخلصتهم اخلاصا. فأوحى الله عز وجل: لنهنك كرامتي وفضلي عليك فاني صائر بسلالة محمد ومن اصطفيت معه منهم الى قناة صلبك ومخرجهم منك ثم من بكرك اسماعيل فابشر يا إبراهيم فاني واصل صلاتك بصلاتهم، ومتبع ذلك بركاني ورحمتي عليك وعليهم، وجاعل حسناتي وحجتي الى الامد المعدود، واليوم الموعود الذي ارث فيه سمائي وارضى، وابعث له خلقي لفصل قضائي وإفاضة رحمتي وعدلي. فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أفضى إليه القوم من تلاوة ما تضمنت الجامعة والصحف الدارسة من نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصفة اهل بيته المذكورين معه بما هم به وبما شاهدوا من مكانتهم عنده ازداد القوم بذلك يقينا وايمانا واستطيروا له فرحا. ثم صار القوم الى ما نزل على موسى فالفوا في السفر الثاني من التوراة

[149]

" اني باعث في الاميين من ولد اسماعيل رسولا انزل عليه كتابي وابعثه بالشريعة القيمة الى جميع خلقي اتيته حكمتي وايدته بملائكتي وجنودي تكون ذريته من ابنة له مباركة باركتها ثم من شبلين لهما كاسماعيل واسحاق اصلين لشعبتين عظيمتين اكثرهم جدا جدا يكون منهم اثنا عشر قيما اكمل بمحمد وما ارسله به من بلاغ وحكمة ديني واختم به انبيائي ورسلي فعلى محمد وامته تقوم الساعة. فقال حارثة الان اسفر الصبح لذى عينين ووضح الحق لمن رضى به دينا فهل في انفسكما من مرض تستشفيان به ؟ فلم يرجعا إليه قولا. أبو حارثة - اعتبروا الامارة الخاتمة من قول سيدكم المسيح فصاروا الى الكتب والاناجيل التي جاء بها عيسى فالفوا في المفتاح الرابع من الوحي الى المسيح. يا عيسى يا ابن الطاهرة البتول اسمع قولي وجد في امري اني خلفتك من غير فحل وجعلتك آية للعالمين فاياي فاعبد وعلي توكل وخذ الكتاب بقوة ثم فسره لاهل سوريا واخبرهم اني انا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم الذي لا احول ولا ازول فامنوا بي وبرسولي النبي الامي الذي يكون في آخر الزمان نبي الرحمة والملحمة الاول والاخر - اول النبيين خلفا وآخرهم مبعثا - ذلك العاقب الحاشر فبشر به بني اسرائيل. قال عيسى: يا مالك الدهور وعلام الغيوب من هذا العبد الصالح الذي قد احبه قلبي ولم تره عيني ؟. - ذلك خالصتي ورسولي المجاهد بيده في سبيلي الموافق (يوافق)

[150]

قوله فعله وسريرته وعلانيته انزل عليه توراة جديدة (حديثة) افتح بها اعينا عميا واذانا صما وقلوبا غلفا فيها ينابيع العلم وفهم الحكمة وربيع القلوب وطوباه طوبي امته. - ربي ما اسمه وعلامته وما اكل امته (وما ملك امته) وهل له من بقية - يعني ذريته - ؟ ؟ - سأنبئك بما سألت اسمه احمد منتجب (منتخب) من ذرية ابراهيم ومصطفى من سلالة اسماعيل ذو الوجه الاقمر والجبين الازهر راكب الجمل تنام عيناه ولا ينام قبلبه يبعثه الله " كذا " في امة امية ما بقي الليل والنهار مولده في بلد ابيه اسماعيل مكة كثير الازواج قليل الاولاد نسله من مباركة صديقة يكون له منها ابنة لها فرخان سيدان يستشهدان جعل نسل احمد منهما فطوباهما ولمن احبهما وشهد ايامهما فنصرهما. - الهي وما طوبي ؟ ! - شجرة في الجنة ساقها واغصانها من ذهب حلل وحملها كثدي الابكار احلى من العسل والين من الزبد وماؤها من تسنيم لو ان غرابا طار وهو فرخ لادركه الهرم قبل ان يقطعها وليس منزل من منازل اهل الجنة الا وظلاله فنن من تلك الشجرة. فلما اتي القوم على دراسة ما اوحى الله عز وجل الى المسيح (ع) من بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفته وملك امته وذكر ذريته واهل بيته امسك الرجلان مخصومين وانقطع التحاور بينهم في ذلك فلما فلج حارثة على السيد والعاقب بالجامعة وما تبينوه في الصحف القديمة ولم يتم لهما ما قدروا

[151]

من تحريفها ولم يمكنهما ان يلبسا على الناس في تأويلهما امسكا عن المنازعة من طار وهو فرخ لادركه الهرم قبل ان يقطعها وليس منزل من منازل اهل الجنة الا وظلاله فنن من تلك الشجرة. فلما اتي القوم على دراسة ما اوحى الله عز وجل الى المسيح (ع) من بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفته وملك امته وذكر ذريته واهل بيته امسك الرجلان مخصومين وانقطع التحاور بينهم في ذلك فلما فلج حارثة على السيد والعاقب بالجامعة وما تبينوه في الصحف القديمة ولم يتم لهما ما قدروا

[151]

من تحريفها ولم يمكنهما ان يلبسا على الناس في تأويلهما امسكا عن المنازعة من هذا الوجه وعلما انهما قد اخطئا سبيل الصواب فسارا الى بيعتهما آسفين. والحمد لله رب العالمين اولا وآخرا ونرجو ان يعصمنا من الزلل والخطأ لقد اطلع فضيلة خطيب الكاظمية المفوه الاستاذ الشيخ كاظم آل نوح على بعض فصول الكتاب في اثناء الطبع فقال مؤرخا عام طبعه قد تم طبع كتاب فذ كامل * بحاثة في عصرنا هذا اشتهر ذاك السبيتي الذي في مزبر * قد خط ما في اللوح فيه واستطر علامة بحاثة في بحثه * لم يعره أبدا من البحث الضجر متعمق في البحث يفلج خصمه * وهو الذي في العصر منه يفتخر قد تم طبع كتاب آل محمد * آرخ لال محمد حق ظهر 1366 1105 108 92 61


* لقد اعتمدنا في نقل حديث أهل نجران على عدة نسخ تحريا للصحة والضبط وقد رأينا بعض الاختلاف بين بعض الكتب لذلك اثبتنا الكلمات التي اختلفت فيها بعض الكتب بين اقواس على انها نسخ بدل. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية