الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




نهج السعادة - الشيخ المحمودي ج 1

نهج السعادة

الشيخ المحمودي ج 1


[1]

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

[3]

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة تأليف الشيخ محمد باقر المحمودي

[4]

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

[5]

سورة إجازة الاستاذ العلامة الفقيه المتبحر الميرزا محمد حسن اليزدي رحمه الله المتوفى يوم الخميس: (12) ربيع الثاني من العام: 1379 الهجري.

[6]

صورة إجازة المحقق العلامة الفقيه الاصولي المتفرد بالمباني الرصينة الميرزا محمد باقر الزنجاني أعلى الله مقامه المتوفى يوم: (21) من شهر رمضان المبارك من سنة: (1394) الهجرية.

[7]

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة أما بعد شكر الله - الذي جعل الشكر مزيدا لآلائه، وسببا " لاستبقاء نعمائه، وسلما " إلى مرافقة أوليائه، ووسيلة " إلى مجاورة أصفيائه، والسلام على سيد أنبيائه، وخاتم سفرائه، المختار من أصل الكرم، والمنتجب من سلالة المجد الاقدم، والمنتخب من خلاصة أشراف بني آدم، والصلاة والسلام على آله ينابيع الحكم، ومصابيح الظلم، ويعاسيب الامم " ومفاتيح الكرم، وأعلام الشريعة الغراء، ودعاة المحجة البيضاء، وقادة الامة الحنيفية السمحاء - فيقول (1) الحقير القاصر أبو جعفر محمد باقر المحمودي (2) إني في ابتداء عمري ونعومة حالي، وطراوة غصني وفراغ بالي كنت مشغوفا " بمطالعة الكتب الدينية، مفطورا " على العناية بالمسائل الشرعية، مجبولا على التفكر والتدقيق في المباحث المذهبية، والامور الاعتقادية، ولم يتجاوز عمري سني المراهقين، ولم تك معلوماتي مبنية على مقدمات أهل النظر والتحقيق، وجرى علي سنين


(1) الفاء جواب ما تقدم من الشرط وهو: " أما بعد ". وهذا نظير قول السيد الرضي (ره) في ديباجة النهج: " أما بعد حمد الله الذي جعل الحمد ثمنا " لنعمائه - وساق الخطبة إلى أن قال: - فاني كنت في عنفوان السن، وغضاضة الغصن الخ. ونظيره أيضا " خطبة التجريد للمحقق الطوسي قدس سره. (2) ابن ميرزا محمد بن ميرزا عبد الله بن ميرزا محمد بن الاخوند ملا محمد باقر بن الاخوند الحاج محمود بن الحاج كمال بن محمود بن كمال. وهذا التسلسل في أجدادي وسلسلة نسبي هو المعروف بين أقربائنا وقد سمعته عن غير واحد من معمري عشيرتي ونسابة قومي.

[8]

من الزمان وكنت على هذه الحالة، إلى أن حثني بعض الاكابر من أهل بيتي وبني عمومتي (3) على تحصيل العلم، والانتظام في زمرة أولياء الله، ومن رفعه الله وآتاه خيرا كثيرا، وفضله على البرية تفضيلا، فشمرت لاجابة دعوته الميمونة عن ساعد الجد، وقلت لبيك داعي الله، فاشتغلت بالتعلم منه ومن الوجيه الحاج الشيخ حسين الرفيعي - والد الشيخ الماجد المعاصر الشيخ أسد الله الرفيعي رفع الله درجاتهم - مدة لا تتجاوز سنتين، ولا تقل عن سنة ونصف ثم ألقى الله في روعي، وألهمني الذهاب إلى مدينة العلوم الربانية، وقبة الاسلام، ومركز الراسخين في العلم النجف الاشرف - زادها الله علاءا وشرفا - ولما رسخت هذه العزيمة في نفسي، واستحكمت في خلدي، وخالطت مخي ودمي، وهونت علي العناء، وجعلت مقاساة السفر وبرد الشتاء علي مريئا (4) خرجت متفردا، وسعيت ماشيا متوجها تلقاء باب مدينة علم النبي والروضة المباركة العلوية على مشرفها الاف الثناء والتحية، وجرى علي في الطريق سوانح ذكرتها في رسالة " السير إلى الله " وبعد اللتيا واللتي من الله علي بالوصول إلى المقصد، والتشرف بوادي السلام العلوي أعني النجف الاشرف، فخررت لله ساجدا وأنا أقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وكان بدء وصولي إلى مركز العلم ومهبط رجال الدين النجف الاشرف في أوائل شهر ربيع الاول من سنة " 1364 " الهجرية - الموافقة لسنة " 1323 " الشمسية و " 1945 " " الميلادية " - فساعدني بعض الاجلة من أقربائنا رحمه الله (5)


(3) وهو الشيخ الرئيس الشيخ أحمد المعروف: " رستكار " الساعي في إحياء معالم الدين، وتكثير التلامذة والمحصلين، وهو ابن الرئيس علي بن الرئيس جنيد بن الرئيس كمال بن محمود بن كمال. (4) إنما قلت: " برد الشتاء " دون حر الصيف مع انه المتعارف في نظير المقام، لاني خرجت من بلدي في صبارة القر وغاية برودته المعبر عنه في لسان أهل ايران: " جلة زمستان ". (5) وهو العالم الجليل والسيد النبيل السيد ابو الحسن الراغب - المتوفى ليلة الثلثاء (22) من جمادى الاولى من سنة (1384) - نجل الشاعر المعروف السيد أسد الله الراغب المتوفى ببلدة " فال " في اليوم (24) من ربيع الثاني من سنة (1340) القمرية الهجرية.

[9]

على تحصيل العلم وآواني في الحجرة التي كانت تخصه في المدرسة المعروفة بالمدرسة القزونية، فاشتغلت بالعلوم المعتادة في أيامنا بين المحصلين، ولكن بمقتضى سجيتي وما ارتكز في فطرتي وغرس في قلبي كان إلمامي بكتب التفسير والكلام والحديث والتاريخ أكثر، ونشاطي بها أتم، وولعي وشوقي إليها أشد وآكد، وكنت مكبا على المعجزة العلوية الخالدة أعني كتاب " نهج البلاغة " فجعلته سمير ليلي وأنيس نهاري، وصاحب وحدتي وكاشف همي وكربتي، وكلما كررت في مطاويه النظر، وأمعنت في مضامينه الفكر، زدت ايمانا على ايمان بأنه قبس من الانوار العلوية، وغيض من فيض بحار العلوم المرتضوية، وندى من اقيانوس علوم الدين، ورشحة من معارف السيد الوصيين، وخليفة سيد المرسلين، ومهما سبرت كتب الاخبار، وتصفحت جوامع الادب والآثار وثقفت التفاسير والتواريخ، عثرت له على مصادر وثيقة، ومدارك قوية قويمة قديمة، وكلما اطلعت على كتب المعرضين عن أمير المؤمنين، وتأملت كلمات المنحرفين عنه وأساطيرهم، رأيت البغضاء مجسمة، والشحناء ممثلة، والمحادة مجسدة، والشنان قد تجاوز النهاية، والمعاداة مسفرة، والمكابرة متراكمة، والمشاقة ملموسة، فعرض لي من البهر والدهشة والحيرة ما لا يوصف، إذ لم أجد - ولن يوجد أبدا - مثل كتاب نهج البلاغة حقيقة نيرة أوقدت من شجرة طيبة مباركة علوية - أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين، ويكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار، ويوشك نورها أن يعبق العالم، ويفيق قاطنيه من الاغماء، ويخلصهم من الدواهي واللاواء - وهو مع هذا مورد النقاش والاستنكار، ! ! وكيف يمكن النقاش فيه وقد اكتنفته الشواهد الداخلية والخارجية، وحفت به المعاضدات اللفظية والمعنوية، ولفت به القرائن الحالية والمقالية، وجل ما فيه مما أجمع واتفق على روايته علماء السنة والامامية، وهل يمكن ستر الشمس بالكف، أو يتيسر إخماد نور الله بالنفث، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الفاسقون، وكيف

[10]

لا يستعجب الفطن الخبير المنصف من ذلك، مع انه لم يعرف - ولن يعرف أبدا - بعد القرآن الكريم نظير كلام أمير المؤمنين - عليه السلام - عزا عربيا سرمدا ومع ذلك يقع في معرض الانكار، ويكون هدفا للنقاش، ويقابل بالمكابرة والمجادلة، وكيف لا يتعجب اللبيب ولم يعهد - ولن يكن معهودا لاحد - بعد الفرقان المجيد مثيل نهج البلاغة أساسا أدبيا مخلدا قد تمثل بصورة الاعجاز، ومع الوصف يجهل قدره ؟ ! لا يقدره ذووه، ولا يصدقه أهلوه ؟ ! ! وكيف لا يعجب الحكيم - أو يلام على ذلك - ولم يشاهد - ولن يشاهد أبدا - بعد تنزيل العزيز الحميد، عديل نهج البلاغة بيانا جامعا للحقائق، وكاشفا عن الغرض من إيجاد العالم وتشريع القوانين الالهية، وبعث الانبياء والسفراء، ومحاسبة العباد في يوم المعاد، وهل يترقب مثله كلاما شارحا للاسلام ومزاياه الراقية ؟ ! وهل ينتظر شبهه بيانا سائقا إلى الايمان ودرجاته السامية، وثمراته الطيبة، وبركاته العظيمة، ولوازمه الرغيبة الحبيبة الحميدة ؟ ! أنى يترقب مثله وهو معجزة الخلافة ؟ ! أو أنى ينتظر شبهه وهو من أنوار الامامة ! ! ومن لوازم الوصاية والولاية كل ذلك مما خص الله تعالى بها وليه ووصي نبيه ميزة له عن المبطلين، ودلالة على أمامته، وحجة على خلافته، وتحفظا " على غرضه وحكمته، ولطفا على بريته وقطعا لمعاذير عباده، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة (6).


(6) يا معشر المنكرين وياملا المعرضين عن سيد الوصيين، فإن كنتم في ريب مما وصفنا به كلام أمير المؤمنين، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم ائتوا صفا وائتوا من آثار أئمتكم السالفين، والحقوها بمسترقات أكابركم اللاحقين، فإن وجدتم فيها جميعا معشار ما في كلام امير المؤمنين (ع) من المزايا الرائقة، والنعوت الفائقة، فاستمروا في في امركم وبالغوا في إنكاركم فإن لم تفعلوا - ولن تفعلوا - فاتقوا النار التي أعدها الله تعالى للكافرين بآياته، والمحادين لاوليائه، والمنكرين لمزايا حججه وخصائص خلفائه، وآمنوا بالنور الذي وهب الله لوليه وخليفة نبيه، واجعلوه مع كلام الله الحميد المجيد معيار علمكم وعملكم في جميع المواضيع من الاعتقاديات والاخلاقيات والعمليات

[11]

وبعدما اطلعت على صنيع المنحرفين، وسجية المعرضين عن أمير المؤمنين، وصرت من مشاقتهم من المتعجبين، ورأيت الاصدقاء متخاذلين، والسواد الاعظم من المؤمنين متكاسلين، وعن إحقاق الحق وإبطال الباطل قاصرين، وألد الخصوم علينا متحاملين، بدا لي أن أجمع لكتاب نهج البلاغة ما اطلعت عليه من الاسانيد الوثيقة، والمصادر المعتبرة القويمة، أداء لبعض ما يجب على العلماء، من إرشاد الجهال، وإبطال كيد المبطلين والضلال، وتدعيم الحقائق، وتوطيد الوثائق، علما بأن في الجمع المذكور أحقاقا للحق، وإبطالا للباطل، ولفتا لانظار أهل الحق بأن في هذا العمل تشييد الاصول الاعتقادية، وترويج المسائل العملية، وترميم المكارم الاخلاقية، وتعزيز القوانين الاسلامية، وتأييد للمستقلات العقلية. ولما شمرت عن ساعد الجد والاجتهاد، وخضت في جوامع كتب علمائنا الاخيار، وألممت ببعض ما حضرني من كتب أهل السنة - مع قلة مقدرتي عليها وشدة حاجتي إليها - رأيت أن ما فات عن السيد الرضي (ره) - أو تركه - من كلم أمير المؤمنين عليه السلام لا يقل عما جمعها وذكرها (7)


كي تكونوا في الدنيا والآخرة من الفائزين، وتسودوا على العالمين، ولا تكفروا به ولا تنبذوه وراء ظهوركم فتكونوا من الاخسرين الذين ضل سعيهم في الحيات الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (7) بل ما فات منه - أو ما تركه على زعم بعض - أكثر، وقبل أن ترى صدق ما قلناه برأي العين بمشاهدة ما في كتابنا - نهج السعادة - نوطد دعوانا بما ذكره جماعة من ثقاة أهل النقل من المحدثين والمؤرخين فنقول: قال أبو عمر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاستيعاب - المطبوع بهامش كتاب الاصابة: ج 3 ص 1111 -: وخطبه (عليه السلام) ومواعظه ووصاياه لعماله كثيرة مشهورة وهي حسان كلها. وقال الحسن بن علي بن شعبة - من أعلام القرن الرابع - في الباب الاول من مختار كلم أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب تحف العقول ص 43: لو استغرقنا جميع ما وصل إلينا من خطبه وكلامه في التوحيد خاصة دون ما سواه من المعاني لكان مثل جميع (ما في) هذا الكتاب الخ.

[12]

فعند ذلك عزمت على تأليف كتاب آخر يتضمن ما لم يوجد في نهج البلاغة، وحيث إن الموضوع الثاني كان أهم، صرفنا فيه نهاية الطاقة، وغاية المقدرة، وقدمناه في الترتيب والتأليف، وبحمد الله تعالى ومنته قد جمعنا من كلم أمير المؤمنين عليه السلام - في المواضيع الثلاثة التي اختارها السيد الرضي وغيرها - ضعف ما في نهج البلاغة، وأقمنا على جلها من الشواهد الخارجية - المعاضدة بالشواهد الداخلية - ما لو رآها المنصف المتدبر، ووعاها العالم المتبحر، لقال: سبحان الله ما هذا من عند غير وصي النبي، إن هذا إلا من إمام عليم اختاره الله واصطفاه لخلافة رسوله الكريم، ودراسة دينه القويم، وكتابه الحكيم.


وقال في الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي، ص 138: أخبرنا السيد الشريف أبو الحسن علي بن محمد الحسيني، باسناده إلى الشريف المرتضى قال: " قد وقع إلي من خطب أمير المؤمنين عليه السلام أربعمأة خطبة. تأمل هذا الكلام - وما يأتي بعد - وراجع باب الخطب من المنهج فإنه مع ما فيه من غير الخطب ومن التكرار لا يتجاوز جميع ما فيه عن نيف ومأتين: (238) وقال اليعقوبي - من أعلام القرن الثالث - في كتابه: مشاكلة الناس لا زمانهم، ص 15: " وحفظ الناس عنه (عليه السلام) الخطب، فانه خطب بأربعمأة خطبة حفظت عنه، وهي التي تدور بين الناس ويستعملونها في خطبهم ". وقال المؤرخ الشهير المسعودي في مروج الذهب: ج 3، ص 419 ط بيروت - في عنوان: " لمع من كلام (أمير المؤمنين) وأخباره وزهده "، قبيل ختام ترجمته عليه السلام -: والذي حفظ الناس عنه (عليه السلام) من خطبه في سائر مقاماته أربع مأة خطبة ونيف وثمانون خطبة (كان عليه السلام) يوردها على البديهة، وتداول الناس ذلك عنه قولا وعملا. - ثم ساق لمعا من كلامه عليه السلام وجملا من القضايا إلى أن قال: - وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب، أو يبلغه إسهاب مسهب أو اطناب مطنب، وقد أتينا على جمل من أخباره وزهده وسيره وأنواع من كلامه وخطبه في كتابنا المترجم بكتاب: " حدائق الاذهان " في أخبار آل محمد عليه السلام، وفي كتاب " مزاهر الاخبار، وطرائف الآثار " للصفوة النورية، والذرية الزكية، أبواب الرحمة، وينابيع الحكمة.

[13]

وسمينا هذه المجموعة ب‍ " نهج السعادة " في مستدرك نهج البلاغة (8) ورتبناها على خمسة أبواب: الباب الاول في الخطب وما يجري مجراها من الكلم الطوال، والباب الثاني في الكتب والرسائل وما بمعناها، الباب الثالث في الوصايا، الباب الرابع في الادعية والمناجاة " الباب الخامس في الدرر اليتيمة، والحكم القصيرة من كلمه عليه السلام (9). وقد كتبنا بتوفيق الله تعالى - في مدة لا تنقص عن خمس عشرة سنة - مثلي ما في نهج البلاغة كمية وعددا، ومثله مما لا يقصر عما فيه نتيجة وغرضا، مع أن جهاز التأليف والتصنيف الذي كان عندي لم يك وافيا لهذا الغرض الخطير، وتحصيل غيره لا يتيسر لمن لا يملك من قطمير. وأيضا قد ظفرنا في هذه المدة على مصادر وثيقة لاكثر ما رواه السيد الرضي (ره) في نهج البلاغة، وأخرجنا أسانيد كثيرة وشواهد وفيرة لجل ما فيه عن كتب الفريقين: الشيعة والسنة، وإن أنسا الله تعالى في عمري، ومتعني بما حباني وأمدني بما أعطاني من التوفيق، وأظفرني بمخطوطات القدماء من الفريقين، لافتحن لارباب الادب والبلاغة أبوابا، ولاكشفن عن وجه السعادة نقابا.


(8) وإنما سميناه بهذا الاسم، لانا - كما دريت مما ذكرناه آنفا - بنينا أن لا نذكر في نهج السعادة ما هو مذكور في نهج البلاغة ولو عثرنا عليه في غيره من المصادر، وبعدما نشرنا وطبعنا منه مجلدا وشرعنا في طبع مجلد آخر، اطلعنا على ما جمعه السيد السند السيد عبد الزهراء الخطيب وفقه الله حول أسانيد نهج البلاغة ومصادره، فرأيناه غير قاصر عما جمعناه حول الكتاب، فعدلنا عن تأليف كتابين وترنمنا بقوله تعالى: " وكفى الله المؤمنين القتال ". ثم ببعض المناسبات أدرجنا بعض ما ذكرناه وجمعناه بعنوان: " أسانيد نهج البلاغة وشواهده " في الموضوع الثاني أعني نهج السعادة. (9) وبعدما فرغنا من تنضيد كلمه عليه السلام بمقدار وافر في الابواب الخمسة، عزمنا على جمع الشتات من منظوم كلامه وتصييره بابا سادسا، فجمعنا شيئا كثيرا مما تكلم به عليه السلام في المقامات المختلفة، والمناسبات المتكثرة، ولكن بالمراجعة إلى ما جمعناه ورتبناه يعلم أن جله ليس منه بل من غيره تمثل به أمير المؤمنين عليه السلام ببعض المناسبات، وان المنظوم من كلامه عليه السلام نفسه في غاية القلة، ولكن لا بمثابة أفرط بها بعض العامة.

[14]

ثم ليعلم أنا نذكر - في جميع الابواب المعدودة - كلام أمير المؤمنين عليه السلام كما ظفرنا به، ونذيله بما عندنا من الشواهد، وفي ختامه نذكر المصدر المأخوذ منه وغيره، ولا نتعرض لما يخطر في خلد بعض ممن عقله عقل الصبي، وفهمه فهم السفيه، فنحن مستغنون - بما صنعناه - عن جواب ما أبداه لسان البغضاء، أو يتصور بالتصور البدوي والنظرة الحمقاء. وليعلم أيضا " أن لدينا شيئا " من الكلم المنسوبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، في الابواب المذكورة وغيرها، ولم ندرجها في كتابنا هذا، لان بعضها مختلق قطعا، وبعضها وإن كان من سنخ كلامه وإمكان صدوره عنه عليه عليه السلام، قائم ولا دليل لنفي الصدور، ولكن لا شاهد له (10)، ودليل الاثبات والمصدر المأخوذ منه غير صالح للحجية، أو أن راوي الكلام غير معتمد عليه، وهذا القسم نترصد للعثور على شاهد لحجيته، وإما لذكره في مصدر آخر موثوق به، أو كونه مرويا بسند آخر معتمد عليه، أو يدل دليل خارجي على صدوره عنه عليه السلام. وليتنبه أيضا انا لا ندعي الاحاطة بجميع ما صدر عنه عليه السلام في الابواب الخمسة وغيرها إذ كثير من كلماته الصادرة عنه في أيام طرده عن مقامه واختلاس الخلافة منه، لم يضبطها أحد ولم يدون، وما ضبطوه ودونوه في غير تلك الايام مصادره غير محصورة، وأنا يحيط المحصور والمحدود بغير المحصور ؟ ! وكثير من المصادر المتكلفة لبيان خصائصه وعلومه قد أتلف وأعدم فذهب ما فيه بذهابه، كذهاب بعض علومه عليه السلام، وموته بموت راويه كما قال عليه السلام: " هكذا يموت العلم بموت حامليه ".


(10) وأخيرا قد أدرجنا في نهج السعادة مقدارا قليلا من هذا النوع أي ما هو من سنخ كلامه عليه السلام ولا دليل على نفي صدوره عنه، رجاء أن نظفر على شاهد له، أو يظفر غيري على شواهده، وإذن فلا بد فيما ذكرناه من ملاحظة جهات الحجية، فيقبل ما هو الواجد لها، وينتظر لغيره العثور على شواهده، فلا محيص لغير أهل العلم إلا الرجوع إلى أهله المتخصص بالفن، كما هو الشأن في جميع الاشياء، فالمعتبر مما ذكرناه هو ما اقترن بالشاهد الصدق دون غيره.

[15]

وليتذكر أيضا بأنا لا نقتصر على خصوص كلمه عليه السلام البليغة، وألفاظه الرشيقة، وإن كان جل ألفاظه أقواله مذهبا برونق الفصاحة، ونوع كلمه مطلى بماء البلاغة ومحلى بحلية الايجاز (11) بل نذكر كل ما اشتمل على معنى بديع، أو إثبات حق أو إبطال باطل، أو يتضمن الارشاد إلى مصلحة مهمة، أو ما ينفر عن وجوه العناء والشقاء، أو يتعرض الدلالة على أمر جليل وخطب عظيم عامة الناس عنه غافلون، وصار بينهم نسيا منسيا، وبالجملة نذكر من كلمه عليه السلام ما كان مقربا إلى السعادة وموجباتها، ومبعدا عن الشقاوة وموبقاتها، سواء كان بليغا - كما هو الشأن في أغلب ما صدر عنه عليه السلام - أم لا يكون كذلك، وما قيمة البلاغة في قبال السعادة وموجباتها ؟ ! وفي جانب التخلص من الشقاوة وموبقاتها، وفي حذاء انجاء النفوس من الهلكات، وإحيائها من مرديات الهوى وسكر متاع الحيات الدنيا، وهل البلاغة إلا زينة الحياة الدنيا، وزخرف دار الفناء، وزهرة أيام التظاهر والتعارض ! ! ! وليعلم أيضا أنا لاحظنا الترتيب في كلامه عليه السلام (12) فقدمنا ما هو أقدم صدورا وأسبق حدوثا في عالم الخارج - ولو بحسب التقريب والظن - فرتبنا ما اخترناه من كلمه الاول فالاول، بحسب ما عثرنا عليه وشهد الشاهد الداخلي - كمضمون الكلام أو سنده -، أو الشاهد الخارجي والقرينة المنفصلة على زمان صدوره وأوان إلقائه وتكلمه به، ليتسلسل كلامه بحسب الترتيب والتأليف كتسلسله بحسب الصدور والبروز في نفس الامر وعالم الخارج


(11) هذا إذا أريد من البلاغة معناها المتفاهم العرفي، وإن أريد بها ما فسره البيانيون من أنها: " مطابقة الكلام لمقتضى الحال ". فكلمه عليه السلام كلها بليغة. (12) وهذا الترتيب اخترناه بعد نشر باب الوصايا كما انه لم يلاحظ في الباب الخامس وقصار كلمه عليه السلام هذا المعنى. وهو الاسلوب الثالث الذي استقر عليه عزمنا أخيرا بعدما كنا رتبنا الكتاب على أسلوبين آخرين. أحدهما أسلوب نهج البلاغة وثانيهما: تأخير السند عن ذكر كلامه مثل تأخير المصدر المأخوذ منه وغيره عنه.

[16]

ليسهل تناوله لمن أراد قسما خاصا منه، فمن أراد العثور على خصوص ما صدر عنه عليه السلام في أيام النبي صلى الله عليه وآله بمجرد ما افتتح الكتاب ونظر إلى عنوان الكلام يستعلم منه بغيته، ويستنتج محل طلبته، ومن فوائد هذا الاختيار أن يكون الكتاب كترجمة لحياة أمير المؤمنين عليه السلام مأخوذة من بيانه ومتلقاة عن فمه ولسانه، فيكون مقياسا به يميز صواب ما ذكروه في ترجمته عن خطائه، ويكون ميزانا به يوزن ما نسبوه إليه أو نفوه عنه، فيقبل ما يوافقه ويرد ما يخالفه، كل ذلك بعد ملاحظة شرائط الحجية. هذا كله إذا كان زمان الصدور معلوما إما تحقيقا أو تقريبا، وأما الكلام الذي لم يعلم وقت صدوره ولو تقريبا فنؤخره عن معلوم الصدور، ونصوغه بصياغة مفردة مستقلة، وننسج له كساءا على حدة، والمرجو من أهل النظر وأولي العلم والتحقيق أن يغمضوا عما كل عنه الفكر، أو طغى به القلم، أو أثبته نظر السهو والنسيان، فإني لم أقصر بحسب طاقتي وميسوري عن تحري الصواب، والتجنب عن الزلل والخطاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وبه استعنت (13).


(13) ومما يجب التنبيه عليه في الختام انا مثل بقية المؤلفين في عصرنا نزيد في بعض المقامات كلمة أو جملة أو شبههما ونضعها بين المعقوفين، وذلك إما للتوضيح والتبيين، أو لوجودها في طريق آخر للرواية، أو لتوقف صحة الكلام أو تزيينه عليها، فكل ما وضعناه بين المعقوفين أو المعقوفات، فهو زيادة منا إلا ما ننقله من كتاب صفين لنصر بن مزاحم فإن بعضه مما زاده محمد هارون محقق طبعة مصر.

[17]

الباب الاول في خطبه عليه السلام وما يجري مجراها مما تكلم به في الحوادث النازلة، والخطوب الواردة، وهو على قسمين: ما علم زمان صدوره ولو تقريبا. وما لم يعلم زمان صدوره. القسم الاول: * 1 * ومن خطبة له عليه السلام خطبها بمحضر النبي صلى الله عليه وآله، والمهاجرين والانصار، لما خطب من النبي سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال محمد بن جرير الطبري الامامي: حدثني أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري (1) قال: حدثني أبي، قال: أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي العرب الضبي (2) قال: حدثنا محمد بن زكريا بن دينار الغلابي (3)


(1) كذا في موارد كثيرة من هذا الكتاب، ومثله ذكره النجاشي (ره) تحت الرقم: (182) من فهرسته ص 62 في ترجمة أحمد بن محمد بن الربيع، وقال: " أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى رحمه الله " الخ. وفي نسخة دلائل الامامة هنا تصحيف. (2) كذا في النسخة، وفي البحار، ومدينة المعاجز، ومستدرك الوسائل: " محمد بن أبي الغريب الصبي " " الخ. (3) كذا في النسخة، وفي المستدرك: " محمد بن زكريا بن دينار العافي ".

[18]

قال: حدثنا شعيب بن واقد، عن الليث، عن [الامام] جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده، عن جابر [بن عبد الله الانصاري (4)] قال: لما أراد رسول الله أن يزوج فاطمة عليا قال له: أخرج إلى المسجد، فإني خارج في أثرك ومزوجك بحضرة الناس، وذاكر من فضلك ما تقر به عينك. قال علي: فخرجت من عند رسول الله وأنا ممتلئ فرحا وسرورا، فاستقبلني أبو بكر وعمر فقالا: ما ورا (ؤ) ك ؟ فقلت: يزوجني رسول الله فاطمة وأخبرني أن الله زوجنيها، وهذا رسول الله خارج في أثري ليذكر بحضرة الناس، ففرحا وسرا ودخلا معي المسجد، فو الله ما توسطناه حتى لحق بنا رسول الله وإن وجهه ليتهلل فرحا وسرورا، فقال صلى الله عليه وآله:


(4) رواية أئمة أهل البيت عليهم السلام، أحيانا عن أمثال جابر بن عبد الله، إنما هي لاغراض ومصالح وخصوصيات اقتضت ذلك، لا من باب استفادة الحقيقة التي رووها، والقصة التي نقلوها عن جابر وأمثاله، إذ هم النور ومعدن العلم، بهم استضاء كل شئ، وعنهم أخذ كل عالم، وهم الادلاء والخلق مهتدون بهدايتهم وإرشادهم، وقد جعلهم الله مثابة ومرجعا " للناس كي يعلموهم ويكشفوا لهم الحقائق بقدر ما اقتضته المصالح، ولا يحجز بينهم وبينها الموانع، ولا تترتب على علمهم بها المفاسد، وقد تواتر بين المسلمين قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حقهم: " ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ". وفي الحديث: (167) من ترجمة علي عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1 ص 327 وفي المطبوع: ج 2 ص 156 معنعنا عنه صلى الله عليه وآله انه قال: " آل محمد معدن العلم وأصل الرحمة ". ورواه أيضا مع زيادات في ترجمة بحر السقاء من كتاب الكامل لابن عدي: ج 1 / 177. وتواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام أيضا أمثاله، وسيمر عليك في هذا الكتاب نمط كثير في هذا المعنى، وكفاك الرجوع إلى المختار: (109) من هذا الباب، أو إلى الخطبة الثانية من القسم الثاني من باب الخطب فإنه عليه السلام حكى عن الله تعالى انه قال في حقهم مخاطبا لنبيه: " وأنصب أهل بيتك للهداية، وأويتهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يغيب عنهم خفي - إلى أن قال عليه السلام: - فنحن أنوار السماء وأنوار الارض، فبنا النجاة، ومنا مكنون العلم " الخ. ومن كان هذا نعته وصفته كيف يحتاج إلى أمثال جابر وغيره ممن يكون علمه محدودا أو مأخوذا عن مثله. وفي ترجمة المصفح العامري من الطبقات الكبرى: ج 6 / 240 قال: أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن جبلة بنت المصفح، عن أبيها قال: قال لي علي: يا أخا بني عامر سلني عما قال الله ورسوله، فإنا نحن أهل البيت أعلم بما قال الله ورسوله. (قال ابن سعد): والحديث طويل.

[19]

أين بلال ؟ فقال: لبيك وسعديك. فقال: وأين المقداد ؟ فلباه. فقال: وأين سلمان ؟ فلباه، فلما مثلوا بين يديه قال: انطلقوا بأجمعكم إلى جنبات المدينة، واجمعوا المهاجرين والانصار والمسلمين. فانطلقوا لامره (ودعوا المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأفاضوا إليه (5) فأقبل (رسول الله) حتى جلس على أعلى درجة من منبره، فلما حشد المسجد بأهله (6) قام صلى الله عليه وآله فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الذي رفع السماء فبناها، وبسط الارض ودحاها، وأثبتها بالجبال فأرساها (7) (وأخرج منها ماءها ومرعاها، الذي تعاظم عن صفاة الواصفين) وتجلل عن تحبير لغات الناطقين (8) وجعل الجنة ثواب المتقين، والنار عقاب الظالمين، وجعلني رحمة للعالمين، ونقمة على الكافرين. عباد الله إنكم في دار أمل، بين حياة وأجل، وصحة وعلل، دار زوال متقلبة الحال (9) جعلت سببا للارتحال، فرحم الله امرأ قصر من أمله وجد في عمله، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوته فقدمه ليوم


(5) بين القوسين زيادة منا للتوضيح. ومعنى أفاضوا إليه: اندفعوا وسارعوا إليه بكثرة. (6) أي غص المسجد وملا بأهله، كأنه من قولهم: " حشد الناقة " من باب نصر وضرب - حشدا ": جمع اللبن في ضرعها بكثرة. أو أنه مجهول من باب التفعيل بمعنى الاجتماع لامر واحد، كما انه يجئ بهذا المعنى مبنيا " للفاعل من باب الافعال والافتعال والتفعل والتفاعل. (7) كأنه مقتبس من قوله تعالى - في الآية (29) وتواليها من سورة النازعات -: " والارض بعد ذلك دحاحا "، أخرج منها ماءها ومرعاها، والجبال أرساها ". والدحو - كفلس -: البسط والاسترسال إلى أسفل. وأرسى الجبال: أوقفها على الارض. أو ضربها فيها كالوتد. وبين القوسين مأخوذة من البحار. (8) تجلل: تعظم وتعالى. وحبر الكلام أو الشعر أو الخط تحبيرا ": حسنه وزينه: أي إن عظمته ونعوت ذاته المقدسة أعظم وأعلى من أن يصلها ويصفها المزينة من لغاة الناطقين، والمحسنة من ألفاظ الواصفين. (9) ويساعد رسم الخط على أن يقرء " منقلبة الحال ". وفي البحار: " دار زوال وتقلب أحوال ".

[20]

فاقته، يوم تحشر فيه الاموات، وتخشع فيه الاصوات (10) وتنكر الاولاد والامهات، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، يوم يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء، تود له أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، يوم تبطل فيه الانساب وتقطع الاسباب، ويشتد على المجرمين الحساب، ويدفعون إلى العذاب، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور (11). أيها الناس إنما الانبياء حجج الله في أرضه، الناطقون بكتابه، العاملون بوحيه، وإن الله تعالى أمرني أن أزوج كريمتي فاطمة بأخي وابن عمي وأولى الناس بي علي بن أبي طالب، والله عز شأنه قد زوجه بها في السماء، وأشهد الملائكة، وأمرني أن أزوجه في الارض وأشهدكم على ذلك. ثم جلس (صلى الله عليه وآله) وقال لعلي: قم واخطب لنفسك (فقام علي) (12) وقال: الحمد لله الذي ألهم بفواتح علمه الناطقين (13) وأنار بثواقب عظمته قلوب المتقين (14) وأوضح


(10) اقتباس من قوله تعالى - في الآية (108) من سورة (طه): " وخشعت الاصوات للرحمان فلا تسمع إلا همسا ". (11) من قوله: " وترى الناس سكارى " إلى قوله: " متاع الغرور " - عدا أربع جمل في الوسط - اقتباس من الآية (2) من سورة الحج، و (25) من سورة النور، و (30)، و (185) من سورة آل عمران، والآية الاخيرة من سورة " إذا زلزلت الارض ". (12) بين الاقواس زيادة منا. (13) ألهم: لقن وعلم. والفواتح: جمع الفاتحة وهي أول الشئ وابتداؤه. والناطقين: العقلاء المدركون الذين يتكلمون بالحروف والاصوات الموضوعة لاداء ما في ضميرهم وتفهيمه لغيرهم. (14) أنار: جعله ذا نور ولمعان وتشعشع. والثواقب: جمع الثاقبة: المرتفعة. الساطعة. النافذة.

[21]

بدلائل أحكامه طرق السالكين (15) وأبهج بابن عمي المصطفى العالمين، حتى علت دعوته دواعي الملحدين (16) واستظهرت كلمته على بواطن المبطلين (17) وجعله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، فبلغ رسالة ربه وصدع بأمره وأنار من الله آياته (18). فالحمد لله الذي خلق العباد بقدرته (19) وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد [صلى الله عليه وآله] ورحم وكرم وشرف [وعظم (20)] والحمد لله على نعمائه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة إخلاص ترضيه، وأصلي على نبيه محمد صلاتا تزلفه وتحظيه (21)


(15) الدلائل: جمع الدلالة: ما يقوم به الارشاد والهداية. البرهان. والسالكين: جمع السالك - والمقصود منه في أمثال المقام -: المتبع لطريق الحق الملازم له. (16) أبهج العالمين: جعلهم في بهجة وسرور. والدواعي: جمع الدعوى. وفي مستدرك الوسائل: " وأنهج بابن عمي المصطفى العالمين ". يقال: " أنهج الطريق أو الامر ": وضح واستبان. و " أنهج زيد الطريق أو الامر ": أبانه وأوضحه (17) كذا في النسخة، ومثله في البحار، وفي مستدرك الوسائل: " على بواطل المبطلين ". وهو أظهر. (18) وفي البحار والمستدرك: " وصدع بأمره وبلغ عن الله آياته " الخ. (19) وفي البحار والمستدرك: " والحمد لله " الخ. (20) الاول مما بين المعقوفين مأخوذ من المستدرك، والثاني من البحار. (21) وفي البحار: " وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلى الله على محمد صلاتا تربحه وتحظيه ".

[22]

وبعد فإن النكاح مما أمر الله تعالى به وأذن فيه، ومجلسنا هذا مما قضاه الله تعالى ورضيه (22) وهذا محمد ابن عبد الله رسول الله زوجني ابنته فاطمة على صداق أربع مأة درهم (23) وقد رضيت بذلك فاسألوه واشهدوا. فقال المسلمون: زوجته يا رسول الله ؟ قال: نعم. قال المسلمون: بارك الله لهما وعليهما وجمع شملهما. الحديث: (25) من كتاب دلائل الامامة، ص 15 ورواه في الحديث: (17) من الباب: (63) من كتاب النكاح من البحار: - ج 23 ص 62 ط الكمباني - عن كتاب مسند فاطمة. كما رواه أيضا " في الحديث السادس من الباب: (33) من كتاب النكاح من مستدرك الوسائل، ج 2 ص 541. ورواه أيضا " في الحديث: (413) من مناقب أمير المؤمنين من كتاب مدينة المعاجز، ص 134 وللخطبة صور أخرى تلاحظها في كتابنا: " المقالة العلوية الغراء " والمنهج الثاني - وهو المنهج العلوي - من كتابنا " مناهج المعصومين " وفقنا الله تعالى لاتمامه.


(22) وفي البحار: " والنكاح مما أمر الله به وأذن فيه، ومجلسنا هذا، مما قضاه ورضيه (و) هذا محمد بن عبد الله " الخ. (23) هذا هو الصواب الموافق لما ورد في أخبار الباب، وفي النسخة - ومثلها في البحار -: " أربعمأة درهم ودينار ".

[23]

- 2 - ومن كلام له عليه السلام محمد بن محمد بن الحسن الطوسي (ره) قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل قال: حدثنا أبو أحمد عبد الله بن الحسين بن إبراهيم العلوي النصيبي رحمه الله ببغداد، قال: سمعت جدي إبراهيم بن علي يحدث عن أبيه علي بن عبد الله، قال: حدثني شيخان بران من أهلنا سيدان، عن [الامام] موسى بن جعفر، عن ابيه جعفر بن محمد، عن ابيه محمد بن علي عن أبيه. وحدثنيه أيضا الحسين بن زيد بن علي ذو الدمعة، قال: حدثني عمي عمر بن علي، قال: حدثني أخي محمد بن علي، عن أبيه عن جده الحسين صلوات الله عليهم. قال أبو جعفر عليه السلام: وحدثني عبد الله بن العباس، وجابر بن عبد الله الانصاري - وكان بدريا أحديا شجريا وممن لحظ من أصحاب رسول الله (1) (صلى الله عليه وآله) في مودة أمير المؤمنين (عليه السلام) - قالوا: بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجده في رهط من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر، وعثمان وعبد الرحمان، ورجلان من قراء الصحابة، من المهاجرين عبد الله بن أم عبد، ومن الانصار أبي بن كعب - وكانا بدريين - فقرأ عبد الله من السورة التي يذكر فيها لقمان حتى أتى على هذه الآية: " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " الآية: (2) وقرء أبي من السورة التي يذكر فيها إبراهيم (عليه السلام، حتى أتى على هذه الآية): " وذكرهم بأيام الله


(1) كذا. (2) وهي الآية: (20) من سورة القمان - المكية -: (31).

[24]

إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ". قالوا: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أيام الله نعماؤه، وبلاؤه مثلاته (3) سبحانه. ثم أقبل (صلى الله عليه وآله) على من شهده من أصحابه فقال: إني لا تخولكم بالموعظة تخولا (4) مخافة السامة عليكم وقد أوحى إلى ربي جل جلاله أن أذكركم بالنعمة، وأنذركم بما أقتص عليكم من كتابه وتلا (صلى الله عليه وآله) " وأسبغ عليكم نعمه " الآية، ثم قال لهم: قولوا الآن قولكم: ما أول نعمة رغبكم الله فيها وبلاكم بها ؟ فخاض القوم جميعا فذكروا نعمة الله التي أنعم عليهم وأحسن إليهم بها، من المعاش والرياش والذرية والازواج إلى سائر ما بلاهم الله عزوجل به من أنعمه الظاهرة. فلما أمسك القوم أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على علي فقال: يا أبا الحسن قل فقد قال أصحابك. فقال: وكيف لي بالقول فداك أبي وأمي وإنما هدانا الله بك ! ! قال: ومع ذلك فهات (و) قل: ما أول نعمة بلاك الله عزوجل، وأنعم عليك بها ؟ قال: أن خلقني جل ثناؤه ولم أك شيئا مذكورا. قال: صدقت فما الثانية ؟ قال: أن أحبني إذ خلقني فجعلني حيا لا ميتا (5) قال: صدقت فما الثالثة ؟ قال: أن أنشأني - فله الحمد - في أحسن صورة وأعدل تركيب. قال: صدقت فما الرابعة ؟ قال: أن جعلني متفكرا راغبا، لا بلهة ساهيا (6) قال صدقت فما الخامسة ؟ قال: أن جعل لي مشاعر أدرك بها


(3) كذا في النسخة " ولعله بتقدير حرف العطف. والمثلات: جمع المثلة - بفتح الميم وضم الثاء. وبضم الميم وسكون الثاء أيضا -: العقوبة والتنكيل. ما أصابه الامم الماضية من العذاب. (4) اي أفيضها عليكم وأنا ولكم إياها تفضلا وكرما. (5) أي أحياني بمحبته إياي. ولازمه أن من لا يحبه الله فهو ميت. (6) لا بلهة أي لم يجعلني سائرا بلا هداية وارشاد، ولا ساهيا ما دلني عليه.

[25]

ما ابتغيت، وجعل لي سراجا منيرا (7). قال: صدقت فما السادسة ؟ قال: أن هداني لدينه ولم يضلني عن سبيله. قال: صدقت فما السابعة ؟ قال: أن جعل لي مردا في حياة لا انقطاع لها. قال: صدقت فما الثامنة ؟ قال أن جعلني ملكا مالكا لا مملوكا. قال: صدقت فما التاسعة ؟ قال: أن سخر لي سماءه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه. قال: صدقت فما العاشرة ؟ قال: أن جعلني سبحانه ذكرا ولم يجعلني أنثى (8) قال: صدقت فما بعد هذا ؟ قال: كثر نعم الله يا نبي الله فطابت، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. فتبسم رسول الله وقال: ليهنئك الحكمة ليهنئك العلم يا أبا الحسن وأنت وارث علمي والمبين لامتي ما اختلفت فيه من بعدي، من أحبك لدينك وأخذ بسبيلك فهو ممن هدي إلى صراط مستقيم، ومن رغب عن هداك وأبغضك لقى الله يوم القيامة (و) لا خلاق له. الحديث (45) من الجزء (17) من أمالي الطوسي، وقريب منه في المختار الثاني من الباب (5) من دستور معالم الحكم ص 97 ط مصر، ولاجل التنبيه على الاختلال الفاحش فيما اختاره ذكرنا هذا، وقريبا " مما ذكره في دستور معالم الحكم رواه الحسكاني في تفسير الآية (18) من سورة النحل في الحديث (45) ص 329. من كتاب شواهد التنزيل الورق 80 ب، ومن المطبوع: ج 1، ص 329 بسند آخر عن ابن عباس. وكذلك في الفصل (19) من مناقب الخوارزمي ص 232.


(7) المراد من السراج هو العقل المدرك للحقائق والحاكم بابتغاء المصالح والمحاسن واجتناب المضار والقبائح. 8 - هذا هو الظاهر من السياق الموافق معنى لما في دستور معالم الحكم: " ان خلقني ذكرا ولم يخلقني انثى ". وفي النسخة: " أن جعلنا ذكرانا لا إناثا ".

[26]

- 3 - ومن كلام له عليه السلام بين فيه تفانيه في سبيل رسول الله، ووراثته وولايته عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه أحق به من جميع الجهات قال الطبراني، أنبأنا علي بن عبد العزيز، أنبأنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، أنبأنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ان عليا [عليه السلام] كان يقول في حيات رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عزوجل يقول: " أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [144 - آل عمران: 3] والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لاقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لاخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني. ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من المعجم الكبير: ج 1 / الورق 17. ورواه عنه أبو نعيم في عنوان: " معرفة ما أسند أمير المؤمنين على النبي صلى الله عليه وآله " من كتاب معرفة الصحابة: ج 1 / الورق 23 ب. ورواه أيضا في مجمع الزوائد، ج 9 ص 134، باب فضائل أمير المؤمنين، نقلا عن الطبراني قال: ورجاله رجال الصحيح

[27]

ورواه أيضا في الحديث (6) من الجزء: (18) من أمالي الطوسي - ص 116، وفي ط ص 320 - قال: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري قراءة (عليه) قال: حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء وحدثنا عبد الرحمان بن أبي حاتم الرازي بالري، قال: حدثني أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم، قالا: حدثنا عمرو بن طلحة القناد... ورواه عنه في تفسير الآية الكريمة من تفسير البرهان: ج 1، ص 319 ط 2، وفي الباب: (132) من غاية المرام ص 406. ورواه أيضا في الحديث: (227) من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل - لاحمد - قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أحمد بن منصور، وعلي بن مسلم وغيرهما قالوا: حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.. ورواه أيضا في الرياض النضرة: ج 2 ص 300 وفي ط ص 226 ورواه أيضا في ذخائر العقبى ص 100. وقال النسائي - في الحديث: (62) من كتاب الخصائص ص 85 وفي ط ص 18 -: أخبرنا محمد بن يحي بن عبد الله النيسابوري، وأحمد بن عثمان ابن حكيم الدراوردي - واللفظ لمحمد - قالا: حدثنا عمرو بن طلحة، قال: حدثنا أسباط، عن سماك.. وقال الحاكم في المستدرك: ج 3 ص 126: أخبرنا محمد بن صالح ابن هانئ، عن أحمد بن نصر، عن عمر وبن طلحة القناد.. ورواه في الحديث: (151) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق بأسانيد.

[28]

وقال في الحديث: (168) في الباب: (24) من فرائد السمطين: أخبرني الشيخ أبو علي بن علي بن أبي بكر الخلال إذنا " بدمشق، أخبرتنا كريمة بنت عبد الوهاب بن علي بن الخضر سماعا، أنبأنا الشيخان أبو الخير محمد بن أحمد بن عمر الباغباني، ومسعود بن الحسن بن القاسم الثقفي إجازة قالا: أنبأنا ابو عمرو عبد الوهاب بن الامام الحافظ محمد بن إسحاق بن مندة، أنبأنا خيثمة بن سليمان، أنبأنا أحمد بن حازم الغفاري، قال: نبأنا أسباط بن نصر، نبأنا سمال بن حرب.. ورواه عنه في الباب: (131) من غاية المرام ص 405، كما رواه في الباب: (67) منه، ص 575 من مسند أحمد. ورواه أيضا في كتاب العمدة، عن مسند أحمد، كما في البحار: ج 8 / 458 ط الكمباني، س 5 عكسا. ورواه أيضا في الحديث: (75) من تفسير فرات ص 27 ط 1، كما رواه أيضا في الاحتجاج: ج 1 / 291 ط الغري، وكذلك في مجمع الزوائد: ج 9 / 134. ورواه أيضا في كتاب الفتح الملك العلي ص 51 والغدير: ج 3 / 113.

[29]

- 4 - ومن كلام له عليه السلام في نعت رسول الله صلى الله عليه وآله جسما وبدنا قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر الاسلمي، حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه عن جده: عن علي [عليه السلام] قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن (1)، فإني لاخطب يوما على الناس وحبر من أحبار اليهود واقف [و] في يده سفر ينظر فيه، فنادى إلي فقال: صف لنا ابا القاسم. فقال علي رضي الله عنه: (قلت): [إن] رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالقصير [المتردد] ولا بالطويل البائن، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط، هو رجل الشعر أسوده (2)، صخم الرأس،


(1) قال في كتاب طبقات فقهاء اليمن ص 16: وأخبرني القاضي أحمد بن علي بن أبي بكر، عن والده كنانة، ان عليا " دخل عدن أبين (كذا) وخطب على المنبر خطبة بليغة ذكر فيها: " ان منكم من يبصر بالليل والنهار، ومنكم من يبصر باحداهما دون الاخرى ". وما يؤدي معنى هذا الكلام. (2) الجعد من الشعر - على زنة فلس - المتقبض الملتوي. القصير. ويقال: " قط شعره - - من باب منع - قططا وقطاطة ": كان قصيرا جعدا. والسبط - كفلس -: الشعر السهل المسترسل. والرجل - كفلس أيضا - من الشعر: هو ما بين الاسترسال والجعودة.

[30]

مشرب لونه حمرة، عظيم الكراديس، شثن (3) الكفين والقدمين، طويل المسربة - وهو الشعر الذي يكون في النحر إلى السرة - أهدب الاشفار (4) مقرون الحاجبين، صلت الجبين (5) بعيد ما بين المنكبين، إذا مشى يتكفأ كأنما ينزل من صبب (6) لم أر قبله مثله ولم أر بعده مثله. قال علي: ثم سكت (7) فقال لي الحبر: وماذا [بعد] ؟ قال [قلت] هذا ما يحضرني. قال الحبر: في عينيه حمرة، حسن اللحية حسن الفم، تام الاذنين، يقبل جميعا ويدبر جميعا. فقال علي: هذه والله صفته ! ! قال الحبر: و [فيه] شئ آخر. فقال علي: وما هو ؟ قال الحبر: وفيه جنأ (كذا) قال علي: هو الذي قلت لك كأنما ينزل من صبب. قال الحبر: فإني أجد هذه


الكراديس: جمع الكردوس - بضم الكاف وسكون الراء -: فقرة من فقرات أعلى الظهر. كل عظم ضخم. ويقال: " شثنت كف زيد - تشثن شثنا " كفرح فرحا " -: خشنت وغلظت. الشثن - كفلس -: الغليظ. (4) الاهدب: من طال هدب عينيه، والهدب - كقفل -: شعر أشفار العينين، والجمع الاهداب. والاشفار: جمع الشفر - على زنة قفل -: أصل منبت الشعر في طرف الجفن. (5) أي واضح الجبين واسعه، يقال: " صلت جبينه صلوتة " - من باب شرف -: كان واضحا واسعا (6) يتكفأ: يندفع. والصبب - كسبب -: المنحدر من الارض. (7) والظاهر ان سكوته عليه السلام إنما هو لاجل أن يسمع الناس ما ورد في نعته صلى الله عليه وآله وسلم في كتب السلف من الانبياء فيزدادوا ايمانا على ايمان. أو لاجل عرفانه عليه السلام مقدار علم الحبر بالحقائق.

[31]

الصفة في سفر آبائي ونجده يبعث من حرم الله وأمنه وموضع بيته، ثم يهاجر إلى حرم يحرمه هو ويكون له حرمة الحرم الذي حرم الله، ونجد أنصاره الذين هاجر إليهم قوما من ولد عمرو بن عامر، أهل نخل وأهل الارض قبلهم يهود (1) قال قال علي (كذا): هو هو ! وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الحبر: فإني أشهد أنه نبي الله، وأنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة، فعلى ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله ! ! ! قال: فكان يأتي عليا فيعلمه القرآن ويخبره بشرائع الاسلام، ثم خرج علي والحبر هنالك حتى مات في خلافة أبي بكر وهو مؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ومصدق به (2). الطبقات الكبرى: ج 1، ص 411 ط بيروت في عنوان: " ذكر صفة خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ". ورواه أيضا ابن عساكر - في تاريخ دمشق: ج 1، ص 98، - قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الفرضي، أنبأنا أبو محمد الجوهري أنبأنا أبو عمر بن حيويه، أنبأنا أحمد بن معروف ابن بشر الخشاب، أنبأنا الحارث ابن أبي أسامة، أنبأنا محمد بن سعد، أنبأنا محمد بن عمر الاسلمي الخ. أقول: إن لامير المؤمنين عليه السلام في نعت النبي صلى الله عليه وآله كلاما كثيرا، وله صور عديدة قد بينها في أماكن متشتتة وأزمنة مختلفة، وصورة منه قد ذكرها في ترجمة أبي الازهر عبد الوهاب بن عبد الرحمان، من تاريخ بغداد: ج - ص 30.


(1) كذا في ط بيروت من الطبقات، وفي تاريخ دمشق: " من نجد ". (2) كذا في تاريخ دمشق، وهو الظاهر، وفي ط بيروت: " يصدق به ".

[32]

- 5 - ومن كلام له عليه السلام لما أمر الصديقة الكبرى فاطمة بإيثار الاسير السائل على أنفسهم وإعطاء فطورهم له، وذلك بعد ما صاموا ثلاثة أيام ولم يذوقوا فيها الا الماء القراح، ولما أرادوا في اللية الرابعة الافطار فإذا شيخ كبير بالباب يصيح يا أهل بيت محمد تأسروننا ولا تطعمونا ؟ فقال علي عليه السلام: يا فاطمة إني أحب أن يراك الله وقد آثرت هذا الاسير على نفسك وأشبالك ! ! فقالت سبحان الله ألا ترجع إلى الله في هؤلاء الصبية الذين صنعت بهم ما صنعت ؟ ! وهؤلاء إلى متى يصيرون صبرنا ؟ ! فقال لها: الله يصبرك ويصبرهم ويأجرنا إن شاء الله تعالى، وبه نستعين وعليه نتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل (ثم قال عليه السلام): اللهم بدل لنا ما فاتنا من طعامنا هذا بما هو خير منه (1) واشكر لنا صبرنا ولا تنسه إنك رحيم كريم الحديث الاخير من الباب (72) من غاية المرام ص 372 نقلا عن محمد بن العباس الماهيار التقة في تفسيره، قال: حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، عن الحسن بن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن المسعودي، عن عمرو بن بهرة، عن عبد الله بن الحارث المكتب، عن أبي كثير الزبيري عن عبد الله بن العباس الخ. وقد اختصرنا الخبر، وذكرنا منه ما يمس موضوعنا ومن أراد تمامه فليراجع غاية المرام.


(1) هذا هو الظاهر، وفي النسخة تصحيف.

[33]

- 6 - ومن كلام له عليه السلام قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رضوان الله تعالى عليه: حدثنا أبو نصر محمد بن الحسين المقرئ البصري، قال: حدثنا عبد الله بن يحي القطان، قال: حدثنا أحمد بن الحسين بن أبي سعيد القرشي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن مخارق، عن عبد الصمد بن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن العباس رضي الله عنه، قال: لما توفي رسول الله (صلى عليه وآله وسلم) تولى غسله علي بن أبي طالب عليه السلام ومعه العباس والفضل بن العباس فلما فرغ علي عليه السلام من غسله كشف الازار عن وجهه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم قال (1): بأبي أنت وأمي [يا رسول الله (2)] طبت حيا وطبت ميتا (3) [لقد] انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت أحد


(1) وقال محمد بن حبيب البغدادي في أماليه: " فلما كشف الازار عن وجهه بعد غسله انحنى عليه فقبله مرارا وبكى طويلا وقال: " بأبي أنت وأمي " الخ. (2) كلمة: " يا رسول الله " مأخوذة من نهج البلاغة. (3) وفي الحديث: (228) من فضائل علي عليه السلام تأليف ابن حنبل: حدثنا ابو من كتاب الفضائل خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن أبي اسحاق، حدثني حسين بن عبد الله بن عكرمة [كذا] عن ابن العباس قال: جعل علي يغسل النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير منه شيئا مما يرى من الميت وهو يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيا وميتا. وفي الحديث: (1175) من أنساب الاشراف: ج 1، ص 571 ط مصر: حدثني الحسين بن علي بن الاسود، عن يحي بن آدم، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: التمس علي من النبي ما يلتمس من الميت = >

[34]

ممن سواك (4) من النبوة والانباء، [وأخبار السماء] (5). ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع، لانفدنا عليك ماء الشؤون (6) ولكان الداء مماطلا، والكمد محالفا - وقلالك - (7) ولكنه ما لا يملك رده [و] لا


= > فلم يجده فقال: " بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ". ومثله مرسلا في سيرة ابن هشام: ج 4 ص 313، نقلا عن ابن اسحاق. أقول: الشاهد في روايتهم كلام أمير المؤمنين عليه السلام لا فيما تخيلوه، وما رواه في الفضائل نقله بأبسط منه في مسنده في مسند ابن عباس تحت الرقم: (2357) وأخرجه في مسند علي (ع) من قسم الافعال من كتاب جمع الجوامع للسيوطي، عن ابن أبي شيبة، وابن منيع والمروزي في الجنائز، وأبي داود في المراسيل، عن ابي سعيد الخدري بلفظ: " بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ". ورواه ايضا الطبري في عنوان: " ذكر جهاز رسول الله " من تاريخه: ج 3 / 212 وقال: ما أطيبك حيا وميتا. (4) كذا في الامالي، وفي نهج البلاغة: " لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء، وأخبار السماء، خصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء ". وفي أمالي محمد بن حبيب " وعممت حتى صار المصيبة فيك سواء ". (5) هذا هو الظاهر الموافق لنهج البلاغة، والمحكي عن أمالي محمد بن حبيب، وفي الامالي: " ما لم ينقطع بموت أحد ممن سواك من النبوة، والانباء فيك سواء سواه " الخ. (6) الشئون - على زنة فلوس -: جمع الشأن - كفلس -: العرق الذي تجري منه الدموع أي لولا أمرك بالصبر على المصائب ونهيك من الجزع في المكاره، لافنينا في مصيبيتك وفراقك ماء عيوننا الجاري من شئونه وهي منابع الدمع من الرأس. وفي المحكي عن أمالي محمد بن حبيب بعد هذه الجملة هكذا: " ولكن أتى ما لا يدفع ! أشكو إليك كمدا وادبارا مخالفين (كذا) وداء الفتنة، فإنها قد استعرت نارها وداؤها الداء الاعظم ! بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك وهمك ". (7) " مماطلا، ": مطولا، ممدودا ". ملتفا ". و " الكمد ": الحزن. و " محالفا ": ملازما " و " قلا " فعل ماص مثنى، والضمير البارز فيه راجع إلى الداء والكمد، أي لولا أمرك بالصبر ونهيك عن الجزع لكان مماطلة الداء ومحالفة الكمد قليلتان لك.

[35]

يستطاع دفعه (8). بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من همك (9) ثم أكب [عليه السلام] على النبي صلى الله عليه وآله (10) فقبل وجهه ومد الازار عليه. الحديث الرابع من المجلس الثاني عشر، من أمالي الشيخ المفيد (ره) ص 68. وقريب منه جدا " في المختار (230) من خطب نهج البلاغة، ومثله إلا في ألفاظ طفيفة رواه محمد بن حبيب البغدادي في أماليه على ما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار المشار إليه: ج 13، ص 42 ط مصر. وقال الطبراني - في ترجمة أوس بن خولى الانصاري المكنى بأبي ليلى من المعجم الكبير: ج 1، الورق 22 -: حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا أحمد بن سيار المروزي، حدثنا عبد الله بن عثمان، عن أبي حمزة السكري، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه، لما ثقل وعنده عائشة وحفصة إذ دخل علي رضي الله عنه، فلما رآه رفع رأسه ثم قال: أدن مني فاستند إليه، فلم يزل عنده حتى توفي صلى الله عليه، فلما قضى [أو قبض] قام علي رضي الله عنه وأغلق الباب، فجاء العباس رضي الله عنه ومعه بنو عبد المطلب فقاموا على الباب، فجعل علي رضي


الهاء في " لكنه " راجع إلى الموت. (9) وفي نهج البلاغة: " واجعلنا من بالك " وهما بمعنى واحد أي اجعلنا ممن تهتم بأمره، وبهذا وأمثاله مما لا يحصى الثابت بين المسلمين جميعا " يرد الجهلة من الوهابيين الذين يئسوا من الاموات كما يئس الكفار من أصحاب القبور. (10) بين المعقفات زيد توضيحا، وفى النسخة: " ثم أكب عليه " الخ.

[36]

الله عنه يقول: " بأبي أنت طيبا حيا وطيبا ميتا ". وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط، فقال علي رضي الله عنه أدخلوا علي الفضل بن العباس. فقالت الانصار: نشدناكم بالله في نصيبنا من رسول الله صلى الله عليه، فأدخلوا رجلا منهم يقال له أوس بن خولى فحمل جرة بإحدى يديه، فسمعوا صوتا " في البيت لا تجردوا رسول الله صلى الله عليه، واغسلوه كما هو في قميصه. فغسله علي رضي الله عنه يدخل يده تحت القميص والفضل يمسك الثوب عنه، والانصاري ينقل الماء على يد علي رضي الله عنه عند خرقه ويدخل يده " [كذا]

[37]

- 7 - ومن كلام له عليه السلام قاله وهو على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة دفنه إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل (1). المختار: (292) من الباب الثالث من نهج البلاغة.


(1) الجلل - كجبل - يراد به هنا -: الهين الصغير. وفي نسخة ابن أبي الحديد: " وإنه بعدك لقليل " وهو أظهر.

[38]

- 8 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم قال بسط ابن الجوزي: قال الشعبي: بلغني أن أمير المؤمنين [علي بن أبي طالب عليه السلام] وقف على قبر رسول الله [صلى الله عليه وآله] (1) وقال: إن الجزع ليقبح إلا عليك، وإن الصبر ليجمل إلا عنك. ثم قال (عليه السلام): ما فاض دمعي عند نازلة (2) * إلا جعلتك للبكا سببا وإذا ذكرتك سامحتك به (3) * مني الجفون ففاض وانسكبا إني أجل ثرى حللت به * أن لا أرى (4) بثراه مكتئبا " فصل منظوم كلام عليه السلام - وهو الفصل، (24) من ترجمته - من كتاب تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص 176، ط النجف.


(1) بين المعقوفين كان في النسخة هكذا: صلى الله عليه وآله. (2) يقال: " فاض الدمع فيضا " - من باب باع - وفيضانا ": سال دمعها بكثرة. (3) كذا في النسخة، وفي رواية القضاعي: " وإذا ذكرتك ميتا سفحت " الخ. (4) وفي المحكي عنه وعن ديوانه عليه السلام: " عن أن أرى لسواه مكتئبا "

[39]

- 9 - ومن كلام له عليه السلام لما بلغه احتجاج أبي بكر وأصحابه على الانصار لاستحقاقهم الخلافة دون الانصار: بأنهم من قريش ومن شجرة رسول الله. قال المسعودي: لما فرغ امير المؤمنين عليه السلام من تجهيز رسول الله صلى عليه وآله وسلم - مع من حضر من بني هاشم وقوم من صحابته (1) مثل سلمان وأبي ذر والمقداد، وعمار وحذيفة وأبي بن كعب وجماعة نحو أربعين رجلا - اتصل به بيعة أبي بكر وأنه احتج لاولويته بالخلافة: بأنهم من قريش ومن شجره رسول الله. فقام عليه السلام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن كانت الامامة في قريش فأنا أحق قريش بها، وإن لا تكن في قريش فالانصار على دعواهم. إثبات الوصية، فصل إمامة أمير المؤمنين عليه السلام ص 117، ط 1. أقول وللكلام شواهد كثيرة ستمر عليك فيما يأتي فانتظر. وقريبا " منه رواه السيد الرضي (ره) في كتاب الخصائص ص 62 والمختار (64) من الباب الاول من نهج البلاغة.


(1) من هذا وأمثاله يستفاد أن جمهور الصحابة، كانوا مشغولين بنهب الخلافة وتمهيد الرئاسة ولم يوفقوا للحضور لتغسيل رسول الله صلى الله عليه وآله وللصلاة عليه ودفنه، ويدل عليه أيضا قول أمير المؤمنين (ع) في جواب الانصار: " أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه ". وقول الزهراء (ع) لعمر وأتباعه: " لا عهد لي بقوم حضروا أسوا " محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ". الامامة والسياسة ط مصر: ج 1 / 12، و 13. وأصرح منها ما رواه ابن أبي شيبه في مصنفه فراجع.

[40]

- 10 - ومن كلام له عليه السلام كان يقوله عندما يزور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقف على قبره القاضي القضاعي قال: أخبرني محمد بن منصور التستري مجيزا، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن خليل، قال: حدثنا الحسين بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن رجاء، قال: حدثنا هارون بن محمد. قال: حدتنا قعنب بن المحرز، قال: حدثنا الاصمعي، قال لا حدثنا أبو عمرو بن العلاء، قال حدثني الذيال بن حرملة قال: كان علي بن أبي طالب عليه السلام يغدو ويروح إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ويبكي تفجعا " ويقول: يا رسول الله ما أحسن الصبر إلا عنك، و [ما] أقبح البكاء إلا عليك (1) المختار: (11) من الباب (9) من دستور معالم الحكم ص 98 ط مصر.


(1) وله عليه السلام في ذيل الرواية أبيات قريبة مما مر، ذكرناها في باب الباء من الباب السادس من كتابنا هذا فراجع.

[41]

- 11 - ومن خطبة له عليه السلام لما أشير عليه للقيام بإحقاق حقه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله [وجهز] اجتمع أمير المؤمنين عليه السلام وعمه العباس في بعض دور الانصار لاجالة الرأي، فبدأهما أبو سفيان والزبير، وعرضا عليهما [النصرة] وبذلا من نفوسهما المساعدة والمعاضدة لهما، فقال العباس: قد سمعنا مقالتكما، فلا لقلة نستعين بكما، ولا لظنة نترك رأيكما، لكن لالتماس الخلق [كذا]، فأمهلا نراجع الفكر، فإن يكن لنا من الاثم مخرج يصير بنا وبهم الامر صرير الجندب (1) ونمد أكفنا إلى المجد لا نقبضها أو نبلغ المدى، وإن تكن الاخرى فلا لقلة في العدد، ولا لوهن في الايد (2) والله لولا أن الاسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من محل الابيل (3). قال: فحل أمير المؤمنين عليه السلام حبوته وجثا على ركبتيه (4) - وكذا كان يفعل إذا تكلم - فقال:


(1) وفي شرح ابن أبي الحديد: " يصر بنا وبهم الحق صرير الجدجد، ونسبط إلى المجد أكفا لا نقبضها " الخ. والجدجد هو صرار الليل. (2) الايد - على زنة القيد -: القوة والاقتدار، وهذا الكلام إن صدر من العباس (ره) فلا بد أن يحمل على التجلد وإظهار الغناء، أو محمول على أنه صدر منه قبل اختبار الناس وعرفان ما عندهم، والا فهو فارغ جدا والشاهد هو انفضاض الناس عنهم وإسراعهم إلى لهو غيرهم وتجارتهم البائرة. (3) كذا في النسخة، وفي رواية ابن أبي الحديد: " من المحل العلي ". والجنادل: الاحجار العظيمة. والصخر - على زنة الفخر والفرس -: الحجر الصلب العظيم. والاصطكاك: الاضطراب. ضرب أحد الشيئين بالاخر. تصادم الشئ بغيره وتماسهما. (4) الحبوة - كحربة وحرمة - هيئة الاشتمال على الشئ من ثوب أو عمامة، بأن يجمع الشخص بين ظهره وساقيه بثوب أو عمامة أو غيرهما. وجثا جثوا - كعتى عتوا - وجثى - من باب رمى - جثيا وجثيا ": جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، فهو جاث، والجمع جثي - بضم الجيم وكسرها - والمؤنث: جاثية.

[42]

الحلم زين والتقوى دين، والحجة محمد صلى الله عليه وآله، والطريق الصراط. أيها الناس شقوا متلاطمات أمواج الفتن بمجاري سفن النجاة، وعرجوا عن سبيل المنافرة، وحطوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح، أو استسلم فأراح، ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة في غير وقتها كالزارع في غير أرضه، والله لو أقول لتداخلت أضلاع كتداخل أسنان دوارة الرحى، وإن أسكت يقولوا جزع ابن أبي طالب من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي والله لعلي آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، لكني اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوي البعيدة ثم نهض عليه السلام فقال أبو سفيان لشئ ما فارقنا ابن أبي طالب. نزهة الناظر، ص 18، ومثله في شرح المختار الخامس من خطب النهج من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 218، وبعض الفاظه مذكور أيضا " في الكتاب الذي كتبه عليه السلام إلى أبي بكر على ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج.

[43]

وقريب منه جدا ذكره ابن ابي الحديد في شرح المختار الخامس من خطب نهج البلاغة، ورواه أيضا سبط ابن الجوزي في أوائل الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص، ص 137، مسندا كما تلاحظه في المقالة العلوية، وذكره أيضا قريبا مما في نهج البلاغة في الباب (49) من جواهر المطالب ص 48.

[44]

- 12 - ومن كلام له عليه السلام لما جاؤا به ملببا ليبايع أبا بكر (1) قال أحمد بن عبد العزيز الجوهري. أخبرني أحمد بن اسحاق، قال: حدثنا أحمد بن سيار، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عفير الانصاري - ثم ذكر ما وقع من التشاح والتكالب في الامارة بعد قبض النبي صلى الله عليه واله وسلم إلى أن قال: - وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة، فقال لهم: إنطلقوا فبايعوا. فأبوا عليه، وخرج الزبير بسيفه، فقال عمر: عليكم الكلب. فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم، وعلي يقول: أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له: بايع. فقال: أنا أحق بهذا الامر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الامر من الانصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلموا


(1) قال الجوهري: وحدثنا ابو سعيد عبد الرحمان بن محمد، قال: حدثنا احمد بن الحكم، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ليث بن سعد، قال: تخلف علي عن بيعة أبي بكر، فأخرج ملببا يمضى به ركضا الخ. وكتب أمير المؤمنين عليه السلام في جواب معاوية - كما في المختار (28) من كتب النهج -: " وقلت: إني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر والله لقد أردت أن تذم فمدحت وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه " الخ ".

[45]

إليكم الامارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الانصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الامر مثل ما عرفت الانصار لكم، وإلا فبوئوا بالظلم وأنتم تعلمون فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع. فقال له علي: احلب يا عمر حلبا لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا ! لا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه (2). فقال له أبو بكر: إن لم تبايعني فلم أكرهك. فقال


وكتب عليه السلام أيضا " في جواب معاوية - كما في كتاب أنساب الاشراف: ج 1 / الورق 365 وكتاب صفين ص 85 والعقد الفريد: ج 3 ص 108 ط 2 ومناقب أمير المؤمنين (ع) للخوارزمي -: " وذكرت حسدي الخملفاء وإبطائي عنهم وبغيي عليهم. فأما البغي فمعاذ الله أن يكون، وأما الابطاء والكراهية لامرهم فلست أعتذر منه إلى الناس " الخ. وقال العقيلي في الجزء (7) من ضعفائه الورق 126: حدثنا إبراهيم بن الحسن القومسي حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة، عن محمد بن اسحاق، عن عبد الملك بن أعين، عن أبي حرب بن أبي الاسود الدئلي قال: بعثني أبي إلى جندب بن عبد الله البجلي قال: سله ما حضرت من أمر أبي بكر وعلي، قال: جئ بعلي حتى اقعد بين يديه فقيل له: بايع. قال: فان لم أفعل، فذكر كلاما، قال: إذا أكون عبد الله وأخو رسوله. وذكر الحديث. (2) قال البلاذري - في الحديث (1184) من أنساب الاشراف: ح 1 / 586 ط مصر دار المعارف سنة (1959) -: [روى] المدائني عن مسلمة بن محارب عن سلمان التيمي، وعن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومع فتيلة، فتلقته فاطمة على الباب فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي،. قال: نعم وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. الخ. وفي العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 / 63 ط 2 في عنوان: " الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر " قال: فأما علي والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: = >

[46]

له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالامور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الامر منك، وأشد احتمالا له، واضطلاعا به، فسلم له هذا الامر، وارض به، فإنك إن تعش ويطل عمرك، فأنت لهذا الامر خليق وبه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. فقال علي: يا معشر المهاجرين، الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وأهله، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن - أهل البيت - أحق بهذا الامر منكم. أما كان منا القارئ لكتاب الله (3)، الفقيه في دين الله، العالم


= > يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ ! ! قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الامة الخ. وقال المسعودي في مروج الذهب: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه في حصر بني هاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، يقول: إنما أراد بذلك ألا تنتشر الكلمة ولا يختلف المسلمون، كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر، فانه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار. كما في ط الميمنية من مروج الذهب. وأيضا " قال البلاذري - في الحديث (1188) ص 587 من الكتاب -: وحدثني بكر بن الهيثم، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: بعث ابو بكر عمر بن الخطاب إلى علي حين قعد عن بيعته، وقال: ائتني به بأعنف العنف. فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال [له علي:] احلب حالبا لك شطره، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك (ليؤبرك " خ ") غدا الخ. وفي شرح المختار (66) من خطب النهج من ابن أبي أبي الحديد: ج 6 / 48 شواهد أيضا. (3) وفي الامامة والسياسة وبعض المصادر: " ما كان منا القارئ لكتاب الله ". وهو أظهر.

[47]

بالسنة، المضطلع بأمر الرعية ! والله إنه فينا فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد [الخزرجي الانصاري]: لو كان هذا الكلام سمعته منك الانصار قبل بيعتهم لابي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم بايعوا (4). وانصرف علي [عليه السلام] إلى منزله ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع. شرح المختار (66) من الباب الاول من نهج البلاغة، من ابن أبي الحديد: ج 6 ص 12، وقريب منه في كتاب الاحتجاج، ص 95، والامامة والسياسة ج 1، ص 11. وقد ذكرنا قريبا منه معنى في المقالة العلوية الغراء عن طريق غيرهم فراجع.


(4) وفي جواب مثل هذا الحسود وغيره قال أمير المؤمنين عليه السلام - بالسند المتقدم كما في شرح الكلام من ابن أبي الحديد: ج 6 / 13 -: أكنت أترك رسول الله في بيته ميتا " لا أجهزه وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه !. وفي الحديث (5) من المجلس (11) من أمالي المفيد (ره) ص 64، معنعنا " عن الزهراء صلوات الله عليها انها وقفت على بابها وقالت: " ما رأيت كاليوم قط حضروا أسوء محضر، تركوا نبيهم جنازة بين أظهرنا واستبدوا بالامر دوننا.

[48]

13 - ومن خطبة له عليه السلام المعروفة بالوسيلة (1) في بيان ما لله تبارك من صفات المجد والعظمة، وحكم عملية واعتقادية الحمد لله الذي أعدم الاوهام أن تنال إلى وجوده (2) وحجب العقول أن تختال ذاته، (3) لامتناعها من الشبه والتشاكل، بل هو الذي لا تتفاوت ذاته، ولا تتبعض بتجزئة العدد في كماله. فارق الاشياء لا باختلاف الاماكن، ويكون فيها لا على الممازجة، وعلمها لا بأداة لا يكون العلم إلا بها،


(1) قال الحسن بن علي بن شعبة تحف العقول: كتبنا من الخطبة ما اقتضاه الكتاب دون غيره. ومقصوده أنه اختار من الخطبة الشريفة ما يكون بديعا وأجمع على تفضيله الخاص والعام، دون غيره. (2) أي إلى كنه وجوده وحقيقة ذاته المقدسة. وفي الروضة: " الحمد لله الذي منع الاوهام أن تنال إلا وجوده " الخ. (3) وفي الحديث (4) من روضة الكافي: " وحجب العقول أن تتخيل ذاته ". ومثله في رواية الصدوق رحمه الله. وهو الظاهر، والمقصود ان العقول والاوهام لا نصيب لهما في إدراك جهات عظمته تعالى غير إدراك أصل وجوده تعالى، وأما حقيقة ذاته تعالى وعرفان كنه وجوده

[49]

وليس بينه وبين معلومه علم غيره كان عالما لعلومه (4) إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود، وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم (5) فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه فاتخذ إلها غيره علوا كبيرا. نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه، وأوجب قبوله على نفسه، (و) أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول، وتضعان العمل (6) خف ميزان ترفعان منه، وثقل ميزان توضعان فيه، وبهما الفوز بالجنة، والنجاة من النار، والجواز على الصراط، وبالشهادة تدخلون


(4) حذف منه الضمير للعلم به، وفي كتاب الروضة من الكافي ج 8: " وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما " بمعلومه الخ " أي إن ذاته المقدسة بنفسها علم بالمعلومات، لان علمه تبارك وتعالى ذاتي، وهو تعالى ليس مثل الممكنات يكون علمه علما مستفادا وخارجا عن ذاته كي يكون واسطة بينه وبين المعلومات. (5) أي ليس كونه موجودا في الازل عبارة عن مقارنته للزمان أزلا، لحدوث الزمان، بل بمعنى أن ليس لوجوده ابتداء، أو أنه تعالى ليس بزمايى، و " كان " يدل إلى الزمانية، فتأويله: إن معنى كونه أزلا أن وجوده يمتنع عليه العدم. (6) هذا مثل قوله تعالى: " إليه يصعد الكلم الطيب " الخ. ومعنى " تضعان العمل " أي تثقلانه. وفي الروضة: " وتضاعفان العمل ". وهو اظهر. (*)

[50]

الجنة، وبالصلاة تنالون الرحمة، فأكثروا من الصلاة على نبيكم. إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام، ولا كرم أعز من التقوي، ولا معقل أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجل من العافية، ولا وقاية أمنع من السلامة، ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى والقنوع، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة (7). والرغبة مفتاح التعب، والاحتكار مطية النصب، والحسد آفة الدين، والحرص داع إلى التقحم في الذنوب، وهو داع إلى الحرمان (8) والبغي سائق إلى


(1) من قوله: " يا بنى لا شرف أعلى من الاسلام - إلى قوله - فقد انتظم الراحة " وبعض الفقراة الآتية - مذكور في وصيته عليه السلام إلى محمد بن الحنفية، ورواه أيضا " في المختار (377) من قصار النهج. (8) وقريب منها مذكور في وصيته إلى السبط شهيد عليهما السلام.

[51]

الحين، والشره جامع لمساوي العيوب، (9) رب طمع خائب، وأمل كاذب، ورجاء يؤدي إلى الحرمان، وتجارة تؤل إلى الخسران. ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب، وبئست القلادة [قلادة] الدين للمؤمن (10). أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم، ولا عز أنفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الادب، ولا نصب أوجع من الغضب (11) ولا جمال أحسن من العقل، ولا قرين أشر (كذا) من الحهل، ولا سوأة أسوء من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت، ولا غائب أقرب من الموت. أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب


(9) الحين - كمين وميل -: الهلاك. المحنة. والشره: الحرص. وفي بعض النسخ: الشرة - كهرة - وهو غلبة الحرص. الغضب: الطيش. الحدة: النشاط. (10) وفي الروضة: " وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن ". (11) وفي بعض نسخ الروضة: " ولا نسب أوضع من الغضب ".

[52]

غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره، إنكشفت عورات بيته، ومن نسي زلته، إستعظم زلل غيره، (12) ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغني بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط العلماء وقر، ومن خالط الانذال حقر، ومن حمل ما لا يطيق عجز (13). أيها الناس إنه لا مال (هو) أعود من العقل (14) ولا فقر هو أشد من الجهل، ولا واعظ هو أبلغ من النصح (15) ولا عقل كالتدبير، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة (16) ولا وحدة أوحش من العجب، ولا ورع كالكف (17)، ولا حلم كالصبر والصمت.


(12) الزلة: السقطة والخطيئة، وفي بعض النسخ، وكذلك الروضة: " ومن نسي زلله، الخ. (13) وبعض هذه الفقرات موجود في وصيته عليه السلام إلى السبط الشهيد. (4) الاعود: الانفع. (15) قيل: النصح: الخلوص. (16) المظاهرة: المعاضدة والمعاونة. (17) وفي الروضة: كالكف عن المحارم، وفي بعض نسخ الروضة: " ولا حكم كالصبر والصمت " أي ولا حكمة، كما في قوله تعالى: " وآتيناه الحكم صبيا ".

[53]

أيها الناس إن في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الاشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز تسكن به الاحزان (18) وحامد تجلى به الضغائن، ومونق يلهي الاسماع (19). أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم (20) كما أنه لا خير في القول بالجهل. إعلموا أيها الناس أنه من لم يملك لسانه يندم، ومن لا يتعلم يجهل، ومن لا يتحلم لا يحلم (21) ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر، ومن يتق ينج (22) ومن يكسب مالا من غير حقه يصرفه


(18) المعز من التعزية، وهو التسلية. (19) وفي الروضة: " وحاضر تجلى به الضغائن، وموافق يتلذذ به الاسماع " الخ. والضغائن جمع الضغينة، وهو الحقد. والمونق: المعجب. (20) الحكم: الحكمة. (21) أي من لا يتكلف الحلم لا يحصل له ملكة الحلم. (22) وهذا مثل قوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " الخ. وفي النسخة هنا تصحيف. وفي الروضة: " ومن لا يوقر يتوبخ ".

[54]

في غير أجره، ومن لا يدع وهو محمود، يدع وهو مذموم، ومن لم يعط قاعدا منع قائما ؟ (23)، ومن يطلب العز بغير حق يذل، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقه وقر، ومن تكبر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد. أيها الناس إن المنية قبل الدنية، والتجلد قبل التبلد (24) والحساب قبل العقاب، والقبر خير من الفقر، وعمي البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك (25)، فاصبر فبكليهما تمتحن. أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه (26) وله مواد


(23) أي من لم يعاط المحتاجين حال كونه قاعدا يقوم عنده الناس ويسألونه، يبتلي بأن يفتقر إلى سؤال غيره فيقوم بين يديه ويسأله ولا يعطيه. كذا قيل. (24) وفي المختار: (396) من قصار النهج، " المنية ولا الدنية والتعلل ولا التوسل ". والتجلد: إظهار الجلادة وتكلف القوة، والتبلد: ضده. (25) وزاد في الروضة: " فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر ". (26) من قوله عليه السلام: " أيها الناس - إلى قوله: " وكل إفراط له مفسد " - قد تواتر عنه عليه السلام كما ذكرناه في شواهد المحتار: (108) من قصار نهج البلاغة، وهو قوله عليه السلام: " ولقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه، وذلك القلب الخ ".

[55]

من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع (27) وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحزن (28) وإن اتسع بالامن إستلبته الغرة، وإن جددت له نعمة أخذته العزة، (29) وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء (31) وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجزع قعد به الضعف (32)، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة (33) فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. أيها الناس من قل ذل، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله


(27) سنح له أي ظهر وبدا له. (28) وفي الروضة والنهج: وإن ناله الخوف شغله الحذر " الخ. (29) الغرة - بكسر المعجمة -:: الاغترار والغفلة، واستلبته أي سلبته عن رشده. (31) أي ان اشتد عليه الفقر والفاقة منعته عن التحفظ على مصالحه. (32) وفي الروضة والنهج: " وإن جهده الجوع قعد به الضعف " الخ. (33) الكظة - بالكسر -: ما يعتري الانسان عند امتلائه من الطعام، والبطنة - بالكسر -: الامتلاء المفرط من الاكل.

[56]

رأس (34) ومن كثر حلمه نبل (35) ومن فكر في ذات الله تزندق (36) ومن أكثر من شئ عرف به، ومن كثر مزاحه استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله، ولا فقير لاقلاله (37). أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط (38). فطنة الفهم للمواعظ مما تدعو النفس إلى الحذر من


(34) يقال - رؤس - (من باب ضرب ونصر) رئاسة أي صار رئيسا. قيل: ويحتمل أن يكون من " راس يروس " أي مشى متبخترا أو أكل كثيرا. (35) أي صار نبيلا، أي ذا فضل وشرافة ونجابة. (36) أي اتصف بالزندقة. (37) قيل: القول في اللغة يستعمل في الخير فقط، وفي الشر يستعمل القال والقيل والقالة. والقول مصدر، والقال والقيل إسمان له، والقال: الابتداء، والقيل الجواب. والاقلال: قلة المال. (38) المدرج والمدرجة: المذهب والمسلك، يعني إن للقلوب شواهد تعرج الانفس عن مسالك أهل التقصير إلى درجات المقربين.

[57]

الخطإ (39) وللنفوس خواطر للهوى، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والاعتبار يقود إلى الرشاد. وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك عليك لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه (40). لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء، ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، (41) ومن حصر شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته، (42) وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، والايام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة (43)، ومن


(39) الفطنة: الحذاقة في الفهم. وهي مبتداء وخبره قوله عليه السلام: " مما يدعو " أي إن الفطانة مما تدعو النفس إلى الحذر من المخاطرات. (40) وفي الروضة: " وعليك لاخيك المؤمن " الخ. (41) أي حكم العقول بتعديل رأيه وصوابه. (42) قيل: أمنه - بالفتح - أي أمن قومه من شره. (43) قيل: معنى الكلام: إنه لا ينفعك ما تبصره وتسمع كالبرق الخاطف، بل ينبغي أن تواظب وتستضئ دائما بأنوار الحكم، لتخرجك من ظلمات الجهل. ويحتمل أن يكون المراد: انه لا ينفع ما تبصر وما تسمع من الآيات والمواعظ مع الانغماس في ظلمات المعاصي والذنوب.

[58]

عرف بالحكمة، لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم خير من جاف مكثر (44)، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه (45)، ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، قل ما تصدقك الامنية، التواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق (46) من كساه الحياء ثوبه، خفي على الناس عيبه، تحر القصد من القول، فإنه من تحرى القصد خفت عليه المؤن (47)، في خلاف النفس رشدها، من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد.


(44) أكثر ما هنا مذكور في وصاياه عليه السلام إلى أبنائه: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية. (45) وفي الروضة بعد ذلك هكذا: " وقد أوجب الدهر شكره على من نال سئوله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قزيح أو إحسان " الخ. والطرف - بسكون الراء - العين. وبالتحريك: الناحية. منتهى كل شئ. (46) وفي الروضة بعد ذلك هكذا: " كم من عاكف على ذنبه في آخر عمره ". (47) " تحر " أمر وطلب، وبابه تفعل، و " القصد " - كفلس - - التوسط. و " المؤن ": جمع المؤنة - كغرفة - والمؤنة - كأمومة -: القوت. الثقل.

[59]

ألا وإن مع كل جرعة شرقا، وفي كل أكلة غصصا، لا تنال نعمة إلا بزوال أخرى، لكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل وانت قوت الموت (48). أعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتسارعان في هدم الاعمار. أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم (49) من الكرم لين الكلام، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئام، ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب، سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار، أستر عورة أخيك لما تعلمه فيك (50)، إغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك، من غضب على من لا يقدر أن يضره طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربه كف


(48) وهذا قد تكرر في كلماته عليه السلام بكثرة. (49) اللؤم - كقفل -: دناءة الاصل ومهانة النفس. والشؤم - كرمح -: ضد اليمن والبركة. (50) لعله كناية عن أن المعيب والناقص لا ينبغي أن يتفوه بعيب غيره.

[60]

ظلمه، (51) من لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب (52) ما أقرب الراحة من التعب، والبؤس من التغيير (53) ما شر بشر بعده الجنة، وما خير بخير بعده النار، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية (54) عند تصحيح الضمائر تبدوا الكبائر (55)، تصفية العمل أشد من العمل، تخليص النية عن الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد.


(51) فالمولع بالظلم المصر عليه مجترئ على الله لا يخاف منه تعالى ومن اجترئ على الله أذله وأهانه. (52) وفي الروضة: " هيهات هيهات وما تناكرتم الا لما " الخ. أي لذنوبكم وعيوبكم يتناكر كل واحد منكم غيره. (53) وفي بعض النسخ من الكتاب، وكذلك في كتاب الروضة: " والبؤس من النعيم الخ " والمراد بالتغيير: سرعة تقلب أحوال الدنيا. (54) من قوله (غ): ما شر بشر - إلى قوله: عافية،. قد تكرر في كثير من كلمه عليه السلام. (55) يعني إذ اراد الانسان تصحيح ضميره وتخليص نيته عن الشوائب، تظهر له العيوب الكبيرة الكامنة في النفس، وتبدو له الاخلاق الذميمة التي خفيت عليه تحت أستار الغفلة.

[61]

هيهات هيهات لولا التقى كنت أدهى العرب (56). عليكم بتقوى الله في الغيب والشهادة (57) وكلمة الحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على العدو والصديق، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. من كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار. ومن تقكر اعتبر، ومن اعتبر اعتزل، ومن اعتزل سلم، ومن ترك الشهوات كان حرا، ومن ترك الحسد كانت له المحبة عند الناس، عز المؤمن غناه عن الناس، القناعة مال لا ينفد، ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن


(56) وفي المختار: " 198 " من خطب المنهج: " ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس " الخ. والدهاء: جودة الرأي والحذق. المكر والاحتيال. (57) ومن هنا إلى آخر الكلام يغاير مع ما في روضة الكافي. وهذا أيضا " مما تكرر في كلمه عليه السلام، وقريبا منه ذكرناه في المختار الثالث من باب الوصايا من كتابنا هذا، كما انه إلى آخره قريب جدا مما في وصيته عليه السلام إلى السبط الشهيد، وهو المختار (12) من باب الوصايا - من كتابنا هذا - ج 1، ص 474 ط 1

[62]

علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه، العجب ممن يخاف العقاب فلا يكف، ويرجو الثواب ولا يتوب، وعمل الفكر يورث نورا "، والغفلة ظلمة، والجهالة ضلالة، والسعيد من وعظ بغيره، والادب خير ميراث، [و] حسن الخلق خير قرين، ليس مع قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى، العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله، وواحد في ترك مجالسة السفهاء، رأس العلم الرفق، وآفته الخرق (58) ومن كنوز الايمان الصبر على المصائب، والعفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، كثرة الزيارة تورث الملالة، والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم، إعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله، لا تؤيس مذنبا " فكم من عاكف


(58) الرفق - كحبر - لين الجانب. اللطف. والخرق - كقفل - والخرقة والخرق - كقفلة والفرس -: ضعف الرأي. سوء التدبير. الحمق والجهالة.

[63]

على ذنبه ختم له بخير، وكم من مقبل على عمله مفسد [له] في آخر عمره صائر إلى النار. بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه، وبغضه [وحبه] وأخذه وتركه، وكلامه وصمته، وفعله وقوله. لا يكون المسلم مسلما حتى يكون ورعا، ولن يكون ورعا " حتى يكون زاهدا، ولن يكون زاهدا حتى يكون حازما، ولن يكون حازما " حتى يكون عاقلا، وما العاقل إلا من عقل عن الله وعمل للدار الآخرة، وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين.


المختار الرابع من كلامه عليه السلام في تحف العقول: ص 61، وفي ط ص 93

[64]

- 14 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به الصديقة الكبرى سيدة نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهم لما رجعت إلى بيتها كئيبة البال، مكسورة القلب، باكية العين. قال الشيخ أبو علي ابن شيخ الطائفة (ره): حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسين الطوسي رضي الله عنه، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن شاذان، قال: حدثني أبو الحسين محمد بن علي بن المفضل بن همام الكوفي، قال: حدثني محمد بن علي بن معمر الكوفي، قال: حدثنا محمد بن الحسين الزيات الكوفي، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثني أبان بن تغلب، عن (الامام الصادق) جعفر بن محمد عليهما السلام، قال: لما انصرفت فاطمة عليها السلام من عند أبي بكر، أقبلت على أمير المؤمنين عليه السلام فقالتب: يا بن أبي طالب اشتملت مشيمة الجنين (1) وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الاجدل فخانك ريش الاعزل (2) هذا ابن أبي قحافة قد ابتزني نحلة أبي وبلغة ابني (3) والله لقد أجد في ظلامي، وألد في خصامي (4) حتى منعتني قيلة نصرها والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة


(1) وفي الاحتجاج: " اشتملت شملة الجنين " الخ. (2) " القادمة ": واحدة القوادم والقدامي: الريشات التي في مقدم الجناح وهي كبار الريش، والخوافي: صغاره وهي تحت القوادم. و " الاجدل كالاجدلي،: الصقر. و " الاعزل ": الطير الذي لا يقدر على الطيران (3) وفي الاحتجاج: " يبتزني " يقال: ابتزه ماله: سلبه. والبلغة: ما يكفي الانسان في حياته بلا عسر وضنك، وبعبر عنه بالكفاف. (4) كذا في النسخة، وفي الاحتجاج: " لقد أجهد (أجهر " خ ") في خصامي، وألفيته ألد في كلامي حتى حبستني قيلة نصرها " الخ. والقيلة: هم جماعة الانصار.

[65]

دوني طرفها، فلا مانع ولا دافع، خرجت والله كاظمة وعدت راغمة، ليتني - ولا خيار لي - مت قبل ذلتي، وتوفيت قبل منيتي، عذيري فيك الله حاميا ومنك عاديا، يا ويلاه في كل شارق (5) ويلاه مات المعتمد، ووهن العضد (6) شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي (7) اللهم أنت أشد قوة. (فلما استقر حنينها وسكن رنينها صلوات الله عليها) أجابها أمير المؤمنين عليه السلام (بقوله): نهنهي عن غربك يابنة الصفوة، وبقية النبوة، فوالله ما ونيت في ديني، ولا أخطأت مقدوري (8) فإن كنت تريدين البلغة، فرزقك مضمون، وكفيلك مأمون (9) وما أعد لك خير مما قطع عنك، فاحتسبي (الله). فقالت: حسبي الله ونعم الوكيل.


(5) وفي الاحتجاج: " عذيري الله منه عاديا ومنك حاميا، ويلاي في كل شارق، ويلاي في كل غارب، مات العمد، ووهن العضد، شكواي: إلى أبي وعدواي إلى ربي، اللهم إنك أشد منهم قوة وحولا، وأشد بأسا وتنكيلا ". (6) المراد من المعتمد هو رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن العضد: الانصار، والمؤمنون برسول الله بقلوبهم الخاضعون لاوامر الله. (7) هذا هو الظاهر الموافق لما في الاحتجاج، وفي النسخة: " شكواي إلى ربي، وعدواي إلى أبي " والعدوى: الاستغاثة والاستنصار. (8) وفي الاحتجاج: " نهنهي عن وجدك يابنة الصفوة وبقية النبوة فما ونيت عن ديني " الخ. (9) هذا هو الظاهر الموافق لما في الاحتجاج، وفي نسخة الامالي: " فان كنت ترزاين البلغة فرزقك مضمون، ولعيلتك مأمون " الخ. (*)

[66]

الحديث السابع من المجلس (38) من أمالي ابن الشيخ ص 69، ط طهران، ومثله إلا في الفاظ معدودة في فصل: " ظلامة أهل البيت " من مناقب ابن شهر آشوب: ج 2 ص 51 ورواه في الاحتجاج ص 136، من ج 1، ط النجف، وجعله ذيل الخطبة الطويلة التي خطبتها سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها في المسجد بمحضر المهاجرين والانصار، وهذه الخطبة رواها جماعة كثيرة من الفريقين: الامامية وأهل السنة، المتقدمين منهم والمتأخرين، وروى قطعة منها الشيخ كمال الدين ابن ميثم البحراني (ره) في شرحه على المختار (44) من كتب النهج: ج 5 ص 105،. وقال: وجدت هذه الخطبة عنها عليها السلام في المجلس الخامس من كتاب المنظوم والمنثور في كلام نسوان العرب من الخطب والشعر، وكان مؤلفه من متقدمي علماء العامة، والكتاب من خزانة المتوكل العباسي. ورواها أيضا يوسف بن حاتم الشامي في كتاب الدر النظيم ص 145، من مخطوطات مكتبة العلامة الاميني مد ظله.

[67]

- 15 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به عمه العباس بن عبد المطلب قال محمد بن الحسن الطوسي رحمه الله: أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرني محمد بن أحمد بن عبيد المنصوري، قال: حدثنا سليمان بن سهل، قال: حدثنا عيسى بن إسحاق القرشي، قال: حدثنا حمدان بن علي، الخفاف، قال: حدثنا عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، عن أبيه علي بن الحسين عليه السلام، عن محمد ابن عمار بن ياسر (1) عن أبيه عمار (رضي الله الله عنه) قال: لما مرضت فاطمة عليها السلام - مرضتها التي توفيت فيها - وثقلت جاءها العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، عائدا فقيل له: إنها ثقيلة، وليس يدخل عليها أحد، فانصرف (العباس) إلى داره فأرسل إلى علي عليه السلام، فقال لرسوله: قل له: يا بن أخ، عمك يقرؤك السلام ويقول لك: قد فجأني من الغم - بشكاة حبيبة رسول الله وقرة عينه وعيني فاطمة - ما هدني (2) وإني لاظنها أولنا لحوقا برسول الله صلى الله عليه وآله، والله


(1) تقدم أن رواية أئمة أهل البيت عليهم السلام عن غيرهم من قبيل سلمان، وأبي ذر، وعمار وجابر بن عبد الله وغيرهم من خيار المؤمنين، لاجل مصالح، لا أنهم عليهم السلام كانوا غير عالمين بالمروي فاستفادوه من الراوي، فان ذلك مما قامت الادلة البينة على خلافه، وفي المقام لما كانت رواية عمار وابنه أبعد عن الرد والانكار، وأقرب إلى قبولها والاذعان بصدقها، رووها عنهما ونسبوها إليهما. (2) يقال: " هد البناء - من باب مد - هدا وهدودا ": هدمه شديدا " وضعضعه وكسره بشدة صوت. و " هدته المصيبة ": أوهنت ركنه. و " هدني هذا الامر ": إذا بلغ منك وكسرك وأوهنك،

[68]

يختار لها ويحبوها ويزلفها لديه (3) فإن كان من أمرها ما لابد منه، فأجمع - أنا لك الفداء - المهاجرين والانصار، حتى يصيبوا الاجر في حضورها والصلاة عليها، وفي ذلك جمال للدين. (قال عمار): فقال علي عليه السلام وأنا حاضر عنده، لرسول (عمه العباس): أبلغ عمي السلام وقل [له]: لا عدمت إشفاقك وتحننك، وقد عرفت مشورتك ولرأيك فضله (4). إن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله لم تزل مظلومة، [و] من حقها محرومة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تحفظ فيها وصية رسول الله، ولا روعي فيها حقه ولا حق الله عزوجل، وكفي بالله حاكما، ومن الظالمين منتقما (5).


(3) يقال: " حبا إليه - من باب دعا يدعو - حبوا ": دنا وقرب إليه. و " حباه كذا وكذا " أعطاه إياه. ويقال: " زلف الشئ - من باب نصر - زلفا وزلفه وأزلفه ": قربه وأدناه (4) الاشفاق: العطف والحنان. والتحنن: الترحم. (5) تال اليعقوبي في عنوان: " وفات رسول الله " من تاريخه: ج 2 ص 105،: لم يخلف (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) إلا فاطمة - وساق الكلام إلى أن قال: - ودخلث عليها في مرضها نساء رسول الله وغيرهن من نساء قريش فقلن: كيف أنت، قالت: أجدني كارهة لدنياكن مسرورة لفراقكن ألقى الله ورسوله بحسرات منكن، فما حفظ لي الحق ولار [و] عيت مني الذمة " ولا قبلت الوصية ولا عرفت الحرمة ! ! !

[69]

وإني أسالك يا عم أن تسمح لي بترك ما أشرت به، فإنها وصتني بستر أمرها. قال [عمار بن ياسر] (ره): فلما أتى العباس رسوله بما قال علي عليه السلام، قال: يغفر الله لابن أخي - وإنه لمغفور له - إن رأي ابن أخي لا يطعن فيه، إنه لم يولد لعبد المطلب مولود أعظم بركة من علي إلا النبي صلى الله عليه وآله، إن عليا لم يزل أسبقهم إلى كل مكرمة، وأعلمهم بكل قضية، وأشجعهم في الكريهة، وأشدهم جهادا للاعداء في نصرة الحنيفية، وأول من آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وآله. الحديث العاشر، من الجزء السادس من أمالي الشيخ الطوسي (ره) ص 96.

[70]

- 16 - ومن كلام له عليه السلام لما هاج به الحزن بعد دفن بضعة المصطفى فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليهم. قال محمد بن جرير بن رستم الطبري: أخبرني أبو الحسين علي بن هبة الله، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين القمي، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الوليد، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدثنا علي بن مسكان، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن (الامام) جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي ابن الحسين عليه السلام، قال: قال لي ابي الحسين (بن علي عليهما السلام) لما قبضت قاطمة عليها السلام، دفنها أمير المؤمنين عليه السلام [ليلا] وعفى موضع قبرها بيده (1) ثم قام فحول وجهه إلى قبر النبي وقال: السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك وزائرتك، والبائتة الليلة ببقعتك، والمختار لها الله سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي (2) إلا أن [لي] في التأسي


(1) يقال: " عفت الريح الاثر أو المنزل تعفية ": محته ودرسته، ومثله عفاه عفوا من باب " دعا ". (2) وفي المنهج: " قل يا رسول اله عن صفيتك صبري وقل عنها تجلدي ". عفي: محا. والتجلد التصبر. والتصلب. (*)

[71]

بسنتك وفي فرقتك موضع تعز (3) فلقد وسدتك في ملحود قبرك، وفاضت نفسك بين صدري ونحري (4) بلى وفي كتاب الله أنعم القبول (5) إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء (6)، يا رسول الله أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد (7) ولا يبرح ذلك من قلبي حتي يختار الله لي دارك التي أنت بها [مقيم] (8) كمد مبرح وهم مهيج (9) سرعان ما فرق بيننا فإلى الله أشكو.


(3) وفي النهج: " إلا ان لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز ". والتأسي الاقتداء والتصبر. والفادح - في رواية النهج -: المثقل. والمعنى: ان المصيبة بفراقك كانت أعظم فكما صبرت على تلك مع كونها أشد، فلان أصبر على هذه أولى. (4) وفي الكافي والنهج: " في ملحودة قبرك " وهما بمعنى واحد وهو الجانب المشقوق أو الجهة المشقوقة من القبر: " وفاضت نفسه ": خرجت روحه. (5) أي ان في كتاب الله ما يوجب أن تقبل المصائب أنعم القبول. (6) استعار عليه السلام لفظ الوديعة والرهينة لتلك النفس الكريمة أعني الزهراء المرضية، لانها كانت وديعة النبي صلى الله عليه وآله عنده، أو لان النفوس والارواح كالوديعة والرهن في الابدان في كونها تسترجع إلى مالكها. و " اختلست ": سلبت سريعا ". و " الخضراء والغبراء ": السماء والارض. - (7) " سرمد ": دائم. و " مسهد ": ينقضي بالسهاد: بلا نوم. (8) وفي الكافي: " أنت فيها مقيم ". (9) وفي الكافي والاماليين: " كمد مقيح وهم مهيح ". أي كمدي كمد مبرح. أو ذلك الحزن والسهاد كمد مقيح. و " الكمد " كفلس وفرس -: الغم والحزن الشديد. و " مبرح ": مدهش. شديد. و " مقيح ": ذو ورم فيه المدة.

[72]

وستنباؤك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها فاحفها السؤال، واستخبرها الحال (10) فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا (11) فستقول: " ويحكم الله وهو خير الحاكمين ". والسلام عليك [يا رسول الله] سلام مودع لا قال ولا سئم، فان أنصرف فلا عن ملال (12) وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين، آه آه [و] لولا غلبة المستولين لجعلت هنا المقام، [ولا] التزمت الحزن أشد لزام، عكوفا أعول إعوال الثكلى على [جليل] الرزية (13) فبعين الله أن تدفن ابنتك سرا، وأن يهتضم حقها


(10) وفي الامالي والمجالس: " وستنبئك ابنتك بتظاهر أمتك علي وعلى هضمها حقها فاستخبرها الحال ". التظاهر والتظافر بمعنى واحد: التعاون والتناصر. و " على هضمها ": ظلمها. " فاحفها السؤال ": استقص السؤال عنها، والتمس منها شرح ما جرى على التفصيل. (11) الغليل: حرارة الحزن و " معتلج ": متراكم وملتطم. (12) وفي الامالي والمجالس: " سلام عليك يا رسول الله ". وفي الكافي والنهج ومناقب ابن شهر آشوب وكشف الغمة: " والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فان انصرف فلا عن ملالة ". وهو أظهر. و " لا قال ": لا مبغض. و " لا سئم ": ولا ملول. (13) وفي الكافي: " واها واها،. والصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاما معكوفا ولاعولت أعوال الثكلى ".

[73]

[قهرا] ويمنع إرثها جهرا (14) وما بعد منك العهد، ولا اخلولق منك الذكر (15) فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وبك أجمل العزاء (16) [و] صلوات الله عليك وعليها معك، والسلام. الحديث (36) من كتاب دلائل الامامة،. ص 47 ط النجف. ورواه أيضا " في فصل وفات الزهراء من مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 139، ط النجف. ورواه قبله السيد الرضي رحمه الله في المختار (200) من خطب النهج. ورواه قبله بسند آخر في الحديث السابع من المجلس (33) من أمالي الشيخ المفيد - رحمه الله - ص 172 (17). ورواه قبله ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله بطريقين في الحديث الثالث من باب مولد الزهراء - سلام الله عليها - من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 458.


(14) وفي الكافي: " فبعين الله تدفع ابنتك سرا، وتهضم حقها، ويمنع إرثها، ولم يتباعد العهد، ولم يخلق منك الذكر ". (15) وفي الامالي " فبعين الله تدفن ابنتك سرا، ويهتضم حقها قهرا، ويمنع ارثها جهرا ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، فالى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته ". يقال: " خلق الثوب - من باب نصر، وعلم وشرف - خلوقة وخلقة ": بلي. ومثله " إخلولق الثوب وأخلق إخلاقا ". (16) وفي الكافي: " وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلى الله عليك وعليها السلام والرضوان ". و " فيك ". أي في طاعتك. (17) ورواه عنه في الحديث (19) من الجزء الرابع من أمالي الطوسي ص 67، ورواه في الحديث (21) و (40) من الباب السابع من أحوالات الزهراء - صلوات الله عليها - من البحار: ج 10، ص 55 و 60 ط الكمباني، وفي ط الحديث: ج 43 ص 193، و 211 عن الكافي والامالي والمجالس.

[74]

- 17 - ومن كلام له عليه السلام في صفة النبي صلى الله عليه وآله قال ابن عساكر: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن جعفر الكردي، وأبو الحسن علي بن أحمد بن مقاتل، قالا: أنبأنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أنبأنا أبو محمد بن أبي نصر، أنبأنا علي بن شعيب، حدثني محمد بن عثمان ابن حملة الانصاري، وأحمد بن محمد التميمي، قالا: حدثنا عبد الوارث ابن الحسن بن عمرو القرشي البيتاري [كذا] حدثنا آدم ابن أبي أياس، حدثنا ابن أبي ذيب، عن نافع عن ابن عمر، قال: أقبل قوم من اليهود إلى أبي بكر الصديق، فقالوا له: يا أبا بكر صف لنا صاحبك. فقال: معاشر اليهود (1) لقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار كإصبعي هاتين، ولقد صعدت معه جبل " حرا " وإن خنصري لفي خنصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم شديد (2) وهذا علي بن أبي طالب [فاسألوه]. فأتوا عليا فقالوا: يا أبا الحسن صف لنا ابن عمك. فقال علي [عليه السلام]:


(1) هذا هو الصواب، وفي النسخة: " معاشر يهود ". وليعلم انه وردت عنه عليه السلام روايات كثيرة في نعت النبي صلى الله عليه وآله فقد روى عنه في مسنده عليه السلام من كتاب مسند ابن حنبل تحت الرقم: 684 و 744 و 786، و 796 و 944 و 946 و 947 و 1053، و 1122، و 1299 و 1300، ولكن كلها أقصر مما هنا. (2) أنظر إلى الرجل أشغل مقام النبي صلى الله عليه وآله ولا يحسن أن يصف أوصافه الجسمانية وقد عاشره مدة لا تقصر عن (15) سنة ! ! !

[75]

لم يكن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) بالطويل الذاهب طولا، ولا بالقصير المتردد، كان فوق الربعة، أبيض اللون، مشرب الحمرة، جعدا ليس بالقطط، يفرق شعرته إلى أذنيه (4). وكان حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم صلت الجبين واضح الخدين، أدعج العين (5) دقيق المسربة، براق


(3) هذا وما بعده، وكذا نظائره المروية من طريق أهل السنة، مما أخذوه من ابن أخت عائشة عبد الله بن الزبير " وهي شنشنة قديمة نعرفها من بني أخزم. (4) يقال: " جعد الشعر جعادة وجعودة " من باب شرف -: صار ذو التواء وتقبض فهو جعد - كفلس - وذلك خلاف المسترسل. ويقال: شعر قط وقطط - كسب وسبب -: شديد الجعودة. ويقال: " فرق زيد شعره - من باب نصر وضرب - فرقا ": سرحه. وفي الرياض النضرة: " مشربا " حمرة جعد الشعر ليس بالقطط يضرب شعره إلى أرنبته " الخ. (5) صلت - كفلس -: واضح بارز - وقال في مادة " صلت " من مجمع البحرين: في صفته صلى الله عليه وآله: " كان أصلت الجبين " (كذا). أي واسعه. وقيل: الاصلت: الاملس. وقيل: بارز. وقال في مادة " دعج ": في حديث وصفه عليه السلام: " أدعج العينين، مقرون الحاجبين " وفي حديث آخر: " ني عينيه دعج ". الدعج والدعجة (كسبب وغرفة): السواد في العين وغيرها، يريد أن سواد عينيه كان شديدا. وقيل: هو شدة سواد العين في شدة بياضها. وقال الجوهري: هو شدة سواد العين مع سعتها. وفي الرياض النضرة: " أدعج العينين " الخ.

[76]

الثنايا، أقنى الانف (6) عنقه [كأنما] إبريق فضة (7) كأن الذهب يجري في تراقيه (8). وكان لحبيبي محمد صلى الله عليه وسلم شعرات من لبته إلى سرته كأنهن قضيب مسك أسود، ولم يكن في جسده ولا صدره شعرات غيرهن، متن كتفيه كدارة القمر ليلة البدر، مكتوب [فيه] بالنور سطران: السطر الاعلى لا إله إلا الله. وفي السطر الاسفل محمد رسول الله. وكان حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم شثن الكف والقدم (9) إذا مضى كأنما يتقلع من صخر، وإذا


(6) وفي المختار الرابع المتقدم: " طويل المسربة " وهو الشعر الذي يكون في النحر إلى السرة. والظاهر ان هذا التفسير من الرواة لا من الامام عليه السلام. والقنى - كغنى -: إحديداب في وسط الانف. وقيل: القنى في الانف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه، ومنه الخبر: " كان صلى الله عليه وآله أقنى العرنين ". (7) كلمة: " كأنما " الموضوعة بين المعقوفين ما أذري سقط عن قلمي أو عن المصدر، ولا بد منها كما وردت في روايات أخر واردة في المقام، ولم يحضرني تاريخ ابن عساكر حين التصحيح كي استعلم منه ان السقط منه أو مني. (8) التراقي: جمع الترقوة - بالفتح ثم السكون ثم الضم ثم الفتح -: العظم الذي في أعلى الصدر بين ثغرة النحر والعاتق. والكلام كناية عن سطوع النور من ترقوته صلى الله عليه وآله. (9) قال في النهاية: أي انهما يميلان إلى الغلظ والقصر. وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر. ويحمد ذلك في الرجال لانه أشد لقبضهم، ويذم في النساء.

[77]

انحدر كأنما ينحدر من صبب (10) وإذا التفت التفت بمجامع بدنه، وإذا قام غمر الناس، وإذا قعد علا على الناس، وإذا تكلم نصت له الناس، وإذا خطب بكي الناس (11). وكان حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم أرجع الناس بالناس (12) كان لليتيم كالاب الرحيم، وللارملة كالزوج الكريم. وكان محمد صلى الله عليه وسلم أشجع الناس قلبا، وأبذله كفا وأصبحه وجها وأطيبه ريحا وأكرمه حسبا،


(10) قال في مادة " قلع " من النهاية: في صفته عليه السلام: " إذا مشى تقلع " أراد قوة مشيه، كأنه يرفع رجليه من الارض رفعا قويا، لا كمن يمشي اختيالا ويقارب خطاه، فإن ذلك من مشي النساء وبوصفن به. ثم ذكر حديثين آخرين في هذا المعنى ثم قال: وهو كما جاء في حديث آخر: " كأنما ينحط من صبب ". والانحدار من الصبب والتقلع من الارض قريب بعضه من بعض، أراد انه كان يستعمل التثبت ولا يبين منه في هذا الحالة استعجال ومبادرة شديدة. (11) كذا في النسخة، وفي الرياض النضرة: " وإذا تكلم أنصت الناس، وإذا خطب أبكى الناس " الخ. (12) كذا في النسخة، وفي الرياض: " وكان أرحم الناس بالناس ".

[78]

لم يكن مثله ولا مثل أهل بيته في الاولين والآخرين (13). كان لباسه العباء، وطعامه خبز الشعير، ووسادته الادم محشوة بليف النخل، [و] سريره أم غيلان مرملا بالشريط (14). كان لمحمد صلى الله عليه وسلم عمامتان: إحداهما تدعى السحاب، والآخر العقاب، وكان سيفه ذا الفقار، ورايته الغبراء (15)، وناقته العضباء وبغلته دلدل، [و] حماره يعفور، [و] فرسه مرتجز، [و] شاته بركة [و] قضيبه الممشوق، [و] لواؤه الحمد [و] إدامه اللبن [و] قدره الدبا (16) [و] تحيته الشكر [كذا].


(13) وبهذا وأمثاله - مما لا تحصى - يستدل على أفضليته عليه السلام وأهل بيته على جميع الصحابة كائنا من كان. (14) لعل هذا هو الصواب، وفي النسخة: " مرمل بالشريط "، (15) كذا في النسخة، وفي الرياض النضرة: " ورايته الغراء ". وقال في اللسان: وفي الحديث: انه كان اسم رايته عليه السلام العقاب [بضم العين] وهي العلم الضخم. (16) وهذه مع الجملة التالية غير موجودة في الرياض النضرة، وما بين المعقوفات بعضها موجود فيه في جميع ما مر.

[79]

يا أهل الكتاب كان حبيبي محمد صلى الله على وسلم يعقل البعير، ويعلف الناضح، ويحلب (17) الشاة، ويرقع الثوب، ويخصف النعل. ترجمة محمد بن عثمان بن حماد، من تاريخ دمشق: ج 50 ص 825. ورواه ايضا في الرياض النضرة ص 227، وفي ط ج 2 ص 195، كما في الغدير: ج 10 ص 7 ط 1، وذكره إشارة في عنوان: " رجوع أبي بكر وعمر إليه عليه السلام من كتاب ذخائر العقبى، ص 80، وقال في الرياض: أخرجه ابن السمان في الموافقة. وليعلم أن لامير المؤمنين عليه السلام في نعت رسول الله صلى الله عليه وآله كلم كثيرة صدرت منه في أوقات مختلفة، بصور متعددة وذكر صورا منها في الباب الرابع والعشرين من ربيع الابرار، وكذلك في الحديث (836) و (844) و (848) من ترجمة النبي صلى الله عليه وآله من أنساب الاشراف: ج 1 ص 391 وما بعدها، ط مصر. كما أن لابي بكر - ومن على شاكلته - أيضا مواقف كثيرة ضاق فيها بهم الحناق وأشرفوا فيها على الهلاك، فلجؤ إلى باب مدينة علم النبي صلوات الله عليهما فأنجاهم به من الهلاك، وحقن دماء الابرياء من الهراق، وشوى أكباد الكفار من الحراق، وإليك نموذج منها: قال ابن دريد: أخبرنا محمد، قال: حدثنا العكلي، عن ابن عائشة، عن حماد، عن حميد:


(17) * هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " ويجلب " بالجيم.

[80]

عن أنس بن مالك قال: أقبل يهودي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل المسجد فقال: أين وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فأشار القوم إلى أبي بكر ! ! ! فوقف عليه فقال: أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. قال أبو بكر: سل عما بدا لك. قال اليهودي: أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله وعما لا يعلمه الله ؟ ! فقال أبو بكر هذه مسائل الزنادقة يا يهودي. وهم أبو بكر والمسلمون - رضي الله عنهم - باليهودي ! ! فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ما أنصفتم الرجل ! ! جوابه وإلا فاذهبوا به إلى علي رضي الله عنه يجيبه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: " اللهم اهد قلبه وثبت لسانه " (1). فقام أبو بكر، ومن حضره حتى أتوا علي بن أبي طالب فاستأذنوا عليه، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن إن هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة ! ! فقال علي: ما تقول: يا يهودي ؟ قال: أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. فقال له: قل. فرد اليهودي المسائل. فقال علي رضي الله عنه: أما ما لا يعلمه الله فذلك قولكم - معشر اليهود -: إن عزير ابن الله. والله لا يعلم أن له ولدا " (2) وأما قولك: أخبرني بما ليس عند الله. فليس عنده ظلم للعباد، وأما قولك: أخبرني بما ليس لله. فليس لله شريك.


أي انه صلى الله عليه وآله علمه كل شئ ثم دعا الله بأن يهدي قلبه للوعاية، ويثبت لسانه للتعبير والحكاية. (2) الكلام من باب نفي الملزوم بسلب اللازم أي لا ولد لله تعالى إذ لو كان له ولد لكان يعلمه - إذ لا يعزب عن علمه تعالى شئ - فإذا لا يعلمه فليس له حظ من الوجود، وإنما ساق عليه السلام الكلام بهذه الصورة كي يطابق سؤال اليهودي وإلا فلب الكلام ومحصله: ان الله يعلم أن لا ولد له.

[81]

فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وانك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال أبو بكر والمسلمون لعلي - عليه السلام -: يا مفرج الكرب ! ! ! كتاب المجتنى - لابن دريد - ص 44 ط 2 بحيدرآباد، سنة (1362) وللكلام مصادر أخر.

[82]

- 18 - ومن خطبة له عليه السلام الموسومة بالمونقة (1) قال ابن أبي الحديد: وهي خطبة خالية من حرف الالف رواها كثير من الناس له عليه السلام (2) قالوا: تذاكر قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي حروف الهجاء أدخل في الكلام ؟ فأجمعوا على الالف، فقال علي عليه السلام [مرتجلا من غير سابق فكر ولا تقدم روية]: حمدت من عظمت منته وسبغت نعمته (3) وسبقت غضبه رحمته (4) وتمت كلمته، ونفذت مشيئته وبلغت قضيته (5) حمدته حمد مقر بربوبيته (6) متخضع لعبوديته (1) المونقة: الحسنة المعجبة، من قولهم: " أنق الشئ - من باب علم - أنقا " فهو أنق وأنيق ومونق: حسن معجب. وتسمية الخطبة بالمونقة ظاهرة، لانها تعجب من سمعها. وقال في كنز العمال: ج 8 ص 221 ط 1: " وسماها الموقفة ". والظاهر أنه مصحف. (2) وكفى لاثبات صدور مثلها عن أمير المؤمنين عليه السلام أن يقول متضلع خبير مثل ابن أبي الحديد بأنها رواها كثير من الناس عنه عليه السلام، وصدقه غيره من المتضلعين في هذه الدعوى. (3) ومثله في مطالب السئول 167، والباب (49) من مصباح الكفعمي ص 33، وفي كفاية الطالب هكذا: " حمدت وعظمت من عظمت منته ". والمراد بالمنة - هنا - الاحسان. (4) وفي الكفاية: " وسبقت رحمته غضبه ". وفي المصباح: " وسبقت رحمته ". وفي مطالب السئول: " وبلغت جحته وعدلت قضيته وسبقت غضبه رحمته " (5) أي حكمه وقضاؤه. (6) وفي الكفاية: " لربوبيته ".

[83]

متنصل من خطيئته (7) معترف بتوحيده (8) [مستعيذ من وعيده (9)] مؤمل منه مغفرة تنجيه، يوم يشغل عن فصيلته وبنيه (10). ونستعينه ونسترشده ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، وشهدت له شهود مخلص موقن (11) وفردته تفريد مؤمن متيقن (12) ووحدته توحيد عبد مذعن [بأنه (13)] ليس له شريك في ملكه، ولم يكن له ولي في صنعه، جل عن مشير ووزير (14) وعن عون معين ونصير ونظير.


(7) يقال: " تنصل إلى فلان من الجناية ": خرج وتبرأ عنده منها. (8) هذا هو الظاهر الموافق لنسخة مطالب السئول والكفاية والمصباح، وفي نسخة ابن الحديد: " متفرد بتوحيده ". (9) بين المعقوفين مأخوذ من كتاب مطالب السؤال. (10) وفي مطالب السئول: " يوم يشغل كل عن فصيلته وبنيه ". وفصيلة الرجل: (رهطه الادنون. (11) وفي مطالب السئول: " وشهدت له شهود عبد موقن. " وفي الكفاية: " وشهدت له تشهد مخلص موقن. " (12) هذ هو الظاهر، وفي نسخة: " مؤمن متقن ". (13) بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق. (14) وبعده في المصباح هكذا: " وتنزه عن مثل ونظير ".

[84]

علم فستر، وبطن فخبر (15) وملك فقهر وعصي فغفر [وعبد فشكر (16)] وحكم فعدل (17) لم يزل ولن يزول " ليس كمثله شئ " (18) وهو [قبل كل شئ و] بعد كل شئ (19) رب متعزز بعزته (20) متمكن بقوته (21) متقدس بعلوه متكبر بسموه، ليس يدركه بصر، ولم يحط به نظر، قوي منيع بصير سميع (22) رؤف رحيم (23). عجز عن وصفه من يصفه، وضل عن نعته من يعرفه (24).


(15) هذا هو الظاهر، وفي الكفاية: " ونظر فخبر ". (16) بين المعقوفين من كتاب مطالب السئول. (17) وبعده في مطالب السئول هكذا: " وتكرم وتفضل ". (18) اقتباس من الآية (11) من سورة الشورى. (19) بين المعقوفين كان ساقطا عن شرح النهج. (20) وفي نسخة: " متفرد بعزته ". (21) وفي المصباح: " متملك بقوته ". (22) وفي الكفاية: " وليس يحيط به نظر، قوي منيع بصير سميع حليم حكيم رؤف رحيم ". (23) وزاد بعده في المصباح: " عزيز ". (24) وفي مطالب السئول: " عجز عن وصفه من وصفه، وضل عن نعته من عرفه ". وفي المصباح: " وضل في نعته ".

[85]

قرب فبعد، وبعد فقرب (25) يجيب دعوة من يدعوه ويرزقه ويحبوه (26) ذو لطف خفي وبطش قوي، ورحمة موسعة، وعقوبة موجعة، رحمته جنة عريضة مونقة (27) وعفوبته جحيم ممدودة موبقة (38). وشهدت ببعث محمد (29) رسوله وعبده وصفيه ونبيه ونجيه وحبيبه وخليله، بعثه في خير عصر، وحين فترة وكفر، رحمة لعبيده ومنة لمزيده، ختم به نبوته وشيد به حجته (30) فوعظ ونصح، وبلغ وكدح (31) رؤف بكل مؤمن، رحيم سخي رضي ولي زكي، عليه


(25) أي هو تعالى مع كمال قربه بعيد عن تحديدات البشرية، ومع كمال بعده فهو أقرب الينا من حبل الوريد، يجيب دعوة من دعاه. (26) وفي الصباح: " ويرزق عبده ويحبوه ". (27) أي حسنة معجبة، يقال: " أنق الشئ - من باب علم -: صار أنقا وأنبقا ومونقا أي حسنا معجبا. (28) وفي المصباح: " وعقوبته جحيم مؤصدة ". (29) وفي الكفاية: " وشهدت ببعثة محمد عبده ورسوله وصفيه ونبيه وخليله وحبيبه، صلى الله عليه صلاتا تحظيه، وتزدلفه وتعليه، وتقربه وتدنيه ". (30) " وفي الكفاية: ووضح به حجته ". وفي المصباح: " وقوى به حجته " (31) يقال: " كدح من العمل - من باب منع - كدحا ": جهد نفسه فيه حتى أثر فيها.

[86]

رحمة وتسليم، وبركه وتكريم (32) من رب غفور رحيم قريب مجيب (33). وصيتكم معشر من حضرني بوصية ربكم (34) وذكرتكم بسنة نبيكم، فعليكم برهبة تسكن قلوبكم وخشية تذري دموعكم، وتقية تنجيكم قبل يوم يبليكم ويذهلكم يوم يفوز فيه من ثقل وزن حسنته، وخف وزن سيئته (35) ولتكن مسألتكم وتملقكم مسألة ذل وخضوع وشكر وخشوع، بتوبة ونزوع (36) وندم ورجوع، وليغتنم كل مغتنم منكم (37) صحته قبل سقمه، وشبيبته قبل هرمه، وسعته قبل فقره (38) وفرغته قبل


(32) وفي مطالب السئول: " عليه رحمة وتسليم وبركة وتعظيم وتكريم ". (33) وزاد في مطالب السئول بعده: " حليم ". (34) وفي الكفاية: " وصيتكم جميع من حضرني ". وفي المصباح: " وصيتكم معشر من حضرني بتقوى من ربكم ". (35) وفي مطالب السئول: " وخف وزن خطيئته ". (36) وفي الكفاية: " ولتكن مسألتكم وملقكم - إلى أن قال -: وتوبة ونزوع ". (38) وفي المصباح: " وسعته قبل عدمه ".

[87]

شغله، وحضره قبل سفره (39) قبل تكبر وتهرم وتسقم (40) [و] يمله طبيبه ويعرض عنه حبيبه وينقطع غمده ويتغير عقله (41) ثم قيل: هو موعوك وجسمه منهوك (42) ثم جد في نزع شديد، وحضره كل قريب وبعيد، فشخص بصره وطمح نظره (43) ورشح جبينه وعطف عرينه (44) وسكن حنينه، وحزنته نفسه وبكته عرسه وحفر رمسه، ويتم منه ولده (45) وتفرق منه عدده وقسم جمعه


(39) وبعده في مطالب السئول هكذا: " وحياته قبل موته، قبل [أن] يهن ويمرض ويسقم، ويمله طبيبه " (40) وفي المصباح: " قبل هو يكبر ويهرم، ويمرض ويسقم ". (41) كذا في النسخة، وفي مطالب السئول وكفاية الطالب: " وينقطع عمره ". وهو الظاهر (42) يقال: " وعك الحر وعكا " - من باب وعد -: اشتد. و " وعكته الحمى وعكا " ووعكة " اشتدت عليه وآذته فهو موعوك. ويقال: " نهكت الحمى فلانا - من باب منع - نهكا " ونهاكة ": أضنته وجهدته. (43) وفي مطالب السئول: " فشخص بصره وطمح بنظره، ورشح جبينه وخطف عرينه وجذبت نفسه وبكت عرسه ". وفي المصباح: " وجذبت نفسه ونكبت عرشه ". (44) كذا في النسخة، والعرين: فناء الدار. جماعة الشوك أو الشجر. اللحم. الصوت. الفريسة. العز، والجع عرن كعنق. وفي كفاية الطالب: " وخطف عرنينه " وهو - كجبريل -: الانف. (45) يقال: " يتم ييتم - من باب ضرب - ويتم ييتم - من باب علم - ويتم ييتم - من باب شرف - الصبي من أبيه يتما ويتيما ": صار يتيما. والمصدر كالقفل والفلس.

[88]

(46) وذهب بصره وسمعه، ومدد وجرد وعري وغسل (47) ونشف وسجي، وبسط له وهيئ، ونشر عليه كفنه وشد منه ذقنه، وقمص وعمم، وودع وسلم، وحمل فوق سرير، وصلي عليه بتكبير [بغير سجود وتعفير] (48) ونقل من دور مزخرفة، وقصور مشيدة، وحجر منجدة (49) وجعل في ضريح ملحود، وضيق مرصود، بلبن منضود، مسقف بجلمود، وهيل عليه حفره (50) وحثي عليه مدره، وتحقق حذره ونسي خبره، ورجع عنه وليه وصفيه ونديمه ونسيبه (51)، وتبدل به قرينه وحبيبه فهو حشو قبر ورهين قفر، يسعى بجسمه دود قبره (52) ويسيل صديده من منخره، يسحق تربه


(46) وفي مطالب السئول: " وفصم جمعه ". أقول: العدد، والعديد: المال الذي جمعه المرء وادخره. (47) وفي كفاية الطالب: " وكفن ومدد، ووجه وجرد، وعري وغسل ". وفي المصباح: " وكفن ومدد ووجه وغسل وعري ونشف ". (48) بين المعقوفين مأخوذ من مطالب السئول. (49) وفي المصباح: " وحجر منضدة ". وفي مطالب السئول: " وفرش منجدة " (50) وفي مطالب السئول وكفاية الطالب: " وهيل عليه عفره " (51) وزاد في مطالب السئول: " وحميمه ". (52) وفي كفاية الطالب والمصباح " يسعى في جسمه ". وفي مطالب السئول: " يدب في جسمه "

[89]

لحمه (53) وينشف دمه، ويرم عظمه (54) حتى يوم حشره، فنشر من قبره حين ينفخ في صور. ويدعى بحشر ونشور. فثم بعثرت قبور، وحصلت سريرة صدور، وجئ بكل نبي وصديق وشهيد (55) وتوحد للفصل [رب] قدير (56) بعبده خبير بصير، فكم من زفرة تضنيه وحسره تنضيه (57) في موقف مهول و (58) ومشهد جليل بين يدي ملك عظيم، وبكل صغير وكبير عليم، فحينئذ يلجمه عرقه، ويحصره قلقه (59) عثرته غير مرحومة، وصرخته غير مسموعة، وحجته غير مقبولة،


(53) وفي نسخة: " يسحق برمته لحمه " ومثله في كفاية الطالب " وفي مطالب السئول: " وتسحق تربته لحمه ". (54) ومثله في مطالب السئول وكفاية الطالب، وفي المصباح: " ويدق عظمه ". (55) وزاد في كفاية الطالب ومطالب السئول: " ونطيق ". وفي المصباح: " وشهيد منطيق ". (56) بين المعقوفين مأخوذ من المصباح وكفاية الطالب، وفي مطالب السئول: " وقعد لفصل حكه قدير ". وفي المصباح: " وتولى لفضل (كذا) عبد رب قدير ". وفي الكفاية: " وقعد للفصل رب قدير، بعبده بصير خبير، فكم من زفرة تعنيه، وحسرة تقصيه في موقف مهيل ". (57) يقال: " أضنى المرض فلانا إضناء ا ": أضعفه وأثقله. و " أنضى البعير انضاءا ": هزله. والثوب: أبلاء. (58) وفي مطالب السئول: " في موقف مهيل ". (59) وفي مطالب السؤل: " ويحفزه " وفي المحكي عنه " ويخفره ".

[90]

زالت جريدته (60) ونشرت صحيفته [حيث] نظر (61) في سوء عمله، وشهدت عليه عينه بنظره، ويده ببطشه ورجله بخطوه وفرجه بلمسه وجلده بمسه (62) فسلسل جيده وغلت يده وسيق بسحب وحده (63) فورد جهنم بكرب وشدة، فظل يعذب في جحيم، ويسقى شربة من حميم تشوي وجهه وتسلخ جلده (64) وتضربه زبنية بمقمع من حديد (65) ويعود جلده بعد نضجه كجلد جديد، يستغيث فتعرض عنه خزنة جهنم، ويستصرخ فيلبث حقبة يندم (66).


(60) وفي نسخة: " زاول ". وفي كفاية الطالب: " نشر صحيفته، وتبين جريرته حيث نظر في سؤ عمله ". (61) وفي مطالب السؤل: " برزت صحيفته وتبينت جريرته فنظر في سوء عمله ". وفي المحكي عنه: " وقوبل صحيفته وتبين جريدته ونطق كل عضو منه بسؤ عمله ". (62) وبعده في الكفاية هكذا: " وتهدده منكر ونكير، وكشف له عن حيث يصير، فسلسل جيده، وغلغل ملكه يده [كذا] وسيق يسحب وحده ". (63) قال ابن أبي الحديد: [هذا الاجل ازدياد الغم] لانه إذا كان معه غيره كان كالمتأسي بغيره، فكان أخف لالمه وعذابه، وإذا كان وحده كان أشد ألما وأهول، وروي " فسيق يسحب وحدة " وهذا أقرب وذاك أفخم معنا. وفي مطالب السؤل، " وسيق يسحب وحده " وفي المحكي عند: " وسيق بسحب وحدة ". (64) يقال: " سلخ جلد الخروف - من باب نصر ومنع - وسلخا ". كشطه ونزعه. (65) قال ابن أبي الحديد: و " زبنية " على وزن " عفرية ": واحد الزبانية وهم عند العرب الشرط، وسمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها كما يفعل الشرط في الدنيا. ومن أهل اللغة من يجعل وأحد الزبانية زباني. وقال بعضهم: " زابن ". ومنهم من قال: هو جمع لا واحد له نحو أبابيل وعباديد، وأصل الزبن في اللغة الدفع، ومنه ناقة زبون: تضرب حالبها وتدفعه. (66) وفي المحكي عن مطالب المسئول: " حقبة بندم ".

[91]

نعوذ برب قدير، من شر كل مصير، ونسأله عفو من رضي عنه ومغفرة من قبله، فهو ولي مسألتي ومنجح طلبتي، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه، وخلد في قصور مشيدة، وملك بحور عين وحفدة (67) وطيف عليه بكؤس، وسكن في حظيرة قدوس (68) وتقلب في نعيم وسقي من تسنيم، وشرب من عين سلسبيل و [قد] مزج له بزنجبيل، مختم بمسك وعبير (69) مستديم للملك، مستشعر للسرور (70) يشرب من خمور في روض مغدق (71) ليس يصدع من شربه، وليس ينزف.


(67) وفي كفاية الطالب: " وملك حور عين وحفدة ". وفي مطالب السئول: " فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه وخلد في قصور ونعمة، وملك بحور عين وتقلب في نعيم ". (68) وفي كفاية الطالب: " وسكن حظيرة قدس في فردوس ". (69) بين المعقوفين مأخوذ من كفاية الطالب وفيه هكذا: " وشرب من سلسبيل قد مزح بزنجبيل، ختم بمسك، مستديم للملك، مستشعر للسرور ". (70) وفي المحكي عن مطالب السئول: " وشرب من عين سلسبيل ممزوجة بزنجبيل، مختومة بمسك وعبير، مستديم للحبور مستشعر للسرور ". وهو أظهر. (71) ومثله في المحكي عن مطالب السئول، ولكن في النسخة المطبوعة بالنجف منه هكذا: " يشرب من خمر معذوذب شربة ليس تنزف لبه ". وفي كفاية الطالب: " ويشرب من خمور في روض مغدق ليس ينزف عقله ".

[92]

هذه منزلة من خشي ربه، وحذر نفسه معصيته، وتلك عقوبة من جحد منشأه (72) وسولت له نفسه معصيته، فهو قول فصل (73) وحكم عدل، وخير قصص قص ووعظ نص (74) تنزيل من حكيم حميد، نزل به روح قدس مبين، على قلب نبي مهتد رشيد، صلت عليه رسل سفرة، مكرمون بررة، عذت برب عليم رحيم كريم، من شر كل عدو لعين رجيم، فليتضرع متضرعكم، وليبتهل مبتهلكم وليستغفر كل مربوب منكم لي ولكم (75) وحسبي ربي وحده.


(72) هذا هو الظاهر من السياق الموافق لما في مطالب المسئول، وكفاية الطالب، وفيهما: " هذه منزلة من خشي ربه وحذر نفسه، وتلك عقوبة من عصى منشئه، وسولت له نفسه معصيته " وفي المحكي عن مطالب السئول: " وسولت له نفسه معصية مبدئه ". وما في الطبع الحديث من شرح ابن أبي الحديد: " مشبئه " فهو تصحيف. (73) وفي المصباح، والمحكي عن مطالب السئول: " ذلك قول فصل ". (74) ومثله في المحكي عن مطالب السئول. وفي كفاية الطالب: " فهو قول فصل وحكم عدل (و) قصص قص ووعظ نص، تنزيل من حكيم حميد، نزل به روح قدس منير مبين، من عند رب كريم، على قلب نبي مهذ [ب] مهتذ رشيد، وسيد صلت عليه رسل سفرة مكرمون بررة ". (75) وفي المحكي عن مطالب السئول وكفاية الطالب: " ونستغفر رب كل مربوب لي ولكم ".

[93]

شرح غريب كلامه عليه السلام من الباب الثالث من نهج البلاغة قبل المختار (267) منه، من شرح ابن أبي الحديد: ج 19 ص 140، وفي ط ج 5 ص ص 359، ونقلها أيضا في آخر النوع الخامس - وهو باب خطبه عليه للسلام - من كتاب مطالب السئول ص 173، ط النجف ورواها أيضا في الباب الثاني - بعد المأة - من كفاية الطالب ص 393 وقال: أخبرنا المعمر أبو الحسن علي بن أبي عبد الله بن أبي الحسن الشيخ الصالح البغدادي بجامع دمشق سنة أربع وثلاثين وستمأة - عن عبد الوهاب بن محمد بن الحسين المالكي الصابوني، أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال - في رجب سنة 437 - قال: قرأت على أبي الحسين أحمد بن محمد بن عمران بن موسى بن عروة بن الجراح - سنة 388 في منزله - قلت له: حدثكم أبو السمارى (77) حدثني أبو عوسجة سلمة بن عرفجة - باليبرين من اليمن - قال،: حدثني أبي عرفجة بن عرفطة، قال: حدثني أبو الهراش جري بن كليب، حدثني هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: حدثني أبي، عن أبي صالح قال: جلس جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتذاكرون، فتذاكروا الحروف وأجمعوا أن الالف أكثر دخولا في الكلام من سائر الحروف، فقام مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فخطب هذه الخطبة على البديهة فقال صلوات الله وسلامه عليه: " حمدت وعظمت من


(76) ورواها - إشارة - عنه وعن ابن أبي الحديد، في الحديث (372) من الباب (11) من إثبات الهداة: ج 5: ص 33 وله (ره) كلام في معناه ما نظمه فيه ص 111، قال: وخطبة خالية من الالف * بديهة وذاك حرف قد عرف من معجزاته لمن أفاقا * نهج البلاغة الذي قد فاقا فهل رأيت قبله أو بعده * من قال مثله ونال سعده (77) كذا في النسخة، وفي المحكي عنه: " القماري ".

[94]

عظمت منته ". ثم ساق الخطبة إلى آخرها باختلاف في بعض ألفاظها - أشرنا إلى المهم منه في التعاليق المتقدمة - ثم قال: هكذا روينا من هذا الطريق، وقد وقع لنا ببغداد عن جماعة من أصحاب يحيى بن ثابت عن أبيه (78) لكن لم يحضر سماعي منهم في وقت الاملاء. ورواها عنه في كتاب كنز العمال: ج 8 ص 221 ط 1، بالهند (79) وقال في آخرها: اسناده واه ومثله في باب الخطب من كتاب المواعظ من منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 6 ص 321. أقول: وهن هذا السند بخصوصه غير ضائر بعد اشتهار الكلام بين الخاصة والعامة، وقدم تقدم ان ابن ابي الحديد قال: ورواها كثير من الناس ومر آنفا ان صاحب الكفاية قال: وقد وقع لنا ببغداد، عن جماعة من أصحاب يحيى ابن ثابت عن أبيه. وقال الراوندي - رحمه الله - المتوفي سنة 573 - في كتاب الخرائج: روي ان الصحابة قالوا يوما: ليس من حروف المعجم حرف أكثر دورانا في الكلام من الالف، فنهض أمير المؤمنين عليه السلام وخطب خطبة طويلة على البديهة تشتمل على الثناء على الله تعالى، والصلاة على نبيه محمد وآله، وفيها الوعد والوعيد، ووصف الجنة والنار، والمواعظ والزواجر، والنصيحة للخلق وغير ذلك وليس فيها ألف، وهي معروفة. ورواه عنه في الحديث (36) من الباب (114) من البحار: ج 9 ص 583 وفي ط الحديث: ج 41 ص 304. ورواها أيضا الكفعمي في الباب (49) من كتاب المصاح، ص 330، ورواها عنه وعن مطالب السئول في البحار: ج 17، ص 90 ط الكمباني.


(78) في هذا أيضا دلالة على ان الخطبة كانت مشهورة، وأن جماعة من أصحاب يحيى بن ثابت كانوا يروونها، وأن المؤلف لم يسند النقل إليهم لعدم استحضار أسماء ناقليها لديه حين تأليفه الكتاب (79) ورواها عنه في كتاب فضائل الخمسة: ج 2 ص 256.

[95]

- 19 - ومن خطبة له عليه السلام خالية من النقط قال الحافظ السروي محمد بن علي بن شهر آشوب رحمه الله: وروى الكلبي، عن أبي صالح، وأبو جعفر بن بابويه (ره) (1) باسناده عن [الامام علي بن موسى] الرضا، عن آبائه عليهم السلام: انه اجتمعت الصحابة، فتذاكروا [الحروف، واتفقوا على] أن الالف أكثر دخولا في الكلام، [ويتعذر النطق بدونها] فارتجل [أمير المؤمنين عليه السلام في الحال] الخطبة المونقة التي أولها: حمدت من عظمت منته وسبغت نعمته وسبقت رحمته، وتمت كلمته ونفذت مشيئته وبلغت قضيته.


(1) وهذا السند ضاع - وحرمنا منه - لضياع أكثر كتب الصدوق رحمه الله، إذ له رحمه الله قريبا من أربعماة تأليف وكتب قيمة، ولم يبق لنا الحدثان منها إلا قريبا من عشر مجلدات. وقال علي بن يونس العاملي المتوفي عام (877) في أواخر الفصل (19) من الباب السابع من كتاب الصراط المستقيم: ج 1، ص 222 ط 1: وأسند صاحب النخب إلى الكلبي إلى أبي صالح، أن الصحابة اجتمعت فقالت: الالف أكثر دخولا في الكلام (من بقية الحروف) فارتجل (أمير المؤمنين) عليه السلام خطبته المونقة التي أولها: حمدت من عظمت منته، وسبغت نعمته، وسبقت رحمته غضبه - إلى آخرها -. ثم ارتجل عليه السلام خطبة أخرى خالية من النقط. وبما أن كتاب النخب - تأليف الحسين بن جبر - قيل إنه تلخيص لكتاب الشيخ محمد بن علي بن شهر آشوب، لم نجعله مصدرا مستقلا.

[96]

- إلى آخرها -. ثم ارتجل [عليه السلام] خطبة أخرى من غير النقط (2) التي أولها: الحمد لله أهل الحمد ومأواه، وله أوكد الحمد وأحلاه، وأسرع الحمد وأسراه وأطهر الحمد وأسماه (3) وأكرم الحمد وأولاه. إلى آخرها. [قال:] وقد أوردتهما في [كتاب] المخزون المكنون (4). آخر عنوان: " المسابقة بالعلم " من مناقب آل أبي طالب: ج 2 ص 48 ط قم، ورواها عنه في آخر الباب (93) - وهو باب علمه وان النبي علمه ألف باب - من البحار: ج 9 ص 464 ط الكمباني. ورواها عنه في آخر مقدمة شرح نهج البلاغة المسمى بمنهاج البراعة: ج 1، ص 215 ط 2، ورواها عنه، وعن كتاب الصراط المستقيم في الحديث (432 و 457) من الباب الحادي عشر، من كتاب اثبات الهداة: ج 5 ص 61 و 72.


(2) وهذه الخطبة غير الخطبة التي هي أيضا خالية من النقط ونسبها المتأخرون إليه عليه السلام وذكرها في آخر ترجمة نهج البلاغة للمفسر الشهير ملا فتح الله الكاشاني ص 614 وذكرها أيضا بعض من تأخر عنه، ولما لم ينهض لحجيتها وإثبات صدورها مصدر وثيق، ما أدرجناها في كتابنا هذا. (3) أسرى الحمد: أفخره وأعلاه. وأسمى الحمد: أرفعه وأحسنه. (4) إن كتاب المخزون المكنون - كأكثر آثار المتقدمين من علمائنا - مما أباده صروف الزمان، وضن بإراءته وجعله في متناول ذويه وأهليه الدهر الخوان، فمن دلنا على مظان وجوده بحيث يصدقه قرائن الاحوال - فله دورة كاملة من كتابنا هذا. ومن أرشدنا إلى الخطبة بكمالها من مصدر وثيق وكتب بها إلينا، فله خمس دوراة من كتابنا - وماله عند الله فهو أجزل وأتم - ومن دلنا على كتاب المكنون المخزون فله عشرون دورة من كتابنا، ومن كتبه وأهدى نسخته إلينا فله علي مأة دينار.

[97]

- 20 - ومن كلام له عليه السلام في وصف خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته الميمونة الجذابة إلى الله تعالى. شيخ الشريعة وحافظ الشيعة محمد بن علي الفقيه قدس الله نفسه (1) قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني - رحمه الله - قال: حدثنا أبو أحمد القاسم بن بندار المعروف بأبي صالح الحذاء، قال: حدثنا إبراهيم بن نصر بن عبد العزيز الرازي نزيل نهاوند، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي (2) قال: حدثنا جميع بن عمير بن عبد الرحمان العجلي، قال: حدثنا رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي عن [الامام] الحسن بن علي عليهما السلام. وحدثني الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن منيع (3)، قال: حدثني إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين - عليهم السلام - بمدينة الرسول، قال: حدثني علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي، عن [أبيه]


(1) وللكلام مصادر وثيقة أخر، كما يتلى عليك فيما يأتي. (2) وعنه - إلى آخر السند - رواه ابن سعد في ترجمة رسول الله صلى الله عليه وآله من الطبقات الكبرى: ج 1 / 422 ط بيروت. وفي ط: ج 1 / 83. (3) المستفاد من معاني الاخبار ان ابن منيع هذا لم يذكر تمام الخبر - بسنده - بل خصوص ما ورد عن ابن ابي هالة، ولكن الذي أراه ان عدم ذكره تمام الرواية أعم من عدم الرواية، وان الحديث مروي بتمامه من طريقه أيضا، كما يؤيده ذكر الخبر بتمامه بهذا السند في كتاب عيون أخبار الرضا.

[98]

موسى بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين - عليهم السلام - قال: قال الحسن بن علي عليهما السلام. وحدثني الحسن بن عبد الله بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد [بن] عبدان، وجعفر بن محمد البزاز البغدادي قالا: حدثنا سفيان بن وكيع، قال حدثني جميع بن عمير العجلي قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة، عن أبيه: عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: سألت خالي هند ابن أبي هالة وكان وصافا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم - وساق كلام هند في وصف رسول الله إلى أن قال: - [و] قال الحسين عليه السلام: سألت أبي عن مدخل رسول الله (4) صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كان دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) لنفسه مأذونا له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزء دخوله ثلاثة أجزاء جزءا " لله وجزءا لاهله وجزءا لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة (6) ولا يدخر عنهم منه شيئا " (7).


(4) وفي الطبقات: " عن دخول النبي " وفي الدلائل: " عن دخول رسول الله ". (5) هذه الجملة أخذناها من دلائل النبوة لكونها أوضح، وفي الطبقات ومعاني الاخبار: " كان دخوله لنفسه مأذونا " له في ذلك ". وفي أنساب الاشراف " كان مدخله لنفسه مأذونا " له في ذلك، فإذا اوي إلى أهله جزأ مدخله " الخ. (6) ومثله في الشمائل - على ما في هامش الدلائل لابي نعيم - وفي أنساب الاشراف: " فرد على العامة من الخاصة " وفي الدلائل: " ويرد ذلك إلى العامة ". وفي الطبقات: " فيسرد ذلك على العامة بالخاصة ". (7) كلمة: منه " غير موجودة في الطبقات والدلائل، والجملة بأسرها غير مذكورة في الانساب.

[99]

وكان من سيرته [صلى الله عليه وآله] في جزء الامة إيثار أهل الفضل بإذنه (8) وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما أصلحهم والامة، من مسألته عنهم (9) وإخبارهم بالذي ينبغي [لهم] (10) ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، و [يقول:] أبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته (11) فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها، ثبت الله قدميه يوم القيامة. [و] لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره (12) يدخلون روادا -


(8) ومثله في الدلائل، وفي الطبقات: " ناديه ". وفي الانساب: " وكان من سيرته إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم ". (9) ومثله في الطبقات، وفي الدلائل: " من مسألتهم عنه " (10) كلمة: " لهم " كانت ساقطة من الاصل، وأخذناها من الطبقات والدلائل والانساب. (11) وفي الطبقات والدلائل: " حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فانه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت " الخ. وفي الانساب: " لا يستطيع إبلاغه إياها، ثبت الله قدميه " الخ. (12) هذا هو الظاهر الموافق للطبقات والدلائل، وفي المعاني: " ولا يقيد [ولا يقيل " خ "] من أحد عثرة ". قال الصدوق (ره): ومن رواه بالدال معناه: انه من جنى عليه جناية اغتفرها وصفح عنها تكرما إذا كان تعطيلها لا يضيع من حقوق الله شيئا "، ولا يفسد متعبدا " به ولا مفترضا. ومن رواه " يقيل " باللام، ذهب إلى انه عليه السلام لا يضيع من حقوق الناس التي تجب لبعضهم على بعض. وفي أنساب الاشراف: " ولا يقبل غيره من أحد ".

[100]

ولا يفترقون إلا عن ذواق - ويخرجون أدلة (13). قال [الحسين]: فسألته عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وآله - كيف كان يصنع فيه ؟ فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله [وسلم] يخزن لسانه إلا مما يعنيه (14) ويؤلفهم ولا ينفرهم و [كان] يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم " و [كان] يحذر الناس ويحترس منهم (15) من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه. ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما


(13) رواد: جمع الرائد: وهو الذي يقدمه أصحابه ليهيأ لهم مكانا صالحا لنزولهم فيه، وكافيا لما يحتاجون إليه. وقوله: " ولا يفترقون إلا عن ذواق " أي لا يفترق القادمون عليه صلى الله عليه وآله وسلم عنه إلا بعد إذاقته صلى الله عليه وآله إياهم شيئا من المكارم ومعالي الاخلاق. والادلة: جمع دليل أي كان أصحابه صلى الله عليه وآله يدخلون عليه طالبين للخصب متفقدين لما يتمتعون به في الدين والدنيا، فيخرجون من عنده بالفوز والنجاح وهم الادلاء - لمن وراءهم من قومهم - إلى المراتع الخصبة والمناهل العذبة. وفي بعض النسخ من كتاب معاني الاخبار: " ويخرجون اذلة " بالمعجمة فان صح ذلك - ولم يكن مصحفا - فهو كقوله تعالى في الآية (54) من سورة المائدة: " أذلة على المؤمنين ". (14) كذا في الاصل المطبوع، وفي الطبقات والدلائل: " يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم - أو قال: ينفرهم ". وفي الانساب: " كان يخزن لسانه عما لا يعنيه، وكان يؤلف ولا ينفر ". (15) وفي الانساب: " ويحذر الناس الفتن ويحترس منهم ".

[101]

في الناس، ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويهونه (16) معتدل الامر غير مختلف (17) لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا (18) [وكان] لكل حال عنده عتاد (19) و [كان] لا يقصر عن الحق ولا يجوزه (20) [وكان] الذين يلونه من الناس خيارهم [وكان] أفضلهم عنده أعمهم نصيحة للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة [لهم]. قال: فسألته عن مجلسه [صلى الله عليه وآله وسلم] فقال: كان [رسول الله] صلى الله عليه وآله لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الاماكن (21) وينهى عن


(16) وفي الطبقات والانساب والدلائل: " ويوهنه " (17) وفي الانساب: " مؤتلف الامر غير مختلفه ". (18) ومثله في الدلائل وفي بعض النسخ من معاني الاخبار: " أو يملوا " (19) أي عدة وتهيؤ وجواب حاضر من غير تريث وانتظار. (20) ومثله في الطبقات الكبرى لابن سعد، أي كان صلى الله عليه وآله ملازما ومطابقا لا قاصرا ولا مقصرا، ولا متقدما ولا متأخرا. وفي دلائل النبوة: " لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ". وفي أنساب الاشراف: " لا يقصر عن الحق ولا يجوز الدين، أفضل الناس عنده أعمهم نصيحة ".. (21) وفي الانساب، قال: وسألته عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله، ولا يوطن الاماكن " الخ.

[102]

إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه [منه] (22)، ولا يحسب من جالسه (23) أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه [أو قاومه في حاجة (24)] صابره حتي يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرجع إلا بها أو بميسور من القول (25) قد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواءا (26) مجلسه مجلس حلم وحياء، وصدق وأمانة (27) لا ترفع فيه


(22) وفي الانساب " ويعطي كلا من جلسائه بنصيبه " وفي الطبقات والدلائل، " يعطى كل جلسائه بنصيبه ". (23) هذا هو الظاهر، وفي المطبوع من الاصل، " ولا يحسب من جلسائه ". وفي الطبقات والدلائل: " لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ". وفي الانساب: " فلا يحسب جليسه ". (24) بين المعقوقين مأخوذ من الطبقات والدلائل، وقد سقط من النسخة المطبوعة حديثا "، من كتاب معاني الاخبار. وقال في هامش دلائل النبوة: وفي الشمائل: " أو فاوضه ". وفي الانساب: " من جالسه أو قارنه في حاجة سايره حتى يكون هو المنصرف ". (25) وفي الطبقات والانساب والدلائل: " ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ". (26) ومثله في الدلائل، وفي بعض النسخ من كتاب المعاني " وصاروا عنده في الخلق سواءا ". وفي الطبقات: " وصاروا في الحق عنده سواءا ". وفي الانساب: " قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواءا ". (27) ومثله في أنساب الاشراف، وهو أظهر مما في الطبقات والدلائل: " وصبر وأمانة ".

[103]

الاصوات، ولا تؤبن فيه الحرم (28) ولا تنثى فلتاته (29) [ترى جلساؤه] متعادلين متواصلين فيه بالتقوى متواضعين (30) يوقرون [فيه] الكبير، ويرحمون [فيه] الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب (31). [قال الحسين عليه السلام]: فقلت: فكيف كان سيرته في جلسائه ؟ فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب (32) ولا فحاش ولا عياب ولا مداح (33) يتغافل عما لا يشتهي فلا يؤيس منه [راجيه] ولا يخيب فيه مؤمليه (34) قد ترك نفسه من


(28) ومثله في الطبقات والدلائل، يقال: " أبنه بالسوء - من باب ضرب ونصر - أبنا ": عابه. و " أبنه تأبينا ": عابه في وجهه. (29) وفي الانساب: " لا تؤتن فيه الحرم، ولا تنثى ". وفي الدلائل: " ولا تنثني ". (30) بين المعقوفين أخذناه من أنساب الاشراف، وفيه هكذا: " ترى جلسائه يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين ". وفي الطبقات والدلائل " متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين ". (31) وفي الدلائل: " ويؤثرون ذوي الحاجة، ويحفظون الغريب " وفي الطبقات، " ويوثرون ذا الحاجة، ويحفظون - أو يحوطون - الغريب ". وفي الانساب: " ويؤثرون ذا الحاجة ويحوطون الغريب ". (32) الفظ: السئ الخلق الخشن الكلام: والصخاب: الكثير الصياح، شديد الضجيج. (33) ومثله في أنساب الاشراف، ولا يوجد قوله " ولا مداح " في الطبقات، وفي الدلائل: " ولا مزاح ". (34) وفي الطبقات: " يتغافل عما لا يشتهي، ولا يدنس منه ولا يجنب فيه ". والظاهر ان الجملة الاخيرة مصحفة. وفي الانساب: " يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يؤيس منه ولا يجيب فيه ". وفي هامش دلائل النبوة نقلا عن كتاب الشمائل ودلائل البيهقي: " ولا يؤيس منه راجيه ".

[104]

ثلاث: [من] المراء والاكثار وما لا يعنيه (35) وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته (36) ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير (37) فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث (38) من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ (39) حديثهم عنده حديث أولهم (40) يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه (41) حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، و [كان] يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه (42)


(35) قال في هامش دلائل النبوة: وفي بعض نسخ الشمائل: " والاكبار ". (37) كناية عن الهدوء والسكوت عن سكينة ووقار. (38) كلمة ": الحديث " غير موجودة في الطبقات والدلائل، وفي الانساب: " لا ينازعون عنده أحدا "، من تكلم أنصتوا حتى يفرغ من كلامه ". (39) ومثله في الطبقات والدلائل. (40) ومثله في لادئل النبوة، وفي الانساب والطبقات: " حديثهم عنده حديث أوليتهم ". (41) أي إذا كان أحد يجفو في مسألته عته، ومنطقه له، يحلم صلى الله عليه وآله وسلم عنه ولا يغضبه ذلك، لرأفته وشفقته على الناس. (42) أي أعينوه على قضاء حاجته ليبلغ أمله ورجاءه.

[105]

و [كان] لا يقبل الثناء إلا من مكافئ (43) ولا يقطع على أحد كلامه حتي يجوز فيقطعه بنهي أو قيام (44). قال [الحسين عليه السلام]: فسألته عن سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال (45): [و] كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم (46) على أربع: على الحلم والحذر والتقدير والتفكر [والتفكير " خ "] (47) فأما التقدير ففي تسوية النظر، والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى أو يفنى (48) وجمع له الحلم في الصبر (49) فكان لا يغضبه شئ ولا


(43) ولعل المعنى انه صلى الله عليه وآله لم يكن يقبل من الثناء إلا ثناءا مساويا لما صنعه من الخير والاحسان، دون ما جاوز صاحبه فيه الحد، وبالغ قائله فيه. (44) أي كان صلى الله عليه واله وسلم يصغي لكلام القائل وينصت له ما دام لم يجز عن حدود الحق ولم يدخل في الباطل، فإذا جاز المتكلم عن الحق ونطق بالباطل كان صلى الله عليه وآله يقطع عليه كلامه إما بنهيه عنه، أو بقيامه. (45) وفي الطبقات: " قال،: فسألته كيف كان سكوته "،. وفي الدلائل: " قال: قلت: كيف كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ". (46) كذا في الطبقات، وأخذناه منه لكونه أوضح، وفي المعاني، ودلائل النبوة: " كان سكوته على أربع ". وفي الانساب: قلت [لابي]: فكيف كان سكوته، قال: على أربع: الحلم والحذر، والتقدير والتفكير ". (47) وفي الطبقات: " على الحلم والحذر والتقرير والتفكر، فأما التقرير ففي تسوية النظر والاستماع من الناس، وأما تذكره أو تفكره ففيما يبقى ويفنى ". (48) وفي الانساب: " فأما تقديره ففي تسوية النظر بين الناس واستماعه منهم وأما تفكيره ففيما يبقى ويفنى، وجمع الحلم والصبر ". (49) ومثله في الدلائل، وفي الطبقات: " وجمع الحلم والصبر ".

[106]

يستفزه (50) وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به (51) وتركه القبيح لينتهى عنه (52) واجتهاده الرأي في صلاح أمته (53) والقيام فيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة (54). قال الصدوق - قدس الله نفسه: هذا آخر ما رواه عبدان. وحدثنا أبو على أحمد بن يحي المؤدب، قال: حدثنا محمد بن [أبي] الهيثم الانباري قال: حدثنا عبد الله بن الصقر السكري أبو العباس، قال: حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح، قال: حدثني جميع بن عمير العجلي املاءا من كتابه، قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة التميمي عن أبيه، عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال. وذكر الحديث بطوله. أقول: ورواه أيضا بالسند الثاني - المذكور هنا - في خاتمة الجزء الاول من كتاب عيون أخبار الرضا - عليه السلام - ص 348، ثم قال: وقد رويت هذه الصفة عن مشايخ بأسانيد مختلفة قد أخرجتها في كتاب النبوة.. وقد أخرجت تفسيرها في كتاب معاني الاخبار.


يقال: استفزه الشئ استفزازا: استخفه. أثاره وأزعجه. (51) ومثله في الدلائل، وفي الطبقات: " أخذه بالحسنى ". وفي الانساب: " وجمع ثلاثا: أخذه بالحسن ليقتدى به " الخ. (52) وفي الطبقات والانساب والدلائل: " ليتناهى عنه ". وهو الظاهر. (53) وفي الطبقات والانساب: " واجتهاده الرأي فيما أصلح أمته والقيام فيما جمع لهم " ولكن في الانساب: " وجمع لهم ". (54) وفي الدلائل: " والقيام فيما يجمع لهم الدنيا والآخرة ".

[107]

أقول: ورواه عنه وعن كتاب عيون اخبار الرضا، وعن مكارم الاخلاق في الحديث (4) من الباب (8) من المجلد السادس من بحار الانوار، ص 133، ط الكمباني، وفي ط الحديث، ج 16، ص 144. ورواه أيضا في الحديث: (832) من أنساب الاشراف: ج 1، ص 386 ط مصر، - وفي المخطوطة: ج 1، ص 188 - قال: حدثني عمرو بن محمد الناقد أبو عثمان، وإسحاق الفروي قالا: حدثنا مالك بن اسماعيل النهدي، حدثنا جميع بن عمير العجلي، حدثني رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي - يكنى أبا عبد الله - عن الحسن بن علي عليهما السلام الخ. ورواه أيضا ابو نعيم في دلائل النبوة: الفصل: (33) منه، ص 544 ط الهند، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا مالك بن اسماعيل النهدي. وحدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا إسماعيل بن محمد المزني، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا جميع بن عمير بن عبد الرحمان العجلي، قال حدثني رجل بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي عن الحسن بن علي بن ابي طالب الخ، ورواه أيضا البيهقي بسندين في كتاب دلائل النبؤة ج 1 / 238.

[108]

- 21 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به عمر بن الخطاب لما استشاره في حرب الفرس لما تجمع الفرس لحرب العرب في سنة (24) من الهجرة، فزع المسلمون من ذلك، فاستشاروا عمر بن الخطاب، واستشار هو أكابر المهاجرين والانصار فأشاروا عليه بآرائهم وعلي عليه السلام ساكت، فقال عمر: ما تقول أنت يا أبا الحسن فقال علي عليه السلام: إنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن سيرت أهل اليمن من يمنهم خلفت الحبشة على أرضهم، وإن شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك الارض من أقطارها (1) حتي يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم إليك مما قدامك، وإن العجم إذا رأوك عيانا قالوا: هذا ملك العرب كلها، فكان أشد لقتالهم، وإنا لم نقاتل الناس على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم ولا بعده بالكثرة، بل اكتب إلى أهل الشام


(1) وفي نهج البلاغة: " فإنك إن شخصت من هذه الارض، انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها " الخ.

[109]

أن يقيم منهم بشامهم الثلثان، يشخص الثلث، وكذلك إلى عمان، وكذلك [إلى] سائر الامصار والكور. الاخبار الطوال ص 139، ط مصر، في سنة 1960 وذكره بصورة مطولة في كتاب الفتوح لاحمد بن أعثم الكوفي ج 2 ص 37 ط 1. وقريب منه في المختار: (144) من خطب النهج، وللكلام مصادر أخر، ذكرنا صورة منها في المقالة العلوية الغراء وأشار إليه تحت الرقم: (622) من كتاب الاموال لابي عبيد، ص 252، ونقله عنه في إمارة عمر، تحت الرقم: " 2455 " من كتاب الامارة من كنز العمال: ج 5 ص 402، ط 2، ويمكن أيضا أن يكون ما ذكره أبو عبيد إشارة إلى قصة زحف الروم إلى المسلمين واستشارة عمر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره تحت الرقم: (130) من باب الخطب من نهج البلاغة ج 2 ص 18.

[110]

- 22 - ومن كلام له عليه السلام وعظ به عمر بن الخطاب، لما سأله أن يعظه قال ابن عساكر: أخبرنا أبو بكر محمد بن شجاع، أنبأنا أبو عمر بن مندة، وأبو الحسين أحمد بن عبد الرحمان بن محمد الذكواني، وأبو مسعود: سليمان ابن إبراهيم بن محمد الحافظ، وأبو الحسن سهل بن عبد الله بن علي الغازي، وأبو بكر محمد بن علي بن محمد بن جوله الابهري. وأخبرنا أبو محمد بن طاووس، أنبأنا سليمان بن إبراهيم. وأخبرنا أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن الفضل الحداد، أنبأنا أبو بكر ابن جولة، قالوا: أنبأنا محمد إبراهيم بن جعفر الجرجاني املاءا، أنبأنا أبو علي الحسين بن علي، أنبأنا محمد بن زكريا، أنبأنا العباس بن بكار، أنبأنا أبو بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عمر لعلي: عظني يا أبا الحسن. [ف‍] قال علي [عليه السلام]: لا تجعل يقينك شكا، ولا علمك جهلا، ولاظنك حقا (1) واعلم أنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيت فأمضيت، وقسمت فسويت، ولبست فأبليت (2).


(1) المراد منه عدم تنزيل المظنون منزلة المتيقن والمحقق وترتيب الاثر عليه. (2) ومما ينبغي أن يذكر هنا ما ذكره المحاملي في أوائل الجزء الثالث من أماليه الورق 92، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت = >

[111]

قال [عمر]: صدقت يا أبا الحسن. الحديث: (1269) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام، من تاريخ دمشق: ج 38 ص 74 - أو 173 - وفي النسخة المحذوفة الاسانيد، ص 131. ورواه أيضا في أول الباب (48) من جواهر المطالب، ص 46، كما رواه أيضا في كنز العمال: ج 8.


= > الاعمش يحدث عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي عليه السلام انه قال: استشار عمر بن الخطاب الناس فقال: ما ترون في شئ فضل عندنا من هذا المال، قالوا: يا أمير المؤمنين قد أشغلناك عن أهلك وضيعتك وتجارتك، فهو لك ! فقالى لي: ما تقول، قلت: قد أشاروا عليك ! ! فقال: قل. قلت: لم تجعل يقينك ظنا، وعلمك جهلا. قال: لتخرجن مما قلت. قلت: أجل والله لاخرجن منه، أما تذكر إذ بعثك رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيا، فأتيت العباس بن عبد المطلب فمنعك ضيعته، فأتيتني فقلت: انطلق معي إلى رسول الله صلى الله عليه لنخبره بما صنع العباس. فأتيناه فوجدناه خاثرا، فرجعنا ثم أتيناه في اليوم الثاني فوجدناه طيب النفس فأخبرناه بالذي صنع العباس، فقال: أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه. فأخبرناه بالذي رأينا من خثورة نفسه في اليوم الاول والذي رأينا من طيب نفسه في اليوم الثاني فقال: إنكما أتيتماني في اليوم الاول وقد بقيت من الصدقة ديناران فخشيت أن يأتيني الموت قبل أن أوجه بهما، ثم اتيتماني ذا اليوم [كذا] وقد وجهتهما، فالذي رأيتم من طيب نفسي من ذلك. فقال عمر: صدقت والله لاشكرن لك الاولى والآخرة. قلت: لم تؤخر [ظ] الشكر. ورواه أيضا تحت الرقم (725) من مسند ابن حنبل: ج 2 / 724 في مسند علي (ع). وقصة بعث النبي عمر ساعيا وملاقاته العباس في أول من لقي وتغليظ كل منهما الآخر ورجوع عمر، ودخوله على النبي مع علي ذكره أيضا عيسى بن علي الحراج الوزير في أماليه الورق 13، ولكن لم يذكر ما هنا من خثورة نفس النبي في اليوم الاول، وطيبها في الثاني.

[112]

- 23 - ومن كلام له عليه السلام لما أغرم بعض الولاة عماله وشاطرهم أموالهم لئن كان عماله خونة وكان هذا المال في أيديهم خيانة ما كان حل له تركه، وكان له أن يأخذه كله فإنه فئ للمسلمين، فماله [أن] يأخذ نصفه ويترك نصفه، ولئن كانوا غير خونة، فما حل له أن يأخذ أموالهم ولا شيئا منه قليلا ولا كثيرا. وأعجب من ذلك إعادته إياهم إلى أعمالهم لئن كانوا خونة، ما حل له أن يستعملهم ! ! ولئن كانوا غير خونة، ما حقت له أموالهم ! ! ! كتاب سليم بن قيس الهلالي - رحمه الله - ص 119.

[113]

- 24 - ومن كلام له عليه السلام قاله للعباس وبني هاشم لما أوصى عمر بالشورى قال الطبري: حدثني عمر بن شبة، قال: حدثنا علي بن محمد، عن وكيع، عن الاعمش، عن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله الانصاري، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب. و [عن] أبي مخنف، عن يوسف بن يزيد، عن ابن عباس بن سهل، ومبارك بن فضالة، عن عبيد الله بن عمر، ويونس بن أبي إسحاق: عن عمرو بن ميمون الاودي أن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: لو استخلفت - وساق كلاما لعمر من تمنيه حيات العبد العجمي سالم مولى أبي حذيفة وغيره مما يطول ذكره إلى أن قال - وقال [عمر] لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير، وسعدا و عبد الرحمان بن عوف، وطلحة إن قدم [من سفره] وعبد الله بن عمر - ولا شئ له من الامر - دارا وقم على رؤسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد، فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف، وان اتفق أربعة وأبي اثنان فاضرب رؤسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة منهم رجلا آخر فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس. فخرجوا [من عند عمر] فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا.

[114]

وتلقاه [عمه] العباس فقال [له]: عدلت عنا. فقال [العباس:] وما علمك ؟ قال: قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الاكثر فإن رضي رجلان رجلا، ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمان، وعبد الرحمان صهر عثمان (1) لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمان عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمان، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني بله إني لا أرجو إلا أحدهما (2). تاريخ الطبري: ج 3 ص 299، وتاريخ الكامل: ج 3 ص 35. وروى قريبا منه جدا في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 19، في عنوان: " أمر الشورى وبيعة عثمان ". وقريبا منه رواه في الشافعي - كما في شرح ابن أبي الحديد: ج 12 - 263 - ورواه ايضا في تلخيصه: ج 3 ص 92 ط الغري، وحكاه في الهامش عن أنساب الاشراف للبلاذري: ج 5 - 19، عن العباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي مخنف في اسناده.


(1) قال ابن الكلبي عبد الرحمان بن عوف زوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمها أروى بنت كريز، وأروى أم عثمان فلذلك قال (علي عليه السلام): صهره كذا ذكره البلاذري عنه في عنوان: " أمر الشورى وبيعة عثمان " من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 / 19. (2) بله: اسم لفعل الامر بمعنى: دع، واترك. (*)

[115]

- 25 - ومن كلام له عليه السلام قاله لسعد بن أبي وقاص في يوم الشورى إتقوا الله الذي تساءلون به والارحام، إن الله كان عليكم رقيبا (1) أسألك برحم ابني هذا من رسول الله (2) وبرحم عمي حمزة منك، أن لا تكون مع عبد الرحمان لعثمان ظهيرا علي، فإني أدلي بما لا يدلي به عثمان (3). تاريخ الطبري: ج 3 ص 296 ط مصر، سنة 1358، ومثله في تاريخ الكامل: ج 3 ص 36 ط سنة 1356، بمصر. ورواه أيضا في عنوان: " أمر الشورى وبيعة عثمان " من ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 20.


(1) إقتباس من الآية الاولى، من سورة النساء. (2) وفي العقد الفريد: " أسألك برحم ابني هذين من رسول الله صلى الله عليه وسلم " الخ. (3) يقال: " أدلى زيد بقرابته أو بحجته " أي توسل واحتج بها.

[116]

- 26 - ومن خطبة له عليه السلام في يوم الشورى قال الخوارزمي: أخبرنا العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري أخبرني الاستاذ الامين أبو الحسن علي بن مردك الرازي، أخبرني الشيخ الزاهد الحافظ أبو سعد إسماعيل بن علي بن الحسين السمان، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المحمودي (1) بقراءتي عليه سنة ست وثمانين وثلاثمأة، حدثنا أبو محمد عبد الرحمان بن حمدان بن عبد الرحمان بن المرزبان الحلان (2)، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم السوسي البصري نزيل حلب، حدثنا عثمان بن عبد الله القرشي الشامي بالبصرة - قدم علينا - حدثنا يوسف بن أسباط، عن محل الضبي (3) عن إبراهيم النخعي، عن علقمة: عن أبي ذر [رضي الله عنه] قال: لما كان أول يوم في البيعة لعثمان ليقضي


(1) كذا في الطبعة القديمة، وفي ط الجديد: " أخبرني أبو بكر محمد بن عبد الله الحمدوني بقراءتي عليه سنة (386) الخ. وليعلم ان السند ضعيف جدا حتى عند القوم، وفيه من اتفقت كلمتهم على ضعفه، فلا يقبل المتن المروي بمثل هذا السند إلا ما تشهد الشواهد الخارجية والادلة المنفصلة على صدقه وواقعيته، دون غيره مما لا شاهد له، فضلا عما قامت الشواهد على خلافه. (2) كذا في ط القديم، وفي ط الجديد: " الجلاب ". (3) عن محمد الضبي " خ ل ". كذا في متن الاصل، وهكذا ذكره أيضا في غاية المرام من غير إشارة إلى اختلاف النسخ.

[117]

الله أمرا كان مفعولا، ليهلك من هلك عن بينة، ويحي من حي عن بينة (4)، [قال أبو ذر]: فاجتمع المهاجرون والانصار في المسجد، ونظرت (5) إلى أبي محمد عبد الرحمان بن عوف، وقد اعتجر بريطة (6) وقد اختلفوا وكثرت المناجزة إذ جاء أبو الحسن - بأبي هو وأمي - قال، فلما بصروا بأبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام (7) سر القوم طرا، فأنشأ علي [عليه السلام] يقول: إن أحسن ما ابتداء به المبتدؤن (8) ونطق به الناطقون، وتفوه به القائلون حمد الله والثناء عليه بما هو أهله (9) والصلاة على النبي محمد وآله (10).


(4) اقتباس من الآية (42) من سورة الانفال: 8 وليعلم ان ما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ من غاية المرام ولم يوجدني ط ايران من كتاب المناقب. ثم ان مناشداته عليه السلام من طريق أبي ذر، رواها أيضا " أبو الحسن شاذان الفضلي في الحديث (13) من رسالة رد الشمس - كما ذكره السيوطي عنه في كتاب اللئالي ج 1 / 174 - قال: حدثنا أبو الحسن بن صفوة، حدثنا الحسن بن علي بن محمد الطبري حدثنا أحمد بن العلاء الرازي حدثنا اسحاق بن ابراهيم التيمي حدثنا محل الضبي عن ابراهيم النخعي، عن علقمة، عن أبي ذر، قال: قال علي يوم الشورى: أنشدكم بالله هل فيكم من ردت له الشمس غيري حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل رأسه في حجري حتى غابت الشمس فانتبه فقال: يا علي صليت العصر ؟ قلت: اللهم لا. فقال: اللهم ارددها عليه فإنه كان في طاعتك وطاعة رسولك. (5) وفي غاية المرام: " فنظرت " (6) الريطة - بفتح الراء وسكون الياء -: كل ثوب يشبه الملحفة. الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ونسجا واحدا. والجمع: ريط ورياط. وجملة: " وكثرت المناجزة " غير موجودة في غاية المرام. (7) وفي غاية المرام: " كرم الله وجهه ". (8) وفي غاية المرام: " إن أحسن ما بدء به المبتدؤن ". وفي الكنز: " إن أحق ما ابتدء به المبتدؤن ". (9) وفي غاية المرام: " وثناء الله بما هو أهله ". وفي الكنز " وثناء عليه بما هو أهله ". (10) وفي غاية المرام: " وصلى الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله ".

[118]

الحمد لله المتفرد بدوام البقاء، المتوحد بالملك، الذي له الفخر والمجد والثناء (11) خضعت له الجبابرة [الآلهة " خ ل "] لآلائه وجلاله، [ووجلت] القلوب من مخافته (12) فلا عدل له ولا ند، ولا يشبهه أحد من خلقه، ونشهد [له] بما شهد به لنفسه، وأولو العلم من خلقه أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (13) ليس له صفة تنال (14) ولا حد يضرب له فيه الامثال، المدر صوب الغمام ببنات النطاف (15) ومنهطل الرباب بوابل


(11) إلى هنا رواه عنه في الباب (20) من غاية المرام متواليا، وأسقط ما بعده إلى قوله: " فهدانا الله بمحمد صلى الله عليه وآله إلى صالح الاديان ". وفي الكنز: " الذي له الفخر والمجد والسناء، خضعت الآلهة لجلاله، ووجلت القلوب من مخافته، ولا عدل له ولا ند " الخ. (12) هذا هو الظاهر، والنسخة سقيمة جدا، فإنها حرفت " الآلهة " ب " إلا الله ". وحذفت كلمة " ووجلت " الموضوعة بين المعقوفين، وكررت لفظة " القلوب ". وفي رواية ابن عساكر هكذا: " فخضعت الآلهة لجلاله، ووجلت القلوب من مخافته ". (13) وفي تاريخ دمشق والكنز: " أن لا إله إلا هو ". (14) أي لا ينال أحد كنه صفاته كما لا ينال كنه ذاته تقدس وتعالى. وفي تاريخ دمشق: " ليست له صفة تنال ". وهو أظهر. (15) كذا في تاريخ دمشق، وفي الطبعة القديمة من مناقب الخوارزمي " نبات بدوات نطواق " ولا ريب انه مصحف. والظاهر ان قوله: " المدر " مبتدء وما بعده خبره، وقراءته بالجر على أن يكون صفة للفظ الجلالة - مع الفصل الطويل - خلاف الظاهر.

[119]

الطل (16) فرش الفيافي والآكام بتشقيق الدمن وأنيق الزهر، وأنواع النبات (17) [و] المهريق (18) العيون الغرار من صم الاطواد (19) ببعث [ظ] الزلال حياتا للطير والهوام والوحش، وسائر الانعام والانام، فسبحان من يدان لدينه، ولا يدان لغير الله دين (20)


(16) كذا في المصدرين، ولعل الصواب: " ومهطل الرباب " أي منزله. والرباب - كسحاب - السحاب الاببض. و " الوابل ": المطر الشديد. و " الطل " - هنا -: الحسن المعجب. (17) كذا في النسخة ولعل الصواب: " ومفرش الفيافي " وفي المصدر: " فرس الصافي والآكام بتشقق الدمن ". وفي تاريخ دمشق: " فرش الفيافي من الآكام بتشقيق الدمن وأنيق الزهر، والانواع المنخنس من النبات ". وفي الكنز: " وأنواع المتحسن من النبات ". والفيافي: المفازات التي لا ماء فيها، وهي جمع " الفيفي. والفيفاء والفيفاة ". و " الآكام ": جمع أكم وأكمات - كفرح وحسنات - وهما: جمع " الاكمة " كحسنة -: التل. والظاهر ان المراد من " الدمن " هنا -: حبوب النباتات مطلقا، لا خصوص ما في سرقين الحيوانات. و " الزهر " كفلس وفرس: نور النبات. (18) وألفاظ المصدر مصحفة، ولم آل جهدي في تصويبها ومع ذلك لم أطمئن بصحة كثير منها. و " المهريق " من قولهم: " أهرق الماء ": أراقه. (19) و " الغرار " كأنه من قولهم: " غر الماء - من باب مد - غرا وغرارا ": نضب أي غار ونشف. و " الصم ": الصلب المتقن. و " الاطواد ": جمع الطود: الجبل العظيم. الهضبة. وهي تاريخ دمشق: " وشق العيون من جيوب المطر. من جيوب المطر، إذ شبعت الزلا (كذا /) حياتا للطير والهوام والوحش وسائر الانام والانعام ". وفي الكنز: " إذ شبعت الدلاء " الخ. (20) كذا في مناقب الخوارزمي، وفي تاريخ دمشق: " فسبحان من يدان لدينه، ولا يدان بغير دينه دين ". هذا ظاهر رسم الخط بعد امعان وتدبر، ويحتمل بعيدا أن يقرء " ولا يدان لغير الله دين ". وفي الكنز: " ولا يدان لغير دينه دين ". (*)

[120]

وسبحان الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود (21). ونشهد أن محمدا [صلى الله عليه وآله] عبده ورسوله المرتضى، ونبيه المصطفى، وحبيبه المجتبى (22) أرسله الله إلينا كافة، والناس أهل عبادة الاوثان وخضوع للضلالة (23) يسفكون دماءهم ويقتلون أولادهم ويخيفون سبيلهم عيشهم الظلم (24) وأمنهم الخوف وعزهم الذل، حتي استنقذنا الله بمحمد صلى الله عليه وآله من الجهالة (25) وانتاشنا بمحمد [صلى الله عليه وآله] (26)


(21) كذا في المصدر، وفي رواية ابن عساكر: " وسبحان الذي ليس له صفة نعت موجود، ولا حد محدود ". وفي هامش الكنز، عن جمع الجوامع: " سبحان الذي له صفة نعت موجود ". وهو مصحف بلا ريب. (22) بين المعقوفين كان ساقطا من النسخة، وفي تاريخ دمشق " ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده المرتضى ونبيه المصطفى ورسوله المجتبى " وهو أظهر. (23) كذا في تاريخ دمشق - وهو الظاهر - وفي المصدر: " وصبوع الضلالة ". وفي الكنز: " وخضوع الضلالة ". (24) هذا هو الظاهر من السياق، الموافق لتاريخ دمشق، وفي ط القديم من مناقب الخوارزمي: " غشيهم الظلم " وهذا وإن كان صوابا في حد ذاته، ولكنه لا يلائم ما بعده. (25) وفي تاريخ دمشق، والكنز: " عيشهم الظلم، وأمنهم الخوف، وعزهم الذل، فجاء رحمه [كذا] حتى استنقذنا الله بمحمد [صلعم] من الضلالة وهدانا بمحمد " صلعم " من الجهل، ونحن معاشر العرب أضيق الامم معاشا وأخسهم رياشا ". (26) يقال: " انتاشه من التلف ": أنقذه منه. وأصله من نوش.

[121]

من الهلكة، ونحن معاشر العرب أضيق الامم معاشا، وأخشنها رياشا (27) جل طعامنا الهبيد (28) وجل لباسنا الوبر والجلود، مع عبادة الاصنام [ظ] والاوثان والنيران (29) فهدانا الله بمحمد [صلى الله عليه وآله وسلم] إلى صالح الاديان (30) وأنقذنا من عبادة الاوثان بعد أن أمكنه الله من شعلة النور، فأضاء بمحمد [صلى الله عليه وآله وسلم] (31) مشارق الارض ومغاربها فقبضه الله إليه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فما أجل رزيته وأعظم مصيبته، فالمؤمنون فيه طرا مصيبتهم واحدة (32).


(27) الرياش - بكسر الراء -: الفاخر من اللباس والاثاث. المعاش المال. الخصب. وفي تاريخ دمشق، " وأخسهم رياشا ". ومثله في الكنز. (28) وفسره في رواية ابن عساكر بشحم الحنظل. (29) كذا في المناقب، وفي تاريخ دمشق، والكنز: " مع عبادة الاوثان والنيران ". (30) ومن قوله: " فهدانا الله بمحمد " إلى آخر الكلام نقله في غاية المرام عن الخوارزمي غير أن بين المعقوفين كان فيه هكذا " ص ". (31) بين المعقوفين كان في الاصل المحكي عنه والحاكي هكذا: " ص ". وفي تاريخ دمشق: " فهدانا الله بمحمد " صلع " بعد أن أمكنه الله شعلة النور، فأضاء لمحمد " صلع " مشارق الارض ومغاربها ". ومثله في الكنز، إلا انه قال: " فأضاء بمحمد ". (32) وفي تاريخ دمشق: " فالمؤمنون فيه سواء مصيبتهم فيه واحدة ". وفي الكنز: " فالمؤمنون فيهم سواء "، وبعده في مناقب الخوارزمي هكذا: معاشر المسلمين ناشدتكم الله هل تعلمون معاشر المهاجرين أن جبرنيل أتى النبي صلى الله عليه وآله الخ. ولاضطراب الاصل هنا، ذكرنا ما ذكر هنا عن غاية المرام. وفي تاريخ دمشق: " أناشدكم الله معاشر المهاجرين والانصار هل تعلمون أن جبرئيل أتى النبي فقال: يا محمد لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، قهل تعلمون هذا كان لغيري " الخ.

[122]

ثم قال علي كرم الله وجهه (33): فأنشدكم بالله يا معاشر المهاجرين والانصار هل تعلمون أن جبرئيل [عليه السلام] أتى النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] وقال: يا محمد لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، هل تعلمون كان هذا ؟ (34) قالوا: اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جبرئيل [عليه السلام] نزل على النبي فقال: يا محمد إن الله يامرك أن تحب عليا وتحب من يحبه، فإن الله تعالى يحب عليا ويحب من يحب عليا (35). قالوا اللهم نعم.


(33) كذا في غاية المرام، وكلمة: " كرم الله وجهه " غير موجودة في تاريخ دمشق. (34) وللحديث مصادر كثيرة. (35) وما أدري ماذا يقول الامويون والعباسيون والذين زادوا في طنبور هؤلاء نغمات وقد قتلوا عليا وولده ونكلوا بشيعته ومحبيه، وأحبوا من أبغضه وأبغضوا من أحبه، وهم يروون هذه الاحاديث وما لا يحصى من أشباهه ! !

[123]

قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] قال: لما أسري بي إلى السماء السابعة رفعت إلى رفارف من نور، ثم رفعت إلى حجب من نور، فوعد النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] الجبار - لا إله إلا هو - أشياء فلما رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ أخوك علي بن أبي طالب، واستوص به (36) أتعلمون يا معاشر المهاجرين والانصار كان هذا ؟ فقال أبو محمد من بينهم - يعني عبد الرحمان بن عوف -: سمعتها من رسول لله [صلى الله عليه] وإلا فصمتا.


(36) كلمة " واستوص به " غير موجودة في رواية ابن عساكر وفيها هكذا: " أناشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله قال: لما أسري بي إلى السماء السابعة، رفعت إلى رفارف من نور ثم رفعت إلى حجب من نور، فأوعز إلي علم أشياء [كذا] فلما رجعت من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الاب أبوك إبراهيم، ونعم الاخ أخوك علي، معاشرين المهاجرين والانصار [أ] كان هذا ". وفي الكنز " أناشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما أسري بي.. فأوحى إلى أشياء، فلما رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب يا محمد نعم الاب أبوك إبراهيم [و] نعم الاخ أخوك علي. هل تعلمون معاشر المهاجرين والانصار كان هذا ".

[124]

ثم قال: هل تعلمون أن أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيري ؟ قالوا اللهم لا (37). قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن أبواب المسجد سدها [رسول الله] وترك بابي بأمر من الله ؟ (38). قالوا اللهم نعم. قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله [صلى الله عليه وآله قاتلت الملائكة عن يساره ؟ قالوا اللهم نعم]. (39) [قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله قال لي]، " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". (40) قالوا اللهم نعم.


(37) هذا المعنى مما صرح به في كثير من أخبار سد الابواب. (38) وهذا متواتر بين المسلمين، ومقتضى اطلاقه - كصراحة غيره من أخبار الباب - انه صلى الله عليه وآله، سد جميع الابواب ولم يبق لاحد غيره بابا ولا خوخة، نعم أبقى لمدعيه دوخة. (39) بين المعقوفين هنا - وفي التالي أيضا - قد سقط من نسخة غاية المرام، وفي تاريخ دمشق هكذا: " هلى تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين النبي قاتلت الملائكة عن يساره " ! ومثله في الكنز غير ان فيه: " فهل ". (40) هذا الحديث متواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بلفظه.

[125]

قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] أخذ الحسن والحسين فجعل يقول: هي يا حسن (41). فقالت فاطمة: يارسول الله إن الحسين أصغر وأضعف ركنا منه. فقال لها رسول الله: ألا ترضين أن أقول أنا: هي يا حسن. ويقول جبرئيل هي يا حسين ؟ فهل لاحد من الناس مثل منزلتنا عند الله وعند رسول الله (42) نحن صابرون ليقضي الله في هذه البيعة أمرا كان مفعولا. الحديث (18) من الفصل (19) من مناقب الخوازرمي ص 213 وفي ط ص 137. ورواه عنه في الحديث: (69) من الباب: (20) من غاية المرام ص 118.


(41) هي بالفتح وتشديد الياء المكسورة اسم فعل للامر، وكلمة اغراء واستزادة بمعنى أسرع، وفي تاريخ دمشق: " وهل تعلمون أن رسول الله كان يواخي بين الحسن والحسين " ؟. وفي كنز العمال: " وهل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آخى بين الحسن والحسين ". والظاهر تصحيفهما وليعلم ان هذا الفصل غير موجود في بقية طرق المناشدات - التي عثرت عليها، نعم رواه جماعة ولكن في غير قصة المناشدات، فرواه في فضائل الخمسة: ج 3 / 199، عن مصادر من طريق أهل السنة، كما رواه أيضا سليم بن قيس في أواسط كتابه، وكذلك رواه في آخر الحديث (8) من المجلس (68) من أمالي الصدوق، وفي تاريخ الاسلام - للذهبي -: ج 2، وكتاب الارشاد، ص 249. (42) وفي الهامش: " فهل لخلق منكم مثل هذه المنزلة " خ ل ". وفي الكنز: فهل لخلق مثل هذه المنزلة ؟ ".

[126]

ورواه أيضا ابن عساكر - في ترجمة عثمان من تاريخ دمشق: ج 25 - 60 س 1، عكسا، قال أخبرنا أبو الحسين بن الفراء، وأبو غالب بن البناء قالا: أنبأنا أبو يعلى محمد بن الحسين، أنبأنا جدي لامي أبو القاسم عبد الله بن عثمان بن علي بن حماد [أو الخليفة] الدقاق من لفظه، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن مخلد، أنبأنا أبو إسحاق ابراهيم بن محمد بن الحسن املاءا من أصله، أنبأنا عثمان بن عبد الله القرشي بالبصرة - إلى آخر ما مر برواية الخوارزمي - ورواها بعضهم عن كنز العمال: ج 3 ص 154 (43).


(43) ولم يتيسر لي المراجعة إلى الكتاب لان الخرس قد أشغل سوق المعارف والمكتبة. وليعلم ان هذه الخطبة ذكرناها تحفظا على عقائل كلامه عليه السلام، ورجاء أن نظفر على مصدر آخر لتصحيح ما صحف في هذين المصدرين، ولقد وقفت أسبوعين من عمري على تصحيحه ومع ذلك لم أطمئن في كثير من ألفاظها بالصواب، إذ المصدر ان كانا غير مقروءين وكانا مصحفين في كثير من الكلمات، وفي رواية ابن عساكر زيادات غير مقروءة إذ النسخة قديمة جدا "، والخط كوفي، وكأنها مزجت بأكاذيب.

[127]

- 27 - ومن كلام له عليه السلام قاله على سبيل الاحتجاج على أصحاب الشورى قال الحافظ الكبير، والمصنف الخبير ابن عساكر الدمشقي: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، أنبأنا أبو الفضل أحمد بن عبد المنعم بن أحمد بن بندار، أنبأنا أبو الحسن العتيقي، أنبأنا أبو الحسن الدارقطني، أنبأنا أحمد بن محمد بن سعيد، أنبأنا يحي بن زكريا بن شيبان، أنبأنا يعقوب بن سعيد [ظ] حدثني أبو عبد الله، عن سفيان الثوري، عن أبي اسحاق السبيعي، عن عاصم ابن ضمرة، وهبيرة، والعلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد ابن عبد الله الاسدي، وعن عمرو بن واثلة (1) قالوا: قال علي بن أبي طالب يوم الشورى: والله لاحتجن عليهم بما لا يستطيع قرشيهم ولا عربيهم ولا عجميهم رده ولا يقول خلافه. ثم قال لعثمان وعبد الرحمان والزبير وطلحة وسعد - وهم أصحاب الشورى وكلهم من قريش، وقد كان قدم طلحة -:


(1) كذا في النسخة، وهذا أحد القولين في اسمه، والثاني أن اسمه: عامر بن وائلة، وهو أبو الطفيل الليثي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومحبيه، وهو ثقة بالاتفاق.

[128]

أنشدكم (2) بالله الذي لا إله إلا هو أفيكم أحد وحد الله قبلي. قالوا اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد صلى لله قبلي وصلى القبلتين (3). قالوا اللهم لا. قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري إذ آخى بين المؤمنين فآخى بيني وبين نفسه، وجعلني منه بمنزلة هارون من موسى إلا أني لست بنبي (4). قالوا: لا.


(2) يقال: " نشده الله وبالله - من باب نصر وضرب والمصدر كنصرا وابرة وحرمانا - نشدا ونشدة ونشدانا ": استحلفه أي سأله وأقسم عليه بالله. ويقال: " نشدتك الله إلا فعلت " أي ما طلبت منك شيئا من الاشياء إلا فعلك. ويقال: " نشدك الله - بفتح النون وكسرها مع سكون المعجمة فيهما - إلا فعلت " أي أنشدك بالله وأسألك به مقسما عليك. ومثله المناشدة. (3) وفي الحديث (6) من الجزء (12) من أمالي الطوسي ص 212: " أنشدكم بالله جميعا أفيكم أحد صلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وآله " الخ. وفي روايته (ره) في الحديث (4) من المجلس الثاني من أماليه - أو أمالي ابنه ص 3، وفي ط الغري ص 159 -: " أنشدكم بالله - أو قال: أسألكم بالله - الذي يعلم سرائركم ويعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم هل فيكم أحد آمن قبلي بالله ورسوله وصلى القبلتين قبلي، قالوا: اللهم لا " الخ. وفي البحار: ج 8 ص 352 نقلا عن كتاب الروضة: " أنشدكم بالله هل فيكم أحد وحد الله وصلى مع رسول الله قبلي " الخ. (4) والحديث رواه ابن عساكر - في غير عنوان المناشدات - عن (119) طريقا، ورواه في الباب (20 و 21) من غاية المرام عن (179) طريقا.

[129]

قال: أنشدكم بالله أفيكم مطهر غيري إذ سد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوابكم وفتح بابي وكنت معه في مساكنه ومسجده، فقام إليه عمه فقال: يارسول الله غلقت أبوابنا وفتحت باب علي ؟ ! قال: نعم أمر الله بفتح بابه وسد أبوابكم (5). قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم [بالله] أفيكم أحد أحب إلى الله وإلى رسوله مني إذ دفع الراية إلي يوم خيبر فقال: [لاعطين الراية] (6) إلى من يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. ويوم الطائر إذ يقول: [اللهم] ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي. فجئت فقال: اللهم وإلى رسولك،


(5) ورواه ابن عساكر - في غير باب المناشدات - عن (13) طريقا، ورواه في الباب (99) من غاية المرام ص 639 عن (29) طريقا، وفي الباب (100) منه عن (15) طريقا (6) بين المعقوفين كان ساقطا عن النسخة، ولا بد منه، والحديث رواه ابن عساكر - في غير باب المناشدات - عن (50) طريقا، ورواه أيضا في الباب (9) من الفصل الاخير من غاية المرام ص 465 عن (35) طريقا. ثم ان احتجاجه عليه السلام في يوم الشورى بحديث الطير موجود في المناشدات التي رواها الحاكم صاحب المستدرك في كتاب حديث الطير الذي جمعه، وفيه أيضا احتجاجه عليه السلام برد الشمس، وسند الحاكم غير هذا السند، كما في الباب (100) من كفاية الطالب، ص 378 وكما في المختار التالي.

[130]

اللهم وإلى رسولك (7) [" قالوا اللهم لا]. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد قدم بين يدي نجواه صدقة غيري ؟ قالوا: اللهم لا (8) قال: نشدتكم بالله أفيكم من قتل مشركي قريش والعرب في الله وفي رسوله غيري ؟ قالوا: اللهم لا (9). قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد دعا رسول الله صلى


(7) وما بعده مما بين المعقوفين كأنه من النسخة، ولابد منه، ويحتمل سقوطه من قلمي، ولعدم وجود النسخة - أي الاصل المأخوذ منه - لدي فعلا للمراجعة جعلناه بين المعقوفين للامتياز. ثم إن هذا الحديث رواه ابن عساكر - في غير باب المناشدات - عن (34) طريقا، ورواه في الباب (11) من الفصل (2) من غاية المرام ص 471 عن (35) طريقا ورواه ابن المغازلي في مناقبه في الحديث: (18 - 212) وقد ألف جماعة من الخاصة والعامة في جمع طرقه رسائل وراجع إلى حديث الطير من عبقات الانوار فإن فيه ما تشتهيه (8) اتفقت الامة الاسلامية من بكرة أبيهم على أنه لما نزلت الآية الكريمة: " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة " (12 / المجادلة) انتهى المسلمون بأجمعهم عن المناجات واستفسار الحقائق عن رسول الله صلى الله عليه وآله غير علي بن أبي طالب فانه كان عنده دينار ففرقه على عشرة حصص وناجى رسول الله وشرب من المنهل العذب حتى نزلت: " " أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات " في ذم المسكين عن المناجات، ولم يعمل بالآية الشريفة غير أمير المؤمنين عليه السلام، ومن هنا يستنتج أن ما ينسب إلى بعضهم من الانفاق على رسول الله أو في موضوع كذا فهو من موضوعات الامويين. (9) كذا في النسخة، والصواب ما رواه في الباب (100) من كفاية الطالب ص 387 بسند آخر عن الحاكم صاحب المستدرك في كتابه الذي جمعه في طرق حديث الطير، وهو: " أمنكم أحد قتل مشركي قريش قبلي، قالوا: لا "...

[131]

الله عليه وسلم له في العلم وأن يكون أذنه الواعية مثل ما دعالي ؟ قالوا: اللهم لا (10). قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرحم، ومن جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وابناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري ؟ (11). قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد كان يأخذ الخمس (12) مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يؤمن أحد من قرابته غيري وغير فاطمة ؟ قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء عالمها ؟ قالوا: اللهم لا.


(10) ذكر ابن عساكر في تفسير قوله تعالى: " وتعيها اذن واعية " الآية (12) من سورة الحاقة، حديثين في هذا المعنى، وهو الحديث، (923 و 924) من نرجمته عليه السلام من تاريخ دمشق. وروى في الباب: (69) وتاليه من غاية المرام ص 366 ستة عشر حديثا في الموضوع. (11) كما في الآية: (61) من سورة آل عمران: (3): " فإن تولوا فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ". (12) كذا.

[132]

قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد له ابنان مثل ابني الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ما خلا النبيين غيري ؟ قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد له أخ كأخي جعفر الطيار في الجنة المزين بالجناحين مع الملائكة غيري ؟ قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد له عم مثل عمي أسد الله وأسد رسول الله سيد الشهداء حمزة غيري ؟ (13). قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله [هل فيكم] أحد ولي غمض رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الملائكة غيري ؟ قالوا: اللهم لا.


(13) ولا يزال هو عليه السلام وذريته كانوا يفتخرون بجعفر وحمزة رضوان الله عليهم، وكتب عليه السلام إلى معاوية: محمد النبي أخي وصنوي * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي * يطير مع الملائكة ابن أمي وكان الامام الحسين عليه السلام في يوم عاشواء يرتجز ويقول: وفاطم أمي من سلالة أحمد * وعمي يدعى ذا الجناحين جعفر

[133]

قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد ولي غسل النبي صلى الله عليه وسلم [كذا] مع الملائكة يقلبونه كيف أشاء غيري ؟ (14) قالوا: اللهم لا. قال: نشدتكم بالله أفيكم أحد كان آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضعه في حفرته غيري ؟ قالوا: اللهم لا. قال نشدتكم بالله أفيكم أحد قضى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ديونه ومواعيده غيري ؟ (15) قالوا: اللهم لا.


(14) وأما غيره فحرموا عن الحضور عند غسله - بل ودفنه صلى الله عليه وآله - لانهم كانوا مشغولين لتمهيد الرياسة وتخطيط الخلافة. (15) قال يوسف بن حاتم الشامي (ره) - في أول وقعة الجمل من كتاب در النظيم -: سألت أبا المجد ابن رشادة (ظ) الواعظ بواسط في ذي الحجة سنة ست وأربعين وخمسمائة، عن قول النبي صلى الله عليه وآله: " انك يا علي تقضي ديني، وتنجز عدتي ". أكان على النبي صلى الله عليه وآله دبن قضاه علي عليه السلام عنه والامر في يد غيره. قال: نعم حدثني شيخي العالم الزاهد الغزالي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " بعثني ربي بقتل المشركين والناكثين والقاسطين والمارقين بعهد عهد إلي، فقتلت المشركين، وبقي قتل الناكثين والقاسطين والمارقين دينا علي يقضيه عني ابن عمي ووصيي علي بن أبي طالب، عهدا معهودا.

[134]

قال: وقد قال الله عزوجل: " وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين " (111 - الانبياء: 21). الحديث (1131) من ترجمة امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 38 ص 39. وقال ابن حجر - في آخر الفصل الثاني من فضائل علي عليه السلام، في آخر الحديث الاربعين من كتاب الصواعق ص 126 -: وأخرج الدارقطني أن عليا قال للستة الذين جعل عمر الامر شورى بينهم كلاما طويلا من جملته: " أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة. غيري ؟ قالوا اللهم لا (16). وذكره أيضا العلامة جمال الدين المحدث الشيرازي في كتاب روضة الاحباب إلا أنه اكتفى منه ببعض فصوله كقوله صلى الله عليه وآله: انت أخي في الدنيا والآخرة، ومن كنت مولاه فعلي مولاه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو رجل من أهل بيتي، وأنا مدينة العلم وعلي بابها. ذكره عنه صمصام الطائفة المحقة في المجلد الثاني من حديث: " أنا مدينة العلم وعلي يابها " من عبقات الانوار، ص 277 ط الهند. وروى هذه المناشداة - مع مناشدة أخرى بسند آخر - في الحديث (117) من مناقب ابن المغازلي المتوفي (483) ص 53 قال: أخبرنا أبو طاهر محمد ابن علي بن محمد البيع البغدادي، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن سعيد


(16) من هذه الفقرة يستفاد ان الحديث يرويه ابن حجر عن الدارقطني بسند آخر غير ما تقدم، لان الطريق المتقدم لم يك يشتمل على هذه الفقرة.

[135]

المعروف بابن عقدة الحافظ، أنبأنا جعفر بن محمد بن سعيد الاحمسي أنبأنا نصر - وهو ابن مزاحم - أنبأنا الحكم بن مسكين، أنبأنا أبو الجارود وابن طارق، عن عامر بن واثلة. وأبو ساسان، وأبو حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عامر بن واثلة قال: كنت مع علي في البيت يوم الشورى فسمعت عليا يقول لهم: لاحتجن علبكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم تغيير ذلك الخ. أقول: ورواها أيضا الشيخ الزاهد أبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن الحسن القزويني - المتوفى سنة 422 - في المجلد الثاني من أماليه، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الكوفي، أن جعفر بن محمد بن سعيد الاحمسي حدثهم [وقال]: حدثنا نصر - وهو ابن مزاحم - حدثنا الحكم بن مسكين، حدثنا أبو الجارود وأبو طارق، عن عامر بن واثلة. وأبو ساسان وأبو حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن عامر بن واثلة قال: كنت مع علي عليه السلام في البيت يوم الشورى فسمعت عليا عليه السلام وهو يقول لهم: لاحتجن عليكم بما لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم [أن] يغير ذلك. ثم قال: " انشدكم بالله أيها النفر " الخ. ونقلها عنه بطولها العلامة الاميني (ره) في ثمرات الاسفار ج: 2.

[136]

- 28 - ومن كلام له عليه السلام في معنى ما تقدم قال الحاكم في كتاب حديث الطير (1): أخبرنا أبو بكر ابن أبي دارم الحافظ بالكوفة من أصل كتابه، حدثنا منذر بن محمد بن منذر، حدثنا أبي، حدثني عمي، حدثنا أبي عن أبان بن تغلب عن [أبي الطفيل] عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى وعلي في البيت فسمعته يقول: استخلف أبو بكر وأنا في نفسي أحق بها منه [وأولى] فسمعت وأطعت [مخافة أن يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف] (2) واستخلف عمر (3) وأنا في نفسي أحق بها منه [وأولى] فسمعت وأطعت [مخافة] أن يرجع الناس كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف] وأنتم تريدون أن تستخلفوا عثمان، إذا لا أسمع


(1) كما رواه عنه في الباب (100) من كفاية الطالب ص 386 ط 2. (2) اي إن خوف ارتداد الناس صار سببا لتنازلي عن حقي وعدم نهوضي على خلافهم. والسمع والطاعة أعمان من طيب النفس ورضا القلب لان كل أحد إذا أحس بالخطر العظيم لاسيما إذا كان الخطر أعظم من بذل النفس يسمع وينقاد. ثم ان ما وضعناه بين المعقوفات مأخوذ من رواية العقيلي وغيره كما سنشير إليها. (3) أي استخلف أبو بكر عمر، مع حضوري وأنا أحق بها..

[137]

ولا أطيع، جعل عمر في خمسة - أنا سادسهم - لا يعرف لهم فضل (4) أما والله لاحاجنهم بخصال لا يستطيع عربيهم ولا عجميهم المعاهد منهم والمشرك أن ينكر منها خصلة. [ثم قال عليه السلام]: أنشدكم بالله أيها الخمسة أمنكم [أحد] أخو رسول الله غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيري ؟ قالوا لا. قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكه في الجنة ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة سيدة نساء الامة غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطي هذه الامة [5) ابني رسول الله غيري ؟ قالوا: لا.


(4) أي جعل عمر الخلافه في خمسة لا فضل لهم وليسوا لي بقرناء. (5) وفي العقيلي: " أفيكم أحد له مثل زوجي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا اللهم: لا. قال: أفيكم أحد له مثل سبطي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، قالوا: اللهم لا ". لكنه أخر ذكر الصديقة عن سبطيها، عكس ما هنا، وما ذكرناه عنه.

[138]

قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش قبلي ؟ قالوا: لا (6). قال: أمنكم أحد ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى العصر غيري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد قال له رسول الله [صلى الله عليه وآله] حين قرب إليه الطير فأعجبه: " اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير " فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قول النبي صلى الله عليه وآله فدخلت [فلما رآني (7)] قال: وإلي يا رب وإلي يا رب. غبري ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد كان أقتل للمشركين عند كل شديدة تنزل برسول الله صلى الله عليه وسلم مني ؟ قالوا: لا. قال: أمنكم أحد كان أعظم غناءا عن رسول الله صلى الله الله عليه وآله حين اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت [له] مهجتي غيري ؟ قالوا: لا.


(6) وبعده في رواية الخوارزمي هكذا: " قال: امنكم احد وحد الله قبلي، قالوا: لا. قال أمنكم أحد أمر الله بمودته غيري، قالوا: لا. قال. أمنكم أحد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي، قالوا: لا. قال: أمنكم أحد سكن المسجد يمر فيه جنبا غيري، قالوا: لا ". (7) بين المعقوفين زيادة يستدعيها المقام. ثم ان هذا الفصل هو آخر رواية الحاكم على ما في كفاية الطالب، واما الفصول الآتية فمأخوذ من رواية الخوارزمي.

[139]

قال: أمنكم أحد كان يأخذ الخمس غيري وغير فاطمة ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد كان يأخذ الخمس سهم في الخاص وسهم في العام غيري ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد يطهره كتاب الله غيري حتى سد النبي صلى الله عليه وسلم أبواب المهاجرين جميعا وفتح بابي إليه حتى أتى إليه عماه حمزة والعباس وقالا: يارسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم بل الله فتح بابه وسد أبوابكم ؟ قالوا: لا. قال: أفيكم أحد تمم الله نوره من السماء حتى قال: " فلت ذا القربى حقه ؟ [26 - بني اسرائيل] قالوا: اللهم: لا.

[140]

قال: أفيكم أحد ناجى رسول الله صلى الله عليه وآله سلم ست عشرة (1) مرة غيري ؟ حين نزل: " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم [صدقة] " [12 - المجادلة] قالوا: اللهم لا. قال: أفيكم أحد ولي غمض رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري ؟ قالوا: [اللهم] لا. قال: أفيكم أحد [كان] آخر عهده برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وضعه في حفرته غيري ؟ قالوا لا. أقول: الكلام من أوله إلى الفصل (9) مأخوذ من رواية الحاكم يالسند المتقدم، وأما الفصل (9) وما بعده من فصول هذا الكلام فرواه الخوارزمي في الحديث (38) من الفصل (19) من مناقبه ص 224 قال: أخبرني الشيخ شهاب الدين أفضل الحفاظ أبو النجيب سعد بن عبد الله بن الحسن الهمداني المعروف يالمروزي، أنبأنا الحافظ أبو علي الحسن ين أحمد بن الحسن الحداد بإصفهان، فيما أذن لي في الرواية عنه أنبأنا الشيخ الاديب أبو يعلى عبد الرزاق ابن عمر بن إبراهيم الطهراني، أنبأنا الامام الحافظ طراز المحدثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصفهاني.


(1) كذا في النسخة، وفي رواية كنز العمال: ج 3 ص 155: " اثنتي عشرة مرة.. ".

[141]

قال الشيخ أبو النجيب سعد بن عبد الله: وأخبرني بهذا الحديث عاليا الامام الحافظ سليمان بن إبراهيم الاصفهاني، عن أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه، أنبأنا سليمان بن الحارث بن محمد، حدثنا أبو يعلى بن سعيد الرازي حدثنا [محمد بن] حميد، حدثنا زافر بن سليمان، حدثتا الحارث ين محمد، عن أبي الطفيل. ورواه عنه الحموئي في الحديث: (262) في الباب: (59) من فرائد السمطين ورواه أيضا العقيلي في ترجمة حارث بن محمد من ضعفائه الورق 39 عن محمد بن أحمد الوراميني، عن يحي بن المغيرة الرازي، عن زافر، عن رجل، عن الحارث بن محمد عن أبي الطفيل.. ثم قال - يعد ختام الكلام -: وهذا السند فيه رجلان مجهولان: رجل لين لم يسمه زافر، و [الثاني] الحارث بن محمد. ثم قال العقيلي: وحدثني جعفر بن محمد، حدثنا محمد بن حميد الرازي أنبأنا زافر، أنبأنا الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن علي فذكر نحوه. و (أيضا) قال أبو جعفر (العقيلي): وهذا (أي) إسقاط الرجل المجهول من سلسلة (السند) عمل ابن حميد، أسقط الرجل أراد أن يجود الحديث، والصواب ما قاله يحي بن المغيرة ويحي بن المغيرة ثقة " (1). ورواه عنه في الحديث: (1131) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق.


(1) والمستفاد منه ان البخاري أيضا رواه - لكن بخار عصبيته حال بينه وبين كتابة الحديث والاعتراف بصحته - قال العقيلي: حدثني آدم بن موسى قال: سمعت البخاري قال: الحارث بن محمد عن أبي الطفيل (كذا) كنت على الباب يوم الشورى. رواه زافر، عن الحارث، ولم يتبين سماعه منه ولم يتابع زافر عليه. أقول: ورواه أيضا السيوطي في اللآلي: ج 1 / 187، نقلا عن العقيلي.

[142]

ورواه أيضا في كتاب الامارة من كنز العمال تحت الرقم: (2461) عنه وعن ابن الجوزي وقال: قال ابن حجر في أماليه: إن زافرا لم يتهم بكذب، وإنه إذا توبع على حديث كان حسنا. ورواه أيضا أبو عمر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من الاستيعاب: ج 3 ص 1098، ط مصر، قال: حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا عمرو بن حماد القناد، قال: حدثنا إسحاق ابن إبراهيم الازدي، عن معروف بن خربوذ، عن زياد بن المنذر، عن سعيد بن محمد الازدي، عن أبي الطفيل الخ غير أنه لم يذكر منه الا محل شاهده.

[143]

- 29 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعبد الرحمان بن عوف في يوم الشورى لما عرض عليه وعلى عثمان الخلافة ثلاث مرات على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر. وفي كل مرة يقول له عثمان نعم. ويجيبه أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: " على أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه ما استطعت ". وبعد المرة الثالثة قال لعبد الرحمان: إن كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجيرى أحد (1) أنت مجتهد أن تزوي هذا الامر عني (3) ! !. تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 142، ط 3.


(1) الاجيري - بكسر فتشديد -: العادة والطريقة. (2) أي تصرفه وتمنعه عني.

[144]

- 30 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعبد الرحمان بن عوف لما بايع عثمان وبالسند المتقدم عن الطبري قال عليه السلام لعبد الرحمان ين عوف لما بايع عثمان في اليوم الثالث من الشورى: حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا (1) فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الامر إليك، والله كل يوم هو في شأن. تاريخ الطبري: ج 3 ص 297 في حوادث سنة (23)، ومثله في تاريخ الكامل: ج 3 ص 37، ورواه في حديث الثقلين من عبقات الانوار، ص 905 و 910 ط إصفهان عنهما وعن كتاب المختصر، ورواه أيضا ابن عبد ربه في العقد الفريد: ج 3 ص 76 ط 2 تحت الرقم (5) من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم. ورواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار (139) من خطب نهج البلاغة ج 9 ص 53 عن زيادات كتاب السقيفة للجوهري، وعن عوانة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي في كتاب شورى ومقتل عثمان بصورة أخرى.


(1) هذا بصريحه يدل على انهم قد تظاهروا قبل ذلك على خلاف أهل البيت عليهم السلام ومشاقتهم، ويدل أيضا بالصراحة على أن هؤلاء أول من علم الناس - في الاسلام - التكالب على الدنيا والتنافس فيها.

[145]

- 31 - ومن كلام له عليه السلام في بث الشكوى والتظلم من قريش وبالسند المتقدم في المختار (24) قال عليه السلام - لما قيل له: لم لا تدع الناس إلى نفسك كي تستنقذ بهم ما غلبوك عليه من الخلافة -: إن الناس ينظرون إلى قريش، وقريش تنظر إلى بيتها فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها ! ! (1). تاريخ الطبري: ج 3 ص 298، ورواه عنه ابن أبي الحديد، في شرح الخطبة الشقشقية من شرح النهج: ج 1 / ص 199، ومثله أيضا في تاريخ الكامل لابن الاثير: ج 4 ص 37، وللكلام مصادر وشواهد أخر أوضح مما هنا تقف عليها فيما ذكرناه في المقالة العلوية الغراء.


(1) هذا الفصل أيضا - مع اختصاره وشدة احتياط ناقله في اختيار المجمل فالمجمل من هذا النمط - يدل على أن هؤلاء العدول من الصحابة، كانوا في الاسلام أول من سعى وجد في تحصيل الدنيا، والحيلولة بين آل المصطفى وبين منصبهم.

[146]

- 32 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما تمحل في درء الحد عن عبيد الله بن عمر قاتل هرمزان (ره) أما أنت فمطالب بدم الهرمزان، يوم يعرض الله الخلق للحساب، وأما أنا فأقسم بالله لئن وقعت عيني على عبيد الله بن عمر لاخذت حق الله منه وإن رغم أنف من رغم. كتاب الجمل ص 95 ط النجف. وقريبا منه بعض القرب رواه في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 24 نقلا عن المدائني.

[147]

- 33 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها في زواج بعض بني أمية محمد بن يعقوب الكليني عليه الرحمة والرضوان، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن علي بن رئاب: عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن جماعة من بني أمية في إمارة عثمان اجتمعوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله في يوم جمعة وهم يريدون أن يزوجوا رجلا منهم، وأمير المؤمنين عليه السلام قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: هل لكم أن نخجل عليا الساعة، نسأله أن يخطب بنا ونتكلم فإنه يخجل ويعي بالكلام (1) فأقبلوا إليه فقالوا: يا أبا الحسن إنا نريد أن نزوج فلانا فلانة، ونحن نريد أن تخطب بنا. فقال: فهل تنتظرون أحدا ؟ فقالوا: لا. فوالله ما لبث عليه السلام حتى قال: الحمد لله المختص بالتوحيد (2)، المتقدم بالوعيد، الفعال لما يريد، المتحتجب بالنور دون خلقه، ذي الافق


(1) يقال: " عيي بأمره وعنه - من باب حسب - عيا وعياءا لم يطق إحكامه وعجز عنه. أو لم يهتد لوجه مراده. و " عيي في المنطق عيا " من باب حسب - والمصدر كالضد -: حصر فهو عي وعيي. عجبا للمساكين ظنوا أن خليفة النبي صلى الله عليه وآله ووصيه مثل من استولى على أريكة الخلافة بالقهر والغلبة فاقد للكمالات لا يقدر على إنشاء الخطبة - كما رأوا من ابن عمهم عثمان في أول يوم خلافته لما صعد المنبر - ولم يعرفوا أن الله لا ينقض غرضه وحكمته بإعطاء الخلافة للجهال، فمن جعله وصيا لنبيه وخليفة له لابد أن يكون مثل النبي في العلم والكمال كيلا يكون للناس على الله حجة بعده، وليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بيينة. (2) أي الذي يختص التوحيد الحقيقي به دون خلقه فإن التوحيد فيهم اعتباري كل ممكن زوج تركيبي مؤلف من أشياء.

[148]

الطامح، والعز الشامخ، والملك الباذخ (3) المعبود بالآلاء، رب الارض والسماء، أحمده على حسن البلاء وفضل العطاء، وسوابغ النعماء، وعلى ما يدفع ربنا من البلاء، حمدا يستهل له العباد، وينموا به البلاد (4). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يكن شئ قبله ولا يكون شئ بعده، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، إصطفاه بالتفضيل وهدى به من التضليل (5) إختصه لنفسه، وبعثه إلى خلقه


(3) قال المجلسي الوجيه: معنى " المتحجب بالنور ": ليس له حجاب إلا الظهور الكامل، أو الكمال التام، أو أن عرشه محتجب بالانوار الظاهرة. والطموح: الارتفاع. ولعل (قوله): " ذى الافق الطامح " كناية عن ارتفاعه عن إدراك الحواس والعقول والاوهام، أو عن أن يصل إليه أحد بسوء. وكذلك الفقرتان التاليتان، ويحتمل التوزيع. و " الشامخ ": العالي. و " الباذخ ": المرتفع. العظيم الشأن. و " المعبود بالالاء " أي الذي يعبده ويخضع له العباد بسبب آلائه وأياديه إليهم ولديهم ومن أجل إحسانه وإنعامه عليهم. (4) و " السوابغ ": جمع السابغة: الواسعة. التامة. و " النعماء " - كحمراء: جمع أنعم - كأفلس - والنعمى - كقربى - وحسنى: اليد البيضاء الصالحة: و " يستهل له العباد ": يرفعون به أصواتهم، يدعونه خوفا وطعما، ويستبشرون بذكره ويستانسون به في خلواتهم. و " ينمو به البلاد " أي بإفاضته النعم على أهاليها فيزدادون بزيادتها. (5) " بالتفضيل " أي إنما اصطفاه الله واختاره بسبب تفضيله في حد ذاته على غيره من ذوي العقول. أو بأن فضله الله على جميع الخلق بالرسالة. " وهدى به من التضليل " أي لئلا يضلهم الشيطان. أو لئلا يجدهم ضالين. أو لئلا يكونوا مضلين.

[149]

برسالاته وبكلامه، يدعوهم إلى عبادته وتوحيده والاقرار بربوبيته، والتصديق بنبيه صلى الله عليه وآله، بعثه على حين فترة من الرسل، وصدف من الحق (6) وجهالة بالرب، وكفر بالبعث والوعيد، فبلغ رسالاته وجاهد في سبيله ونصح لامته، وعبده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا. أوصيكم ونفسي بتقوى الله العظيم، فإن الله عز وجل قد جعل للمتقين المخرج مما يكرهون، والرزق من حيث لا يحتسبون، فتنجزوا من الله موعوده، واطلبوا ما عنده بطاعته والعمل بمحابه، فإنه لا يدرك الخير إلا به، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تكلان فيما هو كائن إلا عليه [7) ولا حول ولا قوة إلا بالله. أما بعد فإن الله أبرم الامور وأمضاها على مقاديرها،


(6) المراد من الفترة - هنا -: انقطاع الناس عن الرسل والانبياء. و " صدف من الحق " أي اعراض وصدود عنه. (7) التكلان - كثعبان وسبحان -: الاعتماد والتوكل.

[150]

فهي غير متناهية عن مجاريها دون بلوغ غاياتها فيما قدر وقضى من ذلك، وقد كان فيما قدر وقضى من أمره المحتوم، وقضاياه المبرمة، ما قد تشعبت به الاخلاف، وجرت به الاسباب، وقضى من تناهي القضايا بنا بكم إلى حضور هذا المجلس الذي خصنا الله وإياكم للذي كان من تذكرنا آلاءه وحسن بلائه، وتظاهر نعمائه، فنسأل الله لنا ولكم بركة ما جمعنا وإياكم عليه، وساقنا وإياكم إليه. ثم إن فلان بن فلان ذكر فلانة بنت فلان (1) وهو في الحسب من قد عرفتموه، وفي النسب من لا تجهلونه، وقد بذل لها من الصداق ما قد عرفتموه، فردوا خيرا تحمدوا عليه وتنسبوا إليه، وصلى الله على محمد وآله وسلم. الحديث الاول من الباب (44) من كتاب النكاح من الكافي: ج 5 ص 369. ونقلها عنه في البحار: ج 18، ص 370. وهذا هو المختار (88) من خطب المستدرك ص 103.


(1) هذا التعبير من الراوي لذهاب اسمهما عن باله، أو لشئ آخر، ويبعد كل البعد كون اللفظ من أمير المؤمنين عليه السلام مع علمه باسم الزوجين.

[151]

- 34 - ومن كلام له عليه السلام في تقريع آل أمية، والاشارة إلى هوان شأنهم. قال عبد الله بن أحمد: حدثني أبي قال:: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا وائل يحدث عن الحارث بن حبيش الاسدي قال: بعثني سعيد بن العاص بهدايا إلى الكوفة (1) وفضل عليا فأتيته فقلت: إن ابن أخيك يقرؤك السلام. وذكر الحديث فقال [علي عليه السلام]: أما والله لئن ملكتها لانفضنها نفض القصاب التراب الوذمة (2). قال [عبد الله: قال] أبي: وقال يحي بن أبي بكير: التراب والوذمة [كذا]. قال أبي: ويقال: إنما هي الوذام التربة. رواه تحت الرقم: (1791) من كتاب العلل ومعرفة الرجال - لعبد الله ابن أحمد - ص 278 ط 1، وفي مخطوطه الورق 65 ب، وللكلام مصادر، تجد بعضها فيما يأتي.


(1) كذا في الاصل، وكلمة: " إلى " بمعنى " من ". (2) قال في مادة: " ترب " من نهاية ابن الاثير: وفي حديث علي (عليه السلام): لئن وليت بني أمية لانفضهم نفض القصاب التراب الوذمة. التراب: جمع ترب مخفف ترب [مثل كتف وكتف] يريد اللحوم التي تعفرت بسقوطها في التراب. والوذمة: المنقطعة الاوذام وهي السيور التي يشد بها عرى الدلو.

[152]

- 35 - ومن كلام له عليه السلام في وجوب التجنب عن ورد يني أمية قال المحاملي: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، قال،: حدثنا غسان، قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن الاعمش، عن عمرو بن مرة عن شقيق بن سلمة، قال: سمعت عبد الرحمان ابن خنيس (كذا) قال: لما قدم سعيد بن العاص المدينة بعث معي بمال وكسوة إلى علي [بن أبي طالب] وقال لي: قل له: لم يأت أحد من أهل الغائط [كذا] ما أتاك إلا أمير المؤمنين [يعني عثمان] فقال علي [عليه السلام]: لشد ما يحظر علي بنو أمية تراث محمد صلى الله عليه وسلم، والله لئن بقيت لهم لانفضنهم نفض الكراع أذن الشاة من التراب (1). أواسط المجلس الثاني من الجزء الثاني من أمالي الشيخ حسين المحاملي الورق 86.


(1) كذا في الاصل، ولم يرد هذا التعبير: " الكراع أذن الشاة من التراب " من طريق غيره مما ظفرت به، ولعل المعنى لئن يقيت وتحملت أعباء الخلافة، لاطردن بني أمية عن الامارة، ولازيلنهم عن منهل الخلافة، كما يزيل الكراع - كضراب، وهو من يسقي ماشيته بماء المطر - اذن الشاة والاجزاء المبتورة منها الواقعة في ممر مسقى شياته، كراهة أن تبتلي شياته وماشيته بداء الميتة فيعتريها المرض أو الموت.

[153]

- 36 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم قال ابن عساكر - في ترجمة سعيد بن العاص من تاريخ دمشق: ج 21 ص 35 - أخبرنا أبو بكر اللفتواني، أنبأنا أبو صادق الاصبهاني، أنبأنا أحمد ابن محمد بن زنجويه، أنبأنا الحسن بن عبد الله بن سعيد (1)، أنبأنا محمد بن يحي، أنبأنا علي بن الصباح الشيرازي، أنبأنا أبو محلم، حدثني من سمع شعبة، يقول: حدثنا محمد بن المنكدر، قال: أهدى سعيد بن العاص هدايا لاهل المدينة [حينما كان واليا على الكوفة من قبل عثمان] وقال لرسوله [الذي أرسل الهدايا معه]: لا تعذرني إلا عند علي بن أبي طالب، وقل له: ما فضلت عليك أحدا في الهدية إلا أمير المؤمنين عثمان. فقال علي [عليه السلام] لما قال له الرسول ذلك:


(1) وأخيرا رواه لنا بعض المعاصرين عن كتابه تصحيف المحدثين الورق 20 قال: أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا علي بن الصباح الشيرازي حدثنا أبو محلم - قال الشيخ: هو أحمد بن هشام السعدي - قال: حدثني من سمع شعبة يقول: حدثنا محمد بن المنكدر، قال: أهدى سعيد بن العاص هدايا لاهل المدينة وقال لرسوله: لا تعتذرن إلا عند علي بن أبي طالب وقل له: ما فضلت عليك أحدا في الهدية إلا أمير المؤمنين عثمان ابن عفان. فقال علي عليه السلام لما قال له الرسول ذلك: لشد ما نفست علي أمية وضايقتني، والله لئن وليتها لانفضنها نفض القصاب التراب الوذمة. قال: فقال الاصمعي: الثراب بالثاء المعجمة بثلاث. فقال شعبة: ما سمعت إلا التراب بالتاء (كذا) فتحاكما إلى أبي عمرو، فحكم كما قال شعبه: قال أبو محلم: الصواب [هم‍] ما قال شعبة وحكم به أبو عمرو.

[154]

لشد ما نفست علي أمية وضايقتني (2) والله لئن وليتها لانفضنها نفض القصاب التراب الوذمة. قال: فقال له الاصمعي: التراب [يعني بالتاء المثناة] فقال شعبة: هما سمعته إلا الثراب بالثاء [المثلثة] فتحاكما إلى أبي عمرو، فحكم كما قال شعبة (3) قال أبو محلم: الصواب ما قال شعبة وحكم به أبو عمرو. [ثم] قال العسكري: وأخبرنا به عبد العزيز بن يحي الجلودي، عن أبي ذكوان، عن الثوري، عن الاصمعي بمثله. وقال الثوري: صحف الاصمعي وأصاب [ظ] شعبة. والثراب: الكروش يقال: هذه كورش ثربة [أي غشيها الشحم] والوذمة: ذات زوائد، شبهت بوذام الدلو، وأنشد: قد صدرت مترعة وذامها (4) هذا مذهب أبي عبيد فيه، وقال أبو سعيد المكفوف فيما رد على أبو عبيد وتحاك حكاية عنه [كذا] وفسر أن الثراب الوذمة هي الحزة من الكرش أو الكبد. والتربة التي قد سقطت في التراب فتربت، ثم قال أبو سعيد: والصحيح عندنا غير ما ذكر (5) وإنما سميت الكروش الثربة لانها تحمل [أو تحل] فيها


(2) يقال: " نفس بالشي نفسا ونفاسة ونفاسية - الفعل من باب علم، والمصدر كالضرب والسماحة والسماوية -: ضن به. ونفس على فلان بخير: حسده عليه. (3) وفي تهذيب تاريخ الشام ج 6 / 139: " بما قال شعبه ". قال أبو محلم: وهو الصواب. وقال الثوري: صحف الاصمعي لان الثراب: الكروش. يقال: هذه كروش ثربة. والوذمة ذات زوائد، شبهت بوذام الدلو. وأنشد: " قد صدرت مترعة وذامها ". (4) لم أعثر على الصمرع الثاني منه ولا على قائله، ولم يذكره أيضا منه شيئا، من رواه لنا عن تصحيف المحدثين عدى قوله: " أخبرنا به عبد العزيز بن يحى الجلودي ". والظاهر لم يكتب لنا البقية، لظنه ان الشاهد فيما كتبه دون ما عداه. (5) أي غير ما ذكر شعبة، وإنما سميت بالكروش التربة لانها تحمل فيها التراب من المرتع.

[155]

التراب من المرتع، والوذمة التي قد أخمل باطنها بخمله وهي زئيرها وكل كرش وذمة لانها مخملة. فيقول [أمير المؤمنين عليه السلام]: لئن وليتهم لاطهرنهم مما هم فيه من الدنس، ولاطيبنهم من الخبث. قال (أبو سعيد) وسمعت أبا بكر بن دريد يقول برد هذا كله، ويقول: إن قولهم: الثراب الوذمة خطأ، وان أصحاب الحديث قلبوه وإنما هو: " الوذام التربة " قال: وأصله أن كل سير قددته مستطيلا فهو وذم، وكذلك اللحم والكرش وما أشبهه، وهذا أراد (6). وقال في النهاية: قال الاصمعي: سألني شعبة [كذا] عن هذا الحرف فقلت: ليس هو هكذا، إنما هو " نفض القصاب الوذام التربة " وهي التي قد سقطت في التراب. وقيل: الكروش كلها تسمى تربة لانها يحصل فيها التراب من المرتع، والوذمة التي أخمل باطنها، والكروش وذمة لانها مخملة، ويقال، لخملها: الوذم، ومعنى الحديث: لئن وليتهم لاطهرنهم من الدنس.. وقيل: أراد بالقصاب السبع، و [من] التراب أصل ذراع الشاة، والسبع إذا أخذ الشاة قبض على ذلك المكان ثم نفضها. أقول: وقريبا منه ذكره في مادة " ترب " من كتاب الفائق في شرح الكلام، وكذا في مادة " وذم " من صحاح الجوهري.


(6) وليعلم أن في جميع الموارد ضبط الاصل يعني تاريخ دمشق " الوذمة " بالزاء أخت الراء، وأصلحناها على المعروف يعني بالذال المعجمة أخت الدال.

[156]

- 37 - ومن كلام له عليه السلام قاله لابي ذر الغفاري رحمه الله حين سفره مروان بأمر عثمان إلى الربذة ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني الرازي رحمه الله. عن سهل، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن حفص التميمي، قال: حدثني أبو جعفر الخثعمي (1) قال: قال: لما سير عثمان أبا ذر إلى الربذة شيعه أمير المؤمنين وعقيل والحسن والحسين عليهم السلام وعمار بن ياسر رضي الله عنه، فلما كان عند الوداع قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا ذر إنك إنما غضبت لله عزوجل، فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك (2) فارحلوك عن الفناء (3) وامتحنوك بالبلاء، والله لو كانت السماوات والارض على عبد رتقا ثم اتقى


(1) الخبر مروي من طرق أخر غير موقوفة، وله أصول معتبرة، وأبو جعفر الخثعمي هذ لعله هو محمد بن حكيم من أصحاب الامام الصادق والكاظم عليهما السلام. (2) وبعده في نهج البلاغة هكذا: " فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب بما خفتهم عليه فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا والاكثر حسدا، ولو كانت السماوات والارض على عبد " الخ. (3) أي أزعجوك عن فناء دارك أو دار رسول الله صلى الله عليه وآله، يقال: " رحله رحلا - من باب منع - عن داره ": أزعجه وصيره ينتقل منها ويتركها. والفناء - كالحساب والكتاب -: الساحة أمام البيت، والجمع أفنية وفتى - كغنى -

[157]

الله عزوجل، جعل له منها مخرجا (4) فلا يؤنسك إلا الحق، ولا يوحشك إلا الباطل (5). ثم تكلم عقيل فقال: يا أبا ذر أنت تعلم أنا نحبك ونحن نعلم أنك تحبنا، وأنت قد حفظت فينا ما ضيع الناس إلا القليل، فثوابك على الله عزوجل، ولذلك أخرجك المخرجون، وسيرك المسيرون، فثوايك على الله عزوجل، فاتق الله واعلم أن استعفاءك البلاء من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع اليأس والجزع وقل: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم تكلم الحسن عليه السلام فقال: يا عماه إن القوم قد أتوا إليك ما قد ترى، وإن الله عزوجل بالمنظر الاعلى (6) فدع عنك ذكر الدنيا بذكر فراقها وشدة ما يرد عليك لرخاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وآله وهو عنك راض إن شاء الله. ثم تكلم الحسين عليه السلام فقال: يا عماه إن الله تبارك وتعالى قادر أن


(4) والرتق مصدر - على زنة الضرب والنصر، والفعل من باب ضرب ونصر -: السد والغلق أي لو كانت أبواب السماء والارض مسدودة، وطرق الفرج والخلاص من جميع الجهات مغلقة على العبد واتقى الله وائتمر بأوامره وكف نفسه عما نهى عنه، لجعل الله له فرجا، وفتح له من الضيق والاحتباس مخرجا. وفي الآية: (30) من سورة الانبياء: " ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما ". (5) وفي المختار: (38) من خطب النهج: " لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لاحبوك، ولو قرضت منها لامنوك ". (6) أي مشرف على الجميع، وهذا كناية عن علمه بما يحدث في دار الوجود، وانه لا يعزب عن علمه المحيط شئ، فلا يضيع عنده عمل عامل من ذكر أو أنثى فليتسابق المؤمنون إلى مرضاته، ولينته المجرمون عما يسخطه فإنه تعالى لهم لبالمرصاد.

[158]

يغير ما ترى وهو كل يوم في شأن (7) إن القوم منعوك دنياهم ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وما أحوجهم إلى ما منعتهم، فعليك يالصبر فإن الخير في الصبر، والصبر من الكرم، ودع الجزع فإن الجزع لا يغنيك. ثم تكلم عمار رضي الله عنه، فقال: يا أبا ذر أوحش الله من أوحشك، وأخاف من أخافك، إنه والله ما منع الناس أن يقولوا الحق إلا الركون إلى الدنيا والحب لها، إلا انما الطاعة مع الجماعة (8) والملك لمن غلب عليه، وإن هؤلاء القوم دعوا الناس إلى دنياهم فأجابوهم إليها، ووهبوا لهم دينهم فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. ثم تكلم أبو ذر رضي الله عنه فقال: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بأبي وأمي هذه الوجوه فإني إذا رأيتكم ذكرت رسول الله صلى الله عليه وآله بكم، وما لي بالمدينة شجن ولا سكن غيركم (9)، وإنه ثقل على عثمان جواري يالمدينة كما ثقل على معاوية بالشام، فآلى (10) أن يسيرني إلى بلدة فطلبت إليه أن يكون ذلك إلى الكوفة، فزعم أنه يخاف أن أفسد على أخيه (11)


(7) أي في خلق وتقدير، وقضاء حاجة ودفع كربة، ورفع قوم ووضع آخرين، وغير ذلك مما يلائم حكمته تعالى فيقدره بقدرته القاهرة أو بتسبيب الاسباب، والغرض تسلية أبي ذر بأنه مع كل عسر يسرا، ومع كل شدة فرجا. (8) أي إن طاعة الناس وانقيادهم مع الجماعة أي من اجتمع عليه الجمهور ورضيت به العامة والهمج والرعاء، وملكهم ورئاستهم لمن غلب على الامر، واستولى على البلاد (9) الشجن - كالشجر وكذلك الشجنة بتنثليت الشين وسكون الجيم -: الغصن الملتف المشتبك. هوى النفس. والسكن - كالوطن -: ما يسكن ويطمئن إليه ويستأنس به، وفي المعنى الاول للشجن تشبيه بديع حيث شبه نفسه بفرع لا استمساك له، وأهل البيت بغصن بالالتفاف به والتمسك منه يحصل القوام والاستمساك. (10) فآلى - فعل ماض من باب الافعال مأخوذ من الايلاء -: فحلف. (11) وهو الوليد بن عقبة أخا عثمان لامه، وكأن ولاه الكوفة، فكان يصلي بهم الصبح في حال السكر أربعا ويقول: هل أزيدكم ؟ ! !

[159]

الناس بالكوفة، وآلى بالله أن يسيرني إلى بلدة لا أرى فيها أنيسا ولا أسمع بها حسيسا (12) وإني والله ما أريد إلا الله صاحبا، وما لي مع الله وحشة، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين. الحديث (251) من روضة الكافي ص 206 ط طهران، والقصة ذكرها في الحديث (95) من كتاب السفر، من المحاسن، ص 353 بسند آخر ولكن لم يذكر منها الا كلام الحسين عليه السلام قريبا مما مر، كما أنه زاد في المشيعين عبد الله بن جعفر بن أبي طالب (ره). أقول: وأشار إلى القصة أيضا في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف ج 5 ص 54، قال البلاذري: وحدثني بكر بن الهيثم، عن عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة قال: تكلم أبو ذر بشئ كرهه عثمان فكذبه فقال: ما ظننت أن أحدا يكذبني بعد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما أقلت الغبراء ولا أطبقت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ". ثم سيره إلى الربذة فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقا. فلما سار إلى الربذة قال: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا. قال: وشيع علي أبا ذر، فأراد مروان منعه منه فضرب علي بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين علي وعثمان في ذللث كلام حتى قال عثمان: ما


(12) الحسيس: الصوت الخفي. (13) والحديث رواه العلامة الاميني (ره) في ترجمة أبي ذر من كتاب الغدير: ج 8 ص 320 ط 1، بطرق كثيرة.

[160]

أنت بأفضل عندي منه (14) وتغالظا فأنكر الناس قول عثمان، ودخلوا بينهما حتى اصطلحا. وقريبا مما ذكره البلاذري نقله أيضا أحمد بن أعثم في كتاب الفتوح: ج 3 ص 159، ط 1


(14) قايس بين ما يقوله عثمان وبين ما قال الله ورسوله في حق علي ومروان، فإن كان عثمان لا يدري فتلك مصيبة، ! وإن كان يدري فالمصيبة أعظم ! أفمن كان مؤمنا كمن فاسقا ؟ ! ببحان الله مروان الذي بنص عائشة فظاضة من لعنة الله يساوي علي بن ابي طالب الذي هو نفس رسول الله بنص القرآن ! عجبا للخليفة يسوي بين من قال له رسول الله: في شأنه بدور معه الحق حيثما داره وبين خيط الباطل والشجرة الملعونة في القرآن ! ! سبحان الله هل يسوى بين من قاله رسول الله صلى الله عليه واله أنت مني وأنا منك. وأنت مني بمنزلة هارون من موسى. وخلقت أنا وأنت من شجرة واحدة. وبين من قال له رسول الله: الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون ! ! عجبا هل يقول عثمان بالتسوية بين أبي الائمة الهادية وأصل الذرية الطاهرة من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله الذين لا يقارقون القرآن حتى يردوا على رسول الله الحوض، وبين من يقول رسول الله في أبيه: لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه - إلا المؤمنين وقليل ما هم - ذو مكر وخديعة تعطون الدنيا وما لهم في الاخرة من نصيب ! ! !، وإن أردت أن تطلع إلى نموذج من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام وشر ذمة قليلة من مخازي مروان وذويه من طريق أولياء عثمان فانظر إلى ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 38، أو إلى غاية المرام، والغدير: ج 8 ص 250 - 72 - وتواليها، فإنك إذا راجعتها تعرف أن الكف نموذج من " خروار " ويتجلي لك صدق قول أمير المؤمنين في شأن الرجل: " حمال الخطايا " ويتمركز في شغاف قلبك بلا اختيار منك رمز قوله عليه السلام في شأن القوم: " معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة قد ما روا في الحيرة، وذهلوا في السكرة على سنة من آل فرعون من منقطع لى الدنيا راكن أو مفارق للدين مباين ". المختار (40) من النهج السعادة، و (148) من نهج البلاغة.

[161]

- 38 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما أراد أن يسفر عمار بن ياسر رضوان الله عليه قال البلاذري: وقد روي أيضا انه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة، قال رحمه الله. قال عمار بن ياسر: نعم فرحمه الله من كل أنفسنا. فقال عثمان: يا عاض أير أبيه أتراني ندمت على تسييره ! ! ! وأمر فدفع في قفاه وقال: الحق بمكانه. فلما تهيأ [عمار] للخروج جاءت بنو مخزوم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان فيه. [فجاءه] فقال له: يا عثمان إتق الله فإنك صيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره ! ! ! وجرى بينهما كلام حتى قال عثمان: أنت أحق بالنفي منه (1) فقال علي: رم ذلك إن شئت. واجتمع المهاجرون فقالوا: إن كنت كلما كلمك رجل سيرته ونفيتهء فإن هذا شئ لا يسوغ. فكف عن عمار. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 54، وقريبا منه ذكره ابن أعثم في ترجمته من كتاب الفتوح: ج 2 ص 62 ط 1.


(1) فعليك بالتنقيب للظفر على ما جرى بينهما من الكلام فإن فيه بلوغ المرام.

[162]

- 39 - ومن كلام له عليه السلام قاله للمغيرة بن الاخنس روى عوانة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، أن عثمان لما كثرت شكايته عن علي عليه السلام، أقبل لا يدخل إليه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا شكى إليه عليا، فقال له زيد بن ثابت لانصاري - وكان من شيعته وخاصته -: أفلا أمشي إليه فأخبره بموجدتك فيما يأتي إليك (1) قال: بلى. فأتاه زيد ومعه المغيرة بن الاخنس بن شريق الثقفي - وعداده في بني زهرة، وأمه عمة عثمان بن عفان - في جماعة فدخلوا عليه، فحمد زيد الله وأثنى عليه ثم قال: " أما بعد فإن الله قدم لك سلفا صالحا في الاسلام، وجعلك من الرسول بالمكان الذي أنت به، فأنت للخير كل الخير أهل، وأمير المؤمنين عثمان ابن عمك ووالي هذه الامة، فله عليك حقان: حق الولاية وحق القرابة، وقد شكى إلينا أن عليا يعرض لي ويرد أمري علي. وقد مشينا إليك نصيحة لك، وكراهة أن يقع بينك وبين ابن عمك أمر نكرهه لكما ". فحمد علي عليه السلام، الله واثنى عليه، وصلى على رسوله ثم قال: أما بعد فوالله ما أحب الاعتراض ولا الرد عليه، إلا أن يأبى حقا لله لا يسعني أن أقول فيه إلا بالحق، ووالله لاكفن عنه ما وسعني الكف. فقال المغيرة بن الاخنس - وكان رجلا وقاحا (2) وكان من شيعة عثمان


(1) الموجدة - على زنة الموعظة - مصدر قولهم: " وجد - من باب ضرب ونصر - وجدا وجدة وموجدة ووجدانا عليه ": غضب. (2) الوقاح: كثير الوقاحة، المجترء على القبائح. قليل الحياء.

[163]

وخلصائه -: إنك والله لتكفن أو لتكفن، فإنه أقدر عليك منك عليه ! وإنما أرسل هؤلاء القوم من المسلمين إعزازا لتكون له الحجة عندهم عليك. فقال له علي عليه السلام: يا ابن اللعين الابتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع، أنت تكفني ! فوالله ما أعز الله امرأ أنت ناصره، أخرج أبعد الله نواك (3) ثم اجهد جهدك فلا أبقى الله عليك ولا على أصحابك إن أبقيتم. شرح المختار: (135) من خطب النهج من ابن أبي الحديد: ج 8 ص 302. وقريبا " منه جدا ذكره أحمد بن أعثم الكوفي في ترجمة عثمان من كتاب الفتوح: ج 2 ص 165، ط 1.


(3) النوى - كعصى -: الدار، فإذا قالوا: شطت نواهم، فمعناه: بعدت دارهم. كذا نقله في المادة من تاج العروس نقلا عن القالي عن ابن دريد. وقال في مجمع البحرين: النوى - بالفتح - البعد، ومنه حديث علي للمغيرة بن الاخنس: " أبعد الله نواك ". [هو] من قولهم: بعدت نواهم: بعدوا بعدا شديدا.

[164]

- 40 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان في حوار جرى بينهما فارجع إلى الله أبا عمرو، وانظر هل بقي من عمرك إلا كظمئ الحمار (1) فحتى متى وإلى متى ! ألا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم (2) وأموالهم ! والله لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركا بينه وبينك. شرح المختار: (135) من خطب النهج من ابن أبي الحديد: ج 9، ص 15، نقلا عن الواقدي في كتاب الشورى، عن ابن عباس.


(1) " ظمئ الحمار " مثل وكناية عن الشئ القصير. لان الحمار أقل احتمالا للعطش من سائر الحيوانات، ولذلك ذهب مثلا في القصر. (2) أعراض المسلمين: نواميسهم. وأبشارهم: ظواهر جلدهم.

[165]

- 41 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما اضطرب أمره فدعا إليه ولاته لاستكشاف القضية وحل العريصة وكان عليه السلام حاضرا فقال: يا عثمان إن الحق ثقيل مرئ (1) وإن الباطل خفيف وبئ (2) وإنك متى تصدق تسخط ومتى تكذب ترض. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 44، وكتاب الفتوح لابن أعثم: ج 2 ص 189، ط 1. وقريبا منه رواه السيد الرضي رحمه الله في المختار: (376) من الباب الثالث من كتاب نهج البلاغة.


(1) من قولهم: " مرأ " الطعام - مثلثة الراء - مراءة ": هنئ وصار لذيذا، ومحصل مراده عليه السلام إن الحق ثقيل ابتداءا وفي بادئ الرأي، ولكنه حميد العاقبة، لذيذ الثمرة، جميل الانتاج. (2) أي كثير الوباء، وهو المرض، قال في المجمع: الوباء - بالمد، ويقصر (أيضا) -: المرض العام، ويعبر عنه بالطاعون، وجمع الممدود أوبية - كمتاع وأمتعة - والمقصور (تجمع) على أوباء، كسب وأسباب. ووبيت الارض = من باب تعب =: أي كثر مرضها. ومراده عليه السلام ان الباطل وإن كان خفيفا على النفس مرغوبا لديها في أول وهلة، ولكنه شديد المرارة في المآل، وخيم العاقبة، ذميم النتيجة بأخرة.

[166]

- 42 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما التمس منه المهاجرون أن يأتي عثمان ويخوفه بالله قال الواقدي في إسناده: لما كانت سنة أربع وثلاثين، كتب بعض أصحاب رسول الله " صلعم " إلى بعض يتشاكون سيرة عثمان وتغييره وتبديله، وما الناس فيه من عماله ويكثرون عليه، ويسأل بعضهم بعضا أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد ! ! ! ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله " صلعم " يدفع عن عثمان ولا ينكر ما يقال فيه إلا زيد بن ثابت وأبو أسيد الساعدي، وكعب بن مالك بن أبي كعب - من سلمة من الانصار، وحسان بن ثابت الانصاري فاجتمع المهاجرون وغيرهم إلى علي فسألوه أن يكلم عثمان ويعظه، فأتاه فقال له: إن الناس ورائي قد كلموني في أمرك، ووالله ما أدري ما أقول لك، ما أعرفك شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، وإنك لتعلم ما نعلم، وما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، لقد صحبت رسول الله " صلعم " وسمعت ورأيت مثل ما سمعنا ورأينا (1) وما ابن أبي قحافة وابن


(1) الكلام ناظر إلى جهات انحراف عثمان عن جادة الشريعة، وحمله الطلقاء وأبناء الشجرة الملعونة على رقاب الناس بلا رقابة منهم وكانوا يلعبون بالدين، ويفعلون بالمسلمين ما يشتهون، وهذا كله كان عثمان عالما به، خبيرا بويلاته وضرره ولا إطلاق للكلام ولا معارضة بينه وبين ما ورد من الآثار الكثيرة في جهالة عثمان وعدم علمه بكثير من مسائل الدين.

[167]

الخطاب بأولى بالحق منك، ولانت أقرب إلى رسول الله " صلعم " رحما، ولقد نلت من صهره ما لم ينالا [ه] فالله الله في نفسك فإنك لا تبصر من عمي ولا تعلم من جهل. فقال له عثمان: والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عتبت عليك إن وصلت رحما وسددت خلة وآويت ضائعا ووليت من كان عمر يوليه، نشدتك الله ألم يول عمر المغيرة بن شعبة وليس هناك. قال: نعم. قال: أو لم يول معاوية ؟ فقال علي: إن معاوية كان أشد خوفا وطاعة لعمر من " يرفأ " وهو الآن يبتز الامور دونك ويقطعها بغير علمك ويقول للناس هذا أمر عثمان، ويبلغك فلا تغير ! ! ! ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 60 ورواه أيضا في المختار: (162) من خطب النهج، كما رواه في آخر مقتل عثمان من كتاب العسجدة الثانية - في الخلفاء وتواريخهم - من العقد الفريد: ج 3 ص 92 ط 2.

[168]

- 43 - ومن كلام له عليه السلام فيما يتحمله مروان في مستقبل الزمان قال ابن سعد:: ونظر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوما إلى مروان فقال له (1): ليحملن راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه (2) وله إمرة كلحسة الكلب أنفه (3). ترجمة مروان من كتاب الطبقات الكبرى، ج 5 ص 43 ط بيروت، وفي ط ليدن: ص 30. ورواه أيضا في ترجة مروان من تاريخ دمشق: ج 54 ص 124، س 15. وقال ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (72) من الباب الاول من نهج البلاغة: قد روي هذا الخبر من طرق كثيرة، ورويت فيه زيادة لم يذكرها (السيد) الرضي، وهي قوله: " يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه " الخ.


(1) هذا نقل بالمعنى لكلامه وكلام ابن عساكر، وإليك نص كلامهما قالا: وقد قال علي بن طالب له يوما ونظر إليه: " ليحملن راية ضلالة " الخ. (2) هذا كناية عن ادعاءه الخلافة وتفرده بالامر. والصدغ: ما بين العين والاذن وهما صدغان. الشعر المتدلي على هذا الموضع، والجمع أصداغ. (3) هذا كناية عن قصر مدة إمارته وأيام رئاسته. يقال: " لحس القصعة لحسا - من باب علم - لعقها وأخذ ما علق بجوانبها بلسانه أو بإصبعه. ومنه المثل: أسرع من لحس الكلب أنفه. وفي رواية ابن عساكر: " وله إمرة كما لحية الكلب أنفه " والظاهر انه مصحف.

[169]

- 44 - ومن كلام له عليه السلام يخبر فيه أيضا عما سيجرمه مروان وبنوه إلى الامة الاسلامية قال أبو عمر: ونظر علي عليه السلام يوما إلى مروان فقال له: ويل لك وويل لامة محمد منك ومن بنيك (1) إذا شاب صدغاك (2). ترجمة مروان من كتاب الاستيعاب: ج 1، ص 119، وفي ط الهند: ص 263. ورواه عنه ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (72) من نهج البلاغة: ج 6 ص 150، وفي ط ج 2 ص 55، ورواه عنه العلامة الاميني تغمده الله برضوانه في الغدير: ج 8 ص 267 ط النجف.


(1) وهذا مأخوذ من رسول الله صلى الله عليه وآله كما رواه العلامة الاميني في الغدير: ج 8 / 267 عن أسد الغابة: ج 2 / 34 والاصابة ج 1 / 346 وسيرة الحلبية: ج 1 / 337 وكنز العمال: ج 6 ص 40 قال: وأخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمر الحكم بن أبي العاص فقال النبي صلى الله عليه وآله: ويل لامتي مما في صلب هذا. (2) وفي ط الهند، من الاستيعاب: " ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك إذا ساءت درعك ". والصواب: " إذا شاب ذراعاك ". والمراد من الصدغين هنا، هو الشعر المتدلى عليهما، قال في المجمع: الصدغ - بالضم -: ما بين لحظ العين إلى أصل الاذن، ويسمى الشعر المتدلى عليه أيضا صدغا، فيقال صدغ معقرب، والجمع أصداغ مثل قفل وأقفال.

[170]

- 45 - ومن كلام له عليه السلام بين فه أيضا عن إجرام مروان وبنيه في غابر الزمان الحافظ الكبير: ابن عساكر الدمشقي، قال: أخبرنا أبو غالب، وأبو عبد الله ابنا البنا (ء) قالا: أخبرنا أبو الحسين ابن الابنوسي، أخبرنا أحمد ابن عبيد إجازة. قالا: وأنبأنا أبو تميم علي بن محمد إجازة أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبيد قراءة، أنبأنا محمد بن الحسين، أنبأنا ابن أبي خيثمة، أنبأنا يحي بن معين، أنبأنا محمد بن جعفر غندر، أنبأنا عوف بن سليمان، عن أبي سليمان مولى بني هاشم: عن أبيه أبي سليمان [كذا] قال: بينا علي واضعا يده على بعضي (1) نمشي في سكك المدينة، إذ جاء مروان بن الحكم في حلة فتات متات، ناصع اللون وماد (2) فقال له: يا كذا وكذا (3) يا [أ] با الحسن. وجعل علي يحسره) (4) فلما فرغ ولى من عنده - قال [ابو سليمان]: - فنظر [علي] في قفاه ثم قال [له]: ويل لامتك (5) منك ومن بنيك إذا شابت ذراعاك (6)


(1) هذا هو الظاهر من السياق، وكلمة " بعضي " رسم خطها غير جلي، وفي النسخة أيضا: " يمشي في سكك المدينة ". (2) كذا. (3) كناية عن السب والشتم. (4 و 5) كذا في النسخة، ولعل الصواب: " ويل للامة منك ". وفي أسد الغابة: " ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك ". (6) كناية عن بلوغه أقصى مرحلة الشيب، فإن شيب الذراعين أي ابيضاضهما يكون بعد

[171]

ترجمة مروان من تاريخ دمشق: ج 54 ص 124 / أو 623 س 7، ورواه عنه في كنز العمال: ج 6 ص 91 كما في الغدير: ج 8 ص 267 ط 1، ورواه أيضا في ترجمة مروان من كتاب أسد الغابة: ج 4 ص 34 غير انه ذكره مرسلا، ولم يذكر جملة: " أذا شابت ذراعاك ". ورواه عنه أيضا " في الغدير.


بياض شعر الرأس والوجه بمدة طويلة. وقال في ترجمة عبد الملك من تاريخ دمشق: ج 35 / 62: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن منصور بن هبة الله بن الموصلي في كتابه، أنبأنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الطيوري أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة، أنبأنا أبو الحسن محمد بن عمر بن محمد بن حميد بن بهتد (ظ) إجازة، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة، أنبأنا جدي يعقوب، أنبأنا أبو سلمة موسى بن اسماعيل، أنبأنا حماد بن سلمة، أنبأنا حميد: عن بكر بن عبد الله المر (اد) ي: ان رجلا كان يهوديا فأسلم (وكان) يقال له: يوسف وكان يقرء الكتب فمر بدار مروان بن الحكم فقال: ويل لامة محمد من أهل هذه الدار - ثلاث مرار - فقلت: إلى متى ! قال: حتى يجئ رايات سود من قبل خراسان. وكان صديقا لعبد الملك بن مروان فضرب منكبه ذات يوم فقال: اتق الله يا [ابن] مروان في أمة محمد إذا وليتهم. فقال: دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك. فقال: اتق الله في أمرهم. قال: وجهز يزيد بن معاوية جيشا إلى أهل مكة فقال عبد الملك - وأخد قميصه فنفضه من قبل صدره - أعوذ بالله أعوذ بالله أعوذ بالله أنبعث إلى حرم الله ! ! فضرب يوسف منكبه وقال: لم تنفض قميصك ! جيشك إليهم أعظم من جيش يزيد بن معاوية ! ! !

[172]

- 46 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعثمان لما صرفه مروان عما قاله على المنبر، من التوبة وإحقاق الحقوق. قالوا لما نزل عثمان عن المنبر (1) ودخل منزله قال له مروان: والله لاقامة على خطيئة تستغفر منها أجمل من توبة تخوف منها ! ! ! - في كلام له طويل - فانقاد له عثمان وقال: أبلغ الناس فإني أستحيي منهم. فخرج مروان وأعلم من بالباب من الناس بأن عثمان غير معطيكم ما تريدون. فدخل الناس على أمير المؤمنين عليه السلام وأخبروه بمقالة مروان، فخرج عليه السلام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له: يا عثمان أما رضيت من مروان، ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وبخدعك عن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ! ! ! والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا [في] نفسه، وأيم الله إني لاراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت والله شرفك وغلبت على أمرك ! ! ! كتاب الجمل، ص 103، ط النجف، وقريب منه جدا في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 65.


(1) وتفصيل القصة في أنساب الاشراف: ج 5 / 62 وتواليها، وفي تاريخ الطبري وغيرهما.

[173]

- 47 - ومن كلام له عليه السلام قاله لرجل جاء إليه يستشفع به إلى عثمان قال الزبير بن بكار: حدثنا محمد بن حرب، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: جاء رجل إلى علي عليه السلام يستشفع به إلى عثمان، فقال له علي صلوات الله وسلامه عليه]: حمال الخطايا (1) لا والله لا أعود إليه أبدا. شرح المختار: (135) من الباب الاول من نهج البلاغه لابن أبي الحديد: ج 9 ص 17، ورواه عنه في الحديث (397) من خاتمة الموفقيات المطبوع ص 613.


(1) وفي المختار: (29) من باب الكتب من نهج السعادة ج 4 ص 79 ما يؤيده.

[174]

- 48 - ومن كلام له عليه السلام كلم به بني أمية لما صاحوا به وقالوا: يا علي أفسدت علينا أمرنا ودسست وألبت (1) ! ! يا سفهاء إنكم لتعلمون أنه لا ناقة لي في هذا ولا جمل (2) وإني رددت أهل مصر عن عثمان، ثم أصلحت أمره مرة بعد أخرى فما حيلتي ؟ ! فانصرف (عليه السلام من دار عثمان) وهو بقول: أللهم إني برئ مما يقولون، ومن دمه إن حدث به حدث. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 66، ورواه أيضا أحمد بن أعثم الكوفي في ترجمة عثمان من كتاب الفتوح: ج 3 ص 214.


(1) وفي كتاب الفتوح: فقالت له بنو أمية: يا ابن أبي طالب إنك كدرت علينا العيش وأفسدت علينا أمرنا، وقبحت محاسن صاحبنا، أما والله لئن بلغت الذي ترجو لنجاهدنك أشد الجهاد ! ! ! فزبرهم علي وقال: اعزبوا فما بلغ الله لكم من القدر مما تحابون، فإنكم سفهاء وأبناء سفهاء، طلقاء وأبناء طلقاء، إنكم لتعلمون أنه مالي في هذا الامر ناقة ولا جمل. (2) هذا من أمثلة العرب المعروفة. (*)

[175]

- 49 - ومن كلام له عليه السلام لما قيل له: قتل عثمان. قال البلاذري: حدثني عمرو بن محمد، عن عبد الله بن جعفر الرقي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن محمد بن عبيد الانصاري عن أبيه قال: أتيت عليا في داره يوم قتل عثمان فقال: ما وراؤك ؟ قلت: شر قتل أمير المؤمنين. فاسترجع ثم قال: أحبب حبيبك هونا ما (1) عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما. ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 95، ورواه أيضا في المختار: (268) من قصار نهج البلاغة. وللكلام مصادر وأسانيد، ولكن في غير المورد، فإن شك في صدوره عنه عليه السلام في المقام فلا ريب في أصل صدوره عنه عليه السلام كما يعلم ذلك بالمراجعة إلى باب القصار من كتابنا هذا.


(1) المراد من الهون - هنا -: الخفيف أي إذا أحببت أحدا لا تبالغ في حبه ولا تسترسل كل الاسترسال في محبته، وإذا أبغضت شخصا، فلا تبالغ في بغضة كل المبالغة ولا تقطع عنه كل القطيعة، بل خل للائتلاف موضعا، والمقصود إنه ينبغي للعاقل أن يكون في حبه وبغضه متوسطا غير مفرط فيهما، فلا يركن إلى حبيبه كل الركون فيلقى إليه جميع أسراره، كراهة أن ينقلب الحب إلى البغض فيبتلي بجميع أضراره، وكذلك لا يفرط في المشاقة والمعادات كراهة أن ينقلب البغيض عن حاله ويريد أن يرجع فلا يجد طريقا للرجوع. (*)

[176]

- 50 - ومن خطبة له عليه السلام لما صعد المنبر بعد قتل عثمان قال البلاذري: حدثني محمد بن سعد، عن الواقدي عن الحكم بن الصلت، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه قال: رأيت عليا على منبر رسول الله " صلعم " حين قتل عثمان وهو يقول: ما أحببت قتله ولا كرهت، ولا أمرت به ولا نهيت عنه (1). ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 101 (2).


(1) وقال أيضا: وحدثنا سريج بن يونس أبو الحارث الزاهد، حدثنا أبو معاوية الضرير، أنبأنا ليث، عن طاووس عن ابن عباس انه سمع عليا (عليه السلام) يقول: حين قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولكني غلبت. يقولها ثلاثا. ورواه أيضا ابن سعد، في ترجمة عثمان من الطبقات: ج 3 ص 82 ط بيروت، عن أبي معاوية، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عباس قال: سمعت عليا يقول.. (2) وبعده أيضا في معناه، وفي عنوان: " حصر عثمان وقتله " من كتاب الفضائل من كنز العمال: ج 15، ص 85 ط 2 تحت الرقم (244) قال: [وعن ابن أبي شيبة] عن علي قال: من كان سائلا عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه ! ! ! قال ابن سيرين: هذه كلمة قرشية ذات وجه.

[177]

- 51 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بعد قتل عثمان حين بايعه الناس قال الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه: وروى الواقدي في كتاب الجمل بإسناده أن أمير المؤمنين عليه السلام حين بويع خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: حق وباطل ولكل أهل (1) ولئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل (2) ولقلما أدبر شئ فأقبل، وإني لاخشى أن تكونوا في فترة (3) وما علينا إلا الاجتهاد، وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كانت عليكم ما كنتم فيها عندي بمحمودين، أما إني لو أشاء لقلت، عفا الله عما سلف، سبق الرجلان وقام


(1) وهذا الصدر رواه أيضا الزمخشري في الباب: (41) من ربيع الابرار. (2) يقال: " أمر الشئ - من باب علم - والمصدر كفرس وفرسة - أمرا وأمرة ": كثر. وقوله: " فلربما ولعل " أي فلربما يصير القليل كثيرا ولعل القليل يغلب الكثير، فلا ينبغي اليأس والقنوط. (3) الفترة - كضربة -: زمان انقطاع الناس عن الحجة.

[178]

الثالث كالغراب همته بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له. [إلى آخر ما قاله عليه السلام] في كلام طويل بعدها. ثم قال الشيخ (ره): وقد رويت هذه الخطبة عن الواقدي من طرق مختلفة. تلخيص الشافي: ج 3 ص 53 ط 2، وقريب منه جدا في الباب (49) من جواهر المطالب ص 54. أقول: وللخطبة طرق ومصادر كثيرة تلاحظ بعضها فيما يأتي.

[179]

- 52 - ومن خطبة له عليه السلام في المعنى المتقدم أيضا قال الجاحظ: قال أبو عبيدة معمر بن المثني (1): (هذا) أول خطبة خطبها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه [بالمدينة في خلافته] حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أما بعد لا يرعين مريع إلا على نفسه (2) فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه. ساع مجتهد (3) وطالب يرجو، ومقصر في النار، ثلاثة


(1) المولود سنة (112) المتوفي (211) وكان يرى رأي الخوارج. والخطبة رواها جماعة كثيرة - باختلاف في بعض فقراتها وزيادة ونقيصة - وممن رواها العسكري في كتاب الاوائل الورق 102، قال: أخبرنا أبو أحمد، عن الجوهري، عن أبي زيد، عن محرز بن القاسم، عن أبيه قال: لما استخلف علي (عليه السلام) صعد المنبر، ثم قال: حق وباطل ولكل أهل الخ. (2) لا يرعين: لا يبقين. يعني من أبقى على الناس فإنما أبقى على نفسه. وفي كتاب الارشاد ص 128: " أما بعد فلا يرعين مرع ".. وهو الظاهر. (3) أي العمال خمسة: ساع في مرضاة الله مجتهد في إتيان أوامر الله - فهو ناج - وطالب لما عند الله يرجو الفوز والفلاح - فهو على سبيل النجاة - ومقصر فيما يقربه إلى الله مفرط في نيل الشهوات والامنيات فهو في النار، وملك طار إلى رضوان الله بجناحيه، ونبي أخذ الله بيده سائق له إلى محابه ومراضيه ولا يوجد قسم سادس.

[180]

واثنان: ملك طار بجناحيه، ونبي أخذ الله بيده (4) لا سادس. هلك من ادعى، وردى من اقتحم (5) اليمين والشمال مضلة، الوسطى [هي] الجادة منهج عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة. إن الله داوي هذه الامة بدواءين: السوط والسيف، لا هوادة عند الامام فيهما (6). إستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من وراء كم، من أبدى صفحته للحق هلك (7).


(4) كذا في هذه الرواية، وفي رواية الكافي الآتية " ثلاثة واثنان: خمسة ليس لهم سادس، ملك يطير بجناحيه، ونبي أخذ الله بضبعيه، وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار " وهو أظهر. وضبعيه: عضديه. (5) وفي رواية الكافي: " هلك من ادعى، وخاب من افترى ". (6) الهوادة - كسحابة - اللين. الميل. الرخصة. (7) وهذه الجملة رواها السيد الرضي (ره) في المختار: (188) من قصار نهج البلاغة وصفحة كل شئ: جانبه ووجهه، والجمع: صفحات - كسجدة وسجدات -. والكلام في هذا السياق تهديد وتخويف لمن عارضه بالعيان والصراحة. والمراد بالحق - هنا - نفسه الكريمة صلوات الله عليه.

[181]

قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها محمودين، أما إني لو أشاء لقلت، عفا الله عما سلف (8). سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همته بطنه ! ويحه لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيرا له (9). انظروا فإن أنكرتم فأنكروا، وإن عرفتم فآزروا (10). حق وباطل ولكل أهل، ولئن كثر أمر الباطل لقديما


(8) اقتباس من الآية: (95) من سورة المائدة: " عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه ". وبمعناها وردت غير واحدة من الآيات الكريمات. (9) وبما أن انتظام أمر المدينة المنورة في هذه الايام كان بيد المهاجمين على عثمان، وكان أعداء أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الايام إما مطرودين أو منكوبين، كان له عليه السلام فسحة ما في بث ما في صدره بالنسبة إلى الذين تقدموه في تملك زمام أمر الامة، وبما أن جل الثائرين على عثمان كانوا معتقدين لابي بكر، وعمر مقاما منيعا عبر عنهما بنحو الاشارة والاختلاس وإجمال الكلام، وأما عثمان فحيث كان الجماهير معتقدين لعدوله عن منهج العدل، وتعديه عن سواء الصراط، وحدود الكتاب والسنة، فكان عليه السلام يكشف عن حاله ويسفر عن أفعاله كلما جرى له ذكر، أو اقتضى المقام كشف الغطاء عن سريرته ولم يزاحمه أمر أهم. وهذا هو السر، في كثرة أقواله عليه السلام حول عثمان، وقلتها حول الكشف عن منويات الشيخين وفلتات أعمالهم وزلات أقوالهم مع أن الجم الغفير من هذا النمط قد أخفاه أولياؤه وأعداؤه، أما أولياؤه فستروه محافة الاستئصال، واستباحة أعراضهم وانتهاب أموالهم، وأما أعداؤه فأخفوه مخافة الافتضاح وعدم إدراك المنى والشهوات، ومع ذلك قد برز وانتشر منه فوق حد الكفاف. فلله الحجة البالغة. (10) أي أنظروا فيما قلت وأقول بنظر الاعتبار والانصاف، فان أنكرتم منه شيئا أي فإن وجدتم شيئا منه منكرا وزورا من القول فأنكروه وقولوا لي: إن قولك ليس بصدق ولا صواب، وإن عرفتم صحة قولي وصواب ما ألقيت إليكم فانصروني وعاضدوني، وتعاونوا على البر والتقوى. وقوله: " فآزروا " مأخوذ من المآزرة بمعنى المعاونة والتقوية.

[182]

فعل (11) ولئن قل الحق لربما ولعل (12) وقلما أدبر شئ فأقبل، ولئن رجعت عليكم أموركم إنكم لسعداء (13)، وإني لاخشى أن تكونوا في فترة، وما علينا إلا الاجتهاد. [قال الجاحظ:] وقال أبو عبيدة: وزاد فيها [في رواية] جعفر بن محمد [عن آبائه عليهم السلام]: [ألا] إن أبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغارا وأعلم [هم] كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا.


(11) وفي كثير من المصادر - كما تلاحظ ما في بعضها بعد ذلك -: " ولئن أمر الباطل " وهو من باب علم ومعناه: ولئن كثر الباطل وقوي أصحابه فليس بأمر بديع إذ الباطل كان كثيرا من زمن قديم، ولا مؤنة في بقاء الشئ على أصله. (12) المراد من الحق المحقون - كما أن المراد من الباطل المبطلون - أي ولئن كان المحقون قليلين، فلربما كثر القليل، أو لعلهم مع قلتهم ينتصرون على المبطلين. (13) قوله: " وقلما أدبر شئ فأقبل " استبعاد منه عليه السلام لرجوع الحق بنحو كلي كي يستنتج منه السامعون أن رجوع حقهم إليهم يحتاج إلى عزم راسخ وجد ثابت وتمهيد مقدمات وثيقة كي يستدرك بها الفائت. وقوله عليه السلام " ولئن رجعت عليكم أموركم أنكم لسعداء " حث أكيد في لزوم الجد والطلب على المخاطبين لاسترداد أمورهم إليهم لانه مناط فوزهم وسعادتهم وبعدمه ترتفع السعادة وتلازمهم الشقاوة والهلاكة.

[183]

معنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق (14). ألا وبنا تدرك ترة كل مؤمن (15) وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم وبنا فتح [لا بكم] وبنا يختم لا بكم. البيان والتبيين: ج 3 ص 44 ط مصر سنة 1366، بتحقيق حسن السندوبي، ورواها أيضا في العقد الفريد: ج 4 ص 133، وروى قطعة منها عن البيان والتبيين في فصل حلمه وشفقته عليه السلام من كتاب المناقب لابن شهر أشوب: ج 2 ص 115، ط قم. ورواها أيضا في الفصل (13) من مختار كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الارشاد ص 136، وذكر فقرات منها في كتاب الجمل ص 62 وقال والعلماء متفقون عليها عنه عليه السلام وقد ذكرها أبو عبيدة معمر بن المثنى، وفسر غريب الكلام فيها، وأوردها المدائني في كتبه، وذكرها الجاحظ في البيان والتبيين. ورواها أيضا في أواسط الباب (49) من جواهر المطالب ص 59. ورواها أيضا في البحار: ج 8 ص 391 ط الكمباني عن ابن أبي الحديد. ورواها أيضا في عيون الاخبار: ج 2 ص 236 ط 2. وذكرها أيضا في كنز العمال: ج 15 ص 446 ط 2، وج 8 ص 300 ط 1، نقلا عن اللالكائي، كما رواها أيضا في منتخبه المطبوع بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 2 ص 191، ط 1، باختلاف في بعض الالفاظ، والظاهر انها أغلاط مطبعية، ولها هناك مقدمة من كلام محمد بن الحنفية، كما ان الذيل المروي عن الامام الصادق عليه السلام غير موجود فيهما.


(14) هذا مثل قوله صلى الله عليه وآله: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى ". (15) الترة - كعدة -: ما يصيب الانسان من المكروه من هتك عرض أو نهب مال أو ذهاب حق أو ضرب أو قتل ولم يتدارك.

[184]

- 53 - ومن خطبة له عليه السلام لما بايعه الناس بعد قتل عثمان قال المسعودي: اجتمع المهاجرون، والانصار على محاصرة عثمان والهجوم عليه حتى قتلوه، ثم [صارروا مع] الناس إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليبايعوه فامتنع عليهم، فألحوا عليه حتى أكرهوه وتداكوا عليه تداك الابل على الماء، فبايعهم على كتاب الله وسنة نبيه طائعين راغبين، فلما بايعوه قام خطيبا في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، وذكرهم بأيام الله ثم قال: أيها الناس إن أول قتيل بغى على وجه الارض عناق بنت آدم، خلق الله لها عشرين أصبعا، لكل اصبع فيها ظفران كالمنجلين الطويلين من حديد، وكان مجلسها على جريب من الارض (1) فبغت في الارض ثمانين سنة. فلما أراد الله إهلاكها خلق لها أسدا مثل الفيل، وذئبا مثل الحمار، ونسرا مثل البعير، فسلطهم عليها فمزقوها فقتلوها وأكلوها.


(1) المنجل آلة من حديد عكفاء يقضب ويحصد بها الزرع، وهي معروفة عند أرباب الفلاحة والزراعة، وأهل بلادنا يسمونها " داس ". وقال في مجمع البحرين: قدر الجريب من الارض بستين ذراعا في ستين. والذراع بست قبضات. والقبضة بأربع أصابع. وعشر هذا الجريب يسمى قفيزا، وعشر هذا الفقيز يسمى عشيرا، ويجمع الجريب على أجربة وجربان، كأرغفة وعثمان. وقيل: الجريب من الارض نصف الفنجان. (*)

[185]

ثم قتل الله الجبابرة في زمانها، وقد أهلك الله فرعون وهامان وخسف بقارون. وقد قتل عثمان، وكان حق لي حازه من [لم [آمنه عليه (2) ولم أشركه فيه، فهو منه على شفا حفرة من النار لا يستنقذه منها إلا نبي مرسل يتوب على يديه، ولا نبي بعد محمد [صلى الله عليه وآله وسلم] (3). ثم قال [عليه السلام]: أيها الناس الدنيا دار حق وباطل ولكل أهل ألا ولئن غلب الباطل فقديما كان، ولئن قل الحق وضعف صاحبه فليس بما عاد [4) ولئن رد عليكم أمركم إنكم لسعداء ولقد خشيت أن تكونوا في فترة من الزمن (5).


(2) هذا هو الظاهر، وكلمة " لم " كانت ساقطة من الاصل، وفي المحكي عن تفسير القمي: ج 2 / 34 " وكان لي حق حازه دوني من لم يكن له، ولم أكن أشركه فيه " الخ ونقله عنه في البحار ج 17 / 172 / س 2. (3) أي فلا مستنقذ له، فهو من الهالكين. في يوم الدين. (4) كذا في النسخة. (5) الفترة - كالقطرة -: السكون والفترة والضعف. الهدنة. والفترة أيضا: هو انقطاع ما بين النبيين. ولا يبعد هنا أن يراد من الفترة: هو الانقطاع عن الحجة، أي لقد خشيت أن تكونوا حيارى منقطعين عن الحجة بينكم وبين الله.

[186]

أما إني لو أشاء لقلت، سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه، يا ويحه لو قص جناحه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة، والنار أمامه (6. ثم قال (عليه السلام) بعد كلام طويل في هذه الخطبة: إن الله جل وعلا أدب هذه الامة بالسيف والسوط، فاستتروا ببيوتكم وأصلحوا ذات بينكم فإن التوبة من ورائكم، من أبدى صفحته للحق هلك (7) ألا وإن كل قطيعة أقطعها [8] عثمان من مال الله مردود على بيت مال المسلمين، فإن الحق قديم لا يبطله شئ،


(6) كذا في النسخة، وفي الفصل (13) مما اختار من كلامه عليه السلام في الارشاد، ص 28، و عيون الاخبار: ج 2 / 236 والمختار (16) من خطب نهج البلاغة: " شغل من الجنة والنار أمامه ". وفي البيان والتبيين: ج 2 / 50 " فإن من أرعى على غير نفسه شغل عن الجنة والنار أمامه " الخ. وما ها هنا أظهر. (7) من قوله عليه السلام: " إن الله جل وعلا - إلى قوله: " هلك " رواه أيضا في المختار (16) من خطب نهج البلاغة عنه عليه السلام، كما أن الجملة الاخيرة أيضا ذكرها في المختار (188) من قصار نهج البلاغة، ومعناها ان من كاشف الحق مخاصما له ومصارحا له بالعداوة هلك. (8) من قوله عليه السلام: " ألا وإن كل قطيعة أقطعها عثمان - إلى قوله: - فالجور عليه أضيق " رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار (15) من خطب نهج البلاغة، وقال: وهذه الخطبة ذكرها الكلبي مروية مرفوعة إلى أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنه أن عليا عليه السلام خطب (به) في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال الخ. أقول: القطعية: ما يقطعها ويهبها الوالي من أرض الخراج بعض الرعية، ويسقط عنه خراجها.

[187]

ولو وجدته تفرق في البلدان لرددته، فإن في الحق سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه أضيق [9) أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. إثبات الوصية ص 120، وللكلام مصادر وثيقة، وشواهد عديدة أشرنا إلى بعضها في التعاليق المتقدمة، وستقف على بعضها فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.


(9) وفي المختار (15) من خطب النهج: " والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الاماء، لرددته، فان في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق ". وفي رواية ابن أبي الحديد: " ولو وجدته قد تزوج به النساء وفرق في البلدان لرددته إلى (على " خ ل ") حاله، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق ".

[188]

- 54 - ومن خطبة له عليه السلام لما بايعه الناس بعد قتل عثمان محمد بن يعقوب الكليني رفع الله درجاته، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن علي بن رئاب، ويعقوب بن السراج، عن أبي عبد الله (الامام الصادق) عليه السلام، أن أمير المؤمنين عليه السلام، لما بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر فقال: الحمد لله علا فاستعلى، ودنا فتعالى، وارتفع فوق كل منظر [1] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاتم النبيين، وحجة الله على العالمين، مصدقا، للرسل الاولين، وكان بالمؤمنين رؤفا فصلى الله وملائكته عليه وعلى آله. أما بعد - أيها الناس - فإن البغي يقود أصحابه إلى النار، وإن أول من بغى على الله جل ذكره عناق بنت آدم،


(1) قال في مجمع البحرين: المنظرة: المرقبة، وفي الدعاء: " يا من هو بالمنظر الاعلى " أي في المرقب الاعلى يرقب عباده.

[189]

و [إن] أول قتيل قتله الله عناق، وكان مجلسها جريبا في جريب (2) وكان لها عشرون إصبعا، في كل إصبع ظفران مثل المنجلين (3) فسلط الله عليها أسدا كالفيل، وذئبا كالبعير، ونسرا مثل البغل فقتلوها (4) وقد قتل الله الجبابرة على أفضل أحوالهم وآمن ما كانوا، وأمات هامان وأهلك فرعون، وقد قتل عثمان. ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه (5) صلى الله عليه وآله، والذي بعثه بالحق لتبلبلن بلبلة،


(2) الجريب - بفتح الجيم - ويجمع على أجربة وجربان - كرغيف وأرغفة ورغفان - قيل: هو في الاصل إسم للوادي، ويستعار للقطعة المتميزة من الارض، ويختلف مقدارها بحسب مقدار الاقاليم، كاختلافهم في مقدار الرطل والكيل والذراع. وقد تقدم عن الطريحي في المجمع انه قال: وقدر الجريب بستين ذراعا في ستين. وقيل: هو عشرة أقفزة كل قفيز منها عشرة أعشرا. (3) تثنية المنجل - بكسر الميم كمبرد -: آلة القضب والحصاد. (4) وفي رواية كمال الدين ابن ميثم (ره): " ونسرا كالحمار، وكان ذلك في الخلق الاول فقتلها، وقد قتل الله الجبابرة على أسوء أحوالهم ". (5) إن بلية العرب يوم بعث الله النبي - صلى الله عليه وآله - التي أهلكتهم هي العصبية العمياء والحمية الجاهلية، وتفرد كل قبيلة بآرائها المنبعثة عن الخرافات الوهمية والعادات الطائفية، والمنافع الشخصية الخيالية، وعدهم الجري على عادات غيرهم - كائنا من كان - عارا وشنارا، ولذا تفرد كل قبيلة بصنم تعبده وتشركه في العبادة مع الله تعالى، وهذه البلية قد تكونت ثانية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ولكنها كانت ضعيفة، وكلما تجدد لوالي المسلمين نظر ورأي في قبال الاحكام الالهية والقوانين الشرعية، تجددت للبلية قوة، فزادت قوة بعد قوة حتى ترعرعت في أيام عثمان لكثرة نهمته وشدة حرصه في منافع شخصه وإشباع غرائز قومه، وحملهم على رقاب المسلمين، وحين قتل عثمان كانت هذه البلية في أوان شبابها وغاية قوتها واستحكامها، ولذا

[190]

ولتغربلن غربلة (6) ولتساطن سوطة القدر (7) حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم (8) وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون كانوا سبقوا (9) والله


كانت أم المؤمنين عائشة تقول - لما بلغها قثل عثمان: - إيها ذا الاصبع، ولما بلغها بيعة أمير المؤمنين قالت: ليت السماء وقعت على الارض - أو ما في معناه - ومن أجلها قال كل واحد من طلحة والزبير لامير المؤمنين: نبايعك على أنا شركاؤك في الامر. قال عليه السلام: لا. وقال معاوية: إن أقرني على الشام ولم يعزلني بايعت له. (6) أي لتخلطن أبراركم وأشراركم ثم تنخلن كنخل الدقيق والحنطة ليميز الخبيث من الطيب، يقال: " بلبل الامير قومه بلبلة وبلبالا ". هيجهم. أوقعهم في الهم. والالسنة: خلطها. والامتعة فرقها. والآراء: أفسدها. و " تبلبل " مطاوع بلبل، وكل واحد من المعاني يصح إرادته هنا، وإن كان إرادة بعضها - كالاختلاط والتفرقة والافساد - أوضح. ويقال: " غربل زيد الحنطة غربلة ": نخلها. والشئ: قطعه. فرقه. والقوم قتلهم وطحنهم. البلد: كشف حال من بها. وغربل في الارض ": ذهب فيها. (7) وفي النهج وكثير من المصادر: " ولتساطن سوط القدر " وهذه الفقرة أيضا في معنى الفقرتين المتقدمتين وتزيد عليهما في إفادة معنى التقلب والثوران أي ولتخلطن كخلط ما في القدر من الاجناس المختلفة عند طحنها وغليان القدر، وضرب ما فيه بالمحراك وآلة الاختلاط، يقال: " ساط زيد القدر - من باب قال - سوطا ": خلطه. قلبه ظهرا لبطن. (8) هذا تصريح وتفصيل لما يستفاد من الفقرات المتقدمة، إذ من لوازم الغربال والسوط - أي التقلب - صيرورة الاعلى أسفلا وعكسه. (9) وفي المختار: (16) من نهج البلاغة: " وليقصرن سباقون كانوا سبقوا " أي وليسبقن ويسار عن إلى مرضاة الله سابقون كانوا قبل ذلك مقصرين في طاعة الله ومرضاته، بطيئين في إجابته متساهلين في امتثال أوامره - كعدي بن حاتم وأمثاله فانهم تأخروا عن إجابة رسول الله حتى رأوا الناس يدخلون في دين الله أفواجا، ولكنهم استقاموا في نصرة أمير المؤمنين عليه السلام - وليقصرن عن مرضاة الله ويبطئن عن نصرة دين الله من كان قبل ذلك مسارعا إليه مشمرا في إعلائه مجدا في اتساعه، وذلك مثل الزبير وأمثاله، فإنه كان في بدء الاسلام حتى يوم السقيقة مبادرا إلى الخيرات، ومخاصما لاهل الاهواء والبدع، ولكن بعد بيعة أمير المؤمنين عليه السلام أخلد إلى أرض الشهوات فاتبع هواه فصار من المهلكين.

[191]

ما كتمت وشمة [وسمة " خ "] ولا كذبت كذبة (10)، ولقد نبئت بهذا المقام، وهذا اليوم (11). ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار (12). ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة، وفتحت لهم أبوابها، ووجدوا ريحها وطيبها، وقيل لهم: " ادخلوها بسلام آمنين " (13)


وهذه الفصول من كلامه عليه السلام قد اشتمل على إعجاز اللفظ والمعنى أما اللفظ فظاهر فإنه قد أخبر عن تقلب الناس ببيان لا يحيط به الوصف، وأما المعنى فلوقوع المخبر به على ما أخبر عنه. (10) الوشمة والوسمة - كضربة -: الاثر والعلامة. وأيضا الوشمة: الكلمة. أي أحلف بالله أن ما قلته وما أقول بعد ذلك حق عن رسول الله، ما كتمت عنكم مما بين لي أثرا وعلامة أو كلمة واحدة ولا كذبت عليه كذبة واحدة فضلا عما فوقها. وإنما أتى عليه السلام بالقسم لان الكلام قد اشتمل على اختصاصه عليه السلام من بين الامة بأسرار رسول الله وما يقع في المستقبل، وجل فلمهاجرين كانوا يحسدونه على ذلك، وجل الناس من غيرهم كانوا جاهلين بما له من المنزلة الرفيعة المقتضى الحال ان يقرن بالقسم ما ينكروه بقلوبهم. (12) من قوله: " ألا وإن الخطايا خيل شمس - إلى قوله: - بسلام آمنين " رواه عنه عليه السلام ابن مسكويه في كتاب الحكمة الخالدة - جاويدان خرد -. والشمس - كعنق وقفل -: جمع شموس - كصبور - يقال: " شمس الفرس - من باب نصر - شموسا - كسرورا - وشماسا. امتنع وأبى من ركوبه وإسراجه، ولا يكاد يستقر. و " اللجم ": جمع اللجام: الزمام. و " التقحم ": الدخول في الشئ بدفع وقوة. وتشبيه الخطايا بالخيل الشموس المخلوعة اللجام لغاية التنفير عنها، وفي إتيان الفاء في قوله: " فتقحمت " دلالة على أن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئة فأولئك أصحاب النار، يقع فيها بدفع وقوة. (13) و " الذلل ": جمع الذلول: المنقادة. و " الازمة ": جمع الزمام: مقود الدابة. ثم إن ما بين القوسين مقتبس من الآية: (46) من سورة الحجر.

[192]

ألا وقد سبقني إلى هذا الامر من لم أشركه فيه، ومن لم أهبه له، ومن ليست له منه نوبة (14) إلا بنبي يبعث - ألا - ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله، أشرف منه على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم (15). حتى وباطل ولكل أهل (16) فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل (17) ولقلما أدبر شئ فأقبل (18)، ولئن رد عليكم أمركم إنكم سعداء، وما علي إلا الجهد، وإني أخشى أن تكونوا على فترة (19)


(14) وفي بعض المصادر: " توبة " بالمثناة وهو الظاهر. (15) الشفا - كالعصا والصفا -: طرف كل شئ وحده. و " الجرف " كعنق وقفل -: الجانب الذي أكله الماء من حاشية النهر. و " هار ": هائر: ساقط ومنهدم. (16) أي إن الدنيا دار حق وباطل. كما تقدم التصريح به في رواية المسعودي. (17) أمر الباطل أي كثر، في قبال قوله: " ولئن قل الحق " والفعل من باب " علم ". وقوله: " فعل ": تحقق. وقوله: " فلربما ولعل " أي فلربما كثر القليل، ولعل القليل غلب على الكثير. ثم إن المراد من قوله: كثر الباطل وقل الحق. لازمهما وهو قوة الاول وغلبته، وضعف الثاني ومغلوبيته. (18) هذا وما بعده تحسر منه عليه السلام واستبعاد منه لعود السعادة المرفوعة الزائلة بصنيع الضلال والمبطلين، ونظيره في استبعاد إياب الذاهب أو الانتفاع به بعد العود قول الشاعر: وقالوا بعود الماء في النهر بعدما * ذوى نبت جنبيه وجف المشارع فقلت: إلى أن يرجع النهر جاريا " * ويوشب جنباه تموت الضفادع (19) الفترة - كالقطرة -: الانقطاع عن الحجة، وعدم وجدان السبيل إلى السبب الواصل بين الله وبين عبيده، ولا يكون ذلك إلا في أوان استفحال الضلالة وانهماك الناس في الشهوات وعدم التفاتهم إلى وظائف العبودية، وما يجب لله عليهم.

[193]

[قد كانت أمور] ملتم عني [فيها] ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي، ولو أشاء لقلت (20) عفى الله عما سلف. سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همه بطنه، ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه كان خيرا له، شغل عن الجنة، والنار أمامه. ثلاثة واثنان: خمسة ليس لهم سادس: ملك يطير بجناحيه، ونبي أخذ الله بضبعيه (21) وساع مجتهد، وطالب يرجو، ومقصر في النار. اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة


(20) قوله: " ولو أشاء لقلت " أي لسميت وذكرت تلك الامور التي ملتم فيها عني وزللتم فيها، ولكني لم أذكرها تكرما. وهذا إشارة منه عليه السلام إلى ما وقع من القوم في يوم السقيفة وما بعده ومن تقاعدهم عن نصرته وأداء واجب حقه، أو انحيازهم واجتماعهم مع المتغلبين على حقه ومقامه. وقوله: " عفى الله عما سلف " جملة مستأنفة أتى بها لبيان إمكان تدارك ما فرطوا فيه وأن الحسنات المتأخرة إذا قارنت مع التوبة يذهبن السيئات المتقدمة، وأن من عاد إلى طغيانه ينتقم الله منه، والكلام مقتبس من الآية: (95) من سورة المائدة " عفى الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ". وما بين المعقوفات من المتن كانت ساقطة عن الكافي ط الاخوندي، ولابد منه. (21) اي بعضديه.

[194]

عليها يأتي الكتاب وآثار النبوة " (22). هلك من ادعى، خاب من افترى. إن الله أدب هذه الامة بالسيف والسوط (23) وليس لاحد عند الامام فيهما هوادة (24) فاستتروا في بيوتكم وأصلحوا ذات بينكم والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك (25). الحديث (23) من روضة الكافي ص 67، ومن قوله: " ألا وإن بليتكم قد عادت - إلى قوله: - ولقد نبئت بهذا المقام وهذا اليوم " ذكره أيضا في الحديث


(22) كذا في النسخة، وفي رواية كمال الدين ابن ميثم (ره): " ووسط الطريق المنهج عليه باقي الكتاب وآثار النبوة ". وقريب منه تقدم في رواية الجاحظ. (23) وقريب منه تقدم عن كتاب البيان والتبين، وفي رواية ابن ميثم (ره): " ألا وإن الله قد جعل أدب هذه الامة السوط والسيف ليس عند إمام (كذا) فيهما هوادة ". (24) الهوادة - كشهادة -: اللين: الميل. الرخصة. (25) أي من أظهر صفحته وجانبه لي - وأنا الحق - مصرحا بالمخاصمة، ومكاشفا للمعادات هلك. ومما يناسب هنا جدا ما رواه الطبري في بدء خلافة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخه: ج 3 ص 454 عن الزبير بن بكار، عن أبي حبيبة مولى الزبير، قال: لما قتل الناس عثمان وبايعوا عليا، جاء علي إلى الزبير فاستأذنه (قال): فأعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه ثم قال: ائذن له. فأذنت له فدخل فسلم على الزبير، وهو واقف بنحوه ثم خرج فقال الزبير: لقد دخل المرء ما أقصاه (كذا) قم في مقامه فانظر هل ترى من السيف شيئا ؟ فقمت في مقامه فرأيت ذباب السيف فأخبرته. فقال: ذاك أعجل الرجل. فلما خرج علي سأله الناس (عنه) فقال: وجدت أبر ابن أخت وأوصله. فظن الناس خيرا، فقال علي: إنه بايعه (كذا). أقول: ورواه أيضا في البحار: ج 8.

[195]

الاول من باب " التمحيص والامتحان " من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 369، وقطعة من أواخرها رواها في الباب: (49) من جواهر المطالب ص 54 و 59، ومن قوله: " إن الله أدب هذه الامة " إلى آخره رواه اليعقوبي في آخر كلمه عليه السلام من تاريخه: ج 2 ص 202 ط النجف، ورواها في البحار: ج 8 ص 173، عن الكافي، كما روى قطعة منها عنه في الحديث (9) من الباب: (11) من كتاب إثبات الهداة ص 438. ومن قوله: " ثلاثة واثنان " إلى آخره رواه مرسلا في أواخر الباب (7) من دستور معالم الحكم ص 153 ط مصر.

[196]

- 55 - ومن كلام له عليه السلام قاله حين تخلف عن بيعته عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وحسان بن ثابت، وأسامة بن زيد، على ما رواه الشعبي (1). قال الشعبي: لما اعتزل سعد (و) من سميناه (عن) أمير المؤمنين عليه السلام، وتوقفوا عن بيعته، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، وإن [كذا] بايعوا فلا خيار لهم، وإن على الامام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة من رغب عنها [رغب] عن دين الاسلام، واتبع غير سبيل أهله، ولم تكن


(1) وقال المسعودي في مروج الذهب: ج 3 ص 15: وكان سعد، وأسامه بن زيد، وعبد الله ابن عمر، ومحمد بن سلمة، ممن قعد عن علي بن أبي طالب، وأبوا أن ببايعوه هم وغيرهم ممن ذكرنا من القعاد عن بيعته، وذلك إنهم قالوا: إنها فتنة، ومنهم من قال لعلي: أعطنا سيوفا نقاتل بها معك فإذا ضربنا بها المؤمنين لم تعمل فيهم ونبت عن أجسامهم، وإذا ضربنا بها الكافرين سرت في أبدانهم. فأعرض عنهم علي وقال: ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون.

[197]

بيعتكم إياي فلتة (2) وليس أمري وأمركم واحدا، وإني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لانفسكم، وأيم الله لانصحن للخصم، ولانصفن للمظلوم، وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة، وأسامة، وعبد الله، وحسان بن ثابت أمور كرهتها والحق بيني وبينهم. الفصل (16) من مختار كلامه عليه السلام في الارشاد، ص 13، ط الغري، وقريبا من الذيل رواه السيد الرضي (ره) في المختار: (134) من خطب النهج.


(29 إلى هنا ذكره أيضا في الاخبار الطوال ص 141، والظاهر منه أنه أول خطبة خطبها أمير المؤمنين عليه السلام، وليس فيما ذكره قوله: " واتبع غير سبيل أهله ". والبقية مثل ما هنا الا في بعض ألفاظه فإنه يوافق ما هنا معنى لا لفظا. و " الفلتة ": صدور الفعل عن الفاعل بلا روية ومن غير فكر ودقة.

[198]

- 56 - ومن خطبة له عليه السلام في بيان تساوي الناس في الحكم والقسم كتساويهم في الانتساب إلى آدم. ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني طيب الله ثراه، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن جعفر العقبي رفعه، قال: خطب أمير المؤمنين " (عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار، ولكن الله خول بعضكم بعضا، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمن به على الله عزوجل. ألا وقد حضر شئ ونحن مسوون فيه بين الاسود والاحمر. فقال مروان، لطلحة والزبير: ما أراد بهذا غيركما. قال فأعطى كل واحد (من المسلمين) ثلاثة دنانير، وأعطى رجلا من الانصار ثلاثة دنانير، وجاء بعد [5] غلام أسود، فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الانصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام أعتقته بالامس تجعلني وإياه سواءا ؟ فقال (عليه السلام): إني نظرت في كتاب الله فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا (1)


وهذا مما كان عليه السلام يصر عليه قولا وفعلا وعلما وعملا - وكان من أشد البواعث على تفرق الناس عنه - قال البلاذري في ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف ص 323 -: حدثني عمرو بن شبة، حدثنا عبيد بن جناد (كذا) حدثنا عطاء بن مسلم، عن واصل، عن أبي إسحاق،

[199]

الحديث (26) من روضة الكافي ص 69، ط طهران سنة 1377، ورواه عنه في البحار: ج 8 ص 420 س 8 عكسا.


عن الحرث، قال: كنت عند علي فأتته امرأتان فقالتا: با أمير المؤمنين (نحن) فقيرتان مسكينتان. فقال: قد وجب حقكما علينا وعلى كل ذي سعة من المسلمين إن كنتما صادقتين. ثم أمر رجلا فقال: انطلق بهما (ظ) إلى سوقنا فاشتر لكل واحدة منهما كرا من طعام وثلاثة أثواب، فذكر رداءا وخمارا وإزارا، وأعط كل واحدة منهما من عطائي مأة درهم، فلما ولتا سفرت (ظ) إحداهما وقالت: يا أمير المؤمنين فضلني بما فضلك الله به وشرفك. قال: وبماذا فضلني الله وشرفني ؟ قالت: برسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: صدقت وما أنت، قالت: امرأة من العرب وهذه من الموالي. قال: فتناول شيئا من الارض ثم قال: قد قرأت ما بين اللوحين فما رأيت لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلا ولا جناح بعوضة. وقال اليعقوبي - في ختام وقعة الجمل من تاريخه: ج 3 / 173 -: وأعطى الناس بالسوبة، لم يفضل أحدا على أحد، وأعطى الموالي كما أعطى الصلبية، فقيل له في ذلك. فقال: قرأت ما بين الدفتين فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضل هذا (كذا) وأخذ عودا من الارض فوضعه بين إصبعيه.

[200]

- 57 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها عندما أنكر عليه قوم من المهاجرين تسويته بين الناس في الفئ أما بعد أيها الناس فإنا نحمد ربنا وإلهنا وولي النعمة علينا ظاهرة وباطنة، بغير حول منا ولا قوة، إلا امتنانا علينا وفضلا، ليبلونا أنشكر أم نكفر، فمن شكر زاده ومن كفر عذبه (1). وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحدا صمدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه رحمة للعباد والبلاد [كذا] والبهائم والانعام، نعمة أنعم بها [علينا] ومنا وفضلا، وصلى الله عليه وآله، فأفضل الناس - أيها الناس - عند الله منزلة وأعظمهم عند الله خطرا أطوعهم لامر الله، وأعملهم بطاعة الله، وأتبعهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأحياهم لكتاب الله، فليس لاحد


(1) إشارة إلى قوله تعالى في الآية السابعة من سورة إبراهيم: " وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ".

[201]

من خلق الله عندنا فضل إلا بطاعة الله وطاعة رسوله واتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، هذا كتاب الله بين أظهرنا وعهد نبي الله وسيرته فينا، لا يجهلها إلا جاهل مخالف معاند عن الله عزوجل، يقول الله " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم [13 - الحجرات] فمن اتقى الله فهو الشريف المكرم المحب، وكذلك أهل طاعته وطاعة رسول الله [قال الله تبارك وتعالى] في كتابه: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " [31 - آل عمران: 3]. وقال [الله تعالى]: " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإن الله لا يحب الكافرين " (2). ثم صاح (عليه السلام) بأعلا صوته: يا معشر المهاجرين والانصار، ويا معاشر المسلمين،


(2) كذا في النسخة، وفي الآية: " 32 " من سورة آل عمران: " قال أطيعوا الله والرسول، فان تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ". ولعل ما في المتن نقل منه عليه السلام بالمعنى، أو انه من خطأ الرواة أو الكتاب والناسخين.

[202]

أتمنون على الله وعلى رسوله بإسلامكم ؟ ! ولله ولرسوله المن عليكم إن كنتم صادقين (3). ثم قال (عليه السلام): ألا إنه من استقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله أجرينا عليه أحكام القرآن، وأقسام الاسلام، ليس لاحد على أحد فضل إلا بتقوى الله وطاعته، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأوليائه وأحبائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم قال (عليه السلام): ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها، وأصبحت تغضبكم وترضيكم (4) ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له، ولا الذي دعيتم إليه، ألا وإنها ليست بباقية لكم، ولا تبقون عليها، فلا يغرنكم عاجلها فقد حذرتموها ووصفت لكم وجربتموها فأصبحتم


(3) إشارة إلى الآية: (17) من سورة الحجرات: (49): " يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا علي إسلامكم بلى الله يمن عليكم أن هداكم للايمان ". (4) هذا هو الصواب، وفي النسخة: " تعظكم وترميكم " الخ.

[203]

لا تحمدون عاقبتها، فسابقوا رحمكم الله إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها فهي العامرة التي لا تخرب أبدا، والباقية [التي] لا تنفد، رغبكم الله فيها ودعاكم إليها، وجعل لكم الثواب فيها فانظروا يا معاشر المهاجرين والانصار، وأهل دين الله، ما وصفتم به في كتاب الله ونزلتم به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهدتم عليه، فبما فضلتم به ؟ [أ] بالحسب والنسب ؟ أم بعمل وطاعة ؟ فاستتموا نعمه عليكم - رحمكم الله - بالصبر لانفسكم، والمحافظة على من استحفظكم الله من كتابه. ألا وإنه لا يضركم تواضع شئ من دنياكم (5) بعد حفظكم وصية الله والتقوى، ولا ينفعكم شئ حافظتم عليه من أمر دنياكم بعد تضييع ما أمرتم به من التقوى، فعليكم عباد الله بالتسليم لامره والرضا بقضائه والصبر على بلائه (6) فأما هذا الفئ فليس لاحد فيه على أحد


(5) كذا في النسخة، ويراد منه - هنا - الانحطاط والانتقاص، من قولهم: " تواضعت الارض ": انخفضت ونزلت. (6) ومساق هذا مساق قوله تعالى: " ونبلوكم بالخير والشر فتنة ".

[204]

أثرة، قد فرغ الله عزوجل من قسمه (7) فهو مال الله، وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله، به أقررنا وعليه شهدنا وله أسلمنا، وعهد نبينا بين أظهرنا، فسلموا - رحمكم الله - فمن لم يرض بهذا فليتول كيف شاء، فإن العامل بطاعة الله، والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه، أولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (8) [و]


(7) قال الطبرسي (ره): الفئ: ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بغير قتال، والغنيمة: ما أخذ منهم بقتال. وهو قول عطاء، ومذهب الشافعي وسفيان، وهو المروي عن أئمتنا عليهم السلام، وقال قوم: الغنيمة والفئ واحد. و " الاثرة " كشجرة -: الاختصاص بالشئ دون غيره. وقيل: هو اختصاص المرء نفسه بأحسن الشئ دون غيره. و " القسم ": التجزأة والتفريق، يقال: " قسم الشئ - من باب ضرب - قسما ": فرقه وجزأه. (8) وهذا الحكم مدلول كثير من الآيات المحكمات، والعقل أيضا حاكم به بعد حكمه بعدل الباري تعالى وغنائه وحكمته، قال الله تعالى في الآية: (38) من سورة البقرة: " فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: (63) من السورة: " من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: " 112 " منها: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: (262) منها: " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا لا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وفي الآية: (274) منها: " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال جل شأنه - في الآية: (170) من سورة آل عمران في حق الشهداء: " فرحين بما أتاهم الله من فضله ويسبتشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ". وقال تعالى - في الآية: (69) من سورة المائدة -: " من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا

[205]

أولئك هم المفلحون ونسأل الله ربنا وإلهنا أن يجعلنا


فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال عز شأنه - في الآية: (48) من سورة الانعام -: " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال جلت عظمته - في الآية: (35) من سورة الاعراف -: " يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". وقال تعالى عم نواله - في الآية: (62) من سورة يونس -: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ". وقال جل جلاله - في الآية: (68) من سورة الزخرف -: " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو، إلا المتقين، يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أننم تحزنون، الذين آمنو بآياتنا وكانوا مسلمين، ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون، يطاف عليهم بصحاف من مذهب وأكواب، وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين، وأنتم فيها خالدون، وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون، لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون ". وقال عظم برهانه - في الآية: (13) من سورة الاحقاف -: " إن الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ". ولا شك أن أمير المؤمنين من أكمل مصاديق الآيات المتقدمة - إن لم نقل باختصاص بعض الآيات المتقدمة به - نظير قول ابن عباس: " ما نزل " يا أيها الذين آمنوا " إلا وعلي أميرها وشريفها. وهكذا الكلام بالنسبة إلى ما ورد في الحكم بالفوز والفلاح فإنه عليه السلام من أفضل أفراد من أتى بوسائل الفوز والفلاح، وكيف يمكن أن يقال انه عليه السلام كان خائفا - بمعنى احتماله وتجويزه لحلول العذاب عليه وعدم علمه بما يؤل إليه أمره - والخوف بذلك المعنى من لوازم الجهل بمقام الربوبية والتفريط في العمل بوظائف العبودية، وهو عليه السلام كان متفردا ببلوغ النهاية في العمل والعلم، وكيف يمكن أن يقال انه عليه السلام كان خائفا بذلك المعنى وقد أعده الله لشفاعة المذنبين، وكيف يشفع لغيره من لا يعلم عاقبة أمره ويحتاج إلى شفاعة غيره ؟ !. هذا كله بالنسبة إلى الخوف الاخروي، وأما الدنيوي فانه لم ير الدهر أربط جاشا منه ولذا كان عليه السلام في ساعات الروع واختلاس نفوس الابطال يغفي ويضع رأسه على القربوس في ساحة الحرب وينام، وإذا يخوفوه كان يقول: ما أبالي سقط علي الموت أو سقطت عليه. وسياق الكلام - هنا - يفيد المعنى الثاني، وإنما أتى به عليه السلام إظهارا للتجلد، ومحدثا بنعمة ربه بأنه عامل بطاعته، وحاكم بكتابه.

[206]

وإياكم من أهل طاعته، وأن يجعل رغبتنا ورغبتكم فيما عنده، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم. المختار (17) من كلمه عليه السلام من كتاب تحف العقول، ص 125، ط الغري، وللخطبة صور وأصول أخر ذكرنا بعضها في كتاب المقالة العلوية الغراء وقريبا من الذيل ذكره السيد الرضي (رحمه الله) في المختار: (164) أو قبيلها م خطب النهج، وكذلك رواه أيضا في الحديث الخامس من المجلس: (44) من أمالي ابن الشيخ ص 91.

[207]

- 58 - ومن خطبة له عليه السلام لما طلب منه بعض الاشراف التفضيل لهم في العطاء قال محمد بن يعقوب الكليني الرازي رحمه الله (حدثنا) علي بن إبراهيم، عن أبيه (1). و (حدثنا) محمد بن علي جميعا عن إسماعيل بن مهران، و (عن) أحمد بن محمد بن أحمد، عن علي بن الحسن التيمي. و (حدثنا) علي بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا، عن إسماعيل بن مهران، عن المنذر بن جيفر، عن الحكم بن ظهير، عن عبد الله بن جرير (حريز " خ ") العبدي (2) عن الاصبغ بن نباته، قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله بن عمر، وولد أبي بكر، وسعد بن أبي وقاص، يطلبون منه التفضيل لهم (3) فصعد (أمير المؤمنين عليه السلام) المنبر ومال الناس إليه فقال: الحمد لله ولي الحمد ومنتهى الكرم، لا تدركه


(1) وقد غيرنا هنا عبارة ثقة الاسلام الكليني (ره) في سرد الرواة بعض التغيير للتوضيح، ووضعنا ما زدناه على تعبيره بين المعقوفات أو الاقواس. (2) والمحكى عن جامع الروات: ج 1، ص 107، انه ضبطه " حريث ". (3) يعني طلبوا منه أن يفضلهم على سائر الناس في العطاء وقسمة بيت المال كما كان عمر في أيامه يفضل بعض الناس على بعض، وكما كان عثمان يفضل بني أبيه على غيرهم.

[208]

الصفات ولا يحد باللغاة ولا يعرف بالغايات (4) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، نبي الهدى، وموضع التقوى ورسول الرب الاعلى، جاء بالحق من عند الحق، لينذر بالقرآن المنير، والبرهان المستنير (5) فصدع بالكتاب المبين ومضى على ما مضت عليه الرسل الاولون. أما بعد أيها الناس فلا يقولن رجال قد كانت الدنيا غمرتهم - فاتخذوا العقار وفجروا الانهار، وركبوا


(4) أي إن الصفات التي نجريها على الله تعالى ونصفه بها لا تدركه ولا تلحقه أي انها قاصرة عن إفادة معنى مساوق لذاته تعالى بل هي حاكية عن بعض مقام ذاته تعالى. ويحتمل أن يراد من الصفات معناها المطلق لا خصوص ما نجريها عليه ونصفه به بل مطلق الصفات أي حتى الصفات التي وصف الله نفسه بها، مثلا وصف القادر، والعالم غير واف بإفادة معنى الله، إذ معناه: الواجب الوجود المستجمع لجميع الكمالات والمبرئ من جميع النقائص. ومعنى الاولين ذات قادر وعالم، فهما قاصران عن إفادة وجوب الوجود، وعن استجماعه للكمالات وتنزهه عن النقائص. وعلى هذا فالقصور راجع إلى اللغة، وعلى هذا يحمل قوله: " ولا يحد باللغات ". أو من أجل أنها من الممكنات الحادثة المحدودة وأنى للممكن والحادث والمحدود أن يحد الواجب الغيز المحدود ! !. وقوله عليه السلام: " ولا يعرف بالغايات " قيل: المراد بالغايات الآثار، وبما أنه يشترط في المعرف أن يكون أعرف من المعرف ولا شئ أعرف منه تعالى فلا يعرف بالآثار. وقال المجلسي (ره): أي لا يعرف بالنهايات والحدود الجسمانية، أو بالحدود العقلية إذ حقيقة كل شئ وكنهه نهايته وحده، أو ليس له نهاية لا في وجوده ولا في علمه ولا في قدرته، وكذا سائر صفاته، أو لا يعرف بما هو غاية أفكار المتفكرين. (5) وفي بعض النسخ: " لينذر بالقرآن المبين، والبرهان المستبين ".

[209]

أفره الدواب، ولبسوا ألين الثياب، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا - إن لم يغفر لهم الغفار - إذا منعتهم ما كانوا فيه يخوضون، وصيرتهم إلى ما يستوجبون، فينقمون ذلك ويستنكرون (6) ويقولون: - ظلمنا ابن أبي طالب (7) وحرمنا ومنعنا حقوقنا، فالله عليهم المستعان. [ألا] من استقبل قبلتنا (8)، وأكل ذبيحتنا، وآمن بنبينا وشهد شهادتنا ودخل في ديننا أجرينا عليه حكم القرآن وحدود الاسلام، ليس لاحد على أحد فضل ألا بالتقوى. ألا وإن للمتقين عند الله تعالى أفضل الثواب، وأحسن الجزاء والمآب، لم يجعل الله تبارك وتعالى الدنيا للمتقين ثوابا، وما عند الله خير للابرار. أنظروا أهل دين الله فيما وصفتم [به] في كتاب الله


(6) هذا هو الموافق لرواية الاسكافي، وفي الكافي: " فيفقدون ذلك فيسألون ". (7) " ظلمنا " مفعول لقوله: " يقولون " الثاني، وهو بدل من قوله: " فلا يقولن " أو أنه مفعول لهما على سبيل التنازع. (8) كلمة " ألا " مأخوذة من رواية الاسكافي، وفي المستدرك: " فإن من استقبل قبلتنا " الخ.

[210]

ونزلتم به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهدتم به في ذات الله (9) أبحسب أم بنسب ؟ أم بعمل أم بطاعة أم زهادة ؟ (10) و [انظروا] فيما أصبحتم فيه راغبين (11) فسارعوا إلى منازلكم - رحمكم الله - (12) - التي أمرتم بعمارتها [كذا] العامرة التي لا تخرب (13) [و] الباقية التي لا تنفد التي دعاكم [الله] إليها، وحضكم عليها ورغبكم فيها، وجعل الثواب عنده عنها، فاستتموا نعم الله عز ذكره بالتسليم لقضائه والشكر على نعمائه، فمن لم يرض بهذا فليس منا ولا إلينا، وإن الحاكم يحكم بحكم الله ولا خشية [ولا وحشة " خ "] عليه من ذلك، أولئك هم المفلحون [وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " خ "].


(9) اي في سبيله خالصا مخلصا له، وفي البحار: " انظروا أهل دين الله فيما أصبتم في كتاب الله، وتركتم عند رسول الله، قال: وفي بعض النسخ: " فانظروا إلى أهل دين الله ". (10) كلمة أم في الاول والثالث والرابع بمعنى أو. (11) أي انظروا فيما أصبحتم راغبين فيه هل يشبه ما رأيتم وعهدتم مما تقدم ذكره، أو أنظرو أيهما أصلح لان يرغب فيه وجعل الثواب عنده ؟ ! ! (12) كذا في النسخة، وفيها تقديم وتأخير. (13) وفي المستدرك: فإنها العامرة التي لا تخرب ".

[211]

الحديث (551) من روضة الكافي ص 360 ورواه عنه مشروحا في الحديث الثاني من باب: " نوادر ما وقع في أيام خلافته عليه السلام " من بحار الانوار: ج 8 ص 117 ط الكمباني وكذلك في ج 17، ص 90 في أواخر الباب (14). وقريب منه جدا وراه في المختار: (18) من خطب المستدرك ص 40، والمستفاد مما ذكره نصر بن مزاحم في آخر كتاب صفين بأربعة أوراق، ص 551 ط مصر، أنهم دخلوا عليه وسألوا منه العطاء بعد وقعة صفين، والمستفاد من رواية الاسكافي وأمالي ابن الشيخ انه عليه السلام قال ذلك الكلام في اليوم الثاني من بيعته بلا طلب وسوال منه، أقول: وتعدد الصدور قوي جدا.

[212]

- 59 - ومن كلام له عليه السلام في تنبيه الناس بأن الفئ يقسم بينهم بالسوية وأنه لا يفضل شريفا على وضيع قال ابن دأب: وقام (أمير المؤمنين) عليه السلام خطيبا بالمدينة حين ولي (الخلافة) فقال: يا معشر المهاجرين والانصار، يا معشر قريش اعلموا - والله - أني لا أرزؤكم من فيئكم شيئا ما قام لي عذق بيثرب (1) أفتروني مانعا نفسي وولدي ومعطيكم ؟ ! ! ولاسوين بين الاسود والاحمر. فقام إليه (أخوه) عقيل بن أبي طالب فقال: لتجعلني وأسودا من سودان المدينة واحدا ؟ ! فقال له: اجلس رحمك الله تعالى، أما كان ههنا من يتكلم غيرك ؟ وما فضلك عليهم الا بسابقة أو تقوى ! ! (2).


(1) يقال: " رزأ الرجل ما له - من باب منع والمصدر كالمنع والقفل ومعدنة - رزأ ورزأ ومرزئة ": أصاب منه شيئا أي نقصه. والعذق - كعقل -: النخلة بحملها، والجمع: أعذق وعذاق. والعذق - كحبر -: عنقود العنب. المشابه لعنقود العنب من ثمر النخل - و - ويعبر عنه في لسان المرودشتيين ومن جاورهم من أهالي إيران ب‍ " تلواره " على زنة سلمانة -، والجمع: عذوق وأعذاق. " ويثرب " على زنة يضرب علم للمدينة المنورة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل. (2) وأيضا قال ابن دأب: (ومن الفضائل السبعين التي اجتمعت في أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره) ترك التفضيل لنفسه وولده على أحد من أهل الاسلام، دخلت عليه أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فدفع إليها عشرين درهما، فسألت أم هانئ مولاتها العجمية فقالت: كم دفع إليك أمير المؤمنين عليه السلام، فقالت: عشر بن درهما. فانصرفت (أم هانئ) مسخطة (على أخيها

[213]

الفضيلة (23) من الفضائل السبعين التي ذكرها لامير المؤمنين عليه السلام ابن دأب في كتابه على ما رواه الشيخ المفيد (ره) في كتاب الاختصاص ص 151، ط 2، عنه معنعنا، ورواه عن الاختصاص في الحديث (117) من الباب (91) من بحار الانوار: ج 9 ص 452 ط الكمباني، وفي ط الجديد: ج 40 ص 106.


وطلبت منه التفضيل) فقال لها: (يا أختاه) انصرفي رحمك الله، ما وجدنا في كتاب الله فضلا لآ (ل) إسماعيل على (آل) إسحاق. وفي مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 315، وفي ط قم: ج 2 ص 109، في عنوان: " المسابقة بالعدل والامانة " قال: وعن أم عثمان أم ولد علي عليه السلام قالت: جئت عليا وبين يديه قرنفل، فقلت: يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة. فقال: هاك ذا، ونفذ ييده إلي درهما فإنما هذا للمسلمين، أو فاصبري حتى يأتينا حظنا منه فنهب لابنتك قلادة. ورواه عنه في الحديث (15) من الباب (107) من البحار: ج 9 ص 535 وفي ط الحديث: ج 41 ص 116.

[214]

- 60 - ومن كلام له عليه السلام قاله في بعض خطبه قال البلاذري: حدثني محمد بن سعد، حدثنا عفان، حدثنا جويرية بن بشير، حدثني أبو جادة انه سمع عليا رضي الله تعالى عنه يقول وهو يخطب: والله الذي لا إله إلا هو ما قتلته ولا مالات على قتله ولا ساءني (1). ترجمه عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 98 ط 1.


(1) وقال في كنز العمال تحت الرقم: (227) ج 15 / 10 /: عن اللالكائي عن الحسن قال: شهدت عليا بالمدينة وسمع صوتا فقال: ما هذا، قالوا: قتل عثمان. قالى: اللهم إني أشهدك افي لم ارض ولم أمالئ - مرتين أو ثلاثا.

[215]

- 61 - ومن كلام له عليه السلام في البراءة عن دم عثمان والممالات عليه البلاذري، عن المدائني، عن عيسى بن الربيع، عن أبي حصين قال: قال علي (عليه السلام): لو أعلم أن بني أمية يذهب ما في أنفسها (1) أن أحلف لها لحلفت خمسين يمينا مرددة بين الركن والمقام أني لم أقتل عثمان ولم أمالئ على قتله (2). ترجمة عثمان من كتاب انساب الاشراف: ج 5 ص 81 ط 1. وقريب منه جدا بسند آخر، رواه في الحديث 37 من الجزء العاشر من أمالي الطوسي ص 168، ورواه أيضا تحت الرقم: (226) من كتاب الفضائل في عنوان: " حصر عثمان وقتله " من كنز العمال: ج 15، ص 8 ط 2 نقلا عن اللالكائي.


(1) وفي كنز العمال: " يذهب ما في نفوسها ". (2) وقال في مادة: " نفل " من الفائق: ج 4 / 11: وأصل النفل: النفي [ويستعمل في الحلف لما يترتب عليه من نفي ما نسب إلى الحالف أو من يحلف له] ومنه حديث علي رضي الله عنه: لوددت أن بني أمية رضوا ونفلناهم خمسين رجلا من بني هاشم يحلفون ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلا. يريد نفلنا لهم [يعني حلفنا لهم بالبراءة من دم عثمان].

[216]

- 62 - ومن كلام له عليه السلام قاله لمروان وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة قال اليعقوبي - في أول خلافة أمير المؤمنين من تاريخه: ج 2 ص 167 -: وبايع الناس [أمير المؤمنين عليا عليه السلام] إلا ثلاثة نفر من قريش، مروان ابن الحكم، وسعيد بن العاص، والوليد بن عقبة وكان لسان القوم، فقال [لعلي عليه السلام]: يا هذا إنك وترتنا جميعا، أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر، وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر ؟ وكان أبوه من نور قريش (كذا) وأما مروان فشتمت أباه وعبت على عثمان حين ضمه إليه ! ! [ونحن إخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف فنبايعك] (1) على أن تضع عنا ما أصبنا، وتعفي لنا عما في أيدينا وتقتل قتلة صاحبنا. فغضب علي عليه السلام وقال: أما ما ذكرت من وتري إياكم فالحق وتركم ! ! ! وأما وضعي عنكم عما في أيديكم فليس لي أن أضع حق الله [عنكم ولا عن غيركم] وأما إعفائي عما في أيديكم فما كان لله وللمسلمين فالعدل يسعكم، وأما قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لزمني قتالهم غدا (2):


(1) بين المعقوفات كلها مأخوذ من رواية الاسكافي في شرح المختار: (91) من خطب النهج من ابن أبي الحديد، وهنا في رواية اليعقوبي سقط. (2) كذا في النسخة، وفي رواية الاسكافي: " فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ".

[217]

ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنة نبيه، فمن ضاق عليه الحق فالباطل عليه أضيق، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم. فقال مروان: بل نبايعك ونقيم معك فترى ونرى (3). أقول: والقصة مذكورة في أول خلافته عليه السلام من مروج الذهب: ج 2 ص 353، إشارة، ورواه ابن أبي الحديد بألفاظه في شرح المختار: (91) من النهج: ج 7 ص 36 نقلا عن الاسكافي.


(3) وإنما قال ذلك لانه أراد أن يكون مع أمير المؤمنين عليه السلام ويخل بأمره سرا إن عجز عنه علنا وجهرا، ويدل عليه ما ذكره في ترجمة سعيد بن العاص من طبقات ابن سعد: ج 5 / 23 ط 1: قال: فلما خرج طلحة والزبير وعائشة من مكة يريدون البصرة خرج معهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم، وعبد الرحمان بن عتاب بن أسيد، والمغيرة بن شعبة، فلما نزلوا مر الظهران، ويقال: ذات عرق، قام سعيد بن العاص فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن عثمان عاش في الدنيا حميدا، وخرج منها فقيدا - وساق مدحه على عثمان بزعمه وذويه إلى أن قال: - أيها الناس إنكم إنما تخرجون تطلبون بدم عثمان، فإن كنتم ذلك تريدون فإن قتلة عثمان على صدور هذه المطي وأعجازها فميلوا عليهم بأسيافكم ! ! ! وإلا فانصرفوا إلى منازلكم ولا تقتلوا في رضى المخلوقين أنفسكم ولا يغنى الناس عنكم يوم القيامة شيئا. فقال مروان بن الحكم: لا بل نضرب بعضهم ببعض فمن قتل كان الظفر فيه، ويبقى الباقي فنطلبه وهو واهن ضعيف ! ! ! (*)

[218]

- 63 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به جماعة عثمانية حين سألوه عن عثمان أقتل ظالما أو مظلوما ؟ ! ! قال ابن عساكر: قرأت في كتاب أبي الفرج علي بن الحسين بن محمد القرشي قال: أخبرني أحمد بن عبيد الله ابن عمار، حدثنا أبو جعفر محمد بن منصور الربعي - وذكر له إسنادا شاميا هكذا قال ابن عمار: في الخبر - وذكر حديثا فيه طول لحسان بن ثابت، والنعمان بن بشير، وكعب بن مالك، فذكرت ما كان لكعب فيه - قال: لما بويع علي بن أبي طالب بلغه عن حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، والنعمان بن بشير - وكانوا عثمانية - أنهم يقدمون بني أمية على بني هاشم، ويقولون: الشام خير من المدينة، واتصل بهم أن ذلك بلغه فدخلوا عليه فقال له كعب بن مالك: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن عثمان أقتل ظالما فتقول بقولك (1) أو قتل مظلوما فنقول بقولنا (2) ونكلك إلى الشبهة ! ! ! والعجب من ثبتنا وشكك ؟ وقد زعمت العرب أن عندك علم ما اختلفنا فيه فهاته لنعرف ثم قال: [و] كف يديه ثم أغلق بابه * وأيقن أن الله ليس بغافل وقال لمن في داره: لا تقاتلوا * عفى الله عن كل امرئ لم يقاتل فكيف رأيت الله صب عليهم * العداوة والبغضاء بعد التواصل وكيف رأيت الخير أدبر عنهم * وولى كإدبار النعام الجوافل (3)


(1) هذا دال على أنه عليه السلام كان يقول: بأن عثمان قتل ظالما، وان عمله وجرائم بني أبيه أجهز عليه. (2) كذا في النسخة. (3) هذا السياق دال على أنه لم ينشد هذه الابيات حين دخوله على أمير المؤمنين بل إنشاده لها كان في آخر أيامه عليه السلام أو في أيام معاوية.

[219]

فقال علي (عليه السلام لهم): لكم عندي ثلاثة أشياء: إستاثر عثمان وأساء الاثرة (4) وجزعتم وأساتم الجزع، وعند الله [حكم] ما تختلفون فيه إلى يوم القيامة. فقالوا: لا ترضى بهذا العرب ولا تعذر نابه ! ! ! فقال علي (عليه السلام): أترد علي بين ظهراني المسلمين بلا نية صادقة، ولا حجة واضحة ! ! أخرجوا فلا تجاوروني في بلد أنا فيه أبدا. فخرجوا من يومهم فساروا حتى أتوا معاوية فقال لهم: لكم الكفاية أو الولاية (كذا) فأعطى حسان بن ثابت ألف دينار، وكعب بن مالك ألف دينار، وولى النعمان بن بشير حمص ثم نقله إلى الكوفة. ترجمة كعب بن مالك بن أبي كعب من تاريخ دمشق: ج 46 ص 1553، وكذلك رواه في الاغاني: ج 16، ص 233 ط بيروت وقريب منه في ذيل المختار: (30) من نهج البلاغة، وذكره باسناد آخر في ترجمة عثمان من تاريخ دمشق: ج 25 ص 159، وكذلك في المختار: (153) من باب الكتب من نهج السعادة.


(4) أي استبد بتخصيص منافع الولاية إلى نفسه وذويه وإيثارهم على غيرهم واستقلاله مع بني أبيه بحيازة الفئ وغيره. و " الاثرة " كثمرة. - الاستبداد وتخصيص النفائس بالنفس.

[220]

- 64 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بعدما بويع له بخمسة أيام (1) علي بن ابراهيم رحمه الله قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام: بعدما بويع له بخمسة أيام فقال فيها: واعلموا أن لكل حق طالبا ولكل دم ثائرا، والطالب لحقنا كقيام الثائر بدمائنا، والحاكم في حق نفسه (2) [و] هو العادل الذي لا يحيف (3) والحاكم الذي لا يجور، وهو الله الواحد القهار (4). واعلموا أن على كل شارع بدعة وزره ووزر كل مقتد


(1) والالفاظ الواردة في هذه الخطبة قد صدرت عنه عليه السلام في غير واحد من القضايا، وأوقات مختلفة، كما يعلم ذلك من مراجعة الخطبة: (103، و 156) من نهج البلاغة. (2) أي إن الذي يطلب حقنا - بمعناه العام - كمن يقوم ويطلب ثارنا ودماءنا، وكمن يحكم حق نفسه فينال مطلوبه بلا مزاحم ولا مهلة وعلى هذا فالكلام إشارة إلى نجاح طالبي حقوقهم حث على الطلب بها. (3) ومثله في تفسير البرغاني نقلا عن تفسير علي بن إبراهيم، وفي تفسير البرهان: ج 2 / 44 والبحار: ج 8 ص 399 نقلا عنه: " هو العدل الذي لا يحيف ". أي لا يجور ولا يميل عن الحق. (4) وفي النهج: " وهو الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب ".

[221]

به من بعده إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيئا (5) وسينتقم الله من الظلمة مأكلا بمأكل، ومشربا بمشرب (6) من لقم العلقم، ومشارب الصبر الادهم (7) فليشربوا الصلب من الراح السم المداف (8) وليلبسوا دثار الخوف دهرا طويلا، ولهم بكل ما أتوا وعملوا من أفاريق الصبر الادهم فوق ما أتوا وعملوا (9) أما إنه لم يبق إلا الزمهرير من شتائهم، وما لهم من


(5) وهذا المعنى قد ورد في أخبار كثيرة ذكر بعضها في الحديث (18) من المجلس: (24) من أمالي المفيد، وفي البحار: ج 17 / 165، و 188، وج 8 / 679، وفي الحديث: 46 و 55 و 78 و 79 من الباب (8) من البحار: ج 1، ص 75 وما بعدها، وفي الباب: (15) من كتاب الامر بالمعروف من مستدرك الوسائل ج 3 ص 368 (6) وفي البحار: " مأكل بمأكل، ومشرب بمشرب ". وفي النهج: " وسينتقم الله ممن ظلم مأكلا بمأكل، ومشربا بمشرب، من مطاعم العلقم، ومشارب الصبر والمقر، ولباس شعار الخوف ودثار السيف، وإنما هم مطايا الخطايا وزوامل الآثام " الخ. (7) واللقم: جمع اللقمة. والعلقم: الحنظل. كل شئ مر. والادهم: الاسود. (8) أي فليشربوا الشديد الغليظ. فإن شربه أعسر، أو ان " الصلب " تصحيف " الصئب " بالهمزة، يقال: " صئب من الشراب صئبا " - من باب فرح: روى وامتلا. أو هو مصحف " الصبب " - محركة كسبب - بمعنى المصبوب. والراح: الخمر أطلق هنا تهكما. والدوف: الخلط والبل بماء ونحوه. كذا أفاده المجلسي (ره). (9) أفاريق كأنه جمع أفراق، وهو جمع أفارقة، وهو جمع الفرقة - بالكسر فالسكون - قال في شرح القاموس: الفرقة - بالكسر -: السقاء الممتلئ الذي لا يستطيع أن يمخض حتى يفرق. الطائفة من الناس، والجمع فرق - كعنب - وجمع في الشعر على أفارق، وجمع الجمع أفراق، ثم جمع جمع الجمع أفاريق.

[222]

الصيف إلا رقدة (10) ويحبسهم (11) ما توازروا وجمعوا على ظهورهم من الآثام. فيا مطايا الخطايا، ويا زور الزور، وأوزار الآثام مع الذين ظلموا اسمعوا واعقلوا وتوبوا وابكوا على أنفسكم فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فأقسم ثم أقسم ليتحملنها (12) بنو أمية من بعدي


(10) أي لم يبق لهم من شدائد الدنيا إلا ما أصابهم من تلك الشدة، وليس لهم في ذلك أجر. والرقدة - بالهاء -: النومة، وفي بعض النسخ: " إلا رفده " بالفاء مع الضمير، والرفد - - بالكسر -: العطاء. وبالكسر والفتح: القدح الضخم، والحاصل انه لم ببق لهم من راحة الدنيا إلا راحة قليلة ذهبت عنهم. هذا محصل ما أفاده المجلسي رحمه الله في شرح هذه الفقرة. (11) كذا في غير واحد من الاصول الناقلة عن تفسير علي بن ابراهيم، قال المجلسي (ره): أي يحبسهم يوم القيامة أوزارهم. ثم قال: وفي بعض النسخ: " ويحبسهم وما توازروا ". أي يحبسهم الله (مع أوزارهم). أقول: ويحتمل أيضا أن يكون: و " يحسبهم " بمعنى يكفيهم، أي يكفي لهلاكهم وضلالتهم ما توازروا. وفي الطبعة الاخيرة من تفسير علي بن إبراهيم - ومثله في نفسير البرهان، نقلا عنه -: ويحهم ما تزودوا وجمعوا على ظهورهم من الآثام ". وهذا أظهر. (12) وفي بعض النسخ: " لتحملنها بنو أمية ". وفي المختار: (103) من خطب النهج: " فأقسم بالله يا بني أمية، عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم، وفي دار عدوكم " الخ. وفي المختار: (156) من النهج: " فأقسم ثم اقسم لتنخمنها أمية من بعدي كما تلفظ النخامة، ثم لا تذوقها ولا تطعم بطعمها أبدا ماكر الجديدان ". لتنخمنها - من باب فرح -: لتدفعنها وتلفظنها مثل لفظ النخامة: والتشبيه أما للاشارة إلى سرعة الدفع وسهولته، أو للاشارة إلى قذارة المدفوع في مذاق الدافع، أي انهم يتركون الامارة ويلفظونها مستقذرا إياها - لما يصل إليهم من التلبس بها من العناء - كاستقذار صاحب النخامة - وهي أخلاط الصدر والانف - حفظ النخامة وإبقاءها في صدره وفيه.

[223]

وليعرفنها في دار غيرهم عما قليل، فلا يبعد الله إلا من ظلم، وعلى البادي (13) ما سهل لهم من سبيل الخطايا [كذا] مثل أوزارهم وأوزار كل من عمل بوزرهم إلى يوم القيامة " ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون " (14). تفسير الآية: (25) من سورة النحل، من تفسير علي بن إبراهيم: ج 1، ص 384 وفي ط ص 358، وفي آخر ص 231 ورواه المجلسي الوجيه (ره) عنه في البحار: ج 8 ص 399، س 11، ط الكمباني وشرح بعض مفرداته، ورواه عنه أيضا في الحديث الثاني من تفسير الآية الكريمة من سورة النحل من تفسير البرهان: ج 2 ص 364، ط 2. وكذا رواه عنه في تفسير نور الثقلين: ج 3 ص 49. وكذا نقله البرغاني (ره) في تفسيره. وقريبا من صدرها نقله في آخر الباب: (62) من ينابيع المودة ص 358 عن جواهر العقدين، كما انه مذكور في المختار: (103) من باب خطب النهج، وكذلك قطعة منها ذكره في آخر المختار: (156) منها.


(13) يعني الاول، فإن من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها. (14) اقتباس من الآية: (25) من سورة النحل: 16.

[224]

- 65 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بعد استخلافه بستة أيام قال السيد أبو طالب: أخبرنا محمد بن زيد الحسني قال: أخبرنا الناصر للحق الحسن بن علي، قال: حدثنا أخي الحسين بن علي عن محمد بن الوليد، عن ابن أبي عمير (ظ) عن هشام، عن إسماعيل الجعفي قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام: خطب أمير المؤمنين علي عليه السلام بعد أن استخلف لستة أيام، فحمد الله وأثنى عليه وأفاض في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس إن مبدء وقوع الفتن أهواء تتبع وأحكام تبتدع (1) يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيها رجال رجالا، فلو ان الحق خلص لم يكن اختلاف، ولو أن الباطل خلص لم يخف على ذي حجى [ظ] ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان [و] هنالك استحوذ الشيطان على أوليائه دون الذين سبقت لهم من الله الحسنى اليوم عمل ولا ثواب، ولا عمل كأداء مفاتيح الهدى [كذا].


(1) هذا هو الظاهر الموافق لرواية الكليني الآتية في أواخر الباب، وفي نسخة تيسير المطالب: " تبدع ". ثم ان في رواية الكليني: " إنما بدء وقوع الفتن "..

[225]

بنا نفى الله ربق الذل عن أعناقكم وبنا يفتح ويختم لا بكم. والله أيها الناس لقد أدركت أقواما كانوا يبيتون لله سجدا [و] قياما كأن صرير النار في آذانهم، وإذا ذكروا الله مادوا كما تميد الشجرة يوم الريح العاصف. أيها الناس إن الله حد حدودا فلا تعتدوها. وفرض فروضا فلا تنقصوها وأمسك عن أشياء لم يمسك عليها نسيانا بل رحمة من الله لكم فاقبلوها ولا تكلفوها، حلال بين [وحرام بين] وشبهات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه فهو لما استبان له أترك. والمعاصي حمى الله فمن رتع حولها يوشك أن يقع فيها. الباب: (14) من تيسير المطالب في ترتيب أمالي السيد أبي طالب ص 128. ولذيل الكلام مصادر وأسانيد.

[226]

- 65 - ومن كلام له عليه السلام قاله لمغيرة بن شعبة لما أشار إليه بإمضاء إمارة معاوية وتوليته الشام. قال أبو الفرج: أخبرني عبيد الله بن محمد، قال: حدثنا الخزاز، عن المدائني، عن أبي مخنف. وأخبرني أحمد (محمد " خ ") بن عيسى العجلي، قال: حدثنا الحسن بن نصر (كذا) قال: حدثني أبي نصر بن مزاحم، قال: حدثنا عمر بن سعد [شبة " خ "] عن أبي مخنف، عن رجاله: أن المغيرة بن شعبة جاء إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له: أكتب إلى معاوية فوله الشام، ومره بأخذ البيعة لك، فإنك إن لم تفعل وأردت عزله حاربك. فقال علي عليه السلام: " ما كنت متخذ المضلين عضدا ". فانصرف المغيرة وتركه، فلما كان من غد جاءه فقال: إني فكرت فيما أشرت به عليك أمس فوجدته خطأ، ووجدت رأيك أصوب. فقال له علي: لم يخف علي ما أردت، قد نصحتني في الاولى، وغششتني في الآخرة ؟ ! ! (1)، ولكني والله لا آتي أمرا أجد فيه فسادا لديني طلبا لصلاح دنياي.


(1) أي ما أبديت في المرة الاولى من تولية معاوية كان نصحا وصلاحا للدنيا لمن أرادها، وما قلت في المرة الثانية كان مجاراة لي ولم يكن بداعي التحفظ على مصالح العاجل وانتظام أمر الخلافة، فكان الاول بحسب مصلحة الدنيا نصحا، والثاني غشا، ولكني لا أطلب صلاح الدنيا إذا كان فيه فساد الدين.

[227]

ترجمة المغيرة بن شعبة من كتاب الاغاني: ج 16، ص 91 ط تراثنا. وذكره أيضا أحمد بن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح: ج 2 ص 267 ط 1، بنحو الارسال ولكن ما ذكره أقرب من رواية غير أبي الفرج منه إليها. وقريبا منه رواه في الجزء التاسع من بشارة المصطفى ص 324، ومثله رواه أيضا في أمالي الطوسي.

[228]

- 66 - ومن كلام له عليه السلام دار بينه وبين طلحة والزبير قال القاضي نعمان (ره): روينا عن (أمير المؤمنين) على عليه السلام انه أمر عمار بن ياسر. وعبيد الله بن أبي رافع، وأبا الهيثم بن التيهان أن يقسموا فيئا [مالا من الفئ " خ "] بين المسلمين، وقال لهم: اعدلوا فيه ولا تفضلوا أحدا على أحد، فحسبوا فوجدوا الذي يصيب كل رجل من المسلمين ثلاثة دنانير، فأعطوا الناس فأقبل إليهم طلحة والزبير، ومع كل واحد منهما ابنه، فدفعوا إلى كل واحد منهم ثلاثة دنانير فقال طلحة والزبير: ليس هكذا يعطينا عمر، فهذا منكم أو عن أمر صاحبكم ؟ قالوا: بل هكذا أمرنا أمير المؤمنين (عليه السلام) فمضيا إليه فوجداه في بعض أمواله (1) قائما في الشمس على أجير له يعمل بين يديه، فقالا له: ترى أن


(1) قال ابن دأب في الفضائل السبعين المجتمعة في أمير المؤمنين دون غيره - على ما رواه في كتاب الاختصاص ص 152، ط 3 - ولى (امير المؤمنين) بيت مال المدينة عمار بن ياسر، وأبا الهيثم بن التيهان، فكتبا العربي والقرشي والانصاري والعجمي وكل من كان في الاسلام من قبائل العرب وأجناس العجم (سواءا) فأتاه سهل بن حنيف بمولى له أسود فقال: كم تعطي هذا ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: كم أخذت أنت ؟ قال: ثلاثة دنانير، وكذلك أخذ الناس. قال: فأعطوه ثلاثة دنانير مثل ما أخذ (سهل) فلما عرف الناس أنه لا فضل لبعضهم على بعض (في القسم) أتى طلحة والزبير عمار بن ياسر، وأبا الهيثم بن التيهان فقالا: يا أبا اليقظان استأذن لنا على صاحبك. قال: وعلى صاحبي إذن ؟ ! قد أخذ بيد أجيره وأخذ مكتله ومسحاته وذهب يعمل في نخله في بئر الملك. (قال ابن دأب:) وكان بئر ينبع سميت بئر الملك، فاستخرجها علي عليه السلام وغرس عليها النخل. وقال في الحديث: (24) من الباب: (107) من البحار: ج 9 ص 535 - وفي ط الجديد: ج 41 ص

[229]

أن ترتفع معنا إلى الظل ؟ قال: نعم. فقالا له: إنا أتينا إلى عمالك على قسمة هذا الفئ فأعطوا كل واحد منا مثل ما أعطوا سائر الناس. قال: وما تريدان ؟ قالا: ليس كذلك كان يعطينا عمر. قال: فما كان رسول الله [صلى الله عليه وآله] (2) يعطيكما ؟ فسكتا، فقال: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقسم بالسوية بين المسلمين (3) من غير زيادة ؟ قالا: نعم. قال: أفسنة رسول الله [صلى الله عليه وآله] أولى بالاتباع أم سنة عمر ؟ قالا: بل سنة رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] ولكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة وغناء وقرابة، فإن رأيت أن لا تسوينا بالناس فافعل. قال: سابقتكما أسبق أم سابقتي ؟ قالا: سابقتك. قال: فقرابتكما أقرب أم قرابتي ؟ قالا: قرابتك. قال: فغناؤكما أعظم أم غنائي ؟ قالا: بل أنت يا أمير المؤمنين


116، نقلا عن مناقب آل أبي طالب: ج 1 ص 315 عن كتاب ابن الحاشر باسناده إلى مالك بن أوس بن الحدثنان في خبر طويل: انه قام سهل بن حنيف فأخذ بيد عبده فقال: يا أمير المؤمنين قد أعتقت هذا الغلام. فأعطاه ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف. (2) بين المعقوفين هنا في الاصل كان هكذا: " صلعم " وكذلك ما يأتي بعده، وما تقدمه كان هكذا: " ع ". والمستفاد من الاستقراء ان هذا من كلام الرواة أضافوه إلى كلام المعصومين كلما جرى ذكرهم لما ورد من الحث على ذلك، وإنما أتوا به رمزا للاختصار. (3) وفي بعض النسخ هكذا: " أليس كان رسول الله يعطيكما من قسمة الغنيمة كسائر المسلمين بالسوية ؟ " الخ.

[230]

أعظم غناءا. قال: فوالله ما أنا وأجيري هذا - وأومى بيده إلى الاجير الذي بين يديه (4) - في هذا المال إلا بمنزلة واحدة ! ! ! قالا: جئنا [جئناك " خ "] لهذا وغيره. قال: وما غير ؟ قالا: أردنا العمرة فأذن لنا. قال: انطلقا فما العمرة تريدان، ولقد أنبئت بأمركما ورأيت مضاجعكما ! ! ! فمضيا. وهو يتلو وهما يسمعان: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [10 - الفتح: 48]. الحديث الاول من باب قسمة الغنائم من كتاب الجهاد من دعائم الاسلام: ج 1. ص 384 ط مصر. وقطعة منه رواها ابن شهر آشوب رحمه الله في مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 315، ورواها عنه في الحديث (23) من الباب (107) من البحار: ج 9 ص 535 ط الكمباني، وفي ط الحديث: ج 41 ص 116 وقريبا منه رواه أيضا القطب الراوندي رحمه الله في كتاب الخرائج كما في البحار: ج 8 ص 415.


(4) هذا كان في الاصل مؤخرا عن قوله: " إلا بمنزلة واحدة ". وإنما قدمناء لانه أوفق.

[231]

- 67 - ومن كلام له عليه السلام في الدعاء على طلحة والزبير (1) قال البلاذري: حدثني عباس بن هشام، عن أبيه. عن أبي مخنف: ان طلحة والزبير، استأذنا عليا في العمرة، فقال: لعلكما تريدان الشام أو العراق ؟ فقالا: اللهم غفرا إنما نوينا العمرة ! فأذن لهما فخرجا مسرعين وجعلا يقولان: لا والله ما لعلي في أعناقنا بيعة ! ! وما بايعناه إلا مكرهين تحت السيف ! ! ! فبلغ ذلك عليا فقال: أخذهما الله [أبعدهما الله " خ "] إلى أقصى دار وأحر نار. الحديث: (282) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1، الورق 172 - أو ص 247 من المخطوطة، وفي المطبوعة: ج 2 ص 222 ط 1.


(1) ومن اللطائف ما ذكره ابن الاعرابي في معجم الشيوخ: ج 2 / الورق 152 / وفي نسخة الورق 219 / أ / قال: أنبأنا على (بن سهل بن المغيرة) أنبأنا أزهر بن عمير، قال: استأذن شريك على يحيى بن خالد، وعنده رجل من ولد الزبير بن العوام فقال الزبيري: أصلح الله الامير، ائذن لي في كلام شريك. فقال: إنك لا تطيقه. قال: ائذن لي في كلامه. قال: شأنك. فلما دخل شريك وجلس قال له الزبيري: يا (أ) با عبد الله ان الناس يزعمون أنك تسب أبا بكر وعمر ! ! فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: والله ما استحللت ذاك من أبيك وكان أول من نكث في الاسلام فكيف استحله من أبي بكر وعمر ؟ ! !

[232]

- 68 - ومن كلام له عليه السلام لما بلغه أن طلحة والزبير لم يلقيا في مسيرهما إلى مكة أحدا إلا وقالا له: ليس لعلي في أعناقنا بيعة وإنما بايعناه مكرهين ! ! ! أبعدهما الله وأغرب دارهما (1) أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل، ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم. والله ما العمرة يريدان، ولقد أتياني بوجهي فاجرين، ورجعا بوجهي غادرين ناكثين، والله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما فبعدا لهما وسحقا. شرح المختار الثامن، من الباب الاول من النهج لابن أبي الحديد: ج 1، ص 232. * (هامشس) * (1) أي نحاها وشطتها.

[233]

- 69 - ومن كلام له عليه السلام قاله عند نكث طلحة والزبير بيعته في مسيرهما إلى مكة للاجتماع مع عائشة في التأليب عليه: أما بعد فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وآله للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، فصدع بأمره (1) وبلغ رسالات ربه، فلم به الصدع ورتق به الفتق (2) وآمن به السبل وحقن به الدماء، وألف به بين ذوي الاحن والعداوة الواغرة في الصدور (3) والضغائن الراسخة في القلوب، ثم قبضه الله إليه حميدا، لم يقصر في الغاية التي إليها أدى الرسالة، ولا بلغ شيئا كان في التقصير


(1) أي أبانه وأظهره بين الناس، وفي الاحتجاج: ج 1، ص 236: " فصدع بما أمر به ". (2) أي جمع الله به تشتت الناس وتفرقهم واستبدادهم بالاديان والاهواء وقوله: " رتق به الفتق " أي أصلح ما فسد منهم يقال: " رتق فتقهم - من باب نصر، وضرب - رتقا ": أصلح ذات بينهم، ويقال: هو الراتق الفاتق: مصلح الامر. و " الفتق ": شق الشئ ونقضه. و " الرتق ": ضمه وإصلاحه. (3) الاحن: جمع الاحنة - كحرف وحرفة وإرب وإربة -: الحقد. يقال: " أحسن أحنا " من باب علم والمصدر كالضرب -: حقد وأضمر العداوة. ويقال: " وغر يوغر - - كوجل يوجل - وييغر وغرا صدره على فلان ": توقد عليه من الغيظ فهو واغر الصدر. و " الوغر " - كفلس وفرس -: الحقد والضغن والعدارة.

[234]

عنه الفضل، وكان من بعده ما كان من التنازع في الامر فتولى أبو بكر وبعده عمر، ثم تولى عثمان، فلما كان من أمره ما عرفتموه أتيتموني فقلتم: بايعنا. فقلت: لا أفعل. فقلتم بلى. فقلت: لا، وقبضت يدي فبسطتموها ونازعتكم فجذبتموها وتداككتم علي تداك إلابل الهيم على حياضها يوم ورودها (4) حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعضا لدي، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة، وأن لا يبغيا الامة الغوائل (5) فعاهداني ثم لم يفيا لي ونكثا بيعتي ونقضا عهدي. فعجبا لهما من انقيادهما لابي بكر وعمر، وخلافهما لي ولست بدون أحد الرجلين ! ! ولو شئت أن أقول لقلت.


(4) وهذا المعنى مما وصف به بيعته في كلم كثيرة له عليه السلام ولغيره. (5) الغوائل: جمع الغائلة: الداهية. الفساد. المهلكة.

[235]

اللهم احكم عليهما بما صنعا في حقي وصغرا من أمري وظفرني بهما. الفصل (17) مما اختار من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في كتاب الارشاد للشيخ المفيد ص 130، ورواه أيضا في كتاب الاحتجاج: ج 1 ص 235 ط الغري، قال: وروى انه عليه السلام قال عند توجيههما إلى مكة للاجتماع مع عائشة للتأليب عليه، ثم ساق الخطبة كما تقدم.

[236]

- 70 - ومن كلام له عليه السلام لما أخبر بخروج طلحة والزبير من مكة إلى البصرة (1) قال أبو عمر: وذكر عمر بن شبة، عن المدائني، عن أبي مخنف، عن جابر، عن الشعبي، قال: لما خرج طلحة والزبير [من مكة قاصدين إلى البصرة] كتب أم الفضل بنت الحارث إلى علي رضي الله عنه بخروجهم، فقال علي (عليه السلام): إن الله عزوجل لما قبض رسوله صلى الله عليه وآله وسلم (2) قلنا نحن أهله وأولياؤه لا ينازعنا سلطانه أحد، فأبى علينا قومنا فولو [ه] غيرنا، وأيم الله لولا مخافة الفرقة وأن يعود الكفر ويبور الدين لغيرنا [ذلك] فصبرنا على بعض الالم (3) ثم لم نر بحمد الله إلا خيرا، ثم


(1) قال في مروج الذهب: ج 3 ص 357: وسار القوم نحو البصرة في ستمأة راكب. (2) كذا في نسخة الهند من الاستيعاب، وهو الصواب، وحذف لفظة: " وآله " من طبعة مصر، وهكذا استقر دأبهم الا من عصمه الله. ثم إن في النسختين هكذا: " عجبا لطلحة والزبير، إن الله عزوجل " الخ. (3) بين المعقوفين زيادة منا، و " الالم " بالفتحات -: الوجع الشديد. و " يبور ": يهلك ويفسد. والكلام صريح في أنه عليه السلام لو نهض الاستنقاذ سلطان النبي من أيدي المتغلبين لتفرق المسلمون ولعاد الكفر، ولارتفع الدين من وجه الارض. وهذا أمر جلي ومن قضايا قياساتها معها لمن سبر تاريخ الصحابة وما صدر منهم بعد وفات رسول الله صلى الله عليه وآله، فيقول أمير المؤمنين

[237]

وثب الناس على عثمان فقتلوه، ثم بايعوني ولم أستكره أحدا، وبايعني طلحة والزبير ولم يصبرا شهرا كاملا حتى خرجا إلى العراق ناكثين، اللهم فخذهما بفتنتهما للمسلمين. ترجمة رفاعة بن رافع بن مالك الزرقي الانصاري من كتاب الاستيعاب: ج 1، ص 176، وفي ط مصر بهامش الاصابة: ج 1، ص 490، وقريب منه في كتاب الجمل ص 233 بسندين، وكذلك قريبا منه رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (22) من خطب النهج: ج 1، ص 207 عن أبي الحسن المدائني.


عليه السلام إنما صبرت على غصب حقي ونهب سلطان ابن عمي وتحملت ما نالني من القوم من الوجع الشديد، تخفظا على اجتماع شمل المسلمين وبقاء الدين، وإبقاء للكفر على عدمه وزواله. قال في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 1، ص 445 ط 1، نقلا عن أبي الحسن البكالي: عن عثمان مؤذن بني قصي قال: صحبت عليا سنة كلها [كذا] ما سمعت منه براءة ولا ولاية، إلا أني سمعته يقول: من يعذرني من فلان وفلان، فانهما بايعاني طائعين غير مكرهين، ثم نكثا بيعتي من غير حدث أحدثته ! ! ثم قال: والله ما قوتل أهل هذه الآية بعد: " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم " الآية. وعن ابن مردويه، عن علي قال: والله ما قوتل أهل هذه الآية منذ أنزلت: " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم " الآية. وعن ابن أبي شيبة، عن حذيفة أنه قرء هذه الآية: " فقاتلوا أئمة الكفر " قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.

[238]

- 71 - ومن خطبة له عليه السلام لما سار طلحة والزبير وعائشة ومن معهم نحو البصرة (1) وذكر أبو مخنف في كتاب الجمل أن عليا عليه السلام خطب - لما سار الزبير وطلحة ومعهما عائشة يريدون البصرة - فقال: أيها الناس إن عائشة سارت إلى البصرة ومعها طلحة والزبير، وكل منهما يرى الامر له دون صاحبه، أما طلحة فابن عمها، وأما الزبير فختنها، والله لو ظفروا بما أرادوا - ولن ينالوا ذلك أبدا - ليضربن أحدهما عنق صاحبه بعد تنازع منهما شديد. والله إن راكبة الجمل الاحمر ما تقطع عقبة، ولا عقدة إلا في معصية الله وسخطه، حتى تورد نفسها ومن


(1) قال المسعودي في أوائل خلافة علي عليه السلام من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 357: وسار القوم نحو البصرة في ستمأة راكب، فانتهوا في الليل إلى ماء لبني كلاب يعرف با " الحوأب " عليه ناس من بني كلاب فعوت كلابهم على الركب، فقالت عائشة: ما اسم هذا الموضع، فقال لها السائق لجملها: الحوأب. فاسترجعت وذكرت ما قيل لها في ذلك، فقالت: ردوني إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لي في المسير. فقال الزبير: بالله ما هذا الحوأب، ولقد غلط من أخبرك به. وكان طلحة في ساقة الناس، فلحقها فأقسم أن ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلا ممن كان معهم، فكان ذلك أول شهادة زور أقيمت في الاسلام الخ.

[239]

معها موارد الهلكة، أي والله ليقتلن ثلثهم وليهربن ثلثهم، ليتوبن ثلثهم ؟ ! وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب (2) وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان ؟ ! ورب عالم قتله جهله ومعه علمه لا ينفعه (3) وحسبنا الله ونعم الوكيل فقد قامت الفتنة [و] فيها الفئة الباغية، أين المحتسبون ؟ أين المؤمنون ؟ (4). مالي ولقريش ؟ ! أما والله لقد قتلتهم كافرين.


(2) هذه ثلاثة أخبار غيبية قد أخبر عليه السلام بها قبل وقوعها ووقع الخبر على طبق ما أخبر به، وقد قارن أخباره هذه - وغيرها من خوارق العادات - مع دعوى الامامة فهو الامام. قال في معجم البلدان - بعد كلام طويل في معنى الحوأب -: وفي الحديث: ان عائشة لما أرادت المضي إلى البصرة في وقعة الجمل مرت بهذا الموضع فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما هذا الموضع، فقيل لها: هذا موضع يقال له: الحوأب. فقالت: ما أراني إلا صاحبة القصة، ! فقيل لها: وأي قصة ؟ قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وعنده نساؤه -: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب سائرة إلى الشرق في كتيبة ؟ ! فهمت بالرجوع فغالطوها وحلفوا لها إنه ليس بالحوأب. أقول: والقصة من ضروريات فن التاريخ والحديث، وعدت في معجزات نبينا في كتب جماعة من الخاصة والعامة، وصدقتها شواهد كثيرة، فما اختلقه بعض من أن المراد غير عائشة فهو من قبيل حلف الزبير وخمسين من الاعراب لعائشة بأن الموضع ليس بالحوأب، فهو شهادة ثانية بالزور في الموضوع ! !، ومن أراد أن يعلم نبذا من مصادره فعليه بكتاب فضائل الخمسة: ج 2 ص 369. (3) ومثله في المختار (107) من قصار النهج، غير أن فيه: " وعلمه معه لا ينفعه ". (4) وفي المختار: (146) من نهج البلاغة: " قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون " الخ. و " المحتسبون ": هم الذين يأتون بالاعمال حسبة اي قربة إلى الله.

[240]

ولاقتلنهم مفتونين ! ومالنا إلى عائشة من ذنب إلا أنا أدخلناها في حيزنا. والله لابقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته، فقل لقريش فلتضج ضجيجها (5) شرح المختار السادس من الباب الاول من النهج من شرح ابن أبي الحديد: ج 1، ص 233، وقريب منه جدا في الفصل (19) من مختار كلامه عليه السلام في الارشاد ص 131.


(5) يقال: " بقره - من باب منع - بقرا ": شقه. والخاصرة من الانسان: جنبه فوق رأس الورك، والجمع: خواصر.

[241]

- 72 - ومن خطبة له عليه السلام في الشكاية عمن تقدمه والدعاء على طلحة والزبير أبو الحسن علي بن محمد المدائني، عن محمد عبد الله بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز أريد العراق، في أول إمارة علي عليه السلام، فمررت بمكة، فاعتمرت، ثم قدمت المدينة، فدخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ نودي: الصلاة جامعة فاجتمع الناس، وخرج علي عليه السلام متقلدا سيفه، فشخصت الابصار نحوه. فحمد الله وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قال: أما بعد فإنه لما قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله قلنا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه دون الناس، لا ينازعنا سلطانه أحد، ولا يطمع في حقنا طامع، إذ انبرى لنا قومنا (1) فغصبونا سلطان نبينا فصارت الامرة لغيرنا وصرنا سوقة يطمع فينا الضعيف، ويتعزز علينا الذليل (2)


(1) كذا في النسخة، ولعل معناه: تنكر لنا قومنا ولبسوا لنا جلد النمر، أو ترفعوا علينا قومنا. من قولهم: " نبر الشئ - من باب ضرب - نبرا " رفعه. و " انتبر الجرح والجسد ": تورم وارتفع. (2) الامرة: الامارة. والسوقة: الرعية، وهي كالقوم والرهط يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. وهذا الفصل لا ينبغي أن يلهى عنه، ويمر عليه بلا تأمل فإن فيه إشارة إجمالية إلى أساس مصائب أهل البيت، وما مني به المسلمون إلى يوم القيامة.

[242]

فبكت الاعين منا لذلك وخشنت الصدور (3). وأيم الله لولا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر ويبور الدين لكنا على غير ما كنا لهم عليه (4) فولي الامر ولاة لم يألوا الناس خيرا " (5) ثم استخرجتموني أيها الناس من بيتي فبايعتموني على شين مني لامركم (6) وفراسة تصدقني ما في قلوب كثير منكم (7) وبايعني هذان الرجلان في أول من بايع، تعلمون ذلك، وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم.


(3) ومنه قول عنترة: وخشنت صدرا جيبه لك ناصح. وفي بعض النسخ من شرح ابن أبي الحديد: " وخشيت الصدور ". وهو أيضا صحيح. (4) يعني لكنت أحاربهم وسقيت الارض من دماء كثير منهم، ولاشبعت القائلة: هل من مزيد. من أجساد جم غفير منهم، ولكن للمحافظة على اجتماع المسلمين، وبقاء الدين وانسحاق الكفر، واندحاض الضلالة، صبرت على الذلة، ونهب التراث والنحلة. (5) لم يألوا: لم يقصروا (6) الشين: ضد الزين، يقال: " شأنه شينا " من باب باع -: عابه. (7) يقال: " فرس زيد فراسة " من باب ضرب، والمصدر بكسر الفاء -: أدرك الباطن من ملاحظة الظاهر.

[243]

اللهم فخذهما بما عملا أخذة رابية (8) ولا تنعش لهما صرعة، ولا تقل لهما عثرة ولا تمهلهما فواقا (9) فإنهما يطلبان حقا تركاه، ودما سفكاه. اللهم إني أقتضيك وعدك، فإنك قلت - وقولك الحق لمن بغي عليه: " لينصرنه الله " (10) اللهم فأنجز لي موعدك ولا تكلني إلى نفسي إنك على كل شئ قدير. شرح - المختار (22) من الباب الاول من نهج البلاغة من شرح - ابن أبي الحديد: ج 1، ص 307.


(8) أي أخذة تزيد على الاخذات، ومثله في قوله تعالى: " فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية " (10 / الحاقة). (9) يقال: " نعشه الله - من باب منع - نعشا ": رفعه وأقامه. تداركه من هلكة. جبره بعد فقر. و " لا تقل " من الاقالة، و " العثرة ": الزلة. و " فواقا " بضم الفاء وفتحها - أي قدر فواق، وهو ما بين حلبتي الناقة من الوقت، لانها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب. (10) إشارة إلى قوله تعالى - في الآية: (60) من سورة الحج -: " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله، إن الله لعفو غفور ".

[244]

- 73 - ومن كلام له عليه السلام لما سمع عمار بن ياسر يراجع مغيرة بن شعبة ويحثه على النهوض مع أمير المؤمنين عليه السلام. قال ابن عساكر - في ترجمة المغيرة بن شعبة من تاريخ دمشق: ج 57 ص 33 -: أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا أبو محمد وأبو الغنائم ابنا أبي عثمان، وأبو القاسم ابن البسري، وأحمد بن محمد بن إبراهيم القصاري وأبو الحسن وأبو الحسن [كذا] علي بن محمد بن محمد الانباري، قالوا: أنبأنا أبو عمر ابن مهدي، أنبأنا محمد بن أحمد بن يعقوب، أنبأنا جدي يعقوب ابن شيبة، أنبأنا ابو عثمان الزبيري سعيد بن داود بن أبي زبير المدني [ظ] أنبأنا مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، قال: لقي عمار بن ياسر المغيرة بن شعبة في زقاق من سكك المدينة وهو متوشح سيفا، فناداه (عمار) يا مغير. فقال: ما تشاء ؟ قال: هل لك في الله عزوجل ؟ قال، وأين هو ؟ قال: تدخل في هذه الدعوة فتسبق من معك، وتدرك من سبقك. قال: فقال المغيرة: وددت والله أني لو علمت ذلك، إني والله ما رأيت عثمان مصيبا ولا رأيت قتله صوابا، فهل لك يا أبا اليقظان أن تدخل بيتك وتضع سيفك وأدخل بيتي حتى تنجلي هذه الظلمة ويطلع قمرها فنمشي مبصرين، نطأ أثر المهتدين، ونجتنب سبيل الحائرين ! ! ! فقال عمار: أعوذ بالله أن أعمي بعد إذ كنت بصيرا، يدركني من سبقته ويعلمني من علمته. فقال المغيرة بن شعبة: يا أبا اليقظان إذا رأيت الساحار فاجتنب. - قال الزبيري: يعني بجار جاري [ظ] - ولا تكن كقاطع السلسلة فر من الضحل

[245]

فوقع في الغمر (1). فقال عمار: إسمع ما أقول وانظر ما أفعل، فلن تراني إلا في الرعيل الاول. قال: وأطلع عليهما علي فقال: ما يقول لك الاعور ؟ [ثم قال عليه السلام]: إنه والله على عمد يلبس على نفسه (2) ولن يأخذ من الدين إلا ما خلطته الدنيا (3) ويحك يا مغيرة إن هذه الدعوة [هي] المؤدية. تؤدي من دخل فيها إلى الجنة ولها اجتاز (4). [فقال المغيرة: صدقت يا أمير المؤمنين] (5) أما إذا لم أعنك فلن أعن عليك. ورواه أيضا في أوائل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام من الامامة والسياسة ج 1، ص 50 ط مصر، غير انه خلطه بمالا واقع له، ونقله عنه في حديث الثقلين من عبقات الانوار، ص 360 ط 2. ورواه أيضا في الحديث الرابع من المجلس: (25) من أمالي الشيخ المفيد، ص 135.


(1) الضحل - كفلس -: الماء القليل على الارض لا عمق له، والجمع: ضحال وأضحال وضحول. والغمر - كفلس أيضا -: الماء الكثير - معظم البحر، والجمع: غمار وغمور. (2) كذا في نهج البلاغة، وفي النسخة هكذا: " على عمد يلبس عدله ". (3) وبعده في النسخة هكذا: " فانتجاه عمر فاخبره فقال علي: ويحك يا مغيرة ان هذه الدعوة المؤدية " الخ. وفي الامامة والسياسة: دعه (يا عمار) فانه لن يأخذ من الآخرة إلا ما خالطته الدنيا، أما والله يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية تؤدي من قام بها إلى الجنة ولما اختار بعدها " الخ. (4) وفي النسخة هكذا: ولها امار أما إذا لم أعنك فلن أعن عليك ". وفي الامامة والسياسة " ولما اختار بعدها، فإذا غشيناك فنم في بيتك (كذا) ". (5) بين المعقوفين مأخوذ من أمالي الشيخ المفيد (ره). (*)

[246]

- 74 - ومن خطبة له عليه السلام حين نهض إلى البصرة كي يرد الناكثين عن بغيهم ويحافظ على جماعة المسلمين قال أبو عمر: ومن حديث صالح بن كيسان، وعبد الملك بن نوفل بن مساحق، والشعبي وابن أبي ليلى بمعنى واحد (1) أن عليا رضي الله عنه قال: في خطبته حين نهوضه إلى الجمل (2): إن الله عزوجل فرض الجهاد، وجعله نصرته وناصره (3) وما صلحت دنيا ولا دين إلا به. وإني منيت بأربعة (4)، أدهى الناس وأسخاهم طلحة


(1) وفي ط الهند: " قال أبو عمر: ومن حديث صالح بن كيسان، عن عبد الملك بن نوفل ابن مساكن (كذا) والشعبي وابن أبي ليلى وغيرهم: أن عليا عليه السلام " الخ. (2) قال في مروج الذهب: ج 2 ص 358: وصار علي من المدينة بعد أربعة أشهر [من خلافته] - وقيل: غير ذلك - في سبعمأة راكب، منهم أربعمأة من المهاجرين والانصار، منهم سبعون بدريا وباقيهم من الصحابة، وقد كان استخلف على المدينة سهل بن حنيف الانصاري، فانتهى إلى الربذة بين الكوفة ومكة من طريق الجادة، وفاته طلحة وأصحابه، وقد كان علي أرادهم فانصرف عن طلبهم حين فاتوه إلى العراق، ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الانصار فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأتاه من طئ ستمأة راكب الخ. وقال في أول وقعة الجمل من كتاب الخلفاء من العقد الفريد: ج 3 ص 95 ط 2: وخرج علي في أربعة آلاف من أهل المدينة فيهم ثمانمأة من الانصار وأربعمأة ممن شهد ببعة الرضوان، مع النبي صلى الله عليه وآله. (3) هذا هو الظاهر الموافق لما في ط الهند من كتاب الاستيعاب، وفي طبع مصر، منه: " وجعله نصرته وناصروه. (4) ولهذه القطعة بخصوصها مصادر كثيرة.

[247]

وأشجع الناس الزبير، وأطوع الناس في الناس عائشة، وأسرع الناس إلى فتنة يعلى بن منية. والله ما أنكروا علي شيئا منكرا، ولا استأثرت بمال ولا ملت بهوى، وإنهم ليطلبون حقا تركوه، ودما سفكوه، ولقد ولوه دوني، وإن كنت شريكهم في الانكار لما أنكروه (6) وما تبعه عثمان إلا عندهم [عليهم " خ "] وإنهم لهم الفئة الباغية، بايعوني ونكثوا بيعتي، وما استأنوا في [بي " خ "] حتى يعرفوا جوري من عدلي. وإني لراض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم، وإني مع هذا لداعيهم ومعذر إليهم، فإن قبلوا فالتوبة مقبولة، والحق أولى ما أنصرف إليه (7)، وإن أبوا أعطيتهم حد


(5) كذا في ط مصر، وفي ط الهند،: يعلى بن أمية " أقول: أمية أبو يعلى، ومنية أمه، وقيل: جدته، وقد شاع نسبته إلى منية، كشيوع نسبة الشخص إلى أمه أو جدته. ثم أقول: ولم أجد لنكارة الفتنة هنا وجها، ولعل الصواب: " وأسرع الناس إلى الفتنة " الخ. (6) كذا في ط مصر، وفي ط الهند: " والله ما أنكروا علي منكرا - إلى أن قال عليه السلام: - وإن كنت شريكهم بما كان لما أنكروه " الخ. وهو الظاهر، وأظهر منه ما في المختار: (22) و (135) من النهج: " والله ما أنكروا علي منكرا، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا، وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه، ودما هم سفكوه. فان كنت شريكهم فيه، فإن لهم لنصيبهم منه، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم، وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم. (7) كذا في ط مصر، وفي ط الهند: " والحق أولى مما أفضوا إليه ".

[248]

السيف وكفى به شافيا من باطل وناصرا [لحق] (8). والله إن طلحة والزبير وعائشة ليعلمون أني على الحق وأنهم مبطلون. ترجمة طلحة من كتاب الاستيعاب بهامش الاصابة: ج 2 ص 213 ط مصر، ورواه أيضا في ترجمة رفاعة بن رافع بن مالك الزرقي الانصاري، من طبعة الهند، ج 1، ص 177، وقريب منه جدا في المختار: (133) من خطب نهج البلاغة، وكذلك في كتاب الجمل ص 129، و 143، وكذلك في كتاب الارشاد، ورواها أيضا في الباب (49) من جواهر المطالب ص 54 قال: قال الحسن البصري: لما نزل علي الدفافة [كذا] خطب الناس فقال: إن الله فرض الجهاد الخ. ولم أجد من تعرض للدفافة، نعم ذكر في معجم البلدان ج 2 ص 458، " الدف " على زنة أف وتف، وقال: (إنه) موضع في جمدان من نواحي المدينة من ناحية عسفان


(8) كذا في النسخة - عدا ما بين المعقوفين - وفي المختار: (22) من خطب النهج: " فإن أبو أعطيتهم حد السيف وكفى به شافيا من الباطل وناصرا للحق " وهو الظاهر.

[249]

- 75 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها في الزبدة لما اجتمع إليه حجاج العراق ليسمعوا من كلامه قال الشيخ المفيد (ره): ولما توجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى البصرة نزل الربذة، فلقيه بها آخر الحاج (1) فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه، قال ابن عباس فأتيته فوجدته يخصف نعلا (له) فقلت له: نحن إلى أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع: فلم يكلمني حتى فرغ من (خصف) نعله، ثم ضمها إلى صاحبتها وقال لي: قومها فقلت: ليس لها قيمة ! ! ! قال على ذلك. قلت: كسر درهم ! ! ! قال: والله لهما أحب إلي من أمركم هذا إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا (2). قلت: إن الحاج قد اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي ان أتكلم ؟ فإن كان حسنا كان منك، وإن كان غير ذلك كان مني.


(1) ومما يشهد له، ما رواه الطبري في حوادث سنة 36 من تاريخة: ج 3 ص 474، قال: كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن خالد ابن مهران العجلي، عن مروان بن عبد الرحمان الحميسي: عن طارق بن شهاب، قال: خرجنا من الكوفة معتمرين حين أتانا قتل عثمان، فلما انتهينا إلى الربذة - وذلك في وجه الصبح - إذا الرفاق وإذا بعضهم يتلو بعضا، فقلت: ما هذا ؟ فقالوا: أمير المؤمنين. فقلت: ما له ؟ قالوا: غلبه طلحة والزبير فخرج يعترض لهما ليردهما فبلغه أنهما قد فاتاه، فهو يريد أن يخرج في آثارهما. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، آتي عليا فأقاتل معه هذين الرجلين وأم المؤمنين ؟ أو أخالفه إن هذا لشديد ! ! فخرجت فأتيته فأقيمت الصلاة بغلس فتقدم فصلى، فلما انصرف أتاه ابنه الحسن فقال الخ. (2) وهذه القطعة رواها في أواخر باب زهد أمير المؤمنين عليه السلام - وهو الباب الخامس من تذكرة الخواص ص 124، عن احمد في كتاب الفضائل. وفي المختار: " 33 " من النهج: " والله لهي أحب إلى من إمرتكم " الخ.

[250]

قال: لا أنا أتكلم، ثم وضع يده على صدري - وكان شثن الكفين، فآلمني (3) - ثم قال فأخذت بثوبه وقلت: نشدتك الله والرحم. قال: لا تنشدني، ثم خرج فاجتمعوا عليه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله. وليس في العرب أحد يقرأ كتابا ولا يدعي نبوة، فساق الناس إلى منجاتهم (4) أم والله ما زلت في ساقتها ما غيرت ولا بدلت ولا خنت حتى تولت بحذافيرها لقد قاتلتهم كافرين، ولاقاتلنهم مفتونين، وإن مسيري هذا عن عهد إلى فيه، أم والله لابقرن الباطل [حتى] يخرج الحق من خاصرته (6) ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم


أي فأوجعني شثن كفيه أي غلظهما وخشونتهما. (4) أي إن محل نجاتهم وأسبابها وبواعثها، يقال: الصدق منجاة أي يلتجأ إليه للنجاة، أو أنه من وسائل النجاة والخلاص من الهلكة. (5) أي كنت دائما ممن يسوق الناس - مع رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى منجاتهم ومأمن السعادة والحبور، لم يقع مني تغيير حال ولا تبديل روية ولا خيانة فيما أمرني الله ورسوله به حتى تولت الناس ورجعت عن ضلاتهم وغيهم بأجمعها وبأسرها. حذافير الشئ: جمعه كله. (6) الخاصرة: الجنب فوق رأس الورك وعظم الجنب. " وأبقرن ": أشقن. وفي المختار: (33) من النهج: " فلانقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه ". وقوله عليه السلام: " وإن مسيري هذا عن عهد إلى فيه " كقوله عليه السلام: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين ". يدل على انه عليه السلام كان مأمورا من قبل الله ورسوله بقتال هؤلاء بنحو التنصيص والتخصيص، لا أنه من باب قتال الامام مع البغاة والمفسدين في الارض لاجل إنطباق الكلي عليهم من دون أمر خاص وتعيين الباغي، أو من باب اجتهاد الوالي، وبه

[251]

فأدخلناهم في حيزنا ! ! ! وأنشد (7): وذنب لعمري شربك المحض خالصا وأكلك بالزبد المقشرة التمرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن عليا وحطنا حولك الجرد والسمرا الفصل (20) من مختار كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 132 ط الغري، وقريب منه جدا في المختار: (33) من خطب نهج البلاغة.


يرد ما اختلقه بعض المعاندين من أن أمير المؤمنين قال: ليس عندنا في ذلك عهد خاص من رسول الله، وإنما رأي رأيته ! ! ! (7) وفي المختار: " 33 " من خطب النهج برواية ابن ابي الحديد: " والله ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا فكانوا كما قال الاول: أدمت لعمري شربك المحض صابحا * وأكلك بالزبد المقشرة البجرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن * عليا " وحطنا حولك الجرد والسمرا

[252]

- 76 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله قال شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (ره): أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي بن عبد الكريم، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: أخبرني أبو نعيم الفضل بن دكين، قال: حدثنا أبو عاصم: عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب، يقول: لما نزل علي عليه السلام، بالربذة سألت عن قدومه إليها. فقيل: خالف عليه طلحة والزبير وعائشة وصاروا إلى البصرة فخرج يريدهم، [قال:] فصرت إليه فجلست حتى صلى الظهر والعصر، فلما فرغ من صلاته قام إليه ابنه الحسن بن علي عليهما السلام، فجلس بين يديه ثم بكى وقال: يا أمير المؤمنين إني لا أستطيع أن أكلمك وبكى. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: لا تبك يا بني وتكلم ولا تحن حنين الجارية (1) فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم حصروا عثمان يطلبونه بما يطلبونه إما ظالمون أو مظلومون فسألتك أن تعزل الناس وتلحق بمكة حتى تؤب العرب وتعود إليها أحلامها وتأتيك وفودها، فوالله


(1) يقال: " حن - من باب فر - حنينا " بكى عن حزن وتألم. ولعله إنما بكى عليه السلام لما بلغه من عدة القوم وعديدهم وكان مبغضوا أمير المؤمنين يظهرون الانبساط والفرح، وكانت جواري حفصة يضربن الدف ويرفعن أصواتهن ويقلن: ما الخبر ما الخبر، ! علي في السفر فهو بمنزلة الاشقر، إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر ! ! ! ولما بلغه أن أبا موسى كان يخذل الناس عن أمير المؤمنين. والكلام قد صدر عنه عليه السلام بداعي الاستنصار من المسلمين، واستنطاق أمير المؤمنين عليه السلام بحجته كي تزول الشبهة المتمكنة في قلوب بعضهم.

[253]

لو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الابل حتى تستخرجك منه، ثم خالفك طلحة والزبير فسألتك أن لا تتبعهما وتدعهما فإن اجتمعت الامة عليك فداك، وإن اختلفت رضيت بما قضى الله،، وأنا اليوم أسألك أن لا تقدم العراق، وأذكرك بالله أن لا تقتل بمضيعة (2) فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أما قولك إن عثمان حصر. فما ذاك وما علي منه ؟ وقد كنت بمعزل عن حصره، وأما قولك: ائت مكة. فوالله ما كنت لاكون الرجل الذي يستحل به مكة (3) وأما قولك اعتزل العراق ودع الطلحة والزبير. فوالله ما كنت لاكون كالضبع ينتظر (4) حتى يدخل عليها طالبها فيضع


(2) المضيعة - على زنة مرحلة ومبيعة -: المحل الذي يكثر فيه الضياع والتلف. (3) وكان عليه السلام مع المعصومين من عترته يعظمون حرماة الله كل الاحترام بحيث كانوا يؤثرون هتك حرمهم على هتك حرمة الكعبة وأمثالها، ولذا اجاب ولده سيد الشهداء لما قيل له: الزم الحرم ولا تخرج عن مكة فإنك أعز أهلها ولا ينالك مكروه وأنت فيها. بهذا الجواب، ولا يظن بعاقل غير معاند أن يستنكر هذا ويقول: لو عاذ أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام بالحرم ما نالهما مكروه، وذلك لانه لا يمكنه أن ينكر ما فعله ابن عقبة وابن الزبير بعائذي بيت الله الحرام والحرم النبوي بل وما فعلوه قبل ذلك. (4) كذا في النسخة، وفي مادة: " لدم " من النهاية: والله لا أكون مثل الضيع تسمع اللدم فتخرج حتى تصطاد ". وقال الدينوري في كتاب المعاني: ج 2 ص 67 في شرح قول كثير: " وسوداء مطراق إلى آمن الصفا * اني إذا الحاوي دنا فصدى لها " أي صفق لها. والحية مثل الضب والضبع إذا سمعا اللدم والهدة والصوت الشديد خرجا ينظران، والحاوي إذا دنا من الجحر صفق بيديه ورفع صوته واكثر من ذلك حتى تخرج الحية كما يخرج الضب والضبع، قال علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: لا اكون مثل الضبع تسمع اللدم فتخرج فتصاد.

[254]

الحبل في رجلها حتى يقطع عرقوبها ثم يخرجها فيمزقها إربا إربا، ولكن أباك يا بني يضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه، وبالسامع المطيع العاصي المخالف أبدا، حتى يأتي علي يومي، فوالله ما زال أبوك مدفوعا عن حقه مستأثرا عليه منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله حتى يوم الناس هذا (5). (قال:) فكان طارق بن شهاب أي وقت حدث بهذا الحديث بكى. الحديث: (37) من الجزء الثاني من أمالي الشيخ ط طهران ص 32


(5) وفي الامامة والسياسة ج 1، ص 49: " وأيم الله يا بني ما زلت مبغيا علي منذ هلك جدك ".

[255]

- 78 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به أيضا السبط الاكبر الامام المجتبى عليه السلام قال البلاذري: حدثني عبد الله بن صالح، عن شريك، عن رجل، عن أبي قبيصة عمرو، عن طارق بن شهاب، قال: قال الحسن بن علي [لابيه أمير المؤمنين] علي (عليه السلام) بالربذة - وقد ركب راحلته وعليها رحل له رث ؟ ! ! -: إني أخشى أن تقتل بمضيعة ! ! ! فقال [له أمير المؤمنين عليه السلام]: إليك عني، فو الله ما وجدت إلا قتال القوم أو الكفر بما جاء به محمد (1) صلى الله عليه وسلم. (ثم قال البلاذري): وحدثني أبو قلابة الرقاشي، عن يزيد [كذا] بن محمد العمى، عن يحي بن عبد الحميد، عن شريك، عن أمي (ظ) الصيرفي، عن أبي قبيصة عمر بن قبيصة (كذا)، عن طارق بن شهاب بمثله إلا أنه قال: أو الكفر بما أنزل على محمد. الحديث: (293) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف القسم الاول من ج 1، ص 351، أو الورق 175، وفي ط 1، ج 2 ص 236.


(1) وقال: أو قال: (أو الكفر) بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ".

[256]

- 79 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم قال الحاكم: حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني بالكوفة، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحي بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي الصيرفي، عن أبي قبيصة عمر بن قبيصة، عن طارق بن شهاب قال: رأيت عليا رضي الله عنه على رحل رث بالربذة وهو يقول: للحسن والحسين: مالكما تحنان حنين الجارية ؟ (1) والله لقد ضربت هذا الامر ظهرا لبطن، فما وجدت بدا من قتال القوم أو الكفر بما أنزل [الله] على محمد صلى الله عليه وآله وسلم. باب إسلام علي عليه السلام من مستدرك الحاكم: ج 3 ص 115.


(1) قد أشرنا في تعليق المختار: (76) أن ريحانتي النبي صلى الله عليه وعليهما انما اضطربوا لما كانوا يرون من قلة أصحاب أمير المؤمنين ولما كان يرد عليهم من عدة طلحة والزبير، وقول الزبير: الا ألف فارسي كي أبيت عليا قبل أن يلحقه أحد من أنصاره، ولما سمعوا من تخذيل الاشعري الناس عن أمير المؤمنين، ولما بلغهم من كتاب عائشة إلى حفصة، وتغني جواري حفصة بقول " ما الخبر ؟ ما الخبر ؟ علي في السفر كالاشقر ! ! ! إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر ". ولذلك كانوا يحنان عن قلب منكسر، وعين سافحة، إشفاقا على أمير المؤمنين، وحثا وتشجيعا لاصحابه على موازرته وشدة الحياطة به، وراجع تفصيل ما ذكرناه إلى الدر النظيم الورق 114، أو البحار: ج 8 ص 411 ط الكمباني، وكتاب الجمل ص 149، و 155، و 230 وتاريخ الطبري: ج 3 ص 491.

[257]

- 80 - ومن خطبة له عليه السلام لما أراد أن يظعن من الربذة إلى البصرة قد روى مالك بن الحارث قال: قام علي بن أبي طالب بالربذة [خطيبا] فقال: من أحب أن يلحقنا فليلحقنا، ومن أحب أن يرجع فليرجع ماذونا له غير حرج [عليه]. فقام الحسن بن علي فقال: يا أبه - أو يا أمير المؤمنين - لو كنت في جحر وكانت للعرب فيك حاجة لاستخرجوك من جحرك. فقال (علي عليه السلام): الحمد لله الذي يبتلي من شاء بما يشاء، ويعافي من شاء بما يشاء (1) أما والله لقد ضربت هذا الامر ظهرا لبطن وذنبا لرأس، فوالله إن وجدت له إلا القتال أو الكفر بالله، يحلف بالله علي، إجلس يا بني ولا تحن حنين الجارية. هكذا رواه في أول الباب السابع والاربعون من جواهر المطالب ص 45.


(1) كذا في رواية ابن عساكر: وفي جواهر المطالب: " الحمد لله الذي يبتلي من يشاء بما شاء، ويعافى من شاء بما يشاء.. "

[258]

وقال: أخرجه أبو الحميم [كذا] وقد تقدم معناه. أقول: ومثله في ذخائر العقبى ص 111، غير انه قال: عن مالك بن الجون قال: قام علي بالربذة - وساق الكلام إلى آخره - ثم قال: أخرجه أبو الجهم، ومثله أيضا في الرياض النضرة: ج 2 ص 325. اقول: ورواه مسندا في الحديث (1184) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 38 ص 53 - أو 75 - إلا أن في النسخة بياضا مقدار أسطر، بل مقدار ورق، ولا عجب فإن صحائف مناقب علي ومثالب أعدائه عند القوم - إلا من عصمه الله - إما مصحفة ومحرفة، وإما محذوفة المطالب، أو مقطوعة الذيل أو الصدر، وكيف كان فقد قال ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم الشحامي، أنبأنا أبو بكر العمري. وأخبرنا أبو الفتح المصري، وأبو نصر الصوفي، وأبو علي الفضيلي، وأبو ومحمد حفيد العميري، وأبو القاسم منصور بن ثابت، وأبو معصوم ابن صاعد، أبو المظفر ابن عبد الملك، وأبو محمد خالد بن محمد، قالوا: أنبأنا أبو محمد ابن أبي مسعود، قالا [كذا]: أنبأنا عبد الرحمان بن أبي شريح، أنبأنا عبد الله بن محمد البغوي، أنبأنا العلاء بن موسى، أنبأنا سوار بن مصعب، عن عطية العوفي، عن مالك بن الحويرث، قال: قام [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب [عليه السلام] بالربذة فقال: من أحب أن يلحقنا فليلحقنا، ومن أحب أن يرجع فليرجع مأذون [كذا] له غير حرج. فقام الحسن [بن علي فقال: يا أبه] أو يا أمير المؤمنين له كنت في جحر، وكان للعرب فيك.. إلى آخر ما مر، ببياض في موارد منه، كما أن ما وضعناه هنا بين المعقوفين كان بياضا في النسخة.

[259]

- 81 - ومن كلام له عليه السلام في بيان ابتلائه بأشد الخصوم قال أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الاصبهاني: أخبرني عمي، قال: حدثنا أحمد بن الحرث، قال: حدثنا المدائني، عن أبي مخنف، عن عبد الرحمان بن عبيد، عن أبي الاسود، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: منيت - أو بليت (1) - بأطوع الناس في الناس عائشة، وبأدهى الناس طلحة، وبأشجع الناس الزبير، وبأكثر الناس مالا يعلى بن منية (2) وبأجود قريش عبد الله بن عامر.


(1) لفظ: " أو " من الراوي، وهو إما للترديد - هنا - أو للتنويع، إذ كل واحد من اللفظين مما تكلم به عليه السلام كما يشهد به ما يجئ في المختار (74) ص 246، وما يأتي تحت الرقم: (68) من شرح المختار: (157) من باب الكتب: ج 5 / 229 وذكره أيضا البلاذري في ترجمته من أنساب الاشراف 352. وهذا الصدر رواه أيضا في الباب: (53) من جواهر المطالب ص 75، وقريبا منه أيضا رواه محمد بن العباس اليزبدي تحت الرقم (55) من أماليه ص 96 / أو 114، عن حرب، عن محمد بن عباد، عن الليث بن سعد، عن رجل، عن أبي فروة قال: قال علي الخ. (2) منية هذه اسم لام يعلي، وشاع نسبته إليها. ثم إنه ذكر في تاريخ الكامل: ج 3 ص 177 انه قتل بصفين مع علي عليه السلام، ذكره قبل فتح مصر، وقتل محمد بن أبي بكر، وهذا المعنى لم أره في غيره.

[260]

فقام إليه رجل من الانصار (3) فقال: والله يا أمير المؤمنين، لانت أشجع من الزبير، وأدهى من طلحة، وأطوع فينا من عائشة، وأجود من ابن عامر، ولمال الله أكثر من مال يعلى بن منية، ولتكونن كما قال الله عزوجل: " فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون (36 - الانفال: 8) فسر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله، ثم قام رجل آخر منهم (4) فقال:


(3) هو ذو الشهادتين: خزيمة بن ثابت الانصاري رضوان الله عليه، على ما صرح به أحمد بن أعثم الكوفي في تاريخه: ج 2 / 298 ط 1، وكذا في المترجم من تاريخه ص 123 / ط الهند. (4) لم أعثر على من صرح باسمه، ولكن أشعاره من سياق أشعار قيس بن سعد بن عبادة رحمهما الله، ومدلولها ينبغي أن يكون صادرا وحاكيا عن قلب مثل قلب قيس الذي شرحه الله للايمان وولاء أمير عليه السلام. نعم الظاهر من سياق كلام أحمد بن أعثم في كتاب الفتوح: ج 2 ص 298، ان قائل النظم والنثر واحد، وان نثر الكلام ونظمه كلاهما لخزيمة بن ثابت الانصاري (ره). ومما يستأنس به لكون قيس بن سعد بن عبادة (ره) مع أمير المؤمنين ما ذكره الرضي (ره) في كتاب خصائص الائمة، ص 7 قال: واتفق حملة الاخبار على نقل شعر قيس بن (سعد) بن عبادة وهو ينشده بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام بعد رجوعهم من البصرة في قصيدته التي أولها: قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا ربنا الذي فتح * البصرة بالامس والحديث طويل إلى أن بلغ فيها إلى قوله: وعلي إمامنا وإمام * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي: من كنت مولاه فهذا مولاه خطب جليل إن ما قاله النبي على الامة * حتم ما فيه قال وقيل وكذا ما رواه الحاكم في المستدرك: ج 3، ورواه عنه في ترجمة بشير بن أبي عمرو، من تاريخ دمشق: ج 7 ص 196 - في كلام طويل - من انه لما دفع أمير المؤمنين عليه السلام راية رسول الله صلى الله عليه واله إلى قيس بن سعد بن عبادة قال: هذا اللواء الذي كنا نحف به * دون النبي وجبريل لنا مدد ما ضر من كانت الانصار عيبته * أن لا يكون له من غيره مدد ولكن يحتمل ان هذه أنشدها في قصة صفين حين دفع إليه راية رسول الله صلى الله عليه وآله. وسلم. (*)

[261]

(و) أما الزبير فأكفيكه * وطلحة يكفيكه وحوحة ويعلى بن منية عند القتال (5) * شديد التناؤب والنحنحة وعائش يكفيكها واعظ * وعائش في الناس مستنصحة فلا تجزعن فإن الامور * إذا ما أتيناك مستنجحة وما يصلح الامر إلا بنا * كما يصلح الجبن بالانفحة قال فسر علي (أمير المؤمنين) عليه السلام بقوله ودعا له، وقال: بارك الله فيك. ترجمة أبي نفيس: يعلى بن منية، من كتاب الاغاني: ج 12 ص، 235 ط بيروت، وفي ط ساسي: ج 11، ص 119، وقريب منه جدا رواه ابن أعثم الكوفي في تاريخه: ج 2 ص 297 ط 1، ومثله في المترجم من تاريخه ص 172 - ط الهند.


(5) وفي فتوح أحمد بن أعثم هكذا: ويعلى بن منية عند اللقاء * كثير التقلب والنحنحة وعائش يكفيننا (كذا) عقلها * وعائش في الناس مستنضحة

[262]

- 82 - ومن كلام له عليه السلام دار بينه وبين عبد الله بن خليفة وفيه بيان نزعة أبي موسى الاشعري قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (ره): أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي بن عبد الكريم الزعفراني، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: حدثنا عمر بن شمر، قال: سمعت جابر بن يزيد، يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام يقول: حدثني أبي، عن جدي، قال: لما توجه أمير المؤمنين (عليه السلام) من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة (1)، فلما ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يقال له: " قديد " (2) فقربه أمير المؤمنين، فقال له عبد الله:


(1) وقال الطبري - في حوادث سنة (36) من تاريخه: ج 3 ص 493 -: حدثني عمر، قال: حدثنا أبو الحسن، عن أبي مخنف، عن نمير بن وعلة، عن الشعبي، قال: لما نزل علي بالربذة أتته جماعة من طئ الخ. ثم ذكر القصة بنحو الاختصار. (2) كذا في النسخة، والظاهر انه مصحف " فيد " على زنة قيد وبيع، قال في معجم البلدان: و " فيد " منزل بطريق مكة، وبليدة في نصف طريق مكة من الكوفة، عامرة إلى الآن، يودع الحاج فيها أزوادهم وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها، فإذا رجعوا أخذوا أزوادهم ووهبوا لمن أودعوها شيئا، وقال السكوني: " فيد " نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكة، وهي ثلاث: ثلث للعمريين وثلث لآل أبي سلامة من همدان، وثلث لبني نبهان من طئ. وقال الحازمي: " فيد " بالياء أكرم نجد (كذا) قريب من أجأ وسلمى جبلي طئ. هذا تلخيص ما قاله الياقوت، وهكذا ضبطه أيضا في تاريخ الطبري: ج 3 ص 495 في القصة بعينها. وقال الشيخ المفيد (ره) في كتاب الجمل ص 140: ولما سار عليه السلام من المدينة انتهى إلى " فيد " وكان قد عدل إلى جبال طئ حتى سار معه عدي بن حاتم في ستمأة رجل من قومه الخ. وقال اليعقوبي: في تاريخه: ج 2 ص 170: وخرج (عليه السلام) من المدينة

[263]

الحمد لله الذي رد الحق إلى أهله ووضعه في موضعه، كره ذلك قوم أو سروا به، فقد والله كرهوا محمدا (صلى الله عليه وآله) ونابذوه وقاتلوه، فرد الله كيدهم في نحورهم وجعل دائرة السوء عليهم، ووالله لنجاهدن معك في كل موطن حفظا لرسول الله (صلى الله عليه وآله). فرحب به أمير المؤمنين عليه السلام وأجلسه إلى جنبه، وكان له حبيبا ووليا، وأخذ يسائله عن الناس إلى أن سأله عن أبي موسى الاشعري. فقال: والله ما أنا واثق به، ولا آمن (منه) عليك إن وجد مساعدا على ذلك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله ما كان عندي مؤتمنا ولا ناصحا، ولقد كان الذين تقدموني استولوا على مودته، وولوه وسلطوه بالامر


ومعه أربعمأة راكب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما صاروا إلى أرض إسد وطئ تبعه منهم ستمأة، ثم صار إلى ذي قار الخ. وقال في الدر النظيم الورق 113: قال عبد الله بن جنادة: أقبلت مع علي عليه السلام من المدينة حتى انتهينا إلى الربذة ونزلنا بها، فلما خرج علي عليه السلام منها متوجها إلى ذي قار قلت في نفسي: ألا أمضي مع هذا الرجل القريب القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله، الفقيه في دين الله الحسن البلاء، لعل الله أن يأجرني، فخرجت معه على غير طمع ولا ديوان، فما سرت يوما واحدا حتى لحق بنا المحاربي، فسألته عما جاء به، فحدثني انه جاء به الذي جاءني، فقلت له: هل لك الصحبة والمرافقة ؟ قال: نعم. فوالله ما صحبت من الناس أحدا قط كان خيرا صحبة منه ولا مرافقة، فاتتهينا إلى ماء من مياه العرب، فعرضت علينا غنم نشتريها، فاشتريت أنا وصاحبي في رجال معنا كبشا سمينا، واشترى طائفة أخرى من تلك الغنم، فوقع لي ولصاحبي كبش ساح (كذا) واشترى آخرون من أصحابنا (من أصحابه " خ ") كبشا سمينا، فقال قائل من القوم لم أعرفه: إن كبشنا هذا طلحة، وكبشكم الزبير فاذبحوهما يرح الله منهما الامة، ثم وثب على كبشه فذبحه ووثب بعض أصحابنا على كبشنا فذبحه، فقال المحاربي: بالله ما رأيت عجبا كاليوم قط، أي أخي اسمع مني ما أقول لك، لا والله ما نرجع من وجهنا هذا حتى يقتل الرجلان. فقال: رجل من ناحية القوم: صدق قولك وسعد طائرك، فتلا ثم اعذرا (كذا).

[264]

[كذا] على الناس، ولقد أردت عزله فسألني الاشتر أن أقره فأقررته على كره مني له، وعملت على صرفه من بعد (3). (قال:) فهو مع عبد الله في هذا ونحوه إذ أقبل سواد كبير من قبل جبال طئ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنظروا ما هذا السواد ؟ فذهبت الخيل تركض فلم ثبت أن رجعت فقيل: هذه طئ قد جاءتك تسوق الغنم والابل والخيل، فمنهم: من جاءك بهداياه وكرامته، ومنهم من يريد النفور معك إلى عدوك. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزى الله طيا خيرا، و " فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95 - النساء). فلما انتهوا إليه سلموا عليه، قال عبد الله بن خليفة: فسرني والله ما رأيت من جماعتهم وحسن هيأتهم، وتكلموا فأقروا - والله - عيني ما رأيت خطيبا " أبلغ من خطيبهم (4). وقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإني كنت أسلمت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وأديت الزكاة على عهده وقاتلت أهل الردة من بعده أردت بذلك ما عند الله، وعلى الله ثواب من أحسن واتقى، وقد بلغنا أن رجالا من أهل مكة نكثوا بيعتك وخالفوا عليك ظالمين، فأتيناك لننصرك بالحق، فنحن بين يديك فمرنا بما أحببت، ثم أنشأ يقول:


(3) كذا في أمالي الشيخ، وفي أمالي الشيخ المفيد: " وتحملت على صرفه من بعده ". (4) وههنا نقل عنه في كتاب الامامة والسياسة ص 57 كلاما في استنفار قومه إلى نصرة أمير المؤمنين عليه السلام، وهو حسن جدا، ولم أره في غيره.

[265]

فنحن نصرنا الله من قبل ذاكم * وأنت بحق جئتنا فستنصر فنكفيك دون الناس طرا بأسرنا * وأنت به من سائر الناس أجدر فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): جزاكم الله من حي عن الاسلام وأهله خيرا، فقد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتدين، ونويتم نصر المسلمين. وقام سعيد بن البجري من بني بجير (5)، فقال: يا أمير المؤمنين إن من الناس من يقدر أن يعبر بلسانه عما في قلبه، ومنهم من لا يقدر أن يبين ما يجده في نفسه بلسانه فإن تكلف ذلك شق عليه، وإن سكت عما في قلبه برم به الهم والبرم (6) وإني والله ما كل ما في نفسي أقدر أن أؤديه إليك بلساني، ولكن والله لاجهدن على أن أبين لك، والله ولي التوفيق، أما أنا فإني ناصح لك في السر والعلانية ومقاتل معك الاعداء في كل موطن، وأرى لك من الحق ما لم أكن أراه لمن كان قبلك، ولا لاحد اليوم من أهل زمانك، لفضيلتك في الاسلام، وقرابتك من الرسول، ولن أفارقك أبدا حتى تظفر أو أموت بين يديك. فقال له أمير المؤمنين: يرحمك الله فقد أدى لسانك ما يجد ضميرك، ونسأل الله أن يرزقك العافية ويثيبك الجنة. (قال:) وتكلم نفر منهم فما حفظت كلام غير هذين الرجلين، ثم ارتحل أمير المؤمنين عليه السلام واتبعه منهم ستمأة رجل حتى نزل ذاقار، فنزلها في ألف وثلاثماة رجل. الحديث (6) من المجلس (35) من أمالي الشيخ المفيد، ص 171. ورواه عنه الشيخ الطوسي (ره) في الحديث (12) من الجزء الثالث من أماليه ص 42، وفي ط ص 68، وقريب منه جدا في أوائل وقعة الجمل من كتاب الدر النظيم ص 113، مرسلا.


(5) وفي أمالي الشيخ: " سعيد بن البختري من بني بختر ". وفي تاريخ الطبري: فنهض سعيد بن عبيد الطائي فقال: يا أمير المؤمنين إن من الناس من يعبر لسانه عما في قلبه الخ. (6) يقال: " برم زيد بحجته - من باب علم - برما ": نواها فلم تحضره. والبرم - كفرس -: اللؤم والبخل.

[266]

- 83 - ومن كلام له عليه السلام قاله لما قدم عليه بذيقار، عامله على البصرة عثمان بن حنيف الانصاري رحمه الله، وقد نكل به طلحة والزبير ونتفوا جميع ما في وجهه من الشعر، فنزل على أمير المؤمنين عليه السلام وهو باك فقال له: يا عثمان بعثتك شيخا فرددت إلي أمردا ؟ ! ! ! اللهم إنك تعلم أنهم اجترؤا عليك واستحلوا حرماتك. اللهم اقتلهم بمن قتلوا من شيعتي، وعجل لهم النقمة بما صنعوا بخليفتي. كتاب الجمل، ص 154، ط النجف، وقريب منه في تاريخ الطبري.

[267]

- 84 - ومن كلام له عليه السلام في بيان ما تجرعه من الغصص بانتهاب حقه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (ره): ولما نزل (أمير المؤمنين عليه السلام) بذيقار، أخذ البيعة على من حضرة ثم تكتم فأكثر من الحمد لله، والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: قد جرت أمور صبرنا عليها وفي أعيننا القذى تسليما لامر الله تعالى فيما امتحننا به، ورجاء الثواب على ذلك، وكان الصبر عليها أمثل من أن يتفرق المسلمون وتسفك دماؤهم. نحن أهل بيت النبوة وعترة الرسول، وأحق الخلق بسلطان الرسالة ومعدن الكرامة التي ابتدأ الله بها هذه الامة، وهذا طلحة والزبير ليسا من أهل [بيت] النبوة ولا من ذرية الرسول، حين رأيا أن الله قد رد علينا حقنا بعد أعصر لم يصبرا حولا واحدا ولا شهرا كاملا حتى

[268]

وثبا على دأب الماضين قبلهما ليذهبا بحقي ويفرقا جماعة المسلمين عني (1). الفصل (21) مما اختار من كلام أمير المؤمنين - عليه السلام - من كتاب الارشاد، ص 133، ط النجف.


(1) فائدة: قال أبو مخنف: فحدثنا الكلبي، عن أبي صالح، أن عليا عليه السلام لما نزل ذاقار، في قلة من عسكره صعد الزبير منبر البصرة فقال: ألا ألف فارس أسير بهم إلى علي فأبيته بياتا (أ) وأصبحه صباحا قبل أن يأتيه المدد ! ! فلم يجبه أحد، فنزل واجما وقال: هذه الفتنة التي كنا نحدث بها ! فقال له بعض مواليه: رحمك الله يا أبا عبد الله تسميها فتنة ثم تقاتل فيها ؟ ! ! فقال: ويحك والله إنا لنبصر ثم لا نصبر. فاسترجع المولى ثم خرج في الليل فارا إلى علي عليه السلام فأخبره. فقال: اللهم عليك به !. شرح المختار الاول من كتب النهج لابن أبي الحديد: ج 14، ص 14، ورواه أيضا مسندا، عن أبي عمرو مولى الزبير، في تاريخ الطبري: ج 3 ص 491، ورواه أيضا في كتاب الجمل للشيخ المفيد (ره) ص 100، وكذلك في كتاب الغارات. (*)

[269]

- 85 - ومن كلام له عليه السلام كلم به بعض أهل البصرة وقد أرسله قومه ليستعلم منه عليه السلام حقيقة ما يريده من أصحاب الجمل والناكثين. قال الشيخ المفيد (ره): وروى الواقدي، عن شيبان بن عبد الرحمان، عن عامر بن كليب، عن أبيه، قال: لما قتل عثمان ما لبثنا إلا قليلا حتى قدم طلحة والزبير البصرة، ثم ما لبثنا بعد ذلك إلا يسيرا حتى أقبل علي بن أبي طالب بذيقار، فقال شيخان من الحي: إذهب بنا إلى هذا الرجل فلننظر ما يدعو إليه. فلما أتينا " ذي قار " قدمنا على أذكى العرب، فوالله لدخل على نسب قومي فجعلت أقول: هو أعلم به مني وأطوع فيهم، فقال: من سيد بني راسب. فقلت فلان. قال: فمن سيد بني قدامة. قلت: فلان لرجل آخر. فقال: أنت مبلغهما كتابين مني ؟ قلت: نعم (1) قال: أفلا تبايعاني ؟ فبايعه الشيخان اللذان كانا معي وتوقفت عن بيعته، فجعل رجال عنده - قد أكل السجود وجوههم - يقولون: بايع بايع. فقال عليه السلام: دعوا الرجل. فقلت: إنما بعثني قومي رائدا وسأنهي إليهم ما رأيت (2) فإن بايعوا بايعت، وإن اعتزلوا اعتزلت. فقال لي: أرأيت لو أن قومك بعثوك رائدا فرأيت روضة وغديرا


(1) إلى الآن - وهو اليوم التاسع من رجب سنة 1394، حين تحرير هذه التعليقة وطبعها - لم أعثر على هذين الكتابين، فمن أرشدني إليهما من مصدر موثوق به فله دورتان من كتابنا هذا. (2) سأنهي إليهم: سأبلغ ما رأيت إليهم وأعلمهم به.

[270]

فقلت: يا قومي النجعة النجعة. فأبوا [أ] ما كنت بمستنجع بنفسك ؟ (3) (قال:) قلت: بلى. كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلاء والماء. فقال عليه السلام: فامدد إذا يدك. فقال الرجل: فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة علي (4) (فأخذت بإصبع من أصابعه فقلت: أبايع على أن أطيعك ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك علينا. فقال: نعم وطول صوته، فضربت على يده، ثم التفت إلى محمد بن حاطب وكان من ناحية القوم، فقال: إذا انطلقت إلى قومك فأبلغهم كتبي وقولي. فتحول إليه محمد حتى جلس بين يديه فقال: إن قومي إذا أتيتهم يقولون: ما يقول صاحبك في عثمان ؟ ! ! فسب الذين حوله عثمان، فرأيت عليا قد كره ذلك حتى رشح جبينه وقال: " أيها القوم كفوا ما إياكم يسأل، ولا عنكم بسائل (5). قال: فلم أبرح عن العسكر حتى قدم على علي أهل الكوفة فجعلوا يقولون: نرى إخواننا من أهل البصرة يقاتلوننا ؟ ! وجعلوا يضحكون ويعجبون ويقولون


(3) الرائد: من يبعث - من أهل البصارة والجلادة - لتعيين الماء والكلاء لقومه كي يظعنوا اليهما. و " النجعة " كغرفة وخضرة -: الماء والكلاء. وقيل: هو طلب الماء والكلاء. وهو منصوب على الاغراء أي عليكم بالنجعة عليكم بالنجعة. وقوله: " (أو) ما كنت بمستنجع بنفسك " أي أو ما كنت بنفسك ذاهبا إلى مواضع الماء والكلاء ؟ ! ! وفي النهج: " أرأيت لو أن الذين وراءك بعثوك رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث، فرجعت إليهم وأخبرتهم عن الكلاء والماء فخالفوا إلى المعاطش والمجادب ما كنت صانعا ؟ ". (5) وبما انه لم يكن معه عليه السلام في تلك الحال غير المهاجرين والانصار - كما تقدم ذلك - يعلم أن جلهم كانوا يرون عثمان مستحقا للسب والشتم، وإلا لم يقدموا على ذلك، وأما كراهته عليه السلام فمن باب قوله تعالى في الآية: (108) من سورة الانعام: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسب الله عدوا بغير علم ".

[271]

والله لو التقينا لتعاطينا الحق. كأنهم يرون أنهم لا يقاتلون [ظ]. وخرجت بكتاب علي عليه السلام فأتيت أحد الرجلين فقبل الكتاب وأجابه، ودللت على الآخر وكان متواريا - فلو أنهم قالوا: كليب ما أذن لي - فدخلت عليه ودفعت الكتاب إليه وقلت: هذا كتاب علي وأخبرته الخبر وقلت: إني أخبرت عليا أنك سيد قومك. فأبى أن يقبل الكتاب ولم يجبه إلى ما سأله، وقال: لا حاجة لي اليوم في السؤدد ! ! ! فوالله إني لبالبصرة ما رجعت إلى علي حتى نزل العسكر، ورأيت الغر الذين (كانوا) مع علي عليه السلام (6). كتاب الجمل، ص 156، ط النجف، وقريب منه رواه الطبري في تاريخه: ج 3 ص 505 في عنوان: " نزول علي عليه السلام بذيقار " ط مصر، سنة 1357، وقريب منه أيضا في المختار (168) من نهج البلاغة، وكذلك في الباب (17) من ربيع الابرار.


(6) الغر - بضم المعجمة -: الذين كان بجبهتهم أثر السجود، وهو جمع الاغر، ومنه الحديث في وصف علي عليه السلام: " وقائد الغر " المحجلين ". يريد بياض وجوههم بنور الوضوء والسجود.

[272]

تعقيب فيه لامير المؤمنين عليه السلام كرامة، ولاوليائه بشارة: قال محمد بن محمد بن النعمان: أخبرني أبو بكر محمد بن عمر الجعابي، قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني، قال: حدثنا أبو عوانة موسى بن يوسف بن أسد، قال: حدثني عبد السلام بن عاصم، قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل بن حبويه (كذا) قال: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن ميسرة بن حبيب: عن المنهال بن عمرو، قال: أخبرني رجل من بني تميم، قال: كنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بذيقار ونحن نرى أنا سنختطف - (من القلة) - في يومنا فسمعته يقول: والله لنظهرن على هذه الفرقة، ولنقتلن هذين الرجلين - يعني طلحة والزبير (1) - ولنستبيحن عسكرهما. قال التميمي: فأتيت عبد الله بن عباس فقلت له: أما ترى إلى ابن عمك


(1) قال أبو نعيم في ترجمة علي عليه السلام من حلية الاولياء: ج 1 / 78: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أحمد بن محمد الحمال، حدثنا أبو مسعود، حدثنا سهل بن عبد ربه، حدثنا عمرو بن ابي قيس، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن التميمي عن ابن عباس، قال: كنا نتحدث ان النبي صلى الله عليه وسلم عهد إلى علي سبعين عهدا لم يعهد إلى غيره. ورواه أيضا في ترجمة أربد من تهذيب التهذيب: ج 2 ص 197، عن الطبراني وكذلك في مجمع الزوائد: ج 9 ص 113، وكذا في الحديث: (1020) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق. وانظر تعليق الحديث: (50) من شواهد التنزيل: ج 1، ص 40. وفي كتاب سليم بن قيس، ص 189، أيضا ما يؤيد هذا.

[273]

وما يقول ؟ فقال: لا تعجل حتى ننتظر ما يكون. [قال:] فلما كان من أمر البصرة ما كان، أتيته فقلت لا أرى ابن عمك إلا صدق في مقاله. فقال: ويحك إنا كنا نتحدث أصحاب محمد أن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إليه ثمانين عهدا لم يعهد شيئا منها إلى أحد غيره، فلعل هذا مما عهد إليه. الحديث الخامس من المجلس (39) من أمالي الشيخ المفيد، ص 205، ورواه عنه في الحديث: (27) من الجزء الرابع من أمالي الطوسي ص 112. وأيضا قال محمد بن محمد بن النعمان (ره): وروى نصر بن عمرو بن سعد (1) عن الاجلح، عن زيد بن علي، قال: لما أبطأ على علي عليه السلام خبر أهل البصرة (2) وكانوا [نازلين] في فلاة [من الارض، إذ قال بعض القوم:: إنا أكلة رأس (3) أين نسير ؟ أنسير إلى قوم كلهم يقاتل عن


(1) كذا في النسخة، ولعل الصواب: " روى نصر، عن عمر بن سعد " الخ. والمراد من نصر هو ابن مزاحم، والمراد من عمر بن سعد هو الاسدي لا القرشي. وفي الباب: (22) من الجز الثاني من كتاب الملاحم والفتن ص 91 ط 1، قال: (روى) السليلي باسناده عن أبي بكر ابن عياش، عن الاجلح بن عبد الله الكندي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: أقبلنا من المدينة ونحن سبعمأة زاكب، فإنا لنسير ذات يوم إذ قال بعض القوم الخ. ورواه أيضا تحت الرقم: (415) من باب الفضائل - فضائل علي عليه السلام - من كنز العمال: ج 15، ص 145، وقال: رواه الاسماعيلي في معجمه، وفيه الاجلح، وهو صدوق شيعي جلد. (2) ولعل الصواب: " خبر أهل الكوفة ". (3) كأنه كناية عن سرعة استئصالهم وفنائهم، قال في الدر النظيم، ص 114: وأقام علي عليه السلام بذيقار، ينتظر من يقدم عليه [من أهل الكوفة وغيرهم] فأشاع طلحة والزبير أنه إنما أقام للذي بلغنا من جدنا وعددنا وعدتنا وتباشروا بذلك، فكتبت عائشة إلى حفصة بنت عمر، كتابا هذه نسخته: " بسم الله الرحمن الرحيم، من عائشة بنت أبي بكر زوج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حفصة بنت عمر زوج رسول الله صلى الله عليه وآله [كذا] سلام عليك، أما بعد فإني أخبرك أن علي بن أبي

[274]

دم عثمان ؟ ! فانتشر هذا الكلام في عسكر أمير المؤمنين عليه السلام] (4) قال ابن عباس: فأخبرت عليا بذلك، فقال لي اسكت يا ابن عباس: فوالله ليأتينا في هذين اليومين من الكوفة ستة آلاف وستمأة رجل (5)، ولنغلبن أهل البصرة، ولنقتلن طلحة والزبير (6).


طالب نزل بالدقاقة والله داقه بها [كذا] فهو بمنزلة الاشقر، إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر والسلام ". فلما وصل الكتاب إلى حفصة استفزها الفرح والسرور، فدعت جواريها فأمرهن أن يغنين ويضربن بالدفوف، فجعلن يغنين ويقلن: شبهت الحميراء عليا في السفر بالفرس الاشقر إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر الخ. وقريب منه في كتاب الجمل ص 149، و 230، وكذلك في البحار: ج 8 ص 411 ط الكمباني، ورواه أيضا ابن أبي الحديد، في شرح المختار الاول من كتب النهج: ج 14، ص 13، ط مصر، عن أبي مخنف، والواقدي والمدائني مع زيادة أبيات في الموضوع لسهل بن حنيف الانصاري رحمه الله. (4) بين المعقوفات مأخوذ من الباب (33) من الجزء الثاني من كتاب الملاحم والفتن، وقد سقط من المطبوع من كتاب الجمل ولا بد منه. (5) وفي رواية السليلي: " خمسة آلاف وستمائة أو خمس مائة - شك الاجلح " الخ. وفي مروج الذهب: ج 3 ص 359: فسارا [اي الحسن عليه السلام وعمارا] عن الكوفة ومعهما من أهل الكوفة نحو من سبعة آلاف، وقيل ستة آلاف وخمسمائة وستون رجلا. وما ذكره في الذيل رواه أيضا في الدر النظيم الورق 115. (6) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " وليغلبن أهل البصرة، وليقتلن طلحة والزبير ".

[275]

(قال ابن عباس): فوالله إنني استشرف الاخبار وأستقبلها (7) حتى إذا أتى راكب فاستقبلته واستنخبرته فأخبرني بالعدة التي سمعتها من علي عليه السلام لم تنقص برجل واحد. كتاب الجمل ص 157، وللكلام مصادر كثيرة تلاحظ بعضها في المختار التالي، وبعض آخر منها في المقالة العلوية الغراء.


(7) قال الطبري - في حوادث سنة 36 من تاريخه ج 3 ص 513، وفي ط ج 5 ص 119، قبيل عنوان: " نزول علي الزاوية من البصرة " -: حدثني عمر، قال: حدثنا أبو مخنف، عن جابر، عن الشعبي، عن أبي الطفيل، قال: قال علي: " يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل ": [قال: أبو الطفيل:] فقعدت على نجفة ذي قار فأحصيتهم فما زادوا رجلا ولا نقصوا رجلا. [قال: وجاء معهم الاشتر].

[276]

- 86 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم، مع تذييله بتقريض النافرين للجهاد من أهل الكوفة قال ابن أبي الحديد: روى أبو مخنف، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن زيد بن علي، عن ابن عباس، قال: لما نزلنا مع علي عليه السلام ذاقار، قلت: يا أمير المؤمنين ما أقل من يأتيك من أهل الكوفة فيما أظن ؟ ! فقال (عليه السلام): والله ليأتيني منهم ستة آلاف وخمسمأة وستون رجلا، لا يزيدون ولا ينقصون. قال ابن عباس: فدخلني والله من ذلك شك شديد في قوله (1) وقلت في نفسي: والله إن قدموا لاعدنهم. قال أبو مخنف: فحدث ابن إسحاق، عن عمه عبد الرحمان بن يسار، قال: نفر إلى علي عليه السلام إلى ذي قار، من الكوفة في البر والبحر، ستة آلاف وخمسمأة وستون رجلا. [قال: و] أقام علي بذي قار خمسة عشر يوما حتى سمع صهيل الخيل


(1) وقريبا منه رواه في كنز العمال: ج 6 ص 405 عن معجم الاسماعيلي فيه: قال ابن عباس: الحرب خدعة ! ! قال: فخرجت فأقبلت أسأل الناس كم أنتم ؟ فقالوا كما قال، فقلت: هذا مما أسره إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه علمه ألف ألف كلمة، كل كلمة تفتح ألف كلمة. ورواه أيضا في فتح الباري: ج 16 / 165. عن الطبراني على ما ذكره بعض المعاصرين.

[277]

وشحيج البغال حوله، فلما سار بهم منقلة (2) قال ابن عباس: والله لاعدنهم فإن كانوا كما قال [فهو] وإلا أتممتهم من غيرهم فإن الناس قد كانوا سمعوا قوله، قال: فعرضتهم فوالله ما وجدتهم يزيدون رجلا ولا ينقصون رجلا، فقلت: الله أكبر ! صدق الله ورسوله ! ثم سرنا. قال أبو مخنف: فلما قدم أهل الكوفة على علي عليه السلام، سلموا عليه وقالوا: الحمد لله - يا أمير المؤمنين - الذي اختصنا بموازرتك وأكرمنا بنصرتك، قد أجبناك طائعين غير مكرهين، فمرنا بأمرك. قال: فقام (أمير المؤمنين عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله وقال: مرحبا " بأهل الكوفة بيوتات العرب ووجوهها، وأهل الفضل وفرسانها، وأشد العرب مودة لرسول الله صلى الله عليه وأهل بيته، ولذلك بعثت إليكم واستصرختكم عند نقض طلحة والزبير بيعتي عن غير جور مني ولا حدث، ولعمري لو لم تنصروني - يا أهل الكوفة - لرجوت أن يكفيني الله غوغاء الناس وطغام أهل البصرة، مع أن عامة من بها ووجوهها وأهل الفضل والدين قد اعتزلوها ورغبوا عنها. شرح المختار: (33) من خطب نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 2 ص 187، وللكلام مصادر أخر.


(2) شحيح البغال: صوتها. والمنقلة: المرحلة من مراحل السفر، والجمع: مناقل، كمراحل لفظ ومعنى.

[278]

- 87 - ومن خطبة له عليه السلام لما قدم إليه ابنه الحسن عليه السلام مع فرسان أهل الكوفة قال ابن عبد ربه: واستنفر [أمير المؤمنين] عليه السلام أهل الكوفة لحرب الجمل، فأقبلوا إليه مع ابنه الحسن (عليه السلام) فقام فيهم خطيبا فقال: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآخر المرسلين. أما بعد فإن الله بعث محمدا عليه الصلاة والسلام إلى الثقلين كافة والناس في اختلاف، والعرب بشر المنازل، مستضيئون للثاآت بعضهم على بعض (1) فرأب الله به الثأي، ولام به الصدع، ورتق به الفتق (2) وآمن


(1) كذا في كتاب فرش الخطب، وفي كتاب الخلفاء وتواريخهم: " مستضعفون لما بهم ". (2) قال الزمخشري في أساس البلاغة ص 88: " فلان يرأب الثأي أي يصلح الفساد. من قولهم " ثئي الخرز " إذا انخرم، وأثأته الخارزة. وقد عظم الثأي بينهم: وقعت بينهم جراحات وقتل ". وأنا أقول توضيحا: يقال: " رأب زيد الصدع رأبا - من باب منع - وأرأبه إرآبأ ": أصلحه. و " رأب الشئ ": جمعه وشده برفق. و " رأب بينهم ": أصلح. و " الثأي والثآ " - على زنة الفلس والعصا -: الفساد. الجرح. القتل. الفتق. الخرم. الضعف. والفعل منه كسعى وبلى. و " لام الشي لاما - من باب منع - ولامه تلئيما وألامه إلآما ": أصلحه. جمعه

[279]

به السبل، وحقن به الدماء، وقطع به العداوة الواغرة للقلوب، والضغائن المخشنة للصدور (3) ثم قبضه الله عزوجل [إليه] مشكورا سعيه، مرضيا عمله، مغفورا ذنبه كريما عند ربه نزله (4) فيا لها مصيبة عمت المسلمين، وخصت الاقربين. وولي أبو بكر فسار بسيرة رضيها المسلمون، ثم ولي عمر فسار بسيرة أبي بكر رضي الله عنهما، ثم ولي عثمان فنال منكم ونلتم منه حتى إذا كان من أمره ما كان أتيتموه فقتلتموه، ثم أتيتموني فقلتم لي: بايعنا. فقلت لكم: لا أفعل، وقبضت يدي فبسطتموها ونازعتم كفي فجذبتموها وقلتم: لا نرضى إلا بك ولا نجمتع إلا


وشده. و " لاءمه ملاءمة ": أصلحه. جمعه. وافقه. و " الصدع كفلس، ": الشق في الشي الذي له صلابة. و " رتق الشئ - من باب ضرب ونصر - رتقا ": سده وأغلقه. يقال: " هو الراتق الفاتق " أي مصلح الامر. و " رتق فتقهم " أي ذات بينهم. و " رتق الثوب ": ضد فتقه. و " رتق الفتق ": أصلحه. ويقال: " فتق الشئ فتقا - من باب نصر وضرب - وفتقه تفتيقا ": شقه. و " فتق الثوب كفتقه تفتيقا ": نقض خياطته حتى فصل بعضه من بعض. (3) الواغرة: المتقدة والمشتعلة. واللام في قوله: " القلوب " بمعنى " في " كما تقدم في المختار: (69) ص 332. (4) النزل - كقفل وعنق وفرس -: ما يهيأ ويعد للضيف، من الطعام والشراب وجهات الاكرام. العطاء. الفضل. الرزق.

[280]

عليك، وتداككتم علي تداكك الابل الهيم على حياضها يوم وردها (5) حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض (6) فبايعتموني وبايعني طلحة والزبير، ثم ما لبثا [حتى] أن استأذناني للعمرة، فسارا إلى البصرة فقتلا بها المسلمين، وفعلا الافاعيل، وهما يعلمان والله أني لست بدون واحد ممن مضى، ولو أشاء أن أقول لقلت (7). اللهم إنهما قطعا قرابتي، ونكثا بيعتي وألبا علي


(5) وهذا البيان قد ورد عنه عليه السلام في كثير من كلماته وصدر منه في أوقات عديدة، ففي المختار: (54) من خطب النهج: " فتداكوا علي تداك الابل الهيم يوم وردها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، حتى ظننت أنهم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي " الخ. وقريب منه في المختار: (227) منه. و " تداككتم ": اجتمعتم وهجمتم بحيث يدك - أي يدق - بعضكم بعضا لفرط رغبتكم في بيعتي. و " الهيم ": العطاش وهو جمع الهيماء - مثل عين: جمع عيناء -، و " يوم وردها ": يوم شربها. ومنه قوله تعالى في الآية (55 و 56) من سورة الواقعة: " فشاربون شرب الهيم، هذا نزلهم يوم الدين ". ومنه قوله عليه السلام في نعت أهل بيت رسول الله - كما في المختار: (8 4) من النهج -: " وردوهم ورود الهيم العطاش ". وأيضا الورد: الاشراف على الماء. النصيب منه. الماء الذي يورد. الابل الواردة على الماء. القوم الواردون. (6) كل ذلك كان لاجل فوز السبق إلى بيعته ودفع المعوق عنها، ففي الخطبة الشقشقية: " فما راعني إلا والناس كعرف الضبع إلي، ينثالون علي من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي ". (7) أي لقلت إني أفضل منهم، أو ان الفضل لي دونهم.

[281]

عدوي، اللهم فلا تحكم لهما ما أبرما، وأرهما المساءة فيما عملا وأملا. الخطبة السابعة من خطبه عليه السلام من فرش كتاب الخطب من العقد الفريد: ج 4 ص 71 ط مصر، مكتبة النهضة المصرية، ورواها كذلك في عنوان: " الجمل " من خلافة علي عليه السلام، من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم: ج 4 ص 318. وفي ط ج 4 ص 138. وفي ط 2 ج 2 ص 345، وج 3 ص 87 تحت الرقم (9) من كتاب الخلفاء. وهذه الخطبة قريبة جدا مما ذكره الشيخ المفيد (ره) في كتاب الارشاد، ص 130، وقد تقدم في المختار (69) ص 233.

[282]

- 88 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها أيضا بذيقار روى أبو مخنف، عن زيد بن صوحان، قال: شهدت عليا بذيقار وهو معتم بعمامة سوداء، ملتف بساج يخطب (1) فقال في خطبته: الحمد لله على كل أمر وحال، في الغدو والآصال وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، إبتعثه رحمة للعباد، وحياة للبلاد، حين امتلات الارض فتنة واضطرب حبلها (2) وعبد الشيطان في أكنافها، واشتمل عدو الله إبليس على عقائد أهلها، فكان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الذي أطفأ الله به نيرانها، وأخمد به شرارها، ونزع به أوتادها، وأقام به ميلها،


(1) الساج - على زنة العاج -: الطيلسان الواسع المدور. وقيل: هو الطيلسان الاخضر أو الاسود. أو الضخم الغليظ. أو المقور ينسج كذلك، ويطلق على الكساء المربع مجازا. (2) الضمير في " حبلها " عائد إلى الارض. شبه عليه السلام الارض قبل مبعث الرسول صلوات الله عليه بحمل على دابة بلا حزام، فهو دائما يتزلزل يمينا وشمالا إلى أن يقع على الارض.

[283]

إمام الهدى، والنبي المصطفى صلى الله عليه وآله، فلقد صدع بما أمر به (3) وبلغ رسالات ربه، فنأصلح الله به ذات البين، وآمن به السبل وحقن به الدماء، وألف به بين ذوي الضغائن الواغرة في الصدور حتى أتاه اليقين (4) ثم قبضه الله إليه حميدا، ثم استخلف الناس أبا بكر فلم يأل جهده (5) ثم استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده، ثم استخلف الناس عثمان فنال منكم ونلتم منه، حتى إذا كان من أمره ما كان، أتيتموني لتبايعوني، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، ودخلت منزلي فاستخرجتموني، فقبضت يدي فبسطتموها، وتداككتم


(3) أي كشفه وبينه وتكلم به جهارا، يقال: " صدع بالحق - من باب منع - صدعا ": تكلم به جهارا. وفي الامر: مضى. و، صدع الامر " كشفه وبينه. ومنه قوله تعالى " فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " الآية: (94) من سورة الحجر: (15). قال في المجمع: أي أبن الامر إبانة لا تنمحي كما لا يلتئم صدع الزجاجة، والكلام استعارة والمستعار منه كسر الزجاجة، والمستعار له التبليغ، والجامع التأثر، وقيل: فرق بين الحق والباطل وقيل: شق جماعتهم بالتوحيد أو القرآن. (4) هذا مثل قوله تعالى في الآية: (99) من سورة الحجر: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " والمراد باليقين: الموت. و " الضغائن: " جمع الضغينة: الحقد. والواغرة: المشتعلة. (5) أي فلم يقصر ما كان طاقه وقدر عليه.

[284]

علي حتى ظننت أنكم قاتلي (6) وأن بعضكم قاتل بعض، فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ولا جذل (7) وقد علم الله سبحانه أني كنت كارها للحكومة بين أمة محمد صلى الله عليه وآله (8) - ولقد سمعته يقول: " ما من وال يلي شيئا من أمر أمتي إلا أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رؤس الخلائق، ثم ينشر كتابه، فإن كان عادلا نجا، وإن كان جائرا هوى ". - حتى اجتمع علي ملؤكم، وبايعني طلحة والزبير وأنا أعرف الغدر في أوجههما، والنكث في أعينهما، ثم استأذناني في العمرة، فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان، فسارا إلى مكة واستخفا عائشة وخدعاها وشخص معهما ابناء الطلقاء (9) فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين، وفعلوا المنكر.


(6) تقدم معناه في المختار السابق وقبله فراجع. (7) ولا جذل: ولا فرح. (8) وإنما كان عليه السلام كارها للحكومة لما كان يعمله من اعتياد الناس بالمداقة في دنياهم ومساهلتهم في أمر دينهم وأنه متى شدد عليهم من يتولى أمر الدين يبغون له الغوائل كما صدر من طلحة والزبير وأم لمؤمنين، وانتهزه معاوية وأتباعه فرصة لمحاربة أمير المؤمنين، ونيل شهواتهم باسم الدين. (9) يقال: " استخف زيد عمرا ": أزاله عن الحق. استجهله. و " الطلقاء ": هم الذين حررهم وأطلقهم رسول الله يوم فتح مكة وقال لهم: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ".

[285]

فيا عجبا لاستقامتهما لابي بكر وعمر، وبغيهما علي ! وهما يعلمان أني لست دون أحدهما، ولو شئت أن أقول لقلت. ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشام كتابا يخدعهما فيه (10) فكتماه عني وخرجا يوهمان الطغام أنهما يطلبان بدم عثمان. والله ما أنكرا علي منكرا، ولا جعلا بيني وبينهم نصفا (11) وإن دم عثمان لمعصوب بهما ومطلوب منهما (12).


(10) وإليك نص كتاب معاوية - على ما في شرح المختار الثامن من خطب نهج البلاغة من ابن أبي الحديد: ج 1، ص 231 -: بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، أما بعد فإني قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب، فدونك الكوفة والبصرة، لا يسبقك إليها ابن أبي طالب، فإنه لا شي بعد هذين المصريين، وقد بايعت لطلحة ابن عبيد الله من بعدك، فأظهرا الطلب بدم عثمان، واعدوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير، أظفركما الله وخذل مناوئكما ! فلما وصل الكتاب إلى الزبير، سر به وأعلم به طلحة وأقرأه إياه، فلم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية، وأجمعا عند ذلك على خلاف علي عليه السلام. والظاهر ان هذا هو الكتاب الثاني الذي كتبه معاوية إلى الزبير وأن أول كتاب كتبه إليه - وإلى غيره - هو ما ذكره معنعنا نقلا عن الموفقيات في شرح المختار (193) من الخطب: ج 10، ص 235 ط الحديث بمصر، فراجع، وكذا الظاهر انهما مغايران لما ذكره في الحديث: " 321 " من ترجمة علي عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 257 ط 1. (11) النصف والنصفة - محرنة -: العدل والانصاف. (12) أي ان دمه قد شد وعصب بهما، فمن أراده فليطلبه منهما.

[286]

يا خيبة الداعي إلى م دعا (13) وبماذا أجيب ؟ ! والله إنهما لعلى ضلالة صماء، وجهالة عمياء (14) وإن الشيطان قد ذمر لهما حزبه، واستجلب منهما خيله ورجله ليعيد الجور إلى أوطانه، ويرد الباطل إلى نصابه (15). (قال زيد) ثم رفع (أمير المؤمنين عليه السلام) يديه فقال: اللهم إن طلحة والزبير قطعاني وظلماني، وألبا علي ونكثا بيعتي، فاحلل ما عقدا، وانكث ما أبرما، ولا تغفر لهما أبدا، وأرهما المساءة فيما عملا وأملا. قال أبو مخنف: فقام إليه الاشتر فقال: الحمد لله الذي من علينا فأفضل، وأحسن إلينا فأجمل، قد سمعنا كلامك يا أمير المؤمنين، ولقد أصبت ووفقت، وأنت ابن عم نبينا وصهره ووصيه وأول مصدق به ومصل معه، شهدت مشاهده كلها، فكان لك الفضل فيها على جميع الامة، فمن اتبعك أصاب حظه واستبشر بفلجه، ومن عصاك ورغب


(13) " إلى م " مخفف " إلى ما " حذف الالف منه تخفيفا ". (14) الصماء: مؤنث الاصم: الصلب المتين. والعمياء: مؤنث الاعمى: الجاهل لا بصيرة له أي إن ضلالتهما قد صلب واستحكم بحيث تأبى عن العلاج، وإن جهالتهما قد اشتدت حتى صارت جهلا مركبا تعمي صاحبها عن الاهتداء. (15) ذمر حزبه - من باب - نصر: حضه على معونتهما. والرجل - بفتح الراء ثم السكون - جمع الراجل: الذي يمشي على قدمه. والنصاب - كالحساب -: أصل الشئ.

[287]

عنك فإلى أمه الهاوية، لعمري يا أمير المؤمنين ما أمر طلحة والزبير وعائشة علينا بمخيل، ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه، وفارقا على غير حدث أحدثت ولا جور صنعت، فإن زعما أنهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما، فإنهما أول من ألب عليه وأغرى الناس بدمه (16) وأشهد الله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان، فإن سيوفنا في عواتقنا، وقلوبنا في صدورنا، ونحن اليوم كما كنا أمس. ثم قعد [رحمه الله]. [قال أبو مخنف في ذيل الرواية: المتقدمة في المختار: (72):] فقام رؤس القبائل فخطبوا وبذلوا له النصر، فأمرهم (عليه السلام) بالرحيل إلى البصرة. آخر شرح المختار: (22) من خطب نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1، ص 209. وخطبته عليه السلام هذه ذكرها أيضا باختصار في الباب: (49) من جواهر المطالب الورق 55 قال: قال صعصعة بن صوحان: خطبنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بذي قار معتما بعمامة سوداء متلففا بكساء - أو والايساح [كذا] فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه: أيها الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب، ان الحمد لله كثيرا على كل حال بالغدو والآصال الخ.


(16) وهذا مما اعترف به أيضا أولياء عثمان كما تقدم تحت الرقم (3) من تعليقات المختار: (62) ص 217، وذكره أيضا في ترجمة سعيد بن العاص من تاريخ دمشق.

[288]

- 89 - ومن خطبة له عليه السلام وقد نفر من " ذي قار " متوجها إلى البصرة قال عليه السلام بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما بعد فإن الله تعالى فرض الجهاد وعظمه وجعله نصرة له، والله ما صلحت دنيا قط ولا دين إلا به، [ألا] وإن الشيطان قد جمع حزبه واستجلب خيله وشبه في ذلك وخدع، وقد بانت الامور وتمحصت. والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا " (1) وإنهم ليطلبون حقا تركوه، ودما سفكوه، ولئن كنت شركتهم فيه، فإن لهم لنصيبهم منه (2) وإن كانوا ولوه


(1) تمحصت الامور ": انجلت وانكشفت. و " النصف " - كالحبر والفرس -: العدل والانصاف، أي ما صدر مني شيئا منكرا كي يعتزضوا علي بارتكابه، ولا جعلوا بيني وبينهم المعاملة بالعدل والانصاف، بل بالظلم والجور، حيث يطالبوني بدم هم سفكوه وقتل هم ارتكبوه، وحق ضيعوه. (2) وفي المختار: (22 و 135) من النهج: " فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم لنصيبهم منه " الخ.

[289]

دوني فما تبعته إلا قبلهم، وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم وإني لعلى بصيرتي ما التبست علي، وإنها للفئة الباغية فيها اللحم واللحمة، وقد طالت هينتها [هلبتها " خ "] وأمكنت درتها (3) يرضعون أما فطمت، ويحيون بيعة تركت (4) ليعود الضلال إلى نصابه (4) ما أعتذر مما فعلت، ولا أتبرأ مما صنعت (5) فيا خيبة للداعي ومن


(3) وفي النهج وبعض النسخ من كتاب الارشاد: " فيها الحمأ والحمة ". أقول: اللحم: اللب الخالص. واللحمة - بضم اللام -: القرابة، أي إنها فئة ظالمة فيها من لب الصحابة وقرابة الرسول من يوقع الناس في شبهة مطبقة وجهالة عمياء. والصواب هو ما في النهج: " ما لبست ولا لبس علي، وإنها للفئة الباغية فيها الحمأ والحمة، والشبهة المغدفة، وإن الامر لواضح وقد زاح الباطل عن نصابه، وانقطع لسانه عن شبغه " الخ. و " الحمأ والحمأة " - كفرس وحربة -: الطين الاسود المنتن. و " الحمة " - بضم الحاء وتخفيف الميم المفتوحة -: السم. إبرة شولة العقرب التي تضرب بها وتفرغ منها السم في جسد غيرها. الشدة. و " هينة " - بكسر الهاء على زنة ريبة ولينة -: السكون والرفق. و " هلبة " - بضم الهاء على زنة قفلة وتربة -: مؤنث هلب - كقفل -: الشعر. الشعر النابت على أجفان العينين. وقيل: ما غلظ منه. شعر الذنب. شعر الخنزير الذي يخرز منه. و " هلبة الزمان ": شدته. و " الدرة " - بكسر الدال -: اللبن. كثرته. سيلانه. ومثله " الدر " - بفتح الدال على زنة الذر -. والمراد هنا معناه المصدري. (4) وفي المختار (22) من النهج: " يرتضعون أما قد فطمت، ويحيون بدعة أميتت ". يقال: " رضع الولد أمه - من باب منع وضرب وعلم - وارتضعه ارتضاعا ": مص ثديها أو ضرعها فهو راضع. و " فطمت المرءة ولدها - من باب علم، والمصدر كالجبل - فطما ": فصله عن الرضاع وقطعه عنه. و " النصاب " - على زنة الكتاب -: أصل الشئ وأساسه. (5) كذا في النسخة، ومثله في البحار نقلا عن الارشاد، ومعناه ظاهر، ولو كان الاصل هكذا: " ما اعتذرت مما فعلت، ولا تبرأت مما صنعت " كان أظهر، ليكون الكلام مسوقا لذم الفئة الناكثة الباغية وقبح شيمتهم بلا تخلل الفصل بأجنبي، فليتثبت طرق الرواية وألفاظها.

[290]

دعا، لو قيل له: إلى من دعوتك وإلى من أجبت (6) ومن أمامك وما سنته ؟ إذا لزاح الباطل عن مقامه ولصمت لسانه فما نطق (7). وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ما تحه لا يصدرون عنه ولا يلقون بعده ريا أبدا (8) وإني لراض بحجة الله عليهم


(6) كذا في النسخة، وعلى هذا فيكون الصدر بيانا لمورد خيبة الداعي، والذيل بيانا لخيبة المدعو. وفي البحار: " لو قيل له: إلى من دعوك وإلى من أجبت " الخ. وعلى هذا فهذه القطعة بأجمعها بيان لخيبة المدعو، وهم أنصار طلحة والزبير، وهذا أظهر، لان عنايته عليه السلام بتنبيه الاذناب، وتوجيههم إلى الحقائق وقبح ما ارتكبوه كان أكثر، وأما الرؤساء وهم طلحة والزبير فبما أنهم كانوا مستيقنين بضلالتهم ورشاد خصمهم فلم يكونوا بتلك العناية عنده عليه السلام إلا إذا كان الاحتجاج معهم وبيان سوء سريرتهم وخسارة صنيعهم ذا مدخلية في إتمام الحجة على العامة، وصرفهم عن الضلالة. (7) وفي النهج المختار: (135): " إذا لزاح الباطل عن نصابه وانقطع لسانه عن شغبه ". يقال: " زاح الشي عن مقامه - من باب باع - زيحا وزيحانا كانزاح ": ذهب واضمحل. و " الشغب " - كالفلس الفرس -: تهييج الشر. (8) وفي النهج: " وأيم الله لافرطن لهم حوضا أنا ماتحه لا يصدرون عنه بري، ولا يعبون بعده في حسي ". " لافرطن لهم ": لاملان لهم. والمراد من الحوض هو حوض القتل والافناء. و " الماتح ": الذي يقوم على شفير منبع الماء ويستقى الماء - والمائح - بالهمزة -: الذي ينزل إلى قعر المنبع ويملا الدلو - ويقال: " صدر عن الماء أو المكان - من باب ضرب ونصر - صدرا ومصدرا ": رجع عنه. و " أصدره وصدره عنه ": أرجعه منه. و " الرى " - بكسر الرا وفتحها -: مصدر قولهم: " روي - من باب علم - ريا وريا وروى من الماء ": شرب وشبع، فهو ريان. و " يعبون " - في روية النهج من باب مد -: لا يشربون ولا يكرعون. ويقال: " حسى - حسيا " - من باب رمى - واحتسى ": احتفر الحسي - وهو على زنة الحبر والفلس والحسى كمنى -: السهل من الارض يستنقع فيه الماء، فيحفرونه لاستخراج الماء منه.

[291]

وعذره فيهم (9) إذ أنا داعيهم فمعذر إليهم، فإن تابوا وأقبلوا فالتوبة مبذولة والحق مقبول وليس على الله كفران (10) وإن أبوا أعطيتهم حد السيف، وكفى به شافيا لباطل وناصرا لمؤمن (11). الفصل (23) من مختار كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 134. ورواه عنه في باب بيعة أمير المؤمنين عليه السلام من البحار: ج 8 ص 416 ط الكمباني، وقريب منه جدا في المختار: (10، و 22 و 135) من خطب النهج.


(9) وفي المختار: (22) من النهج: " وإني لراض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم " الخ. (10) ومساقه مساق قوله تعالى: " إن الله لا يظلم الناس.. وإن الله لا يضيع عمل عامل.. " (11) وفي النهج: " وكفى به شافيا من الباطل، وناصرا للحق " الخ. وهو أظهر.

[292]

- 90 - ومن كلام له عليه السلام قاله لابن العباس ليبلغه الزبير احتجاجا عليه قال ابن عساكر - في ترجمة الزبير من تاريخ دمشق: ج 18، ص 66 -: أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر، أنبأنا أبو عثمان السحري، أنبأنا زاهر بن أحمد 2 (1). وأخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر، وأبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، قالا: أنبأنا أبو الحسين ابن النقور - زاد اسماعيل بن أحمد: وأبو محمد الصيرفي، قالا: - أنبأنا أبو القاسم ابن حبابة. وأخبرنا أبو الفتح محمد بن علي، وأبو نصر عبيد الله ابن أبي عاصم، وأبو محمد عبد السلام بن أحمد، وأبو عبد الله سمرة بن جندب، وأخوه محمد ابن عبد القادر بن جندب، قالوا:: أنبأنا محمد بن عبد العزيز الفارسي، أنبأنا عبد الرحمان بن أبي شريح (2) قالوا: أنبأنا عبد الله ابن محمد، أنبأنا مصعب بن عبد الله، أنبأنا أبي، عن موسى بن عقبة عن أبي حبيبة مولى الزبير - وهو جد موسى بن عقبة من قبل أمه، وهو موسى بن عقبة بن أبي عباس (3) - قال [قال موسى بن عقبة]: قال أبو حبيبة: أتانا ابن عباس بالبصرة في يوم شديد الحر، فلما رآه الزبير قال: مرحبا بابن لبابة أ [جئت] زائرا أم سفيرا ؟ قال: كل ذلك،


(1) كذا في الاصل. (2) وهذا هو الصواب، وفي النسخة هنا تصحيف. (3) كذا.

[293]

بعثني - وقال ابن أبي شريح (ظ): أرسلني - إليك ابن خالك [وهو] يقول [لك]: ما عدا مما بدا ؟ أعرفتني بالمدينة، وأنكرتني بالبصرة ؟ (1). قال: فجعل الزبير ينقر بالمروحة في الارض، ثم رفع إليه رأسه فقال: ترفع لكم المصاحف غدا فما حللت حللنا - وقال ابن أبي شريح: " أحلت حللنا " - وما حرمت حرمنا (2). قال [ابن عباس]: فانصرفت فناداني ابن الزبير وهو في جانب البيت يا ابن عباس أقبل علي - زاد ابن أبي شريح: قال ابن عباس: فأقبلت عليه


(1) قال في أواخر الباب (3) من تيسير المطالب: حكى أبو الحسن ابن مهدي (قال) قال ابن الانباري في قول علي عليه السلام يوم الجمل للزبير: بايعتني ثم جئت محاربا ؟ فما عدا مما بدا ؟ هذه كلمة فصيحة ما سبق عليا عليه السلام أحد إليها، ومعنى " ما عدا ": ما منع مما ظهر من بيعتك ؟ تقول: عداني عندك كذا. اي منعني. قال، وأنشدنا لبعضهم: عداني أن أزورك من مهمي * عجايا كلها إلا قليلا قال: والعجايا واحدها عجي على مثال فصيل وهو الفصيل تموت أمه فيرضعه صاحبه من لبن غير أمه. (2) كذا في هذه الرواية، والظاهر ان هذا الجواب مما نحته أولياء الزبير بعد أيام صفين وتنبههم لحيلة عمرو بن العاص في ليلة الهرير، وأن جواب الزبير هو ما ورد في الروايات المستفيضة، وروى بعضها ابن أبي الحديد في شرح المختار: (31) من خطب النهج، قال: وروى جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، قال: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: إني قد أتيت الزبير فقلت له [ما قال أمير المؤمنين عليه السلام لي أن أبلغه إياه] فقال: قل له: إني أريد ما تريد - كأنه يقول الملك - لم يزدني على ذلك فرجعت إلى علي عليه السلام فأخبرته. وروى محمد بن إسحاق والكلبي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قلت الكلمة للزبير فلم يزدني على أن قال: قل له: إنا مع الخوف الشديد لنطمع. قال:: وسئل ابن عباس عما يعني بقوله هذا. فقال: يقول: إنا على الخوف لنطمع أن نلي من الامر ما وليتم. (*)

[294]

وأنا أكره كلامه - قال مصعب: أشك (1) في قول ابن عباس في حديث من هو - قال عبد الله بن الزبير: بيننا دم خليفة وعهد خليفة وانفراد واحد واجتماع ثلاثة، وأم مبرورة ومشاورة العامة - أو قال: الجماعة. أقول: وللرواية طرق عديدة وصور مختلفة أجودها ما ذكره السيد رضي (ره) في المختار: (31) من خطب نهج البلاغة، وذيل الكلام ذكره كما هنا - مع جواب ابن عباس عنه - في كتاب الجمل ص. 17، ط النجف.


(1) من هذا يستفاد أن كلام ابن عباس هذا لم يرد في جميع الطرق المتقدمة بل في بعضها ولكن ذلك " البعض غير معلوم تعيينا " عند الراوي وهو مصعب بن عبد الله.

[295]

- 91 - ومن خطبة له عليه السلام في بث الشكوى عن الناكثين ثم تهديدهم ثم الحث على قتالهم ثم الدعاء عليهم ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني قدس الله نفسه، عن علي بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، رفعه ان أمير المؤمنين عليه السلام خطب يوم الجمل فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني أتيت هؤلاء القوم ودعوتهم واحتججت عليهم، فدعوني إلى أن اصبر للجلاد، وابرز للطعان. فلامهم الهبل (1) وقد كنت وما أهدد بالحرب، ولا أرهب بالضرب، [وقد] أنصف القارة من راماها (2) فلغيري فليبرقوا وليرعدوا فأنا أبو الحسن الذي فللت حدهم (3)


(1) الجلاد والطعان - بكسر أولهما -: المسايفة والمقاتلة. والهبل - كالفرس - مصدر قولهم: " هبلت - من باب علم - فلانا أمه هبلا ": ثكلته فهي " هابل ". ويقال: " هبلته أمه " دعاءا عليه. وكثيرا ما يستعمل في المدح والاعجاب والاستحسان. (2) والقارة اسم لقبيلة من بني الهرم من خزيمة، سموا قارة لاجتماعهم واتفاقهم ويوصفون بالرمي وفي المثل: " أنصف القارة من راماها ". (3) أي أنا أبو الحسن المعروف بفل حد الاعداء، وكسر شوكة الاحزاب: وهذا مثل قول الشاعر: " أنا أبو النجم وشعري شعري " أي لم أتغير عما كنت عليه من البأس المرهب، والسطوة المرعبة. ويقال: " فللت القوم - من باب مد -: كسرتهم وهزمتهم. والسيف: ثلمته.

[296]

وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي، وأنا على ما وعدني ربي من النصر والتأييد والظفر، وإني لعلى يقين من ربي وغير شبهة من أمري. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيص، ومن لم يقتل يمت (4) وإن أفضل الموت القتل (5) والذي نفسي بيده لالف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على فراش. واعجبا لطلحة، ألب الناس على ابن عفان (6) حتى


هذا هو الصواب، وفي النسخة: " ومن لم يمت يقتل ". وفي المقالة الرابعة من كتاب " تهذيب الاخلاق " لابن مسكويه (ره) ص 89: " أيها الناس إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفس ابن ابي طالب بيده لالف ضربة بالسيف على الرأس أهون من ميتة على الفراش ". وقريب منه جدا في الحديث (38) من المجلس الثامن من أمالي الشيخ ص 135. (5) أي في سبيل الله، وهذا مع أنه من القضايا التي قياساتها معها، ويستفاد أيضا - في مفروض المقام - من القرينة المقامية، مما قد صرح به الامام الرضا عليه السلام. ففي الحديث الاول من الباب (25) من كتاب الجهاد، من الكافي: ج 5 ص 53، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن سعد بن سعد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن قول أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " والله لالف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش " قال: في سبيل الله. (6) يقال: " ألب زيد الناس على فلان - من باب نصر وضرب - وألبهم عليه تأليبا ": أغراهم عليه.

[297]

إذا قتل أعطاني صفقته بيمينه (7) طائعا ثم نكت بيعتي، أللهم خذه ولا تمهله [اللهم] وإن الزبير نكث بيعتي وقطع رحمي وظاهر علي عدوي فاكفنيه بما شئت. الحديث الرابع من الباب (25) من كتاب الجهاد من الكافي: ج 5، ص 53، ولها أسانيد ومصادر وشواهد كثيرة، منها ما ذكره ثقة الاسلام (ره) في الحديث الاول من الباب، وقد نقلناه تحت الرقم الخامس من تعليقاتنا على هذه الخطبة. وقريب منه جدا في الحديث (36) من المجلس السادس من أمالي الطوسي ص 106، بسند آخر. وقريب منه أيضا في الفصل الثامن - وهو الفصل المعقود لبيان شجاعته عليه السلام - من كتاب مطالب السئول ص 16 - ط النجف.


(7) كذا في النسخة، وفي أمالي الشيخ: " أعطاني صفقة يمينه " الخ. (*)

[298]

- 92 - ومن كلام له عليه السلام قاله للحارث بن حوط الليثي قال الشيخ الطوسي (ره): أخبرنا محمد بن محمد، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثني أبو الوليد الضبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، قال: دخل الحارث بن حوط الليثي، على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين ما أرى طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا [أضحوا " خ "] (1) إلا على حق ؟ فقال [له أمير المؤمنين عليه السلام]: يا حار [إنك ملبوس عليك] إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس (2) ولكن اعرف الحق باتباع من اتبعه (3) والباطل باجتناب من اجتنبه. قال [الحارث]: فهلا أكون كعبد الله بن عمر، وسعد بن مالك ؟. فقال أمير المؤمنين عليه السلام:


(1) يقال: " أضحى زيد يفعل كذا ": فعله في الضحى. أو صار يفعله مطلقا. وعلى الثاني فهو من أخوات " كان " ويعمل عمله. (2) بين المعقوفين مأخوذ، من رواية اليعقوبي والبلاذري. (3) وفي رواية اليعقوبي والبلاذري: " ولكن اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه " وهو الظاهر.

[299]

إن عبد الله بن عمر، وسعدا خذلا الحق، ولم ينصرا الباطل (4) متى كانا إمامين في الخير فيتبعان. الحديث: (28) من الجزء الخامس، من أمالي الشيخ، ص 133، وله طرق ومصادر، أحسنها متنا ما في المختار: (262) من قصار النهج. ورواه في الباب (3) من تيسير المطالب بزيادة بيتين في آخره.


(4) وفي النهج: " إن سعدا وعبد الله بن عمر، لم ينصرا الحق، ولم يخذلا الباطل ". وهو أظهر، أما عدم نصرتهم الحق - أعني أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان بنص رسول الله صلى الله عليه وآله يدور معه الحق حيث ما دار - فواضح وعليه الاتفاق، وأما عدم خذلانهم الباطل فإنه من لوازم التخلف عن الحق، ومن باب ان تقاعدهم نفس ترويج الباطل. وقال في الباب (3) من تيسير المطالب: روى أصحاب الاخبار (عن) الحارث بن حوت قال: أتيت عليا عليه السلام حين ورد البصرة، فقلت: اني اعتزلك كما اعتزل سعد بن مالك وعبد الله بن عمر. فقال: إن سعدا وعبد الله لم ينصرا الحق ولم يخذلا (ظ) الباطل. ثم أنشد متمثلا: واثكلها فقد ثكلته أروعا * أبيض يحمي الشرب ان يفرعا قال السيد أبو طالب: أراد به عليه السلام ان اختيارهما ما اختاراه مصيبة أصابتهما، كمصيبة الثكلاء التي فقدت من صفته من ذكر في البيت.

[300]

- 93 - ومن خطبة له عليه السلام لما أصر الناكثون على الشقاق وآذنوه بالحرب أبو مخنف: لوط بن يحي (ره) قال: حدثنا مسافر بن عفيف بن أبي الاخنس، قال: لما رجعت رسل علي عليه السلام: من عند طلحة والزبير، وعائشة يوذنونه بالحرب، قام فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ثم قال: أيها الناس إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا (1) أو يرجعوا، ووبختهم بنكثهم وعرفتهم بغيهم، فلم يستحيوا، وقد بعثوا إلي أن ابرز للطعان، واصبر للجلاد وإنما تمنيك نفسك أماني الباطل، وتعدك الغرور ! ! ! ألا هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدد بالحرب، ولا أرهب بالضرب، ولقد أنصف القارة من راماها ! ! ! (2).


(2) هذا من الامثلة السائرة بين العرب، وفي اللسان عن التهذيب: قال: [القارة قوم] كانوا رماة الحذق في الجاهلية، وهم اليوم في اليمن ينسبون إلى أسد، والنسبة إليهم قاري، وزعموا أن رجلين التقيا أحدهما قاري والآخر أسدي، فقال القاري: إن شئت صارعتك وإن شئت سابقتك وإن شئت راميتك، فقال: اخترت المرامات. فقال القاري: لقد أنصفتني وأنشد: قد أنصف القارة من راماها * إنا إذا ما فئة نلقاها نرد أولاها على أخراها ثم انتزع له سهما فشك فؤآده.

[301]

فليرعدوا وليبرقوا، فقد رأوني قديما وعرفوا نكايتي (3) فكيف رأوني ؟ ! ! أنا أبو الحسن الذي فللت حد المشركين (4) وفرقت جماعتهم وبذلك القلب ألقى عدوي اليوم، وإني لعلى ما وعدني ربي من النصر والتأييد، وعلى يقين من أمري، وفي غير شبهة من ديني. أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم، ولا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيد ولا محيص، من لم يقتل مات، [و] إن أفضل الموت القتل، والذي نفس علي بيده لالف ضربة بالسيف أهون من موتة واحدة (5) على الفراش. اللهم إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به ورماني (6) اللهم فلا تمهله.


(3) يقال: " رعد لي زيد وبرق - الاول من باب منع ونصر، والثاني من باب نصر فقط - رعدا وبرقا، وأرعدني إرعادا، وأبرقني إبراقا ": تهددني وخوفني. والنكاية: قهر العدو بالجرح والقتل. (4) فللت: كسرت، أي أنا الذي كسرت المعروفين بالتنمر والجبروت. (5) كذا في هذه الرواية. (6) ألب: جمع وحشر. وعضهني به - من باب منع -: رماني به بالزور والبهتان، ونسبه إلى بالافك والافتراء.

[302]

اللهم إن الزبير قطع رحمي، ونكث بيعتي وظاهر علي عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت. (قال) ثم نزل (عن المنبر). شرح المختار: (22) من خطب نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ج 1، ص 305. وقريبا منه رواه أحمد بن أعثم الكوفي - المتوفى نحو سنة (314) - في كتاب الفتوح: ج 2 ص 307 ط 1، وللكلام مصادر.

[303]

- 94 - ومن كلام له عليه السلام في المعنى المتقدم حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثتا وكيع، عن سفيان، عن [الامام] جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن الحسين، قال: حدثني ابن عباس قال: أرسلني علي إلى طلحة والزبير يوم الجمل وقال [لي: قل لهما] (1): إن أخاكما يقرؤكما السلام ويقول لكما: هل وجدتما علي حيفا في حكم أو في استئثار في فئ أو في كذا. قال [ابن عباس: فأبلغتهما الرسالة] (2) فقال الزبير: ولا في واحدة منهما، ولكن [لنا] مع الخوف شدة المطامع (3).


(1) بين المعقوفين زيادة منا، وفي الاصل هكذا: " أرسلني علي إلى طلحة والزبير يوم الجمل قال: فقلت: إن أخاكما يقرؤكما السلام " الخ. (2) بين المعقوفين زيادة توضيحية منا. (3) ورواه أيضا أبو الفرج في الاغاني: ج 16 / ص 127 ط ساسي - في عنوان مقتل الزبير، وخبر إبراهيم في الاصوات الماخورية من أواخر الكتاب - قال: حدثني أحمد بن عيسى بن إي موسى العجلي الكوفي، وجعفر بن محمد بن الحسن العلوي الحسني، والعباس بن علي بن العباس، وأبو عبيد الصيرفي قالوا: حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: حدثنا عمرو

[304]

الحديث (137) من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل - تأليف أحمد بن حنبل - وللكلام مصادر.


ابن عبد الغفار، عن سليمان النوري [كذا] عن جعفر بن محمد، عن أبيه: عن علي بن الحسين عليه السلام قال: حدثني ابن عباس قال: قال لي علي صلوات الله عليه: إئت الزبير فقل له يقول لك علي بن أبي طالب نشدتك الله ألست قد بايعتني طائعا غير مكره، فما الذي أحدثت فاستحللت به قتالي ؟ وقال: أحمد بن يحيى في حديثه: قل لهما: إن اخاكما يقرأ عليكما السلام ويقول: هل نقمتما علي جورا في حكم أو استئثارا بفئي ؟ ! ! فقالا: لا ولا واحدة منهما ولكن الخوف وشدة الطمع ! ! ! وقال: محمد بن خلف في خبره فقال الزبير: مع الخوف شدة المطامع. فأتيت عليا عليه السلام فأخبرته بما قال الزبير، فدعا بالبغلة: فركبها وركبت معه فدنوا حتى اختلفت أعناق دابتيهما فسمعت عليا صلوات الله عليه يقول: أنشدتك الله يا زبير أتعلم أني كنت أنا وأنت في سقيفة بني فلان تعالجني وأعالجك فمر بي يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كأنك تحبه، فقلت: وما يمنعني قال: أما إنه ليقاتلنك وهو لك ظالم. فقال الزبير: الله نعم ذكرتني ما نسيت. وولى راجعا ونادى منادي علي: إلا لا تقانلوا القوم حتى يستشهدوا منكم رجلا. فما لبث أن أتي برجل يتشحط في دمه فقال علي عليه السلام: اللهم اشهد اللهم اشهد، وأمر الناس فشدوا عليهم وأمر الصراخ فصرخوا لاته تدففوا على جريح ولا تتبعوا مديرا ولا تقتلوا أسيرا.

[305]

- 95 - ومن كلام له عليه السلام قاله لابن عباس كي يبلغه إلى طلحة والزبير قال ابن أبي الحديد: قال محمد بن إسحاق: حدثني [الامام] جعفر بن محمد عليه السلام، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: بعثني علي (أمير المؤمنين) عليه السلام، يوم الجمل إلى طلحة والزبير، وبعث معي بمصحف منشور وإن الريح لتصفق ورقه فقال لي: قل لهما: هذا كتاب الله بيننا وبينكم فما تريدان ؟ ! (قال ابن عباس فأبلغتهما) فلم يكن لهما جواب إلا أن قالا: نريد ما أراد. كأنهما يقولان: الملك ! ! (قال:) فرجعت إلى علي (أمير المؤمنين عليه السلام) فأخبرته. شرح المختار: (173) من خطب النهج لابن أبي الحديد: ج 9 ص 317.

[306]

- 96 - ومن كلام له عليه السلام أيضا في معنى ما تقدم قال ابن عساكر - في ترجمة الزبير من تاريخ دمشق: ج 18، ص 69، - أخبرنا أبو غالب ابن البنا (ء) أنبأنا أبو محمد ابن الجوهري، أنبأنا أبو الحسن ابن لؤلؤ، أنبأنا محمد بن أحمد بن المؤمل، أنبأنا محمد بن علي بن خلف، أنبأنا عمر الفقيمي، عن سفيان الثوري، عن [الامام] جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين [قال:] حدثني ابن عباس قال: قال [لي] علي [عليه السلام]: ائت الزبير فقل له: ننشدك الله [كذا] ألست قد بايعتني طائعا غير مكره، فما الذي أحدثت فاستحللت به قتالي ؟ ! [قال ابن عباس: فأتيته فأبلغته الرسالة ف‍] قال الزبير: [قل له] مع الخوف شدة المطامع (1) قال [ابن عباس] فأتيت عليا فأخبرته بما قال الزبير


(1) قال ابن أبي الحديد: وروى محمد بن إسحاق، والكلبي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قلت الكلمة [أعني المختار المتقدم وهو قوله: " ما عدا مما بدا، أعرفتني بالمدينة وأنكرتني بالبصرة "] للزبير فلم يزدني على أن قال: " قل له إنا مع الخوف الشديد لنطمع ". قال (كذا): وسئل ابن عباس عما يعني (الزبير) بقوله هذا. فقال: يقول: " إنا مع الخوف لنطمع أن نلي من الامر ما وليتم ". أقول: وروى ابن عساكر - في ترجمة عبد الله بن عامر، من تاريخ دمشق: ج 30،

[307]

فدعا علي بالبغلة فركبها وركبت معه، ودنا [علي أمير المؤمنين عليه السلام من الزبير] حتى اختلفت أعناق دوابهما ووقفت حتى أسمع كلامهما، فسمعت عليا يقول: أناشدك بالله هل تعلم يا زبير أني كنت أنا وأنت في سقيفة بني فلان تعالجني وأعالجك فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم (كذا) فقال: كأنك تحبه ؟ قلت: وما يمنعني [إنه على ديني وهو ابن عمتي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله]: أما [إنه] ليقاتلنك وهو الظالم (2). قال الزبير: اللهم ذكرتني ما قد نسيت. فولى راجعا. أقول: وللكلام مصادر وشواهد أخر تأتي إن شاء الله.


ص 52 قال - فلما كان من أمر الجمل ما كان وهزم الناس جاء عبد الله بن عامر إلى الزبير، فأخذ بيده فقال: أبا عبد الله أنشدك الله في أمة محمد، فلا أمة محمد بعد اليوم أبدا ! ! ! فقال الزبير: خل بين الغارين يضطربان فإن مع الخوف الشديد المطامع. ورواه أيضا ابن سعد في ترجمة عبد الله بن عامر من كتاب الطبقات: ج 5 ص 34 ط 1. (2) وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وآله وتواتر عنه، ورواه ابن عساكر في ترجمة الزبير بطرق كثيرة، كما رواه أيضا في فضائل الخمسة: ج 2 ص 364 عن مصادر كثيرة.

[308]

- 97 - ومن كلام له عليه السلام كلم به الزبير في معركة الحرب وهو حاسر والزبير دارع، وفيه أيضا إخباره عليه السلام أصحابه بشهادته بيد ابن ملجم ضاعف الله عذابه. قال ابن أبي الحديد: برز علي عليه السلام يوم الجمل حاسرا ونادى بالزبير مرارا: يا أبا عبد الله. فخرج إليه الزبير دارعا مدججا (1) فقال له: يا أبا عبد الله، قد لعمري أعددت سلاحا وحبذا، فهل أعددت عند الله عذرا ؟ ! ! فقال الزبير: " إن مردنا إلى الله (2) فقال عليه السلام: " يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين " (25 - النور). ثم قال له: يا زبير إنما دعوتك لاذكرك حديثا قاله لي ولك رسول الله صلى الله عليه، أتذكر يوم رآك [رسول الله] وأنت معتنقي فقال لك: أتحبه ؟ قلت: ومالي لا أحبه وهو أخي وابن خالي ؟ ! فقال [لك]: " أما إنك ستحاربه وأنت ظالم له ". فاسترجع الزبير وقال: أذكرتني ما أنسانيه الدهر، فرجع إلى أصحابه نادما واجما، ورجع أمير المؤمنين عليه السلام إلى أصحابه جذلا مسرورا (3) فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين


(1) الدارع: لابس الدرع. والمدجج: المسلح. (2) وفي الآية (43) من سورة غافر - وهي سورة المؤمن: (40) -: " لا جرم انما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وأن مردنا إلى الله، وأن المسرفين هم أصحاب النار ". (3) واجما: عابس الوجه مطرقه لشدة الحزن أو الخوف. و " جذلا ": فرحا مسرورا.

[309]

تبرز إلى الزبير حاسرا وهو شاك في السلاح، وأنت تعرف شجاعته ؟ ! فقال (عليه السلام): إنه ليس بقاتلي، إنما يقتلني رجل خامل الذكر، ضئيل النسب، غيلة في غير مأقط حرب ولا معركة رجال ويلمه أشقى البشر، ليودن أمه أن هبلت به (4) أما إنه وأحمر ثمود لمقرونان في قرن ! شرح المختار: (8) من خطب النهج لابن أبي الحديد: ج 1، ص 233 و 234، بتلخيص منا. وقريب منه معنا في كتاب سليم بن قيس الهلالي (ره) ص 187، وأيضا روى قريبا من صدره الطبري معنعنا في تاريخه: ج 3 ص 514، وكذلك رواه سبط ابن الجوزي في كتاب تذكرة الخواص، ص 76، غير انه قال: قاله لطلحة والزبير، وقريبا منه - أي من الصدر - معنى رواه في عنوان: " مقتل الزبير " من كتاب أنساب الاشراف: ج 1، ص 357 من المخطوطة، وفي للطبوعة: ج 2 ص 251. والقصة - بلا ذيل - ذكرها أيضا أحمد بن أعثم الكوفي - المتوفى عام 314 - في كتاب الفتوح: ج 2 ص 309 وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه الزبير مرتين على انه يقاتل عليا ظلما وعدوانا.


(3) ضئيل النسب: حقير النسب. و " غيلة " - بكسر الغين -: خديعة واغتيالا. و " مأقط " كمجلس -: موضع الحرب أو المضيق منه. والجمع مآقط كوضع ومواضع. " ويلمه " مخفف ويل لامه. و " هبلت به أمه - من باب علم - هبلا ": ثكلته، فهي هابل. وكثيرا يستعمل في الدعاء على الشخص - كما هنا - ويعبر عنه بالفارسية ب " نفرين " و " أحمر ثمود " هو عاقر ناقة صالح. و " قرن " كفرس: الحبل.

[310]

- 98 - ومن كلام له عليه السلام حين برز في قميصه غير دارع وأصحاب الجمل يرمون أصحابه قال الواقدي: حدثني عبد الله بن الفضيل، عن أبيه، عن محمد ابن الحنفية قال: لما نزلنا البصرة وعسكرنا بها، وصففنا صفوفنا دفع إلي أبي عليه السلام اللواء وقال: لا تحدثن شيئا حتى يحدثوا فيكم. ثم نام فنالنا نبال القوم فأفزعته ففزع (1) وهو يمسح عينيه من النوم وأصحاب الجمل يصيحون يا لثارات عثمان. فبرز عليه السلام وليس عليه إلا قميص واحد، ثم قال: تقدم يا بني باللواء. فتقدمت وقلت: يا أبه: (أ) في مثل هذا اليوم [تخرج] بقميص واحد ؟ ! ! فقال عليه السلام: أحرز امرأ أجله (2) والله قاتلت مع النبي [صلى الله عليه وآله وسلم] (3) وأنا حاسر أكثر مما قاتلت وأنا دارع.


(1) كذا في النسخة. (2) وهذه القطعة رواها عنه عليه السلام عمرو بن العاص كما في ترجمته من تاريخ دمشق: ج 42 ص 669 - أو ما قاربها - ورواها أيضا ابن سعد، في ترجمة عمرو من الطبقات الكبرى ولكن لفظهما: " حرس امرأ أجله ". ومثله معنى في المختار: (306) من قصار النهج، وقال أبو نعيم - في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من حلية الاولياء: ج 1، ص 67 -: حدثنا أحمد ابن يعقوب المهرجان، عن أبي شعيب الحراني، عن يحيى بن عبد الله، عن الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وغيره، قال: قيل لعلي: ألا نحرسك ؟ فقال: حرس امرأ أجله. (3) بين المعقوفين كان في الاصل هكذا: صلى الله عليه وآله.

[311]

ثم دنا (عليه السلام) من كل من طلحة والزبير فكلمهما ورجع وهو يقول: يأبى القوم إلا القتال، فقاتلوهم فقد بغوا. ثم دعا عليه السلام بدرعه البتراء - ولم يلبسها بعد النبي إلا يومئذ - فكان بين كتفيه منها متوهيا (4) فجاء عليه السلام وفي يده شسع نعل، فقال له ابن عباس: ما تريد بهذا الشسع يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام: أربط بها ما قد توهي من هذا الدرع من خلفي ! ! فقال ابن عباس: أفي مثل هذا اليوم تلبس مثل هذا ؟ ! فقال عليه السلام: لم ؟ قال: أخاف عليك. قال: لا تخف أن أوتي من ورائي، والله يا ابن عباس ما وليت في زحف قط ! ! كتاب الجمل - للشيخ المفيد - ص 189، ط النجف.


(4) أي مشقوقا ومنخرقا.

[312]

- 99 - ومن خطبة له عليه السلام حين جمع أصحابه بالبصرة وحرضهم على الجهاد عباد الله انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم بقتالهم فإنهم نكثوا بيعتي وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح والعقوبة الشديدة، وقتلوا سبابحة (1) ومثلوا بحكيم بن جبلة العبدي، وقتلوا رجالا صالحين، ثم تتبعوا منهم من نجا يأخذونهم في كل حائط وتحت كل رابية، ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا (2) ما لهم قاتلهم الله أنى يؤفكون. انهدوا إليهم وكونوا أشداء عليهم والقوهم صابرين محتسبين تعلمون أنكم منازلوهم ومقاتلوهم وقد وطنتم


(1) الضرب المبرح: الشديد المتعب المدهش. و " سبابجة ": قوم من السند، كانوا بالبصرة جلاوزة وحراسا للسجن. (2) الرابية: ما ارتفع من الارض. وضرب الرقاب صبرا. أن يمسك بيدي من يراد قتله ثم يضربه آخر حتى يموت.

[313]

أنفسكم على الطعن الدعسي، والضرب الطلحفى ومبارزة الاقران (3) وأي امرئ منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء (4) ورأى من أحد من اخوانه فشلا فليذب عن أخيه الذي فضل عليه كما يذب عن نفسه، فلو شاء الله لجعله مثله. الفصل (24) مما اختار من كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 134.


(3) أي الطعن الشديد، والضرب الوجيع، يقال: دعست الوعاء - من باب منع - دعسا ": حشوته. أي عليكم بالطعن الذي يحشى به أجواف الاعداء. و " الطلحفى " بفتحتين فسكون ففتح، أو بكسر الطاء وفتح الللام فسكون ففتح -: أشد الضرب. (4) الجأش - كفلس -: القلب، يقال: " ربط جأشه " - من باب ضرب ونصر - رباطة " - كهداية -: اشتد قلبه وقوي.

[314]

- 100 - ومن خطبة له عليه السلام في يوم الجمل قبل اشتباك الحرب، وقد أتوه بقتيلين من أصحاب قتلهما أصحاب الجمل، ورشقوا عمارا وتواتر عليه الرمى واتصل، فقال يا أمير المؤمنين ليس لك عند القوم إلا الحرب ! ! فقام عليه السلام خطيبا رافعا بها صوته فقال: أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح (1) ولا تقتلوا أسيرا، ولا تتبعوا موليا، ولا تطلبوا مدبرا، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا سترا، ولا تقربوا شيئا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع (2) أو عبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله. مروج الذهب: ج 2 ص 371، وفي ط بيروت: ج 2 ص 362، ومثله مع الزيادة في الدر النظيم ص 115 وص 119. وأشار إليه أيضا الطبري في غير موضع من تاريخه، وذكره أيضا في الامامة والسياسة ص 77، إلا أنه قال: بعد ما


(1) أي لا تقتلوا جريحا ولا تتموا قتله. (2) الكراع - كغراب -: الخيل والبغال والحمير.

[315]

وضع الحرب أوزارها. ورواها أيضا في الاخبار الطوال ص 151، قال: ونادى على رضي الله عنه في أصحابه: لا تتبعوا موليا ولا تجهزوا على جريح، ولا تنتهبوا مالا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. قال، فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع، فلا يعرض لهم أحد إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به، والدواب التي حاربوا عليها. فقال له بعض أصحابه: يا أمير المؤمنين كيف حل لنا قتالهم، ولم يحل لنا سبيهم وأموالهم ؟ فقال علي رضي الله عنه: ليس على الموحدين سبي ولا يغنم من أموالهم إلا ما قاتلوا به وعليه، فدعوا ما لا تعرفون والزموا ما تؤمرون ! ! ! وقريب منه بسند آخر ذكره في الحديث: (334) من ترجمة علي من أنساب الاشراف: ج 1، ص 360، وفي المطبوعة: ج 2 ص 262 ط 1. وقال في الفصل (9) من كتاب الجهاد، - من منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 2 ص 319 ط 1، نقلا عن الشافعي وعبد الرزاق في كتاب الجامع، وابن أبي شيبة والبيهقي في السنن الكبرى -: وعن علي [عليه السلام انه] قال: لا يدفف على جريح، ولا يقتل أسير ولا يتبع مدبر. وعن عبد الرزاق في الجامع، عن امرأة من بني أسد، قالت: سمعت عمارا - بعدما فرغ علي من أصحاب الجمل - ينادي: لا تقتلوا مقبلا ولا مدبرا، ولا تدففوا على جريح ولا تدخلوا دارا، ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن. أقول: وهذا المضمون مما قد تواتر عنه عليه السلام وانه قد أمر بالنداء به في يوم الجمل.

[316]

- 101 - ومن كلام له عليه السلام حين قيل له: إن هذه الحرب من أعظم الفتن ! ! ! قال أبو مخنف: وقام رجل إلى علي عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين أي فتنة أعظم من هذه ؟ إن البدرية ليمشي بعضها إلى بعض بالسيف ! فقال علي عليه السلام: ويحك أتكون [الحرب] فتنة [و] أنا أميرها وقائدها ! والذي بعث محمدا بالحق وكرم وجهه ما كذبت ولا كذبت، ولا ضللت ولا ضل بي، ولا زللت ولا زل بي، وإني لعلى بينة من ربي، بينها الله لرسوله وبينها رسوله لي، وسأدعى يوم القيامة ولا ذنب لي، ولو كان لي ذنب لكفر عني ذنوبي ما أنا فيه من قتالهم (1). شرح المختار (13) من خطب النهج لابن أبي الحديد: ج 1، ص 265.


(1) إشارة إلى قوله تعالى: " إن الحسنات يذهبن السيئات " وهذه قضية فرضية سيقت لبيان عظم خطأهم، وجلالة من قاتلهم، ولبيان ما للقانل من جزيل الاجر، وتكفير الذنب لو كان له ذنب، وهذا حث عجيب وتحريض أكيد على قتالهم، قلما يوجد لفظ يؤدي به هذا المعنى ! ! !

[317]

- 102 - ومن كلام له عليه السلام لما وضع رأسه في معركة الحرب على قربوس سرجه يخفق نعاسا ! ! ! قال المسعودي: وقد كان أصحاب الجمل حملوا على ميمنته وميسرته فكشفوها، فأتاه بعض ولد عقيل ورأسه على قربوس سرجه، فقال له: يا عم قد بلغت ميمنتك وميسرتك حيث ترى وأنت تخفق نعاسا ؟ ! ! فقال له عليه السلام: يا ابن أخي إن لعمك يوما لا يعدوه (1)، والله لا يبالي عمك وقع على الموت أو وقع الموت عليه. (قال:) ثم بعث إلى ابنه محمد - ابن الحنفية - وكان صاحب رايته - (أن) احمل على القوم: فقال: لا أجد متقدما إلا على سهم أو سنان. فقال له: [يا بني] احمل بين الاسنة، فإن للموت عليك جنة. مروج الذهب: ج 2 ص 366 ط بيروت، بتلخيص منا، وهذا المعنى مروي عنه عليه السلام في قضايا عديدة، وبألفاظ مختلفة مسندا ومرسلا.


(1) وفي النسخة هكذا: " أسكت يا ابن أخي فإن لعمك يوما لا يعدوه ". ثم إن ما بين المعقوفات زيادة منا. (*)

[318]

- 103 - ومن كلام له عليه السلام لما رد الراية إلى ابنه محمد بلن الحنفية وحرضه على الجلاد، ثم استسقى فأتي بعسل وماء فحسا منه حسوة (1) وقال: هذا [هو العسل] الطائفي وهو غريب بهذا البلد. فقال له عبد الله بن جعفر: أما شغلك ما نحن فيه عن علم هذا ؟ فقال له: إنه والله يا بني ما ملئ صدر عمك شئ قط من أمر الدنيا ! ! ! مروج الذهب: ج 2 ص 368 ط بيروت، وقريب منه أيضا ذكره في كتاب الامامة والسياسة ج 1، ص 76.


(1) يقال: " حسا المرق - من باب دعا - حسوا وتحساه واحتساه ": شربه شيئا بعد شئ.

[319]

- 104 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعائشة لما وقف عليها بعد سقوط جملها ووقوع هودجها على الارض قال المسعودي: ولما سقط الجمل ووقع الهودج، جاء محمد ابن أبي بكر، فأدخل يده فقالت: من أنت ؟ قال: أقرب الناس منك قرابة وأبغضهم إليك ! ! ! أنا محمد أخوك، يقول لك أمير المؤمنين: هل أصابك شئ ؟ قالت: ما أصابني إلا سهم لم يضرني. فجاء علي حتى وقف عليها فضرب الهودج بقضيب وقال: يا حميراء [أ] رسول الله أمرك بهذا ؟ ألم يأمرك أن تقري في بيتك ؟ والله ما أنصفك الذين أخرجوك إذ صانوا عقائلهم وأبرزوك (1). مروج الذهب: ج 2 ص 367 ط بيروت.


(1) وقال البلاذري - في الحديث: (308) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1، ص 357 -: وانتهى علي إلى الهودج فضربه برمحه وقال: كيف رأيت صنيع الله بك يا أخت ارم ؟ فقالت: ملكت فاسجع. أقول: وللبلاذري رواية أخرى مشتملة على زيادة جيدة، تقرءها في كتابنا: " المقالة العلوية الغراء ".

[320]

- 105 - ومن كلام له عليه السلام حين قتل طلحة وانقض جمع أهل البصرة بنا تسنمتم الشرف، وبنا انفجرتم عن السرار (1) وقر سمع لم يفقه الواعية، [و] كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة (2) ربط جنان لم يفارقه الخفقان (3) ما زلت أتوقع بكم عواقب الغدر، وأتوسمكم بحلية المغترين (4) سترني عنكم جلباب الدين، وبصرنيكم


(1) وفي النهج: " بنا اهتديتم في الظلماء، وتسنمتم العلياء، وبنا انفجرتم (أفجرتم " خ ") عن السرار " الخ و " انفجرتم ": دخلتم في الفجر. السرار - كحساب وكتاب - آخر ليلة من الشهر يختفي فيها القمر. (2) الواعية - هنا -: الصراخ. و " النبأة ": الصوت الخفي. " والصيحة ": الصوت الشديد. أي من لم يلتفت إلى الصياح الدائم والصيحة المرتفعة المصمة فكيف يلتفت ويعتني بالصوت الخفي، (3) الجنان - بفتح الجيم - القلب:. و " الخفقان ": الاضطراب والخوف، ويراد منه هنا خشية الله تعالى. (4) اي دائما كنت أترقب ابتلاءكم بعواقب غدركم، وأتفرس ما فيكم من الغرور فانتظر لكم ما ينتظر للمغرور.

[321]

صدق النية (5) أقمت لكم الحق حيث تعرفون ولا دليل، وتحتفرون ولا تمتهون (6). اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان (7) غرب فهم امرء تخلف عني، ما شككت في الحق منذ أريته (8) كان بنو يعقوب على المحجة العظمى حتى عقوا أباهم وباعوا أخاهم، وبعد الاقرار كانت توبتهم، وباستغفار أبيهم وأخيهم غفر لهم. الفصل (25) من مختار كلامه عليه السلام من كتاب الارشاد، ص 135، ط الغري، وقريب منه جدا في المختار الرابع من خطب نهج البلاغة.


(5) جلباب الدين: هو ما تلبسوا به من رسومه الظاهرة، أي الذي عصمكم مني هو ما أظهرتم من الدين وإن كان صدق نيتي قد بصرني ببواطن نفوسكم. (6) وفي النهج: " أقمت لكم على سنن الحق في جواد المضلة، حيث تلتقون ولا دليل، وتحتفرون ولا تميهون ". (7) قيل: أراد من العجمأ رموزه وإشاراته، فإنها وإن كانت غامضة على من لا بصيرة له، لكنها جلية ظاهرة لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد. (8) وبعده في النهج هكذا: " لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه، أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال، اليوم تواقفنا على سبيل الحق، من وثق بماء لم يظمأ ".

[322]

- 106 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بالبصرة لما افتتحها المفيد الثاني الشيخ أبو علي ابن شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي (ره) عن موسى بن بكر، قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة فقال: يا جند المرأة، يا أصحاب البهيمة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم (1) الله أمركم بجهادي أم على الله تفترون ؟ ! ! فجعل [عليه السلام] يضرب على الصدر ثم يقول: يا بصرة أي يوم لك لو تعلمين ؟ ! وأي قوم لك لو تعلمين ؟ ! إن لك من الماء يوما عظيما بلاؤه. وذكر (عليه السلام) كلاما كثيرا. الحديث السابع من المجلس (40) من أمالي ابن الشيخ ص 78 ط 1.


(1) وفي عيون الاخبار: ج 1، ص 217: " يا أتباع البهيمة، ويا جند المرأة، رغا فأجبتم، وعقر فانهزمتم، دينكم نفاق، وأخلاقكم رقاق، وماؤكم زعاق، يا أهل البصرة والبصيرة، والسبيخة والخريبة، أرضكم أبعد الارض من السماء، وأقربها من الماء (ظ) وأسرعها خرابا وغرقا.

[323]

- 107 - ومن خطبة له عليه السلام لما فرغ من حرب الناكثين البغاة قال ابن عبد ربه: قال ابن عباس: لما فرغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من وقعة الجمل، دعا بآجرتين فعلاهما ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة، رغا فأجبتم (1) وعقر فهربتم، نزلتم شر بلاد (2) أقربها من الماء (3) وأبعدها من السماء، بها يغيض كل ماء (4) ولها شر أسماء هي البصرة والبصيرة، والمؤتفكة وتدمر.


(1) " رغا البعير - من باب دعا - رغاءا ": صوت وضج. و " رغا الصبي ": بكى أشد البكاء. (2) كذا في العسجدة الثانية من كتاب الخلفاء وتواريخهم، وهو الصواب، وفي كتاب فرش لخطب: " دخلت شر بلاد " الخ. وفي النهج: " بلادكم أنتن بلاد الله تربة، أقربها من الماء، وأبعدها من السماء " الخ. وأيضا في رواية أخرى في النهج: " أرضكم قريبة من الماء بعيدة من السماء " الخ. (3) لانها في جوار البحر، ولهذا ماؤهم مالح كثيرا، قوله: " وأبعدها من السماء " كناية عن شيوع الفساد فيه المانع من رفع العمل وصعوده إلى الملا الاعلى. (4) وفي كتاب الخلفاء ج 3 ص 103، ط 2: " بها مغيض كل ماء ".

[324]

[ثم قال عليه السلام]: أين ابن عباس ؟ [قال:] فدعيت [إليه فجئته] فقال لي: مر هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرت أن تقر فيه. العقد الفريد: ج 3 ص 103، ط 2 وفي نسخة ج 4 ص 328 في كتاب الخلفاء وتواريخهم، ورواه أيضا في فرش كتاب الخطب: ج 4 ص 146، ط مصر، ومثله في الباب الثالث والخمسون من جواهر المطالب ص 76. (*)

[325]

- 108 - ومن خطبة له عليه السلام في تقريع أهل البصرة، ثم تقريضها قال ابن قتيبة: حدثني محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن ميمون الحراني، عن عوف ابن أبي جميلة، عن الحسن البصري، قال: لما قدم علي رضي الله عنه البصرة، ارتقى على منبرها (1) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أهل البصرة، يا بقايا ثمود، ويا جند المرأة ويا


(1) قال كمال الدين البحراني ابن ميثم (ره) في شرح المختار: (13، و 99) من نهج البلاغة: لما فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من أمر الحرب أمر مناديا ينادي في أهل البصرة ان الصلاة الجامعة لثلاثة أيام من غد إنشاء الله ولا عذر لمن تخلف إلا من حجة أو علة فلا تجعلوا على انفسكم سبيلا. فلما كان اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج عيه السلام فصلى بالناس الغداة في المسجد الجامع فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلى فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ثم قال: يا اهل البصرة يا اهل المؤتفكة ائتفكت باهلها ثلاثا وعلى الله تمام الرابعة، يا جنصد المرأة وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم وعقر فانهزمتم، أخلاقكم رقاق ودينكم نفاق، وماؤكم زعاق، بلادكم أنتن بلاد الله تربة وأبعدها من السماء، بها تسعة أعشار الشر، المحتبس فيها بذنبه والخارج منها بعفو الله، كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر. فقام إليه الاحنف بن قيس فقال له: يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك ؟ قال: يا أبا بحر إنك لن تدارك ذلك الزمان وإن بينك وبينه لقرونا ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عكم لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصهم دورا وآجامها قصورا فالهرب فالهرب فإنه لا بصيرة لكم يومئذ. ثم التفت عليه السلام عن يمينه فقال: كم بينكم وبين " الابلة " ؟ فقال

[326]

أتباع البهيمة، رغا فأتبعتم، وعقر فانهزمتم، أما إني لا أقول رغبة فيكم ولا رهبة منكم، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [كذا] يقول: " تفتح أرض يقال لها البصرة، أقوم الارضين قبلة قارئها أقرأ الناس، وعابدها أعبد الناس، وعالمها أعلم الناس، ومتصدقها أعظم الناس صدقة، وتاجرها أعظم الناس تجارة، منها إلى قرية يقال لها [ظ]: " الابلة " أربعة فراسخ، يستشهد عند مسجد جامعها أربعون ألفا الشهيد منهم يومئذ كالشهيد معي يوم بدر ". الجزء الثاني من عيون الاخبار، في عنوان: " ذكر الامصار " من كتاب الحرب: ج 1، ص 216، وقريبا من صدره مرسلا ذكره في ص 216 منه. أقول: أغلب فصول هذا الكلام رواه المحقق البحراني الشيخ كمال الدين ابن


المنذر بن الجارود: فداك أبي وأمي أربعة فراسخ. قال: صدقت فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله وأكرمه بالنبوة، وخصه بالرسالة لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال لي: يا علي هل عملت أن بين التي تسمى البصرة، والتي تسمى " الابلة " أربعة فراسخ، وسيكون التي تسمى الابلة موضع أصحاب العشور، ويقتل في ذلك الموضع سبعون الفا..

[327]

ميثم (ره) في شرح المختار: (13) من خطب النهج: ج 1، ص 290 (2) مع زيادات كثيرة بنحو الارسال، ولم أجد هذه الرواية المرسلة في غيره. وهو (ره) أيضا لم يذكر مصدرا لها، فلا بد من التثبت.


(2) من الطبعة المشوشة المحرفة الملحونة المطبوعة في شهر رجب المرجب سنة 1378، بطهران، واأسفا على تلعب الجهال بآثار العلماء، وإيكال المهمات إلى الذين لا يميزون البديهيات الاولية عن غيرها، وإلى الله المشتكى.

[328]

- 109 - ومن كلام له عليه السلام لما التمس منه جماعة من جيشه تقسيم ذراري أهل البصرة وأموالهم ونسائهم بين المجاهدين. قال القاضي نعمان: روينا عن علي (صلوات الله عليه) انه لما هزم أهل الجمل جمع كل ما أصابه في عسكرهم مما أجلبوا به عليه فخمسه وقسم أربعة أخماسه على أصحابه ومضى، فلما صار إلى البصرة قال [جمع من] أصحابه: يا أمير المؤمنين اقسم بيننا ذراريهم وأموالهم ! ! ! قال: ليس لكم ذلك. قالوا: وكيف أحللت لنا دماءهم ولا تحل لنا سبي ذراريهم ؟. قال (عليه السلام): حاربنا الرجال فحاربناهم، وأما النساء والذراري فلا سبيل لنا عليهم، لانهن مسلمات وفي دار هجرة فليس لكم عليهن سبيل، فأما ما أجلبوا عليكم به واستعانوا به على حربكم وضمه عسكرهم وحواه فهو لكم، وما كان في دورهم فهو ميرات على فرائض الله تعالى لذراريهم، وعلى نسائهم العدة، وليس لكم عليهن ولا على الذراري من سبيل.

[329]

فراجعوه في ذلك فلما أكثروا عليه قال: هاتوا سهامكم واضربوا على عائشة أيكم يأخذها فهي رأس الامر ؟ ! قالوا: نستغفر الله. قال: وأنا أستغفر الله (1). الحديث الاول من باب " الحكم في غنائم أهل البغي " من كتاب الجهاد، من دعائم الاسلام: ج 1، ص 395، وللكلام شواهد كثيرة يتلى عليك بعضها فيما يأتي إن شاء الله تعالى:


(1) وفي أخبار أبي البختري - في أواخر الجزء الاول من قرب الاسناد، ص 62 ط إيران - أيضا ما يدل على هذا.

[330]

- 110 - ومن كلام له عليه السلام في بيان أفضل الخلق والبرية وأكرمهم عند الله تعالى فرات بن إبراهيم (ره) عن عبيد بن كثير، معنعنا عن أصبغ بن نباتة (1) قال: لما هزمنا أهل البصرة جاء (أمير المؤمنين) علي بن أبي طالب عليه السلام، حتى استند إلى حائط من حيطان البصرة، فاجتمعنا حوله وهو راكب والناس نزول (فجعل يذكر رجالا من أصحابه) فيدعو الرجل باسمه فيأتيه، ثم يدعو الرجل باسمه، فيأتيه، حتى وافاه منا ستون شيخا كلهم قد صغروا اللحى وعقصوها (2) وأكثرهم من همدان، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام طريقا من طرق البصرة ونحن معه وعلينا الدرع والمغافر، متقلدي السيوف، متنكبي الاترسة، حتى انتهى إلى دار قوراء (3) فدخلنا فإذا فيها نسوة يبكين، فلما رأينه صحن صيحة واحدة وقلن: هذا قاتل الاحبة ! ! فأمسك عنهن، ثم قال: أين منزل عائشة. فأومأن إلى حجرة في الدار، فدخل (عليه السلام) عليها، فلم أسمع من قول علي شيئا، إلا أن عائشة كانت أمرأة عالية الصوت، فسمعناها (تقول) كهيئة المعاذير: إني لم أفعل. ثم خرج علينا أمير المؤمنين، فحملناه على دابته، فعارضته امرأة من قبل الدار، فقال (عليه السلام): أين صفية ؟ فقالت: لبيك يا أمير المؤمنين. قال:


(1) وذيل القصة رواه الكليني (ره) في الحديث: (34) من باب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 450 معنعنا عن أصبخ بن نباتة الحنظلي (ره). (2) " وافاه ": أتاه. " وعقصوها ": ضفروها وليوها على الرأس. (3) الاترسة: جمع الترس: صفحة من فولاذ يتوقى بها من سيف المهاجم وصدمته. " ودار قوراء ": واسعة.

[331]

ألا تكفين عني هؤلاء التي يزعمن أني قاتل الاحبة ؟ لو قتلت الاحبة لقتلت من في الدار. - وأومى بيده إلى ثلاث حجر في الدار - (قال أصبغ) فضربنا بأيدينا على قوائم السيوف، وضربنا بأبصارنا إلى الحجر التي أومى إليها، فوالله ما بقيت في الدار باكية إلا سكتت ولا قائمة إلا جلست. (قال الراوي: قلت: للاصبغ): يا أبا القاسم فمن كان في تلك الثلاث حجر. قال: أما واحدة (منها) فكان فيها مروان بن الحكم جريحا ومعه شباب قريش جرحى،


(4) كذا في هذه الرواية، والاقرب بحسب القرائن ما رواه الطبري - وجماعة - في آخر وقعة الجمل من تاريخه: ج 3 ص 534 - عن السري، عن سيف، عن محمد وطلحة، قال: دخل علي البصرة يوم الاثنين، فانتهى إلى المسجد فصلى فيه، ثم دخل البصرة فأتاه الناس، ثم راح إلى عائشة على بغلته، فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف - وهي أعظم دار بالبصرة - وجد النساء تبكين على عبد الله وعثمان ابني خلف مع عائشة (كذا) وصفية ابنة الحارث مختمرة تبكي، فلما رأته قالت: يا علي قاتل الاحبة، يا مفرق الجمع، أيتم الله بنيك منك، كما أيتمت ولد عبد الله جبهتنا صفية أما إني لم أرها منذ كانت جارية حتى اليوم. فلما خرج علي أقبلت عليه فأعادت عليه الكلام، فكف بغلته وقال: " أما لهممت أن أفتح هذا الباب - وأشار إلى الابواب من الدار - وأقتل من فيه، ثم هذا فأقتل من فيه، ثم هذا فأقتل من فيه " - وكان أناس من الجرحى قد لجأوا إلى عائشة فأخبر علي بمكانهم عندها فتغافل عنهم - فسكتت (صفية) فخرج علي، فقال رجل من الازد: والله لا تفلتنا هذه المرأة. فغضب علي وقال: " صه لا تهتكن سترا ولا تدخلن دارا ولا تهيجن امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسفهن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف، ولقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضرب فيعير بها (و) عقبه من بعده... ورواية الطبري هذه وإن كانت ضعيفة السند جدا، ومتنها أيضا قد خلط غثه بثمنيه، إلا أن القطعة التي ذكرنا منها - مقرونة بالصواب عدا قوله: " فأخبر علي بمكانهم عندها فتغافل عنهم ". فإنه عليه السلام لم يكن غافلا عنهم وعن مكانهم عند عائشة، بل آمنهم في قوله مرارا قبل الحرب وبعدها: " لا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا موليا، ولا تطلبوا مدبرا، وم ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن " - وإنما قلنا باعتبار هذه القطعة لكونها مروية عن غيره أيضا ويساعدها الاعتبار.

[332]

وأما الثانية فكان فيها عبد الله بن الزبير، ومعه آل الزبير جرحى، وأما الثالثة فكان فيها رئيس أهل البصرة يدور مع عائشة أينما دار. قلت: يا أبا القاسم هؤلاء أصحاب القرحة، فهلا ملتم عليهم بهذه السيوف. قال: يا ابن أخي أمير المؤمنين كان أعلم منك، وسعهم أمانه، إنا لما هزمنا القوم نادى مناديه: لا يدفف على جريح (5) ولا يتبع مدبر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، سنة يستن بها بعد يومكم هذا. [قال أصبغ:] ثم مضى (أمير المؤمنين عليه السلام) ومضينا معه حتى انتهينا إلى المعسكر، فقام إليه ناس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منهم أبو أيوب الانصاري، وقيس بن سعد، وعمار بن ياسر، وزيد ابن حارثة، وأبو ليلى، فقال (أمير المؤمنين عليه السلام): إلا أخبركم بسبعة [هم] من أفضل الخلق يوم يجمعهم الله تعالى. (فقام) أبو أيوب (و) قال: بلى والله، فأخبرنا يا أمير المؤمنين فإنك كنت تشهد ونغيب. قال (عليه السلام): فإن أفضل الخلق يوم يجمعهم الله تعالى سبعة من بني عبد المطلب لا ينكر فضلهم إلا كافر ولا يجحد [5] إلا جاحد (6).


(5) لا يدفف على جريح - من باب التفعيل -: لا يجهز عليه أي لا يقتل المجروج. (6) ثم إن تفضيل هؤلاء السبعة قد ورد بطرق كثيرة وألفاظ مختلفة وأسانيد متعددة أطولها متنا ما رواه ابن المغازلي - وغيره - في الحديث (385) من مناقبه ص 195 - من النسخة المنقوص

[333]

قال عمار بن ياسر: سمهم (لنا) يا أمير المؤمنين فلنعرفنهم (كذا). قال (عليه السلام): إن أفضل الناس يوم يجمع الله الخلق الرسل، وإن من أفضل الرسل محمدا عليهم الصلاة والسلام، ثم إن أفضل كل أمة بعد نبيها وصي نبيها حتى يدركه نبي، وإن أفضل الاوصياء وصي محمد عليهما الصلاة، ثم إن أفضل الناس بعد الاوصياء الشهداء، وإن أفضل الشهداء حمزة وجعفر بن أبي طالب ذا جناحين يطير بهما مع الملائكة، لم يحل بحليته أحد من الآدميين في الجنة، شئ شرفه الله به، والسبطان الحسنان سيدا شباب أهل الجنة، والمهدي يجعله الله من أحب منا أهل البيت. ثم قال (عليه السلام): أبشروا [أبشروا، أبشروا] إن (7) " من يطع الله


الاول - وما رواه ابن عساكر في ترجمة الامام الحسن والحسين عليهما السلام من تاريخ دمشق: ج 12، ص 33 / أو 120 وج 13 - ونقله عنه في كفاية الطالب ص 419 - وأرسطها ما رواه في الحديث (153) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من المعجم الكبير: ج 1 الورق 50 وكذلك في كتاب ذخائر العقبى ص 130، ورواه أيضا في ثمرات الاسفار: ج 2 ص 32 عن أمالي أبي سعد الماليني وأخصرها ما رواه في عنوان: " أخبار الطالبيين " تحت الرقم (7) من كتاب اليتيمة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 276 ط 2. (7) وفي النسخة هكذا: ثم قال " أبشروا - ثلاثا - " الخ.

[334]

والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (8). الحديث: (84) من تفسير فرات بن إبراهيم، ص 29 ط النجف. ونقله عن تفسير فرات بن إبراهيم، في الحديث (12) من باب أحوال عائشة بعد حرب الجمل، من بحار الانوار: ج 8 ص 551 ط الكمباني، ورواه أيضا ثقة الاسلام الكليني (ره) في الحديث: (34) من باب مولد النبي من أصول الكافي: ج 1، ص 450، غير أنه لم يذكر الصدر. ورواه قريبا مما مر جدا، في آخر باب: " قتال أهل البغي " من كتاب الجهاد، من دعائم الاسلام: ج 1، ص 394، إلا انه لم يذكر الذيل، بل قال: وذكر [الراوي] باقي الحديث بطوله.


(8) الآية: (71 - 72) من سورة النسا: 4.

[335]

- 111 - ومن كلام له عليه السلام في بيان أخص صفات مروان، وما تقاسي الامة الاسلامية من أبنائه ! ! ! قال: قطب الدين الراوندي (ره) روي عن أبي الصيرفي، عن رجل من مراد، قال: كنت واقفا على رأس أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة، إذ أتاه ابن العباس بعد القتال، فقال: إن لي (اليك) حاجة. فقال (عليه السلام): ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها (جئت) تطلب الامان لابن الحكم ؟ قال: نعم أريد أن تؤمنه (1) قال: امنته ولكن اذهب إليه وجئني به، ولا تجئني به إلا رديفا، فإنه أذل له. (فأتاه ابن عباس وأخذه معه) فجاء به ردفا خلفه كأنه قرد، فقال له أمير المؤمنين: أتبايع ؟ قال: نعم وفي النفس ما فيها ! ! ! قال: الله أعلم بما في القلوب، فلما بسط (مروان) يده ليبايعه


(1) المذكور في ترجمة مروان من كتاب طبقات ابن سعد: ج 5 ص 23، وكذلك في تذكرة الخواص، ص 85، وكذلك في المختار: (71) من خطب النهج أن مروان استشفع بالسيدين: الحسن والحسين عليهما السلام، ولا مانع في الجمع بينهما بأن توسل بهم جميعا، كما يدل عليه ما ذكره تحت الرقم: (334) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 1، ص 361 قال: حدثني محمد بن سعد، عن أنس بن عياض، عن جعفر بن محمد: عن أبيه عن جده علي بن الحسين: ان مروان بن الحكم حدثه - وهو أمير على المدينة - قال: لما تواقفنا يوم الجمل لم يلبث أهل البصرة أن انهزموا فقام صائح علي فقال: " لا يقتل مدبر، ولا يدفف على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن ومن طرح السلاح فهو آمن ". قال: فدخلت دارا ثم أرسلت إلى حسن وحسين وابن جعفر وابن عباس، فكلموه فقال: هو آمن فليتوجه حيث ما شاء. فقلت: لا تطيب نفسي حتى أبايعه، قال: فبايعته ثم قال: اذهب حيث شئت. ورواه أيضا البيهقي في سننه: ج 8 ص 181 بسنده عن علي بن الحسين قال: دخلت على مروان بن الحكم فقال: ما رأيت أحدا أكرم غلبة من أبيك ما هو ألا ولينا يوم الجمل فنادى مناديه لا يقتل مدبر ولا يدفف على جريح.

[336]

أخذ (عليه البلام) كفه عن كف مروان فترها (2) وقال: لا حاجة لي فيها، إنها كف يهودية (3) لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث بأسته (4) ثم قال (عليه السلام): هيه يا ابن الحكم، خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة (5) كلا والله حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الامة خسفا ويسقونها كأسا مصبرة (6). هكذا رواه في الحديث التاسع من باب احتجاجه عليه السلام على اهل البصرة، من بحار الانوار: ج 8 ص 442 ط الكمباني نقلا. عن قطب الدين الراوندي وأشار إليه أيضا البلاذري في ختام حرب الجمل في الحديث: (336) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف ج 1 ص 361.


(2) يقال: " تر زيد يده - من باب مد وفر - ترا وأترها إترارا: قطعها وبعدها. وفي بعض النسخ: " فنثرها " أي نفضها وحركها. (3) كناية عن الغدر والمكر، وعدم الوفاء بالعهد، والاستقرار على الامان، وهذه من أخص صفات اليهود. (4) الاست - بتثليت أوله -: السوءة، وفي هذا التعبير دلالة عجيبة على انتهاء مروان وبلوغه أقصى حد الخباثة واللؤم، وأيضا في التعبير بيان وكشف لهوانه وخفته بما لا مزيد عليه. (5) " هيه " بكسر أوله وآخره -: كلمة تقال لما يراد طرده وزجره، والمعروف بين اللغويين أنها تقال مكررا، و " المعمعة " - كمرحلة، وملحمة -: صوت الابطال في الحرب. (6) وفي النهج: " أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الاربعة، وستلقى الامة منه ومن ولده يوما أحمرا " وصدره رواه في مادة " أمر " من كتاب النهاية، وفي مادة: " مرء " من مجمع البحرين. و " كأسا مصبرة " أي مملوءة إلى إصباره أي إلى رأسه، وهذا كناية عن تنكيلهم بالناس إلى غير النهاية.

[337]

- 112 - ومن كلام له عليه السلام قاله لجمع من المنهزمين في يوم الجمل بالبصرة وفيهم مروان بن الحكم قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (ره): وروى أبو مخنف، عن العدي، عن أبي هشام، عن البريد (1) عن عبد الله بن مخارق، عن هاشم بن مساحق القرشي، قال: حدثنا أبي أنه لما انهزم الناس يوم الجمل، اجتمع معه طائفة من قريش فيهم مروان بن الحكم، فقال بعضهم لبعض: والله لقد ظلمنا هذا الرجل - يعنون أمير المؤمنين عليه السلام - ونكثنا بيعته من غير حدث (منه) والله لقد ظهر علينا فما رأينا أكرم سيرة منه، ولا أحسن عفوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعالوا حتى ندخل عليه ونعتذر إليه فيما صنعناه، قال: فصرنا إلى بابه فاستأذناه فأذن لنا، فلما مثلنا بين يديه جعل متكلمنا يتكلم. فقال (عليه السلام): أنصتوا أكفكم إنما أنا بشر مثلكم. فإن قلت حقا فصدقوني، وإن قلت باطلا فردوا علي (ثم قال عليه السلام): أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] (2) قبض وأنا أولى الناس به وبالناس من بعده ؟ قلنا: اللهم نعم. قال: فعدلتم عني وبايعتم أبا بكر،


(1) كذا في النسخة، ولعل الصواب: " عن علي بن هاشم بن البريد ". (2) بين المعقوفين كان في النسخة هكذا: " ص ".

[338]

فأمسكت ولم أحب أن أشق عصا المسلمين (1) وأفرق بين جماعاتهم، ثم أن أبا بكر جعلها لعمر من بعده فكففت ولم أهج الناس وقد علمت أني كنت أولى الناس بالله وبرسوله وبمقامه، فصبرت حتى قتل، وجعلني سادس ستة فكففت ولم أحب أن أفرق بين المسلمين، ثم بايعتم عثمان فطعنتم عليه (2) وقتلتموه وأنا جالس في بيتي، فأتيتموني وبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر [ثم] وفيتم لهما ولم تفوا لي ! ! ! وما الذي منعكم من نكث بيعتهما ودعاكم إلى نكث بيعتي ؟ ! ! فقلنا: يا أمير المؤمنين كن كالعبد الصالح يوسف إذ قال: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين [92 - يوسف]. فقال عليه السلام: لا تثريب عليكم اليوم، وإن فيكم رجلا لو بايعني بيده لنكث بإسته. يعني مروان بن الحكم كتاب الجمل ص 222 ط النجف. ورواه أيضا الشيخ الطوسي (ره) - في الحديث (15) من الجزء (18) من أماليه ص 323 ط طهران - عن جماعة، عن أبي المفضل، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن حفص الخثعمي الاشناني، قال: حدثنا عباد بن يعقوب الاسدي قال: حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه، عن عبد الله ابن مخارق...


(1) أي جماعتهم ومنظمتهم، وهذه من الكنايات الشائعة. (2) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " فطغيتم عليه ".

[339]

- 113 - ومن كلام له عليه السلام في إظهار التبرم عما صنعته الامة، وانهم لو عملوا بما أوجب الله عليهم واختاروا من اختاره الله لسادوا على العالمين. ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني أعلى الله مقامه. عن أبي علي الاشعري والحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم، عن غير واحد من أصحابنا، قال: أتى أمير المؤمنين عليه السلام رجل البصرة بصحيفة فقال: يا أمير المؤمنين أنظر إلى هذه الصحيفة فإن فيها نصيحة. فنظر [أمير المؤمنين عليه السلام] فيها، ثم نظر إلى وجه الرجل فقال: إن كنت صادقا كافيناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك ؟ ! فقال: بل تقيلني يا أمير المؤمنين. فلما أدبر الرجل (1) قال: أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها أما إنكم لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله ما عال ولي الله ولا طاش سهم من فرائض الله (2) ولا اختلف اثنان في حكم الله ولا تنازعت الامة


(2) فيه حذف وإيصال، أي فأقاله فأدبر الرجل، فلما أدبر قال عليه السلام " أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها "... (2) عال مأخوذ من " العيل " يقال: عال يعيل عيلا وعيلة وعيولا " - كباع يبيع بيعا وبيعة وبيوعا -: افتقر، فهو عائل، وهي عائلة، والاسم العيلة - كليلة -. ويقال: " طاش السهم - من باب باع - عن الغرض طيشا ": جاز ولم يصبه، فهو طائش. قال اليعقوبي في أواخر سيرة عثمان من تاريخه: ج 2 ص 161: وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد

[340]

في شئ من أمر الله، إلا (3) علم ذلك عندنا من كتاب الله، فذوقوا وبال ما قدمت أيديكم وما الله بظلام للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. الحديث الاول من الباب السادس من كتاب المواريث من الكافي: ج 7، ص 88، وقريب منه جدا بسند آخر، في الحديث الثاني من الباب، إلا انه لا تعرض فيه لزمان صدور الكلام ومكانه. ومن قوله: " أيتها الامة المتحيرة " - إلى آخره - مروي عن غير واحد من أوليائه عليه السلام كسلمان وأبي ذر، كما في آخر الباب الاول من كتاب المسترشد، ص 37 وغيره.


في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ويجتمع إليه الناس، فيحث بما فيه الطعن عليه، وأنه وقف بباب المسجد فقال: " أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي. إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، محمد ابن الصفوة من نوح فالاول من إبراهيم (كذا) والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد، إنه شرف شريفهم واستحقوا الفضل [كذا] هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستوره، أو كالقبلة المنصوبة أو كالشمس الضاحية أو كالقمر الساري أو كالنجوم الهادية أو كالشجر الزيتونية أضاء زيتها، وبورك زندها، محمد وارث علم آدم وما فضلت به النبيون، وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه. أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لاكلتم من فوق رؤسكم ومن تحت أقدامكم، ولما عال ولي الله ولا طاش سهم من فرائض الله ولا اختلف اثنان في حكم الله إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه، فأما إذا فعلتم ما فعلتم فذوقوا وبال أمركم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ". (3) كذا في النسخة، ولعل الصواب: " ألا وإن علم ذلك عندنا ".

[341]

- 114 - ومن كلام له عليه السلام وقد دخل على الربيع بن زياد الحارثي عائدا له (1) والكلام يجب أن يكتب بماء الحياة ! ! ! ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله، عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد. (وعن) عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، وغيرهما، بأسانيد مختلفة في احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام، على عاصم بن زياد، حين لبس العباء، وترك الملاء (2) وشكاه أخوه الربيع بن زياد، إلى أمير المؤمنين عليه السلام، أنه قد غم أهله وأحزن ولده بذلك. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: علي بعاصم بن زياد. فجئ به، فلما رآه (عليه السلام) عبس في وجهه فقال له:


(1) قال السيد الرضي (ره): في المختار: (206) من خطب النهج: " ومن كلام له عليه السلام، بالبصرة، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي - وهو من أصحابه - يعوده، فلما رأى سعة داره قال (له): ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، ! وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا أنت (قد) بلغت بها الآخرة. قال ابن أبي الحديد في شرح الكلام: ج 11، ص 35: واعلم أن الذي رويته عن الشيوخ، ورأيته بخط عبد اله بن أحمد بن الخشاب، أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام، فأتاه علي عليه السلام عائدا فقال: كيف تجدك أبا عبد الرحمان ؟ قال أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي بذهاب بصري لتمنيت ذهابه.. (2) الملاء والملاة والملاءة - كغراب وقفلة وغرابة -: كل ثوب لين رقيق.

[342]

أما استحييت من أهلك ؟ أما رحمت ولدك ؟ أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها ؟ ! (3) أو ليس الله يقول: " والارض وضعها للانام فيها فاكهة والنخل ذات الاكمام (4) أو ليس الله يقول: " مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان - إلى قوله - يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " ؟ فبالله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال، وقد قال الله عزوجل: " وأما بنعمة ربك فحدث " [81 / الضحى: 93] فقال عاصم: يا أمير المؤمنين فعلى ما اقتصرت في مطعمك على الجشوبة ؟ (5) وفي ملبسك على الخشونة ؟ فقال (عليه السلام): ويحك إن الله عزوجل فرض على أئمة العدل أن يقدروا


(3) وما أحلى أن نذكر هنا ما رواه في الحديث: (1314) من ترجمته عليه السلام من تاريخ دمشق ونسبه إليه عليه السلام قال:: أجد الثياب إذا اكتسبت فإنها * زين الرجال بها تعز وتكرم ودع التواضع في الثياب تخوفا * فالله يعلم ما تجن وتكتم فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة * عند الاله وأنت عبد مجرم وبهاء ثوبك لا يضرك بعد أن * تخشى الاله وتتقي ما يحرم (4) الآية العاشرة - إلى الآية 23 - من سورة الرحمان. ثم إن كلمة: " إلى قوله " تحتمل أن تكون من كلام أمير المؤمنين عليه السلام وتحتمل أن تكون من كلام الراوي طوى ذكر الآيات المتوسطات للاختصار. (5) الجشوبة - بضم الجيم - الطعام الغليظ. وقيل: الطعام بلا أدم.

[343]

أنفسهم بضعفة الناس (5) كيلا يتبيغ [كيلا يبيغ " خ "] بالفقير فقره (6). فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء. الحديث الثالث من باب سيرة الامام في نفسه إذا ولي الامر - وهو الباب: (25) من كتاب الحجة - من أصول الكافي: ج 1 ص 401، ورواه أيضا الشيخ المفيد (ره) في كتاب الاختصاص ص 152، ط 2 عن كتاب ابن داب، كما رواه ابن عبد ربه تحت الرقم: (59) في عنوان: " باب الغلو في الدين " من كتاب الياقوتة في العلم والادب، من العقد الفريد: ج 1، ص 329 ط 2، ورواه باختصار عن الاحنف بن قيس في أوائل الباب الخامس من تذكرة الخواص، ص 118، ط النجف.


(5) وفي الحديث الاول من الباب (25) من كتاب الحجة من أصول الكافي: ج 1، ص 410 معنعنا عن حميد، وجابر العبدي قال: قال أمير لمؤمنين عليه السلام: " إن الله جعلني إماما لخلقه، ففرض علي التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس، كي يقتدي الفقير بفقري، ولا يطغى الغني غناه ". وقال في أواسط فصل " بيان الزهد، وصفة الزهد، من كتاب قوة القلوب: ج 1 ص 531: وقال علي كرم الله وجهه: إن الله تعالى أخذ على أئمة الهدى أن يكونوا في مثل أدنى أحوال الناس ليقتدى بهم الغني، ولا يزري بالفقير فقره. (6) يقال: " باغ به الدم - من باب باع - بيغا وتبيغ ": هاج. و " تبوغ به الدم تبوغا ": هاج. و " باغه من باب قال - بوغا ": غلبه.

[344]

- 115 - ومن كلام له عليه السلام كلم به الحسن البصري وأهل البصرة قال في الباب: (14) من تيسير المطالب - في ترتيب أمالي السيد أبي طالب ص 118 -: أخبرنا القاضي الامام أحمد ابن أبي الحسن الكني (1) قال: أخبرنا الشيخ الزاهد أبو الحسين زيد بن الحسن بن علي البيهقي بقراءتي عليه، قدم علينا الري، والشيخ مجد الدين عبد المجيد بن عبد الغفار ابن ابي سعيد [كذا] الاسترابادي الزيدي قال: أخبرنا السيد أبو الحسن علي بن محمد بن جعفر الحسني النقيب بأستراباذ، في شهر رجب سنة ثمان عشرة وخمس مأة، قال: أخبرنا والدي السيد أبو جعفر محمد بن جعفر بن علي، خليفة الحسني، والسيد علي ابن أبي طالب [بن] أحمد بن القاسم الحسني الآملي الملقب بالمستعين بالله، قالا: حدثنا السيد الامام أبو طالب يحي بن الحسين الحسني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني قال: حدثنا الحسن بن فرج بن زهير البغدادي قال: حدثنا أحمد بن محمد أبو بكر الرسغي (2) قال: حدثنا علي بن هاشم الرقي عن يحيى بن همام الحلواني: عن مبشر بن إسماعيل عن الحسن قال: كنت جالسا بالبصرة - وأنا حينئذ غلام - أتطهر للصلاة، إذا مر بي رجل راكب بغلة شهباء متلثم بعمامة سوادء فقال لي: يا حسن أحسن وضوءك يحسن الله إليك في الدنيا والآخرة، يا حسن أما عملت أن الصلاة مكيال وميزان ؟ قال: فرفعت رأسي فتأملت فإذا هو


(1) ومثله في أول الكتاب، ولكن في أول الباب الرابع منه: " أبي يحيى الكني ". (2) ويحتمل رسم الخط أن يقرء أيضا: " الرسفي " بالفاء.

[345]

علي بن أبي طالب عليه السلام فأسرعت في طهوري وجعلت أقفو أثره إذ حانت منه التفات (3) فقال لي: يا غلام ألك حاجة ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين تفيدني كلاما ينفعني الله به في الدنيا والآخرة. (ف) قال: يا غلام إنه من صدق الله نجا، ومن أشفق من ذنبه أمن [من] الردى، ومن زهد في هذه الدنيا قرت عيناه بما يرى من ثواب الله غدا. ثم قال: يا غلام ألا أزيدك ؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال: إن سرك أن تلقى الله وهو عنك راض فكن في هذه الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا، وعليك بالصدق في جميع أمورك تنجو مع الناجين غدا يا غلام إن تزرع هذا الكلام نصب عينك ينفعك الله به. [قال:] ثم أطلق عنان البغلة عن يده وفرص بطنها بعقبه (4) فجعلت اقفو أثره إذ دخل سوقا من أسواق البصرة، فسمعته عليه السلام يقول: يا أهل البصرة، يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة،


(3) أقفو: أنبع. وحانت: وقعت وتحققت. وفي الاصل: إذ كانت منه " وكتب فوق كلمة " كانت " لفظة " حانت ". وفي أمالي الشيخ المفيد (ره): " إذ حانت منه التفاتة ". (4) أي ضربه بعقبه.

[346]

يا أهل تدمر - أربعا (5) - إذا كنتم بالنهار الدنيا تخدمون (6) وبالليل على فراشكم تقلبون، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون، فمتى تز [و] دون الزاد، ومتى تفكرون في المعاد ؟ فقام إليه رجل من السوقة (7) فقال: يا أمير المؤمنين إنه [لا] بد من طلب المعاش. فقال [أمير المؤمنين عليه السلام] (8): أيها الرجل أن طلب المعاش لا يصدفك (9) عن طلب الآخرة، الا قلت: [لابد] من طلب الاحتكار فأعذرك إن كنت معذورا. فتولى الرجل وهو يبكي [قال الحسن] فسمعته عليه السلام يقول: أقبل علي يا ذا الرجل أزدك تبيانا [فأقبل الرجل فقال له،] إنه لابد لكل عامل من أن يوفي في القيامة أجر عمله، وعامل الدنيا أنما أجره النار. ثم خرج من السوق والناس في رنة من البكاء، إذ مر بواعظ يعظ الناس، فلما بصر بأمير المؤمنين عليه السلام سكت ولم يتكلم بشئ، فقال عليه السلام:


(5) أي قال هذا القول أربع مرات. (6) وفي أمالي الشيخ المفيد: " يا عبيد الدنيا وعمال أهلها إذا كنتم بالنهار تحلفون، وبالليل تنامون، وفي خلال ذلك عن الآخرة تغفلون، فمتى تحرزون الزاد، وتفكرون في المعاد، (7) أي من الرعية، وفي أمالي الشيخ المفيد: " من السوق ". (8) وفي أمالي الشيخ المفيد: " فقال رجل: يا أمير المؤمنين انه لابد لنا المعاش فكيف نصنع ؟ فقال أمير المؤمنين: إن طلب المعاش من حله لا يشغل عن الآخرة، فإن قلت: لابد لنا من الاحتكار لم تكن معذورا ".. (9) ويمكن أن يقرأ: " لا يصدفنك " ورسم الخط غير جلي.

[347]

فكم وإلى كم توعظون فلا تتعظون ؟ قد وعظكم وزجركم الزاجرون، وحذركم المحذرون، وبلغكم المبلغون، ودلت الرسل على سبيل النجاة، وقامت الحجة، وظهرت المحجة، وقرب الامر والامد، والجزا [ء] غدا (10) وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. أيها الناس إنه لم يكن لله تبارك وتعالى في أرضه حجة ولا حكمة أبلغ من كتابه، ولا مدح الله أحدا منكم إلا من اعتصم بحبله، وإنما هلك من هلك عنده من عصاه وخالفه واتبع هواه. واعلموا أن جهاد النفس (11) هو الجهاد الاكبر، والله ما هو شئ قلته من تلقاء نفسي ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد جاهد نفسه فردها عن معصية الله إلا باهى الله به كرام الملائكة، ومن [ظ] باهى الله به كرام الملائكة فلن تمسه النار.


(10) كلمة: " الجزاء " غير واضحة بحسب رسم الخط. (11) هذا هو الصواب الذي يدل عليه الذيل، وفي الاصل: " جهاد الناس ".

[348]

ثم قال [عليه السلام]: فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم. وقريبا منه رواه الشيخ المفيد (ره) في الحديث الثالث من الجزء (41) من أماليه ص 77.

[349]

- 116 - ومن خطبة له عليه السلام في التحذير عن الدنيا، والآغترار بها ثقة الاسلام الكليني رفع الله مقامه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان أبي جعفر الاحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام لما انقضت القصة فيما بينه وبين طلحة وعائشة بالبصرة، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسول الله عليه السلام ثم قال: يا أيها الناس إن الدنيا حلوه خضرة (1) تفتن الناس بالشهوات، وتزين لهم بعاجلها وأيم الله إنها لتغر من أملها، وتخلف من رجاها، وستورث أقواما الندامة والحسرة بإقبالهم عليها، وتنافسهم فيها وحسدهم وبغيهم على أهل الدين والفضل فيها ظلما وعدوانا وبغيا وأشرا


(1) اي ناعمة ذات نضارة جالبة لانظار الناس إليها كالاغصان الريانة من الاشجار. والجملتان التاليتان كالتفسير لها. يقال: " فتنه يفتنه - من باب ضرب - فتنا وفتونا - كفلسا وفلوسا - وفتنه وأفتنه ": أعجبه. استماله. ولهه. أوقعه في الفتنة. ويقال: " زان الشئ زينا - من باب باع - كزينه تزيينا وأزانه إزانة وأزينه إزيانا ": حسنه وزخرفه. (2) يقال: " غره يغره - من باب مد - غرا وغرورا وغرة - كثرا وشرورا وشدة ": خدعه وأطمعه في الباطل. ويقال: " غرر تغريرا وتغرة " بالشئ: عرضه للهلاك. ويقال: " أخلفه ": وجد موعده خلفا. و " أخلف وعده وبوعده ": لم يف بوعده ولم يتممه.

[350]

وبطرا (3) وبالله إنه ما عاش قوم قط في غضارة من كرامة نعم الله في معاش دنيا، ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه فإزال ذلك عنهم إلا من بعد تغيير من أنفسهم وتحويل عن طاعة الله والحادث من ذنوبهم وقلة محافظة وترك مراقبة الله عزوجل، وتهاون بشكر نعمة الله، لان الله عزوجل يقول في محكم كتابه: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال " [11 - الرعد: 13]. ولو أن أهل المعاصي وكسبة الذنوب إذا هم حذروا زوال نعم الله وحلول نقمته وتحويل عافيته أيقنوا أن ذلك من الله جل ذكره بما كسبت أيديهم فأقلعوا وتابوا وفزعوا إلى الله بصدق من نياتهم وإقرار منهم بذنوبهم وإساءتهم، لصفح لهم عن كل ذنب، وإذا لاقالهم كل عثرة، ولرد عليهم كل كرامة نعمة، ثم أعاد لهم * (هامس) * (3) التنافس: شدة الرغبة في الشئ والمبالغة فيه.

[351]

من صلاح أمرهم - ومما كان أنعم به عليهم - كل ما زال عنهم وأفسد عليهم. فاتقوا الله أيها الناس حق تقاته، واستشعروا خوف الله جل ذكره وأخلصوا اليقين [النفس " خ "] وتوبوا إليه من قبيح ما استفزكم الشيطان (5) - من قتال ولي الامر وأهل العلم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله - وما تعاونتم عليه من تفريق الجماعة وتشتت الامر وفساد صلاح ذات البين، إن الله عزوجل يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. الحديث (368) من روضة الكافي ص 256 ط طهران ورواه عنه المجلسي الوجيه (ره) في البحار: ج 8 ص 443 س 2 ط الكمباني.


(5) يقال: " استفزه الخوف ": استخفه واستدعاه. و " فزه - من باب مد - وأفزه - واستفزه ": أفزعه وأزعجه عن مكانه.

[352]

- 117 - ومن كلام له عليه السلام في نعت الدنيا ومدحها قال جابر بن عبد الله الانصاري (ره): كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة، فلما فرغ من قتال من قاتله أشرف علينا من آخر الليل، فقال: ما أنتم فيه ؟ (1) فقلنا: في ذم الدنيا ! فقال: على م تذم الدنيا يا جابر ؟ (2) ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا [وقد] انتحلوا الزهد فيها ؟ ! (3) االدنيا منزل صدق لمن صدقها، ومسكن عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته ومسكن أحبائه ومتجر أوليائه، إكتسبوا فيها الرحمة وربحوا منها الجنة. فمن ذا يذم الدنيا - يا جابر - وقد آذنت ببينها ؟ !


(1) أشرف على الشئ: أطلع عليه من فوق، كمن ينظر من سطح جبل أو جدار إلى من تحته، وقد يطلق على الدنو بالشئ. وقوله عليه السلام: " ما أنتم فيه " أي ما الذي أنتم فيه، وأي شئ ما تتكلمون فيه. (2) " على م " أصله: على ما، فحذف الالف تخفيفا. (3) يقال: " تنحله وانتحل الشئ ": إدعاه لنفسه وليس له. وجملة: " أنتحلوا " صفة لقوله: " أقوام " ويجوز كونها حالا عنه، وبين المعقوفين زيادة منا.

[353]

ونادت بانقطاعها، ونعت (4) نفسها بالزوال، ومثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، وراحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية ترهيبا وترغيبا (5) فذمها قوم غداة الندامة (6) [وحمدها آخرون] خدمتهم جميعا فصدقتهم (7) وذكرتهم فأذكروا [ظ] ووعظتهم فاتعظوا (8) وخوفتهم فخافوا وشوقتهم فاشتاقوا.


(4) آذنت: أعمللت وأخبرت، كما في قوله تعالى - في الآية الثانية من سورة البراءة -: " وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الاكبر أن الله برئ من المشركين " الخ. والبين: والفراق وقطع الوصل. و " نعت ": أخبرت نفسها بالزوال والفقد والعدم (5) وفي نهج البلاغة: " راحت بعافية وابتكرت بفجيعة " الخ. وفي تاريخ اليعقوبي: " راحت بفجيعة، وأبكرت بعافية ترغيبا وترهيبا وتحذيرا وتخويفا ". وفي مروج الذهب: " وراحت بفجيعة، وابتكرت بعافية تحذيرا وترغيبا وتخويفا، فذمها رجال غب [غداة " خ "] الندامة، وحمدها آخرون غب المكافات، ذكرتهم فذكروا تصاريفها، وصدقتهم فصدقوا حديثها ". وراحت بفجيعة: ذهبت في الرواح والعشي بفجيعتها. ويقال: " بكر بكورا - من باب نصر - وأبكر وبكر وتبكر وابتكر " الشئ: أتاه بكرة اي صباحا. أي إنها تمسي وتصبح بحالات مختلفة ترهيبا وترغيبا. (6) هذا هو الظاهر الموافق لما رواه الحسين بن سعيد الاهوازي واليعقوبي، والسيد الرضي، وابن العساكر، وغيرهم، وفي نسختي من تحف العقول: " يذمها قوم عند الندامة " وسقط أيضا من النسخة ما جعلناه بين المعقوفين، وهو لابد منه، بقرينة قوله: " وذكرتهم فاذكروا " الخ. (7) أي خدمت الدنيا جميع ذاميها ومادحيها بالصدق وبما هي عليها، إلا انه لم يصدقها ولم يعتبر بها إلا المادحون، وأما الذامون فكذبوها. وهاتان الجملتان لم أجدها في غير تحف العقول. (8) وفي القسم الثالث من المجلد الخامس عشر من البحار، ص 98 نقلا عن كتاب حسين بن سعيد: " ذكرتهم فتذكروا، وحدثتهم فصدقوا "...

[354]

فأيها الذام للدنيا المغتر بغرورها متى استذمت إليك (9) بل متى غرتك بنفسها، (أ) بمصارع آبائك من البلى ؟ ! أم بمضاجع أمهاتك من الثرى ؟ (10)، كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك ؟ (11) تستوصف لهم الدواء، وتطلب لهم الاطباء، لم تدرك فيه طلبتك، ولم تسعف فيه بحاجتك (12) بل مثلت الدنيا به نفسك وبحاله حالك (13) غداة لا ينفعك أحباؤك، ولا يغني عنك نداؤك يشتد من الموت أعالين المرضى، وأليم لوعات المضض،


(9) أي متى صنعت وعملت بك ما تستحق عليه الذم. (10) المصارع جمع المصرع، وهو مكان الطرح والسقوط. و " البلى " بكسر الباء مقصورا: الخلق الرث البالي. وقيل: هو الفناء بالتحليل. والمضاجع جمع المضجع وهو موضع الاضطجاع أي وضع الجنب على الارض. و " الثرى ": الندى أي البلل والرطوبة. والتراب الندي. وكأن الكلام على القلب، أي أغرتك الدنيا بالبالي والخلق من مصارع آبائك ومحل سقوطهم - وهو جنبهم - أم غرتك بالتراب الندي والعظام البالية من ضلوع أمهاتك وجنوبهن. (11) مرض الريض: خدمه في مرضه. وعلله: خدمه في علته. و " تستوصف لهم الدواء " أي تطلب وصف دوائهم وما به عود صحتهم. (12) الطلبة - على زنة الكلمة -: ما يطلب. ويقال: سعفه بحاجته وأسعفه بها - من باب ضرب وأفعل -: قضاها له. والضمير في قوله: " فيه " في الموضعين راجع إلى المصدر المدلول عليه بالافعال المتقدمة. (13) الضمير في " به " و " بحاله " راجع إلى ما تضمنه الكلام أي إن الدنيا جعلت الهلاك قبلك - أو الجنوب البالية من آبائك والظلوع الرميمة من أمهاتك - مثالا لنفسك تقيسها عليه، وصورت لك حالك بما رأيت مما جرى عليهم من صور أحوالهم.

[355]

حين لا ينفع الاليل ولا يدفع العويل (14) [حين] يحفز بها الحيزوم، ويغص بها الحلقوم [حين] لا يسمعه النداء ولا يروعه الدعاء (15) فيا طول الحزن عند انقطاع الاجل، ثم يراح به على شرجع تقله أكف أربع (16) فيضجع في قبره في لبث وضيق جدث (17) فذهبت الجدة،


(14) في جميع النسخ المحكية عنها والحاكية ضبطت " أعالين المرضى " كما في المتن، ولعله جمع إعلان أي المعلن والبارز من المرضى. و " لوعات " جمع لوعة وهي الحرقة من هم أو شوق و " المضض ": الالم والوجع.، " الاليل " كالانين لفظا ومعنى يقال: " أل - المريض - من باب فر - أللا وألا وأليلا ": أن. والمصدر على زنة عددا وعدا وعديدا. و " العويل ": رفع الصوت بالبكاء والصياح. ومفعول " ينفع " و " يدفع " محذوف. (15) كذا في نسخة من تحف العقول والبحار، عدا ما وضعناه بين المعقفتين، وفي مستدرك البحار: ج 17 ص 306 نقلا عن تحف العقول: " ولا يروحه الدعاء ". و " يحفز " أي يقلق ضجرا بها، أو تتضايق وتتضام وتجتمع بسبب الدنيا حيزومه، والحيزوم: الصدر أو وسطه. (16) يراح به أي يذهب به في العشي أو مطلقا، وهو المراد هنا. والشرجع - كضفدع وجعفر -: التابوت أي السرير الذي يحمل عليه الميت. والجنازة، والمراد هنا الاول، قال عبدة بن الطيب: ولقد علمت بأن قصرى حفرة * غبراء يحملني إليها شرجع وتقله لا ترفعه وتحمله، كما في قوله تعالى في الآية (57) من سورة الاعراف: " وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته حتى إذ أقلت سحابا ثقالا "... (17) واللبث - كفلس وفرس -: الاقامة والمكث الطويل، وهو مصدر، وفعله من باب علم. والجدث - محركا -: االقبر.

[356]

وانقطعت المدة ورفظته العطفة، وقطعته اللطفة (18) لا تقاربه الاخلاء، ولا تلم به الزوار، ولا اتسقت به الدار، إنقطع دونه الاثر، واستعجم دونه الخبر (19) وبكرت ورثته فأقسمت تركته ولحقه الحوب وأحاطت به الذنوب، فإن يكن قدم خيرا طاب مكسبه، وإن يكن قدم شرا تب منقلبه - وكيف ينفع نفسا قرارها والموت قصارها (20) والقبر مزارها فكفى بهذا واعظا كفى (21). [ثم قال عليه السلام:] يا جابر امض معي. [قال جابر:] فمضيت معه حتى أتينا القبور فقال:


(18) يقال: " جدة " جد - الثوب: صار جديدا وذو طراوة ونضارة. والفعل من باب " فر " والمصدر كالعدة. والعطفة - محركا - جمع العاطف وهو الرحيم وذو الشفقة. ومثله اللطفة نمعنى ذوي اللطف والاحسان. (19) يقال: " لما " - من باب مد - لم زيد بفلان: أتاه فنزل به. واتسق الامر: انتظم واستوى. اجتمع. واستعجم عليه الكلام: صعب واستبهم. واستعجم القراءة: لم يقدر عليها. (20) بكرت ورثته: أسرعت وأقدمت في أول الصباح. ويقال: أقسم التركة وقسمها: جزأها وأخذ كل منهم قسما وجزء منها. والحوب - على زنة القفل والفلس -: الاثم. وتب منقلبه - من باب مد -: هلك وخسر مرجعه ومآله. وقصارها. أي غايتها ومنتهاها. (21) كذا في تحف العقول والبحار، وفي مستدرك البحار ج 17 ص 306: " فكفى بهذا واعاظا ".

[357]

يا أهل التربة، ويا أهل الغربة أما المنازل فقد سكنت، وأما المواريث فقد قسمت، وأما الازواج فقد نكحت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ! ! ! (قال جابر:) ثم أمسك عني مليا (22) ثم رفع رأسه فقال: والذي أقل السماء فعلت، وسطح الارض فدحت (33) لو أذن للقوم في الكلام لقالوا إنا وجدنا خير الزاد التقوى. ثم قال (عليه السلام): يا جابر إذا شئت فارجع. المختار (19) من كلمه عليه السلام في تحف العقول ص 186، ط طهران، وفي ط ص 127، وقريب منه جدا في الحديث الخامس من المجلس (25) من أمالي ابن الشيخ ص 26. والكلام مما صدر عنه عليه السلام في أزمنة وأمكنة عديدة، وله مصادر كثيرة وثيقة، وصور مختلفة أحسنها ما ذكرناه، وستطلع على بعضها فيما يأتي.


(22) أي إمساكا طويلا، يقال: " انتظرته مليا " أي زمنا طويلا. (23) أي رفع السماء فرفعت أي قبلت الرفع، وبسط الارض فبسطت أي قبلت البسط، يقال: أقل الشئ واستقله: رفعه وحمله. وقل الشئ: علا. وسطح لارض: دحاها، أي بسطها. وكلاهما من باب منع والمصدر كالمنع.

[358]

- 118 - ومن خطبة له عليه السلام خطبها بالبصرة بعد افتتحاحها بأيام (1) عن يحي بن عبد الله بن الحسن عن أبيه رضوان الله عليهما، قال: كان [أمير المؤمنين] علي [عليه السلام] يخطب، فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ؟ ومن أهل الفرقة ؟، ومن أهل السنة ؟ ومن أهل البدعة ؟ فقال [عليه السلام]: ويحك أما إذ سألتني فافهم عني، ولا عليك أن لا تسأل عنها أحدا بعدي (2).


(1) قال في الاحتجاج: روى يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه عبد الله بن الحسن، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام، يخطب بالبصرة بعد دخوله [إياها] بأيام، فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين الخ. وهذا الصدر - إلى قوله: عن جدد الارض، - رواه المحقق البحراني في ذيلي خطبة طويلة ذكرها في شرح المختار (199) من النهج: ج 3 ص 16، ورواها عنه في البحار: ج 8 ص 448 ص الكمباني. (2) وفي الاحتجاج: " ولا عليك أن تسأل [كذا] عنها أحدا بعدي أما الجماعة " الخ. وفي ترجمة عمرو بن ميمون الاودي من تاريخ دمشق: ج 34 ص 798 قال ابن مسعود: الجماعة ما وافق الحق، إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، إن الجماعة ما وافق طاعة الله. وروى العسكري عن سليم بن قيس العامري قال: سأل ابن الكواء عليا عن السنة والبدعة وعن الجماعة والفرقة، فقال: يا ابن الكواء حفظت المسألة فافهم الجواب، السنة والله سنة محمد صلى الله عليه وسلم، والبدعة ما فارقها، والجماعة مجامعة أهل الحق وإن قلوا، والفرقة مجامعة أهل الباطل وإن كثروا. كذا في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 1 ص 109.

[359]

فأما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا، وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله ! ! ! فأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا. وأما أهل البدعة فالمخالفون لامر الله ولكتابه ورسوله، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا، وقد مضى منهم الفوج الاول ! ! ! وبقيت أفواج وعلى الله قصمها واستيصالها عن جدبة الارض (3). فقام إليه عمار، فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يذكرون الفئ، ويزعمون أن من قاتلنا (4) فهو وماله وأهله وولده [ظ] فئ لنا.


(3) إلى هنا رواه في البحار عن شرح البحراني وفيه: " قصمها " و " جدد الارض " وفي الاحتجاج: " وعلى الله قبضها واستئصالها عن جدد الارض " الخ. أقول: القصم - كفلس -: الكسر. الاهلاك. و " جدبة " مؤنث الجدب - كفلس -: القفر والثياب. والمحل، والجمع: جدود كفلوس. و " الجدد " كفرس: الارض الغليظة المستوية: والظاهر ان المراد من " جدية " الارض أو جددها " هو مطلق وجه الارض. (4) هذا هو الموافق لما في الاحتجاج: " ويزعمون أن من قاتلنا فهو وماله وولده فئ لنا " الخ. وهو الظاهر، وفي النسخة: " ويزعمون أن من قاتلا "... ثم ليعلم أن هذه القطعة - إلى قولهم: " أصاب الله بك الرشاد " - الآتي بعد ورق - رواها الشيخ (ره) حرفيا في تلخيص الشافي: ج 1 ص 275، ط النجف، وأشار إلى بقية الخطبة، وقال: " وتظاهرت به الرواية، ونقله أهل السير من طرق مختلفة "...

[360]

فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عباد بن قيس (5) - وكان ذا عارضة ولسان شديد - فقال:: يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية، ولا عدلت في الرعية. فقال علي [أمير المؤمنين عليه السلام]: ولم ويحك ؟ قال: لانك قسمت ما في العسكر، وتركت الاوال والنساء والذرية. فقال علي [عليه السلام]: يا أيها الناس من كان به جراحة فليداوها بالسمن. فقال عباد: جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات ! ! ! فقال له علي [أمير المؤمنين عليه السلام]: إن كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف ! ! فقال رجل من القوم: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين ؟ فقال [عليه السلام]: رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها (6).


(5) ومثله في الاحتجاج، وهذه القطعة رواها أيضا في الروض النضير: ج 4 ص 464. وفي النسخة المطبوعة من تلخيص الشافي: " عباد بن بشير ". والظاهر انه من خطاء النساخ، أو من سهو الرواة. ثم إن عباد بن قيس ذكره الشيخ فئ أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام تحت الرقم (78) من باب العين من رجاله ص 51، وقال: " عباد بن قيس صاحب الترهات ". وبما أن الشيخ (ره) كان متضلعا في علم الاخبار والتاريخ وأراد أن يعرف الرجل، أشار إلى هذه القصة بقوله: " صاحب الترهات " أي المعترض على أمير المؤمنين عليه السلام والقائل له: " جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات " ولاجل أن المتأخرين من أرباب علم الرجال لم يكونوا بمثل الشيخ متضلعين في علم الحديث والتاريخ خفي عليهم مراد الشيخ فوقعوا في حيص وبيص فتذكر واغتنم. (6) قال في أواخر الباب الاخير من المسترشد، ص 162: ومن عجائبه عليه السلام قوله

[361]

قال: فيموت أو يقتل ؟ [عليه السلام]: بل يقصمه قاصم الجبارين، قتله بموت فاحش (7) يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه، يا أخا بكر أنت امرؤ ضعيف الرأي، أو ما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير، وأن الاموال كانت لهم قبل الفرقة،


لرجل حين دعا عليه: " إن كنت كاذبا فسلط الله عليك غلام ثقيف " قالوا: يا أمير المؤمنين: ومن غلام ثقيف ؟ قال: " غلام لا يدع لله حرمة إلا انتهكها، ولا عظيمة إلا ارتكبها ". فأخذ في وصف الحجاج بن يوسف الثقفي فأدرك الرجل الحجاج فقتله. أقول: ونظير القصة المذكورة ههنا في المتن، قد جرى بينه عليه السلام وبين عامر بن الحارث: أعشى باهلة، قال ابن أبي الحديد، في شرح المختار (37) من خطب نهج البلاغة: ج 2 ص 289: وروى عثمان بن سعيد، عن يحي التيمي، عن الاعمش، عن إسماعيل بن رجاء، قال: قام أعشى باهلة - وهو غلام يومئذ حدث - إلى علي عليه السلام، وهو يخطب ويذكر الملاحم، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة ! فقال علي عليه السلام: إن كنت آثما فيما قلت يا غلام، فرماك الله بغلام ثقيف. ثم سكت، فقام رجال فقالوا: ومن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين ؟ قال: غلام يملك بلدتكم هذه لا يترك لله حرمة الا انتهكها، يضرب عنق هذا الغلام بسيفه ! ! ! فقالوا: كما يملك يا أمير المؤمنين ؟ قال: عشرين إن بلغها. قالوا: فيقتل قتلا أم يموت موتا ؟ قال: بل يموت حتف أنفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه. قال إسماعيل بن رجاء: فوالله لقد رأيت بعيني أعشى باهلة وقد أحضر - في جملة الاسرى الذين أسروا من جيش عبد الرحمان بن محمد بن الاشعث - بين يدي الحجاج، فقرعه ووبخه، واستنشده شعره الذي يحرض فيه عبد الرحمان على الحرب، ثم ضرب عنقه في ذلك المجلس. (7) كذا في نسخة كنز العمال، وفي الاحتجاج: " يقصمه قاصم الجبارين بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه " الخ. وفي تلخيص الشافي: " يقصمه قاصم الجبارين، يخترق (كذا) سريره لكثرة ما يحدث من بطنه " الخ. أقول: يقصمه: يهلكه. يكسره. ينزل به البلية. يذهبه. والفعل من باب ضرب، ومصدره كمصدره.

[362]

وتزوجوا على رشدة، وولدوا على فطرة (8) وإنما لكم ما حوى عسكرهم، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم فإن عدا علينا أحد منهم أخذناه بذنبه، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره، يا أخا بكر لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أهل مكة، قسم ما حوى العسكر، ولم يتعرض لما سوى ذلك (9) وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل، يا أخا بكر أما علمت أن دار الحرب يحل ما فيها، وأن دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق، فمهلا مهلا رحمكم الله (10) فإن أنتم لم تصدقوني وأكثرتم علي - وذلك إنه تكلم في هذا غير واحد - فأيكم يأخذ أمه عائشة بسهمه.


(8) كذا في الاحتجاج، وهو الظاهر، دون ما في نسخة كنز العمال: " تزوجوا على شدة، وولدوا على الفطرة " الخ. والاظهر أن يكون الكلام هكذا: تزوجوا على الرشدة، وولدوا على الفطرة. و " الرشدة " بفتح الراء - كالقطرة - وبكسرها - كالفطرة -: المولود عن نكاح، ضد الزنية: المولود عن السفاح. والمراد من " الفطرة " هنا: الدين والشريعة. وهذه القطعة رواها مسندة بمغايرة قليلة، في الباب الثالث من تيسير المطالب - ص 38 - في ترتيب امالي السيد أبي طالب. (9) هذا هو الظاهر الموافق لنسخة الاحتجاج، وفي كنز العمال: " ولم يعرض لما سوى ذلك " الخ. وقوله عليه السلام: " فإن عدا علينا أحد " من باب دعا يدعو، أي إن وثب علينا أحد منهم وظلمنا أخذناه بذنبه ونجازيه بعمله دون غيره. (10) أي ارفقوا رفقا ولا تستعجلوا بإعمال ما يخطر ببالكم في بادي الرأي.

[363]

قالوا: لاأينا يا أمير المؤمنين، بل أصبت واخطأنا، وعلمت وجهلنا، ونحن نستغفر الله ! ! وتنادى الناس من كل جانب: أصبت يا أمير المؤمنين أصاب الله بك الرشاد والسداد. فقام عمار (11) فقال: يا أيها الناس إنكم إن اتبعتموه وأطعتموه لم يضل بكم عن منهاج نبيكم قيس شعرة، وكيف لا يكون ذلك، وقد استودعه رسول الله صلى الله عليه وآله [علم] المنايا والوصايا، وفصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران (12) إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي " فضلا خصه الله به إكراما منه لنبيه صلى الله عليه وآله حيث أعطاه ما لم يعطه أحدا من خلقه. ثم قال علي [أمير المؤمنين عليه السلام]: أنظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له، فإن العالم أعلم بما يأتي من الجاهل الخسيس الاخس (13) فإني


(11) كذا في كنز العمال، ويدل عليه ما ينقله عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي الاحتجاج: " فقام عباد " الخ والظاهر انه من خطأ النساخ. (12) وفي الاحتجاج: " أيها الناس إنكم والله لو اتبعتموه وأطعتموه لم يضل بكم عن منهل نبيكم حتى قيس شعرة، وكيف لا يكون ذلك وقد استودعه رسول الله صلى الله عليه وآله علم علم المنايا والقضايا وفصل الخطاب، على منهاج هارون، وقال له: أنت مني بمنزلة الخ. وهذا الحديث - أعني حديث المنزلة - رويناه عن ابن عساكر بأسانيده عنه صلى الله عليه وآله وسلم عن (119) طريقا، وفقنا الله تعالى لنشره وجعله في متناول العموم. ورواه الحافظ أبو حازم العبدوي بخمسة آلاف اسناد، كما في الحديث: (205) من كتاب شواهد التنزيل، الورق 277 أو 36 ب، وفي ط 1: ج 1، ص 152. (13) يحتمل أن يكون مراده عليه السلام من " العالم " شخصه الكريم وذاته الشريف، ويحتمل إرادة الجنس، ومثله في قوله: " الجاهل " فإنه يحتمل إرادة عباد منه بخصوصه، ويحتمل إرادة العموم ومطلق الجهال.

[364]

حاملكم إن شاء الله تعالى - إن أطعتموني - على سبيل الجنة وإن كان ذا مشقة شديدة، ومرارة عتيدة (14) وإن الدنيا حلوة الحلاوة لمن اغتر بها [بين] الشقوة والندامة عما قليل (15). ثم إني مخبركم أن خيلا من بني إسرائيل (16) أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر، فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلا قليلا منهم (17) فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيهم ولم يعصوا ربهم.


(14) وفي النهج: " وإن كان ذا مشقة شديدة، ومذاقة مريرة ". وفي الاحتجاج: " فاني حاملكم إن شاء لله إن أطعتموني على سبيل النجاة، وإن كان فيه مشقة شديدة، ومرارة عديدة الخ. ومن قوله عليه السلام: " فان أطعتموني - إلى قوله صلى الله عليه وآله: " بمنزلة فتنة ". رواه في المختار (154) من خطب النهج بمغايرة طفيفة في بعض الالفاظ، وإسقاط بعض الفقرات. (15) كذا في كنز العمال، وفي الاحتجاج: " والدنيا حلوة الحلاوة، لمن اغتر بها من الشقاوة والندامة عما قليل ". وهذا أيضا فيه السقط، وما زدنا في المتن ووضعناه بين المعقوفين مظنون وليس بمقطوع، ولعلك تظفر بمصدر آخر أو نسخة أخرى فتصححه على القطع. (16) وفي الاحتجاج: " ثم إني أخبركم أن جيلا من بني إسرائيل " الخ ولعله أظهر. و " الخيل ": جماعة الافراس، وتستعمل كثيرا على المجاز لركاب الخيل والفرسان. و " الجيل ": الصنف من الناس وطائفة منهم. (17) إشارة منه عليه السلام إلى قصة طالوت المذكورة في الآية: (250) من سورة البقرة وهي: " فلما فصل طالوت بالجنود، قال: إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليلا " الخ. ثم إن قوله عليه السلام في الموضعين هنا: " نبيهم " له ظهور جلي في نبوة طالوت، وعلى

[365]

وأما عائشة فأدركها رأي النساء وشئ كان في نفسها علي يغلي في جوفها كالمرجل ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إلي لم تفعل، ولها بعد ذلك حرمتها الاولى، والحساب على الله، يعفوا عمن يشاء ويعذب من يشاء (18). فرضي بذلك أصحابه وسلموا لامره بعد اختلاط شديد، فقالوا: يا أمير المؤمنين حكمت والله فينا بحكم الله، غير أنا جهلنا، ومع جهلنا لم نأت ما يكره أمير المؤمنين. وقال ابن يساف الانصاري (19): إن رأيا رأيتموه سفاها * لخطا الايراد والاصدار ليس زوج النبي تقسم فينا * ذاك زيغ القلوب والابصار فاقبلوا اليوم ما يقول علي * لا تناجوا بالاثم في الاسرار


هذا فما ينسب إليه من منافيات النبوة مطروح أو مأول، إلا أن يقال: إن إمارة طالوت لما كان بأمر نبي بني اسرائيل فيصح أن يقال: " أمرهم نبيهم، أو عصوا نبيهم " لان أمره أمره. أقول: هذا الوجه مع قيام دليل على خلاف هذا الظاهر سديد، وإلا فلا. (18) إلى هنا رواه في الاحتجاج. وفي نهج البلاغة: " وأما فلانة فأدركها رأي وضغن غلا في صدرها كمرجل القين " الخ وهو أظهر في إفادة ما كان ضمير أم المؤمنين حاويا عليه. والمرجل: القدر. والقين - بالفتح -: الحداد. ثم إن للكلام ظهور جلي في أنهم سألوه عن أمر عائشة معه، والظاهر ان عدم ذكره للتحفظ على كرامة أم المؤمنين. (19) لم أطلع على ترجمته عدا ما ذكره في شرح مادة: " يسف " آخر باب الفاء من تاج العروس: الجزء (6) ص 277، حيث قال: " وقال الفراء في كتابه البهي: تقول: " هلال بن يساف بالكسر ". قال غيره: " وقد يفتح تابعي كوفي، مولى أشجع، أدرك عليا رضي الله عنه، قال شيخنا: وصرح الامام النووي بأن الاشهر عند أهل اللغة اساف بالهمزة قلت: وذكره ابن حبان في الثقاة، وقال: كنيته أبو الحسن، وروى عن أبي مسعود الانصاري ووابصة بن معبد. وروى عنه منصور بن المعتمر، وحصين. ومما يستدرك عليه: يساف بن عتبة بن عمرو الخزرجي والد حبيب الصحابي ".

[366]

ليس ما ضمت البيوت بفئ * إنما الفئ ما تضم الاوار (20) من كراع في عسكر وسلاح * ومتاع يبيع أيدي التجار ليس في الحق قسم ذات نطاق * لا ولا أخذكم لذات خمار ذاك هو فيئكم خذوه وقولوا * قد رضينا لا خير في الاكثار إنها أمكم وإن عظم الخطب * وجاءت بزلة وعثار فلها حرمة النبي وحقاق * علينا من سترها ووقار فقام عباد بن قيس، وقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الايمان. فقال (عليه السلام): نعم. إن الله ابتدأ الامور فاصطفى لنفسه منها ما شاء (21) واستخلص ما أحب، فكان مما أحب أنه ارتضى الاسلام واشتقه من اسمه فنحله من أحب من خلقه (22) ثم شقه فسهل شرائعه لمن ورده، وعزز أركانه على من حاربه، هيهات من أن يصطلمه مصطلم (23) جعله سلما لم دخله، ونورا لمن استضاء به، وبرهانا لمن تمسك


(20) الاوار - كغراب -: اسم موضع، والظاهر انه أراد به هنا العسكر أي ما حواه معسكر الناكثين. (21) وقريب منه جدا في المختار (11) مما اختار من كلمه عليه السلام في تحف العقول. والمختار (104) من خطب نهج البلاغة، ومن قوله: " فقام عباد بن قيس " إلى آخر الخطبة ذكره أيضا في آخر الباب الخامس من دستور معالم الحكم ص 114، ط مصر. (22) يقال: " نحل - من باب منع - نحلا " الرجل: أعطاه. (23) يقال: " صلم - من باب نصر وضرب - صلما " وصلم الشئ: قطعه من أصله. و " صلمه وصلمه ": قطع أنفه وأذنه من أصله. " اصطلمه ": استأصله.

[367]

به، ودينا لمن انتحله (24) وشرفا لمن عرفه، وحجة لمن خاصم به، وعلما لمن رواه، وحكمة لمن نطق به، وحبلا وثيقا لمن تعلق به، ونجاة لمن آمن به. فالايمان أصل الحق، والحق سبيل الهدى وسيفه، جامع الحلبة (25) قديم العدة، الدنيا مضماره، والغنيمة، حلبته، فهو أبلج منهاج (26) وأنور سراج، وأرفع غاية، وأفضل داعية، بشير لمن سلك قصد السالكين (27) و [هو] واضح البيان، عظيم الشان، الامن منهاجه، والصالحات منازه، والفقه مصابيحه، والمحسنون فرسانه، فعصم السعداء بالايمان، وخذل الاشقياء بالعصيان من بعد اتجاه الحجة عليهم بالبيان (28) إذ وضح لهم


(24) انتحل وتنحل مذهب كذا: انتسب إليه واعتنقه. (25) الحلبه - كضربة وحربة -: خيل تتجمع من كل ناحية للتناصر، والاسلام جامع لكرائم الخيل وعتاقها لنصر الحق ومحق الباطل. (26) يقال: أبلج الصبح: أضاء وأشرق، فهو أي الاسلام أوضح منهاج وأبين طريق لسالكي سبل الهداية، وطالبي طرق السعادة والكرامة. (27) أي الاسلام يبشر من يقصد قصد السالكين، وينحو نحوهم ويسلك مسلكهم بالنجاح والسعادة الابدية، والمراد من السالكين - هنا -: من كان سيره مقصورا على طريق الحق غير متخلف عنه، ولا مبدلا إياه بغيره. (28) يقال: " - من باب ضرب - عصما " عصم الشئ: منعه. وعصم الله فلانا من

[368]

منار الحق، وسبيل الهدى، فتارك الحق مشوه يوم التغابن، داحضة حجته عند فوز السعداء بالجنة (29) فالايمان يستدل به على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه، وبالفقه يرهب الموت، وبالموت يختم الدنيا، وبالدنيا، تحرز الاخرة (30) وفي القيامة حسرة أهل النار، وفي


المكروه: حفظه ووقاه. وعصم إلى فلان: اعتصم به والتجأ إليه. و " خذل - من باب نصر - خذلا وخذلانا وخذلانا " فلانا وعنه: ترك نصرته وإعانته. و " اتجاه الحجة ": إقبالها وتوجهها، وأي إن حفظ السعداء عن الهلكات بالايمان بالله وما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وإن خذلان الاشقياء ومنع اللطف الخاص عنهم بعد إتمام الحجة عليهم بالبيان المحكم والدليل الواضح المبرم. (29) أي من ترك الحق يشوه وجهه ويعلوه السواد وصفرة اليأس يوم يغبن بعض الناس بعضهم، فيقبح وجهه، وتكون حجته داحضة باطلة غير مقبولة منه، عند فوز السعداء ودخولهم الجنة. والمراد من يوم التغابن: القيامة. (30) هذا هو الصوب الموافق لما في نهج البلاغة، أي إذا رهب الموت وهو ختام الدنيا كانت الرهبة سببا لاحراز الآخرة بالدنيا بالعمل الصالح فيها، وفي نسخة كنز العمال: " وبالدنيا تخرج الآخرة " الخ وكأنه من سهو الرواة أو من الاخطاء المطبعية، ثم إن كلامه عليه السلام المنقول في نهج البلاغة هكذا: " سبيل أبلج المنهاج، أنور السراج، فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الايمان، وبالايمان، يعمر العلم، وبالعلم يرهب الموت، وبالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحرز الاخرة، وإن الخلق لا مقصر لهم عن القيامة، مرقلين في مضمارها إلى الغاية القصوى ". و " المقصر " كمقعد ومجلس لفظا ومعنى أي لا مستقر للخلق في القيامة دون الوقوف بين يدي الله فهم ذاهبون إليه مرقلين أي مسرعين في مضمارها أي في ميدان القيامة. و " القصوى ": الغاية البعيدة. وقوله: " مرقلين " في مضمارها نحو القصبة العليا إلى الغاية القصوى " كأنه مبني على التشبيه أي تشبيه مسارعة الناس في القيامة للوقوف بين يدي الله وإلى الغاية القصوى، بالمتراهنين في دار الدنيا وتسابقهما إلى ما تراهنا عليه.

[369]

ذكر أهل النار موعظة أهل التقوى، والتقوى غاية لا يهلك من اتبعها، ولا يندم من عمل بها، لان بالتقوى فاز الفائزون، وبالمعصية خسر الخاسرون، فليزدجر أهل النهى، وليتذكر أهل التقوى، فإن الخلق لا مقصر لهم في القيامة دون الوقوف بين يدي الله، مرقلين في مضمارها نحو القصبة العليا إلى الغاية القصوى مهطعين بأعناقهم نحو داعيها، قد شخصوا من مستقر الاجداث والمقابر إلى الضرورة أبدا "، (31) لكل دار أهلها [لا يستبدلون بها، ولا ينقلون عنها] (32) قد انقطعت بالاشقياء الاسباب، وأفضوا إلى عدل الجبار - فلا كرة لهم إلى دار الدنيا، فتبرؤا من الذين آثروا طاعتهم على طاعة الله (33) - وفاز السعداء بولاية الايمان.


(31) كذا في النسخة، وفي النهج: " قد شخصوا من مستقر الاجداث، وصاروا إلى مصائر الغايات، لكل دار أهلها، لا يستبدلون بها ولا ينقلون عنها، وإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله ".. و " مهطعين " أي ما دين أعناقهم إلى داعي القيامة رافعين رؤسهم إليه غير مقلعين عنه كالواله المدهوش ". و " شخصوا ": ذهبوا. و " الاجداث ": جمع الجدث - كفرس -: القبر. (32) بين المعقوفين مأخوذ من المختار: (154) من نهج البلاغة والسياق أيضا يستدعيه. (33) اشارة إلى قوله تعالى - في الآية (66 و 67) من سروة البقرة -: " إذ تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب، وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرء منهم كما تبرؤا منا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم ".

[370]

فالايمان - يا ابن قيس - على أربع دعائم: [على] الصبر واليقين والعدل والجهاد. فالصبر [كذا] من ذلك على أربع دعائم [على]: الشوق والشفق والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات (34) ومن أشفق من النار رجع عن. المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات (35). واليقين من ذلك على أربع دعائم: [على] تبصرة الفطنة، وموعظة العبرة، وتأويل الحكمة، وسنة الاولين، فمن أبصر الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف


(34) من قوله عليه السلام: " فالايمان على أربع دعائم - إلى قوله -: فقام إليه رجل فقال: أخبرنا عن ميت الاحياء " له مصادر كثيرة من الفريقين، ورواه أيضا في المختار (30 و 31) من الباب الثالث من نهج البلاغة. والشفق - على زنة الفرس -: الخوف. و " سلا عن الشهوات " أي هجرها ونسيها وذهل عن ذكرها وطابت نفسه عنها. والفعل من باب " دعا ". (35) كذا في كنز العمال، وفي تحف العقول ونهج البلاغة: " سارع إلى الخيرات ". ومثله في باب فضل الصبر، من كتاب قوت القلوب: ج 1 ص 407 فإنه رواه - عنه عليه السلام ووصفه بالطول - من قوله: " الصبر على أربع دعائم - إلى قوله: - سارع إلى الخيرات وقطعة منها رواها في ص 459.

[371]

العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان في الاولين، فاهتدى إلى التي هي أقوم. والعدل من ذلك على أربع دعائم: [على] غائص الفهم، وغمرة العلم، وزهرة الحكم، وروضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرائع الحكم، ومن عرف شرائع الحكم لم يضل، ومن حلم لم يفرط أمره - وعاش في الناس حميدا (36). والجهاد من ذلك على أربع دعائم: [على] الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين (37) فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ومن صدق في المواطن


(36) ومثله في تحف العقول، وفي نهج البلاغة: " والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم " الخ. وقوله: " ومن فهم فسر جميع العلم " رواه أيضا في كتاب قوة القلوب - قبيل الفصل السابع عشر منه -: ج 1، ص 103، غير أن فيه: " جمل العلم " وقوله: " لم يفرط أمره " من باب التفعيل -: لم يضيعه ولم يبدده، أو لم ينسه ولم يتركه، ومثله جاء من باب أفعل أيضا ". (37) الشنان - بالتحريك -: البغض والحقد، ومنه قوله تعالى: " ولا يجر منكم شنآني ".

[372]

قضى الذي عليه ومن شنأ المنافقين غضب لله، وغضب الله له (38). فقام إليه عمار، فقا ل: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما بني ؟ كما اخبرتنا عن الايمان (39). قال: نعم يا أبا اليقظان، بني الكفر على أربع دعائم: على الجفاء والعمى والغفلة والشك، فمن جفا فقد احتقر الحق وجهر بالباطل، ومقت العلماء، وأصر على الحنث العظيم. ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة.


(38) وفي تحف العقول: " ومن شنأ الفاسقين غضب لله، ومن غضب لله غضب الله له ". وفي النهج: " ومن شنئ الفاسقين وغضب لله، غضب الله له وأرضاه يوم القيامة ". (39) وقال في أواخر المرتبة الاولى من مقامات اليقين من الفصل: (32) من كتاب قوت القلوب: ج 1 ص 382: وقد جعل علي كرم الله وجهه، الغفلة إحدى مقامات الكفر، وقرنها بالعمى والشك، فقال في الحديث الذي يروى من طريق أهل البيت: فقام عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الكفر على ما بني ؟ فقال: على أربع دعائم: على الجفاء والعمى والغفلة والشك، فمن جفا احتقر الحق وجهر بالباطل، ومقت العلماء، ومن عمى نسي الذكر، ومن غفل حاد عن الرشد، وغرته الاماني، فأخذته الحسرة والندامة، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب، ومن شك تاه في الضلالة.

[373]

ومن غفل حاد عن الرشد، وغرته الاماني وأخذته الحسرة والندامة وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب. ومن عتا في أمر الله شك (40)، ومن شك تعالى الله عليه فأذله بسلطانه، وصغره بجلاله، كما فرط في أمره، فاعتبر بربه الكريم [كذا] والله أوسع بما لديه من العفو (41) والتيسير، فمن عمل بطاعة الله اجتلب بذلك ثواب الله، ومن تمادى في معصية الله ذاق وبال نقمة الله فهنيئا لك يا أبا اليقظان عقبى لا عقبى غيرها، وجنات لا جنات بعدها. فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا عن ميت الاحياء. قال: نعم إن الله بعث النبيين مبشرين ومنذرين فصدقهم مصدقون وكذبهم مكذبون، فيقاتلون (42) من


(40) " عتا يعتو، وعتى يعتي عتوا وعتيا وعتيا ": استكبر، والظاهر أن " في " بمعنى " عن " ولا شك أن العتو والتكبر عن قبول أمر الله يوجب بعد الانسان المتكبر عن الله ودستوراته، وهو يستلزم الشك. (41) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " والله أوسع بما لديه من الغفور، الخ. (42) كذا في النسخة، ولعل الظاهر: " فقاتلوا " أو: فكانوا يقاتلون " الخ.

[374]

كذبهم بمن صدقهم فيظهرهم الله، ثم يموت الرسل فتخلف خلوف (43). فمنهم منكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه (44) فذلك استكمل خصال الخير، ومنهم منكر للمنكر بلسانه وقلبه تارك له بيده، فذلك خصلتين من خصال الخير تمسك بهما، وضيع خصلة واحدة وهي أشرفها. ومنهم منكر للمنكر بقلبه، تارك له بيده ولسانه، فذلك ضيع أشرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة. ومنهم تارك له بلسانه وقلبه ويده فذلك ميت الاحياء.


(43) فيظهرهم الله أي ينصرهم ويسلطهم على المكذبين. وقوله عليه السلام: " فتخلف " بحذف المفعول، مأخوذ من قولهم: " خلفه - من باب نصر - خلافة وخليفي ": بقي بعده وصار مكانه وقام مقامه. و " الخلوف " جمع الخلف - كفلس - وهو القرن اللاحق للقرن الاول، ومنه قوله تعالى في الآية: (59) من سورة مريم: " فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ". (44) من قوله عليه السلام: " فمنهم منكر للمنكر، إلى قوله: " فذلك ميت الاحياء رواه بأبلغ مما هنا، في المختار (374) من قصار نهج البلاغة، وزاد عليه: " وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الا كنفثة في بحر لجي، وإن الامر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر ". أقول: وهذه الزيادة سيجئ ههنا قريبا فانتظر.

[375]

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا على ما قاتلت طلحة والزبير ؟ قال: قاتلتهم على نقضهم بيعتي وقتلهم شيعتي من المؤمنين: حكيم بن جبلة العبدي من عبد القيس، والسبابجة والاساورة (45) بلا حق استوجبوه منهما، ولا كان ذلك لهما دون الامام (46) ولو أنهما فعلا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلاهما، ولقد علم من ههنا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم [كذا]، أن أبا بكر وعمر لم يرضيا ممن امتنع من بيعة أبي بكر حتى بايع وهو


(45) السبابجة: قوم ذوو جلادة من السند والهند يكونون مع رئيس السفينة البحرية يبذرقونها - أي يحرسونها ويدلون الرئيس إلى الطريق -. واحدها سبيجي، ودخلت في جمعه الهاء للعجمة والنسب كما قالوا: البرابرة. وربما قالوا: السبابج. والاساورة: الفرسان المقاتلون من أهل ايران أو الابطال الذين كانوا في الحرب ذوي جلادة وتقدم وفتح، والظاهر أن تسميتهم بهذا كان من أجل أنهم كانوا يعطونهم السوار ويلبسونهم مكافاة على عملهم وتمييزا لهم عن غيرهم، كما هو المتعارف في زماننا هذا من إعطاء الخطوط للقواد والضباط ولبسهم المخطط، وقد ذكر قصتهم البلاذري في فتوح البلدان ص 369. وليعلم أني لم أجد إلى الآن في غير هذه الرواية أنهم قتلوا أساورة، فإما أن يراد من الاساورة - في الرواية - معنى أعم أي مطلق صاحب السوار وإن لم يكن فارسيا، أو أنهم أخفوه كما يخفى الجنايات على كل عدو مستضعف يخاف قوته وسطوته. (46) كأن الكلام مبني على التنازل والمماشات أي ولو كان لطلحة والزبير حق على ابن جبلة والسبابجة والاساورة لم يجز لهما أن يقتلوهم لان ذلك من وظائف الامام فلا بد من أن يرجع إليه.

[376]

كره، ولم يكونوا بايعوه بعد الانصار (47) فما بالي وقد بايعاني طائعين غير مكرهين، ولكنهما طمعا مني في ولاية البصرة واليمن، فلما لم أولهما رجاءهما الذي غلب [عليهما] من حبهما للدنيا وحرصهما عليها، [لما] خفت أن يتخذا عباد الله خولا ومال المسلمين لانفسهما [دولا] (48) فلما زويت ذلك عنهما وذلك بعد أن جربتهما واحتججت عليهما (49). فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر أواجب هو ؟ قال: [نعم] سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله]


(47) هذا يدل على أن بيعة أبي بكر لم تقع عن طيب نفس من المسلمين، بل وقعت عن كره منهم بإرهاب وإرعاب من جلا وزته ومن كان على خطته وما دبره في أمس الدابر ! ! ! (48) ما بين المعقوفات زيادة يستدعيها السياق، ويدل عليها أيضا القرائن المنفصلة، و " خولا ": عبيدا وإماء وحاشية، وهو جمع للخائل والخولي - بفتح الخاء ويستعمل بلفظ واحد للمذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، وربما قيل للمفرد: خائل. و " دولا " بضم ففتح كصرد -: جمع الدولة - بضم فسكون -: ما يتداول بين الاشخاص فيكون مرة لهذا، ومرة لذاك. وفي المختار: (62 أو 66) من كتب النهج: " ولكنني آسي أن يلى أمر هذه الامة سفهاؤها وفجارها، فيتخذوا مال الله دولا وعباده خولا، والصالحين حربا والفاسقين حزبا " الخ. (49) فلما زوبت " بدل عن قوله: " فلما لم أولهما ". جواب " لما " محذوف أي فلما لم أعطهما ولاية البصرة واليمن وزويت أي صرفت الولاية عنهما، ومنعتهما عنها، بغيالي الغوائل وغدرا ونكثا بيعتي.

[377]

وسلم يقول: " إنما أهلك الله الامم السالفة قبلكم بتركهم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (50)، يقول الله عز وجل: " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون " [78 - المائدة: 5]. وإن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله عزوجل (51) فمن نصرهما نصره الله، ومن خذلهما خذله الله، وما أعمال البر والجهاد في سبيله عند الامر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كبقعة في بحر لجي (52) فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإن الامر


(50) وهذا المضمون قد ورد عنه عليه السلام في خطبة أخرى - أو خطب أخر - قد رويت عنه بطرق كثيرة كما ستطلع عليها فيما بعد. (51) الخلق - كقفل وعنق -: العادة والسجية. (52) البقعة - بضم الباء وفتحها وسكون القاف -: القطعة من الارض. مستنقع الماء، والجمع بقاع - كرماح - وبقع - كغرف -. والاظهر ما في المختار: (374) من قصار النهج: " إلا كنفثة في بحر لجي ". والنفثة: ما يمازج النفس من الريق عند النفخ. وفي أواخر المقام الاول من مقامات اليقين من الفصل (32) من كتاب قوت القلوب: ج 1 ص 381: وقال علي كرم الله وجهه: " أعمال البر كلها إلى جنب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، إلى جنب الجهاد في سبيل الله تعالى (كذا) كتفلة في جنب بحر، والجهاد في سبيل الله تعالى إلى مجاهدة النفس عن هواها في اجتناب النهي كتفلة في جنب بحر لجي " والتفلة: واحدة التفل - كقفل - البصاق. الزبد.

[378]

بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل، ولا ينقصان من رزق، وأفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر (53) وإن الامر لينزل من السماء إلى الارض - كما ينزل قطر المطر - إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال، فإذا أصاب أحدكم نقصانا في شئ من ذلك، ورأى الآخر ذا يسار لا يكونن له فتنة فإن المرء المسلم البرئ من الخيانة، لينتظر من الله إحدى الحسنيين: إما [من داع] من عند الله فهو خير واقع، وإما من رزق من الله يأتيه عاجل (54) فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه، المال والبنون زينة الحياة الدنيا، والباقيات الصالحات حرث الدنيا (55) والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لاقوام.


(53) ومن قوله: " وإن الامر لينزل من السماء - إلى قوله: - وقد يجمعهما الله لاقوام " له مصادر، وقد ذكره أيضا في المختار: (23) من نهج البلاغة مع زيادات في ذيله، ويجئ أيضا بسند آخر، عن مصدر آخر. (54) بين المعقوفين كان قد سقط من النسخة، ولابد منه - أو ما هو في معناه - ففي رواية الثقفي (ره) في الغارات هكذا: " إما داعى الله، فما عند الله خير له، وإما رزق من الله - واسع - فإذا هو ذو أهل ومال " الخ. وفي النهج: " إما داعي الله فما عند الله خير له، وإما رزق الله، فإذا هو ذو أهل ومال ومعه دينه وحسبه ". (55) كذا في النسخة، والظاهر أن كلمتي: " حرث الدنيا " زائدتان، وأن الصواب

[379]

فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أحاديث البدع. قال [عليه السلام]: نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يقول: " إن ا [لا] حاديث ستظهر من بعدي حتى يقول قائلهم: قال رسول الله، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. كل ذلك افتراء علي، والذي بعثني بالحق (56) لتفترقن أمتي على أصل دينها وجماعتها على ثنتين وسبعين فرقة، كلها ضالة مضلة تدعوا إلى النار (57) فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله عزوجل،


" والباقيات الصالحات والعمل الصالح حرث الآخرة ". وفي رواية اليعقوبي في تاريخه: ج 2 ص 196، هكذا: " المرء البرئ من الخيانة والكذب، يترقب كل يوم وليلة إحدى الحسنيين: إما داعى الله فما عند الله خير له، وإما فتحا من الله فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه، المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة [ظ] الخ. (56) من قوله: " والذي بعثني بالحق - إلى قوله: - ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم ". رواه قبيل الفصل السابع عشر، من كتاب قوت القلوب: ج 1 ص 103، عن علي عليه السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله. وللكلام مصادر أخر تقف على بعضها فيما يأتي من التعليقات. (57) لم يصرح في هذا الحديث بالفرقة الناجية، وقد ورد في كثير من طرقه التصريح بنعتهم، والحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وآله وهو من مقطوعات الفريقين: الشيعة والسنة وقد رواه جمع غفير منهم، ويجئ تحت الرقم: (68) الاشارة إلى بعض ما يرويه أهل السنة من ذلك، وقد رواه من الشيعة الكليني رحمه الله في الحديث (283) من روضة الكافي، ورواه الصدوق بطريقين في الحديث (10 - 11) من باب السبعين من الخصال وفي

[380]

فإن فيه نباء ما كان قبلكم ونباء ما يأتي بعدكم والحكم فيه بين، من خالفه من الجبابرة قصمه الله (58) ومن ابتغى العلم في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين ونوره المبين، وشفاؤه النافع، وعصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقام، ولا يزيغ فيتشعب (59) ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلقه كثرة الرد (60).


الباب: (179) من الجزء الثاني من معاني الاخبار ص 323 ورواه جماعة آخرون يطول ذكرهم، وقد عقد المجلسي العظيم في أول ج 8 من بحار الانوار، بابآ في ذلك، ورواه عن جماعة كثيرة من الخاصة والعامة، وقد ألف بعض السادة المعاصرين كتابا سماه ب‍ " الفرقة الناجية " من بين الفرق الثلاث والسبعين، وتكلم حول مصادر الحديث ومتنه وأتى بما فوق المراد، فجزاه الله عن الاسلام خير الجزاء، والكتاب منتشر ومتداول فليراجع إليه فإنه كاف في بابه. (58) يقال: " قصم الشئ - من باب ضرب - قصما ": كسره. والرجل: أهلكه. (59) كذا في النسخة، وفي المختار (154 أو 157) من نهج البلاغة: " فيستعتب " أي يطلب منه العتبى والرجوع. وقال سبط ابن الجوزي في الفصل (10) من مختار كلام أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب تذكرة الخواص، ص 163: روى عكرمة عن ابن عباس قال: سمعت أمير المؤمنين وقد سأله رجل عن القرآن فقال: كتاب الله - أو عليكم بكتاب الله - فإنه الحبل المتين، والنور المبين، والصراط المستقيم والشفاء النافع، والرى الناقع، والعصمة للمتمسك، والنجاة للمتعلق، يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب (كذا) ولا يخلق على كثرة الرد - أو الترداد - من قال به صدق، ومن عمل به لحق. (60) الرد: التلاوة والترداد أي إن كثرة تلاوة القرآن لا تجعله باليا مملولا منه، بل كلما يرجع إليه القارئ ويستأنف قراءته يجده غضا طريا تشتهيه الانفس وتلذ به الاعين.

[381]

هو الذي سمعته الجن فلم تنأ أن ولوا إلى قومهم منذرين قالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا (61) من من قال به صدق، ومن عمل به آجر، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم ". (62). فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين: أخبرنا عن الفتنة، هل سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم إنه لما نزلت هذه الآية من قول الله عز وجل: " آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " [1 - 2 - العنكبوت: 29]


(61) فلم تنأ - من باب منع -: فلم تتوقف ولم تمكث. و " ولوا ": رجعوا، وما ذكره عليه السلام نقل بالمعنى للآية الاولى من سورة الجن: 73 وهي هكذا: " قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن، فقالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به " الخ. (62) وقريبا منه - أي من حديث بروز الاحاديث وإفشاءها، وأمره عليه السلام بالرجوع إلى القرآن عند ذلك وعرضها عليه - رواه ابن عساكر في ترجمة خالد بن يزيد ابن أبي خالد، من تاريخ دمشق: ج 15، ص 174، وفيه ان ابن الكوا سأله عنه عليه السلام وهو يخطب بالكوفة. وكذلك رواه المسعودي في حوادث سنة (66) في أيام عبد الملك من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 96 ط بيروت، عن الحارث الهمداني عنه عليه السلام. ورواه أيضا الترمذي في أبواب فضائل القرآن: من صحيحه ج 11، ص 30 وفي ط ج 8 ص 112، ورواه بمثله ابن الانباري في كتاب أيضاح الوقف والابتداء: ج 1، ط دمشق ص 6 ورواه في هامشه عن فضائل القرآن لابن كثير، ص 14 - 15، وعن عيون الاخبار: ج 2 ص 133، وعن الطبري: ج 1 ص 172.

[382]

علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم حي بين أظهرنا (63) فقلت: يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال: " يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي ". قلت: يا رسول الله أو ليس قد قلت لي يوم أحد - حيث استشهد من اشتشهد من المسلمين، وحزنت على الشهادة (64) فشق ذلك علي،


(63) هذا مفاد قوله تعالى - في الآية (33) من سورة الانفال -: " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ". وهذا الحديث عنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله رواه بجميع خصوصياته - باختلاف في بعض ألفاظه - في الحديث (5) من الجزء الثالث من أمالي الطوسي، وقريبا منه رواه في تلخيص كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 2 ص 38 نقلا عن ابن مردويه. وقال ابن أبي الحديد - في شرح الكلام وهو المختار: (157 أو 154) من خطب النهج -: وهذا الخبر مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قد رواه كثير من المحدثين عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين، كما كتب علي جهاد المشركين ! قال: فقلت: يا رسول الله: ما هذه الفتنة التي كتب علي فيها الجهاد " الخ. فارجع إليه فإنه يستفاد منه ما لا يستفاد من هذه الرواية (64) أي صرت محزونا على فوت الشهادة عني في ذلك اليوم. وفي نهج البلاغة: " وحيزت عني الشهادة " أي جعلت في حيز ومكان آخر غير حيزى. وقال في ترجمته عليه السلام من أسد الغابة: ج 4 ص 34: أنبأنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن كليب، أنبأنا أبو الخير المبارك بن الحسين بن أحمد العسال المقرئ الشافعي، حدثنا أبو محمد الخلال، حدثنا أبو الطيب محمد بن الحسين النحاس بالكوفة، حدثنا علي بن العباس البجلي، حدثنا عبد العزيز بن منيب المروزي، حدثنا إسحاق - يعني ابن عبد الملك بن كيسان - حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال علي - يعني للنبي صلى الله عليه وسلم، إنك قلت لي يوم أحد - حين أخرت عني الشهادة، واستشهد من استشهد -: إن الشهادة من ورائك فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذه ؟ - وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه - فقال علي: يا رسول الله الخ.

[383]

فقلت لي -: يا صديق أبشر فإن الشهادة من ورائك ؟ فقال لي: فإن ذلك لكذلك فيكف صبرك إذا خضبت هذه من هذا ؟ - وأهوى بيده إلى لحيتي ورأسي - فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ليس ذلك من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر ! ! ! (65) فقال لي: أجل. ثم قال: " يا علي (66) إنك باق بعدي ومبتلى بأمتي ومخاصم يوم القيامة بين يدي الله تعالى فأعدد جوابا ". فقلت: بأبي أنت وأمي بين لي ما هذه الفتنة التي يبتلون بها ؟ وعلى ما أجاهدهم بعدك ؟ فقال: " إنك ستقاتل بعدي الناكثة


(65) قال في مسند عبد الله بن عباس من المعجم الكبير: ج 3، الورق 145: حدثنا محمد بن علي ابن عبد الله المروزي، حدثنا ابو الدرد [أو أبو الورد] حدثنا عبد العزيز بن المنيب، حدثني إسحاق بن عبد الله بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال علي: يا رسول الله إنك قلت لي يوم أحد - حين أخرت عن الشهادة، واستشهد من استشهد -: إن الشهادة من ورائك. قال: فكيف صبرك إذا خضب هذه من هذه ؟ - وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه -: فقال علي: أما (إذ) بليت ما بليت [ظ] فليس ذلك من مواطن الصبر ولكن هو من مواطن البشرى والكرامة ! ! ! وروى قبله أيضا بهذا السند ما يمر عليك بعد من قوله صلى الله عليه لعلي -: ولا رأي في الدين، إنما الدين من الرب أمره ونهيه. وقريبا منهما رواه فرات بن ابن إبراهيم بسند آخر في تفسير سورة " الفتح " من تفسيره ص 232. ورواه - أي الحديث الاول - عن الطبراني في مجمع الزوائد: ج 9 ص 138، وقال: وفية عبد الله بن كيسان وهو ضعيف. أقول: ضعف ابن كيسان - إن صدق - لا يضره بعد اشتهاره واستفاضته من طريق غيره، ثم ان ما رواه الطبراني رواه أيضا في الجزء (7) من بشارة المصطفى ص 275 عن عكرمة، عن ابن عباس.. (66) من هنا إلى قوله: " والعاقبة للمتقين " رواه أيضا عنه عليه السلام في الاحتجاج: ج 1 ص 289 ط الغري.

[384]

والقاسطة والمارقة ". وسماهم [لي] رجلا رجلا (67) ثم قال لي: " وتجاهد أمتي على كل من خالف القرآن (68) ممن يعمل في الدين بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما هو أمر من الرب ونهيه ". (69). فقلت: يا رسول الله فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة يوم القيامة (70). فقال. " نعم إذا كان ذلك فاقتصر على الهدى (71) [و] إذا


(67) وقريب منه في مادة قسط من النهاية، ومن هذا وأمثاله مما هو قطعي الصدور عنه عليه السلام، ومحفوف بقرائن خارجية، يعرف قيمة ما اختلقه بعض النواصب: من ان مقاتلة أمير المؤمنين عليه السلام مع أعدائه لم تكن بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وعهد منه إليه، وإنما هي رأي رآه عليه السلام، وسياسة وقتية ! ! ! فليتنبه. (68) كذا في النسخة، والظاهر أن كلمة: " على " من زيادة الكتاب، أو من الاغلاط المطبعية. (69) تقدم تحت الرقم (65) أن الطبراني أيضا " روى هذا الحديث، وهذا مما قامت عليه الادلة المتواترة من طريق أهل البيت عليهم السلام وهو من ضروريات فقه الامامية وشيعة آل البيت عليهم السلام، ولكن ما أدري بماذا يعتذر من يصيح بين الملا: " متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما " ! ! ! وفي ترجمة نعيم بن حماد بن معاوية، من تاريخ دمشق: ج 59 ص 429 بطرق كثيرة: خمسة عشر أو أكثر، عن النبي صلى الله عليه وآله: " تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على امتي قوم يقيسون الامور برأيهم فيحلون الحرام، ويحرمون الحلال " (70) الفلج - كفلس وقفل وجبل -: الفوز والظفر. (71) لعل المشار إليه في قوله: " ذلك " هو عمل القوم في الدين بالرأي عندما لا يجد الامام ناصرا لمجاهدتهم فحينئذ يجب عليه الاقتصار في عمل نفسه على الهدى وعدم متابعتهم في آرائهم الزائغة.

[385]

قومك عطفوا الهدى على العمى، وعطفوا القرآن على الرأي - فتأولوه برأيهم تتبع الحجج من القرآن بمشتبهات الاشياء الكاذبة (72) عند الطمأنينة إلى الدنيا، والتهالك [فيها] والتكاثر [منها] - فاعطف (73) أنت الرأي على القرآن [و] إذا قومك حرفوا الكلم عن مواضعه عند الاهواء الساهية (74) والامر الصالح، والهرج الآثم (75) والقادة الناكثة، والفرقة القاسطة والاخرى المارقة، أهل الافك المردي، والهوى المطغي، والشبهة الحالقة، فلا


(72) العبارة - هنا - مضطربة جدا، واحتمال التقديم والتأخير والسقوط والتصحيف قائم، ولعل الاصل كان هكذا: " فتأولوه برأيهم كي تتبع الحجج من القرآن لمشتهيات أمنياتهم - أو الامنيات - الكاذبة، عند طمأنينتهم إلى الدنيا وتهالكهم فيها وتكاثرهم منها الخ أو ان الباء في قوله: " بمشتبهات " بمعنى اللام، و " الكاذبة " صفة " لمشتبهات " أي الامورات التي لا اشتباه فيها واقعا، بل تحملها أهل الهوى على الشبهة كي يجدوا سبيلا إلى تأويل القرآن، وحمله عليه ما يهوون أو ان اللام في قوله " الطمأنينة والتهالك والتكاثر " عوض عن الضمير المضاف إليه. (73) هذا جواب لقوله: " إذا قومك عطفوا " الخ وجميع ما بين المعقوفات زيادة منا يستدعيها سياق الكلام. (74) أي الاهواء التي تسهي الانسان ما يجب عليه وينسيه الدار الآخرة. (75) اي عندما كان أمر الامة صالحا يحرفون الكلم عن مواضعه كي يفسدوا عليهم صالح أمرهم، وعندما كانوا في هرج آثم أي في فتنة اختلاط يوجبان الاثم والذنب يحرفون لهم الكلم كي يزيدوا فتنة على فتنتهم ويغرقوهم في بحر المعاصي والذنوب. وقيل: الهرج - محركة -: الاغاني وفيه ترنم. وعليه فوصفه بالآثم ظاهر أيضا.

[386]

تنكلن (76) عن فضل العاقبة، فإن العاقبة للمتقين، وإياك يا علي أن يكون خصمك أولى بالعدل والاحسان، والتواضع لله والاقتداء بسنتي والعمل بالقرآن منك، فإن من فلج الرب على العبد يوم القيامة أن يخالف فرض الله، أو سنة سنها نبي، أو يعدل عن الحق ويعمل بالباطل فعند ذلك يملي لهم فيزدادوا إثما، يقول الله: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " [178 - آل عمران: 3] فلا يكونن الشاهدون بالحق والقوامون بالقسط عندك كغيرهم. يا علي إن القوم سيفتنون ويفتخرون بأحسابهم وأموالهم ويزكون أنفسهم ويمنون بدينهم على ربهم، ويتمنون رحمته ويأمنون عقابه ويستحلون حرامه بالمشتبهات الكاذبة (77) فيستحلون الخمر بالنبيد، والسحت بالهدية،


(76) هذا هو الظاهر من السياق، وفي النسخة: " لا تتكلن ". يقال: " نكل عنه من باب نصر، وضرب وعلم - نكولا ": رجع. جبن. و " الشبهة الحالقة ": التي تحلق الدين وتستأصله من أصله كما تستأصل الموسى الشعر وتحلقه من أصله. وذلك مثل البدعة في الدين، والافتراء على الله ورسوله وخليفته، وقذف المحصنات، والسعي في الافساد بين المؤمنين وأمثالها. (77) وفي النهج: " ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية " الخ وهو أظهر.

[387]

والربا بالبيع، ويمنعون الزكاة، ويطلبون البر، ويتخذون فيما بين ذلك أشياء من الفسق لا توصف صفتها، ويلي أمرهم السفهاء، ويكثر تبعهم على الجور والخطاء، فيصير الحق عندهم باطلا، والباطل حقا، ويتعاونون عليه ويرمونه بألسنتهم، ويعيبون العلماء، ويتخذونهم سخريا ! ! قلت: يا رسول الله فبأية المنازل هم إذا فعلوا ذلك، بمنزلة فتنة أو بمنزلة ردة ؟ (78).


(78) وفي النهج: " فقلت: يا رسول الله بأي المنازل أنزلهم عند ذلك، أبمنزلة ردة أو بمنزلة فتنة، فقال: بمنزلة فتنة ". أقول: الردة - بكسر الراء - اسم من الارتداد أي الرجوع عن الاسلام. وقال الشيخ حسن بن سليمان الحلي (ره) - في مجموعته التي ألفها من منتخب بصائر الدرجات وغيره، ص 195 -: وقفت على كتاب خطب لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعليه خط السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس، ما صورته: " هذا الكتاب ذكر كاتبه رجلين بعد الصادق عليه السلام فيمكن أن يكون تاريخ كتابته بعد المأتين من الهجرة، لانه عليه السلام انتقل بعد سنة مأة وأربعين من الهجرة، وقد روى بعض ما فيه عن أبي روح فرج بن فروة [كذا] عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، وبعض ما فيه عن غيرهما ". ثم قال الشيخ حسن - بعد ذكر خطبة طويلة منه -: ومن الكتاب المذكور أيضا خطبة [أخرى] قال: وفيها بعد كلام طويل: يا رسول الله فبأي المنازل أنزلهم إذا فعلوا ذلك ؟ قال: بمنزلة فتنة، ينقذ الله بنا أهل البيت عند ظهورنا للسعداء من أولي الالباب، إلا أن يدعوا الصلاة (ظ) ويستحلوا الحرام في حرم الله، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر، يا علي بنا فتح الاسلام (ظ) وبنا يختمه [و] بنا أهلك الله الاوثان ومن يعبدها، وبنا يقصم كل جبار وكل منافق، حتى ليقتل في الحق من يقتل في الباطل [كذا] يا علي مثل هذه الامة مثل حديقة أطعم فوج عاما، ثم فوج عاما ثم فوج عاما، فلعل

[388]

قال: بمنزلة فتنة [إلى أن] ينقذهم الله بنا أهل البيت عند ظهورنا للسعداء من أولي الالباب، إلا أن يدعوا الصلاة ويستحلوا الحرام في حرم الله، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر. يا علي بنا فتح الله الاسلام وبنا يختمه [و] بنا أهلك الاوثان ومن يعبدها، وبنا يقصم كل جبار وكل منافق، حتى إنا لنقتل في الحق مثل من قتل في الباطل. يا علي إنما مثل هذه الامة مثل حديقة أطعم منها فوجا عاما، ثم فوجا عاما [كذا] فلعل آخرها فوجا أن يكون أثبتها أصلا وأحسنها فرعا وأحلاها جنى (79) وأكثرها خيرا، وأوسعها عدلا، وأطولها ملكا.


آخرها فوجا أن يكون أثبتها أصلا وأحسنها فرعا وأمدها ظلا وأحلاها جنا وأكثرها خيرا وأوسعها عدلا وأطولها ملكا، إنما مثل هذه الامة كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أم أخره، وبعد ذلك نتج الهرج [كذا] لست منه وليس مني ". [قال:] إلى آخر الخطبة. (79) الجنى - كعصى -: كل ما يجنى من ثمر أو ذهب أو عسل، والجمع: أجناء، وأجن، يقال: " جنى الثمرة - من باب رمى - جنيا وجنى " كرميا وعصى -: تناوله من شجرته.

[389]

يا علي كيف يهلك الله أمة أنا أولها ومهدينا أوسطها والمسيح بن مريم آخرها (80). يا علي إنما مثل هذه الامة كمثل الغيث لا يدرى أوله خير أم آخره، وبين ذلك نهج أعوج لست منه وليس مني (81). يا علي وفي تلك الامة يكون الغلول والخيلاء وأنواع المثلات (82) ثم تعود هذه الامة إلى ما كان عليه خيار أوائلها وذلك من بعد حاجة الرجل إلى قوت امرائه - يعني غزلها - حتى إن أهل البيت ليذبحون الشاة فيقنعون منها برأسها ويواسون ببقيتها من الرأفة والرحمة بينهم. الحديث (3529) من كنز العمال: ج 8 ص 215 ط 1، بالهند، نقلا عن وكيع، ونقله أيضا في كتاب المواعظ من منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 6 ص 315 ط 1. وقريب منه جدا في المختار (154) من خطب نهج البلاغة. ورواه أيضا الطبرسي (ره) في الاحتجاج: ج 1 ص 246 ط


(80) ولعل أوسطية المهدي صلوات الله وسلامه عليه بلحاظ بقاء المسيح عليه السلام بعده فإنه عليه السلام يبقى بعد ظهوره وسيطرته على جميع العالم سبع - أو تسع - سنوات ثم يتوفاه الله ويأخذه إليه على ما هو المستفاد من الاخبار الكثيرة بين الفريقين. (81) كذا. (82) الغلول: الخيانة. والخيلاء: العجب والكبر. والمثلات: جمع المثلة - بفتح فضم ثم فتح -: العقوبة والتنكيل. ما أصاب القرون الماضية من العذاب.

[390]

النجف، عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يخطب بالبصرة، بعد دخوله بأيام فقام إليه رجل الخ. ثم ساق كلامه إلى قوله: " ويعذب من يشاء ". وقال شيخ الطائفة (ره) في تلخيص الشافي: ج 1 ص 274 ط النجف: والذي تظاهرت به الرواية، ونقلته أهل السيرة - من هذا الباب - من طرق مختلفة: أن أمير المؤمنين عليه السلام لما خطب بالبصرة، وأجاب عن مسائل شتى سئل عنها وأخبر بملاحم وأشياء تكون بالبصرة، قام إليه عمار بن ياسر رض الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يكثرون في أمر الفئ، ويقولون: من قاتلنا فهو وولده وماله لنا فئ. وقام من بكر بن وائل رجل يقال له عباد الخ. ثم ساق الكلام إلى قولهم له عليه السلام: أصاب الله بك الرشاد والسداد. أقول: وأشار إليها أيضا في أواسط الباب الاخير من كتاب المسترشد، ص 162، وذكر قطعة منها كما تقدم، وقطعة من أولها رواها المجقق البحراني في شرح المختار (99) من خطب النهج: ج 3 ص 16، ورواها عنه في البحار: ج 8 ص 448 ط الكمباني في ذيل خطبة طويلة. وأيضا أشار إلى الكلام - وذكر قسما منه مما مر تحت الرقم (63) - في الحديث (602) وتاليه من كتاب شواهد التنزيل الورق 104، وفي ط 1: ج 1، ص 438 بسندين آخرين. وأشار إلى هذه القضية - قبلهم جميعا - ابن أعثم الكوفي في ختام قصة الجمل، كما في المترجم من تاريخه ص 183، س 14، و 3 عكسا، وفيه أن منذر بن الجارود العبدي سأله عن فتن آخر الزمان. ومما تقدم تحت الرقم (78) من التعليقات يعلم أن للكلام سندا ومصدرا آخر، بل قد علم من التعليقات أن اكثر فصوله مروي بطرق وأسانيد.

[391]

- 119 - ومن كلام له عليه السلام في شهادة الصحف الالهية بأنه على منهاج الشريعة علما وعملا قال ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي (1) أخبرنا أبو الحسين ابن النقور، أخبرنا أبو طاهر المخلص، أخبرنا أبو بكر ابن سيف، أخبرنا السري بن يحيى، أخبرنا شعيب بن إبراهيم، أخبرنا سيف بن عمي [كذا] عن الوليد بن بن عبد الله، عن أبيه، قال: بلغ عليا أن الاشتر قال: ما بال ما في العسكر يقسم ولا يقسم ما في البيوت (2)


(1) وسند الكلام في خصوص المقام ضعيف جدا، ولكن المتن مؤيد بشواهد خارجية ومقطوع الصدور عنه عليه السلام في غير المقام، فما تفرد به هذا السند غير معتبر ولا صالح للحجية. (2) هذا افتراء محض وكذب بحت على بطل الاسلام، وضرغام المؤمنين، نسجه الحنق وشنآن هذا الرجل العظيم، لنكايته في أسلاف النواصب، وشدة شكيمته على من حاد الله ورسوله، وكيف يمكن أن يكون المعترض هو الاشتر، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام في شأنه: " قد كان لي كما كنت لرسول الله ". ويجئ أيضا في ختام وقعة صفين قوله عليه السلام: " ليت فيكم اثنين مثله، بل ليت فيكم واحدا مثله يرى رأيه في عدوي ". وان نظرت إلى أقوال الرجل وأفعاله، أو إلى ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في شأنه، لقلت بالقول الصدق - كما قال أمير المؤمنين، وقوله هو الفصل وما عداه الهزل -: أنى مثل مالك، وهل موجود كمالك، وهو أشد على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار. ثم إن الرواية كانت مشتملة على فقرات أخر تراكمت الشواهد على خلافها منها: انه قال عليه السلام: " إنا والله ما قسمنا عليكم إلا سلاحا من مال الله عزوجل كان في خزانة المسلمين أجلبوا به عليكم فقتلكموه، ولو كان لهم ما أعطيتكموه، ولرددته على من أعطاه الله إياه في كتابه، إن الحلال حلال أبدا، وإن الحرام حرام [أبدا]. ويكفي لسلب نسبة هذه الفقرة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، الاجماع والاتفاق على أنه

[392]

فأرسل [أمير المؤمنين عليه السلام] إليه يزيد بن قيس، فأتاه به فقال له: أنت القائل في أصحابك [ذيت ذيت ؟] (2) قال: نعم فقال: والله لئن ثنيتم لي الوسادة (3) وتابعتموني لاسيرن فيكم سيرة يشهد لي بها التوراة والانجيل والزبور أني قضيت بما في القرآن. ترجمة الاشتر مالك بن الحارث، من تاريخ دمشق: ج 52 ص 442، وللكلام في هذا الموضوع مصادر جمة وأسانيد كثيرة يذكر بعضها في باب علمه عليه السلام من باب القصار، فارتقب.


عليه السلام قسم ما في عسكرهم - عدا الرقيق - على جنده مع العلم بأن جميع ما حواه عسكرهم لم يكن مما نهبوه من بيت مال المسلمين، نعم جل ما كان بيد طلحة والزبير، وخواصهما كان من بيت المال، وأما أهل البصرة فجل سلاحهم ودوابهم كان ملكا لهم ولم يصل إليهم من بيت المال إلا مقدارا من النقود. ومن فقرات الرواية انه عليه السلام أدب الاشتر بالدرة، ومنها أن الاشتر دخل على عائشة وتنصل منها فلم تقبل منه. وإجمال الكلام لبيان كشف كذب هاتين الفقرتين: أن رواة الرواية مثل السرى والسيف معروفون بنسبة الكذب والافتراء على أتباع أمير المؤمنين عليه السلام فلا يقبل قولهم عليهم، فالمقبول من الرواية ما تشهد القرائن بصحته - وهو ما قاله عليه السلام افتخارا - دون ما عداه. (2) بين المعقوفين كان في النسخة هكذا: " ديه ". ولا ريب أنه تصحيف. وذيت ذيت. كناية عن الحديث أو الفعل. (3) ثنيتم - من باب رمى يرمي، أو من باب التثنية -: طويتموها لي. والوسادة - - بتثليث الواو -: المخدة والمتكأ. والمراد منها وسادة الامر والنهي وإجراء الاحكام، أي لو امكنتموني من أريكة الامارة والحكومة، لحكمت بما يشهد به جميع الكتب السماوية ويصدقني كل الاديان السالفة الالهية.

[393]

- 120 - ومن كلام له عليه السلام في نعت المخلصين من أصحابه قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبي رحمه الله تعالى قال: أخبرنا أبو القاسم العلوي العباسي قال حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، عن محمد بن زكريا، قال: حدثني محمد بن عبد الله الحسيني قال: حدثنا محمد بن عباد، عن أبيه عن محمد بن الحنفية رضوان الله تعالى عليه قال: لما قدم أمير المؤمنين إلى البصرة بعد قتال الجمل دعاه الاحنف بن قيس واتخذ له طعاما، وبعث إليه وإلى أصحابه، فأقبل إليه أمير المؤمنين ثم قال: يا احنف ادع أصحابي. فدعاهم فدخل عليه قوم متخشعون كأنهم شنان بوال (1) فقال الاحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي نزل بهم ؟ (أ) من قلة الطعام أم من هول الحرب ؟ قال: لا يا أحنف. [ثم قال:] إن الله عزوجل إذا أحب قوما تنسكوا له في دار الدنيا (2) تنسك من هجم على ما علم من فزع يوم القيامة من قبل


(1) شنان - بكسر الشين -: جمع شن - بفتح الشين -: القربة الخلق اليابسة، ويجمع أيضا على أشنان. وبوال: جمع بالي: الرث، يقال: " بلي الثوب - من باب رضي - بل وبلاء ": رث فهو بال. (2) تنسكوا له: تعبدوا له وتزهدوا، ويقال: " نسك الرجل لله - من باب نصر - نسكا ": تطوع لوجهه تعالى.

[394]

أن يشاهدها، فحملوا أنفسهم كل مجهودها (3) وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على الله تعالى توهموا خروج عنق من النار يحشر الخلائق إلى ربهم عزوجل، وظهور كتاب تبدو فيه فضائح ذنوبهم فكادت أنفسهم تسيل سيلانا، وتطير قلوبهم بأجنحة الحق طيرانا (4) وتفارقهم عقولهم [و] إذا غلت بهم مراجل (5) المرد إلى الله عزوجل غليانا يحنون حنين الولاه في [د] جي الظلم (6) ذبل الاجسام حزينة قلوبهم كالحة وجوههم ذ [ا] بلة شفاههم خميصة بطونهم تراهم سكرى وليسوا بسكرى (7) هم سمار وحشة الليالي متخشعون، قد أخلصوا لله أعمالهم سرا


(3) الظاهر ان هذا هو الصواب. وفي الاصل: " من قبل أن يشاهدوها فحظلوا أنفسهم.. " والحديث رواه أيضا الشيخ الصدوق (ره) في كتاب صفات الشيعة، ولكن حين تحقيق ما هنا لم يحضرني الكتاب ولا لفظ الحديث. (4) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " فطيرانا ". (5) هذا هو الظاهر الموافق لما في كتاب صفات الشيعة - علي ما في بالي -. والمرجل - - كدرهم -: القدر، والجمع مراجل، والكلام على الاستعارة. وذكره في نسخة تيسير " المراحل " بالحاء المهملة. الحنين: صوت الحزين. والولاه: جمع الواله - كزراع في جمع زارع - المتحير من شدة الوجد. (7) هذا هو الصواب، وفي الاصل: " تراهم سكرا وليس بسكرى ". يقال: رجل سكران من قوم سكارى وسكرى. المرأة سكرى أيضا. وفي الآية الثانية من سورة الحج " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ".

[395]

وعلانية، فلو رأيتهم في ليلهم ونهارهم وقد نامت العيون وهدأت الاصوات وسكنت الحركات من الطير في الوكور، وقد نهنههم يوم الوعيد (9) [و] ذلك قوله تعالى: " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون [97 - الاعراف] فاستفزعوا لها فزعا (9) يعولون [مرة] ويبكون تارة، ويسبحون ليلة مظلمة بهماء (10). فلو رأيتهم يا أحنف قياما على أطرافهم منحنية ظهورهم على أجزاء القرآن لصلواتهم (11) إذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صارت في أعناقهم. ولو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الارض هونا ويقولون للناس حسنا وإذا خاطبهم الجاهلون


(8) أي وقد كفهم ذكر يوم الوعيد عن النوم ومنعهم عنه. (9) هذا هو الظاهر من السياق، وفي الاصل: " فاستفيضوا لها قزعي ". (10) ولعلها بمعنى الطويلة حيث إنها لطولها أمرها مبهم. (11) كذا في الاصل.

[396]

قالوا: سلاما، وإذا مروا باللغو مروا كراما (1). أولئك يا أحنف انتجعوا دار السلام (2) التي من دخلها كان آمنا ". فلعلك شغلك يا أحنف نظرك إلى وجه واحدة يبيد الاسقام نضارة وجهها (3) وذات دار قد اشتغلت بتقريب فراقها، و [ذات] ستور علقتها (4) والرياح والايام موكلة بتمزيقها، وليست (5) لك دار البقاء، فاحتل للدار التي خلقها الله عزوجل من لؤلؤة بيضاء فشق فيها أنهارها وغرس فيها أشجارها وأظل عليها بالنضيج من ثماها (6)


(1) إشارة إلى الآية: (63) من سورة الفرقان: " وعباد الرحمان الذين يمشون في الارض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ". وقوله تعالى في الآية: (83) من سورة البقرة " قولوا للناس حسنا ". وقوله تعالى في الآية: (72) من سورة الفرقان: " والذين يشهدون الزور، وإذا مروا باللغو مروا كراما ". (2) أي طلبوا دار السلام أو جعلوها منتجع أمنياتهم اي موضع ما يأملون مما تشتهي أنفسهم. (3) الظاهر ان هذا هو الصواب، ونضارة الوجه عبارة عن كونه حسنا جميلا ناعما. وفي الاصل: " عضارة وجهها، دات دار.. " (4) هذا هو الظاهر من السياق، وفي الاصل: " عقلتها ". ويساعد رسم خطه أيضا أن يقرأ " علمتها ". (5) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " بئست لك دار البقاء ". (6) هذا هو الظاهر أي جعل الله تبارك وتعالى نضج ثمار الجنة ظلا عليها أي حفها بثمار أشجارها بحيث هي تقع في ظل ثمارها. ولا يوجد بيان فوق هذا يعبر به عن وفور ثمرات الجنة وتكثرها. وفي الاصل: " وأطل عليها " بالطاء المهملة.

[397]

وكنها بالعواتق من حورها (1) ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته. فإن فاتك يا أحنف ما ذكرت لك فلترفلن في سرابيل القطران (2)، ولتطوفن بينها وبين حميم آن (3) فكم يومئذ من صلب محطوم ووجه مشئوم. ولو رأيت وقد قام مناد يناد [ي]: يا أهل الجنة ونعيمها وحليها وحللها خلود لا موت فيها، ثم يلتفت إلى أهل النار فيقول: يا أهل النار يا أهل النار يا أهل السلاسل والاغلال خلود لا موت. فعندها انقطع رجاؤهم وتقطعت بهم الاسباب (4) فهذا ما أعد الله عزوجل للمجرمين، وذلك ما أعد الله عزوجل للمتقين. الحديث (9) من الباب: (64) من كتاب تيسير المطالب - في ترتيب أمالي السيد أبي طالب - وبحديثين بعده يختم الكتاب. ورواه أيضا الشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب صفات الشيعة.


(1) أي غطاها وغشاها بالعواتق من الحور العين. وفي هذا التعبير أيضا معنى عجيب وهو تكثر العواتق ومن الحور بحيث حفت الجنة بهن. (2) يقال: " رفل زيد، من باب نصر - رفلا ورفولا ورفلانا ": جر ذيله وتبختر. (3) إشارة إلى قوله تعالى في الآية: (44) من سورة الرحمان: " يطوفون بينها وبين حميم آن " أي متناه في الحرارة بالغ فيها نهاية مرتبتها. (4) إشارة إلى قوله تعالى في الآية: (166) من سورة البقرة: " إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب ".

[398]

- 121 - ومن كلام له عليه السلام بين فيه علل إنحراف أم المؤمنين عنه عليه السلام عن عمر بن أبان، قال: لما ظهر أمير المؤمنين عليه السلام على أهل البصرة، جاءه رجال منهم فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما السبب الذي دعا عائشة إلى المظاهرة عليك، حتى بلغت من خلافك وشقاقك ما بلغت ؟ وهي امرأة من النساء، لم يكتب عليها القتال، ولا فرض عليها الجهاد، ولا رخص لها في الخروج من بيتها، ولا التبرج بين الرجال، وليست بما تولته في شئ على (كل) حال ! ! ! فقال (أمير المؤمنين عليه السلام): سأذكر أشياء حقدتها علي، وليس [لي] في واحد منها ذنب إليها، ولكنها تجرمت بها علي (1). أحدها تفضيل رسول الله لي على أبيها، وتقديمه أياي


(1) أي ارتكبت الجرم والذنب علي بسبب تعلقها بهذه الاشياء. ثم إن في كتاب الجمل ص 81 و 226 وبعدها شواهد لما هنا، وكذلك في دعائم الاسلام: ج 1 ص 17، وكذلك في شرح المختار: (156) من خطب النهج، وشرح المختار الاول من باب الكتب: ج 14 ص 23 من شرح النهج، وشرح المختار: (64) أيضا من باب الكتب من شرح ابن أبي الحديد: ج 9 ص 192، وج 17 ص 153، وكذلك في تاريخ الطبري: ج 4 ص 115، وج 3 ص 547 وج 2 ص 433، وكذلك في الباب: (5) و 44 و 45 و 51 و 52 و 159، و 173، من كتاب اليقين. (*)

[399]

في مواطن الخير عليه، فكانت تضطغن ذلك ويصعب عليها، وتعرفه منه وتتبع رأيه فيه [كذا]. وثانيها لما آخى [رسول الله صلى الله عليه وآله] بين أصحابه، آخى بين أبيها وعمر بن الخطاب، واختصني بأخوته، غلظ ذلك عليها وحسدتني لسعدي منه (2). وثالثها [إنه] أوصى صلوات الله عليه بسد أبواب كانت في المسجد لجميع أصحابه إلا بابي (3) فلما سد باب أبيها وصاحبه وترك بابي مفتوحا في المسجد تكلم في ذلك بعض أهله، فقال صلوات الله عليه: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي، بل الله عزوجل سد أبوابكم وفتح بابه. فغضب لذلك أبو بكر وعظم عليه وتكلم في أهله بشئ سمعته منه ابنته فاضطغنته علي ! ! !


(2) أي لاجل صيرورتي سعيدا بالنبي صلى الله عليه وآله وألطافه الخاصة بي. (3) الحديث متواتر بين المسلمين، وقد رواه ابن عساكر في الحديث: (319) وتواليه بطرق كثيرة، كما رواه أيضا السيوطي في اللئالي المصنوعة: ج 1 ص 179، ط 1، بمصر، عن (24) طريقا، وكذلك رواه أيضا ابن المغازلي في الحديث: " 308 - 315 " من مناقبه، ورواه أيضا الطبراني في مسند عبد الله بن عباس من المعجم الكبير: ج 3 ص ص 157، ورواه في الباب: (99) من غاية المرام ص 639، عن (29) طريقا.

[400]

وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله] أعطى أباها الراية يوم خيبر، وأمره أن لا يرجع حتى بفتح أو يقتل فلم يلبث لذلك وانهزم، فأعطاها في الغد عمر بن الخطاب وأمره بمثل ما أمر صاحبه، فانهزم ولم يلبث، فساء رسول الله ذلك، وقال لهم ظاهرا معلنا: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يده (4) فأعطاني الراية فصبرت حتى فتح الله على يدي، فغم ذلك أباها وأحزنه فاضطغنه علي ومالي إليه ذنب في ذلك، فحقدت لحقد أبيها. وبعث رسول الله [صلى الله عليه وآله] أباها ليؤدي سورة براءة، وأمره أن ينبذ العهد للمشركين، فمضى حتى الجرف [ظ] فأوحى الله إلى نبيه أن يرده ويأخذ [منه]


(4) ورواه ابن عساكر، في الحديث: (215 - 268) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق على وجه بديع عن جماعة كثيرة من الصحابة، ورواه أيضا في الباب (9) من الفصل الاخير من غاية المرام ص 465 عن (35) طريقا، وله مصادر غير محصورة.

[401]

الآيات فيسلمها إلي (1)، فعرف أباها بإذن الله عز وجل، وكان فيما أوحى الله عزوجل إليه: [انه] لا يؤدي عنك إلا رجل منك - وكنت من رسول الله، وكان مني - فاضطغن لذلك علي أيضا واتبعته عائشة في رأيه. وكانت عائشة تمقت خديجة بنت خويلد وتشنؤها شنآن الضرائر وكانت تعرف مكانها من رسول الله [صلى الله عليه وآله] فيثقل ذلك عليها، وتعدى مقتها إلى ابنتها فاطمة، فتمقتني وتمقت فاطمة وخديجة ! ! وهذا معروف في الضرائر. ولقد دخلت على رسول الله ذات يوم قبل أن يضرب الحجاب على أزواجه، وكانت عائشة بقرب من رسول الله، فلما رآني رحب بي، وقال: أدن مني يا علي. ولم


(5) ويدل عليه من طريق القوم ما رواه ابن الاعرابي في كتاب معجم الشيوخ: ج 2 الورق 155، وفي نسخة الورق 220 ب قال: حدثنا علي [بن سهل] أنبأنا عفان، أنبأنا حماد بن سلمة عن سماك: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة مع أبي بكر الصديق إلى أهل مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ردوه. فردوه فقال أبو بكر: ما لي أنزل في شئ ؟ قال: لا ولكني أمرت أن لا يبلغها إلا أنا أو رجل مني ! ! فدفعها إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[402]

يزل يدنيني حتي أجلسني بينه وبينها، فغلظ ذلك عليها، فأقبلت إلي وقالت بسوء رأي النساء - وتسرعهن إلى الخطاب -: ما وجدت لاستك يا علي موضعا غير موضعي هذا ؟ ! ! (6) فزبرها النبي [صلى الله عليه وآله] وقال لها: العلي تقولين هذا ؟ إنه والله أول من آمن بي وصدقني، وأول الخلق ور [و] دا علي الحوض، وهو آخر الناس بي عهدا (7) لا يبغضه أحد إلا أكبه الله على منخره في النار (8) فازدادت غيظا علي ! ! !


(6) والحديث مروي أيضا من طريق أهل السنة، ولكن بهذا اللفظ لم أتذكره الآن، ولعلهم غيروا اللفظ تحفظا على كرامة أم المؤمنين ! ! ! وكيف كان فقد قال العقيلي في ترجمة موسى بن القاسم بن ضعفائه الجزء (11) الورق 207: حدثنا أحمد بن القاسم وأحمد بن داود، قالا: حدثنا عبد السلام بن صالح، حدثنا علي بن هاشم، حدثني أبي، عن موسى ابن القاسم التغلبي قال: حدثتني ليلى الغفارية قالت: كنت مع رسول الله في مغازيه فأداوي الجرحى وأقوم على المرضى، فلما خرج علي إلى البصرة خرجت معه، فلما رأيت عائشة واقفة دخلني شئ من الشك، فأتيتها فقلت: هل سمعت من رسول الله فضيلة في علي، فقالت: نعم دخل علي على رسول الله وهو مع عائشة، وهو على فريش وعليه جرد قطيفة فجلس بينهما فقالت له عائشة: أما وجدت مكانا هو أوسع لك من هذا، ! فقال النبي: يا عائشة دعي أخي فإنه أول الناس إسلاما، وآخر الناس بي عهدا عند الموت، وأول الناس لي لقيا يوم القيامة. ورواه عن العقيلى في الحديث: (133) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق. ورواه أيضا في الاصابة: ج 8 ص 183، من طريق ابن مندة. (7) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: أحق الناس عهدا إلي. (8) وهذا المضمون أيضا قد وردت فيه أخبار عنه صلى الله عليه وآله.

[403]

ولما رميت بما رميت اشتد ذلك على النبي، فاستشارني في أمرها فقلت: يارسول الله سل جاريتها بريرة واستبرئ الحال منها، فإن وجدت عليها شيئا فخل سبيلها فالنساء كثيرة، فأمرني أن أتولى مسألة بريرة، و [أن] أستبرء الحال منها، ففعلت ذلك، فحقدت علي، والله ما أردت بها سوء، لكني نصحت لله ولرسوله (9). وأمثال ما ذكرت [كثيرة] فإن شئتم فاسألوها ما الذي نقمت علي حتى خرجت مع الناكثين لبيعتي ؟ ! وسفكت دماء شيعتي، وتظاهرت بين المسلمين


(9) وهذا مما اعترفت به عائشة وصرحت به، قال في آخر وقعة الخوارج من كتاب تدكرة الخواص، ص 112، لما قال لها أبو قتادة: إذا علمت هذا من فضل علي فلم كان منك إليه ما كان ؟ فقالت: يا أبا قتادة وللقدر سبب، وهو ان الناس خاضوا في حديث الافك، وكان عامة المهاجرين يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله: أمسك عليك زوجك حتى يأتي أمر ربك. وكان علي يقول: النساء كثيرة وما ضيق الله عليك، وفي نساء قريش من هي أجل نسبا منها وأبيها وما أبوه (كذا). فإنه كلما رأى قلق رسول الله صلى الله عليه وآله وحزنه وما يحصل له من كلام المنافقين يقول له ذلك، فوجدت عليه، وكان لي من رسول الله صلى الله عليه وآله حفظ فخفت عليه، فكان مني ما كان وأنا الآن فاستغفر الله مما فعلته. وقريبا منه رواه أيضا عبد الرزاق الصنعاني كما في الحديث: (9748) من كتاب المغازي من كتاب المصنف: ج 5 ص 415 ط بيروت.

[404]

بعداوتي [هل حملها على ذلك شئ] (10) إلا البغي والشقاق، والمقت لي بغير سبب يوجب ذلك في الدين ؟ ! ! والله المستعان. كتاب الجمل للشيخ المفيد رحمه الله.


(10) هذا هو الصواب، وفي النسخة: " وسفك دماء شيعتي والتظاهر بين المسلمين بعداوتي الا البغي والشقاق "..

[405]

- 122 - ومن كلام له عليه السلام على منبر البصرة البلاذري قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، عن أبي السورا الضبعي انه سمع عليا [عليه السلام] على منبر البصرة يقول: ليحبني أقوام حتى يدخلهم حبي النار، وليبغضني أقوام حتى يدخلهم بغضي النار. الحديث (78) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف ج 1 / الورق 159 أ / أو ص 318 وفي المطبوع: ج 2 ص 120، ط 1. ورواه أيضا أبو بكر ابن أبي شيبة في كتاب المصنف: ج 7 أو 6 الورق 160 ب قال: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن أبي التياح، عن أبي السوار العدوي قال: قال علي: ليحبنني قوم.. ورواه أيضا أحمد بن حنبل - في الحديث (75) من باب مناقب أمير المؤمنين من كتاب الفضائل - قال عبد الله: حدثني أبي، حدثني وكيع، عن شعبة، عن أبي التياح.. ورواه عنه في الحديث (12) من الباب: (181) من غاية المرام ص 425 ورواه أيضا أبو سعيد ابن الاعرابي في معجم الشيوخ: ج 2 ص الورق 18، وفي نسخة الورق 151 / ب، قال: أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأ عمرو بن عبد

[406]

الغفار، أنبأنا شعبة بن الحجاج، عن أبي التياح، عن أبي السوار العدوي قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: ليحبني.. ثم قال ابن الاعرابي: أنبأنا عباس الدوري. أنبأنا شبابة، أنبأنا شعبة، عن أبي التياح، عن أبي السوار العدوي قال: سمعت عليا قال مثله. ورواه عنه ابن عساكر، في الحديث: (750) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق قال: أخبرنا أبو البركات ابن أبي عقيل، أنبأنا أبو الحسن الخلعي، أنبأنا أبو محمد ابن النحاس، أنبأنا أبو سعيد ابن الاعرابي، أنبأنا يحيى بن أبي طالب..

[407]

- 123 - ومن كلام له عليه السلام قاله في خطبة له على منبر البصرة قال العقيلي: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي قا ل: حدثنا نوح بن قيس، عن أبي فاطمة سليمان بن عبد الله: عن معاذة العدوية قالت: سمعت عليا - وهو على منبر البصرة - يقول: أنا الصديق الاكبر، آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم. ترجمة سليمان بن عبد الله من كتاب الرجال للعقيلي الورق 81. أقول: ورواه أيضا البلاذري في الحديث (146) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 1، الورق 124، وفي ط 1: ج 2 ص 146، قال: حدثني محمد بن أبان الطحان، عن أبي هلال الراسبي، عن أبي فاطمة، عن معاذة العدوية.. ورواه أيضا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل المتوفى عام 287، في كتاب الآحاد والمثاني الورق 16 - أ - قال: حدثنا أبو موسى حدثنا نوح بن قيس عن رجل - قد سماه قد ذهب عن أبي موسى اسمه - عن معاذة العدوية قالت: سمعت عليا يخطب. [و] حدثنا أبو موسى أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا نوح بن قيس أنبأنا سليمان بن عبد الله الحارثي [كذا] حدثتني معاذة.. ورواه أيضا ابن عدي في ترجمة سليمان بن عبد الله من كامله: ج 2

[408]

الورق 4 قال: حدثنا العباس بن أحمد بن منصور القراطيسي، حدثنا عبيد الله بن يوسف الجبري ومحمد بن يحيى القطيعي وزياد بن يحيى الحسابي [كذا] قالوا: حدثنا نوح بن قيس، عن سليمان أبي فاطمة، عن معاذة بنت عبد الله العدوية قالت: سمعت علي بن أبي طالب يخطب على منبر البصرة.. وراه أيضا في باب الفضائل تحت الرقم: (413) في باب فضائل علي عليه السلام من كنز العمال: ج 15، ص 145، ط 2 وقال: رواه محمد بن أيوب الرازي في جزئه، والعقيلي. ورواه أيضا الدولابي - في عنوان: " من كنيته أبو فاطمة، من كتاب الكنى والاسماء: ج 2 ص 81 ط الهند - قال: حدثنا زياد بن يحيى أبو الخطاب، قال: حدثنا نوح بن قيس. وحدثني أبو بكر مصعب بن عبد الله بن مصعب الواسطي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا نوح بن قيس الحداني، قال: حدثنا سليمان بن عبد الله أبو فاطمة، قا ل: سمعت معاذة العدوية تقول: سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخطب على منبر البصرة وهو يقول: أنا الصديق الاكبر.. ورواه أيضا ابن قتيبة، في كتاب المعارف ص 169، مسندا، في عنوان " إسلام أبي بكر ". ورواه عنه وعن غيره في الحديث (4 و 8) في آخر ترجمة أمير المؤمنين من سمط النجوم: ج 2 ص 475 وص 476 ورواه العلامة الاميني (ره) في الغدير: ج 2 ص 314 ط 2 عن جماعة، ورواه أيضا ابن عساكر في الحديث: (88) من ترجمة أمير المؤمنين بأسانيد.

[409]

- 124 - ومن خطبة له عليه السلام لما استعمل عبد الله بن العباس على البصرة قال الشيخ المفيد (ره): وروى أبو مخنف لوط بن يحي قال: لما استعمل أمير المؤمنين عبد الله بن العباس على البصرة، خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: معاشر الناس قد استخلفت عليكم عبد الله بن العباس فاسمعوا له، وأطيعوا أمره ما أطاع الله ورسوله، فإن أحدث فيكم أو زاغ عن الحق فاعلموا أني أعزله عنكم فإني أرجو أن أجده عفيفا، تقيا ورعا، وإني لم أوله عليكم إلا وأنا أظن ذلك به، غفر الله لنا ولكم. كتاب الجمل ص 224 ط النجف.

[410]

- 125 - ومن كلام له عليه السلام قاله لعبد الله بن العباس لما استخلفه على البصرة وأراد أن يظعن منها: أوصيك بتقوى الله عزوجل، والعدل على من ولاك الله أمره، اتسع الناس بوجهك وعلمك وحكمك، وإياك والاحن (1) فإنها تميت القلب والحق. واعلم أن ما قربك من الله بعدك من النار، وما قربك من النار بعدك من الله (2) أذكر الله كثيرا ولا تكن من الغافلين. الامامة والسياسة: ج 1، ص 85، وقريب منه جدا في المختار: (76) من باب الكتب من نهج البلاغة، والمختار: (18) من باب الوصايا من كتابنا هدا: ج 2 ص 70.


(1) الاحن: جمع الاحنة - كفتنة -: الحقد والعداوة، والفعل منه من باب علم، والمصدر كفلس. (2) كذا في النسخة، وفي كتاب الجمل، ص 224: " واعلم ان ما قربك من الله فهو مباعدك من النار، وما باعدك من الله فمقربك من النار ". وهو أظهر، وقد ورد هذا المضمون في أخبار كثيرة.

[411]

- 126 - ومن كلام له عليه السلام قاله في بعض خطبه: معاشر الناس إني تقلدت أمركم هذا، فوالله ما حبست منه (1) بقليل ولا كثير إلا قارورة من دهن طيب أهداها [إ] لي دهقان (2).


(1) هذا هو، الصواب وفي النسخة: " ما حسبت منه ". وفي رواية الكنز: عن أبي عمرو بن العلاء، عن أبيه قال:: خطب علي فقال: يا ايها الناس والله الذي لا إله إلا هو ما رزأت من مالكم قليلا ولا كثيرا إلا هذه - وأخرج قارورة من كم قميصه فيها طيب فقال -: أهداها إلي دهقان. (2) قال الاصمعي: فرفع الدال. أي فضمها. والدهقان - بتثليث الدال - رئيس القرية. التاجر. قال في مادة: " قرو " من النهاية: وفي حديث علي: " ما أصبت منذ وليت عملي إلا هذه القويريرة، أهداها إلى الدهقان ". هي تصغير قاروة: وعاء يجعل فيه المائعات. وقال الاصمعي: يريد قارورة الغالية. وروى الطبراني في الاوسط، عن عبد الله بن يحيى قال: إن عليا (عليه السلام) أتي يوم البصرة بذهب وفضة فقال: ابيضي واصفري (و) غري غيري (غري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك. فشق قوله لك على الناس) فذكر ذلك له، فأذن في الناس فدخلوا عليه فقال: إن خليلي صلى الله عليه وسلم قال: يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين. ثم جمع علي يده إلى عنقه يريهم الاقماح. رواه عنه في مجمع الزوائد: ج 9 ص 131، قال: وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف. أذكره أيضا في باب فضائل علي عليه السلام تحت الرقم: (398) من كنز العمال ج: 15، ص 137 ط 2 وقال: قال الطبراني: لم يروه عن أبي الطفيل إلا جابر تفرد به عبد الكريم ابو يعفور، وجابر الجعفي شيعي غال وثقه شعبة والثوري.. وعبد الكريم ذكره ابن حبان في الثقات. أقول بين المعقوفات من الاصل المأخوذ منه، وليس منا.

[412]

كتاب خصائص الائمة - للسيد الرضي (ره) - ص 54 ط النجف. وقريبا منه جدا رواه في ترجمة الاصمعي من كتاب نور القيس ص 168 ط 1. ورواه ابن عساكر بثلاثة أسانيد، في الحديث: (1227) وتواليه من ترجمته عليه السلام من تاريخ دمشق باختلاف يسير جدا في بعض الالفاظ. ورواه أيضا أبو نعيم في ترجمة أمير المؤمنين من حلية الاولياء: ج 1، ص 81. ورواه أيضا مع بيتين في ذيلها في الحديث: (117) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 1، ص 322 وفي ط 1: ج 2 ص 134، عن عمر بن شبة، عن أبي عاصم، عن معاذ بن العلاء، عن أبيه عن جده. وقريبا منه رواه في الجزء الحادي عشر من بشارة المصطفى ص 341. وكذا رواه في الباب (3) من تيسير المطالب. ورواه أيضا في كنز العمال، ج 15، ص 148، ط 2 تحت الرقم: (425) من باب فضائل علي عليه السلام، عن كتاب الجامع لعبد الرزاق، وعن أبي عبيد في كتاب الاموال، ومسدد، والحاكم في الكنى، وابن الانباري في المصاحف وأبي نعيم في الحلية.

[413]

- 127 - ومن كلام له عليه السلام قاله لاهل البصرة لما أراد أن يرتحل عنهم. قال الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان (ره): روى أبو مخنف لوط بن يحي، عن رجاله قال: لما أراد أمير المؤمنين عليه السلام التوجه إلى الكوفة، قام في أهل البصرة فقال: يا أهل البصرة ما تنقمون علي والله أنهما - وإشار إلى قميصه وردائه (1): - لمن غزل أهلي، ما تنقمون مني يا أهل البصرة، والله ما هي - وأشار إلى صرة في يده فيها نفقته - إلا من غلتي بالمدينة (2) فإن أنا خرجت من عندكم بأكثر مما ترون، فأنا عند الله من الخائنين.


(1) وفي النسخة هكذا: " ما تنقمون علي يا أهل البصرة - وأشار إلى قميصه وردائه فقال: - والله إنهما لمن غزل أهلي ". وفي الحديث: (1232) من ترجمته عليه السلام من تاريخ دمشق، عن عنترة قال: دخلت على علي بالخورنق وعليه قطيفة وهو يرعد من البرد ! ! ! فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولاهل بيتك في هذا المال نصيبا، أنت تفعل بنفسك هذا ؟ فقال: اني والله لا أرزأ من أموالكم شيئا، وهذه [هي] القطيفة التي إخرجتها من بيتي - أو قال: - من المدينة ! ! ! (2) وفي النسخة هكذا: " ما تنقمون مني يا أهل البصرة، - وأشار إلى صرة في يده فيها نفقته - والله ما هي ألا من غلتي بالمدينة " والغلة - بفتح المعجمة كسلة -: الدخل

[414]

ثم خرج وشيعه الناس إلى خارج البصرة، وتبعه الاحنف بن قيس إلى الكوفة. ولما خرج وصار على غلوة استقبل الكوفة بوجهه (3) - وهو راكب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وقال: الحمد لله الذي أخرجني من أخبث البلاد، وأخشنها ترابا وأسرعها خرابا وأقربها من الماء، وأبعدها من السماء، بها مغيض الماء وبها تسعة أعشار الشر وهي مسكن الجن. الخارج منها برحمة، والداخل إليها بذنب. أما إنها لا تذهب الدنيا حتى يجئ إليها كل فاجر، ويخرج منها كل مؤمن، وحتى يكون مسجدها كأنه جؤجؤ سفينة. كتاب الجمل، ص 224 ط النجف.


والنفع من كراء دار وفائدة أرض وغيرها. وفي الحديث: (1233) وتاليه من ترجمته عليه السلام من تاريخ دمشق عن الثوري قال: ما بني علي آجرة على آجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولقد كان يجاء بحبوبه في جراب من المدينة ! ! ! وبمعناه رواه أحمد في الحديث الثامن والخامس عشر من باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل. (3) كذا في النسخة، وقال في كتاب الاخبار الطوال، ص 152،: وشخص علي عن البصرة، واستعمل عليها عبد الله بن العباس فلما انتهى إلى المربد، التفت إلى البصرة ثم قال: الحمد الذي أخرجني من شر البقاع ترابا، وأسرعها خرابا وأقربها من الماء، وأبعدها من السماء. والغلوة - كحربة -: مقدار رمية سهم. وعن أبي شجاع في خراجه: الغلوة: قدر ثلاثة مأة ذراع إلى أربعمأة، والجمع غلوات - كشهوة وشهوات -. وعن الليث: الفرسخ التام: خمس وعشرون غلوة.

[415]

- 128 - ومن كلام له عليه السلام لما أشرف على الكوفة قال الدينوري: ثم سار [علي عليه السلام من البصرة] فلما أشرف على الكوفة قال: ويحك يا كوفان ما أطيب هواؤك وأغذى تربتك، الخارج منك بذنب، والداخل إليك برحمة، لا تذهب الايام والليالي حتى يجئ إليك كل مؤمن، ويبغض المقام بك كل فاجر، وتعمرين حتى أن الرجل من أهلك ليبكر إلى الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة (1).


(1) وفي كتاب الخصائص: " أما لا تذهب الدنيا حتى يحن (كذا) اليك كل مؤمن، ويخرج عنك كل كافر (ظ) ولا تذهب الدنيا حتى تكوني من النهرين إلى النهرين، حتى ان الرجل ليركب البغلة الصفراء يريد الجمعة فلا يدركها ".

[416]

كتاب الاخبار الطوال، ص 152، وقريبا، منه جدا رواه السيد الرضي (ره) في كتاب خصائص أمير المؤمنين، ص 89 ط النجف، ورواه عنه في الحديث الثالث من الباب، (32) من أبواب المزار، من كتاب الحج من مستدرك الوسائل: ج 2 ص 205 ورواه أيضا الشيخ هادي (ره) في المختار (26) من الباب الاول من مستدرك النهج ص 49.

[417]

- 129 - ومن خطبة له عليه السلام لما ورد الكوفة قادما من البصرة قال نصر بن مزاحم المنقري (ره): أنبأنا عمر بن سعد ابن أبي الصيد الاسدي، عن الحارث بن حصيرة، عن عبد الرحمان بن عبيد أبي الكنود (1) وغيره: قالوا: لما قدم علي بن أبي طالب من البصرة إلى الكوفة يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من رجب - سنة ست وثلاثين. وقد أعز الله نصره وأظهره على عدوه - ومعه أشراف الناس وأهل البصرة، استقبله أهل الكوفة وفيهم قراؤهم وأشرافهم فدعوا له بالبركة (2) وقالوا: يا أمير المؤمنين أين تنزل ؟


(1) وقال في ترجمته من الطبقات الكبرى: ج 6 ص 177: واسمه عبد الله بن عوف. وقال بعضهم: عبد الله بن عويمر. روى عن علي وعبد الله [بن مسعود] وساق حديثا عنه بأنه صلى خلف علي فسلم تسليمتين، ثم قال: وكان ثقة وكان له أحاديث يسيرة. (2) قال في البحار: ج 8 ص 466 س 2 نقلا عن كتاب الكافية للشيخ المفيد: وعن عمرو ابن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أن أمير المؤمنين لما دنى إلى الكوفة مقبلا من البصرة، خرج الناس مع قرظة بن كعب يتلقونه، فلقوه دون نهر النضر بن زياد، فدنوا منه يهنونه بالفتح وإنه ليمسح العرق عن جبهته، فقال له: قرظة بن كعب: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي أعز وليك وأذل عدوك ونصرك على القوم الباغين الطاغين الظالمين. فقال له عبد الله بن وهب الراسبي: إي والله إنهم الباغون الظالمون الكافرون المشركون. فقال له أمير المؤمنين. ثكلتك أمك ما أقواك بالباطل، وأجراك على أن تقول ما لم تعلم، أبطلت يا ابن السوداء، ليس القوم كما تقول، لو كانوا مشركين سبينا [نساءهم] وعنمنا أموالهم وما ناكحناهم ولا وارثناهم. وفي كتاب صفين ص 5: عن سيف بن عمر، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباته،

[418]

أتنزل القصر ؟ فقال: لا، ولكني أنزل الرحبة. فنزلها وأقبل حتى دخل المسجد الاعظم فصلى فيه ركعتين، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال: أما بعد يا أهل الكوفة فإن لكم في الاسلام فضلا ما لم تبدلوا وتغيروا، دعوتكم إلى الحق فأجبتم وبدأتم بالمنكر فغيرتم، ألا إن فضلكم فيما بينكم وبين الله، فأما في الاحكام والقسم فأنتم أسوة من أجابكم ودخل فيما دخلتم فيه. ألا إن أخوف ما أخاف عليكم إتباع الهوى وطول


أن عليا لما دخل الكوفة قيل له: أي القصرين ننزلك ؟ قال: قصر الخبال لا تنزلونيه. فنزل على جعدة بن هبيرة المخزومي. ثم قال نصر: وعن الفيض بن محمد، عن عون بن عبد الله بن عتبة، قال: لما قدم علي الكوفة نزل على باب المسجد فدخل وصلى، ثم تحول فجلس إليه الناس فسأل عن رجل من أصحابه كان ينزل الكوفة، فقال قائل: استأثر الله به. فقال: إن الله لا يستأثر بأحد من خلقه، وقرأ: " وكنتم أمواتا فأحياكم، ثم يميتكم ثم يحييكم ". قال: فلما لحق الثقل قالوا: [يا أمير المؤمنين] أي القصرين تنزل ؟ فقال: قصر الخبال لا تنزلونيه. أقول: الخبال: إصابة الجنون. الفساد. الهلاك. ومراده عليه السلام منه هو قصر دار الامارة (2) لما كان أغلب النفوس يحسبون أن فضلهم وكرامتهم يوجب المساهلة والمماشاة معهم في الحقوق، دفع عليه السلام هذا الوهم والحسبان بأن فضلهم لدينهم إنما هو عند الله بالاختصاص بمزيدة الكرامة - إن استقاموا عليه ولم يحبطوه - في القيامة ويوم الجزاء، وأما في وضع الحقوق في الدنيا، وتفضيلهم على غيرهم في الفئ وقسم بيت المال فلا. والاسوة: التسوية والتساوي.

[419]

الامل، فأما إتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الامل فينسي الآخرة. ألا إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، والآخرة [قد] ترحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة (3) اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل. الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه، وأعز الصادق المحق، وأذل الناكث المبطل. عليكم [يا أهل هذا المصر] (4) بتقوى الله وطاعة من أطاع الله من أهل بيت نبيكم الذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا الله فيه، من المنتحلين المدعين المقابلين (5) إلينا، يتفضلون بفضلنا، ويجاحدونا أمرنا، وينازعونا حقنا، ويدافعونا عنه (6) فقد ذاقوا وبال ما اجترحوا فسوف يلقون غيا.


(3) وفي كثير من كلمه عليه السلام الواردة بهذا المساق بعد هذه الفقرة هكذا: " ولا تكونوا من أبناء الدنيا ".. (4) بين المعقفتين مأخوذ من كتاب الارشاد، والامالي للشيخ المفيد. (5) وفي بعض نسخ الكتاب - على ما حكي عنه - وكتاب الارشاد: " القائلين إلينا ". وفي أمالي الشيخ المفيد: " من المنتحلين المدعين الغالين الذين يتفضلون بفضلنا " الخ. (6) كذا في كتاب صفين وأمالي الشيخ المفيد بحذف نون الرفع في الافعال الثلاثة، وهذا دليل على أن نون الرفع قد يحذف بلا ناصب ولا جازم.

[420]

ألا إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم فأنا عليهم عاتب زار (7)، فاهجروهم وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا ليعرف بذلك حزب الله عند الفرقة (8). فقام إليه مالك بن حبيب اليربوعي - وكان صاحب شرطته - فقال: والله لارى الهجر وإسماع المكروه لهم قليلا، والله لئن أمرتنا لنقتلنهم. فقال علي [عليه السلام]: سبحان الله، يا مال جزت المدى، وعدوت الحد، وأغرقت في النزع ! فقال: يا أمير المؤمنين لبعض الغشم أبلغ في أمور تنوبك من مهادنة الاعادي ! ! ! (9) فقال علي: ليس هكذا قضى الله يا مال، قال (الله سبحانه): " النفس بالنفس " (10) فما بال الغشم ؟ وقال: " ومن


(7) كذا في أمالي الشيخ المفيد، وهو أظهر مما في كتاب صفين: " قد قعد عن نصرتي منكم رجال " الخ. و " زار ": اسم فاعل حذف منه الياء استثقالا، وهو مأخوذ من قولهم: " زرى عليه عمله - من باب رمى، والمصدر كرميا وقفلا وحكاية وموعظة ومرضاة - زريا وزريا وزراية ومزرية ومزراة. وتزرأه عليه وأزراه عليه إزراءا ": عابه عليه أو عاتبه. (8) وفي الامالي: " وأسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى ". ومعنى " حتى يعتبوا ": أي حتى يزيلوا عتابنا وإنكارنا عليهم، ويتركوا ما غضبنا عليهم من أجله ويرضونا عنهم. وقال في الحديث: (357) من ترجمته عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1 الورق 180 أو ص 363: قال أبو مخنف: قدم علي من البصرة إلى الكوفة في رجب سنة ست وثلاثين - وقال غيره: في رمضان سنة ست وثلاثين - ولما قدمها خطب فقال: إن قوما تخلفوا عني فأنبوهم وأسمعوهم ما يكرهون. (9) " الغشم " - كفلس -: الظلم. و " تنوبك ": تحدث لك وتصيبك. و " المهادنة " المداراة. (10) الآية: (45) من سورة المائدة، وأولها هكذا: " وكتبنا فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والسن بالسن والجروح قصاص " الخ. ثم إن في نسخة كتاب صفين هنا تصحيف، وصححناه على نقل ابن أبي الحديد عنه وعلى وفق أمالي المفيد.

[421]

قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " [33 - بني إسرائيل: 17]. والاسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك، وذلك هو الغشم وقد نهى الله عنه. فقام إليه أبو بردة بن عوف الازدي (11) - وكان ممن تخلف عنه - فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت القتلى حول عائشة والزبير وطلحة بم قتلوا ؟ قال [أمير عليه السلام: قتلو بما] قتلوا [من] شيعتي وعمالي، وقتلوا أخا ربيعة العبدي رحمة الله عليه في عصابة من المسلمين قالوا: لا ننكث كما نكثتم، ولا نغدر كما غدرتم. فوثبوا عليهم فقتلوهم، فسألتهم أن يدفعوا إلى قتلة إخواني أقتلهم بهم، ثم كتاب الله حكم بيني وبينهم، فأبوا علي فقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي، فقتلتهم بهم أفي شك أنت من ذلك ؟ قال:: قد كنت في شك، فأما الآن فقد عرفت واستبان لي خطاء القوم، وأنك أنت المهدي المصيب. كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم (ره) ص 3 ط 2 بمصر، ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح المختار: (43) من النهج: ج 3 ص 102. ومثله في الحديث الخامس، من المجلس، (15) من أمالي الشيخ المفيد، ص 82، وأيضا قطعة منه ذكرها الشيخ المفيد في الفصل: (29) مما اختار من كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد، ص 38، ورواه عنهم جميعا في البحار: ج 8 ص 465 باب خروجه عليه السلام من البصرة وقدومه الكوفة. ورواه أيضا ابن أعثم الكوفي كما في المترجم من تاريخه ص 184، ط الهند


(11) قال نصر عمن رواه له: وكان أشياخ الحي يذكرون أنه كان عثمانيا، وقد شهد مع علي على ذلك صفين، ولكنه بعدما رجع كان يكاتب معاوية، فلما ظهر معاوية أقطعه قطيعة بالفلوجة، وكان عليه كريما.

[422]

- 130 - ومن كلام له عليه السلام لما قدم عليه أهل السواد للتهنئة قال نصر: [حدث] عبد الله بن كردم بن مرثد، قال: لما قدم علي عليه السلام [الكوفة] حشر [إليه] أهل السواد، فلما اجتمعوا أذن لهم، فلما رأى كثرتهم قال: إني لا أطيق كلامكم ولا أفقه عنكم، فأسندوا أمركم إلى أرضاكم في أنفسكم وأعمه نصيحة لكم. قالوا: [أرضانا وأعمنا نصيحة] نرسا (1) ما رضي فقد رضيناه، وما سخط فقد سخطناه. فتقدم [نرسا] فجلس إليه، فقال [عليه السلام لنرسا]: أخبرني عن ملوك فارس


(1) لم أعثر على ترجمة للرجل، ولكن الذي أطمئن إليه ان هذا هو الذي ذكره جماعة - منهم ابن عساكر في ج 38 من تاريخ دمشق ص 47، ومنهم ابن الاثير في ترجمة علي عليه السلام من كتاب أسد الغابة: ج 4 ص 32 - من انه لما دخل عل عليه السلام الكوفة، دخل عليه رجل من حلفاء العرب فقال: " والله يا أمير المؤمنين لقد زينت الخلافة وما زانتك، ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج إليك منك إليها ". ولا ريب لي أن هذا الكلام صدر من هذا الرجل العظيم الايراني في أول ما دخل على أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجلس، كما أن ما ذكره ابن عبدربه أيضا كان من محاورات أمير المؤمنين عليه السلام مع الرجل في هذا المحفل، قال في العقد الفريد: ج 2 ص 124: وسأل [علي] عليه السلام كبيرا من كبراء الفرس: أي شئ لملوككم كان أحمد عندكم ؟ قال: كان لاردشير فضل السبق في المملكة، غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان. قال: أي أخلاقه كان أغلب عليه ؟ قال: الحلم والاناة. قال [عليه السلام]: هما توأمان ينتجهما علو الهمة. ولم أعثر للقصة ذكرا في غير كتاب صفين، ومن عدم اتساق القصة وعدم التام الكلام كما هو حقه يستكشف الاختلال في رواية كتاب صفين فعليك بالتنقيب. كما أن من إيكال أمير المؤمنين (عليه السلام) إليه أمر بنات كسرى - التي أرسل بهن خليد إليه عليه السلام على ما ذكره أيضا في كتاب صفين ص 12 - نستأنس بإسلامه.

[423]

كم كانوا ؟ قال: كانت ملوكهم في هذه المملكة الآخرة اثنين وثلاثين ملكا. قال: فكيف كانت سيرتهم ؟ قال: ما زالت سيرتهم في عظم أمرهم واحدة حتى ملكنا كسرى ابن هرمز، فاستأثر بالمال والاعمال، وخالف أولينا، وأخرب الذي للناس، وعمر الذي له واستخف بالناس، فأوغر نفوس فارس حتى ثاروا عليه فقتلوه، فأرملت نساؤه ويتم أولاده. فقال [عليه السلام]: إن الله عزوجل خلق الخلق بالحق، ولا يرضى من أحد إلا بالحق، وفي سلطان الله تذكرة مما خول الله، وإنها لا تقوم مملكة إلا بتدبير، ولا بد من إمارة ولا يزال أمرنا متماسكا ما لم يشتم آخرنا أولنا، فإذا خالف آخرنا أولنا وأفسدوا هلكوا وأهلكوا. [قال] ثم أمر [عليه السلام] عليهم أمراءهم، ثم بعث إلى العمال في الآفاق، وكان أهم الوجوه إليه الشام. كتاب صفين ص 14، ط 2 بمصر.

[424]

تتمة وفيها مهمة: قال المسعودي: وحدت الهيثم عن أبي سفيان عمرو بن يزيد، عن البراء بن يزيد، عن محمد بن عبد الله بن الحارث الطائي ثم أحد بني عفان: قال: لما أنصرف علي [عليه السلام] من الجمل [إلى الكوفة] قال لآذنه: من بالباب من وجوه العرب ؟ قال: [إن بالباب] محمد بن عمير بن عطارد التميمي، والاحنف بن قيس، وصعصعة بن صوحان العبدي - في رجال سماهم [الآذن] - فقال: ائذن لهم. [فأذن لهم] فدخلوا فسلموا عليه بالخلافة، فقال لهم: أنتم وجوه العرب عندي ورؤساء أصحابي فأشيروا علي في أمر هذا الغلام المترف - يعني معاوية - فأفتنت بهم المشورة عليه (1) فقال صعصعة: إن معاوية أترفه الهوى وحببت إليه الدنيا، فهانت عليه مصارع الرجال وابتاع آخرته بدنياهم، فإن تعمل فيه برأي (2) ترشد وتصب إن شاء الله، والتوفيق بالله وبرسوله وبك يا أمير المؤمنين، والرأي أن ترسل له عينا من عيونك وثقة من ثقاتك بكتاب تدعوه إلى بيعتك، فإن أجاب وأناب كان له مالك وعليه ما عليك، وإلا جاهدته وصبرت لقضاء الله حتى يأتيك اليقين (3) فقال علي [عليه السلام]: عزمت عليك يا صعصعة إلا كتبت


(1) يقال: " فتنه فتنا وفتونا - من باب ضرب والمصدر كالفلس والفلوس - وفتنه تفتينا وأفتنه إفتانا ": أعجبه. (2) كذا في الاصل. (3) المراد من اليقين - هنا -: الموت ونفاد العمر، ومثله في قوله تعالى في الآية (99) من سورة الحجر: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين "

[425]

الكتاب بيديك وتوجهت به إلى معاوية، واجعل صدر الكتاب تحذيرا " وتخويفا "، وعجزه استتابة واستنابة وليكن فاتحة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية، سلام عليك، أما بعد. ثم اكتب ما أشرت به علي، واجعل عنوان الكتاب: " ألا إلى الله تصير الامور ".: قال اعفني [يا أمير المؤمنين] من ذلك. قال: عزمت عليك لتفعلن. قال: أفعل. [فكتب] فخرج بالكتاب وتجهز وسار حتى ورد دمشق فأتى باب معاوية فقال لآذنه: إستأذن لرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - - وبالباب أزفلة (1) من بني أمية - فأخذته الايدي والنعال لقوله، وهو يقول: " أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ". وكثرت الجلبة واللغط، فاتصل ذلك بمعاوية، فوجه من يكشف الناس عنه، فكشفوا ثم أذن لهم فدخلوا فقال لهم: من هذا الرجل ؟ فقالوا: رجل من العرب يقال له: صعصعة بن صوحان معه كتاب من علي. فقال: والله لقد بلغني أمره، هذا أحد سهام علي وخطباء العرب، ولقد كنت إلى لقائه شيقا، ائذن له يا غلام. فدخل عليه فقال: السلام عليك يا ابن أبي سفيان، هذا كتاب أمير المؤمنين. فقال معاوية: أما إنه لو كانت الرسل تقتل في جاهلية أو إسلام لقتلتك، ثم اعترضه معاوية في الكلام وأراد أن يستخرجه ليعرف قريحته طبعا أم تكلفا [كذا] فقال: ممن الرجل ؟ قال: من نزار. قال: وما كان نزار ؟ قال: كان إذا غزا نكس، وإذا لقي افترس، وإذا انصرف احترس. قال: فمن أي أولاده أنت ؟ قال: من ربيعة. قال: وما كان ربيعة ؟ قال: كان يطيل النجاد، ويعول العباد ويضرب ببقاع الارض العماد. قال: فمن أي أولاده أنت ؟ قال: من جديلة. قال: وما كان جديلة ؟


(1) كذا في الاصل.

[426]

قال: كان في الحرب سيفا قاطعا وفي المكرمات غيثا نافعا، وفي اللقاء لهبا ساطعا. قال: فمن أي أولاده أنت ؟ قال: من عبد القيس. قال: وما كان عبد القيس ؟ قال: كان خصيبا خضرما أبيض، وهابا لضيفه ما يجد، ولا يسأل عما فقد، كثير المرق، طيب العرق، يقوم للناس مقام الغيث من السماء. قال: ويحك يا ابن صوحان فما تركت لهذا الحي من قريش مجدا ولا فخرا. قا ل: بلى والله يا ابن أبي سفيان، تركت لهم ما لا يصلح إلا بهم، ولهم تركت الابيض والاحمر، والاصفر والاشقر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر، وأنى لا يكون ذلك كذلك وهم منار الله في الارض، ونجومه في السماء ! ! ! ففرح معاوية وظن أن كلامه يشتمل على قريش كلها، فقال: صدقت يا ابن صوحان إن ذلك لكذلك. فعرف صعصعة ما أراد، فقال: ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد، بعدتم عن أنف المرعى، وعلوتم عن عذب الماء ! ! ! قال: فلم ذلك ويلك يا ابن صوحان ؟ ! قال: الويل لاهل النار، ذلك [العظمة] لبني هاشم. قال: قم. فأخرجوه. فقال صعصعة: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد، من أراد المشاجرة قبل المحاورة [كذا] فقال معاوية: لشئ ما سوده قومه، وددت والله أني من صلبه، ثم التفت إلى بني أمية فقال: هكذا فلتكن الرجال. أقول: هذه القصة ذكرها في أيام معاوية وسيره من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 39 ط بيروت، فإن صحت الرواية فهذا كان أول كتبه عليه السلام - بعد نزوله الكوفة - إلى معاوية. وبعض من هذا الحوار - عدا قصة الكتاب - ذكره بطرق في ترجمة صعصعة من تاريخ دمشق.

[427]

- 131 - ومن خطبة له عليه السلام لاول جمعة نزل الكوفة وصلى بها نصر بن مزاحم (ره) عن أبي عبد الله سيف بن عمر، عن الوليد بن عبد الله، عن أبي طيبة (1) عن أبيه، قال: أتم علي الصلاة يوم دخل الكوفة، فلما كانت الجمعة وحضرت الصلاة صلى بهم وخطب خطبة [كذا]. قال نصر: قال أبو عبد الله، عن سليمان بن المغيرة، عن علي بن الحسين [قال: هذه] خطبة علي بن أبي طالب (عليه السلام) في يوم الجمعة بالكوفة والمدينة: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستهديه (2) وأعوذ بالله من الضلالة، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، إنتجبه لامره، واختصه


(1) بفتح المهملة، وسكون الياء المثناة من تحت، ثم باء موحدة مفتوحة واسمه عبد الله بن مسلم السلمي المروزي كان قاضيا بمرو. كذا قيل. (2) كذا في البحار: ج 8 ص 466 نقلا عن كتاب صفين، وفي الطبعة الثانية بمصر هكذا: " إن الحمد لله، أحمده وأستعينه ".. وفي المحكي عن ابن أبي الحديد: " الحمد لله الذي أحمده ".. وفي الاخبار الطوال: " الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه وأومن به وأتوكل عليه "...

[428]

بنبوته، أكرم خلقه وأحبهم إليه، فبلغ رسالة ربه ونصح لامته وأدى الذي عليه. وأوصيكم بتقوى الله، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، وأقربه إلى رضوان الله، وخيره في عواقب الامور عند الله، وبتقوى الله أمرتم، وللاحسان والطاعة خلقتم، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه، فإنه حذر بأسا شديدا واخشوا الله خشية ليست بتعذير (3) واعملوا في غير رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له، ومن عمل لله مخلصا تولى الله ثوابه. وأشفقوا من عذاب الله، فإنه لم يخلقكم عبثا ولم يترك [شيئا] من أمركم سدى (4) قد سمى آثاركم، وعلم أعمالكم، وكتب آجالكم، فلا تغتروا بالدنيا فإنها غرارة لاهلها، مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما


* (3) أي بذات تعذير أي تقصير، بأن لم يبالغ فيها بل ومع التقصير يرى أنه مبالغ فيها. ومحصله لزوم بذل الوسع في خشية الله وعدم التواني فيها. ومن قوله: " فاخشوا الله - إلى قوله - من عمل له " ذكره في الحديث (12) من الباب: (116) من الكافي: ج 2 ص 217. (4) كلمة " شيئا " مأخوذة من كتاب الاخبار الطوال، والسياق أيضا يستدعيها، و " سدى ": مهملا. وهذا نظير قوله صلى الله عليه وآله المروي بين أهل السنة والشيعة جميعا: " ما من شئ يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، وما من شئ يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه ".

[429]

هي (5) وإن الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون. أسأل الله منازل الشهداء، ومرافقة الانبياء، ومعيشة السعداء، فإنما نحن به وله (6). كتاب صفين لنصر بن مزاحم (ره) ص 10، ط 2 بمصر، ورواها عنه في شرح المختار: (43) من النهج، لابن أبي الحديد: ج 3 ص 108، ورواها أيضا عنه في البحار: ج 8 ص 466، ورواها أيضا في الاخبار الطوال، ص 153، وكأنه منه أخذ في المختار: (80) من مستدرك النهج ص 98 ولهذه الالفاظ من كلامه عليه السلام مصادر كثيرة، كما أن لخطبة الجمعة صور وأسانيد، ومصادر عن الخاصة والعامة.


(5) كذا في جميع المصادر التي بيدي، والسياق في حاجة إلى كلمة: " عليها ". أو نحوها. (6) هذا هو الظاهر الموافق لما في كتاب الاخبار الطوال، وفي النسخة المطبوعة بمصر، من كتاب صفين: " فإنما نحن به أولى ".

[430]

- 132 - ومن كلام له عليه السلام قاله لرسله لما رجعوا من عند معاوية وأبلغوه ما قاله معاوية قال العسكري: أخبرنا أبو القاسم، عن العقدي، عن أبي جعفر، عن المدائني، عن عوانة، ويزيد بن عياض عن الزهري قال: ورد علي عليه السلام الكوفة بعد الجمل في شهر رمضان سنة ست وثلاثين، فعاتب قوما لم يشهدوا معه الجمل فاعتذر بعضهم بالغيبة، وبعضهم بالمرض، ثم استعمل عماله فكتب إلى معاوية مع ضمرة بن يزيد الضمري، وعمرو بن زرارة النخعي، يريده على البيعة، فقال لهما معاوية: إن عليا آوى قتلة ابن عمي، وشرك في دمه، فإن دفع إلى قتلته وأقرني على عملي بايعته (1)، وكتب بذلك معاوية إلى علي عليه السلام، فقال علي [عليه السلام]: يشرط علي معاوية الشروط في البيعة ؟ ويسأل مني قتلة عثمان ؟ والله ما قتلته ولا مالات على قتله، ويسألني أن أدفع إليه قتلة عثمان ؟ وما معاوية والطلب بدم عثمان ؟


(1) وقال البلاذري - تحت الرقم: (367) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 1، ص 371 من المصورة، ومن المطبوع: ج 2 ص 293 -: وفي رواية محمد بن إسحاق بن يسار: ان عليا كتب إلى معاوية يدعوه إلى بيعته وحقن دماء المسلمين، وبعث بكتابه مع ضمرة بن يزيد، وعمرو بن زرارة النخعي، فقال [معاوية]: إن دفع إلي قتله ابن عمي وأقرني على عملي بايعته، وإلا فإني لا أترك قتلة ابن عمي وأكون سوقة، هذا ما لا يكون ولا أقار عليه ! ! ! - (*)

[431]

وإنما هو رجل من بني أمية، وبنو عثمان أحق بالطلب بدم أبيهم، فإن زعم أنه أقوى على ذلك منهم فليبايعني وليحاكم إلي (1). فقال الوليد بن عقبة: ألا أبلغ معاوية بن صخر * فإنك من أخي ثقة مليم (2) قطعت الدهر كالسدم المعنى * تهدر في دمشق ولا تريم يمنيك الامارة كل ركب * بأنقاض العراق لها رسيم فإنك والكتاب إلى علي * كدابغة وقد حلم الاديم لك الخيرات فاحملنا عليهم * فخير الطالب الترة الغشوم وقومك بالمدينة قد أصيبوا * فهم صرعى كأنهم الهشيم فلو كنت القتيل وكان حيا * لشمر لا ألف ولا سؤوم فتمثل معاوية قول أوس بن حجر: ومستعجب مما يرى من أناتنا * ولو زبنته الحرب لم يترمرم ذيل المثل المعروف: " كدابغة وقد حلم الاديم " من كتاب جمهرة الامثال: ج 2 ص 158.


(1) وقريبا منه رواه عنه عليه السلام سليم بن قيس الهلالي في كتابه ص 161، في كلام طويل له عليه السلام. (2) أي ملوم وموبخ على ما تصنع.

[432]

- 133 - ومن كلام له عليه السلام قاله لجرير بن عبد الله البجلي السبط ابن الجوزي قال: روى الحسن البصري قال: قال علي عليه السلام لجرير بن عبد الله البجلي: يا جرير ما من عبد أنعم الله عليه بنعمة إلا كثرت حوائج الناس إليه، فمن قام فيها بما يحب الله عز وجل، عرض نعمته للبقاء، ومن قصر فيما يحب الله فقد عرض نعمته للزوال. أواخر الباب السادس من كتاب تذكرة الخواص، ص 168. وقريبا منه - مع صدر غير مذكور هنا - رواه في المختار: (372) من قصار نهج البلاغة، إلا أن فيه: أنه عليه السلام قاله لجابر بن عبد الله الانصاري. ولا تنافي بينهما.

[433]

- 134 - ومن كلام له عليه السلام دار بينه وبين مالك بن الحارث رحمه الله لما أراد أن يوجه جريرا إلى معاوية قال ابن الواضح: وخرج علي عليه السلام من البصرة، وقدم الكوفة في رجب سنة ست وثلاثين (1)، وكان جرير بن عبد الله على (ثغر) همدان [من بلاد إيران أميرا عليها من قبل عثمان، فطلبه علي عليه السلام فقدم عليه] فعزله، فقال [جرير] لعلي: وجهني إلى معاوية فإن جل من معه من قومي فلعلي أجمعهم على طاعتك. فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين لا تبعثه فإن هواه هواهم. فقال (عليه السلام): دعه يتوجه، فإن نصح كان ممن أدى أمانته، وإن داهن كان عليه وزر من أوتمن ولم يؤد الامانة ! ! ! [ثم قال عليه السلام]: يا ويحهم مع من يميلون ويدعونني، فوالله ما أردتهم إلا على إقامة حق، ولا يريدهم غيري إلا على باطل ! ! !


(1) وقال البلاذري - تحت الرقم: (356) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف -: قال أبو مخنف: قدم علي من البصرة إلى الكوفة، في رجب سنة ست وثلاثين. وقال غيره: في رمضان سنة ست وثلاثين.

[434]

[ثم كتب عليه السلام إلى معاوية وأرسله مع جرير إليه] (2). كذا في تاريخ اليعقوبي، ج 2 ص 173، ط الغري وبين المعقوفات زيادة يقتضيها السياق. وقال البلاذري - في الحديث (364) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب أنساب الاشراف: ج 1 ص 367، وفي المطبوع: ج 2 ص 284 -: المدائني عن عيسى بن يزيد الكناني [قال]: ان عليا لما بعث جرير بن عبد الله إلى معاوية ليأخذ له البيعة عليه، قدم عليه وهو جالس والناس عنده، فأعطاه كتاب علي فقرأه، ثم قام جرير فقال: يا أهل الشام إن من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير، قد كانت بالبصرة ملحمة إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للاسلام بعدها، فاتقوا الله وروئوا في علي ومعاوية وانظروا أين معاوية من علي وأين أهل الشام من المهاجرين والانصار، ثم انظروا لانفسكم فلا يكون أحد أنظر لها منها. ثم سكت جرير، وسكت معاوية فلم ينطق وقال: أبلعني ريقي يا جرير. فأمسك [جرير] فكتب [معاوية] من ليلته إلى عمرو بن العاص - وهو على ليال منه - في المصير إليه، وصرف جريرا بغير إرادته (2) وكان كتابه إلى عمرو:


(2) وقال نصر بن مزاحم في كتاب صفين ص 80: إن عليا عليه السلام قدم من البصرة في غرة شهر رجب من سنة ست وثلاثين، إلى الكوفة، وأقام بها سبعة عشر شهرا تجري الكتب بينه وبين معاوية، وعمرو بن العاص، حتى سار إلى الشام. وذكره عنه في شرح المختار (40) من نهج البلاغة من شرح ابن أبي الحديد: ج 3 ص 102. ثم إن أول كتاب بعثه عليه السلام مع جرير إلى معاوية ذكرناه في المختار: (45) من باب الكتب ج 4 ص 88. (2) أي من غير حصول مراده من معاوية، وهو أخذ البيعة منه لعلي عليه السلام.

[435]

أما بعد فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير، ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان في جماعة من أهل البصرة، ممن رفض عليا وأمره، وقدم علي جرير بن عبد الله في بيعة علي، وحبست نفسي عليك حتى تأتيني فأقدم على بركة الله وتوفيقه (3).


(3) وللرواية ذيل يأتي ذكره في مقدمات المختار: " 172 " ص 8.

[436]

- 135 - ومن كلام له عليه السلام مع نوف البكالي وهو ضيف له (1) قال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب، حدثنا سهل بن شعيب، عن أبي علي الصيقل، عن عبد الاعلى: عن نوف البكالي قال: رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق ؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين. فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، أولئك قوم اتخذوا الارض بساطا وترابها فراشا


(1) قال في مادة " نوف " من كتاب الصحاح: " نوف البكالي - بفتح الباء - كان حاجب علي عليه السلام. وقال ثعلب: هو منسوب إلى بكالة [بفتح أولها] قبيلة. وقال ابن أبي الحديد - في شرح المختار: (183) من النهج بعد ذكر ما تقدم عن الصحاح -: والصواب كسر الباء، وإنه من بني بكال حي من حمير على ما ذكره ابن الكلبي. أقول، سماع نوف الكلام من أمير المؤمنين وهو ضيف له، مما صرح به أيضا في رواية ابن عساكر، وقد ذكرناها في محل آخر وإليك سندها: قال في ترجمته من تاريخ دمشق: أخبرنا أبو منصور عبد الرحمان بن محمد بن عبد الواحد أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي، أتبأنا محمد بن أحمد بن رزقويه، أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق، أنبأنا محمد بن أحمد بن البرا (ء) حدثني المفضل بن حازم بن الصيف الحميري أنبأنا المسيب بن واضح السلمي أبو محمد بالرملة [ظ] حدثني مبشر بن إسماعيل الحلبي عن راشد بن منار [ظ] - قال المفضل: فقال: إن هذا خادم سعيد بن جبير - عن سعيد بن جبير، قال: قال نوف البكالي: استضفت علي بن أبي طالب في خلافته فثني لي وسادة وجعل يصلي مثنى [ظ] حتى إذا كان في السحر قال لي: يا نوف طوبى للزاهدين...

[437]

وماءها طيبا، والقرآن والدعاء دثارا وشعارا، قرضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام. يا نوف إن الله تعالى أوحى إلى عيسى: أن مر بني إسرائيل أن لا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة وأيد نقية، فإني لا أستجيب لاحد منهم ولاحد من خلقي عنده مظلمة يا نوف لا تكن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا، ولا جابيا ولا عشارا، فإن داود عليه السلام قام في ساعة من الليل (2) فقال: إنها ساعة لا يدعو عبد إلا استجيب له فيها، إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا أو صاحب عرطبة - وهو الطنبور - أو صاحب كوبة - وهو الطبل - ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب حليه الاولياء: ج 1 ص 79. ورواه أيضا في ترجمة جعفر بن مبشر - تحت الرقم: (3608) - من تاريخ بغداد: ج 7 ص 62، قال: أخبرنا أبو بشر محمد بن عمر الوكيل،


(2) كذا في هذه الرواية، وفي غير واحد من المصادر: " قام في مثل هذه الساعة من الليل ".

[438]

حدثنا محمد بن عمران بن موسى الكاتب، أخبرني محمد بن أحمد الكاتب، حدثنا عبيد الله بن محمد اليزيدي، حدثني جعفر بن مبشر، حدثنا عبد العزيز بن أبان، حدثني سهل بن شعيب السهمي [كذا] حدثني أبو علي - يعني جليسا لهم - عن عبد الاعلى، عن نوف البكالي قال: بايت عليا فأكثر الدخول والخروج والنظر في السماء، ثم قال لي: أنائم أنت يا نوف ؟ قلت: رامق أرمقك بعيني منذ الليلة يا أمير المؤمنين. قال: فقال لي: " يا نوف طوبى - وساق الحديث إلى قوله -: وأكف نقية ". ثم قال: وذكر باقي الحديث.

[439]

- 136 - ومن كلام له عليه السلام مع مولاه نوف بن فضالة - أو عبد الله - البكالي (1) برواية أخرى قال ابن عساكر: أخبرنا أبو الحسين بختيار بن عبد الله الهندي، أخبرنا أبو القاسم عبد الملك بن علي بن خلف بن شعبة البصري الحافظ بالبصرة، أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي بن بشار، إملاءا سنة خمس وأربعمأة، أنبأنا محمد بن عبد الله بن أبي زيد، أنبأنا مسيح بن حاتم، أنبأنا أبو بندار، أنبأنا أبو داود الطيالسي، أنبأنا سهل بن شعيب النهمي (2) عن عبد الاعلى - وأثنى عليه معروفا -: عن نوف البكالي فال: رأيت علي بن أبي طالب [ليلة] - وكان يكثر الخروج والنظر إلى السماء - فقال لي: أنائم أنت يا نوف ؟ قلت: لا بل رامق أرمقك بعيني (3) يا أمير المؤمنين. فقال علي [عليه السلام]:


(1) قال في ترجمته من تاريخ دمشق: ج 60 ص 6: نوف بن فضالة أبو يزيد - ويقال: أبو رشيد. ويقال: أبو عمرو. ويقال: أبو رشد - ابن الحميري البكالي ابن امرأة كعب الاحبار، من أهل دمشق ويقال: من أهل فلسطين. (2) كذا في النسخة، ومثله في دستور معالم الحكم، وفي ترجمة جعفر بن مبشر - تحت الرقم: (3608) - من تاريخ بغداد: ج 7 ص 162: " حدثني سهل بن شعيب السهمي، حدثني أبو علي - يعني جليسا لهم - عن عبد الاعلى، عن نوف " الخ. ورواه أيضا في باب الزهد وهو الباب (43) من تيسير المطالب من أمالي السيد أبي طالب عن أحمد بن إبراهيم عن عبد الرحمان بن أبي حاتم، عن سليمان بن داود الثقفي، عن أبي داود الطيالسي عن سهل بن شعيب، عن عبد الاعلى عن نوف... (3) أي اني ملاحظك بعيني ومديم النظر إليك، يقال: رمقه رمقا - من باب نصر -: لحظه لحظا خفيفا وأدام النظر إليه.

[440]

يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا والراغبين (4) في الآخرة، أولئك الذين (5) اتخذوا أرض الله بساطا وترابها فراشا وماءها طيبا، واتخذوا القرآن شعارا (6) والدعاء دثارا [ثم] قرضوا الدنيا قرضا (7) على منهاج المسيح، فإن الله أوحى (8) إلى عبده المسيح عليه السلام: أن قل لنبي إسرائيل: أن لا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيد نقية، وأخبرهم أني لا أقبل لاحد منهم دعوة ولاحد من خلقي قبله مظلمة يا نوف لا تكونن شرطيا ولا عريفا ولا عشارا، فإن


(4) ومثله في الخصال، وفي النهج وتاريخ بغداد، وأمالي المفيد: " الراغبين ". (5) ومثله في الخصال، وفي الامالي والنهج وتاريخ بغداد: أولئك قوم. (6) كذا في نهج البلاغة ودستور معالم الحكم، ولفظة: " القرآن " غير واضحة من نسخة ابن عساكر، وفي الامالي: " أولئك قوم يتخذون أرض الله بساطا، وترابه وسادا وكتابه شعارا ودعاءه دثارا " الخ. وفي تاريخ بغداد: " والكتاب شعارا، والدعاء دثارا ". (7) لفظة " ثم " غير موجودة في النسخة ولا في الامالي، بل هي مأخوذة من النهج ودستور معالم الحكم وتاريخ بغداد، وفي الخصال: " وقرضوا من الدنيا تقريضا ". (8) ومثله في دستور معالم الحكم، وفي الخصال: " إن الله عزوجل أوحى ". وفي تاريخ بغداد: يا نوف إن الله أوحى ".

[441]

[نبي الله] داودا [عليه السلام] (9) خرح ذات ليلة فقال: إن هذه ساعة لا يدعو الله فيها أحد إلا استجاب له إلا أن يكون عشارا (10) أو عريفا أو صاحب كوبة أو صاحب عرطبة. ترجمة نوف البكالي من تاريخ دمشق: ج 60 ص 6، ورواه أيضا بطريق أخر، ولكن لم يذكر المتن في جميعها بل ذكر السند فقط، فقال في أواسط الترجمة: أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد، أنبأنا أبو منصور الابرقوهي، وأبو عبد الله الخلال، قالا: أخبرنا أبو القاسم ابن مندة، أنبأنا أبو علي إجازة، وقال: وأخبرنا [كذا] أبو طاهر ابن مسلمة، أنبأنا علي بن محمد، قالا أنبأنا ابن أبي حاتم، قال: قال (ظ) نوف بن عبد الله [كذا] بت ليلة مع علي فقال: يا نوف أنائم أنت أم رامق. ثم قال ابن عساكر: أخبرنا أبو سعد إسماعيل ابن أبي صالح، وأبو الحسن مكي بن أبي طالب، قالا: أخبرنا أبو بكر ابن خلف، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق، أنبأنا محمد بن أحمد بن البراء،


(9) بين المعقوفات مأخوذ من دستور معالم الحكم. (10) قال في ترجمة سعيد بن عبد الملك من تاريخ دمشق: ج 20 ص 38: ان عليا وقف على باب بالكوفة، فاستسقى ماءا، فخرجت إليه جارية بإبريق ومنديل، فقال لها: يا جارية لمن هذه الدار، فقالت: لفلان القنطال [كذا] فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يشرب من بئر قسطال [كذا] ولا يستظلن في ظل عشار.

[442]

أنبأنا علي بن عبد الله، حدثني حسين الاشقر، أنبأنا شعيب بن عبد الله النهمي، عن أبي عبد الله النهمي، عن أبي عبد الله عن نوف قال: بت عند علي. فذكر كلاما (1). ثم إنه ينبغي ها هنا ذكر بعض الآثار الواردة المؤيدة لما تقدم فنقول: قال ابن عساكر: أخبرتنا أم المجتبى بنت ناصر قالت: أنبأنا إبراهيم ابن منصور، أنبأنا أبو بكر ابن المقري أنبأنا أبو يعلى الموصلي حدثنا القواريري حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد: عن الحسن (1) قال:: بعث زياد كلاب بن أمية الليثي على الابلة، فمر به عثمان بن أبي العاص فقال: يا أبا هارون ما يجلسك ههنا ؟ قال: بعثني هذا على الابلة. فقال: المكسر من بير عمله (2) ألا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ [سمعته] يقول: إن داود كان يوقظ أهله ساعة من الليل (و) يقول: يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه الساعة يستجاب


(1) أقول: وهذا رواه الحاكم في النوع (26) من كتاب معرفة علوم الحديث ص 131، وفيهما بعده هكذا: قال ابن المديني: فحدثني حسين [بالحديث] فقلت لحسين: ممن سمعته ؟ فقال: حدثنيه شعيب، عن أبي عبد الله، عن نوف. فقلت لشعيب: من حدثك بهذا ؟ قال: أبو عبد الله الجصاص. قلت: عمن ؟ قال: عن حماد القصار. فلقيت حمادا فقلت: من حدثك بهذا ؟ قال: بلغني عن فرقد السبخي، عن نوف. فإذا هو قد دلس عن ثلاثة، والحديث بعد منقطع، وأبو عبد الله الجصاص مجهول، وحماد القصار لا يدرى من هو ؟ وبلغه عن فرقد، وفرقد لم يدرك نوفا ولا رآه. قال المحمودي: هذا الكلام له طرق ومصادر وثيقة بين الخاصة والعامة غير ما ناقش فيه ابن المديني، فعدم اعتبار السند الذي ذكره - لو سلم - لا يضر اعتبار الكلام الذي له إسناد معتبر آخر. وقد أشرنا في المختار 135 وتواليه متنا وهامشا إلى تكثر طرقه ومصادره، وستقرؤه - إن شاء الله تعالى - في الباب الخامس من هذا الكتاب وفي المقالة العلوية الغراء، بإسناد ومصادر أخر. (1) والمراد منه الحسن البصري على ما صرح به في ختام الترجمة ص 171. (2) كذا في الاصل، وهي لغة في بئر.

[443]

الدعاء إلا لساحر أو عشار. قال فدعا بسفينة فركبها ثم رجع إلى زياد فقال: ابعث إلى عملك من شئت. (و) أخبرنا أبو القاسم ابن الحصين، أنبأنا أبو علي ابن المذهب، أنبأنا أحمد بن جعفر، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن الحسن قال مر عثمان ابن أبي العاص على كلاب بن أمية فذكر نحوه. وروي عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد [إلا انه] نسب فيه كلابا نسبة أخرى: أخبرناه أبو بكر محمد بن عبد الباقي أنبأنا أبو محمد الجوهري أنبأنا أبو الحسين ابن المظفر، حدثنا محمد بن محمد بن سليمان، حدثنا محمد بن أبان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد: عن الحسن أن زيادا استعمل كلاب بن عامر على الابلة، فمر به عثمان ابن أبي العاص فقال: ما لك ؟ قال، استعملني على الابلة. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خرج نبي الله داود صلوات الله عليه ذات ليلة فقال: لا يسأل الله الليلة أحد [شيئا] إلا استجيب له إلا أن يكون ساحرا أو عشارا. [قال:] فدعا بقرقر فركبه فأتاه فقال: ول عملك غيري فإني سمعت عثمان بن أبي العاص يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. (قال ابن عساكر:) وروي عن كلاب بن أمية من وجه آخر: أخبرناه أبو القاسم هبة الله بن محمد، أنبأنا أبو علي الحسن بن علي أنبأنا أبو بكر ابن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي حدثنا يزيد، أنبأنا حماد ابن زيد: عن الحسن قال: مر عثمان ابن أبي العاص على كلاب بن أمية وهو جالس على مجلس العاشر بالبصرة، فقال: ما يجلسك ههنا ؟ قال: استعملني هذا

[444]

- يعني زيادا - على هذا المكان. فقال له عثمان: ألا أحدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: بلى. فقال عثمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كان لدواد نبي الله صلى الله عليه وسلم من الليل ساعة يوقظ فيها أهله [و] يقول [لهم]: يا آل داود قوموا فصلوا فإن هذه ساعة يستجيب الله فيها الدعاء إلا لساحر أو عشار [قال:] فركب كلاب بن أمية سفينة فأتى زيادا فاستعفاه فأعفاه. ترجمة كلاب بن أمية الليثي من تاريخ دمشق: ج 46 ص 17. وأيضا قال ابن عساكر: (و) أخبرناه أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي وزوجه رابعة [ظ] بنت معمر اللبنانية، وأبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل، قالوا: أنبأنا أبو الطيب بن سكة (1) وهو محمد بن أحمد بن إبراهيم - زاد أبو سعد، وأبو المظفر محمود بن جعفر بن محمد الكوسج - وأبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن مندة، ومحمد بن أحمد بن علي بن شكرويه، قالوا: أنبأنا أبو علي بن البغدادي حدثنا أبي علي بن أحمد بن سليمان، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس، حدثنا أبوالجماهر محمد بن عثمان، حدثنا خليد بن دعلج، عن سعيد بن عبد الرحمان: عن كلاب بن أمية: انه لقي عثمان بن أبي العاص فقال له: ما جاء بك ؟ قال: استعملت على عشور الابلة. فقال عثمان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عزوجل يدنوا من خلقه فيغفر لمن استغفره إلا لبغي بفرجها (2) أو العشار. (قال ابن عساكر:) وسقط من حديث إسماعيل ذكر علي بن أحمد ولا بد منه، و (الحديث) روي عن خليد، عن كلاب نفسه:


(1) هذا ظاهر رسم الخط، ويحتمل على بعد أن يقرء: سمكة. (2) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " لفرجها ".

[445]

أخبرناه (1) أبو القاسم ابن السمرقندي أنبأنا أبو القاسم ابن مسعدة، أنبأنا حمزة بن يوسف، أنبأنا أبو أحمد ابن عدي حدثنا محمد بن أحمد بن هارون، حدثنا ابن أبي العوام، حدثنا سلمة بن سليمان، حدثنا خالد بن دعلج [كذا]: عن كلاب بن أمية انه لقي عثمان بن أبي العاص فقال: ما جاء بك ؟ قال: استعملت على عشور الابلة. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدنوا من خلقه فيغفر لمن استغفر [ه] إلا لبغي بفرجها أو العشار. (قال ابن عساكر): وروي عن حماد عن الحسن (2). أقول: وفي مادة " شحن " من تاج العروس أيضا شواهد لما هنا وإن كان بعضها بعيدا عن الصواب غير خال عن التحامل.


(1) أي ما روي عن خليد، عن كلاب نفسه. (2) وهذا قد تقدم ذكره في ص 443 نقلا عنه.

[446]

- 137 - ومن كلام له عليه السلام مع نوف البكالي الشامي (1) الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين (ره) قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رحمه الله، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، قال: حدثنا المغيرة بن محمد، قال: حدثنا بكر بن خنيس، عن أبي عبد الله الشامي: عن نوف البكالي قال: أتيت أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو في رحبة مسجد الكوفة، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام يا نوف ورحمة الله وبركاته. فقلت له: يا أمير المؤمنين عظني. فقال: يا نوف أحسن يحسن إليك. فقلت: زدني يا أمير المؤمنين. فقال: يا نوف ارحم ترحم. فقلت: زدني يا أمير المؤمنين. قال: يا نوف قل خيرا تذكر بخير.


(1) قيل: البكال - ككتاب -: بطن من حمير، منهم نوف هذا. وقيل: بكال كشداد.

[447]

فقلت: زدني يا أمير المؤمنين. قال: [يا نوف] اجتنب الغيبة فإنها إدام كلاب النار. ثم قال: يا نوف كذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يأكل لحوم الناس بالغيبة، وكذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يبغضني ويبغض الائمة من ولدي، وكذب من زعم أنه ولد من حلال وهو يحب الزنا، وكذب من زعم أنه ولد من حلال وهو مجترئ على معاصي الله كل يوم وليلة. يا نوف اقبل وصيتي: لا تكونن نقيبا ولا عريفا ولا عشارا ولا بريدا. يا نوف صل رحمك يزد الله في عمرك، وحسن خلقك يخفف الله حسابك يا نوف إن سرك أن تكون معي يوم القيامة فلا تكن للظالمين معينا. يا نوف من أحبنا كان معنا يوم القيامة، ولو أن رجلا أحب حجرا لحشره الله معه.

[448]

يا نوف إياك أن تتزين للناس، وتبارز الله بالمعاصي فيفضحك الله يوم تلقاه. يا نوف احفظ عني ما أقول لك تنل به خير الدنيا والآخرة. الحديث (9) من المجلس: (37) من أمالي الشيخ الصدوق (ره) ص 185، وفي ط ص 104، وفي ط ص 102، ورواه أيضا الشيخ الزاهد ورام بن أبي فراس في كتاب تنبيه الخواطر، ص 574 مرسلا، وكأنه ذكره أيضا في كتاب جواهر المطالب ص 48 ولكن الكتاب لم يحضرني الآن.

[449]

- 138 - ومن كلام له عليه السلام في نعته شيعته والمتمسكين بولايته قال ابن عساكر: أخبرنا جدي أبو المفضل يحي بن علي القطان القاضي، أنبأنا أبو القاسم علي بن محمد الفقيه. وأخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه، أنبأنا عبد العزيز بن أحمد، قالا: أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم، أنبأنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي (ظ) أنبأنا الحسين بن محمد بن الحسن بن مصعب، أنبأنا يزيد بن محمد: أبو خالد الثقفي، أنبأنا حسان بن سدير (1) عن سدير، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن آبائه عن علي، قال: قال علي - لنوف الشامي مولاه وهو معه على سطح -: يا نوف أنائم أم نبهان ؟ قال: نبهان أرمقك (2) يا أمير المؤمنين. قال: [يا نوف] تدري من شيعتي ؟ قال: لا والله. قال: إن شيعتي (3) إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن مرضوا لم يعادوا.


(1) ورواه أيضا في كنز الفوائد، ص 30 قال: أخبرني أبوالمرجا محمد بن طالب البلدي، عن أبي المفضل الشيباني، عن عبد الله بن جعفر الازدي، عن خالد بن يزيد الثقفي، عن أبيه عن حنان بن سدير (كذا) عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه عن جده انه قال لمولاه نوف الشامي وهو معه في السطح الخ. (2) نبهان كيقظان لفظا ومعنى، من قولهم: " نبه من نومه - من باب فرح - نبها " كقفلا -: استيقظ. و " أرمقك " من باب نصر -: أديم النظر إليك. (3) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " فإن شيعتي ".

[450]

شيعتي من لم يهر هرير الكلب (4) ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس (5) وإن مات جوعا، وإن رآى مؤمنا أكرمه، وإن رآى فاسقا هجره. شيعتي الذين هم في قبورهم يتزاورون (6) وفي أموالهم يتواسون، وفي الله تعالى يتباذلون. يا نوف درهما ودرهما [وثوبا وثوبا وإلا فلا] (7). [هؤلاء - والله يا نوف - شيعتي، شرورهم مأمونة] وقلوبهم محزونة، وحوائجهم خفيفة وأنفسهم عفيفة،


(4) كذا في النسخة، قال ابن عساكر: وقال جدي: الكلاب. وفي كنز الفوائد: شيعتي من لا يهر هرير الكلب [بالراء المهملة] ولا يطمع - إلى أن قال: - ولا يسأل الناس " الخ. يقال: " هر الكلب - من باب فر - هريرا ": صاح دون نباح. و " هر فلان في وجه السائل - من باب فر، ومد - هرا وهريرا: صوت وعبس وجهه. والقوس: صوتت. لي ثم إن في نسخة ابن عساكر: " من لم يهز هزيز الكلب " بالزاء المعجمة، والظاهر انه مصحف. (5) الظاهر ان المراد من الناس - هنا - جماعة معهودة وهم جماهير أعدائه عليه السلام، وهذا نظير قوله تعالى في الآية (173) من سورة آل عمران: " الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم ". (6) كذا في النسخة، ومثلها في كنز الفوائد. ولعل الاصل كان: " في قصورهم " أي منازلهم، أو يقال: إنما عبر بالقبور. لان الدنيا ومنازلها سجن وقبر للمؤمنين. (7) كذا في كنز الفوائد، غير انه ذكرها مرفوعا، وإنما نقلناها منصوبة لتوافق ما في النسخة وهو هكذا: " يا نوف درها ودرها ". ويحتمل قويا صحة ما في نسخة ابن عساكر، بأن يكون هذا مدحا للشيعة لكونهم يتواسون في اموالهم ويتباذلون في الله، أي الله در شيعتي، لله در شيعتي.

[451]

إختلف بهم الابدان، ولم تختلف قلوبهم (8). قال [نوف]: قلت: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، فأين أطلب هؤلاء ؟ قال: [اطلبهم] في أطراف الارض. هؤلاء والله يا نوف شيعتي (9). [يا نوف] يحي الله النبي (10) صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وهو آخذ بحجزة ربه (11) وأنا آخذ بحجزته، وأهل بيتي آخذون بحجزتي، وشيعتي آخذون بحجزتنا (2) فإلى أين [يا] نوف ؟ إلى الجنة ورب الكعبة (13) [إلى الجنة ورب الكعبة، إلى الجنة ورب الكعبة].


(8) كذا في كنز الفوائد، وفي نسخة تاريخ دمشق هكذا: " حوائجهم خفيفة، أنفسهم عفيفة قلوبهم محزونة، اختلف بهم البلدان [كذا] ولم تختلف قلوبهم ". (9) أي الموصوفون بما تقدم شيعتي. وهذا ينبغي ان يقع بعدما يأتي من قوله: " أما الليل فصافون أقدامهم - إلى قوله: - قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح عيسى بن مريم ". كما هو كذلك في الكنز. (10) وفي كنز الفوائد: " يا نوف يجئ النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة آخذا بحجزة ربه جلت أسماؤه - يعني بحبل الدين وحجزة الدين - وأنا آخذ بحجزته، وأهل بيتي آخذون بحجزتي. (11) الحجزة - كغرفة -: وسط الانسان وهو محل شد الازار ومعقده، والكلام كناية عن الاعتصام والتمسك والاستجارة بالله تعالى، وهذه الاستعارة والكناية أمر شائع في غير العربية أيضا كما في قول الايرانيين: كمر أو را بكير. دست بدامنش بزن. دامن أو را كرفتم. وقال في الاساس: أخذت بحجزته: استظهرت به. وهو مجاز. (12) كذا في كنز الفوائد، وفي نسخة تاريخ دمشق: " بحجزه ". (13) وبعدها في كنز الفوائد، وتاريخ دمشق: " [قال نوف:] قالها ثلاثا ".

[452]

أما الليل فصافون أقدامهم (14) مفترشون جباههم، تجري دموعهم على خدودهم يناجون [ربهم] في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء نجباء (15) كرام أبرار أتقياء. يا نوف بشر الزاهدين، نعم [الساعة] ساعة الزاهدين. أما إنها ساعة لا يسأل الله فيها عبد شيئا إلا أعطاه ما لم يكن جائرا (16) أو عاشرا أو ساحرا أو ضارب كوبة أو ضارب عرطبة. يا نوف شيعتي الذين اتخذوا الارض بساطا والماء طيبا والقرآن شعارا، [و] قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح عيسى بن مريم. ترجمة نوف البكالي من تاريخ دمشق: ج 60 ص 7.


(14) وهذا وما بعده مقدم في كنز الفوائد، على ما مر - هنا - تحت الرقم (10 - 13). (15) وفي كنز الفوائد: " وأما النهار فحلماء علماء، كرام نجباء، أبرار أتقياء ". (16) رسم الخط من هذه الكلمة غير جلي في النسخة، فيحتمل أيضا: " جابيا " كما هي كذلك في رواية أبي نعيم في حلية الاولياء ج 1 ص 79.

[453]

- 139 - ومن كلام له عليه السلام في صفة المتقين ونعت الكملين من شيعته، وهو من غرر كلمه عليه السلام المروية من طرق ووجوه كثيرة (1). قال العلامة الكراجكي رحمه الله: أخبرني أبوالمرجا: محمد بن طالب البلدي، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن أحمد بن محمد الوابشي، عن عاصم بن حميد. وعن أبي المفضل، عن محمد بن علي البندار، عن الحسن بن علي بن بزيع، عن مالك بن إبراهيم، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي: عن يحيى بن أم الطويل (2) انه أخبره عن نوف البكالي قال: عرضت لي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [عليه السلام] حاجة، فاستتبعت إليه جندب بن زهير، والربيع بن خيثم (1) - وكان من أصحاب البرانس - فأقبلنا معتمدين لقاء أمير المؤمنين [عليه السلام] فألفيناه حين خرج يؤم المسجد،


(1) فرواه سليم بن قيس الهلالي (ره) في كتابه، وثقة الاسلام الكليني - أعلى الله مقامه - في الكافي، والشيخ الصدوق رحمه الله في كتاب الامالي والسيد الرضي وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين. (2) وفي النسخة: " عن أبي حمزة الثمالي، عن رجل من قومه، يعني يحي بن أم الطويل " الخ وإنما غيرنا العبارة لاجل التهذيب. (1) يقال: استتبعه ": طلب منه أن يتبع. أي طلبت من جندب والربيع أن يتبعاني إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويوافقاني في المضي إليه. وجندب بن زهير كان من شجعان أصحابه ممن كان يخاف سطوته ويكره مبارزته. والربيع بن خيثم - بفتح الخاء وسكون الياء ثم الثاء المفتوحة -: أحد الزهاد الثمانية المعروفة.

[454]

فأفضى - ونحن معه - إلى نفر مبدنين قد أفاضوا في الاحدوثات تفكها وبعضهم يلهي بعضا (2) فلما أشرف لهم أمير المؤمنين [عليه السلام] أسرعوا إليه قياما، فسلموا فرد [عليه السلام] التحية ثم قال [لهم]: من القوم ؟ قالوا: أناس من شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال لهم: خيرا ثم قال لهم: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا وحلية أحبتنا أهل البيت ؟ فأمسك القوم حياءا، قال: نوف: فأقبل عليه جندب، والربيع (3) فقالا: ما سمة شيعتكم وصفتهم يا أمير المؤمنين ؟ فتثاقل عن جوابهما وقال [لهما]: إتقيا الله أيها الرجلان، وأحسنا فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (4). فقال همام بن عبادة - وكان عابدا مجتهدا -: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم وفضلكم تفضيلا إلا أنبأتنا بصفة شيعتكم. فقال [عليه السلام لهمام]: لا تقسم فسأنبئكم جميعا، فأخذ بيد همام ودخل المسجد فسبح ركعتين أوجزهما وأكملهما وجلس وأقبل علينا، وحف القوم به، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال:


(2) ألفيناه: وجدناه. وأفضى إلى كذا: انتهى إليه ووصل إليه. ومبدنين: عظيمي الجسم كثيري اللحم. والاحدوثات: جمع الاحدوثة: ما يتحدث به حقا كان أو باطلا، إلا أن الصادر من أهل الدنيا والواقع منهم في الخارج هو التحدث بالباطل والهزل. والافاضة في الاحدوثات: هو الخوض فيه والاندفاع والاسراع إليه كاندفاع الماء والسيل من أعلى الوادي إلى أسفله. وتفكها: إلتذاذا وتمتعا كالتمتع والالتذاذ بأكل الفاكهة. (3) والذي في غير واحد من طرق هذه القضية ان هماما سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن نعت المتقين، بخلاف هذه الرواية فإنها صريحة في أن جندب والربيع سألاء ابتداءا ثم سأله همام عن نعت الشيعة، أقول لا تنافي بين الروايات، لان المخلصين من الشيعة هم المتقون، والمتقون هم الشيعة المخلصون لا غير، وأما سؤال جندب والربيع فهذه الرواية ناطقة به، وغيرها ساكتة عنه ولا تعارض بين الساكت والناطق. (4) اقتباس من الآية: (128) من سورة النحل: 16، وفيها: إن الله.. ".

[455]

أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خلق خلفه، فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته، وقسم بينهم معايشهم ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم [كذا]، وهو في ذلك غني عنهم لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه منهم، لكنه تعالى علم قصورهم عما تصلح عليه شؤنهم وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم وآجلهم، فارتبطهم بإذنه في أمره ونهيه (5) فأمرهم تخييرا وكلفهم يسيرا، وأثابهم كثيرا، وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته بين المؤجف من أنامه إلى مرضاته ومحبته، وبين المبطئ عنها (6) والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته، فذلك قول الله عزوجل: أم حسب الذين


(5) دهماؤهم: جماعتهم وبنو نوعهم. وارتبطهم في أمره ونهيه: أوثقهم وشدهم. والمراد من الاذن - هنا - العلم، أي إنه تعالى بحكمته وعلمه شد عباده بأوامره ونواهيه كيلا يطغوا ولا يوقعوا أنفسهم في الهلاكة، كما يربط ويوثق الدابة الجموح لكي لا يهلك نفسها وغيرها. (6) يقال: " ماز يميز ميزا، وميز وأماز الشئ ": فرزه عن غيره، ووسمه بعلامة تعرف بها عن غيره. والموجف: المسرع. والمبطئ: خلافه، أي إن الله تعالى بحكمه العدل وحكمته البالغة فرق بين المسارعين إلى طاعته وبين المبادرين إلى معصيته، وعلم جباه كل واحد من الفريقين بعلامة، فيعرف المجرمون بسيماهم، فينادون: " وامتازوا اليوم أيها المجرمون ".

[456]

اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [21 - الجاثية: 45]. ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه بده على منكب همام بن عبادة، فقال: ألا [و] من سأل عن شيعة أهل البيت - الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في كتابه مع نبيه تطهيرا - فهم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل والفواضل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته (7) وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء، كالذين نزلت منهم في الرخاء رضى عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من العقاب.


(7) يقال: " بخع نفسه - من باب منع - بخعا ": أنهكها وكاد يهلكها من غضب أو غم. وبخع له نصحه: أخلصه. وبخع بخوعا وبخاعة - كسرورا وعلامة - بالحق: أقربه وأذعن.

[457]

عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن [قد] رآها فهم على أرائكها متكؤن، وهم والنار كمن [قد] دخلها وهم فيها معذبون [ظ] قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، ومعونتهم في الاسلام عظيمة (8) صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، وتجارة مربحة يسرها لهم رب كريم (9) أناس أكياس أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها (10) أما الليل فصافون [فيصافون " ظ خ ل "] أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا (11) يعظون أنفسهم بأمثاله،


(8) أما نحافة أجسادهم فلقيامهم بالحق علما وعملا، وصرف جهدهم فيما يسعدهم. وأما خفة حوائجهم فلاقتصارهم على البلغة، ورفضهم عادة المترفين الذين غرتهم الدنيا. وأما عفتهم فلما يعلمون من مضرة الشره من دخول النار، وفوات الحور والقصور في دار الآخرة، ومن كان كذلك فلا بد أن تكون معونته في الدين عظيمة. (9) أي أعقبت الايام القليلة التي صبروا فيها راحة وتجارة مريحة سهلها وهيأها ربهم الكريم. وإرباح التجارة: نماؤها وزيادتها بالمبادلة، في مقابل الخاسرة التي توجب نقص رأس المال. (10) أي لم يستجيبوا دعوتها فجعلوها عاجزة عن حصول طلبها. وفي نهج البلاغة: " وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها، أما الليل " الخ. (11) وفي نهج البلاغة: " تالين لاجزاء القرآن " الخ والترتيل: تنظيم الكلام تنظيما حسنا، وبيانه بيانا أنيقا.

[458]

ويستشفون لدائهم بدوائه تارة (12) وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما، ويجأرون إليه جل جلاله في فكاك رقابهم (13) هذا ليلهم. فأما النهار فحلماء علماء، بررة أتقياء براهم خوف باريهم فهم أمثال القداح، يحسبهم الناظر إليهم مرضى - وما بالقوم من مرض - أو قد خولطوا وقد خالط القوم من عظمة ربهم وشدة سلطانه أمر عظيم طاشت له قلوبهم (13) وذهلت منه عقولهم، فإذا استقاموا (14) من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزاكية،


(12) وفي نهج البلاغة: " يحزنون به أنفسهم ويستثيرون دواء دائهم، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم ". (13) يقال: يجأرون إليه جأرا وجؤارا - من باب منع، والمصدر كالمنع والخوار -: يتضرعون إليه. يرفعون أصواتهم بالدعاء. (13) طاش يطيش طيشا قلبه: ذهب. وهو من باب " باع ". (14) أي إذا حصلت لهم الافاقة والاستقامة من ذهاب قلوبهم وذهول عقولهم يتبادرون إلى التقرب إلى الله بالاعمال الزاكية.

[459]

لا يرضون له بالقليل ولا يستكثرون له الجزيل (15) فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون، وقال: أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي (16) اللهم لا تواخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، فإنك علام الغيوب وساتر العيوب هذا [كذا]. ومن علامة أحدهم أن ترى له قوة في دين (17) وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في رفق (18) وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا في حلال، وتعففا في طمع، وطمعا


(15) وفي نهج البلاغة: " لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستكثرون الكثير ". (16) وفي نهج البلاغة: " إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له، فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم مني بنفسي، اللهم لا تواخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون ". (17) وفي نهج البلاغة: " أنك ترى له قوة في دين ". (18) الكيس - بفتح الكاف -: الظرافة والفطانة. والرفق - كحبر -: لين الجانب واللطف.

[460]

في غير طبع (19) ونشاطا في هدى واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة. لا يغره ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل (20) وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر، ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكرهه، لم يعطها سؤلها فيما تسره (21) رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى قد قرن العمل بالعلم، والعلم بالحلم، يظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه ذاكرا ربه، قانعة نفسه عازبا جهله (22) محرزا دينه ميتا داؤه، كاظما غيظه، صافيا


(19) أي في غير دناءة ودناسة ولئامة، وهو من باب فرح. (20) أي يعد نفسه بطيئا في العمل، وما فعله يراه قليلا. (21) هذا هو الظاهر من السياق، وفي النسخة: " إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما إليه تسره ". وفي النهج: " لم يعطها سؤلها فيما تحب ". (22) أي غائبا غير حاضر، وبعيدا غير قريب.

[461]

خلقه، آمنا منه جاره سهلا أمره، معدوما كبره بينا صبره كثيرا ذكره، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء (23) الخير منه مأمول، والشر منه مامون إن كان بين الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه. قريب معروفه، صادق قوله حسن فعله مقبل خيره، مدبر شره غائب مكره (24). في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد ما عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه، لا يضيع ما استحفظه، ولا ينابز بالالقاب (25) لا يبغي على أحد، ولا يغلبه الحسد،


(23) وهذا هو حد الاعتدال الذي قلما يوجد فاعله. (24) وفي النهج: " بعيدا فحشه، لينا قوله، غائبا منكره حاضرا معروفه، مقبلا خيره مدبرا شره ". (25) والمراد منه الالقاب القبيحة التي يشمئز ويتأنف من الانتساب إليها والاتصاف بها أي لا

[462]

ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصاب، مؤد للامانات، عامل بالطاعات، سريع إلى الخيرات، بطئ عن المنكرات يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه لا يدخل في الامور بجهل، ولا يخرج من الحق بعجز، إن صمت لم يعبه الصمت، وإن نطق لم يعبه اللفظ (26) وإن ضحك لم يعل به صوته، قانع بالذي قدر له، لا يجمح به الغيظ (27) ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح، يخالط الناس بعلم، ويفارقهم بسلم، يتكلم ليغنم ويسأل ليفهم، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أراح الناس من نفسه، وأتعبها لآخرته، إن بغي عليه صبر ليكون الله هو المنتصر، يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله، فهو قدوة لمن خلف من طالب البر بعده،


يلقب غيره بلقب يكرهه ويتنفر منه، ومنه قوله تعالى في الآية: (11) من سورة الحجرات: " ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الايمان.. ". (26) وفي النهج: " إن صمت لم يغمه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته ". (27) أي إذا غاظ المؤمن على أحد أو من شئ لا يتغلب غيظه عليه بحيث يوقعه في المهالك ويسرع إلى تشفي غيظه والاضرار بمن غاظ عليه بحيث لا يمكن رده عن هواه كالفرس الجموح المستعصي على راكبه.

[463]

أولئك عمال الله مطايا [و] أمره وطاعته، وسرج أرضه وبريته، وأحبتنا ومنا ومعنا، ألا ها [ه] شوقا إليهم. (قال:) فصاح همام بن عبادة صيحة وقع مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا رحمة الله عليه، فاستعبر الربيع باكيا وقال: لاسرع ما أودت (28) موعظتك - يا أمير المؤمنين - بابن أخي، ولوددت لو أني بمكانه. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها أما والله لقد كنت أخافها عليه. فقال له قائل: فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: (عليه السلام): ويحك إن لكل واحد أجلا لا يعدوه، وسببا لن يجاوزه، فمهلا لا تعد لها فإنما بعثها على لسانك الشيطان (29). قال: فصلى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) عشية ذلك اليوم وشهد جنازته ونحن معه. قال: [يحي بن أم الطويل: حدثني نوف بذلك] فصرت إلى الربيع بن خيثم، فذكرت له ما حدثني نوف، فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تقبض، وقال: صدق أخي، لا جرم إن موعظة أمير المؤمنين وكلامه ذلك مني بمرئ ومسمع، وما ذكرت ما كان من همام بن عبادة يومئذ وأنا في بلهنية إلا كدرها (30) ولا شدة إلا فرجها. كنز الفوائد، ص 31 ط 1، ورواه عنه في الحديث (49) من الباب (20):


(28) أي أثرت عليه، أو عطفت وانحنت عليه لازقة بقلبه. (29) وفي النهج: " فمهلا لا تعد لمثلها فإنما نفث الشيطان على لسانك ". (30) بلهنية - على زنة خزعبلة -: الرخاء والسراء.

[464]

من القسم الاول من المجلد الخامس عشر من البحار، ص 154، ورواه أيضا في كتاب سليم بن قيس ص 211، ورواه أيضا في الحديث الاول من باب صفات المؤمن وعلاماته وهو الباب: (99) من أصول الكافي: ج 2 ص 226، بسند آخر، كما رواه أيضا في الحديث (35) من كتاب صفاة الشيعة بسند آخر، وكذلك رواه أيضا الصدوق (ره) في الحديث الثاني من المجلس: (84) من أماليه ص 342، وفي ط ص 271. كما رواه أيضا في المختار: (190) من نهج البلاغة.

[465]

- 140 - ومن كلام له عليه السلام قال ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم العلوي، أنبأنا رشا [ء] المقري أنبأنا أبو محمد المصري، أنبأنا أبو بكر المالكي، أنبأنا محمد بن عبد العزيز الدينوري أنبأنا أبي، عن وكيع، عن عمرو بن منبه، عن أوفى بن دلهم [كذا] عن علي ابن أبي طالب [عليه السلام] انه قال: تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه الحق تسعة أعشاره، وإنه لا ينجو منه إلا كل نومة منن الداء (1) أولئك أئمة الهدى، ومصابيح العلم، ليسوا بالعجل المذاييع اليذر (2)


(1) كذا في النسخة، وهذا الصدر: رواه أحمد في الحديث الثالث من باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل عن وكيع، عن عمرو بن منبه السعدي، عن عوف بن دلهم العدوي، عنه عليه السلام، وهاتان الكلمتان غير موجودة فيه. (2) قال في مادة:: " بذر " من النهاية: ومنه حديث علي رضي الله عنه في صفة الاولياء: " ليسوا بالمذاييع البذر ". (هو) جمع بذور. يقال: بذرت الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب: أي أفشيته وفرقته. وقال في مادة: " نوم " من الفائق: ج 4 ص 31: ذكر علي عليه السلام آخر الزمان والفتن فقال: خير أهل ذلك الزمان كل نومة، أولئك مصابيح الهدى ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر. النومة: الخامل الذكر الذي لا يؤبه له. على وزن همزة - عن يعقوب وهو أيضا الكثير النوم (كذا) - وعن ابن عباس انه قال لعلي: ما النومة ؟ فقال: الذي يسكن

[466]

ثم قال: ألا إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة [قد ارتحلت مقبلة] ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا. ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات. ألا إن لله عبادا كمن رآى أهل الجنة في الجنة مخلدين، وأهل النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة وأنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة، صبروا أيام العقبى (1)


في الفتنة فلا يبدو منه شئ. أولئك إشارة إلى معنى كل. المساييح والمذاييع واحدهما مفعال أي لا يسيحون بالنميمة والشر، ولا يذيعون الاسرار. والبذر [بضم الباء] جمع بذور - [بفتحها] وهو الذي يفشي الاحاديث والنمائم ويفرقها في الناس. (1) كذا في النسخة، وفي الحديث (15) من باب ذم الدنيا من كتاب الايمان والكفر، من أصول الكافي: ج 2 ص 32: " صبروا أياما قليلة فصاروا بعقبى راحة طويلة ".. (*)

[467]

لراحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم يجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا وأما النهار فعلماء حكماء بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول: [هم] مرضى - وما بالقوم من مرض - وخولطوا - ولقد خالط القوم أمر عظيم ! ! ! -. الحديث: (1263) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام، من تاريخ دمشق: ج 38 ص 172، وفي نسخة ص 130، ورواه أيضا - إلى قوله " البذر " - في الحديث الثالث من باب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الفضائل تأليف أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن عمرو بن منبه.. ورواه نقلا عن الدينوري في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد: ج 1 ص 192. وقريب منه في المختار: (110) من نهج البلاغة، والحديث (11) من الباب (98) من كتاب الايمان والكفر من أصول الكافي: ج 2 ص 225، ورواه باختصار في كتاب مختلف الحديث - لابن قتيبة - ص 298.

[468]

- 141 - ومن خطبة له عليه السلام في مدح النبي والائمة صلوات الله عليهم أجمعين قال سبط ابن الجوزي: أخبرنا أبو طاهر الخزنمي [كذا] أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن علي، أخبرنا عبد الله بن عطاء الهروي، أخبرنا عبد الرحمان بن عبيد الثقفي، أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، أخبرنا عبد الله بن إبراهيم الجرجاني، أنبأنا محمد بن علي بن الحسين العلوي، أخبرنا أحمد ابن عبد الله الهاشمي، حدثنا الحسن بن علي بن محمد بن [علي بن] موسى ابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي [عن آبائه عليهم السلام عن الحسين بن علي، قال الحسين عليه السلام] خطب أبي أمير المؤمنين [صلوات الله عليه] يوما بجامع الكوفة خطبة بليغة في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله فقال بعد حمد الله والصلاة على نبيه: لما أراد الله أن ينشئ المخلوقات، ويبدع الموجودات، أقام الخلائق في صورة واحدة قبل خلق [دحو " خ ل "] الارض ورفع السماوات (1) ثم أفاض نورا من نور عزه،


(1) وفي رواية المسعودي: " إن الله حين شاء تقدير الخليقة وذرء البرية، وإبداع المبدعات، نصب الخلق في صور كالهباء قبل دحو الارض ورفع السماء، وهو في إنفراد ملكوته وتوحد جبروته فأتاح نورا من نوره فلمع، ونزع قبسا من ضيائه فسطع ".

[469]

فلمع [و] قبسا من ضيائه فسطع (2) ثم اجتمع في تلك الصورة وفيها صورة رسول الله صلى الله عليه وآله (3) فقال له تعالى: " أنت المرتضى المختار، وفيك مستودع الانوار، من أجلك أضع البطحاء وأرفع السماء، وأجري الماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك علما للهداية، وأودع فيهم أسراري بحيث لا يغيب عنهم دقيق ولا جليل، ولا يخفى عنهم خفي. وأجعلهم حجتي على بريتي، والمنبهين على قدري، والمطلعين على أسرار خزائني [وأسكن قلوبهم أنوار عزتي وأطلعهم على معادن جواهر خزائني " خ "]. ثم أخذ الحق سبحانه عليهم الشهادة بالربوبية، والاقرار


(2) هذا هو الظاهر الموافق لرواية المسعودي، وفي النسخة المطبوعة من تذكرة الخواص: " قبس من ضيائه وسطع ". والقبس - كفرس -: شعلة النار تؤخذ من معظم النار. (3) وفي طبع النجف من تذكرة الخواص: وفيها هيئة نبينا " ص ". وفي مروج الذهب: ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية، فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء وأمرج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب، والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق، ولا يعييهم خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي ".

[470]

بالوحدانية، وأن الامامة فيهم والنور معهم (4). ثم إن الله أخفى الخليقة في غيبه، وغيبها في مكنون علمه، ونصب العوالم، وموج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان، فطفا عرشه على الماء (5). ثم أنشأ الملائكة من أنوار أبدعها، وأنواع اخترعها (6) [ثم خلق المخلوقات فأكملها " خ "] ثم خلق الارض وما فيها، ثم قرن بتوحيده نبوة نبيه وصفيه محمد [ظ] فشهدت السماوات والارض والملائكة والعرش والكرسي والشمس والقمر والنجوم وما في الارض له بالنبوة. فلما خلق آدم أبان للملائكة فضله، وأراهم ما خصه


(4) وفي مروج الذهب: " ثم أخذ الله الشهادة عليهم بالربوبية والاخلاص وبالوحدانية [كذا] فبعد أخذ ما أخذ من ذلك، شاب ببصائر الخلق انتخاب محمد وآله، وأراهم أن الهداية معه والنور له والامامة في آله، تقديما لسنة العدل، وليكون الاعذار متقدما ". (5) وفي مروج الذهب: " ثم أخفي الله الخليقة، وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوالم [ظ] وبسط الزمان، ومرج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان، فطفا عرشه على الماء، فسطح الارض على ظهر الماء، وأخرج من الماء دخانا فجعله السماء، ثم استجلبهما إلى الطاعة فأذعتنا بالاجابة ".. (6) وفي مروج الذهب: " ثم أنشأ الله الملائكة من أنوار أبدعها، وأرواح اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فشهرت في السماء قبل بعثته في الارض ".

[471]

به من سابق العلم (7) فجعله محرابا وقبلة لهم، فسجدوا له وعرفوا حقه، ثم بين لآدم حقيقة ذلك النور، ومكنون ذلك السر، فلما حانت أيامه أودعه شيشا (8) ولم يزل ينتقل من الاصلاب الفاخرة إلى الارحام الطاهرة، إلى أن وصل إلى عبد المطلب، ثم إلى عبد الله [ثم صانه الله عن الخثعمية حتى وصل إلى آمنة " خ "] ثم إلى نبيه [صلى الله عليه وآله وسلم] فدعا الناس ظاهرا وباطنا وندبهم سرا وعلانية، واستدعى الفهوم إلى القيام بحقوق ذلك السر اللطيف (9) وندب العقول إلى الاجابة لذلك المعنى


(7) وبعده في مروج الذهب هكذا: من حيث عرفه عند استنبائه إياه أسماء الاشياء، فجعل الله آدم محرابا وكعبة، وبابا وقبلة، أسجد إليها الابرار، والروحانيين الانوار، ثم نبه أدم على مستودعه، وكشف له عن خطر ما أئتمنه عليه، بعدما سماه إماما عند الملائكة، فكان حظ آدم من الخير ما أراه من مستودع نورنا، ولم يزل الله تعالى يخبأ النور تحت الزمان إلى أن فضل محمدا صلى الله عليه وسلم في ظاهر الفترات، فدعى الناس ظاهرا وباطنا، وندبهم سرا وإعلانا، واستدعى عليه السلام التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل ". (8) هذا هو الصواب، وفي النسخة هنا تصحيف. (9) الفهوم: جمع الفهم: إدراك الشئ وتعقله، أو الخصوصية التي بها يدرك الاشياء ويعقل والمراد منه، صاحب الفهوم وذووها، كما ان المراد من العقول - هنا - صاحب العقول.

[472]

المودع في الذر قبل النسل (10) فمن وافقه قبس من لمحات ذلك النور غشي بصر قلبه عن إدراكه (11) وانتهى إلى العهد المودع في باطن الامر، وغامض العلم، ومن غمرته الغفلة وشغلته المحنة استحق البعد، ثم لم يزل ذلك النور ينتقل فينا ويتشعشع في غرائزنا. فنحن أنوار السماوات والارض، وسفن النجاة، وفينا مكنون العلم، وإلينا مصير الامور، وبمهدينا تقطع الحجج (12) فهو خاتم الائمة، ومنقذ الامة. ومنتهى النور، فليهنئ من تمسك بعروتنا، وحشر على محبتنا (13)


(10) أي قبل تناسل البشر وانتشار الخلق في عالم الخارج وسطح الدنيا. (11) كذا في النسخة، وفي مروج الذهب: " فمن وافقه قبس [ظ] من مصباح النور المقدم اهتدى إلى سره واستبان واضح أمره، ومن أبلسته الغفلة استحق السخط ". (12) وفي مروج الذهب: " وبمهدينا تنقطع الحجج [فهو] خاتم الائمة، ومنقذ الامة، وغاية النور، ومصدر الامور. فنحن أفضل المخلوقين، وأشرف الموحدين، وحجج رب العالمين، فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا، وقبض على عروتنا ". (13) يقال: هنأ يهنئ - من باب ضرب - ويهنأ - من باب منع - ويهنؤ من باب نصر - الطعام الرجل وللرجل هنأ وهنأ وهناء " كحبرا وفلسا وسحابا -: ساغ وصار هنيئا. وتقول العرب: " ليهنئك الولد ": ليسرك. و " هنأه بالامر " من باب منع -: قال له: ليهنئك. و " هنئ به هنأ وهناء " من باب علم والمصدر كضربا رسماء -: فرح به. وبالطعام: تهنأ به. و " تهنأ بالشئ - من باب تفعل - تهنأ ": فرح به. وبالطعام: ساغ له الطعام ولذ. و " هناه تهنيئا وتهنئة ": قال له: ليهنئك. ضد عزاه.

[473]

المختار (6) من الباب السادس من تذكرة الخواص للسبط ابن الجوزي ص 138 ورواها عنه في البحار: ج 17 ص 82، وأيضا رواها عنه في حديث السفينة المذكور في ذيل حديث الثقلين من كتاب عبقات الانوار، ص 968 ط إصفهان. وقد روى قريبا منه المسعودي في مروج الذهب: ج 1، ص 32، ط مصر، وفي طبع ص 17، وفي ط بيروت ص 42، وما رواه أظهر مما هنا، وسنذكره في القسم الثاني، من هذا الباب انشاء الله تعالى.

[474]

- 142 - ومن كلام له عليه السلام في بيان عظمة الله وكبريائه واتصافه بالمجد والجلال، وتنزيهه عن النقائص ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني (ره) عن محمد بن أبي عبد الله رفعه (1) إلى أبي عبد الله (الامام) الصادق عليه السلام، قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام يخطب على منبر الكوفة، إذ قام إليه رجل يقال له ذعلب، ذو لسان بليغ في الخطب، شجاع القلب، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك ؟ قال (عليه السلام): ويلك يا ذعلب ما كنت أعبد ربا لم أره. فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته ؟ قال: لم تره العيون بمشاهدة الابصار (2) ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، إن ربي لطيف اللطافة لا يوصف باللطف (1) عظيم العظمة لا يوصف بالعصم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ. قبل كل شئ لا يقال شئ قبله، وبعد كل شئ


(1) والكلام مروي أيضا بروايات مسندة غير مرفوعة. (2) إضافة المشاهدة إلى الابصار إما بيانية، أو تخصيصية. (1) اللطيف: النافذ في الاشياء الممتنع من أن يدرك. وأيضا: العالم بدقائق المصالح وغوامضها السالك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق دون العنف. وإضافة اللطيف إلى اللطافة مبالغة في اللطف، والمراد من عدم وصفه تعالى باللطف اللطف الذي هو من صفات الاجسام وهو الصغر والدقة والقلة والنحافة ورقة القوام ونحوها. وكذلك العظم المنفي ونظائره في الفقرات التالية.

[475]

لا يقال له بعد. شاء الاشياء لا بهمة (2) دراك لا بخديعة (3) [هو] في الاشياء كلها غير ممتازج بها، ولا بائن منها، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجل لا باستهلال رؤية، ناء لا بمسافة، قريب لا بمد أناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا بضطرار، مقدر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الاماكن ولا تضمنه الاوقات، ولا تحده الصفات ولا تأخذه السنات، سبق الاوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الاشياء عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، واليبس بالبلل، والخشن باللين، والصرد بالحرور. مؤلف بين متعادياتها، ومفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على


(2) وهذا صريح في أن إرادته تعالى ومشيئته تخالف إرادة المخلوقين، وهو المستفاد من علوم أهل البيت عليهم السلام والاخبار المفسرة لارادته تعالى. (3) قيل: كأنه عليه السلام أراد بهذا: أنه سبحانه عالم بما في الضمائر والمكامن، من غير التوسل إلى الاحتيال والخديعة في الوصول إليهما كما هو دأب المخلوقين في نيل ما غاب وخفي عنهم.

[476]

مفرقها وبتأليفها على مؤلفها، وذلك قوله تعالى: " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " [49 - الذرايات]. ففرق بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد. شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، [و] حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه. كان ربا إذ لا مربوب، وإلها إذ لا مألوه، وعالما إذ لا معلوم، وسميعا إذ لا مسموع. الحديث الرابع من الباب: (23) - وهو باب جوامع التوحيد - من كتاب التوحيد، من أصول الكافي: ج 1، ص 138، ط طهران.

[477]

- 143 - ومن خطبة له عليه السلام في وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر قال ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم ابن السمرقندي، أنبأنا أبو محمد أحمد ابن علي بن الحسن بن أبي عثمان، أنبأنا أبو طاهر محمد بن علي بن عبد الله ابن مهدي، أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن عمرو المدني، أنبأنا يونس ابن عبد الاعلى بن ميسرة الصدفي أنبأنا يحي بن حسان، حدثني محمد بن مسلم بن أبي الوضاح البصري، حدثني ثابت أبو سعيد [قال]: حدثني يحي بن يعمر أن علي بن أبي طالب خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما هلك من هلك ممن كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والاحبار، فأنزل الله [ظ] بهم العقوبات، ألا فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم الذي نزل بهم، واعلموا أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا، إن الامر ينزل من السماء كقطر المطر (1) إلى كل


(1) وفي المختار (23) من خطب نهج البلاغة: " أما بعد فإن الامر ينزل من السماء إلى الارض كقطرات المطر إلى كل نفس بما قسم لها من زيادة ونقصان، فإذا رأى أحدكم لاخيه غغيرة في أهل أو مال أو نفس فلا تكونن له فتنة ". الخ. وفي آخر الجزء الاول من قرب الاسناد، ص 55، عن

[478]

نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان في أهل أو مال أو نفس، فإذا أصاب أحدكم النقصان في أهل أو مال أو نفس [ورآى لاخيه وغفيرة في أهل أو مال أو نفس فلا يكونن ذلك فتنة له] (2) فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة يظهر تخشعا لها إذا ذكرت له، [ويغرى بها لئام الناس كان كالياسر] الفالج (3) الذي ينتظر أول فوزة من قداحه توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم، وكذلك المرء المسلم البرئ من الخيانة إنما ينتظر إحدى الحسنيين: [إما داعي الله] فما عند الله خير له (4) وإما رزقا من الله فإذا هو ذو أهل


عن الحسن بن ظريف، عن الحسين بن علوان، عن (الامام) جعفر (الصادق عليه السلام) عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الرزق ينزل من السماء إلى الارض على عدد قطر المطر إلى كل نفس بما قدر لهم، ولكن لله فضول فاسألوا الله من فضله. (2) بين المعقوفين - عدا قوله: فلا يكونن ذلك فتنة له - مما يقتضيه السياق، وعبارة نسختي ابن عساكر منقوصة وملحونة. (3) بين المعقوفين مأخوذ من نهج البلاغة وغيره، وقد سقط من تاريخ دمشق، وذكره أيضا في مادة: " يسر " من النهاية، وقال: الياسر (مأخوذ) من اليسرة، وهو القمار، يقال: يسر الرجل ييسر، فهو يسر وياسر، والجمع أيسار. (4) بين المعقوفين مأخوذ من النهج وغيره، وقد سقط من نسخة ابن عساكر.

[479]

ومال (5)، المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لاقوام. الحديث (1275) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 38 ص 78. ورواه أيضا إبراهيم بن محمد الثقفي (ره) في كتاب الغارات، عن محمد بن هشام المرادي، عن عمر بن هشام، عن ثابت أبي حمزة، عن موسى، عن شهر بن حوشب أن عليا عليه السلام قال لهم: إنه لم يهلك الخ. كما في آخر باب الامر بالمعروف من البحار: ج 22 ص 115، ط الكمباني. وقطعة منه رواها في الحديث: (3571) من كنز العمال: ج 8 ص 225 عن ابن أبي حاتم. وقطعة أخرى منه رواها في تاليه عن أبي عبيد. وللحديث مصادر وطرق كثيرة، واخترنا منها هذا إحياء لذكر يحيى بن يعمر رحمه الله.


(5) هذا هو الصواب، وفي النسخة: " فإما رزق من الله " الخ.

[480]

- 144 - ومن كلام له عليه السلام في التحذير عن اتباع الهوى وطول الامل قال ابن عساكر: أخبرنا أبو غالب ابن البنا [ء] أنبأنا أبو محمد الجوهري، أنبأنا عمر بن حيويه، وأبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس، قالا: أنبأنا يحيى بن محمد بن صاعد، أنبأنا الحسين بن الحسن بن حرب، أنبأنا عبد الله ابن المبارك، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زبيد اليامي (1)، عن رجل من بني عامر، قال، قال علي بن أبي طالب [عليه السلام]: إنما أخشى عليكم اثنتين: طول الامل واتباع االهوى، فإن طول الامل ينسي الآخرة، وإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وإن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، والآخرة [قد ارتحلت] مقبلة (2) ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب. وغدا " حساب ولا عمل.


(1) وللكلام طرق متعددة، واخترنا منها هذا الطريق إحياءا لذكر زبيد اليامي. (2) بين المعقوفين مما يقتضيه السياق والمختار: (129) المتقدم. (*)

[481]

الحديث: (1266) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 38 ص 172، وفي النسخة المرسلة، ص 130، وللكلام طرق كثيرة. ورواه أيضا في الحديث (255) من كتاب الزهد - لابن مبارك - ص 86 ط مصر، بسند ينتهي أيضا إلى زبيد. وروى قريبا منه جدا في أول الباب: (48) من جواهر المطالب ص 46 عن عبد الله السلمى [كذا] قال: خطب علي رضي الله عنه بمنبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم.

[482]

- 145 - ومن كلام له عليه السلام في بيان أعجب ما اشتملت عليه خلقة الانسان وقد بينه في بعض خطبه (1) قال ابن عساكر: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد، أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد، حدثني أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الانصاري بدمشق، حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا أحمد ابن يحي بن الوزير، حدثنا محمد بن إدريس الشافعي، عن يحي بن سليم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب انه خطب الناس يوما فقال في خطبته: وأعجب ما في الانسان قلبه وله مواد من الحكمة (2) وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع (3) وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله


(1) وتقدم ذكره في ضمن خطبة الوسيلة، وذكره أيضا المسعودي في المختار (7) من كلامه عليه السلام عن ضرار عند وفوده على معاوية. (2) وفي النهج: " لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هي أعجب ما فيه، وذلك القلب، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها ". (3) وفي المختار: (108) من النهج ورواية الصدوق (ره): " أذله الطمع ".

[483]

الحزن، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع (4)، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف (5) فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. قال: فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر. قال: بحر عميق لا تلجه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن. القدر قال بيت مظلم فلا تدخله. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر. قال: سر الله فلا تتكلفه (6). قال. يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر. قال: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض (7).


(4) وفي علل الشرائع: " وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامن استلبته الغرة، وإن جددت له النعمة أخذته العزة، وان أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن استفاد مالا أطغاه الغنى ".. ثم إن لفظ ابن عساكر يصلح أيضا أن يقرء: " فضحه الجزع ". وفي مطالب السئول: " فإن أصابته المصيبة قصمة الجزع، وإن وجد مالا أطفاه الغنى ". (5) وزاد بعده في النهج وعلل الشرائع، ومطالب السئول: " وإن أفرط في الشبع كظته البطنة ". (6) وقريبا من هذا ذكره في المختار: (278) من قصار النهج، وأيضا قريبا منه رواه في المختار (15) من فصول كلامه من تذكرة الخواص، ص 165، عن الوالبي، عن ابن عباس عنه عليه السلام وفيه ذيل غير ما ذكره هنا، كما رواه الصدوق في الحديث (3) من باب القضاء والقدر من كتاب التوحيد ص 365 بسند آخر وذيل آخر، ورواه أيضا ابن زهرة في غنية النزوع. (7) وبعده في الاصل هكذا: قال: يا أمير المؤمنين إن فلانا يقول بالاستطاعة وهو حاضرك فقال: علي به. فأقاموه (ظ) فلما رآه سل سيفه قدر أربع أصابع فقال: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله ؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد فاضرب عنقك ! قال: فما أقول: يا أمير المؤمنين ؟ قال: قل. أملكها بالله الذي إن شاء ملكنيها.

[484]

ترجمة محمد بن إبراهيم أبي طاهر الاصبهاني المحتسب المعروف بالثغري من تاريخ دمشق: ج 57 ص 77. ورواه أيضا أبو نعيم في حلية الاولياء كما في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 1 ص 78. ورواه أيضا محمد بن طلحة الشافعي في كتاب مطالب السئول ص 74 ط النجف عن البيهقي بإسناده عن الشافعي، عن يحيى بن سليم، عن الامام الصادق عليه السلام، عن عبد الله بن جعفر، عن أمير المؤمنين عليه السلام، والظاهر انه سقط من النسخة كلمة: " عن أبيه " كما هو موجود في رواية ابن عساكر. ثم إن صدر الكلام إلى قوله: " وكل إفراط له مفسد " له مصادر كثيرة من طرق الفريقين مسندا ومرسلا، والمتن (8) بنفسه شاهد صدق على أنه من أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا الكلام ينبغي أن يفرده بالشرح من له الاحاطة والاستيلاء على طبائع البشرية وخواصها ولوازمها.


وفي مطالب السئول: " فلما راه قال له: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله ؟ وإياك أن تقول واحدة منهما فترتد. قال: فما أقول: يا أمير المؤمنين ؟ قال: قل: أملكها بالله (الذي) إن شاء ملكنيها. أقول: إن هذا الذيل مما لا يلائم سجية أمير المؤمنين عليه السلام بل هذا من سجية الموصوفين بالفظاظة والغلظة والجهل، وأمير المؤمنين كان متفردا بالعلم وكان في نهاية الرفق بالناس لاسيما من لم يكن منهم متصفا بالعناد واللجاج، فما معنى سل السيف عند حضور الرجل بمجرد ما نسب إليه من القول بالاستطاعة قبل السؤال عنه بصحة النسبة والقول، أم بكذبها ؟ ! ! لا سيما من جهة خلو سائر الطرق عنه والظاهر انه من زيادات قدرية العامة، أو تحريفاتهم فلا بد من التثبت فيه وملاحظة النسبة بينه وبين سائر الادلة إن ثبت صدور هذه الفقرة عنه عليه السلام وإلا فهو ساقط من أصله. (8) أي خصوص ما ذكرنا منه هنا في المتن دون ذيله المذكور في الهامش.

[485]

- 146 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به عبد الرحمان بن أبي ليلى الفقيه قال الشيخ المفيد قدس الله نفسه: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب، قال: حدثنا الحسين [الحسن " خ ل "] بن علي الزعفراني، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي، قال: حدثنا المسعودي، قال: حدثنا محمد بن كثير، عن يحى بن حماد القطان، قال: حدثنا أبو محمد الحضرمي: عن أبي علي الهمداني، أن عبد الرحمان بن أبي ليلى قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين إني سائلك لآخذ عنك، وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، ألا تحدثنا عن أمرك هذا ؟ أكان بعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ أم شئ رأيته ؟ فإنا قد أكثرنا فيك الاقاويل وأوثقه عندنا ما قلناه عنك، وسمعناه من فيك، إنا كنا نقول: لو رجعت إليكم [الخلافة] بعد رسول الله صلى الله عليه وآله لم ينازعكم فيها أحد وما أدري إذا سئلت ما (ذا) أقول، أأزعم أن القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك ؟ فإن قلت ذلك فعلام نصبك رسول الله صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع ؟ فقال: أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه. وإن كنت أولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاهم ؟ ! فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله تعالى قبض نبيه صلى الله عليه وآله، وأنا يوم

[486]

قبضه [كنت] أولى الناس مني بقميصي هذا ! ! وقد كان من نبي الله صلى الله عليه وآله إلي عهدا لو خزمتموني بأنفي لاقررت سمعا لله وطاعة (1) وإن أول ما انتقضاه إبطال حقنا في الخمس (2) فلما رق أمرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا (3). وقد كان لي على الناس حق لو ردوه إلي عفوا قبلته وقمت به، وكنت كرجل له على الناس حق إلى أجل، فإن عجلوا له ماله أخذه وحمدهم عليه، وإن أخروه أخذه


(1) يقال: " خزم البعير خزما - من باب ضرب - وخزمه - من باب فعل - تخزيما ": جعل في أنفه وجانب منخره الخزام، أو الخزامة، وهي حلقة يشد فيها الزمام. ويقال: خزم أنف فلان " و " جعل في أنفه الخزامة: أذله وسخره. والعهد الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهده إليه هو انه إن اجتمع المسلمون عليك بعدي وانقادوا لما بلغتهم من إمامتك وخلافتك فقم بالامر، وإن نازعوك الخلافة ولم يلتفتوا إلى ما أوصيتهم به فقم في بيتك ولا تنازع القوم فإن الناس حديثوا عهد بالاسلام ومتى ما نازعتهم يرتدون على أدبارهم. (2) لعل أولية أبطال الخمس لما له من الاثر الكبير في تقاعد الناس عنهم وعدم إقبالهم إليهم وإلا أبطلوا حقهم في فدك قبل إبطال الخمس. أو يقال:: إن فدكا كان خاصة لفاطمة صلوات الله عليها بلغة لابنائها - على ما هو المستفاد من الاخبار - ولم يكن لولي الامر أو لبني هاشم عموما، فإذا إبطال حقهم في الخمس يكون أولا. (3) رعيان - كعريان -: جمع الراعي وهو من يرعى المواشي ويحفظها عند تسريحها في مواضع الكلاء ومنبت العلف ومأكولاتها. ويجمع الراعي أيضا على الرعاة - كدعاة - ورعاء - كرماح - ورعاء - كدعاء -. والبهم والبهام - كفلس وفرس عصام -: أولاد البقر والمعز والضأن، والواحد: " البهمة والبهمة " بفتح الباء فيهما، وسكون الهاء في الاول، وتحريكه في الثاني.

[487]

غير محمودين، وكنت كرجل يأخذ السهولة وهو عند الناس محزون [كذا]. وإنما يعرف الهدى بقلة من يأخذه من الناس (4) فإذا سكت فاعفوني، فإنه لو جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم فكفوا عني ما كففت عنكم. فقال عبد الرحمان: يا أمير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الاول: لعمري لقد أيقظت من كان نائما * وأسمعت من كانت له أذنان الحديث الثاني من المجلس (26) من أمالي الشيخ المفيد، ص 139. ورواه عنه أيضا الشيخ الطوسي (ره). كما رواه المجلسي (ره) في الحديث (12) من الباب (15) من البحار: ج 8 ص 172، س 4 عكسا، ط الكمباني.


(4) وهذا مستفاد من آيات كثيرة من القرآن الكريم وردت في مدح القليل وذم الكثير، والامر كذلك في عالم الخارج.

[488]

- 147 - ومن كلام له عليه السلام في تقسيم الذنوب إلى المغفور ومرجو الغفران وغير المغفور ثقة الاسلام الكليني أعلى الله مقامه، عن علي بن ابراهيم، عن عبد الرحمان ابن حماد، عن بعض أصحابه رفعه، قال: صعد أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الذنوب ثلاثة ثم أمسك فقال له حبة العرني: يا أمير المؤمنين قلت: الذنوب ثلاثة ثم أمسكت [ولم تفسرها] ؟ فقال: ما ذكرتها إلا وأنا أريد أن أفسرها، ولكن عرض لي بهر (1) حال بيني وبين الكلام نعم. الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور، وذنب غير مغفور، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه. قال [حبة]: يا أمير المؤمنين فبينها لنا. قال: أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله على ذنبه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب عبده مرتين.


(1) البهر - كقفل -: انقطاع النفس من الاعياء. ما يعتري الانسان عند السعي الشديد والعدو من التهييج وتتابع النفس.

[489]

وأما الذنب الذي لا يغفر فمظالم العباد بعضهم لبعض، إن الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه (2) أقسم قسما على نفسه فقال: وعزتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كف بكف، ولو مسحة بكف (3) ولو نطحة ما بين القرناء إلى الجماء (4). فيقتص للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لاحد على أحد مظلمة، ثم يبعثهم للحساب (5). وأما الذنب الثالث فذنب ستره الله على خلقه ورزقه التوبة منه، فأصبح [العبد] خائفا من ذنبه راجيا لربه فنحن له كما هو لنفسه نرجو له الرحمة ونخاف عليه العذاب [العقاب " خ "].


(2) البروز: كناية عن مقام المحاسبة والثواب والعقاب. (3) الظاهر انه مثال لادنى أفراد الظلم وأخفاها أي ولو كان الظلم كالمسح وإمرار الظالم يده عتوا على كف المظلوم أو بعض جسده بلا ألم جسماني. (4) القرناء مؤنث الاقرن: ماله قرن. والجماء مؤنث الاجم: الذي رأسه أملس: الحيوان الذي لا قرن له. (5) أي المحاسبة على بقية الاعمال.

[490]

الحديث الاول في الباب: (195) - وهو باب: " الذنوب ثلاثة " - من أصول الكافي: ج 2 ص 433. ورواه أيضا البرقي في كتاب المحاسن كما رواه عنه في الحديث: (28) من الباب: (79) من البحار: ج 16 - القسم الاول منه - ص 203 س 17، ط الكمباني.

[491]

- 148 - ومن كلام له عليه السلام في تقسيم الناس إلى ثلاثة أصناف وتقريض العلم والعلماء قال الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان (ره): أخبرني أبو جعفر محمد ابن علي بن الحسين، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن أبي القاسم ماجيلويه، عن محمد بن علي الصيرفي، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد [الاسدي] (1) عن فضيل بن خديج، عن كميل بن زياد النخعي، قال: كنت مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، في مسجد الكوفة، وقد صلينا عشاء الآخرة، فأخذ بيدي حتى خرجنا من المسجد، فمشى حتى خرج إلى ظهر الكوفة، لا يكلمني بكلمة، فلما أصحر تنفس (2) ثم قال: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها (3)


(1) بين المعقوفين زيادة توضيحية منا، وهذا الحديث متواتر عنه عليه السلام، وقد أصفقت القرائن الداخلية والخارجية على صدوره عنه عليه السلام. ورواه أيضا السيد أبو طالب في أماليه كما في الباب: (9) من تيسير المطالب الخطوط ص 94 - قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زيد الحسيني قال: أخبرنا الناصر للحق الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار، قال: حدثنا عيسى بن الحسن بن عيسى بن زيد، عن إسحاق ابن إبراهيم الكوفي (عن) الكلبي عن أبي صالح عن كميل بن زياد، قال: أخذ أمير المؤمنين بيدي.. (2) وفي بعض النسخ: " فلما أضجر ". وفي كثير من المصادر: فلما أصحر تنفس الصعداء " أي فلما دخل الصحرا - أو: فلما ضجر من السير ومل منه - تنفس تنفسا طويلا ممدودا. (3) أي أحفظها وأشدها وعاية للعلم والمعارف.

[492]

إحفظ عني ما أقول [لك] الناس ثلاثة: عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاء أتباع كل ناعق (4) يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق (5). يا كميل العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الانفاق (6). يا كميل محبة العلم خير ما يدان الله به، تكسبه الطاعة


(4) وفي النهج والعقد الفريد: " فاحفظ عني ما أقول لك " الخ. وفي كتاب الارشاد: فعالم رباني ". والعالم الرباني: المتأله الجامع بين العلم والعمل. و " الهمج ": جمع الهمجة - على زنة الجبل وجبلة، -: الحمقى والانذال من الناس. و " الرعاع " كسماء -: السفلة ورذال الناس، وهو كالتفسير لقوله: " همج ". و " النعيق ": صوت الغراب. و " الناعق ": الراعي الذي يصوت بغنمه للسوق أو للزجر. (5) وفي العقد الفريد: " مع كل ريح يميلون ". وفي تحف العقول " لم يستضيئوا بنور العلم فيهتدوا، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق فينجوا ". أقول: وجميع هذه الصفاة من النعوت الملازمة والسماة القارة الثابتة للهمج والرعاء، إذ متابعة كل ناعق، والميل مع كل ريح، وعدم الاستضاءة بنور العلم، واللجاء إلى الركن الوثيق، من الطبيعة الاولية للارذال والحمقاء، لا تحتاج إلى علة وراء الاتصاف بالحمق والنذالة. (6) يزكو - من باب دعا يدعو -: يزيد وينمو.

[493]

في حياته وجميل الاحدوثة بعد موته (7) [و] منفعة المال تزول بزواله (8). يا كميل مات خزان الاموال (9) والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة (10). هاه هاه، إن ههنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلما جما (11) لو أصبت له حملة (12) بلى أصيب له لقنا


(7) وفي أمالي الشيخ: " صحبة العالم " الخ. وفي الخصال وتذكرة الخواص: " يا كميل محبة العالم دين يدان به، تكسبه الطاعة في حياته " الخ. ومثله في تحف العقول: غير أن فيه: " به يكسب الطاعة في حياته ". وفي مناقب الخوارزمي: " محبة العالم دين يدان بها، تكسبه الطاعة في حياته ". ثم قال الخوارزمي: وفي رواية أبي عبد الله (عليه السلام): " صحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته وجميل الاحدوتة بعد موته ". وفي الارشاد: " محبة العلم دين يدان به، وبه تكملة الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد موته ". أقول: " يدان ": يعبد. وجميل الاحدوثة طيب الذكر، وحسن الثناء. والاحدوثة: ما يتحدث به وهي مفرد الاحاديث. (8) ومثله في الخصال وأمالي الشيخ، وتحف العقول والعقد الفريد، وفي النهج ومناقب الخوارزمي: " وصنيع المال يزول بزواله ". (9) وفي جل المصادر: " يا كميل مات خزان الاموال وهم أحياء ". وفي النهج: " يا كميل هلك خزان الاموال وهم أحياء ". (10) ومثله في جل المصادر، وفي تاريخ اليعقوبي وتحف العقول: " وأمثلتهم في القلوب موجودة ". الامثال والامثلة: جمع المثل - كجبل - وهو الحديث الذي له شأن. والقول الذي يضرب به المثل. أي إن أجساد العلماء وأشخاصهم وإن فقدت وفنيت، لكن حكمهم وجواهر أقوالهم غير فانية بل هي ثابتة مستقرة في ضمير أشباههم ينتفعون بها دائما ويذكرون صاحبها بالخير ويطلبون لهم من الله رفع المقام فيجيبهم. (11) الجم: الكثير. (12) كلمة: " لو " للتمني. و " أصبت ": وجدت. و " الحملة ": جمع الحامل مثل (*)

[494]

غير مأمون [عليه] (13) يستعمل آله الآخرة في الدنيا (14) ويستظهر بحجح الله على خلقه وبنعمته على عباده ليتخذه الضعفاء وليجة دون ولي الحق (15) أو منقادا للحكمة لا بصيرة له في إحيائه (16) يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة (17) - ألا لا ذا ولا ذاك (18) - فمنهوم


الخزنة في جمع الخازن. وفي تحف العقول: " ها إن ههنا لعلما جما لو أصيب له خزنة ". وفي العقد الفريد: " لو وجدت له حملة، بلى أجد لقنا غير مأمون عليه ". (13) هذا استدارك عما يستفاد من قوله: " لو أصبت له حملة " الكاشف عن عدم وجدانه حملة لعلمه. واللقن - ككتف وخشن -: سريع الانتقال إلى ما يلقى إليه، حسن الفهم له. وقال في مادة: " لقن " من النهاية: نقلا عن الهروي: وفي حديث علي: " إن ها هنا علما - وأشار إلى صدره - لو أصبت له حملة، بلى أصيب لقنا غير مأمون ". أي فهما غير ثقة. (14) وفي أمالي الشيخ - ومثله في سائر المصادر -: " آلة الدين في الدنيا (15) المراد من الحجج هو العلم الذي وهب الله له، والمراد من نعمته هو الوسائل التكوينية الخارجية التي حازها وملكها. و " الوليجة ": بطانة الانسان وخاصته، أو من يتخذه معتمدا عليه من غير أهله. (16) كذا في النسخة، وفي بعض المصادر: " أو منقادا لحملة العلم لا بصيرة له في أحنائه " كما في الخصال وأمالي الصدوق، وفي النهج: " أو منقادا لحملة الحق ". وهما أظهر لتذكير الضمير في قوله: " أحنائه " أي: جوانبه وأطرافه أي ليس له تعمق في العلم (17) أي تشتعل في قلبه نار الشك بأول عروض الشبهة - فيخرجه من أهل اليقين ويدخله في زمرة الشاكين - فكيف لو توالت عليه الشكوك والشبهات. (18) أي لا اللقن غير المأمون أهل لايداع العلم عنده، ولا المنقاد العديم البصيرة. وهذا الكلام معترض بين المعطوف والمعطوف عليه.

[495]

(19) باللذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بالجمع والادخار، ليسوا من رعات الدين (20) أقرب شبها بهؤلاء الانعام السائمة (21) كذلك يموت العلم بموت حامليه (22) اللهم بلى لا تخلوا الارض من قائم [لله] بحجة، ظاهر مشهور أو مستتر مغمور (23) لئلا تبطل حجج الله وبيناته وإن [أولئك والله] الاقلون عددا (24) الاعظمون خطرا،


(19) هذا خبر لمبتدء محذوف، والجملة منصوب المحل عطفا على قوله: " لقنا ومنقادا " والكلام من باب عطف الجملة على المفرد أي أجد بعد اللقن والمنقاد، من هو منهوم باللذات - أي كثير الشهوة لها - وسهل الانقياد للشهوات، ومن هو مغرى ومولع بالادخار، شديد الحرص على الاكتناز. (20) هذا هو الظاهر من سياق هذه الرواية الموافق لما في تاريخ اليعقوبي، وفي النسخة: " ليس " وعليه فالضمير المستتر راجع إلى " مغرى ". والظاهر انه من خطأ النساخ، إذ الطبقات المتقدمة كلهم غير قابلين لان يكونوا من رعاة الدين وولاة المسلمين. وفي كثير من المصادر: " ليسا من رعاة الدين في شئ " وهو الظاهر من سياق الروايات في غير أمالي المفيد، وتاريخ اليعقوبي. (21) وهذا من باب التشبيه المعكوس ولطفه غير خفي. والسائمة: الماشية الراعية. (22) أي كما يموت العلم بعدم وجود من يحق لحمله، كذلك يموت بموت حملته. (23) وفي أمالي الشيخ: " اللهم بلى لا يخلو الارض من قائم بحجة، ظاهرا مشهورا، أو مستترا مغمورا ". وهو أظهر. (24) لفظة الجلالة مأخوذة من أمالي الشيخ، وقد سقطت من النسخة الملحونة المطبوعة بالنجف من أمالي المفيد، ولفظة " أولئك " مما يستدعيها السياق، ولا توجد في الاماليين، نعم هي مذكورة في رواية الشيخ المفيد في كتاب الارشاد، وهذا لفظه: " اللهم بلى لا تخلو الارض من ججة لك على خلقك، إما ظاهرا مشهودا (كذا) أو خائفا مغمورا، كيلا تبطل حجج الله وبيناته، وأين أولئك

[496]

بهم يحفظ الله حججه حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم (25) هجم بهم العلم على حقائق الامور فباشروا روح اليقين (26) واستلانوا ما استوعره المترفون (27) وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، [و]


أولئك الاقلون عددا، الاعظمون قدرا، بهم يحفظ الله تعالى حججه حتى يودعها نظراءهم، ويزرعوها (كذا) في قلوب أشباههم ".. وفي تحف العقول: " اللهم بلى لا يخلو الارض من قائم لله بحجة، إما ظاهرا مشهورا، أما خائفا مغمورا - وفي بعض النسخ: إما ظاهرا مكشوفا، أو خائفا مفردا (كذا) - لئلا تبطل حجج الله وبيناته ورواة كتابه، وأين أولئك ؟ هم الاقلون عددا الاعظمون قدرا، بهم يحفظ الله حججه حتى يودعه (كذا) نظراءهم ويزرعها في قلوب أشباههم ". وفي تاريخ اليعقوبي: " اللهم كلا لا تخلو الارض من قائم بحق، إما ظاهر مشهور، وإما خائف مغمور، لئلا تبطل حجج الله عزوجل وبيناته، أولئك الاقلون عددا، والاعظمون خطرا "... (25) هذا هو الظاهر الوارد في جل الطرق، وقد عرفت مما تقدم أن في رواية الارشاد، تعارض بين المعطوف والمعطوف عليه، والظاهر انه من الاخطاء المطبعية أو الكتاب. وفي حلية الاولياء: " بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الامر ". (26) أي إن العلم رفعهم عن مستوى الخلق فهجم بهم على حقائق الامور، وجاز بهم عن ظاهر الاشياء وما اكتنفها من القشور والجلود فأوصلهم إلى لبها، وأبلغهم إلى روحها فباشروا روح اليقين وفازوا بلقاء المجردين. (27) أي عدوا لينا ما استصعبه أهل النعمة والرخاء، من القيام بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وصرف الجهود في العلم الالهي والاعراض عن مشتهيات النفس من تحصيل الزخارف الفانية والتنعم بها. يقال: " استلان الشئ استلاتة ": رآه - أو وجده - لينا. و " استوعر الشئ ": وجده صعب المنال. عسر التحصيل. و " المترفون " - على صيغة اسم المفعول -: المتنعمون، من قولهم: " أترفه المال إترافا ". أبطره. ويقال: " ترف الرجل ترفا - من باب فرح - وتترف تترفا ": تنعم.

[497]

صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى (28) أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، هاه ها [ه] (29) شوقا إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك (30). [قال كميل]: ثم نزع (عليه السلام) يده من يدي وقال: انصرف إذا شئت. الحديث الثالث، من المجلس: (29) من أمالي الشيخ المفيد، ص 154، ورواه أيضا عن الشيخ المفيد، في الحديث، (23) من الجزء الاول من أمالي الطوسي، ص 13. وقد اتفقت كلمة المسلمين على كون الحديث من أمير المؤمنين عليه السلام ورووه عنه مسندا ومرسلا وأرسلوه إرسال المقطوعات


(28) ومثله في أكثر الروايات، وفي حلية الاولياء: " بالمنظر الاعلى ". وفي مناقب الخوارزمي " بالملا الاعلى ". وفي العقد الفريد: " بالرفيق الاعلى ". والمرجع واحد، أي إنهم وإن كانوا مصاحبين بأبدانهم لاهل الدنيا، ولكن أرواحهم مفارقة عن أهل الدنيا ومباينة منهم صاعدة إلى الملا الاعلى. (29) كذا في النسخة، ومثله في كتاب الارشاد، وفي أمالي الشيخ: " آه آه ". وفي رواية الصدوق. " هاي هاي شوقا إلى رؤيتهم ". وفي تاريخ اليعقوبي: " هاه شوقا إلى رؤيتهم " وفي تحف العقول: " واشوقاه إلى رؤيتهم (و) استغفر الله لي ولك ". وفي تذكرة الخواص: " آه ثم آه، واشوقاه إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك ". وفي مناقب الخوارزمي: " هاه هاه شوقا إليهم واستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم " وفي حلية الاولياء: " هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم، واستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقم ". (30) هذا هو الظاهر من السياق المعاضد بما تقدم آنفا عن تحف العقول وتذكرة الخواص ومناقب الخوارزمي، وفي نسخة الامالي وكثير من المصادر: " واستغفر الله لي ولكم ".. وفي رواية ابن عساكر في ترجمة الحسين بن أحمد -: " آه شوقا إلى رؤيتهم وأستغفر الله تعالى لي ولكم آمين رب العالمين ".

[498]

ورواه مرسلا في الحديث الثاني من الباب: (49) من جواهر المطالب ص 47، ورواه في كنز العمال عن ابن الانباري في المصاحف، والمرحبي في العلم، ونصر في الحجة. هل كر. كما في حديث الثقلين من عقبات الانوار: ج 2 ص 247 ط 2. ورواه بسندين في الحديث (340) من فرائد السمطين - ص 86 - للحموئي. ورواه ابن عساكر - في ترجمة الحسين بن أحمد بن سلمة من تاريخ دمشق: ج 12 ص 160 - قال: أخبرنا الحسين بن أحمد بن سلمة إملاء انبأنا أبو بكر يوسف بن القاسم بن يوسف الميانجي بدمشق، قال: قرأت على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن ساكن الريحاني بمتايح [كذا] - وكان أبي حدثني هذا الحديث من حديثه وغيره - فقلت: حدثكم [كذا] إسماعيل بن يوسف الفزاري الكوفي، عن عاصم بن حميد الحناط، عن أبي حمزة الثمالي، عن عبد الرحمان بن جندب، عن كميل بن زياد، قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي..

[499]

- 148 - ومن خطبة له عليه السلام في يوم الجمعة روي عن زيد بن وهب (1) انه قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم الجمعة فقال: الحمد لله الولي الحميد، الحكيم المجيد، الفعال لما يريد، علام الغيوب، وستار العيوب، وخالق الخلق ومنزل القطر، ومدبر الامر، ورب السماوات [السماء " خ "] والارض، والدنيا والآخرة، وارث [ورب " خ "] العالمين، وخير الفاتحين، الذي من عظم شأنه أنه لا شئ مثله (2). تواضع كل شئ لعظمته، وذل كل شئ لعزته، واستسلم كل شئ لقدرته، وقر كل شئ قراره لهيبته، وخضع


(1) هذا هو الظاهر الموافق لما في ط الكمباني من البحار، وفي مصباح الشيخ، ومثله في ط الحديث من البحار، نقلا عن مصباح الشيخ، " روى عن زيد بن وهب ". (2) وفي كتاب من لا يحضره الفقيه، بعد قوله: منزل القطر: " ومدبر أمر الدنيا والآخرة ووارث السماوات والارض، الذي عظم شأنه فلا شئ مثله " الخ.

[500]

كل شئ من خلقه لملكه وربوبيته (3)، الذي يمسك السماء أن تقع على الارض إلا بإذنه، و [لن " خ "] تقوم الساعة، ويحدث شئ إلا بعلمه (4). نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون، ونستغفره ونستهديه (5) ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ملك الملوك، وسيد السادات، وجبار السماوات والارض (7) الواحد القهار، الكبير المتعال ذو الجلال والاكرام، ديان يوم الدين، وربنا ورب آبائنا الاولين.


(3) وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: " وخضع كل شئ لمملكته (كذا) وربوبيته ". (4) وفي بعض النسخ: " وأن تقوم ". وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: " وأن تقوم الساعة إلا بأمره، وأن يحدث في السماوات والارض شئ إلا بعلمه " وهو أظهر. وفي هامش البحار: " ولن تقوم [الساعة، ويحدث شئ إلا بعلمه] " خ ل ". وقال في شرح الخطبة من كتاب البحار: " أن تقع " أي من أن تقع - أو كراهة أن تقع - إلا بإذنه أي إلا بمشيئته وذلك يوم القيامة. و " أن تقوم " عطف على السماء. وربما يقرء (إن) بالكسر بناء على كونها نافية، ويكون من عطف الجملة على الجملة، وكذا الجملة التالية تحتمل الوجهين، والاحتمال الاخير بعيد فيهما. أقول: بل هو أظهر معنى. (5) وفي المختار: (97) من نهج البلاغة: " نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون، ونسأله المعافات في الاديان، كما نسأله المعافات في الابدان ". (6) هذا هو الظاهر من السياق المعاضد بموافقة نسخة الفقيه، وفي النسخة: " وأشهد ". وكذا فيما يأتي في الشهادة بالرسالة. (7) وفي هامش البحار: " وجبار الارض والسماوات " خ ل. وفي الفقيه: " وجبار الارض والسماوات، القهار الكبير المعتال ".

[501]

ونشهد (8) أن محمدا عبده ورسوله، أرسله داعيا إلى الحق (9)، وشاهدا على الخلق، فبلغ رسالات ربه كما أمره، لا متعديا ولا مقصرا، وجاهد في الله أعداءه لا وانيا ولا ناكلا (10) ونصح له في عباده صابرا محتسبا، فقبضه الله إليه وقد رضي عمله، وتقبل سعيه وغفر ذنبه، صلى الله عليه وآله. أوصيكم عباد الله (11) بتقوى الله واغتنام طاعته ما استطعتم في هذه الايام الخالية الفانية، وإعداد العمل


(8) هذا هو الظاهر من السياق الموافق لما في كتاب من لا يحضره الفقيه، وفي نسخة مصباح المتهجد: " وأشهد " وكذا فيما تقدم كما أشير إليه في التعليق السالف. (9) وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: " أرسله بالحق داعيا إلى الحق ". (10) " لا وانيا " مأخوذ من الوني - كفلس: - الضعف والفتور. " ولا ناكلا " أي جبانا ممتنعا من الجهاد لجبنه. (11) من هنا إلى قوله عليه السلام: " وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي ". مذكور في المختار: (95، أو 98) من خطب نهج البلاغة، باختلاف يسير لفظي. وفي الفقيه: " أوصيكم عباد الله بتقوى الله واغتنام ما استطعتم عملا به من طاعته في هذه الايام الخالية، وبالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم " الخ. وفي القسم الثالث من البحار: ج 15، ص 95، نقلا عن عيون الحكم: " وباغتنام ما استطعتم عملا به من طاعة الله عزوجل في هذه الايام الخالية بجليل ما يشفي عليكم به الموت بعد الموت [كذا] وبالرفض لهذه [الدنيا] التاركة لكم "..

[502]

الصالح لجليل ما يشفي به عليكم الموت (12) وآمركم (13) بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم، الزائلة عنكم وإن لم تكونوا تحبون تركها، والمبلية لاجسادكم وإن أحببتم تجديدها (14)، فإنما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأفضوا إلى علم فكأنهم قد بلغوه (15) وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري إليها حتى يبلغها، وكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، وطالب حثيث من الموت يحدوه (16). فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها


(12) الخالية: الماضية أي التي تكون بمعرض لانقضاء والزوال. و " أشفى على الشئ ": أشرف عليه. أي أوصيكم بإعداد العمل للامور العظيمة التي جعلها الموت مشرفة عليكم قريبة منكم، أو أشرف الموت عليكم معها. (13) قال المجلسي: وفي بعض النسخ:، في أمركم " فهو متعلق بقوله: " يشفي " أي في الامور المتعلقة بكم. وقوله: " بالرفض " متعلق بقوله: " بالاعداد " أي بأن ترفضوا. أو حال عن فاعل الاعداد والباء للملابسة. أو في أمركم متعلق بأوصيكم. وبالرفض متعلق به لكونه مصدرا ". (15) وفي النهج: " فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا كأنهم قد قطعوه، وأموا علما فكأنهم قد بلغوه ". ومثله في الفقرة الثانية في رواية الواسطي. وهو الظاهر. والركب: جمع راكب - كما أن سفر: جمع سافر -. و " أموا ": قصدوا. (16) وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: " وطالب حثيث في الدنيا يحدوه حتى يفارقها فلا تتنافسوا "..

[503]

ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فإن عز الدنيا وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى ارتجاع، وإن ضراءها وبؤسها إلى نفاد، وكل مدة منها [فيها " خ "] إلى منتهى، وكل حي فيها إلى بلى (17). أو ليس لكم في آثار الاولين، وفي آبائكم الماضين معتبر وبصيرة إن كنتم تعقلون (18) أو لم تروا إلى الاموات لا يرجعون، وإلى الاخلاف منكم لا يخلدون (19) قال الله تعالى - والصدق قوله -: " وحرام على قرية أهلكناها إنهم لا يرجعون [95 - الانبياء: 21] وقال: كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [185 - آل عمران].


(17) وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: " وكل حي منها إلى فناء وبلاء " وفي النهج وعيون الحكم: " وكل حي فيها إلى فناء ". (18) كذا في النسخة، وكذا في مستدرك الوسائل نقلا عنه وفي كتاب من لا يحضره الفقيه " وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر " الخ. ومثله في نهج البلاغة. وفي مستدرك النهج: " وفي آبائكم الماضين بصيرة وعبرة " الخ. (19) وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: " ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقين منكم لا يبقون، قال الله تبارك وتعالى: " وحرام على قرية أهلكناها "..

[504]

أو لستم ترون إلى أهل الدنيا وهم يصبحون (20) على أحوال شتى، فمن ميت يبكى، ومفجوع يعزى، وصريع يتلوى، وآخر يبشر ويهناء، ومن عائد يعود، وآخر بنفسه يجود، وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول [عنه] ! ! ! وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي. والحمد لله رب العالمين، ورب السماوات [السبع " خ "] ورب الارضين السبع، ورب العرش العظيم، الذي يبقى ويفنى ما سواه، وإليه موئل الخلق (21) ومرجع الامور. وهو أرحم الراحمين. ألا إن هذا يوم جعله الله لكم عيدا، وهو سيد أيامكم وأفضل أعيادكم، وقد أمركم الله في كتابه بالسعي فيه إلى ذكره (22) فلتعظم فيه رغبتكم، ولتخلص نيتكم،


(20) وفي من لا يحضره الفقيه: " يصبحون ويمسون على أحوال شتى، فميت يبكى، وآخر يعزى وصريع يتلوى وعائد ومعود، وآخر بنفسه يجود، وطالب الدنيا والموت يطلبه - إلى قوله: - وعلى اثر الماضين يمضي الباقين ". (21) وفي الفقيه: " وإليه يؤل الخلق ويرجع الامر، ألا إن هذا اليوم يوم جعله الله لكم عيدا " الخ. (22) المراد من الذكر - هنا - صلاة الجمعة.

[505]

وأكثروا فيه من التضرع إلى الله والدعاء، ومسألة الرحمة والغفران، فإن الله يستجيب لكل مؤمن دعاءه، ويورد النار كل مستكبر عن عبادته، قال الله تعالى: " أدعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين [60 غافر: 40.] واعلموا أن فيه ساعة مباركة لا يسأل الله [فيها] عبد مؤمن خيرا إلا أعطاه الله. والجمعة واجبة على كل مؤمن (23) إلا الصبي والمرأة والعبد والمريض. غفر الله لنا ولكم سالف ذنوبنا، وعصمنا وإياكم من اقتراف الذنوب بقية أعمارنا. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله الكريم، أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم.


(23) هذا مثل قوله تعالى: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " في مقام بيان أصل الوجوب، ولا إطلاق له، فلا ينافي اشتراط وجوبها بحضور الامام عليه السلام أو منصوبه الخاص، كما لا ينافي ذلك تقييد وجوبها بأن لا يكون بين الجمعتين أقل من الفرسخين، مع أن الشرائط كانت محققة الوجود حينما كان عليه السلام يخطب. وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: " والجمعة واجبة على كل مؤمن إلا على الصبي والمريض والمجنون والشيخ الكبير والاعمى والمسافر والمرأة والعبد والمملوك ومن كان على رأس فرسخين ".

[506]

وكان عليه السلام يقرأ " قل هو الله أحد " أو " قل يا أيها الكافرون " أو " إذا زلزلت [الارض زلزالها] (24) أو " ألهاكم التكاثر " أو " والعصر " وكان مما يدوم عليه " قل هو الله " ثم يجلس كلا ولا (25) ثم يقوم فيقول: الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا [صلى الله عليه وآله " خ "] عبده ورسوله، صلوات الله عليه وآله وسلامه ومغفرته ورضوانه. اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك ونبيك وصفيك صلاة تامة نامية زاكية ترفع بها درجته، وتبين بها فضيلته. وصل على محمد وآل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون على سبيلك، ويجحدون آياتك ويكذبون رسلك.


(24) عطف " إذا زلزلت الارض " على ما سبق غير موجود في النسخة المطبوعة التي عندي وإنما ذكره في مستدرك الوسائل. (25) كناية عن قلة جلوسه أي كان عليه السلام يجلس بقدر ما يتلفظ بقول: " لاولا " ثم يقوم..

[507]

اللهم خالف بين كلمتهم، وألق الرعب في قلوبهم، وأنزل عليهم رجزك ونقمتك وبأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. اللهم انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطيهم حيث كانوا في مشارق الارض ومغاربها إنك على كل شئ قدير. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات ولمن هو لاحق بهم، واجعل التقوى زادهم والجنة مآبهم، والايمان والحكمة فلي قلوبهم، وأوزعهم (26) أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم، وأن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، إله الحق وخالق الخلق، آمين (27) إن الله يأمركم بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون (90 - النحل: 16).


(26) هذا من قولهم: أوزعه الشئ: ألهمه إياء. ومنه قوله تعالى حكاية عن سليمان في الآية: " 19 " من سورة النمل: " رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي.. " (27) وبعده في كتاب من لا يحضره الفقيه: " اللهم اغفر لمن توفي من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ولمن هو لاحق بهم من بعدهم منهم إنك أنت العزيز الحكيم ".

[508]

أذكروا الله فإنه ذاكر لمن ذكره، وسلوه رحمته وفضله فإنه لا يخيب عليه داع من المؤمنين دعاه. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. أعمال يوم الجمعة من كتاب مصباح المتهجد - للشيخ الطوسي - ص 266. ورواه أيضا في الحديث: (46) من باب وجوب صلاة الجمعة - وهو الباب: (57) - من كتاب الصلاة من كتاب " من لا يحضره الفقيه ": ج 1، ص 270 باختلاف لفظي وزيادات أشرنا في التعليقات المتقدمة إلى المهم منها، وقال: وخطب أمير المؤمنين في يوم الجمعة وقال: " الحمد لله " الخ. ورواه عنه في البحار: ج 18، ص 237، وفي ط الحديث: ج 89 ص 236. ورواه أيضا في الباب التاسع عشر من أبواب صلاة الجمعة. من كتاب مستدرك الوسائل: ج 1، ص 411، ط 2. كما رواه أيضا في الباب: (49) من جواهر المطالب، ص 52، وقطعة منها مذكورة في المختار (98) من خطب نهج البلاغة، وكذا في المختار: (77) من خطب مستدرك النهج ص 94. وقطعة منها مذكورة في المختار: (13) من الباب الثاني من كتاب دستور معالم الحكم، ص 49 ط مصر، وكذلك في الحديث: (129) من باب حب الدنيا، من البحار: القسم الثالث من ج 15، 95 ط الكمباني، نقلا عن الواسطي في كتاب عيون الحكم والمواعظ.

[509]

- 149 - ومن خطبة له عليه السلام في يوم الفطر (1) قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني، قال: حدثنا أحمد بن علي الكرخي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سلام يذكر أن إبراهيم بن سليمان حدثهم عن علي بن أسباط المصري (2) قال: حدثنا الحسن بن علي البكري عن عبد الرحمان بن حندب بن عبد الله الا (ز) دي عن أبيه قال:: سمعت أمير المؤمنين عليا السلام يخطب بهذه الخطبة يقول: الحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (3) لا نشرك بالله ولا نتخذ من دونه إلها ولا وليا. والحمد لله الذي لا مقنوط من رحمته ولا مخلو من نعمته ولا مستنكف عن عبادته، بكلماته قامت السماوات واستقرت الارضون، وثبتت الجبال الرواسي وجرت الرياح


(1) ورواها أيضا شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي قدس الله نفسه في كتاب مصباح المتهجد برواية أبي مخنف. (2) ويحتمل رسم الخط ضعيفا أن يقرأ: " المعري ". (3) اقتباس من الآية الاولى من سورة الانعام.

[510]

اللواقح وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار (4) قاهر يخضع له المعتزون، ويذل طوعا وكرها له العالمون. نحمده كما حمد نفسه وكما هو أهله (5) ونستعينه ونستغفره ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم ما تخفي النفوس (6) وما تجن البحار وما تواري الاسرار (7) وما تغيظ الارحام وما تزداد وكل شئ عنده بمقدار (8) ونستهدي الله الهدى ونعوذ به من الضلالة والردى ونشهد أن محمدا عبده ونبيه ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه، قد بلغ رسالات ربه وجاهد في الله


(4) هذا هو الصواب، وفي النسخة: " التحار " أو " التحاد ". (5) هذا هو الظاهر الموافق لرواية الشيخ الطوسي - رحمه الله غير أن في روايته: " بما حمد نفسه " - وفي نسخة تيسير: " وكما رأينا أهله ". (6) هذا هو الصواب الموافق لرواية الشيخ (ره) وفي الاصل: " ما تفي التفوس ". (7) ولعله جمع السر - بضم السين وكسرها -: خطوط الكف والجبهة. وفي المصباح: " وما تواري الاسراب (الاسرار " خ ") ولعله أصح، والسرب - كفلس -: الصدر، وكحبر: القلب، والجمع الاسراب. والسرب - كسبب -: القناة والجمع أسراب. (8) وبعده في رواية الشيخ (ره) في مصباح المتهجد زيادات جيدة.

[511]

المولين عنه العادلين به (9) وعبد الله حتى أتاه اليقين، وصلى الله عليه وآله. أوصيكم ونفسي بتقوى الله الذي لا تنفد منه نعمة ولا تفقد له رحمة (10) الذي رغب في التقوى وزهد في الدنيا، وحذر من المعاصي وتعزز بالبقاء، وذلل خلقه بالموت والفناء، فالموت غاية المخلوقين، وسبيل العالمين، ومعقود لنواصي الباقين (11). فاذكروا الله يذكركم وادعوه يستجب لكم وأدوا فطرتكم فإنها سنة من نبيكم صلى الله عليه وآله وهي لازمة لكم واجبة عليكم فليؤدها كل امرئ منكم عن عياله ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم حرهم ومملوكهم،


(9) وفي رواية الشيخ (ره): وجاهد في الله المدبرين عنه ". (10) هذا هو الصواب الموافق لما في رواية الشيخ رحمه الله وفي الاصل: " ولا تعقد له رحمة ". (11) القطعة الاخيرة - وهي " صي " من قوله: " لنواصي " - رسم خطها غير واضح وفي رواية الشيخ: " فهو معقود بنواصي الخلق كلهم حتم في رقابهم لا يعجزه لحوق الهارب ولا يفوته ناء ولا آئب. " وبعده أيضا زيادات كثيرة غير موجودة في رواية السيد أبي طالب.

[512]

عن كل إنسان منهم نصف صاع من بر (12). وقال أبو العباس - رحمه الله تعالى -: وسمعنا من رواية أخرى: صاعا من بر [أ] وصاعا من شعير أو تمر (13) فأطيعوا الله فيما فرض عليكم وأمركم به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت - من استطاع إليه سبيلا - وصوم شهر رمضان، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحسان إلى نساءكم وما ملكت أيمانكم، وأطيعوا الله فيما نهاكم عنه من قذف المحصنات وإتيان الفاحشات وشرب الخمر وبخس المكيال والميزان، وشهادة الزور، والفرار من لزحف، عصمنا الله وإياكم بالتقوى وجعل الآخرة خيرا لكم ولنا من الاولى. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، بسم الله


(.) كلمة " نصف " من الاصل غير جلية، ولكن رسم خطها لا يساعد على غيرها. (12) وفي رواية شيخ الطائفة " وأدوا فطرتكم فإنها سنة نبيكم وفريضة واجبة (عليكم) من ربكم فليخرجها كل امرء منكم عن نفسه وعن عياله كلهم ذكرهم وأنثاهم. عن كل واحد منهم صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو نصف صاع من بر، من طيب كسبه طيبة بذلك نفسه ". (13) هذا هو الصواب الموافق لما في رواية الشيخ (ره) وفي نسخة تيسير المطالب: " وصاع من شعير أو تمر ".

[513]

الرحمن الرحيم [قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد] (14). ثم جلس ثم قام فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأستهدي الله الهدى وأعوذ به من الضلالة والردى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (15) وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - أرسله على حين فتره من الرسل، وانقطاع من الوحي وطموس من العلم ودروس من معالم الهدى (16) فصدع بوحيه وجلا غمرات الظلم بنور [ه] [و] قمع مشرف (17) الباطل


(14) بين المعقوفين هو المحكي أي لفظ أمير المؤمنين - صلوات الله وسلامه عليه - وكان في الاصل - بعد الاستعاذة والبسملة - هكذا: ثم قرأ " قل هو الله أحد " ثم جلس ثم قام فقال.. " (15) وكان في الاصل في وسط السطر قبل قوله: " وحده " كلمة " فردا " معقبة بقوله: صح. ولكن رسم خطها غير واضح كما هو حقه، والظاهر زيادتها وانها من سهو الكاتب. (16) الطموس والدروس - بضم أولهما -: انمحاء الشئ وزوال أثره. (17) كذا في الاصل، يقال:، جلا الهم عنه - من باب دعا - جلوا وجلاءا ": أذهبه وأزاله. كشفه. وجلى فلانا وعن فلان الامر تجلية: كشفه. والغمرات - محركة -: جمع الغمرة - بسكون الميم -: شدة الشئ ومزدحمه. ومشرف الشئ - بكسر الراء -: أعلاء المطل على غيره، والجمع مشارف.

[514]

بحقه حتى أنار الاسلام، ووضحت الاحكام، فصلى الله عليه وآله وعليهم رحمة الله وبركاته. أوصيكم عباد الله بتقوى الله والاعتصام بوثائق عراها، والمواظبة على رعايتها فإنها جنة حصينة وعقدة متينة، وغنيمة مغتنمة، قبل أن يحال (18) بينكم وبينها بانقطاع من الرجاء (19) وحدوث من الزوال ودنف من الانتقال (20) فاذكروا من فارق الدنيا، ولم يأخذ منها فكاك رهنه ولا براءة أمنه، فخرج منها سليبا محسورا، قد أتعب الملائكة نفسه التي هي مطلعة عليها، وهو مسود وجهه (21) زرقة عيناه بادية عورته يدعو بالويل والثبور، لا يرحم دعاؤه، ولا يفتر عنه من عذابها [شئ] كذلك يجزى كل كفور. (22)


(18) وفي الاصل: " قبل ان يحال لكم " والظاهر زيادة كلمة " لكم " وكأنها ضرب عليها الخط. (19) وفي الاصل: " بانقطاع من الرجال ". (20) أي دنو من الانتقال، يقال: " دنف الامر - من باب فرح - دنفا ": دنا وقرب. (21) كذا في الاصل، غير ان كلمة (هو) رسم خطها غير واضح ويساعد على أن يقرأ " هي " (22) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " نجزي " والكلام مقتبس من الآية: (36) من سورة فاطر: " والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ". وبمعناها الآية: (75) من سورة الزخرف.

[515]

واذكروا من فارق الدنيا وقد أخذ منها فكاك رهنه وبراءة [أ] منه فر [حل] منها آمنا مرحوما موفقا معصوما قد ظفر بالسعادة، وفاز بالخلود، وأقام بدار الحيوان، وعيشة الرضوان، حيث لا تنوب الفجائع، ولا تحل القوارع ولا تموت النفوس عطاؤهم [عطاؤ] غير مجذوذ. ثم أخذ [عليه السلام] في الدعاء للمؤمنين والمؤمنات ودعا على أهل الشرك، ثم قرأ " إن الله يأمر بالعدل والاحسان " إلى آخر الآية. الباب (14) من تيسير المطالب - في ترتيب أمالي السيد أبي طالب - ص 135، ورواها أيضا الشيخ الصدوق قدس الله نفسه في الحديث: (79) من باب الصلاة العيدين من كتاب الصلاة من كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 325 بمغايرة يسيرة.

[516]

- 150 - ومن خطبة له عليه السلام في يوم الاضحى قال شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي قدس الله نفسه: روى أبو مخنف، عن عبد الرحمان بن جندب، عن أبيه، أن [أمير المؤمنين] عليا عليه السلام خطب يوم الاضحى فكبر فقال: ألله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. الحمد لله على ما هدانا، وله الشكر على ما أبلانا (1) والحمد لله على ما رزقنا من بهيمة الانعام. الله أكبر زنة عرشه ورضا نفسه ومداد كلماته وعدد قطر سماواته ونطف بحوره (2) [و] له الاسماء الحسنى، وله الحمد في الآخرة والاولى حتى يرضى، وبعد الرضا، إنه هو العلي الكبير.


(1) وفي نسخة - على ما في هامش الكتاب -: وله الشكر فيما أبلانا ". (2) النطف - كصرد -. النطفة ويراد منها - هنا - الماء.

[517]

الله أكبر كبيرا متكبرا، وإلها عزيزا متعززا، ورحيما عطوفا متحننا، يقبل التوبة ويقيل العثرة، ويعفو بعد القدرة، ولا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون (3). الله أكبر كبيرا، ولا إله إلا الله مخلصا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، والحمد لله (4) نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، وأشهد (5) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد اهتدى وفاز فوزا عظيما، ومن يعصهما فقد ضل ضلالا بعيدا (6) أوصيكم عباد الله بتقوى الله وكثرة ذكر الموت، وأحذركم الدنيا التي لم يتمتع بها أحد قبلكم ولا تبقى لاحد بعدكم فسبيل من فيها سبيل الماضين من أهلها.


(3) وفي هامش الكتاب: " ولا يقنط من رحمته الا القوم الظالمون " خ ". وفي كتاب الفقيه: " الله أكبر كبيرا متكبرا، وإلها متعززا، ورحيما متحننا يعفو بعد القدرة، ولا يقنط من رحمته الا الضالون " الله أكبر كبيرا، ولا إله إلا الله كثيرا، وسبحان الله حنانا قديرا، والحمد لله نحمده ونستعينه " الخ. (4) وبعده في متن الكتاب علامة وفي هامش هكذا: " بكرة وأصيلا، والحمد لله " خ ". (5) وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: ونشهد " الخ وهو الظاهر. (6) وفي كتاب الفقيه: " ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا وخسر خسرانا مبينا ".

[518]

ألا وإنها قد تصرمت وآذنت بانقضاء (7) وتنكر معروفها وأصبحت مدبرة مولية فهي تهتف بالفناء وتصرخ بالموت قد أمر منها ما كان حلوا، وكدر منها ما كان صفوا، فلم يبق منها إلا شفافة كشفافة الاناء وجرعة كجرعة الاداوة لو تمززها الصديان لم تنقع غلته (8) فأزمعوا عباد الله على الرحيل عنها (9) وأجمعوا متاركتها فما من حي يطمع في بقاء، ولا نفس إلا وقد أذعنت للمنون، ولا يغلبنكم الامل، ولا يطل عليكم الامد فتقسوا قلوبكم، ولا تغتروا بالمنى وخدع الشيطان وتسويفه، فإن الشيطان عدوكم حريص على إهلاككم تعبدوا لله - عباد الله - أيام الحياة، فوالله لو حننتم حنين


(7) ومن قوله: " ألا وإنها - إلى قوله: - ما جزت أعمالكم حق نعمة الله عليكم " رواه في المختار: (52) من خطب نهج البلاغة باختصار واختلاف طفيف في بعض الالفاظ وبين المعقوفين مأخوذ منه، وكذلك في الحديث الثاني من المجلس: (20) من أمالي الشيخ المفيد - رحمه الله - ص 102. (8) الشفافة: بقية الماء في الاناء. والجرعة - مثلثة الجيم -: البلعة من الماء - ويعبر عنها أهل بلادنا " بيك كلب " - والاداوة قيل: هي المطهرة أي الماء الذي يتطهر به. وتمززها: أمتصها قليلا قليلا. والصديان: العطشان. ويقال: " نقع الماء عطشه - من باب منع - نقعا ": سكنه وقطعه. والغلة - بضم الغين -: العطش الشديد. (9) فأزمعوا: فأعزموا. وفي النهج: " فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار المقدور على أهلها الزوال، ولا يغلبنكم فيها الامل، ولا يطولن عليكم الامد، فوالله لو حننتم حنين الوله العجال، ودعوتم بهديل الحمام وجأرتم جوآر متبتل الرهبان.. "

[519]

الواله المعجال (10) [الوله العجال " خ "] ودعوتم دعاء الحمام وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان، خرجتم إلى الله من الاموال والاولاد التماس القربة إليه في ارتفاع درجة وغفران سيئة أحصتها كتبته وحفظتها رسله، لكان قليلا فيما ترجون من ثوابه وتخشون من عقابه، وتالله لو انماثت قلوبكم انمياثا (11) وسالت من رهبة الله عيونكم دما [دماء خ "] ثم عمرتم عمر الدنيا على أفضل اجتهاد وعمل ما جزت أعمالكم حق نعمة الله عليكم ولا استحققتم الجنة بسوى رحمة الله ومنه عليكم، جعلنا الله وإياكم من المقسطين التائبين الاوابين. ألا وإن هذا اليوم يوم حرمته عظيمة وبركته مأمولة


(10) من هنا - إلى قوله: " حق نعمة الله عليكم " - ذكره في الباب (48) من جواهر المطالب الورق 48: قال قال بكر بن خليفة قال علي بن أبي طالب [عليه السلام]: أيها الناس إنكم - والله - لو حننتم حنين الواله.. وساق الكلام باختلاف في بعض الالفاظ. والحنين: صوت الحزين. والواله: شديد الحزن مدهوش العقل. والمعجال والعجال: التي فقدت ولدها. ودعاء الحمام - أو هديله - في رواية نهج البلاغة -: صوته الوجيع لفقد إلفه. وجأرتم جوار متبتلي الرهبان: رفعتم أصواتكم بالتضرع إلى الله كرفع متبتلي الرهبان أي المنقطعين منهم للعبادة الرافعين إلى الله أصواتهم بالابتهال. (11) انماثت: ذابت.

[520]

والمغفرة فيه مرجوة، فأكثروا ذكر الله وتعرضوا لثوابه بالتوبة والانابة والخضوع [والخشوع " خ "] والتضرع فإنه يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات وهو الرحيم الودود ومن ضحى منكم فليضح بجذع من الضأن (12) ولا يجزئ عنه جذع من المعز. ومن تمام الاضحية استشراف أذنها وسلامة عينها (13) فإذا سلمت الاذن والعين سلمت الاضحية وتمت وإن كانت عضباء القرن تجر رجليها إلى المنسك. وإذا ضحيتم فكلوا منها وأطعموا وادخروا واحمدوا الله


(12) اي من ذبح منكم الاضحية وهي الشاة التي أمر الشارع بذبحها في عيد الاضحى بعد شروق الشمس فليذبح بجذع من الضأن وهو - كجبل -: ما كمل سنه سبعة أشهر، وسمي بذلك لانه يجذع - أي يسقط - مقدم أسنانه عند إكماله سبعة أشهر. (13) المتبادر من قوله: " استشراف أذنها " طول أذنها وانتصابها. وقيل: المراد تفقدها حتى لا تكون مجدوعة أو مشقوقة. وهذه القطعة رواها في المختار: (50) من نهج البلاغة، وفيه: " ومن كمال الاضحية.. ولو كانت عضباء القرن تجر رجلها إلى المنسك " قال السيد الرضي (ره): والمنسك هنا المذبح. أقول: عضباء القرن: مكسورته. والمراد من قوله: " تجر رجلها " أي ولو كانت عرجاء. وفي الحديث: (1021، و 1308، و 1310) من مسند أحمد بن حنبل - في مسند علي عليه السلام -: ج 2 ص 1026، و 1308، شواهد لهذا الحكم بل وفيما قبلها أيضا شواهد، وتفصيل الكلام موكول إلى كتب أصحابنا في الفقه.

[521]

على ما رزقكم من بهيمة الانعام، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأحسنوا العبادة وأقيموا الشهادة بالقسط، وارغبوا فيما كتب الله لكم، وأدوا ما افترض الله عليكم من الحج والصيام والصلاة والزكاة ومعالم الايمان، فإن ثواب الله عظيم وخيره جسيم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر وأعينوا الضعيف وانصروا المظلوم، وخذوا فوق يد الظالم والمريب، وأحسنوا إلى نسائكم وما ملكت أيمانكم واصدقوا الحديث وأدوا الامانة، وأوفوا بالعهد وكونوا قوامين بالقسط، وأوفوا المكيال [الكيل " خ "] والميزان وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور. إن أبلغ الموعظة وأحسن القصص كلام الله. ثم تعوذ (عليه السلام) وقرء سورة الاخلاص وجلس كالرائد العجلان (14) ثم نهض فقال: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونؤمن


(14) أي الرائد المستعجل، والرائد هو القطن الجلد الذي بنفسه يقدم على قومه - أو يقدمه قومه - لتحصيل المرعى الخصيب.

[522]

به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا [نفوسنا " خ "] ومن سيئات أعمالنا " من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا " (15) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله [صلى الله " خ "] عليه وسلامه ومغفرته ورضوانه. اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك ونبيك [وصفيك " خ "] صلاتا تامة نامية زاكية ترفع بها درجته وتبين بها فضيلته، وصلى على محمد و [على " خ "] آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم و [على " خ "] آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين الذين يصدون عن سبيلك ويجحدون آياتك ويكذبون رسلك، اللهم خالف بين كلمتهم، وألق الرعب في قلوبهم وأنزل، عليهم رجزك ونقمتك وبأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. اللهم انصر جيوش المسلمين وسراياهم ومرابطيهم حيث


(15) اقتباس من الآية: " 17 " من سورة الكهف: 18.

[523]

كانوا في [من " خ "] مشارق الارض ومغاربها إنك على كل شئ قدير. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ولمن هو لاحق بهم، واجعل التقوى زادهم والجنة مآبهم والايمان والحكمة في قلوبهم وأوزعهم (16) أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم وأن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، إله الحق وخالق الخلق آمين. " إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعكلم تذكرون، (17) أذكروا الله فإنه ذاكر لمن ذكره وسلوه [واسألوه " خ "] رحمته وفضله فإنه لا يخيب عليه داع من المؤمنين دعاه " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " (18).


(16) أوزعهم: ألهمهم. ومثله في الآية: (19) من سورة النمل حكاية عن سليمان: " رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي " (17) وهذه هي الآية (90) من سورة النحل: 16. (18) وهذه هي الآية (201) من سورة البقرة.

[524]

مصباح المتهجد - للشيخ الطوسي رحمه الله - ص 461، والقطعة الاخيرة منها ذكرها في ص 268، ورواها قبله الشيخ الصدوق (ره) باختلاف طفيف في بعض الجملات، في الحديث (31) من الباب: (79) - هو باب صلاة العيدين - من كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 328.

[525]

- 151 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به من سأله أن ينعت له البارئ تعالى شأنه قال السيد أبو طالب: حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني إملاءا، قال: أخبرنا أبو العباس الفضل بن العباس الكندي قال: حدثنا محمد بن سهل ابن ميمون العطار، قال: حدثنا عيد الله بن محمد البلوي قال: حدثنا عمارة ابن زيد، عن عبد الله بن العلاء، عن صالح بن سميع، عن عمر بن صعصعة ابن صوحان (1) عن أبيه عن أبي المعتمر [مسلم بن أوس] قال: حضرت مجلس أمير المؤمنين علي عليه السلام في جامع الكوفة، فقام إليه رجل مصفر اللون كأنه من متهودة اليمن فقال: يا أمير المؤمنين: صف لنا خالقك وانعته لنا حتى كأنا نراه وننظر إليه. فسبح علي عليه السلام ربه عز وجل وعظمه وقال: الحمد لله الذي هو الاول لا بدئ مما، ولا باطن فيما، ولا [يزال مهما] (2) ولا ممازج مع ما، ولا حال بما (3).


(1) كذا في الاصل، وفي كتاب التوحيد: " حدثني صالح بن سبيع عن عمرو بن محمد بن صعصعة بن صوحان. (2) بين المعقوفين مأخوذ من كتاب التوحيد، وكان قد سقط من الاصل. وفي المختار: (16) من النهج: " الظاهر لا يقال مما، والباطن لا يقال: فيما، لا شبح فيتقضى ولا محجوب فيحوى ". (3) كذا في الاصل، وفي كتاب التوحيد: " ولا خيال وهما ".

[526]

ليس بشبح فيرى (4) ولا بجسم فيتجزأ، ولا بذي غاية فيتناهى ولا بمحدث فيتصرف (5) ولا بمستتر، فيتكشف، ولا كان بعد أن لم يكن، بل حارت الاوهام أن تكيف المكيف للاشياء [و] من لم يزل بلا مكان (6) ولا يزول لاختلاف الازمان، ولا يغلبه شأن بعد شأن (7). البعيد من تخيل القلوب (8) المتعالي عن الاشباه والضروب [الوتر وهو] علام الغيوب (9). فمعان الخلق عنه منفية وسرائرهم عليه غير خفية، المعروف بغير كيفية، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، لا تدركه الابصار ولا تحيط به الاقدار، ولا تقدره العقول ولا تقع عليه الاوهام.


(4) هذا هو الظاهر من السياق الموافق لما في كتاب التوحيد، وفي الاصل: " ليس شبح ". (5) وفي كتاب التوحيد: " ولا بمحدث فيبصر. (6) هذا هو الظاهر الموافق لكتاب التوحيد، وفي الاصل: " من لم يزل لا بمكان ". (7) وفي كتاب التوحيد: " ولا ينقلب شأنا بعد شأن ". (8) وفي كتاب التوحيد: " البعيد من حدس القلوب ". (9) كلمة: الوتر " مأخوذة من كتاب التوحيد.

[527]

هكذا رواه عنه في الباب: (14) من تيسير المطالب ص 128، ورواه أيضا أبو نعيم في ترجمة أمير المؤمنين من حلية الاولياء: ج 1، ص 72، وقريبا منه رواه أيضا في الباب (49) من جواهر المطالب ص 58، رواه أيضا الشيخ الصدوق رحمه الله بزيادات كثيرة في الباب الثاني من كتاب التوحيد، وما رواه رحمه الله قريب جدا من المختار: (161) من نهج البلاغة.

[528]

- 152 - ومن خطبة له عليه السلام لما قضى بقضية كرهها المقضي عليه فشكى إليه عليه السلام من قضائه عليه قال اليعقوبي (ره) وقضى أمير المؤمنين عليه السلام على رجل بقضية، فقال (الرجل): يا أمير المؤمنين قضيت علي بقضية هلك فيها مالي، وضاع فيها عيالي. فغضب أمير المؤمنين عليه السلام، حتى استبان الغضب في وجهه، فقال: يا قنبر ناد في الناس: الصلاة جامعة. [فنادى قنبر فيهم بما أمره به عليه السلام] فاجتمع الناس، فرقى أمير المؤمنين عليه السلام المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فذمتي رهينة وأنا به زعيم (1) بجمع من صرحت له العبر (2) أن لا يهيج على التقوى زرع قوم،


(1) ومثله في رواية ابن عساكر، قال القاضي المعافا ابن زكريا، في شرح الكلام: أتى (عليه السلام) به عن تيقنه بما أخبر به، وبصيرته وثقته بحقيقته، وتوثيقه لمن أخبر بثبوته وصحته، وأما قوله: " وأنا به زعيم ". فإن الذي يرجع إليه هاء الضمير ما في جملة الكلام ومعناه، وما دل عليه مفهومه وفحواه، كأنه قال: وأنا بقولي هذا: زعيم. (أي كفيل وضامن) وذلك مستعمل فصيح فاش في العربية، وإن لم يأت بصريح اسم خاص، ولا مصدر يعود الضمير عليه على أصله. (2) كذا في النسخة، و " الجمع " بمعنى الجميع والجماعة. و " صرحت ": بانت وانكشفت، هذا إذا كانت لازمة، وأما إذا استعملت متعدية فالتاء ضمير الفاعل - وليست للتأنيث - والعبر يكون منصوبا على المفعولية، وهو جمع العبرة، كسدر وسدرة -: ما يتعظ ويعتبر به.

[529]

ولا يظمأ على التقوى سنخ أصل (3) وأن الخير كله فيمن عرف قدره، وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره. إن من أبغض خلق الله إلى الله، لعبد وكله الله إلى نفسه، جائرا عن قصد السبيل، مشغوفا بكلام بدعة (4) قد قمس في أشباهه من الناس عشواء غارا بأغباش الفتنة (5) قد لهج فيها بالصوم والصلاة (6) فهو فتنة على من


(3) وفي المختار: (16) من خطب نهج البلاغة: " لا يهلك على التقوى سنخ أصل، ولا يظمأ عليها زرع قوم ". وفي قوت القلوب: ج 1، ص 290: " لا يهيج على التقوى زرع قوم، ولا يظمأ على الهدى سنخ أصل ". وهاتان الجملتان ذكرهما أيضا ابن الاثير في النهاية. " ولا يهيج " من باب باع -: لا ييبس ولا يفسد. و " لا يظمأ " من باب فرح -: لا يعطش. و " السنخ ": المنبت. و " الاصل ": قاعدة الشي وما قام عليه. وقال ابن الاثير: هما بمعنى واحد، فلما اختلف اللفظان أضاف أحدهما إلى الآخر (4) جائرا: مائلا ومنحرفا. و " قصد السبيل ": استقامته. و " مشغوفا بكلام بدعة ": مولعا به وحريصا عليه، قد علق حب البدعة والكلام فيها بشغاف قلبه. (5) أي قد غاص وانغمس في أشباهه من جهال الناس، وعادمي البصيرة المغترين بخدع الفتن، ولم يعاشر من فوقه من العلماء والربانيين كي يتبين له الرشد من الغي، فيتحلى برداء العلم والعمل، وينجو من موبقات الجهل والخبل، يقال: " قمس " في الماء - من باب ضرب ونصر - قمسا وقموسا ": غاص فيه. وقوله: " عشواء غارا " حالان عن العبد الموصوف بما تقدم، وعشواء مؤنث الاعشى: الناقة التي لا تبصر أمامها. ويقال: هو يخبط خبط عشواء أي يتصرف في الامور على غير بصيرة. و " غارا ": مغرورا. و " الاغباش ": جمع الغبش - كأسباب وسبب -: شدة الظلمة. الخدعة. وأغباش الليل: بقاياه. (6) يقال: " لهج بالشئ - من باب فرح - لهجا ": أولع به. والضمير إما راجع إلى البدعة، أو إلى الفتنة، والاول أوجه معنا.

[530]

اتبعه، قد سماه أشباه الناس عالما ولم يغن فيه يوما سالما (7) بكر فاستكثر مما قل منه فهو خير مما كثر (7) حتى إذا ارتوى من آجن، وأكثر من غير طائل (9) جلس بين الناس قاضيا ضامنا بتخليص ما التبس على غيره، إن قايس شيئا بشئ لم يكذب نفسه، وإن التبس عليه كتمه [لما يعلم] من نفسه [من الجهل] (10) لكي لا يقال: [إنه] لا يعلم، فلا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه، ولا هو أهل بما قرض به من حسن (11) مفتاح


(7) لم يغن: لم يلبث ولم يمكث، أي لم يصرف عمره في العلم يوما تاما سالما من النقص (8) كذا في النسخة، والظاهر ان لفظة: " فهو " من زيادة النساخ، أو من سهو الرواة، كما يؤيده خلو رواية الكافي والارشاد، والنهج، والحديث (9) من الجزء التاسع من أمالي الشيخ ص 240 وتاريخ دمشق عن هذه اللفظة. و " بكر ": بادر إلى الجمع بكرة أي في أول النهار. وهذا كناية عن شدة اهتمامه بجمع مواد الفتنة. (9) إرتوى: شرب حتى شبع. و " الآجن ": الماء المتعفن، واستعير - هنا - للاراء الفاسدة والمقدمات الباطلة. و " من غير طائل ": من غير فائدة وغناء. (10) بين المعقوفات مأخوذ من كتاب الارشاد، وقد سقط من رواية اليعقوبي، ولابد منه كما يدل عليه - مضافا إلى ما في الارشاد والنهج - رواية الكافي وفيه هكذا: " وان أظلم عليه أمره اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه، لكيلا يقال له: لا يعلم ثم جسر فقضى، فهو مفتاح عشوات، ركاب شبهات " الخ. (11) الملئ: الغني. الكافي لما يكلف به. " قرض به " من التقريض: المدح والثناء. وما بعده بيان له. والخطبة رواها في مادة " ذمم " من كتاب الفائق بتقديم وتأخير عما ههنا وقال في آخرها: " فلا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه، ولا أهل لما قرظ به ". قال الزمخشري: تقريظ الرجل مدحه حيا،

[531]

عشوات خباط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعرض في العلم ببصيرة (12) يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم (13) تصرخ منه الدماء، وتبكي منه المواريث، ويستحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بمرضاته الفرج الحلال. فأين يتاه بكم (14) بل أين تذهبون عن أهل بيت


وتأبينه: مدحه ميتا. وما هنا أظهر مما في رواية ابن عساكر: لما فرض له - وفي طريق ابن زيدويه: - لما فرط به ". وكذلك من رواية الكافي وأمالي الشيخ، نعم يساوقه معنى ما في النهج: " ولا هو أهل لما فوض إليه ". (12) أي لا اتساع له في العلم ولا يذهب فيه طولا وعرضا ببصيرة، بل يلم عليه سطحيا وقدر ما يمكنه إدعاء العلم عند الجهلة. وكأنه من قولهم: " يعرض في المكارم ": ذهب فيها طولا وعرضا. وفي المسترشد: " ولا ينهض بعلم قاطع ". وفي الارشاد: " ولا يعض في العلم بضرس قاطع فيغنم ". ومثله في أمالي الشيخ وتاريخ ابن عساكر، غير أن فيهما:، على العلم ". (13) أي يمزق الروايات جهلا ويفرقها تهوسا وتخرصا كما يفرق ويمزق الريح الهشيم - أي اليابس - من النبات، ويطير كل قطعة منها في أودية، يقال: " ذرا الريح - من باب رمى ودعا - التراب ذروا وذريا ": أطارته وفرقته. وقال في النهاية: يقال: " ذرته الريح وأذرته [و] تذروه وتذريه ": أطارته، ومنه حديث علي: " يذرو الروايات ذرو الريح الهشيم " أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت. أقول: قال الله تعالى - في الآية: (45) من سورة الكهف: 18 -: " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء: أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض، فأصبح هشيما تذروه الرياح، وكان الله على كل شئ مقتدرا ". و " الهشيم ": المهشوم، وهو كل نبت وشجر متكسر متفتت. (14) أي أين يذهب بكم الشيطان أو الضلال تائهين متحيرين ؟ ! !

[532]

نبيكم ؟ أنا من سنخ أصلاب أصحاب السفينة (15) وكما نجا في هاتيك من نجا، ينجو في هذه من ينجو، ويل رهين لمن تخلف عني. إني فيكم كالكهف لاهل الكهف، وإني فيكم باب حطة، من دخله نجا (16) ومن تخلف عنه هلك،


(15) كذا في النسخة، وفي المسترشد: " يا معشر من نجا من أصحاب السفينة هذا مثلها فيكم (و) كما نجا في هاتيك من نجا، فكذلك ينجو في هذه منكم من ينجو ". وفي الارشاد: " يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة، فهذه مثلها فيكم فاركبوها فكما نجى في هاتيك من نجا، كذلك ينجو في هذي من دخلها " [كذا]. (16) هذا هو الظاهر، وفي النسخة: " من دخل منه نجا ". والكلام إشارة إلى ما ذكره الله تعالى في الآية (15) من سورة الكهف: " فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهئ لكم من أمركم مرفقا ". وإلى الآية: (58) من البقرة: " وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا، وادخلوا الباب سجدا وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ". ومثلها معنى الآية: (161) من سورة الاعراف، أي فكما أن أهل الكهف كانوا مأمورين بالايواء إليه كي ينشر الله رحمته عليهم وينجيهم من الهلاك، فكذلك أنتم معاشر المسلمين مأمورون بالايواء إلينا، والتمسك بنا، والايئتمار بأمرنا، والانزجار عن ردعنا، وإلا فلا نجاة لكم. وكما أن أصحاب موسى كانوا مأمورين بدخول القرية خاضعين قائلين: يا رب حط عنا. كي يغفر للمذنبين منهم ويزيد الكرامة للمحسنين، فكذلك أنتم معاشر المؤمنين يجب عليكم الاخذ مني لاني مدينة علم النبي، ويلزمكم الدخول في طاعتنا والبراءة من أعدائنا كي يغفر الله للمذنبين منكم ذنوبهم، ويرفع الله للمحسنين درجاتهم ويزيدهم من فضله، وإلا تفعلوا فارتقبوا النكال من الله، كما قال الله في أصحاب موسى - الذين لم يدخلوا باب حطة -: " فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ".

[533]

حجة من ذي الحجة في حجة الوداع (17) " إني قد تركت بين أظهركم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي ". تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 187، س 7، وفي ط ص 200، وذيلها رواه عنه في حديث السفينة ذيل حديث الثقلين من عبقات الانوار، ص 68 ط إصفهان. وقريب منها جدا في المختار الخامس من كلامه عليه السلام في كتاب الارشاد ص 123، والمختار (7) من نهج البلاغة، وفي المختار: (85) منه أيضا شواهد لها. ولها شواهد جمة أخرى. وقريبا منها جدا، رواه السيد أبو طالب مسندا في أماليه كما في أوائل الباب: (14) من تيسير المطالب في ترتيب أمالي السيد أبي طالب ص 120.


(17) أي لي على ما ذكرت - من أني فيكم كسفينة نوح، وكالكهف لاهل الكهف وأني باب حطة - حجة برهان من صاحب الحجة الكبرى الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله أقامها لي في حجة الوداع وقال: " (أيها الناس) إني قد تركت بين أظهركم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ".. وهذا هو حديث الثقلين المتواتر بين المسلمين وقد أفرد له صاحب عبقات الانوار (ره) مجلدين ضخمين وطبع في ست مجلدات. وأيضا يحتمل أن يقرأ لفظة: " ذي الحجة " بكسر الحاء ويراد منها الشهر فيكون المعنى: ان حجتي على ما ادعيت قد انجزت وأبلغت في شهر ذي حجة لما نصبني رسول الله في حجة الوداع.

[534]

- 153 - ومن كلام له عليه السلام قاله في بعض خطبه قال القاضي نعمان: وخطب عليه السلام بالكوفة فقال: يا أيها الناس أن الله تبارك وتعالى جعل لي عليكم حقا بولايتي أمركم ومنزلتي التي أنزلني [الله] بها عزوجل من بينكم، ولكم علي [من الحق] النصيحة والعدل (1) وإن الحق لا يجري لاحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له. الحديث (52) من كتاب القضاء من دعائم الاسلام: ج 2 ص 539، وقريب منه في ذيل الخطبة (34) وصدر المختار (213) من نهج البلاغة، وكذلك في الحديث (550) من كتاب الروضة من الكافي.


(1) بين المعقوفات قد سقط من الاصل ولابد منه، وفي المختار: (213) من النهج: " أما بعد فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم، ولكن علي من الحق مثل الذي لي عليكم ".

[535]

- 154 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به بعض اليهود روى الاصبهاني في كتاب الحجة عن الاصبغ بن نباتة، قال: كنا جلوسا عند [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب [عليه السلام] فأتاه يهودي فقال: يا أمير المؤمنين متى كان الله ؟ فقمنا إليه فلهزناه (1) حتى كدنا (أن) نأتي على نفسه، فقال علي: خلوا عنه ثم قال [له]: يا أخا اليهود اسمع ما أقول لك بأذنك واحفظه بقلبك، فإنما أحدثك عن كتابك الذي جاء به موسى بن عمران، فإن كنت قد قرأت كتابك وحفظته فإنك ستجده كما أقول: إنما يقال متى كان لمن لم يكن ثم كان، فأما من لم يزل بلا كيف يكون [و] كان بلا كينونة كائن [و] لم يزل قبل القبل وبعد البعد [و] لا يزال بلا كيف ولا غاية، ولا منتهى إليه غاية، انقطعت دونه الغايات فهو غاية كل غاية (2).


(1) يقا ل: " لهزه لهزا " - من باب منع -: ضربه بجمع كفه. أو ضربه بجمع الكف في لهزمته ورقبته. ثم إن قصة ضرب اليهودي لابد أن تكون في غياب أمير المؤمنين. ويمكن أيضا أن يقال: أن الراوي تسامح في التعبير وأراد أن يقول: فأردنا أن نقوم إليه فنلهزه.. وذلك لمنافاته لسيرة أمير المؤمنين، وهيبته في قلوب خواص أصحابه مثل الاصبغ وأقرانه. مع انه من أخبار الآحاد فلا يقبل منها إلا ما له شاهد صدق دون ما لا شاهد له. (2) أي فلا يقال له: متى كان.

[536]

فبكى اليهودي وقال: والله يا أمير المؤمنين إنها لفي التوراة هكذا حرفا حرفا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. كذا نقله عنه - عدا ما بين المعقوفات - في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 7. وقريبا منه رواه السيد أبو طالب في أماليه - كما في ترتيبه تيسير المطالب ص 126 - قال:: أخبرنا محمد بن علي العبدكي قال: حدثنا محمد بن يزداد، قال: حدثنا علي بن الحسين الوراق البغدادي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا ابن سنان، عن الضحاك، عن النزال ابن سبرة أن رجلا قام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين كيف كان ربنا ؟..

[537]

- 155 - ومن كلام له عليه السلام أجاب به بعض اليهود قال ابن عساكر: قرأت على أبي القاسم الشحامي، عن أبي بكر البيهقي، أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا محمد بن القاسم بن عبد الرحمان العتكي، أنبأنا محمد بن أشرس، أنبأنا إبراهيم بن نصر في منزل يحيى بن يحيى بحضرته أنبأنا علي بن إبراهيم الهاشمي [قال]: أنبأنا يحيى بن عقيل الخزاعي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب انه أتاه يهودي فقال: يا أمير المؤمنين متى كان ربنا عزوجل ؟ قال فتمعر (1) وجه علي [عليه السلام] فقال: يا يهودي لم يكن فكان (2) هو كان ولا كينونة، كان بلا كيف يكون كان لم يزل ويكون لا يزال (3) وبلا كيف يكون، كان لم يزل بلا كيف، ليس له قبل، هو قبل القبل بلا قبل ولا غاية، ولا منتهى غاية ولا غاية النهاية (4) إنقطعت الغايات دونه فهو غاية كل غاية. أفهمت يا يهودي ؟ وإلا أفهمتك.


(1) أي تغير وجهه عليه السلام وزالت نضارته. (2) أي انه تعالى لم يكن مسبوقا بالعدم ثم موجودا بعده حتى يقال له: متى كان، وإنما يقال: متى كان لمن لوجوده بداءة ولمن " جد بعد عدمه. (3) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " وبك لم يزل. " (4) ويساعد رسم الخط على أن يقرأ " ولا نهاية النهاية ".

[538]

فقال [اليهودي]: أشهد أنه لم يبق أحد على وجه الارض من يقول بغير هذا القول إلا كفر، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: فحسن إسلامه فحج مرة وغزا مرة، حتى قتل بأرض الروم في زمن معاوية. ترجمة إبراهيم بن نصر بن منصور أبي اسحاق السوريني (5) من تاريخ دمشق: ج 4 ص 135، ورواه عنه في باب النهي عن الكلام في ذات الله من منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد بن حنبل: ج 1، ص - 117. ورواه مرسلا في أواسط الباب (5) من دستور معالم الحكم ص 109. ط مصر، باختلاف يسير في بعض الالفاظ. وقريبا منه رواه بسند آخر في الباب: (14) من كتاب تيسير المطالب - في ترتيب أمالي السيد أبي طالب - ص 128.


(5) قال ابن عساكر: ويقال: السوراني الفقيه المطوعي الشهيد. وقال أيضا: و " سورين " نخلة بأعلى نيسابور.

[539]

- 156 - ومن خطبة له عليه السلام في بيان علوه تبارك وتعالى عن نعت المخلوقين، ودلالة الممكنات على علم بارئها وحكمته وغناه وقدرته وقدمه ودوامه. قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسيني، قال: أخبرنا عبد العزيز بن إسحاق، قال: حدثنا منصور بن نصر بن الفتح، قال: حدثنا أبو الحسين زيد بن علي العلوي، قال: حدثني علي بن جعفر بن محمد، قال: حدثني الحسين بن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام انه خطب خطبة التوحيد (1) [وقال]: الحمد لله الذي لا من شئ كان، ولا من شئ خلق ما كون (2) مستشهد بحدوث الاشياء على قدمه (3) وبما وسمها من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه.


(1) وفي رواية الصدوق (ره) بسند آخر يأتي في المختار: (160) خطب أمير المؤمنين عليه السلام الناس في مسجد الكوفة فقال.. (2) وفي رواية الصدوق: " ولا من شئ كون ما قد كان " وهو أظهر. (3) كلمة: " مستشهد " غير واضحة بحسب رسم الخط من كتاب ترتيب أمالي السيد أبي طالب، نعم هي جلية في رواية الصدوق رحمه الله. (*)

[540]

لم يخل منه مكان فيدرك بأينيته، ولا له شبح مثال فيوصف بكيفيته، ولم يغب عن شئ فيعلم بحيثيته (4) مباين لجميع ما جرا في الصفات (5) وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات (6) وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرف الحالات (7). لا تحويه الاماكن لعظمته، ولا تدركه الابصار لجلالته، ممتنع من الاوهام أن تستغرقه، وعن الاذهان أن تتمثله. [قال]: وفي رواية أخرى: فليست له صفة تنال، ولا حد يضرب له فيه الامثال، كل دون صفته تحابير اللغات (8) وضل هنالك تصاريف الصفات، وحار دون ملكوته عميقات مذاهب التفكير،


(4) كذا في رواية الصدوق (ره) وهو الظاهر، وفي نسخة ترتيب أمالي السيد: بأينيه... بكيفيه ". (5) كذا في النسخة، وفي رواية الصدوق: مباين لجميع ما أحدث في الصفات ". (6) كذا في رواية الصدوق، وفي الاصل: " من تصريف الادوات ". (7) هذا هو الصواب، وفي الاصل: " من جميع تعرم الحالات ". (8) هذا هو الصواب، وفي الاصل: " تحابين ".

[541]

وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجب من الغيوب تاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول. واحد لا بعدد، دائم لا بأمد، قائم لا بعمد. ليس بجنس فتعادله الاجناس، ولا بشبح فتضارعه الاشباح، ليس لها محيص عن إدراكه لها، ولا خروج عن إحاطته بها، ولا احتجاب عن إحصائه لها، ولا امتناع من قدرته عليها. كفى بإتقان صنعه لها آية، وبتركيب خلقها عليه دلالة (9) وبحدوث ما فطر [ه] (10) على قدمه شهادة، فليس له حد منسوب، ولا مثل مضروب، ولا شئ هو عنده محجوب، تعالى عن ضرب الامثال والصفات المخلوقة علوا كبيرا. الباب (14) من تيسير المطالب - في ترتيب أمالي السيد أبي طالب - ص 134.


(9) وفي رواية الصدوق: " وبمركب الطبع عليها دلالة ". والضمير في قوله: " لها - و - عليها " راجع إلى الاجناس. (10) ما فطره: ما خلقه وأبدعه، أي ان مشاهدة الحدوث في مخلوقاته - أو اتصاف المخلوقات بالحدوث - شاهد وبرهان على قدم مبدعها وإلا يلزم أن لا يوجد حادث أبدا، والفرض انه وجدت حوادث ومخلوقات.

[542]

- 157 ومن خطبة له عليه السلام في بيان ما لله تعالى من الكبرياء والعظمة وتعاليه عن وصف الواصفين. قال السيد أبو طالب: أخبرنا أبي رحمه الله تعالى قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن سلام، قال: أخبرنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن سليمان، قال: حدثنا علي بن الخطاب الخثعمي قال: حدثنا أحمد بن محمد الانصاري عن بشير (1) عن زيد بن أسلم [قال]: إن رجلا سأل أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة فقال له: يا أمير المؤمنين هل تصف لنا ربك فنزداد له حبا وبه معرفة ؟ فغضب [أمير المؤمنين] علي عليه السلام ونادى الصلاة جامعة. فاجتمع الناس حتى غص المسجد بأهله ثم صعد المنبر وهو مغضب متغير اللون فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: الحمد لله الذي لا يفره المنع ولا يكديه الاعطاء إذ كل معط ينتقص سواه (2) [وكل مانع مذموم ما ما خلاه، و] هو المنان بفوائد النعم وعوائد المزيد


(1) رسم الخط في هذا اللفظ غير جلى ويساعد على أن يقرأ " بشر ". (2) هذا هو الظاهر الموافق لما في كتاب التوحيد والنهج، وفي الاصل: " ثم كل معط ". وما وضعناه بعده بين المعقوفين مأخوذ من المختار: (90) من نهج البلاغة، وفيه وفي كتاب التوحيد: " إذ كل معط منتقص سواه ".

[543]

ضمن عيالة خلقه وأنهج سبيل الطلب للراغبين إليه (3) وليس بما سئل بأجود منه مما لم يسأل (4) ولما اختلف عليه دهر فيختلف فيه الحال (5) [ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال] ولو وهب ما شقت عنه معادن الجبال (6) وضحكت عنه أصداف البحار - من فلز اللجين وسبائك العقيان، ونثارة الدر وحصائد المرجان - لبعض عبيده لما أثر [ذلك] في جوده (7) ولا أنفد سعة ما عنده، ولكان عنده من دخائر الافضال ما لم تنفده مطالب السئوآل (8) ولا تخطر لكثرته على بال (9) لانه الجواد الذي [لا] تنقصه المواهب و [لا] يبخله إلحاح


(3) وفي النهج: " عياله الخلق ضمن أرزاقهم وقدر أقواتهم ونهج سبيل الراغبين إليه والطالبين ما لديه ". يقال: " نهج زيد الطريق نهجا - من باب منع - وأنهجه أنهاجا ": أبانه وأوضحه. (4) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: وليس بمن سأل بأجود منه فيما لم يسأل ". وفي النهج:، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ". (5) وفي النهج: " ما اختلف عليه دهر " وما بين المعقوفين أيضا مأخوذ منه. (6) وفي النهج والتوحيد: " ولو وهب ما تنفست عنه معادن الجبال ". (7) هذا هو الظاهر الموافق لما في نهج البلاغة، وفي الاصل: " لما أثر في وجوده ". (8) السؤال: جمع السائل - كزراع في جمع الزارع -. وفي النهج: " ولكان عنده من ذخائر الانعام ما لا تنفذه مطالب الانام ". (9) ومثله في كتاب التوحيد.

[544]

الملحين (10) وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فما ظنكم بمن هو هكذا [ولا هكذا غيره] سبحانه وبحمده (11). أيها السائل اعقل عني ما سألتني عنه (12) ولا تسألن أحدا عنه بعدي فإني أكفيك (13) مؤنة الطلب، وشدة التعمق في المذهب، وكيف يوصف الذي سألتني عنه ؟. وهو الذي عجزت الملائكة - مع قربهم من كرسي كرامته وطول ولههم إليه وتعظيم جلال عزته (14) وقربهم من غيب ملكوت قدرته - أن يعلموا من علمه إلا [ما] علمهم وهم من ملكوت القدس بحيث هم من معرفته على ما فطرهم عليه (15) فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم [الحكيم] (16).


(10) وفي النهج: " لانه الجواد الذي لا يغيضه سؤال السائلين، ولا يبخله الحاح الملحين ". (11) بين المعقوفين مأخوذ من العقد الفريد. (12) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " اعقل عن ما سألتني ". (13) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " فإني أكف بك ". (14) وفي العقد الفريد، وتعظيمهم جلال عزته " وهو أظهر. (15) وفي التوحيد: " أن يعلموا من أمره إلا ما أعلمهم وهم من ملكوت القدس بحيث هم من معرفته على ما فطرهم عليه أن قالوا ". (16) بين المعقوفين كأنه قد سقط عن النسخة، والكلام مقتبس من الآية: (31) من سورة البقرة.

[545]

فعليك أيها السائل بما دلك عليه القرآن من صفته وتقدمك فيه الرسل بينك وبين معرفته، فائتم به واستضئ بنور هدايته فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان علمه [فكل] علمه إلى الله فإنه منتهى حق الله عليك (16). [و] اعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب الاقرار (17) بجملة ما جهلوا تفسيره من تفسير الغيب المحجوب (18) فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا. فحمد الله سبحانه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما. وسمى تركهم التعمق - فيما لم يكلفهم البحث عنه منهم - رسوخا (19) فاقتصر على ذلك واعلم أنه الله


(16) وفي النهج: " فانظر أيها السائل فما دلك القران عليه من صفته فائتم به واستضئ بنور هدايته، وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى أثره فكل علمه إلى الله سبحانه فإن ذلك منتهى حق الله عليك، واعلم أن الراسخين. " (17) وفي النهج: " عن اقتحام السدد المضروبة.. " (18) وفي النهج: " بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ". (19) وفي النهج: " وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخا ".

[546]

[الذي] لم يحدث فيمكن فيه التغير والانتقال، ولم تتصرف في ذاته كرور الاحوال، ولم يختلف عليه عقب الايام والليالي (20) وهو الذي خلق الخلق على غير مثال امتثله (21) ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله بل أرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمهم بليغ تقويته (22) ما دلنا باضطرار قيام الحجة له على معرفته (23) ولا تحيط به الصفات فيكون بإدراكها إياه بالحدود متناهيا (24) وما زال - هو الله الذي ليس كمثله شئ -


(20) هذا هو الظاهر أي إنه تعالى ليس بمحل توارد الايام والليالي وتعاقبهما. وفي الاصل: ، ولم تخلف عليه عقب الايام والليالي " فإن صح فلعل معناه: انه ليس بفان حتى يخلفه تعاقب الايام والليالي. وفي رواية الصدوق: " ولم يتصرف في ذاته بكرور الاحوال ولم يختلف عليه عقب الليالي والايام، وفي العقد الفريد: " ولم يتغير في ذاته بمرور الاحوال، ولم يختلف على تعاقب الايام والليالي ". (21) هذا هو الظاهر الموافق لما في العقد الفريد، وفي الاصل: " وهو الذي خلق الحق " ولا ريب انه مصحف، وفي التوحيد ونهج البلاغة: " الذي ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ". (22) وفي النهج: " واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ". وفي العقد الفريد: " واضطرار الحاجة من الخلق إلى أن يفهمهم مبلغ قوته ". (23) قوله: " ما دلنا " مفعول لقوله " أرانا " وفي العقد الفريد " بقيام الحجة له بذلك علينا ". (24) وفي الاصل: " ولا تحط به الصفات ". وفي كتاب التوحيد والعقد الفريد، " ولم تحط به الصفات.. ".

[547]

علا [عن] صفة المخلوقين (25) [و] متعاليا عن الاشباه والانداد، وانحسرت [العيون عن إدراكه] وجل [و] علا [من أن] تناله الابصار فيكون بالعيان موصوفا (36) وارتفع عن أن تحوي كنه عظمته لمة رويات المتفكرين (37) وليس له مثل فيكون بالخلق مشبها، وما زال عند أهل المعرفة به عن الاشباه والانداد منزها. كذب العادلون بالله إذ شبهوه بأصنامهم وحلوه بتحلية المخلوقين بأوهامهم (28) وكيف [يكون] من لا يقدر قدره مقدرا في رويات الاوهام (29) لانه أجل من أن تحده ألباب البشر بتفكير، وهو أعلى [من أن] يكون له كفو فيشبه بنظير، فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين، فسبحانه


(25) كذا في الاصل - عدا بين المعقوفين فإنه زيادة يقتضيها السياق -. وفي العقد الفريد: " وما زال - إذ هو الله الذي ليس كمثله شئ - عن صفة المخلوقين متعاليا ". (26) وفي الاصل: " وجل على تناله الابصار " وما بين المعقوفات زيادة يقتضيها السياق، وفي العقد الفريد: " انحسرت العيون عن أن تناله.. " وفي التوحيد: " انحسرت الابصار.. " المتفكرين ". واللمة - كحبة -: الشئ المجتمع. (28) وفي النهج: " كذب العادلون بك إذ شبهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزأوك تجزئة المجسمات بخواطرهم.. " (29) هذا هو الصواب الموافق لما في العقد الفريد، وفي الاصل: " وكيف لما لم يقدر قدرة مقدار في رويات الاوهام. " غير انه كان مكتوبا فيه فوق كلمة " لم " لفظة " لا ".

[548]

وتعالى عن إفك الجاهلين، فأين يتاه بأحدكم وأين يدرك ما لا يدرك، والله المستعان. كذا في الباب الرابع عشر، من تيسير المطالب - في ترتيب أمالي السيد أبي طالب - ص 137. ورواها أيضا في المختار: (89) من نهج البلاغة بزيادات كثيرة، وقريبا مما هنا رواها في العقد الفريد: ج 3 ص 152.

[549]

- 159 - ومن كلام له عليه السلام دار بينه وبين السبط الاكبر الامام الحسن عليه السلام في بعض المكارم قال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا علي بن المنذر الطريفي، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، حدثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء الحمطي [كذا] التستري. حدثنا شعبة بن الججاج، عن أبي إسحاق: عن الحارث [قال:] إن عليا سأل ابنه الحسن رضي الله عنه عن أشياء من أمر المروءة فقال: يا بني ما السداد ؟ قال: يا أبة السداد: دفع المنكر بالمعروف. قال: فما الشرف ؟ قال: اصطناع العشيرة وحمل الجريرة، ومرافقة الاخوان وحفظ الجيران. قال: فما المروءة ؟ قال: العفاف وإصلاح المال. قال: فما الدقة ؟ قال: النظر في اليسير، ومنع الحقير. قال: فما اللؤم ؟ قال: إحراز المرء نفسه وبذله عرسه. قال: فما السماحة ؟ قال: البذل من العسير واليسير. قال: فما الشح ؟ قال: أن يرى [المرء] ما أنفقه تلفا (1) قال:


(1) هذا هو الظاهر أي إن الشح هو أن ينفق الرجل في سبيل الله - أو في ما يؤل إلى مروءته وكماله - ويرى أنه أتلف ما أنفقه. ولفظ الاصل هنا غير واضح.

[550]

فما الاخاء ؟ فال: المواسات في الشدة والرخاء. قال: فما الجبن ؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو ؟ قال: فما الغنيمة ؟ قال: الرغبة في التقوى، والزهادة في الدنيا في الغنيمة الباردة. قال: فما الحلم ؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس. قال: فما الغنى ؟ قال: رضا النفس بما قسم الله تعالى لها وإن قل، وإنما الغنى غنى النفس. قال: فما الفقر ؟ قال: شره النفس (2) في كل شئ. قال: فما المنعة ؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعز الناس (3) قال: فما الذل ؟ قال: الفزع عند المصدوقة (4) قال: فما العي ؟ قال: العبث باللحية وكثرة البرق عند المخاطبة (5) قال: فلما الجرأة ؟ قال: مواقفة الاقران. قال: فما الكلفة ؟ قال: كلام المرء فيما لا يعنيه (6)


(2) الشره - كسبب -: حرص النفس وشدة اشتهائها. (3) أي أعز الناس منعة وذبا عن جانبه. (4) أي عند بسالة القرن في الحملة عليه ومناجزته إياه. (5) العي - بكسر العين مصدر، وفعله من باب رضي -: الحصر في الكلام. وأما العي - - بفتح العين فهو مصدر باب عي يعي من باب منع - فمعناه الجهل وعدم الاهتداء إلى المراد. العجز. والمعنيان متقاربان. ثم إن تفسير العي بما ذكره عليه السلام تفسير باللازم الغالبي (6) هذا هو الظاهر الملائم لسجية شبل المعبوث لتتميم مكارم الاخلاق، وفي الاصل: " كلامك فيما لا يعنيك ".

[551]

قال: فما المجد ؟ قال، أن تعطي في العزم، وتعفو عن الجرم. قال: فما العقل ؟ قال: حفظ القلب كلما استوعبته. قال: فما الخرق ؟ قال: معازة المرء إمامه (7) ورفعه عليه كلامه. قال: فما حسن الثناء ؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح. قال: فما الحزم ؟ قال: طول الاناة والرفق بالولاة. قال: فما السفه ؟ قال، اتباع الدناة ومصاحبة الغواة. قال: فما الغفلة ؟ قال: ترك [المصلح] وطاعة المفسد (8) قال: فما الحرمان ؟ قال: تركك كل حظك وقد عرض عليك. قال: فما المفسد ؟ قال: الاحمق في ماله المتهاون في عرضه. ثم قال علي [عليه السلام]: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا فقر أشد من الجهل، ولا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب، ولا استظهار أوفق من المشاورة، ولا عقل كالتدبير، ولا حسب كحسن الخلق، ولا ورع


(7) هذا هو المناسب لسيرة المترشحين من عند الله تبارك وتعالى لتأديب الناس وتربيتهم، وفي الاصل: " معازتك إمامك، ورفعك عليه كلامك. والمعازة: الغلبة في الخطاب. المعارضة في العزة. (8) هذا هو الظاهر، وفي الاصل: " تركك وطاعتك ".

[552]

كالكف، ولا عبادة كالتفكر، ولا إيمان كالحياء والصبر (9). وآفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة، وآفة الظرف الصلف، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحسب الفخر " [ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام]: يا بني لا تستخفن برجل تراه أبدا، فإن كان أكبر منك (10) فاحسب أنه أباك، وإن كان مثلك فهو أخوك (11) وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. قال أبو القاسم [الطبراني]: لم يرو هذا الحديث عن شعبة إلا محمد بن عبد الله أبو رجاء


(9) والكلام رويناه في المختار: (28) من باب الوصايا: ج 2 ص 166، بسند آخر عن أمير المؤمنين عليه السلام وهذه الجملة وما بعدها غير موجودة فيه. (10) هذا هو الظاهر الموافق لما نقله في ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق، غير ان فيه: " لا تستحقرن " الخ. وفي نسخة المعجم الكبير هكذا: " فإن كان خبرا منك فاحسب أنه أباك ". ولا ريب انه من تصحيفات الكتاب. (11) كذا في الاصل.

[553]

الحبطي [كذا] تفرد به عثمان بن سعيد الزيات، ولا يروى عن علي رضي الله عنه إلا بهذا الاسناد (12). الحديث: (59) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من كتاب المعجم الكبير: ج 1، ص 130، وللحديث مصادر، ورواه أيضا أبو نعيم في حلبة الاولياء كما في تلخيص كفاية الطالب ص 182


(12) فيه تسامح ظاهر، وكان حق العلم أن يقول: ولا أعلم أنه يروى عن علي إلا بهذا الاسناد. ولا يأتي بالنفي لان الطبراني لم يعاشر ولم يأخذ عن حفاظ المسلمين قاطبة، فلعل بعضهم رواه ولم يصل إلى الطبراني.

[554]

- 160 - ومن خطبة له عليه السلام في بيان عظمة الله تبارك وتعالى وما له من صفات الجمال والجلال (1) الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي (ره) عن أبيه، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، قال: حدثنا أحمد ابن أبي عبد الله، عن أبيه محمد بن خالد البرقي، عن أحمد بن النضر وغيره، عن عمرو بن ثابت، عن رجل سماه عن أبي أسحاق السبيعي، عن الحرث الاعور، قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يوما خطبة بعد العصر، فعجب الناس من حسن صفته وما ذكره من تعظيم الله جل جلاله. قال أبو إسحاق: فقلت للحرث أو ما حفظتهما ؟ قال: قد كتبتها. فأملاها علينا من كتابه: الحمد لله الذي لا يموت ولا تنقضي عجائبه، لانه كل يوم في شأن من أحداث بديع لم يكن، الذي لم يولد فيكون في العز مشاركا، ولم يلد فيكون موروثا هالكا (1) ولم تقع عليه الاوهام فتقدره شبحا ماثلا [مائلا " خ ل "] ولم تدركه الابصار فيكون بعد انتقالها حائلا، الذي


(1) تنبيه: كل ما جعلناه من هذه الخطبة بين المعقوفين فهو منقول عن نسخة الكافي إذا لم يعقب بحرفي " خ ل " وإلا فهو من بعض نسخ كتاب التوحيد. (2) وفي الكافي: " الذي لم يلد فيكون في العز مشاركا، ولم يولد فيكون موروثا "..

[555]

ليست له في أوليته نهاية، ولا في آخريته حد ولا غاية (3) ولم يتقدمه زمان ولم يتعاوره زيادة ولا نقصان (4) ولم يوصف بأين ولا بم ولا بمكان (5) الذي بطن من خفيات الامور، وظهر في العقول بما يرى في خلقه من علامات التدبير، الذي سئلت الانبياء عنه فلم تصفه بحد ولا بنقص بل وصفته بأفعاله (6) ودلت عليه بآياته، ولا يستطيع عقول المتفكرين جحده، لان من كانت السماوات والارض فطرته وما فيهن وما بينهن وهو الصانع لهن فلا مدافع لقدرته، الذي بان من الخلق فلا شئ كمثله، الذي خلق الخلق (8) لعبادته، وأقدرهم على طاعته بما جعل فيهم، وقطع عذرهم بالحجج


(3) وفي الكافي: " ولا لآخريته حد ولا غاية ". (4) أي لا تتداوله الزيادة والنقصان ولا يعرضانه. (5) قيل: معنى قوله: " لا يوصف بم " أي انه تعالى لا يوصف بما هو بل يوصف بفعاله كما قال إبراهيم عليه السلام: " ربي الذي يحي ويميت ". وكما قال موسى عليه السلام: " رب السماوات والارض وما بينهما ". (6) وفي الكافي: " فلم تصفه بحد ولا ببعض بل وصفته بفعاله ". (7) وفي الكافي، " فلا مدفع لقدرته، الذي نأى من الخلق ". و " نأى ": بعد: ارتفع. (8) وفي الكافي: " الذي خلق خلقه لعبادته ". والمراد من الخلق - هنا - ذوي العقول كما في الآية: (56) من سورة والذاريات: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ".

[556]

فعن بينة هلك من هلك، وعن بينه نجا من نجا (9) ولله الفضل مبتدءا ومعيدا. ثم أن الله - وله الحمد - افتتح الكتاب بالحمد لنفسه، وختم أمر الدنيا ومجئ الآخرة (10) بالحمد لنفسه فقال: " وقضى بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين [75 - الزمر: 39]. الحمد لله اللابس الكبرياء بلا تجسد (11) والمرتدي بالجلال بلا تمثيل، والمستوي على العرش بلا زوال والمتعالي عن الخلق بلا تباعد منهم (12) القريب منهم بلا ملامسة منه لهم، ليس له حد ينتهي إلى حده، ولا له مثل فيعرف بمثله، ذل من تجبر غيره، وصغر من


(9) وفي الكافي: " وبمنه نجا من نجا ". (10) وفي الكافي: " ثم ان الله وله الحمد افتتح الحمد لنفسه وختم أمر الدنيا ومحل الآخرة بالحمد لنفسه ". و " محل الآخرة " أي حلولها، مصدر ميمي. قيل: والآخرة عبارة عن القرار في الجنة أو النار، وحلولها إنما يكون عند الفراغ من القضاء بين الخلائق الذي هو من أمر الدنيا، فختم الدنيا وحلول الآخرة كلاهما إنما يكونان بالحمد المقول بعد الفراغ من القضاء بينهم ولهذا فرع عليه السلام عليه ذكر الآية الكريمة (11) ومثله في بعض نسخ الكافي، وفي نسخ منه: " بلا تجسيد ". (12) وفي الكافي: " والمستوي على العرش بغير زوال، والمتعالي على الخلق بلا تباعد منهم ولا ملامسة منه لهم ".

[557]

تكبر دونه، وتواضعت الاشياء لعظمته، وانقادت لسلطانه وعزته، وكلت عن إدراكه ظروف العيون (13) وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق. الأول قبل كل شئ [ولا قبل له] والآخر بعد كل شئ ولا بعد له (14) الظاهر على كل شئ بالقهر له، والشاهد (15) لجميع الاماكن بلا انتقال إليها، لا تلمسه لامسة ولا تحسه حاسة، وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله، وهو الحكيم العليم، أتقن ما أراد خلقه من الاشياء كلها (16) بلا مثال سبق إليه ولا لغوب دخل عليه في خلق ما خلق لديه (17) إبتدء ما أراد ابتداءه، وأنشأ ما أراد إنشاءه على ما أراده من الثقلين الجن والانس لتعرف


(13) كذا فيما عندي من نسخة التوحيد، بالظاء المعجمة، والظاهر انه مصحف والصواب بالطاء المهملة كما في الكافي. وهي جمع طرف: نظر العين ولحاظها. (14) هذا هو الظاهر الموافق لما في الكافي، وقد سقط مما عندي من نسخة التوحيد ما وضعناه بين المعقوفين، كما انه زاد فيها كلمة: " شئ " بعد قوله: " ولا بعد له ". (15) وفي الكافي: " والمشاهد لجميع الاماكن ". (16) وفي الكافي: " أتقن ما أراد من خلقه من الاشباح كلها لا بمثال سبق إليه، ولا لغوب دخل عليه ". واللغوب: التعب. (17) ومثله في الكافي، والظاهر ان كلمة: " لديه " من زيادة النساخ.

[558]

بذلك ربوبيته (18) وتمكن فيهم طواعيته (19) نحمده بجميع محامده كلها على جميع نعمائه كلها، ونستهديه لمراشد أمورنا ونعوذ به من سيأت أعمالنا ونستغفرة للذنوب التي سلفت منا (20). ونشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، بعثه بالحق [نبيا] دالا عليه وهاديا إليه، فهدانا به من الضلالة، واستنقذنا به من الجهالة، من يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما، ونال ثوابا كريما [جزيلا] ومن يعص الله ورسوله فقد خسر خسرانا مبينا، واستحق عذابا أليما، فأنجعوا بما يحق عليكم من السمع والطاعة (21) وإخلاص النصيحة، وحسن الموازرة (22) وأعينوا


(18) وفي الكافي: " ليعرفوا بذلك ربوبيته " (19) وفي بعض نسخ كتاب التوحيد:: " فيه ". وفي الكافي: " وتمكن فيهم طاعته ". والطواعية والطاعة بمعنى واحد. (20) وفي الكافي: " سبقت منا ". (21) انجعوا (أمر) من قولهم: أنجع: أفلح أي أفلحوا بما يجب عليكم من السمع والطاعة. وقال الفيض (ره): وفي بعض النسخ: " فأبخعوا " بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة اي فبالغوا في أداء ما يجب عليكم. (22) المؤازرة: المعاونة، ويراد منها - هنا - المعاونة على الحق.

[559]

أنفسكم بلزوم الطريقة (23) وهجرة الامور المكروهة، وتعاطوا الحق بينكم، وتعاونوا عليه (24) وخذوا على يدي الظالم السفيه، مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، واعرفوا لذوي الفضل فضلهم. عصمنا الله وأياكم بالهدى، وثبتنا وإياكم على التقوى، وأستغفر الله لي ولكم. الحديث الاول من الباب الثاني من كتاب التوحيد، ص 21، ط الهند، ورواه أيضا ثقة الاسلام الكليني (ره) في الحديث السابع من باب جوامع التوحيد - وهو الباب (22) من كتاب توحيد - من أصول الكافي: ج 1، ص 141، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، وغيره عمن ذكره، عن عمرو بن ثابت، عن رجل سماه عن أبي أسحاق السبيعي، عن الحارث الاعور، عن أمير المؤمنين عليه السلام..


(23) وفي الكافي: " وأعينوا على أنفسكم بلزوم الطريقة المستقيمة ". (24) " وتعاطوا الحق " أي أقيموه فيما بينكم وتناولوه ولا تتركوه.

[560]

هتاف عام إلى المتمسكين بالاسلام إلى رواد الفقه والحكمة إلى أرباب العلم والمعرفة إلى من يروقه نشر معارف الدين إلى من يعجبه إذاعة حقائق الاسلام، إلى من يسره تدعيم أركان الايمان، إلى أحرار المسلمين إلى زعماء الدين، إلى عظماء الملة إلى المتمسكين بناموس الشريعة، إلى المعتصمين بحبل الكتاب والعترة، إلى من يحب أن يرى العالم في حياته منورا بأشعة خيراته إلى من يود أن يبصر بركات مبراته قد شملت الخاص والعام، واستوعبت جميع الانام، إلى من يرغب أن ينظر إلى فيضان صالحاته في الشرق والغرب، إلى من يأمل أن تكون له صدقات جارية، إلى من يبتغي أن يكون جريان حسناته في العالم محفوظا عن الزوال والفناء، إلى من يريد خلود طيب الذكر، إلى من يدور لتحصيل لسان صدق صدق في الآخرين، إلى من يتطلب وسائل القرب إلى الله، إلى من يشاء تحصيل الشهادة على أنه من المبادرين إلى مرضات الله والساعين في سبيل الله والمتمسكين بذيل أولياء الله، إلى من أعطي القدرة والمكنة ولا يهتدي إلى إبقائها وإخلادها والتمتع بالخالد من نمائها والدائم من أرباحها. هلموا إلى من لم يأخذه في العلم لومة لائم، هلموا إلى بث فقه الاسلام وحكمه المتعالية، هلموا إلى المسارعة إلى الخيرات، هلموا إلى المسابقة إلى أفضل القربات، هلموا إلى المبادرة إلى غفران الله ورضوانه، هلموا إلى المعاونة على التقوى، هلموا إلى إحياء البينات والزبر، هلموا إلى التحفظ على أسانيد الحقائق قبل انقطاعها، هلموا إل تحقيق السنن والاحكام، هلموا إلى توضيح الصحاح والمسانيد، هلموا إلى إذاعة ما أخفاه المبطلون وإشاعة ما ستره الظالمون، هلموا إلى الجود بما بخل به الباخلون، هلموا إلى إفشاء ما

[561]

بذيل أولياء الله، إلى من أعطي القدرة والمكنة ولا يهتدي إلى إبقائها وإخلادها والتمتع بالخالد من نمائها والدائم من أرباحها. هلموا إلى من لم يأخذه في العلم لومة لائم، هلموا إلى بث فقه الاسلام وحكمه المتعالية، هلموا إلى المسارعة إلى الخيرات، هلموا إلى المسابقة إلى أفضل القربات، هلموا إلى المبادرة إلى غفران الله ورضوانه، هلموا إلى المعاونة على التقوى، هلموا إلى إحياء البينات والزبر، هلموا إلى التحفظ على أسانيد الحقائق قبل انقطاعها، هلموا إل تحقيق السنن والاحكام، هلموا إلى توضيح الصحاح والمسانيد، هلموا إلى إذاعة ما أخفاه المبطلون وإشاعة ما ستره الظالمون، هلموا إلى الجود بما بخل به الباخلون، هلموا إلى إفشاء ما

[561]

لم يسمح به الحافظون، هلموا إلى ما اختزنه لكم السابقون، هلموا إلى توجيه العالم إلى السلف الصالح، هلموا إلى تعريف زعماء البشرية، هلموا إلى توصيف سيرة قادة الانسانية، هلموا إلى تشريح مكارم أخلاق سادة الروحانيين، هلموا إلى الاشادة بذكر ودائع النبوة وأعدال القرآن هلموا إلى نشر ذخائركم قبل أن يبيدها الحدثان هلموا قبل ذهاب الفرصة، هلموا قبل نفاد العدة، هلموا قبل تقلب الدهر، قبل أن تروا ثمرات جهودكم بيد غيركم فيكون هناؤها له ووزرها عليكم قبل أن يخلفكم في أموالكم أخلافكم الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، قبل أن يلعب بها المغنون والمغنيات قبل أن يحوز ثروتكم اللادينون واللادينات قبل أن يحول بينكم وبين أملاككم عملاء الغرب وأجراء الملاحدة قبل أن يفرق بينكم وبين ذخائركم فتتمنوا الرجوع وتقولوا: رب ارجعوني لعلي اعمل صالحا فيما تركت.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية