الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الغدير - الشيخ الأميني ج 7

الغدير

الشيخ الأميني ج 7


[1]

الغدير في الكتاب والسنة والأدب كتاب ديني. علمي. فني. تاريخي. أدبي. أخلاقي مبتكر في موضوعه فريد في بابه يبحث فيه عن حديث الغدير كتابا وسنة وأدبا ويتضمن ترجم أمة كبيرة من رجالات العلم والدين والأدب من الذين نظموا هذه الأثارة من العلم وغيرهم تأليف: الحبر العلم الحجة المجاهد شيخنا الأكبر شيخ عبد الحسين أحمد الأميني النجفي الجزء السابع عني ينشره الحاج حسن إيراني صاحب دار الكتاب العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة 1387 ه‍. - 1967 م. (ب): كلمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم أمل محقق وشكر متواصل كنا نأمل أن يكون نظر أعلام الأمة والأساتذه المثقفين في كتابنا هذا نظرة بسيطة مجردة عن عوامل النقمة معراة عن تحيزات وانحيازات، ليسهل التفاهم ويتسنى الوقوف على الحقيقة التي هي ضالتنا المنشودة، ويستتبع ذلك الوئام والسلام من أقرب طرقهما، وأوصل الوسائل إليهما، لأني لم أقصد (وشهيدي الله) غير الاصحار بالحق والدعوة إليه. وما قد يحسبه القارئ شدة في البيان فهي (لعمر الله) صراحة في القول وقوة في الحجة، لا قسوة في الحجاج، وقد عرف ذلك منا شاعر الأهرام أستاذ الأدب و علم الاجتماع بكلية البوليس الملكية بالقاهرة محمد عبد الغني حسن المصري و أعرب عنه بقوله من قصيدة يطري بها الكتاب ويصف مؤلفه: يشتد في سبب الخصومة لهجة * لكن يرق خليقة وطباعا وكذلك العلماء في أخلاقهم * يتباعدون ويلتقون سراعا لقد حقق الله سبحانه هذا الأمل فوجدنا قراءنا الأكارم في ظننا الحسن بهم وحسبت أنهم وجدوني في ظنهم الحسن بي والله الحمد فجاء رجالات الأمة حماة البيت الهاشمي الرفيع وأركان عرشه المعلى وفي مقدمهم فخامة نوري باشا السعيد، وفخامة السيد صالح جبر، ومعالي السيد نجيب الراوي - على ما بلغنا - يدافعون عن الكتاب جلبة كل مغفل غير عارف بنفسيات المؤلف، وما انحنت عليه (ج): أضالعه من الصالح العام فشكرا لهم ثم شكرا. وقد انهالت علينا كلمات الثناء وجمل التقريظ والاطراء من شتى النواحي و أقاصي البلاد وأدانيها ومن أناس مختلفين في الآراء والنزعات، لكن ذلك الخلاف لم يسف بهم إلى هوة العصبية ولم يزعهم المصارحة بالحق والأخذ بالجامعة الدينية، والتآخي في الله وفي الدين إنما المؤمنون إخوة فنحن كما قال شاعر الأهرام المذكور: إنا لتجمعنا العقيدة أمة * ويضمنا دين الهدى أتباعا ويؤلف الاسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا فمرحى بها من غرائز كريمة، ونوايا حسنة، ونفسيات نزيهة، بعثتهم إلى الألفة والإخاء، وإن رغمت آناف دجالين يسرون على الأمة حسوا في ارتغاء، وقد نشرنا في غير واحد من الأجزاء المتقدمة جملا ذهبية مما وافانا عن الملوك والساسة، والحجج والآيات من العلماء الفطاحل، والأساتذة النبلاء وصاغة الشعر المقدمين، وهناك أناس لم تنشر كلماتهم ولم تذكر أسماؤهم لضيق في نطاق الأجزاء فها نحن نوعز إليهم مشفوعا ذلك بشكر متواصل وثناء جميل. آية الله سيدنا الحجة سماحة السيد محمد الكوهكمري (1) قم المشرفة العلامة الشريف الحجة الحاج السيد جعفر آل بحر العلوم نجف الأشرف صاحب المعالي السيد عبد المهدي المنتفكي (2) بغداد العلامة الحجة الحاج السيد حسن اللواساني غازية. سوريا البحاثة الكبير الأستاذ السيد علي فكري صاحب تآليف قيمة (3) مصر. القاهرة


(1) توفي قدس سره يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى سنة 1372 كان في الرعيل الأول من زعماء الدين ومراجع المسلمين، وله في إقامة حوزة العلم بقم المشرفة أشواط بعيدة وخطوات واسعة بالتدريس والتهذيب والاصلاح، وادرار المعيشة وسد أعواز الطالبين، وإقامة الأمت والعوج، ولم يفتأ على وتيرة واحدة في السعي وراء صالح الأمة وتسديد خطة العلم والعمل، والسوق إلى الطريقة المثلى والسير بالأمة إليها في سبيلها الجدد، كما أن له أياد مشكورة على حوزة النجف الأشرف حتى لفظ نفسه الأخير سعيدا شكورا. (2) تلقينا منه بعد كلمة تنشر في الجزء الثامن. (3) توفي مؤلفا مكثرا نزيها. [*] (د): العلامة الشريف السيد محمد سعيد الحكيم بصرة البحاثة الجليل السيد سبط الحسن صاحب تآليف ممتعة محمود آباد. الهند العلامة الشهير السيد على أكبر البرقعي صاحب تآليف نفيسة (4) قم المشرفة العلامة الشريف السيد محمد علي القاضي الطباطبائي قم المشرفة الأستاذ محمد عبد الغني حسن مؤلف (أعلام من الشرق) مصر. القاهرة الخطيب الشريف السيد صالح السيد عباس الموسوي بغداد. صبابيغ الآل الخطيب المفوه السيد عبود الحسني بصرة الدكتور الشهير مصطفى جواد البغدادي بغداد العلامة الصالح الشيخ حسن الناصري نجف الأشرف الخطيب المصقع الشيخ كاظم آل نوح مؤلف (محمد والقرآن) كاظمية الخطيب الأكبر المدره الحاج الشيخ محمد تقي الفلسفي طهران البحاثة الكبير الشيخ سليمان ظاهر عضو المجمع العلمي عاملة. نبطية الأستاذ القدير السيد شمس الدين الخطيب البغدادي بغداد الشريف الفاضل السيد عبد الزهراء السيد حسين الخضري خضر. العراق العلامة الثقة ميرزا محمد علي الچرنداني التبريزي قم المشرفة الأستاذ عبد الحمزة نصر الله فتحي ديوانية. العراق الأميني

(4) مرت كلمتنا في الرجل في الجزء الرابع ص 183. [*] (ه‍) - 1 - كتاب تفصل به الشريف المصلح الأكبر آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، وهو من عرفته الأمة فشكرته على أياديه الواجبة، ومساعيه المشكورة، ودأبه المتواصل على الاصلاح والدعوة الإلهية، والنظر في مناهج المسلمين، والتفاني دون الحق المتبع. فحياه الله وجزاه عن أمته خيرا. حجة الاسلام العلامة الثبت المجاهد (الأميني) أعزه الله وأعز به تحية طيبة وسلاما كريما. أشعر أن لك على واجبا يتجاوز حدود القول في تقريظ (الغدير) موسوعتك النادرة، والثناء عليها بوصفها مجهودا ثقافيا منقطع النظير. فالقول في هذا ونحوه أدنى ما يستقبل به جهادك و، أقل ما يوزن به تتبعك و استيعابك، أما الذي يعطيك كفاء حقك في هذه الموسوعة الفاضلة فتقدير يبلغ الأمة أنك من أبطالها الأقلين ويدعوها من أجل هذا إلى شد أزرك وإرهافك في سبيلك النير الخير هذا، إنصافا للقيم التي توشك أن تضيع فتضيع، ومتى ضاعت وأضاعت فقد خسرت الحياة " مثلها الأعلى " وعادت بعده تافهة لأنها تخلو آنذاك من حق وخير وجمال أي تخلو مما يحبب الحياة ويرفعها ويدل على أقدارها، موسوعتك (الغدير) في ميزان النقد وحكم الأدب عمل ضخم دون ريب، فهي موسوعة لو اصطلح على إبداعها عدة من العلماء وتوافروا على إتقانها بمثل هذه الاجادة لكان عملهم مجتمعين فيها كبيرا حقا. ولكني ما سقت كلمتي لأقول هذا، وإنما سقتها لأشير إلى هذه الناحية الخطيرة من حياتنا المفككة داعيا إلى التشدد، والالتفات حول الحفنة الباقية من رجال (و): الفكر الاسلامي ممن يجيلون أقلامهم في علومنا وآثارنا بفقه وحب. فليس شئ عندي أخطر على هذا الفكر الولود من التفرق عن رجاله، لأن التفرق عنهم نذير بعقم نتاجه، وقطع حلقاته، فالتفرق عنهم بمعناه تفريق للحواضر والبواعث التي تتصل بها حياة الحق في طبائع الأشياء وظواهر السنن. وليس أفجع لحضارة الشرق بل لحضارة الانسان من عقم هذا النتاج وقطع هذه الحلقات. فإذا دعونا إلى مؤازرتك والوقوف إلى جانبك في شق الطريق بين يدي (غديرك) فإننا ندعوا في واقع الأمر إلى خدمة فكرة كلية ترتفع بها شخصية الأمة كاملة، آملين أن يرى المفكرون بك مثلا يشجعهم بحياة الأمة حولك وحسن تقدير هالك، أن يخدموا الحق الذي خدمته لوجه الحق خالص النية. أقف هنا لأقول: إن قمة (الهرم) في عملك الجاهد القيم إنما هي حبك له حبا يدفعك فيه إلى الأمام في زحمة من العوائق والمثبطات، وهي خصلة في هذا العمل الكبير تعيد إلى الذهن دأب أبطالنا من خدام أهل البيت وناشري علومهم وآثارهم، ذلك الدأب الذي أمتع الحياة بأفضل مبادئ الانسانية من معارفهم النيرة. أما الجوانب الفنية فقد نسجتها نسج صناع، وهيأت لقلمك القوي فيها عناصر التجويد والابداع في مادة الكتاب وصورته، وفي أدواتهما المتوفرة على سعة باع، و كثرة إطلاع، وسلامة ذوق، وقوة محاكمة، أمامك، حفظك الله وأعانك، 14 ذو الحجة 1368 عبد الحسين شرف الدين الموسوي (ز): 2. خطاب تفضل به سيدنا الشريف المبجل آية الله السيد محسن الحكيم " وإنه لأريض للفضل " حياه الله وبياه نذكر نص خطابه شكرا لسماحته وإكبارا لمقامه الأسمى. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله كما هو أهله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد: فإن من أعظم ما أنعم به الله عز وجل على هذه الفرقة المحقة و الطائفة الحقة أن أتاح لها في كل عصر منها رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن الجهاد في سبيلها والقيام بحقها، والعمل على إعلاء كلمتها، ورفع مقامها فحققوا حقائقها و بلغوا رسالتها، وأقاموا الحجة لها على غيرها، كل ذلك بالرغم مما منيت به من أشياء من شأنها أن تحول بينهم وبين ذلك كله لولا العناية الربانية. وإن من فحول هذه الزمرة المجاهدة مؤلف كتاب (الغدير) المحقق الفذ العلامة الأوحد الأميني دام تأييده وتسديده، وقد سرحت النظر في أجزائه المتتابعة فوجدته كما ينبغي أن يصدر من مؤلفه المعظم، وألفيته كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بتوفيق من عزيز عليم، ولقد توفق كل التوفيق في قوة حجته، وشدة عارضته، وروعة أسلوبه، وجمال محاورته، وقد ضم إلى حصافة الرأي جودة السرد، وإلى بداعة المعاني قوة المباني، وتفنن في المواضيع المختلفة فوردها سديدا وصدر عنها قويما. فجدير بالمسلم المثقف الذي يرتاد الحقيقة ويتطلب الأمر الواقع أن يقرأه و يستنير بضوئه، وحقيق بمؤلفه الموفق أن يشكر الله تعالى على توفيقه وعنايته ورعايته، وجزاه الله على عظيم خدمته خير جزاء المحسنين، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. محسن الطباطبائي الحكيم (ح): 3 كتاب أتانا من بحاثة المسيحين، القاضي الحر، والشاعر النبيل، الأستاذ بولس سلامة البيروتي صاحب الملحمة العربية الغراء الخالد الذكر فشكرا له ثم شكرا، حضرة صاحب الفضيلة العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني نفعنا الله بعلمه. آمين كان علي أن أكتب إلى فضيلتكم شاكرا يوم تسلمت الجزء السادس من (الغدير) وقد شرفتموني بإدراج رسالتي في المقدمة. وقد اطلعت هذا السفر النفيس فحسبت أن لآلئ البحار جميعا قد اجتمعت في غديركم هذا. أجل: يا صاحب الفضيلة ! إن هذا العمل العظيم الذي تقومون به منفردين لعبء تنوء به الجماعة من العلماء، فكيف استطعتم النهوض به وحدكم ؟، لا ريب أن تلك الروح القدسية روح الإمام العظيم عليه وعلى أحفاده الأطهار أشرف السلام هي التي ذللت المصاعب، وفتحت بصيرتكم النيرة على كنوز المعرفة، تغترفون منها وتنثرون، فيبقى ذخرا للمؤرخين، ومرجعا للعلماء، ومنهلا للشعراء، يسقون منه غراس الأدب كلما لفحها الهجير. ولقد لفت نظري على الأخص ما ذكرتموه بشأن الخليفة الثاني فلله دركم، ما أقوى حجتكم، وأسطح برهانكم، فلو حاول بعد هذا مكابر أن يرد تلك الحجج المكينة لكان مثله مثل الوعل الذي ناطح الصخرة. حفظكم الله يا صاحب الفضيلة ! منارة تبعث أضواءها من النجف الأشرف فتنير البلاد العربية وإني أسأل الله سبحانه أن يطيل حياتكم الثمينة بشفاعة مولانا أمير المؤمنين المرفوع اللواء في الدارين المخلد الذكر إلى الأبد. بيروت 28 ذي القعدة سنة 1368 المخلص بولس سلامة

[1]

الجزء السابع شعراء الغدير في القرن التاسع وهم ثلاثة حليون وفي هذا الجزء من الدروس العلمية الدينية التاريخية ما تدعم به الحقايق، ويحق للباحث أن يكون به أعنى.

[2]

بسم الله الرحمن الرحيم سبحانك أنت ولينا من دونهم، وأجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا، يا أيها الناس قد جاء كم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل وما علينا إلا البلاغ، قد جاء كم من الله نور وكتاب مبين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ويحذركم الله نفسه وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، هذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، ولقد جئنا كم بالحق ولكن أكثر كم للحق كارهون، يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون، لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، الدين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما و أسيرا، الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، الأميني

[3]

(شعراء الغدير) في القرن التاسع 71 - ابن العرندس الحلي أضحى يميس كغصن بان في حلى * قمر إذا ما مر في قلبي حلا سلب العقول بناظر في فترة * فيها حرام السحر بان محللا وانحل شد عزائمي لما غدا * عن خصره بند القباء محللا وزهى بها كافور سالف خده * لما بريحان العذار تسلسلا وتسلسلت عبثا سلاسل صدغه * فلذاك بت مقيدا ومسلسلا قمر قويم قوامه كقناته * ولحاظه في القتل تحكي المنصلا وجناته جورية وعيونه * حورية تسبي الغزال الأكحلا أهوى فواترها المراض إذا رنت * وأحب جفنيها المراض الغزلا جارت وما صفحت على عشاقه * فتكا وعامل قده ما أعدلا ملكت محاسنه ملوكا طالما * أضحى لها الملك العزيز مذللا كسرى بعينيه الصحاح وخده * النعمان بالخال النجاشي خولا كتب العلي على صحائف خده * نوني قسي الحاجبين ومثلا فرمى بها في عين غنج عيونه * سهم السهام أصاب مني المقتلا فاعجب لعين عبير عنبر خاله * في جيم جمرة خده لن تشعلا وسلا الفؤاد بحر نيران الجوى * مني فذاب وعن هواه ما سلا فمتى بشير الوصل يأتي منجحا * وأبيت مسرورا سعيدا مقبلا ولقد برى مني السقام وبت في * لجج الغرام معالجا كرب البلا وجرت سحائب عبرتي في وجنتي * كدم الحسين على أراضي كربلا

[4]

الصائم القوام والمتصدق الطعام * أفرس من على فرس علا رجل بصيوان الغمامة جده * المختار في حر الحجير تظللا وأبوه حيدرة الذي بعلومه * وبفضله شرح الكتاب تفصلا والأم فاطمة المطهرة التي * بالمجد تاج فخارها قد كللا نسب كمنبلج الصباح يزينه * حسب شبيه الشمس زاهلي المجتلى السيد السند السعيد الساجد * السبط الشهيد المستظام المبتلى قمر بكت عين السماء لأجله * أسفا وقلب الدهر بات مقلقلا تالله لا أنساه فردا ظاميا * والماء ينهل منه ذيبان الفلا والسيد العباس قد سلب العدى * عنه اللباس وصيروه مجدلا والطفل شمس حياته قد أصبحت * بالخسف في طفل وجل مؤثلا (1) وبنو أمية في جسوم صحابه * قد حطموا السمر اللدان الذبلا شربوا بكاساة القنا خمر الفنا * مزج البلاء به فأمسوا في البلا وتقاطعت أرحامهم وجسومهم * كرما وأوصلت الرؤس الأرجلا وتوارثوا من بعد سلب نفوسهم * دار المقامة في القيامة موئلا والسبط شاك ما له من ناصر * شاك إلى رب السموات العلى ظام إلى ماء الفرات فإن يرم * نهلا يرى البيض الصوارم منهلا والقوم محدقة عليه بجحفل * كالبحر آخره يحاكي الأولا متلاطم سغبت (2) به أسيافهم * فغدا لهم لحم الفوارس مأكلا ومن العجائب أنه يشكو الظما * وأبوه يسقي في المعاد السلسلا حامت عليه للحمام كواسر * ظمئت فأشربت الحمام دم الطلا (3) أمست به سمر الرماح وزرقها * حمرا وشهب الخيل دهما جفلا (4)


(1) الطفل من طفلت الشمس: دنت للغروب. المؤثل: الدائم. (2) السغوب والسغب: الجوع. (3) الكواسر جمع الكاثرة مؤنث الكاثر: العقاب. الطلا: ولد الظبي ساعة يولد. الصغير من كل شيئ (4) الشهب والشهباء: بياض يتخلله سواد. الدهمة: السواد. الجفل من جفل الشعر: شعث وثار. [*]

[5]

هاتيك بالدم قد صبغن وهذه * صبغت بنقع صبغة لن تنصلا عقدت سنابك صافنات خيوله * من فوق هامات الفوارس قسطلا (1) ودجت عجاجته ومد سواده * حتى أعاد الصبح ليلا أليلا وكأنما لمع الصوارم تحته * برق تألق في غمام فانجلى جيش ملا فوه الفلا وأتى فلا * أمست سنابك خيله تفلي الفلا أبناء من جحد الوصي وكذب * الهادي النبي وكان حقا مرسلا بذلوا النفوس وبدلوا من جهلهم * ما ليس في الاسلام كان مبدلا فمحلل قد صيروه محرما * ومحرم قد غادروه محللا وتعمدوا قتل الوصي وحرفوا * ما كان أحمد في الكتاب له تلا وأتوا إلى قتل الحسين وأججوا * نارا لهيب ضرامها لن يصطلى فسطا عليهم بالنزال بعزمة * تذر الحسام المشرفي مفللا من فوق طرف أعوجي سابح * كالبرق يسبق في سراه الشمألا (2) فرس حوافره بغير جماجم الفرسان * في يوم الوغى لن تنعلا أضحى بمبيض الصباح مجللا * وغدا بمسود الظلام مسربلا وبكفه سيف جراز باتر * عضب يضم الغمد منه جدولا (3) فقر الجماجم والطلا بغراره (4) * من كل كفار وأبرى المفصلا فكأنه وجواده وحسامه (5) * يا صاحبي لمن أراد تأملا شمس على الفلك المدار بكفه * قمر منازله الجماجم والطلا


(1) السنبك: طرف الحافر. ج السنابك. الصافنات جمع الصافن من الخيل القائم على ثلاث قوائم مطرفا حافر الرابعة. القسطل: المنية. الغبار الساطع في الحرب. (2) الطرف من الخيل: الكريم الطرفين. السابح من سبح في الماء: عام وانبسط فيه و يستعار لمر النجوم وجري الفرس. الشمأل: ريح الشمال. (3) الجراز بضم المعجمة: السيف القطاع. الباتر: السيف القاطع ج بواتر. العضب: السيف القاطع. (4) الفقر: الحز. الطلا بضم المهلة وكسرها: قشرة الدم. الغرار: حد السيف. (5) سبقه إلى مثل هذه البداعة شيخنا علاء الدين الشفهيني بما هو أوسع وأبلغ راجع ج 6 ص 362 ط 2. [*]

[6]

والخيل محدقة بجيم جماله * وقلوبهم في الغلي تحكي المرجلا (1) والسبط يخترق المواكب حاملا * بعزيمة تردي الخميس الجحفلا فبسين سمر الخط يطعن أنجلا * وبباء بيض الهند يضرب أهدلا (2) فتخال طاء الطعن أنى أعجمت * نقطا وضاد الضرب كيف تشكلا حتى إذا ما السبط آن مماته * وعليه سلطان الحمام توكلا داروا به النفر الطغاة بنو الزنات * العاهرات وطبقوا رحب الفلا ورماه بعض المارقين بعيطل * سهما فخر على الصعيد مجدلا وأتى بغي بني ضباب صائلا * بالقس تغميض القطامي الأجدلا وجثى على صدر الحسين وقلبه * حقدا وعدوانا عليه قد امتلا فبرى بسيف البغي رأسا طالما * لثم النبي ثنيتيه وقبلا واسود قرص الشمس ساعة قتله * أسفا وشهب الفلك أمست أفلا ونعاه جبريل وميكال وإسرافيل * والعرش المجيد تزلزلا والطير في الأغصان ناح مغردا * والوحش في القيعان ناح وأعولا وأتى الجواد ولا جواد فوقه * متوجعا متفجعا متوجلا عالي الصهيل بمقلة إنسانها * باك يسح الدمع نقطا مهملا فسمعن نسوان الحسين صهيله * فبرزن من خلل المضارب ثكلا ينثون من جون العيون مدامعا * حمرا على بيض السوالف هطلا (3) حتى إذا قتل الحسين وأصبحت * من بعده غر المدارس عطلا ومنازل التنزيل حل بها العزا * ومن الجليس أنيس مربعها خلا بغت البغاة جهالة سبي النسا * وبغت وحق لمن بغى أن يجهلا


(1) المرجل: القدر (2) الأنجل من نجل الرجل نجلا: وسعت عينه وحسنت. الأهدل: المسترخى المشفر أو الشفة (3) ينثون من نثى نثوا: فرق ونشر. الجون: الأبيض. الأسود. السوالف جمع السالفة صفحة العنق، وسالفة الفرس: ما تقدم من عنقه. هطل المطر: نزل متتابعا متفرقا عظيم القطر فهو هاطل والجمع هطل.

[7]

نصبوا بمرفوع القناة كريمه (1) * جهرا وجروا للمعاصي أذيلا وسروا بنسوته السراة بلا ملا * حسرى يلاحظهن ألحاظ الملا وغدوا بزين العابدين الساجد * الحبر الأمين مقيدا ومغللا وسكينة أمست وساكن قلبها * متحرك فيه الأسى لن يرحلا وبدال دمع العين منها غرقت * صاد الصعيد وأنبتت كاف الكلا وديارهن الآنسات بلاقع * أقوت (2) وكن بها الأحبة نزلا والصبر عني ضاعن مترحل * لما شددن على المطي الأرحلا ومدامعي فوق الخدود نوازل * لما زممن جمالهن البزلا (3) تسري بهن إلى الشئام عصابة * أموية تبغي العطاء الأجزلا ترضي يزيد لكي يزيد لها العطا * جهلا ويتحفها السؤال معجلا فلألعنن بني أمية ما حدا * الحادي وما سرت الركائب قفلا ولألعنن زيادها ويزيدها * ويزيدها ربي عذابا منزلا تبا لهم فعلوا بآل محمد * ما ليس تفعله الجبابرة الأولى ولأبكين على الحسين بمدمع * قان أبل به الصعيد الممحلا يا طف طاف على ثراك من الحيا * هام تسير به السحائب جفلا (4) ذو هيدب متراكب متلاحم (5) * عالي البروق يسح دمعا مسبلا يشفيك إذ يسقيك منه بوابل * عذب له أرج يحاكي المندلا (6) ثم السلام من السلام على الذي * نصبت له في (خم) رايات الولا


(1) الكريمة: كل جارحة شريفة. (2) أقوت الدار: خلت من ساكنيها. (3) زمم الجمال: خطمها. بزل البعير: انشق نابه. فهو بازل ج بوازل وبزل. (4) الحيا: المطر. هام فاعل من همى يهمي هميا أي سال لا يثنيه شئ. جفل: أي أسرع. والجفيل: الكثير. (5) الهيدب من السحاب: المتدلي الذي يدنو من الأرض. المتلاحم: المتلاصق والمتلائم. (6) الوابل: المطر الشديد. الأرج: الرائحة الطيبة المندل بفتح الميم. العود الطيب الرائحة [*]

[8]

تالي كتاب الله أكرم من تلا * وأجل من للمصطفى الهادي تلا زوج البتول أخ الرسول مطلق * الدنيا وقاليها بنيران القلا رجل تسربل بالعفاف وحبذا * رجل بأثواب العفاف تسربلا تلقاه يوم السلم غيثا مسبلا * وتراه يوم الحرب ليثا مشبلا ذو الراحة اليمنى التي حسناتها * مدت على كيوان باعا أطولا (1) والمعجزات الباهرات النيرات * المشرقات المعذرات لمن غلا منها رجوع الشمس بعد غروبها (2) * نبأ تصير له البصائر ذهلا ولسيره فوق البساط فضيلة (3) * أوصافها تعيي الفصيح المقولا وخطاب أهل الكهف منقبة غلت * وعلت فجاوزت السماك الأعزلا وصعود غارب أحمد فضل له * دون القرابة والصحابة أفضلا هذا الذي حاز العلوم بأسرها * ما كان منها مجملا ومفصلا هذا الذي بصلاته وصلاته * للدين والدنيا أتم وأكملا هذا الذي بحسامه وقناته * في خيبر صعب الفتوح تسهلا وأباد مرحب في النزال بضربة * ألقت على الكفار عبئا مثقلا وكتائب الأحزاب صير عمروها * بدمائه فوق الرمال مرملا وتبوك نازل شوسها فأبادهم * ضربا بصارم عزمة لن يفللا وبه توسل آدم لما عصى * حتى اجتباه ربنا وتقبلا وبه دعا نوح فسارت فلكه * والأرض بالطوفان مفعمة ملا وبه الخليل دعا فأضحت ناره * بردا وقد أذكت حريقا مشعلا وبه دعا موسى تلقفت العصا * حيات سحر كن قدما أحبلا وبه دعا عيسى المسيح فأنطق * الميت الدفين به وقام من البلا


(1) كيوان: زحل تحيط به منطقة نيرة يضرب به المثل في العلو والبعد. الباع: قدر مد اليدين. (2) مر حديث رد الشمس في الجزء الثالث ص 126 - 141 ط 2. (3) أخرجها الثعلبي والفقيه المغازلي والقزويني عن ابن عباس وأنس بن مالك وستأتي بلفظها في محلها إنشاء الله تعالى [*]

[9]

وبخم وأخاه النبي محمد * حقا وذلك في الكتاب تنزلا عذل النواصب في هواه وعنفوا * فعصيتهم وأطعت فيه من غلا ومدحته رغما على آنافهم * مدحا به ربي صدا قلبي جلا وتراب نعل أبي تراب كلما * مس القذا عيني يكون لها جلا فعليه أضعاف التحية ما سرى * سار وما سح السحاب وأهملا سمعا أمير المؤمنين قصائدا * تزداد ما مر الزمان تجملا عربية نشأت بحلة بابل * فغدت تخجل بالفصاحة جرولا سادت فشادت للعرندس صالح * مجدا على هام النجوم مؤثلا وسمت قلوب حواسدي وسمت على * [نم العذار بعارضيه وسلسلا] (1) وعلت بمدحك يا علي ووازنت * [لم أبك ربعا للأحبة قد خلا] (2) * (ما يتبع الشعر) * ذكر شاعرنا ابن العرندس في قصيدته هذه جملة من مناقب مولانا أمير المؤمنين وقد مر تفصيل بعضها، وستوافيك كلمتنا الضافية في بعضها الآخر، ونقتصر في المقام على ما أشار إليه بقوله: وصعود غارب أحمد فضل له * دون القرابة الصحابة أفضلا عن علي رضي الله عنه قال: انطلق بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأصنام فقال: اجلس فجلست إلى جنب الكعبة ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكبي ثم قال: انهض بي إلى الصنم فنهضت به فلما رأى ضعفي تحته قال: اجلس فجلست وأنزلته عني وجلس لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لي: يا علي ! اصعد على منكبي. فصعدت على منكبيه ثم نهض بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نهض بي خيل لي أني لو شئت نلت أفق السماء وصعدت على الكعبة وتنحى رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقيت صنمهم الأكبر صنم قريش وكان من نحاس موتدا بأوتاد من حديد إلى الأرض فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: عالجه فعالجته فما زلت


(1) مطلع قصيدة للشيخ علاء الدين الحلي المذكورة في الجزء السادس ص 383 ط 2. (2) هي قصيدة جمال الدين الخلعي المترجم في الجزء السادس ص 12 - 19 والقصيدة في الإمام السبط الشهيد تقدر ب‍ 75 بينا كما مر في ج 6 ص 18. [*]

[10]

أعالجه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إيه إيه إيه. فلم أزل أعالجه حتى استمكنت منه فقال: دقه فدققته وكسرته ونزلت. وفي لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقذف به. فقذفت به فتكسر كما تنكسر القوارير ثم نزلت. وفي لفظ: ونزوت من فوق الكعبة. وعن جابر بن عبد الله قال: دخلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مكة وفي البيت وحوله ثلثمائة وستون صنما فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقيت كلها لوجوهها وكان على البيت صنم طويل يقال له: هبل. فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي وقال له: يا علي ! تركب علي أو أركب عليك لألقي هبل. عن ظهر الكعبة ؟ قلت: يا رسول الله ! بل تركبني: فلما جلس على ظهري لم أستطع حمله لثقل الرسالة قلت: يا رسول الله ! بل أركبك. فضحك ونزل وطأطأ لي ظهره واستويت عليه فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أردت أن أمسك السماء لأمسكتها بيدي، فألقيت هبل عن ظهر الكعبة فأنزل الله تعالى: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. وعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: قم بنا إلى الصنم في أعلى الكعبة لنكسره فقاما جميعا فلما أتياه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قم على عاتقي حتى أرفعك عليه فأعطاه علي ثوبه فوضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه ثم رفعه حتى وضعه على البيت فأخذ علي الصنم وهو من نحاس، فرمى به من فوق الكعبة كأنما كان له جناحان، هذه الأثارة أخرجتها أمة من الحفاظ وأئمة الحديث والتاريخ، وأخذها منهم رجال التأليف في القرون المتأخرة وذكروها في كتبهم مرسلين إياها إرسال المسلم من دون أي غمز في سندها وإليك جملة منهم: 1 - أسباط بن محمد القرشي المتوفى 200 روى عنه أحمد في المسند. 2 - الحافظ أبو بكر الصغاني " 211 حكاه عنه السيوطي. 3 - الحافظ ابن أبي شيبة " 235 حكاه عنه الزرقاني والسيوطي. 4 - إمام الحنابلة أحمد " 241 في مسنده 1: 84 بإسناد صحيح رجاله كلهم ثقات. 5 - أبو علي أحمد المازني " 263 روى عنه النسائي.

[11]

6 - الحافظ أبو بكر البزار المتوفى 292 كما في الينابيع. 7 - " ابن شعيب النسائي " 303 في الخصايص ص 31. 8 - " أبو يعلى الموصلي " 307 في مسنده. 9 - " أبو جعفر الطبري " 310 كما في جمع الجوامع 10 " - أبو القاسم الطبراني " 360 كما في تاريخ الخميس 11 - " الحاكم النيسابوري " 405 في المستدرك 2: 367 وصححه. 12 - " أبو بكر الشيرازي " 407 / 10 في نزول القرآن من طريق جابر. 13 - " أبو محمد أحمد بن محمد العاصمي في زين الفتى شرح سورة هل أتى. 14 - " أبو نعيم الاصبهاني المتوفى 340 روى عنه الخطيب إملاء. 15 - " أبو بكر البيهقي " 458 روى من طريقه الخوارزمي. 16 - " الخطيب البغدادي " 463 في تاريخه 13: 2. 3. 17 - الفقيه أبو الحسن ابن المغازلي " 483 في مناقبه من طريق أبي هريرة. 18 - الحافظ أبو عبد الله الفراوي " 530 كما في كفاية الكنجي. 19 - أخطب خطباء خوارزم " 568 في المناقب ص 73 من طريق الحافظين: البيهقي والحاكم. 20 - الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي " 597 في صفة الصفوة 1 ص 119. 21 - الحافظ رضي الدين أبو الخير الحاكمي في أربعينه في فضائل علي عليه السلام 22 - الحافظ أبو عبد الله ابن النجار المتوفى 643 كما في الكفاية. 23 - أبو سالم ابن طلحة الشافعي المتوفى 652 في مطالب السئول ص 12. 24 - أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي المتوفى 654 في التذكرة ص 17] 25 - الحافظ أبو عبد الله الكنجي المتوفى 658 في الكفاية ص 128. وقال: رواه الحاكم والبيهقي، وهو حديث حسن ثابت عند أهل النقل. 26 - الحافظ الصالحاني كما في تاريخ الخميس. 27 - الحافظ محب الدين الطبري المتوفى 694 في الرياض النضرة 2: 200 نقلا عن أحمد وابن الجوزي والحاكمي

[12]

28 - جمال الدين أبو عبد الله ابن النقيب المتوفى 698 في تفسيره والعبر. 29 - شيخ الاسلام الحموي المتوفى 722 في فرائد السمطين 30 - الحافظ شمس الدين الذهبي المتوفى 748 في تلخيص المستدرك و قال: إسناده نظيف والمتن منكر. قال الأميني: لم يك يعرف أي حافظ هذه النكارة في تلكم القرون الخالية إلى أن جاد الدهر بالذهبي، وكوى الحديث بعينه، فكوه نار حقده، غير أن تلك النكارة الموهومة دفنت معه ولم يتبع أثره فيها أي محدث بعده. 31 - الحافظ الزرندي المتوفى بضع و 750 في نظم درر السمطين. 32 - الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى 911 في الجامع الكبير كما في ترتيبه 6: 407 عن ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وأحمد، وابن جرير، والخطيب، والحاكم وقال: صححه. وذكره في الخصايص الكبرى 1: 264. 33 - الحافظ أبو العباس القسطلاني المتوفى 923 في المواهب اللدنية 1 ص 204 نقلا عن ابن النقيب. 34 - القاضي الديار بكري المالكي المتوفى 966 / 82 في تاريخ الخميس 2 ص 95 نقلا عن الطبراني والزرندي والصالحاني وابن النقيب الممقدسي والمحب الطبري وصاحب شواهد النبوة فقال: ثم إن عليا أراد أن ينزل فألقى نفسه من صوب الميزاب تأدبا وشفقة على النبي صلى الله عليه وسلم ولما وقع على الأرض تبسم فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن تبسمه ؟ قال: لأني ألقيت نفسي من هذا المكان الرفيع وما أصابني ألم. قال: كيف يصيبك ألم وقد رفعك محمد وأنزلك جبريل ؟ وقال الشاعر: قيل لي: قل في علي مدحا * ذكره يخمد نارا موصده قلت: لا أقدم في مدح امرئ * ضل ذو اللب إلى أن عبده والنبي المصطفى قال لنا: * ليلة المعراج لما صعده وضع الله بظهري يده * فأحس القلب أن قد برده وعلي واضع أقدامه * في محل وضع الله يده 35 - نور الدين الحلبي الشافعي المتوفى 1044 في السيرة الحلبية 3: 97. 36 - أبو عبد الله الزرقاني المالكي المتوفى 1122 في شرح المواهب 2: 336 عن

[13]

ابن أبي شيبة والحاكم فقال: قد أجاد القائل: يا رب بالقدم التي أوطأتها * من قاب قوسين المحل الأعظما وبحرمة القدم التي جعلت لها * كتف المؤيد بالرسالة سلما ثبت على متن الصراط تكرما * قدمي وكن لي منقذا ومسلما واجعلهما ذخري فمن كانا له * ذخرا فليس يخاف قط جهنما 37 - السيد أحمد زيني دحلان المكي المتوفى 1232 في السيرة النبوية هامش الحلبية 2: 293 فقال: وقد أجاد القائل: يا رب بالقدم التي أوطأتها * إلى آخر الأبيات المذكورة 38 - شهاب الدين الآلوسي المتوفى 1270 في شرح العينية ص 75 وقد مرت كلمته في ج 6 ص 22. 39 - خواجه كلان القندوزي المتوفى 1293 في ينابيع المودة ص 193 عن البزار وأبي يعلى الموصلي. 40 - الشيخ أبو بكر بن محمد الحنفي المتوفى 1270 في قرة العيون المبصرة ج 1 ص 185. 41 - السيد محمود القراغولي الحنفي في جوهرة الكلام ص 55، 59. * (الشاعر) * الشيخ صالح بن عبد الوهاب بن العرندس الحلي الشهير بابن العرندس، أحد أعلام الشيعة ومن مؤلفي علمائها في الفقه والأصول، وله مدائح ومراثي لأئمة أهل البيت عليهم السلام تنم عن تفانيه في ولائهم ومناوئته لأعدائهم، ذكر شطرا منها شيخنا الطريحي في " المنتخب " وجملة منها مبثوثة في المجاميع والموسوعات، وعقد له العلامة السماوي في " الطليعة " ترجمة أطراه فيها بالعلم والفضل والتقى والنسك و المشاركة في العلوم. وأشفع ذلك الخطيب الفاضل اليعقوبي في " البابليات " وأثنى عليه ثناء جميلا، وذكر في " الطليعة " أنه توفي حدود 840 بالحلة الفيحاء ودفن فيها وله قبر يزار ويتبرك به.

[14]

كان ابن العرندس يحاول في شعره كثيرا الجناس على نمط الشيخ علاء الدين الشفهيني المترجم في الجزء السادس ص 356 وتعلوه القوة والمتانة، ويعرب عن تضلعه من العربية واللغة، ولولا تهالكه على ما تجده في شعره من الجناس الكثير لكان ما ينظمه أبلغ وأبرع مما هو الآن. ومن شعر شيخنا الصالح رائية اشتهر بين الأصحاب أنها لم تقرأ في مجلس إلا وحضره الإمام الحجة المنتظر عجل الله تعالى فرجه، توجد برمتها في منتخب شيخنا الطريحي 2: 75 وهي: طوايا نظامي في الزمان لها نشر * يعطرها من طيب ذكراكم نشر قصائد ما خابت لهن مقاصد * بواطنها حمد ظواهرها شكر مطالعها تحكي النجوم طوالعا * فأخلاقها زهر وأنوارها زهر عرائس تجلي حين تجلي قلوبنا * أكاليلها در وتيجانها تبر حسان لها حسان بالفضل شاهد * على وجهها تبر يزان بها التبر أنظمها نظم اللئالي وأسهر الليالي * ليحيى لي بها وبكم ذكر فيا ساكني أرض الطفوف عليكم * سلام محب ما له عنكم صبر نشرت دواوين الثنا بعد طيها * وفي كل طرس من مديحي لكم سطر فطابق شعري فيكم دمع ناظري * فمبيض ذا نظم ومحمر ذا نثر فلا تتهموني بالسلو فإنما * مواعيد سلواني وحقكم الحشر فذلي بكم عز وفقري بكم غنى * وعسري بكم يسر وكسري بكم جبر ترق بروق السحب لي من دياركم * فينهل من دمعي لبارقها القطر فعيناي كالخنساء (1) تجري دموعها * وقلبي شديد في محبتكم صخر وقفت على الدار التي كنتم بها * فمغناكم من بعد معناكم فقر وقد درست منها الدروس وطالما * بها درس العلم الآلهي والذكر وسالت عليها من دموعي سحائب * إلى أن تروى البان بالدمع والسدر


هي الخنساء بنت عمرو بن الحارث شاعرة صحابية شهيرة لها شعر كثير في رثاء أخيها لأبيها صخر وقد قتله بنو أسد. [*]

[15]

فراق فراق الروح لي بعد بعدكم * ودار برسم الدار في خاطري الفكر وقد أقلعت عنها السحاب ولم يجد * ولا در من بعد الحسين لها در إمام الهدى سبط النبوة والد الأئمة * رب النهي مولى له الأمر إمام أبوه المرتضى علم الهدى * وصي رسول الله والصنو والصهر إمام بكته الإنس والجن والسما * ووحش الفلا والطير والبر والبحر له القبة البيضاء بالطف لم تزل (1) * تطوف بها طوعا ملائكة غر وفيه رسول الله قال وقوله * صحيح صريح ليس في ذلكم نكر: حبي بثلاث ما أحاط بمثلها * ولي فمن زيد هناك ومن عمرو ؟ له تربة فيها الشفاء وقبة * يجاب بها الداعي إذا مسه الضر وذرية ذرية منه تسعة * أئمة حق لا ثمان ولا عشر أيقتل ظمآنا حسين بكربلا * وفي كل عضو من أنامله بحر ؟ ووالده الساقي على الحوض في غد * وفاطمة ماء الفرات لها مهر فوالهف نفسي للحسين وما جنى * عليه غداة الطف في حربه الشمر رماه بجيش كالظلام قسيه الأهلة * والخرصان أنجمه الزهر لراياتهم نصب وأسيافهم جزم * وللنقع رفع والرماح لها جر تجمع فيها من طغاة أمية * عصابة غدر لا يقوم لها عذر وأرسلها الطاغي يزيد ليملك ال‍ - عراق وما أغنته شام ولا مصر وشد لهم أزرا سليل زيادها * فحل به من شد أزرهم الوزر وأمر فيهم نجل سعد لنحسه * فما طال في الري اللعين له عمر فلما التقى الجمعان في أرض كربلا * تباعد فعل الخير واقترب الشر فحاطوا به في عشر شهر محرم * وبيض المواضي في الأكف لها شمر فقام الفتى لما تشاجرت القنا * وصال وقد أودى بمهجته الحر وجال بطرف في المجال كأنه * دجى الليل في لألآء غرته الفجر


(1) تلك القبة المقدسة كانت بيضاء في تلكم القرون وأما اليوم فقد تغشتها صفائح النضار، فهي صفراء لونها تسر الناظرين كما أن باطنها سرح ممرد من قوارير. [*]

[16]

له أربع للريح فيهن أربع * لقد زانه كرو ما شأنه الفر ففرق جمع القوم حتى كأنهم * طيور بغاث (1) شت شملهم الصقر فأذكرهم ليل الهرير فاجمع الكلاب * على الليث الهزبر وقد هروا هناك فدته الصالحون بأنفس * يضاعف في يوم الحساب لها الأجر وحادوا عن الكفار طوعا لنصره * وجاد له بالنفس من سعده الحر (3) ومدوا إليه ذبلا سمهرية (4) * لطول حياة السبط في مدها جزر فغادره في مارق الحرب مارق * بسهم لنحر السبط من وقعه نحر فمال عن الطرف الجواد أخو الندى * الجواد قتيلا حوله يصهل المهر (5) سنان سنان خارق منه في الحشا * وصارم شمر في الوريد له شمر (6) تجر عليه العاصفات ذيولها * ومن نسج أيدي الصافنات له طمر (7) فرجت له السبع الطباق وزلزلت * رواسي جبال الأرض والتطم البحر فيا لك مقتولا بكته السما دما * فمغبر وجه الأرض بالدم محمر ملابسه في الحرب حمر من الدما * وهن غداة الحشر من سندس خضر ولهفي لزين العابدين وقد سرى * أسيرا عليلا لا يفك له أسر وآل رسول الله تسبى نسائهم * ومن حولهن الستر يهتك والخدر


(1) البغاث بتثليث الباء: طائر أبغث أصغر من الرخم بطيئ الطيران ج بغثان. (2) ليلة الهرير من ليالي صفين قتل فيها ما يقرب من سبعين ألف قتيل ولمولانا أمير المؤمنين ولأصحابه في تلك الليلة موقف شجاعة يذكر مع الأبد. الهرير كأمير. هرير الكلب صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد. (3) الحر بن يزيد الرياحي التميمي اليربوعي كان سلام الله عليه شريف قومه جاهلية و اسلاما كما قاله ابن الأثير. (4) الذبل بضم المعجمة ثم الموحدة المفتوحة جمع الذابل: الرقيق. السمهري: الرمح الصلب. (5) الطرف كما مر من الخيل: الكريم الطرفين: الأب والأم. المهر: ولد الفرس. (6) الشمر بفتح المعجمة من شمر تشميرا: مر مسرعا. وأشمره بالسيف: أدرجه. (7) العاصفات: الأرياح الشديدة. الصافنات " راجع ص 5 " الطمر: الثوب البالي. [*]

[17]

سبايا بأكوار المطايا حواسرا * يلاحظهن العبد في الناس والحر ورملة (1) في ظل القصور مصونة * يناط على أقراطها الدر والتبر فويل يزيد من عذاب جهنم * إذا أقبلت في الحشر فاطمة الطهر ملابسها ثوب من السم أسود * وآخر قان من دم السبط محمر تنادي وأبصار الأنام شواخص * وفي كل قلب من مهابتها ذعر (2) وتشكو إلى الله العلي وصوتها * علي ومولانا علي لها ظهر فلا ينطق الطاغي يزيد بما جنى * وأنى له عذر ومن شأنه الغدر ؟ فيؤخذ منه بالقصاص فيحرم النعيم * ويخلى في الجحيم له قصر ويشدو له الشادي فيطر به الغنا * ويسكب في الكاس النضار له خمر فذاك الغنا في البعث تصحيفه العنا * وتصحيف ذاك الخمر في قلبه الجمر أيقرع جهلا ثغر سبط محمد * وصاحب ذاك الثغر يحمى به الثغر ؟ فليس لأخذ الثار إلا خليفة * يكون لكسر الدين من عدله جبر تحف به الأملاك من كل جانب * ويقدمه الاقبال والعز والنصر عوامله في الدار عين شوارع * وحاجبه عيسى وناظره الخضر تظلله حقا عمامة جده * إذا ما ملوك الصيد ظللها الجبر محيط على علم النبوة صدره * فطوبى لعلم ضمه ذلك الصدر هو ابن الإمام العسكري محمد التقي * النقي الطاهر العلم الحبر سليل علي الهادي ونجل محمد الجواد ومن في أرض طوس له قبر علي الرضا وهو ابن موسى الذي قضى * ففاح على بغداد من نشره عطر وصادق وعد إنه نجل صادق * إمام به في العلم يفتخر الفخر وبهجة مولانا الإمام محمد * إمام لعلم الأنبياء له بقر


(1) رملة بنت معاوية بن أبي سفيان، شبب بها عبد الرحمن بن حسان بأبيات أولها: رمل هل تذكرين يوم غزال * إذ قطعنا مسيرنا بالتمني ولهذا التشبيب قصة توجد في معاجم التراجم. (2) الشواخص من شخص البصر، أي: فتح عينيه فلم يطرف. الذعر: الفزع والخوف. [*]

[18]

سلالة زين العابدين الذي بكى * فمن دمعه يبس الأعاشيب مخضر سليل حسين الفاطمي وحيدر الوصي * فمن طهر نمى ذلك الطهر له الحسن المسموم عم فحبذا الإمام * الذي عم الورى جوده الغمر سمي رسول الله وارث علمه * إمام على آبائه نزل الذكر هم النور نور الله جل جلاله * هم التين والزيتون والشفع والوتر مهابط وحي الله خزان علمه * ميامين في أبياتهم نزل الذكر وأسمائهم مكتوبة فوق عرشه * ومكنونة من قبل أن يخلق الذر ولولاهم لم يخلق الله آدما * ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو ولا سطحت أرض ولا رفعت سما * ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر ونوح به في الفلك لما دعا نجا * وغيض به طوفانه وقضى الأمر ولولاهم نار الخليل لما غدت * سلاما وبردا وانطفى ذلك الجمر ولولاهم يعقوب ما زال حزنه * ولا كان عن أيوب ينكشف الضر ولان لداود الحديد بسرهم * فقدر في سرد يحير به الفكر ولما سليمان البساط به سرى * أسيلت له عين يفيض له القطر وسخرت الريح الرخاء بأمره * فغدوتها شهر وروحتها شهر وهم سر موسى والعصا عندما عصى * أوامره فرعون والتقف السحر ولولاهم ما كان عيسى بن مريم * لعازر من طي اللحود له نشر سرى سرهم في الكائنات وفضلهم * وكل نبي فيه من سرهم سر علا بهم قدري وفخري بهم غلا * ولولاهم ما كان في الناس لي ذكر مصابكم يا آل طه ! مصيبة * ورزء على الاسلام أحدثه الكفر سأندبكم يا عدتي عند شدتي * وأبكيكم حزنا إذا أقبل العشر عرائس فكر الصالح بن عرندس * قبولكم يا آل طه لها مهر وكيف يحيط الواصفون بمدحكم * وفي مدح آيات الكتاب لكم ذكر ؟ ومولدكم بطحاء مكة والصفا * وزمزم والبيت المحرم والحجر

[19]

جعلتكم يوم المعاد وسيلتي * فطوبى لمن أمسى وأنتم له ذخر سيبلي الجديدان الجديد وحبكم * جديد بقلبي ليس يخلقه الدهر عليكم سلام الله ما لاح بارق * وحلت عقود المزن وانتشر القطر وله من قصيدة يرثي بها الحسين عليه السلام: بات العذول على الحبيب مسهدا * فأقام عذري في الغرام ومهدا ورأى العذار بسالفيه مسلسلا * فأقام في سجن الغرام مقيدا هذا الذي أمسى عذولي عاذري * فيه وراقد مقلتيه تسهدا ريم (1) رمى قلبي بسهم لحاظه * عن قوس حاجبه أصاب المقصدا قمر هلال الشمس فوق جبينه * عال تغار الشمس منه إذا بدا وقوامه كالغصن رنحه الصبا * فيه حمام الحي بات مغردا فإذا أراد الفتك كان قوامه * لدنا وجردت اللحاظ مهندا تلقاه منعطفا قضيبا أميدا * وتراه ملتفتا غزالا أغيدا (2) في طاء طرته وجيم جبينه * ضدان شأنهما الضلالة والهدى ليل وصبح أسود في أبيض * هذا أضل العاشقين وذا هدى لا تحسبوا داود قدر سرده * في سين سالفه فبات مسردا لكنما ياقوت خاء خدوده * نم (3) العذار به فصار زبرجدا يا قاتل العشاق يا من طرفه * الرشاق يرشقنا سهاما من ردى (4) قسما بثاء الثغر منك لأنه * ثغر به جيم الجمان تنضدا (5) وبراء ريق كالمدام مزاجه * شهد به تروى القلوب من الصدى


الريم: الظبي الخالص البياض. (2) منعطفا: منثنيا. القضيب: السيف القطاع. القوس عملت من قضيب أو غصن غير مشقوق. الاميد من ماد يميد ميدا: تحرك واضطرب. الاغيد من غيد يغيد غيدا: مالت عنقه لانت أعطافه فهو أغيد وهى غيداء. (3) نم نما: زين. (4) الرشق: الرمي. الردى: الهلاك، (5) الثغر: مقدم الأسنان. الجمان: اللؤلؤ. [*]

[20]

إني لقد أصبحت عبدك في الهوى * وغدوت في شرح المحبة سيدا فاعدل بعبدك لا تجر واسمح ولا * تبخل بقرب من وفاك الأبعدا وابد الوفا ودع الجفا وذر العفا * فلقد غدوت أخا غرام مكمدا وفجعت قلبي بالتفرق مثلما * فجعت أمية بالحسين محمدا سبط النبي المصطفى الهادي الذي * أهدى الأنام من الضلال وأرشدا وهو ابن مولانا علي المرتضى * بحر الندى مروي الصدا مردي العدا أسما الورى نسبا وأشرفهم أبا * وأجلهم حسبا وأكرم محتدا بحر طما. ليث حمى. غيث همى * صبح أضا. نجم هدى. بدر بدا السيد السند الحسين أعم أهل * الخافقين ندى وأسمحهم يدا لم أنسه في كربلا متلظيا * في الكرب لا يلقي لماء موردا والمقنب الأموي حول خبائه * النبوي قد ملأ الفدافد فدفدا (1) عصب عصت غضت بخيلهم الفضا * غصبت حقوق بني الوصي وأحمدا حمت كتائبه وثار عجاجه * فحكى الخضم المدلهم المزبدا للنصب فيه زماجر مرفوعة * جزمت بها الأسماء من حرف الندا صامت صوافنه وبيض صفاحه * صلت فصيرت الجماجم سجدا نسج الغبار على الأسود مدارعا * فيه فجسدت النجيع وعسجدا والخيل عابسة الوجوه كأنها * العقيان تخترق العجاج الأربدا حتى إذا لمعت بروق صفاحها * وغد الجبان من الرواعد مرعدا صال الحسين على الطغاة بعزمه * لا يختشي من شرب كاسات الردا وغدا بلام اللدن يطعن أنجلا * وبغين غرب العضب يضرب أهودا (2) فأعاد بالضرب الحسام مفللا * وثنى السنان من الطعان مقصدا (3)


المقنب: الجماعة من الخيل تجتمع للغارة. الفدافد بفتح الفاء: الفلاة. فدفد بضم الفاء الجافي الكلام المرتفع الصوت. (2) الانجل: الواسع الطويل العريض، يقال: طعنه طعنة نجلاء. أي واسعة. الأهود من الهوادة: اللين والرفق. (3) المقصدة من القصدة بالكسر: القطعة مما يكسر. يقال رمح قصدو قصيد وأقصاد: أي متكسر. [*]

[21]

فكأنما فتكاته في جيشهم * فتكات (حيدر) يوم أحد في العدى جيش يريد رضى يزيد عصابة * غصبت فأغضبت العلي وأحمدا جحدوا العلي مع النبي وخالفوا * الهادي الوصي ولم يخالفوا الموعدا وغواهم شيطانهم فأضلهم * عمدا فلم يجدوا وليا مرشدا ومن العجائب أن عذب فراتها * تسري مسلسلة ولن تتقيدا طام وقلب السبط ظام نحوه * وأبوه يسقي الناس سلسله غدا وكأنه والطرف والتبار والخرصان * في ظلل العجاج وقد بدا (3) شمس على فلك وطوع يمينه * قمر يقابل في الظلام الفرقدا (4) والسيد العباس قد سلب العدا * عنه اللباس وصيروه مجردا وابن الحسين السبط ظمآن الحشا * والماء تنهله الذئاب مبردا كالبدر مقطوع الوريد له دم * أمسى على ترب الصعيد مبددا والسادة الشهداء صرعى في الفلا * كل لأحقاف (5) الرمال توسدا فأولئك القوم الذين على هدى * من ربهم فمن اقتدى بهم اهتدى والسبط حران الحشا لمصابهم * حيران لا يلقى نصيرا مسعدا حتى إذا اقتربت أباعيد الردى * وحياته منها القريب تبعدا دارت عليه علوج آل أمية * من كل ذي نقص يزيد تمردا فرموه عن صفر القسي بأسهم (1) * من غير ما جرم جناه ولا اعتدا فهوى الجواد عن الجواد فرجت * السبع الشداد وكان يوما أنكدا واحتز منه الشمر رأسا طالما * أمسى له حجر النبوة مرقدا فبكته أملاك السماوات العلى * والدهر بات عليه مشقوق الردا


(1) الطرف. راجع ص 5. البتار: السيف القاطع. الخرصان: جمع الخرص، الرمح القصير السنان. (2) هذه البداعة مأخوذة من علاء الدين الشفهيني كما مرت في ج 6 ص 362 ومرت لابن العرندس أيضا في هذا الجزء ص 5. (3) الأحقاف جمع الحقف: ما اعوج من الرمح واستطال. (4) الصفر: الدائرة: القسي جمع القوس: آلة معروفة ترمى بها السهام. [*]

[22]

وارتد كف الجود مكفوفا وطرف * العلم مطروفا (1) عليه أرمدا والوحش صاح لما عراه من الأسى * والطير ناح على عزاه وعددا (2) وسروا بزين العابدين الساجد * الباكي الحزين مقيدا ومصفدا وسكينة سكن الأسى في قلبها * فغدا بضامرها (3) مقيما مقعدا وأسال قتل الطف مدمع زينب * فجرى ووسط الخد منها خددا ورأيت ساجعة تنوح بأيكة (4) * سجعت فأخرست الفصيح المنشدا بيضاء كالصبح المضئ أكفها * حمر تطوقت الظلام الأسودا ناشدتها يا ورق ! ما هذا البكا * ردي الجواب فجعت قلبي المكمدا والطوق فوق بياض عنقك أسود * وأكفك حمر تحاكي العسجدا لما رأت ولهي وتسألي لها * ولهيب قلبي ناره لن تخمدا رفعت بمنصوب الغصون لها يدا * جزمت به نوح النوائح سرمدا: قتل الحسين بكربلا يا ليته * لاقى النجاة بها وكنت له الفدا فإذا تطوق ذاك دمعي أحمر * قان مسحت به يدي توردا ولبست فوق بياض عنقي من أسى * طوقا بسين سواد قلبي أسودا فالآن هاذي قصتي يا سائلي * ونجيع دمعي سائل لن يجمدا فاندب معي بتقرح وتحرق * وابكي وكن لي في بكائي مسعدا فلألعنن بني أمية ما حدا * حاد وما غار الحجيج وأنجدا (5) ولألعنن يزيدها وزيادها * ويزيدها ربي عذابا سرمدا ولأبكين عليك يا بن محمد * حتى أوسد في التراب ملحدا ولأحلين على علاك مدائحا * من در ألفاظي حسانا خردا


(1) المطروفة من العين: التي أصابها شيئ فدمعت. (2) عدد الميت: عد مناقبه ووصفها. (3) ضمر فهو ضامر: هزل ودق وقل لحمه. (4) الأيكة: الشجر الكثير الملتف. (5) غار الرجل: سار. انجد الرجل: أتى نجدا: قرب من أهله. [*]

[23]

عربا فصاحا في الفصاحة جاوزت * قسا (1) وبات لها لبيد (2) مبلدا قلدتها بقلائد من جودكم * أضحى بها جيد الزمان مقلدا يرجو بها نجل العرندس صالح * في الخلد مع حور الجنان تخلدا وسقى الطفوف الهامرات من الحيا * سحبا تسح عيونها دمع الندى (3) ثم السلام عليك يا بن المرتضى * ما ناح طير في الغصون وغردا وله قصيدة تناهز 56 بيتا يرثي بها الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه توجد في المنتخب لشيخنا الطريحي 2 ص 19 ط بمبئ مطلعها: نوحوا أيا شيعة المولى أبا حسن * على الحسين غريب الدار والوطن


(1) قس بن ساعدة الأيادي خطيب العرب قاطبة والمضروب به المثل في البلاغة، (2) لبيد بن ربيعة العامري توفي في أول خلافة معاوية وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة، (3) الهامرات من همر الماء انصب. والهمار من السحاب: السيال. الحيا: المطر. سح الماء: صبه صبا متتابعا غزيرا. الندى: المطر. [*]

[24]

القرن التاسع 73 - ابن داغر الحلي حيا الإله كتيبة مرتادها * يطوى له سهل الفلا ووهادها قصدت أمير المؤمنين بقبة * يبنى على هام السماك عمادها وفدت على خير الأنام بحضرة * عند الإله مكرم وفادها فيها الفتى وابن الفتى وأخو الفتى * أهل الفتوة ربها مقتادها فله الفخار قديمه وحديثه * والفاضلات طريفها وتلادها (1) مولى البرية بعد فقد نبيها * وإمامها وهمامها وجوادها وإذا القروم تصادمت في معرك * والخيل قد نسج القتام طرادها وترى القبائل عند مختلف القنا * منه يحذر جمعها آحادها والشوس تعثر في المجال وتحتها * جرد تجذ إلى القتال جيادها (2) فكأن منتشر الرعال لدى الوغا * زجل تنشر في البلاد جرادها ورماحهم قد شظيت عيدانها (3) * وسيوفهم قد كسرت أغمادها والشهب تغمد في الرؤس نصولها * والسمر تصعد في النفوس صعادها (4) فترى هناك أخا النبي محمد * وعليه من جهد البلاء جلادها مترديا عند اللقا بحسامه * متصديا لكماتها يصطادها


الطريف: المكتسب حديثا. التلاد والتليد: ما كان من قديم. (2) الشوس ج أشوس: الشديد الجرئ في القتال. تعثر يقال: عثر الرجل عثورا إذا هجم لمى أمر لهم يهجم عليه غيره. المجال: محل الجولان أي الميدان. جرد جمع الأجرد: السباق من الخيل. يجذ من جذ في سيره: أسرع: الجياد ج الجواد: السريع من الفرس. (3) شطنى تشظية: فرق، تشظى العود: تطاير شظايا: عيدان وأعود وأعواد ج العود: الخشب. (4) الشهب ج الشهاب: السنان. سمى به لما فيه من بريق. نصول ج النصل: حديدة الرمح والسهم. السمر: الرمح. صعاد ج الصعدة: القناة المستوية. [*]

[25]

عضد النبي الهاشمي بسيفه * حتى تقطع في الوغا أعضادها وأخاه دونهم وسد دوينه * أبوابهم فتاحها سدادها وحباه في (يوم الغدير) ولاية * عام الوداع وكلهم أشهادها فغدا به (يوم الغدير) مفضلا * بركاته ما تنتهي أعدادها قبلت وصية أحمد وبصدرها * تخفى لآل محمد أحقادها حتى إذا مات النبي فأظهرت * أضغانها في ظلمها أجنادها منعوا خلافة ربها ووليها * ببصائر عميت وضل رشادها واعصوصبوا في منع فاطم حقها * فقضت وقد شاب الحياة نكادها (1) وتوفيت غصصا وبعد وفاتها * قتل الحسين وذبحت أولادها وغدا يسب على المنابر بعلها * في أمة ضلت وطال فسادها ولقد وقفت على مقالة حاذق * في السالفين فراق لي إنشادها [أعلى المنابر تعلنون بسبه * وبسيفه نصبت لكم أعوادها] (2) يا آل بيت محمد يا سادة * ساد البرية فضلها وسدادها ! أنتم مصابيح الظلام وأنتم * خير الأنام وأنتم أمجادها فضلاءها علماءها حلماءها * حكماءها عبادها زهادها أما العباد فأنتم ساداتها * أما الحروب فأنتم آسادها تلك المساعي للبرية أوضحت * نهج الهدى ومشت به عبادها وإليكم من شاردات (مغامس) * بكرا يقر بفضلها حسادها كملت بوزن كمالكم وتزينت * بمحاسن من حسنكم تزدادها ناديتها صوتا فمذ أسمعتها * لبت ولم يصلد علي زنادها نفقت لدي لأنها في مدحكم * فلذاك لا يخشى علي كسادها رحم الإله ممدها أقلامه * ورجاؤه أن لا يخيب مدادها


(1) اعصو صبوا: اجتمعوا وصاروا عصائب. شاب: خلط وغش. النكاد: الكدر. (2) هذا البيت من قصيدة لأبي محمد عبد الله بن محمد بن سنان الخفاجي الحلبي رحمه الله المتوفى 466. [*]

[26]

فتشفعوا لكبائر أسلفتها * قلقت لها نفسي وقل رقادها جرما لو أن الراسيات حملنه * دكت وذاب صخورها وصلادها هيهات تمنع عن شفاعة جدكم * نفس وحب أبي تراب زادها صلى الإله عليكم ما أرعدت * سحب وأسبل ممطرا أرعادها وله قوله من قصيدة تناهز الاثنين والتسعين بيتا: كيف السلامة والخطوب تنوب * ومصائب الدنيا الغرور تصوب ؟ إن البقاء على اختلاف طبائع * ورجاء أن ينجو الفتى لعصيب العيش أهونه وما هو كائن * حتم وما هو واصل فقريب والدهر أطوار وليس لأهله * إن فكروا في جالتيه نصيب ليس اللبيب من استغر بعيشه * إن المفكر في الأمور لبيب يا غافلا ! والموت ليس بغافل * عش ما تشاء فإنك المطلوب أبديت لهوك إذ زمانك مقبل * زاه وإذ غض الشباب رطيب فمن النصير على الخطوب إذ أتت * وعلا على شرخ الشباب مشيب علل الفتى من علمه مكفوفة * حتى الممات وعمره مكتوب وتراه يكدح في المعاش ورزقه * في الكائنات مقدر محسوب إن الليالي لا تزال مجدة * في الخلق أحداث لها وخطوب من سر فيها ساءه من صرفها * ريب له طول الزمان مريب عصفت بخير الخلق آل محمد * نكباء إعصار لها وهبوب (1) أما النبي فخانه من قومه * في أقربيه مجانب وصحيب من بعد ما ردوا عليه وصاته * حتى كأن مقاله مكذوب ونسوا رعاية حقه في حيدر * في " خم " وهو وزيره المصحوب فأقام فيهم برهة حتى قضى * في الغيظ وهو بغيظهم مغضوب ومنها قوله في رثاء الإمام السبط عليه السلام: بأبي الإمام المستظام بكربلا * يدعو وليس لما يقول مجيب


(1) الاعصار: ريح ترتفع بالتراب. الهبوب من الرياح المثيرة للغبرة. [*]

[27]

بأبي الوحيد وماله من راحم * يشكو الظما والماء منه قريب بأبي الحبيب إلى النبي محمد * ومحمد عند الإله حبيب يا كربلاء أفيك يقتل جهرة * سبط المطهر ؟ إن ذا لعجيب ما أنت إلا كربة وبلية * كل الأنام بهولها مكروب لهفي عليه وقد هوى متعفرا * وبه أوام فادح ولغوب (1) لهفي عليه بالطفوف مجدلا * تسفي عليه شمال وجنوب لهفي عليه والخيول ترضه * فلهن ركض حوله وخبيب (2) لهفي له والرأس من مميز * والشيب من دمه الشريف خضيب لهفي عليه ودرعه مسلوبة * لهفي عليه ورحله منهوب لهفي على حرم الحسين حواسرا * شعثا وقد ريعت لهن قلوب حتى إذا قطع الكريم بسيفه * لم يثنه خوف ولا ترعيب لله كم لطمت خدود عنده * جزعا وكم شقت عليه جيوب ؟ ما أنس إن أنسى الزكية زينبا * تبكي له وقناعها مسلوب تدعو وتندب والمصاب تكظها * بين الطفوف ودمعها مسكوب (3) ءاخي بعدك لا حييت بغبطة * واغتالني حتف إلي قريب ءاخي بعدك من يدافع جاهلا * عني ويسمع دعوتي ويجيب حزني تذوب له الجبال وعنده * يسلو وينسى يوسفا يعقوب (الشاعر) الشيخ مغامس بن داغر الحلي، طفح بذكر المغامس في حب آل الله صلى الله عليهم غير واحد من المعاجم المتأخرة كالحصون المنيعة للعلامة الشيخ علي آل كاشف الغطاء، والطليعة للعلامة السماوي، والبابليات للخطيب اليعقوبي، وذكر شطرا من شعره


(1) الأوام: العطش. الفادح: الصعب المثقل. اللغوب: المتعب المعيى. (2) الخبيب من خب الفرس في عدوه: راوح بين يديه ورجليه أي قام على إحداهما مره وعلى الأخرى مرة. (3) تكظها من كظ الأمر كظا: غم وبهظ الطفوف ج الطف. ما أشرف من الأرض. [*]

[28]

شيخنا فخر الدين الطريحي في المنتخب، والأديب الاصبهاني في التحفة الناصرية، و تضمن غير واحد من المجاميع قريظه المتدفق بمدح أهل بيت الوحي أئمة الهدى و رثائهم صلوات الله عليهم حتى جمع منها الشيخ السماوي ديوانا باسم المترجم يربو على ألف وثلثمائة وخمسين بيتا ولعل التالف منها أكثر وأكثر. فهو من شعراء أهل البيت المكثرين المتفانين في حبهم وولائهم غير أن الدهر أنسى ذكره الخالد، ولعل هذا الانقطاع عن غيرهم عليهم السلام هو الذي قطع إطراد ذكره في جملة من الموسوعات أو المعاجم لمن لا يألف إلى ودهم كما فعلوا ذلك بالنسبة إلى كثيرين من أمثال المترجم فتركوا ذكره أو أثبتوه بصورة مصغرة، وعندهم مكبرات لذكريات أناس هم دون أولئك في الفضيلة والأدب، وكم للتاريخ من جنايات في الخفض والرفع، والجر والنصب، لا تستقصى ؟ كان الشيخ مغامس من إحدى القبائل العربية في ضواحي الحلة الفيحاء فهبطها للدراسة، ولم يبارحها حتى قضى بها نحبه شاعرا خطيبا، في أواسط القرن التاسع و يعرب شعره عن أنه كان له شوط في مضمار الخطابة كما كان يركض في كل حلبة من حلبات القريض قال: فتارة أنظم الأشعار ممتدحا * وتارة أنثر الأقوال في الخطب وكان أبوه داغر شاعرا مواليا وهو الذي علمه قرض الشعر ومرنه على ولاء العترة الطاهرة كما يأتي في قوله: أعملت في مدحكم فكري فعلمني * نظم المديح وأوصاني بذاك أبي فحيى الله الوالد والولد. وإليك فهرست قصائده التي وقفنا عليها في مجاميع الأدب: عدد القصائد المطلع عدد الأبيات 1 - محب الليالي في مساعيه متعب * يساق إليه حتفه وهو يدأب 93 2 - تذكر ما أحصى الكتاب فتابا * وحاذر من مس العذاب عقابا 92 3 - أصبحت للتقوى بجهلك تدعي * دعواك باطلة إذا لم تقلع 81 4 - هل حين عممه المشيب وقنعا ؟ * أتراه يصنع في الهداية مصنعا ؟ 90

[29]

5 - أتطلب دنيا بعد شيب قذال ؟ (1) وتذكر أياما مضت وليالي ؟ 92 توجد جملة من هذه القصيدة في المنتخب 2: 45 ط بمبئ. 6 - فصلت صروف الحادثات مفاصلي * وأصاب سهم النائبات مقاتلي قطع الزمان عرى قواي وكلما * قطع الزمان فما له من واصل 77 هذه القصيدة ذكرها شيخنا الطرحي في المنتخب 2: 36. 7 - لغيرك يا دنيا ثنيت عناني * وذاك لأمر عن غناك عناني توجد هذه القصيدة برمتها في المنتخب 2: 58. 8 - لبني الهادي مناحي * في غدوي ورواحي صاح ما قلبي بصاح * ما لحزني من براح 105 9 - هجر الغمض وسادي * وكوى الحزن فؤادي فحياتي في نكادي * لقتيل ابن زياد 62 10 - ليتني كنت فداء للحسين * وهو بالطف قطيع الودجين ينظر الشمر بعين وبعين * ينظر النسوة بين العسكرين 106 11 - بكيت وما لريعان الشباب * ولا لدروس منزلة خراب ولا لفوات عيش مستطاب * ولا لفراق زينب والرباب 80 12 - صحبتك لا إني بودك مغرم * فبيني فغيري في هواك المتيم 88 13 - رحل الشباب وإنه لكريم * وفراغه عند النفوس عظيم 81 14 - أزال الشباب الغض عنك مزيل * فهل أنت للبيض الحسان خليل ؟ 75 15 - يمدح بها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قوله: عرج على المصطفى يا سائق النجب * عرج على خير مبعوث وخير نبي عرج على السيد المبعوث من مضر * عرج على الصادق المنعوت في الكتب عرج على رحمة الباري ونعمته * عرج على الأبطحي الطاهر النسب رآه آدم نورا بين أربعة * لألاؤها فوق ساق العرش من كثب فقال: يا رب من هذا ؟ فقيل له * قول المحب وما في القول من ريب


(1) القذال بفتح القاف: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس. [*]

[30]

: هم أولياءي وهم ذرية لكما * فقر عينا ونفسا فيهم وطب أما وحقهم لولا مكانهم * مني لما دارت الأفلاك بالقطب كلا ولا كان من شمس ولا قمر * ولا شهاب ولا افق ولا حجب ولا سماء ولا أرض ولا شجر * للناس يهمي عليه واكف السحب ولا جنان ولا نار مؤججة * جعلت أعداءهم فيها من الحطب وقال للملأ الأعلى: ألا أحد * ينبي بأسمائهم صدقا بلا كذب فلم يجيبوا فأنبأ آدم بهم * لها بعلم من الجبار مكتسب فقال للملأ الأعلى: أسجدوا كملا * لآدم وأطيعوا واتقوا غضبي وصير الله ذاك النور ملتمعا * في الوجه منه بوعد منه مرتقب وخاف نوح فناجى ربه فنجا * بهم على دسر الألواح والخشب وفي الجحيم دعا الله الخليل بهم * فأخمدت بعد ذاك الحر واللهب وقد دعا الله موسى إذ هوى صعقا * بحقهم فنجا من شدة الكرب فظل منتقلا والله حافظه * على تنقله من حادث النوب حتى تقسم في عبد الإله معا * وفي أبي طالب عن عبد مطلب فأودع الله ذاك القسم آمنة * يوما إلى أجل بالحمل مقترب حتى إذا وضعته انهد من فزع * ركن الضلال ونادى الشرك بالحرب وانشق أيوان كسرى وانطفت حذرا * نيرانهم وأقر الكفر بالغلب تساقطت أنجم الأملاك مؤذنة * بالرجم فاحترق الأصنام باللهب حتى إذا حاز سن الأربعين دعا * ربي به في لسان الوحي بالكتب فقال: لبيك من داع وأرسله * إلى البرية من عجم ومن عرب فأظهر المعجزات الواضحات لهم * بالبينات ولم يحذر ولم يهب أراهم الآية الكبرى فواعجبا * ما بالهم خالفوا ؟ من أعجب العجب رامت بنو عمه تبييته سحرا * فعاذ منهم رسول الله بالهرب


(1) همى الماء يهمي هميا: سال لا يثنيه شيئ. الواكف. المطر المنهل.. [*]

[31]

وبات يفديه خير الخلق حيدرة (1) على الفراش وفي يمناه ذو شطب (2) فأدبروا إذ رأوا غير الذي طلبوا * وأوغلوا لرسول الله في الطلب فرابهم عنكب في الغار إذ جعلت * تسدي وتلحم في أبرادها القشب حتى إذا ردهم عنه الإله مضى * ذاك النجيب على المهرية النجب فحل دار رجال بايعوه على * أعداؤه فدماء القوم في صبب في كل يوم لمولى الخلق واقعة * منه على عابدي الأوثان والصلب يمشي إلى حربهم والله ناصره * مشي العفرناة في غاب القنا السلب في فتية كالأسود المحذرات لها * براثن (3) من رماح الخط والقضب عافوا المعاقل للبيض الحسان فما * معاقل أقوم غير البيض واليلب (4) فالحق في فرح والدين في مرح * الشرك في ترح والكفر في نصب حتى استراح نبي الله قاضية * بهم وراحتهم في ذلك التعب يا من به أنبياء الله قد ختموا * فليس من بعده في العالمين نبي إن كنت في درجات الوحي خاتمهم * فأنت أولهم في أول الرتب قد بشرت بك رسل الله في أمم * خلت فما كنت فيما بينهم بغبي (5) شهدت أنك أحسنت البلاغ فما * تكون في باطل يوما بمنجذب حتى دعاك إلهي فاستجبت له * حبا ومن يدعه المحبوب يستجب وقد نصبت لهم في دينهم خلفا * وكان بعدك فيهم خير منتصب لكنهم خالفوه وابتغوا بدلا * تخيروه وليس النبع كالغرب (6) ويقول فيها:


(1) مر حديث ليلة المبيت في الجزء الثاني ص 47 ط 2. (2) الشطب ج الشطبة بضم الأول وكسره. الخط في متن السيف. (3) البرثن من السباع والطير بمنزلة الإصبع من الانسان. ج: براثن. (4) المعقل: الملجا. البيض جمع بيضاء: السيف. اليلب: الترس أو الدروع اليمانية من الجلود. خالص الحديد. (5) المستور: المجهول. (6) النبع: خروج الماء من العين. الغرب: الماء المقطر من الدلو بين الحوض والبئر [*]

[32]

يا راكب الهوجل المحبوك تحمله (1) إلى زيارة خير العجم والعرب إذا قضيت فروض الحج مكتملا * ونلت إدراك ما في النفس من إرب وزرت قبر رسول الله سيدنا * وسيد الخلق من ناء ومقترب قف موقفي ثم سلم لي عليه معا * حتى كأني ذاك اليوم لم أغب واثن السلام إلى أهل البقيع فلي * بها أحبة صب دائم الوصب وبثهم صبوتي طول الزمان لهم * وقل بدمع على الخدين منسكب: يا قدوة الخلق في علم وفي عمل * وأطهر الخلق في أصل وفي نسب وصلت حبل رجائي في حبائلكم * كما تعلق في أسبابكم سببي دنوت في الدين منكم والوداد فلو - لا دان لم يدن من أحسابكم حسبي مديحكم مكسبي والدين مكتسبي * ما عشت والظن في معروفكم نشبي فإن عدتني الليالي عن زيارتكم * فإن قلبي عنكم غير منقلب قد سيط لحمي وعظمي في محبتكم * وحبكم قد جرى في المخ والعصب هجري وبغضي لمن عاداكم ولكم * صدقي وحبي وفي مدحي لكم طربي فتارة أنظم الأشعار ممتدحا * وتارة أنثر الأقوال في الخطب حتى جعلت مقال الضد من شبه * إذ صغت فيكم قريض القول من ذهب أعملت في مدحكم فكري فعلمني * نظم المديح وأوصاني بذاك أبي فهل أنال مفازا في شفاعتكم * مما احتقبت له في سائر الحقب ؟ فيا مغامس ! احبس في مدائحهم * تلك القوافي وأجر الله فاحتسب.


(1) الهوجل: الناقة التي بها هوج من سرعتها. المحبوك: مشدود الوسط. [*]

[33]

القرن التاسع 74 - الحافظ البرسي الحلي هو الشمس ؟ أم نور الضريح يلوح ؟ * هو المسك ؟ أم طيب الوصي يفوح ؟ وبحر ندا ؟ أم روضة حوت الهدى ؟ * وآدم ؟ أم سر المهيمن نوح ؟ وداود هذا ؟ أم سليمان بعده ؟ * وهارون ؟ أم موسى العصا ومسيح ؟ وأحمد هذا المصطفى ؟ أم وصيه * علي ؟ نماه هاشم وذبيح محيط سماء المجد بدر دجنة * وفلك جمال للأنام ويوح (1) حبيب حبيب الله بل سر سره * وجثمان أمر للخلائق روح له النص في (يوم الغدير) ومدحه * من الله في الذكر المبين صريح إمام إذا ما المرء جاء بحبه * فميزانه يوم المعاد رجيح له شيعة مثل النجوم زواهر * لها بين كل العالمين وضوح إذا قاولت فالحق فيما تقوله * به النور باد واللسان فصيح وإن جاولت أو جادلت عن مرامها * تولى العدو الجلد وهو طريح عليك سلام الله يا راية الهدى * سلام سليم يغتدي ويروح وتأتي له قصيدة منها قوله: مولى له بغدير خم بيعة * خضعت لها الأعناق وهي طوايح (الشاعر) الحافظ الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلي، من عرفاء علماء الإمامية وفقهائها المشاركين في العلوم، على فضله الواضح في فن الحديث، وتقدمه في الأدب وقرض الشعر وإجادته، وتضلعه من علم الحروف وأسرارها واستخراج


(1) يوح: الشمس. الغدير 4 [*]

[34]

فوائدها، وبذلك كله تجد كتبه طافحة بالتحقيق ودقة النظر، وله في العرفان والحروف مسالك خاصة، كما أن له في ولاء أئمة الدين عليهم السلام آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس، ولذلك رموه بالغلو والارتفاع، غير إن الحق أن جميع ما يثبته المترجم لهم عليهم السلام من الشئون هي دون مرتبة الغلو غير درجة النبوة، وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله: إياكم والغلو فينا، قولوا: إنا عبيد مربوبون. وقولوا في فضلنا ما شئتم (1) وقال الإمام الصادق عليه السلام: اجعل لنا ربا نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم، وقال عليه السلام: وقال عليه السلام: إجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا (2). وأنى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل ومآثر ؟ وأنى لنا الوقوف على غاية ما شرفهم الله به من ملكات فاضلة، ونفسيات نفيسة، وروحيات قدسية، وخلائق كريمة، ومكارم ومحامد ؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ؟ أو يمكنه اختياره ؟ هيهات هيهات ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، وفضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله ؟ أو ينعت بكنهه ؟ أو يفهم شئ من أمره ؟ أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه ؟ لا. كيف ؟ وأنى ؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟ (3). ولذلك تجد كثيرا من علمائنا المحققين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى صلوات الله عليهم كل هاتيك الشئون وغيرها مما لا يتحمله غيرهم، وكان في علماء قم من يرمي بالغلو كل من روى شيئا من تلكم الأسرار حتى قال قائلهم: إن أول مراتب الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله إلى أن جاء بعدهم المحققون وعرفوا الحقيقة فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزنا، وهذه بلية مني بها كثيرون من أهل الحقائق


(1) الخصال لشيخنا الصدوق. (2) بصائر الدرجات للصفار. (3) من قولنا: فمن ذا الذي يبلغ. إلى هنا مأخوذ من حديث رواه شيخنا الكليني ثقة الاسلام في أصول الكافي ص 99 عن الإمام الرضا صلوات الله عليه. [*]

[35]

والعرفان ومنهم المترجم، ولم تزل الفئتان على طرفي نقيض، وقد تقوم الحرب بينهما على أشدها، والصلح خير. وفذلكة المقام أن النفوس تتفاوت حسب جبلاتها واستعداداتها في تلقي الحقائق الراهنة، فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار، ومنها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعا و يمد لها باعا، وبطبع الحال أن الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما أن الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حققوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة، وتحتدم الضغائن، وتحن نقدر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحق ونقول: على المرء أن يسعى بمقدار جهده * وليس عليه أن يكون موفقا ألا إن الناس لمعادن كمعادن الذهب والفضة (1) وقد تواتر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام: أن أمرنا، أو حديثنا. صعب مستصعب لا يتحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالايمان (2) إذن فلا نتحرى وقيعة في علماء الدين ولا نمس كرامة العارفين، ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقي منه، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لو جلست أحدثكم ما سمعت من فم أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم لخرجتم من عندي وأنتم تقولون: إن عليا من أكذب الكاذبين (3). وقال إمامنا السيد السجاد عليه السلام: لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما فما ظنكم بسائر الخلق (4) وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما، وإلى هذا يشير سيدنا الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام بقوله: إني لأكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا


(1) حديث ثابت عند الفريقين. (2) بصائر الدرجات للصفار ص 6، أصول الكافي ص 216. (3) منح المنة للشعراني ص 14. (4) بصائر الدرجات للصفار ص 7 آخر الباب الحادي عشر من الجزء الأول. أصول الكافي لثقة الاسلام الكليني ص 216. [*]

[36]

وقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسنين وأوصى قبله الحسنا فرب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا ولا ستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا (1) ولسيدنا الأمين في أعيان الشيعة 31: 193 - 205 في ترجمة الرجل كلمات لا تخرج عن حدود ما ذكرناه ومما نقم عليه به اعتماده على علم الحروف والأعداد الذي لا تتم به برهنة ولا تقوم به حجة، ونحن وإن صافقناه على ذلك إلا إن للمترجم له ومن حذا حذوه من العلماء كابن شهر آشوب ومن بعده عذرا في سرد هاتيك المسائل فإنها أشبه شيئ بالجدل تجاه من ارتكن إلى أمثالها في أبواب أخرى من علماء الحروف من العامة كقول العبيدي المالكي في عمدة التحقيق ص 155: قال بعض علماء الحروف: يؤخذ دوام ناموس آل الصديق وقيام عزته إلى انتهاء الدنيا من سر قوله تعالى: في ذريتي. فإن عدتها بالجمل الكبير ألف وأربعمائة ي مظنة تمام الدنيا كما ذكره بعضهم فلا يزالون ظاهرين بالعزة والسيادة مدة الدنيا، وقد استنبط تلك المدة عمدة أهل التحقيق مصطفى لطف الله الرزنامجي الديوان المصري من قوله تعالى: لا يلبثون خلافك إلا قيلا، قال ما لفظه: إذ أسقطنا مكررات الحروف كان الباقي (ل ا ي ب ث ون خ ف ك ق) أحد عشر حرفا عددهم بالجمل الكبير ألف وثلثمائة وتسعة وتسعين زدنا عليه عدد الحروف وهو أحد عشر صار المجموع وهو ألف وأربعمائة عشرة وهو مطابق لقوله تعالى: ذريتي. وسمعت ختام الأعلام الشيخ يوسف الفيشي رحمه الله يقول: قال محمد البكري الكبير: يجلس عقبنا مع عيسى بن مريم على سجادة واحدة وهذا يقوى تصحيح ذلك الاستنباط. ه‍. ونحن لا ندري ماذا يعني سيدنا الأمين بقوله: وفي طبعه شذوذ وفي مؤلفاته خبط وخلط وشيئ من المغالات لا موجب له ولا داعي إليه وفيه شيئ من الضرر وإن أمكن أن يكون له محل صحيح ؟ ليت السيد يوعظ إلى شيئ من شذوذ طبع شاعرنا الفحل حتى لا يبقى قوله دعوى مجردة. وبعد اعترافه بإمكان محمل صحيح لما أتى به المترجم له فأي داع إلى حمله على الخبط والخلط، ونسيان حديث: ضع أمر أخيك على أحسنه ؟ و


(1) تفسير الآلوسي 6: 190. [*]

[37]

أي ضرر فيه على ذلك تقدير ؟ على أنا سبرنا غير واحد من مؤلفات البرسي فلم نجد فيه شاهدا على ما يقول، وستوافيك نبذ ممتعة من شعره الرائق في مدائح أهل البيت عليهم السلام ومراثيهم وليس فيها إلا إشادة إلى فضائلهم المسلمة بين الفريقين أو ثناء جميل عليهم هو دون مقامهم الأسمى، فأين يقع الارتفاع الذي رماه به بعضهم ؟ وأين المغالاة التي رآها السيد ؟ والبرسي لا يحذو في كتبه إلا حذو شعره المقبول، فأين مقيل الخبط والضرر والغلو التي حسبها سيد الأعيان ؟. وأما ما نقم به عليه من اختراع الصلوات والزيارة بقوله: (واختراع صلاة عليهم وزيارة لهم لا حاجة إليه بعد ما ورد ما يغني عنه ولو سلم أنه في غاية الفصاحة كما يقول صاحب الرياض) فإنه لا مانع منه إلا ما يوهم المخترع إنها مأثورة، وأي وازع من إبداء كل أحد تحيته بما يجريه الله تعالى على لسانه وهو لا يقصد ورودا ولا يريد تشريعا ؟ وقد فعله فطاحل العلماء من الفريقين ممن هو قبل المترجم وبعده، ولا تسمع أذن الدنيا الغمز عليهم بذلك من أي أحد من أعلام الأمة، وأما قول سيدنا: " وإن مؤلفاته ليس فيها كثير نفع وفي بعضها ضرر ولله في خلقه شؤون سامحه الله وإيانا " فإنه من شطفة القلم صدر عن المشظف (1) سامحه الله وإيانا. تآليفه القيمة 1 - مشارق أنوار اليقين في حقايق أسرار أمير المؤمنين، 2 - مشارق الأمان ولباب حقايق الإيمان ألفه سنة 813. 3 - رسالة في الصلوات على النبي وآله المعصومين. 4 - رسالة في زيارة أمير المؤمنين طويلة قال شيخنا صاحب الرياض: في نهاية الحسن والجزالة واللطافة والفصاحة معروفة، 5 - رسالة اللمعة من أسرار الأسماء والصفات والحروف والآيات والدعوات فيها فوائد ولا تخلو من غرابة كما قاله شيخنا صاحب الرياض. 6 - الدر الثمين في خمسمائة آية نزلت في مولانا أمير المؤمنين باتفاق أكثر


المشطف كمنبر: من يعرف بالكلام على غير القصد. [*]

[38]

المفسرين من أهل الدين، ينقل عنه المولى محمد تقي الزنجاني في كتابه: طريق النجاة، 7 - أسرار النبي وفاطمة والأئمة عليهم السلام. 8 - لوامع أنوار التمجيد وجوامع أسرار التوحيد في أصول العقايد. 9 - تفسير سورة الاخلاص. 10 - رسالة مختصرة في التوحيد والصلوات على النبي وآله. 11 - كتاب في مولد النبي وعلي وفاطمة وفضائلهم، 12 - كتاب في فضائل أمير المؤمنين غير المشارق. 13 - كتاب الألفين في وصف سادة الكونين. شعره الرائق الحافظ البرسي شعر رائق وجله بل كله في مدائح النبي الأقدس وأهل بيته الطاهر صلوات الله عليهم ويتخلص في شعره ب‍ (الحافظ) من شعره يمدح به النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قوله: أضاء بك الأفق المشرق * ودان لمنطقك المنطق وكنت ولا آدم كائنا * لأنك من كونه أسبق أشار بهذا البيت إلى ما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث. أخرجه ابن سعد في الطبقات. والطبري في تفسيره 21: 79، وأبو نعيم في الدلائل 1: 6 وذكره ابن كثير في تأريخه 2: 307، والغزالي في المضنون الصغير هامش الانسان الكامل 2: 97، والسيوطي في الخصايص الكبري 1: 3، والزرقاني في شرح المواهب 3: 164 وفي حديث الاسراء: إنك عبدي ورسولي وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا (1) وجاء عنه صلى الله عليه وآله: أول ما خلق الله نوري (2) وتواتر عنه صلى الله عليه وآله من طرق صحيحة: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين. أو: بين الروح والجسد. أو: بين خلق آدم ونفخ الروح فيه.


(1) مجمع الزوائد 1 ص 71. (2) السيرة الحلبية 1 ص 159. [*]

[39]

ولولاك لم تخلق الكائنات * ولا بأن غرب ولا مشرق أشار به إلى ما أخرجه الحاكم في المستدرك 2: 615 والبيهقي، والطبراني، و السبكي، والقسطلاني، والعزامي، والبلقيني، والزرقاني وغيرهم من طريق ابن عباس قال: أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلو لا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خالقت الجنة ولا النار. ومن طريق عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله: يا آدم ! وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه ؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله: صدقت يا آدم ! إنه لا حب الخلق إلي ادعني بحقه قد غفرت لك. ولولا محمد ما خلقتك، فميمك مفتاح كل الوجود * وميمك بالمنتهى يغلق تجليت يا خاتم المرسلين * بشأو من الفضل لا يلحق فأنت لنا أول آخر * وباطن ظاهرك الأسبق في هذه الأبيات إشارة إلى أسمائه الشريفة: الفاتح، الخاتم. الأول: الآخر. الظاهر. الباطن، راجع المواهب للزرقاني 3 ص 163، 164. تعاليت عن صفة المادحين * وإن أطنبوا فيك أو أغمقوا فمعناك حول الورى داره * على غيب أسرارها تحدق وروحك من ملكوت السماء * تنزل بالأمر ما يخلق ونشرك يسري على الكائنات * فكل على قدره يعبق إليك قلوب جميع الأنام * تحن وأعناقها تعنق وفيض إياديك في العالمين * بأنهار أسرارها يدفق وآثار آياتك البينات * على جبهات الورى تشرق فموسى الكليم وتوراته * يدلان عنك إذا استنطقوا وعيسى وإنجيله بشرا * بأنك أحمد من يخلق

[40]

فيا رحمة الله في العالمين * ومن كان لولاه لم يخلقوا لأنك وجه الجلال المنير * ووجه الجمال الذي يشرق وأنت الأمين وأنت الأمان * وأنت ترتق ما يفتق أتى رجب لك في عاتق * ثقيل الذنوب. فهل تعتق ؟ وله يمدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله: العقل نور وأنت معناه * والكون سر وأنت مبداه والخلق في جمعهم إذا جمعوا * الكل عبد وأنت مولاه أنت الولي الذي مناقبه * ما لعلاها في الخلق أشباه يا آية الله في العباد ويا * سر الذي لا إله إلا هو ! تناقض العالمون فيك وقد * حاروا عن المهتدى وقد تاهو فقال قوم: بأنه بشر * وقال قوم: بأنه الله يا صاحب الحشر والمعاد ومن * مولاه حكم العباد ولاه ! يا قاسم النار والجنان غدا ! * أنت ملاذ الراجي ومنجاه كيف يخاف البرسي حر لظى * وأنت عند الحساب غوثاه ؟ لا يختشي النار عبد حيدرة * إذ ليس في النار من تولاه وله في مدح مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه قوله: أيها اللائم دعني * واستمع من وصف حالي كلما ازددت مديحا * فيه قالوا: لا تغال وإذا أبصرت في الحق * يقينا لا أبالي آية الله التي في وصفها * القول حلالي كم إلى كم أيها العاذل * أكثرت جدالي ؟ يا عذولي في غرامي * خلني عنك وحالي رح إلى من هو ناج * واطرحني وضلالي إن حبي لوصي المصطفى * عين الكمال (1).


إن حبي لعلي المرتضي * عين الكمال خ ل [*]

[41]

هو زادي في معادي * ومعاذي في مالي وبه إكمال ديني * وبه ختم مقالي ومن شعره يمدح أمير المؤمنين سلام الله عليه قوله: بأسمائك الحسنى أروح خاطري * إذا هب من قدس الجلال نسيمها لئن سقمت نفسي فأنت طبيبها * وإن شقيت يوما فمنك نعيمها رضيت بأن ألقى القيامة خائفا * دماء نفوس حاربتك جسومها أبا حسن لو كان حبك مدخلي * جحيما لكان الفوز عندي جحيمها وكيف يخاف النار من كان موقنا * بأنك مولاه وأنت قسيمها ؟ فواعجبا من أمة كيف ترتجي * من الله غفرانا وأنت خصيمها ؟ وواعجبا إذ أخرتك وقدمت * سواك بلا جرم وأنت زعيمها وقال في مدح مولانا أبي السبطين سلام الله عليه: تعالى علي في الجلال فرائد * يعود وفي كفتيه منه فرائد ووارد فضل منه يصدر عزلها * تضيق بها منه اللها والأوارد تبارك موصولا وبورك واصلا * له صلة في كل نفس وعائد روى فضله الحساد من عظم شأنه * وأعظم فضل جاء يرويه حاسد محبوه أخفوا فضله خيفة الهدى * وأخفاه بغضا حاسد ومعاند فشاع له ما بين ذين مناقب * تجل بأن تحصى إذا عد قاصد إمام له في جبهة المجد أنجم * علت فعلت إن يدن منهن راصد لها الفرق من فرع السماك منابر * وفي عنق الجوزاء منها قلائد مناقب إذ جلت جلت كل كربة * وطابت فطابت من شذاها المشاهد إمام يحار الفكر فيه فعابد * له ومقر بالولاء وجاهد إمام مبين كل أكرومة حوى * بمدحته التنزيل والذكر شاهد عليه سلام الله ما ذكر اسمه * محب وفي البرسي ذلك خالد وله في سيد العترة أمير المؤمنين عليه وعليهم السلام: أبديت يا رجب الغريب * فقيل: يا رجب المرجب

[42]

أبديت للسر المصون * المضمر الخافي المغيب وكشفت أستارا وأسرارا * عن الأشرار تحجب حل الورى فإذا الظواهر * فضة والبطن أسرب إلا قليلا من رجال * أصلهم زاك مهذب وكتبت ما بالنور منه * على خدود الحور يكتب فلذاك أضحى الناس قلبا * من قوى الجهل المركب رجل يحب ومبغض * قال وحزب الله أغلب وطويل أنف إن رآني * مقبلا ولى وقطب في أمه شك بلا * شك ولو صدقت لأنجب يزور إن سمع الحديث * إلى أمير النحل ينسب وتراه إن كررت ذكر * فضائل الكرار يغضب وله رائية غراء رنانة يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام خمسها ابن السبعي (1) نذكرها معه: أعيت صفاتك أهل الرأي والنظر * وأوردتهم حياض العجز والخطر أنت الذي دق معناه لمعتبر * يا آية الله بل يا فتنة البشر وحجة الله بل يا منتهى القدر عن كشف معناه ذو الفكر الدقيق وهن * وفيك رب العلا أهل العقول فتن أنى بحدك يا نور الإله فطن ؟ * يا من إليه إشارات العقول ومن فيه الألباء تحت العجز والخطر ففي حدوثك قوم في هواك غووا * إن أبصروا منك أمرا معجزا فغلوا حيرت أذهانهم يا ذا العلا فعلوا * هيمت أفكار ذي الأفكار حين رأوا آيات شأنك في الأيام والعصر أوضحت للناس أحكاما محرقة * كما أتيت أحاديثا مصحفة


(2) العلامة الحجة الشيخ فخر الدين أحمد بن محمد الاحسائي نزيل الهند والمتوفى بها من تلمذة ابن المتوج وقرناء ابن فهد الحلي المتوفى 841. [*]

[43]

أنت المقدم أسلافا وسالفة * يا أولا آخرا نورا ومعرفة يا ظاهرا باطنا في العين والأثر يا مطعم القرص للعافي الأسير وما * ذاق الطعام وأمسى صائما كرما ومرجع القرص إذ بحر الظلام طما * لك العبارة بالنطق البليغ كما لك الإشارة في الآيات والسور أنوار فضلك لا تطفى لهن عدا * مما يكتمه أهل الضلال بدا تخالفت فيك أفكار الورى أبدا * كم خاض فيك أناس وانتهى فغدا معناك محتجبا عن كل مقتدر ؟ لولاك ما اتسقت للطهر ملته * كلا ولا اتضحت للناس شرعته ولا انتفت عن أسير الشك شبهته * أنت الدليل لمن حارت بصيرته في طي مشتبكات القول والعبر أدركت مرتبة ما الوهم يدركها * وخضت من غمرات الحرب مهلكها مولاي يا مالك الدنيا وتاركها * أنت السفينة من صدقا تمسكها نجى ومن حاد عنها خاض في الشرر من نور فضلك ذو الأفكار مقتبس * ومن معالم رب العلم مختلس لولا بيانك أمر الكل ملتبس * فليس قبلك للأفكار ملتمس وليس بعدك تحقيق لمعتبر جاءت بتأميرك الآيات والصحف * فالبعض قد آمنوا والبعض قد وقفوا لولاك ما اتفقوا يوما ولا اختلفوا * تفرق الناس إلا فيك وائتلفوا فالبعض في جنة والبعض في سقر خير الخليفة قوم نهجك اتبعت * وشرها من على تنقيصك اجتمعت وفرقة أولت جهلا لما سمعت * فالناس فيك ثلاث فرقة رفعت وفرقة وقعت بالجهل والقذر يا ويحها فرقة ما كان يمنعها * لو أنها اتبعت ما كان ينفعها يا فرقة غيها بالشوم موقعها * وفرقة وقعت لا النور يرفعها

[44]

ولا بصائرها فيها بذي غور بعظم شأنك كل الصحف تعترف * ومن علومك رب العلم يقترف لولاك ما اصطلحوا يوما وما اختلفوا * تصالح الناس إلا فيك واختلفوا إلا عليك وهذا موضع الخطر جائت بتعظيمك الآيات والسور * فالبعض قد آمنوا والبعض قد كفروا والبعض قد وقفوا جهلا وما اختبروا * وكم أشاروا ؟ وكم أبدوا ؟ وكم ستروا ؟ والحق يظهر من باد ومستتر أقسمت بالله باري خلقنا قسما * لولاك ما سمك الله العلي سما يا من له اسم بأعلى العرش قدر سما * أسماءك الغر مثل النيرات كما صفاتك السبع كالأفلاك ذي الأكر أنت العليم إذا رب العلوم جهل * إذ كل علم فشا في الناس عنك نقل وأنت نجم الهدى تهدي لكل مضل * وولدك الغر كالأبراج في فلك ال معنى وأنت مثال الشمس والقمر أئمة سور القرآن نطقت * بفضلهم وبهم طرق الهدى اتسقت طوبى لنفس بهم لا غيرهم وثقت * قوم هم الآل آل الله من علقت بهم يداه نجى من زلة الخطر عليهم محكم القرآن قد نزلا * مفصلا من معاني فضلهم جملا هم الهداة فلا تبغي لهم بدلا * شطر الأمانة معراج النجاة إلى أوج العلوم وكم في الشطر من غير ؟ بلطف سرك موسى فجر الحجرا * وأنت صاحبه إذ صاحب الخضرا وفيك نوح نجا والفلك فيه جرا * يا سر كل نبي جاء مشتهرا وسر كل نبي غير مشتهر يلومني فيك ذو جهل أخو سفه * ولا يضر محقا قول ذي شبه ومن تنزه عن ند وعن شبه * أجل وصفك عن قدر لمشتبه وأنت في العين مثل العين في الصور

[45]

وله قوله يمدح به أمير المؤمنين عليه السلام ؟ يا منبع الأسرار يا * سر المهيمن في الممالك ! يا قطب دائرة الوجود * وعين منبعه كذلك ! والعين والسر الذي * منه تلقنت الملائك ما لاح صبح في الدجى (1) إلا وأسفر عن جمالك يا بن الأطايب والطواهر * والفواطم والعواتك ! أنت الأمان من الردى * أنت النجاة من المهالك أنت الصراط المستقيم * قسيم جنات الأوائك والنار مفزعها إليك * وأنت مالك أمر مالك يا من تجلى بالجمال * فشق بردة كل حالك ! صلى عليك الله من * هاد إلى خير المسالك والحافظ البرسي لا * يخشى وأنت له هنالك وله أبيات في أهل البيت عليهم السلام خمسها الشاعر المفلق الشيخ أحمد بن الحسن النحوي تذكرها مع تخميسها: ولائي لآل المصطفى وبنيهم * وعترتهم أزكى الورى وذويهم بهم سمة من جدهم وأبيهم * هم القوم أنوار النبوة فيهم تلوح وآثار الإمامة تلمع نجوم سماء المجد أقمار تمه * معالم دين الله أطواد حلمه منازل ذكر الله حكام حكمه * مهابط وحي الله خزان علمه وعندهم سر المهيمن مودع مديحهم في محكم الذكر محكم * وعندهم ما قد تلقاه آدم فدع حكم باقي الناس فهو تحكم * إذا جلسوا للحكم فالكل أبكم وإن نطقوا فالدهر أذن ومسمع بحبهم طاعاتنا تتقبل * وفي فضلهم جاء الكتاب المنزل


(1) ما لاح صبح للهدى. كذا في بعض النسخ. [*]

[46]

يعم شزاهم كل أرض ويشمل * وإن ذكروا فالكون ندو مندل (1) لهم أرج من طيبهم يتضوع دعا بهم موسى ففرج كربه * وكلمه من جانب الطور ربه إذا حاولوا أمرا تسهل صعبه * وإن برزوا فالدهر يخفق قلبه لسطوتهم والأسد في الغاب تفزع فلولاهم ما سار فلك ولا جرى * ولا ذرء الله الأنام ولا برى كرام متى ما زرتهم عجلوا القرى * وإن ذكر المعروف والجود في الورى فبحر نداهم زاخر يتدفع أبوهم أخو المختار طه ونفسه * وهم فرع دوح في الجلالة غرسه وأمهم الزهراء فاطم عرسه * أبوهم سماه المجد والأم شمسه نجوم لها برج الجلالة مطلع لهم نسب أضحى بأحمد معرقا * رقا منه للعلياء أبعد مرتقى وزادهم من رونق القدس رونقا * فيا نسبا كالشمس أبيض مشرقا ويا شرفا من هامة النجم أرفع كرام نماهم طاهر متطهر * وبث بهم من أحمد الطهر عنصر وأمهم الزهراء والأب حيدر * فمن مثلهم في الناس إن عد مفخر أعد نظرا يا صاح إن كنت تسمع علي أمير المؤمنين أميرهم * وشبرهم أصل التقى وشبيرهم بها ليل صوامون فاح عبيرهم * ميامين قوامون عز نظيرهم هداة ولاة للرسالة منبع مناجيب ظل الله في الأرض ظلهم * وهم معدن للعلم والفضل كلهم وفضلهم أحيى البرايا وبذلهم * فلا فضل إلا حين يذكر فضلهم ولا علم إلا علمهم حين يرفع إليهم يفر الخاطئون بذنبهم * وهم شفعاء المذنبين لربهم


(1) الند بفتح المعجمة وكسرها: عود يتبخر به. المندل: العود الطيب الرائحة. [*]

[47]

فلا طاعة ترضي لغير محبهم * ولا عمل ينجي غدا غير حبهم إذا قام يوم البعث للخلق مجمع حلفت بمن قد أم مكة وافدا * لقد خاب من قد كان للآل جاحدا ولو أنه قد قطع العمر ساجدا * ولو أن عبدا جاء لله عابدا بغير ولا أهل العبا ليس ينفع بني أحمد ! مالي سواكم أرى غدا * إذا جئت في قيد الذنوب مقيدا أناديكم يا خير من سمع الندا * أيا عترة المختار يا راية الهدى ! إليكم غدا في موقفي أتطلع فوالله لا أخشى من النار في غد * وأنتم ولاة الأمر يا آل أحمد ! وها أنا قد أدعوكم رافعا يدي * خذوا بيدي يا آل بيت محمد ! فمن غيركم يوم القيامة يشفع ؟ وهذه القصيدة خمسها الشيخ هادي المتوفى 1235، ابن الشيخ أحمد النحوي المخمس المذكور أول تخميسه: بنو أحمد قد فاز من يرتضيهم * أئمة حق للنجا يرتضيهم وطوبى لمن في هديه يقتضيهم * هم القوم أنوار النبوة فيهم تلوح وآثار الإمامة تلمع وله في العترة الطاهرة صلوات الله عليهم قوله: فرضي ونفلي وحديثي أنتم * وكل كلي منكم وعنكم وأنتم عند الصلاة قبلتي * إذا وقفت نحوكم أيمم خيالكم نصب لعيني أبدا * وحبكم في خاطري مخيم يا سادتي وقادتي أعتابكم * بجفن عيني لثراها ألثم وقفا على حديثكم ومدحكم * جعلت عمري فاقبلوه وارحموا منوا على الحافظ من فضلكم * واستنقذوه في غد وأنعموا وله في أهل البيت الطاهر سلام الله عليهم قوله: يا آل طاها أنتم أملي * وعليكم في البعث متكلي

[48]

إن ضاق بي ذنب فحبكم * يوم الحساب هناك يوسع لي بولاءكم وبطيب مدحكم * أرجو الرضا والعفو عن زللي رجب المحدث عبد عبدكم * والحافظ البرسي لم يزل لا يختشي في الحشر حر لظى * إذ سيداه محمد وعلي سيثقلان وزان صالحه * ويبيضان صحيفة العمل لم ينشعب فيكون منطلقا * من ضلة للشعب ذي الظلل وله مسمطا فيهم صلوات الله عليهم قوله: سركم لا تناله الفكر * وأمركم في الورى له خطر مستصعب فك رمزه خطر * ووصفكم لا يطيقه البشر ومدحكم شرفت به السور وجودكم للوجود علته * ونوركم للظهور آيته وأنتم للوجود قبلته * وحبكم للمحب كعبته يسعى بها طائفا ويعتمر لولاكم ما استدارت الأكر * ولا استنارت شمس ولا قمر ولا تدلى غصن ولا ثمر * ولا تندى ورق ولا خضر ولا سرى بارق ولا مطر عندكم في الاياب مجمعنا * وأنتم في الحساب مفزعنا وقولكم في الصراط مرجعنا * وحبكم في النشور ينفعنا به ذنوب المحب تغتفر يا سادة قد زكت معارفهم * وطاب أصلا وساد عارفهم وخاف في بعثه مخالفهم * إن يختبر للورى صيارفهم فأصلهم بالولاء يختبر أنتم رجائي وحبكم أملي * عليه يوم المعاد متكلي فكيف يخشى حر السعير ولي * وشافعاه محمد وعلي ؟ أو يعتريه من شرها شرر ؟

[49]

عبدكم الحافظ الفقير على * أعتاب أبوابكم يروم فلا تخيبوه يا سادتي ! أملا * وأقسموه يوم المعاد إلى ظل ظليل نسيمه عطر صلى عليكم رب السماء كما * أصفاكم واصطفاكم كرما وزاد عبدا والاكم نعما * ما غرد الطير في الغصون وما ناح حمام وأورق الشجر وله في العترة الطاهرة وسيدهم صلوات الله عليه وعليهم قوله: إذا رمت يوم البعث تنجو من اللظى * ويقبل منك الدين والفرض والسنن فوال عليا والأئمة بعده * نجوم الهدى تنجو من الضيق والمحن فهم عترة قد فوض الله أمره * إليهم لما قد خصهم منه بالمنن أئمة حق أوجب الله حقهم * وطاعتهم فرض بها الخلق تمتحن نصحتك أن ترتاب فيهم فتنثني * إلى غيرهم من غيرهم في الأنام من ؟ فحب علي عدة لوليه * يلاقيه عند الموت والقبر والكفن كذلك يوم البعث لم ينج قادم * من النار إلا من تولى أبا الحسن وله في رثاء الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه قوله: يمينا بنا حادي السري إن بدت نجد * يمينا فللعاني العليل بها نجد وعج فعسى من لا عج الشوق يشتفي * غريم غرام حشو أحشائه وقد وسر بي لسرب فيه سرب جآذر * لسربي من جهد العهاد بهم عهد ومربي بليل في بليل عراصها * لأروى بريا تربة تربها ند وقف بي أنادي وادي الأيك علني * هناك أرى ذاك المساعد يا سعد ! فبالربع لي من عهد جيرون جيرة * يجيرون إن جار الزمان إذا استعدوا هم الأهل إلا أنهم لي أهلة * سوى أنهم قصدي وأني لهم عبد عزيزون ربع العمر في ربع عزهم * تقضى ولا روع عراني ولا جهد وربعي مخضر وعيشي مخضل * ووجهي مبيض وفودي مسود وشملي مشمول وبرد شبيبتي * قشيب وبرد العيش ما شانه نكد

[50]

معالم كالأعلام معلمة الربى * فأنهارها تجري وأطيارها تشدو طوت حادثات الدهر منشور حسنها * كما رسمت في رسمها شمأل تغدو وأضحت تجر الحادثات ذيولها * عليه ولا دعد هناك ولا هند ولا غرو إن جارت ومارت صروفها * وغارت وأغرت واعتدت واغتدت تشدو فقد غدرت قدما بآل محمد * وطاف عليهم بالطفوف لها جند وجاشت بجيش جاش طام عرمرم * خميس لهام حام يحمومه اسد (1) وعمت بأشرار عن الرشد قد عموا * وهل يسمع الصم الدعاء إذا صدوا ؟ فيا أمة قد أدبرت حين أقبلت * فرافقها نحس وفارقها سعد أبت إذ أتت تنأى وتنهى عن النهى * وولت وألوت حين مال بها الجد سرت وسرت بغيا وسرت بغيها * بغيا دعاها إذ عداها به الرشد عصابة عصب (2) أو سعت إذ سعت إلى * خطأ خطاها والشقاء بها يحدو أثاروا وثاروا ثار بدر وبادروا * لحرب بدور من سناها لهم رشد بغت فبغت عمدا قتال عميدها * صدور طغاة في الصدور لها حقد وساروا يسنون العناد وقد نسوا المعاد * فهم من قوم عاد إذا عدوا فيا قلب قلب الدين في يوم أقبلوا * إلى قتل مأمول هو العلم الفرد فركن الهدى هدوا وقد العلى قدوا * وأزر الهوى شدوا ونهج التقى سدوا كأني بمولاي الحسين ورهطه * حيارى ولا عون هناك ولا عضد بكرب البلا في كربلاء وقد رمي * بعاد وشطت دارهم وسطت جند وقد حدقت عين الردى حين أحدقت (3) عتاة عداة ليس يحصى لهم عد وقد أصبحوا حلالهم حين أصبحوا * حلولا ولا حل لديهم ولا عقد


(1) طام من طمى يطمي الفرس: اي أسرع. ويقال: البحر الطامي: أي الغزير. العرمرم: الجيش الكثير. الخميس: الجيش ذات خس فرق: المقدمة، القلب، الميمنة، الميسر، الساقة. اللهام: الجيش العظيم. حام أي دار به. اليحموم: اسم فرس الإمام السبط الحسين، وفرس هشام ابن عبد الملك، وفرس حسان الطائي، وفرس النعمان بن المنذر، (2) العصابة: الجماعة من الرجال أو الخيل: العصب: الطي واللي. والقبض على الشيئ. (3) حدق: فتح عينيه وطرف بهما. أحدقت: أحاطت. [*]

[51]

فنادى ونادى الموت بالخطب خاطب * وطير الفنا يشدو وحادي الردى يحدو يسائلهم: هل تعرفوني ؟ مسائلا * وسائل دمع العين سال به الخد فقالوا: نعم أنت الحسين بن فاطم * وجدك خير المرسلين إذا عدوا وأنت سليل المجد كهلا ويافعا * إليك إذا عد العلى ينتهي المجد فقال لهم: إذا تعلمون فما الذي * دعاكم إلى قتلي فما عن دمي بد ؟ فقالوا: إذا رمت النجاة من الردى ! * فبايع يزيدا إن ذاك هو القصد وإلا فهذا الموت عب عبابه (1) * فخض ظاميا فيه تروح ولا تغدو فقال: ألا بعدا بما جئتم به * ومن دونه بيض وخطية ملد (2) فضرب لهشم الهام تترى بنظمه * فمن عقده حل وفي حله عقد فهل سيد قد شيد الفخر بيته * حذار الردى يشقى لعبد له عبد ؟ وما عذر ليث يرهب الموت بأسه * يذل ويضحى السيد يرهبه الأسد ؟ إذا سام منا الدهر يوما مذلة * فهيهات يأبى ربنا وله الحمد وتأبى نفوس طاهرات وسادة * مواضيهم هام الكماة لها غمد لها الدم ورد والنفوس قنائص * لها القدم قدم والنفوس لها جند (3) ليوث وغى ظل الرماح مقيلها * مغاوير طعم الموت عندهم شهد (4) حماة عن الأشبال يوم كريهة * بدور دجى سادوا الكهول وهم مرد إذا افتخروا في الناس عز نظيرهم * ملوك على أعتابهم يسجد المجد أيادي عطاهم لا تطاول في الندى * وأيدي علاهم لا يطاق لها رد مطاعيم للعافي مطاعين في الوغى * مطاعين إن قالوا لهم حجج لد (5).


(1) عبد عبابه: كثر موجه وارتفع. (2) الملد بالفتح: الناعم اللين. (3) الورد: الماء الذي يورد. قنائص: الصيود. القدم بفتح القاف: الشرف القديم. القدم بكسر القاف: الزمان القديم. (4) الوغى: الحرب. المغيل: موضع النوم والراحة. مغاوير جمع المغوا: كثير الغارة (5) لد بضم اللام جمع الألد: الخصم الشديد الخصومة. [*]

[52]

مفاتيح للداعي مصابيح للهدى * معاليم للساري بها يهتدي النجد (1) نزيلهم حرم منازلهم لقى * منازلهم أمن بهم يبلغ القصد فضائلهم جلت فواضلهم جلت * مدايحهم شهد منايحهم ند (2) مرابعهم تسقى مرابعهم تلقى * مطالعهم يكفي مطالعهم سعد كرام إذا عاف عفى منه معهد * وصوح من خضرائه السبط والجعد (3) وآملهم راج وأم لهم رجا * وحل بناديهم أحل له الرفد زكوا في الورى أما وجدا ووالدا * وطابوا فطاب الأم والأب والجد بأسمائهم يستجلب البر والرضا * بذكرهم يستدفع الضر والجهد ومال إلى فتيانه ورجاله * يقول: لقد طاب الممات ألا اشتدوا فسار لأخذ الثار كل شمردل * إذا هاج قدح للهياج له زند (4) وكل كمي أريحي غشمشم (5) تجمع فيه الفضل وانعدم الضد إذا ما غدا يوم الندا أسر العدى * ولما بدا يوم الندى أطلق الوعد ليوث نزال بل غيوث نوازل * سراة كاسد الغاب لإبل هم الأسد إذا طلبوا راموا وإن طلبوا رموا * وإن ضربوا صدوا وإن ضربوا قدوا فوارس أسد الغيل منها فرائس * وفتيان صدق شأنها الطعن والطرد وجوههم بيض وخضر ربوعهم * وبيضهم حمر إذا النقع مسود إذا ما دعوا يوما لدفع ملمة * غدا الموت طوعا والقضاء هو العبد بها كل ندب يسبق الطرف طرفه * جواد على ظهر الجواد له أفد (6)


(1) النجد: الدليل الماهر. (2) الند بفتح النون وكسرها: عود يتبخر به. (3) العافي: الوارد. الضيف. كل طالب فضل أو رزق. عفى: درس وبلى. صوح: جفف يبس. السبط ضد الجعد. الجعد: القبض خلاف المسترسل. (4) الشمردل بالمهملة والشمرذل بالمعجمة: الفتى السريع من الإبل وغيره. هاج: ثار و تحرك. القدح: الفولاذة التى تقدح بها النار. الهياج: الحرب. زند النار قدحها وأخرجها من الزند. (5) الكمى: الشجاع أو لابس السلاح: الغشمشم: المغشم وهو والشجاح الذى يركب رأسه فلا يثنيه شيئ عما يريد. (6) الندب: السريع إلى الفضائل: الظريف النجيب. الطرف بكسر المهملة مر ص 16. الأفد: العجلة والسرعة. [*]

[53]

كأنهم نبت الربى في سروجهم * لشدة حزم لا بحزم لها شدوا (1) لباسهم نسج الحديد إذا بدوا * جبالا وأقيالا تقلهم الجرد (2) إذا لبسوا فوق الدروع قلوبهم * وصالوا فحر الكر عندهم برد يخوضون تيار الحمام ظواميا * وبحر المنايا بالمنايا لها مد يرون المنايا نيلها غاية المنى * إذا استشهدوا مر الردى عندهم شهد إذا فللت أسيافهم في كريهة * غدا في رؤس الدارعين لها حد فمن أبيض يلقى الأعادي بأبيض * ومن أسمر في كفه أسمر صلد يذبون عن سبط النبي محمد * وقد ثار عالي النقع واصطخب الوقد يخال بريق البيض برقا سجاله * الدماء وأصوات الكماة لها رعد إلى أن تدانى العمر واقترب الردى * وشأن الليالي لا يدوم لها عهد أعدوا نفوسا للفناء وما اعتدوا * فطوبى لهم نالوا البقاء بما عدوا أحلوا جسوما للمواضي وأحرموا * فحلوا جنان الخلد فيها لهم خلد أمام الإمام السبط جادوا بأنفس * بها دونه جادوا وفي نصره جدوا شروا عندما باعوا نفوسا نفائسا * ففي هجرها وصل وفي وصلها نقد قضوا إذ قضوا حق الحسين وفارقوا * وما فرقوا بل وافقوا السعد يا سعد فلما رأى المولى الحسين رجاله * وفتيانه صرعى وشادي الردى يشدو غدا طالبا للموت كالليث مغضبا * يحامي عن الأشبال يشتد إن شدوا وإن جمعوا سبعين ألفا لقتله * فيحمل فيهم وهو بينهم فرد إذا كر فروا من جريح وواقع * ذبيح ومهزوم به طوح الهد (3) ينادي: ألا يا عصبة عصت الهدى * وخانت فلم يرع الذمام ولا العهد فبعدا لكم يا شيعة الغدر إنكم * كفرتم فلا قلب يلين ولا ود


(1) الربى جمع الربوة: ما ارتفع من الأرض. الحزم بفتح المهملة: ضبط الأمر. الحزم بضم الأول والثاني جمع الحزام بالكسر: ما يشد به وسط الدابة. (2) أقيال ج القيل: الرئيس. تقلهم من قل الشئ قلا: أي حمله. وقله عن الأرض: رفعه. الجرد ج الأجرد: السباق من الخيل. (3) طوح به: حمله على ركوب المهالك وقذفه. الهد: الكسر. الصوت الغليظ. [*]

[54]

ولايتنا فرض على كل مسلم * وعصياننا كفر وطاعتنا رشد فهل خائف يرجو النجاة بنصرنا * ويخشى إذا اشتدت سعير لها وقد ؟ ويرنو لنحو الماء يشتاق ورده * إذا ما مضى يبغي الورود له رد فيحمل فيهم حملة علوية * بها للعوالي في أعالي العدى قصد كفعل أبيه حيدر يوم خيبر * كذلك في بدر ومن بعدها أحد إذا ما هوى في لبة الليث عضبه * فمن نحره بحر ومن جزره مد وعاد إلى أطفاله وعياله * وغرب المنايا لا يفل لها حد (1) يقول: عليكن السلام مودعا * فها قد تناهى العمر واقترب الوعد ألا فاسمعي يا أخت إن مسني الردى * فلا تلطمي وجها ولا يخمش الخد وإن برحت فيك الخطوب بمصرعي * وجل لديك الحزن والثكل والفقد فارضي بما يرضي إلهك واصبري * فما ضاع أجر الصابرين ولا الوعد وأوصيك بالسجاد خيرا فإنه * إمام الهدى بعدي له الأمر والعهد فضج عيال المصطفى وتعلقوا * به واستغاث الأهل بالندب والولد فقال وكرب الموت يعلو كأنه * ركام ومن عظم الظما انقطع الجهد (2): ألا قد دنى الترحال فالله حسبكم * وخير حسيب للورى الصمد الفرد وعاد إلى حرب الطغاة مجاهدا * وللبيض والخرصان في قده قد إلى أن غدا ملقى على الترب عاريا * يصافح منه إذ ثوى للثرى خد وشمر شمر الذيل في حز رأسه * ألا قطعت منه الأنامل والزند فواحزن قلبي للكريم علا على * سنان سنان والخيول لها وخد (3)


(1) العرب يوصف به السيف أي قاطع حديد. المنايا ج المنية: الموت. الفل: الثلمة في حد السيف. الحد من السيف: مقطعه. (2) الركام: المتراكم بعضه فوق بعض. الجهد: الطاقة. (3) الوخد من وخد البعير أي أسرع وصار يرمى بقوائمه كالنعام. وهذا البيت في نسخة: فوالهف نفسي للمحيا علا على * سنان سنان والخيول به تعدو [*]

[55]

تزلزلت السبع الطباق لفقده * وكادت له شم الشماريخ تنهد (1) وأرجف عرش الله من ذاك خيفة * وضجت له الأملاك وانفجر الصلد وناحت عليه الطير والوحش وحشة * وللجن إذ جن الظلام به وجد وشمس الضحى أمست عليه عليلة * علاها اصفرار إذ تروح وإذ تغدو فيالك مقتولا بكته السما دما * وثل سرير العز وانهدم المجد شهيدا غريبا نازح الدار ظاميا * ذبيحا من قاني الوريد له ورد بروحي قتيلا غسله من دمائه * سليبا ومن ساقي الرياح له برد ترض خيول الشرك بالحقد صدره (2) وترضخ منه الجسم في ركضها جرد ومذ راح لما راح للأهل مهره * خليا يخد الأرض بالوجه إذ يعدو برزن حيارى نادبات بذلة * وقلب غدا من فارط الحزن ينقد فحاسرة بالردن تستر وجهها * وبرقعها وقد ومدمعها رفد ومن ذاهل لم تدر أين معزها * تضيق عليها الأرض والطرق تنسد وزينب حسرى تندب الندب عندها * من الحزن أوصاب يضيق بها العد تنادي: أخي يا واحدي وذخيرتي * وعوني وغوثي والمؤمل والقصد ربيع اليتامى يا حسين وكافل * الأيامى رمانا بعد بعدكم البعد أخي بعد ذاك الصون والخدر والخبا * يعالجنا علج ويسلبنا وغد بناتك يا بن الطهر طاها حواسر * ورحلك منهوب تقاسمه الجند لقد خابت الآمال وانقطع الرجا * بموتك مات العلم والدين والزهد وأضحت ثغور الكفر تبسم فرحة * وعين العلى ينخد من سحها الخد وصوح نبت الفضل بعد اخضراره * وأصبح بدر التم قد ضمه اللحد تجاذبنا أيدي العدا فضلة الردا * كأن لم يكن خير الأنام لنا جد فأين حصوني والأسود الأولى بهم * يصال على ريب الزمان إذا يعدوا ؟


(1) الشمراخ: رأس الجبل. تنهد: تقع وتنهدم. الأوصاب جمع الوصب: المرض والوجع الدائم ونحول الجسم. (2) الرض: الدق والجرش. الرضخ: الكسر. الجرد راجع ص 24. (3) ينخد: ينشق. الشحب: الصب المتتابع الغزير. [*]

[56]

إذا غربت يا بن النبي بدوركم * فلا طلعت شمس ولا حلها سعد ولا سحبت سحب ذيولا على الربى * ولا ضحك النوار وانبعق الرعد (1) وساروا بآل المصطفى وعياله * حيارى ولم يخش الوعيد ولا الوعد وتطوي المطايا الأرض سيرا إذا سرت * تجوب بعيد البيد فيها لها وخد تأم يزيدا نجل هند إمامها * ألا لعنت هند وما نجلت هند فيا لك من رزء عظيم مصابه * يشق الحشا منه ويلتدم الخد أيقتل ظمآنا حسين بكربلا * ومن نحره البيض الصقال لها ورد وتضحى كريمات الحسين حواسرا * يلاحظها في سيرها الحر والعبد فليس لأخذ الثار إلا خليفة * هو الخلف المأمول والعلم الفرد هو القائم المهدي والسيد الذي * إذا سار أملاك السماء له جند يشيد ركن الدين عند ظهوره * علوا وركن الشرك والكفر ينهد وغصن الهدى يضحى وريقا ونبته * أنيقا وداعي الحق ليس له ضد لعل العيون الرمد تحظى بنظرة * إليه فتجلى عندها الأعين الرمد إليك انتهى سر النبيين كلهم * وأنت ختام الأوصياء إذا عدوا بني الوحي يا أم الكتاب ومن لهم * مناقب لا تحصى وإن كثر العد إليكم عروسا زفها الحزن ثاكلا * تنوح إذا الصب الحزين بها يشدو لها عبرة في عشر عاشور أرسلت * إذا أنشدت حادي الدموع بها تحدو رجا (رجب) رحب المقام بها غدا * إذ ما أتى والحشر ضاق به الحشد بذلت اجتهادي في مديحكم وما * قدار مديحي بعد أن مدح الحمد ولي فيكم نظم ونثر غناؤه * فقير وهذا جهد من لا له جهد مصابي وصوب الدمع فيكم مجدد * وصبري وسلواني به أخلق الجهد تذكرني يا بن النبي غدا إذا * غدا كل مولى يستجير به العبد فأنتم نصيب المادحين وإنني * مدحت وفيكم في غد ينجز الوعد إذا أصبح الراجي نزل ربوعكم * فقد نجحت منه المطالب والقصد


(1) سحبت من السحب: الجر على وجه الأرض. النوار: الزهر أو الأبيض منه. انبعق: انبعج المطر [*]

[57]

فإن مال عنكم يا بني الفضل راغب * يظل ويضحى عند من لا له عند فيا عدتي في شدتي يوم بعثتي * بكم غلتي من علتي حرها برد عبيدكم (البرسي) مولى فخاركم * كفاه فخارا أنه لكم عبد عليكم سلام الله ما سكب الحيا * دموعا على روض وفاح لها ند وله في رثاء الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه قوله: دمع يبدده مقيم نازح * ودم يبدده مقيم نازح والعين إن أمست بدمع فجرت * فجرت ينابيع هناك موانح أظهرت مكنون الشجون فكلما * شج الأمون سجا الحرون الجامح (1) وعلي قد جعل الأسى تجديده * وقفا يضاف إلى الرحيب الفاسح وشهود ذلي مع غريم صبابتي * كتبوا غرامي والسقام الشارح أوهى اصطباري مطلق ومقيد * غرب وقلب بالكآبة بائح (2) فالجفن منسجم غريق سائح * والقلب مضطرم حريق قادح والخد خدده طليق فاتر * والوجد جدده مجد مازح أصبحت تخفضني الهموم بنصبها * والجسم معتل مثال لائح حلت له حلل النحول فبرده * برد الذبول تحل فيه صفائح وخطيب وجدي فوق منبر وحشتي * لفراقهم لهو البليغ الفاصح ومحرم حزني وشوال العنا * والعيد عندي لاعج ونوايح ومد يد صبري في بسيط تفكري * هزج ودمعي وافر ومسارح (3) ساروا فمعناهم ومغناهم عفا * واليوم فيه نوايح وصوايح درس الجديد جديدها فتنكرت * ورنا بها للخطب طرف طامح (4)


(1) الشج من شج المفازة. قطعها. الأمون من الناقة: وثيقة الخلق القوية. سجا يسجو سجوا: مد حنينه. الحرون من الدابة الذي لا ينقاد، وإذا استدبر جريه وقف. الجامح: المتغلب على راكبه والذاهب به وهو لا ينثني. (2) بائح من باح يبوح بوحا بسره: أظهره كأباحه. (3) إشارة إلى أنواع الشعر. (4) رنا إليه وله: أدام النظر إليه بسكون الطرف. الطامح من طمح البصر: ارتفع ونظر شديدا. [*]

[58]

نسج البلى منه محقق حسنه * ففناءه ماحي الرسوم الماسح فطفقت أندبه رهين صبابة * عدم الرفيق وغاب عنه الناصح وأقول والزفرات تذكي جذوة * بين الضلوع لها لهيب لافح لا غرو إن غدر الزمان بأهله * وجفا وحان وخان طرف لامح فلقد غوى في ظلم آل محمد * وعوى عليهم منه كلب نابح وسطى على البازي غراب أسحم * وشبا على الأشبال زنج ضابح (1) وتطاول الكلب العقور فصاول * الليث الهصور وذاك أمر فادح (2) وتواثبت عرج الضباع وروعت (3) والسيد أضحى للأسود يكافح آل النبي بنو الوصي ومنبع * الشرف العلي وللعلوم مفاتح خزان علم الله مهبط وحيه * وبحار علم والأنام ضحاضح (4) التائبون العابدون الحامدون * الذاكرون وجنح ليل جانح الصائمون القائمون المطعمون * المؤثرون لهم يد ومنايح عند الجدى سحب وفي وقت الهدى * سمت وفي يوم النزال جحاجح (5) هم قبلة للساجدين وكعبة * للطائفين ومشعر وبطايح طرق الهدى سفن النجاة محبهم * ميزانه يوم القيامة راجح ما تبلغ الشعراء منهم في الثنا * والله في السبع المثاني مادح نسب كمنبلج الصباح ومنتمي * زاك له يعنو السماك الرامح (6)


البازي من طيور الصيد وله أنواع كثيرة. الأسحم: الأسود. شبا: علا. الزنج: قوم من السودان. الضابح: المتغير اللون كلون الضبح أي الرماد. (2) صاوله: واثبه. الهصور من الأسد الذى يهصر فريسته أي يكسرها كسرا. الفادح: الصعب المثقل. (3) تواثبت من وثب وثبا: نهض وقام. عرج ج الأعرج: المصاب في رجله الماشي مشية غير متساوية. الضبع. الضباع ج الضبع. (4) الضحضاح: الماء اليسير أو القريب القعر. (5) الجدى: العطية. السمت: المحجة والطريق. الجحاجح ج الجحجح: السيد المسارع إلى المكارم. المبادر. (6) يعنو: يذل ويخضع. السماك الرامح: نجم معروف يسمى بذلك لأنه يقدمه كوكب يقولون: هو رمحه. [*]

[59]

الجد خير المرسلين محمد الهادي * الأمين أخو الختام الفاتح هو خاتم بل فاتح بل حاكم * بل شاهد بل شافع بل صافح هو أول الأنوار بل هو صفوة * الجبار والنشر الأريج الفايح هو سيد الكونين بل هو أشرف * الثقلين حقا والنذير الناصح لولاك ما خلق الزمان ولا بدت * للعالمين مساجد ومصابح والأم فاطمة البتول وبضعة * الهادي الرسول لها المهيمن مانح حورية إنسية لجلالها * وجمالها الوحي المنزل شارح والوالد الطهر الوصي المرتضى * علم الهداية والمنار الواضح مولى له النبأ العظيم وحبه * النهج القويم به المتاجر رابح مولى له بغدير خم بيعة * خضعت لها الأعناق وهي طوامح القسور البتاك والفتاك والسفاك * في يوم العراك الذابح أسد الإله وسيفه ووليه * وشقيق أحمد والوصي الناصح وبعضده وبعضبه وبعزمه * حقا على الكفار ناح النايح يا ناصر الاسلام يا باب الهدى * يا كاسر الأصنام فهي طوامح (1) يا ليت عينك والحسين بكربلا * بين الطغاة عن الحريم يكافح والعاديات صواهل وجوائل * بالشوس في بحر النجيع سوابح (2) والبيض والسمر اللدان بوارق * وطوارق ولوامع ولوائح (3) يلقى الردى بحر الندى بين العدى * حتى غدا ملقى وليس منافح (4) أفديه محزوز الوريد مرملا * ملقى عليه الترب ساف سافح (5) والماء طام وهو ظام بالعرا * فرد غريب مستظام نازح


(1) مر حديث كسره عليه السلام الأصنام في صفحة 9 - 13 من هذا الجزء. (2) الشوس ج الأشوص. راجع ص 24. النجيع الدم المسائل إلى السواد. سوابح ج سابح: السريع الغير المضطرب في جريه. (3) البيض ج الأبيض: السيف. السمر: الرمح. اللدان ج لدن بفتح اللام: اللين. (4) المنافح: المدافع. (5) ساف من سفى يسفى سفيا: التاب تذرى وتبدد. سافح: المصبوب الذى لا يحبسه شيئ [*]

[60]

والطاهرات حواسر وثواكل * بين العدا ونوادب ونوائح في الطف يسحبن الذيول بذلة * والدهر سهم الغدر رام رامح (1) يسترن بالأردان نور محاسن * صونا وللأعداء طرف طامح لهفي لزينب وهي تندب ندبها * في ندبها والدمع سار سارح (2) تدعو: أخي يا واحدي ومؤملي * من لي إذا ما ناب دهر كالح ؟ (3) من لليتامى راحم ؟ من للأيامى * كافل ؟ من للجفاة مناصح ؟ حزني لفاطم تلطم الخدين من * عظم المصاب لها جوى وتبارح (4) أجفانها مقروحة ودموعها * مسفوحة والصبر منها جامح تهوى لتقبيل القتيل تضمه * بفتيل معجرها الدماء نواضح تحنو على النحر الخضيب وتلثم * الثغر التريب لها فؤاد قادح أسفي على حرم النبوة جئن * مطروحا هنالك بالعتاب تطارح (5) يندبن بدرا غاب في فلك الثرى * وهزبر غاب غيبته ضرائح هذي أخي تدعو وهذي يا أبي * تشكو وليس لها ولي ناصح والطهر مشغول بكرب الموت من * رد الجواب وللمنية شابح (6) ولفاطم الصغرى نحيب مقرح * يذكي الجوانح للجوارح جارح علج يعالجها لسلب حليها * فتطل في جهد العفاف تطارح (7) بالردن تستر وجهها وتمانع * الملعون عن نهب الردا وتكافح تستصرخ المولى الإمام وجدها * وفؤادها بعد المسرة نازح: يا جد قد بلغ العدا ما أملوا * فينا وقد شمت العدو الكاشح يا جد غاب ولينا وحمينا * وكفيلنا ونصيرنا والناصح


(1) يسحبن من سحب سحبا: جر على وجه الأرض. الرامح: الطاعن بالرمح. (2) السارح: الجاري جريا سهلا. (3) ناب: نزل. الكالح من كلح وجهه: عبس وتكشر فهو كالح. (4) الجوى شدة الوجد من حزن أو عشق. داء في الصدر. التبارح من البرح: الأذى والعذاب الشديد والمشقة. (5) تطارح: تجاوب. (6) الشابح من شبح شبحا الجلد: مده بين أوتاد. الرجل مده كالمصلوب (7) تطارح: تباعد. [*]

[61]

ضيعتمونا والوصايا ضيعت * فينا وسهم الحور سار سارح يا فاطم الزهراء قومي وانظري * وجه الحسين له الصعيد مصافح أكفانه نسج الغبار وغسله * بدم الوريد ولم تنحه نوائح وشبوله نهب السيوف تزورها * بين الطفوف فراعل وجوارح (1) وعلى السنان سنان رافع رأسه * ولجسمه خيل العداة روامح (2) والوحش يندب وحشة لفراقه * والجن إن جن الظلام نوايح والأرض ترجف والسماء لأجله * تبكي معا والطير غاد رايح والدهر من عظم الشجى شق الردا * أسفا عليه وفاض جفن دالح (3) يا للرجال لظلم آل محمد * ولأجل ثارهم وأين الكادح ؟ (4) يضحى الحسين بكربلاء مرملا * عريان تكسوه التراب صحاصح (5) وعياله فيها حيارى حسر * للذل في اشخاصهن ملامح (6) يسري بهم أسرى إلى شر الورى * من فوق أقتاب الجمال مضابح (7) ويقاد زين العابدين مغللا * بالقيد لم يشفق عليه مسامح ما يكشف الغماء إلا نفحة * يحيى بها الموتى نسيم نافح نبوية علوية مهدية * يشفى برياها العليل البارح يضحى مناديها ينادي: يا لثارات * الحسين وذاك يوم فارح والجن والأملاك حول لوائه * والرعب يقدم والحتوف تناوح (8)


(1) فراعل ج الفرعل: والد الضبع. الجوارح ج الجارحة: ذات الصيد من السباع والطير والكلاب. (2) روامح من رمحته الدابة: رفسته. (3) الدالح: الكثير الماء. (4) الكادح: الذي جهد نفسه في العمل. (5) صحاصح ج الصحصح: الأرض الجرداء المستوية ذات حصى صغار. (6) الملاح: ما بدى من محاسن الوجه ومساويه. (7) المضابح: المقالى والمخاصم. (8) تناوح: تقابل. [*]

[62]

و و في جذعيهما * خفضا ونصب الصلب رفع فاتح و و والإثم والعدوان * في ذل الهوان شوائح لعنوا بما اقترفوا وكل جريمة * شبت لها منهم زناد قادح يا بن النبي صبابتي لا تنقضي * كمدا وحزني في الجوانح جانح أبكيكم بمدامع تترى إذا * بخل السحاب لها انصباب سافح برسية كملت عقود نطامها * حلية ولها البديع وشايح مدت إليك يدا وأنت منيلها * يا بن النبي وعن خطاها صافح يرجو بها (رجب) القبول إذا أتى * وهو الذي بك واثق لك مادح أنت المعاذ لدى المعاد وأنت لي * إن ضاق بي رجب البلاد الفاسح صلى عليك الله ما سكب الحيا * دمعا وما هب النسيم الفائح وله في رثاء الإمام السبط صلوات الله عليه قوله: ما هاجني ذكر ذات البان والعلم * ولا السلام على سلمى بذي سلم ولا صبوت لصب صاب مدمعه * من الصبابة صب الوابل الرزم (3) ولا على طلل يوما أطلت به * مخاطبا لأهيل الحي والخيم ولا تمسكت بالحادي وقلت له: * إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم (4) لكن تذكرت مولاي الحسين وقد * أضحى بكرب البلا في كربلاء ظمي ففاض صبري وفاض الدمع وابتعد * الرقاد واقترب السهاد بالقسم وهام إذ همت العبرات من عدم (5) * قلبي ولم أستطع مع ذاك منع دمي


(1) الجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلي الصدر. الجانح من جنحت السفينة: لزقت بالأرض فلم تمض. (2) وشايح ج وشاح شبه قلادة يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها. (3) صبوت من صبا يصبو: حن. الصب: العاشق. الصبابة. الشوق ورقة الهوى. الوابل المطر الشديد. الرزم الذي لا ينقطع رعده. (4) مطلع بديعية صفي الدين الحلي. راجع ج 6: 44 ط 2. (5) همت من همى يهمى هميا: سال لا يثنيه شئ. [*]

[63]

لم أنسه وجيوش الكفر جائشة * والجيش في أمل والدين في ألم تطوف بالطف فرسان الضلال به * والحق يسمع والأسماع في صمم وللمنايا بفرسان المنى عجل * والموت يسعى على ساق بلا قدم مسائلا ودموع العين سائلة * وهو العليم بعلم اللوح والقلم: ما إسم هذا الثرى يا قوم ! فابتدروا * بقولهم يوصلون الكلم بالكلم: بكربلا هذه تدعى فقال: أجل * آجالنا بين تلك الهضب والاكم حطوا الرحال فحال الموت حل بنا * دون البقاء وغير الله لم يدم يا للرجال لخطب حل مخترم * الآجال معتديا في الأشهر الحرم فهاهنا تصبح الأكباد من ظمأ * حرى وأجسادها تروى بفيض دم وها هنا تصبح الأقمار آفلة * والشمس في طفل والبدر في ظلم وها هنا تملك السادات أعبدها * ظلما ومخدومها في قبضة الخدم وها هنا تصبح الأجساد ثاوية * على الثرى مطعما للبوم والرخم (1) وها هنا بعد بعد الدار مدفننا * وموعد الخصم عند الواحد الحكم وصاح بالصحب هذا الموت فابتدروا * أسدا فرائسها الآساد في الأجم من كل أبيض وضاح الجبين فتى * يغشي صلى الحرب لا يخشى من الضرم من كل منتدب لله محتسب * في الله منتجب بالله معتصم وكل مصطلم الأبطال مصطلم * الآجال ملتمس الآمال مستلم وراح ثم جواد السبط يندبه * عالي الصهيل خليا طالب الخيم فمذ رأته النساء الطاهرات بدا * يكادم (2) الأرض في خد له وفم برزن نادبة حسرى وثاكلة * عبرى ومعلولة بالمدمع السجم فجئن والسبط ملقى بالنصال أبت * من كف مستلم أو ثغر ملتثم والشمر ينحر منه النحر من حنق * والأرض ترجف خوفا من فعالهم


(1) البوم. طائر يسكن الخراب. الرخم: طائر من الجوارح الكبيرة الجثة الوحشية الطباع. (2) يكادم: يعض [*]

[64]

فتستر الوجه في كلم عقيلته * وتنحني فوق قلب وآله كلم (1) تدعو أخاها الغريب المستظام أخي * يا ليت طرف المنايا عن علاك عم من اتكلت عليه في النساء ومن * أوصيت فينا ومن يحنو على الحرم ؟ هذي سكينة قد عزت سكينتها * وهذه فاطم تبكي بفيض دم تهوي لتقبيله والدمع منهمر * والسبط عنها بكرب الموت في غمم (2) فيمنع الدم والنصل الكسير به * عنها فتنصل لم تبرح ولم ترم تضمه نحوها شوقا وتلثمه * ويخضب النحر منه صدرها بدم تقول من عظم شكواها ولوعتها * وحزنها غير منقض ومنفصم: أخي لقد كنت نورا يستضاء به * فما لنور الهدى والدين في ظلم أخي لقد كنت غوثا للأرامل يا * غوث اليتامى وبحر الجود والكرم يا كافلي هل ترى الأيتام بعدك في * أسر المذلة والأوصاب (3) والألم يا واحدي يا بن أمي يا حسين لقد * نال العدى ما تمنوا من طلابهم وبردوا غلل الأحقاد من ضغن * وأظهروا ما تخفى في صدورهم أين الشفيق وقد بان الشقيق وقد * جار الرفيق ولج الدهر في الأزم (4) مات الكفيل وغاب الليث فابتدرت * عرج الضباع على الأشبال في نهم وتستغيث رسول الله صارخة: * يا جد أين الوصايا في ذوي الرحم ؟ يا جد لو نظرت عيناك من حزن * للعترة الغر بعد الصون والحشم مشردين عن الأوطان قد قهروا * ثكلى أسارى حيارى ضرجوا بدم يسرى بهن سبايا بعد عزهم * فوق المطايا كسبي الروم والخدم هذا بقية آل الله سيد أهل * الأرض زين عباد الله كلهم


(1) الكلم من كلمه كلما: جرحه. (2) غمم بضم المعجمة ج الغمة: الحيرة واللبس. (3) الأوصاب ج الوصب راجع ص 55. (4) الأزم: من أزم الدهر القوم: استأصلهم. وأزم بصاحبه: لزم. وأزم الحبل: أحكم فعله. والأزم ج الأزمة: الشدة. [*]

[65]

نجل الحسين الفتى الباقي ووارثه * والسيد العابد السجاد في الظلم يساق في الأسر نحو الشام مهتظما * بين الأعادي فمن باك ومبتسم أين النبي وثغر السبط يقرعه * يزيد بعضا لخير الخلق كلهم ؟ أينكت الرجس ثغرا كان قبله * من حبه الطهر خير العرب والعجم ؟ ويدعي بعدها الاسلام من سفه * وكان أكفر من عاد من إرم ؟ يا ويله حين تأتي الطهر فاطمة * في الحشر صارخة في موقف الأمم تأتى فيطرق أهل الجمع أجمعهم * منها حياء ووجه الأرض في قتم وتشتكي عن يمين العرش صارخة * وتستغيث إلى الجبار ذي النقم هناك يظهر حكم الله في ملأ * عضوا وخانوا فيا سحقا لفعلهم وفي يديها قميص للحسين غدا * مضمخا بدم قرنا إلى قدم أيا بني الوحي والذكر الحكيم ومن * ولاهم أملي والبرء من ألمي حزني لكم أبدا لا ينقضي كمدا * حتى الممات ورد الروح في رمم حتى تعود إليكم دولة وعدت * مهدية تملأ الأقطار بالنعم فليس للدين من حام ومنتصر * إلا الإمام الفتى الكشاف للظلم القائم الخلف المهدي سيدنا * الطاهر العلم ابن الطاهر العلم بدر الغياهب تيار المواهب منصور * الكتائب حامي الحل والحرم (1) يا بن الإمام الزكي العسكري فتى * الهادي التقي علي الطاهر الشيم يا بن الجواد ويا نجل الرضا ويا * سليل كاظم غيظ منبع الكرم خليفة الصادق المولى الذي ظهرت * علومه فأنارت غيهب الظلم خليفة الباقر المولى خليفة زين * العابدين علي طيب الخيم نجل الحسين شهيد الطف سيدنا * وحبذا مفخر يعلو على الأمم نجل الحسين سليل الطهر فاطمة * وابن الوصي علي كاسر الصنم (2)


(1) الغياهب جمع الغيهب: الظلمة الشديد السواد من الليل. التيار: موج البحر الهائج. الكتائب ج الكتيبة: القطعة من الجيش أو الجماعة من الخيل. (2) راجع من هذا الجزء ص 9 - 13. - الغدير 6 - [*]

[66]

يا بن النبي ويا بن الطهر حيدرة * يا بن البتول ويا بن الحل والحرم أنت الفخار ومعناه وصورته * ونقطة الحكم لا بل خطة الحكم أيامك البيض خضر فهي خاتمة * الدنيا وختم سعود الدين الأمم متى نراك فلا ظلم ولا ظلم * والدين في رغد والكفر في رغم ؟ أقبل فسبل الهدى والدين قد طمست * ومسها نصب والحق في عدم يا آل طاها ومن حبي لهم شرف * أعده في الورى من أعظم النعم إليكم مدحة جاءت منظمة * ميمونة صغتها من جوهر الكلم بسيطة إن شذت أو انشدت عطرت * بمدحكم كبساط الزهر منخرم بكرا عروسا ثكولا زفها حزن * على المنابر غير الدمع لم تسم يرجو بها (رجب) رحب المقام غدا * بعد العناء غناء غير منهدم يا سادة الحق مالي غيركم أمل * وحبكم عدتي والمدح معتصمي ما قدر مدحي والرحمن مادحكم * في هل أتى قد أتى مع نون والقلم حاشاكم تحرموا الراجي مكارمكم * ويرجع الجار عنكم غير محترم أو يختشي الزلة (البرسي) وهو يرى * ولاكم فوق ذي القربى وذي الرحم إليكم تحف التسليم واصلة * ومنكم وبكم أنجو من النقم صلى الإله عليكم ما بدا نسم (1) * وما أتت نسمات الصبح في الحرم وله قوله: أما والذي لدمي حللا * وخص أهيل الولا بالبلا لئن أسق فيه كؤس الحمام * لما قال قلبي لساقيه: لا فموتي حياتي وفي حبه * يلذ افتضاحي بين الملا فمن يسل عنه ؟ فإن الفؤاد * تسلى وما قط آنا سلا مضت سنة الله في خلقه * بأن المحب هو المبتلى وله قوله: لقد أظهرت يا حافظ * سرا كان مخفيا


(1) نسم ج النسمة: الانسان أو كل دابة فيها روح.

[67]

وأبرزت من الأنوار * نورا كان مطويا به قد صرت عند الله * والسادات علويا ومقبولا ومسعودا * محسودا ومرضيا فطب نفسا وعش فردا * وكن طيرا سماويا غريبا يألف الخلوة * لا يقرب إنسيا غدا في الناس بالخلوة * والوحدة منسيا وإن أصبحت مرفوضا * بسهم البغض مرميا فلم يبغضك إلا من * أبوه الزنج بصريا عمانيا مراديا * مجوسيا يهوديا لهذا قد غدا يبغض * ذاك الطين كوفيا وفي المولد والمحتد * برسيا وحليا وله في الغزل قوله: لقد شاع عني حب ليلى وإنني * كلفت بها عشقا وهمت بها وجدا وأصبحت أدعى سيدا بين قومها * كما أنني أصبحت فيهم لها عبدا ألاقي الورى في حبها في تنكر * فذا مانح صدا وذا صاعر خدا وذا عابس وجها يطول أنفه * علي كأني قد قتلت له ولدا ولا ذنب لي في هجرهم لي وهجرهم * سوى إنني أصبحت في حبها فردا ولو عرفوا ما قد عرفت ويمموا * حماها كما يممته أعذروا حدا وظنوا وبعض الظن إثم وشنعوا * بأن امتداحي جاوز الحد والعدا فوالله ما وصفي لها جاز حده * ولكنها في الحسن قد جازت الحدا هذه جملة ما وقفنا عليه من شعر شيخنا الحافظ البرسي وهي 540 بيتا ولا يوجد فيها كما ترى شئ مما يرمى به من الارتفاع والغلو فالأمر كما قال هو: وظنوا وبعض الظن إثم وشنعوا * بأن امتداحي جاوز الحد والعدا فوالله ما وصفي لها جاز حده * ولكنها في الحسن قد جازت الحدا توجد ترجمته في أمل الآمل. ورياض العلماء. ورياض الجنة في الروضة الرابعة.

[68]

وروضات الجنات. وتتميم الأمل للسيد ابن أبي شبانة. الكنى والألقاب. وأعيان الشيعة. والطليعة. والبابليات. ولم نقف على تاريخ ولادة شاعرنا الحافظ ووفاته، غير أنه أرخ بعض تآليفه بقوله: إن بين ولادة المهدي عليه السلام وبين تأليف هذا الكتاب خمسمائة وثمانية عشر سنة. فيوافق 773، أخذا برواية 255 في ولادة الإمام المنصور صلوات الله عليه، ومر في تاريخ بعض كتبه أنه أرخه ب‍ 813، ولعله توفي حدود هذا التاريخ والله العالم.

[69]

(المغالاة في الفضائل) لما وقع غير واحد من شعراء الغدير نظراء المترجم البرسي - في شبك النقد والاعتراض، ورموا بالغلو، وجاء غير واحد من المؤلفين (1) فشن عليهم الغارات بالقذف والسباب المقذع فيهمنا إيقاف الباحث على هذا المهم حتى لا يستهويه اللغب و الصخب، ولا يصيخ إلى النعرات الطائفية الممقوتة، وقول الزور فنقول: الغلو على ما صرح به أئمة اللغة كالجوهري والفيومي والراغب وغيرهم هو تجاوز الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاء، وغلا الرجل غلوا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها قال الحرث بن خالد المخزومي: خمصانة قلق موشحها * رود الشباب غلابها عظم ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تغالوا في النساء فإنما هن سقيا الله (2) وقول عمر: لا تغالوا في مهور النساء (3) والغلو ممقوت لا محالة أينما كان وحيثما كان في أي أمر كان، ولا سيما في الدين وعليه ينزل قوله تعالى في موضعين (4) من الذكر الحكيم: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم. ويعني في ذلك كما ذكره المفسرون (5) غلو اليهود في عيسى حتى قذفوا مريم، وغلو النصارى فيه حتى جعلوه ربا. فالافراط والتقصير كله سيئة. والحسنة بين السيئتين كما قاله مطرف بن عبد الله، وقال الشاعر: وأوف ولا تستوف حقك كله * وصافح فلم يستوف قط كريم ولا تغل في شئ من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم


(1) كابن تيمية وابن كثير، والقصيمي وموسى جار الله. ومن لف لفهم. (2) البيان والتبيين 2 ص 21. (3) راجع الجزء السادس من الكتاب ص 96 ط 2. (4) النساء: 171، المائدة: 77. (5) تفسير القرطبي 6 ص 21. [*]

[70]

وقال آخر: عليك بأوساط الأمور فإنها * نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وقال مولانا أمير المؤمنين: إن دين الله بين المقصر والغالي فعليكم بالنمرقة الوسطى فيها يلحق المقصر، ويرجع إليها الغالي (1) غير أن من الواجب تعيين الحد الذي لا يجوز في الدين أن يتجاوزه الانسان لاستلزام الغلو الكذب تارة، والاغراء بالجهل أخرى، وبخس الحقوق الواجبة آونة، لا ما دأبت عليه أمة من الرمي بالغلو كل قائل ما لا يروقها، وتحدوها العصبية العمياء إلى التجهم أمام القول بما لا يلائم ذوقها، ومن هذا الباب أكثر ما ترمى به الشيعة الإمامية من الغلو لاعتقادهم أو روايتهم فضائل لأئمة أهل البيت عليهم السلام، وقد طفحت بها الصحاح والمسانيد، وتدفقت بنقلها الكتب والمؤلفات، حيث لم يقم من نبزهم به لأئمة الهدى وزنا تقيمه الحقيقة ويقتضيه مقامهم الأسمى، ذلك المقام الشامخ المستنبط من الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح والقضايا الخارجية الصادقة المتسالم عليها بين الأمة، لولا أن هناك من يتعامى أو يتصامم عن رؤية هذه وسماع هاتك، أو تقصر منته العلمية عن تحليل الفلسفة الصحيحة، أو يقصر باعه عن الإحاطة بالكائنات التاريخية، من الذين استأسرهم الهوى وتدهور بهم الجهل إلى هوة التيه والضلال، فعدوا من الغلو الفاحش القول بعلم الغيب فيهم أو إخبارهم عما في الضمير، أو تكلم الموتى معهم، أو علمهم بمنطق الطير والحيوانات، أو إحياء الله الموتى بدعائهم، أو استجابة دعواتهم في برء الأكمه والأبرص، وبل كل ذي عاهة، أو القول بالرجعة لهم، أو ظهور كرامة لهم تخرق العادة، أو الشخوص إلى زيارة قبورهم والتوسل بهم، والتبرك بتربتهم، والدعاء والصلاة عند مراقدهم، أو التلهف والتأسف على ما انتابهم من المصائب، إلى كثير من أمثال هذه من مبادئ تراها الشيعة في العترة الهادية من فضائلهم المدعومة بالبرهنة الصحيحة والحجج القوية مما أنكرته أبناء حزم وجوزي وتيمية وقيم وكثير ومن حذا حذوهم ولف لفهم. ولعل لهم العذر في ذلك بأن الذي يرتأونه في الخليفة لا يزيد على أنه رجل يقطع


(1) ربيع الأبرار للزمخشري. [*]

[71]

السارق ويقتص من القاتل، ويحفظ الثغور، ويدحر الهرج في الأوساط، ويجمع الفئ ويقسم، إلى أمثال هذه مما هو شأن الملوك والأمراء في الأمم والأجيال، وتعرب عنه خطب أبي بكر وعمر لما استخلفا (1) واستخلاف عثمان ومعاوية وابنه الطاغي، وهلم جرا، وحديث عبد الله بن عمر وحميد بن عبد الرحمن كما يأتي بيانه. وهم لا يوجبون في الخليفة قوة في النفس منبعثة عن نزاهة وقداسة وعصمة يتصرف بها صاحبها في الكائنات كيفما اقتضته المصلحة، ويبصر المغيب بعين بصيرته، أو بنور بصره الذي لا يقل عن أشعة (رنتجن) التي يبصر صاحبها الأمعاء من وراء الجلد الغليظ وتري ما في قبضة المسك بيده من ظهر اليد، وبلغت بها القوة حتى أخذت بها الصورة الشمسية من وراء سياج الصندوق الحديدي. والذي يخبت في القوى النفسية إلى مثل التنويم المغناطيسي الصناعي أو استحضار الأرواح واستخدامها للجواب عن كل مسألة يريدها الانسان مما في وراء عالم الشهود بقوة نفسه كيف يسعه إنكار رد الأرواح إلى الأجسام بإذن ربها لدعاء ولي، أو مقدرة صديق موهوبة له من بارئ كيانه ؟ وليس على الله بعزيز، هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. وكذلك من يشهد: إن الطائرات الجوية تطوي مئات من الفراسخ في آونة قصيرة، وكان يستدعي ذلك إشغال أشهر من الزمن يوم كانوا يطوونها على الظهور، أنى يسيغ له حجاه أن ينكر طي الأرض لمن يحمل بين جنبيه قوى مفاضة من المبدء الحق سبحانه ؟ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب (2). ومثله: الذي يبصر المذياع وهو ينقل الأصوات من أبعد المسافات فيسمعها كأنه يتلو القرآن الكريم، أو يلقي خطابته، أو يسرد أخباره، أو يغني بأهازيجه إلى جنبه فهو لا يسعه إنكار ما يشابه ذلك في إمام حق مؤيد من عند الله، إن الله يسمع من يشاء وما أنت بسمع من في القبور (3).


(1) راجع الجزء السادس من الكتاب ص 191 ط 2 وهذا الجزء فيما يأتي. (2) سورة النمل آية 88. (3) سورة فاطر آية 22 [*]

[72]

ونظيره: المتكلم الذي تمثل له بالقوى الممثلة صورة من يخاطبه ويتكلم معه (في الهاتف) من صقع شاسع كأنه يراه وينظر إليه من كثب. وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض (1). وأمثال هذه في المكتشفات الحديثة من آثار الكهرباء وغيره كثيرة ذللت فيهم المعضلات التي كانت تقصر عنها العقول السذج قبل هذا اليوم، ولعل في المستقبل الكشاف يكون ما هو أعظم وأعظم من هذه كلها، فإن العلم لم يقف على حد، ولا دلت البرهنة على وصول الكشف إلى غايته المحدودة، فمن الجائز أن يتدرج إلى الإمام كما تدرج في هذه القرون الأخيرة جلت قدرة بارئها. أنا لا أحاول جعل تلكم المعاجز وكرامات الأولياء من قبيل ما ذكرته من مجاري الناموس الطبيعي، ولو أنها لا يعدوها الاعجاز حتى لو كانت على تلك المجاري، لأنها حدثت يوم لم تكن هذه الآثار مكتشفة، ولا عرفها أحد من الناس، حتى أنه لو فاه بها أحد لما كانوا يحفلون به إلا بالهزء والسخرية معتقدين بأنه يلهج بالمحال فصدورها من إنسان هذا ظرفه وتلك أحوال أمته، ولم يعهد أنه دخل كلية أو تخرج على يد أستاذ لا يعدوه أن تكون معجزة، لكنا نعتقد أن أولئك الأئمة بما أنهم مقيضون لإصلاح الأمة ولا يكون إلا بخضوعها لهم، وأقوى الحجج لاستلانة جماحها لذلك الخضوع هو صدور المعجزات والخوارق - لهم صلة بالمبدء الأقدس يسددهم بها من فوق عالم الطبيعة، وهو لازم اللطف الواجب على الله سبحانه من تقريب البعيد إلى ما ذكرناه من الاكتشافات الحديثة لتقريب الأذهان وتشحيذها، وإيقاف المنصف على الحقايق. وقد فصلنا القول في بعض الموضوع في الجزء الخامس 52، 65 ط 2. فهلم معي إلى أناس يشنعون على الشيعة باثبات تلكم النسب ويقذفونهم بالغلو والكفر والشرك وهم يثبتونها لغير واحد من أولياءهم، وذكروا أضعاف ما عند الشيعة من تلكم الفضائل المرمية بالغلو في تراجم العاديين من رجالهم، ونشروها في الملأ واتخذوها تاريخا صحيحا من دون أي غمز وإنكار في السند، ومن غير مناقشة و نظرة صحيحة في المتون، كل ذلك حبا وكرامة لأولئك الرجال، وحب الشيئ يعمي


(1) سوره الأنعام آية 75. [*]

[73]

ويصم، وهذه السيرة مطردة فيهم منذ القرن الأول حتى اليوم، ولا يسع لأي باحث رمي أولئك المؤلفين الحفاظ بالضلال والشرك والغلو وخروجهم عما أجمعت عليه الأمة الإسلامية كما هم رموا الشيعة بذلك، على أن الباحث يجد فيما لفقته يد الدعاية والنشر، ونسجته أكف المخرقة والغلو في الفضائل، عجائب وغرائب أو قل: سفاسف وسفسطات، تبعد عن نطاق العقل السليم، فضلا عن أن تكون مشروعة أو غير مشروعة وإليك البيان: (الغلو في أبي بكر) ليس من العسير الشديد عرفان حدود أي فرد شئت من الصحابة، إذ التاريخ - مع ما فيه من الخبط والخلط، مع ما نسجت عليه أيدي المعرة الأثيمة، مع ما طمس صحيحه بالفتن المظلمة في أدوارها وقرونها الخالية، مع ما لعبت به الأهواء المضلة بالتحريف والاختلاق، مع ما دس فيه عباقية الإفك والافتعال، مع ما سودت صفحاته بآراء تافهة، و نظريات سخيفة، ومبادئ فاسدة، ونعرات طائفية، ومخاريق قومية، وجنايات شعوبية - فيه رمز من الحقيقة، لا يختلط للناقد البصير زبده بخاثره، وصحيحه بسقيمه، ويسع له أن يستخرج المحض بالمخض، يتخذ منه دروس الحقايق، ويعرف به حدود الرجال، ومقاييس السلف، ومقادير الأمم الغابرة، ومن اللازم المحتوم علينا النظرة في تراجم الشخصيات البارزة من رجال الاسلام سلفا وخلفا بعين الإكبار دون عين رمصة، ولا سيما من عرف منهم بالخلافة الراشدة بين الملأ الديني ولو بالانتخاب الدستوري الذي ليس له أي قيمة وكرامة في سوق الاعتبار، وميزان العدل، ربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة (1) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم (2) ولله الأمر من قبل ومن بعد، وهو وليهم بما كانوا يعملون، وكذبوا وأتبعوا أهوائهم وكل أمر مستقر.


(1) سورة القصص آية 68. (2) سورة الأحزاب آية 36. [*]

[74]

فصاحب النبي الأعظم في الغار، والمهاجر الوحيد معه في الرعيل الأول من المهاجرين السابقين يهمنا إكباره وإعظامه، ويعد من الجنايات الفاحشة بخس حقه، والتقصير في تحديد نفسياته، والخروج عن قضاء العدل فيها، والنزول على حكم العاطفة. ونحن لا نحوم حول موضوع الخلافة وإنها كيف تمت ؟ كيف صارت ؟ كيف قامت ؟ كيف دامت ؟ وإن الآراء فيها هل كانت حرة ؟ ووصايا المشرع الأعظم هل كانت متبعة ؟ أو كانت للأهواء والشهوات يوم ذاك حكومة جبارة هي تبطش وتقبض، وهي ترفع وتخفض، وهي ترتق وتفتق، وهي تنقض وتبرم، وهي تحل وتعقد. لا يهمنا البحث عن هذه كلها بعد ما سمعت أذن الدنيا حديث السقيفة مجتمع الثويلة، وقرطت بنبأ تلك الصاخة الكبرى، والتحارش العظيم بين المهاجرين والأنصار، إذا وقعت الواقعة، ليس لوقعتها كاذبة، خافضة رافعة. ما عساني أن أقول ؟ والتاريخ بين يدي الباحث يدرسه بأن كل رجل من سواد الناس يوم ذاك كان يرى الفوز والسلامة لنفسه في عدم التحزب بأحد من تلكم الأحزاب المتكثرة، وترك الاقتحام في تلك الثورات النائرة، وكانت الخواطر تهدده بالقتل مهما أبدى الشقاق، أو التحيز إلى فئة دون فئة، بعد ما رأت عيناه فرند الصارم المسلول، وسمعت أذناه نداء محز (1) يتوعد بالقتل كل قائل بموت رسول الله ويقول: لا أسمع رجلا يقول: مات رسول الله. إلا ضربته بسيفي. أو يقول: من قال: إنه مات. علوت رأسه بسيفي، وإنما ارتفع إلى السماء (2). يصيح: من قال نفس المصطفى قبضت * علوت هامته بالسيف أبريها (3) بعد ما تشازرت الأمة وتلاكمت وتكالمت وقام الشيخان يعرض كل منهما البيعة


(1) المحز: الرجل الغليظ الكلام. (2) تأريخ الطبري 3: 198، شرح ابن أبي الحديد 1: 128، تاريخ ابن كثير 5: 242، تأريخ أبي الفدا ج 1: 156، المواهب اللدنية للقسطلاني، روضة المناظر لابن شحنة هامش الكامل 7: 164، شرح المواهب للزرقاني 8: 280، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية 3: 371 - 374، ذكرى حافظ للدمياطي ص 36 نقلا عن الغزالي. (3) من أبيات القصيدة العمرية لحافظ إبراهيم شاعر النيل. [*]

[75]

لصاحبه قبل أخذ الرأي عن أي أحد، كأن الأمر دبر بليل، فيقول هذا لصاحبه: أبسط يدك فلا بايعك. ويقول آخر: بل أنت. وكل منهما يريد أن يفتح يد صاحبه ويبايعه، ومعهما أبو عبيدة الجراح حفار القبور بالمدينة (1) يدعو الناس إليهما (2) والوصي الأقدس والعترة الهادية وبنو هاشم ألهاهم النبي الأعظم وهو مسجى بين يديهم وقد أغلق دونه الباب أهله (3) وخلى أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أهله فولوا إجنانه (4) و مكث ثلاثة أيام لا يدفن (5) أو من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء أو ليلته (6) فدفنه أهله ولم يله إلا أقاربه (7) دفنوه في الليل أو في آخره (8) ولم يعلم به القوم إلا بعد سماع صريف المساحي وهم في بيوتهم من جوف الليل (9) ولم يشهد الشيخان دفنه صلى الله عليه وآله وسلم (10). بعد ما رأى الرجل عمر بن الخطاب محتجرا يهرول بين يدي أبي بكر وقد نبر حتى أزبد شدقاه (11). بعد ما قرعت سمعه عقيرة صحابي بدري عظيم - الحباب بن المنذر - وقد انتضى سيفه على أبي بكر ويقول: والله لا يرد علي أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف،


(1) راجع الجزء الخامس من هذا الكتاب ص 314، 315 ط 2. (2) تأريخ الطبري 3: 199. (3) سيرة ابن هشام 4: 336، الرياض النضرة 1: 163. (4) طبقات ابن سعد ص 821 ط ليدن ج 2 من القسم الثاني ص 76. (5) تاريخ ابن كثير 5 ص 271، تاريخ أبي الفدا ج 1: 152. (6) طبقات ابن سعد ط ليدن ج 2 ص 58، 79، سيرة ابن هشام 4 ص 343، 344، مسند أحمد 6: 274، سنن ابن ماجة 1 ص 499، سيرة ابن سيد الناس 2 ص 340، تأريخ أبي الفداء 1: 152 وقال: الأصح دفنه ليلة الأربعاء، تاريخ ابن كثير 5 ص 171 وقال: هو المشهور عن الجمهور. وقال: والصحيح أنه دفن ليلة الأربعاء، السيرة الحلبية 3 ص 394، شرح المواهب للزرقاني 8 ص 284، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 3 ص 380. (7) طبقات ابن سعد ص 824، ط ليدن 2 من القسم الثاني ص 78. (8) سنن ابن ماجة 1 ص 499، مسند أحمد 6: 274. (9) الطبقات لابن سعد ص 824 ط ليدن 2 من القسم الثاني ص 78، مسند أحمد 6: 274، سيرة ابن هشام 4 ص 344، تأريخ ابن كثير 5 ص 270. (10) أخرجه ابن أبي شيبة كما في كنز العمال 3 ص 140. (11) طبقات ابن سعد ص 787، ط ليدن ج 2 من القسم الثاني ص 53، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 133. [*]

[76]

أنا جذيلها المحكك (1) وعذيقها المرجب، أنا أبو شبل في عرينة الأسد يعزى إلى الأسد، فيقال عليه: إذن يقتلك الله. فيقول: بل إياك يقتل. أو: بل أراك تقتل (2) فأخذ ووطئ في بطنه، ودس في فيه التراب (3). بعد ما شاهد ثالثا يخالف البيعة لأبي بكر وينادي: أما والله أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل. وأخضب منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم مع من معي من أهلي وعشيرتي (4). بعد ما رأى رابعا يتذمر على البيعة، ويشب نار الحرب بقوله: إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم (5). بعد ما نظر إلى مثل سعد بن عبادة أمير الخزرج وقد وقع في ورطة الهون ينزى عليه، وينادى عليه بغضب: اقتلوا سعدا قتله الله إنه منافق. أو: صاحب فتنة. وقد قام الرجل على رأسه ويقول: لقد هممت أن أطئك حتى تندر عضوك. أو تندر عيونك (6). بعد ما شاهد قيس بن سعد قد أخذ بلحية عمر قائلا: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة. أو: لو خفضت منه شعرة ما رجعت وفيك جارحة (7)


(1) الجذل بالكسر والفتح: أصل الشجرة والعود الذي ينصب للإبل الجربى لتحتك به فتستشفى به، فالقول مثل يضرب لمن يستشفى برأيه ويعتمد عليه، والتصغير للتعظيم. وكذلك عذيقها المرجب. والعذق: النخلة بحملها والترجيب أن تدعم الشجرة إذ أكثر حملها لئلا تنكسر أغصانها. (2) صحيح البخاري 10 ص 45، مسند أحمد 1 ص 56، البيان والتبيين 3 ص 181. سيرة ابن هشام 4 ص 339 العقد الفريد 2 ص 248، الإمامة والسياسة 1 ص 9، تأريخ الطبري 3 ص 209، 210، تاريخ ابن الأثير 2 ص 136، 137، الرياض النضرة 1 ص 162، 164، تاريخ ابن كثير 5 ص 246 ج 7 ص 142، الصفوة 1 ص 97، تيسير الوصول 2 ص 45، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 128 و ج 2 ص 4، السيرة الحلبية 3 ص 387، أبو بكر الصديق للأستاذ محمد رضا المصري ص 25. (3) شرح ابن أبي الحديد 2 ص 16. (4) الإمامة والسياسة 1 ص 11، تاريخ الطبري 3 ص 210، تاريخ ابن الأثير 2 ص 137. شرح ابن أبي الحديد 1 ص 128، السيرة الحلبية 3 ص 387. (5) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا صفحة 253 ط 2. (6) مسند أحمد 1 ص 56، العقد الفريد 2 ص 249، تاريخ الطبري 3 ص 210، سيرة ابن هشام 4 ص 339، الرياض النضرة 1: 162، 164، السيرة الحلبية 3 ص 387. (7) تاريخ الطبري 3 ص 210، السيرة الحلبية 3 ص 387. [*]

[77]

بعد ما عاين الزبير وقد اخترط سيفه ويقول: لا أغمده حتى يبايع علي فيقول عمر: عليكم الكلب، فيؤخذ سيفه من يده ويضرب به الحجر ويكسر (1). بعد ما بصر مقدادا ذلك الرجل العظيم وهو يدافع في صدره أو نظر إلى الحباب ابن المنذر وهو يحطم أنفه، وتضرب يده. أو إلي اللائذين بدار النبوة، مأمن الأمة، وبيت شرفها، بيت فاطمة وعلي سلام الله عليهما وقد لحقهم الارهاب والترعيد (2) وبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب وقال لهم: إن أبوا فقاتلهم. فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت: يا بن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخل فيه الأمة (3). بعد ما رأى هجوم رجال الحزب السياسي دار أهل الوحي وكشف بيت فاطمة (4) وقد علت عقيرة قائدهم بعد ما دعا بالحطب: والله لتحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة. أو لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقنها على من فيها، فيقال للرجل: إن فيها فاطمة فيقول: وإن (5). بعد قول ابن شحنة: إن عمر جاء إلى بيت علي ليحرقه على من فيه فلقيته فاطمة فقال: ادخلوا فيما دخلت فيه الأمة " تاريخ ابن شحنة هامش الكامل 7 ص 164 ". بعد ما سمع أنة وحنة من حزينة كئيبة - بضعة المصطفى - وقد خرجت عن خدرها وهي تبكي وتنادي بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله ! ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟ (6).


(1) الإمامة والسياسة 1 ص 11، تاريخ الطبري 3 ص 199، الرياض النضرة 1 ص 167، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 58، 132، ج 2 ص 5، 19. (2) تاريخ الطبري 3: 210، شرح ابن أبي الحديد 1: 58. (3) العقد الفريد 2: 250 تاريخ أبي الفدا ج 1: 156، أعلام النساء 3: 1207. (4) الأموال لأبي عبيد ص 131، الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 18، تاريخ الطبري 4: 52 مروج الذهب 1: 414، العقد الفريد 2: 254، تاريخ اليعقوبي 2: 105. (5) تاريخ الطبري 3: 198، الإمامة والسياسة 1: 13، شرح ابن أبي الحديد 1: 134. ج 2: 19 أعلام النساء 3: 1205. (6) الإمامة والسياسة 1: 13 أعلام النساء 3: 1206. الإمام على لعبد الفتاح عبد المقصود 1: 225 [*]

[78]

بعد ما رآها وهي تصرخ وتولول ومعها نسوة من الهاشميات تنادي: يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله، " شرح ابن أبي الحديد 1 ص 134 ج 2 ص 19 " بعد ما شاهد هيكل القداسة والعظمة أمير المؤمنين يقاد إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش (1) ويدفع ويساق سوقا عنيفا واجتمع الناس ينظرون ويقال له: بايع: فيقول: إن أنا لم أفعل فمه ؟ فيقال: إذن والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك فيقول: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله (2). بعد ما رأى صنو المصطفى عليا لاذ بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصيح ويبكي و يقول: يا ابن أم ! إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني (3). بعد نداء أبي عبيدة الجراح لعلي عليه السلام يوم سيق إلى البيعة: يا بن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك وأشد احتمالا واستطلالا، فسلم لأبي بكر هذا الأمر فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في حصلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك (4). بعد رفع الأنصار عقيرتهم في ذلك اليوم العصبصب بقولهم: لا نبايع إلا عليا. و بعد صياح بدريهم: منا أمير ومنكم أمير، وقول عمر له: إذ كان ذلك فمت إن استطعت (5). بعد قول أبي بكر للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمر بيننا وبينكم


(1) العقد الفريد 2 ص 285، صبح الأعشى 1 ص 228. شرح ابن أبي الحديد 3 ص 407. (2) الإمامة السياسة 1 ص 13، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 8 و 19، أعلام النساء 3 ص 1206. (3) الإمامة والسياسة 1: 14. (4) الإمامة والسياسة 1 ص 13، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 5. (5) صحيح البخاري في مناقب أبي بكر وفي باب رجم الحبلى ج 10 ص 45، طبقات ابن سعد 2 ص 55 و ج 3 ص 129، البيان والتبيين للجاحظ 3 ص 181، سيرة ابن هشام 4 ص 339. التمهيد للباقلاني ص 197، تاريخ الطبري 3 ص 206 و 209، مستدرك الحاكم 3 ص 67، الرياض النضرة 1 ص 162، 163، 164، تاريخ ابن كثير 5 ص 146، تيسير الوصول 2 ص 41، 45، [*]

[79]

نصفان كشق الأبلمة - يعني الخوصة - (1) مدت لها الاوس كفاكي تناولها * فمدت الخزرج الأيدي تباريها وظن كل فريق أن صاحبه * أولى بها وأتى الشحناء آتيها (2) بعد قول أم مسطح بن أثاثة واقفة عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وهي تنادي: يا رسول الله ! قد كان بعدك أنباء وهنبثة (3) * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب (4) هذه كلها كانت تهدد السواد، وتروع عامة الناس وما كان لأحد في إصلاح القوم مطمع، ولا لأي من الأمة بعد ما شاهد الحل يوم ذاك حسبان حرمة ولا كرامة لنفسه يقوم بها تجاه ذلك التيار المتدفق. وكانت هناك أمة تراها سكارى - وما هي بسكارى - من حراجة الموقف تسارها هواجسها بالتربص إلى حين، حتى تضع الغائلة أوزارها، ويتضح مآل أمر دبر بليل، ويتبين الرشد من الغي، وهواجس تجعل جماعة كالنزيعة تجهش وتحن وتقرع سن الأسف، وكم حنون لا يجديه حنينه. وما عساني أن قول في تلك الخلافة ؟ بعد ما رآها أبو بكر وعمر بن الخطاب فلتة كفلتة الجاهلية وقى الله شرها (5). بعد ما حكم عمر بقتل من عاد إلى مثل تلك البيعة (6). بعد قوله يوم السقيفة: من بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا


(1) صحيح البخاري في مناقب أبي بكر البيان والتبيين 1 ص 181، عيون الأخبار لابن قتيبة 2 ص 234، طبقات ابن سعد 2 ص 55، ج 3 ص 129، العقد الفريد 2 ص 158، تيسير الوصول 2 ص 452، السيرة الحلبية 3 ص 386، نهاية ابن الأثير 1 ص 13 فيه: كقد الأبلمة. تاج العروس 8 ص 205. (2) من أبيات القصيدة العمرية الحافظ إبراهيم شاعر النيل. (3) الهنبثة: الأمر الشديد والاختلاط في القول. (4) طبقات ابن سعد ص 853، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 17، و ج 1 ص 132، وقد يعزى البيتان مع أبيات أخرى إلى الصديقة فاطمة سلام الله عليها. (5) التمهيد للباقلاني ص 196، شرح ابن أبي الحديد 2: 19، الغدير لنا ج 5: 370. (6) التمهيد ص 196 شرح ابن أبي الحديد 1: 123، 124، الصواعق لابن حجر ص 21. [*]

[80]

بيعة للذي بايعه تغرة أن يقتلا (1). بعد قوله لابن عباس: لقد كان علي فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر (2) بعد قوله: إنا والله ما فعلناه عن عداوة ولكن استصغرناه، وحسبنا أن لا يجتمع عليه العرب وقريش لما قد وترها. بعد قول ابن عباس له في جوابه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعثه فينطح كبشها فلم يستصغره، أفتستصغره أنت وصاحبك ؟ (3). بعد قول عمر لابن عباس: يا بن عباس ! ما أظن صاحبك إلا مظلوما. وقول ابن عباس له: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر، (شرح ابن أبي الحديد 2 ص 18) بعد قول أبي السبطين أمير المؤمنين: أنا عبد الله وأخو رسول الله، أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، فيقول عمر: لست متروكا حتى تبايع. فيقول علي: احلب يا عمر ! حلبا لك شطره (4). بعد قوله عليه السلام: الله الله يا معشر المهاجرين ! ألا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره، وقعر بيته إلى دوركم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين فنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ونحن أحق بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، العالم بسنن الله، المتطلع لأمر الرعية الدافع عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بعدا (5) بعد قوله عليه السلام: لما مضى - المصطفى - لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله ما كان يلقى في روعى، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذ الأمر بعد محمد


(1) صحيح البخاري 10: 44 باب رجم الحبلى من الزنا، مسند أحمد 1: 56، سيرة ابن هشام 4: 338 نهاية ابن الأثير 3: 175، تيسير الوصول 2: 45 شرح ابن أبي الحديد 1: 128، تاريخ ابن كثير 5: 246. (2) شرح ابن أبي الحديد 1: 134 و ج 2: 20، الغدير كتابنا هذا ج 1: 389، (3) راجع الجزء الأول من كتابنا هذا ص 389 ط 2، كنز العمال 6 ص 391. (4) الإمامة والسياسة 1 ص 12، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 5. (5) الإمامة والسياسة 1 ص 12، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 5. [*]

[81]

عن أهل بيته، ولا إنهم منحوه عني من بعده فما راعني إلا انثيال الناس على أبي بكر، وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمر من بعده (1) بعد ما خرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله ! قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه: أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع سلطانه ؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم (2). بعد قوله عليه السلام: أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة، وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده. " ثم تمثل بقول الأعشى ". شتان ما يومي على كورها * ويوم حيان أخي جابر فيا عجبا يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة، إن اشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذا سفوا، وطرت إذا طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال الآخر لصهره مع هن وهن، إلى أن قام ثالث القوم نافجا


(1) الإمامة والسياسة 1 ص 12. (2) الإمامة والسياسة 1: 12، شرح ابن أبي الحديد 1: 131، ج 2: 5. الغدير 7 [*]

[82]

حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته. الحديث. كلمتنا حول هذه الخطبة هذه الخطبة تسمى بالشقشقية وقد كثر الكلام حولها فأثبتها مهرة الفن من - الفريقين ورأوها من خطب مولانا أمير المؤمنين الثابتة التي لا مغمز فيها، فلا يسمع إذن قول الجاهل بأنها من كلام الشريف الرضي، وقد رواها غير واحد في القرون الأولى قبل أن تنعقد للرضي نطفته، كما جاءت بإسناد معاصريه والمتأخرين عنه من غير طريقه و إليك أمة من أولئك: 1 الحافظ يحيي بن عبد الحميد الحماني المتوفى 228 كما في طريق الجلودي في العلل والمعاني. 2 - أبو جعفر دعبل الخزاعي المتوفى 246 رواها بإسناده عن ابن عباس كما في أمالي شيخ الطائفة ص 237، ورواها عنه أخوه أبو الحسن علي. 3 - أبو جعفر أحمد بن محمد البرقي المتوفى 274 / 80 كما في علل الشرايع. 4 - أبو علي الجبائي شيخ المعتزلة المتوفى 303 كما في الفرقة الناجية للشيخ إبراهيم القطيفي، والبحار للعلامة المجلسي 8: 161. 5 - وجدت بخط قديم عليه كتابة الوزير أبي الحسن علي بن الفرات المتوفى 312 كما في شرح ابن ميثم. 6 - أبو القاسم البلخي أحد مشايخ المعتزلة المتوفى 317 كما في شرح ابن أبي الحديد 1 ص 69. 7 - أبو أحمد عبد العزيز الجلودي البصري المتوفى 332 كما في معاني الأخبار. 8 - أبو جعفر ابن قبة تلميذ أبي القاسم البلخي المذكور رواها في كتابه (الانصاف) كما في شرح ابن أبي الحديد 1: 69 وشرح ابن ميثم. 9 - الحافظ سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى 360 كما في طريق القطب الراوندي في شرح النهج.

[83]

10 - أبو جعفر ابن بابويه القمي المتوفى 381 في كتابيه: علل الشرايع ومعاني الأخبار. 11 - أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري المتوفى 382. حكى عنه شيخنا الصدوق شرح الخطبة في معاني الأخبار والعلل. * (لفت نظر) * عده السيد العلامة الشهرستاني في (ما هو نهج البلاغة) ص 22 ممن روى الشقشقية فأرخ وفاته بسنة 395، وذكره في ص 23 فقال: من أبناء القرن الثالث. لا يتم هذا ولا يصح ذاك، وقد خفي عليه أن الحسن بن عبد الله العسكري راوي الشقشقية هو أبو أحمد صاحب كتاب الزواجر وقد توفي سنة 382 وولد 293، وحسبه أبا هلال الحسن بن عبد الله العسكري صاحب كتاب " الأوائل " تلميذ أبي أحمد العسكري والتاريخ الذي ذكره تاريخ فراغه من كتابه الأوائل لا تاريخ وفاته. توجد ترجمة كلا الحسنين العسكريين فمعجم الأدباء 8: 233 - 268، وبغية الوعاة ص 221. 12 - أبو عبد الله المفيد المتوفى 412، أستاذ الشريف الرضي رواها في كتابه (الارشاد) ص 135. 13 - القاضي عبد الجبار المعتزلي المتوفى 415: ذكر في كتابه " المغني " تأويل بعض جمل الخطبة ومنع دلالتها على الطعن في خلافة من تقدم على أمير المؤمنين من دون أي إيعاز إلى الغمز في إسنادها. 14 - الحافظ أبو بكر ابن مردويه المتوفى 416، كما في طريق الراوندي في شرح النهج. 15 - الوزير أبو سعيد الآبي المتوفى 422 في كتابه (نثر الدرر ونزهة الأديب. 16 - الشريف المرتضى أخو الشريف الرضي الأكبر توفي سنة 436 ذكر جملة منها في الشافي ص 203 فقال: مشهور: وذكر صدرها في ص 204 فقال: معروف. 17 - شيخ الطائفة الطوسي المتوفى 460 رواها في أماليه ص 327 عن السيد أبي الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار المترجم في مستدرك العلامة النوري 3: 509 من طريق الخزاعيين. وفي تلخيص الشافي. م 18 - أبو الفضل الميداني المتوفى 518 في مجمع الأمثال ص 383 قال: و

[84]

لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه خطبة تعرف بالشقشقية لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال له حين قطع كلامه: يا أمير المؤمنين ! لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت فقال: هيهات يا ابن عباس ! تلك شقشقة هدرت ثم قرت]. 19 - أبو محمد عبد الله بن أحمد البغدادي الشهير بابن الخشاب المتوفى 567 قرأها عليه أبو الخبر مصدق الواسطي النحوي، وسيوافيك بعيد هذا كلامه فيها. 20 - أبو الحسن قطب الدين الراوندي المتوفى 573 رواها في شرح نهج البلاغة من طريق الحافظين: ابن مردويه والطبراني وقال: أقول: وجدتها في موضعين تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة، أحدهما: أنها مضمنة كتاب " الانصاف " لأبي جعفر ابن قبة تلميذ أبي القاسم الكعبي أحد شيوخ المعتزلة وكانت وفاته قبل مولد الرضي. الثاني: وجدتها بنسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات وكان وزير المقتدر بالله، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة، والذي يغلب على ظني أن تلك النسخة كانت كتبت قبل وجود ابن الفرات بمدة. 21 - أبو منصور الطبرسي أحد مشايخ ابن شهر آشوب المتوفى 588 في كتابه " الاحتجاج " ص 95 فقال: روى جماعة من أهل النقل من طرق مختلفة عن ابن عباس. 22 - أبو الخير مصدق بن شبيب الصلحي النحوي المتوفى 605 قرأها على أبي محمد ابن الخشاب وقال: لما قرأت هذه الخطبة على شيخي أبي محمد ابن الخشاب ووصلت إلى قول ابن عباس: ما أسفت على شئ قط كأسفي على هذا الكلام. قال: لو كنت حاضرا لقلت لابن عباس: وهل ترك ابن عمك في نفسه شيئا لم يقله في هذه الخطبة ؟ فإنه ما ترك لا الأولين ولا الآخرين. قال مصدق: وكانت فيه دعابة فقلت له: يا سيدي ؟ فلعلها منحولة إليه. فقال: لا والله إني أعرف أنها من كلامه كما أعرف أنك مصدق، قال فقلت: إن الناس ينسبونها إلى الشريف الرضي فقال: لا والله، ومن أين للرضي هذا الكلام وهذا الأسلوب ؟ فقد رأينا كلامه في نظمه ونثره لا يقرب من هذا الكلام ولا ينتظم في سلكه ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنف قبل أن يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل أن يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي " راجع

[85]

شرح ابن ميثم. وشرح ابن أبي الحديد 1: 69 ". 23 - مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير الجزري المتوفى 606، أوعز إليها في كلمة " شقشق " في النهاية ج 2: 294 فقال: ومنه حديث علي في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثم قرت. 24 - أبو المظفر سبط ابن الجوزي المتوفى 654 في تذكرته ص 73 من طريق شيخه أبي القاسم النفيس الأنباري بإسناده عن ابن عباس فقال: تعرف بالشقشقية ذكر بعضها صاحب نهج البلاغة وأخل بالبعض وقد أتيت بها مستوفاة ثم ذكرها مع اختلاف ألفاظها. 25 - عز الدين ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى 655 قال في شرح النهج 1: 69. قلت: وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة وكان في دولة المقتدر قبل أن يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر ابن قبة أحد متكلمي الإمامية وهو الكتاب المشهور بكتاب " الانصاف " وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي رحمه الله تعالى ومات في ذلك العصر قبل أن يكون الرضي رحمه الله تعالى موجودا. 26 - كمال الدين ابن ميثم البحراني المتوفى 679، حكاها عن نسخة قديمة عليها خط الوزير علي بن الفرات المتوفى 312، وعن كتاب " الانصاف " لابن قبة، وذكر كلمة ابن الخشاب المذكورة وقراءة أبي الخير إياها عليه. 27 - أبو الفضل جمال الدين ابن منظور الأفريقي المصري المتوفى 711 قال في مادة (شقشق) من كتابه (لسان العرب) ج 12: 53: وفي حديث علي رضوان الله عليه في خطبة له: تلك شقشقة هدرت ثم قرت. 28 - مجد الدين الفيروز آبادي المتوفى 816 / 17 أوعز إليها في القاموس ج 3: 251 قال: والخطبة الشقشقية العلوية لقوله لابن عباس لما قال له: لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت: يا بن عباس ! هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت. ثم ما عساني أن أقول بعد ما يعربد شاعر النيل (1) اليوم، ويأجج النيران الخامدة


(1) محمد حافظ إبراهيم المتوفى سنة 1933 م 1351 ه‍. [*]

[86]

ويجدد تلكم الجنايات المنسية (لاها الله لا تنسى مع الأبد) ويعدها ثناء على السلف، ويرفع عقيرته بعد مضي قرون على تلكم المعرات، ويتبهج ويتبجح بقوله في القصيدة (العمرية) تحت عنوان: عمر وعلي: وقولة لعلي قالها عمر * أكرم بسامعها أعظم بملقيها: حرقت دارك لا أبقي عليك بها * إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها ما كان غير أبي حفص يفوه بها * أمام فارس عدنان وحاميها ماذا أقول بعد ما تحتفل الأمة المصرية في حفلة جامعة في أوائل سنة 1918 بإنشاد هذه القصيدة العمرية التي تتضمن ما ذكر من الأبيات ؟ وتنشرها الجرائد في أرجاء العالم، ويأتي رجال مصر نظراء أحمد أمين. وأحمد الزين. وإبراهيم الأبياري (1) و علي جارم. وعلي أمين (2) وخليل مطران (3) ومصطفى الدمياطي بك (4) وغيرهم (5) ويعتنون بنشر ديوان هذا شعره، وبتقدير شاعر هذا شعوره، ويخدشون العواطف في هذه الأزمة في هذا اليوم العصبصب، ويعكرون بهذه النعرات الطائفية صوف السلام الوئام في جامعة الاسلام ويشتتون بها شمل المسلمين، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا. وتراهم يجددون طبع ديوان الشاعر وقصيدته العمرية خاصة مرة بعد أخرى ويعلق عليها شارحها الدمياطي قوله في البيت الثاني: المراد أن عليا لا يعصمه عن عمر سكنى بنت المصطفى في هذه الدار. وقال في ص 39 من الشرح: وفي رواية لابن جرير الطبري قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وبه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة فخرج عليه


(1) ضبط وصحح وشرح هؤلاء الثلاث الديوان طبعة سنة 1937 م بدار الكتب في جزئين والأبيات المذكورة توجد فيها ج 1 ص 82. (2) هما ومعهما ثالث التزموا تصحيح الديوان في طبعة أخرى. (3) له مقدمة لديوان الحافظ في طبعة مكتبة الهلال سنة 1935 م 1353 ه‍ والأبيات فيها ص 184 غير أن الشطر الثاني من البيت الثاني محرف: إن لم تبالغ وبنت المصطفى فيها. (4) شارح القصيدة العمرية طبع بمطبعة السعادة في مصر في 90 صفحة. توجد الأبيات فيه مشروحة ص 38. (5) في عدة طبعات أخرى. [*]

[87]

الزبير مصلتا بالسيف فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه. فإن كان زياد هذا هو الحنظلي أبو معشر الكوفي فهو موثق. والظاهر أن حافظا رحمه الله عول على هذه الرواية ه‍. وتراهم بالغوا في الثناء على الشاعر وقصيدته هذه كأنه جاء للأمة بعلم جم، أو رأي صالح جديد، أو أتى لعمر بفضيلة رابية تسر بها الأمة ونبيها المقدس، فبشرى بل بشريان لنبي الأعظم بأن بضعته الصديقة لم تكن لها أي حرمة وكرامة عند من يلهج بهذا القول، ولم يكن سكناها في دار طهر الله أهلها يعصمهم منه ومن حرق الدار عليهم فزه زه بانتخاب هذا شأنه وبخ بخ ببيعة تمت بذلك الإرهاب قضت بتلك الوصمات. لا تهمنا هذه كلها وإنما يهمنا الساعة " بعد أن درسنا تاريخ حياة الخليفة الأول فوجدناه لدة غيره من الناس العاديين في نفسياته قبل إسلامه وبعده، وإنما سنمه عرش الخلافة الانتخاب فحسب " البحث في موضوعين ألا وهما: فضائله المأثورة. وملكاته النفسية. - 1 - (فضائله المأثورة) هل صح عن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله فيه حديث فضيلة ؟ وهل صحيح ما رووه فيه من الثناء الكثير الحافل ؟ نحن هيهنا نقف موقف المستشف للحقيقة، ولا ننبس في القضاء ببنت شفة، غير ما ننقله عن أئمة فن الحديث المميزين بين صحيحه وسقيمه، ثم نردفه بالاعتبار الذي يساعده. قال الفيروز آبادي في خاتمة كتابه " سفر السعادة المطبوع: خاتمة الكتاب في الإشارة إلى أبواب روي فيها أحاديث وليس منها شيئ صحيح، ولم يثبت منها عند جهابذة علماء الحديث شيئ. ثم عد أبوابا إلى أن قال: باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أشهر المشهورات من الموضوعات أن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة. وحديث: ما صب الله في صدري شيئا

[88]

إلا وصبه في صدر أبي بكر. وحديث: كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا اشتاق الجنة قبل شيبة أبي بكر. وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان. وحديث: إن الله لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر. وأمثال هذا من المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل ا ه‍. وعد العجلوني في كتابه كشف الخفا ص 419 - 424 مائة باب من أبواب الفقه وغيره فقال: لم يصح فيه حديث. أو: ليس فيه حديث صحيح. وما يقاربهما وقال في ص 419: فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه أشهر المشهورات من الموضوعات كحديث إن الله يتجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة. إلى آخر عبارة الفيروز آبادي المذكورة. وذكر السيوطي في " اللئالي المصنوعة " ج 1 ص 186 - 302 ثلثين حديثا من أشهر فضائل أبي بكر " مما اتخذه المؤلفون في القرون الأخيرة من المتسالم عليه، و أرسلوه إرسال المسلم بلا أي سند أو أي مبالات " وزيفها وحكم فيها بالوضع وذكر رأي الحفاظ فيها. كان السيوطي يهملج وراء القوم فبهظه أن لا يستصح حتى حديثا واحدا من تلكم الثلثين فقال في ص 296 فيما عزى إليه صلى الله عليه وآله من قوله " عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها مكتوبا: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق من خلفي " بعد ما حكم عليه بالوضع لمكان عبد الله بن إبراهيم الغفاري (1) الوضاع. وكان شيخه عبد الرحمن بن زيد المتفق على ضعفه ينص منه عليهما بذلك ما لفظه: قلت: الذي أستخير الله فيه الحكم على هذا الحديث بالحسن لا بالوضع ولا بالضعف لكثرة شواهده. ثم ذكر شواهد عن طرق لا يصح شئ منها، وفي كل واحد منها وضاع أو كذاب، أو من أتفق على ضعفه، أو مجهول لا يعرف يروي عن مجهول مثله، وقد عزب عنه أن الاستخارة لا تقلب خيرا، ولا يعيد السقيم صحيحا. ولا المنكر معروفا. وراحت إلى العطار تبغي شبابها * فهل يصلح العطار ما أفسد الدهر ؟ والله سبحانه لا يجازف في إسداء الخير، والشواهد المكذوبة لا تقوي الضعف مع


(1) راجع الجزء الخامس من هذا الكتاب ص 303 ط 2. [*]

[89]

نص الحفاظ على كل واحد منها بالوضع أو الضعف، وإليك بيان طرف تلك الشواهد. 1 - طريق الخطيب البغدادي مر في الجزء الخامس ص 303، 325 ط 3. 2 - طريق البزار في مسنده وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري الوضاع، وشيخه عبد الرحمن بن زيد المتفق على ضعفه كما في تهذيب التهذيب 6 ص 178، واللئالي المصنوعة 1 ص 296. 3 - طريق ابن شاهين في السنة وهو طريق الخطيب البغدادي وحديثه، وقد حكم الذهبي وابن حجر ببطلانه كما مر في الجزء الخامس. 4 - طريق الدارقطني في الأفراد قال السيوطي في " اللئالي " 1 ص 297 بعد ذكره قال الدارقطني: تفرد به (محمد) بن فضيل عن ابن جريج لا أعلم أحدا حدث به غير هذين. وأورده المؤلف في الواهيات من طريق السري وقال: لا يصح. قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج بالسري بن عاصم. قال الأميني: السري بن عاصم راوي الحديث أحد الكذابين مرت ترجمته في الجزء الخامس ص 231 ط 2، وللدارقطني طريق آخر وفيه عمر بن إسماعيل بن مجالد أحد الكذابين (1) وبهذا الطريق ذكره السيوطي في " اللئالي 1 ص 309 فقال: لا يصح آفته عمر كذاب. 5 - طريق الديلمي في مسند الفردوس فيه بعد رجال مجاهيل عبد المنعم بن بشير أبو الخير الكذاب الوضاع الذي له مائتا حديث كذب (2) وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم المجمع على ضعفه كما مر. 6 طريق الختلي في ديباجة عن نصر بن حريش (3) عن أبي سهل مسلم الخراساني عن عبد الله بن إسماعيل عن الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مكتوب على ساق العرش: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، ووزيراه أبو بكر الصديق وعمر الفاروق.


(1) راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص 246 ط 2: (2) راجع الجزء الخامس من الكتاب ص 241 ط 2. (3) في اللئالي: جريش: والصحيح ما ذكرناه [*]

[90]

قال الدارقطني كما في تاريخ بغداد 3 ص 286: هذا إسناد ضعيف لا يثبت، أبو سهل ونصر بن حريش ضعيفان. وقال العقيلي كما في لسان الميزان 3 ص 260: عبد الله بن إسماعيل منكر الحديث لا يتابع على شيئ من حديثه. والحديث مع هذا مرسل والحسن البصري لا يروي عن رسول الله ولم يدركه. وللخطيب طريق بهذا اللفظ ليست فيه كلمة (ساق. ووزيراه) وفي إسناده أحمد برجاء بن عبيدة قال الخطيب في تاريخه 4 ص 158: مجهول. 7 - طريق ابن عساكر فيه عبد العزيز الكتاني لينه الذهبي كما في لسان الميزان 4 ص 33، وفيه الحارث بن زياد المحاربي قال الذهبي وغيره: ضعيف مجهول كما في اللسان 2 ص 149، وفيه من لا يعرف ولا توجد له ترجمة في المعاجم، ولابن عساكر طريق آخر بالإسناد عن محمد بن عبد بن عامر المعروف بوضع الحديث (1) عن عصام بن يوسف ضعفه ابن سعد. وخطأه ابن حبان، وقال ابن عدي: روى أحاديث لا يتابع عليها كما في لسان الميزان 4 ص 168. ويرشدك إلى صحة قول الفيروز آبادي والعجلوني ما أوضحناه في الجزء الخامس ص 297 - 332 ط 2 من تفنيد مائة منقبة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مختلفة لأبي بكر ولزبائنه بحكم الأئمة والحفاظ. وكذا ما زيفناه من خمس وأربعين رواية موضوعة في الخلافة في صفحة 333 - 356 ط 2 كل ذلك بقضاء من رجالات الفن نظراء. ابن عدي، الطبراني، ابن حبان، النسائي، الحاكم، الدار قطني، العقيلي، ابن المديني، أبو عمر، الجوزقاني، المحب الطبري، الخطيب البغدادي ابن الجوزي، أبو زرعة، ابن عساكر، الفيروز آبادي، إسحاق الحنظلي ابن كثير، ابن القيم، الذهبي، ابن تيمية، ابن أبي الحديد، ابن حجر الهيثمي، ابن حجر العسقلاني الحافظ المقدسي، السيوطي الصغاني، الملا علي القاري، العجلوني، ابن درويش الحوت، وغيرهم. ويشهد لبطلان تلكم الروايات الجمة في فضائل الخليفة الأول خلو الصحاح الست والسنن والمسانيد القديمة عنها، فلو كان مؤلفوها يجدون على شيئ منها مسحة


(1) راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص 259 ط 2.

[91]

من الصحة بل لو كانوا واقفين عليها ولو على واحدة منها لما أجمعوا على تركها فيرويها متحروا الزوايا، ونباشة الدفاين، فيبرزوها إلى الملأ من تحت غبار الهجر، أو وراء نسج عناكب النسيان، فيرشدنا ذلك إلى أن مواليد هذه الروايات متأخر تاريخها عن عهد أرباب الصحاح وحسبها ذلك مهانة وضعة. كما أن ما في الصحاح من النزر اليسير ولائد متأخرة عن عهد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله. على أن الخليفة نفسه لو كان على ثقة من صدور شئ من تلكم الأحاديث ولو يسيرا منها من قائلها صلى الله عليه وآله لما كان يرى مثل أبي عبيدة الجراح حفار القبور أولى منه بالخلافة، ولما قدمه على نفسه، ولما ترك الاحتجاج بها يوم كانت حاجته إليه مسيسة، ويوم كان الحوار في أمر الخلافة قائما على قدم وساق، وطفق كل ذي فضل يدلي بحججه، وقد احتدم الجدال حتى كاد أن يكون جلادا، واستحر الحجاج حتى عاد لجاجا، لكن الرجل لم يكن عنده حجة ولا لزبانيته إلا أنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وثاني اثنين إذ هما في الغار، وأنه أكبر القوم سنا وكان أبوه أكبر منه لا محالة وقد اختارته الجماعة وانعقدت له البيعة بعد هوس وهياج ركونا إلى أمثال هذه مما لا تثبت بها حجة، ولا يخضع لها ذو مسكة، ولا يصلح بها شأن الأمة، ولا يجمع بها شمل. ولا يتم بها الأمر. نعم: روي عن أبي بكر أنه ذكر في الحجاج له أشياء حذفتها الرواة ولم يذكروا منها إلا أنه أول من أسلم. أو: أول من صلى. عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بها ؟ ألست أول من أسلم ؟ ألست صاحب كذا ؟ ألست صاحب كذا ؟ (1) وعن أبي نضرة قال: لما أبطأ الناس عن أبي بكر قال: من أحق بهذا الأمر مني ؟ ألست أول من صلى ؟ ألست ؟ ألست ؟ ألست ؟ فذكر خصالا فعلها مع النبي صلى الله عليه وسلم (2)


(1) أخرجه الترمذي، والبزار، وابن حبان، وأبو نعيم في المعرفة، وابن مندة في غرائب شعبة، وسعيد بن منصور، وأبو داود كما في كنز العمال 3 ص 125، وذكره ابن الأثير في أسد الغابة 3: 209، وابن كثير في تأريخه 3: 27. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ط ليدن 3: 129، وخيثمة الطرابلسي في فضائل الصحابة كما في كنز العمال 3: 126. [*]

[92]

ونحن لا نعرف شيئا مما حذفوه من فضائله المزعومة أو اختلقوا نسبته إليه إذ من الممكن - بل المحقق - أنه لم يقل شيئا، وإنما اصطنعوا له هذه الصورة لإيهام أنه كانت له يوم ذاك فضائل مسلمة، لكن نعطف النظرة على المذكور من تلك المناقب وهو كون الخليفة أول من أسلم. أو: أول من صلى، ولم يكن كذلك. والقول به يخالف رأي النبي الأعظم ونصوص الصحابة، وقد فصلنا القول فيه في الجزء الثالث ص 219 - 243 ط 2 وذكرنا مائة نص عن النبي الأقدس وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما، وعن الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان على أن أول من أسلم وأول من صلى من ذكر هو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام. وأوضحنا هنالك أن أبا بكر ليس أول من أسلم. أو: صلى بل في صحيحة الطبري: إنه أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا. فراجع. ولو كانت الصحابة الأولون يعرفون شيئا من تلكم الموضوعات الجمة لما تركوا الاحتجاج به يوم ذاك يوم إخضاع الناس بدلا عن إشفاع الدعوة بالإرهاب والترعيد، و لما يقتصر عمر بن الخطاب يوم السقيفة بقوله: من له مثل هذه الثلاث: ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن. إن الله معنا. وبقوله: إن أولى الناس بأمر نبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار. أبو بكر السباق المسن. وبقوله يوم بيعة العامة: إن أبا بكر صاحب رسول الله. وثاني اثنين إذ هما في الغار (1). ولما قال سلمان للصحابة. أصبتم ذا السن منكم ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم (2)، ولما يكتفي عثمان بن عفان في الدعوة إلى أبي بكر بقوله: إن أبا بكر الصديق أحق الناس بها، إنه لصديق وثاني اثنين وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم (3)


سيرة ابن هشام 4: 340، الرياض النضرة 1: 162، 166، تأريخ ابن كثير 5: 247 248، شرح ابن أبي الحديد 2: 16، السيرة الحلبية 3: 388. (2) شرح ابن أبي الحديد 1: 131، ج 2: 17. (3) أخرج الأطرابلسي في فضائل الصحابة كما في كنز العمال 3: 140.

[93]

ولما فاه المغيرة بن شعبة بمقاله لأبي بكر وعمر: تلقوا العباس فتجعلوا له في هذا الأمر نصيبا فيكون له ولعقبه فتقطعوا به من ناحية علي ويكون لكم حجة عند الناس على علي إذا مال معكم العباس. ولما دخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة على العباس ليلا، ولما قال أبو بكر له: لقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك ويكون لمن بعدك من عقبك، إذ كنت عم رسول الله (1). ولما تم الأمر له ببيعة اثنين فحسب: عمر وأبي عبيدة. أو: ببيعة أربع: هما مع أسيد وبشر. أو بخمسة: هم مع سالم مولى أبي حذيفة كما يأتي تفصيله. ولما تخلف عن بيعته رؤس المهاجرين والأنصار: علي وابناه السبطان. والعباس وبنوه في بني هاشم. وسعد بن عبادة وولده وأسرته. والحباب بن المنذر وتابعوه. والزبير وطلحة. وسلمان. وعمار. وأبو ذر. والمقداد. وخالد بن سعيد. وسعد بن أبي وقاص. وعتبة بن أبي لهب. والبراء بن عازب. وأبي بن كعب. وأبو سفيان بن حرب. وغيرهم (2). ولما كان مجال لقول محمد بن إسحاق: كان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. شرح ابن أبي الحديد 2: 8. ولما قال عتبة بن أبي لهب يوم ذاك بملأ من مدعي الفضائل: ما كنت أحسب أن الأمر منصرف * عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن عن أول الناس إيمانا وسابقة * وأعلم الناس بالقرآن والسنن وآخر الناس عهدا بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن من فيه ما فيهم ؟ لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن ماذا الذي ردكم عنه ؟ فنعلمه * ها إن بيعتكم من أول الفتن (3).


(1) الإمامة والسياسة 1: 15 تأريخ اليعقوبي 2: 103، 104 شرح بن أبي الحديد 1: 132. (2) تأريخ اليعقوبي 2: 103، الرياض النضرة 1: 167 تأريخ أبي الفدا ج 1: 156، روضة المناظر لابن شحنة هامش الكامل 7: 164 شرح ابن أبي الحديد 1: 134. (3) تأريخ اليعقوبي 2: 103، رسائل الجاحظ 22، أسد الغابة 4 ص 40، تأريخ أبي الفدا ج 1 ص 164، شرح ابن أبي الحديد 3: 259، الغدير 3: 232. تعزى هذه الأبيات إلى عدة شعراء راجع المصادر المذكورة [*]

[94]

ولما قال قصي يوم ذاك: بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي وإن امرءا يرمي قصيا وراءه * عزيز الحمى والناس من غالب قصي (1)


(2) تاريخ اليعقوبي 2: 105. [*]

[95]

- 2 - ملكاته ونفسياته يهمنا النظر إلى ملكات الخليفة وما انحنت عليه أضالعه من علوم أو نفسيات حتى نعلم أنها هل تجعل له صلة بفضيلة ؟ أو تقرب مبوأه من التأهل لهاتيك المرويات ؟ أو تعين له حدا يكون التفريط منه إجحافا به، وبخسا بحقه، وتحطيما لمقامه ؟ أو يعرف الغلو بالإفراط فيه ؟ أما هو قبل الاسلام فلا نفيض عنه قولا لأن الاسلام يجب ما قبله، فلا التفات إذن إلى ما جاء به عكرمة رضي الله تعالى عنه من قوله: كان أبو بكر رضي الله عنه يقامر أبي بن خلف وغيره من المشركين وذلك قبل أن يحرم القمار. ذكره الإمام الشعرائي في كتابه كشف الغمة ج 2: 154. وقال الإمام أبو بكر الجصاص الرازي الحنفي المتوفى 370 في أحكام القرآن 1: 388: لا خلاف بين أهل العلم في تحريم القمار وإن المخاطرة من القمار، قال ابن عباس: إن المخاطرة قمار وإن أهل الجاهلية كانوا يخاطرون على المال والزوجة وقد كان ذلك مباحا إلى أن ورد تحريمه، وقد خاطر أبو بكر الصديق المشركين حين نزلت: آلم غلبت الروم. كما لا يلتفت إلى ما ذكره أبو بكر الاسكافي في الرد على الرسالة العثمانية للجاحظ (1) من أن أبا بكر كان قبل إسلامه مذكورا ورئيسا معروفا، يجتمع إليه كثير من أهل مكة فينشدون الأشعار، ويتذاكرون الأخبار، ويشربون الخمر، و قد سمع دلائل النبوة وحجج الرسالة، وسافر إلى البلدان، ووصلت إليه الأخبار. وأخرج الفاكهي في كتاب مكة بإسناده عن أبي القموص قال: شرب أبو بكر الخمر في الجاهلية (2) فأنشأ يقول:


(1) رسائل الجاحظ ص 34، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 264. (2) هذه الكلمة دخيلة في الرواية، وذيل الرواية يكذبها أيضا وسنوقفك على التاريخ الصحيح [*]

[96]

تحيي أم بكر بالسلام * وهل لي بعد قومك من سلام ؟ الأبيات فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يجر إزاره حتى دخل فتلقاه عمر وكان مع أبي بكر فلما نظر إلى وجهه محمرا قال: نعوذ بالله من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يلج لنا رأسا أبدا، فكان أول من حرمها على نفسه. وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص 66 فقال: هو مما تنكره القلوب. فكأن الحكيم وجد الحديث دائرا سائرا في الألسن غير أنه رأى القلوب تنكره. وذكره ابن حجر في الإصابة 4: 22 فقال: واعتمد نفطويه على هذه الرواية فقال: شرب أبو بكر الخمر قبل أن تحرم ورثى قتلى بدر من المشركين. وحديث أبي القموص هذا أخرجه الطبري في تفسيره 2: 203 وفي طبعة 211 عن ابن بشار (1) عن عبد الوهاب (2) عن عوف (3) عن أبي القموص زيد بن علي (4) قال: أنزل الله عز وجل في الخمر ثلاث مرات، فأول ما أنزل قال الله: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما (5) قال: فشربها من المسلمين من شاء الله منهم على ذلك حتى شرب رجلان فدخلا في الصلاة فجعلا يهجران كلاما لا يدري عوف ما هو فأنزل الله عز وجل فيها: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون (6) فشربها من شربها منهم وجعلوا يتقونها عند الصلاة حتى شربها فيما زعم أبو القموص رجل فجعل ينوح على قتلى بدر: تحيي بالسلامة أم عمرو * وهل لك بعد رهطك من سلام ؟ ذريني أصطبح بكرا فإني * رأيت الموت نقب عن هشام وود بنو المغيرة لو فدوه * بألف من رجال أو سوام


(1) الحافظ أبو بكر محمد بن بشار العبدي البصري. من رجال الصحاح الست. (2) ابن عبد المجيد البصري. من رجال الصحاح الست. (3) ابن أبي جميلة العبدي البصري. من رجال الصحاح الست. (4) ثقة كما في تهذيب التهذيب 3 ص 420. (5) سورة البقرة آية: 219. (6) سورة النساء. آية: 43. [*]

[97]

كأني بالطوي طوي بدر * من الشيزى يكلل بالسنام كأني بالطوي طوي بدر * من الفتيان والحلل الكرام قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء فزعا يجر رداءه من الفزع حتى انتهي إليه فلما عاينه الرجل فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كان بيده ليضربه قال: أعوذ بالله من غضب الله ورسوله والله لا أطعمها أبدا فأنزل الله تحريمها: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس (1) إلى قوله: فهل أنتم منتهون. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنتهينا. إنتهينا (2). وأخرج البزار عن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم تينا وزبيبا خلطناهما جميعا وكان في القوم رجل يقال له: أبو بكر فلما شرب قال: أحيي أم بكر بالسلام * وهل لك بعد قومك من سلام ؟ يحدثنا الرسول بأن سحتا * وكيف حياة أصل أو هشام (3) فبينا نحن كذلك والقوم يشربون إذ دخل علينا رجل من المسلمين فقال: ما تصنعون ؟ إن الله تبارك وتعالى قد نزل تحريم الخمر. الحديث. وقال ابن حجر في فتح الباري 10: 30، والعيني في عمدة القاري 20: 84: من المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن طهمان (4) عن أنس أن أبا بكر وعمر كانا فيهم. وهو منكر مع نظافة سنده، وما أظنه إلا غلطا. وقد أخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة شعبة من حديث عائشة قالت: حرم أبو بكر الخمر على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام. ويحمل أن كان محفوظا أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم


(1) سورة المائدة. آية: 91. (2) لا يخفى على القارئ أن الطبري حرف اسم أبي بكر وجعل مكانه: رجل. وحرف كلمة " أم بكر " في الشعر وبدلها بأم عمرو. صونا للكرامة (3) مجمع الزوائد 5: 51. (4) وثقه أحمد. وابن معين. وأبو حاتم. ويعقوب بن سفيان. وأبو داود. والحاكم. والدار قطني. تهذيب التهذيب 8 ص 216. [*]

[98]

ولم يشربا معهم (1) ثم وجدت عند البزار من وجه آخر عن أنس قال: كنت ساقي القوم وكان في القوم رجل يقال له: أبو بكر فلما شرب قال: تحيي بالسلامة أم بكر.... فدخل علينا رجل من المسلمين فقال: قد نزل تحريم الخمر. الحديث. وأبو بكر هذا يقال له: ابن شغوب فظن بعضهم أنه أبو بكر الصديق وليس كذلك ولكن قرينة ذكر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصديق فحصلنا تسمية عشرة. ا ه‍. قال الأميني: ترى ابن حجر يتلعثم في ذكر الحديث، فلا يدعه حبه للخليفة أن يقبله، ولا تخليه صحته أن يصفح عنه، فجاء يستغرب أولا ثم يستنكره مع الحكم بنظافة سنده، ويظنه غلطا تارة ويراه محفوظا أخرى، وبالأخير يأخذه صدق النبأ و صحته فيتخلص منه بالحكم بأن المذكور فيه هو أبو بكر الصديق بقرينة عمر، فيعدهما من أحد عشر الذين كانوا يشربون الخمر في دار أبي طلحة. وابن حجر يعلم بأن ما أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث عايشة لا يقاوم هذا النبأ الثابت المروي بالطرق الصحيحة عن رجال الصحاح، ذكر أبو نعيم حديثه في الحلية. 7 ص 160 من طريق عباد بن زياد الساجي عن ابن عدي عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن أبي الرجال عن أمه عمرة عن عائشة. وقال: غريب من حديث شعبة لم نكتبه إلا من من حديث عباد بن أبي عدي. ا ه‍. وفيه: عباد بن زياد الساجي، يتهم بالقدر. قال موسى بن هارون: تركت حديثه، و قال ابن عدي: هو من أهل الكوفة الغالين في التشيع له أحاديث مناكير في الفضائل. " تهذيب التهذيب 5: 294 ". وفيه: شعبة عن محمد بن عبد الرحمن أبي الرجال قال الخطيب: هذا وهم شعبة لم يرو عن أبي الرجال شيئا، وكذلك من قال فيه عن شعبة عن محمد بن عبد الرحمن عن أمه عمرة. " تهذيب التهذيب 9: 295 " وقال ابن حجر والعيني: وقع عند عبد الرزاق عن معمر بن ثابت وقتادة وغيرهما


(1) هنا ينتهي كلام العيني والبقية كلمة ابن حجر فحسب.

[99]

عن أنس: إن القوم كانوا أحد عشر رجلا (1). نادي الخمر هذا كان عام الفتح سنة ثمان من الهجرة بالمدينة المشرفة في دار أبي طلحة زيد بن سهل وكانت السقاية لأنس كما في صحيح البخاري كتاب التفسير في سورة المائدة في آية الخمر، وفي صحيح مسلم في كتاب الأشربة باب تحريم الخمر وقال السيوطي في الدر المنثور 2: 321: أخرجه عبد بن حميد. وأبو يعلى. وابن المنذر، وأبو الشيخ. وابن مردويه عن أنس. وأخرجه أحمد في المسند 3: 181، 227 والطبري في تفسيره 7: 24، والبيهقي في السنن الكبرى 8: 286، 290. وابن كثير في تفسيره 2: 93، 94. وكان عدة الحضور في ذلك النادي كما مرت عن معمر وقتادة أحد عشر رجلا ذكر منهم ابن حجر في فتح الباري 10: 30 عشرة أنفس وقال كما مر ص 98: فحصلنا تسمية عشرة وهم: 1 - أبو بكر بن أبي قحافة. وكان يوم ذاك ابن ثمان وخمسين سنة. 2 - عمر بن الخطاب. وكان يوم ذاك ابن خمس وأربعين سنة. 3 - أبو عبيدة الجراح. وكان ابن ثمان وأربعين سنة. 4 أبو طلحة زيد بن سهل صاحب النادي، وكان له أربع وأربعون سنة، قال ابن الجوزي في الصفوة 1: 191: توفي سنة أربع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة 5 - سهيل بن بيضاء. توفي بعد القضية بسنة وهو كبير السن. 6 - أبي بن كعب. 7 - أبو دجانة سماك بن خرشة. 8 - أبو أيوب الأنصاري. 9 - أبو بكر بن شغوب. 10 - أنس بن مالك ساقي القوم، كان يوم ذاك ابن ثمانية عشر عاما على الأصح وفي صحيحة مسلم في الأشربة في باب تحريم الخمر، والبيهقي في السنن 8: 29 عن أنس أنه قال: إني لقائم أسقيهم وأنا أصغرهم.


(1) فتح الباري 10 ص 30، عمدة القاري 10 ص 84. [*]

[100]

وقد عزب عن ابن حجر حادي عشر القوم وهو: معاذ بن جبل. كما ورد في حديث قتادة عن أنس، أخرجه ابن جرير في تفسيره 7: 24، والهيثمي في مجمع الزوائد 5 52، والعيني في عمدة القاري 8: 589، والسيوطي في الدر المنثور 2: 321 نقلا عن ابن جرير وأبي الشيخ وابن مردويه، والنووي في شرح مسلم هامش إرشاد القسطلاني 8: 232. وكان معاذ يوم ذاك ابن ثلاث وعشرين سنة إذ توفي سنة 18 وله 33 عاما كما ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة. وهؤلاء المذكورين من الذين كانوا يشربون الخمر بعد نزول الآيتين فيها بتأويل فيهما كما مر في الجزء السادس 251 ط 2، إلى أن نزل آية المائدة: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان: إلى قوله تعالى: فهل أنتم منتهون. وكان ذلك في عام الفتح فلما رأوا غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلموا من الآية الثلاثة التحذير والوعيد إنتهوا وقال عمر: إنتهينا إنتهينا. قال الآلوسي في تفسيره 2: 115: شربها كبار الصحابة رضي الله عنهم بعد نزولها " يعني آية الخمر في البقرة " وقالوا: إنما نشرب ما ينفعنا ولم يمتنعوا حتى نزلت آية المائدة. ا ه‍. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث أنس أنه قال: كنا نشرب الخمر فأنزلت: يسألونك عن الخمر والميسر. الآية. فقلنا: نشرب منها ما ينفعنا. فأنزلت في المائدة: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس. الآية. فقالوا: أللهم قد انتهينا (1). وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه قال: أول ما نزل في تحريم الخمر " يسألونك عن الخمر والميسر " الآية فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها التي فيها. وقال آخرون لا خير في شيئ فيه إثم ثم نزل " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " الآية، فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا. وقال آخرون: لا خير في شيئ يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين. فنزلت " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر الآية " فانتهوا. (2)


(1) الدر المنثور 1: 252، تفسير الشوكاني 1: 197. (2) تفسير الآلوسي 7 ص 17. [*]

[101]

ولتعدد آيات الخمر واختلاف السلف فيها وتأويل جمع منهم آيتي البقرة النساء من تلكم الآيات وقع الخلاف في تاريخ حرمتها على أقوال: م 1 - الأخذ بما أخرجه الطبراني من طريق معاذ بن جبل من أن أول ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين بعث شرب الخمر وملاحاة الرجال (1) فتحريم الخمر كان في أوليات الهجرة إن لم تكن في أوليات البعثة، ويساعده ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أن أعظم الكبائر شرب الخمر (2) ويبرمه النظر في آيات الخمر فالآية الأولى منها من سورة البقرة وهي أول سورة نزلت بالمدينة (3) والآية الثانية في سورة النساء وقد نزلت في أوائل الهجرة (4) ولعل هذا رأي كل من رأى حرمة الخمر بآية البقرة، قالت عائشة: لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك (5) وقد نزلت سورة البقرة بعد زواج عايشة كما مر في الجزء السادس ص 197. واختار الجصاص حرمة الخمر بآية البقرة كما أسلفنا كلامه في الجزء السادس صفحة 254 ط 2، وقال القرطبي في تفسيره 3: 60: قال قوم من أهل النظر حرمت الخمر بهذه الآية يعني التي في سورة البقرة، وقال الرازي في تفسيره 2: 229: إن هذه الآية " يعني آية البقرة " دالة على تحريم شرب الخمر. وذكر في ص 231 في وجه دلالتها عليه وجوها. 2 رأى البلاذري أنه كان سنة أربع من الهجرة كما في " الامتاع " للمقريزي ص 193، وذكر ابن إسحاق: أنه كان في وقعة بني النضير سنة أربع على الراجح (6) وقال ابن هشام في سيرته 2: 192: نزل ببني النضير وذلك في شهر ربيع الأول - سنة أربع فحاسرهم فيها ست ليال، ونزل تحريم الخمر. وذكره ابن سيد الناس في عيون الأثر 2: 48.


(1) أوائل السيوطي ص 90. (2) الغدير 6: 257 ط 2. (3) تفسير القرطبي 1: 132 تفسير ابن كثيرا: 35، تفسير الخازن 1: 19. (4) راجع ما يأتي في الجزء الثامن صفحة 11 من الطبعة الأولى. (5) تاريخ الخطيب 8: 358، الدر المنثور 1: 252. (6) فتح الباري 10: 24، عمدة القاري 10: 82. [*]

[102]

ويؤيد هذا الرأي ما أخرجه ابن مردويه عن جابر أنه قال: حرمت الخمر بعد أحد (1) وقد وقعت غزوة أحد في سنة ثلاث فبعدها تكون سنة أربع تقريبا. 3 - جزم الدمياطي على أن تحريم الخمر كان في سنة الحديبية سنة ست كما في فتح الباري 10: 24، وعمدة القاري 10: 82. 4 - حرمتها في سنة الفتح عام ثمان من الهجرة يوم الندوة المذكورة المنعقدة في دار أبي طلحة بآية المائدة التي فيها الارهاب والتحذير، وبها كف عمر ومن كان معه في تلك الندوة عن الشرب وقال: إنتهينا، إنتهينا. وهذا القول غير مدعوم بحجة، وليس إلا لتصحيح شرب أولئك الرجال من الصحابة وجعله قبل التحريم، فترى مثل ابن حجر لا يحكم به حكما باتا بل يستظهره من حديث أحمد قال في فتح الباري 8: 274: الذي يظهر أن تحريمها كان عام الفتح سنة ثمان لما روى أحمد من طريق عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف أو من دوس فلقيه بمكة عام الفتح براوية خمر يهديها إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا فلان ! أما علمت أن الله حرمها ؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا فلان ! بماذا أمرته ؟ قال: أمرته أن يبيعها. قال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها. فأمر بها فأفرغت في البطحاء. وقصارى ما في هذا الحديث أن تحريم الخمر بلغ الرجال في عام الفتح لا أنها حرمت فيه، لأن الرجل كان في منتئ عن مستوى تبليغ الأحكام، متخبطا بين أعراب البوادي، غير عارف حتى بأصول المراودة والتحابب، ويشهد لذلك إهداؤه الخمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها على فرض عدم حرمتها ليست مما يهدى إلى مثله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن الرجل كان من دهماء الناس، وجرى على ما هو المطرد بن الرعرعة والساقة. الخليفة في الاسلام وأما هو " أبو بكر " في الاسلام فلم نعهد له نبوغ في علم، أو تقدم في جهاد، أو تبرز في الأخلاق، أو تهالك في العبادة، أو ثبات علي مبدء.


(1) تفسير الشوكاني 2: 71. [*]

[103]

أما نبوغه في علم التفسير فلم يؤثر عنه في هذا العلم شئ يحفل به، فدونك كتب التفسير والحديث فلا تكاد تجد فيها عنه ما يروى غلة صاد، أو ينجع طلبة طالب. نعم: يروى عنه أنه شارك صاحبه - عمر بن الخطاب - في عدم المعرفة لمعنى الأب (1) الذي عرفه كل عربي صميم حتى أعراب البادية، وليس من البدع أن يعرفه حتى الساقة من الناس فإنه لا يعدوه أن يكون لدة بقية الكلمات العربية التي لا تزال العرب تلهج بها في كل حل ومرتحل، ولا هو الدخيل (2) حتى يعذر فيه الجاهل به، ولا من شواذ الكلم التي قلما تتعاطاه الجامعة العربية حتى يشذ عرفانه عن بعضهم. وإن تعجب فعجب إعتذار من جنح إليه (3) بأنه كان يلتزم الحايطة في تفسير القرآن، ولذلك تورع عن الافاضة في معنى الأب لكن عرف من عرف أن الحايطة إنما تجب في بيان مغازي القرآن الكريم وتعيين إرادته، وتبيين مجمله، وتأويل متشابهه، وما يجري مجرى ذلك مما يحظر في الدين التسرع إليه من دون تثبت وتوقيف، وأما معاني ألفاظه العربية للعريق في لغة الضاد فأي حائطة تضرب على يده عن أن يفهمها و هو يعرفها بطبعه وجبلته. وهب أن الرجل لم يحط خبرا بلغة قومه فهلا تروى في الذكر الحكيم في ذيل الآية الكريمة من قوله سبحانه: متاعا لكم ولأنعامكم. بيانا للفاكهة والأب ؟ ليعلم أنه سبحانه وتعالى امتن على الناس بالفاكهة ليأكلوها، وبالأب لترعاه أنعامهم، فتلك فاكهة، وهذا العشب. أخرج أبو القاسم البغوي عن ابن أبي مليكه قال: سئل أبو بكر عن آية فقال: أي أرض تسعني ؟ أو أي سماء تظلني ؟ إذا قلت في كتاب الله ما لم يرد الله ؟ وأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر عن قوله تعالى


(1) في قوله تعالى في سورة عبس: فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا. (2) أما ما زعمه ابن حجر في فتح الباري من أن الكلمة من الدخيل ولذلك لم يعرفها الخليفتان فقد مر الجواب عنه في الجزء السادس ص 100 ط 2. (3) نظراء القرطبي والسيوطي. [*]

[104]

(وفاكهة وأبا) ؟ فقال: أي سماء تظلني ؟ أو أي أرض تقلني ؟ إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم ؟. وفي لفظ القرطبي: أي سماء تظلني ؟ وأي أرض تقلني، وأين أذهب ؟ وكيف أصنع ؟ إذا قلت في حرف من كتاب الله بغير ما أراد تبارك وتعالى. ذكره القرطبي في تفسيره 1 ص 29، ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير ص 30، الزمخشري في الكشاف 3 ص 253، ابن كثير في تفسيره 1 ص 5 وصححه في ص 6، ابن القيم في أعلام الموقعين ص 29 وصححه، الخازن في تفسيره 4 ص 374، النسفي في تفسيره هامش الرازي 8 ص 389، السيوطي في الدر المنثور 6 ص 317 نقلا عن أبي عبيد في فضائله وعبد بن حميد، ابن حجر في فتح الباري 13 ص 230 وأو عز إليه ابن جزي الكلبي في تفسيره 4 ص 180. الكلالة وتجد الخليفة على شاكلة صنوه في عدم العلم بالكلالة النازلة في آية الصيف آخر سورة النساء: يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك. لآية. أخرج أئمة الحديث بإسناد صحيح رجاله ثقات عن الشعبي قال: سئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة ؟ فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن يك صوابا فمن الله وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، أراه ما خلا الولد والوالد، فلما استخلف عمر رضي الله عنه قال: إني لأستحيي الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر. أخرجه سعد بن منصور، عبد الرزاق، ابن أبي شيبة، الدارمي في سننه 2 ص 365، وابن جرير الطبري في تفسيره 6 ص 30 ابن المنذر، البيهقي في السنن الكبرى 6 ص 223، وحكى عنهم السيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه 6 ص 20، وذكره ابن كثير في تفسيره 1 ص 260، والخازن في تفسيره 1 ص 367، وابن القيم في أعلام الموقعين ص 29. قال الأميني: هذا رأيه الثاني وكان أو لا يرى أن الكلالة من لا ولد له خاصة،

[105]

وكان يشاركه في رأيه هذا عمر بن الخطاب ثم رجعا عنه إلى ما سمعت (1) ثم اختلفا فيها، قال ابن عباس كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب قال: اختلفت أنا وأبو بكر في الكلالة والقول ما قلت (2) وفي صحيحة البيهقي والحاكم والذهبي وابن كثير (3) عن ابن عباس قال: كنت آخر الناس عهدا بعمر فسمعته يقول: القول ما قلت قلت: وما قلت ؟ قال: قلت: الكلالة ما لا ولد له. هذا القول كان من عمر لما طعن بعد قوله لما استخلف: إني لأستحيي أن أخالف فيه أبا بكر كما مر وبعد قوله: أتى علي زمان لا أدري ما الكلالة وإذا الكلالة من لا أب له ولا ولد (4) وبعده هذه كلها قال ما قال وهو على ما يقول بصير. أنا لا أدري أين ولت تلك الحائطة التي التزمها الخليفة الأول في معنى الأب لتلك الحدة والشدة ؟ وأي سماء أظلته ؟ وأي أرض أقلته ؟ وأين ذهب ؟ وكيف صنع لما قال في دين الله برأي لا يعرف غيه من رشده، ولا يعلمه أمن الله أم منه ومن الشيطان ؟ وكيف خفيت عليه آية الصيف ؟ وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله فيها الكفاية في عرفان الكلالة كما مر ج 6: 127 ط 2، وكيف عزب عنه قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ؟ ولم لم يسأل ولم يتعلم ولم يعبأ بأهل الذكر وهو يعرفه لا محالة ؟ فكأن الأحكام ليست بتوقيفية، وكأنها منوطة بالحظ والنصيب ولكل إنسان ما رأى، ولو صدقت هذه الأحلام فيسع لكل امرء أن يفتي برأيه فيما يسأل عنه من الكتاب والسنة ويقول: إن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان. نعم هذا الافتاء بالرأي يفتقر إلى جرأة على الله وعلى رسوله، وتلك لا تتأتى لأي أحد فتخص لا محالة بجماعة دون أخرى، وكأن هذا هو معنى الاجتهاد عند القوم لا استنباط الأحكام من أدلتها التفصيلية من الكتاب والسنة. ومن هنا يرون نظراء


(1) تفسير القرطبي 5 ص 77. (2) تفسير ابن كثير 1 ص 595. (3) المستدرك للحاكم 2 ص 304 وصححه السنن الكبرى للبيهقي 6 ص 225 تلخيص - المستدرك للذهبي وأقر تصحيح الحاكم، تفسير ابن كثير 1 ص 595 وذكر تصحيح الحاكم وأقره. (4) السنن الكبرى 6 ص 224 [*]

[106]

عبد الرحمن بن ملجم قاتل مولانا أمير المؤمنين (1). وأبي الغادية قاتل الصحابي العظيم عمار بن ياسر سلام الله عليه (2). ومعاوية بن أبي سفيان قاتل آلاف من الأبرياء والأزكياء (3). وعمرو بن النابغة، العاصي ابن العاصي (4). وخالد بن الوليد قاتل مالك ظلما والزاني بامرأته (5). وطلحة والزبير (6) الخارجين على الإمام الحق الثابت إمامته بالنص والاختيار. م - ويزيد الخمور والفجور صاحب الطامات والصحائف السوداء]. (7) مجتهدين في دين الله متأولين في تلكم الآراء الشاذة عن حكم الاسلام وشرعة الحق، مأجورين في تلك المظالم العادية. وقال ابن حجر في الإصابة 4 ص 151: والظن بالصحابة في تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأولين وللمجتهد المخطئ أجر، وإذا ثبت هذا في حق آحاد الناس فثبوته للصحابة بالطريق الأولى. ا ه‍. مرحبا مرحبا بهذا الدين، وبخ وبخ ما أكثر المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حتى أصبحت غوغاء الشام، وطغام الأمة، وحثالة الأعراب، وأجلاف الأحزاب، و أبناء الطلقاء مجتهدين متأولين. وزه زه بأولئك المتحلين بابراد الاجتهاد جراثيم الفساد، قتلة صفوة الأبرار المهاجمين على ناموس الاسلام وقدس صاحب الرسالة، الخارجين عن طوع الكتاب والسنة، الفئة الباغية الطاغية، المدربين بالشر والفساد وبغض العترة الطاهرة تحت راية الطليق ابن الطليق اللعين ابن اللعين بلسان النبي الأعظم (8) صدق رسول الله


(1) راجع الجزء الأول من كتابنا هذا ص 323 ط 2. (2) راجع الجزء الأول من الكتاب ص 328 ط 2. (3) الفصل لابن حزم 4 ص 89، تاريخ ابن كثير 7: 279. (4) تاريخ ابن كثير 7 ص 283. (5) تأريخ ابن كثير 6 ص 223، روضة المناظر لابن شحنة هامش الكامل 7 ص 167، وسيأتي تفصيله. (6) التمهيد للباقلاني ص 232. (7) تاريخ ابن كثير 8: 223. (8) راجع الجزء الثالث من الكتاب ص 251، 252 ط 2. [*]

[107]

صلى الله عليه وآله في قوله: آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر. وإمام جائر، ومجتهد جاهل (1). وحسب الاسلام عارا وشنارا أولئك الأعلام أصحاب هذه الآراء المضلة والأقلام المسمومة التي تنزه ساحة المجرمين عن دنس الفجور والنفاق، وتجعل المحسن والمسيئ والمبطل والمحق، والطيب والخبيث، عكمي بعير، وتضل الأمة عن رشدها بأمثال هذه الكلم التافهة، والدعاوي الفارغة، والآراء الساقطة وتصغر في عين المجتمع الديني تلكم الجنايات العظيمة على الله وعلى رسوله وكتابه وسنته وخليفته وعترته و مواليهم. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وأول من فتح باب التأويل والاجتهاد، وقدس ساحة المجرمين بذينك، وحابى رجال الجرايم والمعرات بهما هو الخليفة الأول، فقد نزه بهذا العذر المفتعل ذيل خالد ابن الوليد عن دنس آثامه الخطيرة ودرأ عنه الحد بذلك كما سنوقفك على تفصيله إنشاء الله تعالى. هذا نموذج من تقدم الخليفة في علم التفسير على قلة ما روي عنه في ذلك قال الحافظ جلال الدين السيوطي في " الاتقان " 2 ص 328. إشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة. وابن مسعود. وابن عباس. وأبي بن كعب. وزيد بن ثابت. وأبو موسى الأشعري. وعبد الله بن الزبير. أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نزرة جدا، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم كما أن هو السبب في قلة رواية أبي بكر رضي الله عنه للحديث، و لا أحفظ عن أبي بكر رضي الله عنه في التفسير إلا آثارا قليلة جدا لا تكاد تجاوز العشرة. وأما علي فروي عنه الكثير، وقد روى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل: شهدت عليا يخطب وهو يقول: سلوني فوالله لا تسألون عن شئ إلا أخبرتكم، و سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف


كنز العمال 5 ص 212. [*]

[108]

ما منها حرف إلا وله ظهر وبطن وإن علي بن أبي طالب عنده منه الظاهر والباطن. وأخرج أيضا من طريق أبي بكر بن عياش عن نصير بن سليمان الأحمسي عن أبيه عن علي قال: والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت وأين أنزلت إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا. ا ه‍. قال الأميني: ما هذا التهافت في كلام السيوطي هذا ؟ ألا مسائل الرجل عن أن الذي لم يجد له هو نفسه وهو ذلك المتتبع الضليع عشرة أحاديث في علم التفسير كيف عده ممن اشتهر بالتفسير من الصحابة ؟ نعم راقه أن لا يفرق بينه وبين مولانا أمير المؤمنين وقد روى فيه ما روى ذاهلا عن قوله تعالى، هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. تقدم الخليفة في السنة أما تقدمه في السنة فكل ما أثبته عنه إمام الحنابلة أحمد في المسند 1 ص 2 - 14 ثمانون حديثا، ويربو المتكرر منها على العشرين، فلم يصف منها إلا ما يقرب الستين حديثا وقد التقط ما في مسنده من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث (1). وجمع ابن كثير بعد جهود جبارة أحاديثه في اثنين وسبعين حديثا وسمى مجموعه: مسند الصديق (2). واستدرك ما جمعه ابن كثير جلال الدين السيوطي بعد تصعيد وتصويب ومع تضلع وإحاطة بالحديث، فأنهى أحاديثه إلى مائة وأربعة، وذكرها برمتها في تاريخ الخلفاء ص 59 - 64. وقد يروى أن له مائة واثنان وأربعون حديثا اتفق الشيخان على ستة أحاديث منها. وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بواحد (3). وفي وسع الباحث المناقشة في غير واحد من تلك الأحاديث سندا أو متنا، فإن


(1) طبقات الحفاظ للذهبي 2 ص 17، ترجمة أحمد في آخر الجزء الأول من مسنده. (2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 64. (3) شرح رياض الصالحين للصديقي 2: 23. [*]

[109]

من جملتها ما ليس بحديث وإنما هو قول قاله كقوله: للحسن السبط سلام الله عليه: بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي. وقوله: شاور رسول الله في أمر الحرب. وقوله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أهدى جملا لأبي جهل. ومنها ما هو محكوم عليه بالوضع، أو يخالف الكتاب والسنة، ويكذبه العقل والمنطق والطبيعة مثل قوله: 1 - لو لم أبعث فيكم لبعث عمر. 2 - وقوله: ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر. 3 - وقوله: إن الميت ينضح عليه الحميم ببكاء الحي. 4 - وقوله: إنما حر جهنم على أمتي مثل الحمام، أما الأول فله عدة طرق لا يصح شئ منها. الطريق الأول لابن عدي وفي إسناده: 1 - زكريا بن يحيى الوكار، أحد الكذابين الكبار مرت ترجمته في سلسلة الكذابين في الجزء الخامس ص 230 ط 2. 2 - بشر بن بكر. قال الأزدي منكر الحديث ولا يعرف، لسان الميزان 2 ص 20 3 - أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني. قال أحمد: ضعيف كان عيسى بن يونس لا يرضاه وعن أبي داود عن أحمد: إنه ليس بشئ وقال أبو حاتم: سألت ابن معين عنه فضعفه. وقال أبو زرعة: ضعيف منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث طرقه لصوص فأخذوا متاعه فاختلط (1) وقال الجوزقاني: ليس بالقوي. وقال النسائي: ضعيف وقال أبو سعد: كان كثير الحديث ضعيفا. وقال الدار قطني: متروك (2). الطريق الثاني لابن عدي أيضا وفي إسناده: 1 - مصعب بن سعيد أبو خيثمة المصيصي. قال ابن عدي: يحدث عن الثقات


(1) قال الأميني: لو لم يكن لاختلاط الرجل آية غير حديثه هذا لكفى وحسبه. (2) تهذيب التهذيب 12 ص 29. [*]

[110]

بالمناكير ويصحف. وقال: والضعف على رواياته بين. وقال ابن حبان: كان مدلسا وقال صالح جزرة: شيخ ضرير لا يدري ما يقول. وذكر الذهبي له أحاديث فقال: ما هذه إلا مناكير وبلايا (1). 2 - عبد الله بن واقد. قال ابن عدي والجوزقاني والنسائي: متروك الحديث و قال غيرهما: ليس بشئ. وقال الأزدي: عنده مناكير. وقال أحمد: أظنه كان يدلس. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث لا يحدث عنه. وقال البخاري: تركوه منكر الحديث: وقال ابن حبان: وقع المناكير في حديثه فلا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال صالح جزرة: ضعيف مهين. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم (2). 3 - مشرح بن عاهان. قال ابن عدي وابن حبان: لا يحتج به. وقال غيرهما: يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليهما. وقال آخرون: الصواب ترك ما انفرد به (3) أورده بهذين الطريقين ابن الجوزي في الموضوعات فقال: هذان حديثان لا يصحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الأول، فإن زكريا بن يحيى كان من الكذابين. قال ابن عدي، كان يضع الحديث. وأما الثاني: فقال أحمد ويحيى: عبد الله بن واقد ليس بشئ. وقال النسائي: متروك: وقال ابن حبان: انقلبت على مشرح صحائفه فبطل الاحتجاج به. ا ه‍. الطريق الثالث لأبي العباس الزوزني في كتاب شجرة العقل بلفظ: لو لم أبعث لبعثت يا عمر !. وفي إسناده: 1 - عبد الله بن واقد. وقد مر في الطريق الثاني. 2 - راشد بن سعد بن الحمصي، ذكر الحاكم أن الدار قطني ضعفه، وكذا ضعفه ابن حزم، وذكر البخاري أنه شهد صفين مع معاوية (4) فالرجل من الفئة الباغية بنص من النبي الأعظم، وذكره الصغاني فقال: موضوع. كما في كشف


(1) ميزان الاعتدال 3: 173، لسان الميزان 6: 44. (2) تهذيب التهذيب 6 ص 66، ميزان الاعتدال 2 ص 84، لسان الميزان 3 ص 374. اللئالي المصنوعة 1 ص 302. (3) اللئالي المصنوعة 1: 302، ميزان الاعتدال 3: 172. (4) تهذيب التهذيب 3 ص 226. [*]

[111]

الخفاء 2 ص 163 الطريق الرابع للديلمي عن أبي هريرة بلفظ: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر. أيد الله عمر بملكين يوفقانه ويسددانه، فإذا أخطأ صرفاه حتى يكون صوابا. في إسناده إسحاق بن نجيح الملطي أبو صالح الأزدي. قال أحمد: من أكذب الناس. وقال ابن معين: كذاب عدو الله رجل سوء خبيث. كان ببغداد قوم يضعون الحديث منهم إسحاق الملطي. وقال ابن أبي مريم عنه: من المعروفين بالكذب ووضع الحديث. وقال علي بن المديني: ليس بشئ وضعفه، روى عجائب. وقال عمر بن علي: كذاب كان يضع الحديث. وقال الجوزقاني: غير ثقة ولا من أوعية الأمانة. وقال: كذاب وضاع لا يجوز قبول خبره ولا الاحتجاج بحديثه ويجب بيان أمره. وقال الجهضمي والبخاري: منكر الحديث. وقال السنائي: كذاب متروك الحديث. وقال: ابن عدي: أحاديثه موضوعات وضعها هو وعامة ما أتى عن ابن جريج بكل منكر ووضعه عليه، وهو بين الأمر في الضعفاء، وهو ممن يضع الحديث. وقال ابن حبان: دجال من الدجاجلة يضع الحديث صراحا. وقال البرقي: نسب إلى الكذب. وقال أبو سعيد النقاش: مشهور بوضع الحديث. وقال: وقال ابن طاهر: دجال كذاب. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على أنه كان يضع الحديث (1). قال الديلمي بعد ذكر الحديث بالطريق المذكور: وتابعه راشد بن سعد عن المقدام بن معدي كرب عن أبي بكر الصديق والله أعلم. قال الأميني: عرفت في الطريق الثالث ضعف راشد، وإنما الصغاني حكم على حديثه هذا بالوضع، وأقره العجلوني وزيفه في كشف الخفاء 2 ص 154، 163 وذكره السيوطي في اللئالي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة 1 ص 302 غير أنه عده بهذا الطريق الوعر في تاريخ الخلفاء عن أحاديث أبي بكر، ولا تخفى عليه تراجم هؤلاء الرجال أمثال إسحاق الملطي، نعم راقه أن يكثر عدد أحاديث الخليفة ولو بمثل هذا وقد حذف الأسانيد منها حتى لا يقف القارئ على ما فيها من الوضع والاختلاق والله من ورائه حسيب.


(1) مرت المصادر في الجزء الخامس ص 218 ط 2. [*]

[112]

أما الحديث الثاني: فأخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 90 بإسناده عن عبد الله بن داود الواسطي التمار عن عبد الرحمن ابن أخي محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب ذات يوم لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما: يا خير الناس بعد رسول الله ! فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر. عقبه الذهبي في تلخيص المستدرك فقال: قلت عبد الله ضعفوه، وعبد الرحمن متكلم فيه، والحديث شبه موضوع. وقال في ميزان الاعتدال 2 ص 123: رواه عبد الله ابن داود التمار وهو هالك، عن عبد الرحمن بن أخي محمد المنكدر لا يكاد يعرف، ولا يتابع على حديثه، وقال الترمذي: ليس إسناده بذلك. قال الأميني: أما عبد الله بن داود التمار فقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو حاتم ليس بقوي، في حديثه مناكير، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا يروي المناكير عن المشاهير لا يجوز الاحتجاج بروايته. وقال الدارقطني: ضعيف (1). وأما عبد الرحمن فقال يحيى بن معين: ما أعرف عبد الرحمن فقرأه إبراهيم بن الجنيد الحديث فقال يحيي: ما أعرف عبد الرحمن. وأنكر الحديث ولم يعرفه (2). جاء العلامة الحريفيش في القرن الثامن وأتى في كتابه الروض الفائق ص 388. بحديث مختلق في فضيلة مولانا أمير المؤمنين وأبي بكر وجعل هذه الرواية في فضل أبي بكر عن لسان علي عليه السلام قال روى أبو هريرة: أن أبا بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما قدما يوما إلى حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي لأبي بكر رضي الله عنهما: تقدم فكن أول قارع يقرع الباب وألح عليه، فقال أبو بكر: تقدم أنت يا علي فقال علي: ما كنت بالذي يتقدم على رجل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حقه: ما طلعت الشمس ولا غربت من بعدي على رجل أفضل من أبي بكر


(1) تهذيب التهذيب 4 ص 200. (2) لسان الميزان 3 ص 448. [*]

[113]

الصديق. فقال أبو بكر: ما كنت بالذي يتقدم على رجل قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله أعطيت خير النساء لخير الرجال. إلى آخره وفيه مناقب ست لأبي بكر على لسان علي وكذلك لعلي على لسان أبي بكر لم يذكر السيوطي شيئا منها في عد أحاديث. أبي بكر مع اهتمامه بإكثار عددها وذلك لبداهة الكذب فيه، وركة لفظه، ووضوح الاختلاق في معانيه وألفاظه، وظهور التهافت بين جمله كما ترى. نعم لكل من الوضاعين في وضع الحديث ذوق، ولكل واحد منهم طريقة وسليقة، وليس أمرهم سلكي. أما الحديث الثالث فمن المنكر الواضح وهو لدة ما سبق عن عمر في الجزء السادس صفحة 162 ط 2 من قوله: إن الميت يعذب ببكاء الحي. وقد أنكرته عليه عائشة، وهو مخالف للكتاب المجيد حيث يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأمثالها وقد فصلنا القول فيه تفصيلا في الجزء السابق فراجع ص 167 159 ط 2. ومخالف للعدل فإن تعذيب أي أحد لما اجترحه غيره من سيئة - بعد تسليم كون البكاء عليه سيئة - يرفضه ناموس العدل الآلهي، وتلفظه العقول السليمة، ويتوجه إلى قائله اللوم من كل ذي مسكة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. أما الحديث الرابع: إنما حر جهنم على أمتي مثل الحمام. فإنه أشبه شئ بمخاريق المعتوهين، أو من يريد تحطيما من عظمة أمر المولى سبحانه، أو إغراء لبسطاء الأمة على اقتحام الجرائر بحسبان أن حر الجحيم الشديد الذي أوقده المنتقم الجبار للعصاة عامة لا يصيب هذه الأمة وإنما هو للأمم السابقة ومن لم يعتنق الاسلام من الموجودين، وأنت إذا تأملت في نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة (1) التي وقودها الناس والحجارة (2) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم (3) إذا الجحيم سعرت (4) وبرزت الجحيم لمن يرى (5) ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر (6) كلا إنها لظى نزاعة للشوى (7) يوم يسحبون


(1) سورة الهمزة آية 7. (2) سورة البقرة آية 24. (3) سورة التوبة آية 35. (4) سورة التكوير آية 12.. (5) سورة النازعات آية 36. (6) سورة المرسلات آية 33. (7) سورة المعارج آية 15.

[114]

في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (1) وما إدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر (2) قالوا ما سلككم في سقر ؟ قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين (3) إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم (4) أو تأملت فيما هدد به المولى سبحانه المتثاقلين عن النفر للجهاد في الحر بقوله: قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (5) ومن يأكل أموال اليتامى بقوله: إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا (6) إلى كثير من أمثال هذه لا ترتاب في أن الأمم كلها بالنسبة إليها شرع سواء، بل إن توجيه تلكم الخطابات إلى الأمة المرحومة المعنية بالتهذيب وإيقافها عن المعصية بالتهديد أولى من توجيهها إلى الأمم البائدة التي جرى عليها ما جرى من عاقبة طاعة، أو مغبة عصيان، فذهبوا رهائن أعمالهم، وبه يتم اللطف، وتحسن التربية، وهو الذي كان يبكي الصالح، ويفجع المتقين، ويدر عبرات الأولياء، ويجعل سيدهم أمير المؤمنين يتململ في جنح الليل البهيم تململ السليم قابضا على لحيته، يبكي بكاء الحزين وهو يقول: يا ربنا ! يا ربنا ! - يتضرع إليه - ثم يقول للدنيا: إلي تغررت ؟ إلي تشوقت ؟ هيهات هيهات، غري غيري قد بتتك ثلاثا، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق (7). ثم أي مشابهة بين ذلك اللهب المصطلم وبين الحمام الذي لا يكون الحر فيه إلا صحيا تزاح به الأوساخ، وتعرق به الأبدان وترفع به الأتعاب، وترتاح به الأجسام ؟ وهل يهدد بمثله عصاة البشر الذي خلق ظلوما جهولا جموحا، البشر الذي هذا عقله ورشده وحديثه ؟


(1) سورة القمر آية 48. (2) سورة المدثر آية 29. (3) سورة المدثر آية 45. (4) سورة الدخان آية 46. (5) سورة التوبة آية 81. (6) سورة النساء آية 10. (7) حلية الأولياء 1 ص 85، الاستيعاب 2 ص 463، الرياض النضرة 2 ص 212،، زهر الآداب للقيرواني 1 ص 38، تذكرة السبط ص 270، مطالب السؤول ص 33، إتحاف الشبراوي ص 7. [*]

[115]

غاية جهد الباحث هذه غاية جهد الباحث عن علم الخليفة بالسنة وهذه سعة إطلاعه عليها، فنحن إذا قسنا مجموع ما ورد عن الخليفة من الصحيح والموضوع في التفسير والأحكام والفوائد من المائة وأربعة حديثا أو المائة واثنين وأربعين حديثا إلى ما جاء عن النبي الأقدس من السنة الشريفة لتجدها كقطرة من بحر لجي، لا تقام بها قائمة للاسلام، ولا تدعم بها أي دعامة للدين، ولا تروى بها غلة صاد، ولا تنحل بها عقدة أية مشكلة. هذا أبو هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله عمر، وعبد الله بن العباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، و و و يروون آلافا من السنة النبوية فقد أخرج تقي ابن مخلد في مسنده من حديث أبي هريرة فحسب خمسة آلاف وثلثمائة حديث وكسرا (1) وأبو هريرة لم يصحب النبي إلا ثلاث سنين. وهذا أحمد بن الفرات كتب ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، وانتخب منها ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد: " خلاصة التهذيب ص 9 " وهذا حرمة بن يحيى أبو حفص المصري صاحب الشافعي يروي عن طريق ابن وهب فحسب مائة ألف حديث. " خلاصة التهذيب ص 63 " وهذا أبو بكر الباغندي يجيب عن ثلثمائة ألف مسألة في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله " تاريخ الطبري 3 ص 210 ". وهذا الحافظ روح بن عبادة القيسي له أكثر من مائة ألف حديث. " ميزان الاعتدال 1 ص 342 " وهذا الحافظ مسلم صاحب الصحيح عنده ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. " طبقات الحفاظ 2 ص 151 ". وهذا الحافظ أبو محمد عبدان الأهوازي يحفظ مائة ألف حديث " تاريخ ابن عساكر 7 ص 288 " وهذا الحافظ أبو بكر ابن الأنباري يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن


(1) الإصابة 4 ص 205. [*]

[116]

وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها (شذرات الذهب 2 ص 316). وهذا الحافظ أبو زرعة حفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الانسان قل هو الله أحد، ويقال: سبعمائة ألف حديث (تاريخ ابن كثير 11 ص 37، تهذيب التهذيب 7 ص 33). وهذا الحافظ ابن عقدة يجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت عليهم السلام وبني هاشم حدث بها عنه الدارقطني (تذكرة الحفاظ 2 ص 56). وهذا الحافظ أبو العباس أحمد بن منصور الشيرازي كتب عن الطبراني ثلاثمائة ألف حديث (تذكرة الحفاظ 3 ص 122). وهذا الحافظ أبو داود السجستاني كتب عن النبي صلى الله عليه وآله خمسمائة ألف حديث (تذكرة الحفاظ 2 ص 154). وهذا عبد الله بن إمام الحنابلة أحمد سمع من أبيه مائة ألف وبضعة أحاديث طبقات الحفاظ 2 ص 214). وهذا ثعلب البغدادي سمع من القواريري مائة ألف حديث [طبقات الحفاظ 2 ص 214]. وهذا أبو داود الطيالسي يملي من حفظه مائة ألف حديث (شذرات الذهب 2 ص 12). وهذا أبو بكر الجعابي يحفظ أربعمائة ألف حديث بأسانيد ها ومتونها ويذاكر ستمائة ألف حديث، ويحفظ من المراسيل والمقاطيع والخطابات قريبا من ذلك (تاريخ ابن كثير 11 ص 261). وهذا إمام الحنابلة أحمد عنده أكثر من سبعمائة وخمسين ألفا (راجع آخر الجزء الأول من مسنده). وهذا الحافظ أبو عبد الله الختلي يحدث من حفظه بخمسين ألف حديث (تاريخ ابن كثير 11 ص 217). وهذا يحيى بن يمان العجلي يحفظ عن سفيان أربعة آلاف حديث في التفسير فقط (تاريخ الطبري 14 ص 121).

[117]

وهذا الحافظ ابن أبي عاصم يملي من ظهر قلبه خمسين ألف حديث بعد ما ذهبت كتبه (تذكرة الحفاظ 2 ص 194). وهذا الحافظ أبو قلابة عبد الملك حدث من حفظه ستين ألف حديث (طبقات الحفاظ 2 ص 143). وهذا أبو العباس السراج كتب لمالك سبعين ألف مسألة (تاريخ بغداد 1 ص 251). وهذا الحافظ ابن راهويه يملي سبعين ألف حديث من حفظه (تاريخ ابن عساكر 2 ص 413). وهذا الحافظ إسحاق الحنظلي يحفظ سبعين ألف حديث (تاريخ الخطيب 6 ص 352). وهذا إسحاق بن بهلول التنوخي يحدث من حفظه خمسين ألف حديث (تاريخ الخطيب 6 ص 368). وهذا محمد بن عيسى الطباع كان يحفظ نحوا من أربعين ألف حديث (تاريخ بغداد 2 ص 396). وهذا الحافظ ابن شاهين يكتب من حفظه بعد ما ذهبت كتبه عشرين أو ثلاثين ألف حديث (تاريخ بغداد 11 ص 268). وهذا الحافظ يزيد بن هارون يحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسنادها (شذرات الذهب 2 ص 16). فهلم معي نرى أن إسلاما هذه سعة نطاق علمه، وكثرة طقوسه وسننه، وغزارة فنونه وعلومه، ونبيا هذا حديثه وسنته، وهذا ودايعه المصلحة لأمته، وهذا شأن الأعلام أمناء ودايع العلم والدين، وهذه سيرة حفظة السنة الشريفة، كيف يجب أن يتحلى خليفة ذلك النبي الأقدس بأبراد علوم الكتاب والسنة ؟ وكيف يحق أن يكون حاملا بأعباء علوم مستخلفه ومعالمه، وراثا مآثره وآثاره ؟ أفهل يقتصر منه بمائة وأربعة حديثا ؟ أو تقبل الأمة المسكينة أو تجديها هذه الكمية اليسيرة من ذلك الحوش الحايش ؟ أو يسد ذلك الفراغ، ويمثل تلك العلوم الاسلامية الجمة من هذا شأنه وشعاره، وهذه سيرته وسنته، وهذا علمه وحديثه ؟ أو يتلقى

[118]

بالقبول عذر المدافع عن الخليفة بأن قلة حديثه لقصر مدة خلافته ؟ أي صلة بين قصر العمر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلة الرواية ؟ فإن رواة الأحاديث على العهد النبوي ما كان حجر عليها، ولم يكن عقال في ألسن أولئك الصحابة الأولين، ولا على الأفواه أوكية عن بث العلم من الكتاب والسنة طيلة حياة النبي الأقدس، ولم يكن المكثرون من الرواية قصروا أحاديثهم على ما بعد أيامه صلى الله عليه وآله وسلم، فقلة حديث الرجل إن هي إلا لقلة تلقيه، وقصر حفظه، إنما الإناء ينضح بما فيه والأوعية إذا طفحت فاضت. ثم أنى يسوغ للخليفة ؟ أن تثقله أعباء الخلافة، وتعييه معضلات المسائل و ويتترس بمثل قوله: أي سماء تظلني. إلخ. أو قوله: سأقول فيها برأيي. أو يخطب بعد أيام قلائل من خلافته وقد أهرجته المواقف، ويتطلب الفوز منها بقوله: لوددت أن هذا كفانيه غيري، ولئن أخذ ولئن أخذتموني بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم لا أطيقها، إن كان لمعصوما من الشيطان، وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء (1). أو بقوله: أما والله ما أنا بخيركم، ولقد كنت لمقامي هذا كارها، ولوددت أن فيكم من يكفيني، أفتظنون أني أعمل فيكم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ إذن لا أقوم بها إن رسول الله كان يعصم بالوحي، وكان معه ملك، وإن لي شيطانا يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني أن لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم، ألا فراعوني فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني وفي لفظ ابن سعيد: ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإن رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم (2) أو بقوله: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على الحق فأعينوني وإن رأيتموني على الباطل فسددوني (3).


(1) مسند أحمد 1 ص 14، الرياض النضرة 1 ص 177، كنز العمال 3 ص 126. (2) طبقات ابن سعد 3 ص 151، الإمامة والسياسة 1 ص 16، تاريخ الطبري 3 ص 210، الصفوة 1 ص 99، شرح نهج البلاغة: 3 ص 8، ج 4: 167. كنز العمال 3 ص 126. (3) طبقات ابن سعد 3 ص 139، المجتنى لابن دريد ص 27، عيون الأخبار لابن قتيبة 2 ص 234، تاريخ الطبري 3 ص 203، سيرة ابن هشام 4 ص 340، تهذيب الكامل 1 ص 6، العقد الفريد 2 ص 158، إعجاز القرآن ص 115، الرياض النضرة 1 ص 167، 177، تاريخ ابن كثير ص 247 وصححه، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 134، تاريخ الخلفاء السيوطي ص 47، 48 السيرة الحلبية 3 ص 388. [*]

[119]

وفي لفظ ابن الجوزي في الصفوة 1، 98: قد وليت أمركم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني. وهل الخليفة حري بأن ترعاه أمته ورعيته فتعينه وتسدده وتقومه عند الخطل والزيغ ؟ وكيف لا يؤاخذ الخليفة بالسنة وهو وارث علم النبي وحامل سنته وقد أكمل الله دينه وأوحى إلى نبيه ما تحتاج إليه أمته، وبلغ صلى الله عليه وآله كل ما جاء به حتى حق له أن ينهى عن الرأي والقياس في دين الله، أو يقول: ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه (1). وقد فتح الخليفة لقصر باعه في علوم الكتاب والسنة باب القول بالرأي بمصراعيه بعد ما سده النبي الأعظم على أمته، ولم تكن عند الخليفة مندوحة سواه، قال ابن سعد في الطبقات، وأبو عمر في كتاب العلم 2: 51، وابن القيم في أعلام الموقعين ص 19، إن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلا، ولا في السنة أثرا، فاجتهد رأيه ثم قال: هذا رأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني واستغفر الله. " وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء عن ابن سعد ص 71 ". وقال ميمون بن مهران: كان أبو بكر إذ ورد عليه الخصم فإن وجد في الكتاب أو علم من رسول الله ما يقضي بينهم قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاءا، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤس الناس و خيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (2). هكذا كان شأن الخليفة في القضاء، وهذا مبلغ علمه، وهذه سيرته في العمل بالرأي المجرد وقد قال عمر بن الخطاب: أصبح أهل الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يعوها، وتفلتت منهم أن يرووها فاشتقوا الرأي، أيها الناس إن الرأي إن كان من


(1) كتاب العلم لأبي عمر، وفي مختصره ص 222. (2) سنن الدارمي 1 ص 58، وأخرجه البغوي كما في الصواعق ص 10. [*]

[120]

رسول الله مصيبا لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف (1). ثم ما المسوغ لمن سد فراغ النبي وأشغل منصته أن يسأل الناس عن السنة الشريفة، ويأخذها ممن هو خليفة عليه ؟ ولماذا خالف سيرته هذه لما سئل عن الأب والكلالة و ترك سؤال الصحابة واستشارتهم فأفتى برأيه ما أفتى وقال بحريته ما قال. وفيما اتفق لأبي بكر من القضايا غير ما مر مع قلته غنية وكفاية في عرفان مبلغ علمه وإليك منها: - 1 - رأي الخليفة في الجدة عن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله عن ميراثها فقال لها أبو بكر: ما لك في كتاب الله شئ وما علمت لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك ؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه. الحديث (2). فانظر إلى ما عزب عنه علم الخليفة في مسألة تكثر بها البلوى ويطرد الحكم فيها، حتى اضطرته الحاجة إلى الركون إلى رواية مثل المغيرة أزنى ثقيف وأكذب الأمة (3) وكان من تغييره للسنة ولعبه بها أنه صلى صلاة العيد يوم عرفة مخافة أن يعزل سنة أربعين (4) وكان ينال من أمير المؤمنين عليه السلام كلما رقى صهوة المنبر (5). - 2 - رأي الخليفة في الجدتين عن القاسم بن محمد أنه قال: أتت الجدتان إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه


(1) كتاب العلم لأبي عمر 2: 134، وفي مختصره ص 185، أعلام الموقعين ص 19. (2) موطأ مالك 1 ص 335، سنن الدارمي 2 ص 359، سنن أبي داود 2 ص 17، سنن ابن ماجة 3 ص 163، مسند أحمد 4 ص 224، سنن البيهقي 6 ص 234، بداية المجتهد 2 ص 344، مصابيح السنة 2 ص 22. (3) راج الجزء السادس من كتابنا هذا ص 141 ط 2. (4) الأغاني 14 ص 142. (5) مر في الجزء السادس ص 143، 144 ط 2. [*]

[121]

فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأم فقال له رجل من الأنصار: أما إنك تترك التي لو ماتتا وهو حي كان إياها يرث، فجعل أبو بكر السدس بينهما. * (لفظ آخر) * إن جدتين أتتا أبا بكر الصديق رضي الله عنه أم الأم وأم الأب فأعطى الميراث أم الأم دون أم الأب فقال له عبد الرحمن بن سهيل - سهل - أخو بني حارثة: يا خليفة رسول الله ! لقد أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها. فجعله أبو بكر بينهما يعني السدس. راجع موطأ مالك 1 ص 335، سنن البيهقي 1 ص 235، بداية المجتهد 2 ص 344، الاستيعاب 2 ص 400، الإصابة 2 ص 402 وقال: رجاله ثقات، كنز العمال 6 ص 6 نقلا عن مالك، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، والدارقطني، والبيهقي. قال الأميني: أو لا تعجب عن جهل الرجل بحكم إرث الجدتين، وسرعة انقلابه عما ارتآه أو لا بنقد رجل من الأنصار أو أخي بني حارثة ؟ وكان ذلك النقد يستدعي حرمان الجدة من قبل الأم لكنه شركهما في الميراث واتخذته الفقهاء مصدرا لحكمهم، وأصل الحكم مأخوذ من رواية المغيرة المخصوصة بالجدة الواحدة فانظر واعتبر. وأما رأي الرجل الأنصاري في الجدة الذي زحزح الخليفة عن حكمه فلم يكن أخذا بالكتاب والسنة بل كان مخالفا لهما وفقا لقول الشاعر: بنونا بنوا أبناءنا وبناتنا * توهن أبناء الرجال الأباعد فخص القوم به قول الله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين (1) لعقب الأبناء دون من عقبته البنات، وذهبوا إلى عدم شمول أحكام الأولاد في الفروض وغيرها على وليد بنت الرجل محتجين بقول الشاعر. قال ابن كثير في تفسيره 2 ص 155: قالوا: إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه وبنو بنيه واحتجوا بقول الشاعر: بنونا بنوا أبناءنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد ا ه‍ وقال البغدادي في خزانة الأدب 1 ص 300: هذا البيت لا يعرف قائله مع


(1) سورة النساء آية: 11.

[122]

شهرته في كتب النحاة وغيرهم. قال العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون على دخول أبناء الأبناء في الميراث، وإن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه، ولم أر أحدا منهم عزاه إلى قائله. وقال: رأيت في شرح الكرماني في شواهد شرح الكافية للخبيصي (1) أنه قال: هذا البيت قائله أبو فراس همام الفرزدق ابن غالب (2) ثم ترجمه والله أعلم بحقيقة الحال. ا ه‍. سبحانك اللهم ما أجرأهم على هذا الرأي - السياسي - في دين الله لإخراج آل الله عن نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ما قيمة قول الشاعر تجاه قول الله تعالى: قل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ؟ (3) فهو نص صريح على أن الحسنين السبطين ابني النبي الأقدس. وقد سمى الله سبحانه أسباط نوح ذرية له وليست الذرية إلا ولد الرجل كما في القاموس 2 ص 34 فقال سبحانه: ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله: ويحيى وعيسى (4) فعد عيسى من ذريه نوح وهو ابن بنته مريم. قال الرازي في تفسيره 2 ص 488: هذه الآية " يعني آية قل تعالوا " دالة على أن الحسن والحسين عليهما السلام كانا ابني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعد أن يدعو أبناءه فدعا الحسن والحسين فوجب أن يكونا ابنيه، ومما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام: ومن ذريته داود وسليمان - إلى قوله -: وزكريا ويحيى وعيسى، ومعلوم أن عيسى إنما انتسب إلى إبراهيم عليه السلام بالأم لا الأب فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابنا والله أعلم. وقال القرطبي في تفسيره 4 ص 104: فيها " يعني آية تعالوا " دليل على أن


(1) شمس الدين أبو بكر الخبيصي أسمى شرحه بالمرشح (2) نسبه صاحب جامع الشاهد إلى عمر في صفحة 91 فقال: هو من أبيات لعمر ابن الخطاب. وهذا أقرب إلى ما يشاهد فيه من الالمام بالسياسة. (3) سورة آل عمران آية 61. (4) سورة الأنعام آية 84، 85. [*]

[123]

أبناء البنات يسمون أبناءا. وقال في ج 7 ص 31. عد عسيى من ذرية إبراهيم و إنما هو ابن البنت، فأولاد فاطمة رضي الله عنها ذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذا تمسك من رأى: أن ولد البنات يدخلون في اسم الولد. قال أبو حنيفة والشافعي: من وقف وقفا على ولده وولد ولده أنه يدخل فيه ولد ولده وولد بناته ما تناسلوا. وكذلك إذا أوصى لقرابته يدخل فيه ولد البنت، والقرابة عند أبي حنيفة كل ذي رحم محرم. إلى أن قال: وقال مالك: لا يدخل في ذلك ولد البنات، وقد تقدم نحو هذا عن الشافعي ج 4 ص 104 - والحجة لهما قوله سبحانه -: يوصيكم الله في أولادكم. فلم يعقل المسلمون (1) من ظاهر الآية إلا ولد الصلب وولد الابن خاصة. إلى أن قال: وقال ابن القصار. وحجة من أدخل البنات في الأقارب قوله عليه السلام للحسن بن علي: إن ابني هذا سيد. ولا نعلم أحدا يمتنع أن يقول في ولد البنات لأنهم ولد لأبي أمهم. و المعنى يقتضي ذلك لأن الولد مشتق من التولد وهم متولدون عن أبي أمهم لا محالة، والتولد من جهة الأم كالتولد من جهة الأب، وقد دل القرآن على ذلك، قال الله تعالى: ومن ذريته داود وسليمان. إلى قوله: من الصالحين فجعل عيسى من ذريته وهو ابن بنته. ا ه‍. وأخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي حرب بن الأسود قال: أرسل الحجاج، إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وآله تجده في كتاب ؟ وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده. قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: ومن ذريته داود وسليمان. حتى بلغ: ويحيى وعيسى ؟ قال بلى. قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب ؟ قال: صدقت. فلهذا إذا أوصى الرجل لذريته أو وقف على ذريته أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم. الخ. تفسير ابن كثير 2 ص 155. فبعد كون ذرية الرجل ولده على الإطلاق ودخل فيهم أولاد البنا ت لا ينبغي


(1) هذه فرية على المسلمين وحاشاهم أن يعقلوا من الآية خلاف ظاهرها من دون أي دليل صارف. [*]

[124]

التفكيك في الأحكام عندئذ بين الذرية والأولاد، ولا يسع لأي أحد أن يرى أبناء البنات أبناء الرجال الأباعد خارجين عن ولد الرجل على الحقيقة، ويصح له مع ذلك عدهم عن ذريته وليست إلا ولد الرجل. ويشهد على لغة القرآن المجيد وأن ولد البنت ابن أبيها على الحقيقة قول رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني جبريل: إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل. وفي لفظ: إن أمتي ستقتل ابني هذا. طبقات ابن سعد، مستدرك الحاكم 3: 177، أعلام النبوة للماوردي: 83، ذخاير العقبى: 148، الصواعق: 115. 2 - وقوله: إبني هذا يقتل بأرض من العراق. دلائل النبوة لأبي نعيم 3، 202، ذخاير العقبى ص 146. 3 - وقوله للحسن السبط: ابني هذا سيد. المستدرك 3: 175، أعلام الماوردي ص 83، تفسير ابن كثير 3: 155. 4 - وقوله لعلي: أنت أخي وأبو ولدي ذخاير العقبى ص 66. 5 - وقوله: إن جبريل أخبرني أن الله عز وجل قتل بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا وهو قاتل بدم ولدك الحسين سبعين ألفا، ذخاير العقبى ص 150 6 - وقوله: المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري. ذخاير العقبى ص 136. 7 - هذان ابناي من أحبهما فقد أحبني: " الحسن والحسين " المستدرك 3: 166، تاريخ ابن عساكر 4: 204 كنز العمال 6: 221. 8 - وقوله لفاطمة الصديقة: ادعي لي إبني. تاريخ ابن عساكر 4: 316. 9 وقوله لأنس: ادع لي إبني. تاريخ ابن كثير 8: 205. 10 - وقوله ادعوا إبني. فأتى الحسن بن علي. ذخاير العقبى ص 122. 11 - وقوله: أللهم إن هذا إبني - الحسن - وأنا أحبه فأحبه وأحب من يحبه. تاريخ ابن عساكر 4: 203.

[125]

12 - وقوله لعلي: أي شئ سميت إبني ؟ قال: ما كنت لأسبقك بذلك، فقال: وما أنا السابق ربي فهبط جبريل فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: علي منك بمنزلة هارون من موسى لكن لا نبي بعدك، فسم ابنك هذا باسم ولد هارون. ذخاير العقبى ص 120. 13 - وقوله: أروني إبني ما سميتموه. قاله لما ولد الحسن، وفي ولادة الحسين، وكذلك في ولادة محسن بن علي. المستدرك 3: 180، كنز العمال 7: 107، 108 عن الدار قطني، وأحمد، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن حبان، والدولابي، والبيهقي، والحاكم، والخطيب. 14 - وقوله: اطلبوا ابني. لما ضل الحسن والحسين، كنز العمال 7: 108 15 - وقوله: إبني هذين ريحانتي من الدنيا. يعني الحسنين. الصواعق، 114، كنز العمال 6: 220، ج 7: 109. 16 وقوله: إبني إرتحلني. أخرجه أحمد. والبغوي. والطبراني. والحاكم. والبيهقي. وسعيد بن منصور. وابن عساكر في تاريخه 4: 317، وابن كثير في تاريخه 8: 36، وراجع كنز العمال 6: 222، و ج 7: 109. 17 - وقوله: هاتوا إبني أعوذهما بما عوذ به إبراهيم إبنيه. تاريخ ابن عساكر 4: 209. 18 - وقوله لأنس: ويحك يا أنس دع إبني وثمرة فؤادي - يعني الحسن - كنز العمال 6: 222. 19 - وقوله: إبناي هذان: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. الصواعق لابن حجر ص 114. 20 - وقوله في علي: هذا أخي وابن عمي وصهري وأبو ولدي. كنز العمال 6: 154. 21 - وقوله: سميت إبني هذين باسم ابني هارون شبر وشبير. الصواعق ص 115 كنز العمال 6: 222. 22 - وقوله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث

[126]

رجلا من ولدي إسمه كاسمي. فقال سلمان: من أي ولدك يا رسول الله ! قال: من ولدي هذا. وضرب بيده على الحسين. ذخاير العقبى ص 136. 23 - وقول الحسن السبط سلام الله عليه في خطبة له: أنا الحسن بن علي، و أنا ابن النبي، وأنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير. المستدرك 3: 172، ذخاير العقبى ص 140 138، شرح ابن أبي الحديد 4: 11، مجمع الزوائد 9: 146، إتحاف الشبراوي ص 5. 24 - وقوله لأبي بكر وهو في منبر جده الأقدس: إنزل عن مجلس أبي فقال أبو بكر: صدقت إنه مجلس أبيك. وفي لفظ: إنزل عن منبر أبي. فقال أبو بكر: منبر أبيك لا منبر أبي. الرياض النضرة 1، 139 شرح ابن أبي الحديد 2: 17، الصواعق ص 108، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 54، كنز العمال 3: 132. 25 - وقوله في وصيته: ادفنوني عند أبي - يعني المصطفى -. إتحاف الشبراوي ص 11. 26 - وقول الحسين السبط عليه السلام لعمر: إنزل عن منبر أبي. فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي، من أمرك بهذا ؟ تاريخ ابن عساكر 4: 321. 27 - وقول ابن عباس: هذان - الحسن والحسين - ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله. تاريخ ابن عساكر 4: 212، 322. 28 - وقول زهير بن قين مخاطبا الحسين عليه السلام: قد سمعنا يا بن رسول الله مقالتك. جمهرة خطب العرب 2: 40. 29 - وقول الإمام السبط الحسن الزكي كما في الإتحاف للشبراوي 49: خيرة الله من الخلق أبي * بعد جدي وأنا ابن الخيرتين فضة قد صيغت من ذهب * فأنا الفضة ابن الذهبين 30 - وقوله كما في الإتحاف ص 57: أنا ابن الذي قد تعلمون مكانه * وليس على الحق المبين طحاء

[127]

أليس رسول الله جدي ووالدي * أنا البدر إن حل النجوم خفاء 31 - وقول الفرزدق في مدح الإمام السجاد علي بن الحسين عليهما السلام هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم 32 - وقول ابن بشر في زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يمدحه: إذا نزل ابن المصطفى بطن تلعة * نفى جدبها واخضر بالنبت عودها وزيد ربيع الناس في كل شتوة * إذا أخلفت أبراقها ورعودها 33 - وقول أبي عاصم ابن حمزة الأسلمي يمدح الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام كما في زهر الآداب للحصري القيرواني 1 ص 80 ستأتي مدحتي الحسن بن زيد * وتشهد لي بصفين القبور قبور لم تزل مذ غاب عنها * أبو حسن تعاديها الدهور قبور لو بأحمد أو علي * يلوذ مجيرها حمي المجير هما أبواك من وضعا فضعه * وأنت برفع من رفعا جدير 34 - وقول إبراهيم بن علي بن هرمه لما نصحه الحسن بن زيد المذكور كما في زهر الآداب 1 ص 81. نهاني ابن الرسول عن المدام * وأدبني بآداب الكرام 35 - وقول أبي تمام الطائي (1). فعلتم بأبناء النبي ورهطه * أفاعيل أدناها الخيانة والغدر 36 - وقول دعبل الخزاعي: فكيف ومن أنى بطالب زلفة * إلى الله بعد الصوم والصلوات ؟ سواحب أبناء النبي ورهطه * وبغض بني الزرقاء والعبلات 37 - وقوله: ألم يحزنك أن بني زياد * أصابوا بالتراث بني النبي 38 - وقول الحماني:


(1) راجع فيما يلي من الأبيات تراجم شعرائها في أجزاء كتابنا هذا. [*]

[128]

قوم لماء المعالي في وجوههم * عند التكرم تصويب وتصعيد يدعون أحمد إن عد الفخار أبا * والعود ينسب في أفناءه العود 39 - وقول التنوخي: من ابن رسول الله وابن وصيه * إلى مدخل في عقبة الدين ناصب 40 - وقول الزاهي: بنوا المصطفى تفنون بالسيف عنوة * ويسلمني طيف الهجوع فأهجع 41 - وقول الناشي: بني أحمد قلبي بكم يتقطع * بمثل مصابي فيكم ليس يسمع 42 - وقول الصاحب بن عباد: ما لعلي العلي أشباه * ولا والذي لا إله إلا هو مبناه مبني النبي تعرفه * وابناه عند التفاخر إبناه 43 - وقوله: أيجز رأس ابن النبي وفي الورى * حي أمام ركابه لم يقتل ؟ 44 - وقوله: بمحمد ووصيه وابنيهما * وبعابد وبباقرين وكاظم 45 - وقوله: بمحمد ووصيه وابنيهما * الطاهرين وسيد العباد 46 - وقول الصوري: فلهذا أبناء أحمد أبناء * علي طرايد الآفاق 47 - وقول مهيار الديلمي: بأي حكم بنوه يتبعونكم * وفخركم أنكم صحب له تبع ؟ 48 - وقوله: فيوم السقيفة يا بن النبي * طرق يومك في كربلا 49 - وقول ابن جابر: جعلوا لأبناء الرسول علامة * إن العلامة شأن من لم يشهر

[129]

50 - وقال الشبراوي: يا بن الرسول بأمك الزهر البتول * وجدك المأمول عند الناس وغدوت في الأشراف يا بن المصطفى * كالعقل أو كالروح أو كالرأس فما المبرر عندئذ للخليفة في صفحه عما في كتاب الله وسنة نبيه وتلقيه بالقبول قول الأنصاري الشاذ عن الكتاب والسنة ؟ وما عذر فقيه أو حافظ إتخذ رأي الأنصاري دينا محتجا بقول شاعر لم يعرف بعد، وبين يديه القرآن والحديث والأدب ؟ - 3 - رأي الخليفة في قطع السارق عن صفية بنت أبي عبيد: أن رجلا سرق على عهد أبي بكر رضي الله عنه مقطوعة يده ورجله فأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يقطع رجله ويدع يده يستطيب بها ويتطهر بها، وينتفع بها، فقال عمر: لا والذي نفسي بيده لتقطعن يده الأخرى. فأمر به أبو بكر رضي الله عنه فقطعت يده. وعن القاسم بن محمد: أن أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يقطع رجلا بعد اليد والرجل فقال عمر رضي الله عنه: السنة اليد (1). إن من موارد الحيرة أن الخليفة لا يعلم حد السارق الذي هو من أهم ما تجب عليه معرفته لحفظ الأمن العام، وتهدأة الحالة، وقطع جرثومة الفساد، ومن المحير أيضا تسرعه إلى الحكم قبل ما عزي إليه فيما مر ص 119 من الرجوع إلى الكتاب والسنة ثم الاستعلام من الصحابة ثم المشورة. ثم إن الذي سدده في هذا القضية لم نسي الحكم أبان خلافته فأراد عين ما أراده صاحبه. راجع الجزء السادس ص 136 ط 2. - 4 - رأي الخليفة في الجد عن ابن عباس وعثمان وأبي سعيد وابن الزبير قالوا: إن أبا بكر جعل الجد


(1) سنن البيهقي 8 ص 273، 274. [*]

[130]

أبا (1) يعنون أنه كان يعجب الأخوة بالجد ولم يشرك بينهما كما أن الأب يحجب الأخوة والأخوات. قال الأميني: لم يكن رأي الخليفة هذا متخذا من الكتاب والسنة، ولم يكن يعمل به أحد من الصحابة طيلة حياته، وما اتفق لجد يرث في أيامه حتى يؤيد رأيه ويقال: إن أحدا من الصحابة لم يخالف أبا بكر في حياته في رأيه هذا كما قاله البخاري والقرطبي (2) وأول جد كان في الاسلام فأراد أن يأخذ المال كله مال ابن ابنه دون إخوته هو عمر بن الخطاب فأتاه علي وزيد فقالا: ليس لك ذلك إنما كنت كأحد الأخوين، وقد فصلنا القول فيه في الجزء السادس ص 215 - 218 ط 2 فأول رجل خالف الخليفة في الجد هو خليفته بعده، وقد اتفق علي وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود على خلاف الخليفة على توريث الأخوة مع الجد (3) وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وابن أبي ليلي (4). وافتعل القوم للخليفة عذرا بأنه كان يرى الجد أبا لمكان قوله تعالى: ملة أبيكم إبراهيم. وقوله: يا بني آدم بتقرير إطلاق الأب على الجد على الحقيقة. و لا يخفي على أي أحد أن صحة هذا الإطلاق لا توجب اتحاد الأب والجد في جميع الأحكام، ألا ترى إن صحة إطلاق الأم على الجدة على الحقيقة وقولهم في تعريف الجدة: إنها الأم العليا (5) لا تستدعي الاشتراك في النصيب فيرون مع هذه للجدة السدس بالاتفاق. وفريضة الأم هي الثلث بالكتاب والسنة. على أن الصحابة الأولين لم يكن عندهم أي إيعاز إلى هذا العذر المنحوت، ولو كانت لرأي الخليفة قيمة وكرامة لأباحه أحد منهم، وفاه به عندما خالف علي وزيد عمر بن الخطاب ونهياه عن إعمال هذا الرأي.


(1) صحيح البخاري باب ميراث الجد، سنن الدارمي 2 ص 352، أحكام القرآن للجصاص 1 ص 94، سنن البيهقي 6 ص 246 تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 65. (2) راجع صحيح البخاري باب ميراث الجد. وتفسير القرطبي 5 ص 68. (3) صحيح البخاري باب ميراث الجد. سنن الدارمي 2 ص 354، بداية المجتهد 2 ص 340 (4) أحكام القرآن للجصاص 1 ص 94، تفسير القرطبي 5 ص 68. (5) تفسير القرطبي 5 ص 68. [*]

[131]

بل فيما رواه الدارمي عن الحسن من أن الجد قد مضت سنته، وأن أبا بكر جعل الجد أبا، ولكن الناس تخيروا (1) إيعاز إلى أن السنة في الجد ماضية ثابتة وقد خالفها الخليفة، وتخير الناس فخالفوه وعملوا بالسنة الشريفة. - 5 - رأي الخليفة في تولية المفضول قال الحلبي في السيرة النبوية 3 ص 386: إن أبا بكر رضي الله عنه كان يرى جواز تولية المفضول على من هو أفضل منه وهو الحق عند أهل السنة لأنه قد يكون أقدر من الأفضل على القيام بمصالح الدين، وأعرف بتدبير الأمر، وما فيه انتظام حال الرعية. أجاب الحلبي بهذا عن تقديم أبي بكر عمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح على نفسه في الخلافة وقوله: بايعوا أي الرجلين إن شئتم، وقال الباقلاني في التمهيد ص 195 عند الجواب عن قول أبي بكر: وليتكم و لست بخيركم: يمكن أن يكون قد اعتقد أن في الأمة أفضل منه إلا أن الكلمة عليه أجمع والأمة بنظره أصلح، لكي يدلهم على جواز إمامة المفضول عن عارض يمنع من نصب الفاضل، ولهذا قال للأنصار وغيرهم: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أحدهما: عمر بن الخطاب وأبا عبيدة الجراح، وهو يعلم أن أبا عبيدة دونه و دون عثمان وعلي في الفضل، غير أنه قد رأى أن الكلمة تجتمع عليه، وتنحسم الفتنة بنظره. وهذا أيضا مما لا جواب لهم عنه. قال الأميني: الذي نرتأيه في الخلافة أنها إمرة إلهية كالنبوة، وإن كان الرسول خص بالتشريع والوحي الإلهي، وشأن الخليفة التبليغ والبيان، وتفصيل المجمل. وتفسير المعضل، وتطبيق الكلمات بمصاديقها، والقتال دون التأويل (2) كما


(1) سنن الدارمي 2 ص 353. (2) وبهذا عرف النبي صلى الله عليه وآله مولانا أمير المؤمنين بقوله: إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله قال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ ! قال: لا قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ ! قال: لا ولكن خاصف النعل، وكان أعطى عليا نعله يخصفها. أخرجه جمع من الحفاظ وصححه الحاكم والذهبي والهيثمي كما يأتي تفصيله. [*]

[132]

يقاتل النبي دون التنزيل، وإظهار ما لم يتسن للنبي الإشادة به إما لتأخر ظرفه، أو لعدم تهيأ النفوس له، أو لغير ذلك من العلل، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي الواجب عليه بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية، ولذلك خلقهم و استعبدهم وعلمهم ما لم يعلموا، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل. ولكن خلقهم ليعرفوه، وليمكنهم من الحصول على مرضاته، وسهل لهم الطريق إلى ذلك ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة، وبما أن أي نبي لم ينط عمره بمنصرم الدنيا، ولا قدر له البقاء مع الأبد، وللشرايع ظروف مديدة، كما أن للشريعة الخاتمة أمد لا منتهى له، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كل منهما نفوس لم تكمل بعد، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة، وأخرى لم تأت ظروفها، ومواليد قدر تأخير تكوينها، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة سدى والحالة هذه، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف والواجب عليه سبحانه شرع سواء، فيجب عليه جلت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه، ويدرع عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه. ومهما كان للمولى جلت مننه عناية بعبيده، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم، وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العبأ الثقيل ويمثل مخلفه الرسول في الوظايف كلها، فينص عليه بلسان ذلك النبي المبعوث ولا يجوز أن يخلي سربهم، ويتركهم سدى، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه: إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرط - لرأيت أن قد ضيع - ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم، ماذا تقول لله عز وجل إذ لقيته ولم تستخلف على عباده ؟ (1) وقالت عائشة لابن عمر: يا بني أبلغ سلامي وقل له: لا تدع أمه محمد بلا


(1) سنن البيهقي 8 ص 149 عن صحيح مسلم، سيرة عمر لابن الجوزي ص 190، الرياض النضرة 2 ص 74، حلية الأولياء 1 ص 44، فتح الباري 13: 175 عن مسلم. [*]

[133]

راع، إستخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى عليهم الفتنة (1) فترك الناس مهملين فيه خشية الفتنة عليهم. وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لو استخلفت ؟ قال: من ؟ قال: تجتهد فإنك لست لهم برب، تجتهد، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض ؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحب أن يستخلف رجلا حتى يرجع ؟ (2). م وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسك بهذا الحكم العقلي المسلم في استخلاف يزيد ويقول: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضان لا راعي لها] (3). ليت شعري هذا الدليل العقلي المتسالم عليه لم أهملته الأمة في استخلاف النبي الأعظم واتهمته بالصفح عنه ؟ أنا لا أدري. ولا يجوز أيضا توكل الأمر إلى أفراد الأمة، أو إلى أهل الحل والعقد منهم لأن مما أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفا بشرايط بعضها من النفسيات - الخفية الملكات التي لا يعلمها إلا العالم بالسرائر (4) كالعصمة والقداسة والروحية، والنزاهة النفسية لتبعده عن الأهواء والشهوات، والعلم الذي لا يضل معه في شئ من الأحكام إلى كثير من الأوصاف التي تقوم بها النفس، ولا يظهر في الخارج منها إلا جزئيات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كلياتها، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. (سورة القصص 69) والله يعلم حيث يجعل رسالته. فالأمة المنكفئ علمها عن الغيوب لا يمكنها تشخيص من تحلى بتلك الصفات فالغالب على خيرتها الخطأ، فإذا كان نبي كموسى على نبينا وآله وعليه السلام تكون وليدة اختياره من الآلاف المؤلفة سبعين رجلا، وإنهم لما بلغوا الميقات قالوا: أرنا الله جهرة ؟ فما ظنك بأفراد عاديين واختيارهم، وأناس ماديين وانتخابهم، وما عساهم أن ينتخبوا غير أمثالهم ممن هو وإياهم سواسية كأسنان المشط في الحاجة إلى المسدد،


(1) الإمامة والسياسة 1 ص 22. (2) طبقات ابن سعد 3 ص 249. (3) تاريخ الطبري 6: 170، الإمامة والسياسة 1: 151. (4) وقد أشبعنا القول في البرهنة على لزوم هذه الملكات الفاضلة في الإمامة في غير هذا المورد [*]

[134]

وليس من المأمون أن يقع انتخابهم على عائث، أو يكون التيائهم بمشاغب، أو يكون انثيالهم وراء من يسر على الأمة حسوا في ارتغاء (1) أو يقع اختيارهم على جاهل يرتبك في الأحكام فيرتكب العظام، ويأتي بالجرائم، ويقترف المآثم وهو لا يعلم، أو يعلم ولا يكترث لأن يقول زورا، ويحكم غرورا، فيفسدوا من حيث أرادوا أن يصلحوا، و يقعوا في الهلكة وهم لا يشعرون، كما وقعت أمثال ذلك في البيعة لمعاوية ويزيد وخلفاء الأمويين. فعلى البارئ الرؤف الذي يكره كل ذلك في خلقه أن لا يجعل لأحد من خلقه الخيرة فيها وقد خلقه ظلوما جهولا (2) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (3)، و ربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة في الأمر (4) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا. (الأحزاب 36) وقد أخبر به النبي الأعظم من أول يومه يوم عرض نفسه على القبائل فبلغ بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله فقال. له قائلهم: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال: إن الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء (5). أني تسوغ أن تكون للخلق خيرة في الأمر مع شيوع الغايات والأغراض والدعاوي والميول والشهوات في الناس حول الانتخاب، مع اختلاف الأنظار وتضارب الآراء والمعتقدات في تحليل نفسيات الرجال والشخصيات البارزة، مع كثرة الأحزاب والفرق والأقوام والطوائف المتشاكسة، مع شقاق القومية والطائفية والشعوبية الذايع الشايع في المسكين ابن آدم من أول يومه.


(1) مثل يضرب لم يظهر أمرا ويريد غيره - تاج العروس. 1 ص 153. (2) راجع الأحزاب: 72. (3) سورة الملك آية 14. (4) سورة القصص آية 67. (5) سيرة ابن هشام 2 ص 32، الروض الأنف 1 ص 264، بهجة المحافل لعماد الدين العامري 1: 128، السيرة الحلبية 2 ص 3، سيرة زيني دحلان 1 ص 302 هامش الحلبية، حياة محمد لهيكل ص 152. [*]

[135]

وقد اقترن الانتخاب من بد بدءه بالتحارش والتلاكم والتكالم والتشازر و التصاخب والتخاصم حتى قدت برود يمانية (1) ووقع البرح براحا (2) وكم بالانتخاب هتكت حرمات ؟ وأهينت مقدسات، وأضيعت حقايق، ودحض الحق الثابت، و دحس الصالح العالم، واختل الوئام، وأقلق السلام، وسفحت دماء زكية، و تشلشلت أشلاء الاسلام الصحيح، فجاء يطمع في الأمر من لا خلاق له من سوقي بردي، أو مبرطش ألهاه الصفق بالأسواق، أو بزاز يحمل بني أبيه على رقاب الناس، أو حفار قبور لا يعرف عرضه من طوله، أو طليق غاشم، أو خمار سكير، أو مستهتر مشاغب، من الذين اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله نحلا، وكتاب الله دغلا. ودين الله حولا. ومقتضى هذا البيان الضافي أن يكون الخليفة أفضل الخليفة أجمع في أمته لأنه لو كان في وقته من يماثله في الفضيلة أو من ينيف عليه استلزم تعيينه الترجيح بلا مرجح أو التطفيف في كفة الرجحان. على أن الإمام لو قصر في شئ من تلك الصفات لأمكن حصول حاجته إلى المورد الذي نبأ عنه علمه، أو تضائلت عنه بصيرته، أو ضعفت عنه منته، فعندئذ الطامة الكبرى من الفتيا المجردة، والرأي لا عن دليل، أو الأخذ عمن يسدده، وفي الأول العيث والفشل، وفي الثاني سقوط المكانة، وقد أخذ في الإمام مثل النبي أن يكون بحيث يطاع، وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله (3) وقرنت طاعة الإمام بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (4) وذلك ليمكنه إقامة الحدود الإلهية، ودحض الأباطيل وربما تسربت الشبهة عن جهله إلى نفس الدعوة وحقيقة الدين إن كان عميده الداعي إليه يقصر عن الدفاع عنه وإزاحة الشكوك المتوجهة إليه. فكل هذا يستدعي كماله في الصفات الكمالية كلها فيفضل على الأمة جمعاء.


(1) مثل يضرب في شدة الخصومة، أي تخاصموا حتى تشاقوا الثياب الغالية. (2) البرح: الشدة والأذى والشر، والبراح: الصر / ح البين. (3) سورة النساء آية: 64. (4) سورة النساء آية 59. [*]

[136]

قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (1) قل هل يستوي الأعمى والبصير، أم هل تستوي الظلمات والنور (2) أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون (3). الخلافة عند القوم نعم الخلافة التي تقول بها الجماعة لا تستدعي كل ما ذكرنا فإنهم يحسبون الخليفة أي مستحوذ على الأمة يقطع السارق، ويقتص القاتل، ويكلأ الثغور، ويحفظ الأمن العام إلى ما يشبه هذه ولا يخلع بفسق، ولا ينتقد بفاحشة مبينة، ولا يعاب بجهل، ولا يؤاخذ بعثرة، ولا يشترط فيه أي من الملكات الكريمة، وله العتبى في كل ذلك، وليس عليه من عتب. كلمة الباقلاني قال الباقلاني في التمهيد ص 181: باب الكلام في صفة الإمام الذي يلزم العقد له. فإن قال قائل: فخبرونا ما صفة الإمام المعقود له عندكم ؟ قيل لهم: يجب أن يكون على أوصاف: منها أن يكون قرشيا من الصميم، ومنها: أن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين، ومنها: أن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش والسرايا، وسد الثغور، وحماية البيضة وحفظ الأمة، والانتقام من ظالمها، والأخذ لمظلومها، وما يتعلق به من مصالحها: ومنها: أن يكون ممن لا تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود ولا جزع لضرب الرقاب والأبشار. ومنها: أن يكون من أمثلهم في العلم وسائر هذه الأبواب التي يمكن التفاضل فيها، إلا أن يمنع عارض من إقامة الأفضل فيسوغ نصب المفضول، وليس من صفاته أن يكون معصوما، ولا عالما بالغيب، ولا أفرس الأمة وأشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قبائل قريش. وقال في صفحة 185: فإن قالوا: فهل تحتاج الأمة إلى علم الإمام وبيان شئ


(1) سورة الزمر آية 9. (2) سورة الرعد آية 16. (3) سورة يونس آية 135. [*]

[137]

خص به دونهم، وكشف ما ذهب علمه عنهم ؟ قيل لهم: لا ؟ لأنه هو وهم في علم الشريعة وحكمها سيان. فإن قالوا: فلماذا يقام الإمام ؟ قيل لهم: لأجل ما ذكرناه من قبل من تدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، والأخذ للمظلوم، وإقامة الحدود، وقسم الفئ بين المسلمين والدفع بهم في حجهم وغزوهم، فهذا الذي يليه و يقام لأجله، فإن غلط في شئ منه، أو عدل به عن موضعه كانت الأمة من ورائه لتقويمه والأخذ له بواجبه. وقال في ص 186: قال الجمهور من أهل الاثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام " بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، و تضييع الحقوق، وتعطيل الحدود " ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه و ترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي الله، واحتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال، وإنه قال عليه السلام: إسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلوا وراء كل بر وفاجر. وروي أنه قال: أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة. في أخبار كثيرة وردت في هذا الباب وقد ذكرنا ما في هذا الباب في كتاب " إكفار المتأولين " وذكرنا ما روي في معارضتها وقلنا في تأويلها بما يغني الناظر فيه إن شاء الله. وقال في 186: وليس مما يوجب خلع الإمام حدوث فضل في غيره ويصير به أفضل منه، وإن كان لو حصل مفضولا عند ابتداء العقد لوجب العدول عنه إلى الفاضل، لأن تزايد الفضل في غيره ليس بحدث منه في الدين، ولا في نفسه يوجب خلعه، و مثل هذا ما حكيناه عن أصحابنا أن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان ما لو حدث فيه عند ابتداء العقد لبطل العقد له ووجب العدول. قال الأميني: ومما أو عز إليه الباقلاني من الأخبار الكثيرة الدالة على وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال ولا ينعزل الإمام بالفسق ما يلي. 1 - عن حذيفة بن اليمان قال: قلت يا رسول الله ! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم. قلت: وهل وراء هذا الشر

[138]

خير ؟ قال نعم: قلت: فهل وراء ذلك الخير شر ؟ قال: نعم. قلت: كيف يكون ؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس. قلت: كيف أصنع يا رسول الله ! إن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. صحيح مسلم 2 ص 119، سنن البيهقي 8: 157. 2 - عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم يصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله ! أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا ومن ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا تنزعن يدا من طاعة. صحيح مسلم 2 ص 122، سنن البيهقي 8: 159. 3 - سأل سلمة بن يزيد الجعفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا ؟ قال: فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فقال: إسمعوا وأطعيوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم. صحيح مسلم 2 ص 119 سنن البيهقي 8: 158. 4 - عن المقدام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أطيعوا أمراءكم ما كان، فإن أمروكم بما حدثتكم به ؟ فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتكم، وإن أمروكم بشئ مما لم آمركم به فهو عليهم وأنتم منه برءاء، ذلك بأنكم إذا لقيتم الله قلتم: ربنا لا ظلم. فيقول: لا ظلم. فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسلا فأطعناهم بإذنك. واستخلفت علينا خلفاء (1) فأطعناهم بإذنك. وأمرت علينا أمراء فأطعناهم. قال: فيقول: صدقتم هو عليهم وأنتم منه برءاء. سنن البيهقي 8 ص 159. 5 - عن سويد بن غفلة قال: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أبا أمية لعلك أن تخلف بعدي، فأطع الإمام وإن كان عبدا حبشيا، إن ضربك فاصبر، وإن


(1) هذا افتراء على الله، إن الله قط لم يستخلف ولم يأمر على الأمة أولئك الخلفاء والأمراء وإنما هم خيرة أمتهم، والشكر والعتب " عليها مهما صلحوا أو جاروا. [*]

[139]

أمرك بأمر فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن ظلمك فاصبر، وإن أمرك بأمر ينقص دينك فقل: سمع وطاعة، دمي دون ديني. (1) وأخذا بهذه الأحاديث قال الجمهور بعدم عزل الإمام بالفسق قال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 8: 36 في ذيل هذه الأحاديث المذكورة عن صحيح مسلم: ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد إسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق - إلى أن قال: فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه. قال الأميني: فما عذر عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم من الناكثين والمارقين في الخروج على مولانا أمير المؤمنين ؟ هبه صلوات الله عليه آوى قتلة عثمان، وعطل الحدود " معاذ الله " فأين العمل بهذه الأحاديث التي أخذتها الأمة المسكينة سنة ثابتة مشروعة: أنا لا أدري. كلمة التفتازاني وقال التفتازاني في شرح المقاصد 2: 71: ولا يشترط أن يكون " الإمام " هاشميا ولا معصوما ولا أفضل من يولى عليهم، وقال في ص 272: إذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف وقهر الناس بشوكة انعقدت له الخلافة له، وكذا إذا كان فاسقا أو جاهلا على الأظهر إلا أنه يعصى فيما فعل ويجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلا أو جائرا.


(1) سنن البيهقي 8: 159. [*]

[140]

كلمة القاضي الإيجي (1) قال في المواقف: الجمهور على أن أهل الإمامة مجتهد في الأصول والفروع ليقوم بأمور الدين، ذو رأي ليقوم بأمور الملك، شجاع ليقوى على الذب عن الحوزة وقيل: لا يشترط هذه الصفات لأنها لا توجد فيكون اشتراطها عبثا أو تكليفا بما لا يطاق ومستلزما للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها. نعم: يجب أن يكون عدلا لئلا يجور. عاقلا ليصلح للتصرفات. بالغا لقصور عقل الصبي. ذكرا إذ النساء ناقصات عقل ودين. حرا لئلا يشغله خدمة السيد، ولئلا يحتقر فيعصى، فهذه الصفات مشروط بالاجماع. وها هنا صفات في اشتراطها خلاف، الأولى أن يكون قرشيا. الثانية: أن يكون هاشميا، شرطه الشيعة. الثالثة: أن يكون عالما بجميع مسائل الدين، وقد شرطه الإمامية الرابعة: ظهور المعجزة على يده إذ به يعلم صدقه في دعوى الإمامة، والعصمة وبه قال الغلاة. ويبطل الثلاثة: إنا ندل على خلافة أبي بكر ولا يجب له شيئ مما ذكر (2) الخامسة: أن يكون معصوما اشترطه الإمامية والاسماعيلية، و يبطله: إن أبا بكر لا يجب عصمته اتفاقا (3). كلمة أبي الثناء قال في مطالع الأنظار ص 470: صفات الأئمة هي تسع. الأولى: أن يكون الإمام مجتهدا في أصول الدين وفروعه. الثانية أن يكون ذا رأي وتدبير، يدير الوقايع، أمر الحرب والسلم وساير الأمور السياسية. الثالثة: أن يكون شجاعا قوي القلب لا يجبن عن القيام بالحرب، ولا يضعف قلبه عن إقامة الحد ولا يتهور بإلقاء النفوس في التهلكة. وجمع تساهلوا في الصفات الثلث وقالوا: إذا لم يكن الإمام متصفا بالصفات الثلاث ينيب من كان موصوفا بها.


(1) إمام الشافعية القاضي عبد الرحمن الإيجي المتوفى 756. (2) دليل يضحك الثكلى لأنه لا يعدوه أن يكون مصادرة بالمطلوب، وأخذ المدعى دليلا. (3) اقرأ واضحك أو اعطفه على ما قبله. (4) شمس الدين بن محمود الاصبهاني المتوفى 749. [*]

[141]

الرابعة: أن يكون الإمام عدلا لأنه متصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم فلو لم يكن عدلا لا يؤمن تعديه. إلخ. الخامسة: العقل. السادسة. البلوغ. السابعة: الذكورة. الثامنة: الحرية التاسعة: أن يكون قرشيا. ولا يشترط فيه العصمة خلافا للإسماعيلية والاثنا عشرية. لنا إمامة أبي بكر (1). والأمة اجتمعت على كونه غير واجب العصمة، لا أقول إنه غير معصوم. ما تنعقد به الإمامة قال القاضي عضد الايجي في المواقف: المقصد الثالث فيما تثبت به الإمامة: إنها تثبت بالنص من الرسول، ومن الإمام السابق بالاجماع، وتثبت ببيعة أهل الحل والعقد خلافا للشيعة: لنا ثبوت إمامة أبي بكر رضي الله عنه بالبيعة (2). وقال: إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أن ذلك لا يفتقر إلى. الإجماع (3) إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلا عن إجماع الأمة. هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا هذا. وقال بعض الأصحاب: يجب كون ذلك بمشهد بينة عادلة كفا للخصام في ادعاء من يزعم عقد الإمامة له سرا قبل من عقد له جهرا، وهذا من المسائل الاجتهادية. ثم إذا اتفق التعدد تفحص عن المتقدم فامضي، ولو أصر الآخر فهو من البغاة، ولا يجوز العقد لإمامين في صقع متضايق الأقطار، أما في متسعها بحيث لا يسع الواحد تدبيره فهو محل الاجتهاد. إنتهى ما في المواقف وقد أقره شراحه وهم: السيد الشريف الجرجاني، والمولى حسن چلبي، والشيخ مسعود الشيرواني راجع شرح المواقف 3: 265 - 7.


(1) ما اتقنها من برهنة ويا للعحب. (2) انظر إلى هذا النول الذي تشابهوا في النسج عليه. (3) قال السيد الشريف الجرجاني: يعني من جميع أهل الحل والعقد. [*]

[142]

كلمة الماوردي وقال الماوردي في الأحكام السلطانية ص 4: اختلفت العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى فقالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاما، والتسليم لإمامته إجماعا، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعة قدوم غائب عنها، وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقد ها أحدهم برضى الأربعة استدلالا بأمرين: أحدهما: أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب. وأبو عبيدة ابن الجراح. وأسيد بن حضير. وبشر بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم. الثاني: إن عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضى الخمسة وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة. وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضى الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين. وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد لأن العباس قال لعلي رضي الله عنهما: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان ولأنه حكم وحكم الواحد نافذ. ا ه‍. م كلمة الجويني. قال إمام الحرمين الجويني المتوفى 478 في " الارشاد " ص 424: باب في الاختيار وصفته وذكر ما تنعقد الإمامة به. إعلموا أنه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع، بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمة على عقدها، والدليل عليه أن الإمامة لما عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين، ولم يتأن لانتشار الأخبار إلى من نأى من الصحابة في الأقطار، و لم ينكر عليه منكر، ولم يحمله على التريث حامل، فإذا لم يشترط الاجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود، ولا حد محدود، فالوجه الحكم بأن الإمامة تنعقد

[143]

بعقد واحد من أهل الحل والعقد. ثم قال بعض أصحابنا: لا بد من جريان العقد بمشهد من الشهود، فإنه لو لم يشترط ذلك لم نأمن أن يدعي مدع عقدا سرا متقدما على الحق المظهر المعلن. وليست الإمامة أحط رتبة من النكاح، وقد شرط فيه الاعلان، ولا يبلغ القطع، إذ ليس. يشهد له عقل، ولا يدل عليه قاطع سمعي، وسبيله سبيل سائر المجتهدات. ا ه‍. وقال الإمام ابن العربي المالكي في شرح صحيح الترمذي 13 ص 229: لا يلزم في عقد البيعة للإمام أن تكون من جميع الأنام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد على الخلاف المعلوم فيه. كلمة القرطبي. وقال القرطبي في تفسيره 1 ص 230: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله خلافا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد، ودليلنا أن عمر رضي الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك (1) ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود، قال الإمام أبو المعالي: من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر، قال: هذا مجمع عليه. ا ه‍.]. قال الأميني: فما المبرر عندئذ لتخلف عبد الله بن عمر. وأسامة بن زيد. وسعد ابن أبي وقاص. وأبي موسى الأشعري. وأبي مسعود الأنصاري. وحسان بن ثابت. والمغيرة بن شعبة. ومحمد بن مسلمة وبعض آخر من ولاة عثمان على الصدقات وغيرها عن بيعة مولانا أمير المؤمنين بعد إجماع الأمة عليها ؟ وما عذر تأخرهم عن طاعته في حروبه، وقد عرفوا بين الصحابة وسموا المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي ؟ (2).


(1) كان بني هاشم كلهم، والأنصار بأجمعهم إلا رجلين، والزبير وعمار وسلمان ومقدادا وأبا ذر وآخرين كثيرين من المهاجرين المتخلفين عن بيعة أبي بكر المنكرين إياها كما فصل في محله لم يكونوا من الصحابة عن القرطبي وإلا فلا يجوز للمفسر أن يكذب وهو يعلم أن التاريخ الصحيح سيكشف الستر عن دجله. (2) المستدرك للحاكم 3: 115، تأريخ الطبري 5: 115، الكامل لابن الأثير 3: 80، تأريخ أبي الفدا ج 1: 115، 171. [*]

[144]

رأي الخليفة الثاني في الخلافة وأقواله فيها عن عبد الرحمن بن أبزي قال: قال عمر: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيئ [طبقات ابن سعد 3: 248] وفي كلمة له ذكرها ابن حجر في الإصابة 2: 305: إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء. وقال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة الجراح. ولو كان سالم حيا ما جعلتها شورى (1). وقال لما طعن: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق الأجلح المستقيم: يعني عليا. فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدم عليا ؟ قال: أكره أن أحملها حيا وميتا. [الأنساب للبلاذري 5: 16، الاستيعاب لأبي عمر 2: 419] وقال: لوليتها عثمان لحمل آل أبي معيط على رقاب الناس، والله لو فعلت لفعل ولو فعل لأوشكوا أن يسيروا إليه حتى يجزوا رأسه. فقالوا: علي ؟ قال. رجل قعدد (2) قالوا: طلحة ؟ قال: ذاك رجل فيه بأو (3) قالوا: الزبير ؟ قال. ليس هناك. قالوا: سعد ؟ قال: صاحب فرس وقوس. فقالوا: عبد الرحمن بن عوف ؟ قال: ذاك فيه إمساك شديد، ولا يصلح لهذا الأمر إلا معط في غير سرف، وممسك في غير تقتير. أخرجه القاضي أبو يوسف الأنصاري المتوفى 182 في كتابه " الآثار " نقلا عن شيخه إمام الحنفية أبي حنيفة.


(1) طبقات ابن سعد 3: 248، التمهيد للباقلاني 204، الاستيعاب لأبي عمر 2: 561، طرح التثريب 1: 49، أسد الغابة 2: 246. (2) القعدد الجبان الخامل. كأن الخليفة نسي سوابق، مولانا أمير المؤمنين في المغازي و الحروب وعزمه الماضي وبسالته المشهودة إلى غيرها من صفاته الكمالية وتغافل عن أن الذي أقعده عن مناجزته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله هو خوف الردة من الناس بوقوع الفتنة لا حذار بارقة عمر وراعدته وشجاعته التي هو سلام الله عليه جد عليم بكمها وكيفها، نعم: الجو الخالي يبعث الانسان على أن يقول هكذا. (3) البأو: الكبر والتعظيم فيه. [*]

[145]

هذه الكلمات وما يتلوها سلسلة بلاء تشذ عن الحق والمنطق غير أنا نمر بها كراما. وعن ابن عباس قال: قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد ؟ وذلك قبل أن يطعن، فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم ؟ قال: أصاحبكم ؟ يعني عليا قلت: نعم، هو أهل لها في قرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره وسابقته وبلائه. فقال عمر إن فيه بطالة وفكاهة. قلت: فأين أنت عن طلحة ؟ قال: أين الزهو والنخوة ؟ قلت عبد الرحمن بن عوف ؟ قال: هو رجل صالح على ضعف قلت: فسعد ؟ قال: ذاك صاحب مقنب وقتال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها. قلت: فالزبير ؟ قال: لقيس مؤمن الرضى كافر الغضب شحيح. إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف. قلت: فأين عن عثمان ؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ولو فعلها لقتلوه. ذكره البلاذري في الأنساب 5: 16، وفي لفظ آخر له ص 17: قيل: طلحة ؟ قال: أنفه في السماء وإسته في الماء. نظرة في الخلافة التي جاء بها القوم قال الأميني: هذا ما جاء به القوم من الخلافة الإسلامية والامامة العامة فهي عندهم ليست إلا رياسة عامة لتدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، والأخذ للمظلوم، وإقامة الحدود، وقسم الفئ بين المسلمين، والدفع بهم في حجهم وغزوهم، ولا يشترط فيها نبوغ في العلم زايدا على علم الرعية، بل هو والأمة في علم الشريعة سيان، و يكفي له من العلم ما يكون عند القضاة، وهؤلاء القضاء بين يديك وأنت جد عليم بعلمهم ويسعك إمعان النظر فيه من كثب، ولا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه وجوره وفجوره، ويجب على الأمة طاعته على كل حال برا كان أو فاجرا، ولا يسوغ لأحد مخالفته ولا القيام عليه والتنازع في أمره. فعلى هذا الأساس كان يزحزح خلفاء الانتخاب الدستوري في القضاء والافتاء عن حكم الكتاب والسنة ولم يكن هناك أي وازع، ولم يكن يوجد قط أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، خوفا مما افتعلته يد السياسة وجعلت به على الأفواه [*]

[146]

أوكية، من حديث عرفجة مرفوعا: ستكون هنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان (1). ورواية عبد الله مرفوعا: ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: يا رسول الله ! كيف تأمر من أدرك منا ذلك ؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم. " صحيح مسلم 2 ص 118 " وعلى هذا الأساس تمكن معاوية بن أبي سفيان من أن يجلس بالكوفة للبيعة و يبايعه الناس على البراءة من علي بن أبي طالب. " البيان والتبيين 2: 85 " وعلى هذا الأساس أقر عبد الله بن عمر بيعة يزيد الخمور، قال نافع: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه ومواليه. وفي رواية سليمان: حشمه و ولده وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة. زاد الزهراني: قال: وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن تبايع رجلا على بيعة الله ورسوله ثم تنصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلع ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل فيما بيني وبينه، وفي لفظ: إن عبد الله بن عمر جمع أهل بيته حين انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وخلعوا يزيد بن معاوية، فقال: إنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر بعد الاشراك بالله أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، ولا يخلعن أحد منكم يزيد، ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون صيلما بيني وبينه (2). وعلى هذا الأساس جاء عن حميد بن عبد الرحمن إنه قال: دخلت على يسير الأنصاري (الصحابي) حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: إنهم يقولون: إن يزيد ليس بخير أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أقول ذلك ولكن لإن يجمع الله أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن يفترق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يأتبك في الجماعة إلا خير (3).


(1) صحيح مسلم 2 ص 121، سنن أبي داود 2: 283 (2) صحيح البخاري. 1: 166 سنن البيهقي 8: 159، 160، مسند أحمد 96 2. (3) الاستيعاب 2 ص 635 أسد الغابة 5: 126. [*]

[147]

وعلى هذا الأساس تكلمت عائشة فيما رواه الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة ؟ قالت: وما تعجب من ذلك ؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة (1) وعلى هذا الأساس يوجه قول مروان بن الحكم، قال: ما كان أحد أدفع عن عثمان من علي، فقيل له: ما لكم تسبونه على المنابر ؟ قال: إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك (2). وعلى هذا الأساس صح قتل معاوية عبد الرحمن بن خالد لما أراد البيعة ليزيد، إنه خطب أهل الشام وقال لهم: يا أهل الشام إنه قد كبرت سني، وقرب أجلي، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم، إنما أنا رجل منكم فرأوا رأيكم فاصقعوا واجتمعوا وقالوا: رضينا عبد الرحمن بن خالد (3) فشق ذلك على معاوية وأسرها في نفسه، ثم إن عبد الرحمن مرض فأمر معاوية طبيبا عنده يهوديا وكان عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات، ثم دخل أخوه المهاجر ابن خالد دمشق مستخفيا هو وغلام له فرصدا ذلك اليهودي فخرج ليلا من عند معاوية فهجم عليه ومعه قوم هربوا عنه فقتله المهاجر. ذكره أبو عمر في الاستيعاب 2: 408 فقال: وقصته هذه مشهورة عند أهل السير والعلم بالآثار والأخبار اختصرناها، ذكرها عمر بن شبه في أخبار المدينة وذكرها غيره. ا ه‍. وذكرها ابن الأثير في أسد الغابة 3: 289. وعلى هذا الأساس يتم اعتذار شمر بن ذي الجوشن قاتل الإمام السبط فيما رواه أبو إسحاق، قال: كان شمر بن ذي الجوشن يصلي معنا ثم يقول: للهم إنك شريف تحب الشرف وإنك تعلم أني شريف فاغفر لي قلت: كيف يغفر لله لك و قد أعنت على قتل ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك فكيف نصنع ؟ إن أمراءنا هؤلاء


(1) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور 6: 19. (2) الصواعق المحرقة ص 33. (3) صحابي من فرسان قريش له هدى حسن وفضل وكرم إلا أنه كان منحرفا عن علي و بني هاشم: أسد الغابة 3: 289. [*]

[148]

أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خلقناهم كنا شرا من هذه الحمر الشقاة (1). وفي لفظ: أللهم اغفر لي فإني كريم لم تلدني اللئام. قلت له: إنك لسيئ الرأي والفكر تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدعو بهذا الدعاء، فقال: إليك عني فلو كنا كما تقول أنت وأصحابك لكنا شرا من الحمر في الشعاب. وعلى هذا الأساس جرى ما جرى على أبي بكر الطائي وأصحابه. قال سليمان ابن ربوة: اجتمعت أنا وعشرة من المشايخ في جامع دمشق فيهم أبو بكر بن أحمد بن سعيد الطائي فقرأنا فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوثب علينا قريب من مائة يضربونا ويسحبونا إلى الوالي فقال لهم أبو بكر الطائي: يا سادة اسمعوا لنا إنما قرأنا اليوم فضائل علي وغدا نقرأ فضائل أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقد حضرتني أبيات فإن رأيتم أن تسمعوها ؟ فقالوا له: هات فأنشأ بديها. حب علي كله ضرب * يرجف من خيفته القلب ومذهبي حب إمام الهدى * يزيد والدين هو النصب من غير هذا قال فهو امرؤ * ليس له عقل ولا لب والناس من يغد لأهوائهم * يسلم وإلا فالقضا نهب قالوا: فخلوا عنا. " تمام المتون للصفدي ص 188 " وعلى هذا الأساس هتكت حرمات آل الله، وأضيعت مقدسات العترة والهادية، وسفكت دماء الأبرياء الأزكياء من شيعة أهل البيت الطاهر، وشاع وذاع لعن سيد العترة نفس النبي الأقدس، والمطهر بلسان الله، على صهوات المنابر، واتخذه خلفاء بني أمية سنة متبعة في أرجاء العالم الاسلامي، حتى وبخ معاوية سعد بن أبي وقاص لسكوته عن سب أبي السبطين مولانا أمير المؤمنين (2) حتى تمكن عبد الله بن الوليد ابن عثمان بن عفان من أن قام إلى هشام بن عبد الملك عشية عرفة وهو على المنبر فقال: يا أمير المؤمنين ! إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب (3).


(1) تاريخ ابن عساكر 6: 338، ميزان الاعتدال للذهبي 1: 449. (2) راجع الجزء الثالث ص 200 ط 2 (3) رسائل الجاحظ ص 92، أنساب البلاذري 5: 116 [*]

[149]

وقال سعيد بن عبد الله لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين ! إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب فالعنه أنت أيضا (1). وعلى هدا الأساس من معنى الخلافة لا عسف ولا حزازة في رأي الخليفة الأول ومن حذا حذوه من صحة اختيار المفضول على الفاضل، وتقديم المتأخر على المتقدم بأعذار مفتعلة، وأوهام مختلقة، ومرجحات واهية، وسياسة وقتية، إذ الأمر الذي لا يشترط في صاحبه شئ من القداسة الروحية، والملكات الفاضلة، والخلايق الكريمة، والنفسيات الشريفة، ومعالم ومعارف، ومدارج ومراتب، ولا يؤاخذ هو بما فعل، ولا يخلع بتعطيل الأحكام، وترك إقامة، الحدود، ولا ينابذ ما دام يقيم في أمته الصلاة كما سمعت تفصيل ذلك كله لا وازع عندئذ من أن يكون أمثال أبي عبيدة الجراح حفار القبور حاملا لهذا العبء الثقيل، متحليا بأبراد الخلافة، ولا مانع من تقديم الخليفة الأول إياه أو صاحبه على نفسه في بدء الأمر، ولا حاجز من اختيار أي مستأهل لتنفيذ ما ذكر ص 138 مما يقام له الإمام ولو بمعونة سماسرته وجلاوزته ومن يهمه أمره، بل من له الشدة والفظاظة والعنف والتهور إلى أمثالها ربما يكون أولى من غيره مهما اقتضته السياسة الوقتية. واتبع الأكثرون الخليفة في تقديم المفضول على الفاضل، قال القاضي في المواقف: جوز الأكثرون إمامة المفضول مع وجود الفاضل، إذ لعله أصلح للإمامة من الفاضل، إذا المعتبر في ولاية كل أمر معرفة مصالحه ومفاسده، وقوة القيام بلوازمه، ورب مفضول في علمه وعمله هو بالزعامة أعرف، وشرائطها أقوم، وفصل قوم فقالوا: نصب الأفضل إن أثار فتنة لم يجب وإلا وجب. وقال الشريف الجرجاني: كما إذا فرض أن العسكر والرعاية لا ينقادون للفاضل بل للمفضول. " شرح المواقف 3. 279 " قال الأميني: إنا لا نريد بالأفضل إلا الجامع لجميع صفات الكمال التي يمكن اجتماعها في البشر لا الأفضلية في صفة دون أخرى، فيكون حينئذ الأفقه مثلا هو الأبصر بشئون السياسة، والأعرف بمصالح الأمور ومفاسدها، والأثبت في إدارة الصالح العام، والأبسل في مواقف الحروب، والأقضى في المحاكمات، والأخشن في ذات الله، والأرأف بضعفاء


(1) تاريخ ابن كثير 9: 432. [*]

[150]

الأمة، والأسمح على محاويج الملأ الديني، إلا أمثالها من الشرايط والأوصاف، إذن فلا تصوير لما حسبوه من أن المفضول قد يكون أقدر وأعرف وأقوم. إلخ. وعلى المولى سبحانه أن لا يخلي الوقت عن إنسان هو كما قلناه، بعد أن أثبتنا إن تقييضه من اللطف الواجب عليه سبحانه، وهو عديل القرآن الكريم ولا يفترقا حتى يردا على النبي الحوض. وأما من لا ينقاد له من الجيش وغيره فهو كمن لا ينقاد لصاحب الرسالة، لا يزحزح بذلك صاحب الأمر عما قيضه الله له من الولاية الكبرى، بل يجب على بقية الأمة إخضاعهم كما أخضعوا أهل الردة أو من حسبوه منهم، وأن يفوقوا إليه سهم الجن كما فوقوه إلى سعد بن عبادة أمير الخزرج. ولم تكن للخليفة مندوحة عن رأيه في تقديم المفضول، وما كان إلا تصحيحا لخلافة نفسه، ولتقدمه على من قدسه المولى سبحانه في كتابه العزيز، ورآه نفس النبي الأقدس وقرن طاعته بطاعته، وولايته بولايته، وأكمل به الدين، وأتم به النعمة، وأمر نبيه بالبلاغ وضمن له العصمة من الناس، وهتف هاتف الوحي بولايته وأولويته بالمؤمنين من أنفسهم في محتشد رهيب بن مائة ألف أو يزيدون قائلا: يا أيها الناس ! إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه. ولم تكن تخفى لأي أحد فضائل أبي السبطين وملكاته وروحياته، وطيب عنصره، وطهارة محتده، وقداسة مولده، وعظمة شأنه، وبعد شأوه في حزمه وعزمه وسبقه في الاسلام، وتفانيه في ذات الله، وأفضليته في العلم والفضائل كلها. نعم: على رأي الخليفة في تقديم المفضول على الفاضل وقع الانتخاب من أول يومه، فبويع أبو بكر بعقد رجلين ليس إلا: عمر بن الخطاب وأبي عبيدة الحفار ابن الجراح، وكان الأمر أمر نهار قصي ليلا، مدبرا بين أولئك الرجال مؤسسي الانتخاب الدستوري، وما اتبعهما يوم ذاك إلا أسيد بن حضير، وبشر بن سعد، ثم دردب الناس لما عضه الشفاف (1) واتسع الخرق على الراقع، وما أدركت القويمة حتى أكلتها


(1) مثل يضرب لمن يمتنع مما يراد منه ثم يذل وينقاد. [*]

[151]

الهويمة (1) وأصبح المصلح الهضيم يقول: دع الرجل واختياره (2) وإن في الشر خيارا، ولا يجتنى من الشوك العنب. بويع أبو بكر ودب قمله (3) وقسمت الوظايف الدينية من أول يومه بين ثلاث: له الإمامة، وقال عمر: وإلي القضاء. قال أبو عبيدة: وإلي الفئ. وقال عمر: فلقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان (4) ولم يكن هناك من يزعم أو يفوه بأفضلية أبي بكر وعمر من مولانا أمير المؤمنين، هذا أبو بكر ينادي على صهوات المنابر: وليت ولست بخيركم، ولي شيطان يعتريني. ويطلب من أمته العون له على نفسه و إقامة أمته وعوجه (5). وهذا عمر بن الخطاب ونصوصه بين يديك على أن الأمر كان لعلي غير أنهم زحزحوه عنه لحداثة سنه والدماء التي عليه (6) أو لما قاله لما عزم على الاستخلاف: لله أبوك لولا دعابة فيك. كما في " الغيث المنسجم للصفدي 1: 168 " وكان يدعو الله ربه أن لا يبقيه لمعضلة ليس فيها أبو الحسن، ويرى أن عليا لولاه لضل هو (7) ولولاه لهلك هو، ولولاه لافتضح هو، وعقمت النساء أن تلدن مثل علي. إلى كثير مما مر عنه في الجزء السادس في نوادر الأثر، ولم يكن قط يختلج في هواجس ضميره ولن يختلج " وأنى يختلج " أنه كان يماثل مولانا عليا في إحدى فضائله، أو يدانيه في شئ منها، أو يبعد عنه بقليل. وبعدما عرفت معنى الخلافة عند القوم، ووقفت على رأي سلفهم فيها وفي مقدمهم الخليفة الأول، هلم معي إلى التهافت بين تلكم الكلمات وبين مزاعم أخرى جنح إليها


(1) أصل المثل: أدرك القويمة لا تأكلها الهويمة. والمراد: إدراك الرجل الجاهل حتى لا يقع في هلكة. (2) مثل يضرب لمن لا يقبل الوعظ. (3) مثل يضرب للانسان إذا سمن وحسن حاله. (4) طبقات ابن سعد 3 ص 130. (5) راجع ما مر في هذا الجزء ص 118. (6) راجع ما مر في الجزء الأول ص 389، وفي هذا الجزء ص 80. (7) التمهيد للباقلاني ص 199. [*]

[152]

لفيف آخر " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ". قال أحمد بن محمد الوتري البغدادي في روضة الناظرين ص 2: إعلم أن جماهير أمل السنة والجماعة يعتقدون أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم، وأن المتقدم في الخلافة هو المقدم في الفضيلة لاستحالة تقديم المفضول على الفاضل لأنهم كانوا يراعون الأفضل فالأفضل، والدليل عليه: إن أبا بكر رضي الله عنه لما نص على عمر رضي الله عنه قام إليه طلحة رضي الله عنه فقال له: ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا قال أبو بكر رضي الله عنه: فركت لي عينيك، ودلكت لي عقبيك، وجئتني تكفني عن رأيي، وتصدني عن ديني أقول له إذا سألني: خلفت عليهم خير أهلك. فدل على أنهم كانوا يراعون الأفضل فالأفضل. ا ه‍. وأنت ترى أن هذه المزعمة فيها دجل لإغراء البسطاء من الأمة المسكينة و هي تصادم رأي الجمهور ونظريات علماء الكلام منهم، وعمل الصحابة ونصوصهم، وقبل كل شيئ رأي الخليفة أبي بكر، وكأن ما حسبه من الاستحالة قد خفي علي الخليفة وعلى من آزره على أمره، واعتنق إمامته في القرون والأجيال من بعده وكأن أفضلية الرجل الفظ الغليظ كانت تخفى على الصحابة، ولم يكن يعلمها أحد فأعرب عنها أبو بكر، وكأن التاريخ ونوادر الأثر لم تكن بين يدي (الوتري) حتى يعرف مقادير الرجال، ولا يغلو فيهم ولا يتحكم ولا يجازف في القول ولا يسرف في الكلام ويعلم بأن عمر لو كان خير الأمة وتلك سيرته ونوادر أثره فعلى الاسلام السلام. نعم: إنما هي أهواء وشهوات أخذ كل بطرف منها، وفتاوى مجردة هملج ورائها كل حسب ميوله، ونحن نضع عقلك السليم مقياسا بين هذين الإمامين: من نصفه نحن، ومن يقول به هؤلاء. فراجعه إلى أيهما يجنح، وأيا منهما يتخذه وسيلة بينه وبين ربه سبحانه، وأيهما يحق له أن يستحوذ على رقاب المسلمين ونفوسهم ونواميسهم وأحكامهم في دنياهم وأخراهم ؟ إن لم تكن في ميزان نصفته عين. فويل للمطففين.

[153]

- 6 - رأي الخليفة في القدر أخرج اللالكائي في السنة عن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر ؟ قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني ؟ قال: نعم، يا بن اللخناء ! أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ (1) أنفك (2). قال الأميني: أترى الخليفة عرف معنى القدر الصحيح ؟ بمعنى ثبوت الأمر الجاري في العلم الأزلي الإلهي، مع إعطاء القدرة على الفعل والترك، مع تعريف الخير والشر وتبيان عاقبة الأول ومغبة الأخير. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا هديناه النجدين (4) ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم (5) ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني حميد (6). كل ذلك مع تكافؤ العقل والشهوة في الانسان مع خلق عوامل النجاح تجاه النفس الأمارة بالسوء، فمن عامل بالطاعة بحسن اختياره، ومن مقترف للمعصية بسوء الخيرة. فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات (7) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها (8) من اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها (9) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (10) فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها (1) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت


(1) وجاء عنقه: ضربه، ووجأه: رضه ودقه. (2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 65. (3) سورة الانسان: 3. (4) سورة البلد: 10. (5) سورة النمل: 40. (6) سورة لقمان: 12. (7) سورة فاطر: 33. (8) سورة يونس: 108 الاسراء: 15. (9) سورة الزمر: 41. (10) سور ة الجاثية: 15. (11) سورة الأنعام: 104. [*]

[154]

فبما يوحي إلي ربي (1) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها (2) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى (3) ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين. فالقدر لا يستلزم جبرا وعلم المولى سبحانه بمقادير ما يختاره العباد من النجدين ويأتون به من العمل من خير أو شر لا ينافي التكليف. كما لا أثر له في اختيار المكلفين، ولا يقبح معه العقاب على المعصية، ولا يسقط معه الثواب على الطاعة. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (5) ونضع الموازين القسط يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (6) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم (7) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (8). فهل الخليفة عرف هذا المعنى من القدر، فأجاب بما أجاب ؟ لكن السائل لم يفهم ما أراده فانتقده بما انتقد، غير أنه لو كان يريد ذلك لما جابه المنتقد بالسباب المقذع والتمني بأن يكون عنده من يجأ أنفه قبل بيان المراد فيفئ الرجل إلى الحق. أو أن الخليفة لم يكن يعرف من القدر إلا ما ارتفعت به عقيرة جماهير من أشياعه من القول بخلق الأعمال ؟ فيتجه إذن ما قاله المنتقد سبه الخليفة أولم يسبه. والذي يؤثر عن ابنته عائشة هو الجنوح إلى المعنى الثاني يوم اعتذرت عن نهضتها على مولانا أمير المؤمنين، وتبرجها عن خدرها المضروب لها تبرج الجاهلية الأولى بعد أن ليمت على ذلك: بأنها كانت قدرا مقدورا وللقدر أسباب، أخرجه الخطيب البغدادي بإسناده في تاريخه 1: 160. وإن كان يوقفنا موقف السادر ما يؤثر عنها فيما أخرجه الخطيب أيضا في تاريخه 5: 185 عن عروة قال: ما ذكرت عائشة مسيرها في وقعة الجمل قط إلا بكت حتى


(1) سورة سبأ: 5. (2) سورة الاسراء: 7. (3) سورة النجم: 30. (4) سورة القصص: 85. (5) سورة الزلزلة: 7، 8. (6) سورة الأنبياء: 47. (7) سورة غافر: 17. (8) سورة آل عمران: 25. [*]

[155]

تبل خمارها وتقول: يا ليتني كنت نسيا منسيا (1) قال سفيان الثوري: النسي المنسي: الحيضة الملقاة. كأنها كانت ترى مسيرها حوبا كبيرا جديرا أن تبكي عليه مدى الدهر، وتبل بدمعها خمارها، وتتمنى ما تمنت وهذا ينافي ذلك الاعتذار البارد المأخوذ أصله عن رأي أبيها الخليفة الذي لم يجد مساغا في دفع ما يتجه عليه إلا السباب. - 7 - ترك الخليفة الضحية مخافة أن تستن قد مر في الجزء السادس ص 177 ط 2 من الصحيح الوارد في أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان كراهة أن يقتدى بهما، فيظن فيها الوجوب. وقد استوفينا حق القول هناك فراجع، - 8 - ردة بني سليم عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في بني سليم ردة فبعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد فجمع رجالا منهم في الحظائر ثم أحرقها عليهم بالنار فبلغ ذلك عمر فأتى أبا بكر فقال: تدع رجلا يعذب بعذاب الله عز وجل، فقال أبو بكر: والله لا أشيم سيفا سله الله على عدوه حتى يكون هذا الذي يشيمه، ثم أمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسيلمة. الرياض النضرة 1 ص 100. لبس في هذا الجواب مخرج عن اعتراض عمر فقد جاء في الكتاب العزيز قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. (المائدة آية 33) وصح عنه صلى الله عليه وآله النهي عن الإحراق وقوله: لا يعذب بالنار إلا رب النار. و


(1) وذكره ابن الأثير في النهاية 4: 151، وابن منظور في لسان العرب. 2: 196، والزبيدي في تاج العروس 1: 367. [*]

[156]

قوله: إن النار لا يعذب بها إلا الله. وقوله: لا يعذب بالنار إلا ربها (1): وقوله: من بدل دينه فاقتلوه (2) وقوله: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل يخرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها. سنن أبي داود 2 ص 219، مصابيح السنة 2: 59، مشكاة المصابيح ص 300. وأما فعل أمير المؤمنين عليه السلام بعبد الله بن سبأ وأصحابه فلم يكن إحراقا ولكن حفر لهم حفائر، وخرق بعضها إلى بعض، ثم دخن عليهم حتى ماتوا كما قال عمار الدهني: فقال عمرو بن دينار: قال الشاعر: لترم بي المنايا حيث شاءت * إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما أججوا حطبا ونارا * هناك الموت نقدا غير دين (3). وأما قول أبي بكر: لا اشيم سيفا الخ. فهو تحكم تجاه النص النبوي، وما كان السيف أنطق من القول، ومتى شهر الله سبحانه هذا السيف صاحب الدواهي الكبرى والطامات في يومه هذا، ويومه الآخر المخزي في بني حنيفة ومع مالك بن نويرة و أهله، ويومه قبلهما مع بني جذيمة الذي تبرأ فيه رسول صلى الله عليه وآله من عمله، إلى غيرها من المخاريق والمخازي التي تغمد بها هذا السيف. - 9 - حرق الخليفة الفجاءة قدم على أبي بكر رجل من بني سليم يقال له: الفجاءة وهو إياس بن عبد الله بن عبد باليل بن عميرة بن خفاف فقال لأبي بكر: إني مسلم وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار فاحملني وأعني فحمله أبو بكر على ظهر وأعطاه سلاحا فخرج يستعرض الناس


(1) صحيح البخاري 4: 325 كتاب الجهاد باب: لا يعذب بعذاب الله، مسند أحمد 3: 494 و ج 2: 207 سنن أبي داود 2: 219، صحيح الترمذي سنن البيهقي 9: 71، 72، مصابيح السنة 2 ص 58 57، تيسير الوصول 1 ص 236. (2) صحيح البخاري 10 ص 83 كتاب استتابة المرتدين، سنن أبي داود 2 ص 219، مصابيح السنة 2 ص 57. (3) سنن البيهقي 9 ص 71. [*]

[157]

المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ويصيب من امتنع منهم ومعه رجل من بني الشريد يقال له: نجبة بن أبي الميثاء فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجز: إن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم ويسألني أن أقويه على من ارتد عن الاسلام فحملته وسلحته ثم انتهى إلي من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأخذه فتأتيني به فسار إليه طريفة فلما التقى الناس كانت بينهم الرميا بالنبل فقتل نجبة بن أبي الميثاء بسهم رمي به فلما رأي الفجاءة من المسلمين الجد قال لطريفة: والله ما أنت بأولى بالأمر مني أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره، فقال له طريفة: إن كنت صادقا فضع السلاح وانطلق إلى أبي بكر فخرج معه فلما قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز فقال: أخرج به إلى هذا البقيع فحرقه فيه بالنار. فخرج به طريفة إلى المصلى فأوقد له نارا فقذفه فيها. وفي لفظ الطبري: فأوقد له نارا في مصلى المدينة على حطب كثير ثم رمي فيها مقموطا. وفي لفظ ابن كثير: فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط (1). قال الأميني: القول في هذا كالذي سبقه من عدم جواز الاحراق بالنار والتعذيب بها، على أن الفجاءة كان متظاهرا بالاسلام وتلقاه الخليفة بالقبول يوم أعطاه ظهرا و سلحه، وإن كان فاسقا بالجوارح على ما انتهى إلى الخليفة من يقين الخبر، ولم يكن سيف الله مشهورا هاهنا حتى يتورع عن إغماده، ولا يدعى مثله لطريفة حتى يكون معذرا في مخالفة النص الشريف، ولعل لذلك كله ندم أبو بكر نفسه يوم مات عن فعله ذلك كما في الصحيح الآتي إنشاء الله تعالى. فإلى الملتقى. والعجب كل العجب من دفاع القاضي عضد الايجي عن الخليفة بقوله في المواقف. إن أبا بكر مجتهد، إذ ما من مسألة في الغالب إلا وله فيها قول مشهور عند أهل العلم، وإحراق الفجاءة لاجتهاده وعدم قبول توبته لأنه زنديق ولا تقبل توبة الزنديق في الأصح وجاء بعده القوشجي مدافعا عن الخليفة بقوله في شرح التجريد ص 482: إحراقه فجاءة بالنار من غلطة في اجتهاده فكم مثله للمجتهدين ؟


(1) تأريخ الطبري 3 ص 234، تأريخ ابن كثير 6 ص 319، الكامل لابن الأثير 2 ص 146، الإصابة 2 ص 322. [*]

[158]

إقرأ واضحك أو ابك. زه زه بالاجتهاد تجاه نص الكتاب والسنة، ومرحبا مجتهد يخالف دين الله. - 10 - رأي الخليفة في قصة مالك سار خالد بن الوليد يريد البطاح حتى قدمها فلم يجد بها أحدا وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ونهاهم عن الاجتماع وقال: يا بني يربوع إنا دعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرقوا وادخلوا في هذا الأمر، فتفرقوا على ذلك، ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب، وإن إمتنع أن يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يأذنوا ويقيموا إذا نزلوا منزلا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيئ إلا الغارة ثم تقتلوا كل قتلة، الحرق فما سواه، إن أجابوكم إلى داعية الاسلام فسائلوهم فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شئ إلا الغارة، ولا كلمة، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع من عاصم وعبيد وعرين وجعفر فاختلفت السيرة فيهم، وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا و صلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شئ وجعلت تزداد بردا، فأمر خالد مناديا فنادى: أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة القتل فظن القوم أنه أراد القتل ولم يرد إلا الدفء فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكا وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه، وتزوج خالد أم تميم امرأة مالك فقال أبو قتادة: هذا عملك ؟ فزبره خالد فغضب ومضى. وفي تاريخ أبي الفدا: كان عبد الله بن عمرو أبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما. فقال مالك: يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا. فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه. فقال عمر لأبي بكر: إن سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه في ذلك فقال: يا عمر ! تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيم سيفا سله الله على الكافرين.

[159]

وفي لفظ الطبري وغيره: إن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه أن إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذانا فشنوا الغارة فاقتلوا وحرقوا، وكان ممن شهد لمالك بالاسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا بعدها، وكان يحدث أنهم لما غشوا لقوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنا المسلمون. فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم ؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم ؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون ؟ فضعوا السلاح. قال: فوضعوها ثم صلينا وصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله: إنه قال وهو يراجعه: ما أخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعده لك صاحبا. ثم قدمه فضرب عنقه وعنق أصحابه. فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتلته ثم نزا على امرأته، وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجرا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحصلها ثم قال: أرئاء ؟ قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك ولا يكلمه خالد بن وليد ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك. قال فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالس في المسجد فقال خالد: هلم إلي يا بن أم شملة ؟ قال فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه ودخل بيته. وقال سويد: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعرا وإن أهل العسكر اثفوا برؤوسهم القدور فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكا فإن القدر نضجت وما نزج رأسه من كثرة شعره، وقى الشعر البشر حرها أن يبلغ منه ذلك. وقال ابن شهاب: إن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس، فلما قتل أمر خالد برأسه فنصب اثفية لقدر فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شؤون رأسه. وقال عروة: قدم أخو مالك متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في

[160]

سبيهم فكتب له برد السبي، وألح عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إن في سيفه رهقا. فقال: لا يا عمر ! لم أكن لاشيم سيفا سله الله على الكافرين. وروى ثابت في الدلائل: إن خالدا رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتيني. يعني سأقتل من أجلك (1)، وقال الزمخشري وابن الأثير وأبو الفدا والزبيدي: إن مالك بن نويرة رضي الله عنه قال لامرأته يوم قتله خالد بن وليد: أقتلتني. أي عرضتني بحسن وجهك للقتل لوجوب الدفع عنك، والمحاماة عليك، وكانت جميلة حسناء تزوجها خالد بعد قتله فأنكر ذلك عبد الله بن عمر. وقيل فيه: أفي الحق أنا لم تجف دماؤنا * وهذا عروسا باليمامة خالد ؟ (2) وفي تاريخ ابن شحنة هامش الكامل 7 ص 165: أمر خالد ضرارا بضرب عنق مالك فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني. وكانت في غاية الجمال، فقال خالد: بل قتلك رجوعك عن الاسلام فقال مالك: أنا مسلم. فقال خالد: يا ضرار ! إضرب عنقه فضرب عنقه وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي: ألا قل لحي أوطؤا بالسنابك * تطاول هذا الليل من بعد مالك قضى خالد بغيا عليه بعرسه * وكان له فيها هوى قبل ذلك فأمضى هواه خالد غير عاطف * عنان الهوى عنها ولا متمالك وأصبح ذا أهل وأصبح مالك * إلى غير أهل هالكا في الهوالك فلما بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لأبي بكر: إن خالدا قد زنى فاجلده. قال أبو بكر: لا، لأنه تأول فأخطأ قال: فإنه قتل مسلما فاقتله. قال: لا، إنه تأول فأخطأ. ثم قال: يا عمر ! ما كنت لأغمد سيفا سله الله عليهم، ورثى مالكا أخوه متمم بقصائد عديدة. وهذا التفصيل ذكره أبو الفدا أيضا في تاريخه 1: 158.


(1) تأريخ الطبري 3 ص 241، تأريخ ابن الأثير 3 ص 149، أسد الغابة 4: 295، تأريخ ابن عساكر 5 ص 105، 112، خزانة الأدب 1: 237، تأريخ ابن كثير 6 ص 321، تاريخ الخميس، 2: 233، الإصابة ج 1 ص 414 و ج ص 357. (2) الفائق 2 ص 154، النهاية 3 ص 257، تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 158، تاج العروس 8 ص 75. [*]

[161]

وفي تاريخ الخميس 2: 233: اشتد في ذلك عمر وقال لأبي بكر: ارجم خالدا فإنه قد استحل ذلك، فقال أبو بكر: والله لا أفعل، إن كان خالد تأول أمرا فأخطأ وفي شرح المواقف: فأشار عمر على أبي بكر بقتل خالد قصاصا، فقال أبو بكر: لا أغمد سيفا شهره الله على الكفار. وقال عمر لخالد: لئن وليت الأمر لأقيدنك به. م وفي تاريخ ابن عساكر 5: 112: قال عمر: إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه وما كان يصنع في المال. وكان خالد إذا صار إليه شيئ قسمه في أهل الغنى ولم يرفع إلى أبي بكر حسابه، وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل الأشياء التي لا يراها أبو بكر، وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته، وصالح أهل اليمامة ونكح ابنة مجاعة بن مرارة، فكره ذلك أبو بكر وعرض الدية على متمم بن نويرة وأمر خالدا بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد]. نظرة في القضية قال الأميني: يحق على الباحث أن يمعن النظرة في القضية من ناحيتين. الأولى: ما ارتكبه خالد بن الوليد من الطامات والجرائم الكبيرة التي تنزه عنها ساحة كل معتنق بالاسلام، وتضاد نداء القرآن الكريم والسنة الشريفة، ويتبرأ منها و ممن اقترفها من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر. أيحسب الانسان أن يترك سدى ؟ (1) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ؟ (2) أم: حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون ؟ (3) بأي كتاب أم بأية سنة ساغ للرجل سفك تلكم الدماء الزكية من الذين آمنوا بالله ورسوله واتبعوا سبيل الحق وصدقوا بالحسنى، وأذنوا وأقاموا وصلوا وقد علت عقيرتهم: بأنا مسلمون، فما بال السلاح معكم ؟ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (4). ما عذر الرجل في قتل مثل مالك الذي عاشر النبي الأعظم، وأحسن صحبته،


(1) سورة القيامة آية: 3 (2) سورة البلد آية: 5. (3) سورة العنكبوت آية 4 (4) سورة آل عمران آية: 188 [*]

[162]

واستعمله صلى الله عليه وآله على صدقات قومه، وقد عد من أشراف الجاهلية والاسلام، ومن أرداف الملوك. ومن قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعا (1). ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا فيها [النساء: 93]. وما ذا أحل للرجل شن الغارة على أهل أولئك المقتولين وذويهم الأبرياء و إيذائهم وسبيهم بغير ما اكتسبوا إثما، أو اقترفوا سيئة، أو ظهر منهم فساد في الملأ الديني ؟ الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (2). ما هذه القسوة والعنف والفظاظة والتزحزح عن طقوس الاسلام، وتعذيب رؤس أمة مسلمة، وجعلها أثفية للقدر وإحراقها بالنار ؟ فويل للقاسية قلوبهم، فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم. ما خالد وما خطره بعد ما اتخذ إلهه هواه، وسولته نفسه، وأضلته شهوته، وأسكره شبقه ؟ فهتك حرمات الله، وشوه سمعة الاسلام المقدس، ونزى على زوجة مالك قتيل غيه في ليلته (3) إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا، ولم يكن قتل الرجل إلا لذلك السفاح، وكان أمرا مشهودا وسرا غير مستسر، وكان يعلمه نفس مالك ويخبر زوجته بذلك قبل وقوع الواقعة بقوله إياها: أقتلتني. فقتل الرجل مظلوما غيرة و محاماة على ناموسه. وفي المتواتر: من قتل دون أهله فهو شهيد (4) وفي الصحيحة من قتل دون مظلمته فهو شهيد (5). والعذر المفتعل من منع مالك الزكاة لا يبرئ خالدا من تلكم الجنايات، أيصدق جحد الرجل فرض الزكاة ومكابرته عليها وهو مؤمن بالله وكتابه ورسوله ومصدق بما جاء به نبيه الأقدس، يقيم الصلاة ويأتي بالفرائض بأذانها وإقامتها، وينادي بأعلى صوته: نحن المسلمون، وقد استعمله النبي الأعظم على الصدقات ردحا من الزمن ؟ لا ها الله.


(1) سورة المائدة آية: 32 (2) سورة الأحزاب آية: 58. (3) الصواعق ص 21، تاريخ الخميس 2: 333. (4) مسند أحمد 1 ص 191، نص على تواتره المناوي في الفيض القدير 6 ص 195. (5) أخرجه النسائي والضياء المقدسي كما في الجامع الصغير، وصححه السيوطي راجع الفيض القدير 6 ص 195. [*]

[163]

أيوجب الردة مجرد امتناع الرجل المسلم الموحد المؤمن بالله وكتابه عن أداء الزكاة لهذا الانسان بخصوصه وهو غير منكر أصل الفريضة ؟ أو يحكم عليه بالقتل عندئذ ؟ وقد صح عن المشرع الأعظم قوله: لا يحل دم رجل يشهد أن لا إله إلا الله، وإني رسول الله إلا بإحدى ثلاثة: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة (1). وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس (2). وقوله صلى الله عليه وآله: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله (3). وعهد أبو بكر نفسه لسلمان بقوله: من صلى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمة الله ويمسي في ذمة الله تعالى فلا تقتلن أحدا من أهل ذمة الله فتخفر الله في ذمته فيكبك الله في النار على وجهك (4). أيسلب امتناع الرجل المسلم عن أداء الزكاة حرمة الاسلام عن أهله وماله وذويه ويجعلهم أعدال أولئك الكفرة الفجرة الذين حق على النبي الطاهر شن الغارة عليهم ؟ ويحكم عليهم بالسبي والقتل الذريع وغارة ما يملكون، والنزو على تلكم الحرائر المأسورات ؟ وأما ما مر من الاعتذار بأن خالدا قال: أدفئوا أسراكم وأراد الدفء وكانت في لغة كنانة: القتل. فقتلوهم فخرج خالد وقد فرغوا منهم. فلا يفوه به إلا معتوه استأسر هواه عقله، وسفه في مقاله، لماذا قتل ضرار مالك بتلك الكلمة وهو لم


(1) صحيح البخاري 10: 63 كتاب المحاربين. باب: قول الله تعالى إن النفس بالنفس، صحيح مسلم 2: 37، الديات لابن أبي عاصم الضحاك ص 10، سنن أبي داود 2: 219 سنن ابن ماجة 2: 110، مصباح السنة 2: 50، مشكاة المصابيح ص 291. (2) الديات لابن أبي عاصم الضحاك ص 9، سنن ابن ماجة 2: 110، سنن البيهقي 8: 19. (3) صحيح مسلم 1: 30، الديات لابن أبي عاصم الضحاك ص 17، 18 سنن ابن ماجة 2: 457، خصايص النسائي ص 7، سنن البيهقي 8: 19، 196. (4) أخرجه أحمد في الزهد كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 70. [*]

[164]

يكن من كنانة ولا من أهل لغتها ؟ بل هو أسدي من بني ثعلبة، ولم يكن أميره يتكلم قبل ذلك اليوم بلغة كنانة. وإن صحت المزعمة فلما ذا غضب أبو قتادة الأنصاري على خالد وخالفه وتركه يوم ذاك وهو ينظر إليه من كثب، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب ؟ ولماذا اعتذر خالد بأن مالكا قال: ما أخال صاحبكم إلا قال كذا وكذا ؟ وهذا اعتراف منه بأنه قتله غير أنه نحت على الرجل مقالا، وهو من التعريض الذي لا يجوز القتل " بعد تسليم صدوره منه " عند الأمة الإسلامية جمعاء، والحدود تدرأ بالشبهات. ولماذا رآه عمر عدوا لله، وقذفه بالقتل والزنا ؟ وإن لم يفتل ذلك ذؤابة (1) أبي بكر. ولماذا هتكه عمر في ملأ من الصحابة بقوله إياه: قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك ؟. ولماذا رأى عمر رهقا في سيف خالد وهو لم يقتل مالكا وصحبه وإنما قتلتهم لغة كنانة ؟ ولماذا سكت خالد عن جوابه ؟ وما أخرسه إلا عمله، إن الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره. ولماذا صدق أبو بكر عمر بن الخطاب في مقاله ووقيعته على خالد وما أنكر عليه غير أنه رآه متأولا تارة، ونحت له فضيلة أخرى ؟ ولماذا أمر خالد بالرؤس فنصبت أثفية للقدور، وزاد وصمة على لغة كنانة ؟ ولماذا نزى على امرأة مالك، وسبى أهله، وفرق جمعه، وشتت شمله، وأباد قومه، ونهب ماله ؟ أكل هذه معرة لغة كنانة ؟ ولماذا ذكر المؤرخون أن مالكا قتل دون أهله محاماتا عليها ؟ ولماذا أثبت المترجمون ذلك القتل الذريع على خالد دون لغة كنانة، وقالوا في


(1) مثل يضرب يقال: فتل ذؤابة فلان. أي أزاله عن رأيه. [*]

[165]

ترجمة ضرار وعبد بن الأزور: إنه هو الذي أمره خالد بقتل مالك بن نويرة (1) وقالوا في ترجمة مالك: إنه قتله خالد. أو: قتله ضرار صبرا بأمر خالد ؟ (2) هذه أسؤلة توقف المعتذر موقف السدر، ولم يحر جوابا. ما شأن أبناء السلف وقد غررت بهم سكرة الشبق، وغالتهم داعية الهوى، وجاؤا لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون ؟ فترى هذا يقتل مثل مالك ويأتي بالطامات رغبة في نكاح أم تميم. وهذا يقتل سيد العترة أمير المؤمنين شهوة في زواج قطام. وآخر (3) شن الغارة على حي من بني أسد فأخذ امرأة جميلة فوطئها بهبة من أصحابه، ثم ذكر ذلك لخالد فقال: قد طيبتها لك " كأن تلكم الجنود كانت مجندة لوطي النساء وفض ناموس الحرائر " فكتب إلى عمر فأجاب برضخه بالحجارة (4). وهذا يزيد بن معاوية يدس إلى زوجة ريحانة رسول الله الحسن السبط الزكي السم النقيع لتقتله ويتزوجها (5) أو فعله معاوية لغاية له كما يأتي. ووراء هؤلاء المعتدين قوم ينزه ساحتهم بأعذار مفتعلة كالتأويل والاجتهاد - وليتهما لم يكونا - وتخطأة لغة كنانة، والله يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين. الناحية الثانية الثانية من الناحيتين التي يهمنا أن نولي شطرها وجه البحث تسليط الخليفة أولا أمثال خالد وضرار بن الأزور وشارب الخمور وصاحب الفجور. (6) على الأنفس والدماء، على الأعراض ونواميس الاسلام، وعهده إلى جيوشه في حرق أهل الردة


(1) الاستيعاب 1: 338، أسد الغابة 3: 39، خزانة الأدب للبغدادي 2: 9، الإصابة 2: 209. (2) الإصابة 3: 357، مرآت الجنان 1: 62. (3) هو ضرار بن الأزور زميل خالد بن الوليد وشاكلته في النزو على الحرائر. (4) تاريخ ابن عساكر 7: 31، خزانة الأدب 2: 8، الإصابة 2: 209. (5) تاريخ ابن عساكر 4: 226. (6) تاريخ ابن عساكر 7: 30، خزانة الأدب 2: 8، الإصابة 2: 209. [*]

[166]

وقد عرفت النهي عنه في السنة الشريفة ص 155. وصفحه ثانيا عن تلكم الطامات والجنايات الفاحشة كأن لم تكن شيئا مذكورا، فما سمعت أذن الدنيا منه حولها ركزا، وما حكيت عنه في الانكار عليها ذأمة، وما رأى أحد منه حولا. لم لم يؤاخذ الخليفة خالدا بقتل مالك وصحبه المسلمين الأبرياء، وقد ثبت عنده كما يلوح ذلك عن دفاعه عنه ومحاماته عليه ؟ لم لم يقتص منه قصاص القاتل ؟ ولم يقم عليه جلدة الزاني ؟ ولم يضربه حد المفتري ؟ ولم يعزره تعزيز المعتدي على ما ملكته أيدي أولئك المسلمين ؟ لم لم ير عزل خالد وقد كره ما فعله، وعرض الدية على متمم بن نويرة أخي مالك ؟ وأمر خالدا بطلاق امرأة مالك كما في الإصابة 1 ص 415 ؟ دع هذه كلها ولا أقل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوبيخ الرجل وعتابه على تلكم الجرائم، وأقل الإنكار كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة. ما للخليفة يتلعثم ويتلعذم في الدفاع عن خالد وجناياته ؟ فيرى تارة أنه تأول وأخطأ، ويعتذر أخرى بأنه سيف من سيوف الله، وينهي عمر بن الخطاب عن الوقيعة فيه، ويأمره بالكف عنه وصرف اللسان عن مغايطته، ويغضب على أبي قتادة لإنكاره على خالد كما في شرح ابن أبي الحديد 4: 187. ونحن نقتصر في البحث عن هذا الجانب على توجيه القارئ إليه، ولم نذهب به قصاه، ولم نبتغ فيه مداه، إذ لم نر أحدا تخفى عليه حزازة أي من العذرين، هلا يعلم متشرع في الاسلام أن تلكم الطامات والجرائم الخطيرة لا يتطرق إليها التأول والاجتهاد ؟ ولا يسوغ لكل فاعل تارك أن يتترس بأمثالهما في معراته، ويتدرع بها في أحناثه، ولا تدرأ بها الحدود، ولا تطل بها الدماء، ولا تحل بها حرمات الحرائر، و لا يرفض لها حكم الله في الأنفس والأعراض والأموال، ولم يضح الحاكم لمدعيها كما ادعى قدامة بن مظعون في شربه الخمر بأنه تأول واجتهد فأقام عمر عليه الحد وجلده ولم يقبل منه العذر. كما في سنن البيهقي 8: 316 وغيره. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محارب ين دثار: إن ناسا من أصحاب النبي

[167]

صلى الله عليه وآله شربوا الخمر بالشام وقالوا: شربنا لقول الله: ليس على الذين آمنوا وعملوا - الصالحات جناح فيما طعموا. الآية. فأقام عمر عليهم الحد (1). وجلد أبو عبيدة أبا جندل العاصي بن سهيل وقد شرب الخمر متأولا لقوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا. الآية: كما في الروض الأنف للسهيلي 2: 231. وهل يرتاب أحد في أن سيفا سله المولى سبحانه لا يكون فيه قط رهق ولا شغب، ولا تسفك به دماء محرمة، ولا تهتك به حرمات الله، ولا يرهف لنيل الشهوات، ولا ينضى للشبق، ولا يفتك به ناموس الاسلام، ولا يحمله إلا يد أناس طيبين، و رجال نزهين عن الخنابة والعيث والفساد ؟ فما خالد وما خطره حتى يهبه الخليفة تلك الفضيلة الرابية ويراه سيفا سله الله على أعداءه، وهو عدو الله بنص من الخليفة الثاني كما مر في ص 159 ؟ أليست هذه كلها تحكما وسرفا في الكلام، وزورا في القول، واتخاذ الفضائل في دين الله مهزئة ومجهلة ؟ كيف يسعنا أن نعد خالدا سيفا من سيوف الله سله على أعداءه ؟ وقد ورد في ترجمته وهي بين أيدينا: إنه كان جبارا فاتكا، لا يراقب الدين فيما يحمله عليه الغضب وهوى نفسه، ولقد وقع منه في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله مع بني جذيمة بالغميصا أعظم مما وقع منه في حق مالك بن نويرة وعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن غضب عليه مدة وأعرض عنه، وذلك العفو هو الذي أطمعه حتى فعل ببني يربوع ما فعل بالبطاح (2). إن كان عفو النبي الأعظم عن الرجل ما غضب عليه وأخذه بذنبه، وأعرض عنه، ردحا من الزمن أطمعه حتى فعل ما فعل، فانظر ماذا يصنع صفح الخليفة عنه من دون أي غضب عليه وإعراض عنه ؟ وما الذي يأثر دفاعه عنه من الجرأة والجسارة، في نفس الرجل ونفوس مشاكليه من أناس العيث والفساد، وشعب الشغب والفتن ؟ أنى لنا أن نرى خالدا سيفا سله الله على أعدائه وفي صفحة التاريخ كتاب أبي بكر


(1) الدر المنثور 2: 321. (2) شرح ابن أبي الحديد 4 ص 187. [*]

[168]

إليه وفيه قوله: لعمري يا ابن أم خالد ! إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجفف بعد (1) كتبه إليه لما قال خالد لمجاعة: زوجني ابنتك فقال له مجاعة: مهلا إنك قاطع ظهري وظهرك معي عند صاحبك قال: أيها الرجل زوجني فزوجه فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه الكتاب فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول: هذا عمل الأعيسر. يعني عمر بن الخطاب. وليست هذه بأول قارورة كسرت في الاسلام بيد خالد، وقد صدرت منه لدة هذه الفحشاء المنكرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وتبرأ صلى الله عليه وآله من صنيعه. قال ابن إسحاق: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله عز وجل، ولم يأمرهم بقتال، وكان ممن بعث خالد بن الوليد، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعيا، ولم يبعثه مقاتلا، ومعه قبائل من العزب فوطئوا بني جذيمة ابن عامر فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. قال: حدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال: لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم (2): ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد، والله ما بعد وضع السلاح إلا الاسئار، وما بعد الاسئار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا قال: فأخذه رجال من قومه فقالوا: يا جحدم ! أتريد أن تسفك دمائنا إن الناس قد أسلموا، ووضعوا السلاح، ووضعت الحرب، وأمن الناس ؟ فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه، ووضع القوم السلاح لقول خالد، فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم، فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء ثم قال: أللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد. قال أبو عمر في الاستيعاب 1: 153 هذا من صحيح الأثر. قال ابن هشام: حدث بعض أهل العلم عن إبراهيم بن جعفر المحمودي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت كأني لقمت لقمة من حيس (3) فالتذذت طعمها فاعترض


(1) تاريخ الطبري 3 ص 254، تاريخ الخميس 3: 343. (2) في الإصابة جحدم. في 1 ص 227 وجذيم بن الحارث في 1 ص 218. والصحيح هو الأول (3) الحيس. بفتح فسكون أن يخلط السمن والتمر والأقط فيؤكل. والأقط: ما يعقد من اللبن ويجفف. [*]

[169]

في حلقي منها شيئ حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله ! هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله. قال ابن إسحاق: ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: يا علي ! اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال حتى أنه ليدى لهم ميلغة (1) الكلب إذا لم يبق شيئ من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال. فقال لهم علي رضوان الله عليه حين فرغ منهم: هل بقي لكم (بقية من) دم أو مال لم يود لكم ؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فقال: أصبت وأحسنت. قال: ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى أنه ليرى ما تحت منكبيه يقول: أللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن وليد. ثلاث مرات. وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك فقال له عبد الرحمن ابن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام (2) وفي الإصابة: أنكر عليه عبد الله بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة، وقد تعد هذه الفضيحة أيضا من جنايات لغة كنانة كما في الإصابة 2: 81. فهذا الرهق والسرف في سيف خالد على عهد أبي بكر من بقايا تلك النزعات الجاهلية، وهذه سيرته من أول يومه، فأنى لنا أن نعده سيفا من سيوف الله وقد تبرأ منه نبي الاسلام الأعظم غير مرة، مستقبل القبلة شاهرا يديه وأبو بكر ينظر إليه من كثب.


(1) الميلغة: خشبة تحفر ليلغ فيها الكلب. (2) سيرة ابن هشام 4 ص 53 - 57، طبقات ابن سعد ط مصر رقم التسلسل 659، صحيح البخاري شطرا منه في كتاب المغازي باب بعث خالد إلى بني جذيمة، تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 145، أسد الغابة 3: 102، الإصابة 1 ص 318، ج 2 ص 81. [*]

[170]

11 - ثلاثة وثلاثة وثلاثة عن عبد الرحمن بن عوف قال: إنه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه فأصابه مهتما، فقال له عبد الرحمن: أصبحت والحمد لله بارئا فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتراه ؟ قال نعم: إني وليت أمركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه من ذلك يريد أن يكون الأمر له دونه، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولما تقبل وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير، ونضائد الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذري كما يألم أحدكم أن ينام على حسك، والله لإن يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، وأنتم أول ضال بالناس غدا فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا، يا هادي الطريق إنما هو الفجر أو البحر. فقلت له: خفض عليك رحمك الله، فإن هذا يهيضك في أمرك، إنما الناس في أمرك بين رجلين: إما رجل رأى ما رأيت فهو معك. وإما رجل خالفك فهو مشير عليك وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلا خيرا، ولم تزل صالحا مصلحا، وإنك لا تأسى على شيئ من الدنيا. قال أبو بكر رضي الله عنه: أجل أني لا آسي على شيئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن. وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن. وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ وإن كانوا قد غلقوه على الحرب. ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته سريحا، أو خليته نجيحا. ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا وأما اللاتي تركتهن فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه تخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه. ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن

[171]

هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد. ووددت أني إذا وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله. ومد يديه. ووددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذا الأمر ؟ فلا ينازعه أحد، ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟ ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة فإن في نفسي منهما شيئا. أخرجه أبو عبيد في الأموال ص 131، والطبري في تاريخه 4 ص 52، وابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 ص 18، والمسعودي في مروج الذهب 1: 414، وابن عبد ربه في السد الفريد 2: 254. والإسناد صحيح رجاله كلهم ثقات ربعة منهم من رجال الصحاح الست. قال الأميني: إن في هذا الحديث أمورا تسعة، ثلاثة منها فات الخليفة فقهها يوم عمل بها، وقد بسطنا القول في إحراق الفجاءة منها. وأما تمني قذف الأمر في عنق أحد الرجلين فإنه ينم عن أن الخليفة انكشف له في أخريات أيامه أن ما ناء به من الأمر لم يكن على القانون الشرعي في الخلافة والوصية، لأن المخلف والموصي يجب أن يكون هو المعين لمن ينهض بأمره من بعده، وهو الذي تنبه له الخليفة الثاني بعد ردح من الزمن فقال: كانت بيعة أبي بكر فلتة كفلتة الجاهلية وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه (1). ولا أدري أن ما تنبها له هل هو قصور في المختار " بالفتح " أو فيه " بالكسر " أو فيهما معا ؟ أو في كون الاختيار موجبا لتعيين الخليفة ؟ وأيا ما أراد فلنا فيه المخرج. وهؤلاء زمر الأنبياء والرسل لم يعدهم التنصيص بالخليفة من بعدهم، ولن انتخبت أممهم خلفاء لهم. وهل هنا لك ذو حجى يزعم أن وصاية الفقيد المبيحة للتصرف فيما تركه من بعده موكولة إلى أناس أجانب لا يعرفون ما يرتأيه في شئونه، بعداء عن مغازيه وما يروقه في ماله وأهله، والفقيد عاقل رشيد يعرف الصالح من غيره، ويعلم بنوايا من


(1) راجع الجزء الخامس ص 370 ط 2 وهذا الجزء ص 79. [*]

[172]

يلتاث به، ومن يحدوه الجشع، وترقل به النهمة، ويستفزه الطمع، أفتراه والحالة هذه يترك الوصية ؟ فيدع ما تركه اكلة للآكل ؟ ومطمعا للناهب ؟ لا. لا يفعل ذلك وهو يريد خيرا بآله وصلاحا في ماله، وعلى ذلك جرت سنة المسلمين منذ عهد الصحابة إلى يومنا الحاضر، وأقرته الشريعة الإسلامية، وشرعت للوصايا أحكاما، وجاء في الصحيحين (1) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده. كذا في لفظ البخاري، وفي لفظ مسلم: يبيت ثلاث ليال، قال ابن عمر: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك إلا وعندي وصيتي. قال النووي في رياض الصالحين 156: متفق عليه. وصى الإله وأوصت رسله فلذا * كان التأسي بهم من أفضل العمل لولا الوصية كان الخلق في عمه * وبالوصية دام الملك في الدول فاعمل عليها ولا تهمل طريقتها * إن الوصية حكم الله في الأزل ذكرت قوما بما أوصى الإله به * وليس إحداث أمر في الوصية لي (2) فإذا كانت الوصية ثابتة في حطام زائل ؟ فما بالها تنفى في خلافة راشدة، وشريعة خالدة، مكتفلة بصلاح النفوس والنواميس والأموال والأحكام والأخلاق والصالح العام والسلام والوئام ؟ ومن المسلم قصور الفهم البشري العادي عن غايات تلكم الشئون فلا منتدح والحالة هذه عن أن يعين الرسول الأمين عن ربه خليفته من بعده ليقتص أثره في أمته. وقد مر في صفحة 132 رأي عائشة وعبد الله بن عمر ومعاوية وحديث الناس بأن راعي إبل أو غنم أو قيم أرض لأي أحد لا يسعهم ترك رعيتهم هملا، ورعية الناس أشد من رعية الإبل والغنم فالأمة لماذا صفحت يوم السقيفة عن هذا الحكم المتسالم عليه بينها ؟ ولماذا نبأت عنه الاسماع ؟ وخرست الألسن ؟ وذهلت الأحلام عنه يوم ذاك، ثم حدث به الناس ونبأته الأمة ؟ ولماذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمته سدى هملا ؟ وفتح بذلك أبواب الفتن المضلة المدلهمة ؟ واستحقر أمته ورأى


(1) صحيح البخاري 4: 2 كتاب الوصية، وصحيح مسلم 2: 10. (2) الجزء الأخير من الفتوحات المكية لابن العربي ص 575. [*]

[173]

رعيتها أهون من رعية الإبل والغنم ؟ حاشا النبي الأعظم عن هذه الأوهام، فإنه صلى الله عليه وآله وصى واستخلف ونص على خليفته وبلغ أمته غير أنه عهد إلى وصيه من بعده: إن الأمة ستغدر به بعده كما ورد في الصحيح (1) وقال له أيضا: أما إنك ستلقى بعدي جهدا، قال (علي): في سلامة من ديني ؟ قال: في سلامة من دينك (2) و قال لعلي: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها إلا من بعدي (3) وقال له: يا علي إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلن. " كنوز الدقائق للمناوي ص 188 "، ثم إن الخليفة النادم لماذا تمنى التسلل عن الأمر يوم السقيفة ؟ وقذفه في عنق أحد الرجلين: أبي عبيدة أو عمر ؟ أكان ندمه عن حق وقع ؟ فالحق لا ندم فيه. و إن كان عن باطل سبق ؟ فهو يهدم أساس الخلافة الراشدة. ثم الذي وده من قذفه إلى عنق أحد الرجلين فإنا لا نعرف وجها لتخصيصهما بالقذف وفي الصحابة أعاظم وذو وفضائل لا يبلغ الرجلان شأو أي منهم، وهذان بالنظر إلى ما عرفناه من أحوال الصحابة إن لم نقل إنهما من ساقتهم، فإنا نقول بكل صراحة إنهما لم يكونا من الأعالي منهم وفيهم من فيهم، وقبل جميعهم سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام صاحب السوابق والمناقب والصهر والقرابة والغناء والعناء، وصاحب يوم الغدير، والأيام المشهودة، والمواقف المشهورة، نفس النبي الأعظم بنص من الكتاب العزيز (4) المطهر من كل رجس بآية التطهير (5). فهلا ود أن يقذفه إليه ؟ فيسير بالأمة سيرا سجحا، ويحملهم على المحجة البيضاء، ويأخذ بهم الطريق المستقيم، ويجدونه هاديا مهديا، يدخلهم الجنة. كما أخبر بهذه كلها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وقد مر شطر منها في الجزء الأول صفحه 12، 13 ط 2.


(1) مستدرك الحاكم 3: 140، 142، وصححه هو والذهبي في تلخيصه، تاريخ الخطيب 1 ص 216، تاريخ ابن كثير 6: 219، كنز العمال 6: 157. (2) مستدرك الحاكم 3: 140 وصححه هو وأقره الذهبي. (3) أخرجه ابن عساكر، والمحب الطبري في الرياض 2: 210 نقلا عن أحمد في المناقب والحافظ الكنجي في الكفاية ص 142، والخوارزمي في المقتل 1: 36. (4) بآية المباهلة في سورة آل عمران: 61. (5) في سورة الأحزاب: 33. [*]

[174]

وأما كشف بيت فاطمة سلام الله عليها فإنه لا يروقنا ها هنا خدش العواطف بتلكم النوائب، غير أنه سبقت منا بعض القول في الجزء الثالث ص 102 - 104 ط 2 وفي هذا الجزء ص 77، 86. وفذلكة ذلك النبأ العظيم أن الصديقة سلام الله عليها قضت وهي واجدة على من ارتكبه، وكانت صلوات الله عليها تدعو عليه بعد كل صلاة صلتها (1). وإن تعجب فعجب أن القوم ارتكب ما ارتكب من تلكم الفظايع وارتبك فيها وملأ الاسماع هتاف النبي صلى الله عليه وآله بقوله: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي بضعة مني، هي قلبي وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني. بقوله: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها. وبقوله: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني. وبقوله: فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها (2). وبقوله: فاطمة بضعة مني يسرني ما يسرها (3). وبقوله: يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك (4). وبهذا الهتاف تعلم أن ندم الخليفة كان في محله، غير أنه ندم ولات حين مندم، ندم وقد قضى الأمر ووقع ما وقع، ندم والصديقة الطاهرة مقبورة وملأ اهابها موجدة. الثلاثة الوسطى وأما الثلاثة من هاتيك الأمور التسعة التي ندم عليها الخليفة على تركها فإنها تعرب عن أنه ارتكب ما ارتكب فيها لا عن ترو أو بصيرة في الأمر، أو استناد إلى حكم شرعي، حتى كشف له الخطأ فيها جمعاء، وقد وقعت فيها عظائم، وأعقبتها طامات، و خليفة المسلمين يجب أن لا يرتكب ما يستتبعها، ولا يفعل ما يوجب الندم في مغبته، و قصة الأشعث بن قيس تعرب عن أن ندم الخليفة كان في محله، فإن الرجل بعد ما ارتد


(1) الإمامة والسياسة 1: 14، رسائل الجاحظ ص 301، أعلام النساء 3 ص 1215. (2) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 20، وسنوقفك على تفصيلها في هذا الجزء إنشاء الله (3) الأغاني 8: 156. (4) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 180 ط 2، وسنفصل فيه القول إنشاء الله. [*]

[175]

وأتى بمعرات وقاتل المسلمين وأخذ وأتي به أسيرا إلى الخليفة فقال: ماذا تراني أصنع بك ؟ فإنك قد فعلت ما علمت. قال: تمن علي فتفكني من الحديد، وتزوجني أختك، فإني قد راجعت وأسلمت. فقال أبو بكر: قد فعلت فزوجه أم فروة ابنة أبي قحافة، فاخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملا ولا ناقة إلا عرقبه، فصاح الناس: كفر الأشعث. فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت ولكن زوجني هذا الرجل أخته ولو كنا في بلادنا كانت وليمة غير هذه، وأهل المدينة ! كلوا، ويا أصحاب الإبل ! تعالوا خذوا شرواها، فكان ذلك اليوم قد شبه بيوم الأضحى وفي ذلك يقول وبرة بن قيس الخزرجي: لقد أولم الكندي يوم ملاكه * وليمة حمال لثقل الجرائم لقد سل سيفا كان مذ كان مغمدا * لدى الحرب منها في الطلا والجماجم فأغمده في كل بكر وسابح * وعير وبغل في الحشا والقوائم فقل للفتى الكندي يوم لقائه * ذهبت بأسنى مجد أولاد آدم وقال الأصبغ بن حرملة الليثي متسخطا لهذه المصاهرة: أتيت بكندي قد ارتد وانتهى * إلى غاية من نكث ميثاقه كفرا فكان ثواب النكث إحياء نفسه * وكان ثواب الكفر تزويجه البكرا ولو أنه يأبى عليك نكاحها * وتزويجها منه لأمهرته مهرا ولو أنه رام الزيادة مثلها * لأنكحته عشرا وأتبعته عشرا فقل لأبي بكر: لقد شنت بعدها * قريشا وأخملت النباهة والذكرا أما كان في تيم بن مرة واحد * تزوجه ؟ لولا أردت به الفخرا ؟ ولو كنت لما أن أتاك قتلته * لأحرزتها ذكرا وقدمتها ذخرا فأضحى يرى ما قد فعلت فريضة * عليك فلا حمدا حويت ولا أجرا (1) الثلاثة الأخر إن الثلاثة الأخر التي تمنى الخليفة أن يكون استعلمها من رسول الله صلى الله عليه وآله فإنها تنبأنا بقصوره في علم الدين، وإنه كان نابيا في فقهه، لا يعرف أحكام المواريث


(1) تاريخ الطبري 3: 276، ثمار القلوب للثعالبي ص 69، الاستيعاب: 1: 51، الكامل لابن الأثير 2: 160، مجمع الأمثال للميداني 2: 341، الإصابة 1: 51 و ج 3: 630. [*]

[176]

التي يكثر ابتلاء خليفة المسلمين بها طبعا، وإنه كان شاكا في أصل الخلافة هل هي بالنص أو الاختيار ؟ وعلى الثاني هل تخص المهاجرين فحسب ؟ أو أنه يشاركهم فيها الأنصار ؟ وعلى أي فهو في تسنمه عرش الخلافة غير متيقن بالرشد من أمره، ولا نحكم ها هنا غير ضميرك الحر، وليس في الحق مغضبة. ثم إني لا أعرف لهذا التمني محصلا لأنه لو كان سأله صلى الله عليه وآله عن ذلك لما كان يجيبه إلا بمثل قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه. غ ج 1 (1). وقوله: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي (2). وقوله: إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وأهل بيتي (3). وقوله: علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي غ 3: 199. وقوله لعلي: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست بنبي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. غ 3: 172. وقوله: أوحي إلي في علي ثلاث: إنه سيد المسلمين. وإمام المتقين. وقائد الغر المحجلين: مستدرك الحاكم 3: 138. وقوله: إن الله اطلع على أهل الأرض فاختار منه أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار بعلك فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصيا. غ 2: 318 و ج 3: 23. وقوله: علي الصديق الأكبر وفاروق هذه الأمة، يفرق بين الحق والباطل، ويعسوب المؤمنين، وهو بابي الذي أوتي منه، وهو خليفتي من بعدي. غ 2: 213. وقوله: علي راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، والكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني. غ 3: 118. وقوله: علي أخي ووصي ووارثي وخليفتي من بعدي. غ 2: 279 - 281. وقوله: علي سيد مبجل، مؤمل المسلمين، وأمير المؤمنين، وموضع سري وعلمي، وبابي الذي يؤوى إليه، وهو الوصي على أهل بيتي، وعلى الأخيار من أمتي، وهو أخي في الدنيا والآخرة. غ 3: 116.


(1) هذا رمز كتابنا هذا (الغدير) في هذا الجزء وبقية الأجزاء (2) (3) مر الايعاز إلى حديث الثقلين غير مرة وسنفصل القول فيه إنشاء الله. [*]

[177]

وقوله: علي أخي ووزيري وخير من أترك بعدي. غ 2: 313. وقوله: علي مع الحق والحق مع علي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. غ 3: 177. وقوله: علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه يدور حيثما دار علي. غ 3: 178. وقوله: علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض. غ 3: 180. وقوله: علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي غ 3: 22، 215. وقوله: علي مولى كل مؤمن بعدي ومؤمنة غ 1: 15، 51 وقوله: علي أنزله الله مني بمنزلتي منه. غ 1: 22. وقوله: علي وليي في كل مؤمن بعدي، مسند أحمد 1: 231. وقوله: علي مني بمنزلتي من ربي، السيرة الحلبية 3: 391 وقوله: علي ولي المؤمنين من بعدي. تاريخ الخطيب 4: 339. وقوله: من كان الله ورسوله وليه فعلي وليه. غ 1: 38. وقوله: لا يبلغ عني إلا أنا أو رجل مني. غ 6: 338 - 350. وقوله: ما من نبي إلا وله نظير وعلي نظيري. غ 3: 23. وقوله: أنا وعلي حجة على أمتي يوم القيامة. تاريخ الخطيب 2: 88. وقوله: من أطاع عليا فقد أطاعني، ومن عصى عليا فقد عصاني، مستدرك الحاكم 3: 121، 128 كيف تمنى الخليفة ما تمنى مع هذه النصوص ؟ أو كان في الآذان وقر يوم هتف صلى الله عليه وآله بهاتيك الكلم الجامعة المعربة عن الخلافة بكل ما يمكن من التعبير ؟ أم أن في القوم من تصامم عنها لأمر دبر بليل. أولم يكف الخليفة أنه صلى الله عليه وآله لما عرض نفسه على القبائل وكان معه علي أمير المؤمنين ومعهما أبو بكر وبلغ بني عامر بن صعصعة ودعاهم إلى الله فقال له قائلهم: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال: إن الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء (1) ؟


(1) مرت مصادره في هذا الجزء ص 134. [*]

[178]

أفكان يزعم الخليفة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أناط الأمر بعده إلى المولى سبحانه ومشيئته كان لو سأله عن ذلك أجابه بالترديد بين اختيار الأمة ولو لم تكتمل فيه شرايط الإجماع والانتخاب الصحيح كما في البيعة الأولى ؟ وبين وصية الخليفة واستخلافه كما وقع في أمر الثاني ؟ وبين الشورى مع إرهاب المخالف بالقتل كما كان في منتهى الثلاثة ؟ لكنه لو كان يحسب ذلك لما ود أن لو كان سأله صلى الله عليه وآله وسلم وكان يعلم أيضا أن الترديد في الجواب على فرضه إغراء للأمة بالفوضى، وفي ذلك مسرح لكل مدع محق أو مبطل، ولاحتج به كل ناعب وناعق حتى تنتهي النوبة إلى الطلقاء وأبناء الطلقاء أمثال معاوية و يزيد وهلم جرا. تحفظ على كرامة حذف أبو عبيد من الحديث ذكر الأمر الأول من الثلاثة الأول وهو: كشف بيت فاطمة وجعل مكانه قوله: فوددت أني لم أكن فعلت كذا وكذا - لخلة ذكرها - فقال: لا أريد اذكرها. وما حرف ما حرف إلا تحفظا على كرامة الخليفة، والأسف على أن غيره ما شاركه فيما فعل، فظهرت خيانته على ودائع التاريخ، - 12 - سؤال يهودي أبا بكر عن أنس بن مالك قال: أقبل يهودي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فأشار القوم إلى أبي بكر فوقف عليه فقال: أريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي قال أبو بكر: سل عما بدا لك. قال اليهودي: أخبرني عما ليس لله، وعما ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله. فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهودي ! وهم أبو بكر والمسلمون رضي الله عنهم باليهودي، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما أنصفتهم الرجل. فقال أبو بكر: أما سمعت ما تكلم به ؟ فقال ابن عباس إن كان عندكم جوابه وإلا فاذهبوا به إلى علي رضي الله عنه يجيبه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي بن أبي طالب: أللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، قال: فقام أبو بكر ومن حضره حتى أتوا علي بن أبي طالب

[179]

فاستأذنوا عليه فقال أبو بكر: يا أبا الحسن ! إن هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة. فقال علي: من تقول يا يهودي ؟ قال: أسألك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي أو وصي نبي. فقال له: قل. فرد اليهودي المسائل: فقال علي رضي الله عنه: أما لا يعلمه الله فذلك قولكم يا معشر اليهود ! إن العزيز ابن الله، والله لا يعلم أن له ولدا. وأما قولك: أخبرني بما ليس عند الله. فليس عنده ظلم للعباد، وأما قولك: أخبرني بما ليس لله فليس له شريك. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر والمسلمون لعلي عليه السلام: يا مفرج الكرب. " المجتنى لابن دريد ص 35 " قال الأميني: إقرأ واحكم. - 13 - وفد النصارى وأسؤلتهم أخرج الحافظ العاصمي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: لما قبض النبي صلى الله عليه وآله اجتمعت النصارى إلى قيصر مالك الروم فقالوا له: أيها الملك أنا وجدنا في الانجيل رسولا يخرج من بعد عيسى إسمه أحمد وقد رمقنا خروجه وجائنا نعته فأشر علينا فإنا قد رضيناك لديننا ودنيانا قال: فجمع قيصر من نصارى بلاده مائة رجل وأخذ عليهم المواثيق أن لا يغدروا ولا يخفوا عليه من أمورهم شيئا وقال: وانطلقوا إلى هذا الوصي الذي من بعد نبيهم فسلوه عما سئل عنه الأنبياء عليهم السلام وعما أتاهم به من قبل، والدلايل التي عرفت بها الأنبياء، فإن أخبركم فآمنوا به وبوصيه واكتبوا بذلك إلي، وإن لم يخبركم فاعلموا أنه رجل مطاع في قومه، يأخذ الكلام بمعانيه، ويرده على مواليه، وتعرفوا خروج هذا النبي. قال: فسار القوم حتى دخلوا بيت المقدس واجتمعت اليهود إلى رأس جالوت فقالوا له مثل مقالة النصارى بقيصر، فجمع رأس جالوت من اليهود مائة رجل، قال سلمان فاغتنمت صحبة القوم فسرنا حتى دخلنا المدينة وذلك يوم عروبة (1) وأبو بكر قاعد في المسجد رضي الله عنه يفتي الناس فدخلت عليه فأخبرته بالذي قدم له النصارى واليهود فأذن لهم بالدخول عليه فدخل عليه رأس جالوت


(1) يعني يوم الجمعة وكان يسمى قديما بيوم عروبة، ويوم العروبة. والأفصح ترك الألف واللام. [*]

[180]

فقال: يا أبا بكر إنا قوم من النصارى واليهود جئناكم لنسألكم عن فضل دينكم فإن كان دينكم أفضل من ديننا قبلناه وإلا فديننا أفضل الأديان ؟ قال أبو بكر: سل عما تشاء أجبك إن شاء الله قال: ما أنا وأنت عند الله ؟ قال أبو بكر: أما أنا فقد كنت عند الله مؤمنا وكذلك عند نفسي إلى الساعة ولا أدري ما يكون من بعد. فقال اليهودي: فصف لي صفة مكانك في الجنة، وصفة مكاني في النار، لأرغب في مكانك وأزهد عن مكاني. قال: فأقبل أبو بكر ينظر إلى معاذ مرة وإلى ابن مسعود مرة، وأقبل رأس جالوت يقول لأصحابه بلغة أمته: ما كان هذا نبيا: قال سلمان: فنظر إلي القوم، قلت لهم: أيها القوم ! ابعثوا إلى رجل لو ثنيتم الوسادة لقضى لأهل التوراة بتوراتهم، ولأهل الانجيل بإنجيلهم، ولأهل الزبور بزبورهم، ولأهل القرآن بقرآنهم، ويعرف ظاهر الآية من باطنها، وباطنها من ظاهرها. قال معاذ: فقمت فدعوت علي بن أبي طالب وأخبرته بالذي قدمت له اليهود والنصارى فأقبل حتى جلس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن مسعود: وكان علينا ثوب ذل: فلما جاء علي بن أبي طالب كشفه الله عنا قال علي: سلني عما تشاء أخبرك إن شاء الله قال اليهودي: ما أنا وأنت عند الله ؟ قال أما أنا فقد كنت عند الله وعند نفسي مؤمنا إلى الساعة فلا أدري ما يكون بعد. وأما أنت فقد كنت عند الله وعند نفسي إلى الساعة كافرا ولا أدري ما يكون بعد.. قال رأس جالوت: فصف لي صفة مكانك في الجنة وصفة مكاني في النار فأرغب، في مكانك وأزهد عن مكاني قال: علي: يا يهودي ! لم أر ثواب الجنة ولا عذاب النار فأعرف ذلك، ولكن كذلك أعد الله للمؤمنين الجنة وللكافرين النار، فإن شككت في شيئ من ذلك فقد خالفت النبي صلى الله عليه وسلم ولست في شيئ من الاسلام. قال: صدقت رحمك الله فإن الأنبياء يوقنون على ما جاؤا به فإن صدقوا آمنوا، وإن خولفوا كفروا. قال: فأخبرني أعرفت الله بمحمد أم محمدا بالله ؟ فقال علي: يا يهودي ! ما عرفت الله بمحمد ولكن عرفت محمدا بالله لأن محمدا محدود مخلوق وعبد من عباد الله اصطفاه الله واختاره لخلقه وألهم الله نبيه كما ألهم الملائكة الطاعة، وعرفهم نفسه بلا كيف ولا شبه. قال صدقت قال: فأخبرني الرب في الدنيا أم في الآخرة ؟ فقال علي: إن " في " وعاء فمتى ما كان بفي كان محدودا ولكنه يعلم ما في الدنيا والآخرة، وعرشه في هواء الآخرة وهو محيط بالدنيا، والآخرة بمنزلة القنديل في وسطه إن خليت يكسر، إن أخرجته لم يستقم

[181]

مكانه هناك فكذلك الدنيا وسط الآخرة. قال: صدقت قال: فأخبرني الرب يحمل أو يحمل ؟ قال علي بن أبي طالب: يحمل قال رأس جالوت: فكيف ؟ وإنا نجد في التوراة مكتوبا ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية. قال علي: يا يهودي: إن الملائكة تحمل العرش، والثرى يحمل الهواء، والثرى موضوع على القدرة وذلك قوله تعالى: له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. قال اليهودي: صدقت رحمك الله. الحديث " زين الفتى في شرح سورة هل أتى للحافظ العاصمي " (هلم معي إلى الغلو) هذه جملة مما وقفنا عليه من فتاوى أبي بكر وآرائه وهي على قلتها تدلك على مكانته من علم الكتاب، وعرفان السنة، وفقه الشريعة، وأحكام الدين، أو ليس من المغالاة إذن أن يقال: علم كل ذي حظ من العلم أن الذي كان عند أبي بكر من العلم أضعاف ما كان عند علي منه ؟ (1). أليس من المغالاة ؟ أن يقال: إن المعروف أن الناس قد جمع الأقضية والفتاوى المنقولة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فوجدوا أصوبها وأدلها على علم صاحبها أمور أبي بكر ثم عمر، ولهذا كان ما يوجد من الأمور التي وجد نص يخالفها عن عمر أقل مما وجد عن علي، وأما أبو بكر فلا يكاد يوجد نص يخالفه ؟ أليس من المغالاة ؟ أن يقال: لم يكن أبو بكر وعمر ولا غيرهما من أكابر الصحابة يخصان عليا بسؤال، والمعروف: أن عليا أخذ العلم عن أبي بكر ؟ (2). أليس من المغالاة أن يقال: إن أبا بكر من أكابر المجتهدين بل هو أعلم الصحابة على الإطلاق ؟ قال ابن حجر في الصواعق ص 19. أليس من المغالاة ؟ أن يقال: أن أبا بكر أعلم الصحابة وأذكاهم، وكان مع ذلك أعلمهم بالسنة كما رجع إليه الصحابة في غير موضع، يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها ليست عندهم، وكيف لا يكون


(1) قاله ابن حزم في الفصل 4: 136. راجع ما مر في الجزء الثالث ص 95 ط 2. (2) منهاج السنة لابن تيمية 3: 128. راجع ما أسلفناه في ج 6 ص 329 ط 2. [*]

[182]

كذلك وقد واظب على صحبة الرسول الله صلى الله عليه وسلم من أول البعثة إلى الوفاة (1) أليس من المغالاة ؟ ما عزوه إلى النبي الأقدس من قيله صلى الله عليه وآله وسلم ما صب الله في صدري شيئا إلا صببته في صدر أبي بكر (2). أليس من المغالاة ؟ ما رووه عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: رأيت كأني أعطيت عسا مملو البنا فشربت منه حتى امتلأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم ففضلت منها فضلة فأعطيتها أبا بكر. قالوا: يا رسول الله ! هذا علم أعطاكه الله حتى إذا امتلأت ففضلت فضلة فأعطيتها أبا بكر، قال صلى الله عليه وسلم: قد أصبتم " الرياض النضرة 1: 101 " أليس من المغالاة ؟ ما جاء به ابن سعد عن ابن عمر من أنه سئل عمن كان يفتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أبو بكر وعمر ولا أعلم غيرهما. راجع أسد الغابة 3: 216، الصواعق ص 10، 20 تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 35. قال الأميني: ليتني أدري وقومي ما بال القوم ؟ في نحت هذه الدعاوي الفارغة، واختلاق هذه الأكاذيب المكردسة، وزعق بسطاء الأمة إلى المزالق والطامات، و ردعهم عن مهيع الحق، وجدد الصدق في عرفان الرجال، ومقادير السلف. أليست هذه الآراء تضاد نداه المشرع الأقدس وقوله لفاطمة: أما ترضين إني زوجتك أول المسلمين إسلاما وأعلمهم علما ؟ وقوله لها: زوجتك خير أمتي أعلمهم علما. وقوله: إن عليا لأول أصحابي إسلاما وأكثرهم علما. وقوله: أعلم أمتي من بعدي علي. وقوله: أنا مدينة العلم وعلي بابها. وقوله: علي وعاء علمي. وقوله: علي باب علمي. وقوله: علي خازن علمي. وقوله: علي عيبة علمي. وقوله: أنا دار الحكمة وعلي بابها.


(1) تأريخ الخلفاء للسيوطي ص 29. (2) راجع الجزء الخامس من كتابنا هذا ص 316 ط 2 وهذا الجزء ص 87. [*]

[183]

وقوله: أنا دار العلم وعلي بابها. وقوله: أنا ميزان العلم وعلي كفتاه. وقوله: أنا ميزان الحكمة وعلي لسانه وقوله: أقضى أمتي علي. وقوله: أقضاكم علي (1) إلى أمثال هذه من الكثير الطيب، أليست تلكم الآراء المجردة تخالف ما أسلفناه في الجزء الثالث ص 95 - 101 وفي نوادر الأثر في الجزء السادس من أقوال الصحابة الأولين والتابعين بإحسان في علم علي ؟ نظراء عائشة. وعمر. ومعاوية. وابن عباس. وابن مسعود. وعدي بن حاتم. وسعيد بن المسيب. وهشام بن عتبة. وعطاء وعبد الله بن حجل. أنى يسوغ القول بأعلمية أي أحد من الأمة غير علي أمير المؤمنين بعد ما مر في الجزء الثالث ص 100 من إجماع أهل العلم أن عليا عليه السلام هو وارث علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم دونهم. وما أسلفناه هناك من الصحيح الوارد عن مولانا أمير المؤمنين من قوله: والله إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارث علمه، فمن أحق به مني ؟ ثم أي نجفة من العلم كانت آية فضلة عس شربها الخليفة من يد النبي الأعظم إن صحت الأحلام ؟ أقوله في الأب ؟ أم رأيه في الكلالة والجد والجدتين والخلافة وغيرها ؟ أبمثل هذه كان هو وصاحبه ويفتيان في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وأي صدر هذا لم يك ينضح بشئ من العلم - والاناء ينضح بما فيه - بعد ما صب فيه رسول الله كلما صب الله في صدره صلى الله عليه وآله ؟. وأنت جد عليم بأن الأخذ بمجامع تلكم الصحاح المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقوال الصحابة والتابعين في علم أمير المؤمنين عليه السلام والجمع بينها وبين تلكم الآراء في علم أبي بكر يستلزم القول بأعلميته من رسول الله أيضا بعد كونه وعلي صلى الله عليهما وآلهما صنوين في الفضائل، بعد كون علي رديف أخيه الأقدس ونفسه في مآثره، بعد كونه وارث علمه وبابه وعيبته ووعاءه وخازنه، ولا أحسب كل القوم ولأجلهم يقول بذلك. نعم: من لم يتحاش عن الغلو في أبي حنيفة والقول بأعلميته من رسول الله


(1) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 95 ط 2، والجزء السادس ص 61 / 81 ط 2. [*]

[184]

صلى الله عليه وآله في القضاء كما مر في الجزء الخامس ص 279 ط 2 لا يكترث للقول بذلك في أبي بكر الأفضل من أبي حنيفة. هذا هو الغلو الممقوت الذي تصك به المسامع لا ما تقول به الشيعة يا أتباع أبناء حزم وتيمية وكثير وجوزية ! مظاهر علم الخليفة وأول مظهر من مظاهر علم الخليفة عند الباقلاني من المتقدمين كما في تمهيده ص 191، وعند السيد أحمد زيني دحلان من المتأخرين كما في سيرته هامش الحلبية 3: 376 هو إعلامه الناس بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وحجاجه عمر بن الخطاب بقول العزيز الحكيم: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم. الآية (1). ما أذهل الرجلين عن أن الأمر لم يعضل على أي امرئ من الصحابة، وحاشاهم عن أن يكون هذا مبلغ علمهم، وقد كان حملة القرآن الكريم بأسرهم على علم من موته صلى الله عليه وآله أخذا بما أجرى الله بين البشر من الطبيعة المطردة وقضى أجلا وأجل مسمى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. وتمسكا بالقرآن العظيم، ونصوصه صلى الله عليه وآله الكثيرة عليه في مواقف لا تحصى، أحفلها حجة الوداع ومن هنا سميت تلك الحجة بحجة الوداع. ولم يكن إنكار عمر موته صلى الله عليه وآله وسلم لجهله بذلك، وقد قرأ عمر وبن زائدة عليه و على الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله الآية المذكورة قبل تلاوة أبي بكر إياها وأشفعها بقوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون (2) فضرب الرجل عنها وعن قارئها صفحا، وعمر وبن زائدة صحابي عظيم استخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرت في غزواته كما في الإصابة 2 ص 523. وإنما كان إنكاره ذلك وإرهابه الناس لسياسة مدبرة، وذلك صرف فكرة الشعب


(1) آل عمران. آية: 144 (2) راجع تاريخ ابن كثير 5: 243، شرح المواهب للزرقاني 8. 281. [*]

[185]

عن الفحص عن الخليفة إلى أن يحضر أبو بكر وكان غائبا بالسنح (1) خارج المدينة، وكان الأمر دبر بليل، ألا ترى أن غير واحد من أعلام القوم قد اعتذروا عن إنكار عمر موته صلى الله عليه وآله سلم بغير الجهل فمنهم من قال: إن ذلك كان لتشوش البال، واضطراب الحال، والذهول عن جليات الأحوال (2) ومنهم من اعتذر بقوله: خبل عمر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه (3). (المظهر الثاني) وجاء ابن حجر من علم الخليفة بمظاهر أخرى واحتج بها على كونه أعلم الصحابة على الإطلاق. منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه في صلح الحديبية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله ألست نبي الله حقا ؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري. قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال: فأتيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت: يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الله وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن. فقال: أيها الرجل ! إنه رسول الله ولن يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق. فقلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى فأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الأميني: هل في هذه الرواية غير أن أبا بكر كان مؤمنا بنبوة رسول الله، وبطبع الحال إن كل من اعتنق هذا المبدء يرى أنه صلى الله عليه وآله لا يعصي ربه وهو ناصره و أن كل ميعاد جاء به لا بد وأن يقع في الأجل المضروب له إن كان موقتا وإلا فهو يقع


(1) تاريخ الطبري 3 ص 197، طبقات ابن سعد رقم التسلسل ط مصر: 786، تفسير القرطبي 4: 223 عيون الأثر 2: 339. (2) شرح المقاصد للتفتازاني 2: 294. (3) عيون الأثر لابن سيد الناس 3: 339. [*]

[186]

لا محالة في ظرفه الخاص به، فلا يخالجه شك إذا لم يعجل. هذه غاية ما يوصف به أبو بكر بهذا الحديث، وهو معنى يشترك فيه جميع المسلمين وليس من خاصته، فأي دلالة فيه على كون أبي بكر أعلم الصحابة على الإطلاق ؟ ولو كان عمر يسأل أي صحابي بسؤاله هذا لما سمع إلا لدة ما أجاب به أبو بكر ومثل ما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك المسلمون كلهم إلى منصرم الدنيا، فإنك لا تجد عند أحدهم ضميرا غير هذا، وإذا فاتحته بالكلام عن مثله فلا تسمع جوابا غيره، فهل فاتح عمر بن غير أبي بكر أحدا من الصحابة وسمع جوابا غير ما أجاب به ؟ حتى يستدل به على أعلميته على الإطلاق أو على التقييد. وهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله في صدد بيان غامض من علومه لما أجاب عمر حتى يكون إذا وافقه أبو بكر في الجواب يصبح به أعلم الصحابة على الإطلاق ؟ وابن حجر يعلم ذلك كله ولذلك تعمد بإسقاط لفظ الرواية وقال في الصواعق ص 19: هو (أبو بكر) من أكابر المجتهدين بل هو أعلم الصحابة على الإطلاق للأدلة الواضحة على ذلك منها: ما أخرجه البخاري وغيره أن عمر في صلح الحديبية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الصلح وقال: علام نعطي الدنية في ديننا فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل عنه صلى الله عليه وسلم من غير أن يعلم بجواب النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه بمثل ذلك الجواب سواء بسواء. ا ه‍. يوهم ابن حجر أن هناك معضلة كشفها أبو بكر، أو عويصة من العلوم حلها مما يعد الخوض فيه من الأدلة الواضحة على أعلمية صاحبه من الصحابة على الإطلاق فليفعل ابن حجر ما شاء فإن نظارة التنقيب رقيبة عليه، والله من وراءه حسيب. * (المظهر الثالث) * ومن الأدلة الواضحة عند ابن حجر على أن الخليفة أعلم الصحابة على الإطلاق ما روي في الصواعق ص 19 عن عايشة مرسلا أنها قالت. لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشرأب النفاق، أي رفع رأسه، وارتدت العرب، وانحازت الأنصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، أي فتتها، فما اختلفوا في لفظة إلا طار أبي بعبأها وفصلها، قالوا: أين ندفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه.

[187]

واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة. ثم قال: قال بعضهم: وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة فقال بعضهم: ندفنه بمكة مولده ومنشأه، وبعضهم بمسجده، وبعضهم بالبقيع، وبعضهم ببيت المقدس مدفن الأنبياء، حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم، قال ابن زنجويه: وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا إليه فيها. قال الأميني: غاية ما في هذه المرسلة عن عايشة أن أبا بكر روى حديثين عن رسول الله صلى الله عليه وآله شذت روايتهما عن الحضور في ذينك الموقفين، فإن يكن بهما أبو بكر أعلم الصحابة على الإطلاق حتى من لم يحضرهما ولو بنحو من التهجم والرجم بالغيب. فكيف بمن روى آلافا مؤلفة من الأحاديث شذت عن أبي بكر روايتها جمعاء أو رواية أكثرها ؟ و مع ذلك لا يعد أحد منهم أعلم الصحابة أو أعلم من أبي بكر على الأقل. أليس هو صاحب نادرة الأب والكلالة والجد والجدتين إلى نوادر أخرى ؟ أليس هو الآخذ بالسنة الشريفة من نظراء المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وعبد الرحمن بن سهيل إلى أناس آخرين عاديين ؟ كأن ابن حجر يقيس الناس إلى نفسه ويحسبهم ولايد حجر لا يعقلون شيئا و هم يسمعون، ألا يقول الرجل ما الذي فهمه الصحابة من هتاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم هتف بقوله: 1 - ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة قوله صلى الله عليه وآله: 2 - ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. وقوله صلى الله عليه وآله: 3 - ما بين حجرتي إلى منبري روضة من رياض الجنة. وقوله صلى الله عليه وآله: 4 - ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة وقوله صلى الله عليه وآله: 5 - من سره أن يصلي في روضة من رياض الجنة فليصل بين قبري ومنبري ؟ وهذه الأحاديث أخرجها باللفظ الأول البخاري (1) وأحمد، وعبد الرزاق،


(1) حكاه الأنصاري عن نسخة من صحيحه في تحفة الباري المطبوع في ذيل إرشاد الساري 4: 412. [*]

[188]

وسعيد بن المنصور، والبيهقي في شعب الإيمان، والخطيب، والبزار، والطبراني، و الدارقطني، وأبو نعيم، وسمويه، وابن عساكر من طريق جابر، وسعد بن أبي وقاص، و عبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري. راجع تاريخ الخطيب 11: 228، 290، إرشاد الساري للقسطلاني 4: 413. وصحح إسناد البزار وقال: عند البزار بسند رجاله ثقات، كنز العمال 6: 254، شرح النووي لمسلم هامش الارشاد 6: 103 تحفة الباري في ذيل الارشاد 4: 412، وحكاه السمهودي في وفاء الوفا 1: 303 عن الصحيحين، وصححه من طريق البزار. وأخرجها باللفظ الثاني البخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد، والدارقطني، و أبو يعلى، والبزار، والنسائي، وعبد الرزاق، والطبراني، وابن النجار، من طريق جابر وعبد الله بن عمر، وعبد الله المازني، وأبي بكر. راجع صحيح البخاري كتاب الصلاة: باب فضل ما بين القبر والمنبر وكتاب الحج، وصحيح مسلم كتاب الحج، باب: فضل ما بين قبره صلى الله عليه وسلم ومنبره، تيسير الوصول 3: 323، تمييز الطيب ص 139، فقال: متفق عليه، كنوز الدقائق ص 129، كنز العمال 6: 254، الجامع الصغير وصححه وقال: حديث متواتر كما في الفيض القدير 5: 433، تحفة الباري في ذيل الارشاد 4: 412، وفاء الوفا 1: 302، 303 وصححه بإسناد أحمد والبزار. وأخرجه باللفظ الثالث أحمد، والشاشي، وسعيد بن منصور، والخطيب من طريق جابر وعبد الله المازني كما في تاريخ الخطيب 3: 360، وكنز العمال 6، 254، وشرح النووي لمسلم هامش الارشاد 6: 103. واللفظ الرابع تجده في الأوسط للطبراني من طريق أبي سعيد الخدري كما في إرشاد الساري 4. 413، ووفاء الوفا 1: 303. والخامس منها أخرجه الديلمي من طريق عبيد الله بن لبيد كما في كنز العمال 6 ص 254. وقال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 193: قلت: كيف اختلفوا في موضع دفنه وقد قال لهم: فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري. وهذا تصريح بأنه

[189]

دفن في البيت الذي جمعهم فيه وهو بيت عايشة ا ه‍. وهذا الحديث أخرجه ابن سعد، وابن منيع، والحاكم، والبيهقي، والطبراني في الأوسط من طريق ابن مسعود كما في الخصايص الكبرى للحافظ السيوطي 2: 276. أيرى ابن حجر أن الصحابة بعد تلكم الأحاديث كانوا غير عارفين تلك الروضة المقدسة التي أنبأهم بها نبيهم الأقدس، وأمرهم بالصلاة عليها ؟ أو يراهم إنهم عرفوا القبر والمنبر وما بينهما من الروضة، ووقفوا على حدودها من كثب أخذا منه صلى الله عليه وآله ثم اختلفوا في المدفن الشريف، فباح به أبو بكر فأصبح بذلك أعلمهم على الإطلاق ؟ على أنه لو صحت رواية الدفن لوجب أن يبوح بها رسول الله صلى الله عليه وآله لمن أوصاه بغسله ودفنه (1) لمن ولي غسله وكفنه وإجنانه (2) لمن يعلم أنه يباشر دفنه ويلي إجنانه في منتصف الليل من دون حضور غير أهله كما مر في ص 75 لا الذي يغيب عن ذلك المشهد، وغلبت على أجفانه عند ذاك سنة الكرى، وتعيين المدفن من أهم ما يوصى به عند كل أحد فضلا عن سيد البشر، وهذا الاعتبار يعاضد ما أخرجه أبو يعلى من حديث عايشة أيضا وإن يعارض حديثها عن أبيها قالت: اختلفوا في دفنه (صلى الله عليه وآله) فقال علي: إن أحب البقاع إلى الله مكان قبض فيه نبيه. (الخصايص الكبرى 2: 278) ولعل تجاه هذا الحديث اختلفت رواية الدفن. ولو كان عند دفن جثمان القداسة حوار كما نصفه ابن حجر لتناقلته الألسن و تداولته السير والمدونات نقلا عن الصحابة الحضور يوم ذاك الواقفين على الجلبة، و المستمعين للغط، ولما اختصت بوصفه صفحات الصواعق أو ما يشاكله من كتب المتأخرين ولا تفردت برواية شيئ منها عائشة، وكيف تفردت بها ؟ وهي التي تقول: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل (3). ثم إن أول مفند لهذه السنة المزعوم اطرادها هو مدفن أول الأنبياء آدم عليه السلام فإنه توفي بمكة ودفن عند الجبل الذي اهبط منه في الهند،، وقيل بجبل


(1) طبقات ابن سعد رقم التسلسل 798، 801، الخصايص الكبرى 2: 276، 277. (2) طبقات ابن سعد ص 798. (3) راجع ما مر في 75. [*]

[190]

أبي قبيس بمكة (1) وقد اشترى إبراهيم الخليل على نبينا وآله وعليه السلام مغارة في حبرون (2) من عفرون بن صخر فدفن فيها سارة ثم دفن فيها هو وابنه إسحاق. وتوفي يعقوب عليه السلام في مصر واستأذن يوسف سلام الله عليه ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر فدفنه في المغارة بحبرون (3). * (المظهر الرابع) * أما رواية الإرث فسرعان ما ناقض ابن حجر فيها نفسه. فتراه يحسب ها هنا في ص 19: أنها مختصة بأبي بكر وهي من الأدلة الواضحة على أعلميته، وهو يعتقد في صفحة 21: إنه رواها علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وأمهات المؤمنين وقال: كلهم كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك: وإن أبا بكر إنما انفرد باستحضاره أولا ثم استحضره الباقون. ما هذا التهافت بين كلامي الرجل ؟ وما أذهله أخيرا عما جاء به أولا ؟ وهل الأعلمية مترشحة من محض الاستحضار أو لا ؟ أو السبق إلى الهتاف به ؟ وكل منهما كما ترى لا يفيد مزية إلا في الحفظ دون العلم. ثم لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك لوجب أن يفشيه إلى آله وذويه الذين يدعون الوراثة منه ليقطع معاذيرهم في ذلك بالتمسك بعمومات الإرث من آي القرآن الكريم والسنة الشريفة، فلا يكون هناك صخب وحوار تتعقبهما محن وإحن ولا تموت بضعته الطاهرة وهي واجدة على أصحاب أبيها (4) ويكون ذلك كله مثارا للبغضاء والعداء في الأجيال المتعاقبة بين أشياع كل من الفريقين وقد بعث هو صلى الله عليه وآله لكسح تلكم المعرات وعقد الاخاء بين الأمم والأفراد. ألم يكن صلى الله عليه وآله على بصيرة مما يحدث بعده من الفتن الناشئة من عدم إيقاف


(1) تاريخ الطبري 1: 80، 81 العرائس للثعلبي ص 29، الكامل لابن الأثير 1: 22، تاريخ ابن كثير 1: 98 (2) في تاريخ الطبري: جيرون والصحيح: حبرون. (3) تاريخ الطبري 1: 161، 169، معجم البلدان 3: 208، تاريخ ابن كثير 1: 174. 197، 220. (4) سيوافيك في هذا الجزء تفصيل ذلك. [*]

[191]

أهله وذويه على هذا الحكم المختص به صلى الله عليه وآله المخصص لشرعة الإرث ؟ حاشاه. و عنده علم المنايا والبلايا والقضايا والفتن والملاحم. وهل ترى أن دعوى الصديق الأكبر أمير المؤمنين وحليلته الصديقة الكبرى. صلوات الله عليهما وآلهما على أبي بكر ما استولت عليه يده مما تركه النبي صلى الله عليه وآله من ماله كانت بعد علم وتصديق منهما بتلك السنة المزعومة صفحا منهما عنها لاقتناء حطام الدنيا ؟ أو كانت عن جهل منهما بما جاء به أبو بكر ؟ نحن نقدس ساحتهما [أخذا بالكتاب والسنة] عن علم بسنة ثابتة والصفح عنها، وعن جهل يربكهما في الميزان. ولماذا يصدق أبو بكر في دعواه الشاذة عن الكتاب والسنة، فيما لا يعلم إلا من قبل ورثته صلى الله عليه وآله ووصيه الذي هتف صلى الله عليه وآله وسلم به وبوصايته من بدء دعوته في الأندية والمجتمعات ؟ (1) ولم تكن أذن واعية لدعوى الصديقة وزوجها الطاهر بكون فدك نحلة لها من رسول الله صلى الله عليه وآله وهي لا تعلم إلا من قبلهما ؟ قال مالك بن جعونة عن أبيه أنه قال: قالت فاطمة لأبي بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لي فدك فاعطني إياها، و شهد لها علي بن أبي طالب، فسألها شاهدا آخر فشهدت لها أم أيمن: فقال: قد علمت يا بنت رسول الله ! إنه لا تجوز إلا رجلين أو رجل وامرأتين وانصرفت. وفي رواية خالد بن طهمان: إن فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر رضي الله عنه: أعطني فدك فقد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لي فسألها البينة فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد لها بذلك فقال: إن هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل وامرأتين (2). ثم مم كان غضب الصديقة الطاهرة سلام الله عليها ؟ وهي التي جاء فيها عن أبيها الأقدس: إن الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها (3) أمن حكم صدع به والدها وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ؟ وحاشاها، أم لأن ذلك الحكم البات رواه عنه صديق أمين يريد بث حكم الشريعة وتنفيذه وهي مصدقة له ؟ نحاشي ساحة البضعة


(1) راجع الجزء الثاني صفحة 278 ط 2. (2) فتوح البلدان للبلاذري ص 38. (3) راجع ج 3 ص 20 وسيأتيك في هذا الجزء. [*]

[192]

الطاهرة بنص آية التطهير عن هذه الخزاية، فلم يبق إلا شق ثالث وهو: إنها كانت تتهم الراوي، أو تعتقد خللا في الرواية، وتراه حكما خلاف الكتاب والسنة، وهذا الذي دعاها إلى أن لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء، وارتج المجلس، ثم مهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم، وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قالت ما قالت وفيما قالت: أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ يا بن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والوعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون. ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلى الله عليه وآله فقالت: قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب فليت بعدك كان الموت صادفنا * لما قضيت وحالت دونك الكثب (1) وهذا الذي تركها غضباء على من خالفها وتدعو عليه بعد كل صلاة حتى لفظت نفسها الأخيرة صلى الله عليها كما سيوافيك تفصيله. وهل هذا الحكم مطرد بين الأنبياء جميعا ؟ أو أنه من خاصة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ؟ والأول ينقضه الكتاب العزيز بقوله تعالى: وورث سليمان داود - النمل 16 - و قوله سبحانه عن زكريا: فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب - مريم 6 -. ومن المعلوم أن حقيقة الميراث انتقال ملك الموروث إلى ورثته بعد موته بحكم المولى سبحانه، فحمل الآية الكريمة على العلم والنبوة كما فعله القوم خلاف الظاهر لأن النبوة والعلم لا يورثان، والنبوة تابعة للمصلحة العامة، مقدرة لأهلها من أول


(1) بلاغات النساء لابن طيفور ص 12، شرح ابن أبي الحديد 4: 93، أعلام النساء 3: 1208. [*]

[193]

يومها عند بارئها، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا مدخل للنسب فيها كما لا أثر للدعاء والمسألة في اختيار الله تعالى أحدا من عباده نبيا والعلم موقوف على من يتعرض له ويتعلمه. على أن زكريا سلام الله عليه إنما سأل وليا من ولده يحجب مواليه " كما هو صريح الآية " من بني عمه وعصبته من الميراث، وذلك لا يليق إلا بالمال، ولا معنى لحجب الموالي عن النبوة والعلم ثم إن اشتراطه عليه السلام في وليه الوارث كونه رضيا بقوله: واجعله رب رضيا. لا يليق بالنبوة، إذا العصمة والقداسة في النفسيات والملكات لا تفارق الأنبياء، فلا محصل عندئذ لمسألته ذلك. نعم يتم هذا في المال ومن يرثه فإن وارثه قد يكون رضيا وقد لا يكون. وأما كون الحكم من خاصة رسول الله صلى الله عليه وآله فالقول به يستلزم تخصيص عموم آي الإرث مثل قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " النساء 11 " وقوله سبحانه: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " الأنفال 75 " وقوله العزيز: إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف " البقرة 180 " ولا يسوغ تخصيص الكتاب إلا بدليل ثابت مقطوع عليه لا بالخبر الواحد الذي لم يصح الأخذ بعموم ظاهره لمخالفته ما ثبت من سيرة الأنبياء الماضين صلوات الله على نبينا وآله وعليهم. لا بالخبر الواحد الذي لم يخبت إليه صديقة الأمة وصديقها الذي ورث علم نبيها الأقدس، وعده المولى سبحانه في الكتاب نفسا لنبيه صلى الله عليهما وآلهما. لا بالخبر الواحد الذي لم ينبأ عنه قط خبير من الأمة وفي مقدمها العترة الطاهرة وقد اختص الحكم بهم وهم الذين زحزحوا به عن حكم الكتاب والسنة الشريفة. وحرموا من وراثة أبيهم الطاهر، وكان حقا عليه صلى الله عليه وآله أن يخبرهم بذلك، ولا يأخر بيانه عن وقت حاجتهم، ولا يكتمه في نفسه عن كل أهله وذويه وصاحبته وأمته إلى آخر نفس لفظه. لا بالخبر الواحد الذي جر على الأمة كل هذه المحن والإحن، وفتح عليها

[194]

باب العداء المحتدم بمصراعيه، وأجج فيها نيران البغضاء والشحناء في قرونها الخالية، وشق عصا المسلمين من أول يومهم، وأقلق من بينهم السلام والوئام وتوحيد الكلمة. جزى الله محدثه عن الأمة خيرا. ثم إن كان أبو بكر على ثقة من حديثه فلم ناقضه بكتاب كتبه لفاطمة الصديقة سلام الله عليها،، بفدك ؟ غير أن عمر بن الخطاب دخل عليه فقال: ما هذا ؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها. فقال: مما ذا تنفق، على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقه، ذكره سبط ابن الجوزي كما في السيرة الحلبية 3: 391. وإن كان صح الخبر وكان الخليفة مصدقا فيما جاء به فما تلكم الآراء المتضاربة بعد الخليفة ؟ وإليك شطرا منها: 1 - لما ولي عمر بن الخطاب الخلافة رد فدكا إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله فكان علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب يتنازعان فيها. فكان علي يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله جعلها في حياته لفاطمة. وكان العباس يأبى ذلك ويقول: هي ملك رسول الله و أنا وارثه. فكانا يتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما ويقول: أنتما أعرف بشأنكما أما أنا فقد سلمتها إليكما. راجع صحيح البخاري كتاب الجهاد السير باب فرض الخمس ج 5: 3 - 10، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير، باب: حكم الفئ، الأموال لأبي عبيد ص 11 ذكر حديث البخاري وبتره، سنن البيهقي 6: 299، معجم البلدان 6: 343، تفسير ابن كثير 4: 335، تاريخ ابن كثير 5: 288، تاج العروس 7: 166. * (لفت نظر) * نحن لا نناقش فيما نجده من المخازي في أحاديث الباب كأصل التنازع المزعوم بين علي والعباس، وما جاء في لفظ مسلم في صحيحه من قول العباس لعمر: يا أمير المؤمنين ! اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن. أهكذا كان العباس يقذف سيد العترة الطاهر المطهر بهذا السباب المقذع وبين يديه آية التطهير وغيرها مما نزل في علي أمير المؤمنين في آي الكتاب العزيز ؟ فما العباس وما خطره عندئذ ؟ وبماذا يحكم عليه أخذا بقول النبي الطاهر ؟ من سب عليا فقد سبني، و

[195]

من سبني فقد سب الله، ومن سب الله كبه الله على منخريه في النار ؟ (1) لاها الله نحن نحاشي العباس عن هذه النسب المخزية، ونرى القوم راقهم سب مولانا أمير المؤمنين فنحتوا هذه الأحاديث وجعلوها للنيل منه قنطرة ومعذرة والله يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون. وإلى الله المشتكى. 2 - أقطع مروان بن الحكم فدكا في أيام عثمان بن عفان كما في سنن البيهقي 6: 301 وما كان إلا بأمر من الخليفة. 3 - لما ولي معاوية بن أبي سفيان الأمر أقطع مروان بن الحكم ثلث الفدك، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت لمروان بن الحكم أيام خلافته فوهبها لعبد العزيز ابنه فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز. 4 - ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله ولم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فسألته إياها فاطمة فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل، ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك فصارت لي وللوليد وسليمان فلما ولي الوليد سألته حصته منها فوهبها لي، وسألت سليمان حصته منها فوهبها لي فاستجمعتها، وما كان لي من مال أحب إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه. 5 - فكانت فدك بيد أولاد فاطمة مدة ولاية عمر بن عبد العزيز فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها منهم فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم. 6 - ولما ولي أبو العباس السفاح ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي أمير المؤمنين. 7 - ثم لما ولي أبو جعفر المنصور قبضها من بني حسن.


(1) مر الايعاز إليه في الجزء الثاني ص 299 ط 2 وسيوافيك تفصيل مصادره إنشاء الله. [*]

[196]

8 - ثم ردها المهدي بن المنصور على ولد فاطمة سلام الله عليها. 9 - ثم قبضها موسى بن المهدي وأخوه من أيدي بني فاطمة فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون. 10 - ردها المأمون على الفاطميين سنة 210 وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: أما بعد: فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرابة به، أولى من استن بسنته، ونفذ أمره، وسلم لمن منحه منحة، وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه - في العمل بما يقربه إليه - رغبته، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك، وتصدق بها عليها، وكان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها، ويسلمها إليهم تقربا إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر باثبات ذلك في دواوينه، والكتاب إلى عماله، فلئن كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك، فيقبل قوله، وتنفذ عدته، إن فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها. وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها، وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها. فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، وما ألهمه الله من طاعته، ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله، والسلام.

[197]

وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة 210 ه‍. 11 - ولما استخلف المتوكل على الله أمر بردها إلى ما كانت عليه قبل المأمون راجع فتوح البلدان للبلاذري ص 39 - 41، تاريخ اليعقوبي 3: 48، العقد الفريد 2: 333، معجم البلدان 6: 344، تاريخ ابن كثير 9: 200 وله هناك تحريف دعته إليه شنشنة أعرفها من أخزم، شرح ابن أبي الحديد 4: 103، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 154، جمهرة رسائل العرب 3: 510، أعلام النساء 3: 1211. كل هذه تضاد ما جاء به الخليفة من خبره الشاذ عن الكتاب والسنة، فأنى لابن حجر ومن لف لفه أن يعده من الأدلة الواضحة على علمه وهذا شأنه، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟. التمسك بالأفائك والعجب العجاب قول ابن حجر في الصواعق ص 20: لا يقال بل علي أعلم من أبي بكر للخبر الآتي في فضائله: أنا مدينة العلم وعلي بابها. لأنا نقول: سيأتي أن ذلك الحديث مطعون فيه، وعلى تسليم صحته أو حسنه فأبو بكر محرابها. ورواية فمن أراد العلم فليأت الباب لا تقتضي الأعلمية فقد يكون غير الأعلم يقصد لما عنده من زيادة الايضاح والبيان والتفرغ للناس بخلاف الأعلم. على أن تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس: أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها. فهذه صريحة في أن أبا بكر أعلمهم، وحينئذ فالأمر بقصد الباب إنما هو لنحو ما قلناه لا لزيادة شرفه على ما قلته لما هو معلوم ضرورة أن كلا من الأساس والحيطان والسقف أعلى عن الباب. ا ه‍. قال الأميني: إن الطعن في حديث أنا مدينة العلم لم صدر إلا من ابن الجوزي ومن يشاكله من رماة القول على عواهنه، وقد عرفت في الجزء السادس ص 61 - 81 ط 2 نصوص العلماء على صحة الحديث، واعتبار قوم حسنه، وتقرير آخرين ما صدر ممن تقدمهم إلى ذينك الوجهين وتزييف ما ارتآه ابن الجوزي. وأما ما ذكره من رواية الفردوس فلا يختلف اثنان في ضعفها وضعف ما يقاربها في اللفظ مما تدرج نحته في الأزمنة المتأخرة تجاه ما يثبته هتاف النبي الأعظم من

[198]

فضيلة العلم الرابية لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وابن حجر نفسه من أولئك الذين زيفوه وحكموا عليه بالضعف كما في كتابه الفتاوى الحديثية ص 197 فقال: حديث ضعيف، و معاوية حلقتها فهو ضعيف أيضا. فأذهله لجاجه في حجاجه عن حكمه ذاك، ورأى ما حكم عليه بالضعف نصا في أعلمية أبي بكر. وقال العجلوني في كشف الخفا ج 1: 204: روى الديلمي في " الفردوس " بلا إسناد عن ابن مسعود رفعه: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها. وروى أيضا عن أنس مرفوعا: أنا مدينة العلم، علي بابها، ومعاوية حلقتها. قال في المقاصد: وبالجملة فكلها ضعيفة وألفاظ أكثرها ركيكة. وقال السيد محمد درويش الحوت في أسنى المطالب ص 73: أنا مدينة العلم، أبو بكر أساسها، وعمر حيطانها وذلك لا ينبغي ذكره في كتب العلم لا سيما مثل ابن حجر الهيثمي ذكر ذلك في الصواعق والزواجر وهو غير جيد من مثله: ا ه‍. فلم يبق إذن مجال للمناقشة بالتعبير بالباب لمولانا صلوات الله عليه وبالأساس و الحيطان والسقف والحقلة لغيره، حسب المسكين ناحت هذه المهزأة مدينة خارجية يرمق إليها، ويتجول بين جدرانها، ويتفيأ تحت سقفها، ويدق بابها بالحلقة، وقد عزب عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن السبب الوحيد للاستفادة من علوم النبوة هو خليفته مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، كما أن المدخل الوحيد للمدنية بابها، فهو معنى كنائي جيئ به لإفادة ما ذكرناه، والأساس لا فضيلة له غير أنه يقوم عليه سياج المدينة المشاد للوقاية عن الغارات والسرقات، وأما معنويات المدنية فلا صلة لها بشئ من ذلك، والاستفادة بالسقف على فرض تصويره في المدن ليس إلا الاستظلال ودفع عايدة الحر والقر ولذلك لا يسقف إلا المحال التي يتصور فيها ذلك كالبيوت والحمامات والحوانيت والربط وأمثالها. فقاصد المدينة للاستفادة مما فيها من علم أو ثروة أو أي من أقسام النفع معنوية ومادية لا يتوصل بها إلا بالدخول من الباب، فهو أهم مما جاء به ابن حجر من الأساس والجدار والسقف وأما الحلقة فيحتاج إليه لفتح الباب وسده و الدق إذا كان مرتجا غير أن باب علم النبوة غير موصود، ولا يزال مفتوحا على البشر بمصراعيه أبد الدهر.

[199]

ثم إن من الواضح أن المراد من التعبير بالباب ليس الولوج والخروج فحسب وإنما هو الاستفادة والأخذ، ولا يتم هذا إلا أن يكون عنده كل علم النبوة الذي أراد صلى الله عليه وآله سوق الأمة إليه، وحصر الطريق إلى ذلك بمن عبر عنه بالباب تأكيدا للحصر ثم زاد في التأكيد بقوله: فمن أراد المدينة فليأت الباب. فعلي أمير المؤمنين هو الباب المبتلى به الناس، ومن عنده كل علم النبوة وكل ما يحتاج إليه البشر من فقه أو عظة أو خلق أو حكم أو حكم أو سياسة أو حزم أو عزم، فهو أعلم الناس لا محالة، وأما زيادة الايضاح والبيان والتفرغ للناس، فلا يجوز أن تنفك عمن سيق إليه البشر لغاية التفهم، وإزاحة الجهل، لا لمحض البيان وجودة السرد، لأن وضوح البيان بمجرده غير واف للغرض، لارتباك صاحبه عند الجهل بما يقدم إليه من المعضلات، كارتباك الأعلم عند التفهيم إذا أعوزه البيان عن الإفهام، فمن الواجب أن يجتمعا في إنسان واحد الذي هو مرجع الأمة جمعاء، وهو قضية اللطف الواجب عليه سبحانه، فذلك الانسان هو عدل الكتاب العزيز وهما الثقلان خليفتا النبي الأقدس لا يتفرقا حتى يردا عليه الحوض، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

[200]

- 2 - شجاعة الخليفة لم يؤثر عن الخليفة قبل الاسلام مشهد يدل على فروسيته، كما أنه لم نجد له في مغازي النبي صلى الله عليه وآله مع كثرتها وشهوده فيها موقفا يشهد له بالبسالة، أو وقفة تخلد له الذكر في التاريخ، أو خطوة قصيرة في ميادين تلك الحروب الدامية تعرب عن شئ من هذا الجانب الهام غير ما كان في واقعة خيبر من فراره عن مناضلة مرحب اليهودي كصاحبه عمر بن الخطاب، قال علي وابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى خيبر فرجع منهزما ومن معه، فلما كان من الغد بعث عمر فرجع منهزما يجبن أصحابه ويجبنه أصحابه. أخرجه الطبراني والبزار كما في مجمع الزوائد 9: 124 ورجال إسناد البزار رجال الصحيح غير محمد بن عبد الرحمن ومحله الصدق، وذكر انهزام الرجلين يوم خيبر القاضي عضد الايجي في المواقف وأقره شراحه كما في شرحه 3: 276، وذكره القاضي البيضاوي في طوالع الأنوار كما في المطالع ص 483. ويعرب عن فرارهما يوم ذاك قول رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فرا: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ليس بفرار. وفي لفظ: كرار غير فرار. وفي لفظ: والذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلا لا يفر، وفي لفظ: لأدفعن إلى رجل لن يرجع حتى يفتح الله له. وفي لفظ: لا يولي الدبر (1). وقال ابن أبي الحديد المعتزلي فيما يعزى إليه من القصيدة العلوية:


(1) صحيح البخاري 6: 191، صحيح مسلم 2: 324، طبقات ابن سعد ص 618، 630 رقم التسلسل ط مصر، مسند أحمد 1: 284، 185، 353، 358، خصائص النسائي ص 4 - 8، سيرة ابن هشام 3: 386، مستدرك الحاكم 3: 109، حلية الأولياء 2: 62، أسد الغابة 4: 21، الامتاع للمقريزي ص 314، تاريخ ابن كثير 4: 185 - 187، تيسير الوصول 3: 227، الرياض النضرة 2: 184 - 188. وهناك مصادر كثيرة تأتي في محلها إنشاء الله تعالى. [*]

[201]

وما أنس لا أنس اللذين تقدما * وفرهما والفر قد علما حوب (1) وللراية العظمى وقد ذهبا بها * ملابس ذل فوقها وجلابيب يشلهما من آل موسى شمردل * طويل نجاد السيف أجيد يعبوب (2) يمج منونا سيفه وسنانه * ويلهب نارا غمده والأنابيب أحضرهما أم حضر أخرج خاضب * وذان هما أم ناعم الخد مخضوب (3) عذرتكما إن الحمام لمبغض * وإن بقاء النفس للنفس محبوب ليكره طعم الموت والموت طالب * فكيف يلذ الموت والموت مطلوب ومما ينبأنا عن هذا الجانب حديث كع الخليفة عن ذي الثدية لما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله وهو في صلاته غير شاك السلاح، فرأى مخالفة الأمر النبوي أهون من قتل الرجل، فآب إليه صلى الله عليه وآله وسلم معتذرا بما سيوافيك تفصيله إنشاء الله. نعم يراه ابن حزم في كتاب " المفاضلة بين الصحابة " ومن لف لفه أشجع الصحابة على الإطلاق ونحتوا له حديثا على أمير المؤمنين أنه قال: أخبروني من أشجع الناس ؟ فقالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس ؟ قالوا: لا نعلم: فمن ؟ قال: أبو بكر، أنه لما كان يوم بدر فجعلنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عريشا فقلنا: من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين ؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبا بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس. الحديث (4). ليت القوم لم يحذفوا سند هذه الأثارة المفتعلة وكانوا يروونها بالإسناد حتى نعرف الملأ العلمي بالذي اختلقها، وحسبنا أن الحافظ الهيثمي ذكرها بلا إسناد في


(1) الحوب: الإثم. (2) شمردل مر في ص 52، يريد من طول النجاد طول القامة. الأجيد: الطويل الجيد و هو العنق. اليعبوب، الفرس الكثير الجرى أطلق على مرحب هذه اللفظة لشدته وسرعة حركته. (3) الحضر: العدو. الأخرج: ذكر النعام الذي فيه بياض وسواد. الخاضب: الذي أكل الربيع فاحمر طنبوباه أو اصفر. ناعم الخد مخضوب: كناية عن المرأة. يعني: هما رجلان أم أمرأتان في ضعفهما ورقة قلوبهما ؟ (4) الرياض النضرة 1: 92، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 25. [*]

[202]

مجمع الزوايد 9: 461 وضعفه وقال: فيه من لم أعرفه. وتكذبها صحيحة ابن إسحاق قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوم بدر " في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون على كرة العدو (1). ثم إن حراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن تنحصر بيوم بدر ولا بأبي بكر بل في كل موقف من مواقفه صلى الله عليه وآله كان يتعهد أحد من الصحابة بحراسته، فكانت الحراسة لسعد بن معاذ ليلة البدر وفي يومه لأبي بكر على ما ذكره الحلبي في السيرة 3: 353، ولمحمد بن مسلمة يوم أحد، وللزبير بن العوام يوم الخندق، وللمغيرة بن شعبة يوم الحديبية، ولأبي أيوب الأنصاري ليلة بنى بصفية ببعض طرق خيبر، ولبلال وسعد بن أبي وقاص وذكوان بن عبد قيس بوادي القرى، ولابن أبي مرثد الغنوي ليلة وقعة حنين (2). وكانت هذه السيرة في الحراسة مستمرة إلى أن نزل قوله تعالى في حجة الوداع والله يعصمك من الناس. فترك الحرس (3) فأبو بكر رديف أولئك الحرسة بعد تسليم ما جاء في حراسته. ولو صدق النبأ وكانت يوم بدر لأبي بكر تلك الأهمية الكبرى لكان هو أولى وأحق بنزول القرآن فيه يوم ذاك دون علي وحمزة وعبيدة لما نزل فيهم ذلك اليوم: هذان خصمان اختصموا في ربهم. سورة الحج: 19 (4) ولو صحت المزعمة لما خص علي وحمزة وعبيدة بقوله تعالى: من المؤمنين رجال


(1) عيون الأثر لابن سيد الناس 1: 258. (2) عيون الأثر 2: 316، المواهب اللدنية 1: 283، السيرة الحلبية 3: 354، شرح المواهب للزرقاني 3: 204. (3) مستدرك الحاكم 2: 313، تفسير القرطبي 6: 244، تفسير ابن جزى الكلبي 1: 173، تفسير ابن كثير 2: 78، الخصايص الكبرى 1: 126 عن الترمذي والحاكم البيهقي وأبي نعيم. (4) صحيح البخاري 6: 98 كتاب التفسير صحيح مسلم 2: 550، طبقات ابن سعد ص 518، مستدرك الحاكم 2: 386 وصححه هو والذهبي، تفسير القرطبي 12: 25، 26، تفسير ابن كثير 3: 212، تفسير ابن جزى 3: 38 تفسير الخازن 3: 298. [*]

[203]

صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية. الأحزاب: 23 (1) ولما نزل في علي أمير المؤمنين قوله تعالى: هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " سورة الأنفال: 62 " ولما ورد فيها ما ورد عن النبي الأعظم مما أسلفناه في الجزء الثاني ص 46 - 51. ولما خص لمولانا علي قوله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " سورة البقرة: 207 " كما ذكره القرطبي في تفسيره 3: 21 وفصلنا القول فيه في الجزء الثاني ص 47 - 49 ط 2. وكان حقا على رضوان منادي الله يوم بدر بقوله: لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي أن ينوه باسم أبي بكر وبسيفه المشهور على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله ثم هل تنحصر مغازي النبي الأعظم وحروبه الدامية ببدر ؟ وهل العريش كان في البدر فحسب دون ساير الغزوات ؟ وهل سيد العريش النبي الأعظم كان يلازم عريشه ولم يحضر قط في ميادين القتال ؟ أو كان ينزل بالمعارك ويستخلف صاحبه على العريش ؟ ما أعوز النبي الأعظم يوم خيبر مجاهد كرار غير فرار لا يولي الدبر، و كان معه الخليفة الأشجع ؟ أكان فرارا غير كرار ؟ ومن المعني في قول المؤرخين من أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع لواءه لرجل من المهاجرين فرجع ولم يصنع شيئا ؟ (3) أهذا الرجل وصاحبه نكرتان لا يعرفان ؟ لا ها الله. وأين كان الأشجع ؟ يوم خرجت كتائب اليهود يقدمهم ياسر فكشف الأنصار حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في موقفه، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و أمسى مهموما (4). ولماذا بعث صلى الله عليه وآله يوم ذاك - وكان الأشجع معه - سلمة بن الأكوع إلى علي ؟


(1) راجع ما مر في الجزء الثاني ص 51 ط 2. (2) راجع ما أسلفناه في الجزء الثاني صفحة 59 - 61 ط 2. (3) الامتاع للمقريزي ص 313، السيرة الحلبية 3 ص 39. (4) الامتاع للمقريزي ص 314، السيرة الحلبية 3 ص 39. [*]

[204]

وكان قد تخلف بالمدينة لرمد عينيه، وكان لا يبصر موضع قدمه فذهب إليه سلمة وأخذ بيده يقوده (1) وملأ المسامع قوله صلى الله عليه وآله لأعطين الراية إلى رجل كرار غير فرار. أكان الأشجع في العريش يوم خيبر ؟ لما قاتل المصطفى بنفسه يومه ذلك أشد القتال وعليه درعان وبيضة مغفر، وهو على فرس يقال له: الظرب (2) وفي يده قناة وترس كما في السيرة الحلبية 3 ص 39. أكان الأشجع في العريش يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ؟ حتى خلص العدو إلى رسول الله فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم (3). أكان الأشجع في العريش ؟ يوم قال فيه علي: لما تخلى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد نظرت في القتلى فلم أر رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن الله غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه، فما في خير من أن أقاتل حتى أقتل، فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم فأفرجوا لي فإذا برسول الله بينهم. وقد أصابت عليا يوم ذاك ستة عشر ضربة كل ضربة تلزمه الأرض فما كان يرفعه إلا جبريل. " أسد الغابة 4: 20 " أكان الأشجع في العريش يوم وقع رسول الله في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون ؟ فأخذ علي بن أبي طالب بيده صلى الله عليه وآله واحتضنه ورفعه طلحة حتى استوى قائما (4).


(1) صحيح مسلم 2: 102، سنن البيهقي 9: 131، الرياض النضرة 2: 186، السيرة الحلبية 3: 41، شرح المواهب للزرقاني 2: 223. (2) من أشهر خيله صلى الله عليه وآله وأعرفها، سمي بذلك لكبره أو لسمنه أو لقوته وصلابته تشبيها له بالجبل. قالوا: أهداه له صلى الله عليه وآله وسلم فروة ابن عمرو الجذامي. أو: ربيعة بن أبي البراء. أو: جنادة بن المعلى. (3) سيرة ابن هشام 3: 27، طبقات ابن سعد رقم التسلسل 549، تاريخ ابن كثير 4: 23، 29، امتاع المقريزي ص 135، شرح المواهب للزرقاني 2: 37. (4) سيرة ابن هشام 3: 27، الامتاع المقريزي ص 135، تاريخ ابن كثير 4 ص 24، عيون الأثر 2: 12. [*]

[205]

أكان الأشجع في العريش يوم رأي رسول الله في ميدان النزال وهو لابس درعين: درعه ذات الفضول ودرعه فضة، أو يوم حنين وله درعان: درعه ذات الفضول والسعدية. " شرح المواهب للزرقاني 2: 24 " أكان الأشجع في العريش يوم ضرب وجه النبي بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها ؟ " المواهب اللدنية 1: 124 " أكان الأشجع في العريش يوم بايع رسول الله على الموت ثمانية ؟ هم: علي، والزبير، وطلحة،، وأبو دجانة، والحارث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن حنيف، ورسول الله يدعوهم في أخراهم. " الامتاع للمقريزي ص 132 " أكان الأشجع في العريش يوم كان علي يذب عن رسول الله من ناحية، وأبو دجانة مالك بن خرشة من ناحية، وسعد بن أبي وقاص يذب طائفة، والحباب بن المنذر يحوش المشركين كما تحاش الغنم ؟ " الامتاع للمقريزي ص 143 " أكان الأشجع في العريش يوم حمى الوطيس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله تحت راية الأنصار ؟ وأرسل إلى علي أن قدم فقدم علي وهو يقول: أنا أبو القصم (2). أكان الأشجع في العريش يوم انتهى رسول الله إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية فوالله صدقني اليوم ؟ يوم ملأ علي درقته ماء من المهراس فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليشرب منه، وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه، و أخذت فاطمة (سلام الله عليها) قطعة حصير فأحرقته فألصقته عليه فاستمسك الدم (3). أكان الأشجع في العريش لما ملأ الفضاء نداء جبرئيل ؟ لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي أكان الأشجع في العريش يوم نظم حسان بن ثابت جبريل نادى معلنا * والنقع ليس بمنجلي


(2) سيرة ابن هشام 3: 19، شرح المواهب للزرقاني 2: 31. (3) طبقات ابن سعد 3: 90 رقم التسلسل 252، سيرة ابن هشام 3: 34، 51، الامتاع ص 138، تاريخ ابن كثير 4: 35، عيون الأثر 2: 15، المواهب اللدنية 1: 125، شرح الزرقاني 2: 56. [*]

[206]

والمسلمون قد أحدقوا * حول النبي المرسل لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فتى إلا علي (1) أكان الأشجع في العريش يوم حمراء الأسد ؟ وقد خرج صلى الله عليه وآله وهو مجروح في وجهه، مشجوج في جبهته، ورباعيته قد شظيت، وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن من ضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان. (طبقات ابن سعد رقم التسلسل 553). أكان الأشجع في العريش يوم حنين ؟ لما حمى الوطيس وفر الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق معه إلا أربعة: ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم: علي ابن أبي طالب والعباس وهما بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر، ولا يقبل أحد من المشركين جهته صلى الله عليه وآله وسلم إلا قتل. (السيرة الحلبية 3: 123). أكان الأشجع في العريش يوم الأحزاب ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ينقل مع صحبه من تراب الخندق وقد وارى التراب بياض بطنه ويقول: لاهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لا قينا إن الأولى لقد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا (طبقات ابن سعد رقم التسلسل 575، تاريخ ابن كثير 4: 96). أكان الأشجع في العريش يوم قال صلى الله عليه وآله وسلم: لضربة علي خير من عبادة الثقلين وفي لفظ: قتل علي لعمرو أفضل من عبادة الثقلين. وفي لفظ: لمبارزة علي لعمرو بن ود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة ؟ (2). نعم: للرجل موقف يوم أحد لما طلع يومئذ عبد الرحمن بن أبي بكر (وكان من المشركين) فقال: من يبارز وارتجز يقول:


(1) راجع ما مر في الجزء الثاني صفحة 59 - 61 ط 2. (2) مستدرك الحاكم 3: 32، المواقف للقاضي الإيجي 3: 276، كنز العمال 6: 158، السيرة الحلبية 2: 349 وهناك كلمة ردا على ابن تيمية في رده على هذا الحديث، هداية المرتاب في فضايل الأصحاب ص 148. [*]

[207]

لم يبق إلا شكة ويعبوب * وصارم يقتل ضلال الشيب فنهض إليه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول: أنا ذلك الأشيب ثم ارتجز فقال لم يبق إلا حسبي وديني * وصارم تقضي به يميني فقال له عبد الرحمن: لولا أنك أبي لم أنصرف. الامتاع ص 144 حجاج بالعريش قال المحاملي: كنت عند أبي الحسن بن عبدون وهو يكتب لبدر، وعند جمع فيهم أبو بكر الداودي وأحمد بن خالد المادرائي - فذكر قصة مناظرته مع الداودي في التفصيل إلى أن قال -: فقال الداودي: والله ما نقدر نذكر مقامات علي مع هذه العامة. قلت: أنا والله أعرفها مقامه ببدر، وأحد، الخندق، ويوم حنين، ويوم خيبر. قال: فإن عرفتها ينفعني أن تقدمه علي أبي بكر وعمر، قلت: قد عرفتها ومنه قدمت أبا بكر وعمر عليه. قال: من أين ؟ قلت: أبو بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم على العريش يوم بدر مقامه مقام الرئيس، والرئيس ينهزم به الجيش، وعلي مقامه مقام مبارز، والمبارز لا ينهزم به الجيش. ذكره الخطيب في تاريخه 8: 21، وابن الجوزي في المنتظم 6: 327، وأحسب أن مبتدع هذه الباكورة، ومؤسس فكرة العريش والاستدلال بها في التفضيل هو الجاحظ قال في خلاصة كتاب العثمانية ص 10: والحجة العظمى للقائلين بتفضيل علي قتله الاقران وخوضه الحروب، وليس له في ذلك كبير فضيلة، لأن كثرة القتل و المشي بالسيف إلى الأقران لو كان من أشد المحن وأعظم الفضائل وكان دليلا على الرياسة والتقدم، لوجب أن يكون للزبير وأبي دجانة ومحمد بن مسلمة وابن عفراء و البراء بن مالك من الفضل ما ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! لأنه لم يقتل إلا رجلا واحدا ولم يحضر الحرب يوم بدر ولا خالط الصفوف، وإنما كان معتزلا عنهم في العريش و معه أبو بكر. وأنت ترى الرجل الشجاع قد يقتل الاقران، ويجندل الأبطال، وفوقه من العسكر من لا يقتل ولا يبارز وهو الرئيس، أو ذو الرأي والمستشاري في الحرب، لأن للرؤساء من الاكتراث والاهتمام وسعل البال والعناية والتفقد ما ليس لغيرهم، ولأن الرئيس هو المخصوص بالمطالبة وعليه مدار الأمور، وبه يستبصر المقاتل ويستنصر، وباسمه ينهزم العدو، ولو لم يكن له إلا أن الجيش لو ثبت وفر هو لم يغن ثبوت الجيش كله وكانت الدبرة

[208]

عليه، ولو ضيع القوم جميعا وحفظ هو لانتصر وكانت الدولة له، ولهذا لا يضاف النصر، والهزيمة إلا إليه. ففضل أبي بكر بمقامه في العريش مع رسول الله يوم بدر أعظم من جهاد علي ذلك اليوم وقتله أبطال قريش. ا ه‍. قال الأميني: نحن لا ننبس في الجواب عن هذه الأساطير المشمرجة ببنت شفه، وإنما نقتصر فيه بما أجاب به عنها أبو جعفر الاسكافي المعتزلي البغدادي المتوفى 240 قال في الرد عليها (1): لقد اعطي أبو عثمان مقولا وحرم معقولا، إن كان يقول هذا على اعتقاد و جد، ولم يذهب به مذهب اللعب واللهو، أو على طريق التفاصح والتشادق وإظهار القوة والسلاطة وذلاقة اللسان وحدة الخاطر والقوة على جدال الخصوم. ألم يعلم أبو عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشجع البشر وأنه خاض الحروب وثبت في المواقف التي طاشت فيها الألباب، وبلغت القلوب الحناجر ؟ فمنها يوم أحد ووقوفه بعد أن فر المسلمون بأجمعهم ولم يبق معه إلا أربعة: علي. والزبير. وطلحة. وأبو دجانة، فقاتل ورمي بالنبل حتى فنيت نبله وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره، فأمر عكاشة بن محصن أن يوترها فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر، فقال: أو تر ما بلغ. قال عكاشة: فوالذي بعثه بالحق لقد أوترت حتى بلغ وطويت منه شبرا على سية القوس، ثم أخذها فما زال يرميهم حتى نظرت إلى قوسه قد تحطمت، وبارز أبي بن خلف فقال له أصحابه: إن شئت عطف عليه بعضنا ؟ فأبي وتناول الحربة من الحارث بن السمت ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير قالوا: فتطايرنا عنه تطاير الشعارين فطعنه بالحربة فجعل يخور كما يخور الثور، ولو لم يدل على ثباته حين انهزم أصحابه وتركوه إلا قوله: " إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم " فكونه صلى الله عليه وسلم في أخراهم وهم يصعدون ولا يلون هاربين دليل على أنه ثبت ولم يفر. وثبت يوم حنين في تسعة من أهله ورهطه الأدنين، وقد فر المسلمون كلهم والنفر التسعة محدقون به، العباس آخذ بحكمة بغلته، وعلي بين يديه مصلت سيفه، والباقون حول بغلته يمنة ويسرة، وقد انهزم المهاجرون والأنصار، وكلما فروا أقدم هو صلى الله عليه وسلم وصمم مستقدما يلقي السيوف والنبال بنحره


(1) رسائل الجاحظ ص 54، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 275. [*]

[209]

وصدره، ثم أخذ كفا من البطحاء وحصب المشركين وقال: شاهت الوجوه. والخبر المشهور عن علي وهو أشجع البشر: كنا إذا اشتد البأس وحمى الوطيس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولذنا به. فيكف يقول الجاحظ: إنه ما خاض الحروب ولا خالط الصفوف ؟ وأي فرية أعظم ومن فرية من نسب رسول الله صلى الله وسلم إلى الإحجام والاعتزال الحرب ؟ ثم أي مناسبة بين أبي بكر ورسول الله في هذا المعنى ؟ ليقيسه وينسبه إلى رسول الله صاحب الجيش والدعوة ورئيس الاسلام والملة، والملحوظ بين أصحابه وأعدائه بالسيادة، وإليه الإيماء والإشارة، وهو الذي أحنق قريشا والعرب، وورى أكبادهم بالبراءة من آلهتهم و عيب دينهم وتضليل أسلافهم، ثم وترهم فيما بعد بقتل رؤسائهم وأكابرهم، وحق لمثله إذا تنحى عن الحرب واعتزلها أن يتنحى ويعتزل، لأن ذلك شأن الملوك والرؤساء إذ كان الجيش منوطا بهم وببقائهم، فمتى هلك الملك هلك الجيش، ومتى سلم الملك أمكن أن يبقى عليه ملكه، وإن عطب جيشه بأن يستجد جيشا آخر، ولذلك نهى الحكماء أن يباشر الملك الحرب بنفسه، وخطأوا الاسكندر لما بارز فور ملك الهند ونسبوه إلى مجانبة الحكمة ومفارقة الصواب والحزم، فليقل لنا الجاحظ: أي مدخل لأبي بكر في هذا المعنى ؟ ومن الذي كان يعرفه من أعداء الاسلام ليقصده بالقتل ؟ وهل هو إلا واحد من عرض المهاجرين حكمه حكم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما ؟ بل كان عثمان أكثر منه صيتا، وأشرف منه مركبا، والعيون إليه طمح، والعدو عليه أحنق وأكلب. ولو قتل أبو بكر في بعض تلك المعارك هل كان يؤثر قتله في الاسلام ضعفا ؟ أو يحدث وهنا ؟ أو يخاف على الملة لو قتل أبو بكر في بعض تلك الحروب أن تندرس و تعفى آثارها وتنطمس منارها ؟ ليقول الجاحظ: إن أبا بكر كان حكمه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجانبة الحروب واعتزالها. نعوذ بالله من الخذلان. وقد علم العقلاء كلهم ممن له بالسير معرفة وبالآثار والأخبار ممارسة حال حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت، وحاله عليه الصلاة والسلام فيها كيف كان، ووقوفه حيث وقف وحربه حيث حارب، و جلوسه في العريش يوم جلس، وأن وقوفه صلى الله عليه وسلم وقوف رئاسة وتدبير، ووقوف ظهر وسند، يتعرف أمور أصحابه ويحرس صغيرهم وكبيرهم بوقوفه من ورائهم وتخلفه عن التقدم في أوائلهم، لأنهم متى علموا أنه في أخراهم اطمأنت قلوبهم ولم تتعلق

[210]

بأمره نفوسهم، فيشتغلوا بالاهتمام به عن عدوهم، ولا يكون لهم فئة يلجئون إليها و ظهرا يرجعون إليه، ويعلمون أنه متى كان خلفهم تفقد أمورهم وعلم مواقفهم وآوى كل إنسان مكانه في الحماية والنكاية وعند النازلة في الكر والحملة، فكان وقوفه حيث وقف أصلح لأمرهم، وأحمي وأحرس لبيضتهم، ولأنه المطلوب من بينهم، إذ هو مدبر أمورهم ووالي جماعتهم، ألا ترون أم موقف صاحب اللواء موقف شريف ؟ وأن صلاح الحرب في وقوفه، وأن فضيلته في ترك التقدم في أكثر حالاته، فللرئيس حالات: الأولى حالة يتخلف ويقف آخرا ليكون سندا وقوة ورداءا وعدة، وليتولى تدبير الحرب و يعرف مواضع الخلل. والحالة الثانية: يتقدم فيها في وسط الصف ليقوى الضعيف ويشجع الناكس: وحالة ثالثة: وهي إذا اصطدم الفيلقان، وتكافح السيفان، اعتمد ما يقتضيه الحال ومن الوقوف حيث يستصلح، أو من مباشرة الحرب بنفسه فإنها آخر المنازل وفيها تظهر شجاعة الشجاع النجد، وفسالة الجبان المموه. فأين مقام الرئاسة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وأين منزلة أبي بكر ليسوى بين المنزلتين، ويناسب بين الحالتين ؟ ولو كان أبو بكر شريكا لرسول الله في الرسالة وممنوحا من الله بفضيلة النبوة، وكانت قريش والعرب تطلبه كما تطلب محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ لكان للجاحظ أن يقول ذلك، فأما وحاله حاله وهو أضعف المسلمين جنانا وأقلهم عند العرب ترة لم يرم قط بسهم، ولا سل سيفا، ولا أراق دما، وهو أحد الأتباع غير مشهور ولا معروف ولا طالب ولا مطلوب، فكيف يجوز أن يجعل مقامه ومنزلته مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلته ؟ ولقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشركين يوم أحد فرآه أبو بكر فقام مغيظا على فسل من السيف مقدار إصبع يروم البروز إليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ! شم سيفك وامتعنا بنفسك. ولم يقل له (وامتعنا بنفسك) إلا لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب وملاقاة الرجال وأنه لو بارز لقتل. وكيف يقول الجاحظ: لا فضيلة لمباشرة الحروب ولقاء الاقران وقتل أبطال الشرك ؟ وهل قامت عمد الاسلام إلا على ذلك ؟ وهل ثبت الدين واستقر إلا بذلك ؟ أتراه لم يسمع قول الله تعالى " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص " ؟ والمحبة من الله تعالى هي إرادة الثواب، فكل من كان أشد ثبوتا في هذا الصف وأعظم

[211]

قتالا كان أحب إلى الله، ومعنى الأفضل هو الأكثر ثوابا، فعلي عليه السلام إذا هو أحب المسلمين إلى الله لأنهم أثبتهم قدما في الصف المرصوص، لم يفر قط بإجماع الأمة، ولا بارزه قرن إلا قتله، أو تراه لم يسمع. قول الله تعالى: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " ؟ وقوله " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ثم قال سبحانه: مؤكدا لهذا البيع والشراء " ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " وقال الله تعالى: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظلما ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " فمواقف الناس في الجهاد على أحوال، وبعضهم في ذلك أفضل من بعض، فمن دلف إلى الأقران واستقبل السيوف والأسنة كان أثقل على أكتاف الأعداء لشدة نكابته فيهم ممن وقف في المعركة وأعان ولم يقدم، وكذلك من وقف في المعركة وأعان ولم يقدم إلا أنه بحيث تناله السهام والنبل أعظم عناء وأفضل ممن وقف حيث لا يناله ذلك، ولو كان الضعيف والجبان يستحقان الرئاسة بقلة بسط الكف وترك الحرب وإن ذلك يشاكل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لكان أوفر الناس حظا في الرئاسة وأشدهم لها استحقاقا حسان بن ثابت، وإن بطل فضل علي في الجهاد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أقلهم قتالا - كما زعم الجاحظ ليبطلن على هذا القياس فضل أبي بكر في الانفاق، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقلهم مالا، وأنت إذا تأملت أمر العرب وقريش ونظرت السير وقرأت الأخبار عرفت أنها تطلب محمدا صلى الله عليه وسلم وتقصد قصده وتروم قتله، فإن أعجزها وفاتها طلبت عليا وأرادت قتله، لأنه كان أشبهم بالرسول حالا، وأقربهم منه قربا، وأشدهم عنه دفعا، وإنهم متى قصدوا عليا فقتلوه أضعفوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكسروا شوكته، إذ كان أعلى من ينصره في البأس والقوة والشجاعة والنجدة والاقدام والبسالة. ألا ترى إلى قوله عتبة ربيعة يوم بدر - وقد خرج هو وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة فأخرج إليهم الرسول نفرا من الأنصار فاستنسبوهم فانتسبوا لهم فقالوا: ارجعوا إلى قومكم، ثم نادوا: يا محمد ! - أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأهله الأدنين: قوموا يا بني هاشم ! فانصروا حقكم الذي آتاكم الله على باطل

[212]

هؤلاء، قم يا علي ! قم يا حمزة ! قم يا عبيدة ! ألا ترى ما جعلت هند بنت عتبة لمن قتله يوم أحد لأنه اشترك هو وحمزة في قتل أبيها يوم بدر ؟ ألم تسمع قول هند ترثي أهلها: ما كان لي من عتبة من صبر * أبي وعمي وشقيق صدري أخي الذي كان كضوء البدر * بهم كسرت يا علي ! ظهري وذلك لأنه قتل أخاها الوليد بن عتبة وشرك في قتل أبيها عتبة، وأما عمها شيبة فإن حمزة تفرد بقتله. وقال جبير بن مطعم لوحشي مولاه يوم أحد: إن قتلت محمدا فأنت حر، وإن قتلت عليا فأنت حر، وإن قتلت حمزة فأنت حر، فقال أما محمد فسيمنعه أصحابه، وأما علي فرجل حذر كثير الالتفات في الحرب، ولكني سأقتل حمزة. فقعد له وزرقه بالحربة فقتله. ولما قلنا من مقاربة حال علي في هذا الباب لحال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناسبتها إياه ما وجدناه في السيرة والأخبار من إشفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذره على ودعائه له بالحفظ والسلامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وقد برز علي إلى عمرو ورفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه: اللهم إنك أخذت مني حمزة يوم أحد، و عبيدة يوم بدر، فاحفظ اليوم علي عليا، رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين. و لذلك ضن به عن مبارزة عمرو حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا في كلها يحجمون ويقدم علي فيسأل الأذن له في البراز حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه عمرو فقال: وأنا علي. فأدناه وقبله وعممه بعمامته وخرج معه خطوات كالمودع له، القلق لحاله، المنتظر لما يكون منه. ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم رافعا يده إلى السماء مستقبلا لها بوجهه و المسلمون صموت حوله كأنما على رؤسهم الطير حتى ثارت الغبرة وسمعوا التكبير من تحتها فعلموا أن عليا قتل عمرا. فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين. ولذلك قال حذيفة بن اليمان: لو قسمت فضيلة علي بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم. وقال ابن عباس: في قوله تعالى " وكفى الله المؤمنين القتال " قال: بعلي بن أبي طالب. ا ه‍.

[213]

الغريق يتشبث بكل حشيش أعيت القوم شجاعة الخليفة، وأضلتهم عن المذاهب، وجعلتهم في الرونة، وأركبتهم على الزحلوقة تسف بهم تارة وتعليهم أخرى، فلم يجدو مهيعا يوصلهم إلى ما يرومون من إثباتها له مهما وجدوا غضون التاريخ خالية عن كل عين وأثر يسمعهم الركون إليه في الحجاج لها، فتشبثوا بالتفلسف فيها فهذا يبني فلسفة العريش، والآخر ينسج نسج العناكيب ويعد ثباته في موت رسول الله صلى الله عليه وآله وعدم تضعضعه في تلك الهائلة دليل على كمال شجاعته، قال القرطبي في تفسيره 4: 222 في سورة آل عمران 144 عند قوله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبه فلن يضر الله شيئا " هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجرأته فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم فظهرت عنده شجاعته وعلمه و قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، و اضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح (1). وهذا الاستدلال أقره الحلبي في سيرته 3: 35 وقال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم طاشت العقول فمنهم من خبل، ومنهم من أقعد ولم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى، وكان عمر رضي الله عنه ممن خبل، وكان عثمان رضي الله عنه ممن أخرس، فكان لا يستطيع أن يتكلم، وكان علي رضي الله عنه ممن أقعد فلم يستطع أن يتحرك، وأضنى عبد الله بن أنيس فمات كمدا، وكان أثبتهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه - إلى أن قال: قال القرطبي: و هذا أدل دليل على كمال شجاعة الصديق. الخ. قال الأميني: يوهم القرطبي أن في كتاب الله العزيز ما يدل على شجاعة الخليفة وعلمه، وليس فيما جاء به أكثر من أنه استدل بالآية الشريفة يوم ذاك على موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي صلة بها إلى شجاعة الرجل ؟ ! وأي قسم فيها من أنحاء الدلالة الثلاثة فضلا عن أن تكون أدل دليل ؟ فإن يكن هناك شئ من الدلالة - وأين وأنى


(1) بضم أوله وسكون النون وقد تضم: موضع خارج المدينة بينها وبين منزل النبي ميل. [*]

[214]

فهو في ثبات جأشه وتمسكه بالآية الكريمة لا في الآية نفسها. ثم كيف خفي على الرجل وعلى من تبعه الفرق ين ملكتي الشجاعة والقسوة ؟ وأن هذا النسج الذي أوهن من بيت العنكبوت إنما نسجته يد السياسة لدفع مشكلات هناك، فخبلوا عمر بن الخطاب " وحاشة الخبل " تصحيحا لإنكاره موت رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه كان من ذلك القلق كما مر في ص 184، وأقعدوا عليا لإيهام العذر في تخلفه عن البيعة، وأخرسوا عثمان لأنه لم ينبس في ذلك الموقف ببنت شفة. على أن ما جاء به القرطبي من ميزان الشجاعة يستلزم كون الخليفة أشجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا إذ لم يرو عن أبي بكر في رزية النبي الأعظم أكثر من أنه كشف عن وجه النبي وقبله وهو يبكي وقال: طبت حيا وميتا (1) وقد فعل صلى الله عليه وآله أكثر وأكثر من هذا في موت عثمان بن مظعون فإنه صلى الله عليه وآله إنكب عليه ثلاث مرات مرة بعد أخرى وقبله باكيا عليه وعيناه تذرفان والدموع تسيل على وجنتيه وله شهيق (2)، وشتان بين عثمان بن مظعون وبين سيد البشر روح الخليقة وعلة العوالم كلها، وشتان بين المصيبتين. كما يستدعي مقياس الرجل كون عمر بن الخطاب أشجع من النبي الأقدس لحزنه العظيم في موت زينب وبكائه عليها، وعمر كان يوم ذاك يضرب النسوة الباكيات عليها بالسوط كما مر في الجزء السادس ص 159 ط 2 فضلا عن عدم تأثره بتلك الرزية. وعلى هذا الميزان يغدو عثمان بن عفان أشجع من رسول الله صلى الله عليه وآله لوجده صلى الله عليه وآله لموت إحدى بنتيه: رقية أو أم كلثوم زوجة عثمان. وبكائه عليها، وعثمان غير متأثر به ولا بانقطاع صهره من رسول الله صلى الله عليه وآله غير مشغول بذلك من مقارفة بعض نساءه في ليلة وفاتها كما في صحيحة أنس (3). وقبل هذه كلها ما ذكره أعلام القوم في موت أبي بكر من طريق ابن عمر من قوله: كان سبب موت أبي بكر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جسمه يجري حتى مات. وقوله:


(1) صحيح البخاري 6: 281 كتاب المغازي، سيرة ابن هشام 4: 334، طبقات ابن سعد ط مصر رقم التسلسل 785، تاريخ الطبري 3: 198. (2) سنن البيهقي 3: 406، حلية الأولياء 1: 105، الاستيعاب 2: 495، أسد الغابة، الغدير 387 3، الإصابة 2: 464. (3) مستدرك الحاكم 4: 47، الاستيعاب 2: 748 وصححه، الإصابة 4: 304، 489 الغدير 3: 24. [*]

[215]

كان سبب موته كمدا لحقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يذيبه حتى مات. وفي لفظ القرماني: ما زال جسمه ينقص حتى مات. راجع المستدرك الحاكم 3: 63، أسد الغابة 3: 224، صفة الصفوة 1: 100، الرياض النضرة 1: 180، تاريخ الخميس ج 2: 263، حياة الحيوان للدميري 1: 49. الصواعق ص 53، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 55، أخبار الدول للقرماني هامش الكامل 1: 198، نزهة المجالس للصفوري 2: 197، مصباح الظلام للجرداني 2: 25. كأن هذا الحديث عزب عن القرطبي والحلبي، فأخذا بهذا مشفوعا بكلامهما المذكور في شجاعة أبي بكر يكون هو شاكلة عبد الله بن أنيس في موتهما كمدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينبأ قط خبير بموت أحد من الصحابة غيرهما بموته صلى الله عليه وآله وسلم، و هذا دليل على ضعف قلبهما عند حلول المصائب، فهما أجبنا الصحابة على الإطلاق إذا وزنا بميزان القرطبي وفيها عين. ووراء هذ، المغالاة في شجاعة الخليفة وعده أشجع الصحابة ما عزاه القوم إلى ابن مسعود من أنه قال: أول من أظهر الاسلام بسيفه محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. والزبير بن العوام رضي الله عنهم (1) وما يعزى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من أنه قال: لولا أبو بكر الصديق لذهب الاسلام (2). قال الأميني: لقد كانت على الأبصار غشاوة عن رؤية هذا السيف الذي كان بيد الخليفة، فلم يؤثر أنه تقلده يوما، أو سله في كريهة، أو هابه إنسان في معمعة، حتى يقرن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان منذ بعث سيفا الله تعالى مجردا. إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول (3). أو يقرن بمثل الزبير الذي عرفته وسيفه الحرب الزبون فشكرته، وقد سجل التاريخ مواقفه المشهودة وسجل للخليفة يوم خيبر وأمثاله. وأنا لا أدري بأي خصلة في الخليفة نيط بقاء الاسلام، أبشجاعته هذه ؟ أم بعلمه الذي عرفت كميته ؟ أم بماذا ؟ " فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر ".


(1) نزهة المجالس للصفوري 2، 182. (2) نور الأبصار للشبلنجي ص 54. (3) البيت من قصيدة لكعب بن زهير المشهورة ببانت سعاد. [*]

[216]

- 3 - ثبات الخليفة على المبدء عن أبي سعيد الخدري: إن أبا بكر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! إني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذهب إليه فاقتله. قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحالة كره أن يقتله فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: إذهب إليه فاقتله. قال فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر فكره أن يقتله فرجع فقال: يا رسول الله ! إني رأيته متخشعا فكرهت أن أقتله قال: يا علي إذهب فاقتله. فذهب علي فلم يره فرجع فقال: يا رسول الله ! إني لم أره. فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا وأصحابه يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية (1). وعن أنس بن مالك قال: كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يعجبنا تعبده و اجتهاده وقد ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه فلم يعرفه فوصفناه بصفته فلم يعرفه فبينا نحن نذكره إذ طلع الرجل قلنا: هو هذا. قال: إنكم لتخبروني عن رجل إن في وجهه لسفعة من الشيطان فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني ؟ قال: أللهم نعم. ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر أنا، فدخل عليه فوجده يصلي فقال: سبحان الله ! أقتل رجلا يصلي: وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المصلين، فخرج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعلت ؟ قال: كرهت أن أقتله وهو يصلي وأنت قد نهيت عن قتل المصلين. قال: من يقتل الرجل ؟ قال عمر: أنا. فدخل فوجده واضعا جبهته فقال عمر: أبو بكر أفضل مني فخرج فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مه ؟ قال: وجدته واضعا وجهه لله فكرهت أن أقتله. فقال: من يقتل الرجل ؟ فقال علي: أنا. فقال: أنت


(1) مسند أحمد 3: 15، تاريخ ابن كثير 7: 298. [*]

[217]

إن أدركته. فدخل عليه فوجده قد خرج فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: مه ؟ قال: وجدته قد خرج قال: لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان كان أولهم وآخرهم (1). صاحب القصة هو ذو الثدية رأس الفتنة يوم النهروان قتله أمير المؤمنين الإمام علي يوم ذاك كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود، قال الثعالبي في ثمار القلوب ص 233: ذو الثدية شيخ الخوارج وكبيرهم الذي علمهم الضلال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله وهو في الصلاة فكع عنه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما قصده علي رضي الله عنه لم يره، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أما إنك لو قتلته لكان أول فتنة وآخرها، ولما كان يوم النهروان وجد بين القتلى فقال علي رضي الله عنه: ائتوني بيده المخدجة. فأتي بها فأمر بنصبها. قال الأميني: هلم معي نسائل الرجلين ممن أخذا أن الصلاة تحقن دم صاحبها ؟ هل أخذاها عن شريعة غاب الصادع بها، فارتبكا بين قوليه ؟ أليست هي الشريعة المحمدية وصاحبها هو الذي أمر بقتل الرجل ؟ وهو ينظر إليه من كثب، ويعلم أنه يصلي، و قد أخبرته الصحابة وفيهم الرجلان بخضوعه وخشوعه في صلاته، وإعجابهم بتعبده و اجتهاده، وفي المخبرين أبو بكر نفسه، غير أن رسول الله صلى الله عليه وآله عرف بواسع علمه النبوي أن كل ذلك عن دهاء وتصنع يريد بن إغراء الدهماء للحصول على أمنيته الفاسدة التي لم يتمكن منها إلا على عهد الخوارج فأراد صلى الله عليه وآله قمع تلك الجرثومة الخبيثة بقتله، ولقد أراد صلى الله عليه وآله تعريف الناس بالرجل إيقافهم على ما انطوت عليه أضالعه فاستحفاه عما دار في خلده حين وقف على القوم وفيهم النبي صلى الله عليه وآله وأراد أن يعلموا أنه يجد نفسه خيرا أو أفضل منهم ومنه صلى الله عليه وآله. أي كافر هذا يجب قتله لا سيما بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن في وجهه لسفعة من الشيطان ؟ وأي شقي هذا يقف على المنتدى وقد ضم صدره نبي العظمة ولم يسلم ؟ وأي صفيق يعرب عن سوء ما هجس في ضميره بكل صراحة، غير محتشم عن موقفه، ولا مكترث لمقاله ؟


(1) حلية الأولياء 2: 317، ج 3: 227، مسند البزار من طريق الأعمش، وأبو يعلى مسنده كما في تأريخ ابن كثير 7 ص 298، الإصابة 1: 484 [*]

[218]

نعم لذلك كله أمر صلى الله عليه وآله بقتله وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لكن الشيخين رؤفا به حين وجداه يصلي تثبتا على المبدء، وتحفظا على كرامة الصلاة ومن أتى بها، وزاد عمر: إن أبا بكر خير مني ولم يقتله. أو لم يكن النبي الآمر بقتله خيرا منهما ؟ أولم يكن هو مشرع الصلاة والآتي بحرمتها ؟ أو لم يكن مصدقا لدى الصديق وصاحبه في قوله حول الرجل وإعرابه عن نواياه ؟ كان خيرا للشيخين أن يتركا هذا التعلل الواضح فساده ويتعللا بما في لفظ أبي نعيم في الحلية من أنهما هابا أن يقتلاه، وبما أسلفناه عن ثمار القلوب للثعالبي من أنهما كعا عن الرجل. أي جبنا وضعفا وتهيبهما الرجل وإن كان مصليا غير شاك السلاح، فلعله يكون معذرا لهما عن ترك الامتثال، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكنهما يوم عرفا نفسهما كذلك والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره لماذا أقدما على قتل الرجل، ففوتا على النبي صلى الله عليه وآله طلبته وعلى الأمة السلام والأمن ولو بعد لأي من عمر الدهر عند ثورات الخوارج ؟ وأبو بكر هذا هو الذي يحسبه ابن حزم والمحب الطبري والقرطبي والسيوطي أشجع الناس كما مر ص 200 وقد يهابه ظل الرجال في مصلاهم. وللرجل (ذي الثدية) سابقة سوء عند الشيخين من يوم قسم رسول الله صلى الله عليه وآله غنيمة هوازن قال ذو الثدية للنبي صلى الله عليه وآله لم أرك عدلت. أو: لم تعدل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ فقال عمر: يا رسول الله ألا أقتله ؟ قال: لا، سيخرج من ضيضئ هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم تراقيهم. تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 148، الامتاع للمقريزي ص 425.

[219]

- 4 - تهالك الخليفة في العبادة لم يؤثر عن الخليفة دؤب على العبادة على العهد النبوي أو بعده غير أشياء لا تنجع من أثبتها له إلا بعد تحمل متطاول، أو تفلسف في القول لو أجدت الفلسفة على لا شيئ. روى المحب الطبري في الرياض النضرة 1 ص 133: إن عمر بن الخطاب أتى إلى زوجة أبي بكر بعد موته فسألها عن أعمال أبي بكر في بيته ما كانت فأخبرته بقيامه في الليل وأعمال كان يعملها ثم قالت: ألا إنه كان في كل ليلة جمعة يتوضأ و يصلي ثم يجلس مستقبل القبلة رأسه على ركبتيه فإذا كان وقت السحر رفع رأسه و تنفس الصعداء فيشم في البيت روائح كبد مشوي. فبكا عمر وقال: أنى لابن الخطاب بكبد مشوي. وفي مرآة الجنان 1 ص 68: جاء إن أبا بكر كان إذا تنفس يشم منه رائحة الكبد المشوية. وفي عمدة التحقيق للعبيدي المالكي ص 135: لما مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه واستخلف عمر رضي الله عنه كان يتبع آثار الصديق رضي الله عنه ويتشبه بفعله فكان يتردد كل قليل إلى عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما ويقول لهما: ما كان يفعل الصديق إذا خلا بيته ليلا ؟ فيقال له: ما رأينا له كثير صلاة بالليل ولا قيام إنما كان إذا جنه الليل يقوم عند السحر ويقعد القرفصاء ويضع رأسه على ركبتيه ثم يرفعها إلى السماء ويتنفس الصعداء ويقول: أخ. فيطلع الدخان من فيه. فيبكي عمر ويقول: كل شيئ يقدر عليه عمر إلا الدخان. فقال: وأصل ذلك أن شدة خوفه من الله تعالى أوجبت احتراق قلبه، فكان جليسه يشم منه رائحة الكبد المشوي، وسببه أن الصديق لم يتحمل أسرار النبوة الملقاة إليه وفي الحديث: أنا أعلمكم بالله وأخوفكم منه. فالمعرفة التامة تكشف عن جلال

[220]

المعروف وجماله وكلاهما أمر عظيم جدا تتقطع دونه الغايات ولولا أن الله تعالى ثبت من أراد ثباته وقواه على ذلك ما استطاع أحد الوقوف ذرة على كليهما وجلالا و جمالا، والغاية في الطرفين قد نالها الصديق رضي الله عنه. فقد ورد: ما صب في صدري شيئ إلا صببته في صدر أبي بكر. ولو صبه جبريل عليه السلام في صدر أبي بكر ما أطاقه لعدم مجراه من المماثل، لكن لما صب في صدر النبي صلى الله عليه وسلم وهو من جنس البشرية فجرى في قناة مماثلة للصديق، فبواسطتها أطاق حمله، ومع ذلك احترق قلبه. الخ. وروى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ص 31 و 261، عن بكر بن عبد الله المزني قال: لم يفضل أبو بكر رضي الله عنه الناس بكثرة صوم ولا صلاة إنما فضلهم بشئ كان في قلبه. وذكر أبو محمد الأزدي في شرح مختصر صحيح البخاري 2: 41، 105. و ج 3: 98. و ج 4: 63، والشعراني في اليواقيت والجواهر 2: 221، واليافعي في مرآة الجنان 1: 68، والصفوري في نزهة المجالس 2 ص 183: إن في الحديث ما فضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولن بشئ وقر في صدره. قال الأميني: لو صح حديث الكبد المشوي لوجب اطراده في الأنبياء والرسل ويقدمهم سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم أخوف من الله من أبي بكر وخاتم النبيين أخوفهم، ولوجب أن تكون الرائحة فيهم أشد وأنشر، فإن الخوف فرع الهيبة المسببة عن إحاطة العلم بما هناك من عظمة وقهر وجبروت ومنعة، وينبأنا عن ذلك قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء (1) قال ابن عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني. وقيل: عظموه وقدروا قدره، وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علما ازداد به خشية. " تفسير الخازن 3: 525 " وفي الحديث: أعلمكم بالله أشدكم له خشية. " تفسير ابن جزي 3: 158 " وفي خطبة له صلى الله عليه وآله: فوالله إني لأعلمهم بالله وأشد هم له خشية (2). وفي خطبة أخرى له صلى الله عليه وآله: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا (3).


(1) سورة فاطر آية 28. (2) صحيح مسلم كتاب المناقب. باب علمه بالله وشدة خشيته، تفسير الخازن 3: 525. (3) صحيح البخاري كتاب الرقاق. باب لو تعلمون ما أعلم، مسند أحمد 6: 164، تيسير الوصول 2، 26، تفسير الخازن 3: 525 [*]

[221]

وقال مولانا أمير المؤمنين: أعلمكم أخوفكم. " غرر الحكم للآمدي ص 62 " وقال مقاتل: أشد الناس خشية الله أعلمهم. " تفسير الخازن " 3: 525 " وقال الشعبي ومجاهد: إنما العالم من خشي الله (1). وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم (2). ومن هنا قوله صلى الله عليه وآله: إني أعلمكم بالله وأخشاكم لله (3) ولذلك تجد أن أزلف الناس إلى السلطان يتهيبه أكثر ممن دونه في الزلفة. فترى الوزير يكبره ويخافه أبلغ ممن هو أدنى منه، والأمر على هذه النسبة في رجال الوظايف، حتى تنتهي إلى أبسطها كالشرطي مثلا، ثم إلى سائر أفراد الرعية. وهلم معي إلا الأولياء والمقربين والمتهالكين في الخشية من الله والمتفانين في العبادة وفي مقدمهم سيدهم مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي كان في حلك الظلام يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويتأوه ويتفوه بما ينم عن غاية الخوف والخشية، وهو قسيم الجنة والنار بنص من الرسول الأمين كما مر في الجزء الثالث ص 299 ط 2، وكان يغشى عليه عدة غشوات في كل ليلة، ولم يشم أحد منه ولا منهم رائحة الكبد المشوي. ولو اطرد ما يزعمونه لوجب تكيف الفضاء من لدن آدم إلى عهد الخليفة بتلك الرائحة المنتشرة من تلكم الأكباد المشوية، ولا سود وجه الدنيا بذلك الدخان المتصاعد من الأكباد المحترقة. أيحسب راوي هذه المهزأة أن على كبد المختشي نارا موقدة يعلوها ضرم، و يتولد منها دخان ؟ فلم لم تحرق ما في الحشى كله ويكون إنضاجها مقصورا على الكبد فحسب ؟ وهل للكبد حال المعذبين الذين كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا أخرى ؟ وإلا فالعادة قاضية بفناء الكبد بذلك الحريق لمتواصل. وإن تعجب فعجب بقاء الانسان بعد فناء كبده، ولعلك إذا أحفيت الراوي السؤال


(1) تفسير القرطبي 14: 343، تفسير الخازن 3: 525. (2) تفسير القرطبي 14: 343، تفسير الخازن 3: 525. (3) تفسير البيضاوي 2: 302، اللمع لأبي نصر ص 96. [*]

[222]

عن هذه لأجابك بأنها كلها معاجز تخص بالخليفة. وأحسب أن صاحب المزاعم من المتطفلين على موائد العربية فإن العربي الصميم جد عليم بكثير الكناية والاستعارة في لغة الضاد فإذا قالوا: إن نار الخوف أحرقت فلانا لا يريدون لهبا متقدا يصعد منه الدخان أو تشم منه رائحة شي الأكباد، وإنما يعنون لهفة شديدة، وحرقة معنوية تشبه بالنيران. وأما ما سرده العبيدي من فلسفة ذلك الحريق في كبد الخليفة فإنها من الدعاوي الفارغة وفيها الغلو الفاحش وإن شئت قلت: إنما هي أوهام لم تقم لها حجة، وليس من السهل أن يدعمها ببرهنة يمسكها عن التزحزح، فهي كالريشة في مهب الريح تجاه حجاج المجادل، ووجاه سيرة الخليفة نفسه، وما عزاه إلى الرواية من حديث خرافة: ما صب الله في صدري شيئا إلا وصببته في صدر أبي بكر. فهو على تنصيص العلماء على وضعها كما مر في ج 5 ص 316 لا يلزم به الخصم، ولا يثبت به المدعى، وفيه من سرف القول ما لا يخفى على العارف بالرجال وتاريخهم.

[223]

- 5 - تبرز الخليفة في الأخلاق لم نقف من أخلاقيات الخليفة على شئ يرفع الانسان من هذه الناحية عدا ما في صحيح البخاري في كتاب التفسير من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: قد ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس (1) فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. سورة الحجرات: 1. وأخرج البخاري من طريق ابن أبي ملكية أيضا قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع. وأشار الآخر برجل آخر. قال نافع: لا أحفظ اسمه. فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهر وآله بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. (2) الحجرات: 2. قال الأميني: ألا تعجب من الرجلين أنهما طيلة مصاحبتهما هذا النبي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم لم يحدهما التأثر بأخلاقه الكريمة إلى الحصول على أدب محاضرة العظماء والمثول بين أيديهم لا سيما هذا العظيم، العظيم خلقه بنص الذكر الحكيم، وما عرفا أن الكلام بين يديه لا بد وأن يكون تخافتا وهمسا إكبارا لمقامه وإعظاما لمرتبته. وأن لا يتقدم


(1) الأقرع بن حابس هو ذلك الأعرابي الذي رآه النبي صلى الله عليه وآله وهو يبول في المسجد، وقد أخرج حديثه البخاري في صحيحه. راجع إرشاد الساري 1: 284]. (2) صحيح البخاري 7 ص 225، الاستيعاب في ترجمة القعقاع 2: 535، تفسير القرطبي 16: 300، تفسير ابن كثير 4: 205، تفسير الخازن 4: 172، الإصابة 1: 58 و ج 3: 24. [*]

[224]

أحد إليه بالكلام إلا أن يكون جوابا عن سؤال، أو ما ينم عن امتثال أمر، أو إخبارا عن مهمة، أو سؤالا عن حكم لكنهما تقدما بالكلام الخارج عن ذلك كله، وتماريا و احتدم الحوار بينهما، وارتفعت أصواتهما في ذلك، وكاد الخيران أن يهلكا حتى جعلا أعمالهما في مظنة الاحباط فنزلت الآية الكريمة. وما أخرجه ابن عساكر عن المقدام أنه قال: استب عقيل بن أبي طالب وأبو بكر وكان أبو بكر سبابا. وكأن ابن حجر استشعر من هذه الكلمة ما لا يروقه فقال: سبابا أو نسابا. لكن الرجل أنصف في الترديد وقد جاء بعده السيوطي فحذف كلمة: سبابا. وجعلها نسابا بلا ترديد (1) والمنقب يعلم أن لفظة نسابا لا صلة لها بقوله استبا بل المناسب كونه سبابا، وكأن الراوي يريد بذلك أنه فاق عقيلا بالسب لأنه كان ملكة له، وإن كان يسع المحور أن يقول بإرادة كونه نسابا أنه كان عارفا بحلقات الأنساب و مواقع الغمز فيها، فكان إذا استب يطعن مستابه في عرضه ونسبه، لكنه لا يجدي المتمحل نفعا فإنه من أشنع مصاديق السب، وفيه القذف وإشاعة الفحشاء. ويظهر من لفظ الحديث كما في الخصايص الكبرى 2 ص 86 إن السباب بين أبي بكر وعقيل كان بمحضر من رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ذلك في أخريات أيامه صلى الله عليه وآله. ومن شواهد كونه سبابا (وسباب المسلم فسوق) (1) ما مر في صفحة 153 من قوله للسائل عن القدر: يا بن اللخناء. وقوله لعمر: ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب. لما بلغه طلب الأنصار أن يولي عليهم رجلا أقدم سنا من أسامة فأخذ بلحيته فقال: استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأمرني أن أنزعه ؟ (3). على أنه وهم في قوله هذا من ناحيتين: إحداهما أن الذي يجب أن لا يعزل من منصوبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الخليفة فحسب لا يتسرب إليه الرأي والمقائيس، كما لا يتطرقان إلى الأحكام والسنن المشرعة، لأنه صلى الله عليه وآله نصبه يوم نصب بأمر من المولى


(1) الصواعق ص 43 تاريخ الخلفاء ص 37. (2) مسند أحمد 1 ص 411، سنن ابن ماجة 2: 461، تاريخ الخطيب 5: 144، وصححه السيوطي في الجامع الصغير، وقال النووي في رياض الصالحين ص 323: متفق عليه، (3) التمهيد للباقلاني ص 193، تاريخ الطبري 3: 212، تاريخ ابن عساكر 1: 117، الكامل لابن الأثير 2: 139، تاريخ أبي الفدا ج 1: 156، الروض الأنف 2: 375. [*]

[225]

سبحانه رئيسا عالميا مدى أمد حياته، كما أنه شرعها أحكاما عالمية مدى أمد الدهر. بخلاف أمراء الجنود والولاة والعمال فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يوليهم الأمر لمصالح وقتية بعد الفراغ من تأهلهم للإمارة والولاية والعمل، وإذا انقضى ظرف المصلحة أو تبدلت بأخرى أو سلب التأهل من أحدهم كان يزحزحه من عمل إلى عمل، أو يسقطه عن الوظيفة نهائيا، أو إلى أمد تعود بعده إليه جدارته، وكذلك شأن الخليفة من بعده فإنه قائم مقامه صلى الله عليه وآله وله وسلم النصب والنزع، والخفض والرفع، ولذلك أمر أبو بكر نفسه خالد بن سعيد على مشارق الشام في الردة، وكان قد استعمله النبي صلى الله عليه وآله على ما بين زمع وزبيد إلى حد نجران أو على صدقات مذحج ومات صلى الله عليه وآله وهو على عمله. واستعمل أبو بكر نفسه أيضا يعلى بن أمية على حلوان، ثم عمل لعمر على بعض اليمن، ثم استعمله عثمان على صنعاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد استعمله على الجند وتوفي وهو على عمله. واستعمل أبو بكر عكرمة على عمان ثم عزله واستعمل عليها حذيفة بن محصن وكان قد استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن العاص على عمان فمات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أميرها، واستعمل عكرمة على صدقات هوازن عام وفاته. واستعمل عمر عثمان بن أبي العاص على عمان والبحرين سنة 15، وكان قد استعمله النبي صلى الله عليه وآله على الطائف وأقره أبو بكر بعد وفاته صلى الله عليه وآله. واستعمل عمر عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري على البصرة، ثم عزله عثمان و أقره على الكوفة، ثم عزله علي عليه السلام عنها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ولاه مخاليف اليمن. وقال أبو الفدا في تاريخه 1: 166: أقر عثمان ولاة عمر سنة لأنه كان أوصى بذلك ثم عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وولاها سعد بن أبي وقاص، ثم عزله ولى الكوفة الوليد بن عقبة وكان أخا عثمان من أمة. راجع تاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير، والاستيعاب، وأسد الغابة، وتاريخ أبي الفدا، وتاريخ ابن كثير، والإصابة، وغيرها من كتب التاريخ ومعاجم التراجم. وكم وكم لهؤلاء الولاة المذكورين من نظير، فليس أسامة ببدع من هؤلاء، وإنما هو كأحدهم، له ما لهم وعليه ما عليهم.

[226]

فاقتصار الخليفة في الحجاج بنصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة في غير محله، إلا أن يقيده بأن ما ارتآه صلى الله عليه وآله وسلم من المصلحة يوم ذاك باقية بعد من غير حاجة إلى أي من القول والفعل الذين ارتكبهما. الناحية الثانية: إن طلبة الأنصار هذه متخذة عن عمل الخليفة نفسه وصاحبيه حيث قدماه يوم السقيفة بكبر سنه وشيبته كما مر في صفحة 91، 92 فلا غضاضة على الأنصار إذن أن يتحروا للإمارة عليهم من هو أقدم سنا من أسامة تأسيا بالخلافة. و إذا كان تولية الرسول صلى الله عليه وآله أسامة للقيادة مانعة عن نزعة فما بال منصوبه صلى الله عليه وآله للخلافة يوم غدير خم بمشهد من مائة ألف أو يزيدون، وفي مواقف أخرى متكثرة يعزل عن الأمر ؟ ولا منكر يصاخ إليه: ولا وازع يسمع منه، هب أن قيسا أخذ بلحية عمر يوم ذاك كما أخذ بها أبو بكر يوم أسامة، واحتج آخرون لأمير المؤمنين عليه السلام واحتدم الحوار لكن: لا رأي لمن لا يطاع. نعم: أخرج ابن حبان في خلق الخليفة من طريق إسماعيل بن محمد الكذاب الوضاع مرفوعا عن جبرئيل أنه قال: أبو بكر لفي السماء أشهر منه في الأرض فإن الملائكة لتسميه حليم قريش. الخ: قد أسلفناه في الجزء الخامس ص 344 ط 2 بينا هناك أنه كذب موضوع. ولو كان الخليفة حليم قريش أو كان يرث النبي الأعظم شيئا من خلقه العظيم لما توفيت بضعته الطاهرة سلام الله عليها وهي واجدة عليه من جراء ما تلقت منه من غلظة وعنف في كشف بيتها الذي تمنى تركه عند وفاته، ولم يكن يأمر بقتال من فيه (1) إلى هنات وهنات. أخرج البخاري في باب فرض الخمس ج 5 ص 5 عن عائشة: إن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة. فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتى توفيت.


(1) راجع صفحة 77 و 174. [*]

[227]

وأخرج في الغزوات باب غزوة خيبر ج 6 ص 196 عن عائشة قالت: إن فاطمة " إلى أن قالت " فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها. ويوجد الحديث في صحيح مسلم 2 ص 72، مسند أحمد 1 ص 6، 9، تاريخ الطبري 3 ص 202، مشكل الآثار للطحاوي 1 ص 48، سنن البيهقي 6 ص 300، 301، كفاية الطالب ص 226، تاريخ ابن كثير 5 ص 285 وقال في ج 6 ص 333: لم تزل فاطمة تبغضه مدة حياتها، وذكره بلفظ الصحيحين الديار بكري في تاريخ الخميس 2: 193. ولأي الأمور تدفن ليلا * بضعة المصطفى ويعفى ثراها ؟ بلغت من موجدتها أنها أوصت بأن تدفن ليلا، وأن لا يدخل عليها أحد، ولا يصلي عليها أبو بكر، فدفنت ليلا ولم يشعر بها أبو بكر، وصلى عليها علي وهو الذي غسلها مع أسماء بنت عميس (1). وقال الواقدي كما في السيرة الحلبية 3 ص 390: ثبت عندنا أن عليا كرم الله وجهه دفنها رضي الله عنها ليلا وصلى عليها ومعه العباس والفضل ولم يعلموا بها أحدا. وقال ابن حجر في الإصابة 4 ص 379، والزرقاني في شرح المواهب 3 ص 207: روى الواقدي من طريق الشعبي قال: صلى أبو بكر على فاطمة. وهذا فيه ضعف و انقطاع، وقد روى بعض المتروكين عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه نحو ووهاه الدارقطني وابن عدي، وقد روى البخاري عن عائشة: أنها لما توفيت دفنها زوجها علي ليلا، ولم يأذن بها أبا بكر وصلى عليها. قال الأميني: حديث مالك عن جعفر بن محمد أسلفناه في الجزء الخامس صحيفة 350 ط 2 ولفظه: توفيت فاطمة ليلا فجاء أبو بكر وعمر وجماعة كثيرة فقال أبو بكر لعلي:


(1) طبقات ابن سعد، رسائل الجاحظ ص 300، حلية الأولياء 2: 43، مستدرك الحاكم 3: 163، طرح التثريب 1 ص 15، أسد الغابة 5: 254، الاستيعاب 2: 751، مقتل الخوارزمي 1 ص 83، إرشاد الساري للقسطلاني 6: 362، الإصابة 4 ص 378، 380، تأريخ الخميس 1 ص 313. [*]

[228]

تقدم فصل. قال: لا والله لا تقدمت وأنت خليفة رسول الله، فتقدم أبو بكر فصلى أربعا. وقد بينا هنا لك أنه من موضوعات عبد الله بن محمد القدامي المصيصي كما عده الذهبي في الميزان 2: 7 من مصائبه. ومن جراء تلك الموجدة منعت عن أن تدخلها يوم ذاك عائشة كريمة أبي بكر فضلا عن أبيها، فجاءت تدخل فمنعتها أسماء فقالت: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر و قالت: هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف أبو بكر على الباب وقال: يا أسماء ! ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن على بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد صنعت لها هودج العروس ؟ قالت: هي أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، وأمرتني أن أصنع لها ذلك. راجع الاستيعاب 2: 772، ذخاير العقبى ص 53، أسد الغابة 5: 524، تاريخ الخميس 1: 313، كنز العمال 7: 114، شرح صحيح مسلم للسنوسي 6: 281، شرح الآبي لمسلم 6: 282، أعلام النساء 3: 1221. * (إعتذار الخليفة إلى الصديقة) * هذه المذكورات كلها وبعض سواها تكذب ما اختلقته رماة القول على عواهنه من رواية الشعبي أنه قال: جاء أبو بكر إلى فاطمة وقد اشتد مرضها فاستأذن عليها فقال لها علي: هذا أبو بكر على الباب يستأذن فإن شئت أن تأذني له ؟ قالت: أو ذاك أحب إليك ؟ قال: نعم. فدخل فاعتذر إليها وكلمها فرضيت عنه. وعن الأوزاعي قال بلغني أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبت على أبي بكر فخرج أبو بكر حتى قام على بابها في يوم حار ثم قال: لا أبرح مكاني حتى ترضى عني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها علي فأقسم عليها لترضى فرضيت (1). ما قيمة هذه الرواية تجاه تلكم الصحاح ؟ ولا يوجد لها أثر في أي أصل من أصول الحديث ومسانيد الحفاظ، وقد بلغت إلى الأوزاعي المتوفى 157 وأرسل بها الشعبي المتوفى 104 / 5 / 6 / 7 / 9 / 10 ولا يعرف من بلغها، ومن أتى بها، ومن أوحاها إلى الرجلين. نعم تساعد نصوص الصحاح ما أتى به ابن قتيبة والجاحظ قال الأول: إن


(1) الرياض النضرة 2 ص 120، تاريخ ابن كثير 5 ص 289. [*]

[229]

عمر قال لأبي بكر رضي الله عنهما: انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما فأتيا عليا فكلماه فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله ! والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ؟ إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركنا فهو صدقة. فقالت أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفانه وتفعلان به ؟ فقالا: نعم: فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني، قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: فإني أشهد الله وملائكته إنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه. فقال أبو بكر. أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق و هي تقول: والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها. ثم خرج باكيا فاجتمع الناس إليه فقال لهم: يبيت كل رجل معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي (1). وقال الجاحظ في رسائله ص 300: وقد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما " يعني أبا بكر وعمر " في منع الميراث وبراءة ساحتهما ترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير عليهما.. ! قد يقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما، أن ترك المتظلمين والمحتجين عليهما والمطالبين لهما دليل على صدق دعواهم، أو استحسان مقالتهم، ولا سيما وقد طالت المناجات، وكثرت المراجعة والملاحات، وظهرت الشكية، واشتدت الموجدة، وقد بلغ ذلك من فاطمة إنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر. ولقد كانت قالت له حين أتته مطالبة بحقها ومحتجة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت ؟ قال:


(1) الإمامة والسياسة 1 ص 14، أعلام النساء 3 ص 1214. [*]

[230]

أهلي وولدي قالت: فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه وسلم ؟ (1) فلما منعها ميراثها، وبخسها حقها واعتل عليها، وجلح أمرها، وعاينت التهضم، وأيست في التورع، ووجدت نشوة الضعف وقلة الناصر، قالت: والله لأدعون الله عليك. قال: والله لأدعون الله لك. قالت والله لا كلمتك أبدا قال: والله لا أهجرك أبدا. فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعها، أن في ترك النكير على فاطمة دليلا على صواب طلبها ؟ وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ، ورفع قدرها عن البذاء، وأن تقول هجرا، وتجور عادلا، أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم. فإن قالوا: كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها، وكلما ازدادت عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة. حديث تقول له: والله لا أكلمك أبدا. فيقول: والله لا أهجرك أبدا. ثم تقول: والله لأدعون الله عليك. فيقول: والله لأدعون الله لك ثم يتحمل منها هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك عن أن قال معتذرا متقربا كلام المعظم لحقها، المكبر لمقامها، الصائن لوجهها، المتحنن عليها: ما أحد أعز علي منك فقرا، ولا أحب إلي منك غنى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودها، الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم، و ذلة المنتصف، وحدب الوامق، ومقت المحق، وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ودلالة واضحة ؟ وقد زعمتم أن عمر قال على منبره: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعة النساء ومتعة الحج، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما (2) فما وجدتم


(1) هذا الحديث أخرجه أحمد في المسند 1 ص 10، والبلاذري في فتوح البلدان ص 38، وابن كثير في تأريخه 5 ص 289. (2) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا ص 211 ط 2. [*]

[231]

أحدا أنكر قوله، ولا استشنع مخرج نهيه، ولا خطأه في معناه، ولا تعجب منه ولا استفهمه. وكيف تقضون بترك النكير ؟ وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأئمة من قريش (1) ثم قال في شكايته: لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشك (2) حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى وسالم عبد لامرأة من الأنصار وهي اعتقته وحازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر، ولا قابل إنسان بين قوله ولا تعجب منه، وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة ولا رهبة عنده دليلا على صدق قوله وصواب عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة والأمر والنهي القتل والاستحياء والحبس والاطلاق فليس بحجة تشفي ولا دلالة تضئ. إنتهت كلمة الجاحظ. نظرة في كلمة قارصة لا يسعنا أن نفوه في الدفاع عن الخليفة بما قال ابن كثير في تاريخه 5 ص 249 من أن فاطمة حصل لها - وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضب، ولم تكلم الصديق حتى ماتت. وقال في ص 289: وهي امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفون، وليست بواجبة العصمة، مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. ا ه‍. أنى لنا السرف والمجازفة في القول بمثل هذا تجاه آية التطهير في كتاب الله العزيز النازلة فيها وفي أبيها وبعلها وبنيها ؟. أنى لنا بذلك وبين يدينا هتاف النبي الأقدس صلى الله عليه وآله: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ؟ وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها، ويغضبني ما أغضبها.


(1) أخرجه غير واحد من الحفاظ وصححه ابن حزم في الفصل 4: 89 فقال: هذه رواية جاءت مجئ التواتر، ورواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاوية، وروى جابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعبادة بن الصامت معناها، ومما يدل على صحة ذلك إذعان الأنصار به يوم السقيفة. ه‍ (2) أخرجه ابن سعد، والباقلاني، وأبو عمر، والحافظ العراقي كما مر ص 144. [*]

[232]

وفي لفظة فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها. وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها. في تاج العروس: أي يتعبني ما أتعبها. وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها. وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يسعفني ما يسعفها. في تاج العروس: أي ينالني ما ينالها، ويلم بي ما يلم بها. وفي لفظة: فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها. وفي لفظة: فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني. وفي لفظة فاطمة مضغة مني يقبضني ما قبضها، ويبسطني ما بسطها. وفي لفظة: فاطمة مضغة مني يسرني ما يسرها. أخرجها على اختلاف ألفاظها أئمة الصحاح الست وعدة أخرى من رجال الحديث في السنن والمسانيد والمعاجم وإليك جملة ممن رواها. 1 - ابن أبي مليكة المتوفى 117 كما في رواية البخاري ومسلم وابن ماجة و ابن داود وأحمد والحاكم. 2 - أبو عمر بن دينار المكي المتوفى 125 / 6 كما في صحيحي البخاري ومسلم. 3 - الليث بن سعد المصري المتوفى 175 كما في إسناد ابن ماجة وابن داود وأحمد. 4 - أبو محمد ابن عيينة الكوفي المتوفى 198 كما في الصحيحين. 5 - أبو النضر هاشم البغدادي المتوفى 205 / 7 كما في مسند أحمد. 6 - أحمد بن يونس اليربوعي المتوفى 227 كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود. 7 - الحافظ أبو الوليد الطيالسي المتوفى 227 كما في صحيح البخاري. 8 - أبو المعمر الهذلي المتوفى 336 كما في صحيح مسلم. 9 - قتيبة بن سعيد الثقفي المتوفى 240 روى عنه مسلم وأبو داود. 10 - عيسى بن حماد المصري المتوفى 248 / 9 روى عنه ابن ماجة. 11 - إمام الحنابلة أحمد المتوفى 241 في مسنده 4: 323، 328.

[233]

12 - الحافظ البخاري أبو عبد الله المتوفى 256 في صحيحه في المناقب 5: 274. 13 - الحافظ مسلم القشيري المتوفى 261 في صحيحه في الفضائل 2: 261. 14 - الحافظ أبو عبد الله ابن ماجة المتوفى 272 في سننه 1 ص 216. 15 - الحافظ أبو داود السجستاني المتوفى 275 في سننه 1 ص 324. 16 - الحافظ أبو عيسى الترمذي المتوفى 275 في جامعه 2 ص 319. 17 الحكيم أبو عبد الله الترمذي المحدث المتوفى 285 في نوادر الأصول 308. 18 - الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي المتوفى 303 في خصايصه ص 35. 19 أبو الفرج الاصبهاني المتوفى 303 في الأغاني 8 ص 156. 20 - الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى 405 في المستدرك 1543، 158، 159. 21 - الحافظ أبو نعيم الاصبهاني المتوفى 430 في حلية الأولياء 2: 40. 22 - الحافظ أبو بكر البيهقي " 458 في السنن الكبرى 7: 307. 23 - أبو زكريا الخطيب التبريزي " 502 في مشكاة المصابيح ص 560. 24 - الحافظ أبو القاسم البغوي " 510 / 16 في مصابيح السنة 2: 278. 25 - القاضي أبو الفضل عياض " 544 في الشفاء 2: 19. 26 - أخطب الخطباء الخوارزمي " 568 في مقتله ص 53. 27 - الحافظ أبو القاسم ابن عساكر " 571 في تاريخه 1 ص 298. 28 - أبو القاسم السهيلي " 581 في الروض الأنف 2: 196. وقال: إن أبا لبابة رفاعة بن عبد المنذر ربط نفسه في توبة وإن فاطمة أرادت حله حين نزلت توبته فقال: قد أقسمت ألا يحلني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن فاطمة مضغة مني. فصلى الله عليه وعلى فاطمة، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر، ومن صلى عليها فقد صلى على أبيها صلى الله عليه وسلم. 29 - ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى 586 في شرح النهج 2 ص 458. 30 - أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى 597 في صفة الصفوة 2: 5. 31 - الحافظ أبو الحسن بن الأثير الجزري المتوفى 630 في أسد الغابة 5 ص 521.

[234]

32 - أبو سالم ابن طلحة الشافعي المتوفى 652 في مطالب السئول ص 6: 7. 33 - سبط ابن الجوزي الحنفي " 654 في التذكرة ص 175. 34 - الحافظ الكنجي الشافعي " 658 في الكفاية ص 220. 35 - الحافظ محب الدين الطبري " 694 في ذخاير العقبي ص 37. 36 - الحافظ أبي محمد الأزدي الأندلسي " 699 في شرح المختصر صحيح البخاري 3: 91. 37 - الحافظ الذهبي الشافعي " 747 في تلخيص المستدرك. 38 - القاضي الإيجي " 756 في المواقف كما في شرحه 3: 268. 39 - جمال الدين محمد الزرندي الحنفي المتوفى في بضع و 750 في درر السمطين. 40 - أبو السعادات اليافعي " 768 في مرآة الجنان 1: 61. 41 - الحافظ زين الدين العراقي " 806 في طرح التثريب 1: 150. 42 - الحافظ نور الدين الهيثمي " 807 في مجمع الزوائد 9: 203. 43 - الحافظ ابن حجر العسقلاني " 852 في تهذيب التهذيب 12: 441. 44 - الحافظ جلال الدين السيوطي " 911 في الجامع الصغير والكبير 45 - الحافظ أبو العباس القسطلاني " 923 في المواهب اللدنية 1: 257. 46 - القاضي الديار بكري المالكي " 966 / 82 في الخميس 1: 464. 47 - ابن حجر الهيتمي " 974 في الصواعق 112، 114. 48 - صفي الدين الخزرجي " 0 0 0 في الخلاصة ص 435. 49 - زين الدين المناوي " 1031 / 5 في كنوز الدقائق ص 96. وقال في شرح الجامع الصغير 4 ص 421: استدل به السهيلي على أن من سبها كفر لأنه يغضبه، وأنها أفضل من الشيخين قال الشريف السمهودي: ومعلوم أن أولادها بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة منه، ومن ثم لما رأت أم الفضل في النوم أن بضعة منه وضعت في حجرها أولها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تلد فاطمة غلاما فيوضع في حجرها، فولدت الحسن فوضع في حجرها، فكل من يشاهد الآن من ذريتها بضعة من تلك البضعة، وإن تعددت الوسائط، ومن تأمل ذلك انبعث من قلبه داعي

[235]

الاجلال لهم وتجنب بغضهم على أي حال كانوا عليه. قال ابن حجر: وفيه تحريم أذى من يتأذى المصطفى صلى الله عليه وآله بتأذيه، فكل من وقع منه في حق فاطمة شئ فتأذت به فالنبي صلى الله عليه وآله يتأذى به بشهاة هذا الخبر، ولا شئ أعظم من إدخال الأذى عليها من قبل ولدها، ولهذا عرف بالاستقرار معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد. 50 - الشيخ أحمد المغربي المالكي المتوفى 1041 في فتح المتعال ص 385. قال في قصيدة كبيرة يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وآله: فما كسبطي رسول الله من أحد * ولا يضاهيهما في الفخر مفتخر وهل كفاطمة الزهراء أمهما * بنت النبي المصطفى بشر ؟ فإنها بضعة منه وما أحد * كبضعة المصطفى إن حقق النظر 51 - الشيخ أحمد باكثير المكي الشافعي المتوفى 1047 في وسيلة المال 52 - أبو عبد الله الزرقاني المالكي المتوفى 1122 في شرح المواهب 3: 205 قال: استدل به السهيلي على أن من سبها كفر وتوجيهه أنها تغضب ممن سبها و قد سوى بين غضبها وغضبه ومن أغضبه كفر. 53 - الزبيدي الحنفي المتوفى 1205 في تاج العروس 5. 227 و ج 6: 139. 54 - القندوزي الحنفي " 1293 في ينابيع المودة ص 171. 55 - الحمزاوي المالكي " 1303 في النور الساري هامش البخاري 5: 274. 56 - الشيخ مصطفى الدمشقي 0 0 0 في مرقاة الوصول ص 109. 57 - السيد حميد الدين الآلوسي المتوفى 1324 في نثر اللئالي ص 181. 58 - السيد محمود القراغولي البغدادي الحنفي في جوهرة الكلام ص 105. 59 - عمر رضا كحالة في أعلام النساء 3 ص 1216. ثم أنى لنا القول بمقال ابن كثير وملأ الأسماع قول رسول الله صلى الله عليه وآله: فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذاني (1) وقوله: إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضي لرضاها. أو: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك قاله لفاطمة ؟ !.


(1) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 20 [*]

[236]

راجع معجم الطبراني، مستدرك الحاكم 3: 154 وصححه، مسند ابن النجار، مقتل الخوارزمي 1: 52، تذكرة السبط ص 175، كفاية الطالب للكنجي ص 219، ذخاير العقبى للمحب الطبري ص 39، ميزان الاعتدال 2: 72، مجمع الزوائد 9: 203، تهذيب التهذيب 12: 443، كنز العمال 7: 111، أخبار الدول هامش الكامل 1: 185، كنوز الدقايق للمناوي ص 30، شرح المواهب للزرقاني 3: 202، الاسعاف ص 171، ينابيع المودة 173، 174، الشرف المؤبد ص 59. هذه مطلقات تشمل جميع موجبات الرضا والغضب من الصديقة سلام الله عليها حتى المباحات شأن أبيها الأقدس كما فهمه القسطلاني والحمزاوي في شرح البخاري وذلك يكشف عن أنها صلوات الله عليها لا ترضى إلا لما فيه مرضاة المولى سبحانه، ولا تغضب إلا على ما يغضبه، حتى أنها لو رضيت أو غضبت على أمر مباح فإن هناك جهة شرعية تدخله في الراجحات، أو يجعله من المكروهات، فلن تجد منها في أي من الرضا والغضب وجهة نفسية أو صبغة شهوية، وذلك معنى العصمة التي نفاها المتحذلق - ابن كثير - بعد أن تصامم أو تعامى عن دلالة آية التطهير النازلة فيها وفي أبيها وبعلها وبنيها: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.

[237]

بسم الله الرحمن الرحيم أحاديث الغلو أو قصص الخرافة هذه أبحاث مجملة تمثل لنا نفسيات الخليفة، وملكاته الفاضلة، نقتصر بها في هذه العجالة وإن لم تزحفنا ولم يتأت بها القصوى، غير أن فيها بلغة في إيقاف الباحث على حد الخليفة، ومقياسا يعرف به القالي له من الغالي فيه، والمقتصد فيه من القاسط عليه، ويمتاز به سرف القول في امتداحه عن جزاف الامتداخ عليه، فيهمنا عندئذ ذكر نزر يسير مما سرده القوم من فضائله التي فيها من الغلو الفاحش ما لا يخفى على أي أحد ثم نشفعه بما جاء في غيره حتى يعرف أهل الغلو في الفضائل. - 1 - الشمس على العجلة ذكر الشيخ إبراهيم العبيدي المالكي في كتابه " عمدة التحقيق " في بشائر آل الصديق (1) نقلا عن كتاب " العقائق " والصفوري في " نزهة المجالس " 2 ص 184 نقلا عن " عيون المجالس " قالوا: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لعائشة رضي الله عنها: إن الله تعالى لما خلق الشمس خلقها من لؤلؤة بيضاء بقدر الدنيا مائة وأربعين مرة وجعلها على عجلة، وخلق للعجلة ثمانمائة وستين عروة، وجعل في كل عروة سلسلة من الياقوت الأحمر، وأمر ستين ألفا من الملائكة المقربين أن يجروها بتلك السلاسل مع قوتهم التي اختصهم الله بها، والشمس مثل الفلك على تلك العجلة وهي تدور في القبة الخضراء، وتجلو جمالها على أهل الغبراء، وفي كل يوم تقف على خط الاستواء فوق الكعبة لأنها مركز الأرض و تقول: يا ملائكة ربي إني لأستحي من الله عز وجل إذا وصلت إلى محاذاة الكعبة التي هي قبلة المؤمنين أن أجوز عليها، والملائكة تجر الشمس لتعبر على الكعبة بكل قوتها


(1) ص 184 هامش روض الرياحين لليافعي المطبوع بمصر سنة 1315. [*]

[238]

فلا تقبل منهم وتعجز الملائكة عنها، فالله تعالى يوحي إلى الملائكة وحي إلهام فينادون: أيها الشمس بحرمة الرجل الذي إسمه منقوش على وجهك المنير إلا رجعت إلى ما كنت فيه من السير فإذا سمعت ذلك تحركت بقدرة المالك، فقالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله ! من هو الرجل الذي إسمه منقوش عليها ؟ قال: هو أبو بكر الصديق يا عائشة ! قبل أن يخلق الله العالم علم بعلمه القديم أنه يخلق الهواء، ويخلق على الهواء هذه السماء، ويخلق بحرا من الماء، ويخلق عليه عجلة مركبا للشمس المشرقة على الدنيا، وإن الشمس تتمرد على الملائكة إذا وصلت إلى الاستواء، وإن الله تعالى قدر أن يخلق في آخر الزمان نبيا مفضلا على الأنبياء وهو بعلك يا عائشة ! على رغم الأعداء، ونقش على وجه الشمس اسم وزيره أعني أبا بكر صديق المصطفى، فإذا أقسمت الملائكة عليها به زالت الشمس، وعادت إلى سيرها، بقدرة المولى، وكذلك إذا مر العاصي من أمتي على نار جهنم وأرادت النار على المؤمن أن تهجم، فلحرمة محبة الله في قلبه ونقش اسمه على لسانه ترجع النار إلى ورائها هاربة، ولغيره طالبة. قال الأميني: إن مما يغمرني في الحيرة أن هذه لعجلة، لم لم يكتشف عنها علماء الهيئة قديما وحديثا، مع توفر أدوات الكشف ومحصلاته لأهل الهيئة الجديدة خاصة ؟ وأنهم لماذا استقرت آرائهم بعد تقدم العلم واستفحال أمره وكثرة اكتشافاته على دوران الأرض على الشمس ؟ وتعلمنا الرواية عن أن البخار لم يكن مستخدما عند إنشاء تلك العجلة فيمدها الله سبحانه به حتى لا يشعر بإرادة مريد، ولا حياء من يستحي، فيمضي بالعجلة ويوصله في أسرع وقت إلى حيث شئ لها قدما، ولكن العجب أن الله سبحانه لم لم يستبدل بالبخار عن الملائكة بعد اكتشافه فيطلق صراح أولئك الآلاف المؤلفة المقيدة بسلاسل بلاء العجلة، ويعتقهم عن مكابدة تمرد الشمس في كل يوم ؟ وهناك مسألة لا أدري من المجيب عنها وهي: إن إرادة الله سبحانه الفائقة على كل قوة جامحة وهي تمسك السماء بغير عمد ترونها، وتسير الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شئ، لم لم تقم مقام أولئك المسخرين لجر الشمس حتى لا يوقفها تمرد، ولا تحتاج إلى عرى وسلاسل، أو الأقسام بمن

[239]

كتب اسمه عليها ؟ وما الذي أحوج المولى سبحانه في تسيير الشمس إلى هذه الأدوات من العجلة والعرى والسلاسل، وخلق أولئك الجم الغفير من الملائكة واستخدامهم بالجر الثقيل، وهو الذي إذا أراد شيئا أن يكون يقول له: كن. فيكون ؟ ثم إن الشمس هلا كانت تعلم أن إرادة الله سبحانه ماضية عليها بجريها إلى الغاية المقصودة ؟ فما هذا التوقف والتمرد ؟ والله تعالى أعلم بعظمة الكعبة وشرفها منها وقد جعلها في خطة سيرها. أني للشمس أن تجهل بها ؟ وهي هي الشاعرة بخط الاستواء، ومحاذاة الكعبة ووصولها إلى تلك النقطة المقدسة، وهي العارفة بمقامات الصديق، وإن اسمه منقوش عليها، وإن من واجبها أن تنقاد لا تجمح على من أقسم به عليها. ومن عويصات لا تنحل: تجديد الشمس تمردها كل يوم، والشمس تجري لمستقرء لها ذلك تقدير العزيز العليم (1) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل وسابق النهار و كل في فلك يسبحون (2). وأعوص من ذلك: إنشاد الملائكة إياها في كل نهار بتلك الأنشودة الضخمة و وحي الله إليهم بها طيلة عمر الدنيا، هكذا تشوه رواة السوء سمعة السنة الشريفة، وهي مقدسة عن هذه الأوهام الخرافية وأن هذه كلها من جراء الغلو الممقوت في الفضائل، ولو كان مختلق هذه المرسلة المقطوعة عن الاسناد يعلم ما ذكرناه من الفضايح المترتبة على افتعالها لما اقتحم هذا الاقتحام المزري. - 2 - التوسل بلحية أبي بكر ذكر اليافعي في روض الرياحين (3) عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: بينما


(1) سورة يس. آية 38. (2) سورة يس آية 40. (3) طبع بمصر في المطبعة السعيدية هامش العرائس للثعلبي توجد الرواية في ص 443 ينقل عنه القسطلاني في المواهب، وقال الزرقاني في شرح المواهب 3 ص 157 مؤلف حسن، و طبع لليافعي كتاب آخر مستقلا في مصر سنة 2315 باسم روض الرياحين أيضا، وهو تأليفه الآخر غير المطبوع في حاشية العرائس. [*]

[240]

نحن جلوس بالمسجد وإذا نحن برجل أعمى قد دخل علينا وسلم فرددنا عليه السلام وأجلسناه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يقضيني حاجة في حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما حاجتك يا شيخ ؟ فقال: إن لي أهلا ولم يكن عندي ما نقتات به، وأريد من يدفع لنا شيئا نقتات به في حب رسول الله صلى الله عليه وآله. قال فنهض أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال: نعم أنا أعطيك ما يقوم بك في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: هل من حاجة أخرى ؟ فقال: نعم إن لي ابنة أريد من يتزوج بها في حياتي حبا في محمد صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: أنا أتزوج بها في حياتك حبا في رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من حاجة أخرى ؟ فقال: نعم أريد أن أضع يدي في شيبة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حبا في محمد صلى الله عليه وسلم. فنهض أبو بكر رضي الله عنه ووضع لحيته في يد الأعمى وقال: أمسك لحيتي في حب محمد صلى عليه وسلم. قال: فقبض الأعمى بلحية أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال: يا رب أسألك بحرمة شيبة أبي بكر إلا رددت علي بصري. قال: فرد الله عليه بصره لوقته، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد ! السلام يقرئك السلام، ويخصك بالتحية والاكرام، ويقول لك: وعزته وجلاله لو أقسم علي كل أعمى بحرمة شيبة أبي بكر الصديق لرددت عليه بصره، وما تركت على وجه الأرض أعمى، وهذا كله ببركتك وعلو قدرك وشأنك عند ربك. قال الأميني: إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. حقا أن هذا الضرير قد عمي قلبه قبل بصره، فلم يعقل إن القسم بشيبة رسول الله صلى الله عليه وآله أولى من شيبة أبي بكر، فهي مقدمة قداسة وشرفا وزلفة عند الله سبحانه، وهو صلى الله عليه وآله أكبر من أبي بكر سنا وأكثر شيبة، فما أعمى الرجل عنها إن كان يريد مقسما به يبر الله سبحانه به قسمه ؟ أو أنه له في شيبة أبي بكر غاية لم نعرفها ؟ ثم أين عن هذه الشيبة عميان أهل السنة ؟ وما أغفلهم عن الوحي المنزل فيها ؟ فيقسمون على الله بها فيكشف عن أبصارهم، وما بال الحفاظ وأئمة الحديث أرجأوا نشر هذه الرواية إلى القرن الثامن عهد اليافعي ؟ هل بخلوا على عميان الأمة بمثل هذا النجاح الباهر وفي الوحي المزعوم قوله سبحانه: وعزتي وجلالي لو أقسم علي كل أعمى. الخ ؟ أو أنهم وجدوا مولد هذا الحديث بعد

[241]

عصورهم فلم يشيدوا بذكره ؟ أو رؤا فيه غلوا فاحشا بتقديم لحية أبي بكر على شيبة رسول الله صلى الله عليه وآله فطووا عن روايته كشحا ؟ أو عقلوا فيه مهزأة بالله ووحيه وأمينه ونبيه فضربوا عنه صفحا ؟ وللقوم حول شيبة أبي بكر روايات منها ما أسلفناه في الجزء الخامس ص 270 من أنه صلى الله عليه وآله كان إذا اشتاق إلى الجنة قبل شيبة أبي بكر. ومر هنالك أنها من أشهر المشهورات من الموضوعات، ومن المفتريات المعلوم بطلانها ببديهة العقل كما قاله الفيروز آبادي والعجلوني. ومنها ما ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 ص 233 من أن لإبراهيم الخليل وأبي بكر الصديق شيبة في الجنة. ثم قال: في المقاصد نقلا عن شيخه ابن حجر: لم يصح أن للخليل في الجنة لحية ولا للصديق، ولا أعرف ذلك في شيئ من كتب الحديث المشهورة ولا الأجزاء المنثورة. ثم قال: وعلى تقدير ثبوت وروده فيظهر لي أن الحكمة في ذلك: أما في حق الخليل فلكونه منزلا منزلة الوالد للمسلمين لأنه الذي سماهم بالمسلمين و أمروا باتباع ملته، وأما في حق الصديق فلأنه كالوالد الثاني للمسلمين، إذ هو الفاتح لهم باب الدخول على الاسلام، قال الأميني: إن الذي سمى الأمة المرحومة بالمسلمين هو الله سبحانه كما في قوله تعالى: جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم. هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا. (الحج 78). وإن أمكنت التسمية من إبراهيم من قبل فإنها غير ممكنة منه في هذا وهو القرآن الكريم، وإنما وقع ذكر ملة إبراهيم في البين امتنانا منه سبحانه على الأمة بجعل الاسلام شريعة سهلة لا حرج فيها ترغيبا في الدخول فيه. فالقول بأن إبراهيم سماهم مسلمين لا يتم مع قوله تعالى: " وفي هذا " يعني في القرآن. قال القرطبي: هذا القول مخالف لقول عظماء الأمة. وقال القرطبي: هذا لا وجه له لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة. في القرآن المسلمين. وقال ابن عباس: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي

[242]

الذكر. وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل وقتادة وابن مبارك. وتدل على تعين هذا القول قرائة أبي بن كعب: الله سماكم المسلمين. كما في تفسير البيضاوي 2 ص 112، وكشاف الزمخشري 2 ص 286، وتفسير الرازي 6 ص 210، وتفسير ابن الجزي الكلبي 3 ص 47. واستقربه الرازي في تفسيره فقال: لأنه تعالى قال: ليكون الرسول شهيدا عليكم ويكونوا شهداء على الناس. فبين أنه سماهم بذلك لهذا الغرض وهذا لا يليق إلا بالله. واستصوبه ابن كثير في تفسيره 3 ص 236 وقال: لأنه تعالى قال: هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج. ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول صلوات الله عليه بأنه ملة أبيهم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليه في سالف الدهر وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان فقال: هو سماكم المسلمين من قبل. أي من قبل هذا القرآن. وفي هذا. وبهذا تعرف قيمة ما حسبه المتفلسف من أن تنزيل إبراهيم منزلة الأب للمسلمين لمحض التسمية فإنه مما لا يقام له وزن وإلا لوجب اتخاذ من سمى أحدا باسم أبا تنزيليا ومن المعلوم بطلانه، وإنما سماه الله أبا للمسلمين لأنه عليه السلام أب الرسول الأمين وإن قريشا من ذريته وهو صلى الله عليه وآله أبو الأمة وأمته في حكم أولاده وأزواجه أمهاتهم كما ورد عنه صلى الله عليه وآله من قوله: إنما أنا لكم كالوالد. أو: مثل الوالد (1). أنا لا أدري ما هي الخاصة في الأب التنزيلي لأمة خاصة أن تكون له لحية في الجنة دون الأب الحقيقي للأمم جمعاء، وهو أبو البشر آدم عليه السلام، ولا لحية له ؟ مع ما ورد عن كعب الأحبار أنه قال: ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم، له لحية سوداء إلى سرته. ذكره ابن كثير في تاريخه 1: 97. وإن كانت الحكمة في لحية إبراهيم الخليل وأبي بكر ما زعمه العجلوني من الأبوة فما الحكمة في لحية موسى بن عمران ؟ وقد جاء في الحديث ليس أحد يدخل الجنة إلا جرد مرد إلا موسى بن عمران فإن لحيته إلى سرته (السيرة الحلبية 1: 425)


(1) تفسير الخازن 3 ص 314، تفسير النسفي هامش الخازن 3 ص 314. [*]

[243]

ثم إن للأمة المسلمة أبا تنزيليا روحيا هو أحق بالأبوة من الخليل عليه السلام وهو نبيها الأقدس محمد صلى الله عليه وآله كما مر حديثه، وبها حياتها الحقيقية، وهو الذي يدعوهم لما يحييهم، ومنه كيانها المستقر، وعز ها الخالد، فهو أولى باللحية من أبيه الخليل وصاحبه أبي بكر. والعجب كل العجب في عد أبي بكر أبا ثانيا للأمة لأنه فتح لها باب الدخول إلى الاسلام، وإن الذي فتح باب الاسلام بمصراعيه لدخول الأمم فيه، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدعوته الكريمة، وبراهينه الصادقة، ومعاجزه المعلومة، ونواميسه المقدسة، وخلايقه الرضية، ومغازيه الدامية. فهو أولى بأن تكون له لحية في الجنة. على أن الأمة قط لم تعرف بابا فتحه الخليفة لها إلى الاسلام، ولم يدر أي أحد أنه متى فتحه، وأين فتحه، ولماذا فتحه، وأي باب هو نعم. لا تخفى على الأمة جمعاء أنه غلق بابا عليها وحرمها من خير أهله وعلمه ورشده وهداه، ألا: وهو باب مدينة علم النبي مولانا أمير المؤمنين بالنص المتواتر، وهو الباب الذي منه يؤتى إلى الله، و إليه يتوجه الأولياء، فلولا انتزاع الأمر منه لانتشرت علومه، وزهرت معالمه، وتبلغت حكمه، وعمل بأحكامه، فأكل الناس من فوقهم ومن تحت أرجلهم، منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون، لكنه عليه السلام منع عن حقه فجهلت العباد، وأجدبت البلاد، وصوحت المرابع، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وإلى الله المشتكى. وإن أراد القائل من فتح الباب بدئة الفتوح في أيام الخليفة ؟ فالخليفة الثاني على ذلك أجدر باللحية منه، لأن عمدة الفتوح وقعت في أيامه. نعم: إن يكن هناك من يحق أن يعد للأمة أبا ثانيا تنزيلا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام الذي به كان تمام الدعوة ؟ والنجاح في المغازي، وهو نفس النبي القدسية وخليفته المنصوص عليه، ولذلك جاء من طريق أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وآله وسلم قوله: حق علي على هذه الأمة كحق الوالد على الولد، ومن طريق عمار و أبي أيوب الأنصاري قوله: حق علي على كل مسلم حق الوالد على ولده (1).


(1) الرياض النضرة 2 ص 172 نقلا عن الحاكمي، كنوز الدقائق ص 64 نقلا عن الديلمي، مناقب الخوارزمي ص 244، 254، فرائد السمطين لشيخ الاسلام الحمويى، نزهة المجالس 2 ص 212. [*]

[244]

- 3 - شهادة أبي بكر وجبرئيل ذكر النسفي أن رجلا مات بالمدينة فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي عليه فنزل جبريل وقال: يا محمد لا تصل عليه. فامتنع فجاء أبو بكر فقال: يا نبي الله صل عليه فما علمت منه إلا خيرا. فنزل جبريل وقال: يا محمد صل عليه، فإن شهادة أبي بكر مقدمة على شهادتي، مصباح الظلام للجرداني 2 ص 25، نزهة المجالس 2 ص 184. قال الأميني: هلم معي نناقش راوي هذه السفسطة الحساب بعد أن لم نقف لها على إسناد نناقش رجاله، ونسائله عن أن ما أداه جبريل من الشهادة أكان من عند نفسه ؟ ولم يكن لأمين الله على وحيه أن يأتي رسوله بشئ من قبل نفسه فحابا أبا بكر بتقديم شهادته أم كان وحيا من المولى سبحانه ؟ - وهو المطرد في كل هبوط له إلى الرسول الأمين - فأبطل ذلك الوحي المبين مجازفة لمحض أن أبا بكر شهد بضد ما جاء به ؟ وأيا ما كان فإن إخباره كان لا محالة عن عدم تأهل الرجل في الواقع للصلاة عليه في صورة نهي مفيد للتحريم، ومؤداه أن الله سبحانه يبغض أن ترفع إليه صلاة على مثله من نبيه والمحبوب، فهل يكون قول أبي بكر بتأهله المستنبط من ظاهر الحال الذي يخطأ ويصيب، ولا شك أنه مخطأ في هذه المورد بالخصوص لنزول الوحي بخلافه، فهل يكون قول هذا شأنه مبطلا للوحي المبين ؟ تبصر واحكم. - 4 - خاتم النبي وسجله روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع خاتمه إلى أبي بكر وقال: اكتب عليه: لا إله إلا الله، فدفعه أبو بكر إلى النقاش وقال: اكتب عليه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فكتب عليه. فلما جاء به أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجد عليه لا إله إلا الله محمد، رسول الله، أبو بكر الصديق. فقال: ما هذه الزيادة يا أبا بكر ؟ فقال: ما رضيت أن أفرق اسمك عن اسم الله، وأما الباقي فما قلته فنزل جبريل وقال: إن الله سبحانه وتعالى يقول: إني كتبت اسم أبي بكر لأنه ما رضي أن يفرق اسمك عن اسمي، فأنا ما رضيت أن أفرق

[245]

إسمه عن اسمك. نزهة المجالس للصفوري 2 ص 185 نقله عن تفسير الرازي، مصباح الظلام للجرداني ص 25. قال الأميني: المتسام عليه بين المحدثين أن نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وآله كان " محمد رسول الله " بلا أي زيادة ففي الصحاح عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم صنع خاتما من ورق ونقش فيه: محمد رسول الله. وقال: فلا ينقش أحد على نقشه. صحيح البخاري 8: 309، صحيح مسلم 2: 214، 215، صحيح الترمذي 1: 324. سنن ابن ماجة 2: 384، 385، سنن النسائي 8: 173. وفي رواية البخاري والترمذي عن أنس قال: كان نقش الخاتم ثلاثة أسطر: محمد، سطر. ورسول، سطر. والله سطر. " صحيح البخاري 8: 309، صحيح الترمذي 1: 325 ". وروى ابن سعد في طبقاته من مرسل ابن سيرين أن نقشه كان: بسم الله محمد رسول الله. وقال ابن حجر: ولم يتابع على هذه الزيادة. ذكره عنه الزرقاني في شرح المواهب 5: 39. وأخرج أبو الشيخ في الأخلاق النبوية من رواية عرعرة بن البرند عن أنس قال: كان مكتوبا على فص خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله. محمد رسول الله. قال ابن حجر في فتح الباري 10: 270: عرعرة ضعفه ابن المديني وزيادته هذه شاذة. وقال الزرقاني في شرح المواهب 5: 39: كان نقش الخاتم النبوي كما في الصحيحين وغيرهما. محمد رسول الله. فلا عبرة بهذه الرواية كرواية أنه كان فيه كلمتا الشهادة معا، ورواية ابن سعد عن أبي العالية أن نقشه: صدق الله. ثم ألحق الخلفاء: محمد رسول الله. فما قيمة ما جاء به من النقش صواغ القرون المتأخرة، وصاغته يد الإفك والغلو بعد لأي من وفاة النبي الأعظم وانقطاع الوحي عنه، ولا يوجد في تآليف الأولين منه عين ولا أثر ؟ وأنت ترى السلف حاكمين في حديث زيادة كلمة الاخلاص والبسملة بالشذوذ وأنه لا عبرة به ولا يتابع عليه، ولا يبحث أي متضلع في الفن عن هذه الزيادة المختلفة التي لا صلة لها بالموضوع، وليست هي إلا استهزاء بالله ونبيه ووحيه. وأمين وحيه.

[246]

ثم قد صح عند القوم أن ذلك الخاتم المنقوش الخاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم " وكان يتختم به ويختم صلى الله عليه وآله ولم يكن له خاتم غيره ولم يحتمل التعدد قط. أحد في رفع اختلاف أحاديث النقش " كان عند أبي بكر في يمينه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعده في يد عمر، و بعده عند عثمان في يمينه وسقط سنة ثلاثين من يده أو: من يد غيره. في بئر أريس (1) واتخذ له خاتما آخر (2) وفي رواية ابن سعد عن الأنصاري كما في فتح الباري 10: 270 وسنن النسائي 8: 179: إنه كان في يد عثمان ست سنين من عمله. فلو كانت تلكم الأسطورة صحيحة وكان إسم الخليفة منقوشا في خاتم كان يلبسه النبي الأقدس طيلة حياته وتنظر إليه الصحابة من كثب وترى بريقه في خنصره كما في صحيح البخاري 8: 308، 309 كان حقا على الخليفة والخاتم بيده أن يحتج بها يوم تسنم عرش الخلافة، وكان هناك حوار وصخب، لكنه لم يحتج لأن ذلك الخاتم ما كان مصوغا بعد ولا منقوشا، ولم يعط من المغيب أنه يستنحت له ذلك بعد قرون متطاولة. وكان حقا على الصحابة الملتاثين به أن يحتجوا بذلك النقش المصنوع في عالم الملكوت، فإن الاحتجاج به أولى من الاحتجاج بكبر السن وأمثاله، لكنهم تركوا الحجاج لأن هذا المولود لم يكن يولد بعد، وإنما ولدته أم الغلو في الفضائل في آخر الدهر. ولا يتأتى لأحد عرفان سر ما جاء به جبريل الخيالي من القرآن بين اسم النبي الأعظم وبين اسم أبي بكر في ذلك النقش المصوغ في عالم الغيب، أكان أبو بكر نفس النبي الأعظم بنص القرآن الكريم ؟ أم كان قرينه في العصمة والقداسة في الذكر الحكيم ؟ أم نزلت فيه آية التبليغ مع ذلك الارهاب ؟ أم أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة كما بدء بالنبي الطاهر ؟ أم كان رديف النبي الأقدس في الاسلام والدعوة إلى الله من أول يومه ؟ أم كان وصيه وخليفته المنصوص عليه من بدء الدعوة ؟ أم قرنت طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته كما في صحاح جاءت عنه صلى الله عليه وآله ؟ أم كان نظيره في أمته بنص منه


(1) هي ميلين من المدينة وهي من أقل الآبار ماء. (2) صحيح البخاري 8: 306، صحيح مسلم 2: 214، سنن النسائي 8: 179، تاريخ الطبري 5: 65، تاريخ ابن كثير 8: 155، تاريخ الخميس 2: 223، 269 تاريخ أبي الفدا ج 1: 168. [*]

[247]

صلى الله عليه وآله ؟ أم ؟ أم ؟ إلى مائة أم. لماذا ذلك القران ؟ أنا لا أدري، ومختلق الرواية أيضا لا يدري. - 5 - عرض جنة أبي بكر قال الصفوري في نزهة المجالس 2 ص 183: رأيت في الحديث أن الملائكة اجتمعت تحت شجرة طوبى فقال ملك: وددت أن الله تعالى أعطاني قوة ألف ملك، وكساني ريش ألف طير، فأطير حول الجنة حتى أبلغ طرفها، فأعطاه الله ذلك فطار ألف سنة حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه، ثم أعطاه الله تعالى قوة وأجنحة فطار ألف سنة ثانية حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه، ثم أعطاه الله تعالى قوة وأجنحة فطار ألف سنة ثالثة حتى ذهبت قوته وتساقط ريشه، فوقع على باب قصر باكيا فأشرفت عليه حوراء فقالت: أيها الملك مالي أراك باكيا وليست هذه بدار بكاء وحزن، وإنما هي دار فرح وسرور ؟ فقال: لأني عارضت الله في قدرته. ثم أعلمها بحديثه، فقالت له: لقد خاطرت بنفسك أتدري كم طرت في هذه الثلاثة آلاف سنة ؟ قال: لا. قالت: وعزة ربي ما طرت أكثر من جزء واحد من عشرة آلاف جزء مما أعده الله تعالى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه. وذكره الجرداني في مصباح الظلام 2 ص 25. قال الأميني: فمجموع ما أعده الله تعالى لأبي بكر في الجنة هو مسير ثلاثين ألف ألف سنة لطائر يطير بقوة ألف. ملك وريش ألف طير، جلت قدرة الباري، أنا أكل حساب هذه الرواية إلى الشباب النابه العصري المتخرج من المدارس العالية في أرجاء العالم. كما أرى النظرة في رجال سندها من وظائف رجال الغيب إذ من المستحيل أن يقف عليه متتبع، ويعرفه حافظ ضليع، أو محدث بعيد الطنء، أو رجالي واسع الخطوة من رجال عالم الشهود. - 6 - الله يستحيي من أبي بكر عن أنس بن مالك قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله ! رأيت في المنام كأن النخلة التي في داري وقعت، وزوجي في السفر. فقال: يجب عليك الصبر

[248]

فلن تجتمعي به أبدا. فخرجت المرأة باكية فرأت أبا بكر، فأخبرته بمنامها ولم تذكر له قول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إذهبي فإنك تجتمعين به في هذه الليلة. فدخلت إلى منزلها وهي متفكرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول أبي بكر، فلما كان الليل وإذا بزوجها قد أتى، فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته بزوجها، فنظر إليها طويلا فجاءه جبرئيل وقال: يا محمد ! الذي قلته هو الحق، ولكن لما قال الصديق إنك تجتمعين به في هذه الليلة استحيا الله منه أن يجري على لسانه الكذب، لأنه صديق فأحياه كرامة له. نزهة المجالس 2 ص 184 قال الأميني: ليتنا كنا نقف على رجال هذا الخيال النبهاء الذين أرادوا كسح معرة الكذب عن ساحة الصديق فجروها إلى الساحة النبوية، فكأن الله لم يبال بأن يجري الكذب على لسان نبيه الصادق المصدق، حيث أنه لم يخبر عن موت الرجل وإنما أخبر امرأته بأنها لن تجتمع به أبدا بكلمة لن المفيدة لتأييد النفي المؤكد بقوله أبدا فظهر خلافه، لكنه استحى من أبي بكر بعد أن رجم بالغيب إفكا ظاهرا فأراد أن يرحض عنه ذلك بإحياء الرجل وعدم إماتته كرامة له، وهل يرحضه ذلك بعد أن وقع الكذب ؟ أنا لا أدري. وهل كانت كرامة أبي بكر على الله أعظم من كرامة رسوله عليه ؟ حيث لم يرض بظهور الكذب عليه ورضيه على مصطفاه، ولم يكن في انتشاره عنه كسر للاسلام لكن انتشاره عن النبي صلى الله عليه وآله فت في عضد الدين. ثم اعجب من تعليل الرواية بأن أبا بكر كان صديقا. أو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الصديقين أجمع ؟ وهب أن وحي هذه المزعمة خفف عن ساحة النبوة شيئا يمكن أن يفوه به من اختلقها بأن الأمر كان كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكن أحيى الله الرجل للغاية التي ذكرها فلا كذب صلى الله عليه وآله وسلم لكن يدفعه ما قدمناه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يخبر عن موت الرجل وإنما أخبر عن أنها لن تجتمع به أبدا وقد وقع خلاف ما أنبأ به. نعم: لعل ما مر من رأي الخليفة من جواز تقديم المفضول على الفاضل، أو الغلو في الفضائل، يرخصان بكل ما ذكر.

[249]

- 7 - كرامة دفن أبي بكر أخرج ابن عساكر في تاريخه قال: روي أن أبا بكر رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال لمن حضره: إذا أنا مت وفرغتم من جهازي فاحملوني حتى تقفوا بباب البيت الذي فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقفوا بالباب وقولوا: السلام عليك يا رسول الله ! هذا أبو بكر يستأذن. فإن أذن لكم بأن فتح الباب وكان الباب مغلقا بقفل فادخلوني وادفنوني، وإن لم يفتح الباب فأخرجوني إلى البقيع وادفنوني به، فلما وقفوا على الباب وقالوا ما ذكر سقط القفل وانفتح الباب وإذا بهاتف يهتف من القبر: ادخلوا الحبيب إلى الحبيب فإن الحبيب إلى الحبيب مشتاق. وذكره الرازي في تفسيره 5 ص 378، والحلبي في السيرة النبوية 3 ص 394، والديار بكري في تاريخ الخميس 2: 264، والقرماني في أخبار الدول هامش الكامل 1 ص 200، والصفوري في نزهة المجالس 2 ص 198. قال الأميني: أراد رواة هذه الرواية تصحيح عمل القوم في دفن الخليفة في موطن القداسة [حجرة النبي صلى الله عليه وآله] بعد أن أعيتهم المشكلة وعجزوا عن الجواب، فإن الحجرة الشريفة إما أن تكون باقية على ملكه صلى الله عليه وآله كما هو الحق المبين. أو أنها عادت صدقة يؤل أمرها إلى المسلمين أجمع ؟ وعلى الأول كان يشترط فيه رضاء أولاد وارثته الوحيدة السبطين الإمامين وأخواتهما ولم يستأذن منهم أحد. وعلى الثاني كان يجب على الخليفة أو على من تولى الأمر بعده أن يستأذن الجامعة الإسلامية ولم يكن من أي منهما شئ من ذلك، فبقي الدفن هنالك خارجا عن ناموس الشريعة. وإن قيل: إنه دفن بحق ابنته ؟ فأي حق لها بعد ما جاء به أبوها من قوله: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ؟ على أنا أسلفنا في الجزء السادس ص 190 ط 2: إنه لم يكن لأمهات المؤمنين إلا السكنى في حجرهن كالمعتدة ولم يكن لهن ترتيب آثار الملك على شئ منها. وقدمنا هنالك أيضا أن على فرض الميراث وعلى تقدير الإرث من العقار فإن لعائشة تسع الثمن من حجرتها لأنه صلى الله عليه وآله توفي عن تسع، ومساحة المحل لا يسع

[250]

تسع ثمنها جثمان إنسان مهما كبرت الحجرة. على أن حقها كان مشاعا وليس لها التصرف فيه بغير إذن شريكاتها في الميراث. أراد القوم التفصي عن هذه المشكلات فكونوا ما يستتبع مشكلة بعد مشكلة و هي: إن الخليفة هل قال ما قاله بعهد من النبي صلى الله عليه وآله أو إنه أحاط علما بالمغيب ؟ أما الثاني فلا أحسب أحدا يدعي له ذلك بعد ما أحطنا خبرا بكل ما قيل في فضائله، وبعد ما أوقفناك على مبلغ علمه في المشهودات، فأين هو عن الغيوب ؟ وأما الأول فلو كان ذلك لما كان لترديده بين الدفن في الحجرة إن فتح الباب وسقط القفل، وبين الذهاب به إلى البقيع إن لم يكن ذلك، فإن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله لا بد أن يكون، فلا ترديد فيه. نعم: من المحتمل أنه صلى الله عليه وآله لم يعهد ذلك لنفس أبي بكر وإنما رواه عنه من لا يثق به الخليفة ولذلك نوه بما قال بالترديد، أو أن الرواية لا صحة لها، ولذلك لا تنتشر في الصحاح والمسانيد إلى عهد الحافظ ابن عساكر، وهي على فرض صحتها مكرمة عظمي وقعت بمشهد الصحابة ومزدحم المهاجرين والأنصار يوم شيعوه إلى مقره الأخير، وكان يجب والحالة هذه أن يتواصل الهتاف بها، وبذلك الهتاف المسموع من القبر الشريف منذ ذلك العهد إلى منصرم الدهر، ولم يكن يوم ذاك في الأبصار غشاوة، ولا في الآذان وقر، ولا في الألسنة بكم، لكنه ويا للأسف لم ينبس أحد عنها ببنت شفة، وما ذلك إلا لأن المكرمة لم تقع، والقفل ما سقط، والباب ما انفتح، والهتاف لم يكن، وادخلوا الحبيب إلى الحبيب، فإن الحبيب إلى الحبيب مشتاق مهزأة نشأت من الغلو في الفضائل تنبأ عن روح التصوف في مختلق الرواية. نعم: ما كل من زار الحمى سمع الندا * من أهله أهلا بذاك الزائر م - هذه الكرامة المنحوتة المنحولة ذكرها الرازي ومن بعده مرسلين إياها إرسال المسلم، محتجين بها عداد فضائل أبي بكر، غير مكترثين لما في إسنادها من العلل أو جاهلين بها، وإنما أخرجها ابن عساكر من طريق أبي طاهر موسى بن محمد بن عطاء المقدسي عن عبد الجليل المدني عن حبة العرني فقال: هذا منكر، وأبو الطاهر كذاب، وعبد الجليل مجهول، وفي لسان الميزان 3: 391: خبر باطل. ا ه‍

[251]

وأبو الطاهر المقدسي كذبه أبو زرعة وأبو حاتم. وقال النسائي ليس بثقة و قال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه كان يضع الحديث. وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث. وقال العقيلي: يحدث عن الثقات بالبواطيل والموضوعات، منكر الحديث وقال منصور بن إسماعيل: كان يضع الحديث على مالك. راجع المصادر المذكورة ج 5 ص 231 ط 2] - 8 - جبريل يسجد مهابة من أبي بكر حدث عالم الأمة الشيخ يوسف الفيشي المالكي قال: كان جبريل إذا قدم أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحادثه يقوم إجلالا للصديق دون غيره، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ فقال جبريل: أبو بكر له علي مشيخة في الأزل، وما ذاك إلا إن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم حدثتني نفسي بما طرد به إبليس فحين قال الله تعالى: اسجدوا. رأيت قبة عظيمة عليها مكتوب أبو بكر أبو بكر. مرارا وهو يقول. اسجد. فسجدت من هيبة أبي بكر فكان ما كان. ذكره العبيدي المالكي في عمدة التحقيق هامش روض الرياحين ص 111 فقال: وحدثني أيضا شيخنا الأستاذ محمد زين العابدين البكري بما يقارب ما قاله الفيشي و سمعتها من غالب مشايخنا بالأزهر. قال الأميني: عجبا لهؤلاء القوم لم يسلم منهم حتى أمين الله على وحيه - جبرائيل - المعصوم من الزلل من أول يومه فجعلوه في عداد إبليس اللعين الطريد لو لا أن أبا بكر تدارك أمره. عجبا لهذا الملك المزعوم يأتمنه المولى سبحانه ثم يرتاب في أمره، ولا يصلح ذلك الشنار القول بأنه إنما أئتمنه بعد زلته تلك، فإنه سبحانه لا يأتمن من يمكن في حديث نفسه الكفر، فلعل تلك الخاطرة دبت فيه ولم يحصل من يسدده فتعود هاجسته كفرا صريحا. عجبا لهذا الملك المقرب تروعه هيبة أبي بكر ولا تأخذه هيبة الإله العظيم فيطيع أبا بكر وهو يهم أن يطيع الله في أمره بالسجدة، وأي سجدة هذه وما قيمتها من مثل

[252]

جبرئيل وقد وقعت من هيبة أبي بكر لا بصفة القربان إلى المولى سبحانه والزلفى لديه والامتثال لأمره فكأن هيبة أبي بكر في الملأ الأعلى أعظم وأفخم من هيبة بارئه جلت عظمته. ثم أين كانت قبة أبي بكر من مستوى عالم الملكوت ؟ ومن الاحرى أن تضرب هنالك قبة نبي العظمة حتى يسدد فيها من شارف الزلة لا قبة إنسان من الممكن أن تكتنفه المئاثم، وتموت بضعة المصطفى وهي واجدة عليه. ومن أين علم أبو بكر بهاجسة جبرئيل وحديث نفسه ؟ أو هل كان يعلم الغيب ؟ أو أوحي إليه بواسطة غير أمين الوحي ؟ لك الحكم في هذه كلها أيها القارئ الكريم. ثم العجب من مشايخ الأزهر الذين أخبتوا إلى هذه الخزاية فأثبتوها في الكتب ولهجوا بها في الأندية، وخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى فنشروها في الملأ العلمي وشوهوا بها صفحة التاريخ وسمعة الاسلام المقدس، نعم: أرادوا نحت فضيلة للخليفة فأعماهم الغلو في الفضائل فنحتوها رذيلة لجبرئيل الأمين، كل ذلك لأنهم افتعلوها من غير بصيرة في الدين، أو روية شاعرة في المبادئ الإسلامية. وأحسب أن من اختلق هذه الرواية أراد إثباتها تجاه ما يروى لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام من تسديده لجبرئيل يوم خاطبه الله سبحانه: من أنا ومن أنت ؟ فتروى قليلا وقد أخذته هيبة الجليل سبحانه حتى أدركته نورانية مولانا الإمام عليه السلام، فعلمه أن يقول: أنت الجليل وأنا عبدك جبرئيل. وقد نظم ذلك الشاعر المبدع الشيخ صالح التميمي من قصيدة له في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وخمسها الشاعر المفلق عبد الباقي أفندي العمري كما في ديوانه ص 126 وفي ديوان صاحب الأصل ص 4 قالا: روضة أنت للعقول ودوح * يجتنى من طوباك رشد ونصح ومتى هب من عبيرك نفح * شمل الروح من نسيمك روح حين من ربه أتاه النداء طالما للأملاك كنت دليلا * ولناموسهم هديت سبيلا يوم نادى رب السما جبرئيلا * قائلا: من أنا فروى قليلا وهو لولاك فاته الاهتداء (1).


(1) يعني الاهتداء إلى ذلك الجواب الحسن الجميل. [*]

[253]

لك شكل نتيجة للقضايا * لك قلب للعالمين مرايا لك فعل حوى رفيع المزايا * لك إسم رآه خير البرايا مذ تدلى وضمه الاسراء وليست هذه كقصة أبي بكر، فليس فيها أن جبريل نوى ما نواه إبليس من المروق عن أمره سبحانه، ولا فيها أن أمير المؤمنين أنبأ عن مغيب، ولا أن هيبته غلبت هيبة الله العظيم ولا أن جبريل سجد من هيبته، ولا أن له هنا لك قبة عظيمة مكتوب عليها: علي علي، ولا أنه هتف مخاطبا: لجبرئيل بقوله: اسجد. و روعه بذلك ليست فيها هذه كلها لأن الشيعة في المنتأى عن الغلو في الفضائل. - 9 - قصة فيها كرامة لأبي بكر أخبر أبو العباس ابن عبد الواحد عن الشيخ الصالح عمر بن الزغبي قال: كنت مجاورا بالمدينة المشرفة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام فخرجت يوم عاشوراء الذي تجتمع فيه الإمامية في قبة العباس وقد اجتمعوا في القبة قال: فوقفت أنا على باب القبة وقلت: أريد في محبة أبي بكر شيئا. فخرج إلي شيخ منهم وقال: اجلس حتى نفرغ ونعطيك، فجلست حتى فرغوا ثم خرج ذلك الرجل وأخذ بيدي ومضى بي إلى داره وأدخلني الدار وأغلق ورائي الباب وسلط علي عبدين فكتفاني وأوجعاني ضربا، ثم أمرهما بقطع لساني فقطعاه، ثم أمرهما فحلا كتافي وقال: اخرج إلى الذي طلبت في محبته ليرد إليك لسانك. قال: فخرجت من عنده إلى الحجرة الشريفة النبوية وأنا أبكي من شدة الوجع والألم فقلت في نفسي: يا رسول الله ! قد تعلم ما أصابني في محبة أبي بكر فإن كان صاحبك حقا ؟ فأحب أن يرجع إلي لساني وبت في الحجرة قلقا من شدة الألم فأخذتني سنة من النوم فنمت فرأيت في منامي أن لساني قد عاد إلى حاله كما كان فاستيقظت فوجدته في في صحيحا كما كان وأنا أتكلم فقلت: الحمد لله الذي رد علي لساني وازددت محبة في أبي بكر رضي الله عنه، فلما كان العام الثاني في يوم عاشوراء اجتمعوا على عادتهم فخرجت إلى باب القبة وقلت: أريد في محبة أبي بكر دينارا، فقام إلي شاب عن الحاضرين وقال لي: اجلس حتى نفرغ. فجلست فلما

[254]

فرغوا خرج إلي ذلك الشاب وأخذ بيدي ومضى بي إلى تلك الدار فأدخلني فيها و وضع بين يدي طعاما، ولما فرغنا قام الشاب وفتح علي بابا على بيت في الدار وجعل يبكي فقمت لأنظر ما سبب بكائه فرأيت في البيت قردا مربوطا فسألته عن قضيته فزاد بكاء فسكنته حتى سكن، فقلت له: بالله أخبرني عن حالك فقال: إن حلفت لي أن لا تخبر أحدا من أهل المدينة أخبرتك، فحلفت له، فقال: اعلم أنه أتانا في عام أول رجل و طلب في محبة أبي بكر رضي الله عنه شيئا في قبة العباس يوم عاشوراء فقام إليه أبي و كان من أكابر الإمامية والشيعة فقال له: اجلس حتى نفرغ. فلما فرغوا أتى به إلى هذه الدار وسلط عليه عبدين فضرباه، وأمر بقطع لسانه فقطع، وأخرجه فمضى لسبيله ولم نعرف له خبرا، فلما كان الليل ونمنا صرخ أبي صرخة عظيمة فاستيقظنا من شدة صرخته فوجدناه قد مسخه الله قردا ففزعنا منه وأدخلناه هذا البيت وربطناه، وأظهرنا للناس موته وهو ذا نبكي عليه بكرة وعشيا. فقلت له: إذا رأيت الذي قطع أبوك لسانه تعرفه ؟ قال: لا والله فقلت: أنا هو والله، أنا الذي قطع أبوك لساني، وقصصت عليه القصة فأكب علي يقبل رأسي ويدي ثم أعطاني ثوبا ودينارا وسألني كيف رد الله علي لساني ؟ فأخبرته وانصرفت. مصباح الظلام للجرداني ص 23 من الطبعة الرابعة المصرية المطبوعة بمطبعة الرحمانية بمصر سنة 1347 ه‍، ونزهة المجالس للصفوري 2 ص 195. قال الأميني: ما أحوج القوم إلى اختلاق هذه الأساطير المشمرجة وهي لا يصدقها أي قار وباد مهما يقرها قصاص في أذنيه ولا يصير بها الأمر إلى قراره مهما حبكت نسقه يد الإفك وأبدعت في نسجه مهرة الافتعال. أنى يصدق ذو مسكة بأن رجلا شهيرا يعد من علية قوم ومن أكابر أمة تمسخ ويربط في داره وهو بعد مجهول لا يعرف اسمه، ولا ينبئ عنه خبير، و يسع لخلفه إخفاء أمره بدعوى موته، ولم يسأل أهله عن تجهيزه وتشييعه ودفنه ومقبره وسبب موته، وتتأتى لولده الغشية عليها عن أعين الناس وأسماعهم كأن في آذانهم صمما وفي أبصارهم عمى. ولماذا أخذه ابن الجاني - الذي لم يخلق بعد لا هو ولا أبوه ضيفه إلى والده

[255]

وهو لا يعرف الرجل ولم يخش من الفضيحة، ولماذا أوقفه على أمر أبيه وعواره وقد كان يستخفيه ويظهر للناس موته ؟ وأنى يصدق بأن رجلا قطع لسانه دون مبدئه وحبه لخليفته قد استخفى قصته، وما أشاع بها، وما صاح وما باح بمظلمته، وما أبان أمره عند قومه، وما أفاض عن شأنه بكلمة، ولا يمم قاضيا ولا حاكما ولا الدوائر الحكومية الصالحة للنظر في مظلمته من عدلية أو دائرة شرطة، وعقيرته مرفوعة من شدة الألم، ولم يزل القوم يتربص الدوائر على الشيعة، ويختلق عليهم طامات كهذه. وأنى يصدق أنه لما خرج من دار من جنى عليه وهو مقصوص اللسان وقد ملأ فمه دمه، ولاذ بالحجرة الشريفة باكيا قلقا من شدة الألم، ما باه له أي أحد، وما عرفت مع هذه كلها من أمره قذ عملة، ولا تنبه لأمره سدنة الحضرة الشريفة ؟ وما بال الرجل لم يمط الستر في وقته عن جناية عدو خليفته، ولم يفش سره، ولم يعلن كرامة الصديق، ولم يفضح عدوه، ولم يعرب عن هذه المكرمة الغالية، ولم يقرط الآذان بسماعها، وينبس أمره ولم ينبشه، كأن لسانه بعد مقطوع، وأنه لم يجده في فيه صحيحا ؟ أو رضي بأن يفشفش (1) بعده أعلام قومه ؟ وإن تعجب فعجب عود هذا الشحاذ الجرئ إلى سؤاله مرة ثانية في سنته القابلة بعد أن رأى ما رأى قبل أن أعوم، ووقوفه في ذلك الموقف الخطر في قبة العباس يوم عاشوراء، ومضيه من دون أي تحاش إلى تلك الدار التي وقعت فيها واقعته الخطرة الهائلة، ودخوله فيها رابطا جأشه، وإلقاءه نفسه إلى التهلكة، ولم يكن يعرف شيئا من قصة الشيعي ومسخه، ولا من حنو الشاب وعطفه، وقد قال الله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. ولعله كان في هذه كلها على ثقة وطمأنينة من أنه قط لا يبقى بلا لسان، وأن لسانه مهما قطع يرد إليه كما كان من بركة الخليفة، وهو في حسبانه هذا وقدومه إلى المهالك مجتهد وله أجره وإن أخطأ كاجتهاد سلفه.


(1) فشفش: أفرط في الكذب، وانتحل ما لغيره [*]

[256]

وقد أنصف الشيخ الصالح المدني في اختلاق هذه القصة على شيعي كبير لم يولد بعد ولم تسمه أمه. وجاء غيره بأسطورة معتوه قموص الحنجرة (1) وافتجر (2) في القول و أفجس (3) ألا وهو الشيخ عليا المالكي، قال الشيخ إبراهيم العبيدي المالكي في عمدة التحقيق المطبوع بمصر في هامش روض الرياحين ص 133: سمعت خالي العالم الشيخ عليا المالكي يقول: إن الرافضي إذا أشرف على الموت يقلب الله صورة وجهه وجه خنزير فلا يموت إلا إذا مسخ وجهه وجه خنزير، ويكون ذلك علامة على أنه مات على الرفض، فيستبشرون بذلك الروافض، وإن لم يقلب وجهه عند الموت يحزنون ويقولون: إنه مات سنيا، إنتهى. وتخرق بعض الثقات في تاريخ حلب شاهدا على هذه المخرقة فقال: لما مات ابن منير (4) خرج جماعة من شبان حلب يتفرجون فقال بعضهم لبعض: قد سمعنا أنه لا يموت أحد ممن كان يسب أبا بكر وعمر إلا ويمسخه الله تعالى في قبره خنزيرا ولا شك أن ابن منير كان يسبهما، فأجمعوا رأيهم على المضي إلى قبره، فمضوا ونبشوه فوجدوا صورته خنزيرا ووجهه منحرفا عن جهة القبلة إلى جهة الشمال، فأخرجوا على قبره ليشاهده الناس ثم بدا لهم أن يحرقوه فأحرقوه بالنار وأعادوه في قبره وردوا عليه التراب وانصرفوا، وذكره العلامة الجرداني في مصباح الظلام المؤلف سنة 1301 والمطبوع بمصر سنة 1347 وقرظه جمع من الأعلام ألا وهم كما في آخر الكتاب: العالم العفيف السيد محمود أنسي الشافعي الدمياطي، والعلامة الشيخ محمد جودة، والعلامة الأوحد الشيخ محمد الحمامصي، وحضرة الفاضل اللبيب الشيخ عطية محمود قطارية، والعالم العامل الشيخ محمد القاضي، وحضرة الشاعر اللبيب محمد أفندي نجل العلامة الشيخ محمد النشار. ليست هذه النفثات إلا كتيت (5) الإحن، ونغران (6) الشحناء. وإن شئت قلت:


(1) يقال فلان قموص الحنجرة: أي كذاب. (2) افتجر في الكلام: أي اختلقه وذكره من غير أن يسمعه من أحد. (3) أفجس: افتخر بالباطل، (4) أحد شعراء الغدير مرت ترجمته في الجزء الرابع ص 279 - 289 ط 2 مات في دمشق ثم نقل إلى حلب فدفن بها، (5) الكتيت: صوت غليان القدر والنبيذ ونحوهما. (6) نغر الرجل على فلان نغرا ونغرانا: غلا جوفه عليه غضبا. [*]

[257]

إنها سكرة الحب، وسرف المغالاة. قد أعمت الأهواء بصاير أولئك الرجال فجاؤا بهذه المخاريق المخزية، والأفائك المزخرفة، بيتوها غير مكترثين لمغبة صنيعهم، و لا متحاشين عن معرة قيلهم، وشتان بينها وبين أدب الدين، أدب العلم، أدب التأليف، أدب العفة، أدب الدعاية والنشر. إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا، ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول. كأن هؤلاء يحدثون عن أمة بائدة لم يبق لها الملوان من يشاهده أحد من الأجيال الحاضرة، أو ليست الشيعة هؤلاء الذين هم مبثوثون في أرجاء العالم وأجواء الأمم، يشاهدهم كل ذي بصر وبصيرة أحياء وأمواتا ؟ فمن ذا الذي شهد أحدهم أنه انقلب عند موته خنزيرا غير أولئك الشبان الموهومين الذين شاهدوا ابن منير في قبره ؟ وهل الشيخ عليا المالكي هو وجد أحدا من الشيعة كما وصفه ؟ أو روي له ذلك الإفك فوثق به كما وثق العبيدي ؟ وهل كان يمكنه أن يقف على الموتى جميعا أو أكثرهم وليس هو بمغسل الموتى أو من حفاري القبور ولا من نباشيها ؟ على أن التشيع ليس من ولائد تلكم العصور وإنما بدء به منذ العهد النبوي، فهل كان السلف الشيعي من الصحابة والتابعين يموتون كذلك وكان فيهم من يعرف بالتشيع كأبي ذر وسلمان وعمار والمقداد وأبي الطفيل ؟ فهل يسحب هذا الرجل ذيل مزعمته إلى ساحة أولئك الأعاظم ؟ قطعت جهيزة قول كل خطيب (1). - 10 - أبو بكر شيخ يعرف. والنبي شاب لا يعرف عن أنس بن مالك قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأبو بكر شيخ يعرف والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف فيلقى الرجل أبا بكر (2) فيقول: يا أبا بكر ! من هذا الذي بين يديك ؟ فيقول: يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير.


(1) مثل يضرب لمن يقطع على الناس ماهم فيه بحماقة يأتي بها، (2) في الانتقال من بني عمرو. كذا قاله القسطلاني في إرشاد الساري 6 ص 214 وبنو عمرو ابن عوف هم من الأنصار النازلين بقباء كان قد نزل عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله في هجرته إلى المدينة كما يأتي تفصيله، [*]

[258]

وفي لفظ: إن أبا بكر كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم وكان أعرف بذلك الطريق فيراه الرجل يعرفه فيقول: يا أبا بكر ! من هذا الغلام بين يديك ؟ وفي لفظ أحمد: كانوا يقولون: يا أبا بكر ! ما هذا الغلام بين يديك ؟ فيقول: هذا يهديني السبيل. وفي لفظ: قالوا: يا أبا بكر ! من هذ الذي تعظمه هذا الاعظام ؟ قال: هذا يهديني الطريق وهو أعرف به مني. م وفي رواية: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء أبي بكر ناقته. وفي التمهيد لابن عبد البر: إنه لما أتي براحلة أبي بكر سأل أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ويردفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنت اركب وأردفك أنا فإن الرجل أحق بصدر دابته. فكان إذا قيل له: من هذا وراءك ؟ قال: هذا يهديني السبيل]. وفي لفظ: لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة تلقاه المسلمون فقام أبو بكر للناس، وجلس النبي صامتا، وأبو بكر شيخ والنبي شاب، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجئ أبا بكر فيعرفه بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس عند ذلك. صحيح البخاري باب هجرة النبي 6: 53، سيرة ابن هشام 2: 109، طبقات ابن سعد 1: 222، مسند أحمد 3: 287، معارف ابن قتيبة ص 75، الرياض النضرة 1: 78، 79، 80، المواهب اللدنية 1: 86، السيرة الحلبية 2: 46، 61. قال الأميني: ما أنزل الدهر نبي الاسلام حتى قيل: إنه شاب لا يعرف. كأنه غلام نكرة اتخذه شيخ انتشر صوته كصيته بين الناس دليلا في مسيره يرتدفه تارة و يمشيه بين يديه أخرى ومهما سأل عنه قول: هذا يهديني الطريق وهو أعرف به مني، كأن نبي الاسلام صلى الله عليه وآله لم يكن ذلك الذي كان يعرض نفسه على القبائل في كل موسم فعرفوه على بكرة أبيهم من آمن منهم ومن لم يؤمن، خصوصا الأنصار المدنيون منهم وفيهم رجال الأوس والخزرج، وقد بايعوه عند العقبة الأولى مرة، وبايعه منهم مرة ثانية عند العقبة ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان، وكأنه صلى الله عليه وآله لم يكن ذلك الذي أمر أصحابه بالهجرة إلى المدينة قبله، وكان بتلك الهجرة غلقت أبواب، وخلت دور أناس من السكنى، وهاجر أهلها رجالا ونساءا

[259]

وكان في مقدم المهاجرين ما يناهز ستين رجلا، فلم يبق في مكة المعظمة من أسلم معه صلى الله عليه وآله إلا أمير المؤمنين وأبو بكر وكأن المدينة ليست بدار بني النجار وهم خؤولة النبي الأقدس. وكأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن الذي إتخذ المدينة قاعدة ملكه، وعاصمة حكومته، ومعسكر نهضته، فبث فيها رجاله وخاصته من أهلها ومن المهاجرين فكانوا يرقبون مقدمه الشريف في كل حين حتى، إذا وافوه مقبلا عليهم استقبلوه بقضهم وقضيضهم وفيهم أهل البيعتين ومن تقدمه من المهاجرين وكلهم يعرفونه كما يعرفون أبنائهم، وإنه صلى الله عليه وآله مكث في قباء عند بني عمرو بن عوف أياما وليالي حتى أسس مسجده الشريف فيها، فعرفه كل من في قباء ممن لم يكن يعرفه قبل من رجال الأوس والخزرج، واتصل به كل من قدمها من المدينة فعرفوه جميعا، وقد صلى الجمعة في قباء وفي بطن الوادي وادي رانونا وائتم به من حضر المسلمين عامة. وبقضاء من الطبيعة أن الناس عند التطلع إلى رؤيته صلى الله عليه وآله كان يومي إليه كل عارف، ويسأل عنه كل جاهل، ويتقدم المبايعون إلى التعرف به والتزلف إليه، فلا يبقى في المجتمع جاهل به حتى يسأل أبا بكر عنه في انتقاله من بني عمرو وبقوله: من هذا الغلام بين يديك يا أبا بكر ؟ ! فكأن القادم رجل عادي ما دوخ صيته الأقطار، ولم يره بشر من ذلك الجمع الحافل، ولم يحتفل به ذلك الاحتفال، ولا احتفى به تلك الحفاوة، وما صعدت ذوات الخدور على الاجاجير (1) وما هزجت الصبيان والولائد بقولهن. طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا لله داعي أيها المبعوث فينا * جئت بالأمر المطاع وكأنه قدم في صورة منكرة بلا أي تقدمة إلى بلد لا يعرفه فيه أحد حتى خص السؤال عنه بأبي بكر فحسب. ثم ما هذه التعمية في جواب أبي بكر بقوله: إنه يهديني السبيل يريد سبيل


(1) جمع الإجار بكسر الأول وتشديد الجيم: السطح. [*]

[260]

السعادة فيحسب الحاسب أنه يهديه الطريق ؟ الخوف كانت ؟ ولم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا على العدة والعدد والمنعة والعزة، وقد بايعته الأنصار على التفاني دونه. أو كان يخاف أبو بكر قريشا وهو في حصن الدين المنيع ودرعه الحصينة ؟ أم كانت لغير ذلك ؟ فاسأل عنه خبيرا. والعجب كل العجب أن رجلا هذه سيرته في التقية عن الناس في عاصمة الاسلام بين فرسان المهاجرين والأنصار كيف صح عنه ما جاء عن ابن مسعود وما روي عن مجاهد مرسلا من قولهم: إن أول من أظهر الاسلام سبعة: رسول الله، وأبو بكر. الخ (1) على أن الحالة كانت تقتضي أن يسأل كل قادم إلى المدينة يوم ذاك عن شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وأوان نزوله بها لا عن الغلام بين أيدي أبي بكر. والعجب أن الجهل برسول الله في مزعمة هذا الراوي ! كان مستمرا بين مستقبليه " وكلهم نفوسهم نزاعة إلى عرفانه والتبرك برؤيته " حتى ظلله أبو بكر بردائه فعرفه الناس عند ذلك. ومتى كان أبو بكر شيخا والنبي شابا وهو صلى الله عليه وآله أكبر منه بسنتين وعدة أشهر كما يأتي تفصيله إنشاء الله ؟ وابن قتيبة أخذ هذا الحديث بظاهره فقال في المعارف ص 75: هذا الحديث يدل على أن أبا بكر كان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدة طويلة، والمعروف عند أهل الأخبار ما حكيناه. ا ه‍. وحكي قبل هذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله هو أكبر سنا من أبي بكر. نعم: عرف شراح البخاري من المتأخرين موضع الغمز فأولوا كون أبي بكر شيخا بظهور الشيب في لحيته. وكون النبي شابا بسواد كريمته، والعارف بأساليب الكلام يعلم أنه تمحل محض، وأن المفهوم من تلك كما فهمه ابن قتيبة: كون أبي بكر شيخا ورسول الله شابا لا غير ذلك. وإلا فما معنى قولهم: ما هذا الغلام بين يديك ؟ و: من هذا الغلام بين يديك ؟ ومن المعلوم أن الغلام لا يطلق على من عمر خمسون سنة تقريبا مهما اسود عارضه. وعلى صحة هذا التأويل أين المأولون من صحيحة ابن عباس قال: قال أبو بكر:


(1) تاريخ ابن كثير 3: 58، تأريخ ابن عساكر 6 ص 448. [*]

[261]

يا رسول الله ! قد شبت ؟ قال: شيبتني هود والواقعة. الحديث. وروى مثله الحفاظ عن ابن مسعود، وفي لفظ أبي جحيفة: قالوا: يا رسول الله ! نراك قد شبت ؟ قال: شيبتني هود وأخواتها (1). فهذه الصحيحة تعرب عن أنه صلى الله عليه وآله كان قد بان فيه الشيب على خلاف الطبيعة، وأسرع فيه حتى أصبح مسئولا عنه وعما أثره فيه صلى الله عليه وآله فأين منها ذلك التأويل البارد ؟ وربما يقال في حل مشكلة (يعرف ولا يعرف): إن أبا بكر كان تاجرا عرفه الناس في المدينة عند اختلافه إلى الشام، لكنه على فرض تسليم كونه تاجرا، وعلى تقدير تسليم سفره إلى الشام ودون إثباته خرط القتاد، مقابل بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أيضا كان يحاول التجارة يستطرق المدينة إلى الشام، فلو كانت التجارة بمجردها تستدعي معرفة الناس بالتاجر فهو في النبي الأعظم أولى لأن شرفه المكتسب، وشهرته وبالأمانة، وعظمته في النفوس، وتحليه بالفضائل، وبروز عصمته وقداسته عند الناس من أول يومه، وشرفه الطائل في نسبه، أجلب لتوجه النفوس إليه، بخلاف التاجر الذي هو خلو من كل ذلك. على أن التاجر متى هبط مصرا فعارفوه رجال معدودون ممن شاركوه في الحرفة، أو شارفوه في المعاملة، وهذا التعارف يخص بأناس تعد بالأنامل لا عامة الناس كما حسبوه، وأنى هذا من سفر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وأبو بكر يوم ذاك يرضع من ثدي أمه، خرجت به صلى الله عليه وآله أم أيمن لما بلغ ست سنين من عمره إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزور به أخواله، فنزلت به في دار النابغة رجل من بني عدي بن النجار فأقامت به شهرا. ومما وقع في تلك السفرة: قالت أم أيمن: أتاني رجلان من اليهود يوما نصف النهار بالمدينة فقالا: أخرجي لنا أحمد. فأخرجته ونظرا إليه وقلباه مليا ثم قال أحدهما لصاحبه: هذا


(1) أخرجه الحافظ الترمذي في جامعه، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلى، والطبراني، وابن أبي شيبة، والحاكم في المستدرك 2: 343 وصححه هو وأقره الذهبي، والقرطبي في تفسيره 7: 1. وأبو نصر في اللمع ص 280، وابن كثير في تفسيره 2: 435، والخازن في تفسيره 2: 335. [*]

[262]

نبي هذه الأمة، وهذه دار هجرته، وسيكون بهذه البلدة من القتل والسبي أمر عظيم. قالت أم أيمن: وعيت ذلك كله من كلامهما (1) أبعد هذه كلها، وبعد تلكم الإرهاصات للنبوة التي ملأت بين الخافقين، وبعد ذلك الصيت الطائل الذي دوخ الأقطار، وبعد مضي خمسون سنة من عمره الشريف صلى الله عليه وآله رسول الله شاب لا يعرف وأبو بكر شيخ يعرف، يسأل عنه: من هذا الغلام بين يديك ؟ ولايضاح هذه الجمل من الحري أن نسرد كيفية هجرته صلى الله عليه وآله حتى تزيد بصيرة القارئ على موقع الإفك من هذه المجهلة المأثورة في الصحاح والمسانيد الصادرة عن الغلو في الفضائل عميا وصما. فأقول: * (الأنصار في البعتين) * كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرض نفسه على القبائل في المواسم إذا كان يدعوهم إلى الله ويخبرهم إنه نبي مرسل فعرض نفسه على كندة. وعلى بني عبد الله بطن من كلب. وعلى بني حنيفة. وعلى بني عامر بن صعصعة. وعلى قوم من بني عبد الأشهل. فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وآله وإنجاز موعده له خرج صلى الله عليه وآله وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا وفيهم: أسعد بن زرارة أبو أمامة النجاري. وعوف بن الحرث بن عفراء. ورافع بن مالك. وقطبة بن عامر بن حديدة. وعقبة بن عامر بن نابي. وجابر بن عبد الله. فكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله ودعاهم إلى الله، وعرض عليهم الاسلام، وتلا عليهم القرآن فأجابوه فيما دعا إليهم ثم انصرفوا عنه صلى الله عليه وآله راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا. فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ودعوهم إلى الاسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة الأولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض عليهم الحرب. وهم:


(1) دلائل النبوة لأبي نعيم 1: 50، صفة الصفوة لابن الجوزي 1: 20 تاريخ ابن كثير 2: 279 بهجة المحافل 1: 44. [*]

[263]

أبو أمامة أسعد بن زرارة. وعوف بن عفراء. ومعاذ بن عفراء. ورافع بن مالك. وذكوان بن عبد قيس. وعبادة بن الصامت. ويزيد بن ثعلبة. والعباس بن عبادة. وعقبة بن عامر. وقطبة بن عامر. وأبو الهيثم بن التيهان. وعويم بن ساعدة. قال عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى: على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فلما انصرف القوم عنه صلى الله عليه وسلم بعث رسول الله معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وأمره أن يقرأهم القرآن، ويعلمهم الاسلام، ويفقههم في الدين، ويقيم فيهم الجمعة والجماعة، وكان مصعب يسمى بالمدينة: المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة أبي أمامة. النجاري وكان يصلي بهم الجمعة والجماعة فأقام عنده يدعوان الناس الاسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون. ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة، وخرج من خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق. قال كعب: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد ساداتنا وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، ثم دعوناه إلى الاسلام فأسلم وشهد معنا العقبة، و كان نقيبا، فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة. وأسماء بنت عمرو أم منيع. قال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك عما نمنع منه أزرنا (1) فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحروب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخرجوا إلي


(1) أزرنا: يعني نساءنا، والمرأة يكنى عنها بالإزار. [*]

[264]

منكم اثنى عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس وهم: 1 - أبو أمامة أسعد بن زرارة الخزرجي. 2 - سعد بن الربيع بن عمرو الخزرجي. 3 - عبد الله بن رواحة بن امرؤ القيس الخزرجي. 4 - رافع بن مالك بن العجلان الخزرجي. 5 - البراء بن معرور بن صخر الخزرجي. 6 - عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي. 7 - عبادة بن الصامت بن قبس الخزرجي. 8 - سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي. 9 - المنذر بن عمرو بن خنيس الخزرجي. 10 - أسيد بن حضير بن سماك الأوسي. 11 - سعد بن خيثمة بن الحرث الأوسي. 12 - رفاعة بن عبد المنذر بن زنبر الأوسي. وقد يعد بمكانه أبو الهيثم ابن التهيان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي: يعني المسلمين. قالوا: نعم. قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج ! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتل استلمتموه ؟ فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا فإنا نأخذ على مصيبة الأموال قتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله ! إن نحن وفينا ؟ قال: الجنة. قالوا: أبسط يدك فبسط يده فبايعوه. فقال له العباس بن عبادة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل

[265]

منى غدا بأسيافنا ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم نؤمر بذلك ولذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. فرجعوا إلى مضاجعهم. فلما قدموا المدينة أظهروا الاسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك. وكان أهل بيعة العقبة الآخرة ثلاثة وسبعين رجلا و امرأتين وهم: أسيد بن حضير النقيب * أبو الهيثم بن التيهان النقيب * سلمة بن سلامة الأشهلي ظهير بن رافع الخزرجي * أبو بردة بن نيار بن عمرو * نهير بن الهيثم الحارثي سعد بن خيثمة النقيب * رفاعة بن عبد المنذر النقيب * عبد الله بن جبير بن النعمان معن بن عدي بن الجلد * عويم بن ساعدة الأوسي * أبو أيوب خالد الأنصاري معاذ بن الحارث الأنصاري * أسعد بن زرارة النقيب * سهيل بن عتيك النجاري أوس بن ثابت الخزرجي * أبو طلحة زيد بن سهل * قيس بن أبي صعصعة النجاري عمرو بن غزية الخزرجي * سعد بن الربيع النقيب * خارجة بن زيد الخزرجي عبد الله بن رواحة النقيب * بشير بن سعد الخزرجي * خلاد بن سويد الخزرجي عقبة بن عمرو الخزرجي * زياد بن لبيد الخزرجي * فروة بن عمرو الخزرجي خالد بن قيس الخزرجي * رافع بن مالك النقيب * ذكوان بن عبد قيس الخزرجي عبادة بن قيس الخزرجي * الحارث بن قيس الخزرجي * البراء بن معرور النقيب بشر بن البراء الخزرجي * سنان بن صيفي الخزرجي * الطفيل بن النعمان الخزرجي معقل بن المنذر الخزرجي * يزيد بن المنذر الخزرجي * مسعود بن يزيد الخزرجي الضحاك بن حارثة الخزرجي * يزيد بن خزام الخزرجي * جبار بن صخر الخزرجي الطفيل بن مالك الخزرجي * كعب بن مالك الخزرجي * سليم بن عمرو الخزرجي قطبة بن عامر الخزرجي * يزيد بن عامر الخزرجي * كعب بن عمرو الخزرجي صيفي بن سواد الخزرجي * ثعلبة بن غنمة السلمي * عمرو بن غنمة السلمي عبد الله بن أنيس السلمي * خالد بن عمرو السلمي * عبد الله بن عمر النقيب جابر بن عبد الله السلمي * ثابت بن ثعلبة السلمي * عمير بن الحارث السلمي خديج بن سلامة بن الفرافر * معاذ بن جبل الخزرجي * أوس بن عباد الخزرجي عبادة بن الصامت النقيب * غنم بن عوف الخزرجي * العباس بن عبادة الخزرجي

[266]

أبو عبد الرحمن بن الخزرجي * عمرو بن الحرث الخزرجي * رفاعة بن عمرو الخزرجي عقبة بن وهب الجشمي * سعد بن عبادة النقيب * المنذر بن عمرو النقيب عوف بن الحارث الأنصاري * معوذ بن الحارث الأنصاري * عمارة بن حزم الأنصاري عبد الله بن زيد مناة الخزرجي. نبأ الهجرة فلما عتت قريش على الله عز وجل، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه صلى الله عليه وسلم، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه واعتصم بدينه أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم في القتال فنزل قوله تعالى: أذن الذين يقاتلون بأنهم ظلموا الآية. ثم أنزل الله تعالى: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب وتابعه هذ الحي من الأنصار على الاسلام والنصرة له ولمن اتبعه، وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها. فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة، فهاجر بنو جحش فغلقت دورهم هجرة تخفق أبوابها يبابا، ليس فيها ساكن خلاء من أهلها. وكان بنو غنم بن دودان أهل. إسلام قد أو عبوا إلى المدينة هجرة نساءهم ورجالهم، ثم تتابع المهاجرون وفيهم. أبو سلمة بن عبد الأسد * عامر بن ربيعة الكعبي * عبد الله بن جحش * عبد بن جحش أبو أحمد عكاشة بن محصن * شجاع بن وهب * عقبة بن وهب * عربد بن حمير منقذ بن نباتة * سعيد بن رقيش * محرز بن نضلة * يزيد بن رقيش قيس بن خابر * عمرو بن محصن * مالك بن عمرو * صفوان بن عمرو ثقف بن عمرو * ربيعة بن أكثم * الزبير بن عبيدة * تمام بن عبيدة سخبرة بن عبيدة * محمد بن عبد الله بن جحش * عمر بن الخطاب * عياش بن أبي ربيعة زيد بن الخطاب * عمرو بن سراقة * عبد الله بن سراقة * خنيس بن حذافة إياس بن البكير * عاقل بن البكير * عامر بن البكير * خالد بن البكير

[267]

طلحة بن عبيد الله * حمزة بن عبد المطلب * صهيب بن سنان * زيد بن حارثة كنار بن حصين * عبيدة بن الحارث * الطفيل بن الحارث * الحصين بن الحرث مسطح بن أثاثة * سويبط بن سعد * طليب بن عمير * خباب مولى عتبة عبد الرحمن بن عوف * الزبير بن عوام * أبو سبرة بن أبي رهم * مصعب بن عمير أبو حذيفة بن عتبة * سالم مولى أبي حذيفة * عتبة بن غزوان * عثمان بن عفان أنسة مولى رسول الله * أبو كبشة مولى رسول الله. وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة. ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن، إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهما حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله صلى الله عليه وسلم في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه، وما كان يعلم بخروجه صلى الله عليه وسلم أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق وآل أبي بكر، أما علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بخروجه وأمره أن يتخلف بعد مكة، حتى يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته صلى الله عليه وسلم، فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فخرج ومعه أبو بكر ثم عمدا إلى غار بثور جبل بأسفل مكة فدخلاه فأقام فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ومعه صاحبه. ثم خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل أسفل من عسفان (1) ثم سلك بهما على أسفل أمج (2) ثم استجاز بهما حتى عارض بهما الطريق بعد أن جاز قديدا (3) ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار (4) ثم سلك بهما ثنية (5) المرة، ثم سلك بهما لقفا (6)، ثم استبطن بهما مدلجة


(1) بضم الأول ثم السكون: محل من مكة على مرحلتين، (2) بفتح الهمزة والميم: بلد من اعراض المدينة. (3) بضم الأول وفتح الدال: موضع فيه ماء بين مكة والمدينة. بها منازل خزاعة. (4) بفتح المعجمة وتشديد الراء: موضع قرب الجحفة. (5) ثنية المرة مخفف الراء، (6 و) يقال: لقف بالتحريك وبفتح اللام وسكون الفاء. وبكسر اللام وسكون الفاء [*]

[268]

مجاج (1) ثم سلك بهما مرجح مجاج ثم تبطن بهما مرجح (2) من ذي العضوين - الغضوين - ثم بطن ذي كشر (3) ثم أخذ بهما على الجداجد (4) ثم على الأجرد (5) ثم سلك بهما ذا سلم بن بطن أعدا مدلجة تعهن (6) ثم على العبابيد (7) ثم أجاز بهما الفاجة (8) ثم هبط بهما العرج (9) فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له: أوس بن حجر على جمل له يقال له: ابن الرداء. إلى المدينة وبعث معه غلاما له مسعود بن هنيدة، ثم خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بهما ثنية العائر (10) عن يمين ركوبه (11) حتى هبط بهما بطن رئم (12) ثم قدم بهما قباء (13) على بني عمرو بن عوف حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل. ولما دنوا من قباء بعثوا رجلا من أهل البادية إلى أبي أمامة وأصحابه من الأنصار فثار المسلمون إلى السلاح واستقبله زهاء خمسمائة من الأنصار فوافوه وهو مع أبي بكر في ظل نخلة، ثم قالوا لهما: اركبا آمنين مطاعين. فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بقباء في دار بني عمرو بن عوف فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف بن الاثنين ويوم الثلثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده وقد يقال كما في سنن أبي داود 1


(1) بفتح الميم وكسره بجيمين وصححه بعض بفتح الميم ثم المعجمة وآخره مهملة. (2) بفتح الميم وسكون الراء بعدها معجمة مكسورة وآخره مهملة. (3) بفتح الكاف وسكون الشين وآخره مهملة. (4) بالمعجمتين والمهملتين بينهما ألف. من الآبار القديمة. (5) اسم جبل هناك. (6) تعهن بكسر أوله وهائه وتسكين العين وآخره نون: اسم عين ماء سمى به على ثلاثة أميال من السقيا بين مكة والمدينة، ويقال في ضبطه غير هذا. (7) ويقال: العبابيب، ويقال: العثيانة. (8) ويقال: الفاحة بالمهملة. والقاحة. مدينة على ثلاثة مراحل من المدينة. (9) بفتح العين وسكون الراء: عقبة بين مكة والمدينة. (10) قال محمد يحيى الدين المصري في حاشية سيرة ابن هشام 2: 108: لم يذكر ياقوت العائر لا بالعين المهملة ولا بالغين المعجمة. أقول: ذكره في العين المهملة 6 ص 103 وقال: جبل بالمدينة. وفي حديث الهجرة: ثنية العائر عن يمين ركوبه. ويقال: ثنية الغائر بالغين المعجمة. ا ه‍ ملخصا (11) بفتح الراء: ثنية صعبة عند العرج. (12) بكسر الراء المهملة موضع على أربعة برد من المدينة وقيل: ثلاثة برد. (13) بضم أوله: قرية على ميلين من المدينة. [*]

[269]

ص 74: إنه أقام في قباء أربعة عشر ليلا، وحكى موسى بن عقبة اثنين وعشرين ليلة. وقال البخاري: بضع عشرة ليلة، وبقباء كانت منازل الأوس والخزرج. ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. قال عبد الرحمن بن عويم: حدثني رجال من قومي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا (1) قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال، فإذا لم نجد ظلا دخلنا، وذلك في أيام حارة. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وصلى الجمعة أتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف، فقالوا: يا رسول الله ! أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة - يعني ناقته - فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا وازنت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة ابن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا: يا رسول الله ! هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني الحرث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحرث بن الخزرج فقالوا: يا رسول الله هلم إلينا إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها فانطلقت، حتى إذا مرت بدار بني عدي بن النجار اعترضها سليط بن قيس، وأبو سليط أسيرة بن أبي خارجة في رجال من بني عدي فقالوا: يا رسول الله ! هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار


(1) استشعرناه وانتظرناه. [*]

[270]

بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ مربد (1) لغلامين يتيمين من بني النجار: سهل وسهيل ابني عمرو، فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت إلى خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت (2) ورزمت (3) ووضعت جرانها (4) فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله ! لسهل و سهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي، وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا. راجع سيرة ابن هشام 2 ص 31 - 114، تاريخ الطبري 2: 233 - 249، طبقات ابن سعد 1 ص 201 - 224، عيون الأثر 1: 152 - 159، الكامل لابن الأثير 2: 38. 44 تاريخ ابن كثير 3: 138 - 205، تاريخ ابن الفدا ج 1: 121 - 124، الامتاع للمقريزي ص 30 - 47، السيرة الحلبية 2: 3 - 61. - 11 - أبو بكر أسن من النبي عن يزيد (5) بن الأصم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت ؟ قال: لا بل أنت أكبر مني وأكرم وخير مني، وأنا أسن منك. أخرجه ابن الضحاك، وذكره أبو عمر في الاستيعاب 2: 226، والمحب الطبري في الرياض النضرة 1 ص 127، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 72 نقلا عن خليفة بن خياط، وأحمد بن حنبل، وابن عساكر، قال الأميني: أو لا تعجب من أكذوبة تعد أكرومة ؟ متى تصح رواية يزيد بن الأصم عن النبي صلى الله عليه وآله ولم يدركه، فإن الرجل توفي سنة 101 / 3 / 4 وهو ابن ثلاث و


(1) بكسر الميم وفتح الباء بينهما مهملة ساكنة أصله الموضع الذي يجفف فيه التمر. (2) تحلحلت: تحركت. وقد يقال: تلحلحت. أي لزمت مكانها. (3) وعند ابن الأثير: أرزمت. أي رغبت ورجعت في رغائها، (4) الجران، ككتاب: قال السهيلي: أي عنقها. وقال غيره: الجران. ما يصيب الأرض من صدرها وباطن حلقها. (5) في الرياض: زيد. والصحيح: يزيد. [*]

[271]

سبعين سنة فولادته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بدهر. ثم متى كان أبو بكر أسن من النبي وقد ولد صلى الله عليه وآله في عام الفيل، وولد أبو بكر بعد عام الفيل بثلاث سنين. وقال سعيد بن المسيب: استكمل أبو بكر بخلافته سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفي وهو بسن النبي صلى الله عليه وآله ابن ثلاث وستين سنة. راجع: المعارف لابن قتيبة ص 75 فقال: إتفقوا على أن عمره ثلاث وستون سنة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسن من أبي بكر بمقدار سني خلافته. ا ه‍. صحيح الترمذي 2: 288 وفيه: أنه صلى الله عليه وسلم توفي وهو ابن خمس وستين سنة، سيرة ابن هشام 1 ص 205، تاريخ الطبري 2: 125 و ج 4: 47، الاستيعاب م 1: 335 وقال: لا يختلفون أن سنه انتهت إلى حين وفاته ثلاثا وستين سنة إلا ما لا يصح وأنه استوفى بخلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وآله سن رسول الله صلى الله عليه وآله وقال في الجزء الثاني ص 626 بعد ذكر حديث يزيد الأصم: هذا الخبر لا يعرف إلا بهذا الاسناد، وأحسبه وهما لأن جمهور أهل العلم بالأخبار والسير والآثار يقولون: إن أبا بكر استوفى بمدة خلافته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة] الكامل 1: 185 و ج 2: 176. أسد الغابة 3: 223، مرآة الجنان 1: 65، 69، مجمع الزوائد 9: 60، عيون الأثر 1: 43، الإصابة 2: 341، 344، السيرة الحلبية 3: 396. نعم: هذه المسائلة وقعت بينه صلى الله عليه وآله وبين سعيد بن يربوع المخزومي كما رواها البغوي وابن مندة (1) وابن يربوع توفي سنة 54 وله 120 سنة. وقيل: وزيادة أربع. ولما كانت شيبة أبي بكر وكبر سنه هي الحجة الوحيدة على مخالفيه يوم السقيفة فأيدها المغالون في فضائله بأمثال هذه المخاريق المفتعلة، وتحريف التاريخ عن مواضعه. والله يعلم أنهم لكاذبون. - 12 - إسلام أبي بكر قبل ولادة علي عن شبابة عن فرات بن السائب قال: قلت لميمون بن مهران: أبو بكر الصديق أول إيمانا بالنبي صلى الله عليه وسلم أم علي بن أبي طالب ؟ قال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم


(1) الإصابة 2: 51. [*]

[272]

زمن بحيرا الراهب، واختلف فيما بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد علي بن أبي طالب. وعن ربيعة بن كعب (1) قال: كان إسلام أبي بكر شبيها بالوحي من السماء وذلك أنه كان تاجرا بالشام فرأي رؤيا فقصها على بحيرا الراهب فقال له: من أين أنت ؟ فقال: من مكة فقال: من أيها ؟ قال: من قريش. قال: فأي شئ أنت: قال: تاجر. قال: إن صدق الله رؤياك فإنه يبعث نبي من قومك تكون وزيره في حياته وخليفته من بعد وفاته. فأسر ذلك أبو بكر في نفسه حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فجاء فقال: يا محمد ما الدليل على ما تدعي ؟ قال: الرؤيا التي رأيت بالشام فعانقه وقبل بين عينيه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. وقال الإمام النووي: كان أبو بكر أسبق الناس إسلاما، أسلم وهو ابن عشرين سنة. وقيل: خمس عشر سنة. راجع الرياض النضرة 1: 51، 54، أسد الغابة 1: 168، تاريخ ابن كثير 9: 319، الصواعق المحرقة ص 45، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 24، الخصايص الكبرى 1: 29، نزهة المجالس 2: 182. قال الأميني: هلم معي ننظر إلى هذه المراسيل هل توجد فيها مسحة من الصدق ؟ أما رواية ابن مهران سندا: 1 - فشبابة بن سوار (2) أبو عمر والمدائني قال أحمد: تركته لم أكتب عنه للأرجاء وكان داعية، وقال ابن خراش: كان أحمد لا يرضاه وهو صدوق في الحديث وقال الساجي وابن عبد الله وابن سعد والعجلي وابن عدي: إنه كان يقول بالارجاء، وقبل هذه كلها يظهر مما رواه أبو علي المدائني: إنه كان يبغض أهل بيت النبي صلوات الله عليهم. وضربه الله بالفالج لدعاء من دعا عليه بقوله: أللهم إن كان شبابة يبغض أهل نبيك فاضربه الساعة بالفالج. ففلج في يومه ومات. ميزان الاعتدال 1: 440، تهذيب التهذيب 4: 302.


(1) في الخصايص الكبرى عن كعب. وهو الصحيح. (2) في ميزان الاعتدال: سواد. [*]

[273]

2 - فرات بن السائب الجرري. قال البخاري: منكر الحديث وقال يحيى ابن معين: ليس بشئ، منكر الحديث. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال أحمد بن حنبل: قريب من محمد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك. ومحمد بن زياد هو اليشكري أحد الكذابين الوضاعين كما مر في ج 5: 258 ط 2، ففرات عند إمام الحنابلة كذاب وضاع. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال الساجي: تركوه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم. ذاهب الحديث وقال ابن عدي: له أحاديث غير محفوظة وعن ميمون مناكير. [ميزان الاعتدال 2: 325، لسان الميزان 4: 430] 3 - ميمون بن مهران حسبه ما مر في رواية فرات عنه، أضف إلى ذلك قول العجلي: إنه كان يحمل على علي كما في تهذيب ابن حجر 10: 391. هب إنه وثقة من وثقه، فما قيمته وقيمة حديثه بعد تحامله على علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ثم قد أتى ميمون في حديثه بأمرين: إسلام أبي بكر زمن بحيرا. واختلافه في زواج رسول الله صلى الله عليه وآله خديجة. أما اختلافه بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين خديجة فلم ينبأ عنه قط خبير. وليس من الجايز أن يكون الوسيط في قران رجل عظيم كمحمد وامرأة من بيت مجد وسؤدد ورياسة كخديجة، شاب حدث ابن اثنتين وعشرين سنة وللزوج أعمام أشراف أعاظم كالعباس وحمزة وأبي طالب وهو بينهم وفي بيتهم، وكان عمه أبو طالب كما يأتي يحبه حبا شديدا لا يحب أولاده مثله، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرجه معه حين يخرج (1) وكان هو الذي كلم خديجة حتى وكلت رسول الله صلى الله عليه وآله بتجارتها، كما في الامتاع للمقريزي ص 8. والذي جاء في السير والتاريخ في أمر هذا القران أن خديجة بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ورغبت في زواجه لقرابته وأمانته وحسن خلقه وصدق حديثه، وعرضت نفسها عليه صلى الله عليه وآله، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأعمامه فخرج معه عمه حمزة وفي لفظ ابن الأثير: خرج معه حمزة وأبو طالب وغيرهما من عمومته. حتى دخل على خويلد بن أسد، أو على عمرو بن أسد عم خديجة فخطبها إليه فتزوجها عليه وآله الصلاة


(1) يأتي تفصيل ذلك في الكلام عن أبي طالب عليه السلام. [*]

[274]

والسلام وخطب أبو طالب عليه السلام خطبة النكاح، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، و عنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، فإن كان في المال قل ؟ فإن المال ظل زايل، و أمر حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل. فزوجها. راجع طبقات ابن سعد 1: 113، تاريخ الطبري 2: 127، أعلام الماوردي ص 114، الصفوة لابن الجوزي 1: 25 الكامل لابن الأثير 2: 15، تاريخ ابن كثير 2: 294، تاريخ الخميس 1: 299، عيون الأثر 1: 49، أسد الغابة 5: 435، الروض الأنف 1: 122، تاريخ ابن خلدون 2: 172، المواهب اللدنية 1: 50، السيرة الحلبية 1: 149، 150، شرح المواهب للزرقاني 1: 200، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1: 114. فأين مزعمة ابن مهران من هذا التاريخ الصحيح المتواتر ؟ وأما إسلام أبي بكر قبل ولادة علي أمير المؤمنين زمن " بحيرا " الراهب فإنه مأخوذ مما أخرجه ابن مندة (1) من طريق عبد الغني بن سعيد الثقفي عن ابن عباس: إن أبا بكر الصديق صحب النبي وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي ابن عشرين وهم يردون الشام في تجارة حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة قعد في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له: بحيرا يسأله عن شيئ الخ هذه الرواية ضعفها غير واحد من الحفاظ. قال الذهبي في ميزان الاعتدال 2: 243: عبد الغني ضعفه ابن يونس. وأقر ضعفه ابن حجر في لسانه 4: 45، وقال في الإصابة 1: 177: أحد الضعفاء المتروكين. وذكره السيوطي في الخصايص الكبرى 1: 86 فقال: سند ضعيف وضعفه


(1) أبو عبد الله محمد بن إسحاق الاصبهاني الحافظ الرجال المتوفى 355.

[275]

القسطلاني في المواهب 1: 50، والحلبي في السير النبوية 1: 130. وأفظع من هذا رواية أخرجها الحفاظ من طريق أبي نوح قراد عن يونس ابن أبي إسحاق عن أبيه عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب - يعني بحيرا - هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم قال: فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، إلى أن قال. فبايعوه وأقاموا معه عنده، فقال الراهب: أنشدكم الله أيكم وليه ؟ قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت. أخرجه الترمذي في صحيحه 2: 284 فقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والحاكم في المستدرك 2: 616، وأبو نعيم في الدلائل 1: 53، والبيهقي في الدلائل، والطبري في تاريخه 2: 195، وابن عساكر في تاريخه 1: 267، وابن كثير في تاريخه 2: 284، نقلا عن الحافظ أبي بكر الخرائطي والحفاظ المذكورين، وابن سيد الناس في عيون الأثر 1: 42، والقسطلاني في المواهب 1: 49. * (رجال الرواية) * 1 - أبو نوح قراد عبد الرحمن بن غزوان، قال عباس الدوري: ليس في الدنيا أحد يحدث بهذا الحديث غير قراد أبي نوح وقد سمعه منه أحمد ويحيى لغرابته و انفراده " تاريخ ابن كثير 2: 285 ". وقال الذهبي في الميزان 2: 113: كان يحفظ، قوله مناكير، وأنكر ما له حديث عن يونس " وذكر شطرا من الحديث " فقال: ومما يدل على أنه باطل قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا، وبلال لم يكن خلق، وأبو بكر كان صبيا. وقال في تلخيص المستدرك تعليقا على تصحيحه قلت: أظنه موضوعا فبعضه باطل وقال ابن حجر في التهذيب 6: 248: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان

[276]

يخطئ يتخالج في القلب منه لروايته عن الليث قصة المماليك. وقال أحمد: هذا " يعني حديث المماليك " باطل مما وضع الناس. وقال الدارقطني: قال أبو بكر: أخطأ فيه قراد. 2 - يونس بن أبي إسحاق. ضعف أحمد حديثه عن أبيه، وقال: حديثه عن أبيه مضطرب. وقال أبو حاتم: كان صدوقا إلا أنه لا يحتج بحديثه. وقال: أبو أحمد الحاكم ربما وهم في روايته. " تهذيب التهذيب 11: 434 ". 3 - أبو إسحاق السبيعي. قال: ابن حبان: مدلس، وذكره الكرابيسي في المدلسين، وقال معن: أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق التدليس " تهذيب التهذيب 8: 66 " وقال أبو حاتم: صدوق لا يحتج به: وقال ابن خراش. في حديثه لين. وقال ابن حزم في المحلى: ضعفه يحيى وأحمد جدا، وقال أحمد: حديثه مضطرب " ميزان الاعتدال 3: 339 ". 4 - أبو بكر بن أبي موسى توفي سنة 106، ضعفه ابن سعد، وقال أحمد: لم يسمع من أبيه. تهذيب التهذيب 12 ص 41 ". 5 - أبو موسى الأشعري المتوفى سنة 42 / 50 / 51 / 53 وهو ابن 63 سنة بلا خلاف أجده وقد وقعت الواقعة بعد عام الفيل بتسع سنين أو اثني عشر عاما قبل ولادة أبي موسى الأشعري 17 / 22 / 23 / 25 عاما، فإن كان أبو موسى هو الشاهد للقصة قبل مولده فحبذا ؟ وإن كان يرويها عمن شاهدها فمن هو ؟ حتى ننظر في حاله. هذا شأن الرواية سندا، أهذه كلها تخفى على مثل الترمذي ومن بعده من الحفاظ فيحكمون فيها بالحسن ؟ أو بالصحة كما فعله ابن حجر والحلبي ؟ أنا لا أدري. نعم: الحب يعمي أو يصم. وأما متن الرواية فهو يكفي في تكذيبها إذ سفر أبي طالب عليه السلام إلى الشام و أخذه معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان وقد مضى من عمره صلى الله عليه وآله سلم تسع سنين على ما قاله أبو جعفر الطبري والسهيلي وغيرهما، أو اثنى عشر عاما على ما قاله آخرون (1) وكان


(1) طبقات ابن سعد 1: 102، تاريخ الطبري 2: 195، تاريخ ابن عساكر 1: 2، 269، تاريخ ابن كثير 2: 285، الروض الأنف: 1: 118، امتاع المقريزي ص 8، عيون الأثر 1: 43، شرح المواهب للزرقاني 1: 196. [*]

[277]

أبو بكر يوم ذاك ابن ست أو تسع سنين: فأين كان هو ؟ وماذا كان يصنع بالشام ؟ وأي اختيار كان له بين شيوخ قريش ؟ ولم تكن تنعقد نطفة بلال يوم ذاك أخذا بقول من قال: إنه توفي سنة 25 وله بضع وستون سنة (1) أو إنه ولد في تلكم السنين أخذا بقول ابن الجوزي في الصفوة 1 ص 174 من أنه مات سنة عشرين وهو ابن بضع وستين سنة. كأن أبو بكر ولد وهو شيخ وبلال عتيقه، وكان معه من أول يومه، وكان من يوم ولد له الحل والعقد. ثم أي بيعة كانت يوم ذاك ؟ وما معنى قول أبي موسى الأشعري: فبايعوه و أقاموا معه عنده ؟ وأي إيمان وإسلام على زعم رواة هذه الأفيكة، وكان قبل البعثة بإحدى وثلاثين سنة، أو ثمانية وعشرين عاما، أو اثنين وعشرين، أو سبعة عشرة سنة على زعم النووي ؟ ولم تكن للنبي صلى الله عليه وآله يومئذ دعوة، ولا كلف أحدا بالإيمان به، فلا يقال لمن عرف شيئا من إرهاصات النبوة إنه أسلم يوم عرف وإلا لكان " بحيرا " الراهب و " نسطور " وأمثالهما من الرهبان والكهنة أقدم إسلاما من أبي بكر، وكم هنالك أناس عرفوا أمر الرسالة قبلها وبشروا بها ثم بعد البعثة عاندوا وحسدوا، فمنهم من مات مشركا، ومنهم من أدركته الهداية بعد حين كما يأتي في كعب الأحبار بعيد هذا. و كيف أثبت ذلك اليوم إيمانا لأبي بكر وصار بذلك أقدم الناس إسلاما ولم يثبت لأبي طالب لا ذاك ولا غيره ؟ وأبو موسى لم يستثن أبا طالب من أولئك الذين بايعوا يوم ذاك نظراء أبي بكر وبلال الخيالي. قال الحافظ الدمياطي: في هذا الحديث وهمان: الأول: قوله: فبايعوه وأقاموا معه. والثاني: قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا. ولم يكونا معه، ولم يكن بلال أسلم لا ملكه أبو بكر، بل كان أبو بكر حينئذ لم يبلغ عشر سنين، ولم يملك أبو بكر بلالا إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة وكذا ضعفه الذهبي (2). وقال الزركشي في الاجابة ص 50: هذا من الأوهام الظاهرة لأن بلالا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعد أن أسلم بلال وعذبه قومه ولما خرج


(1) تهذيب التهذيب 1: 503. (2) حياة الحيوان للدميري 2: 275، تاريخ الخميس 1: 292. [*]

[278]

النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام مع عمه أبي طالب كان له من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وأيام. ولعل بلالا لم يكن بعد ولد. ا ه‍ وقال ابن كثير في تاريخه 2: 285: إن قوله: وبعث أبو بكر معه بلالا إن كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك اثنتى عشرة سنة فقد كان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة، وعمر بلال أقل من ذلك، فأين كان أبو بكر إذ ذلك ؟ ثم أين كان بلال، كلاهما غريب، أللهم إلا أن يقال: إن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرا، إما بأن يكون سفره بعد هذا أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك اثنتي عشرة سنة غير محفوظ فإنه إنما ذكره مقيدا بهذا الواقدي، وحكى السهيلي عن بعضهم أنه كان عمره على الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين والله أعلم. قال الأميني: إن ابن كثير غض البصر عما في الرواية من خرافة البيعة كأن لم يكن شيئا مذكورا. ثم أتى في تصحيح بعث أبي بكر بلالا بما لا يخفى على فساده، إذ لم يزد سفر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشام مع أبي طالب عليه السلام على المرة الواحدة، و كون عمره صلى الله عليه وآله وسلم اثنى عشر عاما محفوظ عند ابن سعد وابن جرير وابن عساكر و ابن الجوزي، ولم ينحصر بالواقدي كما حسبه. وقد سافر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الشام مرة ثانية سنة خمس وعشرين من عام الفيل مع ميسرة غلام السيدة خديجة سلام الله عليها وليس هناك أي ذكر من " بحيرا " وإنما فيه قضية " نسطور " الراهب. (1). وقال ابن سيد الناس في عيون الأثر 1: 43 مثل مقالة الدمياطي المذكورة وكذلك الحلبي في السيرة النبوية 1 ص 129، والحديث أخرجه ابن الجوزي في صفة الصفوة 1: 21، من طريق داود بن الحصين وليس فيه أثر من الوهمين ولا ذكر من أبي بكر. * (نظرة في حديث كعب) * وأما رواية كعب فإني لم أجدها في أصل من أصول الحديث، ولم أر لها سندا قط، وفي ذكر كعب وهو كعب الأحبار من رجال


(1) تاريخ ابن عساكر 1: 267، 272، دلائل النبوة لأبي نعيم 1: 54، الصفوة لابن الجوزي 1: 24، تاريخ ابن الفدا ج 1: 114، الاجابة للزركشي ص 50، تاريخ الخميس 1. 262. [*]

[279]

سندها كفاية، وحسبنا في كعب ما أخرجه البخاري من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان لمن أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب (1). م - وقال ابن أبي الحديد في شرحه 1 ص 362: روى جماعة من أهل السير: أن عليا كان يقول في كعب الأحبار: إنه الكذاب وكان كعب منحرفا عن علي عليه السلام. وأخرج ابن أبي خيثمة بإسناد حسنه ابن حجر عن قتادة قال: بلغ حذيفة أن كعبا يقول: إن السماء تدور على قطب كالرحى. فقال: كذب كعب إن الله يقول: إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا] (2). على أن كعبا لو كان يصدق نفسه فيما أخبره من الإرهاصات والبشائر لما كان يبقى على دين اليهود طيلة حياة النبي صلى الله عليه وآله وما كان يأخر إسلامه إلى عهد عمر بن الخطاب، م - ولما كان يتعلل عندما سئل عما منعه عن إسلامه في العهد النبوي بقوله: إن أبي كان كتب لي كتابا من التوراة فقال: اعمل بهذا. وختم على ساير كتبه وأخذ علي بحق الوالد علي الولد أن لا أفض الختم عنها، فلما رأيت ظهور الاسلام قلت: لعل أبي غيب عني علما ففتحتها فإذا صفة محمد وأمته فجئت الآن مسلما] (3) وكان له يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنان وثمانون عاما (4) وأثر الكذب لايح في جل ما جاء به كعب وحسبه ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه 5 ص 260 من حديث ذي قربات الذي حكم الحفاظ بعدم صحته، وما جاء به السيوطي في الخصايص الكبرى 1: 31 من حديث إخباره عمر وعثمان: بأنهما مذكوران بالخلافة في التوراة، وفيها أن عثمان يقتل مظلوما، ومع هذه كلها لم يعلم صدور هذه البشارة منه في أيام إسلامه ولعله كان قبله فلا يقبل قوله لا يصدق في حديثه. على أن الأحلام إن صحت وصدقت فلم لم يحدث أبو بكر أحدا من الصحابة


(1) تهذيب التهذيب 8 ص 439، الإصابة 3 ص 316. (2) الإصابة: 3: 316. (3) الإصابة 3: 316. (4) راجع الإصابة، أسد الغابة، تهذيب التهذيب. [*]

[280]

بما أخبره " بحيرا " من البشارة في نفسه من أنه يكون وزيرا وخليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى يدور حديثه في دور النبي صلى الله عليه وآله على ألسنتهم، وتخبت إليه أفؤدتهم، وتزهر بمذاكرته أنديتهم ؟ أوانه حدث بها لكن الصحابة ضربوا عنها صفحا فلم تنه إلى المحدثين، ولا انتهت إلى أحد من أرباب الصحاح والمسانيد حتى انتهت النوبة إلى الغلاة في الفضائل من المتأخرين فأرسلوها إرسال المسلم تجاه الحقائق الراهنة. ولو كان أبو بكر أول من أسلم بتلكم التقاريب فأين كان هو إلى منتهى سبع سنين من البعثة التي يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها: لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين لأنا كنا نصلي وليس معنا أحد يصلي غيرنا ؟ (1). وفي أولية أمير المؤمنين في الاسلام أحاديث صحيحة عنه صلى الله عليه وآله وعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قدمناها في الجزء الثالث، وأسلفنا هناك ما يربو على ستين حديثا من الصحابة والتابعين في أن عليا أول الناس إسلاما وأول من صلى وآمن من ذكر. و قد مرت هناك صحيحة الطبري أن أبا بكر أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا، ولو كان أبو بكر أول من أسلم وقد آمن به صلى الله عليه وآله قبل ولادة علي عليه السلام فأين كان هو يوم قال العباس لعبد الله بن مسعود: ما على وجه الأرض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة: محمد وعلي وخديجة ؟ (تاريخ ابن عساكر 1: 318). فلا يحق آنئذ لأي مغال في الفضائل أن يدع تلكم الصحاح عن النبي الأعظم و وصيه الأقدس والصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان، ويأخذ تجاهها برواية كعب، و إن هو إلا كعب ليس إلا، ولا يثبت الحق بالكعاب. ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك. - 13 - أبو بكر أسن أصحاب النبي أخرج ابن سعد والبزار بسند حسن عن أنس قال: كان أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكر الصديق وسهيل بن عمرو بن بيضاء. وأخرجه أبو عمر في الاستيعاب 1 ص 576، وابن الأثير في أسد الغابة 2 ص 370.


(1) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 220 - 224 ط 2. [*]

[281]

وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9 ص 60 فقال: رواه البزار وإسناده حسن، و رواه ابن حجر في الإصابة 2 ص 85. وفيه: سهل بدل سهيل وهو أخوه. أو هو هو. والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 73 نقلا عن ابن سعد والبزار. قال الأميني: كنا نعتقد أن المغالاة يمكن أن تقع في النفسيات التي لا تدرك بالحواس الظاهرة كالعلم والتقوى وأمثالهما، وأما الغلو في المشهودات فلم يدع المنطق له مساغا فسرعان ما يظهر فيه كذب الغالي، ويفتضح به المائن حتى أوقفنا السير على أمثال هذه الأقاويل، فرأينا الرجل يقول بملأ فيه: إن أبا بكر أسن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله و هو يجد في معاجم الصحابة كثيرين هم أسن منه بكثير وإليك أسماء أمة منهم: 1 - أماناة بن قيس بن شيبان الكندي. أسلم وقد عاش دهرا، ويقال: أنه عاش ثلاثمائة وعشرين سنة كما في الإصابة 1: 63. 2 - أمد بن أبد الحضرمي. أدرك هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس و يقال: إنه كان في عهد معاوية له ثلاثمائة سنة. صب 1: 63. 3 - أنس بن مدرك أبو سفيان الخثعمي. قتل مع علي كان سيد خثعم في الجاهلية عاش مائة وأربعا وخمسين سنة. صب 1: 73. 4 - أوس بن حارثة الطائي والد خرام صاحب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عاش مائتي سنة، وأكثر هذه المدة من أيام الجاهلية. صب 1: 82. 5 - ثور - ثوب - بن تلدة. أنشد له الكلبي: وإن امرأ قد عاش تسعين حجة * إلى مائتين كلما هو ذاهب قال: ولا أدري ما عاش بعد ما أنشد هذا لمعاوية. وقد يقال. إنه كان له يوم بدر عشرون ومائة عاما. صب 1: 205. 6 - الجعد بن قيس المرادي. أسلم، وكان قد بلغ مائة سنة. صب 1: 235. 7 - حسان بن ثابت الأنصاري. عاش في الجاهلية ستين وفي الاسلام ستين عاما. صب 1: 326. 8 - حكيم بن حرام الأسدي ابن أخي خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد قبل عام الفيل بثلاثة وعشرين سنة، وتوفي وهو ابن عشرين ومائة سنة. صب 1: 349.

[282]

9 - حمزة بن عبد المطلب عم النبي الأعظم ولد قبله صلى الله عليه وآله بسنتين أو بأربع صب 1: 353. 10 - حنيفة بن جبير بن بكر التميمي. أدرك أحفاده النبي صلى الله عليه وآله ولهم صحبة وكانوا يوم ذاك ذا لحى كما في الإصابة 1: 359. 11 - حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس العامري المتوفى سنة 54 له مائة و عشرين عاما. صب 1: 364. 12 - حيدة بن معاوية العامري. مات وهو عم ألف رجل وامرأة وأدرك عبد المطلب بن هاشم جد النبي صلى الله عليه وآله وكان بالغا مبلغ الرجال. صب 1: 365. 13 - خنابة بن كعب العبسي. كان له على عهد معاوية بن أبي سفيان مائة و أربعون سنة وله قوله في الإصابة 1: 463: حويت من الغايات تسعين حجة * وخمسين حتى قيل: أنت المقزع 14 - خويلد بن مرة الهذلي أبو خراش، أدرك الاسلام شيخا كبيرا. صب 1: 465. 15 - ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم أبو أروى الهاشمي. كان أسن من عمه العباس الآتي ذكره. صب 1: 506. 16 - سعيد بن يربوع القرشي المخزومي المتوفى 54 وله 120 / 24 عاما. صب 2: 52. 17 - سلمة السلمي، أقبل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسلم وهو شيخ كبير 18 - سلمان أبو عبد الله الفارسي مات سنة 32 / 3 / 6 روى أبو الشيخ عن العباس بن يزيد أنه قال: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلثمائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون فيها. صب 2: 62. 19 - أبو سفيان القرشي الأموي. كان أسن من أبي بكر بإثني عشر عاما وعدة أشهر. صب 2: 179. 20 - صرمة بن أنس أبو قيس الأوسي. أدرك الاسلام فأسلم وهو شيخ كبير عاش نحوا من مائة وعشرين عاما وهو القائل كما في الإصابة 2: 183. بدا لي أني عشت تسعين حجة * وعشرا وما بعدها لي ثمانيا

[283]

فلم ألفها لما مضت وعدتها * يحسبها في الدهر إلا لياليا 21 - صرمة بن مالك الأنصاري، أدرك الاسلام فأسلم وهو شيخ كبير. صب 2: 183. 22 - طارق بن المرقع الكناني، كان في حجة الوداع شيخا كبيرا. 2: 221. 23 - الطفيل بن زيد الحارثي، هو الذي أخبر عمر بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية، وكان يوم ذاك قد أتت عليه مائة وستون سنة. صب 2: 224. 24 - عاصم بن عدي العجلاني توفي سنة خمس وأربعين وله مائة وعشرون سنة. صب 2: 246. 25 - العباس بن عبد المطلب عن النبي الأعظم، ولد قبل رسول الله بسنتين أو ثلاث صب 2: 271. 26 - عبد الله بن الحارث بن أمية، أدرك الاسلام وهو شيخ كبير. صب 2: 291 27 - عدي بن حاتم الطائي، مات بعد الستين وبلغ مائة وثمانين كما قاله أبو حاتم السجستاني، أو مائة وعشرين كما في قول خليفة. صب 2: 468. 28 - عدي بن وداع الدوسي، من رجال الجاهلية أدرك الاسلام فأسلم وغزا وتوفي وله ثلاثمائة سنة. صب 2: 472. 29 - عمرو بن المسبح (1) الطائي، مات وله مائة وخمسون عاما. قال ابن قتيبة: لست أدري أقبض قبل وفاة النبي أم بعده. صب 3: 16. 30 - فضالة بن زيد العدواني، سأله معاوية: كم أتت لك يا فضالة ؟ قال: عشرون ومائة سنة. صب 3: 214. 31 - قباث بن أشيم، سأله عثمان بن عفان: أنت أكبر أم رسول الله ؟ فقال رسول الله أكبر مني وأنا أسن منه. صب 3: 221. 32 - قردة بن نفاثة السلولي، أدرك الاسلام وهو شيخ كبير وعاش ومائة وخمسين


(1) بضم الميم وفتح المهملة وتشديد الموحدة كما في الإصابة 3: 16، وفي المعارف لابن قتيبة 136: المسيح. [*]

[284]

سنة وله كما في الإصابة 3: 231 من أبيات: بان الشباب فلم أحفل به بالا * وأقبل الشيب والاسلام إقبالا 33 - لبيد بن ربيعة بن عامر الكلابي الجعفري، توفي سنة 41 وهو ابن مائة و أربعين أو مائة وسبع وخمسين سنة أو مائة وستين سنة. صب 3: 326. 34 - اللجاج الغطفاني، وفد إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو ابن سبعين وعاش ومائة وعشرين سنة. صب 3: 328. 35 - المستوعز بن ربيعة بن كعب، كان من فرسان العرب في الجاهلية عاش إلى أيام معاوية وكان له 320 / 30 سنة. صب 3: 492. 36 - معاوية بن ثور البكائي، أسلم بيد النبي وهو شيخ كبير صب 1: 156. وفي بعض المعاجم كان ابن مائة سنة. 37 - منقذ بن عمرو الأنصاري، كان قد أتى عليه مائة وثلاثون في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله كما في أسد الغابة. 38 - النابغة الجعدي، عاش في الجاهلية مائتي سنة، ومات وهو ابن 225 / 30. عاما وهو القائل كما في الإصابة 3: 538: ألا زعمت بنو أسد بأني * أبو ولد كبير السن فاني ؟ فمن يك سائلا عني ؟ فإني * من الفتيان أيام الختان أتت مائة لعام ولدت فيه * وعشر بعد ذاك وحجتان وقد أبقت صروف الدهر مني * كما أبقت من السيف اليماني وقال أبو حاتم: عاش مائتي سنة وهو القائل: قال: أمامة كم عمرت زمانه * وذبحت من عنز على الأوثان ؟ ولقد شهدت عكاظ قبل محلها * فيها وكنت أعد من الفتيان والمنذر بن محرق في ملكه * وشهدت يوم هجائن النعمان وعمرت حتى جاء أحمد بالهدى * وقوارع تتلى من القرآن ولبست في الاسلام ثوبا واسعا * من سيب لا حرم ولا منان 39 - نوفل بن الحرث بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم النبي الطاهر. كان أسن من

[285]

أسلم من بني هاشم حتى من عميه حمزة والعباس المذكورين صب 3: 577. 40 - نوفل بن معاوية بن عروة الدئلي، كان ممن عاش في الجاهلية ستين وفي الاسلام ستين سنة. صب 3: 578. وقبل هؤلاء كلهم أبو قحافة والد الخليفة فإنه كان أبكر سنا من الخليفة لا محالة إن لم تصغره المعاجز من ابنه كما صغرت رسول الله صلى الله عليه وآله وجعله غلاما وشابا لا يعرف بين يدي أبي بكر وهو أكر منه. راجع في تراجم هؤلاء المذكورين المعارف لابن قتيبة، معجم الشعراء للمرزباني، الاستيعاب لأبي عمر، أسد الغابة لابن الأثير، تاريخ ابن كثير، الإصابة لابن حجر، مرآة الجنان لليافعي، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي. ونحن اقتصرنا منها بذكر الإصابة مرموزا ب‍ (صب) روما للاختصار. هؤلاء جملة ممن وقفنا على أسمائهم ممن أربوا على أبي بكر في السن من الصحابة الأولين، وهب أنا غضضنا الطرف عن كل ذلك فهلا نسائل القوم عن وجه الفضيلة في كبر السن ؟ أو ليس في الأمم والأجيال من طعنوا في السن فبلغوا من العمر عتيا، وفيهم الحالي بالفضائل والعاطل عنها، وإذا مدح أحدهم فإنها يمدح بمآثره لا بطول عمره، ومهما طال عمر الخليفة فإن أكثره انقضى في الجاهلية، بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم و للخليفة ثمان وثلاثون سنة وقد مر في الجزء الثالث ص 220 أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى سبع سنين ولم يصل معه غير علي أمير المؤمنين. إذن فلأبي بكر عند إسلامه خمس وأربعون عاما و توفي وهو ابن ثلاث وستين، فقد اشغل في الاسلام ثمان عشرة سنة، وهذه المدة الأخيرة هي التي يمكن أن تزدان بشئ من المناقب فهل ازدانت أو لا ؟ وفي الغابة أحسب أنه ليس للقوم غاية يعتد بها في كبر السن والاهتمام بذلك غير أنهم جعلوا الحجر الأساسي للخلافة الراشدة أشياء منها: إن أبا بكر قدم على أمير المؤمنين لأنه شيخ محنك لا ترة لأحد عنده فيبغض، وعلى هذا الأساس جعلوه تارة أكبر سنا من النبي صلى الله عليه وآله وقد عرفت حاله في صفحة 270 وأخرى أنه كان شيخا يعرف والنبي شابا لا يعرف، وأوقفناك على حقيقة الحال في ص 257. وآونة إنه أسن الصحابة ليحسموا مادة النقض بشيوخ في الصحابة كلهم أكبر من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

[286]

وفيهم رؤساء وأعاظم، وما عرفوا أن المستقبل الكشاف سيوقف الباحثين على أناس هم أكبر من الرجل سنا، وأوفر علما، وأبلغ حنكة، وأقدم شرفا، وأسبق إسلاما. - 14 - أبو بكر في كفة الميزان أخرج الخطيب في تاريخه 14 ص 78 من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن الهذيل عن مطرح بن يزيد عن عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد (1) عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فسمعت فيها خشفة بين يدي. فقلت: ما هذا ؟ قال بلال: فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين ولم أر فيها أحدا أقل من الأغنياء والنساء " إلى أن قال: ": ثم خرجنا من أحد أبواب الجنة الثانية فلما كنت عند الباب أتيت بكفة فوضعت فيها ووضعت أمتي في كفة فرجحت بها، ثم أتي بأبي بكر فوضع في كفة وجئ بجميع أمتي فوضعوا في كفة فرجع أبو بكر، ثم أتي بعمر فوضع في كفة وجئ بجميع أمتي فوضعوا فرجح عمر، ثم رفع الميزان إلى السماء. وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص 288. * (رجال الرواية) * 1 - مطرح بن يزيد الكوفي قال الدوري عن ابن معين: ليس بشئ وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ضعيف الحديث يروي أحاديث عن ابن زحر علي بن يزد فلا أدري البلاء منه أو من علي بن يزيد. وقال الآجري عن أبي داود: زعموا أن البلية من قبل علي بن يزيد: وقال النسائي: ضعيف ليس بشئ وقال ابن عدي: يجانب روايته عن ابن زحر والضعف على حديثه بين. ميزان الاعتدال 3: 174، تهذيب التهذيب 10 ص 171 2 - عبيد الله بن زحر الأفريقي، مجمع على ضعفه كما في الميزان. ضعفه أحمد: وقال ابن معين: ليس بشئ كل حديثه عندي ضعيف. وقال ابن المديني: منكر الحديث. وقال الحاكم: لين الحديث. وقال ابن عدي: يقع في أحاديثه ما لا يتابع عليه. وقال أبو مسهر: صاحب كل معضلة. وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن


(1) كذا والصحيح: يزيد [*]

[287]

الاثبات. فإذا روى عن علي بن يزيد بن أتى بالطامات وإذا اجتمع في إسناد خبر عبد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم بن عبد الرحمن لم يكن متن ذلك الخبر إلا ما عملته أيديهم (1). قال الأميني: هذه الرواية مما اجتمع فيه هؤلاء الثلاثة فهو مما عملته أيديهم. 3 - علي بن يزيد الالهاني. قال ابن معين: علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ضعاف كلها. وقال يعقوب: واهي الحديث كثير المنكرات. وقال الجوزجاني: رأيت غير واحد من الأئمة ينكر أحاديثه التي يرويها عنه عبيد الله بن زحر. وقال أبو زرعة: ليس بالقوي وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث أحاديثه منكرة، وقال البخاري: منكر الحديث ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة متروك الحديث. وقال الأزدي والدارقطني والبرقي: متروك. وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال الساجي: إتفق أهل العلم على ضعفه. وقال أبو نعيم: منكر الحديث. وقال ابن حجر: متهم ميزان الاعتدال 2: 240: تهذيب التهذيب 7 ص 13، 396. 4 - القاسم بن عبد الرحمن الشامي. قال أحمد: هذه المناكير التي يرويها عنه جعفر وبشر ومطرح مناكير مما يرويها الثقات أنها من قبل القاسم. وقال الأثرم: حملها أحمد على القاسم. وقال: ما أرى هذا إلا من قبل القاسم. وقال الحراني: قال أحمد: ما أرى البلاء إلا من القاسم. وقال الغلابي منكر الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الصحابة المعضلات. ميزان الاعتدال 2: 34، تهذيب التهذيب 8 ص 323. وهذا الحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 59 فقال: رواه أحمد و الطبراني وفيهما: مطرح بن زياد وعلي بن يزيد الالهاني وكلاهما مجمع على ضعفه. قال الأميني: هذا شأن الرواية سندا ورجاله كما ترى، واستدل الهيثمي على ضعفه بما في متنه راجع مجمع الزوائد 9 ص 59. - 15 - توسل الشمس بأبي بكر قال النبي صلى الله عليه وسلم: عرض علي كل شيئ ليلة المعراج حتى الشمس فإني سلمت عليها وسألتها عن كسوفها فأنطقها الله تعالى وقالت: لقد جعلني الله تعالى على عجلة


(1) تهذيب التهذيب 7 - 13. [*]

[288]

تجري حيث يريد فأنظر إلى نفسي بعين العجب فنزل بي العجلة فأوقع في البحر فأرى شخصين أحدهما يقول: أحد أحد. والآخر يقول: صدق صدق. فأتوسل بهما إلى الله تعالى فينقذني من الكسوف، فأقول: يا رب من هما ؟ فيقول: الذي يقول: أحد أحد هو حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم. والذي يقول: صدق صدق هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. " نزهة المجالس 2 ص 184 " أنا لا أحكم في هذه الرواية إلا علماء علم الفلك سواء في ذلك القدماء منهم والمحدثون. وقد تكلمنا في صحيفة 238 عن العجلة التي حملت الشمس وبحثنا عنها بحثا ضافيا، وليت الهيئيين درسوا هذه الرواية فأخذوا عنها علما غزيرا، وعرفوا أن الكسوف يكون بغمس الشمس في البحر عقوبة على نظرها إلى نفسها بعين العجب وإن انجلائها يتم بالتوسل، ولعل المستقبل الكشاف يأتي بمن يعلم الأمة بسر خسوف القمر وتتأتى به للمجالس نزهة بعد نزهة، وهنا أسؤلة جمة: 1 - ليس الكسوف يخص بهذه الأمة فحسب، ولا بأيام حياة أبي بكر خاصة، فمن ذا الذي كان يقول: صدق صدق. قبل ميلاد أبي بكر ؟ ومن ذا الذي يقولها بعد وفاته ؟ وبمن كانت الشمس تتوسل قبل ذلك ؟ وبمن تتوسل به بعده ؟. 2 - أين كان يقول أبو بكر: صدق صدق ؟ أيقولها وهو في محلة بمرأى من الناس ومسمع فيسمعها الشمس بالاعجاز ؟ أو كان يحضر على ذلك البحر الذي لم يحدد بأي ساحل فيغيب عن الناس وتطوى له المسافة بخرق العادات ؟ فلم لم يحدث عنه ذلك ولو مرة واحدة ؟ أو أنه يذهب هو ويدع قالبه المثالي بين الناس فيحسبونه هو هو ؟ أو أنه يثبت في مكانه فيرسل قالبه ذلك فتحسبه الشمس أنه هو ؟ 3 - هب أن الشمس تحمل حياة روحية فهل تحمل معها نفسا أمارة بالسوء بها تعجب بنفسها ؟ أنا لا أدري. وعلى فرض ثبوت النفس الأمارة فما بالها تدأب على المعصية وهي ترى استمرار العقوبة مع كل عصيان ؟ فهل هي تتوب بعد كل معصية ثم تعود إليها بنسيان العقاب أو غلبة الشهوة ؟ ومن المعلوم أن الكسوف لم ينقطع ليلة المعراج فهو من الكائنات المتجددة إلى انقراض العالم فكأن الشمس حينئذ كانت

[289]

تخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتصميمها على الاستمرار على المعصية منذ كل كسوف فمتى تتوب هذه العاصية الشاعرة ؟ أنا لا أدري. وفي ذمة الصفوري صاحب الكتاب الخروج عن عهدة هذه الأسؤلة. فهل يخرج ؟ أنا لا أدري، وهذا أيضا من الغلو في الفضائل والحب المعمي والمصم. - 16 - كلبة من الجن مأمورة عن أنس بن مالك قال. كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل إليه رجل من أصحابه وساقاه تشخبان دما فقال النبي صلى الله عليه وسلم ! ما هذا ؟ قال: يا رسول الله ! مررت بكلبة فلان المنافق فنهشتني. فقال صلى الله عليه وسلم: اجلس فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان بعد ذلك بساعة إذ أقبل إليه رجل آخر من أصحابه وساقاه تشخبان دما مثل الأول فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا ؟ فقال: يا رسول الله ! إني مررت بكلبة فلان المنافق فنهشتني قال: فنهض النبي صلى الله عليه وسلم: وقال لأصحابه: هلموا بنا إلى هذه الكلبة نقتلها فقاموا كلهم وحمل كل واحد منهم سيفه فلما أتوها وأرادوا أن يضربوها بالسيوف وقعت الكلبة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت بلسان طلق ذلق: لا تقتلني يا رسول الله ! فإني مؤمنة بالله ورسوله فقال: ما بالك نهشت هذين الرجلين ؟ فقالت: يا رسول الله ! إني كلبة من الجن مأمورة أن أنهش من سب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا هذين ! أما سمعتما ما تقول الكلبة ؟ قالا: نعم يا رسول الله ! إنا تائبان إلى الله عز وجل (عمدة التحقيق للعبيدي المالكي ص 105). قال الأميني: ما أعظم شأن هذه الكلبة وأثبتها في ميدان البسالة حتى استدعى أمرها أن يتجهز لحربها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحمل عليها أصحابه شاهرين السيوف ؟ فهل هي كلبة أو أسد ضار ؟ أو عفرنى باسل ؟ أو حشد لهام ؟ وأحسب أن الذين نهشتهما كانا من هيابة الصحابة فإن شجعانهم ما كانوا يبالون بالضراغم فضلا عن الكلاب. وأين كانت هذه الكلبة عمن كان ينال من أبي بكر غير الرجلين في ذلك العهد و بعد العهد النبوي وهلم جرا ؟ فلم تشهد لها نهشة، ولا سمع لها عواء، فليتهيأ صاحب عمدة التحقيق لتحليل هذه المسائل وذلك بعد الغض عن إسناده الموهوم.

[290]

ثم ما أخرس ألسنة أولئك الصحابة الحضور يوم أطلق الله لسان تلك الكلبة الطلقة الذلقة عن بث هذه الفضيلة الرابية ؟ ومثلها تتوفر الدواعي لنقلها، وما أذهل الحفاظ وأئمة الحديث وأرباب السير عن روايتها ؟ فلا يجدها الباحث في المسانيد والصحاح والفضائل ومعاجم السير وأعلام النبوة ودلائلها إلى أن بشر بها العبيدي آل الصديق بعد لأي من عمر الدهر وقذف بهذه الأكذوبة أنس بن مالك. أهكذا تكون المغالاة في الفضائل ؟.. لعلها تكون. نعم لله كلاب مفترسة وأسود ضارية سلطها الله على أعدائه بدعاء نبيه الأعظم أو أحد من أولاده الصادقين صلوات الله عليه وعليهم، منها: كلب سلطه الله على لهب بن أبي لهب بدعاء النبي الأقدس كما مر في الجزء الأول ص 261 ط 2. ومنها، كلب. أخذ برأس عتبة بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله كما مر في ج 1 ص 261 ط 2 قال الحلبي في السيرة النبوية 1 ص 310: ووقع مثل ذلك لجعفر الصادق قيل له: هذا فلان ينشد الناس هجاءكم يعني أهل البيت بالكوفة فقال لذلك القائل: هل علقت من قوله بشئ ! قال: نعم. قال: فأنشد. فأنشد: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم أر مهديا على الجذع يصلب وقستم بعثمان عليا سفاهة * وعثمان خير من علي وأطيب فعند ذلك رفع جعفر يديه وقال: أللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك فخرج ذلك الرجل فافترسه الأسد. وإنما سمي الأسد كلبا لأنه يشبه الكلب في أنه إذا بال رفع رجله. قال الأميني: الشاعر المفترس هو الحكيم الأعور أحد الشعراء المنقطعين إلى بني أمية بدمشق وقصته هذه من المتسالم عليه غير أن في معجم الأدباء كما مر في الجزء الثاني ص 197 ط 2 من كتابنا هذا أن الداعي على الرجل هو عبد الله بن جعفر. وأحسبه تصحيف أبي عبد الله جعفر، فعلى كل قد وقع من أهله في محله. - 17 - هبة أبي بكر لمحبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال علي رضي الله عنه: كنت جالسا مع رسول

[291]

الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا ثالث إلا الله عز وجل فقال: يا علي تريد أن أعرفك بسيد كهول أهل الجنة وأعظمهم عند الله قدرا ومنزلة يوم القيامة ؟ فقلت: أي وعيشك يا رسول الله ! قال: هذان المقبلان. قال علي: فالتفت فإذا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم ثم قطب وجهه حتى ولجا المسجد فقال أبو بكر: يا رسول الله ! لما قربنا من دار أبي حنيفة تبسمت لنا ثم قطبت وجهك فلم ذلك يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما صرتما لجانب دار أبي حنيفة عارضكما إبليس ونظر في وجوهكما ثم رفع يديه إلى السماء أسمعه وأراه وأنتما لا تسمعانه ولا تريانه وهو يدعو ويقول: أللهم إني أسألك بحق هذين الرجلين أن لا تعذبني بعذاب باغضي هذين الرجلين. قال أبو بكر: ومن هو الذي يبغضنا يا رسول الله ! وقد آمنا بك وآزرناك وأقررنا بما جئت به من عند رب العالمين ؟ قال: نعم يا أبا بكر ! قوم يظهرون في آخر الزمان يقال لهم: الرافضة يرفضون الحق، ويتأولون القرآن على غير صحته وقد ذكرهم الله عزو جل في كتابه العزيز وهو قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه (1) فقال: يا رسول الله ! فما جزاء من يبغضنا عند الله ؟ قال يا أبا بكر ! حسبك أن إبليس لعنه الله تعالى يستجير بالله تعالى أن لا يعذبه بعذاب باغضيكما. قال: يا رسول الله ! هذا جزاء من قد أبغض فما جزاء من قد أحب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تهديا له هدية من أعمالكما. فقال: أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله أشهد الله وملائكته إني قد وهبت لهم ربع أجري - أي عملي - منذ آمنت بالله إلى أن نلقاه. فقال عمر رضي الله عنه: وأنا مثل ذلك يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فضعا خطكما بذلك. قال علي كرم الله وجهه: فأخذ أبو بكر زجاجة وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب. فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم يقول عبد الله عتيق بن أبي قحافة: إني قد أشهدت الله ورسوله ومن حضر من المسلمين إني قد وهبت ربع عملي لمحبي في دار الدنيا منذ آمنت بالله إلى أن ألقاه، وبذلك وضعت خطي. قال: وأخذ عمر وكتب مثل ذلك فلما فرغ القلم من الكتابة هبط الأمين جبريل عليه السلام وقال: يا رسول الله ! الرب يقرئك السلام ويخصك بالتحية والاكرام ويقول لك:


(1) سورة النساء آية: 46. وسورة المائدة آية: 13. [*]

[292]

هات ما كتبه صاحباك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا هو. فأخذه جبريل وعرج به إلى السماء ثم إنه عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين ما أخذت يا جبريل مني ؟ قال: هو عند الله تعالى وقد شهد الله فيه، وأشهد حملة العرش وأنا وميكائيل وإسرافيل وقال الله تعالى: هو عندي حتى يفي أبو بكر وعمر بما قالا يوم القيامة. عمدة التحقيق للعبيدي المالكي ص 105 - 107. قال الأميني: أنا لا أحاول إطنابا في تفنيد هذه الرواية الشبيهة بأساطير القصاصين أو الروايات الخيالية، فإن كل فصل منها شاهد صدق على عدم صحتها. أنا لا أخدش في كهولة الشيخين بما مر في الجزء الخامس ص 313 ط 2 من القول المعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي أتحب هذه الشيخين ؟. ولا بما مر في هذا الجزء ص 241 من أن أبا بكر له شيبة في الجنة وليس لأحد لحية هناك إلا هو وإبراهيم الخليل ولا بما مر ص 241 من أن رسول الله كان يقبل شيبة أبي بكر. ولا بما مر في صفحة 257 من أن أبا بكر كان يوم هجرة النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة شيخا والنبي شابا. ولا بما مر في ص 270 من أن أبا بكر كان أكبر من النبي. ولا بما مر في ص 280 من أنه كان أسن أصحاب النبي. ولا أتكلم في عذاب باغضي أبي بكر وعمر وأنه ما الذي أربى به على عذاب من تكبر وتجبر تجاه المولى سبحانه وعانده وخالف أمره وهو من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم يغوي عباد الله ويضلهم عن سبيل الحق ؟. ولا أناقش في أن إبليس كيف كان يصح له أن يتعوذ بالله من عذاب باغضيهما ؟ أكان يحبهما فلماذا هو ؟ أو كان يبغضهما كما يبغض كل مؤمن بالله ؟ فالدعاء لماذا ؟ وما ذا ينتج له وهو يعلم عذاب مبغضيهما وهو يبغضهما ولا يزال يغري الناس ببغضهما ؟. ولا أمد يراعي إلى الزجاجة المكتوبة فيها تلك الهبة الموهومة لئلا تنكسر فتحرم الأمة المرحومة من تلك البضاعة الغالية. ولا أسائل رواة هذه المهزأة عن تلك الشهادات من الله إلى حملة عرشه إلى أمين وحيه إلى ميكائيل وإسرافيل. لماذا هي كلها ؟ وما الذي أحوج المولى سبحانه إلى ذلك الاهتمام البالغ في استحكام ذلك الصك ؟ وما الذي أهم ادخاره عند الله حتى يفي أبو بكر و

[293]

عمر بما قالا يوم القيامة ؟ ولا أقول لماذا تركت الأئمة وحفاظ الحديث هذه الفضيلة العظيمة إلى قرن العبيدي المالكي - القرن الحادي عشر - وفيها بشارة كبيرة لمحب الشيخين وإرشاد للأمة إلى ما فيه نجاتهم نجاحهم والمثوبة الجزيلة بجزاء ربعي أعمالهما ؟ ولماذا شح أولئك الحفظة على الأمة وسمع العبيدي ؟ ولكن هلم معي إلى مفاد الآية الكريمة فهي في موضعين من القرآن الكريم: 1 - من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون سمعنا وعصينا سورة النساء آية 46. 2 - ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموه وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل، فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به. سورة المائة 12، 13. ألا تعجب من تحريف الكلم بإسناد ما ناء به اليهود وبنو إسرائيل بنص القرآن الحكيم إلى قوم لم يأتوا بعد وسيضمنهم الزمان في أخرياته ؟ حاشا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقول ذلك، ولكنها ورطات القالة، وأهواء وشهوات، حبذت الوقيعة في قوم مؤمنين إتبعوا النبي الأمين، وهدوا إلى الصراط المستقيم، وهدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم - 18 - أبو بكر في قاب قوسين بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان قاب قوسين أو أدنى أخذته وحشة فسمع في حضرة الله تعالى بصوت أبي بكر رضي الله عنه فاطمأن قلبه استأنس بصوت صاحبه. ذكره العبيدي المالكي في عمدة التحقيق ص 154 فقال: هذه كرامة للصديق إنفرد بها رضي الله تعالى عنه. قال الأميني: لماذا تلك الوحشة ؟ ولماذا ذلك الأنس ؟ وهو صلى الله عليه وآله في ساحة

[294]

القدس الربوبي، وكان لا يأنس إلا بالله، وكانت نفسه القدسية في كل آناته منعطفة إليها فهل هو يستوحش إذا حصل فيها ؟ وهي أزلف مباءة إلى المولى سبحانه لا تقل غيره. حتى أن جبرئيل الأمين انكفئ (1) عنها فقال: إن تجاوزت احترقت بالنار. لما جذبه الله تعالى إليها وحفته قداسة إلهية تركته مستعدا لتلقي الفيض الأقدس، وهل هناك وحشة لمثله صلى الله عليه وآله يسكنها صوت أبي بكر ؟ وهل كانت له صلى الله عليه وآله وهو في مقام الفناء لفتة إلى غيره جلت عظمته حتى يأنس بصوته ؟ لا ها الله، وما كان قلب النبي صلى الله عليه وآله يقل غيره سبحانه فهو مستأنس به ومطمأن بآلائه، فلا مدخل فيه لأي أحد يطمأن به، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ولقد رآه بالأفق المبين، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى ؟ ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى، ولم تبرح نفسه الكريمة مطمأنة ببارئها حتى خوطب بقوله سبحانه: يا أيتها النفس المطمأنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية. هذا مبلغ الرواية من نفس الأمر لكن الغلو في الفضائل آثر أن يعدوها من فضائل الخليفة وإن كانت مقطوعة عن الاسناد. - 19 - الدين وسمعه وبصره عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لقد هممت أن أبعث إلى الآفاق رجالا يعلمون الناس السنن والفرائض كما بعث عيسى بن مريم الحواريين.. قيل له: فأين أنت عن أبي بكر وعمر ؟ قال: إنه لا غني بي عنهما أنهما من الدين كالسمع والبصر. أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 74 فقال: هذا حديث تفرد به حفص بن عمر العدني عن مسعر. وقال الذهبي في تلخيصه: هو واه. قال الأميني: قال النسائي: حفص بن عمر ليس بثقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه غير محفوظة. وقال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.


(1) الكامل 2: 21، السيرة الحلبية 1: 431. [*]

[295]

وقال ابن معين: رجل سوء، ليس بثقة. وقال مالك بن عيسى: ليس بشئ، وقال العقيلي: يحدث بالأباطيل، وقال أحمد: كان مع حماد (1) في تلك البلايا، وقال أبو داود: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، ليس بقوي، متروك (2). هذا على ما فرق جمع بينه وبين حفص بن عمر بن دينار الأيلي وأما إن كان هو هو فقال ابن عدي: أحاديثه كلها منكرة المتن والسند وهو إلى الضعف أقرب. وقال أبو حاتم: كان شيخا كذابا. وقال العقيلي: يحدث عن شعبة ومسعر ومالك بن مغول والأئمة بالبواطل، وقال الساجي: كان يكذب، وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث (3). هذا شأن سند الرواية، وليت شعري أي سنة أو فريضة كان يعلمها الرجلان على فرض إرسالهما ؟ وبماذا كان يفتيان في الكلالة وإرث الجد والجدة والتيمم وشكوك الصلاة إلى مسائل أخرى عرفناك بعضها في الجزء السادس وجملة منها في هذا الجزء ؟ وبماذا كانا يجيبان لو سألا عن آيات القرآن وهما يتقاعسان عن معرفة بعض ألفاظها اللغوية فكيف بالغوامض والمعضلات ؟ ثم بماذا كان غناء الرجلين لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وبماذا كانا من الدين كالسمع والبصر ؟ أبصولاتهما في الحروب ؟ أم بأياديهما في الجدوب ؟ أم ببصائرهما في الأمور ؟ أم بعلمهما الناجع في الكتاب والسنة ؟ أم بتوقف الدعوة عليهما في عاصمة الاسلام ؟ أم بإناطة تنفيذ الأحكام بهما ؟ إقرأ السير ثم استحف الخبر، م - وقد مر في ج 5 ص 325 عن المقدسي: إن أبا بكر وعمر من الاسلام بمنزلة السمع والبصر من موضوعات الوليد بن الفضل الوضاع، وذكر أبو عمر في الاستيعاب 1 ص 146 مرفوعا لأبي بكر وعمر: هذان مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس وقال: إسناده ضعيف أخبرنا أبو عبد الله يعيش بن سعيد قال: نا أبو بكر بن محمد بن معاوية: قال جعفر بن محمد الفريابي: قال عبد السلام بن محمد الحراني ؟ قال ابن أبي فديك، عن المغيرة بن عبد الرحمن عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبيه.


(1) أحد الكذابين الوضاعين. (2) ميزان الاعتدال 1: 262، تهذيب التهذيب 2 ص 410. (3) ميزان الاعتدال 1: 263، لسان الميزان 2 ص 324. [*]

[296]

عن جده أن النبي.... ليس له غير هذا الاسناد والمغيرة بن عبد الرحمن هذا هو الحزامي ضعيف وليس بالمخزومي الفقيه صاحب الرأي (الخ) وقال في ج 1 ص 348: حديث مضطرب الاسناد لا يثبت. وفي الإصابة 2: 299: حديث هذان السمع والبصر. في أبي بكر وعمر قال أبو عمر: حديث مضطرب لا يثبت. أقول في الاسناد المذكور غير واحد من المجاهيل والضعاف ولا ينحصر ضعفه بمكان المغيرة فحسب، وقال فيه ابن معين: إنه ليس بشئ. وقال النسائي: ليس بالقوي. تهذيب التهذيب 10: 266. - 20 - أبو بكر ومنزلته عند الله عن ابن عباس قال. كان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فعطش عطشا شديدا فشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذهب إلى صدر الغار فاشرب. قال أبو بكر: فانطلقت إلى صدر الغار فشربت ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأذكى رائحة من المسك ثم عدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شربت ؟ قلت: نعم. قال: ألا أبشرك يا أبا بكر ؟ قلت: بلى يا رسول الله ! قال: إن الله تبارك وتعالى أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن اخرق نهرا من جنة الفردوس إلى صدر الغار ليشرب أبو بكر فقلت: يا رسول الله ! ولي عند الله هذه المنزلة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم وأفضل، والذي بعثني بالحق نبيا لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان له عمل سبعين نبيا. الرياض النضرة 1 ص 71، مرقاة الوصول ص 114. قال الأميني: كيف تصح هذه الرواية قد ضرب عنها حفاظ الحديث وأئمة التاريخ والسير صفحا ؟ مع ما فيها من نبأ عظيم وكرامة هامة وهي بين أيديهم وهم يهتمون بجمع دلائل النبوة ومعاجز الرسالة، فلم تخرج في أصل، ولم تذكر في سيرة، وإنما ذكرها السيوطي في الخصايص 1 ص 187 فقال: أخرجه ابن عساكر بسند واه. ولماذا خصت روايتها بابن عباس وقد ولد في شعب أبي طالب قبل الهجرة بقليل فكان يوم الغار ابن سنة أو سنتين ولم يسندها إلى أحد ولم يكن في الغار غير النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ؟ فأين روايتهما إياها ؟ وأين أولئك الصحابة عنها ؟ أيحق لحكيم أو حافظ أن

[297]

يرسل مثل هذه الواهية إرسال المسلم في عد الفضائل ؟ نعم: للقوم في محبة أبي بكر وصاحبه روايات تشبه بالقصص الخيالية نسجتها يد الغلو في الفضائل وإليك منها: 1 - عن عبد الله بن عمر مرفوعا، لما ولد أبو بكر في تلك الليلة اطلع الله على جنة عدن فقال: وعزتي وجلالي لا أدخلك إلى من أحب هذا المولود. من موضوعات أحمد بن عصمة النيشابوري كما مر في ج 5 ص 300 ط 2. 2 - عن أبي هريرة مرفوعا: إن في السماء الدنيا ثمانين ألف ملك يستغفرون الله لمن أحب أبا بكر وعمر، وفي السماء الثانية ثمانون ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر. من طامات أبي سعيد الحسن بن علي البصري كما أسلفنا في ج 5: 300 ط 2. 3 - عن أنس إن يهوديا أتى أبا بكر فقال: والذي بعث موسى وكلمة تكليما إني لأحبك فلم يرفع أبو بكر رأسه تهاونا باليهودي فهبط جبرئيل على النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد إن العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: قل لليهودي: إن الله قد أحاد عنك النار. الحديث. إقرأ واحكم بعد قرائتك القرآن والتدبر في الآي النازلة في عذاب الكفار. من موضوعات أبي سعيد البصري راجع الجزء الخامس ص 301 ط 2. 4 - عن أنس مرفوعا: إن لله تعالى في كل ليلة جمعة مائة ألف عتيق من النار إلا رجلين فإنهما يدخلان في أمتي وليسا منهم، وإن الله لا يعتقهما فيمن عتق منهم مع أهل الكبائر في طبقتهم، مصفدين مع عبدة الأوثان: مبغضي أبو بكر وعمر، وليس هم داخلين في الاسلام وإنما هم يهود هذه الأمة الخ، من وضع أبي شاكر مولى المتوكل كما مر في ج 5 ص 303 ط 2. 5 - عن عبد الله بن عمر مرفوعا: إن الله أمرني بحب أربعة: أبي بكر، وعمر، و عثمان، وعلي. من بلايا السنجري كما مر ج 5: 310 ط 2. 6 - عن أبي هريرة مرفوعا قال لعلي: أتحب هذين الشيخين ؟ قال: نعم يا رسول الله ! قال: أحبهما تدخل الجنة. من صناعة الأشناني كما مر ج 5: 313 ط 2. 7 - عن جابر مرفوعا: لا يبغض أبا بكر وعمر مؤمن ولا يحبهما منافق.

[298]

من موضوعات معلى الطحان راجع ج 5: 323 ط 2. 8 - عن أبي هريرة مرفوعا: هذا جبريل يخبرني عن الله: ما أحب أبا بكر و عمر إلا مؤمن تقي، ولا أبغضهما إلا منافق شقي. من موضوعات إبراهيم الأنصاري كما مر ج 5 ص 326 ط 2. 9 - عن أبي سعيد مرفوعا، من أبغض عمر فقد أبغضني راجع 5: 329 ط 2. 10 - عن علي مرفوعا قد أخذ الله بكم الميثاق في أم الكتاب لا يحبكم " يعني أبا بكر. وعمر. وعثمان. وعليا " إلا مؤمن تقي، ولا يبغضكم إلا منافق شقي. من موضوعات إبراهيم الأنصاري كما مر ج 5: 326 ط 2. 11 - عن علي مرفوعا في أبي بكر: من أحبني فليحبه، ومن أراد كرامتي فليكرمه مر في الجزء الخامس ص 355 ط 2. 12 - عن أنس مرفوعا: إن لعرش الرحمن ثلاثمائة وستين قائمة، كل قائمة كطباق الدنيا ستين ألف مرة، بين كل قائمتين ستون ألف صخرة، كل صخرة مثل الدنيا ستون ألف مرة، في كل صخرة ستون ألف عالم، كل عالم مثل الثقلين ستون ألف مرة. قد ألهمهم الله تعالى الاستغفار لمن يحب أبا بكر وعمر، ويلعنون مبغضهما إلى يوم القيامة (1). كأن لعدد ستين ألف خاصة عند واضع هذه الخرافة فجعل سلسلة الأكوان الخيالية على ذلك العدد، ليست هذه كلها إلا حلقة بلاء جاءت بها رماة القول على عواهنه المغالون في الفضائل تجاه الحقائق الراهنة، غير أنا لا نخدش العواطف ببسط القول في متونها، ونكل القضاء فيها إلى ضمير الباحث النابه الحر. - 21 - النبي مؤيد بالشيخين عن أبي أروى الدوسي قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله فاطلع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، الحمد الذي أيدني بكما. قال الأميني: أخرجه الحاكم في المستدرك 3 ص 74 من طريق ابن أبي فديك


(1) عمدة التحقيق للعبيدي المالكي ص 183 نقلا عن كتاب العقائق.

[299]

وهو وإن وثقه ابن معين غير أن ابن سعد قال: ليس بحجة، عن: عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم، وابن عدي، وقال الفروي: وليس بقوي، وقال الجوزجاني: يضعف حديثه وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الترمذي: متروك ليس بثقة، وقال ابن حبان: يخطئ ويخالف وقال أيضا: منكر الحديث جدا يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الاثبات، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات، وقال ابن الجارود: ليس حديثه بحجة. وتكلم النسائي على أحمد بن صالح حيث وثقه. عن: سهيل بن أبي صالح قال ابن معين: حديثه ليس بحجة. وقال أبو حاتم: حديثه لا يحتج به، وقال ابن حبان يخطئ، وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى: لم يزل أهل الحديث يتقون حديثه. وذكر العقيلي عن يحيى أنه قال: هو صويلح وفيه لين عن: محمد بن إبراهيم بن الحارث المدني وثقه غير واحد غير أن إمام الحنابلة أحمد قال: في حديثه شيئ يروي أحاديث مناكير أو منكرة (1) والحديث ذكره ابن حجر في الإصابة 4 ص 5 وضعفه. هذا مجمل القول في رجال سند الرواية، وأما متنه فكما ترى آية في الغلو. - 22 - الأشباح الخمسة من ذرية آدم عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أخبرني جبريل أن الله تعالى لما خلق آدم وأدخل الروح في جسده أمرني أن آخذ تفاحة من الجنة فأعصرها في حلقه فعصرتها في فمه فخلقك الله من النقطة الأولى أنت يا محمد، ومن الثانية أبا بكر، ومن الثالثة عمر، ومن الرابعة عثمان، ومن الخامسة علي. فقال آدم: من هؤلاء الذين كرمتهم ؟ فقال الله تعالى: هؤلاء خمسة أشباح من ذريتك، وقال: هؤلاء أكرم عندي من جميع خلقي. قال: فلما عصى آدم ربه. قال: رب بحرمة أولئك الأشباح الخمسة الذي فضلتهم إلا تبت علي فتاب الله عليه.


(1) راجع ميزان الاعتدال 2: 4 و ج 1: 432، تهذيب التهذيب ج 9 ص 6، 61 ج 4 263، ج 5 وبهذا الطريق أخرجه البزار كما في الصواعق ص 47. [*]

[300]

ذكره الحافظ محب الدين الطبري في الرياض النضرة 1: 30، وابن حجر في الصواعق ص 50 نقلا عن رياض المحب الطبري وقال: عهدته عليه. قال الأميني: ما أبعد المسافة بين من يجوز توسل آدم أول الأنبياء إلى الله تعالى بأناس عاديين في سياق توسله بأفضل الرسل والسيد الأوصياء عليهما وآلهما السلام، و بين من ينكر التوسل لأي أحد، بأي أحد، ولا يرى لتوسل آدم بالنبي الأعظم صلى الله عليه وآله أي قيمة وكرامة، فيعتقد الأول صحة مثل هذه الرواية التي حكم السيوطي بأنها كذب موضوع، وارتضاه ابن حجر في نقله عنه كما في كشف الخفاء، وإن عده في صواعقه من الفضائل زعما منه بأن الدهر لم يأت بعده بمن يناقشه في الحساب، وصافقهما على التكذيب والوضع العجلوني فقال في كشف الخفاء 1: 233: قال ابن حجر الهيثمي نقلا عن السيوطي: كذب موضوع. ومتن الراوية أوضح شاهد على ذلك غير أن المغالات في الفضائل اختلقتها لمعارضة ما ورد في قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه " سورة البقرة " أخرج الديلمي في مسند الفردوس كما في الدر المنثور 1: 60 بإسناده عن علي قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ؟ فقال: إن الله أهبط آدم بالهند وحواء بجده - إلى أن قال -: حتى بعث الله إليه جبريل، وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي: ألم أنفخ فيك من روحي ؟ ألم أسجد لك ملائكتي ؟ ألم أزوجك حواء أمتي: قال: بلى. قال: فما هذا البكاء ؟ قال وما يمنعني من البكاء ؟ وقد أخرجت من جوار الرحمن. قال: فعليك بهؤلاء الكلمات فإن الله قابل توبتك، وغافر ذنبك. قل: أللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوء، وظلمت نفسي فاغفر لي أنك أنت الغفور الرحيم، فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم. وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه ؟ قال: سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي. فتاب عليه " الدر المنثور 1: 60 ". وأخرجه الفقيه ابن المغازلي في المناقب كما في ينابيع المودة ص 239.

[301]

وروى أبو الفتح محمد بن علي النطنزي المولود 480 في كتابه: الخصايص عن ابن عباس أنه قال: لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد لله فقال له ربه: يرحمك ربك. فلما أسجد له الملائكة فقال: يا رب خلقت خلقا هو أحب إليك مني ؟ قال: نعم ولولاهم ما خلقتك قال: يا رب فأرنيهم فأوحى الله إلى ملائكة الحجب: أن ارفعوا الحجب. فلما رفعت إذا آدم بخمسة أشباح قدام العراش قال: يا رب من هؤلاء ؟ قال: يا آدم هذا محمد نبيي، وهذا علي أمير المؤمنين ابن عم نبيي ووصيه وهذه فاطمة بنت نبيي، وهذان الحسن والحسين ابنا علي وولدا نبيي، ثم قال: يا آدم هم ولدك. ففرح بذلك فلما اقترف الخطيئة قال: يا رب أسألك بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين لما غفرت لي. فغفر الله له، فهذا الذي قال الله تعالى: فتلقى: آدم من ربه كلمات. إن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه: أللهم بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي. فتاب الله عليه. وهذا الرجل يروى له بسند صحيح توسل عمر - أحد الأشباح المزعومة - بالعباس عم النبي صلى الله عليه وآله في الاستسقاء خرج يستسقي به وقد أجدب الناس فقال: أللهم إنا نستشفع إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل، وأن تسقينا الغيث. فقال العباس: أللهم إنه لم ينزل بلاء من السماء إلا بذنب، ولا يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة، وأنت الراعي لا تهمل الضالة، ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير، ورق الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، أللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا، فإنه لا ييأس من رحمتك إلا القوم الكافرون. فما تم كلامه حتى أرخت السماء مثل الحبال، فنشأت السحاب، وهطت السماء، فطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين. فقال حسان بن ثابت: سأل الإمام وقد تتابع جدبنا * فسقى الغمام بغرة العباس عم النبي وصنو والده الذي * ورث النبي بذاك دون الناس أحيا الإله به البلاد فأصبحت * مخضرة الأجناب بعد الياس

[302]

وقال ابن عفيف النصري: ما زال عباس بن شيبة غاية * للناس عند تنكر الأيام رجل تفتحت السماء لصوته * لما دعا بدعاوة الاسلام فتحت له أبوابها لما دعا * فيها بجند معلمين كرام عم النبي فلا كمن هو عمه * ولد ولا كالعم في الأقوام عرفت قريش يوم قام مقامه * فبه له فضل على الأقوام وقال شاعر بني هاشم: رسول الله والشهداء منا * وعباس الذي بعج الغماما وقال العباس بن عتبة بن أبي لهب: بعمي سقى الله الحجاز وأهله * عشية يستسقي بشيبته عمر توجه بالعباس في الجدب دائما * إليه فما إن دام حتى أتى المطر ومنا رسول الله فينا تراثه * فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر ؟ (1) فهلا هذا الرجل هو المتوسل به في حديث الأشباح - المختلق - الواقع في رديف صاحب الرسالة وسيد الوصيين صلى الله عليهما وآلهما، وهو ومن معه أكرم خلق الله جميعا باعتراف ممن خلقهم وفي خلقه سبحانه الأنبياء وأولوا العزم من الرسل والأوصياء والملائكة والمقربون ؟ فهلا هذا الرجل دعا الله بنفسه ؟ وما محل توسله بالعباس وهو أكرم عند الله منه ومن أبيه آدم وولده وهلم جرا ؟ أو أنه وجد استثناء في العباس فحسب فهو أكرم على الله منه ومن كل من هو أكرم على الله منه ؟ أنا لا أدري ماذا أقول، ولك الفسحة والمجال لأن تقول الحق وما يحدوك


(1) صحيح البخاري كتاب الصلاة باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء، صحيح مسلم كتاب الصلاة، الأغاني 12: 81، أعلام الماوردي 78، تاريخ ابن عساكر 7: 245 - 248، مستدرك الحاكم 3: 334، تاريخ ابن كثير 7: 92، مرآة الجنان 1: 72، طرح التثريب 1: 63، فتح الباري 2: 398 وقال: يستفاد من القصة استحباب الاستسقاء بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، عمدة القاري 3 ص 438، شذرات الذهب 1: 29. [*]

[303]

إليه ضميرك الحر وتقول: كيف يكون المذكورون في الحديث - غير محمد وصنوه - أكرم على الله من جميع خلقه وفيهم من ذكرنا هم من الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء والملائكة ؟ وكيف يتوسل أبو البشر النبي المعصوم بمثل أبي بكر وصاحبيه وهم هم ؟ وسيرتهم بين يديك، وكيف يكونون رديف النبي الأعظم وصنوه المعصوم بنص الكتاب العزيز ونفسه المطهر الناطق به القرآن الكريم ؟ وكيف يشاركون معهما في فضيلة الخلقة، وكرامة التوسل ؟ ولا أحسب أن أحدا من شيعة القوم يصافق رواة هذه الأفيكة على هذه المزاعم، ولعلهم يصافقونهم ويجعلونها على عهدتهم كما فعل ابن حجر إذ غلوهم في الفضائل غير محدود. وأما الرجل الثاني الذي أربكه التفريط وأسف به إلى هوة الجهل فكالقصيمي الذي أنكر ما جاء في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه ؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله: صدقت يا آدم ! إنه لأحب الخلق إلي، ادعني بحقه قد غفرت لك. ولولا محمد ما خلقتك. أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (1) والحاكم في المستدرك 2: 615 وصححه، والطبراني في المعجم الصغير، وأبو نعيم في الدلائل، وابن عساكر كما في الخصايص، وأقر صحته السبكي في شفاء السقام ص 120، والقسطلاني في المواهب 1 ص 16، والسمهودي في وفاء الوفا 2: 419، والزرقاني في شرح المواهب 1: 62، والعزامي في فرقان القرآن ص 117، وذكره السيوطي في الخصايص الكبرى عن عدة من الحفاظ ج 1 ص 6. فقال القصيمي في الصراع 2: 593 تبعا أثر ابن تيمية في الرد على هذه المأثرة النبوية الصحيحة: والسؤال بحق النبي أو بحق غيره من الأنبياء والصالحين ليس له من القيمة العملية الدينية ما يوجب أن يكون عملا صالحا مبرورا فضلا عن أن يكون أداة


(1) قال الذهبي في الثناء عليه: عليك به فكله هدى ونور. [*]

[304]

غفران وعفو تام، وماذا في قول القائل: أسألك يا الله بحق فلان أو فلانة من عمل صالح يؤهل قائله لأن يكون من المغفور لهم ؟ وأنما يغفر للمستغفر. وقال: وأما الألفاظ المجردة فلا وزن لها عند الله ولا ينظر إليها فضلا عن أن تكون عملا تحط به الذنوب والخطايا الثقيلة، فما في قول القائل: أسألك بحق محمد لما غفرت لي من الشأن والقيمة ؟ حتى يقال له: وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك. وأجهل الناس وأرقهم دينا وتقوى فضيلة وأشدهم بعدا عن الله وعن رضاه يقولون ذلك، ويلهجون به، وهم على رغمهم لا يجدر بهم الغفران ولا التجاوز والعفو والرضا بل وهو خليقون بالانتقام والطرد والعذاب الأليم الموجع، ولن تجديهم هذه المقالة ولا هذا التوسل قليلا ولا كثيرا، فنحن لا نشك في آدم ما غفر له ذنبه إلا لتوبته ولرجوعه إلى ربه ولإقلاعه عن ذنبه، ولاعتذاره واستغفاره الصادرين عن جميع نفسه وقلبه وعقله، أما السؤال بالحق فلا قيمة ولا وزن له عند الله البتة. ا ه‍. نحن لا نقابل هذا المغفل المستهتر البذي إلا بالسلام، حذا في هذيانه هذا حذو شيخه ابن تيمية، وقد رد عليه جمع من أئمة الحديث وحفاظه بكلمات ضافية نقتصر منا بكلام السبكي قال في شفاء السقام ص 121، قال ابن تيمية: أما ما ذكر في قصة آدم من توسله فليس له أصل، ولا نقله أحد من النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد يصلح للاعتماد عليه ولا الاعتبار ولا الاستشهاد. ؟ ثم ادعى ابن تيمية إنه كذب وأطال الكلام في ذلك جدا بما لا حاصل تحته بالوهم والتخرص، ولو بلغه أن الحاكم صححه لما قال ذلك، أو لتعرض للجواب عنه، وكأني به إن بلغه بعد ذلك يطعن في عبد الرحمن ابن يزيد راوي الحديث، ونحن نقول: قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم، وأيضا عبد الرحمن بن يزيد لا يبلغ في الضعف إلى الحديث الذي ادعاه، وكيف يحل لمسلم أن يتجاسر على منع هذا الأمر العظيم الذي لا يرده عقل ولا شرع ؟ وقد ورد فيه هذا الحديث، وأما ما ورد من تسول نوح وإبراهيم وغيرهما من الأنبياء فذكره المفسرون واكتفينا عنه بهذا الحديث لجودته وتصحيح الحاكم له: ولا فرق في هذا المعنى بين أن يعبر عنه بالتوسل أو الاستعانة أو التشفع أو التجوه. والداعي بالدعاء المذكور ما في معناه متوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه جعله وسيلة لإجابة الله دعاءه أو مستغيث به،

[305]

والمعنى أنه استغاث الله به على ما يقصده الخ، وقد أسلفنا الكلام حول الموضوع في الجزء الخامس ص 143 - 156 راجع. - 23 - أبو بكر خير أهل السماوات والأرض عن أبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبو بكر وعمر خير أهل السماوات و الأرض، وخير الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين. ذكره ابن حجر في الصواعق 45 نقلا عن الحاكم وابن عدي، وأخرجه الخطيب في تاريخه 5 ص 253 وسكت عما في سنده من العلل " على عادته الجارية في مناقب الشيخين " وفيه: جبرون بن واقد الأفريقي والراوي عنه محمد بن داود القنطري، قال الذهبي في الميزان: جبرون متهم فإنه روى بقلة حياء عن سفيان، وروى عنه محمد بن داود القنطري، عن أبي هريرة مرفوعا: أبو بكر وعمر خير الأولين. الحديث تفرد به وبالذي قبله وهما موضوعان. وزاد ابن حجر في اللسان 2 ص 94 عن ابن عدي أنه قال: لا أعرف له غير هذين الحديثين وأعلم يرويهما عنه غير محمد بن داود وهما منكران وقال الذهبي في ترجمة محمد بن داود: عن جبرون الأفريقي بحديثين باطلين ذكرهما ابن عدي في ترجمة جبرون وقال تفرد بهما محمد. وقال ابن حجر في اللسان 5: 161: أحسب الآفة في الحديث من جبرون وقد ساق المؤلف الحديثين في ترجمته وصرح بأنهما موضوعان وأشار إلى أن المشتهر بهما جبرون. قال الأميني: ومن الحري لمثل هذين المبطلين أن يرويا باطلا كمثل هذا الذي يرتأي مفتعله تفضيل الرجلين على الملائكة المقربين المعصومين من أهل السماوات وفيهم سيدهم أمين الوحي جبرئيل، وعلى من ثبتت زلفتهم وقربهم من أولياء الله وأصفيائه وأوصياء الأنبياء، أنا لا أدري بماذا فضلا عليهم أبعلمهما المتدفق ؟ وقد عرفت مبلغهما منه، أم بالعصمة عن الخطايا والذنوب ؟ وأنت لا تقول بها، أو أن ما حفظه التاريخ من سيرتهما لا يدع أن تقول بها، لكن عصمة الملائكة ثابتة لا ريب فيها، وعصمة الأوصياء واجبة بالبرهنة الصحيحة، وزلفى المقربين كلقمان والخضر وذي القرنين

[306]

من القضايا التي قياساتها معها، أم ببأسهما المرهب في ذات الله وعنائهما في سبيل الدين وجهودهما الجبارة ؟ لا يخفى على أحد حق القول في ذلك كله، ضع يدك ها هنا على أي فضيلة فإنك لا تجد فيهما منها ما يربي بهما على كثير من الصحابة والتابعين هلم جرا فضلا عن من ذكرناهم، غير أن الغلو في الفضائل حدى صاحبه إلى أن يقول بذلك، فدعه يقول فإن الحقايق الثابتة غير قابلة للزوال والأصول الموضوعة يركن إليها على كل حال. - 24 - ثواب النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي بكر: يا أبا بكر ! إن الله أعطاني ثواب من آمن به منذ خلق آدم إلى أن بعثني، وإن الله أعطاك ثواب من آمن بي منذ بعثني إلى أن تقوم الساعة. أخرجه الخلعي والملا كما في الرياض النضرة 1 ص 129، والخطيب البغدادي في تاريخه 5 ص 53 من طريق أحمد بن محمد بن عبيد الله أبي الحسن التمار المقرئ فقال: كان غير ثقة روى أحاديث باطلة ذاكرت أبا القاسم الأزهري حال هذا الشيخ و قلت: أراه ضعيفا لأن في حديثه مناكير. فقال: نعم هو مثل أبي سعيد العدوي. قال الأميني: أبو سعيد العدوي هو الحسن بن علي العدوي البصري شيخ قليل الحياء كذاب يضع الحديث، أسلفنا ترجمته في سلسلة الكذابين في الجزء الخامس ص 224 ط 2، فقول الأزهري في أبي الحسن التمار (إنه مثل أبي سعيد) يومي إلى أنه أيضا كذاب وضاع. وفي الاسناد أبو معاوية الضرير وقد اشتهر عنه الغلو غلو التشيع، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ربما يدلس " ميزان الاعتدال 3 ص 382 " وفيه أبو البختري عن علي قال سلمة بن كهيل: ما كان من حديث أبي البختري فهو حسن، وما كان عن فهو ضعيف " ميزان الاعتدال 3 ص 344 ". هذا شأن سند الرواية وأما متنه فضميرك الحر نعم الحكم فيه.

[307]

- 25 - الحب والشكر الواجبان على الأمة عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب أبي بكر وشكره واجب على أمتي. أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه 5 ص 453 من طريق عمر بن إبراهيم الكردي وقال: تفرد به عمر، وهو ذاهب الحديث. وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 2: 249 فقال: الحديث منكر جدا. ورواه الخطيب في تاريخه 5: 73 من طريق عمر الكردي أيضا بلفظ: إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر الصديق، فحبه وشكره وحفظه واجب على أمتي. قال الأميني: هذه الرواية من موضوعات عمر الكردي قال الدارقطني: كذاب خبيث، وقال الخطيب: غير ثقة يروي مناكير من الاثبات. راجع ما مر في سلسلة الكذابين في الجزء الخامس ص 246 ط 2. والعجب من الخطيب في تاريخه أنه مع قوله المذكور في ترجمة الكردي ترى عقدة في لسانه لما يذكر الرواية فيسكت عما فيها تارة ولم يتكلم بذأمة تعرب عن وضعها، ويقتصر أخرى بقوله: تفرد بروايته عمر وغير عمر أوثق منه. كما قاله في الموضع الثاني، وليست هذه كلها إلا لإغفال القراء عن جلية الحال، والتمويه على الحقائق الراهنة، فمن جرائها يأبى الصفوري بعد حين ويذكر الرواية في نزهة المجالس 2: 186 مرسلا إياها إرسال المسلم. - 26 - أبو بكر في كفة الميزان أخرج الحكيم الترمذي كما في مرقاة الوصول ص 112 قال: حدثنا رزق الله بن موسى الباجي البصري قال: حدثنا مؤمل بن إسماعيل - العدوي البصري - قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا سعيد بن جمهان البصري عن سفينة مولى أم سلمة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح أقبل على أصحابه فقال: أيكم رأي الليل

[308]

رؤيا ؟ قال: فصلى ذات يوم الصبح ثم أقبل على أصحابه فقال: أيكم رأى الليل رؤيا ؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله رأيت كأن ميزانا أدلي من السماء فوضعت في كفة الميزان ووضع أبو بكر في كفة أخرى فرجحت بأبي بكر رفعت. وترك أبو بكر فجئ بعمر فوضع في الكفة الأخرى فوزن بأبي بكر فرجح أبو بكر بعمر، ورفع أبو بكر وترك عمر مكانه فجئ بعثمان فورع في الكفة الأخرى فرجح عمر بعثمان، ورفع عمر وترك عثمان مكانه فجئ بعلي فوضع في الكفة الأخرى فرجح عثمان بعلي ورفع الميزان. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: خلافة نبوة ثلاثين عاما ثم تكون ملكا. * (رجال إسناده) * 1 - رزق الله البصري المتوفى 256 / 60 قال الأندلسي: روى أحاديث منكرة وهو صالح لا بأس به " تهذيب التهذيب 3: 273 "، 2 - مؤمل العدوي البصري المتوفى 206 قال أبو حاتم: صدوق شديد في السنة كثير الخطأ. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: شيخ جليل سني سمعت سليمان بن حرب يحسن الثناء - عليه - كان مشيختنا يوصون به إلا أن حديثه لا يشبه حديث أصحابه، وقد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه، فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه، وهذا أشد فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء كلنا نجعل له عذرا، وقال الساجي: صدوق كثير الخطأ، وله أوهام يطول ذكرها، وقال ابن سعد والدارقطني: كثير الخطأ. وقال المروزي: إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف ويتثبت فيه، لأنه كان سيئ الحفظ كثير الغلط. " ميزان الاعتدال 2 ص 221، تهذيب التهذيب 10 ص 381 " 3 - سعيد بن جمهان البصري المتوفى 136. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال الساجي: لا يتابع على حديثه. " ميزان الاعتدال 1: 377 تهذيب التهذيب 4: 14 ". قال الأميني: ويل للمطففين، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

[309]

هذه الميزان التي جاء بها البصريون وأدليت من سماء البصرة في منجمها عين. وفي إحدى كفتيها شول، وفي لسانها عوج. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟ قل هل يستوي الأعمى والبصير ؟ أم هل تستوي الظلمات والنور ؟ كيف يوزن في ميزان العدل والنصفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو هو مع ابن أبي قحافة الذي ليس إلا أبو بكر، أي خلايق كريمة: أي نفسيات طاهرة ؟ أي ملكات فاضلة ؟ أي حكم علمية أو عملية ؟ أي عوارف ومعارف راقية: أي بصيرة نافذة ؟ أي أي ؟ جعلت في كفة جعل فيها أبو بكر. هل هذه الموازنة يقبلها الواجدان والمنطق حتى يقال بالرجحان في إحدى كفتي الميزان ؟ فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. ثم كيف رجح أبو بكر بعمرو إنهما كانا عكمي بعير في الفضائل كلها أيام حياتهما غير أن فتوحات عمر وأياديه في سبط الاسلام في أرجاء العالم لا تنسى، ولم تزل تذكر في صفحات التاريخ، فله فضيلة الرجحان على أبي بكر إن وزنا بميزان غير معيبة. وكيف فصل بين النبي الأعظم وبين أمير المؤمنين في الميزان ؟ وهو نفسه بنص القرآن الكريم، وله العصمة بحكم الكتاب العزيز، وهو وارث علمه، وباب حكمته، وهو عدل القرآن وخليفة نبي الاسلام بقوله صلى الله عليه وآله: إني مخلف فيكم اثنين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. وأي فضيلة رابية لعثمان جعلت في كفة الميزان ورجح بها على علي رديف رسول الله صلى الله عليه وآله في فضائله. أنا لا أدري. ثم إن كان التعبير الذي عزوه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حقا فهو لا محالة بتقدير من الله تعالى ومشيئة منه رعاية للنظام الأصلح، فلماذا تغير وجهه صلى الله عليه وآله مما قدره المولى سبحانه وشاءه وأحبه ؟ ولم تكن له غاية إلا الحصول على مرضاته والدعوة إليها وإيقاف الأمة عليها. أو ليس هذا مما ينافي عصمته ويضاد مقامه الأسمى ؟ لكن الغلو في الفضايل قد يصحح أمثال ذلك. فإنا لله وإنا إليه راجعون. - 27 - ما أسلم أبو مهاجر إلا أبو بكر أخرج ابن مندة وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أسلم أبو أحد

[310]

من المهاجرين إلا أبو بكر تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 73. وروى المحب الطبري في رياضه 1 ص 47 عن الواحدي مرسلا بلا إسناد عن علي بن أبي طالب إنه قال في أبي بكر: أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من الصحابة المهاجرين أسلم أبواه غيره. وذكره القرطبي في تفسيره 16: 194. وأخذ غير واحد من المتأخرين كالشبلنجي ونظراؤه هذين الحديثين فعدوهما من فضائل أبي بكر المتسالم عليها. قال الأميني: نحن نقدس ساحة علي وعائشة عن مثل هذا الكذب الفاحش الذي ينادي التاريخ بخلافه، وتكذبه سيرة الصحابة المهاجرين، وإنما الحب الدفين قد أعمى رواة هذه الأفيكة وأصمهم عما في غضون الكتب، فأسرفوا في القول وتغالوا في الفضائل غير مكترثين لمغبة قيلهم، أهذا مبلغهم من العلم ؟ أم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون ؟ هاجر بنو مظعون من بني جمح. وبنو جحش بن رثاب حلفاء بني أمية. وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء بني عدي بن كعب. بأهليهم وأموالهم، وغلقت دورهم بمكة هجرة ليس فيها ساكن كما في سيرة ابن هشام 2: 79، 117 أكانت نساء تلكم الأسر الكبيرة أرامل أو عقائم ؟ أو كانت أبنائها أيتاما من الأبوين أيامى ؟ أو كانت آباؤها رجالا بلا أعقاب قاتل الله الحب كيف يعمي ويصم. وهلم معي نقرأ صحيفة من تراجم المهاجرين هذا عمار بن ياسر مهاجر عظيم وأبواه في الرعيل الأول من المعذبين في الاسلام. قال مسدد كما في تهذيب التهذيب 7: 408: لم يكن في المهاجرين من أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر. فهذا ينفي إسلام والدي أبي بكر ويكذب ذلك المختلق. وهذا عبد الله بن جعفر هاجر أبوه ومعه عبد الله وأخواه محمد وعون ومعهم أمهم أسماء بنت عميس. وهذا عمرو بن أبان بن سعيد الأموي، من المهاجرين وأبوه شهد خيبرا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وأمة فاطمة بنت صفوان مسلمة. وهذا خالد بن أبان الأموي أخو عمرو بن أبان المذكور.

[311]

وهذا إبراهيم بن الحارث بن خالد التميمي، هاجر مع أبيه وأمه ريطة بنت الحارث بن جبلة. وهذا الحاطب بن الحارث الجمحي من المهاجرين وهاجر معه أبوه وأمه فاطمة بنت المجلل. وهذا الحطاب بن الحارث الجمحي، هاجر مع أبيه وأمه وأخيه الحاطب ومعه امرأته فكيهة بنت يسار. وهذا حكيم بن الحارث الطائفي، هاجر مع امرأته وبينه ومعه أبواه وهما مسلمان. وهذا خزيمة بن جهم بن قيس العبدري هاجر مع أبيه وأخيه عمرو ومعهم أمهما أم حرملة بنت عبد الأسود. وهذا جابر بن سفيان بن معمر الجمحي هاجر هو وأبوه وأمه حسنة. وهذا جنادة بن سفيان الجمحي هاجر ومعه أمه حسنة وأخوه جابر المذكور. وهذا سلمة بن أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، هاجر أبوه وهاجرت بعده أمه أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله مع ابنها سلمة. وهذا جناب بن الحارثة بن صخر العذري، هاجر إلى المدينة وأبوه قد أسلم. وهذا الحارث بن قيس السهمي هاجر مع بنيه الحارث وبشر ومعمر فهم مهاجرون و أبوهم الحارث قد أسلم وهاجر. وهذا السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي. من المهاجرين وأبوه مهاجر عظيم. وهذا سليط بن سليط بن عمرو العامري. قال عمر: دلوني على فتى مهاجر هو و أبوه. فدلوه عليه. وهذا عبد الرحمن بن صفوان بن قدامة. هاجر هو وأبوه. وهذا عبد الله بن صفوان بن قدامة. هاجر هو وأبوه. وهذا عامر بن غيلان بن سلمة الثقفي. هاجر إلى رسول الله وأبوه قد أسلم. وهذا عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي. من المهاجرين ووالده صحابي عظيم، وهذا عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة مهاجر وهاجر أبوه وأسلم جده وجدته أم الخير.

[312]

على زعم القوم وسيأتي الكلام في إسلامهما. وهذا عبد الله بن عمر بن الخطاب. مهاجر وأبوه قد أسلم وهاجر. وهذا محمد بن عبد الله بن جحش. أحد المهاجرين ومعه أبوه وأمه. وهذا عبد الله بن المطلب بن أزهر. أحد المهاجرين وأبوه مهاجر. وهذا معمر بن عبد الله بن نضلة. أحد المهاجرين ووالده مهاجر. وهذا مهاجر بن قنفذ بن عمير القرشي التيمي. من المهاجرين السابقين إلى الاسلام وأبوه له صحبة. وهذا موسى بن الحرث بن خالد القرشي التيمي. مهاجر ابن مهاجر. وهذا النعمان بن عدي بن نضلة. مهاجر هو ووالده. راجع سيرة ابن هشام 21، طبقات ابن سعد، تاريخ الطبري، الاستيعاب، أسد الغابة، كامل ابن الأثير، تاريخ ابن كثير، عيون الأثر لابن سيد الناس، الإصابة، تهذيب التهذيب، السيرة الحلبية. ولعل الباحث يقف في غضون السير وكتب التاريخ ومعاجم التراجم كثيرا من نظراء هؤلاء من المهاجرين الذين أسلم آبائهم أو آبائهم وأمهاتهم. فما جاء به المحب الطبري و السيوطي ومن لف لفهما من فضيلة إسلام والد أبي بكر أو والديه دون سائر الصحابة وعزوه إلى مولانا أمير المؤمنين ليس إلا مجهلة ومخرقة نشأت من الغلو الفاحش في الفضائل. * (إسلام والدي أبي بكر) * هلم معي نحاسب إسلام والدي أبي بكر أحقا هما أسلما ؟ فضلا عن أن يخص بهما الاسلام من بين آباء المهاجرين وأمهاتهم، أم لم ينبأ به خبير ؟ بل هو نبأ كنبأ إسلام والدي غيره من المهاجرين يناقش فيه وإنما ولده الغلو في الفضائل. أما إسلام أبي قحافة فيقال: إنه أسلم يوم الفتح وقد أتى به ابنه أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يؤثر إتيانه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طيلة حياته غير مرة واحدة في تلك السنة يوم ذاك. وها نحن نذكر جميع ما ورد في إتيانه ذاك، ونجعل تلكم الروايات المروية فيه قسمين: الأول ما لم يذكر فيه إيعاز إلى إسلامه. والثاني ما يوعز فيه إلى إسلامه.

[313]

* (القسم الأول) * 1 - أخرج الحاكم في المستدرك 3: 245 عن أبي عبد الله محمد بن أحمد القاضي ابن القاضي قال: حدثني أبي ثنا محمد بن شجاع ثنا الحسين (1) بن زياد عن أبي حنيفة عن يزيد بن أبي خالد عن أنس رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى لحية أبي قحافة كأنه ضرام عرفج من شدة حمرته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه تكرمة لأبي بكر. سكت الحاكم عما في سند هذه الرواية ولم يصححه على عادته في الكتاب، وتبعه في ذلك الذهبي في تلخيصه، كل ذلك تكرمة لأبي بكر، وإن بخسا الحق و الحقيقة فيه: 1 - محمد بن شجاع البغدادي أبو عبد الله ابن الثلجي الفقيه. قال أحمد إمام الحنابلة: مبتدع صاحب هوى. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت القواريري قبل أن يموت بعشرة أيام وذكر ابن الثلجي فقال هو كافر. قال: فذكرت ذلك لإسماعيل القاضي فسكت، فقلت: ما أكفره إلا بشئ سمعه منه قال: نعم. وقال زكريا الساجي: فأما ابن الثلجي فكان كذابا احتال في إبطال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورده نصرة لمذهبه، وفي المنتظم: نصرة لأبي حنيفة ورأيه. وقال ابن عدي، كان يضع أحاديث في التشبيه وينسبها إلى أصحاب الحديث يبليهم بذلك. وقال الأزدي: كذاب لا تحل الرواية عنه لسوء مذهبه، وزيغه عن الدين. وقال الجوزجاني: وقال موسى بن القاسم الأشيب: كان كذابا خبيثا (2) وفيه 2 - الحسن بن اللؤلؤي الكوفي. قال يحيى بن معين: كذاب. وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: يكذب على ابن جريج. وقال أبو داود: كذاب غير ثقة.


(1) الصحيح: الحسن بن زياد. (2) ميزان الاعتدال 3: 71، المنتظم لابن الجوزي 5: 57، تهذيب التهذيب 9: 220.

[314]

وقال أبو حاتم: ليس بثقة. وقال الدارقطني: ضعيف متروك. وقال نضر بن شميل لرجل كتب كتب الحسن: لقد جلبت إلى بلدك شرا. وقال أبو ثور: ما رأيت أكذب من اللؤلؤي، كان على طرف لسانه: ابن جريج عن عطاء. وقال أحمد بن سليمان: رأيته يوما في الصلاة وغلام أمرد إلى جانبه في الصف فلما سجد مد يده إلى خد الغلام فقرصه فقذفته فلا أحدث عنه. وقال ابن أبي شيبة: كان أبو أسامة يسميه الخبيث. وقال يعقوب بن سفيان، والعقيلي، والساجي: كذاب. وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون (1) إقرأ واحكم. أتخفى هذه كلها على الحاكم والذهبي ؟ لا ها الله. 2 - أخرج الحاكم في المستدرك 3: 244 عن أبي العباس محمد بن يعقوب قال: ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا حسين بن محمد المروزي ثنا عبد الله بن عبد الملك الفهري ثنا القاسم بن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن أبي بكر رضي الله عنهم قال: جئت بأبي أبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلا تركت الشيخ حتى آتيه ؟ فقلت: بل هو أحق أن يأتيك. قال: إنا لنحفظه لأيادي ابنه عندنا. وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 50 فقال: رواه البزار وفيه عبد الله ابن عبد الملك الفهري ولم أعرفه. وقال الذهبي في تلخيص المستدرك: عبد الله منكر الحديث. وقال الذهبي في الميزان 2: 55، وابن حجر في لسانه 2: 311: قال ابن حبان: " عبد الله " لا يشبه حديثه حديث الثقات يروي العجائب. وقال العقيلي: منكر الحديث لا يتابع عليه، وقال أبو زرعة: هو ضعيف يضرب على حديثه. وقال البرقاني: سألت أبا الحسن عنه قلت: ثقة ؟ قال: لا ولا كرامة. إنتهى ما في الميزان ولسانه. وفي السند: القاسم بن محمد عن أبيه عن أبي بكر، توفي القاسم بن محمد سنة 108 / 9 وهو ابن 70 / 72 سنة كما في صفة الصفوة لابن الجوزي 2 ص 50 وتوفي والده محمد سنة


(1) ميزان الاعتدال 1: 228، لسان الميزان 2: 208. [*]

[315]

38 فتكون ولادة القاسم سنة وفاة أبيه محمد، وإن أخذنا قول ابن سعد من أن القاسم توفي سنة 112 وهو ابن سبعين سنة فيكون القاسم عند وفاة والده ابن أربع سنين فأنى له الرواية عن أبيه. وأما رواية محمد عن أبيه أبي بكر فلا يصح إذ محمد ولد عام حجة الوداع سنة عشرة من الهجرة وتوفي والده في جمادى الآخرة عام ثلاثة عشر، فأين يكون مقيل هذه الرواية من الصحة ؟ قال الذهبي في تلخيص المستدرك في تعقيب هذه الرواية: القاسم لم يدرك أباه ولا أبوه أبا بكر. 3 - أخرج الحاكم في المستدرك 3، 244 عن القاضي أبو بكر محمد بن عمر بن سالم بن الجعابي الحافظ ألا وحدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، بإسناده عن أنس قال: جاء أبو بكر رضي الله عنه يوم فتح مكة بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه. ليت شعري ما الذي دعا الذهبي إلى تسليم رواية الجعابي هذه وترك الغمز فيها وقد ترجمه في ميزانه 3: 113 وقذفه بقوله: إنه فاسق رقيق الدين، وقال الخطيب: كثير الغرائب، ومذهبه في التشيع معروف، ونسب إليه ابن الجوزي ما هو بري منه، وحكي عن الحاكم أنه قال: قلت للدارقطني: بلغني إن ابن الجعابي تغير بعدنا. فقال: وأي تغير. فقلت: هذا فهمه في الحديث. قال: أي والله حدث عن الخليل بن أحمد صاحب العروض بعشرين حديثا بأسانيد ليس له فيها أصل. إلى آخر ما أتى به القوم في ترجمته، راجع تاريخ الخطيب 3: 26، المنتظم لابن الجوزي 7: 38، لسان الميزان 5: 322. ثم كيف خفي عليه وعلى الحاكم أن الجعابي ولد سنة 285 وتوفي 355 باتفاق المؤرخين فأنى تصح روايته عن أبي شعيب عبد الله بن الحسن المتوفى 292 ؟ كما أرخه الذهبي في ميزان الاعتدال، هذا أخذا بما في لفظ الذهبي في تلخيصه من حذف حرف " ألاو " من السند وأما على ما في لفظ الحاكم من " ألاو " فيكون الراوي عن أبي شعيب المتوفى 202 هو نفس الحاكم المولود سنة 321. على أن الذهبي قال في الميزان 2: 30: كان أبو شعيب غير متهم لكنه أخذ

[316]

الدراهم على الحديث، وحكى ابن حجر عن ابن حبان في لسان الميزان 3: 271 إنه قال: كان يخطئ ويهم 4 - أخرج الحاكم في المستدرك 3: 244 عن أبي العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر ثنا عبد الله بن وهب أخبرني ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة فأتى به النبي صلى الله عليه وآله فلما وقف به على رسول الله صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: غيروه (1) ولا تقربوه سوادا. متن هذه الرواية يكذبه كل ما ورد في إتيان أبي قحافة إلى النبي صلى الله عليه وآله فإن في الجميع أن الآتي به هو أبو بكر. ثم مر في حديث أنس أنه نظر إلى لحية أبي قحافة كأنه ضرام عرفج من شدة حمرتها، فما معنى ما ورد في هذا الرواية من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: غيروه ولا تقربوه سوادا ؟ وأما سندها ففيها عبد الله بن وهب قال ابن معين: ابن وهب ليس بذاك. وفي ابن جريج كان يستصغر. ميزان الاعتدال 2: 86. وفيها أبو الزبير محمد بن مسلم الأسدي المكي ففي الميزان 3 ص 125: يرد ابن حزم من حديث أبي الزبير ما يقول: عن جابر ونحوه، لأنه عندهم ممن يدلس فإذا قال. سمعت وأخبرنا احتج به. قال الأميني: هذا الحديث مما قال فيه أبو الزبير عن جابر فهو يرد على ما قاله ابن حزم. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: أبو الزبير: لا يتحج به وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي واحتج عليه رجل بحديث عن أبي الزبير فغضب وقال: أبو الزبير محتاج إلى دعامة. وعن ورقاء قال: قلت لشعبة: مالك تركت حديث أبي الزبير ؟ قال: رأيته يزن ويسترجح في الميزان وقال شعبة: قدمت مكة فسمعت من أبي الزبير فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل يوما فسأله عن مسألة فرد عليه فقلت له: يا أبا الزبير ! تفتري على رجل مسلم قال: إنه أغضبني. قلت: من يغضبك تفتري عليه ؟ لا رويت عنك حديثا أبدا. وذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب 9: 440 وحكى تضعيف أيوب وأحمد وغيرهما إياه. وعن أبي الزبير هذا أخرج الحاكم في المستدرك 3: 245 عن جابر أنه قال:


(1) قال الذهبي في تلخيص المستدرك: غيروه يعني الشيب. [*]

[317]

أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح بأبي قحافة ورأسه ولحيته كالثغامة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اخضبوا لحيته. 5 - أخرج ابن حجر من طريق محمد بن زكريا العلائي (1) عن العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة وهو شيخ قد عمى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا تركت الشيخ حتى آتيه ؟ قال: أردت أن يؤجره الله، والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحا بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك. الإصابة 4: 116. * (رجال الاسناد) * 1 - محمد بن زكريا الغلابي البصري. قال الذهبي: ضعيف. وقال ابن حبان: يعتبر بحديثه وإذا روي عن ثقة. وقال ابن مندة: تكلم فيه. وقال الدارقطني يضع الحديث. وذكر الصولي بإسناده حديثا فقال: هذا كذب من الغلابي، ميزان الاعتدال 3: 58. 2 - العباس بن بكار البصري. قال الدارقطني: كذاب. وقال العقيلي: الغالب على حديثه الوهم والمناكير. ميزان الاعتدال 2: 18. 3 - أبو بكر الهذلي البصري. قال الدوري ليس بشئ وقال أيضا: ليس بثقة. وقال ابن معين: ليس بشئ. وقال غندر: كان يكذب وقال أبو زرعة ضعيف. وقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه ولا يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بثقة و لا يكتب حديثه. وقال ابن الجنيد: متروك الحديث. وقال ابن المديني: ضعيف ليس بشئ ضعيف جدا، ضعيف ضييف. وقال الجوزجاني: يضعف حديثه. وقال الدارقطني: منكر الحديث متروك. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف ليس حديثه بشئ. وقال المروزي: كان أبو عبد الله يضعف أمره. وقال ابن عمار: بصري ضعيف. وقال أبو إسحاق: ليس بحجة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال الذهبي: ضعفه أحمد وغيره. وقال غندر وابن معين: لم يكن بثقة. وقال


(1) الصحيح: الغلابي. [*]

[318]

يزيد بن زريع: عدلت عنه عمدا. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: ليس بالحافظ عندهم، راجع ميزان الاعتدال 3: 345، تهذيب التهذيب 12: 46، وقال ابن حجر في الإصابة بعد ذكر الحديث: إسناد واه. 6 - قال ابن حجر في الإصابة 4: 117: أخرج أبو قرة موسى بن طارق عن موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: جاء أبو بكر بأبي قحافة يقوده يوم فتح مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه ؟ قال أبو بكر: أردت أن يؤجره الله، والذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحا بإسلام أبي طالب لو كان أسلم (1) مني بأبي. هذا الحديث كسابقه لا يدل على إسلام أبي قحافة وهو نظير قول عمر للعباس أنا بإسلامك إذا أسلمت أفرح مني بإسلام الخطاب يعني لو كان أسلم (2) وأما رجال إسناده ففيه: 1 - موسى بن طارق. قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به كما قاله الذهبي في الميزان 3: 211. وفيه: 2 - موسى بن عبيدة قال الذهبي: قال أحمد: لا يكتب حديثه. وقال النسائي وغيره: ضعيف. وقال ابن عدي: الضعف على روايته بين. وقال ابن معين ليس بشئ. وقال مرة: لا يحتج بحديثه. وقال يحيى بن سعيد: كنا نتقي حديثه. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث جدا. ميزان الاعتدال 3: 214. وفيه: 3 عبد الله بن دينار. قال العقيلي: روى عنه موسى بن عبيدة ونظراؤه أحاديث مناكير الحمل فيها عليهم. تهذيب التهذيب 5: 202. * (القسم الثاني) * لا يوجد في كتب الحديث ومعاجم التراجم ما يدل على إسلام أبي قحافة إلا ما


(1) هذه الجملة أعني (لو كان أسلم) دخيل من المتأخرين نظراء ابن حجر ولا توجد في الأصول القديمة راجع الرياض النضرة 1: 45. (2) الإصابة 4: 117. [*]

[319]

أخرجه أحمد في مسنده 6: 349 من طريق ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر قالت لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من أصغر ولده: أي بنية إظهري بي على أبي قبيس، قالت: وقد كف بصره، قالت: فأشرفت به عليه فقال: يا بنية ماذا ترين ؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل، قالت: وأرى رجلا يسعى بين ذلك السواد مقبلا ومدبرا قال: يا بنية ذلك الوازع يعني الذي يأمر الخليل و يتقدم إليها ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: قد والله إذا دفعت الخيل فاسرعي بي إلى بيتي فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته وفي عنق الجارية طوق لها من ورق فتلقاها رجل فاقتلعه من عنقها قالت: فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة و دخل المسجد أتاه أبو بكر بأبيه يقوده فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ قال أبو بكر: يا رسول الله ! هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي أنت إليه قال: فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال له: أسلم، فأسلم ودخل به أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه كأنه ثغامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا من شعره، ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته فقال: انشد بالله وبالاسلام طوق أختي فلم يجبه أحد، فقال: يا أخية: إحتسبي طوقك. وفي لفظ المحب الطبري في الرياض 1، 45: إحتسبي طوقك فوالله إن الأمانة في الناس اليوم قليل. قال الأميني: هذه الرواية لا تصح لمكان محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار المدني نزيل العراق وليست هي إلا من موضوعاته. قال سليمان التيمي: ابن إسحاق كذاب. وقال هشام بن عروة: كذاب. وقال مالك: دجال من الدجاجلة. وقال يحيى القطان: أشد أن محمد بن إسحاق كذاب. وقال الجوزجاني: الناس يشتهون حديثه، وكان يرمى بغير نوع من البدع. وقال ابن نمير: يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة. وقال أيوب بن إسحاق: سألت أحمد فقلت له: يا أبا عبد الله ! إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله ؟ قال: لا والله إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد

[320]

ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. وقال أبو داود: سمعت أحمد ذكر محمد بن إسحاق فقال: كان رجلا يشتهي الحديث فيأخذ كتب الحديث فيضعها في كتبه، وكان يدلس، وكان لا يبالي عمن يحكي عن الكلبي وغيره. وقال عبد الله بن أحمد: ما رأيت أبي أتقن حديثه قط، وكان يتتبعه بالعلو والنزل، قيل له: يحتج به ؟ قال: لم يكن يحتج في السنن. وقال ابن معين: ليس بذاك، ضعيف، ليس بقوي. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال ابن المديني: كذبه سليمان التميمي، ويحيى القطان، ووهيب بن خالد وقال الدارقطني: لا يحتج به. وقال: اختلفت الأئمة فيه وليس بحجة إنما يعتبر به. وقال هشام بن عروة: يحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر والله إن رآها قط وقال وهيب: سألت مالكا عنه فاتهمه. وقال أحمد: هو كثير التدليس جدا (1). وأخرج الحاكم في المستدرك 3: من طريق الحديث الرابع المذكور عن عبد الله ابن وهب عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله هنأ أبا بكر بإسلام أبيه. وفيه مضافا إلى ما أسلفناه في الحديث الرابع: إن زيد بن أسلم توفي سنة 136. وعده ممن لقي ابن عمر (2) فلا تصح روايته عن النبي صلى الله عليه وآله وقد ولد بعده بكثير. على أن ابن حجر قال في تهذيب التهذيب 3: 397: ذكر ابن عبد البر في مقدمة التمهيد ما يدل على أنه كان يدلس. وقال في موضع آخر: لم يسمع من محمود بن لبيد وحكى عن ابن عيينة أنه قال: كان زيد رجلا صالحا وكان في حفظه شئ. ونقل


(1) راجع ميزان الاعتدال 3: 21 - 24، تهذيب التهذيب 9: 38 - 46. (2) تاريخ ابن كثير 10 ص 61، مرآة الجنان 1 ص 284. [*]

[321]

عن غيره قوله: لا أعلم به بأسا إلا أنه يفسر برأيه القرآن ويكثر منه، وفي ميزان الاعتدال 1: 361: إنه كان يفسر القرآن برأيه. هذا إسلام أيي قحافة وحديثه وليس إلا دعوى مجردة مدعومة بالواهيات، ولا يثبت بها إسلام أي أحد، ويظهر من نفس رواية أحمد أن إتيانه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله [على فرض تسليمه] لم يكن إلا لاسترداد ما أخذه المسلمون من ابنته من الطوق، ولو كان له إسلام ثابت وكان إيتانه للاسلام لكان يعيد زيارته صلى الله عليه وآله وسلم مرة بعد أخرى، وكان ينتهز الفرص أيام اقامته تلك في مكة ويستفيد من نمير علمه، ويأخذ منه معالم دينه، وكان حقا عليه أن يزوره في حجة الوداع، ولو كان له إسلام لكان يروي عنه صلى الله عليه وآله ولو حديثا واحدا، أو كان يروي عن أصحابه ولو عن واحد منهم، ولو كان قد أسلم لكان تنقل عنه كلمة في الاسلام، أو قول في الذب عنه، أو حرف واحد في الدعوة إليه أو كان له في التاريخ ذكر عن أيام إسلامه، ونبأ عن آثار إيمانه بالله وبرسوله، ولا أقل من روايته هو بحديث إسلامه. ثم إن صح الخبر وقد أكرمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: هلا تركت الشيخ في بيته. الخ. وكان ذلك كما مر تكرمة لأبي بكر فما بال الصحابة ترد شفاعة مثل هذا الرجل العظيم ؟ الذي عظمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الكلمة القيمة التي لم تؤثر عنه صلى الله عليه وآله وسلم في أحد من الصحابة حتى في أعمامه صلى الله عليه وآله وفيهم العباس الذي يستسقي به الغمام وهم يسمعونها منه صلى الله عليه وآله ما بالهم يصفحون عن شفاعته في والده بإعادة الطوق إليه و هو شيخ كبير حديث العهد بالاسلام حري بأن يكرم ؟ وما بال أبي بكر الذي أنفق جل ماله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على زعم القوم يأخذ بيد أخته ويأتي بها إلى مجتمع الثويلة وينشد الحضور بالله وبالاسلام ويسألهم رد طوقها إليها ؟ وما الطوق وما قيمته والصحابة لم تقبل فيه شفاعة شيخهم يوم ذاك وخليفتهم في الغد ؟ وكيف يستعظم أبو بكر أمر الطوق ويأمر أخته بالاحتساب ويرى الأمانة قليلة في الصحابة يوم ذاك مع حضور نبيهم فيهم ؟ فما كان محلهم من الأمانة بعد يومهم ذاك بثلث سنين وقد ارتحل النبي صلى الله عليه وآله من بين ظهرانيهم ؟ وكيف صاروا بعد فقدهم نبيهم عدولا ؟ أنا لا أدري.

[322]

إسلام أم أبي بكر ليس إسلام أم الخير أم أبي بكر إلا كإسلام أبيه أبي قحافة، لا يدعم بدليل و لا تقومه البرهنة. أخرج الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الأطرابلسي قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المصيصة، حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني أبي عبيد الله، حدثني عبد الله بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: حدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اجتمع أصحاب النبي وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليل. فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، وأثر ذلك حتى ما يعرف أنفه من وجهه، وجاءت بنو تيم تتعادى فأجلوا المشركين عن أبي بكر وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه بيته ولا يشكون في موته، ورجع بني تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة و رجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجابهم فتكلم آخر. النهار: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فنالوه بألسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لأم الخير بنت صخر: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به وألحت جعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: والله ما أعلم بصاحبك. قال: فاذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت إلى أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله. قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن تحبي أن أمضي معك إلى ابنك فعلت: قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت منه أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق وإني لأرجو أن ينتقم الله لك قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: هذه أمك تسمع

[323]

قال: فلا عين عليك منها قالت: سالم صالح. قال فأنى هو ؟ قالت في دار الأرقم قال: فإن لله علي آليت أن لا أذوق طعاما ولا شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى دخلتا على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فانكب عليه فقبله وانكب عليه المسلمون ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقه شديدة فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي ليس بي إلا ما نال الفاسق من وجهي، هذه أمي برة بوالديها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله عز وجل لها عسى أن يستنقذها بك من النار. فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت. (1) قال الأميني: تفرد بهذا الحديث عبيد الله بن محمد العمري، رماه النسائي بالكذب، وحكاه عنه الذهبي وابن حجر (2) وقال الدارقطني في حديث آخر تفرد به العمري أيضا: ليس بصحيح تفرد به العمري وكان ضعيفا. وبقية رجال السند كلهم تيميون فيهم عبد الله وعبيد الله من أولاد طلحة بن عبيد الله مجهولان لا يعرفان. وعبد الله ومحمد بن عمران من أولاد طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، أو: من أولاد طلحة بن عبيد الله أيضا وهما مجهولان كسابقيهما على أن أبا بكر لا يعد من المعذبين في الاسلام، ولو كان له هذا الموقف في ذلك اليوم العصبصب وكانت على النبأ مسحة من الصحة لكان يذكر في صفحة كل تاريخ، ولم يكن يهمله أي مؤرخ، أمن المعقول أن يحفظ التاريخ في طياته تعذيب الموالي ولم يكن في صفحته ذكر عن مثل هذا الموقف لمثل أبي بكر: ثم لو لم يكن الحفاظ عدوا هذه الرواية من موضوعات عبيد الله العمري وكان عندهم ثقة برجالها ولو بالعلاج ولو بقيل قائل لما أعرضوا عنها في تلكم القرون الخالية كلها، وكان يتلقاها حافظ عن حافظ وإمام عن إمام ولم تكن تخص روايتها بالمحب الطبري وابن كثير المتخصصين لذكر الموضوعات والأحاديث المفتعلة أو من يحذو حذوهما. وفي نفس الرواية ما يكذبها من شتى النواحي: 1 - إن عائشة ولدت في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة (3) والقضية على تسليم


(1) الرياض النضرة 1: 46، تاريخ ابن كثير 3: 30. (2) ميزان الاعتدال 2: 180، لسان الميزان 4: 112. (3) طرح التثريب 1: 147، الإصابة 4: 359. [*]

[324]

قبولها قد وقعت في السادسة من البعثة فأين كانت عائشة يوم ذاك ؟ أشاهدت موقف أبيها وهي على ثدي أمها بنت سنة أو سنتين ؟ لماذا لم يرو ذلك عن أبيها أو عن أمها أو عن أم جميل ؟ لعل الرواية من ولائد القرون المتأخرة عنهم، ولدتها أم الفضائل بعد قضاء الدهر على حياة من خلقت لأجله. 2 - إن في لفظ الرواية: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية و وثلاثين رجلا. فعلى هذا لم يكن أبو بكر يوم ذاك مسلما أخذا بقول النبي صلى الله عليه وآله صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين لأنا كنا نصلي وليس معنا أحد يصلي غيرنا (1) وما مرت من الصحيحة عن أمير المؤمنين عليه السلام لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الناس بسبع سنين (2) وما أسلفنا من صحيحة الطبري: إن أبا بكر أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا (3). 3 - في الرواية: ألح أبو بكر على رسول الله في الظهور فقال: يا أبا بكر ! إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلخ. يكذبه ما في السير من أن رسول الله صلى الله عليه وآله أظهر الدعوة قبل ذلك اليوم بثلاث سنين. وروى ابن سعد وابن هشام والطبري وغيرهم: إن الله عز وجل أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه، وأن ينادي الناس بأمره ويدعو إليه فقال له: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (4) وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعوة إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه: وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون (سورة الشعراء 214 - 17) (5).


راجع الجزء الثالث ص 220 ط 2. (2) راجع الجزء الثالث ص 221 ط 2. (3) تاريخ الطبري 2: 215. (4) سورة الحجر آية 94. (5) تاريخ الطبري 2: 216، طبقات ابن سعد 1: 183، سيرة ابن هشام 1: 274. الكامل 2: 23، تفسير القرطبي 10: 62، عيون الأثر لابن سيد الناس 1: 99، تاريخ أبي الفدا ج 1: 116، تفسير ابن كثير 2: 559، تفسير الخازن 3: 109، تفسير الشوكاني 3: 139. [*]

[325]

فإظهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوته كان بأمر من المولى سبحانه من دون سبق أي إلحاح من أي أحد عليه من أبي بكر أو غيره سواء كان أسلم أبو بكر يوم ذاك أولم يسلم. على أن أبا بكر عد ممن كان يدعو سرا بعد ذلك اليوم بعد ظهور الدعوة من المسلمين فأين مقيل إلحاحه على رسول الله في الظهور من الصحة يوم ذاك ؟ قال ابن سعد في طبقاته 1: 185: كان أبو بكر يدعو ناحية سرا، وكان سعد بن زيد مثل ذلك، وكان عثمان مثل ذلك، وكان عمر يدعو علانية وحمزة بن عبد المطلب فإسرار أبي بكر في الدعوة يوم إعلان عمر كان بعد ذلك اليوم، إذ أسلم عمر بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة. بعد أربعين رجلا (1) وقد مر في الرواية أن القضية وقعت والمسلمون ثمان وثلاثون نسمة. وذكر الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 259 حديثين في إسلام أم أبي بكر أحدهما عن ابن عباس قال أسلمت أم أبي بكر وأم عثمان وأم طلحة وأم الزبير وأم عبد الرحمن بن عوف وأم عمار فقال: فيه: خازم بن الحسين وهو ضعيف. وقال الذهبي في الميزان 1: 315: قال ابن معين: خازم ليس بشئ. وقال أبو داود: روى مناكير وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. والحديث الثاني للهيثمي عن طريق الهيثم بن عدي قال: هلك أبو بكر فورثاه أبواه جميعا وكانا أسلما. ثم قال: إسناده منقطع. قال الأميني: كأن الحافظ الهيثمي يوهم بكلمته الأخيرة أن علة الحديث هي انقطاعه فحسب ولم يذكر بقية رجاله حتى تقف عليها نظارة التنقيب غير أن في ذكر الهيثم بن عدي الكذاب كفاية. قال البخاري: ليس بثقة كان يكذب. وقال أبو داود: كذاب. وقال النسائي وغيره متروك الحديث. وقالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب، وقال النسائي أيضا: منكر الحديث و ذكر حديثا وعده من افتراء الهيثم على هشام بن عروة. وقال أبو حاتم، متروك الحديث وقال أبو زرعة: ليس بشئ. وقال العجلي: كذاب وقد رأيته وقال الساجي: سكن


(1) الاستيعاب هامش الإصابة 2: 459، تأريخ ابن كثير 3: 31 [*]

[326]

مكة وكان يكذب. وقال إمام الحنابلة أحمد: كان صاحب أخبار وتدليس. وقال الحاكم النقاش: حدث عن الثقات بأحاديث منكرة. وعد البيهقي والنقاش والجوزجاني الحديث من الموضوعات لكون الهيثم فيه. وقال أبو نعيم: يوجد في حديثه المناكير (1). فإسلام أم أبي بكر كإسلام والده أبي قحافة قط لا يثبت. والذي ذكر إسلامهما من المؤرخين كابن كثير والديار بكري والحلبي وغيرهم لا يعول على قولهم بعد ما عرفت الحال في مستند أقوالهم، فلا قيمة للدعوى المجردة والتقول بلا دليل. ويعرب عن جلية الحال بقاء أم الخير " أم أبي بكر " في حبالة أبي قحافة في مكة، وقد أسلمت هي على قول من يقول بإسلامها في السادسة من البعثة وأسلم أبو قحافة في الثامن من الهجرة سنة الفتح كما سمعت فتخللت بين إسلامهما ثلاثة عشر عاما، فبأي كتاب أم بأية سنة بقيت تلك المسلمة أم مثل أبي بكر تلك السنين المتطاولة في نكاح أبي قحافة الذي لم يسلم بعد ؟ وما الذي جمع بينهما ؟ والفراق بينهما كان أول شعار الإسلامية. فأين إسلامها ؟ وبماذا يثبت والحال هذه ؟ * (أبو بكر وأبواه في القرآن) * لعبت أيدي الهوى بكتاب الله، وحرفت الكلم عن مواضعها، وجاء من يؤلف في التفسير وقد أعماه الحب وأصمه يخبط خبط عشواء، فتراه كحاطب ليل يروي في كتابه أساطير السلف الأولين من الوضاعين مرسلا إياها إرسال المسلم من دون أي تحقيق وتثبت وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومع ذلك يرون أنفسهم أئمة وقادة في علم القرآن العزيز. حتى يرون أن قوله تعالى في الأحقاف 15: ووصينا الانسان بوالديه حسنا، حملته أمه كرها ووضعته كرها، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين. نزلت في أبي بكر. ويروون عن علي أمير المؤمنين وابن عباس أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرا، حملته أمة تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين


(1) ميزان الاعتدال 3: 265، لسان الميزان 6: 209، الغدير 5: 270 ط 2. [*]

[327]

شهرا، أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه وغيره. فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده. فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة صدق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة فلما بلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن اشكر نعمتك أنعمت علي وعلى والدي، واستجاب الله له فأسلم والداه وأولاده كلهم. الكشاف 3: 99، تفسير القرطبي 16: 193، 194، الرياض النضرة 1: 47، مرقاة الوصول ص 121، تفسير الخازن 4: 132، تفسير النسفي هامش الخازن 4: 132، تفسير الشوكاني 5: 18. ألا مسائل هؤلاء الأعلام المغفلين عن أن كون مدة الحمل والفصال ثلاثين شهرا هل يخص بأبي بكر فحسب حتى يخص بالذكر ؟ أم هو مطرد في خلق الله، إما بكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة لإرضاع حولين كاملين، وإما بكون الحمل تسعة أشهر والارضاع واحدا وعشرين شهرا ؟ وإن الحري بالذكر هو الأول شذوذه عن العادة المطردة. ثم إن كان هذا من خاصة أبي بكر وحكاية لحمله وفصاله فكيف يصح لمولانا أمير المؤمنين وابن عباس الاستدلال بالآية مع ما في سورة لقمان على كون أقل الحمل ستة أشهر كما مر في الجزء السادس ص 93 - 95 ط 2 فالآية الكريمة لا تبين إلا ما هو السائر الدائر بين البشر بأحد الوجهين المذكورين وبهذا يتم الاستدلال. وفيه قال ابن كثير في تفسيره 4: 157: وهو استنباط قوي صحيح ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم. وابن كثير مع إكثاره بنقل الموضوعات لم يوعز إلى نزول الآية في أبي بكر لما يرى في نقله من الفضيحة على نفسه. ثم إن في نص الآية: إن ذلك الانسان قال ما قاله وقد بلغ أشده وبلغ من عمره أربعين عاما. وأبو بكر لم يكن مسلما يوم ذاك لا هو ولا أبوه ولا أمه، أما هو فقد قدمنا أنه أسلم بعد سبع من البعثة بنصوص مرت في الجزء الثالث ص 220 - 223 ط 2 وأما أبوه فقد أسلم " إن أسلم " يوم الفتح في السنة الثامنة من الهجرة وكان لأبي بكر يومئذ ست وخمسون سنة أو أكثر.

[328]

وأما أمه فقد أسلمت " إن أسلمت " في السنة السادسة من البعثة وأبو بكر يوم ذاك ابن أربع وأربعين سنة أو أكثر منها، فبماذا أنعم الله عليه وعلى والديه يوم قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي. وكلهم غير مسلمين ؟ والجملة دعائية بالنسبة إلى إلهام الشكر على ما أنعم الله به عليه وعلى والديه فحسب، وأما بالنسبة إلى كونهم من المنعم عليهم فخبرية تقتضي سبق تلك النعمة على ظرف الدعاء، فالقول بأن الله سبحانه استجاب له فأسلم والداه وأولاده كلهم مهزأة غير مدعومة بشاهد. على أن أخبار إسلام والديه " بعد تسليمها والغض عما فيها " تدل على أن إسلام أمه كان بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها بالاسلام، وإسلام أبيه من بركة مسحه صلى الله عليه وآله يده على صدره، فأين دعاء أبي بكر ؟ وأما ما في ذيل الرواية مما عزي إلى أمير المؤمنين عليه السلام من أنه لم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غير أبي بكر. فحاشا أمير المؤمنين بقول مثل ذلك، وقد عرفناك ص 310 - 312 زرافات من المهاجرين أسلموا هم وآبائهم وأمهاتهم ويقدمهم هو سلام الله عليه بالأولية والأولوية. * (آية أخرى في أبي بكر وأبيه) * وردت في قوله تعالى من سورة المجادلة: 62: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. من طريق ابن جريج: إن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وآله فصكه أبو بكر ابنه صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: أو فعلته لا تعد إليه فقال والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته. فنزلت قوله: لا تجد قوما. الآية. تفسير القرطبي 17: 307 تفسير الزمخشري 3: 172، مرقاة الوصول حاشية نوادر

[329]

الأصول ص 121، تفسير الآلوسي 28: 36. قال الأميني: أصفق رجال التفسير على أن سورة الأحقاف التي مرت فيها الآية الأولى مكية، وعلى أن سورة المجادلة مدنية، وعلى أن هذه الآية نزلت بعد ردح من الزمن من نزول الأحقاف، ويظهر من تفسير القرطبي وابن كثير والرازي أنها نزلت بعد بدر واحد فيقع نزولها على هذا في السنة الرابعة من الهجرة تقريبا، فما وجه الجمع بين الآيتين على تقدير تسليم نزولهما في أبي بكر، والأولى منهما كما مر نص على أن أبا قحافة ممن أنعم الله عليه يوم كان لأبي بكر أربعون سنة، ولما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي. وهذه الآية كما ترى نص في أن أبا قحافة يوم نزولها - وكان يوم ذاك لأبي بكر ثلث و خمسون سنة تقريبا - كان ممن حاد الله ورسوله. والذي يهون الخطب أن متن هذه الرواية كالرواية السبقة الوارد ة في الآية الأولى يكذب نفسها، إذ الآية كما سمعت نزلت بالمدينة، وظاهر الرواية وقوع القصة بها، و يوم ذاك كان أبو قحافة بمكة، فأين وأنى اجتمع أبو بكر مع أبيه وصكه ؟ ثم هل يشترط وجوب قتل من سب رسول الله صلى الله عليه وآله بقرب السيف ممن سمعه ؟ أو شرع هذا الحكم بعد القضية ؟ أو خص أبو قحافة منه بالدليل، سل من أعماه الغلو في الفضائل وأصمه، إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا، ويقولون هو من عند الله، و ما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.

[330]

(الغاية للقالة) أحسب إن القوم لم ينسجوا هذا الإفك على نول الجهل بتراجم الرجال فحسب، ولا إن لهم مأربا في آباء المهاجرين أسلموا أو لم يسلموا، أو أن لهم غاية في إسلام أبوي أبي بكر، لكنهم زمروا لما لم يزل لهم فيه مكاء وتصدية من تكفير سيد الأباطح شيخ الأئمة أبي طالب والد مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليهما، وذلك بعد أن عجزوا عن الوقيعة في الولد فوجهوها إلى الوالد أو إلى الوالدين كما فعله الحافظ العاصمي في زين الفتى. وكان من تهويلهم في تخفيف تلكم الوطأة أن جروا ذلك إلى والدي النبي المعظم صلى الله عليه وآله وعليهما حتى قال العاصمي في زين الفتى عند بيان وجه الشبه بين النبي والمرتضى صلى الله عليهما وآلهما: أما تشبيه الأبوين في الحكم والتسمية فإن النبي في كثره ما أنعم الله تعالى عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام أبويه، وعلى هذا جمهور المسلمين (1) إلا شرذمة قليلون لا يلتفت إليهم، فكذلك المرتضى فيما أكرمه الله به من الأخلاق والخصال وفنون النعم والافضال لم يرزقه إسلام أبويه ا ه‍. فلم تفتأ لهم في ذلك جلبة ولغط مكابرين فيهما المعلوم من سيرة شيخ الأبطح وكفالته لصاحب الرسالة، ودرعه عنه كل سوء وعادية، وهتافه بدينه القويم، وخضوعه لمناموسه الإلهي في قوله وفعله وشعره ونثره، ودفاعه عنه بكل ما يملكه من حول وطول. ولو لا أبو طالب وابنه * لما مثل الدين شخصا وقاما فذاك بمكة آوى وحامى * وهذا بيثرب جس الحماما تكفل عبد مناف بأمر * وأودى فكان علي تماما فقل في ثبير مضى بعد ما * قضى ما قضاه وأبقى شماما


(1) كما فعله الحافظ العاصمي في زين الفتى (2) أفك الرجل على جمهور المسلمين، فإن الإمامية والزيدية على بكرة أبيهم ومن حذا حذوهم من محققي أهل السنة ذهبوا إلى إسلام والدي النبي الأقدس، ومن شذ عنهم فلا يأبه به ولا يلتفت إليه [*]

[331]

فلله ذا فاتحا للهدى * ولله ذا للمعالي ختاما وما ضر مجد أبي طالب * جهول لغا أو بصير تعامى كما لا يضر إياب الصبا * ح من ظن ضوء النهار الظلاما (1) وهناك طرق لا يمكن التوسل إلى الاذعان بنفسيات أي أحد إلا بها ألا وهي: 1 - استنباطها مما يلفظ به من قول. 2 - أو مما ينوء به من عمل. 3 - أو مما يروي عنه آله وذووه، فإن أهل البيت أدرى بما فيه. 4 - أو مما أسنده إليه من لاث به وبخع له. - 1 - أما أقوال أبي طالب سلام الله عليه فإليك عقودا عسجدية من شعره الرائق مثبتة في السير والتواريخ وكتب الحديث. أخرج الحاكم في المستدرك 2: 623 بإسناده عن ابن إسحاق قال: قال أبو طالب أبياتا للنجاشي يحضهم على حسن جوارهم والدفع عنهم - يعني عن المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين -: ليعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح ابن مريم أتانا بهدي مثل ما أتيا به * فكل بأمر الله يهدي ويعصم وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث المبرجم وإنك ما تأتيك منها عصابة * بفضلك إلا ارجعوا بالتكرم وقال سلام الله عليه من قصيدة: فبلغ عن الشحناء أفناء غالب * لويا وتيما عند نصر الكرائم لأنا سيوف الله والمجد كله * إذا كان صوت القوم وجي الغمائم ألم تعلموا أن القطيعة مأثم * وأمر بلاء قاتم غير حازم ؟ وأن سبيل الرشد يعلم في غد * وأن نعيم الدهر ليس بدائم فلا تسفهن أحلامكم في محمد * ولا تتبعوا أمر الغواة الأشائم


(1) ذكرها ابن أبي الحديد لنفسه في شرحه 3: 317. [*]

[332]

تمنيتم أن تقتلوه وإنما * أمانيكم هذي كأحلام نائم وإنكم والله لا تقتلونه * ولما تروا قطف اللحا والغلاصم (1) ولم تبصروا الأحياء منكم ملاحما * تحوم عليها الطير بعد ملاحم وتدعو بأرحام أواصر بيننا * فقد قطع الأرحام وقع الصوارم زعمتم بأنا مسلمون محمدا * ولما نقاذف دونه ونزاحم من القوم مفضال أبي على العدى * تمكن في الفرعين من آل هاشم أمين حبيب في العباد مسوم * بخاتم رب قاهر في الخواتم يرى الناس برهانا عليه وهيبة * وما جاهل في قومه مثل عالم نبي أتاه الوحي من عند ربه * ومن قال: لا يقرع بها سن نادم تطيف به جرثومة هاشمية * تذبب عنه كل عادت وظالم ديوان أبي طالب ص 32، شرح ابن أبي الحديد 3: 313: ومن شعره في أمر الصحيفة التي سنوقفك على قصتها قوله: ألا أبلغا عني على ذات بينها * لويا وخصا من لوي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب ؟ وأن عليه في العباد محبة * ولا حيف فيمن خصه الله بالحب وأن الذي رقشتم في كتابكم * يكون لكم يوما كراغية السقب (2) أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى (3) * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنب ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا (4) وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا وبيت الله نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب (5).


(1) في رواية: والجماجم. الغلاصم چ الغلصمة: اللحم بين الرأس والعنق. (2) في رواية: ابن هشام: وإن الذي ألصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب. رقش: كتب وسطر الراغية من الرغاء: أصوات الإبل. السقب: ولد الناقة. (3) في سيرة ابن هشام: الثرى بدل الزبى، (4) الحرب العوان: التي لو تل فيها مرة بعد أخرى. أشد الحروب (5) العراء السنة الشديدة عص الزمان: شدته وكلبه. [*]

[333]

ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت (1) بالمهندة الشهب بمعترك ضنك ترى كسر القنا * به والضباع العرج تعكف كالشرب (2) كأن مجال الخيل في حجراته * ومعمعة الأبطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ؟ ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي مما ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب سيرة ابن هشام 1: 373، شرح ابن أبي الحديد 3: 313، بلوغ الإرب 1: 325، خزانة الأدب للبغدادي 1: 261، الروض الأنف 1: 220، تاريخ ابن كثير 3، 87، أسنى المطالب ص 6: 13، طلبة الطالب ص 10. ومن شعره قوله: ألا ما لهم آخر الليل معتم * طواني وأخرى النجم لما تقحم طواني وقد نامت عيون كثيرة * وسامر أخرى قاعد لم ينوم لأحلام أقوام أرادوا محمدا * بظلم ومن لا يتقي البغي يظلم سعوا سفها واقتادهم سوء أمرهم * على خائل من أمرهم غير محكم رجاة أمور لم ينالوا نظامها * وإن نشدوا في كل بدو وموسم يرجون منا خطة دون نيلها * ضراب وطعن بالوشيج المقوم يرجون أن نسخي بقتل محمد * ولم تختضب سمر العوالي من الدم كذبتم وبيت الله حتى تفلقوا * جماجم تلقى بالحميم وزمزم وتقطع أرحام وتنسى حليلة * حليلا ويغشى محرم بعد محرم وينهض قوم بالحديد إليكم * يذبون عن أحسابهم كل مجرم هم الأسد أسد الزأرتين إذا غدت * على حنق لم تخش إعلان معلم فيا لبني فهر أفيقوا ولم تقم * نوائح قتلى تدعى بالتسدم (3)


(1) تبن: تنفصل. السوالف: صفحات الأعناق. اترت: قطعت. (2) ضنك: ضيق. الضباع العرج مر ص 58 الشرب: الجماعة من القوم يشربون. والشطر الثاني في سيرة ابن هشام: به والنسور الطخم يكفن كالشرب. (3) التسدم من السدم: الهم مع الندم. الغيظ مع الحزن. [*]

[334]

على ما مضى من بغيكم وعقوقكم * وغشيانكم في أمرنا كل مأثم وظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم (1) فلا تحسبونا مسلميه ومثله * إذا كان في قوم فليس بمسلم فهذي معاذير وتقدمة لكم * لكيلا تكون الحرب قبل التقدم ديوان أبي طالب ص 29: شرح ابن أبي الحديد 3: 312 وله قوله مخاطبا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * ولقد دعوت كنت ثم أمينا (2) ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا رواها الثعلبي في تفسيره وقال: قد اتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب مقاتل، وعبد الله بن عباس، والقسم بن محضرة، وعطاء بن دينار. راجع خزانة الأدب للبغدادي 1: 261، تاريخ ابن كثير 3: 42، شرح ابن الحديد 3: 306 تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 120، فتح الباري 7: 153، 155 الإصابة 4: 116، المواهب اللدنية 1: 61، السيرة الحلبية 1: 305، ديوان أبي طالب ص 12، طلبة الطالب ص 5 بلوغ الأرب 1: 325، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية 1: 91، 211، وذكر البيت الأخير في أسني المطالب ص 6 فقال: عده البرزنجي من كلام أبي طالب المعروف. لفت نظر زاد القرطبي وابن كثير في تاريخه على الأبيات: لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا قال السيد أحمد زيني دحلان المطالب ص 14: فقيل: إن هذا البيت موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه.


(1) في رواية شيخ الطائفة: مبرم. (2) وفي رواية القسطلاني: ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا [*]

[335]

قال الأميني: هب أن البيت الأخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فإن أقصى ما فيه أن العار والسبة الذين كان أبو طالب عليه السلام يحذرهما خيفة، أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله إنما منعاه عن الابانة والإظهار لاعتناق الدين، وإعلان الإيمان بما جاء به النبي الأمين، وهو صريح قوله: لوجدتني سمحا بذاك مبينا، أي مظهرا، وأين هو عن اعتناق الدين في نفسه، والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ؟ ولو كان يريد به عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الأولى التي ينص فيها بأن دين محمد صلى الله عليه وآله من خير أديان البرية دينا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم صادق في دعوته أمين على أمته. ومن شعره قوله قد غضب لعثمان بن مظعون حين عذبته قريش ونالت منه: أمن تذكر دهر غير مأمون * أصبحت مكتئبا تبكي كمحزون أم من تذكر أقوام ذوي سفه * يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين ؟ ! ألا ترون أذل الله جمعكم * إنا غضبنا لعثمان بن مظعون ؟ ونمنع الضيم من يبغي مضيمنا * بكل مطرد في الكف مسنون ومرهفات كأن الملح خالطها * يشفى بها الداء من هام المجانين حتى تقر رجال لا حلوم لها * بعد الصعوبة بالأسماح واللين أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون (1) ومن شعره يمدح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قوله: لقد أكرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد وشق له من إسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد أخرجه البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن يزيد، وأبو نعيم في دلائل النبوة 1 ص 6، وابن عساكر في تاريخه 1: 275، وذكره له ابن أبي الحديد في شرحه 3: 315، وابن كثير في تاريخه 1 ص 266، وابن حجر في الإصابة 4: 115، القسطلاني في المواهب اللدنية 1: 518 نقلا عن تاريخ البخاري، والديار بكري في تاريخ الخميس 1 ص 254 فقال: أنشأ أبو طالب في مدح النبي أبياتا منها هذا البيت


(1) شرح ابن أبي الحديد 3: 313. [*]

[336]

وشق له من إسمه ليجله *............ وحسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت فقال: ألم تر أن الله أرسل عبده * بآياته والله أعلى وأمجد وشق له من إسمه ليجله *............. والزرقاني في شرح المواهب 3: 156 وقال: توارد حسان معه أو ضمنه شعره وبه جزم في الخميس، أسنى المطالب ص 14. ومن شعره المشهور كما قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3: 315: أنت النبي محمد * قرم أغر مسود لمسو دين أكارم * طابوا وطاب المولد نعم الأرومة أصلها * عمرو الخضم الأوحد هشم الربيكة في الجفا - ن وعيش ؟ ؟ فجرت بذلك سنة * فيها الخبيرة ؟ ولنا السقاية الحجيج بها يمات المنجد والمأزمان (1) وما حوت * عرفانها والمسجد أنى تضام ولم أمت * وأنا الشجاع العربد وبطاح مكة لا يرى * فيها نجيع أسود وبنوا أبيك كأنهم * أسد العرين توقدوا ولقد عهدتك صادقا * في القول لا يتزيد ما زلت تنطق بالصواب * وأنت طفل أمرد جاء أبو جهل بن هشام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرميه به فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد فقال أبو طالب: أفيقوا بني غالب ! وانتهوا * عن الغي من بعض ذا المنطق وإلا فإني إذن خائف * بوائق في داركم تلتقي تكون لغيركم عبرة * ورب المغارب والمشرق


(1) المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة وهو شعب بين جبلين. [*]

[337]

كما نال من لان من قبلكم * ثمود وعاد وماذا بقي غداة أتاهم بها صرصر * وناقة ذي العرش قد تستقي فحل عليهم بها سخطه * من الله في ضربة الأزرق غداة يعض بعرقوبها * حساما من الهند ذا رونق وأعجب من ذاك في أمركم * عجائب في الحجر الملصق بكف الذي قام من خبثه * إلى الصابر الصادق المتقي فأثبته الله في كفه * على رغمه الجائر الأحمق أحيمق مخزومكم إذ غوى * لغي الغواة ولم يصدق ديوان أبي طالب ص 13، شرح ابن أبي الحديد 3: 314. قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 314: قالوا وقد اشتهر عن عبد الله المأمون رحمه الله إنه كان يقول: أسلم أبو طالب والله بقوله: نصرت الرسول رسول المليك * ببيض تلالا كلمع البروق أذب وأحمي رسولا الإله * حماية حام عليه شفيق وما إن أدب لأعدائه * دبيب البكار حذار الفنيق (1) ولكن أزير لهم ساميا * كما زار ليث بغيل مضيق وتوجد هذه الأبيات مع بيت زائد في ديوانه ص 24. ولسيدنا أبي طالب أبيات كتبها إلى النجاشي بعد ما خرج عمرو بن العاص إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي. يحرض النجاشي على إكرام جعفر والاعراض مما يقول عمرو منها: ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر * وعمرو وأعداء النبي الأقارب وهل نال إحسان النجاشي جعفرا * وأصحابه أم عاق عن ذاك شاغب ؟ تعلم أبيت اللعن أنك ماجد * كريم فلا يشقى إليك المجانب ونعلم أن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب تاريخ ابن كثير 3: 77، شرح ابن أبي الحديد 3: 314.


(1) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذى ولا يركب لكرامته ج فنق وأفناق. [*]

[338]

قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 315: ومن شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا، ويسكن جأشه، ويأمره بإظهار الدعوة: لا يمنعنك من حق تقوم به * أيد تصول ولا سلق بأصوات فإن كفك كفى إن مليت بهم * ودون نفسك نفسي في الملمات قال ابن هشام: ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تاركه لشئ أبدا، حتى يهلك دونه فقال أبو طالب: خليلي ما أذني لأول عاذل * بصغواء في حق ولا عند باطل ولما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل وقد حالفوا قوما علينا أظنة (1) * يعضون غيظا خلفنا بالأنامل صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأييض عضب من تراث المقاول (2). أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو ملح بباطل ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في الدين ما لم نحاول وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقي في حراء ونازل (3) وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونضعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نبزي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل


(1) اظنة جمع ظنين: المتهم. (2) سمراء سمحة: أراد بها قناة لينة تسمح بالانعطاف عند هزها. العضب: القاطع، المقاول أراد بها السادات (3) ثور وثبير وحراء جبال في مكة. [*]

[339]

وينهض قوم بالحديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل (1) وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعن فعل الأنكب المتحامل (2) وإنا لعمر الله إن جد ما أرى * لنلتبسن أسيافنا بالأماثل بكفي فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل شهورا وأياما وحولا مجرما (3) * علينا وتأتي حجة بعد قابل وما ترك قوم - لا أبا لك - سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل (4) وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في رحمة وفواضل بميزان قسط لا يخيس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل (5) لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل (6) ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * وآل قصي في الخطوب الأوائل وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا * علينا العدا من كل طمل وخامل (7) فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل (8) ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا نعبأ بقول الأباطل ؟ أشم من الشم البهاليل ينتمي * إلى حسب في حومة المجد فاضل


(1) الروايا: الإبل التي تحمل الماء، واحدتها: رواية. الصلاصل ج الصلصلة: الصوت وذات الصلاصل: المزادات التي فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل. (2) يقال: ركب ردعه، أي خر صريعا لوجهه، الأنكب: الذي يمشي على شق. (3) حولا مجرما: أي مكملا يقال: تجرمت السنة إذا كملت وانقضت. (4) الذمار: ما يلزمك أن تحميه. ذوب: فاسد. مواكل: يتكل على غيره. (5) لا يخيس من قولهم: خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده ويروى " لا يخس " أي لا ينقص عائل: جائر. (6) قيضا بنا: عوضا منا تقول: قاضه بكذا أي عوضه به. الغيطلة: من بني مرة بن عبد مناة إخوة مدلج بن مرة وهي أم الغياطل فقيل لولدها: الغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص (7) الطمل: الرجل الفاحش لا يبالي ما صنع اللئيم، الأحمق. اللص الفاسق. (8) كل واغل، أراد كل ملصق ليس من صميم، وأصل الواغل الداخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. [*]

[340]

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * وزينا لمن والاه رب المشاكل فأصبح فينا أحمد في أرومة * تقصر عنه سورة المتطاول حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عند بالذرا والكلاكل (1) فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل هذه القصيدة ذكر منها ابن هشام في سيرته 1 ص 286 - 298، أربعة وتسعين بيتا وقال: هذا ما صح لي من هذه القصيدة. وذكر ابن كثير من اثنين وتسعين بيتا في تاريخه 3 ص 53 - 57، وفي رواية ابن هشام ثلاثة أبيات لم توجد في تاريخ ابن كثير وقال: ص 57 قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعا، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم. وذكرها أبو هفان العبدي في ديوان أبي طالب ص 2 - 12 في مائة وأحد عشر بيتا ولعلها تمام القصيدة. وقال ابن أبي الحديد في شرحه 2: 315 بعد ذكر جملة من شعر أبي طالب: فكل هذه الأشعار قد جاءت مجئ التواتر لأنه إن لم يكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا ومجموعها متواتر يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، وكذلك القول فيما روي من سخاء حاتم وحلم الأحنف ومعاوية وذكاء إياس وخلاعة أبي نواس وغير ذلك. قالوا: واتركوا هذا كله جانبا ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة قفا نبك. وإن جاز الشك فيها أو في شئ من أبياتها جاز الشك في قفا نبك وفي بعض أبياتها. وقال القسطلاني في إرشاد الساري 2: 227: قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل وعدة أبياتها مائة وعشرة أبيات قالها لما تمالا قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفروا عنه من يريد الاسلام،


(1) حديت: عطفت ومنعت * الذرا جمع ذرة: أعلى ظهر البعير. الكلاكل جمع كلكل: معظم الصدر. [*]

[341]

وذكر منها في المواهب اللدنية 1: 48، أبياتا فقال: هي أكثر من ثمانين بيتا قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به " بحيرا " وغيره من شأنه. وقال العيني في عمدة القاري 3: 434: قصيدة طنانة وهي مائة بيت وعشرة أبيات أولها: خليلي ما أذني لأول عاذل * بصغواء في حق ولا عند باطل ذكر منها البغدادي في خزانة الأدب 1: 252 - 261 اثنين وأربعين بيتا مع شرحها وقال أولها: خليلي ما أذني لأول عاذل * بصغواء في حل ولا عند باطل خليلي إن الرأي ليس بشركة * ولا نهنه عند الأمور البلابل ولما رأيت القوم لا ود عندهم * وقد قطعوا كل العرا والوسائل وذكر الآلوسي عدة منها في بلوغ الإرب 1 ص 237 وذكر كلمة ابن كثير المذكورة وقال: هي مذكورة مع شرحها في كتاب لب لباب لسان العرب. وذكر منها السيد زيني دحلان أبياتا في السيرة النبوية هامش الحلبية 1 ص 88 فقال: قال الإمام عبد الواحد (1) السفاقسي في شرح البخاري: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به " بحيرا " الراهب وغيره من شأنه مع ما شاهده من أحواله ومنها الاستسقاء به في صغره ومعرفة أبي طالب بنبوته صلى الله عليه وسلم جاءت في كثير من الأخبار زيادة على أخذها من شعره. قال الأميني: أنا لا أدري كيف تكون الشهادة والاعتراف بالنبوة إن لم يكن منها هذا الأساليب المتنوعة المذكورة في هذه الأشعار ؟ ولو وجد واحد منها في شعر أي أحد أو نثره لأصفق الكل على إسلامه، لكن جميعها لا يدل على إسلام أبي طالب. فاعجب واعتبر. هذه جملة من شعر أبي طالب عليه السلام الطافح من كل شطره الإيمان الخالص، والاسلام الصحيح قال العلامة الأوحد ابن شهر آشوب المازندراني في كتابه متشابهات القرآن عند قوله تعالى (ولينصرن الله من ينصره) في سورة الحج: إن أشعار أبي طالب


(1) هو ابن التين المذكور في كلام القسطلاني. [*]

[342]

الدالة على إيمانه تزيد على ثلاثة آلاف بيت يكاشف فيها من يكاشف النبي صلى الله عليه وآله و يصحح نبوته ثم ذكر جملة ضافية ومما ذكر له قوله في وصيته: أوصي بنصر نبي الخير أربعة * إبني عليا وشيخ القوم عباسا وحمزة الأسد الحامي حقيقته * وجعفرا أن تذودا دونه الناسا كونوا فداء لكم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراسا (1) - 2 - ما ناء به من عمل بار وقول مشكور أما ما ناء به سيد الأباطح أبو طالب سلام الله عليه من عمل بار وسعي مشكور في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وكلائته والذب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الأخير وقد تخلل ذلك جمل من القول كلها نصوص على إسلامه الصحيح، وإيمانه الخالص، وخضوعه للرسالة الإلهية، فإلى الملتقى. روى القوم: - 1 - قال ابن إسحاق: إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي ؟ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا. قال: فخرج به معه فلما نزل الركب " بصرى " من أرض الشام وتهيأ راهب يقال له: بحيرا. في صومعة له وكان أعلم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمون يتوارثونه كائنا عن كائن، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثير وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله صلى الله عليه وآله من بين القوم. ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت


(1) في النسخة المطبوعة من متشابهات القرآن تصحيف وتحريف في الأبيات راجع ج 2 ص 65. [*]

[343]

الشجرة وتهصرت يعني تدلت أغصانها على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأي " بحيرا " ذلك نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ! وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم فقال له رجل منهم: يا بحيرا ! إن لذلك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيرا: صدقت قد كان ما تقولون ولكنكم ضيوف فأحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما نظر " بحيرا " في القوم لم ير الصفة التي يعرفها وهي موجودة عنده فقال: يا معشر قريش ! لا يتخلف أحد عنكم عن طعامي هذا فقالوا: يا بحيرا ! ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام هو حدث القوم سنا تخلف في رحالهم قال: فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش: واللات والعزى إن لهذا اليوم نبأ. أيليق أن يتخلف ابن عبد الله عن الطعام من بيننا ؟ ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم فلما رئاه " بحيرا " جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام " بحيرا " فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسألني باللات والعزى شيئا قط، فقال بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء من نومه وهيئته وأموره ورسول الله يخبره فيوافق ذلك ما عند " بحيرا " من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. الحديث فقال أبو طالب في ذلك. إن ابن آمنة النبي محمدا * عندي يفوق منازل الأولاد لما تعلق بالزمام رحمته * والعيس قد قلصن (1) بالأزواد فارفض من عيني دمع ذارف * مثل الجمان مفرق الأفراد


(1) قلص القوم: اجتمعوا فساروا. قلصت الناقة: استمرت في مضيها. تقلص: انضم وانزوى. تدانى. [*]

[344]

راعيت فيه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الأجداد وأمرته بالسير بين عمومة * بيض الوجوه مصالت أنجاد (1) ساروا لأبعد طية معلومة * فلقد تباعد طية (2) المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لا قوا على شرك من المرصاد حبرا فأخبرهم حديثا صادقا * عنه ورد معاشر الحساد قوم يهود قد رأوا لما رأى * ظل الغمام وعن ذي الأكباد (3) ثاروا لقتل محمد فنهاهم * عنه وجاهد أحسن التجهاد فثنى زبيرا من بحيرا فانثنى * في القوم بعد تجاول وبعاد ونهى دريسا فانتهى عن قوله * حبر يوافق أمره برشاد وقال أيضا: ألم ترني من بعدهم هممته * بفرقة حر الوالدين حرام بأحمد لما أن شددت مطيتي * برحلي وقد ودعته بسلام بكى حزنا والعيس قد فصلت بنا * وأخذت بالكفين فضل زمام ذكرت أباه ثم رقرقت عبرة * تجود من العينين ذات سجام فقلت: ترحل راشدا في عمومة * مواسير في البأساء غير لئام فجاء مع العير التي راح ركبها * شآمي الهوى والأصل غير شآم فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا * لنا فوق دور ينظرون جسام فجاء بحيرا عند ذلك حاشدا * لنا بشراب طيب وطعام فقال: اجمعوا أصحابكم لطعامنا * فقلنا: جمعنا القوم غير غلام يتيم فقال: ادعوه إن طعامنا * كثير عليه اليوم غير حرام فلولا الذي خبرتم عن محمد * لكنتم لدينا اليوم غير كرام


(1) مصالت: الماضي في الحوائج، الصلت الجبين: الواضح. أنجاد ج النجد: الضابط للأمور يذلل المصائب. الشجاع الماضي فيما يعجز غيره. سريع الاجابة إلى ما دعي إليه. (2) في الموضعين في رواية: طبة. بالموحدة مؤنث الطب بفتح الطاء: الناحية. (3) وفي رواية: قوم يهود قد رأوا ما قد رأوا ظل الغمامة ناغري الأكباد [*]

[345]

فلما رآه مقبلا نحو داره * يوقيه حر الشمس ظل غمام حنا رأسه شبه السجود وضمه * إلى نحره والصدر أي ضمام وأقبل ركب يطلبون الذي رأى * بحيرا من الأعلام وسط خيام فثار إليهم خشية لعرامهم (1) * وكانوا ذوي بغي لنا وعرام دريس وتمام وقد كان فيهم (2) * زبير وكل القوم غير نيام فجاؤا وقد هموا بقتل محمد * فردهم عنه بحسن خصام بتأويله التوراة حتى تيقنوا * وقال لهم: رمتم أشد مرام أتبغون قتلا للنبي محمد ؟ * خصصتم على شؤم بطول أنام وإن الذي نختاره منه مانع * سيكفيه منكم كيد كل طغام فذلك من أعلامه وبيانه * وليس نهار واضح كظلام ديوان أبي طالب ص 33 - 35، تاريخ ابن عساكر 1: 269 - 272، الروض الأنف 1: 120. وذكر السيوطي الحديث من طريق البيهقي في الخصايص الكبرى 1: 84 فقال في ص 85: وقال أبو طالب في ذلك أبياتا منها: فما رجعوا حتى رأوا من محمد * أحاديث تجلو غم كل فؤاد وحتى رأوا أحبار كل مدينة * سجودا له من عصبة وفراد زبيرا وتماما وقد كان شاهدا * دريسا وهموا كلهم بفساد فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا * له بعد تكذيب وطول بعاد كما قال للرهط الذين تهودوا * وجاهدهم في الله كل جهاد فقال ولم يترك له النصح: رده * فإن له إرصاد كل مصاد فإني أخاف الحاسدين وإنه * لفي الكتب مكتوب بكل مداد - 2 - استسقاء أبي طالب بالنبي صلى الله عليه وآله أخرج ابن عساكر في تاريخه عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط


(1) العرام: الشراسة والأذى. (2) دريس، وتمام، وزبير - في بعض النسخ: زدير أحبارمن اليهود. [*]

[346]

فقالت قريش: يا أبا طالب ! أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم واستسق فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ باصبعه الغلام، وما في السماء قزعة (1) فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا: وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب البادي والنادي ففي ذلك يقول أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل وميزان عدل لا يخيس شعيرة * ووزان صدق وزنه غير هائل شرح البخاري للقسطلاني 2: 227، المواهب اللدنية 1: 48، الخصايص الكبرى 1: 86، 124، شرح بهجة المحافل 1: 119، السيرة الحلبية 1: 125، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية 1: 87، طلبة الطالب ص 42. ذكر الشهرستاني في الملل والنحل بهامش الفصل 3: 225 سيدنا عبد المطلب وقال: ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى عليه الصلاة والسلام وهو رضيع في قماط فوضعه على يديه واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء وقال: يا رب بحق هذا الغلام. ورماه ثانيا وثالثا وكان يقول: بحق هذا الغلام إسقنا غيثا مغيثا دائما هاطلا. فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي الذي منه: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمان اليتامى عصمة للأرامل ثم ذكر أبياتا من القصيدة، ولا يخفى على الباحث أن القصيدة نظمها أبو طالب عليه السلام أيام كونه في الشعب كما مر. فاستسقاء عبد المطلب وابنه سيد الأبطح بالنبي الأعظم يوم كان صلى الله عليه وآله رضيعا و يافعا يعرب عن توحيدهما الخالص، وإيمانهما بالله، وعرفانهما بالرسالة الخاتمة، وقداسة صاحبها من أول يومه، ولو لم يكن لهما إلا هذين الموقفين لكفياهما كما يكفيان


(1) القزعة: القطعة من السحاب. [*]

[347]

الباحث عن دليل آخر على اعتناقهما الإيمان. - 3 - أبو طالب في مولد أمير المؤمنين عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميلاد علي بن أبي طالب فقال: لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبيه المسيح عليه السلام إن الله تبارك وتعالى خلق عليا من نوري وخلقني من نوره وكلانا من نور واحد، ثم إن الله عز وجل نقلنا من صلب آدم عليه السلام في أصلاب طاهرة إلى أرحام زكية فما نقلت من صلب إلا ونقل علي معي فلم نزل كذلك حتى استودعني خير رحم وهي آمنة. واستودع عليا خير رحم وهي فاطمة بنت أسد. وكان في زماننا رجل زاهد عابد يقال له المبرم بن دعيب بن الشقبان قد عبد الله تعالى مائتين وسبعين سنة لم يسأل الله حاجة فبعث الله إليه أبا طالب فلما أبصره المبرم قام إليه وقبل رأسه وأجلسه بين يديه ثم قال له: من أنت ؟ فقال: رجل من تهامة. فقال: من أي تهامة ؟ فقال: من بني هاشم. فوثب العابد فقبل رأسه ثم قال: يا هذا إن العلي الأعلى ألهمني إلهماما. قال أبو طالب: وما هو ؟ قال: ولد يولد من ظهرك وهو ولي الله عز وجل، فلما كان الليلة التي ولد فيها علي أشرقت الأرض فخرج أبو طالب وهو يقول: أيها الناس ولد في الكعبة ولي الله فلما أصبح دخل الكعبة وهو يقول: يا رب هذا الغسق الدجي * والقمر المنبلج المضي بين لنا من أمرك الخفي * ماذا ترى في اسم ذا الصبي ؟ قال: فسمع صوت هاتف يقول: يا أهل بيت المصطفى النبي * خصصتم بالولد الزكي إن اسمه من شامخ العلي * علي اشتق من العلي أخرجه الحافظ الكنجي الشافعي في كفاية الطالب ص 260 وقال: تفرد به مسلم بن خالد الزنجي وهو شيخ الشافعي، وتفرد به عن الزنجي عبد العزيز بن عبد الصمد وهو معروف عندنا.

[348]

- 4 - بدء أمر النبي وأبو طالب أخرج فقيه الحنابلة إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه - نهاية الطلب وغاية السؤل في مناقب آل الرسول - (1) بإسناده عن طاوس عن ابن عباس في حديث طويل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس رضي الله عنه: إن الله قد أمرني بإظهار أمري وقد أنبأني واستنبأني فما عندك ؟ فقال له العباس رضي الله عنه: يا بن أخي تعلم أن قريشا أشد الناس حسدا لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء والداهية العظيمة ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفا، صلنا ولكن قرب إلى عمك أبي طالب فإنه كان أكبر أعمامك إن لا ينصرك لا يخذلك ولا يسلمك، فأتياه فلما رآهما أبو طالب قال: إن لكما لظنه وخبرا ما جاء بكما في هذا الوقت ؟ فعرفه العباس ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم وما أجابه به العباس فنظر إليه أبو طالب وقال له: أخرج ابن أبي فإنك الرفيع كعبا، والمنيع حزبا، والأعلى أبا، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبته سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي يقرأ الكتاب جميعا ولقد قال: إن من صلبي لنبيا لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به فمن أدركه من ولدي فليؤمن به. قال الأميني: أترى أن أبا طالب يروي ذلك عن أبيه مطمأنا به ؟ فلينشط رسول الله صلى الله عليه وآله هذا التنشيط لأول يومه، ويأمره بإشهار أمره والاشادة بذكر الله وهو مخبت بأنه هو ذلك النبي الموعود بلسان أبيه والكتب السالفة، ويتكهن بخضوع العرب له، أتراه سلام الله عليه يأتي بهذه كلها ثم لا يؤمن به ؟ إن هذا إلا اختلاق. - 5 - أبو طالب وفقده النبي صلى الله عليه وآله ذكر ابن سعد الواقدي في الطبقات الكبرى ص 186 ج 1 ط مصر وص 135 ط ليدن حديث ممشى قريش إلى أبي طالب في أمره صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: فاشمأزوا ونفروا منها (يعني من مقالة محمد) وغضبوا وقاموا وهم يقولون: اصبروا على آلهتكم، إن


(1) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاوس ص 85، وضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف. [*]

[349]

هذا لشئ يراد، ويقال: المتكلم بهذا: عقبة بن أبي معيط. وقالوا: لا نعود إليه أبدا، وما خير من أن نغتال محمدا، فلما كان مساء تلك الليلة فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء أبو طالب وعمومته إلى منزله فلم يجدوه، فجمع فتيانا من بني هاشم وبني المطلب ثم قال، ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة، ثم ليتبعني إذا دخلت المسجد، فلينظر كل فتى منكم فليجلس إلى عظيم من عظمائهم فيهم: ابن الحنظلية - يعني أبا جهل - فإنه لم يغب عن شر إن كان محمد قد قتل، فقال الفتيان: نفعل، فجاء زيد بن حارثة فوجد أبا طالب على تلك الحال، فقال: يا زيد ! أحسست ابن أخي ؟ قال: نعم كنت معه آنفا فقال أبو طالب: لا أدخل بيتي أبدا حتى أراه، فخرج زيد سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عله وسلم وهو في بيت عند الصفا ومعه أصحابه يتحدثون، فأخبره الخبر، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب، فقال: يا ابن أخي ! أين كنت ؟ أكنت في خير ؟ قال: نعم. قال: أدخل بيتك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح أبو طالب غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده فوقف به على أندية قريش ومعه الفتيان الهاشميون والمطلبيون فقال: يا معشر قريش ! هل تدرون ما هممت به ! قالوا: لا: فأخبرهم الخبر، وقال للفتيان: اكشفوا عما في أيديكم. فكشفوا، فإذا كل رجل منهم معه حديدة صارمة. فقال: والله لو قتلتموه ما بقيت منكم أحدا. حتى نتفانى نحن وأنتم، فانكسر القوم وكان أشدهم انكسارا أبو جهل. * (لفظ آخر) * وأخرج الفقيه الحنبلي إبراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه - نهاية الطلب (1) بإسناده عن عبد الله بن المغيرة بن معقب قال: فقد أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فظن أن بعض قريش اغتاله فقتله فبعث إلى بني هاشم فقال: با بني هاشم أظن أن بعض قريش اغتال محمدا فقتله فليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة وليجلس إلى جنب عظيم من عظماء قريش فإذا قلت: أبغي محمدا. قتل كل منكم الرجل الذي إلى جانبه، وبلغ رسول الله جمع أبي طالب وهو في بيت عند الصفا فأتى أبا طالب وهو في المسجد فلما رآه أبو طالب أخذ بيده ثم قال: يا معشر قريش ! فقدت محمدا فظننت أن بعضكم اغتاله


(1) راجع الطرائف لسيدنا ابن طاووس ص 85. [*]

[350]

فأمرت كل فتى شهد من بني هاشم أن يأخذ حديدة ويجلس كل واحد منهم إلى عظيم منكم فإذا قلت: أبغي محمدا: قتل كل واحد منهم الرجل الذي إلى جنبه، فاكشفوا عما في أيديكم يا بني هاشم ! فكشف بنو هاشم عما في أيديهم فنظرت قريش إلى ذلك فعندها هابت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنشأ أبو طالب: ألا أبلغ قريشا حيث حلت * وكل سرائر منها غرور فإني والضوابح عاديات (1) * وما تتلو السفاسرة الشهور (2) لآل محمد راع حفيظ * وود الصدر مني والضمير فلست بقاطع رحمي وولدي * ولو جرت مظالمها الجزور أيأمر جمعهم أبناء فهر * بقتل محمد والأمر زور فلا وأبيك لا ظفرت قريش * ولا أمت رشادا إذ تشير بني أخي ونوط القلب مني * وأبيض ماءه غدق كثير ويشرب بعده الولدان ريا * وأحمد قد تضمنه القبور أيا ابن الأنف أنف بني قصي (3) * كأن جبينك القمر المنير * (لفت نظر) * قال شيخنا لعلامة المجلسي في البحار 9: 31 روى جامع الديوان - يعني ديوان أبي طالب - نحو هذا الخبر مرسلا ثم ذكر الأشعار هكذا فذكر الأشعار وفيها زيادة عشرين بيتا على ما ذكر وهي لا توجد في الديوان المطبوع لسيدنا أبي طالب. * (لفظ ثالث) * وقال السيد فخار بن معد في كتابه " الحجة " ص 61: وأخبرني الشيخ الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن الجوزي المحدث البغدادي (وكان ممن يرى كفر


(1) في تاج العروس 3، 272 " فإني والسوابح كل يوم " وفي ص 320 " فإني والضوابح كل يوم ". (2) السفاسرة: أصحاب الأسفار وهو الكتب. الشهور: العلماء ج الشهر. كذا فسر البيت كما في تاج العروس 3: 272، 320. (3) الأنف: السيد. [*]

[351]

أبي طالب ويعتقده) بواسط العراق سنة إحدى وتسعين وخمسمائة بإسناد له إلى الواقدي قال: كان أبو طالب بن عبد المطلب لا يغيب صباح النبي ولا مساءه، ويحرسه من أعداءه ويخاف أن يغتالوه، فلما كان ذات يوم فقده فلم يره وجاء المساء فلم يره وأصبح الصباح فطلبه في مظانه فلم يجده فلزم أحشاءه وقال: وا ولداه وجمع عبيده ومن يلزمه في نفسه قال لهم: إن محمدا قد فقدته في أمسنا ويومنا هذا ولا أظن إلا أن قريشا قد اغتالته وكادته وقد بقي هذا الوجه ما جئته وبعيد أن يكون فيه واختار من عبيده عشرين، رجلا، فقال: امضوا وأعدوا سكاكين وليمض كل رجل منكم وليجلس إلى جنب سيد من سادات قريش فإن أتيت ومحمد معي فلا تحدثن أمرا وكونوا على رسلكم حتى أقف عليكم، وإن جئت وما محمد معي فليضرب كل منكم الرجل الذي إلى جانبه من سادات قريش فمضوا وشحذوا سكاكينهم حتى رضوها، ومضى أبو طالب في الوجه الذي أراده ومعه رهطه من قومه فوجده في أسفل مكة قائما يصلي إلى جنب صخرة فوقع عليه وقبله وأخذ بيده وقال: يا بن أخ ! قد كدت أن تأتي على قومك، سر معي، فأخذ بيده وجاء إلى المسجد وقريش في ناديهم جلوس عند الكعبة فلما رأوه قد جاء ويده في يد النبي صلى الله عليه وآله قالوا: هذا أبو طالب قد جاءكم بمحمد إن له لشأنا، فلما وقف عليهم والغضب في وجهه قال لعبيده: أبرزوا ما في أيديكم فأبرز كل واحد منهم ما في يده فلما رأوا السكاكين قالوا: ما هذا يا أبا طالب ؟ قال: ما ترون، إني طلبت محمدا فلم أره منذ يومين فخفت أن تكونوا كدتموه ببعض شأنكم فأمرت هؤلاء أن يجلسوا حيث ترون وقلت لهم: إن جئت وليس محمد معي فليضرب كل منكم صاحبه الذي إلى جنبه ولا يستأذني فيه ولو كان هاشميا فقالوا: وهل كنت فاعلا ؟ فقال: أي ورب هذه وأومى إلى الكعبة، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف وكان من أحلافه: لقد كدت تأتي على قومك ؟ قال: هو ذلك. ومضى به وهو يقول: إذهب بني فما عليك غضاضة * إذهب وقر بذاك منك عيونا والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت قبل أمينا

[352]

وذكرت دينا لا محالة إنه * من خير أديان البرية دينا (1) فرجعت قريش على أبي طالب بالعتب والاستعطاف وهو لا يحفل بهم ولا يلتفت إليهم. قال الأميني: هذا الشيخ الأبطح يروقه أن يضحي كل قومه دون نبي الاسلام وقد تأهب لأن يطأ القوميات كلها والأواصر المتشجة بينه وبين قريش بأخمص الدين. فحياها الله من عاطفة إلهية، وآصرة دينية هي فوق أواصر الرحم. - 6 - أبو طالب في بدء الدعوة لما نزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين (2). خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد على الصفا فهتف: يا صباحاه. فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقي ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك، أما جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم أحضر قومه في داره فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصبأة (3) و اعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحبسك بنو أبيك و إن أقمت ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن ينب لك ؟ ؟ وتمدهم العرب فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئتم به. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولم يتكلم. ثم دعاهم ثانية وقال: الحمد لله أحمده وأستعينه واومن وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وانها الجنة أبدا والنار أبدا. فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، واقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على


(1) راجع ما أسلفناه ص 334. (2) مر حديثها في الجزء الثاني ص 278 ط 2. (3) الصبا: الخروج من دين إلى دين آخر. [*]

[353]

فراق دين عبد المطلب (1). قال الأميني لم يكن دين عبد المطلب سلام الله عليه إلا دين التوحيد والإيمان بالله ورسله وكتبه غير مشوب بشئ من الوثنية، وهو الذي كان يقول في وصاياه: إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبه عقوبة. إلى أن هلك ظلوم لم تصبه عقوبة. فقيل له في ذلك ففكر في ذلك فقال: والله إن وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه، ويعاقب المسئ بإساءته، وهو الذي قال لأبرهة: إن لهذا البيت ربا يذب عنه ويحفظه، وقال وقد صعد أبا قبيس: لا هم إن المرء يمنع * حله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم عدوا محالك فانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك إن كنت تاركهم وكعبتنا * فأمر ما بدا لك (2) ويعرب عن تقدمه في الإيمان الخالص والتوحيد الصحيح انتماء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه ومباهاته به يوم حنين بقوله: أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب (3) وقد أجاد الحافظ شمس الدين بن ناصر بن الدمشقي في قوله: تنقل أحمد نورا عظيما * تلالا في جباه الساجدينا تقلب فيهم قرنا فقرنا * إلى أن جاء خير المرسلينا (4) وهذا هو الذي أراده أبو طالب سلام الله عليه بقوله: نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب. وهو صريح بقية كلامه، وقد أراد بهذا السياق التعمية على الحضور لئلا يناصبوه العداء بمفارقتهم، وهذا السياق من الكلام من سنن العرب في


(1) الكامل لابن الأثير 2: 24. (2) الملل والنحل للشهرستاني هامش الفصل 3: 224، الدرج المنيفة للسيوطي ص 15، مسالك الحنفاء 37. (3) طبقات ابن سعد ط مصر رقم التسلسل ص 665، تاريخ الطبري 3: 129. (4) مسالك الحنفا للسيوطي ص 40، الدرج المنيفة ص 14. [*]

[354]

محاورتهم، قد يريدون به التعمية، وقد يراد به التأكيد للمعنى المقصود كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ولو لم يكن لسيدنا أبي طالب إلا موقفه هذا لكفى بمفرده في إيمانه الثابت، وإسلامه القويم، وثباته في البدء. قال ابن الأثير: فقال أبو لهب: هذه والله السوء خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم، فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا، وفي السيرة الحلبية 1: 304: إن الدعوة كانت في دار أبي طالب. قال عقيل بن أبي طالب: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي كعبتنا وفي ديارنا ويسمعنا ما نكره فإن رأيت أن تكفه عنا فافعل. فقال لي: يا عقيل ! التمس لي ابن عمك فأخرجته من كبس من كباس أبي طالب فجاء يمشي معي يطلب الفئ يطأ فيه لا يقدر عليه حتى انتهى إلى أبي طالب فقال: يا ابن أخي ! والله لقد كنت لي مطيعا جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفي ناديهم فتؤذيهم و تسمعهم ما يكرهون، فإن رأيت أن تكف عنهم. فحلق بصره إلى السماء وقال: والله ما أنا بقادر أن أرد ما بعثني به ربي، ولو أن يشعل أحدهم من هذه الشمس نارا، فقال أبو طالب: والله ما كذب قط فارجعوا راشدين. قال الأميني: هكذا أخرجه البخاري في تاريخه بإسناد رجاله كلهم ثقات، وبهذا اللفظ ذكره الحب الطبري في ذخاير العقبي ص 223. غير أن ابن كثير لما رأى لكلمة: راشدين. قيمة في إيمان أبي طالب فحذفها في تاريخه 3 ص 42. حيا الله الأمانة. وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 1: 171 حديث الدعوة عن علي وفيه: ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: من يؤازرني على ما أنا عليه ويجيبني على أن يكون أخي وله الجنة ؟ فقلت: أنا يا رسول الله، وإني لأحدثهم سنا، وأحمشهم ساقا. وسكت القوم، ثم قالوا: يا أبا طالب ! ألا ترى ابنك ؟ قال: دعوه فلن يألو (1) ابن عمه خيرا. وروى أبو عمرو الزاهد الطبري عن تغلب عن ابن الأعرابي إنه قال في لغة - العور - إنه الردي من كل شئ قال: ومن العور ما في رواية ابن عباس. ثم ذكر حديث


(1) يألو: قصر. [*]

[355]

علي عليه السلام بطوله إلى أن قال: قال: فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلم اعترضه أبو لهب فتكلم بكلمات وقال: قوموا فقاموا وانصرفوا. قال: فلما كان من الغد أمرني فصنعت مثل ذلك الطعام والشراب ودعوتهم فأقبلوا ودخلوا فأكلوا وشربوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتكلم فاعترضه أبو لهب فقال له أبو طالب: اسكت يا أعور ! ما أنت وهذا ؟ ثم قال: لا يقومن أحد. قال: فجلسوا ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: قم يا سيدي فتكلم بما تحب و بلغ رسالة ربك فإنك الصادق المصدق. وإلى هذا الحديث وكلمة أبي طالب - اسكت يا أعور ! ما أنت وهذا ؟ - وقع الايعاز في النهاية لابن الأثير 3: 156، والفائق للزمخشري 2: 98 نقلا عن ابن الأعرابي، وفي لسان العرب 6: 294، تاج العروس 3: 428. قال الأميني: أي كافر طاهر هذا سلام الله عليه وهو يدافع عن الاسلام المقدس بكل حوله وطوله، ويسلق رجال قومه بلسان حديد، ويحض النبي الأعظم على الدعوة وتبليغ رسالته عن ربه، ويراه الصادق المصدق ؟. - 7 - قول أبي طالب لعلي: إلزم ابن عمك قال ابن إسحاق: ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ابن أخي ! ما هذا الدين الذي أراك تدين به ؟ قال: أي عم ! هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم. وذكروا أنه قال لعلي: أي بني ! ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ فقال: يا أبت آمنت بالله وبرسول الله وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله واتبعته، فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير، فالزمه. وفي لفظ عن علي: إنه لما أسلم قال له أبو طالب: إلزم ابن عمك. سيرة ابن هشام 1: 265، تاريخ الطبري 2: 214، تفسير الثعلبي، عيون الأثر

[356]

1: 94، الإصابة 4: 116، أسنى المطالب ص 10. وفي شرح ابن أبي الحديد 3: 314: روي عن علي قال: قال أبي: يا بني ألزم ابن عمك فإنك تسلم به من كل بأس عاجل وآجل ثم قال لي: إن الوثيقة في لزوم محمد * فاشدد بصحبته على يديكا فقال: ومن شعره المناسب لهذا المعنى قوله: إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لأمي من بينهم وأبي والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب هذه الأبيات الثلاث توجد في ديوان أبي طالب أيضا ص 36 وذكرها العسكري في كتاب الأوايل قال: إن أبا طالب مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعه جعفر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وعلي معه فقال لجعفر: يا بني ! صل جناح ابن عمك. فقام إلى جنب علي فأحس النبي فتقدمهما وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا فانصرف أبو طالب مسرورا وأنشأ يقول: إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب وذكر أبياتا لم يذكرها ابن أبي الحديد ومنها: نحن وهذا النبي ننصره * نضرب عنه الأعداء كالشهب. وأخرج أبو بكر الشيرازي في تفسيره: إن النبي صلى الله عليه وآله لما أنزل عليه الوحي أتى المسجد الحرام وقام يصلي فيه فاجتاز به علي عليه السلام وكان ابن تسع سنين فناداه: يا علي ! إلي أقبل، فأقبل إليه ملبيا فقال له النبي: إني رسول الله إليك خاصة وإلى الخلق عامة فقف عن يميني وصل معي فقال: يا رسول الله ! حتى أمضي وأستأذن أبا طالب والدي، فقال له: إذهب فإنه سيأذن لك، فانطلق إليه يستأذنه في إتباعه، فقال: يا ولدي: نعلم أن محمدا أمين الله منذ كان، إمض إليه واتبعه ترشد وتفلح. فأتى علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي في المسجد فقام عن يمينه يصلي معه فاجتاز أبو طالب بهما وهما يصليان. فقال: يا محمد ما تصنع ؟ قال: أعبد إله السماوات والأرض ومعي أخي علي يعبد ما أعبد وأنا أدعوك إلى عبادة الواحد القهار فضحك أبو طالب حتى بدت نواجذه وأنشأ يقول: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أغيب في التراب دفينا

[357]

إلى آخر الأبيات التي أسلفناها ص 334. - 8 - قول أبي طالب: صل جناح ابن عمك أخرج ابن الأثير: إن أبا طالب رأي النبي صلى الله عليه وسلم وعليا يصليان وعلي على يمينه فقال لجعفر رضي الله تعالى عنه: صل جناح ابن عمك، وصل عن يساره، وكان إسلام جعفر بعد إسلام أخيه علي بقليل. وقال أبو طالب: فصبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالحق من عند ربه * بصدق عزم لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت: إنك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا وباد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل: ما كان أحمد ساحرا أسد الغابة: 1: 287، شرح ابن أبي الحديد 3: 315، الإصابة 4: 116، السيرة الحلبية 1: 286، أسنى المطالب ص 6 وقال: قال البرزنجي: تواترت الأخبار أن أبا طالب كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويحوطه وينصره ويعينه على تبليغ دينه ويصدقه، فيما يقوله ويأمر أولاده كجعفر وعلي باتباعه ونصرته وقال في ص 10: قال البرزنجي: هذه الأخبار كلها صريحة في أن قلبه طافح وممتلئ بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، - 9 - أبو طالب وحنوه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أبو جعفر محمد بن حبيب رحمه الله في أماليه: كان أبو طالب إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله أحيانا يبكي ويقول: إذا رأيته ذكرت أخي، وكان عبد الله أخاه لأبويه وكان شديد الحب والحنو عليه، وكذلك كان عبد المطلب شديد الحب له، وكان أبو طالب كثيرا ما يخاف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيات إذا عرف مضجعه فكان يقيمه ليلا من منامه ويضجع ابنه عليا مكانه، فقال له: علي ليلة: يا أبت إني مقتول. فقال له: أصبرن يا بني فالصبر أحجى * كل حي مصيره لشعوب قد بذلناك والبلاء شديد * لفداء الحبيب وابن الحبيب

[358]

لفداء الأغر ذي الحسب الثاقب * والباع والكريم النجيب إن تصبك المنون فالنبل تبرى (1) * فمصيب منها وغير مصيب كل حي وإن تملي بعمر (2) * آخذ من مذاقها بنصيب فأجاب علي بقوله: أتأمرني بالصبر في نصر أحمد ؟ * ووالله ما قلت الذي قلت جازعا ولكنني أحببت أن تر نصرتي * وتعلم أني لم أزل لك طائعا سأسعى لوجه الله في نصر أحمد * نبي الهدى المحمود طفلا ويافعا وذكره ابن أبي الحديد نقلا عن الأمالي 3: 310 وهناك تصحيف في البيت الثاني والثالث من أبيات أبي طالب صححناه من طبقات السيد علي خان الناقل عن شرح ابن أبي الحديد المخطوط، وذكر القصة أبو علي الموضح العمري العلوي كما في كتابه (الحجة) ص 69. قال الأميني: إن القرابة والرحم تبعثان إلى المحاماة إلى حد محدود، لكنه إذا بلغت حد التضحية بولد كأمير المؤمنين هو أحب العالمين إلى والده فهناك يقف التفاني على موقفه، فلا يستسهل الوالد أن يعرض ابنه على القتل كل ليلة فينيمه على فراش المفدى، ويستعوض منه ابن أخيه، إلا أن يكون مندفعا إلى ذلك بدافع ديني وهو معنى اعتناق أبي طالب بالدين الحنيف، وهو الذي تعطيه المحاورة الشعرية بين الوالد والولد فترى الولد يسارح بالنبوة فلا ينكر عليه الوالد بأن هذا التهالك ليس إلا بدافع قومي غير فاتر عن حض ابنه على ما يبتغيه من النصرة ولا متثبط عن النهوض بها (فسلام الله على والد وما ولد). - 10 - أبو طالب وابن الزبعرى قال القرطبي في تفسيره 406: روى أهل السير قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل - لعنه


(1) في بعض المصادر: تترى. (2) في مصادر مخطوطة عتيقة: كل حي وإن تطاول عمرا. [*]

[359]

الله -: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثا ودما. فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم، فانفتل النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته، ثم أتى أبا طالب عمه فقال: يا عم ! ألا ترى إلى ما فعل بي ؟ فقال أبو طالب: من فعل هذا بك ؟ ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن الزبعرى. فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون، فقال أبو طالب: والله لئن قام رجل لجللته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم، فقال: يا بني من الفاعل بك هذا ؟ فقال: عبد الله ابن الزبعرى، فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم، وأساء لهم القول. حديث موقف أبي طالب هذا يوجد في غير واحد من كتب القوم وقد لعبت به أيدي الهوى وسنوقفك إنشاء الله على حق القول فيه تحت عنوان [أبو طالب في الذكر الحكيم]. - 11 - سيدنا أبو طالب وقريش قال ابن إسحاق: لما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالاسلام، وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه فيما بلغني حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه عداوته، إلا من عصم الله تعالى منهم بالاسلام وهم قليل مستخفون، وحدب (1) على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لأمره، لا يرده عنه شئ وقال: إن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ابن أخي ! إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته. قال: ثم استعبر رسول الله


(1) حدب: عطف عليه ومنع له [*].

[360]

صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا بن أخي ! قال: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إذهب يا بن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ أبدا. ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك وأسلم إلينا ابن أخيك، هذا الذي قد خالفك دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل، قال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ ! هذا والله ما لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدي بن نوفل: والله يا أبا طالب ! لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال. قال: فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا، فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش، ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم: ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظي من حياطتكم بكر (1) من الخور حبحاب كثيرة رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر (2) تخلف خلف الورد ليس بلا حق * إذا ما علا الفيفاء قيل له: وبر (3) أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا: إلى غيرنا الأمر بلى لهما أمر ولكن تجرجما * كما جرجمت من رأس ذي علق صخر (4)


(1) البكر: القتى من الإبل. (2) الخور ج أخور: الضعيف حبحاب بالمهملتين: القصير. ويروى بالجيمين المعجمتين: الكثير الكلام. ويروى بالخاء المعجمة ومعناه: الضعيف. (3) الفيفاء الأرض القفر. وبر: دويبة على قدر الهرة، (4) تجرجما: سقطا وانحدرا، يقال: تجرجم الشئ إذا سقط. ذو علق: جبل في ديار بني أسد. [*]

[361]

أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما أغمرا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهما صفر هما أشركا في المجد من لا أبا له * من الناس إلا أن يرس له ذكر (1) وتيم مخزوم وزهرة منهم * وكانوا لنا مولى إذا بني النصر فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منهم ما كان من نسلنا شفر (2) فقد سفهت أحلامهم وعقولهم * وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما. قال الأميني: حذف ابن هشام منها ثلاثة أبيات لا تخفى على أي أحد غايته الوحيدة فيه، وإن الانسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره. ألا وهي: وما ذاك إلا سؤدد خصنا به * إله العباد واصطفانا له الفخر رجال تمالوا حاسدين وبغضة * لأهل العلى فبينهم أبدا وتر وليد أبوه كان عبدا لجدنا * إلى علجة زرقاء جال بها السحر يريد به الوليد بن المغيرة وكان من المستهزئين بالنبي الأعظم ومن الذين مشوا إلى أبي طالب عليه السلام في أمر النبي صلى الله عليه وآله وقد نزل فيه قوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا (3) وكان يسمى: الوحيد. في قومه. ثم قام أبو طالب - حين رأى قريش يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا إليه و قاموا معه، وأجابوه ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون. فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، ومكانه منهم، ليشد لهم رأيهم، وليحدبوا معه على أمره، فقال:


(1) يرس له ذكر: يذكر ذكرا خفيفا. رس الحديث: حدث به في خفاء (2) شفر. أحد. يقال: ما بالدار شفر، أي ما بها أحد. (3) الروض الأنف 1: 173، تفسير البيضاوي 2: 562، الكشاف 3: 230، تاريخ ابن كثير 4: 443، تفسير الخازن 4: 345. [*]

[362]

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها (1) فإن حصلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها إن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها تدعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها (2) وكنا قديما لا تقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها (3) ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها (4) سيرة ابن هشام 1: 275 - 283، طبقات ابن سعد 1: 186، تاريخ الطبري 2: 218 - 221، ديوان أبي طالب ص 24، الروض الأنف 1: 171، 172، شرح ابن أبي الحديد 3، 306، تاريخ ابن كثير 2: 126، 258، و ج 3: 42، 48، 49، عيون الأثر 1: 99، 100 تاريخ أبي الفدا ج 1: 117، السيرة الحلبية 1: 306، أسنى المطالب ص 15 فقال: هذه الأبيات من غرر مدائح أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم الدالة على تصديقه إياه، طلبة الطالب ص 5 - 9. - 12 - سيد الأباطح وصحيفة قريش اجتمع قريش وتشاوروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب أن لا ينكحوا إليهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يتبايعوا، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا، و لا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، ويخلوا بينهم وبينه، وكتبوه في صحيفة بخط منصور بن عكرمة، أو بخط بغيض بن عامر، أو بخط النضر بن الحرث، أو بخط هشام بن عمرو، أو بخط طلحة ابن أبي طلحة، أو بخط منصور بن عبد، وعلقوا


(1) سرها وصميمها: خالصها وكريمها. يقال: فلان من سر قومه. أي: من خيارهم ولبابهم وأشرافهم. (2) طاشت حلومها: ذهبت عقولها. (3) ثنوا: عطفوا. صعر ج أصعر: المائل. يقال: صعر خده. أي أماله إلى جهة كما يفعل المتكبر. (4) انتعش: ظهرت فيه الخضرة. الذواء: اليابس. الأكناف: النواحي. الأرومة: الأصل. [*]

[363]

منها صحيفة في الكعبة هلال المحرم سنة سبع من النبوة وكان اجتماعهم بخيف بني كنانة وهو المحصب فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب ودخلوا معه في الشعب إلا أبا لهب فكان مع قريش فأقاموا على ذلك سنتين وقيل ثلاث سنين وإنهم جهدوا في الشعب حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر. قال ابن كثير: كان أبو طالب مدة إقامتهم بالشعب يأمره صلى الله عليه وسلم فيأتي فراشه كل ليلة حتى يراه من أراد به شرا وغائلة فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوانه أو بني عمه أن يضطجع على فراش المصطفى صلى الله عليه وسلم ويأمر هو أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها. ثم إن الله تعالى أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن الأرضة أكلت جميع ما في الصحيفة من القطيعة والظلم فلم تدع سوى اسم الله فقط فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب بذلك فقال: يا ابن أخي ! أربك أخبرك بهذا ؟ قال نعم. قال: والثواقب ما كذبتني قط فانطلق في عصابة من بني هاشم والمطلب حتى أتوا المسجد فأنكر قريش ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب: يا معشر قريش جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم فأتوا بها لعل أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فأتوا بها وهم لا يشكون أن أبا طالب يدفع إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فوضعوها بينهم وقبل أن تفتح قالوا لأبي طالب: قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم ؟ فقال: أتيتكم في أمر هو نصف بيننا وبينكم إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني: إن الله قد بعثت على صحيفتكم دابة فلم تترك فيها إلا اسم الله فقط، فإن كان كما يقول ؟ فأفيقوا عما أنتم عليه، فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا. وإن كان باطلا دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم ؟ فقالوا: رضينا. ففتحوها فوجدوها كما قال صلى الله عليه وسلم. فقالوا: هذا سحر ابن أخيك وزادهم ذلك بغيا وعدوانا. وإن أبا طالب قال لهم بعد أن وجدوا الأمر كما أخبر به صلى الله عليه وسلم: علام نحصر ونحبس وقد بان الأمر وتبين أنكم أولى بالظلم والقطعية ؟ ودخل هو ومن معه بين أستار الكعبة وقال: اللهم انصرنا على من ظلمنا، وقطع أرحامنا، واستحل ما يحرم عليه منا. وعند ذلك مشت طائفة من قريش في نقض تلك الصحيفة فقال أبو طالب:

[364]

الأهل أتى بحرينا (1) صنع ربنا * على نأيهم ؟ والله بالناس أرود (2) فيخبرهم: أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم يرضه الله مفسد تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد تداعى لها من ليس فيها بقرقر * فطائرها في رأسها يتردد (3) وكانت كفاء وقعة بأثيمة * ليقطع منها ساعد ومقلد ويظعن أهل المكتين فيهربوا * فرائصهم من خشية الشر ترعد ويترك حراث يقلب أمره * أيتهم فيها عند ذالك وينجد (4) وتصعد بين الأخشبين كتيبة * لها حدج سهم وقوس ومرهد (5) فمن ينش من حضار مكة عزه * فعزتنا في بطن مكة أتلد (6) نشأنا بها والناس فيها قلائل * فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد ونطعم حتى يترك الناس فضلهم * إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد (7) جزي الله رهطا بالحجون تتابعوا * على ملأ يهدي لحزم ويرشد قعودا لدى خطم الحجون كأنهم * مقاولة (8) بل هم أعز وأمجد أعان عليها كل صقر كأنه * إذا ما مشى فر رفرف الدرع أخرد (9) ألا إن خير الناس نفسا ووالد * إذا عد سادات البرية أحمد نبي الإله والكريم بأصله * أخلاقه وهو الرشيد المؤيد جرئ على جلى الخطوب كأنه * شهاب بكفي قابس يتوقد (10)


(1) يريد به من كان هاجر من المسلمين إلى الحبشة في البحر. (2) أرود: أرفق. (3) القرقر: اللين السهل. وقال السهيلي: من ليس فيها بقرقر: أي ليس بذليل. وطائرها: أي حظها من الشوم والشر وفي التنزيل: ألزمناه طائره في عنقه. (4) الحراث: المكتسب. يتهم: يأتي تهامة. ينجد: يأتي نجدا. (5) الأخشبان: جبلان بمكة. المرهد: الرمح اللين. (6) ينش: أي ينشأ بحذف الهمزة على غير قياس. أتلد: أقدم. (7) المفيضين: الضاربون بقداح الميسر. يريد سلام الله عليه: إنهم يطعمون إذا بخل الناس (8) المقاولة: الملوك (9) رفرف الدرع: ما فصل منها. أحرد: بطئ المشي لثقل الدرع. (10) وفي رواية حزيم على جل الأمور كأنه * شهاب بكفي قابس يتوقد. [*]

[365]

من الأكرمين من لوي بن غالب * إذا سيم خسفا وجهه يتربد (1) طويل النجاد (2) خارج نصف ساقه * على وجهه يسقى الغمام ويسعد عظيم الرماد سيد وابن سيد * يحض على مقرى الضيوف ويحشد ويبني لأبناء العشيرة صالحا * إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد ألظ (3) بهذا الصلح كل مبرأ * عظيم اللواء أمره ثم يحمد قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا * على مهل وسائر الناس رقد هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا * وسر أبو بكر بها ومحمد متى شرك الأقوام في جل أمرنا * وكنا قديما قبلها نتودد وكنا قديما لا نقر ظلامة * وندرك ما شئنا ولا نتشدد فيال قصي هل لكم في نفوسكم ؟ * وهل لكم فيما يجئ به غد ؟ فإني وإياكم كما قال قائل: * لديك البيان لو تكلمت اسود (4). طبقات ابن سعد 1: 173، 192، سرة ابن هشام 1: 399 - 404، عيون الأخبار لابن قتيبة 2: 151، تاريخ اليعقوبي 2: 22، الاستيعاب ترجمة سهل بن بيضاء 2: 570، صفة الصفوة 1: 35، الروض الأنف 1: 231، خزانة الأدب للبغدادي 1: 252، تاريخ ابن كثير 3: 84، 96، 97 عيون الأثر 1: 127، الخصايص الكبرى 1: 151. ديوان أبي طالب ص 13، السيرة الحلبية 1: 357 - 367، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1: 286 - 290، طلبة الطالب ص 9، 15، 44، أسنى المطالب ص 11 - 13 وذكر ابن الأثير قصة الصحفية في الكامل 2: 36 فقال. قال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الأرضة ما فيها من ظلم وقطيعة رحم أبياتا منها:


(1) سيم - بالبناء للمجهول -: كلف. الخسف: الذل. يتربد: يتغير إلى السواد. (2) التجاد: حمائل السيف. (3) الظ: ألح ولزم. (4) أسود: جبل، قتل فيه قتيل فلم يعرف قاتله فقال أولياء المقتول: لديك البيان لو تكلمت اسود. فذهب مثلا. توجد في ديوان أبي طالب أبيات من هده القصيدة غير ما ذكر لم نجدها في غيره. [*]

[366]

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب محى الله منها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب - 13 - وصية أبي طالب عند موته عن الكلبي قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش ! أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، و فيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع، وأعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس فضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب وعلى حربكم إلب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية (يعني الكعبة) فإن فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش، وثباتا للوطأة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل، وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص، ومكرمة في العام، وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، و هو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنا با، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصفت له فؤادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ! ابن أبيكم، كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة وفي أجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدافعت عنه الدواهي.

[367]

الروض الأنف 1: 259، المواهب 1: 72، تاريخ الخميس 1: 339، ثمرات الأوراق هامش المستطرف 2: 9، بلوغ الإرب 1: 327، السيرة الحلبية 1: 375. السيرة لزيني دحلان هامش الحلبية 1: 93، أسنى المطالب ص 5. قال الأميني: في هذه الوصية الطافحة بالإيمان والرشاد دلالة واضحة على أنه عليه السلام إنما أرجأ تصديقه باللسان إلى هذه الآونة التي يأس فيها عن الحياة حذار شنآن قومه المستتبع لانثيالهم عنه، المؤدي إلى ضعف المنة وتفكك القوى، فلا يتسنى له حينئذ الذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وإن كان الإيمان به مستقرا في الجنان من أول يومه، لكنه لما شعر بأزوف الأجل وفوات الغاية المذكورة أبدى ما أجنته أضالعه فأوصى بالنبي صلى الله عليه وآله بوصيته الخالدة. - 14 - وصية أبي طالب لبني أبيه أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى: إن أبا طالب لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد، وما أتبعتم أمره، فاتبعوه و أعينوه ترشدوا. وفي لفظ: يا معشر بني هاشم ! أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا. وتوجد هذه الوصية في تذكرة السبط ص 5، الخصائص الكبرى 1: 87، السيرة الحلبية 1: 372، 375، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1: 92، 293، أسنى المطالب ص 10، ورأى البرزنجي هذا الحديث دليلا على إيمان أبي طالب و نعما هو، قال: قلت: بعيد جدا أن يعرف أن الرشاد في إتباعه ويأمر غير بذلك ثم يتركه وهو. قال الأميني: ليس في العقل السليم مساغ للقول بأن هذه المواقف كلها لم تنبعث عن خضوع أبي طالب للدين الحنيف وتصديقه للصادع به صلى الله عليه وآله وسلم، وإلا فماذا الذي كان يحدوه إلى مخاشنة قريش ومقاساة الأذى منهم وتعكير الصفو من حياته لا سيما أيام كان هو والصفوة من فئته في الشعب، فلا حياة هنيئة، ولا عيش رغد، ولا أمن يطمأن به، ولا خطر مدروء، يتحمل الجفاء والقطيعة والقسوة المؤلمة من قومه ؟ فماذا

[368]

الذي أقدمه على هذه كلها ؟ وماذا الذي حصره وحبسه في الشعب عدة سنين تجاه أمر لا يقول بصدقه ولا يخبت إلى حقيقته ؟ لا ها الله لم يكن كل ذلك إلا عن إيمان ثابت، وتصديق وتسليم وإذعان بما جاء به نبي الاسلام، ويظهر ذلك للقارئ المستشف لجزئيات كل من هذه القصص، ولم تكن القرابة والقومية بمفردها تدعوه إلى مقاساة تلكم، المشاق كما لم تدع أبا لهب أخاه، وهب أن القرابة تدعوه إلى الذب عنه صلى الله عليه وآله وسلم لكنها لا تدعو إلى المصارحة بتصديقه وأن ما جاء به حق، وأنه نبي كموسى خط في أول الكتب، وأن من اقتص أثره فهو المهتدي، وأن الضال من ازور عنه وتخلف، إلى أمثال ذلك من مصارحات قالها بملأ فمه، ودعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم فيها بأعلى هتافه. - 15 - حديث عن أبي طالب ذكر ابن حجر في الإصابة 4: 116 من طريق إسحاق بن عيسى الهاشمي عن أبي رافع قال: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي محمد بن عبد الله يقول: إن ربه بعثه بصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره، ومحمد الصدوق الأمين. وذكره السيد زيني دحلان في أسنى المطالب ص 6 وقال: أخرجه الخطيب و أخرجه السيد فخار بن معد في كتاب الحجة ص 26 من طريق الحافظ أبي نعيم الاصبهاني. وبإسناد آخر من طريق أبي الفرج الاصبهاني. وروى الشيخ إبراهيم الحنبلي في نهاية الطلب عن عروة الثقفي قال: سمعت أبا طالب رضي الله عنه يقول: حدثني ابن أخي الصادق الأمين وكان والله صدوقا: إن ربه أرسله بصلة الأرحام، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وكان يقول: اشكر ترزق، ولا تكفر تعذب.

[369]

- 3 - ما يروي عنه آله وذووه من طرق العامة فحسب أما رجال آل هاشم، وأبناء عبد المطلب، وولد أبي طالب، فلم يؤثر عنهم إلا الهتاف بإيمانه الثابت، وإن ما كان يؤثره في نصرة النبي الأقدس صلى الله عليه وآله وسلم كان منبعثا عن تدين بما صدع به صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت أدرى بما فيه، قال ابن الأثير في جامع الأصول ما أسلم من أعمام النبي صلى الله عليه وسلم غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت عليهم السلام. ا ه‍. نعم: هتفوا بذلك في أجيالهم وأدوارهم بملأ الأفواه وبكل صراحة وجبهوا من خالفهم في ذلك. إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام. - 1 - قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 312: روي بأسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: إن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله والخبر مشهور أن أبا طالب عند الموت قال كلاما خفيا فأصغى إليه أخوه العباس (1) وروي عن علي عليه السلام إنه قال ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله من نفسه الرضا. وذكر أبو الفدا والشعراني عن ابن عباس: إن أبا طالب لما اشتد مرضه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم ! قلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة يعني الشهادة فقال له أبو طالب: يا ابن أخي ! لولا مخافة السبة وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها فلما تقارب من أبي طالب الموت جعل يحرك شفتيه فأصغى إليه العباس بإذنه وقال:


(1) راجع سيرة ابن هشام 2: 27، دلائل النبوة للبيهقي، تاريخ ابن كثير 2: 123، عيون الأثر لابن سيد الناس 1: 131، الإصابة 116، المواهب اللدنية 1: 71، السيرة الحلبية 1: 372، السيرة الدحلانية هامش الحلبية 1: 89، أسنى المطالب ص 20. [*]

[370]

والله يا بن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي هداك يا عم ! (1) وقال السيد أحمد زيني دحلان في السيرة الحلبية 1: 94: نقل الشيخ السحيمي في شرحه على شرح جوهرة التوحيد عن الإمام الشعراني والسبكي وجماعة أن ذلك الحديث أعني حديث العباس ثبت عند بعض أهل الكشف وصح عندهم إسلامه. قال الأميني: ذكرنا هذا الحديث مجاراة للقوم وإلا فما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عند الموت إلى التلفظ بتينك الكلمتين اللتين كرس حياته الثمينة بالهتاف بمفادهما في شعره ونثره، والدعوة إليهما، والذب عمن صدع بهما، ومعاناة الأهوال دونهما حتى يومه الأخير ؟ ما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عندئذ إلى التفوه بهما كأمر مستجد ؟ فمتى كفر هو ؟ ومتى ضل ؟ حتى يؤمن ويهتدي بهما، أليس من الشهادة قوله الذي أسلفناه ص 331: ليعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح ابن مريم أتانا بهدي مثل ما أتيا به * فكل بأمر الله يهدي ويعصم وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث مبرجم وقوله في ص 332: أمين حبيب في العباد مسوم * بخاتم رب قاهر في الخواتم نبي أتاه الوحي من عند ربه * ومن قال: لا يقرع بها سن نادم وقوله في ص 332: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب وقوله في ص 334: وظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم وقوله في ص 334: فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * ولقد دعوت وكنت ثم أمينا


(1) تاريخ أبي الفدا ج 1: 120، كشف الغمة للشعراني 2: 144. [*]

[371]

ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا وقوله في ص 335: أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون وقوله في ص 337: نصرت الرسول رسول المليك * ببيض تلالا كلمع البروق أذب وأحمي رسول الإله * حماية حام عليه شفيق وقوله في ص 340: فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل وقوله في ص 356: والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب نحن وهذا النبي ننصره * نضرب عنه الأعداء بالشهب وقوله في ص 345: أتبغون قتلا للنبي محمد * خصصتم على شؤم بطول أثام وقوله في ص 357: فصبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالحق من عند ربه * بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت: إنك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا وقوله وقد رواه أبو الفرج الاصبهاني: زعمت قريش إن أحمد ساحر * كذبوا ورب الراقصات إلى الحرم (1) ما زلت أعرفه بصدق حديثه * وهو الأمين على الحرائب والحرم وقوله المروي من طريق أبي الفرج الاصبهاني كما في كتاب (الحجة) ص 72 ومن طريق الحسن بن محمد بن جرير كما في تفسير أبي الفتوح 4: 212. قل لمن كان من كنانة في العز * وأهل الندى وأهل المعالي: قد أتاكم من المليك رسول * فاقبلوه بصالح الأعمال


(1) أراد بالراقصات إلى الحرم: الإبل الراكضات. رقص الجمل إذا ركض. [*]

[372]

وانصروا أحمدا فإن من الله * رداء عليه غير مدال وقوله من أبيات في شرح ابن أبي الحديد 3: 315: فخير بني هاشم أحمد * رسول الإله على فترة (1) ولو كان يؤثر أقل من هذا عن أحد من الصحابة لطبل له، وزمر من يتشبث بالطحلب في سرد الفضائل لبعضهم مغالاة فيهم، لكني أجد إسلام أبي طالب مستعصيا فهمه على هؤلاء ولو صرخ بألف هتاف من ضرائب هذه. لماذا ؟ أنا لا أدري. - 2 - أخرج ابن سعد في طبقاته 1: 105 عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى ثم قال: إذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه. وفي لفظ الواقدي: فبكى بكاء شديدا ثم قال: إذهب فأغسله. الخ. وأخرجه ابن عساكر كما في أسنى المطالب ص 21، والبيهقي في دلائل النبوة، وذكره سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 6، وابن أبي الحديد في شرحه 3: 314، والحلبي في السيرة 1: 373، والسيد زيني دحلان في السيرة هامش الحلبية 1: 90، والبرزنجي في نجاة أبي طالب وصححه كما في أسني المطالب ص 35 وقال: أخرجه أيضا أبو داود وابن الجاوود وابن خزيمة. وقال: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم المشي في جنازته إتقاء من شر سفهاء قريش، وعدم صلاته لعدم مشروعية صلاة الجنازة يومئذ. عن الأسلمي وغيره: توفي أبو طالب للنصف من شوال في السنة العاشرة من حين نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفيت خديجة بعده بشهر وخمسة أيام فاجتمعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وعلى عمه حزنا شديدا حتى سمي ذلك العام عام الحزن. طبقات ابن سعد 1: 106، الامتاع للمقريزي 27، تاريخ ابن كثير 3: 134، السيرة الحلبية 1: 373، السيرة لزيني دحلان هامش الحلبية 1: 291، أسنى المطالب ص 11.


(1) أشار إلى قوله تعالى: قد جاءكم رسولنا. يبين لكم على فترة من الرسل. وتوجد الأبيات في كتاب الحجة للسيد فخار سلام الله عليه ص 74. [*]

[373]

* (لفت نظر) * عين ابن سعد لوفاة أبي طالب يوم النصف من شوال كما سمعت وقال أبو الفدا في تاريخه 1: 120 توفي في شوال، وأوعز القسطلاني في المواهب 1: 71 موته في شوال إلى القيل، وقال المقريزي في الامتاع ص 27: توفي أول ذيقعدة وقيل: النصف من شوال، وقال الزرقاني في شرح المواهب 1: 291: مات بعد خروجهم من شعب في ثامن عشر رمضان سنة عشر، وفي الاستيعاب: خرجوا من الشعب في أول سنة خمسين وتوفي أبو طالب بعده بستة أشهر فتكون وفاته في رجب. ه‍. وهذا الاختلاف موجود في تآليف الشيعة أيضا. - 3 - أخرج البيهقي عن ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وسلم عاد من جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم ! وفي لفظ الخطيب: عارض النبي جنازة أبي طالب فقال: وصلتك رحم جزاك الله خيرا يا عم ! دلائل النبوة البيهقي، تاريخ الخطيب البغدادي 13: 196، تاريخ ابن كثير 3: 125، تذكرة السبط ص 6، نهاية الطلب للشيخ إبراهيم الحنفي كما في الطرائف ص 86، الإصابة 4: 116، شرح شواهد المغني ص 136. وقال اليعقوبي في تاريخه 2: 26: لما قيل لرسول الله: إن أبا طالب قد مات عظم ذلك في قلبه واشتد له جزعه ثم دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرات وجبينه الأيسر ثلاث مرات، ثم قال: يا عم ! ربيت صغيرا، وكفلت يتيما، ونصرت كبيرا، فجزاك الله عني خيرا، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول: وصلتك رحم، و جزيت خيرا. - 4 - عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قال العباس: يا رسول الله ! أترجو لأبي طالب ؟ قال: كل الخير أرجو من ربي. أخرجه ابن سعد في الطبقات 1: 106 بسند صحيح رجالهم كلهم ثقات رجال الصحاح وهم: عفان بن مسلم. وحماد بن سلمة. وثابت البنائي. وإسحاق بن عبد الله وأخرجه ابن عساكر كما في الخصايص الكبرى 1: 87. والفقيه الحنفي الشيخ

[374]

إبراهيم الدينوري في نهاية الطلب كما في الطرائف ص 68. وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 3: 311، والسيوطي في التعظيم والمنة ص 7 نقلا عن ابن سعد. - 5 - وعن أنس بن مالك قال: أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! لقد أتيناك وما لنا بعير يئط، ولا صبي يصطبح، ثم أنشد: أتيناك والعذراء يدمي لبانها * وقد شغلت أم الصبي عن الطفل وألقى بكفيه الصبي استكانة * من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي ولا شئ مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرد رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أللهم أسقنا غيثا مغيثا سحا طبقا غير رايث، تنبت به الزرع، وتملأ به الضرع، وتحيي به الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون. فما استتم الدعاء حتى التقت السماء بروقها، فجاء أهل البطالة يضجون: يا رسول الله ! الغرق فقال: حوالينا ولا علينا. فانجاب السحاب عن المدينة كالإكليل، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه، من الذي ينشدنا شعره ؟ فقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يا رسول الله ! كأنك أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل قال: أجل فأنشده أبياتا من القصيدة ورسول الله يستغفر لأبي طالب على المنبر ثم قام رجل من كنانة وأنشد: لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة * وأشخص معها إلى البصر فلم يك إلا كإلقا الردى * وأسرع حتى رأينا الدرر دفاق العزالي جم البعاق * (1) أغاث به الله عليا مضر


(1) راجع ص 4 من الجزء الثاني من هذا الكتاب. [*]

[375]

فكان كما قاله عمه * أبو طالب أبيض ذو غرر به الله يسقي صيوب الغمام * وهذا العيان لذاك الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يك شاعرا يحسن فقد أحسنت. أعلام النبوة للماوردي ص 77، بدايع الصنايع 1: 283، شرح ابن أبي الحديد 3: 316، السيرة الحلبية، عمدة القاري 3: 435، شرح شواهد المغني للسيوطي ص 136، سيرة زيني دحلان 1: 87، أسنى المطالب: ص 15، طلبة الطالب ص 43. قال البرزنجي كما في أسنى المطالب: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: لله در أبي طالب يشهد له بأنه لو رأى النبي وهو يستسقي على المنبر لسره ذلك، ولقرت عيناه فهذا من النبي صلى الله عليه وسلم شهادة لأبي طالب بعد موته أنه كان يفرح بكلمات النبي صلى الله عليه وسلم وتقر عينه بها، وما ذلك إلا لسر وقر في قلبه من تصديقه بنبوته وعلمه بكمالاته ا. ه‍. قال الأميني: وذكر جمع هذا الحديث في استسقاء النبي صلى الله عليه وآله: وحذف منه كلمة [لله در أبي طالب] وأنت أعرف مني بالغاية المتوخاة في هذا التحريف، ولا يفوتنا عرفانها. - 6 - قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 316: ورد في السير والمغازي أن عتبة بن ربيعة أو شيبة لما قطع رجل أبي عبيدة بن الحارث بن المطلب يوم بدر أشبل عليه علي وحمزة فاستنقذاه منه وخبطا عتبة بسيفهما حتى قتلاه واحتملا صاحبهما من المعركة إلى العريش فألقياه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وأن مخ ساقه ليسيل فقال: يا رسول الله لو كان أبو طالب حيا لعلم أنه قد صدق في قوله: كذبتم وبيت الله نحلي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل وننصره حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله استغفر له ولأبي طالب يومئذ. - 7 - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال لعقيل بن أبي طالب: يا أبا يزيد ! إني أحبك حبين حبا لقرابتك مني، وحبا لما كنت أعلم من حب عمي أبي طالب إياك.

[376]

أخرجه أبو عمر في الاستيعاب 2: 509، والبغوي، والطبراني كما في ذخاير العقبي ص 222، وتاريخ الخميس 1: 163، وعماد الدين يحيى العامري في بهجة المحافل 1: 327، وذكره والهيثمي في مجمع الزوائد 9: 273 وقال: رجاله ثقاب. هذا شاهد صدق على أن النبي صلى الله عليه وآله كان يعتقد إيمان عمه وإلا فما قيمة حب كافر لأي أحد حتى يكون سببا لحبه صلى الله عليه وآله وسلم أولاده. م - وقول رسول الله صلى الله عليه وآله هذا لعقيل كان بعد إسلامه كما نص عليه الإمام العامري في بهجة المحافل وقال: وفيها إسلام عقيل بن أبي طالب الهاشمي، ولما أسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا يزيد. إلخ. وقال جمال الدين الأشخر اليمني في شرح البهجة عند شرح الحديث: ومن شأن المحب محبة حبيب الحبيب. ألا تعجب من حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا طالب إن لم يك معتنقا بدينه - العياذ بالله - ومن إعرابه عنه بعد وفاته. ومن حبه عقيلا لحب أبيه إياه ؟ ! !] - 8 - أخرج أبو نعيم وغيره عن ابن عباس وغيره قالوا: كان أبو طالب يحب النبي صلى الله عليه وسلم حبا شديدا لا يحب أولاده مثله، ويقدمه على أولاده، ولذا كان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرجه معه حين يخرج. ولما مات أبو طالب نالت قريش منه من الأذى ما لم تكن تطمع فيه في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وتبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: يا بنية لا تبكي فإن الله مانع أباك، ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب. وفي لفظ: ما زالت قريش كاعين (أي جبانين) حتى مات أبو طالب. وفي لفظ: ما زالت قريش كاعة حتى مات أبو طالب. تاريخ الطبري 2: 229، تاريخ ابن عساكر 1: 284، مستدرك الحاكم 2: 622، تاريخ ابن كثير 3: 122، 134، الصفوة لابن الجوزي 1: 21، الفائق للزمخشري 2:

[377]

213، تاريخ الخميس 1: 253، السرة الحلبية 1: 375، فتح الباري 7: 153، 154، شرح شواهد المغني ص 136 نقلا عن البيهقي، أسنى المطالب ص 11، 21، طلبة الطالب ص 4، 54. - 9 - عن عبد الله قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر إلى القتلى وهم مصرعون قال لأبي بكر: لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت بالأماثل يعني قول أبي طالب: كذبتم وبيت الله إن جد ما أرى * لتلتبسن أسيافنا بالأماثل الأغاني 17: 28، طلبة الطالب ص 38 نقلا عن دلائل الاعجاز. - 10 - أخرج الحافظ الكنجي في الكفاية ص 68: من طريق الحافظ ابن فنجويه عن ابن عباس في حديث مرفوعا قال لعلي: لو كنت مستخلفا أحدا لم يكن أحد أحق منك لقدمتك في الاسلام، وقرابتك من رسول الله، وصهرك عندك فاطمة سيدة نساء المؤمنين وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب، أتاني حين نزل القرآن وأنا حريص أن أرعى ذلك في ولده بعده. قال الأميني: إن شيئا من مضامين هذه الأحاديث لا يتفق مع كفر أبي طالب فهو صلى الله عليه وآله لا يأمر خليفته الإمام عليه السلام بتكفين كافر ولا تغسيله، ولا يستغفر له ولا يترحم عليه، كما في الحديث الثالث، ولا يرجو له بعض الخير فضلا عن كله كما في الحديث الرابع، ولا يستدر له الخير كما في حديث الاستسقاء، ولا يستغفر له كما في الحديث السادس، ولا يحب عقيلا لحبه إياه، فإن الكفر يزع المسلم عن بعض هذه فكيف بكلها فضلا عن نبي الاسلام صلى الله عليه وآله وهو الصادع بقول الله العزيز: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. سورة المجادلة: وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق. سورة الممتحنة 60.

[378]

وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون. سورة التوبة 23. وقوله تعالى: ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء. سورة المائدة: 81. إلى آيات أخرى. الكلم الطيب أخرج تمام الرازي في فوائده بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية. ذخائر العقبي ص 7، الدرج المنيفة للسيوطي ص 7، مسالك الحنفا ص 14، وقال فيه: أخرجه أبو نعيم وغيره وفيه التصريح بأن الأخ من الرضاعة، فالطرق عدة يشد بعضها بعضا فإن الحديث الضعيف يتقوى بكثرة طرقه وأمثلها حديث ابن مسعود فإن الحاكم صححه. وفي تاريخ اليعقوبي 2: 26 روي عنه صلى الله عليه وآله إن قال: إن الله عز وجل وعدني في أربعة في أبي وأمي وعمي وأخ كان لي في الجاهلية. أخرج ابن الجوزي بإسناده عن علي عليه السلام مرفوعا: هبط جبرئيل عليه السلام علي فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك، أما الصلب فعبد الله، وأما البطن فآمنة، وأما الحجر فعمه يعني أبا طالب و فاطمة بنت أسد. التعظيم والمنة للحافظ السيوطي ص 25. وفي شرح ابن أبي الحديد 3: 311 قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال لي جبرائيل: إن الله مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب. وصلب أنزلك عبد الله بن عبد المطلب. وحجر كفلك أبو طالب. وبيت آواك عبد المطلب. وأخ كان لك في الجاهلية. الخ. * (رثاء أمير المؤمنين والده العظيم) * ذكر سبط ابن الجوزي في تذكرته ص 6 أن عليا عليه السلام قال في رثاء أبي طالب: أبا طالب عصمة المستجير * وغيث المحول ونور الظلم

[379]

لقد هد فقدك أهل الحفاظ * فصلى عليك ولي النعم ولقاك ربك رضوانه * فقد كنت للطهر من خير عم هذه الأبيات توجد في ديوان أبي طالب أيضا ص 36، وذكرها أبو علي الموضح كما في كتاب الحجة ص 24 للسيد فخار ابن معد المتوفى 630، وقال ابن أبي الحديد: قال أيضا: أرقت لطير آخر الليل غردا * يذكرني شجوا عظيما مجددا أبا طالب مأوى الصعاليك ذا لندى * جواد إذا ما أصدر الأمر أوردا فأمست قريش يفرحون بموته * ولست أرى حيا يكون مخلدا أرادوا أمورا زينتها حلومهم * ستوردهم يوما من الغي موردا يرجون تكذيب النبي وقتله * وأن يفترى قدما عليه ويجحدا كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم * صدور العوالي والحسام والمهندا فإما تبيدونا وإما نبيدكم * وإما تروا سلم العشيرة أرشدا وإلا فإن الحي دون محمد * بني هاشم خير البرية محتدا هذه الأبيات توجد في الديوان المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السلام مع تغيير يسير وزيادة وإليك نصها: أرقت لنوح آخر الليل غردا * يذكرني شجوا عظيما مجددا أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى * وذا الحلم لا خلفا ولم يك قعددا أخا الملك خلى ثلمة سيسدها * بنو هاشم أو يستباح فيهمدا فأمست قريش يفرحون بفقده * ولست أرى حيا لشئ مخلدا أرادت أمورا زينتها حلومهم * ستوردهم يوما من الغي موردا يرجون تكذيب النبي وقتله * وأن يفتروا بهتا عليه ويجحدا كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم * صدور العوالي والصفيح المهندا ويبدؤ منا منظر ذو كريهة * إذا ما تسربلنا الحديد المسردا فإما تبيدنا وإما نبيدكم * وإما تروا سلم العشيرة أرشدا وإلا فإن الحي دون محمد * بنو هاشم خير البرية محتدا

[380]

وإن له فيكم من الله ناصرا * ولست بلاق صاحب الله أوحدا نبي أتى من كل وحي بحظه * فسماه ربي في الكتاب محمدا أغر كضوء البدر صورة وجهه * جلا الغيم عنه ضوءه فتوقدا أمين على ما استودع الله قلبه * وإن كان قولا كان فيه مسددا * (كلمة الإمام السجاد) * قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 312: روي أن علي بن الحسين عليه السلام سئل عن هذا - يعني عن إيمان أبي طالب - فقال: واعجبا إن الله تعالى نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الاسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات. * (كلمة الإمام الباقر) * سئل عليه السلام عما يقوله الناس أن أبا طالب في ضحضاح من نار فقال: لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه ثم قال: ألم تعلموا أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان يأمر أن يحج عن عبد الله وابنه وأبي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم ؟ شرح ابن أبي الحديد 3: 311. * (كلمة الإمام الصادق) * روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الكفر فآتاهم الله أجره مرتين وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين. شرح ابن أبي الحديد 3: 312. قال الأميني: هذا الحديث أخرجه ثقة الاسلام الكليني في أصول الكافي ص 244 عن الإمام الصادق غير مرفوع ولفظه: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين. وبلفظ ابن أبي الحديد ذكره السيد ابن معد في كتابه (الحجة) ص 17 من

[381]

طريق الحسين بن أحمد المالكي وزاد فيه: وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة، * (كلمة الإمام الرضا) * كتب أبان بن محمود بن إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام: جعلت فداك إني قد شككت في إسلام أبي طالب. فكتب إليه: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين. الآية: وبعدها إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار. قصارى القول في سيد الأبطح عند القوم إن كلا من هذه العقود الذهبية بمفرده كاف في إثبات الغرض فكيف بمجموعها ومن المقطوع به أن الأئمة من ولد أبي طالب عليه السلام أبصر الناس بحال أبيهم، وأنهم لم ينوهوا إلا بمحض الحقيقة، فإن العصمة فيهم رادعة عن غير ذلك، ولقد أجاد مفتي الشافعية بمكة المكرمة في (أسنى المطالب) حيث قال في ص 33: هذا المسلك الذي سلكه العلامة السيد محمد بن رسول البرزنجي في نجاة أبي طالب لم يسبقه إليه أحد فجزاه الله أفضل الجزاء، وسلكه هذا الذي سلكه يرتضيه كل من كان متصفا بالإنصاف من أهل الإيمان، لأنه ليس فيه إبطال شئ من النصوص ولا تضعيف لها، وغاية ما فيه أنه حملها على معان مستحسنة يزول بها الاشكال ويرتفع الجدال، ويحصل بذلك قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم، والسلامة من الوقوع في تنقيص أبي طالب أو بغضه، فإن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا. وقال تعالى: والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم.. وقد ذكر الإمام أحمد بن الحسين الموصلي الحنفي المشهور بابن وحشي في شرحه على الكتاب المسمى بشهاب الأخبار للعلامة محمد بن سلامة القضاعي المتوفى 454: إن بغض أبي طالب كفر. ونص على ذلك أيضا من أئمة المالكية العلامة علي الأجهوري في فتاويه، والتلمساني في حاشيته على الشفاء فقال عند ذكر أبي طالب: لا

[382]

ينبغي أن يذكر إلا بحماية النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حماه ونصره بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه أذية للنبي صلى الله عليه وسلم ومؤذي النبي صلى الله عليه وسلم كافر، والكافر يقتل، وقال أبو طاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر. ومما يؤيد هذا التحقيق الذي حققه العلامة البرزنجي في نجاة أبي طالب إن كثيرا من العلماء المحققين وكثيرا من الأولياء العارفين أرباب الكشف قالوا بنجاة أبي طالب منهم: القرطبي والسبكي والشعراني وخلائق كثيرون وقالوا: هذا الذي نعتقده وندين الله به، وإن كان ثبوت ذلك عندهم بطريق غير الطريق الذي سلكه البرزنجي، فقد إتفق معهم على القول بنجاته، فقول هؤلاء الأئمة بنجاته أسلم للعبد عند الله تعالى لا سيما مع قيام هذه الدلائل والبراهين التي أثبتها العلامة البرزنجي. ا ه‍. وذكر السيد زيني دحلان في أسنى المطالب ص 43 قال: ولله در القائل: قفا بمطلع سعد عز ناديه * وأمليا شرح شوقي في مغانيه واستقبلا مطلع الأنوار في افق * الحجون واحترسا أن تبهرا فيه مغنى به وابل الرضوان منهمر * ونائرات الهدى دلت مناديه قفا فذا بلبل الأفراح من طرب * يروي بديع المعاني في أماليه واستمليا لأحاديث العجائب عن * بحر هناك بديع في معانيه حامي الذمار مجير الجار من كرمت * منه السجايا فلم يفخر مباريه عم النبي الذي لم يثنه حسد * عن نصره فتغالى في مراضيه هو الذي لم يزل حصنا لحضرته * موفقا لرسول الله يحميه وكل خير ترجاه النبي له * وهو الذي قط ما خابت أمانيه فيا من أم العلا في الخالدات غدا * أغث للهفافه واسعف مناديه قد خصك الله بالمختار تكلؤه * وتستعز به فخرا وتطريه عنيت بالحب في طه ففزت به * ومن ينل حب طه فهو يكفيه كم شمت آيات صدق يستضاء بها * وتملأ القلب إيمانا وترويه ؟ من الذي فاز في الماضين أجمعهم * بمثل ما فزت من طه وباريه ؟ كفلت خير الوري في يتمه شغفا * وبت بالروح والأبناء تفديه

[383]

عضدته حين عادته عشيرته * وكنت حائطه من بغي شانيه نصرت من لم يشم الكون رائحة * الوجود لو لم يقدر كونه فيه إن الذي قمت في تأييد شوكته * هو الذي لم يكن شئ يساويه إن الذي أنت قد أحببت طلعته * حبيب من كل شئ في أياديه لله درك من قناص فرصته * مذ شمت برق الأماني من نواحيه يهنيك فوزك أن قدمت منكم يدا * إلى ملي وفي في جوازيه من يسد أحسن معروف لأحسن من * جازى ينل فوق ما نالت أمانيه ومن سعى لسعيد في مطالبه * فهو الحري بأن تحظى أماليه ومن سعى لسعيد في مطالبه * فهو الحرى بأن تحظى أماليه فيا سعيد المساعي في متاجره * قد جئت ربعك أستهمي غواديه مستمطرا منك مزن الخير معترفا * بأن غرس المنى يعنى بصافيه. الخ ثم قال: في ص 44 وقيل أيضا: إن القلوب لتبكي حين تسمع ما * أبدي أبو طالب في حق من عظما فإن يكن أجمع الأعلام إن له * نارا فلله كل الكون يفعل ما (1) أما إذا اختلفوا فالرأي أن تردا * مواردا يرتضيها عقل من سلما تتابع المثبتي الإيمان من زمر * في معظم الدين تابعناهم فكما (2) وهم عدول خيار في مقاصدهم * فلا نقل: إنهم لن يبلغوا عظما لا تزدريهم أتدري من همو فهمو * همو عرى الدين قد أضحوا به زعما هم السيوطي والسبكي مع نفر (3) كعدة النقبا حفاظ أهل حما وأهل كشف وشعرانيهم وكذا * القرطبي والسحيمي الجميع كما (4)


(1) أي يفعل ما يشاء. (2) أي كما تابعناهم في معظم الدين نتابعهم في هذا. (3) للسيوطي كتاب (بغية الطالب لإيمان أبي طالب وحسن خاتمته) توجد نسخته في مكتبة " قوله " بمصر ضمن مجموعة رقم 16، وهي بخط السيد محمود فرغ من الكتابة سنة 1105. راجع الذريعة لشيخنا الطهراني 2: 511. (4) أي كما ترى في الوثاقة. [*]

[384]

- 3 - ما أسنده إليه من لاث به وبخع له هؤلاء شيعة أهل البيت عليهم السلام لا يشك أحد منهم في إيمان أبي طالب عليه السلام ويرونه في أسمى مراقيه وعلى صهوته العليا آخذين ذلك يدا عن يد حتى ينتهي الدور إلى الصحابة منهم والتابعين لهم بإحسان، ومذعنين في ذلك بنصوص أئمتهم عليهم السلام بعد ما ثبت عن جدهم الأقدس رسول الله صلى الله عليه وآله، قال المعلم الأكبر شيخنا المفيد في (أوائل المقالات) ص 45: إتفقت الإمامية على أن آباء رسول الله صلى الله عليه وآله من لدن آدم إلى عبد الله مؤمنون بالله عز وجل موحدون (إلى أن قال): واجمعوا على أن أبا طالب مات مؤمنا، وأن آمنة بنت وهب كانت على التوحيد. الخ. وقال شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي في التبيان 2: 398: عن أبي عبد الله وأبي جعفر عليهما السلام أن أبا طالب كان مسلما، وعليه إجماع الإمامية لا يختلفون فيه، ولها على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم. وقال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان 2: 287: قد ثبت إجماع أهل البيت على إيمان أبي طالب وإجماعهم حجة لأنهم أحد الثقلين الدين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتمسك بهما بقوله: إن تمسكم بهما لن تضلوا. وقال سيدنا ابن معد الفخار: لقد يكفينا من الاستدلال على إيمان أبي طالب عليه السلام إجماع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين وعلماء شيعتهم على إسلامه و اتفاقهم على إيمانه، ولو لم يرد عنه من الأفعال التي لا يفعلها إلا المؤمنون، والأقوال التي لا يقولها إلا المسلمون، ما يشهد له بصحة الاسلام وتحقيق الإيمان، إذ كان إجماعهم حجة يعتمد عليها ودلالة يصمد إليها. كتاب الحجة ص 13. وقال شيخنا الفتال في روضة الواعظين ص 120: إعلم أن الطائفة المحقة قد أجمعت على أن أبا طالب، و عبد الله بن المطلب، وآمنة بنت وهب، كانوا مؤمنين و إجماعهم حجة. وقال سيدنا الحجة ابن طاوس في الطرائف ص 84: إنني وجدت علماء العترة

[385]

مجمعين على إيمان أبي طالب. وقال في ص 87: لا ريب أن العترة أعرف بباطن أبي طالب من الأجانب، وشيعة أهل البيت مجمعون على ذلك، ولهم فيه مصنفات وما رأينا وما سمعنا أن مسلما أحوجه ما أحوجهم في إيمان أبي طالب، والذي نعرفه منهم أنهم يثبتون إيمان الكافر بأدنى خبر واحد وبالتلويح، وقد بلغت عداوتهم لبني هاشم إلى إنكار إيمان أبي طالب مع ثبوت ذلك بالحجج الثواقب إن هذا من جملة العجائب. وقال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 311: إختلف الناس في أبي طالب فقالت الإمامية وأكثر الزيدية: ما مات إلا مسلما، وقال بعض شيوخنا المعتزلة بذلك منهم الشيخ أبو القاسم البلخي وأبو جعفر الاسكافي وغيرهما. وقال العلامة المجلسي في البحار 9: 29: قد أجمعت الشيعة على إسلامه وإنه قد آمن بالنبي صلى الله عليه وآله في أول الأمر ولم يعبد صنما قد بل كان من أوصياء إبراهيم عليه السلام واشتهر إسلامه من مذهب الشيعة حتى أن المخالفين كلهم نسبوا ذلك إليهم و تواترت الأخبار من طرق الخاصة والعامة في ذلك، وصنف كثير من علمائنا ومحدثينا كتابا مفردا (1) في ذلك كما لا يخفى على من تتبع كتب الرجال. ومستند هذا الإجماعات إنما هو ما جاء به رجالات بيت الوحي في سيد الأبطح وإليك أربعون حديثا: 1 أخرج شيخنا أبو علي الفتال وغيره عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ! إن ربك يقرئك السلام ويقول: إني قد حرمت النار على صلب أنزلك، وبطن حملك، وحجر كفلك. فالصلب صلب أبيه عبد الله بن عبد المطلب. والبطن الذي حملك آمنة بنت وهب. وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب. وزاد في رواية: وفاطمة بنت أسد (2). روضة الواعظين ص 121. راجع الكافي لثقة الاسلام الكليني ص 242 معاني الأخبار للصدوق، كتاب الحجة السيد فخار بن معد ص 8، ورواه شيخنا المفسر الكبير أبو الفتوح الرازي في تفسيره 4: 210 ولفظه: إن الله عز وجل حرم على النار صلبا حملك، وبطنا حملك،


(1) ستوافيك عدة ممن أفرد التأليف في إيمان أبي طالب عليه السلام (2) راجع ما أسلفناه ص 379. [*]

[386]

وثديا أرضعك، وحجرا كفلك. 2 - عن أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هبط علي جبرئيل فقال: لي يا محمد إن الله عز وجل مشفعك في ستة: بطن حملتك آمنة بنت وهب. وصلب أنزلك عبد الله بن عبد المطلب. وحجر كفلك أبو طالب. وبيت آواك عبد المطلب وأخ كان لك في الجاهلية. وثدي أرضعك حليمة بنت أبي ذويب. رواه السيد فخار بن معد في كتاب الحجة ص 8. 3 - روى شيخنا المعلم الأكبر الشيخ المفيد بإسناد يرفعه قال: لما مات أبو طالب أتى أمير المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وآله فآذنه بموته فتوجع توجعا عظيما وحزن حزنا شديدا ثم قال لأمير المؤمنين عليه السلام: إمض يا علي فتول أمره، وتول غسله و تحنيطه وتكفينه، فإذا رفعته على سريره فأعلمني ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فلما رفعه على السرير اعترضه النبي صلى الله عليه وآله فرق وتحزن وقال: وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم ! فلقد ربيت وكفلت صغيرا، ونصرت وآزرت كبيرا، ثم أقبل على الناس وقال: أم والله لاشفعن لعمي شفاعة يعجب بها أهل الثقلين. وفي لفظ شيخنا الصدوق: يا عم كفلت يتيما، وربيت صغيرا، ونصرت كبيرا فجزاك الله عني خيرا (1) راجع تفسير علي بن إبراهيم ص 355، أمالي ابن بابويه الصدوق، الفصول المختارة لسيدنا الشريف المرتضى 80، الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص 67، بحار الأنوار 9 ص 15، الدرجات الرفيعة لسيدنا الشيرازي، ضياء العالمين 4 - عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ما ترجو لأبي طالب ؟ فقال: كل الخير أرجو من ربي عز وجل. كتاب الحجة ص 15، الدرجات الرفيعة رجع ما أسلفناه ص 373. 5 - عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال لعقيل بن أبي طالب: أنا أحبك يا عقيل ! حبين: حبا لك وحبا لأبي طالب لأنه كان يحبك (2).


(1) راجع ما مر في صفحة 374. (2) راجع ما أسلفناه ص 377. [*]

[387]

علل الشرايع لشيخنا الصدوق. الحجة ص 34، بحار الأنوار 9: 16. 6 - عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لو قمت المقام المحمود لشفعت في أبي وأمي و عمي وأخ لي مواخيا في الجاهلية. تفسير علي بن إبراهيم ص 355، 490، تفسير البرهان 3: 794. راجع ما أسلفناه في صفحة 378. 7 - عن الإمام السبط الحسين بن علي عن والده أمير المؤمنين إنه كان جالسا في الرحبة والناس حوله فقام إليه رجل فقال له: يا أمير المؤمنين ! إنك بالمكان الذي أنزلك الله وأبوك معذب في النار فقال. له: مه فض الله فاك، والذي بعث محمدا بالحق نبيا لو شفع أبي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله، أأبي معذب في النار وابنه قسيم الجنة والنار ؟ والذي بعث محمدا بالحق إن نور أبي طالب يوم القيامة ليطفئ أنوار الخلائق إلا خمسة أنوار: نور محمد ونور فاطمة ونور الحسن والحسين ونور ولده من الأئمة، ألا إن نوره من نورنا خلقه الله من قبل خلق آدم بألفي عام. المناقب المائة للشيخ أبي الحسن ابن شاذان (1) كنز الفوائد للكراجكي ص 80، أمالي ابن الشيخ ص 192، احتجاج الطبرسي كما في البحار، تفسير أبي الفتوح 4: 211، الحجة ص 15، الدرجات الرفيعة، بحار الأنوار 9: 15، ضياء العالمين، تفسير البرهان 3: 794. 8 - عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال: والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قط. قيل له: فما كانوا يعبدون ؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به، رواه شيخنا الصدوق بإسناده في كمال الدين ص 104، والشيخ أبو الفتوح في تفسيره 4: 210، والسيد في البرهان 3: 795. 9 - عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: قال علي عليه السلام إن أبي حين حضره الموت شهده رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرني عنه بشئ خير لي من الدنيا وما فيها. رواه بإسناده السيد فخار بن معد في كتاب الحجة ص 23، وذكره


(1) محمد بن أحمد القمي الفامي أحد مشايخ شيخ الطائفة الطوسي والكراجكي والكتاب مخطوط موجود عندنا. [*]

[388]

الفتوني في ضياء بالعالمين، 10 - عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله من نفسه الرضا. تفسير علي بن إبراهيم ص 355، كتاب الحجة ص 23، الدرجات الرفيعة، ضياء العالمين. 11 - عن الشعبي يرفعه عن أمير المؤمنين أنه قال: كان والله أبو طالب بن عبد مناف بن عبد المطلب مؤمنا مسلما يكتم إيمانه مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش قال أبو علي الموضح: ولأمير المؤمنين في أبيه يرثيه: أبا طالب عصمة المستجير * وغيث المحول ونور الظلم لقد هد فقدك أهل الحفاظ * فصلى عليك ولي النعم ولقاك ربك رضوانه * فقد كنت للمصطفى خير عم (1) كتاب الحجة ص 24. 12 - عن الأصبغ بن نباتة قال، سمعت أمير المؤمنين عليا عليه السلام يقول: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفر من قريش وقد نحروا جزورا وكانوا يسمونها الفهيرة ويذبحونها على النصب فلم يسلم عليهم فلما انتهى إلى دار الندوة قالوا: يمر بنا يتيم أبي طالب فلا يسلم علينا فأيكم يأتيه فيفسد عليه مصلاه ؟ فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي: أنا أفعل، فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد فملأ به ثيابه ومظاهره فانصرف النبي صلى الله عليه وآله حتى أتى عمه أبا طالب فقال: يا عم من أنا ؟ فقال: ولم يا ابن أخي ؟ فقص عليه القصة فقال: وأين تركتهم ؟ فقال: بالأبطح فنادى في قومه: يا آل عبد المطلب ! يا آل هاشم ! يا آل عبد مناف ! فاقبلوا إليه من كل مكان ملبين فقال: كم أنتم ؟ قالوا: نحن أربعون قال: خذوا سلاحكم. فأخذوا سلاحهم وانطلق بهم حتى إنتهى إلى أولئك النفر فلما رأوه أرادوا أن يتفرقوا فقال لهم: ورب هذه البنية لا يقومن منكم أحد إلا جللته بالسيف. ثم أتى إلى صفاة كانت بالأبطح فضربها ثلاث ضربات حتى قطعها ثلثة أفهار (2) ثم قال: يا محمد ! سألتني من أنت ؟ ثم أنشأ يقول


(1) راجع ما أسلفناه ص 378. (2) ثلثة أفهار: ثلاث قطع كل منها تملأ الكف. [*]

[389]

ويومي بيده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنت النبي محمد * قرم أعز مسود إلى آخر ما مر في ص 336 ثم قال: يا محمد ! أيهم الفاعل بك ؟ فأشار النبي صلى الله عليه وآله إلى عبد الله بن الزبعرى السهمي الشاعر فدعاه أبو طالب فوجأ أنفه حتى أدماها ثم أمر بالفرث والدم فأمر على رؤس الملأ كلهم ثم قال: يا ابن أخ أرضيت ؟ ثم قال: سألتني من أنت ؟ أنت محمد بن عبد الله ثم نسبه إلى آدم عليه السلام ثم قال: أنت والله أشرفهم حسبا، وأرفعهم منصبا، يا معشر قريش ! من شاء منكم يتحرك فليفعل أنا الذي تعرفوني (1) رواه السيد ابن معد في الحجة ص 106 وذكر لدة هذه القضية الصفوري في نزهة المجالس 2: 122 وفي طبع ص 91، وابن حجة الحموي في ثمرات الأوراق بهامش المستطرف 2: 3 نقلا عن كتاب الأعلام للقرطبي. 13 - ذكر ابن فياض في كتابه شرح الأخبار: إن عليا عليه السلام قال في حديث له: أن أبا طالب هجم علي وعلى النبي صلى الله عليه وآله ونحن ساجدان فقال: أفعلتماها ؟ ثم أخذ بيدي فقال: انظر كيف تنصره، وجعل يرغبني في ذلك ويحضني عليه. الحديث راجع ضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف الفتوني: 14 - روي أن أمير المؤمنين عليه السلام قيل له: من كان آخر الأوصياء قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: فقال: أبي. " ضياء العالمين للفتوني " 15 - عن الإمام السجاد زين العابدين علي بن الحسين بن علي عليهم السلام إنه سئل عن أبي طالب أكان مؤمنا ؟ فقال عليه السلام: نعم فقيل له: إن هاهنا قوما يزعمون أنه كافر. فقال عليه السلام: واعجبا كل العجب أيطعنون على أبي طالب أو على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ و قد نهاه الله تعالى أن يقر مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن ولا يشك أحد أن فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها من المؤمنات السابقات، فإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه. راجع ما مر ص 380، وكتاب الحجة ص 24، والدرجات الرفيعة، ضياء العالمين فقال: قيل إنها متواترة عندنا.


(1) راجع ما أسلفناه ص 359 ويأتي في الجزء الثامن في الآيات ما يأيد هذه القصة. [*]

[390]

16 - عن أبي بصير ليث المرادي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: سيدي إن الناس يقولون: إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه. فقال عليه السلام: كذبوا والله إن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة الميزان وإيمان هذا الخلق في كفة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم. إلى آخر ما مر ص 380، رواه السيد في كتاب الحجة ص 18 من طريق شيخ الطائفة عن الصدوق، والسيد الشيرازي في الدرجات الرفيعة، والفتوني في ضياء العالمين. وروى السيد ابن معد في كتاب الحجة ص 27 من طريق آخر عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: مات أبو طالب بن عبد المطلب مسلما مؤمنا. الخ. 17 - عن الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين. راجع الكافي لثقة الاسلام الكليني ص 244، أمالي الصدوق ص 366، روضة الواعظين ص 121، كتاب الحجة ص 115، وفي ص 17 ولفظه من طريق الحسين بن أحمد المالكي: قال عبد الرحمن بن كثير: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يزعمون أن أبا طالب في ضحضاح من نار فقال: كذبوا، ما بهذا نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وآله قلت: وبما نزل ؟ قال: أتى جبرائيل في بعض ما كان عليه فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة، ثم قال: كيف يصفونه بهذا ؟ وقد نزل جبرائيل ليلة مات أبو طالب فقال: يا محمد اخرج من مكة فمالك بها ناصر بعد أبي طالب. وذكره العلامة المجلسي في البحار 9: 24، والسيد في الدرجات الرفيعة، والفتوني في ضياء العالمين، وروى شيخنا أبو الفتوح الرازي هذا الحديث في تفسيره 4 ص 212. 18 - أخرج ثقة الاسلام الكليني في الكافي ص 244 بالإسناد عن إسحاق ابن جعفر عن أبيه عليه السلام قال: قيل له: إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافرا، فقال:

[391]

كذبوا، كيف وهو يقول ؟: ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب ؟ وذكره غير واحد من أئمة الحديث في تآليفهم رضوان الله عليهم أجمعين. 19 - أخرج ثقة الاسلام الكليني في أصول الكافي 244 عن الإمام الصادق قال: كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول ؟ لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمان اليتامى عصمة للأرامل وذكره السيد في البرهان 3: 795، وكذلك غير واحد من أعلام الطائفة أخذا عن الكليني. 20 - روى شيخنا أبو علي الفتال في روضة الواعظين ص 121 عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لما حضر أبا طالب رضي الله عنه الوفاة جمع وجوه قريش فأوصاهم فقال: يا معشر قريش ! أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، وأنتم خزنة الله في أرضه وأهل حرمه، فيكم السيد المطاع، الطويل الذراع، وفيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع، إعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المفاخر نصيبا إلا حزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم على الناس بذلك الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب إلى آخر ما مر في ص 366 من مواقف سيدنا أبي طالب المشكورة المروية من طرق أهل السنة، وذكر هذه الوصية شيخنا العلامة المجلسي في البحار 9: 23. 21 - حدث شيخنا أبو جعفر الصدوق في إكمال الدين ص 103 بالإسناد عن محمد بن مروان عن الإمام الصادق عليه السلام: إن أبا طالب أظهر الكفر وأسر الإيمان فلما حضرته الوفاة أوحى الله عز وجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أخرج منها فليس لك بها ناصر. فهاجر إلى المدينة. وذكره سيدنا الشريف المرتضى في الفصول المختارة ص 80 فقال: هذا يبرهن عن إيمانه لتحقيقه بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وتقوية أمره. وذيل الحديث رواه السيد الحجة ابن معد في كتابه " الحجة " ص 30 وقال في ص 103: لما قبض أبو طالب اتفق المسلمون على أن جبرئيل عليه السلام: نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال

[392]

له: ربك يقرءك السلام ويقول لك: إن قومك قد عولوا على أن يبيتوك وقد مات ناصرك فأخرج عنهم وأمره بالمهاجرة. فتأمل إضافة الله تعالى أبا طالب رحمه الله إلى النبي عليه السلام و شهادته له أنه ناصره، فإن في ذلك لأبي طالب أوفى فخر وأعظم منزلة وقريش رضيت من أبي طالب بكونه مخالطا لهم مع ما سمعوا من شعره وتوحيده وتصديقه للنبي صلى الله عليه وآله ولم يمكنهم قتله والمنابذة له لأن قومه من بني هاشم وإخوانهم من بني المطلب بن عبد مناف وأحلافهم ومواليهم وأتباعهم، كافرهم مؤمنهم كانوا معه، ولو كان نابذ قومه لكانوا عليه كافة، ولذلك قال أبو لهب لها سمع قريشا يتحدثون في شأنه و يفيضون في أمره: دعوا عنكم هذا الشيخ فإنه مغرم بابن أخيه، والله لا يقتل محمد حتى يقتل أبو طالب، ولا يقتل أبو طالب حتى تقتل بنو هاشم كافة، ولا تقتل بنو هاشم حتى تقتل بنو عبد مناف، ولا تقتل بنو عبد مناف حتى تقتل أهل البطحاء، فأمسكوا عنه وإلا ملنا معه فخاف القوم أن يفعل فكفوا، فلما بلغت أبا طالب مقالته طمع في نصرته فقال: يستعطفه ويرققه. عجبت لحلم يا بن شيبة حادث * وأحلام أقوام لديك ضعاف إلى آخر أبيات ذكرها ابن أبي الحديد في شرحه 3: 307 مع زيادة خمسة أبيات لم يذكرها السيد في الحجة. وذكرها ابن شجري في حماسته ص 16. فقال السيد: فلما أبطأ عنه ما أراد منه قال يستعطفه أيضا: وإن امرءا من قومه أبو معتب (1) * لفي منعة من أن يسام المظالما أقول له وأين منه نصيحتي *: أبا معتب ثبت سوادك قائما إلى أبيات خمسة. وقد ذكرها ابن هشام في سيرته: 1: 394 مع زيادة أربعة أبيات غير أن البيت الأول فيه: إن امرءا أبو عتيبة عمه * لفي روضة ما إن يسام المظالما وذكرها ابن أبي الحديد في الشرح 3: 307، وابن كثير في تاريخه 3: 93. 22 - عن يونس بن نباتة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: يا يونس ! ما يقول الناس في أبي طالب ؟ قلت: جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار يغلي منها


(1) يعني به أبا لهب. [*]

[393]

أم رأسه فقال: كذب أعداء الله، إن أبا طالب من رفقاء النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. كنز الفوائد لشيخنا الكراجكي ص 80، كتاب الحجة ص 17، ضياء العالمين 23 - روى الشريف الحجة ابن معد في كتاب الحجة ص 22 من طريق شيخنا أبي جعفر الصدوق عن داود الرقي قال دخلت علي أبي عبد الله عليه السلام ولي على رجل دين وقد خفت نواه فشكوت ذلك إليه فقال عليه السلام: إذا مررت بمكة فطف عن عبد المطلب طوافا وصل عنه ركعتين، وطف عن أبي طالب طوافا وصل عنه ركعتين، وطف عن عبد الله طوافا وصل عنه ركعتين. وطف عن آمنة طوافا وصل عنها ركعتين، وعن فاطمة بنت أسد طوافا وصل عنها ركعتين. ثم ادع الله عز وجل أن يرد عليك مالك. قال: ففعلت ذلك ثم خرجت من باب الصفا فإذا غريمي واقف يقول: يا داود ! جئني هناك فاقض حقك. وذكره العلامة المجلسي في البحار 9: 24. 24 - أخرج ثقة الاسلام الكليني في الكافي ص 244 بالإسناد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: بينا النبي صلى الله عليه وآله في المسجد الحرام وعليه ثياب له جدد فألقى المشركون عليه سلا (1) ناقة فملؤا ثيابه بها فدخله من ذلك ما شاء الله فذهب إلى أبي طالب فقال له: يا عم ! كيف ترى حسبي فيكم ؟ فقال له: وما ذاك يا بن أخي ؟ فأخبره الخبر فدعا أبو طالب حمزة وأخذ السيف وقال لحمزة: خذ السلا ثم توجه إلى القوم والنبي صلى الله عليه وآله معه فأتى قريشا وهم حول الكعبة، فلما رأوه عرفوا الشر في وجهه ثم قال لحمزة: أمر السلا على أسبلتهم (2) ففعل ذلك حتى أتى على آخرهم ثم التفت أبو طالب إلى النبي فقال: يا بن أخي هذا حسبك فينا. وذكره جمع من الأعلام وأئمة الحديث في تآليفهم 25 - أخرج أبو الفرج الاصبهاني بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام قال كان أمير المؤمنين عليه السلام يعجبه أن يروي شعر أبي طالب عليه السلام وأن يدون وقال: تعلموه وعلموه


(1) السلا: الجلدة التي يكون فيها الولد. (2) وفي بعض النسخ: سبالهم ج السبلة: مقدمة اللحية. وما على الشارب من الشعر. [*]

[394]

أولادكم فإنه كان على دين الله وفيه علم كثير. كتاب الحجة ص 25، بحار الأنوار 9 ص 24، ضياء العالمين للفتوني، 26 - روى شيخنا الصدوق في أماليه ص 304 بالإسناد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: أول جماعة كانت إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب معه إذ مر أبو طالب به وجعفر معه قال: يا بني صل جناح ابن عمك فلما أحسه رسول الله تقدمهما وانصرف أبو طالب مسرورا وهو يقول: إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والكرب إلى آخر أبيات مرت صحيفة 356 وتأتي في ص 397، والحديث رواه الشيخ أبو الفتوح في تفسيره 4: 211. 27 - أخرج ثقة الاسلام الكليني في الكافي ص 242 بإسناده عن درست بن أبي منصور أنه سأل أبا الحسن الأول - الإمام الكاظم - عليه السلام: أكان رسول الله صلى الله عليه وآله محجوجا بأبي طالب ؟ فقال: لا. ولكنه كان مستودعا للوصايا فدفعها إليه فقال: قلت: فدفع إليه الوصايا على أنه محجوج به ؟ فقال: لو كان محجوجا به ما دفع إليه الوصية قال: قلت: فما كان حال أبي طالب: قال: أقر بالنبي وبما جاء به ودفع إليه الوصايا ومات من يومه. قال الأميني: هذه مرتبة فوق مرتبة الإيمان فإنها مشفوعة بما سبق عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام تثبت لأبي طالب مرتبة الوصاية والحجية في وقته فضلا عن بسيط الإيمان، وقد بلغ ذلك من الثبوت إلى حد ظن السائل أن النبي صلى الله عليه وآله كان محجوجا به قبل بعثته، فنفي الإمام عليه السلام ذلك، وأثبت ما ثبت له من الوصاية وإنه كان خاضعا بالإبراهيمية الحنيفية، ثم رضخ للمحمدية البيضاء، فسلم الوصايا للصادع بها، وقد سبق إيمانه بالولاية العلوية الناهض بها ولده البار صلوات الله وسلامه عليه. 28 - أخرج شيخنا أبو الفتح الكراجكي ص 80 بإسناده عن أبان بن محمد قال كتبت إلى الإمام الرضا علي بن موسى الرضا عليهما السلام: جعلت فداك. إلى آخر ما مر في ص 381، وذكره السيد في كتاب الحجة ص 16، والسيد الشيرازي في الدرجات الرفيعة،

[395]

والعلامة المجلسي في بحار الأنوار ص 33، وشيخنا الفتوني في ضياء العالمين 29 - روى شيخنا المفسر الكبير أبو الفتوح في تفسيره 4: 211، عن الإمام الرضا سلام الله عليه وقال روى عن آبائه بعدة طرق: إن نقش خاتم أبي طالب عليه السلام كان: رضيت بالله ربا، وبابن أخي محمد نبيا، وبابني علي له وصيا. ورواه السيد الشيرازي في الدرجات الرفيعة، والأشكوري في محبوب القلوب 30 - أخرج الشيخ أبو جعفر الصدوق بإسناد له: إن عبد العظيم بن عبد الله العلوي الحسيني المدفون بالري كان مريضا فكتب إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام: عرفني يا بن رسول الله عن الخبر المروي: إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه. فكتب إليه الرضا عليه السلام. بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد: فإنك إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار. كتاب الحجة ص 16، ضياء العالمين لأبي الحسن الشريف. 31 - أخرج شيخنا الفقيه أبو جعفر الصدوق بالإسناد عن الإمام الحسن بن علي العسكري عن آبائه عليهم السلام في حديث طويل: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى رسوله صلى الله عليه وآله إني قد أيدتك بشيعتين: شيعة تنصرك سرا، وشيعة تنصرك علانية، فأما التي تنصرك سرا فسيدهم وأفضلهم عمك أبو طالب، وأما التي تنصرك علانية فسيدهم وأفضلهم ابنه علي بن أبي طالب. ثم قال: وإن أبا طالب كمؤمن آل فرعون يكتم إيمانه. كتاب الحجة ص 115، ضياء العالمين لأبي الحسن الشريف. 32 - أخرج شيخنا الصدوق في أماليه ص 365 من طريق الأعمش عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: قال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا بن أخي ! الله أرسلك ؟ قال: نعم. قال: فأرني آية. قال: ادع لي تلك الشجرة. فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم انصرفت، فقال أبو طالب: أشهد أنك صادق، يا علي صل جناح ابن عمك. ورواه أبو علي الفتال في روضة الواعظين ص 121، ورواه السيد ابن معد في الحجة ص 25 ولفظه: قال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وآله بمحضر من قريش ليريهم فضله: يا بن أخي الله

[396]

أرسلك ؟ قال: نعم. قال: إن للأنبياء معجزا وخرق عادة فأرنا آية. قال: ادع تلك الشجرة وقل لها: يقول لك محمد بن عبد الله: أقبلي بإذن الله. فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم أمرها بالانصراف فانصرفت، فقال أبو طالب: أشهد أنك صادق. ثم قال لابنه علي عليه السلام: يا بني إلزم ابن عمك. وذكره غير واحد من أعلام الطائفة. 33 - أخرج أبو جعفر الصدوق قدس الله سره في الأمالي ص 366 بإسناده عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه سأله رجل فقال له: يا بن عم رسول الله ! أخبرني عن أبي طالب هل كان مسلما ؟ قال: كيف لم يكن مسلما وهو القائل ؟ وقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل إن أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهف حين أسروا الإيمان وأظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين. ورواه السيد ابن معد في (الحجة) ص 94، 115، وذكره غير واحد من أئمة الحديث. 34 - أخرج شيخنا أبو علي الفتال النيسابوري في روضة الواعظين ص 123 عن ابن عباس قال: مر أبو طالب ومعه جعفر ابنه برسول الله عليه السلام وهو في المسجد الحرام يصلي صلاة الظهر وعلي عليه السلام عن يمينه فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمك فتقدم جعفر وتأخر علي واصطفا خلف رسول الله عليه السلام حتى قضى الصلاة وفي ذلك يقول أبو طالب: إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب (1) أجعلهما عرضة العداء إذا * اترك ميتا لا تخذلا وانصرا ابن عمكا * أخي لأمي من بينهم وأبي والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب (2) وأخرج سيدنا ابن معد في كتاب الحجة ص 59 بإسناده عن عمران بن الحصين


(1) وفي نسخة: عند احتدام الهموم والكرب. (2) راجع فيما أسلفناه ص 394. [*]

[397]

الخزاعي قال: كان والله إسلام جعفر بأمر أبيه، وذلك: مر أبو طالب ومعه ابنه جعفر برسول الله وهو يصلي وعلي عليه السلام عن يمينه فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمك فجاء جعفر فصلى مع النبي صلى الله عليه وآله، فلما قضى صلاته قال له النبي صلى الله عليه وآله يا جعفر ! وصلت جناح ابن عمك، إن الله يعوضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنة. فأنشأ أبو طالب رضوان الله عليه يقول: إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب لا تخذلا وانصرا ابن عمكا * أخي لأمي من بينهم وأبي إن أبا معتب قد أسلمنا * ليس أبو معتب بذي حدب (1) والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب حتى ترون الرئوس طايحة * منا ومنكم هناك بالقضب نحن وهذا النبي أسرته * نضرب عنه الأعداء كالشهب إن نلتموه بكل جمعكم * فنحن في الناس ألام العرب ورواه شيخنا أبو الفتح الكراجكي بطريق آخر عن أبي ضوء بن صلصال قال: كنت أنصر النبي صلى الله عليه وآله مع أبي طالب قبل إسلامي، فإني يوما لجالس بالقرب من منزل أبي طالب في شدة القيظ إذ خرج أبو طالب إلي شبيها بالملهوف فقال لي: يا أبا الغضنفر هل رأيت هذين الغلامين ؟ يعني النبي وعليا عليهما السلام فقلت: ما رأيتهما مذ جلست فقال: قم بنا في الطلب لهما فلست آمن قريشا أن تكون اغتالهما قال: فمضينا حتى خرجنا من أبيات مكة ثم صرنا إلى جبل من جبالها فاسترقيناه إلى قلته فإذا النبي صلى الله عليه وآله وعلي عن يمينه وهما قائمان بإزاء عين الشمس يركعان ويسجدان فقال أبو طالب لجعفر ابنه وكان معنا: صل جناح ابن عمك. فقام إلى جنب علي فأحس بهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتقدمهما وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا مما كانوا فيه ثم أقبلوا نحونا فرأيت السرور يتردد في وجه أبي طالب ثم انبعث يقول الأبيات، 35 - عن عكرمة عن ابن عباس قال قال: أخبرني أبي أن أبا طالب رضي الله عنه شهد عند الموت أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. (ضياء العالمين).


(3) أبو معتب كنية أبي لهب كما مر. ذي جدب: ذي تعطف. [*]

[398]

36 - في تفسير الوكيع من طريق أبي ذر الغفاري أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو ما مات أبو طالب رضي الله عنه حتى أسلم بلسان الحبشة قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: أتفقه الحبشة ؟ قال: يا عم ! إن الله علمني جميع الكلام. قال: يا محمدا ! اسدن لمصاقا قاطا لاها، يعني أشهد مخلصا لا إله إلا الله، فبكي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: إن الله أقر عيني بأبي طالب. ضياء العالمين لشيخنا أبي الحسن الشريف. أحب سيد الأبطح الشهادة بلغة الحبشة في موقفه هذا بعد ما أكثرها بلغة الضاد وبغيرها كما فصل القول فيها شيخنا الحجة أبو الحسن الشريف الفتوني المتوفى 1138 في كتابه القيم الضخم " ضياء العالمين " وهو أثمن كتاب ألف في الإمامة. 37 - روى شيخنا أبو الحسن قطب الدين الراوندي في كتابه - الخرائج والجرائح - عن فاطمة بنت أسد أنها قالت: لما توفي عبد المطلب أخذ أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله عنده لوصية أبيه به وكنت أخدمه وكان في بستان دارنا نخلات وكان أول إدراك الرطب و كنت كل يوم ألتقط له حفنة من الرطب فما فوقها وكذلك جاريتي فاتفق يوما أن نسيت أن التقط له شيئا ونسيت جاريتي أيضا، وكان محمد نائما ودخل الصبيان وأخذوا كلما سقط من الرطب وانصرفوا فنمت ووضعت الكم على وجهي حياء من محمد صلى الله عليه وآله إذا انتبه فانتبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخل البستان فلم ير رطبة على وجه الأرض فأشار إلى نخلة وقال: أيتها الشجرة أنا جائع. فرأيت النخلة قد وضعت أغصانها التي عليها الرطب حتى أكل منها ما أراد ثم ارتفعت إلى موضعها، فتعجبت من ذلك وكان أبو طالب رضي الله عنه غائبا فلما أتى وقرع الباب عدوت إليه حافية وفتحت الباب وحكيت له ما رأيت فقال: هو إنما يكون نبيا وأنت تلدين له وزيرا بعد يأس. فولدت عليا عليه السلام كما قال: 38 - روى شيخنا الفقيه الأكبر ابن بابويه الصدوق في أماليه ص 158 بالإسناد عن أبي طالب سلام الله عليه قال قال عبد المطلب: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز وجمتي تضرب منكبي، فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير، فاستوت وأنا يومئذ سيد قومي فقالت: ما شأن سيد العرب متغير اللون ؟ هل رابه من حدثان الدهر ريب ؟ فقلت لها: بلى إني رأيت الليلة أنا نائم في الحجر كأن شجرة قد نبتت على ظهري قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها الشرق

[399]

والغرب، ورأيت نورا يظهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا، ورأيت العرب والعجم ساجدة لها، وهي كل يوم تزداد عظما ونورا، ورأيت رهطا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجها وأنظفهم ثيابا فيأخذهم ويكسر ظهورهم ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لا تناول غصنا من أغصانها فصاح بي الشاب وقال: مهلا ليس لك منها نصيب، فقلت: لمن النصيب والشجرة مني ؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين قد تعلقوا بها وسيعود إليها، فانتبهت مذعورا فزعا متغير اللون، فرأيت لون الكاهنة قد تغير قالت: لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب وينبأ في الناس. فتسرى عني غمي، فانظر أبا طالب لعلك تكون أنت، وكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج ويقول: كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين. 39 - قال السيد الحجة في كتابه (الحجة) ص 68: ذكر الشريف النسابة العلوي العمري المعروف بالموضح بإسناده: إن أبا طالب لما مات لم تكن نزلت الصلاة على الموتى فما صلى النبي عليه ولا على خديجة، وإنما اجتازت جنازة أبي طالب والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلي وجعفر وحمزة جلوس فقاموا وشيعوا جنازته واستغفروا له فقام قوم: نحن نستغفر لموتانا وأقاربنا المشركين أيضا ظنا منهم أن أبا طالب مات مشركا لأنه كان يكتم إيمانه فنفى الله عن أبي الشرك ونزه نبيه صلى الله عليه وآله والثلاثة المذكورين عليهم السلام عن الخطأ في قوله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى، فمن قال بكفر أبي طالب فقد حكم على النبي بالخطأ والله تعالى قد نزهه عنه في أقواله وأفعاله. الخ. وأخرج أبو الفرج الاصبهاني بالإسناد عن محمد بن حميد قال: حدثني أبي قال: سئل أبو الجهم بن حذيفة: أصلي النبي صلى الله عليه وآله علي أبي طالب ؟ فقال: وأين الصلاة يومئذ ؟ إنما فرضت الصلاة بعد موته، ولقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر عليا بالقيام بأمره وحضر جنازته وشهد له العباس وأبو بكر بالإيمان وأشهد على صدقهما لأنه كان يكتم إيمانه ولو عاش إلى ظهور الاسلام لأظهر إيمانه. 40 - عن مقاتل: لما رأت قريش يعلو أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: لا نرى محمدا

[400]

يزداد إلا كبرا وإن هو إلا ساحر أو مجنون، فتعاقدوا لئن مات أبو طالب رضي الله عنه ليجمعن القبائل كلها على قتله، فبلغ ذلك أبا طالب فجمع بني هاشم وأحلافهم من قريش فوصاهم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: ابن أخي كلما يقول أخبرنا بذلك آبائنا وعلمائنا، وأن محمدا نبي صادق، وأمين ناطق، وإن شأنه أعظم شأن، ومكانه من ربه أعلى مكان، فأجيبوا دعوته واجتمعوا على نصرته، وراموا عدوه من وراء حوضته، فإنه الشرف الباقي لكم طول الدهر ثم أنشأ يقول: أوصي بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وعم الخير عباسا وحمزة الأسد المخشي صولته * وجعفرا أن يذودا دونه الناسا وهاشما كلها أوصي بنصرته * أن يأخذوا دون حرب القوم أمراسا كونوا فداء لكم أمي وما ولدت * من دون أحمد عند الروع أتراسا بكل أبيض مصقول عوارضه * تخاله في سواد الليل مقباسا (1) وقال الأميني: هذه جملة مما أوقفنا السير عليه من أحاديث رواة الحق والحقيقة وصفحنا عما يربو على الأربعين روما للاختصار، فأنت إذا أضفت إليها ما أسلفناه مما يروي عن آل أبي طالب وذويه، وأشفعتها بما مر من أحاديث مواقف سيد الأباطح، وجمعتها مع ما جاء من الشهادات الصريحة في شعره تربوا الأدلة على إيمانه الخالص و إسلامه القويم على مائة دليل، فهل من مساغ لذي مسكة أن يصفح عن هذه كلها ؟ و كل واحد منها يحق أن يستند إليه في إسلام أي أحد، نعم: إن في أبي طالب سرا لا يثبت إيمانه بألف دليل، وإيمان غيره يثبت بقيل مجهول ودعوى مجردة، إقرأ واحكم وقد فصل القول في هذه الأدلة جمع من أعلام الطائفة كشيخنا العلامة الحجة المجلسي في بحار الأنوار 9: 14 - 33، وشيخنا العلم القدوة أبي الحسن الشريف الفتوني في الجزء الثاني من كتابه القيم الضخم ضياء العالمين (والكتاب موجود عندنا) وهو أحسن ما كتب في الموضوع كما أن ما ألف السيد البرزنجي ولخصه السيد أحمد زيني دحلان أحسن ما ألف في الموضوع بقلم أعلام أهل السنة، وأفرد ذلك إلى ألف آخرون منهم:


العالمين لشيخنا الفتوني. [*]

[401]

م 1 - سعد بن عبد الله أبو القاسم الأشعري القمي المتوفى 299 / 301، له كتاب فضل أبي طالب وعبد المطلب وعبد الله أبي النبي صلى الله عليه وآله " رجال النجاشي ص 126 "] 2 - أبو علي الكوفي أحمد بن محمد بن عمار المتوفى 346، له كتاب إيمان أبي طالب كما في فهرست الشيخ ص 29، ورجال النجاشي ص 70. 3 - أبو محمد سهل بن أحمد بن عبد الله الديباجي سمع منه التلعكبري سنة 370 له كتاب إيمان أبي طالب، ذكره النجاشي في فهرسته ص 133 4 - أبو نعيم علي بن حمزة البصري التميمي اللغوي المتوفى 375 له كتاب إيمان أبي طالب، توجد نسخته عند شيخنا الحجة ميرزا محمد الطهراني (1) في سامراء المشرفة. نقل عنه بعض فصوله الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة أبي طالب واتهم مؤلفه بالرفض. 5 - أبو سعيد محمد بن أحمد بن الحسين الخزاعي النيسابوري جد المفسر الكبير الشيخ أبي الفتوح الخزاعي لأمه، له كتاب (منى الطالب في إيمان أبي طالب) رواه الشيخ منتخب الدين كما في فهرسته ص 10 عن سبطه الشيخ أبي الفتوح عن أبيه عنه. 6 - أبو الحسن علي بن بلال بن أبي معاوية المهلبي الأزدي له كتاب (البيان عن خيرة الرحمن) في إيمان أبي طالب وآباء النبي صلى الله عليه وآله ذكره له الشيخ في فهرسته ص 96. والنجاشي ص 188. 7 - أحمد بن القاسم، له كتاب إيمان أبي طالب، رآه النجاشي (كما في فهرسته ص 69) بخط الحسين بن عبيد الله الغضائري. 8 - أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن طرخان الكندي الجرجاني صديق النجاشي المتوفى 450، ذكر له النجاشي في فهرسته ص 63 كتاب إيمان أبي طالب. 9 - شيخنا الأكبر أبو عبد الله المفيد محمد بن محمد بن النعمان المتوفى 413 له كتاب إيمان أبي طالب كما في فهرست النجاشي ص 284. 10 - أبو علي شمس الدين السيد فخار بن معد الموسوي المتوفى 630، له كتاب (الحجة على الذاهب إلى تفكير أبي طالب) قرظه العلامة السيد محمد


(1) توفي قدس الله سره وأبقى له آثارا ومآثر تذكر مع الأبد وتشكر. [*]

[402]

صادق بحر العلوم بقوله: بشراك (فخار) بما أولاك * الخالق في يوم المحشر نزهت بحجتك الغرا * شيخ البطحاء أبا حيدر عما نسبوه إليه من * الكفر المردود دعاة الشر أنى وبه قام الاسلام * فنال بعلياه المفخر قسما بولاء (أبي حسن) * لولاه الدين لما أزهر فعليه من الله الرضوان * وللأعدا نار تسعر 11 - سيدنا الحجة أبو الفضائل أحمد بن طاوس الحسني المتوفى 673، له كتاب إيمان أبي طالب، ذكره في كتابه بناء المقالة العلوية لنقض الرسالة العثمانية، وهو كتاب في الإمامة ألفه في الرد على رسالة أبي عثمان الجاحظ. 12 - السيد الحسين الطباطبائي اليزدي الحائري الشهير بالواعظ المتوفى 1307 له كتاب (منية الطالب في إيمان أبي طالب) فارسي مطبوع. 13 - المفتي الشريف السيد محمد عباس التستري الهندي المتوفى 1306، له كتاب (بغية الطالب في إيمان أبي طالب) أحمد شعراء الغدير تأتي ترجمته في القرن الرابع عشر إنشاء الله تعالى. 14 - شمس العلماء ميرزا محمد حسين الكركاني له كتاب (مقصد الطالب في إيمان آباء النبي وعمه أبي طالب) فارسي طبع في بمبئ سنة 1311. 15 - الشيخ محمد علي بن ميرزا جعفر علي الفصيح الهندي نزيل مكة المعظمة له كتاب (القول الواجب في إيمان أبي طالب). 16 - شيخنا الحجة الحاج ميرزا محسن بن العلامة الحجة ميرزا محمد التبريزي 17 - السيد محمد علي آل شرف الدين العاملي (1) له كتاب (شيخ الأبطح أو أبو طالب) طبع في بغداد سنة 1349 في 96 صفحة وقد جمع فيه فأوعى، ولم يبق في القوس منزعا.


(1) انتقل إلى دار البقاء سنة 1372 وأبقى لهفة وجوى في قلوب أمة كبيرة كانت تعرفه بفضائله إ وفواضله. [*]

[403]

18 - الشيخ ميرزا نجم الدين ابن شيخنا الحجة ميرزا محمد الطهراني، له كتاب (الشهاب الثاقب لرجم مكفر أبي طالب)، 19 - الشيخ جعفر بن الحاج محمد النقدي " المرحوم " له كتاب (مواهب الواهب في فضائل أبي طالب) طبع في النجف الأشرف سنة 1341 في 154، صفحة فيه فوائد جمة وطرائف ونوادر. وقد نظم ذلك كثيرون من أعاظم الشيعة في قريضهم ومما يسعنا إثباته ها هنا قول السيد أبي محمد عبد الله بن حمزة الحسني الزيدي من قصيدة: حماه أبونا أبو طالب * وأسلم والناس لم تسلم وقد كان يكتم إيمانه * وأما الولاء فلم يكتم وقول الشريف العلامة السيد علي خان الشيرازي (1) في الدرجات الرفيعة: أبو طالب عم النبي محمد * به قام أزر الدين واشتد كاهله ويكفيه فخرا في المفاخر أنه * موازره دون الأنام وكافله لئن جهلت قوم عظيم مقامه * فما ضر ضوء الصبح من هو جاهله ولولاه ما قلت لأحمد دعوة * ولا انجاب ليل الغي وانزاح باطله أقر بدين الله سرا لحكمة * فقال عدو الحق ما هو قائله وماذا عليه وهو في الدين هضبة * إذا عصفت من ذي العناد أباطله ؟ وكيف يحل الذم ساحة ماجد * أواخره محمودة وأوائله عليه سلام الله ما ذر شارق * وما تليت أحسابه وفضائله وعن قصيدة للشريف الأجل سيدنا آية الله السيد ميرزا عبد الهادي الشيرازي (2) ولي ندحة في مدحة الندب والدال‍ - أئمة أعدال الكتاب أولي الأمر هو العلم الهادي أزين بمدحه * شعوري ويزهو في مآثره شعري أبو طالب حامي الحقيقة سيد * تزان به البطحاء في البر والبحر أبو طالب والخيل والليل واللوا * له شهدت في ملتقى الحرب بالنصر


(1) أحد شعراء الغدير تأتي ترجمته إنشاء الله تعالى. (2) أحد شعراء الغدير يأتي ذكره وترجمته في شعراء القرن الرابع عشر إنشاء الله. [*]

[404]

أبو الأوصياء الغر عم محمد * تضوع به الأحساب عن طيب النجر لقد عرفت منه الخطوب محنكا * تدرع يوم الزحف بالبأس والحجر كما عرفت منه الجدوب أخا ندى * دوين سداه الغمر ملتطم البحر فذا واحد الدنيا وثان له الحيا * وقل في سناه ثالث الشمس والبدر وأني يحيط الوصف غر خصاله * وقد عجزت عن سردها صاغة الشعر حمى المصطفى في باس ندب ومدجج * تذل له الأبطال في موقف الكر فلولاه لم تنجح لطاها دعاية * ولا كان للاسلام مستوسق الأمر وآمن بالله المهيمن والورى * لهم وثبات من يعوق إلى نسر وجابه أسراب الضلال مصدقا * نبي الهدى إذ جاء يصدع بالأمر كفى مفخرا شيخ الأباطح أنه * أبو حيدر المندوب في شدة الضر وصلى عليه الله ما هبت الصبا * برياثنا شيخ الأباطح في الدهر وقال العلامة الحجة شيخنا الأوردبادي: (1) بشيخ الأبطحين فشا الصلاح * وفي أنواره زهت البطاح براه الله للتوحيد عضبا * يلين به من الشرك الجماح وعم المصطفى لولاه أضحى * حمى الاسلام نهبا يستباح نضا للدين منه صفيح عزم * عنت لمضائه القضب الصفاح وأشرع للهدى بأسا مريعا * تحطم دونه السمر الرماح وأصحر بالحقيقة في قريض * عليه الحق يطفح والصلاح صريخة هاشم في الخطب لكن * تزم لنيله الإبل الصلاح أخو الشرف الصراح أقام أمرا * حداه لمثله الشرف الصراح فلا عاب يدنسه ولكن * غرائز ما برحن به سجاح فعلم زانه خلق كريم * ودين فيه مشفوع سماح ومنه الغيث إما عم جدب * وفيه الغوث إن عن الصباح مناقب أعيت البلغاء مدحا * وتنفد دونها الكلم الفصاح


(1) من شعراء الغدير يأتي ذكره في شعراء القرن الرابع عشر إنشاء الله تعالى، [*]

[405]

وصفو القول إن أبا علي * له الدين الأصيل ولا براح ولكن لابنه نصبوا عداءا * وما عن حيدر فضل يزاح فنالوا من أبيه وما المعالي * لكل محاول قصدا تباح وضوء البدر أبلج لا يوارى * وإن يك حوله كثر النباح (وهبني قلت: إن الصبح ليل) فهل يخفى لذي العين الصباح ؟ فدع بمتاهة التضليل قوما * بمرتبك الهوى لهم التياح فذا شيخ الأباطح في هداه * تصافقه الإمامة والنجاح أبو الصيد الأكارم من لوي * مقاديم جحاجحة وضاح لهم كأبيهم إن جال سهم * لأهل الفضل فائزة قداح وقال لعلامة الأوحد الشيخ محمد تقي صادق العاملي من قصيدة يمدح بها أهل البيت عليهم السلام: بسيف علي قد أشيدت صروحه * كما بأبيه قام قدما بنائه أبو طالب أصل المعالي ورمزها * ومبدء عنوان الهدى وانتهائه توحد في جمع الفضائل والنهى * وضم جميع المكرمات ردائه وتنحط عنه رفعة هامة السهى * ويأرج في عرف الخزامى ثنائه حمى الخائف اللاجي ومربع أمنه * وكعبة قصد المرتجي وغنائه تحلق في جمع المكارم نفسه * ويسمو به للنيرين إبائه أصاخ إلى الدين الحنيف ملبيا * لدعوته لما أتاه ندائه وباع باعزاز الشريعة نفسه * فبورك قدرا بيعه وشرائه وقال العلامة الشريف المبجل السيد علي النقي اللكهنوي: (1) زهت أم القرى بأبي الوصي * غداة غدا يذود عن النبي وقام بنصرة الاسلام فردا * يراغم كل مختال غوي يذب عن الهدى كيد الأعادي * بأمضى من ذباب المشرفي وأبصر رشده من دين طاها * فجاهر فيه بالسر الخفي


(1) أحد شعراء الغدير يأتي في شعراء القرن الرابع عشر إنشاء الله. [*]

[406]

وآمن بالإله الحق صدقا * بقلب موحد بر تقي بني للسؤدد العربي صرحا * محاطا بالفخار الهاشمي تلقى الرشد عن آباء صدق * توارثه صفيا عن صفي كأن الأمهات لهم أبت أن * تلدن سوى نبي أو وصي فكان على الهدى كأبيه قدما * ولم يبرح على النهج السوي وكان به رواء الشرع بدءا * وتم بنجله الزاكي علي وقال العلامة الفاضل الشيخ محمد السماوي (1) من قصيدة نشرت في آخر كتاب الحجة ص 135 مطلعها: فؤادي بالغادة الكاعب * غدا كرة في يدي لاعب كأني بدائرة من هوى * فمن طالع لي ومن غارب بليت بمن ضربت خدرها * بمنقطع النظر الصائب بحيث الصفاح وحيث الرماح * فمن مشرفي إلى: اغبي لها منعة في ذرى قومها * كأن أباها (أبو طالب) فخار الأبي وعم النبي * وشيخ الأباطح من غالب وأمنع لا يرتقي أجدل * إلى ذروة منه أو غارب إذا ال‍ رافع الطرف يرنو له * يعود بتنحية الناصب تهلل طلعته للعيون * كما جرد الغمد عن قاضب أقام عماد العلى سامكا * بأربعة كالسنا الثاقب بمثل (علي) إلى (جعفر) * ومثل (عقيل) إلى (طالب) أولئك لازمعات الرجال * من قالص الذيل أو ساحب ومن ذا كعبد مناف يطول * على راجل ثم أو راكب حمى الدين في سيفه فانبرى * بمكة ممتنع الجانب وآمن بالله في سره * لأمر جلي على الطالب وصدق (أحمد) في وحيه * وقام بما كان من واجب


(1) أحد شعراء الغدير يأتي ذكره إنشاء الله. توفي رحمه الله في يوم الأحد 2 محر م سنة 1370. [*]

[407]

فكم بين مخف لتصديقه * وآخر مبد له كاذب لنعم ملاذ الهدى والتقى * ومنتجع الوافد الراغب ومعتصم الدين في مكة * إذا الدين منفرد الصاحب وما نح حوزة أهل الهدى * مدى العمر من وثبة الواثب فلولاه ما طفق (المصطفى) * ينادي على المنهج اللاحب ولم يعب الشرك مستظهرا * بيوم يضيق على العائب وللبحاثة الفاضل صاحب التآليف القيمة الشيخ جعفر بن الحاج محمد النقدي (1) من قصيدة ذكرها في كتابه (مواهب الواهب في فضائل أبي طالب) المطبوع في النجف الأشرف في 154 صفحة مطلعها: برق ابتسامك قد أضاء الوادي * وحيا خدودك فيه ري الصادي قوله: مهما تراكمت الخطوب فإنها * تجلى متى بأبي الوصي أنادي عبد المناف الطهر عم محمد * الطاهر الآباء والأجداد غيث المكارم ليث كل ملمة * غوث المنادي بدر افق الناد شيخ الأباطح من بصارم عزمه * بلغ الأنام لخطة الارشاد دانت لديه المكرمات رقابها * وإليه ألقى الدهر فضل قياد جد الأئمة شيخ أمة أحمد * ربع الأماني مربع الوفاد سيف له المجد الأثيل حمائل * وله الفخار غدى حلي نجاد داعي الورى للرشد في عصر به * لا يعرفون الناس نهج رشاد وله قريش كم رأت من معجز * عرفوه فيه واحد الآحاد كرضاعه خير البرية أحمدا (2) * وقبول دعوته لسقي الوادي (3)


(1) من شعراء الغدير يأتي تفصيل ترجمته في شعراء القرن الرابع عشر إنشاء الله، ارتحل إلى رحمة ربه الودود يوم السبت 8 محرم 1280 بالكاظمية ونقل جثمانه إلى النجف الأشرف (2) أخرج حديث هذه المكرمة شيخنا ثقة الاسلام الكليني في أصول الكافي ص 344. (3) راجع ما أسلفناه صفحة 345. [*]

[408]

وبشارة الأسد الهصور بنجله * وشفائه بدعا النبي الهادي (1) وكلامه بالوحي قبل صدوره * وله انفجار الأرض إذ هو صادي وبيوم مولد أحمد إخباره * عن حيدر الكرار بالميلاد (2) وله على الاسلام من سنن غدت * للمسلمين قلائد الأجياد كفل النبي المصطفى خير الورى * ورعى الحقوق له بصدق وداد رباه طفلا واقتفاه يافعا * وحماه كهلا من أذى الأضداد ولأجله عادى قريشا بعد ما * سلكوا سبيل الغي والافساد ورآهم متعاضدين ليقتلوا * خير البرية سيد الأمجاد فسطا بعزم ناله من معشر * شم الأنوف مصالت أنجاد وانصاع يفدي أحمدا في نفسه * والجاه والأموال والأولاد وأقام ينصره إلى أن أصبحت * تزهو شريعته بكل بلاد أفديه من صاد لواء للهدى * يحمي لأفصح ناطق بالضاد قد كان يعلم أنه المختار من * رب السماء عميد كل عماد ولقد روى عن أنبياء جدوده * فيه حديثا واضح الاسناد وعلى به عينا على كل الورى * إذ قال فيه بمطرب الانشاد: (إن ابن آمنة النبي محمدا * عندي يفوق منازل الأولاد) (3) راعيت فيه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الأجداد يا والد الكرار والطيار * والأطهار أبناء النبي الهادي كم معجز أبصرته من أحمد باهلت فيه معاشر الحساد من لصق أحجار ومزق صحيفة * ونزول أمطار ونطق جماد (4) لا فخر إلا فخرك السامي الذي * فقئت به أبصار أهل عناد


(1) حديثه في غير واحد من كتب الفريقين. (2) راجع ما مر في صفحة 348، 400. (3) راجع ما أسلفناه ص 344. (4) أشار شاعرنا (النقدي) بهذا البيت إلى أربع مكرمات لرسول الله صلى الله عليه وآله شاهدها شيخ الأبطح أبو طالب، مر حديثها صفحة 336، 362، 345، 396. [*]

[409]

إن المكارم لو رأت أجسادها * عين رأتك الروح للأجساد شكر الإله فعالك الغر التي * فرحت بها أملاك سبع شداد لله همتك التي خضعت لها * من خوف بأسك شامخ الأطواد لله هيبتك التي رجفت بها * أعداء مجدك عصبة الالحاد لله كفك كم بها من معدم * أحييت في الاصدار والايراد الخ وله قصيدة 43 بيتا يمدح بها شيخ الأباطح أبا طالب سلام الله عليه توجد في كتابه مواهب الواهب ص 151 مستهلها: بالله يا قاصد الأطلال في العلم * سلمت سلم على سلمى بذي سلم ها هنا نجعجع بالقلم عن الافاضة في القول لأن نطاق الجزء ضاق عن التبسط فنرجئ تكملة البحث إلى أوليات الجزء الثامن إنشاء الله تعالى وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

[410]

تقاريض منضدة أتانا شعر كثير في تقريظ الكتاب من الأساتذة والشعراء نظراء العلامة الشيخ قاسم محيي الدين، والنطاسي المحنك ميرزا محمد الخليلي مؤلف كتاب - معجم أدباء الأطباء - والخطيب الهاشمي السيد علي مؤلف كتاب - محمد بن الحنفية - والفاضل الفذ الشيخ علي السماوي، والخطيب المغفور له الشيخ محسن أبي الحب الحائري طاب ثراه، والأستاذ الفاضل الشيخ أسد حيدر النجفي، ونحن نشكر الجميع نرجئ ذكر قريضهم إلى تراجمهم الآتية في شعراء القرن الرابع عشر إنشاء الله تعالى، ونقتصر الآن - مشفوعا بالشكر - على ما جاءت به قريحة العلوي الشاعر السيد رؤف جمال الدين، وشاعر أهل البيت المكثر الشيخ محمد رضا الخالصي، والأستاذ عبد الصاحب الدجيلي صاحب كتاب شعراء العراق - قال السيد آل جمال الدين: - 1 - * (بنت الحقيقة في كتاب الغدير) * بنت الحقيقة أسفرت عن وجهها * ما بين أسطره وشع سناها أبدت محياها الجميل وقبله * كانت غياهب باطل تغشاها تلك الحقيقة في " الغدير فحيها * إن كنت ذا عقل وخذ بهداها كانت محجبة يشق حصولها * واليوم قد برزت لمن يهواها برزت برغم (حسودها) وضاءة * أعظم (بمن) في جهده أبداها كم معول للحقد رام بنائها * هدما فلم يفلح بهدم بناها سبعون ألفا ضيعوا ميثاقها * تبا لهم من جهلهم معناها سدلوا عليها الستر من أحقادهم * سفها. وهل تخفى ذكاء ضياها ؟ ويل التعصب كم به خبت * أنواره أو بدعة أحياها لا منصف يعطي الحقيقة ما لها * في ذمة الوجدان أو يرضاها

[411]

بنت الحقيقة في علو مقامها * جذلانة في فعل من والاها يهوي الحقيقة منصفا لا ينثني * عن حبها أو يعشقن سواها مثل (ابن أحمد) من غدا متجاهرا * في نصرها لا يحذرن عداها بذل النفيس لوجهها لا ينبغي * أجرا فنال الفوز في إحياها إيها حليف الحق كم من بدعة * كانت محجبة كشفت غطاها أظهرتها بين الملاكي يعرفوا * أين الهدى ثاو وأين عماها ذاك (الغدير) وقد تضمن معجزا * يبقى مدى الأعوام لا يتناها فاهنأ بذكر لا يزول وفي غد * دار النعيم تفوز في سكناها - 2 - وقال الشيخ الخالصي: إن (الأميني) شئنا من مضى * بسعيه المشكور بين الورى آيات فضل الله قد فصلت * رتلها في الناس من أبصرا عليم علم لم يزل مده * يطفح حتى أخجل الأبحرا لله مفضال بتأليفه * حاز العلى والمجد والمفخرا لا يبلغ المعشار من فضله * مادحه ما عاش أو أكثرا ولا يوفي الكيل في مدحه * الشاعر إن عمر ما عمرا لا خيب الرحمن آماله * وكلما في القلب قد أضمرا قد أزهق الباطل إرشاده * والحق للنظار قد أسفرا غديره السادس بحر طمى * فيه من اللؤلؤ ما أبهرا سفر حوى أسرار قدس بها * أصبح منهاج الهدى نيرا من ذا الذي ممن قضى قبله * كمثل ما حرر قد حررا ؟ روضة آداب بأزهارها * والله (عصر النور) قد عطرا وكلما قلبت أوراقه * شممت من أوراقه عنبرا

[412]

كتاب تاريخ الأهل الحجى * عن سير الماضين قد أخبرا ما سرح الطرف به كامل * إلا لعينيه به أسهرا أسأل ربي أن يريني الذي * بعد ويأتي بالهدى مشعرا وثامن الأجزاء من بعده * وما يليه بعده أن أرى وأتحف الله بنعمائه * جامعه المفاضل بين الورى دامت أياديه وأيامه * ما بلت السحب أديم الثرى أدامه الله لنا مرجعا * وللخفايا بيننا مظهرا لله من فذ بأنواره * أشرف وجه الشرق مستبشرا أوضح للضلال نهج الهدى * وكان بالتمويه / قد سترا أصدر أسفارا باصدارها * أصبح من قد ضل مستبصرا لله من مجتهد نيقد * أبدع والله بما أصدرا القصيدة - 3 - وقال الاستاد الدجيلي: ألا حييت من فذ ضليع * سديد الرأي منقطع القرين تغوص على العاني الغر فردا * لتلقى الناس بالدر الثمين تحدثنا - وأنت بنا أمين - * لذاك دعيت بالحبر " الأميني " كتابك في الغدير (غدير خم) * تضم به البحور من الفنون أسأل ربي أن يريني الذي * بعد ويأتي بالهدى مشعرا وثامن الأجزاء من بعده * وما يليه بعده أن أرى وأتحف الله بنعمائه * جامعه المفاضل بين الورى دامت أياديه وأيامه * ما بلت السحب أديم الثرى أدامه الله لنا مرجعا * وللخفايا بيننا مظهرا لله من فذ بأنواره * أشرف وجه الشرق مستبشرا أوضح للضلال نهج الهدى * وكان بالتمويه / قد سترا أصدر أسفارا باصدارها * أصبح من قد ضل مستبصرا لله من مجتهد نيقد * أبدع والله بما أصدرا القصيدة - 3 - وقال الاستاد الدجيلي: ألا حييت من فذ ضليع * سديد الرأي منقطع القرين تغوص على العاني الغر فردا * لتلقى الناس بالدر الثمين تحدثنا - وأنت بنا أمين - * لذاك دعيت بالحبر " الأميني " كتابك في الغدير (غدير خم) * تضم به البحور من الفنون وما يوم " الغدير " سوى شعاع * سرى لينير في دنيا ودين تمر به القرون وما سواه * جدير بالخلود مدى القرون لفت نظر كل فصل وكلمة وجملة توجد في المتن أو التعليق مرموزة ب‍ - م في هذا الجزء وبقية أجزاء الكتاب فهي من ملحقات الطبعة الثانية وزياداتها، تبدأ ب‍ - م وتنتهي بقويس تتلوها.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية