الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أجوبة مسائل جار الله- السيد شرف الدين

أجوبة مسائل جار الله

السيد شرف الدين


[1]

[اجوبة مسائل جار الله] بقلم سماحة الامام آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي الطبعة الثانية 1373 ه‍ مطبعة العرفان - صيدا. 1953 م

[2]

[كلمة الناشر] كان الشيخ موسى جار الله طاف في البلاد الاسلامية، متنسما اخبارها، واقفا على احوالها. وقد وجه في نهاية مطافه إلى علماء الشيعة اسئلة غلفها بالمحافظة على الوحدة الاسلامية. وهو لو قصد إلى ذلك لما خط حرفا واحدا من تلك الاسئلة التي ظن انه احرج بها المصلحين، ودعاة التقريب بين المسلمين وحين وصلت هذه الاسئلة إلى آية الله الامام اصدر هذا الكتاب شافيا وافيا نازعا السهام التي سددها " جار الله " إلى روح الاسلام. وما ان خرج الكتاب من المطبعة " سنة 1355 ه‍ " حتى اقبل عليه العلماء والمفكرون من حملة لواء الوحدة، ينشرونه ويبشرون به وينفحون سيدنا المؤلف برسائل الاكبار والتحبيذ لهذه " الاسئلة " واهدافها. واننا نتقدم بالطبعة الثانية إلى الملحين بطلب الكتاب. مبتهلين إلى الله تعالى ان يمد في ظل سيدنا مرشدا للامة، ونبراسا للمسلمين.

[3]

سماحة الامام المؤلف

[4]

(الخطبة) وكفى بها جوابا عن مسائل موسى جار الله، وردا على كل مشاغب [بسم الله الرحمن الرحيم] الحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله جاء بالحق من عنده وصدق المرسلين. وبعد فقد وردت علي مسائل موسى جار الله كما رفعت إلى غيري من علماء الامامية بواسطة جمعية الرابطة العلمية الادبية النجفية اعزها الله تعالى مؤرخة في 21 ذي القعدة سنة 1353 ووردت علي من طريق آخر ايضا. فما وقفت عليها حتى وجست من مغازيها خيفة على الوحدة الاسلامية ان تنفصم عروتها، وتتفرق جماعتها، إذ وجدت فيها من نبش الدفائن واثارة الضغائن ما يشق عصا المسلمين ويمزقهم تمزيقا،

[5]

والدور عصيب، والظروف حرجة، لا تسع النقض والابرام ولا المشادة والمنافثة، فضلا هم هذه المحاربة، التي ليس بعدها مصاحبة. وكان الواجب ترك هذه الغارات، ولا سيما بعد ان تركتنا فرائس الحشرات، فحتى م هذا الارجاف ؟ وفيم هذا الاجحاف ؟ اليس الله عزوجل وحده لا شريك له ربنا جميعا ؟ والاسلام ديننا ؟ والقرآن الحكيم كتابنا ؟ وسيد النبيين وخاتم المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله نبينا ؟ وقوله وفعله وتقريره سنتنا ؟ والكعبة مطافنا وقبلتنا ؟ والصلوات الخمس، وصيام الشهر، والزكاة الواجبة، وحج البيت فرائضنا ؟ والحلال ما احله الله ورسوله والحرام ما حرماه، والحق ما حققاه، والباطل ما ابطلاه، واولياء الله ورسوله اولياؤنا واعداء الله ورسوله اعداؤنا، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور (ليجزي الذين اساؤوا بما عملوا ويجزي الذين احسنوا بالحسنى) اليس الشيعيون والسنيون شرعا في هذا كله سواءا ؟ (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير)

[6]

والنزاع بينهما في جميع المسائل الخلافية صغروي في الحقيقة ولا نزاع بينهما في الكبرى عند اهل النظر ابدا، الا تراهما إذا تنازعا في وجوب شئ أو في حرمته، أو في استحبابه أو في كراهته أو في اباحته، أو تنازعا في صحته وبطلانه، أو في جزئيته أو في شرطيته أو في مانعيته، أو في غير ذلك، كما لو تنازعا في عدالة شخص أو فسقه أو ايمانه أو نفاقه أو وجوب موالاته أو وجوب معاداته، فانما يتنازعان في ثبوت ذلك بالادلة الشرعية، وعدم ثبوته فيذهب كل منهما إلى ما تقتضيه الادلة الاسلامية، ولو علموا بأجمعهم ثبوت الشئ في دين الاسلام، أو علموا جميعا عدم ثبوته في الدين الاسلامي، أو شك الجميع في ذلك لم يتنازعوا ولم يختلف فيه منهم شخصان (1) وقد اخرج البخاري في صحيحه (2) عن كل من ابي سلمة


(1) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا الكلام بمجرده كاف للرد على موسى جار الله وامثاله ممن يبتغي السوء بالمؤمنين ويريد ان يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم كما لا يخفى (2) راجع باب اجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو اخطأ وهو في اواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة قبل كتاب التوحيد بأقل من ورقتين تجد الحديث ص 177 من الجزء الرابع من الصحيح.

[7]

وابي هريرة وعمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم اصاب فله اجران، وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله اجر، اه‍. ولذا قال العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المعاصر في رسالته - الجرح والتعديل - بعد ذكر الشيعة واحتجاج مسلم بهم في صحيحه ما هذا لفظه: لان مجتهدي كل فرقة من فرق الاسلام مأجورون اصابوا ام اخطأوا بنص الحديث النبوي اه‍. وقال الشيخ رشيد رضا - في ص 44 من المجلد 17 من مناره -: ان من اعظم ما بليت به الفرق الاسلامية رمي بعضهم بعضا بالفسق والكفر مع ان قصد كل الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة إليه، فالمجتهد وان اخطأ معذور - وقد اطال في اثبات ذلك حتى بلغ ص 50 - وقال ابن حزم حيث تكلم فيمن يكفر ولا يكفر في ص 247 من الجزء الثالث من كتابه - الفصل في الملل والنحل - ما هذا نصه: وذهبت طائفة إلى انه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا وان كل من اجتهد

[8]

في شئ من ذلك فدان بما رأى انه الحق فانه مأجور على كل حال ان اصاب فأجران وان اخطأ فأجر واحد (قال): هذا قول ابن ابي ليلى وابي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة لا نعلم منهم خلافا في ذلك اصلا إلى آخر كلامه. والذين صرحوا بهذا ونحوه من اعلام الامة كثيرون فلا وجه اذن لهذه المشاغبات والله عزوجل يقول: (انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها ادناهم. وهم يد على سواهم، فمن اخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين. كنت ارى ان الاقتصار على هذا المقدار في جواب مسائل موسى جار الله اولى من الاستقصاء في ردها، والامعان في مناقشته عليها، فان هذا اقرب إلى السلام، وابقى للوئام ولكنني رأيته يلح في تفصيل الجواب، حتى طرق في ذلك كل باب (1) فلم يبق بد من اجابته، ولا سيما بعد ان كلفني


(1) إذ رفع مسائله هذه إلى علمائنا الاعلام في ايران، وفي البصرة

[9]

بها من لا تسعني مخالفتهم من الاجلاء وافاضل العلماء، وقد رأيت ان اضرب صفحا عن كلماته الجارحة، ولا اناقشه بشئ من مجازفاته الفاضحة، وما اولانا بالاعراض عن نحو قوله: ان جميع كتب الشيعة اجمعت على امور لا تحتملها الامة واتفقت على اشياء كثيرة لا ترتضيها الائمة، وقوله انها جازفت في مسائل منكرة مستبعدة ما كان ينبغي وجودها في كتب الشيعة، إلى آخر ما جازف به من الاقاويل، التي لا يمكن ان يقوم عليها دليل، ونحن لا نأبه بما لا دليل عليه، وما اشد تهافته في الغرور إذ يقول: اما الامور التي اعدها منكرة لا تحتملها الامة، ولا ترتضيها الائمة فهي مسائل عديدة، ثم استرسل في غروره فجاء بعشرين مسألة رغب في الجواب عنها فبلغ الغاية في ذلك، وانا اذكرها في هذه العجالة مع ما لدي من الجواب عنها مسألة مسألة، ومن الله استمد الهداية إلى الصواب، واياه ارجو حسن المآب، واليه ارغب ان يكون عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وان يهديني فيه الصراط المستقيم صراط


ثم رفعها إلى اعلام المجتهدين في الكاظمية المقدسة، ثم إلى شيوخ الاسلام في النجف الاشرف ثم الينا بواسطة الرابطة العلمية الادبية النجفية كما بينا وكلف الجميع بالجواب.

[10]

الذين انعم الله عليهم (غير المغضوب عليهم ولا الضالين). (المسألة الاولى) قال: كتب الشيعة تكفر عامة الصحابة كافة إلى آخر هذيانه في عدوانه. فاقول: نعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومن كل معتد اثيم، ونبرأ إليه تعالى من تكفير المؤمنين، والسلف الصالح من المسلمين. لعل الرجل رأى في كتب الشيعة سننا لم يفقهها، وحديثا متشابها لم يعرف مرماه، فاضطره الجهل إلى هذا الارجاف وما اظن الذي رآه في جميع كتب الشيعة من تلك السنن الا دون ما هو في صحيح البخاري وحده منها، فلم يصم اهل السنة كتب الشيعة بهذا دون الصحاح الستة وغيرها ؟ ولم لم يعتذروا عن كتبنا بما اعتذروا به عن كتبهم ؟ فان الاشكال واحد، والجواب هو الجواب. واليك ما اخرجه البخاري في باب الحوض وهو في آخر كتاب الرقاق ص 94 من الجزء الرابع من صحيحه بالاسناد إلى ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: بينا انا قائم فإذا زمرة حتى إذا

[11]

عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم (1) قلت: اين ؟ قال: إلى النار والله، قلت وما شأنهم، قال: انهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: اين ؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم ؟ قال انهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقرى، فلا اراه يخلص منهم الا مثل همل النعم (2) واخرج في آخر الباب المذكور عن اسماء بنت ابي بكر، قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله: اني على الحوض حتى انظر من يرد علي منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فاقول: يا رب مني ومن امتي ؟ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك ؟ والله ما برحوا يرجعون على اعقابهم، فكان ابن ابي مليكة يقول: اللهم انا نعوذ بك ان نرجع على اعقابنا أو نفتن عن ديننا. واخرج في الباب المذكور ايضا عن ابن المسيب انه كان


(1) هلم في لغة اهل الحجاز يستوي فيها المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث تقول هلم يا زيد وهلم يا زيدان وهلم يا زيدون وهلم يا هند وهلم يا هندات فهي اسم فاعل وفاعله ضمير مستتر تقديره في هذا الحديث انتم لان المخاطبين بها انما هم الزمرة (2) قال السندي في تعليقته على صحيح البخاري همل النعم بفتح الهاء والميم الابل بلا راع اي لا يخلص منهم من النار الا قليل

[12]

يحدث عن اصحاب النبي صلى الله عليه وآله ان النبي قال: يرد علي الحوض رجال من اصحابي فيحلاءون عنه فاقول: يا رب اصحابي، فيقول: انك لا علم لك بما احدثوا بعدك، انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى. واخرج في الباب المذكور عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: اني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ ابدا، ليردن علي اقوام اعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن ابي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت: نعم فقال: اشهد على ابي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فاقول: انهم مني، فيقال: انك لا تدري ما احدثوا بعدك ؟ فاقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي (1). واخرج في الباب المذكور ايضا عن ابي هريرة انه كان يحدث ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يرد علي يوم القيامة رهط من اصحابي فيحلاءون على الحوض، فاقول: يا رب


(1) قال القسطلاني في شرح هذه الكلمة من ارشاد الساري ما هذا لفظه: لمن غير بعدي اي دينه لانه لا يقول في العصاة بغير الكفر سحقا سحقا بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم كما لا يخفي.

[13]

اصحابي، فيقول: انك لا علم لك بما احدثوا بعدك، انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى. واخرج في اول الباب المذكور عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله قال: انا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجن دوني، فاقول: يا رب اصحابي فيقال: انك لا تدري ما احدثوا بعدك، قال البخاري: تابعه عاصم عن ابي وائل وقال حصين: عن ابي وائل عن حذيفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واخرج ايضا في باب غزوة الحديبية ص 30 من الجزء الثالث من صحيحه عن العلاء بن المسيب عن ابيه، قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت له: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن اخي انك لا تدري ما احدثنا بعده. واخرج ايضا في اول باب قوله تعالى (واتخذ الله ابراهيم خليلا) من كتاب بدء الخلق ص 154 من جزئه الثاني، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله قال من حديث: وان اناسا من اصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فاقول: اصحابي اصحابي فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم الحديث.

[14]

هذا بعض ما وجدناه في صحيح البخاري. اما ما هو من هذا القبيل في بقية الصحاح وسائر السنن فكثير وكثير جدا، ومن تتبعه وجده لا يقل عما هو في حديث الشيعة، وحسبك ما اخرجه الامام احمد من حديث ابي الطفيل في آخر الجزء الخامس من مسنده فليراجعه كل مناصب للشيعة، وليت موسى جار الله تدبر القرآن العظيم ليعلم ان كتب الشيعة التي انتقدها انما تستقي من سائغ فراته، ولا تستضئ الا بمصباح مشكاته (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افئن مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها) نعوذ بالله من الجهل والغرور. (فصل) (رأي الشيعة في الصحابة اوسط الآراء) ان من وقف على رأينا في الصحابة علم انه اوسط الآراء، إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعا، ولا افرطنا افراط الجمهور الذين وثقوهم اجمعين، فان الكاملية ومن كان

[15]

في الغلو على شاكلتهم، قالوا: بكفر الصحابة كافة، وقال اهل السنة: بعدالة كل فرد ممن سمع النبي صلى الله عليه وآله أو رآه من المسلمين مطلقا، واحتجوا بحديث كل من دب أو درج منهم اجمعين اكتعين ابصعين، اما نحن فان الصحبة بمجردها وان كانت عندنا فضيلة جليلة، لكنها - بما هي ومن حيث هي - غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، واولياء هؤلاء وفيهم البغاة، وفيهم اهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة، اما البغاة على الوصي، واخي النبي، وسائر اهل الجرائم والعظائم كابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء (1) وابن عقبة، وابن ارطاة، وامثالهم فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين امره، هذا رأينا في حملة الحديث من


(1) هي الزرقاء بنت موهب جدة مروان بن الحكم لابيه وكانت من ذوات الرايات التي يستدل بها على ثبوت البغاء فلذا كان الحكم وبنوه يذمون بها نص على هذا كله ابن الاثير حيث ذكر صفة مروان ونسبه واخباره في حوادث سنة 65 للهجرة ص 57 من الجزء الرابع من تاريخه الكامل - وصرح به غير واحد من اهل الاخبار.

[16]

الصحابة وغيرهم، والكتاب والسنة بينتنا على هذا الرأي، كما هو مفصل في مظانه من اصول الفقه، لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابيا حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين واقتدوا بكل مسلم سمع النبي أو رآه صلى الله عليه وآله اقتداء اعمى، وانكروا على من يخالفهم في هذا الغلو، وخرجوا في الانكار على كل حد من الحدود، وما اشد انكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة مصرحين، بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملا بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية، والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية، وبهذا ظنوا بنا الظنونا، فاتهمونا بما اتهمونا، رجما بالغيب، وتهافتا على الجهل، ولو ثابت إليهم احلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا ان اصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليه، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحونا بذكر المنافقين منهم، وحسبك من سوره، التوبة، والاحزاب، وإذا جاءك المنافقون، ويكفيك من آياته المحكمة (الاعراب اشد كفرا ونفاقا واجدر ان لا يعلموا حدود ما انزل الله على

[17]

رسوله) (ومن اهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم (1) نحن نعلمهم) (لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر امر الله وهم كارهون) (وهموا بما لم ينالوا وما نقموا الا ان اغناهم الله ورسوله من فضله) فليتني ادري اين ذهب المنافقون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كانوا جرعوه الغصص مدة حياة، حتى دحرجوا الدباب (2)


(1) من يتدبر هذه الآية وغيرها من امثالها يحصل له العلم الاجمالي بوجود المنافقين في غير معلومي الايمان. وحيث ان الشبهة محصورة كان الاجتناب عن حديث الجميع واجبا حتى يثبت الايمان والعدالة، ونحن في غنى عن اطراف هذه الشبهة المحصورة بحديث معلومي العدالة من الصحابة وهم عظماؤهم وعلماؤهم واهل الذكر الذين امر الله بسؤالهم والصادقون الذين امر الله سبحانه بأن نكون معهم على ان في حديث الائمة من اهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل كفاية واي كفاية فهم اعدال الكتاب وبهم يعرف الصواب. (2) كان قوم من الصحابة دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول الله صلى الله عليه وآله ناقته فيطرحوه وكان صلى الله عليه وآله إذ ذاك راجعا من وقعة تبوك التي استخلف فيها عليا، وحديث احمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن ابي الطفيل في هذه الطامة طويل وفي آخره ان رهطا من الصحابة لعنهم رسول الله يومئذ وهذا الحديث مشهور مستفيض بين المسلمين كافة.

[18]

وصدوه عن الكتاب، وقد تعلمون انه صلى الله عليه وآله خرج إلى احد بألف من اصحابه فرجع منهم قبل الوصول ثلاث مئة من المنافقين (1) وربما بقي معه منافقون لم يرجعوا خوف الشهرة أو رغبة بالدفاع عن احساب قومهم، ولو لم يكن في الالف الا ثلاث مئة منافق، لكفى دليلا على ان النفاق كان زمن الوحي فاشيا، فكيف ينقطع بمجرد انقطاع الوحي ولحوق النبي صلى الله عليه وآله بالرفيق الاعلى ؟ فهل كانت حياته سببا في نفاق المنافقين ؟ ! وموته سببا في ايمانهم وعدالتهم وصيرورتهم افضل الخلق بعد الانبياء وكيف انقلبت حقائقهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله فاصبحوا - بعد ذلك النفاق - بمثابة من الفضل لا يقدح فيها شئ مما ارتكبوه من الجرائم والعظائم، وما المقتضي للالتزام بهذه المكابرات ؟ ! التي تنفر منها الاسماع والابصار والافئدة ؟ وما الدليل على هذه الدعاوي من كتاب أو سنة أو اجماع أو قياس ؟ وما ضرنا لو صدعنا بحقيقة اولئك المنافقين، فان الامة في غنى عنهم بالمؤمنين المستقيمين من الصحابة، وهم اهل السوابق والمناقب، وفيهم الاكثرية * (هامش * (1) نص على هذا كل من ارخ غزوة احد من اهل السير والاخبار فراجع.

[19]

الساحقة، ولا سيما علماؤهم وعظماؤهم حملة الآثار النبوية، وسدنة الاحكام الالهية (واولئك لهم الخيرات واولئك هم المفلحون اعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) وهم في غنى عن مدحة المادحين بمدحة الله تعالى، وثنائه عليهم في الذكر الحكيم، وحسبهم تأييد الدين، ونشر الدعوة إلى الحق المبين. على انا نتولى من الصحابة كل من اضطر إلى الحياد - في ظاهر الحال - عن الوصي، أو التجأ إلى مسايرة اهل السلطة بقصد الاحتياط على الدين، والاحتفاظ بشوكة المسلمين، وهم السواد الاعظم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم اجمعين فان مودة هؤلاء لازمة والدعاء لهم فريضة (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم). (المسألة الثانية) قال: وللشيعة في تكفير الاول والثاني صراحة شديدة ومجازفات طاغية، إلى آخر ارجافه.

[20]

(المسألة الثالثة) زعم ان لهم في لعنهما عبارات ثقيلة شنيعة، إلى آخر عدوانه. فاقول: ليس هذا الرجل اول من رمى الشيعة بهاتين المسألتين، ولا نحن اول من ناقش في ذلك، وقد اكل الدهر على هذه الامور وشرب، فالتحريش بمثل هذه المسائل ليس الا ايقاظا للفتنة الراقدة، وايقادا للحرب الخامدة، (وتفريقا بين المؤمنين، وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن ان اردنا الا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون) واي فائدة للامة في هذا البوق يجأر فيه المرجف بأنكر الاصوات ؟ واي عائدة من هذا الطنبور ونغمه المزعج، وقد تقطعت اوتاره بتقادم عهده ؟ وطول ما وقعت عليه اجيال المرجفين، وقد كان لبني ابي سفيان وبني مروان واوليائهم قدم في هذه الدعاية وهم اهل السطوة، واهل الحول والقوة، واهل الطول والثروة، واهل المكر والنكرة، واهل الخداع والحيلة، وقد سخروا كل ما لديهم في تعريض هذه المسائل وتطويلها (فما ربحت تجارتهم وما

[21]

كانوا مهتدين) والشيعة كانوا حيال ذلك كالجبل الاشم لا يحفل بالعواصف، ولا يأبه بالقواصف، هذا والعصر مظلم، والحياة مهددة، اما اليوم فنور وحرية يأبيان ذلك كل الاباء، وما على الشيعة لو جابهت النواصب بالحقيقة الناصعة، وأدلتها القاطعة، ولعل النواصب يضطروننا إلى هذا. رأيت الحلم دل علي قومي * وقد يتجهل الرجل الحليم - استغفر الله، ان المسلمين إلى المسالمة احوج منهم إلى الملاكمة، وما اغنانا عن استعراض مثل هذه المسائل المثيرة عونا في المعارك الفكرية التي لا تحمد عقباها، وقد اعذر من انذر. على ان هاتين المسألتين - مسألتي التكفير واللعن - مما لا وزن له عند اهل السنة لو رجعوا إلى اصول مذهبهم الاشعري، لان الايمان عندهم عقد بالقلب لا ينافيه شئ مما بلفظه اللسان، حتى شتم الله تعالى ورسوله، كما نص عليه ابن حزم في ص 204 من الجزء 4 من كتابه الفصل حيث نسب إلى امام اهل السنة ابي الحسن علي بن اسماعيل الاشعري واصحابه القول: بان الايمان عقد بالقلب، وان أعلن الفكر

[22]

بلسانه بلا تقية، وعبد الاوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الاسلام، وعبد الصليب، واعلن التثليث في دار الاسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الايمان عند الله ولي لله من اهل الجنة، هذا كلامه بعين لفظه، وقال في اول ص 206 من الجزء 4 من فصله ايضا: واما الاشعرية فقالوا: ان شتم من اظهر (1) الاسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم واعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والاقرار بانه يدين بذلك ليس شئ من ذلك كفرا، انتهى بعين لفظه. نقل في الصفحة نفسها عن الاشاعرة القول بان من عرف الحق من اليهود والنصارى المعاصرين لرسول الله فاعتقد بانه رسول الله حقا، ثم كتم ذلك وتمادى في الجحود، واعلان الكفر، فحارب النبي في خيبر وغيرها فهو مؤمن عند الله، ولي لله تعالى من اهل الجنة (2).


(1) اظن الصواب في هذه العبارة ان يقال: ان شتم من ابطن الاسلام كما لا يخفي ولعل الغلط من الناسخ (2) كان احمد بن زاهر السرخسي وهو اجل اصحاب الامام الاشعري يقول - فيها نقله الشعراني عنه في اواخر المبحث 58 من يواقيته -: لما حضرت الشيخ ابا الحسن الاشعري

[23]

قلت: ما عسى بعد هذا ان يقول المرجف بالشيعة مع علمه بما انعقدت عليه قلوبهم واعتقدته ضمائرهم، ولهجت به السنتهم ونبضت به شرايينهم، فخالط دمهم ومخهم، ونبت عليه لحمهم، واشتد عظمهم ودانت به جوارحهم من الايمان بالله وحده، والتصديق بما جاءت به رسله، وهبطت به ملائكته ونزلت به كتبه، ولو فرض ان في الشيعة جماعة يكفرون أو يلعنون الذين ذكرهم هذا المرجف فانهم انما نزلوا في ذلك على حكم الادلة الشرعية، وهبها شبها لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه، لانها لا تعدو الكتاب والسنة، وقد اوجبت لهم القطع الجازم بما صاروا إليه، فهم معذورون ومأجورون بحكم ما سمعته (1) من النص والفتوى، وقد قال ابن حزم - في ص 227 من الجزء الثالث من الفصل - ما هذا لفظه: واما من سب احدا من الصحابة فان كان جاهلا فمعذور، وان


الوفاة بداري في بغداد امرني بجمع اصحابه فجمعتهم له فقال: اشهدوا علي اني لا اكفر احدا من اهل القبلة بذنب لاني رأيتهم كلهم يشيرون إلى معبود واحد، والاسلام يشملهم ويعمهم، هذا كلام امام السنيين وكفى به دحضا لارجاف المرجفين. (1) في خطبة هذه الرسالة فراجع منها الصفحة 8 والتي بعدها

[24]

قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق، وان عاند الله في ذلك ورسوله فهو كافر (قال): وقد قال عمر بحضرة النبي عن حاطب، وحاطب مهاجري بدري: دعني اضرب عنق هذا المنافق. فما كان بتكفيره حاطبا كافرا، بل كان مخطئا متأولا. قلت: هذا رأي من لا تزدهفه العاطفة، ولا يستخفه في هذه المسألة غضب، من كل عالم معتدل لا يؤثر على اتباع الادلة شيئا، وابن حزم لم يكن من هؤلاء المنصفين، لكن الله عزوجل غالب على امره، والحق ينطق منصفا وعنيدا. ان ادلة العقل والنقل، وشواهد الطبع والوضع لتثبت معذرة المتأولين في هاتين المسألتين وامثالهما كما فصلناه في فصولنا المهمة (1)


(1) راجع منها الفصل 2 المعقود لبيان معنى الاسلام والايمان، والفصل 3 المختص باحترام اهل القبلة، والفصل 5 المختص بنجاتهم، والفصل 6 المنعقد لبيان فتاوى علماء اهل السنة بايمان اهل القبلة كافة واحترامهم ونجاتهم جميعا والفصل 7 المختص ببشائر السنة للشيعة، والفصل 8 المختص بمعذرة المتأولين والفصل 9 المشتمل على الفتوى بكفر الشيعة وتفصيل ما استدل به المفتي بذلك والرد عليه بالادلة القاطعة والبراهين الساطعة فحقيق بكل بحاثة ان يقف على تلك الفصول.

[25]

وهو الذي صرح به مجتهدو الامة (1). وقد كان الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يتنازعون ويتشاتمون فلم يؤثر عنه في حقهم شئ سوى الصلح بينهم. وقد تشاتموا مرة امامه وتضاربوا بالجرائد والايدي والنعال (2) فاصلح صلى الله عليه وآله بينهم، وتقاتل الاوس والخزرج على عهده صلى الله عليه وآله واخذوا السلاح واصطفوا للقتال (3) فلم يرو عنه صلى الله عليه وآله الا اصلاح ذات بينهم. وتشاتم عمار بن ياسر وخالد بن الوليد بين يديه صلى الله عليه وآله فأغلظ عمار لخالد فغضب خالد وقال: يا رسول الله اتدع هذا العبد يشتمني ؟ فوالله لولا انت ما شتمني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا خالد كف عن عمار، فانه من يسب


(1) كما بيناه في الدليل الخامس من الادلة على عدم كفر المتأولين في السب والتكفير ص 148 من الطبعة الثانية من فصولنا المهمة في تأليف الامة. (2) هذا ثابت في الصحيحين فراجعه في اوائل كتاب الصلح من صحيح البخاري ص 74 من جزئه الثاني، وفي أواخر باب دعاء النبي إلى الله من كتاب الجهاد من صحيح مسلم (3) رواه جميع اهل الاخبار وحسبك ما في آخر ص 107 من الجزء الثاني من السيرة الحلبية.

[26]

عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله، الحديث (1) وشتم رجل أبا بكر، والنبي جالس فجعل النبي صلى الله عليه وآله يعجب ويبتسم، فلما اكثر الشتم رد عليه أبو بكر بعض قوله فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقام منصرفا من المجلس، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وانت جالس ؟ فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، الحديث (2) وليس فيه ان النبي صلى الله عليه وآله فعل مع ذلك الرجل أو قال له شيئا اصلا. وتسور على مقام ابي بكر ايام خلافته بالشتم رجل


(1) اخرجه المحدثون وذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى من سورة المائدة: يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم، واورده الامام الواحدي في تفسير هذه الآية ص 118 من كتابه اسباب النزول. (2) اخرجه الامام احمد من حديث ابي هريرة ص 436 من الجزء الثاني من مسنده - ورواه الشيخ نصر السمرقندي في باب كظم الغيظ من كتابه - تنبيه الغافلين باحاديث خاتم النبيين - ص 71.

[27]

آخر فقال أبو برزة الاسلمي (1): يا خليفة رسول الله دعني اضرب عنقه، فقال: اجلس ليس ذلك لاحد الا لرسول الله صلى الله عليه وآله هذا حكم ابي بكر فيمن واجهه بالسب وتسور على مقامه بالشتم، فمن اين نحكم بعده بالتكفير، أو نفتي بالتعزيز ؟ ؟ واقتدى به في ذلك عمر بن عبد العزيز إذ كتب إليه عامله بالكوفة يستفتيه في قتل رجل سب عمر بن الخطاب، فكتب إليه (2): لا يحل قتل امرء مسلم بسب احد من الناس، الا رجلا


(1) كما اورده القاضي عياض في الباب الاول من القسم الرابع من كتابه - الشفا - واخرج نحوه الامام احمد من حديث ابي بكر في ص 9 من الجزء الاول من مسنده. وكذا الحاكم في ص 355 وفي ص 354 من الجزء الرابع من المستدرك بالسند الصحيح على شرط الشيخين واورده الذهبي في التلخيص معترفا بصحته على شرطهما. (2) كما في الباب الاول من القسم الرابع من كتاب - الشفا - واخرج محمد بن سعد في احوال عمر بن عبد العزيز ص 279 من الجزء الخامس من طبقاته بسنده إلى سهيل بن ابي صالح قال: ان عمر بن عبد العزيز قال: لا يقتل احد في سب احد الا في سب نبي ا ه‍.

[28]

سب رسول الله فمن سبه صلى الله عليه وآله حل دمه. وانت إذا نظرت في احوال الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وجدت حروبا تشب، وغارات تشن، وحرمات مهتوكة ودماء مسفوكة، وشتما وضربا، وهضما وسلبا، وحسبك: اقتلوا نعثلا فقد كفر، فحوصر وقتل، ثم كانت وقعة الجمل الاصغر فوقعة الجمل الاكبر فصفين، ثم كان من معاوية وأوليائه ما كان مما طار في الاجواء، وطبق الارض والسماء، فلينظر ناظر بعقله هل كان بين هؤلاء وبين الله عزوجل قرابة فيحابيهم بها ؟ كلا ما كان الله ليثيب قوما بأمر يعاقب عليه آخرين، ان حكمه في الاولين والآخرين لواحد، وما بينه عزوجل وبين احد من خلقه هوادة في اباحة حمى حرمه على العالمين، فإذا كان التأول عذرا للاولين فهو عذر للآخرين (ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد). [فصل] ان في سيرة الصحابة نوادر تؤيد ما قلناه، من ان الصحبة بمجردها ليست بعاصمة، وحسبك ما كان من قدامة بن مظعون

[29]

الصحابي إذ شرب الخمر على عهد الخليفة الثاني، وشهد عليه بذلك أبو هريرة الدوسي، والجارود العبدي، وهما يعلمان انه احد السابقين الاولين، وانه ممن هاجر الهجرتين، وانه من اهل بدر، فلم تمنعهما صحبته، ولا سابقته من الشهادة عليه ولا كان شئ من ذلك وازعا للخليفة عن اقامة الحد عليه إذ جلده ثمانين (1). وشهد أبو بكرة وهو من فضلاء الصحابة، ونافع بن الحرث وهو من الصحابة ايضا، وشبل بن معبد (2) وزياد بن عبيد - وهم اخوة لام - شهدوا جميعا عند الخليفة الثاني على المغيرة بن شعبة بالزنى، في محصنة الحجاج بن عتيك الجشمي،


(1) راجع ترجمة قدامة بن مظعون من كل من الاستيعاب والاصابة وغيرهما تجد القضية مفصلة وقد اخرجها الحاكم في ص 376 من الجزء 4 من المستدرك ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وصححه الذهبي إذ اورده في تلخيصه. (2) ذكره العسقلاني في القسم الثالث من اصابته، وذكر الشهادة منه ومن اخوته على المغيرة.

[30]

وهي ام جميل بنت عمرو، في قضية ثابتة (1) هي من اشهر الوقائع التاريخية، فما انكر عليهم احد بشهادتهم على الصحابي بالفاحشة ولا رد الخليفة شهادتهم من حيث انها توجب رجم الصحابي، وحين تلكأ الشاهد الرابع وهو زياد امر الخليفة بجلد كل من الشهود الثلاثة، ثمانين جلدة، ولم تكن صحبة ابي بكرة ونافع وازعة للخليفة عن جلدهما حد القذف. وقال عمر لابي هريرة مرة: يا عدو الله، وعدو كتابه سرقت مال الله، قال أبو هريرة: فقلت ما انا بعدو الله، ولا عدو كتابه ولكني عدو من عاداهما، ولا سرقت مال الله، قال: فمن اين اجتمعت لك عشرة آلاف ؟ قال. قلت خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق، قال: فامر بها امير المؤمنين فقبضت. الحديث، اخرجه ابن سعد في ترجمة ابي هريرة من طبقاته. وقال ابن عبد ربه المالكي في اوائل الجزء الاول من عقده


(1) فصلها ابن خلكان في اواخر ترجمة يزيد بن زياد الحميري. واشار إليها كل من ترجم أبا بكرة ونافعا وشبلا والمغيرة بن شعبة وهي من حوادث سنة 17 للهجرة المشهورة لا يخلو منها كتاب يشتمل على حوادث تلك السنة.

[31]

الفريد (1): دعا عمر ابا هريرة فقال له: هل علمت اني استعملتك على البحرين، وانت بلا نعلين، ثم بلغني انك ابتعت أفراسا بألف دينار وستمائة دينار، قال: كان لنا افراس تناتجت، وعطايا تلاحقت قال: قد حسبت لك رزقك ومؤنتك، وهذا فضل فأده، قال: ليس لك ذلك، قال: بلى والله اوجع ظهرك، ثم قام إليه بالدرة حتى ادماه، ثم قال: إئت بها، قال: احتسبتها عند الله قال: ذلك لو اخذتها من حلال، وأديتها طائعا، أجئت من اقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا لله ولا للمسلمين، ما رجعت (2) بك اميمة الا لرعية الحمر، قال ابن عبد ربه واميمة ام ابي هريرة، قال: وفي حديث ابي هريرة: لما عزلني عمر عن البحرين قال لي: يا عدو الله، وعدو كتابه سرقت مال الله، قال: فقلت: ما انا عدو الله، ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداك، وما سرقت مال الله، قال:


(1) حيث ذكر ما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم. (2) الرجع والرجيع. الروث والمعنى ما روثت بك امك لتكون واليا واميرا وانما تغوطت بك لترعي الحمير ثم عزله

[32]

فمن اين اجتمعت لك عشرة آلاف ؟ قلت خيل تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت، قال فقبضها مني فلما صليت الصبح استغفرت لامير المؤمنين، قال لي بعد ذلك: اتعمل ؟ قلت: لا، قال: قد عمل من هو خير منك يوسف عليه السلام، قلت: يوسف نبي، وانا ابن اميمة اخشى ان يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي، اه‍. قلت: لو كان امر الصحابة كما تعتقده العامة ما ضرب عمر ظهره، ولا شتم عرضه، ولا اخذ ماله. وقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة وهما صحابيان، ونكح خالد من ليلته (1) زوجة مالك ام تميم بنت المنهال، وكانت من اجمل نساء العرب ثم رجع إلى المدينة وقد غرز في عمامته اسهما، فقام إليه عمر فنزعها وحطمها، وقال له - كما في تاريخ ابن الاثير وغيره - قتلت امرءا مسلما ثم نزوت عن امرأته والله لارجمنك بأحجارك ثم قال لابي بكر - كما في ترجمة وثيمة بن موسى من وفيات ابن خلكان -: ان خالدا قد زنى فارجمه، قال: ما كنت


(1) كما اعترف به ابن حجر الهيثمي وارسله - في ص 21 من صواعقه - ارسال المسلمات والقضية مشهورة مسلمة.

[33]

لارجمه، فانه تأول فأخطأ، قال: انه قتل مسلما فاقتله به، قال ما كنت لاقتله به، انه تأول فأخطأ، وودى مالكا من بيت المال، وفك الاسرى والسبايا من آله (1). وان هذه العجالة لتضيق عن استقصاء ما كان من هذا القبيل من الحوادث الدالة على ان الصحابة لم يثبتوا لانفسهم من المنزلة ما اثبته لهم المجازفون. (المسألة الرابعة) نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن باسقاط كلمات


(1) هذه الواقعة من المسلمات، لا ريب في صدورها من خالد، وقد ذكرها محمد بن جرير الطبري في تاريخه، وابن الاثير في كامله، ووثيمة بن موسى بن الفرات والواقدي في كتابيهما، وسيف بن عمر في كتاب الردة والفتوح، والزبير بن بكار في الموفقيات، وثابت بن قاسم في الدلائل وابن حجر العسقلاني في ترجمة مالك من اصابته، وابن الشحنة في روضة المناظر، وابو الفداء في المختصر، وخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين.

[34]

وآيات الخ. فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي الينا جاهل بمذهبنا أو مفتري علينا، فان القرآن العظيم، والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته، وسائر حروفه وحركاته وسكناته، تواترا قطعيا عن أئمة الهدى من اهل البيت عليهم السلام، لا يرتاب في ذلك الا معتوه، وأئمة اهل البيت كلهم اجمعون رفعوه إلى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تعالى، وهذا ايضا مما لا ريب فيه، وظواهر القرآن الحكيم - فضلا عن نصوصه - ابلغ حجج الله تعالى، وأقوى ادلة اهل الحق بحكم الضرورة الاولية من مذهب الامامية، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة، ولذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها عملا بأوامر أئمتهم عليهم السلام. وكان القرآن مجموعا ايام النبي صلى الله عليه وآله على ما هو عليه الآن من الترتيب والتنسيق في آياته وسوره، وسائر كلماته وحروفه بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم ولا تأخير، ولا تبديل ولا تغيير

[35]

وصلاة الامامية بمجردها دليل على ذلك، لانهم يوجبون بعد فاتحة الكتاب - في كل من الركعة الاولى والركعة الثانية من الفرائض الخمس - سورة واحدة تامة غير الفاتحة من سائر السور (1) ولا يجوز عندهم التبعيض فيها، ولا القران بين سورتين على الاحوط، وفقههم صريح بذلك، فلولا ان سور القرآن باجمعها كانت زمن النبي صلى الله عليه وآله على ما هي الآن عليه من الكيفية والكمية ما تسنى لهم هذا القول، ولا امكن ان يقوم لهم عليه دليل. اجل ان القرآن عندنا كان مجموعا على عهد الوحي والنبوة مؤلفا على ما هو عليه الآن، وقد عرضه الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وتلوه عليه من اوله إلى آخره، وكان جبرائيل عليه السلام يعارضه صلى الله عليه وآله بالقرآن في كل عام مرة، وقد عارضه به عام


(1) ولا يجوز في ضيق الوقت قراءة ما يفوت الوقت بقراءته من السور الطوال، كما لا يجوز قراءة احدى سور العزائم الاربع لاستلزامها زيادة سجدة في الصلاة أو المخالفة بترك سجود التلاوة، والاقوى اتحاد سورتي الضحى وألم نشرح وكذا الفيل وقريش عندنا.

[36]

وفاته مرتين، وهذا كله من الامور الضرورية لدى المحققين من علماء الامامية، ولا عبرة ببعض الجامدين منهم، كما لا عبرة بالحشوية من اهل السنة القائلين بتحريف القرآن والعياذ بالله فانهم لا يفقهون، نعم لا تخلو كتب الشيعة وكتب السنة من احاديث ظاهرة بنقص القرآن، غير انها مما لاوزن لها عند الاعلام من علمائنا اجمع، لضعف سندها ومعارضتها بما هو اقوى منها سندا، واكثر عددا، واوضح دلالة، على انها من اخبار الآحاد، وخبر الواحد انما يكون حجة إذا اقتضى عملا، وهذه لا تقتضي ذلك، فلا يرجع بها عن المعلوم المقطوع به، فليضرب بظواهرها عرض الحائط، ولا سيما بعد معارضتها لقوله تعالى (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) ومن عرف النبي صلى الله عليه وآله في حكمته البالغة ونبوته الخاتمة، ونصحه لله ولكتابه ولعباده، وعرف مبلغ نظره في العواقب، واحتياطه على امته في مستقبلها، ير ان من المحال عليه ان يترك القرآن منثووا مبثوثا، حاشا هممه وعزائمه، وحكمه المعجزة من ذلك، وقد كان القرآن زمن النبي صلى الله عليه وآله يطلق عليه الكتاب قال الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)

[37]

وهذا يشعر بانه كان مجموعا ومكتوبا، فان الفاظ القرآن إذا كانت محفوظة ولم تكن مكتوبة لا تسمى كتابا، وانما تسمى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى، وكيف كان فان رأي المحققين من علمائنا ان القرآن العظيم انما هو ما بين الدفتين الموجود في ايدي الناس، والباحثون من اهل السنة يعلمون منا ذلك، والمنصفون منهم يصرحون به، وحسبك ممن صرح بهذا امام اهل البحث والتتبع الشيخ رحمة الله الهندي فانه نقل كلام كثير من عظماء علماء الامامية في هذا الموضوع بعين الفاظهم فراجع ص 89 من النصف الثاني من سفره الجليل - اظهار الحق - فان هناك كلام المعروفين من متقدمي علماء الامامية ومتأخريهم منقولا عن كتبهم المشهورة المنشورة التي يمكنكم بعد مراجعة اظهار الحق ان تراجعوها ايضا بانفسكم لتزدادوا بصيرة فيما نقول، وسترون هذا الشيخ الجليل بعد نقله كلام علماء الشيعة حول هذا لموضوع قد علق عليه كلمة تبين كنه مذهبهم فيه، حيث قال ما هذا لفظه: " فظهر ان المذهب المحقق عند علماء الفرقة الامامية الاثني عشرية ان القرآن الذي انزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين وهو ما في ايدي الناس ليس

[38]

باكثر من ذلك، وانه كان مجموعا مؤلفا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وحفظه ونقله الوف من الصحابة، وجماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود، وابي بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدة ختمات، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر رضي الله عنه (قال): والشرذمة القليلة منهم التي قالت بوقوع التغيير فقولهم مردود عندهم ولا اعتداد به فيما بينهم (قال): وبعض الاخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته (قال): وهو حق لان خبر الواحد إذا اقتضى علما ولم يوجد في الادلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده على ما صرح به ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى بمبادئ الوصول إلى علم الاصول وقد قال الله تعالى (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) (قال): ففي تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة اي انا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان " انتهى كلامه بعين لفظه. ونحن تعرضنا للبحث عن هذا الموضوع في الفصل 11 من

[39]

فصولنا المهمة وفاتنا ثمة النقل عن كتاب كشف الغطاء وهو من اجل الكتب الفقهية المشهورة المنشورة لمؤلفه امام المتبحرين وعيلم علوم المتقدمين والمتأخرين شيخنا الاكبر الشيخ جعفر رضي الله عنه فراجع منه كتاب القرآن تجده يقول في المبحث السابع من مباحثه: لا زيادة في القرآن من سورة ولا آية من بسملة وغيرها ولا كلمة ولا حرف، وجميع ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله بالضرورة من المذهب بل الدين واجماع المسلمين واخبار النبي صلى الله عليه وآله والائمة الطاهرين عليهم السلام. وقال في المبحث الثامن: لا ريب في ان القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما دل عليه صريح الفرقان واجماع العلماء في جميع الازمان (قال): ولا عبرة بالنادر وما ورد من اخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها، إلى آخر كلامه، زاد الله في شرف مقامه. هذا رأي علماء الشيعة في القرآن، من الصدر الاول إلى الآن، اخذوه - وهو عين الصواب - عن أئمتهم - وعن اعدال الكتاب - وقد شذ بعض الجامدين من الشيعة فقالوا بنقصان القرآن، محتجين بظواهر بعض الاحاديث التي لم

[40]

يفقهوا معناها، وهي بين ضعيف ومرجل ومأول كما شذ من قال بهذا القول من اهل السنة محتجين بما اخرجه البخاري (1) وغيره عن عمر بن الخطاب إذ قال: ان الله بعث محمدا بالحق وانزل عليه الكتاب فكان مما انزل آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها. رجم رسول الله صلى الله عليه وآله ورجمنا بعده فأخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل: ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة انزلها الله، إلى ان قال: ثم انا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم ان ترغبوا عن آبائكم أو ان كفرا بكم ان ترغبوا عن آبائكم الحديث، وهو صحيح عندهم صريح في نقصان آية الرجم وآية الرغبة عن الآباء. واخرج مسلم (2) وغيره عن ابي الاسود عن ابيه قال:


(1) في باب رجم الحبلى من الزنى إذا احصنت وهو في كتاب الحدود والمحاربين من اهل الكفر والردة ص 119 من الجزء الرابع من صحيحه فراجع. (2) في باب لو ان لابن آدم واديين لابتغى ثالثا من كتاب الزكاة اول ص 386 من الجزء الاول من صحيحه.

[41]

بعث أبو موسى الاشعري إلى قراء اهل البصرة فدخل عليه ثلاث مئة رجل قد قرأوا القرآن فقال: انتم خيار اهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الامد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم، وانا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فانسيتها غير اني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا، ولا يملا جوف ابن آدم الا التراب، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها باحدى المسبحات فانسيتها غير اني حفظت منها يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في اعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. انتهى بلفظه. والحديث صحيح عندهم صريح في نقصان سورتين طويلتين كما لا يخفى. واخرج الامام الطبري في تفسير قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن) من اوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير بالاسناد إلى كل من ابي بن كعب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي، انهم كانوا يقرأونها فما استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى فآتوهن اجورهن. وارسل الزمخشري في كشافه هذه القراءة عن ابن عباس

[42]

ارسال المسلمات، وذكر الرازي في تفسير الآية انه روى عن ابي بن كعب انه كان يقرأ فما استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى فآتوهن أجورهن (قال): وهذا ايضا هو قراءة ابن عباس (قال): والائمة ما انكروا عليهما في هذه القراءة (قال: فكان ذلك اجماعا من الامة على صحة هذه القراءة. قلت: هذا كلامه بعين لفظه فراجعه في ص 201 من الجزء 3 من تفسيره الكبير، ونقل القاضي عياض عن المازري - كما في اول باب نكاح المتعة من شرح صحيح مسلم للعلامة النووي -: ان ابن مسعود قرأ فما استمتعتم به منهن إلى اجل، والسنن في ذلك كثيرة وهي صحيحة صريحة في النقصان، واخرج البخاري (1) من طريقين عن الاعمش عن ابراهيم قال: قدم اصحاب عبد الله - ابن مسعود - على ابي الدرداء - وهو في الشام - فطلبهم فوجدهم فقال: ايكم يقرأ على قراءة عبد الله، قالوا: كلنا قال: فأيكم يحفظ، فاشاروا إلى علقمة، قال كيف سمعته يقرأ والليل إذا يغشى ؟ قال علقمة: فقرأت والليل إذا يغشى


(1) في ص 143 من الجزء الثالث من صحيحه في تفسير سورة الليل من كتاب تفسير القرآن فراجع.

[43]

والنهار إذا تجلى والذكر والانثى، قال اشهد اني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني على ان اقرأ وما خلق الذكر والانثى، والله لا اتابعهم، اه‍. وهذا حديث صحيح صريح في الزيادة لا في النقصان والسنن في ذلك من طريق اهل السنة اكثر من ان تحصى في هذه العجالة، أو تستقصى في هذا الاملاء، فما يقوله اهل السنة في الجواب عنها هو بعينه الجواب عما هو في كتبنا. وما ادري والله ما يقولون فيما نقله عنهم في هذا الباب غير واحد من سلفهم الاعلام كالامام ابي محمد بن حزم إذ نسب إلى الامام ابي الحسن الاشعري في ص 207 من الجزء الرابع من الفصل انه كان يقول: ان القرآن المعجز انما هو الذي لم يفارق الله عزوجل قط، ولم يزل غير مخلوق ولا سمعناه قط، ولا سمعه جبرائيل ولا محمد عليهما السلام قط، وان الذي نقرأ في المصاحف ونسمعه ليس معجزا بل مقدور على مثله، إلى آخر ما نقله عن الامام الاشعري واصحابه - وهم جميع اهل السنة - حتى قال في ص 211 ما هذا لفظه: وقالوا كلهم ان القرآن لم ينزل به قط جبرائيل على قلب محمد عليه الصلاة

[44]

والسلام، وانما نزل عليه بشئ آخر، هو العبارة عن كلام الله، وان القرآن ليس عندنا البتة الا على هذا المجاز، وان الذي نرى في المصاحف ونسمع من القرآن ونقرأ في الصلاة ونحفظ في الصدور ليس هو القرآن البتة، ولا شئ منه كلام الله البتة، بل شئ آخر، وان كلام الله تعالى لا يفارق ذات الله عزوجل، ثم استرسل في كلامه عن الاشاعرة حتى قال في ص 212: ولقد اخبرني علي بن حمزة المراوي الصقلي انه رأى بعض الاشعرية يبطح المصحف برجله، قال: فاكبرت ذلك وقلت له: ويحك هكذا تصنع بالمصحف وفيه كلام الله تعالى، فقال لي: ويلك والله ما فيه الا السخام والسواد، واما كلام الله فلا - قال ابن حزم - وكتب الي أبو المرحي بن رزوار المصري ان بعض ثقات اهل مصر من طلاب السنن اخبره ان رجلا من الاشعرية قال له مشافهة: على من يقول: ان الله قال: قل هو الله احد الله الصمد الف لعنة، إلى آخر ما نقله عنهم فراجعه من ص 204 إلى ص 226 من الجزء الرابع من الفصل. ثم قل لي كيف تحتمل الامة منكم هذا المحال، وكيف تقوى لكم على حمل ما لا تقله الجبال، ثم يضعف

[45]

ذرعها ويضيق وسعها عن هدي آل محمد المتمثل في صحاح شيعتهم بأجلى المظاهر - ما هكذا تورد يا سعد الابل - عفا الله عنك يا موسى، ولا حول ولا قوة الا بالله. (المسألة الخامسة) زعم ان الشيعة ترى حكومات الدول الاسلامية وقضاتها وكل علمائها طواغيت، إلى آخر كلامه. (فأقول): خلط الحابل بالنابل، والجائر بالعادل، كأنه لا يدري ان الطواغيت من الحكومات وقضاتها عند الشيعة انما هم الظالمون الغاشمون المستحلون من آل محمد ما حرم الله ورسوله، الباذلون كل ما لديهم من سطوة وجبروت في ان يبيدوا العترة الطاهرة من جديد الارض، وقد وازرهم على هذا قضاة الرشوة، وعلماء التزلف المراؤون الدجالون فبلغوا في تسويد صحائف الشيعة كل مبلغ، وألصقوا بهم كل عائبة، ارجافا بهم وافتراء عليهم، وجرأة على الله تعالى، واستخفافا بحرماته عزوجل، وتهجينا لمذهب اهل البيت، وتشويها لوجه الحق، وتصحيحا لما كان يرتكبه الغاشمون من النهب

[46]

والسلب، والشتم والضرب، وتحريق البيوت، وتقطيع النخيل، وقتل الرجال، واصطفاء الاموال، فاي جناح على من اعتبر تلك الحكومة اليزيدية وقضاتها وعلماءها طواغيت ؟ وهل في الخارج أو في الذهن مصاديق للطواغيت سوى امثالهم ؟. اما غيرهم من حكومات الاسلام فان من مذهب الشيعة وجوب موازرتهم في امر يتوقف عليه عز الاسلام ومنعته، وحماية ثغوره وحفظ بيضته، ولا يجوز عندهم شق عصا المسلمين، وتفريق جماعتهم بمخالفته، بل يجب على الامة ان تعامل سلطانها القائم بأمورها والحامي لثغورها معاملة الخلفاء بالحق، وان كان عبدا مجدع الاطراف، فتعطيه خراج الارض ومقاسمتها وزكاة الانعام وغيرها، ولها ان تأخذ منه ذلك بالبيع والشراء وسائر اسباب الانتقال، كالصلات والهبات ونحوها، ولا اشكال في براءة ذمة المتقبل منه بدفع القبالة إليه، كما لو دفعها إلى امام الحق، هذا مذهبنا في الحكومات الاسلامية - كما فصلناه في المراجعة 82 من مراجعاتنا - لكن موسى جار الله واضرابه يريدون اغراء الحكومات الاسلامية بالشيعة ضررا وبغيا (وتفريقا بين المؤمنين وارصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ان اردنا الا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون).

[47]

(المسألة السادسة) قال: صرحت كتب الشيعة ان كل الفرق الاسلامية كلها كافرة ملعونة خالدة في النار الا الشيعة الخ. (فاقول) نعوذ بالله من تكفير المسلمين، والله المستعان على كل معتد اثيم، هماز مشاء بنميم، كيف يجوز على الشيعة ان تكفر اهل الشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج والايمان باليوم الآخر، وقد قال امامهم أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام - في حديث سفيان بن الصمت -: الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس، شهادة ان لا اله الا الله، وان محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان. اه‍. وقال عليه السلام - في حديث سماعة -: الاسلام شهادة ان لا اله الا الله، والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث. اه‍. وقال الامام ابو جعفر محمد الباقر عليه السلام - في صحيح حمران بن اعين -: والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو

[48]

الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة، والصوم والحج، فخرجوا بذلك عن الكفر، واضيفوا إلى الايمان. اه‍. ونصوص ائمتنا في هذا المعنى متواترة، وعليه اجماع الشيعة. ولو فرض ان في بعض كتبهم المعتبرة شيئا من تكفير مخاليفهم، فليس المراد من التكفير هنا معناه الحقيقي، وانما المراد اكبار المخالفة لائمة اهل البيت، وتغليظها نظير ما ثبت في الصحاح من تكفير التارك للصلاة، والمقاتل للمسلم، والطاعن في النسب، والعبد الآبق، والنائحة على الموتى. وكتب اهل السنة مشحونة بتكفير الشيعة، وتحقيرهم ونبزهم بالرفض تارة، وبالخشبية مرة، وبالترابية اخرى، وبغير ذلك من القاب الضعة، ولا تسل عن الارجاف بهم، والافتراء عليهم، وبهتهم بالاباطيل، وحسبك ما تجده في باب الردة والتعزير من الفتاوى الحامدية من تنقيحها فان هناك ما لا تبرك الابل عن مثله (1) فهل انكر عليه في بهتانه منكر ؟


(1) نقلناه بعين لفظه في الفصل 9 من فصولنا المهمة ثم زيفناه بما لا رد عليه ولا ريب فيه وقد اشرنا في الفصل 10 والفصل 11 إلى يسير مما نسبه المرجفون إلى الشيعة مع اثبات برأتهم منه فلا تفوتنكم تلك الفوائد وجدير بكل بحاثة ان لا تفوته الفصول المهمة.

[49]

أو عذله عن ظلمه وعدوانه عاذل ؟ فحتى م تصوبون على اخوانكم - الصواعق المحرقة - وتنبزونهم باهل البدع والزندقة، حتى كان - منهاج السنة - سبابا و - نبراسها - كذابا، و - فجر الاسلام - هو - الاسلام الصحيح - و - كرد - الشام هو العربي الصريح، وارباب القلم وانصار السنة اضراب النصولي في كتاب معاوية بن ابي سفيان، والحصاني صاحب العروبة في الميزان، وموسى هذا الارعن في مسائله، وابن عانة في معاميه ومجاهله، يتحكمون بجهلهم فيستحلون من الشيعة ما حرم الله عزوجل، بغيا منهم وجهلا. والمسلمون بمنظر وبمسمع * لا منكر منهم ولا متفجع - كأن الشيعة ليسوا باخوانهم في الدين، ولا باعوانهم على من اراد بهم سوءا. (فصل) قال موسى جار الله في خاتمة هذه المسألة: يقول الامام - يعني الباقر أو الصادق - في ائمة المذاهب الاربعة من هذه الامة: لا تأتهم ! ولا تسمع منهم ! لعنهم الله ولعن مللهم المشركة !.

[50]

(فأقول): لا طريق لموسى جار الله وغيره في اثبات هذا القول عن ائمتنا ابدا، ولو فرضنا ثبوته فما هو الا دون ما قد ثبت عن حجج اهل السنة، واعلام سلفهم المعاصرين للائمة الاربعة كما يعلمه المتتبعون، وقد اخرج الخطيب في ترجمة ابي حنيفة من الجزء 13 من تاريخ بغداد احاديث كثيرة في هذا الموضوع لعل موسى جار الله لم يقف عليها، فنحن الآن نلفته إليها، وحسبه منها ما اخرجه بالاسناد إلى سفيان بن سعيد الثوري، قال: سمعت حماد بن ابي سليمان يقول (1): ابلغوا أبا حنيفة المشرك اني من دينه برئ إلى ان يتوب. اه‍. ثم اخرج بالاسناد إلى حماد ايضا انه رأى ابا حنيفة مقبلا عليه، فقال: لا مرحبا ولا اهلا، ثم قال لاصحابه: ان سلم فلا تردوا عليه، وان جلس فلا توسعوا له، فلما جاء أبو حنيفة اخذ حماد كفا من حصى فرمى به في وجه ابي حنيفة. واخرج الخطيب ايضا بالاسناد إلى ابي بكر محمد بن عبد الله ابن صالح الاسدي الفقيه المالكي، قال: سمعت ابا بكر بن


(1) هذه الفاظه تجدها في السطر الاول من ص 381 من الجزء 13 من تاريخ الخطيب.

[51]

ابي داود السجستاني يوما وهو يقول لاصحابه: ما تقولون في مسألة اتفق عليها مالك واصحابه والشافعي واصحابه، والاوزاعي واصحابه، والحسن بن صالح واصحابه، وسفيان الثوري واصحابه، واحمد بن حنبل واصحابه، فقالوا له: يا أبا بكر لا تكون مسألة أصح من هذه، فقال (1): هؤلاء كلهم اتفقوا على تضليل ابي حنيفة. اه‍. واخرج ايضا (2) بسنده إلى ابي العباس احمد بن علي بن مسلم الابار: ان القوم الذين ردوا على ابي حنيفة، ايوب السجستاني، وجرير بن حازم، وهمام بن يحيى، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وابو عوانة وعبد الوارث وسوار العنبري القاضي، ويزيد بن زريع، وعلي بن عاصم ومالك بن انس، وجعفر بن محمد، وعمر بن قيس، وابو عبد الرحمن المقرئ، وسعيد بن عبد العزيز، والاوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وابو إسحاق الفزاري، ويوسف بن اسباط، ومحمد بن جابر، وسفيان الثوري، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن ابي سليمان، وابن ابي ليلى، وحفص


(1) كما في السطر الاول من ص 384 من الجزء 13 من تاريخ الخطيب (2) في اواخر ص 369 من الجزء 13.

[52]

ابن غياث، وابو بكر بن عياش، وشريك بن عبد الله، ووكيع بن الجراح، ورقبة بن مصقلة، والفضل بن موسى، وعيسى بن يونس، والحجاج بن ارطاة، ومالك بن مغول، والقاسم بن حبيب وابن شبرمة. فهؤلاء خمسة وثلاثون اماما قد اتفقوا على الرد عليه. واخرج الخطيب ايضا (1) بالاسناد إلى وكيع قال: اجتمع سفيان الثوري وشريك، والحسن بن صالح، وابن ابي ليلى فبعثوا إلى ابي حنيفة فأتاهم، فقالوا له: ما تقول في رجل قتل اباه، ونكح امه، وشرب الخمر في رأس ابيه، فقال: هو مؤمن، فقال له ابن ابي ليلى: لا قبلت لك شهادة ابدا، وقال له سفيان الثوري: لا كلمتك ابدا، وقال له شريك: لو كان لي من الامر شئ لضربت عنقك، وقال له الحسن بن صالح: وجهي من وجهك حرام ان انظر إلى وجهك ابدا. اه‍. واخرج الخطيب ايضا (2) عن الامام مالك بن انس قال: ما ولد في الاسلام مولود اضر على اهل الاسلام من ابي حنيفة. الخ. واخرج عنه ايضا (3)


(1) في اول ص 374 من الجزء المذكور. (2) في ص 396 من الجزء المذكور (3) في ص 396 ايضا.

[53]

قال: كانت فتنة ابي حنيفة اضر على هذه الامة من فتنة ابليس. الخ. واخرج ايضا (1) عن عبد الرحمن بن مهدي قال: ما أعلم في الاسلام فتنة بعد فتنة الدجال اعظم من رأي ابي حنيفة. ثم اخرج عن سفيان قال: ما وضع في الاسلام من الشر ما وضع ابو حنيفة الا فلان لرجل صلب. ثم اخرج عن شريك قال: لان يكون في كل حي من الاحياء خمار خير من ان يكون فيه رجل من اصحاب ابي حنيفة. ثم اخرج عنه ايضا قال: لو ان في كل ربع من ارباع الكوفة خمارا يبيع الخمر كان خيرا من ان يكون فيه من يقول بقول ابي حنيفة. ثم اخرج عن حماد بن زيد قال: سمعت ايوب وقد ذكر ابو حنيفة فقال: يريدون ان يطفئوا نور الله بافواههم ويأبى الله الا ان يتم نوره. ثم اخرج عن سلام بن ابي مطيع قال: كان ايوب قاعدا في المسجد الحرام فرآه ابو حنيفة فاقبل نحوه، فلما رآه ايوب قد اقبل نحوه، قال لاصحابه: قوموا لا يعرنا بجربه، قوموا فقاموا فتفرقوا. ثم اخرج عن سليمان ابن حسان الحلبي قال: سمعت الاوزاعي ما لا احصيه


(1) في ص 396 ايضا.

[54]

يقول (1): عمد ابو حنيفة إلى عرى الاسلام فنقضها عروة عروة. ثم اخرج عن سلمة بن كلثوم وكان من العابدين، قال: قال الاوزاعي لما مات ابو حنيفة: الحمد لله ان كان لينقض الاسلام عروة عروة. ثم اخرج عن ابن مهدي قال: كنت عند سفيان الثوري إذ جاء نعي أبي حنيفة فقال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عرى الاسلام عروة عروة، ما ولد في الاسلام مولودا اشأم على الاسلام منه. اه‍. ثم استرسل الخطيب في نقل هذا القول ونحوه عن كل من الاوزاعي، والثوري، والامام الشافعي، وحماد بن سلمة، وابن عون، والبتي، وسوار، والامام مالك، وابي عوانة، وعبد الله ابن المبارك، والنضر بن شميل، وقيس بن الربيع، وعبد الله ابن ادريس، وابي عاصم، والحميري، وعبد الرحمن بن مهدي، وعمر بن قيس، وعمار بن زريق، وابي بكر بن عياش، والاسود بن سالم، وعلي بن عثام، ويزيد بن هارون، والامام احمد بن حنبل، وخالد بن يزيد بن ابي مالك، وابي مسهر، وابي الحسن النجاد، وابن ابي شيبة، وابراهيم الحربي،


(1) كما في السطر الاول من ص 398 من الجزء 13.

[55]

وسريح بن يونس، وابن نمير، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم، ومن شاء ان يقف على كلام هؤلاء الائمة الاثبات، فليراجع باب ما قاله العلماء في ذم رأي ابي حنيفة والتحذير منه ص 394 وما بعدها إلى ص 423 من الجزء 13 من تاريخ الخطيب. وقد اخرج باسانيد متعددة، وطرق مختلفة عن كل من شريك وسليمان بن فليح المدني، وقيس بن الربيع، وسفيان الثوري، ويعقوب، ومؤمل بن اسماعيل، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن حمزة، وسعيد بن عبد العزيز، ويزيد بن زريع، وعبد الله بن ادريس، واسد بن موسى، واحمد بن حنبل، انهم جميعا قالوا (1): ان أبا حنيفة قد استتيب من الكفر والزندقة مرتين أو ثلاثا. واخرج ايضا (2) عن ابي مسهر قال: كان ابو حنيفة رأس المرجئة، ثم اخرج هذا ونحوه عن كل من عبد الله بن يزيد، وابن المبارك، بل اخرج عن ابي يوسف تلميذ ابي حنيفة قال: ان ابا حنيفة كان مرجئا جهميا حتى


(1) راجع قولهم بعين الفاظهم في ص 381 وص 372 وص 373 من الجزء 13 تجد التفصيل (2) في آخر ص 374 من الجزء 13.

[56]

مات على ذلك، فقيل له: فأين انت منه ؟ قال: انما كان مدرسا فما كان من قوله حسنا قبلناه، وما كان قبيحا تركناه، وكان ابن ابي ليلى يتمثل بهذين البيتين (1): إلى شنئان المرجئين ورأيهم * عمر بن ذر وابن قيس الماصر - وعتيبة الدباب لا يرضى به * وابي حنيفة شيخ سوء كافر - واخرج الخطيب عن ابي صالح الفراء (2) قال: سمعت يوسف بن اسباط يقول: رد ابو حنيفة على رسول الله اربع مئة حديث أو اكثر، قال: وقال ابو حنيفة: لو ادركني النبي وادركته لاخذ بكثير من قولي، وهل الدين الا الرأي الحسن. واخرج ايضا عن وكيع، قال: وجدنا ابا حنيفة خالف مئتي حديث. واخرج ايضا عن حماد بن سلمة من طريقين، قال ان أبا حنيفة استقبل الآثار والسنن فردها برأيه. ثم استرسل الخطيب في نقل هذا وامثاله عن ابي حنيفة بالاساليب المعتبرة، عن كل من ابي عوانة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ووكيع، والحجاج بن ارطاة، وسفيان بن عيينة،


(1) فيما اخرجه الخطيب بالاسناد إليه في ص 38 من الجزء 13. (2) في ص 390

[57]

وغيرهم، واخرج عن علي بن صالح البغوي، قال: انشدني أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي لاحمد بن المعدل. ان كنت كاذبة بما حدثتني * فعليك اثم ابي حنيفة أو زفر - المائلين إلى القياس تعمدا * والراغبين عن التمسك بالخبر - واخرج الخطيب عن ابي اسحاق الفزاري (1) قال: كنت آتي ابا حنيفة اسأله عن الشئ من امر الغزو، فسألته عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له: انه يروى فيها عن النبي كذا وكذا، قال: دعنا من هذا، قال: وسألته يوما آخر عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له: انه يروى فيها عن النبي كذا وكذا، فقال: حك هذا بذنب خنزيرة ! وعقد الخطيب فصلا لما حكي عن ابي حنيفة من مستشنعات الالفاظ والافعال فليراجعه موسى جار الله في ص 386 وما بعدها إلى ص 394، وإذا راجع ترجمة ابي حنيفة في ص 323، إلى ص 423 من المجلد 13 من تاريخ بغداد هانت عليه الكلمة التي نقلها عن الامام عليه السلام.


(1) راجع صفحة 387

[58]

[فصل] وقد تكلم ابن ابي ذئب في مالك بن انس بكلام فيه جفاء وخشونة، قال بن عبد البر (1): كرهت ذكره وهو مشهور عنه. (قال): وكان ابراهيم بن سعد يتكلم في مالك ابن انس ايضا (قال): وكان ابراهيم بن يحيى يدعو عليه (قال): وتكلم في مالك ايضا - فيما ذكره الساجي في كتاب العلل - عبد العزيز بن ابي سلمة، وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم وابن اسحاق وابن ابي يحيى وابن ابي زياد، وعابوا اشياء من مذهبه (قال): وتكلم فيه غيرهم إلى ان قال: وتحامل عليه الشافعي وبعض اصحاب ابي حنيفة في شئ من رأيه حسدا لموضع امامته (2) قال: وعابه قوم في انكار المسح على الخفين في الحضر والسفر، وفي كلامه على علي وعثمان (3) وفي


(1) في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض من كتابه (جامع بيان العلم وفضله) فراجع آخر صفحة 201 من مختصره والتي بعدها تجد كل ما نقلناه من كلامهم في الامام مالك. (2) اراد ان يعتذر عن مالك فطعن في الشافعي وفي بعض اصحاب ابي حنيفة وكيف تجتمع العدالة مع التحامل على الامام حسدا لموضع امامته (3) فان مالكا كان يرى راي الخوارج في الصهرين وهذا الرأي ثابت عنه وهو من اشد الامور التي نقموها عليه.

[59]

فتياه باتيان النساء في الاعجاز، وفي قعوده عن مشاهدة الجماعة في مسجد رسول الله، ونسبوه بذلك إلى ما لا يحسن ذكره اه‍. قلت: وقد طعن محمد بن اسحاق في نسب مالك (1) فكان بينهما من القدح والجرح ما لا يجمل ذكره وهو مشهور عنهما. وقد شك في الامام الشافعي بعض الاعلام من معاصريه وغيرهم، وصرح بعدم وثاقته، من لا يستطيع موسى جار الله الا الخضوع لعدالته، كابن معين وحسبك به اماما في الجرح والتعديل، وتصريحه بهذا ثابت عنه من طرق صحيحة (2) وما زال اهل المذاهب ينتقد بعضهم بعضا، ويزري بعضهم


(1) كما صرح به غير واحد من الاعلام كابن عبد البر في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض من كتابه - جامع بيان العلم وفضله - فراجع من مختصره ص 192 ومن وقف على ترجمة ابن اسحاق في ص 223 وما بعدها من الجزء الاول من تاريخ بغداد وجد قدح كل من ابن اسحاق ومالك في الآخر ووجد القدح في مالك من ابن ابي ذئب وابن ابي حازم وعبد العزيز الماجشون وغيرهم ووجد ان جماعة من اهل العلم عابوا مالكا باطلاق لسانه في قوم معروفين بالصلاح والديانة والصدق والامانة (2) كما صرح به الامام ابن عبد البر في كتابه - جامع بيان العلم وفضله - فراجع من مختصره ص 201

[60]

على بعض، حتى قال الامام جار الله الزمخشري: إذا سألوا عن مذهبي لم ابح به * واكتمه كتمانه لي اسلم - فان حنفيا قلت، قالوا: بانه * يبيح الطلا وهو الشراب المحرم - وان مالكيا قلت، قالوا: بأنني * أبيح لهم اكل الكلاب وهم هم - وان شافعيا قلت، قالوا: بأنني * ابيح نكاح البنت والبنت تحرم - وان حنبليا قلت، قالوا، بانني * ثقيل حلولي بغيض مجسم - الابيات (1) وقد علم المتتبعون ما كان في مرو على عهد السلطان محمود بن سبكتكين، إذ جمع فقهاء الشافعية والحنفية، والتمس الكلام في ترجيح احد المذهبين على الآخر. فكان ما كان مما لست اذكره * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر (2) وإذا طرق موسى جار الله باب قول العلماء بعضهم في بعض من كتاب جامع بيان العلم وفضله للامام ابن عبد البر


(1) راجعها في ترجمة الزمخشري المطبوعة في الجز الاخير من الكشاف. (2) وان سألت عنه فراجعه في ترجمة محمود بن سبكتكين من الجزء الثاني من وفيات ابن خلكان تجده منقولا عن كتاب مغيث الخلق في اختيار الاحق لمؤلفة امام الحرمين ابي المعالي عبد الملك الجويني وقد راجعت انا بنفسي الصلاة المنقولة ثمة عن الامام ابي حنيفة فوجدتها في فقه اصحابه بتمامها.

[61]

يجد فيه من اقوال الصحابة، وأئمة التابعين بعضهم في بعض، ما ينهنه به عن وجده، ويصغر له قول امامنا في أئمته، على ان ذلك القول غير ثابت عن امامنا عليه السلام، ولو ثبت فانما هو دون ما تلوناه من الاقوال واهون مما لم نتله، فانا تركنا اكداسا كثيرة من مثل هذا الطويل العريض. وقبل الفراغ من هذه المسألة لابد ان نعلن انا لم نقصد إلى شئ من نشر هذه الصفحات، لولا ما اضطرنا هذا الرجل إلى ذلك، فان الافاضة بالبحث قد تملك زمام القلم فلا يستطيع الباحث له ردا، ولا سيما إذا كان البحث فقيرا للدفاع بمثل هذا البيان، وعلى كل فانا نكبر الائمة الاربعة، ونحترم مذاهبهم ونعرف قدرهم، ونستعظم امرهم، ونقدر جهودهم وبلاءهم رضي الله عنهم. (المسألة السابعة) تتعلق بالجهاد قال: تعتقد الشيعة ان جهاد الامم الاسلامية لم يكن مشروعا وهو اليوم غير مشروع، إلى ان قال: الجهاد مع

[62]

غير الامام المفترض طاعته حرام عند الشيعة مثل حرمة الميتة، وحرمة الخنزير إلى آخر كلامه. (والجواب): ان هذا الرجل في كل ما ينقله عن الشيعة كراكب عمياء، في ليلة ظلماء، فان الجهاد ينقسم من جهة اختلاف متعلقاته خمسة اقسام. احدها الجهاد لحفظ بيضة الدين إذا اراد اعداء الله مسها بسوء، وهموا بأن يجعلوا كلمتهم اعلا من كلمة الايمان بالله، وان يكون الشرع باسمهم مناقضا لدين الله عزوجل. ثانيها الجهاد لدفع العدو عن التسلط على دماء المسلمين بالسفك واعراضهم بالهتك. ثالثها الجهاد للدفاع عن طائفة من المسلمين التقت مع طائفة من الكفار فخيف من استيلائهم عليها. رابعها الجهاد لدفعهم عن ثغور المسلمين وقراهم وارضهم أو لاخراجهم منها بعد تسلطهم عليها بالجور، أو لجبر بيضة المسلمين بعد كسرها، واصلاحها بعد فسادها، والسعي في انقاذ المسلمين وبلادهم من ايدي الكفرة بالله عزوجل. ويجب الجهاد في هذه الاقسام الاربعة - باجماع الشيعة -

[63]

وجوبا كفائيا على معنى انه يجب على الجميع، إلى ان يقوم به منهم من فيه الكفاية، فيسقط عن الباقين سقوطا مراعى باستمرار القائم به، إلى ان يحصل الغرض المطلوب شرعا، وتختلف الكفاية بحسب الحاجة، بسبب كثرة العدو وقلته، وضعفه وقوته. ومن قتل في كل من هذه الاقسام الاربعة من المؤمنين فهو من الشهداء السعداء، وله في الآخرة - مع الاخلاص في النية - ما اعده الله للشهداء بين يدي خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله من الدرجات الرفيعة، والمساكن الطيبة والحياة الدائمة والرضوان الخالد، ويسقط عن الاحياء وجوب تغسيله وتحنيطه وتكفينه، إذا لم يكن عاريا فيدفن في ثيابه ودمائه، ولا ينزع عنه شئ سوى الفرو والجلد، وما كان بقاؤه عليه مضرا في حال الوارث، هذا إذا قتل في المعركة، ولم يدركه المسلمون وفيه رمق الحياة. ولا فرق في وجوب الجهاد في كل هذه الاقسام الاربعة، بين حضور الامام وغيبته، ووجود المجتهد وعدم وجوده، فيجب على الحاضرين من المسلمين والغائبين - ان لم يكونوا مرابطين في الثغور - ان ينفروا للجهاد تاركين عيالهم واشغالهم وسائر مهماتهم، ويجب على من كان

[64]

ذا مال أو جاه أو سلاح أو رأي أو تدبير أو حيلة ان يبذل ما لديه من ذلك، وتجب في هذا المقام طاعة الرئيس الناهض بهذه المهمة، العارف بتسريب العساكر وتدريب الحرب، وان لم يكن اماما، ولا نائبا خاصا، ولا مجتهدا - لتعذر رياستهم في هذه الايام - وله ان يأخذ من اموال المسلمين ما يتوقف عليه الامر، ويجب القيام بهذه الرئاسة على كل من له الاهلية لها، وجوبا عينيا إذا انحصر الامر فيه، والا كان الوجوب عليه كفائيا، وفقه الامامية، وحديثهم صريحان بهذا كله (1) الخامس من اقسام الجهاد، ابتداء الكفار بجهادهم في سبيل دعوتهم إلى الايمان بالله عزوجل، وغزوهم لاجل ذلك في عقر ديارهم، وبحبوحة قرارهم، وهذا المقام عندنا من خواص النبي صلى الله عليه وآله أو الامام النائب عن رسول الله نيابة صحيحة، أو المنصوب الخاص من احدهما فلا يتولاه


(1) من اراد التفصيل فعليه بمباحث الجهاد من كتاب كشف الغطاء لامام الطائفة وشيخها الاكبر الشيخ جعفر وغيرها من الكتب الفقهية وهي اكثر من ان تحصى.

[65]

المجتهدون النائبون عن الامام ايام غيبته ولا غيرهم. وقد اختلط الامر على موسى جار الله فلم يعلم ان الممنوع من الجهاد عندنا في هذه الايام انما هو القسم الخامس دون الاربعة فانها واجبة، بحكم الضرورة من الدين الاسلامي، والمذهب الامامي، وجوبا كفائيا كما سمعت. والحرب قد بانت لها الحقائق * وظهرت من بعدها مصادق - وشهدت يوم دارت رحاها العالمية، بأن علماء الامامية، كانوا في ساحتها من ارسخ المجاهدين قدما، واعلاهم همما، وامضاهم عزيمة واشدهم شكيمة، فد لبسوا يوم القرنة في العراق للحرب لامتها وادرعوا لها بدرعها، وكان في مقدمتهم الامامان المجاهدان الشيخ فتح الله المدعو شيخ الشريعة الاصفهاني، والشريف الوحيد السيد محمد سعيد الحبوبي الحسيني، وهما يومئذ من اجل مجتهدي الشيعة في العراق، ومن اكبر شيوخ الاسلام على الاطلاق، وكان الشيخ قد اربى على الثمانين، والسيد قد ذرف عليها، فلم يمنعهما ضعف الشيخوخة، ودقة عظمها، ورقة جلدها، عن قيادة ذلك الجيش اللهام، المحتشد من العلماء الاعلام، والفضلاء الكرام، والابرار الاخيار

[66]

من اهل السوابق في نصرة الاسلام، وقد ابلوا في الجهاد بلاء حسنا لم يكن له نظير، حتى جاءهم من العدو ما لا قبل لهم به، فتحرفوا للقتال، وتحيزوا إلى فئتهم يستنفرونها للكفاح، فكان ما كان من سقوط العثمانيين وانجلائهم عن العراق، فقضى الشيخ والسيد نحبهما اسفا ولهفا، وماتا وجدا وكمدا، فلحقا بالشهداء، وكانا من السعداء في دار البقاء، رفع الله درجتهما كما شرف خاتمتهما. (المسألة الثامنة) تتعلق بحديث ائمة العامة وحاله عند ائمتنا قال: ادعت كتب الشيعة ان الائمة كانت تنكر كل حديث يرويه امام من ائمة العامة، وان موسى بن جعفر قد انكر كل حديث رواه مالك امام المذهب، إلى ان قال: وكان الصادق يأمر بما فيه خلاف اهل السنة والجماعة الخ. (الجواب): ان الشيعة ترى ان الكذب على ائمة اهل البيت كالكذب على الله ورسوله، موبقة توجب دخول النار وهو عندهم من مفطرات الصائم في شهر رمضان، وحديثهم

[67]

وفقههم صريحان بذلك، فثقاتهم لا يتهمون في النقل عن ائمتهم ابدا، على ان فيهم من الورع والعبقرية ما يسمو بهم عن كل دنية، وإذا كانت ائمة العترة الطاهرة تنكر حديث من ذكرهم موسى جار الله فما ذنب الشيعة ؟ وقد بلغه القدح في ائمته عن كثير من سلفه الصالح (1) فلم يره شيئا نكرا، بل لعله يوسع الجارحين عذرا، فلما بلغه بعض الشئ عن ائمة اهل البيت مزق كل فروة، وجب كل ذروة. والامام الكاظم اعرف الناس بمالك، كانا في بلد واحد، وعصر واحد، وقد انتهى إليه ميراث السنن عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وتصافق الناس على علمه وورعه، وزهده وكظمه الغيظ، وتجاوزه عمن اساء إليه، وانقطاعه إلى الله مخلصا له في العبادة، ناصحا لعباده في الارشاد والافادة، فكان الواجب ان يستغرب الناس من الامام مالك عدم سماعه منه، فان الموطأ خلو من حديثه عليه السلام (2) واغرب من هذا ان مالكا


(1) كما بيناه مفصلا في جواب المسألة السادسة فراجع من هذه الرسالة ص 48 وما بعدها (2) والامام الشافعي كان ايضا معاصرا للكاظم فلم يرو عنه، ومسنده كموطأ مالك خلو من حديثه عليه السلام.

[68]

كان لا يروي عن الامام الصادق على ما قيل (1) حتى يضم إليه احد، والشيخان كلاهما لم يخرجا شيئا عن الكاظم، ولا عن الرضا، ولا عن الجواد، ولا عن الهادي، ولا عن الزكي الحسن العسكري (2) ولا عن الحسن بن الحسن، ولا عن الشهيد زيد بن علي بن الحسين، ولا عن يحيى بن زيد، ولا عن النفس الزكية محمد بن عبد الله الكامل بن الحسن الرضا بن الحسن السبط، ولا عن اخيه ابراهيم بن عبد الله، ولا عن الحسين شهيد فخ، ولا عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، ولا عن عن اخيه ادريس ابن عبد الله، ولا عن محمد بن جعفر الصادق، ولا عن محمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا، ولا عن اخيه القاسم الرسي، ولا عن محمد بن محمد بن زيد بن علي، ولا عن محمد بن القاسم بن علي بن عمر الاشرف ابن زين العابدين صاحب الطالقان المعاصر للبخاري، ولا عن غيرهم من اعلام العترة الطاهرة، كعبد الله بن الحسن،


(1) راجع احوال جعفر الصادق من ميزان الذهي. اما البخاري فلم يرو في صحيحه عن الصادق شيئا. (2) وكان معاصرا للبخاري وقد توفي عليه السلام بعد وفاة البخاري بأربع سنين.

[69]

وعلي بن جعفر العريضي، واخويه اسماعيل بن جعفر واسحاق ابن جعفر، وغيرهما من ثقل رسول الله، وبقيته في امته، صلى الله عليه وآله، حتى انهما لم يرويا شيئا من حديث سبطه الاكبر وريحانته من الدنيا الامام ابي محمد الحسن المجتبى سيد شباب اهل الجنة. نعم رووا اباطيل مختلقة افتراء على الامام زين العابدين وسيد الساجدين عن ابيه سيد الشهداء وخامس اصحاب الكساء وانا أتلو عليك ما أخرجه البخاري من ذلك، فأقول: اخرج هذا الشيخ (1) عن الزهري من طريقين، قال: اخبرني علي ابن حسين، ان حسين بن علي، اخبره ان علي بن ابي طالب، قال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله طرقه وفاطمة، فقال لهم: الا تصلون ؟ فقال علي: يا رسول الله انما انفسنا بيد الله فإذا شاء ان يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئا، ثم سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: وكان الانسان اكثر شئ جدلا، واخرج


(1) في باب قوله تعالى: وكان الانسان اكثر شئ جدلا من اواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة قبل انتهائه بورقتين تقريبا فراجع ص 176 من الجزء الرابع من الصحيح.

[70]

الشيخ البخاري عن الزهري ايضا (1) قال: اخبرنا علي بن حسين، ان حسين بن علي، اخبره ان عليا قال: كان لي شارفان من نصيبي من المغنم يوم بدر، فلما أردت ان ابتني بفاطمة (عليها السلام) واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع ان يرتحل معي فنأتي بأذخر فأردت ان أبيعهما من الصواغين فنستعين بذلك على وليمة عرسي، فبينا انا اجمع لشارفي من الاقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الانصار، حتى جمعت ما جمعت، فإذا انا بشارفي قد اجبت اسنمتهما، وبقرت خواصرهما، واخذ من اكبادهما، فلم املك عيني حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا ؟ قالوا: حمزة وهو في هذا البيت في شرب من الانصار، عنده قينة واصحابه، فقالت القينة في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء، فوثب حمزة إلى السيف فاجب اسنمتهما وبقر خواصرهما واخذ من اكبادهما، قال علي. فانطلقت حتى دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وعنده زيد بن حارثة، وعرف النبي الذي لقيت فقال: مالك ؟ فقلت: يا رسول الله ما رأيت كاليوم عدا حمزة


(1) في كتاب المغازي ص 8 من الجزء الثالث من صحيحه.

[71]

على ناقتي فأجب اسنمتهما وبقر خواصرهما، وها هو ذا في بيت معه شرب، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله يمشي حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فطفق النبي يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى النبي، ثم صعد النظر، فنظر إلى ركبتيه، ثم صعد النظر، فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل انتم الا عبيد لابي الحديث. قلت: هذا هو العلم الذي يؤثره البخاري عن علي بن حسين عن حسين بن علي عن علي بن ابي طالب، وكأنه ما صح لديه عنهم سوى ان اخا الرسول وبضعته الزهراء البتول كانا ينامان عن الصلاة، وان هارون هذه الامة وابا شبرها وشبيرها ومشبرها كان اكثر شئ جدلا، وان سيد الشهداء اسد الله واسد رسوله الذي خصه بسبعين تكبيرة عند الصلاة عليه كان يشرب الخمر، ويأكل الميتة من يد القينة، ويقول الهجر والكفر، نعوذ بالله من هذه الاضاليل، والله المستعان على هذه الاباطيل، وقد استوفينا الكلام عليها في كتابنا - تحفة المحدثين - بما لا مندوحة للباحثين المدققين عن الوقوف عليه، واني والله لاعجب من الشيخ البخاري يروي عن الف ومئتين

[72]

من الخوارج (1) ويحتج باكثر من مئة مجهول (2) ويعتمد على كثيرين ممن سبق الطعن بهم (3) كعكرمة البربري الخارجي، واسماعيل بن اويس، وعاصم بن علي، وعمرو ابن مرزوق، وامثالهم ويصحح حديث المرجئة والقدرية، ولا تأخذه لومة لائم في الاحتجاج بمروان بن الحكم، والمغيرة ابن شعبة، ومعاوية الاموي، وعمرو بن العاص، وامثالهم ولا يخجل من الاحتجاج بعمران بن حطان داعية الخوارج وزعيمهم، وهو القائل في شقيق عاقر الناقة اشقى الآخرين ابن ملجم المرادي، وضربته لاخي النبي ووليه، ومن كان منه بمنزلة هارون من موسى: يا ضربة من تقي ما أراد بها * الا ليبلغ من ذي العرش رضوانا -


(1) كما نص عليه سيدنا الامام ابو محمد الحسن بن الهادي الصدر الموسوي العاملي الكاظمي في كتابه نهاية الدراية وتصدى لذلك ابن حجر صاحب المصالت وعبد الحق الدهلوي شارح مشكاة المصابيح وغيرهما من اعلام اهل السنة. (2) نص على ذلك ابن يسع في كتابه معرفة اصول الحديث وهو من فحول علماء اهل السنة. (3) نص على ذلك من اهل السنة ابن الصلاح في مقدمته المعروفة باصول الحديث.

[73]

اني لاذكره يوما فاحسبه * اوفى البرية عند الله ميزانا - ثم يعرض عن سبط رسول الله الاكبر، وريحانته من الدنيا الحسن بن علي امام الامة وسيد شباب اهل الجنة، وعن الصادقين من اهل البيت، وهم اعدال الكتاب، وسفينة النجاة وباب حطة وامان هذه الامة (1) لكم ذخركم ان النبي وآله * وحزبهم ذخري إذا التمس الذخر - واما قول هذا الرجل: وكان الصادق يأمر بما فيه خلاف اهل السنة والجماعة. فجوابه: انه عليه السلام إذا استفتاه من يعرفه بالعمل بهديه يفتيه بما عنده من ذلك، وإذا استفتاه من يعرفه باتباع غيره اجابه بما جاء عنهم، وإذا سأله من لا يعرفه، قال في الجواب: جاء عن فلان كذا، وعن فلان كذا، فيذكر في الاثناء مذهب اهل البيت في المسألة. هذه طريقته، وربما كانت طريقة غيره من ائمة اهل البيت، وقد قال عليه السلام لمعاذ بن مسلم الهراء (2) " بلغني انك تقعد في


(1) لنا هنا كلام لا يستغني عنه المدققون اودعناه في كتابنا تحفة المحدثين (2) هو ابو مسلم النحوي الكوفي واضع علم الصرف كان من اصحاب الصادق المبرزين في شيعته ذكره ابن خلكان فقال: قرأ عليه الكسائي وروى عنه وحكيت عنه في القراآت حكايات كثيرة وصنف في النحو

[74]

الجامع فتفتي الناس، قال: نعم وأردت ان اسألك عن ذلك قبل ان اخرج اني اقعد في المسجد فيجئ الرجل فيسألني عن الشئ فإذا عرفته بالخلاف لكم اخبرته بما يفعلون، ويجئ الرجل اعرفه بمودتكم وحبكم فاخبره بما جاء عنكم، ويجئ الرجل لا اعرفه ولا ادري من هو، فاقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فادخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: اصنع كذا فاني كذا اصنع. اه‍. قلت: وحيث كان من سيرته عليه السلام هذا الصنع روى الناس عنه في المسائل الخلافية احكاما متعارضة، فالتبست بعد ذلك على اوليائه فسألوه عنها، فكان مضمون جوابه: ان ما كان منها موافقا للعامة فانما قلته له كي يأخذوا بمذهبهم، وما كان منه مخالفا لهم فانما قلته بيانا للحقيقة كي يأخذ به المقتدون بنا. وهذا كل ما عندنا من العمل بالاخبار المتعارضة الصحيحة إذا لم يكن شئ منها مؤيدا بآية من كتاب الله عزوجل، وفيه من احترام مذاهب المسلمين كافة ما لا يخفى على أولي


كثيرا وكان يتشيع قلت: وقد ذكرنا احواله على سبيل التفصيل في كتابنا مختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام.

[75]

الالباب، لكن منينا بموسى جار الله واضرابه ممن لا يفقهون، فانا لله وانا إليه راجعون. لا اشك ان موسى جار الله رأى عمر بن قيس - وهو من اعلام اهل السنة واعيان التابعين - يقول (1): من اراد الحق فليأت الكوفة فلينظر ما قال ابو حنيفة واصحابه فليخالفهم. اه‍. أو رأى عمار بن زريق - وهو من اعلام التابعين وشيوخ اهل السنة ايضا - يأمر ابا الجواب فيقول له: خالف أبا حنيفة فانك تصب. اه‍. أو رأى عمار بن زريق المذكور يقول: إذا سئلت عن شئ فلم يكن عندك شئ، فانظر ما قال ابو حنيفة فخالفه، فانك تصب. اه‍. أو راى ابن عمار يقول: إذا شككت في شئ فنظرت إلى ما قال أبو حنيفة فخالفته، كان هو الحق فان البركة في خلافه، أو راى غيرهم من امثالهم، ينسجون في هذا القول على منوالهم، فظن ان الصادق عليه السلام انما يرمي إلى هذا الغرض (ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس).


(1) فيما اخرجه عنه الخطيب في ترجمة ابي حنيفة ص 407 من المجلد 13 من تاريخ بغداد فراجعه وراجع هناك ما اخرجه عن عمار بن زريق وابنه وغيرهما.

[76]

" المسألة التاسعة " تتعلق بتنزيل بعض الآيات وتأويلها قال: في كتب الشيعة ابواب في آيات نزلت في الائمة والشيعة، وآيات نزلت في كفر فلان وفلان، وكفر من اتبعهما، والآيات تزيد على مئة، ثم سأل عن رأينا في تنزيلها وفي تأويلها (1). (فأقول): اما ما نزل في فضل الائمة من اهل البيت وشيعتهم فمسلم بحكم الضرورة من علم التفسير بالمأثور من السنن، وبحكم ما ثبت في السنة المقدسة من اسباب النزول، وقد قال


(1) نحيله في الجواب على كتاب مجمع البيان في تفسير القرآن للامام الطبرسي الامامي فكل ما ينقله عن الشيعة في تنزيل الآيات وتأويلها حق، وقد طبع هذا السفر الجليل مرارا في ايران، وطبع في مطبعة العرفان بصيدا، فشكر الله للعارف جهوده في سبيل نشره وطوبى لمن انعم الله عليه بنسخة منه فان فيه علوما جمة ولعمري انه من افضل ما أخرجته اقلام هذه الامة وقد نفذت نسخه وفي عزمه اعادة طبعه بمعونة الله تعالى.

[77]

ابن عباس: نزل في علي (وحده) ثلاث مئة آية (1) وقال غيره نزل فيهم ربع القرآن، ولا عجب فانهما الثقلان لا يفترقان ومن آثر التفصيل فعليه بكتاب غاية المرام المنتشر في بلاد الاسلام (2) وحسبه المراجعة 12 من مراجعاتنا، ويكفيه الفصل الاول من الباب 11 من الصواعق المحرقة لابن حجر، ومن كان في قلبه مرض فعليه، بكلمتنا الغراء فانها الشفاء من كل داء. واما نزول شئ من القرآن في كفر فلان وفلان، فانه مما نبرأ إلى الله منه، والبلاء فيه انما جاء من بعض غلاة المفوضة، وربما كان في كتبهم فرآه هذا الرجل فيها فرمى البرئ بحجر المسئ، شأن الجهال، بحقائق الاحوال، ومن تدبر آيات المنافقين في الذكر الحكيم وجدها تعطفهم على الكفار تارة نحو قوله تعالى (يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين) وتعطف الكفار


(1) اخرجه ابن عساكر عن ابن عباس كما في الفصل 3 من الباب 9 من الصواعق المحرقة لابن حجر ص 76. (2) ونسأل الله التوفيق لنشر كتابنا تنزيل الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة فان فيه التفصيل.

[78]

عليهم تارة اخرى، نحو قوله عز اسمه (وعد الله المنافقين والمنافقات نار جهنم خالدين فيها) (1) وهذا يشعر بتغايرهما، فالقرآن اذن لا يكفر المنافقين مع ما كانوا عليه من الايذاء لرسول الله، والسعي في اطفاء نور الله، وقد صدع بذمهم ولعنهم ووعيدهم، ومع هذا كله فقد فتح لهم بابا (2) إلى رحمته الواسعة إذ قال عز من قائل (ويعذب المنافقين ان شاء أو يتوب عليهم ان الله كان غفورا رحيما) (3). " المسألة العاشرة " في التقية قال: ولكتب الشيعة في حيلة التقية غرام قد شفعها حبا الخ. (فاقول): ان اخواننا من اهل السنة - اصلح الله شؤونهم - يستفظعون امر التقية، وينددون بها، ويعدونها وصمة في الشيعة، مع ان العمل بها عند الخوف على النفس أو


(1) هذه الآية والتي قبلها في سورة التوبة. (2) هو باب التوبة التي دعاهم في هذه الآية إليها. (3) هذه الآية في سورة الاحزاب. (*)

[79]

العرض أو المال مما حكم بوجوبه الشرع والعقل، واتفقت عليه كلمة اولي الالباب من المسلمين وغيرهم، فالتقية غير خاصة بالشيعة وان توهم ذلك بعض الجاهلين، وقد هبط بها الروح الامين، على قلب سيد النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله فتلا عليه (1) (لا يتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير) وتلا عليه مرة اخرى (2) (من كفر بالله من بعد ايمانه الا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم). والصحاح الحاكمة بالتقية عند الاضطرار إليها متواترة، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة، وحسبك ما صح على شرط الشيخين، عن ابي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن ابيه (3)


(1) من سورة آل عمران. (2) من سورة النحل. (3) فيما اخرجه الحاكم في تفسير الآية من سورة النحل من من صحيحه المستدرك ص 357 من جزئه الثاني وصرح بانه صحيح على شرط الشيخين واورده الذهبي في تلخيصه مصرحا بصحته على شرطهما ايضا.

[80]

قال: اخذ المشركون عمارا فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وآله وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما وراءك ؟ قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال صلى الله عليه وآله: كيف تجد قلبك قال: مطمئن بالايمان، قال صلى الله عليه وآله: ان عادوا فعد، وصح على شرط الشيخين ايضا عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (الا ان تتقوا منهم تقاة) قال: التقاة التكلم باللسان، والقلب مطمئن بالايمان، فلا يبسط يده فيقتل الحديث (1). قلت: هذا حكم الشرع كتابا وسنة، والعقل بمجرده حاكم بهذا لو كانوا ينصفون. وقد مني الشيعة بملوك الجور، وولاة الظلم، فكانوا يسومونهم سوء العذاب يقطعون ايديهم وارجلهم، ويصلبونهم على جذوع النخل، ويسملون اعينهم، ويصطفون اموالهم،


(1) اخرجه الحاكم في تفسير الآية من سورة آل عمران من مستدركه ص 291 من الجزء الثاني مصرحا بصحته على شرط الشيخين، واورده الذهبي في التلخيص مصرحا بصحته على شرطهما ايضا.

[81]

كانت سياستهم الزمنية تقتضي هذه الجرائم، وكانوا يعولون في ارتكابها على الظن والتهمة، وكان قضاتهم من علماء السوء والتزلف، يتقربون إليهم بما يبيح لهم ما كانوا يرتكبون، فاضطرت الشيعة وائمة الشيعة عندها إلى التقية مخافة الاستئصال جريا على قاعدة العقلاء والحكماء والاتقياء في مثل تلك الشدائد، وكان عملهم هذا دليلا على عقلهم وحكمتهم وفقههم، وما كان الله عزوجل ليمنعهم - والحال هذه - من التقية وهو القائل تبارك اسمه (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعثت بالحنيفية (1) السمحة السهلة. لكن اهل البطر يعدون التقية من مساوي الشيعة - فويل للشجي من الخلي - ولو ابتلوا بما ابتلي به الشيعة لاخلدوا إلى التقية، وقبعوا فيها قبوع القنفذ، كما فعل اهل السنة إذ اتقوا شر جنكيزخان وهلاكو حقنا لدمائهم، وما يصنع الضعيف العاقل


(1) قال ابن الاثير عند ذكر هذا الحديث في مادة حنف من النهاية والحنيف عند العرب من كان على دين ابراهيم.

[82]

إذا ابتلي بالشديد الغاشم، ولما دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن اجابه كثير من ابرار اهل السنة إلى ذلك بألسنتهم، وقلوبهم منعقدة على القول بقدمه، فأظهروا له خلاف ما يدينون به تقية منه، كما يفعله المسلمون اليوم في الحجاز، حيث لا يتظاهرون بالاقوال والاعمال التي لا تجوز شرعا في مذهب الوهابية، كزيارة قبور الاولياء، وتقبيل الضريح النبوي الاقدس، والتبرك به وكالاستغاثة بسيد الانبياء، والتوسل به إلى الله عزوجل في غفران الذنوب، وكشف الكروب، فان الحجاج وغيرهم من سنيين وشيعيين لا يتظاهرون بشئ منها تقية من الفتنة وخوفا من الاذى، بل لا يتظاهرون بالادعية المستحبة عندهم في تلك المواقف الكريمة والمشاهد العظيمة، عملا بالتقية. وذكر ابن خلدون في الفصل الذي عقده لعلم الفقه من مقدمته الشهيرة مذاهب اهل السنة، وانتشار مذهب ابي حنيفة في العراق، ومذهب مالك في الحجاز، ومذهب احمد في الشام وفي بغداد، ومذهب الشافعي في مصر، وهنا قال ما هذا لفظه: ثم انقرض فقه اهل السنة من مصر بظهور دولة الرافضة وتداول بها فقه اهل البيت، وتلاشى من سواهم،

[83]

إلى ان ذهبت الدولة العبيديين من الرافضين على يد صلاح الدين يوسف بن ايوب ورجع إليهم فقه الشافعي اه‍. قلت: من تأمل بهذا علم ان اهل السنة في مصر اخذوا بالتقية ايام الفاطميين اكثر مما اخذ بها الشيعة ايام معاوية ويزيد وبني مروان والعباسيين والسلجوقيين والايوبيين والعثمانيين وغيرهم، وشتان بين خوف اهل مصر من الفاطميين، وخوف الشيعة من تلك الدول، ولا سيما الدولة الاموية، فقد كان ملوكها وعمالها وعلماؤها ورؤساؤها والعامة باجمعها لا يتحملون ولا يطيقون ذكر الشيعة، وكانت الكلمة متفقة على سحقهم ومحقهم فلولا خلودهم إلى التقية ما بقيت منهم هذه البقية، فاي مسلم أو غير مسلم يرتاب في جوازها لهم ؟ ولا سيما بعد ان صدع القرآن بها، ونص في آيتين محكمتين على اباحتها، ومن يشك في ذلك بعد ان قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار: ان عادوا فعد، وإذا جاز لعمار ان يعود إلى سب النبي تقية فأي شئ بعد هذا لا تبيحه التقية ؟. على ان النفوس بفطرتها مجبولة عليها في مقام الخوف، كما لا يخفى على كل ذي نفس ناطقة وموسى جار الله ندد اولا بها ثم اعترف، فقال ما هذا

[84]

لفظه: نعم التقية في سبيل حفظ حياته وشرفه، وفي حفظ ماله وفي حماية حق من حقوقه واجبة على كل احد اماما كان أو غيره. قلت: تعالوا وانظروا بمن ابتلاني، كأن الشيعة وأئمتهم يأخذون بالتقية حيث لا خوف على حياتهم، ولا على شرفهم، ولا على مالهم، ولا على شئ من حقوقهم، الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به هذا الرجل من الحمق، ولو شاء لفعل. واحمق من كلمته هذه تسوره على مقام الائمة من آل محمد إذ يقول: اما التقية بالعبادة بان يعمل الامام عملا لم يقصد به وجه الله، وانما أتاه وهما خوفا من سلطان جائر، والتقية بالتبليغ بان يسند الامام إلى الشارع حكما لم يكن من الشارع، فان مثل هذه التقية لا تقع ابدا اصلا من امام له دين، ويمتنع صدروها من امام معصوم، وحمل رواية الامام وعبادة الامام على التقية طعن على عصمته، وطعن على دينه، إلى آخر هذيانه في طغيانه، وكأنه وجد مما تؤاخذ عليه ائمة العترة في عملهم بالتقية امرين. احدهما انهم كانوا يعملون اعمالا لا يقصدون بها وجه الله

[85]

وانما يعملونها خوفا من الجائر. والجواب: ان هذا خطأ واضح، فانهم عليهم السلام كانوا يقصدون وجه الله في كل ما يعملون، واخذهم بالتقية كان من افضل اعمالهم التي قصدوا بها وجه الله، لانها السبب الوحيد في حياتهم وحياة شيعتهم، وبها كان احياء امرهم، وانتشار دعوتهم، ولو قلنا لحضرة هذا - الفيلسوف - دلنا على مورد من اعمالهم التي لم يقصد بها وجه الله لاحرجنا موقفه. الثاني انهم كانوا يسندون إلى الشارع على سبيل التقية احكاما لم تكن صادرة منه على مذهبهم ومعتقدهم، وهذا مما لا تبيحه التقية لامام له دين. والجواب: ان هذا كسابقه خطأ واضح، فان أئمة اهل البيت اعدال الكتاب، وبهم يعرف الصواب، وكانوا ذوي مذهب تلقوه عن جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان من مذهبهم ان التقية تبيح بالمسائل الخلافية ان يفتوا اهل الخلاف لهم بما جاء عن أئمتهم، ويفتوا شيعتهم بما يرونه الحق في مذهبهم، فتعارض النقل عنهم بسبب ذلك، لكن العلماء من اوليائهم، العارفين بأسرارهم، محصوا تلك الاحكام المأثورة عنهم في

[86]

الاخبار المتعارضة، فعرفوا ما كان منها لمخالفيهم فصرحوا بحمله على التقية، وما كان منها لاوليائهم فتعبدوا به. اما ما اقترحه موسى جار الله على ائمة اهل البيت من السكوت عن الفتوى في مقام التقية ففي غير محله، لان الله عزوجل اخذ على امثالهم ان يصدعوا باحكامه، ويبينوا للناس ما اختلفوا فيه من شرائعه، وقد فعلوا ذلك ببيانها لاوليائهم على ما يقتضيه مذهبهم، واضطروا إلى بيانها لمن سألهم عنها من مخالفيهم على ما تقتضيه مذاهب المخالفين لهم، ولو لم يؤثر عنهم الثاني لحلت بهم اللاواء، ونزل بهم البلاء، وإذا اباحت التقية لعمار ما اباحته من سب رسول الله وذكر الاوثان بخير كما سمعت، فبالاحرى ان تبيح للامام افتاء مخالفيه بما تقتضيه مذاهبهم، واي مانع من هذا يا مسلمون ؟. قال موسى جار الله: وعلي امير المؤمنين عليه وعلى اولاده السلام كان يحافظ على الصلوات، ويراعي الاوقات، ويحضر الجماعات، ويصلي المكتوبات، ويصلي صلاة الجمعة مقتديا خلف الاول والثاني والثالث كان يقصد بها وجه الله فقط، ولم يكن يصلي صلاة الا تقربا وتقوى واداء الخ.

[87]

قلت: حاشا امير المؤمنين ان يصلي الا تقربا لله واداء لما امره الله به، وصلاته خلفهم ما كانت الا لله خالصة لوجهه الكريم، وقد اقتدينا به عليه السلام فتقربنا إلى الله عزوجل بالصلاة خلف كثير من ائمة جماعة اهل السنة، مخلصين في تلك الصلوات لله تعالى، وهذا جائز في مذهب اهل البيت، ويثاب المصلي منا خلف الامام السني كما يثاب بالصلاة خلف الشيعي، والخبير بمذهبنا يعلم انا نشترط العدالة في امام الجماعة إذا كان شيعيا، فلا يجوز الائتمام بالفاسق من الشيعة ولا بمجهول الحال، اما السني فقد يجوز الائتمام به مطلقا. " المسألة الحادية عشرة " قال: في كتب الشيعة ان عليا امير المؤمنين طلق فلانه ثم نقل خبرين آخرين من هذا القبيل (فأقول): هذه الاخبار وامثالها لا اثر لها عندنا علما ولا عملا، فهي غير معتبرة بالاجماع، ويوشك ان يكون هذا الرجل وجدها في حديث المفوضة، فان البلاء فيها وفي امثالها انما جاء منهم، لكن النواصب أبوا الا ان يحملونا من اوزار الغالية ما يشاؤون أو يشاء ورعهم في النقل كما بيناه في فصولنا

[88]

المهمة (1) والله المستعان على ما يصفون. " المسألة الثانية عشرة " تتعلق بعول الفرائض وهو نقصان التركة عن ذوي السهام كأختين وزوج، فان للاختين الثلثين، وللزوج النصف (2). وقد التبس الامر فيها على الخليفة الثاني إذ لم يدر أيهم قدم الله فيها ليقدمه، وأيهم أخر ليؤخره، فقضى بتوزيع النقص على الجميع بنسبة سهامهم، وهذا غاية ما يتحراه من العدل مع التباس


1 - لا مندوحة هنا لكل بحاثة عن مراجعة الفصل 10 من الفصول المهمة ومراجعة ما علقناه على ص 32 عند ذكر الفطحية في الفصل 6 من الطبعة الثانية 2 - سمي هذا القسم عولا اما من الميل ومنه قوله تعالى (ذلك ادنى ألا تعولوا) وسميت الفريضة عايلة على اهلها بميلها بالجور عليهم بنقصان سهامهم، أو من عال الرجل إذا كثر عياله لكثرة السهام فيها، أو من عال إذا غلب لغلبة اهل السهام بالنقص، أو من عالت الناقة ذنبها إذا رفعته لارتفاع الفرائض على اصلها بزيادة السهام

[89]

الامر عليه، لكن علماء اهل البيت ولا سيما الاثنا عشر من أئمتهم، عرفوا المقدم عند الله فقدموه، وعرفوا المؤخر فأخروه - واهل البيت أدرى بالذي فيه - قال الباقر عليه السلام: كان امير المؤمنين عليه السلام يقول: ان الذي احصى رمل عالج ليعلم ان السهام لا تعول على ستة (1) لو يبصرون وجهها وكان ابن عباس يقول: من شاء باهلته عند الحجر الاسود ان الله لم يذكر في كتابه نصفين وثلثا، وقال ايضا: سبحان الله العظيم أترون ان الذي احصى رمل عالج عددا جعل في


(1) كان الناس على عهده عليه السلام يفرضون كل شئ ستة اجزاء كل جزء سدس كما يفرض اليوم في عرفنا اربعة وعشرين قيراطا وعليه فيكون مراده عليه السلام انكم لو تبصرون وجوه السهام إذا تعارضت لم تتجاوز السهام عن الستة وحيث انكم لم تبصروا طرقها فقد تجاوزت عن الستة إذ انكم تزيدون على الستة بقدر الناقص مثلا إذا اجتمع ابوان وبنتان وزوج فللابوين اثنان من الستة وللبنتين اربعة منها فتمت الستة فتزيدون على الستة واحدا ونصفا للزوج فتتجاوز السهام من الستة إلى سبع ونصف وهذا ممتنع ولا يجوز على الله ان يفرضه ابدا.

[90]

مال نصفا ونصفا وثلثا ؟ هذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث ؟ فقيل له: يا ابا العباس فمن اول من اعال الفرائض ؟ فقال: لما التفت الفرائض عند عمر ودفع بعضها بعضا، قال: والله ما ادري أيكم قدم الله، وأيكم أخر، وما اجد شيئا هو اوسع من ان أقسم عليكم هذا المال بالحصص، قال ابن عباس: وأيم الله لو قدمتم من قدم الله، واخرتم من اخر الله، ما عالت الفريضة، فقيل له: ايها قدم الله وايها أخر ؟ فقال: كل فريضة لم يهبطها الله الا إلى فريضة فهذا ما قدم الله، واما ما أخر فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها الا ما بقي، فتلك التي اخر (قال): فاما التي قدم فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شئ، ومثله الزوجة والام. " قال ": واما التي أخر ففريضة البنات والاخوات لها النصف والثلثان فإذا ازالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لهن الا ما بقي، " قال ": فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر، بدئ بما قدم فاعطي حقه كاملا، فان بقي شئ كان لما أخر، الحديث اورده شيخنا الشهيد الثاني في الروضة قال: وانما ذكرناه مع طوله

[91]

لاشتماله على امور مهمة. قلت: واخرج الحاكم في كتاب الفرائض صفحة 340 من الجزء الرابع من المستدرك عن ابن عباس، انه قال: اول من أعال الفرائض عمر، وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله، ما عالت فريضة، فقيل له: وايها قدم الله وأيها أخر ؟ فقال: كل فريضة لم يهبطها الله عزوجل عن فريضة الا إلى فريضة فهذا ما قدم الله عزوجل، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها الا ما بقي، فتلك التي أخر الله عزوجل كالزوج والزوجة والام، والذي أخر كالاخوات والبنات فإذا اجتمع من قدم الله عزوجل ومن اخر بدئ بمن قدم فأعطي حقه كاملا، فان بقي شئ كان لمن أخر، الحديث. قال الحاكم بعد ايراده: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، قلت: والذهبي لم يتعقبه إذا أورده في التلخيص اذعانا بصحته، وقد اجمع أهل البيت على مفاده، وأخبارهم بذلك متضافرة، لكن موسى جار الله ممن لا يأبه بذلك، إذ يقول: وكتب الشيعة وان ردت القول بالعول وانكرت على الامة (1)


(1) الشيعة نصف الامة فلا وجه لهذه النعرة.

[92]

اعالة الفرائض الا انها لم تنج من اشكال ابن عباس والامام الباقر: ان الذي احصى رمل عالج لم يجعل في مال نصفا وثلثين ولا نصفا ونصفا وثلثا مثلا فان ادخال النقص في المؤخر اخذ بقسم كبير من العول، ولا يدفع اصل الاشكال إلى آخر كلامه الملحق بالهذيان وكيف يكون ادخال النقص على المؤخر عند الله عولا يا مسلمون ؟ أترون هذا الرجل يرى ان من مصاديق العول تقديم الوارث شرعا على غير الوارث شرعا ؟ وإذا فالعول مما لا بد منه ولا مناص عنه ابدا، ولو كان هذا الرجل من أولي الالباب لعلم ان من أخره الله في الارث لا حق له مع وجود من قدمه الله عليه في ذلك، وحيث لا معاضة بينهما فلا اشكال، والى هذا اشار ابن عباس بقوله رضي الله عنه: أترون الذي احصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا الخ. يعني انه انما فرض هذه الفرائض حيث لا تتعارض، ومحال عليه ان يفرضها مع التعارض، والخليفة الثاني يعلم ذلك لكنه لم يعرف ايهم قدم الله ليقدمه، وايهم اخر ليؤخره، فلما التبس الامر عليه قضى بتوزيع النقص على الجميع بنسبة سهامهم كما صرح به فيما سمعته من كلامه، وقوله: والله ما أدري ايكم قدم الله

[93]

وايكم اخر ؟ نص صريح بان الله قدم في سورة التعارض بعضهم، واخر بعضا، وكفى بهذا دليلا على عدم المعارضة فيما فرضه الله تعالى وحجة على ان الله عزوجل لم يجعل في مال نصفا ونصفا وثلثا، وانه انما جعل هذه الفرائض لاربابها حيث لا تتعارض، اما مع التعارض فيقدم منهم ما قدمه الله ويؤخر من اخره عزوجل، وحيث التبس المقدم والمؤخر على الخليفة اضطر إلى العول، إذ وجده اقرب المجازات إلى حقيقة العدل المتعذرة عليه. ولموسى جار الله هنا من الغلط والشطط ما يعرفه كل من وقف على كلامه، وذلك حيث نقض على الباقر وابن عباس في امرأة ماتت عن زوج وام واختين، قال: فالزوج فرضه بتسمية القرآن النصف، والاختان لهما بتسمية القرآن الثلثان (1) والام لها في حكم القرآن الثلث أو


(1) لا حق في هذه الصورة للاختين اصلا لان مراتب الارث بالنسب عند اهل البيت وشيعتهم ثلاث، المرتبة الاولى الآباء والامهات دون آبائهم وامهاتهم، والابناء والبنات وان نزلوا على ما هو مفصل في محله، المرتبة الثانية الاخوة والاخوات والاجداد والجدات واولاد الاخوة والاخوات على ما هو مبين في مظانه، المرتبة الثالثة الاعمام والعمات والاخوال والخالات

[94]

السدس (قال) والسهام في تسمية القرآن الكريم زائدة، والنقص في جميع السهام وهو العول العادل (1) أو في سهم المؤخر فقط، وهو العول الجائر (2) ضروري اقتسمته


= فلا يرث احد من المرتبة التالية مع وجود احد من المرتبة السابقة (واولو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) هذا مذهب الائمة من العترة الطاهرة وعليه اجماع الشيعة فالاختان من اهل المرتبة الثانية فلا ترثان مع وجود الام لانها من المرتبة الاولى نعم للزوج في الصورة المذكورة نصف ما تركت زوجته والباقي لامها فرضا وردا ولا محل للعول هنا اصلا (1) كيف يكون عادلا وقد تساوى فيه المقدم عند الله والمؤخر عند الله عزوجل. (2) لا عول هنا اصلا لان النقص في صورة التعارض انما يلحق الذي اخره الله تعالى فلم يجعل له حقا اصلا لكن هذا الرجل يأبى الا ان يكون الله عزوجل قد جعل في المال نصفا لشخص وثلثين لشخصين وثلثا لشخص رابع ذهولا منه تعالى عن زيادة هذه السهام على اصل المال وان ادخال النقص على الجميع بالنسبة اصلاح لهذا الغلط تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

[95]

الامة والشيعة (1) (قال): والذي قسم المال وسمى السهام هو الذي احصى رمل عالج، بل وجميع ذرات جميع الكائنات (2) (قال): ويغلب على ظني ان القول: بان لا عول عند الشيعة قول ظاهري قيل ببادئ الرأي عند بيان الاختلاف ردا لمذهب الامة (3) فان العول هو النقص (4) فان كان النقص في جميع السهام بنسبة متناسبة فهو العول العادل اخذت به الامة، وقد حافظت على نصوص الكتاب (5) وان كان النقص


(1) ترى هذا الرجل يابى ان تكون الشيعة من الامة فأين دعواه بان ضالته المنشودة في هذه المسائل انما هي الوحدة الاسلامية (2) الذي احصى جميع ذرات الكائنات لا يخفى عليه ان المال لا يكون فيه نصف ونصف وثلثان فكيف يفرضها متعارضة يا مسكين (3) هكذا الفلسفة والا فلا (4) بل هو الجور بنص اهل اللغة يقال: عال في الحكم يعول عولا إذا جار فيه ومال عن الحق فهو عائل اي جائر ومنه قول بعض العرب - له شاهد من نفسه غير عائل - واحكام الله لا جور فيها تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (5) لا يكون العول عادلا الا إذا كان الاكوس عريض اللحية، وحاشا كتاب الله ان يامر بالعول وكيف يكون الآخذ به محافظا على نصوص الكتاب الا محافظة الجاهل بمفادها الاعمى عن مرادها.

[96]

في سهم المؤخر فقط فهو العول الجائر، اخذت به الشيعة (1) وخالفت به نصوص الكتاب، " قال ": والاشكال الذي تحير فيه ابن عباس وانتحله الامام الباقر ثابت راس (2) " قال ": ولا اريد اليوم كما اراد ابن عباس في يومه ان ابتهل أو اباهل في المسألة احدا، وانما اريد ان تعلموني مما علمتم في ازالة الاشكال رشدا، هذا كلامه فأقول له متمثلا: لو كنت تعلم ما اقول عذرتني * أو كنت اجهل ما اقول عذلتكا - لكن جهلت مقالتي فعذلتني * وعلمت انك جاهل فعذرتكا -


(1) هذا المسكين لا يفهم معنى المؤخر والمقدم والا فكيف يجعل النقص في سهم المؤخر عولا، ولعل ما ذكرناه آنفا لا يكفي لفهمه فنقول له عوادا على بدء: يا هذا ان تأخير من اخره الله في الارث عمن قدمه الله عليه لا يكون عولا ابدا، اترى لو مات رجل وله اولاد واولاد اولاد فقدمنا الاولاد على اولادهم مثلا أيكون هذا عولا ؟ كلا بل لو كان تقديم المقدم عولا جائرا كما يقول هذا المسكين لكان اختصاصه بميراث ابيه دوننا عولا - فالرجل ممن لا يكادون يفقهون قولا. (2) عرفت انه لا اشكال اصلا وحاشا ابن عباس من التحير. وما ظلمه موسى جار الله ولا ظلم الباقر بتسوره على مقامهما بالبهتان " ولكن كانوا انفسهم يظلمون "

[97]

[فصل] قال هذا المسكين: أعجبني دين الشيعة في تحريم كل شراب يسكر كثيره، قليله حرام، حتى ان المضطر لا يشرب الخمر ساعة الاضطرار، إلى ان قال: ولم يعجبني فتواهم في جزئيات مسائل الربا، ووجدت ما طالعته من كتب الشيعة مقصرة في بيان مسائل الربا الخ. " فأقول ": دين الشيعة انما هو الاسلام الذي بعث الله به خاتم الرسل وسيد الانام، محمدا عليه وآله الصلاة والسلام، فلا معنى لقول هذا الرجل: أعجبني دين الشيعة (كبرت كلمة تخرج من افواههم). وقد صدق فيما نقله عن الشيعة من تحريم كل شراب يسكر، غير انه اخطأ فيما نقله عنهم من حكم المضطر، إذ يجوز عندهم تناول المحرم عند خوف التلف بدون تناوله، أو حدوث المرض أو زيادته، أو الضعف المؤدي إلى التخلف عن الرفقة مع ظهور امارة العطب على تقدير التخلف، أو غير ذلك من سائر مصاديق الاضطرار، والظاهر عدم الفرق في هذا الحكم بين الخمر وغيرها من المحرمات، كالميتة والدم ولحم

[98]

الخنزير، وان كان في هذا غير الخمر موضع وفاق، اما فيها فمحل خلاف، والظاهر جواز استعمالها عند الاضطرار لعموم الآية (1) الدالة على جواز تناول المضطر، والاخبار المانعة من استعمالها مطلقا محمولة على تناولها لطلب الصحة لا لطلب السلامة من التلف، نعم يجب تقدير الضرورة بقدرها في الخمر وغيرها من المحرمات، ولو قام غير الخمر مقامها قدم عليها، وان كان محرما لاطلاق النهي الكثير عنها، والتفصيل في هذا كله موكول إلى مظانه (2) من فقه الامامية. اما قول هذا الرجل: لم يعجبني فتواهم في جزئيات مسائل الربا، ووجدت ما طالعته من كتب الشيعة مقصرة في بيان مسائل الربا الخ. (فأقول) في جوابه:


(1) هي قوله تعالى في سورة البقرة: انما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما اهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه. ومثلها آيتا سورة الانعام. (2) فليراجعه طلابه في باب الاطعمة والاشربة من الكتب الفقهية.

[99]

والبدر تستصغر الابصار رؤيته * والذنب للطرف ليس الذنب للقمر - ومن راجع فقه الامامية وحديثهم، وجدهما لا يغادران صغيرة ولا كبيرة من مسائل الربا الا أحصياها، وانا أحيل الباحثين عن ذلك على مباحث الربا من باب التجارة من كتاب شرائع الاسلام وشروحه، كجواهر الكلام، وهداية الانام، ومسالك الافهام، وغيرها كقواعد العلامة، وشروحها مفتاح الكرامة، وجامع المقاصد، وغير ذلك من الالوف المؤلفة المنتشرة في بلاد الاسلام، وحسبه من كتب الحديث، وسائل الشيعة إلى احكام الشريعة. (المسألة الثالثة عشرة) تتعلق في البداء والمتعة والبراءة والمسح على الخفين فهنا اربعة مباحث " المبحث الاول " في البداء وقد زعم النواصب انا نقول: بان الله عزوجل قد يعتقد شيئا ثم يظهر له ان الامر بخلاف ما اعتقد، وهذا افك منهم وبهتان، وظلم لآل محمد وعدوان،

[100]

وحاشا اهل البيت وأولياءهم ان يقولوا بهذا الضلال المبين المستحيل على الله عزوجل، فان علم الله تعالى عين ذاته عندهم، فكيف يمكن دخول التغيير والتبديل فيه لو كان النواصب ينصفون ؟ وحاصل ما تقوله الشيعة هنا: ان الله عزوجل قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الاجل والصحة والمرض والسعادة والشقاء، والمحن والمصائب والايمان والكفر وسائر الاشياء كما يقتضيه قوله تعالى (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب). وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود (1) وابي وائل وقتادة (2) وقد رواه جابر عن رسول الله وكان كثير من السلف الصالح يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى ان يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمتنا


1 - نقله عنهما فخر الدين الرازي في تفسير هذه الآية من سورة الرعد ص 210 من الجزء الخامس من تفسيره الكبير، ونقل ثمة حديث جابر الذي اشرنا إليه. 2 - نقله عنهما وعن عمر وابن مسعود امام المفسرين في معنى الآية من مجمع البيان ص 298 من مجلده الثالث طبع العرفان

[101]

في أدعيتهم المأثورة، وورد في السنن الكثيرة ان الصدقة على وجهها، وبر الوالدين، واصطناع المعروف، يحول الشقاء سعادة، ويزيد في العمر (1) وصح عن ابن عباس انه قال: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر (2). هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة تجوزوا في اطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة، لان الله عزوجل اجرى كثيرا من الاشياء التي ذكرناها على خلاف ما كان يظنه الناس فأوقعها مخالفة لما تقتضيه الامارات والدلائل، وكان مآل الامور فيها مناقضا لاوائلها، والله عزوجل هو العالم بمصيرها ومصير الاشياء كلها، وعلمه بهذا كله قديم أزلي، لكن لما كان


1 - اخرجه ابن ابي شيبة من حديث علي كما في ص 251 من الجزء الاول من كنز العمال، واخرجه ايضا ابن مردويه كما في آخر الصفحة المذكورة من الكنز. 2 - اخرجه الحاكم في تفسير سورة الرعد من المستدرك في اول ص 350 من جزئه الثاني، واخرجه الذهبي في تلخيصه مصرحين بصحته

[102]

تقديره لمصير الامور فيها يخالف تقديره لاوائلها، كان تقدير المصير أمرا يشبه البداء، فاستعار له بعض سلفنا الصالح هذا اللفظ مجازا، وكأن الحكمة قد اقتضت يومئذ هذا التجوز، وبهذا رد بعض أئمتنا قول اليهود: ان الله قدر في الازل مقتضيات الاشياء، وفرغ الله من كل عمل إذ جرت الاشياء على مقتضياته، قال عليه السلام: بان لله عزوجل في كل يوم قضاء مجددا بحسب مصالح العباد لم يكن ظاهرا لهم، وما بدا لله في شئ الا كان في علمه الازلي. فالنزاع في هذه المسألة بيننا وبين اهل السنة لفظي، لان ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على الله عزوجل تبرأ الشيعة منه، وممن يقول به براءتها من الشرك بالله ومن المشركين، وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامة المسلمين، وهو مذهب عمر بن الخطاب وغيره كما سمعت، وبه جاء التنزيل (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) (يسأله من في السماوات والارض كل يوم هو في شأن) اي كل وقت وحين يحدث امورا ويجدد احوالا من اهلاك وانجاء وحرمان واعطاء، وغير ذلك كما روي عن

[103]

رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قيل له: ما ذلك الشان ؟ فقال: من شأنه سبحانه وتعالى ان يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين. هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسميه بداء، وغير الشيعة يقولون به، لكنهم لا يسمونه بداء، فالنزاع في الحقيقة انما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به. ولو عرف غير الشيعة ان الشيعة انما تطلق عليه هذا الاسم مجازا لا حقيقة لتبين حينئذ لهم ان لا نزاع بيننا وبينهم حتى في اللفظ لان باب المجاز واسع عند العرب إلى الغاية، ومع هذا كله فان أصر غيرنا على هذا النزاع اللفظي وأبى التجوز باطلاق البداء على ما قلناه، فنحن نازلون على حكمه فليبدل لفظ البداء بما يشاء (وليتق الله ربه) في اخيه المؤمن " ولا يبخس منه شيئا " " ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين ". " المبحث الثاني " في المتعة أعني متعة النساء، والكلام هنا يقع في خمسة امور. الامر الاول في تحرير محل النزاع فيها فنقول: محل النزاع

[104]

بين الشيعة والسنة هنا انما هو في ان تزوجك المرأة الحرة الكاملة المسلمة أو الكتابية نفسها، حيث لا يكون لك مانع في دين الاسلام عن نكاحها، من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان أو عدة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ككونها معقودا عليها لابيك، أو كونها اختا لزوجتك مثلا، أو نحو ذلك، تزوجك هذه نفسها بمهر مسمى إلى اجل مسمى بعد نكاح جامع لشرائط الصحة الشرعية، فتقول لك - بعد تبادل الرضا والاتفاق بينكما -: زوجتك أو انكحتك أو متعتك نفسي بمهر قدره كذا يوما أو يومين أو شهرا أو شهرين أو سنة أو سنتين مثلا، أو تذكر مدة معينة على الضبط فتقول - انت لها على الفور -: قبلت. وتجوز الوكالة في هذا العقد كغيره من العقود، وبتمامه تكون زوجة لك، وانت تكون زوجا لها إلى منتهى الاجل المسمى في العقد، وبمجرد انتهائه تبين من غير طلاق كالاجارة، وللزوج فراقها قبل انتهائه بهبة المدة المعينة لا بالطلاق، عملا بالنصوص الخاصة الحاكمة بذلك، ويجب عليها مع الدخول وعدم بلوغها سن اليأس ان تعتد بعد هبة المدة أو انقضائها بقرأين، إذا كانت ممن تحيض، والا

[105]

فبخمس واربعين يوما كالامة، عملا بالادلة الخاصة ايضا، فإذا وهبها المدة أو انقضت قبل ان يمسها فما له عليها من عدة، كالمطلقة قبل المس، ولا عدة على من بلغت سن الياس كالمطلقة ايضا، وأولات الاحمال في المتعة اجلهن ان يضعن حملهن كالمطلقات، اما عدة المتوفى عنها زوجها في نكاح المتعة فهي عدة المتوفى عنها زوجها في النكاح الدائم مطلقا (1). وولد المتعة ذكرا كان أو انثى يلحق - كغيره من الابناء - بأبيه، ولا يدعى الا له، ادعوهم لآبائهم، وله من الارث ما أوصانا به الله سبحانه حيث يقول (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) ولا فرق بين ولديك المولود احدهما منها والآخر من النكاح المألوف بين عامة المسلمين، وجميع العمومات الشرعية الواردة في الابناء والآباء والامهات شاملة


(1) يعني سواء كانت مدخولا بها أو لا، وسواء كانت يائسا أو لا، وسواء كانت حبلى أو لا إذ على غير الحبلى ان تعتد باربعة اشهر وعشر، حتى إذا لو كانت يائسا وغير مدخول بها، وعلى الحبلى ان تعتد بأبعد الاجلين من مضي المدة المذكورة ووضع الحمل، فزوجة المتعة في عدة الوفاة كالزوجة في النكاح الدائم لا فرق بينهما.

[106]

لابناء المتعة وآبائهم وأمهاتهم، وكذا القول في العمومات الواردة في الاخوة والاخوات وابنائهما، والاعمام والعمات، والاخوال والخالات وابنائهم (وأولو الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله) مطلقا. نعم نكاح المتعة لا يوجب توارثا بين الزوجين نفسهما، ولا ليلة ولا نفقة للمتمتع بها، وللزوج ان يعزل عنها عملا بالادلة الخاصة المخصصة للعمومات الواردة في احكام الزوجات. هذه هي متعة النساء التي فهم الامامية من الكتاب والسنة دوام اباحتها، واهل المذاهب الاربعة يعترفون بان الله تعالى شرعها في دين الاسلام، لكنهم يعتقدون نسخها وتحريمها، وليس عندنا متعة نساء غيرها بحكم الضرورة من مذهبنا المدون في الالوف من مصنفات علمائنا المنتشرة في اكثر بلاد الاسلام " الامر الثاني " في اصل مشروعية المتعة، يجب ان يعلم ان هذا القدر ثابت باجماع المسلمين، وبالكتاب الحكيم، وبالسنة المقدسة. اما الاجماع فلان اهل القبلة كافة، متفقون على ان الله تعالى شرع متعة النساء في دين الاسلام، بحيث لا ريب في

[107]

ذلك لاحد من اهل المذاهب الاسلامية على اختلافهم في المشارب والآراء، بل لعل هذا ملحق - عند اهل العلم - بالضروريات الثابتة عن سيد النبيين صلى الله عليه وآله فلا ينكره احد من المسلمين مطلقا. واما الكتاب فقوله تعالى في - سورة النساء - (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) حتى ان كلا من أبي بن كعب، وابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي، وغيرهم كانوا يقرأونها (فما استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى) اخرج ذلك عنهم الامام الطبري في تفسير الآية من اوائل الجزء الخامس من تفسيره الكبير، ورواه عنهم وعن ابن مسعود جماعة كثيرون من اثبات الامة وحفظتها (1) لا يسعنا


(1) حتى ارسل الزمخشري في كشافه هذه القراءة عن ابن عباس ارسال المسلمات، والرازي ذكر في تفسير الآية انه روى عن ابي بن كعب انه كان يقرأ فما استمتعتم به منهن إلى اجل مسمى فآتوهن اجورهن (قال): وهذا ايضا هو قراءة ابن عباس (قال): والامة ما انكروا عليهما في هذه القراءة " قال ": فكان ذلك اجماعا من الامة على صحة هذه القراءة

[108]

استقصاؤهم، وصرح عمران بن حصين الصحابي بنزول هذه الآية في المتعة، وانها لم تنسخ حتى قال رجل برأيه ما شاء (1) ونص على نزول الآية في المتعة مجاهد ايضا فيما اخرجه عنه الطبري في تفسيره الكبير (2) ويشهد لنزول الآية في متعة النساء ان الله سبحانه قد أبان في اوائل السورة حكم النكاح الدائم بقوله عز من قائل " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " إلى ان قال " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " فلو كانت هذه الآية في بيان الدائم ايضا للزم التكرار في سورة واحدة، اما إذا كانت لبيان المتعة فانها تكون لبيان معنى جديد، وأولو الالباب ممن تدبروا القرآن الحكيم


قلت: هذا كلامه بلفظه فراجعه في ص 201 من الجزء 3 من تفسيره الكبير. ونقل القاضي عياض عن المازري - كما في اول باب نكاح المتعة من شرح صحيح مسلم للنووي - ان ابن مسعود قرأ " فما استمتعتم به منهن إلى اجل " والاخبار في ذلك كثيرة. (1) ستقف على كلام عمران في الامر السادس من الامور المتعلقة بالمتعة. (2) راجع الصفحة 9 من جزئه الخامس. (*)

[109]

يعلمون ان سورة النساء قد اشتملت على بيان الانكحة الاسلامية كلها، فالدائم وملك اليمين تبينا بقوله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم الا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم " ونكاح الاماء مبين بقوله تعالى " ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات والله اعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن اهلهن وآتوهن اجورهن بالمعروف " إلى آخر ما شرع من احكامهن، والمتعة مبينة بآيتها " فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة " واما السنة فنصوصها في مشروعية المتعة متواترة، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة، وقد اخرج الشيخان في اصل مشروعيتها احاديث في صحيحيهما كثيرة، عن كل من سلمة ابن الاكوع، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وسبرة بن معبد، وابي ذر الغفاري، وعمران بن حصين، والاكوع بن عبد الله الاسلمي. واخرجها احمد بن حنبل في مسنده من حديث هؤلاء كلهم، ومن حديث عمر، وحديث ابنه عبد الله. واخرج مسلم في باب نكاح المتعة من

[110]

كتاب النكاح من الجزء الاول من صحيحه عن جابر بن عبد الله، وسلمة بن الاكوع، قالا: خرج علينا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ان رسول الله اذن لكم ان تستمتعوا يعني متعة النساء انتهى بلفظه، والصحاح في هذا المعنى اكثر من ان تستقصى في هذا الاملاء. " الامر الثالث " في دوام حلها، وهو مذهب ائمتنا الاثني عشر وأوليائهم عليهم السلام، وحسبك حجة لهم ما قد سمعته من اجماع اهل القبلة على ان الله شرعها في دينه القويم، واذن في الاذن بها منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يثبت نسخها عن الله تعالى، ولا عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم حتى انقطع الوحي باختيار الله تعالى لنبيه دار كرامته، بل ثبت عدم نسخها بحكم صحاحنا المتواترة عن أئمة العترة الطاهرة، فراجعها في مظانها من حديث الشيعة، على ان في صحاح اهل السنة ما تتم به الحجة، واليك لمعة منها بعين الفاظهم. اخرج مسلم في باب نكاح المتعة من صحيحه (1) عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الله معتمرا فجئناه في منزله، فسأله


(1) في ص 535 من جزئه الاول.

[111]

القوم عن اشياء، ثم ذكروا المتعة فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وابي بكر وعمر اه‍. واخرج مسلم في الباب المذكور ايضا عن ابي الزبير، قال: سمعت جابر ابن عبد الله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الايام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وابي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث اه‍. واخرج في الباب المذكور ايضا عن ابي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت، فقال: ان ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين - متعة الحج ومتعة النساء - فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما (1) والاخبار في هذا لا تستقصى، ويعجبني قول بعضهم: ان التمتع سنة مشروعة * صدع الكتاب بها وسنة احمد - وروى المخالف ان ذلك قد جرى * زمن النبي وبعد فقد محمد - ثم استمر الامر في تحليلها * إذ صح ذلك بالحديث المسند - عن جابر وعن ابن مسعود وفي * نص ابن عباس كريم المولد - حتى نهى رجل بغير دلالة * عنها فكدر صفو ذاك المورد -


(1) اوردنا احاديث جابر هذه في ص 58 من فصولنا المهمة وتكلمنا فيها بما يجدر بالباحثين ان يقفوا عليه.

[112]

" الامر الرابع " فيما زعموه من نسخها، وقد امعنا النظر في الاحاديث التي تشبثوا بها، فإذا هي احاديث ملفقة وضعها المتأخرون عن زمن الصحابة تصحيحا لرأي من حرمها، وقد استقصيناها في رسالتنا الموسومة بالنجعة في احكام المتعة، فأثبتنا من طريق خصومنا تضعيف تلك الاحاديث، وان اخرجها البخاري ومسلم، ونقلنا كلمات البعض من أئمتهم في الجرح والتعديل الدالة على ذلك، على ان تلك الاحاديث الملفقة تناقض صحاحنا المتواترة من طريق العترة الطاهرة، بل تناقض ما سمعته وما ستسمعه من صحاحهم الدالة على عدم نسخها، بل تناقض نفسها بنفسها كما فصلناه في النجعة تفصيلا، وقد سمعت نص جابر على ان التحريم والنهي انما كان من عمر في بادرة ابن حريث، وستسمع كلام عمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وامير المؤمنين، فتراه صريحا بان التحريم لم يكن بناسخ شرعي، وانما كان بنهي عمر، ومحال ان يكون هناك ناسخ يجهلونه، وهم من علمت منزلتهم من رسول الله، وملازمتهم اياه، وحرصهم على اخذ العلم منه، على انه لو كان ثمة ناسخ لنبههم إليه بعض

[113]

المطلعين عليه، وحيث لم يعارضهم احد فيما كانوا ينسبونه من التحريم إلى عمر علمنا انهم اجمع معترفون بذلك مقرون بان لا ناسخ من الله تعالى، ولا من رسوله على ان عمر نفسه لم يدع النسخ كما ستسمعه من كلامه الصريح في اسناد التحريم والنهي إلى نفسه، ولو كان هناك ناسخ من الله أو من رسوله لاسند التحريم إلى الله تعالى أو إلى الرسول فان ذلك ابلغ في الزجر، وأولى بالذكر. (فصل) ومن غريب الامور دعوى بعضهم النسخ بقوله تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون الا على ازواجهم أو ما ملكت ايمانهم) بزعم انها ليست بزوجة ولا ملك يمين، قالوا اما كونها ليست بملك يمين فمسلم، واما كونها ليست بزوجة فلانها لا نفقة لها ولا ارث ولا ليلة. والجواب: انها زوجة شرعية بعقد نكاح شرعي، اما عدم النفقة والارث والليلة فانما هو لادلة خاصة تخصص العمومات الواردة في احكام الزوجات كما بيناه في الامر الاول، على

[114]

ان هذه الآية مكية نزلت قبل الهجرة بالاتفاق، فلا يمكن ان تكون ناسخة لاباحة المتعة المشروعة في المدينة بعد الهجرة بالاجماع. ومن عجيب امر هؤلاء المتكلفين ان يقولوا بان آية المؤمنون ناسخة لمتعة النساء إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين، فإذا قلنا لهم ولم لا تكون ناسخة لنكاح الاماء المملوكات لغير الناكح، وهن لسن بزوجات للنكاح ولا بملك له، قالوا حينئذ ان آية المؤمنون مكية، ونكاح الاماء المذكورات انما شرع بقوله تعالى - في سورة النساء وهي مدنية - (فمن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات فمن ما ملكت ايمانكم) الآية، والمكي لا يكون ناسخا للمدني لوجوب تقدم المنسوخ على الناسخ، يقولون هذا القول وينسون ان المتعة انما شرعت في المدينة، وان آيتها في سورة النساء أيضا، وهي قوله عز من قائل: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) وقد منينا بقوم لا يتدبرون، فانا لله وانا إليه راجعون. " الامر الخامس " في يسير من السنن الدالة على ان التحريم انما كان تأولا من الخليفة الثاني. اخرج مسلم في باب المتعة بالحج والعمرة من صحيحه (1) بالاسناد إلى ابي نضرة قال:


(1) في ص 467 من جزئه الاول.

[115]

كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فذكرت ذلك لجابر، فقال: على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فلما قام عمر قال: ان الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فأتموا الحج والعمرة وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل الا رجمته بالحجارة. واخرج الامام احمد في مسنده (1) من حديث عمر بالاسناد إلى ابي نضرة، قال: قلت لجابر بن عبد الله ان ابن الزبير ينهى عن المتعة، وان ابن عباس يأمر بها، فقال لي: على يدي جرى الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع ابي بكر فلما ولي عمر خطب الناس فقال: ان القرآن هو القرآن، وان رسول الله هو الرسول، وانهما كانتا متعتان على عهد رسول الله احدهما متعة الحج والاخرى متعة النساء اه‍. وهذا كما ترى صريح فصيح، ولا تنس ما أوردناه في الامر الثالث من حديث جابر فانه صريح فصيح ايضا. وقد استفاض قول الخليفة الثاني وهو على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا انهى عنهما واعاقب عليهما، متعة الحج،


(1) ص 52 من الجزء الاول.

[116]

ومتعة النساء حتى نقل الرازي هذا القول عنه محتجا به على تحريم متعة النساء، فراجع تفسير آيتها من تفسيره الكبير. والذي نقله متكلم الاشاعرة، وحكيم اهل السنة الامام القوشجي في اواخر مبحث الامامة من شرح التجريد: ان الخليفة الثاني قال وهو على المنبر: ايها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله وانا انهى عنهن واحرمهن واعاقب عليهن، متعة النساء، ومتعة الحج، وحي على خير العمل، ثم اعتذر بان هذا انما كان منه عن تأول واجتهاد. قلت: والاخبار في هذا مما يضيق عنه وسع هذه الرسالة، وقد استمتع في ايام عمر، ربيعة بن امية ابن خلف القرشي اخو صفوان فيما اخرجه مالك - في باب نكاح المتعة من موطئه - عن عروة بن الزبير، قال: ان خولة بنت حكيم السلمية دخلت على عمر فقالت: ان ربيعة بن امية استمتع بامرأة فحملت منه، فخرج عمر يجر رداءه فقال: هذه المتعة ولو كنت تقدمت فيها لرجمت اه‍، اي لو كنت تقدمت في تحريمها والانذار برجم فاعلها قبل هذا لرجمت، إذ كان هذا القول منه قبل نهيه عنها، نص على ذلك ابن عبد البر كما في شرح الزرقاني لهذا الحديث من موطأ مالك، ولا يخفى ان هذا

[117]

الكلام منه ظاهر في ان التصرف في حكمها انما هو منه لا من سواه، وخطبته تلك على المنبر نص صريح بذلك (1) " الامر السادس " في الاشارة إلى من تسنى لهم ان يبيحوا ببعض ما في نفوسهم من استنكار تحريمها وهم كثيرون، فمنهم امير المؤمنين علي عليه السلام فيما اخرجه الامامان الثعلبي والطبري عند بلوغهما إلى آية المتعة من تفسيريهما الكبيرين، حيث اخرجه بالاسناد إلى علي قال: لولا ان عمر نهى عن المتعة ما زنى الا شقي، وهذا متواتر عنه من طريق ابنائه الميامين (2) ومنهم عبد الله بن العباس إذ قال: ما كانت المتعة الا


(1) وقد قال العسكري - فيما نقله عن السيوطي في احوال عمر من كتابه تاريخ الخلفاء -: هو اول من سمي امير المؤمنين، واول من كتب التاريخ من الهجرة، واول من اتخذ بيت المال، واول من سن قيام شهر رمضان - بالتراويح - واول من عس بالليل، واول من عاقب على الهجاء، واول من ضرب في الخمر ثمانين، واول من حرم المتعة الخ والذين صرحوا بهذا من اثبات الامة لا تحيط بهم هذه العجالة. 2 - وقد نقله الرازي في ص 200 من الجزء 3 من تفسيره

[118]

رحمة رحم الله بها امة محمد صلى الله عليه وآله لولا نهيه - يعني عمر - عنها ما احتاج إلى الزنى الا شقي اه‍. اي الا قليل من الناس كما فسرها ابن الاثير في مادة شفى من النهاية، وكان ابن عباس يجاهر باباحتها، وله في ذلك مع ابن الزبير - حتى في ايام امارته - نوادر يطول المقام بذكرها (1) وحسبك منها ما اخرجه مسلم عن ابي نضرة وقد سمعته في الامر الثالث وفي الامر الخامس فراجع. ومنهم جابر بن عبد الله الانصاري وقد سمعت حديثه في الامر الثالث وفي الامر الخامس فراجع. ومنهم عبد الله بن عمر كما هو ثابت عنه، اخرج الامام احمد في ص 95 من الجزء الثالث من مسنده من حديث عبد الله بن عمر قال: سأل رجل ابن عمر عن متعة النساء فقال: والله ما كنا على عهد رسول الله زانين ولا مسافحين


(1) ألفتك إلى ما اورده منها علامة المعتزلة في ص 489 من المجلد 4 من شرح نهج البلاغة حيث ترجم ابن الزبير اثناء شرحه لقول امير المؤمنين ما زال الزبير منا اهل البيت حتى نشأ ابنه المشوم.

[119]

ثم قال: والله لقد سمعت رسول الله يقول: ليكونن قبل يوم القيامة المسيح الدجال، وكذابون ثلاثون أو اكثر، وسئل مرة اخرى (1) عن متعة النساء فقال: هي حلال، فقيل له: ان اباك نهى عنها، فقال: أرأيت ان كان ابي نهى عنها وصنعها رسول الله أنترك السنة ونتبع قول ابي ؟ اه‍. ومنهم عبد الله بن مسعود كما هو معلوم عنه، وقد اخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما واللفظ للاول (2) عن عبد الله - بن مسعود - قال: كنا نغزو مع رسول الله وليس لنا شئ، فقلنا: الا نستخصي فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا ان ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما احل لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين) اه‍ قلت: لا يخفى ان استشهاده بالآية دليل على اباحتها كما صرح به شراح الصحيحين.


(1) كما نقله العلامة في نهج الصدق والشهيد الثاني في روضته البهية عن صحيح الترمذي. (2) في الصفحة الثانية أو الثالثة من كتاب النكاح فراجع

[120]

ومنهم عمران بن حصين فيما صح عنه، وقد نقل الرازي (1) عنه انه قال: انزل الله في المتعة آية وما نسخها بآية اخرى، وامرنا رسول الله بالمتعة وما نهانا عنها، ثم قال رجل برأيه ما شاء " قال الرازي " يريد عمر اه‍. واخرج البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله، ولم ينزل قرآن يحرمها، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. واخرج احمد (2) في مسنده من طريق عمران القصير عن ابي رجاء عن عمران ابن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول الله فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات صلى الله عليه وآله وسلم. وامر المأمون ايام خلافته فنودي بتحليل المتعة، فدخل


(1) اثناء بحثه عن حكم متعة النساء في تفسير آيتها من تفسيره الكبير. (2) في ص 436 من جزئه الرابع واخرج ايضا مثله في ص 438 من الجزء الرابع من طريق حميد عن الحسن عن عمران

[121]

عليه محمد بن منصور وابو العيناء، فوجداه يستاك ويقول (1) متغيظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله وعلى عهد ابي بكر وانا أنهى عنهما (قال): ومن انت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله وابو بكر فأراد محمد بن منصور ان يكلمه فأومأ إليه ابو العيناء، وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن ؟ فلم يكلماه، ودخل عليه يحيى بن اكثم فخلا به وخوفه من الفتنة، وذكر له: ان الناس يرونه قد احدث في الاسلام - بهذا النداء - حدثا عظيما يسئ الخاصة (2) ويثير العامة إذ لا فرق عندهم بين النداء باباحة المتعة، والنداء باباحة الزنا، ولم يزل به حتى صرف عزيمته،


(1) فيما نقله ابن خلكان في ترجمة يحيى بن اكثم من وفيات الاعيان لكنه لم ينقل حديث يحيى مع المأمون على وجهه والثابت ما نقلناه. (2) يدل على ذلك قول ابي حنيفة وقد قيل له مالك لا تروي عن عطاء ؟ فقال لاني رأيته يفتي بالمتعة روى ذلك عنه ابن عبد البر في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض من كتابه - جامع بيان العلم - فراجع من مختصره ص 196.

[122]

اشفاقا على ملكه ونفسه. وممن اباح المتعة وعملها من اعلام الامة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح ابو خالد المكي المولود سنة ثمانين، والمتوفى سنة تسع واربعين ومئة، وقد ترجمه ابن خلكان في وفياته، وابن سعد في طبقاته (1) وهو ممن احتجوا به في الصحاح (2) وترجمه الذهبي في ميزاته فذكر انه تزوج نحوا من تسعين امرأة نكاح المتعة، وانه كان يرى الرخصة في ذلك (قال): وكان فقيه اهل مكة في زمانه. - (المبحث الثالث) - في البراءة، وقد اجمع المسلمون كافة على البراءة من اعداء الله، وتصافقوا جميعا على وجوبها، وحض الكتاب والسنة عليها بما لا مزيد عليه، وحسبك من آيات الذكر الحكيم قوله عز وعلا - في سورة الممتحنة - (قد كانت لكم اسوة حسنة في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا برءآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم


(1) راجع ص 361 من جزئها الخامس. (2) وترجمه ابن القيسراني في ص 314 من كتابه الجمع بين رجال صحيحي البخاري ومسلم.

[123]

وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده الا قول ابراهيم لابيه لاستغفرن لك) إلى ان قال عز اسمه عودا على بدء لتأكيد وجوب البراءة (لقد كان لكم فيهم اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فان الله هو الغني الحميد) وقال سبحانه وتعالى - في سورة براءة - " وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه) ثم مدحه الله عزوجل بسبب براءته من ابيه فقال " ان ابراهيم لاواه حليم " هذه هي البراءة، وهذا هو التكليف بها، وهذه هي ملة ابراهيم التي هدى الله عزوجل إليها نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وامره بان يدعو اهل الارض إليها فقال تبارك اسمه (1) (قل انني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ابراهيم حنيفا) فهل يريد موسى جار الله مع هذا كله ان نتولى اعداء الله، والله تعالى يقول " يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم " إلى آخر سورة الممتحنة، ام يريد ان نودهم والله تعالى يقول " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من


(1) في سورة الانعام

[124]

حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم " إلى آخر سورة المجادلة وقد اجمعت الامة بقضها وقضيضها على وجوب البغض في الله، كما اجمعت على وجوب الحب في الله، والتفصيل في مظانه من كتب الفريقين (1) وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله، وعن عيسى عليه السلام: تحببوا إلى الله ببغض اهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد منهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم الحديث (2) ولعل موسى جار الله ينكر علينا البراءة من يزيد بن معاوية صاحب القرود والفهود والخمور والفجور، وقاتل العترة


(1) حسبك من كتب الشيعة في هذا الموضوع كتاب جامع السعادات المنتشر، ومن كتب اهل السنة احياء العلوم فراجع منه بيان البغض في الله ص 143 من جزئه الثاني والتي بعدها وان شئت المزيد فعليك بصفحة 454 من المجلد الرابع من شرح نهج البلاغة الحديدي فتدبر الرد هناك على ابي المعالي الجويني (2) هذا الحديث والذي قبله أوردهما الغزالي في ص 137 من الجزء الثاني من الاحياء، واورد هناك احاديث من هذا القبيل جمة.

[125]

الطاهرة، ومبيح المدينة المنورة، وينقم منا البغض لكل من كان على شاكلة يزيد، ويريد منا ان نعد يزيد وأباه من خلفاء رسول الله الذين بشر بهم في قوله صلى الله عليه وآله: ان هذا الامر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، كما احتمله القاضي عياض وتبعه في ذلك من تأخر عنه من علماء الجمهور، بل استحسنه شيخ الاسلام ابن حجر في شرح صحيح البخاري، واطال الكلام في استحسانه، وجعل الخامس من الاثني عشر معاوية، والسادس يزيد، والثاني عشر جعله الوليد بن يزيد بن عبد الملك ذلك المتهتك بعهره وخمره وفجوره وسائر اموره، وقد اورد السيوطي في اوائل كتابه - تاريخ الخلفاء - كلام ابن حجر في هذا الموضوع فليراجعه (1) من اراد ان يعرف سرائر موسى جار الله تجاه آل محمد صلى الله عليه وآله وتجاه اعدائهم وليعجب، وقد ذكرنا في فصولنا المهمة يزيد بن معاوية فأشرنا إلى شئ من بوائقه (2) وبوائق ابيه، فليراجعها


(1) في الفصل الذي عقده لبيان الائمة من قريش، والفصل الذي بعده في ص 4 والتي بعدها من تاريخ الخلفاء. (2) في الفصل 8 ص 115 وما بعدها إلى ص 118 من الفصول المهمة من الطبعة الثانية فليراجعها الباحثون ولا يغفلوا عما علقناه ثمة من الفوائد الجمة.

[126]

موسى جار الله ليعلم انا لا يسعنا الا البراءة منهما ومن امثالهما الا ان نخالف الله عزوجل فيما افترضه تعالى في محكم فرقانه، وصدع به النبي في قدسي سنته صلى الله عليه وآله نعوذ بالله، وبه نستجير، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. " المبحث الرابع " في المسح على الخفين في الوضوء عوضا عن غسل الرجلين أو مسحهما فيه، وقد اختلف الائمة في ذلك فأجازه قوم ومنعه آخرون، وتواتر القول بالمنع عن كل من أئمتنا الاثني عشر وتبعهم على ذلك شيعتهم الامامية بالاجماع قولا واحدا لعدم وجود ما يدل على الجواز من الادلة المعتبرة شرعا عندهم، والاخبار الظاهرة بكفاية المسح على الخفين غير ثابتة من طريقهم مطلقا، وما على المسلم من غضاضة إذا اخذ بالاصل العملي عند عدم قيام الدليل على ما يخالفه، لكن موسى جار الله وامثاله من المنددين المفندين ينكرون على الشيعة عدم المسح على الخفين، ولا ينكرون على انفسهم عدم المسح على القدمين المنصوص عليه بقوله تعالى (يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) الآية (1)


(1) في سورة المائدة.

[127]

قال بعض الاعلام من اثبات اهل السنة وفقهائهم على المذهب الحنفي (1) اثناء تفسيره لهذه الآية ما هذا لفظه: قرئ في السبعة بالنصب والجر، والمشهور ان النصب بالعطف على وجوهكم والجر على الجوار (قال): والصحيح ان الارجل معطوفة على الرؤوس في القراءتين ونصبها على المحل وجرها على اللفظ، (قال): وذلك لامتناع العطف على المنصوب للفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة اجنبية، والاصل ان لا يفصل بينهما بمفرد فضلا عن الجملة (قال): ولم يسمع في الفصيح نحو ضربت زيدا ومررت بعمر وبكرا بعطف بكرا على زيدا (قال): واما الجر على الجوار فانما يكون على قلة في النعت كقول بعضهم: هذا جحر ضب خرب بجر خرب أو في التأكيد كقول الشاعر: يا صاح بلغ ذوي الحاجات كلهم * ان ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب - بجر كلهم على ما حكاه الفراء (قال) واما في عطف النسق


(1) هو الامام الكبير الشيخ ابراهيم الحلبي الحنفي صاحب حلبي كبير وهو من الكتب المنشورة المشهورة.

[128]

فلا يكون، لان العاطف يمنع المجاورة، هذا نص كلامه (1) وكفى به حجة على وجوب مسح الارجل دون غسلها في الوضوء، وقد اعترف في الكشاف بعطف الارجل على الرؤوس الممسوحة، ومع ذلك فقد تفلسف في عطفها فلسفة لا تليق بامام مثله (2) وما أظن احدا من المفسرين يعطف الارجل على المغسول، ورحم الله السيد الطباطبائي بحر العلوم إذ يقول: ان الوضوء غسلتان عندنا * ومسحتان والكتاب معنا - فالغسل للوجه ولليدين * والمسح للرأس وللرجلين - وسبقه إلى ذلك حبر الامة وابن عم نبيها عبد الله بن العباس إذ قال (3): الوضوء غسلتان ومسحتان، وقال (4) في


(1) فراجعه في آخر ص 15 والتي بعدها من كتابه الشهير المعروف مجلي كبير واسمه غنية المتملي في شرح منية المصلي في الفقه الحنفي. (2) إذ قال: والارجل من بين الاعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة للاسراف المذموم المنهي عنه فعطفت على الممسوح لا لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها ! ! ! قلت ليت شعري من اخبره بذلك. (3) كما في ص 103 من الجزء الخامس من كنز العمال وهذا هو الحديث 2211. (4) كما في ص 103 من الجزء الخامس من الكنز وهو الحديث 2213.

[129]

مقام آخر: افترض الله غسلتين ومسحتين، ألا ترى انه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين، وقال (1) في مقام ثالث: يأبى الناس الا الغسل ونجد في كتاب الله المسح وعن الشعبي قال (2): اما جبريل فقد نزل بالمسح على القدمين وعنه ايضا قال (3) نزل القرآن بالمسح الحديث، وعن ابن عباس انه حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله فمسح على رجليه، واخرج الطبراني (4) عن عباد بن تميم عن ابيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ ويمسح على رجليه، اما ما روي عن سادة اهل البيت في ذلك فأكثر من ان يحصى، فمن ذلك ما رواه الحسين بن سعيد الاهوازي، عن فضالة، عن حماد


(1) اخرجه ابن ماجه في سننه وابو داود والترمذي والنسائي في صحاحهم وسعيد بن منصور في سننه ورواه ابن ابي شيبة وغيره من الاثبات وهو موجود في ص 103 من الجزء الخامس من الكنز ايضا. (2) اخرجه ابن ابي شيبة وعبد الرحمن بن حميد وابن جرير وهو الحديث 2222 في ص 104 من الجزء 5 من الكنز (3) فيما اخرجه عبد الرحمن بن حميد والنحاس في تاريخه وهو الحديث 2223 في ص 104 من الجزء 5 من الكنز. (4) كما في اواخر ص 19 من كتاب المسح على الجوربين للشيخ محمد جمال الدين القاسمي الدمشقي.

[130]

ابن عثمان، عن غالب ابن هذيل، قال: سألت أبا جعفر (الباقر) عليه السلام عن المسح على الرجلين، فقال: هو الذي نزل به جبرائل، وعن احمد بن محمد قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن المسح على القدمين كيف هو ؟ فوضع بكفه على الاصابع ثم مسحهما إلى الكعبين، والاخبار في هذا متواترة عن سائر الائمة من العترة الطاهرة فنصوص الثقلين صريحة بوجوب المسح على القدمين وبها اخذ الامامية، اما المسح على النعلين ونحوهما، فلا دليل عليه من طريقهم. والاخبار التي يعتمد عليها غيرهم ليست بثابتة عندهم، ولذا تراهم لا يمسحون على الخفين عوضا عن الرجلين، ولا على العمامة عوضا عن الرأس لاصالة عدم الجواز. لكن هذا المسكين يرى ذلك منا شيئا نكرا، وله في الانكار علينا بهذه المسألة، وبكل من البداء والمتعة والبراءة تعصب تجاوز فيه كل حد. قال: كتب الشيعة إذا تعصبت على المسألة فهي تجازف في الكلام تتجاوز الحدود في التشدد (1) مثل ما رويت في


(1) كأن الكتب التي يرتضيها موسى جار الله لا تتجاوز الحدود ابدا حتى في قولها بان الله تعالى خلق الكفر في نفوس الكافرين والفسق

[131]

البداء والمتعة والبراءة، وتحريم المسح على الخفين (1) وكان الباقر والصادق يبالغان في المتعة ويقولان: من لم يستحل متعتنا فليس منا (2) ويجعلها علماء الشيعة شارة اهل البيت وشعار الائمة (قال) وللامة في المتعة كلام، وانا أرى أن المتعة كانت من بقايا الانكحة الجاهلية (3) ويمكن انها قد وقعت من بعض الناس في صدر الاسلام (4) ويمكن ان


والظلم على ايدي الفاسقين والظالمين ! وحتى في نفيهم الحسن والقبح العقليين فيما يستقل به العقل وفي بعض ما يجوزونه على الله عز وجل وعلى انبيائه واوصيائهم وحتى في قولهم بثبوت الخلافة شرعا لمعاوية ويزيد وبني مروان واضرابهم وحتى في احتجاجهم بامثال ابن هند وابن النابغة وابن الزرقاء وابن شعبة ونجدة وعكرمة وابن حطان وحتى في مسحهم على الخفين دون الرجلين ونكاح البنت - بنت الزنى - وقولهم بان حكم الله في الواقع دائر مدار حكم القضاة الشرعيين فإذا حكم القاضي لزيد المزور بزوجة عمرو الشرعية حلت للمحكوم له ظاهرا وواقعا وحرمت على زوجها الشرعي ظاهرا وواقعا إلى غير ذلك مما لو استقصيناه لاخرجنا منه كتابا ضخما (1) فصلنا لك القول في هذه الامور الاربعة تفصيلا فراجعها لتعرف اينا المجازف. (2) لما كانت المتعة من احكام الله التي صودرت بعد رسول الله كان على اوصيائه ان يهتموا بحفظها كما فعلوا. (3) هذا الرأي يخالف رأي الامة جمعاء كما هو الظاهر من كلامه فإذا يجب ان يعد من مكتشفاته ويجب على الامة اعطاؤه الامتياز فيه. (4) بل وقعت من الصحابة ايام النبي وابي بكر وشطرا من ايام عمر حتى نهى عنها في شأن ابن حريث كما سمعته في مبحث المتعة.

[132]

الشارع قد أقرها في بعض الاحوال من باب ما نزل فيها الا ما قد سلف (1) كانت امرا تاريخيا لا حكما شرعيا باذن من الشارع (2) وان ادعى مدعي ان المتعة كانت حلالا باذن الشارع فلتكن (3) نقول لا بأس فيها ولا كلام لنا اليوم في ردها (4) وانما كلامي الآن في ان المتعة هل ثبتت في القرآن أو لا (5) كتب الشيعة تدعي ان المتعة نزل فيها قول الله جل جلاله: " فما استمتعتم به منهن فآتوهن اجورهن


(1) سمعت في مبحث المتعة ان منادي النبي اذن بالاذن بها فلا يؤبه بهذا الكلام البارد. (2) هكذا تكون الفلسفة والا فلا. (3) تشيع شطره إذ قال: فلتكن، ومتى كانت فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة. (4) ردها بغير ناسخ من كتاب أو سنة جزاف وكلام هذا الرجل جفاء. (5) سمعت في مبحث المتعة ثبوتها بكل من القرآن والسنة والاجماع وهب انها لم تثبت بالقرآن فان اكثر الاحكام ثبتت في السنة " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا "

[133]

فريضة " وأرى (1) ان ادب البيان يأبى، وعربية هذه الجملة المعجزة تأبى ان تكون هذه الجملة الكريمة قد نزلت فيها، لان تركيب هذه الجملة يفسد، ونظم هذه الآية الكريمة يختل لو قلنا انها نزلت في متعة النكاح، هذا كلامه بعين لفظه اوردناه على طوله تبيانا لمكانته في العربية، ونجوعا لادلته القوية، فان التحكم والمصادرة والدعاوى الفارغة، والعبائر الباردة هي البراهين القاطعة، والحجج الساطعة عنده، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا، ولو شاء لفعل - راجع ما علقناه على كلامه - " المسألة الرابعة عشرة " تتعلق بارث علي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال هذا الرجل: 14 حديث عرض النبي ارثه لعمه سيدنا العباس وابن عمه علي امير المؤمنين في الوافي عن الكافي (1)


(1) هذا الرأي ايضا من مكتشفات هذا الفيلسوف التي اكتشفها في القرن الرابع عشر أو في القرن العشرين كما يقولون، فعلى الامة ان تخضع لاعطائه الامتياز به. (*)

[134]

133 - دعا النبي صلى الله عليه وآله عمه العباس وعليا قبيل وفاته فقال لعمه العباس: تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته ؟ فرد عليه العباس، وقال: شيخ كثير العيال قليل المال، فقال النبي: سأعطيها من يأخذها بحقها. وقال: يا علي أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتأخذ تراثه ؟ الحديث (قال هذا الرجل): هذا الحديث حديث مهم جليل لم أره في كتب الاحاديث غير كتب الشيعة عددته إذ رأيته كنزا غنيا يستخرج منه اصول في ابواب الفقه، إلى آخر ما قاله مستخفا بهذا الحديث مستهزئا به متهكما، وقد ارجف فأجحف وظن انه ارث المال فرده بان ابن العم لا يرث مع وجود البنت أو العم، وانه لا معنى لعرض الارث، فان تركة الميت تنتقل بموته إلى ورثته، سواء احب أو كره، وسواء كره الورثة ام احبوا (قال): وسيدنا العباس كان غنيا، وكان اعقل وارفع من ان يرد عرض النبي الخ. (والجواب): ان ما ذكره من شأن الارث فانما هو شأن التراث المالي، اما وراثة العلم والحكمة والملك، فانها من رحمة الله التي يختص بها من يشاء من انبيائه واوصيائهم

[135]

عليهم السلام. وقوله: بانه لم ير الحديث في كتب غير الشيعة دليل على قصور باعه، إذ صح ان عليا كان يقول (1) في حياة رسول الله: والله اني لاخوه ووليه، وابن عمه، ووارث علمه، فمن احق به مني، وقد قيل له مرة (2): كيف ورثت ابن عمك دون عمك، فقال: جمع رسول الله بني عبد المطلب وهم رهط كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفرق فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، فقال صلى الله عليه وآله: يا بني عبد المطلب اني بعثت اليكم خاصة


(1) هذا القول ثابت عن علي بعين لفظه وقد اخرجه الحاكم في مناقبه عليه السلام ص 126 من الجزء 3 من المستدرك بالسند الصحيح على شرط الشيخين واعترف الذهبي بذلك حيث اورده في التلخيص (2) فيما اخرجه الضياء المقدسي في المختارة وابن جرير في تهذيب الآثار والنسائي في ص 18 من الخصائص العلوية، ونقله ابن ابي الحديد عن تاريخ الطبري في اواخر شرح الخطبة القاصعة ص 255 من المجلد 3 من شرح النهج وهذا الحديث هو الحديث 6155 في ص 408 من الجزء 6 من كنز العمال ودونك ص 159 من مسند الامام احمد تجد الحديث بالمعنى.

[136]

والى الناس عامة، فأيكم يبايعني على ان يكون اخي، وصاحبي ووارثي، فلم يقم إليه احد، فقمت إليه وكنت من اصغر القوم، فقال لي: اجلس، ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك اقوم إليه، فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي، فلذلك ورثت ابن عمي دون عمي. وهذا الحديث مستفيض في كتب اهل السنة، وفيه من عرض النبي ارثه على اسرته ما انكره هذا الرجل على كتب الشيعة كما لا يخفى. وسئل قثم بن العباس - فيما اخرجه الحاكم وصححه في مستدركه (1) واورده الذهبي في تلخيصه جاز ما بصحته - فقيل له: كيف ورث علي رسول الله دونكم ؟ فقال: لانه كان أولنا به لحوقا، واشدنا به لزوقا. قلت: لا يخفى ان تساؤل الناس عن السبب في حصر هذا التراث بعلي دون غيره، دليل على علمهم بهذه التخصة، وانها كانت عندهم من المسلمات، وانما كانوا يتساءلون عن اسبابها،


(1) ص 125 من جزئه الثالث واخرجه ابن ابي شيبة في مسنده وهو الحديث 6084 في ص 400 من الجزء 6 من كنز العمال.

[137]

حتى سألوا عليا تارة، وقثما اخرى، فأجابهم بما سمعت مما تصل إليه مدارك أولئك السائلين، والا فالجواب الحقيقي: ان الله عزوجل اطلع إلى اهل الارض فاختار منهم محمدا فجعله نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار عليا فأوحى إلى نبيه ان يتخذه وارثا ووصيا، كما دلت عليه السنن الصحيحة (1) قال الحاكم (2) بعد ان اخرج عن قثم ما سمعت: حدثني قاضي القضاة ابو الحسن محمد بن صالح الهاشمي، قال: سمعت ابا عمر القاضي يقول: سمعت اسماعيل بن اسحاق القاضي، وقد ذكر له قول قثم هذا فقال: انما يرث الوارث بالنسب أو بالولاء، ولا خلاف بين اهل العلماء في ان ابن العم لا يرث مع العم، فقد ظهر بهذا الاجماع ان عليا ورث العلم من النبي دونهم. هذا كلامه بعين لفظه، فليراجعه موسى جار الله ليعرف خطأه إذ قال: لم أره في كتب الاحاديث غير كتب الشيعة، وحسبه حديث الدار يوم الانذار (2)


(1) والتفصيل في المراجعة 68 من مراجعاتنا وما علقناه عليها. (2) في ص 125 من الجزء 3 من المستدرك. (3) وقد اوردناه في المراجعة 20 من مراجعاتنا فليقف عليه وعلى ما علقناه ثمة كل بحاثة مدقق.

[138]

وحديث بريدة (1) عن رسول الله إذ قال صلى الله عليه وآله: لكل نبي وصي ووارث، وان وصيي ووارثي علي بن ابي طالب، وحديث ابن ابي أوفى في المؤاخاة، وفيه قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: وانت اخي ووارثي، قال علي: وما أرث منك ؟ قال، صلى الله عليه وآله: ما ورث الانبياء من قبلي، كتاب ربهم وسنة نبيهم، الحديث (2) ومثله حديث سلمان عن رسول الله، إذ قال صلى الله عليه وآله (3): ان وصيي، وموضع سري وخير من أترك بعدي، ينجز عدتي، ويقضي ديني، علي بن ابي طالب. إلى ما لا يحصى ولا يمكن ان يستقصى في هذه العجالة (4) مما ينقلب هذا الرجل به خاسئا وهو حسير.


(1) اوردناه في المراجعة 68 من المراجعات فراجعه وراجع ما علقناه ثمة عليه. (2) اوردناه في المراجعة 32 فراجعه ولا تغفل عما نقلناه عليه. (3) فيما اخرجه الطبراني في الكبير كما في ص 154 من الجزء 6 من كنز العمال وص 203 من هامش الجزء 5 من مسند احمد وهذا الحديث اوردناه في المراجعة 68 (4) وحسبك ما اوردناه في كتاب المراجعات.

[139]

اما قوله: بان العباس كان غنيا، وكان اعقل وارفع من ان يرد عرض النبي بخلا أو غفلة عن عظيم الشرف، إلى آخر ما قاله عن ابي الفضل فصحيح، وحاشاه من ان يرده الا ليري الناس اعترافه - على جلالة قدره وعظم شأنه - بحق علي وتقديمه اياه - مع كونه صنو ابيه وبقية اهليه - على نفسه، وبهذا ارتفع قدر ابي الفضل عند الله ورسوله، وعظمت منزلته في نفوس أولي الالباب، ورحم الله من عرف حده فوقف عنده. واما ما نقله هذا المرجف عن كتب الشيعة في شأن ام العباس فشئ لا نعلمه وكتب الشيعة الامامية تنزه العباس وامه، وتقدس أباه شيبة الحمد عن كل وصمة، فانهم عليهم السلام لم تنجسهم الجاهلية بانجاسها، ولم تلبسهم من مدلهمات ثيابها، وابو الفضل العباس كان من افضل الناس عليه السلام. " المسألة الخامسة عشرة " فلسفة اشترعها دستورا مكرما ! لتوحيد كلمة الاسلام اليوم. قال: كل يعلم وكلنا نعلم ان البيوت الاموية والهاشمية والعباسية كانت بينها تراث وثارات وعداوات قديمة وحديثة

[140]

لم تكن الا خصائص بدوية عربية قد كانت، وضرت الاسلام ثم زالت بزوال اهلها، ووقعت بها فقط في تاريخ الاسلام امور منكرة لم تقع في غيره، وليس فيها اثم ولا اثر لاهل الاسلام، ولا لاهل السنة. إلى آخر كلامه، ثم استرسل في امور تاريخية كابر فيها صحاح التاريخ، وصادر فيها قواطع الادلة (1) وتفلسف فلسفته المعلومة فأملى على الشيعة ارادته السنية في توحيد الكلمة. وانما اعرضنا عن بيانها إذ لم يأت بشئ غير ابداء رأيه واظهار ما في نفسه من المضمرات للشيعة، وايقاد نار الفتنة بين المسلمين بالافك والبهتان، والظلم والعدوان وهو مع ذلك يزعم انه يعبد الطريق الوحيد إلى توحيد كلمة الاسلام. اوردها سعد وسعد مشتمل * ما هكذا تورد يا سعد الابل - ان الطريق الوحيد إلى الوحدة الاسلامية بين طوائف المسلمين، انما هو تحرير مذاهبهم، والاكتفاء من الجميع بالمحافظة على الشهادتين، والايمان باليوم الآخر، واقام الصلاة،


1 - ان شئت ان تعرف كنه مصادرته ومكابرته فعليك بالمراجعة 80 والمراجعة 82 من مراجعاتنا وما علقناه عليهما

[141]

وايتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم الشهر، والتعبد بالكتاب والسنة هذا هو الطريق الوحيد إلى توحيد كلمة الاسلام اليوم، كما أوضحناه في المراجعة 8 من مراجعاتنا المصرية. " المسألة السادسة عشرة " فيمن يدين بولاية الجور، وفيمن يدين بولاية العدل والمروي عن ائمة اهل البيت ان لا ولاية لائمة الجور الذين قال الله تعالى في امثالهم (وجعلناهم ائمة يدعون إلى النار) وان الولاية انما هي لائمة العدل الذين عناهم الله تعالى بقوله (يهدون بالحق وبه يعدلون) والمأثور عنهم عليهم السلام، ان من دان بولاية امام جائر فعقد قلبه على ولايته، كان كمن عناهم الله تعالى بقوله (1) سبحانه (ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين) وقوله تعالى (2) (ومن يتولهم فاولئك هم الظالمون) اما من دان بولاية امام عادل فعقد قلبه على ذلك فهو ممن عناهم الله تعالى بقوله (3) (ومن يتول الله ورسوله


1 - في سورة المائدة. 2 - في سورة الممتحنة. 3 - في سورة المائدة.

[142]

والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون) هذا مضمون ما روي في هذه المسألة عن ائمة اهل البيت، وفيه من الفوائد ما لا يجحده جاحد، وحسبك ان يوجد روح النهضة في الرعايا إلى موازرة العدل ومقاومة الجور، لكن موسى جار الله ينكر على ائمة اهل البيت هذه التعاليم ويعدها من السنن السيئة. قال: يقول الباقر: ان الله قال: لاعذبن كل رعية في الاسلام دانت بولاية امام جائر، وان كانت الرعية في اعمالها برة تقية (1) ولاعفون عن كل رعية في الاسلام دانت بولاية امام


1 - الرعية إذا تدينت بولاية امام جائر يحكم بغير ما انزل الله فتتعبد بحكمه لا ينفعها عملها إذ تكون ممن عناهم الله تعالى بقوله " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " وقد اجمعت الامة على اشتراط الايمان في قبول الاعمال - انما يتقبل الله من المتقين - بل اجمعت على اشتراطه في صحة العمل كما يدل عليه قوله تعالى في سورة الاسراء (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا).

[143]

عادل من الله وان كانت الرعية ظالمة مسيئة (1) (قال موسى جار الله): ما الفائدة من امثال هذه الكلمات (2) وفي اي اي كتاب يقول الله هذه الكلمات (3) هذا كلامه فراجع ما علقناه عليه، وهذا أدبه مع باقر علوم العترة التي هي بمنزلة الكتاب، ومثلها مثل سفينة نوح، وباب حطة، وهي امان الامة من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة كانت من حزب ابليس - وكفى -.


(1) لانها تكون بسبب تدينها بولاية الامام العادل مصداقا لقوله تعالى " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم " فيكون قول الامام هنا نظير اما أخرجه البخاري في صحيحه عن ابي ذر من بشارة رسول الله صلى الله عليه وآله، بالجنة لكل موحد وان زنى وان سرق وان شرب الخمر. (2) عرفت انها تنفخ روح النهضة المباركة في الرعايا إلى موازرة العدل واهله ومكافحة الجور واهله. (3) ان صحت هذه الكلمات عن الامام فهي من الاحاديث القدسية التي رواها عن الله عزوجل بواسطة جده " ص " فسلم لقوم شأنهم في حديثهم * روى جدنا عن جبرئيل عن الباري -

[144]

" المسألة السابعة عشرة " تتعلق بالنسئ قال: ما النسئ الذي هو زيادة في الكفر، الذي قال الله تعالى فيه (انما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله) (قال): وهل كان له عند العرب قبل الاسلام نظام يدور عليه حساب السنين. (فأقول): النسئ مصدر كالنذير والنكير معناه التأخير، والمراد منه هنا تأخير الاشهر الحرم وغيرها من الاشهر القمرية عما رتبها الله سبحانه عليه، فان العرب علموا انهم لو رتبوا حسابهم على السنة القمرية فانه يقع حجهم تارة في الصيف، وتارة في الشتاء، وكان يشق عليهم الاسفار، ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات، لان سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون الا في الاوقات اللائقة الموافقة فعلموا ان بناء الامر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية، ولما كانت السنة الشمسية زائدة عن السنة

[145]

القمرية بمقدار معين احتاجوا إلى الكبيسة، وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة امران. احدهما: انهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرا بسبب اجتماع تلك الزيادات. والثاني: انه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره، فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة، وبعده في المحرم، وبعده في صفر، وهكذا في الدور، حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة اخرى إلى ذي الحجة، فحصل بسبب الكبيسة هذان الامران الزيادة في عدة الشهور، وتأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر. هذا كله مما أفاده الامام فخر الدين الرازي (1) قال: والحاصل ان بناء العبادات على السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا، وبناءها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا، والله تعالى امرهم من وقت ابراهيم واسماعيل ببناء الامر على رعاية السنة القمرية، فهم تركوا امر الله في رعاية السنة القمرية، واعتبروا السنة


(1) في معنى الآية من تفسيره الكبير ص 434 من جزئه الرابع في تفسير سورة التوبة.

[146]

الشمسية رعاية لمصالح الدنيا، وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الاشهر الحرم، فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببا لزيادة كفرهم وانما كان ذلك سببا لزيادة الكفر، لان الله تعالى امرهم بايقاع الحج في الاشهر الحرم، ثم انهم بسبب هذه الكبيسة اوقعوه في غير هذه الاشهر، وذكروا لاتباعهم ان هذا الذي عملناه هو الواجب، وان ايقاعه في الشهور القمرية غير واجب فكان هذا انكارا منهم لحكم الله مع العلم به، وتمردا عن طاعته وذلك يوجب الكفر باجماع المسلمين، فثبت ان عمله في ذلك النسئ يوجب زيادة في الكفر (قال الرازي): واما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادات الحاصله بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات (قال): واما المفسرون فانهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجها آخر (1) فقالوا ان العرب كانت تحرم الشهور الاربعة، وكان ذلك شريعة ثابتة من زمن ابراهيم واسماعيل عليهما السلام، وكانت العرب اصحاب حروب وغارات فشق عليهم ان يمكثوا ثلاثة اشهر متوالية لا يغزون فيها، وقالوا: ان توالت ثلاثة اشهر حرم


(1) الوجهان وجيهان ولا منافات بينهما.

[147]

لا نصيب فيها شيئا لنهلكن، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم (قال): قال الواحدي واكثر العلماء على ان هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد، بل كان ذلك حاصلا في كل الشهور (قال الرازي) هذا هو الصحيح على ما قررناه (قال): واتفقوا انه عليه الصلاة والسلام لما أراد ان يحج حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الامر، فقال عليه السلام. الا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والارض السنة اثنا عشر شهرا. اراد ان الاشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، هذا كلام الرازي نقلناه على طوله لما فيه من الفوائد، ولا منافاة بينه وبين ما قاله غيره من المفسرين كما لا يخفى. (تنبيه) ان من احاط علما بما نقلناه عن العرب من ترتيب حسابهم في نسيئهم على السنة الشمسية دون القمرية يعلم الوجه في اتخاذ الائمة الشهور الرومية في حساب تلك السنين، ولا يعجب منهم كما عجب موسى جار الله إذ يقول: ذكر الوافي في الكتاب الخامس في ص 45 ان حساب الشهور كان عند الائمة روميا

[148]

(ثم قال): ما وجه اتخاذ الائمة حساب الروم وشهورهم وسنيهم، وحساب العرب وتاريخ الهجرة كان عربيا اه‍. ولعل هذا الرجل يراجع ما نقلناه عن الرازي ليعلم الوجه في ذلك. (المسألة الثامنة عشرة) تتعلق في حج النبي صلى الله عليه وآله قال المغرور موسى جار الله: حج النبي صلى الله عليه وآله بعد الهجرة حجة واحدة، ويقول الامام الباقر والامام الصادق قد حج النبي بمكة مع قومه حجات عشرين حجة، فهل كان يحضر في موسم الحج مع الناس ؟ (فأقول): من انت يا هذا لتنكر على سادة آل محمد أقوالهم، وتنتقد أفعالهم، ألا تربع على ضلعك، وتتأخر حيث اخرك القدر، ان الباقر والصادق اعرف الناس بهدي جدهما، واعلم الناس بسنته، والقول قولهم على رغم كل خارج عليهم، أو ناصب لهم كائنا من كان، سلمنا انه صلى الله عليه وآله ما حج بعد الهجرة الا حجة واحدة - هي حجة الوداع -

[149]

فمن اخبرك يا مسكين بانه لم يحج قبلها مع قومه، وهو في مكة لتنكر على الامامين قولهما بذلك، وما يدريك لعله حج وهو بمكة عشرين حجة أو اكثر، وقد كانت مدة اقامته فيها ثلاثا وخمسين سنة، وما احمق هذا الرجل إذ يقول: وهل كان يحضر في مواسم الحج مع الناس ؟ وكيف يحج مع قومه ولا يكون حاضرا معهم ؟ وما المانع من حضوره ؟ نعوذ بالله من الخرف. (المسألة التاسعة عشرة) تتعلق بموسم الحج في السنة التاسعة للهجرة قال هذا الرجل: حج أبو بكر وعلي امير المؤمنين مع الناس في السنة التاسعة (قال): وتقول كتب الشيعة ان حج التاسعة كان في ذي القعدة في دور النسئ وكيف يصح ذلك، والكتاب سماه بيوم الحج الاكبر. (فأقول): ليس هذا القول مختصا بكتب الشيعة، ومن ألم بكتب التفسير علم ذلك، فراجع منها تفسير قوله تعالى - في سورة التوبة - " ان عدة الشهور عند الله اثنا

[150]

عشر شهرا " يتضح لك الامر قال الزمخشري في تفسيرها من الكشاف - بعد ان ذكر خطبة النبي التي ابطل بها النسئ في حجة الوداع - ما هذا لفظه: وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة ابي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي القعدة وقال مجاهد (1) كان المشركون يحجون في كل شهر عامين فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، حتى وافقت الحجة التي قبل حجة الوداع في ذي القعدة، ثم حج النبي في العام القابل حجة الوداع فوافقت في ذي الحجة، فذلك حين قال النبي صلى الله عليه وآله وذكر في خطبته: ألا ان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والارض، السنة اثنا عشر شهرا منها اربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان " قال " اراد عليه السلام ان الاشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسئ. اه‍. اما تسمية الموسم من السنة التاسعة بالحج الاكبر فلا يدل


(1) كما في مجمع البيان

[151]

على وقوعه في ذي الحجة بأي معنى كان من المعاني التي ذكرها المفسرون للحج الاكبر، فحجة موسى جار الله داحضة، نعم قد يقال كيف يوقع امير المؤمنين وابو بكر الحج في غير ذي الحجة، والجواب: ان هذا نظير استقبالهم بيت المقدس اولا، ثم نسخ باستقبال القبلة. (المسألة العشرون) تتعلق بحفظ القرآن العظيم وقراءته قال عفا الله عنه: لم أر بين علماء الشيعة، ولا بين اولاد الشيعة لا في العراق، ولا في الايران من يحفظ القرآن، ولا من يقيمه بعض الاقامة بلسانه، ولا من يعرف وجوه القرآن اللغوية والادائية " قال " ما السبب في ذلك، إلى آخر ما شط به قلمه، فضل ضلالا مبينا. " والجواب " اني على بعد الدار عن العراق اعرف فيها امام القراء والحفاظ السيد حسين ابن السيد علي رضا الحسيني الهندي المدراسي المولود والمتوطن في مشهد الكاظميين عليهما السلام، فان له في حفظ القرآن وتجويد قراءته مكانة الامام

[152]

في ذلك، لا ينازعه فيها من الخاصة والعامة احد، ونعم القارئان اخواه المتخرجان في ذلك على يده السيد موسى والسيد كاظم، وحال شيعة العراق في حفظ القرآن وقراءته حال السنيين فيها لا يقلون عنهم، اما شيعة ايران فحالهم كحال السنيين من اهل البلاد الاعجمية (1) وعندنا في جبل عامل قراء وحفاظ لا يقلون عن قراء غيرنا ولا عن حفاظهم ولو شئنا لذكرنا منهم عدة وافرة، نعم لا يشق للمصريين - في هذا الشأن - غبار ولا يلحقهم فيه لاحق، فلهم السبق في هذه الفضيلة من حيث انهم مصريون، لا من حيث انهم سنيون، والا فالشيعة والسنة سيان في سائر البلدان، ولعل السر في عدم اشتهار الشيعة في هذه الفضيلة رأيهم في الحان الغناء فانها حرام عندهم مطلقا، بل هي في القرآن اشد حرمة منها في غيره، فيا حضرة الاخ موسى جار الله الفاضل، هذا هو السبب الوحيد لا ما ذكرتموه، هداكم الله إذ جعلتموه من آثار انتظار الشيعة مصحف علي الذي غاب بيد قائم آل محمد بغيبته، إلى آخر ارجافكم بالمؤمنين، وبهتكم اياهم بالقول بنقصان


1 - امثال موسى جار الله.

[153]

القرآن العظيم، وقد بينا لكم في المسألة الرابعة رأي الشيعة في القرآن الحكيم، ووفينا المقام حقه من كل النواحي (1) فلا حاجة بنا إلى الاعادة، " وما كان لنا ان نأتيكم بسلطان الا باذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون " (2). (خاتمة) ان أولي الالباب ليعلمون بالضرورة انقطاع الشيعة الامامية خلفا عن سلف في اصول الدين وفروعه إلى ائمة العترة الطاهرة، فرايهم تبعا لرأيهم في الفروع والاصول، وسائر ما يؤخذ من الكتاب والسنة أو يتعلق بهما من جميع العلوم (3) فكتبهم مستودع علوم آل محمد (4) وقد استخف بها موسى جار الله فقشها (5) بعيبه، ورماها بحجره " يريدون ان


(1) راجع من هذه الرسالة ص 34 وما بعدها إلى منتهى ص 44. (2) في سورة ابراهيم. (3) حسبك في ايضاح ذلك المراجعة 110 من مراجعاتنا (4) كما بيناه في المراجعة 14 والمراجعة 110 من مراجعاتنا (5) اي لطخها.

[154]

يطفئوا نور الله بافواههم ويأبى الله الا ان يتم نوره " ألا يربع هذا المسكين على هفواته، ألا يلهو بمساويه وفرطاته. وقد اخرج البخاري ومسلم عن ابي هريرة، قال: جاء ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فقال له: اجب ربك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: انك ارسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني ؟ قال: فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي، فقل: الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرة فانك تعيش بها سنة الحديث (1)


(1) اوردناه بلفظ مسلم وقد اخرجه - عن ابي هريرة بطرق كثيرة - في باب فضائل موسى من كتاب الفضائل من صحيحه صفحة 309 من جزئه الثاني، واخرجه البخاري في باب وفاة موسى من كتاب بدء الخلق بعد حديث الخضر بأقل من صفحتين من صحيحه فراجع صفحة 163 من جزئه الثاني، واخرجه ايضا في باب من احب الدفن في الارض المقدسة من ابواب الجنائز من صحيحه فراجع صفحة 158 من

[155]

وانت ترى ما فيه مما لا يجوز على الله تعالى، ولا على انبيائه، ولا على ملائكته، أيليق بالحق تبارك وتعالى ان يصطفي من عباده من يبطش على الغضب بطش الجبارين ؟ ويوقع بأسه في ملائكة الله المقربين ؟ ويعمل عمل المتمردين ؟ ويكره الموت كراهة الجاهلين ؟ وكيف يجوز ذلك على موسى وقد اختاره الله لرسالته ؟ وائتمنه على وحيه ؟ وآثره بمناجاته ؟ وجعله من سادة رسله ؟ وكيف يكره الموت هذا الكره مع شرف مقامه ؟ ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه وما ذنب ملك الموت عليه السلام ؟ وانما هو رسول الله إليه،


جزئه الاول، واخرجه احمد من حديث ابي هريرة في صفحة 315 من جزئه الثاني وفيه ان ملك الموت كان يأتي الناس عيانا قال فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه الحديث - واخرجه ابن جرير الطبري من حديث ابي هريرة ايضا وذلك حيث ذكر وفاة موسى في الجزء الاول من تاريخه ولفظه عنده ان ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى اتى موسى فلطمه ففقأ عينه وفي آخره ان ملك الموت جاء إلى الناس خفيا بعد موت موسى ! !.

[156]

وبما استحق الضرب والمثلة فيه بقلع عينه ؟ وما جاء الا عن الله، وما قال له سوى اجب ربك، ايجوز على أولي العزم من الرسل اهانة الكروبيين من الملائكة حين يبلغونهم رسالات الله وأوامره عزوجل ؟ تعالى الله وتعالت انبياؤه وملائكته عن ذلك علوا كبيرا، ونحن لم برئنا من اصحاب الرس، وفرعون موسى، وابي جهل، وامثالهم، ولعناهم بكرة واصيلا، أليس ذلك لانهم آذوا رسل الله حين جاؤوهم بأوامره ؟ فكيف نجوز مثل فعلهم على انبياء الله وصفوته من عباده ؟ حاشا لله. ان هذا لبهتان عظيم، ثم ان من المعلوم ان قوة البشر بأسرهم، بل قوة جميع الحيوانات منذ خلقها الله تعالى إلى يوم القيامة، لا تثبت امام قوة ملك الموت فكيف - والحال هذه - تمكن موسى عليه السلام من الوقيعة فيه ؟ وهلا دفعه الملك عن نفسه مع قدرته على ازهاق روحه وكونه مأمورا من الله تعالى بذلك ؟ ومتى كان للملك عين يجوز ان تفقأ ؟ ولا تنس تضييع حق الملك وذهاب عينه ولطمته هدرا إذ لم يؤمر الملك من الله بان يقتص من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها (ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف

[157]

بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص) ولم يعاتب الله موسى على فعله هذا، بل اكرمه إذ خيره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر الثور، وما ادري والله ما الحكمة في ذكر شعر الثور بالخصوص ؟ ! ! واخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابي هريرة ايضا: قال: كانت بنو اسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه السلام يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى ان يغتسل معنا الا انه آدر - اي ذو فتق - قال: فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه ! فجمع موسى بأثره يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، حتى نظر بنو اسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر بعد حتى نظر إليه فأخذ موسى ثوبه، فطفق بالحجر ضربا فوالله ان بالحجر ندبا (1) ستة أو سبعة الحديث (2) وفي الصحيحين عن ابي هريرة ان


(1) الندب بوزن جمل اثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد. (2) أوردناه بلفظ مسلم إذ اخرجه عن ابي هريرة بطرق كثيرة فراجع باب فضائل موسى صفحة 308 من الجزء الثاني

[158]

هذه الواقعة هي التي اشار الله إليها بقوله عز من قائل " يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها " اه‍. وانت ترى ما في هذا الحديث من المحال الممتنع عقلا، فانه لا يجوز تشهير كليم الله بإداء سوأته على رؤوس الاشهاد من قومه، لان ذلك ينقصه ويسقط من مقامه، ولا سيما إذا رأوه يشتد عاريا ينادي الحجر - وهو لا يسمع ولا يبصر -: ثوبي حجر، ثوبي حجر، ثم يقف عليه وهو عاري امام الناس فيضربه والناس تنظر إليه والى عورته ! وأي أثر لضرب الجماد ؟ ! وأي ذنب للحجر ؟ ! وهذه الحركة لو صحت فانما هي من فعل الله تعالى، فكيف يغضب منها كليم الله فيعاقب الحجر عليها ؟ ! أترى ابا هريرة كان يظن ان موسى يجهل كون الحركة ضد طبيعة الحجر ؟ وانه انما حركة الله عزوجل لامر


من صحيحه، واخرجه البخاري في الباب الذي هو بعد حديث الخضر من صحيحه صفحة 162 من جزئه الثاني، واخرجه الامام احمد من حديث ابي هريرة من طرق كثيرة فراجع ص 315 من الجزء الثاني من مسنده.

[159]

يريده. ثم ان هرب الحجر بثياب موسى عليه السلام لا يبيح له ابداء عورته، إذ كان في امكانه ان يبقى في مكانه حتى يؤتى بثيابه، أو بساتر آخر كما يفعله كل ذي وقار، أو احتشام إذا ابتلي بمثل هذه القصة. على ان هرب الحجر من المعجزات وخوارق العادات التي لا تكون الا في مقام التحدي، كمقام حنين الجذع، وانتقال الشجرة في مكة لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومن المعلوم ان مقام موسى عليه السلام حين كان يغتسل لم يكن مقام تحدي وتعجيز، ومحال عادة ان يقع فيه شئ من المعجزات كما هو مقرر في محله، ولا سيما إذا ترتب على هذه المعجزة فضيحة نبي بإبداء سوأته للملا من قومه على وجه يستخف به كل من رآه أو سمع به، واما براءته من الادرة فليست من الامور المهمة التي تبيح هتكه، وتقدم على تشهيره، وتصدر بسببها الآيات، على انه يمكن الحكم ببراءته منها باطلاع نسائه عليه واخبارهن عنه، ولو فرض ابتلاؤه بالادرة فاي بأس عليه بذلك ؟ وقد اصيب شعيب عليه السلام ببصره، وايوب عليه السلام بجسمه، وانبياء الله كافة تمرضوا وماتوا، ولا يجب انتفاء مثل هذه الامور عن انبياء الله ورسله

[160]

ومن ذا الذي قال: ان بني اسرائيل كانوا يظنون ان في موسى أدرة ؟ وهل نقل هذا عنهم الا في هذا الحديث - المحترم - ؟ واما الواقعة التي اشار الله إليها بقوله تعالى في سورة الاحزاب (يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) فالمروي عن علي وابن عباس انها قضية اتهامهم اياه بقتل هارون وهو الذي اختاره الجبائي، وقيل هي قضية المومسة التي اغراها قارون بقذف موسى عليه السلام بنفسها فانطقها الله بالحق، وقيل آذوه من حيث نسبوه إلى السحر والكذب والجنون بعد ما رأوا الآيات. والعجب من مسلم يذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل موسى من صحيحه ؟ وما أدري اي فضيلة بضرب ملائكة الله المقربين عند ارادتهم انفاذ ما امرهم الله به ؟ واي فضيلة بابداء السوأة للناظرين ؟ ان كليم الله ونجيه لاكبر من هذا، وحسبه ما صدع به الذكر الحكيم، والفرقان العظيم من خصائصه عليه السلام. واخرج الشيخان فيما جاء في السهو من صحيحهما، عن ابي هريرة ايضا قال: صلى النبي احدى صلاة العشي، واكثر

[161]

ظني العصر ركعتين، ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر فهابا ان يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة ؟ ورجل يدعوه النبي ذو اليدين (1) فقال: انسيت ام قصرت ؟ فقال لم انس ولم تقصر، قال: بلى قد نسيت فصلى ركعتين، ثم سلم ثم كبر فسجد الحديث (2) وفيه كيفية سجود السهو. وانت ترى ما فيه من الوجوه الحاكمة بامتناعه: احدها ان مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممن فرغ للصلاة شيئا من قلبه، أو أقبل عليها بشئ من لبه، وانما


(1) كذا في صحيح البخاري والصحيح ذا اليدين. (2) نقلناه بلفظ البخاري في باب من يكبر في سجدتي السهو، واخرجه ايضا في كل من البابين المذكورين قبله بلا فصل فراجع ابواب ما جاء في السهو صفحة 145 من الجزء الاول من صحيحه، واخرجه ايضا في مواضع اخر كثيرة يعرفها المتتبعون - اما مسلم فقد اخرجه في باب السهو من الصلاة والسجود له بطرق عديدة فراجع صفحة 215 من الجزء الاول من صحيحه.

[162]

يكون من الساهين عن صلاتهم، اللاهين عن مناجاتهم، وحاشا انبياء الله من احوال الغافلين، وتقدسوا عن اقوال الجاهلين، فان انبياء الله عزوجل، ولا سيما سيدهم وخاتمهم افضل مما يظنون، على انه لم يبلغنا مثل هذا السهو عن احد، ولا اظن وقوعه الا ممن يمثل حال القائل: اصلي فما ادري إذا ما ذكرتها * اثنتين صليت الضحى ام ثمانيا - واما وسيد النبيين، وتقلبه في الساجدين، ان مثل هذا السهو لو صدر مني لاستولى علي الحياء واخذني الخجل واستخف المؤتمون بي وبعبادتي، ومثل هذا لا يجوز على انبياء الله ابدا. الثاني ان الحديث قد اشتمل على ان النبي صلى الله عليه وآله قال: لم انس ولم تقصر، فكيف يمكن ان يكون قد نسي بعد هذا ؟ ولو فرضنا عدم وجوب عصمته عن مثل هذا السهو، فان عصمته عن المكابرة والتسرع بالاقوال المخالفة للواقع مما لا بد منه عند جميع المسلمين. الثالث ان ابا هريرة قد اضطرب في هذا الحديث وتعارضت اقواله، فتارة يقول: صلى بنا احدى صلاتي العشي، اما الظهر واما العصر - على سبيل الشك - واخرى يقول: صلى لنا

[163]

صلاة العصر - على سبيل القطع بانها العصر - وثالثة يقول: بينا انا اصلي مع رسول الله صلاة الظهر - على سبيل القطع بانها الظهر - وهذه الروايات كلها ثابتة في صحيحي البخاري ومسلم كليهما، وقد ارتبك فيها شارحو الصحيحين ارتباكا دعاهم إلى التعسف والتكلف، كما تكلفوا وتعسفوا في الرد على الزهري إذ جزم بان ذا اليدين وذا الشمالين واحد لا اثنان كما اوضحناه في كتابنا - تحفة المحدثين -. الرابع ان ما اشتمل هذا الحديث عليه من قيام النبي عن مصلاه ووضع يده على الخشبة، وخروج سرعان الناس من المسجد وقولهم أقصرت الصلاة، وقول ذو اليدين انسيت ام قصرت، وقول النبي: لم انس ولم تقصر، فقال له: بلى قد نسيت، وقول النبي لاصحابه: احق ما يقول ؟ قالوا: نعم وغير ذلك مما نقله أبو هريرة (1) لمما يمحو صورة الصلاة بتاتا،


(1) فان من جملة ما نقله في رواية اخرى انه (صلى الله عليه وآله) دخل الحجرة ثم خرج ورجع الناس، وفي رواية انه سألهم فقال احق ما يقول ذو اليدين ؟ قالوا: نعم، وكل هذه الروايات في الصحاح وغيرها فراجع.

[164]

والمعلوم من الشريعة المقدسة يقينا بطلان الصلاة بكل ماح لصورتها، فلا يمكن مع هذا بناؤه صلى الله عليه وآله على الركعتين الاوليتين لانه يناقض الحكم المقطوع بثبوته عنه صلى الله عليه وآله فتأمل. الخامس ذا اليدين المذكور في الحديث انما هو ذو الشمالين (1) ابن عبد عمرو حليف بني زهرة، وقد استشهد في بدر، نص على ذلك امام بني زهرة، واعرف الناس بحلفائهم محمد بن مسلم الزهري كما في الاستيعاب والاصابة وشروح الصحيحين كافة، وهو الذي صرح به الثوري في احدى الروايتين عنه، وابو حنيفة حين تركوا العمل بهذا الحديث، وافتوا بخلاف مفاده - كما في اواخر باب السهو والسجود له من شرح النووي لصحيح مسلم (2) - وحسبك ما رواه النسائي مما يدل على ان ذا اليدين وذا الشمالين واحد، واليك لفظه قال - كما في ص 267 من الجزء الثالث من ارشاد القسطلاني: فقال له ذو


(1) اسمه عمير ويقال عمرو كذا في الاصابة. (2) في صفحة 235 من الجزء الرابع من الشرح وهو مطبوع في هامش ارشاد القسطلاني وتحفة زكريا الانصاري.

[165]

الشمالين ابن عبد عمرو: أنقصت الصلاة ام نسيت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما يقول ذو اليدين، فصرح بان ذا الشمالين هو ذو اليدين، ومثله بل اصرح منه ما اخرجه احمد من حديث ابي هريرة في ص 271 من الجزء الثاني من مسنده، عن ابي سلمة بن عبد الرحمن، وابي بكر بن سليمان بن ابي خيثمة، كليهما عن ابي هريرة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر أو العصر فسلم في ركعتين، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو (قال) وكان حليفا لبني زهرة: اخففت الصلاة ام نسيت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما يقول ذو اليدين، قالوا: صدق. الحديث، واخرج أبو موسى من طريق جعفر المستغفري - كما في ترجمة عبد عمرو بن نضلة من الاصابة - بالاسناد إلى محمد ابن كثير عن الاوزاعي، عن الزهري، عن كل من سعيد بن المسيب، وابي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله، عن ابي هريرة، قال: سلم رسول الله صلى الله عليه وآله في الركعتين، فقام ابن عبد عمرو (1) بن نضلة رجل من خزاعة حليف لبني زهرة، فقال:


(1) كذا في الاصابة وقد عرفت انه قد قال ان اسم ذي الشمالين عبد عمرو.

[166]

اقصرت الصلاة ام نسيت ؟ الحديث، وفيه قول النبي صلى الله عليه وآله: اصدق ذو الشمالين، فهذه الاحاديث كلها صريحة في ان ذا اليدين المذكور في حديث ابي هريرة انما هو ذو الشمالين بن عبد عمرو حليف بني زهرة، ولا ريب في ان ذا الشمالين المذكور قتل يوم بدر، قبل ان يسلم أبو هريرة باكثر من خمس سنين، وان قاتله اسامة الجشمي، نص على ذلك ابن عبد البر، وسائر اهل الاخبار، فكيف يمكن ان يجتمع مع ابي هريرة في الصلاة خلف النبي يا أولي الالباب ؟ !. وقد اعتذر بعضهم بان الصحابي قد يروي ما لا يحضره بان يسمعه من النبي صلى الله عليه وآله أو من صحابي آخر، فموت ذي اليدين قبل اسلام ابي هريرة لا يمنع من روايته لهذا الحديث. وانت تعلم ان هذا الاعتذار غلط لان دعوى الحضور من ابي هريرة محفوظة من رواية ثقاتهم وحفاظهم، وحسبك ما اخرجه البخاري فيما جاء في السهو من صحيحه (1) عن آدم بن شعبة،


(1) راجع الباب الثالث من ابواب ما جاء في السهو وهو باب إذا سلم في ركعتين أو في ثلاث فسجد سجدتين مثل سجود الصلاة أو أطول ص 145 من جزئه الاول.

[167]

عن سعد بن ابراهيم، عن ابي سلمة، عن ابي هريرة، قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله الظهر أو العصر، وساق حديث ذي اليدين. واخرج مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه (1) عن محمد بن سيرين، قال: سمعت ابا هريرة يقول: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله احدى صلاتي العشي اما الظهر واما العصر وساق الحديث، وقد ارتبك الامام الطحاوي في هذه الاحاديث لبنائه على صحتها مع جزمه بما جزم به الامام الزهري من ان ذا اليدين انما هو ذو الشمالين حليف بني زهرة المستشهد في بدر قبل اسلام ابي هريرة باكثر من خمس سنين، فلا يمكن اجتماعهما في الصلاة ابدا، لذلك اضطر إلى التأويل فحمل - كما في ص 266 من الجزء الثالث من ارشاد الساري للقسطلاني - قول ابي هريرة في هذه الاحاديث صلى بنا على المجاز، وان المراد صلى بالمسلمين. والجواب: انه قد ثبت عن ابي هريرة النص الصريح بحضوره على وجه لا يقبل التأويل ابدا، وحسبك ما اخرجه مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه (2)


(1) ص 215 من جزئه الاول (2) ص 216 من جزئه الاول.

[168]

عن ابي هريرة، قال: بينا انا اصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الظهر سلم في الركعتين وساق الحديث، فهل يتأتى التجوز فيه، كلا بل " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ". وصلى الله على خاتم رسله، واهدى سبله محمد وآله الهداة الميامين وسلم تسليما كثيرا. تمت (والحمد لله) هذه الرسالة في مدينة صور من جبل مسلم في باب السهو في الصلاة والسجود له من صحيحه (2)


(1) ص 215 من جزئه الاول (2) ص 216 من جزئه الاول.

[168]

عن ابي هريرة، قال: بينا انا اصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة الظهر سلم في الركعتين وساق الحديث، فهل يتأتى التجوز فيه، كلا بل " الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله ". وصلى الله على خاتم رسله، واهدى سبله محمد وآله الهداة الميامين وسلم تسليما كثيرا. تمت (والحمد لله) هذه الرسالة في مدينة صور من جبل عامل سلخ ربيع الاول سنة 1354 بيد مؤلفها الاقل الاحقر عبد الحسين بن يوسف بن الجواد بن اسماعيل بن محمد بن محمد ابن ابراهيم (شرف الدين) بن زين العابدين بن علي نور الدين بن نور الدين علي بن الحسين آل ابي الحسن الموسوي (1) العاملي عامله الله بالفضل والحسنى وختم له ولموسى جار الله ولجميع المؤمنين والمؤمنات بما هو احمد في العقبى والله المسؤول ان يجمع كلمتنا على الهدى انه السميع لمن دعا تبارك الله ربنا وتعالى.


(1) نسبة إلى جده الامام موسى الكاظم على ما هو المصطلح عليه عند النسابين تمت التعليقة والحمد لله رب العالمين بيد مؤلفها الاقل الاحقر عبد الحسين شرف الدين الموسوي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه وكان الفراغ من وضعها عند الفراغ من طبعها سابع ذي القعدة سنة 1355 في مدينة صيدا ولله الحمد (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية