الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نهج السعادة - الشيخ المحمودي ج 5

نهج السعادة

الشيخ المحمودي ج 5


[1]

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

[2]

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة تأليف الشيخ محمد باقر المحمودى الجزء الخامس باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام مطبعة النعمان - النجف الاشرف تلفون 997

[3]

- 106 - ومن كتاب له عليه السلام إلى الامام الحسن المجتبى عليه السلام وهذه في الصورة الثانية للمختار المتقدم، أحببنا أن نذكرها تتميما للفائدة، ولتوقف بعض المطالب عليها. قال ابن عبد ربه: وكتب [أمير المؤمنين] علي إلى ابنه الحسن (ع): من علي أمير المؤمنين الوالد الفان، المقر للزمان، المستسلم للحدثان، المدبر العمر، المؤمل ما لا يدرك السالك سبيل من قد هلك، غرض الاسقام ورهينة الايام، وعبد الدنيا وتاجر الغرور، وأسير المنايا، وقرين الرزايا، وصريع الشهوات ونصب الآفات، وخليفة الاموات. أما بعد يا بني فإن فيما تفكرت فيه من ادبار الدنيا عني وإقبال الآخرة إلي وجموح الدهر علي ما يرغبني عن ذكر سوائي، والاهتمام بما ورائي، غير أنه حيث تفرد بي هم نفسي دون هم الناس فصدقني رأيى وصرفني عن هواي وصرح بي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يزرى (1)


(1) كذا في النخسة، يقال: (أزرى بالامر): تهاون. و (أزرى به وأزراه): عابه ووضع من حقه. و (أزرى عليه عمله): عاتبه أو عابه عليه.

[4]

به لعب، وصدق لا يشوبه كذب، ووجدتك يا بني بعضي بل وجدتك كلي حتى كان شيئا لو أصابك لاصابني، وحتى كأن الموت لو أتاك أتاني فعند ذلك عناني من أمرك ما عناني من أمر نفسي (2) كتبت إليك كتابي هذا يا بني مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت. فإني موصيك بتقوى الله وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله، فإن الله تعالى يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) [102 آل عمران] وأي سبب يا بني أو ثق من سبب بينك وبين الله تعالى إن أنت أخذت به، أحي قلبك بالموعظة ونوره بالحكمة، وأمته بالزهد، وذلله بالموت، وقوه بالغنى عن الناس، وحذره صولتة الدهر وتقلب الايام والليالي واعرض عليه أخبار الماضين، وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ما


(2) يقال: (عناه الامر يعنوه عناء وعنوا): أهمه. والمصدر على زنة (العطاء والعتو). والفعل واوي من باب (دعا).

[5]

فعلوا وأين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور، ونزلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل يا بني قد صرت كأحدهم فبع دنياك بآخرتك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف، والامر فيما لا تكلف، وأمر بالمعروف بيدك ولسانك، وانه عن المنكر بيدك ولسانك، وباين من فعله، وخض الغمرات إلى الحق ولا يأخذك في الله لومة لائم، واحفظ وصيتي ولا تذهب عنك صفحا، فلا خير في علم لا ينفع، واعلم أنه لا غنى بك عن حسن الارتياد، مع بلاغك من الزاد، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه، فإن أمامك عقبة كئودا لا يجواوزها إلا أخف الناس حملا، فأجمل في الطلب وأحسن المكتسب، فرب طلب قد جر إلى حرب (3) وإنما


(3) الحرب - كفرس -: الهلاك والويل، وكفلس: مصدر قولهم: (حرب الرجل ماله): سلبه ماله وتركه بلا شئ. وحرب الرجل ماله - على بناء المجهول من باب نصر كبناء المعلوم -: سلبه. فالرجل حريب، والجمع: حربى وحرباء ومحروب. وهذا الذيل قريب مما رويناه عنه (ع) في المختار (61) من باب الوصايا، ج 2 ص 403.

[6]

المحروب من حرب دينه والمسلوب من سلب يقينه، واعلم أنه لا غنى يعدل الجنة، ولا فقر يعدل النار، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. العقد الفريد: ج 3 ص 90، وفي الطبعة الثانية ص 102 من ج 2 في الرقم 4 من عنوان مواعظ الآباء للابناء. - 107 - ومن كتاب له عليه السلام إلى ابنه محمد بن الحنفية (ره) (1) تفقه في الدين، وعود نفسك الصبر على المكروه،


(1) علق بعضهم على هذا المقام من كتاب العقد الفريد، ط مصر، الجزء الثالث ص 156، بما هذا لفظه: (هذا من كتاب علي إلى ابنه الحسن فأقتطعه المؤلف وجعله كتاب مستقلا، والكتاب في جملته هنا يختلف عنه في شرح نهج البلاغة اختلافا كثيرا وزيادة ونقصا وتقديما تأخيرا). اقول: ما ذكره هذا القائل وان كان مظنونا بملاحظة طول كتاب أمير المؤمنين إلى ابنه الحسن عليهما السلام - على رواية ثقة الاسلام (ره) في كتاب الرسائل، والعسكري في كتاب الزواجر والمواعظ، وابن شعبة في تحف العقول، والسيد الرضي (ره) في نهج البلاغة، والسمهودي في نظم درر السمطين، والمتقي في كنز العمال، - وقصره على رواية ابن عبد ربه، وكذا يظن صدق قوله بالنظر إلى وجود عين هذه الالفاظ المذكورة في هذا الكتاب - أعني كتابه (- ع) إلى محمد بن الحنفية على رواية ابن عبد ربه في العقد الفريد - في كتابه (ع) إلى الامام الحسن - على ما رواه الاعاظم السابق ذكرهم - ولكن هذا الظن لا يقاوم تصريح ابن عبد ربه: بانه (ع) كتبه إلى ابنه محمد بن الحنفية، ومجرد قصر رواية ابن عبد ربه، وطول رواية الاكابر السالفة الذكر، لا يوجب الاتحاد، إذ الاختلاف في الروايات الحاكية عن مضمون واحد غير عزيز، وكذا توافق جل الفاظ كتابه (ع) إلى محمد بن الحنفية - على رواية ابن عبد ربه - مع كتابه (ع) إلى الامام الحسن - على الرواية المستفيضة عن المحققين - لا يستلزم الاتحاد، لا سيما إذا تذكرنا ان المضمون أسرار وحكم من أمام عليم إلى صنوين هما فلذتا كبده، وقرتا عينه، وكذا إذا تأملنا ما مر عن السيد ابن طاوس (ره) من أن الكليني روى رسالة أخرى مختصرة من خطه (ع) إلى ابنه محمد بن الحنفية، المنطبقة على ما ذكره ابن عبد ربه.

[7]

وكل نفسك في أمورك كلها إلى الله عزوجل، فإنك تكلها إلى كهف كاف (خ ل)] حريز، ومانع عزيز، وأخلص المسألة لربك فإن بيده العطاء والحرمان، وأكثر الاستخارة له، واعلم أن من كان مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان لا يسير، فان الله تعالى قد أبى إلا خراب الدنيا وعمارة الآخرة، فإن قدرة أن تزهد فيها زهدك كله فافعل ذلك، وإن كنت غير قابل نصيحتي إياك، فاعلم علما يقينا أنك لن تبلغ أملك ولا تعدو اجلك (2) فإنك في سبيل


(2) قال ابن عساكر - في ترجمة أبي طالب الدمشقي بن هاشم السرار، من تاريخ دمشق: ج 63 ص 1314، أو ص 198: أخبرنا أبو محمد ابن طاوس، أنبأنا عاصم بن الحسن بن محمد، أنبأنا أبو السهل محمود بن عمر بن جعفر العكبري، حدثنا ا بن أبي الدنيا، حدثني القاسم بن هاشم، حدثني أبو طالب الدمشقي: أن رجلا كتب إلى ابن له: (انك لن تبلغ أملك، ولن تعدوا اجلك، فأجمل في الطلب، واستطب المكسب، فانه رب طلب قد جر إلى حرب، فاكرم نفسك عن دنيا دنية، وشهوة ردية، فانك لا تعتاض مما (ظ) بذل من نفسك عوضا، ولا تأمن (ظ) من خدع الشيطان أن تقول: متى أرى ما أكره نزعت، فانه هكذا هلك من كان قبلك. اقول: وأنت - بعد الخبرة على ما رويناه في كتابنا هذا عن أمير المؤمنين (ع) - لا يعتريك ريب في أن هذه القطعة قبس من انوار العلم العلوي، وشذرة من أسرار المخزن المرتضوي، وانما ابهم الراوي - أو الرواة - حذرا من استحلال دمه - أو دمائهم - وخوفا من الرمي بالزندقة وهتك العرض ونهب المال وانكار الحقوق، كما كان دأب بني أمية وأشياع ابن النابغة، حتى ان الحسن البصري مع كونه وجيها عندهم كان يتقي منهم، وإذا أراد ان يروي عن امير المؤمنين (ع) كان أتي بالكنية، ويقول: حدثني أبو زينت.

[8]

[في ديوان خ ل] من كان قبلك، فأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب (3) فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، وإياك أن توجف بك مطايا الطمع وتقول: متى ما أخرت نزعت (4) فإن هذا أهلك من هلك قبلك، وأمسك عليك لسانك فإن


(3) الرغائب: جمع الرغيبة: الامر المرغوب فيه. العطاء الكثير. (4) اي متى ما اخرت في عمري وصرت شيخا ومعمرا نزعت عن الذنب، وانصرفت عن الاثم، كما قال اخوة يوسف: والقوة في الجب وتكونوا من بعده قوما صالحين.

[9]

تلافيك ما فرط من صمتك أيسر عليك من إدراك ما فات من منطقك، واحفظ ما في الوعاء بشد الوكاء، فحسن التدبير مع الاقتصاد أبقى لك من الكثير معا لفساد، والحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور، والمرء أحفظ لسره، ولربما سعى فيما يضره. وإياك والاتكال على الاماني فإنها بضائع النوكى، وتثبط عن الآخرة والاولى (5) ومن خير حظ الدنيا القرين الصالج، فقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشر تبن منهم، ولا يغلبن عليك سوء الظن فإنه لن يدع بينك وبين أحد [ظ] صلحا. أذك قلبك بالادب، كما تذكي النار بالحطب (6) واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الاحمق شؤم (7) ومن


(5) الاماني: جمع الامنية: الامل. والبضائع جمع البضاعة: رأس المال. والنوكي: الحمقى لفظا ومعنا. وتثبط: تعوق وتؤخر. (6) أي نور قلبك واشعله بلادب والخلق الكريم، يقال: (ذكى النار واذكاها - من باب فعل وأفعل -: أو قدها). وذكت النار - من باب (دعا) ذكوا وذكا وذكاء - كعتو وعصى وعطاء -: أشتد لهيبها. (7) أي غير مبارك بل هي شر ومساءة.

[10]

الكرم منع الحرم (8) ومن حلم ساد، ومن تفهم ازداد. إمحض أخاك النصيحة، حسنة كانت أو قبيحة (9) لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب (10) وليس جزاء من سرك أن تسوءه (11). الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك، فإن لم تأتة أتاك. واعلم يا بني أنه مالك من دنياك إلا ما أصلحت به مثواك، فأنفق من خيرك، ولا تكن خازنا لغيرك، وإن جزعت على ما يفلت من يديك (12) فاجزع على ما لم يصل


(8) الحرم: جمع الحرمة - بضم الحاء وسكون الراء وبضم الراء وفتحها ايضا - أهل الشخص ونساؤه. ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه. الذمة. الهابة. الذمة. المهابة. العرف، حيث يحكمون بقبح مالا يلائم منوياتهم وبسوء ما يصدهم عن نيل مشتهياتهم، ومحصل الكلام: ان كل أحد ينبغي أن يكون لاخيه محض النصيحة وخالصها، سواء سرته أم ساءته. (10) لا تصرم: لا تقطع. والاستعتاب: الاسترجاع والاسترضاء. (11) اي ليس جزاء من سرك بأخوته ان تسوءه بقطع أخوته على الريبة بلا تحقيق عن جهة الريبة، ومن غير طلب العتبى والرجوع إلى الاخوة منه. (12) يقال: (فلت الشئ - من باب ضرب - فلتا وأفلت وتفلت وانفلت): تخلص. وفلته وأفلته - من باب ضرب وأفعل -: خلصه. أطلقه.

[11]

إليك، ربما أخطأ البصير قصده، وأبصر الاعمى رشده، ولم يهلك امرؤ اقتصد، ولم يفتقر من زهد، من ائتمن الزمان خانه، ومن تعظم عليه أهانه، رأس الدين اليقين، وتمام الاخلاص اجتناب المعاضي، وخير المقال ما صدقه الفعال. سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار واحمل لصديقك عليك (13). واقبل عذر من اعتذر إليك، وأخر الشر ما استطعت فإنك إلا شئت تعجلته. لا يكن أخوك أقوى منك على صلته، وعلى الاساءة أقوى منك على الاحسان. لا تملكن المرأة من الامر ما يجاوز نفسها، فإن المرأة ريحانة وليست بقهر مانة. فإن ذلك أدوم لجمالها، وأرخى لبالها (14).


(13) اي احتمل وتحمل واحلم عما يصل اليك من صديقك. (14) أي لا تحمل على النساء من الامور ما عدا ما يرجع إلى نفسها وشؤونها الخاصة لها، فانها ريحانة ان واجهتها حرارة الامور الشاقة، وبرودة الحوادث الفاجعة المتلازمتان لادارة الشؤون، ودحراج النساء في مصالح غير انفسهن مما هو من شأن القهرمان، خرجت عن صلاحيتها للشم والسكون إليها، وان اقتصر على تمليكها أمور نفسها خاصة دام جمالها ورخى بالها فطوبى لها ولمن يسكن إليها ويشمها ويتمتع بريعان شبابها ونضارة جمالها.

[12]

واغضض بصرها بسترك، واكففها بحجابك. وأكرم الذين بهم تصول، فإذا تطاولت تطول. أسأل الله أن يلهمك الشكر والرشد ويقويك على العمل بكل خير، ويصرف عنك كل محذور برحمته، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ذكره مع كتابه (ع) إلى الامام الحسن، في أواخر الرقم الثالث من كتاب الزمردة في المواعظ والزهد، من كتاب العقد الفريد: ج 3، ص 91، وفي ط 2: ج 2 ص 103. وفي ط الجزء الثالث ص 156. في كتاب الجوهرة في الامثال، المطبوع في مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، بالقاهرة، الطبعة الثانية، سنة 1372 ه و 1952 م. وقال النجاشي (ره) في ترجمة الاصبغ بن نباتة، من فهرست مصنفي الشيعة: كان الاصبغ بن نباتة المجاشعي من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام وعمر بعده روى عنه عهد الاشتر، ووصيته إلى محمد ابنه - أخبرنا عبد السلام بن السحين الاديب، عن أبي بكر الدوري، عن محمد بن أحمد بن ابي الثلج، عن جعفر بن محمد الحسني، عن علي بن

[13]

عبدك، عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بالوصية. أقول: وتقدم في التعليق (4 و 5) على المختار السالف عن المختار المتقدم ما ينفع جدا. - 108 - ومن كتاب له عليه السلا م ا لى يزيد بن قيس الارحبي (1) أما بعد فإنك أبطأت بحمل خراجك، وما أدري ما الذي حملك على ذلك، غير أني أوصيك بتقوى الله،


(1) قال الشيخ الطوسي (ره) (تحت الرقم السادس من باب الياء من اصحاب أمير المؤمنين (ع) من رجاله ص 62 -: يزيد بن قيس الارحبي كان عامله على الري وهمدان واصبهان. أقول: وفي شرح المختار - 25) من خطب نهج البلاغة من شرح ابن ابي الحديد: ج 2 ص 4 س 1، عكسا: انه (ع) شكا قومه ممن كاتب معاوية من اهل (الجند وصنعاء) إليه، وأراد (ع) أن يبعثه للتنكيل بهم. فراجع القضية فانها دالة على جلالته، لا سيما باضافة ما قيل من أنه أخو سعيد بن قيس الهمداني المتفاني في ولاء أمير المؤمنين (ع) هو خاصة، وقومه عامة. وفي قصة اعتزال الخوارج عليا (أمير المؤمنين عليه السلام) من تاريخ الطبري: ج 4 ص 47، من حوادث سنة 37، وكذلك في كامل ابن الاثير: ج 3 ص 166، واللفظ له -: قال وبعث علي (ع) زياد بن النضر فقال له: انظر (الخوارج) بأي رؤسهم أشد اطاعة. فأخبره بأنه لم يرهم عند رجل اكثر منهم عند يزيد بن قيس. فخرج علي (ع) في الناس حتى دخل إليهم فأتى فسطاط يزيد بن قيس فدخله فصلى فيه ركعتين وأمره على اصبهان والري، ثم خرج حتى انتهى إليهم وهم يخاصمون ابن عباس الخ.

[14]

وأحذرك أن تحبط أجرك وتبطل جهادك بخيانة المسلمين، فاتق الله ونزه نفسك عن الحرام، ولا تجعل لي عليك سبيلا، فلا أجد بدا من الايقاع بك، واعزز المسلمين ولا تظلم المعاهدين، وابتع فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الارض، إن الله لا يحب المفسدين [77 القصص: 28]. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 176، وفي ط ج 2 ص 189. - 109 - ومن كتاب له عليه السلام إلى سعد بن مسعود الثقفي - عم المختار - عامله على المدائن (1). أما بعد فإنك قد أديت خراجك وأطعت ربك


(1) وهي جمع المدينة، علم لمقر السلاطين الساسانية من ملوك ايران تهمز ياؤها ولا تهمز، فان أخذتها من قولهم: (دان يدين) بمعنى أطاع وانقاد. لم تهمز إذا جمع على مدائن، لانه مثل (معيشة) وياؤه أصلية. وان اخذتها من قولهم: (مدن بالمكان) بمعنى: أقام به. همزت، لان ياءها زائدة، فهي مثل قرينة، وسفينة وسفائن. والنسبة إليها مدائني، وانما جاز النسبة إلى اللجمع بصيغته، لانه صار علما بهذه الصيغة، والا فالاصل ان يرد المجموع إلى الواحد ثم ينسب إليه. قال يزد جرد بن مهبندار الكسروي في رسالته في تفضيل بغداد: لقد كنت افكر في نزول الاكاسرة بين ارض الفرات ودجلة، فوقفت على انهم توسطوا مصب الفرات في دجلة هذا، لان الاسكندر لما سار في الارض ودانت له الامم وبني المدن العظام في المشرق والمغرب، رجع إلى المدائن وبنى فيها مدينة وسورها - وهي إلى الآن موجودة الاثر - وأقام بها راغبا عن بقاع الارض جميعا وعن بلاده ووطنه حتى مات. ثم قال يزد جرد: أما أنوشروان بن قباذ - وكان أجل ملوك فارس حزما ورأيا وعقلا وأدبا - فانه بنى المدائن وأقام بها هو ومن بعده من ملوك بنى ساسان إلى أيام عمر بن الخطاب. وقد ذكر في سير الفرس: أن اول من أختط مدينة في هذا الموضع هو أردشير بن بابك، فانه لما ملك البلاد سار حتى نزل في هذا الموضع فأستحسنه فاختط به مدينة. وانما سميت المدائن لان زاب الملك الذي كان بعد موسى (ع) ابتناها بعد ثلاثين سنة من ملكه وحفر الزوابي وكورها وجعل المدينة العظمى المدينة العتيقة، وانما سميت بالجمع، لان هذا الموضع كان مسكن الملوك الساسانية وغيرهم فكان كل واحد منهم إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها وسماها بأسم، فأولها المدينة العتيقة التي لزاب كما ذكرنا، ثم مدينة الاسكندر، ثم طيسفون من مدائنها، ثم اسفانبر، ثم مدينة يقال لها رومية. وقال حمزة: اسم المدائن بالفارسية: (توسفون) وعربوه على (الطيسفون والطيسفونج) وانما سماها العرب المدائن، لانها سبع مدائن، بين كل مدينة إلى الاخرى مسافة قريبة أو بعيدة، وآثارها وأسماؤها باقية، وهي: (اسفابور) و (وه أردشير) و (هنبوشافور) و (در زنيدان) و (وه جنديو خسره) و (نونيافاذ) و (كردافاذ) فعرب (اسفابور) على (اسفانبر) وعرب (وه أردشير) على (بهرسير) وعرب (هنبو شافور على (جنديسابور) وعب (در زنيدان) على (درزيحان) وعرب (جنديو خسره) على (رومية وعرب السادس والسابع على اللفظ.

[15]

وأرضيت إمامك فعل البر التقي النجيب، فغفر الله

[16]

ذنبك وتقبل سعيك وحسن مآبك. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 176، س 6 عكسا. وفي ط ص 190. - 110 - ومن كتاب له عليه السلام إلى النعمان بن عجلان الزرقي الانصاري (1) وقد نصبه واليا على البحرين سنة ؟ ؟ ؟ ؟، فبلغه عليه السلام أنه ذهب بمال البحرين فكتب إليه: أما بعد فإنه من استهان بالامانة، ورغب في الخيانة، ولم ينزه [منها] نفسه ودينه، [فقد] أخل بنفسه في الدنيا، وما يشفي عليه بعد أمر وأبقى وأول وأشقى (2)


(1) وكان لسان الانصار وشاعرهم وكان رجلا أحمر قصيرا تزدريه العيون، وكان سيدا فخما، وهو الذي خلف على خولة زوجة همزة سيد الشهداء بعد قتله. وقال ابن حجر في الاصابة: وذكر المبرد أن (أمير المؤمنين) علي ابن أبي طالب (ع) استعمل النعمان هذا على البحرين، فجعل يعطي كل من جاءه من بني زريق، فقال فيه أبو الأسود الدؤلي: أرى فتنة قد الهت الناس عنكم * فندلا زريق المال ندل الثعالب فان ابن نعمان الذي قد علمتم * يبدد مال الله فعل المناهب (2) وما يشفي عليه - من باب افعال -: ما يشرف عليه، وما يؤل إليه أمره.

[17]

فخف الله إنك من عشيرة ذات صلاح، فكن عند صالح الظن بك، وراجع إن كان حقا ما بلغني عنك، ولا تقلبن رأيي فيك، واستنظف خراجك (3) ثم اكتب إلي ليأتيك أمري ورأي إن شاء الله. فلما جاءه كتابه (ع) وعلم انه قد علم [نبهه الخراج] حمل المال ولحق بمعاوية. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 177، وفي ط ج 2 ص 190. - 111 - ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الانصاري (ره) وهو عامله على المدينة. أما بعد فقد بلغني أن رجالا من أهل المدينة خرجوا إلى معاوية، فمن أدركته فامنعه ومن فاتك فلا تأس عليه، فبعدا لهم فسوف يلقون غيا (1).


(1) واستنظف خراجك: استوفه، يقال: (استنظف الوالي الخراج): استوفاه. وفلان الشئ: اخذه كله. والفصيل ما في ضرع أمه: شرب جميع ما فيه من اللبن. (1) فلا تأس - من باب منع -: فلا تحزن ولا تأسف. (ويلقون غيا): يلقون خسرانا وخيبة. أو يلقون مجازاة غيهم. والكلام اقتباس - أو اشارة - من الآية (60) من سورة مريم: 19.

[18]

أما لو بعثرت القبور، واجتمعت الخصوم، لقد بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (2) وفد جاءني رسولك يسألني الاذن (3) فأقبل عفا الله عنا وعنك ولا تذر خللا إن شاء الله. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 178، ويأتي قريب منه عن نهج البلاغة. - 112 - ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف أيضا وهو عامله على المدينة الطيبة، في معنى قوم من أهلها لحقوا بمعاوية. أما بعد فقد بلغني أن رجالا من قبلك يتسللون


(2) بعثرت القبور: قلب ترابها بعضه على بعض وأخرج موتاها. يقال: (بعثره بعثرة): بدده. وبعثر المتاع: قلب بعضه على بعض. و (بدا لهم من الله) الخ أي ظهر لهم من صنوف النكال ما لم يكونوا ينتظرونه ولم يكن في حسابهم انها تصل إليهم. والكلام أقتباس من الآية (49) من سورة الزمر: 39. (3) الظاهر ان المراد من الاذن: استيذانه أمير المؤمنين (ع) في الوفود عليه.

[19]

إلى معاوية (1) فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم ويذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غيا - ولك منهم شافيا - فرارهم من الهدى والحق، وإيضاعهم إلى العمى والجهل (2) وإنما هم أهل دنيا، مقبلون عليها مهطعون إليها (3) وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه، وعلموا أن الناس عندنا في الحق أسوة،


(1) قبل - على زنة عنب بمعنى -: عند. و (يتسللون): يذهبون في استخفاء واستتار بحيث لا يشعر بهم أحد. ومنه قوله تعالى في شأن قوم كانوا يهربون عن رسول الله (ص) بلا استيذان منه (ص): قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لو إذا) الآية (63) من سورة النور: 24. (2) الغي: الضلال. و (ايضاعهم): اسراعهم. أي كفى في ضلالهم وفى الدلالة عليه، فرارهم من الحق والهدى، واسراعهم إلى الباطن والجهل والعمى. وهما أيضا كافيان في شفاء المجتمع عن داء المنافقين والضالين لان الضلالة - أو الضالون بأنفسهم - جرثومة المرض، فلو كان في موطن فربما تسري إلى الابرياء فتستأصلهم، فزوال الضلالة عن محل - أو فرار الضالين من بين أظهر مجتمع الصدق والايمان - كاف في شفاء ذلك المجتمع ونقاء موطنهم عن المرض المسري، وجرثومة الهلاك والدمار، فلا ينبغي لرئيس ذلك المجتمع أن يتأسف من لحوق المفسدين ذوي أمراض مهلكة بأشكالهم، وانحيازهم عن صف الاصحاء، وموطن الابرياء وأهل الصدق والصفاء. (3) مهطعون: مسرعون. وما اشبه هذا التعبير بقوله (ع): (الناس ابناء الدنيا) وبقول ولده السبط الشهيد (ع): (الناس ابناء الدنيا والدين لعق على السنتهم).

[20]

فهربوا إلى الاثرة (4) فبعدا لهم وسحقا ! ! إنهم - والله - لم ينفروا من جور، ولم يلحقوا بعدل، وإنا لنطمع في هذا الامر أن يذلل الله لنا صعبه، ويسهل حزنه (5) إن شاء الله والسلام. المختار (70) أو (75) من الباب الثاني من نهج البلاغة. - 113 - ومن كتاب له عليه السلام وكتب (ع) إلى سهل بن حنيف الانصاري رحمه الله رسالة، منها ما رواه الصدوق رحمه الله، قال: حدثني بذلك - وبجميع الرسالة التي فيها هذا الفصل - علي بن أحمد بن مو سى الدقاق (رضي الله عنه) قال: حدثنا محمد بن هارون الصوفي، عن أبي بكر عبيد الله بن موسى الحيال (كذا) الطبري، قال: حدثنا محمد بن الحسين الخشاب، قال: حدثنا محمد بن محصن (1)، عن يونس بن ظبيان، عن [الامام] الصادق جعفر بن


(4) الاثرة - محركة كفرسة -: اختصاص النفس بالشئ وايثاره على غيرها من النفوس. أو هي حب النفس المفرط الذي يوجب اختصاصها بالشئ وتفضيلها وترجيحها على غيرة. (5) الخزن - كفلس -: ما غلظ وخشن من الارض. ويستعار لمطلق الخشن. (1) وفى الحديث (73) من الباب (11) من اثبات الهداة: ج 4 / 479،: (محمد ابن محص) الخ.

[21]

محمد، عن أبيه، عن جده (ع) [أن أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى سهل بن حنيف الانصاري (ره) رسالة، وفيها]: والله ما قلعت باب خيبر ورميت به خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية (2) ولا حركة غذائية، لكني أيدت بقوة ملكوتية، ونفس بنر وربها مضيئة، وأنا من أحمد كالصنو من الصنو (3) والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت [عنها] ولو أمكنتني الفرصة من رقابها لما [أ] بقيت [عليها] (4) ومن لم يبال مني حنفه عليه ساقط، فجنانه في الملمات رابط (5)


(2) ونقل ابن أبي الحديد، في شرح المختار (58) من خطب النهج: ج 3 / 7 عنه (ع) انه قال: (والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، بل بقوة الهية). (3) هذا هو الظاهر، وفى النسخة: (وانا من أحمد كالضوء من الضوء) وفي المختار (48) من كتب نهج البلاغة: (وانا من رسول اله كالصنو من الصنو، والذراع من العضد). وفى الحديث الثاني من الباب (98) من البحار: ج 9 ص 499 نقلا عن الخرائج: (والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكني أيدت بقوة ملكية، ونفس بنور بارئها مضيئة). (4) وفى نهج البلاغة: (ولو أمكنت الفرص لسارعت إليها) كذا. (5) في النسخة، وصوبها بعضهم بما: (فحياته في الممات رابط). أقول: الحتف - كفلس -: الموت. والجنان - بفتح الجيم -: القلب. والملمات - بصيغة اسم الفاعل - جمع ملمة: النازلة الشديدة من حوادث الدنيا.

[22]

الحديث الاخير، من المجلس (77) من أمالي الشيخ الصدوق (ره) ص 250، وفي ط ص 245. وهذه القطعة من الرسالة ذكرها بنقص الجمل الاخيرة، وزيادة يسيرة، في كتاب الخرائج، كما في البحار: ج 9 / 499 / أو ج 40 ص 318 / في الحديث الثاني من الباب (98). والمظنون ان هذه الرسالة نفس الرسالة التي كتبها (ع) إلى عثمان بن حنيف واليه على البصرة، لا أنها تغايرها وانها إلى سهل بن حنيف، وان هذه النسبة سهو من الرواة. - 114 - ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن جارود العبدي وهو عامله على اصطخر وقد بلغه (ع) انه خان في بعض ما ولاه من أعماله. أما بعد فإن صلاح أبيك غرني منك، فإذا أنت لا تدع انقيادا لهواك أزرى ذلك بك (1). بلغني أنك تدع عملك كثيرا وتخرج لاهيا متنزها تطلب الصيد وتلعب بالكلاب، وأقسم لئن كان [هذا حقا لنثيبنك [على] فعلك وجاهل أهلك


(1) أي استخف ذلك بك ويجعلك حقيرا معاتبا معايبا موهونا.

[23]

خير منك (2) فأقبل إلي حين تنظر في كتابي والسلام. فأقبل [المنذر إلى أمير المؤمنين (ع) لما بلغه كتابه] فعزله وأغرمه ثلاثين ألفا ثم تركها لصعصعة بن صوحان، بعد أن أحلفه عليها فحلف [المنذر بأنه ما خان]. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 179، وفي ط ص 193، وفي ط ص 146، وقريب منه في المختار (71، أو 76) من كتب نهج البلاغة وهو المختارى التالي. - 115 - ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود أيضا، ولعله الصورة الثانية للمختار المتقدم. أما بعد فإن صلاح أبيك [ما] غرني منك، وظننت أنك تتبع هديه وتسلك سبيله، فإذا أنت - فيما رقي إلى عنك - لا تدع لهواك انقيادا ولا تبقي


(2) جاهل أهلك عطف على قوله: (لنثيبنك) أي ولكان جاهل أهلك وصبي بيتك وعشيرتك - وهو ذا حمق وغرة - خير منك وانت شيخ معمر قد جربت الدنيا ورأيت نوائبها وعلمت الفرق بين الامين والخائن، وعرفت انبون الشاسع بين المطيع والعاصي عند الشارع وخليفته في بلاده وعباده.

[24]

لآخرتك عتادا (1) تعمر دنياك بخراب آخرتك، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك، ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك (2) ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر أو ينفذ به أمر أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة أو يؤمن على خيانة (3) فأقبل إلي حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله.


(1) يقال:) تبعه (من باب علم - واتبعه وأتبعه - من باب افتعل وافعل - وتابعه): وافقه وجعل عمله لا حقا وتابعا لعلمه. و (الهدي) - كفلس -: الطريقة والسيرة. و (رقي الي): رفع إلى وصعد. و (العتاد) - كرشاد -: الذخيرة لوقت الحاجة. (2) الشسع - كحبر -: سير بين الاصبع الوسطى والتي تليها في النعل العربي كانه زمام. ويسمى قبالا - على زنة كتاب - وفي هذا الكلام مبالغة عجيبة في تحقير المنذر وموهونيته عند أمير المؤمنين (ع) على تقدير صدق القضية، وكذلك كان دأبه (ع) مع الخونة والعصاة. (3) أي على دفع خيانة. ويروى: (أو يؤمن على جباية) وهي أظهر. والجباية تحصيل الخراج وجمع حقوق السلطان من الرعايا وغيرهم ممن كان بينه وبين السلطان عهد.

[25]

- 116 - ومن كتاب له عليه السلام [إلى عامله على (عين التمر): شفاثا] مالك بن كعب الارحبي (ره) (1). أما بعد فاستخلف على عملك واخرج في طائفة من أصحابك، حتى تمر بأرض كورة السواة (2) فتسأل عن عمالي وتنظر في سيرتهم - فيما بين دجلة والعذيب، ثم ارجح إلى البهقباذات (3) فتول معونتها


(1) هذا هو الصواب، وفى النسخة: (إلى كعب بن مالك). (2) كذا في النسخة، وفى المحكي عن كتاب الخراج: (حتى تمر بأرض السواد كورة كورة فتسألهم عن عمالهم وتنظر في سيرتهم حتى تمر بمن كان منهم فيما بين دجلة والفرات) الخ وه أضهر. (3) العذيب - تصغير العذب وهو الماء الطيب -: ماء بين القادسية والمغيثة. بينه وبين القادسية أربعة أميال، والى المغيثة اثنان وثلاثون ميلا وقيل العذيب وادلبني تميم وهو من منازل حاج - الكوفة. وقيل: هو حد السواد. وقال أبو عبد الله السكوني: العذيب يخرج من قادسية الكوفة إليه، وكانت مسلحة للفرس، بينها وبين القادسية حائطان متصلان بينهما نخل، وهي ستتة أميال، فإذا خرجت منه دخلت البادية ثم المغيثة. وكتب عمر إلى سعد: فارتحل بالناس حتى تنزل فيما بين عذيب الهجانات وعذيب القوادس، وشرق بالناس وغرب بهم. وهذا دليل على أن هناك عذيبين. هذا ملخص ما ذكره في باب العين والذال من معجم البلدان: ج 6 / 131، وقال في باب الباء بعدها الهاء: ج 2 ص 315: بهقباذ - بالكثر ثم السكون وضم القاف وباء موحدة وألف وذال معجمة -: اسم لثلاث كور ببغداد، من اعمال سقي الفرات منسوبة إلى قباذ بن فيروز والد انو شروان بن قباذ العادل، منها (بهقباذ الا على) سقيه من الفرات، وهوستة طساسيج: (طسوج خطر نيه) و (طسوج النهرين) و (طسوج عين التمر) و (الفلوجتان) العليا والسفلى، و (طسوج بابل). (ومنها) (البهقباذ الاوسط) وهي أربعة طساسيج: (طسوج سورا) و (طسوج باروسما) و (الجبة والبداة) و (طسوج نهر الملك) (ومنها) (البهقباذ الاسفل) وهي خمسة طساسيج: الكوفة. وفرات بادقلى. والسيلحين وطسوج الحيرة. وطسوج تستر. وطسوج هرمز جرد. أقول: وقريب منه في البحار: ج 8 ص 628 نقلا عن ابن ادريس رحمه الله عن كتاب الممالك والمسالك لعبد الله بن خرداد به. والطسوج - على زنة السفود وللتنور -: الناحية.

[26]

واعمل بطاعة الله فيما ولاك منها، واعلم أن كل عمل ابن آدم محفوظ عليه مجزي به، فاصنع خيرا - صنع الله بنا وبك خيرا - وأعلمني الصدق فيما صنعت، والسلام. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 180، وفي ط ص 147، وقريب منه تقدم في المختار (57) ص 137، عن كتاب الخراج. - 117 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عمر بن أبي سلمة الارحبي (ره). أما بعد فإن دهاقين عملك شكوا غلظتك (1)


(1) الدهاقين والدهاقنة - كالسلاطين والفراعنة -: جمع الدهقان بكسر الدال وضمها وسكون الهاء -: رئيس الاقليم أو المملكة. التاجر. مقدم أرباب الفلاحة والزراعة، ولعله المعبر عنه في لسان أهل بلادنا بقولهم: (مزيري). والظاهر ان هذا المعنى هو المراد هنا، وان كان قصد الاولين أيضا غير بعيد. (*)

[27]

ونظرت في أمرهم فما رأيت خيرا، فلتكن منزلتك بين منزلتين: جلباب لين بطرف من الشدة في غير ظلم ولا نقص [كذا] فإن هم أجبونا صاغرين (2) فخذ مالك عندهم وهم صاغرون، ولا تتخذ من دون الله وليا [أولياء خ ل] فقد قال الله عزوجل: (ولا تتخذوا بطانة من دونكم لا يالونكم خبالا (3) [118


(2) كذا في النسخة، والكلام غير متسق النظام، ولا بين المرام، وكان فيه سقط، ولعل معنى (أجبونا - على فرض صحة النسخة -: باعوا زروعهم لنا. أو أن (أجبوا) من باب افعال بمعنى الثلاثي المجرد أي فان جمعوا لنا خراجهم وما وضع على أنفسهم وأراضيهم فخذ ما عليهم من غير ظلم ولا اجحاف عليهم ولا تتخذهم وليا ولا بطانة أي لا تجعلهم من خواصك الذين يؤتمنون على الاسرار، ويستشارون في المهمات وينظر إليهم بعين الصداقة والوداد، ويجالس معهم في الاماكن الخالية عن الاغيار. (3) لا يألونكم: لا يقصرونكم. والخبال: الشر. الفساد. العناء. الهلاك، والمعنى: أيها المؤمنون لا تجعلوا من غيركم من الامم ومن الملل خصيصا وخدينا لكم، وكيف يتخذ الغير صديقا مع أنهم لا يقصرون في فسادكم وهلاككم.

[28]

آل عمران: 3] وقال عزوجل في أهل الكتاب: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وقال تبارك وتعالى:) ومن يتولهم منكم فإنه منهم) (4) وقرعهم بخراجهم، وقاتل من وراءهم (5) وإياك ودماءهم والسلام. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 102. - 118 - ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله (1) أما بعد فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة


(4) هذه قطعة من الآية (51 - أو 56) من سورة المائدة: 5، وتمام الآية هكذا: (يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فانه منهم، ان الله لا يهدي القوم الظالمين). ومثلها معنى الآية (62) منها. (5) أي ممن لا عهد له مع المسلمين، ومن لا يفي بعهده. ويحتمل أن يراد من الكلام:: وقاتل بهم من وراءهم. (1) ولعله عين العامل السابق، والكلام نفس الكلام.

[29]

وقسوة، واحتقارا وجفوة (2) ونظرت [في أمرهم] فلم أرهم أهلا لان يدنو لشركهم، ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم. فالبس لهم جلبابا من ا للين تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرأفة، وامزج لهم بين التقريب والادناء، والابعاد والاقصاء إن شاء الله.] المختار العشرون من الباب الثاني من نهج البلاغة. - 119 - ومن كتاب له عليه السلام إلى قرظة بن كعب الانصاري (ره) أما بعد فإن رجالا من أهل الذمة من عملك ذكروا [أن] نهرا في أرضهم قد عفا وأدفن (1) وفيه لهم


(2) الدهاقين الزعماء وأرباب الاملاك، وهو جمع دهقان - بكسر الدال وضمها، وسكون الهاء - كذا افاده بعضهم. (1) يقال: (عفت الريح الاثر أو المنزل عفوا): محته. وعفا عفوا وعفاء وعفوا - من باب (دعا) والمصدر كالفلس والعطاء والعتو - الاثر أو المنزل): انمحى ودرس وبلي. ويقال: (تدفن واندفن): استتر وتواري. و (أدفن الشئ - من باب افتعل -: كتمه وستره.

[30]

عمارة على المسلمين، فانظر أنت وهم، ثم اعمر وأصلح النهر، فلعمري لئن يعمروا أحب إلينا من أن يخرجوا (أ) وأن يعجزوا أو (أن) يقصروا (2) في واجب من صلاح البلاد، والسلام. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 192. - 120 - ومن كتاب له عليه السلام إلى رفاعة بن شداد البجلي (ره) قاضيه (ع) على الاهواز. دار المؤمن ما استطعت، فإن ظهره حمى الله، ونفسه كريمة على الله، وله يكون ثواب الله، وظالمه خصم الله فلا تكن خصمه (1).


(2) يقال: (قصر - قصورا عن الشئ): كف عنه وتركه مع العجز وقصر السهم عن الهدف: لم يبلغه. وقصر بنا البقعة: لم تبلغ بنا مقصودنا. والفعل من باب نصر، والمصدر على زنة السرور. (1) هكذا رواه المجلسي (ره) في الحديث (35) من الباب (16) من القسم الاول من المجلد السادس عشر من البحار، ص 36، س 7 عكسا، عن كتاب قضاء الحقوق، للشيخ سديد الذين أبي علي ابن طاهر السوري (الصوري) وقريب منه جدا رويناه بسند آخر في المختار السادس والعشرين من باب الوصايا، ج 2 ص 129، ط 1، وفى رواية القاضي نعمان (ره): (دارئ عن المؤمن ما استطعت) إلى أن قال: (فلا يكن خصمك الله) ومثله - إلى قوله: فان ظهره حمى الله - في الباب السابع من دستور معالم الحكم ص 155، الا انه لم ينسبه إلى رسالته (ع) إلى رفاعة.

[31]

ومن هذا الكتاب: إنه عن الحكرة، فمن ركب النهي فأوجعه ثم عاقبه بإظهار ما احتكر. ومنه ايضا: واطرد أهل الذمة من الصرف، وأمر القصابين أن يحسنوا الذبح (2) فمن صمم فليعاقب وليلق ما ذبح إلى الكلاب. ومنه أيضا: وأحذر أن تتكلم في أمر الطلاق، وعاف (3) نفسك


(2) وهذا نقل بالمعنى، لان القاضي نعمان (ره) لم يذكر نص كلامه (ع) بل ذكر هذه القطعة بالمعنى، كما في الحديث (86) من كتاب البيع، من المجلد الثاني من دعائم الاسلام: ج 2 ص 36، وكما في الحديث (634) من كتاب الذبائح ص 174، ط مصر. وقوله: (فمن صمم) لعله بمعنى القطع، من قولهم: (صمم السيف: مضى في اللحم وقطعه. (3) عاف نفسك: أمسك وأدفع نفسك عن الطلاق واجرائه.

[32]

منه ما وجدت إلى ذلك سبيلا، فإن غلب الامر عليك فارفع ذلك إلي أقومهم على المنهاج فقد اندرست طرق المناكح والطلاق وغيرها المبتدعون (4). ومنه أيضا: من تنقض نبيا فلا تناظره. أقم الحدود في القريب يجنبها البعيد، لا تطل الدماء (5) ولا تعطل الحدود. ومنه أيضا: أد أمانتك ووف صفقتك ولا تخن من خانك، وأحسن إلى من أساء إليك، وكاف من أحسن إليك،


(4) وهم المعروفون بالجهل، الموصوفون بالانهماك في الشهوات. (5) وفى الحديث الثالث من الفصل الثاني من كتاب الديات من دعائم الاسلام: ج 2 ص 402: وعن علي (ع) انه كان يكتب إلى عماله: (لا تطل الدماء في الاسلام) وكتب إلى رفاعة: (لا تطل الدماء، ولا تعطل الحدود). أقول: يجوز في (لا تطل) و (لا تعطل) البناء للفاعل - وهو الظاهر لفظا - ففاعلهما الضمير العائد إلى (رفاعة) و (الدماء) و (الحدود) منصوب على المفعولية، ويجوز فيهما البناء للمفعول فما بعدهما مرفوع على النيابة عن الفاعل، يقال: (أطل الدم - على بناء أفعل مجهولا - اطلالا، وطل - من باب منع معلوما ومجهولا - طلا): هدر أو لم يثار له، فهو طليل ومطلول ومطل، ويقال: (طل الدم - من باب (مد) معلوما - طلا وأطله اطلالا): أبطله وأهدره.

[33]

واعف عمن من ظلمك، وادع لمن نصرك، وأعط من حرمك، وتواضع لمن أعطاك، واشكر الله كثيرا على ما أولاك، واحمده على ما أبلاك (6). ومنه أيضا: لا تستعمل من لا يصدقك ولا يصدق قولك فينا وإلا فالله خصمك وطالبك، ولا تول أمر السوق ذا بدعة وإلا فأنت أعلم. ومن هذا الكتاب أيضا: واعلم يا رفاعة أن هذه الامارة أمانة فمن جعلها خيانة فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة، ومن استعمل خائنا فإن محمدا [صلى الله عليه وآله] برئ منه في الدنيا والآخرة.


(6) وف صفقتك أي أتمم وكمل المتاع الذي تبيع وتضرب يدك على يد المشتري عند عقد البيع، والصفقة - كضربة -: ضرب اليد على اليد في البيع. وقوله: (على ما أولاك) أي على ما أعطاك وجعلك واليا عليه. و (أحمده على ما أبلاك) أي على ما امتحنك به من النعماء وما تشتهيه نفسك، ومن الضراء وما يكرهه هواك.

[34]

ومن هذا الكتاب في تأديب [علي] ابن هرمة وكان على سوق الاهواز فخان: إذا قرأت كتابي فنح ابن هرمة عن السوق وأوقفه للناس واسجنه وناد عليه، واكتب إلى أهل عملك تعلمهم رأيي فيه، ولا تأخذك فيه غفلة ولا تفريط فتهلك عند الله، وأعزلك أخبث عزلة - وأعيذك بالله منه - فإذا كان يوم الجمعة فأخرجه من السجن، واضربه خمسة وثلاثين سوطا، وطف به إلى الاسواق فمن أتى عليه بشاهد فحلفه مع شاهده وادفع إليه من مكسبه ما شهد به عليه ومر به إلى السجن مهانا مقبوحا ومنبوحا (7) واحزم رجليه بحزام، وأخرجه وقت الصلاة ولا تحل بينه وبين من يأتيه بمطعم أو مشرب أو ملبس أو مفرش، ولا تدع أحدا يدخل إليه ممن يلقنه اللدد (8)


(7) مقبوحا: مبعدا عن الخير، يقال: (قبحه الله عن الخير - من باب منع - قبحا وقبوحا - كفلسا وفلوسا - وقبحه عنه تقبيحا): نحاه عنه. و (المنبوح): المشتوم. والمراد منه - هنا -: يا خائن ويا عاصي ونظائرهما، دون ذكر الامهات والاخوات وأمثالهن بقبائح النسبة. (8) اللدد - على زنة الفرس -: الخصومة الشديدة. المدافعة.

[35]

ويرجيه الخلاص [الخلوص خ] فإن صح عندك أن أحدا لقنه ما يضر به مسلما فاضربه بالدرة، واحبسه حتى يتوب، ومر بإخراج أهل السجن في الليل إلى صحن السجن ليتفرجوا [ليفرجوا خ] غير ابن هرمة، إلا أن تخاف موته فتخرجه مع أهل السجن إلى الصحن، فإن رأيت به طاقة أو استطاعة فاضربه بعد ثلاثين يوما خمسة وثلاثين سوطا بعد الخمسة والثلاثين الاولى، واكتب إلى بما فعلت [صنعت خ] في السوق، ومن اخترت بعد الخائن، واقطع عن الخائن رزقه. ومن هذا الكتاب أيضا: وذر المطامع وخالف الهوى، وزين العلم بسمت صالح، نعم عون الدين الصبر، لو كان الصبر رجلا لكان صالحا، وإياك والملالة، فإنها من السخف والنذالة، لا تحضر مجلسك من لا يشبهك، وتخير اوردك (9).


(9) الورد - كحبر -: النصيب. الماء الذي يورد. الابل الواردة أو القوم الواردون الماء. أقول ارادة المعنى الاخير - هنا - أظهر مما سبقه.

[36]

إقض بالظاهر، وفوض إلى العالم الباطن، دع عنك أظن وأحسب وأرى، ليس في الدين إشكال، لا تمار سفيها ولا فقيها، أما الفقيه فيحرمك خيره، وأما السفيه فيحزنك شره، لا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن: بالكتاب والسنة، لا تعود نفسك الضحك فإنه يذهب بالبهاء، ويجرئ الخصوم على الاعتداء، إياك وقبول التحف من الخصوم وحاذر الدخلة (10) من ائتمن امرأة حمقاء - ومن شاورها فقبل منها - ندم. إحذر من دمعة المؤمن فإنها تقصف من دمعها (أدمعها خ) وتطفئ بحور النيران عن صاحبها، لا تنبز الخصوم، ولا تنهر السائل (11) ولا تجالس في


(10) الدخلة - بتثليث الدال وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام -: بطانة الشخص وخواصه. (11) يقال: (قصف الشئ - من باب ضرب (قصفا): كسره. ويقال: (نبزه بكذا - من باب ضرب وفعل - نبزا وتنبيزا): لقبه به. عابه ولمزه به وهو شائع في الالقاب القبيحة. ويقال: (نهر السائل - من باب منع - نهرا) زجره.

[37]

مجلس القضاء غير فقيه، ولا تشاور في الفتيا، فإنما المشورة في الحرب ومصالح العاجل، والدين ليس هو بالرأي، إنما هو الاتباع، لا تضيع الفرائض وتتكل على النوافل. أحسن إلى من أساء إليك، واعف عمن ظلمك، وادع لمن نصرك، واعط من حرمك وتواضع لمن أعطاك، واشكر الله على ما أولاك، وأحمده على ما أبلاك. العلم ثلاثة: آية محكمة، وسنة متبعة، وفريضة عادلة، وملاكهن أمرنا. ومن هذا الكتاب: لا تقض وأنت غضبان ولا من النوم سكران (12). ومن هذا الكتاب - برواية القضاعي في الباب السابع من دستور معالم الحكم 137 -: لا حمى إلا من ظهر مؤمن وظهر فرس مجاهد


(12) وهذه آخر قطعة من الرسالة التي ذكرها في الحديث (35) من كتاب القضاء من دعائم السلام: ج 2 ص 535 وهو الحديث (1908) من ج 2.

[38]

وحريم بئر وحريم نهر وحريم حصن والحرمة بين الرجال والنساء وهي الحجب، وحريم بين الحلال والحرام لا مرتع فيه، وحريم لا يؤمن في الاولين والآخرين، وحريم حرمته الرحم، وحريم ما جاوز الاربع من الحرائر وحريم القضاء. أقول: لم أجد هذا الكتاب الا في دعائم الاسلام، وصاحب الدعائم لم يذكره متواليا ومنظما، بل قسمه على الابواب والمواضيع المختلفة من كتابه، على ما هو ديدن الفقهاء من ذكر كل فقرة من الكلام والحديث الواحد، في الباب الذي يلائمه، كما في الحديث 80 و 86، و 634، و 981، و 1416، و 1541، و 1553 و 1619، و 1741، و 1782، و 1882، و 1889، و 1891، و 1898، و 1906، من المجلد الثاني من دعائم الاسلام ص 34 و 36 و 174، و 256 و 402 و 440 و 442 و 457 و 485 و 498. و 528، و 529، و 530، و 532، و 535. نعم الفصل الاول - على ما ذكرنا هنا - رواه المجلسي العظيم (ره) في الحديث (35) من الباب (16) من القسم الاول من المجلد السادس عشر، من البحار، ص 36، س 7 عكسا - عن كتاب قضاء الحقوق، للشيخ أبي علي ابن الطاهر السوري (13). ثم لا يخفى انه لا دليل على وحدة الكتاب، بل المظنون ان ما ذكره


(13) وقريب منه جدا رويناه في المختار (36) من باب الوصايا، عن المسعودي (ره).

[39]

عليه السلام في قضية ابن هرمة كتاب مستقل، وأيضا لا قرينة على ان الكتاب على الترتيب الذي رتب هنا، فاحتمال التقديم والتأخير في كل فصل منه قائم، كما أن احتمال الحذف والاسقاط مظنون جدا، ولاجله تركنا نحن أيضا بعض جمله القصيرة غير المرتبطة بالجمل الطويلة، نظير قوله: (لا قسمة فيما لا يتبعض) وغيره. - 121 - ومن كتاب له عليه السلام قال ا بن عساكر أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن نصر بن محمد بن خميس في كتابه، أخبرنا القاضي أبو نصر محمد بن علي بن ودعان، أخبرنا عمي أبو الفتح احمد بن عبيد الله بن أحمد بن ودعان، أخبرنا أبو القاسم هارون بن (كذا) احمد بن محمد بن روح البصري، أخبرنا أبو علي (الحسين) بن ابراهيم بن عبد الله بن منصور الصائغ، أخبرنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى، أخبرنا محمد بن روح البصري، أخبرنا أبو علي الحسين بن إبراهيم بن عبد الله بن منصور الصائغ، أخبرنا أبو أحمد بن عبد الله بن جلين الدوري، أخبرنا أبو جعفر محمد بن حمزة بن أحمد بن جعفر بن سليمان الهاشمي، أخبرنا العباس بن بكار الضبي. وحدثني أبو بكر محمد بن علي بن رزق الله بن عبد الواحد الحلال، أخبرنا أبو العباس أحمد بن موسى الجوهري، أخبرنا العباس بن عبد الله بن عبد الرحمان الحنفي، اخبرنا العباس بن بكار.

[40]

ثم أتفقوا قالا: أخبرنا محمد بن عبيد الله الخزاعي، عن الشعبي. قال إستأذنت سودة بنت عمارة بن الاسك (1) الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان. فأذن لها، فسلمت فرد عليها السلام، ثم قال: هيه يا بنت الاسك ألست القائلة لاخيك يوم صفين: شمر كفعل أبيك يا بن عمارة * يوم الطعان وملتقى الاقران وأنصر عليا والحسين ورهطه * واقصد لهند وابنها بهوان إن الامام أخا النبي محمد علم الهدى ومنارة الايمان فقه الحمام وسر أمام لوائه (2) * قدما بأبيض صارم وسنان قالت: يا أمير المؤمنين ما مثلي رغب عن الحق (3) ولا اعتذر اليك بالكذب، قال: فما حملك على ذلك. قالت: حب علي واتباع الحق. قال والله ما أرى عليك من علي أثرا (كذا) قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين واعادة ما مضى. وتذكار ما نسي. قال: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى ولا لقيت من أحد ما لقيت من قومك، قالت: صدوق فوك، لم يكن والله أخي ذميم المقام، ولا خفي المكان، كان والله كقول الخنساء: وإن صخر ليأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار وبالله أسأل أمير المؤمنين اعفاي مما استعفيت منه. قال: قد فعلت فما حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين إنك أصبحت


(1) وفى العقد الفريد في الموردين: (ابنة عمارة بن الاشتر). (2) وفى العقد الفريد: (فقه الجيوش وسر أمام لوائه. (3) وفى العقد الفريد: (قالت يا أمير المؤمنين: مات الرأس وبتر الذنب، فدع عنك تذكار ما نسي. قال: هيهات) الخ.

[41]

للناس سيدا، ولامورهم متقلدا، والله سائلك عن أمرنا وعما افترض عليك من حقنا، ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك (4) ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس البقر، يسومنا الخسيسة، ويسألنا الجليلة، هذا ابن أبي ارطاة، قدم بلادي فقتل رجالي وأخذ مالي، لعول فوهي (كذا بما استعصم الله منه، وألجأ إليه فيه، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته فعرفناك (5). فقال أيضا معاوية أتهدديني بقومك لقد هممت أن أردك إليه على قتب أشرس (6) وأحملك إليه فينفذ فيك حكمه. فأطرقت ثم بكت ورفعت رأسها تقول (7): صلى الا له على روح تضمنها * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا * فصار بالحق والايمان مقرونا قال: ومن ذلك. قالت: علي بن أبي طالب. قال: وما علمك بذلك. قالت: أتيته يوما في رجل ولاه على صدقاتنا لم يكن بيننا وبينه الا كما بين الغث إلى السمين، فوجدته قائما يصلي، فلما نظر الي انفتل من مصلاه،


(4) كذا في النسخة، يقال: (ناء ينوء نوءا وتنوءا - كقولا وتقوالا -: نهض بجهد ومشقة. ولا يخفى ان هذا المعنى المقيد غير مناسب للمقام، فان صحت النسخة فالمراد: مطلق النهوض، ويحتمل قويا ان الصواب: (من ينوه بعزك) الخ من قولهم: (ناه ينوه - من باب قال - نوها) النبات: ارتفعت. وفى العقد الفريد: (من ينهض بعزك ويبسط بسلطانك) الخ. (5) وفى رواية: (فاما عزلته فشكرناك) الخ. وفى العقد الفريد: (فاما عزلته فشكرناك، واما لا فعرفناك). (6) وهو المائل المعرج. (7) أقول: ونقل ابن عساكر أيضا عنها انها قالت هذه الابيات في رثاء أمير المؤمنين (ع) كما في آخر ترجمته (ع) من تاريخ دمشق: ج 38، 136.

[42]

ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة. فأخبرته الخبر (8) فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد علي وعليهم اني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك (9). ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب (10) فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا نعثوا في الارض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ. إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى يأتي من يقبضه منك والسلام. [قالت سودة:] فأخذته منه، والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام فعزلته به. قال معاوية أكتبوا لها بإنصافها والعدل عليها. فقالت: ألي خاصة أم لقومي عام. قال [معاوية:] ما أنت وغيرك. قالت: هي والله


(8) وفى العقد الفريد: (فوجدته قائما يصلي فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة وتعطف: الك حاجة. فاخبرته خبر الرجل، فبكى ثم رفع يديه إلى السماء فقال) الخ. (9) هذا هو الصواب، وفى النسخة تصحيف فاحش. (10) وفى العقد الفريد: (ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيه).

[43]

الفحشاء واللؤم، فان كان عدلا شاملا [فهو المطلوب] وإلا أنا كسائر قومي. فقال معاوية: هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان، فبطليا ما تفطمون بعيره (11) أكتبوا لها بحاجتها. ترجمة سودة من تاريخ دمشق: ج 65 ص 316. وروى القصة أيضا أعثم الكوفي كما في المترجم من تاريخه ص 233 ط الهند، الا ان فيه أم سنان. ورواها أيضا ابن عبد ربه في العقد الفريد: ج 1، 212، وفي ط ص 292 تحت الرقم (45) من كتاب الوفود. ورواها أيضا في أواخر الفصل السادس من ترجمة أمير المؤمنين (ع) من مطالب السئول ص 93، ورواها عنه في البحار: ج 9 ص 535 وفي ط الحديث: ج 41 ص 119، في الحديث (27) من الباب (107)، ونقل القصة باختصار في كتاب معادن الحكمة والجواهر، عن كشف الغمة. وتقدم برواية أخرى تحت الرقم (60) ص 144، ونقله أيضا مسندا في بلاغات النساء، وأعلام النساء، ترجمة. سودة.


(11) وفى العقد الفريد: (قال: هيهات لمظكم ابن أبي طالب الجرأة وغركم قوله: فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام وقوله: ناديت همدان والابواب مغلقة * ومثل همدان سنى فتحة الباب كالهندواني لم تفلل مضاربه وجه جميل وقلب غير وجاب أقول: يقال: (لمظ - من باب التفعيل - فلانا لماظة): ذوقة شيئا بلمظه. وألمظه على فلان: ملاه غيظا. وقوله: (فبطلي ما تفطمون بعيره) مثل.

[44]

- 122 - ومن كتاب له عليه السلام إلى أبي موسى الاشعري لما خدعه عمرو بن العاص في الكوفة، ففر خجلا مستحييا واستجار بمكة المكرمة زادها الله شرفا. أما بعد فإنك امرؤ ضللك الهوى، واستدرجك الغرور، فاستقل الله يقلك عثرتك، فإنه من إستقال الله أقاله، إن الله يغفر ولا يعير (1) وأحب عباده إليه المتقون، والسلام (2). الامامة والسياسة 140، وفي ط ص 103 وقريب منه في أواخر الرقم (14) من خلافة أمير المؤمنين (ع) من كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد: 2 / 239، وفي ط ج 3 ص 116، ط 2، ونقله عنهما تحت الرقم


(1) هذا هو الظاهر، وفى النسخة: (ولا يغير). وفى العقد الفريد: (فان الله يغفر ولا يغفل، وأحب عباده إليه التوابون). (2) وفى العقد الفريد، بعد ختام الكتاب: (كتبه سماك بن حرب). وفى الامامة والسياسة: فلما انتهى كتاب علي إلى أبي موسى هم أن يرجع ثم قال لاصحابه اني أمرؤ غلب علي الحياء، ولا يستطيع هذا الامر رجل فيه حياء.

[45]

(466) من جمهرة الرسائل: ج 1 / 501، ورواه أيضا في المختار (23) من كتب مستدرك النهج. - 123 - ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى مالك بن الحارث الاشتر (ره) وهو عامله على الجزيرة، لما فسدت مصر على محمد بن أبي بكر رحمه الله. روى الطبري (1) عن أبي مخنف عن يزيد بن ظبيان الهمداني ما ملخصه: انه لما قتل أهل خربتا ابن مضاهم الكلبي، خرج معاوية بن حديج الكندي السكوني فدعا إلى الطلب بدم عثمان، فأجابه ناس آخرون، وفسدت مصر على محمد بن أبي بكر، فبلغ ذلك عليا (ع) فقال: ما لمصر الا أحد الرجلين: قيس بن سعد بن عباده أو مالك الاشتر، فلما أنقضى أمر الحكمين، كتب علي (ع) إلى مالك الاشتر رحمه الله وهو يومئذ بنصيبين: أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقا مة الدين (2) وأقمع به نخوة الاثيم وأسد به الثغر المخوف (3) و [قد]


(1) ورواه أيضا جماعة آخرون كما يأتي عند ختام المختار التالي. (2) استظهر به: استعين به. وهذا الكلام كاف لاثبات جلالة مالك (ره) وان أمعنت النظر في الكتاب التالي وأمثاله مما ورد عنه (ع) في شأن الاشتر، لرأيته (ره) - على رغم انف النواصب - مالكا ومملكا لازمة الجلالة والعظمة عند الله تبارك وتعالى. (3) وفى نهج البلاغة: (وأسد به لهاة الثغر المخوف) واللهاة: قطعة لحم مدلاة في سقف الفم على باب الحلق. وقرنها بالثغر تشبيها له بفم الانسان وأقمع: اكسر. والنخوة - كضربة -: الحماسة. المروءة. والعظمة. الكبر. الفخر. والاثيم: الذي يقدم على عمل الاثم ويتجرأ عليه. والثغر: كل فرجة في جبل أو واد. الموضع الذي يخاف منه هجوم العدو وثورانه. الحد بين المتعاديين. والجمع: ثغور كفلس وفلوس.

[46]

كنت وليت محمدا بن أبي بكر مصر، فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرب للاشياء، فاقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك والسلام (4). فأقبل مالك حتى دخل علي أمير المؤمنين (ع) فحدثه حديث أهل مصر، وقال له: ليس لها غيرك، أخرج رحمك الله إلى مصر، فاني ان لم أوصك اكتفيت برأيك، واستعن بالله على ما أهمك، فأخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك الا الشدة. فخرج الاشتر (ره) وأتى رحله وتهيأ للخروج إلى مصر، وكت أمير


(4) وفى أمالي الشيخ المفيد (ره) بعده هكذا: (فاستخلف مالك على عمله شبيب بن عامر الازدي، وأقبل حتى ورد على أمير المؤمنين عليه السلام، فحدثه حديث مصر، وأخبره عن أهلها، وقال له: ليس لهذا الوجه غيرك، فأخرج فاني ان لم أوصك اكتفيت برأيت، فاستعن بالله على ما أهمك، واخلط) الخ.

[47]

المؤمنين (ع) معه إلى أهل مصر (5) بالكتاب التالي. تاريخ الطبري: ج 4 ص 71، في حوادث سنة 38، من الهجرة ورواه أيضا مع المختار التالي، والمختار (443) من قصار نهج البلاغة، الشيخ المفيد (ره) في الحديث الرابع من المجلس التاسع من أماليه ص 56 ط النجف، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد بن حبيش الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني، قال: حدثنا ابراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن زكريا، عن عبد الله بن الضحاك، عن هشام بن محمد، قال: لما ورد الخبر على أمير المؤمنين (ع). الخ أقول: ثم ذكر قريبا مما ذكره الطبري غير ان فيه انه كان كتابه (ع) إلى الاشتر، وبعثه إلى مصر، بعد قتل محمد ابن أبي بكر (ره) وهذا مع كونه خلاف القرائن الخارجية، فذيل الخبر بنفسه أيضا يدل على اشتباه الامر على الرواة فراجع. ورواه أيضا السيد الرضي (ره) في المختار (38) من الباب الثاني من نهج البلاغة. ورواه قبلهم جميعا ابراهيم بن محمد الثقفي (ره) في كتاب الغارات عن عبد الله بن محمد بن عثمان، عن علي بن محمد بن أبي سيف، عن أصحابه، كما في شرح المختار (67) من الباب الاول من نهج البلاغة، من شرح ابن أبي الحديد: ج 6 ص 74.


(5) وفي الامالي: وقدم أمير المؤمنين عليه السلام كتابا إلى أهل مصر) الخ.

[48]

- 124 - ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر، كتبه إليهم بمصابحة الاشتر لما ولاه عليهم. ولما ولي الاشتر ولاية مصر، أتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية الاشتر، فعظم ذلك عليه، وقد كان طمع في مصر، وعلم أن الاشتر إن قدمها فاتته، فبعث إلى الجايستار (1) رجل من أهل الخراج: أن الاشتر قد ولي مصر، فان انت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه، فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به، فلما انتهى الاشتر إلى القلزم إستقبله وعرض عليه الطعام والمنزل وعلف الدواب، وقال: أنا رجل من أهل الخراج، ولك ولاصحابك علي حق، فأنزل علي اقم بأمرك وامر اصحابك واحتسب ذلك لي من الخراج، فنزل عليه الاشتر (ره) فأقام له ولاصحابه بما احتاجوا إليه، حتى إذا طعم الاشتر فأتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما، فسقاه إياه، فلما شربها مات. قال أبو مخنف: حدثني فضيل بن خديج عن مولى للاشتر قال: لما توفى الاشتر (ره) وجدنا في ثقله رسالة أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى أهل مصر:


(1) الجايستار كأنه علم شخصي. ويحتمل أيضا وصفيته. ولعل اللفظ رومي. (2) القلزم: مدينة بمصر على رأس الخليج المضاف إليها، واطلالها الآن قرب مدينة السويس.

[49]

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين إلى أمة المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الارض، وضرب الجور بارواقه (3) على البر والفاجر، فتلا حق يستراح إليه ولا منكر يتناهى عنه - سلام عليكم - فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو أما بعد فقد بعثت إليكم عبدا من عبيد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر (4)


(3) وفى نهج البلاغة: (إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في ارضه وذهب بحقه، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر، والمقيم والظاعن، فلا معروف ليستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه) وفى كتاب الاختصاص: (إلى الملا من المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الارض، وضرب الجور بأرواقه على البر والبحر) الخ. وفى رواية الثقفي (ره): (من عبد الله (علي) أمير المؤمنين، إلى النفر من المسلمين الذين غضبوا لله إذ عصي في الارض، وضرب الجور برواقه على البر والفاجر) الخ. أقول: الرواق - بضم الراء وكسرها -: غطاء يمد فوق صحن البيت. وقيل: هو سقف في مقدم البيت. وقيل هو كساء مرسل على مقدم البيت من أعلاه إلى الارض. ويجمع على الارواق والاروقة الرواقات والروق - والثاني والرابع على زنة الارغفة والسوق -. والسرادق: الخيمة. الغبار والدخان المرتفع المحيط بالشئ. ما يمد فوق صحن البيت من كساء أو فسطاط ونحوهما. كل ما أحاط بالشئ من حائط أو خباء أو غيرهما. (4) وفى رواية النجاشي: (أما بعد فاني قد بعثت اليكم عبدا من عبيد الله) الخ. وفى الامالي: (واني قد بعثت اليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر، من أشد عبيد الله بأسا، وأكرمهم حسبا، أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحارث الاشتر) الخ. وفى رواية الثقفي: (أما بعد فقد وجهت اليكم عبدا من عباد الله لا ينام في الخوف) الخ. وفى الاختصاص: (أما بعد فاني قد وجهت عبدا من عباد الله) الخ. وفى نهج البلاغة: (فقد بعثت اليكم عبدا من عباد الله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء ساعات الروع) الخ. أقول: لا ينكل - من باب نصر وضرب، وعلم -: لا يجبن ولا ينكص. وساعات الروع: ساعات الخوف. وحذار الدوائر: احترازا واحتراسا منها. والدوائر: جمع الدائرة: النائبة من حوادث الدهر.

[50]

أشد على الكفار من حريق النار (5) وهو مالك بن الحارث أخو مذحج (6) فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيف من


(5) وفى الاختصاص: (اشد على الفجار من حريق النار) الخ. في الرواية الاولى للثقفي (ره): (ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر، لا ناكل من قدم، ولا واه في عزم، من أشد عباد الله بأسا، وأكرمهم حسبا، أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحارث الاشتر حسام صارم، لانابي الضريبة) الخ. وفى الرواية الثانية عنه: (أشد على الكافرين من حريق النار) الخ. وفى رواية النجاشي (ره): (ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر، لا ناكل من قدم، ولا واهن (كذا) في عزم (من) أشد عباد الله بأسا، وأكرمهم حسبا، أضر على الكفار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو مالك بن الحرث) الخ. وقوله (ع): (لا نأكل عن قدم) أي لا يكون جبانا على الاقدام، ولا ضعيفا على السبقة والمبادرة فيما ينبغي فيه المسابقة والمسارعة. (6) (مذحج) على زنة المجلس: قبيلة مالك. قيل: هو في الاصل: اسم اكمة ولد عندها أبو القبيلتين: طئ ومالك، فسميت قبيلتاهما به.

[51]

سيوف الله، لا نابى الضريبة ولا كليل الحد (7) فإن أمركم أن تقدموا فأقدموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به على نفسي لنصحه لكم وشدة شكيمتة على عدوكم (8) عصمكم الله بالهدى، وثبتكم على اليقين (9) والسلام. حوادث سنة (38 ه‍) من تاريخ الطبري: ج 4 ص 71، وأشار إليه


(7) وفى نهج البلاغة: (فأسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق، فانه سيف من سيوف الله، لا كليل الظبة، ولا نابي الضريبة، فان أمركم أن تنفروا فأنفروا، وان أمركم أن تقيموا فأقيموا، فانه لا يقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم الا عن أمري) الخ. أقول: الظبة - بضم ففتح مخففا -: حد السيف والسنان ونحوهما. ونابي: الكليل وغير المؤثر في مضروبه. والضريبة: المضروب بالسيف. وفى الرواية الاولى للثقفي، بعد قوله (ع): (ولا كليل الحد) هكذا: (حليم في السلم، رزين في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، فاسمعوا له واطيعوا أمره فان أمركم بالنفر فانفروا، وان أمركم أن تقيموا فأقيموا، فانه لا يقدم ولا يحجم الا بأمري) الخ. ومثله في رواية النجاشي الا أن فيه بعد قوله: كليل الحد. هكذا: (عليم في الجد، رزين في الحرب، نزل اصيب (كذا) وصبر جميل) الخ. (8) وفى رواية الاختصاص، والنجاشي والنهج، (لنصيحته لكم) أي خصصتكم به وأنا في حاجة إليه، تقديما لنفعكم على نفعي. والشكيمة: الحديدة المعروضة في فم الفرس، ويكنى بها عن قوة النفس، وشدة البأس. (9) وفى الرواية الاولى للثقفي: (عصمكم الله بالهدى، وثبتكم بالتقوى، ووفقنا واياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله.

[52]

ابن الاثير في تاريخ الكامل: ج 3 ص 177، ورواه أيضا مع المختار (443) من الباب الثالث من نهج البلاغة ابن عساكر، في ترجمة (مالك الاشتر) من تاريخ دمشق: ج 53 ص 446، كما رواه قبلهم جميعا باختصار اليعقوبي (ره) في تاريخه: ج 2 ص 183، ورواه قبله ابراهيم بن محمد ابن سعيد الثقفي (ره) بصورتين في كتاب الغارات، كما في شرح المختار (67) من خطب نهج البلاغة، من شرح ابن أبي الحديد: ج 6 ص 75 و 78، عن الشعبي، عن صعصعة بن صوحان (ره) وعن محمد بن عبد الله، عن المدائني، عن مولى الاشتر (ره). ورواه الشيخ المفيد (ره) في الحديث الرابع، من المجلس التاسع من أماليه ص 56 عن ابي الحسن علي بن محمد ابن حبيش الكاتب، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن ابراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن زكريا، عن عبد الله بن الضحاك، عن هشام ابن محمد. ورواه أيضا في كتاب الاختصاص، ص 79 ط 2 قال: حدثنا أبو عبد الله الحسن بن أحمد العلوي المحمدي، وأحمد بن علي بن الحسين بن زنجويه جميعا، قالا: حدثنا أبو القاسم حمزة بن القاسم العلوي، قال: حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، عن سمرة بن علي، عن أبي معاوية الضرير، عن مجالد، عن الشعبي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر ذو الجناحين، قال: لما جاء [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب صلوات الله عليه مصاب محمد بن ابي بكر - وساق الكلام إلى ان قال: قال أمير المؤمنين (ع) - فلوددت أني وجدت رجلا يصلح لمصر، فوجهته إليها. فقلت: تجد. فقال: من. فقلت: الاشتر. فقال: أدعه لي. فدعوته فكتب له عهده وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم، من [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب، إلى الملا من المسلمين الذين غضبوا لله حين عصي في الارض ألخ.

[53]

ورواه المحقق النجاشي (ره) في ترجمة صعصعة بن صوحان: من فهرست مؤلفي الشيعة ص 153، قال: قال ابن نوح: حدثنا علي بن الحسين ابن سفيان الهمداني، قال: حدثنا علي بن أحمد بن علي بن حاتم بن التميمي [كذا] قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن جابر، قال: سمعت الشعبي ذكر عن صعصعة: قال: لما بعث [أمير المؤمنين] عليه السلام مالك الاشتر، كتب إليهم: من عبد الله أمير المؤمنين، إلى نفر من المسلمين الخ.

[54]

- 125 - ومن كتاب له عليه السلام إلى بعض عماله قال ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم العلوي: أنبأنا ابن مروان، ابنأنا محمد بن غالب، أنبأنا أبو حذيفة، عن سفيان الثوري، عن زبيد اليامي (1) عن مهاجر العلوي، قال: كتب (أمير المؤمنين) علي بن أبي طالب (عليه السلام) عهدا لبعض أصحابه على بلد (وكان) فيه: فلا تطولن حجابا على رعيتك (2) فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور، والاحتجاب [منهم] يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه (399 فيصغر عندهم الكبير، ويعظم


(1) هذا هو الظاهر، وذكره - هنا - بالراء المهملة، وهو من خطأ الناسخ. وهو أبو عبد الرحمان: زبيد بن الحارث اليامي، وعن ميزان الذهبي: انه من الثقات التابعين، (و) فيه تشيع، وعن أبي اسحاق الجوزجاني قال: كان من أهل الكوفة قوم لا يحمد الناس مذاهبهم (و) هم رؤوس محدثي الكوفة، مثل أبي اسحاق، ومنصور وزبيد اليامي، والاعمش، وغيرهم من أقرانهم، احتملهم الناس لصدق السنتهم في الحديث، وتوقفوا عندما أرسلوا. (2) وفى نهج البلاغة، وتحف العقول: (فلا تطولن احتجابك عن رعيتك). (3) هذا هو الظاهر الموافق للنهج وتحف العقول، وفى النسخة: (فان احتجاب الولاة على الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور، والاحتجاب يقطع عنهم علم لما احتجبوا دونه) الخ.

[55]

الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل (4) وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الامور، وليست على القول سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب (5) فإنما أنت أحد رجلين إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق. ففيم احتجابك من حق واجب أن تعطيه (6) أو خلق


(4) يقال: (شاب يشوب شوبا وشيابا الشئ): خلطه ومزجه. (5) هذا هو الصواب الموافق لما في تحف العقول، والسمات: جمع السمة - بكسر السين وفتح الميم -: العلامة. والادخال: الافساد. أي ليس على القول علامات بارزة يعرف بها الصدق من الكذب، والحق من الباطل، بل انما يعرف صدق الاقوال من كذبها وحفها من باطلها إذا أرخى الحجاب للقائل ولين له الجانب ليأتي بكل ما يوضح مقصوده، ثم ليتدبر في كلامه ويتفحص عن جهات صدقه وصوابه، فلابد لك من لين الحجاب ليكون أمرك حصينا من افساد الحقوق، ومأمونا من تضييع الرعبة. ثم لا يخفى أن الجملة الاخيرة غير موجودة في النهج، كما أنها مصحفة وملحونة في ما عندي من نسخة تاريخ ابن عساكر. (6) أي فلاي علة تحتجب عن الناس في أداء حقهم، أو في عمل تمنحه اياهم.

[56]

كريم [أن] تسديه (7) وإما مبتلى بالمنع فما إسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا عن ذلك (8) مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف (9) فانتفع بما وصفت لك، واقتصر على حظك ورشدك (10) إن شاء الله. ترجمة أمير المؤمنين (ع) من تاريخ دمشق: ج 38 ص 87 وفي نسخة ص 139، أقول: هذه قطعة من عهد أمير المؤمنين (ع) إلى مالك بن الحارث لما ولاه مصر، وهذا العهد قد رواه جماعة كثيرة، الا أن بعضهم اقتصر على ذكر متنه، وبعضهم اكتفى بمعروفية، وبعضهم قد ذكر سنده فقط، أو مع قطعة من متنه، وبعضهم لم يذكر منه الا ما هو محل شاهده، وممن عثرنا على انه ذكر جل هذا العهد الشريف هو صاحب دعائم الاسلام المتوفي في سنة 363 ه‍، فانه ذكره في الحديث الثالث من الباب الخامس، من كتاب الجهاد من دعائم الاسلام، ص 350، وممن ذكره من القدماء، أيضا أبو محمد الحراني


(7) وفى النهج: (ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل كريم تسديه) الخ ومثله في تحف العقول، الا ان فيه: (أو خلق كريم تسديه) أي تحسنه، من قولهم: (أسدى الي زيدا اسداء، وسدى إليه تسدية): أحسن إليه. و (سدي - من باب التفعيل - إليه معروفا): اتخذه عنده. (8) وفى نهج البلاغة: (إذا أيسوا من بذلك (الخ. و (أيسوا) كسمعوا لغة في (يئسوا) أو مقلوب منه، وقيل ان كسر عين المضارع لغة فيه. (9) وفى نهج البلاغة: (أو طلب انصاف في معاملة) الخ. (10) أي دون ما يلائم هواك، من الكسالة والتكبر والبخل.

[57]

الحسن بن علي بن شعبة (ره) من أعلام القرن الرابع، والسيد الرضي جامع نهج البلاغة، المتوفي سنة أربع وأربعمأة. وحيث ان مزايا اهل البيت عليهم السلام وخصائصهم في معرض الاستنكار والاستخفاء، مع أن كلامهم هو النور ومنطقهم هو الصواب والسداد الذي متى يرفع ويحجز بينه وبين البرية، ادلهم العالم، وامتلات الدنيا من الزيغ والزلل، والعوج والخطل - أحببنا أن نزين كتابنا هذا بهذا الجوهر الثمين، ونهديه إلى حكماء العالم وجهابذة الفكر والمعنوية، مستريحين وآمنين من كلفة المراجعة، ومقاسات الفحص والتنقيب، وتحمل اعباء البحث والتفتيش، وبما أن نهج البلاغة متداول ومشهور كاشتهار الشمس في رائعة النهار، وبما أن ما في دعائم الاسلام نقل بالمعنى، فنحن نذكر هذا العهد الشريف، والاعجاز العلوي المنيف، من كتاب تحف العقول، فانه أوفق، وما توفيقي الا بالله، انه خير موفق ومعين.

[58]

- 126 - ومن كتاب له عليه السلام كتبه لمالك بن الحارث: الاشتر النخعي (ره) لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر اميرها محمد بن أبي بكر (ره). بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر، في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها، ومجاهدة عدوها، واستصلاح أهلها وعمارة بلادها (1) أمره بتقوى الله وإيثار طاعته واتباع ما أمر الله به في كتابه: من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله بيده وقلبه ولسانه، فإنه قد تكفل بنصر من نصره، إنه قوي عزيز (2).


(1) وفي المختار (53) من كتب نهج البلاغة: (وجهاد عدوها). (2) وفى نهج البلاغة: (وان ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه، فانه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره، واعزاز من أعزه).

[59]

وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات - فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي (3) إن ربي غفور رحيم - وأن يعتمد كتاب الله عند الشبهات فإن فيه تبيان كل شئ، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون - وأن يتحرى رضى الله، ولا يتعرض لسخطه ولا يصر على معصيته، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه (4). ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فبك ما كنت تقول فيهم


(3) وفى نهج البلاغة: وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات، ويزعها عند الجمحات، فان النفس أمارة بالسوء الا ما رحم الله). أقول: (يزعها): يمنعها ويكفها ويحبسها. وهو من باب: (ضرب، ومنع). ويقال: (جمح الفرس) - من باب منع - جمحا وجموحا وجماحا - - كفلسا وفلوسا ورماحا -: تغلب على راكبه وذهب به لا ينثني. و (جمح الرجل): ركب هواه وأسرع إلى الشئ فلم يمكن رده. (4) (ويتحرى رضى الله): يطلبه ويفضله على كل شئ.

[60]

وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح بالقصد فيما تجمع وما ترعى به رعيتك (5) فأملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيما أحبت [أ] وكرهت (6) وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بالاحسان إليهم (7) ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلقه، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل (8)


(5) وفى نهج البلاغة: (فليكن أحب الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح) فأملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك، فان الشح بالنفس الانصاف منهما فيما أحبت أو كرهت). (6) اي كن مالكا لهواك، وغالبا على نفسك، فابخل بها عن الوقوع في غير الحلال، فليس الحرص على النفس ومحبتها إيفاؤها كل ما تشتهيه وتحبه بل الواجب على من يحب نفسه أن يحملها وينصفها بالجري على الحق والاستقامة على العدل سواء أحبت أو كرهت. (7) كلمتا: (بالاحسان إليهم) غير موجودتان في النهج. (8) وفى النهج: (أما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق) ألخ أقول: الخلق - كفلس - ومثله الخلقة بالتاء: الوجود والابداع بعد العدم، وبمعناه المصدري: نفس الايجاد والابداع. والخلقة - على زنة الحبرة -: الفطرة والهيئة. ويقال (فرط من فلان قول - من باب نصر - فروطا): قاله من غير روية. سبقه به لسانه. والزلل: الخطاء. و (تعرض لهم العلل) - من باب ضرب -: تصيبهم وتحدث لهم. والعلل: جمع العلة: المرض الشاغل. الحدث يشغل صاحبه. و (العلة) - بفتح العين -: ما يتعلل به.

[61]

ويؤتى على أيديهم في العمد والخطاء، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه [وصفحه (ظ)] فإنك فوقهم ووالى الامر عليك فوقك، والله فوق من ولاك بما عرفك من كتابه وبصرك من سنن نبيه صلى الله عليه وآله (9) [و] عليك بما كتبنا لك في عهدنا هذا [و] لا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته (10) ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، فلا تندمن على عفو، ولا تيجحن بعقوبة،


(9) وفى النهج بعد قوله: (والله فوق من ولاك) هكذا: (وقد استكفاك أمرهم، وأبتلاك بهم، ولا تنصبن نفسك لحرب الله). أي أراد الله وطلب منك كفاية أمورهم وابتلاك بهم حيث أوجب عليك القيام بتدبير مصالحهم - إلى آخر ما يأتي -. (10) المراد بنصب نفسه لحرب الله: انحرافه عن جادة الشريعة بالظلم على الرعية، والعتو على البرية. ويقال: (لا أيد لك. أو لا يد لك): لا قوة ولا طاقة لك. وقد يراد منه الجارحة المخصوصة استعارة.

[62]

ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة (11) ولا تقولن إني مؤمر امر فأطاع، فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الفتن فتعوذ بالله من درك الشقاء (12) وإذا أعجبك ما أنت فيه من سلطانك فحدثت لك بن أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك ويفئ إليك ما عزب من عقلك (13).


(11) (لا تبجحن): لا تفرحن - لفظا ومعنى - والبادرة: ما يبدر من الحدة عند الغضب في قول أو فعل. والمندوحة: المفر. (12) وفى النهج: (وتقرب من الغر) وليس فيه قوله: (فتعوذ بالله من درك الشقاء). والمؤمر - على صيعة اسم المفعول كمعظم - من فوض إليه امارة وحكومة. الادغال: الافساد. ومنهكة: مضعفة. ودرك الشقاء - على زنة فلس وفرس - لحوقه وتبعته. والغير - على رواية النهج، - بكسر ففتح - حوادث الدهر بوقوع الفتن بين أرباب السلطة، وانقراض حكومة وتأسيس حكومة أخرى. (13) الابهة - بضم الهمزة، وفتح الباء الموحدة المشددة -: العظمة. والمخيلة - بفتح فكسر -: الخيلاء والعجب. ويطامن: يسكن ويخفض. والطماح - ككتاب -: الكبر. الفخر. النشوز. الجماع. والغرب - كحرب -: الحدة. ويفي: يرجع. وما عزب: ما غاب وذهب.

[63]

إياك ومساماته في عظمته (14) أو التشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال فخور. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصتك ومن أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك (15) فإنك إن لا تفعل تظلم ! ومن ظلم عباد الله كان [الله] خصمه دون عباده، ومن خاصمه اللله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب (16) وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة من إقامة على ظلم، فإن الله يسمع دعوة المظلومين، وهو للظالمين بمرصاد، ومن يكن كذلك فهو رهين هلاك في الدنيا والآخرة (17).


(14) المسامات: المفاخرة والمباراة في السمو: العلو. (15) من لك فيه هوى أي ميل خاص. وقلما ينفك الانسان - بطبعه الاولى - من ميله الخاص بالنسبة إلى أقربائه وخاصته ومريديه. (16) وفى النهج: (حتى ينزع أو يتوب) الخ. وأدحض حجته: أبطلها. وحربا: محاربا. وينزع - كيضرب -: يقلع عن ظلمه.. (17) وفى النهج: (وليس شئ دعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من أقامة على ظلم، فان الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد) أي لا شئ أوجب وأشد داعيا ودعوة إلى تغيير النعمة وتعجيل النقمة، من الظلم، فانه تعالى ليس بغافل عما يعمل الظالمون، وهو صريخ المستصرخين وغياث المستغيثين، وللملهوفين بموضع أجابة.

[64]

وليكن أحب الامور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها للرعية (18) فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة، وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، وأقل له معونة في البلاء، وأكره للانصاف، وأسأل بالالحاف، وأقل شكرا عند الاعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع وأضعف صبرا عند ملمات الامور - من الخاصة (19) وإنما عمود الدين، وجماع المسلمين والعدة للاعداء أهل العامة من الامة، فليكن لهم صغوك (20) واعمد لاعم الامور منفعة وخيرها عاقبة


(18) في نهج البلاغة: (أجمعها لرضا الرعية) وهو أظهر. (19) (من الخاصة) متعلق بقوله: (أثقل) وما بعده من أفاعل التفضيل. وفى النهج (من أهل الخاصة) وما هنا أظهر. ويجحف: ينقص ويضر. يذهب. والالحاف: الالحاح والاصرار في السؤال والطلب. وملمات الامور: النوازل الشديدة من الحوادث. (20) وفى بعض النسخ: (فليكن لهم صفوك). وفى النهج: (وانما عماد الدين، وجماع المسلمين، والعدة للاعداء، العامة من الامة، فليكن صغوك لهم، وميلك معهم). وهو أظهر وعماد الشئ وعموده: ما يسنده ويقوم عليه. وجماع الشئ بكسر الجيم -: جمعه. والصغو - بالغين المعجمة -: كفلس الميل والصفوا - بالفاء كفلس أيضا -: الاخلاص في المودة. (*)

[65]

ولا قوة إلا بالله (21). وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك، أطلبهم لعيوب الناس (22) فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها (23) فلا تكشفن ما غاب عنك (24) واستر العورة ما استطعت يستر الله منتك ما تحب ستره من رعيتك، وأطلق عن الناس عقد كل حقد واقطع عنك سبب كل


(21) (واعمد) - من باب (ضرب) -: أقصد. ومنه إلى قوله: (بالله) ليس في النهج. (22) أشنأهم: أبغضهم، وهو مأخوذ من الشنآن - كرمضان -: البغض مع العداوة وسوء الخلق. وأطلبهم: اشدهم طلبا لمعائب الناس. (23) (ستر) فعل ماض صلة (من) أي الوالي أحق الناس لستر عيوب رعيته. ويحتمل أن يكون (من حرف جر بمعنى الباء، و (ستر) مصدر مجرور به، أي ان في الناس عيوبا ونواقص الوالي أحق الاشخاص بسترها. (24) وفى النهج: (فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فانما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك، أطلق عن الناس عقدة كل حقد).

[66]

وتر (25) واقبل العذر، وادرإ الحدود بالشبهات (26) وتغاب عن كل ما لا يضح لك (27) ولا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاش وإنتشبه بالناصحين. لا تدخلن في مشورتك بخيلا يخذلك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جبانا يضعف عليك الامور (28) ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله ! كسونها في الاشرار (29).


(25) أي اطلق واحلل عن الناس عقد الاحقاد، واقطع عنك اسباب كل غداوة فأحسن معهم السيرة، ولا تسئ إليهم. والوتر - كحبر -: العداوة. (26) وهاتان الجملتان ليستا - ههنا - في نهج البلاغة. (27) (تغاب): تغافل: أي احمل نفسك على الغفلة عن كل ما لا يكون لديك واضحا مكشوفا. وفى النهج: (عن كل ما لا يصح لك) بالصاد المهملة (28) وفى النهج: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل) إلى أن قال: (ولا جبانا يضعفك عن الامور) الخ. والفضل: الافضال والاحسان. و (يعدك الفقر): يخوفك من الفقر. و (يضعف عليك الامور): يجعلها ضعفين، أو يصيرك ضعيفا عن القيام بناء على رواية النهج -. (29) الشرة - كفرس -: أشد الحرص. و (غرائز): طبائع. و (شتى): متفرقة. و (كمونها): مكمنها ومحل اختفاءها. أي ان البخل والجبن والحرص طبائع متشتتة جامعها سوء الظن بالله، وهذه الطبائع المتفرقة مختفية في الاشرار، وطبيعتهم منطوية عليها جمعاء.

[67]

[و] أيقن أن شر وزرائك من كان للاشرار [قبلك] وزيرا، ومن شركهم في الآثام [ظ] وقام بأمورهم في عباد الله (30) فلا يكونن لك بطانة تشركهم في أمانتك كما شركوا في سلطان غيرك فأروهم وأوردوهم مصارع السوء، ولا يعجبنك شاهد ما يحضرونك به، فإنهم أعوان الاثمة، وإخوان الظلمة، وعباب كل طمع ودغل (31) وأنت واجد منهم خير الخلف، ممن له مثل أدبهم ونفاذهم ممن قد تصفح الامور فعرف مساويها بما جرى عليه منها، فأولئك أخف عليك مؤونة وأحسن لك معونة وأحنى عليك عطفا وأقل


(30) وفى النهج: (ان شر وزرائك من كان للاشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الآثام، فلا يكونن لك بطانة، فانهم أعوان الاثمة، واخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف، ممن له مثل ارائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم، ممن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على اثمه، أولئك أخف عليك) ألخ. (31) (فأردوهم): فأهلكوهم. (الاثمة): جمع آثم كظلمة: جمع ظالم، وهما فاعل الاثم -: الذنب - والظلم. و (العباب) كغراب: معظم السيل. أرتفاعه. موج البحر. و (الدغل) - كفرس -: ما يدخل في الامر يخالفه ويفسده.

[68]

إلفا (32) [ممن] لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على اثمه، ولم يكن مع غيرك له سيرة أجحفت بالمسلمين والمعاهدين، فاتخذ أولئك خاصة لخلوتك وملائك (33) ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم ؟ مر الحق، وأحوطهم على لضعفاء بالانصاف، وأقلهم لك مساعدة [ظ] فيما يكون منك مما كره الله لاوليائه، واقعا ذلك


(32) (نفاذهم): مضيهم وجريانهم في الامور. و (تصفح الامور): نظر فيها وحققها. و (المساوي): جمع المساءة: العيوب والنقائص. القبيح من الفعل والعقول. و (أحنى عليك): أشد عليك حنوا - كعلوا وعتوا -: الميل والعكوف والعطف، يقال: (فلان احنى الناس عليك ضلوعا) أي اعطفهم. (والعطف) - كفلس -: الميل. وبكسر العين كحبر: الجانب. ولعله بكسر العين أظهر، بملاحظة (ألفا) و (أحنى) يقال: (حنا يحنو - كدعا يدعوا - وحنى يحني - كرمي يرمي - حنوا وحناية): لواه وخفضه. وعلى هذا فهو مثل قوله تعالى: (واخفض لهما جناح الذل) و (الالف): الالفة والمحبة. (33) (أجحفت): أضرت وأذهبت بقواهم. و (المعاهدين): الذين لهم عهد مع المسلمين. قوله: (وملائك) مخفف (ملا) - على زنة الفرس والذهب - مضافا إلى كاف الخطاب، وهو جماعة القوم. أي اجعل الموصوفين بالصفات المتقدمة خاصة ومونسا لحال خلوتك وانفرادك، ولحال اجتماعك مع غيرك واحتشادك. وفى النهج (فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك) وهو أظهر، والحفلات: جمع الحفلة مؤنث الحفل: الجمع.

[69]

من هواك حيث وقع (34) فإنهم يقفونك على الحق، ويبصرونك ما يعود عليك نفعه. والصق بأهل الورع والصدق وذوي العقول والاحساب، ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله [كذا] فإن كثرة الاطراء تحدث الزهوة وتدني من الغرة، والاقرار بذلك يوجب المقت من الله (35).


(34) (فيما يكون منك): فيما يصدر منك. و (مما كره الله) بيان له. و (واقعا) حال أي في حال وقوع ذلك القول والنصيحة وقلة المساعدة منه حيث وقع من هواك، سواء كان في هوى عظيم أو يسير، أو حيث وقع هواك، أي سواء كان ما تهواه عظيما أو ليس. ويحتمل ان يريد واقعا عظيما أو ليس. ويحتمل ان يريد واقعا ذلك الناصح من هواك ومحبتك حيث وقع أي يجب ان يكون له من هواك موقعا. كذا افاده كمال الدين البحراني ابن ميثم (ره). (35) والجملة الاخيرة غير موجودة في النهج، و (رضهم) أمر من (راض يروض روضا ورياضة ورياضا المهر): طوعه وعدل سيره، أي عدل نفوس خاصتك واخلاقهم على ان لا يطروك - أي لا يبالغوا في مدحك وحسن الثناء عليك - وعلى ان لا يبجحوك أي يجعلوك ممن يبجح - أي يفخر - بباطل لم يفعله، كما كان دأب أصحاب الامراء بالنسبة إلى أمرائهم. وفى دعائم الاسلام: (وليكن أبغض اهلك (الخلق (خ)) ووزرائك اليك اكثرهم لك اطراء بما فعلت، أو تزيينا لك بغير ما فعلت، وأسكتهم عنك صانعا ما صنعت) الخ.

[70]

[و] لا يكونن المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء، فإن ذلك تزهيد لاهل الاحسان في الاحسان، وتدريب لاهل الاساءة على الاساءة، فألزم كلا منهم ما ألزم نفسه (36) أدبا منك ينفعك الله به وتنفع به أعوانك (37). ثم اعلم أنه ليس شئ بأدعى لحسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وقلة استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم (38) فليكن [منك] في ذلك أمر يجتمع لك به حسن ظنك برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا (39).


(36) أي فأكرم المحسن، وأهن المسئ، فان الاول الزم نفسه استحقاق الكرامة، والثاني ألزم نفسه استحقاق الهوان والاستخفاف، فألزم كلا منهما بما ألزم به نفسه. وفى النهج: (فان في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان، وتدريبا لاهل الاساءة على الاساءة) الخ والتدريب: الترخيص والتعويد. (37) وهاتان الجملتان ليستا في نهج البلاغة. (38) فان الانسان عبيد الاحسان، والنفوس نوعا مجبولة على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. و (قبلهم) بكسر ففتح: عندهم. وفى النهج: (وترك استكراهه أياهم على ما ليس (له) قبلهم). وهو أظهر. (39) (النصب): التعب. واذ حسن ظن الرعية بالوالي يدفع ويقطع عنه كثيرا من الاحن والمحن، لانه حينئذ لا يطمع فيه الاعداء، ولا تهيجه الرعية، ولا يخذله الاصدقاء، فهو حينئذ في عيش رغيد.

[71]

وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاءك عنده، و (إن) أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده (40) فاعرف هذه المنزلة لك وعليك لتزدك بصيرة في حسن الصنع، واستكثار حسن البلاء عند العامة، مع ما يوجب الله بها لك في المعاد (41). ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة، واجتمعت بها الالفة، وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشئ مما مضى من تلك السنن، فيكون الاجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها. وأكثر مدارسة العلماء، ومثافنة الحكماء (42) في


(40) المراد من (البلاء) هنا: مطلق الصنع بقرينة الاضافة. (41) ومن قوله: (فأعرف هذه المنزلة) إلى قوله: (في المعاد) ليس في النهج. (42) (المثافنة): المجالسة. الملازمة للشخص حتى يستكشف له باطن امره وما في داخلته. وفى النهج: (ومنافثة الحكماء) والمنافثة: المحادثة. وفى دعائم الاسلام: (ومناظرة الحكماء، في تثبيت سنن العدل على مواضعها، واقامتها على ما صلح (يصلح (خ)) به الناس، لان الاسنة الصالحة من اسباب الحق التي تعرف بها، ودليل أهلها على السبيل إلى طاعة الله فيها.

[72]

تثبت ما صلح عليه أهل بلادك وإقامة ما استقام به الناس من قبلك، فإن ذلك يحق الحق ويدفعه الباطل، ويكتفى به دليلا ومثالا، لان السنن الصالحة هي السبيل إلى طاعة الله (43). ثم اعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة (44) ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس. ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوى الحاجة والمسكنة، وكلا قد سمى الله سهمه ووضع على حد فريضته في كتابه أو سنة


. (43) ومن قوله: (فان ذلك يحق الحق) إلى قوله: (إلى طاعة الله) ليس في النهج. (44) (الكتاب) - كرمان -: جمع الكاتب، والكتبة بعضها عامة يكتب ويحرر ما يرجع إلى شؤون العامة، بعضها تختص بالحاكم يفضي إليهم أسراره، ويوليهم الامر فيما يكتب لاوليائه واعدائه، وما يقرر في شئون حربه وصلحه مثلا.

[73]

نبيه - صلى الله عليه وآله - وعهد عندنا محفوظ (45). فالجنود بإذن الله حصول الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبيل الامن والخفض (46) وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يصلون به إلى جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه ويكون من وراء حاجاتهم (47) ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب، لما يحكمون من الامور (47)


(45) وفى نهج البلاغة: (وكل قد سمى الله سهمه ووضع على حده فريضته في كتابه أو سنة نبيه - صلى الله عليه وآله وسلم - عهدا منه عندنا محفوظا). والاقرب أن مراده من قوله: (كل قد سمى الله سهمه) الخ كل واحد من الطبقات المتقدمة - لا خصوص الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة - ومراده من (سهمه) نصيبه سواءا كان ماليا أم حقيا وحكميا، فان لكل واحد من الطبقات حقا على الاخرى. (46) (الحصون) جمع حصون - كحبر -: المكن المحمي المنيع. الخفض - كفلس -: لين العيش وسهولته وسعته، يقال: (وهو في خفض من العيش) أي في سعة منه. (47) أي يكون ردءا وعونا لهم من وراء حاجاتهم. (48) وفى النهج: (لما يحكمون من المعاقد) الخ والمعاقد: العقود في البيع والشراء ونحوهما.

[74]

ويظهرون من الانصاف، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الامور وعوامها ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار وذوى الصناعات فيما يجمعون من مرافقهم ويقيمون من أسواقهم (49) ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غبرهم، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم وفي فيئ الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر يصلحه (50) وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك، إلا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر فيما خف عليه وثقل، فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله، ولرسوله ولامامك، وأنقاهم جيبا


(49) وفى النهج: (فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من اسواقهم) الخ أي ان التجار وذوي الصناعات قوام لغيرهم من الطبقات، بسبب مرافقهم - أي منافعهم - التي يجمعونها أو يجتمعون لاجلها ولها يقيمون أسواقهم، ويكفون سائر الطبقات من الترفق - أي التكسب - بأيديهم مالا يبلغه رفق غيرهم - أي كسبهم - من سائر الطبقات. (50) الرفد - كحبر: العطاء والمساعدة والصلة. و (يحق رفدهم): يجب رفدهم، أو كان الوالي حقيقا برفدهم ومساعدتهم.

[75]

وأفضلهم حلما وأجمعهم علما وسياسة، ممن يبطئ عن الغضب، ويسرع إلى العذر (51) ويرأف بالضعفاء وينبو على الاقوياء، [و] ممن لا يثيره العنف (52) ولا يقعد به الضعف، ثم الصق بذوى الاحساب (53) وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل النجدة والشجاعة والخساء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم، وشعب من العرف (54) [و] يهدون إلى حسن الظن بالله والايمان بقدره،


(- 51) الجيب - كفلس -: طوق القميص، وقد يستعار للقلب والصدر، أو يكني به عنهما وعن الصدق والامانة فيقال: (هو نقي الجيب) أي طاهر الصدر والقلب. ويقال: (فلان ناصح الجيب) أي صادق أمين. وقوله (ع): (وليسرع إلى العذر) أي إلى قبوله. وفى النهج: (وليستريح إلى العذر). (52) (وينبو - من باب دعا يدعو - على الاقوياء) أي لا ينقاد لهم ولا يتابعهم على أهوائهم بل يشتد عليهم ليكفهم عن ظلم الضعفاء. و (لا يثيره): لا يهيجه ولا يحركه. و (العنف) بتثليث العين وسكون النون: الشدة. (53) (الاحساب): جمع الحسب - كفرس -: شرف الاصل. أي الصق نفسك بمن هو شريف الاصل، ونقي الاساس واتكئ عليهم واجعلهم شعارك وبطانتك. (54) (جماع من الكرم) - بكسر الجيم -: مجموع منه. وشعب: جمع شعبة - كغرف: جمع غرفة -: الطائفة من الشئ. و (العرف): المعروف.

[76]

ثم تفقد أمورهم بما يتفقد الوالد من ولده (55) ولا يتفاقمن في نفسك شئ قويتهم به، ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وإن قل، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة [لك] وحسن الظن بك، فلا تدع تفقد لطيف أمورهم إتكالا على جسيمها (56) فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه. وليكن آثر رؤوس جنودك [عندك] من واساهم في معونته، وأفضل عليهم في بذله (57) ممن يسعهم ويسع


(55) وفى النهج بعد قوله: (وشعب من العرف) هكذا: (ثم تفقد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما) الخ. وفى الدعائم: (ثم تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالد من ولده) الخ. (56) لا يتفاقمن: لا يتعاظمن أي لا تعد شيأ قويتهم به عظيما زائدا عما استحقوه، فان كل شئ قوبتهم به هم مستحقون له. و (جسيم الامور): عظيمها. (57) وفى النهج: (وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم) أقول: (آثر) أفعل تفضيل، أي اشد ايثارا. و (الجدة) كعدة: الغنى. و (الخلوف): جمع خلف - كفلس أو كفرس -: من يبقى في الحي من النساء والعجزة بعد سفر الرجال. أي فليكن أفضل رؤساء جندك عندك وأشدهم ايثارا لديك من واسى الجند وساعدهم وعاونهم، وأفضل عليهم أي أفاض عليهم وبذل لهم من جدته وغناه ما يسعهم ويسع من تركوه في الحي من العجزة من النساء والبنين ومن أحصر عن الجهاد لعلة.

[77]

من وراءهم من الخلوف من أهلهم (58) حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو، ثم واتر إعلامهم ذات نفسك في إيثارهم والتكرمة لهم، والارصاد بالتوسعة، وحقق ذلك بحسن الفعال والاثر والعطف (59) فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك، وإن أفضل قرة العيون للولاة، إستفاظة العدل في البلاد (60) وظهور مودة الرعية، لانه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحوطتهم على ولاة أمورهم، وقلة استثقال دولتهم، و ترك استبطاء إنقطاع مدتهم (61).


(58) وفى دعائم الاسلام: (ما يسعهم ويسع من وراءهم من أهاليهم). (59) (ثم واتر أعلامهم) أي اجعل أعلامهم وأخبارهم ما في نفسك متواليا متتابعا بايثارهم على غيرهم والتكرمة أي التعظيم لهم وبالترصد لحالهم والترقب لعيشتهم ثم التوسعة عليهم بادرار الارزاق. و (الاثر) - هنا - هو حسن الفعال والفعل الحميد. و (العطف): الميل والمشفقة والحنان. وفى دعائم الاسلام: (وأكثر اعلامهم ذات نفسك لهم من الاثرة والتكرمة وحسن الارصاد، وحقق ذلك بحسن الآثار فيهم، واعطف عليك قلوبهم باللطف، فان أفضل قرة أعين (عين) الولاة استفاضة الامن في البلاد، وظهور مودة الاجناد) الخ. (60) الاستفاضة: الشيوع والفيضان. وفى النهج (استقامة العدل في البلاد.). (61) وفى الدعائم: (فإذا كانوا كذلك، سملت صدورهم، وصحت بصائرهم، واشتدت حيطتهم من وراء امرائهم). وفى النهج: (ولا تصح نصيحتهم الا بحيطتهم على ولاة الامور، وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم) الخ. يقال: (حاطه يحوطه حوطا وحيطة وحياطة): حفظه وتعهده. (وحاط به): أحدق به لتعهده وحفظه.

[78]

ثم لا تكلن جنودك إلى مغنم وزعته بينهم (62) بل أحدث لهم مع كل مغنم بدلا مما سواه مما أفاء الله عليهم تستنصر بهم ويكون داعية لهم إلى العودة لنصر الله ولدينه. واخصص أهل النجدة في أملهم إلى منتهى غاية آمالك من النصيحة بالبذل (63) وحسن الثناء عليهم، و لطيف التعهد لهم رجلا رجلا و [تعديد] ما أبلى (ذوو البلاء


(62) أي لا توكل أرزاق جنودك وما تعيشون به إلى ما وزعت وقسمت بينهم من المغانم السالفة، بل كلما تجددت المغانم فأدر عليهم الارزاق وجدد لهم القسمة، وأعطهم نصيبا منها حتى يكونوا عازمين على نصرك، ويكون داعيا لهم الطلوع إلى العودة إلى الحرب وانتصار الدين. وفى دعائم الاسلام: (ولا تكل جنودك إلى غنائمهم خاصة، أحدث لهم عند كل مغنم عطية من عندك تستضريهم بها (كذا) وتكون داعية لهم إلى مثلها، ولا حول ولا قوة الا بالله). (63) النجدة: البأس والشجاعة. و (بالبذل) متعلق ب‍ (أخصص). وفى الدعائم: (وأخصص أهل الشجاعة والنجدة بكل عارفة، وامدد لهم أعينهم إلى صور عميقات ما عندهم بالبذل (كذا) في حسن الثناء وكثرة المسألة عنهم رجلا رجلا، وما أبلى في كل مشهد، واظهار ذلك منك عنه، فان ذلك يهز الشجاع، ويحرض غيره).

[79]

منهم) في كل مشهد (64) فإن كثرة الذكر منك لحسن فعالهم تهز الشجاع، وتحرض الناكل إن شاء الله (65). ثم لا تدع أن يكون لك عليهم عيون من أهل الامانة والقول بالحق عند الناس، فيثبتون بلاء كل ذي بلاء منهم ليثق أولئك بعلمك ببلائهم. ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضمن بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه (66) وكاف كلا منهم بما كان منه، واخصصه منك بهزه (67) ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما


(64) بين المعقفات - هنا - مأخوذ من نهج البلاغة، والسياق يستدعيه. (65) (تهز) - من باب (مد) - تهيج وتنشط. و (تحرض): ترغب وتحرص. و (الناكل): الناكص والمنصرف عن الحرب. الجبان الضعيف. (66) وفى النهج: (ولا تضيفن بلاء امرئ إلى غيره) الخ أي لا تنسبن ولا تجذبن عمل امرئ وما قاساه من الشدائد إلى غيره بل انسبه إلى عامله، ولا تقصرن في جزائه، بل اجزه بما يبلغ غاية فعله الجميل وصنعه الحميد. (67) وفى الدعائم: (ولا تجعلن بلاء امرئ منهم لغيره، ولا تقصرن به دون بلائه، وكاف كل امرئ منهم بقدر ما كان منه، وأخصصه (وأهززه (خ) بكتاب منك تهزه به، وتنبئه بما بلغك عنه) الخ.

[80]

كان صغيرا، ولا ضعة امرئ (68) على أن تصغر من بلائه ما كان عظيما ولا يفسدن امرءا عندك علة إن عرضت له، ولا نبوة حديث له قد كان له فيها حسن بلاء (69) فإن العزة لله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين. وإن استشهد أحد من جنودك وأهل النكاية في عدوك، فاخلفه في عياله بما يخلف به الوصي الشفيق الموثق به، حتى لا يرى عليهم أثر فقده (70) فإن ذلك يعطف عليك قلوب شيعتك، ويستشعرون به


(68) الضعة - بفتح أوله وكسره مصدر لقولهم: (وضع يضع وضعا وضعة وضعة ووضوعا نفسه): أذلها. وفى الدعائم: (ولا يحملنك شرف امرئ على أن تعظم من بلائه صغيرا، ولا ضعة امرئ أن تستخف ببلائه ان كان جسميا) الخ. (69) وفى الدعائم: (ولا تفسدن أحدا منهم عندك علة عرضت له، أو نبوة كانت منه أو) قد كان له قبلها حسن بلاء، فان العز بيد الله يعطيه إذا شاء، ويكفه إذا شاء) الخ. (70) وفى الدعائم: (وان أصيب أحد من فرسانك وأهل النكاية المعروفة في أعدائك، فأخلفه في أهله بأحسن ما يخلف به الوصي الموثوق به، في اللطف بهم وحسن الولاية لهم، حتى لا يرى عليهم أثر فقده ولا يجدون لمصابه). ويقال: - (نكى ينكي - كرمي يرمي - نكاية العدو، وفى العدو): قهره بالقتل والجرح.

[81]

طاعتك، ويسلسون لركوب معاريض التلف الشديد في ولايتك (71). (وقد كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله سنن في المشركين، ومنا بعده سنن، [و] قد جرت بها سنن وأمثال في الظالمين، و [في] من توجه قبلتنا وتسمى بديننا (72) وقد قال الله لقوم أحب إرشادهم: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، ذلك خير وأخسن تأويلا) [62 النساء: 4] وقال [تعالى]: (ولو ردوه إلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منه، ولو لا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) [82 النساء: 4] فالرد


(71) (ويستشعرون به طاعتك) أي يجعلون طاعتك به شعارهم. (يسلسون) - من باب فرح -: يلينون ويناقدون ويسهل عليه ركوب معاريض التلف. و (معاريض): جمع معرض: المحل والمورد. (72) كان الباء بمعنى (إلى) أي من انتسب إلى ديننا وشريعتنا.

[82]

إلى الله: الاخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول: الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة (73) ونحن أهل رسول الله الذين نستنبط المحكم من كتابه ونميز المتشابه منه، ونعرف الناسخ مما نسخ الله ووضع أصره (74) فسر في عدوك بمثل ما شاهدت منا في مثلهم من الاعداء، وواتتر إلينا الكتب بالاخبار بكل حدث، يأتك منا أمر عام. ثم انظر في أمر الاحكام بين الناس بنية صالحة فإن الحكم في إنصاف المظلوم من الظالم - والاخذ للضعيف من القوي، وإقامة حدود الله على سنتها ومنهاجها - مما يصلح عباد الله وبلاده، فاختر للحكم بين الناس


(73) (بمحكم كتابه) أي ما كان من آيات الكتاب الكريم متقنا اي خاليا عن الاشتباه، ومحفوظا عن احتمال الخلاف. ويقابله المتشابه. قوله (ع): (الاخذ بسنته الجامعة غير المفرقة) أي السنة المجمع عليه غير المختلف فيه. (74) الناسخ من الآيات: ما رفع حكما ثابتا في الشريعة - لانقضاء مصلحته - فالرافع ناسخ، والمرفوع منسوخ. و (وضع اصره): رفع ثقله، قال تعالى - في الآية (156) من سورة الاعراف -: (ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم).

[83]

أفضل رعيتك في نفسك (75) وأنفسهم للعلم والحلم والورع والسخاء، ممن لا تضيق به الامور، ولا تمحكه الخصوم (76) ولا يتمادى في إثبات الزلة (77) ولا يحصر من الفئ إلى الحق إذا عرفه (78) ولا تشرف نفسه على


(75) وفى الدعائم: (أنظر في أمر القضاء (الاحكام (خ)) بين الناس، نظر عارف (عالم (خ)) بمنزلة الحكم عند الله، فان الحكم ميزان قسط الله الذي وضع في الارض لانصاف المظلوم من الظالم، والاخذ للضعيف من القوي، واقامة حدود الله على سننها ومناهجها التي لا تصلح العباد والبلاد الا عليها، فاختر للقضاء بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، (و) أجمعهم للعلم والحلم والورع). (76) وليس في النهج قوله: (وأنفسهم) ومتعلقاته، وهو أفعل تفضيل أي من كان أشد نفاسة في العلم والحلم والورع والسخاء. ويقال: (محك من باب منع - محكا، ومحك - من باب فرح - محكا وأمحك وتمحك الرجل): شار ونازع في الكلام وتمادى في اللجاجة عند المساومة فهو محك ومحكان - كفرح وفرحان - وماحك. و (أمحك الخصوم فلانا): أغضبوه. و (ماحك فلانا مماحكة): خاصمه ولاجه. و (الممتحك): اللجوج العسر الخلق. أي وليكن من صفات من تختاره للقضاء أن لا تحمله مخاصمة الخصوم على اللجاج والاصرار على رأيه. أو لا يكون عسر الخلق فيغضبه كلامهم. وفى الدعائم هكذا: (ولا تمحكه الخصوم، ولا يضجره عي العيي، ولا يفرطه جور الظلوم) الخ. (77) وفى النهج: (ولا يتمادى في الزلة) وهو أظهر. والزلة - بالفتح -: السقطة في الخطأ. قيل: وفى بعض نسخ تحف العقول: (ولا يتمادي في انبات الزلة). (78) أي لا يضيق صدره من الرجوع إلى الحق. و (لا يحصر) - من باب فرح -: لا يضيق. و (الفئ): الرجوع.

[84]

طمع (79) ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه (80) و أوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصوم، وأصبرهم على تكشف الامور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم (81) ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراق ولا يصغي للتبليغ (82) فول قضاءك من كان كذلك وهم قليل، ثم أكثر تعهد قضائه وافتح له في البذل ما يزيح علته (83) ويستعين به وتقل معه حاجته إلى الناس


(79) الاشراف على الشئ: الاطلاع إليه من فوق. والطمع من سفالات الامور، من نظر إليه وهو في أعلى منزلة النزاهة لحقته وصمة النقيصة، فما ظنك بمن هبط إليه وتناوله. (80) أي يكون متأملا فلا يكتفي في الحكم بما يبدو له بأول فهم وأقربه دون أن يأتي على أقصى الفهم. (81) الشبهات: مالا يتضح الحكم فيها. والتبرم: الضجر. وأصرمهم: أقطعهم للخصومة عند وضوح الحكم. (82) وفى النهج: (ممن لا يزدهيه اطراء، ولا يستميله اغراء، وأولئك قليل) الخ. وفى الدعائم: (لايزدهيه الاطراء، ولا يشليه (يسليه (خ)) الاغراء، ولا يأخذ فيه التبليغ بأن يقال: قال فلان وقال فلان). يقال: (أزدهي الرجل): حمله على الزهو والعجب. استفزه طربا. وأزدهاه على الامر: أجبر عليه. وازدهاه وازدهى به: استخفه. والاطراء: المبالغة في المدح. والاغراء: الولوع بالشئ الحض عليه. (83) وفى النهج: (ثم أكثر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته) ألخ. وفى الدعائم: (ثم أكثر تعاهد امره وقضاياه، وابسط عليه من البذل ما يستغني به عن الطمع، وتقل به حاجته إلى الناس، واجعل له منك منزلة لا يطمع فيها غيره حتى يأمن من اغتيال (ظ) الرجال اياه عندك، فلا يحابي أحدا للرجاء، ولا يصانعه لاستجلاب حسن الثناء، وأحسن توقيره في مجلسك، وقربه منك، ونفذ قضاياه وأمضها) الخ.

[85]

وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال إياه عندك (84) وأحسن توقيره في صحبتك، وقربه في مجلسك، وأمض قضاءه وأنفذ حكمه واشدد عضده، واجعل أعوانه خيار من ترضى من نظرائه من الفقهاء وأهل الورع والنصيحة لله ولعباد الله (85) ليناظرهم فيما شبه عليه، ويلطف عليهم لعلم ما غاب عنه، ويكونون (كذا) شهداء على قضائه بين الناس إن شاء الله. ثم (اختيار) حملة الاخبار لاطرافك قضاتا


(84) وفى النهج بعده هكذا: (فأنظر في ذلك نظرا بليغا، فان هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الاشرار، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا). (85) وفى الدعائم: (واجعل له أعوانا يختارهم لنفسه من أهل العلم والورع) الخ.

[86]

تجتهد فيهم نفسك (86) لا يختلفون ولا يتدابرون في حكم الله وسنة رسوله صلى إليه عليه وآله، فإن الاختلاف في الحكم إضاعة للعدل وغرة في الدين، وسبب من الفرقة (87) وقد بين الله ما ياتون وما ينفقون (88) وأمر برد ما لا يعلمون، إلى من استودعه (86) هذا هو الظاهر المدلول عليه بما في دعائم الاسلام، أي فلتجتهد نفسك فيمن تختاره من حملة أخبار الشريعة قاضيا لاطراف بلادك وأقطار مملكتك. وفى نسخة تحف العقول هكذا: (ثم حملة الاخبار لاطرافك قضاة تجتهد فيهم نفسه) الخ قيل: وفى بعض النسخ: (حملة الاختيار). وفى بعضها: (حمل الاختيار). وفى دعائم الاسلام: (وأختر لاطرافك قضاة تجهد (كذا) فيهم نفسك على قدر ذلك، ثم تفقد أمورهم وقضاياهم وما يعرض لهم من وجوه الاحكام، ولا يكن (كذا) في حكمهم اختلاف، فان ذلك ضياع للعدل، وعورة (كذا) في الدين، وسبب للفرقة، وانما تختلف القضاة لاكتفاء كل امرئ منهم برأيه دون الامام، فإذا اختلف قاضيان فليس لهما أن يقيما على اختلافهما في الحكم، دون رفع ما اختلفا فيه من ذلك إلى الامام، وكل ما أختلف فيه الناس فمردود إليه، ولا قوة الا بالله). (87) الغرة - بكسر أوله كهرة -: الخدعة. الاطماع في الباطل. الغفلة. (88) ولعله من قولهم: (أنفق زيد): افتقر. فنى زاده. (وأنفق ماله): أنفده وصرفه، ومحصل معنى الكلام: أن الله تبارك وتعالى قد بين حكم ما يعلمه القضاة فيأتون به - وحكمه هو ايتانه على طبق واقعه -. وحكم مالا يعلمون، وحكمه عند الله هو تحصيل العلم به، فلو لم يمكن فيرفع إلى الامام فان تعذر فالاحتياط - لو كان إليه سبيل - والا فالتوقف.

[87]

الله علم كتابه واستحفظه الحكم فيه (89) (فإنما اختلاف القضاة في دخول البغي بينهم، واكتفاء كل امرئ منهم برأيه دون من فرض الله ولايته (و) ليس يصلح اللين ولا أهل الدين على ذلك، ولكن على الحاكم أن يحكم بما عنده من الاثر والسنة، فإذا أعياه ذلك رد الحكم إلى أهله (90) فإن غاب أهله عنه ناظر غيره من فقهاء المسلمين، ليس له ترك ذلك إلى غيره، وليس لقاضيين من أهل الملة، أن يقيما على اختلاف في حكم دون ما رفع ذلك إلى ولي الامر فيكم (91) فيكون هو الحاكم بما علمه الله، ثم


(89) أي طلب منه أن يحفظ الحكم في كتابه ولا ينساه ولا يغفل عنه، وكانه من قولهم: (استحفظه مالا أو سرا): طلب منه وسأله أن يحفظه. (90) (فإذا أعياه ذلك) أي إذا أتعبه الحكم بالاثر والسنة، وصار عاجزا وكليلا عن الحكم بالسنة - أو الكتاب أو هما معا، اما لعدم دليل من الكتاب والسنة على الحكم الذي أبتلى به القاضي، أو ان الدليل موجود ولكن غير واضحة الدلالة بل هو مجمل، أو أن دلالته واضحة، ولكن الدليل معارض بمثله ففي جميع الصور - يرد - الحكم ويرفع القضية إلى أهله وهو الامام الذي جعله الله مهيمنا على أحكامه. (91) ولا بد لولي الامر الذي يرفع إليه الحكم أن يكون ممن أظهر الله على حكمه بماله عند الله تعالى من الخصوصية، والا فلا وجه لرفع القضية إليه، والرجوع إلى حكمه فيها، لانه على هذا الفرض -: كون ولي الامر ايضا جاهلا بالحكم - يكون من قبيل رجوع الجاهل إلى مثله، فلو كان هذا مرخوصا فيه محق الدين، واضمحل الشرع من أساسه.

[88]

يجتمعان على حكمه فيما وافقهما أو خالفهما (92) فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد كان أسيرا بأيدي الاشرار يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا. واكتب إلى قضاة بلدانك فليرفعوا إليك كل حكم اختلفوا فيه على حقوقه (93) ثم تصفح تلك الاحكام فما وافق كتاب الله وسنة نبيه والاثر من إمامك فامضه واحملهم عليه (94) وما اشتبه عليك فاجمع له الفقهاء بحضرتك فناظرهم فيه، ثم امض ما يجتمع


(92) هذه الفقرة أيضا دالة على ان ولي الامر لابد له أن يكون مخصوصا من عند الله بعلم الاحكام على ما هي عليها، والا فلا مقتضي لاجتماع الفقهاء على حكمه على الاطلاق. (93) كذا في النسخة، ولعل الاصل: (على حاقة) أي على واقعه وحقيقته بلا زيادة ونقصان، وتغيير وتبديل باراءة القضية على خلاف واقعها، كما هو دأب أرباب الدنيا وأصحاب الشهوات. (94) هذا يدل على أن الاثر من الامام حجة كالكتاب والسنة المأثورة عن الرسول (ص) فلابد أن يكون الاثر من الامام مأخوذا من الله - كما هو الشأن في سنن الرسول (ص) والا فلا مساغ لحجيته على الاطلاق، وجعله رديفا لكتاب الله وسنة رسول الله (ص).

[89]

عليه أقاويل الفقهاء بحضرتك من المسلمين، فإن كل حكم اختلف فيه الرعية مردود إلى الامام، وعلى الامام الاستعانة بالله، والاجتهاد في إقامة الحدود، وجبر الرعية على أمره، ولا قوة إلا بالله. ثم انظر إلى أمور عمالك، واستعملهم اختبارا ولا تولهم أمورك محاباة وأثرة (95) فإن المحاباة والاثرة جماع الجور والخيانة، وإدخال الضرر على الناس (96) وليست تصلح الامور بالادغال، فاصطف لولاية أعمالك


(95) أي فليكن توليتك عمالك عن نظر وامتحان لا محاباة - أي لا مساهلة ومسامحة. ولا ميلا منك إليهم لقرابتهم أو للصداقة، أو لما لهم عليك من اليد والاحسان ونحوها - ولا اثرة - أي بلا نظر وشور بل استبدادا -. وفى النهج: - ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا تولهم محاباة وأثرة، فانهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة وفى الدعائم: (أنظر في أمور عمالك الذين تستعملهم، فليكن استعمالك اياهم اختبارا، ولا يكن محاباة ولا ايثارا، فان الاثرة بالاعمال والمحاباة بها جماع من شعب الجور والخيانة لله، وأدخال الضرر على الناس، وليست تصلح أمور الناس ولا أمور الولاة الا بصلاح من يستعينون به على أمورهم، ويختارونه لكفاية ما غاب عنهم) الخ. (96) هذا هو الظاهر الموافق لنسخة دعائم الاسلام، وفى نسخة تحف العقول: (وادخال الضرورة على الناس). و (الادغال): الخيانة. الافساد.

[90]

أهل الورع والعلم والسياسة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام (97) فإنهم أكرم اخلاقا وأصح أعراضا وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الامور نظرا من غيرهم، فليكونوا أعوانك على ما تقلدت، ثم أسبغ عليهم في العمالات، ووسع عليهم في الارزاق (98) فإن في ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغني [لهم] عن تناول ما تحت أيديهم وحجة عليهم إن


(97) (توخ): تحر وتطلب منهم دون غيرهم. و (القدم) - بالتحريك كفرس -: التقدم. السابقة، يقال: (لفلان عند فلان قدم): يد ومعروف وضيعة. و (القدم) - كعنب -: السابقة في الامر. وفى النهج: (وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة، والقدم في الاسلام المتقدمة، فانهم أكرم أخلاقا). وفى الدعائم: (فاصطف لولاية أعمالك أهل الورع والفقه والعلم والسياسة والصق بذوي التجربة والعقول والحياء من أهل البيوتات الصالحة وأهل الدين والورع، فانهم أكرم أخلاقا وأشد لانفسهم صونا واصلاحا وأقل في المطامع اشرافا (ظ) واحسن في عواقب الامور نظرا من غيرهم، فليكونوا عمالك واعوانك، ولا تستعمل الا شيعتك منهم، ثم أسبغ عليهم العمالات) النعمات (خ)) وأوسع عليهم الارزاق) الخ. (98) (العمالات): جمع العمالة - بتثليث العين -: أجرة العامل ورزقه. وأسبغ عليهم في العمالات: أكملها عليهم، وأوسع لهم فيها.

[91]

خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك (99) ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون عليهم من أهل الصدق والوفاء فإن تعهدك في السر أمورهم حدوة لهم على استعمال الامانة (100) والرفق بالرعية، وتحفظ من الاعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها [عليه] أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، فوسمته بالخيانة، وقلدته عار


(99) (ثلموا أمانتك): نقصوا منها. أو خانوا في ادائها. وفى الدعائم: (فان ذلك يزيدهم قوة على استصلاح أنفسهم، وغنى (ومغنيا (خ)) عن تناول ما تحت أيديهم، وهومع ذلك حجة لك عليهم في شئ ان خالفوا فيه أمرك وتناولوا من أمانتك) الخ. (100) وفى النهج: (فان تعاهدك في السر لامورهم حدوة لهم) أي حث لهم وترغيب وسوق. ثم ان في الدعائم بعد العبارة المتقدمة تحت الرقم السالف هكذا: (ثم لا تدع مع ذلك تفقد أعمالهم وبعثة العيون عليهم من أهل الامانة والصدق، فان ذلك يزيدهم جدا في العمارة، ورفقا في الرعية، وكفا عن الظلم، وتحفظا من الاعوان، مع ما للرعية في ذلك من القوة، واحذر أن تستعمل أهل التكبر والتجبر والنخوة، ومن يحب الاطراء والثناء والذكر، (ومن) يطلب شرف الدنيا - ولا شرف الا بالتقوى -. وان وجدت أحدا من عمالك بسط يدا) الخ.

[92]

التهمة (101). وتفقد ما يصلح أهل الخراج، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج وأهله (102) فليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، فإن الجلب لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم له أمره إلا قليلا، فاجمع إليك أهل


(101) وفى الدعائم: (وان وجدت أحدا من عمالك بسط يده إلى خيانة أو ركب فجورا أجتمعت لك به عليه أخبار عيونك، مع سوء ثناء رعيتك، اكتفيت به عليه شاهدا وبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته للناس فوسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة، فان ذلك يكون تنكيلا وعظة لغيره ان شاء الله تعالى). (102) وفى النهج: (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهل) الخ. وفى الدعائم: (تعاهد أهل الخراج، وانظر كل ما يصلحهم، فان في صلاحهم صلاح من سواهم، ولا صلاح لمن سواهم الا بهم، لانهم الثمال دون غيرهم، والناس عيال عليهم، فليكن نظرك في عمارة أرضهم وصلاح معايشهم أشد من نظرك في زجاء خراجهم فان الزجاء لا يكون الا بالعمارة، ومن طلب الزجاء بغير العمارة يخرب البلاد، ويهلك العباد ولا يقيم ذلك الا قليلا) الخ. أقول: الثمال - بكسر الثاء المثلثة -: معتمد القوم وغياثهم الذي يقوم بأمرهم. والزجاء - بفتح الزاء المعجمة كالرجاء -: التيسر والتسهيل والنجاح.

[93]

الخراج من كل بلدانك ومرهم فليعلموك حال بلادهم وما فيه صلاحهم ورخاء جبايتهم، ثم سل عما يرفع إليك أهل العلم به من غيرهم، فإن كانوا شكوا ثقلا أو علة من انقطاع شرب أو إحالة أرض اغنمرها غرق أو أجحف بهم العطش أو آفة، خففت عنهم ما ترجو أن يصلح الله به أمرهم، وإن سألوا معونة على إصلاح ما يقدرون عليه بأموالهم فاكفهم مؤونته (103) فإن في


(103) وفى النهج: (فان شكوا ثقلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو احالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شئ خففت به المؤونة عنهم فانه ذخر يعودون به عليك) الخ. والشرب - كحبر -: الماء المشروب. الحظ والنصيب منه. مورده. و (البالة) ما يبل الارض من ندى أو مطر. و (اغتمرها غرق): عمها الغرق. وفى الدعائم بعد اللفظ السالف هكذا: (ولكن أجمع أهل الخراج من كل بلد، ثم مرهم فليعلموك حال بلادهم والذي فيه صلاحهم، وحال أرضهم وزجاء خراجهم، ثم سل عما يرفع اليك أهل العلم من غيرهم فان شكوا اليك ثقل خراجهم أو علة دخلت عليهم من انقطاع شرب أو فساد أرض غلب عليها غرق أو عطش أو آفة مجحفة، خففت عنهم ما ترجو أن يصلح الله به ما كان من ذلك، وأمر بالمعونة على استصلاح ما كان من أمورهم فيما لا يقوون عليه، فان الله جاعل لك في عاقبة الاستصلاح غبطة وثوابا ان شاء الله، فاكفهم مؤونة ما كان من ذلك، ولا تثقلن شيئا خففته عنهم) الخ.

[94]

عاقبة كفايتك إياهم صلاحا، فلا يثقلن عليك شئ خففت به عنهم المؤونات، فإنه ذخر يعودون به عليك لعمارة بلادك وتزيين ولايتك، مع اقتنائك مودتهم و حسن نياتهم واستفاضة الخير، وما يسهل الله به من جلبهم (104) فإن الخراج لا يستخرج بالكد والاتعاب، مع أنها عقد تعتمد عليها إن حدث حدث كنت عليهم معتمدا لفضل قوتهم بما ذخرت عنهم من الجمام (105) والثقة منهم بما عودتهم من عدلك ورفقك (106) ومعرفتهم بعذرك فيما حدث من الامر الذي اتكلت به عليهم فاحتملوه بطيب أنفسهم، فإن العمران محتمل ما حملته وإنما يؤتى خراب الارض لاعواز أهله، وإنما يعوز


(104) وفى النهج: (يعودون به عليك في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمدا فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من اجمامك لهم) الخ. (105) الجمام - يتثليث الجيم -: التجمع والتكثر. ترك الشئ ليجتمع. (106) وفى نهج البلاغة: (والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم، فربما حدث من الامور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة به أنفسهم، فان العمر ان محتمل) الخ.

[95]

أهلها لاسراف الولاة وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر (107) فاعمل فيما وليت عمل من يحب أن يدخر حسن الثناء من الرعية، والمثوبة من الله والرضا من الامام ولا قوة إلا بالله. ثم انظر في حال كتابك، فاعرف حال كل امرئ منهم فيما يحتاج إليه منهم، فاجعل لهم منازل ورتبا، فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكيدتك وأسرارك باجمعهم لوجوه صالح الادب (108)


(107) (الاعواز): تعذر الشئ المحتاج إليه. الفقر والحاجة. أي انما يخرب البلاد لفقر أهلها، وانما يفتقر أهلها لاسراف الولاة في أخذ الخراج وولعهم بالجمع والادخار لايام انعزالهم وما بعد ولايتهم، لسوء ظنهم ببقاء ولايتهم، ولقلة اعتبارهم بمن تحمل وزر ادخار الاموال، ثم تركها لغيره فلهم المهنأ وعليه الوزر. وفى الدعائم: (وانما يؤتى خراب الارض وهلاك أهلها من اسراف أنفس الولاة في الجمع، وسوء ظنهم بالمدة، وقلة انتفاعهم) الخ. (108) وفى الدعائم: (ثم انظر كتابك فأعرف حال كل أمرئ منهم فيما تحتاج إليه منه، فان للكتاب منازل، ولكل منزلة منها حق من الادب لا تحتمل غيره، فأجعل لولاية علياء أمورك منهم رؤساء تتخيرهم لها على مبلغ كل امرئ منهم في احتمال ما توليه، فول كتابة خواص رسائلك تدخل بها في مكيدتك ومكنون سرك أجمعهم لوجوه صالح الادب، وأعونهم لك على كل أمر من جلائل الامور، وأجز لهم فيها رأيا، وأحسنهم فيها دينا، وأوثقهم فيها نصحا، وأطواهم عنك لمكنون الاسرار، ممن لا تبطره الكرامة، ولا يزدهيه الالطاف، ولا تنجم به دالة يمتن بها عليك في خلاء) الخ.

[96]

ممن يصلح للمناظرة في جلائل الامور، من ذوى الرأي والنصيحة والذهن، أطواهم عنك لمكنون الاسرار كشحا (109) ممن لا تبطره الكرامة، ولا تمحق به الدالة (110) فيجترئ بها عليك في خلاء، أو يلتمس إظهارها في ملاء (111) ولا تقصر به الغفلة عن إيراد كتب الاطراف عليك، وإصدار جواباتك على الصواب عنك، وفيما يأخذ [لك] ويعطي منك (112) ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك (113)


(109) أي أشدهم اضمارا واستتارا واستخفاء لمكنون أسرارك. (110) (لا تبطره) - من باب أفعل وفرح -: لا تطغيه. و (لا تمحق) - من باب منع -: لا تذهب به. لا تنقصه أخلاصه ومودته ولا تذهب ببركته. و (الدالة): التغنج والتاوي والجرأة من أجل الوجاهة والكرامة. (111) (الخلاء): حال الخلوة والانفراد، و (الملا) كسبب - وانما خفف لمقابلته مع قوله: (خلاء) وهو -: التحشد والاجتماع. (112) وفى نهج البلاغة: (ولا تقصر) به الغفلة عن ايراد مكاتبات عمالك عليك، وأصدار جواباتها على الصواب عنك فيما يأخذ لك ويعطي منك) الخ. أي لا تكون غفلته موجبة لتقصيره عن عرض ما يرد عليه من الكتب عليك، ولا عن اصدار أجوبتها على وجه الصواب عنك. (113) ومثله في النهج، وفى الدعائم: (ولا يضعف عقدة عقدها (فيما اعتقد (خ)) لك، ولا يعجز عن اطلاق عقدة عقدت عليك) الخ. أي يجب أن يكون كاتبك خبيرا بطرق النفع والضرر في المعاملات، بحيث إذا عقد لك عقدا فيه لك فائدة يحكمه، وإذا كان فيه لك ضرر لا يعجز عن حله واطلاقه. (ولا يضعف) - من باب فعل وأفعل -: لا يجعله ضعيفا.

[97]

ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الامور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. وول ما دون ذلك من رسائلك وجماعات كتب خراجك ودواوين جنودك قوما تجتهد نفسك في اختيارهم، فإنها رؤوس أمرك، [و] أجمعها لنفعك وأعمها لنفع رعيتك. ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن بهم (114) فإن الرجال يعرفون فراسات الولاة بتضرعهم وخدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة (115) ولكن


(114) وفى الدعائم: (وول ما دون ذلك من كتابات (من كتابة (خ)) رسائلك وجماعات كتب خراجك ودواوين جنودك، كتابا تجهد نفسك في اختيارهم، فانها رؤوس أمورك، وأجمعها لمنفعتك ومنفعة رعيتك، فلا يكونن اختيارك لهم على فراستك فيهم، ولا على حسن الظن منك بهم، فانه ليس شئ أكثر اختلافا لفراسة أولى الامر، ولا خلافا لحسن ظنونهم من كثير من الرجال). والفراسة - بكسر أوله -: قوة الظن وحسن النظر في الامور. والاستنامة: السكون والثقة. (115) كذا في النسخة، ولا يبعد أن يكون (يعرفون) من باب التفعيل من قولهم: (عرف الضالة: طلبها. وفى نهج البلاغة: (فان الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والامانة شئ) وهو الظاهر. أي أن الرجال يجعلون التصنع وحسن الخدمة معرفا لهم، ويتوسلون بهما إلى فراسات الولاة وحسن نظرهم وظنهم بهم.

[98]

اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا، وأعرفهم فيها بالنبل وبالامانة (116) فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره ثم مرهم بحسن الولاية ولين الكلمة واجعل لرأس كل أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه كثيرها (117) ثم تفقد ما غاب من حالاتهم وأمور من يرد عليك رسله وذوى الحاجة، وكيف ولايتهم و قبولهم ولينهم وحجتهم، فإن التبر والعز والنخوة من كثير من الكتاب - إلا من عصمه الله - وليس للناس


(116) وفى النهج: (فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا، وأعرفهم بالامانة وجها) الخ. وفى الدعائم: (ولكن اخترهم (كذا) على آثارهم فيما ولوا قبلك، فان ذلك من صالح ما يستدل به الناس بعضهم على أمور بعض، وأجعل لرأس كل أمر من تلك الامور رئيسا من أهل الامانة (والدين (خ) والرأى، ممن لا يقهره كبير الامور، ولا يضيع (ولا يتضع (خ)) لديه صغيرها) الخ. والنبل - كقفل -: الذكاء. الفضل. النجابة. (117) أي اجعل لرئاسة كل دائرة من دوائر الاعمال رئيسا من الكتاب مقتدرا على ضبطها لا يقهره عظيم تلك الاعمال، ولا يخرج عن ضبطه كثيرها.

[99]

بد من طلب حاجاتهم (118) ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته (119) أو فضل نسب إليك، مع ما لك عند الله في ذ لك من حسن الثواب. ثم التجار وذوي الصناعات فاستوص وأوص بهم خيرا (120) المقيم منهم والمضطرب بماله والمترفق


(118) وفى الدعائم: (ثم لا تدع مع ذلك ان تتفقد (أن تفقد (خ) * أمورهم، وتنظر في أعمالهم، وتتلطف بمسألة ما غاب عنك من حالهم، حتى تعلم كيف حال معاملتهم للناس فيما وليتهم، فان في كثير من الكتاب شعبة من عز ونخوات واعجاب، ويسرع كثير (منهم (خ)) إلى التبرم بالناس، والضجر عند المنازعة، والضيق عند المراجعة، ولا بد للناس من طلب حاجاتهم، فمتى جمعوا عليهم الابطاء بها والغلظة، الزموك عيب ذلك، فأدخلوا مؤونته عليك، وفى ذلك من صلاح أمورك مع مالك فيه عند الله من الجزاء حظ عظيم ان شاء الله (وبه الحول والقوة (خ)). (119) أي ينبغي لك تعاهد كتابك وتفقد سيرتهم من جهتين: الاولى انه لو تغابيت - أي تغافلت - عن عيب كتابك كان ذلك العيب لازما ولا صقا بك، والثانية ان تفقدهم وحملهم على الكمال والفضل سبب لو جاهة واليهم في الدنيا والآخرة، وموجب لكرامة الوالي على الله وعلى الناس، اما كونه وجيها في الآخرة وكريما على الله، لانه حمل خواصه على العدل والاستقامة وهذا من أعظم أسباب وجاهة الملوك عند الله وفى الدار الآخرة، وأما كونه وجيها عند الناس كريما لديهم، فمن أجل انهم يرون كمال الكتاب وفضلهم من لوازم كمال واليهم وفروع فضله، وهم بطبعهم خاضعون لمن يرونه فاضلا كاملا. (120) وفى الدعائم: (أنظر إلى التجار وأهل الصناعات فاستوص بهم خيرا، فانهم مادة للناس، ينتفعون بصناعاتهم وبما يجلبون إليهم من منافعهم ومرافقهم في البر والبحر، من رؤوس الجبال وبلدان مملكة العدو، وحيث لا يعرف أكثر الناس مواضع ما يحتاجون إليه من ذلك، ولا يطيقون الاتيان به، ولا عمل ما يعملونه بأنفسهم، فلهم بذلك حق وحرمة يجب حفظهم لها، فتفقد أمورهم واكتب إلى عمالك فيهم) الخ. وفى نهج البلاغة: (ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيرا) الخ.

[100]

ببدنه (121) فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق وجلابها في البلاد في برك وبحرك وسهلك وجبلك، وحيت لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون عليها من بلاد أعدائك من أهل الصناعات التي أجرى الله الرفق منها على أيديهم (122) فاحفظ حرمتهم وآمن سبلهم، وخذ لهم بحقوقهم، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تحذر غائلته (123) فتفقد أمورهم بحضرتك وفى حواشي بلادك، واعلم - مع ذلك - أن في كثير منهم ضيقا فاحشا وشحا


(121) المضطرب: المتردد بأمواله بين البلاد والمترفق: المكتسب. (122) وفى النهج: (فانهم مواد المنافع، وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد والمطارح في برك وبحرك) الخ. والمرافق: جمع المرفق - بفتح الميم -: ما ينتفع به. والرفق - كحبر -: النفع. الاعانة. (123) وفى النهج: (وصلح لا تخشى غائلته). والبائقة: الداهية. الشر. والغائلة: الفساد. الشر.

[101]

قبيحا واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات (124) وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة [ظ] فامنع الاحتكار، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عنه، وليكن البيع والشراء بيعا سمحا (125) بموازين عدل واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك [إياه] فنكل [به] وعاقب في غير إسراف (126) فإن رسول الله فعل ذلك.


(124) ومثله في النهج، وفى الدعائم: (ثم اعلم مع ذلك أن في كثير منهم شحا قبيحا وحرصا شديدا، واحتكارا للتربص للغلاء، والتضييق على الناس والتحكم عليهم، وفى ذلك مضرة عظيمة على الناس، وعيب على الولاة، فأمنعهم من ذلك، وتقدم إليهم فيه، فمن خالف أمرك فخذ فوق يده بالعقوبة الموجعة ان شاء الله). أقول: الضيق: عسر المعاملة. والشح: البخل. والاحتكار: حبس المطعوم ونحوه عن الناس، وعدم السماح به الا بأسعار وأثمان فاحشة. والبياعات - كأنها -: جمع البياعة: ما يباع. (125) وفى النهج: (فامنع من الاحتكار، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منع منه) الخ. والبيع السمح: السهل الذي لا ضيق فيه. (126) وفى النهج: (فنكل به وعاقبه في غير اسراف). والجملة التالية غير موجودة فيه. والمبتاع: المشتري. وقارف: عمل وأتى. والحكرة - بضم الحاء -: الاحتكار. ونكل به: أوقع به النكال والعذاب.

[102]

ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم [من] المساكين والمحتاجين وذوى البؤس والزمنى (127) فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا (128) فاحفظ الله ما استحفظك من حقه فيها (129) واجعل لهم قسما من غلات صوا في الاسلام في كل بلد (130) فإن للاقصى منهم مثل الذي للادنى، وكلا قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم نظر ((131) فإنك لا تعذر بتضييع الصغير (127) كذا في النسخة، وفى النهج: (وأهل البؤسى والزمنى) الخ. اقول: البؤس والبؤسى - كقفل وكبرى -: شدة الفقر والزمنى: جمع زمن - ككتف -: المصاب بالزمانة - بفتح الزاء - وهي العاهة وتعطيل القوى وعدم بعض الاعضاء المانعة من الاكتساب. (128) القانع أما من قولهم: (قنع - قنعا وقناعة وقنعانا - من باب فرح، والمصدر على زنة الفرح والسحابة والثعبان -: رضي بما قسم له. أو من قولهم: (قنع قنوعا) - كمنع منوعا -: سأل وخضع وتذلل. والمعتر - بتشديد الراء -: المتعرض للعطاء بلا سؤال. (129) وفي النهج: (وأحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم) الخ. (130) غلات: جمع غلة وهي الدخل الذي يحصل من الزرع والتمر واللبن وأجارة الاراضي وغيرها. والصوافي: جمع صافية: الارض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لهم. وصوافي الاسلام: أرض الغنيمة. وغلاة صوافي الاسلام: ثمراتها. (131) أي لا يشغلنك النظر في أمر غيرهم عنهم. وفي النهج: (بطر): طغيان.

[103]

لاحكامك الكثير المهم (132) فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعر خدك لهم (133) وتواضع لله يرفعك الله، و اخفض جناحك للضعفاء، وأربهم إلى ذلك منك حاجة (134) وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم (135) ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرغ لاولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع (136) فليرفع إليك


(132) وفى بعض النسخ: (الكبير المهم) وفى النهج: (فانك لا تعذر بتضييعك التافة لاحكامك الكثير المهم) والتافة: الخسيس. القليل. (133) فلا تشخص: فلا تصرف. وهمك: اهتمامك. ولا تصعر: لا تمل اعجابا وكبرا، اي لا تعرض عنهم. (134) الارب - كفرح - مصدر قولهم: (أرب - أربا إليه - من باب علم - =: احتاج 1 اي ان احتياج الضعفاء إلى خفض جناحك لهم حاجة من حوائجهم فينبغي لك ان تقضي تلك الحاجة لهم. (135) هذا هو الظاهر الموافق النهج، وفى النسخة: (وتفقد من أمورهم ما لا يصل اليك منهم ممن تقتحمه العبون) الخ. وتقتحمه العيون: تكره ان تنظر إليه احتقارا. (136) وفى الدعائم: (وتفقد حاجات مساكين الناس وفقرائهم ممن لا تصل اليك حاجته، ومن تقتحمه العيون، وتحقره الناس عن رفع حاجته اليك، وانصب لهم أوثق من عندك في نفسك نصيحة، وأعظمهم في الخير خشية وأشدهم لله تواضعا، ممن لا يحتقر الضعفاء، ولا يستشرف العظماء، ومره فليرفع اليك أمورهم، ثم انظر فيها نظرا حسنا، فان هزيل الرعية أحوج إلى الانصاف والتعاهد من ذوي السمانة، وتعاهد أهل الزمانة والبلاء وأهل اليتم والضعف، وذوى الستر من أهل الفقر الذين لا ينصبون أنفسهم لمسألة يعتمدون عليها، فاجعل لهم من مال الله نصيبا تريد بذلك وجه الله والقربة إليه، فان الاعمال انما تخلص بصدق النيات.

[104]

أمورهم، ثم اعمل فيهم بالاعذار إلى الله يوم تلقاه، فإن هؤلاء [من بين الرعية] أحوج إلى الانصاف من غيرهم، وكل فأعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم والزمانة و [ذوى] الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، فأجر لهم أرزاقا فإنهم عباد الله، فتقرب إلى الله بتخلصهم ووضعهم مواضعهم في أقواتهم، فإن الاعمال [إنما] تخلص بصدق النيات، ثم إنه لا تسكن نفوس الناس أو بعضهم إلى أنك قد قضيت حقوقهم بظهر الغيب دون مشافهتك بالحاجات وذلك على الولاة ثقيل - والحق كله ثقيل - وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا نفوسهم ووثقوا بصدق موعود الله لمن صبر واحتسب، فكن منهم واستعن بالله. واجعل لذوى الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه

[105]

شخصك وذهنك من كل شغل (137) ثم تأذن لهم عليك وتجلس لهم مجلسا تتوضأ فيه لله الذى رفعك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، تخفض لهم في مجلسك ذلك جناحك، وتلين لهم كنفك في مراجعتك ووجهك، حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع (138) فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في غير موطن: (لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه


(137) وفى الدعائم: (ولا بد - وان اجتهدت في اعطاء كل ذي حق حقه - ان تطلع انفس طوائف منم إلى مشافهتك بالحاجات، وبذلك على الولاة ثقل ومؤونة (كذا) والحق ثقيل الا على من خففه الله تعالى (ظ) عليه، وكذلك ثقل ثوابه في الميزان، فاجعل لذوي الحاجات قسما من نفسك، ووقتا تأذن لهم فيه، وتسمع لما يرفعونه اليك وتلين لهم جناحك، وتحمل خرق ذوي الخرق منهم، وعي أهل العي فيهم بلا أنفة منك ولا ضجر، فمن أعطيت منهم فأعطه هنيئا، ومن حرمت فامنعه باجمال ورد حسن (وحسن رد (خ)) الخ وفى النهج: (واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك وتقعد عنهم جندك وأعوانك من احراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متعتع فاني سمعت رسول الله) الخ. (138) أي غير مبعوث على الكلام بعنف وبالخروج عن الحالة الطبيعية، أو غير متردد فيه. والمراد حرية المتكلم وعدم خوفه يقال: (تعتعه): حركه بعنف وقلقله، و (تعتع في الكلام): تردد فيه من عي. (*)

[106]

من القوي غير متعتع (139) ثم احتمل الخرق منهم والعي، ونح عنك الضيق والانف يبسط الله عليك أكناف رحمته (140) ويوجب لك ثواب أهل طاعته، فأعط ما أعطيت هنيئا، وامنع في إجمال وإعذار (141) وتواضع هناك فإن الله يحب المتواضعين، وليكن أكرم أعوانك عليك، ألينهم جانبا وأحسهنم مراجعة، وألطفهم بالضعفاء إن شاء الله. ثم إن أمورا من أمورك لا بد لك من مباشرتها منها إجابة عمالك ما يعيى عنه كتابك ومنها إصدار حاجات الناس في قصصهم (142) ومنها معرفة ما يضل


(139) وفى النهج في الموردين: (غير متتعتع) من باب (تفعلل)، والمراد ان يكون المتكلم الذي يريد احقاق حقه - وهو ضعيف - غير خالف. وعبر باللازم واراد الملزوم. (140) الخرق - كقفل -: العنف ضد الرفق، والعي - بكسر العين -: العجز عن النطق، والضيق: عدم سعة الصدر والتحمل واشتعال الغضب بأدنى مكروه، والانف - كفرح -: الاستكبار والترفع، من قولهم: (أنف - أنفا) - من باب علم -: استنكف وتنزه، واكناف الرحمة: اطرافه. (141) أي أعط عطاياك بتلطف وسهولة لا تخشنها بالاذى، ولا تبطلها بالمن، ولا تحقرها بعدك اياها كثيرة، وإذا منعت العطا، فامنع بوجه جميل وتقديم عذر. (142) يعيي عنه: يعجز عنه ويجهله. يقال: (عي يعي - كعض يعض وبريبر - وعيى يعيى - من باب علم - عيا بأمره وعن أمره): عجز عنه ولم يطق أحكامه، أو لم يهتد لوجهه. و (عي وعيي الامر): جهله. والقصص - بكسر القاف -: جمع القصة - بكسر أوله أيضا -: الحديث. الامر الحادث. الشأن، الا حدوثة. وتجمع أيضا على أقاصيص. ثم ان في النهج هكذا: (ثم أمور) من أمورك لابد لك من مباشرتها: منها اجابة عمالك بما يعي عنه كتابك، ومنها اصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك، وأمض لكل يوم عمله) الخ.

[107]

إلى الكتاب والخزان مما تحت أيدهم، فلا تتوان فيما هنالك، ولا تغتنم تأخيره، واجعل لكل أمر منها من يناظر فيه ولاته بتفريغ لقلبك وهمك، فكلما أمضيت فأمضه بعد التروية ومراجعة نفسك ومشاورة ولي ذلك بغير احتشام ولا رأي يكسب به عليك نقيضه، ثم أمض لكل يوم عمله، فإن لكل يوم ما فيه (143) و اجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت


(143) لله درها من وصية لو لم يغفل عنها ولم يضيعها المتكاسلون. وفى الدعائم: (وليس شئ أضيع) لامور الولاة من التواني (والاغفال (ظ)) واغتنام تأخير يوم إلى يوم، وساعة إلى ساعة، والتشاغل بما لا يلزم عما يلزم، فاجعل لكل شئ تنظر فيه وقتا لا تقصر به عنه، ثم افرغ فيه مجهودك، وأمض لكل يوم عمله، وأعط لكل ساعة قسطها، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل (تلك) المواقيت، وان كانت كلها لله إذا صحت فيها نيتك، ولا تقدم شيئا على فرائض دينك في ليل ولا نهار حتى تؤدي ذلك كاملا موفرا). (*)

[108]

وأجزل تلك الاقسام (144) وإن كانت كلها لله إذا صحت فيها النية، وسلمت منها الرعية (145) وليكن في خاص ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ما يجب (146) فإن الله جعل النافلة لنبيه خاصة دون خلقه، فقال: (ومن الليل فنهجد به نافلة لك (147) عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) [81 - بنى إسرائيل] فذلك امر إختص الله به نبيه وأكرمه به، ليس لاحد


(144) (أجزل تلك الاقسام) أي أعظمها وأجلها. (145) لله ما أجله من لطف لو لم يكفر به زعماء المؤمنين ولم يضيعوه، وفى النهج: (وان كانت كلها لله إذا صلحت فيها النية) أقول: ومن هذا ونحوه يستدل على امكان جعل كل عمل عبادة يتقرب بها إلى الله حتى المباحات. (146) وفى النهج: (وليكن في خاصة ما تخلص به لله دينك أقامة فرائضه التي هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص، بالغا من بدنك ما بلغ، وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا) الخ. و (غير مثلوم) أي غير مخدوش بشئ من التقصير، ولا مخروق بالرياء ونحوه. (147) اي فصل بالقرآن في الليل زيادة على الفرائض. أو تسهر في الليل بالقرآن زيادة على الفرائض. أو ألق الهجود - بضم الهاء وهو النوم - من نفسك في الليل بقراءة القرآن في الصلاة زيادة على الفرائض.

[109]

سواه، وهو لمن سواه تطوع. فإنه يقول: (ومن تطوع (148) خيرا فإن الله شاكر عليم) [153 - البقرة] فوفر ما تقربت به إلى الله وكرمه، وأد فرائضه إلى الله كاملا غير مثلوب ولا منقوص (149) بالغا ذلك من بدنك ما بلغ، فإذا قمت في صلاتك بالناس فلا تطولن ولا تكونن منفرا و لا مضيعا، فإن في الناس من به العلة وله الحاجة، وقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله، حين وجهني إلى اليمن: كيف أصلي بهم [ظ] ؟ فقال: (صلى بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما). وبعد هذا (150) فلا تطولن احتجابك عن رعيتك،


(148) أي من أتى وعمل بخير فانه لا يضيع عند الله، لانه تعالى عالم بعمله فيجزيه به ويشكره ويقدره على عمله. يقال: (تطوع بالشي): تبرع به. وتطوع بالشئ وللشئ: تكلف استطاعته. وتطوع الشئ: حاوله. (149 (أي بلا عيب ولا نقص، أي لا تكون فاقدة الشرائط والاجزاء. و (بالغا) حال بعد حال أي وان بلغ من اتعاب بدنك واشغال وقتك مبلغا عظيما. (150) وفى نهج البلاغة: (وأما بعد فلا تطولن) الخ. وفى الدعائم: (ولا تطل الاحتجاب، فان ذلك باب من سوء الظن بك، وداعية إلى فساد الامور عليك، والناس بشر لا يعرفون ما غاب عنهم).

[110]

فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالامور، والاحتجاب [منهم] يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح ويشاب الحق بالباطل (151) وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به: من الامور، وليست على القول سمات يعرف بها الصدق من الكذب فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب (152) فإن ما أنت أحد رجلين: إن ما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك (153)


(151) الافعال كلها - عدا الاخير - لازمة وبابها (شرف) وما بعدها مرفوع على الفاعلية، ويجوز أن يكون كلها - عدا الاخير - من باب التفعيل، فالفاعل هو الضمير الراجعل إلى (الاحتجاب) وما بعدها منصوب على المفعولية. و (يشاب الحق بالباطل): يخلط ويمزج. (152) سمات - بكسر السين -: جمع سمة - بكسر ففتح - وهي العلامة، أي ليست على الاقوال بنفسها علامات واضحة تميز صادقها عن كاذبها بلا تدبر ودقة، فلا بد لمعرفة صادق الاقوال وكاذبها من التأمل، وملاحظة الشواهد. والادخال: الافساد. وفى النهج: (وليست على الحق) أي على القول الحق. (153) فلاي سبب تحتجب عنا لناس في أداء حقهم أو في عمل تمنحه اياهم ؟

[111]

من واجب حق تغطيه، أو خلق كريم تسديه (154) وإما [امرؤ] مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك (155) مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤونه عليك فيه، من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف (156) فانتفع بما وصفت لك، واقتصر فيه على حظك ورشدك إن شاء الله (157). ثم إن للملوك خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف (158) فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب


(154) وفى النهج: (أو فعل كريم) تسديه). ويقال: (سدى إلى زيد تسدية وأسدى إليه اسداء): أحسن إليه. و (سدى إليه معروفا): اتخذه عنده. (155) (ايسوا) على زنة (سمعوا) لغة في (يئسوا) أو مقلوب منه. (156) وفى النهج: (مع ان اكثر حاجات الناس اليك مما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة أو طلب انصاف في معاملة) الخ. والمظلمة - بكسر اللام -: ما أخذ من الشخص ظلما. ما احتملته من الظلم، والجمع: مظالم. (157) أي دون ما يحببك إليه هواك والنفس الامارة بالسوء. (158) وفى النهج: (ثم ان للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وقلة انصاف في معاملة) الخ. وبطانة الرجل: من يسر إليه بأسراره. والاستئثار: تقديم النفس على الغير. والتطاول: الترفع.

[112]

تلك الاشياء (159) ولا تقطعن لاحد من حشمك ولا حامتك قطيعة (160) ولا تعتمدن في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونتهم على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك (161) وعيبه عليك في الدنيا والآخرة. عليك بالعدل في حكمك إذا انتهت الامور إليك، وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك


(159) وفى النهج: (بقطع أسباب تلك الاحوال) أي اقطع مادة شرور الخواص والبطانة عن الناس بقطع أسباب تعديهم، وبالاخذ على أيديهم ومنعهم من التصرف في شؤون العامة. (160) وفى الدعائم: (وتخير حجابك وأقص منهم كل ذي اثرة على الناس وتطاول وقلة انصاف، ولا تقطعن لاحد من أهلك ولا من حشمك ضيعة، ولا تأذن لهم في اتخاذها إذا كان يضر فيها بمن يليه من الناس). لا تقطعن: لا تهبن. والحشم - كفرس -: الخدم. والحامة: الخاصة. والقطيعة: ما جعل نفعه وغلته رزقا لشخص. وأقص كل ذي أثرة: بعده وأطرده. (161) وفى النهج: (ولا تقطعن لاحد من حاشيتك وحامتك قطيعة ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم (الخ. اي لا تعتمد البتة على أحد من خدمك وقرابتك في اعتقاد عقدة أي في اقتناء ضيعة وامتلاكها، ولا تطمعهم في ابرام ولاية لاحد واحكامها له في شرب - على زنة حبر - أي النصيب من الماء، ولا في عمل مشترك، كيلا يحملوا كلهم ومؤونة ذلك العمل على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك أي منفعته الهنيئة السائغة لهم، وعيبه ووزره عليك في الدنيا والآخرة.

[113]

صابرا محتسيبا، وافعل ذلك بقرابتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليه منه، فإن مغبة ذلك محمودة (162). وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك و اعدل عنك ظنونهم بإصحارك، فإن تلك رياضة منك لنفسك، ورفق منك برعيتك، وإعذار تبلغ فيه حاجتك من تقويمهم على الحق في خفض وإجمال (163). [و] لا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك [و] فيه [لله] رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك (164) وراحة من همومك، وأمنا لبلادك، لكن الحذر كل الحذر من مقاربة عدوك في طلب الصلح، فإن العدو ربما قارب


(162) وفى النهج: (بما يثقل عليك منه) الخ. والمغبة - كمحبة -: العاقبة. والزام الحق لمن لزمه وان ثقل على الوالي وعليهم لكنه محمود العاقبة بحفظ الدولة في الدنيا، ونيل السعادة في الآخرة. (163) وفى النهج: (فان في ذلك رياضة منك لنفسك، ورفقا برعيتك واعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق). (164) بين المعقوفين مأخوذ من نهج البلاغة. وفى الدعائم: (ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك، فان في الصلح دعة للجنود، ورخاء للهموم، وأمنا للبلاد). و (الدعة) - محركة -: الراحة.

[114]

ليتغفل (165)، فخذ بالحزم، وتحصن كل مختوف تؤتى منه (166) وبالله الثقة في جميع الامور، وإن لجت [كذا] بينك وبين عدوك قضية عقدت له بها صلحا أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة، واجعل نفسك جنة دونه (167) فإنه ليس شئ من فرائض الله - عزوجل - الناس أشد عليه اجتماعا في تفريق أهوائهم وتشتيت أديانهم من


(165) أي إذا دنى منك عدوك طالبا للصلح، فأحذر منه كل الحذر فان العدو ربما يجعل القرب للصلح وسيلة للمكر والاغتيال، وانما يدعى ان مقاربته للصلح ليغفلك عن الاحتراس. وفى النهج: (ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه) الخ. وفى الدعائم: (وكن أشد ما تكون لعدوك حذرا عندما يدعوك إلى الصلح، فان ذلك ربما أن يكون مكرا وخديعة). (166) وفى النهج هكذا: (فخد بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن، وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو البسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت). الجنة - بالضم -: الوقاة، أي حافظ على ما أعطيت من العهد بروحك. (167) وفى الدعائم: (وإذا عاهدت فحط (فاحفظ (خ)) عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالامانة والصدق، وإياك والغدر بعهد الله والاخفار لذمته، فان الله جعل عهده وذمته أمانا أمضاه بين العباد برحمته، والصبر على ضيق ترجو انفراجه، خير من غدر تخاف تبعة نقمته (تخاف تبعته (خ)) وسوء عاقبته).

[115]

تعظيم الوفاء بالعهود (168) وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين (169) لما استوبلوا من الغدر والختر (170) فلا تغدرن بذمتك ولا تخفر بعهدك ولا تخنلن عدوك (171) فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل [شقي] وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين لعباد برحمته وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره، فلا خداع ولا مدالسة ولا إدغال فيه (172)


(168) وفى النهج: (فانه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود) الخ. (169) أي مع كونهم دون المسلمين في الاخلاق والعقائد. (170) وفى النهج: (لما استو بلوا من عواقب الغدر) أي لما وجدوا من أن عاقبة الغدر وبيلة ولما خافوا من سوء وباله وغايته. و (ما) مصدرية، وهي والفعل بعدها في تأويل المصدر، أي لا ستيبالهم. و (الختر) كفلس: أقبح الغدر، يقال: (ختره - من باب ضرب - خترا) غدره أقبح الغدر، فهو خاتر وختار - كضراب - وختير وختور وختير - كخبير وصبور وشرير بكسر الشين وشد الراء -. و (ختر - من باب ضرب ونصر - خترا وختورا كفلسا وفلوسا - نفسه): خبثت وفسدت. (171) ولا تخفر بعهدك - من باب ضرب ونصر -: فلا تغدر به ولا تنقضه. وفى النهج: (ولا تخيسن بعهدك) أي لا تخونن به ولا تنقضنه. ولا تختلن عدوك: لا تخدعنه. (172) الامن: الامان. وأفضاه - هنا - بمعنى أفشاه. والحريم: ما حرم مسه ووجبت حرمته. والمنعة - بالتحريك -: العز والقوة، والجمع منعات، - وبفتح الميم وكسرها وسكون النون -: القوة التي تمتنع بها من السوء. ويستفيضون: يفزعون إليه بسرعة. والمدالسة: الخيانة. والادغال: الافساد. وفى النهج بعد هذه الفقرة هكذا: (ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب) الخ.

[116]

فلا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله على طلب انفساخه، فإن صبرك على ضيق (أمر) ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من الله [فيه] طلبة فلا تستقيل (ظ) فيها دنياك ولا آخرتك (173)


(173) هذا هو الظاهر الموافق للنهج، وفى النسخة: (ولا تستقبل) الخ، ويحتمل أيضا صحة النسخة - على ما نذكره عن ابن ميثم (ره) - أقول: التبعة: ما يتبع ويترتب على عمل السوء من العقوبة. والطلبة - كحبر بتاء التأنيث -: والطلب - كفرس -: الاسم من قولهم: (طالبه طلابا ومطالبة): طلب منه حقا له عليه. ويجوز عطف (أن تحيط) على (من غدر) كما يجوز مطفها على (تبعة) وعلى الثاني فالمعنى: وتخاف أن تتوجه عليك من الله مطالبة بحقه في الوفاء الذي غدرته، ويأخذ الطلب بجميع أطرافك فلا يمكنك التخلص منه، ويصعب عليك أن تسأل الله أن يقيلك من هذه المطالبة بعفو عنك في دنيا أو آخرة بعد ما تجرأت على عهده بالنقض. وقال ابن ميثم (ره): (وبوصف الطلبة بقوله: (لا تستقبل فيها دنياك ولا آخترك) أراد انه لا يكون لك معها دنيا تستقبلها وتنتظر خيرها - لعدم الدنيا هناك - ولا آخرة تستقبلها، إذ لا يستقبل في الآخرة الا الامور الخيرية، ومن أحاطت به طلبة من الله فلا خير له في الآخرة يستقبلها. وروي (تستقيل) بالياء أي لا يكون لك من تلك الطلبة والتبعة اقالة في الدنيا ولا في الآخرة).

[117]

وإياك والدماء وسفكها بغير حلها (174) فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى لزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير الحق، والله مبتدئ بالحكم بين العباد فيما يتسافكون من الدماء (175) فلا تصونن سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك يخلقه ويزيله (176) فإياك والتعرض لسخط الله، فإن الله قد جعل لولي من قتل مظلوما سلطانا، قال الله، (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33 الاسراء) ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لان فيه قود البدن (177)


(174) وفي الدعائم: (اياك والتسرع إلى سفك الدماء بغير حلها، فانه ليس شئ أعظم من ذلك تباعة، ولا تطلبن تقوية ملك زائل لا تدري ماحظك من بقائه (لك) بقائك له، بهلاك نفسك والتعرض لسخط ربك). (175) وفى النهج: (فانه ليس شئ أدنى لنقمة، ولا اعظم لتبعة ولا احرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من من الدماء يوم القيامة) الخ. (176) وفى النهج: (فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فان ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد. لان فيه قود البدن) الخ. ومعنى قوله: (يخلقه): يجعله باليا وموليا. (177) القود - كفرس -: القصاص، وانما أضافه إلى البدن لانه يقع عليه.

[118]

فإن ابتليت بخطاء وفرط عليه سوطك أو يدك لعقوبة (178) فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة (179) فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أهل المقتول حقه دية مسلمة يتقرب بها إلى الله زلفى (180). [و] إياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسن (181). إياك والمن على رعيتك باحسان، أو التزيد فيما كان


(178) وفى النهج: (وان ابتليت بخطا وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بالعقوبة، فان في الوكزة فما فوقها مقتلة) الخ. و (فرط عليه سوطك) - من باب نصر -: عجل وعدا عليه - أي على الخطاء - أي أن اردت تأديبا فسبقك سوطك أو يدك إلى القتل فادفع إلى أولياء المقتول الدية. (179) جملة: (فان في الوكزة) الخ معترضة بين الشرط وجزائه وهي تعليل وبيان لقوله: (فان ابتليت بخطأ) الخ. والوكزة: الدفع. اللكمة وهي الضرب باليد مجموعة الاصابع، ويقال: الضرب بجمع الكف - بضم الجيم -. (180) جملة: (فلا تطمحن) جواب الشرط: (فان ابتليت) وهو من باب (منع والنخوة - كضربة -: العظمة والكبرياء. و (الزلفي): التقرب، أي لا يرتفعن بك عظمة السلطنة، ولا يجمحن بك كبرياء الامارة من تأدية الدية تقربا إلى الله. (181) الاطراء: المبالغة في الثناء. والفرص: جمع الفرصة: الوقت المناسب للوصول إلى المقصد، ويعبر عنه في لسان الفارسية ب (ولم) على زنة فلس. (ليمحق): ليمحو ويزيل).

[119]

من فعلك (182) أو [أن] تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، أو التسرع إلى الرعية بلسانك، فإن المن يبطل الاحسان، والخلف يوجب المقت (183) وقد قال الله جل ثناؤه: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [4 الصف]. إياك والعجلة بالامور قبل أوانها، والتساقط فيها عند زمانها (184) واللجاجة فيها إذا تنكرت (185) والوهن عنها إذا أوضحت (186) فضع كل أمر موضعة، وأوقع


(182) يقال: تزيد الرجل في حديثه): زخرفه وزاد فيه على الحقيقة لاظهار الشخصية. و (تزيد في الشئ): تكلف الزيادة - عن واقعه - فيه. (183) وفى النهج بعد قوله: (بخلفك) هكذا: (فان المن والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله والناس، قال الله تعالى: (كبر مقتا) الخ. و (المقت): أشد البغض. (184) أي السقوط فيها متتابعا، والمراد التهاون فيها عند امكانها. وفى الدعائم: (والتواني فيها حين زمانها (ابانها (خ)) وامكانها، واللجاجة فيها إذا تنكرت، والوهن (فيها إذا تبينت، فان لكل أمر موضعا، ولكن حالة حالا). وفى بعض نسخ النهج: (أو التسقط فيها عند أمكانها) أي حمل النفس على السقوط فيها وعدم اغتنام الفرصة من عملها وفعلها عند امكانها. ومرجعة أيضا إلى التهاون والتواني. (- 185) اللجاجة - بفتح اللام -: الاصرار والتمادي على الشئ عنادا ومكابرة. و (تنكرت): لم يعرف وجه الصواب فيها. (186) وفى النهج: (أو الوهن عنها إذا استوضحت) الخ. والوهن: الضعف.

[120]

كل عمل موقعه. وإياك والاستئثار بما للناس فيها الاسوة (187) والاعتراض فيما (لا) يعنيك، والتغابي عما يعنى به (188) ممما قد وضح لعيون الناظرين، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تكشف عنك أغطية الامور، ويبرز الجبار بعظمته فينتصف المظلومون من الظالمين (189) ثم املك حمية أنفك وسورة حدتك وسطوة يدك وغرب لسانك (190) واحترس من كل


(187) أي أحذر ان تستقل بشئ وتخصه بنفسك وهو مما يستوى فيه الناس. وفى النهج: (اياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعني به مما قد وضح للعيون) الخ. (188) كلمة (لا كانت) ساقطة من النسخة، وهي لابد منها - هنا - و (ما لا يعنيك): مالا يهمك. و (التغابي): التغافل. و (ما يعني به) - على بناء المجهول -: ما يهتم به. (189) وفى النهج: (وعما قليل تنكشف عنك أغطية الامور، وينتصف منك للمظلوم). (190) وفى النهج: (وسورة حدك) الخ. الحمية: الانفة والنخوة يقال: (فلان حمي الانف) إذا كان أبيا يأنف الضيم ويأباه. والسورة - بفتح السين وسكون الواو -: الحدة - وهي بكسر الحاء المهملة كالحد بفتحها بمعنى -: الغضب واليأس والسطوة، وليعلم انه فرق بين الحدة - بكسر الحاء - التي وقعت تفسيرا للسورة، وبين الحدة التي تفسر بالغضب والسطوة، فان الاول بمعنى شدة الشئ وارتفاعه، والثاني - بمعنى أصل وجوده. والغرب - كفلس -: الحد. النشاطى. الحدة.

[121]

ذلك بكف البادرة (191) وتخير السطوة، وارفع بصرك إلى السماء عندما يحضرك منه [شي] حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد (192). ثم اعلم انه قد جمع (لك) ما في هذا العهد من صنوف ما لم آلك فيه رشدا (193) إن أحب الله ارشادك وتفويقك، (والواجب عليك) أن تتذكر ما كان (194) من كل ما شاهدت منا فتكون ولايتك هذه من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو أثر عن نبيك


(191) وفى النهج: (واحترس من كل ذلك بكف البادرة، وتأخير السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار) الخ. و (البادرة): ما يبدو من الشخص عند حدته، من الضرب والسب وسئ القول، والجمع بوادر. (192) وفى النهج: (حتى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك). (193) أي لم أقصر في ارشادك وهدايتك إلى أصناف هذا القوانين العالية وأقسام هذه الحكم السامية. ومن قوله: (ثم اعلم) إلى قوله: (وتوفيقك) غير موجود في النهج. (194) بين المعقوفين مأخوذ من النهج، وفيه هكذا: (والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها) الخ.

[122]

صلى الله عليه وآله، أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به منها (195) و [أن] تجتهد نفسك في إتباع ما عهدت إليك في عهدي (هذا) و (فيما) استوثقت (به) من الحجة لنفسي (عليك لكيلا تكون لك علة عند تسرع نفسك إلى هواها (196) فليس يعصم من السوء - ولا يوفق للخير - إلا الله جل ثناؤه. وقد كان مما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله في وصايته تحضيضا على الصلاة والزكاة وما ملكت


(195) الضمير في (منها) - أو (فيها) بناء على رواية النهج - عائد إلى جميع ما تقدم، أي يجب عليك ان تتذكر جميع ما تقدم وأن تعمل مثل ما رأيتنا نعمل، وأن تحذر التأويل حسب الهوى والنفس. (196) وفى النهج: (وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت اليك في عهدي هذا (الخ). ثم ليعلم أن جميع ما وضعناه - هنا - بين المعقوفات مأخوذ من نهج البلاغة، والسياق يقتضيه. وأيضا من قوله: (فليس يعصم من السوء) إلى قوله: (وأنا أسأل الله بسعة رحمته) غير موجود في النهج.

[123]

أيمانكم. فبذلك أختم لك ما عهدت [إليك] ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم. وأنا أسل الله بسعة رحمته (197) وعظيم مواهبه وقدرته علي إعطاء كل رغبة أن يوفقني (198) وإياك لما فيه رضاه: من الاقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه (199) مع حسن الثناء في العباد، وحسن الاثر في البلاد (200) وتمام النعمة وتضعيف الكرامة (201) وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنا إليه راغبون (202) والسلام على رسول الله وعلى اله الطيبين الطاهرين وسلم [تسليما]


(197) هذا هو الظاهر الموافق للنهج، وفى النسخة: (وأنا أسأل الله سعة رحمته) الخ. (198) (على) متعلقة بقوله: (بقدرته). و (ان يوفقني) مأول بالمصدر، ومفعول لقوله: (وأنا أسأل الله) الخ. (199) المراد من (العذر الواضح إلى الله) الانقياد له تعالى في جميع ما أمر به ونهى عنه، واختيار مرضاته على مرضاة غيره. والمراد من (الاقامة على العذر الواضح إلى خلقه) المعاملة معهم بالاحسان والعدل. (200) وفى نهج البلاغة: (وجميل الاثر في البلاد) وهو الظاهر. (201) تضعيف الكرامة) هو زيادتها أضعافا. (202) هذا هو الظاهر الموافق لنسخة ابن ابي الحديد، وفى نسخة محمد عبده المطبوعة بمصر: (انا إليه راجعون).

[124]

كثيرا (203). المختار السادس من باب ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب تحف العقول، ص 84 - 99. وفي ط ص 28، وفي ط ص 126. ورواه عنه في الباب (10) من البحار: 17، 68، وشرحه في ج 8، 663. ورواه أيضا السيد الرضي - تغمده الله برحمته وجعله غريق رضوانه - في المختار (53) من كتب نهج البلاغة (204) وروى أكثره في الحديث الثالث من الباب الخامس من كتاب الجهاد من دعائم الاسلام: ج 1 ص 350 ط مصر (205) وروى قطعة منه مسندا


(203) وفى بعض نسخ ابن الحديد، من النهج: (والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين. وفى نسخة منه: (والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين). وفى نسخة محمد عبده، المطبوعة بمصر: (والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطيبين الطاهرين (كذا) وسلم تسليما كثيرا، والسلام. (204) وما اختاره (ره) ورواه عن أمير المؤمنين (ع) هو المختار الراجح لدى التعارض، لاظبطية السيد (ره). ولشهادة متن ما اختاره على انه من أمير المؤمنين (ع). ولكونه من حين تأليفه - وهو سنة أربع مأة من الهجرة تقريبا - إلى الآن في كل عصر وقرن كان محطا لانظار العلماء، وشرحه من حين ظهوره إلى زماننا هذا جماعة كثيرة من فحول علماء الخاصة والعامة، بخلاف مالا يكون بهذه المثابة، فانه مظنة الخطأ، لاجل الجهل أو الخطأ والنسيان، أو التحريف والتبديل. (25) والمستفاد من كلامه انه رواه بطريقين، قال (ره): (وعن علي (ع) انه ذكر عهدا، فقال الذي حدثناه: (أحسبه من كلام علي (ص). الا أنا روينا عنه (ع) انه رفعه فقال: (عهد رسول الله (صلع) عهدا كان فيه: - بعد كلام ذكره قال صلى الله عليه وآله: أيها الملك) المملك خ) المملوك) الخ.

[125]

في تاريخ الشام: ج 38 ص 87، وفي النسخة المرسلة ص 139، كما تقدم، والنبيه لا يستريب في كونها ضوء من ذلك المشعل، وأشعة من ذلك النور. وذكر في خاتمة المستدرك، ص 218، عن مجلة المقتطف: ج 42 ص 248، انه نقله باختصار عن نسخة السلطان بايزيد الثاني (206) وفي الباب السابع من دستور معالم الحكم ص 155، شواهد لهذا العهد الشريف. وقال: المحقق النجاشي المتوفى سنة 450 ه‍ - تحت الرقم 227 من فهرست مصنفي الشيعة، ص 73 في ترجمة الاصبغ -: أصبغ بن نباتة المجاشعي كان من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام، وعمر بعده، روى عنه عليه السلام عهد الاشتر ووصيته (ع) إلى ابنه محمد بن الحنفية، أخبرنا ابن الجندي، عن علي بن همام، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة بالعهد. وقال شيخ الطائفة محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (ره) - المتوفي سنة 460 ه‍، تحت الرقم (119) من كتاب فهرست مصنفي الشيعة ص 62، في ترجمة الاصبغ -: أصبغ بن نباتة كان من خاصة أمير المؤمنين عليه السلام وعمر بعده، وروى عهد مالك الاشتر الذي عهده إليه أمير المؤمنين عليه السلام لما ولاه مصر، ووصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه محمد بن الحنفية.


(206) ولا عجب في أختصار مناقب أمير المؤمنين (ع) وقصرها عند أهل الشام ومصر، ومن يحذو حذوهم، بل العجب العجاب - وصنع الله تعالى كله عجيب - أصل تحقق مناقبه (ع) ووجودها في صحف هؤلاء، وجريها على السنتهم، وذكرها - ولو باختصار - في ضمن رواياتهم وهم شيعة آل أبي سفيان وبني مروان، وقد ظاهروهم على لعن أمير المؤمنين ثمانين عاما في الاقطار الاسلامية، وزادوا في الطنبور نغمات اخرى، تختلاق الاحاديث في ذمه وقدحه عليه السلام ومدح أعدائه وشانئيه.

[126]

أخبرنا بالعهد، ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن، عن الحميري، عن هارون بن مسلم، والحسن بن طريف جميعا، عن الحسين بن علوان الكلبي، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام. الخ. - 127 - ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر (ره) وهو عامله على مصر وبالسند المتقدم عن الطبري قال أبو مخنف: ولما بلغ محمد ابن أبي بكر أن امير المؤمنين (ع) قد بعث الاشتر إلى عمله شق عليه ووجد في نفسه، ولما استشهد الاشتر (ره) وبلغ أمير المؤمنين عليه السلام موجدة محمد بن أبي بكر من تسريح الاشتر إلى عمله، كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى محمد بن أبي بكر سلام عليك. أما بعد فقد بلغني موجدتك من تسريحي الاشتر إلى عملك (1) وإني لم أفعل ذلك استبطاء لك في


(1) الموجدة - كالموعدة والموعظة -: الحزن. والغضب. الغيظ، يقال: (وجد يجد - من باب ضرب ونصر - وجدا وجدة وموجدة ووجدانا عليه): غضب. و (وجد له): حزن. والتسريح: الارسال. والعمل - هنا: ولاية مصر.

[127]

الجهاد، ولا ازديادا مني لك في الجد، ولو نزعت ما تحت يدك من سلطانك، لوليتك ما هو أيسر عليك في المؤونة، وأعجب إليك ولاية منه، إن الرجل الذي كنت وليته مصر، كان لنا نصيحا، وعلى عدونا شديدا، وقد استكمل أيامه ولاقى حمامه ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب (2) إصبر لعدوك (كذا) وشمر للحرب، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه، يكفك ما أهمك، ويعنك على ما ولاك (3) أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته والسلام عليك


(2) وفى نهج البلاغة: (ان الرجل الذي كنت وليته أمر مصر، كان رجلا لنا ناصحا، وعلى عدونا شديدا ناقما، فرحمه الله فلقد استكمل أيامه، ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، أولاه الله رضوانه، وضاعف الوثاب له). يقال: (نقم من باب ضرب وعلم - نقما وتنقاما الامر على فلان، أو من فلان): أنكر عليه وعابه وكرهه أشد الكراهة. و (نقم من باب علم - فلان وتره): انتقم. والحمام - بكسر الحاء -: الموت. و (أولاه الله رضوانه): جعله واليا على رضوانه. (3) وفى نهج البلاغة: (فأصحر لعدوك، وامض على بصيرتك، وشمر لحرب من حاربك، وادع إلى سبيل ربك، وأكثر الاستعانة بالله يكفك ما أهمك. ويعنك على ما نزل بك، ان شاء الله). أقول: (فأصحر لعدوك) أبرز له في الصحراء وميدان الحرب. والمراد الاستعداد والتهيوء للدفاع، والخصوصية غير مقصودة.

[128]

ورواه أيضا الثقفي (ره) كما في شرح المختار (67) من خطب نهج البلاغة، من شرح ابن أبي الحديد: ج 6 ص 78، وكما في بحار الانوار: ج 8 ص 649 س 3، ورواه أيضا في المختار (34) من الباب الثاني من نهج البلاغة. - 128 - ومن كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر (ره) لما بعث إليه (ع) بكتاب معاوية وعمر بن العاص وكتب معهما إليه عليه السلام: أما بعد فان ابن العاص قد نزل أداني أرض مصر، واجتمع إليه أهل البلد جلهم ممن كان يرى رأيهم، وقد جاء في جيش لجب جرار (1) وقد رأيت ممن قبلي بعض الفشل، فان كان لك في أرض مصر حاجة فأمددني بالرجال والاموال، والسلام عليك. فأجابه امير المؤمنين عليه السلام وكتب إليه: أما بعد فقد جاءني كتابك تذكر أن ابن العاص قد نزل بأداني أرض مصر في لجب من جيشه جرار،


(1) اللجب - بفتح اللام وكسر الجيم ككتف -: ذو اللجب - كفرس -. الشديد اللجب - بفتح اللام والجيم - يقال: (جيش لجب) أي ذو جلبة وكثرة. واللجب - على زنة الفرس -: صهيل الخيل. كثرة أصوات الابطال، يقال: - بحر ذو لجب) إذا سمع اضطراب أمواجه. و (الجرار): كثير الجر، ويقال: (جيش جرار) أي كثير.

[129]

وأن من كان بها على مثل رأيه قد خرج إليه، وخروج من يرى رأيه إليه خير لك من إقامتهم عندك (2) وذكرت إنك قد رأيت في بعض ممن قبلك. فشلا. فلا تفشل وأن فشلوا، حصن قريتك واضمم إليك شيعتك، واندب إلى القوم كنانة بن بشر المعروف بالنصيحة والنجدة والبأس، فإني نادب إليك الناس على الصعب والذلول (3) فاصبر لعدوك وامض على بصيرتك، وقاتلهم على نيتك، وجاهدهم صابرا محتسبا وإن كان فئتك أقل الفئتين، فإن الله قد يعز القليل ويخذل الكثير. وقد قرأت كتاب الفاجر بن الفاجر معاوية،


(2) إذ العدو الداخلي من أجل وقوفه على جهات المكر والغدر، وعلمه بمكامن الضعف ونواحي الاستيلاء على عدوه، أشد قوة على كسر عدوه، واستيصال خصمه، فخروجه عن البلد ولحوقه بمن يرى رأيه، وتخلية المصر لخصمه هو الخير له ليس الا. (3) يقال: (فشل زيد فشلا) - من باب فرح: ضعف وتراخى وجبن عند حرب أو شدة، فهو فشل وفشل وفشيل - كقتل وكتف وقتيل، والجمع: فشل وأفشال - كقفل وأقفال -. ويقال: (ندب فلانا - من باب نصر - للامر أو إلى الامر): دعاه ورشحه للقيام به، وحثه عليه. و (ندبه إلى الحرب): وجهه، فهو نادب وذاك مندوب. والنجدة: الشدة. الشجاعة. والصعب - كفلس -: العسر: ضد سهل. الابي. والذلول: سهل الانقياد.

[130]

والفاجر بن الكافر عمرو، والمتحابين في عمل المعصية والمتوافقين المرتشين في الحكومة المنكرين في الدنيا [كذا] قد استمتعوا بخلاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم (4) فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما، (5) وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنك تجد مقالا ما شئت والسلام. شرح المختار (67) من خطب نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 6 ص 78، والبحار: ج 8 ص 649، س 3، نقلا عن الغارات للثقفي (ره). - 128 - ومن كتاب له عليه السلام كتبه لما بلغه فتح مصر وقتل محمد بن أبي بكر، إلى عبد الله بن العباس (ره) وهو عامله على البصرة. بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير


(4) اشارة إلى الآية (69) وما بعدها من سورة التوبة: 9. (5) فلا يهلك: فلا يفزعك، من قولهم: (هال يهول هولا الامر فلانا): أفزعه وعظم عليه. و (ارعادهما وابراقهما) أي تهديدهما وتوعيدهما، يقال: (أرعد الرجل زيدا): تهدده وتوعده وأوعده، ومثله أبرق الرجل زيدا.

[131]

المؤمنين، إلى عبد الله بن عباس سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإن مصر قد افتتحت، ومحمد بن أبي بكر قد استشهد، فعند الله نحتسبه وندخره (1) وقد كنت قمت في الناس في بدئه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة، ودعوتهم سرا وجهرا، وعودا وبدئا، فمنهم من أتى كارها، ومنهم من اعتل كاذبا ومنهم القاعد خاذلا (2) أسأل الله أن يجعل لي منهم فرجا ومخرجا، وأن يريحني منهم عاجلا، والله لو لا طمعي عند لقاء عدوي في الشاهدة لحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا (3) (1) وفى نهج البلاغة: (فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا، وعاملا كادحا، وسيفا قاطعا وركنا دافعا، وقد كنت حثثت الناس على لحاقه، وأمرتهم بغياثه قبل الوقعة) الخ. والكادح: المبالغ في سعيه، المجهد في عمله. (2) وفى النهج: (فمنهم الآتي كارها، ومنهم المعتل كاذبا) الخ. (3) وفى النهج: (فو الله لو لا طمعي عند لقائي عدوي في الشهادة، وتوطيني نفسي على المنية، لاحببت أن لا أبقى مع هؤلاء يوما واحدا، ولا التقي بهم أبدا).

[132]

عزم الله لنا ولك على الرشد، وعلى تقواه وهداه، إنه على كل شئ قدير، وسلام. حوادث سنة (38) من تاريخ الطبري: ج 4 ص 83. ورواه السيد الرضي (ره) في المختار (35) من كتب النهج، ورواه ابن أبي الحديد في شرح المختار (67) من خطب النهج ج 6 / 92 عن الثقفي، عن محمد بن عبد الله، عن المدائني، ومثله في البحار: ج 8 ص 651 س 15، ورواه أيضا ابن عساكر في ترجمة عبد الرحمان بن شبث الفزاري (4) جاسوس أمير المؤمنين (ع) بالشام، من تاريخ دمشق: ج 32 / 157. - 129 - ومن كتاب له عليه السلام وكان عليه السلام يكتبه إلى بعض أكابر أصحابه قال السيد ابن طاووس طاب ثراه: إن الشيخ محمد بن يعقوب الكليني عليه الروح والرضوان، ذكر في كتاب الرسائل المعتمد عليه، عن أمير المؤمنين (ع) رسالة تتضمن ذكر الائمة من ذريته صلوات الله عليهم. قال محمد بن يعقوب: ما هذا لفظه: عن علي بن محمد، ومحمد بن الحسن وغيرهما، عن سهل بن زياد، عن العباس بن عمران، عن محمد بن


(4) وقال ابن أبي الحديد، في شرج المختار (67) من خطب النهج: ج 6 ص 91،: (عبد الرحمن بن المسيب الفزاري كان عينا لعلي عليه السلام بالشام لاينام) الخ. (*)

[133]

القاسم بن الوليد الصيرفي - ولقبه شبابه - عن المفضل، عن سنان بن طريف، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يكتب بهذه الخطبة إلى بعض أكابر أصحابه (1) وفيها كلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى المقربين [المقرين] في الاظلة، (2) الممتحنين بالبلية، المسارعين في الطاعة، المستيقنين بي الكرة (3) تحية منا إليكم


(1) يقال: (خطب - خطبا وخطابة وخطبة - من باب نصر، والمصدر على زنة الفلس والسحابة والقفلة -): وعظ. قرأ الخطبة على الحاضرين. وأيضا الخطبة: الخطاب. الخطابة. وقال في لسان العرب: وذهب أبو إسحاق إلى أن الخطبة عند العرب: الكلام المسجع المنثور ونحوه. (وفى) التهذيب: والخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر. (2) أي هذا كتاب إلى الذين قربوا إلى الله، أو الينا في عالم الظلال والارواح قبل حلولها الاجساد. قال العلامة المجلسي (ره): وفى بعض النسخ: (إلى المقرين) أي الذين أقروا بامامتنا في عالم الارواح عند الميثاق. (32) كذا في النسخة المطبوعة، وفى البحار: (المنشئين في الكرة) وقال المجلسي (ره): وفى بعض النسخ: (المنشرين في الكرة) والمعنى على الاول: المذعنين بكرته (ع) ورجعته. وعلى نسخة البحار فالمعنى: هذا كتاب إلى الذين من صفتهم كذا وكذا ومن صفتهم ان الله ينشئهم وينشرهم ويبعثهم بعد موتهم عند رجعتنا وكرتنا على الدنيا لينصرونا ويشفوا قلووبهم الجريحة. ومما يؤيد هذه النسخة، ما ورد من عود مالك الاشتر والمقداد وبعض آخر من أصحابه (ع) عند ظهور القائم من آل محمد (ع) لنصرته ومعاونته كما في تفسير العياشي وآخر كتاب الارشاد وغيرهما.

[134]

[و] سلام عليكم (4) أما بعد فإن نور البصيرة روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلا به مع اتباع كلمة الله (5) والتصديق بها، فالكلمة من الروح، والروح من النور، والنور نور السماوات والارض فبأيديكم سبب وصل إليكم منا


(4) قال العلامة المجلسي (ره) قوله (ع) (تحية) اما حال أو خبر ثان، أو خبر مبتدا محذوف يفسره قوله: (سلام عليكم) أو (سلام) مبتدا، و (تحية) خبره، وفى الاخير بعد. (5) قال المجلسي الوجيه: وفى بعض النسخ: (مع اتباعه كلمة الله). والضمير راجع إلى (الروح) أو (النور) أو إلى المؤمن بقرينة المقام، و (كلمة الله) مفعول المصدر، ويؤيده ان في بعض النسخ: (مع اتباع) فيكون حالا عن الضمير المجرور، والحاصل ان نور البصيرة وهي الولاية ومعرفة الائمة (ع) يصير سببا لتعلق روح الايمان، وبروح الايمان يحصل ويكمل التوحيد الخالص المقبول، والنور هو الذي مثل الله تعالى به نوره في الآية (25) من سورة النور، والسبب الذي بأيدي الشيعة ومتابعي الائمة (ع) هو أيضا الولاية التي هي سبب القرب إلى الله والنجاة من عقابه، أو حججها وبراهينها، أو علومهم ومعارفهم التي علموها مواليهم، أو الاحكام والشرائع خاصة، فانها الوسيلة إلى التقرب إليه تعالى والى حججه (ع) ويؤيده ما في بعض النسخ من قوله (ع): (اتيان الواجبات) وفى بعضها: (اتيان الواجبتان) أي الكتاب وأهل البيت (ع) وانما أتى بصيغة المفرد أولا وثانيا لارتباطهما بل اتحادهما حقيقة.

[135]

انعمة من لله لا تعقلون شكرها - خصكم بها واستخلصكم لها (6) وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون [3، العنكبوت: 29] إن الله عهد عهدا أن لن يحل عقده أحد سواه (7) فسارعوا إلى وفاء العهد (8) وامكثوا في طلب الفضل، فإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق [معاوق (خ)] يقضي فيها ملك قادر. ألا وإن الامر كما وقع، لسبع بقين من صفر تسير فيها الجنود [و] يهلك فيها المبطل الجحود (9)


(6) يقال: (أخلص الشئ واستخلصه): اختاره واصطفاه. (7) قال المجلسي العظيم: لعل المراد عقد الامامة، أي ليس للناس أن يحلوا عقدا وبيعة عقده الله تعالى. ثم قال (ره): وفي بعض النسخ: (أن لن يحل عقده الاهواء) أي لا يحل ما عقده الله تعالى لاحد آراء الناس وأهواؤهم. (8) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (فتسارعوا) الخ. وقوله (ع): (فان الدنيا عرض حاضر) الخ مما صدر عنه (ع) في غير المقام أيضا. (9) قوله (ع): (الا وان الامر قد وقع) لعله أشارة إلى الصلح والرضا بالحكمين اضطرارا، أو إلى بعض غزوات صفين، فعلى الاول سير الجنود اشارة إلى قتال الخوارج، وعلى الثاني اشارة إلى ما أراد (ع) من الرجوع إلى قتال معاوية.

[136]

خيولها عراب وفرسانها حراب (10) ونحن بذلك واثقون ولما ذكرنا منتظرون انتظار المجدب المطر، لينبت العشب ويجني الثمرة (11) دعاني إلى الكتاب إليكم استنقاذكم من العمى وإرشادكم باب الهدى، فاسلكوا سبيل السلامة، فإنها جماع الكرامة، إصطفى الله منهجه وبين حججه، وأرف أرفه (12) ووصفه، وحده وجعله نصا [رصا (خ)] (10) يقال: (خيل عراب وأعرب - كجبال وأجبل -: حسان كرام عربية ليست بالبرازين والهجن وعربية الفرس: عتقه وسلامته من الهجنة. والحراب على زنة ضراب، وهي اما ان يكون جمع حربة - كضراب وضربة - أو أنها مصدر من باب المفاعلة، أو انها - بضم الحاء والتشديد - جمع لحارب - كطلاب وزراع في جمع طالب وزارع - وعلى الاولين ففي الكلام تجوز، وعلى التقدير الثالث فالمعنى واضح. وفي بعض النسخ: (وفرسانها أحزاب) قال المجلسي الوجيه: أي أحزاب الشرك الذين حاربوا الرسول (ص). أقول: وعلى هذا فالاوصاف والنعوت لخيول عدوه (ع) الموصوف بالمبطل الجحود، وهو خلاف الظاهر. (11) وفي هذا الكلام دلالة عجيبة على توقعه وانتظاره (ع) اجتثاث أصول الظلمة. (12) الارف - كغرف -: الحدود. وهي جمع أرفه - كغرفة - يقال: (أرف الارض تاريفا): قسمها وجعل لها حدودا.

[137]

كما وصفه (13) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن العبد (4) إذا دخل حفرته يأتيه ملكان: أحدهما منكر والآخر نكير، فأول ما يسألانه عن ربه وعن نبيه وعن وليه، فإن أجاب نجا، وإن تحير عذباه، فقال قائل: فما حال من عرف ربه وعرف نبيه ولم يعرف وليه. فقال (ص): ذلك مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. قيل فمن الولي يا رسول الله. فقال: وليكم في هذا الزمان أنا ومن بعدي وصيي ومن بعد وصيي لكل زمان حجج الله كيما لا تقولون كما قال الضلال


(13) يقال: (نص الشئ - من باب مد - ينصه نصا) رفعه وأظهره. و (رص الشئ - من باب مد أيضا - يرصه رصا): ألصق بعضه ببعض وضمه. (14) من قوله (ص) (ان العبد إذا دخل حفرته) إلى قوله تعالى - الآتي - بعد ذلك وهو: (ولا يكتمون الله حديثا) رواه في الحديث التاسع من الباب (16) من الجزء العاشر، من بصائر الدرجات ص 146، عن معلي ان محمد البصري، عن أبي الفضل المدائني، عن أبي مريم الانصاري، عن المنهال بن عمرو، عن أمير المؤمنين (ع) باختلاف طفيف في بعض الالفاظ، وفيه ثمانية عشر حديثا أخر عنه (ع) وعن سائر المعصومين بهذا المعنى. ورواه عن البصائر، في الحديث (11) من تفسير الآية: (46) من سورة الاعراف من تفسير البرهان: ج 2 / ص 19، ط 2، وأيضا رواه عن البصائر وغيره في الباب الخامس والخمسون والسادس والخمسون من غاية المرام 353.

[138]

حين [حيث (خ)] فارقهم نبيهم: (ربنا لو لا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى [134 طه: 20] وإنما كان تمام ضلالهم جهالتهم بالآيات وهم الاوصياء، فأجابهم الله: (قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) [135 طه: 20] وإنما كان تربصهم أن قالوا: نحن في سعة عن معرفة الاوصياء حتى يعلن الامام علمه، فالاوصياء قوام عليكم بين الجنة والنار، لا يدخل الجنة إلا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه (15) لانهم عرفاء العباد، عرفهم الله إياهم عند أخذ المواثيق عليهم بالطاعة لهم [كذا] فوصفهم في كتابه فقال جل وعز: (وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) [46 الاعراف: 7] وهم الشهداء على الناس والنبيون شهداء لهم بأخذه


(15) ومثله في المختار (150) من خطب نهج البلاغة.

[139]

لهم مواثيق العباد بالطاعة، وذلك قوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا، يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) (42 النساء: 4) وكذلك أوحى الله إلى آدم: أن يا آدم قد انقضت مدتك وقضيت نبوتك واستكملت أيامك وحضر أجلك، فخذ النبوة وميراث النبوة واسم الله الاكبر فادفعه إلى ابنك هبة الله، فإني لم أدع الارض بغير علم يعرف (16) فلم يزل الانبياء والاوصياء يتوارثون ذلك حتى انتهى الامر إلي، وأنا أدفع ذلك إلى علي وصيي وهو مني بمنزلة هارون من موسى (17) وإن عليا يورث ولده حيهم عن


(16) ومثله لفظا في الحديث (15) من الباب الاول من البحار: ج 7 / 6 س 4 ط الكمباني. والاخبار متواترة على ذلك معنى، وملاحظة ذلك الباب من البحار مغنية عن غيره من كتب الاخبار. (17) هذا الحديث أيضا مما تواتر عن النبي (ص) بين المسلمين، وبحسب المنصف مراجعة ترجمة أمير المؤمنين (ع) من تاريخ ابن عساكر: ج 37 / 87 إلى ص 110، والباب العشرين من غاية المرام ص 109 والباب (53) من البحار: ج 9 / 337 ط الكمباني. والمجلد الثالث من الغدير، 199، ط 2. وان راجع حديث المنزلة من عبقات الانوار ففيها غاية الامنية.

[140]

ميتهم (18) فمن سره أن يدخل جنة ربه فليتول عليا والاوصياء من بعده، وليسلم لفضلهم فإنهم الهداء بعدي أعطاهم الله فهمي وعلمي، فهم عترتي من لحمي ودمي أشكو إلى الله عدوهم والمنكر لهم فضلهم والقاطع عنهم صلتي (19) فنحن أهل البيت شجرة النبوة ومعدن الرحمة، ومختلف الملائكة، وموضع الرسالة، فمثل أهل بيتي في هذه الامة كمثل سفينة نوح من ركبهاو نجا من تخلف عنها هلك (20) ومثل باب حطة في بني إسرائيل


(18) أي ان الاحياء من ولده (ع) يرثون الامامة والولاية ممن يموت منهم، كما يرث الاحياء من جميع الناس ما يخلفه ميتهم من المال والحقوق، كل ذلك بتقدير العزيز الحكيم. والمراد من ولده (ع) - هنا - الائمة منهم لاكل من يعد من أولاده. (19) وقريب منه في ترجمة أمير المؤمنين (ع) من تاريخ الشام: ج 37 / ص 139 / إلى 141. وكذلك في تاريخ بغداد: ج 4 ص 410، وحلية الاولياء: ج 1، ص 86. على ما رواه عنهما العلامة الاميني مد ظله. (20) ورواه في الباب الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون من المجلد الاول من غاية المرام من طريق العامة والخاصة، وقد أفرده بالتأليف، وبسط القول فيه حق البسط، العلامة النيشابوري (ره) في عبقات الانوار.

[141]

من دخله غفر له، فأيما راية خرجت ليست من أهل بيتي فهي دجالية) (21) إن الله اختار لدينه أقواما انتخبهم للقيام عليه والنصر له، طهرهم بكلمة الاسلام، وأوحى إليهم مفترض القرآن، والعمل بطاعته في مشارق الارض ومغاربها. إن الله خصكم بالاسلام واستخلصكم له (22) وذلك لانه أمنع سلامة وأجمع كرامة، اصطفى الله منهجه ووصفه ووصف أخلاقه ووصل أطنابه، من ظاهر علم وباطن حكم [حلم (خ)] ذى حلاوة ومرارة


(21) أي هي من أهل الكذب والتمويه والخدعة فأحذروها. من قولهم: (دجل في حديثه): لبس وموه. قال ابن الاثير في النهاية: (وفى الحديث أن أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (اني وعدتها لعلي ولست بدجال) أي لست بخداع ولا ملبس عليك أمرك. (22) يقال: (خص فلانا بالشئ) - من باب مد -: فضله به. وخص الشئ لنفسه: اختاره. (واستخلص الشئ): اختاره. ومن قوله: (ان الله خصكم) إلى قوله: (فيها كفاء المكتفي وشفاء المشتفي) مذكور في ذيل المختار (148) من خطب نهج البلاغة، ط مصر، باختصار واختلاف طفيف في بعض الالفاظ.

[142]

فمن طهر باطنه رأى عجائب مناظره في موارده ومصادره، ومن فطن لما بطن رآى مكنون الفطن [مكتوم الفتن (خ ل)] وعجائب الامثال والسنن (23) فظاهره أنيق، وباطنه عميق، ولا تفنى غرائبه ولا تنقصي عجائبه (24) فيه مفاتيح الكلام، ومصابيح الظلام، لا يفتح الخيرات إلا بمفاتحه، ولا تشكف الظلمات إلا بمصابيحه، فيه تفصيل وتوصيل، وبيان الاسمين الاعلين الذين جمعا فاجتمعا [و] لا يصلحان إلا معا يسميان ويوصلان فيجتمعان تمامهما في تمام أحدهما (25) حواليهما (عليهما (خ)) نجوم وعلى نجومها نجوم ليحمي حماه ويرعى مرعاه (26)


(23) الامثال: جمع المثل - بالتحريك - وهي الصفة الرائقة والقصة المستحسنة. والسنن: جمع السنة - كغرف وغرفة - وهي السيرة والطريقة. (24) يقال: (أنق الشئ - من باب فرح - أنقا): كان أنقا وأنيقا ومونقا - ككتف وغريق ومرهق -: حسنا معجبا. (25) ولعل المراد بالاسمين الاعلين: كلمتي التوحيد. أو القرآن وأهل البيت (ع). (26 المراد بالنجوم الاول الائمة (ع). وبالثاني الدلائل الدالة على امامتهم. والضمير في قوله (ع): (ليحمى حماه ويرعى مرعاه) راجع إلى الاسلام. وحمى الاسلام: ما حرمه الله فيه. ومرعاه: ما أحله الله.

[143]

وفى القرآن تبيانه [بنيانه (خ)] وبيانه، وحدوده وأركانه، ومواضيع مقاديره ووزن ميزانه: ميزان العدل وحكم الفصل (27) إن رعاة (دعاة (خ)) الدين فرقوا بين الشك واليقين، وجاءوا بالحق، بنوا للاسلام بنيانا، فأسسوا له أساس وأركانا، وجاءوا على ذلك شهودا بعلامات وأمارات فيها كفاء المكتفى وشفاء المستشفي [المشتفي (خ)] يحومون حماه، ويرعون مرعاه، ويصونون مصونه ويفجرون عيونه لحب [بحب (خ)] الله وبره وتعظيم أمره وذكره مما يجب أن يذكر به (28) يتواصلون بالولاية، ويتنازعون بحسن الرعاية (كذا) وبتساقون [وبتناسقون بكأس


(27) ميزان العدل بيان لقوله: (ووزن ميزانه). وحكم الفصل: الحكم الذي يفصل بين الحق والباطل. (28) كذا في النسخة المطبوعة الملحونة، وفى البحار: (بحب الله وبره وتعظيم أمره وذكره بما يحب أن يذكر به) قال العلامة المجلسي (ره): (بحب الله) اما متعلق بقوله: (يفجرون) أو به وبما قبله على التنازع أو بقوله: (يتواصلون).

[144]

روية، ويتلاقون بحسن التحية وأخلاق سنية (29)، قوام علماء أمناء [أوصياء (خ ل)] لا يسوغ (يسوق (غ)) فيهم الريبة، ولا تشرع فيهم الغيبة، فمن استبطن من ذلك شيئا استبطن خلقا سنيا (سيئا (خ ل)) (30) فطوبى لذى قلب سليم أطاع من يهديه، واجتنب من يرديه، ويدخل مدخل كرامة وينال سبيل سلامه، تبصرة لمن بصره وطاعة لمن يهديه إلى أفضل الدلالة، وكشف غطاء الجهالة المظلة المهلكة، ومن أرد بعد هذا فليطهر بالهدى (بالمهدي (خ)) دينه، فإن الهدى (المهدي (خ)) لا تغلق أبوابه (بابه (خ)) وقد فتحت أسبابه ببرهان وبيان، لامرئ استنصح، وقبل نصيحة من نصح بخضوع وحسن خشوع فليقبل


(29) قال المجلسي العظيم: وفى بعض النسخ: (يتراشفون) وهو من قولهم: (رشف الماء): مصه. والسنية - بفتح السين وكسر النون وتشديد الياء المفتوحة -: مؤنث السني: الرفيع. (30) يقال: (تبطن واستبطن الشئ): دخل بطنه. واستبطن الامر: عرف باطنه.

[145]

امرؤ بقبولها، وليحذر قارعة قبل حلولها والسلام (31). الفصل السادس والخمسون من كتاب كشف المحجة للسيد ابن طاوس (ره). والحديث الاخير من الباب السادس عشر من البحار: ج 8 / 189 / ط الكمباني، وأشار إليها في الفصل (49) من الباب التاسع من النصوص العامة في الحديث (773) من كتاب اثبات الهداة: ج 3 / 75. وقال المجلسي (ره): وكانت النسخ التي عندنا سقيمة فصححناها على ما تيسر من اجتماعها، وعسى ان يتيسر نسخة أخرى أقرب إلى الصحة. أقول وذكره مع صدر لطيف، في المختار (3) من كتاب معادن الحكمة والجواهر، لعلم الهدى ولد الفيض (ره) المخطوطة الموجودة في مكتبة سيدنا أبي الفضل العباس روحي له الفداء، تحت الرقم (1671) نقله عن كتاب منتخب البصائر، لابي القاسم سعد بن عبد الله بن أبي خلف، ذكرناه بصدره وذيله في باب الخطب عن مصدر آخر فراجع.


(31) القارعة: مؤنث القارع: القيامة: الداهية. النكبة المهلكة، والجمع قوارع، يقال: (قرعتهم قوارع الدهر): أصابتهم نوازله الشديدة. و (نعوذ بالله من قوارع فلان) أي من قوارص لسانه.

[146]

- 130 - ومن كتاب له عليه السلام إلى قيس بن سعد بن عبادة (ره) وهو عامله على آذربايجان (1). اما بعد فاقبل على خراجك بالحق، وأحسن إلى جندك بالانصاف، وعلم من قبلك مما علمك الله. ثم إن عبد الله بن شبيل الاحمسي (2) (قد) سألني الكتاب إليك فيه بوصايتك به خيرا (وإني أوصيك به خيرا) فقد رأيته وادعا متواضعا (3) فألن


(1) وهو معرب (آذربايجان) والمستفاد من هذه الرواية وما بعدها ان أمير المؤمنين (ع) نجز ما وعده قيسا بعد عزله من ولاية مصر، من نصبه أميرا على (اذربايجان) قال الطبري في ج 4 من تاريخه ص 71، في قصة فتح مصر، وقتل محمد ابن أبي بكر، من حوادث سنة (38 ه‍): وقد كان) علي أمير المؤمنين عليه السلام) قال لقيس بن سعد: أقم معي على شرطتي حتى نفرع من أمر هذه الحكومة ثم اخرج إلى آذربايجان الخ. وذكره أيضا ابن الاثير في كتاب الكامل: ج 3 ص 177. وذكره أيضا قبلهما الثقفي (ره) في الغارات كما في شرح المختار (67) من خطب نهج البلاغة، من شرح ابن أبي الحديد: ج 6 ص 74، وقال البلاذري في وقعة صفين من كتاب أنساب الاشراف، ص 372: فشهد قيس معه صفين، ثم ولاه آذربايجان. (2) قال في القاموس: (وبنو أحمس بطن من ضبيعة). (3) يقال: (ودع يودع - من باب شرف - وداعة الرجل): سكن واطمأن، فهو وديع ووادع: ساكن مطمئن. والمصدر بفتح الواو، كشهادة. ورجل متدع: صاحب دعة وراحة.

[147]

حجابك وافتح بابك واعمد إلى الحق، فإن وافق الحق ما يحبه سره (4) ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب. (26 صاد: 38). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 178، وفي ط ص 191. - 131 - ومن كتاب له عليه السلام إلى قيس بن سعد بن عبادة الانصاري رحمه الله. قال البلاذري: وكتب عليه السلام إلى قيس بن سعد بن عبادة الانصاري وهو بآذربيجان: أما بعد فإن العالمين باالله العاملين له، خيار الخلق عند الله، فإلى المسلمين لغير الرياء والسمعة (كذا) لفي أجر عظيم، وفضل مبين، وقد سألني عبد الله بن شبيل الاحمسي الكتاب إليك في أمره،


(4) لعل هذا هو الصواب، وفي النسخة: (فان وافق الحق ما يحبوا سره).

[148]

فأو صيك به خيرا فإني رأيته وادعا متواضعا حسن السمت والهدي. وألن حجابك واعمد للحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، والسلام. أنساب الاشراف ص 339، ترجمة أمير المؤمنين (ع). - 132 - ومن كتاب له عليه السلام إلى قيس بن سعد بن عبادة (رحمهما الله تعالى) أيضا قال غياث: ولما أجمع علي عليه السلام على قتال معاوية كتب أيضا إلى قيس: أما بعد فاستعمل عبد الله بن شبيل الاحمسي خليفة لك، وأقبل إلي، فإن المسلمين قد أجمع ملؤهم وانقادت جماعتهم، فعجل الاقبال فإنا سأحضرن إلى المحلين عند غرة الهلال إنشاء الله، وما تأخري إلا

[149]

لك، قضى الله لنا ولك بالاحسان في أمرنا كله. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 178، س 16. وفي ط ص 191. - 133 - ومن كتاب له عليه السلام وهي الصورة الثانية من كتابه (ع) إلى قيس بن سعد قال البلاذري: وحدثني أبو مسعود الكوفي، عن عوانه، أن (أمير المؤمنين) عليا (عليه السلام) كتب إلى قيس بن سعد وهو عامله على آذربيجان: أما بعد فاستعمل على عملك عبيد الله بن شبيل الاحمسي (كذا) وأقبل، فإنه قد اجتمع ملا المسلمين وحسنت طاعتهم، وانقادت لي جماعتهم ولا يكن لك عرجة ولا لبث، فإنا جادون معدون ونحن شاخصون إلى المحلين، ولم أؤخر المسير إلا انتظارا لقدومك علينا إن شاء الله والسلام أنساب الاشراف، ص 425، ترجمة أمير المؤمنين (ع).

[150]

- 134 - ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس (ره) لما خرج إلى النخيلة للذهاب إلى حرب معاوية في المرة الثانية. الطبري، عن أبى مخنف، عن المعلى بن كليب الهمداني، عن جبر بن نوف أبي الوداك الهمداني أن عليا (امير المؤمنين عليه السلام) كتب إلى ابن عباس: أما بعد فإنا قد خرجنا إلى معسكرنا بالنخيلة، وقد أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل المغرب، فأشخص بالناس حين يأتيك رسولي (1) وأقم حتى يأتيك أمري والسلام. تاريخ الطبري: 4 ص 58، والكامل لابن الاثير: ج 3 / 171 وقريب منه في الامامة والسياسة ص 144، وذكره في جمهرة الرسائل تحت الرقم (468) نقلا عن الطبري: 6 ص 44 والامامة والسياسة 160.


(1) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (فأشخص بالناس حتى يأتيك رسولي) الخ.

[151]

- 135 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عامله على المدائن (1) سعد بن مسعود الثقفي (ره) لما أراد الشخوص إلى الشام في المرة الثانية. قال الطبري: قال أبو مخنف: إن عليا (أمير المؤمنين عليه السلام) كتب إلى سعد بن مسعود عم المختار (رحمهما الله). أما بعد فإني قد بعثت إليك زياد بن خصفة، فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة، وعجل ذلك إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. تاريخ الطبري: ج 4 ص 59 ط 1357، بمصر.


(1) قال في معجم البلدان: ج 7 ص 414: (هي) في وقتنا هذا بليدة شبيهة بالقرية، بينها وبين بغداد ستة فراسخ، وأهلها فلاحون يزرعون ويحصدون، والغالب على أهلها التشيع على مذهب الامامية، وبالمدينة المدينة الشرقية قرب الايوان قبر سلمان الفارسي رضي الله عنه، وعليه مشهد يزار إلى وقتنا هذا. قال بطليموس: طول المدائن سبعون درجة وثلث، وعرضها ثلاث وثلاثون درجة وثلث.

[152]

- 136 - ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى الخوارج لما انقضى شرط الموادعة بينه وبين معاوية، وأراد المسير إلى الشام في المرة الثانية. الطبري عن أبي مخنف، عن عبد الملك بن أبي حرة، (قال: ان عليا (أمير المؤمنين عليه السلام) لما أراد المسير إلى الشام في المرة الثانية كتب إلى الخوارج. بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى زيد بن حصين، وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد فإن هذين الرجلين الذين ارتضينا (1) حكمها قد خالفا كتاب الله اتبعا أهوائهما بغير هدى من الله، فلم يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله ورسوله منهما والمؤمنون، فإذا (1) وفى الامامة والسياسة: (أما بعد فإن هذين الرجلين الخاطئين الحاكمين الذين أرتضيتم حكمين قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما) الخ. وهو أظهر.

[153]

بلغكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ونحن على الامر الاول الذي كنا عليه والسلام تاريخ الطبري: ج 4 ص 57 ورواه أيضا ابن أعثم الكوفي كما في المترجم من تاريخه ص 312، ونقله أيضا في الامامة والسياسة ص 143، باختلاف في بعض الالفاظ، وذكره تحت الرقم (466) من جمهرة الرسائل عن الطبري: ج 6 ص 44، والامامة والسياسة ص 105. - 137 - ومن كتاب له عليه السلام إلى الخوارج أخزاهم الله. قال البلاذري وكتب (أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الخوارج: أما بعد فإني أذكركم [الله] أن تكونوا من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا بعد أن أخذ الله ميثاقكم على الجماعة، وألف بين قلوبكم على الطاعة، وأن تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم

[154]

البينات (1) أنساب الاشراف، ص 397، ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام. - 138 - ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وكان على أردشير خرة من قبل ابن عباس رحمه الله. بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أتيت شيئا إدا (1) بلغني أنك تقسم فئ المسلمين فيمن اعتناك ويغشاك [ظ] من أعراب بكر بن وائل، فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة وأحاط بكل شئ علما، لئن كان ذلك حقا لتجدن بك علي هوانا،


(1) بعده هكذا: (ودعاهم إلى تقوى الله والبر ومراجعة الحق). أقول: ومنه يعلم انه لم يذكر لفظه (ع) بتمامه، وأن ما ذكره قطعة من كتابه عليه السلام إليهم. (1) أي أمرا منكرا، ومنه قوله تعالى في الآية: (89) من سورة مريم: (لقد جئتم شيئا ادا). قال الراغب: أي أمرا منكرا يقع فيه جلبة، من قولهم: (أدت الناقة تئد) - من باب فر -: رجعت حنينها ترجيعا شديدا.

[155]

فلا تستميتن بحق ربك، ولا تصلحن دنياك بفساد دينك ومحقه (2) فتكون من الاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (3) ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف، ص 338. - 139 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عامله على (أردشير خرة) (1) وهو مصقلة بن هبيرة الشيباني، وقد بلغه (ع) انه يهب أموال المسلمين ويفرقها بين الشعراء وعشيرته ومن يعتريه من السائلين.


(2) قال في اللسان: استمات الرجل: طاب نفسا بالموت. والمستميت: الذي يتخاشع ويتواضع لهذا حتى يطعمه ولهذا حتى يطعمه فإذا شبع كفر النعمة. والمستميت: المسترسل. والمحق - كفلس -: النقص والذهاب، ومنه المحاق - كرجال - لآخر الشهر إذا انمحق الهلال رامتحق. ويقال: محقه محقا - من باب منع -: نقصه وأذهب بركته. (3) اقتباس من الآية: (104) من سورة الكهف. (1) صرح ابن الاثير في غير موضع من تاريخ الكامل بأنها (شهر جور). وقال الحموي في باب الهمزة والراء وما يليهما من كتاب معجم البلدان: ج 1، ص 184، ط مصر،: (أردشير خرة) بالفتح ثم السكون وفتح الدال المهملة، وكسر الشين المعجمة، وياء ساكنة، وراء وخاء معجمة مضمومة، وراء مفتوحة مشددة، وهاء، وهو اسم مركب معناه: بهاء أردشير (أي نوره) وأردشير ملك من ملوك فرس وهي من أجل كور فارس، ومنها مدينة شيراز وجور وخبر (خفر (ظ)) وميمند، والصيمكان، والبرجان (برازجان (ظ)) والخوار (خور (ظ)) وسيراف، وكام فيروز، وكازرون، وغير ذلك من مدن فارس. (9) قال البشاري: (أردشير خرة، كورة قديمة رسمها نمرود بن كنعان، ثم عمرها بعده سيراف بن فارس، وأكثرها ممتد على البحر، شديدة الحر، كثيرة الثمار، قصبتها سيراف، ومن مدنا (جور) وميمند، ونائن، والصيمكان، وخبر، وخوزستان، والغندجان، وكران وشميران، وزير باذ ونجيرم). وقال الاصطخري: (أردشير خرة، تلي كورة اصطخر في العظم، ومدينتها جور، وتدخل في هذه الكورة، كورة (فناخرة)، وبأردشير خرة مدن هي أكبر من جور، مثل شيراز، وسيراف، وانما كانت جور، مدينة أردشير خرة، لان جور، مدينة بناها أردشير، وكانت دار مملكته، وشيراز وان كانت قصبة فارس، وبها الدواوين ودار الامارة، فانها مدينة محدثة بنيت في الاسلام. وقال في باب الجيم بعدها الواو، من ج 3 ص 164،: (جور) مدينة بفارس، بينها وبين شيراز عشرون فرسخا، وهي في الاقليم الثالث طولها من جهة المغرب ثمان وسبعون درجة ونصف، وعرضها أحدى وثلاثون درجة، وهي مدينة نزهة طيبة، والعجم تسميها (گور) وگور اسم القبر بالفارسية، وكان عضد الدولة ابن بويه يكثر الخروج إليها للتنزه، (فكلما ذهب إليها كانوا) يقولون: (ملك بگور رفت). فكره عضد الدولة ذلك، فسماها (فيروز آباد) ومعناه: أتم دولته.

[156]

أما بعد فقد بلغني عنك أمر أكبرت أن أصدقه

[157]

[بلغني انك تقسم فئ المسلمين في قومك ومن اعتراك من السألة والاحزاب، وأهل الكذب من الشعراء، كما تقسم الجوز (2) فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لافتشن عن ذلك تفتيشا شافيا، فإن وجدته حقا لتجدن بنفسك علي هوانا، فلا تكونن من الخاسرين أعمالا، الذين ضل سعينهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (3) ولما بلغ كتابه (ع) إلى مصقلة أجابه بما لفظه: أما بعد فقد بلغني كتاب امير المؤمنين، فليسأل ان كان حقا فليعجل عزلي بعد نكال، فكل مملوك لي حر، وعلي آثام ربيعة مضر، ان كنت رزأت (4) من عملي دينارا ولا درهما ولا غيرهما منذ وليته إلى أن ورد علي كتاب أمير المؤمنين، ولتعلمن أن العزل أهون علي من التهمة.


(2) يقال: (عراه) الامر ويعريه عريا): غشيه والم به. ومثله (عراه يعروه). و (السألة) جمع السائل: السمتعطي الذي يمد إلى الناس كف الطلب ويد الحاجة (3) اقتباس من الاية (104) من سورة الكهف. (4) يقال: (رزأ - من باب منع، والمصدر كالمنع والقفل والمعركة - رزا ورزا ومرزنة الرجل ماله): نقصة.

[158]

فلما (وصل كتاب إلى أمير المؤمنين (ع) وقرأ (ه) قال: ما أظن أبا الفضل الا صادقا. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 177، وفي ط ص 190. وقريب منه جدا في المختار (43) من كتب نهج البلاغة. - 140 - ومن كتاب له عليه السلام قال سبط ابن الجوزي: كتبه إلى بعض أمراء جيشه في قوم كانوا قد شردوا عن الطاعة، وفارقوا الجماعة، رواه الشعبي عن ابن عباس: سلام عليك، أما بعد فإن عادت هذه الشرذمة إلى الطاعة فذلك الذي أو ثره، وإن تمادى بهم العصيان إلى الشقاق، فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك، واستعن بمن انقاد معك على من تقاعس عنك (1) فإن المتكاره مغيبه خير من حضوره، عدمه خير من وجوده، وقعوده أغنى من نهوضه.


(1) أوثره: أختاره وأحبه. تمادي: طال ودام. فانهد: فأنهض. تقاعس: تأخر.

[159]

تذكرة خواص الامة ص 166، للسبط ابن الجوزي، وقريب منه جدا في المختار الرابع من كتب نهج البلاغة. وقال كمال الدين ابن ميثم (ره) في شرحه: روي أن الامير الذي كتب إليه (هذا الكتاب) هو عثمان بن حنيف (الانصاري) عامله على البصرة، وذلك حين انتهت أصحاب الجمل إليها وعزموا على الحرب، فكتب عثمان إليه يخبره بحالهم فكتب عليه السلام إليه كتابا فيه الفصل المذكور. أقول: وعلى هذا فينبغي أن يذكر هذا الكتاب بعد المختار (14) من هذا الباب من كتابنا هذا، ولما فاتنا ذكره في محله، أثبتناه هنا لاحتمال انه (ع) كتبه إلى زياد بن عبيد في فتنة ابن الحضرمي الآتي تفصيله - على ما يستانس من ذيل الكتاب - ويحتمل أيضا انه (ع) كتبه في قصة خريت بن راشد الخارجي الآتية على ما يظهر بدويا من صدر الكتاب. - 141 - ومن كتاب له عليه السلام كتبه في فتنة ابن الحضرمي بالبصرة، إلى زياد بن عبيد خليفة عبد الله ابن عباس علي البصرة، لما ارتحل إلى أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة ليعزيه بمحمد بن أبي بكر. قال أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي (ره) في كتاب الغارات: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا الحسن بن علي الزعفراني، عن محمد بن عبد الله بن عثمان، عن ابن أبي سيف، عن يزيد بن حارثة الازدي، عن عمرو بن محصن: أن معاوية لما أصاب محمد بن أبي

[160]

بكر بمصر وظهر عليها، دعا عبد الله بن عامر الحضرمي، فقال له: سر إلى البصرة، فان جل أهلها يرون رأينا في عثمان، وقد قتلوا في الطلب بدمه، فهم موتورون، يودون من يجمعهم وينهض بهم في الطلب بدم عثمان، فسر إليها وانزل في مصر، وتودد الازد، فان كلها الا قليلا منهم معك وأحذر ربيعة. فأجابه ابن الحضرمي وذهب إلى البصرة فأجابه جم غفير من أهلها، وخاف زياد بن عبيد خليفة ابن عباس فاستجار بأزد فأجاروه. وكتب إلى ابن عباس: أن ابن الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتى نزل في بني تميم، ونعى ابن عفان فاجتمع إليه جل أهل البصرة وشيعة عثمان وإن الازد معي وشيعة أمير المؤمنين من فرسان القبائل، فارفع ذلك إلى أمير امير المؤمنين ليرى فيه رأيه وعجل، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (1). فرفع ابن عباس ذلك إلى أمير امير المؤمنين (ع) فشاع ذلك في الكوفة فندبهم أمير المؤمنين (ع) إلى اطفاء نائرة فتنة ابن الحضرمي. فتكاسلوا فوبخهم وخطبهم مرة بعد أخرى، فقام أعين بن ضبيعة المجاشعي فقال: أنا اكفيك هذا الخطب يا امير المؤمنين، فأمره بالشخوص وكتب معه إلى زياد: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد، سلام عليك، أما بعد فإني بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي، فارقب ما يكون منه، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظن به وكان


(1) هذا تلخيص الكتاب والقصة، وهما طويلان جدا.

[161]

في ذلك تفريق تلك الاوباش فهو ما نحب وإن ترامت الامور (2) بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانبذ (3) من أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم فإن ظهرت فهو ما ظننت، وإلا فطاولهم وما طلهم فكأن كتائب المسلمين قد أطلت عليك، فقتل الله المفسدين الظالمين، ونصر المؤمنين المحقين والسلام. فلما قرأ زياد الكتاب أقرأه اعين بن ضبيعة، فقال اعين: اني لارجو ان يكفي هذا الامر، ثم خرج من عند زياد فأتى قومه فوعظهم وخوفهم وقال: يا قوم على ما ذا تقتلون انفسكم، وتهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الاشرار، والله ما جئتكم حتى عبيت اليكم الجنود، فان تنيبوا إلى الحق يقبل منكم ويكف عنك، وان أبيتم فهو والله استئصالكم وبواركم.


(2) فأرقب - أمر من رقب يرقب من باب نصر -: فانتظر. والاوباش، جمع الوبش - بالتحريك وبسكون الباء كسبب وأسباب - وشخص وأشخاص: سفلة الناس وأخلاطهم. ويقال: (ترامى السحاب): انضم بعضه إلى بعض. و (ترامى أمر إلى الظفر أو الخذلان): صار إليه. و (ترامى الشئ): تتابع، أي ان تتابعت بهم المقادير إلى الشقاء، وصار أمرهم إلى الشقاق والعصيان. (3) كذا في النسخة، وفى البحار: 8 / 676 س 15، عكسا برواية الثقفي (ره) ومثله في نهج البلاغة: (فانهد بمن أطاعك إلى من عصاك) الخ. وهو الظاهر.

[162]

فأطاعه قومه فنهض بهم إلى ابن الحضرمي، فخرج ابن الحضرمي إليه بجماعته فصافوا ووقفوا عامة يومهم، ويناشدهم أعين ويقول: لا تنكثوا بيعتكم، ولا تخالفوا امامكم، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم. فشتموه ونالوا منه ولم يقاتلوه، فانصرف عنهم وهو منهم منتصف، فلما آوى إلى رحله تبعه عشرة نفر يظن الناس أنهم خوارج فحملوا عليه وهو على فراشه، فخرج يشتد عريانا فلحقوه في الطريق فقتلوه. فأراد زياد أن يقاتل ابن الحضرمي فكره الازد قتاله لما بلغهم من بني تميم: من أنا لم نتعرض لجاركم إذ أجرتموه فما ترديون، فكتب زياد إلى أمير المؤمنين (ع): أما بعد يا أمير المؤمنين فان أعين قدم علينا بجد ومناصحة وصدق يقين، فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثهم على الطاعة، وحذرهم الخلاف، ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه، فواقفهم عامة النهار، فهال أهل الخلاف تقدمه، وتصدع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان يريد نصرته، فكان كذلك حتى أمسى فأتى رحله، فبيته نفر من هذه الخارجة المارقة، فأصيب رحمه الله تعالى، فأردت أن أناهض ابن الحضرمي فحدث أمر قد أمرت رسولي هذا ان يذكره الامير المؤمنين، وقد رأيت - إن رآى امير المؤمنين ما رأيت - أن يبعث إليهم جارية بن قدامة، فانه نافذ البصيرة، ومطاوع في العشيرة، شديد على عدو أمير المؤمنين، فان يقدم يفرق بينهم بإذن الله، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فلما جاء الكتاب إلى أمير المؤمنين (ع) دعا جارية بن قدامة، فقال له: يا بن قدامة تمنع الازد عاملي وبيت مالي وتشاقني مضر وتنابذني،

[163]

وبنا ابتدأها الله تعالى بالكرامة، وعرفها الهدى، وتداعوا إلى المعشر الذين حادوا الله ورسوله وأرادوا اطفاء نور الله سبحانه، حتى علت كلمة الله وهلك الكافرون. فقال: يا أمير المؤمنين ابعثني إليهم. قال (ع) قد بعثتك إليهم، واستعنت بالله عليهم، فخرج جارية إلى البصرة، فبدأ بزياد، ثم قام في الازد فقرضهم وجزاهم بما عملوا خيرا، ثم قرأ عليهم وعلى شيعة أمير المؤمنين وغيرهم كتابه (ع) وهو الكتاب التالي. - 142 - ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة، كتبه إليهم مع العبد الصالح جارية بن قدامة. من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم. أما بعد فإن الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البينة، ولا يأخذ المذنب عند أول وهلة (1)


(1) أي عند أول شئ ودفعة. ومثله الوهلة ووأهلة كطلبة وطالبة.

[164]

ولكنه يقبل التوبة، ويستديم الاناة (2) ويرضى بالانابة، ليكون أعظم للحجة، وأبلغ في المعذرة. وقد كان من شقاق جلكم - أيها الناس - ما استحققتم أن تعاقبوا عليه (3) فعفوت عن مجرمكم ورفعت السيف عن مدبركم، وقبلت من مقبلكم وأخذت بيعتكم، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب والسنة وقصد الحق (4) وأقم فيكم سبيل الهدى، فو الله ما أعلم أن واليا بعد محمد صلى الله عليه وآله أعلم بذلك مني ولا أعمل (5) أقول قولي هذا صادقا غير


(2) الاناة - بفتح الهمزة كقناة -: الحلم. الانتظار. التمهل. (3) وفى المختار (29 / أو 32) من كتب النهج: (وقد كان من انتشار حبلكم وشقاقكم ما لم تغبوا عنه) الخ. انتشار الحبل: انحلال فتله وتفرق طاقاته، وهو - هنا - كناية عن تفرقهم ونكثهم بيعته (ع) يوم الجمل. ويقال: (غبي يغبى - من باب علم - غبا وغباوة منه الشئ): خفي عليه. لم يفطن له. جهله. (4) أي على استقامته الخالية عن الاعوجاج، ووسطه المعرى عن الافراط والتفريط. (5) والشواهد النقلية بين المسلمين متواترة على هذا المعنى.

[165]

ذام لمن مضى ولا منتقصا لاعمالهم (6). فإن خطت بكم الاهواء المردية وسفه الرأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي (7) فها أناذا [قد قربت جيادي ورحلت ركابي (8) وأيم الله لئن الجأتموني إلى المسير إليكم لاوقعن بكم وقعة لا يكن يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق (9) وإني


(6) أي انما أنا في مقام بيان منزلتي ورتبتي من حيث العلم والعمل، لا في مقام ذم غيري وتنقيص أعمالهم وان كانوا كذلك. (7) وفى النهج: (فان خطت بكم الامور المردية، وسفه الآراء الجائرة إلى منابذتي وخلافي فها أناذا) الخ وهو أظهر. و (خطت): تجاوزت. و (المردية: المهلكة. و (سفه الآراء): ضعفها. و (الجائرة): المنحرفة عن الحق. (المنابذة) المخالفة. (8) الجياد: جمع الجواد: الفرس السريع. والركاب: الابل التي يحمل القوم. أي فان انتم لم تقبلوا نصيحتي ولم تنصحوا أنفسكم فها أنا قد قربت وأدنيت الجياد من خيلي، وشددت الرحال على ركابي وأبلي للمسير اليكم لتأديبكم. (9) وهذا كناية عن شدة ايقاعه عليهم وغاية استيصاله لهم ان لم يرجعوا عن غيهم وشقاقهم، يقال: (لعق العسل ونحوه - من باب نصر - لعقا ولعقة ولعقة) - كضربا وضربة ولقمة: لحسه وتناوله بلسانه أو اصبعه، فهو لاعق، والجمع لعقة - كطلبة. واللعقة - كلقمة -: القليل مما يلعق. ما تأخذه في الملعقة أو باصبعك. ثم ان في نهج البلاغة بعد قوله: (كلعقة لاعق) هكذا: (مع أني عارف لذي الطاعة منكم فضله، ولذي النصيحة حقه، غير متجاوز متهما إلى برئ، ولا ناكثا إلى وفى).

[166]

لظان ألا تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا، وقد قدمت هذا الكتاب إليكم حجة عليكم، ولن أكتب إليكم من بعده كتابا إن أنتم استغششتم نصيحتي ونابذتم رسولي حتى أكون أنا الشاخص نحوكم إن شاء الله تعالى والسلام. شرح المختار (55) من خطب نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 4 ص 50 وقبلها. ورواه عن كتاب الغارات، وكذلك رواه في البحار: ج 8 ص 677. وقريب منه جدا في المختار (29) من كتب نهج البلاغة. والقصة مذكورة في تاريخ الطبري: ج 4 ص 85، الا أنه لم يذكر الكتاب الثاني، وذكرها أيضا ابن الاثير في الكامل: ج 3 ص 182، الا أنه أشار إلى كتابه (ع). وكتابه عليه السلام هذا ذكره تحت الرقم (526) من الجمهرة نقلا عن الطبري: 6 / 64، وشرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 352، وأشار إلى الكتابين في عنوان: (أمر عبد الله ابن عامر الحضرمي في خلافة علي) من كتاب أنساب الاشراف، ص 412 وتواليها.

[167]

- 143 - ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن عبيد خليفة عبد الله بن العباس على البصرة. أما بعد فإنك شتمت رسولي وزجرته، وبلغني أنك تبخر وتكثر من الادهان وألوان الطعام، وتتكلم على المنبر بكلام الصديقين، وتفعل إذا نزلت أفعال المحلين، فإن [كان] ذلك كذلك، فنفسك ضررت وأدبى تعرضت. ويحك أن تقول: العظمة والكبرياء ردائي من نازعنيها سخطت عليه (1) بل ما عليك أن تدهن رفها (2) فقد أمر رسول الله صلى الله على وآله وسلم


(1) كذا في النسخة، والظاهر ان فيه سقطا، ولعل الاصل كان هكذا: (ويحك اياك أن تتكبر، فان الله تعالى يقول: العظمة والكبرياء ردائي فمن نازعينها سخطت عليه). (2) كذا في الاصل، يقال: (دهن الرأس - من باب نصر - دهنا ودهنة): طلاه بطيب أو زيت أو نحوهما. و (دهن الشئ) - من باب التفعيل -: دهنه. و (تدهن وادهن) - من باب تفعل وافتعل - اطلى بالدهن.

[168]

بذلك، وما حملك أن تشهد الناس عليك بخلاف ما تقول ثم على المنبر حيث يكثر عليك الشاهد ويعظم مقت الله لك، بل كيف ترجو - وأنت متهوع في النعيم جمعته من الارملة واليتيم - أن يوجب الله لك أجر الصالحين (3) بل ما عليك ثكلتك أمك لو صمت لله أياما وتصدقت بطائفة من طعامك، فإنها سيرة الانبياء وأدب الصالحين. أدب نفسك وتب من ذنبك وأد حق الله عليك، والسلام. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 177، س 2 عكسا. وقريبا من من ذيله ذكره السيد الرضي (ره) في المختار (22 أو 44 من باب كتب نهج البلاغة.


(2) وفى المختار (22 / أو 44) من كتاب نهج البلاغة: (فدع الاسراف مقتصدا واذكر في اليوم غدا، وأمسك من المال بقدر ضرورتك، وقدم الفضل ليوم حاجتك. أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين وأنت عنده من المتكبرين ؟ وتطمع - وأنت متمرغ في النعيم تمنعه الضعيف والارملة - أن يوجب لك ثواب المتصدقين، وانما المرء مجزى بها أسلف، وقادم على ما قدم، والسلام.

[169]

- 144 - ومن كتاب له عليه السلام وهي الصورة الثانية من كتابه عليه السلام إلى زياد. قال ابن أبي الحديد: أرسل علي عليه السلام سعدا مولاه إلى زياد. - وكان خليفة لابن عباس على البصرة - يحثه على حمل مال البصرة إلى الكوفة، وكان بين سعد وزياد ملاحاة ومنازعة، فعاد سعد وشكاه إليه (ع)، وعايه، فكتب عليه السلام إلى زياد: أما بعد فإن سعد ذكر أنك شتمته ظلما، وهددته وجبهته (1) تجبرا وتكبرا، فما دعاك إلى التكبر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الكبر رداء الله، فمن نازع الله رداءه قصمه). وقد أخبرني أنك تكثر من الالوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد، وتدهن كل يوم، فما عليك لو صمت لله أياما، وتصدقت ببعض ما عندك


(1) جبة الرجل - من باب منع - جبها: رده عن حاجته. و (جبهه بالمكروه): استقبله به. و (جبه فلانا): ضربه على جبهته. والمصدر كالمنع. (*).

[170]

محتسبا، وأكلت طعامك مرار قفارا (2) فإن ذلك شعار الصالحين. أفتطمع وأنت متمرغ في النعيم تستأثر به على الجار والمسكين والضعيف والفقير والارملة واليتيم - أن يحسب لك أجر المتصدقين. وأخبرني أنك تتكلم بكلام الابرار، وتعمل عمل الخاطئين، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت، وعملك أحبطت، فتب إلى ربك يصلح لك عملك، واقتصد في أمرك وقدم إلى ربك الفضل ليوم حاجتك وادهن غبا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (إدهنوا غبا ولا تدهنوا رفها) (3). شرح المختار (44) من الباب الثاني، من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 16، ص 196. ونقله عنه تحت الرقم (530) من جمهرة الرسائل، ونقله أيضا علم الهدى ولد الفيض (ره) في معادن الحكمة.


(2) قيل: أي غير مأدوم. (3) كأنه من قولهم: (غبت الماشية - من باب ضرب - غبا): شربت يوما وظمأت يوما. ومثله: (زرغبا تزدد حبا). والرفه: التدهين والترجيل كل يوم.

[171]

- 145 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن عباس (ره) وهو عامله على البصرة. أما بعد فإن خير الناس عند الله أعملهم بطاعته فيما له وعليه وأقوالهم بالحق وإن كان مرا، ألا وإنه بالحق قامت السموات والرأض فيما بين العباد، فلتكن سريرتك فعلا [كذا] وليكن حكمك واحدا وطريقتك مستقيمة. واعلم أن البصرة مهبط إبليس ومغرس الفتن (1) فحادث أهلها بالاحسان إليهم، واحلل عقدة الخوف عن قلوبهم (2).


(1) (مهبط ابليس): موضع هبوطه ومحل نزوله. و (مغرس الفتن) - بالغين المعجمة -: مكان غرس الفتن ومأوى زرعها. قيل: ويروى (معرس الفتن) بالعين المهملة المفتوحة وقبلها ميم مضمومة، وبعد العين راء مهملة مشددة، من (التعرس) وهو نزول القوم ليلا للاستراحة، و (المعرس) مكان ذلك. (2) (حادث أهلها بالاحسا): تعهدهم بالاحسان، من قولهم: (حادثت السيف بالصقال): جلوته وكشفت صداه، ومنه قول الشاعر: كنصل السيف حودث بالصقال.

[172]

وقد بلغني تنمرك لبني تميم (3) وغلظتك عليهم، [و] إن بني تميم لم يغب لهم نجم إلا طلع لهم آخر، وإنهم. لم يسبقوا بوغم (4) في جاهلية ولا إسلام، وإن لهم بنا رحما ماسة، وقرابة خاصة (5) نحن مأجورون على صلتها، ومأزررون على قطيعتها، فاربع أبا العباس - رحمك الله - فيما جرى على لسانك ويدك من خير وشر، فإنا شريكان في ذلك وكن عند صالح ظني بك، ولا يفيلن رأيي فيك (6) والسلام.


(3) يقال: (تنمر زيد لفلان): تنكر وتغير له وأوعد، إذ لا تلقى النمر الا متنكرا غضبان. ومثله (لبس فلان لفلان جلد النمر): تنكر له. (4) وطلوع نجم آخر لهم عقيب غيبوبة نجمهم كناية عن أستمرار السيادة والعظمة فيهم وعدم انقراضها بموت أكابرهم وشيوخهم. و (الوغم) كفلس: النفس. الحقد. الحرب. (5) (رحما ماسة) أي قريبة. قيل: انهم يتصلون ببني هاشم عند الياس بن مضر، وروي الكاشاني في ترجمته وشرحه على نهج البلاغة، عن الامام الصادق عليه السلام انهم يتصلون بهم في الاربعين من أجدادهم. (6) (مأزورون) أصله موزورون، فقلب ليجانس قوله: (مأجورون). و (أربع) - من باب منع -: قف وتثبت. والمراد من (الخير والشر) - هنا - النفع والضرر. و (لا يفيلن رأيي فيك): لا يضعفن.

[173]

شرح المختار التاسع عشر من الباب الثاني من نهج البلاغة، من شرح ابن ميثم (ره). ومن قوله: (واعلم) إلى آخره ذكره السيد الرضي (ره) في المختار (18) من الباب الثاني من النهج. - 146 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عماله لما هرب خريت بن راشد وجماعة من الخوارج من الكوفة. [روى] الطبري - في حوادث سنة (38) من تاريخه: ج 4 ص 86 - عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن الحارث الازدي، عن عمه عبد الله ابن فقيم (1)، قال: كان الخريت بن راشد، مع ثلاث مأة رجل من بني ناجية مقيمين مع علي بالكوفة قدموا معه من البصرة، وكانوا قد خرجوا إليه


(1) والقصة رواها أيضا بجميع خصوصياتها ابراهيم بن هلال الثقفي (ره) في كتاب الغارات، عن محمد بن عبد الله بن عثمان، عن أبي سيف: (كذا) عن الحارث بن كعب الازدي، عن عمه عبد الله بن قعين (كذا) الازدي، كما رواها عنه ابن أبي الحديد، في شرح المختار (44) من خطب نهج البلاغة: ج 3 ص 128، ورواها أيضا المجلسي (ره) عنه في البحار: ج 8 ط الكمباني ص 615، ولاجل توافق الروايتين الا في بعض المواضع النادرة كتبنا آخرها على وفق الغارات: لانه لم يحضرني تاريخ الطبري حينما كتبت أواخرها. وأشار إلى جميعها في عنوان: (أمر الخريب في خلافة علي) من أنساب الاشراف 410.

[174]

يوم الجمل، وشهدوا معه الصفين والنهروان، فجاء إلى علي (ع) في ثلاثين راكبا من أصحابه، فقال له: والله يا علي لا أطيع أمرك ولا أصلي خلفك واني غدا لمفارقك. فقال له علي عليه السلام ثكلت أمك، إذا تعصي ربك وتنكث عهدك ولا تضر الا نفسك، خبرني لم تفعل ذلك. قال: لانك حكمت في الكتاب وضعفت عن الحق إذا جد الجد، وركنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم، فأنا عليهم زار، وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين (2) فقال له علي (ع): هلم أدارسك الكتاب، وأناظرك في السنن، وأفاتحك أمورا من الحق انا اعلم بها منك، فلعلك تعرف ما انت له الآن منكر، وتستبصر ما انت عنه الآن جاهل. قال: فاني عائد اليك. قال: لا يستهوينك الشيطان، ولا يستخفنك الجهل، ووالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت مني لاهدينك سبيل الرشاد. - وساق كلاما طويلا إلى أن قال: ما محصله: - فنفر الخريت مع أصحابه ليلا ولم يعد إلى أمير المؤمنين (ع) فلما سمع أمير المؤمنين (ع) أنهم ظعنوا قال: بعدا لهم كما بعدت ثمود، أما لو قد أشرعت لهم الا سنة، وصببت على هامهم السيوف لقد ندموا، ان الشيطان اليوم قد أستهواهم وأضلهم، وهو غدا متبرئ منهم ومخل عنهم. فقام زياد بن خصفة، فقال: يا أمير المؤمنين انهم ما ضروا بمفارقتهم الا أنفسهم، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممن يمرون عليهم، فأذن لي في تعقيبهم وردهم عليك.


(2) يقال: (زرى يزري - من باب رمي - زريا وزريا وزراية ومزرية ومزراة، وأزرى وتزري عليه عمله): عاتبه أو عابه عليه، فهو زار. ويقال: نقم - من باب ضرب - ونقم - كفرح فرحا - الامر على فلان أو من فلان): أنكر عليه وعابه وكرهه أشد الكراهة، فهو ناقم.

[175]

فقال (ع): أخرج رحمك الله حتى تنزل دير أبي موسى، فأمكث فيه حتى يأتيك أمري، فانهم ان خرجوا ظاهرين في جماعة فان عما لي ستكتب الي بذلك، وان كانوا متفرقين مستخفين فذلك أخفى لهم، وسأكتب إلى عما لي فيهم، فكتب نسخة واحدة فأخرجها إلى العمال]: بسم الله الرحمن الرحيم [من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من العمال] (3) أما بعد فإن رجالا خرجوا هرابا (4) ونظنهم وجهوا نحو بلاد البصرة، فسل عنهم أهل بلادك واجعل عليهم العيون في كل ناحية من أرضك، واكتب إلي بما ينتهي إليك عنهم والسلام.


(3) البسملة مأخوذة من البحار، نقلا عن الغارات، كما أن بين المعقوفين مأخوذ منه ومن شرح ابن أبي الحديد. (4) كذا في تاريخ الطبري: وفي البحار وشرح المختار (44) من خطب نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد، نقلا عن الغارات: (من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من العمال، أما بعد فان رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هربا) الخ. ومثله في البحار نقلا عن الغارات.

[176]

- 147 - ومن كتاب له عليه السلام أجاب به ما كتب إليه قرظة بن كعب الانصاري. الطبري عن أبي مخنف، عن أبي الصلت الاعور التيمي، عن أبي سعيد العقيلي، عن عبد الله بن وال التيمي، قال: والله اني لعند امير المؤمنين، إذا جاءه فيبح [أي رسول] وكتاب بيديه من قبل قرظة بن كعب الانصاري [أحد عماله، وكان فيه]: (1) بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاني أخبر امير المؤمنين، أن خيلا مرت بنا من قبل الكوفة، متوجهة نحو نفر (2) وأن رجلا من دهاقين أسفل الفرات قد [أسلم و] صلى يقال له زاذان فروخ أقبل من قبل أخواله بناحية (نفر) فعرضوا له فقالوا: أمسلم أنت أم كافر. فقال: بل أنا مسلم.


(1) لم يتعرض أحد - ممن رأيت كتابه - لتعيين المحل الذي كان قرضة واليا عليه، نعم المستفاد من عبارة الغارات التي نقلها ابن أبي الحديد: في شرح المختار (39) من خطب نهج البلاغة ج 2 ص 301،: أنه كان كاتبا (بعين التمر): الشفاتا، وجابيا لخراجها في سنة 39 ه‍. وقال البلاذري في عنوان: (أمر الخريت بن راشد في خلافة علي) انهم لما توجهوا نحو (كسكر) وقتلوا زاذان فروخ (كذا) من قرية نفر: فكتب قرظة بن كعب - وكان على طساسيح السواد - إلى علي (ع) الخ. (2) نفر - على زنة قنب - قرية على نهر النرس من نواحي بابل من أعمال الكوفة. ودهاقين: جمع الدهقان - معرب ده بان وهو -: رئيس القرية وحافظها وراعيها.

[177]

قالوا: فما قولك في علي. قال: أقول انه أمير المؤمنين وسيد البشر. فقالوا له: كفرت يا عدوا لله. ثم حملت عليه عصابة منهم فقطعوه، ووجودا معه رجلا من أهل الذمة، فقالوا [له]: ما أنت. قال: [أنا] رجل من أهل الذمة. قالوا: اما هذا فلا سبيل عليه، فأقبل الينا ذلك الذمي، فأخبرنا هذا الخبر، وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشئ، فليكتب الي أمير المؤمنين برأيه فيهم أنته إليه والسلام. ولما قرأ امير المؤمنين عليه السلام كتابه، اجابه بالكتاب التالي، ثم كتب عليه السلام إلى زياد بن خصفة التيمي كما يأتي فيا بعد. - 148 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عامله قرظة بن كعب الانصاري (ره). أما بعد فقد فهمت ما ذكرت من [أمر] العصابة التي مرت بعملك فقتلت البر المسلم، وأمن عندهم المخالف الكافر (1) وإن أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا، وكانو كالذين حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا، فأسمع بهم وأبصر يوم تخبر أعمالهم (2)


(1) كذا في رواية الطبري، وفى رواية الثقفي (ره): (المخالف المشرك). (2) كذا في النسخة، وفى رواية الثقفي (ره): وان أولئك قوم استهواهم الشيطان فضلوا، كالذين حسبوا الا تكون فتنة فعموا وصموا: فأسمع بهم وأبصر يوم تحشر أعمالهم) ألخ. يقال: (خبر وأخبر الشئ وبالشئ - من باب أفعل وفعل: اعلمه اباه وانبأه به.

[178]

فالزم عملك وأقبل على خراجك فإنك كما ذكرت في طاعتك ونصيحتك، والسلام عليك - 149 - ومن كتاب له عليه السلام (1) إلى زياد بن خصفة التيمي البكري (ره) كتبه مع عبد الله بن وال. أما بعد فقد كنت أمرتك أن تنزل دير أبي موسى حتى يأتيك أمري، وذلك إني لم أكن علمت أين توجه القوم، وقد بلغني أنهم أخذوا نحو قرية من قرى السواد، فاتبع آثارهم وسل عنهم، فإنهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مسلما مصليا، فإذا أنت لحقت بهم فارددهم إلي، فإن أبوا فناجزهم واستعن الله عليهم فإنهم قد فارقوا الحق، وسفكوا الدم الحرام، وأخافوا السبيل والسلام


(1) وهذا الكتاب نقلناه بلفظ الثقفي (ره) في كتاب الغارات.

[179]

قال عبد الله بن وال: فأخذت الكتاب واستأذنت من أمير المؤمنين (ع) أن أكون مع زياد بن خصفة، فأذن لي، فلحقت زياد وسلمت إليه كتاب أمير المؤمنين (ع) فقرأه ثم قال لي: يابن أخي احب ان تكون معي. قلت: أنا أيضا احب ذلك، وقد استأذنت امير المؤمنين في ذلك فأذن لي، فسر زياد بذلك، فخرجنا حتى أتينا الموضع الذي كانوا فيه، فلم نجدهم فسألنا عنهم فقيل: أخذوا نحو المدائن، فاتبعنا آثارهم فلحقناهم بمدائن وهم مريحون ونحن لاغبون ناصبون (2)، فلما رأونا وثبوا على خيولهم واستووا عليها، فلما انتهينا إليهم، نادى الخريت بن راشد: يا عميان القلوب والابصار، أمع الله وكتابه أنتم أم مع القوم الظالمين. فقال له زياد: - وكان مجربا - قد ترى ما بنا من اللغوب، والذي جئنا له لا يصلح فيه الكلام علانية، ولكن ننزل وتنزلون، ثم نخلوا فنذاكر أمرنا وننظر فيه، فان رأيت فيما جئنا له حظا لنفسك قبلته، وان رأيت فيما أسمع منك أمرا أرجو فيه العافية لنا ولك لم أرده عليك. فقال الخريت انزل. فنزلنا وتنحى القوم ناحية فنزلوا، ووقف زياد في خمسة فوارس بيننا وبين القوم، ولما استرحنا وشربنا وأكلنا وتوضأنا وعلقنا على الخيول المخالب وسقيناها، قال زياد: ليأخذ كل رجل منكم بعنان فرسه فإذا دنوت منهم وكلمت صاحبهم فان تابعني على ما أريد فهو المطلوب، والا فإذا دعوتكم فاستووا على متون خيلكم فاقبلوا معا غير متفرقين، قال عبد الله بن وال: ثم استقدم زياد أمامنا وانا معه، فدعا الخريت ابن راشد، وقال له: اعتزل حتى ننظر في أمرنا. فأقبل إليه في خمسة نفر، فدعونا من أصحابنا ثلاثة نفر فلقيناهم بمثل عددهم، فقال له زياد: ما الذي


(2) يقال: (لغب زيد - من باب منع وسمع وكرم، والمصدر كالفلس والفلوس والصبور: - لغبا ولغوبا ولغوبا): أعيا أشد الاعياء، فهو لاغب. ويقال: (نصب - من باب فرح - نصبا): أعيا، فهو ناصب.

[180]

نقمت على أمير المؤمنين وعلينا حتى فارقتنا. فقال: لم أرض صاحبكم اماما، ولم أرض بسيرتكم سيرة، فرأيت أن اعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى بين الناس، فإذا اجتمع الناس على رجل هو لجميل الامة رضا كنت مع الناس. فقال زياد: ويحك وهل يجتمع الناس على رجل يداني عليا عالما بالله وبكتابه وسنة رسوله مع قرابته وسابقته في الاسلام. فقال الخريت: هو ما أقول لك. قال زياد ففيم قتلتم الرجل المسلم. فقال الخريت: ما أنا قتلته، انما قتلته طائفة من أصحابي. قال فادفعهم الينا. قال الخريت: ما إلى ذلك من سبيل. قال: أو هكذا أنت فاعل. قال: هو ما تسمع. قال عبد الله بن وال فدعونا أصحابنا، ودعا الخريت أصحابه فتطاعنا بالرماح حتى لم يبق بأيدينا رمح، ثم اضطربنا بالسيوف حتى انحنت، وعقرت عامة خيولنا وخيولهم وكثرت الجراح بين الطرفين، وقتل منا رجلان، وصرع منهم خمسة، وحال الليل بيننا وبينهم، فتنحوا فمكثوا ساعة ثم مضوا، فأصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا، فما كرهنا ذلك، فأتينا البصرة، وبلغنا أنهم أتوا الاهواز، فكتب زياد بن خصفة إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام (3): أما بعد فانا لقينا عدوالله، الناجي وأصحابه بالمدائن، فدعوناهم إلى الهدى والحق وكلمة السواء، فتولوا عن الحق وأخذتهم العزة بالاثم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل، فقصدونا وصمدنا صمدهم فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر إلى أن دلكت الشمس (4) واستشهد


(3) هذا ما لخصناه من عبارة الثقفي والطبري، واسقطنا منها مالا يخل بالمراد. (4) أخذته العزة بالاثم، أي حملته العزة التي فيه - من الغيرة والحمية - على الاثم المنهي عنه، والزمته ارتكابه، يقال: (أخذته بكذا): حملته عليه. وصمدنا صمدهم: قصدنا قصدهم. ودلكت الشمس - من باب نصر -: اصفرت وجنحت للمغيب.

[181]

منا رجلان صالحان، وأصيب منهم خمسة نفر، وخلوا لنا المعركة وقد فشت فينا وفيهم الجراح، ثم ان القوم لما أدركوا الليل خرجوا من تحته متنكرين إلى الارض الاهواز، وقد بلغني أنهم نزلوا من الاهواز جانبا، ونحن بالبصرة نداوي جراحنا وننتظر أمرك رحمك الله، والسلام. فلما أتى كتابه أمير المؤمنين (ع) قرأه على الناس، فقام معقل بن قيس الرياحي فقال: يا أمير المؤمنين انما ينبغي أن يكون مكان كل رجل من هؤلاء عشرة من المسلمين حتى إذا لحقوهم يستأصلوهم ويقطعوا دابرهم، فأما أن تلقاهم بأعدادهم فلعمري ليصبرون لهم فانهم عرب، والعدة تصبر للعدة فيقاتلون كل القتال. فقال له أمير المؤمنين (8): تجهز يا معقل إليهم، فندب معه ألفين وكتب عليه السلام إلى عبد الله بن العباس (ره) أن يمده بالبصرة أيضا بألفي رجل بالكتاب الآتي. - 150 - ومن كتاب له عليه السلام أما بعد فابعث رجلا من قبلك صليبا شجاعا معروفا بالصلاح في ألفي رجل من أهل البصرة، فليتبع معقل بن قيس، فإذا خرج من أرض البصرة فهو أمير أصحابه حتى يلقى معقلا، فإذا لقيه فمعقل أمير

[182]

الفريقين، فليسمع منه وليعطه ولا يخالفه. ومر زياد بن خفصة، فليقبل إلينا فنعم المرء زياد، ونعم القبيل قبيله (1) والسلام. وكتب عليه السلام أيضا إلى زياد بن خصفة بالكتاب التالي. - 151 - ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن خصفة. أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت من [أمر] الناجي وأصحابه الذين طبع الله على قلوبهم وزين لهم الشيطان أعمالهم، فهم حيارى عمون، يحسبون أنهم يحسنون أنهم يحسنون صنعا. ووصفت (2) ما بلغ بك وبهم الامر، فأما أنت وأصحابك فلللله سعيكم وعليه جزاؤكم ! وأيسر ثواب


(1) كذا في نسخة ابن أبي الحديد، وفى البحار: (ونعم القبيل قبيلته). (2) عطف على قوله: (ما ذكرت) أي وفهمت ما وصفت الخ، ويحتمل، ويحمل كون الواو استينافية.

[183]

الله للمؤمن خير له من الدنيا التي يقبل الجاهلون بأنفسهم عليها (2) فما عندكم ينفذ وما عند الله باق، ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (3). وأما عدوكم الذين لقيتموهم (4) فحسبهم خروجوهم من الهدى، وارتكاسهم في الضلالة، وردهم الحق، وجماحهم في التية (5) فذرهم وما يفترون، ودعهم في طغيانهم يعمهون، فأسمع بهم وأبصر، فكأنك بهم عن قليل بين أسير وقتيل ! فأقبل إلينا أنت وأصحابك مأجورين فقد أطعتم وسمعتم وأحسنتم البلاء والسلام.


(2) كذا في شرحا بن أبي الحديد، وفى البحار، ومنهاج البراعة: (من الدنيا التي يقتل الجاهلون أنفسهم عليها) الخ. ولعله أظهر. (3) أقتباس من الآية: (96) من سورة النحل: 16. (4) هذا هو الظاهر الموافق لتاريخ الطبري، وفى النسخة: (لقيتم). (5) يقال: (راتكس فلان في مكانه): دام وثبت. (وارتكس زيد): وقع في أمر نجا منه أزدحم. و (الجماح) - ككتاب -: ركوب الهوى. الاسراع إلى الشئ بحيث لا يمكن رده. و (التيه): التحير. الضلال. الصلف. الكبر. القفر يضل فيه، والجمع أتياه وأتاويه، وأتاوهة.

[184]

ثم ان معقلا (ره) خرج من الكوفة حتى نزل الاهواز فصبر حتى لحقه جيش البصرد، فنهضوا نحو الخريت وهو يرتفع بجيشه نحو جبال (امهرمز) فأدركوهم وقد دنوا من الجبل، فقاتلوهم وقتلوا منهم سبعين عربيا من بني ناجية، ونحو ثلاثمأة ممن اتبعه من العلوج والاكراد، وخرج الخريت منهز ما حتى لحق بساحل البحر وبه جماعة كثيرة من قومه، فلم يزل يسير فيهم ويزين لهم مخالفة أمير المؤمنين (ع) حتى وافقه منهم ناس كثير. وأقام معقل بعد انهزام الخريت بأرض الاهواز، وكتب إلى أمير المؤمنين (ع) بالفتح وكان في الكتاب: لعبد الله علي أمير المؤمنين، من معقل بن قيس، سلام عليك، فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو. أما بعد فانا لقينا المارقين وقد استظهروا علينا بالمشركين، فقتلنا منهم ناسا كثيرا، ولم نعد فيهم سيرتك، فلم نقتل منهم مدبرا ولا أسيرا، ولم ندفف منهم على جريح (6) وقد نصرك الله والمسلمين، والحمد لله رب العالمين. فلما بلغ كتابه إلى امير المؤمنين (ع) قرأه على أصحابه، ثم استشارهم في تعقيب الخريت، فقالوا: الرأي ان تكتب إلى معقل بن قيس يتبع آثارهم ولا يزال في طلبهم حتى يقتلهم أو ينفيهم من أرض الاسلام، فانا لا نأمن أن يفسدوا عليك الناس. فرد أمير المؤمنين (ع) رسول معقل، وكتب معه كتابين كتابا لمعقل، وكتابا آخر ليقرأه على جيش المارق الخريت، وانظر نص كتابه عليه السلام إلى معقل في المختار التالي.


(6) قوله: (فلم نقتل منهم مدبرا) الخ بيان لقوله: (فلم نعد سيرتك). ويقال: (دفف عليه) - من باب التفعيل -: اجهز عليه وأتم قتله. (*)

[185]

- 152 - ومن كتاب له عليه السلام إلى معقل بن قيس الرياحي يأمره فيه بقطع دابر الظالمين: أما بعد فالحمد لله على تأييد أوليائه وخذله أعداءه، جزاك الله والمسلمين خيرا، فقد أحسنتم البلاء وقضيتم ما عليكم، فاسأل عن أخي بني ناجية، فإن بلغك أنه استقر في بلد من البلدان، فسر إليه حتى تقتله أو تنفيه، فإنه لم يزل للمسلمين عدوا، وللفاسقين وليا، والسلام. فلما وصل كتابه عليه السلام إلى معقل، سأل عن مكان الخريت، فنبئ انه بساحل البحر بفارس وانه أفسد من قبله من عبد القيس ومن والاهم من سائر العرب، وكانوا منعوا الصدقة عام صفين، ومنعوها في ذلك العام أيضا، فسار إليهم معقل بجيش الكوفة والبصرة فأخرج راية أمان فنصبها وقال من أتاها من الناس فهو آمن الا الخريت وأصحابه الذين نابذوا أول مرة، وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين عليه السلام الآتي.

[186]

- 153 - ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى معقل بن قيس ليقرأه على الخوارج وغيرهم من الذين أضلهم الخريت. بسم الله الرحمن الرحيم (1) من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من المؤمنين والمسلمين والمارقين والنصارى والمرتدين، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وكتابه والبعث بعد الموت وافيا بعهد الله (2) ولم يكن من الخائنين. أما بعد فإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وأن أعمل فيكم بالحق وبما أمر الله تعالى في كتابه، فمن رجع منكم إلى رحله وكف يده واعتزل هذا


(1) كذا في تاريخ الطبري، وبحار الانوار، وحذفها ابن أبي الحديد في شرحه على النهج: وقد بينا وجه حذفهم البسملة ونحوها في غير موضع من هذا الكتاب. (2) كذا في النسخة، وفى تاريخ الطبري: (وأوفى بعهد الله) وهو الظاهر.

[187]

المارق [الفاسق (خ)] المالك المحارب الذي حارب الله ورسوله والمسلمين وسعى في الارض فسادا - فله الامان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا، والخروج من طاعتنا، إستعنا بالله عليه، وجعلناه بيننا وبينه، وكفى بالله وليا والسلام. ولما قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين (ع) تخلف عن الخريت كل من تبعه من غير قومه، ولم يبق معه الا قومه فناهضهم معقل فقتل الخريت وقتل معه من قومه في المعركة سبعون ومأة نفر وذهب الباقون يمينا وشمالا ولم يتبعهم من جند معقل أحد عملا بأمر أمير المؤمنين عليه السلام وسيرته، ثم ان معقلا كتب الفتح إلى امير المؤمنين عليه السلام وبعث خيلا إلى رحالهم فأسروا من أدركوا فيها رجالا ونساء وصبيانا، ثم نظر فيهم معقل فمن كان مسلما خلاه وأخذ بيعته وخلى سبيل عباله، ومن ارتد عن الاسلام عرض عليه الرجوع إلى الاسلام والا القتل، فأسلموا فخلى سبيلهم وسبيل عيالاتهم، وأما النصارى فاسترقهم واحتملهم مع عيالاتهم معه، حتى مر بهم على مصقلة بن هبيرة الشيباني - إلى آخر ما يأتي في الكتاب التالي -. تاريخ الطبري: ج 4 / 86. شرح المختار (44) من خطب نهج البلاغة من ابن أبي الحديد: ج 3، 128، وشرح المختار المتقدم منه من منهاج البراعة: 4، 234، والبحار: ج 8 ص 615.

[188]

- 154 - ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني عامله (ع) على (أردشير خرة) (1) وبالاسانيد المتقدمة: أن معقلا أقبل بالاسارى حتى مر على مصقلة بن هبيرة


(1) قال في مادة: (أردشير خرة) من كتاب البرهان القاطع، باب الهمزة بعدها الراء، ص 65 ط 2، ماهذا تعريبه: (أردشير خرة) بضم الخاء المعجمة، ثم الراء المهملة المشددة،: اسم لنواحي عظيمة من بلاد فارس، منها شيراز، وميمند، وسمنكان وبرخان، (سيمكان وبرازجان ظ) وسيراف وكازرون. رسمها أردشير. وقيل رسمها نمرود بن كنعان. وقال: - في باب الخاء المعجمة بعدها الراء المهملة ص 516، تحت مادة (خره) ما تعريبه: هي بفتح الاول وضم الثاني واظهار الهاء: النور المطلق، أعم من ان يكون من السراج أو من النار، أو من الشمس. وقال بعضهم: هي بهذا المعنى بضم الاول، وفتح الثاني، واخفاء الهاء. كما يقولون: (خرة) نور من الله تعالى يفيض على الخلق وبه يصير بعضهم أميرا على بعض، وبه يحصل الاقتدار لبعضهم على الحرفة، ولبعضهم على الصنعة، ومن هذا النور ما هو خاص يفوز به أكابر السلاطين وعدولهم، وهذا يقال له (كياخره، وكيان خره) وبهذا المعنى رأيتها بضم الاول وكسر الثاني أيضا. وبهذا المعنى جاء بالواو: (خورة) أيضا، و (خرة) ايضا تجيئ بمعنى الحصة، إذ قسم حكماء الفرس ملك الفارس بخمس حصص، وسموا كل حصة باسم، الحصة الاول (خرة أردشير) الثانية (خرة استخر) الثالثة (خرة داراب) الرابعة (خرة شابور) الخامسة (خرة قباد) وبهذا المعنى يقال لها أيضا (خورة). - وساق الكلام في معنى (خورة وخرة) إلى ان قال: - و (خرة اردشير): حصة من الخمس الحصص من ملك الفارس. واسم ولاية (*).

[189]

الشيباني وهو عامل علي عليه السلام على " أردشير خرة " فبكى إليه الاسارى وهم خمسمأة انسان، وتصايح الرجال: يا أبا الفضل، يا حامل الثقل، يا مأوى الضعيف وفكاك العناة، أمنن علينا فاشترنا وأعتقنا. فقال مصقلة: أقسم بالله لا تصدقن عليهم، إن الله يجزي المتصدقين، ثم بعث ذهل بن الحارث الى مقعل، فقال له: يعني نصارى بني ناجية، فقال: أبيعكهم بألف ألف درهم، فلم يزل يراوده ذهل بن الحارث حتى باعه اياهم بخمس مأة ألف درهم، وقال له عجل بالمال الى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال مصقلة: أنا باعث الان بصدر منه، ثم أتبعك بصدر آخر ثم كذلك حتى لا يبقى منه شئ، فأقبل معقل الى أمير المؤمنين " ع) فأخبره بما كان من الامر، فقال له: أحسنت وأصبت ووفقت، وانتظر أمير المؤمنين عليه السلام مصقلة أن يبعث بالمال، فأبطأ به وبلغه أن مصقلة خلى سبيل الاسارى ولم يسألهم أن يعينوه في فكاك أنفسهم بشئ، فقال (ع) ما أرى مصقلة الا قد حمل حمالة، ولا أراكم الا سترونه عن قريب مبلدحا ثم انه عليه السلام كتب إليه


= من الولايات التي بناها أردشير، وهو بهمن بن أسفنديار، وبهذا المعنى قيل (خرة أردشير) بشد الراء أيضا. ويقال أيضا: (خورة أردشير، وكورة أردشير). وقريب منه في (البرهان الجامع) ومما يناسب هنا جدا ذكر بعض ما أفاد شعراء العجم في هذا المعنى، قال الفردوسي ز پر مايه تر هر چه بد دلپذير * ببردند تأخره اردشير وقال كمال اسماعيل: گر تو خري ترا از خري هيچ ننك نيست * نام تراست سيم بخروار در خره (2) يقال: (بلدح الرجل - من باب فعلل - بلدحة): كضرب بنفسه الارض. و (بلدح فلان كتبلدح): وعد ولم ينجز.

[190]

أما بعد فإن من أعظم الخيانة خيانة الامة، وأعظم الغش على أهل المصر غش الامام (3) وعندك من حق المسلمين خمس مأة الف درهم، فابعث بها إلي حين يأتيك رسولي، وإلا فأقبل إلي حين تنظر في كتابي فإني قد تقدمت إلى رسولي ألا يدعك ساعة واحدة تقيم بعد قدومه عليك إلا أن تبعث بالمال، والسلام. فلما قرأ مصقلة الكتاب أقبل حتى نزل البصرة، ثم اقبل منها حتى أتى أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة، فأقره أياما لم يذكر له شيئا ثم سأله المال، فأدى مأتي ألف درهم وعجز عن الباقي، وروى ابن أبي سيف، عن أبي الصلت عن ذهل بن الحارث، قال: دعاني مصقلة إلى رحله فقدم عشاء فطعمنا منه، ثم قال: والله ان امير المؤمنين (ع) يسألني هذا المال ولا أقدر عليه. فقلت لو شئت لم يمض عليك جمعة حتى تجمع هذا المال. فقال: ما كنت الا حملها قومي ولا أطلب فيها إلى أحد، ثم قال: والله لو أن ابن هند مطالبي بها أو ابن عفان لتركها لي، ألم تر إلى عثمان كيف أعطى الاشعث


(3) الغش - بكسر الغين كضد -: الخيانة. الكدر في كل شئ وهو اسم من الغش - بفتح الغين - يقال: (غشه غشا - من باب مد - وغششه): أظهر له خلاف ما أضمره، وزين له غير المصلحة. خدعة. و (أغشه): أوقعه في الغش.

[191]

في كل سنة مأة الف درهم من خراج آذربايجان. فقلت: ان هذا لا يرى ذلك الرأي وما هو بتارك لك شيئا، فسكت ساعة وسكت عنه، فما مكث ليلة واحدة بعد هذا الكلام حتى لحق بمعاوية فبلغ ذلك عليا (ع) فقال: ماله ترحه الله، فعل فعل السيد، وفر فرار العبد، وخان خيانة الفاجر (4) أما أنه لو أقام فعجز ما زدنا على حبسه، فان وجدنا له شيئا أخذناه، وان لم نجد له مالا تركناه. شرح المختار (44) من خطب نهج البلاغة من ابن أبي الحديد: ج 3 ص 144، وأشار إليه أيضا في عنوان: (أمر الخريت في خلافة علي) من أنساب الاشراف، ص 410. وقريب منه جدا في تاريخ الطبري: ج 4 ص 99، ورواه أيضا في ترجمة مصقلة من تاريخ دمشق: ج 55 ص 821، قال: قرأت على أبي الوفاء حفاظ بن الحسن بن الحسين، عن عبد العزيز بن أحمد، أخبرنا عبد الوهاب الميداني، أخبرنا أبو سليمان بن زبر، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن جعفر، أخبرنا أبو جعفر الطبري قال: ذكر هشام بن محمد، عن أبي مخنف، حدثني الحرث بن كعب، عن عبد الله بن فقيم، قال: ثم انه - يعني معقل - أقبل بنصارى بني ناجية حتى مر الخ. أقول: ورواه أيضا في البحار: ج 8 ص 618، ومنهاج البراعة: 4 ص 240 في شرح قوله (ع): (قبح الله مصقلة) الخ المختار (44) من


(4) وفى المختار (44) من الباب الاول من نهج البلاغة: (قبح الله مصقلة فعل فعل السادة، وفر فرار العبيد، فما نطق مادحه حتى أسكته، ولا صدق واصفه حتى بكته، ولو أقام لاخذنا ميسوره وانتظرنا بماله وفوره. أقول: ورواه البلاذري في أنساب الاشراف مثل لفظ المدائني إلى قوله: (فرار العبد). ومعنى ترحه - كترحه وأترحه من باب التفعيل والافعال -: أحزنه.

[192]

خطب النهج، وأشار إليه ايضا ابن الاثير في الكامل: ج 3 ص 186، والبلاذري في أنساب الاشراف، ص 411. - 155 - ومن كتاب له عليه السلام وهي الصورة الثالثة لكتابه على السلام إلى زياد قال البلاذري: وكتب عليه السلام إلى زياد وهو خليفة عبد الله بن عباس بالبصرة، ويستحثه بحمل مال مع مولاه سعد، [فأتاه سعد] فاستحثه فأغلظ له زياد وشتمه، فلما قدم سعد على علي شكا [ه] إليه وعابه عنده وذكر منه تجربا وإسراف، فكتب علي عليه السلام إليه: إن سعدا ذكر لي أنك شتمته ظالما وجبهته تجبرا وتكبرا [فما دعاك إلى التكبر] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [كذا] الكبرياء والعظمة لله، فمن تكبر سخط الله عليه. وأخبرني أنك مستكثر [ظ] من الالوان في الطعام، وأنك تدهن في كل يوم فما عليك لو صمت لله أياما وتصدقت ببعض ما عندك محتسبا، وأكلت

[193]

طعامك في مرة مرارا [كذا] أو أطعمته فقيرا، أتطمع وأنت متقلب [ظ] في النعيم تستأثر به على الجار المسكين والضعيف [و] الفقير ولارملة واليتيم أن يجب [ظ] لك أجر الصالحين المتصدقين. وأخبرني أنك تتكلم بكلام الابرار، وتعمل عمل الخاطئين، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت وعملك أحبطت، فتب إلى ربك وأصلح عملك واقتصد في أمرك، وقدم الفضل ليوم حاجتك إن كنت من المؤمنين، وادهن غبا ولا تدهن رفها فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إدهنوا غبا ولا تدهنوا رفها) والسلام. أنساب الاشراف، ص 329.

[194]

- 156 - ومن كتاب له عليه السلام ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رفع الله درجاته، عن علي بن ابراهيم (ره) بأسناده قال: كتب أمير المؤمنين عليه لاسلام بعد منصرفه من النهروان، كتابا وأمر ان يقرأ على الناس، وذلك ان الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان (2) فغضب (ع) لذلك وقال: قد تفرغتم للسؤال [عن


(1) وجل ما في هذا الكتاب محفوف بقراءن قطعية داخلية وخارجية أشرنا إلى بعضا في التعليقات الآتية. (2) ان معاوية كما وصفه أمير المؤمنين عليه السلام كان كالشيطان الرجيم - على نحو التشبيه المعكوس - يأتي المسلمين من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم ومن فوقهم وتحتهم ليزحزحهم عن أمير المؤمنين عليه السلام فتارة كان يقول ان عليا قتل عثمان وأخرى يقول: ظاهر قاتليه، وثالثة يقول آوى قتلته، ورابعة يقول: لم يدافع عنه، وخامسة يقول رضي بقتله، وسادسة يقول: انه حسد أبا بكر وعمر وبغى عليهما ولم يبايعهما حتى قادوه للبيعة كما يقاد الجمع المخشوش، وسابعة يقول انه يذمهما ويتبرأ منهما، وثامنة يكتب إلى مسلمي العراق ويقول لهم في كتابه: اسألوه عنهما حتى يتبين لكم صدق مقالي من براءته عنهما وذمه لهما، وكان جمهور العراقيين في عصره (ع) غير عالمين بما جرى بينه (ع) وبين من تقدمه، وكان يقع بينهم وبين العالمين بذلك مشاجرات من أجلها يضطر أمير المؤمنين إلى بيان الحال وحقيقة الامر، بقدر ما أقتضته الحال، ولم تترتب عليه مفسدة ولا اختلال كلمة، ولذا كان (ع) يبث ما في نفسه ويفشيه افشاء ما عند ذكر عثمان، لان جمهورهم كانوا معتقدين بسوء حاله وخسران مآله، واما إذا جرى للشيخين ذكر فكأن في فمه (ع) ماء -، وهل ينطق من في فيه ماء، أو كما قال عليه السلام: لا يلتقى بذمهم الشفتان - لان جمهور العراقيين الا الخواص أصحابه عليه السلام كانوا يظنون حسنهم وكرامتهم.

[195]

السؤال (خ)] عما لا يعنيكم (3) وهذه مصر قد افتتحت، وقتل معاوية ابن خديج محمد بن أبا بكر، فيا لها من مصيبة ما أعظمها، مصيبتي بمحمد، فو الله ما كان الا كبعض بني، سبحان الله بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا، وأنا لكتاب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم، ان شاء الله تعالى فدعا (ع) كاتبه عبيد الله بن أبي رافع، فقال [له]: أدخل علي عشرة من ثقاتي. فقال: سمهم يا أمير المؤمنين، فقال (ع): أدخل أصبغ بن نباتة، وأبا الطفيل: عامر بن واثلة الكناني، وزر بن حبيش الاسدي، وجويريه بن مسهر العبدي، وخندف ابن زهير الاسدي، [كذا] وحارثة بن مضرب الهمداني، والحارث بن عبد الله الاعور الهمداني، ومصابيح النخعي، وعلقمة ابن قيس، وكميل ابن زياد، وعمير بن زرارة، فدخلوا إليه (4) فقال لهم: خذوا هذا الكتاب وليقرأه عبيد الله بن أبي رافع - وأنتم شهود - كل يوم جمعة، فان شغب شاغب عليكم (5) فأنصفوه بكتاب الله بينكم وبينه.


(3) كم بين هذا التعبير، وبين ما بينه عليه السلام في شأن نفسه وأهل بيته حيث قال: (بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، ان الائمة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم. وقال عليه السلام: (وإنما الائمة قوام الله على خلقه، وعرفاءه على عباده، لا يدخل الجنة الا من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النار الا من أنكرهم وأنكروه). المختار (140 و 148) من خطب نهج البلاغة ط مصر. (4) فيه حذف وايصال، أي دعاهم فدخلوا إليه عليه السلام. (5) الشغب (بالتحريك كالفرس -: تهييج الشر والفساد.

[196]

بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله على أمير المؤمنين، إلى شيعته من المؤمنين والمسلمين، فإن الله يقول: (وإن من شيعته لابراهيم [83 الصافات: 37] وهو اسم شرفه الله تعالى في الكتاب، وأنتم شيعة إلنبي محمد صلى الله عليه وآله، كما أن من شيعته ابراهيم، إسم غير مختص، وأمر غير مبتدع، وسلام الله عليكم، والله هو السلام المؤمن أولياءه من العذاب المهين، الحاكم عليكم بعدله. [أما بعد فإن الله تعالى] (6) بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأنتم معاشر العرب على شر حال، يغذو أحدكم كليه، ويقتل ولده، ويغير على غيره فيرجع وقد أغير عليه، تأكلون العلهز والهبيد (7) والميتة


(6) بين المعقوفين مما سقط من نسخة كشف المحجة والبحار، هو مما لا بد منه، ويدل، عليه ثبوته في رواية الثقفي (ره) وابن قتيبة. (7) العلهز (كزبرج -: طعام كانوا يتخذونه من الدم، ووبر البعير، في سني القحط والمجاعة. والهبيد: - والهبد، على زنة العبيد والعبد -: الحنظل أو حبه.

[197]

والدم، تنيخون على أحجار خشن وأوثان مضلة وتأكلون الطعام الجشب، وتشربون الماء الآجن (9) تسافكون دماءكم ويسبي بعضكم بعضا، وقد خص الله قريشا بثلاث آيات وعم العرب باية، فأما الآيات اللواتي في قريش فهو [كذا] قوله تعالى (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الارض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون [26 الانفال: 8].


(8) تنيخون مأخوذ من قولهم: (أناخ فلان بالمكان أناخة): أقام به، ويقال: (هذا مناخ سوء) للمكان إذا كان غير مرضي. والخشن - كالقفل - جمع خشناء، من الخشونة ضد (لان). (9) يقال: (جشب - وجشب - جشبا، وجشب - جشابة) الطعام: غلظ. فو (جشب وجشب وجشيب ومجشاب ومجشوب) والآجن: المتغير اللون والطعم، المنتن، من قولهم: (أجن الماء - من باب نصر، وضرب - وعلم - أجنا وأجنا وأجونا - كفلسا وفرسا وفلوسا -: تغير لونه وطعمه. أقول: ومثل هذا الصدر، ما ذكره عنه عليه السلام السيد الرضي (ره في المختار (25، أو 26) من الباب الاول من نهج البلاغة، ورواه عنه (ع) أيضا في المختار (62، أو 66) من الباب الثاني منه، ولكل واحد منها مزايا خاصة وطراوة وحلاوة ليست في الآخر، وقد جمع (ع) في وصف حالهم وبيان ما كانوا عليه قبل الاسلام بين فساد العقيدة، وكساد المعيشة، وذهاب الهدوء والامان، وقساوة القلوب والروية.

[198]

والثانية: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) (55 النور: 24). والثالثة قول قريش لنبي الله تعالى حين دعاهم إلى الاسلام والهجرة، فقالوا: (إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) فقال الله تعالى: (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا، ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) القصص: 28) وأما الآية التي عم بها العرب فهو قوله تعالى واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته

[199]

لعلكم تهتدون) (103 آل عمران: 3). فيا لها من نعمة ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلى غيرها، ويا لها من مصيبة ما أعظمها إن لم تؤمنوا بها وترغبوا عنها. فمضى نبي الله صلى الله عليه وآله وقد بلغ ما أرسل به، فيا لها مصيبة خصت الاقربين، وعمت المؤمنين، لن تصابوا بمثلها، ولن تعاينا بعدها مثلها (10) فمضى صلى الله عليه وآله لسبيله (ظ) وترك كتاب الله وأهل بيته إمامين لا يختلفان،


(10) وروى العياشي (ره) عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: ان عليا عليه السلام، لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (انا لله وانا إليه راجعون، يالها من مصيبة خصت الاقربين، وعمت المؤمنين، لم يصابوا بمثلها قط، ولا عاينوا مثلها). الحديث الثاني من تفسير الآية (185) من سورة آل عمران، من تفسير البرهان: ج 1، ص 329. وفى الباب العاشر من اثبات الهداة: ج 4 ص 257، عن كتاب المجموع الرائق، عن أم أيمن قالت: سمعت في الليلة التي بويع فيها أبو بكر هاتفا يقول: لقد ضعضع الاسلام فقد ان أحمد * وأبكى عليه فيكم كل مسلم وأحزنه حزنا تمالؤ عصبة ال‍ * - غواة على الهادي الوصي المكر وصي رسول الله أول مسلم * وأعلم من صلى وزكى بدرهم

[200]

وأخوين لا يتخاذلان، ومجتمعين لا يتفرقان (11). ولقد قبض الله محمدا نبيه صلى الله عليه وآله ولانا أولى الناس به مني بقميصي هذا (12) وما ألقي في روعي (13) ولا عرض في رأيي أن وجها الناس إلى غيري، فلما أبطاؤا عني بالولاية لهممهم (14) وتثبط الانصار - وهم انصار


(11) لله دره من تعبير ما أجله وأعظمه، وجميع ما ندعيه معاشر الشيعة الامامية في أئمة اهل البيت عليهم السلام، منطو في ضمن هذا الكلام المعاضد بالقرائن التفصيلية، من الاخبار الواردة عن النبي وأهل بيته صلى الله عليهم، منها قوله صلى الله عليه وآله - المتواتر بين المسلمين -: (اني تارك فيكم الثقتلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ألخ. (12) كذا في النسخة، وفى البحار ومعادن الحكمة: (ولانا أولى بالناس مني بقميصي هذا) وهو أظهر. (13) الروع - بضم الراء على زنة الروح -: القلب، أو موضع الروع - بفتح الراء - منه، والروع - بالفتح -: الفزع. وكأنه كناية عن أنه (ع) الله (ص) ولما تحلى به من الفضائل والفواضل والسوابق، ولما كان مخالفوه عليه، في أيام رسول الله (ص) من اظهار الانقياد لله تعالى، وتظاهرهم من أنهم خاضعون لرسول الله (ص) مؤتمرون بأوامره ونواهيه، ومتعبدون بشريعته. (14) كذا في النسخة، ولعله جمع الهمة - كعلة - وهو العزم القوي. أي فلما أبطاؤا وتخلفوا عني لعزيمتهم القوية، وجد جلهم على صرف الامر عني وتقميصه لغيري لزمت بيتي.

[201]

الله وكتيبة الاسلام - [و] قالوا: (أما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا أحق بها من غيره) (15) فو الله ما أدري إلى من أشكو فإما أن يكون الانصار ظلمت حقها، وإما أن يكونوا ظلموني حقي، بل حقي المأخوذ وأنا المظلوم، فقال قائل قريش: (الائمة من قريش). فدفعوا الانصار عن دعوتها و منعوني حقي منها (16).


(15) وحول الكلام بحث يمر عليك تحت الرقم (24) من هذه التعليقات. (16) وهذا الكلام مما صدر عنه (ع) في مقامات كثيرة بصور مختلفة، ففي المختار (28) من كتب نهج البلاغة ط مصر: (ولما احتج المهاجرون على الانصار يوم السقيفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلجوا عليهم، فان يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وان يكن بغيره فالانصار على دعواهم) !. وقريب منه معنى في كتاب التعجب ص 13، وقال: انه (ع) كتبه إلى معاوية. وهذا المعنى مما نفث به غير واحد من الائمة المعصومين من ولده (ع). قال في نزهة الناظر، ص 30 ط 1،: قيل: مر المنذر بن الجارود على الحسين (ع) فقال: كيف أصبحت جعلني الله فداك يابن رسول الله. فقال (ع): أصبحت العرب تعتد على العجم بأن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم منها: وأصبحت العجم مقرة لها بذلك: وأصبحنا وأصبحت قريش يعرفون فضلنا ولا يرون ذلك لنا، ومن البلا على هذا الامة أنا إذا دعوناهم لم يجيبونا، وإذا تركناهم لم يهتدوا بغيرنا. وفى البحار: ج 15، القسم الثالث منه ص 247 س 5 عكسا، عن المنهال قال: دخلت على علي بن الحسين (ع) فقلت: السلام عليك كيف أصبحتم رحمكم الله. قال: أنت تزعم أنك لنا شيعة ولا تعرف لنا صباحنا ومساءنا، أصبحنا في قومنا بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون يذبحون الابناء ويستحيون النساء، وأصبح خير البرية بعد نبينا (ص) يلعن على المنابر، ويعطي الفضل والاموال على شتمه: وأصبح من يحبنا منقوصا بحقه على حبه ايانا، واصبحت قريش تفضل على جميع العرب بأن محمدا (ص) منهم، يطلبون بحقنا ولا يعرفون لنا حقا، فهذا صباحنا ومساؤنا. وفى أعيان الشيعة: ج 4 ص 231 عن كشف الغمة، عن نثر الدرر (انه) قيل له يوما: كيف أصبحت. قال: أصبحنا خائفين برسول الله، واصبح جميع أهل الاسلام آمنين به. وفى ترجمة (ع) من تاريخ دمشق: ج 36 ص 47 مسندا عن المنهال قال: دخلت على علي بن الحسين فقلت له: كيف أصبحت أصلحك الله. فقال: ما كنت أرى شيخا من أهل المصر لا يدري كيف أصبحنا، فأما إذا لم تدر ولم تعلم فأنا أخبرك، أصبحنا في قومنا بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وأصبحنا (و) شيخنا وسيدنا يتقرب إلى عدونا بشتمه وسبه على المنابر، وأصبحت قريش تعد أن لها الفضل على العرب، لان محمدا منها لا يعد لها الفضل الا به، واصبحت العرب مقرة لهم بذلك، وأصبحت العرب تعد لها الفضل على العجم، لان محمدا منها، لا تعد لها الفضل الا به، وأصبحت العجم (ظ) مقرة لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدقت أن لها الفضل على العجم، وصدقت قريش أن كان لها الفضل على العرب لان محمدا منها، فان (ظ) لنا أهل البيت الفضل على قريش لان محمدا منا، فأصبحوا لا يعرفون لنا حقا، فهكذا أصبحنا إذا لم تعلم كيف أصبحنا. قال المنهال: فظننت أنه أراد ان يسمع من في البيت، وقريب منه في محاجة ابن عباس مع معاوية كما في الباب (28) من الملاحم والفتن 95. وقريب منه أيضا معنعنا في الحديث السابق من الجزء السادس من أمالي الشيخ ص 95 عن الامام الباقر (ع).

[202]

فأتاني رهط يعرضون علي النصر، منهم ابنا

[203]

(منهم أبناء (خ) سعيد (17) والمقداد بن ا لاسود،


(17) وهما خالد بن سعيد بن العاص، وأبان - أو عمر بن سعيد بن العاص، أوهم جميعا على تقدير كون (ابناء) جمعا لا مثنى. والرهط - كفلس وفرس -: الجماعة والعدة، وهو جمع لا واحد له من لفظه أي أتاني عدة ونفر من خيار أصحاب رسول الله (ص) مظهرين لي نصرهم للقيام بحقي. وباذلين لي جهدهم لاخذ ما غصبوه مني من القيام بأمور المسلمين، واحقاق الحقوق واجراء الحدود على طبق علمي النافذ، وعملي الواضح التابع للكتاب والسنة. أقول: هؤلاء الذين عرضوا بذل جهدهم لامير المؤمنين عليه السلام والقيام برد حقه إليه عن نية صحيحة واخلاص، قد انهي عددهم في بعض الاخبار ورفعه إلى أربعين نفرا مصر حابا سماء جلهم، منهم خالد بن سعيد بن العاص، وأما أخوه أو أخوته - بناء على كون لفظة (ابنا) جمعا - فليس ببالي الآن التصريح باسمه - أو بأسمائهم - وليعلم أن هؤلاء الاربعين لم يكونوا في بدؤ الامر، وقبل أحكام بيعة أبي بكر مجتمعين لبذل نصرهم وجهدهم له عليه السلام إذ بعضهم - كخالد بن سعيد وغيره - لم يكن حاضرا والحاضرون منهم أيضا لم يعرضوا مظاهرتهم في زمان واحد، بل في أزمنة مختلفة ونوب متفرقة، نعم الباذلون جهدهم لامير المؤمنين عليه السلام بعد يوم السقيفة فورا،: هم سلمان وابوذر والمقداد وعمار والزبير وجماعة قليلة اخر من بني هاشم لم يتجاوز عددهم عدد الاصابع، وأما البقية من الرهط - الذين أنهاهم في بعض الاخبار إلى أربعين رجلا (فكان عرضهم النصر متدرجا ومتأخرا عن يوم السقيفة، نعم كان هوى اكثر الانصار إلى أمير المؤم نين عليه السلام ووصوله إلى حقه، ولكن أستولت عليهم محبة الرئاسة والراحة، ومخافة تلف النفس والبضاعة، والابتلاء بالظماء والجماعة، وهذا صنيع أكثر الناس في أكثر الازمنة، حيث أنهم يحبون تقدم المحقين وتفوقهم، ولكن بشرط أن لا ينالهم في سبيل الحق ظمأ ولا مخمصة، ولسان حالهم وفعالهم - كلسان مقال بني اسرائيل - يقول لصاحب الحق: فأذهب أنت وربك فقاتلا أنا ههنا قاعدون، فان ظفرتم وغلبتم انا معكم.

[204]

وأبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوام، والبراء بن عازب، فقلت لهم: إن عندي من النبي صلى الله عليه وآله عهدا، وله إلي وصية لست أخالفه عما أمرني به (18) فو الله لو خزموني بأنفسي لاقررت لله تعالى سمعا وطاعة (19) فلما رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة، (بالبيعة (خ م)) أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله منه ومن غيره (20) وقد كان نبي الله أمر أسامة بن


(18) وقد بينه عليه السلام في مقامات أخر، وهو انه لو وجدت أنصارا فانهض لاخذ حقك وطرد المبطلين، والا فتحفظ على نفسك وعترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (19) أي لو سخروني وذللوني كالبعير المسخر بالخزامة، لا قررت لله تعالى بسمع أمره وطاعته من ترك القيام لاخذ حقي بلا معين وظهر. يقال: خزم أنف فلان - من باب ضرب - وخزم البعير: جعل في جانب منخره الخزام - أو الخزامة، بكسر الخاء فيهما - وهي حلقة يشد فيها الزمام. ويقال: (خزم أنف فلان) و (جعل في أنفه الخزامة): أذله وسخره. (20) (قد انثالوا): قد انصبوا واندفعوا (خوفا وطمعا) لان يبايعوا أبا بكر. و (ظننت) أي أيقنت. كما في قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) الخ وورود الظن بمعنى العلم واليقين شائع في كلام البلغاء والآيات والروايات كما في الآية (117) من سورة التوبة، والآية (53) من سورة الكهف، وغيرها. أو المعنى: اني ظننت ان الناس يروني اولى وأحق ويساعدوني على استنقاذ حقي ورد ما اغتصبوه عني الي. وعلى المعنى الاول فالاولوية تعيينية. (*)

[205]

زيد على جيش وجعلهما في جيشه (21) وما زال النبي إلى أن فاضت نفسه يقول: (أنفذوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة) فمضى جيشه إلى الشام حتى انتهوا إلى أذرعات فلقي جيشا (جمعا (خ ل) من الروم فهزموهم (فهزمهم (خ)) وغنمهم الله أموالهم، فلما رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن الاسلام تدعو إلى محو (محق (خ)) دين محمد وملة إبراهيم (عليهما السلام (خ)) خشيت إن أنا لم أنصر الاسلام و أهله أرى فيه ثلما وهدما تكون المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية أموركم التي إنما هي متاع أيام قلائل،


(21) الضمير في قوله (ع): (وجعلهما) عائد إلى أبي بكر وعمر، أما كون عمر في جند أسامة، وتأمير أسامة عليه في تلك السرية، فمما اتفق عليه الجميع، وانما الكلام والاختلاف في أبي بكر، والصحيح انه كان في الجيش قال ابن أبي الحديد - في أواسط الطعن الرابع من مطاعن أبي بكر، من شرح المختار (62) من كتب النهج، ج 17، ص 183 - وكثير من المحدثين يقولون: بل كان (أبو بكر أيضا) في جيشه. وللكلام بقية وشواهد تقف عليها في اول التذييلات الآتية.

[206]

ثم تزول وتنقشع كما يزول وينقشع السحاب (22) فنهضت مع القوم في تلك الاحداث حتى زهق الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا وإن رغم الكافرون (23). ولقد كان سعد لما راى الناس يبايعون أبا بكر، نادى أيها الناس إني والله ما أردتهم حتى رأيتكم تصرفونها عن علي، ولا أبايعكم حتى يبايع علي، ولعلي لا أفعل وإن بايع (24).


(22) (المحو والمحق) بمعنى واحد، وهو ابطال الشئ واضمحلاله. (والثلم) - على زنة الضرب -: الخلل والخرق و (الهدم) - كالضرب -: النقض والسقوط. و (انقشع السحاب): انكشف وزال. و (انقشع القوم عن أماكنهم): ابتعدوا عنه. (23) (نهضت): قمت، والنهوض: القيام بالشئ والاسراع إليه. و (الاحداث) - جمع الحدث كفرس وهو -: الامر المنكر الذي ليس معتادا ولا معروفا في السنة، وهو البدعة في الدين. و (زهق الباطل). خرجت روحه ومات. و (رغم الشئ رغما) - كضرب ونصر ومنع -، كرهه. والمصدر على زنة الفلس والفرس. (24) هذا الكلام وما تقدم آنفا من قوله عليه السلام: (وتثبط الانصار - وهم أنصار الله وكتيبة الاسلام - وقالوا: أما إذا لم تسلموها لعلي فصاحبنا أحق بها من غيره) دالان) على أن الانصار ورئيسهم سعد، لم يتجاسروا على ادعاء الخلافة والامارة، الا بعدما رأوا أنها مصروفة عن الوصي عليه السلام ومنهوبة عنه باغارة أهل الشره، ووثوب المنهمكين في الحرص والطمع، فخافوا =

[207]

ثم ركب دابته وأتى حوران وأقام في خان [في


= من الاضغان الجاهلية، ودوائر السوء عليهم، فادعوها لانفسهم، ومثل هذا الكلام ما رواه في الدرجات الرفيعة ص 326 في ترجمة سعد، من انه قال: (لو بايعوا عليا لكنت أول من بايع). وروى أيضا عن محمد بن جرير الطبري، عن أبي علقمة، قال قلت لسعد ابن عبادة وقد مال الناس لبيعة أبي بكر: تدخل فيما دخل فيه المسلمون. قال: اليك عني فو الله لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: (إذا أنامت تضل الاهواء، ويرجع الناس على أعقابهم، فالحق يومئذ مع علي، وكتاب الله بيده) لا نبايع لاحد غيره. فقلت له: هل سمع هذا الخبر غيرك من رسول الله. فقال: سمعه أناس في قلوبهم أحقاد وضغائن. قلت: بل نازعتك نفسك أن يكون هذا الامر لك دون الناس كلهم. فحلف انه لم يهم بها، ولم يردها، وانهم لو بايعوا عليا كان أول من بايع سعد. أقول: ورواه في الحديث (441) في الفصل (41) من الباب العاشر، من اثبات الهداة): 4، 156، عن أربعين محمد طاهر القمي، قال: وروى أصحابنا عن كتاب ابن جرير الطبري، عن سعد بن عبادة انه قال الخ. ومما يدل على ان اول من أقدم على نهب الخلافة وابتزازها، هم الشيخان واتباعهم دون سعد، ما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الوسيلة، من قوله: (ألا وان أول شهادة زور وقعت في الاسلام شهادتهم ان صاحبهم مستخلف رسول الله، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك الخ. وما رواه البخاري والمسلم في صحيحيهما، والحميدي في الجمع بين الصحيحين، وابن هشام في سيرته، وأبو حاتم: محمد ابن التميمي البستي في كتاب (الثقاة) وابن حجر في الصواعق، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، والطبري في تاريخه: ج 2 ص 446 - واللفظ له - قال عمر: (بلغني ان قائلا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا. فلا يغرن امرءان يقول: ان بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كان كذلك غير أن الله وقي شرها، وانه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه (ص) أن عليا والزبير، ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الانصار بأسرها) الخ فان هذا الكلام صريح أن =

[208]

عنان (خ)] حتى هلك ولم يبايع (25). وقام فروة بن عمرو الانصاري (26) وكان يقود


الانصار تخلفوا كتخلف علي وأتباعه، ومما يدل أيضا على شهامة الشيخين وأتباعهم، وأنهم كانوا أول من تصدى للتقمص بالخلافة، ما كتبه - مروج أساس القوم وحافظ دعائمهم: - معاوية، إلى محمد بن أبي بكر في كتاب طويل، وفيه: (فقد كنا - وأبوك فينا - نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا، فلما أختار الله لنبيه ما عنده وقبضه إليه، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه، وخالفه على أمره) الخ وهذا الكتاب وان استحيى الطبري من ذكره معتذرا بأنه مما يكرهه العامة، ولكن الله لا يستحيي من الحق، ولا يخاف من كراهة العامة، فأظهر الحق بنقل المسعودي في مرج الذهب: ج 3 ص 12. وبرواية نصر في كتاب صفين ص 118، وابن أبي الحديد في شرح المختار (46) من خطب نهج البلاغ ج 3 ص 190. (25) قال في باب الحاء بعدها الواو، من معجم البلدان: ج 3 ص 360 ط مصر،: (حوران) بالفتح يجوزأن يكون من حار يحور حورا. و (نعوذ بالله من الحور بعد الكور) أي من النقصان بعد الزيادة. وحوران كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القلة، ذات قرى كثيرة ومزارع وحرار، وما زالت منازل العرب، وذكرها في أشعارهم كثير، وقصبتها بصرى الخ. وقال في باب العين بعدها النون من ج 6 ص 230: (عنان) - بالكسر وآخره نون أخرى -: واد في ديار بني عامر، معترض في بلادهم، أعلاه لبني جعدة، وأسفله لبني قشير. (26) قال ابن أبي الحديد - في شرح المختار (66) من خطب نهج البلاغة: ج 6 ص 28 -: وكان فروة بن عمرو ممن تخلف عن بيعة أبي بكر، وكان ممن جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وقاد فرسين في سبيل الله، وكان ينصدق من نخله بألف وسق في كل عام، وكان سيدا وهو من أصحاب علي، وممن شهد معه يوم الجمل الخ وأيضا قال ابن أبي الحديد - في شرح المختار المتقدم ص

[209]

مع رسول الله صلى الله عليه وآله فرسين، ويصرم ألف وسق من تمر فيتصدق به على المساكين (فنادى يا معشر قريش أخبروني هل فيكم رجل تحل له الخلافة وفيه ما في علي. فقال: قيس بن مخرمة الزهري: ليس فينا من فيه ما في علي. فقال: صدقت، فهل في علي ما ليس في أحد منكم. قال: نعم. قال: فما صدكم عنه. قال: اجتماع [اجماع (خ)] الناس على أبي بكر. قال: أما والله لئن أصبتم [أحييتم (خ ل)] سنتكم لقد أخطأتم سنة نبيكم، ولو جعلتموها في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوقكم من تحت أرجلكم (27).


21 -: وروى الزبير بن بكار، قال: روى محمد بن اسحاق ان أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: وكان عامة المهاجرين وجل الانصار لا يشكون ان عليا هو صاحب الامر بعده (ص) فقال الفضل بن العباس: (يا معشر قريش وخصوصا يا بني تيم انكم انما أخذتم الخلافة بالنبوة، ونحن أهلها دونكم، ولو طلبنا هذا الامر الذي نحن أهله لكانت كراهة الناس لنا أعظم من كراهتهم لغيرنا، حسدا منهم لنا وحقدا علينا، وأنا لنعلم أن عند صاحبنا عهدا هو ينتهي إليه. (27) وقال أبو ذر: أصبتم قباحة وتركتم قرابة لو جعلتم هذا الامر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم أثنان. وقال سلمان: أصبتم ذا السن منكم وأخطأتم اهل بيت نبيكم أما لو جعلتموها فيهم ما أختلف منكم اثنان ولاكلتموها رغدا.

[210]

فولي أبو بكر فقارب واقتصد (28) فصحبته مناصحا وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا (29) حتى إذا احتضر قلت في نفسي ليس يعدل بهذا الامر عني، و لو لا خاصة بينه وبين عمر، وأمر كانا رضياه بينهما (30) لظننت أنه لا يعدله عني وقد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة الاسلمي - حين بعثني وخالد [ابن (ظ)] الوليد إلى اليمن، وقال: إذا افترقثما فكل واحد


(28) أي ترك الغلو، ولم يبالغ في الانحراف كل المبالغة، كالذين قاموا بالامر بعده وجلسوا مجلسه ولقبوا بلقبه. (29) (جاهدا) حال من فاعل (أطاع الله) أو عن الضمير المنصوب أو المرفوع في (أطعته) والاول كأنه أظهر. (30) (ولولا خاصة) أي خلطة أو محبة مخصوصة، أو خصوصية ذاتية تكوينية من أجلها يحن كل شخص إلى مجانسه ويوافق كل شن طبقه، ويؤيد الاخير مواخاة النبي صلى الله عليه وآله بينهما، وحديث: (ان النفوس - أو الارواح - جنود مجندة، فما تعارف منها إئتلف، وما تناكر منها اختلف). وأما الامر الذي كانا رضيا بينهما فهو تعاهدهما على أن يبايع أبا بكر، ليرد عليه أبو بكر بعده، ولذا قال له أمير المؤمنين (ع): احلب حلبا لك شطره، أشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا). وفى معادن الحكمة: (وأمر كان ربصاه).

[211]

منكما على حياله (31) وإذا اجتمعتما فعلي عليكم جميعا فغزونا وأصبنا سبيا فيهم خولة بنت جعفر جار الصفا (32) فأخذت الحنفية خولة، واغتنمها خالد مني، وبعث بريدة إلى رسول الله محشر علي (33) فأخبره بما كان من أخذي خولة فقال: (يا بريدة حظه في الخمس أكثر مما أخذ، إنه وليكم بعدي) سمعها أبو بكر وعمر، وهذا بريدة حي لم يمت (34) فهل بعد هذا مقال لقائل. فبايع عمر دون المشورة، فكان مرضي السيرة من


(31) أي على انفراده، اي في صورة الانفراد كل واحد منكم أمير على جنده الخ. (32) وفى البحار، نقلا عن كشف المحجة: (خويلة بنت جعفر جار الصفا، - وانما سمي جار الصفا من حسنه - فأخذت الحنفية خولة) الخ والظاهر أن (خويلة) من غلط النساخ، كما أن قوله: (وانما سمي جار الصفا من حسنه) من كلام السيد أبن طاوس - أو الكليني أو من تقدمهما من الرواة - فأدرجه الكتاب سهولا أو جهلا في كلامه (ع). (33) التحريش: الاغراء بين القوم، والافساد بينهم بالسعاية والنميمة. (34) وقوله (ص): (انه وليكم بعدي) - كحديث يوم الدار، وحديث الغدير، والثقلين، والسفينة وما يجرى مجراها - يدل على استخلافه (ص) اياه بعده بلا فصل على جميع المسلمين كائنا من كان، والادلة بتكاثرها كل واحدة منها متواترة. وأما بريدة فانه توفى سنة (63 ه‍) بمرو، وقيل: مات سنة (62).

[212]

الناس عندهم (35) حتى إذا احتضر قلت في نفسي ليس يعدل بهذا الامر عني للذي قد رآى مني في المواطن، وسمع من رسو الله صلى الله عليه وآله، فجعلني سادس ستة، وأمر صهببا أن يصلى بالناس، ودعا أبا طلحة زيد بن سعد الانصاري فقال له: (كن في خمسين رجلا من قومك فاقتل من أبى أن يرضى من هؤلاء الستة). فالعجب من اختلاق القوم، إذ زعموا أن أبا بكر استخلفه النبي صلى الله عليه وآله، فلو كان هذا حقا لم يخف على الانصار، فبايعه الناس على شورى ثم جعلها أبو بكر لعمر برأيه خاصة، ثم جعلها عمر برأيه شورى بين ستة، فهذا العجب من اختلافهم (37) والدليل على ما لا أحب أن أذكر [ه] قوله (ظ): (هؤلاء الرهط الذين قبض رسول اله صلى الله عليه وآله (كذا)


(35) أي لا بحسب الواقطع ونفس الامر وعند الله تبارك وتعالى. (36) وفى معادن الحكمة والجواهر: (فالعجب من خلاف القوم). (37) وفى معادن الحكمة: (فهذا العجب واختلافهم).

[213]

وهو عنهم راض). فكيف يأمر بقتل قوم رضي الله عنهم ورسوله، إن هذا لامر عجيب، ولم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي، كانوا يسمعون وأنا أحاج أبا بكر وأقول (ظ): يا معشر قريش أنا أحق بهذا الامر منكم ما كان منكم من يقرأ القرآن ويعرف السنة ويدين بدين الله الحق (38) وإنما حجتي أنى ولي هذا الامر من دون قريش، إن نبي الله صلى الله عليه وآله قال: (الولاء لمن أعتق) فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بعتق الرقاب من النار، وأعتقها من الرق، فكان للنبى صلى الله عليه ولاء هذه الامة.


(8) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: (ويدين دين الله الحق) في البحار، ومعادن الحكمة: (ويدين دين الحق) والمعنى: انكم ان كنتم من أهل القرآن والسنة ودين الحق فخلوا بيني وبين الخلافة، لان القرآن والسنة ودين الحق حاكم بأني أحق وأولى بالخلافة منكم. ويحتمل ان يراد من الكلام انه ما دام في الوجود مسلم ومعتقد بالشريعة، فأنا أولى بالامارة والخلافة عليه. وفي بعض الروايات الواردة في احتجاجه (ع) يوم السقيفة على أبي بكر انه قال: (ونحن أحق بهذا الامر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله) الخ.

[214]

وكان لي بعده ماكان له (39) فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبي صلى الله عليه وآله جاز لبني هاشم على قريش، وجاز لي على بني هاشم بقول النبي صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) إلا أن تدعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلى الله عليه وآله، فإن شاءوا فليقولوا ذلك. فخشي القوم إن أنا وليت عليهم أن آخذ بأنفاسهم وأعترض في حلوقهم ولا يكون لهم في الامر نصيب (40) فأجمعوا علي إجماع رجل واحد منهم حتى صرفوا الولاية


(39) الاستدلال بقوله: (الولاء لمن أعتق) بضميمة ما يأتي بعد ذلك من قوله (ص): (من كنت مولاه فعلي مولاه) ومن قوله (ص) له (ع): (يابن أبي طالب لك ولاء أمتي، فان ولوك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم، وان أختلفوا عليك فدعهم وماهم فيه) الخ. وروى الكليني (ره) في الحديث الخامس من الباب الثامن، من كتاب الجهاد، من الكافي: ج 5، ص 28، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اليمن، وقال لي: يا علي لا تقاتلن أحدا حتى تدعوه، وأيم الله لان يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي). (40) وهذا المعنى مما نطق به القوم في كثير من المقامات، ورواه عنهم أنصارهم - وقد تقدم نقل شرذمة منه في باب الخطب - وقد سار بسيرتهم في كل عصر كثير من المبطلين، فنازعوا الحق أهله فضلوا وأضلوا عن سواء الصراط.

[215]

عنى إلى عثمان رجاء أن ينالوها ويتداولوها في ما بينهم، فبيناهم كذلك نادى مناد لا يدرى ؟ ن هو (41) فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان فقال: يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرف وبدا منكر ما لقريش لا على كعبها (42) * من قدموا اليوم ومن أخروا إن عليا هو أولى به * منه فولوه ولا تنكروا


(41) ثم ان في النسخة هكذا: (إذ نادى مناد لا يدري من هو، واظنه جنيا) وهو من كلام بعض الرواة اقحم في المتن. (42) النعي: خبر الموت. وجملة: (لا على كعبها) دعائية، قال في النهاية: وفى حديث قيله: (لا يزال كعبك عاليا) هو دعاء لها بالشرف والعلو، وفى ترجمة عمار، من الدرجات الرفيعة ص 262 وقريب منه في مروج الذهب: 2 / 243 - قال: وروى الجوهري، قال: قام عمار يوم بويع عثمان، فنادى يا معشر المسلمين انا قد كنا وما كنا نستطيع الكلام قلة وذلة فأعزنا الله بدينه وأكرمنا برسوله، فالحمد لله رب العالمين، يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم تحولونه ها هنا مرة وههنا مرة، ما أنا آمن أن ينزعه الله منكم ويضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله. فقال هشام بن المغيرة: يابن سمية لقد عدوت طورك، وما عرفت قدرك، ما أنت وما رمت قريش لانفسها، انك لست في شئ من امرها وامارتها فتنح عنها، وتكلمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمار فانتهروه فقال: الحمد لله رب العالمين، ما زال أعوان الحق أذلاء، ثم قام فانصرف. قال الشعبي: وأقبل عمار ينادي ذلك اليوم: يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرفه وبدا منكر أما والله لو أن لي أعوانا لقاتلتهم، والله لان قاتلهم واحد لاكونن له ثانيا. فقال علي (ع): يا أبا اليقظان والله لا أجد عليهم أعوانا، ولا أحب أن أعرضكم لما لا تطيقون. أقول: وذكر في ترجمة نعمان بن زيد الانصاري من أعيان الشيعة ج 5 ص 9: انه أنشد الاشعار يوم السقيفة، وفيها زيادة غير مذكورة هنا.

[216]

فدعوني إلى بيعة عثمان فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا، وعلمت أهل القنوط أن يقولوا: أللهم لك أخلصت القلوب، وإليك شخصت الابصار، وأنت دعيت بالالسن، وإليك تحوكم [نجواهم (م) في الاعمال، فافتح بيننا وبين قومنا بالحق. أللهم إنا نشكو إليك غيبة [فقد (خ ل)] نبينا وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وهواننا على الناس، وشدة الزمان ووقوع الفتن بنا، أللهم ففرج ذلك بعدل تظهره، وسلطان حق تعرفه. فقال عبد الرحمن بن عوف: (يا بن أبي طالب إنك على هذا الامر لحريص) فقلت: لست عليه حريصا وإنما أطلب ميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وحقه وأن ولاء أمته لي من بعده، وأنتم أحرص عليه مني إذ

[217]

تحولون بيني وبينه، وتصرفون [وتضربون (خ ل)] وجهي دونه بالسيف (43). أللهم إني أستعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي وأضاعوا أيامي (44) ودفعوا حقي وصغروا قدري وعظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم (45) فاستلبونيه، ثم قالوا: (اصبر مغموما أو مت


(43) ولهذا الدعاء صور كثيرة صدرت عنه (ع) في مختلف المقامات، وذكرنا بعض صوره في الباب الرابع من كتابنا هذا فراجع، وصورة منه ذكرها السيد (ره) في المختار (15، أو 16) من كتاب نهج البلاغة. (44) وقريب منه جدا في المختار (167، أو 170) من خطب نهج البلاغة. منهم، حيث أنهم قطعوا رحمي عن رسول الله (ص) ولم يصلوه، واضاعوا أيامي المشهورة التي نصرت فيها الدين، وخصائصي التي أوجبت لي ولاية المسلمين. (45) والاولوية هنا تعبينية، كما في قوله تعالى: (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ويدل عليه أمور كثيرة منها قوله (ع) في المختار (170) من خطب النهج: (وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي) الخ. وقريب منهما جدا في المختار (214) من خطب النهج أيضا.

[218]

متأسفا) (46) وأيم الله لو استطاعوا أين يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا ولكنهم لن يجدوا إلى ذلك سبيلا (47). [و] إنما حقي على هذه الامة كرجل له حق على قوم إلى أجل معلوم، فإن أحسنوا وعجلوا له حقه قبله حامدا، وإن أخروه إلى أجله أخذه غير حامد، وليس يعاب المرء بتأخير حقه، إنما يعاب من أخذ ما ليس له (48) وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إلي عهدا فقال: (يا بن أبي طالب لك ولاء أمتي فإن ولوك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا (49) فقم بأمرهم، وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه فإن الله سيجعل


(46) أي أنهم لم يكتفوا بغصب حقي فقط، بل زادوا عليه التعيير والتقريع. (47) هذا هو الظاهر، وفى النسخة: (ولكنهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا). (48) وهذا مثل قوله عليه السلام - وفى المختار (28) من كتب نهج البلاغة -: (وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا بيقينه) الخ. (49) أي الامامة والولاية ثابتتان لك أجمعوا عليك بالرضا وطيب النفس أم لا، وأما القيام بأمر وأعباء الامامة فهو معلق على اجماعهم عليك ورضاهم بك، فان أجمعوا ورضوا بك فقم بأمرهم، والا فدعهم.

[219]

لك مخرجا). فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا معي مساعد إلا أهل بيتي فضننت (50) بهم عن الهلاك، ولو كان لي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عمى حمزة وأخي جعفر لم أبايع كرها [مكرها (خ)] ولكني بليت (51) برجلين - حديثي عهد بالاسلام - العباس وعقيل، فضننت بأهل بيتي عن الهلاك، فأغضيت عيني على


(50) الرافد: المعين والمساعد. وضننت بهم - من باب علم ونفع -: بخلت بهم واحتفظت عليهم كما يبخل بالنفائس ويتحفظ عليها. وما هنا قريب جدا مما في المختار (25) و 214) من خطب النهج، وما ذكره عليه السلام من خوفه على استيصاله واستيصال أهل بيته لو لم يبايع القوم، قد تواتر عنه عليه السلام والقرائن القطعية شاهدة له، قال عبد الرحمن بن عوف يوم بايع عثمان: يا علي فلا تجعل إلى نفسك سبيلا فانه السيف لا غير. الامامة والسياسة 27. وان تعمقت في وصية عمر، أو ما جرى يوم السقيفة لترى الامر جليا. (51) وفى نسخة البحار: (ولكني منيت) وهما بمعنى واحد، وما ذكره عليه السلام بالنسبة إلى العباس وعقيل جلي لمن تأمل في سيرتهما في بدء الاسلام إلى زمان وفاتهما، وكذا الكلام بالنظر إلى سيرة حمزة وجعفر (رض) فلو كانا حيين لما اغتنم أصحاب السقيفة اشتغال الوصي بتجهيز الرسول (ص) غنيمة باردة لنهب الخلافة، ولهابوهم هيبة الثعلب من الاسد، ولما وقع الوصي بين المحذورين: من اجتياح العترة وعود الكفر - لو قام لاحقاق حقه ودفع مخاصميه - ومن غصب حقه لو سكت.

[220]

القدى، وتجرعت ريقي على الشجى وصبرت على أمر من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار (52). وأما أمر عثمان فكأنه علم من القرون الاولى علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (53) خذله أهل بدر.


(52) (أغضيت عيني على القذى) أي غمضتها عليه. والاغضاء: غمض جفني العين وتطبيقهما حتى لا يرى شيئا. والقذى: ما يقع في العين من تبن ونحوه. والشجى: ما اعترض في الحق من عظم ونحوه. والعلقم: شجر مر بالغ المرارة. ويطلقه العرب على كل مر. والحز: الوجع والالم. والشفار: جمع الشفرة كضربة: السكاكين العظيمة العريضة. قال محمد عبده: (وكل هذا تمثيل للصر، والاختناق على المضض الذي آلم به من حرمانه حقه وتألب القوم عليه). (53) لعل المراد ان أمره كان شبيها بأمور وقعت على القرون الاولى التي لم تكونوا شاهدي أعمالهم لتعلموا حسن عاقبتهم أو شناعتها، فعلمها عند الله الذي لا ينسى، ولا يضل، ولا يعزب عنه شئ، وعلم الحوادث قبل وقوعها فاثبتها في اللوح المحفوظ. يمكن أن يريد (ع) من قوله: (في كتاب) القرآن، فالمراد ان حالة يستعلم من القرآن، فان كان في أعماله خائفا فله جنتان، وان كان ظالما غير مبال بالله تعالى، فهو ممن يعض على يديه ويقول: ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، ليتني لم اتخذ فلانا خليلا. ولعل هذا المعنى أوفق بقوله: (خذله أهل بدر) إذ أتباع معاوية وأنصاره يروون عنه (ص) ما معناه: ان الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وكذا يروون عنه (ص) قوله: اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. ولا خلاف أن جمهور البدريين من المهاجرين والانصار خذلوا عثمان، بل رؤساؤهم كطلحة والزبير، كانوا ممن ألبوا على عثمان.

[221]

وقتله أهل مصر، والله ما أمرت ولا نهيت، ولو أنني أمرت كنت قاتلا، ولو أنني نهيت كنت ناصرا، وكان الامر لا ينفع فيه العيان، ولا يشفى منه الخبر (54) غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول هو: (خذله من


(54) لعل المعنى أن أمره كان مشتبها على من عاين الامر، وعلى من سمع خبره، فلا يعلم كيف وقع. أو المعنى ان قتله شبه على أكثر الناس، فما علموا انه قتل حقا أو باطلا. وقريب منه قول رسوله إلى معاوية: (ان أمر عثمان أشكل على من حضره، المخبر عنه كالاعمى، والسميع كالاصم) الخ الامامة والسياسة 83. ثم ليعلم أن قوله (ع) هنا: (ولو انني أمرت كنت قاتلا) إلى قوله: (والله يحكم بينكم وبينه) رواه في المختار (30) من باب خطب نهج البلاغة، باختلاف طفيف في بعض ألفاظه. وقطعة منه رواه البلاذري في أنساب الاشراف: 5 / 98 و 101. ورواه أيضا في ترجمة عثمان من تاريخ دمشق ج 25 ص 159، وما قبلها بمغايرة طفيفة في بعض الالفاظ، وبأسانيد عديدة في بعض الفقرات. وفى ترجمة كعب بن مالك الانصاري من كتاب الاغاني: 16، 233 ط مصر، وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا أبو جعفر محمد ابن منصور الربعي، وذكر انه اسناد شآم، هكذا: قال: قال ابن عمار في الخبر، وذكر حديثا فيه طول لحسان بن ثابت والنعمان بن بشير، وكعب بن مالك، فذكرت ما كان لكعب فيه، قال: لما بويع لعلي بن أبي طالب عليه السلام بلغه عن حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، والنعمان بن بشير - وكانوا عثمانية - أنهم يقدمون بني أمية على بني هاشم، ويقولون: الشام خير من المدينة، واتصل بهم ان ذلك قد بلغه، فدخلوا عليه، فقال له كعب بن مالك: يا امير المؤمنين أخبرنا عن عثمان: أقتل ظالما فنقول بقولك، أم قتل مظلوما فنقول بقولنا ونكلك إلى الشبهة فيه، فالعجب من تيقننا وشكك، وقذد زعمت العرب أن عندك علم ما اختلفنا فيه فهاته نعرفه، ثم قال: كف يديه ثم أغلق بابه * وأيقن ان الله ليس بغافل وقال لمن في داره لا تقاتلوا * عفا الله عن كل أمرئ لم يقاتل فكيف رأيت الله صب عليهم ال‍ * - عداوة والبغضاء بعد المتواصل وكيف رأيت الخير أدبر عنهم * وولى كادبار النعام الحوافل فقال لهم علي عليه السلام: لكم عندي ثلاثة أشياء: استأثر عثمان فأساء الاثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، وعند الله ما تختلفون فيه إلى يوم القيامة. أقول ونقله عنه ابن عساكر في ترجمة كعب من تاريخ دمشق: ج 46 ص 1553، الا انه قال: (وذكر له أسنادا شاميا). وهو أظهر.

[222]

أنا خير منه) ولا يستطيع من خذله أن يقول: (نصره من هو خير مني). وأنا جامع أمره: إستأثر فأساء الاثرة وجزعتم فأسأتم الجزع، والله يحكم بينكم [بيننا (خ)] و بينه، والله ما يلزمني في دم عثمان تهمة [ثلمة (خ)] ما كنت إلا رجلا من المسلمين المهاجرين في بيتي (كذا) فلما قتلتموه أتيتموني تبايعوني فأبيت عليكم وأبيتم علي، فقبضت يدي فبسطتموها، وبسطتها فمددتموها ثم تداككتم علي تداك الابل الهيم على حياظها يوم

[223]

ورودها (55) حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض، حتى انقطعت النعل وسقط الرداء، وطئ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن حمل إليها الصغير وهدج إليها الكبير وتحامل إليها العليل وحسرت لها الكعاب (56).


(55) التداك والتداكك: التدافع الذي يقع بين المتزاحمين الواردين على شئ واحد، فان كل واحد منهم يدك الآخر بمقاديم بدنه ليدفعه ويستقل هو بالمورد، والهيم: العطاش. وجمعه هيماء - كعين وعيناء -. والورود: النزول. ومثله في المختار (224)، أو 226) من خطب النهج، وكذا في المختار (53) منها: (يوم وردها) وهو أيضا يعطي معناه، إذ (الورد) يستعمل في الاشراف على الماء. وفى العطش. وفى الماء الذي يورد. وفى النصيب منه. وفى يوم شرب الماء. (56) وهذا قريب جدا مما في المختار (224، أو 226) من خطب نهج البلاغة، الا ان فيها: (أن ابتهج بها الصغير) وما هنا أبلغ، إذ حمل الصغار لبيعته (ع) يكشف عن فرط رغبة أوليائهم لبيعته، وتبركهم بها، ولهذا حملوا أولادهم معهم لبيعته (ع). وأما تفسير الفاظه (ع) فيقال: (هدج - هدجا) الظليم: مشى في ارتعاش. وهدجت الناقة: حنت على ولدها. والفعل من باب ضرب. وتحامل في الامر وبالامر والى الامر: تكلفه على مشقة. و (وحسر كمه عن ذراعه) - من باب ضرب ونصر -: رفعه وكشفه. و (حسرت الجارية خمارها عن وجهها): أسرفت وأبرزت وجهها برفع الخمار. و (الكعاب) - كحساب وكتاب - جمع الكعب - كفلس - وهو كل مفصل للعظام. ويراد منه هنا: الركبة أو الساق لمجاورته الركبة والعظمان الناشزان من جانبي القدم، فانهما أيضا يطلق عليهما الكعب. و (الكعاب) - كسحاب وسراب -: الجارية حين يبدو ثديها للنهود، وهي الكاعب - بلا هاء - أي ان الجواري كشفت عن وجهها متوجهة إلى بيعته عليه السلام لتعقدها بلا استحياء، لشدة الرغبة والحرص على اتمام الامر لامير المؤمنين عليه السلام. كذا أفاد الاستاذ محمد عبده في تعليقه على نهج البلاغة، وهذى المعنى على ما أختاره من ضبط (الكعاب) على زنة سحاب، وأما بناء على كونه على زنة الكتاب والحساب، فالمعنى ان الناس - رجالا ونساء صغارا وكبارا - لغاية فرحهم ونهاية عنايتهم وفرط شعفهم بخلافة أمير المؤمنين عليه السلام كشفوا عن ساقهم وشمروا ذيلهم مسرعين إليه (ع) - كمن يعدوا إلى محبوبه الذي قد تألمه بفراقه في برهة وآيس من حياته ووصاله 4 ثم بشر بمجيئه وانه على شرف اللقاء - ليكونوا أول فائز بهذه المكرمة، ليتموه أو ليحكموه قبل سريان الفساد، وفوات الوقت، وعليه ف‍ (حسرت) مبني للمفعول. وغرضه عليه السلام من الكلام ان الامة بايعته مختارة مشتاقة من غير استدعاء منه عليه السلام. وما أقرب كلام ابن عم عدي بن حاتم لما وصف بيعته عليه السلام بالشام لمعاوية، لما ذكره (ع) هنا، قال ابن عم عدي: (ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش حتى ضلت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الشيخ - إلى ان قال: - فحملوا إليه الصبي، ودبت إليه العجوز، وخرجت إليه العروس فرحا به وسرورا وشوقا إليه) الخ.

[224]

فقالوا: بايعنا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر، فإنا لا نجد غيرك ولا نرضى إلا بك، بايعنا لا نفترق و لا نختلف. فبايعتم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله (57) دعوت الناس إلى بيعتي فمن بايعني


(57) لا على ما بويع عليه أبو بكر وعمر، فان كتاب الله وسنة رسول الله غير محتاجين إلى موافقتهما ولا مشترطان بهما، كما صرح هو عليه السلام بذلك لما قال له ابن عوف: أبايعك على ان تسير فينا بكتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الشيخين. كما في تاريخ الطبري والكامل واليعقوبي - واللفظ له - فقال عليه السلام: ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى أجيرى أحد، أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عني.

[225]

طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فكان أول من بايعني طلحة والزبير، فقالا: (نبايعك على أنا شركاؤك في الامر). فقلت: لا ولكنكما شركائي في القوة وعوناي في العجز (58) فبايعاني على هذا الامر، ولو أبيالم أكرههما كما لم أكره غيرهما. وكان طلحة يرجو اليمن، والزبير يرجو العراق، فلما علما أني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان


(58) وفى المختار (202) من قصار نهج البلاغة: (نبايعك على أنا شركاؤك في هذا الامر. قال: لا ولكنكما شريكان في القوة والاستعانة، وعونان على العجز والاود. والاود - كفرس -: الاعوجاج. والكد والتعب وبلوغ الانسان مجهوده من ثقل الامر ومشقته. روى ابن أبي الحديد في شرح المختار (198) من خطب النهج: ج 10 ص 16، عن شيخه أبي عثمان ان طلحة والزبير، أرسلا محمد بن طلحة إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقالا له: قل لعلي: ول أحدنا البصرة والآخر الكوفة. فقال عليه السلام: لاها الله ! إذا يحلم الاديم، ويشتشرى الفساد، وتنتقض علي البلاد من أقطارها، والله اني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة، فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين الخ.

[226]

الغدر، فاتبعا [فأتيا (خ)] عايشة واستخفاها - مع كل شئ في نفسها علي (59) - والنساء نواقص الايمان، نواقص العقول، نواقص الحظوظ، فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فلا شهادة لهن إلا في الدين، وشهادة امرأتين برجل، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال (60).


(59) يقال: استخف زيد عمرا: أزاله عن الحق والصواب. حمله على الخلاعة. واستخف به: استهان به. وفى المختار (151، أو 154) من خطب نهج البلاغة: (وأما فلانة فأدركها رأي النساء، وضغن غلى في صدرها كمرجل القين، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت الي لم تفعل، ولها بعد حرمتها الاولى والحساب على الله). قال محمد عبده مفتي الديار المصرية - في تعليقة على هذا المقام -: المرجل: القدر. والقين - بالفتح -: الحدادة، أي ان ضغينتها وحقدها كانا دائمي الغليان كقدر الحداد - فانه يغلى ما دام يصنع - ولو دعاها أحد لتصيب من غيري غرضا من الاساءة والعدوان مثل ما أتت إلى - أي: فعلت بي - لم تفعل لان حقدها كان علي خاصة. وروى الشيخ المفيد (ره) في كتاب الجمل 81، عن عايشة انها كانت تقول: (لم يزل بيني وبين علي من التباعد ما يكون بين بنت الاحماء). وروى عنها أيضا انها قالت: (لا جرم اني لا احب عليا أبدا). (60) ومن قوله عليه السلام: (والنساء نواقص الايمان - إلى قوله: - على الانصاف من مواريث الرجال) رواه السيد الرضى (ره) في المختار (77) من خطب نهج البلاغة، وقال: خطبها عليه السلام بعد حرب الجمل، ورواه ايضا السبط ابن الجوزي مع المختار (13) و (14) من الباب الاول من النهج، وحكاه السيد عبد الزهراء الخطيب (حفظه الله وزاد في توفيقه) عن كتاب قوت القلوب لابي طالب المكي المتوفى سنة (382) ج 1، 282.

[227]

وقادهما عبد الله بن عامر إلى البصرة، وضمن لهما الاموال والرجال، فبيناهما يقودانها إذ هي تقودهما (كذا) فاتخذاها فئة يقاتلان دونها (61) فأي خطيئة أعظم مما أتيا، أخرجا (62) زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله من بيتها فكشفا عنها حجابا ستره الله عليها وصانا حلائلهما في بيوتهما، ولا أنصفا الله ولا رسوله من أنفسها (63) ثلاث [بثلاث (م)] خصال مرجعها على


(61) كذا في النسخة: وفى محاجة ابن عباس مع عبد الله بن الزبير التي ذكرها ابن أبي الحديد، في شرح المختار (458) من قصار نهج البلاغة: ج 20 ص 130: (فانطلق أبوك وخالك إلى حجاب مده الله عليها، فهتكاه عنها ثم اتخذاها فتنة يقاتلان دونها، وصانا حلائلهما في بيوتهما، فما انصفا الله ولا محمدا من أنفسهما أن ابرزا زوجة نبيه وصانا حلائلهما) الخ. (62) هذا هو الظاهر، وفى المخطوطة من معادن الحكمة والمطبوع من كشف المحجة والبحار: (اخراجهما زوجة رسول الله) الخ ويحتمل بعيدا صحة النسخة، وكون لفظة (اخراجهما) بدلا من قوله: (ما أتيا) أي أي خطيئة أعظم من أخراجهما زوجة رسول الله) وكشفهما عنها حجابا ضربه الله عليها. (63) ومثله في احتياج عبد الله بن عباس مع عبد الله بن الزبير، كما في شرح المختار (458) من قصار النهج من ابن أبي الحديد، وفى ج 3 من الطبري ص 482 ما تلخيصه: وخرج غلام شاب من بني سعيد إلى طلحة والزبير، فقال: أرى أمكمها معكما فهل جئتما بنسائكما. قالا: لا. قال: فما أنا منكما في شئ فأعتزلهما وقال: صنتم حلائلكم وقد تم أمكم * هذا لعمرك قلة الانصاف أمرت بجر ذيولها في بيتها فهوت تشق البيد بالايجاب غرضا يقاتل دونها أبنائها * بالنبل والخطى والاسياف هتكت بطلحة والزبير ستورها * هذا المخبر عنهم والكافي

[228]

الناس - [في كتاب الله: البغي والمكر والنكث]) 64)


(64) بين المعقوفين مأخوذ من تفسير علي بن ابراهيم (ره) - على ما رواه عنه في البحار: 8، 414 - والسياق في حاجة إليه، والمراد من كتاب الله اما القرآن الكريم أو حكم الله، أي ان الخصال الثلاثة أولها ومرجعها والابتلاء بلوازمها الكريهة إلى الناس - وهو فاعل هذه الخصال - في القرآن، أي ان في القرآن ثابت ومذكور أن من أتى بهذه الخصال فهو بنفسه يقع في نتائجها السيئة. أوان الثابت في حكم الله وقضائه هو ابتلاء الباغي والماكر والناكث ببغيه ومكره ونكثه. ومن كلام بعض الحكماء: (ثلاثة من كن فيه لم يفلح: البغي والمكر السئ والنكث. ونقل ابن أبي الحديد - في آخر شرحه للمختار (41) من خطب نهج البلاغة، ج 2 ص 317 ط مصر - عن أبي بكر انه قال: (ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر) ثم ذكر الآيات الثلاث. أقول: اقرا قوله هذا، وتأمل فيما صنع هو وصاحبه مع أهل البيت (ع)، ونعم ما قال الشاعر: فلا تسعى على أحد ببغي فان البغي مصرعه وخيم وقال العتابي: بغيت فلم تقع الا صريعا كذاك البغي يصرح كل باغ

[229]

قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) - 65) وقال: (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) (66) وقال: (ولا يحبق المكر السئ إلا بأهله) (67) فقد بغيا علي ونكثا بيعتي ومكراني [ومكرابي (خ)] فمنيت بأطوع الناس في الناس عايشة بنت أبي بكر (68) وبأشجع [وبأنجع (خ ل)] الناس الزبير، وبأخصم الناس طلحة بن عبيد الله، وأعانهم علي يعلى بن منية بأصوع الدنانير، والله لئن استقام أمري لاجعلن ماله فيئا للمسلمين (69).


(65 و 66 و 67) الآية (23) من سورة يونس: 10، الآية العاشرة من سورة الفتح: 48، والآية الثالثة والاربعون من سورة فاطر: 35. (68) منيت: أبتليت. وفى بعض المقامات قد عبر (ع) بلفظ) بليت) ومعنى كونها أطوع الناس - على ما قاله المجلسي الوجيه (ره) - أنها لقلة عقلها كانت تطيع الناس في كل باطل مما يختلقون على أهل البيت (ع). أو على بناء المفعول، أي كان الناس يطيعونها في كل ما تريد، والاول أظهر لفظا، والثاني أظهر معنى. (69) وفى ترجمة عبد الله بن عامر، من تاريخ دمشق: ج 30، انه قال عليه السلام: (أتدرون من حاربت (حاربت) أمجد الناس - أو انجد الناس - يعني ابن عامر، وأشجع الناس - يعني الزبير، - وأدهى الناس طلحة بن عبيدالله. وفى أنساب السمعاني: ج 1، ص 216، في لفظ الاسدي تحت الرقم 137، ط الهند: وكان على رضى الله عنه يقول: (بليت بأطوع الناس وأشجع الناس) أراد بالاول عايشة، وبالثاني الزبير. وفى وقعة الجمل من (العقد الفريد: ج 3 ص 102، ط 2: وكان علي بن أبي طالب يقول: (بليت بأنض الناس (ظ) وأنطق الناس، وأطوع الناس في الناس، وفى ترجمة (يعلى) من المعارف لابن قتيبة: (فقال علي حين بلغه قدومهم البصرة: بليت بأشجع الناس - يعني الزبير - وأبين الناس - يعني طلحة (وأطوع الناس للناس - يعني عائشة - وأنض الناس - أي اكثرهم مالا، يعني يعلى بن منية). ومثله معنى في أنساب الاشراف.

[230]

ثم أتوا البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي و طاعتي وبها شيعتي: خزان بيت مال الله ومال المسلمين فدعوا الناس إلى معصيتي وإلى نقض بيعتي وطاعتي، فمن أطاعهم أكفروه ومن عصاهم قتلوه. (70) فناجزهم


(70) (أكفروه) أي حملوه على عصياني وكفران نعمتي، أو صيروه كافرا. وفى كتاب الجمل 164،: فلما فرغ (طلحة) من كلامه قام عظيم من عظماء عبد القيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس انه قد كان والي هذا الامر وقوامه المهاجرون والانصار بالمدينة، ولم يكن لاحد من أهل الامصار أن ينقضوا ما أبرموا ولا يبرموا ما نقضوا، فكانوا إذا رأوا رأيا كتبوا به إلى الامصار، فسمعوا لهم وأطاعوا وان عائشة وطلحة والزبير كانوا أشد الناس على عثمان حتى قتل وبايع الناس عليا، وبايعه في جملتهم طلحة والزبير، فجاءنا نبأهما ببيعتهما له فبايعناه، فو الله لا تخلع خليفتنا ولا ننقض بيعتنا. فصاح عليه طلحة والزبير، وأمرا بقرض لحيته فنتفوها حتى لم يبق منها شئ. قال الشيخ المفيد - وقريب منه في تاريخ الطبري: ج 3 ص 480 - وقام رجل من بني جشم، فقال: أيها الناس أنا فلان بن فلان فاعرفوني - وانما انتسب لهم ليعلموا ان له عشيرة تمنعه فلا يعجل عليه من لا يوافقه كلامه - أيها الناس ان هؤلاء القوم ان كانوا جاؤكم بدم عثمان، فو الله ما قتلنا عثمان، وان كانوا جاؤكم خائفين فو الله ما جاؤا الا من حيث يأمن الطير، فلا تغتروا بهم، وأسمعوا قولي وأطيعوا أمري وردوا هؤلاء القوم إلى مكانهم الذي منه أقبلوا، وأقيموا على بيعتكم لامامكم، وأطيعوا لاميركم. فصاح عليه الناس من جوانب المسجد، وقذفوه بالحصى. ثم قام رجل آخر من متقدمي عبد القيس، فقال: أيها الناس أنصتوا حتى أتكلم. فقال له عبد الله بن الزبير: ويلك مالك وللكلام. فقال: مالي وله، أنا والله للكلام وبه وفيه، ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلى عليه وقال: يا معشر المهاجرين كنتم أول الناس اسلاما، بعث الله محدا نبيه بينكم فدعاكم فأسلمتم، وأسلمنا لاسلامكم، فكنتم القادة ونحن لكم تبع، ثم توفي رسول الله فبايعتم رجلا منكم لم تستأذنونا في ذلك فسلمنا لكم، ثم ان ذلك الرجل توفي واستخلف عمر بن الخطاب، فو الله ما أستشارنا في ذلك، فما رضيتم به رضينا وسلمنا، ثم ان عمر جعلها شورى في ستة نفر، فاخترتم منهم واحدا فسلمنا لكم واتبعناكم، ثم ان الرجل أحدث أحداثا أنكرتموها فحصرتموه وخلعتموه وقتلتموه، وما استشرتمونا في ذلك، ثم بايعتم علي بن أبي طالب وما استشرتمونا في بيعته فرضينا وسلمنا وكنا لكم تبعا، فو الله ما ندري بماذا نقضتم عليه هل استأثر بمال، أو حكم بغير ما أنزل الله، أو احدث منكرا، فحدثونا به نكن معكم، فو الله ما نراكم الا قد ظللتم بخلافكم له. فقال له ابن الزبير: ما أنت وذاك. وأراد أهل البصرة أن يثبوا عليه فمنعته عشيرته، قال الطبري - في ج 3 ص 486 - فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من كان معه فقتلوا سبعين رجلا.

[231]

حكيم بن جبلة (71) فقتلوه في سبعين رجلا من عباد أهل البصرة ومخبتيهم يسمون المثفنين كأن راح أكفهم


(71) ضبطه ابن حجر تحت الرقم (1994) من الاصابة: ج 1، 379 ط مصر، مصغرا، وعقد له ترجمة حسنة أبو عمر في أواسط حرف الحاء من الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 1، ص 323، وفيها شواهد لما هنا.

[232]

ثفنات الابل (72). وأبى أن يبايعهم يزيد بن الحارث اليشكري، فقال: (اتقيا الله، إن أولكم قادنا إلى الجنة فلا يقودنا آخركم إلى النار، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضي على الغائب، أما يميني فشغلها علي بن أبي طالب ببيعتي إياه وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما). فخنق حتى مات رحمه الله. وقام عبد الله بن حكيم التميمي فقال: (يا طلحة هل تعرف هذا الكتاب. قال: نعم هذا كتابي إليك. قال: هل تدري ما فيه. قال: اقرأه علي. [فقرأه] فإذا فيه


(72) (المخبتي): جمع المخبت - وحذف النون للاضافة - وهو من قولهم: (أخبت إلى الله): اطمن إليه تعالى وسكنت قلوبهم ونفوسهم إليه، وتخشعوا وتواضعوا له، ومنه قوله تعالى في الآية (23) من سورة هود: (ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة). والآية (34) من سورة الحج: (فالهكم اله واحد فله أسلموا وبشر المختبين). و (المثفنين): جمع المثفن: صاحب الثفنة - بفتح الثاء المثلثة، وكسر الفاء -: ما غلظ لكثرة السجود من الجبهة والركبة وباطن الاكف، ومن أجلها سمي الامام زين العابدين (ع) بذي الثفنات. ثم ان قتل سبعين نفرا مع حكيم بن جبلة مما صرح به الطبري في تاريخه: 3، 491، وعبارة تاريخ الكامل: 3، 112، ظاهرة فيه.

[233]

عيب عثمان، ودعاؤه إلى قتله) (73) فسيروه من البصرة وأخذوا عاملي عثمان بن حنيف الانصاري غدرا فمثلوا به كل المثلة، ونتفوا كل شعرة في راسه


(73) وذكره وصرح بأسمه في وقعة الجمل من أنساب الاشراف ص 349، وفى كتاب الجمل ص 163، والامامة والسياسة ص 68: ما يعضد هذا المضمون، ففي الثاني: فبيناهم كذلك -: أي فمن قائل صدقت عايشة فيما قالت، ومن قائل: كذبت، حتى ضرب بعضم وجوه بعض - إذ أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال: نعم، قال فما ردك على ما كنت عليه، وكنت أمس تكتب الينا تؤلبنا على قتل عثمان، واليوم تدعونا إلى الطلب بدمه، وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى ان تكون البيعة لكما قبله، إذ كنتما أسن منه، فأبيتما الا أن تقدماه لقرابته وسابقته فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما. قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد ان اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا انه غير فاعل، ولو فعل أبي ذلك المهاجرون والانصار، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل فبايعناه كارهين. قال: فما بدا لكما في عثمان. قال ذكرنا ما كان من طعننا عليه وخذلاننا اياه فلم نجد من ذلك مخرجا إلى الطلب بدمه، قال: فما تأمرانني به. قال: بايعنا على قتال علي ونقض بيعته. قال: أرايتما ان أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعوان إليه ما نصنع. قالا: لا تبايعه قال: ما أنصفتما أتأمرانني ان أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما، وتنهياني عن بيعة من لابيعة له عليكما، أما اننا قد بايعنا، فان شئتما بايعناكما بيسار أيدينا. وفى كتاب الجمل 163،: وبلغ كلام طلحة مع أهل البصرة إلى عبد الله ابن حكيم التميمي فصار إليه وقال له: يا طلحة هذه كتبك وصلت الينا بعيب عثمان بن عفان وخبرك عندنا بالتأليب عليه حتى قتل، وبيعتك عليا في جماعة الناس ونكثك بيعته من غير حدث كان منه فيما بلغني عنك، وفيما جئت بعد الذي عرفناه من رأيك في عثمان. فقال له طلحة: أما عيبي لعثمان وتاليبي عليه، فقد كان، فلم نجد لنا من الخلاص منه سبيلا الا التوبة فيما اقترفناه من الجرم له، والاخذ بدمه، وأما بيعتي له، فاني أكرهت على ذلك، وخشيت منه أن يؤلب علي ان امتنعت من بيعته، ويغري بي فيمن أغراه بعثمان حتى قتله. فقال له عبد الله بن حكيم: هذه معاذير يعلم الله باطن الامر فيها، وهو المستعان على ما نخاف من عاقبة أمرها.

[234]

ووجهه (74). وقتلوا شيعتي طائفة صبرا وطائفة غدرا، وطائفة عضوا بأسيافهم حتى لقوا الله (75) فو الله لو لم يقتلوا


(74) وهذا مما أتفق عليه المؤرخون وأرباب الحديث، وفى معادن الحكمة: (وأخذا عاملي) بتثنية الضمير فيه وما بعده. (75) هذا مع كثير مما قبله وما بعده مذكور في الخطبة (167، أو 170) من نهج البلاغة. قال السبط ابن الجوزي في التذكرة ص 74،: ونهبوا بيت مال البصرة وقتلوا سبعين رجلا من المسلمين بغير جرم، فهم أول من قتل في الاسلام ظلما. وفى الامامة والسياسة 69: فقتلوا اربعين رجلا من الحرس. وفى كتاب الجمل 151،: فاقتتلوا مع عثمان بن حنيف حتى زالت الشمس وأصيب من عبد القيس خمسمأة شيخ مخضوب من شيعة أمير المؤمنين سوى من أصيب من سائر الناس - وساق الكلام إلى أن قال: - حتى أتوا دار الامارة وعثمان غافل عنهم (لان هذا كان بالليل، وكان بعد العهد والميثاق على أن لا يتعرض أحد الفريقين للآخر) وعلى باب الدار (السبابجة) يحرسون بيوت الاموال وكانوا قوما من الزط، فوضعوا فيهم السيف من أربع جوانبهم فقتلوا أربعين رجلا منهم صبرا، يتولى منهم ذلك الزبير خاصة الخ. وفى الطبري: ج 3 ص 485: فشهر الزط والسبابجة والسلاح ثم وضعوه فيهم فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد وصبروا لهم فأناموهم وهم أربعون الخ. وفى تاريخ الكامل: 3، 110، فشهر الزط والسبابجة ثم وضعوه فيهم فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا وهم أربعون رجلا الخ. وقريب منه جدا في وقعة الجمل من أنساب الاشراف 349. (*)

[235]

منهم إلا رجلا واحدا لحل لي به دماؤهم ودماء ذلك الجيش لرضاهم بقتل من قتل (76) دع [مع (خ ل)] أنهم قد قتلوا أكثر من العدة التي قد دخلوا بها عليهم (77) وقد أدال الله منهم فبعدا للقومم الظالمين (78) فأما


(76) روى الشيخ المفيد (ره) عن أبي الحسن علي بن خالد المراغي، عن علي بن سلميان، عن محمد بن الحسن النهاوندي، عن أبي الخزرج الاسدي، عن محمد بن الفضل، عن أبان بن أبي عياش، قال جعفر بن أياس (كذا) عن أبي سعيد الخدري، قال: وجد قتيل على عهد رسول الله (ص) فخرج مغضبا حتى رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يقتل رجل من المسلمين لا يدري من قتله، والذي نفسي بيده لو أن أهل السماوات والارض اجتمعوا على قتل مؤمن أو رضوا به لادخلهم الله النار، والذي نفسي بيده لا يجلد احد أحدا الا جلد غدا في نار جهنم مثله، والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد الا أكبه الله على وجهه في نار جهنم. الحديث الثالث من المجلس (25) من أمالي الشيخ المفيد، ص 134. (77) وفى ختام شرح المختار (36) من خطب نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 282: وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى قال: استنطقهم علي عليه السلام بقتل عبد الله بن خباب فأقروا به، فقال: انفردوا كتائب لا سمع قولكم كتيبة كتيبة. فكتبوا كتائب، وأقرت كل كتيبة بمثل ما أقرت به الاخرى من قتل ابن خباب، وقالوا: ولنقتلنك كما قتلناه. فقال علي: والله لو أقر أهل الدنيا كلهم بقتله هكذا وأنا أقدر على قتلهم به لقتلتهم الخ. (78) أدال الله منهم: جعل الكرة لنا عليهم. ويقال: أدال الله زيدا من عمرو: نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد.

[236]

طلحة فرماه مروان ؟ سهم فقتله (79) وأما الزبير فذكرته قول رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له (80). وأما عايشة فإنها كانت [ظ] نهاها رسول الله [صلى الله عليه وآله (خ)] عن مسيرها فعضت يديها نادمة على ما كان منها (81).


(79) لا اختلاف بين المؤرخين والمحدثين في ذلك، وشواهده متواترة. (80) هذا أيضا مذكور في كثير من كتب التاريخ والتراجم والحديث، قال ابن عبد ربه في عنوان: (مقتل الزبير) من كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد: 3، 110، ط 2،: عن شريك، عن الاسود بن قيس، قال: حدثني من رأى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا، فنوه به علي عليه السلام أبا عبد الله أتذكر يوما أتانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أناجيك فقال: أتناجيه والله ليقاتلنك وهو ظالم لك. (81) لانها لم تنجح في مقصدها واستبانت مخالفتها لله ولرسوله للجميع، لا انها ندمت على قتل بنيها ومحاربة امامها، والدليل ما تواتر عنها حتى من أوليائها من انها لما بلغها استشهاد الامام امير المؤمنين عليه السلام استبشرت وأنشدت: فان يك نائيا فلقد نعاه * غلام ليس في فيه التراب فعابها الناس وقالت لها زينب بنت سلمة بن أبي سلمة: العلي تقولين هذا. فقالت: اني أنسى فذكروني. ومن راجع سيرتها يراها من أولها وآخرها موسومة بوسمة الانحراف عنه (ع) فراجع.

[237]

وقد كان طلحة لما نزل (ذاقار) قام خطيبا فقال أيها الناس إن ا أخطأنا في عثمان خطيئة ما يخرجنا منها إلا الطلب بدمه، وعلي قاتله وعليه دمه، وقد نزل (دارن [دار (م)] مع شكاك اليمن ونصارى ربيعة ومنافقي مضر). (82) فلما بلغني قوله وقول كان عن ا لزبير قبيح (38) بعثت إليهما أناشدهما بحق محمد وآله (أ)


(82) ذوقار: اسم ماء لبكر بن وائل بين الكوفة والبصرة، وهو الموضع الذي وقع فيه الحرب بين جند (پرويز) ملك ايران، وبين العرب قبل الاسلام، فانتصرت العرب على الايرانيين وهزموهم. قيل: وهذا الماء يقع على بعد عشر كيلومترات من الناصرين ويسميه العامة (المقير). وأما (دارن) - أو (دارا) بناء على نسخة معادن الحكمة - فلم أجد ما ينطبق على المورد، نعم ذكر في مادة (دار) من القاموس من ان (دارا) مدينة بين (نصيبين) و (ماردين) - بناها (دارا) ملك ايران - وواد بديار بني عامر. (83) لعله اشارة إلى ما رواه الشيخ المفيد في كتاب الجمل 155، والطبري في تأريخه: ج 3 ص 491، واللفظ له، قال: لما بايع أهل البصرة الزبير وطلحة، قال الزبير: ألا الف فارس أسير بهم إلى علي فأما بيته واما صبحته لعلي أقتله قبل أن يصل الينا. فلم يجبه أحد، فقال: ان هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها. فقال له مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها. قال: ويحك انا نبصر ولا نبصر - وفى رواية الشيخ المفيد: ولا نصبر - ما كان أمر قط الا علمت موضع قدمي فيه غير هذا الامر، فاني لا أدري أمقبل فيه أم مدبر. ورواه أيضا في الكامل: 3، 112، بلفظ أوضح.

[238]

ما أتيتماني وأهل مصر محاصروا عثمان فقلتما: (إذهب بنا إلى هذا الرجل فإنا لا نستطيع قتله إلا بك. لما تعلم أنه سير أبا ذر رحمه الله، وفتق عمارا وآوى الحكم بن أبى العاص - وقد طرده رسول الله صلى الله عليه وآله و أبو بكر وعمر - واستعمل الفاسق على كتاب الله (84) الوليد بن عقبة، وسلط خالد بن عرفطة العذري على كتاب الله يمزقه ويحرقه) فقلت: كل هذا قد علمت ولا أرى قتله يومي هذا، وأوشكت (وأوشك (خ)) سقاؤه أن يخرج المخض زبدته (85) فأقرا بما قلت. وأما قولكما (86) (إنكما تطلبان بدم عثمان) فهذان


(84) (على) بمعنى (في) وهذا اشارة إلى قوله تعالى في الآية السادسة من سورة الحجرات: (يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا). والآية (18) من سورة السجدة: 32: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون). (85) المخض: تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج ما فيه من الزبدة وهذا مثل، والمعنى انه يفعل بنفسه ما يحصل به المقصود. أو يفعل هؤلاء المجلبون ما يغني عن فعل غيرهم. (86) هذا عطف على المعنى المستفاد من الكلام السابق، فان خطبة طلحة كانت مشتملة على معنيين، ومتضمنة لدعويين، الاولى ان عليا قاتل عثمان وعليه دمه. والثانية أنا نطلب بدم عثمان لنخرج بذلك عما أخطأنا في حقه. ومحصل كلام أمير المؤمنين (ع) وجوابه: أني بعثت اليهما وناشدتهما وقلت لهما: أما قولكما اني قاتل عثمان فكذب وزور صريح لانكما اتيتماني واستعنتما بي فأمرتكم بالصبر، فلم تقبلوا قولي، وسعيتم عليه حتى قتل، وأما قولكما (أنا نطلب بدم عثمان) فعثمان من بني أمية، وأنتما من (أسد) و (تيم) * ومتى كان أسد وتيم أولياء بنى أمية، انما أولياء عثمان ابناه عمرو وسعيد، فخلوا عنهما يطلبان دم أبيهما.

[239]

ابناه عمرو وسعيد فخلوا عنهما يطلبان دم أبيهما (و) متى كان أسد وتيم أولياء بني أمية، فانقطعا عند ذلك. فقام عمران بن حصين الخزاعي (87) صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم (م)] وقال: (يا هذان لا تخرجانا ببيعتكما من طاعة علي ولا تحملانا على نقض بيعته فإنها لله رضى، أما وسعتكما بيوتكما حتى أتيتما


(87) الكعبي أبو بجيد، وهو الذي جاءت عنه الاحاديث عن رسول الله. أقول: هذه القطعة كانت قى المتن، ومعلوم انها ليست من كلام أمير المؤمنين (ع) بل من كلام الراوي أو صاحب الكتاب وانما أقحم في كلام (ع) سهوا أو نسيانا أو جهلا وخطا. وكيف كان فالمستفاد من الباب (139) من كتاب اليقين للسيد ابن طاوس (ره) ص 140، انه كان أخو بريدة الاسلمي لامه، وانه كان ممن شهد السلام على علي (ع) بامرة المؤمنين في حياة النبي (ص) ومثله في الباب الخامس والتسعين منه، وعده الفضل بن شاذان ممن رجعوا إلى امير المؤمنين (ع). وعن جامع الاصول: انه كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، سئل عن متعة النساء، فقال: أتانا بها كتاب الله وأمرنا بها رسول الله (ص) ثم قال: فيها رجل برأيه ما شاء.

[240]

بأم المؤمنين، فالعجب لاختلافها إياكما (88) ومسيرها معكما، فكفا عنا أنفسكما وارجعا من حيث جئتما، فلسنا عبيد من غلب، ولا أول من سبق) فهما به ثم كفا عنه. وكانت عايشة قد شكت في مسيرها وتعاظمت القتال (89) فدعت كاتبها عبيد الله بن كعب النميري فقالت: أكنب من عايشة بنت أبي بكر إلى علي بن أبي طالب (90). فقال: هذا أمر لا يجري به القلم.


(88) الاختلاف: التردد والاياب والذهاب. وقوله: (ومسيرها معكما) تفسير له. (89) لما أستبان لها ان الناس كافة علموا أن خروجها مخالفة لله ولرسوله، وعصيان لقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) وقوله (ص): (يا حميراء اياك أن تكوني ممن تنبحها كلاب الحواب) ولما رأت من تجمع أصحاب رسول الله (ص) والجم الغفير من فرسان أهل الكوفة حول أمير المؤمنين (ع). (90) قايس بين ما أرادت أن تكتب إلى أمير المؤمنين (ع) - لولا أن كاتبها نهاها عنه - وبين ما ذكره عنها في عنوان: (نهر مرة) من كتاب معجم البلدان: ج 8 ص 345، من انها كتبت إلى دعي معاوية ردا على قول رسول الله (ص): (الولد للفراش وللعاهر الحجر) -. زياد بن عبيد، أو أبيه: إلى زياد بن أبي سفيان، من عايشة أم المؤمنين الخ. بالله عليكم أيها المنصفون أليس هذا تكذيبا لرسول الله (ص) وتصديقا لمعاوية في القضاء الذي اعترف معاوية نفسه بأنه قضاء معاوية، وقضاء الرسول (ص) ان الولد للفراش.

[241]

قالت ولم. قال: لان علي بن أبي طالب في الاسلام أول، وله بذلك البدء في الكتاب. فقالت: أكتب - إلى علي بن أبي طالب من عايشة بنت أبي بكر، أما بعد فإني لست أجهل قرابتك من رسول الله ولا قدمك في الاسلام، ولا غناءك [عناءك (م)] من رسول الله وإنما خرجت مصلحة بين بني لا أريد حربك إن كففت عن هذين الرجلين) في كلام لها كثير، فلم أجبها بحرف، وأخرت جوابها لقتالها، فلما قضى الله لي الحسني سرت إلى الكوفة، واستخلفت عبد الله بن عباس على البصرة، فقدمت الكوفة وقد إتسقت لي الوجوه كلها إلا الشام، فأحببت أن أتخذ الحجة وأفضي [وأقضي (م)] العذر، أخذت بقول الله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) [58 الانفال: 8] (91)


(91) (الحسنى): العاقبة الحسنة. الظفر. و (اتسقت لي الوجوه): انتظم لي جميع نواحي المسلمين، وانقادوا جميعهم. و (أفضى العذر) - من باب أفعل - كانه من قولهم: (أفضى المكان): وسعه، وعلى هذا فهو كناية عن العذر الواسع المستبين الذي لا يخفى على من له أدنى شعور وادراك، ويقال: (افضى إليه افضاء): وصل. و (افضى إليه بسره): أعلمه به. ويقال: (قضى يقضى - من باب رمى - الشئ قضاء): صنعه باحكام وقدره. و (قضى حاجته): أتمها وفرغ منها. و (قضى الامر إليه: أبلغه. و (قضى العهد: أنفذه. و (النبذ) كفلس -: القاء الخبر إلى من لا يعلمه. (والسواء) - بفتح السين - العدل. فمعنى الآية الشريفة: إذا خفت من قوم بينك وبينهم معاهدة خيانة ونقض عهد بعلامات تلوح منها الغدر، فاطرح انت ما بينك وبينهم من العهد إليهم وأعلمهم انك قد نقضت ما بينك وبينهم لتكون أنت وهم في العلم بالنقض سواء، ولا ينسبونك إلى الغدر.

[242]

فبعثت جرير بن عبد الله إلى معاوية معدرا إليه، متخذا للحجة عليه، فرد كتابي وجحد حقي ودفع بيعتي وبعث إلي أن ابعث إلي قتله عثمان، فبعثت إليه ما أنت وقتلة عثمان، أولاده أولى به، فادخل أنت وهم في طاعتي ثم خاصم القوم لاحملكم وإياهم على كتاب الله وإلا فهذه خدعة الصبي عن رضاع الملي (92) فلما يئس من هذا الامر، بعث إلي أن اجعل الشام


(92) قال المجلسي (ره): وفى الروايات الاخر: (خدع الصبي عن اللبن). ولعله على ما في النسخ المراد به: رضاع اللبن الملي أو الطفل الملئ. والملي - مهموزا ومشددا -: الغني المقتدر، والجمع ملاء واملئاء وملااء - ككسا: وأنبياء وعلماء -.

[243]

لي حياتك، فإن حدث بك حادث (حادثة (م)) من الموت لم يكن لاحد علي طاعة، وإنما أراد بذلك أن يخلع طاعتي من عنقه، فأبيت عليه، فبعث إلي أن أهل الحجاز كانوا الحكام على أهل الشام، فلما قتلوا عثمان صار أهل الشام الحكام على أهل الحجاز، فبعثت إليه إن كنت صادقا فسم لي رجلا من قريش الشام تحل له الخلافة ويقبل في الشورى فإن لم تجده سميت لك من قريش الحجاز من يحل له الخلافة ويقبل في الشورى. ونظرت إلى أهل الشام فإذا هم بقية الاحزاب فراش نار وذئاب [ذباب (م)] طمع تجمع من كل أوب (93) ممن ينبغي أن يؤدب ويحمل على السنة،


(93) وما ذكره (ع) في شأن أهل الشام مما قامت عليه القرائن القطعية، من أعمال القوم وأقوالهم، فلو أنكره مكابر أو ناقش فيه مجادل معاند، فليقف على حماقة رؤساء اهل الشام أمثال شرحبيل بن السمط في ترجمته من تاريخ دمشق: ج 23 ص 28، وترجمة محمد بن عمرو بن حزم الانصاري: ج 51، ص 39، و 40، وترجمة معاوية: ج 65 ص 179، وترجمة مسلم بن عقبة، و عبد الله بن حنظلة بن عامر: ج 28 ص 154، إلى غير ذلك من أقوالهم الثابتة عنهم بنقل الثقات من علمائهم، فإذا كانت الرؤساء حمقى فما ظنك بالرعية والمرؤسين. وفى شرح المختار (25) من خطب النهج من ابن أبي الحديد 1، ص 343: قال الجاحظ: ان أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث ومعهما يكون الطعن والقدح، والترجيح بين الرجال، والتمييز بين الرؤساء، واظهار عيوب الامراء، وأهل الشام ذوو بلادة وتقليد وجمود على رأي واحد، لا يرون النظر، ولا يسألون عن مغيب الاحوال. وقال الاصمعي: جاور أهل الشام الروم فأخذوا عنهم خصلتين: اللؤم وقلة الغيرة الخ. شرح المختار (46) من باب كتب النهج: ج 17، ص 8. وقال ابراهيم بن محمد بن طلحة - كما في ترجمته من تاريخ دمشق: 4 ص 90 - لعبد الملك: انك عمدت إلى الحجاج مع تغطرسه وتعترسه وتعرجنه لبعده من الحق، وركونه إلى الباطل، فوليته الحرمين، وفيهما من فيهما، وبهما من بهما من المهاجرين والانصار، والموالي المنتسبة الاخيار، اصحاب رسول الله (ص) ومن ابناء الصحابة، يسومهم الخسف، ويقودهم بالعسف، ويحكم فيهم بغير السنة، ويطؤهم بطغام من أهل الشام ورعاع، لا روية لهم في اقامة حق ولا أزاحة باطل الخ.

[244]

ليسوا من (با (م)) المهاجرين ولا أنصار، ولا التابعين بإحسان، فدعوتهم إلى الطاعة والجماعة فأبوا إلا فراقي وشقاقي، ثم نهضوا في وجه المسلمين ينضحونهم بالنبل ويشجرونهم بالرماح (94) فعند ذلك نهضت إليهم، فلما عضتهم السلاح ووجدوا ألم الجراح (5) 9


(94) ينضحونهم - من باب ضرب ومنع -: يرمونهم به. ويشجرونهم بالرماح: يطعنونهم. وبابه نصر. (95) الالم - كالفرس -: الوجع الشديد. والجمع آلام - كآجم -. والجراح - بكسر الجيم - جمع الجراحة وهو الجرح: شق البدن وتمزيقه أو كسره. (*)

[245]

رفعوا المصاحف يدعوكم (فدعوكم (م)) إلى ما فيها، فانبأتكم أنهم ليسوا بأهل دين ولا قرآن، وإنما رفعوها مكيدة وخديعة فامضوا لقتالهم، فقلتم إقبل منهم واكفف عنهم فإنهم إن أجابوا إلى ما في القرآن جامعونا على ما نحن عليه من الحق (96) فقبلت منهم وكففت عنهم (97) فكان الصلح بينكم وبينهم على رجلين حكمين ليحييا ما أحياه القرآن، ويميتا ما أماته القرآن، فاختلف رأيهما واختلف حكمهما فنبذ ما في الكتاب وخالفا ما في القرآن وكانا أهله (98) ثم إن طائفة اعتزلت فتركناهم ما تركونا حتى


(96) وفى الامامة والسياسة: فنبأتكم انهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وانما رفعوها اليكم خديعة ومكيدة، فامضوا على قتالهم، فأتهمتوني وقلتم: اقبل منهم الخ. (97) وفى المحكي عن الغارات: (فقبلت منهم وكففت عنهم إذ أبيتم وونيتم) الخ. (98) أي وكان الحكمان: أبو موسى وابن النابغة أهلا لنبذ ما في الكتاب، وخلاف ما في القرآن لانحرافهم عن أهل بيت النبوة، وشغفهم بالدنيا وحبها.

[246]

إذا عاثوا في الارض (99) يفسدون ويقتلون، وكان فيمن قتلوه أهل ميرة من بني أسد وخبابا وابنه وأم ولده والحارث بن مرة العبدي (100) فبعثت إليهم، داعيا فقلت ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا


(99) أي إلى أن سعوا في الارض بالفساد، وقتل النفوس المحترمة. (100) كذا في النسخة، وفى معادن الحكمة: (وقتلوا خباب بن أرت وابنه). وكأنه حذف منه ابن، أي قتلوا ابن خباب بن أرت وابنه وأم ولده. قال المسعودي في وقعة النهروان من مروج الذهب: 2 ص 404 ط بيروت: واجتمعت الخوارج في أربعة الآف فبايعوا عبد الله بن وهب الراسبي، ولحقوا بالمدائن، وقتلوا عبد الله بن خباب (ظ) عامل علي عليها، ذبحوه ذبحا وبقروا بطن امرأته وكانت حاملا وقتلوا غيرها من النساء - وساق الكلام إلى أن قال: - فسر علي إليهم حتى أتى النهروان، فبعث إليهم بالحارث بن مرة العبدي رسولا يدعوهم إلى الرجوع فقتلوه الخ. وقريب منه في الامامة والسياسة ص 141، وزاد: وقتلوا ثلاثة نسوة فيهم أم سنان الخ. وفى تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 181: فوثبوا على عبد الله ابن خباب بن الارت فقتلوه وأصحابه. وفى مروج الذهب: 3 / 191: (قال عمر بن عبد العزيز مع الخارجيين) فهل علمتم أن أهل البصرة حين خرجوا إليهم مع الشيباني و عبد الله بن وهب الراسبي وأصحابه استعرضوا الناس يقتلونهم، ولقوا عبد الله بن خباب بن الارت صاحب رسول الله (ص) فقتلوه وقتلوا جاريته، ثم صبحوا حيا من أحياء العرب فأستعرضوهم فقتلوا الرجال والنساء والاطفال حتى جعلوا يلقون الصبيان في قدور الاقط وهي تفور. قالا: نعم. وفى تعليقة جمهرة الرسائل 505: انهم قتلوا ثلاث نسوة من طئ وأم السنان الصيداوية. وقريب مما مر في تاريخ الطبري: ج 4 ص 60 والكامل: 3 ص 173، وصرح في الاخبار الطوال 207 بأنهم قتلوا ابن خباب وامرأته وأم سنان الصيداوية والحارث بن مرة الفقعسي رسوله (ع) إليهم.

[247]

قتلتهم، ثم شدت إلينا (علينا (م) خيلهم ورجالهم فصرعهم الله مصارع الظالمين، فلما كان ذلك من شأنهم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم فقلتم: كلت سيوفنا ونصلت أسنة رماحنا وعاد أكثرها قصد (قصيد (م) (101) فأذن لنا فلنرجع ولنستعد بأحسن (- ولنقصد بأحسن (خ ل) عدتنا وإذا نحن رجعنا زدنا في مقاتلتنا (102) عدة من قتل منا، حتى إذا أظللتم [ظللتم (خ)] على النخيلة أمرتكم أن تلزموا معسكركم وأن تضموا إليه نواصيكم (103) وأن توطنوا على الجهاد نفوسكم،


(101) (كلت سيوفنا) - من باب فر -: صارت كليلا غير قاطع. و (نصلت أسنة رماحنا) - من باب نصر، ومنع والمصدر كالفلس والفلوس -: خرجت الاسنة والنصول - وهما حديدة الرمح - منها. ويقال: (رمح قصد وقصيد وأقصاد) - على زنة كتف وقريب -: متكسر. (102) المقاتلة - بكسر التاء جمع المقاتل -: الذين يحاربون ويقاتلون العدو. وفى الامامة والسياسة: (فأذن لنا فلنرجع حتى نستعد بأحسن عدتنا، وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا ومن فارقنا) الخ، وقريب من هذا رواه عنه (ع) في الطبري: 4، 67 والكامل: 3، 176. (103) كذا في الاصل، وببالي اني رأيت في بعض المصادر: (حتى إذا أطلتم - بالمهملة - على النخيلة) أي أشرفتم عليها. ويقال: (أظله وظلله) - من باب أفعل وفعل -: ألقي عليه ظله. أدخله في ظله. و (أظل الامر فلانا): غشيه ودنا منه. وقوله (ع): (وأن تضموا إليه نواصيكم) كناية عن ملازمة المعسكر وعدم التخلف عنه، والنواصي): جمع ناصية، وهي شعر مقدم الرأس.

[248]

ولا تكثروا زيارة أبناءكم ونساءكم، فإن أصحاب الحرب مصابروها وأهل التشمير فيها، والذين لا يتوجدون من سهر ليلهم ولا ظماء نهارهم ولا فقدان أولادهم ولا نساءهم. فأقامت طائفة منكم معدة (104) وطائفة دخلت المصر عاصية، فلا من دخل المصر عاد إلي، ولا من أقام منكم ثبت معي ولا صبر، فلقد [ولقد (م) رأيتني وما في عسكري منكم خمسون رجلا، فلما رأيت ما أنتم عليه، دخلت عليكم فما قدر لكم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا (105).


(104) كذا في النسخة، أي أقامت وبقيت طائفة منكم في المعسكر معدة نفسه للذهاب إلى العدو، الا أنها لم تثبت ولم تصبر معي في البقاء في المعسكر الخ. وفى المحكي عن الغارات - ومثله في الامامة والسياسة -: (فنزلت طائفة منكم معي معذرة) الخ. (105) وفى الامامة والسياسة: (فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا).

[249]

لله أبوكم ألا ترون إلى مصر قد افتتحت، وإلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى مصالحكم [مسالحكم (خ)] ترقى وإلى بلادكم تغزى (106) وأنتم ذوو عدد جم، وشوكة شديدة، وأولوا بأس قد كان مخوفا، لله أنتم أين تذهبون، وأنى تؤفكون، ألا وإن القوم [قد] جدوا وتآسوا (107) وتناصروا وتناصحوا، وإنكم [قد] أبيتم وونيتم وتخاذلتم وتغاششتم، ما أنتم إن


(106) كذا في النسخة، وفى البحار: (ألا ترون أي مصر قد افتتحت) ومثله في الفقرات التالية، وهذا أيضا صحيح الا انه خلاف الظاهر، وقوله (ع): (ترقى) مأخوذ من (الرقي) بمعني الرفع والصعود، وبابه (علم) أي الا ترون إلى ما يكون صلاحا لشأنكم ترفع من بينكم ويأخذه العدو منكم قهرا. ويحتمل أن يكون قوله (ع): (ترقأ) مهموزا (لا ناقصا - مأخوذا من قولهم: (رقأ الدمع) - من باب منع -: جف وسكن. أي ان مصالحكم قد انقطعت وعطلت وكسدت. والصواب هو ما في بعض النسخ من كون (مسالح) بالسين، لا بالصاد، وهو جمع (مسلحة) وهو محل مراقبة العدو من الثغور، وحدود البلد، أي ألا ترون إلى ثغوركم وحدودكم التي تلي عدوكم قد خلت من المراقبين والمرابطين - لوهنكم وتفرقكم (فاستولى عليها الخصم الالد، فأغار عليكم من كل جانب وأنتم غافلون. (107) (تأسى القوم): اقتدى بعضهم ببعض في التعاون والتناصر والاستقامة والجد. قال المجلسي الوجيه: وفى بعض النسخ: (بؤسوا) بضم الهمزة، من قولهم: (بوس - بأسا) من باب شرف بمعنى اشتد وشجع، أي صاروا أولو بأس وشجاعة ونجدة. (*)

[250]

بقيتم على ذلك سعداء، فنبهوا رحمكم الله نائمكم وتجردوا وتحروا لحرب عدوكم، فقد أبدت الرغوة عن الصريح، وأضاء الصبح لذي عينين (108) فانتبهوا إنما [أما (خ)] تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، وأهل الجفاء ومن أسلم كرها وكان لرسول الله أنفا (109) وللاسلام كله حربا، أعداء السنة والقرآن، وأهل البدع والاحداث، ومن كانت نكايته تتقى، وكان على الاسلام وأهله مخوفا (110) وآكلة الرشا، وعبيد


(108) كل واحدة من الجملتين مثل سائر يضرب لظهور الحق، قال الزمخشري: (أبدى الصريح عن الرغوة) هذا من مقلوب الكلام، وأصله: (أبدت الرغوة عن الصريح) كقوله: (وتحت الرغوة اللبن الصريح) يضرب في ظهور كامن الامر. (109) ولعله من قولهم: (أنف - من باب فرح - أنفا): كرهه. تنزه وترفع عنه أي كانوا مستنكفين من قبول دعوة رسول الله (ص) كارهين له. وفى معادن الحكمة (وكان لرسول الله عليه وآله وسلم أنف الاسلام كله حربا). وقال المجلسي الوجيه: والاظهر أن يكون كلامه (ع) هكذا: (وكان لرسول الله ألبا) باللام والباء - بقرينة (حربا) - يقال: هم عليه ألب (بالفتح والكسر - أي مجتمعون عليه بالظلم والعداوة. والتأليب: التحريص والافساد. والالب - بالفتح -: التدبير على العدو من حيث لا يعلم. والطرد الشديد. والالب والحرب كثيرا ما يذكران معا، وعلى التقديرين لا بد من تجوز في اللام. (110) النكاية - بكسر النون -: البطشة الجارحة والقاتلة، والوثوب على العدو بالجرح والقتل، وهو مصدر (نكى ينكى) العدو وفى العدو نكاية: قتله بالقتل والجرح. فهو ناك، والعدو منكي. والفعل من باب ضرب. والمخوف: ما يخاف منه. و (طريق مخوف) أي فيه مخاويف.

[251]

الدنيا، ولقد أنهي إلي ان ابن النابغة لم يبايع معاوية حتى شرط له أن يوتيه أتية هي أعظم مما في يديه من سلطانه (111) فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا، وخزيت أمانة هذا المشتري بنصرة فاسق غادر بأموال المسلمين، وأي سهم لهذا المشتري بنصرة فاسق غادر، وقد شرب الخمر وضرب حدا في الاسلام وكلكم يعرفه بالفساد في الدين [في الدنيا (خ ل)] وان منهم من لم يدخل في الاسلام وأهله حتى رضخ له وعليه رضيخة (112) فهؤلاء قادة القوم،


(111) (أنهي الي): أوصل الي وبلغني. وهي كنهى الي معلوما ومجهولا - قيل: والمعلوم أقل أستعمالا - الخبر: بلغ. وابن النابغة: عمرو بن العاص. ويؤتيه أتية: كيعطيه عطية لفظا ومعنا. والعطية التي شرطها على معاوية في بيعته هي أمارة مصر. وهذه الالفاظ قد تكررت في كلامه (ع) كما في آخر المختار (25) والمختار (80) من خطب النهج. وفى الامامة والسياسة: (لقد نمي الي أن ابن الباغية لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه اتاوة الخ. (112) وفى معادن الحكمة: (وأي سهم بمن (كذا) لم يدخل في الاسلام وأهله حتى رضخ له عليه رضيخة). والرضيخة - كالرضخ، والرضاخة على زنة الفلس والاسامة -: العطاء القليل. ويقال: (رضخ له من ماله رضخة - من باب ضرب ومنع -: أعطاه قليلا من كثير.

[252]

ومن تركت لكم ذكر مساوية أكثر وأبور (113) وأنتم تعرفونهم بأعيانهم وأسماءهم كانوا على الاسلام ضدا، ولنبي الله صلى الله عليه وآله حربا، وللشيطان حزبا، لم يقدم ايمانهم ولم يحدث نفاقهم (114) وهؤلاء الذين (للذين (خ) لو ولوا عليكم لاظهروا فيكم الفخر والتكبر والتسلط بالجبرية والفساد في الارض (115) وأنتم على ما كان منكم من تواكل وتخاذل خير منهم وأهدى سبيلا، منكم الفقهاء والعلماء والفهماء وحملة


(113) أي أشد بوارا - أي بطلانا وفسادا وهلاكا - ممن ذكر. (114) وفى معادن الحكمة: (لم يتقدم ايمانهم). يقال: (قدم - من باب نصر - قدما وقدوما القوم): سبقهم. والمصدر كالحرب والحروب. و (تقدم القوم): سبقهم. و (قدم - من باب شرف، والمصدر كالعنب السحابة - قدم وقدامة -: ضد (حدث الامر حداثة وحدوثا) - من باب نصر، والمصدر كالسحابة والسرور -: وقع. تحقق قريبا ولم يمض عليه زمان معتد به. (115) جميع ما أخبره (ع) عنهم قبل وقوعه قد تحقق عنهم وابتلى به اكثر سامعي خطبته وكتابه (ع) وندموا على تفريطهم في نصرته (ع) ولكن ولات حين مناص.

[253]

الكتاب والمتهجدون بالاسحار، ألا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية السفهاء البطاة [البطاء (م)] عن الاسلام الجفاة فيه (116) أسمعوا قولي - يهدكم الله - إذا قلت، وأطيعوا أمري إذا أمرت، فو الله لئن أطعتموني لا تغوون، وإن عصيتموني لا ترشدون (117) قال الله تعالى: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون) [35 يونس: 10] وقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) [7 الرعد: 13] فالهادي بعد النبي صلى الله عليه وآله هاد لامته على ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله، فمن عسى أن يكون الهادي إلا الذي دعاكم إلى الحق، وقادكم


(116) يقال: (بطؤ - من باب شرف، والمصدر على زنة القفل والكتاب والسرور - بطا وبطاء وبطوء وأبطا ابطاء): ضد أسرع. فهو بطئ وهي بطيئة والجمع بطاء ككتاب. والجفاة - بضم الجيم -: جمع الجافي: الغليظ. والمؤنث جافية، والجمع: جافيات وجواف. (117) وفى معادن الحكمة: (لئن أطعتموني لا تغووا، وان عصيتموني لا ترشدوا).

[254]

إلى الهدى، خذوا للحرب أهبتها، وأعدوا لها عدتها فقد شبت وأوقدت وتجرد لكم الفاسقون (118) لكيا يطفئوا نور لله بأفواههم ويعزوا [ويغروا (م)] عباد الله. ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء أولى بالحق من أهل البر والاحسان [والاخبات (م)] في طاعة ربهم ومناصحة إمامهم، إني والله لو لقيتهم وحدي وهم أهل الارض ما استوحشت منهم ولا باليت، ولكن أسف يريبني وجزع يعتريني (119) من أن يلي هذه الامة فجارها وسفهاؤها فيتخذون مال


(118) يقال: (أهب وتأهب الامر) تهيأ واستعد. و (الاهبة) - بضم الهمزة على زنة الشعبة -: العدة والتهيؤ. ويقال: (شبت النار - من باب (مد) - شاب وشبوبا): اتقدت. و (شب زيد النار): أوقدها. والمصدر على زنة الحب والحبوب. (119) كذا في النسخة، وهو من قولهم: (أرابه فلان ارابة): اقلقه وأزعجه. وقال المجلسي (ره): قوله (ع): (ولكن أسف يبريني) أي يهزلني، من قولهم: (بريت السهم). أو (ينبريني) من قولهم: (انبرى له) أي اعترض. أو (يريني) من قولهم: (ورى يرى وريا القيح جوفه) - من باب (وقى يقي) -: أفسده وأكله. و (ورى فلان فلانا): أصاب رئته. أو (يربيني) أي يزيدني هما، من قولهم: (أربيته): زدته. هذا كلامه (ره) بتوضيح مني، ثم قال: وكانت النسخ المنقولة منه تحتمل الجميع.

[255]

الله دولا، وكتاب الله دخلا [دغلا (خ م)] (120) والفاسقين حزبا والصالحين حربا، وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم ولتركتكم إذا (إذ (م)) أببتم حتى حم لي لقاؤهم (121) فو الله إني على (لعلي (م) الحق، وإني للشاهدة لمحب، وإني إلى لقاء الله - ربي - لمشتاق، ولحسن ثوابه لمنتظر، إني نافر بكم (نافرتكم (م)) فانفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، ولا تثاقلوا في الارض فتعموا [فتغموا (خ م)] بالذل، وتقروا بالخسف، ويكون نصيبكم الاخسر (الخسران (خ)] إن أخا الحرب اليقظان الارق إن نام لم تنم عينه (122)


(120) أي فيجعل هؤلاء السفهاء والفجار مال الله دولا أي يعطفونها إليهم ويديرونها بينهم دون المؤمنين فيناوله كل سلف منهم خلفهم. و (دولا) جمع الدولة بفتح الدال وضمها. قوله: (وكتاب الله دخلا (أو دغلا) أي يفسدون الناس ويخدعونهم به. والدغل - محركا كالدخل -: الشر والفساد والمكر. (121) التأنيب): التوبيخ. و (التحريض): الحث والترغيب. و (حم لي): قدر لي. (122) (الخسف) كفلس: المشقة والنقصان. و (الارق) ككتف وفرح: الذي طرد عنه النوم في الليل. وجملة: (ان نام لم تنم عينه) صفة توضيحية له.

[256]

ومن ضعف أوذي، ومن كره الجهاد في سبيل الله كان المغبون المهين، إني لكم اليوم على ما كنت عليه أمس، ولستم لي على ما كنتم عليه، من تكونوا ناصريه أخذ بالسهم الاخيب (123) والله لو نصرتم الله لنصركم وثبت أقدامكم، إنه حق على الله أن ينصر من نصره، ويخذل من خذله، أترون الغلبة لمن صبر بغير نصر (124) وقد يكون الصبر جبنا ويكون حمية، وإنما النصر بالصبر، والورود بالصدور) بالصدر (خ)) والبرق بالمطر (125). أللهم اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا من الاولى.


(123) السهم الاخيب: الذي لا نصيب له من قداح الميسر. قيل: وهي ثلاثة: المنيخ والسفيخ والوعد. (124) أي من الله تعالى، فينبغي ان يكون الصبر لله تعالى، فان الصبر قد يكون لاجل الجبن عن الفرار، واللحمية، كذا أفاده المجلسي الوجيه (ره). (125) قال المجلسي: قوله (ع): (وانما الصبر بالنصر) أي ما قرن الصبر الا بالنصر. ويمكن ان يقرأ: (بالبصر) - بالباء (أي بالعلم والبصيرة، وفى بعض النسخ بالعكس: - وانما النصر بالصبر - وهو ظاهر، وتؤيد الاول الفقرتان اللتان بعدهما، فان المراد بهما ان الورود على الماء مقرون بالصدور، وهو الرجوع، و (الصدر) بالتحريك الاسم منه، والبرق مقرون بالمطر. ثم قال (ره): ويمكن هنا أيضا أن يقرأ (بالبصر) بالباء فتفطن.

[257]

الفصل (155) من كتاب (كشف المحجة لثمرة المهجة) ص 173، تأليف السيد الاجل رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن طاوس الحسني الحسيني الشهير ب‍ (السيد ابن طاوس). ورواه عنه المجلسي العظيم (ره) في الباب (16) من البحار: ج 8، ص 184، ط الكمباني، وروى قطعة منه عن تفسير علي بن ابراهيم، في باب بيعته (ع) ص 414، كما رواه عن السيد ابن طاوس (ره) محمد ابن ملا محسن الفيض الكاشاني (ره) في الفصل الثاني من كتاب: (معادن الحكمة والجواهر). وممن روى هذا الكتاب بألفاظه من ! هل السنة - الا في ألفاظ نادرة وجمل يسيرة - هو ابن قتيبة، فانه رواه في الجزء الاول من الامامة والسياسة ص 154، ط مصر. في عنوان: (ما كتبه علي لاهل العراق) قبل بيان مقتله عليه السلام. ورواه أيضا - بمغايرة طفيفة في بعض ألفاظه وجمله - ابراهيم بن محمد الثقفي (ره) في الغارات، كما في بحار الانوار: ج 8 ص 615، في عنوان: (الفتن الحادثة بمصر، وشهادة محمد بن أبي بكر). أقول: وأشار إلى هذا الكتاب أحمد بن يحيى البلاذري، فقال بعد ختام وقعة النهروان من أنساب الاشراف، ص 400: وأما حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وحبة بن جوين البجلي ثم العرني، و عبد الله بن وهب الهمداني - وهوم ابن سبأ - [فأتوا] عليا عليه السلام

[258]

فسألوه عن أبي بكر، عمر رضي الله عنهما. فقال: أو قد تفرغتم لهذا وهذه مصر قد افتتحت، وسيعتي بها قد قتلت. وكتب لهم كتابا يقرأ على شيعته في كل أيام، فلم ينتفع [علي] بذلك الكتاب، وكان عند ابن سبأ منه نسخة حرفها. ورواه أيضا محمد بن جرير بن رستم الطبري - المتوفى أوائل القرن الرابع - في آخر الباب الرابع من كتاب المسترشد، 77، قال: وروي الشعبي، عن شريح بن هانئ، قال: خطب علي بن أبي طالب (ع) بعدما افتتحت مصر، ثم قال: واني مخرج اليكم كتاب [فيه جواب ما سألتم عنه] وكتب: (من عبد الله علي أمير المؤمنين، إلى من قرئ [عليه] كتابي من المؤمنين والمسلمين، أما بعد فان الله بعث محمد (ص) [كذا] بشيرا ونذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الامة، وكنتم معشر العرب على شردين) الخ. ثم ساق الكتاب كما تقدم برواية ثقة الاسلام باختلاف طفيف في بعض ألفاظه. أقول: ومن قوله: (لك ولاء امتي - إلى قوله: فان الله سيجعل لك مخرجا) رواه في آخر الباب (6) ص 98. وههنا تذييلات التذييل الاول: في شواهد قوله (ع): (وقد كان نبي الله أمر أسامة بن زيد علي جيش وجعلهما في جيشة) الخ.

[259]

أقول: صريح هذا الكلام أن الشيخين كانا في جيش أسامة، ومثله ما رواه ابن أبي الحديد - في شرح المختار (66) من باب خطب نهج البلاغة: ج 6 ط مصر، ص 52 - عن أبي بكر الجوهري صاحب كتاب السقيفة، قال أبو بكر: وحدثنا أحمد بن اسحاق بن صالح، عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير الانصاري، عن رجاله، عن عبد الله بن عبد الرحمان، إن رسو الله صلى الله عليه وآله في مرض موته أمر أسامة بن زيد بن حارثة على جيش فيه جلة المهاجرين والانصار منهم أبو بكر وعمر، وأبو عبيدة ابن الجراح، و عبد الرحمن بن عوف، وطلحة، الزبير، وأمره أن يغير على مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وأن يغزو وادي فلسطين، فتثاقل أسامة وتثاقل الجيش بتثاقله، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه يثقل ويخف، ويؤكد القول في تنفيذ ذلك البعث، حتى قال له أسامة: بأبي أنت وأمي أتأذن لي أن أمكث أياما حتى يشفيك الله تعالى. فقال: اخرج وسر على بركة الله. فقال: يا رسول الله إن أنا خرجت وأنت على هذه الحال، خرجت وفي قلبي قرحة منك. فقال: سر على النصر والعافية. فقال: يا رسول الله إني أكره أن أسأل عنك الركبان. فقال: انفذ لما أمرتك به. ثم أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقام أسامة فتجهز للخروج، فلما أفاق رسول الله صلى الله عليه وآله سأل عن أسامة والبعث، فأخبر انهم يتجهزون، فجعل يقول: انفذوا بعث أسامة لعن الله من تخلف عنه، وكرر [وتكرر] ذلك، فخرج أسامة واللواء على رأسه، والصحابة بين يديه، حتى إذا كان بالجرف نزل ومعه أبو بكر وعمر وأكثر المهاجرين، ومن الانصار أسيد بن خضير وبشير بن سعد، وغيرهم من الوجوه، فجاءه رسول أم أيمن، يقول له: أدخل فان رسول الله يموت. فقام من فوره فدخل المدينة واللواء معه، فجاء به حتى ركزه بباب رسول الله ورسول الله قد مات في تلك الساعة.

[260]

قال: فما كان أبو بكر وعمر يخاطبان أسامة إلى أن ماتا الا بالامير. وفي كتاب الغزوات من قسم الافعال من كتاب كنز العمال ج 5 / 312 ط الهند، تحت الرقم (5644) في عنوان: (بعث أسامة) عن عروة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد قطع بعثا قبل موته وأمر عليهم أسامة ابن زيد، وفي ذلك البعث أبو بكر وعمر، فكان أناس من الناس يطعنون في ذلك لتأمير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة عليهم، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فخطب الناس ثم قال: إن أناسا منكم قد طعنوا في تأمير أسامة، وإنما طعنوا في تأمير أسامة [كذا] طعنوا في تأمير أبيه من قبله، وأيم الله ان كان لخليقا للامارة وان كان من احب الناس الي، وان أبيه من أحب الناس الي من بعده، واني لارجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا. ش). وقال في عنوان (مسند الحسين بن علي) من الكتاب تحت الرقم (5650): أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند موته بثلاث: أوصى ان ينفذ جيش أسامة، و [أن] لا يسكن معه إلا أهل دينه. قال محمد: ونسيت الثالثة. (طب عن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه عن جده). وأيضا قال ابن عساكر - في ترجمة أسامة من تاريخ دمشق: 5 ص 77 -: حدثنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه، أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلا أنبأنا أبو محمد بن أبي نصر، أنبأنا أبو القاسم بن أبي العقب، انبأنا أبو عبد الملك أحمد بن ابراهيم البسري [كذا] أنبأنا ابن عائذ، انبأنا الوليد ابن مسلم، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الاسود، عن عروة قال: وكان أسامة بن زيد قد تجهز وخرج ثقله إلى الجرف، فأقام تلك الايام لوجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على

[261]

جيش عامتهم المهاجرون، فيهم عمر بن الخطاب، أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغير على أهل موتة وعلى جانب فلسطين. وقال ابن عساكر في ترجمة أسامة من تاريخ دمشق: ج 5 / ص 68: إستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش فيه أبو بكر وعمر، فلم ينفذ حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ. وقال أيضا: أخبرنا أبو بكر وجيه بن طاهر، أنبأنا أبو حامد الازهري، أنبأنا أبو محمد المخلدي، أنبأنا المؤمل بن الحسن، أنبأنا احمد بن منصور، أنبأنا أبو النضر هاشم بن القاسم، أنبأنا عاصم بن محمد، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:، إستعمل أسامة بن زيد، على جيش فيهم أبو بكر وعمر، فطعن الناس في عمله فخطب النبي الناس، ثم قال: قد بلغني أنكم قد طعنتم في عمل أسامة، وفي عمل أبيه قبله، وان أباه لخليق بالامارة، وانه لخليق للامرة - يعني أسامة - وانه لمن أحب الناس الي فأوصيكم به. وقال أيضا - في الترجمة ص 76 -: قرأت على أبي غالب بن البنا، عن أبي اسحاق البرمكي، أنبأنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا أحمد بن معروف، أنبأنا الحسين بن محمد، أنبأنا محمد بن سعد، أنبأنا أبو أسامة حماد ابن أسامة، أنبأنا هشام بن عروة، أخبرني أبي، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسامة بن زيد، وأمره ان يغير على (أبنا) من ساحل البحر، قال هشام وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر الرجل أعلمه وندب الناس معه، قال فخرج معه سروات الناس وخيارهم ومعه عمر. وقال أيضا - في ترجمة أسامة من الكتاب: ج 5 ص 80 -: أخبرنا أبو العز ابن كادش، انبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد، أنبأنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي، أنبأنا بشر بن

[262]

الوليد القاضي، أنبأنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، قال: لم يلق عمر أسامة ابن زيد قطى الا قال: سلام عليك - أو قال: السلام عليك - أيها الامير ورحمة الله وبركاته، أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزعه حتى مات. أخبرنا محمد عبد الله بن رزيق المقري، أنبأنا نصر بن ابراهيم الزاهد، أنبأنا عبد الوهاب بن الحسين بن عمر، أنبأنا الحسين بن محمد بن عبيد، أنبأنا عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا سعد بن وهب السلمي الواسطي، أنبأنا عبد الله بن جعفر المري، عن عبد الله بن دينار، قال: كان عمر بن الخطاب إذا رآى أسامة بن زيد قال: السلام عليك أيها الامير. فيقول [له] أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين تقول لي هذا. قال: فكان يقول له: لا أزال أدعوك ما عشت الامير، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت علي أمير. وفي ترجمة أيوب بن هلال - وهو أبو عقال - بن زيد بن حسن بن أسامة بن زيد، من تاريخ دمشق: ج 7، ص 144، قال: أخبرنا أبو الحسن [علي بن المسلم] الفقيه، حدثنا عبد العزيز بن أحمد، أنبأنا تمام ابن محمد، قال: وأنبأنا أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان قراءة عليه أنبأنا أبو زيد يحيى بن أيوب بن أبي عقال هلال بن زيد بن حسن بن أسامة بن زيد بن حارثة قراءة عليه، ثم اتفقا فقالا: ان أباه حدثه وكان صغيرا فلم يع عنه، قال: وحدثني [عمر بن زيد ابن أبي عقال عن أبيه أن أباه حدثه أن حارثة تزوج إلى طي - ثم ساق قصة طويلة إلى أن قال: - وآخر لواء عقدة [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] بيده لاسامة، على اثني عشر ألفا من الناس فيهم عمر، وقال الفقيه: (فيهم أبو بكر وعمر) فقال [أسامة] إلى أين يا رسول الله. قال: عليك

[263]

بفينا [كذا] فصبحها صباحا فقطع وحرق وضع سيفك وخذ بثار أبيك. واعتل النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى أسامة فقال: جهزوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة. فجهز إلى أن صار إلى الجرف [ظ] واشتد علة النبي صلى الله عليه وسلم - وساق الكلام إلى أن قال - ثم قبض صلى الله عليه وسلم فكان فيمن غسله الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب وأسامة يصب عليه الماء، فلما دفن عليه السلام، قال عمر لابي بكر: ما ترى في لواء أسامة. قال: ما أحل عقدا عقده النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نحل من عسكره رجلا [ظ] إلا أن تكون أنت - زاد الفقيه: يا عمر وقال: - لولا حاجتي إلى مشورتك ما حللتك من عسكره. الخ. وأيضا قال ابن عساكر - في ترجمة سلمة بن أسلم بن حريش الانصاري من تاريخ دمشق: ج 22 ص 6 -: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنبأنا الحسن بن علي، أنبأنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا عبد الوهاب بن أبي حية، أنبأنا محمد بن شجاع، أنبأنا محمد بن عمر الواقدي، حدثني سليمان ابن داود بن الحصين، عن أبيه، عن أبي سفيان، عن سلمة بن أسلم بن حريش - ثم ساق الكلام إلى أن قال: - قال الواقدي: قالوا: ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر مقتل زيد وجعفر وأصحابه ووجد عليهم وجدا شديدا، فلما كان يوم الاثنين لاربع ليال بقين من صفر، سنة احدى عشر، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ [ظ] لغزو الروم وأمرهم بالانكماس في غزوهم فتفرق المسلمون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد [ظ] يوم الثلاثاء لثلاث ليال بقين من صفر [ثم] دعا أسامة فقال: يا أسامة سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل (أبنا) وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الخبر، فان أظفرك الله فأقلل

[264]

اللبث فيهم، وخذ معك الادلاء وقدم العيون أمامك والطلائع، فلما كان يوم الاربعاء ليلتين بقيتا من صفر بدا [كذا] رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدع وحم، فلما أصبح يوم الخميس لليلتين بقيت من صفر، عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لواء ثم قال: إمض على اسم الله. فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة بن الخصيب، فخرج به إلى بيت أسامة، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة فعسكر بالجرف، وجعل الناس يأخذون بالخروج إلى المعسكر، فخرج من فرغ من حاجته إلى معسكره، ومن لم تقض حاجته فهو على فراغ، ولم يبق أحد من المهاجرين الاولين إلا انتدب في تلك الغزوة، عمر بن الخطاب وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الاعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في رجال من المهاجرين والانصار الخ (1). وفي ترجمة أسامة بن زيد من القسم الاول، من الجزء الرابع، من الطبقات الكبير لابن سعد، ص 46، ط ليدن 1322 ه‍: قال أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء [العجلي] قال أخبرنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي (ص) بعث سرية فيهم أبو بكر وعمر: فاستعمل عليهم أسامة بن زيد، وكان الناس طعنوا فيه - أي في صغره - فبلغ رسول الله (ص) فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ان الناس قد طعنوا في إمارة أسامة بن زيد، وقد كانوا طعنوا في امارة أبيه من قبله، وانهما لخليقان لها - أو كانا خليقين لذلك - (2) فانه لمن أحب الناس الي، وكان أبوه من أحب الناس الي


(1) وفى تهذيب تاريخ الشام: ج 2 ص 391، والباب (75) من الفصل الاول - من المقصد الثاني - من غاية المرام، ص 599، أيضا شواهد. (2) الظاهر انه من قول الراوي بحسب ظنه كما يؤيد ذلك ما رواه أيضا في آخر ترجمته في الجزء الثاني من القسم الثاني ص 42.

[265]

إلا فاطمة فأوصيكم بأسامة خيرا (ن). ورواه أيضا في ترجمة رسول الله (ص) من القسم الثاني من ج 2، 41، بنفس السند وليس فيه قوله: (الا فاطمة. وفيه أيضا ص 47: أخبرنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه بنحو حديث أبي أسامة، عن هشام (3) وزاد: [وكان] في الجيش الذي استعمله عليهم أبو بكر وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح الخ. ورواه عنه ابن عساكر في تاريخ دمشق: ج 5 ص 76. وقال ابن الاثير في أحداث سنة احدى عشرة من الهجرة، من كتاب الكامل: ج 2 ص 215 وفي ط ص 120 -: في المحرم من هذه السنة بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا إلى الشام، وأميرهم أسامة بن زيد مولاه، وأمره ان يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتكلم المنافقون في امارته وقالوا: أمر غلاما على جلة المهاجرين والانصار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان تطعنوا في امارته فقد طعنتم في امارة أبيه من قبل، وانه لخليق للامارة، وكان أبوه خليقا لها، وأوعب مع أسامة المهاجرون الاولون منهم أبو بكر وعمر الخ (4).


(3) وهو: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أمر رسول الله (صلعم) أسامة بن زيد، وأمره أن يغير على (أبنى) من ساحل البحر، قال هشام: وكان رسول الله (صلعم) إذا أمر الرجل أعلمه وندب الناس معه، قال: فخرج معه سروات الناس وخيارهم ومعه عمر الخ. ورواه عنه أيضا في ترجمة أسامة من تاريخ دمشق: ج 5 ص 76. (4) يقال: (أوعب الشئ أيعابا): اخذه بأجمعه. جمعه. أوعب الشئ في الشئ: أدخله فيه كله. أوعب في ماله: ذهب في انفاقه كل مذهب وأشرف، وأوعب القوم: خرجوا ولم يبق منهم أحد.

[266]

وقال اليعقوبي: وعقد لاسامة بن زيد بن حارثة على جلة المهاجرين والانصار، وأمره أن يقصد حيث قتل أبوه من أرض الشام. وروي عن أسامة انه قال: امرني رسول الله أن أغزو (يبني) من أرض فلسطين صباحا ثم أحرق. وروى آخرون أن رسول الله (ص) أمره ان يوطئ الخيل أرض (البلقاء). وكان في الجيش أبو بكر وعمر، وتكلم قوم وقالوا: [أمر] حدث السن وابن سبعة عشر سنة. وفي الحديث العشرين من الجزء العاشر من أمالي الطوسي (ره) ص 133، قال: أخبرنا محمد بن محمد، قال أخبرني أبو الحسن علي بن مالك النحوي، قال: حدثنا محمد بن القاسم الانباري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الصمد بن محمد الهاشمي، قال: حدثنا الفضل بن سليمان النهدي، قال: حدثنا ابن الكلبي، عن شرقي القطامي، عن أبيه، قال: خاصم عمرو بن عثمان بن عفان، أسامة بن زيد إلى معاوية بن أبي سفيان مقدمه إلى المدينة في حائط من حيطان المدينة، فارتفع الكلام بينهما حتى تلاحيا، فقال عمرو تلاحيني وأنت مولاي. فقال أسامة: والله ما أنا بمولاك ولا يسرني أني في نسبك، مولاي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا تسمعون بما يستقبلني به هذا العبد، ثم التفت إليه عمرو فقال له: يابن السوداء ما أطغاك. فقال: أنت أطغى مني وألام تعيرني بأبي، وأمي والله خير من امك وهي ام أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وآله، بشرها رسول الله صلى الله عليه وآله في غير موطن بالجنة وأبي خير من أبيك، زيد ابن حارثة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وحبه ومولاه، قتل شهيدا بمؤتة على طاعة الله وطاعة رسوله، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا على أبيك وعلى من هو خير من أبيك: على أبي بكر وعمرو أبي عبيدة

[267]

وسروات المهاجرين والانصار، فاني تغامزني يابن عثمان (ه) فقال عمرو: يا قوم أما تسمعون بما يجبهني به هذا العبد، فقام مروان بن الحكم فجلس إلى جنب عمرو ابن عثمان، فقام الحسين بن علي عليه السلام فجلس إلى جنب أسامة فقام عتبة بن أبي سفيان فجلس إلى جنب عمرو، فقام عبد الله بن عباس فجلس إلى جنب أسامة، فقام سعيد بن العاص فجلس إلى جنب عمرو، فقام عبد الله بن جعفر فجلس إلى جنب أسامة، فلما راهم معاوية قد صاروا فريقين من بني هاشم وبني أمية، خشي أن يعظم البلاء، فقال: ان عندي من هذا الحابط لعلما قالوا: فقل بعلمك فقد رضيا. فقال معاوية: أشهد ان رسول الله صلى الله عليه، جعله لاسامة ابن زيد. قم يا أسامة فأقبض حائطك هنيئا مريئا. فقام أسامة والهاشميون وجزوا معاوية خيرا، فأقبل عمرو بن عثمان على معاوية فقال لا جزاك الله عن الرحم خيرا ما زدت على أن كذبت قولنا وفسخت حجتنا وشمت بنا عدونا. فقال معاوية ويحك يا عمرو اني لما رأيت هؤلاء الفتية من بني هاشم قد اعتزلوا ذكرت أعينهم تدور الي من تحت المغافر بصفين، فكاد يختلط علي عقلي، وما يؤمنني يابن عثمان منهم وقد أحلوا بأبيك ما أحلوا ونازعوني نفسي حتى نجوت منهم بعد نبأ عظيم، وخطب جسيم، فانصرف فنحن مخلفون لك خيرا من حايطك انشاء الله. ونقل ابن أبي الحديد، في شرح المختار (156) من خطب نهج البلاغة: ج 9 ص 192، وتواليها عن الشيخ أبي يعقوب يوسف بن اسماعيل اللمعاني كلاما طويلا في جهات انحراف أم المؤمنين عن أمير المؤمنين (ع) ومنه: (فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه، أنفذ جيش أسامة، وجعل فيه أبا بكر وغيره من أعلام المهاجرين والانصار، فكان علي عليه السلام حينئذ يوصله إلى الامر، ان حدث برسول الله صلى الله عليه وآله حدث أوثق،


(5) هذا غير مقروء من النسخة، وتحتمل العبارة: (فاني تفاخرني).

[268]

وتغلب على ظنه أن المدينة لو فات لخلت من منازع ينازعه الامر بالكلية فيأخذه صفوا عفوا وتتم له البيعة، فلا يتهيؤ فسخها لو رام ضد منازعته عليها، فكان من عود أبي بكر من جيش أسامة بارسالها إليه، واعلامه بأن رسول الله صلى الله عليه وآله يموت ما كان، ومن حديث الصلاة بالناس ما عرف، فنسب علي عليه السلام عائشة أنها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس، لان رسول الله كما روي قال: (ليصل بهم أحدهم). ولم يعين وكانت صلاة الصبح، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في آخر رمق يتهادي بين علي والفضل بين العباس، حتى قام في المحراب، كما ورد في الخبر، ثم دخل فمات ارتفاع الضحى، فجعل يوم صلاته حجة في صرف الامر إليه، وقال: أيكم يطيب نفسا أن يتقدم قدمين قدمهما رسول الله في الصلاة، ولم يحملوا خروج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة، لصرفه عنها، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن، فبويع على هذه النكتة التي اتهمها علي عليه السلام على أنها ابتدأت منها. وقال العضدي: عبد الرحمن بن أحمد الايجي في أواخر المواقف - ص 619، ط السلامبول، وفي ط الهند ص 746، وفي ط مصر، ص 376 -: تذييل في ذكر الفرق التي أشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة وهي ما أنا عليه وأصحابي). وكان ذلك من معجزاته حيث وقع ما أخبر به. وقال السيد الشريف في شرحه: قال الآمدي كان المسلمون عند وفاة النبي عليه السلام على عقيدة واحدة، وطريقة واحدة، إلا من كان يبطن النفاق ويظهر الوفاق، ثم نشأ الخلاف فيما بينهم أولا في أمور اجتهادية لا يوجب ايمانا ولا كفرا، وكان غرضهم منها إقامة مراسم الدين وادامة مناهج الشرع القويم، وذلك كاختلافهم عند قول النبي في مرض موته:

[269]

(ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي) حتى قال عمر: (إن النبي قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله) (6) وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي: (قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع). وكاختلافهم بعد ذلك في التخلف عن جيش أسامة، فقال قوم بوجوب الاتباع لقوله عليه السلام: (جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه) وقال قوم بالتخلف انتظارا لما يكون من رسول الله في مرضه. وكاختلافهم بعد ذلك في موته حتى قال عمر: من قال إن محمدا قد مات علوته بسيفي وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى بن مريم) الخ. وقال الشهرستاني في المقدمة الرابعة من الملل والنحل ص 13، ط القاهرة،: وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه وبعد وفاته بين الصحابة، فهي اختلافات اجتهادية - كما قيل - كان غرضهم فيها اقامة مراسم الشرع وادامة مناهج الدين (7) فأول تنازع في مرضه عليه السلام فيما رواه محمد ابن اسماعيل البخاري باسناده عن عبد الله بن عباس، قال لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله سلم مرضه الذي مات فيه، قال: (ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي) فقال عمر: إن رسول الله قد


(6) هذا الحديث رواه جماعة كثيرة من علماء أهل السنة منهم الطبري وابن الاثير - في حوادث السنة الحادية عشرة من الهجرة، من تاريخهما - وصرحا بأنهم قالوا: ان النبي ليهجر. (7) ما أدري كان غرضهم اقامة أي شرع من مخالفة النبي (ص) في اتيان القلم والدواة وقولهم: (انه ليهجر) ومن تخلفهم عن جيش أسامة وقد لعن النبي (ص) المتخلف عن جيشه، ومن نفيهم سعد بن عبادة وقتلهم اياه، ومن تجمعهم على بيت فاطمة بنت النبي (ص) واتيانهم بالحطب وقبس النار لاضرام البيت على علي وفاطمة والحسنين عليهم السلام - كما يتلى عليك في التذييل الآتي - إلى غير ذلك من الفجائع التي لا تحصى.

[270]

غلبه الوجع حسبنا كتاب الله. وكثر اللغط، فقال: النبي عليه السلام: (قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع) قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله. الخلاف الثاني في مرضه انه قال: (كذا): (جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنها) فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، واسامة قد برز من المدينة. وقام قوم: قد أشتد مرض النبي عليه السلام فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شئ يكون من أمره الخ. التذييل الثاني في أن سعد بن عبادة (ره) لم يزل عن الصواب، ولم يبايع أبا بكر حتى قتل بالشام، المناسب لقوله (ع): (وأقام في (غسان) حتى هلك، ولم يبايع) الخ. أقول: أما عدم بيعته ومهاجرته من المدينة إلى الشام فمما لا كلام فيه لاحد، وأجمع عليه المسلمون قاطبة، وأما قتله فهو أيضا مما اتفق عليه الجميع، غاية الامر أن حزب الساسة وأرباب الامر والنهي والقبض والبسط لم يجدوا مستراحا أحسن وأجدر من اسناد قتله إلى الجن، تخلصا من مخاصمة أولياء سعد، ودفعا للقصاص المتوهم من سلطان أوليائه فيما يأتي من أيام الدنيا، فألصقوا هلاكه بذيل شياطين الجن الغائبين، فنجحوا عند قاضيهم في دعواهم الذي لا مدافع له، فأهدر دم هذا الانصاري العظيم، لاجل ضعف أوليائه، ومخافتهم أن يستأصلوا بأيدي معاشر أخر - مما يخرق - من الجن، ولكن الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون فيجازيهم في الآخرة، ويفضحهم ويكشف الستار عن منوياتهم وما عملوا في الحياة الدنيا،

[271]

ويحق الله الحق بكلماته ولو كره الفاسقون، قال ابن أبي الحديد في الطعن الثالث مما أورده في شرح المختار (62) من كتب نهج البلاغة: ج 17، ص 223: الطعن الثالث عشر - على أبي بكر - قولهم: انه كتب إلى خالد ابن الوليد وهو على الشام يأمره ان يقتل سعد بن عبادة. فكمن له هو وآخر [كان] معه ليلا، فلما مر بهما [سعد] رمياه فقتلاه، وهتف صاحب خالد في ظلام الليل بعد أن القيا سعدا في بئر هناك فيها ماء ببيتين: نحن قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عباده ورميناه بسهمين * فلم تخط فؤاده يوهم أن ذلك شعر الجن، وان النجن قتلت سعدا، فلما أصبح الناس فقدوا سعد، وقد سمع قوم منهم ذلك الهاتف فطلبوه فوجدوه بعد ثلاثة أيام في تلك البئر وقد اخضر، فقالوا: هذا مسيس الجن. وقال الشيطان الطاق (1) لسائل سأله ما منع عليا أن يخاصم أبا بكر في الخلافة. فقال: يا بن أخي خاف أن تقتله الجن. [قال ابن أبي الحديد:] والجواب: أما أنا فلا أعتقد أن الجن قتلت سعدا، ولا ان هذا شعر الجن ولا أرتاب ان البشر قتلوه، وأن هذا الشعر شعر البشر، ولكن لم يثبت عندي أن أبا بكر أمر خالدا، ولا أستبعد ان


(1) وهو لقب محمد بن علي بن النعمان الاحول الصيرفى الكوفي من أصحاب الامام علي بن الحسين ومحمد بن علي وابنه جعفر بن محمد عليهم السلام، ولقبه عند أهل الحق: مؤمن الطاق وصاحب الطاق، لانه كان له دكان في طاق المحامل بالكوفة، وانما لقبه المخالفون بشيطان الطاق لا لجائه اياهم إلى المضيق، وحذقه في الزامهم وابطال ما كانوا يأفكونه ويلهجون به، كما يوضح ذلك الامام إلى ترجمته وما ذكره الخطيب في أواخر ترجمة أبي حنفية: النعمان ابن ثابت من تاريخ بغداد: ج 13، ص 409.

[272]

يكون فعله من تلقاء نفسه ليرضى بذلك أبا بكر - وحاشاه - فيكون الاثم على خالد، وأبو بكر برئ من اثمه، وما ذلك من أفعال خالد ببعيد. قال أبو جعفر: فان لم يكن أبو بكر أمر بقتله ولا رضيه، فان صاحبه وصنوه وقرينه هو الذي أوجب هلاكه وأمر بقتله وفتكه، فإذا. عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي إن كنت تبغي العلم أو مثلها * وشاهدا يخبر عن غائب فاعتبر الارض بأسمائها * واعتبر الصاحب بالصاحب قال ابن عبد ربه: تحت الرقم الثالث من كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 63 ط 2، وفي ط ج 5 ص 13 -: الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر: علي والعباس والزبير، وسعد بن عبادة، فأما علي والعباس والزبير، فقعدوا في بيت فاطمة، حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا. قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة. - وساق الكلام إلى أن قال: - وأما سعد بن عبادة فانه رحل إلى الشام. قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي: بعث عمر رجلا إلى الشام فقال: أدعه إلى البيعة واحمل له بكل ما قدرت عليه، فان أبي فاستعن الله عليه. فقدم الرجل الشام، فلقيه بحوران في حائط فدعاه إلى البيعة، فقال لا أبايع قرشيا أبدا. قال: فاني أقاتلك. قال: وإن قاتلتني قال: أفخارج أنت مما دخلت فيه الامة. قال: أما من البيعة فأنا خارج فرماه بسهم فقتله. ورواه أيضا البلاذري في آخر ترجمة رسول الله (ص) قبل مراثيه (ص) من أنساب الاشراف المخطوط: ج 1 / 141، عن المدائني، عن ابن جعدبة، عن صالح بن كيسان. وعن أبي مخنف، عن الكلبي وغيرهما.

[273]

وأيضا قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: [وعن] ميمون بن مهران عن أبيه قال رمي سعد بن عبادة في حمام بالشام فقتل. [وعن] سعيد بن أبي عروبة، عن ابن سيرين، قال: رمي سعد بن عبادة بسهم فوجد دفينا في جسده فمات فبكته الجن فقالت: وقتلنا سيد الخز * رج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم تخط فؤاده (2) وقال ابن عساكر: - في ترجمة قيس من تاريخ دمشق: ج 46 ص 15، أو 1444،. - أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، أنبأنا الحسن بن علي، أنبأنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا احمد بن معروف، أنبأنا الحسن بن الفهم، حدثنا محمد بن سعد، أنبأنا محمد بن عمر، حدثني يحيى بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة، قال: قدم قيس بن سعد المدينة، فأرسلت إليه أم سلمة تلومة وتقول له: فارقت صاحبك. قال: أنا لم أفارقه طائعا هو عزلني. فأرسلت إليه اني سأكتب إلى علي في أمرك، وراح قيس إليها فأخبرها الخبر، فكتبت إلى علي تخبره بنصيحة قيس وأبيه في القديم والحديث الخ. وذكر في تفسير الآية (33) من سورة الاحزاب من تفسير البرهان: ج 3 ص 311، في الحديث العاشر، محاجة طويلة دارت بين علي (ع) وأبي بكر منها: فقال له علي عليه السلام: فما حملك عليه إذا لم ترغب فيه ولا حرصت عليه ولا وثقت بنفسك في القيام به وبما يحتاج منك فيه. فقال أبو بكر: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [كذا]:


(2) وفى الطبعة الثانية من العقد الفريد، ص 64 هكذا: نحن قتلنا سيد الخز * رج سعد بن عبادة ورميناه بسهم فلم يخط فؤاده

[274]

(ان الله لا يجمع أمتي على ضلال). ولما رأيت اجتماعهم اتبعت حديث النبي - إلى أن قال - فقال علي أما قولك ما ذكرت من حديث النبي (ص): (لا تجتمع أمتي على ضلال). أفكنت من الامة أو لم أكن. قال: بلى وكذلك العصابة المجتمعة عليك: من سلمان وعمار وأبى ذر، والمقداد، وابن عبادة، ومن معه من الانصار الخ. التذييل الثالث في شواهد قوله (ع): (وقد سمع [أبو بكر] قول النبي (ص) لبريدة الاسلمي، حين بعثني وخالد (بن) الوليد إلى اليمن - إلى قال عليه السلام: فقال النبي (ص) لبريدة -: (يا بريدة حظه [أي حظ علي] في الخمس أكثر مما أخذ، انه وليكم بعدي) (1) سمعها أبو بكر وعمر وهذا بريدة حي لم يمت) الخ. أقول: قال ابن عساكر - في ترجمة أمير المؤمنين (ع) من تاريخ دمشق: ج 37 ص 110، وفي نسخة منه ص 48 -: أخبرنا أبو بكر وجيه ابن طاهر، أنبأنا أبو حامد الازهري، أنبأنا أبو محمد المخلدي، أنبأنا المؤمل ابن الحسن بن عيسى، أنبأنا محمد بن يحيى، أنبأنا أبو نعيم، أنبأنا ابن ابي عتيبة (ظ) عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة، قال غزوت مع علي إلى اليمن، فرأيت منه جفوة، فقدمت على رسول الله


(1) ومثله الآثار الواردة عنه (ص) في السلام عليه بامرة المؤمنين في زمان حياته (ص) قال ابن عساكر - في ترجمة الامام أمير المؤمنين (ع) من تاريخ دمشق: ج 37 ص 174 -: أخبرنا أبو المحاسن عبد الرزاق بن محمد في كتابه، أنبأنا أبو بكر عبد الغفار بن محمد السيروي (ظ)، قال انبأنا أبو بكر الجيري، أنبأنا أبو العباس الاصم، أنبأنا عبد الله بن احمد بن محمد بن مستورد، أنبأنا يوسف بن كليب المسعودي، انبأنا يحيى بن سلام، عن صباح، عن العلاء ابن مسيب عن أبي داوود، عن بريدة الاسلمي، قال: أمرنا رسول الله (ص) أن نسلم على علي بأمير المؤمنين (كذا) ونحن سبعة وأنا أصغر القوم.

[275]

صلى الله عليه وسلم، فذكرته عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير، فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقلت بلى يا رسول الله. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. أخبرنا أبو محمد السيدي، أنبأنا أبو عثمان البحيري، أنبأنا أبو عمرو ابن حمدان، أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن اسحاق العطاردي ببغداد، أنبأنا محمد بن علي بن عمر المقدسي أنبأنا الحسين بن الحسن الفزاري (ظ) أنبأنا عبد الغفار بن القاسم، حدثني عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثني بريدة، قال قال رسول الله (ص) علي مولى من كنت مولاه. أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الكناني، أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمد بن اسحاق، أنبأنا خال أبي: خيثمة بن سليمان، أنبأنا أبو عمر هلال بن العلا بالرقة، أنبأنا عبيد بن يحيى: أبو سليم، أنبأنا أبو مريم عبد الغفار بن القاسم الانصاري، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة، قال قال رسول الله (ص) من كنت مولاه فعلي مولاه. أخبرنا أبو سهل محمد بن ابراهيم، أنبأنا أبو الفضل الرازي، أنبأنا أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب، أنبأنا محمد بن هارون، أنبأنا نصر بن علي، أنبأنا أبو أحمد، أنبأنا ابن ابي عتيبة [ظ] عن الحكم، عن سعيد بن الجبير، عن ابن عباس، عن بريدة، قال: قال رسول الله (ص): من كتب مولاه فعلي مولاه. أخبرنا أبو طالب علي بن عبد الرحمان بن أبي عقيل، أنبأنا أبو الحسن الخلعي: علي بن الحسن بن الحسين المصري الفقيه، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمان بن عمر بن النحاس، أنبأنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن

[276]

الاعرابي، أنبأنا عيسى بن أبي حرب الصفار، أنبأنا يحيى بن أبي بكير، أنبأنا عبد الغفار، حدثني عدي، حدثني سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثني بريدة، قال: قال رسول الله (ص): علي بن أبي طالب مولى من كنت مولاه. أخبرنا أبو القاسم ابن السمر قندي، أنبأنا احمد بن أبي عثمان، وأبو طاهر القصاري - حيلولة - واخبرنا أبو عبد الله بن القصاري، أنبأنا أبي قالا: أنبأنا اسماعيل بن الحسن بن عبد الله، أنبأنا أحمد بن محمد بن عقدة، أنبأنا يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك الاودي، قالا: أنبأنا خالد بن مخلد، أنبأنا أبو مريم، حدثني عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، حدثني بريدة قال: قال رسول الله (ص): من كنت وليه فعلي وليه. [قال ابن عساكر:] قصر به [كذا] بعضهم فلم يذكر فيه بريدة. أخبرنا أبو الحسن بن قبيس أنبأنا وأبو منصور بن خيرون [كذا] أنبأنا أبو بكر الخطيب، اخبرني أبو بكر احمد بن محمد بن أحمد بن جعفر اليزدي باصبهان، أنبأنا الحسن بن محمد الزعفراني أنبأنا عبيد الله بن جعفر ابن محمد الرازي، أنبأنا عامر بن بشر، أنبأنا أبو حسان الزيادي، أنبأنا الفضل بن الربيع، عن أبيه، عن المنصور، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، أن رسول الله (ص) قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. [قال ابن عساكر:] ورواه عبد الله بن بريدة عن أبيه. أخبرنا أبو سعد اسماعيل بن أحمد بن عبد الملك الكرماني، أنبأنا عبد الرحمن بن علي بن محمد الشاهد. وأخبرنا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله، أنبأنا أبو بكر الخطيب، - حيلولة -. وأخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر، أنبأنا عاصم بن الحسن

[277]

ابن محمد، قالوا: أنبأنا أبو عمر بن مهدي، أنبأنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة الكوفي، أنبأنا يحيى بن زكريا بن شيبان الكندي، أنبأنا ابراهيم بن الحكم بن ظهير، حدثني أبي، عن منصور بن مسلم بن سابور، عن عبد الله بن عطا، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال قال: رسول الله (ص): علي بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة وهو وليكم بعدي. أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الملك، أنبأنا أبو القاسم ابراهيم ابن منصور، أنبأنا أبو بكر بن المقري، أنبأنا أبو يعلى. أنبأنا أبو خيثمة: زهير بن حرب، أنبأنا أبو الجراب [أو الجواب] أنبأنا عمار بن زريق (ظ) عن الاجلح، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: بعث رسول الله] ص) بعثين إلى اليمن، على الاول علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا اجتمعتما فعلي على الناس، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على حده. قال: فلقينا بني زيد من اليمن فقاتلناهم فظهر المسلمون على الكافرين، فقتلوا المقاتل وسبوا الذرية، واصطفى على جارية من الفئ، فكتب معي خالد يقع في علي، وأمرني ان أنال منه، قال: فلما أتيت رسول الله (ص) [ونلت من علي ووقعت فيه] رأيت الكراهة في وجهه، فقلت: هذا مكان العائذ بك، يا رسول الله بعثتني مع رجل وأمرتني بطاعته، فبلغت ما أرسلني [به]. قال: يا بريدة لا تقع في علي، علي مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي. أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا عاصم بن الحسن، أنبأنا عبد الواحد بن محمد، أنبأنا أبو العباس بن عقدة، أنبأنا احمد بن يحيى، أنبأنا عبد الرحمن - هو ابن شريك - أنبأنا أبي، عن الاجلح، عن عبد الله ابن بريدة، قال: بعث رسول الله (ص) مع علي جيشا، ومع خالد بن

[278]

الوليد جيشا إلى اليمن، وقال: إن اجتمعتم فعلي على الناس، وان افترقتم فكل واحد منكما على حدة، فلقينا القوم فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية، وأخذ علي امرأة من ذلك السبي، قال: فكتب معي خالد بن الوليد - وكنت معه - إلى رسول الله (ص) ينال من علي، ويخبره بذلك أن فعل [كذا] وأمرني أن انال منه، فقرأت عليه الكتاب، ونلت من علي، فرأيت وجه نبي الله (ص) متغيرا، فقلت: هذا مقام العائذ، بعثتني مع رجل أمرتني بطاعته، فبلغت ما أرسلت به. فقال: يا بريدة لا تقع في علي فانه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي. أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا احمد بن جعفر، أنبأنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، أنبأنا ابن نمير، أنبأنا أجلح الكندي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه بريدة، قال: بعث رسول الله (ص) بعثين إلى اليمن، على أحدهما علي ابن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا التقيتم فعلي على الناس، وان افترقتما فكل واحد منكما على حدة، قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا، فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معي خالد ابن الوليد إلى رسول الله (ص) يخبره بذلك، فلما أتيت النبي (ص) دفعت الكتاب فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله (ص)، فقلت: يا رسول الله هذا مكان العائذ [بك] بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه فبلغت ما أرسلت به، فقال رسول الله (ص) لا تقع في علي فانه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي. أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا عاصم بن الحسن أنبأنا أبو عمر بن مهدي (كذا) أنبأنا أبو العباس بن عقدة، أنبأنا الحسن بن علي بن

[279]

عفان، أنبأنا حسن - يعني ابن عطية (كذا) أنبأنا سعاد [كذا] عن عبد الله ابن عطا، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال بعث رسول الله (ص) علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد، كل واحد منهما وحده، وجمعهما فقال: وإذا اجتمعتما فعلي عليكم (ظ) قال [بريدة]: فأخذنا يمينا ويسارا، قال: فأخذ علي فأبعد فأصاب سبيا فأخذ جارية من الخمس، قال بريدة: وكنت من أشد الناس بغضا لعلي، وقد علم ذلك خالد بن الوليد، فأتى رجل خالدا فأخبره أنه أخذ جارية من الخمس، فقال: ما هذا. ثم جاء [رجل] آخر، ثم أتى آخر، ثم تتابعت الاخبار على ذلك، فدعاني خالد، فقال: يا بريدة قد عرفت الذي صنع، فانطلق بكتابي هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره، فكتب إليه، فأنطلقت بكتابه حتى دخلت على رسول الله (ص) فأخذ الكتاب فأمسكه بشماله، وكان كما قال الله عزوجل لا يكتب ولا يقرأ، وكنت رجلا إذا تكلمت طأطأت رأسي حتى أفرغ من حاجتي، فطأطأت رأسي أو فتكلمت فوقعت في علي حتى فرغت ثم رفعت رأسي، فرأيت رسول الله (ص) قد غضب غضبا لم أره غضب مثله قط إلا يوم] بني] قريضة والنضير فنظر الي فقال: يا بريدة ان عليا وليكم بعدي، فأحب عليا فانه يفعل ما يؤمر. قال [بريدة]: فقمت وما أحد من الناس أحب الي منه. وقال عبد الله بن عطا: حدثت بذلك أبا حرب بن سويد بن غفلة (ظ) فقال: كتمك عبد الله بن بريدة بعض الحديث [وهو] ان رسول الله (ص) قال له: أنافقت بعدي يا بريدة. أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو نصر عبد الرحمان بن علي، أنبأنا يحيى بن اسماعيل، انبأنا عبد الله بن محمد بن الحسن، أنبأنا وكيع، أنبأنا الاعمش، عن سعد، عن عبيدة، عن عبد الله بن بريدة الاسلمي، عن

[280]

أبيه، قال: قال رسول الله (ص): من كنت وليه فعلي وليه. أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا أبو الحسن بن النقور، أنبأنا ابو بكر محمد بن علي بن محمد بن النظر الديباجي، أنبأنا أبو بكر يوسف ابن يعقوب بن إسحاق بن البهلول، أنبأنا الحسن بن عرفة، أنبأنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال قال رسول الله (ص): من كنت وليه فعلي وليه. أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أبو بكر بن مالك. أنبأنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، أنبأنا وكيع - حيلولة -. وأخبرنا أبو سهل محمد بن ابراهيم، أنبأنا أبو الفضل الرازي، أنبأنا جعفر بن عبد الله، انبأنا محمد بن هارون، أنبأنا عمرو بن علي [ظ] أنبأنا أبو معاوية، قالا: أنبأنا الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي (ص) - وفي حديث وكيع قال قال رسول الله (ص) -: من كنت وليه فان عليا وليه. اخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أنبأنا أبو علي، أنبأنا أبو بكر، أنبأنا عبد الله، حدثني أبي، أنبأنا أبو معاوية، أنبأنا الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال بعثنا رسول الله (ص) في سرية، قال: فلما قدمنا قال: كيف رأيتم صحابة صاحبكم. قال فاما [ظ] شكوته أو شكاه غيري، قال: فرفعت رأسي وكنت رجلا مكبابا قال: فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد أحمر وجهه قال: وهو يقول: من كنت وليه فعلي وليه. أخبرتنا أم المجتبى العلوية، قالت قرئ على ابراهيم بن منصور، أنبأنا أبو بكر ابن المقري، أنبأنا أبو يعلي، أنبأنا أبو خيثمة، أنبأنا محمد

[281]

ابن حازم، أنبأنا الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: بعثنا رسول الله (ص) في سرية واستعمل علينا عليا، فلما رجعنا قال لنا رسول الله (ص): كيف وجدتم صحبة صاحبكم. فاما شكوته واما شكاه غيري وكنت رجلا مكبابا، فرفعت رأسي فإذا النبي (ص) قد أحمر وجهه وهو يقول: من كنت وليه فعلي وليه. أخبرنا أبوالوفا عمر بن الفضل بن أحمد بن عبد الله المسبر [كذا] باصبهان، وأبو محمد احمد بن محمد بن احمد بن الحسين الدثاني (كذا) [أو الدشاني] بها، قالا: أنبأنا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن ابراهيم القفال، أنبأنا ابراهيم بن عبد الله بن محمد، أنبأنا أبو جعفر محمد بن عبيد الله بن العلاء الكاتب، أنبأنا علي بن حرب، أنبأنا أبو معاوية الضرير أنبأنا الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال بعثنا النبي (ص) في سرية فاستعمل علينا عليا فلما جئناه سألنا كيف رأيتم صاحبكم. فاما شكوته واما شكاه غيري، فرفعت رأسي وكنت رجلا مكابابا فإذا وجه رسول الله (ص) قد أحمر وهو يقول: من كنت وليه فعلي وليه. كتب الي أبو بكر عبد الغفار بن محمد، وحدثني أبو المحاسن عبد الرزاق ابن محمد عنه، أنبأنا أبو بكر الحبري - حيلولة -. وأخبرنا أبو الحسن علي بن عبيد الله بن أحمد بن علي البيهقي خطيب (خسر وجود) بها [كذا] أنبأنا أبو عبد الرحمن طاهر بن محمد بن محمد الشحامي املاء بنيسابور، أنبأنا الشيخ أبو سعيد بن أبي عمرو الصيرفي، قالا: أنبأنا محمد بن يعقوب الاصم، أنبأنا احمد بن عبد الجبار، أنبأنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: بعثنا رسول الله (ص) في سرية واستعمل علينا عليا، فلما قدمنا قال: كيف رأيتم أميركم. قال: فاما شوكته أو شكاه غيري، قال وكنت رجلا

[282]

مكبابا قال: فرفعت رأسي وإذا النبي (ص) قد احمر وجهه قال: فقال: من كنت وليه فعلي وليه. أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا احمد بن جعفر، أنبأنا عبد الله بن احمد، حدثني أبي، أنبأنا وكيع، أنبأنا الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة [ظ] عن أبيه بريدة، أنه مر على مجلس وهم يتناولون من علي، فوقف عليهم فقال: انه قد كان في نفسي من علي شئ، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله (ص) في سرية عليها علي، فأصبنا سبيا، قال: فأخذه علي جارية من الخمس النفسه، فقال: خالد بن وليد: دونك [يا بريدة] قال: فلما قدمنا على النبي (ص)، جعلت أحدثه بما، كان، ثم قلت: ان عليا أخذ جارية من الخمس، قال: وكنت رجلا مكبابا، قال: فرفعت رأسي فإذا وجه رسول الله (ص) قد تغير، فقال: من كنت وليه فعلي وليه. أخبرتنا أم المجتبى العلوية، قالت: قرئ على ابراهيم بن منصور، أبنأنا أبو بكر ابن المقري، أنبأنا أبو يعلي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن نمير، أنبأنا وكيع، أنبأنا الاعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه انه مر على مجلس وهم ينالون من علي، فوقف عليهم وقال: انه كان في نفسي على علي شئ، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعث النبي (ص) سرية عليها علي، فأصبنا غنائم، فأخذ علي جارية من الخمس لنفسه، فقال خالد بن الوليد دونك. فلما قدمنا على رسول الله (ص) جعلت أحدثه بما كان (ظ) ثم قلت: إن عليا أخذ لنفسه جارية من الخمس، وكنت رجلا مكبابا، فرفعت رأسي فوجدت وجه رسول الله (ص) متغيرا، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه [وليه (خ)]. أخبرنا أبو القاسم بن الحصين أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا احمد

[283]

ابن جعفر، أنبأنا عبد الله بن احمد، حدثني ابي، أنبأنا روح، أنبأنا علي ابن سويد منجوف [كذا] عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: بعث رسول الله (ص) عليا إلى خالد بن الوليد ليقسم الخمس - وقال روح مرة: لقبض (كذا) الخمس، قال: فأصبح علي ورأسه يقطر، قال: فقال خالد البريدة: ألا ترى ما يصنع هذا. قال: فلما رجعت إلى النبي (ص) أخبرته بما صنع علي، قال وكنت أبغض عليا، قال: فقال: يا بريدة أتبغض عليا. قال: فقلت: نعم. قال: فلا تبغضه - قال روح مرة: فأحبه - فان له في الخمس أكثر من ذلك. أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، وأبو المظفر ابن القشيري، قالا أنبأنا أبو عثمان البجيري [ظ] أنبأنا أبو الحسن محمد بن عمر بن محمد بن بهتة البزاز بالرصافة، أنبأنا الحسين بن اسماعيل، أنبأنا يعقوب بن ابراهيم، أنبأنا روح، أنبأنا علي بن سويد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: بعث رسول الله (ص) عليا إلى خالد بن الوليد، ليقبض [منه] الخمس، فأخذه منه جارية فأصبح ورأسه يقطر، فقال: خالد لبريدة: أما ترى ما صنع هذا. قال: وكنت أبغض عليا، قال: فذكرت ذلك لرسول الله (ص) فقال: يا بريدة أتبغض عليا. قال: قلت: نعم. قال: فأخبه فان له في الخمس أكثر من ذلك. أخبرنا أبو سعد ابن البغدادي، أنبأنا أبو منصور ابن شكرويه، وأبو بكر السمسار، قالا: أنبأنا ابراهيم بن عبد الله، أنبأنا الحسين بن اسماعيل، أنبأنا أبو حاتم الرازي، أنبأنا الحسن بن عبد الله ابن حرب، أنبأنا عمرو ابن عطية، حدثني عبد الله بن بريدة، أن أباه حدثه ان نبي الله (ص) بعث خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب، فقال لهما: ان كان قتال فعلي عليكم، وانه فتح عليهم، وذلك قبل اليمن (كذا) فأصابوا سبيا فأنطلق علي إلى

[284]

جارية حسناء، واخذها ليبعث بها إلى رسول الله (ص)، فأتى عليه خالد بن الوليد (كذا) وقال: لا بل أنا أبعث بها إلى رسول الله (ص)، فلما سمعه انطلق خالد [كذا] فبعث بريدة إلى رسول الله (ص)، فقال بريدة أتيت رسول الله (ص) وهو يغسل رأسه فنلت (ظ) من على عنده [ظ] و [كنا] (ظ) إذا قعدنا عند رسول الله (ص) لم نرفع أبصارنا إليه، فقال رسول الله (ص): مه يا بريدة بعض قولك. قال بريدة فرفعت بصري إلى رسول الله (ص) فإذا وجهه يتغير، فلما رأيت ذلك قلت أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله قال بريدة: والله لا أبغضه أبدا بعد الذي رأيت من رسول الله (ص). أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا أحمد ابن جعفر، أنبأنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي أنبأنا يحيى بن سعيد أنبأنا عبد الجليل، قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز [ظ] وانبا بريدة (2) فقال عبد الله بن بريدة: حدثني أبي بريدة، قال: أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط، قال: وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلى على بغض علي [إلا على بغضه عليا] قال: فبعث ذلك الرجل على خيل، فصحبته، ما صحبته (ظ) الا على بغضه عليا، فأصبنا سبيا، قال: فكتب إلى رسول الله (ص): ابعث إلينا من يخمسه. قال: فبعث الينا عليا، وفي الخمس وصيفة هي أفضل السبي، فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر، فقلنا: يا أبا الحسن ما قال: ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي، فاني قسمت وخمست فصارت في الخمس، ثم صارت في أهل بيت رسول الله (ص) [كذا [ثم صارت في آل علي فوقعت بها. قال: فكتب الرجل إلى النبي الله (ص)، فقلت ابعثني


(2) كذا في النسخة، ولعل الصواب: و (ابنا بريدة) الخ.

[285]

فبعثني مصدقا، قال: فجعلت أقرأ الكتاب وأقول: صدق، قال: فأمسك يدي والكتاب، قال: أتبغض عليا. قال: قلت نعم. قال: فلا تبغضه وان كنت تحبه فازدد له حبا، فو الذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة. قال: فما كان من الناس أحد بعد قول رسول الله (ص) أحب الي من علي. قال عبد الله: فو الذي لا إله غيره ما بيني وبين نبي الله (ص) في هذا الحديث غير أبي بريدة. أخبرنا أبو سهل محمد بن ابراهيم، أنبأنا أبو الفضل الرازي، أنبأنا جعفر بن عبد الله، أنبأنا محمد بن هارون، أنبأنا محمد بن اسحاق، أنبأنا محمد بن عبد الله، أنبأنا أبو الجواب [كذا] أنبأنا يونس بن أبي اسحاق، عن أبيه عن البراء [ابن عازب (3)] قال: بعث رسول الله (ص) جيشين، على أحمدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال: إذا كان قتال فعلي على الناس، فافتتح علي حصنا فأخذ جارية لنفسه، فكتب خالد إلى [رسول الله صلى الله عليه وسلم] فلما قرأ رسول الله (ص) الكتاب، قال: ما تقول في رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. أخبرتنا أم البها فاطمة بنت محمد، قالت أنبأنا سعيد بن أحمد العيار، أنبأنا ابو الحسين الخفاف، أنبأنا أبو حامد ابن الشرقي [كذا] أنبأنا أبو الازهر املاء من أصله، أنبأنا أبو الجواب، أنبأنا يونس بن أبي اسحاق، عن البراء بن عازب، قال: بعث رسول الله (ص) جيشين وأمر على احدهما علي بن أبي طالب، وعلى الآخر خالد بن الوليد، فقال إذا كان قتال فعلي علي الناس، قال ففتح علي قصرا - وقال أبو الازهر مرة فافتتح علي


(3) كما تدل عليه الرواية الآتية.

[286]

حصنا - فأخذ لنفسه جارية فكتب معي خالد بن الوليد بشئ به [كذا] فلما قرأ رسول الله (ص) الكتاب قال: ما تقول في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: قلت أعوذ بالله من غضب الله. أخبرنا أبو القاسم السمرقندي، وأبو البركات يحيى بن عبد الرحمان ابن حبيش، وابو الحسن محمد بن أحمد بن ابراهيم الدقيقي، قالوا: أنبأنا أبو الحسين بن النقور، أنبأنا عيسى بن علي، أنبأنا أبو القاسم عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز املاء، أبنأنا أبو الربعى الزهراني [ظ] أنبأنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين، أن رسول الله (ص)، قال: علي مني وأنه منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي). [قال ابن عساكر:] هذا مختصر من حديث أخبرناه أبو القاسم ابن الحصين، أنبأنا أبو علي بن المذهب، أنبأنا احمد بن جعفر، أنبأنا عبد الله ابن أحمد، حدثني أبي، أنبأنا عبد الرزاق، وعفان المعني [كذا] وهذا حديث عبد الرزاق [كذا] قالا: أنبأنا جعفر بن حدثني حدثني [كذا] يزيد الرشك [كذا] عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله (ص) سرية وأمر عليهم علي بن أبي طالب، فأحدث شيئا في سفره فتعاهد - قال عفان فتعاقد - أربعة من أصحاب محمد (ص) أن يذكرو أمره لرسول الله (ص)، قال عمران: وكنا إذا قدمنا من سفرنا بدأنا برسول الله (ص) فسلمنا عليه، قال: فدخلوا عليه فقام رجل منهم فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام اللثاني فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا. ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله ان عليا فعل كذا وكذا. قال فأقبل رسول الله (ص) على

[287]

الرابع وقد تغير وجهه - فقال: دعوا عليا دعوا عليا دعوا عليا، ان عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي. [و] أخبرناه عاليا أبو المظفر ابن القشيري، أنبأنا أبو سعد الخبزرودي، أنبأنا أبو عمرو بن حمدان - حيلولة - وأخبرناه أبو سهل بن سعدويه، أنبأنا ابراهيم بن منصور، أنبأنا أبو بكر ابن المقري، قالا: أنبأنا أبو يعلى، أنبأنا عبيد الله - هو ابن عمر - أنبأنا جعفر - زاد ابن حمدان: ابن سليمان - أنبأنا يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله (ص)، سرية واستعمل عليهم علي ابن أبي طالب، قال: فمضى علي - وقال ابن المقري: في السرية - قال عمران: وكان المسلمون إذا قدموا من سفر أو غزو أتوا رسول الله (ص) قبل أن يأتوا رحالهم فأخبروه بمسيرهم، قال: وأصاب علي جارية قال فتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله (ص) إذا قدموا على رسول الله (ص) ليخبرنه، قال: فقدمت السرية فأتوا رسول الله (ص) فأخبروه بمسيرهم، فقام أحد الاربعة فقال: يا رسول الله قد أصاب علي جارية، فأعرض عنه، قال ثم قام الثاني فقال: يا رسول الله وصنع علي كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال: يا رسول لاله وصنع علي كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال: يا رسول الله وصنع [على] كذا وكذا. قال: فأقبل رسول الله (ص) مغضبا، الغضب يعرف في وجهه فقال: ما تريدون من علي، علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي. وأخبرتنا به أم المجتبى العلوية، قالت: قرئ على ابراهيم بن منصور، أنبأنا أبو بكر ابن المقري، أنبأنا أبو يعلى، أنبأنا الحسن بن عمر بن شقيق الجرمي، أنبأنا جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله الشخير [ظ] عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله (ص) سرية

[288]

واستعمل عليهم عليا قال: فمضى علي في السرية فأصاب جارية فأنكر ذلك عليه أصحاب رسول الله (ص) [و] قالوا: إذا لقينا رسول الله (ص) أخبرناه بما صنع علي، قال عمران: وكان المسلمون إذا قدموا من سفر بدأوا برسول الله (ص) فسلموا عليه ونظروا إليه، ثم ينصرفون إلى رحالهم، قال: فلما قدمت السرية سلموا على رسول الله (ص)، قال فقام أحد الاربعة فقال: يا رسول الله ألم تر أن عليا صنع كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام آخر منهم فقال: يا رسول الله ألم تر أن عليا صنع كذاوكذا. فأعرض عنه ثم قام آخر منهم فقال: يا رسول الله ألم تر أن عليا صنع كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام آخر منهم فقال: يا رسول الله ألم تر أن عليا صنع كذا كذا. فأقبل إليه رسول الله (ص) - والغضب يعرف في وجهه - فقال ما تريدون من علي ما تريدون من علي [ما تريدون من علي] (ظ) ان عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي. قال: وأبنأنا أبو يعلى، أنبأنا المعلى بن مهدي، أنبأنا جعفر باسناده نحوه، ولم أجده [كذا] وقد حفظته عنه. أنبأنا أبو علي الحداد، ثم أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا يوسف بن الحسن، قالا [كذا] أنبأنا أبو نعيم الحافظ، أنبأنا عبد الله بن جعفر، أنبأنا يونس بن حبيب، أنبأنا أبو داود الطيالسي، أنبأنا أبو عوانة، عن أبي بلج [ظ] عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، أن رسول الله (ص) قال: لعلي: أنت ولي كل مؤمن بعدي. أخبرنا ابو الفتح يوسف بن عبد الواحد، أنبأنا شجاع بن علي، أنبأنا أبو عبد الله بن مندة، أنبأنا خيثمة بن سليمان، أنبأنا أحمد بن حازم، أنبأناه عبيد الله بن موسى، أنبأنا يوسف بن صهيب، عن ركين [كذا] عن وهب بن حمزة، قال: سافرت مع علي بن أبي طالب من المدينة إلى مكة،

[289]

فرأيت منه جفوة، فقلت لئن رجعت فلقيت رسول الله (ص) لانا لن منه، قال فرجعت فلقيت رسول الله (ص) فذكرت عليا فنلت منه، فقال لي رسول الله (ص): لا تقولن هذا لعلي فان عليا وليكم بعدي. وفي سنن الترمذي: عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله (ص) جيشا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمضى في البرية فأصاب جارية فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من الصحابة فقالوا: إذا لقينا رسول الله (ص) أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بداوا برسول الله (ص)، فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية على النبي (ص)، فقام أحد الاربعة فقال: يا رسول الله ألم أر أن عليا صنع كذا وكذا. فأعرض عنه، ثم قام الثاني وقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل إليهم والغضب يعرف في وجهه [وقال:] ما تريدون من علي - قالها أربعا - ان عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي. وقال ابن حجر - تحت الرقم: (9159) في ترجة وهب بن حمزة من كتاب الاصابة: ج 3 ص 604 -: قال ابن السكن: يقال: ان له صحبة، وفي اسناد حديثه نظر (4) ثم أخرج من طريق يوسف بن سخيب عن ركين، عن وهب بن حمزة، قال: سافرت مع علي فرأيت منه جفاءا، فقلت لئن رجعت لاشكونه، فرجعت فذكرت عليا لرسول الله (ص) فنلت منه. فقال: (لا تقولن هذا لعلي فانه وليكم بعدي.) أقول: وهذان الحديثان رواه في الباب السابع من ينابيع المودة ص 53 ط 1، وفي الباب شواهد أخر أيضا.


(4) لان رواية ولاية علي ونقل نصوص خلافته عن النبي (ص) ذنب غير مغفور عند الامويين والا فلا معنى للنظر في اسناد حديث متنه متواتر ومروي بأسناد صحيحة أخرى.

[290]

- 157 - ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية قال العلامة الكراجكي (ره): وكتب معاوية إلى أمير المؤمنين (ع): أما بعد فان الهوى يضل من اتبعه، والحرص يتعب الطالب المحروم، وأحمد العاقبتين ماهدى إلى سبيل الرشاد، ومن العجب العجيب ذام مادح، وزاهد راغب، ومتوكل حريص، كلاما ضربته لك مثلا، لتدبر حكمته بجمع الفهم، ومباينة الهوى، ومناصحة النفس. فلعمري يا بن أبي طالب لو لا الرحم التي عطفتني، والسابقة التي سلفت لك، لقد كان (كذا) اختطفتك بعض عقبان أهل الشام فيصعد بك في الهواء (ظ) ثم قذفك على دكادك شوامخ الابصار، فألفيت كسحيق الفهر، على مسن الصلابة لا يجد الذر فيك مرتعا (1) ولقد عزمت عزمة من لا يعطفه رقة الا تذر ولا تباين ما قربت به أملك وطال له طلبك، لاوردنك موردا تستمر


(1) عقبان - كغلمان -: جمع عقاب - كغلام -: طائر من الجوارح قوي المخالب، معقف المنقار. والدكادك: جمع الدكدك - على زنة زبرج وجعفر -: الارض الغليظة، ومثله الدكاديك: جمع الدكداك كشياطين وشيطان. وقيل: الدكداك، ما التبد من الرمل بالارض ولم يرتفع. والشوامخ: جمع الشامخة: العالية المرتفعة. والابصار - كانه -: جمع البصر - بالضم -: الجانب وحرف الشئ. والفيت: وجدت. وسحيق الفهر: الذي سحقه الفهر - كحبر - وهو الحجر قدر ما يدق به الجوز، أو ما يملا الكف. والمسن - بالكسر -: حجر يحد عليه السكين. والصلابة: مدق الطيب. ولعل المراد بمسنها وسطها كمسان الطريق. والذر صغار النمل وهو الذي يعبر عنه بالفارسية ب‍ (گره) على زنة عدة

[291]

الندامة ان فسح لك في الحياة (2) بل أضنك قبل ذلك من الهالكين، وبئس الرأي رأي يورد أهله المهالك، ويمنيهم العطب إلى حين لات مناص، وقد قذف بالحق على الباطل، وظهر أمر الله وهم كارهومن، ولله الحجة البالغة، والمنة الظاهرة والسلام. [فلما جاء كتابه إلى امير المؤمنين (وقرأه أجابه بما لفظه): من عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إلى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد فقد أتانا كتابك بتنويق المقال وضرب الامثال، وانتحال الاعمال (3) تصف الحكمة ولست من أهلها، وتذكر التقوى وأنت على ضدها، قد اتبعت هواك فحادبك عن طريق الحجة، وألحج بك عن سواء السبيل (4) فأنت تسحب أذيال لذات


(2) ان فسح لك في الحياة: ان وسع وزيد ومدلك في الحياة. وبابه منع وشرف. (3) تنويق المقال: تجويده والمبالغة في تزيين الفاضه وتركيبها. وانتحال الاعمال: ادعاؤها من غير ان تكون لها واقع وتحقق منه. (4) وفى البحار، ومعادن الحكمة: (فحاد بك) (عن) المحجة، ولحج بك عن سوء السبيل) الخ. و (حادبك) - من باب باع -: مال وعدل بك. و (الحج بك) كأنه بمعنى أمال بك واعوج.

[292]

الفتن، وتخبط في زهرة الدنيا، كأنك لست توقن بأوبة البعث ولا برجعة المنقلب (5) قد عقدت التاج، ولبست الخز وافترشت الديباج، سنة هرقلية وملكا فارسيا، ثم لم يقنعك ذاك، حتى يبلغني أنك تعقد الامر من بعدك لغيرك، فيملك دونك وتحاسب دونه، ولعمري لئن فعلت ذلك، فما ورثت الضلالة عن كلالة (6) وإنك لابن من كان يبغي على أهل الدين، ويحسد المسلمين. وذكرت رحما عطفتك علي، فأقسم بالله الاعز الاجل، أن لو نازعك هذا الامر في حياتك من أنت تمهده له بعد وفاتك لقطعت حبله، وأبنت أسبابه (7).


(5) (تحسب) كتمنع: تجر. و (تخبط) كتضرب: تسير وتتصرف، و (الاوبة) - والاوب كتوبه وتوب والاياب -: العود والرجوع. و (البعث) و (المنقلب) - بفتح اللام -: القيامة ويوم النشور. (6) أي لم تأخذ هذه الضلالة من بعيد في النسب، بل أخدت من أبيك وقومك. (7) وفى معادن الحكمة نقلا عن كنز الفوائد: (ولبتت أسبابه) الخ. وهما بمعني واحد، يقال: (أبانه وبتته) (: قطعه وفصله.

[293]

وأما تهديدك لي بالمشارب الوبية. والموارد المهلكة، فأنا عبد الله علي بن أبي طالب، أبرز إلى صفحتك، كلا ورب البيت ما أنت بأبي عذر عند القتال، ولا عند مناطحة الابطال (8) وكأني بك لو شهدت الحرب وقد قامت على ساق، وكشرت عن منظر كريه، والارواح تختطف اختطاف البازي زغب القطا [ة] لصرت كالمولهة الحيرانة تضربها العبرة بالصدمة (10) لا تعرف أعلى الوادي من أسفله، فدع عنك ما لست من أهله، فإن وقع الحسام غير تشقيق الكلام، فكم عسكر قد شهدته وقرن نازلته (11)


(8) وفى البحار: (عند منافحة الابطال) المناطحة: المدافعة. والمنافحة: المدافعة والمضاربة وقرب كل من القرنين إلى آخر بحيث يصل إليه. (9) (كشرت): رفعت تبسمت بحيث يتبين أسنانها. و (البازي).: طير من الجوارح يصاد به. و (زغب القطا) (كفرح -: فرخه الذي نبت زغبه - على زنة الفرس - وهو صغار الريش التي تنبت في أول الامر بلون اصفر. (10) هذا مما يكنى به عن الجبن الفاحش، والخوف المدهش. (11) (تشقيق الكلام): اخراجه بمخرج حسن. و (القرن): الذي يبرز إلى الشخص للمحاربة. و (المنازلة): نزول كلى واحد من المتحاربين الآخر.

[294]

(و) رأيت اصطكاك قريش بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أنت وأبوك ومن هو أعلى منكما لي تبع وأنت اليوم تهددني. فاقسم بالله أن لو تبدي الايام عن صفحتك لنشب فيك مخلب ليث هصور لا يفوته فريسة (فريسته (خ)) بالمراوغة (12) كيف وأنى لك بذلك، وأنت قعيدة بنت (بيت) البكر المخدرة) المجدوة (خ ل)) (13) يفزعها صوت الرعد، وأنا علي بن أبي طالب الذي لا أهدد بالقتال ولا أخوف بالنزال (14) فإن شئت يا معاوية فابرز، والسلا م. فلما وصل الكتاب إلى معاوية بن أبي سفيان، جمع جماعة من أصحابه وفيهم عمرو بن العاص، فقرأه عليهم، فقال له عمرو: قد أنصفك الرجل،


(12) يقال: (هصر الشئ هصرا) - من باب ضرب -: كسره. والهصور - كصبور -: الاسد لانه يكسر فريسته كسرا. و (المراوغة): الميل عن الطريق والذهاب على نحو المكر والخديعة. (13) كذا في النسخة. (14) أي بالدعوة إلى النزول إلى ساحة القتال والمقاتلة. و (النزال) - بكسر النون - مصدر قولهم: (نازله منازلة): إذا نزل كل واحد من القرنين في مقابل الآخر وقاتله.

[295]

كم رجل أحسن في الله (كذا) قد قتل بينكما، أبرز إليه. فقال له [معاوية]: أبا عبد الله أخطأت أستك الحفرة (كذا) أنا أبرز إليه، مع علمي أنه ما برز إليه احد قط الا وقتله، لا والله، ولكني سأبرزك إليه.. كنز الفوائد، ص 200، ونقله عنه، في البحار: ج 8، ص 551، ورواه عنه أيضا في معادن الحكمة والجواهر. - 158 - ومن كتاب له عليه السلام إلى قثم بن العباس عامله على مكة المكرمة. لما بعث معاوية يزيد بن الشجرة الرهاوي لمقاتلة الحاج وأهل مكة ان لم يجيبوه إلى اتباعه. بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى قثم بن العباس سلام عليك. وأما بعد فإن عيني بالمغرب كتب إلي يخبرني أنه قد وجه إلى الموسم ناس من العرب، من العمي القلوب (1) الصم الاسماع، الكمه الابصار، الذين يلبسون الحق بالباطل، ويطيعون المخلوقين في معصية الخالق، ويجلبون الدنيا بالدين، ويتمنون


(1) وفى نهج البلاغة: (كتب إلى انه قد وجه إلى الموسم أناس من أهل الشام العمي القلوب) الخ. (*)

[296]

على الله جوار الابرار وإنه لا يفوز بالخير إلا عامله، ولا يجزى بالسئ إلا فاعله (2) وقد وجهت إليكم جمعا من المسلمين ذوي بسالة ونجدة، مع الحسيب الصليب الورع التقي معقل بن قيس الرياحي، وقد أمرته بإتباعهم وقص آثارهم حتى ينفيهم من أرض الحجاز (3) فقم على ما في يديك مما إليك (4) مقام الصليب الحازم المانع سلطانه، الناصح للامة، ويبلغني عنك وهن ولا خور وما يعتذر منه (ه) ووطن نفسك على الصبر في البأساء والضراء ولا تكونن فشلا ولا طايشا ولا رعديدا (6) والسلام


(2) كذا في النسخة، وفى نهج البلاغة: (الذين يلتمسون الحق بالباطل، ويطيعون المخلوق في معصية الخالق، ويحتلبون الدنيا درها بالدين، ويشترون عاجلها بآجل الابرار (و) المتقين، ولن يفوز بالخير الا عامله، ولا يجزي جزاء الشر الا فاعله) الخ. (3) البسالة - بفتح الباء - الشجاعة. ومثله النجدة والنجادة بفتح النون فيهما. (4) وفى النهج: (فاقم على ما في يديك قيام الحازم الصليب، والناصح اللبيب، والتابع لسلطانه، المطيع لامامه، واياك وما يعتذر منه) الخ. (5) الخور - كفرس -: الضعف والفتور والانكسار. وبابه (فرح). (6) التوطين: حمل النفس على الصبر، والباساء والضراء: حالتا البؤس والضر. ويقال: هو فشل وفشل وفشيل - كفلس وكتف وذبيح -: جبان. والطائش: من لا يقصد وجها واحدا لخفة عقله. والرعديد والرعديدة بكسر الراء فيهما - على زنة القنديل -: الجبان الكثير الارتعاد. وفى النهج: (ولا تكن عند النعماء بطرا، ولا عند البأساء فشلا، والسلام.

[297]

البحار: 8، ص 681 س 3 عكسا، نقلا عن الثقفي (ره) في كتاب الغارات، وقريب منه جدا في المختار (33) من الباب الثاني من نهج البلاغة. - 159 - ومن كتاب له عليه السلام إلى أخيه عقيل بعد اغارة الضحاك بن قيس على أطراف العراق، وقتله عمرو بن عميس بن مسعود: ابن أخي عبد الله بن مسعود وجماعة من أصحابه ونهب أمتعة الحاج، قتل الاعراب. روى ابراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي (ره) في كتاب الغارات: أن معاوية لما بلغه أن عليا (ع) بعد واقعة الحكمين تحمل إليه مقبلا، خاف من ذلك، فخرج من دمشق معسكرا، وصاح في كور الشام أن عليا قد سار اليكم فتجهزوا بأحسن الجهاز، وأعدوا آلة القتال، وأقبلوا خفافا وثقالا، فاجتمع إليه الناس من كل كورة، وأرادوا المسير إلى صفين، فاستشارهم، وقال: ان عليا قد خرج من الكوفة، وعهد العاهد به أنه فارق النخيلة. فقال بعضهم نخرج حتى ننزل صفين، وقال ابن العاص: بل ننزل في أرضهم: الجزيرة (1) فانه أذل لاهل حربك وأقوى لجندك. فمكثوا


(1) قال في باب الجيم والزاء من معجم البلدان: ج 3 ص 96: (جزيرة اقور) - بالقاف - وهي التي بين دجلة والفرات مجاورة الشام، تشتمل على ديار مضر، ديار بكر. سميت الجزيرة لانها بين دجلة والفرات وهما يقبلان من بلاد الروم، وينحطان متسامتين حتى يلتقيا قرب البصرة، ثم يصبان في البحر، وطولها عند المنجمين: سبع وثلاثون درجة ونصف، وعرضها ست وثلاثون درجة ونصف. وهي صحيحة الهواء، جيدة الريع والنماء، واسعة الخيرات، بهامدن جليلة وحصون وقلاع كثيرة، ومن أمهات مدنها: حران، والرها والرقة، ورأس عين، ونصيبين، وسنجار، والخابور، وماردين، وميافارقين والموصل الخ.

[298]

يجيلون الرأي يومين أو ثلاثة، حتى قدمت عليهم عيونهم أن عليا أختلف عليه أصحابه ففارقته فرقة أنكرت أمر الحكومة، وانه قد رجع عنكم إليهم فكبروا سرورا لانصرافه عنهم، ولما وقع بينهم من الخلاف، فلم يزل معاوية معسكرا في مكانه منتظرا لما يكون من أمر علي وأصحابه حتى جاء الخبر وكتب إليه عمارة بن عقبة: أن عليا قد قتل أولئك الخوارج، وانه أراد بعد قتلهم أن يقبل بالناس، وانهم استنظروه ودافعوه وقد فسد عليه جنده وأهل مصره ووقعت بينهم العداوة، وتفرقوا أشد الفرقة فسر بذلك معاوية ومن قبله من الناس، فعند ذلك دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري وقال له: سر حتى تمر بناحية الكوفة، وارتفع منها ما استطعت، فمن وجدته من الاعراف في طاعة علي فأغر عليه، وان وجدت له مسلحة أو خيلا فأغر عليها، وإذا أصبحت في بلدة فأمس في أخرى، ولا تقيمن لخيل بلغك انها قد سرحت اليك لتلقاها، فسرح الضحاك في ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة الاف، فأقبل الضحاك، فنهب الاموال وقتل من لقي من الاعراب حتى مر بالثعلبية (2)،


(2) الثعلبية - بفتح الاول -: منزل من منازل طريق الكوفة إلى مكة، بعد الشقوق وقبل الخزيمية، وهي ثلثا الطريق، منسوبة بثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، لانه لحق بهذا الموضع فأقام به لما تفرقت (أزد): من (مأرب).

[299]

فأغار على الحاج فأخذ أمتعتهم، ثم أقبل فلقي عمرو بن عميس بن مسعود الذهلي: ابن أخي عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله (ص) فقتله في طريق الحاج، وقتل معه ناسا من أصحابه عند القطقطانة. وكان الضحاك يقول بعد تلك الواقعة: انا بن قيس، أنا ابو انيس، أنا قاتل عمرو بن عميس. ولما أتصل خبره بأمير المؤمنين (ع) صعد المنبر فقال: يا أهل الكوفة أخرجوا إلى العبد الصالح عمرو بن عميس، والى جيوش لكم قد أصيب منهم طرف، أخرجوا فقاتلوا عدوكم وامنعو حريمكم ان كنتم فاعلين. فردوا عليه ردا ضعيفا ورأى منهم عجزا وفشلا، فوبخهم ودعا عليهم، ثم نزل فخرج يمشي حتى بلغ الغريين ثم دعا حجر بن عدي الكندي فعقد له على أربعة آلاف، فخرج حجر حتى مر بالسماوة، وهي أرض بني كلب. فلم يزل مغدا في أثر الضحاك حتى لقيه بناحية (تدمر) (3) فواقعة ساعة فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا، ومن أصحاب حجر رجلان، وحجز الليل بينهم، فلما أصبحوا الم يجدوا للضحاك وأصحابه أثرا، لانهم هربوا تحت سواد الليل وأصابه عطش شديد، لان جملهم الذي كان عليه الماء ضل، فعطش الضحاك فخفق برأسه خفقتين لنعاس أصابه فترك الطريق واتنبه وليس معه الا نفر يسير من أصحابه وليس عند أحد منهم ماء، فبعث رجالا منهم يلتمسون الماء ولا أنيس. قال الثقفي (ره): وكتب في أثر هذه الوقعة عقيل بن أبي طالب إلى أخيه أمير المؤمنين عليه السلام، حين بلغه خذلان أهل الكوفة وتقاعدهم به: لعبد الله علي أمير المؤمنين عليه السلام، من عقيل بن أبي طالب


(3) (تدمر) على زنة يعرب ويعمر: مدينة قديمة مشهورة في برية الشام، بينها وبين حلب خمسة أيام. قاله الياقوت في باب التاء والدال من معجم البلدان: ج 2 ص 369 ط مصر.

[300]

سلام عليك، فأني احمد اليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فان الله حارسك من كل سوء، وعاصمك من كل مكروه وعلى كل حال. اني قد خرجت إلى مكة معتمرا فلقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح في نحو من أربعين شابا من أبناء الطلقاء، فعرفت المنكر في وجوهم، فقلت: إلى أين يا أبناء الشانئين ! أبمعاوية تلحقون ! عداوة والله منكم غير مستنكرة، تريدون بها اطفاء نور الله وتبديل أمره، فأسمعني القوم وأسمعتهم، فلما قدمت مكة سمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على الحيرة فاحتمل من أموالها ما شاء، ثم انكفأ راجعا سالما، فأف لحياة في دهر جرأ عليك الضحاك ! وما الضحاك [إلا] فقع بقرقر (4) وقد توهمت حيث بلغني ذلك أن شيعتك وأنصارك خذلوك، فأكتب الي يابن أمي برأيك، فان كنت الموت تريد تحملت اليك ببني أخيك وولد أبيك، فعشنا منك ما عشت، ومتنا معك إذا مت، فو الله ما أحب أن أبقى في الدنيا بعدك فواقا. وأقسم بالاعز الاجل، ان عيشا نعيشه بعدك في الحياة لغير هنئ ولا مرئ ولا نجيع، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فكتب أمير المؤمنين عليه السلام إليه. من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عقيل بن أبي طالب، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا اله إلا هو.


(4) الفقع - كفلس وحبر -: ضرب من أردأ الكمأ -. والقرقر - كجعفر - الارض المستوية، يقال للرجل الذليل: هو فقع قرقر. لان الدواب تنجله بأرجلها.

[301]

أما بعد كلانا الله وإياك كلاءة من يخشاه بالغيب إنه حميد مجيد (5) قد وصل إلي كتابك مع عبد الرحمن بن عبيد الازدي (6) تذكر فيه أنك لقيت عبد الله بن سعد بن أبي سرح مقبلا من (قديد) (7) في فحو من أربعين فارسا من أبناء الطلقاء متوجهين إلى جهة الغرب، وإن ابن أبي سرح طالما كاد الله ورسوله وكتابه، وصد عن سبيله وبغاها عوجا.


(5) وفى الامامة والسياسة: (أما بعد يا أخي فكلاك الله كلاءة من يخشاه) الخ. (6) وفى الامامة والسياسة: (قدم علي عبد الرحمان الازدي بكتابك، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح في أربعين من ابناء الطلقاء من بني أمية، متوجهين إلى المغرب، وابن أبي سرح يا أخي طالما كاد رسول الله (ص)، وصد عن كتابه وسنته وبغاها عوجا) الخ. (7) قال في معجم البلدان: 7 ص 38: قديد - تصغير القد - بالفتح - من قولهم: قددت الجلد: شققته. أو من القد - بالكسر وهو - جلد السخلة. أو يكون تصغير القدد، منقوله تعالى: (كنا طرائق قددا) (11 / الجن: 72) وهي الفرق. وسئل كثير فقيل له: لم سمي فديد قديدا. ففكر ساعة ثم قال: ذهب سيله قددا. وقديد اسم موضع قرب مكة، قال الكلبي: لما رجع تبع من المدينة بعد حربه لاهلها نزل قديدا فهبت ريح قدت خيم أصحابه فسمي قديدا.

[302]

فدع ابن أبي سرح ودع عنك قريشا، وخلهم وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق (8) ألا وإن العرب (9) قد أجمعت على حرب أخيك اليوم إجماعها على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبل اليوم، فأصبحوا قد جهلوا حقه وجحدو افضله وبادروه العداوة ونصبوا له الحرب، وجهدوا عليه كل الجهد، وجروا إليه جيش الاحزاب. اللهم فاجز قريشا عني الجوازي (10) فقد قطعت رحمي وتظاهرت علي ودفعتني عن حقي.


(8 وفى الامامة والسياسة: (فدع ابن أبي سرح وقريشا وتركاضهم في الضلال، فان قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول الله (ص) قبل اليوم، وجهلوا حقي وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب. وجدوا في اطفاء نور الله) الخ (9) وفى نهج البلاغة: (فدع عنك قريشا في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فانهم قد اجمعوا على حربي كاجماعهم على حرب رسول الله (ص) قبلي، فجزت قريشا عني الجواز فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي). (10) الجوازي: جمع جازية بمعنى المكافاة، وهذا دعاء عليهم بأن يجازيهم الله على أعمالهم الظالمة، وأن لا يتجاوز عنهم، لانهم أول من سن أساس الظلم في هذه الامة.

[303]

وسلبتني سلطان ابن أمي (11) وسلمت ذلك إلى من ليس مثلي في قرابتي من الرسول، وسابقتي في الاسلام، لا أن يدعي مدع ما لا أعرفه - ولا أظن الله يعرفه - فالحمد لله على كل حال. فأما ما ذكرته من غارة الضحاك على أهل الحيرة فهو أقل وأذل من أن يلم بها أو يدنو منها، ولكنه قد كان أقبل في جريدة خيل فأخذ على السماوة حتى مر بواقصة وشراف والقطقطانة (12) مما والى ذلك الصقع،


(11) قال محمد عبدة في تعليقه على النهج: يريد (عليه السلام بابن أمه رسول الله (ص)، فان فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين ربت رسول الله في حجرها، فقال النبي في شأنها: (فاطمة أمي بعد أمي). وقيل: أراد (ع) بأمه فاطمة بنت عمرو بن عمران بن عائذ بن مخزوم أم عبد الله وأبي طالب، ولم يقل ابن أبي. لان غير أبي طالب من الاعمام يشركه في النسب إلى عبد الله وأبي طالب، ولم يقل ابن أبي. لان غير أبي طالب من الاعمام يشركه في النسب إلى عبد المطلب. (12) السماوة - بالفتح -: الشخص. واسم محل، قال في معجم البلدان: 5 ص 120، قال أبو المنذر: انما سميت السماوة لانها أرض مستوية لا حجر بها. وأيضا هي ماءة بالبادية وكانت أم النعمان سميت بها، فكان اسمها ماء فسمتها العرب ماء السماء. وبادية السماوة هي التي بين الكوفة والشام قفرى أظنها مسماة بهذا الماء. وقال السكري: السماوة: ماءة لكلب. وقال في مادة (واقصة) ج 8 ص 388: قال هشام: واقصة وشراف: ابنتا عمرو بن معتق، ومنزل بطريق مكة بعد القرعاء نحو مكة وقبل العقبة لبني شهاب من طئ ويقال لها: واقصة الحزون وهي دون زبالة بمرحلتين وانما قيل لها واقصة الحزون لان الحزون أحاطت بها من كل جانب، والمصعد إلى مكة ينهض في أول الحزن من العذيب في أرض يقال لها البيضة حتى يبلغ مرحلة العقبة في ارض يقال لها البسيطة ثم يقع في القاع وهو سهل ويقال: زبالة أسهل منه، فإذا جاوزت ذلك استقبلت الرمل فأول رمل تلقاها يقال لها الشيحة. وقال يعقوب: واقصة أيضا ماء لبني كعب. وقال الحفصي هي ماء في طرف الكرمة. والقطقطانة: موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف، به كان سجن النعمان بن المنذر. وقال ابو عبيد الله السكوني القطقطانة بالطف بينها وبين الرهيمة مغربا نيف وعشرون ميلا إذا خرجت من القادسية تريد الشام، ومنه إلى قصر مقاتل ثم القريات ثمن السماوة، ومن أراد خرج من القطقطانة إلى عين التمر، ثم ينحط حتى يقرب من الفيوم إلى هيت.

[304]

فوجهت إليه جندا كثيفا من المسلمين، فلما بلغه ذلك فر هاربا، فأتبعوه فلحقوه ببعض الطريق وقد أمعن وكان ذلك حين طفلت الشمس للاياب، فتناوشوا القتال قليلا كلا ولا (13) فلم يصبر لوقع المشرفية وولى هاربا، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا ونجا جريضا بعد ما أخذ منه بالمخنق (ولم يبق معه غير الرمق] فلايا بلاي ما نجا (14).


(13) تناوشوا: تطاعنوا وتحاربوا. وفى النهج: (فاقتلوا شيئا كلا ولا) أقول: وهذا كناية عن السرعة التامة، فان حرفين ثانيهما حرف لين سريع الانقضاء عند السمع، قال أبو برهان المغربي: وأسرع في العين من لحظة * وأقصر في السمع من لا ولا (14) المشرقية: السيف. وجريضا: مغموما. والمخنق - اسم مفعول من باب التفعيل -: موضع حبل الخنق من العنق. العنق. والرمق - كغرس -: بقية النفس. وقوله: لايا. مصدر محذوف العامل - من باب منع - ومعناه: الابطاء والاحتباس والعسر. وكلمة (ما) مصدرية مأولة مع ما بعده بالمصدر على أن يكون فاعلا للعامل المحذوف أي احتبس نجاته - من جيشي - أحتباسا، وأبطئ خلاصه - من أيديهم - ابطاء مقرونا بابطاء، وعسر فرارهم عسرا موصولا بعسر.

[305]

فأما ما سألتني أن أكتب لك برأيي فيما أنا فيه (15) فأن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله، لا يزبدني كثرة الناس معي [حولي (ن)] عزة ولا تفرقهم عني وحشة، لانني محق والله مع المحق، ووالله ما أكره الموت على الحق، وما الخير كله إلا بعد الموت لمن كان محقا. وأما ما عرضت به من مسيرك إلي ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فأقم راشدا محمودا، فو الله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت، ولا تحسبن ابن أمك - ولو أسلمه الناس - متخشعا ولا متضرعا، إنه لكما قال أخو بني سليم (16):


(15) وفى النهج: (وأما ما سألت عنه من رأيي في القتال، فان رأيي) الخ. (16) وفى النهج: (ولا تحسبن ابن أبيك - ولو أسلمه الناس - متضرعا متخشعا، ولا مقرا للضيم واهنا، ولا سلس الزمام للقائد، ولا وطئ الظهر للراكب المقتعد، ولكنه كما قال أخو بني سليم).

[306]

فإن تسأليني كيف أنت فإنني (17) * صبور على ريب الزمان صليب يعز علي أن ترى بي كابة * فيشمت عاد أو يساء حبيب شرح المختار (29) من خطب نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 2 ص 114، وبعدها، ورواه أيضا في الامامة والسياسة ص 55، ورواه أيضا في البحار: ج 8 / 673، وفي ترجمة عقيل [ظ] من الدرجات الرفيعة 156، ونقل قطعة منها في المختار (36) من كتب النهج، وتمامه في المختار (36) من كتب المستدرك، ورواه في ختامه في دفع الشبهات عن نهج البلاغة عن الحدائق الوردية. ورواه في قصة أم حكيم وأخباره مقتل ابني عبيد الله ابن العباس من كتاب الاغاني: ج 16، ص 268 ط مصر، وفي ط بيروت: ج 15، ص 104، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبيد الله بن محمد، قال: حدثني جعفر بن بشير، قال: حدثني صالح ابن يزيد الخراساني، عن أبي مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن ابن أبي الكنود عبد الرحمن بن عبيد، قال: كتب عقيل بن أبي طالب إلى اخيه علي بن أبي طالب عليه السلام: (أما بعد فان الله جارك من كل سوء، وعاصمك من المكروه) الخ. وذكره تحت الرقم (546) من جمهرة رسائل العرب: ج 1، ص 596، نقلا عن الاغاني: 15 / 44، وعن شرح ابن أبي الحديد: ج 1 / 155، وعن الامامة والسياسة: 1، ص 44، وذكره أيضا في ثقافة الهند، ص 59، عن الاغاني والامامة والسياسة ص 57. أقول: وأشار إليه ابن عبد ربه في الجزء الثاني من العقد الفريد قبيل


(17) كذا في جميع المصادر التي وقعت الينا، وفى رواية ابن عبد ربه الاتية: (فان تسألني) الخ وكذا ما بعده يغاير عما في المصادر المذكورة هنا كما ستأتي عليه.

[307]

باب التواضع من كتاب الياقوتة في العلم والادب، ص 176، ط مصر بمطبعة الاستقامة سنة 1372، ه‍. وفي ط 2 ج 1 ص 322، ونقل منه الاشعار التي تمثل بها أمير المؤمنين (ع) فقط: فقال: كتب عقيل بن أبي طالب إلى أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام يسأله عن حاله، فكتب إليه علي رضي الله عنه: فان تسألني كيف أنت فانني * جليد على عض الزمان صليب عزيز علي أن قرى بي كآبة * فيفرح واش أو يساء حبيب أقول: ورواه أيضا أحمد بن يحيى البلاذري في ترجمة عقيل من كتاب أنساب الاشراف - ص 207 من مخطوطة مكتبة الامام امير المؤمنين (ع) - قال: حدثنا عباس ابن هشام، عن أبيه، عن أبي مخنف، عن سليمان بن راشد، أن عقيلا كتب إلى أخيه علي عليه السلام: (أما بعد كان الله جارك من كل سوء، وعاصمك من المكروه) الخ. ثم ذكر جواب أمير المؤمنين عليه السلام لكتاب أخيه عقيل باختصار. - 160 - ومن كتاب له عليه السلام قال الثقفي (ره) وعن يحيى بن صالح، عن أصحابه أن [أمير المؤمنين] عليا (ع) ندب الناس عندما أغاروا على ناحية السواد، فاتندب لذلك شرطة الخميس، فأمر عليهم قيس بن سعد بن عبادة، ثم وجههم فساروا حتى وردوا تخوم الشام، وكتب علي عليه السلام إلى معاوية. إنك زعمت ان الذي دعاك إلى ما فعلت الطلب

[308]

بدم عثمان، فما أبعد قولك عن فعلك، ويحك وما ذنب أهل الذمة في قتل ابن عفان، وبأي شئ تستحل أخذ فيئ المسلمين، فانزع ولا تفعل واحذر عاقبة البغي والجور، وإنما مثلي ومثلك كما قال بلقاء [ظ] لدريد بن الصمة: مهلا دريد عن التسرع إنني * ماضي الجنان بمن تسرع مولع مهلا دريد عن السفاهة إنني * ماض على رغم العداة سميدع (1) مهلا دريد لا تكن لاقبتني * يوما دريد فكل هذا يصنع وإذا أهانك معشر أكرمهم * فتكون حيث ترى الهوان وتسمع كتاب الغارات لمحمد بن ابراهيم الثقفي (ره) كما رواه عنه في البحار: ج 8 / 681 / س 9 ط الكمباني.


(1) سميدع - كغضنفر -: السيد الكريم. الشريف. الشجاع. الذئب. السيف. والجمع سمادع.

[309]

- 161 - ومن كتاب له عليه السلام برواية الثقفي (ره) (1) كتبه (ع) لما أغار سفيان بن عوف بأمر معاوية ابن أبي سفيان، على (الانبار) وقتل أشرس بن حسان - أو حسان بن حسان - البكري مع جماعة من المؤمنين رحمهم الله، فبعث أمير المؤمنين (ع) سعيد ابن مسلم الهمداني - أو سعيد بن قيس - في ثمانية آلاف لدفع الطاغين، فأتبعوا آثارهم حتى تخوم الشام فلم يلحقوهم فانصرفوا، ولبث أمير المؤمنين عليه السلام، ترى فيه الكآبة والحزن حتى قدم سعيد، وكان عليه السلام في تلك الايام عليلا، ولم يطق القيام في الناس بكل ما أراد من القول، فكتب كتابا وجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد، ومعه الحسن والحسين و عبد الله بن جعفر، فدعا سعيدا مولاه، فدفع الكتاب إليه فأمره أن يقرأه على الناس، فقام سعيد حيث يسمع أمير المؤمنين (ع) قراءته وما يرد عليه الناس ثم قرأ الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير


(1) وقريب منه جدا قبيل مقتله (ع) من كتاب الاخبار الطوال ص 211، قال: قالوا: ولما رأى علي رضي الله عنه تثاقل أصحابه عن المسير معه إلى أهل الشام، وانتهى إليه ورود خيل معاوية الانبار، وقتلهم مسلحة علي بها والغارة عليا كتب كتابا ودفعه إلى رجل وأمره ان يقرأه على الناس يوم الجمعة إذا فرغوا من الصلاة، وكانت نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من أهل الكوفة، سلام عليكم، أما بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنة) الخ.

[310]

المؤمنين إلى قرئ عليه كتابي [هذا] من المسلمين سلام عليكم. أما بعد فالحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، ولا شريك لله الاحد القيوم، وصلوات الله على محمد والسلام عليه في العالمين. أما بعد فإني عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت، وراجعتموني بالهزء من القول حتى برمت، هزءا من القول لا يعد به، وخطل لا يعز أهله ولو وجدت بدا من خطابكم والعتاب إليكم ما فعلت (1) وهذا كتابي


(1) قوله (ع): (عاتبتكم في رشدكم) الخ أي وبختكم ولمتكم في سبيل رشدكم، وتحصيل سدادكم واستقامتكم على المحجة البيضاء، حتى سئمت أي مللت وضجرت. وهو من باب علم ومصادره سأمة وسأما وسأمة وسأما وسآمة - على زنة سحرة وسحر وعضدة وعضد وساعة - والهزء - كالفلس والقفل والعنق -: السخرية والاستهزاء. وبرمت - من باب علم -: ضجرت وسئمت. و (لا يعاد به) أي لا يطاق به. أو ان الباء في (به) بمعنى اللام أي لا يعاد إليه ثانيا ولا يتلفظ به مرة أخرى لقبحه. ويقال: (خطل - خطلا - من باب علم، والمصدر كالفرس - واخطل في كلامه): أتى بكلام كثير فاسد. وفى كلامه أو منطقه: اخطأ. كقول الطغرائي في لامية العجم: (اصالة الرأي صانتني عن الخطل). والبد. - كود ومد -: المحيص والمفر.

[311]

يقوا عليكم فردوا خيرا وافعلوه - وما أظن أن تفعلوا - والله المستعان. أيها الناس إن الجهاد باب من أبواب الجنة (2) فتحه الله لخاصة أوليائه (3) وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينه، وجنة الوثيقة (4) فمن تركه ألبسه الله لباس الذل، وشمله البلاء (5) وديث بالصغار والقماء، وضرب على قلبه بالاسداد، وأديل الحق منه بتضييع


(2) ومن قوله (ع): (ان الجهاد باب من أبواب الجنة) إلى آخر كلامه عليه السلام له أسانيد جمة، ومصادر مهمة، من علماء المسلمين وسدنة الشريعة. (3) ومثله في معاني الاخبار، ونهج البلاغة، وفى الكافي والتهذيب زيادة قوله (ع): (وسوغهم كرامة منه لهم، ونعمة ذخرها). (4) استعار (ع) للجهاد (الباس والدرع والجنة) لان به يتقى العدو، وعذاب الآخرة، كما يتقى المكاره باللباس والدرع والجنة. (5) وفى الكافي ومعاني الاخبار والتهذيب ونهج البلاغة: (فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل) وفى التهذيب: (ثوب) المذلة وشملة البلاء) قال العلامة المجلسي أفسح الله في المقربين مجالسه: (وفى بعض نسخ الكافي: وشملة للبلاء - بالتاء - وهي كساء يتغطى به، ولعل الفعل أظهر كما في نهج البلاغة. أقول: الذي يحضرني من نسخة نهج البلاغة ضبطت (شملة) بالتاء والاسمية، ولكل من الاسمية والفعلية وجه والاول أظهر بالنسبة إلى ما قبله، والثاني بالنسبة إلى ما بعده.

[312]

الجهاد، وسيم الخسف، ومنع النصف (6). ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن


(6) ومثله في نهج البلاغة، وفى الكافي بعد قوله: وشمله البلاء هكذا: (وفارق الرضا، وديث بالصغار والقماءة، وضرب على قلبه بالاسداد (بالاسهاب (خ)) وأديل الحق منه بتضييع الجهاد، وسئم الخسف) الخ. وفى التهذيب هكذا بعد قوله: وشملة البلاء: (وفارق الرخاء، وضرب على قلبه بالاشباه، وديث بالصغار والقماء، وسيم الخسف) الخ. وفى معاني الاخبار (فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وسيماء الخسف، وديث بالصغار) الخ. وفى العقد الفريد: (ألبسه الله ثوب الذل، وأشمله البلاء، وألزمه الصغار، وسامه الخسف، ومنعه النصف) الخ. أقول: (ديث) - من باب التفعيل مبنيا للمفعول -: ذلل، وبعير مديث: مذلل بالرياضة. والصغار - بالفتح -: الذل والهوان. ويقال: (قمؤ الرجل قما وقماءة) - من باب شرف ومنع، والمصدر على زنة رحمة وسحابة -: ذل وصغر. (الاسداد) جمع سد، ويريد به: الحجب التي تحول دون بصيرة تارك الجهاد ورشاده، وفى القاموس: ضربت عليه الارض بالاسداد: سدت عليه الطرق، وعميت عليه مذاهبها. والاسهاب: ذهاب العقل. أو كثرة الكلام، أي حال بينه وبين الخير كثرة كلامه فيما لا يعنيه. و (أديل الحق منه): يجعل مغلوبا وصارت الدولة للحق بدله. و (سيم الخسف) - من باب قال مجهولا -: أولاه الخسف وكلفه اياه، والخسف - على زنة القفل والفلس -: الذل والنقيصة والاهانة والمشقة. و (سئم الشئ - من باب علم - سأمة وسأما): مله. و (النصف) كالحبر والقفل والفلس: الانصاف والعدل. و (منع) على بناء المجهول، أي يحرم من العدل بتسليط الظالم وغير المنصف عليه.

[313]

يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا فتوا كلتم وتخادلتم حتى شنت عليكم الغارات، وملكت عليكم الاوطان (7) وهذا أخو غامد قد وردت خيله الانبار وقد قتل حسان بن حسان البكري وأزال خيلكم عن مسالحها (8) ولقد بلغني أن الرجل منهم يدخل على المرأة المسلمة، والاخرى المعاهدة، فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين، ما


(7) عقر الدار - بضم أوله -: وسطها وأصلها. والتواكل: ايكال كل واحد الامر إلى غيره. اظهار العجز، والمعنى الثاني بحسب الغالب اما معلول ومسبب عن الاول أو لازم له. والتخاذل: المضايقة والامتناع من بذل النصر والعون. وشنت: صبت واندفعت من كل وجه كما يشن الماء متفرقا دفعة بعد دفعة. والغارات جمع الغارة: الخيل المغيرة تهجم فتقتل وتنهب. (8) الانبار مدينة على الشاطي الشرقي للفرات غربي بغداد، ويقابلها (هيت) وهي اسم أعجمي ومعناه مخزن الاغذية والاقوات، من الحنطة والشعير وغيرهما، سميت بذلك لان الاكاسرة جعلوها مخزن الحبوبات المأكولة. و (أخو غامد) هو سفيان بن عوف الغامدي المبعوث من قبل معاوية لتنكيل مؤمني العراق ونهب أموالهم. و (المسالح) جمع مسلحة، وهي المكان الذي يلي العدو، أو المحل الذي يخاف هجوم العدو منه، فيرابط فيه جماعة من أولى النجدة والشهامة للمراقبة والتحفظ من كيد العدو واغارتهم بغتة.

[314]

قال رجلا منهم كلم ولا أريق لهم دم (9) فلو أن امرءا مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا، فيا عجبا، عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم [من] اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم (10) فقبحا لكم وترحا


(9) وفى الكافي: (ولا أريق له دم) وهو أظهر. والمعاهدة: النصرانية أو اليهودية أو المجوسية التي كانت تحت ذمة الاسلام ورعاية المسلمين. و (الحجل) على زنة الحبر والفلس والابل: الخلخال. و (القلب) كقفل: السوار. و (القلائد) والقلاد - بفتح القاف في الاول، وكسرها في الثاني -: جمع القلادة، - على زنة الارادة - وهي ما يجعل في العنق من الحلي. و (الرعاث) - على زنة الحساب والكتاب -. جمع رعثة - على زنة فلس وفرس مع التاء -: القرط، وهو ما يعلق في شحمة الاذن من لؤلؤة ودرة ونحوهما. (الاسترجاع): تريد الصوت في البكاء، أو قول: (انا لله وانا إليه راجعون). و (الاسترحام): طلب الرحمة، والمناشدة بالرحم. و (وافرين): تامين غانمين لم ينقص عددهم، أي لم يقتل ولم يؤسر أحد منهم. و (الكلم) - كفلس -: الجرح. و (الاسف): - كفرس -: شدة الحزن. (10) إذ مقتضى كون الشخص على الباطل هو الفرار من موجبات الموت كالحرب وأمثاله، ولازم حقانية المعتقد والمذهب هو اسراع الحق إلى ما يرضى الله تعالى، والمبادرة إلى ما يدنيه إلى الله ويخلصه من معاشرة الاشرار والطغاة، وهما كانا على خلاف ذلك. وفى بعض نسخ الكافي: (يميث القلب) - ؟ ؟ ؟ المثلثة - وهو الاذابة، ومنه الحديث: (حسن الخلق يميث الخطيئة، كما تميث الشمس الجليد) (*)

[315]

حين صرتم عرضا يرمى (11) يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون، ويعصى الله وترضون، فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم هذه حمارة القيظ أمهلنا يسبخ عنا الحر (12) وإذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبارة القر أمهلنا ينسلخ عنا البرد (13) كل هذا فرارا من الحر والقر، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون، فأنتم والله من السيف أفر، يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الاطفال، وعقول ربات الحجال (14) لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم


(11) القبح - كالقفل -: ضد الحسن. وبالفتح والسكون: الابعاد عن الخير والترح - كالفرس -: الحزن. الهلاك. الفقر. والغرض: الهدف الذي يرمى إليه. (12) وفى الكافي: (أمهلنا حتى يسبخ) الخ. حمارة - بتشديد الراء، وربما خففت في الضرورة، هو -: شدة الحر. والقيظ: صميم الصيف والتسبيخ: التخفيف والتسكين. (13) ومثله في نهج البلاغة، وفى الكافي:: (أمهلنا حتى ينسلخ عنا البرد صبارة الشتاء - بتشديد الراء -: شدة بردة. و (القر) بالضم والتشديد: البرد. وعن بعضهم انه برد الشتاء خاصة، والبرد عامة يشمل برد الشتاء والصيف معا. (14) الحلوم - كالاحلام - جمع الحلم - بكسر الحاء على زنة حبر - وهو تحمل المكاره والتصبر عليها. الاناة والتمهل في الامور. وقد يقابل به الجهل والسفه، كقول الشاعر: (وان سفاه الشيخ لا حلم بعده) وقد يطلق على العقل كقوله تعالى: (أم تأمرهم أحلامهم) أي عقولهم. و (ربات الحجال): النساء، وهي جمع ربة - مؤنث الرب - بمعنى الصاحب. و (الحجال) جمع الحجلة - محركة - وهي اما بمعنى الزينة المخصوصة التي تزين بها النساء ليلة عرسها. أو البيت أو القبة التي تزين للعروس، أو الستر الذي يضرب لها في جوف البيت. وقوله (ع): (حلوم الاطفال وعقول ربات الحجال) اما مجروران على انهما معطوفان على الرجال، أي يا أشباه حلوم الاطفال وعقول ربات الحجال. ويجوز أيضا نصبهما عطفا على المضاف دون المضاف إليه، وفى هذا الوجه من المبالغة ما لا يوجد في الوجه الاول والثالث، واما مرفوعان على انهما خبران لمبتدا محذوف، وتقدير الكلام: حلومكم حلوم الاطفال وعقولكم عقول ربات الحجال الخ.

[316]

معرفة والله جرت ندما وأعقبت سدما قاتلكم الله لقد ملاتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيظا، وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا (15) وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخدلان حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل


(15) وفى بعض نسخ الكافي: (وأعقبت ذما). والسدم - كفرس -: الحزن مع الاسف والغيظ. وقاتلكم الله اي أبعدكم الله ولعنكم، وهذا معنى مجازي للكلام ومن اللوازم الخارجية للمقاتلة، والقيح: وما في القرحة من صديد الذي لا يخالطه دم، وهو ملازم لقدم الجرح ومرور الايام عليه. وشحنتم: ملاتم. والنغب - جمع نغبة - كجرع - جمع جرعة - لفظا ومعنى. وجرعتموني: سقيتموني. والتهمام - بفتح التاء، وكل تفعال كذلك الا التلقاء والتبيان -: الهم. وأنفاسا جمع نفس - محركة -: السعة والفسحة، أي سقيتموني جرع الهموم والاحزان في أيام فسيحة وأزمنة وسيعة وأوقات طويلة.

[317]

شجاع ولكن لا علم له بالحرب، لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا وأقدم لها مقاما مني، لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (16). [فلما انتهت قراءة الكتاب] فقام إليه (ع) رجل من الازد - يقال له حبيب بن عفيف، آخذا بيد ابن أخ له يقال له: عبد الرحمان بن عبد الله بن عفيف - فأقبل يمشي حتى استقبل أمير المؤمنين (ع) بباب انسدة، ثم جثا على ركبتيه وقال: يا أمير المؤمنين ها أناذا لا أملك الا نفسي وأخي، فمرنا بأمرك فو الله لننفذن له ولو حال دون ذلك شوك الهراس وجمر الغضا (7)


(16) من قوله (ع): (حتى قالث قريش) إلى قوله: (ولكن لا رأي لمن لا يطاع) قد صدر منه (ع) في أزمنة عديدة، وأمكنة كثيرة، بانفراده آونة، وبادراجه في ضمن الخطب والكلام الطوال أحيانا، وله أسانيد جمة في كتب الفريقين، وزبر أجلاء الطائفتين. وقوله (ع): (لله أبوهم) كلمة يستعمله العرب في المدح. والتعجب. وتعظيم الامر. وروى بدله في مروج الذهب: (تربت أيديهم) وهو دعاء لهم بالفقر، إذ الفقير يتلطخ بالتراب. و (مراسا) أي مزاولة ومعانة، وهو مصدر قولهم: (مارسه ممارسة) و (ذرفت): زدت، وهو من باب التفعيل، وفى مروج الذهب: (وها أناذا قد أربيت) أي ارتفعت،. وفى الكامل: (وها أناذا قد نيفت) وهو أيضا بمعنى الارتفاع والزيادة. وقوله: (لا رأي لمن لا يطاع) مثل، وقيل هو (ع) أول من سمع من هذا المثل، ومعناه: انه لا أثر ولا فائدة لرأى لا يطاع، وانما نفى الرأي - مع أن المنفي هو الاثر - مبالغة كأنه لا وجود له. (17) يقال: - جثا - جثوا - من باب دعا، والمصدر كالعتو - وجثا - من باب رمى والمصدر كالرمي والحلي - جثيا وجثيا): جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، فهو جاث، والجمع جثي - بضم الجيم وكسرها - والمؤنث جاثية. والشوك - معروف وهو -: ما يخرج من النبات شبيها بالابرة، والواحدة: الشوكة. والجمع: أشواك. والهراس - كسحاب -: شجر كبير الشوك قال الفيروز آبادي: ثمره كالنبق. وقال في لسان العرب الجمر (كفلس): النار المتقدمة، واحدته جمرة فإذا برد فهو فحم. أقول: في هذا التفسير - كتفسير جل اللغويين وتعبيرهم تسامح واضح، فان الجمر ان كان أسما للنار المتقدة فلا معنى لقوله فإذا برد فهو فحم. وان كان اسما للجسم الذي اتقدت فيه النار - وهو الصواب وهو المسمى في لسان أهل أعلا مرودشت من الايرانيين ب‍ (خرك) و (حرنك) - على زنة گرگ وبزرگ في لسانهم - فاللازم أن يقول: الجمر هو الجسم الذي الهب فيه النار واستولت على جميع أجزائه، فإذا خمدت النار أو أخمدت فان بقي شئ يصح ان تتقد فيه النار مرة أخرى فهو فحم. والغضا - على زنة العصا -: شجر خشبه من أصلب الخشب، وجمره يبقى زمنا طويلا لا ينطفئ، والواحدة منه: غضاة.

[318]

حتى ننفذ أمرك أو نموت دونه. فدعا (ع) لهما بخير، وقال لهما: أين تبلغان - بارك الله عليكما - مما نريد (18). ثم أمر (ع) الحرث الاعور، فنادى في الناس: أين من يشري نفسه لربه ويبيع دنياه بآخرته، أصبحوا غدا بالرحبة انشاء الله، ولا يحضرنا إلا صادق النية في المسير معنا، والجهاد لعدونا. فأصبح بالرحبة نحو من ثلاث مأة، فلما عرضهم [عليه (ع)] قال: لو كانوا ألفا كان لي فيهم رأي. وأتاه قوم يعتذرون، وتخلف آخرون، فقال (ع): وجاء المعذرون، وتخلف المكذبون. قال [الراوي]: ومكث (ع) أياما باديا حزنه، شديدا الكآبة، ثم إنه نادى في الناس فاجتمعوا فقام خطيبا، وخطبهم بما تقدم في باب الخطب.


(18) وهو احقاق الحق وابطال الباطل بتنكيل المبطلين، واستيصال المفسدين.

[319]

كتاب الغارات للثقفي (ره) كما في بحار الانوار: ج 8 ص 680 الكمباني. أقول: ومن قوله (ع): (ان الجهاد باب من أبواب الجنة) إلى آخره رواه في الاغاني: ج 16، ص 267 ط مصر، وله مصارد جمة كاد أن يكون متواترا. وقال في عنوان: (غارة سفيان بن عوف) من أنساب الاشراف ص 418: فأتى الانبار فأغار عليها فقاتله من بها من قبل علي، فأتى على أكثرهم وقتل أشرس بن حسان البكري عامل علي وأخذ أموال الناس ثم انصرف، وأتى عليا علج فأخبره الخبر، وكان عليلا لا يمكنه الخطبة فكتب كتابا قرئ على الناس، وقد أدني علي من السدة التي كان يخرج منها ليسمع القراءة، وكانت نسخة الكتاب: (أما بعد فان الجهاد باب من أبواب الجنة) إلى قوله (ع): (ولكنه لا رأي لمن لا يطاع والسلام). - 162 - ومن كتاب له عليه السلام كتبه إلى عامله علي (هيت) (1) كميل بن زياد النخعي (ره) ينكر عليه تركه دفع من يجتاز به من جيش العدو طلبا للغارة.


(1) قال في معجم البلدان -: ج 8 ص 486 ط مصر -: هي بلدة على الفرات من نواحي بغداد، فوق الانبار، ذات نخل كثير وخيرات واسعة، وهي مجاورة للبرية. طولها من جهة المغرب (69) درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة ونصف وربع، وهي في الاقليم الثالث.

[320]

[قال ابن الاثير - في حوادث سنة (39) من الهجرة، من تاريخ الكامل: ج 3 ص 189 - وفيها - أي في سنة (39) - وجه معاوية سفيان ابن عوف في ستة آلاف. وأمره أن يقطع (هيت) ويأتى (الانبار) و (المدائن) فيوقع بأهلها، فأتى سفيان (هيت) فلم يجد بها أحدا، ثم أتى (الانبار) وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمأة رجل وقد تفرقوا ولم يبق منهم الا مأتان، لانه كان عليهم كميل بن زياد، فبلغه أن قوما ب‍ (قرقيسا) يريدون الغارة على (هيت) فسار إليهم بغير أمر علي، فأتى أصحاب سفيان وكميل غائب عنها، وخليفته أشرس بن حسان البكري، فطمع سفيان في أصحاب علي لقلتهم، فقاتلهم فصبروا له، وقتل صاحبهم أشرس وثلاثون رجلا، وأحتملوا ما في الانبار) من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية، وبلغ الخبر عليا فغضب على كميل وكتب إليه ينكر عليه فعله]: أما بعد فإن تضيع المرء ما ولي، وتكلفه ما كفي لعجز حاضر ورأي متبر (2) وإن تعاطيك الغارة على أهل (قرقيسا) وتعطيلك مسالحك التي وليناك - ليس لها من يمنعها، ولا يرد الجيش عنها - لرأي شعاع (3) فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك،


(2) (رأي متبر) كمكرم: خلق فاسد. أو انه هالك يهلك صاحبه من قولهم: تبره تتبيرا: أهلكه. ومنه قوله تعالى - في الآية (139) من الاعراف -: (ان هؤلاء متبر ما هم فيه، وباطل ما كانوا يعملون). (3) و (التعاطي): الطلب والتناول. و (قرقيسا) بلد معروف. قال في معجم البلدان: ج 7 ص 59: (قرقيسياء) بالفتح ثم السكون وقاف أخرى (مكسورة) وياء ساكنة وسين مكسورة، وياء أخرى وألف ممدودة. ويقال: بياء واحدة. قال حمزة الاصبهاني: (قرقيساء) معرب (كركيسياء) وهو مأخوذ من (كركيس) وهو اسم لارسال الخيل المسمى بالعربية الحلبة، وكثيرا ما يجئ في الشعر مقصورا، وهو بلد على نهر الخابور، قرب رحبة مالك بن طوق، ستة فراسخ، وعندها مصب الخابور في الفرات، فهي مثلث بين الخابور والفرات. قيل سميت بقرقيسيا بن طهمورث الملك. و (المسالح): جمع المسلحة وهو الحد الفاصل بين المملكتين المتجاورتين الذي يجمع فيه السلاح ويوقف عليه جماعة من ذوي النجدة والبأس لحفظ صلاح مملكتهم وشعبهم. و (رأي شعاع) - كسحاب -: متفرق غير ملتئم.

[321]

على أوليائك، غير شديد المنكب، ولا مهيب الجانب ولا ساد ثغرة (4) ولا كاسر لعدو شوكة، ولا مغن عن أهل مصره ولا مجز عن أميره. المختار (61) من الباب الثاني من نهج البلاغة، ورواه باختصار أحمد ابن يحيى البلاذري في كتاب أنساب الاشراف ترجمة امير المؤمنين (ع) ص 425. - 163 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن عباس (ره) وهو عامله على البصرة. بسم الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير


(4) (المنكب) - على زنة المسجد -: مجتمع الكتف والعضد. وشدة المنكب ومهابة الجانب يكنى بهما عن القوة والمنعة. و (الثغرة): الفرجة التي يدخل منها العدو للبغي والعدوان.

[322]

المؤمنين، إلى عبد الله بن عباس، أما بعد فانظر ما اجتمع عندك من غلات المسلمين وفيئهم فاقسمه [في] من قبلك حتى تغنيهم، وابعث إلينا بما فضل نقسمه فيمن قبلنا، والسلام (1). كتاب صفين ط مصر، ص 156، ط 2. - 164 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس (ره) أيضا. أما بعد فاطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك (1) فإن في ترك ما لا يعنيك درك ما يعنيك، وإنما تقدم على ما أسلفت لا على ما خلفت (2) وابن ما تلقاه على


(1) وقريب منه ذكره (ع) في كتابه إلى قثم بن العباس، كما في المختار (67) من كتب النهج. وتقدم قريب منه أيضا في كتابه (ع) إلى سلمان بن صرد (ره). (1) يقال: (عنى يعني - من باب رمى - عناية وعناية وعنيا - كسحابة وحكاية وهوية -) الامر فلانا: شغله وأهمه. (2) يقال: (قدم - من باب علم - قدما ومقدما وقدمانا المدينة): أتاها. ومن سفره: عاد. والمصادر على زنة السرور، ومرحب وغلمان.

[323]

ما تلقاه [كذا] والسلام. المختار (148) من كلمه (ع) من كتاب تحف العقول، ص 152. ورواه عنه في البحار: ج 17 / 131 / س 9 عكسا، ط الكمباني. - 165 - ومن كتاب له عليه السلام إلى العبد الصالح أبي الاسود الدئلي (ره) قال الطبري حدثني عمر بن شبه، قال: حدثني جماعة عن أبي مخنف، عن سليمان بن راشد، عن عبد الرحمان بن عبيد أبي الكنود، (1) قال: مر عبد الله بن عباس علي أبي الاسود الدئلي، فقال: لو كنت من البهائم كنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت من المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشي (2) قال: فكتب أبو الأسود إلى علي [أمير المؤمنين عليه السلام]:


(1) وفى العقد الفريد: (وروى أبو مخنف، عن سليمان بن أبي راشد، عن عبد الرحمان بن عبيد، قال: مر ابن عباس على أبي الاسود الدؤلي، فقال له: لو كنت من البهائم لكنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت المرعى له. فكتب أبو الأسود إلى علي: أما بعد فان الله جعلك واليا) الخ، وفى أنساب الاشراف ص 331: (فمر ابن عباس بأبي الاسود، فقال له: يا أبا الاسود لو كنت من البهائم كنت جملا، ولو كنت له راعيا ما بلغت به المرعى، ولا أحسنت مهنته في المشتى). (2) (المهنة) بكسر الميم وفتحها - مع سكون الهاء فيهما - وكجبلة ومرحة: الخدمة. الاصلاح.

[324]

أما بعد فان الله جل وعلا جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مستوليا، وقد بلوناك فوجدناك عظيم الامانة، ناصحا للرعية، توفر لهم فيأهم، وتظلف نفسك عن دنياهم (2) فلا تأكل أموالهم، ولا ترتشي في أحكامهم، وان ابن عمك قد أكل ما تحت يديه بغير علمك، فلم يسعني كتمانك ذلك، فانظر رحمك الله فيما هناك، واكتب الي برأيك فيما أحببت أنته إليه (ظ) والسلام. [فلما بلغ كتابه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أجابه بما لفظه]: أما بعد فمثلك نصح الامام والامة وأدى الامانة ودل على الحق (3) وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي فيه من أمره، ولم أعلمه أنك كتبت [إلي] فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك مما النظر فيه للامة صلاح، فإنك بذلك جدير، وهو حق واجب عليك، والسلام. تاريخ الطبري: ج 4 ص 108، وفي ط ص 81 ج 6. وكتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 2 ص 242، وفي ط 2 ج 3 ص 120، تحت الرقم (17) ونقله عنهما تحت الرقم (536) من جمهرة الرسائل: ج 1، ص 588، وذكره أيضا مع الكتاب الآتي، وكتاب أبي الاسود المتقدم، أعثم الكوفي، كما في المترجم من تاريخه ص 308 ط الهند. ورواه أيضا في أنساب البلاذري ص 331 مرسلا.


(3) الافعال الثلاثة اخبار يراد به الطلب والحث، أي ان مثلك فلينصح الامام ويكون خالصا في خدماته له، وليؤد الامانة، وليدل على الحق.

[325]

- 166 - ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس رحمه الله. وبالسند المتقدم في الهامش عن العقد الفريد - قال: ثم كتب [أمير المؤمنين] علي [عليه السلام] إلى ابن عباس: أما بعد، فإنه قد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد اسخطت الله، وأخربت أمانتك وعصيت إمامك، وخنت المسلمين (1). بلغني أنك خربت الارض وأكلت ما تحت يدك (2) فارفع إلي حسابك، واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس (3) والسلام. فكتب إليه ابن عباس: أما بعد فان كل الذي بلغك باطل، وأنا لما تحت يدي ضابط وعليه حافظ، فلا تصدق الضنين. [الظنون (خ) الطبري]. وقريب منه في ترجمته (ع) من أنساب الاشراف.


(1) وفى المختار (40) من كتب نهج البلاغة: (ان كنت فعلته فقد أسخطت ربك وعصيت امامك وخزيت أمانتك) الخ. (2) وفى المختار المتقدم من نهج: (بلغني أنك جردت الارض فأخذت ما تحت قدميك. وأكلت ما تحت يديك). (3) وينبغي أن يكون ما جعله الطبري أول كتبه (ع) إلى ابن عباس في هذه القصة، مرتبا على قوله (ع) هنا هكذا: (واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس) فأعلمني ما أين أخذت من الجزية، من أين أخذت، وفيم وضعت. (والسلام).

[326]

- 167 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن عباس أيضا جوابا لكتابه المتقدم. أما بعد فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذته، وما وضعت منها فيم وضعته، فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك إياه (1) فإن المتاع بما أنت رازمه قليل، وتباعته وبيلة لا تبيد (2) والسلام. وقريب منه في أنساب الاشراف، ص 331.


(1) أي اتق الله فيما جعلك أمينا عليه، وفيما طلبت حفظه ووقايته منك. يقال: (استرعاه الشئ): طلب منه حفظه. (2) يقال: (رزم - من باب نصر - رزما) الشئ: جمعه وشده، فهو رازم والجمع رزام - كرمان - والمتاع مرزوم. والتباعة - على زنة الاشارة -: ما يترتب على العمل ويلحقه من الخير، أو الشر، الا أن أستعماله في الشر أكثر، والوبيل: الشديد الوخيم. أي اتق الله يابن عباس ولا تغير بما تحوزه وتجمعه، فان تمتعك بما أنت جامعه وتستولي عليه قليل، وما يترتب على جمعك من غير استحقاق، من السوء والمؤاخذة وخيم لانفاد له، بل مستمر.

[327]

- 168 - ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس أيضا. قال ابن عبد ربه: وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد. عن أبي الكنود [كذا] قال: كنت من أعوان عبد الله بن عباس بالبصرة، فلما كان من أمره ما كان، أتيت عليا فأخبرته، فقال: (واتل عليه نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين) ثم كتب معه إلى [ابن عباس] (1):


(1) وفى رجال الكشي (ره): قال شيخ من أهل اليمامة، يذكر عن معلى بن هلال، عن الشعبي، قال: لما احتمل عبد الله بن عباس، بيت مال البصرة، وذهب به إلى الحجاز، كتب إليه علي بن ابي طالب (ع). من عبد الله علي بن أبي طالب (أمير المؤمنين) إلى عبد الله بن عباس أما بعد فاني كنت أشركتك في أمانتي، ولم يكن أحد من أهلي بيتي في نفسي أوثق منك لمواساتي وموازرتي وأداء الامانة الي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو عليه قد حرب، وأمانة الناس قد عزت، وهذه الامور قد فشت، قلبت لابن عمك ظهر المجن. وفارقته مع المفارقين، وخذلته أسوء خذلان الخاذلين الخ وفى تذكرة سبط ابن الجوزي: (فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد حرب، والعدو قد كلب، وأمانة الناس قد خربت، والامة قد افتشت، قلبت لابن عمك ظهر المجن، بمفارقته من المفارقين، وخذلانه مع الخاذلين، واختطفت ما قدرت عليه من مال الامة اختطاف الذئب فاردة المعزي الخ أقول: (كلب الزمان): اشتد. وكلب فلان: غضب وسفه. وكلب زيد على الامر: حرص عليه. وكلب على الرجل: ألح عليه. وكلب في كذا: طمع فيه. وهو من باب (علم) ومصدرة على زنة (فرس). ويقال: (حرد - من باب علم - حردا وحردا عليه): غضب، فهو حارد وحرد، كفرح - والمصدر كفرس وفلس. ويقال: حرب الرجل: اشتد غيظه، فهو حرب: شديد الغيظ، وجمعه حربي - كسلمي - وهو أيضا من باب علم، ومصدره على زنة الفرس. وقلبت له ظهر المجن، أي أقدمت على ضرره، وقمت على خلافه كأقدام من يترك قائده في الحرب، ويتصل بعدوه ويهجما معا عليه.

[328]

أما بعد فإني كنت أشركنك في أمانتي ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك بمواساتي وموازرتي بأداء الامانة فلما رأيت الزمان قد كلب على ابن عمك، والعدو قد حرد، وأمانة الناس قد خربت، وهذه الامة قد فننت، قلبت لابن عمك ظهر المجن، ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوء خذلان، وخنته مع من خان فلا ابن عمك آسيت، ولا الامانة أديت، كأنك لم تكن على بينة من ربك (2) وإنما كدت أمة محمد [صلى الله عليه وآله] عن دنياهم وغدرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الفرصة


(3) وفى رجال الشكي، بعد قوله: (الخاذلين) هكذا: (فكأنك لم تكن تريد الله بجهادك، وكأنك لم تكن على بينة من ربك، وكأنك انما كنت تكيد أمة محمد (ص) على دنياهم وتغري غرتهم) الخ.

[329]

في خيانة الامة، أسرعت الغدرة، وعاجلت الوثبة، فاختطفت ما قدرت من أموالهم، وانقلبت بها إلى الحجاز كأنك إنما حزت على أهلك ميراثك من أبيك وأمك (3) فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد أما تخاف الحساب، أما تعلم أنك تأكل حراما، وتشرب حراما، وتشتري الاماء وتنكحهم بأموال اليتامى والارامل والمجاهدين في سبيل الله التي أفاء الله عليهم (4) فاتق الله وأد إلى القوم أموالهم، فإنك والله


(3) وفى رجال الكشي: (فلما أمكنتك الشدة في خيانة أمة محمد، أسرعت الوثبة، وعجلت العدوة، فاحتطفت ما قدرت عليه اختطاف الذئب الازل دامية المعزى الكسيرة، كأنك - لا أبالك - انما جررت إلى أهلك تراثك من أبيك وأمك) أقول: الشدة - بفتح أوله -: الحملة، من قولهم: (شد - من باب مد، وفر - شد وشدودا - كفلسا وفلوسا - وشدة) على العدو: حمل عليه. والذئب الازل: الخفيف الوركين، والذئب بهذا الوصف أسرع وثبة وأشد عدوا. والمعزى كالمعز، والمعيز، اسم لجنس معروف من الحيوان، وهو أخت الضأن. والدامية: الملطوخة بالدم، والكسيرة: المكسورة الاعضاء. (4) وفى التذكرة: (أما توقن بالمعاد، ولا تخاف رب العباد، أما يكبر عليك أنك تأكل الحرام، وتنكح الحرام، وتشتري الاماء بأموال الارامل واليتام) الخ. وفى الكشي: (سبحان الله أما تؤمن بالمعاد، أو ما تخاف من سوء الحساب، أو ما يكبر عليك أن تشتري الاماء وتنكح النساء بأموال الارامل والمهاجرين الذين أفاء الله عليهم هذه البلاد) الخ. (*)

[330]

لئن لم تفعل وأمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك، فو الله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة (5) ولما تركتهما حتى آخذ للحق منهما والسلام أقول: وهذا رواه أيضا السيد الرضي (ره) في المختار) (41 / أو 44) من الباب الثاني من نهج البلاغة مع زيادات جيدة منها ذيل المختار التالي. ورواه أيضا باختلاف طفيف الميداني في المثل المعروف: (قلب له ظهر المجن) من كتاب مجمع الامثال، ورواه أيضا في ترجمة أمير المؤمنين (ع) من كتاب أنساب الاشراف 333، إلا أنه ذكر الجميع مرسلا وبلفظ قالوا.


(5) وفى التذكرة: (أردد إلى المسلمين أموالهم، والله لئن لم تفعل لاعذرن الله فيك، فان الحسن والحسين لو فعلا ما فعلت لما كان لهما عندي هوادة والسلام). وفى رجال الشكي (ره): (أردد إلى القوم أموالهم، فو الله لئن لم تفعل ثم أمكنني الله منك، لاعذرن الله فيك والله (كذا) فو الله لو أن حسنا وحسينا فعلا مثل الذي فعلت، لما كان لهما عندي في ذلك هوادة ولا لواحد منهما عندي فيه رخصة، حتى آخذ الحق وأزيح الجور عن مظلومهما والسلام). وفى نهج البلاغة: (فاتق الله واردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فانك ان لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك، ولاضربنك بسيفي الذي ما ضربت به احدا الا دخل النار، والله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني بارادة حتى آخذ الحق منهما، وأزيل الباطل عن مظلمتهما، وأقسم بالله رب العالمين ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي أتركه ميراثا لمن بعدي، فضح رويدا) الخ. أقول: الهوادة - كشهادة -: اللين والرفق. ما يرجى به الصلاح. الميل. المحاباة. المساهلة.

[331]

- 169 - ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس أيضا. ولما وصل كتابه (ع) - المتقدم - إلى ابن عباس أجابه بما لفظه: أما بعد فقد بلغني كتابك تعظم علي اصابة المال الذي أصبت من بيت مال البصرة (1) ولعمري ان حقي في بيت مال الله أكثر مما أخذت والسلام (2). فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإن العجب كل العجب منك إذ ترى لنفسك في بيت مال الله أكثر مما لرجل من المسلمين (3) قد أفلحت إن كان تمنيك الباطل، وادعاؤك ما لا


(1) وفي رجال الكشي: (فقد أتاني كتابك تعظم علي اصابة المال الذي أخذته من بيت مال البصرة، ولعمري ان لي في بيت مال الله اكثر مما أخذت والسلام). وقريب منهما في شرح المختار (41) من كتب النهج. (2) ومن هذا يستفاد أن مقدار ما أخذه من بيت المال كان قليلا بحيث يسري إليه شبهة الاستحقاق. (3) وفي رجال الكشي: (أما بعد فالعجب كل العجب من تزيين نفسك أن لك في بيت مال الله أكثر مما أخذت، وأكثر مما لرجل من المسلمين، قد أفلحت) الخ. وفي أنساب الاشراف: (أما بعد فان من أعجب العجب تزيين نفسك لك ان لك في بيت المال من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين) الخ.

[332]

يكون ينجيك من الاثم، ويحل لك ما حرم الله عليك. عمرك الله إنك لانت البعيد البعيد (4) قد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا، وضربت بها عطنا (5) تشتري المولدات من المدينة والطائف وتختارهن على عينك وتعطي بها مال غيرك (6) وإني أقسم بالله ربي وربك ورب العزة ما أحب أن ما أخذت من أموالهم لي حلالا أدعه ميراثا لعقبي (7) فما بال اغتباطك به


(4) كذا في العقد الفريد، وفى رجال الكشي (ره): (عمرك الله انك لانت العبد المهتدي اذن) ولا يبعد أن يكون ما في نسختي من العقد الفريد، محرفا، وصوابه: (انك لانت السعيد السعيد). وقوله (ع): (عمرك الله) دعاء له استعطافا، وهذا اللفظ ونظيره مما شاع استعماله في الدعاء في عصرنا أيضا، في لغة العرب والفرس معا، يقولون: (أبقاك الله) ويقول الايرانيون: (خدا عمرت بدهد). (5) العطن - كفرس -: مبرك الابل ومربض الغنم حول الماء - ومثله المعطن على زنة المجلس والمربع - وجمعه معاطن. وفى الكلام من المبالغة ما لا يخفى. (6) المولدة - على زنة اسم المفعول -: الجارية المولودة بين العرب. و (على عينك) أي على نفسك، أي ترجح أقتناء الجواري وتملكهن على صلاح نفسك وشخصك. وفى رجال الكشي: (تشتري مولدات مكة والطائف تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك) الخ. (7) وفى رجال الكشي: (واني لاقسم بالله ربي وربك رب العزة ما يسرني أن ما أخذت من أموالهم لي حلال أدعه لعقبي ميراثا) الخ. وفي التذكرة: (واني أقسم بالله ما أحب ان ما أخذت من أموالهم حلالا أدعه بعدي ميراثا، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك غدا بالمحل الاعلى الذي يتمني فيه المضيع للتوبة الخلاص، (ولات حين مناص).

[333]

تأكله حراما (8) ضح رويدا (9) فكأنك قد بلغت المدى [ودفنت تحت الثرى (ن)] وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة [ولات حين مناص (ن)]. أقول: وهذا الذيل - عدا ما وضعناه بين المعقوفين فانه من نهج البلاغة - رواه أيضا ابن عساكر - في ترجمة أمير المؤمنين (ع) من تاريخ دمشق ص 139، وفي النسخة المسندة: ج 38 ص 86 - عن أبي القاسم العلوي، عن رشا بن نظيف، عن الحسن بن اسماعيل، عن احمد بن مروان، عن محمد بن عبد العزيز، عن محمد بن الحرث، عن المدائني، قال: كتب علي بن أبي طالب إلى بعض عماله: (رويدا فكأن قد بلغت المدى) الخ. وقريب منه جدا في أنساب الاشراف.


(8) وفى رجال الشكي: (فلا غروا أشد باغتباطك تأكله، رويدا رويدا فكأن قد بلغت المدى، وعرضت على ربك (با) لمحل الذي تتمني الرجعة (كذا) والمضيع للتوبة، ذلك وما ذلك ولات حين مناص والسلام). (9) أي تأن بنفسك تأنيا ولا تعجل إلى الشهوات، يقال: (ضحى عن الامر تضحية: تأنى ولم يعجل عليه. و (ضح رويدا): لا تعجل. و (أورد أروادا ورويدا): رفق وتمهل.

[334]

- 170 - ومن كتاب له عليه السلام وهي الصورة الثانية من الكتاب المتقدم. أما بعد فإن من العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال المسلمين من الحق أكثر مما لرجل واحد من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المآثم، ويحل لك المحرم، إنك لانت المهتدي السعيد إذا. وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا، وضربت بها عطنا تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف، تخنارهن على عينك، وتعطي فيهن ما لغيرك، فارجع هداك الله إلى رشدك، وتب إلى الله ربك، واخرج إلى المسلمين من أموالهم فعما قليل تفارق من ألفت، وتترك ما جمعت، وتغيب في صدع من الارض غير

[335]

موسد ولا ممهد (1) قد فارقت الاحباب، وسكنت التراب، وواجهت الحساب، غنيا عما خلفت، فقيرا إلى ما قدمت، والسلام. شرح المختار (41) من كتب نهج البلاغة، من ابن أبي الحديد: ج 16 / 170، وفي ط ج 3 / 72. وفي ط ج 4 ص 64. - 171 - ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس (ره) لما تاب من زلته وخرج من خطيئته، وأستولت عليه الندامة، وتصيطرت عليه الكآبة. قال اليعقوبي (ره): وكتب أبو الأسود الدؤلي - وكان خليفة عبد الله ابن عباس بالبصرة - إلى [أمير المؤمنين] علي عليه السلام، يعلمه أن عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم (1) فكتب [أمير المؤمنين] عليه السلام إليه يأمره بردها فامتنع، فكتب عليه السلام إليه يقسم له بالله لتردنها، فلما ردها عبد الله بن عباس، أورد أكثرها كتب إليه:


(1) (صدع) - على زنة الفلس -: الشق. والجمع صدوع كفلوس. (1) وفى ترجمة ابن عباس من رجال الكشي: روى علي بن يزداد الصائغ الجرجاني، عن عبد العزيز بن محمد بن عبد الاعلى الجزري، عن خلف المخزومي البغدادي، عن سفيان (سف خ) بن سعيد، عن الزهري، قال: سمعت الحارث يقول: استعمل علي صلوات الله عليه، على البصرة عبد الله بن عباس، فحمل كل مال في بيت المال بالبصرة، ولحق بمكة وترك عليا عليه السلام، وكان مبلغه ألفي ألف (ألف ألف (خ)) درهم، فصعد علي عليه السلام المنبر حين بلغه ذلك فبكى وقال: هذا ابن عم رسول الله (ص) في علمه وقدره يفعل مثل هذا، فكيف يؤمن من كان دونه، أللهم اني قد مللتهم فأرحني منهم واقبضني اليك غير عاجز ولا ملول. وقال في العقد الفريد: ج 3 ص 121،: وكان مبلغه فيما زعموا: ستة آلاف ألف، فجعله في الغرائر الخ. وقال سبط ابن الجوزي: في التذكرة: قال هشام: كان الذي أخذه من بيت المال: أربعمأة الف درهم. وقيل: سبع مأة الف، ولما مضى إلى مكة، كتب إليه أمير المؤمنين: سلام عليك، أما بعد فاني اشركتك الخ.

[336]

[بسم الله الرحمن الرحيم] (2) أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه (3) فما أتاك من الدنيا فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تكثر عليه جزعا (4) واجعل همك لما بعد


(2) كما في رواية نصر بن مزاحم، ورواية ابن عساكر عن أبي غالب بن البنا، وموفق بن أحمد في المناقب. (3) وفى رواية الكليني (ره): (ويحزنه ما لم يكن ليصيبه أبدا وان جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل صالح أو حكم أو قول، وليكن أسفك فيما فرطت فيه من ذلك، ودع ما فاتك من الدنيا فلا تكثر عليه حزنا، وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا) الخ. وقريب منه، ما في رواية نصر، في كتاب صفين. وفى المختار (71، أو 66) من نهج البلاغة: (فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذة أو شفاء غيظ، ولكن أطفاء باطل أو احياء حق) الخ. (4) وفى رواية القالي: (فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تتبعه أسفا، فليكن سرورك على ما قدمت، وأسفك على ما خلفت، وهمك فيما بعد الموت). وفى أدب الدنيا والدين: (فلا تكن بما نلته من دنياك فرحا، ولا لما فاتك منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الامل، فكأن قد والسلام.

[337]

الموت والسلام. فكان ابن عباس (ره) يقول: ما أتعظت بكلام قط اتعاظي بكلام أمير المؤمنين عليه السلام (5). تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 194، ط النجف، وقريب منه في كتاب صفين ص 107، ط مصر، وفي ط ص 58 - كما في ثقافة الهند 57 - ونقله عنه في البحار: ج 8، ص 475، س 7 عكسا، ومثله في المختار (29) من كلمه (ع) في تحف العقول ص 138، وذكر قريبا منه أيضا في المختار (123) منه، الا انه لم يذكر في الموضع الثاني انه (ع) كتبه إلى ابن عباس، ورواه عنه في البحار: ج 17، ص 226 ط الكمباني س 5 عكسا، ونقله أيضا ابن مسكويه (ره) في الحكمة الخالدة ص 179، ورواه أيضا السيد الرضي (ره) في المختار (22، و 71) من كتب نهج البلاغة. ورواه أيضا الماوردي في كتاب أدب الدنيا والدين، ص 64، أواخر باب أدب العلم. وذكره ابن عبد ربه في كتاب الزمردة في المواعظ والزهد: ج 2، ص 93 ط 2، ورواه التوحيدي في كتاب البصائر، ص 353 - كما في ثقافة الهند، ص 57 - ورواه أيضا الباقلاني في اعجاز القرآن: (5) وفى المختار (22) من كتب نهج البلاغة: (وكان يقول: ما انتفعت بكلام بعد كلام رسول الله كانتفاعي بهذا الكلام). وفى أدب الدنيا والدين للماوردي: قال: عبد الله بن عباس: ما انتفعت ولا اتعظت بعد رسول الله (ص) بمثل كتاب كتبه الي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

[338]

ج 1، ص 195، ورواه أيضا في المختار الاخير، من الباب الرابع من دستور معالم الحكم ص 97. ورواه أيضا محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السئول ص 117، وفي ط ص 158، ونقله عنه في البحار: ج 17، ص 117، س 7 عكسا. وقريب منه في أوائل ترجمته (ع) من أنساب الاشراف 318، قال: حدثت عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، قال: كتب علي إلى عبد الله ابن عباس: (أما بعد) الخ. ورواه أيضا ثقة الاسلام الكليني (ره) في الحديث (326) من روضة الكافي ص 240، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عباس الخ. وقال القالي في أماليه: ج 2 ص 96: حدثنا أبو بكر بن دريد رحمه الله، قال: حدثني العكلي، عن أبيه، قال: بلغني عن ابن عباس (ره) انه قال: كتب الي علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بموعظة ما سررت بموعظة سروري بها الخ. وفي الحديث (18) من الفصل (24) من مناقب الخوارزمي ص 270،: أخبرني أبو المظفر عبد الملك بن علي بن محمد الهمداني نزيل بغداد، أخبرني قلندر بن عبد الرحمن بن شاذي، أخبرني أبو غانم حميد بن المأمون، أخبرنا أبو بكر احمد بن عبد الرحمن الشيرازي، أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب، حدثني الحسين بن جعفر بن عبد الله، حدثني علي بن الحسن القطان، حدثني الاصمعي، عن جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله ابن عباس، عن أبيه، عن جده قال: قال عبد الله بن عباس: ما أنتفعت بشئ بعد النبي (ص) انتفاعي بكلمات كتب بهن الي أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام كتب الي: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد الخ.

[339]

وقال ابن عساكر - في ترجمة أمير المؤمنين (ع) من تاريخ دمشق: ج 38 ص 80 وفي نسخة ص 134، -: أخبرنا أبو القاسم اسماعيل بن أحمد، وابو عبد الله الحسين بن علي بن أحمد السالنجي المقري، وأبو البركات يحي بن الحسن بن الحسين المدائني، وأبو بكر محمد بن الحسن ابن دريد الازدي سنة أربع عشرة ثلاثمأة [كذا] أنبأنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن يونس، قال: بلغني أن ابن عباس كان يقول: كتب الي علي بن أبي طالب بموعظة ما سررت بموعظة سروري بها. أما بعد فان المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته الخ. ثم قال ابن عساكر: ورويت من وجه آخر متصلة بابن عباس، أخبرنا بها أبو غالب ابن البنا، أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا عبيد الله بن عبد الرحمان الزهري (ظ) أنبأنا أبو عمر همزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي، أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن عبيدالله، حدثني ابراهيم بن سعيد، حدثني أمير المؤمنين المأمون، حدثني امير المؤمنين الرشيد، حدثني أمير المؤمنين المهدي، حدثني أمير المؤمنين المنصور - حيلولة -. وأخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا أبو الحسين بن النقور، وأبو القاسم بن البسري، وابو منصور عبد الباقي بن محمد، قالوا: أنبأنا أبو طاهر المخلص، أنبأنا عبد الواحد بن المهتدي، أنبأنا عبد الله بن الرراد (كذا) أنبأنا ابوم اسحاق الصائغ، حدثني المأمون، حثدني الرشيد، حدثني المهدي، حدثني المنصور، حدثني أبي، عن أبيه، قال: قال لي أبي: عبد الله ابن عباس - وقال أبو غالب: ابن العباس -: ما انتفعت بكلام أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم - وقال أبو غالب: رسول الله - إلا بشئ كتب به إلى علي بن أبي طالب، فانه كتب الي - زاد أبو غالب: بسم الله الرحمن

[340]

الرحيم -: أما بعد الخ. وقال سبط ابن الجوزي - في الفصل الثامن، من الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص، ص 159 -: أخبرنا أبو الحسن بن النجار المقري، قال: أخبرنا محمد بن أبي منصور، أخبرنا أحمد بن علي بن سوار، أخبرنا احمد بن عبد الواحد بن محمد الحريري، أخبرنا أحمد بن محمد الجندي، أخبرنا أبو حامد محمد بن هارون الخضرمي (كذا) حدثني ابراهيم بن سعد الجوهري، حدثنا المأمون: عبد الله بن هارون، عن أبيه هارون، عن أبيه محمد المهدي، عن أبيه أبي جعفر المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن عبد الله بن عباس، قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله (ص) كانتفاعي بكلام كتب به [الي] أمير المؤمنين، كتب الي: سلام عليك. أما بعد فان المرء يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، الخ ثم قال سبط ابن الجوزي: وقد روى السدي هذا عن أشياخه (6) وقال عقيبه: كان الشيطان قد نزع بين علي (ع) وبين ابن عباس مدة ثم عدد إلى موالاته، قال: وسببه ان أمير المؤمنين (ع) ولى ابن عباس البصرة، فمر بأبي الاسود الادؤلي، فقال له: لو كنت من البهائم كنت جملا، ولو كنت راعيا ما بلغت به المرعي - إلى آخر ما تقدم ذكره نقلا عن الطبري - ثم نقل الكتب المتقدمة بتقديم وتأخير، وباختلاف يسير في بعض الالفاظ، إلى أن قال: قال أبوالراكة (7): ثم ندم ابن عباس، واعتذر إلى أمير المؤمنين (ع)،


(6) الظاهر ان السدي هذا هو المفسر المشهور، وهو اسماعيل بن عبد الرحمان الكوفى الشيعي السدي الكبير المتوفى سنة 127، من أصحاب الامام السجاد والباقرين عليهم السلام. (7) الظاهر انه هو أبو أراكة البجلي الكوفي الذي ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام كلما كثيرة - كما دريت في باب الخطب - وعده البرقي (ره) على ما حكى عنه - من خواص اصحاب أمير المؤمنين (ع) من اليمن، وذكره أيضا شيخ الطائفة في أصحابه (ع) وقال كوفى. أقول: وذكره في الاخبار شائع مستفيض، ولكن لم أظفر عاجلا على اسمه، إذ الظاهر ان هذا كنية له.

[341]

وقبل علي عذره (8). تعقيب وتحقيق وفيه مواقع من الكلام الموقف الاول: في انه هل صدر من ابن عباس (ره) خيانة وأخذ لاموال بيت المال أم لا، الثاني هل دار بينه وبين أمير المؤمنين (ع) كتاب أم لا، فان جرى بينهما فما هو الصحيح من الكتب التي قيل بجريانه بينهما. الثالث هل تاب ابن عباس ورجع عن ذنبه أم أصر، فان تاب فما هو الدليل على توبته فنقول: قد استفاضت الاخبار من طريق الشيعة وأهل السنة انه (ره) أخذ ما في بيت مال البصرة، وأغضب أمير المؤمنين (ع) بفعله هذا، بل الاخبار في هذا المعنى متواترة تواترا اجماليا. فان قيل: ان جلالة ابن عباس وتفانيه في ولاء أمير المؤمنين (ع) واستقامته على ولائه حتى مات مانعة من الاخذ بهذه الاخبار، فلا تعويل عليها حتى على فرض صحتها، مع أنها بين مرسلات مجهولة الرواة، وبين مسندات ضعاف السند. قلنا: قد أشرنا ان الاخبار متواترة اجمالا، ولا يعتبر في الخبر المتواتر عدالة المخبر، أو كونه ثقة، فان التواتر يفيد العلم، ولو لم يكن من يخبر به من أهل الثقة. والحاصل إن في مقام الاثبات والاحتجاج في أيدينا أخبار كثيرة مروية


(8) وفى حاشية التذكرة هكذا بدله: (ثم ندم ابن عباس وعاد إلى موالاة أمير المؤمنين، وجاء من مكة معتذرا إليه، وأخبره انه فرق الاموال في أهلها)

[342]

من طريق الشيعة وأهل السنة أن ابن عباس (ره) أخذ من بيت المال زائدا عن عطائه ونصبيه، ولا استحالة في ذلك في مقام الثبوت ولا الاثبات معا، فيتعين الاخذ بها، ولا موجب لردها، أما عدم استحالته في مرحلة الثبوت والواقع ونفس الامر فظاهر، إذا لا يترتب على تصرف ابن العباس في بيت المال بلا مسوغ - أو بمسوغ خيالي - دور ولا خلف ولا تسلسل ولا نقض غرض للعالم الحكيم المقتدر. وأما عدم لزوم الاستحالة في مرحلة الظاهر. وعالم الخارج، فلان ابن عباس من جهة قرابته القريبة بالنبي (ص) ومن أجل انه كانت تنوبه نوائب كثيرة وهو مشتغل بأمور الشريعة، كان يرى أن حقه في بيت المال أكثر مما لسواد الناس من العطاء، وأيضاع كان ابن عباس بمراى ومسمع من تفرق الناس عن عدل أمير المؤمنين (ع) واستيحاشهم من عمله على مر الحق، واستيناسهم بتسامح معاوية في أمر الدين، وقناعته باسمه، وتفضيله الاشراف والرؤساء على غيرهم من سواد الناس في العطاء والولاية وغيرها مما تحن إليه النفوس، فكان (ره) يرى بحدسه الصائب أنهم عن غيهم لا يرجعون، بل يوما فيوما في تكثر الضلال يزيدون، وعن امامهم يفرون، ويتفرقون عنهم أشد تفرق ويلتزمون بحيل معاوية ووساوسه، وهو يقنع منهم باسم الدين ويتركهم وما يريدون ان لم تزاحم ارادتهم رئاسته وسياسته، وكان (ره) يرى أن معاوية سوف يتجر بأموال بيت المال في استيراد آلات اللهو والمزامير، ومبادلة المغنيات، والبسة الحرير لرجال مملكته وأركان سياسته، وحمل روايا الخمر من بلد إلى بلد لاهل طربه - كما كان دأبه في أيام الخلفاء، لاسيما في عهد عثمان فانه كان فاعلا لما يشاء - وانه سوف يترك الهاشمين بلا بلغة، فعقيدة ابن عباس بما ذكر وحبه للحياة وآماله الطويلة، حملته على حمل أموال بيت المال، وصرفها في حوائجه الشخصية،

[343]

وبما انه كان من النفوس الزكية، تدارك عمله هذا لما وعظه أمير المؤمنين (ع) فتاب من صنيعه، وعاد على ما كان عليه، من العدالة، ولوازم علمه ومعرفته لا يقال: ان علمه واخلاصه لامير المؤمنين (ع) مانعان من الخيانة ومفارقة أمير المؤمنين. لانا نقول: انه تحفظ على اخلاصه وموالاته لامير المؤمنين (ع). بالتوبة سريعا ورد أموال بيت المال، مع انه كان متأولا - ولو كان منشأ تأوله الحرص، وطول الامل وحب المال، وكل نأول كان كذلك لا يعذر صاحبه ان لم يتب - الا انه (ره) لم يعلم أن الامر يؤل إلى علم أمير المؤمنين بالقضية، وانكسار قلبه وانزجاره من عمله، ولما علم بمال الامر وسخط الله ووليه عليه تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. إن قيل: لو كان حمل ابن عباس مما في بيت مال البصرة حقا وصدقا لاشير إليه في الاخبار والآثار، ولكان أعداء الهاشميين من بني أمية وغيرهم ينقمونه على ابن عباس ويعيرونه به. قلنا: قد أشير إليه في الاخبار، وروى أبو الفرج في مقاتل الطالبين أنه لما فر عبيد الله بن عباس - وهو قائد لمقدمة جيش الامام الحسن (ع) لما خرج لحرب معاوية - إلى معاوية لانه وعده بأن يعطيه ألف ألف درهم ان دخل في طاعته - فصلى قيس بن سعد بن عبادة بالناس فخطبهم وقال: (أيها الناس لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل، ان هذا وأباه وأخاه لم يأتوا بيوم خير قط، ان أباه عم رسول الله خرج يقاتل ببدر، وان أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة، فسرق مال الله ومال المسلمين فاشترى به الجواري وزعم أن ذلك له حلال، وان هذا ولاه على اليمن، فهرب من بسر بن أرطاة، وترك ولده حتى قتلوا، وصنع الآن هذا الذي صنع - إلى آخر كلامه بتلخيص منا. وروى ابن أبي الحديد، في شرح المختار (458) من الباب الثالث من

[344]

نهج البلاغة ج 20 ص 129،: أن ابن الزبير خطب بمكة، وابن عباس جالس تحت المنبر، فقال: انها هنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن متعة النساء حلال من الله ورسوله، ويفتي في القملة والنملة، وقد أحتمل بيت مال البصرة بالامس وترك المسلمين بها يرتضخون النوى الخ. فأجابه ابن عباس إلى أن قال: يا بن الزبير أما العمى فان الله تعالى يقول: (فانها لا تعمى الابصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) [46 / الحج] وأما فتياي في القملة والنملة، فان فيها حكمين لا تعلمها أنت ولا أصحابك، وأما حملي المال، فانه كان مالا جبيناه فأعطينا كل ذي حق حقه وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب الله، فأخذناها بحقنا، وأما المتعة فسل أمك اسماء إذا نزلت عن بردي عوسجة الخ. وولعل المتتبع يقف على أكثر من هذا، مع ان جل الكتب التي الآن بايدينا من مدونات عصر العباسيين، والكتاب كانوا في خوف من ذكر ما يمس بكرامة ابي الخلفاء: عبد الله وابيه، وبهذا تعرف قيمة إنكار عمرو بن عبيد قصة أخذ أموال بيت المال، على ما ذكره شريف المرتضى في المجلس (12) من أماليه: ج 1 / 177. وأما عدم تعيير بني أمية ابن عباس بذلك، فلاجل أن ابن عباس (ره) لم يستقم على خطائه، بل رجع عنه وتاب، مع ان ابن العباس لو كان لم يتب أيضا لما كان عند بني أمية مطعونا فيه بهذا، أما أولا فلان ما أخذه ابن عباس بالنسبة إلى ما كان تأكله بنو أمية - كأكل البعير نبتة الربيع - كالقطرة إلى البحر، كما يوضح ذلك جليا ما كان يعطي عثمان اقرباءه ومن كان على هواه، فانه كان أعطي الاشعث بن قيس في كل سنة مأة ألف من خراج آذربايجان، وأعطي مروان خمس غنائم افريقية إلى غير ذلك من أعطياته

[345]

وأعطيات معاوية ومن بعده من الامويين. وأما ثانيا فلاجل انهم كانوا يعلمون انهم ان عيروا ابن عباس بذلك، كان ذلك تقريضا لامير المؤمنين (ع) - بل ولابن عباس أيضا حيث لم يداوم على خطيئته - وتخريبا لمرام خلفاءهم حيث انهم ما كانت عندهم مبالاة في صرف مال الله ووضعه أينما كان. هذا خلاصة الكلام في الموقف الاول. الموقف الثاني: في انه هل دار بينه (ع) وبين ابن عباس كتب في هذه القصة أم لا، وان دارت فما تلك الكتب، وكم عددها، فنقول: قد نقلت كتب عديدة عنهما عليهما السلام في هذا الموضوع، ولكن لا يصح جميعها كما أنها ليس بباطل جميعا بل بعضها صحيح - أي مطابق للواقع وصدر منهما، لا انه صحيح السند - وبعضها ممكن وبعضها باطل، فالصادر منها المطابق لنفس الامر، الاربعة المذكورة هنا مع جوابها عن ابن عباس، فانها قد استفيض نقلها عن الثقات وغيرهم، ويكون الكلام فيها من سنخ كلام أمير المؤمنين (ع). وأما الباطل منها فهو ما ذكره السبط ابن الجوزي وابن أبي الحديد والكشي، وجعلوه آخر كتاب لابن عباس إلى أمير المؤمنين (ع) (1) وهو: أما بعد فانك قد أكثرت علي، ووالله لان ألقى الله قد أحتويت على كنوز الارض كلها ذهبها وعقيانها ولجينها أحب الي من أن ألقاه بدم امرئ مسلم


(1) وأما ابن عبد ربه فجعل هذا ذيلا للجواب الثاني من ابن عباس للكتاب الثاني الذي كتب إليه أمير المؤمنين (ع).

[346]

والسلام (2) فهذا وجوابه الذي ذكره السبط ابن الجوزي باطل، وكذا ما ذكره في العقد الفريد من أن آخر ما كتب ابن عباس إلى أمير المؤمنين هكذا: والله لئن لم تدعني من أساطيرك لاحملنه إلى معاوية يقاتلك به. [قال ابن عبد ربه: لما بلغ كتابه هذا إلى علي] فكف عنه. أقول: وهذا وما شابهه من الموضوعات، والاختلاقات، وكيف يمكن خارجا أن يواجه ابن عباس أمير المؤمنين (ع) بهذه الكلمات وهو يعلم ويذعن انه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانه صلى الله عليه وآله أمره بقتال الناكثين: طلحة والزبير، والقاسطين معاوية وحزبه، والمارقين: أصحاب النهروان، كما يوضح ذلك ويبرهنه الرجوع إلى احتجاجاته مع عمر ابن الخطاب، وعثمان وعايشة وطلحة والزبير، لا سيما ملاحظة محاجاته مع عمر ومعاوية وابن الزبير، فانه (ره) في هذه المواضع قبل خلافة أمير المؤمنين (ع) وفي أيام خلافته وبعدها كلها كان يصرح بصريح اللهجة، وصدق القول والاصرار البليغ والمبالغة الاكيدة بأن عليا وصي رسول الله (ص) وأن ما يأتي به وما يذره فانما هو بعهد من رسول الله (ص) فكيف يعقل من هذا العلم الحبر أن يصر على خطيئته ويكتب إلى أمير المؤمنين (ع) بهذه الكلمات، فلو جوز قائل أن يكتب ابن عباس إلى رسول الله (ص) بأمثال هذه الكلمات، تعريضا له باراقة الدماء، وتعييرا له بقتل الاشقياء من الكفار والمردة، فليجوز كتابته بهذه الكلمات إلى أمير المؤمنين (ع). فان قال قائل: ما الدليل على عدم صدور ما أشرت إليه من الكتب عن ابن عباس وهو أمر ممكن غير ممتنع ذاتا. قلنا: الامكان لا يساوق الوقوع والفعلية خارجا، وقد أشرنا إلى جهة امتناعه خارجا.


(2) هذا اللفظ على رواية ابن أبي الحديد، وقريب منه في رواية الكشي وسبط ابن الجوزي.

[347]

الموقف الثالث: في انه هل تاب ابن عباس (ره) أم لا، وعلى فرض ثبوت التوبة منه واقعا وفي نفس الامر، فما دليلها في مرحلة الظاهر ومقام الاثبات والاحتجاج فنقول: أولا انه قد تقدم قول السدي عن أشياخه: ان ابن عباس عاد إلى موالاة أمير المؤمنين (ع) وأيضا قد دريت مما تقدم تصريح اليعقوبي وأبي أراكة بتوبته، وانه ندم ورد المال، فقبل أمير المؤمنين (ع) منه توبته، وثانيا المستفاد من الاغاني وغيره انه كان واليا على البصرة عند صلح الامام الحسن (ع) بل وقبله (1)، وكيف يمكن أن يبقى منصوبا من قبل أمير المؤمنين (ع) من لم يتب من خطيئته، ومن لم يتدارك ما أفرط فيه، وخان الله ورسوله والمؤمنين. وثالثا ان ابن عباس (ره) كان إلى آخر عمره ممن يقرض أمير المؤمنين عليه السلام ويمدحه، ويجاهر بذكر مثالب أعدائه وشانئيه، ومن أجل هذا كانوا يقطعون عطاءه تارة، ويتهددونه تارة أخرى وهذا غير معهود ممن أصر على ذنبه، وباع دينه ومروءته بالتافه الفاني، وممن هو يحب المال حبا جما، ويأكل مال المسلمين أكلا لما. ورابعا أن ابن عباس (ره وإن دنس عرضه بلوث الخيانة، لكن لم تكن هذه من طبعه، ولم تكن نفسه من النفوس الشقية الخبيثة التي لم تنأثر بالعظة، ولم ترج لله وقارا، بل كانت من النفوس التي إذا مسها طائف من الشيطان تذكر، لا سيما إذا توالت إليه من مثل أمير المؤمنين (ع) المواعظ


(1) بل وبعده أيضا على ما صرح به ابن عساكر في ترجمة خالد بن زيد أبي أيوب الانصاري من تاريخ دمشق: ج 15. ص 27.

[348]

التي تأخذ بالاعناق، ويرتعد منها جوانح الخاشعين، واضلع المتدكرين. وتأخذ بأنفاسهم إلى التراقي، وتصعد بروحهم إلى الخناق، كالكتب المتقدمة وإن أمعنت النظر في الكتاب الاخير المتواتر بين أهل العلم انه كتبه أمير المؤمنين (ع) إلى ابن عباس، تجده انه كتاب إلى شخص كاد أن يتلف من الحزن، ويهلك من وجده على فوات مطلوبه وما كان يسره، وتستفيد استفادة قطعية أن المكتوب إليه يترشح منه عرق الانفعال، ويسيل منه ماء الندامة والاتعاذ، وانه لما بلغه الكتاب سره وانتفع به، بما لم يسره أمر ولم ينتفع بعد رسول الله (ص) بشئ مثله، وهذا لا ينطبق على شئ من حالات ابن عباس إلى على الحالة المبحوث عنها (2). - 172 - ومن كتاب له عليه السلام إلى ابن عباس رحمه الله قال ابن شهر آشوب السروي (ره) وكتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابن عباس: أما بعد فلا يكن حظك في ولايتك ما لا تستفيده (1) ولا غيظا تشفيه، ولكن إماتة باطل وإحياء حق.


(2) ولعل في تلك القضية بعينها كتب إليه أمير المؤمنين (ع) الكتاب التالي وتاليه، على ما يستشعر من ألفاظهما، ويستأنس من عباراتهما لا سيما الثاني. (1) وفى بعض كلمه (ع) في غير المورد: (لا يكن همك في ولايتك مالا) الخ.

[349]

مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 307. ورواه عنه في الحديث العاشر من باب زهده (ع): (98) من البحار: 9 ص 501 ط الكمباني، وفي ط الحديثة: ج 40 ص 328. - 173 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عبد الله بن العباس (ره) أيضا أما بعد فإنك لست بسابق أجلك، ولا مرزوق ما ليس لك، واعلم بأن الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، وأن الدنيا دار دول (1) فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك المختار (72) من كتب نهج البلاغة.


(1) أي لاثبات لها بل هي منقلبة دائما تارة يأخذه شخص وأخرى يتناوشها عدوه، والدول - بكسر الدال وضمها -: جمع الدولة بفتح الدال وضمها.

[350]

- 174 - ومن كتاب له عليه السلام إلى عامله على كسكر (1) قدامة بن عجلان: أما بعد فاحمل ما قبلك من مال الله فإنه فئ للمسلمين، لست بأوفر حظا فيه من رجل فيهم [كذا] ولا تحسبن يا بن قدامة أن مال، كسكر مباح لكا كمال ورثته عن أبيك وأمك، فتعجل حمله وأعجل [كذا] في الاقبال إلينا إن شاء الله. ترجمة أمير المؤمنين (ع) من كتاب أنساب الاشراف، ص 338.


(1) على زنة عسكر، قال في باب الكاف من معجم البلدان: ج 7 ص 251 ط مصر: معناه عامل الزرع (وهي) كورة واسعة ينسب إليها الفراريج الكسكرية لانها تكثر بها جدا، رأيتها أنا تباع فيها أربعة وعشرون فروجا كبارا بدرهم واحد، والبط يجلب إليها لكن يجلب من بعض أعمال كسكر، وقصبتها اليوم واسط، القصبة التي بين الكوفة والبصرة، وكانت قصبتها قبل ان يمصر الحجاج واسطا خسر وسابور. ويقال: ان حد كورة كسكر من الجانب الشرقي في آخر سقي النهروان إلى أن تصب دجلة في البحر كله من كسكر، فتدخل فيه على هذا البصرة، ونواحيها، فمن مشهور نواحيها المبارك. وعبدسي. والمذار. ونغيا، وميسان. وودستميسان. وآجام البريد، فلما مصرت العرب الامصار فرقها. ومن كسكر أيضا في بعض الروايات اسكاف العليا، واسكاف السفلى، ونفر. وسمر. وبهندف. وقرقوب. وقال الهيثم بن عدي: لم يكن بفارس كورة أهلها أقوى من كورتين: كورة سهلية وكورة جبلية، أما السهلية فكسكر، وأما الجبلية فاصبهان، وكان خراج كل واحدة منهما اثنى عشر ألف ألف مثقال. قالوا: وسميت كسكر بكسكر بن طهمورث الملك الذي هو أصل الفرس، وقد ذكر في فارس. وقال آخرون: معنى كسكر بلد الشعير بلغة أهل هراة. وقال عبيد الله بن الحر: أنا الذي أجليتكم عن كسكر * ثم هزمت جمعكم بتستر ثم انقضضت بالخيول الضمر * حتى حللت بين وادي حمير وسمع عمران بن حطان قوما من أهل البصرة أو الكوفة يقولون: مالنا وللخروج وأرزاقنا دارة، وأعطياتنا جارية وفقير نائم. فقال عمران بن حطان: فلو بعثت بعض اليهود عليهم * يؤمهم أو بعض من قد تنصرا لقالوا: رضينا ان أقمت عطاءنا وأجربة قد سن من بر كسكرا.

[351]

- 175 - ومن كتاب له عليه السلام إلى سليمان بن صرد الخزاعي رحمه الله. قال البلاذري: وكتب عليه السلام إلى سليمان بن صرد وهو بالجبل: ذكرت ما صار في يديك من حقوق المسلمين، وإن من قبلك وقبلنا في الحق سواء، فأعلمني ما اجتمع عندك من ذلك، وأعط كل ذي حق حقه وابعث إلينا بما سوى ذلك لنقسمه فيمن قبلنا إن شآء الله. أنساب الاشراف، ص 33.

[352]

- 176 - ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن عبيد وكان عامله على فارس. أما بعد فإن رسولي أخبرني بعجب زعم أنك قلت له فيما بينك وبينه أن الاكراد هاجت بك فكسرت عليك كثيرا من الخراج، وقلت له: لا تعلم بذلك أمير المؤمنين، يا زياد وأقسم بالله إنك لكاذب، ولئن لم تبعث بخراجك لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر (1) إلا أن تكون لما كسرت من الخراج محتملا [كذا]. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 180، ط الاول، وفي ط ص 147. - 177 - ومن كتاب له عليه السلام وهذا هو النمط الثاني من كتابه عليه السلام إلى زياد.


(1) وتقدم مثله في كتاب آخر له (ع) إليه، وهو كناية عن الفقر والمسكنة، ويقال: (احتمل الشئ وتحمله): حمله. الامر: أطاقه وصبر عليه.

[353]

قال البلاذري: ووجه عليه السلام إلى زياد [بن أبيه] رسولا ليأخذه لحمل ما اجتمع عنده من المال، فحمل زياد ما كان عنده وقال للرسول: ان الاكراد قد كسروا من الخراج وأنا أداريهم فلا تعلم أمير المؤمنين ذلك فيرى انه اعتلال مني. فقدم الرسول وأخبر [أمير المؤمنين] عليا [عليه السلام] بما قال زياد، فكتب إليه: قد بلغني رسولي عنك ما أخبرته به عن الاكراد، واستكتامك إياه ذلك، وقد علمت أنك لم تلق ذلك إليه إلا لتبلغني إياه، وأني أقسم بالله عزوجل قسما صادقا لئن بلغني أنك خنت من في المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لاشدن عليك شدة يدعك قليل الوفر ثقيل الظهر (1) والسلام. ترجمة أمير المؤمنين (ع) من كتاب أنساب الاشراف، ص 338، وقريب منه في المختار (20) من الباب الثاني من نهج البلاغة


(1) وزاد بعده في رواية السيد (ره) في نهج البلاغة: (ضئيل الامر. أقول: الشدة: الحملة والمؤاخذة بعنف وشدة. والوفر: الثروة. وقيل: مطلق المال. والضئيل الحقير. وثقل الظهر كناية عن مسكنته بحيث لا يقدر على مؤنته ومؤنة عياله. أو كناية عن ضعفه وعدم قدرته على القيام بسبب الجوع وعدم الغذاء المعتاد.

[354]

- 178 - ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن عبيد أيضا لما كتب إليه معاوية ليخدعه. قال علي بن محمد المدائني: لما كان زمن [أمير المؤمنين] علي عليه السلام، ولى زيادا فارس، أو بعض أعمال فارس، فضبطها ضبطا صالحا وجبى خراجها وحماها، وعرف ذلك معاوية فكتب إليه (1): أما بعد فانه غرتك قلاع، تأوي إليها ليلا كما تأوى الطير إلى وكرها، وأيم الله لولا انتظاري بك ما الله أعلم به، لكان لك مني ما قاله العبد الصالح: (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) [37 / النمل:] وكتب في أسفل الكتاب شعرا من جملته: تنسى أباك وقد شالت نعامته إذ تخطب الناس والوالي لهم عمر فلما ورد الكتاب على زياد، قام فخطب الناس وقال: العجب من ابن آكلة الاكباد، ورأس النفاق ! يهددني وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوج سيدة نساء العالمين، وأبو السبطين، وصاحب الولاية والمنزلة والاخاء، في مأة ألف من المهاجرين والانصار والتابعين لهم باحسان، أما والله لو تخطى هؤلاء أجمعين الي لوجدني أحمر مخشا ضرابا بالسيف (2)


(1) وكتاب معاوية إلى زياد، وخطبة زياد - المذكورة هنا - ذكره الطبري في حوادث سنة 41، من تاريخه: ج 4 ص 129، الا أنه لم يذكر نص معاوية بل أشار إليه. وقريب منه أيضا ذكره الدينوري في الاخبار الطوال 219 بعد صلح الامام الحسن عليه السلام. (2) المخش - بكسر الميم وفتح الخاء وشد الشين -: الماضي الجرئ. الفرس الجسور. والاحمر: مولى. فلما دعاه معاوية صار عربيا من بني عبد مناف.

[355]

ثم كتب إلى علي عليه السلام، وبعث بكتاب معاوية في كتابه [إلى أمير المؤمنين (ع)]. فكتب [أمير المؤمنين] علي عليه السلام إليه: أما بعد فإني قد وليتك ما وليتك وأنا أراك لذلك أهلا (3) وإنه قد كانت من أبي سفيان فلتة في أيام عمر من أماني التيه وكذب النفس (4) لم تستوجب بها نسبا، وإن معاوية كالشيطان الرجيم


(3) وفى الاستيعاب، هكذا: (انما وليتك ما وليتك وأنت أهل لذلك عندي، ولن تدرك ما تريد مما أنت فيه الا بالصبر واليقين، وانما كانت من أبي سفيان فلتة زمن عمر لا تستحق بها نسبا، ولا ميراثا، وان معاوية) الخ. وفى نهج البلاغة: (وقد عرفت أن معاوية كتب اليك يستزل لبك، ويستفل غربك، فأحذره فانما هو الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته، ويستلب غرته). (4) وفى تاريخ ابن عساكر: (وانه قد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل، وكذب النفس، لا يوجب له ميراثا، ولا يحل له نسبا) الخ. وفى نهج البلاغة: (وقد كان من أبي سفيان في زمن عمر فلتة من حديث النفس ونزعة من نزعات الشيطان لا يثبت بها نسب ولا يستحق بها ارث، والمتعلق بها كالواغل المدفع، والنوط المذبذب). قال السيد الرضي (ره): (الواغل هو الذي يهجم على الشرب ليشرب معهم وليس منهم، فلا يزال مدفعا محاجزا. والنوط المذبذب: ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك، فهو أبدا يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره.

[356]

يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فاحذره ثم احذره ثم احذره والسلام. شرح المختار (44، أو 47) من كتب نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 16، ص 180. أو أشار إليه نصر بن مزاحم (ره) في الجزء السادس من كتاب صفين ص 366، ورواه في الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 1، ص 549، وفي ط ص 201، عن احمد بن قاسم بن عبد الرحمن، ومحمد بن ابراهيم بن سعيد، قالا: أنبأنا محمد بن معاوية بن عبد الرحمان، قال: أنبأنا ابو سلمة أسامة بن أحمد التجيبي، قال: أنبأنا الحسين بن منصور، قال: انبأنا عبيد بن أبي السري البغدادي، قال: أنبأنا هشام بن محمد بن السائب، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابى عباس، إلى آخر ما يأتي عن ابن عساكر باختصار. وقال ابن عساكر - في ترجمة زياد، من تاريخ دمشق: ج 18، ص 172 -: أخبرنا أبو السعود أحمد بن علي بن محمد المحلي، أخبرنا ابو الحسين بن المهتدي، أخبرنا الشريف أبو الفضل محمد ابن الحسن بن محمد بن الفضل بن المأمون، أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم ابن مشارك (كذا) أخبرنا أبو علي محمد بن علي بن زياد الجهبد (كذا) أخبرنا ابو الفضل الربعي الهاشمي، أخبرنا أبو بكر محمد ابن عمار، عن عبد الرحمان بن كامل، عن أبي المهاجر القاضي قال: - ثم ساق قصة طويلة (5) إلى أن قال -:


(5) وهي انه كان في زمان عمر بن الخطاب فتق (ظ) فبعث زياد بن أبيه إليه، فرتق الفتق وانصرف محمودا عند أصحابه مشكورا عند أهل الناحية، ودخل (على) عمر، وعنده المهاجرين والانصار، فخطب خطبة لم يسمع بمثلها حسنا، فقال عمرو بن العاص: (لله در هذا الغلام، لو كان أبوه قرشيا لساق العرب بعصاه). فقال أبو سفيان - وهو حاضر في المجلس -: (والله اني لا عرف أباه ومن وضعه في رحم أمه). فقال (عمرو): (يا أبا سفيان اسكت فانك لتعلم أن عمر ان سمع هذا القول منك، كان سريعا اليك بالشر). فأنشأ أبو سفيان يقول: أما والله لو لا خوف شخص * يرانا ما على (كذا) من الاعادي لاظهر أمره صخر بن حرب * ولم يكن المقالة عن زياد فقد طالت مجاملتي ثقيفا * وتركي عندهم عرضا (كذا) فؤادي فلما قلد علي (ع) الخلافة، قلد زياد بن أبيه فارس فضبطها الخ.

[357]

فلما قلد علي (عليه السلام) الخلافة، قلد زياد بن أبيه فارس، فضبطها وحمى قلاعها، وأثار الاعداء بناحيتها وجد أثره فيها (6) واتصل الخبر بمعاوية فساءه ذلك وعظم عليه، فكتب إليه: أما بعد فان العش الذي زويت فيه معلوم عندنا (7) فلا تدع أن تأوي [إليه] كما يأوى الطير في أوكارها (8) ولولا ما الله أعلم به لقلت ما قاله العبد الصالح: (فلنأتينهم بجنود لاقبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون [37 / النمل: 27]. وكتب في آخر كتابه: لله در زياد [أيما] رجل (9) * لو كان يعلم ما يأتي وما يذر تنسى أباك وقد [خفت نعامته] (10) * إذ تخطب الناس والوالي لنا عمر


(6) أي عظم أثره فيها، وصار صيته من الامثال السائرة. (7) زويت فيه: انقبضت فيه. هذا هو الظاهر. وفى النسخة: (ربيت فيه). وفى تهذيب تاريخ الشام: ج 5 ص 410: (ربيت به). (8) والاوكار والوكور - كأفلاس وفلوس -: جمع الوكر - كفلس - وهو عش الطائر. (9) هذا هو الصواب، وفى النسخة: (لله در زياد لما رجل). (10) هذا هو الصواب، وفى النسخة: (تنسى اباك وقد حفت بعلته). وفى تهذيبها: (تنسي أباك وقد حقت مقالتها) الخ.

[358]

فأفخر بوالدك الادنى ووالدنا * ان ابن حرب له في قومه خطر إن [انتصارك] قوما لا تناسبهم [قدر] الانامل عار ليس يغتفر (11) فانزل [بعيدا] فان الله باعدهم (12) * عن كل فضل به يعلو الورى مضر فالرأي مطرف والعقل تجربة * فيها لصاحبها الايراد والصدر فلما ورد الكتاب على زياد، قام في الناس فقال: العجب كل العجب من ابن آكلة الاكباد، ورأس النفاق (13) يخوفني بقصده اياي وبيني بينه ابن عم رسول الله (ص) في المهاجرين والانصار، أما والله لو أذن [لي] في لقائه لوجدني أحمر مخشا (14) ضرابا بالسيف.


(11) هذا هو الظاهر من سياق الكلام، وفى النسخة هكذا: ان انتهازك قوما لا تناسبهم * الانامل عار ليس يغتفر. ومثله في تذهيبها، غير ان فيه: (عد الانامل) الخ. (12) بين المعقوفين غير بعيد عن الصواب بحسب السياق، وفى النسخة: فأنزل معينا فان الله باعدهم * عن كل فضل به يعلو الورى مضر قال المحمودي قايس بين كلام معاوية هذا، وما قاله رسول الله (ص) في علي (ع) من قوله (ص): (أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس أبا وأما، وهما الحسن والحسين أبوهما علي بن أبي طالب، وامهما فاطمة بنت رسول الله (ص) الخ ترجمة الامام الحسين (ع) من تاريخ دمشق: ج 13. وقوله (ص): (علي خير البشر، فمن أبي فقد كفر. وقوله (ص): (من لم يقل علي خير الناس فقد كفر. وفى الباب أخبار كثيرة عنه (ص) تجد المقنع منها في الغدير: 3 / 22. (13) أنظر إلى كلامه هذا الثابت بنقل الثقات، ثم تأمل ما قاله وما فعله بعد ما جعله معاوية حاكما على نفوس المسلمين واعراضهم وأموالهم. (14) أي لوجدني معاوية مولى جريئا عليه، ماضيا في حربه. هذا اعترافه قبل أن يجازيه معاوية على زنا أمه بأبي سفيان، وأما بعد ما أستشهد معاوية بالخمارين على زنا سمية بأبي سفيان، وشكره اياها على ذلك، واعطائه زيادا ملك العراقين عوض احسان أمه، فصار عربيا صلبا من بني عبد مناف

[359]

وأتصل الخبر بعلي [أمير المؤمنين عليه السلام] فكتب إلى زياد: (أما بعد [فاني قد] وليتك الذي وليتك وأنا أراك له أهلا] الخ. وساق كتابه (ع) بمثل ما مر عن المدائني باختصار في بعض الفاظه. أقول: وذكره أيضا في ترجمة زياد، من تهذيب تاريخ ابن عساكر: 5 ص 410، ونقله عنه العلامة الاميني مد ظله في الغدير: 10 / 219. - 179 - ومن كتاب له عليه السلام قال البلاذري: وكتب عليه السلام إلى قرظة بن كعب: أما بعد فإن قوما من أهل عملك أتوني فذكروا أن لهم نهرا قد عفا ودرس، وأنهم إن حفروه واستخرجوه عمرت بلادهم وقووا على خراجهم [ظ] وزاد فئ المسلمين قبلهم، وسألوني الكتاب إليك لتأخذهم بعمله وتجمعهم لحفره والانفاق عليه، ولست أرى أن أجبر أحد على عمل يكرهه، فادعهم إليك، فإن كان الامر في النهر على ما وصفوا فمن أحب أن بعمل فمره بالعمل، وإن النهر لمن عمله

[360]

دون من كرهه، ولان يعمروا ويقووا أحب إلي من أن يضعفوا والسلام. ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف، ص 338. وهذا الكتاب قد مر تحت الرقم: (119) عن مصدر آخر، وذكرناه ثانيا لمزاياه الخاصة فتنبه. - 180 - ومن كتاب له عليه السلام إلى يزيد بن قيس الارحبي (1) قال البلاذري: وكتب عليه السلام، إلى يزيد بن قيس الارحبي: أوصيك بتقوى الله وأحذرك أن تحبط أجرك وتبطل جهادك، فإن خيانة المسلمين مما يحبط الاجر ويبطل الجهاد، فاتق الله ربك وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الارض، إن الله لا يحب المفسدين (2).


(1) تقدم ما افاده الشيخ رحمه الله حول ولاية الرجل ومحل عمله في ص 13. (2) اقتباس من الآية (77) من سورة القصص: 28.

[361]

ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف، ص 338. وهذا الكتاب قد تقدم تحت الرقم: (108) بصورة أخرى، وأعيد ثانيا تتميما للفائدة. - 181 - ومن كتاب له عليه السلام إلى النعمان بن عجلان الزرقي الانصاري عامله على البحرين. أما بعد فإن من أدى الامانة وحفظ حق الله في السر والعلانية، ونزه نفسه ودينه من الخيانة، كان جديرا بأن يرفع الله درجته في الصالحين، ويؤتيه أفضل ثواب المحسنين، ومن لم ينزه نفسه ودينه عن ذلك [فقد] أحل بنفسه في الدنيا وأوبقها في الآخرة (1) فخف الله في سرك وجهرك ولا تكن من الغافلين عن أمر معادك، فإنك من عشيرة صالحة ذات تقوى وعفة وأمانة، فكن عند صالح ظني بك والسلام. أنساب الاشراف: ج 2 ص 163 - أو 327 - ترجمة أمير المؤمنين (ع) وتقدم تحت الرقم (110) بصورة أخرى نقلا عن تاريخ اليعقوبي.


(1) هذا هو الظاهر الموافق لما مر، وفى النسخة: (أجل) بالجيم. وأوبقها: أهلكها.

[362]

- 182 - ومن كتاب له عليه السلام إلى سهل بن حنيف الانصاري رحمه الله عامله على المدينة. أما بعد فإنه بلغني أن رجالا من أهل المدينة يخرجون إلى معاوية، فلا تأسف عليهم، فكفى لهم غيا ولك منهم شافيا فرارهم من الهدى والحق، وإيضاعهم إلى العمى والجهل، فإنما هم أهل دنيا مقبلون عليها قد علموا أن الناس مقبلون في الحق أسوة (1) فهربوا إلى الاثرة، فسحقا لهم وبعدا، أما لو بعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، واجتمعت الخصوم وقضى الله بين العباد بالحق، لقد عرف القوم ما يكسبون، وقد أتاني كتابك تسألني الاذن لك في القدوم، فاقدم إذا شئت عفا الله عنا وعنك والسلام. ترجمة أمير المؤمنين (ع) من أنساب الاشراف ص 163 / أو 327، وقد تقدم تحت الرقم (111، و 112) بألفاظ آخر ومصدر آخر.


(1) كذا في النسخة، والظاهر ان كلمة (مقبلون) الثانية زائدة من خطأ الكتاب. والاثرة - على زنة الشجرة -: ايثار الشئ بالنفس، وترجيحها علي غيرها في الشئ المرغوب فيه.

[363]

- 183 - ومن كتاب له عليه السلام أجاب به عاملاه على صنعاء والجند، عبيد الله بن عباس وسعيد بن نمران الهمداني (ره) لما كتبا إليه - عند شقاق شيعة عثمان ودعوتهم الطلب بدمه، والبيعة لمعاوية -: أما بعد فانا نخبر أمير المؤمنين عليه السلام أن شيعة عثمان وثبوا بنا وأظهروا أن معاوية قد شيد أمره واتسق له أكثر الناس. وانا سرنا إليهم بشيعة أمير المؤمنين ومن كان على طاعته، وان ذلك أحمشهم وألبهم فعبأوا لنا وتداعوا علينا من كل أوب (1) ونصرهم علينا من لم يكن له رأي فيهم إرادة أن يمنع حق الله المفروض عليه [من الزكاة] وليس يمنعنا من مناجزتهم إلا انتظار أمر أمير المؤمنين أدام الله عزه وأيده وقضى له بالاقدار الصالحة في جميع أموره والسلام. فلما وصل كتابهما إلى أمير المؤمنين عليه السلام أغضبه، فكتب اليهما والى الناكثين من شيعة عثمان، بالكتابين التاليين: من علي أمير المؤمنين إلى عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران سلام الله عليكما، فإني أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد فإنه أتاني كتابكما تذكران فيه خروج هذه الخارجة، وتعظمان من شأنها صغيرا، وتكثران من


(1) أحمشهم: هاجهم وأغضبهم. وألبهم:

[364]

عددها قليلا، وقد علمت أن نخب أفئدتكما (2) وصغر أنفسكما وشتات رأيكما وسوء تدبيركما، هو الذي أفسد عليكما من لم يكن فاسدا، وجرأ عليكما من كان عن لقائكما جبانا. فإذا قدم رسولي عليكما فامضيا إلى القوم حتى تقرءا عليهم كتابي، وتدعواهم إلى حظهم وتقوى ربهم فإن أجابوا حمدنا الله وقبلناهم [كذا] وإن حاربوا إستعنا بالله عليهم ونابذناهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين. - 184 - ومن كتاب له عليه السلام إلى أهل الشقاق من قاطني صنعاء والجند. من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى من شاق وغدر من أهل الجند وصنعاء.


(2) النخب - كفرس -: الجبان المنزوع الفؤاد، يقال: (نخب زيد - من باب علم - نخبا): كان منزوع الفؤاد جبانا. فهو نخب - كفرس وكتف - ونخب ونخب -، بالكثر ثم الفتح والشد في الاول، وبالفتح ثم الكسر والشد في الثاني - وانخب. ويقال: (نخب الشئ - من باب نصر - نخبا): نزعه.

[365]

أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، الذي لا يعقب له حكم (1) ولا يرد له قضاء ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين. وقد بلغني تجرؤكم وشقاقكم، وإعراضكم عن دينكم بعد الطاعة وإعطاء البيعة، فسألت أهل الدين الخالص، والورع الصادق، واللب الراجح عن بدء محرككم وما نويتم به، وما أحمشكم له (2) فحدثت عن ذلك بما لم أر لكم في شئ منه عذرا مبينا، ولا مقالا جميلا، ولا حجة ظاهرة، فإذا أتاكم رسولي فتفرقوا وانصرفوا إلى رحالكم أعف عنكم، وأصفح عن جاهكم وأحفظ قاصيكم (3) وأعمل فيكم بحكم


(1) أي لا يتعقبه أحد بتغير حكمه ونقضه، يقال: (عقب الحاكم على حكم من كان قبله) أي حكم بعده بحكم آخر غير حكمه. وهذا اقتباس من الآية (41) من سورة الرعد: 13: (والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب). (2) (المحرك) أما مصدر، واما اسم فاعل من باب التفعيل. قوله (ع): (وما أحمشكم له): ما أغضبكم وهيجكم. يقال: (حمشه حمشا - من باب نصر - وحمشه تحميشا): هيجه وأغضبه. جمعه. و (أحمشه احماشا): أغضبه. (3) أي لا أغفل عنه بحرمانه من العطاء واجراء موازين اللطف والشفقة عليه من اجل بعده. والقاصي: البعيد.

[366]

الكتاب، فإن لم تفعلوا فاستعدوا لقدوم جيش جم الفرسان (4) عظيم الاركان، يقصد لمن طغى وعصى لتطحنوا كطحن الرحى فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد. فوجه (ع) الكتاب مع رجل من همدان، فقدم عليهم بالكتاب، فلم يجيبوه، فقال لهم: اني تركت أمير المؤمنين يريد أن يوجه إليه يزيد بن قيس الارحبي في جيش كثيف، فلم يمنعه إلا انتظار جوابكم. فقالوا: نحن مطيعون إن عزل عنا عبيد الله وسعيدا. فرجع الهمداني إلى أمير المؤمنين (ع) وأخبره خبر القوم، ولما رجع الهمداني، كتبت تلك العصابة إلى معاوية وكتبوا في كتابهم: معاوية إلا تسرع السير نحونا * نبايع عليا أو يزيد اليمانيا فلما قدم كتابهم إلى معاوية دعا بسر بن أبي أرطاة - وكان قاسي القلب فظا سفاكا للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمة - فأمره ان يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة، حتى ينتهي إلى اليمن، وقال له: لا تنزل على أهل بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاة لهم وأنك محيط بهم، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله واقتل شيعة علي حيث كانوا. فخرج بسر في ألفين وستمأة حتى قارب المدينة، فخرج منها هاربا عامل علي (ع) عليها أبو أيوب الانصاري صاحب منزل رسول الله (ص)، فدخل


(4) أي كثير الفرسان متجمع الشجعان والابطال.

[367]

بسر المدينة، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه، وأحرق منها دورا كثيرة منها دار زرارة بن حرون، ودار رفاعة بن رافع الانصاريين، ودار أبي أيوب، صاحب منزل رسول الله، وطلب جابر ابن عبد الله الانصاري فلم يجده فقال لقومه: يا بني سلمة لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر. فأتى بنو سلمة جابرا وقالوا له: ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك ودماء قومك، فانك ان لم تفعل يقتل مقاتلينا ويسبي ذرارينا. قال جابر فاستنظرتهم ليل، فلما أمسيت دخلت على أم سلمة فأخبرتها الخبر. فقالت: يا بني أنطلق فبايع واحقن دمك ودماء قومك، فاني قد أمرت ابني عمر، وابن أخي ان يبايعا واني لا علم أنها بيعة ضلالة. فذهب جابر فبايع. فأقام بسر بالمدينة أياما واستخلف عليهم أبا هريرة وحذرهم الخلاف ثم خرج منها إلى مكة، وقتل في طريقه رجالا وأخذ أموالا، وبلغ خبره أهل مكة فهرب منها قثم ابن العباس عامل أمير المؤمنين (ع) وتنحى عنها عامة أهلها، وتراضي الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج منها قثم بن عباس، وخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم وهددهم بالقتل، فقالوا: ننشدك الله في أهلك. فسكت ثم دخل وطاف بالبيت وصلى ركعتين، ثم خطبهم ثم ذم أمير المؤمنين ومدح معاوية، ثم أخذ منهم بيعة معاوية وأوعدهم الخلاف ثم خرج إلى الطائف، ووجه رجلا من قريش بجيش إلى (تبالة) وبها قوم من شيعة أمير المؤمنين (ع) وأمره بقتلهم، فأتاهم القرشي وأخذهم فأراد قتلهم، فكلم فيهم بأن يكف عنهم حتى يأتوه بكتاب أمان من بسر، فحبسهم وخرج منيع الباهلي مبادرا إلى بسر بالطائف، فاستشفع إليه بقوم من أشراف الطائف فكلموه فيهم وسألوه الكتاب باطلاقهم، فوعدهم ومطلهم بالكتاب حتى استيقن ان القرشي قتلهم وأن كتابه لا يصل إليهم، ثم اعطاهم

[368]

الكتاب. ثم خرج بسر من الطائف حتى مر ببني كنانة وفيهم ابنا عبيد الله بن العباس وأمهما، فلما انتهى إليهم طلبهما، فدخل رجل من بني كنانة - وكان أبوهما، أوصاه بهما - فأخذ السيف من بيته وخرج فقال له بسر: ما أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ! قال: أقتل دون جاري أعذر لي عند الله وعند الناس، ثم شد على أصحاب بسر حاسرا فضارب بسيفه حتى قتل، ثم أخرج الغلامان فقدما فذبحا، (5) فخرج نسوة من بني كنانة، فقالت امرأة منها: هذه الرجال يقتل، فما بال الوالدان ! والله ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا اسلام، والله ان سلطانا لا يشتد الا بقتل الزرع الضعيف، والشيخ الكبير، ورفع الرحمة، وقطع الارحام لسلطان سوء. فقال بسر: والله لهممت أن أضع فيكن السيف. قالت: والله انه لاحب الي ان فعلت ! ثم خرج بسر فأتى نجران، فقتل عبد الله بن عبد المدان وابنه مالكا - وكان عبد الله هذا صهرا لعبيد الله بن العباس - ثم جمعهم وقام فيهم وقال: يا أهل نجران، يا معشر النصارى، واخوان القرود، أما والله ان بلغني عنكم ما أكره لاعودن عليكم بالتي تقطع النسل وتهلك الحرث وتخرب


(5) وفى رواية علي بن مجاهد، عن ابن اسحاق: انه ذبحهما بمكة فقالت أمهما: ها من أحس بابني الذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف ها من أحس بابني الذين هما * سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف ها من أحس بابني الذين هما * مخ العظام فمخي اليوم مزدهف نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا * من قولهم ومن الا فك الذي أقترفوا أنحى على ودجى ابني مرهفة * مشحوذة وكذاك الاثم يقترف من دل والهة حرى مسلبة * على صبيين ضلا إذ مضى السلف

[369]

الديار ! ثم هددهم طويلا ثم سار حتى أتى (أرحب) فقتل بها أبا كرب - وكان يتشيع - ويقال: انه سيد من كان بالبادية من همدان. ثم أتى صنعاء - وقد خرج عنها عبيد الله بن العباس وسعيد بن نمران - وقد استخلف عليها عبيد الله عمرو بن أراكة الثقفي، فمنع بسرا من دخولها وقاتله فقتله بسر ودخل صنعاء فقتل منها قوما، وأتاه وفد (مآرب) فقتلهم فلم ينج منهم الا رجل واعد ورجع إلى قومه فقال لهم: (أنعى قتلانا شيوخا وشبانا). ثم خرج بسر من صنعاء فأتى (جيشان) وأهلها كانوا شيعة فهزمهم ثم قتلهم قتلا ذريعا، ثم رجع إلى صنعاء فقتل بها مأة شيخ من أبناء فارس، لان ابني عبيد الله بن العباس كأنا مستترين في بيت أمرئ من ابنائهم تعرف بابنة بزرج. وروى نمير بن وعلة، عن جبر بن نوف الهمداني أبي وداك قال: كنت عند علي لما قدم عليه عبيد الله بن العباس، وسعيد بن نمران الكوفة، فعتب عليهما ألا يكونا قاتلا بسرا. فقال سعيد: قد والله قاتلت ولكن ابن عباس خذلني وأبى أن يقاتل. قال الكلبي وأبو مخنف: فندب أمير المؤمنين (ع) أصحابه لدفع بسر، فتثاقلوا وأجابه العبد الصالح جارية بن قدامة السعدي في ألفين، فأسرع السير في طلب بسر حتى أخرجه من بلاد اليمن. أقول ذكر هذين الكتابين ابن أبي الحديد في شرح المختار (25) من خطب نهج البلاغة ج 2 ص 1، إلى 17، نقلا عن كتاب الغارات، وساق القصة كما ذكرناه بتلخيص منا واسقاط بعض الخصوصيات، وقريب منه من غير ذكر الكتابين، في حوادث سنة 40 ه‍ من تاريخ الطبري: ج 4، 106، وفي ط ج 6 ص 80.

[370]

- 185 - ومن كتاب له عليه السلام إلى جارية بن قدامة السعدي (ره). الثقفي (ره) في كتاب الغارات، عن الحرث بن حصيرة، عن عبد الرحمن ابن عبيد، قال: لما بلغ عليا [أمير المؤمنين عليه السلام] دخول بسر الحجاز، وقتله ابني عبيد الله بن العباس، و عبد الله بن عبد المدان، ومالك بن عبد الله [وغيرهم، فأرسل جارية بن قدامة لدفع الطاغي بسر، ثم] بعثني بكتاب في أثر جارية، قبل أن يبلغه أن بسرا ظهر على صنعاء وأخرج عامله عبيد الله وسعيد بن نمران منها، فخرجت بالكتاب حتى لحقت بجارية، ففضه فإذا فيه: أما بعد فإني بعثتك في وجهك الذي وجهت له، وقد أوصيتك بتقوى الله، وتقوى ربنا جماع كل خيرا ورأس كل أمر (1) وتركت أن أسمي لك الاشياء بأعيانها (2) وإني أفسرها حتى تعرفها. سر على بركة الله حتى تلقى عدوك، ولا تحتقر من خلق الله أحدا، ولا تسخرن بعيرا ولا حمارا وإن


(1) جماع الشئ - بسكر الجيم -: جمعه. أي ان تقوى الله جامعة لجميع أصناف الخير، فهو أصل كل خير ورأس كل بركة وميمنة. (2) أي بخصوصياتها الشخصية كي تكون على بصيرة على جهات المصالح وأضدادها.

[371]

ترجلت وحبست (3) ولا تستأثرن على أهل المياه بمياههم ولا تشربن [من (خ) مياههم إ ؟ بطيب أنفسهم ولا تسبي مسلما ولا مسلمة، ولا تظلم معاهدا ولا معاهدة، وصل الصلاة لوقتها، واذكر الله بالليل والنهار، واحملوا راجلكم وتآسوا على ذات أيديكم (4) وأغد السير حتى تلحق بعدوك فتجليهم من بلاد اليمن وتردهم صاغرين إن شاء الله (5) والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. البحار: ج 8 / 671 س 11 / عكسا، نقلا عن كتاب الغارات (6) وذكرناه بسند آخر، وصورة أخرى في المختار (55) من باب الوصايا، ج 2 ص 366.


(3) أي وان صرت راجلا وحبست عن الوصول إلى عدوك وتنكيله. (4) (ذات أيديكم) أي ما تملكه أيديكم ويبلغه وسعكم، أي فليواس كل واحد منكم أخاه بما يقدر عليه من الزاد والركوب وغيرهما مما يحتاج إليه. (5) (وأغد السير) أي أسرع واستعجل المسير. (فتجليهم) أي تخرجهم وتنفيهم. (6) قبح الله أرباب المكنة والثروة، كيف قصرت هممهم عن نشر هذا السفر الجليل وقد مضى عليه ما يقرب من ألف مأتين سنة، ونسخة عديمة جدا، ولم نعهد منه على القطع في دار الدنيا غير نسخة واحدة.

[372]

استدراك: هذه هي الصورة الثالثة من كتاب عليه السلام إلى الخوارج وقد فاتنا أن نذكره في محله وبعد المختار (137) وقد آثرنا أن نذكره هنا كيلا يفوتنا ذكره في موضعه في الطبعة الثانية. قال البلاذري في أنساب الاشراف 197،: حدثني وهب بن بقية، عن يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز [انه لما (1)] أجمع علي على اتيان صفين [والعود إلى حرب معاوية ثانيا] كتب إلى الخوارج: أما بعد فقد جاءكم ما كنتم تريدون قد تفرق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فأرجعوا ألى ما كنتم على فإني أريد المسير إلى الشام. فأجابوه [أخزاهم الله]: انه لا يجوز لنا أن نتخذك اماما وقد كفرت حتى تشهد على نفسك بالكفر، وتنوب كما تبنا فانك لم تغضب لله، انما غضبت لنفسك.


(1) ما بين المعقوفين لم يكن في النسخة ولابد منه.

[373]

قال المحمودي: هذا آخر ما عثرنا عليه من باب كتبه عليه السلام السفر الجليل وقد مضى عليه ما يقرب من ألف مأتين سنة، ونسخة عديمة جدا، ولم نعهد منه على القطع في دار الدنيا غير نسخة واحدة.

[372]

استدراك: هذه هي الصورة الثالثة من كتاب عليه السلام إلى الخوارج وقد فاتنا أن نذكره في محله وبعد المختار (137) وقد آثرنا أن نذكره هنا كيلا يفوتنا ذكره في موضعه في الطبعة الثانية. قال البلاذري في أنساب الاشراف 197،: حدثني وهب بن بقية، عن يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز [انه لما (1)] أجمع علي على اتيان صفين [والعود إلى حرب معاوية ثانيا] كتب إلى الخوارج: أما بعد فقد جاءكم ما كنتم تريدون قد تفرق الحكمان على غير حكومة ولا اتفاق، فأرجعوا ألى ما كنتم على فإني أريد المسير إلى الشام. فأجابوه [أخزاهم الله]: انه لا يجوز لنا أن نتخذك اماما وقد كفرت حتى تشهد على نفسك بالكفر، وتنوب كما تبنا فانك لم تغضب لله، انما غضبت لنفسك.


(1) ما بين المعقوفين لم يكن في النسخة ولابد منه.

[373]

قال المحمودي: هذا آخر ما عثرنا عليه من باب كتبه عليه السلام وقد تم طبعه ونشره في اليوم العشرين من شهر جمادي الثانية سنة 1389 ه‍، بنفقة المفضال الوجيه الحاج خير الله المرودشتي الحائري وفقه الله لمراضيه، وجزاه الله أحسن جزاء المحسنين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية