الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




خلاصة عبقات الأنوار - السيد حامد النقوي ج 8

خلاصة عبقات الأنوار

السيد حامد النقوي ج 8


[1]

عبقات الانوار في امامة الائمة الاطهار حديث الغدير - الدلالة (1) تأليف حجة التاريخ والبحث والتحقيق الامام السيد حامد حسين اللكهنوي 1246 - 1306

[2]

الكتاب: خلاصة عبقات الانوار في امامة الائمة الاطهار. المؤلف: علي الحسيني الميلاني. الطبعة: الاولى 1404 هجرية. المطبعة: سيد الشهداء (عليه السلام) - قم. الكمية: 2000 نسخة. الناشر: مؤسسة البعثة - قسم الدراسات الاسلامية. العنوان: طهران - شارع سمية (بنياد بعثت) تلفون (821119) (822244) (833374).

[3]

خلاصة عبقات الانوار في امامة الائمة الاطهار حديث الغدير - الدلالة (1) بقلم علي الحسيني الميلاني

[5]

عبقات الانوار " تحقيقات أنيقة، وتدقيقات رشيقة، واحتجاجات برهانية، والزامات نبوية، واستدلالات علوية، ونقوض رضوية، حتى عاد الباب من التحفة الاثنى عشرية خطابات شعرية، وعبارات هندية، تضحك منها البرية ". آية الله السيد حسن الصدر

[7]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين.

[9]

واذ فرغنا من ذكر نصوص عبارات طائفة من أئمة القوم وعلمائهم في اخراج حديث الغدير، وروايته بالالفاظ المتنوعة والاسانيد المختلفة، فلنشرع في تفنيد مناقشات (الدهلوى)، والرد على مزاعمه في الجواب عن دلالة هذا الحديث الشريف جملة جملة... وبالله التوفيق: قوله: " الاول: حديث غدير خم، الذي يذكرونه في كتبهم مع التبجح الكثير به، ويجعلونه نصا قطعيا على هذا المدعى ". اقول: انا نمر على هذا الكلام مر الكرام، ونكتفي بالقول بأن الامامية انما يعتمدون في وجه دلالة الحديث الشريف - بعد اثبات تواتره وقطعية صدوره - على كلمات أئمة العربية، وتصريحات أساطين اللغة والادب، ويستشهدون لذلك بالادلة والاثار المتقنة الثابتة، كما سيتضح كل ذلك بالتفصيل، بحيث تنقطع ألسنة الجاحدين وتستأصل شبهات المشككين، ونحن نقول الحمد لله رب العالمين.

[10]

قوله: " وحاصله: انه قد روى بريدة بن الحصيب الاسلمي.. ". اقول: لقد علم مما تقدم عدم انفراد (بريدة بن الحصيب الاسلمي) برواية حديث الغدير، بل رواه الجم الغفير والجمع الكثير، من صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتجاوز عددهم المائة بكثير. فجعل رواية هذا الحديث من حديث بريدة فقط - كما هو ظاهر العبارة - غريب جدا. كما علم مما تقدم أن لهذا الحديث الشريف الفاظا تشتمل على فوائد ومطالب جليلة، لها الاثر البالغ في دلالة الحديث وثبوت المرام، فاعراض (الدهلوي) عن نقل أحد تلك الالفاظ واقتصاره بهذا اللفظ غريب أيضا. قوله: " قالوا: ان (المولى) بمعنى (الاولى بالتصرف) والاولوية بالتصرف عين (الامامة) ". أقول: ان لمحققي الامامية بحوثا مطولة واستدلالات مفصلة في بيان وجه دلالة حديث الغدير على امامة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، فليت (الدهلوى)

[11]

ذكر عن أحدهم وجه الاستدلال، ثم أجاب عنه بزعمه، ولم يكتف بهذه الكلمة الوجيزة التى تقل عن السطر الواحد.. قوله: " ان أول ما في هذا الاستدلال هو: أن أهل العربية قاطبة ينكرون أن يكون (المولى) قد جاء بمعنى (الاولى).. ". أقول: أول ما في هذا الكلام أن (الدهلوي) يدعي انكار قاطبة أهل العربية مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)، وهذا كذب بحت، فان أهل العربية لم ينكروا ذلك أبدا، بل لم يثبت انكار واحد منهم، فكيف بانكار جميعهم ! ! ان هذا الذى ذكره (الدهلوى) كذب فاحش وشنيع جدا، وان كنت في ريب من ذلك فاليك البيان:

[13]

مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)

[15]

ان استعمال (المولى) بمعنى (الاولى) في الكتاب والسنة وأشعار العرب شائع، وقد صرح بذلك ونص عليه جمع كبير من أئمة اللغة والادب والتفسير، ونحن نذكر أسماء طائفة منهم، ثم نصوص كلماتهم، اتماما للحجة وافحاما للخصوم المكابرين، فمنهم: ذكر من نص على ذلك 1 - محمد بن السائب الكلبي. 2 - أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الانصاري اللغوى. 3 - أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري. 4 - أبو الحسن سعيد بن مسعدة الاخفش المجاشعي. 5 - أحمد بن يحيى بن سيار أبو العباس المعروف بثعلب. 6 - أبو العباس محمد بن يزيد الازدي البصري المعروف بالمبرد. 7 - أبو إسحاق ابراهيم بن محمد الزجاج. 8 - أبو بكر محمد بن القاسم المعروف بابن الانباري. 9 - محمد بن عزيز السجستاني العزيزي. 10 - أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني.

[16]

11 - أبو النصر اسماعيل بن حماد الفارابي الجوهري. 12 - أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي النيسابوري. 13 - أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي. 14 - أبو الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى الشنتمري. 15 - القاضي أبو عبد الله الحسين بن احمد الزوزني. 16 - أبو زكريا يحيى بن على بن محمد الشيباني التبريزي. 17 - الحسين بن مسعود الفراء البغوي. 18 - جار الله محمود بن عمر الزمخشري. 19 - أبو الفرج عبد الرحمن بن على المعروف بابن الجوزى. 20 - أحمد بن الحسن بن أحمد الزاهد الدرواجكي. 21 - نظام الدين حسن بن محمد القمي النيسابوري. 22 - أبو سالم محمد بن طلحة القرشي النصيبي. 23 - شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي. 24 - القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي. 25 - أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي المعروف بابن السمين. 26 - محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. 27 - جلال الدين أحمد الخجندى. 28 - عبد الله بن أحمد النسفي. 29 - عمر بن عبد الرحمن القزويني. 30 - الشيخ نور الدين علي بن محمد المعروف بابن الصباغ المالكي. 31 - جلال الدين محمد بن أحمد المحلي.

[17]

32 - الحسين بن علي الواعظ الكاشفى. 33 - أبو السعود بن محمد العمادي. 34 - سعيد الچلبي. 35 - الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجى. 36 - الشيخ سليمان جمل. 37 - الملاجار الله الاله آبادى. 38 - محب الدين الافندي. 39 - محمد بن اسماعيل بن صلاح الامير اليماني. 40 - عبد الرحيم بن عبد الكريم. 41 - رشيد النبي بن حبيب النبي. 42 - السيد مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجى.

[18]

{ 1 } محمد بن السائب الكلبى قال محمد بن يوسف أبو حيان * ترجم له الصلاح الصفدي بقوله: " محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، الشيخ الامام الحافظ العلامة، فريد العصر وشيخ الزمان، وامام النحاة، أثير الدين أبو حيان الغرناطي.. لم أر في أشياخي أكثر اشتغالا منه، لانى لم أره الا يسمع أو يشغل أو يكتب ولم أره على غير ذلك.. وهو ثبت فيما ينقله، محرر لما يقوله عارف باللغة ضابط لالفاظها، وأما النحو والتصريف فهو امام الدنيا فيهما، لم يذكر معه في أقطار الارض غيره في العربية، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس.. وله التصانيف التى سارت وطارت، وانتشرت وما انتثرت، وقرئت ودرست ونسخت وما نسخت، أخملت كتب الاقدمين وألهت المقيمين بمصره والقادمين، وقرأ الناس عليه وصاروا أئمة وأشياخا في حياته.. " (1) * بتفسير قوله تعالى [قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون] (2) قال ما نصه:


1) الوافى بالوفيات 5 / 267. 2) سورة التوبة: 51.

[19]

" هو مولانا. أي ناصرنا وحافظنا، قاله الجمهور. وقال الكلبى: أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة، وقيل: مالكنا وسيدنا، فلهذا يتصرف كيف شاء فيجب الرضا بما يصدر من جهته. وقال: ذلك بان الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم. فهو مولانا الذى يتولانا ويتولاهم " (1). وقد نقل القمولي أيضا عن الكلبي تفسير (المولى) ب‍ (الاولى)، كما سيجئ فيما بعد ان شاء الله تعالى. ترجمة الكلبى أثنى عليه الحافظ ابن عدي بقوله: " هو معروف بالتفسير وليس لاحد تفسير أطول ولا أشبع منه، وبعده مقاتل، الا أن الكلبي يفضل على مقاتل، لما قيل في مقاتل من المذاهب الردية، وحدث عن الكلبي: شعبة والثوري وهشيم والثقات، ورضوه في التفسير.. " (2). وقال الذهبي: " وللكلبي غير ما ذكرت أحاديث صالحة خاصة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لاحد تفسير أطول منه ولا أشبع، وبعده مقاتل بن سليمان الا أن الكلبي يفضل على مقاتل بن سليمان، لما قيل في مقاتل من المذاهب الردية، وحدث عن الكلبي: الثوري وشعبة وان كانا حدثا عنه بالشئ اليسير غير المسند، وحدث عنه: ابن عيينة وحماد بن سلمة وهشيم وغيرهم من ثقات الناس، ورضوه في التفسير " (3).


1) البحر المحيط 5 / 52. 2) تذهيب التهذيب للذهبي. ترجمة الكلبي. 3) حاشية الكاشف - مخطوط.

[20]

ترجمة ابن عدى والحافظ ابن عدي الذي أثنى على الكلبي من كبار الحفاظ الاثبات، ترجم له: 1 - السمعاني: " أبو أحمد عبد الله بن محمد الجرجاني، المعروف بابن القطان، الحافظ من أهل جرجان، كان حافظ عصره.. روى عنه: الحاكم أبو عبد الله الحافظ، وأبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، وأبو بكر أحمد بن الحسن الحيري وغيرهم.. وكان حافظا متقنا، لم يكن في زمانه مثله.. وكانت ولادته يوم السبت غرة ذى القعدة سنة 277، وهي السنة التي مات فيها أبو حاتم الرازي، وتوفي غرة جمادى الاخرة، سنة 365 بجرجان.. " (1). 2 - ياقوت الحموي: ".. أحد ائمة اصحاب الحديث والمكثرين منه، والجامعين له، والرحال فيه.. وكان مصنفا حافظا، ثقة على لحن كان فيه.. " (2). 3 - الذهبي: " ابن عدي الامام الحافظ الكبير.. كان احد الاعلام.. وهو المصنف في الكلام على الرجال، عارفا بالعلل، قال أبو القاسم ابن عساكر: كان ثقة على لحن فيه.. قال حمزة السهمي: كان حافظا متقنا، لم يكن في زمانه مثله.. قال الخليلي: كان عديم النظير حفظا وجلالة.. " (3). 4 - الاسنوى: " الحافظ أبو أحمد بن عدي بن محمد الجرجاني الامام المشهور " (4).


1) السمعاني - الجرجاني. 2) معجم البلدان 2 / 121. 3) تذكرة الحفاظ 2 / 940. وأنظر: العبر ودول الاسلام له حوادث 365. 4) طبقات الشافعية 2 / 206.

[21]

5 - تقى الدين ابن قاضى شهبة: " الحافظ الكبير، يعرف بابن القطان، احد الائمة الاعلام، وأركان الاسلام.. " (1). تراجم الرواة عن الكلبي لقد علم من عبارة الذهبي أن سفيان بن عيينة، وحماد بن سلمة، وهشيم وغيرهم من ثقات الناس حدثوا عن الكلبي ورضوه في التفسير، فنقول: ان هؤلاء الثلاثة من أكابر أساطين القوم، فأما (سفيان بن عيينة) فستأتي ترجمته ان شاء الله تعالى. ترجمة حماد بن سلمة وأما (حماد بن سلمة) فقد ترجم له ابن حجر العسقلاني بقوله: (حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة مولى تميم، ويقال: مولى قريش وقيل: غير ذلك.. قال أحمد: حماد بن سلمة اثبت في ثابت من معمر، وقال أيضا في الحمادين: ما منها الا ثقة.. وقال اسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة.. وقال الاصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللقاء، ادرك الناس، لم يتهم بلون من الالوان، ولم يلتبس بشئ، أحسن ملكة نفسه ولسانه ولم يطلقه على احد فسلم حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة فما رأيت احدا اشبه بمسالك الاول من حماد بن سلمة. وقال أبو عمر الحرمي: ما رأيت فقيها افصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وقال شهاب بن معمر البلخي: كان حماد بن


1) طبقات الشافعية - مخطوط.

[22]

سلمة يعد من الابدال، وعلامة الابدال أن لا يولد لهم. تزوج سبعين امرأة فلم يولد له، وقال عفان: قد رأيت من هو اعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت اشد مواظبة على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة.. مات سنة 167. زاد ابن حبان في ذي الحجة. استشهد به البخاري، وقيل: انه روى له حديثا واحدا عن أبي الوليد عنه عن ثابت. قلت: الحديث المذكور في مسند أبي بن كعب من رواية ثابت عن أنس عنه، ذكره المزي في الاطراف ولفظه: قال لنا أبو الوليد فذكره. وقد عرض ابن حبان بالبخارى لمجانبة حديث حماد بن سلمة حيث يقول: لم ينصف من عدل عن الاحتجاج به الى الاحتجاج بفليح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك لما ذكر ان مسلما أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم قال: وكذلك حماد بن سلمة امام كبير مدحه الائمة وأطنبوا، ولما تكلم بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة أدخل في حديثه ما ليس منه لم يخرج عنه البخاري معتمدا عليه، بل استشهد به في مواضع، ليبين أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم. ومسلم اعتمد عليه لانه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا [فيه] وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه واجماع أهل النقل على ثقته وامانته. انتهى... وقد حدث عنه من هو أكبر منه سنا، وله أحاديث كثيرة، وأصناف كثيرة ومشايخ، وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين. فقال الساجي: كان حافظا ثقة مأمونا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير

[23]

الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العجلي: ثقة رجل صالح حسن الحديث..) (1). ترجمة هشيم بن بشير وأما (هشيم بن بشير) فقد ترجم له الذهبي بقوله: (هشيم بن بشير بن القاسم ابن دينار، أبو معاوية بن أبي حازم السلمي الواسطي، نزيل بغداد، أحد الحفاظ الاعلام.. وقال حماد بن زيد: ما رأيت في المحدثين بأنبل من هشيم، وقال محمد بن عيسى بن الطباع: قال عبد الرحمن بن مهدي: كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري، كان يقوى من الحديث على شئ لم يكن يقوى عليه سفيان، وسمعت وكيعا يقول: نحوا عني هشيما وهاتوا من شئتم - يعني في المذاكرة. وقال ابن مهدي: هشيم في حصين أثبت من سفيان وشعبة، وقال علي بن حجر: هشيم وأبو بشر مثل أبي عيينة في الزهري. وقال عيينة بن سعيد عن ابن المبارك قال: من غير الدهر حفظه فلم يغير حفظ هشيم، وقال العجلي: هشيم ثقة يدلس، وسئل أبو حاتم عن هشيم ويزيد بن هارون فقال: هشيم أحفظ منه ومن أبي عوانة) (2). عود الى ترجمة الكلبي وقد أثنى أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي على الكلبي،


1) تهذيب التهذيب 3 / 11 - 16. 2) تذهيب التهذيب - مخطوط.

[24]

وجعله من أقران مجاهد والسدي حيث قال في ديباجة تفسيره: (وفرقة جردوا التفسير دون الاحكام وبيان الحلال والحرام، والحل عن العويصات المشكلات والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين والعلماء السابقين من التابعين وأتباعهم، مثل مجاهد، ومقاتل، والكلبي، والسدي، رضي الله عنهم أجمعين، ولكل من أهل الحق منهم غرض محمود وسعي مشكور) (1). وقال ابن جزلة: (قال الحسن بن عثمان القاضي: وجدت العلم بالعراق والحجاز ثلاثة: علم أبي حنيفة، وتفسير الكلبي، ومغازي محمد بن اسحاق) (2). وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن علي العامري: (قد خرجت هذا من التفاسير التي سمعتها من الائمة رحمهم الله، منها: ما سمعت من الاستاذ الامام أبي اسحاق ابراهيم بن محمد الاسفرايني رحمه الله، مثل تفسير مقاتل بن سليمان والحلبي والكلبي وغيرهما.. ولم أعتمد الا بما صح عندي بتواتر واستفاضة أو روي في الصحاح بغير طعن الطاعن، والله الموفق لذلك) (3). وقال ابن قتيبة: (الكلبي صاحب التفسير، وهو محمد بن السائب بن بشر الكلبي، ويكنى أبا النضر.. وكان نسابا عالما بالتفسير، وتوفي بالكوفة سنة 146) (4). وقال البغوي: (وما نقلت فيه من التفسير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر هذه الامة، ومن بعده من التابعين، أئمة السلف مثل: مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، رضي الله عنه، وقتادة، وأبي


1) الكشف والبيان - مخطوط. 2) مختصر تاريخ بغداد - مخطوط. 3) الناسخ والمنسوخ - مخطوط. 4) المعارف 535 - 536.

[25]

العالية، ومحمد بن كعب القرظي، وزيد بن أسلم، والكلبي، والضحاك، ومقاتل بن حبان، ومقاتل بن سليمان، والسدي وغيرهم فأكثره مما أخبرني الشيخ أبو سعيد أحمد بن محمد الشريحي المذكور..) (1). وقال صديق حسن القنوجي: (وجمعته جمعا حسنا، بعبارة سهلة، وألفاظ يسيرة، مع تعرض للترجيح بين التفاسير المتعارضة في مواضع كثيرة، وبيان المعنى العربي الاعرابي واللغوي، مع حرص على ايراد صفوة ما ثبت عن التفسير النبوي، وعن عظماء الصحابة وعلماء التابعين، ومن دونهم من سلف الامة وأئمتها المعتبرين، كابن عباس حبر هذه الامة ومن بعده من الائمة، مثل مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة وأبي العالية، والقرظي، والكلبي والضحاك، ومقاتل، والسدي وغيرهم، من علماء اللغة والنحو كالفراء، والزجاج وسيبويه، والمبرد والخليل، والنحاس) (2). وقال علي بن محمد البزودي: (ليس من اتهم بوجه ما يسقط به كل حديثه مثل الكلبي وأمثاله، ومثل سفيان الثوري وأصحابه، مع جلالة قدره وتقدمه في العلم والورع) (3). وقال علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري في شرح كلام البزودي المذكور ما نصه: (قوله: مثل الكلبي. هو أبو سعيد محمد بن السائب الكلبي صاحب التفسير، ويقال له أبو النضر أيضا، طعنوا فيه بأنه يروي تفسير آية عن النبي (صلى الله عليه وسلم) ويسمى زوائد الكلبي، وبأنه روى حديثا عند


1) معالم التنزيل 1 / 3 هامش تفسير الخازن. 2) فتح البيان في مقاصد القرآن 1 / 17. 3) اصول الفقه 3 / 72 بشرح عبد العزيز البخاري.

[26]

الحجاج، فسأل عمن يرويه فقال: عن الحسن بن علي رضى الله عنهما، فلما خرج قيل له: هل سمعت ذلك من الحسن ؟ فقال: لا ولكني رويت عن الحسن غيظا له. وذكر في الانساب: ان الثوري ومحمد بن اسحاق يرويان عنه ويقولان حدثنا أبو النضر حتى لا يعرف. قال: وكان الكلبي سبائيا من اصحاب عبد الله ابن سبأ، من أولئك الذين يقولون ان عليا لم يمت، وانه راجع الى الدنيا قبل قيام الساعة، ويملؤها عدلا كما ملئت جورا، وإذا رأوا سحابة قالوا أمير المؤمنين فيها، والرعد صوته والبرق سوطه، حتى تبرأ واحد منهم وقال: ومن قوم إذا ذكروا عليا * يصلون الصلاة على السحاب مات الكلبي سنة 146. وأمثاله. مثل عطاء بن السائب، والربيعة، وعبد الرحمن، وسعيد بن أبي عروبة وغيرهم، اختلطت عقولهم فلم يقبل رواياتهم التي بعد الاختلاط، وقبلت الروايات التي قبله. فان قيل: ما نقل عن الكلبي يوجب الطعن عاما، فينبغي أن لا يقبل رواياته جميعا. قلنا: انما يوجب ذلك إذا ثبت ما نقلوا عنه بطريق القطع، فأما إذا اتهم به فلا يثبت حكمه في غير موضع التهمة، وينبغي أن لا يثبت في موضع التهمة أيضا، الا أن ذلك يورث شبهة في الثبوت، وبالشبهة ترد الحجة، وينتفي ترجح الصدق في الخبر، فلذلك لم يثبت أو معناه. ليس كل من اتهم بوجه ساقط الحديث، مثل الكلبي، وعبد الله بن لهيعة والحسن بن عمارة، وسفيان الثوري وغيرهم، فانه قد طعن في كل واحد منهم بوجه، ولكن علو درجتهم في الدين، وتقدم رتبتهم في العلم والورع، منع

[27]

من قبول ذلك الطعن في حقهم ومن رد حديثهم به، إذ لو رد حديث أمثال هؤلاء بطعن كل واحد انقطع الرواية واندرس الاخبار، إذ لم يوجد بعد الانبياء (عليهم السلام) من لا يوجد فيه أدنى شئ مما يجرح الا من شاء الله تعالى، فلذلك لم يلتفت الى مثل هذا الطعن، فيحمل على أحسن الوجوه، وهو قصد الصيانة) (1). ترجمة عبد العزيز البخاري وعبد العزيز البخاري شارح البزودي وصاحب الكلام السابق في الدفاع عن الكلبي، من مشاهير الائمة الكبار، وقد أثنى عليه عبد القادر القرشي في (الجواهر المضية في طبقات الحنفية) ومحمود بن سليمان الكفوي في (كتائب أعلام الاخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار) والكاتب الجلبي في (كشف الظنون). { 2 } يحيى بن زياد الفراء وفسر يحيى بن زياد الفراء (المولى) ب‍ (الاولى) كما قال الفخر الرازي بتفسير قوله تعالى: (هي مولاكم وبئس المصير): (مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير. وفي لفظ المولى ههنا أقوال: أحدها - قال ابن عباس: مولاكم أي مصيركم. وتحقيقه: أن المولى موضع الولي وهو القرب، فالمعنى: ان النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه.


1) كشف الاسرار في شرح أصول الفقه 3 / 72.

[28]

والثاني - قال الكلبي: يعني أولى بكم. وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة..) (1). ترجمة الفراء 1 - ابن خلكان: (أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الاسلمي، المعروف بالفراء، الديلمي الكوفي، مولى بني اسد، وقيل مولى بني منقر. كان أبرع الكوفيين، وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الادب، حكى عن أبي العباس ثعلب أنه قال: لولا الفراء لما كانت العربية، لانه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية، لانها كانت تتنازع، ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم. فتذهب. وأخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي، وهو والاحمر المقدم ذكره من أشهر اصحابه وأخصهم به. ولما عزم الفراء على الاتصال بالمأمون كان يتردد الى الباب، فبينما هو ذات يوم على الباب، إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الاشرس النمري المعتزلي - وكان خصيصا بالمأمون - قال: فرأيت أبهة أديب، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا، وفاتشته عن النحو فوجدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم، وبالنجوم ماهرا، وبالطب خبيرا، وبأيام العرب وأشعارها حاذقا، فقلت: من تكون وما أظنك الا الفراء ؟ قال: أنا هو، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون، فأمر باحضاره لوقته وكان سبب اتصاله به.. وقال الخطيب في تاريخ بغداد: ان الفراء لما اتصل بالمأمون أمره أن يؤلف


1) التفسير الكبير 29 / 227.

[29]

ما يجمع به اصول النحو وما سمع من العربية.. وبعد أن فرغ من ذلك خرج الى الناس وابتدأ في كتاب المعاني، وقال الراوي: وأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لاملاء كتاب المعاني فلم نضبطهم، فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا، فلم يزل يمليه حتى أتمه.. وكان سبب املائه كتاب المعاني: أن أحد اصحابه - وهو عمر بن بكير كان يصحب الحسن بن سهل - المقدم ذكره - فكتب الى الفراء أن الامير الحسن لا يزال يسألني عن أشياء من القرآن لا يحضرني فيها جواب، فان رأيت أن تجمع لي اصولا، وتجعل في ذلك كتابا يرجع إليه فعلت. فلما قرأ الكتاب قال لاصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم في القرآن، وجعل لهم يوما، فلما حضروا خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذن فيه وكان من القراء، فقال له: اقرأ. فقرأ فاتحة الكتاب، ففسرها حتى مر في القرآن كله على ذلك، يقرأ الرجل والفراء يفسره، وكتابه هذا نحو ألف ورقة، وهو كتاب لم يعمل مثله، ولا يمكن لاحد أن يزيد عليه. وكان المأمون قد وكل الفراء يلقن ابنيه النحو، فلما كان يوما أراد الفراء أن ينهض الى بعض حوائجه، فابتدرا الى نعل الفراء يقدمانها له، فتنازعا أيهما يقدمانها له، فاصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردا فقدماها.. وقال الخطيب أيضا: كان الفقيه محمد بن الحسن ابن خالة الفراء، وكان الفراء يوما جالسا عنده فقال له الفراء: قل رجل أنعم النظر في باب من العلم فأراد غيره الاسهل عليه، فقال له محمد: يا أبا زكريا قد انعمت النظر في العربية، فأسألك عن باب من ابواب الفقه، فقال: هات على بركة الله تعالى، قال: ما تقول في رجل صلى فسهى فسجد سجدتين للسهو فسهى فيهما ؟ ففكر الفراء فيهما ساعة ثم قال: لا شئ عليه. فقال له محمد: ولم ؟ قال: لان التصغير عندنا لا تصغير

[30]

له، وانما السجدتان تمام الصلاة وليس للتمام تمام. فقال محمد: ما ظننت آدميا يلد مثلك.. وقال سلمة بن عاصم: اني لا عجب من الفراء كيف كان يعظم الكسائي وهو اعلم بالنحو منه. ومولد الفراء بالكوفة.. وتوفي الفراء سنة سبع ومائتين في طريق مكة، وعمره ثلاثة وستون سنة، رحمه الله تعالى..) (1). 2 - اليافعي: (وفيها الامام البارع النحوي، يحيى بن زياد الفراء الكوفي، اجل اصحاب الكسائي، كان رأسا في النحو واللغة، ابرع الكوفيين وأعلمهم بفنون الادب، على ما ذكر بعض المؤرخين، وحكي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: لولا الفراء..) (2). 3 - الذهبي: (الفراء أخباري علامة نحوي، كان رأسا في قوة الحفظ. أملى تصانيفه كلها حفظا، مات بطريق مكة سنة 207. عن ثلاث وستين سنة. اسمه يحيى بن زياد) (3). 4 - الذهبي أيضا: (.. وهو اجل اصحاب الكسائي، وكان رأسا في النحو واللغة) (4). 5 - ابن الوردى: (. ابرع الكوفيين نحوا ولغة وأدبا، وله كتاب الحدود وكتاب المعاني، وكتابان في المشكل، وكتاب النهي، وغير ذلك. توفى بطريق مكة، وعمره نحو ثلاث وستين. كان يفري الكلام فلقب بذلك) (5).


1) وفيات الاعيان 5 / 225 - 230. 2) مرآة الجنان حوادث 207. 3) تذكرة الحفاظ 1 / 372. 4) العبر حوادث 207. 5) تتمة المختصر حوادث 207.

[31]

{ 3 } أبو زيد اللغوى وأما تصريح أبي زيد سعيد بن أوس الانصاري اللغوي بورود (المولى) بمعنى (الاولى)، فقد اعترف به (الدهلوى) نفسه في كلامه، كما جاء في كلام غلام محمد بن محيى الدين بن عمر الاسلمي في ترجمة (التحفة الاثنا عشرية) حيث قال في الجواب عن حديث الغدير: (ولا يخفى ان أول الغلط في هذا الاستدلال هو انكار أهل العربية قاطبة ثبوت ورود المولى بمعنى الاولى، بل قالوا لم يجئ قط المفعل بمعنى أفعل في موضع ومادة أصلا، فضلا عن هذه المادة بالخصوص، الا أن أبا زيد اللغوي جوز هذا متمسكا بقول أبي عبيدة في تفسير هي مولاكم. أي أولى بكم) (1). وستأتي ترجمة أبي زيد اللغوي في الكتاب ان شاء الله تعالى. { 4 } أبو عبيدة وأما تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى البصري (المولى) ب‍ (الاولى) فقد نص عليه الفخر الرازي في (نهاية العقول) أيضا كما سيأتي قريبا، وفي (التفسير) كما عرفت من عبارته الماضية، وكذا ذكره ابن الجوزي في (زاد المسير)، واعترف به (الدهلوي) كذلك، وصرح به الاسلمي المذكور في (الترجمة العبقرية).


1) الترجمة العبقرية للتحفة الاثنا عشرية.

[32]

ترجمة أبي عبيدة 1 - الذهبي: (أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري، اللغوي الحافظ، صاحب التصانيف، روى عن: هشام بن عروبة وأبي عمرو بن شيبة. وعنه: أبو عثمان المازني وأبو العيناء وخلق. قال الحافظ: لم يكن في الارض خارجي ولا جماعي عالم بجميع العلوم من أبي عبيدة. وذكره ابن المبارك فصحح رواياته. مات أبو عبيدة سنة عشر ومائتين، وقيل سنة تسع) (1). 2 - الذهبي ايضا: (أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي البصري اللغوي، العلامة الاخباري صاحب التصانيف، روى عن: هشام بن عروة وأبي عمر بن العلا وكان أحد أوعية العلم. وقيل توفي سنة احدى عشرة) (2). 3 - وذكر ابن الاثير في خطبة كتابه (النهاية) القول بأن أبا عبيدة أول من ألف في فن غريب الحديث بعد اختلاط الالسن وتداخل اللغات، حيث قال: (فلما أعضل الداء وعز الدواء ألهم الله جماعة من أولى المعارف والنهى وذوى البصائر والحجى، أن صرفوا الى هذا الشأن طرفا من عنايتهم، وجانبا من رعايتهم، فشرعوا فيه للناس موارد، ومهدوا فيه لهم معاهد، حراسة لهذا العلم الشريف من الضياع، وحفظا لهذا المهم العزيز من الاختلال، فقيل: ان أول من جمع في هذا الفن شيئا وألفه أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي،


1) تذكرة الحفاظ 1 / 371. 2) العبر حوادث 210.

[33]

فجمع من ألفاظ غريب الحديث والاثر كتابا..) (1). 4 - وقال السيوطي نقلا عن أبي الطيب اللغوي بعد ذكر الخليل: (وكان في هذا العصر ثلاثة هم أئمة الناس في اللغة والشعر وعلوم العرب، لم ير قبلهم ولا بعدهم مثلهم، عنهم أخذ جل ما في أيدي الناس من هذا العلم بل كله، وهم أبو زيد وأبو عبيدة والاصمعي، وكلهم أخذوا عن أبي عمرو اللغة والنحو والشعر، ورووا عنه القراءة. ثم أخذوا بعد أبي عمرو عن عيسى بن عمرو أبي الخطاب الاخفش ويونس بن حبيب وعن جماعة من ثقات الاعراب وعلمائهم.. وكان أبو زيد أحفظ الناس للغة بعد أبي مالك وأوسعهم رواية وأكثرهم أخذا عن البادية، وقال ابن منادر، كان الاصمعي يجيب في ثلث اللغة، وكان أبو عبيدة يجيب في نصفها، وكان أبو زيد يجيب في ثلثيها.. وأبو زيد من الانصار، وهو من رواة الحديث ثقة عندهم مأمون، وكذلك حاله في اللغة، وقد أخذ عنه اللغة أكابر الناس منهم سيبويه وحسبك، قال أبو حاتم عن أبي زيد: كان سيبويه يأتي مجلسي وله ذؤابتان قال: فإذا سمعته يقول: وحدثني من أثق بعربيته فانما يريدني. وكبر سن أبي زيد حتى اختل حفظه ولم يختل عقله، ومن جلالة أبي زيد في اللغة ما حدثنا به جعفر بن محمد حدثنا محمد بن الحسن الازدي عن أبي حاتم عن أبي زيد قال: كتب رجل من أهل رامهرمز الى الخليل يسأله كيف يقال ما أوقفك ههنا ومن أوقفك ؟ فكتب إليه هما واحد. قال أبو زيد: ثم لقيني الخليل فقال لي في ذلك فقلت له: انما يقال من وقفك وما أوقفك. قال: فرجع الى قولي.


1) النهاية في غريب الحديث - خطبة الكتاب.

[34]

وأما أبو عبيدة فانه كان أعلم الثلاثة بأيام العرب وأخبارهم وأجمعهم لعلومهم، وكان أكمل القوم، قال عمر بن شيبة: كان أبو عبيدة يقول: ما التقى فرسان في جاهلية ولا اسلام الا عرفتهما وعرفت فارسيهما، وهو أول من ألف في غريب الحديث..). وقال السيوطي نقلا عن أبي الطيب: (أخبرنا جعفر بن محمد أخبرنا ابراهيم بن حميد قال قال أبو حاتم: إذا فسرت حروف القرآن المختلف فيها وحكيت عن العرب شيئا فانما أحكيه عن الثقات منهم، مثل أبي زيد والاصمعي وأبي عبيدة ويونس، وثقات من فصحاء الاعراب وحملة العلم..) (1). { 5 } أبو الحسن الاخفش وممن نص على مجئ (المولى) بمعنى (الاولى): أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي المعروف بالاخفش.. قال الفخر الرازي: (ان أبا عبيدة وان قال في قوله تعالى: مأواكم النار هي مولاكم معناه: هي أولى بكم. وذكر هذا أيضا الاخفش والزجاج وعلي بن عيسى واستشهدوا ببيت لبيد..) (2). ترجمة الاخفش 1 - ابن خلكان: (أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء النحوي البلخي المعروف بالاخفش الاوسط. أحد نحاة البصرة.. من أئمة


1) المزهر في اللغة 2 / 249. 2) نهاية العقول في الكلام في دراية الاصول - مخطوط.

[35]

العربية، وأخذ النحو عن سيبويه وكان أكبر منه، وكان يقول: ما وضع سيبويه في كتابه شيئا الا وعرضه علي وكان يرى انه أعلم به مني وأنا اليوم أعلم به منه.. وكانت وفاته سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل سنة احدى وعشرين ومائتين رحمه الله تعالى..) (1). 2 - اليافعي: (وفيها الاخفش الاوسط امام العربية..) (2). 3 - السيوطي: (.. قال المبرد: أحفظ من أخذ عن سيبويه الاخفش ثم الناشي ثم قطرب. قال: وكان الاخفش أعلم الناس بالكلام وأحذقهم بالجدل..) (3). { 6 } أبو العباس ثعلب وأما تفسير أبي العباس ثعلب أحمد بن يحيى الشيباني البغدادي (المولى) ب‍ (الاولى) فقد ذكره الحسين بن أحمد الزوزني في شرح المعلقات السبع حيث قال: (فغدت كلا الفرجين تحسب انه * مولى المخافة خلفها وأمامها الفرج موضع المخافة، والفرج ما بين قوائم الدواب، فما بين اليدين فرج وما بين الرجلين فرج والجمع فروج.


1) وفيات الاعيان 2 / 122. 2) مرآة الجنان حوادث 215. 3) بغية الوعاة 1 / 590.

[36]

وقال ثعلب: ان المولى في هذا البيت بمعنى الاولى بالشئ كقوله تعالى مأواكم النار هي مولاكم. أي هي الاولى بكم..) (1). مصادر ترجمة ثعلب ولقد ترجم لابي العباس ثعلب بكل ثناء وتبجيل في المصادر التالية: 1 - وفيات الاعيان 1 / 84 - 87. 2 - تهذيب الاسماء واللغات للنووي. 3 - مرآة الجنان حوادث سنة 291. 4 - العبر في خبر من غبر حوادث سنة 291. 5 - تتمة المختصر في أخبار البشر حوادث سنة 291. وقد أوردنا في الكتاب سابقا ترجمته عن هذه الكتب. وقال الذهبي بترجمته في (تذكرة الحفاظ): (ثعلب - العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية.. حدث عنه نفطويه ومحمد بن العباس اليزيدي وعلي الاخفش ومحمد بن الاعرابي وأحمد بن كامل وأبو عمرو الزاهد ومحمد بن مقسم وآخرون. مولده سنة 200. وابتدأ بالطلب سنة ست عشرة حتى برع في علم الادب، ولو سمع إذ ذاك لسمع من عفان ودونه. وانما أخرجته في هذا الكتاب لانه قال: سمعت من القواريري مائة ألف حديث. وقال الخطيب: كان ثعلب ثقة حجة دينا صالحا مشهورا بالحفظ.. قال المبرد: أعلم الكوفيين ثعلب. فذكر له الفراء فقال: لا يعشره..) (2).


1) شرح المعلقات للزوزنى: 91. 2) تذكرة الحفاظ 2 / 666.

[37]

{ 7 } أبو العباس المبرد وأما حكم أبي العباس محمد بن يزيد المبرد بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد ذكره علم الهدى السيد المرتضى رضي الله عنه حيث قال: (قال أبو العباس بالمبرد في كتابه المترجم عن صفات الله تعالى: أصل ياولي أولى الذي هو أولى وأحق، ومثله المولى) (1). مصادر ترجمة المبرد وللمبرد ترجمة في كثير من كتب التاريخ والسير والادب مع المدح العظيم والثناء الجميل، وقد أشرنا سابقا الى ترجمته في عدة من المصادر، مثل: 1 - وفيات الاعيان 4 / 314. 2 - العبر في خبر من غبر، حوادث: 285. 3 - تاريخ بغداد 3 / 380 - 387. 4 - مرآة الجنان حوادث: 285. 5 - بغية الوعاة 1 / 269. 6 - المنتظم في تاريخ الامم 7 / 9 - 11. وقد نص جلال الدين السيوطي على وثاقته حيث قال: (وكان فصيحا بليغا مفوها ثقة أخباريا علامة صاحب نوادر وظرافة) (2).


1) الشافي في الامامة: 123. 2) بغية الوعاة 1 / 269.

[38]

ترجمة الشريف المرتضى وأما السيد المرتضى الذي نقل عن المبرد كلامه المذكور فمن كبار علمائنا الذين أطراهم علماء أهل السنة وأثنوا عليهم الثناء البالغ، وذكروا فضائلهم وأوصافهم الحميدة في معاجم الرجال ومصادر التراجم،.. وقد تقدم سابقا في الكتاب طرف من كلماتهم في حقه فراجع. { 8 } أبو إسحاق الزجاج وأما حكم أبي اسحاق ابراهيم بن محمد بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فهو صريح كلام الفخر الرازي في (نهاية العقول) وقد نقلناه آنفا. ترجمة الزجاج 1 - السمعاني: (والمشهور بهذه النسبة أبو إسحاق ابراهيم بن السري بن سهل النحوي الزجاج، صاحب كتاب معاني القرآن. كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، حميد المذهب، وله مصنفات حسان في الادب..) (1). 2 - النووي: (أبو إسحاق الزجاج الامام في العربية، مذكور في الروضة في الشرط في الطلاق، فيمن علق طلاقها بأول ولد، هو أبو إسحاق [ابراهيم] بن السري بن سهل البصري النحوي، صاحب كتاب معاني القرآن


1) الانساب - الزجاج.

[39]

قال الخطيب في تاريخ بغداد. كان أبو إسحاق الزجاج هذا من أهل الفضل والدين حسن الاعتقاد وحسن المذهب، له مصنفات حسان في الادب. روى عنه علي بن عبد الله بن المغيرة وغيره.. وتوفي الزجاج يوم الجمعة لاحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الاخرة سنة 311) (1). 3 - ابن خلكان: (كان من أهل العلم بالادب والدين) (2). 4 - اليافعي: (.. كان من أهل العلم بالادب والدين المتين، وله من التصانيف في معاني القرآن وعلوم الادب والعربية..) (3). { 9 } ابن الانباري وأما تصريح محمد بن القاسم الانباري بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد نقله السيد المرتضى حيث قال: (وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري في كتابه في القرآن المعروف بالمشكل: والموالي في اللغة ينقسم الى ثمانية أقسام، أولهن المولى المنعم المعتق، ثم المنعم عليه المعتق، والمولى الولي والمولى الاولى بالشئ، وذكر شاهدا عليه الاية التي قدمنا ذكرها، وبيت لبيد والمولى الجار، والمولى ابن العم، والمولى الصهر، والمولى الحليف، واستشهد على كل واحد من أقسام مولى بشئ من الشعر، لم نذكره لان غرضنا سواه) (4).


1) تهذيب الاسماء واللغات 2 / 170. 2) وفيات الاعيان 1 / 31 - 33. 3) مرآة الجنان، حوادث 310. 4) الشافي في الامامة: 134.

[40]

ترجمة ابن الانباري 1 - السمعاني: " أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن ابن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة الانباري النحوي، صاحب التصانيف، كان من أعلم الناس بالنحو الادب، أكثرهم حفظا.. روى عنه أبو الحسن الدارقطني، أبو عمر ابن حيويه الخزاز، وأبو الحسين بن البواب وطبقتهم. وكان صدوقا فاضلا دينا برا خيرا من أهل السنة، وصنف كتبا كثيرة في علم القرآن وغريب الحديث والمشكل والوقف والابتداء والرد على من خالف مصحف العامة، وكان يملي وأبوه حي، يملي هو في ناحية من المسجد وأبوه في ناحية اخرى، وكان يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهد في القرآن، وكان يملي من حفظه، وما كتب عنه الاملاء قط الا من حفظه. وكانت ولادته في رجب سنة 271. وتوفى ليلة النحر من ذي الجحة سنة 328 " (1). 2 - ابن الاثير: " ثم صنف الناس غير من ذكرنا في هذا الفن تصانيف كثيرة منهم: شمس بن حمدويه، وأبو العباس أحمد بن يحيى اللغوي المعروف بثعلب، وأبو العباس محمد بن يزيد الثمالي المعروف بالمبرد، وأبو بكر محمد بن القاسم الانباري، وأحمد بن الحسن الكندي، وأبو عمر ومحمد بن عبد الواحد الزاهد صاحب ثعلب وغيرهم. هؤلاء من أئمة اللغة والنحو والفقه والحديث.. " (2). 3 - ابن خلكان: ".. كان علامة وقته في الادب، وأكثر الناس حفظا


1) الانساب - الانباري. 2) النهاية في غريب الحديث - خطبة الكتاب.

[41]

لها، كان صدوقا ثقة دينا خيرا من أهل السنة.. " (1). 4 - الذهبي: " ابن الانباري الحافظ شيخ الاسلام.. كان من أفراد الدهر في سعة الحفظ مع الصدق والدين. قال الخطيب: كان صدوقا دينا من أهل السنة.. " (2). 5 - الصفدى: " محمد بن القاسم بن محمد بن بشار أبو بكر ابن الانباري النحوي اللغوي العلامة.. كان اماما في نحو الكوفيين، وأملى كتاب غريب الحديث في خمسة وأربعين ورقة.. " (3). 6 - ابن الجزرى: ".. الامام الكبير والاستاذ الشهير.. قال أبو علي القالي: كان ابن الانباري يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن، وكان ثقة صدوقا، وكان أحفظ من تقدم من الكوفيين. وقال حمزة بن محمد بن ماهر: كان زاهدا متواضعا. وقال الداني فيه: امام في صناعته مع براعة فهمه وسعة علمه وصدق لهجته وقال أبو علي التنوخي: كان ابن الانباري يملي من حفظه، ما أملى قط من دفتر.. قال محمد بن جعفر التميمي: ما رأينا أحفظ من ابن الانباري ولا أغزر من علمه، حدثوني عنه أنه قال: أحفظ ثلاثة عشر صندوقا. قال التميمي: وهذا ما لا يحفظ لاحد قبله. وحدثت عنه أنه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها.. " (4). 7 - السيوطي: ".. قال الزبيدي: كان من أعظم الناس علما بالنحو


1) وفيات الاعيان 3 / 363. 2) تذكرة الحفاظ 3 / 842. 3) الوافى بالوفيات 4 / 344. 4) طبقات القراء 2 / 230.

[42]

والادب، وأكثرهم حفظا، سمع من ثعلب وخلق، وكان صدوقا فاضلا دينا خيرا من أهل السنة.. " (1). { 10 } محمد بن عزيز السجستاني وأما تصريح محمد بن عزيز السجستاني العزيزي بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد جاء في تفسيره المسمى (نزهة القلوب) حيث قال: (مولانا. أي: ولينا. والمولى على ثمانية أوجه: المعتق والمعتق والولي والاولى بالشئ وابن العم والصهر والجار والحليف). نزهة القلوب وهذا التفسير أوله: (الحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد وآله وسلم تسليما، هذا تفسير غريب القرآن ألف على حروف المعجم ليقرب تناوله ويسهل حفظه على من أراده. وبالله التوفيق والعون). ذكره القاضي الشوكاني بقوله: (تفسير السجستاني المسمي نزهة القلوب أرويه بالاسناد السابق الى الشماخي أيضا عن أحمد بن عباس السامري عن محمد بن علي المؤذن عن عبد الله بن محمد بن دحمان عن محمد بن أحمد المعروف بابن الخطاب عن أبي الحسن عبد الباقي بن فارس المقري عن عبد الله ابن الحسين بن حسنون المقري عن المؤلف) (2).


1) بغية الوعاة 1 / 212. 2) اتحاف الاكابر باسناد الدفاتر: 25.

[43]

ترجمة العزيزي السجستاني 1 - السيوطي: (محمد بن عزيز أبو بكر العزيزي السجستاني بزائين معجمتين كما ذكره الدارقطني وابن ماكولا وغيرهما. وقيل: الثانية مهملة نسبة لبني عزرة، ورد بأن القياس فيه العزري لا العزيري. كان أديبا فاضلا متواضعا، أخذ عن أبي بكر الانباري، وصنف غريب القرآن المشهور فجوده، ويقال: انه صنفه في خمس عشرة سنة، وكان يقرؤه على شيخه الانباري يصلح فيه مواضع، رواه عنه ابن سحنون وغيره. مات سنة 303. وقال ابن النجار في ترجمته: كان عبدا صالحا، روى عنه غريب القرآن أبو عبد الله عبيدالله بن محمد بن محمد بن حمدان المعروف بابن بطة العكبري وأبو عمرو عثمان بن أحمد بن سمعان الوزان، وأبو أحمد عبد الله بن حسنون المقري وغيرهم. قال: والصحيح في اسم أبيه عزير آخره راء. هكذا رأيته بخط ابن ناصر الحافظ، وذكر انه شاهده بخط يده وبخط غير واحد من الذين كتبوا كتابه عنه وكانوا متقنين. وذكر لي شيخنا أبو محمد الاخضر أنه رأي نسخة بغريب القرآن بخط مصنفه وفي آخرها: كتبه محمد بن عزير بالراء المهملة) (1). 2 - السيوطي أيضا: (النوع السادس والثلاثون في معرفة غريبه، أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون منهم: أبو عبيدة وأبو عمرو الزاهد وابن دريد. ومن أشهرها: كتاب العزيزي فقد أقام في تأليفه خمس عشرة سنة يحرره هو وشيخه


1) بغية الوعاة 1 / 171.

[44]

أبو بكر ابن الانباري) (1). 3 - السمعاني: (وكتاب غريب القرآن للعزيري، وهو: محمد بن عزير السجستاني المعروف بالعزيري لانه من بني عزرة. هكذا ذكره القاضي أبو الفرج محمد بن عبيدالله بن أبي البقاء القاضي، وروى الكتاب عن أبي موسى الاندلسي عن أبي الفتح بن أبي الفارس الحافظ عن أبي عمرو عثمان بن أحمد ابن سمعان الرزاز عن محمد بن عزير العزيري. ومن قال بالزائين فقد أخطأ) (2). { 11 } على بن عيسى الرماني وأما تفسير علي بن عيسى الرماني (المولى) ب‍ (الاولى) فقد علمته من كلام الفخر الرازي المتقدم سابقا. ترجمة الرماني 1 - السمعاني: (أبو الحسن علي بن عيسى بن علي بن عبد الله الرماني، النحوي المتكلم صاحب التصانيف، يروي عن أبي بكر بن دريد وأبي بكر السراج وغيرهما، روى عنه أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري، وكان من أهل المعرفة، متقنا في علوم كثيرة، من الفقه والقرآن والنحو واللغة والكلام على مذهب المعتزلة، وكانت ولادته في سنة 296. ووفاته في جمادى الاولى سنة


1) الاتقان في علوم القرآن 1 / 115. 2) الانساب.

[45]

384) (1). 2 - ابن خلكان: (.. النحوي المتكلم، أحد الائمة المشاهير، جمع بين علم الكلام والعربية، وله تفسير القرآن الكريم..) (2). 3 - الذهبي: (والرماني شيخ العربية، أبو الحسن علي بن عيسى النحوي ببغداد، وله ثمان وثمانون سنة، له قريب من مائة مصنف، أخذ عن ابن دريد وأبي بكر ابن السراج، وكان متقنا في علوم كثيرة، من القرآن والفقه والنحو والكلام على مذهب المعتزلة والتفسير واللغة) (3). 4 - السيوطي: (.. كان اماما في العربية، علامة في الادب.. قال أبو حيان التوحيدي: لم ير مثله قط علما بالنحو، وغزارة بالكلام، وبصرا بالمقالات واستخراجا للعويص، وايضاحا للمشكل، مع تأله وتنزه ودين وفصاحة وعفافة ونظافة..) (4). { 12 } الجوهرى وأما تفسير أبي نصر اسماعيل بن حماد الجوهري (المولى) ب‍ (الاولى) فقد جاء في كتابه (صحاح اللغة) [الذي نص في خطبته على أنه قد أودع في هذا الكتاب ما صح عنده من اللغة العربية] حيث قال:


1) الانساب - الرماني. 2) وفيات الاعيان 2 / 461. 3) العبر - حوادث 384. 4) بغية الوعاة 2 / 180.

[46]

وأما قول لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب انه * مولى المخافة خلفها وامامها يريد: أنه أولى موضع أن يكون فيه الخوف) (1). ترجمة الجوهري 1 - أبو منصور الثعالبي: (كان الجوهري من أعاجيب الزمان، وهو امام في اللغة، وله كتاب الصحاح..) (2). 2 - الذهبي: (والجوهري صاحب الصحاح، أبو نصر اسماعيل بن حماد التركي اللغوي، احد أئمة اللسان، وكان في جودة الخط في طبقة ابن مقلة ومهلهل، اكثر الترحال، ثم سكن بنيسابور..) (3). 3 - السيوطي: (اسماعيل بن حماد الجوهرى صاحب الصحاح، الامام أبو نصر الفارابى. قال ياقوت: كان من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما، وأصله من فاراب من بلاد الترك وكان اماما في الادب واللغة، وخطة يضرب به المثل لا يكاد يفرق بينه وبين خط ابن مقلة، وهو مع ذلك من فرسان الكلام والاصول.. وصنف كتابا في العروض ومقدمة في النحو، والصحاح في اللغة وهو الكتاب الذي بأيدي الناس اليوم وعليه اعتمادهم، احسن تصنيفه وجود تأليفه..) (4). 4 - السيوطي أيضا بعد أن ذكر كتاب المحكم والمحيط الاعظم لابن


1) صحاح اللغة وتاج العربية: ولى. 2) يتيمة الدهر للثعالبي. 3) العبر حوادث سنة 398. 4) بغية الوعاة 1 / 446.

[47]

سيدة، وكتاب العباب للصغاني، وكتاب القاموس: (ولم يصل واحد من هذه الثلاثة في كثرة التداول الى ما وصل إليه الصحاح ولا نقصت رتبة الصحاح ولا شهرته بوجود هذه، وذلك لالتزامه ما صح، فهو في كتب اللغة نظير صحيح البخاري في كتب الحديث، وليس المدار في الاعتماد على كثرة الجمع بل على شرط الصحة) (1). { 13 } الثعلبي وأما تفسير ابي اسحاق احمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي (المولى) ب‍ (الاولى) فهو في تفسيره حيث قال: (انت مولانا. أي: ناصرنا وحافظنا وولينا واولى بنا) (2). وقال: (ماواكم النار هي مولاكم. أي: صاحبتكم وأولى بكم، وأحق بأن تكون مسكنا لكم. قال لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وامامها) (3). { 14 } الواحدى وأما تفسير أبي الحسن علي بن أحمد الواحدى (المولى) ب‍ (الاولى) فهو


1) المزهر في اللغة 1 / 62. 2) الكشف والبيان في تفسير القرآن - مخطوط. 3) الكشف والبيان - مخطوط.

[48]

في تفسيره حيث قال: (مأواكم النار هي مولاكم. هي أولى بكم لما أسلفتم من الذنوب. والمعنى: أنها هي التى تلى عليكم، لانها قد ملكت أمركم، فهى أولى بكم من كل شئ) (1). { 15 } الشنتمرى وأما تفسير أبي الحجاج يوسف بن سليمان الاعلم الشنتمري (المولى) ب‍ (الاولى) فقد قال في شرح أبيات كتاب سيبويه (الذي أملاه سنة 456 على المعتضد بالله أبي عمرو عباد بن محمد بن عباد) بشرح بيت لبيد ما نصه (الشاهد فيه رفع خلفها وأمامها اتساعا ومجازا والمستعمل فيهما الظرف ورفعهما على البدل من كلا. والتقدير: فغدت خلفها وأمامها تحسبهما مولى المخافة. وكلا في موضع رفع بالابتداء وتحسب مع ما بعدها في موضع الخبر، والهاء من انه عائدة على كلا، لانه اسم واحد في معنى التثنية، فحمل ضميره على لفظه. ومولى المخافة خبر، لان معناه موضع المخافة ومستقرها من قول الله عزوجل: ماواكم النار هي مولاكم، أي: هي مستقركم الاولى بكم. وصف بقرة فقدت ولدها أو أحست بصائد، فهى خائفة حذرة، تحسب كلا طريقها من خلفها وأمامها مكمنا له يغترها منه. والفرج ههنا موضع المخافة وهو مثل الثغر، وثناه لانه أراد ما تخاف منه خلفها وأمامها " (2).


1) التفسير الوسيط - مخطوط. 2) تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الادب في علم مجازات العرب.

[49]

ترجمة الاعلم الشنتمرى 1 - ابن خلكان: ".. كان عالما بالعربية واللغة ومعاني الاشعار، حافظا لجميعها، كثير العناية بها، حسن الضبط لها، مشهورا بمعرفتها واتقانها، أخذ الناس عنه كثيرا، وكانت الرحلة في وقته إليه.. وتوفي سنة 476.. " (1). 2 - السيوطي كذلك (2). (16) الزوزنى وأما تفسير حسين بن احمد الزوزني (المولى) ب‍ (الاولى) فهو في شرح المعلقات، بشرح بيت لبيد المذكور حيث قال: ".. وقال ثعلب: ان المولى في هذا البيت بمعنى الاولى بالشي، كقوله: ماواكم النار هي مولاكم. أي: هي الاولى بكم - يقول: فغدت البقرة وهي تحسب ان كلا فرجيها مولى المخافة أي موضعها وصاحبها أو تحسب ان كل فرج من فرجيها هو الاولى بالمخافة.. " (3). ترجمة الزوزني قال السيوطي: " الحسين بن احمد الزوزني القاضي أبو عبد الله قال عبد الغافر: امام عصره في النحو واللغة والعربية. مات سنة 486 " (4).


1) وفيات الاعيان 6 / 79 2) بغية الوعاة 2 / 356 وترجم له في مرآة الجنان فيمن مات سنة 496 وهو سهو. 3) شرح المعلقات 91. 4) بغية الوعاة 1 / 531.

[50]

(17) ابو زكريا الخطيب وأما تصريح يحيى بن على ابو زكريا ابن الخطيب التبريزي بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد جاء بشرح الحماسي: (الهفى بقري سحبل حين أجلت * علينا الولايا والعدو المباسل) حيث قال: " والمولى على وجوه، هو: العبد والسيد وابن العم والصهر والجار والحليف والولي والاولى بالشئ " (3). ترجمة ابى زكريا التبريزي 1 - السمعاني: " ابو زكريا يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني التبريزي قاطن بغداد، أحد أئمة اللغة وكانت له معرفة تامة بالادب والنحو، قرأ على أبي العلاء احمد بن عبد الله بن سليمان المعرى وغيره من الشاميين.. وحدث عنه الامام أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب و غيره.. ومات في جمادى الاخرة سنة 502 ببغداد ودفن بتبريز " (2). 2 - الذهبي: " أبو زكريا التبريزي الخطيب صاحب اللغة، يحيى بن على بن محمد الشيباني صاحب التصانيف، أخذ اللغة عن أبي العلاء المعري، وسمع من سليم بن أيوب بصور، وكان شيخ بغداد في الادب. توفي في جمادى


1) شرح ديوان الحماسة. 2) الانساب.

[51]

الاخرة عن احدى وثمانين سنة " (1). 3 - اليافعي كذلك (2). 4 - الذهبي: " وفيها مات امام اللغة ببغداد ابو زكريا.. " (3). (18) البغوي واما تفسير حسين بن مسعود الغراء البغوي (المولى) ب‍ (الاولى) فهو بتفسير الاية المباركة: " ماواكم النار.. " قال: " ماواكم النار هي مولاكم. صاحبتكم وأولى بكم لما أسلفتم من الذنوب " (4). ترجمة البغوي وهذا موجز كلام ابن خلكان بترجمة البغوي: " أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفراء البغوي، الفقيه الشافعي المحدث المفسر، كان بحرا في العلوم، وأخذ الفقه عن القاضي حسين ابن محمد كما تقدم في ترجمته، وصنف في تفسير كلام الله تعالى، واوضح المشكلات من قول النبي (صلى الله عليه وسلم)، وروى الحديث ودرس، وكان لا يلقي الدرس الا على الطهارة، وصنف كتبا كثيرة.. توفي في شوال سنة


1) العبر - حوادث 502. 2) مرآة الجنان - حوادث 502. 3) دول الاسلام - حوادث 502. 4) معالم التنزيل 8 / 29.

[52]

510.. " (1). (19) الزمخشري وأما تصريح أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد جاء في (أساس البلاغة): " ومولاي: سيدي، وعبدي، ومولى بين الولاية ناصر، وهو أولى به " (2). وفي الكشاف): " هي مولاكم. قيل: هي أولى بكم، وأنشد بيت لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب انه مولى المخافة خلفها وأمامها. وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم، أي: مكانكم الذي يقال فيه: هو أولى بكم. كما قيل: هو مئنة للكرم، أي مكان لقول القائل انه لكريم، ويجوز أن يراد: هي ناصركم، أي: لا ناصر لكم غيرها، والمراد نفي الناصر على البتات، ونحوه قوله: قد أصيب فلان بكذا فاستنصر الجزع. ومنه قوله تعالى: يغاثوا بماء كالمهل. وقيل: تتولاكم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار " (3). ترجمة الزمخشري: وستأتي ترجمة الزمخشري بالتفصيل، كما تقدمت ترجمته عن الجواهر المصنية في طبقات الحنفية)، وهذا بعض الثناء عليه:


1) وفيات الاعيان 1 / 402. 2) اساس البلاغة: ولى 689. 3) الكشاف 4 / 476.

[53]

1 - الكفوى: " الشيخ الامام الفهامة جار الله العلامة أبو القاسم محمود ابن عمر بن مجد الدين الزمخشري. امام عصره بلا مدافعة، كان نحويا ذكيا خبيرا بالمعاني والبيان، فقيها مناظرا، متكلما نظارا، أديبا، شاعرا، محدثا، مفسرا. أستاذ زمانه في الادب ومجتهد أوانه في المذهب، له في العلوم آثار ما ليس لغيره من أهل عصره، وكان من الفصاحة والبلاغة بالمحل الاعلى الذي تشهد به تصنيفاته، سيما الكشاف في التفسير.. " (1). 2 - ابن الاثير: " أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي، الحنفي مذهبا، صاحب التصانيف العجيبة، والتأليفات الغريبة، مثل: الفائق في غريب الحديث، والكشاف في تفسير القرآن، والامثال، والمفصل في النحو وله اليد الباسطة واللسان الفصيح في علوم الادب، لغتها ونحوها وشعرها ورسائلها، وعلم البيان، إليه انتهت هذه الفضائل وبه ختمت. وأقام بمكة دهرا حتى صار يعرف بجار الله " (2). 3 - اليافعي: " وفيها العلامة النحوي اللغوي المفسر المعتزلي.. كان متقنا في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان، امام عصره في فنونه، وله التصانيف البديعة الكثيرة الممدوحة الشهيرة.. " (3). (20) ابن الجوزى وأما ذكر أبي الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي تفسير


1) كتائب اعلام الاخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار - مخطوط. 2) جامع الاصول لابن الاثير الجزرى. 3) مرآة الجنان - حوادث سنة 538.

[54]

(المولى) ب‍ (الاولى)، فقد جاء بتفسير الاية المباركة حيث قال: " قوله: مولاكم قال أبو عبيدة: أي أولى بكم " (1). ترجمة ابن الجوزي 1 - ابن خلكان: (أبو الفرج عبد الرحمن، الفقية الحنبلي الواعظ الملقب جمال الدين الحافظ. كان علامة عصره وامام وقته في الحديث وصناعة الوعظ صنف في فنون عديدة، منها: زاد المسير في علم التفسير. وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شهر رمضان سنة 597 ببغداد، ودفن بباب حرب) " (2) ". 2 - الذهبي: (وأبو الفرج ابن الجوزي عبد الرحمن بن علي محمد بن علي الحافظ الكبير، جمال الدين التيمي البكري، البغدادي، الحنبلي، الواعظ، المتقن، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في أنواع العلم، من التفسير والحديث والفقه والزهد.. " (3). 3 - السيوطي: (ابن الجوزي الامام العلامة الحافظ، عالم العراق وواعظ الافاق.. ما علمت أحدا من العلماء صنف ما صنف..) (4).


1) زاد المسير في التفسير 8 / 167. 2) وفيات الاعيان 2 / 321. 3) العبر - احودث 597. 4) طبقات الحفاظ: 477.

[55]

{ 21 } ابو نصر الدرواجكي الزاهد وأما تفسير أحمد بن الحسن بن أحمد الزاهد الدرواجكي (المولى) ب‍ (الاولى) فهو في تفسيره المشهور ب‍ (تفسير الزاهدي) حيث قال: (قوله تعالى بل الله مولاكم الحق. الاية. أي: الله أولى أن يطاع..) (1). ترجمة الدرواجكي وهذا التفسير قد جاء في أوله: (الحمد لله الذي أنزل الفرقان نورا مضيئا وجعل اتباعه دينا رضيا، ووعد المؤتمرين والعباد المعتدين لتكليف المحجوجين، والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين. قال الشيخ الامام الاجل العالم الزاهد المجاهد سيف الملة والدين، مقتدى الاسلام والمسلمين ناصر السنة قامع البدعة فخر الائمة جمال الاسلام تاج المفسرين أبو نصر أحمد بن الحسن بن أحمد الدرواجكي في تفسير كلام الله املاءا ببخارا، في اليوم التاسع من شوال سنة تسع وخمسمائة، سقاه الله صوب غفرانه وكساه ثوب رضوانه، وانه تعالى على ما يشاء قدير). وذكر الدرواجكي الشيخ عبد القادر القرشي بقوله (أحمد بن الحسن بن أحمد أبو نصر الدرواجكي الزاهد، عرف بفخر الاسلام، أستاد العقيلي. ولم يذكر السمعاني هذه النسبة) (2).


1) تفسير الزاهدي لابي نصر الدرواجكي. 2) الجواهر المضية في طبقات الحنفية.

[56]

ترجمة تلميذه العقيلي 1 - القرشي: (عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن أحمد شرف الدين أبو حفص العقيلي الانصاري جد شمس الدين أحمد بن محمد - وقد تقدم -. قال الذهبي: العلامة شرف الدين كان من كبار حنفية بخارا وعلمائها. قدم بغداد حاجا في سنة 588، وحج ثم رجع وحدث. روى عن الصدر الاجل الشهيد حسام الدين أبي المفاخر برهان الائمة عمر بن الصدر الماضي عبد العزيز بن عمر بن مازة. وقد تقدم.. توفي ببخارا وقت صلاة الفجر من يوم الثلاثاء الخامس من جمادي الاول سنة 596..) (1). 2 - الكفوي: (الشيخ الامام شرف الدين.. كان من كبار الائمة الحنفية وأعيان فقهاء الملة الحنفية، وله اليد الباسطة في المذهب والخلاف، وكان على أحسن طريقة سلكها الاشراف، وله تصانيف حسنة منها المنهاج.. ذكره ابن النجار في تاريخه) (2). هذا، وقد اعتمد على (تفسير الزاهدي) الامام العلائي في كتابه (ترغيب الصلاة).. ففي (كشف الظنون): (تفسير الزاهدي ذكره صاحب ترغيب الصلاة) (3). ترجمة الزاهد العلائي وقال في (كشف الظنون): (ترغيب الصلاة - فارسي لمحمد بن أحمد


1) الجواهر المضية في طبقات الحنفية 1 / 397. 2) كتائب اعلام الاخيار - مخطوط. 3) كشف الظنون 1 / 448.

[57]

الزاهد. جمعه من نحو مائة كتاب، ورتبه على ثلاثة أقسام، الاول: في فرضية الصلاة. والثاني: في الطهارة. والثالث: في نواقض الوضوء) (1). وترجم له: 1 - السمعاني: (ومن المتأخرين الامام الزاهد محمد بن عبد الرحمن العلائي، واعظ من أهل بخارا ومفسرهم، وكان فصيحا حسن الاداء، مقبولا عند الخاص والعام. حدث وسمع منه، وما أدركته حيا ببخارا) (2). 2 - القرشي: (محمد بن عبد الرحمن بن أحمد أبو عبد الله البخاري الملقب بالزاهد العلاء، قال السمعاني: كان فقيها فاضلا متقنا [مفتيا] مذاكرا أصوليا متكلما، قيل: انه صنف في التفسير كتابا أكثر من ألف جزء، وأملى في آخر عمره، كتب الي بالاجازة ولم ألحقه ببخارا، لانه توفي ليلة الثاني عشر من جمادي الاخرة سنة 546. ومحمد بن عبد الرحمن هذا من مشايخ صاحب الهداية وقد ذكره في مشيخته وقال: أجاز لي رواية جميع ما صح من مسموعاته..) (3). 3 - الكفوي: (الامام الزاهد علاء الدين محمد بن عبد الرحمن البخاري المفسر المعروف بعلاء الزاهد، له تفسير كبير مشتمل على مجلدات ضخام..) (4).


1) كشف الظنون 1 / 399. 2) الانساب - البخاري. 3) الجواهر المضية 2 / 76. 4) كتائب أعلام الاخيار - مخطوط.

[58]

{ 22 } نظام الدين النيسابوري وأما ذكر نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد قال: (هي مولاكم. قيل المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. وقيل: أراد هي أولى بكم، قال جار الله: حقيقته هي محراكم ومقمنكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة للكرم، أي: مكان لقول القائل انه لكريم) (1). وقال: (والله مولاكم. متولي أموركم. وقيل: أولى بكم من أنفسكم، ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لانفسكم) (2). { 23 } ابن طلحة القرشي وأما ذكر أبي سالم محمد بن طلحة القرشي النصيبي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فهو حيث قال: (واشتمل - أي حديث الغدير - على لفظة المولى، وهي لفظة مستعملة بازاء معان متعددة قد ورد القرآن الكريم بها، فتارة تكون بمعنى أولى. قال الله تعالى في حق المنافقين: مأواكم النار هي مولاكم. معناه: هي أولى بكم) (3).


1) تفسير النيسابوري - غرائب القرآن. 2) المصدر نفسه. 3) مطالب السئول في مناقب آل الرسول 1 / 45.

[59]

وسنذكر ترجمة ابن طلحة فيما سيأتي ان شاء الله تعالى. { 24 } سبط ابن الجوزي وأما ذكر شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قزغلي سبط ابن الجوزي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فهو حيث قال في ذكر معاني (المولى): (العاشر بمعنى الاولى. قال الله تعالى: فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم. أي: أولى بكم) (1). وسنترجم لسبط ابن الجوزي فيما سيأتي بالتفصيل. { 25 } القاضي البيضاوي وأما تفسير القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي (المولى) ب‍ (الاولى) فقد جاء في (تفسيره) حيث قال: (مولاكم. هي أولى بكم كقول لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها وحقيقته: محراكم، أي مكانكم الذي يقال فيه أولى بكم) (2).


1) تذكرة خواص الامة في معرفة الائمة: 32. 2) تفسير البيضاوي - أنوار التنزيل: 716.

[60]

ترجمة البيضاوي وسيأتي تفصيل ترجمة البيضاوي ان شاء الله. ونقتصر هنا بخلاصة ما ترجمه به اليافعي حيث قال: (فيها: الامام أعلم العلماء الاعلام، ذو التصانيف المفيدة المحققة، والمباحث الحميدة المدققة، قاضي القضاة ناصر الدين..) (1). وقال السيالكوتي: (ان التفسير العتيق والبحر العميق المسمى بأنوار التنزيل للامام الهمام قدوة علماء الاسلام، سلطان المحققين وبرهان المدققين، القاضي ناصر الدين عبد الله البيضاوي، قد استهتر العلماء بحل مشكلاته، وأسهر الاذكياء أحداقهم بفتح مغلقاته، الا أنه لو جازة العبارات واحتوائه على الاشارات جل عن أن يكون شريعة لكل وارد، وأن يطلع عليه الا واحد بعد واحد..) (2). { 26 } ابن سمين وأما تصريح أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي المعروف بابن سمين بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد جاء في (الدر المصون) حيث قال: (قوله: هي مولاكم. يجوز أن يكون مصدرا، أي ولايتكم أي ذات ولايتكم، وأن يكون مكانا، أي مكان ولايتكم، وأن يكون أولى بكم كقولك: هو مولاه) (3).


1) مرآة الجنان حوادث 692. 2) حاشية السيالكوتي على تفسير البيضاوي. 3) الدر المصون في علم الكتاب المكنون - مخطوط.

[61]

ترجمة ابن سمين 1 - العسقلاني: (أحمد بن يوسف بن عبد الدائم بن محمد الحلبي، شهاب الدين، المقري النحوي نزيل القاهرة، تعانى النحو فمهر فيه، ولازم أبا حيان الى أن فاق أقرانه، وأخذ القراءات عن التقي الصائغ ومهر فيها، وسمع الحديث من يونس الدبوسي وغيره، وولى تصدير القراءات بجامع ابن طولون، وأعاد بالشافعي، وناب في الحكم، وولي نظر الاوقاف، وله تفسير القرآن في عشرين مجلدة رأيته بخطه، والاعراب سماه الدر المصون في ثلاثة أسفار بخطه، صنفه في حياة شيخه وناقشه فيه مناقشات كثيرة غالبها جيدة، وجمع كتابا في أحكام القرآن، وشرح التسهيل، والشاطبية. قال الاسنوي في الطبقات: كان فقيها بارعا في النحو والقراآت، ويتكلم في الاصول، خيرا أديبا، مات في جمادي الاخرة، وقيل في شعبان سنة 756) (1). 2 - أبو بكر تقي الدين ابن قاضي شهبة كذلك (2). 3 - السيوطي: (السمين، صاحب الاعراب المشهور) ثم أورد كلام ابن حجر العسقلاني المذكور (3). 4 - وقد ذكر تاج الدين الدهان سند رواية تفسير ابن السمين واصفا اياه بالامام (4).


1) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1 / 360. 2) طبقات الشافعية - مخطوط. 3) حسن المحاضرة 1 / 536. 4) كفاية المتطلع.

[62]

{ 27 } محمد بن أبي بكر الرازي وأما تصريح محمد بن أبي بكر الرازي بمجي (المولى) بمعنى (الاولى) وتفسيره الكلمة بهذا المعنى فهو حيث قال: (والمولي الذي هو أولى بالشي، ومنه قوله تعالى. ماواكم النار هي مولاكم. أي هي أولى بكم. والمولى في اللغة على ثمانية أوجه: المعتق وابن العم والناصر والجار والحليف ويقال العقيد والصهر والاولى بالشئ) (1). كتاب غريب القرآن وكتاب (غريب القرآن) لمحمد بن أبي بكر الرازي أوله. (الحمد لله بجميع محامده على جميع نعمه وصلاته على نبيه المبعوث بجوامع أحكامه ولوا مع حكمه وعلى آله وصحبه المهتدين باخلاقه وشيمه. قال الامام الاجل الافضل العلامة ملك المفسرين شيخ العرب والعجم محمد بن أبي بكر الرازي رحمه الله وعفا عنه: سألني بعض اخواني من طلبة العلم وحملة القرآن العظيم ان أجمع لهم تفسير غرائب القرآن جمعا يشتمل على حسن الترتيب وسهولته، وعلى استيعاب كل الالفاظ العربية التي في الكتاب العزيز، ويعرى عن تكرار تفسير الالفاظ واعادتها، فأجبتهم الى ذلك، وجمعت هذا المختصر متميزا عن كل ما صنف في هذا الفن بهذه الفوائد الثلاث. وجميع ما أودعته فيه انما نقلته عن الائمة المجمع على درايتهم، وصحة روايتهم، كالزجاج، والفراء، والازهري، والزمخشري، والعزيزي، والهروي،


1) غريب القرآن: ولى.

[63]

ومن شابههم. وضممت في بعض المواضع الى تفسير اللغة شيئا من فوائد الاعراب والمعاني، لئلا يكون حافظه جامدا على مجرد الالفاظ). وذكره في (كشف الظنون) في ذكر المصنفين في غريب القرآن (1). { 28 } جلال الدين الخجندي وصرح جلال الدين أحمد الخجندي يعني (المولى) يمنى (الارلي) على ما نقل عنه شهاب الدين أحمد حيث قال: قال الشيخ الامام جلال الدين أحمد الخجندي قدس سره: المولى يطلق على معان: منها الناصر ومنها الجار بمعنى المجير لا المجار ومنها السيد المطاع، ومنها الاولى (هي مولاكم): أي اولى بكم) (2). وستأتي ترجمة الخجندي ان شاء الله تعالى. { 29 } النسفي أما تفسير حافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي (المولى) ب‍ (الاولى)، فقد جاء في تفسيره للاية المباركة: (هي مولاكم. هي أولى بكم. حقيقة مولاكم محراكم أي مكانكم الذي يقال فيه اولى بكم) (3).


1) كشف الظنون 2 / 1208. 2) توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - مخطوط. 3) تفسير النسفي: مدارك التنزيل 4 / 226.

[64]

ترجمة النسفي 1 - القرشي: (عبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين أبو البركات النسفي أحد الزهاد المتأخرين، صاحب التصانيف المفيدة في الفقه والاصول.. توفى ليلة الجمعة في شهر ربيع الاول سنة 701..) (1). 2 - الكفوي: (علم الهدى علامة الورى، مفتي الدهر قدوة ما وراء النهر، أبو البركات حافظ الملة والدين، ناصر الاسلام والمسلمين، ناصح الملوك والسلاطين.. كان اماما كاملا عديم النظير في زمانه، ورأسا فقيد المثيل في الاصول والفروع في أوانه، بارعا في الحديث ومعانيه، ماهرا في فنون الادب ومبانيه، وله مقامات سنية في العلوم العقلية ومقالات بهية في الفنون النقلية، وله التوسع في الكلام والفصاحة في الجدل والخصام، كثير العلم مرتفع المكان، بدائعه تجل عن بيان لسان العصر فياض البنان، فريد ماله في الفضل مبار، له في العلوم آثار ما ليس لغيره من أهل عصره، أخذ العلوم من أفواه الرجال حتى صار مضرب الامثال.. وله تصانيف معتبرة مشهورة مفيدة..) (2). تفسيره وقد ذكر تفسيره في (كشف الظنون) بقوله: (مدارك التنزيل وحقائق التأويل للامام حافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي المتوفي سنة 701 وقيل 710. أوله: الحمد لله المتفرد بذاته عن اشارة الاوهام الخ. وهو كتاب وسط في التأويلات جامع لوجوه الاعراب والقراات، متضمن لدقائق علم البديع والاشارات، موشح بأقاويل أهل السنة والجماعة، خال عن أباطيل أهل البدع والظلالة،


1) الجواهر المضية في طبقات الحنفية 1 / 270. 2) كتائب أعلام الاخيار - مخطوط.

[65]

ليس بالطويل الممل ولا بالقصير المخل) (1). { 30 } عمر الفارسي القزويني وأما تفسير عمر بن عبد الرحمن الفارسي القزويني (المولى) ب‍ (الاولى) فهو حيث قال: (قوله: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها يصف بقرة وحشية نفرت من توجس ركز الصائد فزعة لا تدري أقدامها الصائد أم خلفها. يقول فغدت البقرة كلا جانبيها الخلف والامام، تحسب أنه أولى وأحرى بأن يكون فيه الخوف..) (2). ترجمة عمر القزويني وكتابه وقد ذكر في (كشف الظنون) كتاب (كشف الكشاف لعمر الفارسي القزويني) حيث قال في ذكر حواشي الكشاف: (وممن كتب أيضا غير ما ذكره السيوطي، الامام العلامة عمر بن عبد الرحمن الفارسي القزويني حاشية في مجلد سماها الكشف. وتوفي سنة 745. أولها: الحمد لله الذي انار الاعيان بنور الوجود الخ. وذكر أنه أشار الى تأليفها من أمره مطاع، فشرع وكتب فيها ما تلقفه من الائمة الماضين أو استنبطه بميامين أنوارهم، وليس فيه التسمية وانما قال: أشار الى ان أحرر في الكشف عن مشكلات الكشاف) (3).


1) كشف الظنون 2 / 1640. 2) كشف الكشاف - مخطوط. 3) كشف الظنون 2 / 1480 وله ترجمة في طبقات المفسرين للداودي 2 / 5، الدرر الكامنة 3 / 256، شذرات الذهب 6 / 143، طبقات القراء 1 / 594.

[66]

{ 31 } ابن الصباغ المالكى وأما ذكر نور الدين علي المعروف بابن الصباغ المالكي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فهذا نص كلامه: (قال العلماء: لفظة المولى مستعملة بازاء معان متعددة، وقد ورد القرآن العظيم بها، فتارة تكون بمعنى أولى قال الله تعالى في حق المنافقين: [مأواكم النار هي مولاكم]. معناه أولى بكم) (1). وسيأتي ذكر ترجمة ابن الصباغ فيما بعد ان شاء الله تعالى. { 32 } جلال الدين المحلى وفسر جلال الدين محمد بن أحمد المحلي (المولى) ب‍ (الاولى) حيث قال: (مأواكم النار هي مولاكم. أولى بكم) (2). تفسير الجلالين و (تفسير الجلالين) الذي اشترك في تأليفه جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي من التفاسير المشهورة المعتبرة، قال تاج الدين الدهان في (كفاية المتطلع في مرويات الشيخ حسن العجيمي): (التفسير المعروف بالجلالين العلامتين الامام المحقق جلال الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد المحلي


1) الفصول المهمة في معرفة الائمة: 43. 2) تفسير الجلالين: 716.

[67]

الاخباري، والحافظ العمدة جلال الدين أبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، والدر المنثور في التفسير بالمأثور للحافظ السيوطي. وقد شرح الجلال المحلي من سورة مريم الى آخر الكتاب العزيز، ثم شرح في تفسير النصف الاول فمات بعد تفسير الفاتحة، فأتمه الحافظ السيوطي من أول سورة البقرة الى آخر سورة الكهف. أخبر بها..) (1). ترجمة الجلال المحلى وقد ترجم للجلال المحلي شمس الدين السخاوى بما هذا ملخصه: (محمد بن أحمد بن محمد بن ابراهيم بن أحمد بن هاشم، الجلال أبو عبد الله بن الشهاب أبي العباس بن الكمال الانصاري، المحلي الاصل نسبة للمحلة الكبرى من الغربية - القاهري الشافعي، ولد كما رأيته بخطه في مستهل شوال سنة 791 بالقاهرة ونشأ بها. فقرأ القرآن وكتبا واشتغل في فنون ومهر وتقدم على غالب أقرانه، وتفنن في العلوم العقلية والنقلية، وتصدى للتصنيف والتدريس والاقراء، ورغب الائمة في تحصيل تصانيفه وقرائتها واقرائها، وارتحل الفضلاء للاخذ عنه، وتخرج به جماعة درسوا في حياته. وكان اماما، علامة، محققا، نظارا، مفرط الذكاء، صحيح الذهن، معظما بين الخاصة والعامة، مهابا، وقورا، عليه سيما الخير، اشتهر ذكره وبعد صيته، وقصد بالفتاوى من الاماكن النائية، وهرع إليه غير واحد من الاعيان بقصد الزيارة والتبرك. هذا ولم أكن أقصر به عن درجة الولاية، وترجمته يحتمل كراريس، مع أني قد أطلتها في معجمي. وقد حج مرارا. ومات سنة أربع


1) كفاية المتطلع لتاج الدين الدهان.

[68]

وستين) (1). { 33 } الحسين الواعظ الكاشفى وفسر حسين بن علي الواعظ الكاشفي (المولى) ب‍ (الاولى) في تفسيره المشهور ب‍ (تفسير حسيني) بتفسير قوله تعالى: (مأواكم النار هي مولاكم) (2). تفسير حسيني و (تفسير حسيني) للواعظ الكاشفي يعد في التفاسير المعتبرة، وقد اعتمد عليه العلماء، كالشيخ أحمد بن أبي سعيد بن عبد الله بن عبد الرزاق الحنفي الصالحي المعروف ب‍ (ملاجيون) المترجم له بكل تعظيم في (سبحة المرجان)، في تفسيره المعروف ب‍ (تفسير أحمدي)، ضمن التفاسير التي اعتمد عليها ونقل عنها كتفاسير البيضاوي والبغوي والسيوطي والزمخشري. وقد وصفه ب‍ (الشيخ الكبير العلي الحسيني الواعظ الكاشفي). وكالمولوي تراب علي في آخر كتابه (التدقيقات الراسخات في شرح التحقيقات الشامخات. الملقب بسبيل النجاح الى تحصيل الفلاح) وعده (من الصحف الموثوقة والزبر الانيقة) كتفاسير الرازي والنسفي والنيسابوري والبغوي. وكالشيخ محبوب عالم في تفسيره المسمى (تفسير شاهي). وقد ذكر تفسيره المذكور في (كشف الظنون) بقوله: (تفسير حسين بن علي الكاشفي الواعظ المتوفى في حدود سنة 900. وهو تفسير فارسي متداول.


1) الضوء اللامع لاهل القرن التاسع 7 / 39 - 41. 2) تفسير حسيني - المواهب العلية. سورة الحديد.

[69]

في مجلد. سماه بالمواهب العلية، كما ذكره ولده في بعض كتبه، وترجمته بالتركية لابي الفضل محمد بن ادريس البدليسي المتوفى سنة 982. وله جواهر التفسير للزهراوين. يأتي في الجيم) (1). { 34 } أبو السعود العمادى وفسر أبو السعود بن محمد العمادي (المولى) ب‍ (الاولى) بتفسير الاية المذكورة، وهذا نص كلامه: (قوله تعالى: [مأواكم النار] لا تبرحون أبدا [هي مولاكم] أي أولى بكم. وحقيقته مكانكم الذي يقال فيه: هو أولى بكم. كما يقال هو مئنة الكرم. أي مكان لقول القائل: انه لكريم. أو مكانكم عن قريب، من الولي وهو القرب. أو ناصركم عن قريب من الولى وهو القرب. أو ناصركم على طريقة قوله: تحية بينهم، ضرب وجيع. أو متوليكم تتولاكم كما توليتم موجباتها) (2). ترجمة أبي السعود وترجم له محمود بن سليمان الكفوي بما هذا ملخصه (المولى الفاضل العلامة، والحبر الكامل الفهامة، لسان الزمان، امام اهل اللسان، بدائعه الحسان تجل عن البيان، واسع التقرير كامل التحرير، سحبان النثر حسان الشعر، كشاف مشكلات التنزيل الجليل، وحلال معضلات الكتاب بالتفسير والتأويل، حافظ قوانين الفروع والاصول، وضابط مسائل كل الفنون من المعقول والمنقول،


1) كشف الظنون 1 / 446. 2) تفسير أبي السعود - ارشاد العقل السليم الى مزايا القران الكريم هامش تفسير الرازي: 8 / 72.

[70]

زبدة أرباب التقوى وعمدة أصحاب الفتوى، امام المفسرين ختام المجتهدين، شيخ الاسلام وعماد الدين، أبو السعود ابن الشيخ محيي الدين المنتسب بالعماد عامله الله بلطفه يوم المعاد. وهو الاستاذ على الاطلاق، والمشار إليه بالاتفاق، قرعت به أسماع سكان الافاق، وصكت به آذان أهل فارس والعراق، شيخ كبير، امام خبير، عالم نحرير، لا في العجم له مثيل ولا في العرب له نظير، مشهور الاسم، عالي الرتبة، عظيم الجاه، زائد الحشمة، تضرب به الامثال وتشد إليه الرحال، ترد الفتاوى عليه من أقطار الارض وترد إليه بعضها على بعض، ولقد كان على أحسن طريقة سلكها الاشراف، وقلدها اشراف الاخلاف، من دين مكين وعقل رزين، وكان من محاسن الزمان، لم تر العيون مثله في العلم والعرفان، وكان يجتهد في بعض المسائل ويخرج ويرجح بعض الدلائل، وكان إذا لم يجد واقعة الفتوى وجوابها في الكتب المتداولة المعمولة يكتب الجواب على رأيه الوجيز. ولد رحمه الله في رأس المائة العاشرة، ومكث في منصب الفتوى أكثر من ثلاثين سنة، وصنف فيها كتاب التفسير المسمى بارشاد العقل السليم الى مزايا الكتاب الكريم في مجلدين ضخمين) (1). { 35 } سعيد الجلبي وذكر سعيد الجلبي مفتي الروم تفسير (المولى) ب‍ (الاولى) في حاشية البيضاوي حيث قال: (قوله: فغدت كلا الفرجين البيت يصف بقرة وحشية نفرت من صوت الصائد. فغدت فزعة لا تدري أقدامها الصائد أم خلفها. أي:


1) كتائب أعلام الاخيار للكفوى. وفاته سنة 982.

[71]

فغدت البقرة كلا جانبيها الامام والخلف، تحسب أنه أولى وأحرى بأن يكون فيه الخوف والفرج بمعنى المخافة أي كلا موضعيها الذي يخاف منهما في الجملة. أو بمعنى: ما بين قوائم الدابة، فما بين اليدين فرج وما بين الرجلين فرج، وهو بمعنى السعة والانفراج. وفسره بالقدام والخلف توسعا، أو بمعنى الجانب والطريق، فعل بمعنى مفعول لانه مفروج مكشوف، وضمير أنه لكلا لانه مفرد اللفظ. وخلفها وأمامها اما بدل من كلا، واما خبر مبتدء محذوف، أي هما خلفها وأمامها. كذا في الكشف. قوله: حقيقته محراكم. من الحري فالمولى مشتق من الاولى بحذف الزوائد) (1). { 36 } شهاب الدين الخفاجى وأما تفسير شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي (المولى) ب‍ (الاول)، فتجده في حاشيته على تفسير البيضاوي، فقد قال: (قوله: هي أولى بكم. أي: أحق من النجاة. وهو بيان لحاصل المعنى. قوله: كقول لبيد. العامري الشاعر المشهور وهو من قصيدته المشهورة التي هي احدى المعلقات السبع.. والشاهد في قوله: مولى المخافة، فانه بمعنى مكان أولى وأحرى بالخوف. قوله: وحقيقته. أي: حقيقة مولاكم هنا محراكم بالحاء والراء المهملتين أي المحل الذي يقال فيه انه أحرى وأحق بكم، من قولهم هو حرى بكذا أي خليق وحقيق وجدير به كلها بمعنى واحد، وليس المراد انه اسم مكان من


1) حاشية تفسير البيضاوى للحلبي مفتى الروم.

[72]

الاولى على حذف الزوائد كما توهم، وستري معناه عن قريب. قوله: كقولك هو مئنة الكرم الخ. يعني: ان مولاكم اسم مكان لا كغيره من أسماء الامكنة فانها مكان للحدث بقطع النظر عمن صدر عنه، وهذا محل للمفضل على غيره الذي هو صفته فهو ملاحظ فيه معنى أولى لا أنه مشتق منه كما أن المئنة مأخوذة من أن التحقيقية وليست مشتقة منه، إذ لم يذهب أحد من النحاة الى الاشتقاق من اسم التفضيل، كما لم يقل أحد بالاشتقاق من الحرف، ومئنة الكرم وصف له على طريق الكناية الرمزية في قولهم الكرم بين برديه كما في شروح الكشاف. الخ) (1). ترجمة الخفاجى وشهاب الدين الخفاجي من شيوخ مشايخ شاه ولى الله الدهلوي والد عبد العزيز (الدهلوي) كما لا يخفى على من راجع رسالته في أسانيده المسماة ب‍ (الارشاد). وقد ترجم للخفاجي محمد أمين المحبي ترجمة حافلة نختصر منها ما يلي: (الشيخ أحمد بن محمد بن عمر قاضي القضاة الملقب بشهاب الدين الخفاجي المصري الحنفي، صاحب التصانيف السائرة، وأحد أفراد الدنيا المجمع على تفوقه وبراعته، وكان في عصره بدر سماء العلم ونير أفق النثر والنظم، رأس المؤلفين ورئيس المصنفين، سار ذكره سير المثل، وطلعت أخباره طلوع الشهب في الفلك، وكل من رأيناه أو سمعنا به ممن أدرك وقته معترفون له بالتفرد في التقرير والتحرير وحسن الانشاء وليس فيهم من يلحق


1) عناية القاضى - حاشيه تفسير البيضاوى.

[73]

شأوه ولا يدعى ذلك، مع أن في الخلق من يدعى ما ليس فيه. وتآليفه كثيرة ممتعة مقبولة وانتشرت في البلاد، ورزق فيها سعادة عظيمة فان الناس اشتغلوا بها. وأشعاره ومنشآته مسلمة لا مجال للخدش فيها. والحاصل انه فاق كل من تقدمه في كل فضيلة، وأتعب من يجئ بعده، مع ما خوله الله تعالى من السعة وكثرة الكتب ولطف الطبع والنكتة النادرة. وقد ترجم نفسه في آخر ريحانته من حين مبدئه، ثم ذكر أن من تآليفه: حواشي تفسير القاضي وهي التي سماها عناية القاضي، وشرح الشفا، وشرح درة الغواص، والريحانة.. وأخذ عنه جماعة اشتهروا بالفضل الباهر..) (1). { 37 } سليمان الجمل وذكر الشيخ سليمان الجمل تفسير (المولى) ب‍ (الاولى) في حاشيته على تفسير الجلالين حيث قال: (قوله هي مولاكم. يجوز ان يكون مصدرا اي ولايتكم أي ذات ولايتكم. وأن يكون مكانا أي مكان ولايتكم وأن يكون بمعنى أولى كقولك هو مولاه أي أولى به الخ سمين. وفي أبي السعود: هي مولاكم أي أولى بكم، وحقيقته مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم، كما يقال هو مئتة الكرم، أي مكان لقول القائل انه لكريم أو مكانكم عن قريب، من الولى وهو القرب، أو ناصركم على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع. الخ.


1) خلاصة الاثر في اعيان القرن الحادى عشر 1 / 331.

[74]

وفي الشهاب: قوله هو مئنة الكرم يعني: ان مولاكم اسم مكان لا كغيره من أسماء الامكنة، فانها مكان للحدث بقطع النظر عمن صدر عنه. وهذا محل للمفضل على غيره الذي هو صفته، فهو ملاحظ فيه معنى أولى لا أنه مشتق منه، كما أن المئنة مأخوذة من أن وليست مشتقة منها. الخ. وقوله: أو ناصركم. فالمعنى لا ناصر لكم الا النار، كما أن معنى اليست لا تحية لهم الا الضرب علم التهكم. والمراد نفي الناصر ونفي التحية. الخ شهاب) (1). { 38 } جار الله الاله آبادى وأما ذكر الملا جار الله الاله آبادي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) فقد جاء في حاشيته على تفسير البيضاوي حيث قال: (قوله: وحقيقته محراكم. من الحري، فالمولى الحري، مشتق من الاولى بحذف الزائد) (2). { 39 } محب الدين الافندي وقد فسر محب الدين الافندي (المولى) ب‍ (الاولى) في شرح بيت لبيد الذي استشهد به الزمخشري في الكشاف (3).


1) حاشية تفسير الجلالين وتوجد ترجمته في الاعلام 3 / 131. 2) حاشية البيضاوي. سورة الحديد توجد ترجمته في نزهة الخاطر 6 / 54. 3) تنزيل الايات. في شرح شواهد الكشاف: 140. (*)

[75]

{ 40 } محمد الامير اليماني وذكر محمد بن اسماعيل بن صلاح الامير اليماني مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) نقلا عن الفقيه حميد ضمن معانيه حيث قال: (ومنها بمعنى الاولى. قال تعالى: هو مولاكم أي أولى بكم وبعذابكم) (1). وسيأتي طرف من ترجمة محمد بن اسماعيل الامير فيما بعد ان شاء الله تعالى. { 41 } عبد الرحيم بن عبد الكريم وفسر عبد الرحيم بن عبد الكريم (المولى) ب‍ (الاولى) في شرح بيت لبيد العامري حيث قال: (وأراد بالمولى الاولى.. يقول: فغدت البقرة في كلا الفرجين تحسب أن كل واحد من الفرجين - وهما خلفها وامامها - أولى بالمخافة) (2). { 42 } رشيد النبي وكذا فسره رشيد النبي في شرح بيت لبيد المذكور (3).


1) الروضة الندية - شرح التحفة العلوية. 2) شرح المعلقات السبع. 3) شرح المعلقات السبع وتوجد ترجمته في نزهة الخاطر 7 / 178.

[76]

{ 43 } الشبلنجي وذكر السيد المؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي (الاولى) من معاني (المولى) نقلا عن العلماء (1). أقول: فهل يمكن أن يقال ان (الدهلوي) لم يطلع على هذه الكلمات التي ذكرناها عن كبار الائمة ومشاهير اللغة والتفسير والحديث والادب ؟ وهل يمكن أن يقال انه لم يراجع شيئا من التفاسير ولم يقف على كلمات المفسرين حتى التفاسير المتداولة كالكشاف ومعالم التنزيل وتفسير الجلالين وأنوار التنزيل ؟ اللهم كلا.. انه ليس الا التعصب والعناد، انه يحاول خديعة العوام وتضليلهم بالاكاذيب وانكار الحقائق الراهنة، ونحن نكشف النقاب عن ذلك كله بكلمات علماء طائفته ومشاهير أئمتهم في كل مورد والله ولي التوفيق.


1) نور الابصار في مناقب آل بيت النبي المختار: 78.

[77]

اعتراف علماء الكلام بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) بل ان بعض مشاهير متكلمي أهل السنة - في الوقت الذي ينكرون تواتر حديث الغدير ودلالته تبعا للفخر الرازي - يعترفون بشيوع استعمال (المولى) بمعنى (الاولى بالتصرف)، وهذا دليل آخر على شدة تعصب (الدهلوي) الذي ينكر هذه الجهة أيضا، ولا بأس بايراد نصوص عباراتهم في هذا المقام: التفتازاني قال سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: (ولفظ (المولى) قد يراد به المعتق والحليف والجار وابن العم والناصر والاولى بالتصرف. قال الله تعالى: [ماواكم النار] أي أولى بكم. ذكره أبو عبيدة. وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها. أي الاولى بها والمالك لتدبير امرها. ومثله في الشعر كثير. وبالجملة استعمال (المولى) بمعنى: المتولي والمالك للامر والاولى بالتصرف شائع في كلام العرب منقول عن كثير من أئمة اللغة. والمراد انه اسم

[78]

لهذا المعنى لا انه صفة بمنزلة الاولى ليعترض بأنه ليس من صيغة أفعل التفضيل وانه لا يستعمل استعماله) (1). القوشجي وقال علاء الدين علي بن محمد القوشجي: (ولفظ (المولى) قد يراد به المعتق والمعتق والحليف والجار وابن العم والناصر والاولى بالتصرف. قال الله تعالى: [ومأواكم النار هي مولاكم]. أي أولى بكم ذكره أبو عبيدة. وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) ايما امرأة نكحت بغير اذن مولاها. أي الاولى بها في التصرف والمالك لتدبير امرها. ومثله في الشعر كثير) (2). ولا يتوهم أن هذا الكلام من التفتازاني والقوشجي هو تقدير لدلالة حديث الغدير على الامامة من جانب الامامية ولا يدل على قبولهما ذلك. لان سكوتهما في مقام الجواب عن الاستدلال بحديث الغدير عن الجواب عن هذه الناحية وتعرضهما لسند حديث الغدير، وجعل ذيل الحديث وهو (اللهم وال من والاه..) مشعرا بأن المراد من (المولى) هو الناصر والمحب.. دليل على قبولهما شيوع استعمال (المولى) بمعنى (الاولى بالتصرف)، وأن هذا الكلام لهما وليس من جانب الشيعة وان كنت في ريب مما ذكرنا فراجع نص عبارتيهما. ويدل على ما ذكرنا بوضوح تصريح المولوي عبد الوهاب القفوجي بذلك حيث أنه بعد أن نقل عن (المواقف وشرحها) انكار مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) رد عليه باعتراف القوشجي شارح التجريد بمجيئه بهذا المعنى..


1) شرح المقاصد 2 / 290. 2) شرح التجريد للقوشجي: 363.

[79]

ولننقل نص عبارته الواردة ضمن ما ذكره في الجواب عن حديث الغدير: (وعن الثالث - بمنع صحة الحديث.. ولان عليا رضي الله عنه لم يكن يوم الغدير مع النبي (صلى الله عليه وسلم) فانه كان باليمن. ورد هذا بأن غيبته لا تنافي صحة الحديث الا أن يروى هكذا أخذ بيده واستحضره وقال كذا وكذا.. ولان مفعلا بمعنى أفعل لم يذكره أحد، ويقال أولى من كذا دون مولى من كذا. وأولى الرجلين والرجال دون مولى الرجلين أو الرجال. هكذا في المواقف وشرحه. وفيه بحث أورده شارح التجريد حيث قال: قد يراد بالمولى الاولى بالتصرف قال الله تعالى: ومأواكم النار هي مولاكم أي أولى بكم. ذكره أبو عبيدة، وقال (صلى الله عليه وسلم): أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها أي الاولى بها في التصرف والمالك لتدبير أمرها ومثله في الشعر كثير، بالجملة استعمال المولى بمعنى المتولي والمالك للامر والاولى بالتصرف شائع في كلام العرب منقول عن أئمة اللغة، والمراد انه اسم لهذا المعنى لا صفة بمنزلة الاولى ليعترض بانه ليس من صيغة اسم التفضيل، وأنه لا يستعمل استعماله. ولو سلم أن المراد بالمولى هو الاولى فاين الدليل على أن المراد هو الاولى بالتصرف والتدبير، بل يجوز ان يراد الاولى في الاختصاص به والقرب منه..) (1). ترجمة التفتازاني واذ علمت باعتراف التفتازاني بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) وشيوع


1) بحر المذاهب للقنوجي.

[80]

ذلك في كلام العرب فلنذكر خلاصة ترجمته: قال السيوطي: (مسعود بن عمر بن عبد الله الشيخ سعد الدين التفتازاني، الامام العلامة عالم بالنحو والتصريف والمعاني والبيان والاصلين والمنطق وغيرها شافعي. قال ابن حجر: ولد سنة 712، وأخذ عن القطب والعضد، وتقدم في الفنون، واشتهر بذلك، وطار صيته وانتفع الناس بتصانيفه. وكان في لسانه لكنة وانتهت إليه معرفة العلوم بالمشرق. مات بسمرقند سنة 791) (1). وقال الكفوي: (وكان من كبار العلماء الشافعية، ومع ذلك له آثار جليلة في اصول الحنفية) (2). ترجمة القوشجي والقوشجي أيضا من كبار علماء أهل السنة المحققين، فقد ذكر في (كشف الظنون) في شروح التجريد: (ثم شرح المولى المحقق علاء الدين علي بن محمد الشهير بالقوشجي المتوفي سنة 879 شرحا لطيفا ممزوجا أوله: خير الكلام حمد الملك العلام الخ. لخص فيه فوائد الاقدمين أحسن تلخيص، وأضاف إليها نتائج فكره، مع تحرير سوده بكرمان وأهداه الى السلطان أبي سعيد خان. وقد اشتهر هذا الشرح بالشرح الجديد. قال في ديباجته بعد مدح الفن والمصنف: ان كتاب التجريد الذي صنفه المولى الاعظم قدوة العلماء الراسخين، أسوة الحكماء المتألهين نصير الحق والملة والدين، تصنيف مخزون بالعجائب وتأليف مشحون بالغرائب. فهو وان كان صغير الحجم وجيز النظم، فهو كثير


1) بغية الوعاة 2 / 285. 2) كتائب الاعلام - مخطوط.

[81]

العلم الجليل الشأن، حسن الانتظام مقبول الائمة العظام، لم يظفر بمثله علماء الامصار، مشتمل على اشارات الى مطالب هي الامهات، مملو بجواهر كلها كالفصوص متضمن لبيانات معجزة في عبارات موجزة، يفجر ينبوع السلاسة من لفظه ولكن معانيه لها السحر، وهو في الاشتهار كالشمس في رابعة النهار تداولته أيدي النظار. ثم ان كثيرا من الفضلاء وجهوا نظرهم الى شرح هذا الكتاب ونشر معانيه.. وانى بعد أن صرفت في الكشف عن حقائق هذا العلم شطرا من عمري ووقفت عن الفحص عن دقائقه قدرا من دهري.. فرأيت أن أشرحه شرحا يذلل صعابه ويكشف نقابه وأضيف إليها فوائد..) (1).


1) كشف الظنون 1 / 348 وللقوشجي ترجمة في: البدر الطالع 1 / 495

[82]

فهم الشيخين (الاولى) من (المولى) هذا كله بالاضافة الى فهم الشيخين أبي بكر وعمر بالخصوص معنى (الاولى) من لفظ (المولى يوم الغدير: فقد ذكر ابن حجر المكي في وجوه الجواب عن الاستدلال بحديث الغدير: (ثالثها - سلمنا أنه (أولى)، لكن لا نسلم أن المراد انه الاولى بالامامة، بل بالاتباع والقرب منه، فهو كقوله تعالى: [ان أولى بالناس بابراهيم للذين اتبعوه] ولا قاطع بل ولا ظاهر على نفي هذا الاحتمال، بل هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر. وناهيك بهما في الحديث فانهما لما سمعاه قالا له: أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة. أخرجه الدارقطني: وأخرج أيضا أنه قيل لعمر: انك تصنع بعلي شيئا لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم). فقال: انه مولاي) (1). وذكره الشيخ عبد الحق الدهلوي في (اللمعات في شرح المشكاة) نقلا عن ابن حجر المكي.


1) الصواعق المحرقة: 26.

[83]

وقال شهاب الدين أحمد العجيلي: (وقد توليت الامام المرتضى لقبا وفعلا وقولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمراد بالتوالي الولاية، وهو الصديق الناصر، أو الاولى بالاتباع والقرب من كقوله تعالى: [ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه] وهذا الذي فهمه عمر رضي الله عنه من الحديث، فانه لما سمعه قال: يهنئك يا ابن أبي طالب أمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة) (1). تناقض من ابن حجر لكن العجب من ابن حجر المكي إذ ناقض نفسه فأنكر مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) مطلقا، فانه مع تنصصه في الوجه الثالث على أن كون (المولى) بمعنى (الاولى بالاتباع والقرب من النبي) " هو الواقع إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر.. " قال في الوجه الثاني من وجوه الرد على تمسك الشيعة بحديث الغدير: (وثانيها: لا نسلم أن معنى المولى ما ذكروه، بل معناه الناصر، لانه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق والمتصرف في الامر والناصر والمحبوب، وهو حقيقة في كل منها، وتعيين بعض معنى المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعتد به، وتعميمه في مفاهيمه كلها لا يسوغ، لانه ان كان مشتركا لفظيا بأن تعدد وضعه بحسب تعدد معانيه كان فيه خلاف، والذي عليه جمهور الاصوليين وعلماء البيان واقتضاء الاستعمالات العضماء للمشترك انه لا يعم جميع معانيه، على أنا لو قلنا بتعميمه على القول الاخر أو بناءا على أنه مشترك معنوي بأن وضع وضعا واحدا للقدر المشترك وهو القرب المعنوي من الولي بالفتح فيصلح لصدقه على كل مما مر، فلا يتأتى تعميمه هنا، لامتناع ارادة كل من العتق والعتيق.


1) ذخيرة المآل - مخطوط.

[84]

فتعين ارادة البعض، ونحن وهم متفقون على صحة ارادة الحب بالكسر. وعلى رضي الله عنه سيدنا وحبيبنا. على أن كون المولى بمعنى الامام لم يعهد لغة ولا شرعا. أما الثاني فواضح، وأما الاول فلان أحدا من أئمة العربية لم يذكر أن مفعلا يأتي بمعنى أفعل. وقوله تعالى: [مأواكم النار هي مولاكم] أي مقركم أو ناصرتكم، مبالغة في نفي النصرة، كقولهم الجوع زاد من لا زاد له. وأيضا فالاستعمال يمنع من أن مفعلا بمعنى أفعل، إذ يقال هو أولى من كذا دون مولى من كذا، وأولى الرجلين دون مولاهما، وحينئذ فانما جعلنا من معانيه المتصرف في الامور نظرا للرواية الاتية من كنت وليه. فالغرض من التنصيص على موالاته اجتناب بغضه لان التنصيص عليه أوفى بمزيد شرفه. وصدره بألست أولى بكم من أنفسكم ثلاثا ليكن أبعث على قبولهم. وكذا بالدعاء له لاجل ذلك أيضا..) (1). فالعجب منه كيف يجد هنا - في الوجه الثاني - في نفي احتمال ارادة (الاولى) من (المولى) مطلقا ثم في الوجه الثالث يدعي بأن المعنى الواقعي من (المولى) في الحديث هو (الاولى بالاتباع والقرب) استنادا الى فهم الشيخين هذا المعنى منه، فيبطل تطويلاته وخزعبلاته في الوجه الثاني بنفسه ؟ ! أليس تلك التطويلات ردا على الشيخين وابطالا لفهمهما ؟ ! نعم لابد من الرد على الشيعة ان استلزم الرد على أبي بكر وعمر ! !


1) الصواعق المحرقة: 25.

[85]

تحريف من عبد الحق والعجب أيضا من الشيخ عبد الحق الدهلوي إذ اقتفى أثر ابن حجر المكي في هذا التهافت والتناقض، ونقله في (اللمعات) من غير تنبيه على ذلك، وأما في ترجمته المشكاة الى الفارسية فأورد كلام ابن حجر في الوجه الثالث مع اسقاط جملة: (بل هو الواقع..) فحيا الله الامانة ! !

[86]

حديث الغدير بلفظ: " من كنت أولى به.. " ومن الادلة القاطعة على مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) وأنه المراد من حديث الغدير هو: ورود حديث الغدير في بعض طرقه بلفظ (من كنت أولى به من نفسه) وفي بعضها بلفظ: (من كنت وليه وأولى بنفسه): أخرج الطبراني في مسند زيد بن أرقم خطبة الغدير وفيها حديث الثقلين وجاء في آخرها: (ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت أولى به من نفسه فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (1). وقال الميرزا محمد بن معتمد خان البدخشاني: (وللطبراني في رواية أخرى عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم رضي الله عنهما بلفظ: من كنت أولى به من نفسه فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (2). وقال أيضا: (وعند الطبراني في رواية اخرى عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم رضي الله عنهما بلفظ: من كنت أولى به من نفسه فعلي وليه، اللهم وال


1) المعجم الكبير 5 / 186. 2) مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.

[87]

من والاه وعاد من عاداه) (1). وقال القاضي سناء الله پاني پتي - وهو من تلاميذ الشاه ولي الله، وقد وصفه مخاطبنا (الدهلوي) ب‍ " بيهقي الزمان " كما في (اتحاف النبلاء): وفي بعض الطرق: من كنت أولى به من نفسه فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (2). وقال سبط ابن الجوزي: (فتعين العاشر، ومعناه: من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به. وقد صرح بهذا المعنى الحافظ أبو الفرج يحيى بن سعيد الثقفي الاصفهاني في كتابه المسمى بمرج البحرين، فانه روى هذا الحديث باسناده الى مشايخه وقال فيه: فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد علي وقال: من كنت وليه وأولى به من نفسه فعلي وليه) (3). الحديث يفسر بعضه بعضا ثم ان من القضايا المسلمة لدى علماء الحديث (ان الحديث يفسر بعضه بعضا)، وهي قضية يستند إليها المحققون في توضيح مشكلات الاخبار ورفع اشكالاتها، ومن ذلك قول ابن حجر العسقلاني في شرح حديث عائشة الاتي: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فعرف استيذان خديجة فارتاع لذلك، فقال: اللهم هالة، قالت: فغرت فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر


1) نزل الابرار بما صح من مناقب آل البيت الاطهار ص: 21 2) سيف مسلول - مخطوط. 3) تذكرة خواص الامة: 32.

[88]

قد أبدلك الله خيرا منها) فقال: (قوله: قد أبدلك الله خيرا منها. قال ابن التين: في سكوت النبي (صلى الله عليه وسلم) على هذه المقالة دليل على أفضلية عائشة على خديجة، الا أن يكون المراد بالخيرية هنا حسن الصورة وصغر السن انتهى. ولا يلزم من كونه لم ينقل في هذه الطريق أنه " ص " رد عليها عدم ذلك، بل الواقع انه صدر منه رد لهذه المقالة. ففي رواية أبي نجيح عن عائشة عند أحمد والطبراني في هذه القصة قالت عائشة فقلت: قد أبدلك الله بكبيرة السن حديثة السن، فغضب حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا الا بخير. وهذا يؤيد ما تأوله ابن التين في الخيرية المذكورة. والحديث يفسر بعضه بعضا) (1). ونحن نقول بمقتضى (الحديث يفسر بعضه بعضا) ان رواية الطبراني والاصبهاني تفسر حديث الغدير، ويتضح أن المراد من (المولى) فيه هو (الاولى).


1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7 / 111.

[89]

مجئ (المولى) بمعنى (المتصرف في الامر) و (ولي الامر) و (المليك) ونحوها

[91]

1 - مجئ (المولى) بمعنى (المتصرف في الامر) ثم انه قد صرح جماعة من أعلام أهل السنة بأن من المعاني الحقيقية للفظ (المولى) هو " المتصرف في الامر ". وهذا أيضا واف بمطلوب الشيعة، وكاف لاستدلالهم بحديث الغدير، إذ الحاصل من (الاولى بالتصرف) و (المتصرف في الامر) واحد.. وممن صرح بمجئ (المولى) بهذا المعنى: ذكر من نص على ذلك 1 - ابن حجر المكي، وقد تقدم نص عبارته قريبا. 2 - عبد الحق الدهلوي، حيث نقل مقالة ابن حجر في (اللمعات). 3 - كمال الدين بن فخر الدين الجهرمي في (البراهين القاطعة في ترجمة الصواعق المحرقة). 4 - محمد بن عبد الرسول البرزنجي، إذ قال في الجواب عن حديث الغدير: (الثاني - انه لو سلمنا تواتره ففيه دلالة وليس نصا في المدعى، لان القدر المصرح بذكر الخلافة فيه موضوع كما مر التنبيه عليه، والقدر الصحيح غير صريح فيه، لانا لا نسلم أن (المولى) هو (الامام)، بل له معان كثيرة، فانه مشترك بين

[92]

الناصر والمعتق والعتيق والمتصرف في الامر والمحبوب وابن العم والقريب وغيرها. وهو حقيقة في الكل، وتعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكم لا يعبأ به..) (1). 5 - الفاضل رشيد الدين خان الدهلوي حيث أورد كلام ابن حجر المذكور في (ايضاح لطافة المقال). ومتى ثبت مجئ (المولى) بمعنى (المتصرف في الامر) باعتراف علماء أهل السنة، لم يجدهم انكار مجيئه بمعنى (الاولى)، لان غرض الشيعة من الاستدلال بحديث الغدير اثبات دلالته على الامامة، وهذه الدلالة تامة على كل تقدير، فمن العجيب انكار ابن حجر والجهرمي والبرزنجي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) واثباتهم في نفس الوقت مجيئه بمعنى (المتصرف في الامر) ! ! ويزيد كون (المتصرف في الامر) معنى حقيقيا للفظ (المولى) وضوحا أنهم لا ينكرون على الشيعة قولهم بمجيئه بهذا المعنى، وان أجابوا عن استدلالهم بذلك على الامامة، فقد قال الحسين بن محمد الطيبي: (قالت الشيعة: المولى هو المتصرف في الامور، وقالوا: معنى الحديث ان عليا رضي الله عنه يستحق التصرف في كل ما يستحق الرسول (صلى الله عليه وسلم) التصرف فيه، ومن ذلك أمور المؤمنين فيكون امامهم. أقول: لا يستقيم أن يحمل الولاية على الامامة التي هي التصرف في أمور المؤمنين، لان المتصرف المستقل في حياته (صلى الله عليه وسلم) هو لا غير، فيجب أن يحمل على المحبة وولاء الاسلام ونحوهما) (2). فترى أن الطيبي لا ينكر مجئ (المولى) بمعنى (المتصرف في الامر)،


1) نواقض الروافض - مخطوط. 2) شرح المشكاة - مخطوط.

[93]

كما أن كلامه ظاهر في أن التصرف في أمور المؤمنين هي الامامة بعينها. وذكر علي بن سلطان القاري كلام الطيبي هذا بنصه في شرحه على المشكاة حيث قال: (وفي شرح المصابيح القاضي قالت الشيعة: المولى هو المتصرف وقالوا: معنى الحديث ان عليا رضي الله عنه يستحق التصرف في كل ما يستحق الرسول (صلى الله عليه وسلم) المتصرف فيه، ومن ذلك أمور المؤمنين فيكون امامهم. قال الطيبي: لا يستقيم أن يحمل الولاية على الامامة التي هي التصرف في أمور المؤمنين، لان المتصرف المستقل في حياته " ص " هو لا غير فيجب أن يحمل على المحبة وولاء الاسلام ونحوهما) (1). وقال الفخر الرازي بتفسير قوله تعالى: [ثم ردوا الى الله مولاهم]: (البحث الثالث - انه تعالى سمى نفسه في هذه الاية باسمين، أحدهما: المولى وقد عرفت أن لفظ المولى ولفظ الولي مشتقان من الولي أي القرب، وهو سبحانه القريب البعيد الظاهر الباطن.. وأيضا قال: مولاهم الحق. والمعنى انهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة، وهي النفس والشهوة والغضب، كما قال: أفرأيت من اتخذ آلهه هواه. فلما مات الانسان تخلص من تصرفات الموالي الباطلة، وانتقل الى تصرفات المولى الحق) (2). وقال بتفسير قوله تعالى [واعتصموا بالله هو مولاكم]: (وقال القفال: اجعلوا الله عصمة لكم مما تحذرون هو مولاكم: سيدكم والمتصرف فيكم. فنعم المولى: فنعم السيد. ونعم النصير. فكأنه سبحانه قال: أنا مولاك، بل


1) المرقاة في شرح المشكاة 5 / 568. 2) تفسير الرازي 13 / 17 - 18.

[94]

أنا ناصرك وحسبك) (1). وقال النيسابوري بتفسير الاية الاولى: (المعنى: انهم كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة، وهي النفس والشهوة والغضب، فلما ماتوا تخلصوا الى تصرف المولى الحق) (2). وقال ابن كثير بتفسيرها: (أي ورجعت الامور كلها الى الله الحكم العدل ففصلها، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار) (3). ففسر ابن كثير (المولى) ب‍ (الحكم)، ولو أنا فسرنا (المولى) في حديث الغدير بهذا المعنى لثبتت الامامة كذلك. 2 - مجئ (المولى) بمعنى (متولى الامر) وقد ثبت مجئ (المولى) بمعنى (متولي الامر) من كلمات علماء العربية والمفسرين، وهذا المعنى أيضا يفيد الامامة والخلافة كسابقه، لان (المتولي) هو (المتصرف) كما هو ظاهر جدا، وبه صرح سعيد الجلبي، والشهاب الخفاجي في حاشيتيهما على البيضاوي كما سيجئ. ذكر من قال بذلك ومجئ (المولى) بمعنى (متولي الامر) قد ثبت من كلمات جماعة من أعلام المحققين في العلوم المختلفة، وممن صرح بذلك:


1) المصدر 23 / 74. 2) تفسير النيسابوري 7 / 128. 3) تفسير ابن كثير 2 / 138.

[95]

1 - أبو العباس محمد بن يزيد المبرد. 2 - أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الاصفهاني. 3 - أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي. 4 - أحمد بن الحسن بن أحمد الزاهد. 5 - جار الله محمود بن عمر الزمخشري. 6 - أبو السعادات مبارك بن محمد الجزري. 7 - أحمد بن يوسف بن حسن الكواشي. 8 - ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي. 9 - عبد الله بن أحمد النسفي. 10 - أبو حيان محمد بن يوسف الاندلسي. 11 - نظام الدين حسن بن محمد بن حسين النيسابوري. 12 - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. 13 - محمد طاهر الكجراتي. 14 - أبو السعود بن محمد العمادي. 15 - سعيد الجلبي. 16 - شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر الخفاجي. { 1 } محمد بن يزيد المبرد قال المبرد - على ما نقل عنه السيد المرتضى - بعد تأويل قوله تعالى: [ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا]: (والولي والمولى معناهما سواء، وهو الحقيق

[96]

بخلقه المتولي لامورهم) (1). { 2 } الراغب الاصفهانى وقال الراغب الاصبهاني في كتابه (غريب القرآن) الذي قال عنه السيوطي في ذكر كتب غريب القرآن: (ومن أحسنها المفردات للراغب) - قال ما هذا نصه: (الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية النصرة، والولاية تولى الامر، والولي والمولى يستعملان في كل ذلك، وكل واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي الموالي، وفي معنى المفعول اي الموالي، يقال للمؤمن هو ولي الله، ولم يرد مولاه) (2). { 3 } أبو الحسن علي بن أحمد الواحدى وقال أبو الحسن الواحدي: (ثم ردوا - يعني العباد يردون بالموت - الى الله مولاهم الحق. الذى يتولى أمورهم) (3).


1) الشافي في الامامة: 123 عن كتاب العبارة عن صفات الله للمبرد. 2) المفردات: 533. 3) التفسير الوسيط - مخطوط.

[97]

{ 4 } أحمد بن الحسن الزاهد الدرواجكى وقال الزاهد الدرواجكي: (قوله: ومأواكم النار هي مولاكم.. والمولى في اللغة: من يتولى مصالحك فهو مولاك، يلي القيام بأمورك وينصرك على أعدائك، ولهذا سمي ابن العم والمعتق مولى، ثم صار اسما لمن لزم الشئ، كما يقال أخ الفقراء وأخ المال) (1). { 5 } الزمخشري وقال الزمخشري: (مولانا. سيدنا ونحن عبيدك، أو ناصرنا، أو متولي أمورنا. فانصرنا. فمن حق المولى أن ينصر عبيده، فان ذلك عادتك، أو فان ذلك من أمورنا التي عليك توليها) (2). { 6 } أبو السعادات ابن الاثير وقال المبارك بن محمد ابن الاثير الجزري: (وقد تكرر ذكر المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة.. وكل من ولي أمرا أو قام به


1) تفسير الزاهدي - مخطوط. 2) الكشاف 1 / 333.

[98]

فهو مولاه ووليه.. ومنه الحديث: أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل، وفي رواية وليها. أي متولي أمرها..) (1). { 7 } أحمد بن يوسف الكواشي وقال أحمد بن يوسف الكواشي: (ولا يوقف على: أنت مولانا. سيدنا ومتولي أمورنا، لوجود الفاء في قوله: فانصرنا على القوم الكافرين. لانك سيدنا، والسيد ينصر عبيده) (2). { 8 } ناصر الدين البيضاوي وقال ناصر الدين البيضاوي: (مأواكم النار هي مولاكم هي أولى بكم كقول لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب انه * مولى المخافة خلفها وأمامها.. أو متوليكم. تتولاكم كما توليتم موجباتها في الدنيا وبئس المصير النار) (3).


1) النهاية: ولي 2) التلخيص في التفسير. تجد منه في المكتبة الناصرية نسخة مكتوبة في حياة المؤلف تاريخها 677. 3) تفسير البيضاوي: 716.

[99]

{ 9 } عبد الله بن أحمد النسفي وقال النسفي: (أنت مولانا. سيدنا ونحن عبيدك، أو ناصرنا أو متولي أمورنا) (1). { 10 } ابو حيان الاندلسي وقال أبو حيان: (هو مولانا. أي ناصرنا وحافظنا قاله الجمهور. وقال الكلبي: أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة. وقيل: مالكنا وسيدنا فلهذا يتصرف كيف شاء، فيجب الرضي بما يصدر من جهته. وقال: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، فهو مولانا الذي يتولانا ويتولاهم) (2). وقال أبو حيان أيضا: (ومعنى الى الله الى عقابه. وقيل: إلى موضع جزائه. مولاهم الحق. لا ما زعموه من أصنامهم، إذ هو المتولي حسابهم، فهو مولاهم في الملك والاحاطة لا في النصر والرحمة) (3). { 11 } نظام الدين النيسابوري وقال نظام الدين النيسابوري: (.. وهو قوله: أنت مولانا. ففيه الاعتراف


1) تفسير النسفي 1 / 144. 2) البحر المحيط 5 / 52. 3) نفس المصدر 4 / 149.

[100]

بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة ينالونها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، وأنهم بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته الا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته الا باصلاح مولاه. وبهذا الاعتراف يحق الوصول الى الحق، من عرف نفسه أي بالامكان والنقصان عرف ربه أي بالوجوب والتمام) (1). وقال النيسابوري أيضا: (فاعلموا أن الله مولاكم. ناصركم ومتولي أموركم، يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم، فانه نعم المولى ونعم النصير، فثقوا بولايته ونصرته) (2). وقال أيضا: (هو مولانا. لا يتولى أمورنا الا هو، يفعل بنا ما يريد من أسباب التهاني والتعازي، لا اعتراض لاحد عليه) (3). وقال: (والله مولاكم. متولي أموركم وقيل: أولى بكم من أنفسكم ونصيحته أنفع لكم من نصائحكم لانفسكم) (4). وقال: (واعتصموا بحبل الله حتى تصلوا إليه، هو متولي افنائكم عنكم، فنعم المولى في افناء وجودكم ونعم النصير في ابقائكم بربكم) (5). { 12 } جلال الدين السيوطي وقال جلال الدين السيوطي: (أنت مولانا. سيدنا ومتولي أمورنا) (6).


1) تفسير النيسابوري 3 / 113. 2) نفس المصدر 9 / 153. 3) نفس المصدر 10 / 104. 4) نفس المصدر 28 / 80. 5) تفسير النيسابوري 17 / 126. 6) تفسير الجلالين: 66.

[101]

وقال: (فاعلموا أن الله مولاكم. ناصركم ومتولي أموركم) (1). وقال: (لن يصيبنا الا ماكتب الله لنا اصابته، هو مولانا. ناصرنا ومتولي أمورنا) (2). { 13 } محمد بن طاهر الكجراتي وقال محمد بن طاهر الفتني الكجراتي نقلا عن النهاية: (.. وكل من ولي أمرا أو قام به فهو مولاه ووليه.. ومنه: أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها. وروي وليها. أي متولي أمرها) (3). { 14 } أبو السعود العمادي وقال أبو السعود: (هي مولاكم.. أو متوليكم تتولاكم كما توليتم موجباتها) (4). { 15 } سعيد الجلبي وقال سعيد الجلبي بتفسير [هي مولاكم]: (.. أو متوليكم. أي المتصرف فيه) (5).


1) المصدر نفسه: 240. 2) المصدر نفسه: 256. 3) مجمع البحار: ولى. 4) تفسير أبى السعود هامش الرازي 8 / 73. 5) حاشية البيضاوى للجلبى.

[102]

{ 16 } الشهاب الخفاجى وقال شهاب الدين الخفاجي: (وقوله: متوليكم. أي المتصرف فيكم كتصرفكم فيما أوجبها واقتضاها من أمور الدنيا..) (1). اعتراف الرازي وان مجئ (المولى) بمعنى (متولي الامر) في غاية الثبوت والوضوح، حتى فسر به الفخر الرازي - الذي سعى في انكار مجيئه بمعنى (الاولى) - فقال في تفسير قوله تعالى [أنت مولانا فارحمنا وانصرنا على القوم الكافرين]: (وفي قوله: أنت مولانا فائدة أخرى، وذلك: أن هذه الكلمة تدل على نهاية الخضوع والتذلل، والاعتراف بأنه سبحانه هو المتولي لكل نعمة يصلون إليها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، فلا جرم أظهروا عند الدعاء أنهم في كونهم متكلين على فضله واحسانه بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته الا ببر [بتدبير] قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته الا باصلاح مولاه، فهو سبحانه قيوم السماوات والارض، والقائم باصلاح مهمات الكل، وهو المتولي في الحقيقة للكل على ما قال: نعم المولى ونعم النصير) (2). 3 - مجئ (المولى) بمعنى (الوارث الاولى) على ان الرازي الذي أطال الكلام في انكار مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)


1) حاشية البيضاوى للخفاجي. 2) تفسير الرازي 7 / 161.

[103]

بايداء التشكيكات الواهية والاعتراضات السخيفة التي أضلت بعض الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق - قد ألجأته الحقيقة الراهنة الى نقل تفسير (المولى) ب‍ (الوارث الاولى) عن أبي علي الجبائي، واستحسانه هذا المعنى مع الوجوه الاخرى المذكورة بتفسير قوله تعالى: [ولكل جعلنا موالي..] وهذا نص كلامه: (المسألة الثالثة - من الناس من قال: هذه الاية منسوخة، ومنهم من قال: انها غير منسوخة. أما القائلون بالنسخ فهم الذين فسروا الاية بأحد هذه الوجوه التي نذكرها.. القول الثاني - قول من يقول: الاية غير منسوخة، والقائلون بذلك ذكروا في تأويل الاية وجوها: الاول - تقدير الاية: ولكل شئ مما ترك الوالدان والاقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي وورثة فآتوهم نصيبهم. أي: فأتوا الموالي والورثة نصيبهم. فقوله: والذين عاقدت أيمانكم معطوف على قوله: الوالدان والاقربون، والمعنى: ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به، وسمى الله تعالى الوارث المولى، والمعنى: لا تدفعوا المال الى الحليف بل الى المولى والوارث، وعلى هذا التقدير فلا نسخ في الاية. وهذا تأويل أبي علي الجبائي). ثم قال الرازي بعد ذكر ثلاثة وجوه أخرى: (وكل هذه الوجوه حسنة محتملة والله أعلم بمراده) (1). وأيضا فقد اعترف الرازي في (نهاية العقول) بحكم أبي عبيدة وابن الانباري بأن لفظة (المولى) تأتي (للاولى) وهذا نص كلامه: (لا نسلم أن كل


1) تفسير الرازي 10 / 88.

[104]

من قال بأن لفظة المولى محتملة للاولى قال بدلالة الحديث على امامة علي رضي الله عنه. أليس أن أبا عبيدة وابن الانباري حكما بأن لفظ المولى للاولى مع كونهما قائلين بامامة أبي بكر رضي الله عنه) (1). فالحمد لله الذي وفقنا لاظهار بطلان كلامه في انكار مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) من كلام نفسه في (التفسير) و (نهاية العقول). كما أثبتنا بطلان رده لحديث الغدير من كلامه في هذين الكتابين والتفسير. والله ولي التوفيق. 4 - مجئ (المولى) بمعنى (ولي الامر) وقد فسر جماعة من كبار المفسرين لفظة (المولي) ب‍ (ولي الامر) فقد قال جلال الدين المحلي: (وهو كل: ثقيل. على مولاه: ولي أمره) (2). وقال الواحدي: (أنت مولانا: أي ناصرنا والذي يلي علينا أمورنا) (3). وقال النيسابوري: (قوله: وهو كل على مولاه، أصله: من الغلظ الذي هو نقيض الحدة، يقال: كل السكين إذا غلظت شفرته، وكل اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكل فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كل على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره ويعوله) (4). وقال: (أنت مولانا. ولينا في رفع وجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا) (5).


1) نهاية العقول - مخطوط. 2) تفسير الجلالين: 362. 3) التفسير الوسيط - مخطوط. 4) تفسير النيسابوري 14 / 99. 5) المصدر 3 / 113.

[105]

ومن الواضح: أن (ولي الامر): مثل (متولي الامر) كلاهما بمعنى (الامام، الحاكم، الرئيس). فلو كان (المولى) في حديث الغدير بمعنى (ولي الامر) لتم استدلال الشيعة به على معتقدهم. انكار ولى الله الدهلوى الا أن الشاه ولي الله الدهلوى أنكر (1) مجئ (المولى) بمعنى (ولي الامر). وذلك من أصدق الشواهد على دلالة حديث الغدير على هذا التقدير أيضا، لاريب في أن هذا الانكار مكابرة واضحة وتعصب مقيت، وما أوردنا من كلمات علماء القوم كاف لابطاله. 5 - مجئ (المولى) بمعنى (المليك) فهل ياترى لم يلحظ شاه ولي الله تفسير الجلالين ؟ ! أو لم يقف على تصريح البخاري بمجئ (المولى) بمعنى (المليك) وهو مرادف (ولي الامر) ؟ !. قال البخاري في كتاب التفسير: (باب: ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والاقربون والذين عاقدت ايمانكم فآتوهم نصيبهم ان الله كان على كل شي شهيدا - وقال معمر: موالى: أولياء ورثة عاقد أيمانكم. هو مولى اليمين وهو الحليف. والمولى أيضا: ابن العم. والمولى: المنعم المعتق والمولى: المعتق. والمولى: المليك. والمولى: مولى في الدين) (2). ان مجئ (المولى) بمعنى (المليك) أيضا كاف لثبوت مطلوب الشيعة من


1) ازالة الخفا عن سيرة الخلفاء. 2) صحيح البخاري 8 / 199 بشرح ابن حجر. (*)

[106]

حديث الغدير، لان (المليك) و (ولي الامر) في المعنى واحد، وان كان أحد من المكابرين في شك من هذا الترادف ننقل له كلمات شراح البخاري في شرح كلامه المذكور: قال بدر الدين العيني: (ان لفظ المولى يأتي لمعان كثيرة، وذكر منها خمسة معان.. الرابع: يقال للمليك المولى، لانه يلي أمور الناس..) (1). وقال شهاب الدين القسطلاني: (.. والمولي: المليك، لانه يلي أمور الناس) (2). اذن يقال للمليك المولى لانه يلي امور الناس، فالمولى يستعمل بمعنى (ولي الامر) و (متولي الامر) أيضا قطعا. على أن هذا المعنى ثابت بوضوح من كلمات اللغويين، فقد قال الجوهري (والملكوت من الملك كالرهبوت من الرهبة، يقال: له ملكوت العراق وملكوة العراق أيضا، مثال الترقوة. وهو الملك والعز، فهو مليك وملك وملك، مثال فخذ وفخذ. كأن الملك مخفف من ملك والملك مقصور من مالك أو مليك، والجمع الملوك والاملاك والاسم الملك، والموضع المملكة وتملكه أي ملكه قهرا ومليك النحل يعسوبها) (3). وقد ترجم اللغويون المترجمون للغات العربية الى الفارسية لفظة (الملك) ب‍ (شاه) و (پادشاه) كما لا يخفى على من راجع (صراح اللغة) و (منتهى الارب في لغات العرب). ثم ان المراد من (معمر) في كلام البخاري هو (أبو عبيدة معمر بن المثنى


1) عمدة القاري 18 / 170. 2) ارشاد الساري 7 / 77. 3) الصحاح - ولي.

[107]

اللغوي) وبه صرح ابن حجر العسقلاني في الشرح حيث قال: (ومعمر هذا بسكون المهملة - وكنت أظنه معمر بن راشد. الى أن رأيت الكلام المذكور في المجاز لابي عبيدة واسمه معمر بن المثنى، ولم أره عن معمر بن راشد وانما أخرج عبد الرزاق عنه في قوله: ولكل جعلنا موالي، قال: الموالي الاولياء الاب والاخ والابن وغيرهم من العصبة، وكذا أخرجه اسماعيل القاضي في الاحكام من طريق محمد بن ثور عن معمر، وقال أبو عبيدة: ولكل جعلنا موالي: أولياء [و] ورثة، والذين عاقدت أيمانكم، فالمولي ابن العم، وساق ما ذكره البخاري وأنشد في الموالي ابن العم: مهلا بني عمنا مهلا موالينا. ومما لم يذكره وذكره غيره من أهل اللغة: الموالي: المحب. والمولى الجار. والمولى: الناصر. والمولى: الصهر. والمولى: التابع. والمولى: الولي..) (1). فظهر أن المراد من (معمر) هو (أبو عبيدة اللغوي معمر بن المثنى). وقد نقل ابن حجر عن اللغويين مجئ (المولى) بمعنى (الولي). (المولى) بمعنى (الاولى) من حديث في الصحيحين بل ان دلالة (المولى) على الاولوية في التصرف ثابتة بوضوح من حديث أخرجه الشيخان عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا نصه فيهما: قال البخاري: (حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو عامر، ثنا فليح عن هلال ابن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: مامن مؤمن الا وأنا أولى به في الدنيا والاخرة، اقرأوا ان شئتم: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا.


1) فتح الباري في شرح صحيح البخاري 8 / 199.

[108]

ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه) (1). وأخرجه مرة أخرى في كتاب التفسير في تفسير سورة الاحزاب (2). وقال مسلم بن الحجاج: (حدثني محمد بن رافع قال: ناشبابة قال: حدثني ورقاء عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: والذي نفس محمد بيده ان ما على الارض من مؤمن الا وأنا أولى الناس به، فأيكم ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه وأيكم ترك مالا فالى العصبة من كان) (3). فهذا الحديث ظاهر في كون (المولى) بمعنى) (الاولى بالتصرف)، لان النبي (صلى الله عليه وآله) قال أولا: (مامن مؤمن الا وأنا أولى به..) ثم فرع على ذلك قوله: (فأيما مؤمن..) فظهر أن المراد من قوله بالتالي: (فأنا مولاه) هو الاولوية التي نص عليها واستدل عليها بالاية الكريمة. وفي شرح القسطلاني في كتاب التفسير بشرح قوله: (وأنا مولاه) ما نصه (أي: ولي الميت أتولى عنه أموره) (4). وظاهره أن المراد من (المولى) في هذا الحديث هو (متولي الامر). وشرحه بعضهم بمعنى (القائم بالمصالح) و (ولي الامر)، ففي شرح شمس الدين الكرماني: (وقضاء دين المعسر كان من خصائصه (صلى الله عليه وسلم)، وذلك كان من خالص ماله، وقيل: من بيت المال. وفيه: انه قائم بمصالح الامة حيا وميتا وولي أمرهم في الحالين) (5).


1) صحيح البخاري 3 / 155 باب في الاستقراض واداء الديون والحجر والتفليس. 2) المصدر 8 / 420 بشرح ابن حجر. 3) صحيح مسلم. كتاب الفرائض. 4) ارشاد الساري 7 / 280. 5) الكواكب الدراري 23 / 159 كتاب الفرائض.

