نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة تأليف الشيخ محمد باقر المحمودي
[4]
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
[5]
سورة إجازة الاستاذ العلامة الفقيه المتبحر الميرزا محمد حسن اليزدي رحمه الله المتوفى يوم الخميس: (12) ربيع الثاني من العام: 1379 الهجري.
[6]
صورة إجازة المحقق العلامة الفقيه الاصولي المتفرد بالمباني الرصينة الميرزا محمد باقر الزنجاني أعلى الله مقامه المتوفى يوم: (21) من شهر رمضان المبارك من سنة: (1394) الهجرية.
[7]
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة أما بعد شكر الله - الذي جعل الشكر مزيدا لآلائه، وسببا " لاستبقاء نعمائه، وسلما " إلى مرافقة أوليائه، ووسيلة " إلى مجاورة أصفيائه، والسلام على سيد أنبيائه، وخاتم سفرائه، المختار من أصل الكرم، والمنتجب من سلالة المجد
الاقدم، والمنتخب من خلاصة أشراف بني آدم، والصلاة والسلام على آله ينابيع الحكم، ومصابيح الظلم، ويعاسيب الامم " ومفاتيح الكرم، وأعلام الشريعة الغراء، ودعاة المحجة البيضاء، وقادة الامة الحنيفية السمحاء - فيقول (1) الحقير القاصر أبو جعفر محمد باقر المحمودي (2) إني في ابتداء عمري ونعومة حالي، وطراوة غصني وفراغ بالي كنت مشغوفا " بمطالعة الكتب الدينية، مفطورا " على العناية بالمسائل الشرعية، مجبولا على التفكر والتدقيق في المباحث المذهبية، والامور الاعتقادية، ولم يتجاوز عمري سني المراهقين، ولم تك معلوماتي مبنية على مقدمات أهل النظر والتحقيق، وجرى علي سنين
(1) الفاء جواب ما تقدم من الشرط وهو: " أما بعد ". وهذا نظير قول السيد الرضي (ره) في ديباجة النهج: " أما بعد حمد الله الذي جعل الحمد ثمنا " لنعمائه - وساق الخطبة إلى أن قال: - فاني كنت في عنفوان السن، وغضاضة الغصن الخ. ونظيره أيضا " خطبة التجريد للمحقق الطوسي قدس سره. (2) ابن ميرزا محمد بن ميرزا عبد الله بن ميرزا محمد بن الاخوند ملا محمد باقر بن الاخوند الحاج محمود بن الحاج كمال بن محمود بن كمال. وهذا التسلسل في أجدادي وسلسلة نسبي هو المعروف بين أقربائنا وقد سمعته عن غير واحد من معمري عشيرتي ونسابة قومي.
[8]
من الزمان وكنت على هذه الحالة، إلى أن حثني بعض الاكابر من أهل بيتي وبني عمومتي (3) على تحصيل العلم، والانتظام في زمرة أولياء الله، ومن رفعه الله وآتاه خيرا كثيرا، وفضله على البرية تفضيلا، فشمرت لاجابة دعوته الميمونة عن ساعد الجد، وقلت لبيك داعي الله، فاشتغلت بالتعلم منه ومن الوجيه الحاج الشيخ حسين الرفيعي - والد الشيخ الماجد المعاصر الشيخ أسد الله
الرفيعي رفع الله درجاتهم - مدة لا تتجاوز سنتين، ولا تقل عن سنة ونصف ثم ألقى الله في روعي، وألهمني الذهاب إلى مدينة العلوم الربانية، وقبة الاسلام، ومركز الراسخين في العلم النجف الاشرف - زادها الله علاءا وشرفا - ولما رسخت هذه العزيمة في نفسي، واستحكمت في خلدي، وخالطت مخي ودمي، وهونت علي العناء، وجعلت مقاساة السفر وبرد الشتاء علي مريئا (4) خرجت متفردا، وسعيت ماشيا متوجها تلقاء باب مدينة علم النبي والروضة المباركة العلوية على مشرفها الاف الثناء والتحية، وجرى علي في الطريق سوانح ذكرتها في رسالة " السير إلى الله " وبعد اللتيا واللتي من الله علي بالوصول إلى المقصد، والتشرف بوادي السلام العلوي أعني النجف الاشرف، فخررت لله ساجدا وأنا أقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وكان بدء وصولي إلى مركز العلم ومهبط رجال الدين النجف الاشرف في أوائل شهر ربيع الاول من سنة " 1364 " الهجرية - الموافقة لسنة " 1323 " الشمسية و " 1945 " " الميلادية " - فساعدني بعض الاجلة من أقربائنا رحمه الله (5)
(3) وهو الشيخ الرئيس الشيخ أحمد المعروف: " رستكار " الساعي في إحياء معالم الدين، وتكثير التلامذة والمحصلين، وهو ابن الرئيس علي بن الرئيس جنيد بن الرئيس كمال بن محمود بن كمال. (4) إنما قلت: " برد الشتاء " دون حر الصيف مع انه المتعارف في نظير المقام، لاني خرجت من بلدي في صبارة القر وغاية برودته المعبر عنه في لسان أهل ايران: " جلة زمستان ". (5) وهو العالم الجليل والسيد النبيل السيد ابو الحسن الراغب - المتوفى ليلة الثلثاء (22) من جمادى الاولى من سنة (1384) - نجل الشاعر المعروف السيد أسد الله الراغب المتوفى ببلدة " فال " في اليوم (24) من ربيع الثاني من سنة (1340) القمرية الهجرية.
[9]
على تحصيل العلم وآواني في الحجرة التي كانت تخصه في المدرسة المعروفة بالمدرسة القزونية، فاشتغلت بالعلوم المعتادة في أيامنا بين المحصلين، ولكن بمقتضى سجيتي وما ارتكز في فطرتي وغرس في قلبي كان إلمامي بكتب التفسير والكلام والحديث والتاريخ أكثر، ونشاطي بها أتم، وولعي وشوقي إليها أشد وآكد، وكنت مكبا على المعجزة العلوية الخالدة أعني كتاب " نهج البلاغة " فجعلته سمير ليلي وأنيس نهاري، وصاحب وحدتي وكاشف همي وكربتي، وكلما كررت في مطاويه النظر، وأمعنت في مضامينه الفكر، زدت ايمانا على ايمان بأنه قبس من الانوار العلوية، وغيض من فيض بحار العلوم المرتضوية، وندى من اقيانوس علوم الدين، ورشحة من معارف السيد الوصيين، وخليفة سيد المرسلين، ومهما سبرت كتب الاخبار، وتصفحت جوامع الادب والآثار وثقفت التفاسير والتواريخ، عثرت له على مصادر وثيقة، ومدارك قوية قويمة قديمة، وكلما اطلعت على كتب المعرضين عن أمير المؤمنين، وتأملت كلمات المنحرفين عنه وأساطيرهم، رأيت البغضاء مجسمة، والشحناء ممثلة، والمحادة مجسدة، والشنان قد تجاوز النهاية، والمعاداة مسفرة، والمكابرة متراكمة، والمشاقة ملموسة، فعرض لي من البهر والدهشة والحيرة ما لا يوصف، إذ لم أجد - ولن يوجد أبدا - مثل كتاب نهج البلاغة حقيقة نيرة أوقدت من شجرة طيبة مباركة علوية - أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين، ويكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار، ويوشك نورها أن يعبق العالم، ويفيق قاطنيه من الاغماء، ويخلصهم من الدواهي واللاواء - وهو مع هذا مورد النقاش والاستنكار، ! ! وكيف يمكن النقاش فيه وقد اكتنفته الشواهد الداخلية والخارجية، وحفت به المعاضدات اللفظية والمعنوية، ولفت به القرائن الحالية والمقالية، وجل ما فيه مما أجمع واتفق على روايته
علماء السنة والامامية، وهل يمكن ستر الشمس بالكف، أو يتيسر إخماد نور الله بالنفث، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الفاسقون، وكيف
[10]
لا يستعجب الفطن الخبير المنصف من ذلك، مع انه لم يعرف - ولن يعرف أبدا - بعد القرآن الكريم نظير كلام أمير المؤمنين - عليه السلام - عزا عربيا سرمدا ومع ذلك يقع في معرض الانكار، ويكون هدفا للنقاش، ويقابل بالمكابرة والمجادلة، وكيف لا يتعجب اللبيب ولم يعهد - ولن يكن معهودا لاحد - بعد الفرقان المجيد مثيل نهج البلاغة أساسا أدبيا مخلدا قد تمثل بصورة الاعجاز، ومع الوصف يجهل قدره ؟ ! لا يقدره ذووه، ولا يصدقه أهلوه ؟ ! ! وكيف لا يعجب الحكيم - أو يلام على ذلك - ولم يشاهد - ولن يشاهد أبدا - بعد تنزيل العزيز الحميد، عديل نهج البلاغة بيانا جامعا للحقائق، وكاشفا عن الغرض من إيجاد العالم وتشريع القوانين الالهية، وبعث الانبياء والسفراء، ومحاسبة العباد في يوم المعاد، وهل يترقب مثله كلاما شارحا للاسلام ومزاياه الراقية ؟ ! وهل ينتظر شبهه بيانا سائقا إلى الايمان ودرجاته السامية، وثمراته الطيبة، وبركاته العظيمة، ولوازمه الرغيبة الحبيبة الحميدة ؟ ! أنى يترقب مثله وهو معجزة الخلافة ؟ ! أو أنى ينتظر شبهه وهو من أنوار الامامة ! ! ومن لوازم الوصاية والولاية كل ذلك مما خص الله تعالى بها وليه ووصي نبيه ميزة له عن المبطلين، ودلالة على أمامته، وحجة على خلافته، وتحفظا " على غرضه وحكمته، ولطفا على بريته وقطعا لمعاذير عباده، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة (6).
(6) يا معشر المنكرين وياملا المعرضين عن سيد الوصيين، فإن كنتم في ريب مما وصفنا به كلام
أمير المؤمنين، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم ائتوا صفا وائتوا من آثار أئمتكم السالفين، والحقوها بمسترقات أكابركم اللاحقين، فإن وجدتم فيها جميعا معشار ما في كلام امير المؤمنين (ع) من المزايا الرائقة، والنعوت الفائقة، فاستمروا في في امركم وبالغوا في إنكاركم فإن لم تفعلوا - ولن تفعلوا - فاتقوا النار التي أعدها الله تعالى للكافرين بآياته، والمحادين لاوليائه، والمنكرين لمزايا حججه وخصائص خلفائه، وآمنوا بالنور الذي وهب الله لوليه وخليفة نبيه، واجعلوه مع كلام الله الحميد المجيد معيار علمكم وعملكم في جميع المواضيع من الاعتقاديات والاخلاقيات والعمليات
[11]
وبعدما اطلعت على صنيع المنحرفين، وسجية المعرضين عن أمير المؤمنين، وصرت من مشاقتهم من المتعجبين، ورأيت الاصدقاء متخاذلين، والسواد الاعظم من المؤمنين متكاسلين، وعن إحقاق الحق وإبطال الباطل قاصرين، وألد الخصوم علينا متحاملين، بدا لي أن أجمع لكتاب نهج البلاغة ما اطلعت عليه من الاسانيد الوثيقة، والمصادر المعتبرة القويمة، أداء لبعض ما يجب على العلماء، من إرشاد الجهال، وإبطال كيد المبطلين والضلال، وتدعيم الحقائق، وتوطيد الوثائق، علما بأن في الجمع المذكور أحقاقا للحق، وإبطالا للباطل، ولفتا لانظار أهل الحق بأن في هذا العمل تشييد الاصول الاعتقادية، وترويج المسائل العملية، وترميم المكارم الاخلاقية، وتعزيز القوانين الاسلامية، وتأييد للمستقلات العقلية. ولما شمرت عن ساعد الجد والاجتهاد، وخضت في جوامع كتب علمائنا الاخيار، وألممت ببعض ما حضرني من كتب أهل السنة - مع قلة مقدرتي عليها وشدة حاجتي إليها - رأيت أن ما فات عن السيد الرضي (ره) - أو تركه - من كلم أمير المؤمنين عليه السلام لا يقل عما جمعها وذكرها (7)
كي تكونوا في الدنيا والآخرة من الفائزين، وتسودوا على العالمين، ولا تكفروا به ولا تنبذوه
وراء ظهوركم فتكونوا من الاخسرين الذين ضل سعيهم في الحيات الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (7) بل ما فات منه - أو ما تركه على زعم بعض - أكثر، وقبل أن ترى صدق ما قلناه برأي العين بمشاهدة ما في كتابنا - نهج السعادة - نوطد دعوانا بما ذكره جماعة من ثقاة أهل النقل من المحدثين والمؤرخين فنقول: قال أبو عمر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاستيعاب - المطبوع بهامش كتاب الاصابة: ج 3 ص 1111 -: وخطبه (عليه السلام) ومواعظه ووصاياه لعماله كثيرة مشهورة وهي حسان كلها. وقال الحسن بن علي بن شعبة - من أعلام القرن الرابع - في الباب الاول من مختار كلم أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب تحف العقول ص 43: لو استغرقنا جميع ما وصل إلينا من خطبه وكلامه في التوحيد خاصة دون ما سواه من المعاني لكان مثل جميع (ما في) هذا الكتاب الخ.
[12]
فعند ذلك عزمت على تأليف كتاب آخر يتضمن ما لم يوجد في نهج البلاغة، وحيث إن الموضوع الثاني كان أهم، صرفنا فيه نهاية الطاقة، وغاية المقدرة، وقدمناه في الترتيب والتأليف، وبحمد الله تعالى ومنته قد جمعنا من كلم أمير المؤمنين عليه السلام - في المواضيع الثلاثة التي اختارها السيد الرضي وغيرها - ضعف ما في نهج البلاغة، وأقمنا على جلها من الشواهد الخارجية - المعاضدة بالشواهد الداخلية - ما لو رآها المنصف المتدبر، ووعاها العالم المتبحر، لقال: سبحان الله ما هذا من عند غير وصي النبي، إن هذا إلا من إمام عليم اختاره الله واصطفاه لخلافة رسوله الكريم، ودراسة دينه القويم، وكتابه الحكيم.
وقال في الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي، ص 138: أخبرنا
السيد الشريف أبو الحسن علي بن محمد الحسيني، باسناده إلى الشريف المرتضى قال: " قد وقع إلي من خطب أمير المؤمنين عليه السلام أربعمأة خطبة. تأمل هذا الكلام - وما يأتي بعد - وراجع باب الخطب من المنهج فإنه مع ما فيه من غير الخطب ومن التكرار لا يتجاوز جميع ما فيه عن نيف ومأتين: (238) وقال اليعقوبي - من أعلام القرن الثالث - في كتابه: مشاكلة الناس لا زمانهم، ص 15: " وحفظ الناس عنه (عليه السلام) الخطب، فانه خطب بأربعمأة خطبة حفظت عنه، وهي التي تدور بين الناس ويستعملونها في خطبهم ". وقال المؤرخ الشهير المسعودي في مروج الذهب: ج 3، ص 419 ط بيروت - في عنوان: " لمع من كلام (أمير المؤمنين) وأخباره وزهده "، قبيل ختام ترجمته عليه السلام -: والذي حفظ الناس عنه (عليه السلام) من خطبه في سائر مقاماته أربع مأة خطبة ونيف وثمانون خطبة (كان عليه السلام) يوردها على البديهة، وتداول الناس ذلك عنه قولا وعملا. - ثم ساق لمعا من كلامه عليه السلام وجملا من القضايا إلى أن قال: - وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب، أو يبلغه إسهاب مسهب أو اطناب مطنب، وقد أتينا على جمل من أخباره وزهده وسيره وأنواع من كلامه وخطبه في كتابنا المترجم بكتاب: " حدائق الاذهان " في أخبار آل محمد عليه السلام، وفي كتاب " مزاهر الاخبار، وطرائف الآثار " للصفوة النورية، والذرية الزكية، أبواب الرحمة، وينابيع الحكمة.
[13]
وسمينا هذه المجموعة ب " نهج السعادة " في مستدرك نهج البلاغة (8) ورتبناها على خمسة أبواب: الباب الاول في الخطب وما يجري مجراها من الكلم الطوال، والباب الثاني في الكتب والرسائل وما بمعناها، الباب الثالث في الوصايا، الباب الرابع في الادعية والمناجاة " الباب الخامس في الدرر اليتيمة، والحكم القصيرة من كلمه عليه السلام (9).
وقد كتبنا بتوفيق الله تعالى - في مدة لا تنقص عن خمس عشرة سنة - مثلي ما في نهج البلاغة كمية وعددا، ومثله مما لا يقصر عما فيه نتيجة وغرضا، مع أن جهاز التأليف والتصنيف الذي كان عندي لم يك وافيا لهذا الغرض الخطير، وتحصيل غيره لا يتيسر لمن لا يملك من قطمير. وأيضا قد ظفرنا في هذه المدة على مصادر وثيقة لاكثر ما رواه السيد الرضي (ره) في نهج البلاغة، وأخرجنا أسانيد كثيرة وشواهد وفيرة لجل ما فيه عن كتب الفريقين: الشيعة والسنة، وإن أنسا الله تعالى في عمري، ومتعني بما حباني وأمدني بما أعطاني من التوفيق، وأظفرني بمخطوطات القدماء من الفريقين، لافتحن لارباب الادب والبلاغة أبوابا، ولاكشفن عن وجه السعادة نقابا.
(8) وإنما سميناه بهذا الاسم، لانا - كما دريت مما ذكرناه آنفا - بنينا أن لا نذكر في نهج السعادة ما هو مذكور في نهج البلاغة ولو عثرنا عليه في غيره من المصادر، وبعدما نشرنا وطبعنا منه مجلدا وشرعنا في طبع مجلد آخر، اطلعنا على ما جمعه السيد السند السيد عبد الزهراء الخطيب وفقه الله حول أسانيد نهج البلاغة ومصادره، فرأيناه غير قاصر عما جمعناه حول الكتاب، فعدلنا عن تأليف كتابين وترنمنا بقوله تعالى: " وكفى الله المؤمنين القتال ". ثم ببعض المناسبات أدرجنا بعض ما ذكرناه وجمعناه بعنوان: " أسانيد نهج البلاغة وشواهده " في الموضوع الثاني أعني نهج السعادة. (9) وبعدما فرغنا من تنضيد كلمه عليه السلام بمقدار وافر في الابواب الخمسة، عزمنا على جمع الشتات من منظوم كلامه وتصييره بابا سادسا، فجمعنا شيئا كثيرا مما تكلم به عليه السلام في المقامات المختلفة، والمناسبات المتكثرة، ولكن بالمراجعة إلى ما جمعناه ورتبناه يعلم أن جله ليس منه بل من غيره تمثل به أمير المؤمنين عليه السلام ببعض المناسبات، وان المنظوم من كلامه عليه السلام نفسه في غاية القلة، ولكن لا بمثابة أفرط بها بعض العامة.
[14]
ثم ليعلم أنا نذكر - في جميع الابواب المعدودة - كلام أمير المؤمنين عليه السلام كما ظفرنا به، ونذيله بما عندنا من الشواهد، وفي ختامه نذكر المصدر المأخوذ منه وغيره، ولا نتعرض لما يخطر في خلد بعض ممن عقله عقل الصبي، وفهمه فهم السفيه، فنحن مستغنون - بما صنعناه - عن جواب ما أبداه لسان البغضاء، أو يتصور بالتصور البدوي والنظرة الحمقاء. وليعلم أيضا " أن لدينا شيئا " من الكلم المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، في الابواب المذكورة وغيرها، ولم ندرجها في كتابنا هذا، لان بعضها مختلق قطعا، وبعضها وإن كان من سنخ كلامه وإمكان صدوره عنه عليه عليه السلام، قائم ولا دليل لنفي الصدور، ولكن لا شاهد له (10)، ودليل الاثبات والمصدر المأخوذ منه غير صالح للحجية، أو أن راوي الكلام غير معتمد عليه، وهذا القسم نترصد للعثور على شاهد لحجيته، وإما لذكره في مصدر آخر موثوق به، أو كونه مرويا بسند آخر معتمد عليه، أو يدل دليل خارجي على صدوره عنه عليه السلام. وليتنبه أيضا انا لا ندعي الاحاطة بجميع ما صدر عنه عليه السلام في الابواب الخمسة وغيرها إذ كثير من كلماته الصادرة عنه في أيام طرده عن مقامه واختلاس الخلافة منه، لم يضبطها أحد ولم يدون، وما ضبطوه ودونوه في غير تلك الايام مصادره غير محصورة، وأنا يحيط المحصور والمحدود بغير المحصور ؟ ! وكثير من المصادر المتكلفة لبيان خصائصه وعلومه قد أتلف وأعدم فذهب ما فيه بذهابه، كذهاب بعض علومه عليه السلام، وموته بموت راويه كما قال عليه السلام: " هكذا يموت العلم بموت حامليه ".
(10) وأخيرا قد أدرجنا في نهج السعادة مقدارا قليلا من هذا النوع أي ما هو من سنخ كلامه عليه السلام ولا دليل على نفي صدوره عنه، رجاء أن نظفر على شاهد له، أو يظفر غيري على
شواهده، وإذن فلا بد فيما ذكرناه من ملاحظة جهات الحجية، فيقبل ما هو الواجد لها، وينتظر لغيره العثور على شواهده، فلا محيص لغير أهل العلم إلا الرجوع إلى أهله المتخصص بالفن، كما هو الشأن في جميع الاشياء، فالمعتبر مما ذكرناه هو ما اقترن بالشاهد الصدق دون غيره.
[15]
وليتذكر أيضا بأنا لا نقتصر على خصوص كلمه عليه السلام البليغة، وألفاظه الرشيقة، وإن كان جل ألفاظه أقواله مذهبا برونق الفصاحة، ونوع كلمه مطلى بماء البلاغة ومحلى بحلية الايجاز (11) بل نذكر كل ما اشتمل على معنى بديع، أو إثبات حق أو إبطال باطل، أو يتضمن الارشاد إلى مصلحة مهمة، أو ما ينفر عن وجوه العناء والشقاء، أو يتعرض الدلالة على أمر جليل وخطب عظيم عامة الناس عنه غافلون، وصار بينهم نسيا منسيا، وبالجملة نذكر من كلمه عليه السلام ما كان مقربا إلى السعادة وموجباتها، ومبعدا عن الشقاوة وموبقاتها، سواء كان بليغا - كما هو الشأن في أغلب ما صدر عنه عليه السلام - أم لا يكون كذلك، وما قيمة البلاغة في قبال السعادة وموجباتها ؟ ! وفي جانب التخلص من الشقاوة وموبقاتها، وفي حذاء انجاء النفوس من الهلكات، وإحيائها من مرديات الهوى وسكر متاع الحيات الدنيا، وهل البلاغة إلا زينة الحياة الدنيا، وزخرف دار الفناء، وزهرة أيام التظاهر والتعارض ! ! ! وليعلم أيضا أنا لاحظنا الترتيب في كلامه عليه السلام (12) فقدمنا ما هو أقدم صدورا وأسبق حدوثا في عالم الخارج - ولو بحسب التقريب والظن - فرتبنا ما اخترناه من كلمه الاول فالاول، بحسب ما عثرنا عليه وشهد الشاهد الداخلي - كمضمون الكلام أو سنده -، أو الشاهد الخارجي والقرينة المنفصلة على زمان صدوره وأوان إلقائه وتكلمه به، ليتسلسل كلامه بحسب
الترتيب والتأليف كتسلسله بحسب الصدور والبروز في نفس الامر وعالم الخارج
(11) هذا إذا أريد من البلاغة معناها المتفاهم العرفي، وإن أريد بها ما فسره البيانيون من أنها: " مطابقة الكلام لمقتضى الحال ". فكلمه عليه السلام كلها بليغة. (12) وهذا الترتيب اخترناه بعد نشر باب الوصايا كما انه لم يلاحظ في الباب الخامس وقصار كلمه عليه السلام هذا المعنى. وهو الاسلوب الثالث الذي استقر عليه عزمنا أخيرا بعدما كنا رتبنا الكتاب على أسلوبين آخرين. أحدهما أسلوب نهج البلاغة وثانيهما: تأخير السند عن ذكر كلامه مثل تأخير المصدر المأخوذ منه وغيره عنه.
[16]
ليسهل تناوله لمن أراد قسما خاصا منه، فمن أراد العثور على خصوص ما صدر عنه عليه السلام في أيام النبي صلى الله عليه وآله بمجرد ما افتتح الكتاب ونظر إلى عنوان الكلام يستعلم منه بغيته، ويستنتج محل طلبته، ومن فوائد هذا الاختيار أن يكون الكتاب كترجمة لحياة أمير المؤمنين عليه السلام مأخوذة من بيانه ومتلقاة عن فمه ولسانه، فيكون مقياسا به يميز صواب ما ذكروه في ترجمته عن خطائه، ويكون ميزانا به يوزن ما نسبوه إليه أو نفوه عنه، فيقبل ما يوافقه ويرد ما يخالفه، كل ذلك بعد ملاحظة شرائط الحجية. هذا كله إذا كان زمان الصدور معلوما إما تحقيقا أو تقريبا، وأما الكلام الذي لم يعلم وقت صدوره ولو تقريبا فنؤخره عن معلوم الصدور، ونصوغه بصياغة مفردة مستقلة، وننسج له كساءا على حدة، والمرجو من أهل النظر وأولي العلم والتحقيق أن يغمضوا عما كل عنه الفكر، أو طغى به القلم، أو أثبته نظر السهو والنسيان، فإني لم أقصر بحسب طاقتي وميسوري عن تحري الصواب، والتجنب عن الزلل والخطاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وبه استعنت (13).
(13) ومما يجب التنبيه عليه في الختام انا مثل بقية المؤلفين في عصرنا نزيد في بعض المقامات كلمة أو جملة أو شبههما ونضعها بين المعقوفين، وذلك إما للتوضيح والتبيين، أو لوجودها في طريق آخر للرواية، أو لتوقف صحة الكلام أو تزيينه عليها، فكل ما وضعناه بين المعقوفين أو المعقوفات، فهو زيادة منا إلا ما ننقله من كتاب صفين لنصر بن مزاحم فإن بعضه مما زاده محمد هارون محقق طبعة مصر.
[17]
الباب الاول في خطبه عليه السلام وما يجري مجراها مما تكلم به في الحوادث النازلة، والخطوب الواردة، وهو على قسمين: ما علم زمان صدوره ولو تقريبا. وما لم يعلم زمان صدوره. القسم الاول: * 1 * ومن خطبة له عليه السلام خطبها بمحضر النبي صلى الله عليه وآله، والمهاجرين والانصار، لما خطب من النبي سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال محمد بن جرير الطبري الامامي: حدثني أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري (1) قال: حدثني أبي، قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي العرب الضبي (2) قال: حدثنا محمد بن زكريا بن دينار الغلابي (3)
(1) كذا في موارد كثيرة من هذا الكتاب، ومثله ذكره النجاشي (ره) تحت الرقم: (182) من فهرسته ص 62 في ترجمة أحمد بن محمد بن الربيع، وقال: " أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى رحمه الله " الخ. وفي نسخة دلائل الامامة هنا تصحيف. (2) كذا في النسخة، وفي البحار، ومدينة المعاجز، ومستدرك الوسائل: " محمد بن أبي
الغريب الصبي " " الخ. (3) كذا في النسخة، وفي المستدرك: " محمد بن زكريا بن دينار العافي ".
[18]
قال: حدثنا شعيب بن واقد، عن الليث، عن [الامام] جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده، عن جابر [بن عبد الله الانصاري (4)] قال: لما أراد رسول الله أن يزوج فاطمة عليا قال له: أخرج إلى المسجد، فإني خارج في أثرك ومزوجك بحضرة الناس، وذاكر من فضلك ما تقر به عينك. قال علي: فخرجت من عند رسول الله وأنا ممتلئ فرحا وسرورا، فاستقبلني أبو بكر وعمر فقالا: ما ورا (ؤ) ك ؟ فقلت: يزوجني رسول الله فاطمة وأخبرني أن الله زوجنيها، وهذا رسول الله خارج في أثري ليذكر بحضرة الناس، ففرحا وسرا ودخلا معي المسجد، فو الله ما توسطناه حتى لحق بنا رسول الله وإن وجهه ليتهلل فرحا وسرورا، فقال صلى الله عليه وآله:
(4) رواية أئمة أهل البيت عليهم السلام، أحيانا عن أمثال جابر بن عبد الله، إنما هي لاغراض ومصالح وخصوصيات اقتضت ذلك، لا من باب استفادة الحقيقة التي رووها، والقصة التي نقلوها عن جابر وأمثاله، إذ هم النور ومعدن العلم، بهم استضاء كل شئ، وعنهم أخذ كل عالم، وهم الادلاء والخلق مهتدون بهدايتهم وإرشادهم، وقد جعلهم الله مثابة ومرجعا " للناس كي يعلموهم ويكشفوا لهم الحقائق بقدر ما اقتضته المصالح، ولا يحجز بينهم وبينها الموانع، ولا تترتب على علمهم بها المفاسد، وقد تواتر بين المسلمين قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم: " ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ". وفي الحديث: (167) من ترجمة علي عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1 ص 327 وفي المطبوع: ج 2 ص 156 معنعنا عنه صلى الله عليه وآله انه قال: " آل محمد معدن العلم وأصل الرحمة ". ورواه أيضا مع زيادات في ترجمة بحر السقاء من كتاب الكامل لابن عدي: ج 1 / 177. وتواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضا أمثاله، وسيمر عليك في
هذا الكتاب نمط كثير في هذا المعنى، وكفاك الرجوع إلى المختار: (109) من هذا الباب، أو إلى الخطبة الثانية من القسم الثاني من باب الخطب فإنه عليه السلام حكى عن الله تعالى انه قال في حقهم مخاطبا لنبيه: " وأنصب أهل بيتك للهداية، وأويتهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يغيب عنهم خفي - إلى أن قال عليه السلام: - فنحن أنوار السماء وأنوار الارض، فبنا النجاة، ومنا مكنون العلم " الخ. ومن كان هذا نعته وصفته كيف يحتاج إلى أمثال جابر وغيره ممن يكون علمه محدودا أو مأخوذا عن مثله. وفي ترجمة المصفح العامري من الطبقات الكبرى: ج 6 / 240 قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن جبلة بنت المصفح، عن أبيها قال: قال لي علي: يا أخا بني عامر سلني عما قال الله ورسوله، فإنا نحن أهل البيت أعلم بما قال الله ورسوله. (قال ابن سعد): والحديث طويل.
[19]
أين بلال ؟ فقال: لبيك وسعديك. فقال: وأين المقداد ؟ فلباه. فقال: وأين سلمان ؟ فلباه، فلما مثلوا بين يديه قال: انطلقوا بأجمعكم إلى جنبات المدينة، واجمعوا المهاجرين والانصار والمسلمين. فانطلقوا لامره (ودعوا المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأفاضوا إليه (5) فأقبل (رسول الله) حتى جلس على أعلى درجة من منبره، فلما حشد المسجد بأهله (6) قام صلى الله عليه وآله فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي رفع السماء فبناها، وبسط الارض ودحاها، وأثبتها بالجبال فأرساها (7) (وأخرج منها ماءها ومرعاها، الذي تعاظم عن صفاة الواصفين) وتجلل عن تحبير لغات الناطقين (8) وجعل الجنة ثواب المتقين، والنار عقاب الظالمين، وجعلني رحمة للعالمين، ونقمة على الكافرين. عباد الله إنكم في دار أمل، بين حياة وأجل، وصحة وعلل، دار زوال
متقلبة الحال (9) جعلت سببا للارتحال، فرحم الله امرأ قصر من أمله وجد في عمله، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوته فقدمه ليوم
(5) بين القوسين زيادة منا للتوضيح. ومعنى أفاضوا إليه: اندفعوا وسارعوا إليه بكثرة. (6) أي غص المسجد وملا بأهله، كأنه من قولهم: " حشد الناقة " من باب نصر وضرب - حشدا ": جمع اللبن في ضرعها بكثرة. أو أنه مجهول من باب التفعيل بمعنى الاجتماع لامر واحد، كما انه يجئ بهذا المعنى مبنيا " للفاعل من باب الافعال والافتعال والتفعل والتفاعل. (7) كأنه مقتبس من قوله تعالى - في الآية (29) وتواليها من سورة النازعات -: " والارض بعد ذلك دحاحا "، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها ". والدحو - كفلس -: البسط والاسترسال إلى أسفل. وأرسى الجبال: أوقفها على الارض. أو ضربها فيها كالوتد. وبين القوسين مأخوذة من البحار. (8) تجلل: تعظم وتعالى. وحبر الكلام أو الشعر أو الخط تحبيرا ": حسنه وزينه: أي إن عظمته ونعوت ذاته المقدسة أعظم وأعلى من أن يصلها ويصفها المزينة من لغاة الناطقين، والمحسنة من ألفاظ الواصفين. (9) ويساعد رسم الخط على أن يقرء " منقلبة الحال ". وفي البحار: " دار زوال وتقلب أحوال ".
[20]
فاقته، يوم تحشر فيه الاموات، وتخشع فيه الاصوات (10) وتنكر الاولاد والامهات، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، يوم يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء، تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، يوم تبطل فيه الانساب وتقطع الاسباب، ويشتد على المجرمين الحساب، ويدفعون إلى العذاب،
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (11). أيها الناس إنما الانبياء حجج الله في أرضه، الناطقون بكتابه، العاملون بوحيه، وإن الله تعالى أمرني أن أزوج كريمتي فاطمة بأخي وابن عمي وأولى الناس بي علي بن أبي طالب، والله عز شأنه قد زوجه بها في السماء، وأشهد الملائكة، وأمرني أن أزوجه في الارض وأشهدكم على ذلك. ثم جلس (صلى الله عليه وآله) وقال لعلي: قم واخطب لنفسك (فقام علي) (12) وقال: الحمد لله الذي ألهم بفواتح علمه الناطقين (13) وأنار بثواقب عظمته قلوب المتقين (14) وأوضح
(10) اقتباس من قوله تعالى - في الآية (108) من سورة (طه): " وخشعت الاصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا ". (11) من قوله: " وترى الناس سكارى " إلى قوله: " متاع الغرور " - عدا أربع جمل في الوسط - اقتباس من الآية (2) من سورة الحج، و (25) من سورة النور، و (30)، و (185) من سورة آل عمران، والآية الاخيرة من سورة " إذا زلزلت الارض ". (12) بين الاقواس زيادة منا. (13) ألهم: لقن وعلم. والفواتح: جمع الفاتحة وهي أول الشئ وابتداؤه. والناطقين: العقلاء المدركون الذين يتكلمون بالحروف والاصوات الموضوعة لاداء ما في ضميرهم وتفهيمه لغيرهم. (14) أنار: جعله ذا نور ولمعان وتشعشع. والثواقب: جمع الثاقبة: المرتفعة. الساطعة. النافذة.
[21]
بدلائل أحكامه طرق السالكين (15) وأبهج بابن عمي المصطفى العالمين، حتى علت دعوته دواعي الملحدين (16)
واستظهرت كلمته على بواطن المبطلين (17) وجعله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، فبلغ رسالة ربه وصدع بأمره وأنار من الله آياته (18). فالحمد لله الذي خلق العباد بقدرته (19) وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد [صلى الله عليه وآله] ورحم وكرم وشرف [وعظم (20)] والحمد لله على نعمائه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة إخلاص ترضيه، وأصلي على نبيه محمد صلاتا تزلفه وتحظيه (21)
(15) الدلائل: جمع الدلالة: ما يقوم به الارشاد والهداية. البرهان. والسالكين: جمع السالك - والمقصود منه في أمثال المقام -: المتبع لطريق الحق الملازم له. (16) أبهج العالمين: جعلهم في بهجة وسرور. والدواعي: جمع الدعوى. وفي مستدرك الوسائل: " وأنهج بابن عمي المصطفى العالمين ". يقال: " أنهج الطريق أو الامر ": وضح واستبان. و " أنهج زيد الطريق أو الامر ": أبانه وأوضحه (17) كذا في النسخة، ومثله في البحار، وفي مستدرك الوسائل: " على بواطل المبطلين ". وهو أظهر. (18) وفي البحار والمستدرك: " وصدع بأمره وبلغ عن الله آياته " الخ. (19) وفي البحار والمستدرك: " والحمد لله " الخ. (20) الاول مما بين المعقوفين مأخوذ من المستدرك، والثاني من البحار. (21) وفي البحار: " وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاتا تربحه وتحظيه ".
[22]
وبعد فإن النكاح مما أمر الله تعالى به وأذن فيه،
ومجلسنا هذا مما قضاه الله تعالى ورضيه (22) وهذا محمد ابن عبد الله رسول الله زوجني ابنته فاطمة على صداق أربع مأة درهم (23) وقد رضيت بذلك فاسألوه واشهدوا. فقال المسلمون: زوجته يا رسول الله ؟ قال: نعم. قال المسلمون: بارك الله لهما وعليهما وجمع شملهما. الحديث: (25) من كتاب دلائل الامامة، ص 15 ورواه في الحديث: (17) من الباب: (63) من كتاب النكاح من البحار: - ج 23 ص 62 ط الكمباني - عن كتاب مسند فاطمة. كما رواه أيضا " في الحديث السادس من الباب: (33) من كتاب النكاح من مستدرك الوسائل، ج 2 ص 541. ورواه أيضا " في الحديث: (413) من مناقب أمير المؤمنين من كتاب مدينة المعاجز، ص 134 وللخطبة صور أخرى تلاحظها في كتابنا: " المقالة العلوية الغراء " والمنهج الثاني - وهو المنهج العلوي - من كتابنا " مناهج المعصومين " وفقنا الله تعالى لاتمامه.
(22) وفي البحار: " والنكاح مما أمر الله به وأذن فيه، ومجلسنا هذا، مما قضاه ورضيه (و) هذا محمد بن عبد الله " الخ. (23) هذا هو الصواب الموافق لما ورد في أخبار الباب، وفي النسخة - ومثلها في البحار -: " أربعمأة درهم ودينار ".
[23]
- 2 - ومن كلام له عليه السلام
محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (ره) قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل قال: حدثنا أبو أحمد عبد الله بن الحسين بن إبراهيم العلوي النصيبي رحمه الله ببغداد، قال: سمعت جدي إبراهيم بن علي يحدث عن أبيه علي بن عبد الله، قال: حدثني شيخان بران من أهلنا سيدان، عن [الامام] موسى بن جعفر، عن ابيه جعفر بن محمد، عن ابيه محمد بن علي عن أبيه. وحدثنيه أيضا الحسين بن زيد بن علي ذو الدمعة، قال: حدثني عمي عمر بن علي، قال: حدثني أخي محمد بن علي، عن أبيه عن جده الحسين صلوات الله عليهم. قال أبو جعفر عليه السلام: وحدثني عبد الله بن العباس، وجابر بن عبد الله الانصاري - وكان بدريا أحديا شجريا وممن لحظ من أصحاب رسول الله (1) (صلى الله عليه وآله) في مودة أمير المؤمنين (عليه السلام) - قالوا: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده في رهط من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر، وعثمان وعبد الرحمان، ورجلان من قراء الصحابة، من المهاجرين عبد الله بن أم عبد، ومن الانصار أبي بن كعب - وكانا بدريين - فقرأ عبد الله من السورة التي يذكر فيها لقمان حتى أتى على هذه الآية: " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " الآية: (2) وقرء أبي من السورة التي يذكر فيها إبراهيم (عليه السلام، حتى أتى على هذه الآية): " وذكرهم بأيام الله
(1) كذا. (2) وهي الآية: (20) من سورة القمان - المكية -: (31).
[24]
إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ". قالوا: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أيام الله نعماؤه، وبلاؤه مثلاته (3) سبحانه.
ثم أقبل (صلى الله عليه وآله) على من شهده من أصحابه فقال: إني لا تخولكم بالموعظة تخولا (4) مخافة السامة عليكم وقد أوحى إلى ربي جل جلاله أن أذكركم بالنعمة، وأنذركم بما أقتص عليكم من كتابه وتلا (صلى الله عليه وآله) " وأسبغ عليكم نعمه " الآية، ثم قال لهم: قولوا الآن قولكم: ما أول نعمة رغبكم الله فيها وبلاكم بها ؟ فخاض القوم جميعا فذكروا نعمة الله التي أنعم عليهم وأحسن إليهم بها، من المعاش والرياش والذرية والازواج إلى سائر ما بلاهم الله عزوجل به من أنعمه الظاهرة. فلما أمسك القوم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي فقال: يا أبا الحسن قل فقد قال أصحابك. فقال: وكيف لي بالقول فداك أبي وأمي وإنما هدانا الله بك ! ! قال: ومع ذلك فهات (و) قل: ما أول نعمة بلاك الله عزوجل، وأنعم عليك بها ؟ قال: أن خلقني جل ثناؤه ولم أك شيئا مذكورا. قال: صدقت فما الثانية ؟ قال: أن أحبني إذ خلقني فجعلني حيا لا ميتا (5) قال: صدقت فما الثالثة ؟ قال: أن أنشأني - فله الحمد - في أحسن صورة وأعدل تركيب. قال: صدقت فما الرابعة ؟ قال: أن جعلني متفكرا راغبا، لا بلهة ساهيا (6) قال صدقت فما الخامسة ؟ قال: أن جعل لي مشاعر أدرك بها
(3) كذا في النسخة " ولعله بتقدير حرف العطف. والمثلات: جمع المثلة - بفتح الميم وضم الثاء. وبضم الميم وسكون الثاء أيضا -: العقوبة والتنكيل. ما أصابه الامم الماضية من العذاب. (4) اي أفيضها عليكم وأنا ولكم إياها تفضلا وكرما. (5) أي أحياني بمحبته إياي. ولازمه أن من لا يحبه الله فهو ميت. (6) لا بلهة أي لم يجعلني سائرا بلا هداية وارشاد، ولا ساهيا ما دلني عليه.
[25]
ما ابتغيت، وجعل لي سراجا منيرا (7). قال: صدقت فما السادسة ؟ قال: أن هداني لدينه ولم يضلني عن سبيله. قال: صدقت فما السابعة ؟ قال: أن جعل لي مردا في حياة لا انقطاع لها. قال: صدقت فما الثامنة ؟ قال أن جعلني ملكا مالكا لا مملوكا. قال: صدقت فما التاسعة ؟ قال: أن سخر لي سماءه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه. قال: صدقت فما العاشرة ؟ قال: أن جعلني سبحانه ذكرا ولم يجعلني أنثى (8) قال: صدقت فما بعد هذا ؟ قال: كثر نعم الله يا نبي الله فطابت، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. فتبسم رسول الله وقال: ليهنئك الحكمة ليهنئك العلم يا أبا الحسن وأنت وارث علمي والمبين لامتي ما اختلفت فيه من بعدي، من أحبك لدينك وأخذ بسبيلك فهو ممن هدي إلى صراط مستقيم، ومن رغب عن هداك وأبغضك لقى الله يوم القيامة (و) لا خلاق له. الحديث (45) من الجزء (17) من أمالي الطوسي، وقريب منه في المختار الثاني من الباب (5) من دستور معالم الحكم ص 97 ط مصر، ولاجل التنبيه على الاختلال الفاحش فيما اختاره ذكرنا هذا، وقريبا " مما ذكره في دستور معالم الحكم رواه الحسكاني في تفسير الآية (18) من سورة النحل في الحديث (45) ص 329. من كتاب شواهد التنزيل الورق 80 ب، ومن المطبوع: ج 1، ص 329 بسند آخر عن ابن عباس. وكذلك في الفصل (19) من مناقب الخوارزمي ص 232.
(7) المراد من السراج هو العقل المدرك للحقائق والحاكم بابتغاء المصالح والمحاسن واجتناب المضار والقبائح. 8 - هذا هو الظاهر من السياق الموافق معنى لما في دستور معالم الحكم: " ان خلقني ذكرا ولم يخلقني انثى ". وفي النسخة: " أن جعلنا ذكرانا لا إناثا ".
[26]
- 3 - ومن كلام له عليه السلام بين فيه تفانيه في سبيل رسول الله، ووراثته وولايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه أحق به من جميع الجهات قال الطبراني، أنبأنا علي بن عبد العزيز، أنبأنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، أنبأنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ان عليا [عليه السلام] كان يقول في حيات رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عزوجل يقول: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [144 - آل عمران: 3] والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لاخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني. ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من المعجم الكبير: ج 1 / الورق 17. ورواه عنه أبو نعيم في عنوان: " معرفة ما أسند أمير المؤمنين على النبي صلى الله عليه وآله " من كتاب معرفة الصحابة: ج 1 / الورق 23 ب. ورواه أيضا في مجمع الزوائد، ج 9 ص 134، باب فضائل أمير المؤمنين، نقلا عن الطبراني قال: ورجاله رجال الصحيح
[27]
ورواه أيضا في الحديث (6) من الجزء: (18) من أمالي الطوسي - ص 116، وفي ط ص 320 - قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري قراءة (عليه) قال: حدثنا أبو كريب
محمد بن العلاء وحدثنا عبد الرحمان بن أبي حاتم الرازي بالري، قال: حدثني أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم، قالا: حدثنا عمرو بن طلحة القناد... ورواه عنه في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 1، ص 319 ط 2، وفي الباب: (132) من غاية المرام ص 406. ورواه أيضا في الحديث: (227) من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل - لاحمد - قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن منصور، وعلي بن مسلم وغيرهما قالوا: حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.. ورواه أيضا في الرياض النضرة: ج 2 ص 300 وفي ط ص 226 ورواه أيضا في ذخائر العقبى ص 100. وقال النسائي - في الحديث: (62) من كتاب الخصائص ص 85 وفي ط ص 18 -: أخبرنا محمد بن يحي بن عبد الله النيسابوري، وأحمد بن عثمان ابن حكيم الدراوردي - واللفظ لمحمد - قالا: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط، عن سماك.. وقال الحاكم في المستدرك: ج 3 ص 126: أخبرنا محمد بن صالح ابن هانئ، عن أحمد بن نصر، عن عمر وبن طلحة القناد.. ورواه في الحديث: (151) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق بأسانيد.
[28]
وقال في الحديث: (168) في الباب: (24) من فرائد السمطين: أخبرني الشيخ أبو علي بن علي بن أبي بكر الخلال إذنا " بدمشق، أخبرتنا كريمة بنت عبد الوهاب بن علي بن الخضر سماعا، أنبأنا الشيخان أبو الخير محمد بن أحمد بن
عمر الباغباني، ومسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي إجازة قالا: أنبأنا ابو عمرو عبد الوهاب بن الامام الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة، أنبأنا خيثمة بن سليمان، أنبأنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: نبأنا أسباط بن نصر، نبأنا سمال بن حرب.. ورواه عنه في الباب: (131) من غاية المرام ص 405، كما رواه في الباب: (67) منه، ص 575 من مسند أحمد. ورواه أيضا في كتاب العمدة، عن مسند أحمد، كما في البحار: ج 8 / 458 ط الكمباني، س 5 عكسا. ورواه أيضا في الحديث: (75) من تفسير فرات ص 27 ط 1، كما رواه أيضا في الاحتجاج: ج 1 / 291 ط الغري، وكذلك في مجمع الزوائد: ج 9 / 134. ورواه أيضا في كتاب الفتح الملك العلي ص 51 والغدير: ج 3 / 113.
[29]
- 4 - ومن كلام له عليه السلام في نعت رسول الله صلى الله عليه وآله جسما وبدنا قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الاسلمي، حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه عن جده: عن علي [عليه السلام] قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن (1)، فإني لاخطب يوما على الناس وحبر من أحبار اليهود واقف [و] في يده سفر ينظر فيه، فنادى إلي فقال: صف لنا ابا القاسم. فقال علي رضي الله عنه: (قلت): [إن] رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالقصير [المتردد] ولا بالطويل البائن، وليس بالجعد القطط
ولا بالسبط، هو رجل الشعر أسوده (2)، صخم الرأس،
(1) قال في كتاب طبقات فقهاء اليمن ص 16: وأخبرني القاضي أحمد بن علي بن أبي بكر، عن والده كنانة، ان عليا " دخل عدن أبين (كذا) وخطب على المنبر خطبة بليغة ذكر فيها: " ان منكم من يبصر بالليل والنهار، ومنكم من يبصر باحداهما دون الاخرى ". وما يؤدي معنى هذا الكلام. (2) الجعد من الشعر - على زنة فلس - المتقبض الملتوي. القصير. ويقال: " قط شعره - - من باب منع - قططا وقطاطة ": كان قصيرا جعدا. والسبط - كفلس -: الشعر السهل المسترسل. والرجل - كفلس أيضا - من الشعر: هو ما بين الاسترسال والجعودة.
[30]
مشرب لونه حمرة، عظيم الكراديس، شثن (3) الكفين والقدمين، طويل المسربة - وهو الشعر الذي يكون في النحر إلى السرة - أهدب الاشفار (4) مقرون الحاجبين، صلت الجبين (5) بعيد ما بين المنكبين، إذا مشى يتكفأ كأنما ينزل من صبب (6) لم أر قبله مثله ولم أر بعده مثله. قال علي: ثم سكت (7) فقال لي الحبر: وماذا [بعد] ؟ قال [قلت] هذا ما يحضرني. قال الحبر: في عينيه حمرة، حسن اللحية حسن الفم، تام الاذنين، يقبل جميعا ويدبر جميعا. فقال علي: هذه والله صفته ! ! قال الحبر: و [فيه] شئ آخر. فقال علي: وما هو ؟ قال الحبر: وفيه جنأ (كذا) قال علي: هو الذي قلت لك كأنما ينزل من صبب. قال الحبر: فإني أجد هذه
الكراديس: جمع الكردوس - بضم الكاف وسكون الراء -: فقرة من فقرات أعلى الظهر. كل عظم ضخم. ويقال: " شثنت كف زيد - تشثن شثنا " كفرح فرحا " -: خشنت
وغلظت. الشثن - كفلس -: الغليظ. (4) الاهدب: من طال هدب عينيه، والهدب - كقفل -: شعر أشفار العينين، والجمع الاهداب. والاشفار: جمع الشفر - على زنة قفل -: أصل منبت الشعر في طرف الجفن. (5) أي واضح الجبين واسعه، يقال: " صلت جبينه صلوتة " - من باب شرف -: كان واضحا واسعا (6) يتكفأ: يندفع. والصبب - كسبب -: المنحدر من الارض. (7) والظاهر ان سكوته عليه السلام إنما هو لاجل أن يسمع الناس ما ورد في نعته صلى الله عليه وآله وسلم في كتب السلف من الانبياء فيزدادوا ايمانا على ايمان. أو لاجل عرفانه عليه السلام مقدار علم الحبر بالحقائق.
[31]
الصفة في سفر آبائي ونجده يبعث من حرم الله وأمنه وموضع بيته، ثم يهاجر إلى حرم يحرمه هو ويكون له حرمة الحرم الذي حرم الله، ونجد أنصاره الذين هاجر إليهم قوما من ولد عمرو بن عامر، أهل نخل وأهل الارض قبلهم يهود (1) قال قال علي (كذا): هو هو ! وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الحبر: فإني أشهد أنه نبي الله، وأنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة، فعلى ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله ! ! ! قال: فكان يأتي عليا فيعلمه القرآن ويخبره بشرائع الاسلام، ثم خرج علي والحبر هنالك حتى مات في خلافة أبي بكر وهو مؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومصدق به (2). الطبقات الكبرى: ج 1، ص 411 ط بيروت في عنوان: " ذكر صفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ".
ورواه أيضا ابن عساكر - في تاريخ دمشق: ج 1، ص 98، - قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الفرضي، أنبأنا أبو محمد الجوهري أنبأنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا أحمد بن معروف ابن بشر الخشاب، أنبأنا الحارث ابن أبي أسامة، أنبأنا محمد بن سعد، أنبأنا محمد بن عمر الاسلمي الخ. أقول: إن لامير المؤمنين عليه السلام في نعت النبي صلى الله عليه وآله كلاما كثيرا، وله صور عديدة قد بينها في أماكن متشتتة وأزمنة مختلفة، وصورة منه قد ذكرها في ترجمة أبي الازهر عبد الوهاب بن عبد الرحمان، من تاريخ بغداد: ج - ص 30.
(1) كذا في ط بيروت من الطبقات، وفي تاريخ دمشق: " من نجد ". (2) كذا في تاريخ دمشق، وهو الظاهر، وفي ط بيروت: " يصدق به ".
[32]
- 5 - ومن كلام له عليه السلام لما أمر الصديقة الكبرى فاطمة بإيثار الاسير السائل على أنفسهم وإعطاء فطورهم له، وذلك بعد ما صاموا ثلاثة أيام ولم يذوقوا فيها الا الماء القراح، ولما أرادوا في اللية الرابعة الافطار فإذا شيخ كبير بالباب يصيح يا أهل بيت محمد تأسروننا ولا تطعمونا ؟ فقال علي عليه السلام: يا فاطمة إني أحب أن يراك الله وقد آثرت هذا الاسير على نفسك وأشبالك ! ! فقالت سبحان الله ألا ترجع إلى الله في هؤلاء الصبية الذين صنعت بهم ما صنعت ؟ ! وهؤلاء إلى متى يصيرون صبرنا ؟ ! فقال لها: الله يصبرك ويصبرهم ويأجرنا إن شاء الله تعالى، وبه نستعين وعليه نتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل (ثم قال عليه السلام): اللهم بدل لنا ما فاتنا من طعامنا هذا بما هو خير
منه (1) واشكر لنا صبرنا ولا تنسه إنك رحيم كريم الحديث الاخير من الباب (72) من غاية المرام ص 372 نقلا عن محمد بن العباس الماهيار التقة في تفسيره، قال: حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، عن الحسن بن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن المسعودي، عن عمرو بن بهرة، عن عبد الله بن الحارث المكتب، عن أبي كثير الزبيري عن عبد الله بن العباس الخ. وقد اختصرنا الخبر، وذكرنا منه ما يمس موضوعنا ومن أراد تمامه فليراجع غاية المرام.
(1) هذا هو الظاهر، وفي النسخة تصحيف.
[33]
- 6 - ومن كلام له عليه السلام قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضوان الله تعالى عليه: حدثنا أبو نصر محمد بن الحسين المقرئ البصري، قال: حدثنا عبد الله بن يحي القطان، قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن أبي سعيد القرشي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن مخارق، عن عبد الصمد بن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن العباس رضي الله عنه، قال: لما توفي رسول الله (صلى عليه وآله وسلم) تولى غسله علي بن أبي طالب عليه السلام ومعه العباس والفضل بن العباس فلما فرغ علي عليه السلام من غسله كشف الازار عن وجهه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال (1): بأبي أنت وأمي [يا رسول الله (2)] طبت حيا وطبت ميتا (3) [لقد] انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد
(1) وقال محمد بن حبيب البغدادي في أماليه: " فلما كشف الازار عن وجهه بعد غسله انحنى
عليه فقبله مرارا وبكى طويلا وقال: " بأبي أنت وأمي " الخ. (2) كلمة: " يا رسول الله " مأخوذة من نهج البلاغة. (3) وفي الحديث: (228) من فضائل علي عليه السلام تأليف ابن حنبل: حدثنا ابو من كتاب الفضائل خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن أبي اسحاق، حدثني حسين بن عبد الله بن عكرمة [كذا] عن ابن العباس قال: جعل علي يغسل النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير منه شيئا مما يرى من الميت وهو يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيا وميتا. وفي الحديث: (1175) من أنساب الاشراف: ج 1، ص 571 ط مصر: حدثني الحسين بن علي بن الاسود، عن يحي بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: التمس علي من النبي ما يلتمس من الميت = >
[34]
ممن سواك (4) من النبوة والانباء، [وأخبار السماء] (5). ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع، لانفدنا عليك ماء الشؤون (6) ولكان الداء مماطلا، والكمد محالفا - وقلالك - (7) ولكنه ما لا يملك رده [و] لا
= > فلم يجده فقال: " بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ". ومثله مرسلا في سيرة ابن هشام: ج 4 ص 313، نقلا عن ابن اسحاق. أقول: الشاهد في روايتهم كلام أمير المؤمنين عليه السلام لا فيما تخيلوه، وما رواه في الفضائل نقله بأبسط منه في مسنده في مسند ابن عباس تحت الرقم: (2357) وأخرجه في مسند علي (ع) من قسم الافعال من كتاب جمع الجوامع للسيوطي، عن ابن أبي شيبة، وابن منيع والمروزي في الجنائز، وأبي داود في المراسيل، عن ابي سعيد الخدري بلفظ: " بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ". ورواه ايضا الطبري في عنوان: " ذكر جهاز رسول الله " من تاريخه: ج 3 / 212 وقال: ما أطيبك حيا وميتا. (4) كذا في الامالي، وفي نهج البلاغة: " لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء، وأخبار السماء، خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك
سواء ". وفي أمالي محمد بن حبيب " وعممت حتى صار المصيبة فيك سواء ". (5) هذا هو الظاهر الموافق لنهج البلاغة، والمحكي عن أمالي محمد بن حبيب، وفي الامالي: " ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك من النبوة، والانباء فيك سواء سواه " الخ. (6) الشئون - على زنة فلوس -: جمع الشأن - كفلس -: العرق الذي تجري منه الدموع أي لولا أمرك بالصبر على المصائب ونهيك من الجزع في المكاره، لافنينا في مصيبيتك وفراقك ماء عيوننا الجاري من شئونه وهي منابع الدمع من الرأس. وفي المحكي عن أمالي محمد بن حبيب بعد هذه الجملة هكذا: " ولكن أتى ما لا يدفع ! أشكو إليك كمدا وادبارا مخالفين (كذا) وداء الفتنة، فإنها قد استعرت نارها وداؤها الداء الاعظم ! بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمك ". (7) " مماطلا، ": مطولا، ممدودا ". ملتفا ". و " الكمد ": الحزن. و " محالفا ": ملازما " و " قلا " فعل ماص مثنى، والضمير البارز فيه راجع إلى الداء والكمد، أي لولا أمرك بالصبر ونهيك عن الجزع لكان مماطلة الداء ومحالفة الكمد قليلتان لك.
[35]
يستطاع دفعه (8). بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من همك (9) ثم أكب [عليه السلام] على النبي صلى الله عليه وآله (10) فقبل وجهه ومد الازار عليه. الحديث الرابع من المجلس الثاني عشر، من أمالي الشيخ المفيد (ره) ص 68. وقريب منه جدا " في المختار (230) من خطب نهج البلاغة، ومثله إلا في ألفاظ طفيفة رواه محمد بن حبيب البغدادي في أماليه على ما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار المشار إليه: ج 13، ص 42 ط مصر.
وقال الطبراني - في ترجمة أوس بن خولى الانصاري المكنى بأبي ليلى من المعجم الكبير: ج 1، الورق 22 -: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أحمد بن سيار المروزي، حدثنا عبد الله بن عثمان، عن أبي حمزة السكري، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه، لما ثقل وعنده عائشة وحفصة إذ دخل علي رضي الله عنه، فلما رآه رفع رأسه ثم قال: أدن مني فاستند إليه، فلم يزل عنده حتى توفي صلى الله عليه، فلما قضى [أو قبض] قام علي رضي الله عنه وأغلق الباب، فجاء العباس رضي الله عنه ومعه بنو عبد المطلب فقاموا على الباب، فجعل علي رضي
الهاء في " لكنه " راجع إلى الموت. (9) وفي نهج البلاغة: " واجعلنا من بالك " وهما بمعنى واحد أي اجعلنا ممن تهتم بأمره، وبهذا وأمثاله مما لا يحصى الثابت بين المسلمين جميعا " يرد الجهلة من الوهابيين الذين يئسوا من الاموات كما يئس الكفار من أصحاب القبور. (10) بين المعقفات زيد توضيحا، وفى النسخة: " ثم أكب عليه " الخ.
[36]
الله عنه يقول: " بأبي أنت طيبا حيا وطيبا ميتا ". وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط، فقال علي رضي الله عنه أدخلوا علي الفضل بن العباس. فقالت الانصار: نشدناكم بالله في نصيبنا من رسول الله صلى الله عليه، فأدخلوا رجلا منهم يقال له أوس بن خولى فحمل جرة بإحدى يديه، فسمعوا صوتا " في البيت لا تجردوا رسول الله صلى الله عليه، واغسلوه كما هو في قميصه. فغسله علي رضي الله عنه يدخل يده تحت القميص والفضل يمسك الثوب عنه، والانصاري ينقل الماء على يد علي رضي الله عنه عند خرقه ويدخل يده " [كذا]
[37]
- 7 - ومن كلام له عليه السلام قاله وهو على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة دفنه إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل (1). المختار: (292) من الباب الثالث من نهج البلاغة.
(1) الجلل - كجبل - يراد به هنا -: الهين الصغير. وفي نسخة ابن أبي الحديد: " وإنه بعدك لقليل " وهو أظهر.
[38]
- 8 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم قال بسط ابن الجوزي: قال الشعبي: بلغني أن أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب عليه السلام] وقف على قبر رسول الله [صلى الله عليه وآله] (1) وقال: إن الجزع ليقبح إلا عليك، وإن الصبر ليجمل إلا عنك. ثم قال (عليه السلام): ما فاض دمعي عند نازلة (2) * إلا جعلتك للبكا سببا وإذا ذكرتك سامحتك به (3) * مني الجفون ففاض وانسكبا إني أجل ثرى حللت به * أن لا أرى (4) بثراه مكتئبا "
فصل منظوم كلام عليه السلام - وهو الفصل، (24) من ترجمته - من كتاب تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص 176، ط النجف.
(1) بين المعقوفين كان في النسخة هكذا: صلى الله عليه وآله. (2) يقال: " فاض الدمع فيضا " - من باب باع - وفيضانا ": سال دمعها بكثرة. (3) كذا في النسخة، وفي رواية القضاعي: " وإذا ذكرتك ميتا سفحت " الخ. (4) وفي المحكي عنه وعن ديوانه عليه السلام: " عن أن أرى لسواه مكتئبا "
[39]
- 9 - ومن كلام له عليه السلام لما بلغه احتجاج أبي بكر وأصحابه على الانصار لاستحقاقهم الخلافة دون الانصار: بأنهم من قريش ومن شجرة رسول الله. قال المسعودي: لما فرغ امير المؤمنين عليه السلام من تجهيز رسول الله صلى عليه وآله وسلم - مع من حضر من بني هاشم وقوم من صحابته (1) مثل سلمان وأبي ذر والمقداد، وعمار وحذيفة وأبي بن كعب وجماعة نحو أربعين رجلا - اتصل به بيعة أبي بكر وأنه احتج لاولويته بالخلافة: بأنهم من قريش ومن شجره رسول الله. فقام عليه السلام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كانت الامامة في قريش فأنا أحق قريش بها، وإن لا تكن في قريش فالانصار على دعواهم. إثبات الوصية، فصل إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ص 117، ط 1. أقول وللكلام شواهد كثيرة ستمر عليك فيما يأتي فانتظر. وقريبا " منه رواه السيد الرضي (ره) في كتاب الخصائص ص 62 والمختار (64) من الباب الاول من نهج البلاغة.
(1) من هذا وأمثاله يستفاد أن جمهور الصحابة، كانوا مشغولين بنهب الخلافة وتمهيد الرئاسة ولم يوفقوا للحضور لتغسيل رسول الله صلى الله عليه وآله وللصلاة عليه ودفنه، ويدل عليه أيضا قول أمير المؤمنين (ع) في جواب الانصار: " أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه ". وقول الزهراء (ع) لعمر وأتباعه: " لا عهد لي بقوم حضروا أسوا " محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ". الامامة والسياسة ط مصر: ج 1 / 12، و 13. وأصرح منها ما رواه ابن أبي شيبه في مصنفه فراجع.
[40]
- 10 - ومن كلام له عليه السلام كان يقوله عندما يزور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقف على قبره القاضي القضاعي قال: أخبرني محمد بن منصور التستري مجيزا، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن خليل، قال: حدثنا الحسين بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن رجاء، قال: حدثنا هارون بن محمد. قال: حدتنا قعنب بن المحرز، قال: حدثنا الاصمعي، قال لا حدثنا أبو عمرو بن العلاء، قال حدثني الذيال بن حرملة قال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يغدو ويروح إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ويبكي تفجعا " ويقول: يا رسول الله ما أحسن الصبر إلا عنك، و [ما] أقبح البكاء إلا عليك (1) المختار: (11) من الباب (9) من دستور معالم الحكم ص 98 ط مصر.
(1) وله عليه السلام في ذيل الرواية أبيات قريبة مما مر، ذكرناها في باب الباء من الباب السادس من كتابنا هذا فراجع.
[41]
- 11 - ومن خطبة له عليه السلام لما أشير عليه للقيام بإحقاق حقه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله [وجهز] اجتمع أمير المؤمنين عليه السلام وعمه العباس في بعض دور الانصار لاجالة الرأي، فبدأهما أبو سفيان والزبير، وعرضا عليهما [النصرة] وبذلا من نفوسهما المساعدة والمعاضدة لهما، فقال العباس: قد سمعنا مقالتكما، فلا لقلة نستعين بكما، ولا لظنة نترك رأيكما، لكن لالتماس الخلق [كذا]، فأمهلا نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الاثم مخرج يصير بنا وبهم الامر صرير الجندب (1) ونمد أكفنا إلى المجد لا نقبضها أو نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد، ولا لوهن في الايد (2) والله لولا أن الاسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من محل الابيل (3). قال: فحل أمير المؤمنين عليه السلام حبوته وجثا على ركبتيه (4) - وكذا كان يفعل إذا تكلم - فقال:
(1) وفي شرح ابن أبي الحديد: " يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد، ونسبط إلى المجد أكفا لا نقبضها " الخ. والجدجد هو صرار الليل. (2) الايد - على زنة القيد -: القوة والاقتدار، وهذا الكلام إن صدر من العباس (ره) فلا بد أن يحمل على التجلد وإظهار الغناء، أو محمول على أنه صدر منه قبل اختبار الناس وعرفان ما عندهم، والا فهو فارغ جدا والشاهد هو انفضاض الناس عنهم وإسراعهم إلى لهو غيرهم وتجارتهم
البائرة. (3) كذا في النسخة، وفي رواية ابن أبي الحديد: " من المحل العلي ". والجنادل: الاحجار العظيمة. والصخر - على زنة الفخر والفرس -: الحجر الصلب العظيم. والاصطكاك: الاضطراب. ضرب أحد الشيئين بالاخر. تصادم الشئ بغيره وتماسهما. (4) الحبوة - كحربة وحرمة - هيئة الاشتمال على الشئ من ثوب أو عمامة، بأن يجمع الشخص بين ظهره وساقيه بثوب أو عمامة أو غيرهما. وجثا جثوا - كعتى عتوا - وجثى - من باب رمى - جثيا وجثيا ": جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، فهو جاث، والجمع جثي - بضم الجيم وكسرها - والمؤنث: جاثية.
[42]
الحلم زين والتقوى دين، والحجة محمد صلى الله عليه وآله، والطريق الصراط. أيها الناس شقوا متلاطمات أمواج الفتن بمجاري سفن النجاة، وعرجوا عن سبيل المنافرة، وحطوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح، ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة في غير وقتها كالزارع في غير أرضه، والله لو أقول لتداخلت أضلاع كتداخل أسنان دوارة الرحى، وإن أسكت يقولوا جزع ابن أبي طالب من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي والله لعلي آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، لكني اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوي البعيدة ثم نهض عليه السلام فقال أبو سفيان لشئ ما فارقنا ابن أبي طالب.
نزهة الناظر، ص 18، ومثله في شرح المختار الخامس من خطب النهج من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 218، وبعض الفاظه مذكور أيضا " في الكتاب الذي كتبه عليه السلام إلى أبي بكر على ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج.
[43]
وقريب منه جدا ذكره ابن ابي الحديد في شرح المختار الخامس من خطب نهج البلاغة، ورواه أيضا سبط ابن الجوزي في أوائل الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص، ص 137، مسندا كما تلاحظه في المقالة العلوية، وذكره أيضا قريبا مما في نهج البلاغة في الباب (49) من جواهر المطالب ص 48.
[44]
- 12 - ومن كلام له عليه السلام لما جاؤا به ملببا ليبايع أبا بكر (1) قال أحمد بن عبد العزيز الجوهري. أخبرني أحمد بن اسحاق، قال: حدثنا أحمد بن سيار، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عفير الانصاري - ثم ذكر ما وقع من التشاح والتكالب في الامارة بعد قبض النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى أن قال: - وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة، فقال لهم: إنطلقوا فبايعوا. فأبوا عليه، وخرج الزبير بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب. فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم، وعلي يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له: بايع. فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة
لي، أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلموا
(1) قال الجوهري: وحدثنا ابو سعيد عبد الرحمان بن محمد، قال: حدثنا احمد بن الحكم، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ليث بن سعد، قال: تخلف علي عن بيعة أبي بكر، فأخرج ملببا يمضى به ركضا الخ. وكتب أمير المؤمنين عليه السلام في جواب معاوية - كما في المختار (28) من كتب النهج -: " وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر والله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه " الخ ".
[45]
إليكم الامارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الانصار لكم، وإلا فبوئوا بالظلم وأنتم تعلمون فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع. فقال له علي: احلب يا عمر حلبا لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا ! لا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه (2). فقال له أبو بكر: إن لم تبايعني فلم أكرهك. فقال
وكتب عليه السلام أيضا " في جواب معاوية - كما في كتاب أنساب الاشراف: ج 1 / الورق 365 وكتاب صفين ص 85 والعقد الفريد: ج 3 ص 108 ط 2 ومناقب أمير المؤمنين (ع) للخوارزمي -: " وذكرت حسدي الخملفاء وإبطائي عنهم وبغيي عليهم. فأما البغي فمعاذ الله أن يكون، وأما الابطاء والكراهية لامرهم فلست أعتذر منه إلى الناس " الخ. وقال العقيلي في الجزء (7) من ضعفائه الورق 126: حدثنا إبراهيم بن الحسن القومسي حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة، عن محمد بن اسحاق، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي حرب بن أبي
الاسود الدئلي قال: بعثني أبي إلى جندب بن عبد الله البجلي قال: سله ما حضرت من أمر أبي بكر وعلي، قال: جئ بعلي حتى اقعد بين يديه فقيل له: بايع. قال: فان لم أفعل، فذكر كلاما، قال: إذا أكون عبد الله وأخو رسوله. وذكر الحديث. (2) قال البلاذري - في الحديث (1184) من أنساب الاشراف: ح 1 / 586 ط مصر دار المعارف سنة (1959) -: [روى] المدائني عن مسلمة بن محارب عن سلمان التيمي، وعن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومع فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي،. قال: نعم وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. الخ. وفي العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 / 63 ط 2 في عنوان: " الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر " قال: فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: = >
[46]
له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك، وأشد احتمالا له، واضطلاعا به، فسلم له هذا الامر، وارض به، فإنك إن تعش ويطل عمرك، فأنت لهذا الامر خليق وبه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. فقال علي: يا معشر المهاجرين، الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وأهله، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن - أهل البيت - أحق بهذا الامر منكم. أما كان منا القارئ لكتاب الله (3)، الفقيه في دين الله، العالم
= > يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ ! ! قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة الخ. وقال
المسعودي في مروج الذهب: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه في حصر بني هاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، يقول: إنما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر، فانه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار. كما في ط الميمنية من مروج الذهب. وأيضا " قال البلاذري - في الحديث (1188) ص 587 من الكتاب -: وحدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بعث ابو بكر عمر بن الخطاب إلى علي حين قعد عن بيعته، وقال: ائتني به بأعنف العنف. فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال [له علي:] احلب حالبا لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك (ليؤبرك " خ ") غدا الخ. وفي شرح المختار (66) من خطب النهج من ابن أبي أبي الحديد: ج 6 / 48 شواهد أيضا. (3) وفي الامامة والسياسة وبعض المصادر: " ما كان منا القارئ لكتاب الله ". وهو أظهر.
[47]
بالسنة، المضطلع بأمر الرعية ! والله إنه فينا فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد [الخزرجي الانصاري]: لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار قبل بيعتهم لابي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم بايعوا (4). وانصرف علي [عليه السلام] إلى منزله ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع. شرح المختار (66) من الباب الاول من نهج البلاغة، من ابن أبي الحديد: ج 6 ص 12، وقريب منه في كتاب الاحتجاج، ص 95، والامامة والسياسة ج 1، ص 11. وقد ذكرنا قريبا منه معنى في المقالة العلوية الغراء عن طريق غيرهم فراجع.
(4) وفي جواب مثل هذا الحسود وغيره قال أمير المؤمنين عليه السلام - بالسند المتقدم كما في شرح الكلام من ابن أبي الحديد: ج 6 / 13 -: أكنت أترك رسول الله في بيته ميتا " لا أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه !. وفي الحديث (5) من المجلس (11) من أمالي المفيد (ره) ص 64، معنعنا " عن الزهراء صلوات الله عليها انها وقفت على بابها وقالت: " ما رأيت كاليوم قط حضروا أسوء محضر، تركوا نبيهم جنازة بين أظهرنا واستبدوا بالامر دوننا.
[48]
13 - ومن خطبة له عليه السلام المعروفة بالوسيلة (1) في بيان ما لله تبارك من صفات المجد والعظمة، وحكم عملية واعتقادية الحمد لله الذي أعدم الاوهام أن تنال إلى وجوده (2) وحجب العقول أن تختال ذاته، (3) لامتناعها من الشبه والتشاكل، بل هو الذي لا تتفاوت ذاته، ولا تتبعض بتجزئة العدد في كماله. فارق الاشياء لا باختلاف الاماكن، ويكون فيها لا على الممازجة، وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلا بها،
(1) قال الحسن بن علي بن شعبة تحف العقول: كتبنا من الخطبة ما اقتضاه الكتاب دون غيره. ومقصوده أنه اختار من الخطبة الشريفة ما يكون بديعا وأجمع على تفضيله الخاص والعام، دون غيره. (2) أي إلى كنه وجوده وحقيقة ذاته المقدسة. وفي الروضة: " الحمد لله الذي منع الاوهام أن تنال إلا وجوده " الخ. (3) وفي الحديث (4) من روضة الكافي: " وحجب العقول أن تتخيل ذاته ".
ومثله في رواية الصدوق رحمه الله. وهو الظاهر، والمقصود ان العقول والاوهام لا نصيب لهما في إدراك جهات عظمته تعالى غير إدراك أصل وجوده تعالى، وأما حقيقة ذاته تعالى وعرفان كنه وجوده
[49]
وليس بينه وبين معلومه علم غيره كان عالما لعلومه (4) إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود، وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم (5) فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه فاتخذ إلها غيره علوا كبيرا. نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه، وأوجب قبوله على نفسه، (و) أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول، وتضعان العمل (6) خف ميزان ترفعان منه، وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز بالجنة، والنجاة من النار، والجواز على الصراط، وبالشهادة تدخلون
(4) حذف منه الضمير للعلم به، وفي كتاب الروضة من الكافي ج 8: " وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما " بمعلومه الخ " أي إن ذاته المقدسة بنفسها علم بالمعلومات، لان علمه تبارك وتعالى ذاتي، وهو تعالى ليس مثل الممكنات يكون علمه علما مستفادا وخارجا عن ذاته كي يكون واسطة بينه وبين المعلومات. (5) أي ليس كونه موجودا في الازل عبارة عن مقارنته للزمان أزلا، لحدوث الزمان، بل بمعنى أن ليس لوجوده ابتداء، أو أنه تعالى ليس بزمايى، و " كان " يدل إلى الزمانية، فتأويله: إن معنى كونه أزلا أن وجوده يمتنع عليه العدم. (6) هذا مثل قوله تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب " الخ. ومعنى " تضعان العمل " أي تثقلانه. وفي الروضة: " وتضاعفان العمل ". وهو اظهر. (*)
[50]
الجنة، وبالصلاة تنالون الرحمة، فأكثروا من الصلاة على نبيكم. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام، ولا كرم أعز من التقوي، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجل من العافية، ولا وقاية أمنع من السلامة، ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى والقنوع، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة (7). والرغبة مفتاح التعب، والاحتكار مطية النصب، والحسد آفة الدين، والحرص داع إلى التقحم في الذنوب، وهو داع إلى الحرمان (8) والبغي سائق إلى
(1) من قوله: " يا بنى لا شرف أعلى من الاسلام - إلى قوله - فقد انتظم الراحة " وبعض الفقراة الآتية - مذكور في وصيته عليه السلام إلى محمد بن الحنفية، ورواه أيضا " في المختار (377) من قصار النهج. (8) وقريب منها مذكور في وصيته إلى السبط شهيد عليهما السلام.
[51]
الحين، والشره جامع لمساوي العيوب، (9) رب طمع خائب، وأمل كاذب، ورجاء يؤدي إلى الحرمان، وتجارة تؤل إلى الخسران.
ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب، وبئست القلادة [قلادة] الدين للمؤمن (10). أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم، ولا عز أنفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الادب، ولا نصب أوجع من الغضب (11) ولا جمال أحسن من العقل، ولا قرين أشر (كذا) من الحهل، ولا سوأة أسوء من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت. أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب
(9) الحين - كمين وميل -: الهلاك. المحنة. والشره: الحرص. وفي بعض النسخ: الشرة - كهرة - وهو غلبة الحرص. الغضب: الطيش. الحدة: النشاط. (10) وفي الروضة: " وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن ". (11) وفي بعض نسخ الروضة: " ولا نسب أوضع من الغضب ".
[52]
غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره، إنكشفت عورات بيته، ومن نسي زلته، إستعظم زلل غيره، (12) ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغني بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط العلماء وقر، ومن خالط الانذال حقر، ومن حمل ما لا يطيق عجز (13).
أيها الناس إنه لا مال (هو) أعود من العقل (14) ولا فقر هو أشد من الجهل، ولا واعظ هو أبلغ من النصح (15) ولا عقل كالتدبير، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة (16) ولا وحدة أوحش من العجب، ولا ورع كالكف (17)، ولا حلم كالصبر والصمت.
(12) الزلة: السقطة والخطيئة، وفي بعض النسخ، وكذلك الروضة: " ومن نسي زلله، الخ. (13) وبعض هذه الفقرات موجود في وصيته عليه السلام إلى السبط الشهيد. (4) الاعود: الانفع. (15) قيل: النصح: الخلوص. (16) المظاهرة: المعاضدة والمعاونة. (17) وفي الروضة: كالكف عن المحارم، وفي بعض نسخ الروضة: " ولا حكم كالصبر والصمت " أي ولا حكمة، كما في قوله تعالى: " وآتيناه الحكم صبيا ".
[53]
أيها الناس إن في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الاشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز تسكن به الاحزان (18) وحامد تجلى به الضغائن، ومونق يلهي الاسماع (19). أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم (20) كما أنه لا خير في القول بالجهل. إعلموا أيها الناس أنه من لم يملك لسانه يندم، ومن
لا يتعلم يجهل، ومن لا يتحلم لا يحلم (21) ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر، ومن يتق ينج (22) ومن يكسب مالا من غير حقه يصرفه
(18) المعز من التعزية، وهو التسلية. (19) وفي الروضة: " وحاضر تجلى به الضغائن، وموافق يتلذذ به الاسماع " الخ. والضغائن جمع الضغينة، وهو الحقد. والمونق: المعجب. (20) الحكم: الحكمة. (21) أي من لا يتكلف الحلم لا يحصل له ملكة الحلم. (22) وهذا مثل قوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " الخ. وفي النسخة هنا تصحيف. وفي الروضة: " ومن لا يوقر يتوبخ ".
[54]
في غير أجره، ومن لا يدع وهو محمود، يدع وهو مذموم، ومن لم يعط قاعدا منع قائما ؟ (23)، ومن يطلب العز بغير حق يذل، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقه وقر، ومن تكبر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد. أيها الناس إن المنية قبل الدنية، والتجلد قبل التبلد (24) والحساب قبل العقاب، والقبر خير من الفقر، وعمي البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك (25)، فاصبر فبكليهما تمتحن. أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه (26) وله مواد
(23) أي من لم يعاط المحتاجين حال كونه قاعدا يقوم عنده الناس ويسألونه، يبتلي بأن يفتقر
إلى سؤال غيره فيقوم بين يديه ويسأله ولا يعطيه. كذا قيل. (24) وفي المختار: (396) من قصار النهج، " المنية ولا الدنية والتعلل ولا التوسل ". والتجلد: إظهار الجلادة وتكلف القوة، والتبلد: ضده. (25) وزاد في الروضة: " فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر ". (26) من قوله عليه السلام: " أيها الناس - إلى قوله: " وكل إفراط له مفسد " - قد تواتر عنه عليه السلام كما ذكرناه في شواهد المحتار: (108) من قصار نهج البلاغة، وهو قوله عليه السلام: " ولقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه، وذلك القلب الخ ".
[55]
من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع (27) وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن (28) وإن اتسع بالامن إستلبته الغرة، وإن جددت له نعمة أخذته العزة، (29) وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء (31) وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجزع قعد به الضعف (32)، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة (33) فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. أيها الناس من قل ذل، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله
(27) سنح له أي ظهر وبدا له. (28) وفي الروضة والنهج: وإن ناله الخوف شغله الحذر " الخ. (29) الغرة - بكسر المعجمة -:: الاغترار والغفلة، واستلبته أي سلبته عن رشده.
(31) أي ان اشتد عليه الفقر والفاقة منعته عن التحفظ على مصالحه. (32) وفي الروضة والنهج: " وإن جهده الجوع قعد به الضعف " الخ. (33) الكظة - بالكسر -: ما يعتري الانسان عند امتلائه من الطعام، والبطنة - بالكسر -: الامتلاء المفرط من الاكل.
[56]
رأس (34) ومن كثر حلمه نبل (35) ومن فكر في ذات الله تزندق (36) ومن أكثر من شئ عرف به، ومن كثر مزاحه استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله، ولا فقير لاقلاله (37). أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط (38). فطنة الفهم للمواعظ مما تدعو النفس إلى الحذر من
(34) يقال - رؤس - (من باب ضرب ونصر) رئاسة أي صار رئيسا. قيل: ويحتمل أن يكون من " راس يروس " أي مشى متبخترا أو أكل كثيرا. (35) أي صار نبيلا، أي ذا فضل وشرافة ونجابة. (36) أي اتصف بالزندقة. (37) قيل: القول في اللغة يستعمل في الخير فقط، وفي الشر يستعمل القال والقيل والقالة. والقول مصدر، والقال والقيل إسمان له، والقال: الابتداء، والقيل الجواب. والاقلال: قلة المال.
(38) المدرج والمدرجة: المذهب والمسلك، يعني إن للقلوب شواهد تعرج الانفس عن مسالك أهل التقصير إلى درجات المقربين.
[57]
الخطإ (39) وللنفوس خواطر للهوى، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والاعتبار يقود إلى الرشاد. وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك عليك لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه (40). لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، (41) ومن حصر شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته، (42) وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، والايام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة (43)، ومن
(39) الفطنة: الحذاقة في الفهم. وهي مبتداء وخبره قوله عليه السلام: " مما يدعو " أي إن الفطانة مما تدعو النفس إلى الحذر من المخاطرات. (40) وفي الروضة: " وعليك لاخيك المؤمن " الخ. (41) أي حكم العقول بتعديل رأيه وصوابه. (42) قيل: أمنه - بالفتح - أي أمن قومه من شره. (43) قيل: معنى الكلام: إنه لا ينفعك ما تبصره وتسمع كالبرق الخاطف، بل ينبغي أن تواظب وتستضئ دائما بأنوار الحكم، لتخرجك من ظلمات الجهل. ويحتمل أن يكون المراد:
انه لا ينفع ما تبصر وما تسمع من الآيات والمواعظ مع الانغماس في ظلمات المعاصي والذنوب.
[58]
عرف بالحكمة، لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم خير من جاف مكثر (44)، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه (45)، ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، قل ما تصدقك الامنية، التواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق (46) من كساه الحياء ثوبه، خفي على الناس عيبه، تحر القصد من القول، فإنه من تحرى القصد خفت عليه المؤن (47)، في خلاف النفس رشدها، من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد.
(44) أكثر ما هنا مذكور في وصاياه عليه السلام إلى أبنائه: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية. (45) وفي الروضة بعد ذلك هكذا: " وقد أوجب الدهر شكره على من نال سئوله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قزيح أو إحسان " الخ. والطرف - بسكون الراء - العين. وبالتحريك: الناحية. منتهى كل شئ. (46) وفي الروضة بعد ذلك هكذا: " كم من عاكف على ذنبه في آخر عمره ". (47) " تحر " أمر وطلب، وبابه تفعل، و " القصد " - كفلس - - التوسط. و " المؤن ": جمع المؤنة - كغرفة - والمؤنة - كأمومة -: القوت. الثقل.
[59]
ألا وإن مع كل جرعة شرقا، وفي كل أكلة غصصا،
لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى، لكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل وانت قوت الموت (48). أعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتسارعان في هدم الاعمار. أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم (49) من الكرم لين الكلام، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئام، ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، أستر عورة أخيك لما تعلمه فيك (50)، إغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك، من غضب على من لا يقدر أن يضره طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربه كف
(48) وهذا قد تكرر في كلماته عليه السلام بكثرة. (49) اللؤم - كقفل -: دناءة الاصل ومهانة النفس. والشؤم - كرمح -: ضد اليمن والبركة. (50) لعله كناية عن أن المعيب والناقص لا ينبغي أن يتفوه بعيب غيره.
[60]
ظلمه، (51) من لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب (52) ما أقرب الراحة من التعب، والبؤس من التغيير (53) ما شر بشر بعده الجنة، وما
خير بخير بعده النار، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية (54) عند تصحيح الضمائر تبدوا الكبائر (55)، تصفية العمل أشد من العمل، تخليص النية عن الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد.
(51) فالمولع بالظلم المصر عليه مجترئ على الله لا يخاف منه تعالى ومن اجترئ على الله أذله وأهانه. (52) وفي الروضة: " هيهات هيهات وما تناكرتم الا لما " الخ. أي لذنوبكم وعيوبكم يتناكر كل واحد منكم غيره. (53) وفي بعض النسخ من الكتاب، وكذلك في كتاب الروضة: " والبؤس من النعيم الخ " والمراد بالتغيير: سرعة تقلب أحوال الدنيا. (54) من قوله (غ): ما شر بشر - إلى قوله: عافية،. قد تكرر في كثير من كلمه عليه السلام. (55) يعني إذ اراد الانسان تصحيح ضميره وتخليص نيته عن الشوائب، تظهر له العيوب الكبيرة الكامنة في النفس، وتبدو له الاخلاق الذميمة التي خفيت عليه تحت أستار الغفلة.
[61]
هيهات هيهات لولا التقى كنت أدهى العرب (56). عليكم بتقوى الله في الغيب والشهادة (57) وكلمة الحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على العدو والصديق، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. من كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه قل
حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار. ومن تقكر اعتبر، ومن اعتبر اعتزل، ومن اعتزل سلم، ومن ترك الشهوات كان حرا، ومن ترك الحسد كانت له المحبة عند الناس، عز المؤمن غناه عن الناس، القناعة مال لا ينفد، ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن
(56) وفي المختار: " 198 " من خطب المنهج: " ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس " الخ. والدهاء: جودة الرأي والحذق. المكر والاحتيال. (57) ومن هنا إلى آخر الكلام يغاير مع ما في روضة الكافي. وهذا أيضا " مما تكرر في كلمه عليه السلام، وقريبا منه ذكرناه في المختار الثالث من باب الوصايا من كتابنا هذا، كما انه إلى آخره قريب جدا مما في وصيته عليه السلام إلى السبط الشهيد، وهو المختار (12) من باب الوصايا - من كتابنا هذا - ج 1، ص 474 ط 1
[62]
علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه، العجب ممن يخاف العقاب فلا يكف، ويرجو الثواب ولا يتوب، وعمل الفكر يورث نورا "، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، والسعيد من وعظ بغيره، والادب خير ميراث، [و] حسن الخلق خير قرين، ليس مع قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى، العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله، وواحد في ترك مجالسة السفهاء، رأس العلم الرفق، وآفته الخرق (58) ومن كنوز
الايمان الصبر على المصائب، والعفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، كثرة الزيارة تورث الملالة، والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم، إعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله، لا تؤيس مذنبا " فكم من عاكف
على ذنبه ختم له بخير، وكم من مقبل على عمله مفسد [له] في آخر عمره صائر إلى النار. بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه، وبغضه [وحبه] وأخذه وتركه، وكلامه وصمته، وفعله وقوله. لا يكون المسلم مسلما حتى يكون ورعا، ولن يكون ورعا " حتى يكون زاهدا، ولن يكون زاهدا حتى يكون حازما، ولن يكون حازما " حتى يكون عاقلا، وما العاقل إلا من عقل عن الله وعمل للدار الآخرة، وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين.
المختار الرابع من كلامه عليه السلام في تحف العقول: ص 61، وفي ط ص 93
[64]
- 14 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به الصديقة الكبرى سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى
الله عليهم لما رجعت إلى بيتها كئيبة البال، مكسورة القلب، باكية العين. قال الشيخ أبو علي ابن شيخ الطائفة (ره): حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسين الطوسي رضي الله عنه، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن شاذان، قال: حدثني أبو الحسين محمد بن علي بن المفضل بن همام الكوفي، قال: حدثني محمد بن علي بن معمر الكوفي، قال: حدثنا محمد بن الحسين الزيات الكوفي، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثني أبان بن تغلب، عن (الامام الصادق) جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: لما انصرفت فاطمة عليها السلام من عند أبي بكر، أقبلت على أمير المؤمنين عليه السلام فقالتب: يا بن أبي طالب اشتملت مشيمة الجنين (1) وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الاجدل فخانك ريش الاعزل (2) هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحلة أبي وبلغة ابني (3) والله لقد أجد في ظلامي، وألد في خصامي (4) حتى منعتني قيلة نصرها والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة
(1) وفي الاحتجاج: " اشتملت شملة الجنين " الخ. (2) " القادمة ": واحدة القوادم والقدامي: الريشات التي في مقدم الجناح وهي كبار الريش، والخوافي: صغاره وهي تحت القوادم. و " الاجدل كالاجدلي،: الصقر. و " الاعزل ": الطير الذي لا يقدر على الطيران (3) وفي الاحتجاج: " يبتزني " يقال: ابتزه ماله: سلبه. والبلغة: ما يكفي الانسان في حياته بلا عسر وضنك، وبعبر عنه بالكفاف. (4) كذا في النسخة، وفي الاحتجاج: " لقد أجهد (أجهر " خ ") في خصامي، وألفيته ألد في كلامي حتى حبستني قيلة نصرها " الخ. والقيلة: هم جماعة الانصار.
[65]
دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة وعدت راغمة، ليتني - ولا خيار لي - مت قبل ذلتي، وتوفيت قبل منيتي، عذيري فيك الله حاميا ومنك عاديا، يا ويلاه في كل شارق (5) ويلاه مات المعتمد، ووهن العضد (6) شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي (7) اللهم أنت أشد قوة. (فلما استقر حنينها وسكن رنينها صلوات الله عليها) أجابها أمير المؤمنين عليه السلام (بقوله): نهنهي عن غربك يابنة الصفوة، وبقية النبوة، فوالله ما ونيت في ديني، ولا أخطأت مقدوري (8) فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون (9) وما أعد لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي (الله). فقالت: حسبي الله ونعم الوكيل.
(5) وفي الاحتجاج: " عذيري الله منه عاديا ومنك حاميا، ويلاي في كل شارق، ويلاي في كل غارب، مات العمد، ووهن العضد، شكواي: إلى أبي وعدواي إلى ربي، اللهم إنك أشد منهم قوة وحولا، وأشد بأسا وتنكيلا ". (6) المراد من المعتمد هو رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن العضد: الانصار، والمؤمنون برسول الله بقلوبهم الخاضعون لاوامر الله. (7) هذا هو الظاهر الموافق لما في الاحتجاج، وفي النسخة: " شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي " والعدوى: الاستغاثة والاستنصار. (8) وفي الاحتجاج: " نهنهي عن وجدك يابنة الصفوة وبقية النبوة فما ونيت عن ديني " الخ. (9) هذا هو الظاهر الموافق لما في الاحتجاج، وفي نسخة الامالي: " فان كنت ترزاين البلغة فرزقك مضمون، ولعيلتك مأمون " الخ. (*)
[66]
الحديث السابع من المجلس (38) من أمالي ابن الشيخ ص 69، ط طهران، ومثله إلا في الفاظ معدودة في فصل: " ظلامة أهل البيت " من مناقب ابن شهر آشوب: ج 2 ص 51 ورواه في الاحتجاج ص 136، من ج 1، ط النجف، وجعله ذيل الخطبة الطويلة التي خطبتها سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها في المسجد بمحضر المهاجرين والانصار، وهذه الخطبة رواها جماعة كثيرة من الفريقين: الامامية وأهل السنة، المتقدمين منهم والمتأخرين، وروى قطعة منها الشيخ كمال الدين ابن ميثم البحراني (ره) في شرحه على المختار (44) من كتب النهج: ج 5 ص 105،. وقال: وجدت هذه الخطبة عنها عليها السلام في المجلس الخامس من كتاب المنظوم والمنثور في كلام نسوان العرب من الخطب والشعر، وكان مؤلفه من متقدمي علماء العامة، والكتاب من خزانة المتوكل العباسي. ورواها أيضا يوسف بن حاتم الشامي في كتاب الدر النظيم ص 145، من مخطوطات مكتبة العلامة الاميني مد ظله.
[67]
- 15 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به عمه العباس بن عبد المطلب قال محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرني محمد بن أحمد بن عبيد المنصوري، قال: حدثنا سليمان بن سهل، قال: حدثنا عيسى بن إسحاق القرشي، قال: حدثنا حمدان بن علي، الخفاف، قال: حدثنا عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر
محمد بن علي عليهما السلام، عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام، عن محمد ابن عمار بن ياسر (1) عن أبيه عمار (رضي الله الله عنه) قال: لما مرضت فاطمة عليها السلام - مرضتها التي توفيت فيها - وثقلت جاءها العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عائدا فقيل له: إنها ثقيلة، وليس يدخل عليها أحد، فانصرف (العباس) إلى داره فأرسل إلى علي عليه السلام، فقال لرسوله: قل له: يا بن أخ، عمك يقرؤك السلام ويقول لك: قد فجأني من الغم - بشكاة حبيبة رسول الله وقرة عينه وعيني فاطمة - ما هدني (2) وإني لاظنها أولنا لحوقا برسول الله صلى الله عليه وآله، والله
(1) تقدم أن رواية أئمة أهل البيت عليهم السلام عن غيرهم من قبيل سلمان، وأبي ذر، وعمار وجابر بن عبد الله وغيرهم من خيار المؤمنين، لاجل مصالح، لا أنهم عليهم السلام كانوا غير عالمين بالمروي فاستفادوه من الراوي، فان ذلك مما قامت الادلة البينة على خلافه، وفي المقام لما كانت رواية عمار وابنه أبعد عن الرد والانكار، وأقرب إلى قبولها والاذعان بصدقها، رووها عنهما ونسبوها إليهما. (2) يقال: " هد البناء - من باب مد - هدا وهدودا ": هدمه شديدا " وضعضعه وكسره بشدة صوت. و " هدته المصيبة ": أوهنت ركنه. و " هدني هذا الامر ": إذا بلغ منك وكسرك وأوهنك،
[68]
يختار لها ويحبوها ويزلفها لديه (3) فإن كان من أمرها ما لابد منه، فأجمع - أنا لك الفداء - المهاجرين والانصار، حتى يصيبوا الاجر في حضورها والصلاة عليها، وفي ذلك جمال للدين. (قال عمار): فقال علي عليه السلام وأنا حاضر عنده، لرسول (عمه العباس): أبلغ عمي السلام وقل [له]: لا عدمت إشفاقك وتحننك، وقد عرفت مشورتك ولرأيك فضله (4).
إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لم تزل مظلومة، [و] من حقها محرومة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تحفظ فيها وصية رسول الله، ولا روعي فيها حقه ولا حق الله عزوجل، وكفي بالله حاكما، ومن الظالمين منتقما (5).
(3) يقال: " حبا إليه - من باب دعا يدعو - حبوا ": دنا وقرب إليه. و " حباه كذا وكذا " أعطاه إياه. ويقال: " زلف الشئ - من باب نصر - زلفا وزلفه وأزلفه ": قربه وأدناه (4) الاشفاق: العطف والحنان. والتحنن: الترحم. (5) تال اليعقوبي في عنوان: " وفات رسول الله " من تاريخه: ج 2 ص 105،: لم يخلف (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) إلا فاطمة - وساق الكلام إلى أن قال: - ودخلث عليها في مرضها نساء رسول الله وغيرهن من نساء قريش فقلن: كيف أنت، قالت: أجدني كارهة لدنياكن مسرورة لفراقكن ألقى الله ورسوله بحسرات منكن، فما حفظ لي الحق ولار [و] عيت مني الذمة " ولا قبلت الوصية ولا عرفت الحرمة ! ! !
[69]
وإني أسالك يا عم أن تسمح لي بترك ما أشرت به، فإنها وصتني بستر أمرها. قال [عمار بن ياسر] (ره): فلما أتى العباس رسوله بما قال علي عليه السلام، قال: يغفر الله لابن أخي - وإنه لمغفور له - إن رأي ابن أخي لا يطعن فيه، إنه لم يولد لعبد المطلب مولود أعظم بركة من علي إلا النبي صلى الله عليه وآله، إن عليا لم يزل أسبقهم إلى كل مكرمة، وأعلمهم بكل قضية، وأشجعهم في الكريهة، وأشدهم جهادا للاعداء في نصرة الحنيفية، وأول من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وآله.
الحديث العاشر، من الجزء السادس من أمالي الشيخ الطوسي (ره) ص 96.
[70]
- 16 - ومن كلام له عليه السلام لما هاج به الحزن بعد دفن بضعة المصطفى فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليهم. قال محمد بن جرير بن رستم الطبري: أخبرني أبو الحسين علي بن هبة الله، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين القمي، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدثنا علي بن مسكان، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن (الامام) جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي ابن الحسين عليه السلام، قال: قال لي ابي الحسين (بن علي عليهما السلام) لما قبضت قاطمة عليها السلام، دفنها أمير المؤمنين عليه السلام [ليلا] وعفى موضع قبرها بيده (1) ثم قام فحول وجهه إلى قبر النبي وقال: السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك وزائرتك، والبائتة الليلة ببقعتك، والمختار لها الله سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي (2) إلا أن [لي] في التأسي
(1) يقال: " عفت الريح الاثر أو المنزل تعفية ": محته ودرسته، ومثله عفاه عفوا من باب " دعا ". (2) وفي المنهج: " قل يا رسول اله عن صفيتك صبري وقل عنها تجلدي ". عفي: محا. والتجلد التصبر. والتصلب. (*)
[71]
بسنتك وفي فرقتك موضع تعز (3) فلقد وسدتك في ملحود قبرك، وفاضت نفسك بين صدري ونحري (4) بلى وفي كتاب الله أنعم القبول (5) إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء (6)، يا رسول الله أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد (7) ولا يبرح ذلك من قلبي حتي يختار الله لي دارك التي أنت بها [مقيم] (8) كمد مبرح وهم مهيج (9) سرعان ما فرق بيننا فإلى الله أشكو.
(3) وفي النهج: " إلا ان لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز ". والتأسي الاقتداء والتصبر. والفادح - في رواية النهج -: المثقل. والمعنى: ان المصيبة بفراقك كانت أعظم فكما صبرت على تلك مع كونها أشد، فلان أصبر على هذه أولى. (4) وفي الكافي والنهج: " في ملحودة قبرك " وهما بمعنى واحد وهو الجانب المشقوق أو الجهة المشقوقة من القبر: " وفاضت نفسه ": خرجت روحه. (5) أي ان في كتاب الله ما يوجب أن تقبل المصائب أنعم القبول. (6) استعار عليه السلام لفظ الوديعة والرهينة لتلك النفس الكريمة أعني الزهراء المرضية، لانها كانت وديعة النبي صلى الله عليه وآله عنده، أو لان النفوس والارواح كالوديعة والرهن في الابدان في كونها تسترجع إلى مالكها. و " اختلست ": سلبت سريعا ". و " الخضراء والغبراء ": السماء والارض. - (7) " سرمد ": دائم. و " مسهد ": ينقضي بالسهاد: بلا نوم. (8) وفي الكافي: " أنت فيها مقيم ".
(9) وفي الكافي والاماليين: " كمد مقيح وهم مهيح ". أي كمدي كمد مبرح. أو ذلك الحزن والسهاد كمد مقيح. و " الكمد " كفلس وفرس -: الغم والحزن الشديد. و " مبرح ": مدهش. شديد. و " مقيح ": ذو ورم فيه المدة.
[72]
وستنباؤك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فاحفها السؤال، واستخبرها الحال (10) فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا (11) فستقول: " ويحكم الله وهو خير الحاكمين ". والسلام عليك [يا رسول الله] سلام مودع لا قال ولا سئم، فان أنصرف فلا عن ملال (12) وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، آه آه [و] لولا غلبة المستولين لجعلت هنا المقام، [ولا] التزمت الحزن أشد لزام، عكوفا أعول إعوال الثكلى على [جليل] الرزية (13) فبعين الله أن تدفن ابنتك سرا، وأن يهتضم حقها
(10) وفي الامالي والمجالس: " وستنبئك ابنتك بتظاهر أمتك علي وعلى هضمها حقها فاستخبرها الحال ". التظاهر والتظافر بمعنى واحد: التعاون والتناصر. و " على هضمها ": ظلمها. " فاحفها السؤال ": استقص السؤال عنها، والتمس منها شرح ما جرى على التفصيل. (11) الغليل: حرارة الحزن و " معتلج ": متراكم وملتطم. (12) وفي الامالي والمجالس: " سلام عليك يا رسول الله ". وفي الكافي والنهج ومناقب ابن شهر آشوب وكشف الغمة: " والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فان انصرف فلا عن ملالة ". وهو أظهر. و " لا قال ": لا مبغض. و " لا سئم ": ولا ملول. (13) وفي الكافي: " واها واها،. والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام
واللبث لزاما معكوفا ولاعولت أعوال الثكلى ".
[73]
[قهرا] ويمنع إرثها جهرا (14) وما بعد منك العهد، ولا اخلولق منك الذكر (15) فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وبك أجمل العزاء (16) [و] صلوات الله عليك وعليها معك، والسلام. الحديث (36) من كتاب دلائل الامامة،. ص 47 ط النجف. ورواه أيضا " في فصل وفات الزهراء من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 139، ط النجف. ورواه قبله السيد الرضي رحمه الله في المختار (200) من خطب النهج. ورواه قبله بسند آخر في الحديث السابع من المجلس (33) من أمالي الشيخ المفيد - رحمه الله - ص 172 (17). ورواه قبله ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله بطريقين في الحديث الثالث من باب مولد الزهراء - سلام الله عليها - من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 458.
(14) وفي الكافي: " فبعين الله تدفع ابنتك سرا، وتهضم حقها، ويمنع إرثها، ولم يتباعد العهد، ولم يخلق منك الذكر ". (15) وفي الامالي " فبعين الله تدفن ابنتك سرا، ويهتضم حقها قهرا، ويمنع ارثها جهرا ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، فالى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته ". يقال: " خلق الثوب - من باب نصر، وعلم وشرف - خلوقة وخلقة ": بلي. ومثله " إخلولق الثوب وأخلق إخلاقا ".
(16) وفي الكافي: " وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلى الله عليك وعليها السلام والرضوان ". و " فيك ". أي في طاعتك. (17) ورواه عنه في الحديث (19) من الجزء الرابع من أمالي الطوسي ص 67، ورواه في الحديث (21) و (40) من الباب السابع من أحوالات الزهراء - صلوات الله عليها - من البحار: ج 10، ص 55 و 60 ط الكمباني، وفي ط الحديث: ج 43 ص 193، و 211 عن الكافي والامالي والمجالس.
[74]
- 17 - ومن كلام له عليه السلام في صفة النبي صلى الله عليه وآله قال ابن عساكر: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن جعفر الكردي، وأبو الحسن علي بن أحمد بن مقاتل، قالا: أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنبأنا أبو محمد بن أبي نصر، أنبأنا علي بن شعيب، حدثني محمد بن عثمان ابن حملة الانصاري، وأحمد بن محمد التميمي، قالا: حدثنا عبد الوارث ابن الحسن بن عمرو القرشي البيتاري [كذا] حدثنا آدم ابن أبي أياس، حدثنا ابن أبي ذيب، عن نافع عن ابن عمر، قال: أقبل قوم من اليهود إلى أبي بكر الصديق، فقالوا له: يا أبا بكر صف لنا صاحبك. فقال: معاشر اليهود (1) لقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار كإصبعي هاتين، ولقد صعدت معه جبل " حرا " وإن خنصري لفي خنصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم شديد (2) وهذا علي بن أبي طالب [فاسألوه]. فأتوا عليا فقالوا: يا أبا الحسن صف لنا ابن عمك. فقال علي [عليه السلام]:
(1) هذا هو الصواب، وفي النسخة: " معاشر يهود ". وليعلم انه وردت عنه عليه السلام روايات كثيرة في نعت النبي صلى الله عليه وآله فقد روى عنه في مسنده عليه السلام من كتاب مسند ابن حنبل تحت الرقم: 684 و 744 و 786، و 796 و 944 و 946 و 947 و 1053، و 1122، و 1299 و 1300، ولكن كلها أقصر مما هنا. (2) أنظر إلى الرجل أشغل مقام النبي صلى الله عليه وآله ولا يحسن أن يصف أوصافه الجسمانية وقد عاشره مدة لا تقصر عن (15) سنة ! ! !
[75]
لم يكن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) بالطويل الذاهب طولا، ولا بالقصير المتردد، كان فوق الربعة، أبيض اللون، مشرب الحمرة، جعدا ليس بالقطط، يفرق شعرته إلى أذنيه (4). وكان حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم صلت الجبين واضح الخدين، أدعج العين (5) دقيق المسربة، براق
(3) هذا وما بعده، وكذا نظائره المروية من طريق أهل السنة، مما أخذوه من ابن أخت عائشة عبد الله بن الزبير " وهي شنشنة قديمة نعرفها من بني أخزم. (4) يقال: " جعد الشعر جعادة وجعودة " من باب شرف -: صار ذو التواء وتقبض فهو جعد - كفلس - وذلك خلاف المسترسل. ويقال: شعر قط وقطط - كسب وسبب -: شديد الجعودة. ويقال: " فرق زيد شعره - من باب نصر وضرب - فرقا ": سرحه. وفي الرياض النضرة: " مشربا " حمرة جعد الشعر ليس بالقطط يضرب شعره إلى أرنبته " الخ. (5) صلت - كفلس -: واضح بارز - وقال في مادة " صلت " من مجمع البحرين: في صفته صلى الله عليه وآله: " كان أصلت الجبين " (كذا). أي واسعه. وقيل: الاصلت: الاملس. وقيل: بارز.
وقال في مادة " دعج ": في حديث وصفه عليه السلام: " أدعج العينين، مقرون الحاجبين " وفي حديث آخر: " ني عينيه دعج ". الدعج والدعجة (كسبب وغرفة): السواد في العين وغيرها، يريد أن سواد عينيه كان شديدا. وقيل: هو شدة سواد العين في شدة بياضها. وقال الجوهري: هو شدة سواد العين مع سعتها. وفي الرياض النضرة: " أدعج العينين " الخ.
[76]
الثنايا، أقنى الانف (6) عنقه [كأنما] إبريق فضة (7) كأن الذهب يجري في تراقيه (8). وكان لحبيبي محمد صلى الله عليه وسلم شعرات من لبته إلى سرته كأنهن قضيب مسك أسود، ولم يكن في جسده ولا صدره شعرات غيرهن، متن كتفيه كدارة القمر ليلة البدر، مكتوب [فيه] بالنور سطران: السطر الاعلى لا إله إلا الله. وفي السطر الاسفل محمد رسول الله. وكان حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم شثن الكف والقدم (9) إذا مضى كأنما يتقلع من صخر، وإذا
(6) وفي المختار الرابع المتقدم: " طويل المسربة " وهو الشعر الذي يكون في النحر إلى السرة. والظاهر ان هذا التفسير من الرواة لا من الامام عليه السلام. والقنى - كغنى -: إحديداب في وسط الانف. وقيل: القنى في الانف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه، ومنه الخبر: " كان صلى الله عليه وآله أقنى العرنين ". (7) كلمة: " كأنما " الموضوعة بين المعقوفين ما أذري سقط عن قلمي أو عن المصدر، ولا بد منها كما وردت في روايات أخر واردة في المقام، ولم يحضرني تاريخ ابن عساكر حين التصحيح كي استعلم منه ان السقط منه أو مني. (8) التراقي: جمع الترقوة - بالفتح ثم السكون ثم الضم ثم الفتح -: العظم الذي في أعلى
الصدر بين ثغرة النحر والعاتق. والكلام كناية عن سطوع النور من ترقوته صلى الله عليه وآله. (9) قال في النهاية: أي انهما يميلان إلى الغلظ والقصر. وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر. ويحمد ذلك في الرجال لانه أشد لقبضهم، ويذم في النساء.
[77]
انحدر كأنما ينحدر من صبب (10) وإذا التفت التفت بمجامع بدنه، وإذا قام غمر الناس، وإذا قعد علا على الناس، وإذا تكلم نصت له الناس، وإذا خطب بكي الناس (11). وكان حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم أرجع الناس بالناس (12) كان لليتيم كالاب الرحيم، وللارملة كالزوج الكريم. وكان محمد صلى الله عليه وسلم أشجع الناس قلبا، وأبذله كفا وأصبحه وجها وأطيبه ريحا وأكرمه حسبا،
(10) قال في مادة " قلع " من النهاية: في صفته عليه السلام: " إذا مشى تقلع " أراد قوة مشيه، كأنه يرفع رجليه من الارض رفعا قويا، لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي النساء وبوصفن به. ثم ذكر حديثين آخرين في هذا المعنى ثم قال: وهو كما جاء في حديث آخر: " كأنما ينحط من صبب ". والانحدار من الصبب والتقلع من الارض قريب بعضه من بعض، أراد انه كان يستعمل التثبت ولا يبين منه في هذا الحالة استعجال ومبادرة شديدة. (11) كذا في النسخة، وفي الرياض النضرة: " وإذا تكلم أنصت الناس، وإذا خطب أبكى الناس " الخ.
(12) كذا في النسخة، وفي الرياض: " وكان أرحم الناس بالناس ".
[78]
لم يكن مثله ولا مثل أهل بيته في الاولين والآخرين (13). كان لباسه العباء، وطعامه خبز الشعير، ووسادته الادم محشوة بليف النخل، [و] سريره أم غيلان مرملا بالشريط (14). كان لمحمد صلى الله عليه وسلم عمامتان: إحداهما تدعى السحاب، والآخر العقاب، وكان سيفه ذا الفقار، ورايته الغبراء (15)، وناقته العضباء وبغلته دلدل، [و] حماره يعفور، [و] فرسه مرتجز، [و] شاته بركة [و] قضيبه الممشوق، [و] لواؤه الحمد [و] إدامه اللبن [و] قدره الدبا (16) [و] تحيته الشكر [كذا].
(13) وبهذا وأمثاله - مما لا تحصى - يستدل على أفضليته عليه السلام وأهل بيته على جميع الصحابة كائنا من كان. (14) لعل هذا هو الصواب، وفي النسخة: " مرمل بالشريط "، (15) كذا في النسخة، وفي الرياض النضرة: " ورايته الغراء ". وقال في اللسان: وفي الحديث: انه كان اسم رايته عليه السلام العقاب [بضم العين] وهي العلم الضخم. (16) وهذه مع الجملة التالية غير موجودة في الرياض النضرة، وما بين المعقوفات بعضها موجود فيه في جميع ما مر.
[79]
يا أهل الكتاب كان حبيبي محمد صلى الله على وسلم
يعقل البعير، ويعلف الناضح، ويحلب (17) الشاة، ويرقع الثوب، ويخصف النعل. ترجمة محمد بن عثمان بن حماد، من تاريخ دمشق: ج 50 ص 825. ورواه ايضا في الرياض النضرة ص 227، وفي ط ج 2 ص 195، كما في الغدير: ج 10 ص 7 ط 1، وذكره إشارة في عنوان: " رجوع أبي بكر وعمر إليه عليه السلام من كتاب ذخائر العقبى، ص 80، وقال في الرياض: أخرجه ابن السمان في الموافقة. وليعلم أن لامير المؤمنين عليه السلام في نعت رسول الله صلى الله عليه وآله كلم كثيرة صدرت منه في أوقات مختلفة، بصور متعددة وذكر صورا منها في الباب الرابع والعشرين من ربيع الابرار، وكذلك في الحديث (836) و (844) و (848) من ترجمة النبي صلى الله عليه وآله من أنساب الاشراف: ج 1 ص 391 وما بعدها، ط مصر. كما أن لابي بكر - ومن على شاكلته - أيضا مواقف كثيرة ضاق فيها بهم الحناق وأشرفوا فيها على الهلاك، فلجؤ إلى باب مدينة علم النبي صلوات الله عليهما فأنجاهم به من الهلاك، وحقن دماء الابرياء من الهراق، وشوى أكباد الكفار من الحراق، وإليك نموذج منها: قال ابن دريد: أخبرنا محمد، قال: حدثنا العكلي، عن ابن عائشة، عن حماد، عن حميد:
(17) * هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " ويجلب " بالجيم.
[80]
عن أنس بن مالك قال: أقبل يهودي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل المسجد فقال: أين وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
فأشار القوم إلى أبي بكر ! ! ! فوقف عليه فقال: أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. قال أبو بكر: سل عما بدا لك. قال اليهودي: أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله ؟ ! فقال أبو بكر هذه مسائل الزنادقة يا يهودي. وهم أبو بكر والمسلمون - رضي الله عنهم - باليهودي ! ! فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ما أنصفتم الرجل ! ! جوابه وإلا فاذهبوا به إلى علي رضي الله عنه يجيبه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: " اللهم اهد قلبه وثبت لسانه " (1). فقام أبو بكر، ومن حضره حتى أتوا علي بن أبي طالب فاستأذنوا عليه، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن إن هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة ! ! فقال علي: ما تقول: يا يهودي ؟ قال: أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. فقال له: قل. فرد اليهودي المسائل. فقال علي رضي الله عنه: أما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم - معشر اليهود -: إن عزير ابن الله. والله لا يعلم أن له ولدا " (2) وأما قولك: أخبرني بما ليس عند الله. فليس عنده ظلم للعباد، وأما قولك: أخبرني بما ليس لله. فليس لله شريك.
أي انه صلى الله عليه وآله علمه كل شئ ثم دعا الله بأن يهدي قلبه للوعاية، ويثبت لسانه للتعبير والحكاية. (2) الكلام من باب نفي الملزوم بسلب اللازم أي لا ولد لله تعالى إذ لو كان له ولد لكان يعلمه - إذ لا يعزب عن علمه تعالى شئ - فإذا لا يعلمه فليس له حظ من الوجود، وإنما ساق عليه السلام الكلام بهذه الصورة كي يطابق سؤال اليهودي وإلا فلب الكلام ومحصله: ان الله يعلم أن لا ولد له.
[81]
فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك
وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وانك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال أبو بكر والمسلمون لعلي - عليه السلام -: يا مفرج الكرب ! ! ! كتاب المجتنى - لابن دريد - ص 44 ط 2 بحيدرآباد، سنة (1362) وللكلام مصادر أخر.
[82]
- 18 - ومن خطبة له عليه السلام الموسومة بالمونقة (1) قال ابن أبي الحديد: وهي خطبة خالية من حرف الالف رواها كثير من الناس له عليه السلام (2) قالوا: تذاكر قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي حروف الهجاء أدخل في الكلام ؟ فأجمعوا على الالف، فقال علي عليه السلام [مرتجلا من غير سابق فكر ولا تقدم روية]: حمدت من عظمت منته وسبغت نعمته (3) وسبقت غضبه رحمته (4) وتمت كلمته، ونفذت مشيئته وبلغت قضيته (5) حمدته حمد مقر بربوبيته (6) متخضع لعبوديته (1) المونقة: الحسنة المعجبة، من قولهم: " أنق الشئ - من باب علم - أنقا " فهو أنق وأنيق ومونق: حسن معجب. وتسمية الخطبة بالمونقة ظاهرة، لانها تعجب من سمعها. وقال في كنز العمال: ج 8 ص 221 ط 1: " وسماها الموقفة ". والظاهر أنه مصحف. (2) وكفى لاثبات صدور مثلها عن أمير المؤمنين عليه السلام أن يقول متضلع خبير مثل ابن أبي الحديد بأنها رواها كثير من الناس عنه عليه السلام، وصدقه غيره من المتضلعين في هذه الدعوى.
(3) ومثله في مطالب السئول 167، والباب (49) من مصباح الكفعمي ص 33، وفي كفاية الطالب هكذا: " حمدت وعظمت من عظمت منته ". والمراد بالمنة - هنا - الاحسان. (4) وفي الكفاية: " وسبقت رحمته غضبه ". وفي المصباح: " وسبقت رحمته ". وفي مطالب السئول: " وبلغت جحته وعدلت قضيته وسبقت غضبه رحمته " (5) أي حكمه وقضاؤه. (6) وفي الكفاية: " لربوبيته ".
[83]
متنصل من خطيئته (7) معترف بتوحيده (8) [مستعيذ من وعيده (9)] مؤمل منه مغفرة تنجيه، يوم يشغل عن فصيلته وبنيه (10). ونستعينه ونسترشده ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، وشهدت له شهود مخلص موقن (11) وفردته تفريد مؤمن متيقن (12) ووحدته توحيد عبد مذعن [بأنه (13)] ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه، جل عن مشير ووزير (14) وعن عون معين ونصير ونظير.
(7) يقال: " تنصل إلى فلان من الجناية ": خرج وتبرأ عنده منها. (8) هذا هو الظاهر الموافق لنسخة مطالب السئول والكفاية والمصباح، وفي نسخة ابن الحديد: " متفرد بتوحيده ". (9) بين المعقوفين مأخوذ من كتاب مطالب السؤال. (10) وفي مطالب السئول: " يوم يشغل كل عن فصيلته وبنيه ". وفصيلة الرجل: (رهطه الادنون.
(11) وفي مطالب السئول: " وشهدت له شهود عبد موقن. " وفي الكفاية: " وشهدت له تشهد مخلص موقن. " (12) هذ هو الظاهر، وفي نسخة: " مؤمن متقن ". (13) بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق. (14) وبعده في المصباح هكذا: " وتنزه عن مثل ونظير ".
[84]
علم فستر، وبطن فخبر (15) وملك فقهر وعصي فغفر [وعبد فشكر (16)] وحكم فعدل (17) لم يزل ولن يزول " ليس كمثله شئ " (18) وهو [قبل كل شئ و] بعد كل شئ (19) رب متعزز بعزته (20) متمكن بقوته (21) متقدس بعلوه متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، ولم يحط به نظر، قوي منيع بصير سميع (22) رؤف رحيم (23). عجز عن وصفه من يصفه، وضل عن نعته من يعرفه (24).
(15) هذا هو الظاهر، وفي الكفاية: " ونظر فخبر ". (16) بين المعقوفين من كتاب مطالب السئول. (17) وبعده في مطالب السئول هكذا: " وتكرم وتفضل ". (18) اقتباس من الآية (11) من سورة الشورى. (19) بين المعقوفين كان ساقطا عن شرح النهج. (20) وفي نسخة: " متفرد بعزته ". (21) وفي المصباح: " متملك بقوته ".
(22) وفي الكفاية: " وليس يحيط به نظر، قوي منيع بصير سميع حليم حكيم رؤف رحيم ". (23) وزاد بعده في المصباح: " عزيز ". (24) وفي مطالب السئول: " عجز عن وصفه من وصفه، وضل عن نعته من عرفه ". وفي المصباح: " وضل في نعته ".
[85]
قرب فبعد، وبعد فقرب (25) يجيب دعوة من يدعوه ويرزقه ويحبوه (26) ذو لطف خفي وبطش قوي، ورحمة موسعة، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة (27) وعفوبته جحيم ممدودة موبقة (38). وشهدت ببعث محمد (29) رسوله وعبده وصفيه ونبيه ونجيه وحبيبه وخليله، بعثه في خير عصر، وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده ومنة لمزيده، ختم به نبوته وشيد به حجته (30) فوعظ ونصح، وبلغ وكدح (31) رؤف بكل مؤمن، رحيم سخي رضي ولي زكي، عليه
(25) أي هو تعالى مع كمال قربه بعيد عن تحديدات البشرية، ومع كمال بعده فهو أقرب الينا من حبل الوريد، يجيب دعوة من دعاه. (26) وفي الصباح: " ويرزق عبده ويحبوه ". (27) أي حسنة معجبة، يقال: " أنق الشئ - من باب علم -: صار أنقا وأنبقا ومونقا أي حسنا معجبا. (28) وفي المصباح: " وعقوبته جحيم مؤصدة ". (29) وفي الكفاية: " وشهدت ببعثة محمد عبده ورسوله وصفيه ونبيه وخليله وحبيبه، صلى الله عليه صلاتا تحظيه، وتزدلفه وتعليه، وتقربه وتدنيه ".
(30) " وفي الكفاية: ووضح به حجته ". وفي المصباح: " وقوى به حجته " (31) يقال: " كدح من العمل - من باب منع - كدحا ": جهد نفسه فيه حتى أثر فيها.
[86]
رحمة وتسليم، وبركه وتكريم (32) من رب غفور رحيم قريب مجيب (33). وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم (34) وذكرتكم بسنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم وخشية تذري دموعكم، وتقية تنجيكم قبل يوم يبليكم ويذهلكم يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته (35) ولتكن مسألتكم وتملقكم مسألة ذل وخضوع وشكر وخشوع، بتوبة ونزوع (36) وندم ورجوع، وليغتنم كل مغتنم منكم (37) صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل هرمه، وسعته قبل فقره (38) وفرغته قبل
(32) وفي مطالب السئول: " عليه رحمة وتسليم وبركة وتعظيم وتكريم ". (33) وزاد في مطالب السئول بعده: " حليم ". (34) وفي الكفاية: " وصيتكم جميع من حضرني ". وفي المصباح: " وصيتكم معشر من حضرني بتقوى من ربكم ". (35) وفي مطالب السئول: " وخف وزن خطيئته ". (36) وفي الكفاية: " ولتكن مسألتكم وملقكم - إلى أن قال -: وتوبة ونزوع ". (38) وفي المصباح: " وسعته قبل عدمه ".
[87]
شغله، وحضره قبل سفره (39) قبل تكبر وتهرم وتسقم
(40) [و] يمله طبيبه ويعرض عنه حبيبه وينقطع غمده ويتغير عقله (41) ثم قيل: هو موعوك وجسمه منهوك (42) ثم جد في نزع شديد، وحضره كل قريب وبعيد، فشخص بصره وطمح نظره (43) ورشح جبينه وعطف عرينه (44) وسكن حنينه، وحزنته نفسه وبكته عرسه وحفر رمسه، ويتم منه ولده (45) وتفرق منه عدده وقسم جمعه
(39) وبعده في مطالب السئول هكذا: " وحياته قبل موته، قبل [أن] يهن ويمرض ويسقم، ويمله طبيبه " (40) وفي المصباح: " قبل هو يكبر ويهرم، ويمرض ويسقم ". (41) كذا في النسخة، وفي مطالب السئول وكفاية الطالب: " وينقطع عمره ". وهو الظاهر (42) يقال: " وعك الحر وعكا " - من باب وعد -: اشتد. و " وعكته الحمى وعكا " ووعكة " اشتدت عليه وآذته فهو موعوك. ويقال: " نهكت الحمى فلانا - من باب منع - نهكا " ونهاكة ": أضنته وجهدته. (43) وفي مطالب السئول: " فشخص بصره وطمح بنظره، ورشح جبينه وخطف عرينه وجذبت نفسه وبكت عرسه ". وفي المصباح: " وجذبت نفسه ونكبت عرشه ". (44) كذا في النسخة، والعرين: فناء الدار. جماعة الشوك أو الشجر. اللحم. الصوت. الفريسة. العز، والجع عرن كعنق. وفي كفاية الطالب: " وخطف عرنينه " وهو - كجبريل -: الانف. (45) يقال: " يتم ييتم - من باب ضرب - ويتم ييتم - من باب علم - ويتم ييتم - من باب شرف - الصبي من أبيه يتما ويتيما ": صار يتيما. والمصدر كالقفل والفلس.
[88]
(46) وذهب بصره وسمعه، ومدد وجرد وعري وغسل (47)
ونشف وسجي، وبسط له وهيئ، ونشر عليه كفنه وشد منه ذقنه، وقمص وعمم، وودع وسلم، وحمل فوق سرير، وصلي عليه بتكبير [بغير سجود وتعفير] (48) ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وحجر منجدة (49) وجعل في ضريح ملحود، وضيق مرصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود، وهيل عليه حفره (50) وحثي عليه مدره، وتحقق حذره ونسي خبره، ورجع عنه وليه وصفيه ونديمه ونسيبه (51)، وتبدل به قرينه وحبيبه فهو حشو قبر ورهين قفر، يسعى بجسمه دود قبره (52) ويسيل صديده من منخره، يسحق تربه
(46) وفي مطالب السئول: " وفصم جمعه ". أقول: العدد، والعديد: المال الذي جمعه المرء وادخره. (47) وفي كفاية الطالب: " وكفن ومدد، ووجه وجرد، وعري وغسل ". وفي المصباح: " وكفن ومدد ووجه وغسل وعري ونشف ". (48) بين المعقوفين مأخوذ من مطالب السئول. (49) وفي المصباح: " وحجر منضدة ". وفي مطالب السئول: " وفرش منجدة " (50) وفي مطالب السئول وكفاية الطالب: " وهيل عليه عفره " (51) وزاد في مطالب السئول: " وحميمه ". (52) وفي كفاية الطالب والمصباح " يسعى في جسمه ". وفي مطالب السئول: " يدب في جسمه "
[89]
لحمه (53) وينشف دمه، ويرم عظمه (54) حتى يوم حشره، فنشر من قبره حين ينفخ في صور. ويدعى
بحشر ونشور. فثم بعثرت قبور، وحصلت سريرة صدور، وجئ بكل نبي وصديق وشهيد (55) وتوحد للفصل [رب] قدير (56) بعبده خبير بصير، فكم من زفرة تضنيه وحسره تنضيه (57) في موقف مهول و (58) ومشهد جليل بين يدي ملك عظيم، وبكل صغير وكبير عليم، فحينئذ يلجمه عرقه، ويحصره قلقه (59) عثرته غير مرحومة، وصرخته غير مسموعة، وحجته غير مقبولة،
(53) وفي نسخة: " يسحق برمته لحمه " ومثله في كفاية الطالب " وفي مطالب السئول: " وتسحق تربته لحمه ". (54) ومثله في مطالب السئول وكفاية الطالب، وفي المصباح: " ويدق عظمه ". (55) وزاد في كفاية الطالب ومطالب السئول: " ونطيق ". وفي المصباح: " وشهيد منطيق ". (56) بين المعقوفين مأخوذ من المصباح وكفاية الطالب، وفي مطالب السئول: " وقعد لفصل حكه قدير ". وفي المصباح: " وتولى لفضل (كذا) عبد رب قدير ". وفي الكفاية: " وقعد للفصل رب قدير، بعبده بصير خبير، فكم من زفرة تعنيه، وحسرة تقصيه في موقف مهيل ". (57) يقال: " أضنى المرض فلانا إضناء ا ": أضعفه وأثقله. و " أنضى البعير انضاءا ": هزله. والثوب: أبلاء. (58) وفي مطالب السئول: " في موقف مهيل ". (59) وفي مطالب السؤل: " ويحفزه " وفي المحكي عنه " ويخفره ".
[90]
زالت جريدته (60) ونشرت صحيفته [حيث] نظر (61) في سوء عمله، وشهدت عليه عينه بنظره، ويده ببطشه
ورجله بخطوه وفرجه بلمسه وجلده بمسه (62) فسلسل جيده وغلت يده وسيق بسحب وحده (63) فورد جهنم بكرب وشدة، فظل يعذب في جحيم، ويسقى شربة من حميم تشوي وجهه وتسلخ جلده (64) وتضربه زبنية بمقمع من حديد (65) ويعود جلده بعد نضجه كجلد جديد، يستغيث فتعرض عنه خزنة جهنم، ويستصرخ فيلبث حقبة يندم (66).
(60) وفي نسخة: " زاول ". وفي كفاية الطالب: " نشر صحيفته، وتبين جريرته حيث نظر في سؤ عمله ". (61) وفي مطالب السؤل: " برزت صحيفته وتبينت جريرته فنظر في سوء عمله ". وفي المحكي عنه: " وقوبل صحيفته وتبين جريدته ونطق كل عضو منه بسؤ عمله ". (62) وبعده في الكفاية هكذا: " وتهدده منكر ونكير، وكشف له عن حيث يصير، فسلسل جيده، وغلغل ملكه يده [كذا] وسيق يسحب وحده ". (63) قال ابن أبي الحديد: [هذا الاجل ازدياد الغم] لانه إذا كان معه غيره كان كالمتأسي بغيره، فكان أخف لالمه وعذابه، وإذا كان وحده كان أشد ألما وأهول، وروي " فسيق يسحب وحدة " وهذا أقرب وذاك أفخم معنا. وفي مطالب السؤل، " وسيق يسحب وحده " وفي المحكي عند: " وسيق بسحب وحدة ". (64) يقال: " سلخ جلد الخروف - من باب نصر ومنع - وسلخا ". كشطه ونزعه. (65) قال ابن أبي الحديد: و " زبنية " على وزن " عفرية ": واحد الزبانية وهم عند العرب الشرط، وسمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها كما يفعل الشرط في الدنيا. ومن أهل اللغة من يجعل وأحد الزبانية زباني. وقال بعضهم: " زابن ". ومنهم من قال: هو جمع لا واحد له نحو أبابيل وعباديد، وأصل الزبن في اللغة الدفع، ومنه ناقة زبون: تضرب حالبها وتدفعه.
(66) وفي المحكي عن مطالب المسئول: " حقبة بندم ".
[91]
نعوذ برب قدير، من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضي عنه ومغفرة من قبله، فهو ولي مسألتي ومنجح طلبتي، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه، وخلد في قصور مشيدة، وملك بحور عين وحفدة (67) وطيف عليه بكؤس، وسكن في حظيرة قدوس (68) وتقلب في نعيم وسقي من تسنيم، وشرب من عين سلسبيل و [قد] مزج له بزنجبيل، مختم بمسك وعبير (69) مستديم للملك، مستشعر للسرور (70) يشرب من خمور في روض مغدق (71) ليس يصدع من شربه، وليس ينزف.
(67) وفي كفاية الطالب: " وملك حور عين وحفدة ". وفي مطالب السئول: " فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه وخلد في قصور ونعمة، وملك بحور عين وتقلب في نعيم ". (68) وفي كفاية الطالب: " وسكن حظيرة قدس في فردوس ". (69) بين المعقوفين مأخوذ من كفاية الطالب وفيه هكذا: " وشرب من سلسبيل قد مزح بزنجبيل، ختم بمسك، مستديم للملك، مستشعر للسرور ". (70) وفي المحكي عن مطالب السئول: " وشرب من عين سلسبيل ممزوجة بزنجبيل، مختومة بمسك وعبير، مستديم للحبور مستشعر للسرور ". وهو أظهر. (71) ومثله في المحكي عن مطالب السئول، ولكن في النسخة المطبوعة بالنجف منه هكذا: " يشرب من خمر معذوذب شربة ليس تنزف لبه ". وفي كفاية الطالب: " ويشرب من خمور في
روض مغدق ليس ينزف عقله ".
[92]
هذه منزلة من خشي ربه، وحذر نفسه معصيته، وتلك عقوبة من جحد منشأه (72) وسولت له نفسه معصيته، فهو قول فصل (73) وحكم عدل، وخير قصص قص ووعظ نص (74) تنزيل من حكيم حميد، نزل به روح قدس مبين، على قلب نبي مهتد رشيد، صلت عليه رسل سفرة، مكرمون بررة، عذت برب عليم رحيم كريم، من شر كل عدو لعين رجيم، فليتضرع متضرعكم، وليبتهل مبتهلكم وليستغفر كل مربوب منكم لي ولكم (75) وحسبي ربي وحده.
(72) هذا هو الظاهر من السياق الموافق لما في مطالب المسئول، وكفاية الطالب، وفيهما: " هذه منزلة من خشي ربه وحذر نفسه، وتلك عقوبة من عصى منشئه، وسولت له نفسه معصيته " وفي المحكي عن مطالب السئول: " وسولت له نفسه معصية مبدئه ". وما في الطبع الحديث من شرح ابن أبي الحديد: " مشبئه " فهو تصحيف. (73) وفي المصباح، والمحكي عن مطالب السئول: " ذلك قول فصل ". (74) ومثله في المحكي عن مطالب السئول. وفي كفاية الطالب: " فهو قول فصل وحكم عدل (و) قصص قص ووعظ نص، تنزيل من حكيم حميد، نزل به روح قدس منير مبين، من عند رب كريم، على قلب نبي مهذ [ب] مهتذ رشيد، وسيد صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة ". (75) وفي المحكي عن مطالب السئول وكفاية الطالب: " ونستغفر رب كل مربوب لي ولكم ".
[93]
شرح غريب كلامه عليه السلام من الباب الثالث من نهج البلاغة قبل المختار (267) منه، من شرح ابن أبي الحديد: ج 19 ص 140، وفي ط ج 5 ص ص 359، ونقلها أيضا في آخر النوع الخامس - وهو باب خطبه عليه للسلام - من كتاب مطالب السئول ص 173، ط النجف ورواها أيضا في الباب الثاني - بعد المأة - من كفاية الطالب ص 393 وقال: أخبرنا المعمر أبو الحسن علي بن أبي عبد الله بن أبي الحسن الشيخ الصالح البغدادي بجامع دمشق سنة أربع وثلاثين وستمأة - عن عبد الوهاب بن محمد بن الحسين المالكي الصابوني، أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال - في رجب سنة 437 - قال: قرأت على أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمران بن موسى بن عروة بن الجراح - سنة 388 في منزله - قلت له: حدثكم أبو السمارى (77) حدثني أبو عوسجة سلمة بن عرفجة - باليبرين من اليمن - قال،: حدثني أبي عرفجة بن عرفطة، قال: حدثني أبو الهراش جري بن كليب، حدثني هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثني أبي، عن أبي صالح قال: جلس جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتذاكرون، فتذاكروا الحروف وأجمعوا أن الالف أكثر دخولا في الكلام من سائر الحروف، فقام مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فخطب هذه الخطبة على البديهة فقال صلوات الله وسلامه عليه: " حمدت وعظمت من
(76) ورواها - إشارة - عنه وعن ابن أبي الحديد، في الحديث (372) من الباب (11) من إثبات الهداة: ج 5: ص 33 وله (ره) كلام في معناه ما نظمه فيه ص 111، قال: وخطبة خالية من الالف * بديهة وذاك حرف قد عرف من معجزاته لمن أفاقا * نهج البلاغة الذي قد فاقا
فهل رأيت قبله أو بعده * من قال مثله ونال سعده (77) كذا في النسخة، وفي المحكي عنه: " القماري ".
[94]
عظمت منته ". ثم ساق الخطبة إلى آخرها باختلاف في بعض ألفاظها - أشرنا إلى المهم منه في التعاليق المتقدمة - ثم قال: هكذا روينا من هذا الطريق، وقد وقع لنا ببغداد عن جماعة من أصحاب يحيى بن ثابت عن أبيه (78) لكن لم يحضر سماعي منهم في وقت الاملاء. ورواها عنه في كتاب كنز العمال: ج 8 ص 221 ط 1، بالهند (79) وقال في آخرها: اسناده واه ومثله في باب الخطب من كتاب المواعظ من منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 6 ص 321. أقول: وهن هذا السند بخصوصه غير ضائر بعد اشتهار الكلام بين الخاصة والعامة، وقدم تقدم ان ابن ابي الحديد قال: ورواها كثير من الناس ومر آنفا ان صاحب الكفاية قال: وقد وقع لنا ببغداد، عن جماعة من أصحاب يحيى ابن ثابت عن أبيه. وقال الراوندي - رحمه الله - المتوفي سنة 573 - في كتاب الخرائج: روي ان الصحابة قالوا يوما: ليس من حروف المعجم حرف أكثر دورانا في الكلام من الالف، فنهض أمير المؤمنين عليه السلام وخطب خطبة طويلة على البديهة تشتمل على الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد وآله، وفيها الوعد والوعيد، ووصف الجنة والنار، والمواعظ والزواجر، والنصيحة للخلق وغير ذلك وليس فيها ألف، وهي معروفة. ورواه عنه في الحديث (36) من الباب (114) من البحار: ج 9 ص 583 وفي ط الحديث: ج 41 ص 304.
ورواها أيضا الكفعمي في الباب (49) من كتاب المصاح، ص 330، ورواها عنه وعن مطالب السئول في البحار: ج 17، ص 90 ط الكمباني.
(78) في هذا أيضا دلالة على ان الخطبة كانت مشهورة، وأن جماعة من أصحاب يحيى بن ثابت كانوا يروونها، وأن المؤلف لم يسند النقل إليهم لعدم استحضار أسماء ناقليها لديه حين تأليفه الكتاب (79) ورواها عنه في كتاب فضائل الخمسة: ج 2 ص 256.
[95]
- 19 - ومن خطبة له عليه السلام خالية من النقط قال الحافظ السروي محمد بن علي بن شهر آشوب رحمه الله: وروى الكلبي، عن أبي صالح، وأبو جعفر بن بابويه (ره) (1) باسناده عن [الامام علي بن موسى] الرضا، عن آبائه عليهم السلام: انه اجتمعت الصحابة، فتذاكروا [الحروف، واتفقوا على] أن الالف أكثر دخولا في الكلام، [ويتعذر النطق بدونها] فارتجل [أمير المؤمنين عليه السلام في الحال] الخطبة المونقة التي أولها: حمدت من عظمت منته وسبغت نعمته وسبقت رحمته، وتمت كلمته ونفذت مشيئته وبلغت قضيته.
(1) وهذا السند ضاع - وحرمنا منه - لضياع أكثر كتب الصدوق رحمه الله، إذ له رحمه الله قريبا من أربعماة تأليف وكتب قيمة، ولم يبق لنا الحدثان منها إلا قريبا من عشر مجلدات. وقال علي بن يونس العاملي المتوفي عام (877) في أواخر الفصل (19) من الباب السابع من كتاب الصراط المستقيم: ج 1، ص 222 ط 1: وأسند صاحب النخب إلى الكلبي إلى أبي صالح، أن الصحابة اجتمعت فقالت: الالف أكثر
دخولا في الكلام (من بقية الحروف) فارتجل (أمير المؤمنين) عليه السلام خطبته المونقة التي أولها: حمدت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وسبقت رحمته غضبه - إلى آخرها -. ثم ارتجل عليه السلام خطبة أخرى خالية من النقط. وبما أن كتاب النخب - تأليف الحسين بن جبر - قيل إنه تلخيص لكتاب الشيخ محمد بن علي بن شهر آشوب، لم نجعله مصدرا مستقلا.
[96]
- إلى آخرها -. ثم ارتجل [عليه السلام] خطبة أخرى من غير النقط (2) التي أولها: الحمد لله أهل الحمد ومأواه، وله أوكد الحمد وأحلاه، وأسرع الحمد وأسراه وأطهر الحمد وأسماه (3) وأكرم الحمد وأولاه. إلى آخرها. [قال:] وقد أوردتهما في [كتاب] المخزون المكنون (4). آخر عنوان: " المسابقة بالعلم " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 48 ط قم، ورواها عنه في آخر الباب (93) - وهو باب علمه وان النبي علمه ألف باب - من البحار: ج 9 ص 464 ط الكمباني. ورواها عنه في آخر مقدمة شرح نهج البلاغة المسمى بمنهاج البراعة: ج 1، ص 215 ط 2، ورواها عنه، وعن كتاب الصراط المستقيم في الحديث (432 و 457) من الباب الحادي عشر، من كتاب اثبات الهداة: ج 5 ص 61 و 72.
(2) وهذه الخطبة غير الخطبة التي هي أيضا خالية من النقط ونسبها المتأخرون إليه عليه السلام وذكرها في آخر ترجمة نهج البلاغة للمفسر الشهير ملا فتح الله الكاشاني ص 614 وذكرها أيضا بعض من تأخر عنه، ولما لم ينهض لحجيتها وإثبات صدورها مصدر وثيق، ما أدرجناها في كتابنا هذا.
(3) أسرى الحمد: أفخره وأعلاه. وأسمى الحمد: أرفعه وأحسنه. (4) إن كتاب المخزون المكنون - كأكثر آثار المتقدمين من علمائنا - مما أباده صروف الزمان، وضن بإراءته وجعله في متناول ذويه وأهليه الدهر الخوان، فمن دلنا على مظان وجوده بحيث يصدقه قرائن الاحوال - فله دورة كاملة من كتابنا هذا. ومن أرشدنا إلى الخطبة بكمالها من مصدر وثيق وكتب بها إلينا، فله خمس دوراة من كتابنا - وماله عند الله فهو أجزل وأتم - ومن دلنا على كتاب المكنون المخزون فله عشرون دورة من كتابنا، ومن كتبه وأهدى نسخته إلينا فله علي مأة دينار.
[97]
- 20 - ومن كلام له عليه السلام في وصف خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته الميمونة الجذابة إلى الله تعالى. شيخ الشريعة وحافظ الشيعة محمد بن علي الفقيه قدس الله نفسه (1) قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني - رحمه الله - قال: حدثنا أبو أحمد القاسم بن بندار المعروف بأبي صالح الحذاء، قال: حدثنا إبراهيم بن نصر بن عبد العزيز الرازي نزيل نهاوند، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي (2) قال: حدثنا جميع بن عمير بن عبد الرحمان العجلي، قال: حدثنا رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي عن [الامام] الحسن بن علي عليهما السلام. وحدثني الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن منيع (3)، قال: حدثني إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين - عليهم السلام - بمدينة الرسول، قال: حدثني علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي، عن [أبيه]
(1) وللكلام مصادر وثيقة أخر، كما يتلى عليك فيما يأتي. (2) وعنه - إلى آخر السند - رواه ابن سعد في ترجمة رسول الله صلى الله عليه وآله من الطبقات الكبرى: ج 1 / 422 ط بيروت. وفي ط: ج 1 / 83. (3) المستفاد من معاني الاخبار ان ابن منيع هذا لم يذكر تمام الخبر - بسنده - بل خصوص ما ورد عن ابن ابي هالة، ولكن الذي أراه ان عدم ذكره تمام الرواية أعم من عدم الرواية، وان الحديث مروي بتمامه من طريقه أيضا، كما يؤيده ذكر الخبر بتمامه بهذا السند في كتاب عيون أخبار الرضا.
[98]
موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين - عليهم السلام - قال: قال الحسن بن علي عليهما السلام. وحدثني الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد [بن] عبدان، وجعفر بن محمد البزاز البغدادي قالا: حدثنا سفيان بن وكيع، قال حدثني جميع بن عمير العجلي قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة، عن أبيه: عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: سألت خالي هند ابن أبي هالة وكان وصافا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم - وساق كلام هند في وصف رسول الله إلى أن قال: - [و] قال الحسين عليه السلام: سألت أبي عن مدخل رسول الله (4) صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كان دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) لنفسه مأذونا له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزء دخوله ثلاثة أجزاء جزءا " لله وجزءا لاهله وجزءا لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة (6) ولا يدخر عنهم منه شيئا " (7).
(4) وفي الطبقات: " عن دخول النبي " وفي الدلائل: " عن دخول رسول الله ". (5) هذه الجملة أخذناها من دلائل النبوة لكونها أوضح، وفي الطبقات ومعاني الاخبار: " كان دخوله لنفسه مأذونا " له في ذلك ". وفي أنساب الاشراف " كان مدخله لنفسه مأذونا " له في ذلك، فإذا اوي إلى أهله جزأ مدخله " الخ. (6) ومثله في الشمائل - على ما في هامش الدلائل لابي نعيم - وفي أنساب الاشراف: " فرد على العامة من الخاصة " وفي الدلائل: " ويرد ذلك إلى العامة ". وفي الطبقات: " فيسرد ذلك على العامة بالخاصة ". (7) كلمة: منه " غير موجودة في الطبقات والدلائل، والجملة بأسرها غير مذكورة في الانساب.
[99]
وكان من سيرته [صلى الله عليه وآله] في جزء الامة إيثار أهل الفضل بإذنه (8) وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما أصلحهم والامة، من مسألته عنهم (9) وإخبارهم بالذي ينبغي [لهم] (10) ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، و [يقول:] أبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته (11) فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها، ثبت الله قدميه يوم القيامة. [و] لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره (12) يدخلون روادا -
(8) ومثله في الدلائل، وفي الطبقات: " ناديه ". وفي الانساب: " وكان من سيرته إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم ".
(9) ومثله في الطبقات، وفي الدلائل: " من مسألتهم عنه " (10) كلمة: " لهم " كانت ساقطة من الاصل، وأخذناها من الطبقات والدلائل والانساب. (11) وفي الطبقات والدلائل: " حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فانه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت " الخ. وفي الانساب: " لا يستطيع إبلاغه إياها، ثبت الله قدميه " الخ. (12) هذا هو الظاهر الموافق للطبقات والدلائل، وفي المعاني: " ولا يقيد [ولا يقيل " خ "] من أحد عثرة ". قال الصدوق (ره): ومن رواه بالدال معناه: انه من جنى عليه جناية اغتفرها وصفح عنها تكرما إذا كان تعطيلها لا يضيع من حقوق الله شيئا "، ولا يفسد متعبدا " به ولا مفترضا. ومن رواه " يقيل " باللام، ذهب إلى انه عليه السلام لا يضيع من حقوق الناس التي تجب لبعضهم على بعض. وفي أنساب الاشراف: " ولا يقبل غيره من أحد ".
[100]
ولا يفترقون إلا عن ذواق - ويخرجون أدلة (13). قال [الحسين]: فسألته عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وآله - كيف كان يصنع فيه ؟ فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله [وسلم] يخزن لسانه إلا مما يعنيه (14) ويؤلفهم ولا ينفرهم و [كان] يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم " و [كان] يحذر الناس ويحترس منهم (15) من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه. ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما
(13) رواد: جمع الرائد: وهو الذي يقدمه أصحابه ليهيأ لهم مكانا صالحا لنزولهم فيه، وكافيا لما يحتاجون إليه. وقوله: " ولا يفترقون إلا عن ذواق " أي لا يفترق القادمون عليه صلى الله عليه وآله وسلم عنه إلا بعد إذاقته صلى الله عليه وآله إياهم شيئا من المكارم ومعالي الاخلاق.
والادلة: جمع دليل أي كان أصحابه صلى الله عليه وآله يدخلون عليه طالبين للخصب متفقدين لما يتمتعون به في الدين والدنيا، فيخرجون من عنده بالفوز والنجاح وهم الادلاء - لمن وراءهم من قومهم - إلى المراتع الخصبة والمناهل العذبة. وفي بعض النسخ من كتاب معاني الاخبار: " ويخرجون اذلة " بالمعجمة فان صح ذلك - ولم يكن مصحفا - فهو كقوله تعالى في الآية (54) من سورة المائدة: " أذلة على المؤمنين ". (14) كذا في الاصل المطبوع، وفي الطبقات والدلائل: " يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم - أو قال: ينفرهم ". وفي الانساب: " كان يخزن لسانه عما لا يعنيه، وكان يؤلف ولا ينفر ". (15) وفي الانساب: " ويحذر الناس الفتن ويحترس منهم ".
[101]
في الناس، ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويهونه (16) معتدل الامر غير مختلف (17) لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا (18) [وكان] لكل حال عنده عتاد (19) و [كان] لا يقصر عن الحق ولا يجوزه (20) [وكان] الذين يلونه من الناس خيارهم [وكان] أفضلهم عنده أعمهم نصيحة للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة [لهم]. قال: فسألته عن مجلسه [صلى الله عليه وآله وسلم] فقال: كان [رسول الله] صلى الله عليه وآله لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الاماكن (21) وينهى عن
(16) وفي الطبقات والانساب والدلائل: " ويوهنه " (17) وفي الانساب: " مؤتلف الامر غير مختلفه ".
(18) ومثله في الدلائل وفي بعض النسخ من معاني الاخبار: " أو يملوا " (19) أي عدة وتهيؤ وجواب حاضر من غير تريث وانتظار. (20) ومثله في الطبقات الكبرى لابن سعد، أي كان صلى الله عليه وآله ملازما ومطابقا لا قاصرا ولا مقصرا، ولا متقدما ولا متأخرا. وفي دلائل النبوة: " لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ". وفي أنساب الاشراف: " لا يقصر عن الحق ولا يجوز الدين، أفضل الناس عنده أعمهم نصيحة ".. (21) وفي الانساب، قال: وسألته عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله، ولا يوطن الاماكن " الخ.
[102]
إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه [منه] (22)، ولا يحسب من جالسه (23) أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه [أو قاومه في حاجة (24)] صابره حتي يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرجع إلا بها أو بميسور من القول (25) قد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواءا (26) مجلسه مجلس حلم وحياء، وصدق وأمانة (27) لا ترفع فيه
(22) وفي الانساب " ويعطي كلا من جلسائه بنصيبه " وفي الطبقات والدلائل، " يعطى كل جلسائه بنصيبه ". (23) هذا هو الظاهر، وفي المطبوع من الاصل، " ولا يحسب من جلسائه ". وفي الطبقات والدلائل: " لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ". وفي الانساب: " فلا يحسب جليسه ". (24) بين المعقوقين مأخوذ من الطبقات والدلائل، وقد سقط من النسخة المطبوعة حديثا "، من
كتاب معاني الاخبار. وقال في هامش دلائل النبوة: وفي الشمائل: " أو فاوضه ". وفي الانساب: " من جالسه أو قارنه في حاجة سايره حتى يكون هو المنصرف ". (25) وفي الطبقات والانساب والدلائل: " ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ". (26) ومثله في الدلائل، وفي بعض النسخ من كتاب المعاني " وصاروا عنده في الخلق سواءا ". وفي الطبقات: " وصاروا في الحق عنده سواءا ". وفي الانساب: " قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواءا ". (27) ومثله في أنساب الاشراف، وهو أظهر مما في الطبقات والدلائل: " وصبر وأمانة ".
[103]
الاصوات، ولا تؤبن فيه الحرم (28) ولا تنثى فلتاته (29) [ترى جلساؤه] متعادلين متواصلين فيه بالتقوى متواضعين (30) يوقرون [فيه] الكبير، ويرحمون [فيه] الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب (31). [قال الحسين عليه السلام]: فقلت: فكيف كان سيرته في جلسائه ؟ فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب (32) ولا فحاش ولا عياب ولا مداح (33) يتغافل عما لا يشتهي فلا يؤيس منه [راجيه] ولا يخيب فيه مؤمليه (34) قد ترك نفسه من
(28) ومثله في الطبقات والدلائل، يقال: " أبنه بالسوء - من باب ضرب ونصر - أبنا ": عابه. و " أبنه تأبينا ": عابه في وجهه. (29) وفي الانساب: " لا تؤتن فيه الحرم، ولا تنثى ". وفي الدلائل: " ولا تنثني ". (30) بين المعقوفين أخذناه من أنساب الاشراف، وفيه هكذا: " ترى جلسائه يتفاضلون فيه
بالتقوى متواضعين ". وفي الطبقات والدلائل " متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين ". (31) وفي الدلائل: " ويؤثرون ذوي الحاجة، ويحفظون الغريب " وفي الطبقات، " ويوثرون ذا الحاجة، ويحفظون - أو يحوطون - الغريب ". وفي الانساب: " ويؤثرون ذا الحاجة ويحوطون الغريب ". (32) الفظ: السئ الخلق الخشن الكلام: والصخاب: الكثير الصياح، شديد الضجيج. (33) ومثله في أنساب الاشراف، ولا يوجد قوله " ولا مداح " في الطبقات، وفي الدلائل: " ولا مزاح ". (34) وفي الطبقات: " يتغافل عما لا يشتهي، ولا يدنس منه ولا يجنب فيه ". والظاهر ان الجملة الاخيرة مصحفة. وفي الانساب: " يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يؤيس منه ولا يجيب فيه ". وفي هامش دلائل النبوة نقلا عن كتاب الشمائل ودلائل البيهقي: " ولا يؤيس منه راجيه ".
[104]
ثلاث: [من] المراء والاكثار وما لا يعنيه (35) وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته (36) ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير (37) فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث (38) من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ (39) حديثهم عنده حديث أولهم (40) يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه (41) حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، و [كان] يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه (42)
(35) قال في هامش دلائل النبوة: وفي بعض نسخ الشمائل: " والاكبار ".
(37) كناية عن الهدوء والسكوت عن سكينة ووقار. (38) كلمة ": الحديث " غير موجودة في الطبقات والدلائل، وفي الانساب: " لا ينازعون عنده أحدا "، من تكلم أنصتوا حتى يفرغ من كلامه ". (39) ومثله في الطبقات والدلائل. (40) ومثله في لادئل النبوة، وفي الانساب والطبقات: " حديثهم عنده حديث أوليتهم ". (41) أي إذا كان أحد يجفو في مسألته عته، ومنطقه له، يحلم صلى الله عليه وآله وسلم عنه ولا يغضبه ذلك، لرأفته وشفقته على الناس. (42) أي أعينوه على قضاء حاجته ليبلغ أمله ورجاءه.
[105]
و [كان] لا يقبل الثناء إلا من مكافئ (43) ولا يقطع على أحد كلامه حتي يجوز فيقطعه بنهي أو قيام (44). قال [الحسين عليه السلام]: فسألته عن سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال (45): [و] كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم (46) على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر [والتفكير " خ "] (47) فأما التقدير ففي تسوية النظر، والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى أو يفنى (48) وجمع له الحلم في الصبر (49) فكان لا يغضبه شئ ولا
(43) ولعل المعنى انه صلى الله عليه وآله لم يكن يقبل من الثناء إلا ثناءا مساويا لما صنعه من الخير والاحسان، دون ما جاوز صاحبه فيه الحد، وبالغ قائله فيه. (44) أي كان صلى الله عليه واله وسلم يصغي لكلام القائل وينصت له ما دام لم يجز عن حدود الحق ولم يدخل في الباطل، فإذا جاز المتكلم عن الحق ونطق بالباطل كان صلى الله عليه وآله
يقطع عليه كلامه إما بنهيه عنه، أو بقيامه. (45) وفي الطبقات: " قال،: فسألته كيف كان سكوته "،. وفي الدلائل: " قال: قلت: كيف كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ". (46) كذا في الطبقات، وأخذناه منه لكونه أوضح، وفي المعاني، ودلائل النبوة: " كان سكوته على أربع ". وفي الانساب: قلت [لابي]: فكيف كان سكوته، قال: على أربع: الحلم والحذر، والتقدير والتفكير ". (47) وفي الطبقات: " على الحلم والحذر والتقرير والتفكر، فأما التقرير ففي تسوية النظر والاستماع من الناس، وأما تذكره أو تفكره ففيما يبقى ويفنى ". (48) وفي الانساب: " فأما تقديره ففي تسوية النظر بين الناس واستماعه منهم وأما تفكيره ففيما يبقى ويفنى، وجمع الحلم والصبر ". (49) ومثله في الدلائل، وفي الطبقات: " وجمع الحلم والصبر ".
[106]
يستفزه (50) وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به (51) وتركه القبيح لينتهى عنه (52) واجتهاده الرأي في صلاح أمته (53) والقيام فيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة (54). قال الصدوق - قدس الله نفسه: هذا آخر ما رواه عبدان. وحدثنا أبو على أحمد بن يحي المؤدب، قال: حدثنا محمد بن [أبي] الهيثم الانباري قال: حدثنا عبد الله بن الصقر السكري أبو العباس، قال: حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح، قال: حدثني جميع بن عمير العجلي املاءا من كتابه، قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة التميمي عن أبيه، عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال. وذكر الحديث بطوله.
أقول: ورواه أيضا بالسند الثاني - المذكور هنا - في خاتمة الجزء الاول من كتاب عيون أخبار الرضا - عليه السلام - ص 348، ثم قال: وقد رويت هذه الصفة عن مشايخ بأسانيد مختلفة قد أخرجتها في كتاب النبوة.. وقد أخرجت تفسيرها في كتاب معاني الاخبار.
يقال: استفزه الشئ استفزازا: استخفه. أثاره وأزعجه. (51) ومثله في الدلائل، وفي الطبقات: " أخذه بالحسنى ". وفي الانساب: " وجمع ثلاثا: أخذه بالحسن ليقتدى به " الخ. (52) وفي الطبقات والانساب والدلائل: " ليتناهى عنه ". وهو الظاهر. (53) وفي الطبقات والانساب: " واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته والقيام فيما جمع لهم " ولكن في الانساب: " وجمع لهم ". (54) وفي الدلائل: " والقيام فيما يجمع لهم الدنيا والآخرة ".
[107]
أقول: ورواه عنه وعن كتاب عيون اخبار الرضا، وعن مكارم الاخلاق في الحديث (4) من الباب (8) من المجلد السادس من بحار الانوار، ص 133، ط الكمباني، وفي ط الحديث، ج 16، ص 144. ورواه أيضا في الحديث: (832) من أنساب الاشراف: ج 1، ص 386 ط مصر، - وفي المخطوطة: ج 1، ص 188 - قال: حدثني عمرو بن محمد الناقد أبو عثمان، وإسحاق الفروي قالا: حدثنا مالك بن اسماعيل النهدي، حدثنا جميع بن عمير العجلي، حدثني رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي - يكنى أبا عبد الله - عن الحسن بن علي عليهما السلام الخ. ورواه أيضا ابو نعيم في دلائل النبوة: الفصل: (33) منه، ص 544 ط
الهند، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا مالك بن اسماعيل النهدي. وحدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا إسماعيل بن محمد المزني، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا جميع بن عمير بن عبد الرحمان العجلي، قال حدثني رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي عن الحسن بن علي بن ابي طالب الخ، ورواه أيضا البيهقي بسندين في كتاب دلائل النبؤة ج 1 / 238.
[108]
- 21 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به عمر بن الخطاب لما استشاره في حرب الفرس لما تجمع الفرس لحرب العرب في سنة (24) من الهجرة، فزع المسلمون من ذلك، فاستشاروا عمر بن الخطاب، واستشار هو أكابر المهاجرين والانصار فأشاروا عليه بآرائهم وعلي عليه السلام ساكت، فقال عمر: ما تقول أنت يا أبا الحسن فقال علي عليه السلام: إنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن سيرت أهل اليمن من يمنهم خلفت الحبشة على أرضهم، وإن شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك الارض من أقطارها (1) حتي يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم إليك مما قدامك، وإن العجم إذا رأوك عيانا قالوا: هذا ملك العرب كلها، فكان أشد لقتالهم، وإنا لم نقاتل الناس على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم ولا بعده بالكثرة، بل اكتب إلى أهل الشام
(1) وفي نهج البلاغة: " فإنك إن شخصت من هذه الارض، انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها " الخ.
[109]
أن يقيم منهم بشامهم الثلثان، يشخص الثلث، وكذلك إلى عمان، وكذلك [إلى] سائر الامصار والكور. الاخبار الطوال ص 139، ط مصر، في سنة 1960 وذكره بصورة مطولة في كتاب الفتوح لاحمد بن أعثم الكوفي ج 2 ص 37 ط 1. وقريب منه في المختار: (144) من خطب النهج، وللكلام مصادر أخر، ذكرنا صورة منها في المقالة العلوية الغراء وأشار إليه تحت الرقم: (622) من كتاب الاموال لابي عبيد، ص 252، ونقله عنه في إمارة عمر، تحت الرقم: " 2455 " من كتاب الامارة من كنز العمال: ج 5 ص 402، ط 2، ويمكن أيضا أن يكون ما ذكره أبو عبيد إشارة إلى قصة زحف الروم إلى المسلمين واستشارة عمر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره تحت الرقم: (130) من باب الخطب من نهج البلاغة ج 2 ص 18.
[110]
- 22 - ومن كلام له عليه السلام وعظ به عمر بن الخطاب، لما سأله أن يعظه قال ابن عساكر: أخبرنا أبو بكر محمد بن شجاع، أنبأنا أبو عمر بن مندة، وأبو الحسين أحمد بن عبد الرحمان بن محمد الذكواني، وأبو مسعود: سليمان ابن إبراهيم بن محمد الحافظ، وأبو الحسن سهل بن عبد الله بن علي الغازي،
وأبو بكر محمد بن علي بن محمد بن جوله الابهري. وأخبرنا أبو محمد بن طاووس، أنبأنا سليمان بن إبراهيم. وأخبرنا أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن الفضل الحداد، أنبأنا أبو بكر ابن جولة، قالوا: أنبأنا محمد إبراهيم بن جعفر الجرجاني املاءا، أنبأنا أبو علي الحسين بن علي، أنبأنا محمد بن زكريا، أنبأنا العباس بن بكار، أنبأنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عمر لعلي: عظني يا أبا الحسن. [ف] قال علي [عليه السلام]: لا تجعل يقينك شكا، ولا علمك جهلا، ولاظنك حقا (1) واعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، وقسمت فسويت، ولبست فأبليت (2).
(1) المراد منه عدم تنزيل المظنون منزلة المتيقن والمحقق وترتيب الاثر عليه. (2) ومما ينبغي أن يذكر هنا ما ذكره المحاملي في أوائل الجزء الثالث من أماليه الورق 92، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت = >
[111]
قال [عمر]: صدقت يا أبا الحسن. الحديث: (1269) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام، من تاريخ دمشق: ج 38 ص 74 - أو 173 - وفي النسخة المحذوفة الاسانيد، ص 131. ورواه أيضا في أول الباب (48) من جواهر المطالب، ص 46، كما رواه أيضا في كنز العمال: ج 8.
= > الاعمش يحدث عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي عليه السلام انه قال: استشار عمر بن الخطاب الناس فقال: ما ترون في شئ فضل عندنا من هذا المال، قالوا: يا أمير المؤمنين قد أشغلناك عن أهلك وضيعتك وتجارتك، فهو لك ! فقالى لي: ما تقول، قلت: قد أشاروا عليك ! ! فقال:
قل. قلت: لم تجعل يقينك ظنا، وعلمك جهلا. قال: لتخرجن مما قلت. قلت: أجل والله لاخرجن منه، أما تذكر إذ بعثك رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيا، فأتيت العباس بن عبد المطلب فمنعك ضيعته، فأتيتني فقلت: انطلق معي إلى رسول الله صلى الله عليه لنخبره بما صنع العباس. فأتيناه فوجدناه خاثرا، فرجعنا ثم أتيناه في اليوم الثاني فوجدناه طيب النفس فأخبرناه بالذي صنع العباس، فقال: أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه. فأخبرناه بالذي رأينا من خثورة نفسه في اليوم الاول والذي رأينا من طيب نفسه في اليوم الثاني فقال: إنكما أتيتماني في اليوم الاول وقد بقيت من الصدقة ديناران فخشيت أن يأتيني الموت قبل أن أوجه بهما، ثم اتيتماني ذا اليوم [كذا] وقد وجهتهما، فالذي رأيتم من طيب نفسي من ذلك. فقال عمر: صدقت والله لاشكرن لك الاولى والآخرة. قلت: لم تؤخر [ظ] الشكر. ورواه أيضا تحت الرقم (725) من مسند ابن حنبل: ج 2 / 724 في مسند علي (ع). وقصة بعث النبي عمر ساعيا وملاقاته العباس في أول من لقي وتغليظ كل منهما الآخر ورجوع عمر، ودخوله على النبي مع علي ذكره أيضا عيسى بن علي الحراج الوزير في أماليه الورق 13، ولكن لم يذكر ما هنا من خثورة نفس النبي في اليوم الاول، وطيبها في الثاني.
[112]
- 23 - ومن كلام له عليه السلام لما أغرم بعض الولاة عماله وشاطرهم أموالهم لئن كان عماله خونة وكان هذا المال في أيديهم خيانة ما كان حل له تركه، وكان له أن يأخذه كله فإنه فئ للمسلمين، فماله [أن] يأخذ نصفه ويترك نصفه، ولئن كانوا غير خونة، فما حل له أن يأخذ أموالهم ولا شيئا منه قليلا ولا كثيرا. وأعجب من ذلك إعادته إياهم إلى أعمالهم لئن
كانوا خونة، ما حل له أن يستعملهم ! ! ولئن كانوا غير خونة، ما حقت له أموالهم ! ! ! كتاب سليم بن قيس الهلالي - رحمه الله - ص 119.
[113]
- 24 - ومن كلام له عليه السلام قاله للعباس وبني هاشم لما أوصى عمر بالشورى قال الطبري: حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن وكيع، عن الاعمش، عن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله الانصاري، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب. و [عن] أبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن ابن عباس بن سهل، ومبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، ويونس بن أبي إسحاق: عن عمرو بن ميمون الاودي أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: لو استخلفت - وساق كلاما لعمر من تمنيه حيات العبد العجمي سالم مولى أبي حذيفة وغيره مما يطول ذكره إلى أن قال - وقال [عمر] لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير، وسعدا و عبد الرحمان بن عوف، وطلحة إن قدم [من سفره] وعبد الله بن عمر - ولا شئ له من الامر - دارا وقم على رؤسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد، فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، وان اتفق أربعة وأبي اثنان فاضرب رؤسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة منهم رجلا آخر فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين إن
رغبوا عما اجتمع عليه الناس. فخرجوا [من عند عمر] فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا.
[114]
وتلقاه [عمه] العباس فقال [له]: عدلت عنا. فقال [العباس:] وما علمك ؟ قال: قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الاكثر فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمان، وعبد الرحمان صهر عثمان (1) لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمان عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمان، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني بله إني لا أرجو إلا أحدهما (2). تاريخ الطبري: ج 3 ص 299، وتاريخ الكامل: ج 3 ص 35. وروى قريبا منه جدا في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 19، في عنوان: " أمر الشورى وبيعة عثمان ". وقريبا منه رواه في الشافعي - كما في شرح ابن أبي الحديد: ج 12 - 263 - ورواه ايضا في تلخيصه: ج 3 ص 92 ط الغري، وحكاه في الهامش عن أنساب الاشراف للبلاذري: ج 5 - 19، عن العباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي مخنف في اسناده.
(1) قال ابن الكلبي عبد الرحمان بن عوف زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمها أروى بنت كريز، وأروى أم عثمان فلذلك قال (علي عليه السلام): صهره كذا ذكره البلاذري عنه في عنوان: " أمر الشورى وبيعة عثمان " من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 / 19. (2) بله: اسم لفعل الامر بمعنى: دع، واترك. (*)
[115]
- 25 - ومن كلام له عليه السلام قاله لسعد بن أبي وقاص في يوم الشورى إتقوا الله الذي تساءلون به والارحام، إن الله كان عليكم رقيبا (1) أسألك برحم ابني هذا من رسول الله (2) وبرحم عمي حمزة منك، أن لا تكون مع عبد الرحمان لعثمان ظهيرا علي، فإني أدلي بما لا يدلي به عثمان (3). تاريخ الطبري: ج 3 ص 296 ط مصر، سنة 1358، ومثله في تاريخ الكامل: ج 3 ص 36 ط سنة 1356، بمصر. ورواه أيضا في عنوان: " أمر الشورى وبيعة عثمان " من ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 20.
(1) إقتباس من الآية الاولى، من سورة النساء. (2) وفي العقد الفريد: " أسألك برحم ابني هذين من رسول الله صلى الله عليه وسلم " الخ. (3) يقال: " أدلى زيد بقرابته أو بحجته " أي توسل واحتج بها.
[116]
- 26 - ومن خطبة له عليه السلام في يوم الشورى قال الخوارزمي: أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري أخبرني الاستاذ الامين أبو الحسن علي بن مردك الرازي، أخبرني الشيخ الزاهد الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان، أخبرنا
أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المحمودي (1) بقراءتي عليه سنة ست وثمانين وثلاثمأة، حدثنا أبو محمد عبد الرحمان بن حمدان بن عبد الرحمان بن المرزبان الحلان (2)، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم السوسي البصري نزيل حلب، حدثنا عثمان بن عبد الله القرشي الشامي بالبصرة - قدم علينا - حدثنا يوسف بن أسباط، عن محل الضبي (3) عن إبراهيم النخعي، عن علقمة: عن أبي ذر [رضي الله عنه] قال: لما كان أول يوم في البيعة لعثمان ليقضي
(1) كذا في الطبعة القديمة، وفي ط الجديد: " أخبرني أبو بكر محمد بن عبد الله الحمدوني بقراءتي عليه سنة (386) الخ. وليعلم ان السند ضعيف جدا حتى عند القوم، وفيه من اتفقت كلمتهم على ضعفه، فلا يقبل المتن المروي بمثل هذا السند إلا ما تشهد الشواهد الخارجية والادلة المنفصلة على صدقه وواقعيته، دون غيره مما لا شاهد له، فضلا عما قامت الشواهد على خلافه. (2) كذا في ط القديم، وفي ط الجديد: " الجلاب ". (3) عن محمد الضبي " خ ل ". كذا في متن الاصل، وهكذا ذكره أيضا في غاية المرام من غير إشارة إلى اختلاف النسخ.
[117]
الله أمرا كان مفعولا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة (4)، [قال أبو ذر]: فاجتمع المهاجرون والانصار في المسجد، ونظرت (5) إلى أبي محمد عبد الرحمان بن عوف، وقد اعتجر بريطة (6) وقد اختلفوا وكثرت المناجزة إذ جاء أبو الحسن - بأبي هو وأمي - قال، فلما بصروا بأبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام (7) سر القوم طرا، فأنشأ علي [عليه السلام] يقول: إن أحسن ما ابتداء به المبتدؤن (8) ونطق به الناطقون، وتفوه به القائلون حمد الله والثناء عليه بما هو أهله (9)
والصلاة على النبي محمد وآله (10).
(4) اقتباس من الآية (42) من سورة الانفال: 8 وليعلم ان ما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ من غاية المرام ولم يوجدني ط ايران من كتاب المناقب. ثم ان مناشداته عليه السلام من طريق أبي ذر، رواها أيضا " أبو الحسن شاذان الفضلي في الحديث (13) من رسالة رد الشمس - كما ذكره السيوطي عنه في كتاب اللئالي ج 1 / 174 - قال: حدثنا أبو الحسن بن صفوة، حدثنا الحسن بن علي بن محمد الطبري حدثنا أحمد بن العلاء الرازي حدثنا اسحاق بن ابراهيم التيمي حدثنا محل الضبي عن ابراهيم النخعي، عن علقمة، عن أبي ذر، قال: قال علي يوم الشورى: أنشدكم بالله هل فيكم من ردت له الشمس غيري حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل رأسه في حجري حتى غابت الشمس فانتبه فقال: يا علي صليت العصر ؟ قلت: اللهم لا. فقال: اللهم ارددها عليه فإنه كان في طاعتك وطاعة رسولك. (5) وفي غاية المرام: " فنظرت " (6) الريطة - بفتح الراء وسكون الياء -: كل ثوب يشبه الملحفة. الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ونسجا واحدا. والجمع: ريط ورياط. وجملة: " وكثرت المناجزة " غير موجودة في غاية المرام. (7) وفي غاية المرام: " كرم الله وجهه ". (8) وفي غاية المرام: " إن أحسن ما بدء به المبتدؤن ". وفي الكنز: " إن أحق ما ابتدء به المبتدؤن ". (9) وفي غاية المرام: " وثناء الله بما هو أهله ". وفي الكنز " وثناء عليه بما هو أهله ". (10) وفي غاية المرام: " وصلى الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله ".
[118]
الحمد لله المتفرد بدوام البقاء، المتوحد بالملك، الذي له الفخر والمجد والثناء (11) خضعت له الجبابرة
[الآلهة " خ ل "] لآلائه وجلاله، [ووجلت] القلوب من مخافته (12) فلا عدل له ولا ند، ولا يشبهه أحد من خلقه، ونشهد [له] بما شهد به لنفسه، وأولو العلم من خلقه أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (13) ليس له صفة تنال (14) ولا حد يضرب له فيه الامثال، المدر صوب الغمام ببنات النطاف (15) ومنهطل الرباب بوابل
(11) إلى هنا رواه عنه في الباب (20) من غاية المرام متواليا، وأسقط ما بعده إلى قوله: " فهدانا الله بمحمد صلى الله عليه وآله إلى صالح الاديان ". وفي الكنز: " الذي له الفخر والمجد والسناء، خضعت الآلهة لجلاله، ووجلت القلوب من مخافته، ولا عدل له ولا ند " الخ. (12) هذا هو الظاهر، والنسخة سقيمة جدا، فإنها حرفت " الآلهة " ب " إلا الله ". وحذفت كلمة " ووجلت " الموضوعة بين المعقوفين، وكررت لفظة " القلوب ". وفي رواية ابن عساكر هكذا: " فخضعت الآلهة لجلاله، ووجلت القلوب من مخافته ". (13) وفي تاريخ دمشق والكنز: " أن لا إله إلا هو ". (14) أي لا ينال أحد كنه صفاته كما لا ينال كنه ذاته تقدس وتعالى. وفي تاريخ دمشق: " ليست له صفة تنال ". وهو أظهر. (15) كذا في تاريخ دمشق، وفي الطبعة القديمة من مناقب الخوارزمي " نبات بدوات نطواق " ولا ريب انه مصحف. والظاهر ان قوله: " المدر " مبتدء وما بعده خبره، وقراءته بالجر على أن يكون صفة للفظ الجلالة - مع الفصل الطويل - خلاف الظاهر.
[119]
الطل (16) فرش الفيافي والآكام بتشقيق الدمن وأنيق الزهر، وأنواع النبات (17) [و] المهريق (18) العيون
الغرار من صم الاطواد (19) ببعث [ظ] الزلال حياتا للطير والهوام والوحش، وسائر الانعام والانام، فسبحان من يدان لدينه، ولا يدان لغير الله دين (20)
(16) كذا في المصدرين، ولعل الصواب: " ومهطل الرباب " أي منزله. والرباب - كسحاب - السحاب الاببض. و " الوابل ": المطر الشديد. و " الطل " - هنا -: الحسن المعجب. (17) كذا في النسخة ولعل الصواب: " ومفرش الفيافي " وفي المصدر: " فرس الصافي والآكام بتشقق الدمن ". وفي تاريخ دمشق: " فرش الفيافي من الآكام بتشقيق الدمن وأنيق الزهر، والانواع المنخنس من النبات ". وفي الكنز: " وأنواع المتحسن من النبات ". والفيافي: المفازات التي لا ماء فيها، وهي جمع " الفيفي. والفيفاء والفيفاة ". و " الآكام ": جمع أكم وأكمات - كفرح وحسنات - وهما: جمع " الاكمة " كحسنة -: التل. والظاهر ان المراد من " الدمن " هنا -: حبوب النباتات مطلقا، لا خصوص ما في سرقين الحيوانات. و " الزهر " كفلس وفرس: نور النبات. (18) وألفاظ المصدر مصحفة، ولم آل جهدي في تصويبها ومع ذلك لم أطمئن بصحة كثير منها. و " المهريق " من قولهم: " أهرق الماء ": أراقه. (19) و " الغرار " كأنه من قولهم: " غر الماء - من باب مد - غرا وغرارا ": نضب أي غار ونشف. و " الصم ": الصلب المتقن. و " الاطواد ": جمع الطود: الجبل العظيم. الهضبة. وهي تاريخ دمشق: " وشق العيون من جيوب المطر. من جيوب المطر، إذ شبعت الزلا (كذا /) حياتا للطير والهوام والوحش وسائر الانام والانعام ". وفي الكنز: " إذ شبعت الدلاء " الخ. (20) كذا في مناقب الخوارزمي، وفي تاريخ دمشق: " فسبحان من يدان لدينه، ولا يدان بغير دينه دين ". هذا ظاهر رسم الخط بعد امعان وتدبر، ويحتمل بعيدا أن يقرء " ولا يدان لغير الله دين ". وفي الكنز: " ولا يدان لغير دينه دين ". (*)
[120]
وسبحان الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود (21). ونشهد أن محمدا [صلى الله عليه وآله] عبده ورسوله المرتضى، ونبيه المصطفى، وحبيبه المجتبى (22) أرسله الله إلينا كافة، والناس أهل عبادة الاوثان وخضوع للضلالة (23) يسفكون دماءهم ويقتلون أولادهم ويخيفون سبيلهم عيشهم الظلم (24) وأمنهم الخوف وعزهم الذل، حتي استنقذنا الله بمحمد صلى الله عليه وآله من الجهالة (25) وانتاشنا بمحمد [صلى الله عليه وآله] (26)
(21) كذا في المصدر، وفي رواية ابن عساكر: " وسبحان الذي ليس له صفة نعت موجود، ولا حد محدود ". وفي هامش الكنز، عن جمع الجوامع: " سبحان الذي له صفة نعت موجود ". وهو مصحف بلا ريب. (22) بين المعقوفين كان ساقطا من النسخة، وفي تاريخ دمشق " ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده المرتضى ونبيه المصطفى ورسوله المجتبى " وهو أظهر. (23) كذا في تاريخ دمشق - وهو الظاهر - وفي المصدر: " وصبوع الضلالة ". وفي الكنز: " وخضوع الضلالة ". (24) هذا هو الظاهر من السياق، الموافق لتاريخ دمشق، وفي ط القديم من مناقب الخوارزمي: " غشيهم الظلم " وهذا وإن كان صوابا في حد ذاته، ولكنه لا يلائم ما بعده. (25) وفي تاريخ دمشق، والكنز: " عيشهم الظلم، وأمنهم الخوف، وعزهم الذل، فجاء رحمه [كذا] حتى استنقذنا الله بمحمد [صلعم] من الضلالة وهدانا بمحمد " صلعم " من الجهل، ونحن معاشر العرب أضيق الامم معاشا وأخسهم رياشا ".
(26) يقال: " انتاشه من التلف ": أنقذه منه. وأصله من نوش.
[121]
من الهلكة، ونحن معاشر العرب أضيق الامم معاشا، وأخشنها رياشا (27) جل طعامنا الهبيد (28) وجل لباسنا الوبر والجلود، مع عبادة الاصنام [ظ] والاوثان والنيران (29) فهدانا الله بمحمد [صلى الله عليه وآله وسلم] إلى صالح الاديان (30) وأنقذنا من عبادة الاوثان بعد أن أمكنه الله من شعلة النور، فأضاء بمحمد [صلى الله عليه وآله وسلم] (31) مشارق الارض ومغاربها فقبضه الله إليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما أجل رزيته وأعظم مصيبته، فالمؤمنون فيه طرا مصيبتهم واحدة (32).
(27) الرياش - بكسر الراء -: الفاخر من اللباس والاثاث. المعاش المال. الخصب. وفي تاريخ دمشق، " وأخسهم رياشا ". ومثله في الكنز. (28) وفسره في رواية ابن عساكر بشحم الحنظل. (29) كذا في المناقب، وفي تاريخ دمشق، والكنز: " مع عبادة الاوثان والنيران ". (30) ومن قوله: " فهدانا الله بمحمد " إلى آخر الكلام نقله في غاية المرام عن الخوارزمي غير أن بين المعقوفين كان فيه هكذا " ص ". (31) بين المعقوفين كان في الاصل المحكي عنه والحاكي هكذا: " ص ". وفي تاريخ دمشق: " فهدانا الله بمحمد " صلع " بعد أن أمكنه الله شعلة النور، فأضاء لمحمد " صلع " مشارق الارض ومغاربها ". ومثله في الكنز، إلا انه قال: " فأضاء بمحمد ". (32) وفي تاريخ دمشق: " فالمؤمنون فيه سواء مصيبتهم فيه واحدة ". وفي الكنز: " فالمؤمنون فيهم سواء "، وبعده في مناقب الخوارزمي هكذا:
معاشر المسلمين ناشدتكم الله هل تعلمون معاشر المهاجرين أن جبرنيل أتى النبي صلى الله عليه وآله الخ. ولاضطراب الاصل هنا، ذكرنا ما ذكر هنا عن غاية المرام. وفي تاريخ دمشق: " أناشدكم الله معاشر المهاجرين والانصار هل تعلمون أن جبرئيل أتى النبي فقال: يا محمد لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، قهل تعلمون هذا كان لغيري " الخ.
[122]
ثم قال علي كرم الله وجهه (33): فأنشدكم بالله يا معاشر المهاجرين والانصار هل تعلمون أن جبرئيل [عليه السلام] أتى النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] وقال: يا محمد لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، هل تعلمون كان هذا ؟ (34) قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جبرئيل [عليه السلام] نزل على النبي فقال: يا محمد إن الله يامرك أن تحب عليا وتحب من يحبه، فإن الله تعالى يحب عليا ويحب من يحب عليا (35). قالوا اللهم نعم.
(33) كذا في غاية المرام، وكلمة: " كرم الله وجهه " غير موجودة في تاريخ دمشق. (34) وللحديث مصادر كثيرة. (35) وما أدري ماذا يقول الامويون والعباسيون والذين زادوا في طنبور هؤلاء نغمات وقد قتلوا عليا وولده ونكلوا بشيعته ومحبيه، وأحبوا من أبغضه وأبغضوا من أحبه، وهم يروون هذه الاحاديث وما لا يحصى من أشباهه ! !
[123]
قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله [صلى الله
عليه وآله وسلم] قال: لما أسري بي إلى السماء السابعة رفعت إلى رفارف من نور، ثم رفعت إلى حجب من نور، فوعد النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] الجبار - لا إله إلا هو - أشياء فلما رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ أخوك علي بن أبي طالب، واستوص به (36) أتعلمون يا معاشر المهاجرين والانصار كان هذا ؟ فقال أبو محمد من بينهم - يعني عبد الرحمان بن عوف -: سمعتها من رسول لله [صلى الله عليه] وإلا فصمتا.
(36) كلمة " واستوص به " غير موجودة في رواية ابن عساكر وفيها هكذا: " أناشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله قال: لما أسري بي إلى السماء السابعة، رفعت إلى رفارف من نور ثم رفعت إلى حجب من نور، فأوعز إلي علم أشياء [كذا] فلما رجعت من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ أخوك علي، معاشرين المهاجرين والانصار [أ] كان هذا ". وفي الكنز " أناشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أسري بي.. فأوحى إلى أشياء، فلما رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب يا محمد نعم الاب أبوك إبراهيم [و] نعم الاخ أخوك علي. هل تعلمون معاشر المهاجرين والانصار كان هذا ".
[124]
ثم قال: هل تعلمون أن أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيري ؟ قالوا اللهم لا (37). قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن أبواب المسجد سدها
[رسول الله] وترك بابي بأمر من الله ؟ (38). قالوا اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله [صلى الله عليه وآله قاتلت الملائكة عن يساره ؟ قالوا اللهم نعم]. (39) [قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله قال لي]، " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". (40) قالوا اللهم نعم.
(37) هذا المعنى مما صرح به في كثير من أخبار سد الابواب. (38) وهذا متواتر بين المسلمين، ومقتضى اطلاقه - كصراحة غيره من أخبار الباب - انه صلى الله عليه وآله، سد جميع الابواب ولم يبق لاحد غيره بابا ولا خوخة، نعم أبقى لمدعيه دوخة. (39) بين المعقوفين هنا - وفي التالي أيضا - قد سقط من نسخة غاية المرام، وفي تاريخ دمشق هكذا: " هلى تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين النبي قاتلت الملائكة عن يساره " ! ومثله في الكنز غير ان فيه: " فهل ". (40) هذا الحديث متواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بلفظه.
[125]
قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] أخذ الحسن والحسين فجعل يقول: هي يا حسن (41). فقالت فاطمة: يارسول الله إن الحسين أصغر وأضعف ركنا منه. فقال لها رسول الله: ألا ترضين أن أقول أنا: هي يا حسن. ويقول جبرئيل
هي يا حسين ؟ فهل لاحد من الناس مثل منزلتنا عند الله وعند رسول الله (42) نحن صابرون ليقضي الله في هذه البيعة أمرا كان مفعولا. الحديث (18) من الفصل (19) من مناقب الخوازرمي ص 213 وفي ط ص 137. ورواه عنه في الحديث: (69) من الباب: (20) من غاية المرام ص 118.
(41) هي بالفتح وتشديد الياء المكسورة اسم فعل للامر، وكلمة اغراء واستزادة بمعنى أسرع، وفي تاريخ دمشق: " وهل تعلمون أن رسول الله كان يواخي بين الحسن والحسين " ؟. وفي كنز العمال: " وهل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخى بين الحسن والحسين ". والظاهر تصحيفهما وليعلم ان هذا الفصل غير موجود في بقية طرق المناشدات - التي عثرت عليها، نعم رواه جماعة ولكن في غير قصة المناشدات، فرواه في فضائل الخمسة: ج 3 / 199، عن مصادر من طريق أهل السنة، كما رواه أيضا سليم بن قيس في أواسط كتابه، وكذلك رواه في آخر الحديث (8) من المجلس (68) من أمالي الصدوق، وفي تاريخ الاسلام - للذهبي -: ج 2، وكتاب الارشاد، ص 249. (42) وفي الهامش: " فهل لخلق منكم مثل هذه المنزلة " خ ل ". وفي الكنز: فهل لخلق مثل هذه المنزلة ؟ ".
[126]
ورواه أيضا ابن عساكر - في ترجمة عثمان من تاريخ دمشق: ج 25 - 60 س 1، عكسا، قال أخبرنا أبو الحسين بن الفراء، وأبو غالب بن البناء قالا: أنبأنا أبو يعلى محمد بن الحسين، أنبأنا جدي لامي أبو القاسم عبد الله بن عثمان بن علي بن حماد [أو الخليفة] الدقاق من لفظه، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن مخلد، أنبأنا أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن الحسن املاءا من أصله، أنبأنا عثمان بن عبد الله القرشي بالبصرة - إلى آخر ما مر برواية الخوارزمي - ورواها بعضهم
عن كنز العمال: ج 3 ص 154 (43).
(43) ولم يتيسر لي المراجعة إلى الكتاب لان الخرس قد أشغل سوق المعارف والمكتبة. وليعلم ان هذه الخطبة ذكرناها تحفظا على عقائل كلامه عليه السلام، ورجاء أن نظفر على مصدر آخر لتصحيح ما صحف في هذين المصدرين، ولقد وقفت أسبوعين من عمري على تصحيحه ومع ذلك لم أطمئن في كثير من ألفاظها بالصواب، إذ المصدر ان كانا غير مقروءين وكانا مصحفين في كثير من الكلمات، وفي رواية ابن عساكر زيادات غير مقروءة إذ النسخة قديمة جدا "، والخط كوفي، وكأنها مزجت بأكاذيب.
[127]
- 27 - ومن كلام له عليه السلام قاله على سبيل الاحتجاج على أصحاب الشورى قال الحافظ الكبير، والمصنف الخبير ابن عساكر الدمشقي: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، أنبأنا أبو الفضل أحمد بن عبد المنعم بن أحمد بن بندار، أنبأنا أبو الحسن العتيقي، أنبأنا أبو الحسن الدارقطني، أنبأنا أحمد بن محمد بن سعيد، أنبأنا يحي بن زكريا بن شيبان، أنبأنا يعقوب بن سعيد [ظ] حدثني أبو عبد الله، عن سفيان الثوري، عن أبي اسحاق السبيعي، عن عاصم ابن ضمرة، وهبيرة، والعلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد ابن عبد الله الاسدي، وعن عمرو بن واثلة (1) قالوا: قال علي بن أبي طالب يوم الشورى: والله لاحتجن عليهم بما لا يستطيع قرشيهم ولا عربيهم ولا عجميهم رده ولا يقول خلافه. ثم قال لعثمان وعبد الرحمان والزبير وطلحة وسعد - وهم أصحاب الشورى
وكلهم من قريش، وقد كان قدم طلحة -:
(1) كذا في النسخة، وهذا أحد القولين في اسمه، والثاني أن اسمه: عامر بن وائلة، وهو أبو الطفيل الليثي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومحبيه، وهو ثقة بالاتفاق.
[128]
أنشدكم (2) بالله الذي لا إله إلا هو أفيكم أحد وحد الله قبلي. قالوا اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد صلى لله قبلي وصلى القبلتين (3). قالوا اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري إذ آخى بين المؤمنين فآخى بيني وبين نفسه، وجعلني منه بمنزلة هارون من موسى إلا أني لست بنبي (4). قالوا: لا.
(2) يقال: " نشده الله وبالله - من باب نصر وضرب والمصدر كنصرا وابرة وحرمانا - نشدا ونشدة ونشدانا ": استحلفه أي سأله وأقسم عليه بالله. ويقال: " نشدتك الله إلا فعلت " أي ما طلبت منك شيئا من الاشياء إلا فعلك. ويقال: " نشدك الله - بفتح النون وكسرها مع سكون المعجمة فيهما - إلا فعلت " أي أنشدك بالله وأسألك به مقسما عليك. ومثله المناشدة. (3) وفي الحديث (6) من الجزء (12) من أمالي الطوسي ص 212: " أنشدكم بالله جميعا أفيكم أحد صلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وآله " الخ. وفي روايته (ره) في الحديث (4) من المجلس الثاني من أماليه - أو أمالي ابنه ص 3، وفي ط الغري ص 159 -: " أنشدكم بالله - أو قال: أسألكم بالله - الذي يعلم سرائركم ويعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم هل فيكم أحد آمن قبلي بالله ورسوله وصلى القبلتين قبلي، قالوا: اللهم لا " الخ. وفي البحار: ج 8 ص 352 نقلا عن كتاب الروضة: " أنشدكم بالله هل فيكم أحد وحد الله وصلى مع رسول الله قبلي " الخ. (4) والحديث رواه ابن عساكر - في غير عنوان المناشدات - عن (119) طريقا، ورواه في
الباب (20 و 21) من غاية المرام عن (179) طريقا.
[129]
قال: أنشدكم بالله أفيكم مطهر غيري إذ سد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوابكم وفتح بابي وكنت معه في مساكنه ومسجده، فقام إليه عمه فقال: يارسول الله غلقت أبوابنا وفتحت باب علي ؟ ! قال: نعم أمر الله بفتح بابه وسد أبوابكم (5). قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم [بالله] أفيكم أحد أحب إلى الله وإلى رسوله مني إذ دفع الراية إلي يوم خيبر فقال: [لاعطين الراية] (6) إلى من يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ويوم الطائر إذ يقول: [اللهم] ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي. فجئت فقال: اللهم وإلى رسولك،
(5) ورواه ابن عساكر - في غير باب المناشدات - عن (13) طريقا، ورواه في الباب (99) من غاية المرام ص 639 عن (29) طريقا، وفي الباب (100) منه عن (15) طريقا (6) بين المعقوفين كان ساقطا عن النسخة، ولا بد منه، والحديث رواه ابن عساكر - في غير باب المناشدات - عن (50) طريقا، ورواه أيضا في الباب (9) من الفصل الاخير من غاية المرام ص 465 عن (35) طريقا. ثم ان احتجاجه عليه السلام في يوم الشورى بحديث الطير موجود في المناشدات التي رواها الحاكم صاحب المستدرك في كتاب حديث الطير الذي جمعه، وفيه أيضا احتجاجه عليه السلام برد الشمس، وسند الحاكم غير هذا السند، كما في الباب (100) من كفاية الطالب، ص 378 وكما في المختار التالي.
[130]
اللهم وإلى رسولك (7) [" قالوا اللهم لا].
قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد قدم بين يدي نجواه صدقة غيري ؟ قالوا: اللهم لا (8) قال: نشدتكم بالله أفيكم من قتل مشركي قريش والعرب في الله وفي رسوله غيري ؟ قالوا: اللهم لا (9). قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد دعا رسول الله صلى
(7) وما بعده مما بين المعقوفين كأنه من النسخة، ولابد منه، ويحتمل سقوطه من قلمي، ولعدم وجود النسخة - أي الاصل المأخوذ منه - لدي فعلا للمراجعة جعلناه بين المعقوفين للامتياز. ثم إن هذا الحديث رواه ابن عساكر - في غير باب المناشدات - عن (34) طريقا، ورواه في الباب (11) من الفصل (2) من غاية المرام ص 471 عن (35) طريقا ورواه ابن المغازلي في مناقبه في الحديث: (18 - 212) وقد ألف جماعة من الخاصة والعامة في جمع طرقه رسائل وراجع إلى حديث الطير من عبقات الانوار فإن فيه ما تشتهيه (8) اتفقت الامة الاسلامية من بكرة أبيهم على أنه لما نزلت الآية الكريمة: " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " (12 / المجادلة) انتهى المسلمون بأجمعهم عن المناجات واستفسار الحقائق عن رسول الله صلى الله عليه وآله غير علي بن أبي طالب فانه كان عنده دينار ففرقه على عشرة حصص وناجى رسول الله وشرب من المنهل العذب حتى نزلت: " " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات " في ذم المسكين عن المناجات، ولم يعمل بالآية الشريفة غير أمير المؤمنين عليه السلام، ومن هنا يستنتج أن ما ينسب إلى بعضهم من الانفاق على رسول الله أو في موضوع كذا فهو من موضوعات الامويين. (9) كذا في النسخة، والصواب ما رواه في الباب (100) من كفاية الطالب ص 387 بسند آخر عن الحاكم صاحب المستدرك في كتابه الذي جمعه في طرق حديث الطير، وهو: " أمنكم أحد قتل مشركي قريش قبلي، قالوا: لا "...
[131]
الله عليه وسلم له في العلم وأن يكون أذنه الواعية مثل ما دعالي ؟ قالوا: اللهم لا (10). قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرحم، ومن جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وابناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري ؟ (11). قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد كان يأخذ الخمس (12) مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمن أحد من قرابته غيري وغير فاطمة ؟ قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء عالمها ؟ قالوا: اللهم لا.
(10) ذكر ابن عساكر في تفسير قوله تعالى: " وتعيها اذن واعية " الآية (12) من سورة الحاقة، حديثين في هذا المعنى، وهو الحديث، (923 و 924) من نرجمته عليه السلام من تاريخ دمشق. وروى في الباب: (69) وتاليه من غاية المرام ص 366 ستة عشر حديثا في الموضوع. (11) كما في الآية: (61) من سورة آل عمران: (3): " فإن تولوا فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ". (12) كذا.
[132]
قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد له ابنان مثل ابني الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ما خلا النبيين غيري ؟ قالوا: اللهم لا.
قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد له أخ كأخي جعفر الطيار في الجنة المزين بالجناحين مع الملائكة غيري ؟ قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد له عم مثل عمي أسد الله وأسد رسول الله سيد الشهداء حمزة غيري ؟ (13). قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله [هل فيكم] أحد ولي غمض رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الملائكة غيري ؟ قالوا: اللهم لا.
(13) ولا يزال هو عليه السلام وذريته كانوا يفتخرون بجعفر وحمزة رضوان الله عليهم، وكتب عليه السلام إلى معاوية: محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن أمي وكان الامام الحسين عليه السلام في يوم عاشواء يرتجز ويقول: وفاطم أمي من سلالة أحمد * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر
[133]
قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد ولي غسل النبي صلى الله عليه وسلم [كذا] مع الملائكة يقلبونه كيف أشاء غيري ؟ (14) قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد كان آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضعه في حفرته غيري ؟ قالوا: اللهم لا.
قال نشدتكم بالله أفيكم أحد قضى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ديونه ومواعيده غيري ؟ (15) قالوا: اللهم لا.
(14) وأما غيره فحرموا عن الحضور عند غسله - بل ودفنه صلى الله عليه وآله - لانهم كانوا مشغولين لتمهيد الرياسة وتخطيط الخلافة. (15) قال يوسف بن حاتم الشامي (ره) - في أول وقعة الجمل من كتاب در النظيم -: سألت أبا المجد ابن رشادة (ظ) الواعظ بواسط في ذي الحجة سنة ست وأربعين وخمسمائة، عن قول النبي صلى الله عليه وآله: " انك يا علي تقضي ديني، وتنجز عدتي ". أكان على النبي صلى الله عليه وآله دبن قضاه علي عليه السلام عنه والامر في يد غيره. قال: نعم حدثني شيخي العالم الزاهد الغزالي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " بعثني ربي بقتل المشركين والناكثين والقاسطين والمارقين بعهد عهد إلي، فقتلت المشركين، وبقي قتل الناكثين والقاسطين والمارقين دينا علي يقضيه عني ابن عمي ووصيي علي بن أبي طالب، عهدا معهودا.
[134]
قال: وقد قال الله عزوجل: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " (111 - الانبياء: 21). الحديث (1131) من ترجمة امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 38 ص 39. وقال ابن حجر - في آخر الفصل الثاني من فضائل علي عليه السلام، في آخر الحديث الاربعين من كتاب الصواعق ص 126 -: وأخرج الدارقطني أن عليا قال للستة الذين جعل عمر الامر شورى بينهم كلاما طويلا من جملته: " أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة. غيري ؟ قالوا اللهم لا (16).
وذكره أيضا العلامة جمال الدين المحدث الشيرازي في كتاب روضة الاحباب إلا أنه اكتفى منه ببعض فصوله كقوله صلى الله عليه وآله: انت أخي في الدنيا والآخرة، ومن كنت مولاه فعلي مولاه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي، وأنا مدينة العلم وعلي بابها. ذكره عنه صمصام الطائفة المحقة في المجلد الثاني من حديث: " أنا مدينة العلم وعلي يابها " من عبقات الانوار، ص 277 ط الهند. وروى هذه المناشداة - مع مناشدة أخرى بسند آخر - في الحديث (117) من مناقب ابن المغازلي المتوفي (483) ص 53 قال: أخبرنا أبو طاهر محمد ابن علي بن محمد البيع البغدادي، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن سعيد
(16) من هذه الفقرة يستفاد ان الحديث يرويه ابن حجر عن الدارقطني بسند آخر غير ما تقدم، لان الطريق المتقدم لم يك يشتمل على هذه الفقرة.
[135]
المعروف بابن عقدة الحافظ، أنبأنا جعفر بن محمد بن سعيد الاحمسي أنبأنا نصر - وهو ابن مزاحم - أنبأنا الحكم بن مسكين، أنبأنا أبو الجارود وابن طارق، عن عامر بن واثلة. وأبو ساسان، وأبو حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عامر بن واثلة قال: كنت مع علي في البيت يوم الشورى فسمعت عليا يقول لهم: لاحتجن علبكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم تغيير ذلك الخ. أقول: ورواها أيضا الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن الحسن القزويني - المتوفى سنة 422 - في المجلد الثاني من أماليه، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، أن جعفر بن محمد بن
سعيد الاحمسي حدثهم [وقال]: حدثنا نصر - وهو ابن مزاحم - حدثنا الحكم بن مسكين، حدثنا أبو الجارود وأبو طارق، عن عامر بن واثلة. وأبو ساسان وأبو حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عامر بن واثلة قال: كنت مع علي عليه السلام في البيت يوم الشورى فسمعت عليا عليه السلام وهو يقول لهم: لاحتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم [أن] يغير ذلك. ثم قال: " انشدكم بالله أيها النفر " الخ. ونقلها عنه بطولها العلامة الاميني (ره) في ثمرات الاسفار ج: 2.
[136]
- 28 - ومن كلام له عليه السلام في معنى ما تقدم قال الحاكم في كتاب حديث الطير (1): أخبرنا أبو بكر ابن أبي دارم الحافظ بالكوفة من أصل كتابه، حدثنا منذر بن محمد بن منذر، حدثنا أبي، حدثني عمي، حدثنا أبي عن أبان بن تغلب عن [أبي الطفيل] عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى وعلي في البيت فسمعته يقول: استخلف أبو بكر وأنا في نفسي أحق بها منه [وأولى] فسمعت وأطعت [مخافة أن يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف] (2) واستخلف عمر (3) وأنا في نفسي أحق بها منه [وأولى] فسمعت وأطعت [مخافة] أن يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف] وأنتم تريدون أن تستخلفوا عثمان، إذا لا أسمع
(1) كما رواه عنه في الباب (100) من كفاية الطالب ص 386 ط 2. (2) اي إن خوف ارتداد الناس صار سببا لتنازلي عن حقي وعدم نهوضي على خلافهم. والسمع والطاعة أعمان من طيب النفس ورضا القلب لان كل أحد إذا أحس بالخطر العظيم لاسيما إذا كان الخطر أعظم من بذل النفس يسمع وينقاد. ثم ان ما وضعناه بين المعقوفات مأخوذ من رواية العقيلي وغيره كما سنشير إليها. (3) أي استخلف أبو بكر عمر، مع حضوري وأنا أحق بها..
[137]
ولا أطيع، جعل عمر في خمسة - أنا سادسهم - لا يعرف لهم فضل (4) أما والله لاحاجنهم بخصال لا يستطيع عربيهم ولا عجميهم المعاهد منهم والمشرك أن ينكر منها خصلة. [ثم قال عليه السلام]: أنشدكم بالله أيها الخمسة أمنكم [أحد] أخو رسول الله غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيري ؟ قالوا لا. قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكه في الجنة ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة سيدة نساء الامة غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطي هذه الامة [5) ابني رسول الله غيري ؟ قالوا: لا.
(4) أي جعل عمر الخلافه في خمسة لا فضل لهم وليسوا لي بقرناء. (5) وفي العقيلي: " أفيكم أحد له مثل زوجي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا اللهم: لا. قال: أفيكم أحد له مثل سبطي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، قالوا: اللهم
لا ". لكنه أخر ذكر الصديقة عن سبطيها، عكس ما هنا، وما ذكرناه عنه.
[138]
قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش قبلي ؟ قالوا: لا (6). قال: أمنكم أحد ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى العصر غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد قال له رسول الله [صلى الله عليه وآله] حين قرب إليه الطير فأعجبه: " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير " فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قول النبي صلى الله عليه وآله فدخلت [فلما رآني (7)] قال: وإلي يا رب وإلي يا رب. غبري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد كان أقتل للمشركين عند كل شديدة تنزل برسول الله صلى الله عليه وسلم مني ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد كان أعظم غناءا عن رسول الله صلى الله الله عليه وآله حين اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت [له] مهجتي غيري ؟ قالوا: لا.
(6) وبعده في رواية الخوارزمي هكذا: " قال: امنكم احد وحد الله قبلي، قالوا: لا. قال أمنكم أحد أمر الله بمودته غيري، قالوا: لا. قال. أمنكم أحد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي، قالوا: لا. قال: أمنكم أحد سكن المسجد يمر فيه جنبا غيري، قالوا: لا ". (7) بين المعقوفين زيادة يستدعيها المقام. ثم ان هذا الفصل هو آخر رواية الحاكم على ما في كفاية الطالب، واما الفصول الآتية فمأخوذ من رواية الخوارزمي.
[139]
قال: أمنكم أحد كان يأخذ الخمس غيري وغير
فاطمة ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد كان يأخذ الخمس سهم في الخاص وسهم في العام غيري ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد يطهره كتاب الله غيري حتى سد النبي صلى الله عليه وسلم أبواب المهاجرين جميعا وفتح بابي إليه حتى أتى إليه عماه حمزة والعباس وقالا: يارسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم بل الله فتح بابه وسد أبوابكم ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد تمم الله نوره من السماء حتى قال: " فلت ذا القربى حقه ؟ [26 - بني اسرائيل] قالوا: اللهم: لا.
[140]
قال: أفيكم أحد ناجى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم ست عشرة (1) مرة غيري ؟ حين نزل: " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم [صدقة] " [12 - المجادلة] قالوا: اللهم لا. قال: أفيكم أحد ولي غمض رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري ؟ قالوا: [اللهم] لا. قال: أفيكم أحد [كان] آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وضعه في حفرته غيري ؟ قالوا لا.
أقول: الكلام من أوله إلى الفصل (9) مأخوذ من رواية الحاكم يالسند المتقدم، وأما الفصل (9) وما بعده من فصول هذا الكلام فرواه الخوارزمي في الحديث (38) من الفصل (19) من مناقبه ص 224 قال: أخبرني الشيخ شهاب الدين أفضل الحفاظ أبو النجيب سعد بن عبد الله بن الحسن الهمداني المعروف يالمروزي، أنبأنا الحافظ أبو علي الحسن ين أحمد بن الحسن الحداد بإصفهان، فيما أذن لي في الرواية عنه أنبأنا الشيخ الاديب أبو يعلى عبد الرزاق ابن عمر بن إبراهيم الطهراني، أنبأنا الامام الحافظ طراز المحدثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصفهاني.
(1) كذا في النسخة، وفي رواية كنز العمال: ج 3 ص 155: " اثنتي عشرة مرة.. ".
[141]
قال الشيخ أبو النجيب سعد بن عبد الله: وأخبرني بهذا الحديث عاليا الامام الحافظ سليمان بن إبراهيم الاصفهاني، عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، أنبأنا سليمان بن الحارث بن محمد، حدثنا أبو يعلى بن سعيد الرازي حدثنا [محمد بن] حميد، حدثنا زافر بن سليمان، حدثتا الحارث ين محمد، عن أبي الطفيل. ورواه عنه الحموئي في الحديث: (262) في الباب: (59) من فرائد السمطين ورواه أيضا العقيلي في ترجمة حارث بن محمد من ضعفائه الورق 39 عن محمد بن أحمد الوراميني، عن يحي بن المغيرة الرازي، عن زافر، عن رجل، عن الحارث بن محمد عن أبي الطفيل.. ثم قال - يعد ختام الكلام -: وهذا السند فيه رجلان مجهولان: رجل لين لم يسمه زافر، و [الثاني] الحارث بن محمد. ثم قال العقيلي: وحدثني جعفر بن محمد، حدثنا محمد بن حميد الرازي أنبأنا زافر، أنبأنا
الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن علي فذكر نحوه. و (أيضا) قال أبو جعفر (العقيلي): وهذا (أي) إسقاط الرجل المجهول من سلسلة (السند) عمل ابن حميد، أسقط الرجل أراد أن يجود الحديث، والصواب ما قاله يحي بن المغيرة ويحي بن المغيرة ثقة " (1). ورواه عنه في الحديث: (1131) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق.
(1) والمستفاد منه ان البخاري أيضا رواه - لكن بخار عصبيته حال بينه وبين كتابة الحديث والاعتراف بصحته - قال العقيلي: حدثني آدم بن موسى قال: سمعت البخاري قال: الحارث بن محمد عن أبي الطفيل (كذا) كنت على الباب يوم الشورى. رواه زافر، عن الحارث، ولم يتبين سماعه منه ولم يتابع زافر عليه. أقول: ورواه أيضا السيوطي في اللآلي: ج 1 / 187، نقلا عن العقيلي.
[142]
ورواه أيضا في كتاب الامارة من كنز العمال تحت الرقم: (2461) عنه وعن ابن الجوزي وقال: قال ابن حجر في أماليه: إن زافرا لم يتهم بكذب، وإنه إذا توبع على حديث كان حسنا. ورواه أيضا أبو عمر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من الاستيعاب: ج 3 ص 1098، ط مصر، قال: حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا عمرو بن حماد القناد، قال: حدثنا إسحاق ابن إبراهيم الازدي، عن معروف بن خربوذ، عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن محمد الازدي، عن أبي الطفيل الخ غير أنه لم يذكر منه الا محل شاهده.
[143]
- 29 - ومن كلام له عليه السلام
قاله لعبد الرحمان بن عوف في يوم الشورى لما عرض عليه وعلى عثمان الخلافة ثلاث مرات على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر. وفي كل مرة يقول له عثمان نعم. ويجيبه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: " على أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت ". وبعد المرة الثالثة قال لعبد الرحمان: إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجيرى أحد (1) أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عني (3) ! !. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 142، ط 3.
- 30 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعبد الرحمان بن عوف لما بايع عثمان وبالسند المتقدم عن الطبري قال عليه السلام لعبد الرحمان ين عوف لما بايع عثمان في اليوم الثالث من الشورى: حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا (1) فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الامر إليك، والله كل يوم هو في شأن. تاريخ الطبري: ج 3 ص 297 في حوادث سنة (23)، ومثله في تاريخ الكامل: ج 3 ص 37، ورواه في حديث الثقلين من عبقات الانوار، ص
905 و 910 ط إصفهان عنهما وعن كتاب المختصر، ورواه أيضا ابن عبد ربه في العقد الفريد: ج 3 ص 76 ط 2 تحت الرقم (5) من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم. ورواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار (139) من خطب نهج البلاغة ج 9 ص 53 عن زيادات كتاب السقيفة للجوهري، وعن عوانة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي في كتاب شورى ومقتل عثمان بصورة أخرى.
(1) هذا بصريحه يدل على انهم قد تظاهروا قبل ذلك على خلاف أهل البيت عليهم السلام ومشاقتهم، ويدل أيضا بالصراحة على أن هؤلاء أول من علم الناس - في الاسلام - التكالب على الدنيا والتنافس فيها.
[145]
- 31 - ومن كلام له عليه السلام في بث الشكوى والتظلم من قريش وبالسند المتقدم في المختار (24) قال عليه السلام - لما قيل له: لم لا تدع الناس إلى نفسك كي تستنقذ بهم ما غلبوك عليه من الخلافة -: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها ! ! (1). تاريخ الطبري: ج 3 ص 298، ورواه عنه ابن أبي الحديد، في شرح الخطبة الشقشقية من شرح النهج: ج 1 / ص 199، ومثله أيضا في تاريخ الكامل لابن الاثير: ج 4 ص 37، وللكلام مصادر وشواهد أخر أوضح مما هنا تقف عليها فيما ذكرناه في المقالة العلوية الغراء.
(1) هذا الفصل أيضا - مع اختصاره وشدة احتياط ناقله في اختيار المجمل فالمجمل من هذا النمط - يدل على أن هؤلاء العدول من الصحابة، كانوا في الاسلام أول من سعى وجد في تحصيل الدنيا، والحيلولة بين آل المصطفى وبين منصبهم.
[146]
- 32 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما تمحل في درء الحد عن عبيد الله بن عمر قاتل هرمزان (ره) أما أنت فمطالب بدم الهرمزان، يوم يعرض الله الخلق للحساب، وأما أنا فأقسم بالله لئن وقعت عيني على عبيد الله بن عمر لاخذت حق الله منه وإن رغم أنف من رغم. كتاب الجمل ص 95 ط النجف. وقريبا منه بعض القرب رواه في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 24 نقلا عن المدائني.
[147]
- 33 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها في زواج بعض بني أمية محمد بن يعقوب الكليني عليه الرحمة والرضوان، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن جماعة من بني أمية في إمارة عثمان اجتمعوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم جمعة وهم يريدون أن يزوجوا رجلا منهم، وأمير المؤمنين عليه السلام قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: هل لكم أن نخجل عليا الساعة، نسأله أن يخطب بنا ونتكلم فإنه
يخجل ويعي بالكلام (1) فأقبلوا إليه فقالوا: يا أبا الحسن إنا نريد أن نزوج فلانا فلانة، ونحن نريد أن تخطب بنا. فقال: فهل تنتظرون أحدا ؟ فقالوا: لا. فوالله ما لبث عليه السلام حتى قال: الحمد لله المختص بالتوحيد (2)، المتقدم بالوعيد، الفعال لما يريد، المتحتجب بالنور دون خلقه، ذي الافق
(1) يقال: " عيي بأمره وعنه - من باب حسب - عيا وعياءا لم يطق إحكامه وعجز عنه. أو لم يهتد لوجه مراده. و " عيي في المنطق عيا " من باب حسب - والمصدر كالضد -: حصر فهو عي وعيي. عجبا للمساكين ظنوا أن خليفة النبي صلى الله عليه وآله ووصيه مثل من استولى على أريكة الخلافة بالقهر والغلبة فاقد للكمالات لا يقدر على إنشاء الخطبة - كما رأوا من ابن عمهم عثمان في أول يوم خلافته لما صعد المنبر - ولم يعرفوا أن الله لا ينقض غرضه وحكمته بإعطاء الخلافة للجهال، فمن جعله وصيا لنبيه وخليفة له لابد أن يكون مثل النبي في العلم والكمال كيلا يكون للناس على الله حجة بعده، وليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بيينة. (2) أي الذي يختص التوحيد الحقيقي به دون خلقه فإن التوحيد فيهم اعتباري كل ممكن زوج تركيبي مؤلف من أشياء.
[148]
الطامح، والعز الشامخ، والملك الباذخ (3) المعبود بالآلاء، رب الارض والسماء، أحمده على حسن البلاء وفضل العطاء، وسوابغ النعماء، وعلى ما يدفع ربنا من البلاء، حمدا يستهل له العباد، وينموا به البلاد (4). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يكن شئ قبله ولا يكون شئ بعده، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، إصطفاه بالتفضيل وهدى
به من التضليل (5) إختصه لنفسه، وبعثه إلى خلقه
(3) قال المجلسي الوجيه: معنى " المتحجب بالنور ": ليس له حجاب إلا الظهور الكامل، أو الكمال التام، أو أن عرشه محتجب بالانوار الظاهرة. والطموح: الارتفاع. ولعل (قوله): " ذى الافق الطامح " كناية عن ارتفاعه عن إدراك الحواس والعقول والاوهام، أو عن أن يصل إليه أحد بسوء. وكذلك الفقرتان التاليتان، ويحتمل التوزيع. و " الشامخ ": العالي. و " الباذخ ": المرتفع. العظيم الشأن. و " المعبود بالالاء " أي الذي يعبده ويخضع له العباد بسبب آلائه وأياديه إليهم ولديهم ومن أجل إحسانه وإنعامه عليهم. (4) و " السوابغ ": جمع السابغة: الواسعة. التامة. و " النعماء " - كحمراء: جمع أنعم - كأفلس - والنعمى - كقربى - وحسنى: اليد البيضاء الصالحة: و " يستهل له العباد ": يرفعون به أصواتهم، يدعونه خوفا وطعما، ويستبشرون بذكره ويستانسون به في خلواتهم. و " ينمو به البلاد " أي بإفاضته النعم على أهاليها فيزدادون بزيادتها. (5) " بالتفضيل " أي إنما اصطفاه الله واختاره بسبب تفضيله في حد ذاته على غيره من ذوي العقول. أو بأن فضله الله على جميع الخلق بالرسالة. " وهدى به من التضليل " أي لئلا يضلهم الشيطان. أو لئلا يجدهم ضالين. أو لئلا يكونوا مضلين.
[149]
برسالاته وبكلامه، يدعوهم إلى عبادته وتوحيده والاقرار بربوبيته، والتصديق بنبيه صلى الله عليه وآله، بعثه على حين فترة من الرسل، وصدف من الحق (6) وجهالة بالرب، وكفر بالبعث والوعيد، فبلغ رسالاته وجاهد في سبيله ونصح لامته، وعبده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا. أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، فإن الله عز
وجل قد جعل للمتقين المخرج مما يكرهون، والرزق من حيث لا يحتسبون، فتنجزوا من الله موعوده، واطلبوا ما عنده بطاعته والعمل بمحابه، فإنه لا يدرك الخير إلا به، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تكلان فيما هو كائن إلا عليه [7) ولا حول ولا قوة إلا بالله. أما بعد فإن الله أبرم الامور وأمضاها على مقاديرها،
(6) المراد من الفترة - هنا -: انقطاع الناس عن الرسل والانبياء. و " صدف من الحق " أي اعراض وصدود عنه. (7) التكلان - كثعبان وسبحان -: الاعتماد والتوكل.
[150]
فهي غير متناهية عن مجاريها دون بلوغ غاياتها فيما قدر وقضى من ذلك، وقد كان فيما قدر وقضى من أمره المحتوم، وقضاياه المبرمة، ما قد تشعبت به الاخلاف، وجرت به الاسباب، وقضى من تناهي القضايا بنا بكم إلى حضور هذا المجلس الذي خصنا الله وإياكم للذي كان من تذكرنا آلاءه وحسن بلائه، وتظاهر نعمائه، فنسأل الله لنا ولكم بركة ما جمعنا وإياكم عليه، وساقنا وإياكم إليه. ثم إن فلان بن فلان ذكر فلانة بنت فلان (1) وهو في الحسب من قد عرفتموه، وفي النسب من لا تجهلونه، وقد بذل لها من الصداق ما قد عرفتموه، فردوا خيرا تحمدوا عليه وتنسبوا إليه، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
الحديث الاول من الباب (44) من كتاب النكاح من الكافي: ج 5 ص 369. ونقلها عنه في البحار: ج 18، ص 370. وهذا هو المختار (88) من خطب المستدرك ص 103.
(1) هذا التعبير من الراوي لذهاب اسمهما عن باله، أو لشئ آخر، ويبعد كل البعد كون اللفظ من أمير المؤمنين عليه السلام مع علمه باسم الزوجين.
[151]
- 34 - ومن كلام له عليه السلام في تقريع آل أمية، والاشارة إلى هوان شأنهم. قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال:: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل يحدث عن الحارث بن حبيش الاسدي قال: بعثني سعيد بن العاص بهدايا إلى الكوفة (1) وفضل عليا فأتيته فقلت: إن ابن أخيك يقرؤك السلام. وذكر الحديث فقال [علي عليه السلام]: أما والله لئن ملكتها لانفضنها نفض القصاب التراب الوذمة (2). قال [عبد الله: قال] أبي: وقال يحي بن أبي بكير: التراب والوذمة [كذا]. قال أبي: ويقال: إنما هي الوذام التربة. رواه تحت الرقم: (1791) من كتاب العلل ومعرفة الرجال - لعبد الله ابن أحمد - ص 278 ط 1، وفي مخطوطه الورق 65 ب، وللكلام مصادر، تجد بعضها فيما يأتي.
(1) كذا في الاصل، وكلمة: " إلى " بمعنى " من ".
(2) قال في مادة: " ترب " من نهاية ابن الاثير: وفي حديث علي (عليه السلام): لئن وليت بني أمية لانفضهم نفض القصاب التراب الوذمة. التراب: جمع ترب مخفف ترب [مثل كتف وكتف] يريد اللحوم التي تعفرت بسقوطها في التراب. والوذمة: المنقطعة الاوذام وهي السيور التي يشد بها عرى الدلو.
[152]
- 35 - ومن كلام له عليه السلام في وجوب التجنب عن ورد يني أمية قال المحاملي: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، قال،: حدثنا غسان، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة عن شقيق بن سلمة، قال: سمعت عبد الرحمان ابن خنيس (كذا) قال: لما قدم سعيد بن العاص المدينة بعث معي بمال وكسوة إلى علي [بن أبي طالب] وقال لي: قل له: لم يأت أحد من أهل الغائط [كذا] ما أتاك إلا أمير المؤمنين [يعني عثمان] فقال علي [عليه السلام]: لشد ما يحظر علي بنو أمية تراث محمد صلى الله عليه وسلم، والله لئن بقيت لهم لانفضنهم نفض الكراع أذن الشاة من التراب (1). أواسط المجلس الثاني من الجزء الثاني من أمالي الشيخ حسين المحاملي الورق 86.
(1) كذا في الاصل، ولم يرد هذا التعبير: " الكراع أذن الشاة من التراب " من طريق غيره مما ظفرت به، ولعل المعنى لئن يقيت وتحملت أعباء الخلافة، لاطردن بني أمية عن الامارة، ولازيلنهم عن منهل الخلافة، كما يزيل الكراع - كضراب، وهو من يسقي ماشيته بماء المطر - اذن الشاة
والاجزاء المبتورة منها الواقعة في ممر مسقى شياته، كراهة أن تبتلي شياته وماشيته بداء الميتة فيعتريها المرض أو الموت.
[153]
- 36 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم قال ابن عساكر - في ترجمة سعيد بن العاص من تاريخ دمشق: ج 21 ص 35 - أخبرنا أبو بكر اللفتواني، أنبأنا أبو صادق الاصبهاني، أنبأنا أحمد ابن محمد بن زنجويه، أنبأنا الحسن بن عبد الله بن سعيد (1)، أنبأنا محمد بن يحي، أنبأنا علي بن الصباح الشيرازي، أنبأنا أبو محلم، حدثني من سمع شعبة، يقول: حدثنا محمد بن المنكدر، قال: أهدى سعيد بن العاص هدايا لاهل المدينة [حينما كان واليا على الكوفة من قبل عثمان] وقال لرسوله [الذي أرسل الهدايا معه]: لا تعذرني إلا عند علي بن أبي طالب، وقل له: ما فضلت عليك أحدا في الهدية إلا أمير المؤمنين عثمان. فقال علي [عليه السلام] لما قال له الرسول ذلك:
(1) وأخيرا رواه لنا بعض المعاصرين عن كتابه تصحيف المحدثين الورق 20 قال: أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا علي بن الصباح الشيرازي حدثنا أبو محلم - قال الشيخ: هو أحمد بن هشام السعدي - قال: حدثني من سمع شعبة يقول: حدثنا محمد بن المنكدر، قال: أهدى سعيد بن العاص هدايا لاهل المدينة وقال لرسوله: لا تعتذرن إلا عند علي بن أبي طالب وقل له: ما فضلت عليك أحدا في الهدية إلا أمير المؤمنين عثمان ابن عفان. فقال علي عليه السلام لما قال له الرسول ذلك: لشد ما نفست علي أمية وضايقتني، والله لئن وليتها لانفضنها نفض القصاب التراب
الوذمة. قال: فقال الاصمعي: الثراب بالثاء المعجمة بثلاث. فقال شعبة: ما سمعت إلا التراب بالتاء (كذا) فتحاكما إلى أبي عمرو، فحكم كما قال شعبه: قال أبو محلم: الصواب [هم] ما قال شعبة وحكم به أبو عمرو.
[154]
لشد ما نفست علي أمية وضايقتني (2) والله لئن وليتها لانفضنها نفض القصاب التراب الوذمة. قال: فقال له الاصمعي: التراب [يعني بالتاء المثناة] فقال شعبة: هما سمعته إلا الثراب بالثاء [المثلثة] فتحاكما إلى أبي عمرو، فحكم كما قال شعبة (3) قال أبو محلم: الصواب ما قال شعبة وحكم به أبو عمرو. [ثم] قال العسكري: وأخبرنا به عبد العزيز بن يحي الجلودي، عن أبي ذكوان، عن الثوري، عن الاصمعي بمثله. وقال الثوري: صحف الاصمعي وأصاب [ظ] شعبة. والثراب: الكروش يقال: هذه كورش ثربة [أي غشيها الشحم] والوذمة: ذات زوائد، شبهت بوذام الدلو، وأنشد: قد صدرت مترعة وذامها (4) هذا مذهب أبي عبيد فيه، وقال أبو سعيد المكفوف فيما رد على أبو عبيد وتحاك حكاية عنه [كذا] وفسر أن الثراب الوذمة هي الحزة من الكرش أو الكبد. والتربة التي قد سقطت في التراب فتربت، ثم قال أبو سعيد: والصحيح عندنا غير ما ذكر (5) وإنما سميت الكروش الثربة لانها تحمل [أو تحل] فيها
(2) يقال: " نفس بالشي نفسا ونفاسة ونفاسية - الفعل من باب علم، والمصدر كالضرب والسماحة والسماوية -: ضن به. ونفس على فلان بخير: حسده عليه. (3) وفي تهذيب تاريخ الشام ج 6 / 139: " بما قال شعبه ". قال أبو محلم: وهو الصواب. وقال الثوري: صحف الاصمعي لان الثراب: الكروش. يقال: هذه كروش ثربة. والوذمة
ذات زوائد، شبهت بوذام الدلو. وأنشد: " قد صدرت مترعة وذامها ". (4) لم أعثر على الصمرع الثاني منه ولا على قائله، ولم يذكره أيضا منه شيئا، من رواه لنا عن تصحيف المحدثين عدى قوله: " أخبرنا به عبد العزيز بن يحى الجلودي ". والظاهر لم يكتب لنا البقية، لظنه ان الشاهد فيما كتبه دون ما عداه. (5) أي غير ما ذكر شعبة، وإنما سميت بالكروش التربة لانها تحمل فيها التراب من المرتع.
[155]
التراب من المرتع، والوذمة التي قد أخمل باطنها بخمله وهي زئيرها وكل كرش وذمة لانها مخملة. فيقول [أمير المؤمنين عليه السلام]: لئن وليتهم لاطهرنهم مما هم فيه من الدنس، ولاطيبنهم من الخبث. قال (أبو سعيد) وسمعت أبا بكر بن دريد يقول برد هذا كله، ويقول: إن قولهم: الثراب الوذمة خطأ، وان أصحاب الحديث قلبوه وإنما هو: " الوذام التربة " قال: وأصله أن كل سير قددته مستطيلا فهو وذم، وكذلك اللحم والكرش وما أشبهه، وهذا أراد (6). وقال في النهاية: قال الاصمعي: سألني شعبة [كذا] عن هذا الحرف فقلت: ليس هو هكذا، إنما هو " نفض القصاب الوذام التربة " وهي التي قد سقطت في التراب. وقيل: الكروش كلها تسمى تربة لانها يحصل فيها التراب من المرتع، والوذمة التي أخمل باطنها، والكروش وذمة لانها مخملة، ويقال، لخملها: الوذم، ومعنى الحديث: لئن وليتهم لاطهرنهم من الدنس.. وقيل: أراد بالقصاب السبع، و [من] التراب أصل ذراع الشاة، والسبع إذا أخذ الشاة قبض على ذلك المكان ثم نفضها. أقول: وقريبا منه ذكره في مادة " ترب " من كتاب الفائق في شرح
الكلام، وكذا في مادة " وذم " من صحاح الجوهري.
(6) وليعلم أن في جميع الموارد ضبط الاصل يعني تاريخ دمشق " الوذمة " بالزاء أخت الراء، وأصلحناها على المعروف يعني بالذال المعجمة أخت الدال.
[156]
- 37 - ومن كلام له عليه السلام قاله لابي ذر الغفاري رحمه الله حين سفره مروان بأمر عثمان إلى الربذة ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي رحمه الله. عن سهل، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن حفص التميمي، قال: حدثني أبو جعفر الخثعمي (1) قال: قال: لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة شيعه أمير المؤمنين وعقيل والحسن والحسين عليهم السلام وعمار بن ياسر رضي الله عنه، فلما كان عند الوداع قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا ذر إنك إنما غضبت لله عزوجل، فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك (2) فارحلوك عن الفناء (3) وامتحنوك بالبلاء، والله لو كانت السماوات والارض على عبد رتقا ثم اتقى
(1) الخبر مروي من طرق أخر غير موقوفة، وله أصول معتبرة، وأبو جعفر الخثعمي هذ لعله هو محمد بن حكيم من أصحاب الامام الصادق والكاظم عليهما السلام. (2) وبعده في نهج البلاغة هكذا: " فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليه فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا والاكثر حسدا، ولو كانت السماوات والارض على عبد " الخ. (3) أي أزعجوك عن فناء دارك أو دار رسول الله صلى الله عليه وآله، يقال: " رحله
رحلا - من باب منع - عن داره ": أزعجه وصيره ينتقل منها ويتركها. والفناء - كالحساب والكتاب -: الساحة أمام البيت، والجمع أفنية وفتى - كغنى -
[157]
الله عزوجل، جعل له منها مخرجا (4) فلا يؤنسك إلا الحق، ولا يوحشك إلا الباطل (5). ثم تكلم عقيل فقال: يا أبا ذر أنت تعلم أنا نحبك ونحن نعلم أنك تحبنا، وأنت قد حفظت فينا ما ضيع الناس إلا القليل، فثوابك على الله عزوجل، ولذلك أخرجك المخرجون، وسيرك المسيرون، فثوايك على الله عزوجل، فاتق الله واعلم أن استعفاءك البلاء من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع وقل: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم تكلم الحسن عليه السلام فقال: يا عماه إن القوم قد أتوا إليك ما قد ترى، وإن الله عزوجل بالمنظر الاعلى (6) فدع عنك ذكر الدنيا بذكر فراقها وشدة ما يرد عليك لرخاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وآله وهو عنك راض إن شاء الله. ثم تكلم الحسين عليه السلام فقال: يا عماه إن الله تبارك وتعالى قادر أن
(4) والرتق مصدر - على زنة الضرب والنصر، والفعل من باب ضرب ونصر -: السد والغلق أي لو كانت أبواب السماء والارض مسدودة، وطرق الفرج والخلاص من جميع الجهات مغلقة على العبد واتقى الله وائتمر بأوامره وكف نفسه عما نهى عنه، لجعل الله له فرجا، وفتح له من الضيق والاحتباس مخرجا. وفي الآية: (30) من سورة الانبياء: " ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما ". (5) وفي المختار: (38) من خطب النهج: " لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لاحبوك، ولو قرضت منها لامنوك ".
(6) أي مشرف على الجميع، وهذا كناية عن علمه بما يحدث في دار الوجود، وانه لا يعزب عن علمه المحيط شئ، فلا يضيع عنده عمل عامل من ذكر أو أنثى فليتسابق المؤمنون إلى مرضاته، ولينته المجرمون عما يسخطه فإنه تعالى لهم لبالمرصاد.
[158]
يغير ما ترى وهو كل يوم في شأن (7) إن القوم منعوك دنياهم ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وما أحوجهم إلى ما منعتهم، فعليك يالصبر فإن الخير في الصبر، والصبر من الكرم، ودع الجزع فإن الجزع لا يغنيك. ثم تكلم عمار رضي الله عنه، فقال: يا أبا ذر أوحش الله من أوحشك، وأخاف من أخافك، إنه والله ما منع الناس أن يقولوا الحق إلا الركون إلى الدنيا والحب لها، إلا انما الطاعة مع الجماعة (8) والملك لمن غلب عليه، وإن هؤلاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها، ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. ثم تكلم أبو ذر رضي الله عنه فقال: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بأبي وأمي هذه الوجوه فإني إذا رأيتكم ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله بكم، وما لي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم (9)، وإنه ثقل على عثمان جواري يالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام، فآلى (10) أن يسيرني إلى بلدة فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة، فزعم أنه يخاف أن أفسد على أخيه (11)
(7) أي في خلق وتقدير، وقضاء حاجة ودفع كربة، ورفع قوم ووضع آخرين، وغير ذلك مما يلائم حكمته تعالى فيقدره بقدرته القاهرة أو بتسبيب الاسباب، والغرض تسلية أبي ذر بأنه مع كل عسر يسرا، ومع كل شدة فرجا. (8) أي إن طاعة الناس وانقيادهم مع الجماعة أي من اجتمع عليه الجمهور ورضيت به العامة والهمج والرعاء، وملكهم ورئاستهم لمن غلب على الامر، واستولى على البلاد
(9) الشجن - كالشجر وكذلك الشجنة بتنثليت الشين وسكون الجيم -: الغصن الملتف المشتبك. هوى النفس. والسكن - كالوطن -: ما يسكن ويطمئن إليه ويستأنس به، وفي المعنى الاول للشجن تشبيه بديع حيث شبه نفسه بفرع لا استمساك له، وأهل البيت بغصن بالالتفاف به والتمسك منه يحصل القوام والاستمساك. (10) فآلى - فعل ماض من باب الافعال مأخوذ من الايلاء -: فحلف. (11) وهو الوليد بن عقبة أخا عثمان لامه، وكأن ولاه الكوفة، فكان يصلي بهم الصبح في حال السكر أربعا ويقول: هل أزيدكم ؟ ! !
[159]
الناس بالكوفة، وآلى بالله أن يسيرني إلى بلدة لا أرى فيها أنيسا ولا أسمع بها حسيسا (12) وإني والله ما أريد إلا الله صاحبا، وما لي مع الله وحشة، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين. الحديث (251) من روضة الكافي ص 206 ط طهران، والقصة ذكرها في الحديث (95) من كتاب السفر، من المحاسن، ص 353 بسند آخر ولكن لم يذكر منها الا كلام الحسين عليه السلام قريبا مما مر، كما أنه زاد في المشيعين عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ره). أقول: وأشار إلى القصة أيضا في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف ج 5 ص 54، قال البلاذري: وحدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: تكلم أبو ذر بشئ كرهه عثمان فكذبه فقال: ما ظننت أن أحدا يكذبني بعد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما أقلت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ". ثم سيره إلى الربذة فكان
أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقا. فلما سار إلى الربذة قال: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا. قال: وشيع علي أبا ذر، فأراد مروان منعه منه فضرب علي بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين علي وعثمان في ذللث كلام حتى قال عثمان: ما
(12) الحسيس: الصوت الخفي. (13) والحديث رواه العلامة الاميني (ره) في ترجمة أبي ذر من كتاب الغدير: ج 8 ص 320 ط 1، بطرق كثيرة.
[160]
أنت بأفضل عندي منه (14) وتغالظا فأنكر الناس قول عثمان، ودخلوا بينهما حتى اصطلحا. وقريبا مما ذكره البلاذري نقله أيضا أحمد بن أعثم في كتاب الفتوح: ج 3 ص 159، ط 1
(14) قايس بين ما يقوله عثمان وبين ما قال الله ورسوله في حق علي ومروان، فإن كان عثمان لا يدري فتلك مصيبة، ! وإن كان يدري فالمصيبة أعظم ! أفمن كان مؤمنا كمن فاسقا ؟ ! ببحان الله مروان الذي بنص عائشة فظاضة من لعنة الله يساوي علي بن ابي طالب الذي هو نفس رسول الله بنص القرآن ! عجبا للخليفة يسوي بين من قال له رسول الله: في شأنه بدور معه الحق حيثما داره وبين خيط الباطل والشجرة الملعونة في القرآن ! ! سبحان الله هل يسوى بين من قاله رسول الله صلى الله عليه واله أنت مني وأنا منك. وأنت مني بمنزلة هارون من موسى. وخلقت أنا وأنت من شجرة واحدة. وبين من قال له رسول الله: الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون ! ! عجبا هل يقول عثمان بالتسوية بين أبي الائمة الهادية وأصل الذرية الطاهرة من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله الذين لا يقارقون القرآن حتى يردوا على رسول الله الحوض، وبين من يقول رسول الله في أبيه: لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه - إلا المؤمنين وقليل ما هم - ذو مكر وخديعة
تعطون الدنيا وما لهم في الاخرة من نصيب ! ! !، وإن أردت أن تطلع إلى نموذج من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام وشر ذمة قليلة من مخازي مروان وذويه من طريق أولياء عثمان فانظر إلى ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 38، أو إلى غاية المرام، والغدير: ج 8 ص 250 - 72 - وتواليها، فإنك إذا راجعتها تعرف أن الكف نموذج من " خروار " ويتجلي لك صدق قول أمير المؤمنين في شأن الرجل: " حمال الخطايا " ويتمركز في شغاف قلبك بلا اختيار منك رمز قوله عليه السلام في شأن القوم: " معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة قد ما روا في الحيرة، وذهلوا في السكرة على سنة من آل فرعون من منقطع لى الدنيا راكن أو مفارق للدين مباين ". المختار (40) من النهج السعادة، و (148) من نهج البلاغة.
[161]
- 38 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما أراد أن يسفر عمار بن ياسر رضوان الله عليه قال البلاذري: وقد روي أيضا انه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة، قال رحمه الله. قال عمار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كل أنفسنا. فقال عثمان: يا عاض أير أبيه أتراني ندمت على تسييره ! ! ! وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه. فلما تهيأ [عمار] للخروج جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان فيه. [فجاءه] فقال له: يا عثمان إتق الله فإنك صيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ! ! ! وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه (1) فقال علي: رم ذلك إن شئت. واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل
سيرته ونفيتهء فإن هذا شئ لا يسوغ. فكف عن عمار. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 54، وقريبا منه ذكره ابن أعثم في ترجمته من كتاب الفتوح: ج 2 ص 62 ط 1.
(1) فعليك بالتنقيب للظفر على ما جرى بينهما من الكلام فإن فيه بلوغ المرام.
[162]
- 39 - ومن كلام له عليه السلام قاله للمغيرة بن الاخنس روى عوانة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، أن عثمان لما كثرت شكايته عن علي عليه السلام، أقبل لا يدخل إليه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا شكى إليه عليا، فقال له زيد بن ثابت لانصاري - وكان من شيعته وخاصته -: أفلا أمشي إليه فأخبره بموجدتك فيما يأتي إليك (1) قال: بلى. فأتاه زيد ومعه المغيرة بن الاخنس بن شريق الثقفي - وعداده في بني زهرة، وأمه عمة عثمان بن عفان - في جماعة فدخلوا عليه، فحمد زيد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإن الله قدم لك سلفا صالحا في الاسلام، وجعلك من الرسول بالمكان الذي أنت به، فأنت للخير كل الخير أهل، وأمير المؤمنين عثمان ابن عمك ووالي هذه الامة، فله عليك حقان: حق الولاية وحق القرابة، وقد شكى إلينا أن عليا يعرض لي ويرد أمري علي. وقد مشينا إليك نصيحة لك، وكراهة أن يقع بينك وبين ابن عمك أمر نكرهه لكما ". فحمد علي عليه السلام، الله واثنى عليه، وصلى على رسوله ثم قال: أما بعد فوالله ما أحب الاعتراض ولا الرد عليه، إلا أن يأبى حقا لله
لا يسعني أن أقول فيه إلا بالحق، ووالله لاكفن عنه ما وسعني الكف. فقال المغيرة بن الاخنس - وكان رجلا وقاحا (2) وكان من شيعة عثمان
(1) الموجدة - على زنة الموعظة - مصدر قولهم: " وجد - من باب ضرب ونصر - وجدا وجدة وموجدة ووجدانا عليه ": غضب. (2) الوقاح: كثير الوقاحة، المجترء على القبائح. قليل الحياء.
[163]
وخلصائه -: إنك والله لتكفن أو لتكفن، فإنه أقدر عليك منك عليه ! وإنما أرسل هؤلاء القوم من المسلمين إعزازا لتكون له الحجة عندهم عليك. فقال له علي عليه السلام: يا ابن اللعين الابتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، أنت تكفني ! فوالله ما أعز الله امرأ أنت ناصره، أخرج أبعد الله نواك (3) ثم اجهد جهدك فلا أبقى الله عليك ولا على أصحابك إن أبقيتم. شرح المختار: (135) من خطب النهج من ابن أبي الحديد: ج 8 ص 302. وقريبا " منه جدا ذكره أحمد بن أعثم الكوفي في ترجمة عثمان من كتاب الفتوح: ج 2 ص 165، ط 1.
(3) النوى - كعصى -: الدار، فإذا قالوا: شطت نواهم، فمعناه: بعدت دارهم. كذا نقله في المادة من تاج العروس نقلا عن القالي عن ابن دريد. وقال في مجمع البحرين: النوى - بالفتح - البعد، ومنه حديث علي للمغيرة بن الاخنس: " أبعد الله نواك ". [هو] من قولهم: بعدت نواهم: بعدوا بعدا شديدا.
[164]
- 40 -
ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان في حوار جرى بينهما فارجع إلى الله أبا عمرو، وانظر هل بقي من عمرك إلا كظمئ الحمار (1) فحتى متى وإلى متى ! ألا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم (2) وأموالهم ! والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركا بينه وبينك. شرح المختار: (135) من خطب النهج من ابن أبي الحديد: ج 9، ص 15، نقلا عن الواقدي في كتاب الشورى، عن ابن عباس.
(1) " ظمئ الحمار " مثل وكناية عن الشئ القصير. لان الحمار أقل احتمالا للعطش من سائر الحيوانات، ولذلك ذهب مثلا في القصر. (2) أعراض المسلمين: نواميسهم. وأبشارهم: ظواهر جلدهم.
[165]
- 41 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما اضطرب أمره فدعا إليه ولاته لاستكشاف القضية وحل العريصة وكان عليه السلام حاضرا فقال: يا عثمان إن الحق ثقيل مرئ (1) وإن الباطل خفيف وبئ (2) وإنك متى تصدق تسخط ومتى تكذب ترض. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 44، وكتاب الفتوح لابن أعثم: ج 2 ص 189، ط 1. وقريبا منه رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (376) من الباب
الثالث من كتاب نهج البلاغة.
(1) من قولهم: " مرأ " الطعام - مثلثة الراء - مراءة ": هنئ وصار لذيذا، ومحصل مراده عليه السلام إن الحق ثقيل ابتداءا وفي بادئ الرأي، ولكنه حميد العاقبة، لذيذ الثمرة، جميل الانتاج. (2) أي كثير الوباء، وهو المرض، قال في المجمع: الوباء - بالمد، ويقصر (أيضا) -: المرض العام، ويعبر عنه بالطاعون، وجمع الممدود أوبية - كمتاع وأمتعة - والمقصور (تجمع) على أوباء، كسب وأسباب. ووبيت الارض = من باب تعب =: أي كثر مرضها. ومراده عليه السلام ان الباطل وإن كان خفيفا على النفس مرغوبا لديها في أول وهلة، ولكنه شديد المرارة في المآل، وخيم العاقبة، ذميم النتيجة بأخرة.
[166]
- 42 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما التمس منه المهاجرون أن يأتي عثمان ويخوفه بالله قال الواقدي في إسناده: لما كانت سنة أربع وثلاثين، كتب بعض أصحاب رسول الله " صلعم " إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله، وما الناس فيه من عماله ويكثرون عليه، ويسأل بعضهم بعضا أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد ! ! ! ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله " صلعم " يدفع عن عثمان ولا ينكر ما يقال فيه إلا زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك بن أبي كعب - من سلمة من الانصار، وحسان بن ثابت الانصاري فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان ويعظه، فأتاه فقال له: إن الناس ورائي قد كلموني في أمرك، ووالله ما أدري ما أقول لك، ما أعرفك شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر
لا تعرفه، وإنك لتعلم ما نعلم، وما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، لقد صحبت رسول الله " صلعم " وسمعت ورأيت مثل ما سمعنا ورأينا (1) وما ابن أبي قحافة وابن
(1) الكلام ناظر إلى جهات انحراف عثمان عن جادة الشريعة، وحمله الطلقاء وأبناء الشجرة الملعونة على رقاب الناس بلا رقابة منهم وكانوا يلعبون بالدين، ويفعلون بالمسلمين ما يشتهون، وهذا كله كان عثمان عالما به، خبيرا بويلاته وضرره ولا إطلاق للكلام ولا معارضة بينه وبين ما ورد من الآثار الكثيرة في جهالة عثمان وعدم علمه بكثير من مسائل الدين.
[167]
الخطاب بأولى بالحق منك، ولانت أقرب إلى رسول الله " صلعم " رحما، ولقد نلت من صهره ما لم ينالا [ه] فالله الله في نفسك فإنك لا تبصر من عمي ولا تعلم من جهل. فقال له عثمان: والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عتبت عليك إن وصلت رحما وسددت خلة وآويت ضائعا ووليت من كان عمر يوليه، نشدتك الله ألم يول عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك. قال: نعم. قال: أو لم يول معاوية ؟ فقال علي: إن معاوية كان أشد خوفا وطاعة لعمر من " يرفأ " وهو الآن يبتز الامور دونك ويقطعها بغير علمك ويقول للناس هذا أمر عثمان، ويبلغك فلا تغير ! ! ! ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 60 ورواه أيضا في المختار: (162) من خطب النهج، كما رواه في آخر مقتل عثمان من كتاب العسجدة الثانية - في الخلفاء وتواريخهم - من العقد الفريد: ج 3 ص 92 ط 2.
[168]
- 43 - ومن كلام له عليه السلام فيما يتحمله مروان في مستقبل الزمان قال ابن سعد:: ونظر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوما إلى مروان فقال له (1): ليحملن راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه (2) وله إمرة كلحسة الكلب أنفه (3). ترجمة مروان من كتاب الطبقات الكبرى، ج 5 ص 43 ط بيروت، وفي ط ليدن: ص 30. ورواه أيضا في ترجة مروان من تاريخ دمشق: ج 54 ص 124، س 15. وقال ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (72) من الباب الاول من نهج البلاغة: قد روي هذا الخبر من طرق كثيرة، ورويت فيه زيادة لم يذكرها (السيد) الرضي، وهي قوله: " يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه " الخ.
(1) هذا نقل بالمعنى لكلامه وكلام ابن عساكر، وإليك نص كلامهما قالا: وقد قال علي بن طالب له يوما ونظر إليه: " ليحملن راية ضلالة " الخ. (2) هذا كناية عن ادعاءه الخلافة وتفرده بالامر. والصدغ: ما بين العين والاذن وهما صدغان. الشعر المتدلي على هذا الموضع، والجمع أصداغ. (3) هذا كناية عن قصر مدة إمارته وأيام رئاسته. يقال: " لحس القصعة لحسا - من باب علم - لعقها وأخذ ما علق بجوانبها بلسانه أو بإصبعه. ومنه المثل: أسرع من لحس الكلب أنفه. وفي رواية ابن عساكر: " وله إمرة كما لحية الكلب أنفه " والظاهر انه مصحف.
[169]
- 44 - ومن كلام له عليه السلام يخبر فيه أيضا عما سيجرمه مروان وبنوه إلى الامة الاسلامية قال أبو عمر: ونظر علي عليه السلام يوما إلى مروان فقال له: ويل لك وويل لامة محمد منك ومن بنيك (1) إذا شاب صدغاك (2). ترجمة مروان من كتاب الاستيعاب: ج 1، ص 119، وفي ط الهند: ص 263. ورواه عنه ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (72) من نهج البلاغة: ج 6 ص 150، وفي ط ج 2 ص 55، ورواه عنه العلامة الاميني تغمده الله برضوانه في الغدير: ج 8 ص 267 ط النجف.
(1) وهذا مأخوذ من رسول الله صلى الله عليه وآله كما رواه العلامة الاميني في الغدير: ج 8 / 267 عن أسد الغابة: ج 2 / 34 والاصابة ج 1 / 346 وسيرة الحلبية: ج 1 / 337 وكنز العمال: ج 6 ص 40 قال: وأخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمر الحكم بن أبي العاص فقال النبي صلى الله عليه وآله: ويل لامتي مما في صلب هذا. (2) وفي ط الهند، من الاستيعاب: " ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا ساءت درعك ". والصواب: " إذا شاب ذراعاك ". والمراد من الصدغين هنا، هو الشعر المتدلى عليهما، قال في المجمع: الصدغ - بالضم -: ما بين لحظ العين إلى أصل الاذن، ويسمى الشعر المتدلى عليه أيضا صدغا، فيقال صدغ معقرب، والجمع أصداغ مثل قفل وأقفال.
[170]
- 45 - ومن كلام له عليه السلام
بين فه أيضا عن إجرام مروان وبنيه في غابر الزمان الحافظ الكبير: ابن عساكر الدمشقي، قال: أخبرنا أبو غالب، وأبو عبد الله ابنا البنا (ء) قالا: أخبرنا أبو الحسين ابن الابنوسي، أخبرنا أحمد ابن عبيد إجازة. قالا: وأنبأنا أبو تميم علي بن محمد إجازة أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبيد قراءة، أنبأنا محمد بن الحسين، أنبأنا ابن أبي خيثمة، أنبأنا يحي بن معين، أنبأنا محمد بن جعفر غندر، أنبأنا عوف بن سليمان، عن أبي سليمان مولى بني هاشم: عن أبيه أبي سليمان [كذا] قال: بينا علي واضعا يده على بعضي (1) نمشي في سكك المدينة، إذ جاء مروان بن الحكم في حلة فتات متات، ناصع اللون وماد (2) فقال له: يا كذا وكذا (3) يا [أ] با الحسن. وجعل علي يحسره) (4) فلما فرغ ولى من عنده - قال [ابو سليمان]: - فنظر [علي] في قفاه ثم قال [له]: ويل لامتك (5) منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك (6)
(1) هذا هو الظاهر من السياق، وكلمة " بعضي " رسم خطها غير جلي، وفي النسخة أيضا: " يمشي في سكك المدينة ". (2) كذا. (3) كناية عن السب والشتم. (4 و 5) كذا في النسخة، ولعل الصواب: " ويل للامة منك ". وفي أسد الغابة: " ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك ". (6) كناية عن بلوغه أقصى مرحلة الشيب، فإن شيب الذراعين أي ابيضاضهما يكون بعد
[171]
ترجمة مروان من تاريخ دمشق: ج 54 ص 124 / أو 623 س 7، ورواه عنه في كنز العمال: ج 6 ص 91 كما في الغدير: ج 8 ص 267 ط 1، ورواه
أيضا في ترجمة مروان من كتاب أسد الغابة: ج 4 ص 34 غير انه ذكره مرسلا، ولم يذكر جملة: " أذا شابت ذراعاك ". ورواه عنه أيضا " في الغدير.
بياض شعر الرأس والوجه بمدة طويلة. وقال في ترجمة عبد الملك من تاريخ دمشق: ج 35 / 62: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن منصور بن هبة الله بن الموصلي في كتابه، أنبأنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الطيوري أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، أنبأنا أبو الحسن محمد بن عمر بن محمد بن حميد بن بهتد (ظ) إجازة، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، أنبأنا جدي يعقوب، أنبأنا أبو سلمة موسى بن اسماعيل، أنبأنا حماد بن سلمة، أنبأنا حميد: عن بكر بن عبد الله المر (اد) ي: ان رجلا كان يهوديا فأسلم (وكان) يقال له: يوسف وكان يقرء الكتب فمر بدار مروان بن الحكم فقال: ويل لامة محمد من أهل هذه الدار - ثلاث مرار - فقلت: إلى متى ! قال: حتى يجئ رايات سود من قبل خراسان. وكان صديقا لعبد الملك بن مروان فضرب منكبه ذات يوم فقال: اتق الله يا [ابن] مروان في أمة محمد إذا وليتهم. فقال: دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك. فقال: اتق الله في أمرهم. قال: وجهز يزيد بن معاوية جيشا إلى أهل مكة فقال عبد الملك - وأخد قميصه فنفضه من قبل صدره - أعوذ بالله أعوذ بالله أعوذ بالله أنبعث إلى حرم الله ! ! فضرب يوسف منكبه وقال: لم تنفض قميصك ! جيشك إليهم أعظم من جيش يزيد بن معاوية ! ! !
[172]
- 46 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما صرفه مروان عما قاله على المنبر، من التوبة وإحقاق الحقوق. قالوا لما نزل عثمان عن المنبر (1) ودخل منزله قال له مروان: والله لاقامة
على خطيئة تستغفر منها أجمل من توبة تخوف منها ! ! ! - في كلام له طويل - فانقاد له عثمان وقال: أبلغ الناس فإني أستحيي منهم. فخرج مروان وأعلم من بالباب من الناس بأن عثمان غير معطيكم ما تريدون. فدخل الناس على أمير المؤمنين عليه السلام وأخبروه بمقالة مروان، فخرج عليه السلام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له: يا عثمان أما رضيت من مروان، ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وبخدعك عن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ! ! ! والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا [في] نفسه، وأيم الله إني لاراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت والله شرفك وغلبت على أمرك ! ! ! كتاب الجمل، ص 103، ط النجف، وقريب منه جدا في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 65.
(1) وتفصيل القصة في أنساب الاشراف: ج 5 / 62 وتواليها، وفي تاريخ الطبري وغيرهما.
[173]
- 47 - ومن كلام له عليه السلام قاله لرجل جاء إليه يستشفع به إلى عثمان قال الزبير بن بكار: حدثنا محمد بن حرب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: جاء رجل إلى علي عليه السلام يستشفع به إلى عثمان، فقال له علي صلوات الله وسلامه عليه]: حمال الخطايا (1) لا والله لا أعود إليه أبدا.
شرح المختار: (135) من الباب الاول من نهج البلاغه لابن أبي الحديد: ج 9 ص 17، ورواه عنه في الحديث (397) من خاتمة الموفقيات المطبوع ص 613.
(1) وفي المختار: (29) من باب الكتب من نهج السعادة ج 4 ص 79 ما يؤيده.
[174]
- 48 - ومن كلام له عليه السلام كلم به بني أمية لما صاحوا به وقالوا: يا علي أفسدت علينا أمرنا ودسست وألبت (1) ! ! يا سفهاء إنكم لتعلمون أنه لا ناقة لي في هذا ولا جمل (2) وإني رددت أهل مصر عن عثمان، ثم أصلحت أمره مرة بعد أخرى فما حيلتي ؟ ! فانصرف (عليه السلام من دار عثمان) وهو بقول: أللهم إني برئ مما يقولون، ومن دمه إن حدث به حدث. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 66، ورواه أيضا أحمد بن أعثم الكوفي في ترجمة عثمان من كتاب الفتوح: ج 3 ص 214.
(1) وفي كتاب الفتوح: فقالت له بنو أمية: يا ابن أبي طالب إنك كدرت علينا العيش وأفسدت علينا أمرنا، وقبحت محاسن صاحبنا، أما والله لئن بلغت الذي ترجو لنجاهدنك أشد الجهاد ! ! ! فزبرهم علي وقال: اعزبوا فما بلغ الله لكم من القدر مما تحابون، فإنكم سفهاء وأبناء سفهاء، طلقاء وأبناء طلقاء، إنكم لتعلمون أنه مالي في هذا الامر ناقة ولا جمل. (2) هذا من أمثلة العرب المعروفة. (*)
[175]
- 49 - ومن كلام له عليه السلام لما قيل له: قتل عثمان. قال البلاذري: حدثني عمرو بن محمد، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن محمد بن عبيد الانصاري عن أبيه قال: أتيت عليا في داره يوم قتل عثمان فقال: ما وراؤك ؟ قلت: شر قتل أمير المؤمنين. فاسترجع ثم قال: أحبب حبيبك هونا ما (1) عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 95، ورواه أيضا في المختار: (268) من قصار نهج البلاغة. وللكلام مصادر وأسانيد، ولكن في غير المورد، فإن شك في صدوره عنه عليه السلام في المقام فلا ريب في أصل صدوره عنه عليه السلام كما يعلم ذلك بالمراجعة إلى باب القصار من كتابنا هذا.
(1) المراد من الهون - هنا -: الخفيف أي إذا أحببت أحدا لا تبالغ في حبه ولا تسترسل كل الاسترسال في محبته، وإذا أبغضت شخصا، فلا تبالغ في بغضة كل المبالغة ولا تقطع عنه كل القطيعة، بل خل للائتلاف موضعا، والمقصود إنه ينبغي للعاقل أن يكون في حبه وبغضه متوسطا غير مفرط فيهما، فلا يركن إلى حبيبه كل الركون فيلقى إليه جميع أسراره، كراهة أن ينقلب الحب إلى البغض فيبتلي بجميع أضراره، وكذلك لا يفرط في المشاقة والمعادات كراهة أن ينقلب البغيض عن حاله ويريد أن يرجع فلا يجد طريقا للرجوع. (*)
[176]
- 50 - ومن خطبة له عليه السلام لما صعد المنبر بعد قتل عثمان قال البلاذري: حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن الحكم بن الصلت، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه قال: رأيت عليا على منبر رسول الله " صلعم " حين قتل عثمان وهو يقول: ما أحببت قتله ولا كرهت، ولا أمرت به ولا نهيت عنه (1). ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 101 (2).
(1) وقال أيضا: وحدثنا سريج بن يونس أبو الحارث الزاهد، حدثنا أبو معاوية الضرير، أنبأنا ليث، عن طاووس عن ابن عباس انه سمع عليا (عليه السلام) يقول: حين قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولكني غلبت. يقولها ثلاثا. ورواه أيضا ابن سعد، في ترجمة عثمان من الطبقات: ج 3 ص 82 ط بيروت، عن أبي معاوية، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عباس قال: سمعت عليا يقول.. (2) وبعده أيضا في معناه، وفي عنوان: " حصر عثمان وقتله " من كتاب الفضائل من كنز العمال: ج 15، ص 85 ط 2 تحت الرقم (244) قال: [وعن ابن أبي شيبة] عن علي قال: من كان سائلا عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه ! ! ! قال ابن سيرين: هذه كلمة قرشية ذات وجه.
[177]
- 51 - ومن خطبة له عليه السلام
خطبها بعد قتل عثمان حين بايعه الناس قال الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه: وروى الواقدي في كتاب الجمل بإسناده أن أمير المؤمنين عليه السلام حين بويع خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: حق وباطل ولكل أهل (1) ولئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل (2) ولقلما أدبر شئ فأقبل، وإني لاخشى أن تكونوا في فترة (3) وما علينا إلا الاجتهاد، وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كانت عليكم ما كنتم فيها عندي بمحمودين، أما إني لو أشاء لقلت، عفا الله عما سلف، سبق الرجلان وقام
(1) وهذا الصدر رواه أيضا الزمخشري في الباب: (41) من ربيع الابرار. (2) يقال: " أمر الشئ - من باب علم - والمصدر كفرس وفرسة - أمرا وأمرة ": كثر. وقوله: " فلربما ولعل " أي فلربما يصير القليل كثيرا ولعل القليل يغلب الكثير، فلا ينبغي اليأس والقنوط. (3) الفترة - كضربة -: زمان انقطاع الناس عن الحجة.
[178]
الثالث كالغراب همته بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له. [إلى آخر ما قاله عليه السلام] في كلام طويل بعدها. ثم قال الشيخ (ره): وقد رويت هذه الخطبة عن الواقدي من طرق مختلفة. تلخيص الشافي: ج 3 ص 53 ط 2، وقريب منه جدا في الباب (49) من جواهر المطالب ص 54. أقول: وللخطبة طرق ومصادر كثيرة تلاحظ بعضها فيما يأتي.
[179]
- 52 - ومن خطبة له عليه السلام في المعنى المتقدم أيضا قال الجاحظ: قال أبو عبيدة معمر بن المثني (1): (هذا) أول خطبة خطبها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه [بالمدينة في خلافته] حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد لا يرعين مريع إلا على نفسه (2) فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه. ساع مجتهد (3) وطالب يرجو، ومقصر في النار، ثلاثة
(1) المولود سنة (112) المتوفي (211) وكان يرى رأي الخوارج. والخطبة رواها جماعة كثيرة - باختلاف في بعض فقراتها وزيادة ونقيصة - وممن رواها العسكري في كتاب الاوائل الورق 102، قال: أخبرنا أبو أحمد، عن الجوهري، عن أبي زيد، عن محرز بن القاسم، عن أبيه قال: لما استخلف علي (عليه السلام) صعد المنبر، ثم قال: حق وباطل ولكل أهل الخ. (2) لا يرعين: لا يبقين. يعني من أبقى على الناس فإنما أبقى على نفسه. وفي كتاب الارشاد ص 128: " أما بعد فلا يرعين مرع ".. وهو الظاهر. (3) أي العمال خمسة: ساع في مرضاة الله مجتهد في إتيان أوامر الله - فهو ناج - وطالب لما عند الله يرجو الفوز والفلاح - فهو على سبيل النجاة - ومقصر فيما يقربه إلى الله مفرط في نيل الشهوات والامنيات فهو في النار، وملك طار إلى رضوان الله بجناحيه، ونبي أخذ الله بيده سائق له إلى محابه ومراضيه ولا يوجد قسم سادس.
[180]
واثنان: ملك طار بجناحيه، ونبي أخذ الله بيده (4) لا سادس. هلك من ادعى، وردى من اقتحم (5) اليمين والشمال مضلة، الوسطى [هي] الجادة منهج عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة. إن الله داوي هذه الامة بدواءين: السوط والسيف، لا هوادة عند الامام فيهما (6). إستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من وراء كم، من أبدى صفحته للحق هلك (7).
(4) كذا في هذه الرواية، وفي رواية الكافي الآتية " ثلاثة واثنان: خمسة ليس لهم سادس، ملك يطير بجناحيه، ونبي أخذ الله بضبعيه، وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار " وهو أظهر. وضبعيه: عضديه. (5) وفي رواية الكافي: " هلك من ادعى، وخاب من افترى ". (6) الهوادة - كسحابة - اللين. الميل. الرخصة. (7) وهذه الجملة رواها السيد الرضي (ره) في المختار: (188) من قصار نهج البلاغة وصفحة كل شئ: جانبه ووجهه، والجمع: صفحات - كسجدة وسجدات -. والكلام في هذا السياق تهديد وتخويف لمن عارضه بالعيان والصراحة. والمراد بالحق - هنا - نفسه الكريمة صلوات الله عليه.
[181]
قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين، أما إني لو أشاء لقلت، عفا الله عما سلف (8). سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همته بطنه !
ويحه لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له (9). انظروا فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فآزروا (10). حق وباطل ولكل أهل، ولئن كثر أمر الباطل لقديما
(8) اقتباس من الآية: (95) من سورة المائدة: " عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ". وبمعناها وردت غير واحدة من الآيات الكريمات. (9) وبما أن انتظام أمر المدينة المنورة في هذه الايام كان بيد المهاجمين على عثمان، وكان أعداء أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الايام إما مطرودين أو منكوبين، كان له عليه السلام فسحة ما في بث ما في صدره بالنسبة إلى الذين تقدموه في تملك زمام أمر الامة، وبما أن جل الثائرين على عثمان كانوا معتقدين لابي بكر، وعمر مقاما منيعا عبر عنهما بنحو الاشارة والاختلاس وإجمال الكلام، وأما عثمان فحيث كان الجماهير معتقدين لعدوله عن منهج العدل، وتعديه عن سواء الصراط، وحدود الكتاب والسنة، فكان عليه السلام يكشف عن حاله ويسفر عن أفعاله كلما جرى له ذكر، أو اقتضى المقام كشف الغطاء عن سريرته ولم يزاحمه أمر أهم. وهذا هو السر، في كثرة أقواله عليه السلام حول عثمان، وقلتها حول الكشف عن منويات الشيخين وفلتات أعمالهم وزلات أقوالهم مع أن الجم الغفير من هذا النمط قد أخفاه أولياؤه وأعداؤه، أما أولياؤه فستروه محافة الاستئصال، واستباحة أعراضهم وانتهاب أموالهم، وأما أعداؤه فأخفوه مخافة الافتضاح وعدم إدراك المنى والشهوات، ومع ذلك قد برز وانتشر منه فوق حد الكفاف. فلله الحجة البالغة. (10) أي أنظروا فيما قلت وأقول بنظر الاعتبار والانصاف، فان أنكرتم منه شيئا أي فإن وجدتم شيئا منه منكرا وزورا من القول فأنكروه وقولوا لي: إن قولك ليس بصدق ولا صواب، وإن عرفتم صحة قولي وصواب ما ألقيت إليكم فانصروني وعاضدوني، وتعاونوا على البر والتقوى. وقوله: " فآزروا " مأخوذ من المآزرة بمعنى المعاونة والتقوية.
[182]
فعل (11) ولئن قل الحق لربما ولعل (12) وقلما أدبر شئ
فأقبل، ولئن رجعت عليكم أموركم إنكم لسعداء (13)، وإني لاخشى أن تكونوا في فترة، وما علينا إلا الاجتهاد. [قال الجاحظ:] وقال أبو عبيدة: وزاد فيها [في رواية] جعفر بن محمد [عن آبائه عليهم السلام]: [ألا] إن أبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلم [هم] كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا.
(11) وفي كثير من المصادر - كما تلاحظ ما في بعضها بعد ذلك -: " ولئن أمر الباطل " وهو من باب علم ومعناه: ولئن كثر الباطل وقوي أصحابه فليس بأمر بديع إذ الباطل كان كثيرا من زمن قديم، ولا مؤنة في بقاء الشئ على أصله. (12) المراد من الحق المحقون - كما أن المراد من الباطل المبطلون - أي ولئن كان المحقون قليلين، فلربما كثر القليل، أو لعلهم مع قلتهم ينتصرون على المبطلين. (13) قوله: " وقلما أدبر شئ فأقبل " استبعاد منه عليه السلام لرجوع الحق بنحو كلي كي يستنتج منه السامعون أن رجوع حقهم إليهم يحتاج إلى عزم راسخ وجد ثابت وتمهيد مقدمات وثيقة كي يستدرك بها الفائت. وقوله عليه السلام " ولئن رجعت عليكم أموركم أنكم لسعداء " حث أكيد في لزوم الجد والطلب على المخاطبين لاسترداد أمورهم إليهم لانه مناط فوزهم وسعادتهم وبعدمه ترتفع السعادة وتلازمهم الشقاوة والهلاكة.
[183]
معنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق (14).
ألا وبنا تدرك ترة كل مؤمن (15) وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم وبنا فتح [لا بكم] وبنا يختم لا بكم. البيان والتبيين: ج 3 ص 44 ط مصر سنة 1366، بتحقيق حسن السندوبي، ورواها أيضا في العقد الفريد: ج 4 ص 133، وروى قطعة منها عن البيان والتبيين في فصل حلمه وشفقته عليه السلام من كتاب المناقب لابن شهر أشوب: ج 2 ص 115، ط قم. ورواها أيضا في الفصل (13) من مختار كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد ص 136، وذكر فقرات منها في كتاب الجمل ص 62 وقال والعلماء متفقون عليها عنه عليه السلام وقد ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى، وفسر غريب الكلام فيها، وأوردها المدائني في كتبه، وذكرها الجاحظ في البيان والتبيين. ورواها أيضا في أواسط الباب (49) من جواهر المطالب ص 59. ورواها أيضا في البحار: ج 8 ص 391 ط الكمباني عن ابن أبي الحديد. ورواها أيضا في عيون الاخبار: ج 2 ص 236 ط 2. وذكرها أيضا في كنز العمال: ج 15 ص 446 ط 2، وج 8 ص 300 ط 1، نقلا عن اللالكائي، كما رواها أيضا في منتخبه المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 191، ط 1، باختلاف في بعض الالفاظ، والظاهر انها أغلاط مطبعية، ولها هناك مقدمة من كلام محمد بن الحنفية، كما ان الذيل المروي عن الامام الصادق عليه السلام غير موجود فيهما.
(14) هذا مثل قوله صلى الله عليه وآله: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى ". (15) الترة - كعدة -: ما يصيب الانسان من المكروه من هتك عرض أو نهب مال أو ذهاب
حق أو ضرب أو قتل ولم يتدارك.
[184]
- 53 - ومن خطبة له عليه السلام لما بايعه الناس بعد قتل عثمان قال المسعودي: اجتمع المهاجرون، والانصار على محاصرة عثمان والهجوم عليه حتى قتلوه، ثم [صارروا مع] الناس إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليبايعوه فامتنع عليهم، فألحوا عليه حتى أكرهوه وتداكوا عليه تداك الابل على الماء، فبايعهم على كتاب الله وسنة نبيه طائعين راغبين، فلما بايعوه قام خطيبا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكرهم بأيام الله ثم قال: أيها الناس إن أول قتيل بغى على وجه الارض عناق بنت آدم، خلق الله لها عشرين أصبعا، لكل اصبع فيها ظفران كالمنجلين الطويلين من حديد، وكان مجلسها على جريب من الارض (1) فبغت في الارض ثمانين سنة. فلما أراد الله إهلاكها خلق لها أسدا مثل الفيل، وذئبا مثل الحمار، ونسرا مثل البعير، فسلطهم عليها فمزقوها فقتلوها وأكلوها.
(1) المنجل آلة من حديد عكفاء يقضب ويحصد بها الزرع، وهي معروفة عند أرباب الفلاحة والزراعة، وأهل بلادنا يسمونها " داس ". وقال في مجمع البحرين: قدر الجريب من الارض بستين ذراعا في ستين. والذراع بست قبضات. والقبضة بأربع أصابع. وعشر هذا الجريب يسمى قفيزا، وعشر هذا الفقيز يسمى عشيرا، ويجمع الجريب على أجربة وجربان، كأرغفة وعثمان. وقيل: الجريب من الارض نصف الفنجان. (*)
[185]
ثم قتل الله الجبابرة في زمانها، وقد أهلك الله فرعون وهامان وخسف بقارون. وقد قتل عثمان، وكان حق لي حازه من [لم [آمنه عليه (2) ولم أشركه فيه، فهو منه على شفا حفرة من النار لا يستنقذه منها إلا نبي مرسل يتوب على يديه، ولا نبي بعد محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] (3). ثم قال [عليه السلام]: أيها الناس الدنيا دار حق وباطل ولكل أهل ألا ولئن غلب الباطل فقديما كان، ولئن قل الحق وضعف صاحبه فليس بما عاد [4) ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء ولقد خشيت أن تكونوا في فترة من الزمن (5).
(2) هذا هو الظاهر، وكلمة " لم " كانت ساقطة من الاصل، وفي المحكي عن تفسير القمي: ج 2 / 34 " وكان لي حق حازه دوني من لم يكن له، ولم أكن أشركه فيه " الخ ونقله عنه في البحار ج 17 / 172 / س 2. (3) أي فلا مستنقذ له، فهو من الهالكين. في يوم الدين. (4) كذا في النسخة. (5) الفترة - كالقطرة -: السكون والفترة والضعف. الهدنة. والفترة أيضا: هو انقطاع ما بين النبيين. ولا يبعد هنا أن يراد من الفترة: هو الانقطاع عن الحجة، أي لقد خشيت أن تكونوا حيارى منقطعين عن الحجة بينكم وبين الله.
[186]
أما إني لو أشاء لقلت، سبق الرجلان وقام الثالث
كالغراب همته بطنه، يا ويحه لو قص جناحه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة، والنار أمامه (6. ثم قال (عليه السلام) بعد كلام طويل في هذه الخطبة: إن الله جل وعلا أدب هذه الامة بالسيف والسوط، فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا ذات بينكم فإن التوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك (7) ألا وإن كل قطيعة أقطعها [8] عثمان من مال الله مردود على بيت مال المسلمين، فإن الحق قديم لا يبطله شئ،
(6) كذا في النسخة، وفي الفصل (13) مما اختار من كلامه عليه السلام في الارشاد، ص 28، و عيون الاخبار: ج 2 / 236 والمختار (16) من خطب نهج البلاغة: " شغل من الجنة والنار أمامه ". وفي البيان والتبيين: ج 2 / 50 " فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه " الخ. وما ها هنا أظهر. (7) من قوله عليه السلام: " إن الله جل وعلا - إلى قوله: " هلك " رواه أيضا في المختار (16) من خطب نهج البلاغة عنه عليه السلام، كما أن الجملة الاخيرة أيضا ذكرها في المختار (188) من قصار نهج البلاغة، ومعناها ان من كاشف الحق مخاصما له ومصارحا له بالعداوة هلك. (8) من قوله عليه السلام: " ألا وإن كل قطيعة أقطعها عثمان - إلى قوله: - فالجور عليه أضيق " رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار (15) من خطب نهج البلاغة، وقال: وهذه الخطبة ذكرها الكلبي مروية مرفوعة إلى أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنه أن عليا عليه السلام خطب (به) في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال الخ. أقول: القطعية: ما يقطعها ويهبها الوالي من أرض الخراج بعض الرعية، ويسقط عنه خراجها.
[187]
ولو وجدته تفرق في البلدان لرددته، فإن في الحق سعة،
ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه أضيق [9) أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. إثبات الوصية ص 120، وللكلام مصادر وثيقة، وشواهد عديدة أشرنا إلى بعضها في التعاليق المتقدمة، وستقف على بعضها فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(9) وفي المختار (15) من خطب النهج: " والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الاماء، لرددته، فان في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق ". وفي رواية ابن أبي الحديد: " ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق في البلدان لرددته إلى (على " خ ل ") حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق ".
[188]
- 54 - ومن خطبة له عليه السلام لما بايعه الناس بعد قتل عثمان محمد بن يعقوب الكليني رفع الله درجاته، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن علي بن رئاب، ويعقوب بن السراج، عن أبي عبد الله (الامام الصادق) عليه السلام، أن أمير المؤمنين عليه السلام، لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: الحمد لله علا فاستعلى، ودنا فتعالى، وارتفع فوق كل منظر [1] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم النبيين، وحجة الله على العالمين، مصدقا، للرسل الاولين، وكان بالمؤمنين رؤفا فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله.
أما بعد - أيها الناس - فإن البغي يقود أصحابه إلى النار، وإن أول من بغى على الله جل ذكره عناق بنت آدم،
(1) قال في مجمع البحرين: المنظرة: المرقبة، وفي الدعاء: " يا من هو بالمنظر الاعلى " أي في المرقب الاعلى يرقب عباده.
[189]
و [إن] أول قتيل قتله الله عناق، وكان مجلسها جريبا في جريب (2) وكان لها عشرون إصبعا، في كل إصبع ظفران مثل المنجلين (3) فسلط الله عليها أسدا كالفيل، وذئبا كالبعير، ونسرا مثل البغل فقتلوها (4) وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا، وأمات هامان وأهلك فرعون، وقد قتل عثمان. ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (5) صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة،
(2) الجريب - بفتح الجيم - ويجمع على أجربة وجربان - كرغيف وأرغفة ورغفان - قيل: هو في الاصل إسم للوادي، ويستعار للقطعة المتميزة من الارض، ويختلف مقدارها بحسب مقدار الاقاليم، كاختلافهم في مقدار الرطل والكيل والذراع. وقد تقدم عن الطريحي في المجمع انه قال: وقدر الجريب بستين ذراعا في ستين. وقيل: هو عشرة أقفزة كل قفيز منها عشرة أعشرا. (3) تثنية المنجل - بكسر الميم كمبرد -: آلة القضب والحصاد. (4) وفي رواية كمال الدين ابن ميثم (ره): " ونسرا كالحمار، وكان ذلك في الخلق الاول فقتلها، وقد قتل الله الجبابرة على أسوء أحوالهم ". (5) إن بلية العرب يوم بعث الله النبي - صلى الله عليه وآله - التي أهلكتهم هي العصبية العمياء والحمية الجاهلية، وتفرد كل قبيلة بآرائها المنبعثة عن الخرافات الوهمية والعادات الطائفية،
والمنافع الشخصية الخيالية، وعدهم الجري على عادات غيرهم - كائنا من كان - عارا وشنارا، ولذا تفرد كل قبيلة بصنم تعبده وتشركه في العبادة مع الله تعالى، وهذه البلية قد تكونت ثانية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنها كانت ضعيفة، وكلما تجدد لوالي المسلمين نظر ورأي في قبال الاحكام الالهية والقوانين الشرعية، تجددت للبلية قوة، فزادت قوة بعد قوة حتى ترعرعت في أيام عثمان لكثرة نهمته وشدة حرصه في منافع شخصه وإشباع غرائز قومه، وحملهم على رقاب المسلمين، وحين قتل عثمان كانت هذه البلية في أوان شبابها وغاية قوتها واستحكامها، ولذا
[190]
ولتغربلن غربلة (6) ولتساطن سوطة القدر (7) حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم (8) وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون كانوا سبقوا (9) والله
كانت أم المؤمنين عائشة تقول - لما بلغها قثل عثمان: - إيها ذا الاصبع، ولما بلغها بيعة أمير المؤمنين قالت: ليت السماء وقعت على الارض - أو ما في معناه - ومن أجلها قال كل واحد من طلحة والزبير لامير المؤمنين: نبايعك على أنا شركاؤك في الامر. قال عليه السلام: لا. وقال معاوية: إن أقرني على الشام ولم يعزلني بايعت له. (6) أي لتخلطن أبراركم وأشراركم ثم تنخلن كنخل الدقيق والحنطة ليميز الخبيث من الطيب، يقال: " بلبل الامير قومه بلبلة وبلبالا ". هيجهم. أوقعهم في الهم. والالسنة: خلطها. والامتعة فرقها. والآراء: أفسدها. و " تبلبل " مطاوع بلبل، وكل واحد من المعاني يصح إرادته هنا، وإن كان إرادة بعضها - كالاختلاط والتفرقة والافساد - أوضح. ويقال: " غربل زيد الحنطة غربلة ": نخلها. والشئ: قطعه. فرقه. والقوم قتلهم وطحنهم. البلد: كشف حال من بها. وغربل في الارض ": ذهب فيها. (7) وفي النهج وكثير من المصادر: " ولتساطن سوط القدر " وهذه الفقرة أيضا في معنى الفقرتين المتقدمتين وتزيد عليهما في إفادة معنى التقلب والثوران أي ولتخلطن كخلط ما في القدر من الاجناس
المختلفة عند طحنها وغليان القدر، وضرب ما فيه بالمحراك وآلة الاختلاط، يقال: " ساط زيد القدر - من باب قال - سوطا ": خلطه. قلبه ظهرا لبطن. (8) هذا تصريح وتفصيل لما يستفاد من الفقرات المتقدمة، إذ من لوازم الغربال والسوط - أي التقلب - صيرورة الاعلى أسفلا وعكسه. (9) وفي المختار: (16) من نهج البلاغة: " وليقصرن سباقون كانوا سبقوا " أي وليسبقن ويسار عن إلى مرضاة الله سابقون كانوا قبل ذلك مقصرين في طاعة الله ومرضاته، بطيئين في إجابته متساهلين في امتثال أوامره - كعدي بن حاتم وأمثاله فانهم تأخروا عن إجابة رسول الله حتى رأوا الناس يدخلون في دين الله أفواجا، ولكنهم استقاموا في نصرة أمير المؤمنين عليه السلام - وليقصرن عن مرضاة الله ويبطئن عن نصرة دين الله من كان قبل ذلك مسارعا إليه مشمرا في إعلائه مجدا في اتساعه، وذلك مثل الزبير وأمثاله، فإنه كان في بدء الاسلام حتى يوم السقيقة مبادرا إلى الخيرات، ومخاصما لاهل الاهواء والبدع، ولكن بعد بيعة أمير المؤمنين عليه السلام أخلد إلى أرض الشهوات فاتبع هواه فصار من المهلكين.
[191]
ما كتمت وشمة [وسمة " خ "] ولا كذبت كذبة (10)، ولقد نبئت بهذا المقام، وهذا اليوم (11). ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار (12). ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة، وفتحت لهم أبوابها، ووجدوا ريحها وطيبها، وقيل لهم: " ادخلوها بسلام آمنين " (13)
وهذه الفصول من كلامه عليه السلام قد اشتمل على إعجاز اللفظ والمعنى أما اللفظ فظاهر فإنه قد أخبر عن تقلب الناس ببيان لا يحيط به الوصف، وأما المعنى فلوقوع المخبر به على ما أخبر عنه.
(10) الوشمة والوسمة - كضربة -: الاثر والعلامة. وأيضا الوشمة: الكلمة. أي أحلف بالله أن ما قلته وما أقول بعد ذلك حق عن رسول الله، ما كتمت عنكم مما بين لي أثرا وعلامة أو كلمة واحدة ولا كذبت عليه كذبة واحدة فضلا عما فوقها. وإنما أتى عليه السلام بالقسم لان الكلام قد اشتمل على اختصاصه عليه السلام من بين الامة بأسرار رسول الله وما يقع في المستقبل، وجل فلمهاجرين كانوا يحسدونه على ذلك، وجل الناس من غيرهم كانوا جاهلين بما له من المنزلة الرفيعة المقتضى الحال ان يقرن بالقسم ما ينكروه بقلوبهم. (12) من قوله: " ألا وإن الخطايا خيل شمس - إلى قوله: - بسلام آمنين " رواه عنه عليه السلام ابن مسكويه في كتاب الحكمة الخالدة - جاويدان خرد -. والشمس - كعنق وقفل -: جمع شموس - كصبور - يقال: " شمس الفرس - من باب نصر - شموسا - كسرورا - وشماسا. امتنع وأبى من ركوبه وإسراجه، ولا يكاد يستقر. و " اللجم ": جمع اللجام: الزمام. و " التقحم ": الدخول في الشئ بدفع وقوة. وتشبيه الخطايا بالخيل الشموس المخلوعة اللجام لغاية التنفير عنها، وفي إتيان الفاء في قوله: " فتقحمت " دلالة على أن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولئك أصحاب النار، يقع فيها بدفع وقوة. (13) و " الذلل ": جمع الذلول: المنقادة. و " الازمة ": جمع الزمام: مقود الدابة. ثم إن ما بين القوسين مقتبس من الآية: (46) من سورة الحجر.
[192]
ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه فيه، ومن لم أهبه له، ومن ليست له منه نوبة (14) إلا بنبي يبعث - ألا - ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، أشرف منه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم (15). حتى وباطل ولكل أهل (16) فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل (17) ولقلما أدبر شئ
فأقبل (18)، ولئن رد عليكم أمركم إنكم سعداء، وما علي إلا الجهد، وإني أخشى أن تكونوا على فترة (19)
(14) وفي بعض المصادر: " توبة " بالمثناة وهو الظاهر. (15) الشفا - كالعصا والصفا -: طرف كل شئ وحده. و " الجرف " كعنق وقفل -: الجانب الذي أكله الماء من حاشية النهر. و " هار ": هائر: ساقط ومنهدم. (16) أي إن الدنيا دار حق وباطل. كما تقدم التصريح به في رواية المسعودي. (17) أمر الباطل أي كثر، في قبال قوله: " ولئن قل الحق " والفعل من باب " علم ". وقوله: " فعل ": تحقق. وقوله: " فلربما ولعل " أي فلربما كثر القليل، ولعل القليل غلب على الكثير. ثم إن المراد من قوله: كثر الباطل وقل الحق. لازمهما وهو قوة الاول وغلبته، وضعف الثاني ومغلوبيته. (18) هذا وما بعده تحسر منه عليه السلام واستبعاد منه لعود السعادة المرفوعة الزائلة بصنيع الضلال والمبطلين، ونظيره في استبعاد إياب الذاهب أو الانتفاع به بعد العود قول الشاعر: وقالوا بعود الماء في النهر بعدما * ذوى نبت جنبيه وجف المشارع فقلت: إلى أن يرجع النهر جاريا " * ويوشب جنباه تموت الضفادع (19) الفترة - كالقطرة -: الانقطاع عن الحجة، وعدم وجدان السبيل إلى السبب الواصل بين الله وبين عبيده، ولا يكون ذلك إلا في أوان استفحال الضلالة وانهماك الناس في الشهوات وعدم التفاتهم إلى وظائف العبودية، وما يجب لله عليهم.
[193]
[قد كانت أمور] ملتم عني [فيها] ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي، ولو أشاء لقلت (20) عفى الله عما سلف. سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همه بطنه،
ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة، والنار أمامه. ثلاثة واثنان: خمسة ليس لهم سادس: ملك يطير بجناحيه، ونبي أخذ الله بضبعيه (21) وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار. اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة
(20) قوله: " ولو أشاء لقلت " أي لسميت وذكرت تلك الامور التي ملتم فيها عني وزللتم فيها، ولكني لم أذكرها تكرما. وهذا إشارة منه عليه السلام إلى ما وقع من القوم في يوم السقيفة وما بعده ومن تقاعدهم عن نصرته وأداء واجب حقه، أو انحيازهم واجتماعهم مع المتغلبين على حقه ومقامه. وقوله: " عفى الله عما سلف " جملة مستأنفة أتى بها لبيان إمكان تدارك ما فرطوا فيه وأن الحسنات المتأخرة إذا قارنت مع التوبة يذهبن السيئات المتقدمة، وأن من عاد إلى طغيانه ينتقم الله منه، والكلام مقتبس من الآية: (95) من سورة المائدة " عفى الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ". وما بين المعقوفات من المتن كانت ساقطة عن الكافي ط الاخوندي، ولابد منه. (21) اي بعضديه.
[194]
عليها يأتي الكتاب وآثار النبوة " (22). هلك من ادعى، خاب من افترى. إن الله أدب هذه الامة بالسيف والسوط (23) وليس لاحد عند الامام فيهما هوادة (24) فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك (25).
الحديث (23) من روضة الكافي ص 67، ومن قوله: " ألا وإن بليتكم قد عادت - إلى قوله: - ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم " ذكره أيضا في الحديث
(22) كذا في النسخة، وفي رواية كمال الدين ابن ميثم (ره): " ووسط الطريق المنهج عليه باقي الكتاب وآثار النبوة ". وقريب منه تقدم في رواية الجاحظ. (23) وقريب منه تقدم عن كتاب البيان والتبين، وفي رواية ابن ميثم (ره): " ألا وإن الله قد جعل أدب هذه الامة السوط والسيف ليس عند إمام (كذا) فيهما هوادة ". (24) الهوادة - كشهادة -: اللين: الميل. الرخصة. (25) أي من أظهر صفحته وجانبه لي - وأنا الحق - مصرحا بالمخاصمة، ومكاشفا للمعادات هلك. ومما يناسب هنا جدا ما رواه الطبري في بدء خلافة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخه: ج 3 ص 454 عن الزبير بن بكار، عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: لما قتل الناس عثمان وبايعوا عليا، جاء علي إلى الزبير فاستأذنه (قال): فأعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه ثم قال: ائذن له. فأذنت له فدخل فسلم على الزبير، وهو واقف بنحوه ثم خرج فقال الزبير: لقد دخل المرء ما أقصاه (كذا) قم في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئا ؟ فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته. فقال: ذاك أعجل الرجل. فلما خرج علي سأله الناس (عنه) فقال: وجدت أبر ابن أخت وأوصله. فظن الناس خيرا، فقال علي: إنه بايعه (كذا). أقول: ورواه أيضا في البحار: ج 8.
[195]
الاول من باب " التمحيص والامتحان " من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 369، وقطعة من أواخرها رواها في الباب: (49) من جواهر المطالب ص 54 و 59، ومن قوله: " إن الله أدب هذه الامة " إلى آخره رواه اليعقوبي في آخر كلمه عليه السلام من تاريخه: ج 2 ص 202 ط
النجف، ورواها في البحار: ج 8 ص 173، عن الكافي، كما روى قطعة منها عنه في الحديث (9) من الباب: (11) من كتاب إثبات الهداة ص 438. ومن قوله: " ثلاثة واثنان " إلى آخره رواه مرسلا في أواخر الباب (7) من دستور معالم الحكم ص 153 ط مصر.
[196]
- 55 - ومن كلام له عليه السلام قاله حين تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وحسان بن ثابت، وأسامة بن زيد، على ما رواه الشعبي (1). قال الشعبي: لما اعتزل سعد (و) من سميناه (عن) أمير المؤمنين عليه السلام، وتوقفوا عن بيعته، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، وإن [كذا] بايعوا فلا خيار لهم، وإن على الامام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة من رغب عنها [رغب] عن دين الاسلام، واتبع غير سبيل أهله، ولم تكن
(1) وقال المسعودي في مروج الذهب: ج 3 ص 15: وكان سعد، وأسامه بن زيد، وعبد الله ابن عمر، ومحمد بن سلمة، ممن قعد عن علي بن أبي طالب، وأبوا أن ببايعوه هم وغيرهم ممن ذكرنا من القعاد عن بيعته، وذلك إنهم قالوا: إنها فتنة، ومنهم من قال لعلي: أعطنا سيوفا نقاتل بها معك فإذا ضربنا بها المؤمنين لم تعمل فيهم ونبت عن أجسامهم، وإذا ضربنا بها الكافرين سرت في أبدانهم. فأعرض عنهم علي وقال: ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون.
[197]
بيعتكم إياي فلتة (2) وليس أمري وأمركم واحدا، وإني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لانفسكم، وأيم الله لانصحن للخصم، ولانصفن للمظلوم، وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة، وأسامة، وعبد الله، وحسان بن ثابت أمور كرهتها والحق بيني وبينهم. الفصل (16) من مختار كلامه عليه السلام في الارشاد، ص 13، ط الغري، وقريبا من الذيل رواه السيد الرضي (ره) في المختار: (134) من خطب النهج.
(29 إلى هنا ذكره أيضا في الاخبار الطوال ص 141، والظاهر منه أنه أول خطبة خطبها أمير المؤمنين عليه السلام، وليس فيما ذكره قوله: " واتبع غير سبيل أهله ". والبقية مثل ما هنا الا في بعض ألفاظه فإنه يوافق ما هنا معنى لا لفظا. و " الفلتة ": صدور الفعل عن الفاعل بلا روية ومن غير فكر ودقة.
[198]
- 56 - ومن خطبة له عليه السلام في بيان تساوي الناس في الحكم والقسم كتساويهم في الانتساب إلى آدم. ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني طيب الله ثراه، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن جعفر العقبي رفعه، قال: خطب أمير المؤمنين " (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله عزوجل.
ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الاسود والاحمر. فقال مروان، لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما. قال فأعطى كل واحد (من المسلمين) ثلاثة دنانير، وأعطى رجلا من الانصار ثلاثة دنانير، وجاء بعد [5] غلام أسود، فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الانصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقته بالامس تجعلني وإياه سواءا ؟ فقال (عليه السلام): إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا (1)
وهذا مما كان عليه السلام يصر عليه قولا وفعلا وعلما وعملا - وكان من أشد البواعث على تفرق الناس عنه - قال البلاذري في ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف ص 323 -: حدثني عمرو بن شبة، حدثنا عبيد بن جناد (كذا) حدثنا عطاء بن مسلم، عن واصل، عن أبي إسحاق،
[199]
الحديث (26) من روضة الكافي ص 69، ط طهران سنة 1377، ورواه عنه في البحار: ج 8 ص 420 س 8 عكسا.
عن الحرث، قال: كنت عند علي فأتته امرأتان فقالتا: با أمير المؤمنين (نحن) فقيرتان مسكينتان. فقال: قد وجب حقكما علينا وعلى كل ذي سعة من المسلمين إن كنتما صادقتين. ثم أمر رجلا فقال: انطلق بهما (ظ) إلى سوقنا فاشتر لكل واحدة منهما كرا من طعام وثلاثة أثواب، فذكر رداءا وخمارا وإزارا، وأعط كل واحدة منهما من عطائي مأة درهم، فلما ولتا سفرت (ظ) إحداهما وقالت: يا أمير المؤمنين فضلني بما فضلك الله به وشرفك. قال: وبماذا فضلني الله وشرفني ؟ قالت: برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: صدقت وما أنت، قالت: امرأة من العرب وهذه من الموالي. قال: فتناول شيئا من الارض ثم قال: قد قرأت ما بين اللوحين فما رأيت لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا ولا جناح بعوضة. وقال اليعقوبي - في ختام وقعة الجمل من تاريخه: ج 3 / 173 -: وأعطى الناس بالسوبة، لم يفضل أحدا على أحد، وأعطى الموالي كما أعطى الصلبية، فقيل له في ذلك. فقال: قرأت ما بين الدفتين
فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل هذا (كذا) وأخذ عودا من الارض فوضعه بين إصبعيه.
[200]
- 57 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها عندما أنكر عليه قوم من المهاجرين تسويته بين الناس في الفئ أما بعد أيها الناس فإنا نحمد ربنا وإلهنا وولي النعمة علينا ظاهرة وباطنة، بغير حول منا ولا قوة، إلا امتنانا علينا وفضلا، ليبلونا أنشكر أم نكفر، فمن شكر زاده ومن كفر عذبه (1). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدا صمدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه رحمة للعباد والبلاد [كذا] والبهائم والانعام، نعمة أنعم بها [علينا] ومنا وفضلا، وصلى الله عليه وآله، فأفضل الناس - أيها الناس - عند الله منزلة وأعظمهم عند الله خطرا أطوعهم لامر الله، وأعملهم بطاعة الله، وأتبعهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأحياهم لكتاب الله، فليس لاحد
(1) إشارة إلى قوله تعالى في الآية السابعة من سورة إبراهيم: " وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ".
[201]
من خلق الله عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة رسوله واتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، هذا كتاب الله بين
أظهرنا وعهد نبي الله وسيرته فينا، لا يجهلها إلا جاهل مخالف معاند عن الله عزوجل، يقول الله " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم [13 - الحجرات] فمن اتقى الله فهو الشريف المكرم المحب، وكذلك أهل طاعته وطاعة رسول الله [قال الله تبارك وتعالى] في كتابه: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " [31 - آل عمران: 3]. وقال [الله تعالى]: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين " (2). ثم صاح (عليه السلام) بأعلا صوته: يا معشر المهاجرين والانصار، ويا معاشر المسلمين،
(2) كذا في النسخة، وفي الآية: " 32 " من سورة آل عمران: " قال أطيعوا الله والرسول، فان تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ". ولعل ما في المتن نقل منه عليه السلام بالمعنى، أو انه من خطأ الرواة أو الكتاب والناسخين.
[202]
أتمنون على الله وعلى رسوله بإسلامكم ؟ ! ولله ولرسوله المن عليكم إن كنتم صادقين (3). ثم قال (عليه السلام): ألا إنه من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله أجرينا عليه أحكام القرآن، وأقسام الاسلام، ليس لاحد على أحد
فضل إلا بتقوى الله وطاعته، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأوليائه وأحبائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم قال (عليه السلام): ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها، وأصبحت تغضبكم وترضيكم (4) ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له، ولا الذي دعيتم إليه، ألا وإنها ليست بباقية لكم، ولا تبقون عليها، فلا يغرنكم عاجلها فقد حذرتموها ووصفت لكم وجربتموها فأصبحتم
(3) إشارة إلى الآية: (17) من سورة الحجرات: (49): " يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم بلى الله يمن عليكم أن هداكم للايمان ". (4) هذا هو الصواب، وفي النسخة: " تعظكم وترميكم " الخ.
[203]
لا تحمدون عاقبتها، فسابقوا رحمكم الله إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها فهي العامرة التي لا تخرب أبدا، والباقية [التي] لا تنفد، رغبكم الله فيها ودعاكم إليها، وجعل لكم الثواب فيها فانظروا يا معاشر المهاجرين والانصار، وأهل دين الله، ما وصفتم به في كتاب الله ونزلتم به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهدتم عليه، فبما فضلتم به ؟ [أ] بالحسب والنسب ؟ أم بعمل وطاعة ؟ فاستتموا نعمه عليكم - رحمكم الله - بالصبر لانفسكم، والمحافظة على من استحفظكم الله من كتابه. ألا وإنه لا يضركم تواضع شئ من دنياكم (5) بعد
حفظكم وصية الله والتقوى، ولا ينفعكم شئ حافظتم عليه من أمر دنياكم بعد تضييع ما أمرتم به من التقوى، فعليكم عباد الله بالتسليم لامره والرضا بقضائه والصبر على بلائه (6) فأما هذا الفئ فليس لاحد فيه على أحد
(5) كذا في النسخة، ويراد منه - هنا - الانحطاط والانتقاص، من قولهم: " تواضعت الارض ": انخفضت ونزلت. (6) ومساق هذا مساق قوله تعالى: " ونبلوكم بالخير والشر فتنة ".
[204]
أثرة، قد فرغ الله عزوجل من قسمه (7) فهو مال الله، وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله، به أقررنا وعليه شهدنا وله أسلمنا، وعهد نبينا بين أظهرنا، فسلموا - رحمكم الله - فمن لم يرض بهذا فليتول كيف شاء، فإن العامل بطاعة الله، والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه، أولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (8) [و]
(7) قال الطبرسي (ره): الفئ: ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بغير قتال، والغنيمة: ما أخذ منهم بقتال. وهو قول عطاء، ومذهب الشافعي وسفيان، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام، وقال قوم: الغنيمة والفئ واحد. و " الاثرة " كشجرة -: الاختصاص بالشئ دون غيره. وقيل: هو اختصاص المرء نفسه بأحسن الشئ دون غيره. و " القسم ": التجزأة والتفريق، يقال: " قسم الشئ - من باب ضرب - قسما ": فرقه وجزأه. (8) وهذا الحكم مدلول كثير من الآيات المحكمات، والعقل أيضا حاكم به بعد حكمه بعدل الباري تعالى وغنائه وحكمته، قال الله تعالى في الآية: (38) من سورة البقرة: " فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: (63) من السورة:
" من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: " 112 " منها: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: (262) منها: " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا لا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: (274) منها: " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال جل شأنه - في الآية: (170) من سورة آل عمران في حق الشهداء: " فرحين بما أتاهم الله من فضله ويسبتشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ". وقال تعالى - في الآية: (69) من سورة المائدة -: " من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا
[205]
أولئك هم المفلحون ونسأل الله ربنا وإلهنا أن يجعلنا
فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال عز شأنه - في الآية: (48) من سورة الانعام -: " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال جلت عظمته - في الآية: (35) من سورة الاعراف -: " يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال تعالى عم نواله - في الآية: (62) من سورة يونس -: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ". وقال جل جلاله - في الآية: (68) من سورة الزخرف -: " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو، إلا المتقين، يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أننم تحزنون، الذين آمنو بآياتنا وكانوا
مسلمين، ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون، يطاف عليهم بصحاف من مذهب وأكواب، وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين، وأنتم فيها خالدون، وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ". وقال عظم برهانه - في الآية: (13) من سورة الاحقاف -: " إن الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". ولا شك أن أمير المؤمنين من أكمل مصاديق الآيات المتقدمة - إن لم نقل باختصاص بعض الآيات المتقدمة به - نظير قول ابن عباس: " ما نزل " يا أيها الذين آمنوا " إلا وعلي أميرها وشريفها. وهكذا الكلام بالنسبة إلى ما ورد في الحكم بالفوز والفلاح فإنه عليه السلام من أفضل أفراد من أتى بوسائل الفوز والفلاح، وكيف يمكن أن يقال انه عليه السلام كان خائفا - بمعنى احتماله وتجويزه لحلول العذاب عليه وعدم علمه بما يؤل إليه أمره - والخوف بذلك المعنى من لوازم الجهل بمقام الربوبية والتفريط في العمل بوظائف العبودية، وهو عليه السلام كان متفردا ببلوغ النهاية في العمل والعلم، وكيف يمكن أن يقال انه عليه السلام كان خائفا بذلك المعنى وقد أعده الله لشفاعة المذنبين، وكيف يشفع لغيره من لا يعلم عاقبة أمره ويحتاج إلى شفاعة غيره ؟ !. هذا كله بالنسبة إلى الخوف الاخروي، وأما الدنيوي فانه لم ير الدهر أربط جاشا منه ولذا كان عليه السلام في ساعات الروع واختلاس نفوس الابطال يغفي ويضع رأسه على القربوس في ساحة الحرب وينام، وإذا يخوفوه كان يقول: ما أبالي سقط علي الموت أو سقطت عليه. وسياق الكلام - هنا - يفيد المعنى الثاني، وإنما أتى به عليه السلام إظهارا للتجلد، ومحدثا بنعمة ربه بأنه عامل بطاعته، وحاكم بكتابه.
[206]
وإياكم من أهل طاعته، وأن يجعل رغبتنا ورغبتكم فيما عنده، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم. المختار (17) من كلمه عليه السلام من كتاب تحف العقول، ص 125، ط الغري، وللخطبة صور وأصول أخر ذكرنا بعضها في كتاب المقالة العلوية
الغراء وقريبا من الذيل ذكره السيد الرضي (رحمه الله) في المختار: (164) أو قبيلها م خطب النهج، وكذلك رواه أيضا في الحديث الخامس من المجلس: (44) من أمالي ابن الشيخ ص 91.
[207]
- 58 - ومن خطبة له عليه السلام لما طلب منه بعض الاشراف التفضيل لهم في العطاء قال محمد بن يعقوب الكليني الرازي رحمه الله (حدثنا) علي بن إبراهيم، عن أبيه (1). و (حدثنا) محمد بن علي جميعا عن إسماعيل بن مهران، و (عن) أحمد بن محمد بن أحمد، عن علي بن الحسن التيمي. و (حدثنا) علي بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا، عن إسماعيل بن مهران، عن المنذر بن جيفر، عن الحكم بن ظهير، عن عبد الله بن جرير (حريز " خ ") العبدي (2) عن الاصبغ بن نباته، قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عمر، وولد أبي بكر، وسعد بن أبي وقاص، يطلبون منه التفضيل لهم (3) فصعد (أمير المؤمنين عليه السلام) المنبر ومال الناس إليه فقال: الحمد لله ولي الحمد ومنتهى الكرم، لا تدركه
(1) وقد غيرنا هنا عبارة ثقة الاسلام الكليني (ره) في سرد الرواة بعض التغيير للتوضيح، ووضعنا ما زدناه على تعبيره بين المعقوفات أو الاقواس. (2) والمحكى عن جامع الروات: ج 1، ص 107، انه ضبطه " حريث ". (3) يعني طلبوا منه أن يفضلهم على سائر الناس في العطاء وقسمة بيت المال كما كان عمر في أيامه
يفضل بعض الناس على بعض، وكما كان عثمان يفضل بني أبيه على غيرهم.
[208]
الصفات ولا يحد باللغاة ولا يعرف بالغايات (4) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، نبي الهدى، وموضع التقوى ورسول الرب الاعلى، جاء بالحق من عند الحق، لينذر بالقرآن المنير، والبرهان المستنير (5) فصدع بالكتاب المبين ومضى على ما مضت عليه الرسل الاولون. أما بعد أيها الناس فلا يقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم - فاتخذوا العقار وفجروا الانهار، وركبوا
(4) أي إن الصفات التي نجريها على الله تعالى ونصفه بها لا تدركه ولا تلحقه أي انها قاصرة عن إفادة معنى مساوق لذاته تعالى بل هي حاكية عن بعض مقام ذاته تعالى. ويحتمل أن يراد من الصفات معناها المطلق لا خصوص ما نجريها عليه ونصفه به بل مطلق الصفات أي حتى الصفات التي وصف الله نفسه بها، مثلا وصف القادر، والعالم غير واف بإفادة معنى الله، إذ معناه: الواجب الوجود المستجمع لجميع الكمالات والمبرئ من جميع النقائص. ومعنى الاولين ذات قادر وعالم، فهما قاصران عن إفادة وجوب الوجود، وعن استجماعه للكمالات وتنزهه عن النقائص. وعلى هذا فالقصور راجع إلى اللغة، وعلى هذا يحمل قوله: " ولا يحد باللغات ". أو من أجل أنها من الممكنات الحادثة المحدودة وأنى للممكن والحادث والمحدود أن يحد الواجب الغيز المحدود ! !. وقوله عليه السلام: " ولا يعرف بالغايات " قيل: المراد بالغايات الآثار، وبما أنه يشترط في المعرف أن يكون أعرف من المعرف ولا شئ أعرف منه تعالى فلا يعرف بالآثار. وقال المجلسي (ره): أي لا يعرف بالنهايات والحدود الجسمانية، أو بالحدود العقلية إذ حقيقة كل شئ وكنهه نهايته وحده، أو ليس له نهاية لا في وجوده ولا في علمه ولا في قدرته، وكذا سائر صفاته، أو لا يعرف بما هو
غاية أفكار المتفكرين. (5) وفي بعض النسخ: " لينذر بالقرآن المبين، والبرهان المستبين ".
[209]
أفره الدواب، ولبسوا ألين الثياب، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا - إن لم يغفر لهم الغفار - إذا منعتهم ما كانوا فيه يخوضون، وصيرتهم إلى ما يستوجبون، فينقمون ذلك ويستنكرون (6) ويقولون: - ظلمنا ابن أبي طالب (7) وحرمنا ومنعنا حقوقنا، فالله عليهم المستعان. [ألا] من استقبل قبلتنا (8)، وأكل ذبيحتنا، وآمن بنبينا وشهد شهادتنا ودخل في ديننا أجرينا عليه حكم القرآن وحدود الاسلام، ليس لاحد على أحد فضل ألا بالتقوى. ألا وإن للمتقين عند الله تعالى أفضل الثواب، وأحسن الجزاء والمآب، لم يجعل الله تبارك وتعالى الدنيا للمتقين ثوابا، وما عند الله خير للابرار. أنظروا أهل دين الله فيما وصفتم [به] في كتاب الله
(6) هذا هو الموافق لرواية الاسكافي، وفي الكافي: " فيفقدون ذلك فيسألون ". (7) " ظلمنا " مفعول لقوله: " يقولون " الثاني، وهو بدل من قوله: " فلا يقولن " أو أنه مفعول لهما على سبيل التنازع. (8) كلمة " ألا " مأخوذة من رواية الاسكافي، وفي المستدرك: " فإن من استقبل قبلتنا " الخ.
[210]
ونزلتم به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهدتم به في ذات الله (9) أبحسب أم بنسب ؟ أم بعمل أم بطاعة
أم زهادة ؟ (10) و [انظروا] فيما أصبحتم فيه راغبين (11) فسارعوا إلى منازلكم - رحمكم الله - (12) - التي أمرتم بعمارتها [كذا] العامرة التي لا تخرب (13) [و] الباقية التي لا تنفد التي دعاكم [الله] إليها، وحضكم عليها ورغبكم فيها، وجعل الثواب عنده عنها، فاستتموا نعم الله عز ذكره بالتسليم لقضائه والشكر على نعمائه، فمن لم يرض بهذا فليس منا ولا إلينا، وإن الحاكم يحكم بحكم الله ولا خشية [ولا وحشة " خ "] عليه من ذلك، أولئك هم المفلحون [وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " خ "].
(9) اي في سبيله خالصا مخلصا له، وفي البحار: " انظروا أهل دين الله فيما أصبتم في كتاب الله، وتركتم عند رسول الله، قال: وفي بعض النسخ: " فانظروا إلى أهل دين الله ". (10) كلمة أم في الاول والثالث والرابع بمعنى أو. (11) أي انظروا فيما أصبحتم راغبين فيه هل يشبه ما رأيتم وعهدتم مما تقدم ذكره، أو أنظرو أيهما أصلح لان يرغب فيه وجعل الثواب عنده ؟ ! ! (12) كذا في النسخة، وفيها تقديم وتأخير. (13) وفي المستدرك: فإنها العامرة التي لا تخرب ".
[211]
الحديث (551) من روضة الكافي ص 360 ورواه عنه مشروحا في الحديث الثاني من باب: " نوادر ما وقع في أيام خلافته عليه السلام " من بحار الانوار: ج 8 ص 117 ط الكمباني وكذلك في ج 17، ص 90 في أواخر الباب (14). وقريب منه جدا وراه في المختار: (18) من خطب المستدرك ص 40، والمستفاد مما ذكره
نصر بن مزاحم في آخر كتاب صفين بأربعة أوراق، ص 551 ط مصر، أنهم دخلوا عليه وسألوا منه العطاء بعد وقعة صفين، والمستفاد من رواية الاسكافي وأمالي ابن الشيخ انه عليه السلام قال ذلك الكلام في اليوم الثاني من بيعته بلا طلب وسوال منه، أقول: وتعدد الصدور قوي جدا.
[212]
- 59 - ومن كلام له عليه السلام في تنبيه الناس بأن الفئ يقسم بينهم بالسوية وأنه لا يفضل شريفا على وضيع قال ابن دأب: وقام (أمير المؤمنين) عليه السلام خطيبا بالمدينة حين ولي (الخلافة) فقال: يا معشر المهاجرين والانصار، يا معشر قريش اعلموا - والله - أني لا أرزؤكم من فيئكم شيئا ما قام لي عذق بيثرب (1) أفتروني مانعا نفسي وولدي ومعطيكم ؟ ! ! ولاسوين بين الاسود والاحمر. فقام إليه (أخوه) عقيل بن أبي طالب فقال: لتجعلني وأسودا من سودان المدينة واحدا ؟ ! فقال له: اجلس رحمك الله تعالى، أما كان ههنا من يتكلم غيرك ؟ وما فضلك عليهم الا بسابقة أو تقوى ! ! (2).
(1) يقال: " رزأ الرجل ما له - من باب منع والمصدر كالمنع والقفل ومعدنة - رزأ ورزأ ومرزئة ": أصاب منه شيئا أي نقصه. والعذق - كعقل -: النخلة بحملها، والجمع: أعذق وعذاق. والعذق - كحبر -: عنقود العنب. المشابه لعنقود العنب من ثمر النخل - و - ويعبر عنه في لسان المرودشتيين ومن جاورهم من أهالي إيران ب " تلواره " على زنة سلمانة -، والجمع: عذوق وأعذاق. " ويثرب " على زنة يضرب علم للمدينة المنورة غير منصرف للعلمية ووزن
الفعل. (2) وأيضا قال ابن دأب: (ومن الفضائل السبعين التي اجتمعت في أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره) ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الاسلام، دخلت عليه أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فدفع إليها عشرين درهما، فسألت أم هانئ مولاتها العجمية فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين عليه السلام، فقالت: عشر بن درهما. فانصرفت (أم هانئ) مسخطة (على أخيها
[213]
الفضيلة (23) من الفضائل السبعين التي ذكرها لامير المؤمنين عليه السلام ابن دأب في كتابه على ما رواه الشيخ المفيد (ره) في كتاب الاختصاص ص 151، ط 2، عنه معنعنا، ورواه عن الاختصاص في الحديث (117) من الباب (91) من بحار الانوار: ج 9 ص 452 ط الكمباني، وفي ط الجديد: ج 40 ص 106.
وطلبت منه التفضيل) فقال لها: (يا أختاه) انصرفي رحمك الله، ما وجدنا في كتاب الله فضلا لآ (ل) إسماعيل على (آل) إسحاق. وفي مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 315، وفي ط قم: ج 2 ص 109، في عنوان: " المسابقة بالعدل والامانة " قال: وعن أم عثمان أم ولد علي عليه السلام قالت: جئت عليا وبين يديه قرنفل، فقلت: يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة. فقال: هاك ذا، ونفذ ييده إلي درهما فإنما هذا للمسلمين، أو فاصبري حتى يأتينا حظنا منه فنهب لابنتك قلادة. ورواه عنه في الحديث (15) من الباب (107) من البحار: ج 9 ص 535 وفي ط الحديث: ج 41 ص 116.
[214]
- 60 -
ومن كلام له عليه السلام قاله في بعض خطبه قال البلاذري: حدثني محمد بن سعد، حدثنا عفان، حدثنا جويرية بن بشير، حدثني أبو جادة انه سمع عليا رضي الله تعالى عنه يقول وهو يخطب: والله الذي لا إله إلا هو ما قتلته ولا مالات على قتله ولا ساءني (1). ترجمه عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 98 ط 1.
(1) وقال في كنز العمال تحت الرقم: (227) ج 15 / 10 /: عن اللالكائي عن الحسن قال: شهدت عليا بالمدينة وسمع صوتا فقال: ما هذا، قالوا: قتل عثمان. قالى: اللهم إني أشهدك افي لم ارض ولم أمالئ - مرتين أو ثلاثا.
[215]
- 61 - ومن كلام له عليه السلام في البراءة عن دم عثمان والممالات عليه البلاذري، عن المدائني، عن عيسى بن الربيع، عن أبي حصين قال: قال علي (عليه السلام): لو أعلم أن بني أمية يذهب ما في أنفسها (1) أن أحلف لها لحلفت خمسين يمينا مرددة بين الركن والمقام أني لم أقتل عثمان ولم أمالئ على قتله (2). ترجمة عثمان من كتاب انساب الاشراف: ج 5 ص 81 ط 1. وقريب منه جدا بسند آخر، رواه في الحديث 37 من الجزء العاشر من أمالي الطوسي ص 168، ورواه أيضا تحت الرقم: (226) من كتاب الفضائل
في عنوان: " حصر عثمان وقتله " من كنز العمال: ج 15، ص 8 ط 2 نقلا عن اللالكائي.
(1) وفي كنز العمال: " يذهب ما في نفوسها ". (2) وقال في مادة: " نفل " من الفائق: ج 4 / 11: وأصل النفل: النفي [ويستعمل في الحلف لما يترتب عليه من نفي ما نسب إلى الحالف أو من يحلف له] ومنه حديث علي رضي الله عنه: لوددت أن بني أمية رضوا ونفلناهم خمسين رجلا من بني هاشم يحلفون ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلا. يريد نفلنا لهم [يعني حلفنا لهم بالبراءة من دم عثمان].
[216]
- 62 - ومن كلام له عليه السلام قاله لمروان وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة قال اليعقوبي - في أول خلافة أمير المؤمنين من تاريخه: ج 2 ص 167 -: وبايع الناس [أمير المؤمنين عليا عليه السلام] إلا ثلاثة نفر من قريش، مروان ابن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة وكان لسان القوم، فقال [لعلي عليه السلام]: يا هذا إنك وترتنا جميعا، أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر ؟ وكان أبوه من نور قريش (كذا) وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمه إليه ! ! [ونحن إخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف فنبايعك] (1) على أن تضع عنا ما أصبنا، وتعفي لنا عما في أيدينا وتقتل قتلة صاحبنا. فغضب علي عليه السلام وقال: أما ما ذكرت من وتري إياكم فالحق وتركم ! ! ! وأما وضعي عنكم عما في أيديكم فليس لي أن أضع حق الله [عنكم ولا عن غيركم] وأما إعفائي عما في أيديكم
فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم، وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غدا (2):
(1) بين المعقوفات كلها مأخوذ من رواية الاسكافي في شرح المختار: (91) من خطب النهج من ابن أبي الحديد، وهنا في رواية اليعقوبي سقط. (2) كذا في النسخة، وفي رواية الاسكافي: " فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ".
[217]
ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه، فمن ضاق عليه الحق فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم. فقال مروان: بل نبايعك ونقيم معك فترى ونرى (3). أقول: والقصة مذكورة في أول خلافته عليه السلام من مروج الذهب: ج 2 ص 353، إشارة، ورواه ابن أبي الحديد بألفاظه في شرح المختار: (91) من النهج: ج 7 ص 36 نقلا عن الاسكافي.
(3) وإنما قال ذلك لانه أراد أن يكون مع أمير المؤمنين عليه السلام ويخل بأمره سرا إن عجز عنه علنا وجهرا، ويدل عليه ما ذكره في ترجمة سعيد بن العاص من طبقات ابن سعد: ج 5 / 23 ط 1: قال: فلما خرج طلحة والزبير وعائشة من مكة يريدون البصرة خرج معهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم، وعبد الرحمان بن عتاب بن أسيد، والمغيرة بن شعبة، فلما نزلوا مر الظهران، ويقال: ذات عرق، قام سعيد بن العاص فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن عثمان عاش في الدنيا حميدا، وخرج منها فقيدا - وساق مدحه على عثمان بزعمه وذويه إلى أن قال: - أيها الناس إنكم إنما تخرجون تطلبون بدم عثمان، فإن كنتم ذلك تريدون فإن قتلة عثمان على صدور هذه المطي وأعجازها فميلوا عليهم بأسيافكم ! ! ! وإلا فانصرفوا إلى منازلكم ولا تقتلوا في رضى المخلوقين أنفسكم ولا يغنى الناس عنكم يوم القيامة شيئا. فقال مروان بن الحكم: لا بل نضرب بعضهم ببعض فمن قتل كان الظفر فيه، ويبقى الباقي فنطلبه وهو واهن ضعيف ! ! ! (*)
[218]
- 63 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به جماعة عثمانية حين سألوه عن عثمان أقتل ظالما أو مظلوما ؟ ! ! قال ابن عساكر: قرأت في كتاب أبي الفرج علي بن الحسين بن محمد القرشي قال: أخبرني أحمد بن عبيد الله ابن عمار، حدثنا أبو جعفر محمد بن منصور الربعي - وذكر له إسنادا شاميا هكذا قال ابن عمار: في الخبر - وذكر حديثا فيه طول لحسان بن ثابت، والنعمان بن بشير، وكعب بن مالك، فذكرت ما كان لكعب فيه - قال: لما بويع علي بن أبي طالب بلغه عن حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، والنعمان بن بشير - وكانوا عثمانية - أنهم يقدمون بني أمية على بني هاشم، ويقولون: الشام خير من المدينة، واتصل بهم أن ذلك بلغه فدخلوا عليه فقال له كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن عثمان أقتل ظالما فتقول بقولك (1) أو قتل مظلوما فنقول بقولنا (2) ونكلك إلى الشبهة ! ! ! والعجب من ثبتنا وشكك ؟ وقد زعمت العرب أن عندك علم ما اختلفنا فيه فهاته لنعرف ثم قال: [و] كف يديه ثم أغلق بابه * وأيقن أن الله ليس بغافل وقال لمن في داره: لا تقاتلوا * عفى الله عن كل امرئ لم يقاتل فكيف رأيت الله صب عليهم * العداوة والبغضاء بعد التواصل وكيف رأيت الخير أدبر عنهم * وولى كإدبار النعام الجوافل (3)
(1) هذا دال على أنه عليه السلام كان يقول: بأن عثمان قتل ظالما، وان عمله وجرائم بني أبيه أجهز عليه. (2) كذا في النسخة.
(3) هذا السياق دال على أنه لم ينشد هذه الابيات حين دخوله على أمير المؤمنين بل إنشاده لها كان في آخر أيامه عليه السلام أو في أيام معاوية.
[219]
فقال علي (عليه السلام لهم): لكم عندي ثلاثة أشياء: إستاثر عثمان وأساء الاثرة (4) وجزعتم وأساتم الجزع، وعند الله [حكم] ما تختلفون فيه إلى يوم القيامة. فقالوا: لا ترضى بهذا العرب ولا تعذر نابه ! ! ! فقال علي (عليه السلام): أترد علي بين ظهراني المسلمين بلا نية صادقة، ولا حجة واضحة ! ! أخرجوا فلا تجاوروني في بلد أنا فيه أبدا. فخرجوا من يومهم فساروا حتى أتوا معاوية فقال لهم: لكم الكفاية أو الولاية (كذا) فأعطى حسان بن ثابت ألف دينار، وكعب بن مالك ألف دينار، وولى النعمان بن بشير حمص ثم نقله إلى الكوفة. ترجمة كعب بن مالك بن أبي كعب من تاريخ دمشق: ج 46 ص 1553، وكذلك رواه في الاغاني: ج 16، ص 233 ط بيروت وقريب منه في ذيل المختار: (30) من نهج البلاغة، وذكره باسناد آخر في ترجمة عثمان من تاريخ دمشق: ج 25 ص 159، وكذلك في المختار: (153) من باب الكتب من نهج السعادة.
(4) أي استبد بتخصيص منافع الولاية إلى نفسه وذويه وإيثارهم على غيرهم واستقلاله مع بني أبيه بحيازة الفئ وغيره. و " الاثرة " كثمرة. - الاستبداد وتخصيص النفائس بالنفس.
[220]
- 64 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بعدما بويع له بخمسة أيام (1)
علي بن ابراهيم رحمه الله قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام: بعدما بويع له بخمسة أيام فقال فيها: واعلموا أن لكل حق طالبا ولكل دم ثائرا، والطالب لحقنا كقيام الثائر بدمائنا، والحاكم في حق نفسه (2) [و] هو العادل الذي لا يحيف (3) والحاكم الذي لا يجور، وهو الله الواحد القهار (4). واعلموا أن على كل شارع بدعة وزره ووزر كل مقتد
(1) والالفاظ الواردة في هذه الخطبة قد صدرت عنه عليه السلام في غير واحد من القضايا، وأوقات مختلفة، كما يعلم ذلك من مراجعة الخطبة: (103، و 156) من نهج البلاغة. (2) أي إن الذي يطلب حقنا - بمعناه العام - كمن يقوم ويطلب ثارنا ودماءنا، وكمن يحكم حق نفسه فينال مطلوبه بلا مزاحم ولا مهلة وعلى هذا فالكلام إشارة إلى نجاح طالبي حقوقهم حث على الطلب بها. (3) ومثله في تفسير البرغاني نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم، وفي تفسير البرهان: ج 2 / 44 والبحار: ج 8 ص 399 نقلا عنه: " هو العدل الذي لا يحيف ". أي لا يجور ولا يميل عن الحق. (4) وفي النهج: " وهو الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب ".
[221]
به من بعده إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيئا (5) وسينتقم الله من الظلمة مأكلا بمأكل، ومشربا بمشرب (6) من لقم العلقم، ومشارب الصبر الادهم (7) فليشربوا الصلب من الراح السم المداف (8) وليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا، ولهم بكل ما أتوا
وعملوا من أفاريق الصبر الادهم فوق ما أتوا وعملوا (9) أما إنه لم يبق إلا الزمهرير من شتائهم، وما لهم من
(5) وهذا المعنى قد ورد في أخبار كثيرة ذكر بعضها في الحديث (18) من المجلس: (24) من أمالي المفيد، وفي البحار: ج 17 / 165، و 188، وج 8 / 679، وفي الحديث: 46 و 55 و 78 و 79 من الباب (8) من البحار: ج 1، ص 75 وما بعدها، وفي الباب: (15) من كتاب الامر بالمعروف من مستدرك الوسائل ج 3 ص 368 (6) وفي البحار: " مأكل بمأكل، ومشرب بمشرب ". وفي النهج: " وسينتقم الله ممن ظلم مأكلا بمأكل، ومشربا بمشرب، من مطاعم العلقم، ومشارب الصبر والمقر، ولباس شعار الخوف ودثار السيف، وإنما هم مطايا الخطايا وزوامل الآثام " الخ. (7) واللقم: جمع اللقمة. والعلقم: الحنظل. كل شئ مر. والادهم: الاسود. (8) أي فليشربوا الشديد الغليظ. فإن شربه أعسر، أو ان " الصلب " تصحيف " الصئب " بالهمزة، يقال: " صئب من الشراب صئبا " - من باب فرح: روى وامتلا. أو هو مصحف " الصبب " - محركة كسبب - بمعنى المصبوب. والراح: الخمر أطلق هنا تهكما. والدوف: الخلط والبل بماء ونحوه. كذا أفاده المجلسي (ره). (9) أفاريق كأنه جمع أفراق، وهو جمع أفارقة، وهو جمع الفرقة - بالكسر فالسكون - قال في شرح القاموس: الفرقة - بالكسر -: السقاء الممتلئ الذي لا يستطيع أن يمخض حتى يفرق. الطائفة من الناس، والجمع فرق - كعنب - وجمع في الشعر على أفارق، وجمع الجمع أفراق، ثم جمع جمع الجمع أفاريق.
[222]
الصيف إلا رقدة (10) ويحبسهم (11) ما توازروا وجمعوا على ظهورهم من الآثام. فيا مطايا الخطايا، ويا زور الزور، وأوزار الآثام مع
الذين ظلموا اسمعوا واعقلوا وتوبوا وابكوا على أنفسكم فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فأقسم ثم أقسم ليتحملنها (12) بنو أمية من بعدي
(10) أي لم يبق لهم من شدائد الدنيا إلا ما أصابهم من تلك الشدة، وليس لهم في ذلك أجر. والرقدة - بالهاء -: النومة، وفي بعض النسخ: " إلا رفده " بالفاء مع الضمير، والرفد - - بالكسر -: العطاء. وبالكسر والفتح: القدح الضخم، والحاصل انه لم ببق لهم من راحة الدنيا إلا راحة قليلة ذهبت عنهم. هذا محصل ما أفاده المجلسي رحمه الله في شرح هذه الفقرة. (11) كذا في غير واحد من الاصول الناقلة عن تفسير علي بن ابراهيم، قال المجلسي (ره): أي يحبسهم يوم القيامة أوزارهم. ثم قال: وفي بعض النسخ: " ويحبسهم وما توازروا ". أي يحبسهم الله (مع أوزارهم). أقول: ويحتمل أيضا أن يكون: و " يحسبهم " بمعنى يكفيهم، أي يكفي لهلاكهم وضلالتهم ما توازروا. وفي الطبعة الاخيرة من تفسير علي بن إبراهيم - ومثله في نفسير البرهان، نقلا عنه -: ويحهم ما تزودوا وجمعوا على ظهورهم من الآثام ". وهذا أظهر. (12) وفي بعض النسخ: " لتحملنها بنو أمية ". وفي المختار: (103) من خطب النهج: " فأقسم بالله يا بني أمية، عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم، وفي دار عدوكم " الخ. وفي المختار: (156) من النهج: " فأقسم ثم اقسم لتنخمنها أمية من بعدي كما تلفظ النخامة، ثم لا تذوقها ولا تطعم بطعمها أبدا ماكر الجديدان ". لتنخمنها - من باب فرح -: لتدفعنها وتلفظنها مثل لفظ النخامة: والتشبيه أما للاشارة إلى سرعة الدفع وسهولته، أو للاشارة إلى قذارة المدفوع في مذاق الدافع، أي انهم يتركون الامارة ويلفظونها مستقذرا إياها - لما يصل إليهم من التلبس بها من العناء - كاستقذار صاحب النخامة - وهي أخلاط الصدر والانف - حفظ النخامة وإبقاءها في صدره وفيه.
[223]
وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل، فلا يبعد الله إلا من ظلم، وعلى البادي (13) ما سهل لهم من سبيل الخطايا [كذا] مثل أوزارهم وأوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة " ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون " (14). تفسير الآية: (25) من سورة النحل، من تفسير علي بن إبراهيم: ج 1، ص 384 وفي ط ص 358، وفي آخر ص 231 ورواه المجلسي الوجيه (ره) عنه في البحار: ج 8 ص 399، س 11، ط الكمباني وشرح بعض مفرداته، ورواه عنه أيضا في الحديث الثاني من تفسير الآية الكريمة من سورة النحل من تفسير البرهان: ج 2 ص 364، ط 2. وكذا رواه عنه في تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 49. وكذا نقله البرغاني (ره) في تفسيره. وقريبا من صدرها نقله في آخر الباب: (62) من ينابيع المودة ص 358 عن جواهر العقدين، كما انه مذكور في المختار: (103) من باب خطب النهج، وكذلك قطعة منها ذكره في آخر المختار: (156) منها.
(13) يعني الاول، فإن من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها. (14) اقتباس من الآية: (25) من سورة النحل: 16.
[224]
- 65 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بعد استخلافه بستة أيام قال السيد أبو طالب: أخبرنا محمد بن زيد الحسني قال: أخبرنا
الناصر للحق الحسن بن علي، قال: حدثنا أخي الحسين بن علي عن محمد بن الوليد، عن ابن أبي عمير (ظ) عن هشام، عن إسماعيل الجعفي قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام: خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد أن استخلف لستة أيام، فحمد الله وأثنى عليه وأفاض في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس إن مبدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع (1) يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيها رجال رجالا، فلو ان الحق خلص لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى [ظ] ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان [و] هنالك استحوذ الشيطان على أوليائه دون الذين سبقت لهم من الله الحسنى اليوم عمل ولا ثواب، ولا عمل كأداء مفاتيح الهدى [كذا].
(1) هذا هو الظاهر الموافق لرواية الكليني الآتية في أواخر الباب، وفي نسخة تيسير المطالب: " تبدع ". ثم ان في رواية الكليني: " إنما بدء وقوع الفتن "..
[225]
بنا نفى الله ربق الذل عن أعناقكم وبنا يفتح ويختم لا بكم. والله أيها الناس لقد أدركت أقواما كانوا يبيتون لله سجدا [و] قياما كأن صرير النار في آذانهم، وإذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة يوم الريح العاصف. أيها الناس إن الله حد حدودا فلا تعتدوها. وفرض فروضا فلا تنقصوها وأمسك عن أشياء لم يمسك عليها
نسيانا بل رحمة من الله لكم فاقبلوها ولا تكلفوها، حلال بين [وحرام بين] وشبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه فهو لما استبان له أترك. والمعاصي حمى الله فمن رتع حولها يوشك أن يقع فيها. الباب: (14) من تيسير المطالب في ترتيب أمالي السيد أبي طالب ص 128. ولذيل الكلام مصادر وأسانيد.
[226]
- 65 - ومن كلام له عليه السلام قاله لمغيرة بن شعبة لما أشار إليه بإمضاء إمارة معاوية وتوليته الشام. قال أبو الفرج: أخبرني عبيد الله بن محمد، قال: حدثنا الخزاز، عن المدائني، عن أبي مخنف. وأخبرني أحمد (محمد " خ ") بن عيسى العجلي، قال: حدثنا الحسن بن نصر (كذا) قال: حدثني أبي نصر بن مزاحم، قال: حدثنا عمر بن سعد [شبة " خ "] عن أبي مخنف، عن رجاله: أن المغيرة بن شعبة جاء إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له: أكتب إلى معاوية فوله الشام، ومره بأخذ البيعة لك، فإنك إن لم تفعل وأردت عزله حاربك. فقال علي عليه السلام: " ما كنت متخذ المضلين عضدا ". فانصرف المغيرة وتركه، فلما كان من غد جاءه فقال: إني فكرت فيما أشرت به عليك أمس فوجدته خطأ، ووجدت رأيك أصوب. فقال له علي: لم يخف علي ما أردت، قد نصحتني في الاولى، وغششتني في الآخرة ؟ ! ! (1)، ولكني والله لا آتي أمرا
أجد فيه فسادا لديني طلبا لصلاح دنياي.
(1) أي ما أبديت في المرة الاولى من تولية معاوية كان نصحا وصلاحا للدنيا لمن أرادها، وما قلت في المرة الثانية كان مجاراة لي ولم يكن بداعي التحفظ على مصالح العاجل وانتظام أمر الخلافة، فكان الاول بحسب مصلحة الدنيا نصحا، والثاني غشا، ولكني لا أطلب صلاح الدنيا إذا كان فيه فساد الدين.
[227]
ترجمة المغيرة بن شعبة من كتاب الاغاني: ج 16، ص 91 ط تراثنا. وذكره أيضا أحمد بن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح: ج 2 ص 267 ط 1، بنحو الارسال ولكن ما ذكره أقرب من رواية غير أبي الفرج منه إليها. وقريبا منه رواه في الجزء التاسع من بشارة المصطفى ص 324، ومثله رواه أيضا في أمالي الطوسي.
[228]
- 66 - ومن كلام له عليه السلام دار بينه وبين طلحة والزبير قال القاضي نعمان (ره): روينا عن (أمير المؤمنين) على عليه السلام انه أمر عمار بن ياسر. وعبيد الله بن أبي رافع، وأبا الهيثم بن التيهان أن يقسموا فيئا [مالا من الفئ " خ "] بين المسلمين، وقال لهم: اعدلوا فيه ولا تفضلوا أحدا على أحد، فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأعطوا الناس فأقبل إليهم طلحة والزبير، ومع كل واحد منهما ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير فقال طلحة والزبير: ليس هكذا يعطينا عمر، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم ؟ قالوا:
بل هكذا أمرنا أمير المؤمنين (عليه السلام) فمضيا إليه فوجداه في بعض أمواله (1) قائما في الشمس على أجير له يعمل بين يديه، فقالا له: ترى أن
(1) قال ابن دأب في الفضائل السبعين المجتمعة في أمير المؤمنين دون غيره - على ما رواه في كتاب الاختصاص ص 152، ط 3 - ولى (امير المؤمنين) بيت مال المدينة عمار بن ياسر، وأبا الهيثم بن التيهان، فكتبا العربي والقرشي والانصاري والعجمي وكل من كان في الاسلام من قبائل العرب وأجناس العجم (سواءا) فأتاه سهل بن حنيف بمولى له أسود فقال: كم تعطي هذا ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كم أخذت أنت ؟ قال: ثلاثة دنانير، وكذلك أخذ الناس. قال: فأعطوه ثلاثة دنانير مثل ما أخذ (سهل) فلما عرف الناس أنه لا فضل لبعضهم على بعض (في القسم) أتى طلحة والزبير عمار بن ياسر، وأبا الهيثم بن التيهان فقالا: يا أبا اليقظان استأذن لنا على صاحبك. قال: وعلى صاحبي إذن ؟ ! قد أخذ بيد أجيره وأخذ مكتله ومسحاته وذهب يعمل في نخله في بئر الملك. (قال ابن دأب:) وكان بئر ينبع سميت بئر الملك، فاستخرجها علي عليه السلام وغرس عليها النخل. وقال في الحديث: (24) من الباب: (107) من البحار: ج 9 ص 535 - وفي ط الجديد: ج 41 ص
[229]
أن ترتفع معنا إلى الظل ؟ قال: نعم. فقالا له: إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفئ فأعطوا كل واحد منا مثل ما أعطوا سائر الناس. قال: وما تريدان ؟ قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر. قال: فما كان رسول الله [صلى الله عليه وآله] (2) يعطيكما ؟ فسكتا، فقال: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقسم بالسوية بين المسلمين (3) من غير زيادة ؟ قالا: نعم. قال: أفسنة رسول الله [صلى الله عليه وآله] أولى بالاتباع أم سنة عمر ؟ قالا: بل سنة رسول الله [صلى
الله عليه وآله وسلم] ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة وغناء وقرابة، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس فافعل. قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي ؟ قالا: سابقتك. قال: فقرابتكما أقرب أم قرابتي ؟ قالا: قرابتك. قال: فغناؤكما أعظم أم غنائي ؟ قالا: بل أنت يا أمير المؤمنين
116، نقلا عن مناقب آل أبي طالب: ج 1 ص 315 عن كتاب ابن الحاشر باسناده إلى مالك بن أوس بن الحدثنان في خبر طويل: انه قام سهل بن حنيف فأخذ بيد عبده فقال: يا أمير المؤمنين قد أعتقت هذا الغلام. فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف. (2) بين المعقوفين هنا في الاصل كان هكذا: " صلعم " وكذلك ما يأتي بعده، وما تقدمه كان هكذا: " ع ". والمستفاد من الاستقراء ان هذا من كلام الرواة أضافوه إلى كلام المعصومين كلما جرى ذكرهم لما ورد من الحث على ذلك، وإنما أتوا به رمزا للاختصار. (3) وفي بعض النسخ هكذا: " أليس كان رسول الله يعطيكما من قسمة الغنيمة كسائر المسلمين بالسوية ؟ " الخ.
[230]
أعظم غناءا. قال: فوالله ما أنا وأجيري هذا - وأومى بيده إلى الاجير الذي بين يديه (4) - في هذا المال إلا بمنزلة واحدة ! ! ! قالا: جئنا [جئناك " خ "] لهذا وغيره. قال: وما غير ؟ قالا: أردنا العمرة فأذن لنا. قال: انطلقا فما العمرة تريدان، ولقد أنبئت بأمركما ورأيت مضاجعكما ! ! ! فمضيا. وهو يتلو وهما يسمعان: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [10 - الفتح: 48].
الحديث الاول من باب قسمة الغنائم من كتاب الجهاد من دعائم الاسلام: ج 1. ص 384 ط مصر. وقطعة منه رواها ابن شهر آشوب رحمه الله في مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 315، ورواها عنه في الحديث (23) من الباب (107) من البحار: ج 9 ص 535 ط الكمباني، وفي ط الحديث: ج 41 ص 116 وقريبا منه رواه أيضا القطب الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج كما في البحار: ج 8 ص 415.
(4) هذا كان في الاصل مؤخرا عن قوله: " إلا بمنزلة واحدة ". وإنما قدمناء لانه أوفق.
[231]
- 67 - ومن كلام له عليه السلام في الدعاء على طلحة والزبير (1) قال البلاذري: حدثني عباس بن هشام، عن أبيه. عن أبي مخنف: ان طلحة والزبير، استأذنا عليا في العمرة، فقال: لعلكما تريدان الشام أو العراق ؟ فقالا: اللهم غفرا إنما نوينا العمرة ! فأذن لهما فخرجا مسرعين وجعلا يقولان: لا والله ما لعلي في أعناقنا بيعة ! ! وما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف ! ! ! فبلغ ذلك عليا فقال: أخذهما الله [أبعدهما الله " خ "] إلى أقصى دار وأحر نار. الحديث: (282) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1، الورق 172 - أو ص 247 من المخطوطة، وفي المطبوعة: ج 2 ص 222 ط 1.
(1) ومن اللطائف ما ذكره ابن الاعرابي في معجم الشيوخ: ج 2 / الورق 152 / وفي نسخة الورق 219 / أ / قال: أنبأنا على (بن سهل بن المغيرة) أنبأنا أزهر بن عمير، قال: استأذن شريك على
يحيى بن خالد، وعنده رجل من ولد الزبير بن العوام فقال الزبيري: أصلح الله الامير، ائذن لي في كلام شريك. فقال: إنك لا تطيقه. قال: ائذن لي في كلامه. قال: شأنك. فلما دخل شريك وجلس قال له الزبيري: يا (أ) با عبد الله ان الناس يزعمون أنك تسب أبا بكر وعمر ! ! فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: والله ما استحللت ذاك من أبيك وكان أول من نكث في الاسلام فكيف استحله من أبي بكر وعمر ؟ ! !
[232]
- 68 - ومن كلام له عليه السلام لما بلغه أن طلحة والزبير لم يلقيا في مسيرهما إلى مكة أحدا إلا وقالا له: ليس لعلي في أعناقنا بيعة وإنما بايعناه مكرهين ! ! ! أبعدهما الله وأغرب دارهما (1) أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل، ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم. والله ما العمرة يريدان، ولقد أتياني بوجهي فاجرين، ورجعا بوجهي غادرين ناكثين، والله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما فبعدا لهما وسحقا. شرح المختار الثامن، من الباب الاول من النهج لابن أبي الحديد: ج 1، ص 232. * (هامشس) * (1) أي نحاها وشطتها.
[233]
- 69 -
ومن كلام له عليه السلام قاله عند نكث طلحة والزبير بيعته في مسيرهما إلى مكة للاجتماع مع عائشة في التأليب عليه: أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، فصدع بأمره (1) وبلغ رسالات ربه، فلم به الصدع ورتق به الفتق (2) وآمن به السبل وحقن به الدماء، وألف به بين ذوي الاحن والعداوة الواغرة في الصدور (3) والضغائن الراسخة في القلوب، ثم قبضه الله إليه حميدا، لم يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة، ولا بلغ شيئا كان في التقصير
(1) أي أبانه وأظهره بين الناس، وفي الاحتجاج: ج 1، ص 236: " فصدع بما أمر به ". (2) أي جمع الله به تشتت الناس وتفرقهم واستبدادهم بالاديان والاهواء وقوله: " رتق به الفتق " أي أصلح ما فسد منهم يقال: " رتق فتقهم - من باب نصر، وضرب - رتقا ": أصلح ذات بينهم، ويقال: هو الراتق الفاتق: مصلح الامر. و " الفتق ": شق الشئ ونقضه. و " الرتق ": ضمه وإصلاحه. (3) الاحن: جمع الاحنة - كحرف وحرفة وإرب وإربة -: الحقد. يقال: " أحسن أحنا " من باب علم والمصدر كالضرب -: حقد وأضمر العداوة. ويقال: " وغر يوغر - - كوجل يوجل - وييغر وغرا صدره على فلان ": توقد عليه من الغيظ فهو واغر الصدر. و " الوغر " - كفلس وفرس -: الحقد والضغن والعدارة.
[234]
عنه الفضل، وكان من بعده ما كان من التنازع في الامر فتولى أبو بكر وبعده عمر، ثم تولى عثمان، فلما كان
من أمره ما عرفتموه أتيتموني فقلتم: بايعنا. فقلت: لا أفعل. فقلتم بلى. فقلت: لا، وقبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم فجذبتموها وتداككتم علي تداك إلابل الهيم على حياضها يوم ورودها (4) حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعضا لدي، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة، وأن لا يبغيا الامة الغوائل (5) فعاهداني ثم لم يفيا لي ونكثا بيعتي ونقضا عهدي. فعجبا لهما من انقيادهما لابي بكر وعمر، وخلافهما لي ولست بدون أحد الرجلين ! ! ولو شئت أن أقول لقلت.
(4) وهذا المعنى مما وصف به بيعته في كلم كثيرة له عليه السلام ولغيره. (5) الغوائل: جمع الغائلة: الداهية. الفساد. المهلكة.
[235]
اللهم احكم عليهما بما صنعا في حقي وصغرا من أمري وظفرني بهما. الفصل (17) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد للشيخ المفيد ص 130، ورواه أيضا في كتاب الاحتجاج: ج 1 ص 235 ط الغري، قال: وروى انه عليه السلام قال عند توجيههما إلى مكة للاجتماع مع عائشة للتأليب عليه، ثم ساق الخطبة كما تقدم.
[236]
- 70 - ومن كلام له عليه السلام لما أخبر بخروج طلحة والزبير من مكة إلى البصرة (1) قال أبو عمر: وذكر عمر بن شبة، عن المدائني، عن أبي مخنف، عن جابر، عن الشعبي، قال: لما خرج طلحة والزبير [من مكة قاصدين إلى البصرة] كتب أم الفضل بنت الحارث إلى علي رضي الله عنه بخروجهم، فقال علي (عليه السلام): إن الله عزوجل لما قبض رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (2) قلنا نحن أهله وأولياؤه لا ينازعنا سلطانه أحد، فأبى علينا قومنا فولو [ه] غيرنا، وأيم الله لولا مخافة الفرقة وأن يعود الكفر ويبور الدين لغيرنا [ذلك] فصبرنا على بعض الالم (3) ثم لم نر بحمد الله إلا خيرا، ثم
(1) قال في مروج الذهب: ج 3 ص 357: وسار القوم نحو البصرة في ستمأة راكب. (2) كذا في نسخة الهند من الاستيعاب، وهو الصواب، وحذف لفظة: " وآله " من طبعة مصر، وهكذا استقر دأبهم الا من عصمه الله. ثم إن في النسختين هكذا: " عجبا لطلحة والزبير، إن الله عزوجل " الخ. (3) بين المعقوفين زيادة منا، و " الالم " بالفتحات -: الوجع الشديد. و " يبور ": يهلك ويفسد. والكلام صريح في أنه عليه السلام لو نهض الاستنقاذ سلطان النبي من أيدي المتغلبين لتفرق المسلمون ولعاد الكفر، ولارتفع الدين من وجه الارض. وهذا أمر جلي ومن قضايا قياساتها معها لمن سبر تاريخ الصحابة وما صدر منهم بعد وفات رسول الله صلى الله عليه وآله، فيقول أمير المؤمنين
[237]
وثب الناس على عثمان فقتلوه، ثم بايعوني ولم أستكره أحدا، وبايعني طلحة والزبير ولم يصبرا شهرا كاملا حتى خرجا إلى العراق ناكثين، اللهم فخذهما بفتنتهما للمسلمين. ترجمة رفاعة بن رافع بن مالك الزرقي الانصاري من كتاب الاستيعاب: ج 1، ص 176، وفي ط مصر بهامش الاصابة: ج 1، ص 490، وقريب منه في كتاب الجمل ص 233 بسندين، وكذلك قريبا منه رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (22) من خطب النهج: ج 1، ص 207 عن أبي الحسن المدائني.
عليه السلام إنما صبرت على غصب حقي ونهب سلطان ابن عمي وتحملت ما نالني من القوم من الوجع الشديد، تخفظا على اجتماع شمل المسلمين وبقاء الدين، وإبقاء للكفر على عدمه وزواله. قال في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 1، ص 445 ط 1، نقلا عن أبي الحسن البكالي: عن عثمان مؤذن بني قصي قال: صحبت عليا سنة كلها [كذا] ما سمعت منه براءة ولا ولاية، إلا أني سمعته يقول: من يعذرني من فلان وفلان، فانهما بايعاني طائعين غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته ! ! ثم قال: والله ما قوتل أهل هذه الآية بعد: " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم " الآية. وعن ابن مردويه، عن علي قال: والله ما قوتل أهل هذه الآية منذ أنزلت: " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم " الآية. وعن ابن أبي شيبة، عن حذيفة أنه قرء هذه الآية: " فقاتلوا أئمة الكفر " قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
[238]
- 71 - ومن خطبة له عليه السلام
لما سار طلحة والزبير وعائشة ومن معهم نحو البصرة (1) وذكر أبو مخنف في كتاب الجمل أن عليا عليه السلام خطب - لما سار الزبير وطلحة ومعهما عائشة يريدون البصرة - فقال: أيها الناس إن عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير، وكل منهما يرى الامر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، وأما الزبير فختنها، والله لو ظفروا بما أرادوا - ولن ينالوا ذلك أبدا - ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد. والله إن راكبة الجمل الاحمر ما تقطع عقبة، ولا عقدة إلا في معصية الله وسخطه، حتى تورد نفسها ومن
(1) قال المسعودي في أوائل خلافة علي عليه السلام من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 357: وسار القوم نحو البصرة في ستمأة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف با " الحوأب " عليه ناس من بني كلاب فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع، فقال لها السائق لجملها: الحوأب. فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: ردوني إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لي في المسير. فقال الزبير: بالله ما هذا الحوأب، ولقد غلط من أخبرك به. وكان طلحة في ساقة الناس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلا ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الاسلام الخ.
[239]
معها موارد الهلكة، أي والله ليقتلن ثلثهم وليهربن ثلثهم، ليتوبن ثلثهم ؟ ! وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب (2) وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان ؟ ! ورب عالم قتله جهله ومعه علمه لا ينفعه (3) وحسبنا الله ونعم
الوكيل فقد قامت الفتنة [و] فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون ؟ أين المؤمنون ؟ (4). مالي ولقريش ؟ ! أما والله لقد قتلتهم كافرين.
(2) هذه ثلاثة أخبار غيبية قد أخبر عليه السلام بها قبل وقوعها ووقع الخبر على طبق ما أخبر به، وقد قارن أخباره هذه - وغيرها من خوارق العادات - مع دعوى الامامة فهو الامام. قال في معجم البلدان - بعد كلام طويل في معنى الحوأب -: وفي الحديث: ان عائشة لما أرادت المضي إلى البصرة في وقعة الجمل مرت بهذا الموضع فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما هذا الموضع، فقيل لها: هذا موضع يقال له: الحوأب. فقالت: ما أراني إلا صاحبة القصة، ! فقيل لها: وأي قصة ؟ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وعنده نساؤه -: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب سائرة إلى الشرق في كتيبة ؟ ! فهمت بالرجوع فغالطوها وحلفوا لها إنه ليس بالحوأب. أقول: والقصة من ضروريات فن التاريخ والحديث، وعدت في معجزات نبينا في كتب جماعة من الخاصة والعامة، وصدقتها شواهد كثيرة، فما اختلقه بعض من أن المراد غير عائشة فهو من قبيل حلف الزبير وخمسين من الاعراب لعائشة بأن الموضع ليس بالحوأب، فهو شهادة ثانية بالزور في الموضوع ! !، ومن أراد أن يعلم نبذا من مصادره فعليه بكتاب فضائل الخمسة: ج 2 ص 369. (3) ومثله في المختار (107) من قصار النهج، غير أن فيه: " وعلمه معه لا ينفعه ". (4) وفي المختار: (146) من نهج البلاغة: " قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون " الخ. و " المحتسبون ": هم الذين يأتون بالاعمال حسبة اي قربة إلى الله.
[240]
ولاقتلنهم مفتونين ! ومالنا إلى عائشة من ذنب إلا أنا أدخلناها في حيزنا. والله لابقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته،
فقل لقريش فلتضج ضجيجها (5) شرح المختار السادس من الباب الاول من النهج من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 233، وقريب منه جدا في الفصل (19) من مختار كلامه عليه السلام في الارشاد ص 131.
(5) يقال: " بقره - من باب منع - بقرا ": شقه. والخاصرة من الانسان: جنبه فوق رأس الورك، والجمع: خواصر.
[241]
- 72 - ومن خطبة له عليه السلام في الشكاية عمن تقدمه والدعاء على طلحة والزبير أبو الحسن علي بن محمد المدائني، عن محمد عبد الله بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز أريد العراق، في أول إمارة علي عليه السلام، فمررت بمكة، فاعتمرت، ثم قدمت المدينة، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ نودي: الصلاة جامعة فاجتمع الناس، وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه، فشخصت الابصار نحوه. فحمد الله وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا (1) فغصبونا سلطان نبينا فصارت الامرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل (2)
(1) كذا في النسخة، ولعل معناه: تنكر لنا قومنا ولبسوا لنا جلد النمر، أو ترفعوا علينا
قومنا. من قولهم: " نبر الشئ - من باب ضرب - نبرا " رفعه. و " انتبر الجرح والجسد ": تورم وارتفع. (2) الامرة: الامارة. والسوقة: الرعية، وهي كالقوم والرهط يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. وهذا الفصل لا ينبغي أن يلهى عنه، ويمر عليه بلا تأمل فإن فيه إشارة إجمالية إلى أساس مصائب أهل البيت، وما مني به المسلمون إلى يوم القيامة.
[242]
فبكت الاعين منا لذلك وخشنت الصدور (3). وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه (4) فولي الامر ولاة لم يألوا الناس خيرا " (5) ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شين مني لامركم (6) وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم (7) وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع، تعلمون ذلك، وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم.
(3) ومنه قول عنترة: وخشنت صدرا جيبه لك ناصح. وفي بعض النسخ من شرح ابن أبي الحديد: " وخشيت الصدور ". وهو أيضا صحيح. (4) يعني لكنت أحاربهم وسقيت الارض من دماء كثير منهم، ولاشبعت القائلة: هل من مزيد. من أجساد جم غفير منهم، ولكن للمحافظة على اجتماع المسلمين، وبقاء الدين وانسحاق الكفر، واندحاض الضلالة، صبرت على الذلة، ونهب التراث والنحلة. (5) لم يألوا: لم يقصروا
(6) الشين: ضد الزين، يقال: " شأنه شينا " من باب باع -: عابه. (7) يقال: " فرس زيد فراسة " من باب ضرب، والمصدر بكسر الفاء -: أدرك الباطن من ملاحظة الظاهر.
[243]
اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية (8) ولا تنعش لهما صرعة، ولا تقل لهما عثرة ولا تمهلهما فواقا (9) فإنهما يطلبان حقا تركاه، ودما سفكاه. اللهم إني أقتضيك وعدك، فإنك قلت - وقولك الحق لمن بغي عليه: " لينصرنه الله " (10) اللهم فأنجز لي موعدك ولا تكلني إلى نفسي إنك على كل شئ قدير. شرح - المختار (22) من الباب الاول من نهج البلاغة من شرح - ابن أبي الحديد: ج 1، ص 307.
(8) أي أخذة تزيد على الاخذات، ومثله في قوله تعالى: " فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية " (10 / الحاقة). (9) يقال: " نعشه الله - من باب منع - نعشا ": رفعه وأقامه. تداركه من هلكة. جبره بعد فقر. و " لا تقل " من الاقالة، و " العثرة ": الزلة. و " فواقا " بضم الفاء وفتحها - أي قدر فواق، وهو ما بين حلبتي الناقة من الوقت، لانها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب. (10) إشارة إلى قوله تعالى - في الآية: (60) من سورة الحج -: " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله، إن الله لعفو غفور ".
[244]
- 73 -
ومن كلام له عليه السلام لما سمع عمار بن ياسر يراجع مغيرة بن شعبة ويحثه على النهوض مع أمير المؤمنين عليه السلام. قال ابن عساكر - في ترجمة المغيرة بن شعبة من تاريخ دمشق: ج 57 ص 33 -: أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا أبو محمد وأبو الغنائم ابنا أبي عثمان، وأبو القاسم ابن البسري، وأحمد بن محمد بن إبراهيم القصاري وأبو الحسن وأبو الحسن [كذا] علي بن محمد بن محمد الانباري، قالوا: أنبأنا أبو عمر ابن مهدي، أنبأنا محمد بن أحمد بن يعقوب، أنبأنا جدي يعقوب ابن شيبة، أنبأنا ابو عثمان الزبيري سعيد بن داود بن أبي زبير المدني [ظ] أنبأنا مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، قال: لقي عمار بن ياسر المغيرة بن شعبة في زقاق من سكك المدينة وهو متوشح سيفا، فناداه (عمار) يا مغير. فقال: ما تشاء ؟ قال: هل لك في الله عزوجل ؟ قال، وأين هو ؟ قال: تدخل في هذه الدعوة فتسبق من معك، وتدرك من سبقك. قال: فقال المغيرة: وددت والله أني لو علمت ذلك، إني والله ما رأيت عثمان مصيبا ولا رأيت قتله صوابا، فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك وتضع سيفك وأدخل بيتي حتى تنجلي هذه الظلمة ويطلع قمرها فنمشي مبصرين، نطأ أثر المهتدين، ونجتنب سبيل الحائرين ! ! ! فقال عمار: أعوذ بالله أن أعمي بعد إذ كنت بصيرا، يدركني من سبقته ويعلمني من علمته. فقال المغيرة بن شعبة: يا أبا اليقظان إذا رأيت الساحار فاجتنب. - قال الزبيري: يعني بجار جاري [ظ] - ولا تكن كقاطع السلسلة فر من الضحل
[245]
فوقع في الغمر (1). فقال عمار: إسمع ما أقول وانظر ما أفعل، فلن تراني
إلا في الرعيل الاول. قال: وأطلع عليهما علي فقال: ما يقول لك الاعور ؟ [ثم قال عليه السلام]: إنه والله على عمد يلبس على نفسه (2) ولن يأخذ من الدين إلا ما خلطته الدنيا (3) ويحك يا مغيرة إن هذه الدعوة [هي] المؤدية. تؤدي من دخل فيها إلى الجنة ولها اجتاز (4). [فقال المغيرة: صدقت يا أمير المؤمنين] (5) أما إذا لم أعنك فلن أعن عليك. ورواه أيضا في أوائل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام من الامامة والسياسة ج 1، ص 50 ط مصر، غير انه خلطه بمالا واقع له، ونقله عنه في حديث الثقلين من عبقات الانوار، ص 360 ط 2. ورواه أيضا في الحديث الرابع من المجلس: (25) من أمالي الشيخ المفيد، ص 135.
(1) الضحل - كفلس -: الماء القليل على الارض لا عمق له، والجمع: ضحال وأضحال وضحول. والغمر - كفلس أيضا -: الماء الكثير - معظم البحر، والجمع: غمار وغمور. (2) كذا في نهج البلاغة، وفي النسخة هكذا: " على عمد يلبس عدله ". (3) وبعده في النسخة هكذا: " فانتجاه عمر فاخبره فقال علي: ويحك يا مغيرة ان هذه الدعوة المؤدية " الخ. وفي الامامة والسياسة: دعه (يا عمار) فانه لن يأخذ من الآخرة إلا ما خالطته الدنيا، أما والله يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية تؤدي من قام بها إلى الجنة ولما اختار بعدها " الخ. (4) وفي النسخة هكذا: ولها امار أما إذا لم أعنك فلن أعن عليك ". وفي الامامة والسياسة " ولما اختار بعدها، فإذا غشيناك فنم في بيتك (كذا) ". (5) بين المعقوفين مأخوذ من أمالي الشيخ المفيد (ره). (*)
[246]
- 74 - ومن خطبة له عليه السلام حين نهض إلى البصرة كي يرد الناكثين عن بغيهم ويحافظ على جماعة المسلمين قال أبو عمر: ومن حديث صالح بن كيسان، وعبد الملك بن نوفل بن مساحق، والشعبي وابن أبي ليلى بمعنى واحد (1) أن عليا رضي الله عنه قال: في خطبته حين نهوضه إلى الجمل (2): إن الله عزوجل فرض الجهاد، وجعله نصرته وناصره (3) وما صلحت دنيا ولا دين إلا به. وإني منيت بأربعة (4)، أدهى الناس وأسخاهم طلحة
(1) وفي ط الهند: " قال أبو عمر: ومن حديث صالح بن كيسان، عن عبد الملك بن نوفل ابن مساكن (كذا) والشعبي وابن أبي ليلى وغيرهم: أن عليا عليه السلام " الخ. (2) قال في مروج الذهب: ج 2 ص 358: وصار علي من المدينة بعد أربعة أشهر [من خلافته] - وقيل: غير ذلك - في سبعمأة راكب، منهم أربعمأة من المهاجرين والانصار، منهم سبعون بدريا وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الانصاري، فانتهى إلى الربذة بين الكوفة ومكة من طريق الجادة، وفاته طلحة وأصحابه، وقد كان علي أرادهم فانصرف عن طلبهم حين فاتوه إلى العراق، ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الانصار فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأتاه من طئ ستمأة راكب الخ. وقال في أول وقعة الجمل من كتاب الخلفاء من العقد الفريد: ج 3 ص 95 ط 2: وخرج علي في أربعة آلاف من أهل المدينة فيهم ثمانمأة من الانصار وأربعمأة ممن شهد ببعة الرضوان، مع النبي صلى الله عليه وآله. (3) هذا هو الظاهر الموافق لما في ط الهند من كتاب الاستيعاب، وفي طبع مصر، منه: " وجعله
نصرته وناصروه. (4) ولهذه القطعة بخصوصها مصادر كثيرة.
[247]
وأشجع الناس الزبير، وأطوع الناس في الناس عائشة، وأسرع الناس إلى فتنة يعلى بن منية. والله ما أنكروا علي شيئا منكرا، ولا استأثرت بمال ولا ملت بهوى، وإنهم ليطلبون حقا تركوه، ودما سفكوه، ولقد ولوه دوني، وإن كنت شريكهم في الانكار لما أنكروه (6) وما تبعه عثمان إلا عندهم [عليهم " خ "] وإنهم لهم الفئة الباغية، بايعوني ونكثوا بيعتي، وما استأنوا في [بي " خ "] حتى يعرفوا جوري من عدلي. وإني لراض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم، وإني مع هذا لداعيهم ومعذر إليهم، فإن قبلوا فالتوبة مقبولة، والحق أولى ما أنصرف إليه (7)، وإن أبوا أعطيتهم حد
(5) كذا في ط مصر، وفي ط الهند،: يعلى بن أمية " أقول: أمية أبو يعلى، ومنية أمه، وقيل: جدته، وقد شاع نسبته إلى منية، كشيوع نسبة الشخص إلى أمه أو جدته. ثم أقول: ولم أجد لنكارة الفتنة هنا وجها، ولعل الصواب: " وأسرع الناس إلى الفتنة " الخ. (6) كذا في ط مصر، وفي ط الهند: " والله ما أنكروا علي منكرا - إلى أن قال عليه السلام: - وإن كنت شريكهم بما كان لما أنكروه " الخ. وهو الظاهر، وأظهر منه ما في المختار: (22) و (135) من النهج: " والله ما أنكروا علي منكرا، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا، وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه، ودما هم سفكوه. فان كنت شريكهم فيه، فإن لهم لنصيبهم منه، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم، وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم.
(7) كذا في ط مصر، وفي ط الهند: " والحق أولى مما أفضوا إليه ".
[248]
السيف وكفى به شافيا من باطل وناصرا [لحق] (8). والله إن طلحة والزبير وعائشة ليعلمون أني على الحق وأنهم مبطلون. ترجمة طلحة من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 2 ص 213 ط مصر، ورواه أيضا في ترجمة رفاعة بن رافع بن مالك الزرقي الانصاري، من طبعة الهند، ج 1، ص 177، وقريب منه جدا في المختار: (133) من خطب نهج البلاغة، وكذلك في كتاب الجمل ص 129، و 143، وكذلك في كتاب الارشاد، ورواها أيضا في الباب (49) من جواهر المطالب ص 54 قال: قال الحسن البصري: لما نزل علي الدفافة [كذا] خطب الناس فقال: إن الله فرض الجهاد الخ. ولم أجد من تعرض للدفافة، نعم ذكر في معجم البلدان ج 2 ص 458، " الدف " على زنة أف وتف، وقال: (إنه) موضع في جمدان من نواحي المدينة من ناحية عسفان
(8) كذا في النسخة - عدا ما بين المعقوفين - وفي المختار: (22) من خطب النهج: " فإن أبو أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق " وهو الظاهر.
[249]
- 75 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها في الزبدة لما اجتمع إليه حجاج العراق ليسمعوا من كلامه قال الشيخ المفيد (ره): ولما توجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى البصرة نزل الربذة، فلقيه بها آخر الحاج (1) فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه،
قال ابن عباس فأتيته فوجدته يخصف نعلا (له) فقلت له: نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع: فلم يكلمني حتى فرغ من (خصف) نعله، ثم ضمها إلى صاحبتها وقال لي: قومها فقلت: ليس لها قيمة ! ! ! قال على ذلك. قلت: كسر درهم ! ! ! قال: والله لهما أحب إلي من أمركم هذا إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا (2). قلت: إن الحاج قد اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي ان أتكلم ؟ فإن كان حسنا كان منك، وإن كان غير ذلك كان مني.
(1) ومما يشهد له، ما رواه الطبري في حوادث سنة 36 من تاريخة: ج 3 ص 474، قال: كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن خالد ابن مهران العجلي، عن مروان بن عبد الرحمان الحميسي: عن طارق بن شهاب، قال: خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان، فلما انتهينا إلى الربذة - وذلك في وجه الصبح - إذا الرفاق وإذا بعضهم يتلو بعضا، فقلت: ما هذا ؟ فقالوا: أمير المؤمنين. فقلت: ما له ؟ قالوا: غلبه طلحة والزبير فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما قد فاتاه، فهو يريد أن يخرج في آثارهما. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، آتي عليا فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين ؟ أو أخالفه إن هذا لشديد ! ! فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى، فلما انصرف أتاه ابنه الحسن فقال الخ. (2) وهذه القطعة رواها في أواخر باب زهد أمير المؤمنين عليه السلام - وهو الباب الخامس من تذكرة الخواص ص 124، عن احمد في كتاب الفضائل. وفي المختار: " 33 " من النهج: " والله لهي أحب إلى من إمرتكم " الخ.
[250]
قال: لا أنا أتكلم، ثم وضع يده على صدري - وكان شثن الكفين، فآلمني (3) - ثم قال فأخذت بثوبه وقلت: نشدتك الله والرحم. قال: لا تنشدني، ثم خرج فاجتمعوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله. وليس في العرب أحد يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة، فساق الناس إلى منجاتهم (4) أم والله ما زلت في ساقتها ما غيرت ولا بدلت ولا خنت حتى تولت بحذافيرها لقد قاتلتهم كافرين، ولاقاتلنهم مفتونين، وإن مسيري هذا عن عهد إلى فيه، أم والله لابقرن الباطل [حتى] يخرج الحق من خاصرته (6) ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم
أي فأوجعني شثن كفيه أي غلظهما وخشونتهما. (4) أي إن محل نجاتهم وأسبابها وبواعثها، يقال: الصدق منجاة أي يلتجأ إليه للنجاة، أو أنه من وسائل النجاة والخلاص من الهلكة. (5) أي كنت دائما ممن يسوق الناس - مع رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى منجاتهم ومأمن السعادة والحبور، لم يقع مني تغيير حال ولا تبديل روية ولا خيانة فيما أمرني الله ورسوله به حتى تولت الناس ورجعت عن ضلاتهم وغيهم بأجمعها وبأسرها. حذافير الشئ: جمعه كله. (6) الخاصرة: الجنب فوق رأس الورك وعظم الجنب. " وأبقرن ": أشقن. وفي المختار: (33) من النهج: " فلانقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه ". وقوله عليه السلام: " وإن مسيري هذا عن عهد إلى فيه " كقوله عليه السلام: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ". يدل على انه عليه السلام كان مأمورا من قبل الله ورسوله بقتال هؤلاء بنحو التنصيص والتخصيص، لا أنه من باب قتال الامام مع البغاة والمفسدين في الارض لاجل إنطباق الكلي عليهم من دون أمر خاص وتعيين الباغي، أو من باب اجتهاد الوالي، وبه
[251]
فأدخلناهم في حيزنا ! ! ! وأنشد (7): وذنب لعمري شربك المحض خالصا وأكلك بالزبد المقشرة التمرا
ونحن وهبناك العلاء ولم تكن عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا الفصل (20) من مختار كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 132 ط الغري، وقريب منه جدا في المختار: (33) من خطب نهج البلاغة.
يرد ما اختلقه بعض المعاندين من أن أمير المؤمنين قال: ليس عندنا في ذلك عهد خاص من رسول الله، وإنما رأي رأيته ! ! ! (7) وفي المختار: " 33 " من خطب النهج برواية ابن ابي الحديد: " والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا فكانوا كما قال الاول: أدمت لعمري شربك المحض صابحا * وأكلك بالزبد المقشرة البجرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا " وحطنا حولك الجرد والسمرا
[252]
- 76 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله قال شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (ره): أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي بن عبد الكريم، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: أخبرني أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا أبو عاصم: عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب، يقول: لما نزل علي عليه السلام، بالربذة سألت عن قدومه إليها. فقيل: خالف عليه طلحة والزبير وعائشة وصاروا إلى البصرة فخرج يريدهم، [قال:] فصرت إليه فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام، فجلس بين يديه ثم بكى وقال: يا أمير المؤمنين إني لا
أستطيع أن أكلمك وبكى. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية (1) فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤب العرب وتعود إليها أحلامها وتأتيك وفودها، فوالله
(1) يقال: " حن - من باب فر - حنينا " بكى عن حزن وتألم. ولعله إنما بكى عليه السلام لما بلغه من عدة القوم وعديدهم وكان مبغضوا أمير المؤمنين يظهرون الانبساط والفرح، وكانت جواري حفصة يضربن الدف ويرفعن أصواتهن ويقلن: ما الخبر ما الخبر، ! علي في السفر فهو بمنزلة الاشقر، إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر ! ! ! ولما بلغه أن أبا موسى كان يخذل الناس عن أمير المؤمنين. والكلام قد صدر عنه عليه السلام بداعي الاستنصار من المسلمين، واستنطاق أمير المؤمنين عليه السلام بحجته كي تزول الشبهة المتمكنة في قلوب بعضهم.
[253]
لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الابل حتى تستخرجك منه، ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت الامة عليك فداك، وإن اختلفت رضيت بما قضى الله،، وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق، وأذكرك بالله أن لا تقتل بمضيعة (2) فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما قولك إن عثمان حصر. فما ذاك وما علي منه ؟ وقد كنت بمعزل عن حصره، وأما قولك: ائت مكة. فوالله ما كنت لاكون الرجل الذي يستحل به مكة (3) وأما قولك اعتزل العراق ودع الطلحة والزبير. فوالله ما كنت لاكون كالضبع ينتظر (4) حتى يدخل عليها طالبها فيضع