أبو طالب عليه السلام حامي الرسول وناصره صلى الله عليه واله وسلم تأليف نجم الدين العسكري مطبعة الاداب في النجف الاشرف 1380 هج
[2]
بسم الله الرحمن الرحيم ابو طالب عليه السلام حامي الرسول وناصره المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين نبي الرحمة الذي علمه الله تبارك وتعالى علم الاولين والآخرين الحاوي جميع الكمالات والمنزه من كل نقص وشين ثم الصلاة والسلام على اعمامه الغر الميامين، اللذين آمنوا به وبما جاء به من عند رب العالمين. وبعد يقول العبد الفاني نجم الدين الشريف العسكري، الداعي لتأليف هذا المختصر وامثاله هو ما عثرت عليه عند مطالعاتي لكتب بعض علماء المسلمين من امور نسبوها إلى نبيهم صلى الله عليه وآله والى اعمامه الكرام عليهم السلام وهي امور لو تتبع مصادرها ومسانيدها علم علم اليقين ان جميع ذلك من حساد بني هاشم واعدائهم كبني امية واتباعهم ومن تلك الامور ما نسبوه إلى سيد البشر وسيد الانبياء عليه وعليهم السلام انه كان اميا يجهل القراءة والكتابة وبقي اميا إلى ان توفاه الله، وعثرت ايضا على
جمع من علماء المسلمين انكروا ذلك وكتبوا ردا على قائله ومن بعض تلك الامور ما نسبوه إلى من رباه وحماه ونصره طول حياته إلى ان توفاه الله وهو أبو طالب مؤمن قريش ومن بذل نفسه ونفسيه في نصرة الرسول ونصرة الحق ونصرة ما جاء به من الله تعالى حتى انتشر ولولاه ما عرف الحق وما اتبعه احد من الخلق اجمعين وذلك انه عليه السلام عرف الحق وما تبعه وما آمن به إلى ان اتاه اليقين وقد انكر ذلك جميع الامامية وجماعة من غيرهم وكتبوا ردا على قائله وقد طبع بعض ذلك وبقى كتب كثيرة
[3]
منها لم يطبع فاحببت ان اجمع منها في هذا المختصر جمعا يناسب هذا العصر حتى انزه به ساحة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وابرء مقام عمه الاكرم أبو طالب عليه السلام مما نسبوه إليه نصرة للحق وخدمة لمن بذلوا نفسهم ونفسيهم في احياء الدين الحنيف والشريعة السهلة السمحة الذي يصلح به جميع ما فسد من امور الخلق اجمعين، فاحمد الله الرؤف الرحيم على ما وفقني لجمع ما نزهت به سيد البشر وسيد الخلق اجمعين محمد صلى الله عليه وآله وسميت ما جمعت (نبينا محمد صلى الله عليه وآله يقرأ ويكتب) وقد طبع واشكر الله العلي القدير العظيم على ما وفقني لجمع ما يبرء ساحة عم الرسول صلى الله عليه وآله وحاميه وناصره شيخ ابطح ومؤمن قريش أبو طالب عليه السلام وهو هذا المختصر وسميته (أبو طالب عليه السلام حامي الرسول صلى الله عليه وآله وناصره) فاقول مستعينا بالله العلي العظيم ان من مختصات امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام.
[4]
(أحوال أبي طالب) (حامي الرسول وناصره صلى الله عليهما وعلى آلهما) نورد هنا بعض ما روي في احوال والد امير المؤمنين مؤمن قريش وحامي رسول الله صلى الله عليه وآله وناصره طول حياته حتى شاع وذاع دينه القويم وصراطه المستقيم. (قال المؤلف) من راجع كتب التأريح والحديث والتفسير لعلماء أهل السنة والامامية عليهم الرحمة والرضوان يجد فيها أفعالا واقوالا في النثر والشعر، تدل على أن ابا طالب عليه السلام كان مؤمنا بالله موحدا ومؤمنا بجميع الانبياء آدم ومن بعده عليهم السلام وكان عالما بانه سيبعث الله تبارك وتعالى من بني هاشم نبيا ووصيا له وكان ينتظرهما طول حياته عليه السلام فلما من الله تعالى على خلقه وولدا في أشرف بقعة من الدنيا ومن أفضل والدين عرفهما وآمن بهما قبل كل أحد ولكن لمصلحة العصر والوقت ولان يتمكن من حفظهما عليهما السلام وحفظ من آمن بهما أخفى عن الناس وعلى الاخص من كفار قريش إيمانه بهما ولم يتابعهما في العبادات التي كانا يقومان به، في الظاهر كل ذلك تقية أو اتقاء، وبالتامل فيما يأتي مما نذكره من أفعاله وأقواله عليه السلام يظهر صدق ما ذكرناه فراجع وتأمل فيها بدقة واترك التعصب الباطل والتقليد لمن لا يستحق ذلك (خرج) العلامة شيخ الاسلام الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه (يبابيع المودة ص 255 طبع اسلامبول سنة 1301 ه) من المودة الثامنة من كتاب مودة القربى تأليف العلامة السيد علي بن شهاب الهمداني الشافعي وقد نقل جميع ذلك الكتاب في ينابيع المودة (من ص 242 إلى ص 266)
[5]
فقال ما هذا لفظه (عن) عباس بن عبد المطلب (عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم) قال لما ولدت فاطمة بنت أسد عليا (عليه السلام) (في بيت الله الحرام) سمته باسم أبيها أسد، فلم يرض أبو طالب بهذا الاسم فقال (لها) هلم حتى نعلو أبا قبيس ليلا وندعو خالق الخضراء فلعله أن ينبئنا في اسمه فلما أمسيا خرجا وصعدا أبا قبيس، ودعيا الله تعالى فانشأ يقول أبو طالب: يا رب هذا الغسق الدجي * والفلق المبتلج المضي بين لنا عن أمرك المقضي * بما نسمي ذلك الصبي فإذا خشخشة من السماء، فرفع أبو طالب طرفه، فإذا لوح مثل الزبرجد الاخضر فيه أربعة أسطر فاخذه بكلتا يديه وضمه إلى صدره ضما شديدا فإذا مكتوب (قيه). خصصتما بالولد الزكي * والطاهر المنتجب الرضي وإسمه من قاهر علي * علي اشتق من العلي فسر أبو طالب سرورا عظيما، وخر ساجدا لله تبارك وتعالى وعق بعشرة من الابل، وكان اللوح معلقا في بيت الله الحرام يفتخر به بنو هاشم على قريش حتى غاب زمان قتال الحجاج بن الزبير. (قال المؤلف) لم يغب بل سرق وستعرف سارقه فيما يأتي وقد نقل الابيات الكنجي الشافعي محمد ين يوسف بن محمد في كتابه كفاية الطالب (ص 260) طبع النجف الاشرف، وفيها اختلاف في بعض الكلمات وهذا نص الفاظه: يا رب هذا الغسق الدجي * والقمر المنبلج المضي بين لنا من أمرك الخفي * ماذا ترى في اسم ذا الصبي
[6]
قال فسمع صوت هاتف يقول: يا أهل بيت المصطفى النبي * خصصتم بالولد الزكي إن اسمه من شامخ علي * علي اشتق من العلي (قال المؤلف) وخرج الابيات في المناقب (ج 1 ص 359) عن أبي علي همام (قال): رفعه، أنه لما ولد علي عليه السلام أخذ أبو طالب بيد فاطمة وعلي على صدره وخرج إلى الابطح ونادى: يا رب يا ذا الغسق الدجي * والقمر المنبلج المضي بين لنا من حكمك المقضي * ماذا ترى في إسم ذا الصبي قال فجاء شئ يدب على الارض كالسحاب حتى حصل في صدر أبي طالب فضمه مع علي إلى صدره، فلما أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مكتوب: خصصتما بالولد الزكي * والطاهر المنتجب الرضي فاسمه من شامخ علي * علي اشتق من العلي قال فعلقوا اللوح في الكعبة، وما زال هناك حتى اخذه هشام بن عبد الملك، (قال المؤلف): وهو السارق للوح كما اشرنا سابقا (ثم قال): اجتمع أهل البيت (عليهم السلام) أنه (عليه السلام) (ولد) في الزاوية اليمنى من ناحية البيت (أي الكعبة المشرفة). (قال المؤلف) فاهل البيت أدرى بمن ولد في البيت، وفي اي مكان منه ولد، والاولاد اعرف باحوال آبائهم من غيرهم، وقد أمرنا بالتمسك بهم، واتباعهم في جميع الامور لانهم أحد الثقلين اللذين تركهما
رسول الله صلى الله عليه وآله في أمته وقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وقد اثبتنا هذا
[7]
الحديث في الجزء الاول من كتابنا (محمد وعلي وبنوه الاوصياء) بطرق عديدة من كتب علماء أهل السنة. (ثم قال أعلى الله مقامه) فالولد الطاهر من النسل الطاهر ولد في الموضع الطاهر، فاين توجد هذه الكرامة لغيره فاشرف البقاع الحرم، واشرف بقاع المسجد الكعبة، ولم يولد (قبله ولا بعده) فيه مولود سواه، فالمولود فيه يكون في غاية الشرف، فليس المولد في سيد الايام يوم الجمعة في الشهر الحرام في البيت الحرام سوى أمير المؤمنين (علي بن ابي طالب) عليهما السلام. (وفي المناقب ج 1 ص 358) عن يزيد بن قعنب وجابر الانصاري (قالا) إنه كان راهب يقال له المثرم بن دعيب قد عبد الله مائة وتسعين سنة ولم يسأله حاجة فسأل ربه ان يريه وليا له، فبعث الله بابي طالب إليه فسأله عن مكانه وقبيلته، فلما أجابه وثب إليه وقبل رأسه وقال: الحمد لله الذي لم أمت حتى أراني وليه، ثم قال: ابشر يا هذا ان الله ألهمني أن ولدا يخرج من صلبك هو ولي الله، اسمه علي، فان أدركته فاقرأه مني السلام، فقال ما برهانه ؟ قال: ما تريد قال: طعام من الجنة في وقتي هذا، فدعا الراهب بذلك، فما استتم دعاؤه حتى أتي بطبق عليه من فاكهة الجنة رطب وعنب ورمان، فتناول رمانة فتحولت ماء في صلبه فجامع فاطمة فحملت بعلي وأرتجت الارض وزلزلت بهم أياما وعلت قريش بالاصنام إلى ذروة أبي قبيس، فجعلت ترتج ارتجاجا تدكدكت
بهم صم الصخور وتناثرت وتساقطت الآلهة على وجوهها فصعد أبو طالب الجبل وقال: أيها الناس ان الله قد أحدث في هذه الليلة حادثة وخلق فيها خلقا إن لم تطيعوه وتقروا بولايته وتشهدوا بامامته لم يسكن ما بكم فاقروا به فرفع يده وقال: آلهي وسيدي بالمحمدية المحمودة، وبالعلوية
[8]
العالية، وبالفاطمية البيضاء، إلا تفضلت على تهامة بالرأفة والرحمة، فكانت العرب تدعو بها في شدايدها في الجاهلية وهي لا تعلمها، فلما قربت ولادته أتت فاطمة إلى بيت الله وقالت: ربي اني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من الرسل والكتب، مصدقة بكلام جدي ابراهيم، فبحق الدي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي، فانفتح البيت (من ظهره) ودخلت فيه فإذا هي بحواء ومريم وآسية وام موسى وغيرهن فصنعن ما صنعن برسول الله صلى الله عليه وآله وقت ولادته (الحديث) قال المؤلف: يعرف من هذا الحديث وامثاله أن ابا طالب وفاطمة بنت اسد كانا يعرفان الانبياء ويومنان بهم. (وخرج في المناقب ايضا ج 1 ص 359) عن شعبة عن قتادة عن أنس العباس بن عبد المطلب، وفي رواية الحسن بن محبوب عن الصادق عليه السلام، ومختصر الحديث انه انفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة (بنت أسد) فيه ثم عادت الفتحة والتصقت وبقيت فيه (اي في الكعبة) ثلاثة ايام فاكلت من ثمار الجنة، فلما خرجت (وعلي عليه السلام على صدرها) قال علي: السلام عليك يا أبة ورحمة الله وبركاته (الحديث). (وفي المناقب ايضا ج 1 ص 357) قال: وعن شيخ السنة القاضي ابي عمرو، عثمان بن احمد في خبر طويل أن فاطمة بنت أسد رأت
النبي صلى الله عليه وآله يأكل تمرا له رائحة تزداد على كل الاطايب من المسك والعنبر، من نخلة لا شماريخ لها، فقالت ناولني أنل منها (اي آكل منها) قال صلى الله عليه وآله لا تصلح (أن تأكلي منها)
[9]
إلا أن تشهدي معي أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، فشهدت الشهادتين فناولها (1). فاكلت فازدادت رغبتها وطلبت أخرى لابي طالب (فاعطاها) فعاهدها أن لا تعطيه إلا بعد الشهادتين، فلما جن عليها الليل اشتم أبو طالب نسما ما اشتم مثله قط فاظهرت ما معها فالتمسه منها، فابت عليه إلا أن يشهد الشهادتين، فلم يملك (أبو طالب) نفسه أن شهد الشهادتين، غير أنه سألها أن تكتم عليه لئلا تعيره قريش فعاهدته على ذلك، فاعطته ما معها (فاكله) وآوى إلى زوجته فعلقت بعلي عليه السلام في تلك الليلة، ولما حملت بعلي عليه السلام ازداد حسنها فكان (الجنين الذي في بطنها) يتكلم (وهو) في بطنها فكانت (يوما) في الكعبة فتكلم علي (وهو في بطن أمه) مع جعفر (فاندهش) فغشي عليه فالتفتت (إلى) الاصنام (وقد) خرت على وجوهها (تعظيما له) فمسحت على بطنها وقالت: يا قرة العين سجدت لك الاصنام داخلا فكيف شأنك خارجا، وذكرت لابي طالب ذلك فقال: هو الذي قال لي أسد في طريق الطائف (أي أخبره باحوال ابنه علي عليه السلام جده أسد عليه السلام. (قال المؤلف) فبالتأمل في كلام الراهب مثرم، وفي حديث قاضي السنة ابي عمرو يثبت لك أن ابا طالب وزوجته فاطمة بنت اسد كانا داخلين في الشريعة المحمدية معترفين برسالته بعد أن كانا على الشريعة
الابراهيمية، وعندما اجتمع أبو طالب عليه السلام مع زوجته فاطمة بنت اسد فحملت بعلي عليه السلام كانا مؤمنين موحدين مسلمين وكان ذلك
(1) (قال المؤلف انما طلب النبي صلى الله عليه وآله الشهادتين الشهادة بالتوحيد والشهادة برسالته للدخول في الشريعة الاسلامية بعد ان كانت مؤمنة بشريعة ابيها ابراهيم عليه السلام). [*]
[10]
بعد تزويج النبي صلى الله عليه وآله بخديجة عليها السلام بسنين على اختلاف الروايات فاقلها تسع سنين واكثرها سبع عشرة سنة. (قال المؤلف) وبالتأمل في الحديث الآتي تعرف تاريخ حمل فاطمة بنت أسد بامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، كما تعرف تأريخ دخولهما في الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانوا يعملون بشريعة أبيهم ابراهيم الخليل عليه السلام. (وفي المناقب ج 1 ص 363) قال خرج الطبري في تأريخه، وكذلك البلاذري والثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان) والواحدي في تفسيره وفي كتاب (شرف النبي) وأربعين الخوارزمي (وهو المعروف بالمناقب) للموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي المطبوع في ايران، وفي كتاب (الدرجات لمحفوظ البستي) وفي مغازي محمد بن اسحاق، وفي غيرها من الكتب المعتبرة والكل يروون عن مجاهد (انه قال) كان من نعم الله على علي بن أبي طالب أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة (اي قحط وغلاء) وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لحمزة والعباس إن ابا طالب كثير العيال وقد اصاب الناس ما ترون من هذه الازمة فانطلق بنا نخفف عن عياله، فدخلوا عليه وطالبوه بذلك فقال إذا تركتم
لي عقيلا فافعلوا ما شئتم فبقي عقيل عنده إلى أن مات أبو طالب، ثم بقي في مكة وحده إلى أن أخذوه يوم بدر، واخذ حمزة جعفرا فلم يزل عنده في الجاهلية والاسلام إلى أن قتل حمزة، وأخذ العباس طالبا وكان معه إلى أن اخرجوه يوم بدر ثم فقد فلم يعرف له خبر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وهو ابن ست سنين كسنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أخذه أبو طالب (من جده عبد المطلب) فربته خديجة والمصطفى صلى الله عليه وآله إلى ان جاء الاسلام، وتربيتهما أحسن
[11]
من تربية أبي طالب وفاطمة بنت أسد، فكان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن مضى (رسول الله صلى الله عليه وآله إلى دار البقاء) وبقي علي عليه السلام بعده حافظا للمسلمين واماما ومرشدا لهم. (وفيه ايضا ج 1 ص 363) قال: ذكر أبو القاسم في أخبار ابي رافع من ثلاثة طرق: أن النبي صلى الله عليه وآله حين تزوج خديجة قال لعمه (ابي طالب): إني أحب أن تدفع إلي بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني وأشكر لك بلاءك عندي، فقال أبو طالب خذ ايهم شئت فاخذ عليا (عليه السلام). (وفي خطب نهج البلاغة) يشير إلى ما ذكرناه فيقول السيد الرضي رحمه الله قال عليه السلام: وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وانا وليد، يضمني إلى صدره، ويلفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل (الخ).
(قال المؤلف) تقدم نقلا من المناقب (ج 1 ص 358) رواية جابر بن عبد الله قضية مثرم بن دعيب الراهب وما فعله مع أبي طالب عليه السلام، وهذه القضية ورواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه خرجها الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (ص 260) وفيه اختلاف، وله مقدمة لم يذكرها في المناقب اليك نصها وقد تقدم. (عن جابر بن عبد الله) قال سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ميلاد علي بن ابي طالب فقال: لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبه المسيح (الحديث) وقد تقدم جميع ألفاظه والمقصود من ذكره أن ابا طالب عليه الكلام كان عالما باحوال ابن اخيه محمد صلى الله
[12]
عليه وآله وسلم واحوال ولده علي بن ابي طالب قبل ولادتهما، وكان مؤمنا بهما، معترفا برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ووصاية ولده له، ولذلك لما جمعهم النبي صلى الله عليه وآله يوم الانذار وأخبرهم بانه رسول الله إليهم وأن عليا وصيه قبل ذلك أبو طالب ولم يتكلم ولم يرد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما رد عليه غيره فضحكوا على أبي طالب عليه السلام وقالوا له: ألا ترى ان محمدا يأمرك باتباع ولدك ؟. (بعض ما روي في بدء الشريعة المحمدية ومعرفة) (ابي طالب عليه السلام ذلك) (قال المؤلف) ومما يؤيد ما ذكرناه وهو معرفة ابي طالب عليه السلام بنبوة ابن اخيه صلى الله عليه وآله حديث أخرجه فقيه الحنابلة ابراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه، (نهاية الطلب
وغاية السؤول في مناقب آل الرسول) باسناده عن طاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال للعباس رضي الله عنه: ان الله أمرني باظهار أمري وقد أنبأني وأستنبأني، فما عندك ؟ فقال له العباس يابن أخي تعلم أن قريشا أشد الناس حسدا لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء، والداهية العظيمة، ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفا، ولكن قرب إلى عمك أبي طالب فانه كان اكبر أعمامك إن لا ينصرك ولا يخذلك ولا يسلمك، فاتياه فلما رآهما أبو طالب ففال: إن لكما لظنة وخبرا، ما جاء بكما في هذا الوقت ؟ فعرفه العباس ما قال له النبي صلى الله عليه وآله، وما أجابه به العباس، فتظر إليه
[13]
ابو طالب وقال له: أخرج ابن ابي، فانك الرفيع كعبا، والمنيع حزبا والاعلى أبا، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبه سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي (عبد المطلب شيبة الحمد عليه السلام) يقرأ الكتاب جميعا، ولقد قال إن من صلبي لنبيا لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن ادركه من ولدي فليؤمن به. (قال المؤلف) خرج هذا الحديث الشريف العلامة الحجة الاميني في كتابه (الغدير ج 7 ص 348) ثم قال ادام الله بقاه: (أترى أن أبا طالب يروي عن ابيه مطمئنا به، فلينشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التنشيط لاول يومه، ويأمره باشهار أمره والاشادة بذكر الله وهو مخبت بانه هو ذلك النبي الموعود بلسان أبيه والكتب السالفة، ويتكهن بخضوع العرب له، أتراه سلام الله عليه يأتي بهذه كلها ثم لا يؤمن به
إن هذا إلا اختلاق) (قال المؤلف) وممال يدل على أن ابا طالب كان عالما بنبوة ابن اخيه قبل بعثته ولما بعث صلى الله عليه وآله آمن به وصدقه وحماه وايده ونصره، ما خرجه ابن عساكر الشافعي في تأريخه المختصر (ج 1 ص 267 طبع روضة الشام سنة (1329) ه) قال: إنه صلى الله عليه وآله قدم بصرى من نواحي دمشق قبل أن يوحى إليه وهو صغير (على قول كان له تسع سنين وعلى قول كان له اثنتا عشرة سنة) مع عمه أبي طالب وقدمها مرة ثانية في تجارة لخديجة مع غلامها ميسرة، قال: روي عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب (بحيرا) هبطوا وحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به
[14]
فلا يخرج إليهم، ولا يلتف، فبينما هم يحلون رحالهم إذ به قد جعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين (كل ذلك يسمعه أبو طالب) فقا له اشياخ من قريش: وما علمك قال: انكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر الا خر ساجدا (له) ولا يسجدون إلا لنبي، وإني لاعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع له طعاما فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الابل قال: أرسلوا إليه، فاقبل وعليه غمامة تضلله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوا إلى فئ الشجرة، فلما جلس (صلى الله عليه وآله وسلم مال فئ الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فئ الشجرة مال
عليه، قال: فبينما، هو قائم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فان الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم ؟ قالوا: جئنا إن النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق الا بعث إليه باناس، وانا قد أخبرنا خبره فبعثنا إلى طريقك هذا، قال فهل خلفتم خلفكم احدا هو خير منكم ؟ قالوا: لا، إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم إن أراد الله أمرا أن يمضيه هل يستطيع احد ان يرده ؟ قالوا: لا قال: فبايعوه فاقاموا معه، قال: فأتاهم فقال: أنشدكم الله أيكم وليه ؟ قال أبو طالب أنا فلم يزل يناشده حتى رده (إلى مكة. (قال المؤلف) وان كان هذا الحديث ضعيفا ولكن يوخذ به في باب الفضائل على القاعدة التي ذكرت في الحديث، وهو عند علماء أهل السنة مجمع عليه كما ذكره ابن حجر في اول كتاب (تطهير الجنان) المطبوع بهامش (ص 26) من الصواعق، وهذا الحديث هو حديث بحيرا
[15]
ولكن نقل بالمعنى وزيد فيه ما ليس منه. (قال المؤلف) وقد أخرجنا حديثا نحوه مفصلا من الخصائص الكبرى للسيوطي الشافعي في هذا الختصر، فيه دلالة واضحة على ما نحن بصدده، وخرج في ذيل تاريخ ابن عساكر (ج 1 ص 268) أن الحديث المتقدم خرجه الترمذي في كتابه، وذكره البزاز في مسنده مع اختلاف وذكر في التأريخ ايضا (ج 1 ص 268) بسنده عن ابي مجلز (انه قال) لما مات عبد الله (عليه السلام والد النبي صلى الله عليه وآله) عطف عبد المطلب أو أبو طالب على محمد (صلى الله عليه وآله)
فكان لا يسافر سفرا إلا كان معه فيه، فتوجه نحو الشام فنزل منزلا فاتاه فيه راهب فقال: إن فيكم رجلا صالحا فقال: إن فينا من يقري الضيف، ويفك الاسير، ويفعل المعروف، فقال: أرجو أعلى من هذا ثم (أشار إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: أين أبو هذا الغلام ؟ فقيل له: هذا وليه، فقال له: احتفظ به ولا تذهب به إلى الشام إن اليهود حساد، وإني أخشاهم عليه، قال ما أنت تقول ذلك ولكن الله يقوله، فرده وقال: اللهم إني أستودعك محمدا ثم إن الراهب مات. (قال المؤلف) ثم إن ابن عساكر ذكر قضية بحيرا الراهب واطعامهم الطعام في (ج 1 ص 269 ص 271) وسيمر عليك تفصيل حديثه نقلا من الخصائص، ولفظه يوافق لفظ السيوطي الشافعي في الخصائص، غير أن السيوطي زاد كلمات في الحديث شرحا له، وذكر أن أبا طالب عليه السلام قال في ذلك أبياتا، منها: فما رجعوا حتى رأوا من محمد * أحاديث تجلو غم كل فؤاد فذكر ستة ابيات بعده تراها بعد الحديث فيما يأتي، ولكن ابن عساكر لما ذكر القضية بكاملها ذكر لابي طالب عليه السلام ابياتا غير ما ذكره
[16]
جلال الدين السيوطي في الخصائص، ونحن نذكر الابيات فقط دون القضية قال ابن عساكر ثم نظر (بحيرا) إلى ظهره عليه السلام فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فقال أبو طالب في ذلك: ان ابن آمنة النبي محمدا * عندي يفوق منازل الاولاد (1) لما تعلق بلزمام رحمته * والعيس قد قلصن بالازواد فارفض من عيني دمع ذارف * مثل الجمان مفرق الافراد
راعيت فيه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الاجداد وامرته بالسير بين عمومة * بيض الوجوه مصالت انجاد ساروا لابعد طية معلومة * فلقد تباعد طية المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لاقوا على شرك من المرصاد حبرا فاخبرهم حديثا صادقا * عنه ورد معاشر الحساد قوما يهودا قد رأوا لما رأى * ظل الغمام وعن ذي الاكباد ساروا لقتل محمد فنهاهم * عنه واجهد أحسن الاجهاد فثنى زبيرا من بحيرا فانثنى * في القوم بعد تجاول وبعاد ونهى دريسا فانثنى عن قوله * حبر يوافق أمره برشاد وقال (أبو طالب عليه السلام) ايضا في قضية سفره مع ان أخيه صلى الله عليه وآله: ألم ترني من بعدهم هممته * بفرقة حر الوالدين حرام باحمد لما أن شددت مطيتي * برحلي وقد ودعته بسلام بكى حزنا والعيس قد فصلت بنا * وأخذت بالكفين فضل زمام ذكرت اباه حين رقرق عبرة * تجود من العينين ذات سجام
(1) في رواية ابن عساكر في تاريخه (ج 1 ص 271) بدل الشطر الثاني (عندي بمثل منازل الاولاد). [*]
[17]
فقلت ترحل راشدا في عمومة * مواسين في البأساء غير لئام وفي كتاب الحجة على الذاهب: (وقلت له رح راشدا في عمومة) فرحنا مع العير التي راح أهلها * شآم الهوى والاصل غير شآم وفي الديوان:
وجاء مع العير التي راح ركبها * شآمى الهوى والركب غير شآم فلما هبطنا ارض بصرى تشرفوا * لنا فوق دور ينظرون عظام فجاء بحيرا عند ذلك حاشدا * لنا بشراب طيب وطعام فقال اجمعوا اصحابكم عندما رأى * فقلنا جمعنا القوم غير غلام يتيم فقال ادعوه ان طعامنا * له دونكم من سوقة وإمام وآلى يمنيا برة إن زادنا * كثير عليه اليوم غير حرام فلو لا الذي خبرتم عن محمد * لكنتم لدينا اليوم غير كرام فلما رآه مقبلا نحو داره * يوقيه حر الشمس ظل غمام حنا رأسه شبه السجود وضمه * إلى نحره والصدر أي ضمام واقبل ركب يطلبون الذي رأى * بحيرا من الاعلام وسط خيام فذلك من اعلامه وبيانه * وليس نهار واضح كظلام فثار إليهم خشية لعرامهم * وكانوا ذوي بغي لنا وعرام دريسا وتماما وقد كان فيهم * زدير وكل القوم غير نيام فجاؤا وقد هموا بقتل محمد * فردهم عنه بحسن خصام بتأويله التوراة حتى تيقنوا * فقال لهم ما انتم بطغام (قال المؤلف) ثم ذكر ابن عساكر البيت المتقدم ذكره (فذلك من اعلامه وبيانه) الخ، ولكن في الديوان المطبوع في النجف الاشرف جمع ابي هفان ذكر بيتا آخر وهو: وإن الذي نختاره منه مانع * سيكفيه منكم كيد كل طغام
[18]
ثم ذكر البيت المتقدم (فذلك من إعلامه وبيانه) الخ، بعده فالابيات في الديوان (32) في القصيدتين، وقي تاريخ ابن عساكر (30)
بيتا، وفي (كتاب الغدير) للامبني (33)، وفي كتاب (الحجة على الذاهب) لفخار بن معد (19) بيتا، وفي كتاب (أبو طالب مؤمن قريش) للخنيزي (20) بيتا. (قال المؤلف) خرج هذه الابيات من القصيدتين جماعة أشرنا إليهم وخرجهما السيد العلامة العاملي في الاعيان (ج 39 ص 147) وذكر بعضها في معجم القبور (ج 1 ص 185) للسيد العلامة الحجة السيد محمد مهدي الاصبهاني الكاظمي، وخرجها العلامة الخنيزي في كتابه (أبو طالب مؤمن قريش (ص 134 ص 135) (ثم قال) ونعم ما قال: لسنا نشك بعد هذا في أن أبا طالب عليه السلام كان ينظر إلى هذه الارهاصات (ثم قال) فما هذه الملامح والدلالات التي كان يراها من ابن اخيه صلى الله عليه وآله، بالتي يجدها عند غيره من هذا الحشد من الناس (ثم قال) إنها لدلائل صارخة ليس له أن يخالجه فيها شك أو يعارضه ريب في أن ابن اخيه سيكون نبيا ورسولا مبعوثا يجب طاعته ويلزم نصرته، فقام عليه السلام بواجبه ورأى ذلك فوق طاقته وأمر إخوانه وأولاده وساير عشيرته بمتابعته وتأييده ونصرته حتى يتمكن من بث دعوته. (قال المؤلف) وقال السيد العلامة الحجة السيد شمس الدين الموسوي ابن معد في (الحجة على الذاهب ص 77): لما توفي عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفله جده عبد المطلب ثماني سنين ثم احتضر الموت فدعا ابنه أبا طالب وقال له: يا بني تسلم ابن اخيك مني، فانت شيخ قومك وعاقلهم ومن أجد فيه الحجى (العقل خ ل) دونهم، وهذا الغلام تحدثت به
[19]
الكهان، وقد روينا في الاخبار، انه سيظهر من تهامة نبي كريم، وروي فيه علامات قد وجدتها فيه، فأكرم مثواه، واحفظه من اليهود، فانهم أعداؤه، فلم يزل أبو طالب لقول عبد المطلب له حافظا، ولوصيته راعبا ومن هنا قال (فيما تقدم) (وحفظت فيه وصية الاجداد) ثم أنه اعلى الله مقامه ذكر بعض القصيدة الثانية إلى قوله (وليس نهار واضح كظلام) ثم قال ومن قصيدة (له) في ذلك. وما برحوا حتى رأوا من محمد * أحاديث تجلو غم كل فؤاد ولم يذكر بقية القصيدة ولكن ذكرها غيره. (قال المؤلف) وهذا البيت من قصيدة ذكرها جلال الدين السيوطي الشافعي في الخصائص الكبرى (ج 1 ص 84 ص 85) وإليك نصها: فما رجعوا حتى رأوا من محمد * أحاديث تجلو غم كل فؤاد وحتى رأوا أحبار كل مدينة * سجودا له من عصبة وفراد زبيرا وتماما وقد كان شاهدا * دريسا وهموا كلهم بفساد فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا * له بعد تكذيب وطول بعاد كما قال للرهط الذين تهودوا * وجاهدهم في الله كل جهاد فقال ولم يترك له النصح رده * فان له إرصاد كل مصاد فاني أخاف الحاسدين وإنه * لفي الكتب مكتوب بكل مداد (قال المؤلف) ثم ذكر السيد شمس الدين بن معد في (الحجة على الذاهب (ص 78) بعد ذكره البيت المتقدم: (وما برحوا حتى رأوا من محمد) الخ وقال لما اشتد أذى أبي جهل بن هشام للنبي صلى الله عليه وآله وعناده له، قال أبو طالب له متهددا، وبالحرب متوعدا ولرسول الله صلى الله عليه وآله ولدينه محققا معتقدا.
صدق ابن آمنة النبي محمدا * فتميزوا غيظا به وتقطعوا
[20]
إن ابن آمنة النبي محمدا * سيقوم بالحق الجلي ويصدع فاربع أبا جهل على ظلع فما * زالت جدودك تستخف وتظلع سترى بعينك إن رأيت قتاله * وعناده من أمره ما تسمع (ثم قال السيد اعلى الله مقامه) لله در أبي طالب كأنه أوحي إليه ما يكون من أمر عدو الله أبي جهل إذ جد في عناد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتاله، حتى أراه الله بعينه يوم بدر، وما وعده أبو طالب من تعفير خده وإتعاس جده. (قال المؤلف) ايذاء أبي جهل للنبي صلى الله عليه وآله معروف مشهور ذكر ذلك اغلب المؤرخين ومن جملة أذاياه ما ذكره ابن شهر آشوب في المناقب ج 1 ص 442 الطبع الثاني، قال: روي عن ابن عباس أنه قال دخل النبي صلى الله عليه وآله الكعبة، وافتتح الصلاة فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثا ودما وألقى ذلك عليه فجاء أبو طالب وقد سل سيفه فلما رأوه جعلوا ينهضون، فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيفي، (ثم قال) يابن أخي من الفاعل بك هذا ؟ قال: عبد الله، فأخذ أبو طالب فرثا ودما وألقى عليه (قال): وفي رواية أمر عبيده أن يلقوا السلا عن ظهره ويغسلوه ثم أمرهم أن يأخذوه (اي يأخذوا السلا) فيمروا على اسبلة القوم بذلك (وفي رواية) إن فاطمة عليها السلام أماطته ثم أوسعتهم شتما وهم يضحكون (قال) فلما سلم النبي صلى الله عليه وآله قال: اللهم عليك الملا من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة
ابن ربيعة، وعقبة بن ابي معيط، وامية بن خلف (قال): فوالله الذي لا إله إلا هو ما سمى النبي صلى الله عليه وآله يومئذ أحدا إلا وقد رأيته يوم بدر وقد أخذ برجله تجر إلى القليب مقتولا.
[21]
(قال المؤلف) إن ابا طالب وعد أبا جهل هذا اليوم وقد رأى ما وعده عليه السلام. (قال المؤلف) من جملة أذايا أبي جهل ما ذكره جمع من المحدثين والمؤرخين، منهم ابن ابي الحديد، فقد خرج في شرحه على نهج البلاغة (ج 14 ص 74 ط 2) قال: وقد جاء في الخبر أن أبا جهل بن هشام جاء مرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرضخ به رأسه صلى الله عليه وآله فلصق الحجر بكفه فلم يستطيع ما أراد، فقال أبو طالب في ذلك من جملة أبيات: أفيقوا بني عمنا وانتهوا * عن الغي من بغض ذا المنطق وإلا فاني إذا خائف * بوائق في داركم تلتقي كما ذاق من كان من قبلكم * ثمود وعاد وماذا بقي (قال) ومنها وأعجب من ذاك في أمركم * عجائب في الحجر الملصق بكف الذي قام من حينه * إلى الصابر الصادق المتقي (1) فاثبته الله في كفه * على رغم ذا الخائن الاحمق (قال المؤلف) خرج العلامة السيد في (الحجة على الذاهب) (ص 52) قضية أبي جهل وقصده أذية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أخبرني الشيخ الفقيه شادان رحمه الله، باسناده الي ابي الفتح
الكراجكي رحمه الله يرفعه أن ابا جهل بن هشام جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه حجر، يريد أن يرميه به إذا سجد رسول الله صلى الله عليه وآله فرفع أبو جهل يده فيبست على الحجر، فرجع وقد التصق الحجر بيده، فقال له اشياعه من المشركين أجننت ؟ قال: لا
(1) في شرح نهج البلاغة ج 3 ص 314 ط 1 قال (بكف الذي قام من خبثه). [*]
[22]
ولكن رأيت بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبة، فقال في ذلك أبو طالب هذه الابيات: أفيقوا بني عمنا وانتهوا * عن الغي في بعض ذا المنطق وإلا فاني إذا خائف * بوائق في داركم تلتقي تكون لغابركم عبرة * ورب المغارب والمشرق (1) كما ذاق من كان قبلكم * ثمود وعاد فمن ذا بقى (2) غداة أتتهم بها صرصر * وناقة ذي العرش إذ تستقى فحل عليهم بها سخطة * من الله في ضربة الازرق غداة يعض بعرقوبها * حسام من الهند ذو رونق وأعجب من ذلك في أمركم * عجائب في الحجر الملصق بكف الذي قام في جنبه * إلى الصابر الصادق المتقى (3) فاثبته الله في كفه * على رغم ذا الخائن الاحمق (4) احيمق مخزومكم إذ غوى * لغي الغواة ولم يصدق (5) (قال المؤلف) وخرج السيد العلامة العاملي في كتاب اعيان الشيعة (ج 39 ص 142 ص 143) بعض أبيات القصيدة المذكورة. (قال المؤلف) وخرج ابن ابي الحديد في شرحه بعد نقله الابيات المتقدمة
الذكر (في ج 14 ط 2 ص 73) و (ج 3 ط 1 ص 314) قد اشتهر
(1) (تكون لغيركم عبرة) الغدير، ج 7 ص 336، والديوان. (2) (كما نال من لان من قبلكم) الغدير ج 7 ص 336 والديوان. (3) (بكف الذي قام في خبثه) الغدير (ج 7 ص 336) وفي شرح نهج البلاغة ط 1 (ج 3 ص 314). (4) (على رغمه الجائر الاحمق) الغدير ج 7 ص 336، والديوان. (5) هذا البيت من الديوان، وفي الغدير (ج 7 ص 337).
[23]
عن عبد الله المأمون انه كان يقول: اسلم أبو طالب والله بقوله: نصرت الرسول رسول المليك * ببيض تلالا كلمع البروق أذب وأحمي رسول الآله * حماية حام عليه شفيق وما أن أدب لاعدائه * دبيب البكار حذار الفنيق ولكن أزير لهم ساميا * كما زار ليث بغيل مضيق (قال المؤلف): خرج أبو هفان (1) في الديوان (ص 34) طبع النجف الاشرف الابيات بزيادة بيت واحد فيها مع اختلاف في ترتيبها وهذا نصه قال: وقال أبو طالب: منعنا الرسول رسول المليك * ببيض تلالا لمع البروق بضرب يذيب دون النهاب * حذار الوتائر والخنفنيق (2) أذب وأحمي رسول الآله * حماية حام عليه شفيق وما إن أدب لاعدائه * دبيب البكار حذار الفنيق وقال (أبو طالب) أيضا: ولكن ازير لهم ساميا * كما زار ليث بغيل مضيق
(قال المؤلف) خرج العلامة الحجة في المناقب (ج 1 ص 42) بعض الابيات وترك بعضها، وذكر لها مقدمة كانت سببا لانشاد أبي طالب عليه السلام الابيات، واليك المقدمة والابيات بنصها: (قال عليه الرحمة) روى الطبري والبلاذري والضحاك (وقالوا):
(1) عبد الله بن احمد المهزمي العبدي ابن حرب بن خالد اللغوي الشاعر المتوفي سنة خمس وتسعين ومائة، كما في معجم الادباء ج 12 ص 54 طبع دار الامان، وله ترجمة في تأريخ بغداد (ج 9 ص 370). (2) (الخنفنيق) الداهية.
[24]
لما رأت قريش حمية قومه وذب عمه أبو طالب عنه جاؤا إليه (أي إلى ابي طالب عليه السلام) وقالوا: جئناك بفتى قريش جمالا وجودا، وشهامة عمارة بن الوليد، ندفعه اليك يكون نصره وميراثه لك، ومع ذلك (نعطيك) من عندنا مالا، وتدفع الينا ابن اخيك الذي فرق جماعتنا وسفه احلامنا فنقتله، فقال (عليه السلام): والله ما انصفتموني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وتأخذون ابني تقتلونه، هذا والله ما يكون أبدا أتعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لا تحن إلى غيره ؟ ثم نهرهم، فهموا باغتياله (أي اغتيال النبي صلى الله عليه وآله) فمنعهم من ذلك وقال فيه: حميت الرسول رسول الآله * ببيض تلالا مثل البروق اذب وأحمي رسول الآله * حماية عم عليه شفيق (ثم قال عليه الرحمة): وأنشد (أيضا أبو طالب عليه السلام) وقال:
يقولون لي دع نصر من جاء بالهدى * وغالب لنا غلاب كل مغالب وسلم إلينا أحمدا واكفلن لنا * بنينا ولا تحفل بقول المعاتب فقلت لهم الله ربي وناصري * على كل باغ مولوي بن غالب (قال المؤلف) قضية مجئ قريش إلى أبي طالب عليه السلام وطلبهم منه تسليم ابن اخيه صلى الله عليه وآله إليهم ليقتلوه ذكرها جمع كثير من علماء أهل السنة، وعلماء الامامية عليهم الرحمة أما علماء أهل السنة الذين خرجوا ذلك فهم جماعة: (منهم) الطبري في تاريخه الكبير (ج 2 ص 220 ط م سنة 1326) (ومنهم) قزاغلي سبط ابن الجوزي الحنفي (في تذكرة خواص الامة (ص 5 طبع ايران سنة 1385).
[25]
(ومنهم) العلامة الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة بسيرة الحلبي (ج 1 ص 306 ط م سنة 1308) (ومنهم) العلامة السيد احمد زيني دحلان الشافعي في سيرته المعروفة (بالسيرة النبوية المطبوعة بهامش السيرة الحلبية (ج 1 ص 91) (ومنهم) ابن هشام في سيرته (ج 1 ص 246 طبع مصر سنة 1295) وذكر معها قصيدة لابي طالب عليه السلام، اولها، (الا قل لعمرو والوليد ابن مطعم.) الخ، وهي في احد عشر بيتا تأتي قريبا. (ومنهم) محمد الصبان الشافعي في اسعاف الراغبين (ص 16) ط م سنة 1328، المطبوع بهامش مشارق الانوار. (منهم) ابن سعد في الطبقات (ج 1 ص 134 ط ليدن سنة 1322) وذكرها غير هؤلاء أيضا. (منهم) ابن حجر العسقلاني في الاصابة (ج 7 ص 115 ط م
سنة 1328). (ومنهم) العلامة زيني دحلان الشافعي ايضا في أسنى المطالب (ص 6 طبع مصر وطبع طهران ص 9). (وصية ابي طالب لاقربائه ان يطيعوا النبي صلى الله) (عليه وآله وسلم والخطبة التي خطبها في زواج) (خديجة عليها السلام) (قال المؤلف) ذكر زيني دحلان الشافعي قبل ذكره القضية في (ص 8) من أسنى المطالب طبع طهران، وقال: قال أبو طالب
[26]
لاقربائه واولاده: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره فاطيعوه ترشدوا (قال) وقد نوه أبو طالب بنبوة النبي قبل أن يبعث صلى الله عليه وآله لانه ذكر في الخطبة التي خطب بها حين تزوج صلى الله عليه (وآله وسلم) بخديجة رضي الله عنها، فقال في خطبته تلك: " الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع اسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حفظة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن اخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح شرفا ونبلا، وفضلا وعقلا، وهو والله، بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جسيم " (قال): وكان هذا (القول من أبي طالب عليه السلام) قبل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بخمس عشرة سنة (قال) فانظر كيف تفرس فيه أبو طالب كل خير قيل بعثته صلى الله عليه وآله، فكان الامر كما قال: وذلك من أقوى الدلائل على إيمانه وتصديقه بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم
حين بعثه الله تعالى، ثم ذكر قضية مجئ قريش وشكايتهم عند أبي طالب ابن اخيه صلى الله عليه وآله (قال): ثم إن ابا طالب قال للنبي إن بني عمك هؤلاء يزعمون أنك تؤذيهم، فقال: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وآله باكيا فقال ابو طالب: يابن أخي قل ما أحبيت، فوالله لا أسلمنك لهم ابدا، وقال لقريش والله ما كذب ابن اخي قط، ثم انشأ الابيات المعروفة التي (منها): فاصدع بامرك ما عليك غضاضة * وابشر بذلك وقر منه عيونا، الخ وقد تقدم تمامها وسيأتي أيضا: (قال المؤلف) فهل بعد ما مر عليك من التصريحات في الشعر
[27]
والنثر بان محمدا صلى الله عليه وآله رسول الآله ونبي مرسل من الله جاء بالدين الصحيح، والشريعة الواضحة، والحق المبين الجلي من الواحد الاحد العلي، وبعدما سمعه من الاحبار والرهبان ومن أبيه عبد المطلب عليه السلام، يبقى مجال للترديد أو التوقف أو الشك في ايمان حامي الرسول الباذل له نفسه ونفيسه في سبيل الدين ابي طالب عليه السلام. (قال المؤلف) لما رأى المشركون وكفار قريش أن ابا طالب عليه السلام لم يسلم ابن اخيه إليهم ليقتلوه اتفقوا على تركهم لابي طالب مع تبعته وكتبوا الصحيفة الملعونة. (بعض ما ذكره المؤرخون في سبب كتابة الصيحفة) (الملعونة التي كتبها أهل مكة من قريش وغيرهم) قال الجزري في تاريخ الكامل (ج 2 ص 32 طبع مصر) ولما رأت
قريش الاسلام يفشو ويزيد وأن المسلمين قووا باسلام حمزة إئتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ان لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوا إليهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئا، فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا لذلك الامر على أنفسهم، فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب. فدخلوا معه شعبه، واجتموا وخرج من بني هاشم أبو لهب بن عبد المطلب إلى قريش فلقي هند بنت عتبة فقال: كيف رأيت نصري للات والعزى قالت: لقد احسنت فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا (أو أربعا) حتى جهدوا لا يصل إلى احد منهم شئ الا سرا، وذكروا أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد ومعه قمح يريد عمته خديجة وهي
[28]
عند رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، فتعلق به وقال والله لا تبرح حتى أفضحك، فجاء أبو البحتري بن هشام فقال: مالك وله ؟ عنده طعام لعمته أفتمنعه أن يحمله إليها، خل سبيله، فأبى أبو جهل فنال منه فضربه أبو البحتري بلحى جمل فشجه ووطأه وطئا شديدا وحمزة ينظر إليهم، وهم يكرهون أن يبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك فيشتمت به وهو والمسلمون، ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعو الناس سرا وجهرا، والوحي متتابع إليه فبقوا كذلك ثلاث سنين (أو اربع سنين) كما في المناقب لابن شهر اشوب (ج 1 ص 46 من الطبع الثاني سنة: 1317 ه) فقام في نقض الصحيفة نفر من قريش، وكان احسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحرث بن عمرو بن لوي، وهو ابن اخي نضلة ابن هشام بن عبد مناف لامه، كان يأتي بالبعير قد أوقره طعاما ليلا
ويستقبل به الشعب ويخلع خطامه فيه فيدخل الشعب فلما رأى ما هم فيه وطول المدة عليهم مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي أم سلمة، وكان شديد الغيرة على النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت، أما إني أحلف بالله لو كان أخوالي أبا الحكم يعني ابا جهل ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك ابدا، فقال: فماذا أصنع وإنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لنقضتها، فقال قد وجدت رجلا، قال ومن هو ؟ قال انا، قال زهير أبغنا ثالثا قال قد فعلت، قال من هو ؟ قال زهير بن أمية، قال: أيضا رابعا، قال: نعم، قال من هو ؟ قال: انا وزهير والمطعم، قال أبغني خامسا فذهب إلى زمعة بن الاسود ابن المطلب بن أسد فكلمه وذكره له قرابتهم، قال: وهل على هذا الامر
[29]
معين ؟ قال: نعم، وسمى له القوم، فاتعدوا حطم الحجون الذي باعلى مكة، فاجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة، فقال زهير: أنا أبدؤكم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال: يا اهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل: كذبت والله لا تشق، قال زمعه بن الاسود انت والله أكذب، ما رضينا بها حين كتبت، قال أبو البحتري: صدق زمعة لا نرضى بما كتب فيها، قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك، قال
ابو جهل: هذا أمر قضي بليل وابو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها الا ما كان باسمك اللهم (وهي كلمة) كانت تفتتح بها كتبهم وكان كاتب الصحيفة منصور ابن عكرمة فشلت يده وقيل كان سبب خروجهم من الشعب ان الصحيفة لما كتبت وعلقت بالكعبة اعتزل الناس بني هاشم وبني المطلب واقام رسول الله صلى الله عليه وآله وابو طالب ومن معهما بالشعب ثلاث سنين فارسل الله الارضة وأكلت ما فيها من ظلم وقطيعة رحم وتركت ما فيها من أسماء الله تعالى فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله فاعلمه بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله لعمه ابي طالب، وكان أبو طالب لا يشك في قوله فخرج من الشعب إلى الرحم فاجتمع الملا من قريش، وقال: إن ابن اخي أخبرني أن الله أرسل على صحيفتكم الارضة فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم وتركت اسم الله ثعالى فاحضروها: فان كان صادقا علمتم أنكم ظالمول لنا، قاطعون لارحامنا وان كان كاذبا علمنا انكم على حق وأنا على باطل، فقاموا سراعا وأحضروها فوجدوا الامر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله
[30]
وسلم، وقويت نفس ابي طالب واشتد صوته وقال: قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة فنكسوا رؤوسهم، ثم قالوا: إنما تأتونا بالسحر والبهتان، وقام أولئك النفر في نقضها كما ذكرنا، وقال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الارضة ما فيها من ظلم وقطيعة رحم ابياتا منها وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب يعجب محا الله منهم كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب فاصبح ما قالوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب
(قال المؤلف) هذه القضية ذكرت باختلاف في كتب التاريخ مفصلا ومختصرا، والرواية الاخيرة التي ذكرها في الكامل اكثر ذكرا من غيرها، والابيات التي ذكرها لها تتمة ذكرت في ديوان أبي طالب عليه السلام، وفيها تصريح بالوحدانية والنبوة وغير ذلك من الامور النافعة المهمة، تثبت لمن تأملها أن ابا طالب عليه السلام كان موحدا مؤمنا بالنبي الامي، ابن اخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وإنما أخفى عقيدته ولم يتظاهر بها كساير أصحاب النبي صلى الله عليه وآله لحفظ نفسه وحفظ النبي وحفظ أصحابه، فحاله عليه السلام حال المؤمنين الذين كتموا إيمانهم فكان لهم اجران، وبذلك حفظ النبي وأهل بيته ولم يتمكن أحد من إيذائه رعاية له وخوفا منه، إلى أن توفي سلام الله عليه، ولما توفي عليه السلام قامت قريش وغير قريش بايذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصل إلى حد لم يتمكن صلى الله عليه وآله من البقاء في وطنه فقر منها بامر الله تعالى إلى يثرب، حيث كان له هناك أتباع وانصار قاموا بنصرته إلى ان قوي الدين وكثر المسلمون واستولوا على الكافرين من قريش وغيرهم وتمكن من فتح مكة المكرمة ووطنه المبارك، واليك
[31]
القصيدة من الديوان. (1) الا من لهم آخر الليل منصب * وشعب العصا من قومك المتشعب وجربى أراها من لوي بن غالب * متى ما تزاحمها الصحيحة تجرب إذا قائم في القوم بخطبة * أقاموا جميعا ثم صاحوا وأجلبوا وما ذنب من يدعو إلى الله وحده * ودين قويم أهله غير خيب وما ظلم من يدعوا إلى البر والتقى * ورأب الثأى بالرأي لا حين مشعب
وقد جربوا فيما مضى غب امرهم * وما عالم امرا كمن لم يجرب وقد كان من امر الصحيفة عبرة * اتاك بها من غاثب متعصب (2) محا الله منها كفرهم وعقوقهم * وما تقموا من صادق القول منجب وأصبح ما قولوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب فأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا * على ساخط من قومنا غير معتب فلا تحسبونا خاذلين محمدا * لذي غربة منا ولا متقرب ستمنعه منا يد هاشمية * مركبها في المجد خير مركب وينصره الله الذي هو ربه * باهل العقير أو بسكان يثرب (3) فلا والذي يحدى له كل مرثم * طليح بجنبي نخلة فالمحصب يمينا صدقنا الله فيها ولم نكن * لنحلف بطلا بالعتيق المحجب نفارقه حتى نصرع حوله * وما بال تكذيب النبي المقرب
(1) كان الديوان مخطوطا وكان تاريخ كتابته سنة 380 ه، ونقل من خط الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني النحوي، وأخيرا طبع في النجف الاشرف سنة 1356 ه، وصححه وعلق عليه العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم. (2) يريد عليه السلام الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وعلقوها في الكعبة فمحا الله منها موضع عقوقهم. (3) العقير مدينة في البحرين. [*]
[32]
فيا قومنا لا تظلمونا فاننا * متى ما نخف ظلم العشيرة نغضب وكفوا إليكم من فضول حلومكم * ولا تذهبوا في رأيكم كل مذهب ولا تبدأونا بالظلامة والاذى * فنجزيكم ضعفا مع الام والاب (قال المؤلف) ومن جملة من خرج بعض الابيات المذكورة مؤلف
ناسخ التواريخ في ج 1 من الكتاب الثاني ص 260، وهذا نص ما أخرجه بالفاظه: ألا من لهم آخر الليل منصب * وشعب العصا من قومك المتشعب وقد كان في امر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله مها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب فكذب ما قالوا من الامر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب فلا تحسبونا مسلمين محمدا * لذى غربة منا ولا متقرب (قال المؤلف) ومن شعر ابي طالب عليه السلام الدال على انه كان مؤمنا بابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ومعتقدا بنبوته ورسالته ما خرجه ابن ابي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ج 14 ص 62 ط 2 وخرجه غيره: ألا أبلغا عني لويا رسالة * بحق وما تغني رسالة مرسل بني عمنا الادنين فيما يخصهم * وإخواننا من عبد شمس ونوفل أظاهرتم قوما عليا سفاهة * وأمرا غويا من غواة وجهل يقولون لو أنا قتلنا محمدا * أقرت نواصي هاشم بالتذلل كذبتم ورب الهدي تدمى نحورها * بمكة والبيت العتيق المقبل تنالونه أو تصطلوا دون نيله * صوارم تفري كل عضو ومفصل فمهلا ولما تنتج الحرب بكرها * بخيل تمام أو بآخر معجل
[33]
وتلقوا ربيع الابطحين محمدا * على ربوة في رأس عنقاء عيطل وتأوى إليه هاشم إن هاشما * عرانين كعب آخر بعد أول
فان كنتم ترجون قتل محمد * فروموا بما جمعتم نقل يذبل فانا سنحميه بكل طمرة * وذي ميعة نهد المراكل هيكل وكل ردينى ظماء كعوبه * وعضب كايماض الغمامة مقصل ثم قال ابن ابي الحديد: " قلت: كان صديقنا علي بن يحيى البطريق رحمه الله يقول: لو لا خاصة النبوة وسرها لما كان مثل أبي طالب وهو شيخ الابطح وشيخ قريش ورئيسها وذو شرفها يمدح ابن اخيه محمدا وهو شاب قد ربي في حجره وهو يتيمه. ومكفو له. وجار مجرى أولاده مثل قوله: وتلقوا ربيع الابطحين محمدا * على ربوة في رأس عنقاء عيطل وتأوي إليه هاشم إن هاشما * عرانين كعب آخر بعد أول ومثل قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل يطيف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل فان هذا الاسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابي من الناس وانما هو من مديح الملوك والعظماء، فإذا تصورت أنه شعر أبي طالب ذاك الشيخ المبجل العظيم في محمد صلى الله عليه وآله وهو شاب مستجير به، معتصم بظله من قريش، قد رباه في حجره، غلاما وعلا عاتقه طفلا، وبين يديه شابه، يأكل من زاده، ويأوي إلى داره علمت موضع خاصية النبوة وسرها، وأن أمره كان عظيما، وأن الله تعالى أوقع في القلوب والانفس له منزلة رفيعة، ومكانا جليلا ". (قال المؤلف) لقد انصف علي بن يحيى البطريق، وأظهر الحق
[34]
ولم يتعام كما تعامى صديقه ابن ابي الحديد الشافعي وقال: " إني في القول
بايمان شيخ قريش من المتوقفين "، ولم يتوقف إلا رعاية لخاله أمير الشام حيث أنكر إيمانه عليه السلام حقدا وعداوة لولده علي عليه السلام الذي قتل أشياخه ببدر وحنين، ولا يخفى على طالبي الحق أن هذه الابيات من شعر أبي طالب عليه السلام خرجها أبو هفان عبد الله بن احمد المهزمي في ديوان ابي طالب عليه السلام شيخ الابطح ص 36 طبع النجف الاشرف وفيه اختلاف في الالفاظ، وزيادة في الابيات واليك نصها فتأملها واغتنم ألا ابلغا عني لويا رسالة * بحق وما تغني رسالة مرسل بني عمنا الادنين تيما نخصهم * وإخواننا من عبد شمس ونوفل أظاهرتم قوما علينا أظنة * وأمر غوي من غواة وجهل يقولون لو أنا قتلنا محمدا * أقرت نواصي هاشم بالتذلل كذبتم وبيت الله يثلم ركنه * ومكة والاشعار في كل معمل (قال) يروى يلثم ركنه اي ركن البيت، ويثلم ركنه، أي ركن محمد صلى الله عليه وآله والاشعار علامة الهدي، قال الاصمعي جاءت أم معبد الجهني الحسن فقالت: يابن ميسان إنك قد أشعرت ابني وبالحج أو بالنيب تدمى نحوره * بمدماه والركن العتيق المقبل (قال) الناب المسن من الابل أي تقاتلون حتى تثنى السيوف: تنالونه أو تعطفوا دون قتله * صوارم تفري كل عظم ومفصل وتدعوا بارحام وأنتم ظلمتم * مصاليت في يوم أغر محجل (قال) أي تدعوا بارحام أنتم قطعتموها: فمهلا ولما تنتج الحرب بكرها * ييتن تمام أو بآخر معجل فانا متى ما نمرها بسيوفنا * نجالح فنعرك من نشاء بكلكل (قال نجالح أي نكاشف، ويقال نصبر على حالين، والمجلاح
[35]
من النوق الذي يصبر على الحر والبرد: وتلقوا ربيع الابطحين محمدا * على ربوة في رأس عيطاء عيطل (قال) أصل العيط طول العنق ثم استعير، وعيطل طويلة تامة: وتأوي إليه هاشم إن هاشما * عرانين كعب آخرا بعد أول فان كنتم ترجون قتل محمد * فروموا بما جمعتم نقل يذبل فانا سنحميه بكل طمرة * وذي ميعة نهد المراكل هيكل (قال) طمر الجرح إذا انتفخ. ونتاونزا، وطامر بن طامر البرغوث لانه كثير الوثب. وكل ردينى ظماء كعوبه * وعضب كايماض الغمامة مقصل وكل جرور الذيل زغف مفاضة * دلاص كهزهاز الغدير المسلسل (قال) المفاضة الواسعة التي تنصب على لابسها كانصباب الماء الفائض. وهزهاز كثير الاهتزاز قال جرير: ويجمعنا والغر من آل فارس * اب لا نبالي بعده من تغدرا أي تخلف، وقال الراجز: قد وردت مثل اليماني الهزهاز * تدفع من أعناقها بالاعجاز أعيت على مقصدنا والرجاز أي وردت ماء تجففه الرياح يهتز اهتزاز السيف اليماني، أي يكثر لبنها فلا ننحرها، والمسلسل حسن المر. بايمان شم من ذوائب هاشم * مغاوير بالاخطار في كل محفل (قال) مغاوير ينقصون كل عز بغيرهم، قال المؤلف وفي نسخة: بايمان شم من ذؤابة هاشم * مغادير بالابطال في كل جحفل
(قال المؤلف) ان مجموع الابيات في ديوان شيخ الابطح عليه السلام الذي جمعه أبو هفان سبعة عشر بيتا، وما خرجه ابن ابن الحديد اثنا عشر بيتا، والله اعلم بسبب تركه بقية الابيات، ويعلم من توقفه في إيمان ناصر
[36]
الرسول صلى الله عليه وآله سبب تركه الابيات الخمسة، ولا يخفى أن هذه القصيدة خرجها في ديوان ابي طالب ص 137 ط بمبئى سنة 1326 ه وهو غير ديوان ابي هفان عبد الله بن احمد المهزمي، وقد نقل منه العلامة الخنيزي في كتابه (أبو طالب مؤمن قريش). (قال المؤلف) حديث شيخ السنة ابي عمرو عثمان بن احمد الذي خرجه في المناقب (ج 1 ص 357) وقد تقدم يثبت أن أبا طالب وفاطمة بنت اسد عليهما السلام كانا مسلمين قائلين برسالة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله قبل انعقاد نطفة امير المؤمنين عليه السلام، غير أن أبا طالب عليه السلام كان يكتم إيمانه ولم يتظاهر بالاسلام كما كان يتظاهر بها أولاده واخوانه عليهم السلام، ليتمكن من حفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحفظ من آمن به، والذب عنهم، ومع ذلك كله كان يأمر أولاده وأقرباءه بمتابعة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله، وكان يبين لهم في شعره ونثره أن ما أتى به ابن أخيه هو الدين الصحيح الحق وأن ما سواه باطل، وإليك بعض أشعاره التي فيها تصريح بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله، وأشعاره الدالة على إيمانه واعترافه برسالة ابن أخيه كثيرة، وقد خرجها علماء أهل السنة، وعلماء الامامية عليهم الرحمة. (منها) ما ذكره ابن ابي الحديد الشافعي في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 77 طبع مصر سنة 1382 ه، قال: ومن شعره (أي من
شعر أبي طالب عليه السلام). انت النبي محمد * قرم أغر مسود لمسودين أطائب * كرموا وطاب المولد نعم الارومة أصلها * عمرو الخضم الاوحد هشم الربيكة في الجفا * ن وعيش مكة أنكد
[37]
فجرت بذلك سنة * فيها الخبيزة تثرد ولنا السقاية للحجيج * بها يماث العنجد والمأزمان وما حوت * عرفاتها والمسجد أنى تضام ولم أمت * وأنا الشجاع العربد وبطاح مكة لا يرى * فيها نجيع أسود وبنو أبيك كأنهم * أسد العرين توقد ولقد عهدتك صادقا * في القول لا يتريد ما زلت تنطق بالصوا * ب وأنت طفل أمرد (قال المؤلف) وخرج الابيات العلامة السيد شمس الدين بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص 72 ص 73) مع اختلاف في بعض كلمات القصيدة وتقديم وتأخير في الابيات وزيادة بيت: فالابيات عند أبي الحديد اثنا عشر وعند السيد ثلاثة عشر واليك نصها: انت النبي محمد * قرم أغر مسود لمسودين أطائب * كرموا وطاب المولد نعم الارومة أصلها * عمرو الخضم الاوحد
هشم الربيكة في الجفا * ن وعيش مكة أنكد فجرت بذلك سنة * فيها الخبيزة تثرد ولنا السقاية للحجيج * بها يماث العنجد والمأزمان وما حوت * عرفاتها والمسجد أنى تضام ولم أمت * وأنا الشجاع العربد وبنو أبيك كأنهم * أسد العرين توقد شم قماقمة غيو * ث ندى بحار تزبد
[38]
وبطاح مكة لا يرى * فيها نجيع أسود ولقد عهدتك صادقا * في القول ما تنفند ما زلت تنطق بالصوا * ب وانت طفل أمرد (ثم قال عليه الرحمة) ومن تدبر هذا القول ووعاه علم حقيقة ايمان قائله بشهادته للنبي صلى الله عليه وآله بالصدق وقول الصواب، وفي ذلك كفاية لاولي الالباب، وخرج الابيات في كتاب (هاشم وأمية (ص 173 ص 174) وخرجه في كتاب (شيخ الابطح ص 28) وفي (أعيان الشيعة ج 39 ص 143) وخرجها غيرهم. (قال المؤلف) ومن أشعاره عليه السلام التي فيها تصريح بنبوة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله قوله كما في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 78 طبع 2): لقد اكرم الله النبي محمدا * فاكرم خلق الله في الناس أحمد وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد (قال المؤلف) أخرج السيد في (الحجة على الذاهب ص 74)
الاشعار باسنادها قال: أخبرني السيد النقيب أبو جعفر الحسيني يحيى بن محمد بن أبي زيد العلوي الحسني البصري بمدينة السلام في شهر رمصان سنة اربع وستمائة، قال: أخبرني والدي أبو طالب محمد بن محمد بن أبي زيد البصري النقيب، قال: أخبرني تاج الشرف المعروف بابن السخطة العلوي الحسيني البصري، قال: أخبرني السيد العالم النسابة الثقة أبو الحسن علي بن محمد بن الصوفي العلوي العمري رحمه الله، قال: أنشدني أبو عبد الله ابن معية الهاشمي معلمي رحمه الله بالبصرة (وقال ان) لابي طالب عليه السلام: لقد اكرم الله النبي محمدا * فاكرم خلق الله في الناس أحمد
[39]
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد (واخرج) البيت الثاني ابن حجر العسقلاني الشافعي في الاصابة (ج 7 ص 112) وقال: هي من قصيدة له، وترك البيت الاول لانه يثبت إيمان ابي طالب عليه السلام بنبوة ابن اخيه، وقال ابن حجر بعد نقله البيت من قصيدته عليه السلام: قال ابن عيينة عن علي بن زيد: ما سمعت أحسن من هذا البيت. (قال المؤلف) جميع أشعاره عليه السلام قد شهد بحسنها علماء الادب ومن جملتهم ابن كثير، فقد صرح بذلك في البداية والنهاية (ج 3 ص 57) وقال: قصيدته عظيمة بليغة جدا وهي أفحل من المعلقات السبع، وابلغ الخ) وخرج ابن عساكر الشافعي البيت الثاني وترك البيت الاول وقال: قبل نقله البيت قال ابن عباس لما ولد النبي صلى الله عليه وآله عق عنه عبد المطلب بكبش وسماه محمدا فقيل له يا أبا الحارث ما حملك
على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه ؟ فقال: أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الارض، وقال علي بن زيد بن جدعان تذاكرنا الشعر فقال رجل: ما سمعنا شعرا أحسن من بيت أبي طالب: وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد (وخرج) في تأريخ الخميس (ج 231 1) أنه قيل لعبد المطلب عليه السلام: ما سميته ؟ قال: سميته محمدا قالوا: لم رغبت عن أسماء آبائه ؟ قال: أردت أن يكون محمودا في السماء لله، وفي الارض لخلقه (وفيه ايضا) انه صلى الله عليه وآله ولد معذورا أي مختونا مقطوع السرة، فاعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده وقال: ليكونن لابني هذا شأن (وفيه ايضا) بطرق عديدة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: من كرامتي على ربي اني ولدت مختونا ولم ير
[40]
احد سوأتي (وفيه ايضا) عن ابن عمر قال: ولد النبي ضلى الله عليه وآله وسلم مسرورا مختونا (وفيه ايضا) قال الحاكم في المستدرك: تواترت الاخبار أنه صلى الله عليه وآله ولد مختونا (وخرج ابن كثير) البيت الثاني من شعر أبي طالب عليه السلام في تاريخه الكبير (ج 2 ص 266) وقال قبل ذلك: قال بعض العلماء ألهم الله عزوجل أن سموه محمدا لما فيه من الصفات الحميدة ليلتقي الاسم والفعل، ويتطابق الاسم والمسمى في الصورة والمعنى، كما قال عمه أبو طالب. وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد (بعض اشعار ابي طالب عليه السلام الذي فيه اعتراف) (برسالة ابن اخيه صلى الله عليه وآله)
(قال المؤلف) ومن أشعار ابي طالب عليه السلام التي فيها اعتراف برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ما خرجه ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 78 طبع 2)، قال ومن ذلك قوله: إذا قيل من خير هذا الورى * قبيلا وأكرمهم أسرة أناف لعبد مناف اب * وفضله هاشم العرة لقد حل مجد بني هاشم * مكان النعائم والنثرة وخير بني هاشم احمد * رسول الاله على فترة (قال المؤلف) خرج الابيات جماعة من علماء اهل السنة والامامية عليهم الرحمة. (منهم) العلامة شمس الدين بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب ص 74) ولفظه يساوي لفظ ابن ابي الحديد الشافعي، غير انه
[41]
قال (أتاف بعبد مناف أب) بالباء لا باللام، ثم قال عليه الرحمة: هذا القول منه رضي الله عنه مطابق لقوله تعالى (قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل) فان لم يكن في قوله شهادة منه بالنبوة فليس في ظاهر الآية شهادة، وفي هذا لمن اعتقده غاية الضلال وعظيم الوبال. (قال المؤلف) ومن أشعار أبي طالب عليه السلام التي فيها تصريح برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله، ما خرجه ابن ابي الحديد في نهج البلاغة (ص 76 طبع 2 م) قال: قالوا ومن شعر أبي طلب يخاطب اخاه حمزة وكان يكنى أبا يعلى: فصبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالحق من عند ربه * بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا
فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا وناد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا (قال المؤلف) خرج الابيات جماعة غير ابن أبي الحديد (منهم العلامة السيد شمس الدين بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب ص 71) وفيه اختلاف في بعض كلماته وهذا نصه بحذف السند: فصبرا ابا يعلى على دين احمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالدين من عند ربه * بصدق وحق لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن * وكن لرسول الله في الله ناصرا وناد قريشا بالذي قد أتى به * جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا (ثم قال) عليه الرحمة، لم يكفه رضي الله عنه أمره لاخيه بالصبر على عداوة قريش والنصرة للنبي صلى الله عليه وآله حتى أمره باظهار الدين، والاجتهاد في حياطته، والدفاع عن بيضته، ثم يشهد لاخيه حمزة أن محمدا صلى الله عليه وآله اتى بالدين من عند ربه
[42]
بصدق وحق، ثم يحذره الكفر في قوله (لا تكن حمز كافرا) ثم يقول له (وقد سرني إذ قلت: إنك مؤمن) أفتراه يسر لاخيه بالايمان ويختار لنفسه الكفر الموجب لغضب الجبار والخلود في النار ؟ وهل يتصور مثل هذا من ذي عقل، ثم يأمره بنصرة النبي صلى الله عليه وآله ويدعو له بالتوفيق لنصرته في قوله (وكن لرسول الله وفقت ناصرا) ثم يأمره بكشف أمره وإذاعة سره في قوله (وناد قريشا بالذي قد أتى به. جهارا) أي لا تخفي ذلك (وقل ما كان أحمد ساحرا) كما زعمتم، بل كان نبينا صادقا، وإن رغمتم، فهل يعلم الاسلام بشئ أبين من هذا.
(ومنهم) العلامة ابن شهر اشوب فقد خرج الابيات في كتابه (المناقب (ج 1 ص 43 ط 2) وذكر اولا سبب انشاد أبي طالب عليه السلام لهذه الابيات، وذكر سبب اسلام حمزة عليه السلام ايضا، وهذا نص الفاظه: (مقاتل) أي خرج مقاتل، وقال: لما رأت قريش يعلو أمره (أي أمر النبي صلى الله عليه وآله) قالوا: لا نرى محمدا يزداد الا كبرا وتكبرا، وإن هو إلا ساحر أو مجنون، وتوعدوه، وتعاقدوا لئن مات أبو طالب ليجمعن قبائل قريش كلها على قتله، وبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وأحلافهم من قريش فوصاهم برسول الله صلى الله عليه وآله وقال: إن ابن اخي كما يقول، وأخبرنا بذلك اباؤنا، أن محمدا نبي صادق، وأمين ناطق، وإن شأنه أعظم شأن، ومكانه من ربه أعلى مكان، فاجيبوا دعوته واجتمعوا على نصرته وراموا عدوه من وراء حوزته، فانه الشرف الباقي لكم مدى الدهر وانشأ يقول): أوصي بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وعم الخير عباسا
[43]
وحمزة الاسد المخشي صولته * وجعفرا أن تذودوا دونه الباسا وهاشما كلها أوصي بنصرته * أن يأخذوا دون حرب القوم امراسا كونوا فداء لكم نفسي وما ولدت * من دون أحمد عند الروع أتراسا بكل أبيض مصقول عوارضه * تخاله في سواد الليل مقباسا وخرج الابيات صاحب ناسخ التواريخ (ج 1 ص 241) مع اختلاف في بعض كلماته وهذا نصه:
أوصي بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وشيخ القوم عباسا وحمزة الاسد الحامي حقيقته * وجعفرا ليذودوا دونه الناسا كونوا فداء لكم أمي وما ولدت * في نصر احمد دون الناس أتراسا بكل أبيض مصقول عوارضه * تخاله في سواد الليل مقباسا (ثم قال) مقاتل وحض أخاه حمزة على اتباعه إذ أقبل حمزة متوشحا بقوسه راجعا من قنص له فوجد النبي صلى الله عليه وآله، في دار أخته محموما وهي باكية، فقال: ما شأنك ؟ قال ذل الحمى يا ابا عمارة لو لقيت ما لقي ابن اخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، فانصرف (حمزة) ودخل المسجد وشج رأسه (اي رأس أبي الحكم) شجة منكرة، فهم اقرباؤه بضربه فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة لكيلا يسلم، ثم عاد حمزة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: عز بما صنع بك، ثم أخبره بصنيعه فلم يهش (اي يظهر النبي الفرح) وقال: يا عم لانت منهم (فلما سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله) اسلم حمزة فعرفت قريش ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد عز، وأن حمزة سيمنعه، قال ابن عباس فنزل (قوله تعالى) في سورة (6) آية 22 (أو من كان ميتا فاحييناه، الآية) وسر أبو طالب باسلامه (أي اسلام أخيه حمزة) وأنشأ يقول:
[44]
فصبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالدين من عند ربه * بصدق وحق لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن * فكن لرسول الله في الله ناصرا فناد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل ما كان احمد ساحرا (1)
(ثم قال عليه الرحمة) وقال لابنه طالب (وهو أكبر اولاده) أبني طالب إن شيخك ناصح * فيما يقول مسدد لك راتق فاضرب بسيفك من أراد مساته * ابدا وانك للمنية ذائق هذا رجائي فيك بعد منيتي * وانا عليك بكل رشد واثق فاعضد قواه يا بني وكن له * إني بجدك لا محالة لاحق آها أردد حسرة لفراقه * إذ لم أجده وهو عال باسق أترى أراه واللواء أمامه * وعلي ابني للواء معانق أتراه يشفع لي ويرحم عبرتي * هيهات إني لا محالة زاهق (قال المؤلف) خرج العلامة محمد بن علي بن شهر اشوب في مشتابهات القرآن (ج 2 ص 65) البيت الاول والبيت الثالث مما خاطب به أبو طالب أخاه حمزة عليهما السلام، وخرج البيت السادس مما خاطب به أبو طالب وترك البقية، وقد خرج عليه الرحمة من كل قصيدة بيتا أو بيتين فمجموع ما خرج من أشعار ابي طالب على اختلافها لا يزيد على أحد وعشرين بيتا، وسنشير إلى مجموع الابيات بمناسبة المقام ان شاء الله تعالى (وخرج الابيات التي خاطب بها ايو طالب أخاه حمزة عليه السلام جماعة آخرون). (منهم) العلامة الحجة المجلسي في البحار (ج 6 ص 454 طبع اول).
(1) أخرج الابيات في شرح نهج البلاغة ج 14 ص 76 ط 2 مع اختلاف في بعض الكلمات، وفي عدد الابيات سواء.
[45]
(ومنهم) السيد العلامة الحجة الامين في أعيان الشيعة (ج 39 ص 144 ص 145).
(ومنهم) العلامة الحجة الطبرسي في تفسيره مجمع البيان (ج 2 ص 287 طبع أول مصر سنة 1354 ه) فقد خرج البيت الاول والبيت الثالث وترك بقية الابيات، واستشهد على إيمان ابي طالب عليه بتسعة عشر بيتا من أشعاره من قصائد مختلفة، وسنذكر ان شاء الله ما خرجه بمناسبة المقام (ومنهم) الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب ايمان ابي طالب (طبع النجف الاشرف سنة 1372). (ومنهم) السيد العلامة الحجة السيد المقرم في كتاب (العباس بن أمير المؤمنين طبع النجف الاشرف). (قال المؤلف) ومن أشعار ابي طالب عليه السلام التي فيها تصريح بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ما بينه عليه السلام في أحوال ولديه علي وجعفر عليهما السلام وقال: ان عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لامي من بينهم وأبي والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب وقد خرج ذلك جماعة من علماء أهل السنة والامامية. (منهم) ابن ابي الحديد الشافعي في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 76 ط 2) وخرجه أبو هفان فيما جمعه في ديوان ابي طالب (ص 36) وقال: حدثني أبو العباس المبرد قال: حدثني ابن عائشة، قال: مر أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعلي عليه السلام عن يمينه وجعفر مع ابي طالب يكتمه اسلامه فضرب عضده وقال: اذهب فصل جناح ابن عمك وقال:
[46]
ان عليا وجعفرا ثقتي * عند احتدام الامور والنوب أراهما عرضة اللقاء لذا * ساميت أو انتمي إلى حرب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * اخي لامي من بينهم وابي (قال المؤلف) ولم يذكر بقية الابيات في هذه الرواية (وخرجها السيد فخار بن معد في الحجة على الذاهب (ص 68 ط أول) في سبعة أبيات بعد أن خرجها في رواية ثلاثة ابيات، وفيها اختلاف لما في الديوان في الترتيب والالفاظ وذكر سبب انشاء أبي طالب عليه السلام لهذه الابيات قال: أخبرني الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرئيل رحمه الله باسناده إلى الشيخ أبي الفتح الكراجكي رحمه الله قال: حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر الآودي، قال: حدثنا عمر بن محمد بن سيف بالبصرة سنة سبع وستين وثلثمائة، قال: حدثنا محمد بن محمد بن سليمان قال حدثنا ضوء بن صلصال بن الدلهمس بن جهل بن جندل، قال: حدثني أبي ضوء بن صلصال بن الدلهمس، قال: كنت أنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي طالب قبل إسلامي، فاني يوما لجالس بالقرب من منزل أبي طالب في شدة القيظ إذ خرج أبو طالب إلي شبيها بالملهوف فقال لي: يا ابا الغضنفر، هل رأيت هذين الغلامين ؟ يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليا عليه السلام فقلت: ما رأيتهما مذ جلست، فقال: قم بنا في الطلب لهما فلست آمن قريشا أن تكون اغتالتهما، قال: فمضينا حتى خرجنا من أبيات مكة، ثم صرنا إلى جبل من جبالها فاسترقيناه إلى قلته، فإذا النبي صلى الله عليه وآله وعلي عن يمينه وهما قائمان بازاء عين الشمس يركعان ويسجدان فقال أبو طالب لجعفر ابنه وكان معنا صل جناح ابن عمك، فقام إلى جنب علي فاحس بهما النبي صلى الله عليه وآله
فتقدمهما وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا مما كانوا فيه، ثم أقبلوا نحونا
[47]
فرأيت السرور يتردد في وجه أبي طالب ثم انبعث يقول: ان عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لامي من بينهم وأبي والله لا اخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب (ثم ذكر السيد عليه الرحمة رواية أخرى في سبب الابيات وهذا لفظه: (أخبرني) السيد أبو علي عبد الحميد بن التقي الحسيني رحمه الله باسناده إلى ابي علي الموضح يرفعه إلى عمران بن الحصين الخزاعي قال: كان والله إسلام جعفر عليه السلام بأمر أبيه، ولذلك مر أبو طالب ومعه ابنه جعفر برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي، وعلي عليه السلام عن يمينه، فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمك فجاء جعفر فصلى مع النبي صلى الله عليه وآله فلما قضى صلاته قال له النبي صلى الله عليه وآله: يا جعفر وصلت جناح ابن عمك ان الله يعوضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنة فانشأ أبو طالب رضوان الله عليه (يقول): ان عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لامي من بينهم وأبي إن ابا معتب قد اسلمنا * ليس أبو معتب بذي حدب والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب حتى تروا الرؤس طائحة * منا ومنكم هناك بالقضب نحن وهذا النبي اسرته * نضرب عنه الاعداء كالشهب
ان نلتموه بكل جمعكم * فنحن في الناس الام العرب (1) قال السيد - عليه الرحمة: وقول ابي طالب إن ابا معتب يريد
(1) هذه الابيات خرجها العسكري في كتاب الاوائل مع ما فيها من زيادة [*]
[48]
أخاه ابا لهب، وكان يكنى أبا معتب، ثم ذكر السيد شرحا في سبب تركه عليه السلام الصلاة مع ابن عمه صلى الله عليه وآله مع أنه كان مؤمنا به فقال ما مختصره: انما منعه من الصلاة معه التقية من صاحبه الذي كان معه (أي ضوء بن صلصال) لانه كما مر عليك ينصر النبي صلى الله عليه وآله مع انه كان غير مؤمن به، فابو طالب عليه السلام مراقبة لصاحبه واستبقاء لنصرته أظهر مواففته معه، وكان ذلك خدعة منه لتقوى شوكته في نصرة ابن عمه فلو كان مصليا معه عرف ذلك المشركون فصاروا يدا واحدة عليه لم يتمكن من حفظ ابن اخيه واصحابه. (قال المؤلف) خرج ابن الاثير في أسد الغابة (ج 1 ص 287) في ترجمة جعفر بن ابي طالب عليهما السلام قضية أمر ابي طالب عليه السلام ابنه جعفر بان يصل جناح ابن عمه، وقال: ما هذا نصه: (روي) أن ابا طالب رأى النبي صلى الله عليه وآله وعليا رضي الله عنه يصليان وعلي عن يمينه فقال لجعفر رضي الله عنه صل جناح ابن عمك وصل عن يساره، ولم يذكر اشعاره. (وخرج) أبو بكر الشيرازي في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل عليه الوحي أتى المسجد الحرام وقام يصلي فيه فاجتاز به علي عليه السلام وكان ابن تسع سنين فناداه يا علي الي أقبل، فاقبل إليه مليا
فقال له النبي: إني رسول الله اليك خاصة والى الخلق عامة، فقف عن يميني وصل معي، فقال يارسول الله حتى أمضي واستأذن أبا طالب والدي فقال له: اذهب فانه سيأذن لك، فانطلق إليه يستأذنه في اتباعه فقال يا ولدي تعلم أن محمدا أمين الله منذ كان، إمض إليه واتبعه ترشد وتفلح فأتى علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم يصلي في
[49]
المسجد فقام عن يمينه يصلي معه فاجتاز أبو طالب بهما وهما يصليان، فقال يا محمد ما تصنع قال أعبد إله السماوات والارض ومعي أخي علي يعبد ما أعبد، وأنا أدعوك إلى عبادة الواحد الاحد القهار فضحك أبو طالب حتى بدت نواجده وأنشأ يقول: والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أغيب في التراب دفينا فاصدع بامرك ما عليك عضاضة * وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * ولقد دعوت وكنت ثم امينا وفي رواية ودعوتني وزعمت انك ناصحي * ولقد صدقت وكنت ثم امينا ولقد علمت بان دين محمد * من خير اديان البرية دينا (قال المؤلف) زاد ابن كثير على الابيات بيتا آخر، ولا يخفى أن البيت الخامس الذي زاده ابن كثير وغيره كالقرطبي وامثاله ليس من ابي طالب عليه السلآم، قال العلامة البرزنجي وغيره انه موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه، كما في أسنى المطالب (ص 18 طبع طهران سنة 1382 ه) (ثم قال) ولو قيل إنه من كلامه فيقال أتى به عليه السلام للتعمية على قريش وليوهم عليهم أنه معهم وعلى ملتهم، ولم
يتابع محمدا ليقبلوا حمايته ويمتثلوا اوامره. (وقال) العلامة الحجة الاميني دام بقاه بعد نقله الابيات مع البيت الاخير ونعم ما قال قال: هب أن البيت الاخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فان أقصى ما فيه أن العار والسبة اللذين كان ابو طالب يحذرهما خيفة أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله، إنما منعاه عن الابانة والاظهار لاعتناق الدين وإعلان الايمان بما جاء به النبي الامين، صلى الله عليه وآله
[50]
وهو صريح قوله (لوجدتني سمحا بذاك مبينا) أي مظهرا واين هو من اعتناق الدين في نفسه والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ولو كان يريد عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الاولى المتقدمة، التي ينص فيها بان دين محمد صلى الله عليه وآله من خير أديان البرية دينا، وأنه صلى الله عليه وآله صادق في دعوته أمين على امته. (وذكر الاميني) أن الابيات رواها الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان) وقال: قد اتفق على صحة نقل هذه الابيات عن أبي طالب (عليه السلام) مقاتل وعبد الله بن عباس والقسم بن مخيمرة وعطاء بن دينار (وقال) ذكر الابيات في خزانة الادب للبغدادي (ج 1 ص 261 طبع ثاني سنة 1299 ه) وتأريخ ابن كثير (ج 3 ص 42) وتاريخ ابي الفداء (ج 1 ص 120) وفتح الباري شرح صحيح البخاري (ج 7 ص 153 ص 155) والمواهب اللدنية (ج 1 ص 61) والسيرة الحلبية (ج 1 ص 305) وفي ديوان ابي طالب ص 12 طبع النجف الاشرف.
(قال المؤلف) ذكره فيه اختلاف في بعض الفاظه، وهذا لفظه قال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله لما أخافته قريش: والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فانفذ لامرك ما عليك غضاضة * فكفى بنا دنيا لديك ودينا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * فلقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد علمت بانه * من خير أديان البرية دينا (قال المؤلف) ذكر ابن ابي الحديد وغيره أشعار ابي طالب عليه السلام المتقدمة ولم يذكروا سبب انشاد أبي طالب عليه السلام لهذه الابيات ولو ذكروا سببه لكان موجبا لمعرفة معنى الابيات وكان إليق وأقرب لفهم
[51]
المراد، ولكن القلوب القاسية والضماير الفاسدة لم تترك للناس امانة فغيروا وبدلوا وزادوا ونقصوا (يريدون ليطفؤا نور الله بافواههم والله متم نوره). (قال ابن كثير) في البداية والنهاية (ج 3 ص 42) قبل نقله الابيات ولعله يريد بيان السبب لما أنشده أبو طالب عليه السلام (روى) يونس بن بكير بن طلحة بن يحيى عن عبد الله بن موسى بنم طلحة، أخبرني عقيل بن ابي طالب، قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: ان ابن اخيك هذا، قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال يا عقيل إنطلق فأتني بمحمد، قال: فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس، أو قال خنس (هو بيت صغير) فجاء به في الظهيرة في شدة الحر فلما أتاهم قال (أبو طالب له): ان بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله صلى الله عليه وآله ببصره إلى السماء، فقال: ترون هذه الشمس ؟ قالوا: نعم، قال: " فما
انا باقدر أن ادع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة " فقال أبو طالب والله ما كذب ابن اخي قط فارجعوا، ثم روى الحديث بلفظ آخر وقال إن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة (اي شكايتهم عنه) بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن اخي إن قومك قد جاؤني وقالوا: كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق أنا ولا انت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك فظن رسول الله صلى الله عليه وآله أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه، فقال رسول الله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الامر حتى يظهره الله أو اهلك في طلبه، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وآله فبكى فلما ولى قال له (أبو طالب) حين رأى ما بلغ الامر برسول الله
[52]
صلى الله عليه وآله: يا ابن اخي فاقبل عليه فقال: امض على امرك فافعل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ ابدا، قال ابن اسحاق: ثم قال أبو طالب في ذلك: والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فامض لامرك ما عليك غضاضة * أبشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * فلقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد عرفت بانه * من خير أديان البرية دينا لو لا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا (قال المؤلف) ومن علماء الشافعية الذين خرجوا الابيات زيني دحلان الشافعي في (اسنى المطالب (ص 18) الطبع الثاني وذكر سببا آخر لانشاد
أبي طالب عليه السلام للابيات، وهذا نصه: قال (واجتمع) مرة كفار قريش وجاؤا أبا طالب ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة وكان من احسن فتيان قريش وقالوا لابي طالب: خذ هذا بدل محمد، يكون كالابن لك، وأعطنا محمدا نقتله، فقال ما أنصفتموني يا معشر قريش آخذ ابنكم أربيه وأعطيكم ابني تقتلونه، ثم قال: والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بامرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وعلمت أنك صادق * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا ولقد علمت بان دين محمد * من خير أديان البرية دينا (قال المؤلف) جعل زيني دحلان سبب انشاد أبي طالب عليه السلام الابيات قضية طلب قريش من أبي طالب عليه السلام مبادلة عمارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقتلوه، وهذه القضية غير القضايا السابقة التي ذكرت سببا لانشاد ابي طالب الابيات، ومن الممكن أن
[53]
أبا طالب في جميع هذه القضايا أنشد هذه الابيات التي مفادها طمأنينة قلب الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله بان أبا طالب عليه السلام يحاميه حتى الموت، وأمره بالقيام بما أمر به، وأن لا يرتدع عما هو عليه من تبليغ ما أرسل به بما يراه من الايذاء من مشركي قريش وغيرهم. ومن علماء الشافعية الذين اخرجوا الابيات المتقدمة زيني دحلان ايضا في كتابه الآخر المعروف بالسيرة النبوية المطبوع بهامش السيرة الحلبية (ج 1 ص 97 وص 98) وخرحها في طلبة الطالب (ص 5) وفي بلوغ الارب (ج 1 ص 325) وفي السيرة الحلبية (ج 1 ص 312) ذكر بيتا واحدا
وترك البقية، وذكرها الالوسي في بلوغ الارب، وابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة كما يلي: والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب رهينا فانفذ لامرك ما عليك مخافة * وابشر وقر بذاك منه عيونا ودعوتني وزعمت انك ناصحي * ولقد صدقت وكنت قبل امينا وعرضت دينا قد علمت بانه * من خير أديان البرية دينا لو لا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا (قال المؤلف) إن لهذه الابيات التي انشدها أبو طالب مقدمة ذكرها ابن ابي الحديد قبل هذه الابيات (ج 14 ص 53 ص 54 الطبعة الثانية) وهذا نصها: قال محمد بن اسحاق: ولم تكن قريش تنكر أمره (أي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله) وهو ما كان يأمرهم بترك الشرك بالله والاعتراف بالوحدانية، (لله تعالى) حينئذ كل الانكار حتى ذكر آلهتهم وعابها فاعظموا ذلك وأنكروه، وأجمعوا على عداوته وخلافه، وحدب عليه عمه أبو طالب فمنعه (من أن يصيبه بشئ) وقام دونه (يحميه ويذب عنه)
[54]
حتى بكون مظهرا لامر الله لا يرده عنه شئ، قال: فلما رأت قريش محاماة أبي طالب عنه، وقيامه دونه، وامتناعه من أن يسلمه (إليهم ليقتلوه) مشى إليه رجال من أشراف قريش ذكر اسماءهم وهم ثمانية، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا وضلل آراءنا، فاما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه،. فقال لهم ابو طالب: قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى
رسول الله صلى الله عليه وآله على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه، ثم شرق (ثم شرى) الامر بينه وبينهم (أي تزايد) تباعدا وتضاغنا (أي معاداة) حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينها، وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عيله، فمشوا إلى أبي طالب مرة ثانية، فقالوا: يا أبا طالب ان لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وانا قد استنهيناك من ابن اخيك فلم تنهه عنا، وانا والله لا نصبر على شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، فاما ان تكفه عنا أو ننازله وإياك (أي نحاربكما) حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا، فعظم علي أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم تطب نفسه باسلام ابن اخيه لهم وخذلانه فبعث إليه، فقال يا ابن اخي إن قومك قد جاؤني فقالوا لي كذا وكذا للذي قالوا فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الامر ما لا اطيقه، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وانه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام دونه، فقال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك، ثم استعبر باكيا وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب: أقبل يا ابن اخي، فاقبل راجعا فقال له إذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ
[55]
أبدا، ثم انشد الابيات المتقدمة. (قال المؤلف) خرج الابيات المتقدمة جمع كثير من علماء السنة والامامية عليهم الرحمة غير من تقدم ذكرهم، ومن علماء السنة الذين أخرجوا الابيات القرطبي في تفسيره (ج 6 ص 406) فانه خرجها مع
اختلاف قي بعض كلماتها وهذا نصها. والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بامرك ما عليك غضاضة * إبشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت انك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت بانه * من خير أديان البرية دينا لو لا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني سمحا بذاك يقينا (قال المؤلف) هذه الالفاظ أوضح وأصرح في الاعتراف بنبوة سيد المرسلين، ولا فرق في الاعتراف بالاسلام في النثر أو الشعر، فابو طالب عليه السلام في شعره هذا اعترف بصدق ما جاء به ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله والاعتراف هو الاسلام، ولكن يعتذر عليه السلام من المشاركة معه في العبادة والصلاة في الظاهر حتى يتمكن من حفظه وحفظ أصحابه فحاله عليه السلام حال أصحاب الكهف الذين كانوا يخفون الاسلام والتدين بدين نبي عصرهم الذي كان يجب عليهم اتباعه فاعطاهم الله اجرهم مرتين. (ومنهم) الزمخشري في تفسير الكشاف ج 1 ص 448 فقد خرج الابيات، وقال في مقدمتها: روي أنهم (أي كفار قريش) اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وآله سوء فقال الابيات، ولفظه يقرب من لفظ القرطبي، وفيه اختلاف، وهذا نصه: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا
[56]
فاصدع بامرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منه عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا لا محالة أنه * من خير أديان البرية دينا لو لا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا ومن العلماء الذين خرجوا الابيات العلامة محمد بن علي بن شهر اشوب فانه خرج الابيات الخمسة، ولفظه يقرب لفظ الزمخشري مع اختلاف يسير، وقال في البيت الخامس. لو لا المخافة أو يكن معرة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا (قال المؤلف) لو فرضنا صحة نسبة البيت الخامس إلى ابي طالب عليه السلام لكان لفظه في البيت الاخير أحسن الالفاظ واصحها، والله العالم. (ومنهم) علاء الدين علي بن محمد بن ابراهيم البغدادي المعروف بالخازن، فقد أخرج الابيات في تفسيره (لباب التأويل في معاني التنزيل) ج 2 ص 10، وقال: روي أن النبي صلى الله عليه وآله دعا أبا طالب إلى الايمان فقال: لو لا تعيرني قريش لاقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت، وقال في ذلك (ثم ذكر الابيات) ولفظه يقرب من لفظ ابن ابي الحديد إلا في البيت الثاني فانه قال: (فاصدع بامرك ما عليك غضاضة) وقال ابن ابي الحديد: (فانفذ لامرك ما عليك مخافة) وقال في البيت الخامس: (لو لا الملامة أو حذار مسبة) وقال ابن ابي الحديد: (لو لا الملامة أو حذاري سبة)
[57]
(ومنهم) احمد بن ابي يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب المعروف بابن واضح الاخباري المتوفي سنة 292 فانه خرج الابيات في كتابه المعروف بتأريخ اليعقوبي (ج 2 ص 22 طبع النجف الاشرف)، ولم يذكر إلا ثلاثة ابيات، وذلك يدل على ان البيت الاخير ليس من أبياته قال: وهمت قريش بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأجمع ملاها على ذلك وبلغ أبا طالب فقال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا ودعوتني وزعمت أنك ناصح * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد علمت بانه * من خير أديان البرية دينا ثم قال اليعقوبي فلما علمت قريش أنهم لا يقدرون على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن ابا طالب لا يسلمه، وسمعت بهذا من قول ابي طالب، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة. أن لا يبايعوا احدا من بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلوه فتعاقدوا على ذلك، وتعاهدوا، وختموا على الصحيفة بثمانين خاتما، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فشلت يده، ثم حصرت قريش رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته من بني هاشم وبني عبد المطلب بن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب بني هاشم (وكان ذلك) بعد ست سنين من مبعثة (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين. حتى أنفق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ماله وأنفق ابو طالب ماله وانفقت خديجة بنت خويلد مالها، وصاروا إلى حد الضر والفاقة، ثم نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله)
فقال: إن الله بعث الارضة على صحيفة قريش فاكلت كل ما فيها
[58]
من قطيعة وظلم: إلا المواضع التي فيها ذكر الله، فخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا طالب بذلك، ثم خرج أبو طالب ومعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته حتى صاروا إلى الكعبة فجلس بفنائها. وأقبلت قريش من كل أوب فقالوا: قد آن لك يا ابا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلى قومك وتدع اللجاج في ابن اخيك، فقال لهم: يا قوم أحضروا صحيفتكم، فلعلنا أن نجد فرجا وسببا لصلة الارحام وترك القطيعة، وأحضروها وهي بخواتيمهم فقال: هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها ؟ قالوا: نعم، قال: فهل أحدثتم فيها حدثا ؟ قالوا: اللهم لا، قال فان محمدا أعلمني عن ربه أنه بعث الارضة فاكلت كل ما فيها إلا ذكر الله، أفرأيتم إن كان صدقا ماذا تصنعون ؟ قالوا: نكف ونمسك: قال: فان كان كاذبا دفعته اليكم تقتلونه: قالوا قد انصفت واجملت: وفضت الصحيفة فإذا الارضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عزوجل. فقالوا: ما هذا إلا سحر، وما كنا قط أجد في تكذيبه منا ساعتنا هذه، وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم، وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو عبد المطلب فلم يرجعوا إليه. (قال المؤلف) رأيت في مطالعاتي لكتب التفسير عند ذكرهم الآية المباركة في سورة الانعام آية (26) (وهم ينهون عنه وينأون) ذكروا أن الابيات التي أنشدها أبو طالب عليه السلام كانت ثلاثة وزيدت عليها يد الكذب والظلم البيت الخامس أو البيت الاخير وهو: (لو لا الملامة، الخ) فكثر عجبي من ذلك فلما راجعت تأريخ اليعقوبي فإذا الابيات التي يذكرها
ثلاثة ليس فيها البيت الرابع والخامس فتحقق لدي أن البيت الخامس من زيادة المحرفين من أعداء أبي طالب وأولاده، ويؤيد ما قلنا في الابيات من أن البيت الاخير من زيادة الاعداء، ما خرجه العلامة الملك المؤيد
[59]
إسماعيل ابوالفدا صاحب حماه المتوفي سنة 732 ه، كما في كشف الظنون (ص 401) واسم التاريخ (المختصر في أخبار البشر) فقد خرج في الجزء الاول (ص 122) الابيات وقال (ذكر وفاة ابي طالب) ثم قال توفي في شوال سنة عشر من النبوة، ولما اشتد مرضه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عم أقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة (يعني الشهادة) فقال أبو طالب: يابن أخي لو لا مخافة السبة وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها (قال): فلما تقارب من أبي طالب الموت جعل يحرك شفتيه فاصغى إليه العباس باذنه وقال: والله يابن اخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحمد لله الذي هداك يا عم، هكذا روي عن ابن عباس ثم قال: ومن شعر أبي طالب مما يدل عل أنه كان مصدقا لرسول الله صلى الله عليه وآله قوله: ودعوتني وعلمت أنك صادق * ولفد صدقت وكنت ثم أمينا ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا قال: توفي وكان عمر أبي طالب بضعا وثمانين سنة. (قال المؤلف) لو كان للابيات بقية لذكرها الملك المؤيد أبو الفداء فعدم ذكره البيت الخامس أو الاخير دليل على أن البيت من زيادة الاعداء
ومن تأمل في البيت الاخير وكان من أهل البصيرة بالشعر والادب عرف أن البيت الاخير يختلف مع الابيات المتقدمة في أسلوبه الشعري، وليس فيه لطافة كما في الابيات الثلاثة المتقدمة، واختلاف النقل في البيت دليل آخر على أنها موضوعة منسوبة إليه، وليست من أشعاره عليه السلام وقد صرح بان البيت الرابع أو الخامس من زيادة المحرفين المفسر المعروف
[60]
العلامة أبو الفتوح عليه الرحمة في تفسيره الكبير المطبوع بالفارسية (ج 2 ص 265) قال ما هذا نضه بالفارسية: (واين بيت بازپسين (أي الاخير) همه عقلا دانند كه مجانس آن نيست، بل مناقض أو است وچون أو مردي محال است كه در چند بيتي مناقضه كويد (وقال ما نصه) هر عاقل اين أبيات را تأمل كند داند كه بيت آخرين ملحق است ونه ملايم ابيات اول است، نه بقوت ومتانت، ونه بمعنى، ومناقضه كه حاصل است ميان اين بيت با أبيات اول) ثم أخذ في بيان معنى الابيات وقال ما معناه: أنه عليه السلام: ذكر أنه ينصره ويحاميه من كيد الكافرين ما دام حيا، وفي البيت الثاني يأمره باداء الرسالة ويحرضه على ذلك ويبشره بما جاءه من النبوة والرسالة، وفي البيت الثالث صرح بانه مؤمن به ومصدق له فقال: لا فرق بين أن يقول الرجل آمنت بك أو صدقت بك، وبين أن يقول انت صادق في دعواك، قال: وفي قوله عليه السلام (ولقد علمت بان دين محمد، من خير اديان) تصديق آخر وايمان آخر غير الذي اعترف به في البيت السابق عليه، وممن انكر أن يكون البيت الرابع من أبي طالب عليه السلام زيني دحلان في كتابه اسنى المطالب (ص 18) قال: قيل انه موضوع أدخلوه في شعر ابي طالب وليس من كلامه، وقد
تقدم ذلك منه. (ومن اشعار ابي طالب عليه السلام) التي انشدها في امر الصحيفة الملعونة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم، ما اخرجه ابن كثير (في البداية والنهاية (ج 3 ص 87) قال: قال ابن اسحاق: فلما اجتمعت على (قطيعة بني هاشم) قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب إلا أبلغا عني على ذات بيننا * لويا وخصا من لوي بني كعب ألم تعلموا إنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب
[61]
وإن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب وإن الذي الصقتموا من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنب ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا ورب البيت نسلم احمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت بالقساسية الشهب بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور الضخم يعكفن كالشرب كأن ضحال الخيل في حجراته * ومعمعة الابطال بمعركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب (قال المؤلف) قد خرج هذه الابيات التي أنشدها أبو طالب عليه السلام وبين فيها الخير والصواب، واعترف فيها بنبوة ابن أخيه
صلى الله عليه وآله، جماعة من علماء اهل السنة والامامية عليهم الرحمة منهم من تقدم. (ومنهم) ابن الحديد الشافعي فقد خرج الابيات في (ج 14 ص 72 الطبعة الثانية) من شرحه على نهج البلاغة وقد وافق ابن كثير في عدد الابيات، وخالفه في كثير من الفاظه ولذلك نذكر الفاظه بنصوصها. قال في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 72): ومن شعر أبي طالب في أمر الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم). ألا أبلغا عني على ذات بينها * لويا وخصا من لوي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى في أول الكتب
[62]
وإن عليه في العباد محبة * ولا حيف فيمن خصه الله بالحب وإن الذي رقشتم في كتابكم * يكون لكم يوما كراغية السقب أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذى ذنب ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا وبيت الله نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت بالمهندة الشهب بمعترك ضيق ترى قصد القنا * به والضباع العرج تعكف كالشرب كأن مجال الخيل في حجراته * وغمغمة الابطال معركة الحرب أليس ابونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي مما ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب
(ومنهم) أبو محمد عبد الملك بن هشام بن ايوب الحميري المغافري كان من اهالي مصر، وأصله من البصرة وقد توفي سنة 213 ه، وقد جمع سيرة الرسول الاكرم من المغازي والسير لابن اسحاق وهذبها ولخصها وقال أحمد بن يونس صاحب تأريخ مصر: إنه توفي سنة 218 ه بمصر وقال إنه ذهلي، وكتابه معروف بسيرة ابن هشام طبع في ثلاثة اجزاء بمصر سنة 1329. (قال المؤلف) خرج ابن هشام الابيات في سيرته (ج 1 ص 318 طبع مصر سنة 1329) ولفظه يساوي لفظ ابن كثير، وقد تقدم لفظه وقد زاد فيه بيتين (ثم قال) ابن هشام فاقاموا على ذلك (أي على القطيعة) سنتبن أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إليهم شئ إلا سرا مستخيفا من أراد صلتهم من قريش.
[63]
(ومنهم) السيد أحمد زيني دحلان الشافعي فانه خرج الابيات في كتابه (أسنى المطالب في تجاه ابي طالب) ص 13 طبع مصر وص 17 طبع طهران) ولفظه يقرب من لفظ ابن ابي الحديد المتقدم، وقال في البيت الثاني. ألم تعلموا انا وجدنا محمدا * رسولا كموسى صح ذلك في الكتب (ثم قال) ويروى أنه عليه السلام قال: (نبيا كموسى خط ذلك في الكتب). (قال): ومنها (أي من القصيدة): وإن عليه في العباد مودة * ولا خير ممن خصه الله بالحب فلسنا ورب البيت نسلم احمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب
(قال المؤلف) ولم يذكر زيني دحلان بقية القصيدة للاختصار ولكن أخذ يستدل بابيات اخرى في إثبات ايمان ابي طالب عليه السلام وقال: ومن شعره: وشع له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد (ثم قال) هكذا نسب الحافظ ابن حجر في الاصابة هذا البيت لابي طالب، قال: وقيل إنه لحسان بن ثابت الانصاري (قال البرزنجي) ولا مانع أن يكون لابي طالب وأخذه حسان بن ثابت فضمنه شعره. (قال المؤلف) لا شك في أن البيت المتقدم من شعر أبي طالب عليه السلام، وقد خرجه ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 78) وقال ومن شعر ابي طالب: لقد اكرم الله النيي محمدا * فاكرم خلق الله في الناس أحمد وشق له من إسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد (قال المؤلف) ذكر ابن حجر في الاصابة (ج 7 ص 112)
[64]
ما ذكر زيني دحلان الشافعي في أسنى المطالب من شعر أبي طالب عليه السلام ونسبه إليه، ولكن ترك البيت الاول لان فيه تصريحا بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وابن حجر من الجماعة القاثلين بعدم ايمان ابي طالب فخاف لو ذكر البيت الاول أثبت خلاف عقيدته، فجزاه الله ما يستحقه وحشهر مع من يتولاه، والعجب من ابن ابي الحديد كيف ذكر البيت الاول مع أنه من المتوقفين في إيمان ابي طالب عليه السلام وهذا البيت يثبت إيمانه بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه ه آله وسلم وهو من أقوى الابيات الدالة على ايمانه، ومن اوضح أشعارة عليه السلام
الدالة على اسلامه، إذ لا فرق بين أن يقول الشخص محمد نبي أو يقول أنت النبي محمد، أو واكرم الله النبي محمدا صلى الله عليه وآله. (قال المؤلف) خرج ما خرجه ابن الحديد جماعة من علماء السنة واليك اسماءهم بالاختصار: ابن هشام في (ج 1 ص 318) من سيرته طبع مصر سنة 1329 وفيه مع زيادة بيتين في آخره، وابن دحلان الشافعي في اسنى المطالب (ص 10 طبع مصر سنة 1305) والالوسي البغدادي في كتابه بلوغ الارب (ص 325 طبع مصر سنة 1342) وعبد القادر البغدادي في (ج 1 ص 261) من خزانة الادب طبع مصر سنة 1299 وقال ابن دحلان بعد ذكره بعض القصيدة هذا البيت من قصيدة بليغة غراء قالها زمن محاصرة قريش لهم في الشعب، وهذه القصيدة تدل على غاية محبته للنبي صلى الله عليه وآله وتدل على التصديق بنبوته وشدة حمايته له، والذب عنه (سلام الله عليه وعلى آله الطيبين) وفي (ج 7 ص 333) من الغدير ذكر الابيات كما في سيرة ابن هشام، وقال خرجه في الروض الانف (ج 1 ص 220) وحرجه ابن كثير في تاريخه (ج 3 ص 87) وخرجه في طلبة الطالب (ص 10).
[65]
(قال المؤلف) وخرجه السيد في (الحجة على الذاهب ص 39) وذكره في كتاب هشام وامية (ص 172) وذكره في كتاب إيمان ابي طالب (ص 15) وخرجه في المناقب (ج 1 ص 44 من الطبع الثاني) وفي (شيخ الابطح ص 35) وخرجه السيد في (اعيان الشيعة (ص 140 ص 141 من ج 39) وفي (متشابهات القرآن ج 2 ص 65) خرج بعض أبياتها في ضمن أبيات كثيرة فيها تصريح منه عليه السلام بانه آمن
برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله. (قال المؤلف) فهل بعد اعترافه بالرسالة في الابيات السابقة، وبعد اعترافه بالنبوة في الابيات اللاحقة يبقى مجال للشك في ايمانه عليه السلام ؟ والعجب ممن ينقل هذه الابيات وأمثالها لابي طالب عليه السلام ومع ذلك ينكر أو يتوقف في القول بايمانه عليه السلام، راجع شرح النهج لابن ابي الحديد (ج 14 ص 82 الطبعة الثانية) تعرف المتوقف والمنكر. (ومن جملة أشعاره عليه السلام) الدالة على أيمانه وإسلامه أبيات بعثها عليه السلام إلى النجاشي ملك الحبشة يحرضه على نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خرجها صاحب ناسخ التواريخ (ج 1) من الكتاب الثاني منه (ص 252) وهذا نصها: تعلم مليك الحبش إن محمدا * نبي كموسى والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به * فكل بامر الله يهدي ويعصم وإنكم تتلونه في كتابكم بصدق حديث لا حديث المرجم وإنك ما يأتيك منا عصابة * بفضلك الا عاودوا بالتكرم فلا تجعلوا لله ندا واسلموا * فان طريق الحق ليس بمظلم (قال المولف) خرج الحاكم في المستدرك (ج 2 ص 623) طبع حيدر آباد الابيات وفيها تصحيف، واسقط منها البيت الخامس، وهذا نصه:
[66]
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا احمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق قال: قال أبو طالب ابياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم، وهي: ليعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح ابن مربم
أتانا بهدي مثل ما أتيا به * فكل بامر الله يهدي ويعصم وانكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث المترجم وانك ما تأتيك منا عصابة * بفضلك الا أرجعوا بالتكرم (وترك البيت الخامس) وخرج ما خرجه الحاكم العلامة السيد شمس الدين فخار بن معد المعاصر لابن ابي الحديد في كتابه الحجة على الذاهب إلى تكفير ابي طالب (ص 56) ولفظه في البيت الاول يساوي لفظه وفي بقية الابيات يساوي لفظه لفظ صاحب ناسخ التواريخ، وفي أبياته تقديم وتأخير، وفي بعض الكلمات اختلاف، وهذا نصه في (ص 56 إلى ص 57). تعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به * فكل بامر الله يهدي ويعصم وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث المترجم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * فان طريق الحق ليس بمظلم وإنك ما تأتيك منا عصابة * لقصدك إلا أرجعوا بالتكرم (قال المؤلف) ثم قال السيد شمس الدين: فانظر أيها المنصف اللبيب، والحازم الا ريب، إلى هذه الشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه وزير لموسى والمسيح عليهما السلام، وأنه أتى بالهدى مثل الذي أتيا به، فهذا إيمان محض بالنبيين عليهم السلام واعتراف بما جاؤا به من الهدى (فكل بامر الله يهدي ويعصم) أي كل من محمد صلى الله عليه
[67]
وآله وسلم وموسى والمسيح عليهما السلام يهدي ويعصم، وقوله للنجاشي (وإنكم تتلونه في كتابكم) يريد أن الانجيل، ذكر النبي صلى الله عليه
وآله وسلم، وكان النجاشي على دين النصرانية، فهل فوق هذا التصديق أو أعظم منه تحقيق ؟ ثم يقول للنجاشي (فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا) أليس هذا أمر صريح منه بالتوحيد لله تعالى والاسلام الذي جاء به ابن اخيه صلى الله عليه وآله، صريح بالتوحيد، والنصرانية ليس فيها التوحيد فانهم يقولون بالتثليث (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا) ثم يقول عليه السلام (فان طريق الحق ليس بمظلم) أي ان طريق الحق الذي جاء به ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ليس بمظلم، فيا ليت شعري من يرى طريق الحق ليس بمظلم وانه واضح، وهو سديد عاقل كيف يختار الضلال، نعوذ بالله من اتباع الهوى المورد لظى النار، الموجب لغضب الجبار (إنتهى كلام شمس الدين) وما وقع بين هلالين من زيادة المؤلف للشرح والتوضيح. (وخرج) العلامة ابن شهر اشوب في كتابه متشابهات القرآن (ص 65) بيتين منها، ولفظه فيهما يختلف مع ما في ناسخ التواريخ وما في مستدرك الحاكم، وما في (الحجة على الذاهب) وهذا نص الفاظه: تعلم أبيت اللعن أن محمدا * نبي كموسى والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به * فكل بحمد الله يهدي ويعصم (قال المؤلف) لم يذكر العلامة ابن شهر اشوب بقية الابيات لشهرتها وخرج في كتابه المناقب (ج 1 ص 44) شطرا من البيت الاول قال: وكتب (أبو طالب عليه السلام) إلى النجاشي: (تعلم أبيت اللعن ان محمدا) الابيات، فاسلم النجاشي، وكان قد سمع مذاكرة جعفر (بن ابي طالب عليهما السلام) وعمرو بن العاص، ونزل فيه (وإذا سمعوا
[68]
ما أنزل إلى الرسول) إلى قوله (جزاء المحسنين) سورة المائدة (5) آية (86) إلى (88). (قال المؤلف) ان مذاكرة جعفر بن ابي طالب عليهما السلام مع عمرو بن العاص عند النجاشي في الحبشة ذكرها علماء أهل السنة والامامية عليهم الرحمة في تفاسيرهم المفصلة، وذكرها جلال الدين السيوطي الشافعي في (الدر المنثور: ج 2 ص 307) وذكرها ايضا العلامة السيد هاشم البحراني في البرهان (ج 1 ص 302) طبع ايران، وذكرها غيرهما والمقام لا يسع ذكرها لانها مفصلة، ومن جملة من خرج الابيات السيد المقرم في كتابه العباس بن امير المؤمنين (ص 22) طبع النجف الاشرف، والعلامة الامين العاملي في الاعيان (ج 16 ص 19) والطبرسي في مجمع البيان (ج 7 ص 36) والمرحوم السيد محمد علي شرف الدين في كتابه شيخ الابطح (ص 87 ص 88) طبع بغداد سنة 1349 ه، وفي ايمان أبي طالب (ص 18) للشيخ المفيد طبع النجف الاشرف سنة 1373 ه، وفي البحار (ج 6 ص 521) طبع طهران، وخرجها الخنيزي في كتابه (أبو طالب مؤمن قريش) ص 183 طبع ثاني بيروت سنة 1381 ه والحقه ببيان لطيف متين متقن يثبت ايمان ابي طالب عليه السلام لطالب الحق، راجعه (قال المؤلف) إن أبا طالب عليه السلام إضافة إلى انه كان يؤمن بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله يطلب من ملك الحبشة النجاشي الدخول في الاسلام فاسلم وترك الشرك، فهل ترى أحدا يشرك بالله تعالى يرغب غيره في ترك الشرك والاعتراف بالاسلام وقبوله. كلا ثم كلا، ومن المعلوم الواضح لدى من له اطلاع بالتاريخ وعلى الاخص تاريخ حياة عبد المطلب وأبي طالب عليهما السلام أن ابا طالب وعبد
المطلب كانا مؤمنين متدينين بدين ابيهم ابراهيم عليه السلام إلى أن ولد
[69]
نبينا محمد صلى الله عليه وآله ولما ولد صلى الله عليه وآله آمنا به وبما جاء به، لانهم سمعوا من علماء عصرهم أنه يأتي رسول في الحجاز من قريش أن ابويه يموتان ويبقى يتيما في حجر جده وعمه إلى ان يبعث، فلذلك ما زالا يخبران الناس أنه صلى الله عليه وآله له نبأ عظيم، وكانا يأمران أولادهما وأقرباءهما باتباعه، وكانا يصران على ذلك، كما تقدم فيما ذكرناه من وصاياهما عليهما السلام، وحيث أنهما آمنا بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وماتا على ذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبر عن حالهما في الاخرة، وكان بيين لاصحابه علو مقامهما في الآخرة، فاليك بعض ذلك: ففي كتاب (الدر المنثور ج 6 ص 409) طبع مصر سنة 1314 ه خرج بسنده عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: بعثت ولي أربعة عمومة، فأما العباس فيكنى بابي الفضل إلى يوم القيامة، وأما حمزة فيكنى بابي بعلى فأعلى الله قدره في الدنيا والاخرة، وأما عبد العزى فيكنى بابي لهب فادخله الله النار وألهبها عليه وأما عبد مناف فيكنى بابي طالب فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة. (قال المؤلف) تأمل في الحديث تعرف الحق وتعرف أحوال أعمام النبي صلى الله عليه وآله بما بينه وصرح به صلى الله عليه وآله، فانه مدح المؤمنين منهم ودعا على الكافرين منهم، فلو كان أبو طالب عليه السلام مشركا كابي لهب لدعا عليه وذمه فانه صلى الله عليه وآله كان في
بياناته مبينا للحق والصواب لم يراع القرابة، فلو كان يراعي القرابة لما ذم أبا لهب ودعا عليه بما تقدم، وفي كتاب شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد الشافعي (ج 14 ص 68 طبع ثاني) قال احتجوا في اسلام آباء النبي صلى الله عليه
[70]
بما روي عن جعفر بن محمد عليه السلام انه قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث الله عبد الله المطلب يوم القيامة وعليه سيماء الانبياء وبهاء الملوك. (قال المؤلف) اخنصر ابن ابي الحديد الحديث فنسبه إلى الامام جعفر بن محمد عليهما السلام، ولا يخفى أن علوم الائمة كلهم كان من علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فتارة كانوا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذا وكذا، وتارة كانوا يذكرون الحديث من دون أن ينسبوه إلى جدهم صلى الله عليه وآله وعلى كل حال يظهر من هذا الحديث ان لعبد المطلب عليه السلام مقاما رفيعا عند الله، وذلك لايمانه بالله وإسلامه بدين أبيه ابراهيم عليه السلام وكان عليه السلام يعترف بذلك حين يسأل وعند الممات، واليك بعض ما كان يعرفه عبد المطلب عليه السلام من أحوال سبطه صلى الله عليه وآله وسلم لعلك تعرف ما كان يعتقده من أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان مؤمنا به قبل بعثتة صلى الله عليه وآله. (في الخصائص الكبرى) لجلال الدين السيوطي الشافعي (ج 1 ص 81 ص 82) ذكر تحت عنوان (باب معرفة عبد المطلب بشأن النبي صلى الله عليه وآله) قال: أخرج ابن اسحاق، والبيهقي، وابو تعيم من طريقه، قال: حدثتي العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض اهله
قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي حتى يجلس عليه فيذهب أعمامه يوخرونه، فيقول جده عبد المطلب دعوا ابني فيمسح على ظهره ويقول: ان لابني هذا لشأنا، قال: فتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وآله ابن ثمان سنين، وأوصى به
[71]
ابا طالب، قال: وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس مثله وزاد (عليه قوله) دعوا ابني يجلس عليه فانه يحسن من نفسه بشئ وأرجو أنه يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده. (وفيه ايضا ج 1 ص 81) قال: اخرج ابن سعد (في الطبقات) وابن عساكر (في تاريخه) عن الزهري ومجاهد ونافع بن جبير، قالوا: كان النبي صلى الله عليه وآله يجلس على فراش جده فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: دعوا ابني إنه ليونس ملكا، وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فانا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه، وقال عبد المطلب لام أيمن: يابركة لا تغفلي عنه فان أهل الكتاب يزعمون أن ايني نبي هذه الامة (واليك ايضا) بعض ما كان يعرفه عبد المطلب عليه السلام من أحوال سبطه وابن ابنه صلى الله عليه وآله وسلم غير ما تقدم. وإخبار الاسقف بنبوته. (وفيه ايضال ج 1 ص 81) قال: خرج أبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه قالوا: بينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران وكان صديقا له وهو يحادثه. ويقول: انا نجد صفة نبي بقي من ولد اسماعيل، هذا البلد مولده، من صفته كذا وكذا، وأتى رسول الله
صلى الله عليه وآله فنظر إليه الاسقف والى عينيه والى ظهره وإلى قدميه. فقال: هو هذا، ما هذا منك ؟ قال ابني قال: الاسقف لا ما نجد أباه حيا قال: هو ابن ابني، وقد مات أبوه وأمه حبلى به، قال صدقت، قال: عبد المطلب لبنيه تحفظوا بابن اخيكم. ألا تسمعون ما يقال فيه.
[72]
(اخبار سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بنبوة) (ابن ابنه بطريق آخر) (وفيه ايضا ج 1 ص 82) قال: أخرج البيهقي، وابو نعيم وابن عساكر، من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبيه قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بسنتين أتاه وفود العرب لتهنيه، وأتاه وفد قريش منهم عبد المطلب فقال له سيف: يا عبد المطلب اني مفض اليك من سر علمي امرا لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكني رأيتك معدنه فاطلعتك (أي أعلمتك سره) فليكن عندك مخبيا حتى يأذن الله فيه، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون، الذي ادخرناه لانفسنا، واحتجبناه دون غيرنا، خيرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، فقال عبد المطلب، ما هو ؟ قال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الامامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة، ثم قال: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، إسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم اعداءه، ويصرف بهم الناس عن عرض، ويستفتح بهم كرائم
اهل الارض، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويخمد النيران، ويكسر الاوثان، قوله فصل، وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله، والبيت ذي الحجب، والعلامات على النقب، إنك جده يا عبد المطلب غير كذب، فهل أحسست بشئ، مما ذكرت لك ؟
[73]
قال نعم، أيها الملك، إنه كان لي ابن وكنت به معجبا، وعليه رفيقا واني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب فجاءت بغلام فسميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه، فقال له سيف إن الذي قلت لك كما قلت، فاحفظه، واحذر عليه اليهود، فانهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، ولو لا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى اصير يثرب دار ملكي، فاني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصره وموضع قبره، (وفي تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 10) قال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن الله يبعث جدي عبد المطلب أمة واحدة في هيئة الانبياء وزي الملوك. (قال المؤلف) فهل يبقى مجال للشك في إيمان عبد المطلب برسول الله صلى الله عليه وآله بعدما سمعه من سيف بن ذي يزن من أنه صلى الله عليه وآله نبي يرسل من بني هاشم وهو ابن ابن عبد المطلب عبد الله عليهم السلام، والحق أن يقال إن عبد المطلب وأبا طالب عليهما السلام آمنا به صلى الله عليه وآله قبل بعثته لما علموا من أحواله من أخبار سيف بن ذي يزن وقول الاحبار والرهبان وغيرهم، ولذلك، كانوا سلام الله عليهم يخبرون أولادهم وغيرهم بأنه
صلى الله عليه وآله له نبأ عظيم وشأن جسيم وأنه يبلغ من الشرف ما لم يبلغه أي عربي قبله وبعده، وغير ذلك من كلماتهم الدالة على علو شانه ورفيع مقامه، واليك بعض ما أخبر به أبواطلب عليه السلام من أحوال النبي صلى الله عليه وآله.
[74]
(بعض ما اخبر به الاحبار والرهبان من أحوال النبي) (صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب ولغيره) (الخصائص الكبرى ج 1 ص 84) طبع حيدر آباد الدكن قال: اخرج البيهقي عن ابن اسحاق قال: كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بعد جده، فخرج في ركب من الناس إلى الشام وخرج به (صلى الله عليه وآله) معه فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة قط راهب إليه يصير علمهم (1) عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه، كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا، وكائوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يتعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظله (صلى الله عليه وآله) من بين القوم ثم اقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت (أي تدلت ومالت) أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني
قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم، وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا
(1) أي لم يزل يكون في هذه الصومعة راهب ينتهي إليه علم النصرانية. [*]
[75]
إن لك اليوم لشانا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ فقال بحيرا: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفها ويجدها عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك، إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم، قال: فلا تفلعوا أدعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى ان هذا للؤم بنا ان يتخلف ابن عبد الله ابن عبد المطلب عن الطعام من بيننا، قال: ثم قام إليه عمه الحرث بن عبد المطلب كما في السيرة النبوية بهامش ص 105 من السيرة الحلبية ط 2 سنة 1329 فاحتضنته ثم اقبل به حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى فرغ القوم من الطعام، وتفرقوا، قام بحيرا فقال له يا غلام اسألك بالات والعزى إلا ما أخبرتني عما اسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لانه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا أن رسول الله (ص) مثلهم فقال له: لا تسألني
باللات والعزى شيئا قط فوالله ما أبغضت بعضهما شيئا قط، فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، قال: فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا
[76]
الغلام منك ؟ فقال: ابني، فقاله له بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فانه ابن أخي قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، إرجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فانه كائن لابن أخيك هذا شأن، فاسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام، قال: فزعموا فيما يتحدث الناس أن زبيرا وتماما ودريسا وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء، فردهم عنه بحيرا، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم، وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا. وقال أبو طالب في ذلك أبياتا منها: فما رجعوا حتى رأوا من محمد * أحاديث تجلو غم كل فؤاد وحتى رأوا أحبار كل مدينة * سجودا له من عصبة وفراد زبيرا وتماما وقد كان شاهدا * دريسا وهموا كلهم بفساد
فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا * له بعد تكذيب وطول عناد كما قال للرهط الذين تهودوا * وجاهدهم في الله كل جهاد فقال ولم يترك له النصح رده * فان له إرصاد كل مصاد فاني أخاف الحاسدين وإنه * لفي الكتب مكتوب بكل مداد قال جلال الدين السيوطي الشافعي في الخصائص (ج 1 ص 85) طبع حيدر آباد كن: وأخرج أو نعيم عن الواقدي عن شيوخه مثله (أي مثل ما أخرجه البيهقي) قال: وفيه هذه الزيادة: وجعل ينظر إلى الحمرة في عينيه ثم قال لقومه: أخبروني عن هذه الحمرة تأتي وتذهب
[77]
أولا تفارقه، قالوا: ما رأيناها فارقته قط، وسأله عن نومه فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، قال: وفيه بعد قوله كائن لابن لاخيك هذا شأن نجده في كتبنا وما ورثنا من آبائنا وقد أخذ علينا مواثيق قال أبو طالب: من أخذ عليكم المواثيق قال: الله أخذا علينا ونزل به على عيسى ابن مريم، قال: وأخرج ابن سعد مثله بطوله عن داود بن الحصين، وفيه إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كان ابن ثنتي عشرة سنة (أي حين سافر مع عمه إلى الشام)، وفي تاريخ أبي الفداء (ج 1 ص 119) قال كان عمر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وفي تاريخ اليعقوبي (ج 2 ص 10، قال خرج به (عمه أبو طالب) إلى بصرى من أرض الشام وهو ابن تسع سنين، قال: والله لا اكلك إلى غيري وفي التاريخ الكبير للطبري (ج 2 ص 195) خرج نحوه وقال: خرجه هشام بن محمد، وفي أسنى المطالب (ص 13) أخرج ذلك وقال إن أبا طالب سافر إلى الشام وكان عمر النبي صلى الله عليه وآله
إذ ذاك تسع سنين فصحبه معه فرآه بحيرا الراهب بفتح الباء ورأى فيه علامات النبوة فاخبر عنه أبا طالب وأمره بأرجاعه إلى مكة مخافة عليه من اليهود، فرده إلى مكة. (وفي الخصائص ايضا ج 1 ص 85) قال: أخرج أبو نعيم عن علي قال: خرج أبو طالب في تجارة إلى الشام في نفر من قريش وأخذ معه النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فلما أشرفوا على پحيرا الراهب في وقت قيظ وحر رفع الراهب بصره فإذا غمامة تظل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم من بين من معه من الشمس فصنع بحيرا طعاما ودعاهم إلى صومعته فلما دخل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم الصومعة أشرقت الصومعة نورا فقال بحيرا: هذا نبي الله الذي يرسله من العرب إلى الناس كافة.
[78]
(وفيه ايضا ص 85) قال: أخرج ابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سار أبو طالب إلى الشام والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم معه فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير (لابي طالب عليه السلام): ما هذا الغلام منك ؟ قال: ابني قال: ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حي، قال فلم ؟ قال لان وجهه وجه نبي وعينه عين نبي قال: وما النبي ؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ به أهل الارض، قال: الله أجل مما تقول، قال: فاتق عليه اليهود، قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك ؟ قال ابني، قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له اب حي قال ؟ ولم ذاك ؟ قال: لان وجهه وجه نبي وعينه عين نبي قال سبحان الله، الله أجل مما تقول، قال: يابن أخي ألا تسمع ما يقولون ؟ قال: أي
عم لا تنكر لله قدره. (قال المؤلف) يظهر من هذه الاحاديث أن أبا طالب عليه السلام كان عالما بنبوة ابن أخيه قبل أن يبعثه الله، وكان يعتقد ذلك ولذلك كان يوصي أولاده وأقرباءه بملازمته ونصرته في إثبات دعوته حين بعث صلى الله عليه وآله، وكان يأمرهم باتباعه. (قال المؤلف) ومن اشعاره عليه السلام الدالة على إيمانه وعلو مقامه ما خرجه في المناقب وغيره وقال: روي عن علي عليه السلام أنه قال: قال لي أبي: يا بني إلزم ابن عمك فانك تسلم به من كل بأس عاجل وآجل، ثم قال لي كما في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 85 طبع ثاني: ان الوثيقة في لزوم محمد * فاشدد بصحبته علي يديكا (قال المؤلف) وقد تقدم أنه عليه السلام وصى عليا عليه السلام
[79]
وجعفرا معا بملازمة الرسول الاكرم ونصرته وعدم خذلانه، وقال: إن عليا وجعفرا ثقي * عند ملم الزمان والنوب وهذه الابيات خرجها في ديوانه (ص 42) وهي ثلاثة أبيات وفيها تصريح بنبوة النبي صلى الله عليه وآله، فهل يشك في إبمان من كان كلامه هذا ؟ وهل الاقرار بالنبوة في الشعر والنثر يختلف في الاثر فلا يعتبر في الشعر ؟ هذا وقد خرج الابيات الثلاثة ابن أبي الحديد الشافعي في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 26 طبع ثاني) ثم قال: وقد جاءت، الرواية أن أبا طالب (عليه السلام) لما مات جاء علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: فآذنه بموته، فتوجع (رسول الله صلى الله عليه وآله) عظيما وحزن شديدا ثم قال له
(أي لعلي عليه السلام): إمض فتول غسله. فإذا رفعته على سريره فاعلمني، ففعل (ذلك علي عليه السلام) فاعترضه (أي جاء إلى تشييعه) رسول الله صلى الله عليه وآله وهو محمول على رؤوس الرجال. فقال، وصلتك رحم يا عم، وجزيت خيرا، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، وآزرت كبيرا، ثم تبعه (مشيعا) إلى حفرته، فوقف عليه فقال، أما والله لاستغفرن لك، ولاشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان ثم قال ابن أبي الحديد كلاما مفصلا. ومن جملته انه لا يجوز للنبي أن يرق لكافر (كما تدعيه بنو أمية وأتباعهم) ولا (يجوز للنبي صلى الله عليه وآله) أن يدعو له بخير (أي لا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله ان يدعو إلا لمسلم) ولا (يجوز للني صلى الله عليه وآله) أن يعده (أي يعد من ليس بمؤمن) بالاستغفار والشفاعة، قال، ولم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا على خديجة عليها السلام، لان صلاة الجنازة لم تشرع بعد
[80]
وإنما كان تشبيع ورقة ودعاء. (قال المؤلف) يفكي في إثبات إيمان أبي طالب عليه السلام دعاؤه صلى الله عليه وآله له إذ لو لم يكن مؤمنا ما كان يجوز له أن يدعو له أو يرق عليه أو يشيعه، وفي تاريخ اليعقوبي (ج 2 ص 26) خرج دعاء النبي صلى الله عليه وآله لعمه بعد موته ومشايعته له وحزنه عليه، ويأتي ذلك مفصلا، ولا يخفى أن هذه الابيات الثلاثة المتقدمة أخرجها في ديوان أبي طالب عليه للسلام مع اختلاف وتقديم وتأخير، وهذا نصه: قال أبو هفان عبد الله بن أحمد المهزمي: وأنشدني خالد بن حمل عن
عبد الكريم الباهلي لابي طالب: والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب إن عليا وجعفرا ثقة * وعصمة في نوائب الكرب لا تقعدا وانصرا ابن عمكما * أخي لامي من بينهم وأبي (ثم قال) وحدثني أبو العباس المبرد، قال: حدثني ابن عائشة قال: مر أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعلي عن يمينه وجعفر مع أبي طالب يكتمه إسلامه فضرب عضده وقال اذهب فصل جناح ابن عمك، وقال: ان عليا وجعفرا ثقتي * عند احتدام الامور والكرب أراهما عرضة اللقاء لذا * ساميت أو انتمي إلى حرب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لامي من بينهم وأبي (قال المؤلف) ومن اشعار أبي طالب عليه السلام وقد نسبه إليه الطبري والبلاذري والضحاك، كما ذكره في المناقب لابن شهر اشوب (ج 1 ص 42) وهذا نص الفاظه. قال الطيري والبلاذري والضحاك قالوا: لما رأت قريش حمية قومه
[81]
(أي قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم) وذب عمه أبو طالب عنه جاؤا إليه وقالوا جئناك بفتى قريش جمالا وجودا وشهامة. عمارة بن الوليد تدفعه اليك يكون نصره وميراثه لك وندفع مع ذلك من عندنا مالا. وتدفع إلينا ابن أخيك الذي فرق جماعتنا وسفه أحلامنا فنقتله، فقال: والله ما أنصفتموني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وتأخذون ابني تقتلونه ؟ هذا والله ما لا يكون أبدا، أتعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لا تحن إلى
غيره ؟ ثم نهرهم فهموا باغتياله فمنعهم أبو طالب من ذلك وقال فيه: حميت الرسول رسول الآله * بيض تلالا مثل البروق أذب وأحمي رسول الآله * حماية عم عليه شفيق ثم ذكر في المناقب (ج 1 ص 43 (وقال: وأنشد (أبو طالب عليه السلام) وقال: يقولون لي دع نصر من جاء بالهدى * وغالب لنا غلاب كل مغالب وسلم إلينا أحمدا واكفلن لنا * بنيا ولا تحفل بقول المعائب فقلت لهم الله ربي وناصري * على كل باغ من لوي بن غالب (قال المؤلف) لا يخفى على أي عاقل تارك للتعصب تصريحات أبي طالب عليه السلام برسالة ابن أخيه وإظهارة الايمان به علاوة على ما أظهره من أنه يحاميه ولا يترك احدا يؤذيه كائنا من كان، ولا يخفى أيضا على من راجع تاريخ حياة أبي طالب عليه السلام وما كان يبديه عليه السلام في نصرة ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وأن ما ذكره في المناقب ذكره غيره من علماء أهل السنة، وهم جماعة غير أنهم ذكروا القضية ولم يذكروا أشعار أبي طالب عليه السلام المتقدمة. (منهم) ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي فانه خرج في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 55) وقال: قال محمد بن اسحاق: ثم إن قريشا
[82]
حين عرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وإسلامه إليهم، ورأوا جماعة على مفارقتهم وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان أجمل فتى في قريش فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أبهى فتى في قريش وأجمله
فخذه اليك. فاتخذه ولدا فهو لك، وسلم لنا هذا ابن أخيك الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك لنقتله فانما هو رجل برجل، فقال أبو طالب: والله ما أنصفتموني، تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا والله ما يكون أبدا، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل وكان صديقا مصافيا والله يا أبا طالب ما أراك تريد أن تقبل من قومك شيئا، لعمري قد جهدوا في التخلص مما تكره، وأراك لا تنصفهم، فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني ولا أنصفتني، ولكنك قد أجمعت على خذلاني، ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك. (قال المؤلف) إلى هنا ذكر ابن أبي الحديد القضية وترك أشعار ابي طالب عليه السلام. (ومنهم) ابن هشام فانه خرج ما خرجه ابن أبي الحديد مع اختلاف في بعض ألفاظه، وفيه زيادة لا تغير المعنى فالاولى تركه فمن أراد ألفاظه فليراجع سيرة ابن هشام (ج 1 ص 245 طبع مصر سنة 1329 ه) ثم قال ابن هشام في سيرته بعد قوله لمطعم: فاصنع ما بدا لك أو كما قالوا قال: فحقب الامر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم.
[83]
ألا قل لعمرو والوليد بن مطعم * ألا ليت حظي من حياضكم بكر من الخور حجاب كثير رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر
تخلف خلف الورد ليس بلاحق * إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر بلى لهما أمر ولكن تجر جما * كما جرجمت من رأس ذي علق صخر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهم صفر هما أشركا في المجد من لا أبا له * من الناس إلا ان يرس له ذكر وتيم ومخزوم وزهرة منهم * وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر فوالله لا ينفك منا عداوة * ولا منهم ما كان من نسلنا شفر فقد سفهت أحلامهم وعقولهم * وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر قال ابن هشام: تركت منها بيتين أقذع فيهما، ثم قال ابن اسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، الذين أسلموا معه، فوثب كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسول الله صلى الله عليه وآله منهم بعمه ابي طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وآله والقيام دونه فاجتمعوا إليه، وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون، فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره فقال:
[84]
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها فان حصلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فان محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها تداعت قريش غثها وثمنيها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها بنا انتعش العود الذواء وانما * باكنافنا تندى وتنمى أرومها (قال المؤلف): قال ابن هشام في القطعة المتقدمة ترك مها بيتين أقذع فيهما (أي أبو طالب عليه السلام) وقد ترك بيتين أيضا من هذه القطعة مقد خرجهما في ديوانه (أبو هفان عبد الله بن احمد) وهذا لفظه فيهما: هم السادة الاعلون في كل حالة * لهم صرمة لا يستطاع قرومها يدين لهم كل البرية طاعة * ويكرمها ما الارض عندي أديمها (قال المؤلف): وأما القطعة السابقة فقد أخرجها أبو هفان في ديوانه عليه السلام، وفيها زيادة في الابيات واختلاف في الترتيب واليك نصها: ألا ليت حظي من حياطة نصركم * بان ليس لي نفع لديكم ولا ضر وسار برحلي فاطر الناب جاشم * ضعيف القصيري لا كبير ولا بكر الجاشم المتكاره علي السير والقصيري أضعف الاظلاع. من الحور حتحات كثير رغاؤه * يرش على الحاذين من بوله قطر (أي من نتاج الخوار، وهي الغزارة الواحدة خوارة، والحاذان باطنا الفخذ.
يخلف خلف الورد ليس بلاحق * إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر
[85]
(قال أبو محلم) لثقته أنه يلحق، وان قال ليس بلاحق، والفيفاء الصحراء الممتدة، والوبرة دابة تكون بجبال تهامة وتجمع وبرا ووبارا قال جرير: تطلى وهي سيئة المعرى * بعين الوبر تحسبه ملابا أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر (قال) يريد بني نوفل بن عبد مناف وعبد شمس بن عبد مناف. بلى لهما أمر ولكن ترجما * كما رجمت من رأس ذي العلق الصخر (قال) الترجم القول بالظن لانه يرمى به على غرر كالحجر، والعلق الذي يتعلق بحجارته في المرمى إليه. أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر وما ذاك إلا سؤدد خصنا به * آله العبا واصطفانا له الفخر هما غمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهم صفر هما أشركا في المجد من لا أبا له * من الناس إلا أن يرس له ذكر قال الرس هو الذكر الخفي أخذ من الرس وهو القبر والبرء (قال) يريد الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لوي، وكان الوليد من العظماء المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وآله ومن الذين مشوا إلى أبي طالب في أمر النبي صلى الله عليه وآله، ونزل فيه قوله تعالى (ذرني ومن خلقت وحيدا) الآية في سورة المدثر (74) آية (11) وتيم ومخزوم وزهرة منهم * وكانوا لنا أولى إذا بغي النصر
فقد سفهت أحلامها وعقولها * وكانوا كجعر بئسما صنعت جعر (قال) يريد السلح أي هم قذرى كهذا فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منهم ما دام من نسلنا شقر
[86]
(قال المؤلف) قال العلامة زيني دحلان الشافعي في كتابه أسنى المطالب (ص 21 من الطبع الثاني): ومن غرر مدائح أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله الدالة على تصديقه إياه قوله: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها فخرج ثلاثة أبيات آخرها (هو المصطفى من سرها وكريمها) ولم يخرج بقية الابيات السبعة التي خرجها ابن هشام، وقد تقدمت جميعها (ثم قال) زيني دحلان: وهذا موافق لقوله صلى الله عليه وآله واصطفاني من بني هاشم (قال البرزنجي) وهذا نطق بالوحي قبل صدوره من النبي صلى الله عليه وآله فانه صلى الله عليه وآله أخبر بذلك بعد مدة من قول أبي طالب، والحديث وحي كالقرآن فثبت بهذه الاخبار والاشعار أن أبا طالب كان مصدقا بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك كاف في نجاته (قال القرافي) في شرح التنقيح عند قول أبي طالب: وقد علموا ان ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعزى لقول الا باطل إن هذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، وان أبا طالب ممن آمن بظاهره وباطنه (برسالة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله) وكان يقول: إني أعلم أن ما يقول ابن أخي حق (قال) ولم يذعن ظاهرا خوفا من أن قريش لا تقبل حمايته (للنبي صلى الله عليه وآله) قال:
وقوله (في بعض الاحيان) لو لا أخاف أن تعيرني نساء قريش (لتظاهرت بالاسلام) إنما قال ذلك تعمية على قريش ليوهم عليهم أنه على دينهم وهذا عذر صحيح بلغ به تمكين النبي صلى الله عليه وآله وتثبيت نبوته والدعوة إلى ربه (ثم قال): وهذا الذي اخترناه من كون نجاة أبي طالب لما كان عنده من التصديق الكافي في النجاة في الآخرة هو طريق المتكلمين
[87]
من أئمتنا الاشاعرة، وهو ما دلت عليه أحاديث الشفاعة، وأحاديث الشفاعة كثيرة، وكلها فيها تصريح بأنها لا تنال مشركا: وقد نالت الشفاعة أبا طالب فدل ذلك على عدم إشراكه. (بعض ما قيل في الاحاديث المكذوبة في حق) (مؤمن قريش) (قال المؤلف) انتهى كلام العلامة زيني دحلان الشافعي مع الاختصار، ومن أراد التفصبل فليراجع كتابه (أسنى المطالب) (ص 21) فيراه يثبت ايمان أبي طالب بابن أخيه بادلة عقلية ونقلية، ويؤل الاحاديث التي استدلوا بها على ترك أبي طالب عليه السلام وعدم ايمانه، ولو أفسدها بالجرح في أسانيد الاحاديث كان أولى وأثبت للمقصود، فان جميع ما روي في عدم إيمان أبي طالب عليه السلام أسانيدها واهية ورواتها غير مأمونين لانهم من أعداء محمد وآل محمد صلى الله عليه وعليهم، ولو راجعت أحوالهم تراهم من الكذابين والوضاعين منهم (محمد بن يحيى) وهو ابن رزين المصيصي، وقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج 3 ص 147) في حقه أنه دجال يضع الحديث، وهذا نصه: قال ابن حبان: محمد بن يحيى بن رزين يضع الحديث، روى عن عثمان بن عمرو
ابن فارس عن كهمس عن الحسن عن انس مرفوعا: كل ما في السماوات والارض وما بينهما فهو مخلوق غير الله والقرآن، وذلك أنه منه واليه يعود، وسيجئ قوم من أمتي يقولون: القرآن مخلوق فمن قاله منهم فقد كفر وطلقت امرأته منه (وهذا الحديث من موضوعاته). (قال المؤلف) جميع علماء الامامية وكثير من علماء السنة
[88]
قائلون بأن القرآن مخلوق وفي القرآن آيات عديدة تدل على ذلك، وهذا المقام لا يناسب بيان ذلك، ومن علماء السنة القائلين بخلق القرآن المأمون العباسي وجماعة آخرون. (ومن جملة) رواة حديث النفس الزكية كما في كتاب (شيخ الابطح) ص 81، هو عثمان بن سعيد بن سعد المدني وهذا سعيد من مجاهيل الرواة. (ومن جملة) رواة الحديث (محمد بن بشير) فقد ذكر في ميزان الاعتدال (ج 3 ص 31) رجلين بهذا الاسم وكلاهما لا يعتمد عليهما قال الذهبي: محمد بن بشير بن عبد الله القاص، قال ابن معين: ليس بثقة و (محمد بن بشير بن مروان) قال يحيى: ليس بثقة، وقال الدار قطني ليس بالقوي في حديثه، وأبو عبد الرحمن وابن أبي حرب والحاكم ابن صدقة ليس لهم ذكر في كتب الرجال فهم مجهولون (قال المؤلف) جميع ما روي في أبي طالب عليه السلام من الاحاديث المنافية لرفيع مقامه عليه السلام مختلفة وأسانيدها واهية باعتراف علماء السنة، والعجب كل العجب من مثل ابن أبي الحديد وزيني دحلان وأمثالهما مع اطلاعهم على الاحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أهل البيت عليهم السلام في حق أبي طالب عليه السلام، وهي أحاديث
تثبت له المقام الرفيع في الدنيا والآخرة، ومع اطلاعهم على ما قام به عليه السلام من بذل نفسه ونفيسه من أولاده وعشيرته في نصرة ابن أخيه صلى الله عليه وآله ومشاركته في نشر ما جاء به من عند ربه من الدين الحنيف وأمره اولاده وذويه في القيام معه في ترويج ما جاء به من الشريعة الاسلامية، ومع ما عرفوه من أشعاره الكثيرة الصريحة في إيمانه مع ذلك كله يتخذون الاحاديث المروية من أعداء أبي طالب عليه السلام
[89]
بل أعداء بن هشام صحيحة، ويتعسفون في توجيهها بتوجيهات واهية فهذا العالم المطلع على حياة أبي طالب عليه السلام وعلى ما روي من أولاده في حقه عليه السلام تراه يقول في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 82) طبع ثاني، ما هذا نص الفاظه. " فاما أنا فان الحال ملتبسة عندي، والاخبار متعارضة ". (قال ابن أبي الحديد): يقف في صدري رسالة النفس الزكية إلى المنصور (العباسي) وقوله فيها، " فأنا ابن خير الاخيار، وأنا ابن شر الاشرار وأنا ابن سيد أهل الجنة، وان ابن سيد أهل النار ". (قال) فان هذه شهادة منه على أبي طالب وهو ابنه وغير متهم عليه، وعهده قريب من عهد النبي صلى الله عليه وآله، ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلا. (قال المؤلف) النفس الزكية، هو محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الامام السبط الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، لقب بالنفس الزكية وقتل في سنة (145 ه) بأمر المنصور قتله ولي عهد المنصور عيسى بن موسى كما في مقاتل الطالبين (ص 232) وذلك لما ثار على
المنصور بعد أن قتل أباه بالكوفة وقتل معه مائتين وخمسين رجلا من أصحابه. (قال المؤلف) بعد المراجعة إلى رواة هذا الحديث المختلق المكذوب تراهم لا يزيدون على خمسة، وهم عثمان بن سعيد بن سعد، ومحمد بن يحيى، وأبو عبد الرحمن، والحكم بن صدقة بن بزار وابن أبي حرب. وقد طعن أهل الجرح والتعديل في هؤلاء، وقد تقدم ما قيل فيهم نقلا من كتب الرجال لعلماء أهل السنة فلا فائدة في تكرار ذلك، هذا أولا وثانيا اختلاف الحديث المروي في الباب دليل آخر على أنه مكذوب
[90]
ومنسوب إلى النفس الزكية راجع تاريخ الطبري (ج 6 ص 196) وتاريخ الكامل لابن الاثير (ج 5 ص 5) وكامل المبرد (ج 3 ص 1274 ص 1275) وكتاب المحاضرات، وتاربخ الامم والدولة العباسية (ص 65) ترى الحديث مرويا فيها مع اختلاف في الفاظه، وهو دليل آخر قوي على أنه حديث مختلق مكذوب لاجل غاية كانوا يطلبونها من أمير الشام وهو تشكيك الناس في إيمان مؤمن قريش عليه السلام الذي شاع الاسلام وبني الدين على ما قام به من نصرة ابن أخيه صلى الله عليه وآله ولولاه لما قام الدين، ولم يتمكن النبي صلى الله عليه وآله من نشر دعوته الاسلامية، هذا ولو تأملت في الفاظ الحديث المنسوب إلى النفس الزكية تراها ركيكة واهية، فهل رأيت أحدا يفتخر بأهل النار ويقول أنا سيد أهل النار، أو يفتخر بالاشرار، ويقول أنا ابن شر الاشرار، نعم لا يصدر هذا الافتخار إلا من مجنون لا يعقل ما يقول، والنفس الزكية عليه السلام لم يكن مجنونا، ولم تصدر منه هذه الكلمات، وعلى الاخص
في مقابل شخص كالمنصور الذي هو من أعدائه وأعداء آبائه عليهم السلام وفي حال قيامه بالحرب معه، ونسأل المفتعل لهذا الحديث هل كان أبو طالب عليه السلام شر الاشرار أو خير الاشرار ؟ كما في بعض ألفاظ الحديث، وهل في الشر خير حتى يكون أبو طالب عليه السلام خيرهم وهل لاهل النار سيد حتى يكون أبو طالب عليه السلام سيدهم ؟. فهل يقال لمن نصر الرسول الاكرم، وقام في الذب عنه وحياطته شر الاشرار ؟ ولابي لهب وأبي جهل خير الاخيار ؟ وهما اللذان آذيا الرسول صلى الله عليه وآله بأنواع الاذى، ولو تمكنوا على اكثر مما عملوا ما قصروا عنه. (قال المؤلف) فلنرجع إلى فول ابن أبي الحديد حيث قال: وهو
[91]
أي النفس الزكية غير متهم عليه، وعهده قريب من عهد النبي صلى الله عليه وآله، ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلا، فيقال له فهل الرسول الاكرم وأمير المؤمنين وأولاده غير النفس الزكية متهمون فيما ذكروا وبينوا من أحوال جدهم أبي طالب عليه السلام ؟ فهل الامام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام متهم فيما بينه في حق جده عليه السلام ؟ فهل عهد أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده إلى الصادق عليه السلام عهدهم بعيد من جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن جدهم أبي طالب عليه السلام، فهل النفس الزكية لم يكن معاصرا لامام زمانه جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ؟ وهل يقاس النفس الزكية بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أو باحد من أولاده المعصومين عليهم السلام حتى يتوقف لقوله ؟ وكل فرد من أفراد المسلمين المطلعين على حياة أمير المؤمنين
وأولاده المعصومين عليهم السلام لا يتوقف لقول من خالفهم سواء كان من أولادهم أو كان أجنبيا منهم، فان علماء المسلمين المعاصرين لامير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين كالامام الحسن، والامام الحسين، والامام علي بن الحسين، والامام محمد الباقر، والامام جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام جميعهم يعترفون بفضلهم ورفيع مقامهم في العلم إلا من اتبع هواه، واطاع سلطان عصره من الامويين العباسيين الذين أظهروا عداءهم لهم، وشردوهم وقتلوهم حسدا لما أعطاهم الله من المقام الرفيع في الدنيا في أنظار البشر، فكانوا عليهم السلام هم السلاطين على قلوب البشر بل على جميع ما خلقه الله، فلو أنصف ابن ابي الحديد لما تفوه بما قال: من أنه من المتوقفين في إيمان اكبر فرد من المؤمنين، ومن لولاه ولو لا سيف ولده عليهما السلام لما عرف الله ووحد، ولما تمكن النبي صلى الله عليه وآله من بث دعوته
[92]
وإرشاد الناس إلى الدين الحنيف، وإن ابن أبي الحديد يعرف جميع ما ذكرناه حق المعرفة، ويؤيد ما قلناه، ويشهد بذلك ما نسب إليه من شعره حيث قال: مادحا لابي طالب عليه السلام، وذلك لما أرسل معاصره