[109]

وقال النووي: (ومعنى هذا الحديث: ان النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم وموته، وأنا وليه في الحالين، فان كان عليه دين قضيته من عندي ان لم يخلف وفاء، وان كان له مال فهو لورثته لا آخذ منه شيئا، وان خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا الي فعلي نفقتهم ومؤنتهم) (1). فالمولى اذن هو (ولي الامر) و (متولي الامر) و (القائم بمصالح المتولي عليه). وفي شرح ابن حجر العسقلاني: (فأنا مولاه. أي: وليه) (2). وهو يريد (ولي الامر) قطعا. اعتراف الرازي بمجئ (المولى) بمعنى (ولي الامر) ولقد بلغ مجئ (المولى) بمعنى (ولي الامر) في الثبوت والشهرة حدا بحيث لم يتمكن الرازي مع كثرة تعصبه من انكاره وجحده، بل لقد أثبته إذ قال في (نهاية العقول): (وأما قول الاخطل ع: فأصبحت مولاها من الناس بعده. وقوله: ع: لم يأشروا فيه إذ كانوا مواليه، وقوله: موالي حق يطلبون به. فالمراد بها: الاولياء. ومثله قوله (عليه السلام): مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله. أي: أولياء الله ورسوله. وقوله (عليه السلام): أيما امرأة تزوجت بغير اذن مولاها. والرواية المشهورة مفسرة له. وقوله: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا. أي وليهم وناصرهم، وأن الكافرين لا مولى لهم. أي لا ناصر لهم. هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعامة المفسرين).


1) المنهاج في شرح صحيح مسلم هامش - ارشاد الساري. كتاب الفرائض. 2) فتح الباري 12 / 7.

[110]

ومن الواضح أن المراد من (الولي) في هذا المقام هو (ولي الامر). فظهر أن شاه ولي الله الدهلوي أكثر تعصبا وأشد عنادا من الفخر الرازي الشهير بالعناد والتعصب. 6 - مجئ (المولى) بمعنى (الرئيس) وقال الفخر الرازي: (أما قوله: لبئس المولى ولبئس العشير. فالمولى هو الولي والناصر، والعشير الصاحب والمعاشر. واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق، لان ذلك لا يكاد يستعمل في الاوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله تعالى الذي يجمع خير الدنيا والاخرة الى عبادة الاصنام والى طاعة الرؤساء. ثم ذم الرؤساء بقوله: لبئس المولى. المراد به ذم من انتصر بهم والتجأ إليهم) (1). فظهر أن (المولى) يأتي بمعنى (الرئيس) وهو و (ولي الامر) و (متولى الامر) واحد كما لا يخفى. وممن قال بمجئ (المولى) بمعنى (ولي الامر) جماعة من مشاهير العلماء ومحققي اللغويين كالانباري حيث قال: (والمولى في اللغة ينقسم الى ثمانية أقسام أولهن: المولى المنعم المعتق، ثم المنعم عليه المعتق، والمولى: الولي، والمولى: الاولى بالشئ..) (2). وقد أورد كلام الانباري هذا ابن البطريق - يحيى بن الحسن الحلي


1) تفسير الرازي 23 / 15. 2) مشكل القرآن: ولى. (*)

[111]

المتوفي سنة 600 - قائلا: (وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري في كتابه المعروف بتفسير المشكل في القرآن في ذكر أقسام المولى: ان المولى: الولي. والمولى: الاولى بالشئ. واستشهد على ذلك بالاية المقدم ذكرها، وببيت لبيد أيضا: كانوا موالي حق يطلبون به * فادركوه وما ملوا ولا تعبوا) (1). وكالسجستاني العزيزي حيث قال: (مولانا أي ولينا. والمولى على ثمانية أوجه: المعتق والمعتق والولي والاولى بالشئ وابن العم والصهر والجار والحليف) (2). وكأبي زكريا ابن الخطيب التبريزي إذ قال: (المولى عند كثير من الناس هو ابن العم خاصة وليس هو هكذا، ولكنه الولي وكل ولي للانسان فهو مولاه، مثل: الاب والاخ والعم وابن العم، وما وراء ذلك من العصبة كلهم. ومنه قوله: اني خفت الموالي من ورائي. ومما يبين ذلك: أي المولى كل ولي حديث النبي (صلى الله عليه وآله) أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل. أراد بالمولى الولي. وقال عزوجل: يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا، أفتراه انما عنى ابن العم خاصة دون سائر أهل بيته ؟ ويقال للحليف أيضا مولى..) (3). وكالفيروز آبادي: (والمولى: المالك والعبد والمعتق والمعتق و الصاحب والقريب كابن العم ونحوه والجار والحليف والابن والعم والنزيل والشريك وابن الاخت والولي والرب والناصر والمنعم عليه والمحب


1) العمدة لابن بطريق: 55. 2) نزهة القلوب 209. 3) غريب الحديث: ولى.

[112]

والتابع والصهر..) (1). وكأبي ليث السمرقندي حيث قال: (أنت مولانا. يعني ولينا و حافظنا) (2). وقال أيضا: (بل الله مولاكم. يقول: أطيعوا الله تعالى فيما يأمركم. هو مولاكم يعني وليكم وناصركم) (3). وكالثعلبي حيث قال: (أنت مولانا. أي ناصرنا وحافظنا وولينا وأولى بنا) (4). وكالواحدي: (بل الله مولاكم. ناصركم ومعينكم. أي فاستغنوا عن موالاة الكفار فلا تستنصروهم، فاني وليكم وناصركم) (5). وكالبغوي (أنت مولانا. ناصرنا وحافظنا وولينا) (6). وكابن الجوزي (والله مولاكم. أي وليكم وناصركم) (7). وكالقمولى: (والله مولاكم. أي وليكم وناصركم..) (8). وكالنيسابوري: (.. بأن الله مولى الذين آمنوا. أي وليهم و ناصرهم) (9).


1) القاموس: ولى. 2) تفسير أبي الليث - مخطوط. 3) المصدر. 4) تفسير الثعلبي - مخطوط. 5) التفسير الوسيط للواحدي - مخطوط. 6) معالم التنزيل 1 / 265. 7) زاد المسير 8 / 307. 8) تكملة تفسير الرازي - مخطوط. 9) تفسير النيسابوري 26 / 24.

[113]

فهؤلاء وغيرهم يفسرون (المولى) ب‍ (الولي)، وحيث أنهم يفسرون (الولي) ب‍ (ولي الامر) (ومتولي الامر) فانه يكون معنى (المولى) هو (مولى الامر) و (متولي الامر). وقد جاء تفسير (الولي) بمعنى (ولي الامر) في تفسير الرازي حيث قال (قوله تعالى: [الله ولي الذين آمنوا..] فيه مسألتان. المسألة الاولى: الولي فعيل بمعنى فاعل من قولهم: ولي فلان الشئ يليه ولاية فهو وال وولي. وأصله من الولي الذي هو القرب، قال الهذلي: [وعدت عواد دون وليك تشغب] ومنه يقال: داري تلي دارها أي تقرب منها، ومنه يقال للمحب المعاون: ولي لانه يقرب منك بالمحبة والنصرة ولا يفارقك، ومنه الوالي لانه يلي القوم بالتدبير والامر والنهي ومنه المولى) (1). وجاء تفسير (الولي) بمعنى (متولي الامر) في تفسير النيسابوري حيث قال: (الله ولي الذين آمنوا. أي متولي أمورهم وكافل مصالحهم. فعيل بمعنى فاعل. والتركيب يدل على القرب. فالمحب ولي لانه يقرب منك بالمحبة والنصرة، ومنه الوالي لانه يلي القوم بالتدبير) (2).


1) تفسير الرازي 7 / 18. 2) تفسير النيسابوري 3 / 21.

[114]

حديث الغدير بلفظ: " من كنت وليه فعلى وليه " وقد جاء في كثير من طرق حديث الغدير لفظ " من كنت وليه فعلي وليه " بدل " من كنت مولاه فعلي مولاه " وهذا دليل على مجئ (المولى) بمعنى (الولي) ومجئ (المفعل) بمعنى (الفعيل). واليك نصوص بعض الاخبار المشتملة على ذلك: { 1 } رواية احمد بن حنبل لقد جاء في مسند أحمد ما نصه: (حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا وكيع ثنا الاعمش عن سعد بن عبيدة عن ابن بريدة عن أبيه قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من كنت وليه فعلي وليه) (1). وفيه: (حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أبو معاوية، ثنا الاعمش عن سعد بن عبيدة عن ابن بريدة عن أبيه قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)


1) مسند أحمد 5 / 361.

[115]

في سرية قال لما قدمنا قال: كيف رأيتم صحابة صاحبكم. قال: فاما شكوته أو شكاه غيري قال: فرفعت رأسي وكنت رجلا مكبابا، قال: فرأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) قد احمر وجهه قال وهو يقول: من كنت وليه فعلي وليه) (1). وفيه: (حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا وكيع ثنا الاعمش عن سعد بن عبيدة عن ابن بريدة عن أبيه أنه مر على مجلس وهم يتناولون من علي، فوقف عليهم فقال: انه قد كان في نفسي على علي شئ، وكان خالد بن الوليد كذلك، فبعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سرية عليها علي وأصبنا سبيا، قال: فأخذ علي جارية من الخمس لنفسه. فقال خالد بن الوليد: دونك. قال: فلما قدمنا على النبي (صلى الله عليه وآله) جعلت أحدثه بما كان. ثم قلت: ان عليا أخذ جارية من الخمس. قال: وكنت رجلا مكبابا. قال فرفعت رأسي فإذا وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد تغير فقال: من كنت وليه فعلي وليه) (2). { 2 } رواية النسائي وقال النسائي: (ذكر قول النبي (صلى الله عليه وآله) من كنت وليه فعلي وليه. أنبأنا محمد بن المثنى قال ثنا يحيى بن حماد قال: أخبرنا أبو عوانة عن سليمان قال حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن ارقم رضى الله عنه قال: لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت، واني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا


1) المسند 5 / 350. 2) المصدر 5 / 358.

[116]

كيف تخلفوني فيهما، فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم قال: ان الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن. ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فقلت لزيد: سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: ما كان في الدوحات أحد الا رآه بعينه وسمعه باذنه. أخبرنا أبو كريب محمد بن العلاء الكوفي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الاعمش عن سعيد بن عمير عن ابن بريدة عن أبيه قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واستعمل علينا عليا، فلما رجعنا سألنا: كيف رأيتم صحبة صاحبكم ؟ فاما شكوته أنا أو شكاه غيري، فرفعت رأسي وكنت رجلا من مكة [مكبابا] وإذا وجه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد احمر فقال: من كنت وليه فعلي وليه) (1). (أخبرنا أحمد بن عثمان [البصري ابو الجوزاء] قال ثنا ابن عثمة - وهو محمد بن خالد البصري - عن عائشة بنت سعد عن سعد قال: أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد علي فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألم تعلموا أني أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: نعم صدقت يارسول الله. ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال: من كنت وليه فهذا وليه، وان الله ليوالي من والاه ويعادي من عاداه. أخبرنا زكريا بن يحيى قال حدثنا يعقوب بن جعفر بن أبي كثير عن مهاجر ابن مسمار قال أخبرتني عائشة بنت سعد عن سعد قال: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بطريق مكة وهو متوجه إليها، فلما بلغ غدير خم وقف للناس، ثم رد من تبعه ولحقه من تخلف، فلما اجتمع الناس إليه قال: ايها الناس من وليكم ؟ قالوا: الله ورسوله - ثلاثا - ثم أخذ بيد علي فأقامه ثم قال: من كان الله ورسوله


1) الخصائص 93 - 94.

[117]

وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (1). (اخبرنا الحسين بن حريث المروزي قال أخبرنا الفضل بن موسى عن الاعمش عن أبي اسحاق عن سعيد بن وهب قال قال علي كرم الله وجهه في الرحبة: انشد الله من سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم غدير خم يقول: ان الله وليي وأنا ولي المؤمنين، ومن كنت وليه فهذا وليه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره. قال فقال سعيد: فقام الى جنبي ستة. وقال زيد بن يثيع من عندي ستة - وقال عمرو ذو مر: أحب من أحبه وأبغض من أبغضه. وساق الحديث) (2). (أنبأنا يوسف بن عيسى أنبأنا الفضل بن موسى قال ثنا الاعمش عن أبي اسحاق عن سعيد بن وهب قال قال علي رضي الله عنه في الرحبة: أنشد بالله من سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم غدير خم يقول: الله وليي وأنا ولي المؤمنين ومن كنت وليه فهذا وليه..) (3). { 3 } رواية ابن ماجة وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني: (ثنا علي بن محمد نا أبو الحسين أخبرني حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: أقبلنا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حجته


1) الخصائص: 101. 2) المصدر: 103. 3) المصدر: 103.

[118]

التي حج، فنزل في بعض الطريق، فأمر الصلاة جامعة، فأخذ بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى. قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى. قال فهذا ولي من أنا مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (1). { 4 } رواية الطبري وأخرج محمد بن جرير الطبري أحاديث عديدة متضمنة للفظ (الولي) بدلا عن (المولى) وقد روى القاري هذه الاحاديث، واليك ذلك: (عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: لما رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من حجة الوداع فنزل غدير خم أمر بدوحات فقممن. ثم قام فقال: كأني قد دعيت فأجبت، اني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم قال: ان الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت وليه فعلي وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فقلت: لزيد: أنت سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد الا قد رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. ابن جرير. أيضا عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مثل ذلك. ابن جرير) (2). (عن أبي الضحى عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)


1) سنن ابن ماجة 1 / 43. 2) كنز العمال 13 / 104.

[119]

من كنت وليه فعلي وليه. ابن جرير) (1). (عن بريدة قال: بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في سرية واستعمل علينا عليا، فلما جئنا سألنا رسول الله " ص " كيف رأيتم صحبة صاحبكم ؟ فاما شكوته أنا واما شكاه غيري، فرفعت رأسي وكنت رجلا مكبابا إذا حدثت الحديث أكببت، فإذا النبي " ص " قد احمر وجهه فقال: من كنت وليه فان عليا وليه، فذهب الذي في نفسي عليه فقلت: لا أذكره بسوء - ابن جرير) (2). { 5 } رواية الحاكم النيسابوري وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: (حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد ابن تميم الحنظلي ببغداد ثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي ثنا يحيى ابن حماد، وحدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه وأبو بكر أحمد بن جعفر البزاز قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا يحيى بن حماد. وثنا أبو نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي ثنا خلف بن سالم المخرمي ثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن سليمان الاعمش قال ثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله " ص " من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قال: كأني قد دعيت فأجبت، اني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر كتاب الله تعالى، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني


1) كنز العمال 13 / 105. 2) المصدر 13 / 135.

[120]

فيهما فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم قال: الله عزوجل مولاي وأنا ولي كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت وليه فهذا وليه. اللهم وال من والاه. وذكر الحديث بطوله. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله. شاهده حديث سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل أيضا صحيح على شرطهما) (1). { 6 } رواية الخطيب الخوارزمي وروى الموفق بن احمد المعروف بأخطب خوارزم حديث الغدير بسنده عن الحاكم النيسابوري كما تقدم مضيفا إليه: (فقلت: أنت سمعت من رسول الله " ص " ؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد الا رآه بعينه وسمعه بأذنه) (2). { 7 } رواية ابن المغازلي ورواه علي بن محمد الجلابي المعروف بابن المغازلي حيث قال: (أخبرنا أبو يعلي علي بن عبيد الله بن العلاف البزار اذنا قال: أخبرنا عبد السلام بن عبد الملك بن حبيب البزار قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال: حدثنا محمد بن بكر بن عبد الرزاق حدثنا أبو حاتم مغيرة بن محمد المهلبي قال: حدثني مسلم بن ابراهيم حدثنا نوح بن قيس الحداني حدثنا الوليد بن صالح عن ابن امرأة زيد بن أرقم قالت: أقبل نبي الله من مكة في حجة الوداع حتى


1) المستدرك على الصحيحين 3 / 109. 2) مناقب الخوارزمي: 93.

[121]

نزل " ص " بغدير الجحفة بين مكة والمدينة، فأمر بالدوحات فقم ما تحتهن من شوك، ثم نادى: الصلاة جامعة. فخرجنا الى رسول الله " ص " في يوم شديد الحر، وان منا لمن يضع رداءه على رأسه وبعضه على قدميه من شدة الرمضاء، حتى انتهينا الى رسول الله " ص " فصلى بنا الظهر ثم انصرف الينا فقال: الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكل عليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدى، وأشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد أيها الناس، فأنه لم يكن لنبي من العمر الا نصف من عمر من قبله، وان عيسى بن مريم لبث في قومه أربعين سنة، واني قد أسرعت في العشرين، ألا واني يوشك أن أفارقكم، ألا واني مسؤول وأنتم مسؤولون فهل بلغتكم ؟ فماذا أنتم قائلون ؟ فقام من كل ناحية من القوم مجيب يقولون: نشهد أنك عبد الله ورسوله قد بلغت رسالته وجاهدت في سبيله وصدعت بأمره، وعبدته حتى أتاك اليقين، جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته. فقال: ألستم تشهدون أن لا اله الا الله لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ؟ وأن الجنة حق وأن النار حق وتؤمنون بالكتاب كله ؟ قالوا: بلى. قال: فاني أشهد أن قد صدقتكم وصدقتموني، ألا واني فرطكم وانكم تبعي توشكون أن تردوا علي الحوض، فأسألكم حتى تلقونني عن ثقلي كيف خلفتموني فيهما. قال فأعيل علينا ما ندري ما الثقلان، حتى قام رجل من المهاجرين وقال: بأبي وأمي أنت يا نبي الله ما الثقلان ؟ قال (صلى الله عليه وآله): الاكبر منهما كتاب الله تعالى، سبب طرفه بيد الله وطرف بأيديكم فتمسكوا به ولا تضلوا، والاصغر منهما عترتي، من استقبل قبلتي وأجاب دعوتي، فلا تقتلوهم ولا تقهروهم ولا تقصروا عنهم، فاني قد سألت

[122]

لهم اللطيف الخبير فأعطاني، ناصرهما لي ناصر وخاذلهما لي خاذل، ووليهما لي ولي وعدوهما لي عدو. ألا وانهما لم تهلك أمة قبلكم حتى تتدين بأهوائها وتظاهر على نبوتها، وتقتل من قام بالقسط، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فرفعها ثم قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، ومن كنت وليه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قالها ثلاثا. هذا آخر الخطبة) (1). { 8 } رواية الحمويني ورواه ابراهيم بن محمد بن حمويه بسنده عن مهاجر بن مسمار عن عائشة بنت سعد عن سعد.. كما تقدم سابقا (2). { 9 } رواية ابن كثير ورواه اسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير الدمشقي عن النسائي في سننه ثم قال: (تفرد به النسائي من هذا الوجه. قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح. وقال ابن ماجة.. وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر عن علي بن جدعان عن عدي عن البراء) (3).


1) المناقب لابن المغازلى 16 - 18. 2) فرائد السمطين 1 / 70 3) تاريخ ابن كثير 5 / 209.

[123]

{ 10 } رواية ولي الله الدهلوي ورواه شاه ولي الله الدهلوي عن الحاكم النيسابوري (من طريق سليمان الاعمش عن حبيب عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم..) (1). فظهر: أولا ان (المفعل) يأتي بمعنى (الفعيل). وثانيا: ان (المولى) يأتي بمعنى (الولي). وثالثا: ان هذه الاحاديث - ولاسيما حديث سعد - تدل على الامامة بوضوح، لان الامام (عليه السلام) هو (ولي الامر) و (المتصرف في الامر) وهو المراد من (الولي) في هذه الاحاديث قطعا، لان النبي (صلى الله عليه وآله) سأل الاصحاب: (من وليكم) فقالوا: (الله ورسوله)، فلو كان المراد من (الولي) هو (المحب) لم يكن لحصر الولاية بالله ورسوله معنى، ثم انه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن أثبت هذه الولاية لله ورسوله وشهد القوم بذلك قال (من كان الله ورسوله وليه فان هذا وليه) أي: فمن كان الله ورسوله المتصرف في أمره فان عليا هو المتصرف في أمره. 7 - مجئ (المولى) بمعنى (السيد) وقد ثبت من كلمات جماعة من أعلام القوم ومشاهيرهم مجئ لفظة (المولى) بمعنى (السيد)، وممن فسرها بهذا المعنى وأثبته: أحمد بن الحسن الزاهد بتفسير قوله تعالى: [حتى إذا جاء أحدكم الموت


1) ازالة الخفا في سيرة الخفاء لولى الله الدهلوى.

[124]

توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا الى الله مولاهم الحق]. والزمخشري بتفسير قوله تعالى: [أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين] (1). وابن الاثير حيث قال: (وقد تكرر ذكر المولى في الحديث، وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو: الرب والمالك والسيد..) (2). والنووي حيث أورد كلام ابن الاثير (3). وأحمد الكواشى والبيضاوي والنسفي بتفسير الاية: [أنت مولانا..]. والطيبى حيث قال: (قوله: من كنت مولاه. نه: المولى يقع على جماعة كثيرة المالك والسيد..) (4). وابن كثير بتفسير قوله تعالى: [وان تولوا فاعلموا ان الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير] (5). وجلال الدين السيوطي في (النثير) و (تفسير الجلالين). وعلى بن سلطان القارى في (شرح المشكاة) (6). والفاضل رشيد الدين خان الدهلوي تلميذ (الدهلوي) في (ايضاح لطافة المقال).


1) الكشاف 1 / 333. 2) النهاية: ولى. 3) تهذيب الاسماء واللغات 4 / 196. 4) شرح المشكاة - مخطوط. 5) تفسير ابن كثير 2 / 309. 6) المرقاة في شرح المشكاة 5 / 568.

[125]

واذ ثبت أن (المولى) يأتي بمعنى (السيد) فان (السيد) بمعنى (الامام) و (الرئيس) كما سيجئ فيما بعد ان شاء الله تعالى، وبذلك يتم الاستدلال بحديث الغدير من هذا الوجه أيضا. ومن هنا قال الشريف المرتضى قده: (وذكرت [يوما] بحضرة الشيخ [أبي عبد الله دام عزه] ما ذكره أبو جعفر محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي رحمه الله في كتاب الانصاف حيث ذكر أن شيخا من المعتزلة أنكر أن تكون العرب تعرف المولى سيدا واماما. قال: فانشدته قول الاخطل: فما وجدت فيها قريش لامرها * أعف وأوفى من أبيك وأمجدا وأورى بزنديه ولو كان غيره * غداة اختلاف الناس أكدى وأصلدا فأصبحت مولاها من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا قال أبو جعفر رحمه الله: فأسكت الشيخ كأنما ألقم حجرا، وجعلت استحسن ذلك) (1). فتلخص: أن كلا من هذه المعاني التي اعترف بها الخصوم للفظة (المولى) يفيد الامامة والرياسة وهي معاني متقاربة ومتلازمة، يفي أحدها بالغرض من الاستدلال بالحديث فكيف بجميعها، فما ذكرناه كاف لدفع شبهات المتعصبين وقمع خرافات الجاحدين، والحمد لله رب العالمين. دعوى عدم مجئ (مفعل) بمعنى (أفعل) قوله: (بل قالوا ان مفعلا لم يجئ بمعنى أفعل في مادة من المواد فضلا عن


1) الفصول المختارة من العيون والمحاسن 1 / 4 - 5.

[126]

هذه المادة بالخصوص). أقول: هذه دعوى كاذبة أخرى، فقد وقفت على نصوص كلمات أهل العربية الدالة على أن (مفعلا) يجئ بمعنى (أفعل) حيث فسروا (المولى) بمعنى (الاولى) وبذلك ثبت مجئ (مفعل) بمعنى (أفعل) في خصوص هذه المادة. وكم فرق بين هذا الكلام من (الدهلوي) وكلام (الكابلي) في كتابه (الصواقع) الذي انتحله (الدهلوي). فقد قال الكابلي ما نصه: (وهو باطل لان مولى لم يجئ بمعنى الاولى، ولم يصرح أحد من أهل العربية أن مفعلا جاء بمعنى أفعل). فالكابلي لم يدع أن أهل العربية قد نصوا على أن مفعلا ما جاء بمعنى أفعل في مادة مطلقا فكيف هذه المادة بالخصوص. وهذا مما يوضح أن ما نسبه (الدهلوي) الى أهل العربية ليس الا كذبا مفترى. هذا والجدير بالذكر أن الفخر الرازي قد سعى سعيا حثيثا وبذل جهدا كثيرا في انكار مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)، وقد ذكر (الدهلوي) خلاصة كلام الرازي مع اسقاط الموارد التي اعترف فيها الرازي بالحق والحقيقة، مثل تفسير الزجاج والاخفش والرماني لفظ (المولى) ب‍ (الاولى)، والاستشهاد بشعر لبيد، وتصريحه بحكم ابن الانباري بأن (المولى) هو (الاولى). لكنه - أي (الدهلوي) - أضاف الى كلام الرازي أكاذيب وافتراءات لم يتفوه بها الرازي. أكاذيب (الدهلوى) في هذه الدعوى فمن تلك الاكاذيب [1] قوله بأن أهل العربية قاطبة ينكرون مجئ

[127]

(المولى) بمعنى (الاولى)، فان هذا غير موجود في كلام الرازي، بل ظاهر كلامه تكذيب هذه الدعوى، لانه تارة ينقل تفسير (المولى) ب‍ (الاولى) والاستشهاد بشعر لبيد عن أبي عبيدة والاخفش والزجاج والرماني، وأخرى يصرح بحكم أبي عبيدة وابن الانباري بأن (المولى) هو (الاولى). [2] قوله: ذكر أهل العربية أن مفعلا لم يجئ بمعنى الافعل في مادة فضلا عن خصوص هذه المادة. فان هذه الدعوى غير مذكورة في كلام الرازي، نعم قال بأن أحدا من أئمة النحو واللغة لم يذكر مجئ مفعل بمعنى أفعل، والفرق بين الكلامين واضح جدا، لان الرازي يدعي أن أحدا من علماء العربية لم يذكر هذا المعنى، بينما يدعي (الدهلوي) تصريحهم بعدم مجئ ذلك. [3] (الدهلوي) حصر القول بمجئ (المولى) بمعى (الاولى) في أبي زيد اللغوي، بينما لم يذكر الرازي هذا الحصر الباطل، بل كلامه ظاهر في بطلانه، إذ ينقل القول بذلك عن جماعة من أئمة اللغة. [4] ان جمهور أهل العربية يخطئون أبا زيد تجويزه مجئ (المولى) بمعنى (الاولى). وهذا كذب واضح لم يجرأ عليه الرازي. [5] ان أهل العربية يخطئون أبا زيد اعتماده على تفسير أبي عبيدة ل‍ (مولاكم) في الاية الكريمة ب‍ (أولى). وهذا أيضا لم يتفوه به الرازي. [6] ان جمهور أهل العربية قالوا بأنه لو صح هذا القول لزم جواز أن يقال (مولى منك) بدل (أولى منك). لكن هذه الشبهة هي من الرازي نفسه، فانه قد ذكرها ولم ينسبها الى أحد من علماء أهل العربية فضلا عن جمهورهم. [7] ان جمهور أهل العربية قالوا بأن (فلان مولى منك) باطل منكر بالاجماع. وهذا الكلام يشتمل على كذبتين، أحدهما حكمهم ببطلان هذا

[128]

الاستعمال. والثانية: دعوى اجماعهم على ذلك، وذلك لان أهل العربية لم ينصوا على بطلان هذا الاستعمال أبدا. [8] ان جمهور أهل العربية قالوا بأن تفسير أبي عبيدة هو بيان حاصل المعنى. وهذه الشبهة ذكرها الرازي نفسه ولم ينسبها الى أحد أصلا، فكيف الى جمهور أهل العربية. [9] ان جمهور أهل العربية ذكروا حاصل معنى الاية - بصدد تخطئة تفسير أبي عبيدة - بأنه يعني: النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم. ومن لاحظ كلماتهم يعلم أنهم ذكروا هذا المعنى ضمن المعاني التي تحتملها الاية المذكورة، لابصدد تخطئة أبي عبيدة. [10] ان جمهور أهل العربية قالوا بأن تفسير أبي عبيدة ليس كون لفظ (المولى) بمعنى (الاولى). فظهر أن (للدهلوي) في كلمته المختصرة هذه أكاذيب عشرة لم يتفوه الرازي في تلفيقاته المطولة بواحدة منها. الاصل في هذه الدعوى هو الرازي ثم ان الاصل في دعوى عدم مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) وعدم مجئ (مفعل) بمعنى (أفعل) هو الفخر الرازي فانه قال: (ثم ان سلمنا صحة أصل الحديث ومقدمته، فلا نسلم دلالته على الامامة، ولا نسلم أن لفظ المولى محتملة للاولى، والدليل عليه أمران: أحدهما - ان (أفعل من) موضوع ليدل على معنى التفضيل، و (مفعل) موضوع ليدل على الحدثان أو الزمان أو المكان، لم يذكر أحد من أئمة النحو واللغة أن المفعل قد يكون بمعنى أفعل التفضيل،

[129]

وذلك يوجب امتناع افادة المولى بمعنى الاولى) (1). ابطال كلام الرازي لقد ذكر الرازي للمفعل ثلاثة معان (1) الحدثان (2) الزمان (3) المكان ولم يذكر له معنى غيرها، والحال أن لفظ (المفعل) يأتي لافادة معنى (الفاعل) و (المفعول) و (الفعيل) كما سيعلم ذلك من كلمات أئمة اللغة الذين عليهم مدار علم العربية، وان مجيئه بهذه المعاني بلغ من الشهرة والظهور الى حد لم يتمكن أحد من المتعصبين انكاره، بل ان الرازي نفسه يعترف بمجيئه بمعنى (الفاعل) و (الفعيل). فقد قال في (نهاية العقول): (وأما قول الاخطل: قد أصبحت مولاها من الناس بعده. وقوله: لم تأشروا فيه إذ كنتم مواليه. وقوله: موالي حق يطلبون. فالمراد بها الاولياء. ومثله قوله (عليه السلام): مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله. أي: أولياء الله ورسوله. وقوله (عليه السلام): أيما امرأة تزوجت بغير اذن مولاها. والرواية المشهورة مفسرة له. وقوله: ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا - أي: وليهم وناصرهم - وأن الكافرين لا مولى لهم - أي لا ناصر لهم - هكذا روى ابن عباس ومجاهد و عامة المفسرين). فان كان مراد الرازي من قوله: (مفعل موضوع ليدل على الحدثان أو


1) نهاية العقول للفخر الرازي - مخطوط.

[130]

الزمان أو المكان) هو حصره في هذه المعاني كان اللازم بطلان مجيئه بمعنى الفاعل والفعيل والمفعول، وان لم يكن مراده الحصر كان هذا الكلام لغوا لا محصل له. وأما قوله: (ولم يذكر أحد من أئمة النحو واللغة أن المفعل قد يكون بمعنى أفعل التفضيل) فيبطله تصريح كبار أئمة اللغة والتفسير بافادة (المولى) معنى (الاولى) بالخصوص. على أنه لا ملازمة عقلا ونقلا بين عدم مجئ (المفعل) بمعنى (الافعل) في مادة لو ثبت وبين عدم مجئ (المولى) بمعنى (الاولى). فقوله: (وذلك يوجب امتناع افادة المولى لمعنى الاولى) باطل جدا، والا لزم بطلان الاستعمالات النادرة والالفاظ المستعملة في الكتاب والسنة وكلام العرب وهي لا نظير لها في العربية. من الاستعمالات التي لا نظير لها في العربية ولا يخفى على من مارس ألفاظ الكتاب والسنة ووقف على كلمات علماء العربية، كثرة هذه الاستعمالات التي لا نظير لها، وشيوع استعمال الالفاظ النادرة ونحن نتعرض هنا الى نماذج من تلك الاستعمالات: فمن ذلك (عجاف) وهو جمع (أعجف) قال الله تعالى: [وقال الملك اني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف..] (1). ولا نظير لهذا اللفظ في العربية، قال السيوطي: (وقال - أي ابن فارس - ليس في الكلام أفعل مجموعا على فعال الا أعجف وعجاف) (2). وقال الجوهري: (العجف


1) سورة يوسف: 43. 2) المزهر في اللغة 2 / 77.

[131]

بالتحريك: الهزال، والاعجف المهزول، وقد عجف، والانثى عجفاء، والجمع عجاف على غير قياس، لان أفعل وفعلاء لا يجمع على فعال ولكنهم بنوه على سمان، والعرب قد تبني الشئ على ضده) (1). وقال الفخر الرازي نفسه بتفسير الاية المباركة: (المسألة الاولى: قال الليث: العجف ذهاب السمن، والفعل عجف يعجف، والذكر أعجف والانثى عجفاء، والجمع عجاف في الذكران والاناث، وليس في كلام العرب أفعل وفعلاء جمعا على فعال غير أعجف وعجاف، وهي شاذة حملوها على لفظ سمان فقالوا: سمان وعجاف لانهما نقيضان. ومن دأبهم حمل النظير على النظير والنقيض على النقيض) (2). ومن ذلك (هاؤم)، قال السيوطي: (قال ابن هشام في تذكرته: اعلم ان هاؤما وهاؤم نادر في العربية لا نظير له، ألا ترى أن غيره من صه ومه لا يظهر فيه الضمير البتة، وهو مع ندوره غير شاذ في الاستعمال ففي التنزيل: هاؤم اقرأوا كتابيه) (3). ومن ذلك (ميسره) بضم السين - وهو قراءة عطاء - قال السيوطي: (قال سيبويه وليس في الكلام مفعل. قال ابن خالويه في شرح الدريدية: وذكر الكسائي والمبرد مكرما ومعونا ومألكا. فقال من يحج لسيبويه: ان هذه اسماء جموع وانما قال سيبويه لا يكون اسم واحد على مفعل. قال ابن خالويه: وقد وجدت انا في القرآن حرفا فنظرة الى ميسرة. كذا قرأها عطاء) 4.


1) الصحاح - العجف. 2) تفسير الرازي 18 / 147. 3) الاشباه والنظائر 2 / 89. 4) المزهر 2 / 33.

[132]

ومن ذلك (جمالات)، قال السيوطي: (ليس في كلامهم جمع جمع ست مرات الا الجمل، فانهم جمعوا جملا أجملا ثم اجمالا ثم جاملا ثم جمالا ثم جمالة ثم جمالات، قال تعالى: جمالات صفر فجمالات جمع جمع جمع جمع جمع الجمع) (1). ومن ذلك (تفاوت) بفتح الواو وكسرها. قال السيوطي: (ليس في كلامهم مصدر فاعل الا على التفاعل بضم العين، الا حرف واحد جاء مفتوحا ومكسورا ومضموما: تفاوت الامر تفاوتا وتفاوتا وتفاوتا، وهو غريب مليح. حكاه أبو زيد) (2). ومن ذلك (تكاد) مضارع كدت بضم الكاف قال السيوطي: (قال ابن قتيبة: كل ما كان على فعل فمستقبله بالضم، لم يأت غير ذلك الا في حرف واحد من المعتل، روى سيبويه أن بعض العرب قال: كدت تكاد) (3). ومن ذلك (سقط في أيديهم) قال السيوطي: (في شرح المقامات للمطرزي قال الزجاجي: سقط في أيديهم نظم لم يسمع قبل القرآن. ولا عرفته العرب، ولم يوجد ذلك في أشعارهم..) (4). ومن ذلك (نشدتك بالله لما فعلت) قال السيوطي: (وقال الرمخشري: في الاحاجي: قولهم نشدتك بالله لما فعلت. كلام محرف عن وجهه، معدول عن طريقه، مذهوب مذهب ما أغربوا به على السامعين من أمثالهم ونوادر ألغازهم


1) المصدر نفسه 2 / 58. 2) المصدر نفسه 2 / 52. 3) المزهر 2 / 61. 4) المصدر نفسه 2 / 153.

[133]

وأحاجيهم وملحهم وأعاجيب كلامهم..) (1). وان هذه الالفاظ والاستعمالات التي ذكرناها هي من باب التمثيل ومن شاء المزيد فليراجع كتاب (المزهر) وكتاب (الاشباه والنظائر) للسيوطي وغيرهما من كتب هذا الشأن. وقال السيوطي: (قال ابن جني في الخصائص: المسموع الفرد هل يقبل ويحتج به ؟ له أحوال أحدها - أن يكون فردا، بمعنى أنه لا نظير له في الالفاظ المسموعة، مع اطباق العرب على النطق به. فهذا يقبل ويحتج به ويقاس عليه اجماعا، كما قيس على قولهم في شنوة شناءي، مع أنه لم يسمع غيره، لانه لم يسمع ما يخالفه، وقد اطبقوا على النطق به..) (2). ومن طرائف الامور ذكر الرازي موردا لا نظير له حيث قال في (نهاية العقول): (وأما بيت لبيد فقد حكى عن الاصمعي فيه قولان أحدهما: ان المولى فيه اسم لموضع الولي كما بينا، أي تحسب البقرة أن كلا من الجانبين موضع المخافة، وانما جاء مفتوح العين تغليبا لحكم اللام على الفاء، على أن الفتح في معتل الفاء قد جاء كثيرا، منه موهب، موحد، وموضع، وموحل، والكسر في معتل اللام لم يسمع الا في كلمة واحدة وهي مأوى..) (3). جواب لطيف عن الدعوى ومن الاجوبة عن دعوى عدم مجئ (المولى) بمعنى (الافعل) وعدم ورود (مولى منك) في مكان (أولى منك) ما انقدح في ذهني ببركة أهل البيت (عليهم


1) الاشباه والنظائر 1 / 188. 2) المزهر 1 / 147.

[134]

السلام) وهو: ان عدم مجئ (المفعل) بمعنى (الافعل) في المواد الاخرى، وعدم صحة استعمال (مولى منك) بدل (أولى منك) يدل على أن في لفظة (المولى) شعاعا من نور لفظ الجلالة (الله)، لان الله تعالى قد أطلق هذا اللفظ على نفسه، وقرنه بلفظ الجلالة ونحوه من غير فصل، في موارد من القرآن الكريم: ففي سورة البقرة: [ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين]. وفي سورة آل عمران: [بل الله مولاكم وهو خير الناصرين]. وفي سورة الانعام: [ثم ردوا الى الله مولاهم الحق]. وفي سورة الانفال: [وان تولوا فاعلموا ان الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير]. وفي سورة التوبة: [قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون]. وفي سورة يونس: [وردوا الى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون]. وفي سورة الحج: [فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير]. وفي سورة محمد: [ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وان الكافرين لا مولى لهم]. وفي سورة التحريم: [قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم]. وأيضا في سورة التحريم: [وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير]. فالاولى والاحق باطلاق لفظ (المولى) عليه هو (الله) سبحانه ثم (النبي)

[135]

(صلى الله عليه وآله) ثم سيدنا (أمير المؤمنين) (عليه السلام)، ومن هنا أطلق النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك على نفسه، واختار هذا اللفظ في مقام بيان امامة علي (عليه السلام)، فكما أن لله تعالى والنبي والامام خصائص فان لهذا اللفظ أيضا من الخصائص مالا نصيب لغيره من الالفاظ منها. فيكون للفظ (المولى) خصائص كما للفظ (الله) خصائص اختص بها، قال نجم الائمة رضي الدين محمد بن الحسن الاسترا بادي * ترجم له السيوطي بقوله: (الرضي الامام المشهور، صاحب شرح الكافية لابن الحاجب، الذي لم يؤلف عليها بل ولا في غالب كتب النحو مثله، جمعا وتحقيقا وحسن تعليل. وقد أكب الناس عليه وتداولوه، واعتمده شيوخ هذا العصر فمن قبلهم في مصنفاتهم ودروسهم، وله فيه أبحاث كثيرة مع النحاة واختيارات جمة ومذاهب تفرد بها. ولقبه نجم الائمة. ولم أقف على اسمه ولا شئ من ترجمته، الا أنه فرغ من تأليف هذا الشرح سنة 683. وأخبرني صاحبنا شمس الدين ابن عرم بمكة أن وفاته سنة أربع وثمانين أو ست. الشك مني، وله شرح على الشافية (1)) * (والاكثر في يا الله قطع الهمزة، وذلك للايذان من أول الامر على أن الالف واللام خرجا عما كانا عليه في الاصل، وصارا كجزء الكلمة، حتى لا يستكره اجتماع يا واللام، فلو كان بقيا على أصلهما لسقط الهمزة في الدرج، إذ همزة اللام المعرفة همزة وصل، وحكى أبو علي: يا الله بالوصل على الاصل، وجوز سيبويه أن يكون الله من لاه يليه ليها، أي استتر، فيقال في قطع همزته واجتماع اللام وياان هذا اللفظ اختص بأشياء لا تجوز في غيره، كاختصاص مسماه تعالى. وخواصه ما في اللهم وتالله واآلله وها الله وذالله مجرورا بحرف مقدر في السعة، وأفالله بقطع الهمزة كما يجئ في باب القسم، وقوله:


1) بغية الوعاة 1 / 567.

[136]

من أجلك يا التي تيمت قلبي * وأنت بخيلة بالوصل عني شاذ، ووجه جوازه مع الشذوذ لزوم اللام. وقوله: فيا الغلامان اللذان فرا * اياكما ان تبغيا لي شرا أشد. وبعض الكوفيين يجوز دخول يا على ذي اللام مطلقا في السعة. والميمان في اللهم عوض من يا أخرتا تبركا باسمه تعالى..) (1).


1) شرح الكافية لنجم الائمة الاسترا بادي.

[137]

دعاوى حول قول أبي زيد بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى)

[139]

قوله: (الا أبا زيد اللغوي فانه جوز ذلك). أقول: 1 - هذه الدعوى كاذبة ان القول بأن مجوز مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) ليس الا أبو زيد اللغوي كذب صريح، وافتراء محض، فقد علمت فيما تقدم أن القائلين بافادة (المولى) لمعنى (الاولى) هم جمع كثير، وجم غفير من أساطين أئمة اللغة، ومشاهير علوم العربية ورجال الادب. 2 - فيها رد على الكابلي الا ان اقرار (الدهلوي) بتجويز أبي زيد اللغوي ذلك، فيه الرد على دعوى شيخه الكابلي عدم صحة ثبوت قول أبي زيد ذلك، حيث قال في جواب حديث الغدير من (الصواقع): (وهو باطل، لان مولى لم يجئ بمعنى الاولى

[140]

ولم يصرح أحد من أهل العربية أن مفعلا جاء بمعنى أفعل، وما روى عن أبي زيد ثبوته لم يصح). 3 - كلام الرازي يكذب هذه الدعوى ويتضح بطلان نسبة القول بجواز ذلك الى أبي زيد فحسب من كلام الفخر الرازي - الذي هو الاصل في هذه الشبهات -، إذ تقدم في البحوث السابقة نقله تفسير (المولى) ب‍ (الاولى) عن جماعة من أئمة اللغة والادب كأبي عبيدة والاخفش والزجاج والرماني وابن الانباري.. 4 - لو لم يكن غير أبي زيد لكفى لوجوه هذا كله.. مع أنه لو فرض أن أحدا من أئمة اللغة لم يجوز ذلك، الا أبا زيد اللغوي، فان قول أبي زيد وحده يكفينا في الاستدلال، وبه يتم مرام أهل الحق لوجوه عديدة نذكرها باختصار: الوجه الاول: قال السيوطي: (النوع الخامس: معرفة الافراد، وهو: ما انفرد بروايته واحد من أهل اللغة، ولم ينقله أحد غيره، وحكمه القبول ان كان المتفرد به من أهل الضبط والاتقان، كأبي زيد، والخليل، والاصمعي، وأبي حاتم، وأبي عبيدة وأضرابهم، وشرطه أن لا يخالفه فيه من هو أكثر عددا منه، وهذه نبذة من أمثلته: فمن أفراد أبي زيد الاوسي الانصاري قال في الجمهرة: المنشبة: المال. هكذا قال أبو زيد ولم يقله غيره. وفيها: رجل ثط، ولا يقال أثط. قال أبو حاتم قال أبو زيد مرة: أثط، فقلت له: أتقول أثط ؟ فقال: سمعتها. والثطط خفة اللحية

[141]

في العارضين..) (1). فلو سلمنا انفراد أبي زيد برواية مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)، فان حكمه القبول، لانه من أهل الضبط والاتقان كما نص عليه السيوطي، ولم يخالفه واحد من الائمة فضلا عن العدد الكثير. الوجه الثاني: قال السيوطي: (قال ابن الانباري: نقل أهل الاهواء مقبول في اللغة وغيرها، الا أن يكونوا ممن يتدينون بالكذب، كالخطابية من الرافضة، وذلك لان المبتدع إذا لم تكن بدعته حاملة له على الكذب فالظاهر صدقه) (2). فإذا كان نقل أهل الاهواء مقبولا، فنقل أبي زيد يكون مقبولا بالاولوية. الوجه الثالث: قال السيوطي: (قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في فتاواه: أعتمد في العربية على أشعار العرب وهم كفار، لبعد التدليس فيها، كما أعتمد في الطب وهو في الاصل مأخوذ عن قوم كفار كذلك. انتهى. ويؤخذ من هذا أن العربي الذي يحتج بقوله لا يشترط فيه العدالة بخلاف راوي الاشعار واللغات، وكذلك لم يشترطوا في العربي الذي يحتج بقوله البلوغ، فأخذوا عن الصبيان) (3). اذن يقبل قول أبي زيد اللغوي بالاولوية القطعية من جهات. الوجه الرابع: قال السيوطي: (إذا سئل العربي أو الشيخ عن معنى لفظ فأجاب بالفعل


1) المزهر في اللغة 1 / 77. 2) المصدر نفسه 1 / 84. 3 / المزهر 1 / 84 وذكره في (تدريب الراوي) أيضا.

[142]

لا بالقول يكفي، قال في الجمهرة: ذكر الاصمعي عن عيسى بن عمر قال: سألت ذا الرمة عن النضناض. فلم يزدني على أن حرك لسانه في فيه. انتهى. قال ابن دريد يقال: نضنض الحية لسانه في فيه إذا حركته وبه سمى الحية نضناضا) (1). ومن المعلوم أن أبا زيد عربي وشيخ، فلا وجه لرد قوله. الوجه الخامس: قال السيوطي: (وقال ابن جني في الخصائص: من قال ان اللغة لا تعرف الا نقلا فقد أخطأ، فانها قد تعلم بالقرائن أيضا، فان الرجل إذا سمع قول الشاعر: قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم * طاروا إليه زرافات ووحدانا يعلم ان الزرافات بمعنى الجماعات) (2). فإذا كانت اللغة تعلم بالقرائن أيضا، فان النقل الصريح يفيد العلم بها بالاولوية القطعية. الوجه السادس: تجويز ابن هشام الاحتجاج بالشواهد التي لم يعرف قائلوها، فانه قال في جواب من استشكل ذلك: (ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتا من كتاب سيبويه، فان فيه ألف بيت قد عرف قائلوها وخمسين مجهولة القائل) (3). وعليه فالاحتجاج بقول أبي زيد اللغوي الامام المشهور جائز بالاولوية


1) المزهر 1 / 86. 2) المصدر نفسه 1 / 37. 3) المصدر نفسه 1 / 85.

[143]

القطعية. ترجمة أبي زيد اللغوي ثم ان كلمات كبار علماء أهل السنة ومشاهير أئمتهم في ترجمة أبي زيد والثناء عليه، لخير شاهد ودليل على عظمة الرجل وجلالته، وأنه من أئمة اللغة والادب، المعتمد عليهم في معرفة اللغات، وممن إليه الرجوع في علوم العربية واليك بعض كلماتهم في حقه: 1 - النووي: (أبو زيد الانصاري النحوي اللغوي، صاحب الشافعي، وشيخ أبي عبيد القاسم بن سلام، هو: أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت، أبو زيد الانصاري، الامام في النحو واللغة.. قال الخطيب: وكان ثقة ثبتا من أهل البصرة، وقدم بغداد. ثم ذكر الخطيب باسناده عن أبي عثمان المازني قال: كنا عند أبي زيد فجاء الاصمعي فأكب على رأسه وجلس وقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ ثلاثين سنة، فبينا نحن كذلك إذ جاء خلف الاحمر فأكب على رأسه وجلس فقال: هذا عالمنا ومعلمنا منذ عشر سنين. وسئل الاصمعي وأبو عبيدة عنه فقالا: ما شئت من عفاف وتقوى واسلام وقال صالح بن محمد الحافظ: أبو زيد ثقة. توفي سنة 215. وقيل سنة 514. قال المبرد حدثنا الرياشي وأبو حاتم: انه توفي سنة 215، وله ثلاث وتسعون سنة، توفي بالبصرة رحمه الله) (1). 2 - الذهبي: (العلامة أبو زيد الانصاري.. قال بعض العلماء: كان الاصمعي


1) تهذيب الاسماء واللغات 1 / 235.

[144]

يحفظ ثلث اللغة، وكان أبو زيد يحفظ ثلثي اللغة. وكان صدوقا صالحا) (1). 3 - اليافعي: (.. قال أصحاب التاريخ: كان من أئمة الادب، وغلبت عليه اللغات والنوادر والغريب. وكان ثقة في روايته، وقال أبو عثمان المازني: رأيت الاصمعي وقد جاء الى حلقة أبي زيد المذكور، فقبل رأسه وجلس بين يديه وقال: أنت رئيسنا وسيدنا منذ خمسين سنة. وكان الامام أبو سفيان الثوري يقول أما الاصمعي فأحفظ الناس، وأما أبو عبيدة فأجمعهم، واما أبو زيد الانصاري فأوثقهم.. وكان صدوقا صالحا) (2). 4 - الجزري: (.. قال الحافظ أبو العلاء: كان أبو زيد الانصاري من أجلة أصحاب أبي عمرو وكبرائهم، ومن خيار أهل النحو واللغة والشعر ونبلائهم، مات سنة 215 بالبصرة عن أربع أو خمس وتسعين سنة) (3). 5 - السيوطي: (.. أبو زيد الانصاري الامام المشهور. كان اماما نحويا، صاحب تصانيف أدبية ولغوية. غلبت عليه اللغة والنوادر والغريب.. وروى له أبو داود والترمذي.. قال السيرافي: كان أبو زيد يقول: كلما قال سيبويه أخبرني الثقة فأنا أخبرته به. وقيل: كان الاصمعي يحفظ ثلث اللغة، وأبو زيد ثلثي اللغة، والخليل بن أحمد نصف اللغة..) (4). 6 - وقد تقدم بترجمة أبي عبيدة طرف من مناقب أبي زيد اللغوي عن كتاب (المزهر في اللغة) عن أبي الطيب اللغوي، وفيه من ذلك ما لم ننقله سابقا فليراجع.


1) العبر - حوادث 215. 2) مرآة الجنان - حوادث 215. 3) طبقات القراء 1 / 305. 4) بغية الوعاة 1 / 582.

[145]

دعوى (الدهلوي) أن مستمسك أبي زيد قول أبي عبيدة قوله: (ومستمسكه قول أبي عبيدة في تفسير [هي مولاكم] أي: أولى بكم). أقول: لا دليل على هذه الدعوى هذه الدعوى لا دليل عليها، وأبو زيد كان معاصرا لابي عبيدة، وكان يقاربه في السن أيضا فأبو زيد ولادته سنة (120) كما في (طبقات القراء) لابن الجزري وتوفي كما ذكر النووي سنة (215)) وله من العمر (93) وكذا ذكر الذهبي في (العبر) واليافعي في (مرآة الجنان). وأبو عبيدة ولد سنة (112) ومات سنة سبع وقيل عشر وقيل احدى عشرة ومائتين كما في (بغية الوعاة). ثم ان أبا زيد كان أعلم وأفضل من أبي عبيدة، كما تفيد عبارات المبرد وغيره. على أن كلام (الدهلوي) هذا يشتمل على تكذيب الكابلي، فان الكابلي نفى صحة ثبوت مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) عن أبي زيد، لكن (الدهلوي) يصرح بتجويز أبي زيد ذلك، ويدعى أنه قد اعتمد في هذا القول على قول أبي عبيدة، وهذا كله رد على الكابلي وتكذيب لانكاره ثبوت قول أبي زيد بهذا المعنى، ولله الحمد على ذلك.

[146]

كما أن ظاهر كلام (الدهلوي) هو الاعتراف بتفسير أبي عبيدة [هي مولاكم] بقوله: (أي أولى بكم) فأبو عبيدة أيضا ممن يقول بمجئ (المولى) بمعنى (الاولى)، وبه فسر هذا اللفظ في الكلام الالهي، فاستنكار (الدهلوي) أخذ (المولى) بمعنى (الاولى) في حديث الغدير في غاية البطلان، وأما حمله تفسير أبي عبيدة على انه بيان لحاصل معنى الاية فيأتي جوابه عن قريب، وخلاصته أن هذا الحمل دعوى لا دليل عليها، على انه - لو سلم - لا ينافي استفادة معنى (الاولى) من تلك اللفظة بوجه من الوجوه. هذا مضافا الى أن اعتراف (الدهلوي) بتفسير أبي عبيدة يدل على شدة تعصب الكابلي الذي لم يتطرق الى هذا الموضوع، وكأنه يحاول اسدال الستار على هذه الحقيقة الراهنة. دعوى (الدهلوي) انكار جمهور اللغويين قوله: (لكن جمهور أهل العربية يخطئون هذا القول وهذا التمسك). أقول: هذه الدعوى كاذبة كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولون الا كذبا. سبحان الله ! ! ما هذه الكذبات المتكررة، والافتراءات المتوالية ؟ !

[147]

نعم انه يريد أثبات أن (الولد على سر أبيه)، فقد أنكر أبوه من قبل مجئ (المولى) بمعنى (ولي الامر)، بالرغم من أن الفخر الرازي وأتباعه لم يناقشوا في هذا المعنى قط، أما ولده (الدهلوي) فانه - وان لم ينكر مجيئه بهذا المعنى لكنه - نفى مجيئه بمعنى (الاولى)، وزعم أن ذلك مذهب جمهور أهل العربية، مع أن جمهورهم لم يخطئوا هذا القول أبدا، والمدعي مطالب بالدليل. بل ان كثيرا من أساطينهم كالفراء، وأبي عبيدة، والاخفش، وأبي العباس ثعلب، والمبرد، والزجاج، وابن الانباري، والسجستاني، والرماني، والجوهري والثعلبي، والواحدي، والاعلم الشنتمري، والزوزني، والبغوي، والزمخشري.. وغيرهم، ممن سمعت أسمائهم يوافقون أبا زيد في اثبات مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)، ويقولون بقوله.. فان كانت هذه الموافقة تخطئة فلا مشاحة في الاصلاح. ومما يوضح شناعة هذه الاكذوبة أن الرازي - مع أنه رئيس المنكرين ومقتدي الجاحدين - لم يجترئ عليها، وان أتباعه كالاصفهاني، والايجي، والجرجاني، والبرزنجي، وابن حجر، والكابلي، لم يتفوهوا بها، مع كونهم في مقام الرد على حديث الغدير وابطال الاستدلال به. كما أن هذه الدعوى تثبت كذب الكابلي في نفي صحة نسبة هذا القول الى أبي زيد، فان صريح كلام (الدهلوي) هو دعوى انكار جمهور أهل العربية على أبي زيد هذا القول، فيكون قول أبي زيد بذلك ثابتا لدى الجمهور. ومن الغريب أن (الدهلوي) يحتج بقول أبي زيد اللغوي في باب المكائد من كتابه (التحفة)، لكنه هنا حيث يرى موافقة قول أبي زيد لمذهب أهل الحق يحاول ابطال هذا القول، ولو بالاكاذيب والافتراءات المتوالية المتكررة.

[148]

هذا ولو فرضنا أن أحدا من اللغويين قد أنكر بصراحة على أبي زيد قوله، لم يكن في انكاره حجة، لان المثبت مقدم على النافي، ولان اثبات المثبتين كاف لصحة استدلال أهل الحق الميامين. على أنه قد علم مما تقدم أن أبا زيد أعلم وأفضل من أبي عبيدة، والاصمعي، بل الخليل، وعلم أيضا انتهاء علم العربية الى هؤلاء الثلاثة، فيكون مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) ثابتا بقول أفضل الثلاثة، الذين انتهى إليهم علم العربية، وبقول واحد آخر منهم وهو أبو عبيدة، إذ فسر (المولى) في الاية الكريمة ب‍ (الاولى).

[149]

وجوه ابطال النقص بلزوم استعمال (مولى منك) في موضع (أولى منك)

[151]

قوله: (قائلين بأنه لو صح هذا القول لزم جواز أن يقال (مولى منك) في موضع (أولى منك)، وهو باطل منكر بالاجماع). أقول: هذا الكلام باطل من وجوه: 1 - نسبته الى الجمهور كذب فأول ما فيه: ان نسبة هذا النقض الى جمهور أهل العربية كاذبة، فالله حسيب (الدهلوي) على هذه الاكاذيب الفاضحة والدعاوي الباطلة. 2 - الاصل فيه هو الرازي بل الاصل في هذا الكلام الباطل هو الرازي وأتباعه، الذين لا يد لهم في علم العربية ولا نصيب، ولو كان لهم أدنى مناسبة بذلك لما تفوهوا به، ولذا أعرض عنه الكابلي، فلم يذكره ولم يورط نفسه. ثم ان هذه الشبهة مذكورة مع جوابها في أوائل الكتب التي يدرسها

[152]

المبتدئون مثل (سلم الثبوت) و (شروحه)، ولكن (الدهلوي) قد غفل عن ذلك بشدة انهماكه في الخرافات، وسعيه وراء انكار الحقائق بالشبهات. 3 - نص كلام الرازي ولما كان كلام (الدهلوي) هذا ملخصا لكلام الفخر الرازي فانا نورد نص عبارة الرازي في (نهاية العقول) في هذا المقام، ثم نشرع في استيصال شبهاته بالتفصيل، فيكون كلام (الدهلوي) هباء منثورا، وهذه عبارة الرازي بعينها: (ثانيهما: ان (المولى) لو كان يجئ بمعنى (الاولى) لصح أن يقرن بأحدهما كل ما يصح قرنه بالاخر، لكنه ليس كذلك، فامتنع كون المولى بمعنى الاولى. بيان الشرطية: ان تصرف الواضع ليس الا في وضع الالفاظ المفردة للمعاني المفردة، فأما ضم بعض تلك الالفاظ الى البعض - بعد صيرورة كل واحد منها موضوعا لمعناه المفرد - فذلك أمر عقلي. مثلا إذا قلنا (الانسان حيوان) فافادة لفظة (الانسان) للحقيقة المخصوصة بالوضع، وافادة لفظ (الحيوان) للحقيقة المخصوصة أيضا بالوضع. فأما نسبة الحيوان الى الانسان بعد المساعدة على كون كل واحد من هاتين اللفظتين موضوعة للمعنى المخصوص فذلك بالعقل لا بالوضع. وإذا ثبت ذلك فلفظة (الاولى) إذا كانت موضوعة لمعنى، ولفظة (من) موضوعة لمعنى آخر، فصحة دخول أحدهما على الاخر لا يكون بالوضع بل بالعقل. وإذا ثبت ذلك فلو كان المفهوم من لفظة (الاولى) بتمامه من غير زيادة ولا نقصان هو المفهوم من لفظة (المولى)، والعقل حكم بصحة اقتران المفهوم من لفظة (من) بالمفهوم من لفظة (الاولى)، وجب صحة اقترانه أيضا بالمفهوم

[153]

من لفظة (المولى) لان صحة ذلك الاقتران ليست بين اللفظتين بل بين مفهوميهما. بيان أنه ليس كلما يصح دخوله على أحدهما صح دخوله على الاخر أنه لا يقال: (هو مولى من فلان) كما يقال: (هو أولى من فلان)، ويصح أن يقال: (هو مولى) و (هما موليان) ولا يصح أن يقال: (هو أولى) بدون (من) و (هما أوليان). وتقول: (هو مولى الرجل) و (مولى زيد) ولا تقول: (هو أولى الرجل) ولا (أولى زيد)، ولا تقول: (هما أولى رجلين) و (هم أولى رجال)، ولا تقول: (هما مولى رجلين) ولا (هم مولى رجال)، ويقال: (هو مولاه ومولاك) ولا يقال: (هو أولاه وأولاك). لا يقال: أليس يقال (ما أولاه) ؟ لانا نقول: ذاك أفعل التعجب، لا أفعل التفضيل. على أن ذاك فعل وهذا اسم، والضمير هناك منصوب وهنا مجرور. فثبت بهذين الوجهين أنه لا يجوز حمل المولى على (الاولى) وهذا الوجه فيه نظر مذكور في الاصول). 4 - الرد على كلام الرازي بالتفصيل وكلام الرازي هذا يشتمل على مكابرات وأباطيل كثيرة، نوضحها فيما يلي بالتفصيل: (1) قوله: (ان تصرف الواضع ليس الا في وضع الالفاظ المفردة للمعاني المفردة فأما ضم بعض تلك الالفاظ الى البعض - بعد صيرورة كل واحد منهما موضوعا لمعناه المفرد - فذلك أمر عقلي) ادعاه محض ولم يذكر له دليلا. (2) قوله: (مثلا - إذا قلنا الانسان حيوان..) فرار من ذكر الدليل على الدعوى، ومن الواضح أن ذكر المثال يكون بعد الدليل، ولا يغني التمثيل عن الدليل بحال من الاحوال. (3) فوله: (فأما نسبة الحيوان الى الانسان بعد المساعدة على كون كل

[154]

واحد من هاتين اللفظتين موضوعة للمعنى المخصوص فذلك بالعقل لا بالوضع) خبط وذهول، إذ كان الكلام في ضم بعض الالفاظ المفردة الى البعض الاخر، كما هو صريح كلامه سابقا حيث قال: (فأما ضم بعض تلك الالفاظ الى البعض بعد صيرورة كل واحد منهما موضوعا لمعناه المفرد فذلك أمر عقلي). ومن المعلوم أن ضم بعض الالفاظ الى البعض عبارة عن التركيب بين الالفاظ بحسب القواعد في ذلك اللسان، كضم الفعل الى الفاعل، والمضاف الى المضاف إليه، والمبتدأ الى الخبر.. وهكذا.. وضم بعض الالفاظ الى البعض هو بحسب الاستعمال والنطق، وأما نسبة الحيوان الى الانسان فهو بحسب التصور والتعقل، فالتمثيل بهذا المثال لذاك المعنى تهافت وذهول، لان كلامنا في صحة اقتران لفظ بلفظ في الاستعمال، وليس الكلام في نسبة المفاهيم والمصاديق، وكون الاول من الامور المنقولة والثاني من الامور المعقولة غير مخفي على أحد، كما لا يخفى بطلان قياس أحدهما على الاخر. (4) قوله: (وإذا ثبت ذلك فلفظة..) ما الذي ثبت ؟ ! الذي ذكره أمران، أحدهما ادعاء، والاخر تمثيل، فأما الدعوى المحضة فلا تثبت أمرا، وأما التمثيل فكذلك ان كان مطابقا للممثل له، فكيف بهذا المثال الذي ذكره، البعيد عن الممثل له غاية البعد ؟ ! (5) ان قياس معنى (من) على معنى (الانسان) و (الحيوان) من البطلان بمكان، لان كلا من اللفظتين مستقلة بالمفهومية، بخلاف (من) فان معناها غير مستقل، ولا مناسبة بين المستقل وغير المستقل. (6) قوله: (فصحة دخول أحدهما على الاخر لا يكون بالوضع بل بالعقل) من غرائب المجازفات وعجائب التقولات، لا تجده في أبسط كتاب من كتب النحو، ولا يتفوه به أحد من أصاغر الطلبة، ولو صح ما ذكره لبطل الكثير من

[155]

القواعد النحوية، ووقع الاختلال العظيم في المحاورات العرفية.. انه يجب حذف الخبر في مواضع ذكرها النحويون.. قال الشيخ ابن الحاجب في (الكافية): (وقد يحذف المبتدأ لقيام قرينة جوازا كقول المستهل: الهلال والله. والخبر جوازا مثل: خرجت فإذا السبع. ووجوبا فيما التزم في موضعه غيره مثل: لولا زيد لهلك عمر، ومثل: ضربي زيدا قائما، ومثل: كل رجل وضيعته، ومثل: لعمرك لافعلن كذا). ولو كان ضم بعض الالفاظ الى بعض بالعقل لا بالوضع، لم يكن وجه لوجوب حذف الخبر في هذه المواضع الاربعة، لعدم لزوم أي استحالة عقلية من ذكره فيها. ويجب حذف فعل المفعول المطلق سماعا وقياسا، قال ابن الحاجب: (وقد يحذف الفعل لقيام قرينة جوازا، كقولك لمن قدم: خير مقدم. ووجوبا سماعا نحو: سقيا ورعيا، وخيبة وجدعا، وحمدا وشكرا، وعجبا. وقياسا في مواضع، منها: ما وقع مثبتا بعد نفي أو معنى نفي داخل على اسم لا يكون خبرا عنه، أو وقع مكررا نحو: ما أنت الا سيرا، وما أنت الا سير البريد، وانما أنت سيرا، وزيد سيرا سيرا. ومنها: ما وقع تفصيلا لاثر مضمون جملة متقدمة مثل: فشدوا الوثاق فاما منا بعد واما فداء. ومنها: ما وقع للتشبيه علاجا بعد جملة مشتملة على اسم بمعناه وصاحبه مثل: مررت به فإذا له صوت صوت حمار وصراخ صراخ الثكلى. ومنها: ما وقع مضمون جملة لا محتمل لها غيره نحو: له علي ألف درهم اعترافا، ويسمى تأكيدا لنفسه. ومنها: ما وقع مضمون جملة لها محتمل غيره مثل: زيد قائم حقا ويسمى تأكيدا لغيره. ومنها: ما وقع مثنى مثل لبيك وسعديك). ولو كان ضم بعض الالفاظ الى بعض والتركيب بينها بالعقل لا بالوضع،

[156]

لم يمتنع ذكر الفعل في هذه المواضع، لعدم لزوم أي استحالة عقلية من ذلك. وقد يجب حذف الفعل العامل في المفعول به، قال ابن الحاجب: (وقد يحذف الفعل لقيام قرينة جوازا نحو: زيدا لمن قال: من أضرب ؟. ووجوبا في أربعة مواضع: الاول سماعي نحو: أمرأ ونفسه. وانتهوا خيرا لكم. وأهلا وسهلا..). ولو كان التركيب بين الالفاظ دائرا مدار حكم العقل لجاز ذكر الفعل في هذه المواضع. وقال السيوطي: (الاصول المرفوضة، منها: جملة الاستقرار الذي يتعلق به الظرف الواقع خبرا. قال ابن يعيش: حذف الخبر الذي هو استقر ومستقر، وأقيم الظرف مقامه وصار الظرف هو الخبر، والمعاملة معه، ونقل الضمير الذي كان في الاستقرار الى الظرف، وصار مرتفعا بالظرف، كما كان مرتفعا بالاستقرار، ثم حذف الاستقرار وصار أصلا مرفوضا، لا يجوز اظهاره للاستغناء عنه بالظرف. ومنها: خبر المبتدأ الواقع بعد لولا، نحو: لولا زيد لخرج عمر، وتقديره لو لا زيد حاضرا. قال ابن يعيش: ارتبطت الجملتان، وصارتا كالجملة الواحدة، وحذف خبر المبتدأ من الجملة الاولى، لكثرة الاستعمال، حتى رفض ظهوره ولم يجز استعماله. ومنها: قولهم أفعل هذا أما لا. قال ابن يعيش: معناه: ومعناه: ان رجلا أمر بأشياء يفعلها فتوقف في فعلها فقيل له: افعل هذا ان كنت لا تفعل الجميع، وزادوا على ان ما وحذف الفعل وما يتصل به، وكثر حتى صار الاصل مهجورا. ومنها: قال ابن يعيش: بنو تميم لا يجيزون ظهور خبر لا المثبتة ويقولون هو من الاصول المرفوضة. وقال الاستاذ أبو الحسن بن أبي الربيع في شرح الايضاح: الاخبار عن سبحان الله يصح كما يصح الاخبار عن البراءة من السوء، لكن

[157]

العرب رفضت ذلك، كما أن (مذاكير) جمع لمفرد لم ينطق به، وكذلك (لييلية) تصغير لشئ لم ينطق به، و (أصيلان) تصغير لشي لم ينطق به، وان كان أصله أن ينطق به، وكذلك (سبحان الله) إذا نظرت الى معناه وجدت الاخبار عنه صحيحا، لكن العرب رفضت ذلك، وكذلك (لكاع ولكع) وجميع الاسماء التي لا تستعمل الا في النداء، إذا رجعت الى معانيها وجدت الاخبار ممكنا فيها، بدليل الاخبار عما هي في معناه، لكن العرب رفضت ذلك. وقال أيضا في قولك زيدا أضربه: ضعف فيه الرفع على الابتداء، والمختار النصب، وفيه اشكال من جهة الاسناد، لان حقيقة المسند والمسند إليه ما لا يستقل الكلام بأحدهما دون صاحبه، واضرب ونحوه يستقل به الكلام وحده، ولا تقدر هنا أن تقدر مفردا تكون هذه الجملة في موضعه، كما قدرت في زيد ضربته. فان قلت: فكيف جاء هذا مرفوعا وأنت لا تقدر على مفرد يعطي هذا المعنى ؟ قلت: جاء على تقدير شئ رفض ولم ينطق به، واستغنى عنه بهذا الذي وضع مكانه، وهذا وان كان الاصل فيه بعد إذا أنت تدبرته وجدت له نظائر، ألا ترى أن (قام) أجمع النحويون على أن أصله قوم، وهذا ما سمع قط فيه ولا في نظيره فكذلك زيد أضربه كأن أضربه وضع موضع مفرد مسند الى زيد على معنى الامر، ولم ينطق قط به ويكون كقام. وقال أيضا: مصدر عسى لا يستعمل وان كان الاصل لانه أصل مرفوض) (1). أقول: وهذا القدر للرد على ما ادعاه الرازي وارتضاه أتباعه. (7) قوله: (وإذا ثبت ذلك فلفظة (الاولى) إذا كانت موضوعة لمعنى ولفظة (من) موضوعة لمعنى آخر، فصحة دخول أحدهما على الاخر لا يكون بالوضع بل بالعقل). واضح البطلان، لان اقتران (من) ب‍ (الاولى) مأخوذ


1) الاشباه والنظائر 1 / 70 - 71.

[158]

من النقل والسماع، والا لجاز اقتران غيره من الحروف مثل (عن) و (على) و (الى) و (في). فأي مانع عقلا من أن يقال: (زيد أولى عن عمرو) أو يقال: (زيد أولى على عمرو) ؟. ومما يؤيد ما ذكرنا من كون اقتران (من) ب‍ (أولى) مأخوذا من الاستعمال والوضع كلام الشيخ خالد الازهري في أحكام أفعل التفضيل وهذا نصه: (والحكم الثاني فيما بعد أفعل: أن يؤتى (من) الجارة للمفضول كما تقدم من الامثلة، وهي عند المبرد وسيبويه لابتداء الارتفاع في نحو أفضل منه وابتداء الانحطاط في نحو شر منه. واعترضه ابن مالك بأنها لا تقع بعدها (الى) واختار أنها للمجاوزة، فان معنى زيد أفضل من عمرو: جاوز زيد عمرا في الفضل. واعترضه في المغني: بأنها لو كانت للمجاوزة لصح في موضعها (عن). ودفع بأن صحة وقوع المرادف موقع مرادفه انما يكون إذا لم يمنع من ذلك مانع، وههنا منع مانع وهو الاستعمال، فان اسم التفضيل لا يصاحب من حروف الجر الا (من) خاصة) (1). (8) لقد نص المحققون من أهل اللغة والنحو على عدم جواز تركيب ما في لغة، من غير أن يسمع لذلك التركيب نظائر، قال السيوطي: (قال أبو حيان في شرح التسهيل: العجب ممن يجيز تركيبا ما في لغة من اللغات من غير أن يسمع من ذلك التركيب نظائر. وهل التراكيب العربية الا كالمفردات العربية ؟ فكما لا يجوز احداث لفظ مفرد كذلك لا يجوز في التراكيب، لان جميع ذلك أمور وضعية، والامور الوضعية تحتاج الى سماع من أهل ذلك اللسان، والفرق بين علم النحو وبين علم اللغة: أن علم النحو موضوعه أمور


1) التصريح في شرح التوضيح مبحث أفعل التفضيل.

[159]

كلية، وموضوع علم اللغة أشياء جزئية، وقد اشتركا معا في الوضع) (1). وقد نقل السيوطي هذا عن القرافي ونقل عن غيره أنه عزاه الى الجمهور. قلت: وعلى هذا فكيف يجوز القول بأن اقتران لفظ بلفظ آخر يكون بالعقل فقط ؟. (9) قوله: (وإذا ثبت ذلك..) قلت: أي شئ ثبت ؟ انه لم يسبق هذا الا قوله: (فصحة دخول أحدهما على الاخر لا يكون بالوضع بل بالعقل) وقد عرفت أنه ادعاء محض، بل عرفت بطلانه. (10) قوله: (وجب صحة اقترانه أيضا بالمفهوم من لفظة (المولى)، لان صحة ذلك الاقتران ليست بين اللفظتين بل بين مفهوميهما). أقول: هذا الكلام يناقض ما تقدم منه، لانه قد ادعى أنه لو كان (المولى) بمعنى (الاولى) لزم صحة أن يقال (فلان مولى من فلان)، لكنه بهذا الكلام ينفي ذاك اللزوم، لانه يقول بأن الاقتران ليس بين اللفظتين، بل ان مفهوم قوله: (بل بين مفهوميهما) هو أن الاقتران ليس الا بين المفهومين، مع أن مورد الالزام في كلامه السابق وأصل الدعوى هو الاقتران بين اللفظين، فقد قال سابقا: (وثانيهما: ان (المولى) لو كان يجئ بمعنى (الاولى) لصح أن يقترن بأحدهما كل ما يصح قرنه بالاخر) بل ذلك هو صريح الجملة الاخرى من كلامه وهي قوله: (فأما ضم بعض تلك الالفاظ الى البعض) وهكذا قوله: فلفظة (الاولى) إذا كانت موضوعة لمعنى ولفظة من..)، وهو أيضا صريح الجملة اللاحقة من كلامه: (.. لا يقال: هو مولى من فلان، كما يقال هو أولى من فلان).


1) المزهر 1 / 28.

[160]

فظهر بطلان قوله: (لان صحة ذلك الاقتران ليست بين اللفظتين بل بين مفهوميهما) من كلامه نفسه سابقا ولاحقا. ثم انه لم يوضح مراده من أن الاقتران بين المفهومين لا بين اللفظتين، وأي نفع له في هذا الكلام الفارغ ؟ أو أي ضرر على خصمه فيه ؟ ! وصول الكلام الى النقض الذي أخذه (الدهلوي) وأما قوله: (بيان أنه ليس كلما يصح دخوله على أحدهما يصح دخوله على الاخر..) ففيه: أنه أول دليل ذكره على هذه الدعوى قوله: (انه لا يقال هو مولى من فلان كما يقال هو أولى من فلان) ولم يدخل في هذا المثال (من) على (الاولى)، كما لا يدل على عدم جواز دخولها على (المولى)، بل ان (من) فيه متأخرة عن (الاولى). وأما قوله: (لا يقال: هو مولى من فلان، كما يقال هو أولى من فلان) فهذا ما ذكره (الدهلوي) هنا، ونحن وان بينا فساد مقدمات هذا الاستدلال - المستلزم لفساده - نذكر وجوها على بطلانه استنادا الى كلمات الرازي وكبار محققي علماء اللغة والنحو من مشاهير أهل السنة: 1 - ان كان الاقتران بالعقل فلا مانع لقد ذكر الفخر الرازي أن صحة اقتران لفظ بلفظ هو بالعقل لا بالوضع، وعلى هذا الاساس فلا مانع من أن يقال (هو مولى من فلان) كما يقال (هو أولى من فلان).

[161]

2 - جواب شارحي المقاصد والتجريد عن النقض لقد أجاب شارح المقاصد وشارح التجريد عن هذه الشبهة بأن (المولى) اسم بمعنى (الاولى)، لا أنه وصف بمنزلته حتى يعترض بعدم كون (المولى) من صيغ اسم التفضيل، وأنه لا يستعمل استعماله. وقد تقدم نص عبارتهما سابقا، كما أورد صاحب (بحر المذاهب) عبارة شارح التجريد للرد على توهم صاحب المواقف وشارحها. 3 - بقاء (المولى) على معناه الاصلي عند جماعة وقال الزمخشري والبيضاوي والخفاجي وغيرهم ببقاء (المولى) الوارد بمعنى (الاولى) على أصله وهو الظرفية، وعليه فلا يلزم أن يكون استعمال (المولى) مثل استعمال (الاولى) وان كان بمعناه، حتى لو ثبت جواز اقامة المرادف مقام مرادفه، لان جواز ذلك مشروط بعدم ارادة معنى الظرفية من (المولى)، مثلا: (مئنة) ظرف مأخوذ من (ان) يقال: (فلان مئنة للكرم) والجار والمجرور يتعلق به، كما يقال (البلد الفلاني مجمع للعلماء) لكن لا يجوز استعماله مثل استعمال (انه لكريم)، فلا يقال: (زيد مئنة لكريم) مع انه و (ان زيدا لكريم) بمعنى واحد. 4 - بطلان النقض من كلام (الدهلوي) لقد أبطل (الدهلوي) كلمات الرازي هذه بنفسه من حيث لا يشعر، فقد ذكر بجواب الاستدلال بجملة (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) بان (الاولى)

[162]

هنا مشتقة من (الولاية) بمعنى المحبة، يعني: ألست أحب الى المؤمنين من أنفسهم.. فنقول: ان معنى هذا الكلام كون (الاولى) مرادفا (للاحب)، مع أن استعمال اللفظتين ليس واحدا، لان صلة (أولى) هي (الباء) كما في هذا الكلام النبوي في هذا الحديث الشريف، وصلة (أحب) هي (الى) كما قال (الدهلوي) نفسه. فلو كان من اللازم اتحاد المترادفين في الاستعمال للزم جواز أن يقوم (أولى إليه) مقام (أحب إليه) في كل كلام، وهو غير مسموع.. اذن.. كما يدعي (الدهلوي)، فكذلك لا يقدح عدم اقتران (من) ب‍ (المولى) في كون (المولى) بمعى (الاولى). 5 - بطلان النقض من كلام الرازي لقد عدل الفخر الرازي عن لجاجه ورجع الى صوابه في كتاب (المحصول) وقبل الحق الحقيق بالقبول، فقد قال جلال الدين المحلي (والحق وقوع كل من الرديفين أي اللفظين المتحدي المعنى مكان الاخر، ان لم يكن تعبد بلفظه أي يصح ذلك في كل رديفين بأن يؤتى بكل منهما مكان الاخر في الكلام، إذ لا مانع من ذلك، خلافا للامام الرازي في نفيه ذلك مطلقا، أي من لغتين أو لغة، قال: لانك لو أتيت مكان من في قولك مثلا: خرجت من الدار بمرادفها بالفارسية أي (أز) بفتح الهمزة وسكون الزاي لم يستقم الكلام، لان ضم لغة الى اخرى بمثابة ضم مهمل الى مستعمل. قال: وإذا عقل ذلك في لغتين فلم لا يجوز مثله في لغة. أي لا مانع من ذلك. وقال: ان القول الاول أي الجواز

[163]

الاظهر في أول النظر والثاني الحق). وان هذا الرأي من الرازي مذكور في كتاب سلم العلوم وشروحه. لكن دأب المتعصب العنيد أن يخالف الحق مكابرة وينكره لغرض ابطال استدلال خصمه ! ! 6 - اعتراف الرازي بأن هذا الوجه فيه نظر لقد ذكر الرازي في آخر كلامه الذي شحنه بالاباطيل بأن (هذا الوجه فيه نظر مذكور في الاصول " يعني أن الحق ما ذهب إليه في المحصول من منع القول بلزوم وقوع أحد المترادفين مقام الاخر. أقول: فإذا كان هذا الوجه مردودا فأي وجه لذكره مع هذا التطويل ؟ والاغرب من ذلك استحسان الاصفهاني والايجئ والشريف الجرجاني وابن حجر المكي والبرزنجي والسهارنفوري اياه مع عدم تعرضهم الى أن فيه نظرا كما اعترف الرازي نفسه ! ! ثم جاء (الدهلوي) فرحا مستبشرا فقلد الرازي في ذكره وغض النظر عن وجه النظر فيه، مخالفا للكابلي الذي أعرض عن ذكر النقض من أصله لعلمه بوهنه وبطلانه. 7 - قول المحققين بعدم وجوب قيام أحد المترادفين مقام الاخر وكما أن القول بوجوب قيام أحد المترادفين مقام الاخر ممنوع عند الرازي في (المحصول) ومنظور فيه عنده في (نهاية العقول)، فان سائر المحققين من أهل السنة يذهبون الى هذا المذهب ويصرحون بعدم وجوب ذلك. فقد قال القاضي محب الله البهاري: (ولا يجب قيام كل مقام الاخر وان كانا من

[164]

لغة فان صحة الضم من العوارض، يقال صلى الله عليه ولايقال دعا عليه) (1). وقد تبعه على ذلك شراح كتابه (مسلم الثبوت) وأقاموا الادلة على هذا القول فليرجع إليها. وقد تقدم نص كلام الشيخ خالد الازهري من محققي النحاة (2). وقال رضي الدين الاسترابادي - وهو من محققي النحاة أيضا - في مبحث أفعال القلوب: (ولا يتوهم أن بين علمت وعرفت فرقا من حيث المعنى كما قال بعضهم. فان معنى علمت أن زيدا قائم وعرفت أن زيدا قائم واحد، الا أن عرف لا ينصب جزئي الاسمية كما ينصبهما علم، لا لفرق معنوي بينهما بل هو موكول الى اختيار العرب، فانهم قد يخصون أحد المتساويين في المعنى بحكم لفظي دون الاخر). وقال أيضا - بعد أن ذكر الحاق افعال عديدة بصار: (وليس الحاق مثل هذه الافعال بصار قياسا بل سماعا، ألا ترى ان انتقل لا يلحق به مع أنه بمعنى تحول). 8 - من أمثلة عدم قيام أحد المترادفين مقام الاخر لقد مثل البهاري لعدم الجواز بأن ((دعا) لا يقوم مقام (صلى)، وعرفت أن (عرف) لا يقوم مقام (علم) وأن (انتقل) لا يقوم مقام (تحول). لكن أمثلة امتناع قيام أحد المترادفين مقام الاخر كثيرة جدا، الا أن الوقوف على طرف منها يستلزم التتبع لكلمات علماء الفن ومعرفة اللغات والالفاظ، والرازي وأتباعه بعيدون عن ذلك، ونحن نشير هنا الى بعض تلك الامثلة والموارد:


1) سلم العلوم في المنطق لمحب الله البهاري. 2) توجد ترجمته في الضوء اللامع 3 / 171 وغيره.

[165]

فمنها: الفروق الموجودة بين (حتى) و (الى) مع أنهما متساويتان في الدلالة على الغاية، كدخول (الى) على المضمر بخلاف (حتى) ووقوع الاول في موضع الخبر مثل: والامر اليك بخلاف الثاني.. ومنها: الفروق بين (حتى العاطفة) وهي ثلاثة فروق كما في (مغنى اللبيب) و (الاشباه والنظائر) نقلا عنه. ومنها: الفروق بين (الا) و (غير) وهما بمعنى واحد. قال السيوطي (ذكر ما افترق فيه الا وغير. قال ابو الحسن الابدي في شرح الجزولية: افترقت الا وغير في ثلاثة أشياء أحدها: ان غيرا يوصف بها حيث لا يتصور الاستثناء والا ليست كذلك، تقول: عندي درهم غير جيد. ولو قلت عندي درهم الا جيد لم يجز. الثاني: ان الا إذا كانت مع ما بعدها صفة لم يجز حذف الموصوف واقامة الصفة مقامه، فتقول: قام القوم الا زيدا. ولو قلت: قام الا زيد لم يجز، بخلاف غير إذ تقول: قام القوم غير زيد وقام غير زيد. وسبب ذلك ان الا حرف لم يتمكن في الوصفية فلا يكون صفة الا تابعا كما أن " أجمعين " لا يستعمل في التأكيد الا تابعا. الثالث: أنك إذا عطفت على الاسم الواقع بعد الا كان اعراب المعطوف على حسب المعطوف عليه، وإذا عطفت على الاسم الواقع بعد غير جاز الجر والحمل على المعنى) (1). ومنها: الفروق بين " عند " و " لدن " و " لدى " وهي في ستة أشياء كما في [الاشباه والنظائر]. ومنها: الفروق بين " المصدر " و " أن مع صلتها " وهي في اثني عشر شئ كما يظهر بالرجوع الى [الاشباه والنظائر]. ومنها: الفروق بين " أم " و " أو " وكلاهما يستعمل للترديد وهي في أربعة


1) الاشباه والنظائر 2 / 179.

[166]

أشياء كما في [الاشباه والنظائر] عن ابن العطار. ومنها: الفروق العديدة بين ألفاظ الاغراء وألفاظ الامر، ذكرها السيوطي في [الاشباه والنظائر] نقلا عن الاندلسي. ومنها: الفروق بين " هل " و " همزة الاستفهام " وهي كما في [الاشباه والنظائر] عن ابن هشام في عشرة أشياء. ومنها: الفروق بين " أيان " و " حتى " يظهر من [الاشباه والنظائر] أنها في ثلاثة أشياء. ومنها: الفروق بين " كم " وكأين " وهي كما يفهم من [مغني اللبيب] في خمسة أشياء. هذا، ولا يتوهم أن الموارد المذكورة غير مشتركة في المادة بخلاف (المولى) و (الاولى) فانهما من مادة واحدة، لان كلام الرازي ليس من جهة الاشتراك في المادة، لان صريح كلامه لزوم اتحاد المترادفين في الاستعمال بسبب اتحادهما في المعنى من غير دخل للاتحاد في المادة في هذا الباب. على أنا وجدنا مترادفين مشتركين في المادة مع تنصيص المحققين وأئمة اللغة بعدم جواز استعمال أحدهما في مقام الاخر، ففي [الصحاح]: (ويقال: يانومان للكثير النوم ولا تقل: رجل نومان. لانه يختص بالنداء) (1). وفي [الصحاح] أيضا: " وقولهم في النداء: يافل مخففا انما هو محذوف من يا فلان لا على سبيل الترخيم، ولو كان ترخيما لقالوا: يافلا. وربما قيل ذلك في غير النداء للضرورة. قال أبو النجم في لجة: أمسك فلانا عن فل " (2). هذا وقد أجاب الشهيد التستري رحمه الله عن هذه الشبهة في وجوه رد


1) الصحاح: نوم. 2) المصدر نفسه: فلن.

[167]

كلام صاحب المواقف بقوله: " ومنها: ان مجئ مفعل بمعنى أفعل مما نقله الشارح الجديد للتجريد عن أبي عبيدة من أئمة اللغة، وأنه فسر قوله تعالى: هي مولاكم بأولاكم. وقال النبي " ص ": أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها أي الاولى بها والمالك لتدبيرها. ومثله في الشعر كثير، وبالجملة استعمال المولى بمعنى المتولي والمالك للامر والاولى بالتصرف شائع في كلام العرب منقول عن أئمة اللغة، والمراد انه اسم لهذا المعنى لا صفة بمنزلة الاولى ليعترض بأنه ليس من صيغة اسم التفضيل وانه لا يستعمل استعماله. وأيضا كون اللفظين بمعنى واحد لا يقتضي صحة اقتران كل منهما في الاستعمال بما يقترن به الاخر، لان صحة اقتران اللفظ باللفظ من عوارض الالفاظ لا من عوارض المعاني، ولان الصلاة مثلا بمعنى الدعاء والصلاة انما تقترن بعلى والدعاء باللام يقال: صلى عليه ودعا له، ولو قيل: دعا عليه لم يكن بمعناه. وقد صرح الشيخ الرضي بمرادفة العلم والمعرفة مع أن العلم يتعدى الى مفعولين دون المعرفة، وكذا يقال انك عالم ولا يقال ان أنت عالم، مع أن المتصل والمنفصل ههنا مترادفان كما صرحوا به، وأمثال ذلك كثير). وفي كتاب [عماد الاسلام] مانصه: (قد صرح الشيخ الرضي بمرادفة العلم والمعرفة، مع أن العلم يتعدى الى مفعولين دون المعرفة، وكذا يقال: انك عالم ولا يقال ان أنت عالم، مع أن المتصل والمنفصل ههنا مترادفان كما صرحوا به وأمثال ذلك كثير. وبوجه آخر: قد مر في مبحث الرؤية من كتاب التوحيد ما يندفع به كلام الرازي هذا، وحاصله: ان اقتران اللفظ باللفظ من عوارض الالفاظ لا من عوارض المعنى، فيجوز أن يكون من عوارض لفظ الانتظار ما لم يكن من عوارض النظر الذي هو بمعناه، وهكذا بالعكس، لتحقق التغاير اللفظي بينهما.

[168]

وأيضا جاء بصر بي ولم يجى نظر بي وراى بي، وهكذا على قول الاشاعرة جاء: نظر إليه ولم يجئ بصر إليه. وأيضا لو تم دليلك لزم أن يصح نظرته كما صح رأيته، والحال أن الرازي حكم ببطلانه في مبحث الرؤية، وصح ان انت عالم كما صح انك عالم، وصح جاءني الا زيد كما صح غير زيد، وجاز عندي درهم الا جيد كما صح عندي غير درهم جيد مع ان الا بمعنى غير في الامثلة، وصرح بعدم صحتها صاحب المغني. وبالجملة لا يليق بمن يكون ملقبا بامام الاشاعرة أن يدعي أمرا خلافا للواقع ترويجا لمذهبه). 9 - عدم جريان القياس في اللغة لقد تسالم المحققون من العلماء على أنه لا يجري القياس في اللغة، وذلك غير خاف على من نظر في كتبهم ووقف على كلماتهم، وقال السيوطي: (قال الكيا الهراسي في تعليقه: الذي استقر عليه آراء المحققين من الاصوليين أن اللغة لا تثبت قياسا ولا يجري القياس فيها) (1). 10 - لا يعارض الظن القطع ولو فرضنا جريان القياس في اللغة، فان غاية ما يفيده القياس هو الظن، لكن مفاد نصوص الاساطين المثبتين لمجئ (المولى) بمعنى (الاولى) هو القطع، ولا يعارض الظن القطع قطعا.


1) المزهر 1 / 37.

[169]

11 - الشهادة على النفي غير مسموعة ان حاصل هذا النقض المردود والشبهة المدحوضة هو نفي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)، وهذه شهادة على النفي، وقد نص الرازي نفسه أيضا في مثل هذا المقام على أن الشهادة على النفي غير مقبولة. قال الرازي: (عابوا عليه - أي على الشافعي - قوله الباء في قوله تعالى: (وامسحوا برؤسكم) تفيد التبعيض، ونقلوا عن أئمة اللغة أنهم قالوا لا فرق بين: وامسحوا برؤسكم، وبين قوله: وامسحوا رؤسكم. والجواب: قول من قال أنه ليس في اللغة أن الباء للتبعيض شهادة على النفي فلا تقبل..) (1). 12 - عدم جواز (هو أولى) و (هما أوليان) غير مسلم وذكر الرازي أنه لا يجوز قول (هو أولى) و (هما أوليان). ولكنا لا نسلم هذا القول لوجهين: الاول: ان رأي الرازي هو أن اقتران لفظ بلفظ ليس بالوضع بل العقل، فإذا كان كذلك فان العقل لا يأبى من قول (هو أولى) و (هما أوليان)، ولا استحالة عقلية في هذا الاطلاق اطلاقا. والثاني: ان هذه الدعوى تردها قواعد العربية وتصريحات أئمة اللغة والتفسير، لان اسم التفضيل قد استعمل في آيات عديدة في القرآن الكريم مجردا من (من) والاضافة وحرف التعريف، ففي سورة البقرة: [والذين آمنوا أشد حبا لله] وأيضا في سورة البقرة [ذلكم أزكى لكم وأطهر] وفي سورة الانعام: [قل أي شئ أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم] وفي سورة التوبة: [وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله


1) فضائل الشافعي للفخر الرازي.

[170]

ولهم عذاب مقيم كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا] وأيضا في سورة التوبة [ورضوان من الله أكبر] وأيضا في سورة التوبة [قل نار جهنم أشد حرا] وفي سورة بني أسرائيل: [وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا] وفي سورة الكهف [أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا] وفي سورة طه: [ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى] وأيضا في سورة طه: [والله خير وأبقى] وفي سورة القصص: [وما عند الله خير وأبقى] وفي سورة الاعلى: [والاخرة خير وأبقى]. اذن يجوز استعمال اسم التفضيل من دون (من) فدعوى عدم جواز (هو أولى) و (هما أوليان) باطلة. بل ان خصوص (أولى) ورد استعماله في القرآن بلا (من) قال الله تعالى: [وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله]. بل ان ظاهر كلمات المحققين من النحاة صحة تركيب (هو أولى) و (هما أوليان)، فانهم قد صرحوا بجواز حذف (من ومجرورها) بعد اسم التفضيل، ولهم على ذلك شواهد من الكتاب وأشعار العرب: قال الازهري: (وقد تحذف من مع مجرورها للعلم بهما، نحو: (والاخرة خير وأبقى) أي من الحياة الدنيا. وقد جاء الاثبات والحذف في: (أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا) أي منك. والى ذلك أشار الناظم بقوله: وأفعل التفضيل صله أبدا * تقديرا أو لفظا بمن ان جردا وأكثر ما تحذف من مع المفضول إذا كان أفعل خبرا في الحال أو في الاصل، فيشمل خبر المبتدأ وخبر كان وان وثاني مفعولي ظن وثالث مفاعيل أعلم..) (1).


1) التصريح في شرح التوضيح 2 / 102.

[171]

وقال الرضي: (وإذا علم المفضول جاز حذفه غالبا ان كان أفعل خبرا كما يقال لك: أنت أسن أم أنا ؟ فتجيب بقولك: أنا أسن. ومنه قوله: (الله أكبر).. ويجوز أن يقال في مثل هذه المواضع: ان المحذوف هو المضاف إليه، أي أكبر كل شئ.. ويجوز أن يقال: ان من مع مجروره محذوف، أي أكبر من كل شئ..) (1). والاعجب من كل ذلك غفلة الرازي عن صيغة التكبير الذي يفتتح به الصلاة في كل صباح ومساء. 13 - وجوه بطلان منع (هو أولى الرجل) وأما قول الرازي: (وتقول: هو مولى الرجل ومولى زيد ولا تقول هو أولى الرجل ولا أولى زيد) فيبطله وجوه: الاول: إذا كان ملاك التركيب لدى الرازي هو العقل لا الوضع، فأي استحالة عقلية تلزم من هذا التركيب ؟ الثاني: ان اضافة (أولى) الى (رجل) و (زيد) جائزة بحسب القاعدة في علم النحو، لان استعمال اسم التفضيل مضافا هو أحد طرق استعماله، كما صرح به النحويون بأجمعهم من غير خلاف. فأي مانع من اضافة (أولى) وهو اسم تفضيل الى (زيد) و (الرجل) ؟ الثالث: انه بالاضافة الى جواز هذا الاستعمال بحسب القاعدة، فقد وقع هذا الاستعمال وورد في حديث نبوي مذكور في الصحيحين، ففي باب ميراث الولد من أبيه وأمه من كتاب الفرائض من صحيح البخاري:


1) شرح الكافية: مبحث افعل التفضيل.

[172]

(حدثنا موسى بن اسماعيل [قال] حدثنا وهيب [قال] حدثنا ابن طاووس عن ابيه عن ابن عباس [رضي الله عنهما] عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لاولى رجل ذكر) (1). وقد أخرجه في باب ميراث الجد مع الاب والاخوة (2). وفي باب ابني عم أحدهما أخ للام والاخر زوج (3). واخرجه مسلم في صحيحه حيث قال: (حدثنا عبد الاعلى بن حماد - وهو النرسي [قال] نا وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله " ص ": ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لاولى رجل ذكر. حدثنا أمية بن بسطام العيشي [قال] نا يزيد بن زريع [قال] نا روح بن القاسم عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن رسول الله " ص " قال: ألحقوا الفرائض بأهلها فما تركت الفرائض فلاولى رجل ذكر. حدثنا اسحاق بن ابراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد - واللفظ لابن رافع - قال اسحاق نا وقال الاخران أنا عبد الرزاق قال أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال قال رسول الله " ص ": أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله [تعالى] فما تركت الفرائض فلاولى رجل ذكر) (4). فان زعم الرازي أنا نمنع اضافته الى المفرد المعرفة. فنقول: ان لاسم التفضيل عند اضافته معنيين، ولا يجوز اضافته الى المفرد المعرفة بناءا على أحدهما دون الاخر، قال ابن الحاجب: (فإذا أضيف فله معنيان، أحدهما - وهو الاكثر -


1) صحيح البخاري 8 / 187 2) نفس المصدر 8 / 188 3) نفس المصدر 8 / 190 4) صحيح مسلم 5 / 59 - 60

[173]

أن تقصد به الزيادة على من أضيف إليه، وشرطه أن يكون منهم، نحو زيد أفضل الناس، ولا يجوز يوسف أحسن أخوته. والثاني: أن تقصد زيادة مطلقة ويضاف للتوضيح..). وقال الرضي في شرحه: (قوله: والثاني أن يقصد زيادة مطلقة. أي يقصد تفضيله على كل من سواه مطلقا، لا على المضاف إليه وحده، وانما تضيفه الى شئ لمجرد التخصيص والتوضيح، كما تضيف سائر الصفات، نحو: مصارع مصر، وحسن القوم، مما لا تفضيل فيه، فلا يشترط كونه بعض المضاف إليه، فيجوز بهذا المعنى أن تضيفه الى جماعة هو داخل فيهم نحو قولك: نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل قريش، بمعنى أفضل الناس من بين قريش. وأن تضيفه الى جماعة من جنسه ليس داخلا فيهم، كقولك: يوسف أحسن أخوته، فان يوسف لا يدخل في جملة أخوة يوسف، بدليل أنك لو سئلت عن عدد اخوته لم يجز لك عده فيهم، بلى يدخل لو قلت: أحسن الاخوة، أو أحسن بني يعقوب. وأن تضيفه الى غير جماعة نحو: فلان أعلم بغداد، أي أعلم ممن سواه وهو مختص ببغداد لانها منشؤه أو مسكنه، وان قدرت المضاف أي أعلم أهل بغداد فهو مضاف الى جماعة يجوز أن يدخل فيهم) (1). أقول: وعلى هذا فمتى أريد من (أولى) التفضيل والزيادة المطلقة - لا الزيادة على من أضيف إليه فقط - جازت اضافته الى (الرجل) و (زيد)، لاجل مجرد التخصيص والتوضيح.


1) شرح الكافية - مبحث أفعل التفضيل

[174]

14 - جواب منع " هما مولى رجلين " وأما قول الرازي: (هما أولى رجلين، وهم أولى رجال، ولا تقول: (هما مولى رجلين ولا هم مولى رجال) فهو توهم تدفعه كلمات المحققين الماضية، الدالة على أن الترادف لا يقتضى المساواة في جميع الاحكام. على أنه لا تلزم أية استحالة عقلية من هذا الاستعمال، بناءا على ما ذكره الرازي من كون مدار الاستعمال والاطلاق هو العقل لا الوضع. 15 - منع (هو أولاه) و (هو أولاك) غير مسلم وأما قوله: (ويقال: هو مولاه ومولاك، ولا يقال: هو أولاه وأولاك) فغير مسلم، فانه إذا كان الغرض هو التفضيل المطلق جاز اضافة اسم التفضيل الى المفرد المعرفة لمجرد التخصيص والتوضيح، وعليه فلا مانع من اضافته الى الضمير أيضا. وقال ابن حجر العسقلاني بشرح (فما بقي فهو لاولى رجل ذكر) نقلا عن السهيلي: " فان قيل: كيف يضاف (أي أولى) للواحد وليس بجزء منه ؟ فالجواب: إذا كان معناه الاقرب في النسب جازت اضافته وان لم يكن جزءا منه، كقوله (صلى الله عليه وسلم) في البر (بر أمك ثم أباك ثم أدناك) (1). وقد أضيف في هذا الحديث (أدنى) - وهو اسم تفضيل - الى الضمير. على أن الملاك لدى الرازي هو تجويز العقل كما تقدم مرارا، ولا استحالة في اضافة اسم التفضيل الى الضمير عقلا. ثم ان الرازي قال في خاتمة كلامه: (وهذا الوجه فيه نظر مذكور في


1) فتح الباري 15 / 14

[175]

الاصول) فنقول له: أيها المجادل الغفول، الاتي بكل كلام مدخول ! إذا كان عندك في هذا الوجه نظر مذكور في الاصول، فلم أتعبت النفس بتزوير هذا الهذر والفضول ! الذي يرده المنقول وتأباه العقول ! وتبطله افادات المحققين الفحول ؟ ! وبما ذكرنا ظهر بطلان قول (الدهلوي): (وهو منكر بالاجماع). على أن الرازي قد قال في وجوه اثبات مجئ (الباء) للتبعيض كما هو مذهب الشافعي: (الثاني: النقل المستفيض حاصل بأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض، فوجب أن يكون اقامة حرف (الباء) مقام (من) جائزا. وعلى هذا التقدير يحصل المقصود). فنقول: لا ريب في جواز (فلان مولى لك)، وبناءا على ما ذكره من أن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض، يجب أن يكون اقامة حرف (من) مقام اللام (جائزا) وأن يستعمل (فلان مولى منك) بدل (فلان أولى منك) وعلى هذا التقدير يحصل المقصود.

[176]

وجوه بطلان دعوى ان قول أبي عبيدة معنى لا تفسير وشبهات أخرى

[178]

قوله: (وأيضا فان تفسير أبي عبيدة بيان لحاصل معنى الاية..). أقول: هذا باطل لوجوه: 1 - لم يقل هذا أحد من أهل العربية ان (الدهلوي) قد نسب هذا القول الى جمهور أهل العربية، مع أن أحدا منهم لم يقله، بل ان الاصل في هذه الشبهة هو الرازي كما سيأتي، وقد ذكر من ترجم للرازي أنه لم يكن له اطلاع في علوم العربية، قال ابن الشحنة: (وكانت له اليد الطولى في العلوم خلا العربية) (1). 2 - لو كان كذلك فلماذا خطئوا أبا زيد كما زعم ؟ انه لو أمكن حمل تفسير أبي عبيدة على ما ذكر، فلماذا خطأ جمهور أهل العربية أبا زيد في تفسيره الذي تبع فيه أبا عبيدة - حسب زعم (الدهلوي) - ؟ ولماذا لم يحملوا تفسيره على هذا المعنى كذلك ؟


1) روضة المناظر - حوادث سنة 606

[179]

3 - لم ينفرد أبو عبيدة بهذا التفسير انه وان كان في الاصل في هذه الشبهة هو الرازي، لكن الرازي اعترف بأن جماعة من أئمة اللغة والتفسير يفسرون الاية كذلك، وليس أبو عبيدة متفردا به، قال الرازي بعد عبارته السابقة: (وأما الذي نقلوا عن أئمة اللغة أن (المولى) بمعنى (الاولى) فلا حجة لهم، وانما يبين ذلك بتقديم مقدمتين - احداهما: ان أمثال هذا النقل لا يصلح أن يحتج به في اثبات اللغة، فنقول: أن أبا عبيدة وان قال في قوله تعالى (مأواكم النار هي مولاكم) هي أولى بكم. وذكر هذا أيضا: الاخفش والزجاج وعلي بن عيسى، واستشهدوا ببيت لبيد، ولكن ذلك تساهل من هؤلاء الائمة لا تحقيق، لان الاكابر من النقلة مثل الخليل وأضرابه لم يذكروه، والاكثرون لم يذكروه الا في تفسير هذه الاية أو آية أخرى مرسلا غير مسند، ولم يذكروه في الكتب الاصلية من اللغة، وليس كل ما يذكر في التفاسير كان ذلك لغة أصلية، الا تراهم يفسرون اليمين بالقوة في قوله تعالى: (والسماوات مطويات بيمينه). والقلب بالعقل في قوله: (لمن كان له قلب). مع أن ذلك ليس لغة أصلية، فكذلك ههنا) (1). لكن (الدهلوي) يحاول اسدال الستار على هذه الحقيقة الراهنة، فيدعي أن جمهور أهل العربية يحملون تفسير أبي عبيدة على أنه بيان للمعنى لا تفسير، وكأن أبا عبيدة منفرد بهذا التفسير، وقد رأينا أن مخترع هذه الشبهة - وهو الرازي - يعترف بأن جماعة آخرين يفسرون الاية كذلك. وأما قول الرازي: (ولكن ذلك تساهل من هؤلاء الائمة لا تحقيق) فساقط


1) نهاية العقول - مخطوط.

[180]

إذ لا طريق لنا الى معرفة مفاهيم الالفاظ الا بتنصيصات أئمة اللغة، فان حملت كلماتهم على التساهل سقطت عن الحجية، وبطلت الاستدلالات والحجج، بل ان كلام الرازي هذا خير وسيلة وذريعة للملحدين وجحدة الدين في انكار حقائق الدين الاسلامي، إذ متى أريد الزامهم بأمر من أمور الدين استنادا الى تصريحات اللغويين كان لهم ان يقولوا: (ذلك تساهل من هؤلاء الائمة لا تحقيق)، بل يكون اعتراضهم أقوى، واعتذارهم عن القبول والتسليم أبلغ، لانهم يخالفون أئمة اللغة في الدين أيضا، بخلاف الرازي فانه واياهم من أهل ملة واحدة.. وبذلك ينهدم أساس دين الاسلام، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. هذا ولا عجب من تأييد الرازي للملحدين، فقد عرفت من تصريح الذهبي (1) أن للرازي تشكيكات على دعائم الاسلام، وفي [لسان الميزان] (2) عن الرازي أن عنده شبهات عديدة في دين الاسلام، وأنه كان يبذل غاية جهده في تقرير مذاهب المخالفين والمبتدعين، ثم يتهاون ويتساهل في دفعها والجواب عنها. 4 - الاصل في هذه الدعوى أيضا هو الرازي ثم ان الاصل في هذه الشبهة أيضا هو الرازي كما عرفت من كلامه السابق، وقال بتفسير قوله تعالى: (ماواكم النار) مانصه: (وفي لفظ (المولى) ههنا أقوال - أحدها: قال ابن عباس: مولاكم أي مصيركم. وتحقيقه: ان المولى موضع (الولي) وهو القرب. فالمعنى: ان النار هي موضعكم الذي تقربون منه وتصلون إليه.


1) ميزان الاعتدال 3 / 340. 2) لسان الميزان 4 / 426.

[181]

والثاني - قال الكلبي: يعنى أولى بكم، وهو قول الزجاج والفراء وأبي عبيدة. واعلم: ان هذا الذي قالوه معنى وليس بتفسير للفظ، لانه لو كان (مولى) و (أولى) بمعنى واحد في اللغة لصح استعمال كل واحد منهما في مكان الاخر، فكان يجب أن يصح أن يقال: (هذا مولى من فلان) كما يقال: (هذا أولى من فلان) ويصح أن يقال: (هذا أولى فلان) كما يقال: (هذا مولى فلان). ولما بطل ذلك علمنا أن الذي قالوه معنى وليس بتفسير. وانما نبهنا على هذه الدقيقة لان الشريف المرتضى لما تمسك في امامة علي بقوله [عليه السلام]: (من كنت مولاه فعلي مولاه) قال: أحد معاني (مولى) أنه (أولى) واحتج في ذلك بأقوال أئمة اللغة في تفسير هذه الاية بأن مولى معناه أولى. وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه، لان ما عداه اما بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق، فيكون على التقدير الاول عبثا، وعلى التقدير الثاني كذبا. وأما نحن فقد بينا بالدليل أن قول هؤلاء في هذا الموضع معنى لا تفسير وحينئذ يسقط الاستدلال) (1). 5 - خدشة النيسابوري لكلام الرازي ولكن ما أسلفنا من البحوث كاف لاسقاط وابطال هذا الكلام، على أنه قد بلغ من السقوط والهوان حدا لم يتمكن النيسابوري من السكوت عليه، بالرغم من متابعته للرازي في كثير من المواضع، قال النيسابوري ما نصه: (هي مولاكم قيل: المراد أنها تتولى أموركم كما توليتم في الدنيا أعمال أهل النار. وقيل أراد هي أولى بكم، قال جار الله: حقيقته هي محراكم ومقمنكم. أي مكانكم


1) تفسير الرازي 29 / 227 - 228.

[182]

الذى يقال فيه هو أولى بكم، كما قيل: هو مئنة الكرم، أي مكان لقول القائل انه لكريم. قال في التفسير الكبير: هذا معنى وليس بتفسير اللفظ من حيث اللغة، وغرضه أن الشريف المرتضى لما تمسك في امامة علي بقوله " ص ": من كنت مولاه فهذا علي مولاه. احتج بقول الائمة في تفسير الاية: ان (المولى) معناه (الاولى) وإذا ثبت أن اللفظ محتمل له وجب حمله عليه، لان ما عداه بين الثبوت ككونه ابن العم والناصر، أو بين الانتفاء كالمعتق والمعتق، فيكون على التقدير الاول عبثا، وعلى التقدير الثاني كذبا. قال: وإذا كان قول هؤلاء معنى لا تفسيرا بحسب اللغة سقط الاستدلال. قلت: في هذا الاسقاط بحث لا يخفى) (1).


1) تفسير النيسابوري 27 / 97.

[183]

شبهات أخرى هنا، وقد بقيت شبهات أخرى في هذا المقام، نذكرها مع وجوه دفعها اتماما للمرام: 1 - عدم ذكر بعض اللغويين هذا المعنى فالشبهة الاولى: انه وان ذكر جماعة من أئمة اللغة هذا المعنى، الا أن بعضهم لم يذكروه. ذكر هذه الشبهة الفخر الرازي حيث قال: (لان الاكابر من النقلة مثل الخليل وأضرابه لم يذكروه). وجوه دفعها وهذه الشبهة مندفعة بوجوه: الاول: لا اعتبار بالنفي الصريح في مقابلة الاثبات، فكيف بعدم الذكر والسكوت ؟ ان صحت النسبة الى الخليل ؟ الثاني: ان كتاب (العين للخليل) موصوف بالاضطراب والتصريف الفاسد، قال أحمد بن الحسين الجاربردي بعد ذكر بيت جاء فيه لفظة (أمهتي)

[184]

(والهاء زائدة، لان أما فعل بدليل الامومة في مصدره وأمات في جمعه) ثم قال بعد بيت جاء فيه لفظة (أمات): (وأجيب عن ذلك بمنع أن أما فعل والهاء زائدة، وسنده: ان الهاء يجوز أن يكون أصلا، لما نقل خليل بن أحمد في كتاب العين من قولهم (تأمهت) بمعنى: اتخذت أما. هذا يدل على أصالة الهاء). ثم قال: (قال في شرح الهادي: الحكم بزيادة الهاء أصح لقولهم: أم بنية الامومة. وقولهم: (تأمهت) شاذ مسترذل) قال: (في كتاب العين من الاضطراب والتصريف الفاسد ما لا يدفع) (1). فإذا كان هذا حال (كتاب العين) بالنسبة الى ما ورد فيه، فكيف يكون عدم ورود معنى فيه سندا لانكاره ؟ ! الثالث: انه بالاضافة الى ما تقدم فقد صرح طائفة من كبار المحققين في (كتاب العين) كما لا يخفى على من راجع (المزهر) و (كشف الظنون) (2). الرابع: لقد صرح الرازي نفسه باطباق الجمهور من أهل اللغة على القدح في (العين) فقد قال السيوطي في (المزهر): (أول من صنف في جمع اللغة الخليل بن أحمد. ألف في ذلك كتاب العين المشهور. قال الامام فخر الدين في المحصول: أصل الكتب المصنفة في اللغة كتاب العين، وقد أطبق الجمهور من أهل اللغة على القدح فيه). فالعجب من الرازي يقول هذا ثم يحتج بعدم ذكر الخليل (الاولى) في جملة معاني (المولى).. وإذا كان ذلك رأي الجمهور من أهل اللغة فلا ينفع دفاع السيوطي عن (العين).


1) شرح الجاربردي على الشافعية لابن الحاجب 149 - 150. 2) كشف الظنون 2 / 1442.

[185]

الخامس: دعواه عدم ذكر أضراب الخليل هذا المعنى للفظ المذكور كذب واضح، فان (أبا زيد) من أضرابه ومعاصريه - بل ذكر المترجمون له تقدمه على الخليل كما تقدم - قد ذكر ذلك، كما اعترف به الخصوم حتى (الدهلوي)، وفسر (أبو عبيدة) لفظة (المولى) ب‍ (الاولى) كما اعترف به الجماعة حتى الرازي نفسه، و (ابو عبيدة) من أضراب الخليل ومعاصريه، بل أفضل منه كما علم من تراجمه، وكذلك (الفراء) من معاصرية وقد فسر (المولى) ب‍ (الاولى). فثبت كذب الرازي في هذه الدعوى. السادس: لقد فسر محمد بن السائب الكلبي (المولى) ب‍ (الاولى)، وقد توفي الكلبي سنة (146) فهو متقدم على الخليل المتوفي سنة (175) وقيل (170) وقيل (160) كما ذكر السيوطي (1). السابع: لقد علمت مما تقدم أن جماعة كبيرة من مشاهير الائمة الاساطين - غير من ذكرنا - قد أثبتوا مجئ (المولى) بمعنى (الاولى)، واستشهدوا لذلك بشعر لبيد، فعدم ذكر الخليل ذلك - ان ثبت - لا يليق للاحتجاج بعد اثبات هؤلاء الاثبات للمعنى المذكور. الثامن: لقد علمت سابقا أن البخاري ذكر للمولى خمسة معان، فقال ابن حجر وغيره بأن أهل اللغة يذكرون له معان اخرى غيرها. فمن هنا يظهر أن عدم ذكر البخاري لتلك المعاني لا ينفي ثبوتها، فكذلك عدم ذكر الخليل (الاولى) ضمن معاني (المولى) - على تقدير تسليم ذلك - غير قادح في ثبوته، لان غيره من الائمة قد ذكروه. ثم قال الرازي: (والاكثرون لم يذكروه الا في تفسير هذه الاية أو آية


1) بغية الوعاة 1 / 560.

[186]

أخرى). وهذا الكلام فيه كفاية لاهل الدراية. قال: (مرسلا غير مسند). ويدفعه ما تقدم في دفع دعواه أن ذلك معنى لا تفسير. قال: (ولم يذكروه في الكتب الاصلية). ويدفعه: تصريح ابن الانباري ومحمد بن أبي بكر الرازي بكون (الاولى بالشئ) من جملة معاني (المولى). بل ورد تفسيره بهذا المعنى في (الصحاح للجوهري وهو من الكتب الاصلية في اللغة بلا ريب. وأما قوله: (الا تراهم يفسرون اليمين بالقوة..) فيفيد جواز استعمال (المولى) بمعنى (الاولى) مثل استعمال (اليمين) بمعنى (القوة) و (القلب) بمعنى (العقل). ثم قال الرازي: ما نصه: (وثانيها: - ان أصل تركيب (ول ى) يدل على معنى القرب والدنو، يقال: وليته وأليه وليا، أي دنوت منه، وأوليته أياه: أدنيته، وتباعدنا بعد ولي. ومنه قول علقمة: وعدت عواد دون وليك تشعب. وكل مما يليك، وجلست مما يليه. ومنه: الولي وهو المطر الذي يلي الوسمي، والولية: البرذغة لانها ظهر الدابة، وولي اليتيم والقتيل وولي البلد، لان من تولى الامر فقد قرب منه. ومنه قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) من قولهم: ولاه ركبته، أي جعلها مما يليه. وأما ولى عني إذا أدبر فهو من باب ما يثقل الحشو فيه للسلب، وقولهم: فلان أولى من فلان أي أحق، أفعل التفضيل من الوالي أو الولي كالادنى والاقرب من الداني والقريب، وفيه معنى القرب أيضا، لان من كان أحق بالشئ كان أقرب إليه،

[187]

والمولى اسم لموضع الولى كالمرمى والمبني لموضع الرمي والبناء). أقول: هذه المقدمة لا علاقة لها بمطلوب الرازي الذي هو نفي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) أصلا، لان حاصل هذا الكلام هو كون أصل تركيب (ولى) دالا على معنى القرب، وكون (المولى) اسما لموضع الولي، وهذان الامران لا دلالة فيهما على نفي مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) أبدا، والا لزم أن لا يكون (المعتق) و (المعتق) وغيرهما من معاني (المولى) أيضا. 2 - تفسير أبي عبيدة يقتضي أن يكون للكفار في الجنة حق ثم قال الرازي: (وإذا ثبت هاتان المقدمتان فلنشرع في التفصيل قوله: ان أبا عبيدة قال في قوله تعالى: (مأواكم النار هي مولاكم) معناه: هي أولى بكم. قلنا ان ذلك ليس حقيقة بوجهين أحدهما: ان ذلك يقتضي أن يكون للكفار في الجنة حق، الا أن النار أحق، لان ذلك من لوازم أفعل التفضيل وانه باطل). وجوه دفعها وهذه الشبهة حول تفسير أبي عبيدة يدفعها وجوه: الاول: انه يحتمل أن يكون المعنى: نار جهنم أولى باحراق الكفار من نار الدنيا، لا أن المراد أولوية النار بهم من الجنة. الثاني: انه لما كان زعم الكفار استحقاقهم دخول الجنة فانه بهذا السبب يثبت أولوية النار بهم من الجنة أيضا، قال نجم الائمة الرضي الاسترابادي: (ولا يخلو المجرور بمن التفضيلية من مشاركة المفضل في المعنى، اما تحقيقا

[188]

نحو زيد احسن من عمرو، أو تقديرا كقول علي (عليه السلام): لئن أصوم يوما من شعبان أحب الي من أن أفطر يوما من رمضان. لان افطار يوم الشك الذي يمكن أن يكون من رمضان محبوب عند المخالف، فقدره (عليه السلام) محبوبا الى نفسه أيضا، ثم فضل صوم شعبان عليه، فكأنه قال: هب أنه محبوب عندي أيضا، أليس صوم من شعبان أحب منه. وقال (عليه السلام): (اللهم أبدلني بهم خيرا منهم) أي في اعتقادهم أيضا لا في نفس الامر، فانه ليس فيهم خير، (وأبدلهم بي شرا مني) أي في اعتقادهم أيضا، والا فلم يكن فيه (عليه السلام) شر. ومثل قوله تعالى (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا) كأنهم لما اختاروا موجب النار. ويقال في التهكم: أنت أعلم من الحمار، فكأنك قلت: ان امكن أن يكون للحمار علم فأنت مثله مع زيادة، وليس المقصود بيان الزيادة، بل الغرض التشريك بينهما في شئ معلوم انتفاؤه من الحمار) (1). الثالث: ان المستفاد من الاحاديث العديدة هو أن لكل واحد من المكلفين مكان في الجنة ومكان في النار. وقال الرازي نفسه بتفسير قوله تعالى: [أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون]: (وههنا سؤالات - السؤال الاول: لم سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث، مع أنه سبحانه حكم بأن الجنة حقهم في قوله: ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ؟. الجواب من وجوه: الاول: ما روي عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) - وهو أبين ما يقال فيه - وهو: أنه لا مكلف الا أعد الله له في النار ما يستحقه ان عصى، وفي الجنة ما يستحقه ان أطاع، وجعل لذلك علامة، فإذا آمن منهم البعض ولم يؤمن البعض صار


1) شرح الكافية. مبحث أفعل التفضيل.

[189]

[منزل] منازل من لم يؤمن كالمنقول، وصار مصيرهم الى النار الذي لابد معها [معه] من حرمان الثواب كموتهم، فسمى ذلك ميراثا لهذا الوجه) (1). 3 - لو كان الامر كما ذكر أبو عبيدة لقيل هي مولاتكم ثم قال الرازي: (ثانيهما: لو كان الامر كما اعتقدوا في أن (المولى) ههنا بمعنى (الاولى) لقيل هي مولاتكم..). وجوه دفعها وهذه شبهة اخرى حول تفسير أبي عبيدة، وهي مندفعة بوجوه: الاول: لقد نسي الرازي أو تناسى اصراره على لزوم التساوي بين المترادفين في جميع الاستعمالات، فانه بناءا على ذلك لا يبقى مورد لهذه الشبهة، لانه إذا كان (المولى) بمعنى (الاولى) جاز استعمال كل منهما مكان الاخر، فإذا وقع (الاولى) خبرا لمبتدأ كان المذكر والمؤنث فيه على حد سواء فكذلك (المولى) الذي بمعناه يستوي فيه المذكر والمؤنث في صورة وقوعه خبرا، فالشبهة مندفعة بناءا على ما ذهب إليه هو وألح عليه. الثاني: دعوى اختصاص استواء التذكير والتأنيث باسم التفضيل كذب صريح وغلط محض، لثبوت الاستواء المذكور في مواضع اخر، قال ابن هشام: " الغالب في " التاء " أن تكون لفصل صفة المؤنث من صفة المذكر كقائمة وقائم، ولا تدخل هذه التاء في خمسة أوزان، أحدها: فعول، كرجل صبور بمعنى صابر وامرأة صبور بمعنى صابرة، ومنه: (وما كانت امك بغيا) والثاني:


1) تفسير الرازي 23 / 82.

[190]

فعيل بمعنى مفعول، نحو رجل جريح وامرأة جريح. والثالث: مفعال كمنحار، يقال رجل منحار وامرأة منحار، وشذ ميقانة. والرابع: مفعيل كمعطير، وشذ امرأة مسكينة، وسمع امرأة مسكين. والخامس: مفعل كمغشم ومدعى) (1). الثالث: ان تذكير المؤنث بحمل أحدهما على الاخر شائع في الاستعمال كتأنيث المذكر، قال السيوطي: (الحمل على المعنى. قال في الخصائص: اعلم ان هذا الشرح غور من العربية بعيد ومذهب نازح فسيح. وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام منثورا ومنظوما، كتأنيث المذكر وتذكير المؤنث، وتصور معنى الواحد في الجماعة والجماعة في الواحد، وفي حمل الثاني على لفظ قد يكون عليه الاول، أصلا كان ذلك اللفظ أو فرعا وغير ذلك، فمن تذكير المؤنث قوله تعالى: (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي) أي هذا الشخص (فمن جاءه موعظة من ربه) لان الموعظة والوعظ واحد. (ان رحمة الله قريب من المحسنين) أراد بالرحمة هنا المطر...) (2). الرابع: ان تأنيث النار ليس تأنيثا حقيقيا، وتأنيث المؤنث غير الحقيقي ليس بلازم، كما نص عليه الرازي نفسه، إذ قال بتفسير قوله تعالى [يحرفون الكلم عن مواضعه]: (المسألة الثانية: لقائل أن يقول: الجمع مؤنث، فكان ينبغي أن يقال: يحرفون الكلم عن مواضعها. والجواب: قال الواحدي: هذا جمع حروفه أقل من حروف واحدة، وكل جمع يكون كذلك فانه يجوز تذكيره. ويمكن أن يقال: كون الجمع مؤنثا ليس أمرا حقيقيا، بل هو أمر لفظي، فكان التذكير والتأنيث فيه جائزا) (3).


1) التوضيح في شرح الالفية بشرح الازهري 2 / 286 - 287. 2) الاشباه والنظائر 1 / 185. 3) تفسير الرازي 10 / 117.

[191]

وقال بتفسير [ان رحمة الله قريب من المحسنين]: (المسألة الرابعة: - لقائل أن يقول: مقتضى علم الاعراب أن يقال: ان رحمة الله قريبة من المحسنين فما السبب في حذف علامة التأنيث ؟ وذكروا في الجواب عنه وجوها (الاول): ان الرحمة تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك فانه يجوز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة. (الثاني) قال الزجاج: انما قال قريب لان الرحمة والغفران والعفو والانعام بمعنى واحد، فقوله: ان رحمة الله قريب بمعنى انعام الله قريب وثواب الله قريب، فأجرى حكم أحد اللفظين على الاخر. (الثالث) قال النضر بن شميل: الرحمة مصدر، ومن حق المصادر التذكير كقوله (فمن جاءه موعظة). وهذا راجع الى قول الزجاج، لان الموعظة أريد بها الوعظ فلذلك ذكره. قال الشاعر (ان السماحة والمروة ضمنا..) قيل: المراد بالسماحة السخاء، وبالمروة الكرم..) (1). وأما قول الرازي: (لان اسم المكان إذا وقع خبرا لم يؤنث) فهو في نفسه كلام صحيح، لكنه يتنافى مع ما تقدم منه من الحكم بكون استواء التذكير والتأنيث من خصائص أفعل التفضيل، فما ذكره هنا اعتراف ببطلان دعواه الاختصاص المذكور. وأما قوله: (وقال صاحب الكشاف على جهة التقريب..) فان أراد من قوله (على جهة التقريب) تقريب الزمخشري المعنى المقصود الى الافهام فلا عائبة فيه ولا يخالف المقصود ولا ينافيه، وان أراد نفي أن يكون ذلك المعنى هو المراد حقيقة فيكذبه قول صاحب الكشاف الذي نقله الرازي أيضا (وهو حقيقة محراكم..) فانه يدل دلالة صريحة على أن ما ذكره على طريقة الحقيقة التي هي بالاذعان والتصديق حقيقة.


1) تفسير الرازي 14 / 136.

[192]

وما ذكره الزمخشري من احتمال كون معنى (المولى) هو (الناصر) لا يضعف استدلالنا، لانا ندعي جواز ارادة (الاولى) من (المولى) ومجيئه بهذا المعنى ولا ننفي أن يكون بمعنى آخر، وتجويز كون (المولى) هنا بمعنى (الناصر) لا ينفي جواز مجيئه بمعنى (الاولى) كما هو واضح. وأما قول الرازي: (وعن الحسن البصري: " هي مولاكم " أي أنتم توليتموها في الدنيا..) فلا يصادم مطلوبنا، بل ان مجئ (المولى) بمعنى (المتولي) أيضا يفيد المطلوب. كما أن ما ذكره بقوله: (وقيل أيضا: المولى يكون بمعنى العاقبة..) لا ينافي المطلوب واستدلالنا بالاية الكريمة. 4 - شبهة الرازي حول بيت لبيد وقال الرازي: (وأما بيت لبيد، فقد حكي عن الاصمعي فيه قولان أحدهما: ان المولى فيه اسم لموضع الولي كما بينا، أي كلا من الجانبين موضع المخافة، وانما جاء مفتوح العين تغليبا لحكم اللام على الفاعل، على أن الفتح في المعتل الفاء قد جاء كثيرا، منه: موهب وموحد وموضع وموحل. والكسر في المعتل اللام لم يسمع الا في كلمة واحدة وهي مأوى. الثاني: انه أراد بالمخافة الكلاب، وبمولاها صاحبها). وجوه دفعها وما ذكره حول بيت لبيد المستشهد به على مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) يندفع بوجوه:

[193]

الاول: ان حكاية القولين المذكورين عن الاصمعي في بيت لبيد لا ينافي الاستشهاد به على المطلوب المذكور، لان أبا عبيدة قد أستشهد به على ذلك، وهو أفضل من الاصمعي بلا كلام وقد اعترف بذلك الاصمعي نفسه كما تقدم. الثاني: انه قد استشهد بهذا البيت - بالاضافة الى أبي عبيدة - جماعة من كبار الائمة كالزجاج والاخفش والرماني كما ذكر الرازي نفسه ذلك، كما أن ثعلب فسر (المولى) فيه ب‍ (الاولى) كما صرح به الزوزوني في شرح المعلقات، ولا ريب في تقدم ما ذكره هؤلاء الائمة على ما تفرد به الاصمعي. الثالث: لقد علمت سابقا تفسير الجوهري والثعلبي وعمر القزويني والخفاجي وغيرهم (المولى) في هذا البيت ب‍ (الاولى)، وقد نص بعضهم على أن الوجوه الاخرى المذكورة له لا تخلو من الضعف. الرابع: أن نقول: اما ان القولين المحكيين عن الاصمعي ينافيان تفسير أبي عبيدة واما لا، فان كانا ينافيان تفسيره كان بين قولي الاصمعي تناف أيضا بخلاف تفسير أبي عبيدة والزجاج والاخفش والرماني وثعلب وغيرهم، إذ لم يحك عنهم في البيت ما ينافي هذا التفسير، وان لم يكن بين القولين والتفسير تناف وتعارض ولا فيما بين القولين أنفسهما بل يمكن الجمع بين الجميع بنحو من الانحاء كان ذكر القولين في مقابلة تفسير الائمة عبثا. الخامس: لقد قدح الرازي في كتابه (المحصول) - كما نقل عنه السيوطي - في الاصمعي، وأسقطه عن الاعتبار في نقل اللغة في الكتاب المذكور، وهذا نص كلامه: (وأيضا فالاصمعي كان منسوبا الى الخلاعة ومشهورا بأنه كان يزيد في اللغة ما لم يكن منها). وأما قول الرازي: (والكسر في المعتل اللام لم يسمع الا في كلمة واحدة وهي مأوى) فكلام أجراه الحق على لسانه، لانه يبطل ما تقدم منه من انكاره

[194]

مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) بسبب عدم مجئ (المفعل) في المواد الاخرى بمعنى (الافعل). 5 - شبهات حول الشواهد الاخرى لم يكن الشاهد على مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) منحصرا بتفسير أبي عبيدة وغيره للاية الكريمة، وببيت لبيد العامري، بل هناك شواهد أخرى على مجئ (المولى) من الكتاب والسنة واشعار العرب، وقد ذكرها الرازي مع شبهات له حولها وتاويلات ومحامل لها، حتى تكون أجنبية عن مورد الاستدلال والاستشهاد، ونحن ننقل نص كلامه ثم نتبعه بدفع شبهاته: قال الرازي: (وأما قوله تعالى: [ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان] معناه: وراثا يلون ما تركه الوالدان. وقال السدي في قوله: [واني خفت الموالي من ورائي] أي العصبة، وقيل: بني العم، لانهم الذين يلونه في النسب وعليه قول الحارث: زعموا ان من ضرب العسير * موال لنا وانا الولاء وقال أبو عمرو: الموالي في هذا الموضع بنو العم. وأما قول الاخطل: فاصبحت مولاها من الناس بعده. وقوله: لم تأشروا فيه إذ كنتم مواليه. وقوله: موالي: موالي حق يطلبون به.

[195]

فالمراد بها الاولياء. ومثله قوله (عليه السلام): مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي لله ورسوله. وقوله (عليه السلام): أيما امرأة تزوجت بغير اذن مولاها. فالرواية المشهورة مفسرة له. وقوله: [ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا] أي: وليهم وناصرهم [وان الكافرين لا مولى لهم] أي: لا ناصر لهم. هكذا روى عن ابن عباس ومجاهد وعامة المفسرين. فقد تلخص مما قلنا: ان لفظة المولى غير محتملة للاولى). بيان اندفاع هذه الشبهات وهذه الشبهات لا تبطل استدلال الشيعة واستشهادهم بهذه الشواهد، وقد ذكر الرازي في كلامه أيضا ما لم يستشهد به الشيعة أصلا، ونحن نبين كل ذلك فنقول: أما تفسير (الموالي) في قوله تعالى: [ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان] ب‍ (الوراث) فقد علمت آنفا - من نقل الرازي نفسه - أن أبا علي الجبائي قد فسر (المولى) في الاية بوارث هو أولى به أي بالمتروك، وهذه عبارته: (والمعنى: ان ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به. وسمى الله تعالى الوارث المولى..) وقد قال الرازي بعد هذا الوجه والوجوه الاخرى المذكورة في الاية المباركة: (وكل هذه الوجوه حسنة محتملة)، وقول الرازي هنا: (وراثا يلون ما تركه الوالدان) لا ينافي ذاك الوجه، لان الوراث هم أولى بما تركه مورثوهم. وأما ذكره قوله تعالى: [واني خفت الموالي من ورائي] فلا وجه له،

[196]

لعدم استشهاد الامامية بهذه الاية على مجئ (المولى) بمعنى (الاولى). ومثله قول الحارث.. نعم ذكر السيد المرتضى في كتاب (الشافي في الامامة) عن غلام ثعلب في شرح هذا البيت: أن من معاني (المولى) هو (السيد) وان لم يكن مالكا، وانه قد فسر (المولى) ب‍ (الولي)، فالسيد المرتضى طاب ثراه بصدد اثبات أن (السيد) و (الولي) من معاني (المولى) ولم يحتج بهذا البيت أصلا حتى يذكره الرازي في جملة شواهد الامامية على ما يذهبون إليه. وأما حمله (المولى) في قول الاخطل: فأصبحت مولاها.. وقوله: لم تأشروا فيه إذ كنتم مواليه. وقول الشاعر: موالي حق يطلبون به. على (الاولياء) فلا يضر ما نحن بصدده، لان (الولي) أيضا بمعنى (الاولى) كما صرح به المبرد. ولفظتا (أصبحت) و (بعده) قرينتان تدلان على أن المراد هو (الاولى بالتصرف). كما أن الشطر الثاني من البيت - وهو كما في (الشافي): (وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا) قرينة اخرى على أن المراد من (المولى) هو (الاولى بالتصرف). وأما قول الشاعر: (موالي حق يطلبون به) فشطره الثاني هو: (فأدركوه وما ملوا وما تعبوا) وفيه قرائن على أن المراد من (موالي حق) هم الذين يكونون أولى بحقوقهم. وأما حديث: (مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله) فليس مما يستشهد به الامامية، فذكره هنا عبث. وأما حمل (المولى) في قوله (صلى الله عليه وآله): (أيما امرأة

[197]

تزوجت بغير اذن مولاها) على (الولي) للرواية المشهورة المفسر له فلا يضر بالاستشهاد به، لان المراد من (الولي) فيه هو (ولي الامر) كما قال ابن الاثير: (ومنه الحديث: أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل. وفي رواية وليها. أي متولي أمرها). وأما ذكره الاية المباركة: [ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم] فلا وجه له، لعدم استشهاد الامامية بها. فظهر بما ذكرنا بطلان قوله: (فقد تلخص بما قلنا: ان لفظة المولى غير محتملة للاولى). والحمد لله رب العالمين. عود الى كلام الدهلوي قوله: (يعني النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم، لا أن لفظة المولى بمعنى الاولى). أقول: عجبا ! ! ان ابا عبيدة ينص على أن المراد من (المولى) في الاية الكريمة هو (الاولى)، ثم يستشهد لذلك ببيت لبيد، ويصرح بأن (المولى) فيه هو (الاولى) كذلك، فكيف يقبل من (الدهلوي) هذا التحكم والتزوير ؟ ! ما الدليل على كون الصلة (بالتصرف) ؟ قوله: (الثاني: ان كان (المولى) بمعنى (الاولى) فجعل صلته (بالتصرف) في أي لغة ؟). أقول: ان أراد (الدهلوي) عدم جواز جعل (بالتصرف) صلة ل‍ (الاولى) فهذا توهم فضيح، لان ثبوت مجئ (المولى) بمعنى (الاولى) كاف للمطلوب وجعل (بالتصرف) صلة له بحسب القرائن المقامية كما سيجئ ان شاء الله تعالى.

[198]

على أن صريح كلام التفتازاني والقوشجي - الذي أورده صاحب بحر المذاهب أيضا - هو شيوع مجئ (المولى) بمعنى (الاولى بالتصرف) في كلام العرب، وان ذلك منقول عن أئمة اللغة. بل ان مجئ (المولى) بمعنى (المتصرف في الامر) و (متولي الامر) و (ولي الامر) و (المليك) - كما ظهر لك كل ذلك سابقا - يكفينا لاثبات المرام. مجمل واقعة الغدير وان أراد (الدهلوي) أنه ان كان (المولى) بمعنى (الاولى) فما الدليل على كون المراد منه في حديث الغدير هو (الاولوية في التصرف) ؟ فيظهر جوابه من النظر فيما وقع يوم غدير خم، ومجمله - كما تفيد روايات القوم - ان الله تعالى أوحى الى رسوله (صلى الله عليه وآله) بأن يبلغ الناس بأن عليا (عليه السلام) مولاهم، فخشى " ص " أن تقع الفتنة بين الناس ان بلغهم ذلك، فشكى الى ربه عزوجل وحدته وقلة أصحابه المخلصين وأن القوم سيكذبونه، فأوحى الله تعالى إليه: [يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس] فنزل " ص " بغدير خم وليس بالموضع اللائق للنزول، وكان يوما هاجرا جدا يستظل الناس فيه بأرديتهم ودوابهم، ثم أمر " ص " فقم ماكان هنالك من شوك وصنع له منبر من أقتاب الابل، وكان عدد الحاضرين في ذلك اليوم مائة وعشرين ألف نسمة، وقد علم الجميع بأن هذا آخر اجتماع لهم من هذا القبيل، والنبي " ص " يوشك أن يدعى الى ربه، فأمر رسول الله أن يرد من

[199]

تقدم منهم، ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، فلما أجتمعوا صعد المنبر وأخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم أجمعون فقال: يأيها الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنه لن يعمر نبي الا مثل عمر الذي قبله (1)، واني أوشك أن ادعى فأجيب، واني مسئول وأنتم مسئولون، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد انك قد بلغت وجهدت ونصحت فجزاك الله خيرا. قال: ألستم تشهدون أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جنته حق وناره حق، وان الموت حق وأن البعث بعد الموت حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ؟ قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: اللهم أشهد. فقال: أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى. قال: ان الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه. ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه، وأنصر من نصره وأخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار. ثم أمر " ص " بالتمسك بالثقلين الكتاب والعترة، وذكر أنهما لن يفترقا حتى يردا الحوض. فلما انتهى " ص " من خطبته نزلت الاية: [اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا] فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي. ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين (عليه السلام)، وممن هنأه في مقدم الصحابة أزواج رسول الله " ص " والشيخان أبو بكر وعمر، وقال حسان بن


1) هذه الجملة وردت في بعض الفاظ الحديث عند القوم، وفيها كلام كما لا يخفى.

[200]

ثابت أبياته المعروفة. كما ستعرف ذلك كله بالتفصيل. وبعد، فلا أظن أن عاقلا يحمل هذه الخطبة المقترنة بهذه الامور، على أمر سوى الامامة العظمى والخلافة الكبرى بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). وبهذه البحوث التي تراها يتضح لك مدى تعصب القوم للهوى ومخالفتهم للحق، حتى أنهم قد يلتجأون الى الكذب والافتراء، ويتذرعون بالشبهات الواهية ويتفوهون بما لا طائل تحته، فكأنهم آلوا على أنفسهم جحد الحق وتقوية الباطل مهما كلف الامر.. وستتضح لك تلك الحقيقة أكثر فأكثر من خلال البحوث الاتية ان شاء الله تعالى، والله المستعان.

[201]

من وجوه دلالة حديث الغدير على أمامة الامير

[203]

(1) نزول قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ.. في يوم غدير خم

[205]

من وجوه دلالة حديث الغدير على امامة أمير المؤمنين (عليه السلام) نزول قوله تعالى. [يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس] في واقعة يوم غدير خم. ذكر بعض من روى ذلك وقد روى ذلك جماعة من كبار أئمة أهل السنة، ومشاهير أعيان علمائهم ومنهم: 1 - ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد بن ادريس الرازي. 2 - أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي. 3 - أحمد بن موسى بن مردويه. 4 - أحمد بن محمد الثعلبي. 5 - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصفهاني. 6 - أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي. 7 - مسعود بن ناصر السجستاني. 8 - عبد الله بن عبيد الله الحسكاني. 9 - ابن عساكر علي بن الحسن الدمشقي.

[206]

10 - فخر الدين محمد بن عمر الرازي. 11 - محمد بن طلحة النصيبي الشافعي. 12 - عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني. 13 - حسن بن محمد النيسابوري. 14 - علي بن شهاب الدين الهمداني. 15 - علي بن محمد المعروف بابن الصباغ المالكي. 16 - محمود بن أحمد العيني. 17 - عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي. 18 - محمد محبوب عالم. 19 - الحاج عبد الوهاب بن محمد. 20 - جمال الدين عطاء الله بن فضل الله الشيرازي. 21 - شهاب الدين أحمد. 22 - الميرزا محمد بن معتمد خان البدخشي. { 1 } رواية ابن أبي حاتم قال جلال الدين السيوطي: (أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الاية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب) (1).


1) الدر المنثور 2 / 298.

[207]

ترجمة ابن أبي حاتم 1 - الذهبي: (عبد الرحمن العلامة الحافظ يكنى أبا محمد، ولد سنة أربعين ومائتين أو احدى وأربعين. قال ابو الحسن علي بن ابراهيم الرازي الخطيب في ترجمة عملها لابن أبي حاتم: كان رحمه الله قد كساه الله نورا وبهاء يسر من نظر إليه.. وكان بحرا لا تكدره الدلاء. روى عنه: ابن عدي، وحسين ابن علي التميمي، والقاضي يوسف الميانجي، وأبو الشيخ ابن حيان، وأبو أحمد الحاكم، وعلي بن عبد العزيز بن مدرك.. وخلق سواهم. قال أبو يعلي الخليلي: أخذ أبو محمد علم أبيه وأبي زرعة، وكان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال، صنف في الفقه وفي اختلاف الصحابة والتابعين وعلماء الامصار. قال: وكان زاهدا يعد من الابدال. وقال الرازي المذكور في ترجمة عبد الرحمن: سمعت علي بن محمد المصري ونحن في جنازة ابن أبي حاتم يقول: قلنسوة عبد الرحمن من السماء وما هو بعجب رجل منذ ثمانين سنة على وتيرة واحدة لم ينحرف عن الطريق. وسمعت علي بن أحمد الفرضي يقول: ما رأيت أحدا ممن عرف عبد الرحمن ذكر عنه جهالة قط. وسمعت عباس بن أحمد يقول: بلغني أن أبا حاتم قال: ومن يقوى على عبادة عبد الرحمن ؟ لا أعرف لعبد الرحمن ذنبا. وسمعت عبد الرحمن يقول: لم يدعني أبي أشتغل في الحديث حتى قرأت القرآن على الفضل بن شاذان الرازي ثم كتبت الحديث. قال الخليلي: يقال ان السنة بالري ختمت بابن أبي حاتم.

[208]

قال الامام أبو الوليد الباجي: عبد الرحمن بن أبي حاتم ثقة حافظ..) (1). 2 - الذهبي أيضا: (ابن أبي حاتم الامام الحافظ الناقد، شيخ الاسلام أبو محمد عبد الرحمن ابن الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن ادريس.. ولد سنة أربعين، وارتحل به أبوه، وأدرك الاسانيد العالية.. قال أبو يعلي الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة.. قلت: كتابه في الجرح والتعديل يقضي له بالرتبة المتقنة في الحفظ، وكتابه في التفسير عدة مجلدات، وله مصنف كبير في الرد على الجهمية يدل على امامته..) (2). 3 - جمال الدين الاسنوي: (كان اماما في التفسير والحديث والحفظ، زاهدا، أخذ عن أبيه وجماعة، وروى الكثير، وصنف الكتب النفيسة، منها كتاب في مناقب الشافعي. ذكره ابن الصلاح في طبقاته ولم يؤرخ وفاته. توفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وذكره الذهبي في العبر) (3). 4 - الاسنوي أيضا: (كان بحرا في العلوم ومعرفة الرجال زاهدا يعد من الابدال. أخذ عن جماعة من أصحاب الشافعي، وصنف في الفقه وغيره كالجرح والتعديل وكتاب العلل ومناقب الشافعي..) (4). 5 - تقي الدين بن قاضي شهبة: (أحد الائمة في الحديث والتفسير والعبادة والزهد والصلاح، حافظ ابن حافظ، أخذ عن أبيه وأبي زرعة، وصنف الكتب المهمة كالتفسير الجليل المقدار، عامته في اربع مجلدات عامته آثار


1) سير أعلام النبلاء - مخطوط. 2) تذكرة الحفاظ 3 / 46. 3) طبقات الشافعية للاسنوي 1 / 416. 4) نفس المصدر.

[209]

مسندة.. قال يحيى بن مندة: صنف المسند في ألف جزء. وتوفي سنة سبع - بتقديم السين - وعشرين وثلاثمائة. قارب التسعين) (1). 6 - جلال الدين السيوطي: (أبن أبي حاتم الامام الحافظ الناقد شيخ الاسلام أبو محمد.. قال الخليلي: أخذ علم أبيه وأبي زرعة.. قال ابن السبكي في الطبقات: حكى أنه لما هدم بعض سور طوس أحتيج في بنائه الى ألف دينار، فقال ابن أبي حاتم لاهل مجلسه الذين كان يلقى إليهم التفسير: من رجل يبني ما هدم من هذا السور وأنا ضامن له عند الله قصرا ؟ فقام إليه رجل من العجم فقال: هذه ألف دينار واكتب لي خطك بالضمان. فكتب له رقعة بذلك وبنى ذلك السور. وقدر موت ذلك الاعجمي، فلما دفن دفنت معه تلك الرقعة، فجاءت ريح فحملتها ووضعتها في حجر ابن أبي حاتم وقد كتب في ظهرها: قد وفينا بما وعدت، ولا تعد الى ذلك. مات في محرم سنة 327) (2). 7 - البدخشاني: (هو من كبار الحفاظ) (3). التزامه في التفسير بأصح ما ورد ثم انه قد ثبت أن أبن حاتم قد التزم في تفسيره باخراج أصح ما ورد في تفسير كل آية، وقد نص على ذلك السيوطي في (اللالي المصنوعة) حيث قال بعد حديث: (وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وقد التزم أن يخرج فيه


1) طبقات الشافعية - مخطوط. 2) طبقات الحفاظ: 345. 3) تراجم الحفاظ - مخطوط.

[210]

أصح ما ورد، ولم يخرج فيه حديثا موضوعا البته). وقال في (الاتقان) بعد أن ذكر تفسير السدي: (ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئا لانه التزم أن يخرج اصح ما ورد) (1). تنبيه ذكر سيف الله الملتاني في جواب رواية للكشي من أصحابنا طاب ثراه حول زرارة بن أعين: (وأيضا في هذه الرواية أن أبا جعفر خاطب زرارة بقوله فانك والله أحب الناس الي ومن أصحاب أبي (عليه السلام) الي حيا وميتا، فانك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الى آخره، والحال أنه قد روى ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه ما رأى زرارة أبا جعفر) (2). أقول: فكيف تكون رواية ابن أبي حاتم هذه حجة - مع أنها عن سفيان الثوري المعلوم حاله - ولا تكون روايته في تفسير تلك الاية الكريمة حجة ؟ أفيجوز أن يقال بأن رواية ابن ابي حاتم حجة على الامامية في تكذيب رواية لاحد علمائهم، أما روايته في فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) فليست بحجة على أهل السنة ؟ ! { 2 } رواية ابي بكر الشيرازي روى نزول الاية المذكورة في غدير خم في كتابه (ما نزل من القرآن في


1) الاتقان في علوم القرآن 2 / 188. 2) تنبيه السفيه لسيف الله الملتاني.

[211]

علي) كما ذكر ابن شهر آشوب طاب ثراه (1) حيث قال في كتاب (المناقب) على ما في (بحار الانوار): (الواحدي في أسباب نزول القرآن باسناده عن الاعمش وأبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد الخدري. وأبو بكر الشيرازي في ما نزل من القرآن في أمير المؤمنين (عليه السلام) بالاسناد عن ابن عباس. والمرزباني في كتابه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الاية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. يوم غدير خم في علي بن أبي طالب) (2). ترجمة أبي بكر الشيرازي 1 - الذهبي: (الشيرازي الامام الحافظ الجوال أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الفارسي صاحب كتاب الالقاب. سمع أبا القاسم الطبراني باصبهان، وأبا بحر البربهاري وطبقته ببغداد، وعبد الله بن عدي بجرجان، ومحمد بن الحسن السراج بنيسابور، وعبد الله بن عمر بن علك بمرو، وسعيد بن القاسم المطوعي ببلاد الترك، ومحمد بن محمد بن صابر ببخارى، وسمع بالبصرة وواسط وشيراز وعدة مدائن. روى عنه: محمد بن عيسى الهمداني، وأبو مسلم بن عروة، وحميد ابن المأمون، وآخرون.


1) توجد ترجمته في: الوافي بالوفيات 4 / 164 مع التصريح بكونه صدوق اللهجة. البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة: 240. بغية الوعاة في تراجم اللغويين والنحاة 1 / 181. 3) بحار الانوار 37 / 155 عن المناقب لابن شهر آشوب.

[212]

قال شيرويه نا عنه أبو الفرج البجلي. قال: كان صدوقا حافظا، يحسن هذا الشأن جيدا. خرج من عندنا سنة 404 الى شيراز. وأخبرت أنه مات في سنة 411. وذكره جعفر المستغفري فقال: كان يفهم ويحفظ، كتبت عنه..) (1). 2 - الذهبي أيضا: (وفيها توفي أبو بكر الشيرازي أحمد بن عبد الرحمن الحافظ مصنف الالقاب. كان أحد من عني بهذا الشأن، وأكثر الترحال في البلدان، ووصل الى بلاد الترك، وسمع من الطبراني وطبقته. قال عبد الرحمن ابن مندة: مات في شوال) (2) 3 - اليافعي: (وفيها توفي الحافظ أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي مصنف كتاب الالقاب) (3). 4 - السيوطي: (الشيرازي صاحب الالقاب، الامام الحافظ الجوال أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الفارسي. سمع الطبراني وطبقته. وكان صدوقا حافظا يحسن هذا الشأن جيدا. مات سنة 407 قال جعفر المستغفري: كان يفهم ويحفظ..) (4). { 3 } رواية ابن مردويه وروى ذلك أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصفهاني كما علمت من عبارة (الدر المنثور) السالفة الذكر.


1) تذكرة الحفاظ 3 / 1065 - 1066. 2) العبر حوادث 407. 3) مرآة الجنان حوادث 407. 4) طبقات الحفاظ: 415.

[213]

وفيه أيضا: (وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ان عليا مولى المؤمنين وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (1). وستعلم روايته أيضا من عبارة البدخشي الاتية. ترجمة ابن مردويه 1 - الذهبي: (ابن مردويه الحافظ الثبت العلامة أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصفهاني صاحب التفسير والتاريخ وغير ذلك. روى عن أبي سهل بن زياد القطان، وميمون بن اسحاق الخراساني، ومحمد بن عبد الله بن علم الصفار، واسماعيل الخطبي، ومحمد بن علي بن دحيم الشيباني، وأحمد بن عبد الله بن دليل، واسحاق بن محمد بن علي الكوفي، ومحمد بن أحمد بن علي الاسواري، وأحمد بن عيسى الخفاف، وأحمد بن محمد بن عاصم الكراني، وطبقتهم. وروى عنه: أبو القاسم عبد الرحمن بن مندة، وأخوه عبد الوهاب، وأبو الخير محمد بن أحمد، وأبو منصور محمد بن سكرويه، وأبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن سليم، وأبو عبد الله الثقفي، وأبو مطيع محمد بن عبد الواحد المصري، وخلق كثير. وعمل المستخرج على صحيح البخاري، وكان قيما بمعرفة هذا الشأن، بصيرا بالرجال، طويل الباع، مليح التصانيف. ولد سنة 323. ومات لست بقين من رمضان سنة 410. يقع عواليه في


1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 / 298. (*)

[214]

الثقفيات وغيرها) (1). 2 - الذهبي أيضا: (وفيها توفي أحمد بن موسى بن مردويه، أبو بكر الحافظ الاصبهاني، صاحب التفسير والتاريخ والتصنيف. لست بقين من رمضان، وقد قارب التسعين، سمع باصبهان والعراق، وروى عن أبي سهل ابن زياد القطان وطبقته) (2). 3 - السيوطي: (ابن مردويه الحافظ الكبير العلامة.. كان قيما بهذا الشأن، بصيرا بالرجال، طويل الباع، مليح التصانيف، ولد سنة 323. ومات لست بقين من رمضان سنة 410) (3). 4 - الزرقاني: (أبو بكر الحافظ أحمد بن موسى بن مردويه الاصبهاني الثبت [اللبيب] العلامة. ولد سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وصنف التاريخ والتفسير المسند والمستخرج على البخاري، وكان فهما بهذا الشأن، بصيرا بالرجال طويل الباع، مليح التصنيف، مات لست بقين من رمضان سنة 410..) (4). وتظهر جلالة الحافظ ابن مردويه من كلام لابن قيم الجوزية حول حديث بني المنتفق حيث قال بعد أن ذكره ما هذا نصه: (هذا حديث كبير جليل، ينادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف الا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه ابراهيم بن ضمرة الزبيري، وهما من كبار أهل المدينة، ثقتان يحتج بهما في الصحيح، احتج بهما امام الحديث محمد بن اسماعيل البخاري، رواه أئمة السنة في كتبهم


1) تذكرة الحفاظ 3 / 1050. 2) العبر حوادث 410. 3) طبقات الحفاط: 412. 4) شرح المواهب اللدنية 1 / 68.

[215]

وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه، ولا في أحد من رواته. فممن رواه الامام ابن الامام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في مسند أبيه وفي كتاب السنة.. ومنهم الفاضل الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن عاصم النبيل في كتاب السنة له. ومنهم الحافط أبو أحمد محمد بن أحمد بن ابراهيم بن سليمان العسال في كتاب المعرفة. ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد أبن أيوب الطبراني في كثير من كتبه. ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الاصبهاني في كتاب السنة. ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمد بن اسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة حافظ اصبهان. ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن اسحاق الاصبهاني. وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم) (1). وتظهر جلالته أيضا من عبارة لتاج الدين السبكي فانه قال في (طبقاته): (فأين أهل عصرنا من حفاظ هذه الشريعة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق،


1) زاد المعاد في هدى خير العباد 3 / 56. (*)

[216]

وعثمان ذو النورين، وعلي المرتضى.. ومن طبقة أخرى من التابعين: أويس القرني.... أخرى: وأبي عبد الله بن مندة، وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن بكير، وأبي عبد الله الحاكم، وعبد الغني بن سعيد الازدي، وأبي بكر بن مردويه.. فهؤلاء مهرة هذا الفن، وقد أغفلنا كثيرا من الائمة، وأهملنا عددا صالحا من المحدثين، وانما ذكرنا من ذكرناه لننبه بهم على من عداهم، ثم أفضى الامر الى طي بساط الاسانيد رأسا وعد الاكثار منها جهالة ووسواسا) (1). وهذه العبارة تدل على جلالة ابن مردويه من وجوه عديدة لا تخفى. كما تظهر جلالته من وصفهم اياه بالحفظ، فقد قال السمعاني بترجمة حمزة بن الحسين المؤدب الاصبهاني: (روى عنه أبو بكر ابن مردويه الحافظ) (2). وقال ابن كثير حول حديث الطائر: (وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة، ومنهم أبو بكر ابن مردويه الحافظ، وأبو طاهر محمد بن أحمد بن حمدان فيما رواه شيخنا أبو عبد الله الذهبي) (3). وقال الكاتب الجلبي: (تفسير ابن مردويه هو الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى الاصبهاني المتوفي سنة 410) (4).


1) طبقات الشافعية للسبكي 1 / 317. 2) الانساب - الاصبهاني. 3) تاريخ ابن كثير 7 / 353. 4) كشف الظنون 1 / 439.

[217]

(الحافظ) في الاصلاح ثم ان (الحافظ) من الالقاب الجليلة في اصطلاح علماء الحديث، قال الشيخ علي القاري: (الحافظ - المراد به حافظ الحديث لا القرآن. كذا ذكره ميرك، ويحتمل أنه كان حافظا للكتاب والسنة. ثم الحافظ في اصطلاح المحدثين من أحاط علمه بمائة ألف حديث متنا واسنادا..) (1). وفي (لواقح الانوار) بترجمة السيوطي: (وكان الحافظ ابن حجر يقول: الشروط التي إذا اجتمعت في الانسان سمى حافظا هي: الشهرة بالطلب، والاخذ من أفواه الرجال، والمعرفة بالجرح والتعديل لطبقات الرواة ومراتبهم وتمييز الصحيح من السقيم، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحفاظ الكثير من المتون، فهذه الشروط من جمعها فهو حافظ). وقال البدخشي: (الحافظ - يطلق هذا الاسم على من مهر في فن الحديث بخلاف المحدث) (2). ومن شواهد جلالة ابن مردويه: ان شمس الدين محمد ابن الجزري ذكره في عداد مشاهير الائمة، وكبار علماء الحديث الذين روى عنهم في كتابه (الحصن الحصين)، مع أصحاب الصحاح والمسانيد وسائر الكتب المعتبرة، وجعل رمزه (مر)، وذكر في خطبة كتابه ما نصه: (فليعلم أني أرجو


1) جمع الوسائل في شرح الشمائل: 7. 2) تراجم الحفاظ - مخطوط.

[218]

أن يكون جميع ما فيه صحيحا) (1). كما أن (الدهلوي) نفسه ذكر تفسير ابن مردويه في (رسالة اصول الحديث) في عداد تفاسير الديلمي وابن جرير وغيرهم، وقدمه عليها في الذكر وهذا يدل على أن تفسير ابن مردويه من التفاسير المشهورة المعتبرة لدى أهل السنة. { 4 } رواية الثعلبي روى أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي النيسابوري نزول الاية الكريمة: يا أيها الرسول بلغ.. في يوم غدير خم في تفسيره حيث قال: (قال أبو جعفر محمد بن علي: معناه: بلغ ما أنزل اليك من ربك في فضل علي بن أبي طالب، فلما نزلت هذه الاية أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. أخبرنا أبو القاسم يعقوب بن أحمد بن السري، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد، نا أبو مسلم ابراهيم بن عبد الله الكجي، نا حجاج بن منهال نا حماد عن علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لما نزلنا مع رسول الله " ص " في حجة الوداع كنا بغدير خم فنادى: ان الصلاة جامعة وكسح للنبي (صلى الله عليه وسلم) تحت شجرتين، فأخذ بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ قالوا: بلى. قال: هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. قال: فلقيه عمر فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت


1) الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين بشرح القاري: 20 و 25.

[219]

وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد القايني، نا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي، نا أبو بكر محمد بن الحسن السبيعي، نا علي بن محمد الدهان والحسين بن ابراهيم الجصاص، نا حسين بن حكم، نا حسن بن حسين عن حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك. الاية. قال: نزلت في علي، أمر النبي " ص " أن يبلغ فيه فأخذ رسول الله " ص " بيد علي، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (1). ترجمة الثعلبي وقد ذكرت ترجمة أبي اسحاق الثعلبي وآيات عظمته وجلالته ووثاقته في المنهج الاول من الكتاب في الجواب عن شبهات (الدهلوي) حول الاستدلال بقوله تعالى: [انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون]. كما ستأتي ترجمته في الدليل السادس من أدلة دلالة حديث الغدير على امامة علي (عليه السلام)، وستقف هناك على كلمات الثناء التي قالها والد (الدهلوي) في حق الثعلبي. كما يتضح من عبارة الثعلبي في خطبة تفسيره عظمة هذا التفسير واعتباره.


1) الكشف والبيان في تفسير القرآن - مخطوط.

[220]

{ 5 } رواية أبي نعيم وروى أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني نزولها في واقعة يوم غدير خم في كتاب (ما نزل من القرآن في علي (عليه السلام)). وقد ذكر روايته الفاضل رشيد الدين خان الدهلوي في (ايضاح لطافة المقال) نقلا عن الشيخ علي المتخلص بحزين، وتلك الرواية هي باسناده (عن علي بن عامر [عياش] عن أبي الجحاف والاعمش عن عطية قال: نزلت هذه الاية على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في علي بن أبي طالب: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك) (1). وقد ذكر مثل هذه الرواية الحاج عبد الوهاب بن محمد عن الحافظ أبي نعيم كما سيجئ. ترجمة أبي نعيم 1 - ابن خلكان: (الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق بن موسى بن مهران الاصبهاني، الحافظ المشهور، صاحب كتاب حلية الاولياء. كان من أعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ الثقات، أخذ عن الافاضل وأخذوا عنه وانتفعوا به. وكتاب الحلية من أحسن الكتب، وله كتاب تاريخ اصبهان.. وتوفي في صفر وقيل يوم الاثنين الحادي والعشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة باصبهان. رحمه الله تعالى) (2).


1) ايضاح لطافة المقال لرشيد الدين محمد الدهلوي. 2) وفيات الاعيان 1 / 26.

[221]

2 - الصلاح الصفدي: (أحمد بن عبد الله بن اسحاق بن موسى بن مهران، أبو نعيم الحافظ، سبط محمد بن يوسف بن البناء الاصفهاني، تاج المحدثين وأحد أعلام الدين، له العلو في الرواية والحفظ والفهم والدراية، وكانت الرحال تشد إليه، أملى في فنون الحديث كتبا سارت في البلاد وانتفع بها العباد، وامتدت أيامه حتى ألحق الاحفاد بالاجداد، وتفرد بعلو الاسناد.. وكان أبو نعيم اماما في العلم والزهد والديانة، وصنف مصنفات كثيرة منها حلية الاولياء، والمستخرج على الصحيحين، ذكر فيها [فيه] أحاديث ساوى فيها البخاري ومسلما، وأحاديث علا عليهما فيها كأنهما سمعاها منه، وذكر فيها حديثا كأن البخاري ومسلما سمعاه ممن سمعه منه، ودلائل النبوة، ومعرفة الصحابة، وتاريخ بلده، وفضائل الجنة، وصفة الجنة، وكثيرا من المصنفات الصغار. وبقي أربعة عشر سنة بلا نظير، لا يوجد شرقا ولا غربا أعلى اسنادا منه ولا أحفظ، ولما كتب كتاب الحلية الى نيسابور بيع بأربعمائة دينار..) (1). 3 - الخطيب التبريزي: (أبو نعيم الاصفهاني هو: أبو نعيم أحمد ابن عبد الله الاصفهاني صاحب الحلية، هو من مشايخ الحديث الثقات المعمول بحديثهم المرجوع الى قولهم، كبير القدر، ولد سنة 334 ومات في صفر سنة 430 باصفهان وله من العمر 96 سنة رحمه الله تعالى) (2).


1) الوافي بالوفيات 7 / 81. 2) رجال المشكاة = الاكمال في أسماء الرجال ط مع المشكاة 3 / 805.

[222]

{ 6 } رواية الواحدي وروى ذلك أيضا أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي، كما في (مطالب السئول لابن طلحة الشافعي) و (الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي) وهذا نص ما جاء في (أسباب النزول له): (قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. قال الحسن: ان نبي الله (صلى الله عليه وسلم) قال: لما بعثني الله تعالى برسالته ضقت بها ذرعا، وعرفت أن من الناس من يكذبني، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يهاب قريشا واليهود والنصارى، فأنزل الله الله تعالى هذه الاية. أخبرنا أبو سعيد محمد بن علي الصفار قال: أنا الحسن بن أحمد المخلدي قال: أنا محمد بن حمدون بن خالد، أنا محمد بن ابراهيم الحلواني [الخلوتي] قال: نا الحسن بن حماد سجادة قال: أنا علي بن عياش [عابس] عن الاعمش وأبي الجحاف عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال نزلت هذه الاية: يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك - يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه) (1). كلام الواحدي في خطبة أسباب النزول ولاجل أن لا يبقى ريب في اعتبار هذه الرواية نورد نص عبارة الواحدي في خطبة كتابه (أسباب النزول) فانه قال: (وبعد هذا: فان علوم القرآن غزيرة


1) أسباب النزول للواحدي: 115.

[223]

.. فآل الامر بنا الى افادة المستهترين بعلوم الكتاب ابانة ما أنزل فيه من الاسباب، إذ هي أولى ما يجب الوقوف عليها وأولى ما يصرف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الاية وقصد سبيلها دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها، ولا يحل القول في أسباب نزول الكتاب الا بالرواية والسماع ممن شاهد التنزيل ووقفوا على الاسباب، وبحثوا عن علمها وجدوا في الطلاب. وقد ورد الشرع بالوعيد للجاهل في العثار في هذا العلم بالنار: أنا أبو ابراهيم اسماعيل بن ابراهيم الواعظ، أنبأ أبو الحسين [الحسن] محمد بن أحمد بن حامد العطار، أنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، أنا ليث بن حماد، ثنا أبو عوانة عن عبد الاعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): اتقوا الحديث الا ما علمتم، فانه من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار. والسلف الماضون رحمهم الله كانوا من أبعد الغاية احترازا عن القول في نزول الاية: أنا أبو نصر أحمد بن عبد الله المخلدي، أنا أبو عمرو بن مجيد ثنا أبو مسلم، ثنا عبد الرحمن بن حماد، ثنا أبو عمر عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة السلماني عن آية من القرآن فقال: اتق الله وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن. فأما اليوم فكل واحد يخترع للاية سببا ويخلق افكا وكذبا، ملقيا زمامه الى الجهالة، غير مفكر في الوعيد لجاهل سبب الاية، وذاك الذي حداني الى املاء الكتاب الجامع للاسباب، لينتهي إليه طالبوا هذا الشأن، والمتكلمون في نزول القرآن، فيعرفوا الصدق ويستغنوا عن التمويه والكذب، ويجدوا

[224]

في تحفظه بعد السماع والطلب) (1). وإذا كان ما ذكر سبب تأليفه هذا الكتاب، فان هذا الحديث الذي رواه في سبب نزول آية: (يا أيها الرسول بلغ..) يكون هو الخبر الصدق الوارد عمن شاهد التنزيل ووقفوا على الاسباب، فيجب التصديق به والاعراض عن غيره، لانه من الكذب على القرآن، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار. ترجمة الواحدي 1 - ابن الاثير: (وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن متويه الواحدي المفسر، مصنف الوسيط والوجيز في التفسير، وهو نيسابوري امام مشهور) (2). 2 - الذهبي: (الامام العلامة الاستاذ أبو الحسن.. صاحب التفسير، وامام علماء التأويل، من أولاد النجار، وأصله من ساوه، لزم الاستاذ أبا اسحاق الثعلبي وأكثر عنه، وأخذ علم العربية من أبي الحسن القهندري الضرير وسمع من أبي طاهر بن مخمس، والقاضي أبي بكر الحيري، وأبي ابراهيم اسماعيل ابن ابراهيم الواعظ، ومحمد بن ابراهيم المزكي، وعبد الرحمن بن حمدان النصروي، وأحمد بن ابراهيم النجار، وخلق. حدث عنه: أحمد بن عمر الارغياني، وعبد الجبار بن محمد الخواري وطائفة أكبرهم الخواري.


1) أسباب النزول: 4. 2) الكامل في التاريخ حوادث سنة 468.

[225]

صنف التفاسير الثلاثة: البسيط والوسيط والوجيز، وبتلك الاسماء سمى الغزالي تواليفه الثلاثة في الفقه، ولابي الحسن كتاب أسباب النزول مروي،.. تصدر للتدريس مدة وعظم شأنه، وقيل: كان منطلق اللسان في جماعة من العلماء بما لا ينبغي، وقد كفر من ألف كتاب حقائق التفسير، فهو معذور.. قال أبو سعد السمعاني: كان الواحدي حقيقا بكل احترام واعظام، لكن كان فيه بسط لسان في الائمة، وقد سمعت أحمد بن محمد بن بشار يقول: كان الواحدي يقول صنف السلمي كتاب حقائق التفسير، ولو قال ان ذلك تفسير القرآن لكفر به. قلت: الواحدي معذور مأجور. مات بنيسابور في جماد الاخرة سنة ثمان وستين وأربعمائة، وقد شاخ) (1). 3 - الذهبي أيضا: (أحد من برع في العلم.. وكان رأسا في الفقه والعربية..) (2). 4 - ابن الوردي: (كان استاذا في التفسير والنحو، وشرح ديوان المتنبي أجود شرح، وهو تلميذ الثعلبي، وتوفي بعد مرض طويل بنيسابور) (3). 5 - اليافعي: (الامام المفسر أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري، استاذ عصره في النحو والتفسير، تلميذ أبي اسحاق الثعلبي، وأحد من برع في العلم، وصنف التصانيف الشهيرة المجمع على حسنها، والمشتغل بتدريسها والمرزوق السعادة فيها..) (4).


1) سير أعلام النبلاء - مخطوط. 2) العبر حوادث سنة 468. 3) تتمة المختصر حوادث سنة 468. 4) مرآة الجنان حوادث سنة 468.

[226]

6 - ابن الجزري: (امام كبير علامة، روى القراءة عن علي بن أحمد البستي، وأحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي. روى القراءة عنه: أبو القاسم الهذلي. مات في سنة 468 بنيسابور) (1). 7 - ابن قاضي شهبة: (كان فقيها، امام في النحو واللغة وغيرهما. شاعرا، وأما التفسير فهو امام عصره فيه،..) (2). 8 - الديار بكري: (وفي سنة ثمان وستين وأربعمائة توفي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن متويه الواحدي المفسر، مصنف البسيط والوسيط والوجيز في التفسير، وهو نيسابوري امام مشهور) (3). 9 - وقال الكاتب الجلبي: (أسباب النزول للشيخ الامام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المفسر المتوفي سنة 468. وهو أشهر ما صنف فيه، أوله: الحمد لله الكريم الوهاب) (4). 10 - وذكر ولي الله الدهلوي الواحدي مع البغوي والبيضاوي، واصفا اياهم بكبار المفسرين، وجاعلا اياهم قدوة المسلمين.. (5). { 7 } رواية أبي سعيد السجستاني ورواه أبو سعيد مسعود بن ناصر السجستاني في كتابه حول حديث


1) طبقات القراء 1 / 523. 2) طبقات الشافعية - مخطوط. 3) تاريخ الخميس 2 / 359. 4) كشف الظنون 1 / 76. 5) ازالة الخفاء لولي الله الدهلوي.

[227]

الولاية باسناده عن ابن عباس انه قال: (أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يبلغ بولاية علي، فأنزل الله عزوجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك. الاية فلما كان يوم غدير خم قام فحمد الله وأثنى عليه وقال " ص ": ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال " ص ": فمن كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وأنصر من نصره، وأعز من أعزه، وأعن من أعانه). ترجمة أبي سعيد السجستاني وأبو سعيد السجستاني من مشاهير حفاظ أهل السنة الثقات، وقد تقدم سابقا ذكر طرف من ترجمته عن السمعاني والذهبي. { 8 } رواية الحسكاني وروى أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله الحسكاني نزول قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك..) في واقعة يوم غدير خم، ففي كتاب (مجمع البيان) بتفسير الاية المباركة: (عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن الكلبي عن أبي صالح عن عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله قالا: أمر الله محمدا (صلى الله عليه وآله) أن ينصب عليا علما للناس فيخبرهم بولايته، فتخوف رسول الله (صلى الله وآله وسلم) أن يقولوا حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه هذه الاية، فقام (عليه السلام) بولايته يوم غدير خم). قال: (وهذا الخبر بعينه قد حدثناه السيد أبو الحمد عن الحاكم أبي

[228]

القاسم الحسكاني باسناده عن ابن أبي عمير في كتاب شواهد التنزيل في قواعد التفضيل) (1). { 9 } رواية ابن عساكر وممن روى نزول تلك الاية المباركة في واقعة يوم غدير خم: أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن عساكر الدمشقي، كما عرفت ذلك من عبارة السيوطي في (الدر المنثور) (2). ترجمة ابن عساكر 1 - ياقوت الحموى: (هو أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله.. الحافظ أحد أئمة الحديث المشهورين والعلماء المذكورين. ولد في المحرم سنة 499. ومات في الحادي عشر من رجب سنة 571..) (3). 2 - ابن خلكان: (الحافظ أبو القاسم. المعروف بابن عساكر الدمشقي الملقب ثقة الدين. كان محدث الشام في وقته ومن أعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث فاشتهر به، وبالغ في طلبه، الى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، ورحل وطوف وجاب البلاد ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ


1) مجمع البيان في تفسير القرآن المجلد الثاني / 223 وهو في شواهد التنزيل 1 / 187. 2) وهو في ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق 2 / 86. 3) معجم الادباء 13 / 73.

[229]

أبي سعيد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة. وكان حافظا دينا، جمع بين معرفة المتون والاسانيد.. وصنف التصانيف المفيدة وخرج التخاريج، وكان حسن الكلام على الاحاديث، محفوظا في الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة، أتى فيه بالعجائب، وهو على نسق تاريخ بغداد، قال لي شيخنا الحافظ العلامة أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر أدام الله به النفع - وقد جرى ذكر هذا التاريخ وأخرج لي منه مجلدا وطال الحديث في أمره واستعظامه - ما أظن هذا الرجل الا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه، وشرع في الجمع من ذلك الوقت، والا فالعمر يقصر عن أن يجمع الانسان فيه مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه. قال - ولقد قال الحق - من وقف عليه عرف حقيقة هذا القول، ومتى يتسع للانسان الوقت حتى يضع مثله، وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره وما صح له هذا الا بعد مسودات ما كاد ينضبط حصرها. وله غيره تواليف حسنة وأجزاء ممتعة..) (1). 3 - الذهبي: (ابن عساكر الامام الحافظ الكبير محدث الشام فخر الائمة ثقة الدين.. قال السمعاني: أبو القاسم حافظ ثقة متقن دين خير حسن السمت، جمع بين معرفة المتن والاسناد، وكان كثير العلم غزير الفضل، صحيح القراءة، مثبتا، رحل وتعب وبالغ في الطلب، وجمع ما لم يجمعه غيره، وأربى على الاقران.. وقال المحدث بهاء الدين القاسم: كان أبي رحمه الله مواظبا على الجماعة والتلاوة، يختم كل ليلة ختمة [يختم كل جمعة]، ويختم في رمضان كل يوم، ويعتكف في المنارة الشرقية، وكان كثير النوافل


1) وفيات الاعيان 1 / 335.

[230]

والاذكار، ويحيي ليلة العيدين بالصلاة والذكر، وكان يحاسب نفسه على لحظة تذهب.. قال سعد الخير: ما رأيت في سنن [سن] ابن عساكر مثله. قال القاسم ابن عساكر سمعت التاج المسعودي يقول سمعت أبا العلاء الهمداني يقول لرجل استأذنه في الرحلة [قال]: ان عرفت أحدا أفضل مني فحينئذ أذن لك أن تسافر إليه، الا أن تسافر الى ابن عساكر فانه حافظ كما يجب. وحدثني أبو المواهب بن صصري قال: لما دخلت همدان قال لي الحافظ: أنا أعلم انه لا يساجل الحافظ أبا القاسم في شأنه أحد فلو خالق الناس ومازجهم كما ينبغي [أصنع] إذا لاجتمع عليه الموافق والمخالف، وقال لي يوما: أي شئ فتح له ؟ وكيف الناس له ؟ قلت: هو بعيد من هذا كله، لم يشتغل منذ أربعين سنة الا بالجمع والتسميع حتى في نزهته وخلواته، قال: الحمد لله هذا ثمرة العلم، الا انا حصل لنا [من] هذا المسجد والدار والكتب تدل على قلة حظ أهل العلم في بلادكم. ثم قال: ما كان يسمى أبو القاسم الا شعلة نار ببغداد من ذكائه وتوقده وحسن ادراكه. قال أبو المواهب: كنت أذاكر أبا القاسم الحافظ عن الحفاظ الذين لقيهم. فقال: أما بغداد فأبو عامر العبدري، وأما اصبهان فأبو نصر اليونارتي لكن اسماعيل بن محمد الحافظ كان أشهر. فقلت: فعلى هذا ما كان رأى سيدنا مثل نفسه. قال: لا تقل هذا قال الله: لا تزكوا أنفسكم. قلت: فقد قال [الله تعالى]: أما بنعمة ربك فحدث. فقال: لو قال قائل ان عيني لم تر مثلي لصدق. ثم قال أبو المواهب: لم أر مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة مدة أربعين سنة، من لزوم الصلوات في الصف الاول الا من عذر، والاعتكاف

[231]

في رمضان وعشر ذي الحجة، وعدم التطلع الى تحصيل الاملاك وبناء الدور. قد اسقط ذلك عن نفسه وأعرض عن طلب المناصب من الامامة والخطابة وأباها بعد أن عرضت عليه.. وكان شيخنا أبو الحجاج يميل الى أن ابن عساكر ما رأى حافظا مثل نفسه. قال الحافظ عبد القادر: ما رأيت أحفظ من ابن عساكر. وقال ابن النجار: أبو القاسم امام المحدثين في وقته، انتهت إليه الرياسة في الحفظ والاتقان والنقل والمعرفة التامة وبه ختم هذا الشأن. فقرأت بخط الحافظ معمر بن الفاخر في معجمه أنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي. بمنى وكان أحفظ من رأيت من طلبة الحديث والشبان. وكان شيخنا اسماعيل بن محمد الامام يفضله على جميع من لقيناهم، قدم اصبهان ونزل في داري، وما رأيت شابا أودع ولا احفظ ولا اتقن منه، وكان مع ذلك فقيها اديبا سنيا، جزاه الله خيرا وكثر في الاسلام مثله، واني كثيرا سألته عن تأخره عن المجئ الى اصبهان فقال: لم تأذن لي أمي. قال القاسم. توفي أبي في حادي عشر رجب سنة 571. ورئي له منامات حسنة، ورثي بقصائد، وقبره يزار بباب الصغير) (1). 4 - الذهبي أيضا: (فيها توفي الحافظ ابن عساكر صاحب التاريخ الثمانين مجلدا.. ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله وبلغ في ذلك الذروة العليا، ومن تصفح تاريخه علم منزلة الرجل في الحفظ. توفي في حادي عشر رجب) (2). 5 - اليافعي: (وفيها الفقيه الامام، المحدث البارع الحافظ المتقن الضابط


1) تذكرة الحفاظ 4 / 1328 - 1333. 2) العبر حوادث 571.

[232]

ذو العلم الراسخ، شيخ الاسلام، ومحدث الشام، ناصر السنة، وقامع البدعة زين الحفاظ وبحر العلوم الزاخر، رئيس المحدثين المقر له بالتقدم العارف الماهر، ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، الذي اشتهر في زمانه بعلو شانه، ولم ير مثله في أقرانه، الجامع بين المعقول والمنقول والمميز بين الصحيح والمعلول. كان محدث زمانه ومن اعيان الفقهاء الشافعية، غلب عليه الحديث واشتهر به وبالغ في طلبه الى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره، رحل وطوف وجاب البلاد ولقي المشايخ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم بن السمعاني في الرحلة. وكان أبو القاسم المذكور حافظا دينا، جمع بين معرفة المتون والاسانيد.. وصنف التصانيف المفيدة وخرج التخاريج، وكان حسن الكلام على الاحاديث محظوظا على الجمع والتأليف، صنف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدات أتى فيه بالعجائب وهو على نسق تاريخ بغداد.. قال بعض أهل العلم بالحديث والتواريخ: ساد أهل زمانه في الحديث ورجاله وبلغ فيه الذروة العليا، ومن تصفح تاريخه علم منزلة الرجل في الحفظ. قلت: بل من تأمل تصانيفه من حيث الجملة علم مكانه في الحفظ والضبط للعلم والاطلاع وجودة الفهم والبلاغة والتحقيق والاتساع في العلوم وفضائل تحتها من المناقب والمحاسن كل طائل.. وكان ابن عساكر المذكور رضي الله عنه حسن السيرة والسريرة، قال الحافظ الرئيس أبو المواهب: لم أر مثله ولا من اجتمع فيه ما اجتمع فيه من لزوم طريقة واحدة منذ أربعين سنة.. ذكره الامام الحافظ ابن النجار في تاريخه فقال:

[233]

امام المحدثين في وقته ومن انتهت إليه الرئاسة في الحفظ والاتقان والمعرفة التامة والثقة به وبه ختم هذا الشأن.. وقال الحافظ عبد القاهر الرهاوي: رأيت الحافظ السلفي والحافظ أبا العلاء الهمداني والحافظ أبا موسى الهمداني فما رأيت فيهم مثل ابن عساكر) (1). 6 - الاسنوي: (ومنهم الحافظ أبو القاسم علي أخو الصائن المتقدم ذكره امام الشافعية صاحب تاريخ دمشق في ثمانين مجلدة وغير ذلك من المصنفات.. كان رحمه الله دينا خيرا حسن السمت مواظبا على الاعتكاف..) (2). 7 - ابن قاضي شهبة: (علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الحافظ الكبير ثقة الدين أبو القاسم ابن عساكر فخر الشافعية، وامام أهل الحديث في زمانه وحامل لوائهم، صاحب تاريخ دمشق وغير ذلك من المصنفات المفيدة المشهورة، مولده في مستهل سنة تسع وتسعين وأربعمائة، ورحل الى بلاد كثيرة، وسمع الكثير من نحو الف وثلاثمائة شيخ وثمانين امرأة، تفقه بدمشق وبغداد. وكان دينا خيرا..) (3). { 10 } الفخر الرازي وذكر فخر الدين محمد بن عمر الرازي نزول آية التبليغ في واقعة يوم غدير خم في (تفسيره) في بيان الاقوال المذكورة في سبب تلك الاية حيث


1) مرآة الجنان حوادث 571. 2) طبقات الشافعية 2 / 216. 3) طبقات الشافعية - مخطوط.

[234]

قال: (العاشر - نزلت هذه الاية في فضل علي رضي الله عنه، ولما نزلت هذه الاية أخذ بيده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي) (1). أقول: ان العبرة بذكر الرازي لهذا القول في ضمن الاقوال المزعومة الاخرى، وقد عرفت أنه ينسب هذا القول الى ابن عباس والبراء بن عازب وسيدنا الامام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، فلا عبرة اذن بكلامه هو حول هذا الموضوع، فانه كلام لا موجب له الا المكابرة والعناد، ويكفي في سقوطه أنه رد على الامام المعصوم أبي جعفر الباقر (عليه السلام). ولو قيل: ان المتعصبين من أهل السنة لا يعتقدون بعصمة الائمة الطاهرين بل ان بعضهم كابن الجوزي في (الموضوعات) والسيوطي في (اللئا المصنوعة) وابن العراق في (تنزيه الشريعة) يجرحون فيهم والعياذ بالله. قلنا: فما يقولون في حق صحابة يقولون بعدالتهم كابن عباس والبراء بن عازب، وكأبي سعيد الخدري القائل بهذا القول - كما في تفسير النيسابوري، وسنذكر عبارته - وعبد الله بن مسعود كما ستعلم فيما بعد ؟ فالحاصل: ان الرازي يعترف بأن القول بنزول الاية في فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الغدير هو قول ابن عباس والبراء والامام الباقر، وان كان لا يرتضي هذا القول ولا يعتمد عليه تعصبا وعنادا.


1) تفسير الرازي 12 / 49.

[235]

ترجمة الرازي وقد بالغ بعض علماء أهل السنة في الثناء على هذا التعصب العنيد: 1 - فقد ترجم له ابن خلكان بقوله: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين ابن الحسن بن علي التيمي البكري الطبرستاني [الاصل] الرازي المولد، الملقب فخر الدين، المعروف بابن الخطيب، الفقيه الشافعي. فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الاوائل، له التصانيف المفيدة في فنون عديدة، منها تفسير القرآن الكريم، جمع فيه كل غريب وغريبة، وهو كبير جدا لكنه لم يكمله.. وكل كتبه ممتعة. وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة، فان الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدمين، وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه، وأتى فيها بما لم يسبق إليه، وكان له في الوعظ اليد البيضاء ويعظ باللسانين العربي والعجمي، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة هراة أرباب المذاهب والمقالات، ويسألونه وهو يجيب كل سائل بأحسن اجابة، ورجع بسببه خلق كثير من الطائفة الكرامية وغيرهم الى مذهب أهل السنة، وكان يلقب بهراة شيخ الاسلام.. وكان العلماء يقصدونه من البلاد وتشد إليه الرحال من الاقطار..) (1). 2 - ابن الوردي: (الامام فخر الدين.. الفقيه الشافعي صاحب التصانيف المشهورة ومولده سنة 543 ومع فضائله كانت له اليد الطولى في الوعظ بالعربي و العجمي ويلحقه فيه وجد وبكاء، وكان أوحد الناس في المعقولات والاصول،


1) وفيات الاعيان 3 / 381 - 385.

[236]

قصد الكمال السمناني، ثم عاد الى الري الى المجد الجيلي، واشتغل عليهما، وسافر الى خوارزم وما وراء النهر، وجرت الفتنة التي ذكرت، واتصل بشهاب الدين الغوري صاحب غزنة وحصل له منه مال طائل، ثم حظي في خراسان عند السلطان خوارزم شاه بن تكش، وشدت إليه الرحال، وقصده ابن عنين ومدحه بقصائد..) (1). 3 - اليافعي: (وفيها الامام الكبير، العلامة النحرير، الاصولي المتكلم المناظر المفسر، صاحب التصانيف المشهورة في الافاق، الحظية في سوق الافادة بالنفاق، فخر الدين الرازي.. الملقب بالامام عند علماء الاصول، المقرر لشبه مذاهب فرق المخالفين، والمبطل بها باقامة البراهين، الطبرستاني الاصل، الرازي المولد، المعروف بابن الخطيب، الشافعي المذهب، فريد عصره ونسيج دهره، الذي قال فيه بعض العلماء: خصه الله برأي هو للغيب طليعة، فيرى الحق بعين دونها حد الطبيعة، ومدحه الامام سراج الدين يوسف ابن أبي بكر بن محمد السكاكي الخوارزمي.. فاق أهل زمانه في الاصلين والمعقولات وعلوم الاوائل، صنف التصانيف المفيدة في فنون عديدة.. وكان صاحب وقار وحشمة ومماليك، وثروة وبزة حسنة وهيئة جميلة، إذا ركب ركب معه نحو ثلاثمائة مشتغل على اختلاف مطالبهم، في التفسير والفقه والكلام والاصول والطب وغير ذلك..) (2). 4 - محمد الحافظ خواجة بارسا: (قال الامام النحرير، المناظر المتكلم المفسر، صاحب التصانيف المشهورة فخر الملة والدين الرازي.. في التفسير


1) تتمة المختصر حوادث سنة 606. 2) مرآة الجنان حوادث سنة 606.

[237]

الكبير في قوله سبحانه: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا. فيه لطيفة وهو: ان الرجس قد يزول عنا ولا يطهر المحل، فقوله سبحانه: ليذهب عنكم الرجس أي يزيل عنكم الذنوب، وقوله سبحانه: ويطهركم تطهيرا أي يلبسكم خلع الكرامة تطهيرا، لا يكون بعده تلوث) (1). 5 - ابن قاضى شهبة: (محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي العلامة سلطان المتكلمين في زمانه.. المفسر المتكلم، امام وقته في العلوم العقلية، وأحد الائمة في العلوم الشرعية، صاحب المصنفات المشهورة والفضائل الغزيرة المذكورة، ولد في رمضان سنة 544، وقيل سنة ثلاث، اشتغل أولا على والده ضياء الدين عمر، وهو من تلامذة البغوي، ثم على الكمال السمناني وعلى المجد الجيلي صاحب محمد بن يحيى، وأتقن علوما كثيرة وبرز فيها وتقدم وساد، وقصده الطلبة من سائر البلاد، وصنف في فنون كثيرة..) (2). { 11 } رواية محمد بن طلحة وروى أبو سالم محمد بن طلحة بن محمد القرشي النصيبي نزول آية التبليغ في واقعة يوم الغدير حيث يقال: (زيادة تقرير - نقل الامام أبو الحسن الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده الى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أنزلت هذه الاية: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك


1) فصل الخطاب لمحمد خاجة پارسا الحافظى. 2) طبقات الشافعية مخطوط.

[238]

يوم غدير خم في علي بن أبي طالب) (1). ترجمة محمد بن طلحة وقد ترجم لمحمد بن طلحة مشاهير علمائهم واصفين اياه بالمحامد الجميلة والفضائل العظيمة، وسنذكر ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى، ونكتفي هنا بما ذكره اليافعي في حقه حيث قال: (الكمال محمد بن طلحة النصيبي الشافعي. وكان رئيسا محتشما بارعا في الفقه والخلاف، ولي الوزارة مرة ثم زهد وجمع نفسه، توفي بحلب في شهر رجب وقد جاوز التسعين، وله دائرة الحروف..) (2). { 12 } رواية الرسعني وروى عبد الرزاق بن رزق الله الرسعني نزول الاية الكريمة في يوم الغدير، قال محمد بن معتمدخان البدخشاني: (أخرج عبد الرزاق الرسعني عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الاية: يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك أخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (3).


1) مطالب السئول في مناقب آل الرسول. 2) مرآة الجنان حوادث سنة 652. 3) مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.

[239]

ترجمة الرسعني 1) الذهبي: (الرسعني العلامة عز الدين عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر المحدث المفسر الحنبلي. ولد سنة تسع وثمانين، وسمع بدمشق من الكندي وببغداد من ابن منينا، وصنف تفسيرا جيدا وكان شيخ الجزيرة في زمانه علما وفضلا وجلالة. توفي في ثاني عشر ربيع الاخر) (1). 2) الذهبي أيضا: (الرسعني الامام المحدث الرحال، الحافظ المفسر، عالم الجزيرة.. عني بهذا العلم، وجمع وصنف تفسيرا حسنا، رأيته يروي فيه بأسانيده، وصنف كتاب مقتل الشهيد الحسين، وكان اماما متقنا ذا فنون وأدب، روى عنه ولده العدل شمس الدين، والدمياطي في معجمه، وغير واحد وبالاجازة أبو المعالي الابرقوهي. كانت له حرمة وافرة عند الملك بدر الدين صاحب الموصل.. وله شعر رائق، ولي مشيخة دار الحديث بالموصل. كان من أوعية العلم والخير توفي سنة 661) (2). 3) ابن الجزري: (عبد الرزاق بن رزق الله أبو محمد الرسعني، الامام العلامة، المحدث المقرئ، شيخ ديار بكر والجزيرة..) (3). 4) السيوطي: (الرسعني الامام المحدث الرحال، الحافظ المفيد، عالم الجزيرة، عز الدين أبو محمد عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف الجزري، ولد برأس عين سنة 589، وسمع الكندي وعدة، وعنى


1) العبر حوادث 661. 2) تذكرة الحفاظ 4 / 1452. 3) طبقات القراء 1 / 384.

[240]

بهذا الشأن وصنف تفسيرا، وكان اماما متقنا ذا فنون وأدب، أجاز للدمياطي والابرقوهي، ولي مشيخة دار الحديث بالموصل. مات سنة 661) (1). 5 - وذكر الكاتب الجلبي تفسير الرسعني في مواضع من كتابه، ففي باب التاء: (تفسير عبد الرزاق بن رزق الله الحنبلي الرسعني، المسمى بمطالع أنوار التنزيل. يأتي. قلت: تفسير عبد الرزاق المذكور اسمه رموز الكنوز. قال محمد المالكي الداودي صاحب طبقات المفسرين بعد نقل هذا التفسير واسمه: وفيه فوائد حسنة، ويروي فيه الاحاديث بأسانيده) (2). وقال في باب الراء: (رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز، للشيخ الامام عز الدين عبد الرزاق الرسعني الحنبلي المتوفي سنة 660) (3). وقال في باب الميم: (مطالع أنوار التنزيل ومفاتيح أسرار التأويل لعبد الرزاق بن رزق الله.. وهو تفسير كبير حسن انتقاه السيوطي، وكتب في أخره اجازة سماعه في مجالس أخرها ثاني ذي القعدة سنة 659 بدار الحديث المهاجرية بالموصل..) (4). { 13 } رواية النيسابوري وأما رواية نظام الدين حسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري نزول


1) طبقات الحفاظ: 505. 2) كشف الظنون 1 / 452. 3) المصدر 1 / 913. 4) المصدر 2 / 1715.

[241]

آية التبليغ المباركة في واقعة يوم غدير خم، فهي في تفسيره بعد تفسير قوله تعالى [ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما أنزل إليهم من ربهم لاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون] إذ قال: (ثم أمر رسوله بأن لا ينظر الى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين، ولا يتخوف مكرهم [مكروههم]. فقال: يا أيها الرسول بلغ. عن أبي سعيد الخدري ان هذه الاية نزلت في فضل علي بن أبي طالب [رضي الله عنه وكرم الله وجه] يوم غدير خم، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده وقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فلقيه عمر وقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي. وروي أنه (صلى الله عليه وسلم) نام في بعض أسفاره تحت شجرة، وعلق سيفه عليها، فأتاه أعرابي وهو نائم، فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال: الله. فرعدت يد الاعرابي وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجر [ة] حتى انتثر دماغه ونزل: والله يعصمك من الناس. وقيل: لما نزلت آية التخيير: (يا أيها النبي قل لازواجك) فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا نزلت: يا أيها الرسول بلغ. وقيل: نزلت في أمر زيد وزينب بنت جحش. وقيل: لما نزل: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله) سكت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن عيب آلهتهم فنزلت، أي: بلغ معائب آلهتهم ولا تخفها. وقيل: انه " ص " لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع قال. هل بلغت ؟ قالوا نعم. فقال " ص ": اللهم اشهد فنزلت. وقيل: نزلت في قصة الرجم والقصاص المذكورتين.

[242]

وقال الحسن: ان نبي الله قال: لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعا، وتخوفت أن من الناس من يكذبني، واليهود والنصارى يخوفونني، فنزلت الاية فزال الخوف. وقالت عائشة: سهر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذات ليلة فقلت يارسول الله ما شأنك ؟ قال: الا رجل صالح يحرسني الليلة ؟ ! قالت: فبينا نحن في ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال من هذا ؟ قال: سعيد وحذيفة جئنا نحرسك. فنام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الاية، فأخرج رسول الله " ص " رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله. وعن ابن عباس: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحرس، فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت هذه الاية فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه ان الله تعالى قد عصمني من الجن والانس) (1). أقول: نلمس من هذه العبارة أن النيسابوري يرى أن سبب نزول الاية هو واقعة يوم الغدير، وأن القول بنزولها في فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الصحيح من بين الاقوال، ولذا قدم هذا القول على سائر الاقوال مع عزوه الى جماعة من الصحابة والامام الباقر (عليه السلام)، ونسب أكثر الاقوال الاخرى الى القيل. ويشهد بكون ذكر هذا القول مقدما على غيره قرينة على أختيار النيسابوري له: أن رشيد الدين الدهلوي نقل عن النسفي كلاما في موضوع، ثم نسب إليه اختيار الاول منهما، لذكره اياه مقدما على القول الاخر، وهذا كلام رشيد


1) تفسير النيسابوري 6 / 129 - 130.

[243]

الدين في (ايضاح لطافة المقال): (وقال العلامة أبو البركات عبد الله بن أحمد ابن محمود النسفي صاحب كنز الدقائق في آخر كتاب الاعتماد في الاعتقاد: ثم قيل لا يفضل أحد بعد الصحابة الا بالعلم والتقوى، وقيل: فضل أولادهم على ترتيب فضل أبائهم، الا أولاد فاطمة (عليهما السلام) فانهم يفضلون على أولاد أبي بكر وعمر وعثمان، لقربهم من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لانهم العترة الطاهرة والذرية الطيبة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. وتفيد هذه العبارة - من جهة تقديم ذكر القول المختار للشيخ عبد الحق - أن هذا القول هو الارجح عند صاحب كتاب الاعتماد، كما لا يخفى على العلماء الامجاد). الاعتماد على النيسابوري وتفسيره وذكر الكاتب الجلبي تفسير النيسابوري بقوله: (غرائب القرآن ورغائب الفرقان في التفسير للعلامة نظام الدين حسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري المعروف بالنظام الاعرج..) (1). وعده المولوي حسام الدين السهارنبوري ضمن مصادر كتابه (مرافض الروافض) في عداد تفسير البيضاوي ومعالم التنزيل والمدارك والكشاف وجامع البيان، واصفا اياها بالكتب المعتبرة. وقد اعتمد القوم على كلمات النيسابوري واستندوا إليها في مقابلة أهل الحق والرد على استدلالاتهم، من ذلك استناد (الدهلوي) الى ما اختاره النيسابوري في الجواب عن مطعن عزل أبي بكر عن ابلاغ سورة البراءة (2).


1) كشف الظنون 2 / 1195. 2) التحفة. باب المطاعن.

[244]

ومن ذلك استشهاد المولوي حيدر علي الفيض آبادي في (منتهى الكلام) في كلامه حول حديث ارتداد الاصحاب بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وذب الرسول " ص " اياهم عن الحوض. كلام النيسابوري في خطبة تفسيره كما يظهر اعتبار هذا التفسير من كلام النيسابوري نفسه في خطبته إذ قال (ولقد انتصب جم غفير وجمع كثير من الصحابة والتابعين ثم من العلماء الراسخين، والفضلاء المحققين، والائمة المتقنين في كل عصر وحين، للخوض في تيار بحاره والكشف عن استار اسراره، والفحص عن غرائبه والاطلاع على رغائبه، نقلا وعقلا وأخذا وأجتهادا، فتباعدت مطامح هماتهم وتباينت مواقع نياتهم، وتشعبت مسالك أقدامهم وتفننت مقاطر أقلامهم، فمن بين وجيز وأوجز ومطنب وملغز، ومن مقتصر على حل الالفاظ ومن ملاحظ مع ذلك حظ المعاني والبيان ونعم اللحاظ، فشكر الله تعالى مساعيهم وصان عن ازراء القادح معاليهم، ومنهم من أعرض عن التفسير وأقبل على التأويل، وهو عندي ركون الى الاضاليل وسكون على شفا جرف الاباطيل، الا من عصمه الله وانه لقليل، ومنهم من مرج البحرين وجمع بين الامرين، فللراغب الطالب أن يأخذ العذب الفرات ويترك الملح الاجاج، ويلقط الدر الثمين ويسقط السبخ والزجاج. واذ وفقني الله تعالى لتحريك القلم في أكثر الفنون المنقولة والمعقولة، كما اشتهر بحمد الله تعالى ومنه فيما بين أهل الزمان، وكان علم التفسير من العلوم بمنزلة الانسان من العين والعين من الانسان، وكان قد رزقني الله تعالى من ابان الصبى وعنفوان الشباب حفظ لفظ القرآن وفهم معنى الفرقان، وطالما

[245]

طالبني بعض أجلة الاخوان وأعزة الاخدان ممن كنت مشارا عندهم بالبنان في البيان، والله المنان يجازيهم عن حسن ظنونهم ويوفقنا لاسعاف سؤلهم وانجاح مطلوبهم، أن أجمع كتابا في علم التفسير مشتملا على المهمات، مبنيا على ما وقع الينا من نقل الاثبات وأقوال الثقات، من الصحابة والتابعين ثم من العلماء الراسخين والفضلاء المحققين المتقدمين والمتأخرين، جعل الله تعالى سعيهم مشكورا وعملهم مبرورا، استعنت بالمعبود وشرعت في المقصود، معترفا بالعجز والقصور في هذا الفن وسائر الفنون، لا كمن هو بابنه وشعره مفتون، كيف وقد قال عز من قائل: وما أوتيتم من العلم الا قليلا. ومن أصدق من الله قيلا ؟ وكفى بالله وليا وكفى بالله وكيلا. ولما كان التفسير الكبير المنسوب الى الامام الافضل والهمام الامثل، الحبر النحرير والبحر الغزير، الجامع بين المعقول والمنقول، الفائز بالفروع والاصول أفضل المتأخرين فخر الملة والحق والدين محمد بن عمر بن الحسين الخطيب الرازي تغمده الله برضوانه وأسكنه بحبوحة جنانه، اسمه مطابق لمسماه وفيه من اللطائف والبحوث ما لا يحصى، ومن الزوائد والنيوث مالا يخفى، فانه قد بذل مجهوده ونثل موجوده حتى عسر كتبه على الطالبين وأعوز تحصيله على الراغبين. حاذيت سياق مرامه وأوردت حاصل كلامه، وقربت مسالك اقدامه، والتقطت عقود نظامه، من غير اخلال بشئ من الفوائد، واهمال لما يعد من اللطائف والعوائد، وضممت إليه ما وجدت في الكشاف وفي سائر التفاسير من اللطائف المهمات، ورزقني الله تعالى من البضاعة المزجاة، وأثبت القراآت المعتبرات والوقوف المعللات، ثم التفسير المشتمل على المباحث اللفظيات والمعنويات مع اصلاح ما يجب اصلاحه، واتمام ما ينبغي اتمامه، من المسائل الموردة

[246]

في التفسير الكبير والاعتراضات، ومع كل ما يوجد في الكشاف من المواضع المعضلات سوى الابيات المعقدات، فان ذلك يوردها من ظن أن تصحيح القراآت وغرائب القرآن انما يكون بالامثال والمستشهدات، كلا فان القرآن حجة على غيره وليس غيره حجة عليه، فلا علينا أن نقتصر في غرائب القرآن على تفسيرها بالالفاظ المشتهرات، وعلى ايراد بعض المتجانسات التي تعرف منها أصول الاشتقاقات، وذكرت طرفا من الاشارات المقنعات، والتأويلات الممكنات، والحكايات المبكيات، والمواعظ الرادعة عن المنهيات، الباعثة على أداء الواجبات. والتزمت ايراد لفظ القرآن الكريم أولا مع ترجمته على وجه بديع وطريق منيع، يشتمل على ابراز المقدرات واظهار المضمرات، وتأويل المتشابهات وتصريح الكنايات، وتحقيق المجازات والاستعارات، فان هذا النوع من الترجمة مما تسكب فيه العبرات، ويوذن المترجمون هنالك الى العثرات، وقلما يفطن له الناشي الواقف على متن اللغة العربية فضلا عن الدخيل القاصر في العلوم الادبية، واجتهدت كل الاجتهاد في تسهيل سبيل الرشاد، ووضعت الجميع على طرف الثمام، ليكون الكتاب كالبدر في التمام وكالشمس في افادة الخاص والعام، من غير تطويل يورث الملام ولا تقصير يوعر مسالك السالك ويبدد نظام الكلام، فخير الكلام ما قل ودل، وحسبك من الزاد ما بلغك المحل، والتكلان في الجميع على الرحمن المستعان، والتوفيق مسئول ممن بيده مفاتيح الفضل والاحسان، وخزائن البر الامتنان وهذا أوان الشروع في تفسير القرآن).

[247]

{ 14 } رواية الهمداني وروى السيد علي بن شهاب الدين الهمداني نزول آية التبليغ في فضل أمير المؤمنين (عليه السلام) في واقعة يوم غدير خم: (عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أقبلت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع، فلما كان بغدير خم نودي الصلاة جامعة، فجلس رسول الله " ص " تحت شجرة وأخذ بيد علي وقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: بلى يارسول الله. فقال: ألا من أنا مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فلقيه عمر رضي الله عنه فقال: هنيئا لك يا علي بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن و مؤمنة، وفيه نزلت (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. الاية) (1). ترجمة الهمدني واخطبة كتابه والسيد علي الهمداني من علماء أهل السنة الربانيين، ومن مشاهير عرفائهم المنتجبين، فقد ترجموا له بما يفوق الوصف، ونسبوا الكرامات الجليلة إليه مثل أحياء الاموات وغيره، كما سنذكر ذلك فيما سيأتي ان شاء الله. وأما كتابه (مودة القربى) فقد مدحه مؤلفه في خطبته وبين اعتباره وشأنه بقوله: (وبعد فقد قال الله تعالى: (قل لا أسئلكم عليه أجرا الا المودة في القربى) وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أحبوا الله لما أرفدكم من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي. فلما كان مودة آل النبي مسئولا عنها حيث أمر الله تعالى حبيبه العربي بأن لا يسأل عن قومه سوى المودة في القربى، وأن


1) مودة القربى انظر ينابيع المودة: 249.

[248]

ذلك سبب النجاة للمحبين، وموجب وصولهم إليه والى آله عليهم السلام كما قال (عليه السلام): من أحب قوما حشر في زمرتهم. وأيضا قال (عليه السلام) المرء مع من أحب. فوجب على من طلب طريق الوصول ومنهج القبول محبة الرسول ومودة أهل بيت البتول، وهذه لا تحصل الا بمعرفة فضائله وفضائل آله عليهم السلام، وهي موقوفة على معرفة ما ورد فيهم من أخباره (عليه السلام). ولقد جمعت الاخيار في فضائل العلماء والفقراء أربعينيات كثيرة، ولم يجمع في فضائل أهل البيت الا قليلا، فلذا - وأنا الفقير الجاني على العلوي الهمداني - أردت أن أجمع في جواهر أخباره ولالي أثاره مما ورد فيهم، مختصرا موسوما بكتاب (المودة في القربى) تبركا بالكلام القديم، كما في مأمولي أن يجعل ذلك وسيلتي إليهم ونجاتي بهم، وطويته على أربع عشرة مودة، والله يعصمني من الخبط والخلل في القول والعمل، ولم يحول قلمي الى ما لم ينقل، بحق محمد ومن اتبعه من أصحاب الدول). { 15 } رواية ابن الصباغ وروى نور الدين علي بن محمد المعروف بابن الصباغ المالكي نزول آية التبليغ في واقعة يوم غدير خم في كتابه (الفصول المهمة) حيث قال: (روى الامام أبو الحسن الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده الى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الاية: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك). يوم غدير خم في علي بن أبي طالب) (1).


1) الفصول المهمة في معرفة الائمة: 42 (*)

[249]

ترجمة ابن الصباغ واعتبار كتابه وابن الصباغ من مشاهير فقهاء المالكية، ومن ثقات علماء أهل السنة المعروفين، فهم ينقلون عنه أقواله ويعتمدون على رواياته، ويصفونه - وهم ناقلون عنه - بالاوصاف العظيمة. وممن أكثر من النقل عنه نور الدين السمهودي في كتابه (جواهر العقدين). وفي (نزهة المجالس): (ورأيت في الفصول المهمة في معرفة الائمة بمكة المشرفة شرفها الله تعالى وهي مصنفة لابي الحسن المالكي: ان عليا ولدته أمه بجوف الكعبة شرفها الله تعالى) (1). وعبر عنه الشيخ أحمد بن عبد القادر العجيلي الشافعي ب‍ (الشيخ الامام علي بن محمد الشهير بابن الصباغ من علماء المالكية) في كلام له حول حكم الخنثى وهذا نصه: (قلت: وهذه المسألة وقعت في زماننا هذا ببلاد الجبرت، على ما أخبرني به سيدي العلامة نور بن خلف الجبرتي، وذكر لي أن الخنثى الموصوفة توفيت عن ولدين، ولد لبطنها وولد لظهرها، وخلفت تركة كثيرة، وأن علماء تلك الجهة تحيروا في الميراث واختلفت أحكامهم، فمنهم من قال: يرث ولد الظهر دون ولد البطن. ومنهم من قال بعكس هذا. ومنهم من قال: يقتسمان التركة. ومنهم من قال: توقف التركة حتى يصطلح الولدان على تساو أو على مفاضلة. وأخبرني أن الخصام قائم والتركة موقوفة، وأنه خرج لسؤال علماء المغرب خصوصا علماء الحرمين عن ذلك. وبعد الاتفاق به بسنتين وجدت حكم أمير المؤمنين في كتاب الفصول المهمة


1) نزهة المجالس لعبد الرحمن الصفوري 2 / 204 - 205

[250]

في فضل الائمة تصنيف الشيخ الامام علي بن محمد الشهير بابن الصباغ من علماء المالكية) (1). وذكر محمد رشيد الدين خان الدهلوي (الفصول المهمة) ناسبا اياه الى الشيخ ابن الصباغ المالكي ومصرحا بكونه من كتب أهل السنة المؤلفة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام). كما ذكر عبد الله بن محمد المدني والمطيري شهرة، الشافعي مذهبا، الاشعري اعتقادا، والنقشبندي طريقة - كتاب (الفصول المهمة) في خطبة كتابه (الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبي وعترته الطاهرة) حيث قال: (أما بعد فيقول العبد الفقير الى الله تعالى عبد الله بن محمد المطيري شهرة المدني حالا: هذا كتاب سميته بالرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبي وعترته الطاهرة، جمعت فيه ما اطلعت عليه مما ورد في هذا الشأن، واعتنى بنقله العلماء العاملون الاعيان، وأكثره من الفصول المهمة لابن الصباغ، ومن الجوهر الشفاف للخطيب). { 16 } رواية العيني وروى بدر الدين محمود بن أحمد العيني نزول آية التبليغ: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك). في واقعة يوم الغدير، في شرحه على صحيح البخاري، حيث جاء بتفسير الاية المذكورة من كتاب التفسير ماهذا نصه: (ص - باب يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. ش - أي هذا باب في قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل. ذكر


1) ذخيرة المآل - مخطوط. (*)

[251]

الواحدي من حديث الحسن بن حماد سجادة قال: ثنا علي بن عياش عن الاعمش وأبي الجحاف عن، عطية عن أبي سعيد قال: نزلت هذه الاية يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال مقاتل: قوله بلغ ما أنزل اليك. وذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) دعا اليهود الى الاسلام فأكثر الدعاء، فجعلوا يستهزؤن به ويقولون: أتريد يا محمد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى حنانا. فلما رأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك سكت عنهم، فحرض الله تعلى نبيه (عليه السلام) على الدعاء الى دينه لا يمنعه تكذيبهم اياه واستهزاؤهم به عن الدعاء،. وقال الزمخشري: نزلت هذه الاية بعد أحد. وذكر الثعلبي عن الحسن قال سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لما بعثني الله عزوجل برسالته ضقت بها ذرعا، وعرفت أن من الناس من يكذبني - وكان يهاب قريشا واليهود والنصارى - فنزلت. وقيل: نزلت في عيينة بن حصين وفقراء أهل الصفة. وقيل نزلت في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه وكرهه أيضا بعض المؤمنين، وكان النبي (عليه السلام) يمسك في بعض الاحايين عن الحث على الجهاد لما يعرف من كراهية القوم فنزلت. وقيل: بلغ ما أنزل اليك من أمر ربك. في أمر زينب بنت جحش، وهو مذكور في البخاري. وقيل: بلغ ما انزل اليك في أمر نسائك. وقال ابو جعفر محمد بن علي بن حسين: معناه بلغ ما أنزل اليك من ربك في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما نزلت هذه الاية أخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.

[252]

وقيل: بلغ ما أنزل اليك من حقوق المسلمين، فلما نزلت هذه الاية خطب (عليه السلام) في حجة الوداع، ثم قال: اللهم هل بلغت. وعند ابن الجوزي: بلغ ما أنزل اليك من الرجم والقصاص) (1). هذا هو النص الكامل لعبارة العيني في هذا المقام، وقد رأيت أنه قد قدم القول بنزولها في فضل علي (عليه السلام) يوم الغدير على سائر الاقوال في الذكر، الامر الذي يدل على تقديمه اياه عليها في الاختيار كما تقدم.. ثم انه عاد وذكر قول سيدنا الامام الباقر (عليه السلام) وهو القول الفصل، والحمد لله رب العالمين. ترجمة البدر العينى 1 - شمس الدين السخاوى: (محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود، القاضي بدر الدين أبو محمد - وقيل أبو الثناء - ابن القاضي شهاب الدين، الحلبي الاصل، العنتابي المولد، القاهري الحنفي. أحد الاعيان. ويعرف بابن العيني. كان مولد والده بحلب في سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وانتقل الى عنتاب فولي قضاءها فولد بها ولده البدر، وذلك كما قرأته بخطه - في سابع عشر رمضان سنة 762، فنشأ بها، وقرأ القرآن واشتغل بالعلوم من سائر الفنون على العلماء الكبار.. وكان اماما عالما علامة، عارفا بالتصريف والعربية وغيرهما حافظا للتاريخ واللغة، كثير الاستعمال لها، مشاركا في الفنون، لا يمل من المطالعة والكتابة كتب بخطه جملة من الكتب، وصنف الكثير، وكان نادرة بحيث لا أعلم بعد شيخنا أكثر تصانيف منه، وقلمه أجود من تقريره، وكتابته طريفة حسنة مع السرعة..


1) عمدة القارى - شرح صحيح البخاري 18 / 206.

[253]

وحدث وأفتى ودرس، مع لطف العشرة والتواضع، واشتهر اسمه وبعد صيته وأخذ عنه الفضلاء من كل مذهب، وممن سمع عليه من القدماء: الكمال الشمني، سمع عليه بعض شرح الطحاوي من تصانيفه، وأرغون شاه التيدمري المتوفي سنة 802 صحيح البخاري ومسلم والمصابيح. وعلق شيخنا من فوائده بل سمع عليه لاجل ما كان عزم عليه من عمل البلدانيات.. وذكره العلاء ابن خطيب الناصرية في تاريخه فقال: وهو امام عالم فاضل مشارك في علوم، وعنده حشمة ومروة وعصبية وديانة - انتهى. وقد قرأت عليه الاربعين التي انتقاها شيخي رحمه الله تعالى من صحيح مسلم، في خامس صفر سنة احدى وخمسين، وعرضت عليه قبل ذلك محافيظي وسمعت عدة من دروسه..) (1). 2 - السيوطي: (العيني قاضي القضاة.. تفقه واشتغل بالفنون وبرع ومهر ودخل القاهرة وولي الحسبة مرارا، وقضاء الحنفية، وله تصانيف منها: شرح البخاري وشرح الشواهد وشرح معاني الاثار وشرح الهداية وشرح الكنز وشرح المجمع وشرح درر البحار وطبقات الحنفية وغير ذلك. مات في ذي الحجة سنة 855) (2). 3 - السيوطي ايضا: (.. وكان اماما عالما علامة..) (3). 4 - محمود بن سليمان الكفوي: (قاضي القضاة بدر الدين.. ذكر جلال الدين السيوطي في طبقات الحنفية المصرية في حسن المحاضرة،


1) الذيل الطاهر للسخاوي - مخطوط. ومنه نسخة وعليها خط المؤلف في مكتبة السيد صاحب عبقات الانوار رحمه الله. 2) حسن المحاضرة 1 / 473. 3) بغية الوعاة 2 / 275.

[254]

قال..) (1). 5 - الزرقاني المالكي: (.. وتفقه واشتغل بالفنون وبرع..) (2). 6 - الازنيقي: (.. وتفقه واشتغل بالفنون وبرع ومهر وولي قضاء الحنفية بالقاهرة، وكان اماما عالما علامة بالعربية والتصريف وغيرهما..) (3). 7 - وقال الكاتب الجلبي في شروح البخاري: (ومن الشروح المشهورة أيضا شرح العلامة بدر الدين.. فان شرحه حافل كامل في معناه، لكن لم ينتشر كانتشار فتح الباري في حياة مؤلفه وهلم جرا) (4). 8 - وقد احتج المولوي حيدر علي الفيض آبادي في (منتهى الكلام) بكلمات العيني في مقابلة أهل الحق، مع الثناء على شرحه للبخاري - عمدة القاري - وقال في حق العيني بأن تبحره وغزارة علومه ومهارته في فن الحديث أشهر من أن يذكر. وهنا يحق لنا أن نسأل المولوي حيدر علي وأمثاله فنقول: كيف يجوز التمسك بما قال العيني في مجال الرد على الشيعة، مع وصفه بالتبحر والمهارة والفقه والامامة وغير ذلك من الاوصاف الجليلة، ولا يجوز الالتفات الى كلام له أو رواية له لحديث ينفع الشيعة فيما يذهبون إليه ؟


1) كتاب الاعلام الاخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار - مخطوط. 2) شرح المواهب اللدنية. 3) مدينة العلوم للازنيقي. 4) كشف الظنون 1 / 548. (*)

[255]

{ 17 } رواية السيوطي وروى جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي حديث نزول آية التبليغ: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك..) في واقعة يوم غدير خم، في فضل سيدنا أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وهذا نص عبارته في تفسير الاية المذكورة: (أخرج أبو الشيخ عن الحسن: ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ان الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لابلغن أو ليعذبني، فأنزلت (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك). وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت (بلغ ما أنزل اليك من ربك). قال: يا رب انما أنا واحد كيف أصنع، يجتمع علي الناس فنزلت: (وان لم تفعل فما بلغت رسالته). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: (وان لم تفعل فما بلغت رسالته). يعني ان كتمت آية مما أنزل اليك لم تبلغ رسالته. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الاية: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك). على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك) ان عليا مولى المؤمنين (وان لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس). وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل

[256]

فقال: ان ناسا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) للناس. فقال: ألم تعلم أن الله قال: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك)، والله ما ورثنا رسول الله " ص " سوداء في بيضاء) (1). وجوه اعتبار هذه الرواية ورواية السيوطي هذا الخبر في سبب نزول آية التبليغ في يوم غدير خم في كتاب (الدر المنثور) معتبرة من وجوه: الاول - ان سياق كلام السيوطي ظاهر في أنه يرى أن هذا القول هو الحق من بين الاقوال في هذا المقام، لانه لم ينقل قولا آخر يخالفه في الدلالة، أما قول الحسن فلا ينافي القول بنزولها يوم الغدير في فضل علي (عليه السلام)، لانه روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن الله تعالى بعثه برسالة فضاق " ص " بها ذرعا.. فأنزلت الاية.. فلم يبين في هذه الرواية حقيقة تلك الرسالة، فلا تأبى الحمل على أنها كانت حول الامامة والخلافة ونصب أمير المؤمنين (عليه السلام) لها، بل ان قوله " ص ": (فضقت بها ذرعا وعرفت الناس مكذبي) يؤيد هذا الحمل ويؤكده. وكذا الامر بالنسبة الى ما ذكره مجاهد، والى الخبرين عن ابن عباس، فان هذه الاخبار أيضا لا تنافى خبر نزول الاية الكريمة في واقعة يوم غدير خم بوجه من الوجوه. الثاني - ان كلام السيوطي في خطبة كتابه (الدر المنثور) صريح في أن الاثار المذكورة فيه في ذيل الايات مستخرجة من الكتب المعتبرة، وهذا نص


1) الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 / 298.

[257]

عبارته: (الحمد لله الذي أحيى بمن شاء مآثر الاثار بعد الدثور، ووفق لتفسير كتابه العزيز بما وصل الينا بالاسناد العالي من الخبر المأثور، وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، شهادة تضاعف لصاحبها الاجور، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي أسفر فجره الصادق فمحى ظلمات أهل الزيغ والفجور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي العلم المرفوع والفضل المشهور، صلاة وسلاما دائمين على مر الليال والدهور. وبعد - فلما ألفت كتاب (ترجمان القرآن) وهو التفسير المسند عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه رضي الله عنهم، وقد تم بحمد لله في مجلدات، وكان ما أوردته فيه من الاثار بأسانيد الكتب المخرج منها واردات، رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، ورغبتهم في الاقتصار على متون الاحاديث دون الاسناد وتطويله، فلخصت منه هذا المختصر مقتصرا فيه على متن الاثر، مصدرا بالعزو والتخريج الى كل كتاب معتبر، وسميته بالدر المنثور في التفسير بالمأثور، والله أسأل أن يضاعف لمؤلفه الاجور، ويعصمه عن الخطأ والزور، بمنه وكرمه، انه البر الغفور). الثالث - ان كتاب (الدر المنثور) من التفاسير الممدوحة المشهورة التي ذكرها (الدهلوي) في رسالته في (اصول الحديث)، ذكره في عداد تفاسير ابن مردويه والديلمي وابن جرير ثم قال: وان الدر المنثور للشيخ جلال الدين السيوطي أجمعها. وقد صرح صاحب (منتهى الكلام) بأن معنى (الشهرة) في هذا المقام هو الاعتبار والاعتماد عند العلماء الاعلام. الرابع - ان السيوطي قد نص في مواضع عديدة من (الدر المنثور) على ضعف الخبر، وهذا يدل على أنه لا يترك الحديث بحاله، بل ينوه على

[258]

ضعفه ان كان ضعيفا عنده، وعلى هذا الاساس يجوز لنا الاحتجاج بكل حديث يخرجه فيه ولا ينص على جرح له، وقد ذكر هذا المعنى المولوي حيدر علي بالنسبة الى حديث رواه الشيخ ابن بابويه الصدوق ولم يتعرض الى جرح فيه -. وحينئذ نقول: ان السيوطي أخرج الروايتين الدالتين على نزول آية التبليغ في يوم الغدير ولم يقدح فيهما أصلا بنوع من الانواع. الخامس - لقد أكثر علماء الحديث والكلام من أهل السنة من الاستناد الى أحاديث (الدر المنثور) والاحتجاج بها. ففي (تنبيه السفيه) لسيف الله ابن أسد الله الملتاني ذكر (الدر المنثور) في سياق كتب مهمة ككتاب الاسماء والصفات للبيهقي، والمصنف لابن أبي شيبة، والاثار للامام محمد الشيباني، قائلا بأنها مصادر كتاب (التحفة الاثنا عشرية) من كتب أهل السنة. وفي (الشوكة العمرية) لمحمد رشيد الدين خان تلميذ (الدهلوي) ذكر (الدر المنثور) في كتب التفسير لاهل السنة المشتملة على الاخبار التفسيرية الواردة عن أمير المؤمنين وغيره من أئمة أهل البيت (عليهم السلام). السادس - لقد زعم (الدهلوي) في كتابه (التحفة) ان علماء أهل السنة ومحدثيهم مشهورون بالتقى والعدالة والديانة، بخلاف الرواة في الفرق الاخرى - ولا سيما الشيعة - فان جميعهم مطعونون ومجروحون عند أنفسهم (1). أقول: وهذا الكلام - بغض النظر عما فيه من جميع نواحيه - فيه أعلى درجات التوثيق وأقصى مراتب التعديل لرواة أهل السنة ورجال أحاديثهم وأخبارهم، وعلى هذا الاساس تسقط جميع المناقشات الصادرة من (الدهلوي) وغيره في أسانيد أحاديث فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، التي رواها المحدثون


1) التحفة. الباب الحادي عشر وفي جواب المطعن الثامن من مطاعن الصحابة.

[259]

من أهل السنة، وأخرجها الائمة والحفاظ في كتبهم المعتبرة، ومنها حديث نزول آية التبليغ: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك.. " في فضل سيدنا الامير (عليه السلام) يوم الغدير، فانه حديث أخرجه جماعة كبيرة من كبار أئمة القوم عن جماعة من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).. وكفى الله المؤمنين القتال. والحمد لله رب العالمين. { 18 } رواية محبوب العالم وروى محمد محبوب العالم ابن صفي الدين جعفر المعروف ببدر العالم نزول الاية المباركة: (يا أيها الرسول بلغ..) في يوم غدير خم بتفسير الاية في تفسيره المشهور (تفسير شاهي) حيث قال بعد ترجمة الاية ونقل رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في معنى العصمة: (وفي النيسابوري عن أبي سعيد الخدري: هذه الاية نزلت في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فلقيه عمر رضي الله تعالى عنه وقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي رضي الله تعالى عنهم). وقد أورد هذه الرواية ولم يذكر رواية أخرى مخالفة لها. اعتبار تفسير شاهى من كلام (الدهلوى) وغيره وقد نص (الدهلوي) في كتابه (التحفة) على اعتبار (تفسير شاهي)، ووصف

[260]

الروايات الواردة فيه عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بأنها (مضبوطة) وهذا كلامه حيث قال بتعريف كتب الشيعة: (وأما التفاسير فمنها (التفسير) الذي ينسبونه الى الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، رواه عنه ابن بابويه باسناده عنه، ورواه عنه غيره أيضا باسناده، مع تفاوت زيادة ونقصانا. وان أهل السنة أيضا يروون عن الامام المذكور وغيره من الائمة في التفسير كما جاء في (الدر المنثور)، وتلك الروايات مجموعة ومضبوطة في (تفسير شاهي) لكن ما يرويه الشيعة عن الائمة لا يتطابق أبدا مع تلك الروايات) (1). وبعد هذا المدح والثناء للتفسيرين المذكورين لا يسمع الخدشة في ثبوت هذا الحديث المذكور فيهما، لانه لا يكون الا عن مكابرة واضحة. كما ذكر تلميذه محمد رشيد الدين خان الدهلوي (تفسير شاهي) مع تفسير الفخر الرازي، في بيان أن تفاسير أهل السنة مليئة بالاخبار والروايات عن الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، ومن هذا الكلام يتضح أن هذا التفسير من التفاسير المشهورة المعتبرة لدى أهل السنة. والعجب أنهم مع ذلك يقدحون في حديث نزول آية التبليغ المروي في (تفسير شاهي) وتفسير الرازي أيضا - وينسون ما ذكروه في الثناء والاعتماد على التفسير المذكور ! ! { 19 } رواية الحاج عبد الوهاب البخاري وروى الحاج عبد الوهاب بن محمد بن رفيع الدين أحمد نزول الاية المباركة في واقعة يوم غدير خم حيث قال بتفسير قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه


1) التحفة الاثنا عشرية. الباب الثالث.

[261]

أجرا الا المودة في القربى): (عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال في قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. أي بلغ من فضائل علي. نزلت الاية في غدير خم. فخطب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه. فقال عمر رضي الله عنه: بخ بخ يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. رواه أبو نعيم وذكره أيضا الثعالبي في كتابه). ترجمة الحاج عبد الوهاب والحاج عبد الوهاب البخاري من أكابر العلماء المشاهير من أهل السنة، ترجم له الشيخ عبد الحق الدهلوي وأثنى عليه الثناء البالغ في (أخبار الاخيار) (1). وكذلك ترجم له السيد محمد ابن السيد جلال ماه عالم في (تذكرة الابرار). وقد توفي عبد الوهاب البخاري سنة: 932. { 20 } رواية جمال الدين المحدث ورواه عطاء الله بن فضل الله الشيرازي المعروف بجمال الدين المحدث حيث قال بعد ذكر حديث الغدير: (أقول: أصل هذا الحديث - سوى قصة الحارث - تواتر عن أمير المؤمنين (عليه السلام). وهو متواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أيضا. رواه جمع كثير وجم غفير من الصحابة. فرواه ابن عباس ولفظه قال: لما أمر النبي أن يقوم بعلي بن أبي طالب


1) أخبار الاخيار: 206. وتوجد ترجمته في كتاب (نزهة الخواطر 4 / 223) وقد وصفه بقوله: (الشيخ الصالح) ولد سنة 869. توفى سنة 932.

[262]

المقام الذي قام به، فانطلق النبي الى مكة فقال: رأيت الناس حديثي عهد بكفر ومتى أفعل هذا به يقولون صنع هذا بابن عمه، ثم مضى حتى قضى حجة الوداع، ثم رجع حتى إذا كان بغدير خم أنزل الله عزوجل: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) الاية. فقام مناد فنادى الصلاة جامعة، ثم قام وأخذ بيد علي فقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) (1). خطبة كتاب الاربعين ويتضح من كلام الجلال المحدث في خطبة كتاب (الاربعين) اعتبار الاحاديث المخرجة فيه، فانه قال: (وبعد فيقول العبد الفقير الى الله الغني عطاء الله بن فضل الله المشتهر بجمال الدين المحدث الحسيني، حسن الله أحواله وحقق بجوده العميم آماله: هذه أربعون حديثا في مناقب أمير المؤمنين وامام المتقين ويعسوب المسلمين، ورأس الاولياء والصديقين، ومبين مناهج الحق واليقين، كاسر الانصاب وهازم الاحزاب، المتصدق في المحراب فارس ميدان الطعان والضراب، المخصوص بكرامة الاخوة والانتخاب، المنصوص عليه بأنه لدار الحكمة ومدينة العلم باب، وبفضله واصطفائه نزل الوحي ونطق الكتاب، المكنى بأبي الريحانتين وأبي تراب. هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب المشرف بمزية: من كنت مولاه فعلي مولاه، المدعو بدعوة: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فكم كشف عن نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من شدة


1) كتاب الاربعين في فضائل أمير المؤمنين - مخطوط.

[263]

وبؤسي، حتى خصه بقوله: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وكم فرج عنه من غمة وكربي حتى أنزل الله فيه: قل لا أسألكم عليه أجرا الا المودة في القربى. ثم زاده شرفا ورفعة ووفر حظه من أقسام العلى توفيرا، وانما أنزل فيه وفي بنيه: انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، مظهر جسيمات الكلام، ومظهر عميمات المنن، الذي حبه وحب أولاده العظام وأحفاده الكرام من أوفى العدد وأوقى الجنن، شعر: أخو أحمد المختار صفوة هاشم * أبو السادة الغر الميامين مؤتمن وصي امام المرسلين محمد * علي أمير المؤمنين أبو الحسن هما ظهرا شخصين والنور واحد * بنص حديث النفس والنور فاعلمن هو الوزر المأمول في كل حطة * وان لا تنجينا ولايته فمن ؟ عليهم صلاة الله ما لاح كوكب * وما هن ممراض النسيم على فنن وان كانت مناقبه كثيرة وفضائله جمة غزيرة، بحيث لا تعد ولا تحصى ولا تحد ولا تستقصى، كما ورد عن ابن عباس مرفوعا: لو أن الرياض أقلام. والبحر مداد والجن حساب والانس كتاب ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب وروي أن رجلا قال لابن عباس: سبحان الله ما أكثر مناقب علي بن أبي طالب ! اني لاحسبها ثلاثة آلاف، قال: أولا تقول أنها الى ثلاثين ألف أقرب ؟ لكني اقتصرت منها على أربعين حديثا روما للاختصار، ومراعاة لما اشتهر من سيد الابرار وسند الاخيار محمد المصطفى الرسول المختار (صلى الله عليه وآله) ما ترادف الليل والنهار وتعاقب العشى والابكار أنه قال: من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله تعالى فقيها عالما. وفي رواية: بعثه الله تعالى يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء. وفي رواية: كتب في زمرة

[264]

العلماء وحشر في زمرة الشهداء. وفي رواية: وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا وفي رواية: قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت. جمعتها من الكتب المعتبرة على طريقة أهل البيت (عليهم السلام)). { 21 } رواية شهاب الدين أحمد وروى شهاب الدين أحمد نزول آية التبليغ في واقعة يوم غدير خم في ذكر الايات النازلة في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: (قوله تعالى: يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. وبالاسناد المذكور عن أبي الجارود الى حمزة [أبي جعفر - ظ] قال: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك. نزلت في شأن الولاية. وفي رواية أبي بكر ابن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله) وبارك وسلم: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ان عليا مولى المؤمنين وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (1). وقد ذكر شهاب الدين أحمد في عنوان الباب الذي ذكر فيه الايات النازلة في حق الامام (عليه السلام): (الباب الثاني في فضله الذي نطق القرآن ببيانه، وما نزل من الايات في علو شأنه - اعلم أن الايات بعضها وردت متفقا عليها في شأن هذا الولي النبيه، وبعضها قد اختلف فيها هل هي لغيره أم هي فيه، فأنا


1) توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - مخطوط.

[265]

أذكرهما كليهما، معتمدا على ما رواه الصالحاني الامام وأسردها كما ذكرها باسناده برواية الحفاظ الاعلام، عن الحافظ أبي بكر ابن مردويه، باسناده الى أفضل البشر مرفوعا، أو جعله في التحقيق بالاعتزاء الى الصحابي مشفوعا، غير أني أذكر السور على ترتيب المصاحف في الافاق، وان وافقه غيره من الائمة في شئ أذكر ذلك الوفاق). عبارته في خطبة كتابه وذكر في خطبة كتابه ما يدل على عظمة شأن هذا الكتاب وجلالة الاحاديث المروية فيه حيث قال: (واعلم أن كتابي هذا ان شاء الله تعالى خال عن موضوعات الفريقين، حال بتحري الصدق وتوخي الحق وتنحي مطبوعات الطريقين). وقال: (وخرجت من كتب السنة المصونة عن الهرج ودواوينها، وانتهجت فيه منهج من لم ينتهج بنهج العوج عن قوانينها، أحاديث حدث حديثها عن حدث الصدق في الاخبار، ومسانيد ما حدث وضع حديثها بغير الحق في الاخبار معزوة في كل فصل الى رواتها، مجلوة في كل أصل عن تداخل غواتها). قال: (فيا أهل الانتصاب وجيل سوء الاصطحاب، وياشر القبيل لا تغلو في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل، ان تجدوا في الكتاب ما وجدتكم على وجدانكم مخالفا لامر الخلافة أو ترونه على رأيكم مناقضا للاجماع على تفضيل الصديق منبع الحلم والرأفة، فلا تواضعوا رجما بالغيب في الحكم، تحكما بوضع أخبار أخبر بها نحارير علماء السنة في فضائل مولانا المرتضى، ولا تسارعوا نبذا في الجيب الى القائها قبل تلقيها، فانها تلاقت قبول مشاهير عظماء الامة من كل من اختار الحق وارتضى..

[266]

والغرض في هذا الباب من تمهيد هذه القواعد أن لا يقوم بالرد لاخبار هذا الكتاب من كان كالقواعد، فان معظماتها في الصحاح والسنن، ومروياتها مأثورات أصحاب الصلاح في السنن). { 22 } رواية البدخشانى وروى الميرزا محمد بن معتمد خان الحارثي البدخشاني نزول آية التبليغ في واقعة يوم الغدير كما عرفت في تخريج رواية ابن مردويه ورواية عبد الرزاق الرسعني، وهذا نص عبارته كاملة في هذا المقام: (الايات النازلة في شأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كثيرة جدا لا أستطيع استيعابها، فأوردت في هذا الكتاب لبها ولبابها.. وأخرج - أي ابن مردويه - عن زر عن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ان عليا مولى المؤمنين وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الاية (يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك) أخذ النبي بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مثله وفي آخره: فنزلت اليوم أكملت لكم دينكم الاية. فقال النبي: الله اكبر على اكمال

[267]

الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب) (1). ترجمة البدخشاني والميرزا محمد البدخشاني من أكابر مشاهير علماء أهل السنة، وقد صرح محمد رشيد الدين خان الدهلوي في (ايضاح لطافة المقال) بأنه من عظماء أهل السنة وان كتابه (مفتاح النجا) يدل كغيره من كتب عظماء أهل السنة - بزعمه - على موالاة أهل السنة لاهل البيت (عليهم السلام). وذكر المولوي حيدر علي الفيض آبادي في (ازالة الغين) هذا الرجل من جملة علماء أهل السنة، الذين يعتقدون بلعن يزيد بن معاوية عليه اللعنة وسوء العذاب.


1) مفتاح النجا - مخطوط.

[268]

دلالة نزول آية التبليغ في الغدير على الامامة ثم ان نزول هذه الاية المباركة في واقعة يوم غدير خم دليل على أنها نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لتأكد على لزوم تبليغه " ص " أمر خلافة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام، وتوضح المراد من حديث الغدير وما خطب به رسول الله " ص " في ذلك اليوم، إذ أن قوله تعالى: (وان لم تفعل فما بلغت رسالته) يدل على عظمة شأن ما وأمره تعالى بتبليغه، بحيث أنه ان لم يبلغه القوم فما بلغ الرسالة الاسلامية، ولذهبت متاعبه وأعماله هباءا منثورا وما ذلك الا حكم الامامة الذي هو أصل عظيم من أصول الدين، وبه يتم صلاح المسلمين في الدنيا والاخرة. قال في (بحار الانوار): (ان الاخبار المتقدمة الدالة على نزول قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) مما يعين ان المراد بالمولى: الاولى والخليفة والامام، لان التهديد بأنه ان لم يبلغه فكأنه لم يبلغ شيئا من رسالاته، وضمان العصمة له يجب أن يكون في ابلاغ حكم يكون بابلاغه اصلاح الدين والدنيا لكافة الانام، وبه يتبين للناس الحلال والحرام الى يوم القيامة، وكان قبوله

[269]

- صعبا على الاقوام، وليس ما ذكروه من الاحتمالات في لفظ (المولى) مما يظن فيه أمثال ذلك، فليس المراد الا خلافته (عليه السلام) وامامته، إذ بها يبقى ما بلغه (صلى الله عليه وآله) من أحكام الدين، وبها ينتظم أمور المسلمين. وضغائن الناس لامير المؤمنين عليه السلام كان مظنة اثارة الفتن من المنافقين، فلذا ضمن الله له العصمة من شرهم) (1). ثم انه لما نزلت الاية المباركة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر بتبليغ هذه الرسالة العظيمة مع ذلك التهديد ضاق النبي " ص " بذلك ذرعا لانه عرف أن الناس يكذبونه. وذلك من جملة البراهين الواضحة على عظمة تلك الرسالة وصعوبة تقبل بعض الصحابة اياها، ولو كان ما أمر بتبليغه من الامور الفرعية السهلة، أو كان مجرد ايجاب محبة أمير المؤمنين ومودته لما ضاق بابلاغه ذرعا ولما خاف تكذيب الناس اياه، والحال أن جملة من روايات حديث الغدير تضمنت هذه الجهات: فعن كتاب (مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام)) لابن مردويه باسناده في شئون نزول آية التبليغ: (عن زيد بن علي قال: لما جاء جبرئيل (عليه السلام) بأمر الولاية ضاق النبي (صلى الله عليه وسلم) بذلك ذرعا وقال: قومي حديثو عهد بجاهلية فنزلت). وعنه باسناده (عن ابن عباس قال: لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقوم بعلي فيقول له ما قال، فقال " ص " يا رب ان قومي حديثو عهد بالجاهلية، ثم مضى بحجه، فلما أقبل راجعا نزل بغدير خم أنزل الله عليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. الاية فأخذ بعضد علي ثم خرج الى الناس. الى آخر ما سيجئ فيما بعد ان شاء الله تعالى).


1) بحار الانوار 37 / 249.

[270]

وقد رواه السيد جمال الدين المحدث الشيرازي كما عرفت. وعرفت أيضا قول السيوطي: (أخرج أبو الشيخ عن الحسن ان رسول (صلى الله عليه وسلم) قال: ان الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا وعرفت أن الناس مكذبي، فوعد ربي لابلغن أو ليعذبني، فأنزلت يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت بلغ ما أنزل اليك من ربك، قال رسول الله: يا رب انما أنا واحد كيف أصنع يجتمع علي الناس ! فنزلت: وان لم تفعل فما بلغت رسالته) (1). وما رواه ابن مردويه وغيره يفسر هذا الحديث، لان (الحديث يفسر بعضه بعضا) كما تقرر في علم أصول الحديث. ونص عليه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) وقد تقدم ذكر عبارته سابقا. فان قيل: انه (صلى الله عليه وآله) كان يحذر تكذيب الكفار والمشركين لا الصحابة. قلنا: انه " ص " قد أمر بتبليغ هذه الرسالة الى المسلمين، وقد كان الحاضرون في يوم الغدير كلهم مسلمين وصحابة له، ومتى كان الكفار موجودين في الغدير حتى يخاف " ص " تكذيبهم ؟ ! فان قيل: فقد كان من بين الصحابة منافقون. قلنا: فذلك ما نقول به، وقد كان أكثرهم كذلك، ولو كانوا أقل من المؤمنين به والمخلصين له لما خاف وضاق بالتبليغ ذرعا، ولما قال: (يا رب انما أنا واحد كيف أصنع يجتمع علي الناس)، على أن اللفظ الذي رواه المحدث


1) الدر المنثور 2 / 298.

[271]

وابن مردويه صريح في أنه (صلى الله عليه وآله) كان يخاف صحابته المسلمين الذين وصفهم بأنهم حديثو عهد بالجاهلية، ولو كان الذين يحذرهم كفرة لما وصفهم بهذا الوصف. فتلخص أن نزول الاية المباركة في الغدير، وان ما كان في ذلك اليوم دليل قطعي على الامامة والخلافة لامير المؤمنين (عليه السلام) بعد رسول الله صلى عليه وآله وسلم بلا فصل، وأنه لم يكن ما أمر بتبليغه مجرد ايجاب مودة أمير المؤمنين (عليه السلام)، الامر الذي فعله من ذي قبل مرارا وتكرارا، اما تصريحا باسمه واما في ضمن ايجاب مودة أهل البيت وذوي القربى، من غير خوف وحذر، مع كون الصحابة أقرب عهدا بالكفر والجاهلية. لا يقال: فان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بين أمر الخلافة قبل يوم الغدير، وعين أمير المؤمنين (عليه السلام) لها، فيلزم أن يكون المراد من الرسالة غيرها. لان الغرض اثبات أن الامر الذي أمر (صلى الله عليه وآله) بتبليغه في غاية العظمة والاهمية، ولا يتصور غير الامامة والخلافة أمر آخر بهذه المثابة، بحيث يخاف من تكذيب الصحابة، وان تبليغ هذا الامر العظيم من ذي قبل لا ينافي تبليغه والتأكيد عليه في حجة الوداع وفي يوم الغدير، مع امور جديدة لم تقع من قبل، وهي استخلافه " ص " لعلي والتنصيص على ذلك، وأخذ البيعة على خلافته قرب وفاته وفي هذا المشهد العظيم المنقطع النظير.

[273]

(2) نزول قوله تعالى: اليوم اكملت.. في يوم غدير خم

[275]

لقد نزل قوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) بعد فراغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من خطبته في يوم غدير خم، وتعيين أمير المؤمنين (عليه السلام) للامامة والخلافة، وذلك من الادلة القوية والبراهين القويمة على أن المراد من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) هو التنصيص على الامامة والخلافة لعلي (عليه السلام) من بعده، إذ ليس هناك غير الامامة والخلافة أمر آخر يصلح لان يكون به اكمال الدين واتمام النعمة، فان الامامة والخلافة أصل عظيم من أصول الدين وبها قد كمل، وتمت النعمة، والحمد لله رب العالمين. ذكر من روى نزول الاية في الغدير ولقد روى جماعة من أئمة علماء أهل السنة حديث نزول آية (اليوم أكملت لكم دينكم..) في واقعة يوم الغدير، ومنهم: 1 - أحمد بن موسى بن مردويه الاصفهاني. 2 - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني. 3 - أبو الحسن علي بن محمد الجلابي المعروف بابن المغازلي.

[276]

4 - الموفق بن احمد المعروف بأخطب خطباء خوارزم. 5 - محمد بن علي بن ابراهيم النطنزي. 6 - ابو حامد محمود بن محمد الصالحاني. 7 - ابراهيم بن محمد بن المؤيد الحمويني. { 1 } رواية ابن مردويه لقد روى أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الاصفهاني نزول قوله تعالى (اليوم اكملت لكم دينكم) في واقعة يوم غدير خم، فقد قال الميرزا محمد ابن معتمد خان البدخشي: (اخرج عبد الرزاق الرسعني عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الاية: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك). اخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. وأخرج ابن مردويه عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه مثله، وفي آخره، فنزلت: (اليوم اكملت لكم دينكم) الاية. فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي ابن ابي طالب) (1).


1) مفتاح النجا في مناقب آل العبا - مخطوط.

[277]

{ 2 } رواية أبي نعيم ورواه أبي نعيم احمد بن عبد الله الاصفهاني أيضا حيث اخرج باسناده (عن قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن ابي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا الناس الى علي في غد ير خم وأمر بما تحت الشجرة من شوك فقم، وذلك في يوم الخميس، فدعا عليا وأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس بياض ابطي رسول الله " ص "، ثم لم يفترقوا حتى نزلت هذه الاية: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا). فقال رسول الله " ص ": الله اكبر على اتمام الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي الخ) (1). { 3 } رواية ابن المغازلي ورواه ابو الحسن علي بن محمد بن الخطيب الجلابي المعروف بابن المغازلي بسنده عن ابي هريرة، وهذا عين عبارته: (اخبرنا ابو بكر احمد بن محمد بن طاوان قال: اخبرنا ابو الحسين احمد بن الحسين ابن السماك قال: حدثني ابو محمد جعفر بن محمد بن نصير الخلدي حدثني علي بن سعيد بن قتيبة الرملي قال: حدثني ضمرة بن ربيعة القرشي عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن ابي هريرة قال: من صام ثمانية عشر من ذي


1) ما نزل من القرآن في علي - مخطوط.

[278]

الحجة كتب له صيام ستين شهرا وهو يوم غدير خم، لما اخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) بيد علي بن ابي طالب فقال: الست أولى بالمؤمنين من انفسهم ؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك باابن ابي طالب اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. فأنزل الله تعالى: اليوم اكملت لكم دينكم) (1). { 4 } رواية الخوارزمي وروى ذلك الموفق بن احمد بن ابي سعيد المكي الخوارزمي المعروف بأخطب خوارزم قائلا: (اخبرنا سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه ابن شهردار الديلمي - فيما كتب الي من همدان - اخبرنا ابو الفتح عبدوس ابن عبد الله بن عبدوس الهمداني كتابة قال: حدثنا عبد الله بن اسحاق البغوي قال: حدثنا الحسن بن عقيل الغنوي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الذارع قال: حدثنا قيس بن حفص قال: حدثني علي بن الحسين بن الحسن العبدي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري. أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم دعا الناس الى غدير خم أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقم وذلك يوم الخميس، ثم دعا الى علي، فأخذ بضبعيه ثم رفعها حتى نظر الناس الى بياض ابطه (صلى الله عليه وسلم)، ثم لم يفترقا حتى نزلت هذه الاية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الله أكبر


1) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي: 18

[279]

على اكمال الدين واتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب) (1). { 5 } رواية النطنزي ورواه أبو الفتح محمد بن علي بن ابراهيم النطنزي باسناده (عن أبي هريرة قال: من صام ثمانية عشر من ذي الحجة، وهو يوم غدير خم، لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد علي فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا: نعم يارسول الله. قال من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر بن الخطاب بخ بخ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم. فأنزل الله: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. كتب له صيام ستين شهرا) (2). { 6 } رواية الصالحاني ورواه أبو حامد محمود بن محمد الصالحاني أيضا كما ذكر السيد شهاب الدين أحمد حيث قال: (قوله تعالى: اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. وبالاسناد المذكور عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال: نزلت هذه الاية بغدير خم فقال رسول الله صلى الله


1) مناقب علي بن أبي طالب للخوارزمي: 80 2) الخصائص العلوية - مخطوط.

[280]

عليه وعلى آله وبارك وسلم: الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي. رواه الامام الصالحاني) (1). { 7 } رواية الحمويني ورواه ابراهيم بن المؤيد الحمويني باسناده حيث قال: (عن سيد الحفاظ أبي منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي قال: أخبرني الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقري الحافظ قال: نبأنا أحمد بن عبد الله بن أحمد قال: نبأنا محمد بن أحمد بن علي قال: نبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: نبأنا يحيى الحماني قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا الناس الى علي في غدير خم وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقم - وذلك يوم الخميس - فدعا عليا فأخذ بضبعيه فرفعهما، حتى نظر الناس الى بياض ابطي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم لم يفترقوا حتى نزلت هذه الاية: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا). فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الله أكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي.. الخ) (2).


1) توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - مخطوط. 2) فرائد السمطين 1 / 74.

[281]

مع ابن كثير في تكذيبه لهذا الحديث وإذا وقفت على رواية نزول قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) في واقعة يوم غدير خم، وعرفت رواة هذه الرواية من أعلام السنة بأسانيدهم، فاعلم أن الحافظ عماد الدين ابن كثير الدمشقي قال بعد أن ذكر الحديث عن أبي هريرة: (فانه حديث منكر جدا بل كذب). ونحن ننقل هنا نص عبارته، ثم نجيب عما ادعاه في هذا المقام بالتفصيل: أما عبارته فهذا نصها: (فأما الحديث الذي رواه ضمرة ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد علي قال: من كنت مولاه، فعلي مولاه، فأنزل الله عزو جل: اليوم أكملت لكم دينكم. قال أبو هريرة: وهو يوم غدير خم من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا. فانه حديث منكر جدا بل كذب، لمخالفته ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ان هذه الاية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة ورسول الله (صلى الله عليه وسلم)

[282]

واقف بها كما قدمناه. وكذا قوله: ان صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم غدير خم يعدل صيام ستين شهرا. لا يصح لانه قد ثبت ما معناه في الصحيح ان صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام واحد يعدل ستين شهرا. هذا باطل. وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي بعد ايراد هذا الحديث: هذا حديث منكر جدا رواه خيشون الخلال وأحمد بن عبد الله بن أحمد الديري وهما صدوقان عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة، قال: ويروي هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب، ومالك بن الحويرث، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وغيرهم بأسانيد واهية. قال: وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قاله. وأما: اللهم وال من والاه. فزيادة قوية الاسناد، وأما هذا الصوم فليس بصحيح ولا والله نزلت الاية يوم عرفة قبل غدير خم بأيام. والله أعلم) (1). ابطال كلام ابن كثير وهذا الكلام في غاية البطلان، لانه قد اعترف بأن هذا الحديث يرويه ضمرة عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة، وهؤلاء كلهم من رجال الصحاح: فأما (ضمرة) فهو من رجال: الترمذي وأبي داود وابن ماجة والنسائي في صحاحهم. وأما (عبد الله بن شوذب) فهو من رجال الصحاح الاربعة المذكورة. وأما (مطر الوراق) فهو من رجال مسلم والصحاح الاربعة المذكورة،


1) تاريخ ابن كثير 5 / 213 - 214.

[283]

وابن حبان أيضا. وأما (شهر بن حوشب) فهو أيضا من رجال مسلم بن الحجاج والاربعة المذكورة. وستعلم فيما بعد - انشاء الله تعالى - أن رواية واحد من أصحاب الصحاح عن رجل دليل على كونه ثقة عادلا معتمدا صحيح الضبط عندهم، فكيف يكذب حديث رواه أئمة أهل السنة بأسانيدهم عن رجال أخرج عنهم في الصحاح واعتمد عليهم ؟ ! وقد رأينا أن علماء أهل السنة ومصنفيهم يثنون غاية الثناء على الصحاح ويشنعون على الشيعة الامامية طعنهم في بعض أخبارها ورواتها، فقد قال الميرزا مخدوم الشريفي: (ومن هفواتهم: انكارهم كتب الاحاديث الصحاح التي تلقت الامة بقبولها، منها صحيحا البخاري ومسلم الذين مر ذكرهما. قال أكثر علماء الغرب أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى صحيح مسلم بن الحجاج القشيري. وقال الاكثرون من غيرهم صحيح محمد بن اسماعيل البخاري هو الاصح، وهو الاصح. وما اتفقا عليه هو ما اتفق عليه الامة، وهو الذي يقول فيه المحدثون كثيرا صحيح متفق عليه، ويعنون به اتفاقهما لاتفاق الامة وان لزمه ذلك، واستدل في الازهار لثبوت الملازمة باتفاق الامة على تلقي ما اتفقا عليه والمتفق عليه بينهما هو الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، ويروي عنه راويان ثقتان من أتباع التابعين مشهوران بالحفظ، ثم يروي عن كل واحد منهم رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يروي عن كل واحد منهم شيخ البخاري ومسلم، والاحاديث المروية بهذه الشرائط قريبة الى عشرة آلاف.

[284]

وقد عمل بكتابيهما هذين الائمة المجتهدون الكاملون بغير تفتيش وتفحص وتعديل وتجريح، من غاية وثوقهم عليهما، وبرئ جمع كثير من المرضى ونجى بيمنهما جم غفير من الغرقى، وقد بلغ القدر المشترك مما ذكر في ميامنهما وبركاتهما حد التواتر وصارا في الاسلام رفيقي المصحف الكريم والقرآن العظيم. فهؤلاء من كثرة جهلهم وقلة حيائهم ينكرون الصحيحين المزبورين وسائر صحاحنا.. الخ) (1). وقال الفضل ابن روز بهان: (وصحاحنا ليس ككتب الشيعة التي اشتهر عند الشيعة أنها من موضوعات يهودي كان يريد تخريب بناء الاسلام، فعملها وجعلها وديعة عند الامام جعفر الصادق، فلما توفي حسب الناس أنه من كلامه والله أعلم بحقيقة هذا الكلام، ومع هذ لا ثقة لاهل السنة بالمشهورات، بل لابد من الاسناد الصحيح حتى يصح الرواية. وأما صحاحنا فقد اتفق العلماء أن كل ماعد من الصحاح سوى التعليقات في الصحاح الستة لو حلف رجل الطلاق انه من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو من فعله وتقريره لم يقع الطلاق ولم يحنث) (2). فنقول لابن روز بهان: وإذا كان كذلك فلماذا جعلت في كتابك حديث نزول آية: اليوم اكملت. في يوم الغدير الذي رواه رجال الصحاح من مفتريات الشيعة ؟ ! ثم نقول: ان جميع هذه التشنيعات والمطاعن التي وجهها الى الشيعة


1) نواقض الروافض - مخطوط. 2) ابطال الباطل لابن روز بهان الشيرازي.

[285]

بسبب قدحهم في صحاح أهل السنة وانكارهم لطائفة من أخبارها تنطبق على الحافظ ابن كثير الذي كذب حديث نزول آية: اليوم اكملت لكم دينكم.. في يوم الغدير ورجاله من رجال الصحاح التي قد عرفت اجماعهم على توثيق رجالها. 1 - رواة حديث أبي هريرة من رجال الصحاح وثقات قد عرفت ان رجال خبر أبي هريرة المذكور من رجال الصحاح الستة لاهل السنة فلا كلام في ثقتهم، ونحن نذكر كلمات علماء الرجال الفطاحل في توثيق كل واحد من هؤلاء: أما ضمرة بن ربيعة: فقد وثقه وأثنى عليه أحمد بن حنبل وجماعة، فقد قال الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي: (ضمرة بن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله الرملي.. روى عنه: الحكم بن موسى، وهارون بن معروف، ونعيم بن حماد، وبكير بن محمد اسما بن أخي جويرية، ومهدي بن جعفر وابو عمير عيسى بن محمد الرمليان، وأبو علي الحسن بن واقع، وعلي بن سعيد كان ينزل مدينة الداخل، ودحيم، وسليمان، وعبد الرحمن، وهشام بن عمار، وأحمد بن عبد الله بن بشير بن ذكوان، وأيوب بن محمد الوزان، وسليمان ابن أيوب البرني، وعبد الله بن عبد الرحمان بن هاني، وعيسى بن يونس، وادريس بن سليمان بن أبي الرباب، وعلي بن سعيد بن بشير النسائي، ومحمد بن الوزير الدمشقي، وعمرو بن عثمان الحمصي، ومحمد بن عمرو بن حبان، وعبيد الله بن محمد الفريابي، وهشام بن خالد الازرق، والحسن بن عبد العزيز الجروي، وأبو عتبة أحمد بن الفرح، واسماعيل بن عباد الارسوفي، وسعيد ابن راشد بن موسى، وعمرو بن عبد الله بن صفوان والد أبي زرعة، وعبد الرحمن

[286]

ابن واقد الواقدي، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: من الثقات المأمونين، رجل صالح الحديث، لم يذكر بالشام رجل يشبهه، وهو أحب الينا من بقية، بقية كان لا يبالي عمن حدث. وقال أبو حاتم: صالح. وقال آدم بن أبي أياس: ما رأيت أعقل لما يخرج من رأسه من ضمرة. وقال أبو سعيد ابن يونس: كان فقيه أهل فلسطين في زمانه، قدم مصر وحدث بها وروى عنه من أهلها: عمر بن صالح، وسعيد ابن عفير، ويحيى بن أبي بكير، وتوفي بفلسطين في رمضان سنة 202. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا لم يكن هناك أفضل منه، لا الوليد ولا غيره، توفي سنة 202. روى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) (1). وذكره الذهبي في (الكاشف) وأورد توثيق أحمد ومدح ابن يونس اياه (2). وأيضا ذكره في (دول الاسلام) وقال: (وكان من العلماء المكثرين) (3). وأما عبد الله بن شوذب: ففي (الكمال): (عبد الله بن شوذب البلخي البصري، سكن الشام ببيت المقدس، عداده في التابعين.. روى عنه: أبو اسحاق الفزاري، وضمرة بن ربيعة، وعيسى بن يوسف، وعبد الله بن المبارك وسلمة بن العيار الفزاري، والوليد بن مزيد، وأيوب بن سويد، وابراهيم بن أدهم، وابن مسلم الحفاف الحلبي، ومحمد بن الكثير المصيصي. قال سفيان الثوري: كان ابن شوذب عندنا وكنا نعده من ثقات مشايخنا. وقال الوليد بن كثير: إذا رأيت ابن شوذب ذكرت الملائكة، وسئل عنه يحيى بن


1) الكمال في أسماء الرجال - مخطوط. 2) الكاشف 2 / 38. 3) دول الاسلام - حوادث 202.

[287]

معين فقال: ثقة. وقال أحمد بن حنبل: لا أعلم به بأسا - وفي لفط - لا أعلم الا خيرا وهو من أهل بلخ، نزل البصرة سمع بها الحديث وتفقه، ثم انتقل الى الشام فأقام بها، وكان من الثقات. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ضمرة: مات سنة 156. روى له: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة) (1). وقال الذهبي: (وثقه جماعة، كان إذا رأي ذكرت الملائكة) (2). وقال ابن حجر: (صدوق عابد) (3). وفي (تهذيب التهذيب): (قال أبو طالب عن أحمد: ابن شوذب من أهل بلخ نزل البصرة وسمع بها الحديث وتفقه وكتب، ثم انتقل الى الشام فأقام بها وكان من الثقات. وقال سفيان: كان ابن شوذب من ثقات مشايخنا. وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: لا أعلم به بأسا. وقال مرة: لا أعلم الا خيرا. وقال ابن معين وابن عمار والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال وليد بن كثير: كنت إذا نظرت الى ابن شوذب ذكرت الملائكة.. قلت: ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وغيره ووثقه العجلي أيضا. وأما أبو محمد ابن حزم فقال: انه مجهول) (4). وأما مطر الوراق فذكره الحافظ أبو نعيم بقوله: (ومنهم العالم المشفاق والعامل المنفاق أبو رجاء مطر الوراق. حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: ثنا اسحاق بن أحمد قال: ثنا عبد الرحمن بن عمر بن رسته قال: ثنا أبو داود


1) الكمال في أسماء الرجال - مخطوط. 2) الكاشف. 3) تقريب التهذيب 1 / 423. 4) تهذيب التهذيب 5 / 255 - 261.

[288]

قال: ثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: يرحم الله مطرا كان عبد العلم. حدثنا أبو حامد بن جبلة قال: ثنا محمد بن اسحاق قال: ثنا العباس بن أبي طالب قال: ثنا الخليل بن عمر بن ابراهيم قال: سمعت عمي أبا عيسى يقول: ما رأيت مثل مطر في فقهه وزهده). حدثنا أبو حامد بن جبلة قال: ثنا محمد بن اسحاق قال: ثنا علي بن مسلم قال: ثنا سيار قال: ثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: يرحم الله مطرا اني لارجو له الجنة) (1). وأما شهر بن حوشب: فقال الحافظ عبد الغني المقدسي بترجمته: (شهر ابن حوشب أبو سعيد - ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو الجعد - الاشعري الشامي الحمصي وقيل الدمشقي.. روى عنه: قتادة، ومعاوية بن قرة، و عبد الله بن عثمان بن خيثم، وشمر بن عطية، وعبد الله بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، وعوف الاعرابي، ويزيد بن أبي مريم السلولي، وأبان بن صالح، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن أبي زياد المكي، وثعلبة بن مسلم الخثعمي، وميمون بن سياه البصري، وعبد الحميد بن بهرام، وأشعث الحداني، وثابت البناني، وسماك بن حرب، وسعيد بن عطية، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وعبد العزيز بن عبيد الله، والحكم بن لبان، وبديل بن ميسرة، وعبد العزيز بن صهيب، وحفص بن أبي حفص أبو معمر التميمي، وأبو جعفر حماد بن جعفر البصري، وليث بن أبي سليم، ومستقيم بن عبد الملك، ويزيد أبو عبد الله الشيباني، وابراهيم بن عبد الرحمن الشيباني، ويزيد العمي، والحكم بن عتبة، وعقبة بن عبد الله الرفاعي


1) حلية الاولياء 3 / 75 - 76.

[289]

وعلي بن زيد بن جدعان، وحبيب بن أبي ثابت، وأبو كعب صاحب الحرير. وقال عمرو بن علي: ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شهر بن حوشب وكان يحيى لا يحدث عنه. وسمعت معاذ بن معاذ يقول: ما نصنع بحديث شهر ؟ ان شعبة ترك حديثه. وقال أحمد بن اسماعيل الكرماني عن أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه ووثقه وهو شامي من أهل حمص وأظنه كنديا، روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانا. وقال أحمد بن عبد الله: هو تابعي ثقة. وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى: هو ثقة. وقال أبو حاتم: هو أحب الي من أبي هارون وبشر بن حرب وليس بدون أبي الزبير لا يحتج به. وقال أبو زرعة: لا بأس به ولم يلق عمرو بن عبسة، وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: عبد الحميد بن بهرام أحاديثه مقاربة هي حديث شهر، كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن وانما هي سبعون حديثا وهي طوال ومنها حروف ينبغي أن تضبط ولكن يقطعونها. وقال الترمذي قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب. وقال محمد: شهر حسن الحديث وقوى أمره وقال: انما يتكلم فيه ابن عون، ثم روى عن هلال بن أبي زينب عن شهر بن حوشب، وقال محمد ابن عبد الله بن عمار - وسئل عن شهر بن حوشب فقال - روى عنه الناس وما أعلم أحدا قال فيه غير شعبة. قلت: يكون حديثه حجة ؟ قال: لا. وقال يعقوب بن شيبة: هو ثقة. وقال صالح بن محمد البغدادي: شهر ابن حوشب شامي قدم العراق على حجاج بن يوسف روى عنه الناس من أهل الكوفة وأهل البصرة وأهل الشام ولم يوقف منه على كذب، وكان رجلا ينسك الا انه روى أحاديث يتفرد بها لم يشركه فيها أحد مثل حديث ثابت البناني عن شهر بن حوشب.

[290]

أخرج له مسلم مقرونا بغيره، وأخرج له الجماعة الا البخاري) (1). وقال ابن حجر: (قال يعقوب بن شيبة قيل لابن المديني: تروي [ترضى] حديث شهر ؟ فقال: أنا أحدث عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل الا أن يجتمعا عليه يحيى وعبد الرحمن - يعني على تركه - وقال حرب بن اسماعيل عن أحمد: ما أحسن حديثه ووثقه وأظنه قال: هو كندي وروى عن أسماء أحاديث حسانا. وقال أبو طالب عن أحمد: عبد الحميد بن بهرام أحاديثه مقاربة هي أحاديث شهر كان يحفظها كأنه يقرأ سورة من القرآن وقال حنبل عن أحمد: ليس به بأس، وقال عثمان الدارمي: بلغني ان أحمد كان يثني على شهر، وقال الترمذي قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر، وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث وقوى أمره وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة على أن بعضهم قد طعن فيه. وقال يعقوب بن سفيان: وشهر وان قال ابن عون تركوه فهو ثقة.. وقال أبو جعفر الطبري: كان فقيها قارئا عالما، وقال أبو بكر البزار: لا نعلم أحدا ترك الرواية عنه غير شعبة..) (2). وقال الذهبي: (.. قال أبو عيسى الترمذي قال محمد - هو البخاري - شهر حسن الحديث وقوى أمره. وقال أحمد بن عبد الله العجلي ثقة شامي، وروى عياش عن يحيى: ثبت. وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة طعن فيه بعضهم قال ابن عدي: شهر ممن لا يحتج به ولا يتدين بحديثه.


1) الكمال في أسماء الرجال - مخطوط. 2) تهذيب التهذيب 4 / 369 - 372. (*)

[291]

قلت: ذهب الى الاحتجاج به جماعة، وقال حرب الكرماني عن أحمد ما أحسن حديثه ووثقه وهو حمصي، وروى حنبل عن أحمد: ليس به بأس، وقال الفوي: شهر وان تكلم فيه ابن عون فهو ثقة) (1). واذ قد عرفت توثيق هذه الكثرة من الائمة لشهر بن حوشب فانه يسقط عن الاعتبار أمام ذلك جرح بعضهم اياه. على أنه قد تقرر عندهم أن التعديل يترجح على الجرح ويجعله كأن لم يكن عند التعارض، وممن نص على ذلك أبو المؤيد الخوارزمي، وحكاه عن ابن الجوزي الذي قد نص على هذه القاعدة الكلية في كلام حول شهر بن حوشب الذي وقع في طريق حديث، واليك عبارة أبي المؤيد الخوارزمي بعينها: (والدليل على ما ذكرنا ان التعديل متى ترجح على الجرح يجعل الجرح كأن لم يكن، وقد ذكر ذلك امام أئمة التحقيق ابن الجوزي في (كتاب التحقيق في أحاديث التعليق) في مواضع منه، فقال في حديث المضمضة والاستنشاق الذي يرويه جابر الجعفي عن عطاء عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا يتم الوضوء الا بهما. فان قال الخصم - أعني الشافعي رحمه الله فانه يراهما سنة فيهما - جابر الجعفي قد كذبه أيوب السجستاني وزائدة. قلنا: قد وثقه سفيان الثوري وشعبة وكفى بهما. وقال في حديث الاذنان من الرأس فيما يرويه سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: الاذنان من الرأس فان قال الخصم - أعني الشافعي فانه يأخذ لهما ماءا جديدا - ان سنان بن ربيعة مضطرب الحديث وشهر بن حوشب لا يحتج بحديثه. قال ابن عدي: ليس


1) ميزان الاعتدال 2 / 284.

[292]

بالقوي ولا يحتج بحديثه. قلنا في الجواب: أما شهر بن حوشب فقد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين، وأما سنان فاضطراب حديثه لا يمنع ثقته. الى أن قال: وهكذا فعله غيره من علماء الحديث متى ترجح التعديل جعل الجرح كأن لم يكن فالذي يروي عن بعض المحدثين توثيقه لا يعتبر فيه طعن الطاعنين..) (1). ومن هنا أيضا يثبت وثاقة شهر عند ابن الجوزي أيضا. بطلان ما ذكره ابن كثير حول صيام يوم الغدير وأما قول ابن كثير - بالنسبة الى ثواب صوم يوم غدير خم الوارد في رواية أبي هريرة -: (وكذا قوله ان صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم غدير خم يعدل ستين شهر لا يصح، لانه قد ثبت ما معناه في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا ؟ هذا باطل) فلا يخفى بطلانه على من له أدنى خبرة بالاخبار، إذ قد ورد له نظائر كثيرة، نذكر هنا بعضها: 1 - فضل صوم السابع والعشرين من رجب قال نور الدين الحلبي في ذكر مبعث النبي (صلى الله عليه وآله): (وقيل: كان ذلك ليلة أو يوم السابع والعشرين من رجب. فقد أورد الحافظ الدمياطي في سيرته عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهرا وهو اليوم الذي نزل فيه


1) جامع مسانيد أبي حنيفة 1 / 39.

[293]

جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالرسالة، وأول يوم هبط فيه جبرئيل. هذا كلامه) (1). والعجب من الحلبي كيف يذكر الاعتراض على حديث أبي هريرة في صوم يوم الغدير بمثل ما ذكر ابن كثير، وهو يروي مثله عن أبي هريرة في صوم يوم المبعث ؟ نعم قد أمر في آخر كلامه بالتأمل، وهذا نص كلامه: (وما جاء من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا، قال بعضهم قال الحافظ الذهبي: هذا حديث منكر جدا أي بل كذب، فقد ثبت في الصحيح ما معناه ان صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا. هذا باطل. هذا كلامه فليتأمل) (2). ترجمة الحافظ الدمياطي والحافظ الدمياطي راوي حديث أبي هريرة في فضل صوم يوم المبعث ترجم له الحافظ الذهبي بقوله: (الدمياطي شيخنا الامام العلامة، الحافظ الحجة الفقيه النسابة، شيخ المحدثين، شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن ابن خلف بن أبي الحسن اليوني الدمياطي الشافعي صاحب التصانيف. مولده في آخر سنة 613، تفقه بدمياط وبرع، ثم طلب الحديث.. وكتب العالي والنازل وجمع فأوعى، وسكن دمشق فأكثر بها من ابن مسلمة وغيره، ومعجم شيوخه يبلغون ألفا وثلاثمائة انسان. وكان حاذقا حافظا متقنا، جيد العربية عزيز اللغة، واسع الفقه، رأسا في علم النسب، دينا كيسا متواضعا


1) انسان العيون في سيرة الامين والمأمون 1 / 384. 2) نفس المصدر 3 / 337.

[294]

نسابا، محببا الى الطلبة، مليح الصورة نقي النية كبير القدر.. وسمعت أبا الحجاج الحافظ - وما رأيت أحدا أحفظ منه لهذا الشأن - يقول: ما رأيت أحفظ من الدمياطي.. فتوفي في ذي القعدة سنة 705. وكانت جنازته مشهودة. ومن علومه القرآت السبع، تلا بها على الكمال العباسي الضرير) (1). وهذا الحديث الذي رواه الدمياطي في فضيلة صيام السابع والعشرين من رجب قد رواه جماعة من أكابر أهل السنة، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: (فصل في فضيلة صيام السابع والعشرين من رجب. أخبرنا الشيخ أبو البركات هبة الله السقطي قال: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن علي بن بشر قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ [قال] أخبرنا أبو نصر حبشون بن موسى الخلال قال: أخبرنا علي ابن سعيد الرملي قال: أخبرنا ضمرة بن ربيعة القرشي عن ابن مرزوق عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له صيام ستين شهرا، وهو أول يوم نزل فيه جبرئيل عليه السلام على النبي (صلى الله عليه وسلم) بالرسالة) (2). وفي (نزهة المجالس): (عن النبي (صلى الله عليه وسلم): من صام يوم السابع والعشرين من رجب كتب الله له ثواب ستين شهرا) (3). بل لقد رووا أن من صام هذا اليوم كان كمن صام مائة سنة، فقد قال الشيخ عبد القادر الجيلاني، (أخبرنا هبة الله باسناده عن أبي مسلم [سلمة] عن أبي


1) تذكرة الحفاظ 4 / 1477. 2) غنية الطالبين 501 - 502. 3) نزهة المجالس 1 / 154.

[295]

هريرة وسلمان الفارسي رضي الله عنهما قالا قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ان في رجب يوما وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان له من الاجر كمن صام مائة سنة وقامها، وهي لثلاث بقين من رجب، وهو اليوم الذي بعث فيه نبينا (صلى الله عليه وسلم)) (1). وفي (نزهة المجالس) أيضا: (وعن أبي هريرة وسلمان الفارسي رضي الله عنهما قالا قال النبي (صلى الله عليه وسلم): ان في رجب يوما وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان له من الاجر كمن صام مائة عام وقامها، وهي لثلاث بقين من رجب. حكاه الشيخ عبد القادر الكيلاني في الغنية) (2). وقال علي بن يحيى البخاري الزندوبستي: (قال سلمان الفارسي قال النبي (صلى الله عليه وسلم) في رجب ليلة ويوم من قام تلك الليلة وصام ذلك اليوم كان كمن صام مائة سنة وهو لثلاث بقين من رجب فيه بعث الله تعالى محمدا) (3). 2 - فضل صوم أيام شهر رجب وفي (غنية الطالبين) حول فضل صيام واحد ويومين وثلاثة أيام من شهر رجب ما نصه: (فمن ذلك ما أخبرنا به الشيخ الامام هبة الله بن المبارك السقطي رحمه الله عن الحسن بن أحمد بن عبد الله المقري باسناده عن هارون بن عنترة عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ان شهر رجب شهر عظيم، من صام منه يوما كتب الله تعالى له صوم


1) غنية الطالبين 502 - 503. 2) نزهة المجالس 1 / 154. 3) روضة العلماء للزندوبستي - مخطوط.

[296]

ألف سنة، ومن صام منه يومين كتب الله صوم ألفي سنة، ومن صام منه ثلاثة أيام كتب الله تعالى له صوم ثلاثة آلاف سنة) (1). وفي رواية طويلة له ذكر لصوم كل يوم من أيام رجب ثوابا وفضيلة الى أن قال: (ومن صام عشرة أيام فبخ بخ بخ، له مثل ذلك وعشرة أضعاف، وهو ممن يبدل الله سيئاته حسنات، ويكون من المقربين القوامين لله بالقسط، وكان كمن عبد الله ألف عام قائما صائما صابرا محتسبا، ومن صام عشرين يوما كان له مثل ذلك وعشرين ضعفا، وهو ممن يزاحم ابراهيم خليل الله في قبته ويشفع في مثل ربيعة ومضر من أهل الخطايا والذنوب، ومن صام ثلاثين كان له مثل ذلك وثلاثين ضعفا..) (2). وفي (روضة العلماء): (حدثنا الامام أبو بكر الاسماعيلي باسناد له عن سعيد بن جبير عن أبيه ان رسول الله " ص " قال: ان رجبا شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات، فمن صام منه ثلاثة كان كصيام سنة..) (3). وفي (نزهة المجالس): (قال علي رضي الله عنه: صوم ثالث عشر رجب كصيام ثلاثة الاف سنة، وصوم رابع عشر رجب كصيام عشرة الاف سنة، وصوم عشرين كصيام مائة ألف عام. وسيأتي نطيره في الايام البيض. وعن النبي " ص ": فضل رجب على سائر الشهور كفضل القرآن على سائر الكلام. وعنه " ص " من صام يوما من رجب فكأنه صام أربعين سنة) (4).


1) غنية الطالبين 483. 2) المصدر 486. 3) روضة العلماء - مخطوط. 4) نزهة المجالس 1 / 152. (*)

[297]

وفيه (وعن ابن مسعود عنه (صلى الله عليه وسلم): من صام ثلاثة أيام من رجب وقام ليلها فله من الاجر كمن صام ثلاثة الاف سنة وقام ليلها، يغفر الله له بكل يوم سبعين كبيرة، ويقتضي له سبعين حاجة عند النزع، وسبعين حاجة في قبره، وسبعين حاجة عند تطاير الصحف، وسبعين حاجة عند الميزان، وسبعين حاجة عند الصراط) (1). وفيه: (عن سلمان الفارسي عن النبي " ص ": من صام يوما من رجب فكأنما صام ألف سنة وكأنما أعتق ألف رقبة) (2). 3 - فضل صوم يوم عرفة وفي (روضة العلماء) في فضل صوم يوم عرفة: (وحدثنا أيضا محمد بن نعيم باسناد له عن أبي قتادة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: من صام يوم عرفة فهو مثل صيام سنتين) (3). وفيه (حدثنا الحاكم أبو نصر الحربي باسناد له عن أبي سلمة رضي الله عنه عن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله " ص " قال: من صام يوم عرفة كتب الله تعالى له بعدد من صام ذلك اليوم وبعدد من لم يصمه من المسلمين عمر الدنيا كلها عشر مرات ثوابا، ويشيعه من قبره يوم القيامة سبعون ألف ملك الى الموقف وعند نصب الميزان، ومن الموقف الى الصراط، ومن الصراط الى الجنة، يهونون عليه أهوال يوم القيامة والنزع، ويبشرونه في كل خطوة - يخطوها


1) نزهة المجالس 1 / 152. 2) المصدر 1 / 153. 3) روضة العلماء ونزهة الفضلاء لعلي بن يحيى الزونديستي المتوفي سنة 382 - مخطوط. (*)

[298]

مركبه بشارة جديدة، وقيل له: تمن على الله ما شئت. صلى الله على محمد وآله أجمعين) (1). وقال أبو الليث نصر بن محمد السمرقندي: (حدثنا أبي رحمه الله باسناده عن عطاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: ان شابا كان صاحب سماع. أي كان مشهورا بين الناس بالخير والشجاعة، وكان إذا أهل هلال ذي الحجة أصبح قائما، فارتفع الحديث الى النبي " ص " قال: فأرسل إليه ودعاه فقال: ما يحملك على صيام هذه الايام ؟ قال: بأبي أنت وأمي يارسول الله أصوم أيام المشاعر وأيام الحج عسى الله أن يشركني في دعائهم. قال: فان لك بكل يوم تصومه عدل مائة رقبة ومائة بدنة ومائة فرس يحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم التروية فلك فيها عدل ألف رقبة وألف بدنة وألف فرس يحمل عليها في سبيل الله، فإذا كان يوم عرفة فلك فيه عدل ألفي رقبة والفي بدنة وألفي فرس يحمل في سبيل الله، وهو يعدل صيام السنتين سنة قبلها وسنة بعدها. وفي رواية أخرى أنه قال: صيام عرفة يعدل سنتين ويعدل صوم عاشورا بصوم سنة) (2). 4 - فضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وفي (غنية الطالبين): (عن عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده قال سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: أتيت رسول الله " ص " ذات يوم عند انتصاف النهار وهو في الحجرة، فسلمت عليه فرد السلام. ثم قال: يا علي هذا جبرئيل يقرئك السلام فقلت: عليك و (عليه السلام) يارسول الله. ثم


1) روضة العلماء للزندويستي - مخطوط. 2) تنبيه الغافلين - مخطوط.

[299]

قال " ص " أدن مني. فدنوت منه. فقال: يا علي يقول لك جبرئيل: صم من كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم ثواب عشرة آلاف سنة وباليوم الثاني ثواب ثلاثين ألف سنة وباليوم الثالث مائة ألف سنة فقلت: يارسول الله هذا الثواب لي خاصة أم للناس عامة ؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): يا علي يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل بعملك بعدك..) (1). 5 - فضل صوم عاشوراء وكل يوم من محرم وحول فضل صوم يوم عاشوراء وكل يوم من أيام شهر محرم الحرام قال الشيخ عبد القادر الكيلاني: (مجلس في ذكر فضائل يوم عاشورا قال الله عزوجل: ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والارض منها أربعة حرم. وقد تقدم ذكر ذلك وأن منها المحرم، فهذا الشهر من الاشهر المحرمة عند الله عزوجل وفيه يوم عاشورا الذي عظم الله أجر من أطاعه فيه. من ذلك ما أخبرنا به أبو نصر عن والده باسناده عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوما. ومن ذلك ما روى عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا قال قال رسول الله " ص ": من صام عاشورا من المحرم أعطي ثواب عشرة آلاف ملك. من صام يوم عاشورا من المحرم أعطي ثواب عشرة آلاف حاج ومعتمر وثواب عشرة آلاف شهيد) (2).


1) غنية الطالبين 738. 2) المصدر 673.

[300]

وقال: (وفي لفط آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ومن صام يوم عاشورا كتب له عبادة ستين سنة بصيامها وقيامها..) (1). وقال الصفوري: (وفي رواية الطبراني: من صام يوما من المحرم كان له بكل يوم ثلاثون يوما) (2). وقال أيضا: (مكتوب في التوراة: من صام يوم عاشورا فكأنما صام الدهر كله) (3). دحض المعارضة بحديث الصحيحين وأما قول ابن كثير: (فانه حديث منكر جدا بل كذب لمخالفته ما ثبت في الصحيحين عن امير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الاية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة ورسول الله " ص " واقف بها كما قدمناه). فالجواب عنه - بعد تسليم صحة حديث الصحيحين سندا وبعد غض النظر عن عدم صلاحيته للمعارضة مع حديث أبي هريرة المذكور لكونه متفقا عليه دونه - انه يحتمل أن تكون هذه الاية نازلة مرتين، والجمع بين الحديثين بهكذا احتمال كثير شائع بين العلماء كما لا يخفى على من يتتبع كتب الحديث والتفسير وشروح الحديث، وسيجئ ان شاء الله تعالى بيان ذلك في الوجه السادس. ولقد صرح سبط ابن الجوزي بهذا الاحتمال في خصوص هذه الاية الكريمة


1) غنية الطالبين 675. 2) نزهة المجالس 1 / 173. 3) المصدر 1 / 174.

[301]

وبذلك أجاب عن دعوى ضعف حديث نزولها في يوم غدير خم، فقد قال ما نصه: (فان قيل: فهذه الرواية التي فيها قول عمر رضي الله عنه: أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومومنة ضعيفة. فالجواب ان هذه الرواية صحيحة، وانما الضعيف حديث رواه أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب عن عبد الله بن علي بن محمد بن بشر عن علي بن عمر الدارقطني، عن أبي نصر حبشون بن موسى بن أيوب الخلال رفعه الى أبي هريرة وقال في آخره: لما قال النبي (صلى الله عليه وسلم): من كنت مولاه فعلي مولاه نزل قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي. الاية. قالوا: وقد انفرد بهذا الحديث حبشون، ونحن نقول: نحن ما استدللنا بحديث حبشون بل بالحديث الذي رواه أحمد في الفضائل عن البراء بن عازب واسناده صحيح، ورواية حبشون مضطربة، لانه قد ثبت في الصحيحين أن قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم. الاية، نزلت عشية عرفة في حجة الوداع على أن الازهري قد روى عن حبشون ولم يضعفه، فان رواية حبشون احتملت ان الاية نزلت مرتين..) (1). صوم يوم غدير كصيام ستين شهرا هذا ولقد روى جماعة اخرون حديث فضل صوم يوم غدير خم عن أبي هريرة، فقد روى السيد علي الهمداني: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: من صام يوم الثامن عشر من ذي الحجة كان له كصيام ستين شهرا، وهو اليوم الذي أخذ فيه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد علي في غدير خم. فقال عليه الصلاة والسلام: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من


1) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 29 - 30.

[302]

عاداه واخذل من خذله. وعن الامام الباقر عن أبائه (عليهم السلام) مثل ذلك، بل يروى عن كثير من الصحابة في اماكن مختلفة هذا الخبر انتهى) (1). وقال الخطيب الخوارزمي: (وبهذا الاسناد عن أحمد بن الحسين هذا. قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو يعلي الزبير بن عبد الله الثوري قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن عبد الله البزاز قال: حدثنا علي بن سعيد الرملي قال: حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: من صام اليوم الثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين سنة، وهو يوم غدير خم لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره. فقال له عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ومسلمة) (2). وقال الحموئي: (أخبرنا الشيخ الامام عماد الدين عبد الحافظ بن بدران بقراءتي عليه بمدينة نابلس في مسجده قلت له: أخبرك القاضي ابو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الانصاري الحرستاني اجازة فأقربه، قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الفضل العرادي اجازة قال: أنبأنا شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ قال: أنبأنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو يعلي الزبير بن عبد الله الثوري حدثنا أبو جعفر أحمد بن عبد الله البزاز حدثنا علي بن سعيد الرملي حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن مطر الوراق


1) المودة في القربى للسيد علي الهمداني، أنظر ينابيع المودة: 249. 2) مناقب علي بن ابي طالب 79.

[303]

عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: من صام يوم الثماني عشر من شهر ذي الحجة كتب له صيام ستين سنة، وهو يوم غدير خم لما أخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) يد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره. فقال له عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم) (1).


1) فرائد السمطين 1 / 77.

[305]

(3) شعر حسان بن ثابت في يوم غدير خم

[307]

ومن الادلة على دلالة حديث الغدير على الامامة والخلافة شعر حسان بن ثابت، الذي أنشده بعد فراغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الخطبة باذن منه، وبمشهد ومسمع منه (صلى الله عليه واله).. وممن روى خبر ذلك من مشاهير أئمة أهل السنة: 1 - أبو بكر احمد بن موسى بن مردويه. 2 - أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصفهاني. 3 - الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي. 4 - أبو الفتح محمد بن علي النطنزي. 5 - شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي. 6 - أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي. 7 - ابراهيم بن محمد بن المؤيد الحمويني. 8 - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.

[308]

{ 1 } رواية ابن مردويه لقد روى ابن مردويه - على ما نقل عنه في كشف الغمة -: (عن ابن عباس قال: لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يقوم بعلي فيقول له ما قال. فقال (صلى الله عليه وسلم): يا رب ان قومي حديثو عهد بجاهلية، ثم مضى بحجة، فلما أقبل راجعا نزل بغدير خم أنزل الله عليه: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك. الاية فأخذ بعضد علي، ثم خرج الى الناس فقال: يا أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه واخذل من خذله وانصر من نصره، واحب من أحبه وابغض من أبغضه. قال ابن عباس: فوجبت والله في رقاب القوم. وقال حسان بن ثابت: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم وأسمع بالرسول مناديا يقول فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت ولينا * ولم تر منا في الولاية عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا) (1). { 2 } رواية أبي نعيم وروى ذلك أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصفهاني -: (عن قيس بن الربيع


1) كشف الغمة في معرفة الائمة 1 / 318 عن مناقب علي بن أبي طالب لابن مردويه.

[309]

عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا الناس الى علي في غدير خم، وأمر بما تحت الشجرة من شوك فقم، وذلك في يوم الخميس، فدعا عليا فأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس بياض ابطي رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم لم يفترقوا حتى نزلت هذه الاية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الله أكبر على أكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي من بعدي. ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. قال حسان بن ثابت: ائذن لي يارسول الله فأقول في علي أبياتا تسمعهن، فقال: قل على بركة الله. فقال حسان: يا معشر مشيخة قريش اسمعوا قولي بشهادة من رسول الله في الاية ماضية، فقال: يناديهم في الغدير نبيهم * بخم واسمع بالرسول مناديا يقول فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وانت ولينا * ولم تر منا في الولاية عاصيا فقال قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادا عليا معاديا) (1)


1) ما نزل من القرآن في علي لابي نعيم - مخطوط.

[310]

{ 3 } رواية الخوارزمي وروى ذلك الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي بقوله: (أخبرني سيد الحفاظ أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي فيما كتب الي من همدان، قال أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبد الله بن عبدوس الهمداني كتابة قال: حدثنا عبد الله بن اسحاق البغوي قال: حدثنا الحسن بن عقيل الغنوي قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الذارع قال: حدثنا قيس بن حفص قال: حدثني علي بن الحسين بن الحسن العبدي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري. أن النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم دعا الناس الى غدير خم أمر بما كان تحت الشجرة من الشوك فقم، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس الى علي فأخذ بضبعه فرفعها حتى نظر الناس الى بياض ابطه، ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الاية، اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الله أكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي بن أبي طالب. ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فقال حسان بن ثابت: يارسول الله ائذن لي أن أقول أبياتا، قال: قل على بركة الله تعالى. فقال حسان بن ثابت: يا معشر مشيخة قريش اسمعوا شهادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع بالرسول مناديا بأني مولاكم نعم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

[311]

الهك مولانا وأنت ولينا * فلا تجدن في الخلق للامر عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا) (1) { 4 } رواية أبي الفتح النطنزي ورواه أبو الفتح محمد بن علي النطنزي قائلا: (أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن المهري قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد قال: حدثنا محمد بن أحمد ابن علي قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى الحماني قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري: ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا الناس الى علي رضي الله عنه في غدير خم وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقم وذلك يوم الخميس، فدعا عليا فأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس الى بياض ابطي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الاية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي. قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فقال حسان بن ثابت: ائذن لي يارسول الله فأقول في علي أبياتا تسمعها فقال: قل على بركة الله. فقام حسان فقال: يا معشر قريش اسمعوا قولي بشهادة


1) مناقب علي بن أبي طالب: 80.

[312]

من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الولاية الثابتة: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع بالرسول مناديا يقول فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا الهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا هذا حديث له طرق كثيرة الى أبي سعيد الخدري) (1). ترجمة النطنزي وأبو الفتح النطنزي من أعلام محدثي أهل السنة الثقات، كما يظهر من ترجمته في كتبهم: 1 - أبو سعد السمعاني: (أبو الفتح محمد بن علي بن ابراهيم النطنزي. أفضل من بخراسان والعراق في اللغة والادب والقيام بصنعة الشعر، قدم علينا مرو سنة احدى وعشرين وقرأت طرفا صالحا من الادب، واستفدت منه واغترفت من بحره، ثم لقيته بهمدان، ثم قدم علينا بغداد غير مرة في مدة مقامي بها، وما لقيته الا وكتبت عنه واقتبست منه..) (2). 2 - الصفدي: (كان من بلغاء أهل النظم والنثر، سافر البلاد ولقي الاكابر وكان كثير المحفوظ، محب العلم والسنة، مكثر الصدقة والصيام ونادم الملوك والسلاطين، وكانت له وجاهة عظيمة عندهم، وكان تياها عليهم متواضعا لاهل العلم، سمع الحديث الكثير باصبهان وخراسان وبغداد، ولم يمتع


1) الخصائص العلوية - مخطوط. 2) الانساب - النطنزي.

[313]

بالرواية،..) (1). 3 - ابن النجار: (كان نادرة الفلك ونابغة الدهر وفاق أهل زمانه في بعض فضائله) (2). ترجمة ابن النجار مادح النطنزي وابن النجار الذي أثني على النطنزي بما ذكر من أكابر الائمة، ترجم له الذهبي بقوله: (ابن النجار - الحافظ الامام البارع، مؤرخ العصر، مفيد العراق محب الدين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن هبة الله بن محاسن ابن النجار البغدادي، صاحب التصانيف. ولد سنة 578.. وجمع فأوعى وكتب العالي والنازل، وخرج لغير واحد، وجمع تاريخ مدينة السلام وذيل به واستدرك على الخطيب، وهو ثلاثمائة جزء، وكان من أعيان الحفاظ الثقات مع الدين والصيانة والفهم وسعة الرواية.. وكان رحمه الله من محاسن الدنيا. توفي في خامس شعبان سنة 163) (3). { 5 } رواية سبط ابن الجوزي وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: (وقد أكثرت الشعراء في يوم غدير خم، فقال حسان بن ثابت: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم فاسمع بالرسول مناديا


1) الوافي بالوفيات 4 / 161. 2) ذيل تاريخ بغداد - مخطوط. 3) تذكرة الحفاظ 4 / 1428.

[314]

وقال فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت ولينا * ومالك منا في الولاية عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا ويروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما سمعه ينشد هذه الابيات قال له: يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا أو ما نافحت عنا) (1). { 6 } رواية الحمويني وروى صدر الدين الحمويني شعر حسان يوم الغدير بقوله: (أنبأني الشيخ تاج الدين أبو طالب علي بن الحسين بن عثمان بن عبد الله الخازن، قال أنبأنا الامام برهان الدين ناصر بن أبي المكارم المطرزي اجازة قال: أنبأنا الامام أخطب خوارزم أبو المؤيد الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي قال: أخبرني سيد الحفاظ فيما كتب الي من همدان أنبأنا الرئيس أبو الفتح كتابة حدثنا عبد الله ابن اسحاق البغوي، نبأنا الحسن بن عقيل الغنوي، أنبأنا محمد بن عبد الله الذارع، أنبأنا قيس بن حفص قال: حدثني علي بن الحسين العبدي عن أبي سعيد الخدري. ان النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم دعا الناس الى غدير خم أمر الناس بما كان تحت الشجرة من الشوك فقم وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس الى


1) تذكرة الخواص: 33.

[315]

علي فأخذ بضبعه فرفعها حتى نظر الناس الى بياض ابطيه (صلى الله عليه وسلم) ثم لم يفترقا حتى نزلت هذه الاية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الله اكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي. ثم قال: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وأخذل من خذله. فقال حسان بن ثابت: يارسول الله أتأذن لي أن أقول أبياتا ؟ قال: قل ببركة الله، فقال حسان بن ثابت: يا مشيخة قريش اسمعوا شهادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم أنشأ يقول: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع بالنبي مناديا بأني مولاكم نعم ووليكم * وقالوا ولم يبدو هناك التعاميا الهك مولانا وأنت ولينا * ولا تجدن في الخلق للامر عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا) (1) وروى الحمويني أيضا: (عن سيد الحفاظ أبي منصور شهردار بن شيرويه ابن شهردار الديلمي قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقري الحافظ قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن أحمد قال: أنبأنا محمد بن أحمد بن علي قال: أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: أنبأنا يحيى الحماني قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري: ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) دعا الناس الى علي في غدير خم وأمر بما تحت الشجرة من الشوك فقم وذلك يوم الخميس، فدعا عليا فأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس الى بياض ابطي رسول الله، ثم لم يفترقوا حتى نزلت هذه الاية: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا.


1) فرائد السمطين 1 / 72.

[316]

فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الله أكبر على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي. ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره وأخذل من خذله. فقال حسان بن ثابت: ائذن لي يارسول الله فأقول في علي أبياتا تسمعها فقال: قل على بركة الله، فقام حسان بن ثابت فقال: يا معشر مشيخة قريش اسمعوا قولي شهادة من رسول الله " ص " بالولاية الثابتة، فقال: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع بالرسول مناديا بأني مولاكم نعم ووليكم * وقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت ولينا * ولا تجدن في الخلق للامر عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا هذا حديث له طرق كثيرة الى أبي سعيد سعد بن مالك الخدري الانصاري) (1). الحموينى شيخ الذهبي وغير خاف على ذوي العلم والاطلاع أن الحمويني من مشاهير أئمة أهل السنة، ومن أعلام مشايخ أكابرهم، قال الذهبي بترجمته: (ابراهيم بن محمد المؤيد بن عبد الله بن علي بن محمد بن حمويه الامام الكبير المحدث شيخ المشايخ صدر الدين أبو المجامع الخراساني الجويني الصوفي، ولد سنة 644 وسمع بخراسان وبغداد والشام والحجاز، وكان ذا اعتناء بهذا الشأن، وعلى يده أسلم الملك غازان، توفي بخراسان في سنة


1) فرائد السمطين 1 / 74.

[317]

722. قرأنا على أبي المجامع ابراهيم بن حمويه سنة 695. أنا أبو عمرو عثمان ابن موفق الاذكاني بقراءتي سنة أربع وستين، أنا المؤيد بن محمد الطوسي. ح وأنا أحمد بن هبة الله عن المؤيد أخبرنا هبة الله بن سهل أنا سعيد بن محمد البحيري أنا زاهر بن أحمد الفقيه أنا ابراهيم بن عبد الصمد ثنا أبو مصعب ثنا مالك عن سمى مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة. متفق عليه. وأخرجه ابن ماجة عن أبي مصعب الزهري فوافقناه بعلو) (1). الحموينى شيخ الكازرونى والحمويني من مشايخ محمد بن مسعود الكازروني، فقد جاء في سيرته: (أخبرنا شيخنا صدر الدين أبو المجامع ابراهيم بن محمد بن المؤيد الحمويني أنا شيخنا أصيل الدين أبو بكر عبد الله بن عبد الاعلى بن محمد بن عبد الاعلى ابن محمد بن عبد الاعلى بن محمد أبي القاسم القطان الاصفهاني.. عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبا بكر على الموسم وبعث معه سورة براءة وأربع كلمات الى الناس، فلحقه علي ابن أبي طالب في الطريق، فأخذ علي السورة والكلمات وكان يبلغ وأبو بكر على الموسم، فإذا قرأ السورة نادى: ألا لا يدخل الجنة الا نفس مسلمة، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامه هذا، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عهد فأجله الى موته. فلما رجعا


1) المعجم المختص للذهبي - مخطوط.

[318]

قال أبو بكر: مالي هل نزل في شئ قال: لا الا خيرا، وما ذاك ؟ قال: ان عليا لحق بي وأخذ مني السورة والكلمات. فقال: أجل لكن لم يبلغها الا أنا أو رجل مني) (1). ترجمة الكازرونى وقد أثنى ابن حجر العسقلاني على الكازروني بقوله: (محمد بن مسعود ابن محمد بن خواجه الامام.. ذكره ابن الجزري في مشيخة الجنيد البلباني.. ثم قال: كان سعيد الدين محدثا فاضلا سمع الكثير، وأجاز له المزي صاحب تهذيب الكمال وجماعة، وخرج المسلسل، وألف المولد النبوي فأجاد ومات في أواخر جمادى الاخرة سنة 758) (2). { 7 } رواية الكنجى وقال أبو عبد الله الكنجي الشافعي في ذكر حديث الغدير: (قال حسان بن ثابت في المعنى: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم فسمع بالرسول مناديا وقال فمن مولاكم ووليكم * وقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت ولينا * ولم تلف منا في الولاية عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا


1) المنتقى في سيرة المصطفى - مخطوط. 2) الدرر الكامنة 4 / 255.

[319]

فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نافحت عنك بلسانك) (1). { 8 } رواية جلال الدين السيوطي وقال جلال الدين السيوطي في رسالة له وصفها في أولها بقوله: [هذا جزء جمعت فيه الاشعار التي عقد فيها شئ من الاحاديث والاثار سميته بالازهار وله فوائد منها الاستدلال به على شهرة الحديث في الصدر الاول وصحته، وقد وقع ذلك لجماعة من المحدثين، ومنها ايراده في مجالس الاملاء، ومنها الاستشهاد به في فن البديع في أنواع العقد والاقتباس والانسجام] قال: (في تذكرة الشيخ تاج الدين ابن مكتوم لحسان بن ثابت الانصاري رضي الله عنه: يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم فاسمع بالرسول مناديا وقال فمن مولاكم ووليكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا الهك مولانا وأنت ولينا * ولم تلف منا في الولاية عاصيا فقال له قم يا علي فانني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليا معاديا


1) كفاية الطالب: 64.

[320]

وأيضا للسيد الحميري: يا بايع الدين بدنياه * ليس بهذا أمر الله من أين أبغضت امام الهدى * وأحمد قد كان يهواه من الذي أحمد من بينهم * بيوم خم ثم ناداه أقامه من بين أصحابه * وهم حواليه وسماه هذا علي بن أبي طالب * مولى لمن قد كنت مولاه فوال من والاه يا ذا العلى * وعاد من قد كان عاداه وقال بعضهم: إذا أنا لم أحفظ وصاة محمد * ولا عهده يوم الغدير موكدا فاني كمن يشري الضلالة بالهدى * تنصر من بعد التقى أو تهودا) (1) ترجمة ابن مكتوم والجلال السيوطي من أكابر حفاظ أهل السنة حتى لقبه بعضهم بمجدد القرن التاسع، وتوجد ترجمته مفصلة في مجلد حديث (أنا مدينة العلم وعلي بابها). وأما ابن مكتوم الذي نقل السيوطي شعر حسان عن (تذكرته) فمن أكابر علماء أهل السنة كذلك، واليك بعض كلماتهم في الثناء عليه -: 1 - الصفدى: (أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم.. هو الامام تاج الدين، اشتغل بالحديث وفنونه، وأخذ الحديث عن أصحاب البخت وابن علاف وهذه الطبقة، وهو مقيم بالديار المصرية، بلغني أنه يعمل تاريخا للنحاة


1) الازهار فيما عقده الشعراء من الاشعار للسيوطي.

[321]

ووقفت له على الدر اللقيط من المحيط من تفسير القرآن، وهو كتاب ملكته بخطه في مجلدين، التقط فيه اعراب البحر المحيط تصنيف شيخنا العلامة أثير الدين، فجاء في غاية الحسن وقد اشتهر هذا الكتاب وورد الى الشام ونقلت به النسخ، رأيته بالقاهرة مرات، ثم انني اجتمعت به في سنة خمس وأربعين وسبعمائة بالقاهرة وسألته الاجازة بكل ما يرويه فأجاز لي متلفظا بذلك..) (1). 2 - ابن الجزرى: (.. امام عالم نحوي استاذ، ولد في أوائل ذي الحجة سنة 683، قرأ على التقي الصائغ وأبي حيان وببعض الروايات على ابن يوسف الشطنوفي، وسمع الكثير وكتب وجمع، وتصدر للاقراء بالجامع الظاهري بالحسينية بعد موسى بن علي القطني، توفي في السابع والعشرين من رمضان سنة 749) (2). 3 - السيوطي: (.. جمع الفقه والنحو واللغة، وصنف تاريخ النحاة، والدر اللقيط من البحر المحيط، ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين وستمائة. ومات سنة تسع واربعين وسبعمائة) (3). 4 - السيوطي أيضا: (.. تقدم في الفقه والنحو واللغة، ودرس وناب في الحكم..) (4). وجوه صحة الاستدلال بهذا الشعر وشعر حسان بن ثابت في يوم الغدير صريح في دلالة حديث الغدير على


1) الوافي بالوفيات 7 / 74. 2) طبقات القراء 1 / 70. 3) حسن المحاضرة 1 / 470. 4) بغية الوعاة 1 / 326.

[322]

امامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنه (صلى الله عليه وآله) قال لامير المؤمنين (عليه السلام): قم يا علي فانني رضيتك من بعدي اماما وهاديا. فهذا معنى حديث الغدير وما قاله " ص " في ذلك اليوم العظيم وفي ذلك الحشد المنقطع النظير من المسلمين، قالا ما ذكره المتأولون المتأخرون عن الصدر الاول، لغرض صرفه عن الدلالة على الامامة لعلي " ع " بعد رسول الله " ص " بلا فصل. ثم انه لا ريب في صحة استدلالنا بهذا الشعر لتوضيح دلالة حديث الغدير على معناه لوجوه منها: 1 قائله من الصحابة ان قائل هذا الشعر - وهو حسان بن ثابت - من الصحابة المعروفين والموصوفين بالمناقب الجليلة، ففي (الاستيعاب) بترجمته: (وروينا من وجوه كثيرة عن أبي هريرة ان رسول الله " ص " قال لحسان: أهج - يعني المشركين - وروح القدس معك. وانه " ص " قال لحسان: اللهم أيده بروح القدس لمناضلته عن المسلمين. وقال (صلى الله عليه وسلم): قوله فيهم أشد من وقع النبل. ومر عمر بن الخطاب بحسان بن ثابت وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: تنشد الشعر ؟ أو قال: هذا الشعر في مسجد رسول الله " ص " ! فقال له حسان بن ثابت: قد كنت أنشد فيه من هو خير منك يعني النبي " ص " فسكت عمر). (وروى ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال: فضل حسان الشعراء

[323]

بثلاث، كان شاعر الانصار في الجاهلية، وشاعر النبي " ص " في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الاسلام. قال أبو عبيدة: واجتمعت العرب على أن أشعر المدر أهل يثرب ثم عبد القيس ثم ثقيف، وعلى أن أشعر المدر حسان بن ثابت. وقال أبو عبيدة: حسان بن ثابت شاعر الانصار في الجاهلية وشاعر أهل اليمن في الاسلام وهو شاعر أهل القرى). (ذكر الزبير بن بكار: قال ابراهيم بن المنذر عن هشام بن سليمان عن ابن جريح عن محمد بن السائب بن بركة عن أمه: أنها كانت مع عائشة في الطواف ومعها ام حكيم بنت خالد بن العاص وأم حكيم بنت عبد الله بن أبي ربيعة، فتذاكرتا حسان بن ثابت فابتدرناه بالسب، فقالت عائشة: ابن الفريعة تسبان ! اني لارجو أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبي " ص " بلسانه. أليس القائل شعر: هجوت محمدا فاجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء فان أبي ووالدتي وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء فبرأته من أن يكون افترى عليها..) (1). وقال ابن الاثير بترجمته: (يقال له: شاعر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووصفت عائشة رسول الله " ص " فقالت: كان والله كما قال فيه حسان.. وقد كان رسول الله " ص " ينصب له منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله " ص " ورسول الله يقول: ان الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله " ص " (2).


1) الاستيعاب 1 / 345. 2) أسد الغابة 2 / 4.

[324]

وقال ابن حجر العسقلاني: (وفي الصحيحين عن البراء ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لحسان: أهجهم أو هاجم وجبرئيل معك. وقال أبو داود ثنا لوين [لؤى] عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن هشام بن عروة عن عائشة ان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائما يهجو الذين كانوا يهجون النبي " ص " فقال رسول الله " ص ": ان روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله) (1). وأخرج الحاكم بترجمته أحاديث ذكر بعضها، ومن ذلك قوله: (حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي الحسن مولى بني نوفل ان عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت أتيا رسول الله " ص " حين نزلت طسم الشعراء يبكيان وهو يقرأ عليهم: والشعراء يتبعهم الغاوون حتى بلغ: وعملوا الصالحات. قال: أنتم. وذكروا الله كثيرا. قال: انتم. وانتصروا من بعد ما ظلموا. قال: أنتم) (2). 2 - انه قيل باذن النبي لقد قال حسان هذا الشعر بعدما استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في انشاده فاذن له " ص " قائلا: قل على بركة الله. وذلك اكبر شاهد وأصدق برهان على حجية هذا الشعر.


1) الاصابة 1 / 325. 2) المستدرك 3 / 486.

[325]

3 - تقرير النبي له وقد علمت من أحاديث القوم استماع النبي (صلى الله عليه وآله) لهذا الشعر وتقريره اياه. وقد ثبت باتفاق المسلمين ان تقريره " ص " دليل قاطع على الحجية والصواب. 4 - استحسانه " ص " ولقد استحسن (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الشعر بصراحة حيث قال لحسان بعد ما فرغ منه: يا حسان لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نافحت عنا بلسانك كما روى محمد بن يوسف الكنجي وسبط ابن الجوزي. 5 - انه قيل في حضور الصحابة وان هذه الابيات أنشدها حسان بن ثابت في نفس يوم غدير خم وبعد خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل، أي قبل أن تتفرق تلك الحشود الغفيرة من صحابة النبي " ص " العدول وجماهير المسلمين، ولم يسمع من أحد منهم انكار أو أي اعتراض على ما قاله واستفاده من حديث الغدير، فثبت باجماع جميع الصحابة أن المراد من (المولى) في هذا الحديث هو (الامام) و (الهادي)، وبذلك يسقط اعتراض المعترضين وتأويل المتأولين. 6 - تقرير المشايخ الثلاثة له ولا ريب في وجود المشايخ الثلاثة وحضورهم يوم غدير خم وعند انشاد

[326]

حسان تلك الابيات، ولم ينقل الينا اعتراض من أحدهم، مع أن المعروف عن ثانيهم كثرة الاعتراض، ومن هنا نقول بثبوت هذا المعنى عند الثلاثة أيضا كسائر المسلمين الحاضرين في ذلك اليوم.

[327]

(4) شعر قيس بن سعد

[329]

ومن الدلائل الباهرة على أن المراد من (حديث الغدير) هو امامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلافته بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) شعر قيس بن سعد بن عبادة - وهو يعد من أكابر الصحابة وأعاظمهم - الذي أنشده في معنى حديث غدير خم، وقد صرح فيه بأن عليا (امامنا وامام لسوانا) وأن هذا الحكم (أتى به التنزيل) وذلك (يوم قال النبي من كنت مولاه فهذا مولاه). روى ذلك أبو المظفر سبط ابن الجوزي بقوله: (قال قيس بن سعد بن عبادة الانصاري - وأنشدها بين يدي علي بصفين: قلت لما بغى العدو علينا * حسبنا ربنا ونعم الوكيل وعلي امامنا وامام * لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبي من كنت مولاه * فهذا مولاه خطب جليل ان ما قاله النبي على الامة * حتم ما فيه قال وقيل) (1). مدح قيس والثناء عليه ومن المناسب أن نذكر هنا طرفا من مدائح القوم لقيس بن سعد بن عبادة وثنائهم عليه، فقد قال ابن عبد البر: (قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة


1) تذكرة خواص الامة: 33.

[330]

الانصاري الخزرجي.. قال الواقدي: كان قيس بن سعد بن عبادة من كرام أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأسخيائهم ودهاتهم. قال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة وأحد دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحروب مع النجدة والبسالة والكرم، وكان شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده. صحب قيس رسول الله " ص " هو وأبوه وأخوه سعيد بن سعد بن عبادة. قال أنس بن مالك: كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي " ص " بمكان صاحب الشرطة من الامير، وأعطاه رسول الله " ص " الراية يوم فتح مكة إذ نزعها من أبيه لشكوى قريش لسعد يومئذ. وقد قيل: انه أعطاه الزبير. ثم صحب قيس بن سعد علي بن أبي طالب وشهد معه الجمل وصفين والنهروان هو وقومه ولم يفارقه حتى قتل، وكان ولاه علي على مصر فضاق به معاوية وأعجزته فيه الحيلة فكايد فيه عليا ففطن علي لمكيدته، فلم يزل به الاشعث وأهل الكوفة حتى عزل قيسا وولى محمد بن أبي بكر ففسدت عليه مصر) (1). وقال عز الدين ابن الاثير ما ملخصه: (وكان من فضلاء الصحابة وأحد دهاة العرب وكرمائهم، وكان من ذوي الرأى الصائب والمكيدة في الحرب مع النجدة والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع ومن بيت سيادتهم. عن أنس قال: كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي " ص " بمنزلة صاحب الشرطة من الامير. عن قيس بن سعد بن عبادة: ان أباه دفعه الى النبي " ص " يخدمه. قال: فمر بي النبي " ص " وقد صليت فضربني برجله وقال: الا أدلك على باب من أبواب الجنة ؟ قلت: بلى. قال: لا حول ولا قوة الا بالله.


1) الاستيعاب 3 / 1289.

[331]

قيل: انه كان في سرية فيها أبو بكر وعمر فكان يستدين ويطعم الناس. فقال أبو بكر وعمر: ان تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه. فمشيا في الناس، فلما سمع سعد قام خلف النبي " ص " فقال: من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطاب يبخلان علي ابني. وقال ابن شهاب: كانوا يعدون دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة رهط يقال لهم ذوو رأي العرب ومكيدتهم: معاوية، وعمرو بن العاص، وقيس بن سعد والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء. فكان قيس وابن بديل مع علي، وكان المغيرة معتزلا في الطائف، وكان عمرو مع معاوية. وقال قيس: لولا اني سمعت رسول الله " ص " يقول المكر والخديعة في النار لكنت من أمكر هذه الامة. وأما جوده فله فيه أخبار كثيرة لا نطول بذكرها. ثم انه صحب عليا لما بويع له بالخلافة وشهد معه حروبه واستعمله علي على مصر فكايده معاوية فلم يظفر منه بشئ، فكايد عليا وأظهر أن قيسا قد صار معه يطلب بدم عثمان، فبلغ الخبر عليا فلم يزل به محمد بن أبي بكر وغيره حتى عزله، واستعمل بعده الاشتر فمات في الطريق، فاستعمل محمد بن أبي بكر فأخذت مصر منه وقتل. ولما عزل قيس أتى المدينة فأخافه مروان بن الحكم فسار الى علي بالكوفة ولم يزل معه حتى قتل، فصار مع الحسن وسار في مقدمته الى معاوية، فلما بايع الحسن معاوية دخل قيس في بيعة معاوية وعاد الى المدينة) (1). وقال ابن حجر العسقلاني ما حاصله: (كان قيسا ضخما حسنا طويلا إذا


1) أسد الغابة 4 / 215.

[332]

ركب الحمار خطت رجلاه الارض. وقال الواقدي: كان سخيا كريما داهية، وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة من دهات العرب من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة وكان شريف قومه غير مدافع وكان أبوه وجده كذلك. وأخرج ابن المبارك عن ابن عيينة عن موسى بن أبي عيسى ان رجلا استقرض من قيس بن سعد ثلاثين ألفا فلما ردها عليه أبى أن يقبلها. وشهد مع رسول الله " ص " المشاهد كلها وصحب عليا وشهد معه مشاهده) (1).


1) الاصابة 3 / 239.

[333]

(5) شعر أمير المؤمنين (عليه السلام)

[335]

ومن الادلة والبراهين القويمة الواضحة على دلالة حديث الغدير على امامة أمير المؤمنين (عليه السلام): قول سيدنا أمير المؤمنين في أشعار له: (لذاك أقامني لهم اماما * وأخبرهم به بغدير خم) فلقد ذكر (عليه السلام) حديث الغدير ودلالته على امامته (عليه السلام) في تلك الاشعار التي ضمنها طرفا من فضائله وجملة من مناقبه الخاصة به متباهيا ومفتخرا بها على سائر الانام، وهذه هي تلك الاشعار كما في ديوانه: (لقد علم الاناس بأن سهمي * من الاسلام يفضل كل سهم وأحمد النبي أخي وصهري * عليه الله صلى وابن عمي واني قائد للناس طرا * الى الاسلام من عرب وعجم وقاتل كل صنديد رئيس * وجبار من الكفار ضخم وفي القرآن ألزمهم ولائي * وأوجب طاعتي فرضا بعزم كما هارون من موسى أخوه * كذاك أنا أخوه وذاك اسمى لذاك أقامني لهم اماما * وأخبرهم به بغدير خم فمن منكم يعادلني بسهمي * واسلامي وسابقتي ورحمي ؟ وويل ثم ويل ثم ويل * لمن يلقى الاله غدا بظلمي وويل ثم ويل ثم ويل * لجاحد طاعتي ومريد هضمي

[336]

وويل للذي يشقى سفاها * يريد عداوتي من غير جرم) ولقد شرح الحسين بن معين الدين الميبدي هذه الاشعار في شرحه لديوان أمير المؤمنين (عليه السلام) المسمى ب‍ (الفواتح) وأوضح معناها، ثم ذكر في شرح البيت الذي أشار فيه الامام (عليه السلام) الى حديث الغدير رواية أحمد ابن حنبل لحديث الغدير، وذكر عن الثعلبي رواية نزول آية التبليغ وهي قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته..) في ذلك اليوم، كما نص على اتفاق المفسرين على نزول آية: (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) في شأن أمير المؤمنين (عليه السلام). ثم ذكر في نهاية شرحه للاشعار المذكورة عن الامام علي بن أحمد الواحدي عن أبي هريرة: ان أمير المؤمنين (عليه السلام) أنشأ هذه الابيات في حضور أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير والفضل بن العباس وعمار وعبد الرحمن وأبي ذر والمقداد وسلمان وعبد الله بن مسعود) (1). دلالة الابيات من وجوه اخرى ثم ان هذه الابيات تدل على امامة الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) من وجوه اخرى: (الاول) قوله (عليه السلام): (لقد علم الاناس بان سهمي من الاسلام يفضل كل سهم) فان هذا القول نص صريح في أفضليته (عليه السلام) من غيره مطلقا.


1) الفواتح في شرح ديوان أمير المؤمنين 405 - 406.

[337]

(الثاني) قوله: (واني قائد الناس طرا الى الاسلام من عرب وعجم) فيه دلالة واضحة على انه (عليه السلام) هو السبب في اسلام جميع الناس من عرب ومن عجم، فهو اذن أفضلهم مطلقا. (الثالث) قوله: (وقاتل كل صنديد رئيس وجبار من الكفار ضخم) فيه دلالة على أفضليته، لان من عمدة أسباب قوة الدين قتل الكفار والمعاندين، وهو (عليه السلام) قاتلهم باعتراف جميع المخالفين. (الرابع) قوله: (وفي القرآن ألزمهم ولائي وأوجب طاعتي فرضا بعزم) فيه دلالة صريحة على وجوب اتباعه وأطاعته والانقياد له، فهو (عليه السلام) امام الامة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر من الله تعالى في القرآن الكريم، لان من وجبت طاعته فهو الامام كما اعترف بذلك (الدهلوي). (الخامس) قوله: (فمن منكم يعادلني بسهمي واسلامي وسابقتي ورحمي ؟) فيه دلالة صريحة على أفضليته (عليه السلام). ثم ان استماع كبار الصحابة لهذه الاشعار - كما في رواية الواحدي - وتقريرهم لما قاله (عليه السلام) من أقوى الشواهد على ما نذهب إليه من دلالة حديث الغدير على الامامة، وبذلك تذهب تأويلات اتباع أولئك الاصحاب ادراج الرياح. ترجمة الميبدي شارح ديوان الامام والحسين الميبدي من مشاهير علماء أهل السنة، قد أطروه وأثنوا عليه الثناء البالغ في كتبهم كما لا يخفى على من راجعها. وممن أثنى عليه: غياث الدين المدعو بخواند أمير في تاريخه (حبيب السير). كما نقل عن شرحه للديوان: محمود بن سليمان الكفوي في طبقاته للحنفية المسمى ب‍ (كتائب أعلام الاخيار

[338]

من فقهاء مذهب النعمان المختار). وفي (كشف الظنون): (ديوان علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد شرحه حسين بن معين الدين الميبدي اليزدي المتوفي سنة 870 بالفارسية).

[339]

(6) نزول قوله تعالى (سأل سائل بعذاب واقع..) في واقعة يوم غدير خم

[341]

ونزل قوله تعالى: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) في حق (الحارث بن نعمان) الذي قال ما قال بعد ما سمع كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خم. وهذا دليل قطعي آخر على دلالة حديث الغدير على امامة أمير المؤمنين (عليه السلام). ذكر من روى ذلك وقد روى حديث نزول الاية المباركة في هذا الشأن جماعة كبيرة من أكابر أعلام أهل السنة وهم: 1 - أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي النيسابوري. 2 - شمس الدين سبط ابن الجوزي. 3 - ابراهيم بن عبد الله اليمني الوصابي. 4 - محمد بن يوسف الزرندي المدني. 5 - شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي. 6 - نور الدين علي بن عبد الله السمهودي. 7 - نور الدين علي بن محمد بن الصباغ.

[342]

8 - عطاء الله بن فضل الله المحدث الشيرازي. 9 - شمس الدين عبد الرؤف المناوي. 10 - شيخ بن عبد الله العيدروس. 11 - محمود بن بن محمد الشيخاني القادري المدني. 12 - نور الدين علي بن ابراهيم الحلبي. 13 - أحمد بن الفضل باكثير المكي. 14 - محمد محبوب عالم. 15 - محمد صدر عالم. 16 - محمد بن اسماعيل بن صلاح الامير. 17 - أحمد بن عبد القادر العجيلي. 18 - السيد مؤمن بن حسن الشبلنجي. { 1 } رواية الثعلبي قال أبو إسحاق الثعلبي: (سئل سفيان بن عيينة عن قول الله عزوجل: سأل سائل. فيمن نزلت ؟ فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه: لما كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله " ص " على ناقة حتى أتى الابطح فنزل عن ناقته فأناخها وعقلها، ثم أتى النبي " ص " وهو في ملا من أصحابه فقال:

[343]

يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا اله الا الله وانك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك وأمرتنا بالزكاة فقبلناه، وأمرتنا أن نصوم شهر رمضان فقبلناه منك، وأمرتنا بالحج فقبلناه، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه ! ! فهذا شئ منك أم من الله عزوجل ؟ ! فقال (صلى الله عليه وسلم): والذي لا اله الا هو ان هذا من الله. فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم ان كان ما يقوله محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله. وأنزل الله عزوجل: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (1). ترجمة ابي اسحق الثعلبي 1 - ياقوت الحموي: بترجمة الواحدي: (وقال أبو الحسن الواحدي في مقدمة البسيط: وأظنني لم آل جهدا في أحكام اصول هذا العلم [على] حسب ما يليق بزماننا [بزمننا] هذا وتسعه سنو عمري على قلة أعدادها، فقد وفق الله [تعالى] وله الحمد حتى اقتبست كلما احتجت إليه في هذا الباب من مظانه وأخذته من معادنه. أما اللغة فقد درستها على الشيخ أبي الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي رحمه الله.. حتى عاتبني شيخي رحمه الله يوما وقال: انك لم تبق ديوانا من الشعر الا قضيت حقه، أما آن لك أن تتفرغ لتفسير كتاب الله العزيز تقرأه على هذا الرجل الذي يأتيه البعداء من أقاصي البلاد وتتركه أنت


1) تفسير الثعلبي - مخطوط.

[344]

على قرب ما بيننا من الجوار - يعني الاستاذ الامام أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي - ؟ ! فقلت: يا أبت انما أتدرج بهذا الى ذاك الذي تريد، وإذا المرء أحكم الادب بجد وتعب رمى في غرض التفسير من كثب. ثم لم أغب زيارته يوما من الايام حتى حال بيننا قدر الحمام.. ثم فرغت للاستاذ أبي اسحاق أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي رحمه الله وكان خير العلماء بل بحرهم ونجم الفضلاء بل بدرهم، وزين الائمة بل فخرهم وأوحد الامة بل صدرهم. وله التفسير الملقب بالكشف والبيان عن تفسير القرآن، الذي رفعت به المطايا في السهل والاوعار، وسارت به الفلك في البحار، وهب هبوب الريح في الاقطار، وسار مسير الشمس في كل بلدة، وهبوب الريح في البر والبحر، وأصفقت عليه كافة الامة على اختلاف نحلهم، وأقروا بالفضيلة في تصنيفه ما لم يسبق الى مثله، فمن أدركه وصحبه علم أنه كان منقطع القرين، ومن لم يدركه فلينظر في مصنفاته ليستدل بها أنه كان بحرا لا ينزف وغمرا لا يسبر، وقرأت عليه من مصنفاته أكثر من خمسمائة جزء منها تفسيره الكبير، وكتابه المعنون بالكامل في علم القرآن وغيرهما) (1) ترجمة العروض مادح الثعلبي وأبو الفضل العروضي الذي نقل عنه الواحدي مدحه للثعلبي من كبار مشايخ علماء أهل السنة في اللغة والادب، وقد ترجموا له معاجم الرجال: 1 - جلال الدين السيوطي: (أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف بن محمد النهشلي الاديب أبو الفضل العروضي الصفار الشافعي. قال عبد الغافر:


1) معجم الادباء 12 / 262.

[345]

هو شيخ أهل الادب في عصره، حدث عن الاصم وأبي منصور الازهري والطبقة. وتخرج به جماعة من الائمة منهم الواحدي. وقال الثعالبي: امام في الادب، خنق التسعين في خدمة الكتب، وأنفق عمره على مطالعة العلوم وتدريس مؤدبي نيسابور. ولد سنة 334 ومات بعد سنة 416) (1). 2 - ابن خلكان: (أبو إسحاق أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر المشهور، كان أوحد أهل زمانه في علم التفسير. وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير، وله كتاب العرائس في قصص الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم وغير ذلك. ذكره السمعاني وقال: يقال له الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له وليس بنسب قاله بعض العلماء. وقال أبو القاسم القشيري: رأيت رب العزة عزوجل في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح. فالتفت فإذا أحمد الثعلبي مقبل. وذكره عبد الغافر بن اسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه وقال: هو صحيح النقل موثوق به حدث عن أبي طاهر بن خزيمة، والامام أبي بكر بن مهران المقري، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ توفى سنة 427، وقال غيره: توفي في محرم سنة 427. وقال غيره: توفي يوم الاربعاء لسبع بقين من المحرم سنة 437 رحمه الله تعالى) (2). 3 - الذهبي: (وفيها توفي أبو إسحاق الثعلبي.. وكان حافظا واعظا رأسا في التفسير والعربية متين الديانة توفي في المحرم) (3).


1) بغية الوعاة 1 / 369. 2) وفيات الاعيان 1 / 61 - 62. 3) العبر - حوادث 427.

[346]

4 - ابن الوردي: (صحيح النقل، روى عن جماعة) (1). 5 - الصفدي: (روى عن جماعة، وكان حافظا عالما بارعا في العربية موثقا) ثم ذكر منام القشيري وكلام عبد الغافر المذكورين (2). 6 - اليافعي: (المفسر المشهور، وكان حافظا واعظا رأسا في التفسير والعربية والدين والديانة، فاق تفسيره الكبير سائر التفاسير..) (3). 7 - ابن الشحنة: (كان واحد زمانه في علم التفسير، وله كتاب العرائس في قصص الانبياء وهو صحيح النقل) (4). 8 - ابن قاضي شهبة الاسدي: (أخذ عنه أبو الحسن الواحدي، روى عن أبي القاسم القشيري.. قال الذهبي: وكان حافظا رأسا في التفسير والعربية متين الديانة..) (5). 9 - السيوطي: (كان كبيرا اماما حافظا للغة بارعا في العربية) (6). 10 - وذكره ولي الله الدهلوي - الذي عده ولده (الدهلوي) آية من آيات الله ومعجزة من المعاجز النبوية، وطالما استند الى أقواله، ووصفه الفاضل رشيد الدين خان الدهلوي ب‍ (عمدة المحدثين وقدوة العارفين) ووصفه المولوي حيدر علي الفيض آبادي ب‍ (خاتم العارفين وقاصم المخالفين، سيد المحدثين سند المتكلمين، حجة الله على العالمين) في كلام له في بيان كون الخلفاء


1) تتمة المختصر حوادث 427. 2) الوافي بالوفيات 8 / 33 وفيه السهلي. 3) مرآة الجنان حوادث سنة 427. 4) روض المناظر حوادث - 427. 5) طبقات الشافعية - مخطوط. 6) بغية الوعاة 1 / 356.

[347]

الراشدين وسائط بين النبي " ص " والامة - ذكر أبا اسحاق الثعلبي من جملة علماء التفسير الذين كانوا وسائط في حفظ الدين المبين وايصال الشريعة المطهرة الى الامة، وان القرون المتأخرة أخذت علم التفسير منهم. وذكر أن الثعلبي امام المفسرين ومقتداهم كما أن أبا حنيفة امام الحنفية والشافعي امام الشافعية.. وأن ما ذكره الثعلبي في تفسيره مأخوذ من السلف الصالح لاهل السنة، وأنه بمنزلة اللوح وكأنه اللوح المحفوظ من المحو والاثبات والمصون من تطرق الاغلاط والشبهات إليه، الى غير ذلك من الاوصاف الحميدة التي ذكرها للثعلبي وتفسيره (1). رواية القوم لتفسير الثعلبي وتفسير الثعلبي من الكتب المعروفة المعتمدة لدى القوم، وهم يروونه بأسانيدهم عن مؤلفه، وينقلون عنه رواياته ويعتمدون إليها، فقد ذكره عز الدين ابن الاثير في الفصل الذي ذكر فيه أسانيد الكتب التي خرج منها الاحاديث في صدر تلك الكتب حيث قال: (فصل نذكر فيه أسانيد الكتب التي خرجت منها الاحاديث وغيرها وتركت ذكرها في الكتاب لئلا يطول الاسناد، ولا اذكر في أثناء الكتاب الا اسم المصنف وما بعده فليعلم ذلك: تفسير القرآن المجيد لابي اسحاق الثعلبي. أخبرنا به أبو العباس أحمد بن عثمان بن أبي علي بن مهدي الزرزاري الشيخ الصالح رحمه الله تعالى قال: أخبرنا الرئيس مسعود بن الحسن بن القاسم الاصبهاني وأبو عبد الله الحسن بن العباس الرستمي قالا: أخبرنا أحمد بن خلف الشيرازي قال: أنبأنا أبو إسحاق


1) ازالة الخفا للدهلوي.

[348]

أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي بجميع كتاب الكشف والبيان في تفسير القرآن، سمعت عليه من أول الكتاب الى آخر سورة النساء. وأما من أول سورة المائدة الى آخر الكتاب فانه حصل لي بعضه سماعا وبعضه اجازة واختلط السماع بالاجازة، فانا أقول فيه أخبرنا به اجازة ان لم يكن سماعا، فإذا قلت أخبرنا أحمد باسناده الى الثعلبي فهو بهذا الاسناد) (1). ثم انه ذكر أسانيد الكتب الاخرى ومنها الصحاح والمسانيد. وقال أبو محمد محمد بن محمد الامير في (رسالة أسانيده): (تفسير الثعلبي وسائر مؤلفاته بسند صاحب المنح من طريق ابن البخاري عن منصور بن عبد المنعم بن عمر الصفار والمؤيد بن محمد الطريثي كلهم عن أبي محمد العباس بن محمد بن أبي منصور الطوسي عن أبي سعيد بن محمد عن أبي اسحاق أحمد بن محمد النيسابوري الثعلبي وهو لقب وليس بنسب توفي سنة 427) (2). اعتماد القوم على تفسير الثعلبي ولقد كثر نقل علماء القوم عن تفسير الثعلبي وغيره من مؤلفاته واستشهادهم برواياته واعتمادهم عليها، ونحن نذكر موارد من ذلك من باب التمثيل: قال القرطبي بتفسير قوله تعالى: [وقرن في بيوتكن]: (ذكر الثعلبي وغيره أن عائشة رضي الله عنها كانت إذا قرأت هذه الاية تبكي حتى تبل خمارها وذكر أن سودة قيل لها: لم لا تحجين ولا تعتمرين كما تفعل أخواتك ؟ فقالت: قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقر في بيتي. قال الراوي: فوالله ما خرجت


1) أسد الغابة 1 / 8. 2) رسالة الاسانيد لمحمد الامير.

[349]

من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها رضوان الله عليها) (1). وفيه بتفسير [وأوحينا الى أم موسى]: (وقال الثعلبي: واسم أم موسى: لوخا بنت هاند بن لاوي بن يعقوب) (2). وقال النووي بترجمة آدم (عليه السلام): (قال الامام ابو اسحاق الثعلبي في قول الله عزوجل اخبارا عن ابليس (خلقتني من نار وخلقته من طين) قال الحكماء: أخطأ عدو الله في تفضيله النار على الطين، لان الطين أفضل منه من أوجه..) (3). وقد نقل عنه النووي في مواضع أخر مع وصفه ب‍ (الامام). وقال كمال الدين الدميري: (وقال محمد الباقر رضي الله عنه: كان أصحاب الكهف صياقلة واسم الكهف حيوم والقصة طويلة في كتب التفاسير والقصص، وقد وقفت على جمل من ذلك في كتب التفاسير والقصص مطولا ومختصرا، فمن ذلك ما ساقه الامام أبو إسحاق أحمد بن محمد بن أحمد بن ابراهيم النيسابوري الثعلبي في كتابه الكشف والبيان في تفسير القرآن) (4). وقال نور الدين الحلبي في (السيرة): (وفي العرائس: ان فرعون لما أمر بذبح أبناء بني اسرائيل جعلت المرأة أي بعض النساء كما لا يخفى إذا ولدت الغلام انطلقت به سرا الى واد أو غار فأخفته.).


1) تفسير القرطبي 14 / 180 - 181. 2) المصدر نفسه 13 / 250. 3) تهذيب الاسماء واللغات 1 / 96. 4) حياة الحيوان (الكلب).

[350]

وقال الحسين الديار بكري: (هذه مجموعة من سير سيد المرسلين.. انتخبتها من الكتب المعتمدة تحفة للاخوان البررة وهي: التفسير الكبير و الكشاف وحاشيته للجرجاني الشريف، والكشف والوسيط ومعالم التنزيل. والعرائس للثعلبي، وسح السحابة واصول الصفار والبحر العميق وسر الادب والانسان الكامل، وسميتها بالخميس في أحوال النفس النفيس). وقال محمد بن معتمد خان البدخشي: (وأخرج العلامة أبو إسحاق أحمد ابن محمد بن ابراهيم الثعلبي المفسر النيسابوري في تفسيره عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما أنه قال: نحن حبل الله الذي قال الله تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (1). وقال أحمد بن باكثير المكي: (وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى: [وعلى الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم] عن ابن عباس رضي الله عنهما انه قال: الاعراف موضع عال من الصراط عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، يعرفون محبهم ببياض الوجه ومبغضهم بسواد الوجه) (2). { 2 } رواية سبط ابن الجوزي وقال سبط ابن الجوزي: (اتفق علماء السير أن قصة الغدير بعد رجوع النبي (صلى الله عليه وسلم) من حجة الوداع في الثامن عشر من ذي الحجة،


1) مفتاح النجا - مخطوط. 2) وسيلة المآل - مخطوط.

[351]

جمع الصحابة وكانوا مائة وعشرين ألفا وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. الحديث. نص " ص " على ذلك بصريح العبارة دون التلويح والاشارة. وذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره باسناده أن النبي " ص " لما قال ذلك طار في الاقطار وشاع في البلاد والامصار وبلغ ذلك الحارث بن نعمان الفهري) (1) ترجمة السبط والثناء عليه 1 - الذهبي: (وابن الجوزي العلامة الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قزغلي التركي ثم البغدادي العوني الهبيري الحنفي سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي، أسمعه جده منه ومن ابن كليب وجماعة، وقدم دمشق سنة بضع وستمائة فوعظ بها، وحصل له القبول العظيم للطف شمائله وعذوبة وعظه، وله تفسير في تسعة وعشرين مجلدا، وشرح الجامع الكبير، وجمع مجلدا في مناقب أبي حنيفة، ودرس وأفتى، وكان في شبيبته حنبليا. توفي في الحادي والعشرين من ذي الحجة، وكان وافر الحرمة عند الملوك) (2). 2 - ابن الوردي: (وفيها توفي الشيخ شمس الدين يوسف سبط جمال الدين ابن الجوزي. واعظ فاضل، له مرآة الزمان تاريخ جامع. قلت: وله تذكرة الخواص من الامة في ذكر مناقب الائمة والله أعلم) (3).


1) تذكرة خواص الامة: 30. 2) العبر في خبر من غبر حوادث 656. 3) تتمة المختصر حوادث 656.

[352]

{ 3 } رواية الوصابي ورواه ابراهيم بن عبد الله اليمني الوصابي عن (الامام الثعلبي في تفسيره) كذلك اعتماد العلماء على كتاب الاكتفاء وكتاب (الاكتفاء في فضل الاربعة الخلفاء) لليمني الوصابي من الكتب المعتمدة المشهورة لدى القوم، فقد نقل عنه محمد محبوب في مواضع من تفسيره (تفسير شاهي) منها قوله: (وفي الاكتفاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: وقع بيني وبين العباس مفاخرة ففخر علي العباس بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام انهما له، قال علي فقلت: الان أخبرك بمن هو خير من هذا كله !، الذي قرع خراطيمكم بالسيف وقادكم الى الاسلام. فعز ذلك على العباس رضي الله عنه، فأنزل عزوجل: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله يعني عليا رضي الله تعالى عنه) (1). ومنها: (في الاكتفاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: لما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يغزو تبوك دعا جعفر بن أبي طالب فأمره أن يتخلف على المدينة فقال: لا اتخلف بعدك يارسول الله. فعزم علي لما تخلفت قبل أن أتكلم فبكيت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)


1) تفسير شاهي بتفسير الاية.

[353]

ما يبكيك يا علي ؟ قال: يارسول الله يبكيني خصال غير واحد، تقول قريش غدا ما أسرع ما تخلف عن أبن عمه وخذله، وتبكيني خصلة أخرى، كنت أريد أن أتعرض للجهاد في سبيل الله..) (1). ونقل شهاب الدين أحمد بن عبد القادر العجيلي عن (أسنى المطالب في فضائل علي بن أبي طالب) وهو الكتاب الرابع من (الاكتفاء في فضل الاربعة الخلفاء) (3). { 4 } رواية الزرندي وروى محمد بن يوسف الزرندي حديث نزول الاية المباركة المذكورة في شأن الحارث بن النعمان الفهري عن الثعلبي واصفا اياه ب‍ (الامام) عن سفيان بن عيينة كما تقدم (3). ترجمة الزرندي والاعتماد على كتبه وقال ابن حجر العسقلاني بترجمة الزرندي: (محمد بن يوسف بن الحسن ابن محمد بن محمود بن الحسن الزرندي المدني الحنفي شمس الدين أخو نور الدين علي. قرأت في مشيخة الجنيد البلياني تخريج الحافظ شمس الدين الجزري الدمشقي نزيل شيراز أنه كان عالما، وأرخ مولده سنة 693 ووفاته


1) المصدر. 2) ذخيرة المآل - مخطوط. 3) معارج الوصول - مخطوط - نظم درر السمطين 93.

[354]

بشيراز سنة بضع وخمسين وسبعمائة. وذكر أنه صنف درر السمطين في مناقب السبطين. وبغية المرتاح جمع فيها أربعين حديثا بأسانيدها وشرحها..) (1). وفي (الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي): (حكى الشيخ الامام العلامة المحدث بالحرم الشريف النبوي جمال الدين محمد بن يوسف الزرندي في كتابه المسمى بدرر السمطين في فضل المصطفى والمرتضى والسبطين: أن الامام المعظم والحبر المكرم أحد الائمة المتبعين المقتدى بهم في أمور الدين محمد بن ادريس الشافعي المطلبي رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه لما صرح بمحبة أهل البيت وأنه من شيعتهم قيل فيه هذا وهو السيد الجليل فقال مجيبا عن ذلك بأبيات: إذا نحن فضلنا عليا فاننا * روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل الى آخر الاشعار) (2). ووصفه شهاب الدين أحمد عند النقل عنه بالامام المحدث بالحرم الشريف النبوي المحمدي (3). وقد ذكر الكاتب الجلبي كتابيه (نظم درر السمطين) و (بغية المرتاح) في (كشف الظنون) (4). كما عد الديار بكري كتابه (الاعلام) ضمن مصادر كتابه (الخميس). وقال السمهودي: (وقال الحافظ جمال الدين المذكور: وقال أبو الليث


1) الدرر الكامنة 4 / 295. 2) الفصول المهمة: 21. 3) توضيح الدلائل - مخطوط. 4) كشف الظنون 1 / 747 باسم: درر السمطين و 2501.

[355]

عبد السلام بن صالح الهروي: كنت مع علي بن موسى الرضا - وقد دخل نيسابور وهو على بغله شهباء - فغدا في طلبه العلماء من أهل البلد.. وقالوا: بحق آبائك الطاهرين حدثنا بحديث سمعته من أبيك. فقال: حدثني أبي العبد الصالح موسى بن جعفر وقال: حدثني أبي جعفر الصادق ابن محمد قال: حدثني أبي باقر علم الانبياء محمد بن علي قال: حدثني أبي سيد العابدين علي بن الحسين قال: حدثني أبي سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي قال: سمعت أبي سيد العرب علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: الايمان معرفة بالقلب واقرار باللسان وعمل بالاركان. قال الامام أحمد بن حنبل رحمه الله: لو قرأت هذا الاسناد على مجنون لبرئ من حينه. وروى بعضهم أن المستملي لهذا الحديث أبو زرعة الرازي ومحمد بن اسلم الطوسي) (1). وهكذا نقل عنه في مواضع عديدة واصفا اياه ب‍ (الحافظ). { 5 } رواية الدولت آبادي وروى ملك العلماء شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي حديث نزول قوله تعالى: [سأل سائل بعذاب واقع] في واقعة حديث الغدير بقوله: (وفي الزاهدية عند قوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع: في تفسير الثعلبي نزولا: أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال يوما. من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. فسمع ذلك واحد من الكفرة من جملة الخوارج فجاء الى النبي " ص " فقال: يا محمد


1) جواهر العقدين - مخطوط.

[356]

هذا من عندك أو من عند الله ؟ فقال " ص " هذا من عند الله. فخرج الكافر من المسجد وقام على عتبة الباب وقال: ان كان ما يقوله حقا فأنزل علي حجرا من السماء، قال: فنزل حجر ورضخ رأسه. فنزلت السورة) (1). ترجمة الدولت آبادي وشهاب الدين الدولت آبادي من أعلام علماء أهل السنة، فقد ذكره غلام علي آزاد قائلا: (مولانا القاضي شهاب الدين بن شمس الدين ابن عمر الزاولي الدولت آبادي نور الله ضريحه. ولد بدولت آباد دهلي وتلمذ على القاضي عبد المقتدر الدهلوي ومولانا خواجكي الدهلوي وهو من تلامذة مولانا معين الدين العمراني رحمهم الله تعالى. وفاق أقرانه وسبق اخوانه. وكان القاضي عبد المقتدر يقول في حقه: يأتيني من الطلبة من جلده علم ولحمه علم وعظمه علم... وألف كتبا سارت بها ركبان العرب والعجم وأذكى سرجا أهدى من النار الموقدة على العلم. توفي لخمس بقين من رجب المرجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة ودفن بجونفور في الجانب الجنوبي من مسجد السلطان ابراهيم الشرقي) (2). كما ترجم له الشيخ عبد الحق الدهلوي وأثنى عليه الثناء البالغ (3). وذكر كاشف الظنون أحد كتب شهاب الدين دولت آبادي وهو (الارشاد في النحو) ووصف مؤلفه ب‍ (الشيخ الفاضل) والكتاب بقوله: (وهو متن لطيف


1) هداية السعداء. الجلوة الثانية من الهداية الثامنة. 2) سبحة المرجان في آثار هندوستان: 39. 3) أخبار الاخيار: 173.

[357]

تعمق في تهذيبه كل التعمق وتأنق في ترتيبه حق التأنق). وكذا مدح ولي الله الدهلوي مؤلفات الدولت آبادي في كتابه (المقدمة السنية في الانتصار للفرقة السنية). وقد عد رشيد الدين الدهلوى ملك العلماء في عداد عظماء العلماء من أهل السنة الذين الفوا كتبا ورسائل في مناقب الائمة الطاهرين من أهل البيت (عليهم السلام). وهذا المقدار يكفي لبيان كون الدولت آبادي من علماء أهل السنة المعتمدين الموثوقين لديهم. { 6 } رواية السمهودى وروى نور الدين علي بن عبد الله السمهودي الشافعي حديث نزول الاية الشريفة في حق الحارث في الواقعة المذكورة عن الثعلبي أيضا حيث قال: (وروى الامام الثعلبي في تفسيره ان سفيان بن عيينة رحمه الله سئل عن قول الله عزوجل: (سأل سائل بعذاب واقع) فيمن نزلت ؟ فقال للسائل: سألتنى عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه ان رسول الله " ص " لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي رضي الله عنه وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث ابن النعمان الفهري فأتى رسول الله " ص " على ناقة فنزل بالابطح عن ناقته وأناخها وقال: يا محمد أمرتنا أن نشهد ان لا اله الا الله وأنك رسول الله فقبلناه، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأردتنا أن نصوم شهرا فقبلنا، وأمرتنا بالحج

[358]

فقبلنا. ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شئ منك أم من الله عزوجل ؟ فقال النبي " ص ": والله الذي لا اله الا هو ان هذا من الله عزوجل، فولى الحارث وهو يريد راحلته وهو يقول: اللهم ان كان ما يقوله محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم. فما وصل الى راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله، فأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (1). ترجمة السمهودى 1 - السخاوى ملخصا بلفظه: (علي بن عبد الله السمهودي. ولد في صفر سنة 844 بسمهود ونشأ بها فحفظ القرآن والمنهاج ولازم والده، وقدم القاهرة معه وبمفرده غير مرة، وقرأ عمدة الاحكام بحثا على السعد بن الديري، وأذن له في التدريس هو والبامي والجوجري، وفيه وفي الافتاء الشهاب السارمساجي بعد امتحانه له في مسائل ومذاكرته معه، وفيها أيضا زكريا وكذا المحلي والمناوي وعظم اختصاصه بهما وتزايد مع ثانيهما بحيث خطبه لتزويج سبطته، وقرره معيدا في الحديث بجامع طولون، وفي الفقه بالصالحية، وأسكنه قاعة القضاء بها وعرض عليه النيابة فأبى، ثم فوض إليه عند رجوعه مرة الى بلده مع القضاء حيث حل النظر في أمر ثواب الصعيد وصرف غير المتأهل منهم فما عمل بجميعه. ثم انه استوطن القاهرة وكنت هناك فكثر اجتماعنا وكان على خير كبير، وفارقته بمكة بعد أن حججنا، ثم توجه منها الى طيبة فقطنها من سنة ثلاث


1) جواهر العقدين - مخطوط.

[359]

وسبعين ولقيته في كلا الحرمين غير مرة، وغبطته على استيطانه المدينة، وصار شيخها قل أن يكون أحد من أهلها لم يقرأ عليه. وبالجملة فهو انسان فاضل مفنن متميز في الفقه والاصلين، فهو فريد هناك في مجموعه ولاهل المدينة به جمال والكمال لله) (1). 2 - عبد القادر العيدروس: (وفيها في يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة توفي عالم المدينة الامام القدوة والمفتي الحجة الشريف، ذو التصانيف الشهيرة، نزيل المدينة الشريفة وعالمها وفقيهها ومدرسها ومؤرخها، ترجمه الحافظان العز ابن فهد والشمس السخاوي.. وألف عدة تآليف منها جواهر العقدين في فضل الشرفين.. وجمع فتاواه في مجلد وهي مفيدة جدا..) (2). 3 - عبد الغفار بن ابراهيم العكى العد ثاني: (الامام العلامة نور الدين علي بن عبد الله.. وله مصنفات مفيدة.. وكلها في غاية الاتقان والتحقيق والتحرير والتدقيق. توفي بطيبة المشرفة) (3). 4 - محمد بن يوسف الشامي في ذكر رموز سيرته: " أو (السيد) فالامام العلامة شيخ الشافعية بطيبة نور الدين السمهودي (4). 5 - ووصفه الشيخ عبد الحق الدهلوى: ب‍ " السيد العالم الكامل أوحد العلماء الاعلام عالم مدينة خير الانام نور الدين.. مات ضحى يوم لليلة بقيت من ذي القعدة عام احدى عشر وتسعمائة ودفن في البقيع عند قبر الامام مالك.. " (5).


1) الضوء اللامع لاهل القرن التاسع 5 / 245. 2) النور السافر عن أحوال القرن العاشر. حوادث سنة: 911. 3) عجالة الراكب وبلغة الطالب - مخطوط. 4) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد - مقدمة الكتاب. 5) جذب القلوب - مقدمة الكتاب.

[360]

6 - واحتج محمد بن عبد الرسول البرزنجي بكتب السمهودي في كتابه (الاشاعة لاشراط الساعة) وذكر في ديباجته في ضمن مآخذه (كتب الامام الشريف نور الدين علي السمهودي كتاريخ المدينة وجواهر العقدين) (1). 7 - ووصفه محمود بن علي الشيخاني القادري ب‍ (السيد الجليل) مع الاعتماد على رواياته (2). 8 - وذكر الشيخ ابراهيم الكردي أحاديث في الرد على الفلاسفة ثم قال: (أورد هذه الاحاديث عالم المدينة ومفتيها العلامة السيد نور الدين.. في كتاب جواهر العقدين، وقد أخبرنا بالكتاب كله شيخنا أيده الله تعالى قراءة للبعض واجازة للكل..) (3). 9 - وقال أحمد بن الفضل بن محمد باكثير المكى في (وسيلة المآل في عد مناقب الال): (وقد أكثرت العلماء في هذا الشأن وجمعت من جواهر مناقبهم الشريفة ما يجمل به جيد الزمان، ومن أحسن ما جمعت في تلك التاليف وانفع ما نقلت منه في هذا التصنيف كتاب جواهر العقدين في فضل الشرفين لعلامة الحرمين السيد السمهودي تغمده الله برحمته) (4). 10 - ووصفه محمد بن معتمد خان البدخشي ب‍ (السيد السند نور الملة والدين..) (5). 11 - وقال تاج الدين الدهان المكي: (تواريخ المدينة الشريفة لعالمها


1) الاشاعة لاشراط الساعة. مقدمة الكتاب. 2) الصراط السوي في مناقب آل النبي - مخطوط. 3) بلغة المسير الى توحيد الله العلي الكبير. 4) وسيلة المآل في عد مناقب الآل - مخطوط. 5) مفتاح النجا - مخطوط.

[361]

الامام الحجة السيد الشريف نور الدين..) (1). 12 - ووصفه احمد بن عبد القادر العجيلي ب‍ (امام السادة والعلماء) (2). 13 - وذكره رشيد الدين خان الدهلوي فيمن ألف وصنف في فضائل الائمة من العترة الطاهرة من عظماء علماء أهل السنة، حيث ذكر كتابه (جواهر العقدين) ووصف مؤلفه ب‍ (الامام) (3). { 7 } رواية ابن الصباغ ورواه أيضا الشيخ نور الدين علي بن محمد المعروف بابن الصباغ المالكي عن تفسير الثعبلي كما مر مرارا وعبر عن الثعلبي ب‍ (الامام) (4). ترجمة ابن الصباغ والتعريف بكتابه وابن الصباغ من مشاهير علماء المالكية ومن أكابر مشايخهم المعتمدين، وقد وصفه العجيلي لدى النقل عنه ب‍ (الشيخ الامام علي بن محمد الشهير بابن الصباغ من علماء المالكية). وذكر محمد بن عبد الله المطيري المدني الشافعي لدى النقل عنه أن ابن الصباغ من العلماء العاملين الاعيان.


1) كفاية المتطلع في مرويات الشيخ حسن العجيمي - مخطوط. 2) ذخيرة المآل - مخطوط. 3) ايضاح لطافة المقال لمحمد رشيد الدهلوي. 4) الفصول المهمة: 42.

[362]

كما اكثر من النقل عن كتابه (الفصول المهمة) جماعة من أعيان علماء أهل السنة كالحلبي في (سيرته) والصفوري في (نزهة المجالس) والشيخاني القادري في (الصراط السوي) والعجيلي في (ذخيرة المآل) والسمهودي في (جواهر العقدين). { 8 } رواية المحدث الشيرازي ورواه السيد جمال الدين عطاء الله بن فضل الله المحدث الشيرازي في (الاربعين في مناقب أمير المؤمنين) حيث قال: (الحديث الثالث عشر: عن جعفر بن محمد عن آبائه الكرام (عليهم السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث كان - وفي رواية: اللهم أعنه وأعن به وارحمه وارحم به وانصره وانصر به - فشاع ذلك وطار في البلاد فبلغ ذلك الحارث ابن النعمان الفهري فأتى رسول الله " ص " على ناقة له ونزل بالابطح عن ناقته وأناخها، فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد ان لا اله الا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصوم فقبلناه منك، وأمرتنا بالحج فقبلناه منك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. فهذا شئ منك أم من الله عزوجل ؟ فقال النبي " ص ": والذي لا اله الا هو ان هذا من الله عزوجل، فولى

[363]

الحارث بن النعمان وهو يريد راحلته وهو يقول: اللهم ان كان ما يقوله محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم. فما وصل الى راحلته حتى رماه الله عزوجل بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله. وأنزل الله عزوجل: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (1). الثناء على المحدث الشيرازي والسيد جمال الدين الشيرازي من كبار علماء أهل السنة الاثبات ومن مشايخ (الدهلوي) في الاجازة كما لا يخفى على ناظر رسالته في (أصول الحديث). وجعله الملا علي القاري من المشايخ الكبار. كما وصفه بالاوصاف العظيمة في مقدمة كتابه (المرقاة في شرح المشكاة). واعتمد على رواياته جماعة من أساطين علمائهم كالشيخ عبد الحق الدهلوي في (مدارج النبوة) والديار بكري في (الخميس) وولي الله الدهلوي في (ازالة الخفاء) كما لا يخفى على من راجع الكتب المذكورة. { 9 } رواية المناوي وروي الشيخ شمس الدين عبد الرؤف بن تاج العارفين المناوي الحديث المذكور حيث قال بشرح حديث الغدير: (وفي تفسير الثعلبي عن ابن عيينة قال: ان النبي (صلى الله عليه وسلم) لما قال ذلك طار في الافاق فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله " ص " فقال: يا محمد..) (2).


1) الاربعين - مخطوط. 2) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 6 / 281.

[364]

ترجمة المناوي وترجم محمد أمين بن فضل الله المحبي الدمشقي للمناوي ترجمة حافلة نلخصها فيما يلي بلفظه: (عبد الرؤف بن تاج العارفين الامام الكبير الحجة الثبت القدوة صاحب التصانيف السائرة وأجل أهل عصره من غير ارتياب وكان اماما فاضلا زاهدا عابدا قانتا لله خاشعا له كثير النفع، وكان متقربا بحسن العمل مثابرا على التسبيح والاذكار صابرا صادقا، وكان يقتصر يومه وليلته على أكلة واحدة من الطعام، قد جمع من العلوم والمعارف على اختلاف أنواعها وتباين أقسامها ما لم يجتمع في أحد ممن عاصره، انقطع عن مخالطة الناس وانعزل في منزله وأقبل على التاليف فصنف في غالب العلوم، ثم ولى تدريس المدرسة الصالحية فحسده أهل عصره وكانوا لا يعرفون مزية علمه لانزوائه عنهم، ولما حضر الدرس فيها ورد عليه من كل مذهب فضلاؤه منتقدين عليه فأذعنوا لفضله وصار أجلاء العلماء يبادرون لحضوره، واخذ عنه منهم خلق كثير منهم: الشيخ سليمان البابلي، والسيد ابراهيم الطاشكندي، والشيخ علي الاجهوري الولي المعتقد، وأحمد الكلبي وولده الشيخ محمد وغيرهم. وكان ذلك لم يخل من طاعن وحاسد حتى دس عليه السم، فتوالى عليه بسبب ذاك نقص في أطرافه وبدنه من كثرة التداوي. بالجملة فهو أعلم علماء هذا التاريخ آثارا ومؤلفاته غالبا متداولة كثيرة النفع، وللناس عليها تهافت زائد ويتغالون في أثمانها، وأشهرها شرحاه على الجامع الصغير وشرح السيرة المنظومة للعراقي.

[365]

وكانت ولادته في سنة 952 وتوفي سنة 1031) (1). ترجمة المحبي مادح المناوي وترجم محمد أفندي بن علي أفندي المرادي البخاري الدمشقي مفتي الحنفية لمحمد أمين المحبي بقوله: (محمد الامين بن فضل الله.. فريد العصر ويتيمة الدهر المؤرخ الذي بهر العقول بانشائه البديع الشاعر الماهر الذي هو ببيانه لها روت ساحر. ولد بدمشق سنة 1061.. وكان يكتب الخط الحسن العجيب، وألف مؤلفات حسنة بعد أن جاوز العشرين.. وكانت وفاته في ثاني عشر جمادي الاولى سنة 1111..) (2). { 10 } رواية العيدروس وكذلك رواه شيخ بن عبد الله بن شيخ عبد الله العيدروس باعلوي عن الثعلبي في تفسيره. ترجمة العيدروس والثناء عليه وترجم المحبي للعيدروس المذكور بما هذا ملخصه: (شيخ بن عبد الله ابن شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس اليمني، الاستاذ الكبير المحدث الصوفي الفقيه، اشتغل على والده، أخذ عنه علوما كثيرة ولبس منه


1) خلاصة الاثر 2 / 412. 2) سلك الدرر في اعيان القرن الثاني عشر 4 / 86.

[366]

الخرقة وتفقه، ورحل الى الشحر واليمن والحرمين في سنة 1016، ثم رحل الى الهند فدخلها في سنة 1025، وأخذ عن عمه الشيخ عبد القادر بن شيخ وكان يحبه ويثني عليه وبشره ببشارات وألبسه الخرقة وحكمه وكتب له اجازة مطلقة في احكام التحكيم. ثم قصد اقليم الدكن واجتمع بالوزير الاعظم عنبر وبسلطانه برهان نظام شاه، وحصل له عندهما جاه عطيم، وأخذ عنه جماعة، ثم سعى بعض المردة بالنميمة فأفسدوا أمر تلك الدائرة ففارقهم صاحب الترجمة، وقصد السلطان ابراهيم عادلشاه فأجله وعظمه وتبجح السلطان بمجيئه إليه وعظم أمره في بلاده، وكان لا يصدر الا عن رأيه، وسبب اقباله الزائد عليه أنه وقع له حال اجتماعه به كرامة وهي: ان السلطان كانت أصابته في مقعدته جراحة منعته الراحة والجلوس وعجزت عن علاجه حذاق الاطباء وكان سببها أن السيد الجليل علي بن علوي دعا عليه بجرح لا يبرأ، فلما أقبل صاحب الترجمة ورآه على حالته أمره أن يجلس مستويا فجلس من حينئذ وبرأ منها. وكان السلطان ابراهيم رافضيا فلم يزل به حتى أدخله في عداد أهل السنة. فلما رأى أهل تلك المملكة انقياد السلطان إليه اقبلوا عليه وهابوه، وحصل كتبا نفيسه، واجتمع له من الاموال ما لا يحصى كثرة.. ولم يزل مقيما عند السلطان ابراهيم عادلشاه حتى مات السلطان، فرحل صاحب الترجمة الى دولت آباد.. الى ان مات سنة 1041. وكانت ولادته في سنة 993) (1). ووصفه الشيخاني القادري لدى النقل عنه بأوصاف حميدة جليلة قال: (وفي العقد النبوي والسر المصطفوي للشيخ الامام والغوث الهمام بحر الحقائق والمعارف السيد السند والفرد الامجد الشريف الحسيني المسمى بالشيخ بن


1) خلاصة الاثر 2 / 235. (*)

[367]

عبد الله..) (1). وان محمد محبوب عالم ينقل في مواضع من تفسيره (تفسير شاهي) عن كتاب (العقد النبوي) المذكور للعيدروس اليمني. { 11 } رواية الشيخاني وروى محمود بن محمد الشيخاني القادري حديث نزول الاية الكريمة حيث قال: (وقد مر مرارا قوله (صلى الله عليه وسلم): من كنت مولاه فعلي مولاه. الحديث. قالوا: وكان الحارث بن النعمان مسلما فلما سمع حديث من كنت مولاه فعلي مولاه شك في نبوة النبي " ص " ثم قال: اللهم ان كان ما يقوله محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم. ثم ذهب ليركب راحلته فما مشى نحو ثلاث خطوات حتى رماه الله عزوجل بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله. فأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (2). وهذا الرجل من علماء أهل السنة المعتمدين، وقد نقل عنه واعتمد عليه رشيد الدين خان الدهلوي في كتابه (غرة الراشدين).


1) الصراط السوي في مناقب آل النبي - مخطوط. 2) المصدر نفسه - مخطوط.

[368]

{ 12 } رواية الحلبي وروى نور الدين علي بن ابراهيم الحلبي بقوله: (قال بعضهم: ولما شاع قوله " ص ": من كنت مولاه فعلي مولاه في سائر الامصار وطار في جميع الاقطار فبلغ الحارث بن النعمان الفهري فقدم المدينة وأناخ راحلته عند باب المسجد فدخل والنبي " ص " جالس وحوله أصحابه فجاء حتى جثى بين يديه ثم قال: يا محمد انك أمرتنا أن نشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله فقبلنا ذلك منك، وأمرتنا أن نصلي في اليوم والليلة خمس صلوات ونصوم شهر رمضان ونزكي أموالنا ونحج البيت فقبلنا ذلك منك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شئ من الله أو منك ؟ فاحمرت عينا رسول الله " ص " وقال: والله الذي لا اله الا هو انه من الله وليس مني. قالها ثلاثا. فقام الحارث وهو يقول: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك - وفي رواية: اللهم ان كان ما يقول محمد حقا - فأرسل علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم. فوالله ما بلغ باب المسجد حتى رماه الله بحجر من السماء فوقع على رأسه وخرج من دبره، فمات. وأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع. الاية) (1).


1) السيرة الحلبية 3 / 337.

[369]

ترجمة نور الدين الحلبي 1 - عبد الله بن حجازي الشرقاوي: (العلامة الفاضل واللوذعي الكامل شيخ الاسلام وبركة الانام الشيخ علي الحلبي صاحب السيرة الحلبية المشهورة..) (1). 2 - المحبى: (الامام الكبير أجل أعلام المشايخ وعلامة الزمان، كان جبلا من جبال العلم وبحرا لا ساحل له، واسع الحكم، علامة جليل المقدار جامعا لاشتات العلى صارفا نقد عمره في بث العلم النافع ونشره، وحظي فيه حظوة لم يحظها أحد مثله، فكان درسه مجمع الفضلاء ومحط رحال النبلاء، وكان غاية في التحقيق حاد الفهم قوي الفكرة متحريا في الفتاوى جامعا بين العلم والعمل صاحب جد واجتهاد، عم نفعه الناس فكانوا يأتونه لاخذ العلم عنه من البلاد، مهابا عند خاصة الناس وعامتهم، حسن الخلق والخلق ذا دعابة لطيفة في درسه مع جلالة، وكان الشيوخ يثنون عليه بما هو أهله من الفضل التام ومزيد الجلالة والاحترام. ولد بمصر في سنة 975، وألف المؤلفات البديعة منها: السيرة النبوية التي سماها انسان العيون في سيرة النبي المأمون في ثلاث مجلدات، اختصرها من سيرة الشيخ محمد الشامي وزاد أشياء لطيفة الموقع، وقد اشتهرت اشتهارا كثيرا وتلقتها أفاضل العصر بالقبول حررها تحريرا مع الشيخ سلطان. وكانت وفاته يوم السبت آخر يوم من شعبان سنة 1044) (2).


1) التحفة البهية في طبقات الشافعية للشرقاوي. 2) خلاصة الاثر 3 / 122 ملخصا.

[370]

{ 13 } رواية أحمد بن باكثير وروى أحمد بن الفضل بن محمد باكثير نزول آية (سأل سائل بعذاب واقع) في واقعة غدير خم عن الثعلبي حيث قال: (روى الثعلبي في تفسيره: ان سفيان ابن عيينة رحمه الله سئل عن قوله عزوجل سأل سائل بعذاب واقع، فيمن نزلت ؟ فقال للسائل: سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن جعفر ابن محمد عن آبائه رضي الله عنهما، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ناقة فنزل بالابطح عن ناقته وأناخها وقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك، وأمرتنا بالحج فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا. فقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شئ منك أو من الله عزوجل ؟ فقال النبي " ص ": والذي لا اله الا هو ان هذا من الله عزوجل. قال: فولى الحارث بن النعمان - وهو يريد راحلته - وهو يقول: اللهم ان كان ما يقول حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل الى راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته حتى خرج من دبره فقتله.

[371]

فأنزل الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) (1). ترجمة ابن باكثير المكي وقد ترجم محمد أمين المحبي لابن باكثير المكي بقوله: (الشيخ أحمد ابن الفضل بن محمد باكثير المكي الشافعي من ادباء الحجاز وفضلائها المتمكنين، كان فاضلا أديبا له مقدار علي وفضل جلي، وكان له في العلوم الفلكية وعلم الاوفاق والزابرجايد عالية. وكان له عند أشراف مكة منزلة وشهرة، وكان في الموسم يجلس في المكان الذي يقسم فيه الصر السلطاني بالحرم الشريف بدلا عن شريف مكة. ومن مؤلفاته: حسن المآل في مناقب الال.. وكانت وفاته سنة 1047 بمكة ودفن بالمعلاة) (2). ووصفه رضي الدين محمد بن علي بن حيدر لدى النقل عنه في كتابه (تنضيد العقود السنية بتمهيد الدولة الحسينية) بقوله: (قال أحمد صاحب الوسيلة وهو الثقة الامين في كل فضيلة..) { 14 } رواية محبوب عالم ورواه محبوب عالم - وهو من أكابر علماء أهل السنة وعرفائهم - في تفسيره المعروف (تفسير شاهي) الذي أثنى عليه (الدهلوي) وغيره من علمائهم رواه عن (العقد النبوي) عن (تفسير الثعلبي).


1) وسيلة المآل في عد مناقب الال - مخطوط. 2) خلاصة الاثر في أعيان القرن الحادي عشر 1 / 271 - 273.

[372]

{ 15 } رواية محمد صدر العالم ورواه محمد صدر العالم عن تفسير الثعلبي كذلك حيث قال: (أخرج الثعلبي في تفسيره: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يوما اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فسمع ذلك واحد من الكفرة من جملة الخوارج، فجاء الى النبي " ص " فقال: يا محمد هذا من عندك أو من عند الله ؟ فقال النبي " ص " هذا من عند الله، فخرج الكافر من المسجد وقام على عتبة الباب وقال: ان كان ما يقوله حقا فأنزل علي حجرا من السماء، قال: فنزل حجر ورضخ رأسه فنزل قوله: سأل سائل. الاية) (1). { 16 } رواية محمد بن اسماعيل الامير ورواه محمد بن اسماعيل بن صلاح الامير الصنعاني عن تفسير الثعلبي ثم قال: (قلت: وذكره الحافظ العلامة أبو سعود الرومي في تفسيره الشهير) (2). الثناء على محمد بن اسماعيل الامير قال أحمد بن عبد القادر العجيلي الشافعي: (وأولاد الامام المتوكل علماء جهابذة وأبرار، أعظمهم ولده الامام المؤيد بالله محمد بن اسماعيل، قرأ كتب


1) معارج العلى في مناقب المرتضى - مخطوط. 2) الروضة الندية - شرح التحفة العلوبة.

[373]

الحديث وبرع فيها. كان اماما في الزهد والورع، يعتقده العامة والخاصة ويأتونه بالنذور فيردها ويقول: ان قبولها تقرير لهم على اعتقادهم انه من الصالحين وهو يخاف أنه من الهالكين.. ومن أعيان آل الامام: السيد المجتهد الشهير المحدث الكبير السراج المنير محمد بن اسماعيل الامير مسند الديار ومجدد الدين في الاقطار، صنف أكثر من مائة مؤلف، وهو لا ينسب الى مذهب بل مذهبه الحديث..). وقال: (وسيدنا الامام محمد بن اسماعيل الامير رضي الله عنه أخذ عن علماء الحرمين واستجاز منهم وارتبط بأسانيدهم وقرأ على الشيخ عبد الخالق ابن الزين المزجاجي والشيخ عليه واستجاز منه واسند عنه مع تمكنه من علوم الال وتأصله) (1). وقال صديق حسن القنوجي: (ارشاد النقاد الى تيسير الاجتهاد للامام بدر الملة المنير محمد بن اسماعيل اليمني الامير المتوفى سنة 1182..) (2). كما ذكر كتبا أخرى له مع الثناء عليها وعلى مؤلفها، ووصفه بالاوصاف الجليلة. { 17 } رواية أحمد بن عبد القادر ورواه أحمد بن عبد القادر الشافعي في كتابه (ذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللئال) عن الثعلبي معبرا عنه ب‍ " الامام ".


1) ذخيرة المآل - مخطوط. 2) اتجاف النبلاء المتقين باحياء مآثر الفقهاء والمحدثين.

[374]

الثناء عليه وعلى كتابه وقد وصفه الشيخ أحمد بن محمد الانصاري اليمني الشرواني لدى النقل عنه بأوصاف جليلة حيث قال: (وما أحسن قول محب الال العارف المفضال شهاب الدين أحمد بن عبد القادر الحفظي الشافعي رحمه الكبير المتعال في منظومته المسماه بعقد جواهر اللال: وآية التطهير فيهم نزلت * وأذهبت رجسهم وطهرت لما تلاها قام يدعو أهله * في بيت سكناه وخص آله أدخلهم تحت الكسا وجللا * جميعهم ثم دعا وابتهلا وقال اللهم هؤلاء * هم أهل بيتي وهم عصائي اني لمن حاربهم حرب ومن * سالمهم سلم على مر الزمن وانني منهم وهم مني فصل * عليهم أزكى صلاة وأجل وارحم وبارك وارض عنهم واغفر * والرجس أذهب عنهم وطهر فهذه الاية أصل القاعدة * ومنبع الفضل لكل عائدة وانما حرف يفيد الحصرا * ويقصر المراد فيهم قصرا فلا يريد الله فيهم غير أن * يذهب عنهم كل رجس ودرن مؤكدا تطهيرهم بالمصدر * منكرا اشارة للعبقري ومنها: " وكل أعدائهم والجافي * فلا نواليهم ولا نصافي قد قطعوا ما أمروا بوصله * وما رعوا ذمة خير رسله عقوه في أولاده وهجروا * ونقضوا عهودهم وغدروا ما عذرهم يوم اللقا والحجة * وكيف ينجو غارق في اللجة ؟

[375]

ماذا يقولون إذا ما سئلوا * وشهد الله على ما فعلوا ؟ وهم بذاك اليوم في هوان * تطأهم الاقدام كالجعلان ويحكم الله بحكم الحق * بينهم وبين أهل العق والمصطفى والمرتضى وفاطمة * قد حضروا في مجلس المخاصمة يا حسرة عليهم لا تنقضي * وخجلة لمن جفا ومن رضي وما جرى فقد مضى وانما * ياويل من والى لمن قد ظلما وكل من يسكت أو يلبس * ومن لعذر فاسد ملتمس فذاك مغبون بكل حال * قد ضيع الربح ورأس المال واستبدل الادنى بكل خير * وباع دينه بدنيا الغير وفي غد كل فريق يجمع * تحت لواء من له يتبع وكل أناس بامام يدعى * فاختر لمن شئت والق السمعا قال محبر هذا الكتاب أذاقه الله حلاوة عفوه يوم الحساب: وللشهاب العارف الحفظي شرح على منظومته دال على حسن عقيدته ووفور محبته لاهل البيت الرفيع وسلامته من التعصب الشنيع سماه: ذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللال. ولما كنت مقيما في الوطن كان الشهاب موجودا في برج شرفه بين الحجاز واليمن، ولا أدري اليوم أباق لمعان ذلك النور أم غاب عن الابصار بعد الظهور، لبعدي عن تلك الاقطار وانقطاع ما لم أزل مترقبا لوصوله من أخبار الاخيار الساكنين في أنفس الديار..) (1). الثناء على مادح الحفظى وأحمد الشرواني اليمني وصفه مشاهير علمائهم بأوصاف كريمة في تقاريظهم


1) المناقب الحيدرية 75 - 77.

[376]

لكتابه المذكور (المناقب الحيدرية)، فممن كتب له تقريظا هو: رشيد الدين خان الدهلوي تلميذ (الدهلوي). ومنهم: المولوي حسن علي المحدث تلميذ (الدهلوي)، ومنهم: المولوي أوحد الدين البلجرامي. وقد طبعت هذه التقاريظ في آخر كتاب (المناقب الحيدرية) فليلاحظ. { 18 } رواية الشبلنجى ورواه أيضا سيد مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي عن الثعلبي - مع التعبير عنه ب‍ " الامام " - كذلك (1).


1) نور الابصار: 78.

[377]

دلالة هذا الحديث على أفضلية علي (ع) وحديث نزول قوله عزوجل: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) في شأن الحارث بن النعمان الفهري بعد نزول العذاب عليه بسبب اعتراضه على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قاله يوم غدير خم في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو قوله " ص ": (من كنت مولاه فعلي مولاه).. صريح في دلالة هذا الكلام على أفضلية علي (عليه السلام) لانه قال للنبي في اعتراضه: (ولم ترض بهذا حتى أخذت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه). وهذا وجه آخر لسقوط تأويلات القوم لحديث الغدير ومناقشاتهم في دلالته على الافضلية والامامة، تلك الدلالة التي أذعن بها جميع المتأخرين والغائبين الذين بلغهم ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك يوم العظيم وفي ذلك الجمع الحاشد. استلزام الافضلية للامامة والافضلية تستلزم الامامة كما بينا ذلك بالتفصيل في (المنهج الاول) وسنوضحه

[378]

في البحوث الاتية انشاء الله تعالى.. ولكن لا بأس يذكر كلمات بعض أساطين أهل السنة الصريحة في لزوم كون الخليفة أفضل الناس، وأنه لا يجوز خلافة المفضول مع وجود الافضل منه في الامة: قال ابن تيمية: (أما جمهور الناس ففضلوا عثمان وعليه استقرار أهل السنة وهو مذهب أهل الدين ومشايخ الزهد والتصوف وأئمة الفقهاء كالشافعي و أصحابه وأبي حنيفة وأصحابه وهو أصح الروايتين عن مالك وعليها أصحابه. قال مالك: لا اجعل من خاض في الدماء كمن لم يخض فيها، وقال الشافعي وغيره: انه بهذا السبب قصد والي المدينة الهاشمي ضرب مالك وجعل طلاق المكره سببا ظاهرا، وهو أيضا مذهب جماهير أهل الكلام: الكرامية والكلابية والاشعرية والمعتزلة. وقال أيوب السجستاني: من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى المهاجرين والانصار، وهكذا قال أحمد بن حنبل وأبو الحسن الدارقطني وغيرهما. انهم اتفقوا على تقديم عثمان ولهذا تنازعوا فيمن لم يقدم عثمان هل يعد مبتدعا على قولين، هما روايتان عن أحمد، فإذا قام الدليل على تقديم عثمان كان ما سواه أوكد. فأما الطريق التوقيفي فالنص والاجماع، أما النص ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) حي: أفضل أمة النبي " ص " بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وأما الاجماع فالنقل الصحيح قد ثبت: ان عمر جعل الامر شورى في ستة وأن ثلاثة تركوه لثلاثة: عثمان وعلي وعبد الرحمن، وان الثلاثة اتفقوا على أن عبد الرحمن يختار واحدا منهما، وبقي عبد الرحمن ثلاثة أيام حلف أنه لم ينم فيها كثير نوم يشاور المسلمين، وقد اجتمع بالمدينة أهل الحل والعقد حتى أمراء الامصار، وبعد ذلك اتفقوا

[379]

على مبايعة عثمان بغير رغبة ولا رهبة، فيلزم أن يكون هو الاحق، ومن كان هو الاحق كان هو الافضل، فان أفضل الخلق من كان أحق أن يقوم مقام رسول الله " ص " وأبي بكر وعمر. وانما قلنا يلزم أن يكون هو الاحق لانه لو لم يكن ذلك للزم اما جهلهم واما ظلمهم، فانه إذا لم يكن أحق وكان غيره أحق فان لم يعلموا ذلك كانوا جهالا، وان علموه وعدلوا عن الاحق الى غيره كانوا ظلمة، فتبين ان عثمان ان لم يكن أحق لزم اما جهلهم واما ظلمهم وكلاهما منتف، أما أولا فلانهم أعلم بعثمان وعلي منا، وأعلم بما قاله الرسول فيهما منا، وأعلم بما دل عليه القرآن في ذلك منا، ولانهم خير القرون فيمتنع أن نكون نحن أعلم منهم بمثل هذه المسائل، مع أنهم أحوج الى علمها منا، فانهم لو جهلوا مسائل أصول دينهم وعلمنا نحن لكنا أفضل منهم وذلك ممتنع. وكونهم علموا الحق وعدلوا عنه أعظم وأعظم، فان ذلك قدح في عدالتهم وذلك يمنع أن يكونوا خير القرون بالضرورة، ولان القرآن قد أثنى عليهم ثناءا يقتضي غاية المدح فيمتنع اجماعهم واصرارهم على الظلم الذي هو ضرر في حق الامة كلها، فان هذا ليس ظلما للممنوع من الولاية بل هو ظلم لكل من منع نفعه عن ولاية الاحق بالولاية، فانه إذا كان راعيان أحدهما هو الذي يصلح للرعاية ويكون أحق بها كان منعه من رعايتها يعود بنقص الغنم حقها من نفعه، ولان القرآن والسنة دل على أن هذه الامة خير الامم وأن خيرها أولوها، فان كانوا مصرين على ذلك لزم أن تكون هذه الامة شر الامم وأن لا يكون أولوها خيرها، ولانا نحن نعلم ان المتأخرين ليسوا مثل الصحابة فان كان اولئك ظالمين مصرين على الظلم فالامة كلها ظالمة فليست خير الامم.

[380]

وقد قيل لابن مسعود لما ذهب الى الكوفة: من وليتم ؟ قال: ولينا أعلانا ذا فوق ولم نأل. وذو الفوق هو السهم، يعني أعلانا سهما في الاسلام. فان قيل: قد يكون عثمان الاحق بالامامة وعلي أفضل منه. قيل: أولا هذا السؤال لا يمكن أن يورده أحد من الامامية، لان الافضل عندهم أحق بالامامة، وهذا قول الجمهور من أهل السنة، وهنا مقامان: أما أن يقال: الافضل أحق بالامامة لكن يجوز تولية المفضول اما مطلقا واما للحاجة واما أن يقال: ليس كل من كان أفضل عند الله يكون هو الاحق بالامامة. وكلاهما منتف ههنا، أما الاول فلان الحاجة الى تولية المفضول في الاستحقاق كانت منتفية، فان القوم كانوا قادرين على تولية علي وليس هناك من ينازع أصلا ولا يحتاجون الى رغبة ولا رهبة، ولم يكن هناك لعثمان شوكة تخاف بل التمكن من تولية هذا كان كالتمكن من تولية هذا. فامتنع أن يقال: ما كان يمكن الا تولية المفضول، وإذا كانوا قادرين وهم يتصرفون للامة لا لانفسهم لم يجز لهم تفويت مصلحة الامة من ولاية الفاضل، فان الوكيل والولي المتصرف لغيره ليس له أن يعدل عما هو اصلح لمن ائتمنه مع كونه قادرا على تحصيل المصلحة، فكيف إذا كانت قدرته على الامرين سواء. وأما الثاني فلان رسول الله " ص " أفضل الخلق وكل من كان به أشبه فهو أفضل ممن لم يكن كذلك، والخلافة كانت خلافة نبوة لم تكن ملكا، فمن خلف النبي وقام مقام النبي كان أشبه بالنبي ومن كان أشبه بالنبي كان أفضل، فالذي يخلفه أشبه به من غيره والاشبه به أفضل فالذي يخلفه أفضل) (1). وقال حسن بن محمد الطيبي بشرح حديث (لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن


1) منهاج السنة 4 / 202 - 203.

[381]

يؤمهم غيره) قال: (هذا دليل على فضله على جميع الصحابة، فإذا ثبت هذا ثبت خلافته، لان خلافة المفضول مع وجود الفاضل لا تصح) (1). وقال علي بن سلطان الهروي القاري: (وأولى ما يستدل به على أفضلية الصديق رضي الله عنه في مقام التحقيق نصبه " ص " لامامة الانام مدة مرضه في الليالي والايام، ولذا قال أكابر الصحابة " رض " رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا. ثم اجماع جمهورهم على نصبه للخلافة ومتابعة غيرهم أيضا في آخر أمرهم، ففي الخلاصة رجلان في الفقه والصلاح سواء الا أن أحدهما أقرأ فقدم أهل المسجد الاخر فقد أساؤا، وكذا لو قلدوا القضاء رجلا وهو من أهله وغيره أفضل منه، وكذا الوالي، وأما الخليفة فليس لهم أن يولوا الخلافة الا أفضلهم وهذا في الخلفاء خاصة، وعليه اجماع الامة) (2). وقد نص شاه ولي الله الدهلوي على لزوم أفضلية الخليفة ولهذا ألف كتاب (قرة العينين في تفضيل الشيخين). دلالة الحديث على الامامة من وجه آخر ويدل اباء الحارث بن النعمان الفهري عن قبول كون أمير المؤمنين (عليه السلام) (المولى) - حتى انه دعا على نفسه بقوله: اللهم ان كان هذا حقا.. على أن مدلول قوله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه) أمر عظيم ومنصب جسيم لم ينله أحد أبدا، ولو كان المراد من (المولى) هو (الناصر) أو (المحب) أو غير ذلك لما كان يمتنع الحارث عن قبول ذلك ولما


1) الكاشف - شرح المشكاة - مخطوط. 2) شرح الفقه الاكبر 113 - 114.

[382]

صعب عليه الخضوع له والاذعان به. من وجوه دلالته على الامامة تكذيب ابن تيمية اياه ولما كان حديث نزول الاية الكريمة: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) في شأن الحارث بن النعمان الفهري في واقعة حديث الغدير من أوضح الادلة والبراهين على دلالة حديث الغدير على امامة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يجد ابن تيمية سبيلا الى الجواب عنه الا تكذبيه، وهذا وجه آخر يؤكد دلالة هذا الحديث على المطلوب، ولنذكر عين عبارة ابن تيمية ثم نبين مواضع بطلانها: (الوجه الثالث - أن نقول: في نفس هذا الحديث ما يدل على أنه كذب من وجوه كثيرة، فان فيه أن رسول الله " ص " لما كان بغدير يدعى خما نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، وان هذا شاع وطار بالبلاد وبلغ ذلك النعمان بن الحارث الفهري، وأنه أتى النبي " ص " على ناقة وهو بالابطح وأتى وهو في ملاء من أصحابه، فذكر أنهم قبلوا أمره بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، قال: لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، وهذا منك أو من الله ؟ فقال النبي " ص ": هو من أمر الله، فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب اليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله وأنزل الله: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين. الاية.

[383]

فيقال لهؤلاء الكذابين: أجمع الناس على أن ما قاله النبي " ص " بغدير خم كان حين مرجعه من حجة الوداع، والشيعة تسلم هذا وتجعل ذلك اليوم عيدا وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، والنبي " ص " بعد ذلك لم يرجع الى مكة بل رجع من حجة الوداع الى المدينة وعاش تمام ذي الحجة والمحرم والصفر، وتوفي في أول ربيع الاول. وفي هذا الحديث يذكر أنه قال هذا بغدير خم وشاع في البلاد وجاء الحارث وهو بالابطح والابطح بمكة. فهذا كذب جاهل لم يعلم متى كانت قصة غدير خم. وأيضا: فان هذه السورة - سورة سأل سائل - مكية باتفاق أهل العلم نزلت بمكة قبل الهجرة، فهذه نزلت قبل غدير خم بعشر سنين أو أكثر من ذلك فكيف يكون نزلت بعد ذلك ؟ وأيضا: فقوله تعالى: واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك. في سورة الانفال وقد نزلت عقيب بدر بالاتفاق قبل غدير خم بسنين كثيرة. وأيضا: فأهل التفسير متفقون على أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون للنبي " ص " بمكة قبل الهجرة كأبي جهل وأمثاله، وان الله ذكر نبيه بما كانوا يقولونه، واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك. أي أذكر قولهم اللهم. كقوله: واذ قال ربك للملائكة. واذ غدوت من أهلك. ونحو ذلك. فأمر بأن يذكر ما تقدم. فدل على ان هذا القول كان قبل نزول هذه السورة. وأيضا: فانهم لما استحقوا من الله انه لا ينزل عليهم العذاب ومحمد (صلى الله عليه وسلم) فيهم فقال تعالى: واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم. قال الله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. واتفق الناس على أن

[384]

أهل مكة لم ينزل عليهم حجارة من السماء لما قالوا ذلك. وأيضا: فلو كان هذا آية لكان من جنس آية أصحاب الفيل ومثل هذا ما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، ولو أن الناقل طائفة من أهل العلم، ولما كان هذا لا يرويه أحد من المصنفين في العلم لا المسند ولا الصحيح ولا الفضائل ولا التفسير ولا السير ونحوها، الا ما يروى بمثل هذا الاسناد المنكر علم انه كذب باطل. وأيضا: فقد ذكر في هذا الحديث ان هذا القائل آمن بمباني الاسلام الخمس، وعلى هذا فقد كان مسلما لانه قال: فقبلناه منك، ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا من المسلمين على عهد النبي " ص " لم يصبه هذا. وأيضا: فهذا الرجل لا يعرف في الصحابة بل هو من جنس الاسماء التي تذكرها الطرقية) (1). فنقول في جوابه: ان توهم بطلان هذا الحديث مندفع بوجوه: 1 - الحديث في تفسير الثعلبي لقد أورد الثعلبي الحديث في تفسيره، وهذا يدل على صحة هذا الحديث واعتباره، لما عرفت من جلالة قدر الثعلبي واعتبار تفسيره (الكشف والبيان) لدى أئمة أهل السنة وعلمائهم الاعلام. بل لقد نص الثعلبي - وهو الثقة الامين عندهم - في خطبة تفسيره المذكور على أن تفسيره (كتاب جامع مهذب يعتمد وفي علم القرآن عليه يقتصر) وأنه قد صنفه بعد (سؤال قوم من الفقهاء المبرزين والعلماء المخلصين


1) منهاج السنة 4 / 13.

[385]

والرؤساء المحتشمين) وأنه (كتاب شامل كامل مهذب ملخص مفهوم منظوم، استخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات سوى ما التقطته من التعليقات والاجزاء وتلقفته عن أفواه المشايخ الكبار وهم قريب من ثلاثمائة شيخ) قال: (نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الايجاز والترتيب، ولفقته بغاية التنقيب والتهذيب. وينبغي لكل مؤلف كتابا في فن قد سبق إليه أن لا يعدم كتابه بعض الخلال التي انا ذاكرها: أما استنباط شئ كان مغفلا، أو جمعه ان كان متفرقا، أو شرحه ان كان غامضا، أو حسن نظم وتأليف أو اسقاط حشو وتطويل. وأرجو أن لا يخلو هذا الكتاب عن هذه الخصال التي ذكرت. والله الموفق لاتمام ما نويت وقصدت). 2 - من رواته سفيان بن عيينة ان (سفيان بن عيينة) من مشاهير الائمة الموثوقين والائمة المعتمدين عند أهل السنة، واليك بعض كلماتهم في توثيقه ومدحه والثناء عليه باختصار: 1 - النووي: (سفيان بن عيينة.. روى عنه: الاعمش والثوري ومسعر وابن جريح وشعبة وهمام ووكيع وابن المبارك وابن المهدي والقطان وحماد بن زيد وقيس بن الربيع والحسن بن صالح والشافعي وابن وهب وأحمد بن حنبل وابن المديني وابن معين وابن راهويه والحميدي وخلائق لا يحصون من الائمة. وروى الثوري عن القطان عن ابن عيينة. واتفقوا على امامته وجلالته وعظم مرتبته..

[386]

ولد سفيان سنة 107 وتوفي يوم السبت غرة رجب سنة 198) (1). 2 - الذهبي: (العلامة الحافظ شيخ الاسلام. كان اماما حجة حافظا واسع العلم كبير القدر..) (2). 3 - الذهبي أيضا: (الامام أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم الكوفي شيخ الحجاز. قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز وقال ابن وهب: لا أعلم أحدا أعلم بالتفسير منه. وقال أحمد العجلي: كان حديثه نحوا من سبعة الاف حديث ولم يكن له كتاب. وكان ثبتا في الحديث. وقال بهز بن أسد: ما رأيت مثل ابن عيينة، فقيل: ولا شعبة ؟ قال: ولا شعبة. وقال أحمد: ما رأيت أحدا أعلم بالسنن منه) (3). 4 - الذهبي أيضا: (أحد الاعلام، ثقة ثبت حافظ امام) (4). 5 - اليافعي: (وفي أول رجب منها توفي شيخ الحجاز وأحد الاعلام أبو محمد سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم الكوفي الحافظ نزيل مكة وله أحدى وتسعون سنة وحج سبعين حجة. قال الشافعي: لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز، وقال ابن وهب: لا اعلم أحدا أعلم بالتفسير من ابن عيينة. وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت أحدا اعلم بالسنن من ابن عيينة. وقال غيرهم من العلماء: كان اماما عالما ثبتا ورعا مجمعا على صحة حديثه..) (5).


1) تهذيب الاسماء واللغات 1 / 224. 2) تذكرة الحفاظ 1 / 262. 3) العبر حوادث 197. 4) الكاشف 1 / 379. 5) مرآة الجنان حوادث سنة 198.

[387]

3 - الحديث في وسيلة المآل ان ذكر صاحب كتاب (وسيلة المآل) هذا الحديث في كتابه المذكور من الوجوه الدالة على اعتباره، لما سيأتي من التزامه بايراد الاحاديث المعتبرة من الاحاديث التي صححها العلماء في هذا الكتاب. وبمثل هذا صرح بعض العلماء الاخرين الذين رووا هذا الحديث في كتبهم كالسمهودي في (جواهر العقدين) وسبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) والزرندي في (نظم درر السمطين) والشيخاني القادري في (الصراط السوي). 4 - السكوت على الحديث بعد نقله دليل القبول لقد ذكر (الدهلوي) في الباب الرابع من كتابه (التحفة) أن السكوت على حديث بعد نقله - وان كان عن طريق المخالفين في الاعتقاد - دليل على التسليم به وقبوله. وعلى هذا الاساس فان نقل هذه الكثرة من العلماء المشاهير من أهل السنة لهذا الحديث وسكوتهم عن الطعن فيه دليل على تصحيحهم له وقبولهم اياه لاسيما وانهم يروونه في كتبهم عن طرقهم لا عن طريق المخالفين لهم. وقد وافق رشيد الدين الدهلوي استاذه (الدهلوي) على هذا الذي ذكره ونص عليه. الجواب عن شبهات ابن تيمية واذ قد عرفت اعتبار حديث نزول الاية: (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين

[388]

ليس له دافع) في حق الحارث بن النعمان في واقعة غدير خم، وثبت بطلان دعوى ابن تيمية بطلان الحديث المذكور وكذبه، نشرع في الجواب عن شبهات هذا المتعصب العنيد حول هذا الحديث ودفعها بايجاز: 1 - ليس (الابطح) بمكة فحسب فأول ما قاله ابن تيمية هو انه: (أجمع الناس على أن ما قاله النبي " ص " بغدير خم كان حين مرجعه من حجة الوداع. والنبي بعد ذلك لم يرجع الى مكة بل رجع من حجة الوداع الى المدينة.. وفي هذا الحديث يذكر انه قال هذا بغدير خم وشاع في البلاد وجاء الحارث وهو بالابطح والابطح بمكة، فهذا كذب جاهل لم يعلم متى كانت قصة غدير خم). وهذا كلام من لم يعلم معنى (الابطح) فظن أنه بمكة فقط ولا يقال لغيرها أبطح، وهذا باطل جدا، فليس المراد من الابطح في هذا الحديث أبطح مكة ولا أن الابطح منحصر بأبطح مكة. بل قال الجوهري: (الابطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والجمع الاباطح والبطحاء أيضا على غير القياس. قال الاصمعي: يقال بطاح وبطح كما يقال عوام وعوم حكاه أبو عبيدة، والبطيحة والبطحاء مثل الابطح ومنه بطحاء مكة) (1). وقال أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي: (البطحاء مسيل ماء فيه رمل وحصى، ومنها بطحاء مكة: ويقال له الابطح أيضا وهو من البطح النبط) (2). وقال الفيروز آبادي: (والبطح ككتف والبطيحة والبطحاء والابطح


1) الصحاح: بطح. 2) المغرب في ترتيب المعرب: بطح.

[389]

مسيل واسع فيه دقاق الحصى. ج أباطح وبطاح وبطائح، وتبطح السيل اتسع في البطحاء. وقريش البطاح الذين ينزلون بين أخشبى مكة) (1). وقال ابن الاثير: (وفي حديث عمر أنه أول من بطح المسجد وقال: ابطحوه من الوادي المبارك، أي ألقى فيه البطحاء وهو الحصى الصغار، وبطحاء الوادي وأبطحه حصاه اللبن في بطن المسيل، ومنه الحديث: انه صلى بالابطح يعني أبطح مكة مسيل واديها، ويجمع على البطاح والاباطح، ومنه قيل قريش البطاح هم الذين ينزلون أباطح مكة وبطاحها) (2). وقال السيوطي: (وأبطح مكة مسيل واديها، الجمع بطاح وأباطح وقريش البطاح الذين ينزلون أباطح مكة) (3). وقال الفتني: (صلى بالابطح أي مسيل وادي مكة) (4). وقال الشيخ حسن البوريني بشرح قول ابن الفارض: (أسعد أخي وغنني بحديث من * حل الاباطح ان رعيت اخائي) قال: (والاباطح جمع الابطح وهو مسيل واسع فيه دقاق الحصى) (5). وقال الشيخ عبد الغني النابلسي بشرحه: (كنى بمن حل الاباطح عن الروح الذي هو من أمر الله المفتوح منه في الاجسام الانسانية الكاملة العرفان) (6). وكذا قال البوريني بشرح قول ابن الفارض:


1) القاموس المحيط: بطح 2) النهاية الاثيرية: بطح. 3) النثير في مختصر النهاية لابن الاثير: بطح. 4) مجمع البحار: بطح. 5) شرح ديوان ابن الفارض للبوريني. 6) شرح ديوان ابن الفارض.

[390]

(يا ساكني البطحاء هل من عودة * أحبى بها يا ساكني البطحاء) (1). وقوله: (وإذا وصلت الى ثنيات اللوى * فانشد فؤادا بالابيطح طاحا) (2). وقال القاضي أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق بشرح قول البوصيري: (وأحيت السنة البيضاء دعوته * حتى حكت غرة في الاعصر الدهم بعارض جاد أو خلت البطحاء بها * سيب من اليم أو سيل من العرم) قال: (والابطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى، والجمع الاباطح والبطاح أيضا على غير قياس، وبطاح بطح كعوام عوم، والبطيحة والبطحاء مثل الابطح ومنه بطحاء مكة وبطائح النبط بين العراقين، وتبطح السيل اتسع في البطحاء) (3). وقال سعد التفتازاني: (وقد تحصل الغرابة بتصرف في الاستعارة العامية كما في قوله: أخذنا بأطراف الاحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطي الاباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء فيه دقاق الحصى) (4). بل لقد استعمل (الابطح) استعمال اسم الجنس في أشعار العرب الجاهليين ففي قصيدة عمرو بن كلثوم (وهي القصيدة الخامسة من القصائد السبع المعلقات): (يدهدون الرؤس كما تدهدي * حزاورة بأبطحها الكرينا) قال شارحه الزوزني: (الحزور الغلام الغليظ الشديد والجمع الحزاورة * (هامش *) 1) شرح ديوان ابن الفارض 2 / 22. 2) المصدر 2 / 41. 3) الاستيعاب في شرح البردة البوصيرية. 4) شرح مختصر تلخيص المفتاح.

[391]

يقول: يدحرجون رؤس أقرانهم كما يدحرج الغلمان الغلاظ والشداد الكرات في مكان مطمئن). وقال بشرح قوله. " وقد علم القبائل من معد * إذا قبب بأبطحها بنينا " قال: (يقول: قد علمت قبائل معد إذا بنيت قبابها بمكان أبطح، والقبب والقباب جمع قبة) (1). شعر حيص بيص وترجمته ومن الشواهد شعر حيص بيص في قصة ذكرها ابن خلكان بترجمته وهذا نص ما حكاه: (وقال الشيخ نصر الله بن مجلى مشارف الصناعة بالمخزن - وكان من ثقات أهل السنة - رأيت في المنام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقلت له: يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ثم يتم على ولدك الحسين يوم الطف ماتم ؟. فقال: أما سمعت ابيات ابن الصيفي في هذا ؟ فقلت: لا. فقال: اسمعها منه. ثم استيقظت فبادرت الى دار حيص بيص فخرج الي فذكرت له الرؤيا فشهق وأجهش بالبكاء وحلف بالله ان كانت خرجت من فمي أو خطي الى أحد وان كنت نظمتها الا في ليلتي هذه - ثم أنشدني: ملكنا فكان العفو منا سجية * فلما ملكتم سال بالدم أبطح وحللتم قتل الاساري وطالما * غدونا على الاسرى نعفو ونصفح فحسبكم هذا التفاوت بيننا * وكل اناء بالذي فيه ينضح) و " حيص بيص " هذا شاعر مشهور، وفقيه شافعي، عنونه ابن خلكان


1) شرح المعلقات للزوزنى: 113 - 114.

[392]

بقوله: (أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي الملقب شهاب الدين المعروف بحيص بيص الشاعر المشهور كان فقيها شافعي المذهب، تفقه بالري على القاضي محمد بن عبد الكريم الوزان، وتكلم في مسائل الخلاف الا أنه غلب عليه الادب ونظم الشعر وأجاد فيه مع جزالة لفظه، وله رسائل فصيحة بليغة. ذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب الذيل وأثنى عليه وحدث بشئ من مسموعاته، وقرأ عليه ديوانه ورسائله، وأخذ الناس عنه أدبا وفضلا كثيرا، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم.. وكانت وفاته ليلة الاربعاء سادس شعبان سنة 574 ببغداد..) (1). وذكره أيضا أبو محمد اليافعي وأثنى عليه كذلك. ثم أورد القصة المذكورة (2). وقد أوردها أيضا الشيخ أحمد الخفاجي بترجمة قطب الدين محمد بن أحمد المكي النهرواني (3) والمحبي بترجمة عبد الله بن قادر (4). واذ عرفت ان " الابطح " اسم لمطلق المسيل الذي فيه دقاق الحصى وليس اسما لمكان خاص بمكة الكريمة لم يبق عندك ريب في صحة ما جاء في الحديث المذكور، وبطل ما أورده ابن تيمية من هذه الناحية، إذ لا مانع من اطلاق هذا الاسم على بعض الاودية بالمدينة المنورة. بل لقد كانت في هذه البلدة الطيبة مواضع تسمى بهذا الاسم، فقد قال نور الدين السمهودي في كتاب (خلاصة الوفا باخبار دار المصطفى): في بقاعها وآطامها وبعض أعمالها وأعراضها وجبالها: (البطحاء، يدفع فيها طرف عظم


1) وفيات الاعيان 2 / 106 - 108. 2) مرآة الجنان حوادث 574. 3) ريحانة الالباء 1 / 414 - 415. 4) خلاصة الاثر في اعيان القرن الحادي عشر.

[393]

الشامي وما دبر من الصلصلين، وتدفع هي من بين الجبلين في العقيق) (1).. فمن هذه العبارة يعلم ان هناك مكانا مسمى بهذا الاسم في المدينة المنورة وهو معروف به، وقد علمت سابقا من عبارات اللغويين أن البطحاء والابطح بمعنى واحد. كما يتضح ذلك من كلام ابن الحاجب حيث قال: (والصفة نحو عطشى على عطاش، ونحو حرما على حرامي، ونحو بطحاء على بطاح) وقال الجاربردي بشرحه: (ثم ذكر الممدود كبطحاء وهي مسيل واسع فيه دقاق الحصى ومنه بطحاء مكة) (2). وقال السيوطي بشرح قول الفرزدق: " تنح عن البطحاء ان قديمها * لنا والجبال الراسيات القوارع " قال: (والبطحاء الموضع الواسع واراد هنا ببطحاء: مكة) (3). فظهر أنه لا مانع من اطلاق (الابطح) على (بطحاء المدينة المنورة). وقال السمهودى بعد أن نقل قول أبي عبيدة في بيان العقيق: (وقال غيره: أعلى أودية العقيق النقيع، وصدور العقيق ما دفع في النقيع من قدس وما أقبل من الحرة ويقال له: بطاويح فيصب ذلك في النقيع على أربعة برد من المدينة في يمانيها) (4). بل هناك في المدينة المنورة موضع اسمه (الابطح) وبه صرح الحسين ابن معين الميبدي بشرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام):


1) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى: 246. 2) شرح الشافية 90 - 91. 3) شرح شواهد مغنى اللبيب 1 / 14. 4) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى: 236.

[394]

(يهددني بالعظيم الوليد * فقلت أنا ابن أبي طالب أنا ابن المجبل بالابطحين * وبالبيت من سلفي غالب فلا تحسبني أخاف الوليد * ولا انني منه بالهائب) (1). 2 - لا مانع من تكرر نزول آية سأل سائل واعترض ابن تيمية على حديث سفيان بن عيينة بأن سورة سأل سائل مكية فكيف يقال بأنها نزلت في شأن الحارث بن النعمان في واقعة غدير خم ؟ !. وهو اعتراض باطل جدا، فانه لا مانع عن القول بنزول هذه السورة مرتين بأن تكون قد نزلت بمكة مرة وفي الواقعة المذكورة مرة أخرى، ولقد ذكر علماء أهل السنة احتمال تكرر النزول بالنسبة الى آيات كثيرة من القرآن الكريم، قال جلال الدين السيوطي: (النوع الحادي عشر: - ما تكرر نزوله - صرح جماعة من المتقدمين والمتأخرين بأن من القرآن ما تكرر نزوله. قال ابن الحصار: قد يتكرر نزول الاية تذكيرا وموعظة، وذكر من ذلك خواتيم سورة النحل وأول سورة الروم. وذكر ابن كثير منه آية الروح، وذكر قوم منه الفاتحة، وذكر بعضهم منه قوله: ما كان النبي والذين آمنوا الاية. وقال الزركشي في البرهان: قد ينزل الشئ مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه. ثم ذكر منه آية الروح وقوله: أقم الصلاة طرفي النهار - الاية. قال: فان سورة الاسراء وهود مكيتان وسبب نزولهما يدل على أنهما نزلا بالمدينة، ولهذا أشكل ذلك على بعضهم ولا اشكال لانها نزلت مرة بعد مرة. قال: وكذلك ما ورد في سورة الاخلاص من أنها جواب المشركين بمكة وجواب لاهل الكتاب بالمدينة. وكذلك قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا.


1) الفواتح - شرح ديوان أمير المؤمنين: 197.

[395]

الاية. قال: والحكمة في هذا كله انه قد يحدث سبب من سؤال أو حادثة تقتضي نزول آية وقد نزل قبل ذلك ما يتضمنها فيوحى الى النبي (صلى الله عليه وسلم) تلك الاية بعينها تذكيرا لهم بها، وبأنها تتضمن هذه. تنبيه: قد يجعل من ذلك الاحرف التي تقرأ على وجهين فأكثر، ويدل له ما أخرجه مسلم من حديث أبي أن ربي أرسل الي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل الي أن أقرأ على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل الي أن أقرأه على سبعة أحرف: فهذا الحديث يدل على ان القراآت لم تنزل من أول وهلة بل مرة بعد أخرى. وفي جمال القراء للسخاوي بعد أن حكى القول بنزول الفاتحة مرتين فان قيل: فما فائدة نزولها مرة ثانية ؟ قلت: يجوز أن يكون نزلت أول مرة على حرف واحد ونزلت في الثانية ببقية وجوهها نحو ملك ومالك والسراط والصراط ونحو ذلك انتهى. تنبيه - أنكر بعضهم كون شئ من القرآن تكرر نزوله، كذا رأيته في كتاب الكفيل بمعاني التنزيل، وعلله بأنه تحصيل ما هو حاصل لا فائدة فيه. وهو مردود بما تقدم من فوائده، وبأنه يلزم منه أن يكون كلما نزل بمكة نزل بالمدينة مرة أخرى، فان جبرئيل (عليه السلام) كان يعارضه القرآن كل سنة. ورد بمنع الملازمة وبأنه لا معنى للانزال الا ان جبرئيل كان ينزل على رسول الله " ص " بقرآن لم يكن نزل به من قبل فيقرؤه أياه. ورد بمنع اشتراط قوله لم يكن نزل به من قبل) (1).


1) الاتقان في علوم القرآن 1 / 35.

[396]

وقد بحث السيوطي عن هذا الموضوع في مقام ذكر تعدد أسباب النزول حيث قال: (الحال السادس أن لا يمكن ذلك فيحمل على تعدد النزول وتكرره..) (1). 3 - ما ذكره ابن تيمية حول آية: واذ قالوا اللهم.. ومن العجيب قول ابن تيمية بعد ما تقدم: (وأيضا فقوله تعالى: واذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك. في سورة الانفال وقد نزلت عقيب بدر بالاتفاق قبل غدير خم بسنين كثيرة، وأيضا فأهل التفسير متفقون على أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون للنبي " ص " بمكة قبل الهجرة كأبي جهل وأمثاله.. فدل على أن هذا القول كان قبل نزول هذه السورة) فانه ليس في حديث سفيان بن عيينة ذكر لنزول هذه الاية المباركة في واقعة غدير خم.. فهذا كلام من لا يعقل ما يقول. 4 - قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم. لا ينفى العقاب على الاطلاق ثم قال ابن تيمية: (وأيضا فانهم لما استحقوا من الله انه لا ينزل عليهم العذاب ومحمد " ص " فيهم فقال تعالى: وإذا قالوا اللهم ان كان.. وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم..). والجواب: ان تلك الاية الشريفة لا تنفي تعذيبهم على الاطلاق، فلقد وقع العذاب عليهم بنص الكتاب والروايات، وقد قال تعالى بعد هذه الاية نفسها: (وما لهم الا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كان صلاتهم


1) الاتقان 1 / 33.

[397]

عند البيت الا مكاءا وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) فلو كانت تلك الاية الكريمة دالة على رفع العذاب على الاطلاق للزم التناقض بينها وبين هذه الاية المتصلة بها. ومن هنا قال الرازي: (واعلم انه تعالى بين في الاية الاولى انه لا يعذبهم ما دام الرسول فيهم. وذكر في هذه الاية انه يعذبهم. وكان المعنى انه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم. ثم اختلفوا في هذا العذاب فقال بعضهم: لحقهم هذا العذاب المتوعد به يوم بدر، وقيل بل يوم فتح مكة) (1). 5 - بطلان جعل هذه الاية من جنس آية أصحاب الفيل ثم قال: (وأيضا فلو كان هذا آية لكان من جنس آية أصحاب الفيل، ومثل هذا ما تتوافر الهمم والدواعي على نقله..) وهذا قياس فاسد، إذ كيف يقاس تعذيب رجل واحد بتعذيب جماعة كبيرة جاءت لهدم الكعبة وابادة خدامها ومن حولها ؟ ! ان تلك الواقعة مما تتوافر الهمم على نقله بخلاف واقعة تعذيب رجل واحد، فان توفر الدواعي على نقله ممنوع، والا لزم بطلان جميع المعاجز النبوية التي لم تنقل الينا بالتواتر. وأيضا لقد كانت الدواعي متوفرة على اخفاء قصة الحارث بن النعمان بخلاف قصة أصحاب الفيل. فانقطع القال والقيل. 6 - بطلان دعوى دلالة الحديث على اسلام الحارث وأما قوله: (وأيضا فقد ذكر في هذا الحديث ان هذا القائل آمن بمباني


1) تفسير الرازي 15 / 159.

[398]

الاسلام الخمس، وعلى هذا فقد كان مسلما لانه قال: فقبلناه منك ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا من المسلمين على عهد النبي " ص " لم يصبه هذا). فمن طرائف الخزعبلات، أما أولا: فلان هذا الحديث كما يتضمن قبول الحارث للمباني المذكورة كذلك يتضمن كفره وارتداده بقوله: اللهم ان كان ما يقوله محمد حقا.. وأما ثانيا فلو سلمنا كونه مسلما فمن أين دعوى العلم الضروري بأن أحدا من المسلمين على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) لم يصبه هذا ؟ 7 - الحارث بن النعمان من الصحابة ثم انتهى ابن تيمية الى القول بأن (هذا الرجل لا يعرف في الصحابة بل هو من جنس الاسماء التي تذكرها الطرقية) وهذا الكلام باطل أيضا، فأول ما يبطله كلام إذ ذكر ان الحارث آمن بمباني الاسلام الخمس ثم قال: (وعلى هذا فقد كان مسلما..) فهو اذن من الصحابة المسلمين عند ابن تيمية. وثانيا: لقد قلنا سابقا ان هذا الحديث يدل على ارتداد الحارث وكفره وهو بذلك يخرج من عداد الصحابة، لان من شرائط الصحابي موته على الاسلام، ومن خرج عن الاسلام لا يعد في الصحابة البتة ولا يذكره المصنفون في الصحابة أبدا. وثالثا: ولو وافقنا ابن تيمية جدلا وقلنا بعدم خروج الحارث عن الاسلام ومن عداد صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما تفوه فما الدليل على حصر المصنفين واستقصائهم لاسماء جميع الصحابة في كتبهم ؟ بل الامر

[399]

على العكس من ذلك فانهم قد نصوا على أنهم لم يتمكنوا من الوقوف على العشر من أسامي الصحابة، واليك نص عبارة ابن حجر العسقلاني في خطبة (الاصابة): (أما بعد فان من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبوي ومن أجل معارفه تمييز أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ممن خلف بعدهم. وقد جمع في ذلك جمع من الحفاظ تصانيف بحسب ما وصل إليه اطلاع كل منهم.. الى ان كان في أوائل القرن السابع فجمع عز الدين ابن الاثير كتابا حافلا سماه أسد الغابة.. ثم جرد الاسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد الله الذهبي وأعلم لمن ذكر غلطا ولمن لا تصح صحبته. ولم يستوعب ذلك ولا قارب، وقد وقع لي بالتتبع كثير من الاسماء التي ليست في كتابه ولا أصله على شرطهما، فجمعت كتابا كبيرا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم. ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة الى ما جاء عن أبي زرعة الرازي، قال: توفي النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف انسان من رجل وامرأة كلهم قد روى عنه سماعا ورؤية. قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب بعد أن يستوعب ذلك ولا قارب، وقد وقع لي بالتتبع كثير من الاسماء التي ليست في كتابه ولا أصله على شرطهما، فجمعت كتابا كبيرا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم. ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة الى ما جاء عن أبي زرعة الرازي، قال: توفي النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف انسان من رجل وامرأة كلهم قد روى عنه سماعا ورؤية. قال ابن فتحون في ذيل الاستيعاب بعد أن ذكر ذلك: أجاب أبو زرعة بهذا سؤال من سأله عن الرواة خاصة فكيف بغيرهم ؟ ومع هذا فجميع من في الاستيعاب - يعني فمن ذكر فيه باسم أو كنية أو هما ثلاثة آلاف وخمسمائة، وذكر انه استدرك عليه على شرطه قريبا ممن ذكر. قلت: وقرأت بخط الحافظ الذهبي من ظهر كتابه التجريد: لعل الجميع ثمانية آلاف ان لم يزيدوا ولم ينقصوا. ثم رأيت بخطه أن جميع من في أسد الغابة

[400]

سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسون نفسا. ومما يؤيد قول أبي زرعة ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة تبوك والناس كثير لا يحصيهم ديوان. وثبت عن الثوري - فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه - قال: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى على اثنى عشر ألفا مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو عنهم راض. فقال النووي ذلك بعد النبي " ص " باثنى عشر عاما بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردة والفتوح الكثير ممن لم يضبط أسماؤهم. ثم مات في خلافة عمر في الفتوح وفي الطاعون العام وعمواس وغير ذلك من لا يحصى كثرة. وسبب خفاء أسمائهم ان أكثرهم أعراب وأكثرهم حضروا حجة الوداع والله أعلم).

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية