الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




خلاصة عبقات الأنوار - السيد حامد النقوي ج 3

خلاصة عبقات الأنوار

السيد حامد النقوي ج 3


[1]

عبقات الانوار في امامة الائمة الاطهار حديث الثقلين (3) تأليف حجة التاريخ والبحث والتحقيق الامام السيد حامد حسين اللكهنوى 1246 - 1306

[2]

الكتاب: خلاصة عبقات الانوار في امامة الائمة الاطهار المؤلف: علي الحسيني الميلاني تاربخ الطبع: ذو القعدة 1405 ه‍ المطبعة: مطبعة سيد الشهداء عليه السلام - قم الكمية: 2000 نسخة الناشر: مؤسسة البعثة قسم الدراسات الاسلامية العنوان: طهران - شارع سمية (بنياد بعثت) تلفن (821119 / (822244 / (833274).

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين من الاولين والاخرين.

[5]

خلاصة عبقات الانوار في إمامة الائمة الاطهار حديث الثقلين (3) بقلم السيد على الحسينى الميلاني

[7]

دحض المعارضة بحديث: اهتدوا بهدى عمار

[9]

قوله: " وقوله واهتدوا بهدى عمار ". أقول: وهذه المعارضة ساقطة لوجوه: 1 - احتجاج (الدهلوى) بهذا الحديث ينافى ما التزم به ان الاحتجاج بهذا الحديث يتنافى مع التزامه بعدم النقل الا من كتبنا، على أنه لا طريق صحيح له عندهم أيضا، ولو سلمنا صحته فانه ليس في مرتبة حديث الثقلين الثابت تواتره، بالاضافة إلى أنه ليس مثله في الظهور والدلالة. 2 - ان عمارا من شيعة على عليه السلام ان عمارا رضي الله تعالى عنه من كبار المتمسكين بالثقلين وأتباع مولانا أمير المؤمنين عليه السلام. فلو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمر بالاهتداء بهدى عمار فليس الا من جهة كونه آخذا بالكتاب العزيز ومعتصما بالائمة الطاهرين، واتخاذه ذلك شعارا له ودثارا، فالمهتدي بهداه متبع للثقلين، والمتبع لخطاه متمسك بالحبلين. ومما يدل على هذا بوضوح: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

[10]

عمارا باتباع أمير المؤمنين عليه السلام واقتفاء أثره، ولقد امتثل رضي الله تعالى عنه هذا الامر فاختص بأمير المؤمنين ولازمه ولم يفارقه حتى استشهد. والشواهد التاريخية على هذا الامر كثيرة جدا، فقد رووا: " عن علقمة بن قيس والاسود بن يزيد، قالا: أتينا أبا أيوب الانصاري، فقلنا: ان الله تبارك وتعالى أكرمك بمحمد صلى الله عليه وسلم، إذا أوحى إلى راحلته فبركت على بابك، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيفا لك، فضيلة فضلك الله عزوجل بها، ثم خرجت تقاتل مع علي بن ابي طالب ! ! قال: مرحبا بكما وأهلا، انني أقسم لكما بالله، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا البيت الذي أنتما فيه وما في البيت غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي جالس عن يمينه وأنا قائم بين يديه إذ حرك الباب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أنس انظر من في الباب، فخرج ونظر ورجع، قال: هذا عمار بن ياسر، قال أبو أيوب: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا أنس افتح لعمار الطيب المطيب، ففتح أنس الباب، فدخل عمار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام ورحب به وقال: يا عمار انه سيكون في امتي بعدي هنات واختلاف حتى يختلف السيف بينهم حتى يقتل بعضهم بعضا ويتبرء بعضهم من بعض، فإذا رأيت ذلك فعليك بهذا الذي عن يميني - يعني عليا - وان سلك كلهم واديا وسلك علي واديا فاسلك وادي علي وخل الناس طرا. يا عمار، ان عليا لا يزيلك عن هدى، يا عمار، ان طاعة علي من طاعتي. وطاعتي من طاعة الله عزوجل ". أنظر: [الشريعة للاجري] و [فردوس الاخبار - مخطوط] و [فرائد السمطين - 1 / 178] و [المودة في القربى] و [مناقب الخوارزمي 57، 124]

[11]

و [ينابيع المودة 128، 250] و [مفتاح النجا - مخطوط] و [كنز العمال 12 / 212]. وأخرج الحافظ الخطيب البغدادي عنهما " قالا: أتينا أبا أيوب الانصاري عند منصرفه من صفين، فقلنا له: يا أبا أيوب ان الله اكرمك بنزول محمد صلى الله عليه وسلم [في بيتك] وبمجئ ناقته تفضلا من الله [تعالى] واكراما لك حتى اناخت ببابك دون الناس [جميعا] ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب [به] أهل لا اله الا الله ؟ فقال: يا هذا ان الرائد لا يكذب أهله، ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا بقتال ثلاثة مع علي [رضي الله عنه] بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فأما الناكثون فقد قاتلناهم [قابلناهم] وهم أهل الجمل وطلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا عنهم [من عندهم] - يعنى معاوية وعمرا [وعمرو بن العاص] - وأما المارقون منهم [فهم] أهل الطرفاوات وأهل السقيفات [السعيفات] وأهل النخيلات وأهل النهروان [النهروا نات] والله ما أدرى اين هم ولكن لابد من قتالهم ان شاء الله [تعالى]. [ثم] قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: يا عمار تقتلك الفئة الباغية وأنت إذ ذاك مع الحق والحق معك، يا عمار [بن ياسر] ان رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس [كلهم] واديا [غيره] فاسلك مع علي فانه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى، يا عمار من تقلد سيفا [و] أعان به عليا [رضي الله عنه] على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در ومن تقلد سيفا أعان به عدو علي [رضي الله عنه] قلده [الله] يوم القيامة وشاحين من نار. قلنا: يا هذا حسبك رحمك الله، حسبك رحمك الله " (1).


(1) تاريخ بغداد 13 / 186 - 187.

[12]

وروى المتقي الهندي في فضائل عمار: " عن حذيفة، انه قيل له: ان عثمان قد قتل، فما تأمرنا ؟ قال: الزموا عمارا. قيل: ان عمارا لا يفارق عليا. قال: ان الحسد هو أهلك للجسد، وانما ينفركم من عمار قربه من علي فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد ما بين التراب والسحاب، وان عمارا من الاخيار. كر " (1). ورواه القندوزي في [ينابيع المودة 128]، وعبد الحق الدهلوي في [رجال المشكاة] بترجمة عمار ثم قال: " ذكر هذه الاحاديث السيوطي في جمع الجوامع ولها طرق عديدة كثيرة ". 3 - تخلف عمار عن بيعة أبى بكر والعجب من (الدهلوي) كيف يستند إلى هذا الحديث ويحتج به ؟ ! فان عمارا رضي الله تعالى عنه من المتخلفين عن بيعة أبي بكر والمنحازين إلى أمير المؤمنين عليه السلام، قال اليعقوبي: " وتخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والانصار، ومالوا مع علي بن أبي طالب، منهم العباس بن عبد المطلب والفضل بن عباس والزبير بن العوام وخالد بن سعيد والمقداد ابن عمرو وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب " (2). وانظر [المختصر في أخبار البشر 1 / 156] و [تتمة المختصر 1 / 187] وغيرهما.


(1) كنز العمال 16 / 141. (2) تاريخ اليعقوبي 2 / 114.

[13]

وقد أفصح عمار رضي الله عنه عن اعتقاده الراسخ وايمانه الثابت في مواقع، منها: حين بويع عثمان بن عفان، فقد قال المسعودي: " وقد كان عمار حين بويع عثمان بلغه قوله أبي سفيان صخر بن حرب في دار عثمان عقيب الوقت الذي بويع فيه عثمان ودخل داره ومعه بنو أمية، فقال أبو سفيان أفيكم أحد من غيركم ؟ وقد كان عمي، قالوا: لا، قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما زلت أرجوها لكم، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة. فانتهره عثمان وسائه ما قال، ونمى هذا القول إلى المهاجرين والانصار وغير ذلك من الكلام. فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش أما إذا صدفتم هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ههنا مرة وههنا مرة، فما أنا بآمن من ان ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله " (1). 4 - اعراض عمر بن الخطاب عن هدى عمار * لقد كذب عمر بن الخطاب عمارا واعرض عن هداه واغلظ له الكلام حتى قال له " نوليك ما توليت "، أي جعله مصداق قوله تعالى " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ". وقد بحث هذا الموضوع في [تشييد المطاعن] بالتفصيل، واليك رواية أخرجها: أحمد في [المسند 4 / 265]. ومسلم في [الصحيح 1 / 110].


(1) مروج الذهب 2 / 342.

[14]

وأبو داود في [السنن 1 / 135] والنسائي في [السنن 1 / 165 بشرح السيوطي]. والطبري في [التفسير 5 / 113]. والعيني في [عمدة القاري 4 / 19]. وابن الاثير في [جامع الاصول 8 / 149، 151]. والشيباني في [تيسير الوصول 3 / 115]. وغيرهم، واللفظ لاحمد قال: " ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان عن سلمة - يعني ابن كهيل - عن أبي ثابت عبد الله بن عبد الرحمن بن ابزى، قال: كنا عند عمر فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين انا نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء، فقال عمر: اما انا فلم أكن لاصلي حتى اجد الماء. فقال عمار: يا أمير المؤمنين تذكر حيث كنا بمكان كذا ونحن نرعى الابل، فتعلم أنا أجنبنا ؟ قال: نعم. قال: فاني تمرغت في التراب، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فضحك وقال: كان الصعيد الطيب كافيك، وضرب بكفيه الارض ثم نفخ فيها ثم مسح بهما وجهه وبعض ذراعيه. قال: اتق الله يا عمار ! قال: يا أمير المؤمنين ان شئت لم اذكره ما عشت - أو ما حييت - قال: كلا والله، ولكن نوليك من ذلك ما توليت ". وفى هذا الحديث فوائد: الاولى: ان عمر بن الخطاب لم يأخذ بحديث عمار استكبارا، وهذا ينافي الاهتداء بهداه. الثانية: انه طعن في حديثه، وقد اعترف بذلك الشيخ ولي الله (والد الدهلوي) عند الكلام على ضروب اختلاف الصحابة، حيث قال:

[15]

" منها: ان صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى ولم يسمعه الاخر، فاجتهد برأيه في ذلك وهذا على وجوه.. ثالثها: ان يبلغه الحديث ولكن لا على الوجه الذى يقع به غالب الظن، فلم يترك اجتهاده بل طعن في الحديث.. روى الشيخان انه كان من مذهب عمر بن الخطاب ان التيمم لا يجزي الجنب الذي لا يجد ماءا، فروى عنده عمار: انه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصابته جنابة ولم يجد ماءا، فتمعك في التراب، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انما كان يكفيك ان تفعل هكذا - وضرب بيديه الارض، فمسح بهما وجهه ويديه -. فلم يقبل عمر، ولم ينهض عنده حجة، لقادح خفي رآه فيه، حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة، واضمحل وهم القادح فأخذوا به " (1). ولنعم ما أفاد العلامة السيد محمد قلي أحله الله دار السلام في كتابه [تشييد المطاعن] حيث قال في هذا المقام: " ان عدم قبول عمر حديث عمار وعدم جعله حجة رد صريح للشريعة، لان عمارا صحابي ثقة عادل جليل الشأن فلماذا لا تقبل روايته ولا تكون حجة ؟ وإذا كان حديث عمار لا ينهض حجة، ولا يوجب انكاره طعنا، فلماذا يكون انكار أحاديث الصحابة موجبا للطعن ؟ وذلك، لان عمارا من أجلة الصحابة وأعاظمهم وأكابرهم، وله فضائل ومناقب عظيمة لم تكن لكثير من كبار الاصحاب، فمتى جاز انكار حديثه جاز عدم قبول أحاديث غيره من الصحابة. فالعجب، أن أهل السنة يقبحون عدم قبول الاحاديث التي ينسبونها إلى عوام الصحابة وجهالهم - بل إلى فجارهم - بل يحسبونه قدحا في الدين،


(1) الانصاف في بيان سبب الاختلاف.

[16]

ولكن لا ينكرون على عمر رده حديث عمار، بل هو امامهم الاعظم ومقتداهم الافخم ؟ ! قال العلامة فضل الله التوربشتي شارح المصابيح في كتاب المعتمد في المعتقد: لقد أراد الزنادقة أحداث دين في الشريعة، وجعلوا أساسه القدح في خلافة أبي بكر، وهذا يفضي إلى الطعن في جميع الصحابة، والطعن فيهم يقتضي الطعن في الدين، لان القرآن والسنة والاحكام المستفادة منها انما وصلتنا عن طريق الصحابة، فإذا كان ما يقولون في الصحابة حقا لم يبق أي اعتماد على أخبارهم، فلا تثبت الشريعة، نعوذ بالله من الضلال. وليعلم الان، ان المحافظة على هذه المسألة على مصداق أهل السنة والجماعة محافظة على أبواب الشريعة، والتهاون بها اضاعة لها جميعا، والله ناصر وولي دينه. وعلى ضوء هذا نقول: ان طعن عمر في رواية عمار - الذي بلغ من جلالة القدر وعظم الشأن ما لم يبلغه من الصحابة الا قليل كما صرح بذلك في كتبهم - يقتضي الطعن في الدين.. ودعوى: ان سبب عدم قبول عمر حديث عمار هو " وجود قادح خفي فيه " مردودة: بأن هذا الاحتمال في هكذا حديث صحيح رواه صحابي ثقة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (مع ان دين أهل السنة يبتني على أحاديث الاصحاب، وان أصل أصولهم، أعني امامة أبي بكر - انما ثبتت بعناية الصحابة) يفتح بابا للملاحدة والكفار في ردهم آيات الكتاب والسنة النبوية والدين، بدعوى " وجود القادح الخفي " ! ! وبالجملة: فان حسن ظن أهل السنة دعاهم إلى هذه التكلفات الباردة في سبيل اصلاح ما لا يصلح، والا فبديهي انه لا وجه لانكار ورد حديث عمار الا

[17]

العناد وعدم الاعتداد بأحكام رب العباد. والاعجب ان أهل السنة يقبلون الخبر الموضوع " نحن معاشر الانبياء لا نورث " بل يحتجون به في مقابل أهل الحق - مع ما فيه وفي ناقله من وجوه القدح -، ولكن حديث عمار لا ينهض حجة عندهم، رغم كونه مقبولا بالاجماع، ورغم عجزهم عن بيان " القادح الخفي " ! ! وعلى ضوء كلام المخاطب نفسه - في المطعن الثاني عشر من مطاعن أبي بكر -: ان رواية أبي هريرة وأبي الدرداء وأمثالهما يفيد القطع كالايات الكريمة نقول: ان خبر عمار - وهو أفضل منهما اجماعا - يفيد القطع كذلك، وهو كالاية الشريفة من القرآن العزيز، فعدم قبوله رد له قطعا. ولقد ثبت من كلام (شاه ولي الله): " حتى استفاض الحديث.. " ان دعوى " وجود القادح الخفي " فيه باطلة عاطلة، وان أهل السنة رأوا ظن عمر لا طائل تحته فأعرضوا عن مذهبه، ولله الحمد ". الثالثة: انه لم يتحرج عمر بن الخطاب من تكذيب عمار، وقد اعترف بذلك جماعة من أكابر العلماء، قال عبدالعلي في مسألة انكار المروي عنه روايته: " المانع للحجية استدل بما روى مسلم ان رجلا أتى عمر فقال: اني أجنبت فلم أجد ماءا، فقال: لا تصل. فقال عمار لعمر رضي الله عنه: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت أي تقلبت في الارض بحيث أصاب التراب جميع البدن فصليت، فقال النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم: انما يكفيك أن تمسح بيديك الارض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك، وقد وقع في سنن أبي داود انما يكفيك ضربتان، فلم يذكر أمير المؤمنين عمر، فما رجع عمر رضي

[18]

الله عنه عن مذهبه، فانه لا يرى التيمم للجنب، وفي رواية مسلم: فقال عمر: اتق الله يا عمار. وأنت لا يذهب عليك أن أمير المؤمنين عمر أنكر انكار التكذيب لا انكار السكوت، فليس هذا من الباب في شئ " (1). ومن الواضح: ان تكذيب آحاد المؤمنين الصادقين معصية يذم العقلاء فاعلها، فكيف بتكذيب هذا الصحابي ؟ !. الرابعة: لقد خاطب عمر عمارا بقوله: " اتق الله يا عمار ". وهذا الكلام لا يقال الا لمن ارتكب بدعة محرمة. نص على ذلك العيني في [شرح كنز الدقائق 1 / 233] والزيلعي في [شرح كنز الدقائق 3 / 60 - 61] في الجواب عن حديث فاطمة بنت قيس في وجوب النفقة والسكنى للمطلقة البائن، قال العيني: " وحديث فاطمة لا يجوز الاحتجاج به لوجوه: أحدها ان كبار الصحابة أنكروا عليها كعمر - على ما تقدم - وابن مسعود وزيد بن ثابت واسامة بن زيد وعائشة رضي الله عنهم، حتى قالت لفاطمة - فيما رواه البخاري - ألا تتقي الله ؟ ! وروي أنها قالت لها: لا خير لك فيه. ومثل هذا الكلام لا يقال الا لمن ارتكب بدعة محرمة ". فما ظنك بعمر القائل هذا الكلام لعمار ؟ وهل هو مهتد بهداه ؟. الخامسة: لقد قال لعمار " نوليك ما توليت " ولا ريب أنه قد آذاه بهذه الكلمة الغليظة الشديدة، فقد جعله - والعياذ بالله - مصداقا لقوله تعالى: " ومن يشاقق.. "، فهل هو مهتد بهدى عمار كما يقول الحديث ؟ ! * ومما يدل على ان عمر لم يكن مهتديا بهدى عمار رضي الله عنه بل كان يعاديه: عزله اياه عن ولاية الكوفة من دون تقصير منه بعد استعماله من


(1) فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت.

[19]

دون طلب منه، والا فظع قوله له بعد عزله - مستهزءا به - " أساءك عزلنا اياك " فأجابه قائلا: " والله لقد ساءتنى الولاية وساءني العزل ". قال ابن سعد: " أخبرنا عفان بن مسلم، قال نا خالد بن عبد الله، قال نا داود عن عامر، قال قال عمر لعمار: أساءك عزلنا اياك ؟ قال لئن قلت ذلك [ذاك] لقد ساءني حين استعملتني وساءني حين عزلتني " (1). وقال ابن الاثير: " ولما عزله عمر قال له: أساءك العزل ؟ قال: والله لقد ساءتني الولاية وساءني العزل " (2). 5 - اعتداء عثمان على عمار لقد آذى عثمان بن عفان عمارا واعتدى عليه وظلمه قولا وفعلا مرة بعد أخرى، وذلك كله معروف، والشواهد عليه كثيرة جدا، واليك بعضها: قال ابن قتيبة: " ما أنكر الناس على عثمان رحمه الله. قال ذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه. ثم تعاهد القوم، ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر والمقداد بن الاسود وكانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان - والكتاب في يد عمار - جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء دار عثمان فاستأذن عليه فأذن له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال: نعم، قال: ومن كان معك ؟ قال: كان معي نفر تفرقوا فرقا منك قال: ومن


(1) الطبقات الكبرى 3 / 256. (2) أسد الغابة 4 / 46.

[20]

هم ؟ قال: لا أخبرك بهم، قال: فلم اجترأت علي من بينهم ؟ فقال مروان: يا أمير المؤمنين، ان هذا العبد الاسود، - يعني عمارا - قد جرأ عليك الناس وانك ان قتلته نكلت به من وراءه. قال عثمان: اضربوه، فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه فغشي عليه، فجروه حتى طرحوه على باب الدار فأمرت به أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل منزلها، وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر عرض له هشام بن الوليد بن المغيرة فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لاقتلن به رجلا علظيما من بني أمية، فقال عثمان: لست هناك " (1). وقال ابن عبد ربه: " ومن حديث الاعمش - يرويه أبو بكر بن أبي شيبة - قال: كتب أصحاب عثمان عيبه وما ينقم الناس عليه في صحيفة، فقالوا: من يذهب بها إليه ؟ فقال عمار: انا، فذهب بها إليه، فلما قرأها قال ارغم الله انفك قال: وبأنف ابي بكر وعمر، قال: فقام إليه فوطئه حتى غشى عليه. ثم ندم عثمان وبعث إليه طلحة والزبير يقولان: اختر احدى ثلاث اما ان تعفو واما ان تأخذ الارش واما ان تقتص، فقال والله لا قبلت واحدة منها حتى ألقى الله. قال أبو بكر: فذكرت هذا الحديث للحسن بن صالح فقال: ما كان على عثمان اكثر مما صنع " (2). وقال المسعودي: " وفى سنة خمس وثلاثين كثر الطن على عثمان رضي الله عنه وظهر عليه النكير لاشياء ذكروها من فعله، منها: ما كان بينه وبين عبد الله بن مسعود وانحراف هذيل عن عثمان من اجله، ومن ذلك ما نال


(1) الامامة والسياسة 1 / 32. (2) العقد الفريد 2 / 192.

[21]

عمار بن ياسر من الفتق والضرب وانحراف بني مخزوم عن عثمان من أجله. " (1). وقال ابن عبد البر في [الاستيعاب 3 / 136]: " وللحلف والولاء اللذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب حتى انتفق له فتق في بطنه ورغموا وكسروا ضلعا من اضلاعه، فاجتمعت بنو مخزوم وقالوا: والله لئن مات لاقتلنا به أحدا غير عثمان " (2). وقال اليعقوبي: " فأقام ابن مسعود مغاضبا لعثمان حتى توفى، وصلى عليه عمار بن ياسر وكان غائبا، فستر أمره، فلما انصرف رأى القبر، فقال قبر من هذا ؟ فقيل: قبر عبد الله بن مسعود، قال: فكيف دفن قبل أن أعلم ؟ فقالوا: ولي أمره عمار بن ياسر وذكر أنه أوصى أن لا يخبر به، ولم يلبث الا يسيرا حتى مات المقداد فصلى عليه عمار، وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال: ويلي على ابن السوداء، أما لقد كنت به عليما " (3). وروى الطبري وابن الاثير في قصة مسير الحسن عليه السلام وعمار رضي الله عنه إلى الكوفة - واللفظ للاول: " فأقبلا حتى دخلا المسجد، فكان أول من أناهما مسروق بن الاجدع، فسلم عليهما وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان على ما قتلتم عثمان رضي الله عنه ؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا، فقال: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرا


(1) مروج الذهب 2 / 338. (2) الاستيعاب 3 / 136. (3) تاريخ اليعقوبي 2 / 160.

[22]

للصابرين " (1). وفي [النهاية] و [تاج العروس] و [لسان العرب] في مادة " صبر ": " وفي حديث عمار حين ضربه عثمان، فلما عوتب في ضربه اياه قال: هذي يدى لعمار فليصطبر. معناه: فليقتص ". رسول الله: من عادى عمارا عاداه الله إذا عرفت ذلك واحطت خبرا بصنيع عثمان فلنورد طرفا من الاحاديث الواردة في ذم بغض عمار رضى الله عنه: قال ابن عبد البر " ومن حديث خالد بن الوليد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أبغض عمارا ابغضه الله تعالى. قال خالد: فمازلت أحبه من يومئذ " (2). وقال الحافظ ابن حجر: " عن خالد بن الوليد قال: كان بينى وبين عمار كلام فاغلظت له، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء خالد فرفع رسول الله " ص " رأسه فقال: من عادى عمارا عاداه الله ومن ابغض عمارا ابغضه الله " (3). وفي [اسد الغابة 4 / 45] عن أحمد بن حنبل و [المشكاة 5 / 641 هامش المرقاة] واللفظ للاول: " عن علقمة عن خالد بن الوليد قال: كان بينى وبين عمار كلام فاغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء خالد وهو يشكوه إلى النبي " ص " قال فجعل يغلظ له ولا يزيده الا غلظة والنبي ساكت لا يتكلم فبكى عمار فقال: يا رسول الله ألا تراه ؟


(1) الطبري 3 / 497، الكامل 3 / 116. (2) الاستيعاب 3 / 1138. (3) الاصابة 2 / 506.

[23]

فرفع رسول الله " ص " رأسه وقال: من عادى عمارا عاداه الله ومن ابغض عمارا أبغضه الله. قال خالد: فخرجت فما كان شئ احب الي من رضى عمار فلقيته فرضي ". وروى المتقي الهندي: " كف يا خالد عن عمار، فانه من يبغض عمارا يبغضه الله ومن يلعن عمارا يلعنه الله. ابن عساكر عن ابن عباس. من يحقر عمارا يحقره الله، ومن يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله، (ع) وابن قانع. طب. ض عن خالد بن الوليد. يا خالد: لا تسب عمارا، انه من يعادي عمارا يعاديه الله، ومن يبغض عمارا يبغضه الله، ومن يسب عمارا يسبه الله ومن يسفه عمارا يسفهه الله، ومن يحقر عمارا يحقره الله. ظ وسمويه، طب. ك. عن خالد بن الوليد " (1). وانظر ايضا [كنز العمال 16 / 142]. وقال نور الدين الحلبي: " وفي الحديث: من عادى عمارا عاداه الله ومن ابغض عمارا ابغضه الله، عمار يزول مع الحق حيث يزول، [عمار] خلط الايمان بلحمه ودمه، عمار ما عرض عليه امران الا اختار الارشد منهما. وجاء: ان عمارا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مرحبا بالطيب المطيب، ان عمار بن ياسر حشي ما بين اخمص قدميه إلى شحمة اذنه ايمانا، وفي رواية: ان عمارا ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه. وتخاصم عمار مع خالد بن الوليد في سرية كان فيها خالد اميرا، فلما جاءا إليه صلى الله عليه وسلم استبا عنده، فقال خالد: يا رسول الله ايسرك ان هذا العبد الاجدع يشتمني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد لا تسب عمارا فان من سب عمارا فقد سب الله ومن ابغض عمارا ابغضه الله ومن لعن عمارا


(1) كنز العمال 13 / 298، 16 / 142.

[24]

لعنه الله، ثم ان عمارا قام مغضبا، فقام خالد فتبعه حتى أخذ بثوبه واعتذر إليه فرضي عنه " (1). 6 - مخالفة عبد الرحمن بن عوف لعمار لقد خالف عبد الرحمن بن عوف عمارا، ولم يهتد بهداه فضل وأضل.. فقد روى الطبري [التاريخ 3 / 297] وابن الاثير [3 / 37] وابن عبد ربه [العقد الفريد 2 / 182] في قصة الشورى واللفظ للاول ما نصه: " فلما صلوا الصبح جمع الرهط وبعث إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الانصار والى أمراء الاجناد، فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله فقال: ايها الناس، ان الناس قد أحبوا ان يلحق أهل الامصار بأمصارهم، وقد علموا من أميرهم، فقال سعيد بن زيد: انا نراك لها اهلا فقال: أشيروا علي بغير هذا، فقال عمار: ان اردت ان لا يختلف المسلمون فبايع عليا، فقال المقداد بن الاسود: صدق عمار، ان بايعت عليا قلنا سمعنا واطعنا. قال ابن أبي سرح: ان اردت ان لا تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدقت ان بايعت عثمان قلنا سمعنا واطعنا، فشتم عمار ابن أبى سرح وقال: متى كنت تنصح المسلمين، فتكلم بنو هاشم وبنو امية فقال عمار: أيها الناس ان الله عزوجل اكرمنا بنبيه واعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ؟ ! ". 7 - بغض سعد بن ابى وقاص لعمار ان هذا الحديث دليل على ضلال سعد بن ابي وقاص، لما ذكروا من أنه


(1) السيرة الحلبية 2 / 265.

[25]

كان مهاجرا لعمار بن ياسر، وقد روى ابن قتيبة وابن عبد ربه انه: " قال له سعد: ان كنا لنعدك من افاضل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حتى إذا لم يبق من عمرك الا - ظئم الحمار اخرجت ربقة الاسلام من عنقك، ثم قال له: ايما احب اليك مودة على دخل أو مصارمة جميلة ؟ بل مصارمة جميلة، فقال: علي ان لا اكلمك أبدا " (1). 8 - ترك المغيرة نصيحة عمار ان هذا الحديث دليل ساطع على ضلال المغيرة بن شعبة، فقد روى ابن قتيبة ما هذا نصه: " ثم دخل المغيرة بن شعبة، فقال له علي: هل لك يا مغيرة في الله ؟ قال: فأين هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: تأخذ سيفك فتدخل معنا في هذا الامر فتدرك من سبقك وتسبق من معك، فاني أرى امورا لابد السيوف ان تشحذ لها وتقطف الرؤس بها. فقال المغيرة: فاني والله يا أمير المؤمنين ما رأيت قاتل عثمان مصيبا ولا قتله صوابا، وانها لمظلمة تتلوها ظلمات فأريد يا أمير المؤمنين ان اذنت لي ان اضع سيفي وأنا في بيتي حتى تنجلي الظلمة ويطلع قمرها فنسري مبصرين نقفوا آثار المهتدين ونتقي سبيل الجائرين، قال علي: قد اذنت لك فكن من أمرك على ما بدالك. فقام عمار فقال: معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد ان كنت بصيرا يغلبك من غلبته ويسبقك من سبقته، انظر ما ترى وتفعل، وأما أنا فلا أكون الا في الرعيل الاول.


(1) المعارف 550، العقد الفريد 2 / 188.

[26]

فقال له المغيرة: يا ابا اليقظان اياك أن تكون كقاطع السلسلة فر من الضحل فوقع في الرمضاء. فقال علي لعمار: دعه فانه لن يأخذ من الاخرة الا ما خالطته الدنيا، وأما والله يا مغيرة انها للوثبة المودية تودي من قام فيها إلى الجنة ولها اختان بعدها فإذا غشيتاك فنم في بيتك. فقال المغيرة: أنت والله يا أمير المؤمنين اعلم مني ولئن لم اقاتل معك لا اعين عليك، فان يكن ما فعلت صوابا فاياه اردت، وان خطأ فمنه نجوت، ولي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها الا الاستغفار منها " (1). 9 - تخلف كبار الاصحاب عما دعاهم عمار إليه ان هذا الحديث دليل واضح على ضلالة عبد الله بن عمر وسعد بن ابي وقاص ومحمد بن مسلمة، فانهم لم يتبعوا عمارا ولم يهتدوا بهداه، فقد ذكر ابن قتيبة: " اعتزل عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة عن مشاهد علي وحروبه، قال: وذكروا ان عمار بن ياسر قام إلى علي فقال يا أمير المؤمنين ائذن لي آتي عبد الله بن عمر فأكلمه لعله يخف معنا في هذا الامر، فقال علي: نعم، فأتاه فقال له: يا ابا عبد الرحمن انه قد بايع عليا المهاجرون والانصارو من ان فضلناه عليك لم يسخطك وان فضلناك عليه لم يرضك، وقد انكرت السيف في أهل الصلاة، وقد علمت ان على القاتل القتل وعلى المحصن الرجم، وهذا يقتل بالسيف وهذا يقتل بالحجارة، وان عليا لم يقتل أحدا من اهل الصلاة فيلزم حكم القاتل. فقال ابن عمر: يا ابا اليقظان ان ابي جمع اهل الشورى الذين قبض رسول


(1) الامامة والسياسة 1 / 50 [*].

[27]

الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فكان احقهم بها علي، غير انه جاء معه امر فيه السيف ولا اعرفه، ولكن الله ما أحب ان لي الدنيا وما عليها واني اظهرت أو أضمرت عداوة علي. قال: فانصرف عنه، فأخبر عليا بقوله، فقال لو أتيت محمد بن مسلمة الانصاري، فأتاه عمار فقال له محمد: مرحبا بك يا أبا اليقظان على فرقة ما بيني وبينك، والله لولا ما في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لبايعت عليا ولو ان الناس كلهم عليه لكنت معه، ولكنه يا عمار كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي. فقال عمار: كيف ؟ قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا رأيت أهل الصلاة، فقال عمار: فان كان قال لك: إذا رأيت المسلمين فو الله لاتر مسلمين يقتتلان بسيفهما ابدا، وان كان قال لك أهل الصلاة فمن سمع هذا معك ؟ انما أنت أحد الشاهدين، فتريد من رسول الله قولا بعد قوله يوم حجة الوداع: دماؤكم وأموالكم عليكم حرام الا بحدث فتقول يا محمد لا تقاتل المحدثين، قال: حسبك يا أبا اليقظان قال: ثم أتى سعد بن أبي وقاص فكلمه فأظهر سعد الكلام القبيح، فانصرف عمار إلى علي. فقال له علي: دع هؤلاء الرهط، أما ابن عمر فضعيف، وأما سعد فحسود وذنبي إلى محمد بن مسلمة اني قتلت قاتل أخيه يوم خيبر مرحب اليهودي " (1). 10 - مخالفة ابى موسى الاشعري لعمار ويقتضى هذا الحديث ان يعتقد أهل السنة بضلالة أبي موسى الاشعري، فانه عوضا عن الاهتداء بهدى عمار خالفه وعانده، فقد روى الطبري في [التاريخ 3 /


(1) الامامة والسياسة 1 / 53 [*].

[28]

497] وابن الاثير في [الكامل 3 / 116] وابن خلدون في [التاريخ 2 / 159] في قصة مجئ الحسن وعمار سلام الله عليهما إلى الكوفة وقد كان أبو موسى الوالي عليها (واللفظ للاول): " فخرج أبو موسى فلقى الحسن فضمه إليه، وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان اعدوت فيمن عداعلى أمير المؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار ؟ فقال لم افعل ولم يسؤني ". وروى البخاري في [الصحيح 9 / 70] والحاكم في [المستدرك 3 / 117] وابن الاثير في [جامع الاصول 10 / 431] وسبط ابن الجوزي في [تذكره الخواص 69] وجماعة عن أبي وائل انه قال - واللفظ للبخاري -. " دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم فقالا: ما رأيناك أتيت أمرا اكره عندنا من اسراعك في هذا الامر منذ أسلمت، فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمرا اكره عندي من ابطائكما عن هذا الامر، وكساهما حلة حلة، ثم راحوا الى المسجد ". 11 - مخالفة ابى مسعود الانصاري لعمار ان هذا الحديث يبين ضلالة أبي مسعود الانصاري، فانه اقتفى اثر ابي موسى في التخلف عن هدى عمار وانكاره الاستنفار لنصرة أمير المؤمنين عليه السلام، كما علم مما تقدم في الوجه السابق. وأخرج البخاري بعد الحديث المتقدم: " حدثنا عيدان عن أبي حمزة عن الاعمش عن شقيق بن سلمة، قال: كنت جالسا مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار، فقال أبو مسعود: مامن اصحابك أحد الالوشئت لقلت فيه غيرك وما رأيت منك شيئا منذ صحبت النبي صلى الله عليه وسلم اعيب عندي من

[29]

استسراعك في هذا الامر. قال عمار: يا أبا مسعود وما رأيت منك ومن صاحبك هذا شيئا منذ صحبتما النبي صلى الله عليه وسلم أعيب عندي من ابطائكما في هذا الامر. فقال أبو مسعود - كان موسرا - يا غلام هات حلتين، فاعطى احداهما أبا موسى والاخرى عمارا، وقال: روحا فيهما إلى الجمعة " (1). والجدير بالذكر تستر اليافعي على الرجلين لفرط فظاعة معاملتهما مع عمار رضي الله عنه في تاريخه وقوله: " وعاتبه رجلان جليلان ممن توقف عن القتال لما التقى الفريقان في كلام معناه: ما رأينا منك قط شيئا نكرهه سوى اسراعك في هذا الامر، يعني في القتال مع علي، أنحو ذلك من المقال " (2). ومثل هذا عندهم كثير، ولكن " لن يصلح العطار ما أفسده الدهر ". 12 - خروج طلحة والزبير على على وعمار معه ويتضح من هذا الحديث ضلالة طلحة والزبير، اذلم يهتديا بهدى عمار يوم الجمل، على ان الزبير كان يعلم وجوده في جيش امير المؤمنين عليه السلام. قال الطبري: " قال قرة بن الحارث: كنت مع الاحنف بن قيس وكان جون بن قتادة ابن عمي مع الزبير بن العوام، فحدثني جون بن قتادة قال: كنت مع الزبير فجاء فارس يسير - وكانوا يسلمون على الزبير بالامرة - فقال: السلام عليك أيها الامير. قال: وعليك السلام، قال: هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا ولم أرقوما أرث سلاحا ولا أقل عدداو لاأرعب قلوبا من قوم أتوك، ثم انصرف عنه. قال ثم جاء فارس فقال: السلام عليك أيها الامير،


(1) صحيح البخاري 9 / 70. (2) مرآة الجنان - حوادث 87 [*].

[30]

فقال: وعليك السلام، قال: جاء القوم حتى أتوا مكان كذا وكذا فسمعوا بما جمع الله عزوجل من العدد والعدة والحد، فقذف في قلوبهم الرعب فولوا مدبرين. قال الزبير: أيها عنك الان، فوالله لو لم يجد ابن أبي طالب الاالعرفج لدب الينا فيه، ثم انصرف. ثم جاء فارس وقد كادت الخيول أن تخرج من الرهج فقال: السلام عليك أيها الامير. قال: وعليك السلام، قال: القوم قد أتوك، فلقيت عمارا فقلت له فقال لي: فقال الزبير: انه ليس فيهم، فقال: بلي والله انه لفيهم، قال: والله ما جعله الله فيهم، فقال: والله لقد جعله الله فيهم، قال: والله ما جعله الله فيهم، فلما رأى الرجل يحالفه قال لبعض أهله: اركب فانظر أحق ما يقول ؟ فركب معه فانطلقا وأنا انظر اليهما حتى وقفا في جانب الخيل قليلا ثم رجعا الينا، فقال الزبير لصاحبه ما عندك ؟ قال: صدق الرجل. قال الزبير: يا جدع أنفاه، أو يا قطع ظهراه. قال محمد بن عمارة قال عبيد الله قال فضيل: لاادري أيهما قال. قال: ثم أخذه أفكل فجعل السلاح ينتقض. قال: فقال جون: ثكلتني أمي، هذا الذى كنت اريد ان اموت معه أواعيش معه، والذى نفسي بيده ما أخذ هذا ما ارى الالشئ قد سمعه أو رآه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما تشاغل الناس انصرف فجلس على دابته، ثم ذهب، فانصرف جون فجلس على دابته فلحق بالاحنف، ثم جاء فارسان حتى أتيا الاحنف واصحابه فنزلا فأتيا فأكبا عليه فناجياه ساعة ثم انصرفا، ثم جاء عمرو بن جرموز إلى الاحنف فقال: أدركته في وادى السباع فقتلته، فكان يقول: والذى نفسي بيده ان صاحب الزبير الاحنف ". (1).


(1) الطبري 3 / 520 [*].

[31]

13 - كلمات عائشة القارصة ويدل الحديث على ضلالة عائشة بنت أبي بكر، قال الطبري: " كتب الي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة قالا: أمر علي نفرا بحمل الهودج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزفر بن الحارث انزلاه عن ظهر البعير، فوضعناه إلى جنب البعير فأقبل محمد بن أبي بكر إليه ومعه نفر فادخل يده فيه، فقالت: من هذا ؟ قال: أخوك البر، قالت: عقوق، قال عمار بن ياسر: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أمه ؟ قالت: من أنت ؟ قال: انا ابنك البار عمار، قالت: لست لك بأم. قال: بلي وان كرهت، قالت: فخرتم أن ظفرتم وأتيتم مثل ما نقمتم، هيهات والله لن يظفر من كان هذا دأبه " (1). وانظر [مروج الذهب 2 / 362] وغيره من التواريخ. 14 - سرور معاوية بمقتل عمار ان هذا الحديث من أوضح الادلة والبراهين على ضلالة معاوية بن أبي سفيان، رئيس الفئة الباغية. فلقد اعرض عن هدى عمار ثم فرح بمقتله بصفين فلما ذكر بقول رسول الله صلى الله عليه وآله له " ويحك يا ابن سمية، تقتلك الفئة الباغية " قال: " انما قتله الذين جاءوا به ". راجع للوقوف على ذلك: 1 - الطبقات 3 / 253، 259 2 - المسند 2 / 164، 206 3 - تاريخ الطبري 4 / 2 - 3 و 4 / 28 - 29


(1) الطبري 3 / 538 [*].

[32]

4 - الكامل 3 / 148، 157، 158 5 - الامامة والسياسة 1 / 126 6 - المستدرك 3 / 378 7 - العقد الفريد 2 / 203، 204 8 - الروض الانف 4 / 264 - 265. 9 - تفسير ابن العربي 2 / 519 بتفسير قوله تعالى: وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا. 10 - فتح الباري في شرح صحيح البخاري 11 - عمدة القاري في شرح صحيح البخاري 24 / 192 12 - شرح صحيح مسلم لابي عبد الله السنوسي 13 - الرياض المستطابة لعماد الدين العامري. 14 - وفاء الوفاء 1 / 329 - 332 15 - المصنف لابن أبي شيبة 16 - كنز العمال 16 / 143 17 - المرقاة في شرح المشكاة 5 / 447 18 - الخميس في تاريخ النفس النفيس 2 / 277 19 - نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض 3 / 166 20 - الخصائص للنسائي 133 - 135 وغيرها من مصادر التاريخ والاخبار. رسول الله: عمار تقتله الفئة الباغية واليك نصوص بعض عبارات أعلام القوم في هذا الباب:

[33]

قال محمد بن سعد البصري المعروف بكاتب الواقدي بترجمة عمار عليه الرحمه: " أخبرنا أبو معاوية الضرير، عن الاعمش عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: اني لاسير مع معوية في منصرفه عن صفين بينه وبين عمرو بن العاص، قال: فقال عبد الله بن عمرو: يا أبة ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية. قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا ؟ قال: فقال معاوية: ما نزال تأتينا بهنة تدحض بها في بولك، أنحن قتلناه ؟ انما قتله الذين جاءوا به. قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب، قال: حدثنى أسود ابن مسعود، عن حنظلة بن خويلد العنزي قال: بينا نحن عند معوية إذ جاء رجلان يختصمان في رأس عمار، يقول كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحد كما نفسا لصاحبه فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. قال: فقال معاوية: ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو فما بالك معنا ؟ قال: ان أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أطع أباك حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست اقاتل ". وقال أيضا " أخبرنا محمد بن عمر، حدثني عبد الحارث بن الفضيل، عن أبيه، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفا وشهد صفين وقال: أنا لاأسل ابدا حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله، فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. قال فلما قتل عمار بن ياسر قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة واقترب، فقاتل حتى قتل، وكان الذي قتل عمار بن ياسر أبو غادية المزني طعنه برمح فسقط وكان يؤمئذ يقاتل في محضة فقتل يومئذ وهو ابن اربع وتسعين سنة، فلما وقع أكب عليه رجل آخر فاحتز رأسه فأقبلا يختصمان فيه كلاهما يقول: أنا قتلته.

[34]

فقال عمرو بن العاص والله ان يختصمان الا في النار، فسمعها منه معوية فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيت مثل ما صنعت قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: انكما تختصمان في النار فقال عمرو: هو والله ذاك والله انك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذه بعشرين سنة ". وقال أبو بكر ابن أبي شيبة العبسي في مصنفه: " حدثنا يزيد بن هارون، قال أخبرنا العوام بن حوشب، قال: حدثني أسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنزي، قال: اني لجالس عند معوية إذا أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار، كل واحد منهما يقول: أنا قتلته قال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحد كما نفسا لصاحبه، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية فقال: معاوية: الا تغني عن مجنونك يا عمرو فما بالك معنا ؟ قال: اني معكم ولست أقاتل، ان أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم أطع أباك مادام حيا ولا تعصه، فأنا معكم ولست اقاتل ". وقال احمد بن حنبل الشيباني في مسنده في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص " حدثنا أبو معاوية، ثنا: الاعمش، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: اني لاسير مع معاوية في منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص، قال فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يا أبت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية. قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول هذا ؟ فقال معاوية: لا تزال تأتينا بهنة أنحن قتلناه ؟ انما قتله الذين جاءوا به. حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن الاعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد مثله أو نحوه ". وقال أيضا: " حدثنا يزيد. أنا: العوام، حدثنى أسود بن مسعود، عن حنظلة ابن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس

[35]

عمار يقول كل منهما: أنا قتلته فقال عبد الله بن عمرو: ليطب به أحد كما نفسا لصاحبه فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. قال معاوية: فما بالك معنا ؟ قال ان أبى شكانى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أطع أباك مادام حيا ولا تعصه فأنا معكم ولست اقاتل ". وقال: " حدثنا الفضل بن دكين، ثنا: سفيان، عن الاعمش، عن عبد الرحمن ابن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: اني لاساير عبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية فقال عبد الله بن عمرو لعمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية، يعني عمارا فقال عمرو لمعاوية: اسمع ما يقول هذا ! فحدثه فقال: أنحن قتلناه ؟ انما قتله من جاء به. حدثنا أبو معوية، ثنا: الاعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، فذكر نحوه ". وقال: " حدثنا أسود بن عامر: ثنا يزيد بن هارن، أنا: العوام: حدثني أسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد العنبري، قال: بينما أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله: ليطب به أحد كما نفسا لصاحبه فانى سمعت، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال معاوية ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو فما بالك معنا ؟ ! قال: ان أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أطع أباك مادام حيا ولا تعصه. فأنا معكم ولست اقاتل ". وقال أحمد في مسند عمرو بن العاص: " ثنا عبد الرزاق، قال ثنا: معمر، عن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن حزم، عن أبيه، قال لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال قتل عمار وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتله الفئة الباغية. فقام عمرو بن العاص فزعا

[36]

يرجع حتى دخل على معوية، فقال له معوية: ما شأنك ؟ قال: قتل عمار ! فقال معوية: قد قتل عمار فماذا ؟ قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية فقال له معاوية: دحضت في بولك ؟ أو نحن قتلناه ؟ ! انما قتله علي وأصحابه جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: بين سيوفنا ". وقال أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب [الخصائص] في مقام سياق طرق حديث الفئة الباغية: " أنبأنا أحمد بن سليمان، قال: ثنا: يزيد، قال أنبأنا العوام عن الاسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد، قال: كنت عند معوية فأتاه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما: أنا قتلته ! فقال عبد الله ابن عمرو: ليطب به نفسا أحد كما لصاحبه فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتلك الفئة الباغية. قال [أبو عبد الرحمن]: خالف شعبة فقال: عن العوام، عن رجل، عن حنظلة بن سويد، أخبرنا محمد بن المثنى، [حدثنا محمد]، أخبرنا شعبة، عن العوام بن حوشب، عن رجل من بني شيبان، عن حنظلة بن سويد، قال: جئ برأس عمار فقال عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتلك الفئة الباغية. أخبرني محمد بن قدامة، قال: ثنا: جرير، عن الاعمش [عن عبد الرحمن] عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقتل عمارا الفئة الباغية [قال أبو عبد الرحمن]: خالفه أبو معوية فرواه عن الاعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، أخبرنا عبد الله بن محمد قال [حدثنا] أبو معوية: حدثنا الاعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد وأخبرنا عمرو بن منصور الشيباني، أخبرنا [أبو نعيم، عن سفيان]، عن عن الاعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال:

[37]

انى لاساير عبد الله بن عمرو بن العاص ومعوية فقال عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عمار تقتله الفئة الباغية. قال عمرو: يا معوية اسمع ما يقول هذا ! فجذبه فقال: نحن قتلناه ؟ ! انما قتله من جاء به، لا تزال داحضا في بولك ". وقال ابن قتيبة الدينوري " ثم حمل عمار وأصحابه فالتقى عليه رجلان فقتلاه وأقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه كل يقول: أنا قتلته. فقال لهما عمرو بن العاص: والله ان تتنازعان الا في النار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية. فقال معوية قبحك الله من شيخ ! فما تزال تتزلق في بولك ! أو نحن قتلناه ؟ ! انما قتله الذين جاءوا به. ثم التفت إلى أهل الشام فقال: انما نحن الفئة الباغية التي تبغي دم عثمان ". وقال الطبري في خبر رسل الامام عليه السلام إلى معاوية " وتكلم يزيد ابن قيس، فقال: انا لم نأتك الا لنبلغك ما بعثنا به اليك ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، ونحن على ذلك لن ندع أن ننصح لك وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة، وانك راجع به إلى الالفة والجماعة، ان صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك أن أهل الدين والفضل لن يعدلوا بعلي ولن يمثلوا بينك وبينه، فاتق الله يا معاوية ولا تخالف عليا فانا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه. فحمد الله معوية وأثنى، ثم قال: أما بعد ! فانكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها، ان صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثارنا وقتلتنا وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون انهم اصحاب صاحبكم فليدفعهم الينا فلنقتلهم به. ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة

[38]

والجماعة. فقال له شبث: أيسرك يا معاوية أنك أمكنت من عمار تقتله ؟ فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك والله لو أمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان رض ولكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان ! فقال له شبث: واله الارض واله السماء ما عدلت معتدلا، لا والذي لا اله الاهو لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الاقوام وتضيق الارض الفضاء عليك برحبها ! فقال له معاوية: انه لو قد كان ذلك كانت الارض عليك أضيق ". وقال في خبر عن عبد الرحمن السلمي في مقتل عمار: " فلما كان الليل قلت لادخلن إليهم حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا ؟ وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا الينا وتحدثنا إليهم فركبت فرسي وقد هدأت الزجل ثم دخلت فإذا أنا بأربعة يتسايرون: معاوية وأبو الاعور السلمي وعمرو بن العاص وعبد الله بن عمرو وهو خير الاربعة، فأدخلت فرسي بينهم مخافة ان يفوتني ما يقول احد الشقين فقال عبد الله لابيه:: يا أبة ! قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا ؟ وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال ؟ قال: وما قال ؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد والناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين، فغشي عليه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: ويحك يابن سمية الناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الاجر، وأنت ويحك مع ذلك تقتلك الفئة الباغية ! فدفع عمرو صدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال: يا معاوية ! أما تسمع ما يقول عبد الله ؟ قال: وما يقول ؟ فأخبره الخبر، فقال معاوية: انك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك ! أو نحن قتلنا عمارا ؟ ! انما قتل عمارا من

[39]

جاء به. فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: انما قتل عمارا من جاء به، فلا أدري من كان أعجب هو أوهم ". وقال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبى " مقتل عمار بن ياسر - العتبى: قال لما التقى الناس بصفين نظر معاوية إلى هاشم بن عتبة الذي يقال له المرقال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أرقل يا ميمون ! وكان أعور والراية بيده وهو يقول: أعور يبغى نفسه محلا قد عالج الحياة حتى ملا * لابد أن يفل أو يفلا فقال معاوية لعمرو بن العاص: يا عمرو ! هذا المرقال والله لئن زحف بالراية زحفا انه ليوم أهل الشام الاطول ولكني أرى ابن السوداء إلى جنبه، يعنى عمارا وفيه عجلة في الحرب وأرجو أن تقدمه إلى الهلكة، وجعل عمار يقول: يا عتبة تقدم ! فيقول: يا أبا اليقظان ! أنا أعلم بالحرب منك، دعني أزحف بالراية زحفا ! فلما أضجره وتقدم أرسل معوية خيلا فاختطفوا عمارا فكان يسمى أهل الشام قتل عمار " فتح الفتوح ". وقال أيضا: " أبو ذر، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده بالمدينة أمر باللبن يضرب وما يحتاج إليه، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع ردائه، فلما رأى ذلك المهاجرون والانصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يرتجزون ويقولون ويعملون: لئن قعدنا والنبي يعمل * ذاك إذا لعمل مضلل قالت: وكان عثمان بن عفان رجلا نظيفا متنظفا فكان يحمل اللبنة ويجافي بها عن ثوبه، فإذا وضعه نفض كفيه ونظر إلى ثوبه فإذا أصابه شئ من التراب نفضه ! فنظر إليه على رضي الله عنه فأنشد:

[40]

لا يستوى من يعمر المساجدا * يدأب فيها راكعا وساجدا وقائما طورا وطورا قاعدا * ومن يرى عن التراب حائدا فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها وهو لا يدري من يعني، فسمعه عثمان فقال: يابن سمية ! ما أعرفني بمن تعرض ؟ ومعه جريدة، فقال: لتكفن أو لاعترضن بها وجهك ! فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل حائط، فقال: عمار جلدة ما بين عيني وأنفي، فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ منى واشار بيده فوضعها بين عينيه، فكف الناس عن ذلك وقالوا لعمار: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب فيك ونخاف أن ينزل فينا قرآن ! فقال: أنا أرضيه كما غضب، فأقبل عليه فقال: يارسول الله ! مالي ولاصحابك ؟ قال ومالك ولهم ؟ قال: يريدون قتلي يحملون لبنة ويحملون علي لبنتين، فأخذ به وطاف به في المسجد وجعل يمسح وجهه من التراب ويقول: يابن سمية ! لا يقتلك أصحابي ولكن تقتلك الفئة الباغية. فلما قتل بصفين وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال معوية: هم قتلوه لانهم أخرجوه إلى القتل. فلما بلغ ذلك عليا قال: ونحن قتلنا أيضا حمزة لانا أخرجناه ". وقال أبو عبد الله الحاكم النيسابوري بترجمة عمار: " أخبرني أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصنعاني. ثنا: اسحق بن ابراهيم بن عباد. أنبأ: عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، أخبره قال: لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمارو قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقام عمرو فزعا حتى دخل على معوية فقال له معوية: ما شأنك ؟ فقال: قتل عمار بن ياسر ! فقال: قتل عمار فماذا ؟ فقال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يقتله الفئة الباغية. فقال له معوية: أنحن قتلناه ؟ انما قتله علي وأصحابه

[41]

جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا، أو قال: سيوفنا. صحيح على شرطهما ولم يخرجاه بهذه السياقة. أخبرنا أبو زكريا الغبري ثنا: محمد بن عبد السلام، ثنا: اسحق ثنا، عطاء ابن مسلم الحلبي، قال: سمعت الاعمش يقول: قال أبو عبد الرحمن السلمى: شهدنا صفين فكنا إذا توادعنا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء في عسكر هؤلاء، فرأيت أربعة يسيرون معوية بن أبي سفيان وابو الاعور السلمى وعمرو بن العاص وابنه، فسمعت عبد الله بن عمرو يقول لابيه عمرو: وقد قتلنا هذا الرجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما قال. قال. أي الرجل ؟ قال عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فكنا نحمل لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتحمل لبنتين لبنتين وأنت ترحض ؟ ! أما انك ستقتلك الفئة الباغية وأنت من أهل الجنة. فدخل عمرو على معوية فقال: قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال. فقال: أسكت فوالله ما تزل تذحض في بولك ! أنحن قتلناه ؟ ! انما قتله علي وأصحابه جاءوا به حتى ألقوه بيننا ! ". وقال أبو المؤيد الموفق بن احمد الخوارزمي: " وكان الذي قتل عمارا أبو غادية المزني طعنه برمح فسقط وكان يؤمئذ يقاتل وهو ابن أربع وتسعين، فلما وقع أكب عليه رجل آخر فاجتز رأسه فأقبلا يختصمان كلاهما يقول: أنا قتلته ! فقال عمرو بن العاص: والله ان يختصمان الا في النار، فسمعها معاوية فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو: ما رأيت مثل ما صنعت ! قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: انكما تختصمان في النار ؟ ! فقال عمرو: هو والله ذلك انك لتعلمه ولوددت أني مت قبل هذا بعشرين سنة ". قال: " في اليوم السادس والعشرين من حروب صفين قتل أبو اليقظان عمار

[42]

ابن ياسر وأبو الهيثم بن التيهان نقيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهما. روي أن الحرث بن باقور أخاذي الكلاع برز إلى عمار وضربه عمار فصرعه وكان من برز إليه قتله فينشد: نحن ضربناكم على تنزيله * واليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله * وبذهل الخليل عن خليله أو يرجع الحق إلى سبيله ! واستسقى عمار فأتى بلبن في قدح فلما رآه كبر ثم شربه وقال: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لي: آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن، ويقتلك الفئة الباغية ! فهذا آخر أيامي من الدنيا ثم حمل وأحاط به أهل الشام واعترضه أبو الغادية الفزاري وابن جوفي السكسكي، فأما أبو الغادية فطعنه وأما ابن جوفي فاجتز رأسه الشريف، وقد كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: يابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية. قال ذوالكلاع، وتحت أمره ستون ألفا من الفرسان يقول لعمرو بن العاص: ويحك أنحن الفئة الباغية ؟ ! وكان في شك من ذلك، فيقول عمرو: انه سيرجع الينا، واتفق أنه أصيب ذو الكلاع يوم أصيب عمار، فقال عمرو: لو بقي ذوالكلاع لمال بعامة قومه ولافسد علينا جندنا. وقتل أبو الهيثم وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص قال لابيه: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول لعمار: تقتلك الفئة الباغية فقال عمرو لمعاوية: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنحن قتلنا عمارا ؟ ! انما قتله الذي جاء به فألقاه تحت رماحنا وسيوفنا. وفرح بقتل عمار أهل الشام، وقال معاوية: قتلنا عبد الله بن بديل وهاشم ابن عتبة وعمار بن ياسر، فاسترجع النعمان بن بشير وقال: والله اناكنا نعبد

[43]

اللات والعزى، وعمار يعبد الله ولقد عذبه المشركون بالرمضاء وغيرها من ألوان العذاب، فكان يوحد الله ويصبر على ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صبرا آل ياسر ! موعدكم الجنة. وقال له: ان عمارا يدعو الناس إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وقال ابن جوفي من أهل الشام: أنا قتلت عمارا. فقال عمرو بن العاص: ماذا قال حين ضربته ؟ قال: قال اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبه. فقال عمرو: صدقت، أنت صاحبه والله ما ظفرت يداك وقد أسخطت ربك. وعن السدي، عن يعقوب بن أسباط، قال احتج رجلان بصفين في سلب عمار وفي قتله، فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص يتحاكمان إليه، فقال: ويحكما أخرجا عني فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أولعت قريش بعمار، عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار ". وقال السهيلي: " وفي " جامع معمر بن راشد " أن عمارا كان ينقل في بنيان المسجد لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ينقلون لبنة واحدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: للناس أجرولك أجران، وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية ! فلما قتل يوم صفين دخل عمرو على معاوية فزعا فقال: قتل عمار ! فقال معاوية فماذا ؟ فقال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتلك الفئة الباغية ! فقال: دحضت في بولك، أنحن قتلناه ؟ ! انما قتله من أخرجه ". وقال ابن الاثير الجزرى في خبر رسل أمير المؤمنين إلى معاوية: " وقال يزيد بن قيس: انا لم نأت الالنبلغك ما أرسلنا به اليك ونؤدى عنك ما سمعنا منك، ولن ندع ان ننصح وأن نذكر ما يكون به الحجة عليك ويرجع إلى الالفة والجماعة، ان صاحبنا من عرف المسلمون فضله ولا يخفى عليك، فاتق الله يا معوية ولا تخالفه ! فانا والله ما رأينا في الناس رجلا قط أعمل بالتقوى ولا أزهد

[44]

في الدنيا ولا أجمع لخصال الخير كلها منه. فحمد الله معاوية ثم قال: أما بعد، فانكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التى دعوتم إليها فمعناهي، وأما الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها، لان صاحبكم قتل خليفتنا وفرق جماعتنا وآوى ثارنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد عليه ذلك فليدفع الينا قتلة عثمان لنقتلهم ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة ! فقال شبث بن ربعى: أيسرك يا معاوية أن تقتل عمارا ؟ ! فقال: وما يمنعني من ذلك لو تمكنت من ابن سمية لقتلته بمولى عثمان ! فقال شبث: والذي لا اله غيره لا تصل إلى ذلك حتى تندر الهام عن الكواهل وتضيق الارض والفضاء عليك ! فقال معوية: لو كان ذلك لكانت عليك اضيق ! وتفرق القوم عن معوية ". وقال في ذكر مقتل عمار عليه الرحمة: " وخرج عمار بن ياسر على الناس فقال: اللهم انك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أقذف بنفسي في هذا البحر لفعلته ! اللهم انك تعلم أني لو أعلم أن رضاك في أن أضع ظبة سيفي في بطني ثم أنحني عليه حتى تخرج من ظهري لفعلته ! واني لاأعلم اليوم عملا هو أرضى لك من جهاد هؤلاء الفاسقين، ولو أعلم عملا هو أرضى لك منه لفعلته، والله اني لارى قوما ليضربنكم ضربا يرتاب منه المبطلون، وأيم الله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعلمت أنا على الحق، وأنهم على الباطل. ثم قال. من يبتغي رضوان الله ربه ولا يرجع إلى مال ولاولد ؟ فأتاه عصابة فقال: اقصدوا بنا هؤلاء القوم الذين يطلبون دم عثمان، والله ما أرادوا الطلب بدمه ولكنهم ذاقوا الدنيا واستحبوها وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه منها، ولم يكن لهم سابقة يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم، فخدعوا أتباعهم وقالوا: امامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة

[45]

ملوكا فبلغوا ما ترون، فلولا هذا ما تبعهم من الناس رجلان. اللهم ان تنصرنا فطالما نصرت وان تجعل لهم الامر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الاليم. ثم مضى ومعه تلك العصابة، فكان لا يمر بواد من أودية صفين الا تبعه من كان هناك من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء إلى هاشم بن عتبة ابن أبي وقاص، وهو المرقال وكان صاحب راية علي وكان أعور، فقال: يا هاشم: أعورا وجبنا * لاخير في أعور لا يغشى الباس * اركب يا هاشم ! فركب ومضى معه وهو يقول: أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا لابد أن يفل أو يفلا * يتلهم بذي الكعوب تلا وعمار يقول: تقدم يا هاشم الجنة تحت ضلال السيوف والموت تحت أطراف الاسل، وقد فتحت أبواب السماء وتزينت الحور العين، اليوم ألقى الاحبة محمدا وحزبه، وتقدم حتى دنا من عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو، بعت دينك بمصر ؟ ! تبا لك ! فقال له: لا ولكن أطلب بدم عثمان ! فقال: أنا أشهد على علمي فيك أنك لا تطلب بشئ من فعلك وجه الله وأنك ان لم تقتل اليوم تمت غدا، فانظر إذا أعطى الناس على قدر نياتهم ما نيتك ؟ لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الرابعة ماهي بأبر وأتقي ! ثم قاتل عمار ولم يرجع وقتل ". قال: " وقال عبد الرحمن السلمي: لما قتل عمار دخلت عسكر معوية لانظر هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا، وكنا إذا تركنا القتال تحدثوا الينا وتحدثنا إليهم، فإذا معوية وعمرو وأبو الاعور وعبد الله بن عمرو يتسايرون، فأدخلت فرسي بينهم لئلا يفوتني ما يقولون. فقال عبد الله لابيه: يا أبة ! قتلتم هذا الرجل

[46]

في يومكم هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ! قال: وما قال ؟ قال: ألم يكن المسلمون ينقلون في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فغشي عليه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: ويحك يا بن سمية ! الناس ينقلون لبنة لبنة وأنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة في الاجر وأنت مع ذلك تقتلك الفئة الباغية ؟ ؟ فقال عمرو لمعوية: أما تسمع ما يقول ؟ قال: وما يقول ؟ فأخبره فقال معوية: أنحن قتلناه ؟ ! انما قتله من جاء به ! فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: انما قتل عمارا من جاء به، فلا أدري من كان أعجب أهو أم هم ؟ ! ". وقال محيي الدين ابن عربي الاندلسي في تفسيره: " وان طائفتان من المؤمنين " إلى آخره، الاقتتان لا يكون الاللميل إلى الدنيا والركون إلى الهوى والانجذاب إلى الجهة السفلية والتوجه إلى المطالب الجزئية، والاصلاح انما يكون من لزوم العدالة في النفس التي هي ظل المحبة التي هي ظل الوحدة، فلذلك امر المؤمنون الموحدون بالاصلاح بينهما على تقدير بغيهما، والقتال مع الباغية على تقدير بغي احداهما حتى ترجع لكون الباغية مضادة للحق دافعة له، كما خرج عمار رضي الله عنه مع كبره وشيخوخته في قتال أصحاب معوية ليعلم بذلك أنهم الفئة الباغية ". وقال سبط ابن الجوزي: " وحكى ابن سعد في " الطبقات " عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لابيه: قتلتم عمارا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول له: تقتلك الفئة الباغية ! ؟ فسمعه معاوية فقال: لانك شيخ أخرق ما تزال تأتينا بهنة تدحض بها في بولك ! أنحن قتلناه ؟ ! انما قتله الذي أخرجه وفي رواية: فبلغ ذلك عليا فقال: ونحن قتلنا حمزة لانا أخرجناه إلى احد.

[47]

وذكر ابن سعد أيضا أن ذا الكلاع لما بلغه هذا قال لعمرو: نحن الفئة الباغية وهم بالرجوع إلى عسكر علي وكان تحت يده ستون ألفا فقتل ذو الكلاع فقال معاوية: لو بقى ذو الكلاع لافسد علينا جندنا بميله إلى ابن أبي طالب ! ". وقال: أيضا: " وقال الواقدي: لما طعن أبو الغادية عمارا بالرمح وسقط أكب عليه آخر فاجتز رأسه ثم أقبلا إلى معاوية يختصمان فيه، كل منهما يقول: أنا قتلته، فقال لهما عمرو: والله ان تختصمان الا في النار ! فقال معوية: ما صنعت ؟ قوم بذلوا نفوسهم دوننا تقول لهم هذا ؟ ! فقال عمرو: هو والله كذلك وأنت تعلمه واني والله وددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ! ". وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: " فائدة - روى حديث تقتل عمارا الفئة الباغية " جماعة من الصحابة منهم قتادة (أبو قتادة. ظ) بن النعمان كما تقدم وام سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعوية وعمرو بن العاص وأبو اليسر وعمار نفسه، وكلها عند الطبراني وغيره طرقها صحيحة أو حسنة. وفيه عن جماعة آخرين يطول عدهم. وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعلي ولعمار ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه ". وقال بدر الدين العيني في شرح حديث " إذا تواجه المسلمان فكلاهما من أهل النار ": " وقال الكرماني: علي رضي الله عنه ومعاوية كلاهما كانا مجتهدين غاية ما في الباب أن معاوية كان مخطئا في اجتهاده وله أجر واحد وكان لعلي رضي الله عنه أجران. قلت: المراد (فالمراد. ظ) بما في الحديث المتوا جهان بلا دليل من الاجتهاد ونحوه، انتهى. قلت: كيف يقال كان معاوية مخطئا في اجتهاده، فما كان الدليل في اجتهاده ! !

[48]

وقد بلغه الحديث الذي قال صلى الله تعالى عليه وسلم: ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية ! وابن سمية هو عمار ابن ياسر، وقد قتله فئة معاوية، أفلا يرضى معاوية سواء بسواء حتى يكون له أجر واحد ". وقال محمد بن خلفة الوشتاني الابي في شرح حديث قتل عمار: " والحديث حجة بينة للقول بأن الحق مع علي وحزبه وانما عذر الاخرون بالاجتهاد، وأصل البغي الحسد، ثم استعمل في الظلم، وعلى هذا حمل الحديث عبد الله ابن عمرو العاص يوم قتل عمار، وغيره تأوله فتأوله معاوية وكان أولا يقول: انما قتله من أخرجه لينفي عن نفسه صفة البغي ثم رجع فتأوله على الطلب وقال: نحن الفئة الباغية، اي الطالبة لدم عثمان، من البغاء بضم الباء والمد وهو الطلب. قلت: البغي عرفا الخروج عن طاعة الامام مغالبة له، ولا يخفى عليك بعد التأويلين أو خطؤهما، فأما الاول فواضح وكذا الثاني لان ترك علي القصاص من قتلة عثمان للذين قاموا بطلبه ورأوه مستندا في اجتهادهم ليس لانه تركه جملة واحدة وانما تركه لما تقدم، وفيه ان عدم القصاص منكر قاموا بتغييره والقيام بتغيير المنكر انما هو ما لم يؤد إلى مفسدة اشد. وايضا المجتهد انما يحسن به الظن إذا لم يبين مستند اجتهاده، اما إذا بينه فكان خطأ فكيف ؟. ولله در الشيخ حيث كان يقول الصحبة حصنت على من حارب عليا ! ". وقال أبو عبد الله محمد بن محمد بن يوسف السنوسي في شرح حديث قتل عمار: " والحديث حجة بينة للقول بأن الحق مع علي وحزبه وانما عذر الاخرون بالاجتهاد، واصل البغي الحسد ثم استعمل في الظلم، وغير تأويله معوية رضي الله عنه فكان يقول: انما قتله من اخرجه لينفي عن نفسه صفة البغي ثم رجع فتأوله على الطلب وقال: نحن الفئة الباغية، اي الطالبة لدم عثمان،

[49]

من البغاء بضم الباء والمد وهو الطلب (ب (1): البغي عرفا الخروج عن طاعة الامام مغالبة له، ولا يخفي بعد التأويلين أو خطؤهما، ولله در الشيخ حيث كان يقول: الصحبة حصنت على من حارب عليا رضي الله عنه ". وقال عماد الدين يحيى بن ابي بكر العامري في ترجمة سيدنا عمار: " قتل رضي الله عنه بصفين سنة سبع وثلثين عن ثلث وخمسين سنة وكان من اصحاب علي وقتله اصحاب معوية، وبقتله استدل اهل السنة على تصحيح جانب علي لان النبي صلى الله عليه وسلم كان قد قال له: ويح ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية، وقال: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وقال قبل ان يقتل: ائتوني بشربة لبن فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن. وكان آدم طوالا لا يغير شيبة، رضي الله عنه ورحمه ". وقال نور الدين السمهودى: " وأسند (2) أيضا أن علي بن أبيطالب كان يرتجز وهو يعمل فيه ويقول: لا يستوي من يعمر المساجدا * يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن الغبار حائدا وأسند هو أيضا ويحيى من طريقه والمجد ولم يخرجه عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده فقرب اللبن وما يحتاجون إليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع ردائه، فلما رأى ذلك المهاجرون الاولون والانصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون:


(1) أي: قال الابى. (2) أي: ابن زبالة [*].

[50]

لئن قعدنا والنبي يعمل البيت وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه رجلا نظيفا متنظفا وكان يحمل اللبنة فيجافى بها عن ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه ونظر إلى ثوبه فان أصابه شئ من التراب نفضه، فنظر إليه علي بن أبي طالب فأنشأ يقول: لا يستوي من يعمر المساجدا الابيات المتقدمة، فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجز بها وهو لا يدري من يعني بها فمر بعثمان فقال: يا ابن سمية ! ما أعرفني بمن تعرض ومعه جريدة فقال: لتكفن أو لاعترضن بها وجهك ! فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل بيتي تعنى ام سلمة. وفي كتاب يحيى: في ظل بيته، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: ان عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي فإذا بلغ ذلك من المرء فقد بلغ ووضع يده بين عينيه، فكف الناس عن ذلك ثم قالوا لعمار: ان النبي صلى الله عليه وسلم قد غضب فيك ونخاف أن ينزل فينا القرآن ! فقال: أنا أرضيه كما غضب، فقال: يا رسول الله ! مالي ولاصحابك ؟ قال: مالك ومالهم ؟ قال: يريدون قتلي يحملون لبنة لبنة ويحملون علي اللبنتين والثلاث فأخذ بيده فطاف به في المسجد وجعل يمسح وفرته بيده من التراب ويقول: يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي ولكن تقتلك الفئة الباغية. وقد ذكر ابن اسحاق القصة بنحوه كما في " تهذيب " ابن هشام، قال: وسألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز فقالوا: بلغنا أن علي ابن أبي طالب ارتجز به، فلا ندري أهو قائله أم غيره، وانما قال ذلك علي رضي الله عنه مطائبة ومباسطة كما هو عادة الجماعة، إذا اجتمعوا على عمل وليس ذلك طعنا. وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل أبي جعفر الخطمي، قال:

[51]

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني المسجد وعبد الله بن رواحة يقول: أفلح من يعالج المساجدا فيقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ابن رواحة: يتلوا القرآن قائما وقاعدا، فيقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي " الصحيح " في ذكر بناء المسجد: وكنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وقال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. وأسند ابن زبالة ويحيى، عن مجاهد، قال: رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يحملون الحجارة على عمار وهو يبني المسجد فقال: مالهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وذلك فعل الاشقياء الاشرار ! وأسند الثاني أيضا عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحمل كل رجل منهم لبنة لبنة وعمار بن ياسر لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ظهره وقال: يا ابن سمية ! لك أجران وللناس أجر، وآخر زادك من الدنيا شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية. وفي " الروض " للسهيلي أن معمر بن راشد روى ذلك في جامعه بزيادة في آخره وهي: فلما قتل يوم صفين دخل عمرو على معاوية رضي الله عنهما فزعا فقال: قتل عمار ! فقال معاوية: فماذا ؟ فقال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال معوية: دحضت في بولك، أنحن قتلناه ؟ انما قتله من أخرجه. وروى البيهقي في " الدلائل " عن عبد الرحمن (أبي عبد الرحمن. ظ)

[52]

السلمي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لابيه عمرو: قد قتلنا هذا الرجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما قال قال: أي رجل ؟ قال: عمار بن ياسر، أما تذكر يوم بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فكنا نحمل لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تحمل لبنتين وأنت ترحض ! أما انك ستقتلك الفئة الباغية وأنت من أهل الجنة. فدخل عمرو على معوية فقال: قتلنا هذا الرجل وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال فقال: اسكت، فوالله ما تزال تدحض في بولك ! أنحن قتلناه ؟ ! انما قتله علي وأصحابه جاءوا به حتى ألقوه بيننا. قلت: وهو يقتضي أن هذا القول لعمار كان في البناء الثاني للمسجد، لان اسلام عمرو كان في الخامسة كما سبق. وقال السمهودي في [خلاصة الوفاء]: " ولاحمد عن أبي هريرة: كانوا يحملون اللبن إلى بناء المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، ثم قال: فاستقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عارض لبنة على بطنه فظننت انها ثقلت عليه فقلت: ناولنيها يا رسول الله ! فقال: خذ غيرها يا أبا هريرة فانه لاعيش الاعيش الاخرة. وهذا في البناء الثاني لان اسلام أبي هريرة متأخر. وكذا ما في الصحيح في ذكر بناء المسجد: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب ويقول: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، لان البيهقي روى في " الدلائل " عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سمع عبد الله بن العاص يقول لابيه عمرو: قد قتلنا هذا الرجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما قال ! قال: أي رجل ؟ قال قال: عمار بن ياسر، اما تذكره يوم

[53]

بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، فكنا نحمل لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين، فمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر نحو رواية الصحيح. ثم قال: فدخل عمرو على معوية فقال: قتلنا هذا الرجل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ! فقال: اسكت فوالله ما تزال تدحض في بولك، أنحن قتلناه ؟ انما قتله على وأصحابه جاءوا به حتى ألقوه بيننا. واسلام عمرو رضي الله عنه كان في السنة الخامسة فلم يحضر الا البناء الثاني ". وقال الملاعلى المتقي: " عن خالد بن الوليد عن ابنة هشام بن الوليد بن المغيرة وكانت تمرض عمارا قالت: جاء معوية إلى عمار يعوده فلما خرج من عنده قال: أللهم لا تجعل منيته بأيدينا، فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية (ع. كر) ". وقال في [شرح الفقه الاكبر] في ذكر خلافة امير المؤمنين عليه السلام: " ومما يدل على صحة خلافته دون خلافة غيره الحديث المشهور " الخلافة بعدى ثلثون سنة ثم يصير ملكا عضوضا " وقد استشهد علي (رض) على رأس ثلاثين سنة عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على صحة اجتهاده وخطأ معوية في مراده ما صح عنه صلى الله عليه وسلم في حق عمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية. وأما ما نقل أن معوية أو أحدا من أشياعه قال: ما قتله الاعلي (رض) حيث حمله على المقاتلة فروي عن علي كرمه الله وجهه انه قال في المقابلة: فيلزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل عمه حمزة ! فتبين أن معوية ومن بعده لم يكونوا خلفاء بل ملوكا وأمراء ". وقال في [شرح الشفاء] في فصل الاخبار بالغيوب: " وان عمارا وهو ابن ياسر تقتله الفئة الباغية. رواه الشيخان، ولفظ مسلم: قال النبي صلى الله

[54]

تعالى عليه وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وزاد: وقاتله في النار. فقتله، أي عمارا، أصحاب معوية، أي بصفين، ودفنه علي رضى الله تعالى عنه في ثيابه وقد نيف على سبعين سنة، فكانوا هم البغاة على علي بدلالة هذا الحديث ونحوه، وقد ورد: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق، وقد كان مع علي رضى الله، تعالى عنهما، وأما تأويل معوية أو ابن العاص بأن الباغى علي وهو قتله حيث حمله على ما أدى إلى قتله، فجوابه ما نقل عن علي كرم الله وجهه أنه يلزم منه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قاتل حمزة عمه. والحاصل أنه لا يعدل عن حقيقة العبارة إلى مجاز الاشارة الا بدليل ظاهر من عقل أو نقل يصرفه عن ظاهره، نعم، غاية العذر عنهم أنهم اجتهدوا وأخطأوا فالمراد بالباغية الخارجة المتجاوزة لا الطالبة كما ظنه بعض الطائفة ". وقال في [المرقاة - شرح المشكوة]: " (وعن أبي قتادة) صحابي مشهور (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار) أي ابن ياسر (حين يحفر الخندق) حكاية حال ماضية (فجعل يمسح رأسه) أي رأس عمار عن الغبار ترحما عليه من الاغيار (ويقول بؤس) بضم موحدة وسكون همز، ويبدل، وبفتح السين مضافا إلى (ابن سمية) وهي بضم السين وفتح الميم وتشديد التحتية ام عمار وهي قد أسلمت بمكة وعذبت لترجع عن دينها فلم ترجع وطعنها أبو جهل فماتت، ذكره ابن الملك. وقال غيره: كانت امه ابنة أبي حذيفة المخزومى زوجها ياسرا وكان حليفه فولدت له عمارا فأعتقه أبو حذيفة أي: يا شدة عمار احضرى فهذا أوانك، واتسع في حذف حرف النداء من أسماء الاجناس وانما يحذف من أسماء الاعلام، وروى بوس بالرفع على ما في بعض النسخ، أي: عليك بؤس أو يصيبك بوس، وعلى هذا ابن سمية منادى مضاف، أي: يا ابن سمية ! وقال

[55]

شارح " المغنى ": يا شدة ما يلقاه ابن سمية من الفئة الباغية، نادى بؤسه وأراد نداءه وخاطبه بقوله: (تقتلك الفئة الباغية) أي الجماعة الخارجة على امام الوقت وخليفة الزمان. قال الطيبى: ترحم عليه بسبب الشدة التي يقع فيها عمار من قبل الفئة الباغية يريد به معاوية وقومه فانه قتل يوم صفين. وقال ابن الملك: اعلم أن عمارا قتله معوية وفئته فكانوا طاغين باغين بهذا الحديث، لان عمار كان في عسكر علي وهو المستحق للامامة فامتنعوا عن بيعته. وحكي أن معاوية كان يتأول معنى الحديث ويقول: نحن فئة باغية طالبة لدم عثمان، وهذا كما ترى تحريف، إذ معنى طلب الدم غير مناسب هنا لانه صلى الله عليه وسلم ذكر الحديث في اظهار فضيلة عمار وذم قاتله لانه جاء في طريق: ويح ! قلت: ويح، كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم عليه ويرثى له، بخلاف ويل، فانها كلمة عقوبة تقال للذي يستحقها ولا يترحم عليه هذا. وفي " الجامع الصغير " برواية الامام أحمد والبخاري عن أبي سعيد مرفوعا: ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. وهذا كالنص الصريح في المعنى الصحيح المتبادر من البغي المطلق في الكتاب كما في قوله تعالى: وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وقوله سبحانه: فان بغت احداهما على الاخرى فاطلاق اللفظ الشرعي على ارادة المعنى اللغوي عدول عن العدل وميل إلى الظلم الذي هو وضع الشئ في غير موضعه. والحاصل ان البغي بحسب المعنى الشرعي والاطلاق العرفي خص عموم معنى الطلب اللغوى إلى طلب الشر الخاص بالخروج المنهى، فلا يصح أن يراد به طلب دم خليفة الزمان وهو عثمان رضي الله عنه. وقد حكي عن معوية تأويل أقبح من هذا حيث قال: انما قتله علي وفئته حيث حمله على القتال وصار

[56]

سببا لقتله في المال، فقيل له في الجواب: فاذن قاتل حمزة هو النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان باعثا له على ذلك والله سبحانه وتعالى حيث أمر المؤمنين بقتال المشركين ! والحاصل أن هذا الحديث فيه معجزات ثلث: احديها انه سيقتل، وثانيها أنه مظلوم، وثالثها أن قاتله باغ من البغاة، والكل صدق وحق. ثم رايت الشيخ أكمل الدين قال: الظاهر أن هذا أي التأويل السابق عن معوية وما حكي عنه أيضا من أنه " قتله من أخرجه للقتل وحرضه عليه " كل منهما افتراء عليه ! أما الاول فتحريف للحديث، وأما الثاني فلانه ما أخرجه أحد بل هو خرج بنفسه وماله مجاهدا ففي سبيل الله قاصدا لاقامة الفرض، وانما كان كل منهما افتراء على معاوية لانه رضي الله عنه أعقل من أن يقع في شئ ظاهر الفساد على الخاص والعام. قلت: فإذا كان الواجب عليه أن يرجع عن بغيه باطاعته الخليفة ويترك المخالفة وطلب الخلافة المنيفة، فتبين بهذا أنه كان في الباطن باغيا وفي الظاهر متسترا بدم عثمان مراعيا مرائيا، فجاء هذا الحديث عليه ناعيا، وعن عمله ناهيا، لكن كان ذلك في الكتاب مسطورا، فصار عنده كل من القرآن والحديث مهجورا ! فرحم الله من أنصف ولم يتعصب ولم يتعسف وتولى الاقتصاد في الاعتقاد لئلا يقع في جانبي سبيل الرشاد من الرفض وللنصب بأن: يحب الال والصحب. (رواه مسلم) ". وقال نور الدين الحلبي: " ولما قتل عمار دخل عمرو بن العاص على معوية فزعا وقال: قتل عمار ! فقال معاوية: قتل عمار فماذا ؟ قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتل عمارا الفئة الباغية. فقال له معوية: دحضت، أي زلقت في بولك ! أنحن قتلناه ؟ انما قتله من أخرجه.

[57]

وفي رواية قال له: أسكت فوالله ما تزال تدحض، أي تزلق في بولك، انما قتله على واصحابه جاءوا به حتى ألقوه بيننا. وذكر أن عليا رضي الله تعالى عنه لما احتج على معاوية رضي الله تعالى عنه بهذا الحديث ولم يسع معاوية انكاره قال: انما قتله من أخرجه من داره، يعني بذلك عليا. فقال علي رضي الله تعالى عنه: فرسول الله صلى الله عليه وسلم اذن قتل حمزة حين أخرجه ". قال: " وكان ذوالكلاع رضي الله تعالى عنه مع معاوية وقال له يوما ولعمرو ابن العاص: كيف نقاتل عليا وعمار بن ياسر ؟ ! فقالا له: ان عمارا يعود الينا ويقتل معنا. فقتل ذوالكلاع قبل قتل عمار، ولما قتل عمار قال معوية: لو كان ذوالكلاع حيا لمال بنصف الناس إلى على، أي لان ذا الكلاع ذووه اربعة الاف اهلبيت، وقيل: عشرة آلاف ". وقال شهاب الدين الخفاجي في [نسيم الرياض]: " ومما اخبر به صلى الله تعالى عليه وسلم من المغيبات ان عمار بن ياسر الصحابي المشهور تقتله الفئة الباغية. من البغي وهو الخروج بغير حق على الامام. ولفظ مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية. وروي: وقاتله في النار. فقتله اصحاب معوية وكان هو مع علي بصفين وهو صريح في ان الخليفة بحق هو علي رضي الله عنه وان معوية مخطئ في اجتهاده كما في حديث " إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق " وابن سمية هو عمار رضي الله تعالى عنه كان مع على، وهذا هو الذي ندين الله به، وهو ان عليا كرم الله وجهه على الحق ومجتهد مصيب في عدم تسليم قتلة عثمان، ومعوية رضي الله تعالى عنه مجتهد مخطي، فدع القيل والقال فماذا بعد الحق الا الضلال ؟ ! وقد تأول معوية حديث عمار لما لم يجد مجالا لانكاره فقال: انما قتله من أخرجه، ولذا قال علي كرم الله وجهه لما بلغه قوله: فرسول الله صلى

[58]

الله تعالى عليه وسلم قتل حمزة رضى الله تعالى عنه لما أخرجه لاحد، كما نقله ابن دحية رحمه الله تعالى، وقتل عمار بصفين وهو ابن سبعين سنة قتله ابن العمادية (أبو الغادية. ظ) واجتز رأسه ابن جزء ودفنه على رضى الله تعالى عنه ". وقال حسين بن محمد الديار بكرى " وفي " عقائد الشيخ أبي اسحق الفيروز آبادي " و " خلاصة الوفاء " أن عمرو بن العاص كان وزير معوية فلما قتل عمار بن ياسر أمسك عن القتال وتابعه على ذلك خلق كثير فقال له معوية لم لا تقاتل ؟ قال قتلنا هذا الرجل وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية، فدل على أنا نحن بغا. قال له معوية: أسكت فوالله ما تزال تدحض في بولك ! انحن قتلناه ؟ انما قتله على وأصحابه جاءوا به حتى ألقوه بيننا. وفي رواية قال: قتله من أرسله الينا يقاتلنا ودفعنا عن أنفسنا فقتل فبلغ ذلك عليا فقال: ان كنت أنا قتلته فالنبي صلى الله عليه وسلم قتل حمزة حين أرسله إلى قتال الكفار ". وقال محمد بن عبد الباقي الزرقاني في [شرح المواهب اللدنية] في بحث حديث " ويح عمار تقتله الفئة الباغية ". " وهذا الحديث متواتر، قال القرطبي: ولما لم يقدر معاوية على انكاره قال: انما قتله من اخرجه فأجابه على بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قتل حمزة حين اخرجه. قال ابن دحية: وهذا من الالزام المفحم الذي لاجواب عنه، وحجة لااعتراض عليها. قال القرطبي: فرجع معاوية وتأوله على الطلب وقال: نحن الفئة الباغية أي الطالبة لدم عثمان، من البغاء بضم الباء والمد هو الطلب. قال الابي: البغى عرفا الخروج عن طاعة الامام مغالبة له.

[59]

ولا يخفى بعد التأويلين أو خطؤهما والاول واضح وكذا الثاني لان ترك علي القصاص من قتلة عثمان الذين قاموا بطلبه ورأوه مستند اجتهادهم ليس لانه تركه جملة واحدة، وانما تركه لما تقدم أي حتى يدخلوا في الطاعة ثم يدعوا علي من قتل. قال: وأيضا عدم القصاص منكر قاموا لتغييره، والقيام لتغيير المنكر انما هو ما لم يؤد إلى مفسدة أشد. وأيضا المجتهد انما يحسن به الظن إذا لم يبين مستند اجتهاده وأما إذا بينه وكان خطأ فلا، ولله در الشيخ، يعنى ابن عرفة حيث كان يقول: الصحبة حصنت من حارب عليا، انتهى ". وقال محمد بن اسمعيل بن صلاح الامير اليماني الصنعانى في [الروضة الندية] بعد ذكر بعض أحاديث وأخبار قتال أمير المؤمنين مع الناكثين والفاسطين والمارقين: " تنبيه - قلت: اشتملت هذه القصص على معجزات نبوية وكرامات علوية وأخلاق عند الله مرضية، فنذكر شيئا من ذلك. أما المعجزات فمنها: اخباره صلى الله عليه وسلم بأن وصيه عليه السلام يقاتل الثلاث الطوائف وأمره له بذلك، فانه اخبار بالغيب الذي هو احدى المعجزات ووصف كل طائفة بوصفها التى قوتلت عليه من النكث والقسط والمروق، وقدمنا في قتاله الناكثين نكتا من معجزات وكرامات، ومن المعجزات في قتاله القاسطين ما تواتر عند أئمة النقل من أن عمارا يقتله الفئة الباغية وأنه يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. وهذا الحديث متواتر متفق عليه بين الطوائف حتى أن رأس الفئة الباغية ورئيسها معوية بن أبى سفيان مقربه، فانه تأوله بالتأويل الباطل ولم ينكره، بل قال: قتله من جاء به، فالزم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القاتل لحمزة. وهذا الحديث من أعلام النبوة فانه قاله صلى الله عليه وسلم اول قدومه المدينة عند بناء مسجده صلى الله عليه وسلم كما هو معروف في كتب السير والحديث

[60]

ولم يحضرنا منه شئ فننقل لفظه، ومعناه أنه قال عمار رضي الله عنه وقد حملوه أحجارا عند بنائه صلى الله عليه وسلم المسجد: قتلوني يا رسول الله يحملونني فوق ما أطيق، أو قال: كما يحمله رجلان ؟ فنفض صلى الله عليه وسلم الغبار عنه وقال: ليسوا بقاتليك، انما يقتلك الفئة الباغية. تكلم صلى الله عليه وسلم بهذا قبل وقعة بدر وقبل فتح مكة وقبل اسلام رأس الفئة الباغية وقبل أن يفتح من البلاد شبر واحد. وتكرر منه صلى الله عليه وسلم ذكر أن عمارا (رض) يقتله الفئة الباغية في عدة مواقف، وقد كان عمار (رض) من أعيان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال العامري (رض): وكان مخصوصا من الرسول صلى الله عليه وسلم بالبشارة والترحيب والبشاشة والتطييب، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أحد الاربعة الذين تشتاق إليهم الجنة وقال له: مرحبا بالطيب المطيب، قال صلى الله عليه وسلم: عمار جلدة مابين عيني وأنفي، وقال: اهتدوا بهدى عمار، وقال: من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله. ذكر هذه الاحاديث في فضائله الفقيه العلامة الشافعي المحدث يحيى بن أبى بكر العامري (رض) في كتاب " الرياض المستطابة " في ترجمة عمار رضى الله عنه. قال العامري: وكان من اصحاب علي عليه السلام وقتله اصحاب معوية وبقتله استدل اهل السنة على تصحيح امامة علي عليه السلام وان النبي صلى الله عليه وسلم قد كان قال: ويح ابن سمية يقتله الفئة الباغية، وقال: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، انتهى كلامه. قلت: وأخرج ابن عساكر وابن سعد أن عليا عليه السلام قال حين قتل عمار: ان امرء من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمار بن ياسر وتدخل عليه المصيبة الموجعة لغير رشيد. رحم الله عمارا يوم اسلم، ورحم الله عمارا يوم

[61]

قتل، ورحم الله عمارا يوم يبعث حيا، لقد رايت عمارا وما يذكر من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعة الا كان رابعا ولا خمسة الا كان خامسا ولاكان احد من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشك ان عمار اقد وجبت له الجنة في غير موطن ولاشك، فهنيئا لعمار بالجنة، ولقد قيل: ان عمارا مع الحق والحق معه يدور عمار مع الحق حيث دار، وقاتل عمار في النار، انتهى. قلت: وبقتله استدل على ان معوية في حربه وقتاله باغ ظالم غير مجتهد كما يقوله بعض السنية انه مجتهد مخطئ وانه غير آثم، كما قال العامري ايضا واما المخالفون له فكانوا متأولين وكان لهم شبهة اداهم اجتهادهم إليها، انتهى ذكره في ترجمة الزبير. فنقول: انه لا يشك من يعرف حال معوية انه ليس من الاجتهاد في ورد ولاصدر، وانما الرجل يتحيل على الملك فنفق شبهة الطلبة بدم عثمان ليضل اهل الشام بها واي اجتهاد مع النص انه باغ، واي اجتهاد مع اخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عليه السلام بأنه يقاتل القاسطين، وسمعت صحة الحديث عند امام المتأخرين من اهل السنة الحافظ ابن حجر، فانه قال: وثبت عند النسائي ونقله وفسره ولم يقدح فيه، وقد ثبت من طرق عدة، وأي اجتهاد مع نص عمار ونص القرآن ان الفئة الباغية تقاتل حتى تفئ إلى امر الله، وحديث عمار نص ان فئة معوية الفئة الباغية. واحسن من قال مشيرا إلى الرد على من زعم اجتهاد معوية: قال النواصب قد أخطأ معوية * في الاجتهاد وأخطأ فيه صاحبه والعفو في ذاك من حق لفاعله * وفي أعالي جنان الخلد راكبه قلنا كذبتم فلم قال النبي لنا * في النار قاتل عمار وسالبه وما دعوى الاجتهاد لمعاوية في قتاله الا كدعوى ابن حزم أن ابن ملجم

[62]

أشقى الاخرين مجتهد في قتله لعلي عليه السلام كما حكاه عنه الحافظ ابن حجر في " تلخيصه " وإذا كان من ارتكب هواه ولفق باطلا يروج به ما يراه اجتهادا لم يبق في الدنيا مبطل، إذ لا يأتي أحد منكرا الا وقد أهب له عذرا، وهؤلاء عبدة الاوثان قالوا: ما يعبدونهم الا ليقربوهم إلى الله زلفى ! وكم من محتج حجته داحضة عند ربه وعليه غضب ". وقال المولوي عبد العلي بن الملا نظام الدين السهالوي في [فواتح الرحموت - شرح مسلم الثبوت]: " بقى أمر معوية، والذي عليه جمهور أهل السنة أن هذا ايضا خطأ في الاجتهاد ويشرء منه بطلان العدالة، لكن يخدشه عدم اظهار الحجة في مقابلة أمير المؤمنين علي وكان هو ألين للحق واستمراره على الصنع الذي صنع، مع أن قتل عمار كان من أبين الحجج على حقية رأي أمير المؤمنين علي، ولم ينقل في الدفع الا أمر بعيد هو أن الجائي برجل شيخ في المعركة قاتل اياه ! وهو كما ترى ". وقال: " وقال بعضهم: في كون مخالفة معوية بالاجتهاد نظر، لانه لو كانت بالاجتهاد لناظر بالحجة وأمير المؤمنين علي كان ألين للحق، وقصد مناظرته بالحجة واقامة الحجة عليه ولم يصغ إليه، وعند شهادة عمار قال: انما قتله علي حيث جاء به شيخا كبيرا، وليس هذا من الحجة في شئ، ولذا قال أمير المؤمنين في الجواب: فإذا قتل حمزة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم، بل الكلام في كونه مجتهدا، كيف وقد عده صاحب [الهداية] من السلاطين الجائرة مقابل العادلين، ولو كان بالاجتهاد لما كان جورا، ولم ينقل عنه فتوى على طريقة الاصول الشرعية ". وقال سليمان بن ابراهيم البلخي في [ينابيع المودة] في الباب الثالث والاربعين: " وفي [جمع الفوائد] عن عبد الله بن الحارث أن عمرو بن

[63]

العاص قال لمعوية: أما سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يقول حين كان يبني المسجد لعمار: انك لحريص على الجهاد وانك لمن أهل الجنة ولتقتلنك الفئة الباغية. قال: بلى ! قال عمرو: فلم قتلتموه ؟ قال: والله ما تزال تدحض في بولك ! أنحن قتلناه ؟ انما قتله الذي جاء به، وهو علي - لاحمد. عبد الله بن عمرو بن العاص رأى رجلين يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال عبد الله: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال معوية: فما بالك أنت معنا ؟ قال: شكاني ابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: اطع اباك مادام حيا ولا تعصيه (تعصه. ظ) فأنا معكم ولست اقاتل - لاحمد ". 15 - خروج عمرو بن العاص لقتل عمار وهذا الحديث دليل مبين على ضلالة عمرو بن العاص، فانه الذي أعان معاوية ونصره وأيده وشاركه في سيئات أعماله. اخرج احمد وابن سعد اللفظ للثاني: " قيل لعمروبن العاص: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبك ويستعملك، قال: قد كان والله يفعل فلا أدري أحب أم تألف يتألفني، ولكني أشهد على رجلين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحبهما: عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر. قالوا: فذاك والله قتيلكم يوم صفين. قال: صدقتم والله، لقد قتلناه " (1). وفي [الطبري]: " وخرج اليوم الثالث عمار بن ياسر، وخرج إليه عمرو


(1) الطبقات 2 / 263 [*].

[64]

ابن العاص، فاقتتل الناس كأشد القتال. وشد عمار في الرجال فأزال عمرو ابن العاص عن موقفه " (1). وفي [الكامل]: " وقد كان ذوالكلاع سمع عمرو بن العاص يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها ضياح من لبن. فكان ذوالكلاع يقول لعمرو: ما هذا ويحك يا عمرو ! فيقول عمرو: انه سيرجع الينا، فقتل ذوالكلاع قبل عمار مع معاوية وأصيب عمار بعده مع علي، فقال عمرو لمعاوية: ما ادري بقتل أيهما أنا أشد فرحا ؟ بقتل عمار أو بقتل ذي الكلاع، والله لو بقي ذوالكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة اهل الشام إلى علي. فأتى جماعة إلى معاوية كلهم يقول: أنا قتلت عمارا، فيقول عمرو: وما سمعته يقول ؟ فيخلطون، فاتاه ابن جزء فقال: أنا قتلته وسمعته يقول: اليوم ألقى الاحبة، محمدا وحزبه، فقال عمرو: أنت صاحبه، ثم قال: رويدا والله ما ظفرت يداك، ولقد اسخطت ربك " (2). وروى المتقى: " قاتل ابن سمية في النار. كر عن عمرو بن العاص ". وانظر 16 / 141، 145. من [كنز العمال]. وانظر أيضا: المستدرك 3 / 386، 387 مروج الذهب 3 / 31 اسد الغابة 4 / 47


(1) الطبري 4 / 7 - 8 (2) الكامل لابن الاثير 3 / 157

[65]

تذكرة الخواص 91، 92 تاريخ ابن خلدون 2 / 173. وغيرها 16 - أبو غادية قاتل عمار وابو الغادية.. قاتل عمار بن ياسر رضى الله عنه. قال ابن سعد بترجمة عمار: " شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسل سيفا، وشهد صفين وقال: انا لاأسل أبدا حتى يقتل عمار، فانظر من يقتله، فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. قال: فلما قتل عمار بن ياسر قال خزيمة: قد بانت لي الضلالة واقترب فقاتل حتى قتل. وكان الذي قتل عمار بن ياسر أبو غادية المزني، طعنه برمح فسقط، وكان يؤمئذ يقاتل في محفة، فقتل يومئذ وهو ابن أربع وتسعين سنة، فلما وقع اكب عليه رجل آخر فاجتز رأسه، فاقبلا يختصمان فيه كلاهما يقول: أنا قتلته، فقال عمرو بن العاص: والله ان يختصمان الافى النار، فسمعها منه معاوية، فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيت مثل ما صنعت، قوم بذلوا أنفسهم دوننا تقول لهما: انكما تختصمان في النار ؟ فقال عمرو: هو والله ذاك، والله انك لتعلمه، ولوددت أني مت قبل هذه بعشرين سنة " (1). وروى المتقى: " عن زيد بن وهب قال: كان عمار بن ياسر قد ولع بقريش وولعت به فغدوا عليه فضربوه فجلس في بيته، فجاء عثمان بن عفان يعوده، فخرج عثمان وصعد المنبر فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:


(1) الطبقات 3 / 359 [*]

[66]

تقتلك الفئة الباغية، قاتل عمار في النار. حل. كر " (1). وفي [الاستيعاب]: " أبو الغادية الجهني. كان محبا في عثمان، وهو قاتل عمار بن ياسر رضى الله عنه، وكان إذا استأذن على معاوية وغيره يقول قاتل عمار بالباب. وكان يصف قتله له إذا سئل عنه لايباليه. وفي قصته عجب عند أهل العلم، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا انه سمعه منه، ثم قتل عمارا رضى الله عنه روى عنه كلثوم بن جبر " (2). أشار بقوله " روى عن النبي " صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا " إلى ان ابا الغادية من رواة حديث " عمار تقتله الفئة الباغية " وقد صرح الحلبي بذلك في [سيرته] متعجبا منه. وقال الزبيدي في [تاج العروس]: " وأبو الغادية.. هو قاتل عمار بن ياسر رضى الله عنه، مذكور في تاريخ دمشق ". وفي [شرح الشفاء للقاري]: " قتله أبو الغادية ". وفي [تذكرة الخواص 94]: " وقال الواقدي: لما طعن أبو الغادية عمارا بالرمح وسقط اكب عليه آخر فاحتز رأسه.. " وفي [الروض الانف 7 / 28]: " قتله أبو الغادية الفزاري وابن جزء، اشتركا في قتله ". وفي [اسد الغابة 5 / 267]: " أبو الغادية الجهنى، بايع النبي صلى الله عليه وسلم. وكان من شيعة عثمان رضى الله عنه، وهو قاتل عمار بن ياسر، وكان إذا استأذن على معاوية وغيره يقول: قاتل عمار بالباب، روي عن النبي صلى


(1) كنز العمال 16 / 139. وانظر 16 / 145، 146. (2) الاستيعاب 4 / 1725 [*].

[67]

الله عليه وسلم النهى عن القتل ثم يقتل مثل عمار، نسأل الله السلامة. روى ابن ابي الدنيا عن محمد بن ابي معشر عن ابيه قال: بينا الحجاج جالسا إذ أقبل رجل مقارب الخطو، فلما رآه الحجاج قال: مرحبا بأبي غادية وأجلسه على سريره وقال: انت قتلت ابن سمية ؟ قال: نعم، قال: وكيف صنعت ؟ قال: صنعت كذا حتى قتلته. فقال الحجاج لاهل الشام: من سره ان ينظر إلى الرجل عظيم الباع اليوم القيامة فلينظر إلى هذا، ثم سار أبو غادية يسأله شيئا فأبى عليه، وقال أبو غادية: نوطئ لهم الدنيا ثم نسألهم فلا يعطوننا ويزعم اننى عظيم الباع يوم القيامة، اجل والله ان من ضرسه مثل احد وفخذه مثل ورقان ومجلسه مثل ما بين المدينة والربذة لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو ان عمارا قتله اهل الارض لدخلوا النار ". وراجع: التاريخ الصغير للبخاري. المعارف لابن قتيبة 256 مروج الذهب 2 / 381 المستدرك 3 / 386 وغيرها.

[69]

دحض المعارضة بحديث: تمسكوا بعهد ابن أم عبد

[71]

قوله: " وتمسكوا بعهد ابن ام عبد ". أقول: تمسك (الدهلوي) بهذا الحديث باطل لوجوه: 1 - انه مما تفرد به اهل السنة انه حديث من متفردات العامة، وحديث الثقلين متفق عليه. 2 - انه مما اعرض عنه الشيخان انه حديث اعرض عنه الشيخان، واعراضهما دليل على الضعف عندهم. 3 - انه ضعيف سندا انه حديث ضعيف سندا، قال ابن الاثير بترجمة ابن مسعود: " اخبرنا أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله الدمشقي، اخبرنا أبو العشائر محمد بن خليل بن فارس القيسي، اخبرنا أبو القاسم على بن محمد بن على المصيصي، اخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن قاسم ابن ابى نصر، اخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة الاطرابلسى، حدثنا أبو عبيدة السري بن يحيى بالكوفة، حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير عن مولى لربعي عن ربعي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى

[72]

الله عليه وسلم: وتمسكوا بعهد ابن أم عبد. وقد رواه سلمة بن كهيل عن ابى الزعراء عن ابن مسعود " (1). وفيه قبيصة بن عقبة قال الذهبي: " قال ابن معين هو ثقة الا في حديث الثوري ". قال: وقال ابن معين ليس بذلك القوي، وقال: ثقة في كل شئ الا في سفيان " (2). وقد علمت انه روى هذا الحديث عن سفيان الثوري. وفيه: سفيان الثوري وقد ذكرنا مساويه بالتفصيل في القسم الثاني من مجلد (حديث مدينة العلم). وفيه: عبد الملك بن عمير وقد ذكرنا وجوه ضعفه والقدح فيه في مجلد (حديث الطير) بالتفصيل. وفيه: مولى ربعى وهو مجهول. وأما طريقه الاخر الذي ذكره ابن الاثير معلقا ففيه: أبو الزعراء وقد ترجمه بقوله: " عبد الله بن هاني، أبو الزعراء صاحب ابن مسعود،


(1) اسد الغابة 3 / 258 (2) ميزان الاعتدال 3 / 383 [*]

[73]

قال البخاري: لا يتابع على حديثه، سمع منه سلمة بن كهيل حديثه عن ابن مسعود في الشفاعة: ثم يقول نبيكم صلى الله عليه وسلم رابعا، والمعروف انه عليه السلام اول شافع، قاله البخاري. وقد أخرج النسائي الحديث مختصرا " (1). وفي [تهذيب التهذيب 6 / 61]: قال البخاري: " لا يتابع في حديثه ". هذا، ولو راجعت [جامع الترمذي] باب مناقب ابن مسعود لرأيت ان راوي هذا الحديث عن سلمة بن كهيل هو: يحيى بن سلمة بن كهيل وعنه ابنه اسماعيل وعنه ابنه ابراهيم. وهؤلاء بأجمعهم مجروحون حسب تصريحات الائمة من اهل السنة كما فصل ذلك في مجلد (حديث الطير) وستقف على ذلك قريبا أيضا، وبالاخص: يحيى بن سلمة فانه الاشد ضعفا فيهم، فلقد قال الترمذي بعد ان خرجه: " هذا حديث غريب من حديث ابن مسعود، لا نعرفه الا من يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث " (2). وبهذه الوجوه يقف المنصف على تعسف (الدهلوى) ومكابرته.. والله الموفق.


(1) ميزان الاعتدال 2 / 516 (2) صحيح الترمذي 2 / 221 [*].

[75]

دحض المعارضة بحديث: رضيت لكم ما رضي به ابن أم عبد

[77]

قوله: " ورضيت لكم ما رضي به ابن ام عبد ". اقول: هذا الحديث لا يجوز الاستدلال به للوجوه الاتية: 1 - انه من الاحاد ان هذا الحديث من الاحاد، وحديث الثقلين من المتواترات. على انه مما تفرد به اهل السنة، كما انه مما لا يقبله اهل الحق. 2 - انه مما اعرض عنه الشيخان لقد أعرض الشيخان عن روايته، وقد ذكرنا ان كلما لم يذكراه فهو عندهم موهون بل لم يخرجه أحد من أصحاب الصحاح الستة. 3 - انه لا يدل على منزلة لابن مسعود ولو فرض صحة هذا الحديث وسلمنا ذلك، فانه لا يعارض حديث الثقلين، لان حديث الثقلين يدل على خلافة اهل البيت عليهم السلام وامامتهم وعصمتهم وطهارتهم وافضليتهم من غيرهم. كما مر بالتفصيل.

[78]

وأما هذا الحديث فلا يثبت شيئا مما ذكر لابن مسعود، بل لا يدل على علمية أو مقام، بل لو تأمل أحد في شأن صدوره لعلم انه لا يدل الا على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريدان ابن مسعود يرضى بما رضي الله به ورسوله، ويشهد بما ذكرنا ما جاء في [المستدرك] باسناده عن جعفر ابن عمرو ابن حريث عن ابيه قال: " قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود: اقرأ، قال: أقرأ وعليك أنزل ؟ قال: انى احب ان اسمع من غيري، قال: فافتتح سورة النسأ حتى بلغ " فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " فاستعبر رسول الله صلى الله علية وسلم وكف عبد الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم، فحمد الله في اول كلامه واثنى على الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وشهد شهادة الحق وقال: رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا ورضيت لكم ما رضي الله ورسوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رضيت لكم ما رضي لكم ابن ام عبد. هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه " (1). فحاصل الحديث: انى رضيت لكم ما رضى به ابن مسعود لكم، وهو قوله: رضينا بالله ربا.. 4 - ماكان بين عمرو ابن مسعود. من العجيب تمسك (الدهلوي) بهذا الحديث وسابقه في مقابلة حديث الثقلين وقد رووا ان عمر بن الخطاب قد منع ابن مسعود من الافتاء، قال الدارمي: " أخبرنا محمد بن الصلت، ثنا ابن المبارك، عن ابن عون عن محمد قال قال عمر لابن مسعود: ألم أنبأ، أو أنبئت أنك تفتي ولست بأمير ؟ ول


(1) المستدرك 3 / 319 [*]

[79]

حارها من تولى قارها " (1). وهذا ينافي حديث " تمسكوا بعهد ابن ام عبد " وعلى أهل السنة حينئذ اما أن يتركوا الحديث من أصله، واما أن يحكموا بمعصية عمر لامر رسول الله صلى الله عليه وآله. * بل ان عمر اتهم ابن مسعود في الرواية ونهاه عنها، قال ابن سعد في ذكر من كان يفتى بالمدينة: " اخبرنا حجاج بن محمد عن شعبة عن سعد بن ابراهيم عن ابيه قال قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن مسعود ولابي الدرداء ولابي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: احسبه قال: ولم يدعهم يخرجون من المدينة حتى مات " (2). وقال الذهبي بترجمة عمر: " ان عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الانصاري فقال: قد اكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (3). 5 - ماكان بين عثمان وابن مسعود وأما صنائع عثمان بن عفان مع ابن مسعود فقد اشتهرت في التاريخ اشتهار الشمس في رابعة النهار، ونحن نكتفي هنا ببعض الاخبار: قال اليعقوبي في قصة المصاحف بعد كلام له: " فأمر به عثمان فجر برجله حتى كسر له ضلعان، فتكلمت عائشة وقالت قولا كثيرا. واعتل ابن مسعود، قأتاه عثمان يعوده فقال له: ما كلام بلغني عنك ؟


(1) مسند الدارمي 1 / 61 (2) الطبقات 2 / 336 (3) تذكرة الحفاظ 1 / 5 - 8 [*]

[80]

قال: ذكرت الذي فعلته بى، انك امرت بي فوطئ جوفي، فلم أعقل صلاة الظهر ولا العصر، ومنعتني عطائي. قال: فانى اقيدك من نفسي، فافعل بى مثل الذي فعل بك. قال: ماكنت بالذي أفتح القصاص على الخلفاء. قال: هذا عطاؤك فخذه. قال: منعتنيه وانا محتاج إليه، وتعطينيه وأنا غني عنه، لا حاجة لى به. فانصرف، فأقام ابن مسعود مغاضبا لعثمان حتى توفي، وصلى عليه عمار ابن ياسر، وكان عثمان غائبا فستر أمره، فلما انصرف رأى عثمان القبر فقال: قبر من هذا ؟ فقيل: قبر عبد الله بن مسعود. قال: فكيف دفن قبل أن أعلم ؟ فقالوا: ولي أمره عمار بن ياسر، وذكر أنه أوصى ألا يخبره به. ولم يلبث الايسيرا حتى مات المقداد، فصلى عليه عمار وكان أوصى إليه ولم يؤذن عثمان به، فاشتد غضب عثمان على عمار وقال: ويلي على ابن السوداء أما لقد كنت به عليما " (1). وفي [المعارف] في خلافة عثمان: " وكان مما نقموا على عثمان: أنه. طلب إليه عبد الله بن خالد بن أسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم من بيت مال المسلمين. فقال عبد الله بن مسعود في ذلك، فضربه إلى ان دق له ضلعين. " (2). وفي [الرياض النضرة 2 / 163] و [الخميس 2 / 261] و [تاريخ الخلفاء للسيوطي 158] واللفظ للاول: " فلم يبق أحد من أهل المدينة الا حنق على


(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 159. (2) المعارف 194 [*].

[81]

عثمان، وزاد ذلك غضب من غضب لاجل ابن مسعود وأبي ذر وعمار " وانظر: تاريخ الطبري 3 / 311، 325، 326 العقد الفريد 2 / 186، 192 الاوائل لابي هلال 152 الكامل 3 / 42 اسد الغابة 3 / 259 وغيرها. ولقد اعترف (الدهلوى) ايضا بذلك كله في (التحفة)

[83]

دحض المعارضة بحديث: اعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل

[85]

قوله: " وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ". أقول: والجواب عنه وجوه: 1 - انه من متفردات العامة ان هذا الحديث ليس من أحاديث الامامية، وقد كان (الدهلوي) قد التزم بنقل الاحاديث التي يعترف الامامية بصحتها ويحتجون بها، على أن والده لم يجوز الاحتجاج معهم بأحاديث الصحيحين، مع أن هذا الحديث لاعين له ولا أثر فيهما كما لا يخفى. 2 - انه واه ان هذا الحديث سنده واه، فانه جزء من حديث: " أرحم امتى أبو بكر. " ولقد بسطنا الكلام حوله في مجلد (حديث مدينة العلم). 3 - اعترف ابن تيمية بضعفه لقد اعترف ابن تيمية - وهو من فتن أهل السنة بهفواته - بضعفه، إذ قال في الجواب عن حديث " أقضاكم علي " بعد أن ذكره: " مع أن الحديث الذي فيه ذكر معاذ وزيد بعضهم يضعفه وبعضهم يحسنه " (1).


(1) منهاج السنة 2 / 138 [*].

[86]

أقول: سيأتي تعقيب ابن عبد الهادي لتحسين بعضهم اياه. 4 - قدح فيه ابن عبد الهادى ان حديث أعلمية معاذ بن جبل - وان حسنه بعضهم بل صححه - باطل عند ابن عبد الهادى، فقد صرح في (التذكرة) بأن في متنه نكارة وبأن شيخه ضعفه بل رجح وضعه. 5 - قدح فيه الذهبي لقد عد الحافظ الذهبي - الذي استند (الدهلوى) إلى كلامه في رد حديث الطير - هذا الحديث في الاحاديث المقدوحة، وصرح بذلك في (الميزان) بترجمة سلام بن سليم، كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى. 6 - قدح فيه المناوى لقد قدح المناوي في هذا الحديث لكون " ابن البيلماني " في سنده، ونقل في ذلك كلام ابن عبد الهادي، فقال في شرح الحديث الطويل المشار إليه سابقا: " ع. من طريق ابن البيلماني عن ابيه عن ابن عمر بن الخطاب. وابن البيلماني حاله معروف. لكن في الباب أيضا عن أنس وجابر وغيرهما عن الترمذي وابن ماجة والحاكم وغيرهم، لكن قالوا في روايتهم بدل " أرأف ": " أرحم ". وقال ت: حسن صحيح، وقال ك: على شرطهما. وتعقبهم ابن عبد الهادي في تذكرته بأن في متنه نكارة، وبأن شيخه ضعفه، بل رجح وضعه " (1).


(1) فيض القدير 1 / 460 [*].

[87]

بعض كلماتهم في راويه: ابن البيلمانى لقد اكتفى المناوى بقوله: " وابن البيلماني حاله معروف " ولا بأس بايراد كلمات اساطين الجرح والتعديل فيه وفي أببه: قال البخاري: محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه. منكر الحديث، كان الحميدي يتكلم فيه " (1). وقال النسائي: " محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه. منكر " الحديث " (1). وقال المقدسي: " إذا كان آخر الزمان واختلف الاهواء فعليكم بدين البادية والنساء. فيه محمد بن عبد الرحمن البيلماني قال ابن معين: ليس بشئ " (3). وقال عنه في مواضع عديدة بعد احاديث رواها " لا شئ في الحديث " و " لا شئ " و " ليس بشئ " و " كان يتهم " [أنظر: ص 26، 42، 46، 49، 82 112، 122، 123، 136، 141]. وقال ابن الجوزي بعد الحديث المذكور: " قال المصنف: هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يحيى بن معين: محمد بن الحارث ومحمد بن عبد الرحمن ليسا بشئ، قال أبو حاتم: حدث محمد بن عبد الرحمن عن أبيه بنسخه شبيه بمائتي حديث كلها موضوعة، لا يحل الاحتجاج به ولا ذكره في الكتب الا تعجبا " (4). وهكذا قال فيه في حديث في " باب فضل جدة ".


(1) الضعفاء والمتروكين للبخاري 103. (2) الضعفاء والمتروكين للنسائي 93. (3) تذكرة الموضوعات للحافظ المقدسي 25. (4) الموضوعات 1 / 271 [*].

[88]

وفي [ميزان الاعتدال]: " د. ق محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه: ضعفوه، وقال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال الدار قطني وغيره: ضعيف، وقال ابن حبان: يحدث عن أبيه بنسخه شبيه بمائتي حديث كلها موضوعة. قال ابن عدي: كلما يرويه ابن البيلماني البلاء فيه منه. " (1). وفي [المغني]: " ضعفوه وقال ابن حبان: روى عن أبيه نسخة موضوعة " (2). وقال الزين العراقي بعد حديث " إذا كان آخر الزمان. ": " وابن البيلماني له عن ابيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها، وهذا اللفظ عن هذا الوجه رواه حب في الضعفاء في ترجمة ابن البيلماني والله اعلم " (3). وقال الهيثمى في باب صلاة الخوف بعد حديث " رواه البزار وفيه محمد ابن عبد الرحمن البيلماني، وهو ضعيف جدا " (4). وقال سبط ابن العجمي: " ضعفه غير واحد، وقال خ وابو حاتم: منكر الحديث، وقال ابن حبان: حدث عن أبيه بنسخة شبيه بمائتي حديث كلها موضوعة، وقد ذكر الذهبي عدة احاديث في ميزانه وفي اخرها: قال ابن عدي: كلما يرويه ابن البيلماني فالبلاء منه، ومحمد بن الحرث أيضا ضعيف. انتهى، يعني: راوي غالب الاحاديث التي ذكرها والله اعلم. وفي ثقات ابن حبان في ترجمة أبيه: يضع على ابيه العجائب " (5). وقال ابن حجر بعد حديث: " ورواه الدارقطني من طريق ابن البيلماني


(1) ميزان الاعتدال 3 / 617. (2) المغنى في الضعفاء 2 / 603. (3) المغنى عن حمل الاسفار في الاسفار. (4) مجمع الزوائد 2 / 196. (5) الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث - مخطوط [*].

[89]

عن أبيه عن عثمان، وابن البيلماني ضعيف جداوأبوه ضعيف أيضا " (1). ونقل في [تهذيب التهذيب] كلمات البخاري وأبى حاتم والنسائي وابن معين وابن عدى. ثم قال: " قلت وقال ابن حبان: حدث عن أبيه نسخة شبيه بمائتي حديث كلها موضوعة لا يجوز الاحتجاج به ولاذكره الاعلى وجه التعجب وقال الساجي: منكر الحديث، وقال العقيلي: روى عنه صالح بن عبد الجبار ومحمد بن الحارث مناكير، وقال الحاكم: روى عن أبيه عن ابن عمر المعضلات " (2). وفي [لسان الميزان]: " قال البخاري: منكر الحديث " (3). وفي [تقريب التهذيب]: " ضعيف وقد اتهمه ابن عدي وابن حبان، من السابعة " (4). وقال ابن الهمام في مسألة تقدير المهر: " وحديث العلائق معلول بمحمد ابن عبد الرحمن ابن البيلماني، قال ابن القطان قال البخاري منكر الحديث " (5). وقال السخاوي بعد حديث " إذا كان. ": " وابن البيلماني ضعيف جدا " (6). وقال الخزرجي: " قال البخاري منكر الحديث " (7). وقال السندي: " محمد بن عبد الرحمن البيلماني، روى عن أبيه نسخة كلها موضوعة " (8).


(1) تلخيص الحبير 1 / 84. (2) تهذيب التهذيب 9 / 294. (3) لسان الميزان 6 / 697. (4) تقريب التهذيب 2 / 182. (5) فتح القدير 2 / 436. (6) المقاصد الحسنة 290. (7) خلاصة التذهيب 2 / 429. (8) مختصر تنزبه الشريعه عن الاحاديث الموضوعة [*].

[90]

ونقل القاري عن ابن القيم كلمات القوم المتقدمة (1). وقال المناوي بعد حديث: " إذا كان آخر الزمان. ": " وابن البيلماني ضعيف جدا، واورده السخاوي في المقاصد " (2). وبمثله قال الزبيدي في [شرح الاحياء] بعد الحديث المذكور. وقال الشوكاني: " وفيه ابن البيلماني وهو ضعيف جدا، عن أبيه وهو أيضا ضعيف " (3). وأما ابوه عبد الرحمن ابن البيلمانى فقد ضعفه الدار قطني في [المجتنى - مخطوط]. والحاكم في [المستدرك 4 / 485]. الذهبي في [الميزان 2 / 551] و [المغني 2 / 377] و [الكاشف 2 / 158] و [تلخيص المستدرك 4 / 102 و 485]. وابن حجر العسقلاني في [تهذيب التهذيب 6 / 150] و [تقريب التهذيب 1 / 474]. والخزرجي في [خلاصة التذهيب 2 / 127]. وابن امير الحاج في [التقرير والتحبير 1 / 224]. والمتقي في [كنز العمال 6 / 146]. والشوكاني في [نيل الاوطار 1 / 197]. والمناوي في [فيض القدير 1 / 163]. والزبيدي في [تاج العروس - بلم].


(1) الموضوعات 419. (2) فيض القدير 1 / 424. (3) نيل الاوطار 1 / 197، 6 / 87 [*].

[91]

7 - قدح المناوى ايضا لقد قال المناوي في [فيض القدير] بشرح حديث " معاذ بن جبل أعلم الناس بحلال الله وحرامه ": " حل - عن أبي سعيد الخدري، وفيه زيد العمي وقد مرضعفه، وسلام بن سليم قال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه ". أقول: واليك بعض أقوال أساطين علمائهم في كل من الرجلين: اما زيد العمى فقد قال النسائي: " زيد العمي ضعيف " (1). وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في حديث: " زيد العمي ضعيف الحديث " (2). وقال ابن الجوزي بعد أحاديث: " هذه أحاديث ليس فيها صحيح.. والثاني والثالث: فيهما زيد العمي، قال ابن حبان: يروي أشياء موضوعة لاأصل لها حتى يسبق إلى القلب انه المتعمد لها " (3). وقال الذهبي: " فيه ضعف، قال ابن عدي: لعل شعبة لم يرو عن اضعف منه " (4). وقال العراقي في [المغني] بعد حديث: " وفيه زيد العمي وهو ضعيف ". وقال ابن حجر: " ضعيف " (5). وفي [تهذيب التهذيب]: " وقال اسحق بن منصور عن ابن معين: صالح


(1) الضعفاء والمتروكين للنسائي. (2) العلل 1 / 45. (3) الموضوعات 3 / 215. (4) الكاشف 1 / 338. (5) تقريب التهذيب 1 / 274 [*].

[92]

الحديث، وقال غير مرة: لا شئ، وقال أبو الوليد بن أبي الجارود عن ابن معين: زيد العمي وأبو المتوكل يكتب حديثهما وهما ضعيفان، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بقوي واه الحديث، ضعيف، وقال الجوزجاني: متماسك، وقال الاجرى عن أبي داود حدث عن شعبة وليس بذاك ولكن ابنه عبد الرحيم لا يكتب حديثه، وقال الاجرى أيضا: سألت أبا داود عنه فقال: زيد بن مرة، قلت: كيف هو ؟ قال: ما سمعت منه الاخيرا. وقال النسائي: ضعيف، وقال الدار قطني، صالح، وقال ابن عدى: عامة ما يرويه ضعيف، على ان شعبة قد روى عنه، ولعل شعبة لم يرو عن اضعف منه، وقال على بن مصعب: سمى العمي، لانه كان كلما سئل عن شئ، قال: حتى اسأل عمي. قلت: وقال الرشاطي: هو منسوب إلى بني العم من تميم، وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث، وقال ابن المديني: كان ضعيفا عندنا، وقال أبو حاتم: كان شعبة لا يحمد حفظه، وقال العجلي، بصرى ضعيف الحديث ليس بشئ، وقال ابن عدى: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم " (1). واما سلام بن سليم فقد قال البخاري: " تركوه " (2). وقال النسائي في [الضعفاء والمتروكين 47] وابن أبي حاتم في [العلل 1 / 63] عن أبيه: " متروك الحديث ".


(1) تهذيب التهذيب 3 / 408. (2) الضعفاء للبخاري 55 [*].

[93]

وقال أبو نعيم بترجمة الشعبي بعد حديث: " متروك باتفاق " (1). وقال ابن الجوزى بعد حديث: " فيه سلام الطويل قال يحيى: ليس بشئ لا يكتب حديثه، وقال البخاري: تركوه، وقال النسائي والدار قطني: متروك وقال ابن حبان: يروى عن الثقات الموضوعات وكأنه كان المتعمد لها " (2). وقال الذهبي: " تركوه " ثم نقل كلماتهم فيه (3). وفى [المغنى]: " متروك، وقال أبو زرعة: ضعيف " (4). وفي [الكاشف]: " قال البخاري: تركوه " (5). وقال ابن التركماني عن البيهقي: " متروك " (6). وقال الهيثمى: " قد أجمعوا على ضعفه " (7). وقال سبط ابن العجمي في [الكشف الحثيث] " جرحه جماعة ". وقال ابن حجر: " متروك من السابعة " (8). وقال أيضا: " زيد وسلام ضعيفان " (9). وهكذا ضعفه آخرون كالخزرجي [خلاصة التذهيب 1 / 433] والسندى في [مختصر تنزيه الشريعة] ومحمد بن طاهر في [قانون الموضوعات 259].


(1) حلية الاولياء 4 / 336. (2) الموضوعات 2 / 89. (3) ميزان الاعتدال 1 / 175. (4) المغنى 1 / 270. (5) الكاشف 1 / 413. (6) الجوهر النقى 1 / 21. (7) مجمع الزوائد 1 / 212. (8) تقريب التهذيب 1 / 342. (9) تلخيص الحبير 1 / 222 [*].

[94]

8 - قدح المناوى أيضا قال المناوى: " حل - عن ابى سعيد. واسناده ضعيف " (1). 9 - قدح العزيزي فيه قال العزيزي: " حل - عن أبى سعيد واسناده ضعيف " (2). 10 - تصرف معاذ في ما ليس له ان من مبطلات احاديث اعلمية معاذ بن جبل تصرفه في ما ليس له من الاموال، واليك من ذلك روايتين: الاولى: ما اخرجه جماعة منهم ابن سعد بترجمة معاذ، قال: " اخبرنا عبيد الله بن موسى، أنا شيبان، عن الاعمش عن شقيق قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم معاذا على اليمن، فتوفى النبي " ص " واستخلف أبو بكر وهو عليها، وكان عمر عامئذ على الحج، فجاء معاذ إلى مكة ومعه رقيق ووصفاء على حدة، فقال له عمر: يا ابا عبد الرحمن لمن هؤلاء الوصفاء ؟ قال: هم لي، قال: من أين هم لك ؟ قال: أهدوا لي. قال: اطعني وأرسل بهم إلى ابي بكر فان طيبهم لك فهم لك، قال: ما كنت لاطيعك في هذا، شئ أهدي لي ارسل بهم إلى ابي بكر ؟ قال: فبات ليلا [ليلته] ثم أصبح فقال: يا ابن الخطاب ما أراني الا مطيعك، اني رأيت اللية في المنام كأنى أجر - أو: أقاد أو كلمة تشبهها - إلى


(1) التيسير 2 / 376. (2) السراج المنير 3 / 282 [*].

[95]

النار وأنت آخذ بحجزتى، فانطلق [بى و] بهم إلى ابي بكر، فقال: أنت احق بهم، [فانطلق به إلى أبي بكر] فقال أبو بكر: هم لك، فانطلق بهم إلى أهله فصفوا خلفه يصلون قال: لمن تصلون ؟ قالوا: لله تبارك وتعالى. قال: فانطلقوا فأنتم له " (1). والثانية: أخرجها جماعة منهم ابن عبد البرفي [الاستيعاب 3 / 1404] بترجمة معاذ والمتقي في [كنز العمال 5 / 342] في كتاب الخلافة، وهذا لفظ المتقي: " أخبرنا معمر عن الزهري عن كعب بن عبد الرحمن [ابن كعب] بن مالك عن ابيه قال: كان معاذ بن جبل رجلا سمحا شابا جميلا من افضل شباب قومه، وكان لا يمسك شيئا، فلم يزل يدان حتى اغلق ماله كله من الدين، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب له ان يسأل له غرماءه ان يضعوا له، فأبوا، فلوتر كوا لاحد من اجل أحد تركوا لمعاذ من اجل النبي صلى الله عليه وسلم، فباع النبي صلى الله عليه وسلم كل ماله في دينه حتى قام معاذ بغير شئ، حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا ليجبره، فمكث معاذ باليمن أميراو كان اول من اتجر في مال الله هو، ومكث حتى اصاب وحتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدم قال عمر لابي بكر: ارسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيشه وخذ سائره، فقال أبو بكر: انما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليجبره ولست بآخذ منه شيئا الا ان يعطيني، فانطلق عمر إلى معاذ اذلم يطعه أبو بكر، فذكر ذلك عمر لمعاذ، فقال [معاذ]: انما ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجبرني ولست بفاعل، ثم لقي معاذ عمر فقال:


(1) الطبقات 3 / 585. [*].

[96]

قد اطعتك وانا فاعل ما امرتني به، انى رأيت في المنام أنى في حومة ماء قد خشيت الغرق، فخلصتني منه يا عمر، فأتى معاذ أبا بكر فذكر ذلك له وحلف له انه لم يكتمه سيئا حتى بين له سوطه، فقال أبو بكر: والله لا آخذه منك، قد وهبته لك، فقال عمر: هذا حين طاب لك وحل، فخرج معاذ عند ذلك إلى الشام قال معمر: فأخبرني رجل من قريش قال: سمعت الزهري يقول: لما باع النبي صلى الله عليه وسلم مال معاذ أوقفه للناس فقال: من باع هذا شيئا فهو باطل. عب وابن راهويه ". أقول: فمن كان هذا حاله من الجهل بحكم الله والتصرف في مال الله ولم يؤده حتى رأى في منامه ما رأى. لا يكون أعلم بحلال الله وحرامه من غيره !. قوله: وأمثال ذلك كثيرة. اقوال: نعم أمثال هذه الموضوعات في كتبهم كثيرة، وعلى ألسنتهم شهيرة، والوقوف على حال ما ذكر منها كاف لمعرفة حال تلك عند من له ادنى بصيرة، والحمد لله الذي وفقنا لاحقاق الحق واعلانه، ودحض الباطل وازهاقه، وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير.

[97]

دحض المعارضة بحديث: اقتداوا باللذين من بعدى

[99]

قوله: خصوصا قوله " اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر وعمر " حيث بلغ درجة الشهرة والتواتر بالمعنى. اقول: ان دعوى صحة هذا الحديث كاذبة، لما تقدم في مجلد حديث الطير من الوجوه الرصينة والبراهين المتينة على وهنه وسقوطه عن درجة الاعتبار، بحيث لو ركن أهل السنة إلى انواع التلبيس، واعتمدوا على اشكال التدليس، وتشبثوا بمختلف طرق التسويل لما تمكنوا من اثبات صحته فضلا عن تواتره.. ونحن ذاكرون هنا وجوها على فساد هذا الحديث وبطلانه لاقتضاء المقام ذلك، فنقول: 1 - لقد أعله أبو حاتم لقد كشف أبو حاتم الرازي النقاب عن سقم هذا الحديث، فقد قال المناوي: " وأعله أبو حاتم، وقال البزار كابن حزم: لا يصح، لان عبد الملك لم يسمعه من ربعي، وربعي لم يسمعه من حذيفة، لكن له شاهد " 1. أقول: قد ذكرنا ما في سند الشاهد في مجلد (حديث الطير).


(1) فيض القدير في شرح الجامع الصغير 2 / 56 [*]

[100]

ترجمة أبى حاتم قال السمعاني: " وأبو حاتم، كان اماما حافظا فهما من مشاهير العلماء.. توفي سنة سبع وسبعين ومائتين " (1). وقال: " امام عصره والمرجوع إليه في مشكلات الحديث. كان من مشاهير العلماء المذكورين الموصوفين بالفضل والحفظ والرحلة. وكان اول من كتب الحديث. وكان احمد بن سلمة يقول: ما رأيت بعد اسحاق - يعني ابن راهويه - ومحمد بن يحيى أحفظ للحديث ولا اعلم بمعانيه من ابي حاتم محمد بن ادريس. قال أبو حاتم: قال لي هشام بن عمار يوما: أي شئ تحفظ من الاذواء ؟ قلت له: ذو الاصبع وذو الجوشن وذو الزوائد وذو اليدين وذو اللحية الكلابي وعددت له ستة، فضحك وقال: حفظنا نحن ثلاثة وزدت أنت ثلاثة مات أبو حاتم بالري في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين " 2. وذكره ابن الاثير وقال: " وهو من أقران البخاري ومسلم " 3. وقال الذهبي: " أبو حاتم الرازي الامام الحافظ الكبير محمد بن ادريس ابن المنذر الحنظلي أحد الاعلام، ولد سنة خمس وتسعين ومائة، قال: كتبت الحديث سنة تسع ومائتين. قلت: رحل وهو أمرد فسمع عبيدالله بن موسى ومحمد بن عبد الله الانصاري والاصمعي وأبا نعيم وهوذة بن خليفة وعفان وابا مسهر وأمما سواهم، وبقي في


(1) الانساب - الجزى. (2) المصدر - الحنظلي. (3) الكامل في التاريخ 6 / 67 [*]

[101]

الرحلة زمانا، فقال: أول ما رحلت أقمت سبع سنين أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيا ثم إلى الرملة ماشيا ثم إلى طرسوس ولي عشرون سنة قلت ألحق عبيدالله فأتيته قبل موته بشهرين، قال: وكتبت عن النفيلى نحو أربعة عشر ألفا، وسمع مني محمد بن المصفى أحاديث. قلت: وحدث عنه يونس بن عبد الاعلى ومحمد بن عون الطاعي وابو داود والنسائي وابو عوانة الاسفرائني وابو الحسن علي بن ابراهيم القطان وابو عمرو احمد بن محمد بن حكيم وعبد الرحمن بن حمدان الجلاب وعبد المؤمن بن خلف النسفي وخلق كثير. قال محمد بن اسحاق الانصاري القاضي: ما رأيت احفظ من أبي حاتم، وقال محمد بن سلمة الحافظ: ما رأيت بعد محمد بن يحيى أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من ابي حاتم، وقال النسائي ثقة، وقال ابن ابي حاتم: سمعت أبي يقول: قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من اغرب علي حديثا صحيحا فله درهم - وكان ثم خلق أبو زرعة فمن دونه، وانما كان مرادي ان يلقى علي ما لم اسمع به لاذهب به إلى راويه فأسمعه - فلم يتهيأ لاحد أن يغرب علي.. " 1. وترجم له الذهبي في [سير أعلام النبلاء] و [الكاشف 3 / 18] و [دول الاسلام 1 / 132] و [العبر 2 / 58] قال في الاخير حوادث 277 -: " فيها توفي حافظ المشرق أبو حاتم محمد بن ادريس الحنظلي الرازي في شعبان وهو في عشر التسعين، وكان بارع الحفظ، واسع الرحلة، من أوعية العلم، سمع محمد بن عبد الله الانصاري وأبا مسهر وخلقا لا يحصون، وكان جاريا في مضمار البخاري وابي زرعة الرازي ". (1) تذكرة الحفاظ 2 / 567

[102]

وكذا جاء في [مرآة الجنان] في حوادث السنة المذكورة. وقال الحافظ ابن حجر: " أحد الحفاظ، من الحادية عشر " (1). وقال السيوطي: " أحد الائمة الحفاظ، روى عن احمد وآدم بن أبي أياس وأبي خيثمة وقتيبة وخلق، وعنه أبو داود والنسائي وابن ماجة وآخرون، قال الخطيب: كان أحد الائمة الحفاظ الاثبات، مشهورا بالعلم مذكورا بالفضل، وثقه النسائي وغيره، وقال ابن يونس: قدم مصر قديما وكتب بها وكتب عنه. مات بالري سنة خمس وقيل سبع وسبعين ومائتين " (2). 2 - طعن الترمذي فيه لقد طعن أبو عيسى الترمذي في سند هذا الحديث برواية ابن مسعود - وان رواه عن حذيفة وحسن رجاله - وذلك حيث قال: " حدثنا ابراهيم بن اسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، ثنى ابي عن أبيه سلمة بن كهيل عن ابي الزعراء عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي من اصحابي ابي بكر وعمر، واهتدوا بهدى عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود. هذا حديث غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود، لا نعرفه الامن حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث، وأبو الزعراء اسمه عبد الله بن هاني، وابو الزعراء الذي روى عنه شعبة والثوري وابن عيينة اسمه عمرو بن عمرو، وهو ابن أخي أبي الاخوص صاحب ابن


(1) تقريب التهذيب 2 / 142 (2) طبقات الحفاظ 255

[103]

مسعود " (1). أقول: لقد اكتفى الترمذي بهذا المقدار في تضعيفه، ونحن نضيف إلى كلامه بعض كلماتهم في رجاله: أما ابراهيم بن اسماعيل فقد قال الذهبي: " لينه أبو زرعة وتركه أبو حاتم، يروي عن ابيه، تأخر " (2). وفي [المغني]: " غمزه أبورزعة وتركه أبو حاتم " (3). وأضاف ابن حجر العسقلاني: " وقال العقيلي عن مطين: كان ابن نمير لا يرضاه ويضعفه، وقال: روى أحاديث مناكير. قال العقيلى ولن يكن ابراهيم هذا بقيم الحديث.. وذكره ابن حبان في الثقات فقال: في روايته عن ابيه بعض المناكير " (4). وقال الخزرجي: " اتهمه أبو زرعة " (5). وأما اسماعيل بن يحيى فقد قال الذهيي: " قال الدارقطني متروك " (6) وقال ابن حجر: " قال الدار قطني متروك، وتقدم الكلام عليه في ترجمة


1) صحيح الترمذي 5 / 672 2) ميزان الاعتدال 1 / 20 3) المغنى في الضعفاء 1 / 10 4) تهذيب التهذيب 1 / 106. 5) خلاصة تهذيب الكمال 1 / 14. 6) ميزان الاعتدال 1 / 254، المغنى في الضعفاء 89.

[104]

ابنه. قلت: ونقل ابن الجوزي عن الازدي انه قال: متروك " 1. وأما يحيى بن سلمة بن كهيل فقد قال البخاري: " منكر الحديث " 2. وقال أيضا: " في حديثه منالير ". 3 وقال النسائي: " متروك الحديث ". 4 وقال المقدسي: " ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بالقوى، وقال البخاري: في حديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الترمذي: ضعيف، أما ابن حبان فذكره في الثقات " 5. وقال الذهبي: " ضعيف، مات سنة 172 " 6. وقال ابن حجر بعد الاقوال المتقدمة: " قلت: وذكره ابن حبان أيضا في الضعفاء فقال منكر الحديث جدا لا يحتج به، وقال النسائي في الكنى: متروك الحديث، وقال ابن نمير ليس ممن يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك، وقال مرة: ضعيف وقال العجلي: ضعيف الحديث وكان يغلو في التشيع، وقال ابن سعد: كان ضعيفا جدا، وقال البخاري في الاوسط: منكر الحديث، وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن


1) تهذيب التهذيب 1 / 336. 2) التاريخ الصغير للبخاري. 3) الضعفاء للبخاري 119. 4) الضعفاء والمتروكين للنسائي 109. 5) الكمال في اسماء الرجال - مخطوط. 6) الكاشف 3 / 251.

[105]

الرواية عنهم، وكنت أسمع اصحابنا يضعفونه، وقال الاجري عن ابي داود: ليس بشئ " 1. واما أبو الزعراء فقد مرقدحه عن البخاري في الكلام على حديث: وتمسكوا بعهد ابن ام عبد، فليكن منك على ذكر. 3 - ابطال البزار اياه لقد أنصف البزار إذ قال " لا يصح " كما عرفته بنص المناوي في [فيض القدير] ومن العجيب: ان (الدهلوي) يستدل في حاشية (التحفة) بحديث أخرجه البزار في [مسنده } على أن أبا بكر أشجع من أمير المؤمنين عليه السلام. ولكنه لا يلتفت في المقام إلى طعن البزار في حديث الاقتداء فيدعى شهرته وتواتره. على أنه قد وصفه في موضع آخر ب‍ " عمدة محدثي أهل السنة "، فهل يجوز له الاستدلال بحديث ضعفه " عمدة المحدثين " فضلا عن دعوى شهرته وتواتره ؟ ولا بأس بذكر كلمات لهم في الثناء على البزار: ترجمة البزار قال أبو نعيم: " أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصيري أبو بكر البزار الحافظ، قدم اصبهان مرتين " 2. وقال السيوطي: " البزار - الحافظ العلامة الشهير أبو بكر. صاحب


1) تهذيب التهذيب 11 / 225. 2) تاريخ اصبهان 1 / 104 [*]

[106]

المسند الكبير المعلل، رحل بآخرعمره إلى اصبهان ونشر علمه، مات بالرملة سنة 292 " 1. وقال الازهري في [اسانيده]: " قال ابن أبي خيثمة، هو ركن من أركان الاسلام، وكان يشبه بابن حنبل في زهده وورعه ". 4 - ابطال العقيلى اياه لقد أورد العقيلى حديث الاقتداء في كتاب [الضعفاء] وأنكره كما ستعرف ذلك من عبارة ابن حجر العسقلاني. ترجمة العقيلى ولقد أثنى على العقيلى علماء الرجال ووصفوه بكل جميل. راجع [تذكرة الحفاظ 3 / 833] و [العبر في خبر من غبر 2 / 198] و [طبقات الحفاظ 346]. وهذه خلاصة ما جاء في [تذكرة الحفاظ]: " العقيلي، الحافظ الامام صاحب كتاب الضعفاء الكبير. قال سلمة بن القاسم: كان العقيلي جليل القدر عظيم الخطر ما رأيت مثله وكان كثير التصانيف، فكان من أتاه من المحدثين قال: اقرأ من كتابك ولا تخرج أصله، فتكلمنا في ذلك وقلنا اما أن يكون احفظ الناس واما ان يكون من اكذب الناس واجتمعنا عليه، فلما أتيت بالزيادة والنقص فطن لذلك، فأخذ مني الكتاب وأخذ القلم فأصلحها من حفظه، فانصرفنا من عنده وقد طابت أنفسنا وعلمنا انه من أحفظ الناس. وقال الحافظ أبو الحسن بن سهل القطان: أبو جعفر ثقة حليل القدر، عالم


1) طبقات الحفاظ 285 [*]

[107]

بالحديث، مقدم في الحفظ، توفي سنة 322 ". 5 - تضعيف النقاش اياه لقد نص النقاش على أن هذا الحديث " واه " فقد قال الذهبي بترجمة أحمد ابن محمد بن غالب الباهلي: " ومن مصائبه قال: حدثنا محمد بن عبد الله العمري حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر ". فهذا ملصق بمالك. وقال ابو بكر النقاش وهو واه " (1). وكلام النقاش هذا دليل متين على سقم هذا الحديث، إذ النقاش كان ممن ولع بجمع الموضوعات والاعتماد عليها، وتفسيره ملئ بها كما لا يخفى على من راجع [طبقات الحفاظ للحافظ السيوطي 371]. 6 - تضعيف الدار قطني اياه لقد صرح الدار قطني بعدم ثبوت هذا الحديث المنقول عن ابن عمر وضعف راويه، كما ستعرف ذلك ان شاء الله من عبارة ابن حجر العسقلاني. ترجمة الدار قطني وكتب الرجال والتاريخ مشحونة بالثناء على الدار قطني واطرائه، واليك بعض مصادر ترجمته: الانساب - الدار قطني. الكامل في التاريخ، حوادث 385. وفيات الاعيان 2 / 459.


(1) ميزان الاعتدال 1 / 142

[108]

تذكرة الحفاظ 3 / م 991. العبر 3 / 28. طبقات السبكي 3 / 462. طبقات الاسنوي 1 / 508. طبقات القراء 1 / 559. طبقات الحفاظ 393. وقد أوردنا طرفا من كلماتهم في مجلد (حديث الطير). 7 - ابطال ابن حزم اياه لقد صرح ابن حزم بعدم صحة حديث الاقتداء، فقد قال في استخلاف أبي بكر: " وأيضا: فان الرواية قد صحت بأن امرأة قالت يا رسول الله: أرأيت ان رجعت ولم أجدك ؟ كأنها تريد الموت قال: فأتي أبا بكر. وهذا نص جلي على استخلاف أبي بكر. وأيضا: فان الخبر قد جاء من الطرق الثابتة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها في مرضه الذي توفي فيه عليه السلام: هممت أن أبعث إلى أبيك وأخيك فأكتب كتابا وأعهد عهدا لكيلا يقول قائل: أنا أحق، أو يتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر، وروي أيضا ويأبى الله والنبيون الا أبا بكر. فهذا نص جلي على استخلافه عليه الصلاة والسلام أبا بكر على ولاية الامة بعده. قال أبو محمد: ولو أننا نستجير التدليس والامر الذي لو ظفر به خصومنا طاروا به فرحا أو أبلسوا أسفا لاحتججنا بما روي: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. قال أبو محمد: ولكنه لم يصح، ويعيذنا الله من الاحتجاج بما لا

[109]

يصح " (1). أقول: وفي هذا الكلام فوائد لاتخفى على النبيه. ولقد ظهر أيضا قدحه في هذا الحديث من عبارة (فيض القدير) كما تقدم. ترجمة ابن حزم قال السمعاني ما ملخصه: " الحافظ المعروف بابن حزم من أفضل أهل عصره بالاندلس وبلاد المغرب، له التصانيف والكتب المفيدة، وكان حافظا في الحديث، وكان يميل إلى مذهب أهل الظاهر " (2). وقال الذهبي ما ملخصه: " وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنة والمذاهب والملل والنحل والعربية والادب والمنطق والشعر، مع الصدق والامانة والديانة والحشمة والسؤدد والرياسة والثروة وكثرة الكتب. " (3). وقال السيوطي: " ابن حزم الامام العلامة الحافظ الفقيه أبو محمد علي ابن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف الفارسي الاصل الترمذي الاموي مولاهم القرطبي الظاهري. كان أولا شافعيا ثم تحول ظاهريا وكان صاحب فنون وورع وزهد، واليه المنتهى في الذكاء والحفظ وسعة الدائرة في العلوم، أجمع أهل الاندلس قاطبة لعلوم الاسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علوم اللسان والبلاغة والشعر والسير والاخبار، له (المجلى) على مذهبه واجتهاده، وشرحه (المحلى) و (الملل والنحل) و (الايصال في فقه الحديث)


(1) الفصل في الملل والنحل 4 / 88. (2) الانساب - اليزيدى. (3) العبر 3 / 239، دول الاسلام 1 / 207.

[110]

وغير ذلك. آخر من روى عنه بالاجازة أبو الحسن شريح بن محمد. مات في جمادى الاولى سنة سبع وخمسين وأربعمائة " (1). 8 - تنصيص العبرى على أنه موضوع لقد صرح العبري الفرغاني بوضع حديث الاقتداء حيث قال: " وقيل: اجماع الشيخين حجة لقوله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، فالرسول أمرنا بالاقتداء بهما، والامر للوجوب وحينئذ يكون مخالفتهما حراما، ولا نعني بحجية اجماعهما سوى ذلك. الجواب: ان الحديث موضوع لما بينا في شرح الطوالع " (2). ترجمة الفرغانى ولقد قال الاسنوي بترجمة الفرغاني مانصه: " الشريف برهان الدين عبيدالله الهاشمي الحسيني المعروف بالعبري - بعين مكسورة ثم باء موحدة ساكنة - كان أحد الاعلام في علم الكلام والمعقولات، ذا حظ وافر من باقي العلوم، وله التصانيف المشهورة. " (3). وقال ابن حجر العسقلاني: " كان عارفا بالاصلين وشرح مصنفات ناصر الدين البيضاوي. وذكره الذهبي في المشتبه في العبري فقال: عالم كبير في وقتنا وتصانيفه سائرة، ومات في شهر رجب سنة 743. قلت: رأيت بخط بعض فضلاء العجم انه مات في غرة ذي الحجة منها


(1) طبقات الحفاظ 436. (2) شرح المنهاج - مخطوط. (3) طبقات الشافعية 2 / 236.

[111]

وهو أثبت، ووصفه فقال: هو الشريف المرتضى قاضي القضاة، كان مطاعا عند السلاطين، مشهورا في الافاق مشارا إليه في جميع الفنون، ملاذ الضعفاء كثير التواضع والانصاف. " (1). وقال اليافعي: " الامام العلامة قاضي القضاة عبيدالله بن محمد العبري الفرغاني الحنفي البارع العلامة المناظر، يضرب بذكائه ومناظرته المثل، كان اماما بارعا متفننا، تخرج به الاصحاب، يعرف المذهبين الحنفي والشافعي وأقرأهما وصنف فيهما، وأما الاصول والمعقول فتفرد فيهما بالامامة، وله تصانيف. وكان استاذ الاستاذين في وقته " (2). وبمثل ما تقدم ترجمه الشوكاني في [البدر الطالع 1 / 411] وتقي الدين ابن قاضي شهبة الاسدي في [طبقات الشافعية - مخطوط]. 9 - تغليط الذهبي اياه لقد غلط الذهبي حديث الاقتداء المروي عن ابن عمر، وأظهر بطلانه مرة بعد أخرى، فقال: " أحمد بن صليح عن ذي النون المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر بحديث اقتدوا باللذين من بعدي. وهذا غلط، وأحمدلا يعتمد عليه " (3). وقال: " أحمد بن محمد بن غالب الباهلي غلام خليل عن اسماعيل بن أبي أويس وشيبان وقرة بن حبيب، وعنه ابن كامل وابن السماك وطائفة، وكان


(1) الدرر الكامنة 2 / 433. (2) مرآة الجنان 4 / 306. (3) ميزان الاعتدال 1 / 105 [*].

[112]

من كبار الزهاد ببغداد، قال ابن عدي سمعت أبا عبد الله النهاوندي يقول قلت لغلام خليل: ما هذه الرقائق التي تحدث بها ؟ قال: وضعناها لنرقق بها قلوب العامة. وقال أبو داود: أخشى أن يكون دجال بغداد، وقال الدار قطني متروك. ومن مصائبه قال: حدثنا محمد بن عبد الله العمري حدثنا مالك بن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. فهذا ملصق بمالك، وقال أبو بكر النقاش وهو واه. قال أبو جعفر بن الشعيري: لما حدث غلام خليل عن بكر بن عيسى عن أبي عوانة قلت له: يا أبا عبد الله ماهذا الرجل ؟ هذا حدث عنه أحمد بن حنبل وهو قديم لم تدركه، ففكر في هذا، فقلت: لعله آخر اسمه ذلك ؟ فسكت، فلما كان من الغد قال لي يا أبا جعفر، علمت اني نظرت البارحة في من سمعت، عليه بالبصرة ممن يقال له بكر بن عيسى، فوجدتهم ستين رجلا " 1. وقال: " محمد بن عبد الله بن عمر بن القاسم بن عبد الله بن عبيدالله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري، ذكره العقيلي وقال لا يصح حديثه ولا يعرف بنقل الحديث. حدثنا أحمد بن الخليل حدثنا ابراهيم بن محمد الحلبي حدثني محمد ابن عبد الله بن عمر بن القاسم أنا مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا: اقتدوا باللذين من بعدي. فهذا لا أصل له من حديث مالك، بل هو معروف من حديث حذيفة بن اليمان وقال الدارقطني: البصري هذا يحدث عن مالك بأباطيل، وقال ابن


(1) ميزان الاعتدال 1 / 141.

[113]

مندة: له مناكير " 1. فظهر أن هذا الحديث مصنوع موضوع. وقال الذهبي: " عن يحبى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبي الزعراء عن ابن مسعود مرفوعا: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدى عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود. قلت: سنده واه جدا " 2. وقال المناوي بشرح الحديث برواية ابن مسعود: " ورواه ك عن ابن مسعود باللفظ المذكور. قال الذهبي وسنده واه جدا " 3. 10 - ابطال ابن حجر اياه لقد قال ابن حجر العسقلاني - مقتفيا أثر الذهبي - " أحمد بن صليح عن ذي النون المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: بحديث " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " وهذا غلط، وأحمد لا يعتمد عليه " 4. وقال بعد كلام الذهبي المتقدم حول غلام خليل: " وقال الحاكم سمعت الشيخ أبا بكر بن اسحاق يقول: أحمد بن محمد بن غالب ممن لاأشك في كذبه، وقال أبو أحمد الحاكم: أحاديثه كثيرة لا تحصى كثرة وهو بين الامر في الضعف، وقال أبو داود: قد عرض علي من حديثه * [هامش] * 1) ميزان الاعتدال 3 / 610. 2) تلخيص المستدرك 3 / 75 (3) فيض القدير 2 / 57 (4) لسان الميزان 1 / 188

[114]

فنظرت في أربعمائة حديث أسانيدها ومتونها كذب كلها، وروى عن جماعة من الثقات أحاديث موضوعة على ما ذكره لنا القاضي أحمد بن كامل مع زهده وورعه، ونعوذ بالله من ورع يقيم صاحبه ذلك المقام. " (1). وقال بعد كلام الذهبي في محمد بن عبد الله العمرى: " وقال العقيلي بعد تخريجه: هذا حديث منكر لااصل له، وأخرجه الدار قطني من رواية أحمد الخليلي الضمري بسنده، وساق بسند كذلك ثم قال: لا يثبت، والعمري هذا ضعيف. " (2). 11 - ابطال الهروي اياه لقد قال شيخ الاسلام الهروي مانصه: " من موضوعات أحمد الجرجاني:. اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر. باطل " (3). والخلاصة: قد ثبت بطلان حديث " اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر " وبان وضعه، وظهر كذب (الدهلوي) في زعمه شهرته وتواتره، والحمد لله رب العالمين. * [هامش] * (1) لسان الميزان 1 / 272 (2) لسان الميزان 5 / 237 (3) الدر النضيد 97

[115]

ثم ان (الدهلوي) لم يكتف بايراد حديث الاقتداء في متن (التحفة) فأضاف في حاشيتها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر فانهما حبل الله الممدود، من تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها. أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء، وله طرق أخرى. أفول: وهذا أيضا باطل لوجوه: الاول: انه لم يعرف سنده حتى ينظر فيه، فلا يجوز الاستدلال به. الثاني: انه غير مخرج في الكتب الملتزم فيها الصحة، فلا يصغى إليه. الثالث: لقد أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) على ما في [كنز العمال 12 / 171]، ولكن الطبراني لم يلتزم فيه الصحة كالبخاري ومسلم وأمثالهما، ولم يصرح بصحة هذا الحديث بالخصوص، كمالم يقل بصحته أحد من مشاهير حفاظهم الثقات، بل لم يدع ذلك حتى غير الثقات من علمائهم. الرابع: لقد جعل (الدهلوي) في [أصول الحديث] - تبعا لوالده - تصانيف الطبراني من جملة الكتب التي لم يلتزم فيها بالصحة، ونص على أنها لم تبلغ المرتبة الاولى ولا الثانية من مراتب الشهرة والقبول، واعترف بأنها تضم الاحاديث الضعيفة بل فيها ما رمي بالوضع، وأن في رواتها المستورين

[116]

والمجاهيل، وذكر أن أكثر أحاديث معاجمه غير معمول بها لدى الفقهاء، بل فيها ما انعقد الاجماع على خلافه. فإذا كان هذا حال كتب الطبراني حسب تصريحه، فان مجرد وجود حديث أبي الدرداء في كتاب منها لا يدل على اعتباره ولا يجوز الاعتماد عليه، والاستناد إليه (1).. فما الذي دعاه إلى أن يحتج بهذا السياق اذن ؟ ان الذي دعاه إلى ذلك وصف الشيخين فيه ب‍ " حبل الله الممدود ". نعم هذا ما دعاه إليه، وانخدع به، فأتى به معارضا لحديث " الثقلين ". ثم قال (الدهلوي) قالت الشيعة هذا خبر واحد، فلا يجوز التمسك به فيما بطلب فيه اليقين. قلنا: ليس أقل من خبر الطير ولا من خبر المنزلة، وهم يدعون فيما يوافق مذهبهم التواتر وفيما يخالفه الاحاد تحكما، فلا يكون هذا الادعاء مقبولا.. شرح المواقف. أقول: لا يخلو نقله عن تصرف ما، وهذا نص ما جاء في [شرح المواقف]: " السادس: قوله عليه السلام اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر، أقل مراتب الامر الجواز. قالت الشيعة: هذا خبر واحد فلا يجوز أن يتمسك به فيما يطلب فيه اليقين. قلنا: ليس أقل من خبر الطير الذي يعولون به على الافضلية كما سيأتي ان شاء الله تعالى، ولامن خبر المنزلة الذي مر، وهم


(1) بل اعترف الحافظ الهيتمى بضعف هذا الحديث من هذا الوجه خاصة حيث قال [مجمع الزوائد 9 / 53]: وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتدوا باللذين من بعدى ابى بكر وعمر، فانهما حبل الله الممدود ومن تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى التى لا انفصام لها. رواه الطبراني، وفيه من لم اعرفهم. وقد بحثنا عن هذا الحديث سندا ودلالة في العدد الثاني من سلسلتنا في الاحاديث الموضوعة، وسنقدمة للطبع قريبا انشاء الله.(الميلاني)

[117]

يدعون فيما يوافق مذهبهم التواتر، وفيما يخالفه الاحاد تحكما، فلا يكون ذلك الادعاء مقبولا. أقول: وهذا فاسد. فأما قوله: (قالت الشيعة: هذا خبر واحد فلا يجوز أن يتمسك به فيما يطلب فيه اليقين) فلا يخلو من تلبيس، لان من راجع كتب الشيعة علم أنهم يعتبرون هذا الحديث من موضوعات أهل السنة، ويثبتون فساده وبطلانه سندا ومتنا. كما في (الشافي لعلم الهدى) و (منهاج الكرامة للعلامة الحلي) وكيف لا يكون كذلك ؟ وقد اعترف بوضعه كبار حفاظ أهل السنة، ولو جاء في كلام أحد منهم انه خبر واحد فانما كان على سبيل التنزل وعلى فرض تسليم الصحة. وأما قوله (ليس أقل من خبر الطير. ولا من خبر المنزلة..) فظاهر الفساد كمالا يخفى على من راجع المجلدين المختصين بهما، حيث أثبتنا هناك تواترهما على ضوء كلمات أئمة الحديث من أهل السنة. وأما قوله: (وهم يدعون فيما يوافق مذهبهم التواتر، وفيما يخالفه الاحاد تحكمأ) فباطل، لانهم لا يدعون تواتر حديث من الاحاديث في الامامة والكلام الا بالاستناد إلى كلمات علماء الخصم. كما لا يخفى على من راجع كتبهم الكلامية. ويتجلي للمتتبع عكس ذلك لدى أهل السنة، فانهم يدعون التواتر فيما يذكرونه لمعارضة براهين أهل الحق، وهو لم يبلغ أدنى مراتب الثبوت فضلا عن التواتر. فنسبة التحكم إلى أهل الحق مكابرة ومصادمة للواقع والحقيقة. وأما قوله: (فلا يكون ذلك الادعاء مقبولا) فمكابرة واضحة: لان الشيعة

[118]

يبطلون حديث الاقتداء من أصله، وأما أهل السنة فمنهم من يصرح ببطلانه ووضعه ومنهم من يصرح بأنه من الاحاد، فليس ادعاء كونه من الاحاد من علماء الشيعة، ونحن وان كنا في غنى عن ذكر كلمات القائلين بذلك منهم - بعد ثبوت وضعه من كلمات كبار أئمتهم وحفاظهم - لكنا ننقل في المقام بعض عباراتهم الزاما لشارح المواقف و (الدهلوي) وتبيينا لكذبهما. قال الامدي في الجواب عن مطاعن عمر: (وقد ورد في حقه من النصوص والاخبار ما يدرء عنه ما قيل من الترهات، وهي وان كانت أخبار آحاد غير أن مجموعها ينزل منزلة التواتر، فمن ذلك قوله عليه السلام: ان في أمتي لمحدثين، وان عمر منهم، وقوله عليه السلام: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " (1). وقال ابن الهمام في مبحث الاجماع بعد أن ذكر حديث الاقتداء وحديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء. (أجيب: يفيدان أهلية الاقتداء لا منع الاجتهاد وعليه ان ذلك مع ايجابه، الا أن يدفع بأنه آحاد " (2). وقرره ابن أمير الحاج (3). وقال نظام الدين السهالوي في [الصبح الصادق] في المبحث المذكور بعد الحديثين المذكورين (والجواب: انهما من أخبار الاحاد فلا يثبت به حجية الاجماع القطعي الحجية). وفيه أيضا: (ويمكن أن يجاب أيضا بأنهما من الاحاد، وأدلتنا الدالة على حجية الاجماع معممة وهي قطعية فلا يعارضانها).


(1) ابكار الافكار للامدي. (2) التحرير لابن الهمام بشرح ابن أمير الحاج 3 / 98 (3) التقرير والتحبير في شرح التحرير 3 / 98

[119]

وكذا قال عبدالعلي (1). هذا، ولم يجد الفخر الرازي بدا من الاعتراف بذلك، فقد قال في الجواب عن الاحاديث المستدل بها على امامة أمير المؤمنين عليه السلام: (الطريقة الخامسة لهم: التمسك بأخبار آحاد رووها منها قوله عليه السلام سلموا على علي بامرة المؤمنين، ومنها قوله عليه السلام: انه سيد المسلمين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين، وقال عليه السلام: هذا ولي كل مؤمن ومؤمنة، وقال عليه السلام لعلي: أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي دينى. والاعتراض: انها بأسرها معارضة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: ايتوني بدواة وقلم أكتب لابي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان، ثم قال يأبي الله والمسلمون الا أبا بكر. أيضا عينه للامامة في الصلاة وما عزله عنها فوجب أن يبقى اماما على الصلاة، وكل من ثبت امامته في الصلاة بعد الرسول أثبت امامته مطلقا، فوجب القول بامامته. وروي عن أنس رضي الله عنه: ان النبي أمره عند اقبال أبي بكر أن يبشره بالجنة وبالخلافة بعده.. وبما روي انه عليه السلام قال: اقتدوا باللذين من بعدى أبي بكر وعمر. والكلام على صحة هذه الاحاديث من الجانبين وفي دلالتها على المطلوب طويل، ولكنها عن افادة اليقين بمعزل، لكونها من أخبار الاحاد عند التحقيق وان كان كل واحد من الفريقين يدعي في خبره كونه متواترا ويطعن فيما يرويه مخالفه). أقول: فمن القائل بكون هذا الحديث من أخبار الاحاد اذن ؟ ! وقد ثبت أن القائلين بوضعه منهم أكثر عددا وأجل قدرا..


(1) فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت 2 / 509 (*)

[120]

قوله: (فاللازم أن يكون هؤلاء كلهم أئمة). أقول: انما يلزم ذلك لو كان قد صح ما استدل به شئ من الاحاديث، ولكن قد ظهر سقوط جميع ما زعمه معارضا لحديث الثقلين سندا ودلالة ومتنا فدعوى لزوم امامة الحميراء وعمار وابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب باطلة.

[121]

دحض المعارضة. بحديث: أصحابي كالنجوم

[123]

هذا. وكأن (الدهلوي) يعلم بعدم نهوض تلك الاحاديث الموضوعة حجة في مقابلة حديث الثقلين، فاضاف إليها حديثا آخر، وهو (حديث النجوم) فقال في حاشية [التحفة]: (وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لاحد في تركه، فان لم يكن في كتاب الله فبسنة مني ماضية، فان لم يكن مني سنة ماضية فما قال اصحابي، ان أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فايما اخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة. أخرجه البيهقي بسنده في المدخل عن ابن عباس). حديث النجوم موضوع سندا عند الائمة أقول: لكنه ايضا موضوع باطل كما نص على ذلك كبار الائمة والحفاظ: 1 - احمد بن حنبل لقد كذب أحمد بن حنبل حديث النجوم وحكم بوضعه، قال ابن أمير الحاج.. (قال أحمد: لا يصح) (1). وقال نظام الدين في [الصبح الصادق في شرح المنار] وعبد العلي في [فواتح الرحموت 2 / 510]: (قال ابن حزم في رسالته الكبرى: مكذوب موضوع باطل، وبه قال أحمد والبزار).


(1) التقرير والتحبير في شرح التحرير 3 / 99.

[124]

2 - المزني لم يصحح أبو ابراهيم المزني - صاحب الشافعي - هذا الحديث، وقد ذكر له - ان صح - معنى هو بعيد عن الصواب بكثير، قال ابن عبد البر: (قال المزني رحمه الله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم، قال: ان صح هذا الخبر فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه: فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم فلو كان عند انفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضا ولا انكر بعضهم على بعض ولا رجع منهم احد إلى قول صاحبه، فتدبر) (1). ترجمة المزني وترجم له ابن خلكان بما ملخصه: (أبو ابراهيم اسماعيل بن يحيى المزني صاحب الامام الشافعي هو من أهل مصر، كان زاهدا عالما مجتهدا محجاجا غواصا على المعاني الدقيقة، وهو امام الشافعيين وأعرفهم بطرقه وفتاواه وما ينقله عنه، صنف كتبا كثيرة في مذهب الامام الشافعي، وقال الشافعي في حقه: المزني ناصر مذهبي. وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه انه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس، فقيل له في ذلك، فقال: بلغني انهم يستعملون السرجين في النيران والنار لا تطهرها، وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه في شئ من الاشياء بالتقدم عليه، وهو الذي تولى غسل الامام الشافعي، وقيل: كان معه


(1) جامع بيان العلم 2 / 89 - 90.

[125]

أيضا حينئذ الربيع. وذكره ابن يونس في تاريخه ثم قال: صاحب الشافعي، وقال: كانت له عبادة وفضل، ثقة في الحديث لايختلث فيه، حاذق من أهل الفقه، وكان أحد الزهاد في الدنيا، وكان من خير خلق الله عزوجل. ومناقبه كثيرة. وتوفي لست بقين من شهر رمضان سنة اربع وستين ومأتين بمصر، ودفن بالقرب من تربة الامام الشافعي) (1). وقال السبكي: (الامام الجليل أبو ابراهيم المزني ناصر المذهب وبدرسمائه. كان جبل علم، مناظرا محجاجا، قال الشافعي رضي الله عنه في وصفه: لو ناظر الشيطان لغلبه، وكان زاهدا ورعا متقللا من الدنيا، مجاب الدعوة، وكان إذا فاتته صلاة في جماعة صلاها خمسا وعشرين مرة، ويغسل الموتى تعبدا واحتسابا ويقول: افعله ليرق قلبي. قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي.) (2). وانظر: [حسن المحاضرة 1 / 307] و (مرآة الجنان 2 / 167 - 178] و [العبر 2 / 28] وغيرها. 3 - البزار لقد طعن الحافظ البزار في حديث النجوم، فقد قال ابن عبد البر: (وعن محمد بن أيوب الرقى قال قال لنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: سألتم عما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم مما في أيدي العامة يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: أصحابي كمثل النجوم، أو أصحابي


(1) وفيات الاعيان 1 / 196. (2) طبقات الشافعية 2 / 93.

[126]

كالنجوم فبأيها اقتدوا اهتدوا. قال: وهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. رواه عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وربما رواه عبد الرحيم عن ابيه عن ابن عمر. وانما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم بن زيد، لان أهل العلم قد سكتوا عن الرواية لحديثه. والكلام أيضا منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم باسناد صحيح: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي فعضوا عليها بالنواجذ، وهذا الكلام يعارض حديث عبد الرحيم لو ثبت فكيف ولم يثبت، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يبيح الاختلاف بعده من اصحابه، والله أعلم. هذا آخر كلام البزار) (1). وفيه وجوه عديدة في قدح حديث النجوم تقدم بيانها في القسم الثاني من مجلد (حديث مدينة العلم). وقد نقل هذا الكلام عن البزار واعتمده جماعة كبيرة من علمائهم منهم: ابن حزم في [رسالته] وابن تيمية في [منهاجه] وأبو حيان في [تفسيريه] وابن مكتوم في [الدر اللقيط] وابن القيم في [اعلام الموقعين] والزين العراقي في [تخريج المنهاج] وابن حجر في [تخريج المختصر] و [وتخريج الرافعي الكبير] وابن أمير الحاج في [التقرير والتحبير] والقاري في [شرح الشفاء] والمناوي في [شرح الجامع الصغير] ونظام الدين في [الصبح الصادق] وعبد العلي في [فواتح الرحموت].


(1) جامع بيان العلم 2 / 90.

[127]

4 - ابن القطان لقد أورد الحافظ ابن عدي المعروف بابن القطان هذا الحديث في [الكامل] وموضوعه الضعفاء والمقدوحون وموضوعاتهم، بترجمة جعفر بن عبد الواحد، وحمزة النصيبي، كما ستعرف ذلك من كلام الزبن العراقي. ترجمة ابن عدى وترجم له السمعاني بما ملخصه: (وأبو أحمد عبد الله ابن عدي بن عبد الله ابن محمد الجرجاني المعروف بابن القطان الحافظ، حافظ عصره، صنف في معرفة ضعفاء المحدثين كتابا مقدار ستين جزءا سماه (الكامل) وكان حافظا متقنا لم يكن في زمانه مثله، تفرد بأحاديث، وقد كان وهب أحاديث تفرد بها لبنيه وأبي زرعة ومنصور، تفردوا بروايتها عن أبيهم. قال حمزة بن يوسف السهمي: سألت الدارقطني أن يصنف كتابا في ضعفاء المحدثين فقال: أليس عندك كتاب ابن عدي ؟ قلت: نعم، قال: فيه كفاية، لا يزاد عليه. وكانت وفاته يوم السبت غرة ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائتين) (1). وقال الذهبي: (قال الخليلي: كان عديم النظير حفظا وجلالة، سألت عبد الله بن محمد الحافظ: أيهما احفظ ابن عدي أو ابن قانع ؟ فقال: زر قميص ابن عدي احفظ من عبد الباقي بن قانع. قال الخليلى: وسمعت احمد بن أبي مسلم الحافظ يقول: لم ار أحدا مثل أبي احمد ابن عدي، وكيف فوقه في الحفظ ؟. وكان أحمد قد لقي الطبراني


(1) الانساب - الجرجاني (*).

[128]

وأبا احمد الحاكم وقد قال لي: كان حفظ هؤلاء تكلفا وحفظ ابن عدي طبعا، زاد معجمه على ألف شيخ..) (1). وكذا ترجم له في [العبر 6 / 337] واليافعي في [مرآة الجنان 2 / 381] وجلال الدين السيوطي في [طبقات الحفاظ]. 5 - الدار قطني لقد قدح الدار قطني في حديث النجوم، فقد قال ابن حجر العسقلاني مانصه: (جميل بن يزيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر رفعه: ما وجدتم في كتاب الله فالعمل به، ولا يسعكم تركه إلى غيره، الحديث، وفيه: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. اخرجه الدار قطني في غرائب مالك، والخطيب في الرواة عن مالك من طريق الحسن بن مهدي عن عبدة المروزي عن محمد بن احمد السكوني عن بكر بن عيسى المروزي عن أبي يحيى عن جميل به. قال الدار قطني: لا يثبت عن مالك، ورواته مجهولون) (2). وسيأتي ذلك عن [تخريج أحاديث الكشاف لابن حجر] أيضا. 6 - ابن حزم لقد كذب ابن حزم هذا الحديث وأبطله وحكم بوضعه، فقد قال أبو حيان مانصه: (قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن حزم في رسالته في ابطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد ما نصه: وهذا خبر مكذوب


(1) تذكرة الحفاظ 3 / 940. (2) لسان الميزان 2 / 137

[129]

موضوع باطل لم يصح قط) (1). وتجد كلام ابن حزم هذا في [النهر الماد] و [الدر اللقيط] و [تخريج أحاديث المنهاج] و [التلخيص الحبير] و [التقرير والتحبير] و [المرقاة] و [نسيم الرياض] و [الصبح الصادق] و [فواتح الرحموت] كما ستعرف ذلك كله ان شاء الله تعالى. هذا، وقد نقل ابن حزم في رسالته المذكورة كلام البزار المتقدم سابقا وأيده كما سيأتي عن [البحر المحيط] وغيره، كما قدح فيه في كتابه [الاحكام في أصول الاحكام] أيضا. 7 - البيهقي لقد ضعف البيهقي حديث النجوم في [المدخل]، فقد قال الحافظ العراقي مانصه: (ورواه البيهقي في المدخل من حديث عمر ومن حديث ابن عباس بنحوه، ومن وجه آخر مرسلا وقال: متنه مشهور وأسانيده ضعيفة، لم يثبت في هذا اسناد) (2). وسيأتى عن [تخريج احاديث الكشاف] أيضا. ومن هنا يظهر خيانة (الدهلوي)، إذ نقل الحديث برواية ابن عباس عن (المدخل) وسكت عن تضعيف البيهقي اياه. على أن البيهقي قد طعن فيه في كتابه (الاعتقاد) ايضا، حيث حكم في سنده الذي فيه عبد الرحيم بن زيد بأنه غير قوي، وفي سنده عن الضحاك بأنه حديث منقطع، كما سيأتي عن ابني حجر وأمير الحاج.


(1) البحر المحيط 5 / 528. (2) تخريج أحاديث المنهاج - مخطوط.

[130]

8 - ابن عبد البر قال المحافظ أبو عمرو ابن عبد البر بعد كلام البزار والمزني المتقدمين: - (قال أبو عمرو: قد روى أبو شهاب الحناط عن حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما أصحابي مثل النجوم، فأيهم أخذتم بقوله اهتديتم. وهذا اسناد لا يصح ولا يرويه عن نافع من يحتج به، وليس كلام البزار بصحيح على كل حال، لان الاقتداء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منفردين انما هو لمن جهل ما يسأل عنه، ومن كانت هذه حاله فالتقليد لازم له، ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض إذا تأولوا تأويلا سائغا جائزا ممكنا في الاصول، وانما كل واحد منهم نجم جائز أن يقتدي به العامي الجاهل، بمعنى ما يحتاج إليه من دينه، وكذلك سائر العلماء من العامة، والله أعلم. وقد روى في هذا الحديث اسناد غير ما ذكر البزار عن سلام بن سليم قال حدثنا الحارث بن غصين عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهديتم. قال أبو عمرو: هذا اسناد لا تقوم به حجة، لان الحارث بن غضين مجهول) (1). وقد ذكرنا فوائد هذا الكلام - مع الاعتراض على بعضه - في القسم الثاني من مجلد حديث (مدينة العلم). 9 - ابن عساكر لقد صرح الحافظ ابن عساكر بضعف هذا الحديث، كما ستعرف ذلك من [فيض القدير] ان شاء الله.


(1) جامع بيان العلم 2 / 90 - 91.

[131]

ترجمة ابن عساكر وقد ترجم لابن عساكر وأثنى عليه جماعة كبيرة من أصحاب المعاجم الرجالية وكتب التاريخ منهم: ياقوت الحموي في [معجم الادباء 13 / 13 - 87]. ابن خلكان في [وفيات الاعيان 2 / 471]. الذهبي في [تذكرة الحافظ 4 / 1328] و [دول الاسلام 2 / 85]. اليافعي في [مرآة الجنان 3 / 393]. السبكي في [طبقات الشافعية 4 / 273]. ابو الفداء الايوبي في [المختصر في اخبار البشر 3 / 59]. ابن الوردي في [تتمة المختصر في أخبار البشر 2 / 124]. جلال الدين السيوطي في [طبقات الحفاظ 474]. الاسنوي في [طبقات الشافعية 2 / 216]. الخوارزمي في [جامع مسانيد أبي حنيفة]. وقد ذكرنا ترجمته بالتفصيل في مجلد (حديث الطير). 10 - ابن الجوزى لقد أورده الحافظ ابن الجوزي في [العلل المتناهية] قائلا: (روى نعيم بن حماد قال نا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر ابن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الي يا محمد ان أصحابك عندي بمنزلة النجوم

[132]

في السماء، بعضها أضوء من بعض، فمن أخذ بشئ مما هم عليه من اختلافهم فهو على هدى. قال المؤلف: وهذا لا يصح، نعيم مجروح، وقال يحيى بن معين: عبد الرحيم كذاب) (1). 11 - ابن دحية وقد قدحه الحافظ ابن دحية قال الحافظ العراقى: (وقال ابن دحية - وقد ذكر حديث أصحابي كالنجوم - حديث لا يصح) (2). ترجمة ابن دحية وترجم لابن دحية: ابن خلكان في [وفيات الاعيان 3 / 121]. والسيوطي في [بغية الوعاة 2 / 218] و [حسن المحاضرة 1 / 355]. والمقري في [نفح الطيب 2 / 301]. والزرقاني في [شرح المواهب اللدنية 1 / 79 - 80]. وقد ذكرنا ترجمته في مجلد (حديث الولاية). 12 - أبو حيان لقد قال الحافظ أبو حيان الاندلسي القول الفصل في حديث النجوم، وهذا نص كلامه:


(1) العلل المتناهية في الاحاديث الواهية - مخطوط. (2) تعليق تخريج أحاديث المنهاج - مخطوط.

[133]

(قال الزمخشري فان قلت: كيف كان القرآن تبيانا لكل شئ ؟ قلت: المعنى انه بين كل شئ من أمور الدين حيث كان نصا على بعضها، واحالة على السنة حيث امر باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته، وقيل (وما ينطق عن الهوى) وحثا على الاجماع في قوله (ويتبع غير سبيل المؤمنين)، وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته اتباع أصحابه والاقتداء بآثاره في قوله: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وقد اجتهدوا وقاسوا ووطئوا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والاجماع والقياس مستندة إلى تبيين الكتاب، فمن ثم كان تبيانا لكل شئ. وقوله: وقد رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم (إلى قوله) اهتديتم، لم يقل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث موضوع لا يصح بوجه عن رسول الله، قال الحافظ أبو محمد على بن أحمد بن حزم في رسالته في ابطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد ما نصه: وهذا خبر مكذوب عن النبي صلى الله عليه وسلم مما في أيدي العامة ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: انما مثل أصحابي كمثل النجوم - أو كالنجوم - بأيها اقتدوا اهتدوا. وهذا كلام لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. وانما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم، لان أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضا منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت، والنبى لا يبيح الاختلاف بعده من اصحابه. هذا نص كلام البزار. قال ابن معين: عبد الرحيم بن زيد كذاب ليس بشئ، وقال البخاري: هو متروك.

[134]

ورواه ايضا حمرة الجزري. وحمزة هذا ساقط متروك) (1). ترجمة أبى حيان وقد ترجم صلاح الدين الصفدي أبا حيان بما هذا ملخصه: (الشيخ الامام الحافظ العلامة فريد العصر وشيخ الزمان وامام النحاة أثير الدين أبو حيان الغرناطي، لم أر في أشياخي أكثر اشتغالا منه، لاني لم أره الا يسمع أو يشتغل أو يكتب، ولم أره على غير ذلك، وهو ثبت فيما ينقله، محرر لما يقوله، عارف باللغة، ضابط لالفاظها، وأما النحو والتصريف فهو امام الدنيا فيهما، لم يذكر معه في أقطار الارض غيره في العربية، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والشروط والفروع وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم، وله التصانيف التي سارت وطارت وانتشرت وانتثرت وقرئت ودرست ونسخت وما نسخت، أخملت كتب الاقدمين وألهت المقيمين بمصره والقادمين، وقرأ الناس عليه وصاروا أئمة وأشياخا في حياتة) (2). وذكره الذهبي في [المعجم المختص] والكتبي في [فوات الوفيات 4 / 71]. والسبكي وقال: (شيخنا وأستاذنا أبو حيان شيخ النحاة، العلم الفرد والبحر الذي لايعرف الجزربل المد.. وكان الشيخ أبو حيان اماما منتفعا به اتفق أهل العصر على تقديمه وامامته ونشأت أولادهم على حفظ مختصراته وآباؤهم على النظر في مبسوطاته، وضربت الامثال باسمه مع صدق اللهجة وكثرة الاتقان والتحري، وسدد طرفا صالحا من الفقه..) (3).


(1) البحر المحيط 5 / 527 - 528، النهر الماد من البحر المحيط. (2) الوافى بالوفيات 5 / 267. (3) طبقات الشافعية 1 / 475.

[135]

وقال الاسنوي بترجمته: (امام زمانه في علم النحو، وصاحب التصانيف المشهورة فيه وفي التفسير شرقا وغربا والتلاميذ المنتشرة، كان أيضا اماما في اللغة، عارفا بالقراءات السبع والحديث، شاعرا مجيدا، وكان صادق اللهجة كثير الاتقان والتحري، ملازما على الاشتغال إلى آخر وقت، كثير الاستحضار واشتغل بالفروع اشتغالا قليلا..) (1). وترجم له ابن الجزري فقال: (الامام الحافظ الاستاذ شيخ العربية والادب والقراءات مع العدالة والثقة. قال الذهبي: ومع براعته الكاملة في العربية له يد طولى في الفقه والاثار والقراءات واللغات، وله مصنفات. وهو فخر أهل مصر في وقتنا في العلم، تخرج به جماعة..) (2). وذكره ابن حجر ونقل عن الكمال في ترجمته: (شيخ الدهر وعالمه، ومحيي الفن الاول بعد مادرست معالمه، وبحر اللسان العربي فلا يقاربه أحد فيه ولا يقاومه، وذكر انه لازمه من سنة ثماني عشرة إلى أن مات، وذكر جملة كثيرة من شيوخه، وذكر تصانيفه وذكر أنه كان صدوقا حجة سالم العقيدة من البدع الفلسفية والاعتزال والتجسيم، وجرى على مذهب أهل الادب في الميل إلى محاسن الشباب ومال إلى مذهب أهل الظاهر، والى محبة علي بن أبي طالب والتجافي عمن قاتله، وكان يتأول قوله (لا يحبك الامؤمن ولا يبغضك الا منافق) وكان كثير الخشوع، يبكي عند قراءة القرآن وعند الابيات الغزلية، وقال: وامتدحه الاعيان..) (3). وبنحو ذلك ترجم له وذكره السيوطي في [بغية الوعاة 121] والاسدي


(1) طبقات الشافعية 1 / 457. (2) طبقات القراء 2 / 285. (3) الدرر الكامنة 5 / 70.

[136]

في [طبقات الشافعية - مخطوط] والشو كاني في [البدر الطالع 2 / 288] وغيرهم. 13 - الذهبي لقد قدح الذهبي حديث النجوم في مواضع عديدة، منها بترجمة (جعفر ابن عبد الواحد الهاشمي) حيث قال بعد كلمات العلماء الاعيان في جرحه: (ومن بلاياه عن وهب بن جرير عن أبيه عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم من اقتدى بشئ منها اهتدى) (1). ومنها بترجمة (زيد العمي) حيث قال بعد ايراده (فهذا باطل) (2). ومنها بترجمة (عبد الرحيم بن زيد) (3). 14 - ابن مكتوم وقدحه تاج الدين ابن مكتوم القيسي، حيث نقل كلمات شيخه أبي حيان المتقدمة سابقا عن تفسيريه، في كتابه [الدر اللقيط من البحر المحيط - المطبوع بهامش البحر المحيط] بعين ألفاظها. ترجمة ابن مكتوم وقد أثنى على ابن مكتوم وترجم له الصفدي، والجزري في [طبقات القراء 1 / 70] وجلال الدين السيوطي في [طبقات النحاة] و [حسن المحاضرة


(1) ميزان الاعتدال 1 / 413. (2) ميزان الاعتدال 2 / 102. (3) ميزان الاعتدال 2 / 605.

[137]

في تاريخ مصر والقاهرة 1 / 47]. وذكره ابن حجر العسقلاني فقال: (كان قد تقدم في الفقه والنحو واللغة ودرس وناب في الحكم، وجمع من تفسير أبي حيان مجلدا سماه (الدر اللقيط من البحر المحيط) قصره على مباحث مع ابن عطية والزمخشري) (1). وقد ذكرنا ترجمته في القسم الثاني من مجلد (حديث الغدير). 15 - ابن القيم وطعن ابن قيم الجوزية في حديث النجوم، حيث قال في الرد على المقلدين: (الوجه الخامس والاربعون قولهم: يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. جوابه من وجوه: أحدها ان هذا الحديث قد روي من طريق الاعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر. ولا يثبت شئ منها. قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن ابراهيم بن سعيد أن أبا عبد الله ابن مفرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، فهذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم) (2). 16 - الزين العراقى وقال الحافظ زين الدين العراقي مانصه: (حديث أصحابي (كالنجوم


(1) الدرر الكامنة 1 / 174. (2) اعلام الموقعين 2 / 223.

[138]

بأيهم اقتديتم اهتديتم) رواه الدار قطني في الفضائل وابن عبد البر في العلم من طريقه من حديث جابر وقال: هذا اسناد لا تقوم به حجة، لان الحارث بن غصين مجهول، ورواه عبد بن حميد في مسنده من رواية عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن ابن المسيب عن ابن عمر، قال البزار: منكر لا يصح. ورواه ابن عدي في الكامل من رواية حمزة بن أبي حمزة النصيبى عن نافع عن ابن عمر بلفظ فأيهم أخذتم بقوله - بدل اقتديتم - واسناده ضعيف من أجل حمزة فقد اتهم بالكذب. ورواه البيهقي في المدخل من حديث عمرو من حديث ابن عباس بنحوه ومن وجه آخر مرسلا وقال: متنه مشهور وأسانيده شعيفة لم يثبت في هذا اسناد. وقال ابن حزم: مكذوب موضوع باطل، قال البيهقي: ويؤدي بعض معناه حديث أبي موسى: النجوم أمنة لاهل السماء، وفيه أصحابي أمنة لامتي، الحديث، رواه مسلم) (1). وقال الزين العراقي: (قال ابن دحية - وقد ذكر حديث أصحابي كالنجوم -: حديث لا يصح، ورواه القضاعي قال: أنبأنا أبو الفتح منصور بن علي الانماطي، أنبأ أبو محمد الحسن بن رثيق، أنبأ محمد بن جعفر بن محمد، حدثنا جعفر - يعني ابن عبد الواحد - أنبأ وهب بن جرير بن حازم عن أبيه عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل أصحابي مثل النجوم من اقتدى بشئ منها اهتدى. قال الدار قطني: جعفر ابن عبد الواحد كان يضع الحديث، وقال أبو أحمد بن عدي: كان يتهم بوضع الحديث، لا يصح) (2).


(1) تخريج أحاديث المنهاج - مخطوط. (2) تعليق تخريج أحاديث المنهاج - مخطوط.

[139]

هذا وسيأتي عن [نسيم الرياض] اعتراض العراقي على القاضي عياض ايراده حديث النجوم بصيغة الجزم. ترجمة الزين العراقى وقد ترجم للزين العراقي وأثنى عليه جماعة متهم: 1 - الجزري في [طبقات القراء 1 / 382]. 2 - السخاوي في [الضوء اللامع 4 / 171 - 178]. 3 - الشوكاني في [البدر الطالع 1 / 354 - 356]. 17 - ابن حجر العسقلاني قال ابن حجر العسقلاني مانصه: (حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. عبد بن حميد في مسنده من طريق حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر. وحمزة ضعيف جدا. ورواه الدار قطني في غرائب مالك من طريق جميل بن يزيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وجميل لايعرف ولا أصل له من حديث مالك ولامن فوقه. وذكره البزار من رواية عبد الرحيم بن زيد العمى عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن عمر، وعبد الرحيم كذاب، ومن حديث أنس أيضا، واسناده واه. ورواه القضاعي في مسند الشهاب له عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، وفي اسناده جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وهو كذاب. ورواه أبو ذر الهروي في كتاب السنة من حديث مندل عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم منقطعا. وهو في غاية الضعف.

[140]

قال أبو بكر البزار: هذا الكلام لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن حزم: هذا خبر مكذوب باطل. وقال البيهقي في الاعتقاد عقب حديث أبي موسى الاشعري الذي أخرجه مسلم بلفظ: النجوم أمنة لاهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، أصحابي أمنة لامتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون. قال البيهقي: روى في حديث موصول باسناد غير قوي - يعني حديث عبد الرحيم العمى - وفي حديث منقطع - يعنى حديث الضحاك بن مزاحم -: مثل أصحابي كمثل النجوم في أهل السماء من أخذ بنجم منها اهتدى، قال: والذي رويناه ههنا من الحديث الصحيح يؤدي بعض معناه. قلت: صدق البيهقي، هو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة، أما في الاقتداء فلا يظهر من حديث أبي موسى، نعم يمكن أن يتلمح ذلك من معنى الاهتداء) (1). وقال ابن حجر: (حديث أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم. الدار قطني في المؤتلف من رواية سلام بن سليم عن الحارث بن غصين عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا، وسلام ضعيف. وأخرجه في غرائب مالك من طريق جميل بن يزيد عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في أثناء حديث - وفيه: فبأي قول أصحابي أخذتم اهتديتم، انما مثل أصحابي مثل النجوم من أخذ بنجم منها اهتدي، وقال: لا يثبت عن مالك، ورواته دون مالك مجهولون. ورواه عبد بن حميد والدار قطني في الفضائل من حديث حمزة الجزري


(1) تلخيص الخبير 4 / 190 - 191.

[141]

عن نافع عن ابن عمر، وحمزة اتهموه بالوضع ورواه القضاعي في مسند الشهاب من حديث أبي هريرة وفيه: جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وقد كذبوه ورواه ابن طاهر من رواية بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس وبشر كان متهما أيضا. وأخرجه البيهقي في المدخل من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس وجويبر متروك، ومن رواية جويبر عن جواب بن عبيد الله مرفوعا، وهو مرسل قال البيهقي: هذا المتن مشهور وأسانيد كلها ضعيفة. وروى في المدخل أيضا عن عمر: سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى الي يا محمد أصحابك عندي بمنزلة النجوم من السماء، بعضها أضوء من بعض، فمن أخذ بشئ مماهم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. وفي اسناده عبد الرحيم بن زيد العمي وهو متروك ". أقول: وفي عبارتي ابن حجرهاتين وجوه ينبغي التدقيق والتدبر فيها، وكلها تهبط بحديث النجوم إلى أقصى درجات الفساد، ويظهر منهما أيضا قبح تمسك (الدهلوي) برواية البيهقي، إذ أنه بلغ من الهوان حدا لم يتمكن البيهقي من السكوت عنه حتى اعترف بضعفه. تنبيهات وبعد، فان ههنا تنبيهات: الاول: لقد اكتفى ابن حجر في (سلام بن سليم) بقوله " سلام ضعيف " وقد علم سابقا - في الطعن في حديث أعلمية معاذ - كونه مجروحا ومطعونا فيه بمطاعن جسيمة


(1) الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف - هامش الكشاف 2 / 628

[142]

الثاني: انه أعرض عن تضعيف (الحارث بن غصين) وقد علم من كلام الحافظين ابن عبد البر والعراقي كونه مجروحا. الثالث: انه لم يقل في (حمزة) الا (اتهموه بالوضع) وهذه بعض كلماتهم في جرحه: ترجمة حمزة الجزرى قال البخاري: (منكر الحديث) (1) وقال النسائي (متروك الحديث) (2) وقال ابن الجوزي: (قال يحيى: ليس بشئ، وقال ابن عدي: يضع الحديث) وقال أيضا: (قال أحمد: هو مطروح الحديث، وقال يحيى: ليس بشئ لا يساوي فلسا، وقال ابن عدي: يضع الحديث، وقال ابن حبان: لا يحل الرواية عنه) (3). وتقدم عن أبي حيان قوله: (وحمزة هذا ساقط متروك). وترجمه الذهبي وقال: (قال ابن معين: لا يساوي فلسا، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الدار قطني: متروك، وقال ابن عدي: عامة مروياته موضوعة) (4). وذكره ابن حجر نفسه وقال بعد نقل الكلمات المذكورة: (قلت: وقال أبو حاتم أيضا وأبو زرعة: ضعيف الحديث، وزاد أبو حاتم: أضعف من حمزة ابن نجيح، وقال الاجري عن أبي داود: ليس بشئ، وقال الحاكم: يروي


(1) الضعفاء للبخاري 36 (2) الضعفاء للنسائي 32. (3) الموضوعات 3 / 34. (4) ميزان الاعتدال 1 / 606.

[143]

أحاديث موضوعة، وقال ابن عدي أيضا: يضع الحديث، وأورد له البخاري وابن حبان في موضوعاته) (1). الرابع: انه قال في (جعفر بن عبد الواحد): (وقد كذبوه) واليك بعض أقوالهم فيه: ترجمة جعفر بن عبد الواحد قال ابن الجوزي بعد حديث: (هذا حديث موضوع قال ابن حبان: لا أصل لهذا الحديث، قال: وجعفر كان يسرق الحديث ويقلب الاخبار حتى لا يشك انه يعملها، وقال أبو أحمد ابن عدي: كان جعفر يتهم بوضع الحديث) (2). وقال بعد حديث: (قال الدار قطني كذاب يضع الحديث) (3). وذكره الذهبي في [المغني في الضعفاء] وقال (متروك) وفي [الميزان] وقال: (قال الدار قطني: يضع الحديث، وقال أبو زرعة: روى أحاديث لا أصل لها، وقال ابن عدي: يسرق الحديث ويأتي بالمناكير عن الثقات، ثم ساق له ابن عدي أحديث وقال: كلها بواطيل وبعضها سرقة من قوم، وكان عليه يمين أن لا يحدث ولا يقول حدثنا وكان يقول قال لنا فلان..) (4). الخامس: انه قال في (بشر بن الحسين): (وبشر كان متهما أيضا) ولنورد بعض كلمات علمائهم فيه:


(1) تهذيب التهذيب 3 / 29. (2) الموضوعات 2 / 96. (3) الموضوعات 3 / 172. (4) ميزان الاعتدال 1 / 413.

[144]

ترجمة بشر بن الحسين قال الذهبي: (قال الدار قطني: متروك وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير) (1) وفي [الميزان]: (قال البخاري: فيه نظر، وقال الدار قطني: متروك وقال ابن عدي: عامة حديثه ليس بمحفوظ، وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير. قال ابن حبان: يروي بشر بن الحسين عن الزبير نسخة موضوعة شبيها بمائة وخمسين حديثا) (2). وقال العراقي: (هو ضعيف جدا) وقال الهيثمي: (هو كذاب). وقال ابن حجر العسقلاني ما ملخصه: (قال ابن حبان لا ينظر في شئ رواه عن الزبير الا على جهة التعجب، وقال أبو نعيم: جاء إلى أبي داود الطيالسي فقال: حدثني الزبير بن عدي، فكذبه أبو داود وقال ما نعرف للزبير ابن عدي عن أنس رضي الله عنه الا حديثا واحدا، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس حديثه بالقائم، وقال ابن الجارود: ضعيف) (3). السادس: انه اختصر القدح في (جويبر) فقال (جويبر متروك) ولكن سيأتي ذكر بعض كلماتهم في جرحه. السابع: انه سكت عن الطعن في (الضحاك) وستعرف أنه موهون لدى كبار العلماء.. ترجمة جواب بن عبيد الله الثامن: انه لم يذكر شيئا حول (جواب بن عبيدالله) وقد ضعفه ابن نمير


(1) المغنى في الضعفاء 1 / 105. (2) ميزان الاعتدال 1 / 315. (3) لسان الميزان 2 / 117.

[145]

وقد رآه الثوري فلم يحمل عنه، وقال أبو خالد الاحمر: كان يقص ويذهب مذهب الارجاء، وقال ابن عدي: ليس لجواب من المسند الا القليل.. راجع: [الميزان 1 / 426] و [تهذيب التهذيب 2 / 121] وغيرهما. التاسع: انه لم يسم راوي الحديث عن (جويبر) وستعرف من كلام السخاوي انه (سليمان بن أبي كريمة) وستعرف ما فيه. العاشر: انه لم يقل في (عبد الرحيم بن زيد العمى) الا انه (متروك)، وقد قال يحيى بن معين: ليس بشئ هو وأبوه، وقال مرة: عبد الرحيم كذاب خبيث، وقال الجوزجاني: غير ثقة، وقال أبو زرعة: واه ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة ولا مأمون ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: تركوه. إلى غير ذلك من كلمات الطعن والذم تجدها في كتب الرجال وغيرها، وقد تقدم بعضها. 18 - ابن الهمام لقد طعن ابن الهمام في حديث النجوم حيث قال في مبحث الاجماع في الجواب عن حديث الاقتداء وحديث عليكم بسنتي (وأجيب: يفيدان أهلية الاقتداء لامنع الاجتهاد، وعليه ان ذلك مع ايجابه، الا أن يدفع بأنه آحاد، وبمعارضته بأصحابي كانجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وخذوا شطر دينكم عن الحميراء، الا أن الاول لم يعرف) (1). 19 - ابن أمير الحاج لقد أوضح ابن أمير الحاج في شرح التحرير وهن هذا الحديث قائلا:


(1) التحرير بشرح ابن أمير الحاج 3 / 99.

[146]

([وبمعارضته] أي: وأجيب أيضا بمعارضة كل منهما [بأصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. وخذوا شطر دينكم عن الحميراء] أي عائشة وان خالف قول الشيخين أو الاربعة [الا ان الاول] أي أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم [لم يعرف] بناءا على قول ابن حزم في رسالته الكبرى مكذوب موضوع باطل، والا فله طرق من رواية عمر وابنه وجابر وابن عباس وأنس، بألفاظ مختلفة أقربها إلى اللفظ المذكور ما أخرج ابن عدي في الكامل وابن عبد البر في كتاب بيان العلم عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل أصحابي مثل النجوم يهتدى بها فبأيهم أخذتم بقوله اهتديتم. وما أخرج الدار قطني وابن عبد البر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم. نعم لم يصح منها شئ، ومن ثمة قال أحمد: حديث لا يصح، والبزار: لا يصح هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الا أن البيهقي قال في كتاب الاعتقاد: رويناه في حديث موصول باسناد غير قوي. وفي حديث آخر منقطع، والحديث الصحيح يؤدي بعض معناه وهو حديث أبي موسى المرفوع.) (1). ترجمة ابن امير الحاج ترجم له الحافظ السخاوي وأثنى عليه بما ملخصه: (ولد في ثامن عشر ربيع الاول سنة خمس وعشرين وثمانمائة بحلب ونشأ بها، وعرض على ابن خطيب الناصرية والبرهان الحافظ والشهاب ابن الرسام وغيرهم من أهل بلده وتفقه بالعلاء الملطي، وأخذ النحو والصرف والمعاني والبيان والمنطق عن


(1) التقرير والتحبير 3 / 99

[147]

الزين عبد الرزاق أحد تلامذة العلاء البخاري، وكذا لازم ابن الهمام، وبرع في فنون، وأذن له ابن الهمام وغيره، وتصدى للاقراء، فانتفع به جماعة وأفتى وقد سمعت أبحاثه وفوائده وسمع مني بعض القول البديع وتناوله مني، وكان فاضلا مفننا دينا قوي النفس محبا في الرياسة والفخر) (1). 20 - أبو ذر الحلبي لقد قدح أبو ذر الحلبي شارح الشفاء في حديث النجوم حيث قال معترضا على القاضي عياض: (وكان ينبغي للقاضي أن لا يذكره بصيغة جزم لما عرف عند أهل الصناعة، وقد سبق له مثله مرارا). ترجمة موفق الدين أبى ذر احمد الحلبي وترجم له الحافظ السخاوي في [الضوء اللامع] ترجمة مطولة نلخصها فيما يلي: (لزم الاعتناء بالحديث والفقه، وأفرد مبهمات البخاري، وكذا اعرابه بل جمع عليه تعليقا لطيفا لخصه من الكرماني والبرماوي وشيخنا، وآخر أخصر منه، وله التوضيح للاوهام الواقعة في الصحيح، ومبهمات مسلم أيضا، وقرة العين في فضل الشيخين والصهرين والسبطين، وشرح الشفاء والمصابيح ولكنه لم يكمل، والذيل على تاريخ ابن خطيب الناصرية، وغير ذلك، وأدمن قراءة الصحيحين والشفاء، خصوصا بعد وفاة والده، وصار متقدما في لغاتها ومبهماتها وضبط رجالها، لا يشذ عنه من ذلك الا النادر. ولما كان شيخنا بحلب لازمه واغتبط شيخنا به وأحبه لذكائه وخفة روحه ووصفه بالامام موفق الدين، ومرة (بالفاضل البارع المحدث الاصيل الباهر


(1) الضوء اللامع 2 / 210 (*).

[148]

الذي ضاهى كنيه في صدق اللهجة، الماهر الذي ناجى سميه ففداه بالمهجة، الاخير الذي فاق الاول في البصارة والنضارة والبهجة، أمتع الله المسلمين ببقائه. وأذن له في تدريس الحديث وافادته في حياة والده. وكان خيرا شهما مبجلا في ناحيته، منعزلا عن بني الدنيا، قانعا باليسير محبا للانجماع، كثير التواضع والاستيناس بالغرباء والاكرام لهم، شديد التخيل، طارحا للتكلف. ذافضيلة تامة وذكاء مفرط. وقد تصدى للحديث والاقراء وانتفع به جماعة من أهل بلده والقادمين عليها، بل وكتب مع القدماء في الاستدعاءات من حياة أبيه وهلم جرا. وترجمه ابن فهد وغيره من أصحابنا، وكذا وصفه ابن أبي غديبة في أبيه بالامام العلامة، وسمى بعض تصانيفه). 21 - السخاوى قال الحافظ السخاوي: (حديث اختلاف أمتي رحمة. البيهقي في المدخل من حديث سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهما اوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لاحد في تركه، فان لم تكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فان لم تكن سنة مني فما قال أصحابي، ان أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أمتي رحمة، ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني والديلمي في مسنده: بلفظ سواء. وجويبر ضعيف، والضحاك عن ابن عباس منقطع) (1). أقول: ولنورد بعض كلماتهم في رجال هذا الحديث:


(1) المقاصد الحسنة 26 - 27.

[149]

اما سليمان بن ابى كريمة فقد قال ابن أبي حاتم في [العلل] بعد حديث: قال أبي هذا حديث باطل، وابن أبي كريمة ضعيف الحديث. وقال ابن الجوزي بعد أحاديث أوردها: (هذه الاحاديث موضوعات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الاول ففيه سليمان ابن أبي كريمة وأحمد ابن ابراهيم، قال ابن عدي: يرويان المناكير) (1). وقال الذهبي: (لين صاحب مناكير) (2) وفي [الميزان]: (ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه مناكير، ولم أر للمتقدمين فيه كلاما) (3) وكذا قال ابن حجر (4) وكذا ضعفه السيوطي والمتقي ومحمد بن طاهر في [قانون الموضوعات 261]. وأما جويبر بن سعيد البلخي، فقد ذكره البخاري بقوله: (جويبر بن سعيد البلخي عن الضحاك قال علي بن [عن] يحيى: كنت أعرف جويبرا بحديثين، ثم أخرج هذه الاحاديث [بعد] فضعف) (5). وكذا النسائي وقال: (متروك الحديث) (6).


(1) الموضوعات 1 / 277. (2) المغنى في الضعفاء 1 / 282. (3) ميزان الاعتدال 2 / 221. (4) لسان الميزان 3 / 102 (5) الضعفاء للبخاري 27. (6) الضعفاء للنسائي 28.

[150]

وفي [الموضوعات] - بعد حديث تحذير من بلغ الاربعين -: (أجمعوا على تركه، قال أحمد: لا يشتغل بحديثه). وفيه بعد حديث الاكتحال يوم عاشوراء: (قال الحاكم أنا أبرء إلى الله من عهدة جويبر. قال: والاكتحال يوم عاشوراء لم يرو عن رسول الله فيه أثر، وهو بدعة ابتدعها قتلة الحسين. قال أحمد: لا يشتغل بحديث جويبر، وقال يحيى: ليس بشئ، وقال النسائي والدار قطني: متروك). وقال ابن حجر: (قال عمرو بن علي: ماكان يحيي ولا عبد الرحمن يحدثان عنه، وكذا قال أبو موسى، وقال أبو طالب عن أحمد: ما كان عن الضحاك فهو أيسر، وما كان يسند عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو منكم، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان وكيع إذا أتى على حديث جويبر قال: سفيان عن رجل - لا يسميه استضعافا له - وقال الدوري وغيره عن ابن معين: ليس بشئ، وزاد الدوري: ضعيف ما أقربه من جابر الجعفي وعبيدة الضبي وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألته - يعني أباه - عن جويبر فضعفه جدا قال: وسمعت أبي يقول: جويبر أكثر عن الضحاك روى عنه أشياء مناكير وذكره يعقوب بن سفيان في باب من يرغب عن الرواية عنهم، وقال الدار قطني عن أبي داود: جويبر على ضعفه، وقال النسائي وعلي بن الجنيد والدار قطني متروك، وقال النسائي في موضع آخر: ليس بثقة، وقال ابن عدي: والضعف على حديثه وروايته بين. قلت: وقال أبو قدامة السرخسي قال يحيى القطان: تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث، ثم ذكر الضحاك وجويبرا ومحمد ابن السائب وقال: هؤلاء لا يحمل حديثهم ويكتب التفسير عنهم، وقال أحمد ابن سيار المروزي: جويبر بن سعيد كان من أهل بلخ وهو صاحب الضحاك

[151]

وله رواية ومعرفة بأيام الناس، وحاله حسن في التفسير وهو لين في الرواية. وقال ابن حبان: يروي عن الضحاك أشياء مقلوبة، وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث، وقال الحاكم أبو عبد الله: أنا أبرأ إلى الله من عهدته، وذكره البخاري في التاريخ الاوسط في فصل من مات بين الاربعين إلى الخمسين ومائة) (1). وأما الضحاك بن مزاحم فقد قال ابن الجوزي: (أما الضحاك فقال شعبة: لا يحدث عنه، وينكر أن يكون لقي ابن عباس، وقال يحيى بن سعيد: هو عندنا ضعيف) (2). وقد ذكر انكار شعبة هذا: الذهبي في [ميزان الاعتدال 2 / 326] وابن التركماني بعد أن قال: (لم يلق ابن عباس). وكذا بمعناه في [تهذيب التهذيب 4 / 453 - 454] عنه وعن مشاش وعبد الملك. وفي [الميزان]: (قال ابن عدي: الضحاك بن مزاحم انما عرف بالتفسير، فأما رواياته عن ابن عباس وأبي هريرة وجميع من روى عنه ففي ذلك كله نظر) (3). وفي [المغنى]: (ضعفه يحيى القطان وشعبة أيضا) (4). وقال محمد بن طاهر: (ضعيف مجروح ولم يسمع عن ابن عباس). وكذا في [اللالي المصنوعة] عن ابن الجوزي.


(1) تهذيب التهذيب 2 / 123 (2) الموضوعات لابن الجوزى. (3) ميزان الاعتدال 2 / 326 (4) المغنى في الضعفاء 1 / 312

[152]

حول حديث اختلاف أصحابي لكم رحمة ولا يخفى أن سياق حديث النجوم في كتاب (المدخل) للبيهقي - الذي استدل به (الدهلوي) - يشتمل على حديث (اختلاف أصحابي لامتي - أو لكم - رحمة) وقد نص الحفاظ على ضعفه، فثبت ضعف الحديثين كليهما لضعف الاسناد المشتمل عليهما.. ومن هنا كان على (الدهلوي) الاعراض عن هذا السياق بجملته، لا الاستناد إليه في مقابلة حديث الثقلين، ولكن (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). واليك كلمات بعضهم في تضعيف هذا الحديث: قال الحافظ العراقي: (حديث اختلاف امتي رحمة. البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس: بلفظ أصحابي، ورواه آدم بن أبي أياس في كتاب العلم والحلم بلفظ اختلاف أصحابي لامتي رحمة. وهو مرسل ضعيف، ذكره البيهقي في رسالته الاشعرية بهذا اللفظ بغير اسناد) (1). وقال في [المغنى]: (حديث اختلاف امتي رحمة، ذكره البيهقي في رسالته الاشعرية تعليقا، واسنده في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ: اختلاف أصحابي لكم رحمة. واسناده ضعيف) (2). وقال ابن امام الكاملية: (الوجه [الخامس] لهم [انه] أي العمل بالقياس [يؤدي إلى الخلاف والمنازعة] بين المجتهدين للاستقراء لانه تابع للامارات وهي مختلفة، فكيف يجوز العمل به [وقد قال الله تعالى: ولا تنازعوا فتفشلوا]


(1) تخريج احاديث المنهاج - مخطوط. (2) المغنى عن حمل الاسفار. هامش احياء العلوم 1 / 34

[153]

فوجب أن يكون ممنوعا [قلنا: الاية] انما وردت [في الاراء والحروب] لقرينة قوله: فتفشلوا وتذهب ريحكم، فأما التنازع في الاحكام فجائز [لقوله عليه الصلاة والسلام: اختلاف امتي رحمة] قال الخطابي والبيهقي: روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يدل على أن له أصلا، قال الشيخ زين الدين العراقي: وأسنده في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ اختلاف أصحابي لكم رحمة واسناده ضعيف) (1). وقال محمد بن طاهر (في المقاصد اختلاف امتي رحمة للبيهقي عن الضحاك عن ابن عباس رفعه في حديث طويل بلفظ: واختلاف أصحابي لكم رحمة، وكذا الطبراني والديلمي، والضحاك عن ابن عباس منقطع، وقال العراقي: مرسل ضعيف) (2). وقال المناوي: (وأسنده البيهقي [في المدخل] وكذا الديلمي في مسند والفردوس كلاهما من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ اختلاف أصحابي رحمة، واختلاف الصحابة في حكم اختلاف الامة كما مر. لكن هذا الحديث قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف) (3). وقال العزيزي: (أسنده البيهقي في المدخل وكذا الديلمي في الفردوس من حديث ابن عباس، لكن بلفظ اختلاف أصحابي رحمة. قال الشيخ: حديث ضعيف) (4). ومن هنا تعرف: أنه ليس اسناده في المدخل ضعيفا عند البيهقي فحسب، بل قد نص على ضعفه جمع من نقاد الاخبار وصيارفة الحديث كالعراقي


(1) شرح المنهاج - مخطوط. (2) تذكرة الموضوعات 90 - 91 (3) فيض القدير 1 / 212 (4) السراج المنير 1 / 66

[154]

والسخاوي ومحمد بن طاهر والمناوي والحجازي - وهو المراد من (الشيخ) في كلام العزيزي كما صرح في صدر كتابه - والعزيزي. 22 - ابن ابى شريف لقد طعن ابن أبي شريف في حديث النجوم تبعا لشيخه الحافظ ابن حجر كما ستعرف ذلك من عبارة المناوى في [فيض القدير] انشاء الله. ترجمة ابن ابى شريف وقد ترجم السخاوى لابن أبي شريف ترجمة مطولة، هذا ملخصها: (ارتحل إلى القاهرة غير مرة، منها في سنة تسع وثلاثين، وأخذ في بعضها عن ابن الهمام والعز عبد السلام البغدادي والعلاء القلقشندى والقاياني وشيخنا - ولازمه (يعني شيخه وهو ابن حجر) في أشياء رواية ودراية وسماعا وقراءة - في آخرين بالقاهرة وببلده ممن أخذ عنهم العلم حتى تميز، واذن له كلهم أوجلهم في الاقراء وعظمه جدا، منهم ابن الهمام وعبد السلام وشيخنا حيث قال: انه شارك في المباحث الدالة على الاستعداد، وتأهل أن يفتي بما يعلمه ويتحققه من مذهب الامام الشافعي من أراد، ويفيد في العلوم الحديثية من المتن والاسناد علما بأهليته لذلك وتولجه في مضائق تلك المسالك. وترجم له البقاعي ووصفه بالذهن الثاقب والحافظة الضابطة والقريحة الوقادة والفكر القويم والنظر المستقيم، وسرعة الفهم وبديع الانتقال وكمال المروة، مع عقل وافر وأدب ظاهر وخفة روح ومجد على سمته يلوح، وانه شديد الانقباض عن الناس غير أصحابه، قال: وهو الان صديقي، وبيننا من المودة ما يقصر الوصف فيه.

[155]

ودرس وأفتى وحدث ونظم ونثر وصنف، وبالجملة فهو علامة متين التحقيق حسن الفكر والتأمل فيما ينظره ويقرب عهده، وكتابه أمتن من تقريره ورويته أحسن من بديهته، مع وضائته وتأنيه وضبطه وقلة كلامه وعدم ذكره للناس) (1). وقال القاضي مجير الدين العليمي الحنبلي - وهو من تلامذته - بترجمته: (هو شيخ الاسلام، ملك العلماء الاعلام، حافظ العصر والزمان، بركة الامة، علامة الائمة، شيخنا الامام الحبر الهمام العالم العلامة الرحالة، القدوة المجتهد العمدة، مولده في ليلة يسفر صباحها عن يوم السبت خامس شهر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة بمدينة القدس ونشأ بها في عفة وصيانة وتقوى وديانة، لم يعلم له صبوة ولا ارتكاب محظور.. وجد ودأب ولازم الاشتغال والاشغال إلى أن برع وتميز وأشير إليه في حياة شيخه الزين ماهر، وكان يرشد الطلبة للقراءة عليه حين ترك هو الاقراء وكذلك المستفتين، ودرس وأفتى من سنة ست وأربعين وثمانمائة. ولم يزل حاله في ازدياد وعلمه في اجتهاد، فصار نادرة وقته وأعجوبة زمانه اماما في العلوم، محققا لما ينقله وصار قدوة بيت المقدس ومفتيه وعين أعيان المعيدين بالمدرسة الصلاحية. ووقع له ما لم يقع لغيره ممن تقدمه من العلماء والاكابر، وبقي صدر المجالس وطراز المحافل، المرجع في القول إليه والتعويل في الامور كلها عليه، وقلده أهل المذاهب كلها، وقبلت فتواه على مذهبه ومذهب غيره، ووردت الفتاوى إليه من مصر والشام وحلب وغيرها، وبعد صيته وانتشرت مصنفاته في سائر الاقطار، وصار حجة بين الانام في سائر ممالك الاسلام.


(1) الضوء اللامع 9 / 64 - 67

[156]

وأما سمته وهيبته فمن العجائب في الابهة والنورانية، رؤيته تذكر السلف الصالح، ومن رآه علم أنه من العلماء العاملين برؤية شكله وان لم يكن يعرفه، وأما خطه وعبارته في الفتوى فنهاية في الحسن. وبالجملة فمحاسنه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، وهو أعظم من أن ينبه مثلي على فضله، ولو ذكرت حقه في الترجمة لطال الفصل، فان مناقبه وذكر مشايخه يحتمل الافراد بالتأليف، والمراد هنا الاختصار. ". وكذا ترجم له الشوكاني (2). 23 - السيوطي قال الحافظ جلال الدين السيوطي: " وليس قول صحابي حجة على غيره نعم لحديث: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. واجيب بضعفه " (3). ووضع عليه " ض ". وهي علامة الضعف في [الجامع الصغير] (4). وقال في [جمع الجوامع] مانصه: " مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لاحد في تركه، فان لم يكن في كتاب الله فبسنة مني ماضية، فان لم تكن سنة مني فبما قال أصحابي، ان أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فبأيها أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة. ق في المدخل وأبو نصر السجزى في الابانة وقال: غريب، والخطيب وابن عساكر والديلمي عن سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وسليمان ضعيف وكذا جويبر).


(1) الانس الجليل بتاريخ القدس والخليل 2 / 288 (2) البدر الطالع 2 / 243 - 244 (3) اتمام الدراية. (4) بشرح المناوى 4 / 76.

[157]

24 - المتقى لقد تبع المتقى شيخه السيوطي في الطعن في حديث النجوم حيث نقل عبارته السالفة بعين ألفاظها (1). 25 - القارى وقال القاري مانصه: (قال ابن الديبع: اعلم ان حديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم أخرجه ابن ماجة. كذا ذكره الجلال السيوطي في تخريج أحاديث الشفاء، ولم أجده في سنن ابن ماجة بعد البحث عنه، وقد ذكره ابن حجر العسقلاني في تخريج أحاديث الرافعي في باب ادب القضاء، وأطال الكلام عليه وذكر أنه ضعيف واه، بل ذكر عن ابن حزم: انه موضوع باطل، لكن ذكر عن البيهقي انه قال: ان حديث مسلم يؤدي بعضه معناه، يعنى قوله صلى الله عليه وسلم النجوم أمنة للسماء الحديث. قال ابن حجر: صدق البيهقي هو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم، أما في الاقتداء فلا يظهر، نعم يمكن ان يتلمح ذلك من معنى الاهتداء بالنجوم. قلت: الظاهر ان الاهتداء فرع الاقتداء. قال: وظاهر الحديث انما هو اشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الجور في أقطار الارض انتهى. تكلم على هذا الحديث ابن السبكى في شرح ابن الحاجب الاصلي في الكلام على عدالة الصحابة ولم بعزه لابن ماجة، وذكره في جامع الاصول ولفظه عن ابن المسيب عن عمر بن الخطاب مرفوعا: سألت ربي. الحديث إلى قوله: اهتديتم. وكتب بعده: أخرجه. فهو من الاحاديث التي ذكرها رزين في


(1) كنز العمال 6 / 133.

[158]

تجريد الاصول ولم يقف عليها ابن الاثير في الاصول المذكورة، وذكره صاحب المشكاة وقال: أخرجه رزين) (1). أقول: وفي هذا الكلام فوائد لاتخفى. وقال القاري في [شرح الشفاء] بشرح قول القاضي: (وقال صلى الله عليه وسلم أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) قال: (ثم اعلم ان قوله وقال: أصحابي. حديث آخر، وقد أخرجه الدار قطني في الفضائل وابن عبد البر من طريقه من حديث جابر وقال: هذا اسناد لا تقوم به حجة، ورواه عبد بن حميد في مسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال البزار: منكر لا يصح ورواه ابن عدي في الكامل باسناده عن نافع عن ابن عمر بلفظ: فأيهم أخذتم بقوله بدل اقتديتم واسناده ضعيف، ورواه البيهقي في المدخل من حديث عمر ومن حديث ابن عباس بنحوه، ومن وجه آخر مرسلا وقال: متنه مشهور وأسانيده ضعيفة. قال الحلبي: وكان ينبغي للقاضي أن لا يذكره بصيغة جزم لما عرف عند أهل الصناعة، وقد سبق له مثله مرارا. أقول: يحتمل انه ثبت باسناده عنده أو حمل كثرة الطرق على ترقيه من الضعيف إلى الحسن بناءا على حسن ظنه، مع أن الحديث الضعيف يعمل به في فضائل الاعمال، والله أعلم بحقيقة الاحوال). تنبيه ان ما احتمله القاري في هذا المقام سخيف، وذلك: اولا: ان احتمال ثبوت الحديث باسناد عند القاضي. - من دون أكابر الحافظ - بعيد جدا، ومجرد الاحتمال لا يصغى إليه في مثل هذا الموضوع،


(1) المرقاة 5 / 523.

[159]

إذ لو ثبت ذلك لاورده فلم يتعرض للطعن من أبى ذر الحلبي وغيره. ثانيا: لقد علم من الوجوه السابقة سقوط حديث النجوم لدى أحمد والمزني والبزار وابن عدي والدار قطني وابن حزم والبيهقي وابن عبد البر. وكل هؤلاء متقدمون على القاضي، فلو كان عثر على اسناد مثبت له لذكره حتى يدفع كلماتهم فيه، ولايجوز - والحالة هذه - أن يعرض عن ذكر السند رأسا، ويورده بصيغة الجزم حائدا عن طريق الاحتياط والحزم. ثالثا: انه لو كان لهذا الحديث سند مثبت - لم يذكره القاضي لسبب من الاسباب - لذكره شراح كتابه (الشفاء) ومخرجوا أحاديثه وهم علماء أعلام عاشوا قبل القاري بكثير، ولكان لهم بذلك منة على القاضي، وقد رأيناهم يعترضون عليه ذكره بصيغة الجزم. ولقد علم آنفا من عبارة (المرقاة) عزو السيوطي حديث النجوم إلى ابن ماجة، ولا أثر له في سننه، وهذا أدل دليل على خيبة الامل وضلال السعي في هذا الباب. رابعا: ان دعوى كثرة طرقه مردودة لتنصيص كبار الحفاظ على خلافها، وأما طرقه المعدودة فمقدوحة كما تقدم. هذا، ولم يدع أحد منهم ترقي هذا الحديث إلى الحسن، فكيف جاز للقاضي ان يحسن الظن به ؟ خامسا: ان دعوى العمل بالحديث الضعيف في فضائل الاعمال - على فرض التسليم بها - لا تجدي في المقام لوجوه: 1 - ان هذا الحديث موضوع وليس بضعيف، فلا يجوز العمل به مطلقا. 2 - انه ليس في فضل عمل من الاعمال، بل مفاده من أهم الامور الدينية. 3 - انه لو سلمنا ذلك كله فان أصل الاعتراض على ذكر القاضي اياه بصيغة

[160]

الجزم باق على حاله. وسيأتي مزيد كلام في بطلان تضليل القاري من كلام الخفاجي والشوكاني فانتظر. 26 - المناوى قال المناوي: ([سألت ربي فيما تختلف فيه أصحابي] أي: ما حكمه [من بعدى] أي: بعد موتي [فأوحى الي يا محمد ان اصحابك عندي بمنزلة النجوم في السماء بعضها أضوء من بعض، فمن أخذ بشئ مما هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى] لانهم كنفس واحدة في التوحيد ونصرة الدين واختلافهم انما نشأ عن اجتهاد ولهم محامل، ولذلك كان اختلافهم رحمة كما في حديث [السجزي في الابانة] عن أصول الديانة و [ابن عساكر عن عمر] قال ابن الجوزي: لا يصح والذهبي: باطل) (1). وقال بشرحه: (قال ابن الجوزي في العلل: هذا لا يصح، نعيم مجروح، وعبد الرحيم قال ابن معين كذاب، وفي الميزان هذا الحديث باطل، وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث غريب سئل عنه البزار فقال: لا يصح هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الكمال ابن أبي شريف: كلام شيخنا - يعنى ابن حجر - يقتضى انه مضطرب، قال ابن عساكر: رواه عن سعيد زيد العمى أبو الحوارى وكان ضعيفا في الحديث، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه ومن يروي عنه ضعفاء) (2).


(1) التيسير في شرح الجامع الصغير 2 / 48 (2) فيض القدير - شرح الجامع الصغير 4 / 76

[161]

27 - الخفاجى وقال شهاب الدين الخفاجي: (وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر رواه الدار قطني وابن عبد البر في العلم من طريق أسانيد كلها ضعيفة حتى جزم ابن حزم بأنه موضوع، وقال الحافظ العراقي: كان ينبغي للمصنف رحمه الله أن لا يورده بصيغة الجزم. وما قيل: من انه ليس بوارد لان المصنف رحمه الله ساقه في فضل الصحابة وقد استقروا على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الاعمال فضلا عن فضائل الرجال، لاوجه له، لان قول أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فيه العمل بما فعلوه وقالوه من الاحكام، وليس هذا من قبيل الفضائل التي يجوز العمل فيها بالضعيف) (1). اقول: هذا كلام الخفاجي، ثم جعل يدافع عن القاضي بوجه آخر فقال: فلو قال انه بمعنى الحديث الذي قبله - وهو حديث صحيح يعمل به - ولذا ساقه بعده كالمتابعة له، ولذا جزم به كان أقوى وأحسن. الا أنه واه بل أوهن من بيت العنكبوت لوجوه: الاول: ان حديث الاقتداء موضوع لغرض لم يوضع لاجله حديث النجوم، فان الاول وضع للشيخين والثاني لجميع الصحابة، ولذا ذهب جماعة من الاصوليين إلى انهما متعارضان، كما لا يخفى على من راجع (احكام الاحكام) و (مختصر الاصول) و (شرح المختصر) و (حاشية التفتازاني على شرح المختصر) و (شرح المنهاج للعبري) و (معراج الاصول للايكي) و (التحرير)


(1) نسيم الرياض - شرح الشفاء 4 / 423 - 424

[162]

و (شروح التحرير) و (مسلم الثبوت) و (شروح مسلم الثبوت) وغيرها. فجعل الثاني بمعنى الاول غير صحيح. الثاني: دعوى صحة حديث الاقتداء وانه معمول به باطلة، لانه حديث موضوع قطعا، كما ذكرنا في هذا الكتاب وفي مجلد (حديث الطير). الثالث: قوله (ولذا ساقه بعده كالمتابعة له) باطل، لان (المتابعة) تكون في الحديث الواحد بتعدد رواته، و (الشاهد) هو الحديث الذي يؤدي معنى حديث آخر. (راجع كلمات: ابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم في هذا الموضوع). ومن المعلوم: ان حديثي الاقتداء والنجوم متغايران، وليس معناهما واحدا - بل هما متعارضان كما أشرنا آنفا - فلا يتحقق في المقام معنى (المتابعة) ولا (الشاهد). الرابع: ان دعوى (المتابعة) في هذا المقام ممنوعة من جهة أخرى، لان روايات الوضاعين والكذابين لا شأن لها حتى في المتابعات والشواهد. وقد نص على ذلك علماء الفن كما لا يخفى على من راجع كلماتهم. نعم قد تذكر روايات شرذمة معينة من الضعفاء لغرض المتابعة والاستشهاد.. ولقد ثبت وضع حديث النجوم، وان رواته وضاعون كذابون في جميع اسانيده، فلا يليق لان يساق متابعة أيضا. الخامس: لو سلم ذلك كله. فانه لا يصح جزم القاضي بحديث النجوم. وهنا نكتة يجب ذكرها: وهي انه لو كان القاضي يقصد المتابعة لذكر حديث الاقتداء بصيغة الجزم، ثم ذكر حديث النجوم مع الاعتراف بالضعف لتتم المتابعة، ولكنه فعل العكس فذكر حديث الاقتداء الصحيح - بزعم الخفاجي - غير جازم به، وحديث النجوم - الذي اعترف الخفاجي بضعفه - بصيغة الجزم.

[163]

ولقد حاول الخفاجي الدفاع عن القاضي بوجه - زعم أنه أقوى وأحسن - وغفل عما يترتب عليه ويتوجه إليه - وعلى القاضي - من وجوه النقد والاشكال. وبما ذكرنا ظهر: سقوط دفاع القاري والخفاجي عن القاضي، وبقاء اعتراض العراقي وغيره على حاله. 28 - السندي قال السندي بعد أن ذكر حديث الثقلين ودلالته: (فان قلت: قد ورد أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وورد: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وورد: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الحديث. فقد ثبت الحث باقتداء غيرهم واهتداء من اقتدى بهم. قلت [فلنا]: الحديث الاول موضوع، والا لكان قوله (اهتديتم) فيه خاصة مما يدل على عدم خطئهم..) (1). 29 - البهارى وقال القاضي محب الله البهاري عند نفي حجية اجماع الشيخين أو الخلفاء الاربعة: (قالوا: اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وعليكم بسنتي.. الحديث. قلنا: خطاب للمقلدين وبيان لاهلية الاتباع، لان المجتهدين كانوا يخالفونهم والمقلدين قد يقلدون غيرهم، وأما المعارضة بأصحابي كالنجوم، وخذوا شطر دينكم عن الحميراء كما في المختصر فتدفع بأنهما ضعيفان) (2).


(1) دراسات اللبيب في الاسوة الحسنة بالحبيب 240. (2) مسلم الثبوت بشرح عبدالعلى 2 / 510.

[164]

ترحمة البهارى وقد ترجم غلام على آزاد القاضي البهاري بقوله: (هو بحر من العلوم وبدر بين النجوم، جاب ديار الفورب في عنفوان الشباب، وقرع في طلب العلم كثيرا من الابواب، وأخذ أوائل الكتب الدرسية من مواضع شتى، ثم انقطع برمته إلى حوزة درس المولوي قطب الدين الشمس آبادي، وبدلالة هذا القطب قطع مسافة الاغتراب وانتهى إلى اقصى حدود الاكتساب، وبعد ما تحلى بالفضائل، وبرع في الاماثل، قصد الديار الجنوبية من الهند المعبر عنها بالدكن، ولازم السلطان عالم گير، فولاه قضاء لكهنو من بلاد الفورب.. ومن مصنفاته سلم العلوم في المنطق، ومسلم الثبوت في اصول الفقه - وتاريخ تأليفه هذا الاسم - والجوهر الفرد، وهي رسالة في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ والتصانيف الثلاثة مقبولة متداولة في مدارس العلماء) (1). 30 - السهالوى وقال نظام الدين السهالوي في مبحث الاجماع، في الكلام على الاحتجاج بحديث الاقتداء وحديث عليكم بسنتي: (وأجيب أيضا بأنهما معارضان بقوله صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، وقوله صلى الله عليه وسلم: خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء. فتقاعد الاحتجاج. وأجيب بأن الحديث الاول - وان روي عن المعتبرات - لم يعرف. قال ابن حزم في رسالته الكبري: مكذوب موضوع باطل، وبه قال احمد والبزار..) (2).


(1) سبحة المرجان بذكر آثار هندوستان 77 (2) الصبح الصادق - شرح المنار.

[165]

31 - المولوي عبدالعلى وقال المولوي عبدالعلي - بحر العلوم - في المبحث المذكور: (وأما المعارضة بأصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم، رواه ابن عدي وابن عبد البر وخذوا شطر دينكم عن الحميراء، أي أم المؤمنين عائشة الصديقة، كما في المختصر، فتدفع بأنهما ضعيفان لا يصلحان للعمل فضلا عن معارضة الصحاح. أما الحديث الاول فلم يعرف، قال ابن حزم في رسالته الكبرى: مكذوب موضوع باطل وبه قال أحمد والبزار..) (1). 32 - الشوكاني وقال الشوكاني في مبحث الاجماع: (وهكذا حديث اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهديتم، يفيد حجية قول كل واحد منهم وفيه مقال معروف، لان في رجاله عبد الرحيم العمي عن أبيه، وهما ضعيفان جدا بل قال ابن معين: ان عبد الرحيم كذاب، وقال البخاري: متروك، وكذا قال أبو حاتم، وله طريق أخرى فيها حمزة النصيبي وهو ضعيف جدا قال البخاري منكر الحديث، وقال ابن معين: لا يساوي فلسا، وقال ابن عدي: عامة مروياته موضوعة، وروى أيضا من طريق جميل بن زيد وهو مجهول) (2). وقال في مسألة عدم حجية قول الصحابي: (وأما تمسك بعض القائلين بحجية قول الصحابي بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، فهذا مما لم يثبت قط، والكلام فيه معروف


(1) فواتح الرحموت - شرح مسلم الثبوت 2 / 510. (2) ارشاد الفحول 83.

[166]

عند أهل هذا الشأن بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف مثل هذا الامر العظيم والخطيب الجليل). وقال الشوكاني في [القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد]: (ومما استدلوا به حديث: أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، والجواب: ان هذا الحديث قد روى من طرق عن جابر وابن عمر رضي الله عنهما، وصرح أئمة الجرح والتعديل بأنه لم يصح منها شئ، وان هذا الحديث لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تكلم عليه الحفاظ بما يشفي ويكفي، فمن رام البحث عن طرقه وعن تضعيفها فهو ممكن بالنظر في كتاب من كتب هذا الشأن وبالجملة: الحديث لا تقوم به حجة). 33 - ولى الله اللكهنوى قال ولي الله بن حبيب الله اللكهنوى في [شرح مسلم الثبوت] بعد كلام له: (وأما المعارضة للحديثين المذكورين بقوله صلى الله عليه وسلم اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم.. رواه ابن عدي وابن عبد البر، وبقوله خذوا شطر دينكم عن الحميراء، أي عائشة رضي الله عنها، فانهما يدلان على جواز الاخذ بقول كل صحابي وقول عائشة وان خالف قول الشيخين أو الاربعة، فتقاعد احتجاجكم كما في المختصر لابن الحاجب. فتدفع بأنهما ضعيفان. في الحاشية على أن الثاني يتبادر منه الرواية، أما ضعف الاول فلما قال أحمد لم يصح، والبزار: لا يصح مثل هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم.. اعلم أن الحديث الاول وان روي في المعتبرات.. ولكن لم يصح منها شئ قاله احمد والبزار، قال ابن حزم في رسالته الكبرى: مكذوب موضوع

[167]

باطل. نعم الحديث الصحيح يودي بعض معناه، وهو حديث أبو موسى المرفوع.). ترجمة ولى الله اللكهنوى وقد ترجم ولي الله لنفسه في كتابه [الاغصان الاربعة] واستدرك عليه ولده محمد انعام الله في [ضميمة الاغصان الاربعة] فليراجع. 34 - صديق حسن خان قال صديق حسن القنوجي في مسألة عدالة الصحابة: (والبحث عن عدالة الرواي انما هو في غير الصحابة وأما فيهم فلا، لان الاصل فيهم العدالة قال القاضي: هو قول السلف وجمهور الخلف، وقال الجويني: بالاجماع. ووجه هذا القول ما ورد من العمومات المقتضية لتعديلهم كتابا وسنة، كقوله سبحانه: كنتم خير أمة، وقوله: وجعلناكم أمة وسطا، أي: عدلا، وقوله: لقد رضى الله عن المؤمنين، وقوله: والسابقون، وقوله: والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: خير القرون قرني، وقوله في حقهم: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولانصيفه وهما في الصحيح، وقوله: أصحابي كالنجوم على مقال فيه معروف) (1). حول ما زعموا أنه يفيد بعض معنى حديث النجوم لقد أشير في بعض الكمات إلى حديث مسلم، والصحيح أنه ليس بمعنى


(1) حصول المأمول 56.

[168]

حديث النجوم، وهذا لفظه: (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واسحاق بن ابراهيم و عبد الله بن عمرو بن ابان كلهم عن حسين، قال أبو بكر: ثنا حسين بن علي الجعفي عن مجمع بن يحيى عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: مازلتم ههنا ؟ قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلى معك العشاء، قال: احسنتم - أو اصبتم - قال: فرفع رأسه إلى السماء - وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء - فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لاصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لامتي فإذا ذهب اصحابي أتى أمتي ما يوعدون) (1). أقول: ومع ذلك نتكلم عليه سندا ودلالة. 1 - في سنده أبو موسى وهو متهم في الحديث أما سندا فان مداره على (ابي موسى الاشعري) وقد كان أبو موسى متهما بالاضافة إلى مخازيه ومساويه التي لا تحصى، وقد ورد بعضها في كتاب (استقصاء الافحام في رد منتهى الكلام). أما حديث اتهامه في الرواية فقد أخرجه الشيخان - في أكثر من موضع - وأحمد بن حنبل كذلك وأبو داود والدارمي والطحاوى والبغوى وغيرهم، واليك نصوص رواياتهم في ذلك: قال أبو داود سليمان بن داود الطيالسي في [مسنده]: (حدثنا وهب بن خالد عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن الاشعري استأذن على


(1) صحيح مسلم 2 / 270.

[169]

عمر ثلاثا ولم يؤذن له فرجع فأرسل إليه فقال: اني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا استأذن المستأذن فلم يؤذن له فليرجع. فقال: لتأتيني بمن يعلم هنا (هذا. ظ) أو لافعلن بك ولافعلن !. قال أبو سعيد: جاءني الاشعري يرعد قد اصفر لون وجهه فقام على حلقة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنشد الله رجلا علم من هذا علما الا قام به، فاني قد خفت هذا الرجل على نفسي ! فقلت أنا معك فقال آخر: وأنا معك، فسرى عنه). وقال أحمد في [مسنده]: (ثنا سفيان، ثنا يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت في حلقة من حلق الانصار فجاءنا أبو موسى كأنه مذعور فقال: ان عمر أمرني أن آتيه ؟ ؟ فأتيته فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن فرجعت، وقد قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: من استأذن ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع. فقال: لتجيئن ببينة على الذي تقول والا أوجعتك. قال أبو سعيد: فأتانا أبو موسى مذعورا - أو قال: فزعا - فقال: أستشهدكم، فقال ابي بن كعب: لا يقوم معك الا أصغر القوم. قال أبو سعيد: وكنت أصغرهم فقمت معه وشهدت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أستأذن ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع) (1). وقال أيضا: (ثنا يزيد: أنبأنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: استأذن أبو موسى على عمر ثلاثا فلم يؤذن له فرجع فلقيه عمر فقال: ما شأنك رجعت ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استأذن ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، قال: لتأتين على هذا ببينة أو لافعلن.


(1) مسند أحمد بن حنبل 3 / 6.

[170]

ولافعلن فأتى مجلس قومه فناشدهم الله عزوجل، فقلت: أنا معك فشهدا له بذلك فخلى سبيلهم). وقال ايضا: (ثنا زيد بن هارون قال: أنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: استأذن أبو موسى على عمر (رض) ثلاثا فلم يؤذن له فرجع فلقيه عمر (رض) فقال: ما شأنك رجعت ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استأذن ثلاثا ولم يؤذن له فليرجع. فقال: لتأتين على هذه ببينة أو لافعلن ولافعلن فأتى مجلس قومه فناشدهم الله تعالى، فقلت: أنا معك، فشهدوا له فخلى سبيله). وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي في [مسنده]: (أخبرنا أبو النعمان ثنا يزيد بن زريع ثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري أن أبا موسى الاشعري استأذن على عمر ثلث مرات فلم يؤذن له فرجع فقال: ما رجعك ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا استأذن المستأذن ثلث مرات فان أذن له والا فيرجع، فقال: لتأتين بمن يشهد معك أو لافعلن ولافعلن. قال أبو سعيد: وأتانا وأنا في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو فزع من وعيد عمر اياه فقام علينا فقال: أنشد الله منكم رجلا سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم الا شهد لي به، قال: فرفعت رأسي فقلت: أخبره أني معك على هذا، وقال ذاك آخرون فسرى عن أبي موسى). وقال البخاري في [الصحيح]: (حدثنا محمد بن سلام: أخبرنا مخلدبن يزيد أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير أن أبا موسى الاشعري استأذن على عمر بن الخطاب فلم يؤذن وكأنه كان مشغولا فرجع أبو موسى ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس، ائذنوا له، قيل:

[171]

قد رجع فدعاه فقال: كنا نؤمر بذلك فقال تأتيني على ذلك بالبينة فانطلق إلى مجلس الانصار فسألهم فقالوا: لا يشهد لك على هذا الا أصغرنا أبو سعيد الخدري فذهب بأبي سعيد الخدري فقال عمر: اخفى هذا علي من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهاني الصفق بالاسواق. يعني الخروج إلى التجارة). وقال أيضا: (حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا يزيد بن خصيفة عن بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس الانصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال: ما منعك ؟ قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال: لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ابي بن كعب والله لا يقوم معك الا أصغر القوم، فكنت اصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. وقال ابن المبارك: أخبرني ابن عيينة حدثني يزيد عن بسر عن بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد بهذا. قال أبو عبد الله: أراد عمر التثبت لا أن لا يجيز خبر الواحد). وقال: (حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن جريج حدثني عطاء عن عبيد ابن عمير قال: استأذن أبو موسى على عمر فكأنه وجده مشغولا فرجع فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له، فدعى له فقال: ما حملك على ما صنعت ؟ فقال: انا كنا نؤمر بهذا قال: فأنني على هذا ببينة أو لافعلن بك. فانطلق إلى مجلس من الانصار فقالوا: لا يشهد الا أصاغرنا (أصغرنا. ظ) فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم. ألهاني الصفق بالاسواق). وقال مسلم في [الصحيح]: (حدثني أبو الطاهر أخبرني عبد الله بن وهب،

[172]

ثني عمرو بن الحرث عن بكير بن الاشجع أن بسر بن سعيد حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا في مجلس عند ابي بن كعب فأنى أبو موسى الاشعري مغضبا حتى وقف فقال: أنشدكم الله هل سمع أحد منكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الاستيذان ثلاث فان أذن لك والا فارجع، قال ابي: وما ذاك ؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي فرجعت ثم جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثا ثم انصرفت. قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك ؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوالله لاوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال ابي بن كعب: فوالله لا يقوم معك الا أحدثنا سنا، قم يا أبا سعيد ! فقمت حتي أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا). وقال: (حدثنا حسين بن حريث أبو عمار ثنا الفضل بن موسى أخبرنا طلحة بن يحيى عن أبي بردة عن أبي موسى الاشعري قال: جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم، هذا عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم، هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الاشعري. ثم انصرف فقال: ردوا على ! ردوا على ! فجاء فقال: يا أبا موسى ! ماردك ؟ كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الاستيذان ثلاثا فان اذن والا فارجع، قال لتأتينى على هذا ببينة والا فعلت وفعلت !، فذهب أبو موسى. قال عمر: ان وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية وان لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما ان جاء بالعشى وجدوه قال: يا أبا موسى ما تقول ؟ أقد وجدت ؟ قال نعم ! ابي بن كعب، قال: عدل، قال: يا ابا الطفيل ! ما يقول هذا ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك يا بن الخطاب، فلا تكونن عذابا على أصحاب

[173]

رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سبحان الله ! انما سمعت شيئا. فأحببت أن أتثبت !). وقال أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب [مشكل الاثار]: (حدثنا يونس بن عبد الاعلى. ثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو ابن الحارث عن بكير بن الاشج أن بسر بن سعيد حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: كنا في مجلس عند ابي بن كعب فجاء أبو موسى الاشعري مغضبا حتى وقف فقال: أنشدكم الله ! هل سمع منكم أحد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الاستيذان ثلاث فان أذن لك فادخل والا فارجع ؟ فقال ابي: وماذاك ؟ فقال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لى فرجعت ثم جئته اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئته أمس فسلمت ثلاثا ثم انصرفت، فقال: قد سمعنا ونحن حينئذ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك ؟ قال: استأذنت كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فقال: والله لاضربن بطنك وظهرك أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا ! فقال ابي بن كعب: فوالله لا يقوم معك أحد الا أحدثنا سنا الذي بجنبك، قم يا أبا سعيد ! فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا). وقال: (حدثنا ابراهيم بن مرزوق حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر وكان مشغولا في بعض الامر فلما فرغ قال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس، قالوا: رجع، قال: ردوه ! فجاء فقال: كنا نؤمر بمثل هذا في الاستيذان ثلاثا، قال: لتأتينى على هذا ببينة أو لافعلن، فجاء إلى مجلس الانصار فأخبرهم فقالوا: لا يقوم معك الا أصغرنا فقام أبو سعيد الخدرى، فجاء فقال: نعم ! فقال عمر: خفى على هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشغلني التسويف بالاسواق، قال ابراهيم:

[174]

وجدت على ظهر كتابي: وشغلني شغلي بالاسواق). وقال: (حدثنا فهد بن سليمان ثنا أبو غسان مالك بن اسمعيل ثنا عبد السلام ابن حرب عن طلحة بن يحيى القرشي عن ابى بردة عن أبي موسى قال: جئت باب عمر رضي الله عنه فقلت: السلام عليكم، يدخل عبد الله بن قيس ؟ فلم يؤذن، فرجعت فأنتبه عمر فقال: على بأبي موسى فأتيت قال: أنى ذهبت ؟ فقلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لى فرجعت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ليستأذن الرجل المسلم على أخيه ثلاثا، فان أذن له، والارجع فقال: لتجيئني على ما قلت بشاهد أو لينالنك مني عقوبة، قال: فخرجت فلقيت أبي ابن كعب فأخبرته فقال: نعم ! فجاء فأخبره، فقال له عمر: يا أبا الطفيل ! سمعت ما قال أبو موسى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فقال: نعم ! وأعوذ بالله عزوجل أن تكون عذابا على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله. وسلم قال: وأعوذ بالله من ذلك). وقال البغوي في [معالم التنزيل]: (أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا: أبو الحسن على بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا اسمعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرمادي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سعيد الحريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: قال: سلم عبد الله بن قيس على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يأذن له فرجع، فارسل عمر في أثره فقال: لم رجعت ؟ قال: اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع، قال: لتأتين على ما تقول ببينة والا لافعلن بك كذا وكذا، غير أنه قد أوعده، قال: فجاء أبو موسى ممتقعا لونه وأنا في حلقة جالس فقلنا: ما شأنك ؟ فقال: سلمت على عمر، فأخبرنا خبره، فهل سمع منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا كلنا قد سمعه. قال:

[175]

فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره بذلك). وقال برهان الدين عبيد الله بن محمد الفرغاني العبري في [شرح منهاج البيضاوي]: (قال أبو علي في بيان اشتراط العدد: ان الصحابة طلبوا العدد فان أبا بكر (رض) لم يقبل خبر مغيرة بن شعبة في الجدة حتى رواه محمد بن مسلمة الانصاري، ولم يعمل عمر (رض) بخبر أبي موسى الاشعري في الاستيذان حتى رواه أبو سعيد الخدري، ورد أبو بكر وعمر خبر عثمان في رد الحكم بن العاص. وأمثال (ذلك. صح. ظ) كثيرة، وطلب العدد منهم في الروايات الكثيرة دليل اشتراطه. قلنا في الجواب عنه انهم انما طلبوا العدد عند التهمة لا مطلقا، ونحن انما ندعى أن خبر العدل الواحد حيث لاتهمة في روايته مقبول، فلا يرد ما ذكرتم من الصور نقضا). وقال ابن حجر العسقلاني في [فتح الباري]: (واحتج من رد الخبر الواحد: بتوقفه صلى الله عليه وسلم في قبول خبر ذي اليدين، ولا حجة فيه لانه عارض علمه وكل خبر واحد إذا عارض العلم لم يقبل، وبتوقف أبي بكر وعمر في حديثي المغيرة في الجدة وفي ميراث الجنين حتى شهد بهما محمد ابن مسلمة، وبوقف عمر في خبر أبي موسى في الاستيذان حتى شهد له أبو سعيد، وبتوقف عائشة في خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء الحي، واجيب بأن ذلك انما وقع منهم اما عند الارتياب كما في قصة أبي موسى فانه أورد الخبر عند انكار عمر عليه رجوعه بعد الثلاث وتوعده، فأراد عمر الاستثبات خشية أن يكون دفع بذلك عن نفسه، وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب الاستيذان، واما عند معارضة الدليل القطعي كما في انكار عائشة حيث استدلت بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى).

[176]

نهى عمر أبا موسى وأبا هريرة عن الحديث بل ان أبا موسى كان متهما في حديثه عن رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم مطلقا، لافي حديث الاستيذان فحسب، ولذا نهاه وابا هريرة عمر بن الخطاب عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما نص عليه الغزالي حيث قال: (ثم اعلم أن المخالف في المسألة له شبهتان: الشبهة الاولى قولهم: لامستند في اثبات خبر الواحد الا الاجماع، فكيف يدعى ذلك ؟ وما من أحد من الصحابة الا وقد رد الخبر الواحد، فمن ذلك توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قبول خبر ذي اليدين حيث سلم عن اثنتين حتى سأل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وشهدا بذلك وصدقاه، ثم قبل وسجد للسهو، ومن ذلك رد أبي بكر - رضي الله عنه - خبر المغيرة بن شعبة من ميراث الجد [ة] حتى أخبره معه محمد بن مسلمة، ومن ذلك: رد أبي بكر وعمر خبر عثمان - رضي الله عنهم - فيما رواه من استئذانه الرسول في الحكم بن أبي العاص وطالباه بمن يشهد معه بذلك. ومن ذلك: ما اشتهر من رد عمر - رضي الله عنه - خبر أبي موسى الاشعري في الاستيذان حتى شهد له أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - ومن ذلك: رد علي رضي الله عنه خبر أبي سنان الاشجعى في قصة بروع بنت واشق وقد ظهر منه أنه كان يحلف على الحديث، ومن ذلك: رد عائشة - رضي الله عنها - خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وظهر من عمر نهيه لابي موسى وأبي هريرة عن الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم ! وأمثال ذلك مما يكثر، وأكثر هذه الاخبار تدل على مذهب من يشترط عددا في الراوي، لاعلى مذهب من يشترط التواتر فانهم لم يجتمعوا فينتظروا التواتر) (1).


(1) المستصفى في علم الاصول 2 / 135.

[177]

2 - في سنده أبو بردة وهو فاسق وفي رجال حديث مسلم (أبو بردة بن أبي موسى) وهو ممن عرف واشتهر بالجرائم الموبقة، فقد كان له يد في قتل الصحابي العظيم (حجر بن عدي) وأصحابه إذ شهد عليهم زورا. قال الطبري: (ثم بعث زياد إلى أصحاب حجر، حتى جمع منهم اثنى عشر رجلا في السجن، ثم انه دعا رؤوس الارباع فقال: اشهدوا على حجر بما رأيتم منه، وكان رؤوس الارباع يومئذ عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة، وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان، وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة، وأبو بردة بن أبي موسى على مذحج وأسد، فشهد هؤلاء الاربعة أن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الامر لا يصلح الا في آل أبي طالب ووثب بالمصر، وأخرج عامل أمير المؤمنين وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه، وان هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه وأمره) (1). وهذا نص شهادة أبي بردة: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين: شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة، وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر بالله عزوجل كفرة صلعاء. فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، أنا [أما] والله لاجهدن على


(1) تاريخ الطبري 4 / 199.

[178]

قطع خيط عنق الخائن الاحمق، فشهد رؤوس الارباع على مثل شهادته وكانوا أربعة، ثم ان زيادا دعا الناس فقال: اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الارباع) (1). ابو بردة من المنحرفين عن امير المؤمنين وذكره ابن أبي الحديد في المنحرفين عن أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: (ومن المبغضين القالين: أبو بردة بن أبي موسى الاشعري، يرث البغض [البغضة] له لا عن كلالة، [و] روى عبد الرحمن بن جندب قال: قال أبو بردة لزياد: اشهد ان حجر بن عدي قد كفر بالله كفرة صلعاء [أصلع]. قال عبد الرحمن: انما عنى بذلك نسبة الكفر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام لانه كان أصلع. قال: وقد روى عبد الرحمن المسعودي عن ابن عياش المنتوف قال: رأيت ابا بردة قال لابي الغادية الجهنى قاتل عمار بن ياسر: أأنت قتلت عمار ابن ياسر ؟ قال: نعم، قال: فناولني يدك، فقبلها وقال: لا تمسك النار أبدا ! ! وروى أبو نعيم عن هشام بن المغيرة عن الغضبان بن يزيد قال: رأيت ابا بردة قال لابي الغادية قاتل عمار: مرحبا بأخي ههنا ههنا، فأجلسه إلى جانبه) (2). دلالة حديث مسلم وأما دلالة فان حديث مسلم هذا لا يفيد مطلوبهم - وهو جواز الاقتداء بالصحابة - لان معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فإذا ذهبت أتى اصحابي ما يوعدون) هو: ان الاصحاب لا يبقون بعده صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه في عهده، فتقع بينهم الفتن والحروب، وتختلف آراؤهم


(1) تاريخ الطبري 4 / 200. (2) شرح نهج البلاغة 4 / 99.

[179]

وأهواؤهم وقلوبهم، ويتشاجرون فيما بينهم، مما يؤدي إلى ارتداد بعض العرب فهذا معنى الحديث وهو يفيد الذم: قال النووي بشرحه: (وقوله صلى الله عليه وسلم وأنا أمنة لاصحابي فإذا ذهبت اتى اصحابي ما يوعدون، أي: من الفتن والحروب وارتداد من ارتد من الاعراب واختلاف القلوب، ونحو ذلك مما انذر به صريحا، وقد وقع كل ذلك) (1). وقال الطيبى: (والاشارة في الجملة إلى مجئ الشر عند ذهاب اهل الخير فانه لما كان صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم كان يبين ما يختلفون فيه، فلما توفي صلى الله عليه وسلم حالت الاراء واختلفت الاهواء) (2). وقال القاري: (فإذا ذهبت أنا اتى اصحابي ما يوعدون. أي من الفتن والمخالفات والمحن) (3). هذا وإذا دل هذا الحديث على ما سمعت فلا مجال لان يذكر بصدد تأييد حديث النجوم، وأن يعد من فضائل الصحابة. التحريف في حديث النجوم وبعد، فقد ظهر لدى التحقيق أن لاصحاب الخدع والضلال وأولى الايدي الاثيمة تحريفا عظيما في هذا الحديث، وذلك لان أصله هكذا: (وأهل بيتي أمان لامتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون) فجعل (أصحابي) في مكان (أهل بيتي).. وهذا نص الحديث: (حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن


(1) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9 / 424. (2) الكاشف - مخطوط. (3) المرقاة 5 / 519.

[180]

ابن الحسن القاضي بهمدان من أصل كتابه، ثنا محمد بن المغيرة اليشكري، ثنا القاسم بن الحكيم [الحكم] العرني ثنا عبد الله بن عمرو بن مرة، حدثني محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه خرج ذات ليلة وقد أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال: ما تنتظرون ؟ فقالوا: ننتظر الصلاة، فقال: انكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها. ثم قال: أما انها صلاة لم يصلها احد ممن قبلكم من الامم، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: النجوم أمان لاهل السماء فان طمست النجوم أتى السماء ما يوعدون، وأنا أمان لاصحابي فإذا قبضت أتى اصحابي ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لامتي فإذا ذهب أهل بيتى أتى أمتي ما يوعدون) (1). فليلاحظ ممن هذا التحريف ؟ أمن أبي موسى ؟ من ولده أبى بردة ؟ من غيرهما من المحرفين المنحرفين ؟ وسيأتى ان شاء الله تعالى ان اهل البيت عليهم السلام هم كالنجوم في هداية الامة، وهم الذين يمتنع الاختلاف والهلاك باتباعهم.. كل ذلك من احاديث عديدة بطرق وسياقات متكاثرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. وفي كل ذلك ما يرغم آناف أولي البغي والعناد، ويوضح للسالكين محجة الصواب والرشاد. حديث النجوم باطل وحديث النجوم.. باطل من جهة متنه ودلالته كذلك.. ولنوضح ذلك في وجوه:


(1) المستدرك 3 / 457.

[181]

1 - مخالفته للاجماع والضرورة ان حديث النجوم يدل على صلاح جميع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا باطل بالاجماع. ويدل على أنهم جميعا هادون للامة. وهذا باطل أيضا. لان طائفة كبيرة منهم أضلت كثيرا من الناس. ويدل على أهلية جميع الصحابة لاقتداء الامة بهم، وهذا ايضا ظاهر البطلان إذ لا يصلح كثير منهم - بل اكثرهم - لذلك. وإذا ثبت بطلان ذلك كله ثبت بطلان الحديث من أصله. 2 - اقتراف بعض الصحابة للكبائر لقد اقترف جماعة كبيرة من الصحابة كبائر الذنوب، مثل الزنا وقتل النفس المحترمة وشهادة الزور ونحو ذلك مما هو مشهور ومعروف لمن نظر في أحوالهم، فهل يعقل أن يجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل واحد منهم قائدا للامة وهاديا للملة ؟ 3 - مخالفته للكتاب لقد وردت آيات في كتاب الله عزوجل صريحة في سوء حال جم غفير من الصحابة، ولاسيما الايات في سورة الانفال، وسورة البراءة، وسورة الاحزاب، وسورة الجمعة، وسورة المنافقين. أفيصح ان ينصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميع الصحابة قادة للامة والحال هذه ؟

[182]

4 - مخالفته للاحاديث الاخرى لقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كثيرة تفيد ذم الصحابة والحط من شأنهم.. تجدها في الصحاح والمسانيد المعتبرة، ومنها: حديث الحوض. وحديث الارتداد. وحديث: لا ترجعوا بعدي كفارا. وحديث: الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل. وحديث: لا ادري ما تحدثون بعدي. وحديث: اتباع سنن اليهود والنصارى. وحديث: التنافس. وحديث: ان من اصحابي من لايراني بعدي ولا اراه. وحديث: ان في اصحابي منافقين. وحديث: قد كثرت علي الكذابة. إلى غير ذلك من الاحاديث التي وردت في ذم الصحابة مجتمعين وفرادى. وقد جاوزت حد الحصر، ويكفيك منها ما ذكر في كتاب [تشييد المطاعن]. وهذه الاحاديث تعارض حديث النجوم - ان صح - فلا يجوز العمل به. 5 - نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الاقتداء بهم لقد جاء في كتب القوم أحاديث تدل بصراحة على منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الاقتداء بالصحابة، وفيها (ان من اقتداهم في النار). قال العاصمي: (وقال عليه السلام إذا ذكر اصحابي فأمسكوا، يعني عن الوقيعة فيهم، عن ذكر زلاتهم وما كان منهم في مقاماتهم، وأي عبد من عباد الله

[183]

لم يزل ولو بطرفة ! !. فليحذر العاقل في هذا الموضوع عن الوقيعة فيهم وذكر زلاتهم ومساويهم. وأخبرني جدي احمد بن المهاجر رحمه الله قال اخبر أبو على الهروي قال اخبرنا المأمون قال اخبرنا عطية عن ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب قال قال رسول الله صلى الله عليه: يكون من اصحابي احداث بعدي، يعني الفتنة التي كانت بينهم، فيغفرها الله لهم لسابقتهم، ان اقتدى بهم قوم من بعدهم كبهم الله في نار جهنم. قال ابن لهيعة: هذا رأبي منذ سمعت هذا الحديث) (1). وقال المتقي: (تكون بين أصحابي فتنة يغفر الله لهم لسابقتهم، ان اقتدى بهم قوم من بعدهم كبهم الله تعالى في نار جهنم. نعيم عن [ابن] يزيد بن أبي حبيب، مرسلا) (2). 6 - اعترافهم بعدم أهليتهم للاقتداء بهم ان في كتب أهل السنة أحاديث كثيرة فيها اعتراف الصحابة أنفسهم بعدم أهليتم للاقتداء بهم، ويكفي من أقوال أبي بكر بن أبي قحافه: قوله: ان لي شيطانا يعتريني. - لست بخير من أحدكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإذا رأيتموني زغت فقوموني. - أطيعوني ما اطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. - أفتظنون أنى أعمل بسنة رسول الله، إذا لا أقوم بها ؟.


(1) زين الفتى في تفسير سورة هل أتى - مخطوط. (2) كنز العمال 22 / 174. (*)

[184]

ومن أقوال عمر بن الخطاب: قوله: يا حذيفة بالله أنا من المنافقين. - لولا علي لهلك عمر (في قضايا كثيرة). - لولاك لافتضحنا (قاله لعلي عليه السلام). - امرأة خاصمت عمر فخصمته (في مسألة المهر). - امرأة أصابت ورجل أخطأ. - ألا تعجبون من امام أخطأ ومن امرأة أصابت ؟ ناضلت امامكم فنضلته. - تسمعوننى أقول مثل هذا فلا تنكرونه، حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم النساء ؟ - كل أحد أفقه مني. - كل أحد أفقه من عمر. - كل أحد أعلم من عمر. - كل أحد أعلم وأفقه من عمر. - كل أحد أعلم منك حتى النساء. كل أحد أفقه من عمر حتى النساء. - كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في الحجال. - كل الناس أعلم من عمر حتى العجائز. وهذه كلها موجودة في كتب أهل السنة كمالايخفى على من راجع [تشييد المطاعن] وغيره. فهل يصح تشبيه هكذا أناس بالنجوم ؟ !

[185]

تفنيد كلام الدهلوي في حاشية التحفة

[187]

ومن الغريب قول (الدهلوى) في حاشية (التحفة) في هذا المقام: فان قلت: اجتهاد بعض الصحابة خطأ بيقين، فكيف وعد الهداية في اتباعهم جميعا ؟. قلنا: محل اتباعهم ما كان غير منصوص في الكتاب والسنة، ولا شبهة ان تيقن الخطأ انما يكون في المنصوصات، وهي ليست محلا لاتباعهم. والحاصل: ان اتباعهم دليل الهداية ما لم يظهر خطؤهم بمقتضى الكتاب والسنة، فلا اشكال. شرح الارشاد. أقول: وهذا الكلام مردود بوجوه: 1 - المخطئ لا يكون هاديا من كان اجتهاده خاطئا بيقين لا يجوز ان يكون هاديا. 2 - الخطأ في غير المنصوصات أكثر إذا كان بعضهم يخطأ في اجتهاده فيخالف منصوصات الكتاب، فانه يكون خطؤه في غير المنصوصات أكبر وأكثر.

[188]

3 - لا يجوز متابعة المخطئ مع وجود المعصوم انه لاريب في عصمة أئمة اهل البيت عليهم السلام عن الخطأ، لدلالة آية التطهير وحديث الثقلين وغيرهما من الايات والروايات على ذلك - ومع وجود هؤلاء لا يعقل ان يجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخاطئين بمنزلة النجوم. على ان في اصحابه صلى الله عليه وآله وسلم من تتلو مرتبتهم مرتبة الائمة عليهم السلام. امثال أبي ذر وسلمان والمقداد وعمار - رضي الله عنهم أجمعين - فترك هؤلاء واتباع الخاطئين ظلم عظيم. تعالى الله عن ذلك ورسول صلى الله عليه وآله وسلم. 4 - الاختلاف بين الاصحاب في الاحكام انه لاشك في وقوع الاختلاف بين الصحابة في الاحكام الشرعية - المنصوصة منها وغيرها - وهو موضوع كتاب (الانصاف في بيان سبب الاختلاف لشاه ولى الله والد الدهلوى) وجعل هؤلاء قادة للامة وتشبيههم بالنجوم من حيث الهداية قبيح في الغاية، يجل عنه كل عاقل فضلا عن خاتم النبيين واشرف الخلائق أجمعين صلى الله عليه وآله. 5 - تخطئة الاصحاب بعضهم لبعض لقد كان باب التخطئة مفتوحا لدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل قد تجاوزت تخطئة بعضهم البعض حد الاعتدال وبلغت التكذيب والتجهيل والتكفير، وتلك قضاياهم مدونة في كتب أهل السنة واسفارهم، فكيف يصدق عاقل ان يكونوا جميعا - والحالة هذه - أئمة في الدين وقادة المسلمين ؟ !

[189]

6 - استعمالهم القياس لقد كان في الاصحاب من يستعمل القياس ويتبع في ذلك سبيل أول من قاس.. ومن كان مخطئا بيقين في المنصوصات ومستعملا للقياس في غيرها لا يستحق ان يكون نجم هداية. 7 - جهلهم بالاحكام لقد كان في الاصحاب - ومنهم المشايخ الثلاثة - من يرجع في الحوادث الواقعة إلى غيره ملتمسا الحكم الشرعي فيها، بل كان فيهم من يعترف بأن (كل الناس أفقه منه حتى المخدرات في الحجال). ومن المستحيل ان ينصب الرسول صلى الله عليه وآله هؤلاء الجهال مراجع للامة في الاحكام وغيرها.. بل كان فيهم من يحكم - لفرط جهله - احكاما مختلفة متناقضة في الواقعة الواحدة.. بل كان فيهم من لم يعرف معنى (الكلالة) رغم وجودها في القرآن الكريم وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها، وقد روي عن أبي بكرانه قال (انى قد رأيت في الكلالة رأيا، فان كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له وان يكن خطأ فمني والشيطان، والله برئ منه) (1). وقد روي في هذا المقام عن عمر بن الخطاب عجائب، رواها الطبري في تفسيره، وقد ذكرت بالتفصيل في [تشييد المطاعن]. والاعجب أنه كان الخليفة متى قرأ قوله تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) قال:


(1) راجع تفسير الطبري 4 / 283 - 284.

[190]

(اللهم من تبينت له الكلالة فلم تتبين لى). ولقد كان يقول (ما ارانى أعلمها أبدا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال) يشير إلى قوله صلى الله عليه وآله لحفصة: (ما أرى أباك يعلمها أبدا). بل روي عنه أنه كان يقول (ثلاث لان يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهن لنا أحب إلى من الدنيا وما فيها: الخلافة والكلالة والربا). 8 - اقدام بعضهم على معاملة محرمة لقد أقدم بعض كبار الصحابة في بعض معاملاته على أمر محرم باطل، سبب بطلان حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على حد تعبير عائشة بنت أبى بكر. وقد روى هذا الاثر كبار المحدثين في كتب الحديث، وأئمة الفقه في كتبهم ومشاهير العلماء في التفسير وعلم الاصول في مؤلفاتهم، واليك نصوص عبارات طائفة من هؤلاء الاعلام: قال عبد الرحمن بن القاسم المالكي في كتاب [المدونة الكبرى]: (وأخبرني ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أبي اسحاق الهمداني، عن أم يونس أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم الانصاري: يا أم المؤمنين ! أتعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت: نعم ! قالت: فاني بعته عبدا إلى العطاء بثمان مائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل الاجل بستمائة. فقالت بئس ماشريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان لم يتب. قالت: فقلت: أفرأيت ان تركت المائتين وأخذت الستمائة ؟ قالت: فنعم ! من جاءه موعظة

[191]

من ربه فانتهى فله ما سلف). وقال عبد الرزاق بن همام الصنعاني في [المصنف] (أخبرنا معمر والثوري عن أبي اسحق السبيعي، عن امرأة دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين ! كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مائة درهم ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته الستمائة وكتب عليه ثمان مائة فقالت عائشة: بئس ما اشتريت وما بئس ما اشترى ! أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الا أن يتوب، فقالت المرأة لعائشة: أرأيت ان أخذت رأس مالي ورددت إليه الفضل ! فقالت: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف). وقال أحمد بن حنبل الشيباني في [مسنده] (حدثنا محمد بن جعفر: حدثنا شعبة، عن أبي اسحق، عن امرأة (امرأته. ظ) أنها دخلت على عائشة - هي وأم ولد زيد بن أرقم - فقالت أم ولد زيد بن أرقم لعائشة: اني بعت من زيد غلاما بثمان مائة درهم نسية واشتريت بستمائة نقدا، فقالت عائشة: أبلغي زيدا أنك قد أبطلت جهادك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن تتوب ! بئس ما اشتريت وبئس ماشريت !). وقال أبو بكر أحمد بن محمد المعروف بالجصاص الرازي الحنفي في كتاب [أحكام القرآن] في شرح أحكام آية الربا: (ومن الربا المراد من الاية شرى ما يباع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن. والدليل على أن ذلك ربا حديث يونس ابن اسحاق (أبى اسحق. ظ) عن أبيه عن أبي العالية قال (العالية، قالت. ظ) كنت عند عائشة فقالت لها امرأة: اني بعت زيد بن أرقم جارية لي إلى عطائه بثمان مائة درهم وأنه أراد أن يبيعها فاشتريتها منه بستمائة، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله

[192]

عليه وسلم ان لم يتب ! فقالت: يا أم المؤمنين ! أرأيت ان لم آخذ الا رأس مالي فقالت: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله)، فدلت تلاوتها لاية الربا عند قولها (أرأيت ان لم آخذ الا رأس مالي) أن ذلك كان عندها من الربا، وهذه التسمية طريقها التوقيف). وقال أبو زيد عبيد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي الحنفي في كتاب [تأسيس النظر] في مسائل مبحث تقديم قول الصحابي على القياس: (ومنها إذا اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن لا يجوز، أخذنا بحديث عائشة - رضي الله عنها - وحديث زيد بن أرقم فحكمنا بفساد البيع وتركنا القياس، وعند الامام أبي عبد الله الشافعي: البيع جائز، وأخذ فيه بالقياس). وقال شمس الائمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي في كتاب [المبسوط]: (وإذا باع رجل شيئا بنقد أو بنسية فلم يستوف ثمنه حتى اشتراه بمثل ذلك الثمن أو أكثر منه جاز، وان اشتراه بأقل من ذلك الثمن لم يجز ذلك في قول علمائنا - رحمهم الله - استحسانا، وفي القياس يجوز ذلك وهو قول الشافعي، لان ملك المشتري قد تأكد في المبيع بالقيض فيصح بيعه بعد ذلك بأي مقدار من الثمن باعه، كما لو باعه من غير البائع، ألا ترى أنه لو وهبه من البائع جاز ذلك، فكذلك إذا باعه منه بثمن يسير، ولانه لو باعه من انسان آخر ثم باعه ذلك الرجل من البائع الاول بأقل من الثمن الاول جاز، فكذلك إذا باعه المشتري منه. الا أنا استحسنا لحديث عائشة، رضي الله عنها، فان امرأة دخلت عليها وقالت: اني بعت من زيد بن أرقم جارية لي بثمان مائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها منه بستمائة درهم قبل محل الاجل. فقالت عايشة رضي الله عنها: بئسما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم شريت وبئس أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده

[193]

مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب فأتاها زيد بن أرقم معتذرا، فتلت قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. فهذا دليل على أن فساد هذا العقد كان معروفا بينهم، وأنها سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لان أجزية الجرائم لا تعرف بالرأي، وقد جعلت جزاءه على مباشرة هذا العقد بطلان الحج والجهاد، فعرفنا من ذلك كالمسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتذار زيد رضي الله عنه إليها دليل على ذلك لان في المجتهدات كان يخالف بعضهم بعضا، وما كان يعتذر أحدهم إلى صاحبه فيها). وقال ملك العلماء علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاشاني الحنفي في كتاب [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع] في مسألة (شراء ما باع بأقل من ثمنه قبل نقد الثمن): (ولنا ما روي أن امرأة جاءت إلى سيدتنا عائشة رضي الله عنها وقالت: اني ابتعت خادما من زيد بن أرقم بثمانمائة ثم بعتها بستمائة، فقالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها: بئس ماشريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا ان الله تعالى قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب. ووجه الاستدلال به من وجهين: أحدهما أنها ألحقت بزيد وعيدا لا يوقف عليه بالرأي، وهو بطلان الطاعة بما سواى الردة، فالظاهر أنها قالته سماعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يلتحق الوعيد الا بمباشرة المعصية، فدل على فساد البيع لان البيع الفاسد معصية. والثاني: أنها رضي الله عنها سمت ذلك بيع سوء وشراء سوء، والفاسد هو الذي يوصف بذلك لا الصحيح). وقال برهان الدين علي بن أبى بكر المرغيناني في [الهداية] (قال: ومن

[194]

اشترى جارية بألف درهم حالة أو نسية فقبضها، ثم باعها من البائع بخمس مائة درهم قبل أن ينقد الثمن، لا يجوز البيع الثاني، وقال الشافعي: يجوز لان الملك قد تم فيها بالقبض فصار البيع من البائع ومن غيره سواء، وصار كما لو باع بمثل ثمن الاول أو بالزيادة أو بالعوض. ولنا: قول عائشة (رض) لتلك المرأة وقد باعت بستمائة. بعدما اشترت بثمان مائة: بئس ماشريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أن الله قد أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب !). وقال مجد الدين مبارك بن محمد المعروف بابن الاثير الجزري الشافعي (أم يونس، قالت: جاءت أم ولد زيد بن أرقم إلى عائشة فقالت: بعث جارية من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها منه قبل حلول الاجل بستمائة، وكنت شرطت عليه أنك ان بعتها فأنا اشتريها منك، فقالت لها عائشة: بئس ماشريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان لم يتب منه. قالت: فما نصنع، فتلت عائشة: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فينتقم الله منه، فلم ينكل أحد على عائشة والصحابة متوفرون. ذكره رزين ولم أجده (في الاصول). وقال مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله الحراني في كتاب [المنتقى] (باب ان من باع سلعة بنسية لا يشتريها بأقل مما باعها. عن أبى اسحاق السبيعي، عن امرأته انها دخلت على عائشة فدخلت معها ام ولد زيد ابن أرقم، فقالت: يا ام المؤمنين ! اني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسية واني ابتعته منه بستمائة نقدا، فقالت لها عائشة: بئس ما اشتريت وبئس ما شريت، ان جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بطل الا

[195]

أن يتوب. رواه الدار قطني). وقال أبو المؤيد محمد بن محمود الخوازمي في [جامع مسانيد أبو حنيفة] (أبو حنيفة، عن ابي اسحاق السبيعي عن امرأة أبى السفر أن امرأة قالت لعائشة (رض): ان زيد بن أرقم باعني جارية بثمان مائة درهم ثم استردها مني بستمائة درهم، فقالت: أبلغيه عني أن الله أبطل جهاده مع رسول الله ان لم يتب). وقال أبو البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفي في [كشف الاسرار - شرح المنار]: (وقد اتفق عمل أصحابنا بالتقليد فيما لا يعقل بالقياس كما في أقل الحيض، أخذا بقول أنس، وشراء ما باع بأقل مما باع قبل بعد الثمن، عملا بقول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم). وقال علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري في [كشف الاسرار - شرح أصول البزودى]: (وأفسدوا شراءما باع بأقل مما باع، يعني قبل أخذ الثمن، مع أن القياس يقتضي جوازه كما قال الشافعي، لان الملك في المبيع قدتم بالقبض للمشتري فيجوز بيعه من البائع بما شاء كالبيع من غيره وكالبيع بمثل الثمن منه، عملا بقول عائشة رضي الله عنها، وهو ماروت أم يونس أن امرأة جاءت إلى عائشة رضي الله عنها وقالت: اني بعت من زيد بن أرقم خادما بثمان مائة درهم إلى العطاء فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل محل الاجل بستمائة، فقالت عائشة رضي الله عنها: بئسما شريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل جهاده وحجه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب. فأتا مازيد ابن أرقم معتذرا، فتلت قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. فتركنا القياس به لان القياس لما كان مخالفا لقولها تعين جهة السماع فيه. والدليل عليه أنها جعلت جزاءه على مباشرة هذا العقد بطلان الحج

[196]

والجهاد، وأجزئة الجرئم لا تعرف بالرأى، فعلم ان ذلك كالمسموع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتذار زيد إليها دليل على ذلك أيضا، فان بعضهم كان يخالف بعضا في المجتهدات وما كان يعتذر إلى صاحبه). وقال حسن بن محمد الطيبي في [كاشف - شرح مشكوة] في باب الربا في شرح حديث (مح) (1): احتج أصحابنا بهذا الحديث أن الحيلة التي يعملها بعض الناس توصلا إلى مقصود الربا ليس بحرام، وذلك أن من أراد أن ي‍ ؟ طى صاحبه مائة درهم بمائتين فيبيعه بمائتين ثم يشتري منه بمائة، لانه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: بع هذا واشتر بثمنه من هذا، وهو ليس بحرام عند الشافعي. وقال مالك وأحمد: هو حرام. أقول: وينصره ما رواه رزين في كتابه عن أم يونس انها قالت: جاءت أم ولد زيد بن أرقم إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: بعت جارية من زيد بثماني مائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها منه قبل حلول الاجل بستمائة، وكنت شرطت عليه أنك ان بعتها فأنا أشتريها منك، فقالت لها عائشة رضي الله عنها: بئس ما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيد بن ارقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان لم يتب منه. قالت: فما يصنع: فتلت عائشة رضي الله عنها: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله) تعالى الاية. فلم ينكر أحد على عائشة، والصحابة متوفرون). وقال فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي في [تبيين الحقائق - شرح كنز الدقائق]: (قال: وشراء ما بالاقل قبل النقد، ومعناه أنه لو باع شيئا وقبضه المشتري ولم يقبض البائع الثمن فاشتراه بأقل من الثمن الاول لا يجوز، وقال


(1) أي: قال محيى الدين النووي في (شرح مسلم).

[197]

الشافعي (رح) يجوز، وهو القياس، لان الملك قد تم بالقبض فيجوز بيعه بأي قدر كان من الثمن، كما إذا باعه من غير البائع أو منه بمثل الثمن الاول أو بأكثر أو بعرض أو بأقل بعد النقد. ولنا: ماروى عن أبي اسحاق السبيعي، عن امرأة انها دخلت على عائشة رضي الله عنها فدخلت معها أم ولد زيد بن ارقم، فقالت: يا أم المؤمنين اني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمان مائة درهم نسيئة واني ابتعته منه بستمائة نقدا، فقالت لها عائشة: بئسما شرى ! ان جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل الا أن يتوب. رواه الدار قطني. فهذا الوعيد دليل على أن هذا العقد فاسد، وهو لا يدرك بالرأي فدل على أنها قالته سماعا، ولايقال: قد روى أنها قالت: اني بعته إلى العطاء، فلعلها أنكرت عليها لذلك. لانا نقول: كانت عائشة رضي الله عنها ترى البيع إلى العطاء ولان الثمن لم يدخل في ضمان البائع قبل قبضه، فإذا عاد إليه عين ماله بالصفة التي خرج من ملكه وصار بعض الثمن قصاصا ببعض بقي له عليه فضل بلا عوض، فكان ذلك ربح ما لم يضمن، وهو حرام بالنص). وقال أبوالفدا اسمعيل بن عمر بن كثير الدمشقي في [تفسيره]: (وقال ابن أبي حاتم: قرأ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي اسحاق الهمداني، عن أم يونس - يعني امرأته العالية بنت أيفع - ان عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لها أم بحنه (محبة ظ): ام ولد زيد بن أرقم: يا أم المؤمنين: أتعرفين زيد بن أرقم: قالت نعم ! قالت: فاني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الاجل بستمائة، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بطل ان لم يتب. قالت: فقلت

[198]

أرأيت تركت المائتين وأخذت الستمائة ؟ قالت: نعم ! فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. وهذا الاثر مشهور وهو دليل لمن حرم مسألة العينة، مع ما جاء فيها من الاحاديث المذكورة المقررة في كتاب الاحكام، ولله الحمد والمنة) (1). وقال أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي في [العناية]: (وحاصل ذلك أن شراء ما باع لا يخلو من أوجه، اما ان يكون من المشتري بلا واسطة أو بواسطة شخص آخر والثاني جائز بالاتفاق مطلقا: أعنى سواء اشترى بالثمن الاول أو بأنقص أو بأكثر أو بالعرض،، والاول اما أن يكون بأقل أو بغيره، والثاني بأقسامه جائز بالاتفاق، والاول هو المختلف فيه، الشافعي (ره) جوزه قياسا على الاقسام الباقية وبما إذا باع من غير البائع فانه جائز أيضا بالاتفاق، ونحن لم نجوزه بالاثر والمعقول. أما الاثر: فما قال محمد: حدثنا أبو حنيفة يرفعه إلى عائشة رضى الله عنها أن امرأة سألتها فقالت: اني اشتريت من زيد بن أرقم جارية بثمانية مائة درهم إلى العطاء، ثم بعتها منه بستمائة درهم قبل محل الاجل فقالت عائشة رضي الله عنها: بئسما اشتريت ! أبلغي زيد بن أرقم ان الله تعالى قد أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب، فأتاها زيد بن أرقم معتذرا، فتلت عليه قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. ووجه الاستدلال انها جعلت جزاء مباشرة هذا العقد بطلان الحج والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجزية الافعال لاتعلم بالراى فكان مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعقد الصحيح لايجازى بذلك فكان فاسدا وان زيدا اعتذر إليها، وهو دليل على كونه مسموعا لان في المجتهدات كان بعضهم


(1) تفسير ابن كثير 1 / 327. (*)

[199]

يخالف بعضا، وما كان أحدهما يعتذر إلى صاحبه، وفيه بحث، لجواز أن يقال الحاق الوعيد لكون البيع إلى العطاء هو أجل مجهول. والجواب أنه ثبت من مذهبها جواز البيع إلى العطاء وهو مذهب علي رضي الله عنها فلا يكون كذلك، ولانها كرهت العقد الثاني حيث قالت: بئسما شريت، مع عرائه عن هذا المعنى، فلا يكون لذلك بل لانهما تطرقا به إلى الثاني. فان قيل: القبض غير مذكور في الحديث فيمكن أن يكون الوعيد للتصرف في المبيع قبل قبضه. احبيب بأن تلاوتها آية الربا دليل على أنه للربا لا لعدم القبض). وقال جلال الدين الخوارزمي الكرماني في [الكفاية]: (ولنا: قول عائشة - رضي الله عنها - لتلك المرأة، وهو أن امرأة دخلت على عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقالت: اني اشتريت من زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمان مائة درهم ثم بعتها منه بستمائة. فقالت عائشة: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ! أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب عن هذا. فأتاها زيد بن أرقم معتذرا، فتلت قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. فهذا الوعيد الشديد دليل على فساد هذا العقد، والحاق هذا الوعيد لهذا الصنع لا يهتدي إليه العقل، إذ شئ من المعاصي دون الكفر لا يبطل شيئا من الطاعات الا أن يثبت شئ من ذلك بالوحي، فدل على أنها قالته سماعا، واعتذار زيد إليها دليل على ذلك، لان في المجتهدات كان يخالف بعضهم بعضا وما كان يعتذر أحد إلى صاحبه فيها. ولايقال: انما الحقت الوعيد به للاجل إلى العطاء. لانا نقول: ان مذهب عائشة رضي الله عنه جواز البيع إلى العطاء ولانها قد كرهت العقد الثاني بقولها: بئس ما شريت. وليس فيه هذا المعنى وانما ذمت البيع الاول وان كان جائزا عندها، لانه صار ذريعة إلى

[200]

البيع الثاني الذي هو موسوم بالفساد، وهذا كما يقول لصاحبه: بئس البيع الذى أوقعك في هذا الفساد وان كان البيع جائزا. فان قيل: يحتمل أنها ذمت البيع الاول لفساده بجهالة الاجل وأنها رجعت عن تجويز البيع إلى العطاء والبيع الثاني، لانه بيع المبيع قبل القبض إذ القبض لم يذكر في الحديث. قلنا: الرجوع لم يثبت وانما ذمت البيع الثاني لاجل الربا حتى تلت عليه آية الربا، وليس في بيع المبيع قبل القبض الربا). وقال أبو إسحق ابراهيم بن موسى اللخمى الغرناطي الشهير بالشاطبي في كتاب [الموافقات في أصول الاحكام]: (والثاني من الاطلاقين أن يراد بالبطلان عدم ترتب آثار العمل عليه في الاخرة وهو الثواب. ويتصور ذلك في العبادات والعادات فتكون العبادة باطلة بالاطلاق الاول فلا يترتب عليها جزاء لانها غير مطابقة لمقتضى الامر بها، وقد تكون صحيحة بالاطلاق الاول ولا يترتب عليها ثواب أيضا، فالاول كالمتعبد رئاء الناس فان تلك العبادة غير مجزئة ولا يترتب عليها ثواب والثاني كالمتصدق بالصدقة يتبعها بالمن والاذى وقد قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس)، الاية. وقال (لئن أشركت ليحبطن عملك). وفي الحديث: (أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب، على تأويل من جعل الابطال حقيقة). وقال بدر الدين محمود بن أحمد العيني في [شرح الهداية]: صلى الله عليه وآله: ولنا قول عائشة رضي الله عنه لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعد ما اشترت بثمان مائة: بئسما شريت ! أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى قد أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب.

[201]

(ش): هذا أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا معمر والثوري عن أبي اسحاق عن امرأة أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألت امرأة فقالت: يا ام المؤمنين ! كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمان مائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدت له الستمائة. فقالت عائشة: بئسما شريت وبئسما اشتريت أخبرى زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب. فقالت المرأة لعائشة رضي الله عنها: أرأيت ان أخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل ؟ فقالت: من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. وأخرجه الدار قطني ثم البيهقي في سننيهما عن يونس بن أبي اسحاق الهمداني عن امه العالية، قالت: كنت قاعدة عند عائشة رضي الله عنها فأتتها ام محبة فقالت: انى بعت زيد بن أرقم جارية إلى العطاء. فذكرا بنحوه. وقال الدار قطني: ام محبة وام العالية مجهولتان لا يحتج بهما. (قلت): بل العالية امرأة معروفة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في (الطبقات) فقال: العالية بنت أيفع بن شرحبيل. امرأة أبي اسحاق السبيعي: سمعت من عائشة رضي الله عنها. وأم محبة بضم الميم وكسر الحاء. كذا ضبطه الدار قطني في كتاب (المؤتلف والمختلف). ورواه أبو حنيفة في مسنده عن أبي اسحاق السبيعي عن امرأة أبي السفر أن امرأة سألت عن عائشة فقالت: ان زيد بن أرقم باعنى جارية بثمان مائة واشتراها مني بستمائة فقالت: أبلغي عن زيد بن أرقم أن الله عزوجل قد أبطل جهاده ان لم يتب. وجه الاستدلال أنها جعلت جزاء مباشرة هذا العقد بطلان الحج والجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب، وأجزية الجرائم لاتعلم بالرأى فكان مسموعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعقد الصحيح لايجازى بذلك

[202]

فكان فاسدا وان زيدا اعتذر إليها، وهو دليل على كونه مسموعا، وفي المجتهدات كان بعضهم يخالف بعضا وما كان أحدهما يعتذر إلى صاحبه. فان قلت: يجوز أن يكون الحاق الوعيد لكون البيع إلى العطاء وهو أجل مجهول. (قلت): ثبت من مذهب عائشة رضي الله عنها جواز البيع إلى العطاء وهو مذهب علي وابن أبي ليلى وآخرين ولم يكن كذلك. فان قلت: لم كرهت العقد الاول مع أن الفساد من الثاني ؟ قلت لانها تطرق به إلى الثاني، كالسفر يكون محظورا إذا كان لقطع الطريق وان كان السفر مباحا في نفسه. فان قلت: القبض غير مذكور في الحديث فيمكن أن يكون الوعيد للتصرف في المبيع قبل القبض. قلت: تلاوتها آية الربا دليل على أنه للربا لا لعدم القبض). وقال ابن الهمام السيواسي في [فتح القدير]: (ولنا: قول عائشة رضي الله عنها إلى آخر ما نقله المصنف عن عائشة، يفيد أن المرأة هي التي باعت زيدا بعد أن اشترت منه وحصل له الربح لان (شريت) معناه (بعت)، قال تعالى: شروه بثمن بخس. أي: باعوه، وهو رواية أبي حنيفة فانه روى في مسنده عن أبي اسحاق السبيعي عن امرأة أبى السفر أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها ان زيد بن أرقم باعنى جارية بثمانمائة درهم ثم اشتراها مني بستمائة. فقالت: أبلغيه أن الله أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب. ففي هذا أن الذي باع زيد ثم استرد وحصل الربح له، ولكن رواية غير أبي حنيفة من أئمة الحديث عكسه. روى الامام أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن اسحاق السبيعى عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وام ولد زيد بن أرقم فقالت ام ولد زيد لعائشة: اني بعت من زيد غلاما بثمان مائة درهم نسية واشتريته بستمائة نقدا. فقالت أبلغي زيدا أن قد أبطلت جهادك مع رسول

[203]

الله صلى الله عليه وسلم الا أن تتوب بئسما شريت وبئسما اشتريت وهذا فيه أن الذي حصل له الربح هي المرأة. قال ابن عبد الهادي في (التنقيح): هذا اسناد جيد وان كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة. وقول الدار قطني في العالية (هي مجهولة لا يحتج بها) فيه نظر، فقد خالفه غير واحد، ولولا أن عند ام المؤمنين علما من رسول الله أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. وقال غيره: هذا مما لا يدرك بالرأي. والمراد بالعالية امرأة أبي اسحاق السبيعى التي ذكر أنها دخلت مع ام ولد على عائشة. قال ابن الجوزي: قالوا ان العالية امرأة مجهولة لا يحتج بنقل خبرها. قلنا: هي امرأة جليلة القدر، ذكرها ابن سعد في (الطبقات) فقال: العالية بنت أنفع بن شراحيل، امرأة أبي اسحاق السبيعى. سمعت من عائشة. وقولها: بئسما شريت، أي بعت. قال تعالى: وشروه بثمن بخس. أي باعوه. وانما ذمت العقد الاول لانه وسيلة، وذمت الثاني لانه مقصود بالفساد. وروى هذا الحديث على هذا النحو عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر والثوري عن أبي اسحاق السبيعي عن امرأة أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها أمرأة فقالت: كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته ستمائة وكتب لى عليه ثمانمائة. فقالت عائشة: - إلى قولها - الا أن يتوب. وزاد: فقالت المرأة لعائشة: أرأيت ان أخذت راس مالي ورددت عليه الفضل ؟ فقالت: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف. لا يقال: ان قول عائشة وردها لجهالة الاجل وهو البيع إلى العطاء فان عائشة كانت ترى جواز الاجل إلى العطاء، ذكره في (الاسرار) وغيره). وقال ابن أمير الحاج الحلبي في كتاب [التقرير والتحبير] في مسألة الحاق

[204]

قول الصحابي بالسنة: (وفساد بيع ما اشترى قبل نقد الثمن لقول عائشة لام ولد زيد بن أرقم - لما قالت لها: اني بعت بمن زيد غلاما بثمانمائة درهم نسيئة واشتريته بستمائة نقدا -: أبلغي زيدا أن قد أبطلت جهاك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن تتوب بئسما اشتريت وبئسما شريت. رواه أحمد. قال ابن عبد الهادي: اسناده جيد). وقال عبد اللطيف بن عبد العزيز الحنفي المعروف بابن الملك في [شرح المنار]: (وكفساد شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن مع أن القياس يقتضى جوازه. عملا بقول عائشة رضي الله عنها لتلك المرأة القائلة: اني بعت خادما من زيد بن أرقم بثمان مائة درهم إلى العطاء فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه بستمائة، قالت: بئسما شريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله عليه السلام ان لم يتب). وقال زين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر المعروف بابن العيني في [شرح المنار]: (وشراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن أفسدوه بقوله عائشة للتي قالت: اني بعت من زيد بن أرقم خادما بثمانمائة درهم إلى العطاء فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الاجل بستمائة: بئسما شريت واشتريت ! أبلغي زيد ابن أرقم أن الله أبطل جهاده وحجه مع رسول الله عليه السلام ان لم يتب). وقال جلال الدين السيوطي في تفسيره [الدر المنثور]: (وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عائشة أن امرأة قالت لها: اني بعت زيد بن أرقم عبدا إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الاجل بستمائة: فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب. قلت أفرأيت ان تركت المائتين وأخذت

[205]

الستمائة ! فقالت: نعم ! من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف) (1). وقال في [عين الاصابة]: (أخرج عبد الرزاق في (المصنف) والدار قطني والبيهقي في سننهما عن أبي اسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة فسألتها امرأة فقالت: يا ام المؤمنين ! كانت لنا جارية فبعتها من زيد ابن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته الستمائة وكتب عليه ثمانمائة. فقالت عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يتوب. فقالت المرأة لعائشة: أرأيت ان أخذت رأس مالى ورددت عليه الفضل ؟ قالت: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف). وقال عبد الرحمن بن علي الشهير بابن الديبع الشيباني في [تيسير الوصول]: (وعن ام يونس، قالت: جاءت ام ولد زيد بن أرقم رضي الله عنه إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: بعت جارية من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها منه قبل حلول الاجل بستمائة درهم وكنت شرطت عليه أنك ان بعتها فأنا اشتريتها منك. فقالت عائشة رضي الله عنها: بئس ماشريت، وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب منه. قالت فما يصنع ؟ فتلت عائشة رضي الله عنها: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله. الاية. فلم ينكر أحد على عايشة رضي الله عنها، والصحابة رضي الله عنهم متوفرون). وقال زين الدين الشهير بابن نجيم المصري في [البحر الرائق - شرح كنز الدقائق].


(1) الدر المنثور 1 / 365.

[206]

(قوله: وشراء ما باع بالاقل قبل النقد. أي لم يجز شراء البائع ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، فهو مرفوع عطفا على البيع لا أنه مجرور عطفا على المجرورات لانه لو كان كذلك لصار المعنى لم يجز بيع شراء، وهو فاسد وانما منعنا جوازه استدلالا بقول عائشة (رض) لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعدما اشترت بثمانمائة: بئس ما شريت واشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله ان لم يتب). وقال الملا علي القاري في [المرقاة - شرح المشكاة] في شرح حديث تمر جنيب بعد ذكر الختلاف في مسألة الاحتيال في الربا: (قال الطيبي - رحمه الله -: وينصر قول مالك وأحمد ما رواه رزين في كتابه عن ام يونس أنها قالت: جاءت ام ولد لزيد بن أرقم إلى عائشة رضي الله عنها فقالت: بعت جارية من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها قبل حلول الاجل بستمائة وكنت شرطت عليه أنك ان بعتها فأنا أشتريها منك فقالت لها عائشة رضي الله عنها: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب. قالت: فما يصنع ؟ قالت: فقالت عائشة: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله. فلم ينكر أحد على عائشة، والصحابة متوفرون). وقال محمد بن حسن بن أحمد الكواكبي مفتي حلب الشهباء في كتاب [الفوائد السنية - شرح الفرائد السنية]: ومن شرى ما باع بالاقل * من الذي باع به من قبل - والثمن الاول ماكان نقد * فذا شراؤه يقينا قد فسد - أي: ان اشترى جارية مثلا بألف درهم حالة أو نسية فقبضها ثم باعها من البايع بخمسمائة قبل ان ينقد الثمن الاول لا يجوز البيع الثاني، لقول عائشة

[207]

رضي الله عنها لتلك المرأة وقد باعت جارية من زيد بن أرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتاعتها منه بستمائة وكتبت عليه ثمانمائة: بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى اخبري زيد بن أرقم ان الله تعالى ابطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان لم يتب) وقال الملا أحمد بن أبى سعيد بن عبيد الله الحنفي في [نور الانوار - شرح المنار] وشراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن الاول فان القياس يقتضى جوازه، ولكنا قلنا بحرمته جميعا عملا بقول عائشة رضي الله عنها لتلك المرأة وقد باعت بستمائة بعد ماشرت بثمانمائة من زيد بن أرقم: بئس ماشريت واشتريت أبلغي زيد بن أرقم بأن الله تعالى أبطل حجه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لم يتب). وقال المولوي عبدالعلى بن نظام الدين الانصاري في [فواتح الرحموت] في مسألة (تقليد الصحابي فيما لا يدرك بالرأي) (مثال آخر: روى رزين عن ام يونس، قالت: جاءت ام ولد زيد بن أرقم إلى ام المؤمنين عائشة فقالت: بعت جارية من زيد بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريتها قبل حلول الاجل بستمائة وكنت شرطت عليه ان بعتها فأنا اشتريتها منك. فقالت لها عائشة: بئس ماشريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم ان لم يتب منه. قالت: فما نصنع ؟ قال: قالت عائشة: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فينتقم الله منه. والحكم ببطلان الجهاد لا يكون بالرأي فلابد من السماع). 9 - بيع بعضهم الخمر لقد كان في الاصحاب من يقول بجواز بيع الخمر، وقد ارتكب هذا

[208]

الذنب الكبير فعلا، وان ذلك - وان كان عن اجتهاد ! ! - قد أزعج عمر بن الخطاب حتى قال: قاتل الله فلانا باع الخمر ؟ ! وهذا أيضا من الاثار المشهورة التي اتفق كافة الرواة والعلماء على نقله: قال الشافعي في [مسنده] (اخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا ! باع الخمر ؟ أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل اليهود ! حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها). وقال أبو بكر بن ابى شيبة البغدادي (حدثنا هشيم عن مطيع عن الشعبى عن مسروق، قال: قال عمر: لعن الله فلانا فانه اول من اذن في بيع الخمر) (1) وقال احمد بن حنبل (حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس ذكر لعمر رضي الله عنه ان سمرة - وقال مرة: بلغ عمر ان سمرة -، باع خمرا، قال: قاتل الله سمرة، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) (2). وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في [مسنده]: (حدثنا محمد بن أحمد، ثنا سفيان عن عمرو - يعني ابن دينار - عن طاوس عن ابن عباس قال بلغ عمر أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة، أما علم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها. قال سفيان: جملوها أذابوها). وقال البخاري في [الصحيح] في باب (لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه)


(1) المصنف 8 / 195. (2) المسند لاحمد 1 / 25.

[209]

(حدثنا الحميدى حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني طاوس أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول: بلغ عمر أن فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا ! ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود ! حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها. حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن ابن شهاب، قال: سمعت سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا اثمانها. قال أبو عبد الله: قاتلهم الله: لعنهم قتل - لعن - الخراصون). وقال في باب (ما ذكر عن بني اسرائيل): (حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس، قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: قاتل الله فلانا ! ألم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها. تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم). وقال مسلم في [الصحيح): (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب واسحاق بن ابراهيم - واللفظ لابي بكر - قالوا: نا: سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس، قال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة ! ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها. حدثنا امية بن بسطام، نا: يزيد بن زريع، نا: روح - يعني ابن القاسم - عن عمرو بن دينار بهذا الاسناد مثله). وقال ابن ماجة في [السنن] في باب (التجارة في الخمر): (حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس، قال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة ! ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها

[210]

فباعوها). وقال النسائي في [السنن]: (النهى عن الانتفاع بما حرم الله عزوجل. أخبرنا اسحق بن ابراهيم، قال: أخبرنا سفيان عن عمرو عن طاوس عن ابن عباس قال: أبلغ عمر أن سمرة باع خمرا، قال: قاتل الله سمرة ! ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها. قال سفيان: أذابوها). وقال الغزالي في [احياء العلوم]: (ومن الوقت الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الربا فقال: أول ربا أضعفه ربا العباس، ما ترك الناس بأجمعهم كما لم يتركوا شرب الخمر وسائر المعاصي حتى روى أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باع الخمر فقال عمر رضى الله عنه: لعن الله فلانا، هو أول من سن بيع الخمر). وقال عبد الغني بن عبد الواحد بن على بن مسرور الجماعيلي المقدسي الحنبلي في [عمدة الاحكام]: (عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: بلغ عمر أن فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها. جملوها: أذابوها). وقال ابن الاثير الجزرى: ([خ م س] ابن عباس، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا، ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها. هذه رواية البخاري ومسلم، وأخرجه النسائي قال [أ] بلغ عمر أن سمرة بن جندب باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة ألم يعلم ؟ الحديث). وقال علاء الدين علي بن محمد بن ابراهيم البغدادي المعروف بالخازن

[211]

في تفسيره [لباب التأويل] في تفسير الاية [يسئلونك عن الخمر]: (أجمعت الامة على تحريم بيع الخمر والانتفاع بها وتحريم ثمنها، ويدل على ذلك ما روى عن جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام فتح مكة ان الله تعالى حرم بيع الخمر والانتفاع بها والميتة والخنزير والاصنام. أخرجاه في (الصحيحين) مع زيادة اللفظ (ق). عن عائشة، قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حرمت التجارة في الخمر. (ق). عن ابن عباس، قال: بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا: ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها). وقال عماد الدين اسماعيل بن أحمد بن سعيد بن محمد بن الاثير الحلبي الشافعي في [احكام الاحكام - شرح عمدة الاحكام] في شرح [حديث (قاتل الله فلانا): (وفلان الذي كنى عنه هو سمرة بن جندب). وقال ابن حجر العسقلاني في [تلخيص الخبير]: (حديث نهي عن بيع العنب من عاصره. أخرجه الطبراني في الاوسط عن محمد بن أحمد بن أبي خثيمة باسناده عن بريدة، مرفوعا: من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودى أو نصراني أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة. وفى (الصحيحين): بلغ عمر بن الخطاب ان فلانا - يعنى سمرة بن جندب - باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا، الحديث وفي الباب الاحاديث الواردة في لعن بائع الخمر ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه). وقال الملا علي المتقى: (عن ابن عباس، قال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة ! اما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قاتل الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم فجملوها فباعوها. عب. حم والدرامي والعدني

[212]

خ. م: ن حب وابن الجارود. وابن جرير. ق) (1). وقال: (عن عمر، قال: لعن الله فلانا أول من أذن في بيع الخمر وان التجارة لا تصح فيما لا يحل أكله وشربه. ش. ق. أي أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف) والبيهقي في (السنن). ورووا ان سمرة قد خلط في فئ المسلمين ثمن الخمر والخنزير، فلما بلغ ذلك عمر استنكره بشدة، قال المتقي: (عن ابن عباس قال: رأيت عمر يقلب كفيه وهو يقول: قاتل الله سمرة عويمل لنا بالعراق، خلط في فئ المسلمين ثمن الخمر والخنزير، فهي حرام وثمنها حرام عب. ق) (2). هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فيما روى عنه الحفاظ - (من باع الخمر فليشقص الخنازير) قال الخازن: (أخرجه أبو داود. قال: والمعنى من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنازير، فانهما في التحريم سواء). بل انه قد ارتقى في أمر الخمر حتى جعل يدلك جسده بدرديه، الامر الذي دعا عمر لان يلعنه على المنبر، وممن روى ذلك فقيه الحنفية فخر الاسلام السرخسي، حيث قال: ويكره شرب دردي الخمر والانتفاع به، لان الدردي من كل شئ بمنزلة صافيه، والانتفاع بالخمر حرام فكذلك بدرديه، وهذا لان في الدردي اجزاء الخمر، ولو وقعت قطرة من خمر في ماء لم يجز شربه والانتفاع به، فالدردي أولى، والذي روي ان سمرة بن جندب رضي الله عنه كان يتدلك بدردي الخمر في الحمام، فقد أنكر عليه عمر رضي الله عنه ذلك حتى لعنه على المنبر لما بلغه ذلك عنه، وليس لاحد ان يأخذ بذلك بعد ما


(1) كنز العمال 4 / 91. (2) كنز العمال 4 / 91.

[213]

انكره عمر رضي الله عنه) (1). * أقول: وقد سبق سمرة بن جندب في هذا الاجتهاد ! خالد بن الوليد - وهو أحد كبار مجتهدي الصحابة ؟ ! فقد كان مولعا بالخمر غير مرتدع عنه، حتى لقد وبخه عمر فلم ينته فغزله عن الامارة، قال الطبري: (كتب الي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة قالا: فما زال خالد على فنسرين حتى غزا غزوته التي اصاب فيها وقسم فيها ما اصاب لنفسه. كتب الي السري عن شعيب عن سيف عن أبي المجالد مثله. قالوا: وبلغ عمر ان خالدا دخل الحمام فتدلك بعد النورة بثخين عصفر معجون بخمر. فكتب إليه: بلغني انك تدلك بخمر وان الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه كما حرم ظاهر الاثم وباطنه، وقد حرم مس الخمر الا ان تغسل كما حرم شربها، فلا تمسوها اجسادكم فانها رجس، وان فعلتم فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: انا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: اني اظن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم الله عليه. فانتهى إليه ذلك) (2). وقال ابن الاثير: (وقيل ان خالد بن الوليد حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل حماما بآمد فأطلى بشئ فيه خمر فعزله عمر) (3). وقال ابن خلدون: (قيل ان خالدا حضر فتح الجزيرة مع عياض ودخل الحمام بآمد فأطلى بشئ فيه خمر) (4). وقال: (وشاع في الناس ما أصاب خالد مع عياض بن غنم من الاموال،


(1) المبسوط 24 / 20. (2) تاريخ الطبري 3 / 166. (3) الكامل 2 / 375 (4) تاريخ ابن خلدون المجلد الثاني 956

[214]

فانتجعه رجال منهم الاشعث بن قيس وأجازه بعشرة آلاف، وبلغ ذلك عمر مع ما بلغه من تدلكه بالخمر، فكتب إلى أبي عبيدة أن يقيمه في، المجلس وينزع عنه قلنسوته ويعقله بعمامته ويسأله من اين أجاز الاشعث فان كان من ماله فقد أسرف فاعزله واضمم اليك عمله). * قد باع معاوية بن أبي سفيان المجتهد الاعظم ! الخمر على عهد عثمان ابن عفان.. قال أبو هلال العسكري: (أخبرنا أبو القاسم باسناده عن المدائني عن ابي معشر عن محمد بن كعب عن بريدة الاسلمي قال: مر بعبادة بن الصامت عير تحمل الخمر بالشام [من الشام]، فقال: أزيت هذا ؟ قالوا: [لا] بل خمر تباع لمعاوية، فأخذ شفرة فشق الروايا، فشكاه معاوية إلى ابي هريرة، فقال له ابو هريرة: مالك ولمعاوية ؟ له ما تحمل ان الله تعالى يقول: تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. فقال: يا ابا هريرة انك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بايعناه على السمع والطاعة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر [وان] نمنعه مما نمنع نساءنا وأبناءنا ولنا الجنة، فمن وفى بها الله [الله] وفى الله له، ومن نكث فانما ينكث على نفسه. فكتب معاوية إلى عثمان يشكوه، فحمله إلى المدينة، فلما دخل عليه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيلي أموركم رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلاطاعة لمن عصى الله، وعبادة يشهد ان معاوية منهم. فلم يراجعه عثمان) (1). 10 - الافتاء بغير علم لقد كان في الاصحاب من يفتي بغير علم، فهل يكون هكذا شخص كالنجم


(1) الاوائل لابي هلال 153.

[215]

يهتدى من يقتدي به ؟ واليك بعض الشواهد على ذلك: قال المتقي: (عن عاصم بن ضمرة قال: جاء نفر إلى أبي موسى الاشعري فسألوه عن الوتر فقال: لاوتر في الاذان، فأتوا عليا فأخبروه فقال: لقد أغرق في النزع وأفرط في الفتيا، الوتر ما بينك وبين صلاة الغداة متى أوترت فحسن. عبا. وابن جرير) (1). وكلمة أمير المؤمنين عليه السلام هذه عن أبي موسى كافية لاثبات جهله وغباوته، وكيف لا يكون أبو موسى كذلك ؟ والحال ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوتر عند الاذان، قال أحمد: (ثنا أسود ثنا شريك عن ابي اسحاق عن الحرث عن علي رضي الله عنه: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر عند الاذان، ويصلي الركعتين عند الاقامة) (2). ومن الغرائب: فتيا أبي موسى بعدم نقض النوم الوضوء، فقد قال السرخسي: (وكان أبو موسى الاشعري رضي الله عنه يقول: لا ينقض الوضوء بالنوم مضطجعا حتى يعلم بخروج شئ منه، وكان إذا نام أجلس عنده من يحفظه، فإذا انتبه سأله فان أخبر بظهور شئ منه أعاد الوضوء) (3). وقال الغزالي: (وأنكروا على أبي موسى الاشعري قوله: النوم لا ينقض الوضوء) (4). ومن فتاواه الباطلة ما جاء في [الموطأ] وهذا نصه: (مالك عن


(1) كنز العمال 8 / 47. (2) المسند 1 / 111. (3) المبسوط 1 / 78. (4) المستصفى 1 / 186.

[216]

يحيى بن سعيد: ان رجلا سأل أبا موسى الاشعري فقال: اني مصصت عن امرأتي من ثديها لبنا فذهب في بطني، فقال أبو موسى [الاشعري]: لاأراها الا قد حرمت عليك. فقال عبد الله بن مسعود: أنظر ما يفتى [ماذا تفتي] به الرجل ! فقال أبو موسى: فما [ذا] تقول أنت ؟ فقال عبد الله بن مسعود: لارضاعة الا ما كان في الحولين. فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شئ ما كان هذا الحبر بين أظهر كم " 1. وفي [المبسوط]: قام ابن مسعود " إلى أبي موسى ثم أخذ بأذنه وهو يقول: أرضيع فيكم هذا اللحياني ؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني.. " حرمة الفتيا بغير علم ولنذكر في هذا المقام بعض الاحاديث الواردة في ذم الفتيا بغير علم وحرمتها: روى الحافظ جلال الدين السيوطي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والارض " 2. قال المناوي والعزيزي بشرحه واللفظ للاول: " حيث نسب إلى الله ان هذا حكمه وهو كاذب " 3. واخرج ابن الاثير: " ان عمرو بن العاص [عبد الله بن عمرو بن العاص] قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان الله لا يقبض العلم انتزاعا


(1) الموطأ 2 / 607. (2) الجامع الصغير (3) التيسير في شرح الجامع الصغير 2 / 402.

[217]

ينزعه من الناس وفي رواية: من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وزاد في رواية: قال عروة: ثم لقيت عبد الله بن عمرو على رأس الحول فسألته فرد علي الحديث كما حدث وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول. أخرجه البخاري ومسلم " 1. وقال: " وأخرجه الترمذي مختصرا، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العلماء، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " 2. وقال مجد الدين عبد السلام الحراني في [المنتقى]: " وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أفتى بفتيا غير ثبت فانما اثمه على الذي أفتاه. رواه أحمد وابن ماجة. وفي لفظ: من أفتى بفتيا بغير علم كان اثم ذلك على الذي أفتاه. رواه أحمد وأبو داود ". 11 عدم الاطلاع على السنن. لقد كان في الصحابة من لم يبلغه كثير من أحكام الدين وسنن رسول الله صلى الله عليه وآله، وسلم فلذا كانوا كثيرا ما يخالفون حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحكمون بخلافه، بل ربما خالفوا صريح الكتاب ونصه. وبالرغم من اشتهار قضايا هم فاننا نكتفي هنا بايراد كلام الحافظ ابن حزم


1) جامع الاصول 9 / 23. 2) جامع الاصول 9 / 25.

[218]

في هذا المورد حيث قال مانصه: " ووجدنا الصاحب من الصحابة رضي الله عنهم يبلغه الحديث فيتأول فيه تأويلا يخرجه به عن ظاهره، ووجدنا هم رضي الله عنهم يقرون ويعترفون بأنهم لم يبلغهم كثير من السنن، وهكذا الحديث المشهور عن أبي هريرة: ان اخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالاسواق، وان اخواني من الانصار كان يشغلهم القيام على أموالهم، وهكذا قال البراء.. قال: ما كل ما نحد ثكموه سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم [و] لكن حدثنا صحابنا، وكانت تشغلنا رعية الابل. وهكذا [وهذا] أبو بكر رضي الله عنه لم يعرف فرض ميراث الجدة وعرفه محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، وقد سأل أبو بكر رضي الله عنه عائشة في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهذا عمر رضي الله عنه يقول في حديث الاسنئذان: أخفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألهاني الصفق في الاسواق. وقد جهل أيضا أمر املاص المرأة وعرفه غيره، وغضب على عيينة بن حصن، حتى ذكره الحر بن قيس بن حصن بقوله تعالى: وأعرض عن الجاهلين. وخفي عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب إلى آخر خلافته، وخفي على أبي بكر رضي الله عنه قبله أيضا طول مدة خلافته، فلما بلغ عمر أمر باجلائهم فلم يترك بها منهم أحدا. وخفي على عمر أيضا أمره عليه السلام بترك الاقدام على الوباء، وعرف ذلك عبد الرحمن بن عوف. وسأل عمر أبا واقد الليثي عما كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم

[219]

في صلاتي الفطر والاضحى، هذا وقد صلاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أعواما كثيرة. ولم يدر ما يصنع بالمجوس حتى ذكره عبد الرحمن بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، ونسي قبوله عليه السلام الجزية من مجوس البحرين وهو أمر مشهور، ولعله رضي الله عنه قد أخذ من ذلك المال حظا كما أخذ غيره منه. ونسي أمره عليه السلام بأن يتيمم الجنب فقال: لا يتيمم أبدا ولا يصلي ما لم يجد الماء وذكره بذلك عمار. وأراد قسمة مال الكعبة حتى احتج عليه أبي بن كعب بأن النبي عليه السلام لم يفعل ذلك فأمسك. وكان يرد النساء اللواتي حضن ونفرن قبل أن يود عن البيت حتى أخبر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك، فأمسك عن ردهن. وكان يفاضل بين ديات الاصابع حتى بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمساواة بينها، فترك قوله وأخذ المساواة. وكان يرى الدية للعصبة فقط حتى أخبره الضحاك بن سفيان بأن النبي صلى الله عليه وسلم ورث المرأة من الدية فانصرف عمر إلى ذلك. ونهى عن المغالاة في مهور النساء استدلالا بمهور النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذكرته امرأة بقول الله عزوجل: وآتيتم احداهن قنطارا، فرجع عن نهيه. وأراد رجم مجنونة حتى أعلم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: رفع القلم عن ثلاثة، فأمر أن لاترجم. وأمر برجم مولاة حاطب حتى ذكره عثمان بأن الجاهل لا حد عليه

[220]

فأمسك عن رجمها. وأنكر على حسان الانشاد في المسجد فأخبر هو وأبو هريرة أنه قد أنشد فيه بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت عمر. وقد نهى عمر أن يسمى بأسماء الانبياء وهو يرى محمد بن مسلمة يغدو عليه ويروح وهو أحد الصحابة الجلة منهم، ويرى أبا أيوب الانصاري وأبا موسى الاشعري وهما لا يعرفان الا بكنا هما من الصحابة، ويرى محمد بن أبي بكر الصديق وقد ولد بحضرة رسول الله " ص " في حجة الوداع، واستفتته أمه إذ ولدته ماذا تصنع في احرامها وهي نفساء. وقد علم يقينا أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأسماء من ذكرنا وبكناهم بلاشك وأقرهم عليها ودعاهم بها ولم يغير شيئا من ذلك، فلما أخبره طلحة وصهيب عن النبي " ص " باباحة ذلك أمسك عن النهي عنه. وهم بترك الرمي في الحج ثم ذكر أن النبي " ص " فعله فقال: لا يجب لنا أن نتركه. وهذا عثمان رضي الله عنه، فقد رووا عنه أنه بعث إلى الفريعة أخت أبي سعيد الخدري يسألها عما أفتاها به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر عدتها وأنه أخذ بذلك. وأمر برجم امرأة قد ولدت لستة أشهر فذكره علي بالقرآن وان الحمل قد يكون ستة أشهر، فرجع عن الامر برجمها. وهذه عائشة وأبو هريرة رضي الله عنهما خفي عليهما المسح على الخفين وعلى ابن عمر معهما، وعلمه جرير ولم يسلم الا قبل موت النبي " ص " بأشهر وأقرت عائشة أنها لا علم لها به وأمرت بسؤال من يرجى عنده علم ذلك وهو علي رضي الله عنه.

[221]

وهذه حفصة أم المؤمنين سئلت عن الوطي يجنب فيه الواطي أفيه غسل أم لا ؟ فقالت: لا علم لي. وهذا ابن عمر توقع أن يكون حدث نهي عن النبي " ص " عن كراء الارض بعد أزيد من أربعين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك عنها، وأقر أنهم كانوا يكرونها على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يقل انه لا يمكن أن يخفى على هؤلاء ما يعرف رافع وجابر وأبو هريرة، وهؤلاء أخواننا يقولون فيما اشتهوا لو كان هذا حقا ما خفي على عمر. وقد خفي على زيد بن ثابت وابن عمر، وجمهور أهل المدينة اباحة النبي صلى الله عليه وسلم للحائض أن تنفر حتى أعلمهم بذلك ابن عباس وام سليم فرجعوا عن قولهم. وخفي على ابن عمر الاقامة حتى يدفن الميت حتى أخبره بذلك أبو هريرة وعائشة فقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة. وقيل لا بن عمر في اختياره متعة الحج على الافراد: انك تخالف أباك، فقال: أكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر ؟ روينا ذلك عنه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر. وخفي على عبد الله بن عمر الوضوء من مس الذكر حتى أمرته بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بسرة بنت صفوان، فأخذ بذلك. وقد تجد الرجل يحفظ الحديث ولا يحضره ذكره حتى يفتي بخلافه، وقد يعرض هذا في آي القرآن، وقد أمر عمر على المنبر بأن لا يزاد في مهور النساء على عدد ذكره، فذكرته امرأة بقول الله تعالى " وآتيتم احداهن قنطارا " فترك قوله وقال: كل أحد أفقه منك يا عمر، وقال: امرأة أصابت وأمير المؤمنين أخطأ.

[222]

وأمر برجم امرأة ولدت لستة أشهر، فذكره علي بقول الله تعالى " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " مع قوله تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين " فرجع عن الامر برجمها. وهم أن يسطو بعيينة بن حصن إذ قال له: يا عمر ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، فذكره الحر بن قيس بن حصن بن حذيفة بقول الله تعالى " وأعرض عن الجاهلين " وقال له: يا أمير المؤمنين هذا من الجاهلين فأمسك عمر. وقال يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما مات رسول الله ولا يموت حتى يكون آخرنا، أو كلاما هذا معناه، حتى قرئت عليه: " انك ميت وانهم ميتون "، فسقط السيف من يده وخر إلى الارض وقال: كأني والله لم أكن قرأنها قط. قال الحافظ ابن حزم: فإذا أمكن هذا في القرآن فهو في الحديث أمكن وقد ينساه ألبتة، وقد لا ينساه بل يذكره ولكن يتأول فيه تأويلا، فيظن فيه خصوصا أو نسخا أو معنى ما، وكل هذا لا يجوز اتباعه الا بنص أو اجماع، لانه رأي من رأى ذلك ولا يحل تقليد أحد ولا قبول رأيه.. " 1. هذا، ولقد ذكر هذه الجهالات وغيرها ابن القيم في [أعلام الموقعين] وقال: " وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سفرا كبيرا ". وانظر أيضا كتاب [الانصاف في بيان سبب الاختلاف] لو لي الله الدهلوي. 12 - مخالفة الرسول " ص " في الفتوى لقد كان في الاصحاب من يفتي بغير ما حكم به النبي صلى الله عليه وآله


(1) الاحكام في أصول الاحكام 2 / 12.

[223]

وسلم، فإذا أخبره أحد بذلك ضربه بالدرة.. قال جلال الدين السيوطي في [مفتاح الجنة]: " وأخرج البيهقي عن هشام بن يحيى المخزومي ان رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت ألها أن تنفر قبل أن تطهر ؟ فقال: لا، فقال له الثقفي: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفتاني في مثل هذا المرأة بغير ما أفتيت، فقام إليه عمر فضربه بالدرة ويقول: لم تستفتوني في شئ أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ". 13 - اباحة بعضهم شرب الشراب المثلث لقد أباح عمر بن الخطاب شرب الشراب المثلث وان كان شديدا، ثم لما أشكل على عبادة بن الصامت ذلك قال له عمر: " يا أحمق. " وهكذا شخص لا يليق لان يكون مرجعا للامة حتى في غير المنصوصات.. وقد روى هذه الواقعة فقيه الحنفية شمس الائمة السرخسي واستخرج منها أحكاما عديدة حيث قال: " وعن محمد بن الزبير رضي الله عنه قال: استشار الناس عمر رضي الله عنه في شراب مرقق، فقال رجل من النصارى: انا نصنع شرابا في صومنا، فقال عمر رضي الله عنه: أيتني بشئ منه، قال: فأتاه بشئ منه، قال: ما أشبه هذا بطلاء الابل، كيف تصنعونه ؟ قال: نطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، فصب عليه عمر رضي الله عنه ماء وشرب منه، ثم ناوله عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو عن يمينه فقال عبادة: ما أرى النار تحل شيئا، فقال عمر: يا أحمق أليس يكون خمر ثم يصير خلا فنأكله ؟. وفي هذا دليل اباحة شرب المثلث وان كان مشتدا، فان عمر رضي الله عنه استشارهم في المشتد دون الحلو، وهو مما يكون ممريا للطعام مقويا على الطاعة في ليالي الصيام، وكان عمر رضي الله حسن النظر للمسلمين، وكان

[224]

أكثر الناس مشورة في أمور الدين خصوصا فيما يتصل بعامة المسلمين. " 1. 14 بدع بعضهم لقد كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحاب محدثات وبدع، وقد كثر ذلك من معاوية بن أبي سفيان حتى أنكر عليه فيها سائر الاصحاب.. قال محمد معين السندي مانصه: " ثم ان الصحابة رضي الله تعالى عنهم اجمعين تمالاوا على الانكار على من رأى رأيا بخلاف الحديث، وقد كثر ذلك على معاوية بن أبي سفيان في محدثاته. فمنها: تقبيله لليمانين، أنكر عليه ذلك ابن عباس رضي الله عنهما لخلاف السنة. ومنها: ترك التسمية في الصلوات جهرا لما قدم المدينة المطهرة، أنكرت عليه ذلك المهاجرون والانصار وقالوا: سرقت التسمية يا معاوية. ومنها: انه نهى الناس عن متعة الحج، فقد روى الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وأول من نهى عنه معاوية. والجمع بين حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا والتي فيها نهى عمر وعثمان رضي الله عنهما أما رجوعهما بعد القول بالنهي إلى حد ذلك أو بالعكس، وضبط ابن عباس أحد الامرين فأخبر به، وأما كون معاوية أول من نهى مع تقدم النهي بذلك عن عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما على ما وقع في حديث الضحاك عن عمر حيث قال لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: ان عمر بن الخطاب


1) المبسوط 24 / 7.

[225]

رضي الله عنه قد نهى عن ذلك كما رواه الترمذي في الجامع، فباعتبار أن نهيهما معناه بيان أنه غير مباح، ونهى معاوية منع الناس جبرا من أن يأتوا به على مذهب علي رضي الله تعالى عنه وغيره من الصحابة، فهو أول من نهى بهذا المعنى، والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها: قوله في زكاة الفطر اني أرى ان مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من تمر، أنكر عليه ذلك أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وقال: تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها، وذلك لما روى الائمة الستة عنه: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر ومملوك صاعا من طعام أو صاعا من أقط أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر فكان فيما كلم به الناس أن قال: اني أرى مدين من سمراء الشام. الحديث. وفيه قال أبو سعيد: أما أنا فاني لا أزال أخرجه أبدا ما عشت، ولما بلغ ابن الزبير رأي معاوية قال: بئس الاسم الفسوق بعد الايمان، صدقة الفطر صاع صاع. وأولياته المحدثة لا تخفى كثرتها على عاثر علم الحديث " 1. بل كان معاوية بن أبي سفيان المجتهد ! يرتكب كبائر المحرمات الموبقة عالما عامدا بمرأى من الناس غير متحرج، قال السندي بعد أن ذكر رواية معاوية حديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن جلود النمر مع استعمال معاوية اياها، قال: " وليس معاوية ممن يقال إذا عمل بخلاف مرويه دل على النسخ، مع


(1) دراسات اللبيب 95 - 96.

[226]

أن هذا القول باطلاقه في عمل الراوي باطل، ولو كان كذلك لما أخذ عليه المقدام في ذلك أخذة رابية، ولنورد القصة في تمام الحديث فان في ذلك عبرة لكل محب العترة الطاهرة إلى كثير مما يستخرج من ذلك الحديث وسكتنا عنه تأسيا بالائمة الطاهرة في السكوت عن كثير مثل ذلك، وهو حديث خالد قال: وفد المقدام بن معد يكرب وعمرو بن الاسود رجل من بني أسد على معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية: أما علمت أن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما توفي ؟ فترجع المقدام رضي الله تعالى عنه فقال له: يا فلان أتعدها مصيبة ؟ فقال: لم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في حجره فقال: هذا مني وحسين من علي رضي الله تعالى عنهما قال فقال الاسدي: جمرة أطفأها الله تعالى، قال فقال المقدام رضي الله تعالى عنه: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك وأسمعك ما تكره، ثم قال: يا معاوية ان صدقت فصدقني وان كذبت فكذبني، قال: أفعل، قال: فأنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن لبس الذهب ؟ قال: نعم قال: فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها ؟ قال: نعم، قال: فو الله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية، فقال معاوية: قد علمت أني لن أنجو منك يا مقدام. قال خالد: فأمر له معاوية بما لم يأمر لصاحبه وفرض لابنه في المائتين، ففرقها المقدام على أصحابه ولم يعط الاسدي أحدا شيئا مما أخذ، فبلغ ذلك معاوية فقال: أما المقدام فرجل كريم بسط يده، وأما الاسدي فرجل حسن الامساك لشيئه " 1. هذا، والجدير بالذكر هنا أن بعض أهل السنة أسقط من قصة وفود المقدام القسم التالي منها بغية تقليل الشناعة، فرواها في ترجمة الامام الحسن السبط


(1) دراسات اللبيب 98 - 99.

[227]

عليه السلام إلى قول المقدام " وقد وضعه رسول الله " ص " في حجره وقال هذا مني وحسين من علي " ففي [كفاية الطالب] للحافظ الكنجى بسنده عن خالد ابن معدان قال: " وفد مقدام بن معد يكرب وعمرو بن الاسود إلى قنسرين فقال معاوية لمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي ؟ فاسترجع مقدام، فقال له معاوية: أتراها مصيبة ؟ قال: ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره وقال هذا مني وحسين من علي. قلت: رواه الطبراني في معجمه الكبير في ترجمته " 1. وانظر [كنز العمال] في باب فضائل الامام الحسن عليه السلام. 15 مخالفة بعضهم للرسول لقد كان في الاصحاب من خالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصراحة.. فقد جاء في [الموطأ] مانصه: " مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار: ان معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال [له] أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله " ص " ويخبرني عن رأيه، لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك. فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية: ألا يبيع مثل ذلك الا مثلا بمثل ووزنا بوزن " 2. ومن عجائب الصنائع الشنيعة اسقاط بعض أسلاف القوم ذيل خبر مالك


(1) كفاية الطالب 414. (2) الموطأ 2 / 634.

[228]

المتقدم، المشتمل على تجاسر معاوية، لغرض التستر على اقترافه ومخالفته للنبي صلى الله عليه وآله، وما درى أن مراجعة الموطأ وشروحه، وغيرها من كتب الحديث تكشف الواقع وتظهر حقيقة الحال. قال النسائي في مسألة بيع الذهب بالذهب: " حدثنا قتيبة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل " 1. وقال أبو الوليد الباجي في [شرح الموطأ]: " وفيما قاله أبو الدرداء تصريح بأن أخبار الاحاد مقدمة على القياس والرأي، وقوله: " لا اساكنك بأرض أنت فيها " مبالغة في الانكار على معاوية واظهار لهجره والبعد عنه حين لم يأخذ بما نقل إليه من نهي النبي صلى الله عليه وسلم ويظهر الرجوع عما خالفه ". وقال ابن الاثير الجزري: " عطاء بن يسار قال: ان معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبرني برأيه ! [عن رأيه] لا اساكنك بأرض أنت [كنت] بها ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب فذكر له ذلك فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية ألا يبيع [أن لاتبع] ذلك الا مثلا بمثل وزنا بوزن، أخرجه " الموطأ " وأخرج النسائي منه إلى قوله


(1) سنن النسائي 2 / 223.

[229]

مثلا بمثل " 1. وقال فخر الدين الرازي في كتاب [المحصول] في مقام عمل الصحابة على وفق الخبر الواحد " عن أبي الدرداء 2 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه فقال معاوية: لا أرى بأسا، فقال أبو الدرداء: من معذري عن معاوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبرني عن رأيه ! لا اساكنك بأرض أبدا ". وقال أبو الحسن الامدي في كتاب [الاحكام في اصول الاحكام] في مبحث العمل بخبر الواحد: " ومن ذلك ما روى أنه لما باع معاوية شيئا من أواني ذهب وورق بأكثر من وزنه أنه قال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك فقال له معاوية: لا أرى بذلك بأسا ! فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معوية أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ! لا اساكنك بأرض أبدا ". وقال جلال الدين السيوطي في [مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة] " وأخرج البيهقي عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بأسا ! فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية ؟ أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرض أنت بها ! قال الشافعي: فرأى أبو الدرداء الحجة تقوم على معاوية بخبره، فلما لم ير معاوية ذلك فارق أبو الدرداء


(1) جامع الاصول 1 / 468. (2) حق العبارة في هذه الرواية أن تكون هكذا: لما باع معاوية شيئا من أواني ذهب أو ورق بأكثر من وزنه قال له أبو الدرداء: سمعت..

[230]

الارض التي هو بها اعظاما لانه ترك خبر ثقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وقال بشرح الحديث: " فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية ؟ ! أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه، إلى آخره. قال ابن عبد البر: كان ذلك منه أنفة من أن يرد عليه سنة علمها من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه، وصدور العلماء تضيق عند مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأى، قال: وجائز للمرء أن يهجر من لم يسمع منه ولم يطعه، وليس هذا من الهجرة المكروهة، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس ألا يكلموا كعب بن مالك حين جلب عن تبوك قال: وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود رجلا يضحك في جنازة فقال: والله لا اكلمك أبدا ! انتهى " 1. وقال عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الديبع الشيباني: " وعن عطاء بن يسار أن معاوية رضي الله عنه باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسا ! فقال له أبو الدرداء رضي الله عنه: من يعذرني من معاوية ؟ ! أنا اخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبرني عن رأيه ! لا اساكنك بأرض أنت بها ! ثم قدم أبو الدرداء رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر له ذلك فكتب عمر إلى معاوية أن لا تبع ذلك الا مثلا بمثل وزنا بوزن. أخرجه مالك والنسأى. السقاية: اناء يشرب فيه ". وقال محمد بن محمد بن سليمان بن الفاسي الروداني المغربي المالكي في


(1) تنوير الحوالك 2 / 59.

[231]

كتاب [جمع الفوائد]: " عطاء بن يسار ان معاوية باع سقاية من ذهب - أو ورق - أكثر من وزنها، فقال أبو الدرداء: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا ! فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية ؟ ! أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبرني عن رأيه، لا اساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر فذكر له ذلك فكتب عمر إلى معوية أن لا يبيع ذلك الا مثلا بمثل وزنا بوزن، للموطأ والنسائي ". وقال الزرقاني في [شرح الموطأ] بشرحه " فقال أبو الدرداء: من يعذرني بكسر الذال المعجمة من معاوية، أي من يلومه على فعله ولا يلو مني عليه ؟ أو من يقوم بعذري إذا جازيته بصنعه ولا يلو مني على ما أفعله به، أو: من ينصرني يقال: عذرته: إذا نصرته. أنا اخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه. أنف من رد السنة بالرأى وصدور العلماء تضيق عن مثل هذا وهو عندهم عظيم رد السنن بالرأى. لااساكنك بأرض أنت بها وجائز للمرء ان يهجر من لم يسمع منه ولم يطعه، وليس هذا من الهجرة المكروهة ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك، وهذا اصل عند العلماء في مجانبة من ابتداع وهجرته وقطع الكلام عنه، وقد رأى ابن مسعود رجلا يضحك في جنازة فقال: والله لا اكلمك ابدا ! قاله أبو عمر. ثم قدم أبو الدرداء من الشام على عمر بن الخطاب المدينة فذكر ذلك له، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية أن لا يبيع ذلك الا مثلا بمثل وزنا بوزن. بيان للمثل. قال أبو عمر: لا أعلم ان هذه القصة عرضت لمعاوية مع ابن الدرداء الا من هذا الوجه، وانما هي محفوظة لمعاوية مع عبادة بن الصامت والطرق

[232]

متواترة بذلك عنهما. والاسناد صحيح وان لم يرد من وجه آخر فهو من الافراد الصحيحة، والجمع ممكن لانه عرض له ذلك مع عبادة وأبو الدرداء " وقال شاه ولي الله الدهلوي في [المسوى من احاديث الموطأ]: مالك، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ان معاوية بن ابي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال له الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما ارى بمثل هذا بأسا فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية ؟ ! انا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه ! لا اساكنك بأرض أنت بها ! ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب - رض - فذكر له ذلك فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية بن ابي سفيان ألا تبع مثل ذلك الا مثلا بمثل وزنا بوزن. قوله، من يعذرني أي: من ينصرني، والعذير: النصير ". 16 بيع بعضهم الاصنام ورووا ان معاوية باع الاصنام في عهد سلطنته، ففي [المبسوط] مانصه: " وذكر عن مسروق رحمه الله قال: بعث معاوية رحمه الله بتماثيل صفر تباع بأرض الهند، فمر بها على مسروق رحمه الله قال: والله لولا أني أعلم انه يقتلني لغرقتها، ولكني اخاف ان يعذبني فيفتنني، والله لا أدري اي الرجلين معاوية: رجل زين له سوء عمله، أو رجل قد يئس من الاخرة فهو يتمتع في الدنيا ؟ وقيل: هذه تماثيل كانت أصيبت في الغنيمة، فأمر معاوية رضي الله عنه ببيعها بأرض الهند ليتخذ بها الاسلحة والكراع للغزاة، فيكون دليلا لابي حنيفة رحمه الله في جواز بيع الصنم والصليب ممن يعبده كما هو طريقة القياس، وقد استعظم ذلك مسروق رحمه الله كما هو طريق الاستحسان الذي ذهب إليه

[233]

ابو يوسف ومحمد رحمهما الله في كراهة ذلك. ومسروق من علماء التابعين، وكان يزاحم الصحابة رضي الله عنهم في الفتوى، وقد رجع ابن عباس إلى قوله في مسألة النذر بذبح الولد، ولكن مع هذا قول معاوية رضي الله عنه مقدم على قوله، وقد كانوا في المجتهدات يلحق بعضهم الوعيد بالبعض، كما قال علي رضي الله عنه: من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجد يعني بقول زيد رضي الله عنه -. وانما قلنا هذا لانه لا يظن بمسروق رحمه الله انه قال في معاوية رضي الله عنه ما قال عن اعتقاد، وقد كان هو من كبار الصحابة رضي الله عنهم وكان كاتب الوحي وكان امير المؤمنين، وقد اخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملك بعده، فقال له عليه السلام يوما: إذا ملكت أمر أمتي فأحسن إليهم، الا أن نوبته كانت بعد انتهاء نوبة علي رضي الله عنه ومضي مدة الخلافة، فكان مخطئا في مزاحمة علي رضي الله عنه تاركا لما هو واجب عليه من الانقياد له، لا يجوز أن يقال فيه أكثر من هذا. ويحكى أن أبا بكر محمد بن الفضل رحمه الله كان ينال منه في الابتداء، فرأى في منامه كأن شعرة تدلت من لسانه إلى موضع قدمه فهو يطؤها ويتألم من ذلك، ويقطر الدم من لسانه، فسأل المعبر عن ذلك فقال: انك تنال من واحد من كبار الصحابة رضي الله عنه فاياك ثم اياك. وقد قيل في تأويل الحديث أيضا: ان تلك التماثيل كانت صغارا لا تبدو للناظر من بعد، ولا بأس باتخاذ مثل ذلك على ما روي انه وجد خاتم دانيال عليه السلام في زمن عمر رضي الله عته وكان عليه نقش رجل بين أسدين يلحسانه وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان، فعرفنا أنه لا بأس باتخاذ ما صغر من ذلك. ولكن مسروقا رحمه الله كان يبالغ في الاحتياط، فلا يجوز اتخاذ شئ من

[234]

ذلك ولا بيعه، ثم كان تغريق ذلك من الامر بالمعروف عنده، وقد ترك ذلك مخافة على نفسه، وفيه تبيين أنه لا بأس باستعمال التقية وأنه يرخص له في ترك بعض ما هو فرض عند خوف التلف على نفسه، ومقصوده من ايراد الحديث أن يبين أن التعذيب بالسوط يتحقق فيه الاكراه كما يتحقق في القتل، لانه قال: لو علمت أنه يقتلني لغرقتها ولكن أخاف أن يعذبني فيفتتني، فتبين بهذا أن فتنة السوط أشد من فتنة السيف " 1. أقول: ولا يخفى على النبيه ما في هذا الكلام من فوائد، ولا سيما قوله: " وفيه تبيين أنه لا بأس باستعمال التقية.. " وأما ما ذكره للذب عن معاوية فواضح الهوان. 17 مخالفة بعضهم لصريح الكتاب لقد كان في الاصحاب من يرد الحكم المنصوص في الكتاب، ومن كان هذا دأبه لا يكون الاقتداء به موجبا للهداية، ولا يجوز أن ترجع إليه الامة في المنصوصات وغيرها.. قال الغزالي في مبحث حجية خبر الواحد: " ثم اعلم أن المخالف في المسألة له شبهتان، الشبهة الاولى قولهم: لا مستند في اثبات خبر الواحد الا الاجماع فكيف يدعى ذلك وما من أحد من الصحابة الا وقد رد خبر الواحد. ثم قال بعد ان ذكر طرفأ من شواهد ذلك: لكنا نقول في الجواب عما سألوا عنه الذي رويناه قاطع في عملهم وما ذكر تموه رد لاسباب عارضة تقتضي الرد ولا تدل على بطلان الاصل، كما ان ردهم بعض نصوص القرآن وتركهم بعض أنواع القياس ورد القاضي بعض انواع الشهادات لا يدل على بطلان الاصل " 2.


1) المبسوط في فقه الحنفية كتاب الاكراء. 2) المستصفى 1 / 135 - 136.

[235]

بل لقد ترك الاصحاب كتاب الله على عهد عمربن الخطاب حتى ذمهم عليه، فقد قال الحافظ ابن حزم: " أخبرني أحمد بن عمر العذري، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى البلوي غندر، ثنا خلف بن قاسم ثنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلى، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو النظري الدمشقي ثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبد العزيز عن اسماعيل بن عبيدالله عن السائب بن يزيد بن أخت نمر: انه سمع عمر بن الخطاب يقول: ان حديثكم شر الحديث، [و] ان كلامكم شر الكلام، فانكم قد حدثتم الناس حتى قيل: قال فلان، وقال فلان، ويترك كتاب الله، من كان فيكم [منكم] قائما فليقم بكتاب الله والا فليجلس. فهذا قول عمر لافضل قرن على وجه الارض فكيف لو أدرك ما نحن فيه من ترك القرآن وكلام محمد صلى الله عليه وسلم والاقبال على ما قال مالك وأبو حنيفة والشافعي ؟ وحسبنا الله ونعم الوكيل، وانا لله وانا إليه راجعون " 1. وقد رواه ابن القيم عن أبي زرعة كذلك، وعلق عليه بمثل كلام ابن حزم المذكور 2. 18 ابن عباس: ما سألوا النبي الا عن ثلاث عشرة مسألة عن ابن عباس قال: " ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما سألوه الا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن، منهن: " يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه " و " يسئلونك عن المحيض ".


(1) الاحكام في أصول الاحكام 6 / 97. (2) اعلام الموقعين 2 / 176.

[236]

قال: ما كانوا يسألون الا عما ينفعهم " 1. أقول: وهذا يكشف عن عدم عنايتهم بالاحكام الشرعية، والا لسألوه صلى الله عليه وسلم منتهزين فرصة وجوده بين أظهر هم. هذا شأن هؤلاء القوم، ومعه كيف يقال بأنهم متبعون فيما كان غير منصوص في الكتاب والسنة ؟ 19 خفاء الامور والاحكام الواضحة عليهم لقد خفي على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أوضح أموره وهم حواليه صلى الله عليه وسلم وحاضرون عنده. قال ولي الله: " ومنها اختلاف الوهم في التعبير، مثاله أن رسول الله حج، فرآه الناس، فذهب بعضهم إلى انه كان متمتعا، وبعضهم إلى انه كان قارنا، وبعضهم إلى انه كان مفردا " 2. وإذا كان هذا حالهم فلا يستحقون قطعا لان يكونوا هداة الامة من بعده. وقال الحافظ ابن عبد البر: " قرأت على أبي عبد الله محمد بن عبد الله ان محمد بن معاوية القرشي أخبرهم قال حدثنا اسحاق بن أبي حسان الانماطي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبد الحميد قال حدثنا الاوزاعي قال حدثنا عطاء بن أبي رباح قال سمعت ابن عباس يخبر ان رجلا أصابه جرح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اصابه احتلام، فأمر بالاغتسال فقر فمات، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلوه قتلهم الله، ألم يكن شفاء العي السؤال ؟. " 3.


(1) الانصاف في بيان سبب الاختلاف. (2) الانصاف في بيان سبب الاختلاف. (3) جامع بيان العلم 115.

[237]

ومما يقطع به كل عاقل: ان النبي صلى اللعليه وآله لا يأمر بالاقتداء بهكذا أناس مطلقا.. 20 - لا يجوز الاستنان بالرجال قال الحافظ ابن عبد البر: " حدثنا عبد الوارث بن سفيان ويعيش بن سعيد قالا حدثنا قاسم بن اصبع قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا بشر بن حجر قال حدثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن عطاء - يعنى ابن السائب - عن أبي البختري عن علي قال: اياكم والاستنان بالرجال، فان الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب - لعلم الله فيه - فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وان الرجل ليعمل بعمل أهل النار فينقلب - لعلم الله - فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهومن أهل الجنة، فان كنتم لابد فاعلين فبالاموات لا بالاحياء " 1. وظاهر أن المرتد لا يهتدى به، ولا ينجو من اقتدى به أبدا، ونحن ننزه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يأمر بالاقتداء بكل صحابي من صحابته..


1) جامع بيان العلم 390.تفنيد كلام المزني حول حديث النجوم

[239]

تفنيه كلام المزني حول حديث النجوم

[241]

واذ فرغنا من تفنيد استدلال (الدهلوي) بحديث النجوم بابطاله سندا ودلالة، كان من المناسب أن نذكر كلام المزني في معنى الحديث المذكور، ونتكلم عليه بما يبين بطلانه وفساده: قال ابن عبد البر: " قال المزني رحمه الله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم.. قال: ان صح هذا الخبر فمعناه فيما نقلوا عنه وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا، وأما ما قالوا فيه برأيهم فلو كان عند أنفسهم كذلك ما خطأ بعضهم بعضا، ولا أنكر بعضهم على بعض ولا رجع منهم أحد إلى قول صاحبه. فتدبر ". نوادر من سيرة الاصحاب أقول: هذا المعنى لا يصح، لانه لو كان كلهم ثقة مؤتمنا - على ما جاء به - لما طعن بعضهم في بعض ولما كذب بعضهم بعضا.. ولو أردنا استقصاء ذلك لاحتجنا إلى سفر كبير برأسه.. ولكننا نذكر هنا بعض الصحابة وما واجهوه من الذم والطعن، وما قيل فيهم من الاصحاب وغيرهم:

[242]

1 - أبو بكر وعمر لقد كذب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وسيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أبا بكر وعمر في رواية حديث " لا نورث، ما تركناه صدقة " وأبطلا امتناعهما عن دفع ما تركه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أهله، بالاستناد إلى هذا الحديث المزعوم، ووصفا أبا بكر وعمر بالكذب والاثم والغدر والخيانة. أخرج ذلك مسلم في [الصحيح] 1 وتجده في غيره من كتب الحديث، وقد فصلنا البحث عن ذلك في مجلد حديث (مدينة العلم). * ورووا ان عمرا قد أقسم بالله كاذبا في قضية الناقة، فقد ذكر الحافظ ابن حجر بترجمة عبد الله بن كيسبة: " وهو القائل لعمر بن الخطاب - واستحمله فلم يحمله: أقسم بالله أبو حفص عمر * ما مسها من لقب ولا دبر فاغفر له اللهم ان كان فجر وكان عمر نظر إلى راحلته لما ذكر انها وجعت فقال: والله ما بها من علة [قلبة] فرد عليه، فعلاه بالدرة وهرب وهو يقول ذلك، فلما سمع عمر آخر قوله حمله وأعطاه.. " 2. وفي [شرح النهج] في سيرة عمر: " أتى أعرابي عمر فقال: ان ناقتي بها نقبا ودبرا فاحملني، فقال [له]: والله ما ببعيرك نقب ولا دبر، فقال: اقسم بالله.. فقال عمر: اللهم اغفر لي، ثم دعاه فحمله " 3.


1) صحيح مسلم 2 / 54. 2) الاصابة 3 / 94. 3) شرح نهج البلاغة 12 / 62.

[243]

وروى القصة عبد القادر البغدادي 1. * وقال عمر لاهل الحبشة: " نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم " فكذبه النبي صلى الله عليه وسلم.. أخرجه الشيخان، وهذا لفظ مسلم: حيث قال: " حدثنا عبد الله بن براد الاشعري ومحمد بن العلاء الهمداني قالا: نا أبو أسامة ثنى بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن، فخرجنا مهاجرين إليه أنا واخوان لي أنا أصغر هما أحدهما أبو بردة والاخر أبورهم. اما قال: بعضا واما قال ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلا من قومي، قال: فركبنا في سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا ههنا وأمرنا بالاقامة فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، قال، فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فأسهم لنا - أو قال: أعطانا منها - وما قسم لاحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا الا لمن شهد معه الا لاصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه قسم لهم معهم. قال: فكان ناس من الناس يقول لنا - يعني لاهل السفينة - نحن سبقناكم بالهجرة، قال فدخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر إليه، فدخلا عمر على حفصة - وأسماء عندها - فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه ؟ قالت: أسماء بنت عميس، قال عمر: الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ (هامش) * 1) خزانة الادب 2 / 351 - 352.

[244]

فقالت أسماء: نعم، فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم. فغضبت وقالت كلمة: كذبت يا عمر، كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار - أو في أرض - البعداء البغضاء في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن كنا نوذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال: فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله، ان عمر قال كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بأحق بي منكم وله ولا صحابه هجرة واحدة ولكم - أنتم أهل السفينة - هجرتان. قالت فلقد رأيت أبو موسى وأصحاب السفينة يأتونني ارسالا يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شئ هم به أفرح وأعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو بردة: فقالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وانه ليستعد هذا الحديث مني " 1. أقول: ولقد قال ذلك لاسماء جماعة من الاصحاب تبعا لعمر بن الخطاب فكذبهم النبي صلى الله عليه وآله كذلك، فقد روى المتقي: " عن الشعبي، قال: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل جعفر بن أبي طالب، ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته أسماء بنت عميس حتى فاضت عبرتها، فذهب بعض حزنها، ثم أتاها فعزاها ودعا بنى جعفر فدعا لهم ودعا لعبد الله بن


1) صحيح مسلم 2 / 264.

[245]

جعفر أن يبارك له في صفقة يده، فكان لا يشتري شيئا الا ربح فيه. فقالت له أسماء: يا رسول الله ان هؤلاء يزعمون أنا لسنا من المهاجرين، فقال: كذبوا، لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم الي [ش] 1. 2 عثمان بن عفان لم يصدق أبو بكر وعمر عثمان فيمازعم روايته من استئذانه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رد طريد الرسول الحكم بن أبي العاص إلى المدينة. وقد ذكر ذلك كبار علماء أهل السنة في كتبهم كالغزالي في [المستصفى 1 / 135] والعبري في [شرح المنهاج]. 3 أبو موسى الاشعري وكان أبو موسى الاشعري متهما في الحديث لدى عمر بن الخطاب، كما تقدم في هذا الكتاب. 4 أبو هريرة لقد كذب عمر بن الخطاب أبا هريرة واتهمه وانكر عليه، حتى ضربه بالدرة وهدده باخراجه من المدينة المنورة.. قال السرخسي: " ولما بلغ عمر ان أبا هريرة يروى [بعض] ما لا يعرف قال: لتكفن عن هذا أو لا لحقنك بجبال دوس " 2. وقال ابن عبد البر: " وعن أبي هريرة أنه قال: لقد حدثتكم بأحاديث لو


1) كنز العمال 15 / 294. 2) الاصول 1 / 341.

[246]

حدثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة " 1. وفي [كنز العمال]: " عن السائب بن يزيد قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لا بي هريرة: لنتر كن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لا لحقنك بأرض دوس. وقال لكعب: لتتر كن أو لا لحقنك بأرض القردة. كر " 2. ورواه ابن كثير وفيه أيضا: " وقال صالح بن أبي الاخضر عن [الزهري عن] أبي سلمة سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر " 3. وفي [تذكرة الحفاظ] بترجمة عمر: " عن أبي سلمة عن أبي هريرة قلت له: [أ] كنت تحدث في زمان عمر هكذا ؟ فقال: لو كنت أحدث في زمان عمر مثل ما أحدثكم لضربني بمخفقته " 4. وقال ابن قتيبة: " وأما ما طعنه " يعني النظام " على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة له فان أبا هريرة صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من ثلاث سنين وأكثر الرواية عنه، وعمر بعده نحوا من خمسين سنة وكانت وفاته سنة تسع وخمسين - وفيها توفيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وتوفيت عائشة رضي الله عنها قبلها بسنة - فلما أتى من الرواية عنه ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الاولين إليه اتهموه وانكروا عليه وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك ؟ ومن سمعه معك ؟ وكانت عائشة رضي الله عنها أشدهم انكارا عليه، لتطاول الايام بها وبه، وكان عمر أيضا شديدا على


1) جامع بيان العلم 399. 2) كنز العمال 10 / 179. 3) البداية والنهاية 8 / 106 - 107. 4) تذكرة الحفاظ 1 / 7.

[247]

من أكثر الرواية أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه، وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية، يريد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والاعرابي " 1. وفي [شرح نهج البلاغة] عن الاسكافي: " وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرتضي الرواية، ضربه عمر بالدرة وقال [له]: قد أكثرت الرواية وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " 2. * وكان عثمان أيضا يكذب أبا هريرة، وكذا سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام كما مضى في عبارة ابن قتيبة، وفي [شرح النهج] عن أبي جعفر الاسكافي: " وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: ألا ان اكذب الناس - أو اكذب الاحياء - على رسول الله " ص " أبو هريرة الدوسي " 3. * وكانت عائشة " المجتهدة ! ! " اشد الناس انكارا على ابي هريرة، كما نص عليه ابن قتيبة في عبارته الماضية، وقد اوردنا طرفا من قضاياها معه في القسم الاول من مجلد (حديث الغدير). * وقد كذبه الزبير بالعوام - وهو احد العشرة المبشرة كما يقولون - فقد ذكر ابن كثير: " قال ابن [ابي] خيثمة ثنا هارون بن معروف ثنا محمد بن [ابي] سلمة ثنا محمد بن اسحاق ععمر - أو عثمان - ابن عروة عن ابيه - يعني عروة بن الزبير بن العوام - قال: قال لي ابي الزبير: ادنني من هذا [اليماني] - يعني ابا هريرة - فانه يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأدنيته منه، فجعل ابو هريرة يحدث وجعل الزبير يقول صدق


1) تأويل مختلف الحديث 38. 2) شرح نهج البلاغة 4 / 67. 3) شرح نهج البلاغة 4 / 68.

[248]

كذب صدق كذب. قال قلت: يا ابت ما قولك صدق كذب ؟ قال: يا بني اما ان يكون سمع هذه الاحاديث من رسول الله " ص " فلا اشك، ولكن منها ما وضعه [يضعه] على مواضعه ومنها ما وضعه على غير مواضعه " 1. من كلمات التابعين وكبار العلماء في ابى هريرة ابراهيم بن يزيد التيمى قال أبو جعفر الاسكافي على ما نقل عنه ابن أبي الحديد: " وروى سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم التيمي قال: كانوا لا يأخذون عن أبي هريرة الا ما كان من ذكر جنة أو نار. وروى أبو أسامة عن الاعمش قال: كان ابراهيم صحيح الحديث فكنت إذا سمعت [من أحد] الحديث أتيته فعرضته عليه، فأتيته يوما بأحاديث من أحاديث [حديث] أبي صالح عن أبي هريرة فقال: دعني من أبي هريرة، انهم كانوا ينكرون [يتركون] كثيرا من أحاديثه [حديثه] " 2. ابراهيم بن يزيد النخعي قال ابن كثير: " وقال شريك عن مغيرة عن ابراهيم قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، وروى الاعمش عن ابراهيم قال: ما كانوا يأخذون من كل [بكل] حديث أبي هريرة. [و] قال الثوري عن منصور عن ابراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي


1) تاريخ ابن كثير 8 / 108. 2) شرح نهج البلاغة 4 / 68.

[249]

هريرة أشياء [شيئا]، وما كانوا يأخذون من حديثه [بكل حديث أبي هريرة] الا ما كان من صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح أو نهى عن شئ [شر] جاء القرآن به " 1. بسر بن سعيد قال ابن كثير: " وقال مسلم بن الحجاج ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ثنا مروان الدمشقي عن الليث بن سعد حدثني بكير بن الاشج قال قال بسر ابن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا [من] الحديث فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث حديث [عن] رسول الله صلى الله عليه وسلم [ويحدثنا عن كعب الاحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله " ص " وفي رواية: يجعل ما قاله كعب عن رسول الله " ص " وما قال [قاله] رسول الله " ص " عن كعب،. فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث " 2. شعبة بن الحجاج قال ابن كثير: " وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس، أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبين [يميز] هذا من هذا. ذكره ابن عساكر. وكان شعبة بهذا يشير إلى حديثه: من أصبح جنبا، فلا صيام له، فانه لما حوقق [عليه] قال أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله " ص " " 3.


1) تاريخ ابن كثير 8 / 109. 2) تاريخ ابن كثير 8 / 109. 3) تاريخ ابن كثير 8 / 109.

[250]

أبو حنيفة قال الاسكافي على ما جاء في [شرح النهج]: " وروى أبو يوسف قال قلت لابي حنيفة يجئ الخبر [الخبر يجئ] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف قياسنا ما نصنع به ؟ قال: إذا جاءت به الرواة الثقات عملنا به وتركنا الرأي [ف‍] قلت: ما تقول في رواية أبي بكر وعمر ؟ فقال: ناهيك به [بهما]، فقلت: علي وعثمان ؟ فقال: كذلك، فلما رآني أعد الصحابة قال: الصحابة كلهم عدول ما عدا رجالا، ثم عد منهم أبا هريرة وأنس بن مالك " 1. أقول: ولعمري ان أبا حنيفة النعمان وان سلك في تعديل قاطبة الاصحاب مسلك المجازفة والعدوان الا انه أحسن غاية الاحسان في استثناء أبي هريرة وغيره من أولي البغي والطغيان. وقال أبو حنيفة - كما ذكر الكفوي نقلا عن الصدر الشهيد -: " أقلد جميع الصحابة ولا أستجيز خلافهم برأي الا ثلاثة نفر: أنس بن مالك وأبو هريرة وسمرة بن جندب، فقيل له في ذلك فقال أما أنس فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وأنا لا أقلد علقمة فكيف أقلد من يستفتي من علقمة ؟ وأما أبو هريرة فكان يروي كلما بلغه وسمع من غير تأمل في المعنى " 2. محمد بن الحسن الشيباني قال ابن حزم في مسألة أحقية البائع بالمتاع إذا ؟ ؟ أفلس التي خالف فيها * (هامش) 1) شرح نهج البلاغة 4 / 68. 2) كتاب أعلام الاخيار من علماء مذهب النعمان المختار.

[251]

الحنفية " روينا من طريق أبي عبيد انه ناظر في هذه المسألة محمد بن الحسن، فلم يجد عنده أكثر من أن قال: هذا حديث أبي هريرة. قال أبو محمد: نعم والله من حديث أبي هريرة البر الصادق، لا من حديث مثل محمد بن الحسن الذي قيل لعبد الله بن المبارك: من أفقه، أبو يوسف أو محمد بن الحسن ؟ فقال: قل أيهما أكذب ؟ " 1. عيسى بن أبان البصري الحنفي قال علي بن يحيى الزندويستي: " قال عيسى بن أبان أقلد جميع الصحابة الا ثلاثة منهم: أبو هريرة ووابصة بن معبد وأبو سنابل بن بعكك " 2. ابو جعفر محمد بن عبد الله الهندوانى قال الزندويستي: " واختلفوا ان تقليد قول الصحابة حجة تقبل بغير معرفة المعنى ويعمل به، حتى روى عن أبي حنيفة رضي الله عنه انه سئل فقيل له: إذا قلت قولا وكتاب الله يخالف قولك ؟ قال أترك قولي بكتاب الله، فقيل له: إذا كان قول الصحابي يخالف قولك ؟ قال: أترك قولي بقول الصحابي، فقيل له: إذا كان قول التابعي يخالف قولك ؟ قال: لا يترك قولي بقوله، قال: إذا كان ؟ ؟ التابعي رجلا فأنا رجل، ثم قال: أترك قولي بجميع قول الصحابة الا ثلاثة منهم: أبو هريرة وأنس بن مالك وسمرة بن جندب رضي الله عنهم. قال الفقيه أبو جعفر الهندواني رحمه الله: انما لم يترك قوله بقول هؤلاء الثلاثة لانهم مطعونون، أما أبو هريرة فانه روى عن رسول الله صلى الله عليه


1) المحلى لا بن حزم. 2) روضة العلماء.

[252]

وسلم أنه قال من أصبح جنبا فلاصوم له، قالت عائشة رضي الله عنها: أخطأ أبو هريرة، كان رسول الله " ص " يصبح جنبا من غير احتلام ثم يتم صومه وذلك في رمضان، قال أبو هريرة: هي أعلم، كنت سمعته من الفضل بن العباس، والفضل كان يومئذ ميتا، فقد أحال خبره إلى ميت، فصار مطعونا.. " 1. ابو بكر الجصاص قال الجصاص مانصه: " وقد روى أبو هريرة خبرا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أصبح جنبا فلا يصومن يومه ذلك، الا أنه لما أخبر برواية عائشة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا علم لي بهذا، أخبرني الفضل بن العباس، وهذا مما يوهن خبره لانه قال بديا ما أنا قلت - ورب الكعبة - من أصبح جنبا فقد أفطر، محمد قال ذلك ورب الكعبة، وأفتى السائل عن ذلك بالافطار، فلما أخذ [أخبر] برواية عائشة وأم سلمة تبرأ من عهدته وقال: لا علم لي بهذا، انما أخبرني به الفضل. " 2. عمر بن عبد العزيز الصدر الشهيد وقد تقدم ما يفيد طعنه في أبي هريرة عن كتاب [كتائب أعلام الاخيار]. الحنفية وأبو هريرة مطعون لدى فقهاء الحنفية، وذلك مشهور عنهم، قال ابن حجر العسقلاني في كتاب البيوع: " قال الحنابلة: واعتذر الحنفية عن الاخذ بحديث المصراة بأعذار [شتى]، فمنهم من طعن في الحديث لكونه من


1) روضة العلماء. 2) أحكام القرآن 1 / 195.

[253]

رواية أبي هريرة ولم يكن كأبن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ بما رواه مخالفا للقياس الجلي، وهو كلام آذى به قائله [قائله به] نفسه، وفي حكايته غنى عن تكلف الرد عليه، وقد ترك أبو حنيفة القياس الجلي لرواية أبي هريرة وأمثاله كما في الوضوء بنبيذ التمر ومن القهقهة في الصلاة وغير ذلك. وأظن [أن] لهذه النكتة ؟ ؟ أورد البخاري حديث ابن مسعود عقب حديث أبي هريرة، اشارة منه إلى أن ابن مسعود قد أفتى بوفق حديث أبي هريرة، فلولا أن خبر أبي هريرة في ذلك ثابت لما خالف ابن مسعود القياس الجلي في ذلك. وقال ابن السمعاني في الاصطلام: التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة، وقد اختص أبو هريرة بمزيد الحفظ لدعاء رسول الله " ص " له، يعني المتقدم في كتاب العلم وفي أول البيوع " 1. شيوخ المعتزلة وتقدم قول أبي جعفر الاسكافي: " وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا، غير مرضي الرواية، ضربه عمر رضي الله عنه بالدرة وقال له: قد أكثرت الرواية وأخرتك [وأحربك - ظ] أن تكون كاذبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ". أبو جعفر الاسكافي وقد طعن فيه أبو جعفر الاسكافي كما سمعت، وقال أيضا [شرح النهج] " ان معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية قبيحة في


1) فتح الباري 4 / 290.

[254]

علي رضي الله عنه تقتضي الطعن والبراءة منه، وجعل لهم جعلا يرغب في مثله، فاختلفوا ما أرضاه، منهم: أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين: عروة بن الزبير. قال: وأما أبو هريرة: فروي عنه الحديث الذي معناه ان عليا رضي الله عنه خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسخطه، فخطب على المنبر وقال: لاها الله، لا يجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله، ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فان كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد، أو كلاما هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي ". أقول: بل يتبين عدم اعتماد الصحابة والتابعين على حديثه من كلام أبي هريرة نفسه، فقد أخرج عنه الحميدي أنه قال: " ألا انكم تحدثون أني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. " 1. وفي [المرقاة]: " وعنه " أي أبي هريرة قال: " انكم " أي معشر التابعين وقيل الخطاب مع الصحابة المتأخرين - " تقولون: أكثر أبو هريرة " أي الرواية " عن النبي (ص) والله الموعد " أي: موعدنا، فيظهر عنده صدق الصادق وكذب الكاذب، لان الاسرار تنكشف هنالك. وقال الطيبي: أي لقاء الموعد، ويعني به يوم القيامة فهو يحاسبني على ما أزيد وأنقص، لا سيما على رسول الله " ص " وقد قال: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار " 2. وقال الاسكافي على ما نقل عنه: " روى الاعمش قال: لما قدم أبو هريرة


1) الجمع بين الصحيحين - مخطوط. 2) المرقاة - شرح المشكاة 5 / 458.

[255]

العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما كثر [فلما رأى كثرة] من استقبله من الناس جثى على ركبتيه ثم ضرب صلعته مرارا وقال: يا أهل العراق، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان لكل نبي حرما و [ان] حرمي المدينة [بالمدينة] ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وأشهد [بالله] ان عليا أحدث فيها، فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه امارة المدينة. قال ابن أبي الحديد: قلت: [أما قوله] ما بين عير إلى ثور [فالظاهر انه] غلط من الراوي لان ثورا بمكة وهو جبل يقال له ثور أطحل، وفيه الغار الذي دخله رسول الله [النبي] صلى الله عليه وآله وأبو بكر [رضي الله عنه].. فأما قول أبي هريرة ان عليا عليه السلام أحدث [في المدينة]، فحاش لله، كان علي عليه السلام أتقى لله من ذلك، و [والله] لقد نصر عثمان نصرا لو كان المحصور جعفر بن أبي طالب لم يبذل له الا مثله " 1. وقال العيدروس اليمني: " وقال أبو هريرة يوم دفن الحسن بن علي: قاتل الله مروان قال والله ما كنت لادع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دفن عثمان بالبقيع، فقلت: يا مروان اتق الله ولا تقل لعلي الا خيرا، فأشهد لقد سمعت رسول الله " ص " يقول يوم خيبر لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ليس بفرار، وأشهد لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحسن: اللهم اني أحبه فأحبه وأحب من يحبه.


1) شرح نهج البلاغة 4 / 67.

[256]

قال مروان: انك والله لقد أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث فلا نسمع منك ما تقول، فهلم غيرك يعلم ما تقول، قال قلت: هذا أبو سعيد الخدري، فقال مروان: لقد ضاع حديث رسول الله " ص " حين لا يرويه الا أنت وأبو سعيد الخدري، والله ما أبو سعيد الخدري يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم الا غلام، ولقد جئت أنت من جبال دوس قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير، فاتق الله يا أبا هريرة. قال قلت: نعما اوصيت به، وسكت عنه " 1. 5 أبي بن كعب لقد اتهم عمر بن الخطاب أبي بن كعب وأهانه قولا وفعلا، قال السمهودي " وقال ابن سعد أنا يزيد بن هارون أنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبي النضر قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر رضي الله عنه وضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور الا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس يا أبا الفضل ان مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم الا دارك وحجر امهات المؤمنين، فأما حجر امهات المؤمنين فلاسبيل إليها، وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم، فقال العباس: ما كنت لافعل، قال فقال له عمر: اختر مني احدى ثلاث. أما أن تبيعنيها بما شئت من بيت المال، وأما أن أحظك [أخطك] حيث شئت من المدينة وأبنها لك من بيت مال المسلمين، وأما أن تصدق بها على المسلمين فتوسع في مسجدهم فقال: لا ولا واحدة منها، فقال عمر: اجعل بيني وبينك من شئت، فقال:


1) العقد النبوى - مخطوط.

[257]

أبي بن كعب. فانطلقا إلى أبي فقصا عليه القصة، فقال أبي: ان شئتما حدثتكما بحديث سمعته من رسول الله " ص " فقالا: حدثنا، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان الله أوحى إلى داود ان ابن لي بيتا أذكر فيه، فخط لي [له] هذه الخطة خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بزواية بيت رجل من بني اسرائيل، فسأله داود أن يبيعه اياها فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذه منه، فأوحى الله إليه يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه، فأردت أن تدخل في بيتي الغصب ؟ وليس من شأني الغصب، وان عقوبتك أن لا تبنيه، قال: يا رب فمن ولدي ؟ قال: فمن ولدك. فأخذ [عمر] بمجامع ابى بن كعب فقال: جئتك بشئ فجئت بما هو اشد منه ؟ لتخرجن مما قلت، فجاء يقوده حتى دخل المسجد فأوقفه على حلقة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أبو ذر، فقال أبي: نشدت الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر حديث بيت المقدس حين امر الله داود ان يبنيه الا ذكره، فقال أبو ذر: انا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال آخر: انا سمعته يعني من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فأرسل أبيا، قال فأقبل ابي على عمر فقال: يا عمر اتتهمني على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر: والله يا ابا المنذر ما اتهمتك عليه ولكن اردت ان يكون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا. قال: وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك، فقال العباس اما إذ [ا] قلت ذلك فاني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع عليهم في مسجدهم فأما وأنت نخاصمني فلا، قال: فخط له عمر داره التي هي اليوم وبناها من بيت مال

[258]

المسلمين " 1. 6 - أنس بن مالك لقد كذب انس بن مالك في قضية الطير المشوي، كما هو ظاهر كل الظهور على من راجع مجلد (حديث الطير) من كتابنا. كما أنه كتم الشهادة عندما ناشده امير المؤمنين عليه السلام في جماعة عن حديث الغدير، فكتم الشهادة، معتذرا بالنسيان كاذبا، فدعا عليه الامام عليه السلام وسرعان ما ظهر عليه اثر دعوته. وفي كتاب [الاربعين] لاسعد بن ابراهيم الاربلي عن شيخه ابن دحية الكلبي، عن سالم بن أبي الجعد قال: " حضرت مجلس انس بن مالك - وهو مكفوف البصر وفيه وضح - فقام إليه رجل من القوم - وكأنه كان بينه وبين انس احنة - وقال له: يا صاحب رسول الله، ما هذه السمة التي أراها بك ؟ فوالذي بعث محمدا نبيا لقد حدثني ابي عن النبي ان الله قد بين ان البرص والجذام ما يبتلى به مؤمنا ونرى بك وضحا، فأطرق انس بن مالك إلى الارض وعيناه تذرفان بالدمع وقال: أما الوضح فانها من دعوة دعاها امير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله عنه، فقام إليه جماعة فسألوه ان يحدثهم بالحديث قال: لما أنزلت سورة الكهف سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم ان يريهم اصحاب الكهف فوعدهم ذلك، فبينما هو جالس في بعض الايام وقد اهدي له بساط من قرية يقال لها هندف من قرى الشام وحضرت الصحابة وذكروه بوعدهم فقال: احضروا عليا، فلما حضر قال لي: يا انس أبسط البساط وأمر


(1) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 1 / 482.

[259]

اصحابه ان يجلسوا عليه. فلما جلسوا رفع يديه إلى السماء ساعة وسأل الله تعالى وأمر عليا أن يكنف القوم ويسأل الله معه كما يسأل ان يبعث له ملائكة اربعة يحملون البساط وعليه الصحابة لان ينظروا اهل الكهف، فما كان الا ساعة وارتفع البساط قال انس: وانا معهم وسرنا في الهواء إلى الظهر فوقف البساط ثم وقعنا على الارض، فشاهدنا اهل الكهف. وكان علي يأمر البساط ان يمضي كما يريد، فكأنه كان يعرف الكهف وقال انزلوا نصلي، فنزلنا وأم بنا وصلينا وتقدمنا إليهم فرأينا قوما نياما تضئ وجوههم كالقناديل وعليهم ثياب بيض وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فملئنا منهم رعبا فتقدم علي بن ابي طالب رضي الله عنه فقال: السلام عليكم، فردوا عليه السلام فتقدمت الجماعة فسلموا فلم يردوا عليهم السلام، فقال لهم علي: لم لم تردوا على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال احدهم: سل ابن عمك ونبيك ثم قال علي للجماعة: خذوا مجالسكم، فلما اخذوا قال علي رضي الله عنه: يا ملائكة الله ارفعوا البساط، فرفع فسرنا في الهواء ما شاء الله، ثم قال: ضعونا لنصلي الظهر، فإذا بأرض ليس بها ماء يشرب ولا يتوضأ، فركض برجله الارض فنبع ماء عذب، فتوضأنا وصلينا وشربنا فقال: ستدركون صلاة العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار بنا إلى العصر فإذا نحن على باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآنا هنأنا بالسلم وأقبل يحدثنا كأنه كان معنا وقال: يا علي لما سلمت عليهم ردوا السلام وسلم اصحابي فلم يردوا، فسألتهم عن ذلك قالوا: سل ابن عمك ونبيك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون السلام الا على نبي أو وصي نبي، ثم قال: اشهد لعلي يا انس. فلما كان يوم السقيفة استشهدني علي وقال: يا أنس اشهد لي بيوم البساط

[260]

قلت له: اني نسيت، قال: فان كنت كتمتها بعد وصية رسول الله " ص " فرماك الله ببياض في عينك ووجهك ولظى في جوفك وأعمى بصرك فبرصت وعميت. وكان أنس لا يطيق الصيام في شهر رمضان ولا في غيره من حرارة بطنه، ومات بالبصرة، وكان يطعم كل يوم مسكينا ". وفي [شرح نهج البلاغة]: " وذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أن عدة من الصحابة والتابعين والمحدثين كانوا منحرفين عن علي عليه السلام قائلين فيه السوء، ومنهم من كتم مناقبه وأعان أعداءه ميلا مع الدنيا وايثارا للعاجلة، فمنهم أنس بن مالك، ناشد علي عليه السلام الناس في رحبة القصر أو قال: رحبة الجامع - بالكوفة من [أيكم] سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كنت مولاه [فعلي مولاه] ؟ فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها وأنس بن مالك في القوم لم يقم فقال له: يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد فلقد حضرتها ؟ ! فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال: اللهم ان كان كاذبا فارمه بها بيضاء لاتواريها العمامة. قال طلحة بن عمير: فوالله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه. وروى عثمان بن مطرف: ان رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب فقال: [اني] آليت ان لاأكتم حديثا سئلت عنه في علي بعد يوم الرحبة، ذلك [ذاك] رأس المتقين يوم القيامة، سمعته والله من نبيكم " 1. ولقد علم فيما تقدم طعن أبي حنيفة في جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك.


1) شرح النهج 4 / 74.

[261]

7 - زيد بن ارقم وزيد بن أرقم أيضا ممن كتم الشهادة بحديث الغدير، قال ابن المغازلي " أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن عبد الله بن شوذب قال حدثني [أبي قال حدثنا محمد بن الحسين الزعفراني حدثني] أحمد بن يحيى بن عبد الحميد حدثني [أبو] اسرائيل الملائي عن الحكم بن [عن] أبي سليمان المؤذن عن زيد بن أرقم قال: نشد علي الناس في المسجد [قال]: انشد [الله] رجلا سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فكنت [وكنت] انا فيمن كتم، فذهب بصري " 1. ورواه الحلبي في [السيرة 3 / 337]. والجامي في [شواهد النبوة] في كرامات الامام عليه السلام. 8 البراء بن عازب وهو أيضا ممن كتم الشهادة بذلك، قال المحدث الشيرازي في حديث الغدير: " ورواه زر بن حبيش فقال: خرج علي من القصر فاستقبله ركبان متقلدي السيوف عليهم العمائم حديثي عهد بسفر، فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا مولانا. فقال علي بعد ما رد السلام: من ههنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام اثنا عشر رجلا منهم خالد بن زيد أبو أيوب الانصاري وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وثابت بن قيس بن شماس وعمار بن ياسر وأبو الهيثم بن التيهان وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وحبيب بن بديل بن ورقاء، فشهدوا انهم


(1) مناقب أمير المؤمنين: 23.

[262]

سمعوا رسول الله يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه.. الحديث. فقال علي لانس بن مالك والبراء بن عازب: ما منعكما أن تقوما فتشهدا، فقد سمعتما كما سمع القوم ؟ فقال: اللهم ان كانا كتماها معاندة فأبلهما، فأما البراء فعمي، فكان يسأل عن منزله فيقول كيف يرشد من أدركته الدعوة، وأما أنس فقد برصت قدماه.. " 1. وسيأتي هذا عن البلاذري أيضا. 9 - جرير بن عبد الله وهو أيضا ممن كتمها، قال البلاذري: " قال علي على المنبر: أنشد الله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، الا قام فشهد، وتحت المنبر أنس بن مالك والبراء بن عازب وجرير بن عبد الله [البجلي]، فأعادها فلم يجبه احد، فقال: اللهم من كتم هذه الشهادة - وهو يعرفها - فلا نخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها قال: فبرص أنس وعمي البراء ورجع جرير أعرابيا بعد هجرته، فأتى السراة فمات في بيت أمه [بالسراة] " 2. 10 - سمرة بن جندب وقد باع سمرة بن جندب دينه بدنياه وآثر العاجلة على الاخرة، إذ ارتكب الكذب الصريح وأتى بالبهتان العظيم، قال ابن أبي الحديد " قال أبو جعفر: وقد روي أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف


(1) الاربعين للمحدث الشيرازي - مخطوط. (2) انساب الاشراف 2 / 156.

[263]

درهم حتى يروي ان هذه الاية نزلت في علي بن أبي طالب " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " وان الاية الثانية [ا] نزلت في ابن ملجم وهي [قوله تعالى] " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " فلم يقبل. فبذل له مائتي ألف [درهم] فلم يقبل. فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل. فبذل له أربعمائة ألف فقبل وروى ذلك " 1. وفى [شرح النهج] أيضا: " وروى شريك قال أخبرنا عبيد [عبد] الله بن معد [سعد] عن حجر بن عدي قال: قدمت المدينة فجلست إلى أبي هريرة فقال ممن أنت ؟ قلت: من أهل البصرة، قال: فما فعل سمرة بن جندب ؟ قلت: هو حي، قال: ما [احد] أحب الي طول حياة منه، قلت: ولم ذاك ؟ قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي وله ولحذيفة بن اليمان: آخركم موتا في النار فسبقنا حذيفة، واني الان اتمنى ان أسبقة، قال: فبقي سمرة بن جندب حتى شهد مقتل الحسين [بن علي]. وروى احمد بن بشير عن مسعر بن كدام قال: كان سمرة [ابن جندب] أيام مسير الحسين عليه السلام إلى الكوفة على شرطة عبيدالله بن زياد، وكان يحرض الناس على الخروج إلى الحسين عليه السلام وقتاله " 2. ولقد علم فيما تقدم طعن أبي حنيفة في سمرة بن جندب.


(1) شرح النهج 4 / 73. (2) شرح النهج 4 / 87.

[264]

11 - المغيرة بن شعبة لقد اتهم أبو بكر المغيرة بن شعبة إذ رد خبره في ميراث الجدة حتى أخبره معه محمد بن مسلمة، ذكر ذلك جماعة منهم الغزالي في [المستصفى 1 / 135]. وتقدم عن أبى جعفر الاسكافي: ان المغيرة كان يضع الاحاديث القبيحة في أمير المؤمنين عليه السلام بترغيب من معاوية بن أبي سفيان. واتهمه عمر بن الخطاب إذ رد خبره في دية الاملاص فقد جاء في [تذكرة الحفاظ]: " وروى هشام عن أبيه المغيرة بن شعبة: ان عمر استشارهم في املاص المرأة - يعني السقط - فقال له المغيرة: قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة، فقال له عمر: ان كنت صادقا فلت أحدا يعلم ذلك. قال: فشهد محمد بن مسلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به " 1. 12 - عمرو بن العاص وكان عمرو بن العاص من الصحابة الذين حرضهم معاوية بن أبي سفيان على وضع الاحاديث القبيحة في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، كما مر فيما سبق في عبارة الاسكافي. وكان قد تعود الكذب، حتى أنه كذب في خطبة له على رؤوس الاشهاد، الامر الذي اضطر بعضهم إلى تكذيبه علانية فيما رواه البخاري في [التاريخ الصغير] وأحمد في [المسند] والطبري في [التاريخ قال الطبري: " لما اشتعل الوجع قام ابو عبيدة في الناس خطيبا فقال: ايها الناس ان هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم


(1) تذكرة الحفاظ - ترجمة عمر بن الخطاب.

[265]

وموت الصالحين قبلكم، وان أبا عبيدة يسأل الله ان يقسم له منه حظه، فطعن فمات. واستخلف على الناس معاذ بن جبل قال: فقام خطيبا بعده فقال: اما أيها الناس ان هذا الوجع رحمة ربكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وان معاذا يسأل الله أن يقسم لال معاذ منه حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن بن معاذ فمات، ثم قام فدعا به لنفسه فطعن في راحته، فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبل ظهر كفه ثم يقول: ما أحب ان لي بما فيك شيئا من الدنيا. فلما مات استخلف [على] الناس عمرو بن العاصي، فقام خطيبا في الناس فقال: ايها الناس ان هذا الوجع إذا وقع فانما يشتعل اشتعار النار فتجبلوا منه في الجبال. فقال أبو واثلة الهذلي: كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت شر من حماري هذا، قال: والله ما ارد عليك ما تقول وأيم الله لا نقيم عليه " 1. 13 - معاوية بن أبى سفيان ولقد كان معاوية بن أبي سفيان يحمل أصحابه الذين باعوه دينهم بدنياه على الكذب والافتراء ووضع الاحاديث، وقد كتب نسخة إلى عماله بعد ما يسمى ب‍ " عام الجماعة " يأمرهم بقتل شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ورواة فضائله، وبلعنه على المنابر ووضع الاحاديث في ذمه والثناء على مناوئيه.. ذكر ذلك كافة المؤرخين. على ان معاوية نفسه كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج أحمد وأبو داود باسنادهما عن أبي شيخ الهنائي - واللفظ للاول: " ان


(1) تاريخ الطبري 3 / 162 - 163.

[266]

معاوية قال لنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أتعلمون ان رسول الله نهى عن لباس الذهب الا مقطعا ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وتعلمون انه نهى عن جلود النمور أن يركب عليها ؟ قالوا: اللهم نعم، قال وتعلمون انه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة ؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وتعلمون انه نهى عن المتعة - يعني متعة الحج ؟ قالوا: اللهم لا " 1. وكذب معاوية على قيس بن سعد، روى ذلك المؤرخون كالطبري وابن الاثير وابن تغرى بردى، قال ابن الاثير: " فلما قرأ قيس كتابه ورأى انه لا يفيد معه المدافعة والمماطلة أظهر له ما في نفسه، فكتب إليه: أما بعد فالعجب من اغترارك بي وطمعك في واستسقاطك اياي، أتسومني الخروج عن طاعة أولى الناس بالامارة، وأقولهم بالحق، وأهداهم سبيلا، وأقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة، وتأمرني بالدخول في طاعتك طاعة أبعد الناس من هذا الامر، وأقولهم بالزور، وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيلة، ولد ضالين مضلين، طاغوت من طواغيت ابليس ؟ ! وأما قولك " اني مالئ عليك مصر خيلا ورجالا " فوالله ان لم أشغلك بنفسك حتى تكون أهم اليك انك لذوجد. والسلام. فلما رأى معاوية كتابه أيس منه وثقل عليه مكانه ولم تنجع حيلة فيه، فكاده من قبل علي فقال لاهل الشام: لا تسبوا قيس بن سعد ولا تدعوا إلى غزوه فانه لنا شيعة، قد تأتينا كتبه ونصيحته سرا، ألا ترون ما يفعل باخوانكم الذين عنده من أهل خربتا ؟ يجري عليهم اعطياتهم وأرزاقهم ويحسن إليهم. وافتعل كتابا عن قيس إليه بالطلب بدم عثمان والدخول معه في ذلك وقرأ على أهل الشام. (1) المسند 4 / 95.

[267]

فبلغ ذلك عليا - ابلغه ذلك محمد بن ابي بكر ومحمد بن جعفر بن ابي طالب وأعلمته عيونه بالشام - فأعظمه واكبره، فدعا ابنيه وعبد الله بن جعفر فأعلمهم ذلك، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، اعزل قيسا عن مصر. فقال علي: اني والله ما أصدق بهذا عنه " 1. * ولقد كذب على جماعة فيهم سيدنا الامام الحسين السبط عليه السلام وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن ابي بكر وعائشة، في قضية اقامة يزيد ابنه مقامه وأخذ البيعة له، إذ وكل بكل رجل منهم رجلين - بعد أن سبهم وهد دهم بالقتل - وقام خطيبا فقال: " ان عبد الله بن عمر وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن ابي بكر بايعوا له.. ". فكذبوه قائلين " لا والله ما بايعنا ولكن فعل بنا معاوية ما فعل " 2. * ولقد ذمه وطعن فيه جماعة من أصحاب علي عليه السلام في وجهه، روى المسعودي باسناده قال: " حبس معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد الله ابن الكواء اليشكري ورجالا من أصحاب علي عليه السلام مع رجال من قريش فدخل عليهم معاوية يوما فقال: نشدتكم بالله الا [ما] قلتم حقا وصدقا، أي الخلفاء رأيتموني ؟ فقال ابن الكواء: لو لا انك عزمت علينا ما قلنا، لا نك جبار عنيد، لا تراقب الله في قتل الاخيار، ولكنا نقول: انك ما علمنا واسع الدنيا، ضيق الاخرة قريب الثرى، بعيد المرعى، تجعل الظلمات نورا والنور ظلمات. فقال معاوية ان الله اكرم هذا الامر بأهل الشام الذابين عن بيضته التاركين لمحارمه، ولم


(1) الكامل 3 / 138. (2) تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 36، تاريخ الخلفاء للسيوطي 197 وغيرهما.

[268]

يكونوا كأمثال اهل العراق المنتهكين لمحارم الله والمحلين ما حرم الله والمحرمين ما أحل الله، فقال عبد الله بن الكوا: يا ابن أبي سفيان، ان لكل كلام جوابا، ونحن نخاف جبروتك، فان كنت تطلق ألسنتنا ذببنا عن أهل العراق بألسنة حداد لا يأخذها في الله لومة لائم، والا فانا صابرون حتى يحكم الله ويضعنا على فرجه، قال: والله لا يطلق لك لسان. ثم تكلم صعصعة فقال: تكلمت يا ابن أبي سفيان فأبلغت، ولم تقصر عما اردت، وليس الامر على ما ذكرت، انى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا ودانهم كبرا واستولى بأسلوب الباطل كذبا ومكرا، أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولامرمى، وما كنت فيه الا كما قال القائل: " لا حلي ولا سيرى " ولقد كنت أنت وأبوك في العير والنفير ممن أجلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما أنت طليق ابن طليق، اطلقكما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنى تصلح الخلافة لطليق ؟ فقال معاوية: لولا اني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول: قابلت جهلهم حلما ومغفرة * والعفو عن قدرة ضرب من الكرم لقتلكم " 1. * ولقد وصفه سيدنا امير المؤمنين عليه السلام - وهو الصديق الاكبر ب‍ " الكذاب " بصراحة، فقد جاء في [ينابيع المودة] ما نصه: وفي المناقب عن الحسن بن ابراهيم بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن آبائه ان أمير المؤمنين عليه السلام كتب إلى أهل مصر لما بعث محمد بن أبي بكر إليهم كتابا فقال فيه: " واياكم دعوة ابن هند الكذاب،


(1) مروج الذهب 3 / 40 - 41.

[269]

واعملوا أنه لا سواء امام الهدى وامام الهوى ووصي النبي وعدو النبي " 1. ومن العجائب تكذيب معاوية بعض الاصحاب في خبر رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج مسلم والنسائي والطحاوي وابن الاثير وغيرهم عن عبادة بن الصامت انه قال: " انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح الاسواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فرد الناس ما أخذوا. فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: [ألا] ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث ؟ قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وان كره معاوية - أو قال وان رغم - ما أبالي ان لا أصحبه في جنده ليلة سوداء " 2. * وأخرج احمد في مسند معاوية والبخاري في " كتاب الاحكام " و " كتاب المناقب " عن الزهري قال: " كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث انه بلغ معاوية - وهو عنده في وفد من قريش - ان عبد الله بن عمرو بن العاص يحدث انه سيكون ملك من قحطان - فغضب معاوية فقام فأثنى على الله عزوجل بما هو أهله ثم قال: أما بعد فانه بلغني ان رجالا منكم يحدثون احاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولئك جهالكم، فاياكم والاماني التي تضل أهلها، فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:


(1) ينابيع المودة 80. (2) صحيح مسلم 1 / 465.

[270]

ان هذا في قريش لا ينازعهم أحد الاكبه الله على وجهه ما اقاموا الدين ". 14 الذين جاؤا بالافك قال الله تعالى " ان الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم، لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم * لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا افك مبين * لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والاخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولو لا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا ان كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الايات والله عليم حكيم " 1. أليس " الذين جاءوا بالافك " من الصحابة والصحابيات وتلك اسماؤهم مسجلة في الكتب ؟ فهل كلهم ثقة مؤتمن ؟. 15 - الوليد بن عقبة لقد نص القرآن الكريم على فسق الوليد بن عقبة بن أبي معيط - أخي عثمان لامه - وعلى عدم جواز الاعتماد على خبره بقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا ؟ ؟ قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " 2.


1) سورة النور 12 - 18. 2) سورة الحجرات 6.

[271]

قال ابن عبد البر بترجمته: " ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن - فيما علمت - ان قوله عزوجل " ان جائكم فاسق بنبأ " نزلت في الوليد بن عقبة " 1. كما يشهد قوله تعالى: " افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " 2 على فسقه كذلك، قال ابن عبد البر: " ومن حديث الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة في قصة ذكرها: افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون.. " 3. وقد ذكر ابن طلحة الشافعي تلك القصة عن أبي الحسن الواحدي وأبي اسحاق الثعلبي، وأورد قصيدة حسان بن ثابت التي ضمنها اياها، وتكلم على القصة بالتفصيل، فليراجع 4. ومن عجائب الامور: ان يخرج له أبو داود في سننه، ويعدوه من رجال الصحاح ويروي جماعة عنه، كما لا يخفى على من راجع كتب رجال الحديث. 16 - بعض الاصحاب لقد كذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الاصحاب في قصة أهل هجرة الحبشة فيما رواه المتقى: " عن الشعبي قال: لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل جعفر بن أبي طالب ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأته اسماء بنت عميس حتى فاضت عبرتها فذهب بعض حزنها، ثم أتاها فعزاها ودعا بني جعفر فدعالهم ودعا لعبد الله بن جعفر ان يبارك له في صفقة


(1) الاستيعاب 4 / 1553. (2) سورة السجدة 18. (3) الاستيعاب 4 / 1554. (4) مطالب السؤل 57.

[272]

يده، فكان لايشتر شيئا الا ربح فيه، فقالت له اسماء: يا رسول الله ان هؤلاء يزعمون أنا لسنا من المهاجرين، فقال: كذبوا، لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي وهاجرتم الي. ش " 1. * وكذب جماعة منهم في قصة عمل عامر بن الاكوع في حديث أخرجه الشيخان في غزوة خيبر عن سلمة بن الاكوع - واللفظ لمسلم - قال: " فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر فتناول به ساق يهودي ليضربه ويرجع ذباب سيفه فأصاب ركبة عامر فمات منه، قال: فلما قفلوا قال سلمة - وهو آخذ بيدي - قال: فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساكتا قال: مالك ؟ قلت له: فداك أبي وأمي زعموا ان عامرا حبط عمله. قال: من قاله ؟ قلت: فلان وفلان وأسيد بن حضير الانصاري، فقال: كذب من قاله، ان له لاجرين - وجمع بين اصبعيه - انه لجاهد مجاهد قل عربي مشي بها مثله ". * وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة له بعد نزول " انما وليكم الله.. الاية " - رواها شهاب الدين أحمد " قال: اتقوا الله ايها الناس حق تقاته ولا تموتن الا وانتم مسلمون، واعلموا ان الله بكل شئ محيط، وانه سيكون من بعدي أقوام يكذبون علي فيقبل منهم، ومعاذ الله ان أقول على الله الا الحق، أو انطق بأمره الا الصدق وما آمركم الا ما أمرني به، ولا ادعوكم الا إلى الله، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فقام إليه عبادة بن الصامت فقال: ومتى ذاك يا رسول الله ؟ ومن هؤلاء ؟ عرفناهم لنحذرهم. قال: أقوام قد استعدوا لنا من يومهم وسيظهرون لكم إذا بلغت النفس


(1) كنز العمال 15 / 294.

[273]

مني ههنا - وأومئ صلى الله عليه وبارك وسلم إلى حلقه -. فقال عبادة: إذا كان ذلك فالى من يارسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وبارك وسلم: عليكم بالسمع والطاعة للسابقين من عترتي والاخذين من نبوتي، فانهم يصدونكم عن الغي ويدعونكم إلى الخير وهم اهل الحق ومعادن الصدق، يحيون فيكم الكتاب والسنة ويجنبونكم الالحاد والبدعة ويقمعون بالحق أهل الباطل، لا يميلون مع الجاهل " 1. فهل كلهم ثقة مؤتمن ؟ * لقد صرح أمير المؤمنين عليه السلام - في كلام له - بكذب بعض الاصحاب على رسول الله صلى الله عليه وآله، وسلم روى ذلك سبط ابن الجوزي حيث قال: " ومن كلامه في احاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبه قال الشعبى: حدثنى من سمع عليا عليه السلام وقد سئل عن سبب اختلاف الناس في الحديث، فقال عليه السلام: الناس أربعة، منافق مظهر للايمان [و] مضيع للاسلام [وقلبه يأبى الايمان] لا يتأثم ولا يتحرج، كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو علم الناس [حاله] لما أخذوا عنه ولكنهم قالوا " صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ! ! " فأخذوا بقوله، وقد أخبر الله عن المنافقين بما اخبر ووصفهم بما وصف، ثم انهم عاشوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان فولوهم الاعمال وجعلوهم على رقاب الناس فأكلوا بهم الدنيا، وانما الناس تبع للملوك الا من عصمه الله عزوجل.. هذه رواية الشعبى، وفى رواية كميل بن زياد عنه انه قال: ان في أيدى الناس حقا وباطلا وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا وعاما وخاصا


(1) توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل - مخطوط.

[274]

ومحكما ومتشابها وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده حتى قام خطيبا فقال: من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار، وانما يأتيك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس، وذكرهم. قلت: وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار - مائة وعشرون من الصحابة ذكرتهم في كتابي المترجم ب‍ " حق اليقين "، وأما طريق على عليه السلام فأخبرنا غير واحد عن عبد الاول الصوفى انبأ [نا] ابن المظفر الداوى، أنبأ [نا] ابن اعين السرخسى، أنبأ [حدثنا] الفربرى ثنا البخاري ثنا علي بن الجعد ثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن خراش قال: سمعت عليا عليه السلام يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار. اخرجاه في الصحيحين واخرجه احمد في المسند، والجماعة " 1. فكيف يكون كلهم ثقة. ؟ * ولقد كان عمر بن الخطاب يخوف الناس في عهده في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولذا لم يعتمد معاوية - مع كونه من أكذب الناس - على كثير من الاحاديث المروية عنه صلى الله عليه وآله وسلم الا ما كان منها في عهد عمر، قال الذهبي بترجمة عمر: " ابن علية عن رجاء ابن أبي سلمة: قال: بلغني ان معاوية كان يقول: عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر، فانه قد اخاف الناس في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " 2.


(1) تذكرة خواص الامة 142. (2) تذكرة الحفاظ - ترجمة عمر.

[275]

وقال عمر لاصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن عبد البر باسناده: " أقلوا الرواية عن رسول الله " ص " وأنا شريككم. قال ابن عبد البر: وهذا يدل على ان نهيه عن الاكثار وأمره بالافلال من الرواية عن رسول الله " ص " انما كان خوف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم " 1. * وكذب عوف بن مالك الصحابي قوما من الصحابة فكذبهم عمر كذلك فقد روى ابن أبي الحديد في سيرة عمر: " حضر [ت] عند عمر قوم من الصحابة، فأثنوا عليه وقالوا: والله ما رأينا يا أمير المؤمنين رجلا أقضى منك بالقسط و [لا] أقول، ولا أشد على المنافقين منك، انك لخير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عوف بن مالك كذبتم والله، أبو بكر بعد رسول الله خير منه [امته]، رأينا أبا بكر، فقال عمر صدق عوف والله وكذبتم، لقد كان أبو بكر والله أطيب من ريح المسك وأنا أضل من بعير أهلي " 2. * وكذبت جماعة من الصحابيات في قضية زفاف عائشة، فقد أخرج أحمد قائلا: " ثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن ابن أبي الحسين عن شهر ابن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: كنا فيمن جهز عائشة وزفها، قالت: فعرض علينا النبي صلى الله عليه وسلم لبنا، فقلنا: لا نريده، فقال النبي " ص ": لا تجمعن جوعا وكذبا " 3. * ومما استفاض نقله: ان بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمن احدى زوجاته - حسدا منهن لها وعنادا للنبي " ص " - أن تستعيذ بالله منه حين يدخل عليها، كي ينتهي ذلك إلى تطليق النبي اياها.


(1) جامع بيان العلم 400. (2) شرح النهج 12 / 36. (3) المسند 6 / 459.

[276]

وممن روى ذلك ابن سعد والحاكم والطبري، وجماعة من شراح البخاري وابن عبد البر وابن الاثير.. ونحن نكتفي برواية ابن سعد حيث قال: " أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: تزوج رسول الله " ص " أسماء بنت النعمان وكانت من أجمل أهل زمانها وأشبه (أشبهم. ظ)، قال: فلما جعل رسول الله " ص " يتزوج الغرائب قالت عائشة قد وضع يده في الغرائب، يوشكن أن يصرفن وجهه عنا، وكان خطبها حين وفدت كندة عليه إلى أبيها فلما رآها نساء النبي " ص " حسدنها فقلن لها: ان أردت أن تحظي عنده فتعوذي بالله منه إذا دخل عليك، فلما دخل وألقى الستر مد يده إليها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: أمن عائذ الله، الحقي بأهلك. أخبرنا هشام بن محمد، حدثني ابن الغسيل عن حمزة بن أبي أسيد الساعدي عن أبيه - وكان بدريا - قال: تزوج رسول الله أسماء بنت النعمان الجونية، فأرسلني فجئت بها، فقالت حفصة لعائشة - أو عائشة لحفصة - اخضبيها أنت وأنا أمشطها، ففعلنا [ففعلن] ثم قالت لها احداهما: ان النبي " ص " يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول: أعوذ بالله منك، فلما دخلت عليه وأغلق الباب وأرخى الستر مد يده إليها، فقالت: أعوذ بالله منك، فقال بكمه على وجهه فاستتر به وقال: عذت معاذا - ثلاث مرات -. قال أبو أسيد: ثم خرج علي فقال: يا أبا أسيد ألحقها بأهلها ومتعها برازقيتين - يعني كرباستين - فكانت تقول: أدعوني الشقية. أخبرنا هشام بن محمد السائب، حدثني زهير بن معاوية الجعفي: انها ماتت كمدا " 1.


(1) الطبقات الكبرى 8 / 145.

[277]

17 - معقل بن سنان لقد رد أمير المؤمنين عليه السلام خبر معقل بن سنان الاشجعي في المفوضة فيمرواه جماعة كالغزالي والامدي وأبي الوليد الباجي وعبد العزيز البخاري وابن الهمام وغيرهم، قال المتقى: " عن علي انه قال في المتوفى عنها ولم يفرض لها صداقا: لها الميراث وعليها العدة ولا صداق لها، وقال: لا يقبل قول اعرابي من أشجع على كتاب الله. ص ق " 1. 18 - هشام بن حكيم وكذب عمر بن الخطاب هشام بن حكيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخرج البخاري قائلا: " حدثنا سعيد بن عفير [قال] حدثني الليث [قال] حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير ان المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبدالقاري حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرأنيها رسول الله " ص ". فكدت اساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرئك هذه السورة التي [سمعتك] تقرأ ؟ قال: أقرأنيها رسول الله " ص "، فقلت كذبت، فان رسول الله " ص " قد أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أقوده إلى رسول الله " ص " فقلت: اني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله " ص ": أرسله: اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله " ص " كذلك انزلت. ثم


(1) كنز العمال 11 / 29.

[278]

قال اقرأ يا عمر، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله " ص " كذلك أنزلت، ان هذا القرآن أنزل [على] سبعة أحرف، فاقرؤا ما تيسر منه " 1. 19 - رجل من الصحابة كذبه الشعبي - وهو من كبار التابعين - قال الذهبي: " قال الحاكم في ترجمة الشعبي: ثنا ابراهيم بن مضارب العمري [القمري] ثنا محمد بن اسماعيل ابن مهران نا عبد الواحد بن نجدة الحوطي نا بقية نا سعيد بن عبد العزيز حدثني ربيعة بن يزيد قال: قعدت إلى الشعبي بدمشق في خلافة عبد الملك. فحدث رجل من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: اعبدوا ربكم ولا تشركوا به شيئا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الامراء، فان كان خيرا فلكم، وان كان شرا فعليهم وأنتم منه براء. فقال له الشعبي: " كذبت " 2. 20 - طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير لقد كذب هؤلاء - وهم من مشاهير الصحابة - في حرب الجمل في قضية " الحوأب " وحملوا الناس على أن يشهدوا زورا.. في قصة معروفة رواها المؤرخون بأجمعهم، كابن قتيبة والطبري وابناء الاثير وخلدون والوردي والشحنة، وأبي الفداء والمسعودي والسمعاني والحموي.. قال الطبري: " شراء الجمل لعائشة رضي الله عنها وخبر كلاب الحوأب: حدثني اسماعيل بن موسى الفزاري قال: نا علي بن عابس الازرق قال: ثنا


(1) صحيح البخاري 6 / 227. (2) تذكرة الحفاظ - ترجمة الشعبى -.

[279]

ابو الخطاب الهجري عن صفوان بن قبيصة الاحمسي قال: حدثني العرني صاحب الجمل قال: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: يا صاحب الجمل [أ] تبيع جملك ؟ قلت: نعم، قال: بكم ؟ قلت: بألف درهم. قال: مجنون أنت ؟ جمل يباع بألف درهم ؟ قال قلت: نعم جمل [جملي] هذا. قال: ومم ذلك ؟ قلت: ما طلبت عليه أحدا قط الا أدركته ولا طلبني وأنا عليه أحد قط الا فته. قال: لو تعلم لمن نريده لاحسنت بيعنا. قال قلت: ولمن تريده ؟ قال: لامك. قلت: لقد تركت أمي في بيتها قاعدة ما تريد براحا. قال: انما اريده لام المؤمنين عائشة، قلت: فهو لك، خذه بغير ثمن، قال: لا ولكن ارجع معنا إلى الرحل فلنعطك ناقة مهرية، وزادوني أربعمائة أو ستمائة درهم. فقال لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق ؟ قال قلت: نعم انا من ادرك [أدل] الناس قال: فسر معنا، فسرت معهم فلا امر على واد ولا ماء الا سألوني عنه حتى قرطنا ماء الحوأب، قال: فصرخت عائشة بأعلى صوتها ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، ثم قالت: انا والله صاحبة كلاب الحوأب طروقا، ردوني، تقول ذلك ثلاثا، فأناخت واناخوا حولها وهم على ذلك، وهي تأبى حتى كانت الساعة التي اناخوا فيها من الغد. قال: فجاءها ابن الزبير فقال: النجاء النجاء فقد ادرككم والله علي بن ابي طالب. قال: فارتحلوا. وشتموني فانصرفت " 1. وفي [الكامل]: " فقال لها عبد الله بن الزبير: انه كذب، ولم يزل بها وهي تمتنع، فقال لها: النجاء النجاء ! قد ادرككم علي بن ابي طالب، فارتحلوا


(1) تاريخ الطبري 3 / 475.

[280]

نحو البصرة " 1. ولم يسم ابن خلدون القائل، فقال: " فقالت عائشة ردوني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - وعنده نساؤه - ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب، ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته واقامت بهم يوما وليلة إلى ان قيل: النجا النجا قد ادرككم علي، فارتحلوا نحو البصرة " 2. وفي [مروج الذهب] " فقال [ابن] الزبير: بالله ما هذا الحوأب ولقد غلط فيما اخبرك به، وكان طلحة في ساقة الناس فلحقها فأقسم ان ذلك ليس بالحوأب، وشهد معهما خمسون رجلا ممن كان معهم، فكان ذلك اول شهادة زور اقيمت في الاسلام " 3. وقال ابن قتيبة. " وأتى عبد الله بن الزبير فحلف لها بالله لقد خلفتيه اول الليل، واتاها ببينة زور من الاعراب فشهدوا بذلك، فزعموا انها اول شهادة زور شهد بها في الاسلام " 4. وفي [شرح النهج] " فقال لها الزبير: مهلا يرحمك الله، فانا قد جزنا ماء الحوأب بفراسخ كثيرة، فقالت: اعندك من يشهد بأن هذه الكلاب النابحة ليست على ماء الحوأب ؟ فلفق لها الزبير وطلحة خمسين اعرابيا جعلا هم جعلا فحلفوا لها وشهدوا ان هذا الماء ليس [ب‍] ماء الحوأب، فكانت هذه اول شهادة زور في الاسلام، فسارت عائشة لوجهها " 5.


(1) الكامل 3 / 107. (2) تاريخ ابن خلدون المجلد 2 / 1065. (3) مروج الذهب 2 / 358. (4) الامامة والسياسة 1 / 63. (5) شرح النهج 9 / 311.

[281]

21 - زوجة رفاعة لقد كذبت هذه الصحابية على زوجها الثاني بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيما أخرجه البخاري في كتاب اللباس باب الثياب الخضر من [صحيحه] ورواه البغوي والرازي والخازن والسيوطي والشربيني والزمخشري كلهم بتفسير قوله عزوجل " فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " 1. قال الزمخشري: " روى عن عائشة رضي الله عنها: ان امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ان رفاعة طلقني فبت طلاقي وان عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وانما معه مثل هدبة الثوب، وانه طلقني قبل ان يمسني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتريدين ان ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك. وروى انها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: انه كان قد مسني، فقال لها كذبت في قولك الاول فلن اصدقك في الاخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتت ابا بكر رضي الله عنه فقالت: أأرجع إلى زوجي الاول ؟ فقال: قد عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لك ما قال، فلا ترجعي إليه. فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه قالت مثله لعمر رضي الله عنه فقال: ان أتيتيني بعد مرتك هذه لا رجمنك، فمنعها " 2. 22 - الغميصا - أو الرميصا وقد كذبت هذه الصحابية على زوجها الثاني عند رسول الله صلى الله عليه


(1) سورة البقرة: 230. (2) الكشاف 1 / 275.

[282]

وآله وسلم، فقد اخرج النسائي مانصه: " اخبرنا علي بن حجر قال اخبرنا هشيم قال اخبرنا يحيى عن ابي اسحاق عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس ان الغميصا - أو الرميصا - أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها انه لا يصل إليها، فلم تلبث ان جاء زوجها فقال: يارسول الله هي كاذبة وهو يصل إليها، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الاول، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس ذلك لها حتى تذوق عسيلته " 1. 23 - فاطمة بنت قيس لقد كذبها عمر بن الخطاب في حديثها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه لم يجعل للمطلقة ثلاثا سكنى ولا نفقة، وقد روى ذلك من الفقهاء الطحاوي في [معاني الاثار] والسرخسي في [المبسوط] والكاساني في [بدائع الصنائع] والمرغيناني في [الهداية] في " كتاب الطلاق " ومن الاصوليين الامدي في [الاحكام] والغزالي في [المستصفى] والبخاري في [كشف الاسرار] وعبد العلى في [فواتح الرحموت] وغيرهم. بل لقد كذبها جماعة من الاصحاب فيما ذكروا. قال العيني: " وحديث فاطمة لا يجوز الاحتجاج به من وجوه، الاول: ان كبار الصحابة رضي الله عنهم انكروا عليها كعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت واسامة بن زيد وعائشة رضي الله عنهم، حتى قالت لفاطمة فيما رواه البخاري الا تتقي الله. وروى انها قالت لها: لا خير لك فيه. ومثل هذا الكلام لا يقال الا لمن ارتكب بدعة محرمة " 2.


(1) السنن للنسائي 2 / 97. (2) شرح كنز الدقائق للعينى 1 / 233.

[283]

24 - بسرة بنت صفوان ولقد كذب جماعة من الصحابة والصحابيات هذه الصحابية المهاجرة في حديثها، فيما رواه الطحاوي في [معاني الاثار] والعيني في [شرح الهداية] في كتاب الطهارة، وعبد العزيز البخاري في [كشف الاسرار] في " تقسيم الراوي ". قال عبد العزيز البخاري: " وكذلك حديث بسرة أي وكحديث فاطمة في المبتوتة حديث بسرة بنت صفوان الذي تمسك به الشافعي في ان مس الفرج نفسه أو غيره بباطن الكف بلا حائل حدث، من هذا القسم وهو المستنكر، فان عمر وعليا وابن مسعود وابن عباس وعمارا وابا الدرداء وسعد بن ابي وقاص وعمران بن الحصين رضي الله عنهم لم يعملوا به، حتى قال علي رضي الله عنه لا ابالى أمسسته ام ارنبة أنفي، وكذا نقل عن جماعة من الصحابة، وقال بعضهم: ان كان نجسا فاقطعه. وتذاكر عروة ومروان الوضوء من مس الفرج، فقال مروان: حدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء من مس الفرج، فلم يرفع عروة بحديثها رأسا، وروى ابن زيد عن ربيعة انه كان يقول: هل يأخذ بحديث بسرة أحد، والله لو أن بسرة شهدت على هذه النعل لما أجزت شهادتها، انما قوام الدين الصلاة، وانما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقيم هذا الدين الا بسرة ! ! قال ابن زيد: على هذا أدركنا مشايخنا، ما منهم أحد يرى في مس الذكر وضوءا. وعن يحيى بن معين انه قال: ثلاثة من الاخبار لا يصح عن رسول الله " ص " منها: خبر مس الذكر.

[284]

ووقعت هذه المسألة في زمن عبد الملك بن مروان، فشاور الصحابة، فأجمع من بقي منهم على انه لا وضوء فيه وقالوا: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت. يعنون بسرة بنت صفوان " 1. 25 - عائشة وحفصة لقد ادعتا باطلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فردهما النبي فيما أخرجه الحاكم وابن عبد البر وابن الاثير وابن حجر العسقلاني، وهذا نص ما جاء في [المستدرك] قال: " أخبرنا دعلج بن أحمد السجزي ثنا عبد العزيز بن معاوية البصري ثنا شاذ بن فياض أبو عبيدة ثنا هاشم بن سعيد عن كنانة عن صفية رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله " ص " وأنا أبكي، فقال: يا بنت حي ما يبكيك ؟ قلت: بلغت [بلغني] ان حفصة وعائشة ينالان مني ويقولان نحن خير منها، نحن بنات عم رسول الله " ص " وأزواجه. قال: ألا قلت: كيف تكونون [تكونان] خيرا مني وأبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد " 2. * وقصة تواطؤهما في أمر العسل مشهورة، وقد نزل بها القرآن ورويت في الصحاح والمسانيد، فأخرجها البخاري في كتاب التفسير، وكتاب الايمان والنذور، ومسلم في كتاب الطلاق. ورواه جلال الدين السيوطي في [الدر المنثور] بتفسير سورة التحريم عن ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه.. قال البخاري في كتاب الطلاق: " حدثني الحسن بن محمد بن [ال‍] صباح حدثنا حجاج عن ابن جريح قال: زعم عطاء انه سمع عبيد بن عمير يقول:


(1) كشف الاسرار 2 / 711. (2) المستدرك 4 / 29.

[285]

سمعت عائشة رضي الله عنها ان النبي " ص " كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا، فتواصيت أنا وحفصة ان أيتنا دخل عليها النبي " ص " فلتقل: اني [ل‍] أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير ؟ فدخل على احداهما فقالت له ذلك، فقال: لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزلت " يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " إلى: " أن تتوبا إلى الله " لعائشة وحفصة " واذ اسر النبي إلى بعض أزواجه حديثأ " لقوله: بل شربت عسلا " 1. * وكذبت عائشة عندما أرسلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتطلع على امرأة من كلب خطبها.. روى ذلك جماعة منهم ابن قتيبة والخطيب بترجمة (محمد بن أحمد أبي بكر المؤدب) من [تاريخه] وابن القيم في [أخبار النساء ص 9]، وهذه رواية ابن قتيبة: " عن عائشة رضي الله عنها قالت خطب رسول الله " ص " امرأة من كلب، فبعثني أنظر إليها، فقال لي: كيف رأيت ؟ فقلت: ما رأيت طائلا، فقال: لقد رأيت خالا بخدها اقشعر كل شعرة منك على حدة، فقالت: ما دونك سر " 2. * وكذبت عائشة في كلام لها رواه أحمد حيث قال: " ثنا محمد بن عبيد ثنا وائل [حدثني وائل بن داود] قال: سمعت البهي يحدث ان [عن] عائشة قالت: ما بعث رسول الله " ص " زيد بن حارثة في جيش قط الا أمره عليهم، وان [لو] بقي بعده استخلفه " 3. فقولها " وان بقي بعده استخلفه " كذب صريح لدى عامة المسلمين، لان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ليستخلف زيدا أبدا، لانه ليس


(1) صحيح البخاري 7 / 56 - 57. (2) عيون الاخبار لابن قتيبة. كتاب النساء: 19. (3) المسند 6 / 226 - 227.

[286]

من قريش، ولانه مفضول اجماعا.. * وكذبت عائشة حيث أنكرت " ان عليا كان وصيا " فيما رواه أحمد في [المسند] قائلا: " ثنا اسماعيل عن ابن عون عن ابراهيم عن الاسود قال: ذكروا عند عائشة ان عليا كان وصيا، فقالت: متى أوصى إليه ؟ فقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت في حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في حجري وما شعرت انه مات، فمتى أوصى إليه ؟ ". ولو أردنا ذكر وجوه فساد انكارها وصاية أمير المؤمنين عليه السلام لطال بنا المقام، فلنكتف بكلمة موجزة لابن روز بهان اعترف فيها هذا المكابر العنيد بوصاية علي عليه السلام، فانه قال في [ابطال الباطل] في الرد على العلامة الحلي رحمه الله - " أقول: ما ذكره [المصنف من علم أمير المؤمنين فلا شك في أنه من علماء الامة والناس محتاجون إليه فيه، كيف لا وهو وصي النبي " ص " في ابلاغ العلم وبدائع حقائق المعارف، فلا نزاع فيه لاحد ". وقولها: " فقد كنت مسندته إلى صدري.. " كذب آخر، ومن العجيب اعترافها هي بذلك كما في بعض الاحاديث، فقد قال الحافظ الكنجي: " أخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن محمد بن الحسن الصالحي، أخبرنا الحافظ أبو القاسم الدمشقي، أخبرنا أبو غالب بن البنا، أخبرنا أبو الغنائم بن المأمون، أخبرنا امام أهل الحديث أبو الحسن الدارقطني، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد ابن بشر الجبلي، حدثنا علي بن الحسين بن عبيد بن كعب حدثنا اسماعيل بن ريان، حدثنا عبد الله بن مسلم الملائي، عن أبيه عن ابراهيم عن علقمة والاسود عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو في بيتها لما حضره الموت - ادعوا لي حبيبي، فدعوت له أبا بكر، فنظر إليه ثم وضع رأسه، ثم قال:

[287]

ادعوا لي حبيبي، فدعوت له عمر، فلما نظر إليه وضع رأسه، ثم قال: ادعوا لي حبيبي فقلت: ويلكم ! ادعوا له عليا، فوالله ما يريد غيره، فلما رآه فرج [أفرج] الثوب الذي كان عليه ثم أدخله فيه [منه]، فلم يزل محتضنه حتى قبض ويده عليه " 1. * ولقد خانت عائشة حين كتمت اسم علي عليه السلام في حديثها عن خروج رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه متوكأ على رجلين، وذلك لانها - كما قال ابن عباس - " لاتطيب له نفسا ". وقد أخرج ذلك الشيخان وأحمد وهذا لفظه: " ثنا عبد الاعلى عن معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله عن عائشة قالت: لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة، فاستأذن نسائه أن يمرض في بيتي فأذن له، فخرج رسول الله " ص " معتمدا على العباس وعلى رجل آخر، ورجلاه تخطان في الارض، وقال عبيد الله [ف‍] قال ابن عباس: اتدري من ذلك الرجل ؟ هو علي بن أبي طالب ولكن عائشة لا تطيب له [لها] نفسا " 2. وأضاف شراح البخاري: العيني وابن حجر والقسطلاني في شرحه ما يلي بلفظ الاول: " قلت: وفي رواية الاسماعيلي من رواية عبد الرزاق عن معمر: ولكن عائشة لا تطيب نفسا له بخير. وفي رواية ابن اسحاق في المغازي عن الزهري: ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير، وقال بعضهم: وفي هذا رد على من زعم انها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة ولا معظمها قلت: أشار بهذا إلى الرد على النووي ولكنه ما صرح باسمه لاعتنائه به


1) كفاية الطالب 262. 2) المسند 6 / 34.

[288]

ومحاماته له " 1. ثم قال ابن حجر: " ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة فعبر عنها بعبارة شنيعة، وفي هذا رد على من تنطع فقال: لا يجوز أن يظن ذلك بعائشة، ورد على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة، إذ كان تارة يتوكأ على الفضل وتارة على اسامة وتارة على علي، وفى جميع ذلك الرجل الاخر هو العباس، واختص بذلك اكراما له. وهذا توهم ممن قاله، والواقع خلافه، لان ابن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم علي فهو المعتمد والله أعلم " 2. * ولقد اتهم الزهري - وهو من مشاهير التابعين والمنحرفين عن أهل البيت عليهم السلام - عائشة في حديثين، فقد قال أبو جعفر الاسكافي في (التفضيل) على ما نقل عنه ابن أبى الحديد المعتزلي: " روى الزهري عن [أن] عروة بن الزبير حدثه قال: حدثتني عائشة، قالت: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل العباس وعلي، فقال: يا عائشة ان هذين يموتان على غير ملتى، أو قال: دينى. وروى عبد الرزاق عن معمر قال: كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في علي عليه السلام، فسألته عنهما يوما فقال: ما نصنع بهما وبحديثهما ؟ [و] الله أعلم بهما، انى لاتهمهما في بنى هاشم. قال: فأما الحديث الاول فقد ذكرناه. وأما الحديث الثاني فهو: ان عروة زعم ان عائشة حدثته قالت: كنت عند النبي " ص " إذ أقبل العباس وعلي فقال: يا عائشة ان سرك ان تنظري إلى رجلين


1) عمدة القارى في شرح البخاري 5 / 192. 2) فتح الباري في شرح البخاري 2 / 123 - 124.

[289]

من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا، فنظرت فإذا العباس وعلى بن أبى طالب " 1. أقول: ولما كانت وجوه اثبات كذب وفسق كثير من الصحابة والصحابيات كثيرة لا تحصى، فاننا نقف هنا ونمسك عن ذكر البقية ونختم البحث بما ذكره أبو الفداء الايوبي عن الحسن البصري والشافعي وهذا نصه: " قال القاضى جمال الدين ابن واصل: وروى ابن الجوزي باسناده عن الحسن البصري انه قال: أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه الا واحدة لكانت موبقة وهي: اخذه الخلافة بالسيف من غير مشاورة وفي الناس بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه يزيد وكان سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجر بن عدي واصحابه، فيا ويلا له من حجر واصحاب حجر. وروى عن الشافعي رحمة الله عليه انه أسر إلى الربيع: [انه] لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد " 2. والشافعي شيخ المزني.. فثبت بطلان قول المزني " كلهم ثقة مؤتمن " والحمد لله رب العالمين.


1) شرح النهج 4 / 63. 2) المختصر في اخبار البشر 1 / 186.

[291]

تفنيد كلام ابن عبد البر حول حديث النجوم في توجية معناه

[293]

وأورد ابن عبد البر عن البزار قوله: " والكلام أيضا منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم باسناد صحيح: عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين [المهديين] بعدى، فعضوا عليها بالنواجذ وهذا الكلام يعارض حديث عبد الرحيم لو ثبت فكيف ولم يثبت ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم لا يبيح الاختلاف بعده من اصحابه ". ثم اعترض عليه بقوله: " وليس كلام البزار بصحيح على كل حال، لان الاقتداء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منفردين، انما هو لمن جهل ما يسأل عنه، ومن كانت هذه حاله فالتقليد لازم له، ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض إذا تأولوا تأويلا سائغا جائزا ممكنا في الاصول، وانما كل واحد منهم نجم جائز ان يقتدي به العامي الجاهل، بمعنى ما يحتاج إليه من دينه، وكذلك سائر العلماء من [مع] العامة. والله أعلم " 1. أقول: واعتراضه على كلام البزار غير وارد، وقد نشأ من عدم فهمه مرامه، فان معنى كلامه هو: ان حديث النجوم يقتضى جواز اختلاف الصحابة في الاحكام الشرعية، وان الناس من أيهم اخذوا كانوا على الهدى، لكن النبي


1) جامع بيان العلم 358.

[294]

صلى الله عليه وآله وسلم لا يبيح الاختلاف من بعده منهم، فالحديث، منكر عن النبي صلى الله عليه وسلم. هذا اصل استدلال البزار على نكارة هذا الحديث من جهة معناه بعد ان ابطله من جهة سنده، واما كلام ابن عبد البر فغير متوجه عليه، اذلو سلمنا قوله بأن الامر بالاقتداء في الحديث متوجه إلى جهال الامة، وان النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باقتداء بعض الاصحاب ببعض فان الاشكال - وهو لزوم اباحة الاختلاف - باق على حاله. وذلك: لان حديث النجوم يدل بوضوح على ان كل واحد من الصحابة اهل للاقتداء به، وان اختلافهم غير مانع عن ذلك، فيجوز الاقتداء بكل واحد من المختلفين، وهذا الامر يجوز الاختلاف والتفرق في الدين ويؤدي إلى الاختلاف الامة لا محالة. وباختصار: امره صلى الله عليه وآله الامة بالاقتداء بالاصحاب وهم مختلفون فيما بينهم أشد الاختلاف يستلزم: 1 جواز اختلاف الاصحاب في المسائل الشرعية والاحكام الدينية. 2 اباحة وقوع الاختلاف في الامة. ولكن الاختلاف منهي عنه كتابا وسنة " فالحديث منكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ". واليك بعض كلمات ابن عبد البر نفسه في هذا الشأن فانه قال ما نصه: " وقد ذكر المزني رحمه الله في هذا حججا أنا أذكرها هنا ان شاء الله. قال المزني: قال الله تبارك وتعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجد وافيه اختلافا كثيرا) فذم الاختلاف، وقال (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا..) الاية. وقال: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير

[295]

واحسن تأويلا) وعن مجاهد وعطاء وغيرهما في تأويل ذلك قال: إلى الكتاب والسنة. قال المزني: فذم الله الاختلاف وامر [عنده] بالرجوع إلى الكتاب والسنة فلو كان الاختلاف من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما امرهم بالرجوع عنده إلى الكتاب والسنة. قال: وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: احذروا زلة العالم. وعن عمر ومعاذ وسلمان مثل ذلك في التخويف من زلة العالم. قال: وقد اختلف اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطأ بعضهم بعضا، ونظر بعضهم في اقاويل بعض وتعقبها، ولو كان قولهم كله صوابا عندهم لما فعلوا ذلك، وقد جاء عن ابن مسعود في غير مسألة انه قال: اقول فيها برأيي فان يك صوابا فمن الله وان يك خطأ فمني [و] استغفر الله.. وقال ابن عبد البر ايضا: اخبرني قاسم بن محمد قال حدثنا خالد بن سعيد قال حدثنا محمد بن وطيس قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت اشهب يقول: سئل مالك عن اختلاف اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خطأ وصواب، فانظر في ذلك. وذكر يحيى بن ابراهيم بن حزين قال حدثني اصبغ قال قال أبو القاسم: سمعت مالكا والليث يقولان في اختلاف اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس كما قال ناس فيه توسعة، ليس كذلك، انما هو خطأ وصواب. قال يحيى: وبلغني ان الليث بن سعد قال: إذا جاء الاختلاف اخذنا فيه بالاحوط.. قال إسماعيل القاضي: انما التوسعة في اختلاف اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة في اجتهاد الرأي، فأما ان تكون توسعة لان يقول الانسان بقول واحد منهم من غير ان يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على

[296]

انهم اجتهدوا فاختلفوا. قال ابو عمرو: كلام اسماعيل هذا حسن جدا. وفي سماع اشهب: سئل مالك عمن اخذ بحديث حدثه ثقة عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتراه من ذلك في سعة ؟ فقال: لا والله حتى يصيب الحق، ما الحق الا واحد، قولان يكونان صوابين جميعا ؟ ما الحق والصواب الا واحد. وقال: وكذلك اختلاف اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم من المتخالفين، وما رد فيه بعضهم على بعض لا يكاد يحيط به كتاب فضلا عن ان يجمع في باب، وفيما ذكرنا منه دليل على ما عنه سكتنا. وفي رجوع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض دليل واضح على ان اختلافهم عند هم خطأ وصواب، ولو لا ذلك كان يقول كل واحد منهم: جائز ما قلت انت وجائز ما قلت أنا، وكلانا نجم يهتدى به، فلا علينا شئ من اختلافنا. قال ابو عمرو: والصواب مما اختلف فيه وتدافع وجه واحد، ولو كان الصواب في وجهين متدافعين ما خطأ السلف بعضهم بعضا في اجتهادهم وقضائهم وفتواهم، والنظر يأبى ان يكون الشئ وضده صوابا، ولقد أحسن القائل: اثبات ضدين معا في حال اقبح ما يأتي من المحال " 1. قلت: أليس هذا تصريحا بنكارة حديث النجوم وهو ما ذكره الحافظ البزار ؟ ثم ذكر موارد من رجوع بعض الصحابة إلى قول بعض.. ومع هذا كيف يكون كل واحد منهم نجما ؟ !


(1) جامع بيان العلم 348 - 349.

[297]

دحض المعارضة بقول الامير (ع) انما الشورى للمهاجرين والانصار

[299]

قوله: وإذا دل هذا الحديث على امامة العترة، فكيف يصح الحديث الصحيح المروي عن علي بن أبي طالب عليه السلام بصورة متواترة عند الشيعة يقول فيه: انما الشورى للمهاجرين والانصار. ؟ أقول: هذا مردود بوجوه الاول: لقد اثبتنا دلالة حديث الثقلين على امامة الائمة الاثنى عشر من العترة الطاهرة، بالدلائل القاهرة والبراهين الساطعة التي لا تبقى ريبا ولا تذر شكا في ذلك، فتشكيك (الدهلوي) فيه واه. الثاني: تعبيره عن " انما الشورى للمهاجرين والانصار " ب‍ " الحديث المروي " تخديع وتضليل، لانه انما ورد عنه ذلك في بعض كتب السير والتواريخ وفي ضمن كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان، على سبيل الالزام له به. الثالث: دعوى تواتره عند الشيعة باطلة. الرابع: ان هذا الكلام لا ينافي دلالة حديث الثقلين على امامة الائمة عليهم السلام، لان المهاجرين والانصار مأمورون بأجمعهم باتباع الثقلين، فلو أجمعوا على رجل مع الاهتداء بهدى الكتاب والعترة صحت أمامته، ومن الواضح ان ذلك لن يتحقق الا بالنسبة إلى رجل من أهل بيت العصمة، ومنه يظهر بطلان خلافة غيره.

[300]

الخامس: ان ما اجتمع عليه المهاجرون والانصار كلهم حق، لان أهل البيت عليهم السلام من " المهاجرين " بل هم سادتهم بلا نزاع. وعلى هذا يكون التمسك بهكذا اجماع عين التمسك بالعترة المأمور به في حديث الثقلين، وعين التمسك بالكتاب بمقتضى الحديث المذكور، فلا تنافى. السادس: ان هذا الكلام يدل على لزوم المشورة من جميع المهاجرين والانصار، ولا ريب في ان بيعة ابي بكر لم تكن عن مشورة، بل كانت - على حد تعبير عمر - " فلتة وقى الله شرها، فمن دعا إلى مثلها فاقتلوه " ثم قال: " من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة ان يقتلا ". قال البخاري: " حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني ابراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: كنت اقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلى عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول لي قد مات عمر لقد بايعت فلانا فوالله ما كانت بيعة ابي بكر الا فلتة فتمت. فغضب عمر ثم قال اني انشاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم امورهم. قال عبد الرحمن: فقلت يا أمير المؤمنين ! لا تفعل فان الموسم يجمع رعاء الناس وغوغاء هم، فانهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير وأن لا يعوها وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فانها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت متمكنا فيعي

[301]

أهل العلم مقالتك ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله انشاء الله لا قومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة فلما كان يوم الجمعة عجلنا الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف قط قبله، فأنكر علي وقال: ما عسيت ان يقول ما لم يقل قبله ! فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فاني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا ادري لعلها بين يدي اجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا احل لاحد أن يكذب علي. ان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقر أناها وعقلناها ووعيناها، فلذا رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى ان طال بالناس زمان أن يقول قائل " والله مانجد آية الرجم في كتاب الله ! " فيضلوا بترك فضيلة انزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا احصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. ثم انا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر أن ترغبوا عن آبائكم أو أن كفرابكم أن ترغبوا عن آبائكم الاثم، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نطروني كما اطري عيسى بن مريم وقالوا: عبد الله ورسوله. ثم انه بلغني ان قائلا منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانا ! فلا يغترن امرؤ ان يقول انما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وانها كانت كذلك

[302]

ولكن الله وقى شرها ! وليس منكم من تقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة ان يقتلا. وانه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الانصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لابي بكر: يا أبا بكر ! انطلق بنا إلى اخواننا هؤلاء من الانصار، فانطلقنا نريد هم فلما دنونا منهم لقينا رجلان صالحان فذكر ما تمامى عليه القوم، فقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا نريد اخواننا هؤلاء من الانصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم فقلت: والله لنأتينهم ! فانطلقنا حتى اتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا ؟ قالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ماله ؟ قالوا يوعك. فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله. بما هو أهله ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون ان يختزلونا من أصلنا وان يحصنونا من الامر، فلما سكت أردت ان اتكلم وكنت زورت مقالة اعجبتني اريد أن اقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت اداري منه بعض الحد، فلما أردت ان اتكلم قال أبو بكر: على رسلك ! فكرهت أن أغضبه فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري الا قال بديهة مثلها أو أفضل حتى سكت ! فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فانتم له اهل ولن يعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم احد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح

[303]

- وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها، كان والله ان أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من اثم أحب الي من ان أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ! اللهم الا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئا لا اجده الان. فقال قائل من الانصار ! انا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا امير ومنكم امير يا معشر قريش ! فكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر ! فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الانصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة فقلت: قتل الله سعد بن عبادة ! قال عمر: وانا والله ما وجدنا فيما حضر من أمر اقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا فاما بايعناهم على ما لا نرضى 1 واما نخالفهم، فيكون فساد، فمن بايع رجل على غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغره ان يقتلا " 1. وقال ابن هشام " قال ابن اسحق: وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الانصار ان عبد الله بن ابي بكر حدثني عن ابن شهاب الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس، قال اخبرني عبد الرحمن بن عوف قال: وكنت منزله بمنى أنتظره وهو عند عمر في آخر حجة حجها عمر، قال: فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر فوجدني في منزله في منى انتظره وكنت اقرئه القرآن، قال ابن عباس: فقال لي عبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلا أتى امير المؤمنين فقال: يا امير المؤمنين ! هل لك في فلان يقول: والله لو قد مات عمر ابن الخطاب لقد بايعت فلانا والله ما كانت بيعة ابي بكر الا فلتة فتمت. قال: فغضب عمر فقال: اني انشاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم


1) صحيح البخاري 8 / 210.

[304]

هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم امرهم، قال عبد الرحمن فقلت: يا أمير المؤمنين ! لا تفعل، فان الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وانهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس واني أخشى ان تقوم فتقول مقالة يطير بها اولئك عنك كل مطير ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها، فامهل حتى تقدم المدينة فانها دار السنة وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس فتقول ما قلت بالمدينة متمكنا فيعى أهل الفقه مقالتك ويضعوها على مواضعها. قال: فقال عمر: أما والله انشاء الله لا قومن بذلك اول مقام أقومه بالمدينة قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زالت الشمس فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر فجلست حذوه تمس ركبتي ركبته فلم أنشب ان خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد: ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف ! قال: فأنكر علي سعيد بن زيد ذلك وقال: ما عسى ان يقول مما لم يقل قبله ! فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذن قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد ! فاني قائل لكم مقالة قد قدر لي ان اقولها ولا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي ان لا يعيها فلا يحل لاحد ان يكذب علي. ان الله بعث محمدا وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم فقر أناها وعلمناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى ان طال بالناس زمان ان يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وان الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ثم انا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله، لا ترغبوا عن آبائكم

[305]

فانه كفر بكم أو كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم الا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطروني كما اطرى عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله. ثم انه قد بلغني أن فلانا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا فلا يغرن امرء أن يقول ان بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت ! وانها قد كانت كذلك الا أن الله قد وقى شرها، وليس فيكم من تنقطع الا عناق إليه مثل ابي بكر، فمن بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فانه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا. انه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان الانصار خالفونا فاجتمعوا بأشرافهم (بأسرهم. ظ) في سقيفة بني ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لابي بكر: انطلق بنا إلى اخواننا هؤلاء من الانصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا لنا ماتمالا عليه القوم وقالا: أين تريدون ؟ يا معشر المهاجرين ! قلنا: نريد اخواننا هؤلاء من الانصار، قالا: فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين ! اقضوا أمركم ! قال: قلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهر انيهم رجل مزمل فقلت: من هذا ؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ماله ؟ فقالوا: وجع، فلما جلسنا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة من قومكم، قال: وإذا هم يريدون أن يجتازونا (يختزلونا. ظ) من أصلنا ويغتصبونا الامر. فلما سكت أردت أن أتكلم وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني اريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت اداري منه بعض الحد، فقال

[306]

أبو بكر على رسلك يا عمر ! فكرهت أن أغضبه، فتكلم وهو كان أعلم (أحلم. ظ) مني وأوفر. فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري الا قالها في بديهة أو مثلها أو أفضل حتى سكت قال: أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ولن تعرف العرب هذا الامر الا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا ولم أكره شيئا مما قال غيرها، كان: والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى اثم أحب الي أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. قال: فقال قائل من الانصار، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ! قال: فكثر اللغظ وارتفعت الاصوات حتى تخوفت الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر ! فبسط يده فبايعته ثم بايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة ! قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة ! " 1. وقال أحمد بن اسحق بن جعفر المعروف باليعقوبي: " واستأذن قوم من قريش عمر في الخروج للجهاد، فقال: قد تقدم لكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اني آخذ بحلاقيم قريش على أفواه هذه الحرة، لا تخرجوا فتسللوا بالناس يمينا وشمالا، قال عبد الرحمن بن عوف: فقلت: نعم يا أمير المؤمنين ! ولم تمنعنا من الجهاد ؟ فقال: لئن أسكت عنك فلا أجيبك خير لك من أن اجيبك، ثم اندفع يحدث عن أبي بكر حتى قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد بمثلها فاقتلوه " 2.


1) سيرة ابن هشام 2 / 658. 2) تاريخ اليعقوبي 2 / 147 - 148.

[307]

وقال محمد بن جرير الطبري: " حدثني علي بن مسلم، قال: ثنا: عباد ابن عباد، قال: ثنا: عباد بن راشد قال: حدثنا عن الزهري عن عبيدالله بن [عبد الله بن] عتبة عن ابن عباس، قال: كنت اقرئ عبد الرحمن بن عوف القرآن، قال: فحج عمر وحججنا معه، قال: فإني لفي منزل بمنى إذ جاء ني عبد الرحمن بن عوف، فقال: شهدت أمير المؤمنين اليوم وقام إليه رجل فقال: اني سمعت فلانا يقول: لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلانا، قال: فقال أمير المؤمنين: اني لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوا الناس أمرهم، قال فقلت: يا أمير المؤمنين ان الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم وانهم الذين يغلبون على مجلسك واني لخائف ان قلت اليوم مقالة ألا يعوها ولا يحفظوها ولا يضعوها على مواضعها، وأن يطيروا بها كل مطير. ولكن أمهل حتى تقدم المدينة تقدم دار الهجرة والسنة وتخلص بأصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار فتقول ما قلت متمكنا فيعوا مقالتك ويضعوها على مواضعها فقال: والله لاقومن بها في أول مقام أقومه بالمدينة قال: فلما قدمنا المدينة وجاء يوم الجمعة هجرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن فوجدت سعيد بن زيد قد سبقني بالتهجير، فجلست إلى جنبه عند المنبر ركبتي إلى ركبته، فلما زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرج فقلت لسعيد وهو مقبل: ليقولن أمير المؤمنين اليوم على هذا المنبر مقالة لم يقل قبله، فغضب وقال: أي مقالة يقول لم يقل قبله ! ؟ فلما جلس عمر على المنبر أذن المؤذ [نو] ن فلما قضى المؤذن أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد، فاني اريد أن أقول مقالة قد قدر أن أقولها من وعاها وعقلها وحفظها، فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته ومن لم يعها

[308]

فاني لا أحل لاحد أن يكذب علي، ان الله عزوجل بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ورجمنا بعده، واني قد خشيت أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وقد كنا نقول (نقرأ. ظ): لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ثم انه بلغني أن قائلا منكم يقول: لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلانا فلا يغرن أمرءا أن يقول ان بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الاعناق مثل أبي بكر. وانه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة وتخلفت عنا الانصار بأسرها واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لابي بكر: انطلق بنا إلى اخواننا هؤلاء من الانصار، فانطلقنا نؤمهم فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرا فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين فقلنا نريد اخواننا هؤلاء من الانصار، قالا: فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم فقلنا: والله لنأتينهم. قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين أظهر هم رجل مزمل، قال: قلت: من هذا ؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه ؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم فحمد الله وقال: أما بعد، فنحن الانصار وكتيبة الاسلام وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا وقد دفت الينا من قومكم دافة، قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويغصبونا الامر، وقد كنت زورت في نفسي مقالة اقدمها بين يدي أبي بكر وقد كنت اداري منه بعض الحد وكان هو أوقر مني وأحلم، فلما أردت أن أتكلم قال على رسلك فكرهت أن أعصيه فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو

[309]

تكلمت الا قد جاء به أو بأحسن منه وقال: أما بعد، يا معشر الانصار ! فانكم لا تذكرون منكم فضلا الا وأنتم له أهل وان العرب لا تعرف هذا الامر الا لهذا الحي من قريش وهم أوسط دارا ونسبا، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح واني والله ما كرهت من كلامه شيئا غير هذه الكلمة ان كنت لا قدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى اثم أحب الي من أن أؤمر على قوم فيهم أبو بكر، فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ؟ منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ! قال: فارتفعت الاصوات وكثر اللغظ. فلما أشفقت الاختلاف قلت لابي بكر: أبسط يدك أبايعك ! فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الانصار، ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة، فقلت. قتل الله سعدا ! وانا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعد نا بيعة فاما أن نتابعهم على ما لا نرضى أو نخالفهم فيكون فساد " 1. وقال أيضا: " ثنا عبيدالله بن سعيد، قال: ثنا عمي، قال: نا: سيف بن عمر عن سهل وأبي عثمان عن الضحاك بن خليفة، قال: لما قام الحباب ابن المنذر انتضى سيفه وقال: أنا: جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أنا أبو شبل في عرينة الاسد يعزى إلى الاسد ! فحامله عمر فضرب يده فندر السيف فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد، وتتابع القوم على البيعة وبايع (تمانع. ظ) سعد، وكانت فلتة كفلتات الجاهلية قام أبو بكر دونها، وقال قائل حين وطئ سعد: قتلتم سعدا ! فقال عمر: قتله الله انه منافق واعترض عمر بالسيف صخرة فقطعه ".


(1) تاريخ الطبري 2 / 445 - 447.

[310]

وقال أبو حاتم محمد بن حبان التميمي البستي: " أخبرنا محمد بن الحسن ابن قتيبة النحمي بعسقلان، ثنا: محمد بن المتوكل، ثنا: عبد الرزاق أنا: معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، قال: كنت عند عبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر بن الخطاب، فلما كان في آخر حجة حجها عمر أتاني عبد الرحمن بن عوف في منزلي عشاءا، فقال: لو شهدت امير المؤمنين ! اليوم وجاءه رجل وقال: يا امير المؤمنين ! اني سمعت فلانا يقول: لو قد مات امير المؤمنين لبايعت فلانا ! فقال عمر: اني لقائم العشية في الناس ومحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا المسلمين امرهم - فقلت: يا امير المؤمنين ! ان الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاهم وانهم الذين يغلبون على مجلسك، واني اخشى ان تقول فيهم اليوم مقالة لا يعونها ولا يضعونها مواضعها وان يطيروا بها كل مطير، ولكن امهل يا امير المؤمنين ! حتى تقدم المدينة فانها دار السنة ودار الهجرة فتخلص بالمهاجرين والانصار وتقول ما قلت متمكنا فيعوا مقالتك ويضعونها مواضعها. قال عمر: أما والله لا قومن به في اول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فلما قدمنا المدينة وجاء يوم الجمعة هجرت لما حدثني عبد الرحمن بن عوف، فوجدت سعيد بن زيد بن نقيل قد سبقني بالتهجر جالسا إلى جنب المنبر فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته، فلما زالت الشمس خرج علينا عمر فقلت وهو مقبل: أما والله ليقولن اليوم امير المؤمنين على هذا المنبر مقالة لم يقل قبله ! قال فغضب سعيد بن زيد فقال: وأي مقالة يقول لم يقل قبله ؟ فلما ارتقى عمر المنبر اخذ المؤذن في أذانه فلما فرغ من أذانه. قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد، فاني اريد أن اقول مقالة قد قدر لي أن اقولها، فمن وعاها فليحدث بها حيث تنتهي به راحلته

[311]

ومن خشي ان لا يعيها فاني لا احل لاحد أن يكذب على: ان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وانزل عليه الكتاب، فكان مما انزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، واني خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله ! فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وان الرجم على من أحصن إذا زنا وقامت عليه البينة أو كان الحمل أو الاعتراف. ثم انا قد كنا نقرأ " ولا ترغبوا عن آبائكم " ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقالوا: عبد الله ورسوله ". ثم انه بلغني أن فلانا منكم يقول: لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعت فلانا، فلا يغرن امرأ أن يقول: ان بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك الا أن الله وقى شرها ودفع عن الاسلام والمسلمين ضرها، وليس فيكم من تقطع إليه الاعناق مثل أبي بكر. وانه كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليا والزبير ومن تبعهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الانصار في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت: يا أبا بكر ! انطلق بنا إلى اخواننا من الانصار، فانطلقنا نؤمهم فلقينا رجلين صالحين من الانصار شهدا بدرا فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلنا: نريد اخواننا هؤلاء الانصار قالا: فارجعوا مضوا الامر أمركم بينكم: فقلت والله لنأتينهم فأتيناهم فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة بين أظهرهم رجل مزمل قلت: من هذا ؟ قالوا: سعد بن عبادة، قال: قلت: ما شأنه ؟ قالوا: وجع. فقام خطيب الانصار فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد ! فنحن الانصار وكتيبة الاسلام وأنتم يا معشر قريش رهط منا وقد دفت الينا دافة

[312]

منكم. وإذا هم يريدون أن يختزلون أصلنا ويختصوا بأمر دوننا وقد كنت زورت في نفسي مقالة اريد ان أقوم بها بين يدي أبي بكر وكنت ادارى من أبي بكر بعض الحد، وكان أو قرمني وأحلم، فلما أردت الكلام قال: على رسلك. فكرهت ان اغضبه، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ووالله ما ترك كلمة قد كنت زورتها الا جاء بها أو أحسن منها في بديهته، ثم قال: أما بعد ! وأما ما ذكرتم فيكم من خير يا معشر الانصار فأنتم له أهل ولن تعرف العرب هذا لامر الا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب دارا ونسبا، ولقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح، فوالله ما كرهت مما قال شيئا غير هذه الكلمة، كنت لان أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى اثم أحب الي من أن أقدم على قوم فيهم أبو بكر ! فلما قضى أبو بكر مقالته فقام رجل من الانصار فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، والا أجلنا الحرب فيما بيننا وبينكم جذعة ! قال معمر: فقال قتادة: قال عمر: فانه لا يصلح سيفان في غمد ولكن منا الامراء ومنكم الوزراء ! قال معمر عن الزهري في حديثه فارتفعت الاصوات بيننا وكثر اللغظ حتى أشفقت الاختلاف، فقلت: يا أبا بكر ! أبسط يدك أبا يعك ! فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون وبايعه الانصار. قال: ونزونا على سعد بن عبادة حتى قال قائل: قتلتم سعدا قال قلت: قتل الله سعدا، وانا والله ما رأينا فيما حضرنا امرا كان أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا ان فارقنا القوم أن يحدثوا بعدنا بيعة فاما أن نبايعهم على ما لا نرضى واما أن نخالفهم فيكون فساد. فلا يغرن امرأ يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقد كانت كذلك الا أن الله وقى شرها ! وليس فيكم من يقطع إليه الا عناق مثل أبي بكر فمن بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فانه لا يبايع لا هو ولا الذي

[313]

بايعه بعده. قال الزهري وأخبرني عروة أن الرجلين الذين لقياهم من الانصار عويم بن ساعدة ومعن بن عدي، والذي قال " انا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب " خباب بن المنذر " 1. وقال الشهرستاني في كتاب [الملل والنحل] " الخلاف الخامس في الامامة وأعظم خلاف بين الامة خلاف الامامة، إذ ماسل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الامامة في كل زمان ! وقد سهل الله تعالى ذلك في الصدر الاول، فاختلف المهاجرون والانصار فيها وقالت الانصار: منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الانصاري فاستدركه أبو بكر وعمر في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة وقال عمر: كنت ازور في نفسي كلاما في الطريق فلما وصلنا إلى السقيفة أردت أن أتكلم فقال أبو بكر: مه يا عمر ! فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب ! فقبل أن يشتغل الانصار بالكلام مددت يدى إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت النائرة. الا ان بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. فأيما رجل بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فانهما تغرة أن يقتلا، وانما سكنت الانصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي عليه السلام: الائمة من قريش !. وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة، ثم لما عاد إلى المسجد انثال الناس عليه وبايعوه عن رغبة سوى جماعة من بنى هاشم وأبي سفيان من بني امية وأمير المؤمنين علي كرم الله وجهه كان مشغولا بما أمره النبي صلى الله عليه وسلم من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة ". وقال السيوطي في [تاريخ الخلفا]: " روى الشيخان أن عمر بن الخطاب


1) الثقات لابن حبان مخطوط.

[314]

رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته: قد بلغني أن فلانا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرأ أن يقول أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا وانها كذلك الا أن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من قطع إليه الاعناق مثل أبي بكر. وانه كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلف الانصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر ! انطلق بنا إلى اخواننا من الانصار، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقال: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلت: نريد اخواننا من الانصار فقالا: عليكم أن لا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى جئنا هم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت: من هذا ؟ قالوا ابن عبادة، فقلت: ماله ؟ قالوا: وجع، فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من اصلنا وتحصنوننا من الامر ! فلما سكت أردت أن أتكلم، وقد كنت زورت مقالة اعجبتني أردت أن أقولها بين يدى أبي بكر، وقد كنت ادارى منه بعض الحد، وهو كان أحلم منى وأوقر، فقال أبو بكر: على رسلك ! فكرهت أن اغضبه وكان أعلم منى، والله ما ترك من كلمة اعجبتني في تزويري الا قالها في بداهته وأفضل حتى سكت. فقال: أما بعد ! فما ذكرتم من خير فانتم أهله ولم تعرف العرب هذا الامر الا لهذا الحي من قريش ا، هم أوسط العرب نسبأ ودارا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلم

[315]

أكره مما قال غيرها، وكان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من اثم أحب إلى من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ! فقال قائل من الانصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ! وكثر اللغظ وارتفعت الاصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت ابسط يدك يا أبا بكر ! فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار، أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فاما أن نتابعهم على ما لا نرضى واما أن نخالفهم فيكون فيه فساد ". وقال ابن حجر المكي في [الصواعق]: " روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن باجماع من يعتد به: أن عمر رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته: قد بلغني أن فلانا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا ! فلا يغترن (يغرن. ظ) امرأ أن يقول ان بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا وانها كذلك الا أن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الاعناق مثل أبي بكر. وانه كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلفت الانصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى اخواننا من الانصار، فانطلقنا نؤمهم - أي نقصدهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكر لنا الذي صنع القوم، قالا أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا: نريد اخواننا من الانصار فقالا: لا عليكم أن تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين ! فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى جئنا هم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت: من هذا ؟

[316]

قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ماله ؟ قالوا: وجع. فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة منكم أي دب قوم منكم بالاستعلاء والترفع علينا تريدون أن تخزلونا من أصلنا وتحصنونا من الامر أي تنحونا عنه وتستبدون به دوننا. فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر، وقد كنت اداري منه بعض الحد وهو كان أحلم مني وأوقر. فقال أبو بكر: على رسلك ! فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري الا قالها في بديهة وأفضل حتى سكت، فقال: أما بعد، فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ولم تعرف العرب هذا الامر الا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا وقد رضيت لكم احد هذين الرجلين ايهما شئتم وأخذ بيدي وبيد ابي عبيدة بن الجراح فلم اكره ما قال غيرها ولان والله ان اقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من اثم احب الي من ان اتأمر على قوم فيهم ابو بكر. فقال قائل من الانصار أي هو الحباب بمهملة مضمومة فموحدة - ابن المنذر: انا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب اي انا يشتفى برأيي وتدبيري وأمنع بجلدتي ولحمتي كل نائبة تنوبهم، دل على ذلك ما في كلامه من الاستعارة بالكناية المخيل لها بذكر ما يلائم المشبه به، إذ موضوع الجذيل المحكك - وهو بجيم فمعجمة - تصغير جذل عود ينصب في العطن لتحتك به الابل الجرباء، والتصغير للتعظيم، والعذق بفتح العين النخلة بجملها، فاستعارة لما ذكرناه، والمرجب بالجيم، وغلط من قال بالحاء، من قولهم، نخلة وجبة، وترجيبها ضم اعذاقها إلى سعفاتها وشدها بالخوض لئلا ينفضها الريح أو يصل

[317]

إليها اكل. منا امير ومنكم امير، يا معشر قريش. وكثر اللغط وارتفعت الاصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت: ابسط يديك يا ابا بكر ! فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار. اما والله ما وجدنا فيما حضرنا امرا هو اوفق من مبايعة ابي بكر خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن بيعة ان يحدثوا بعدنا بيعة فاما ان نبايعهم على مالا نرضى واما ان نخالفهم فيكون فيه فساد ". وقال: " ولا يقدح في حكاية الاجماع تأخر علي والزبير والعباس وطلحة مدة لامور، منها انهم رأوا ان الامر تم بمن تيسر حضوره حينئذ من اهل الحل والعقد، ومنها انها لما جاؤا وبايعوا اعتذروا كما مر عن الاولين من طرق بأنهم اخروا عن المشورة مع ان لهم فيها حقا لا للقدح في خلافة الصديق، هذا مع الاحتياج في هذا الامر لخطره إلى الشورى التامة، ولهذا مر عن عمر بسند صحيح ان تلك البيعة كانت فلتة ولكن وقى الله شرها ! ". السابع: لقد كان امير المؤمنين عليه السلام يرى بطلان خلافة ابي بكر لانها كانت عن غير مشورة من المسلمين، ويشهد بما ذكرنا ما رواه الشريف الرضي رحمه الله في [نهج البلاغة] حيث قال: " وقال عليه السلام: واعجبا اتكون الخلافة بالصحابة ولا تكون بالصحابة والقرابة. وروي له شعر في هذا المعنى: فان كنت بالشورى ملكت امورهم فكيف بهذا والمشيرون غيب وان كنت بالقربى حججت خصومهم فغيرك اولى بالنبي وأقرب ".

[318]

قال ابن ابي الحديد: " حديثه عليه السلام في النثر والنظم المذكورين مع ابي بكر وعمر، اما النثر فالى عمر توجيهه لان ابا بكر لما قال لعمر: امدد يدك، قال له عمر انت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله في المواطن كلها، شدتها ورخائها فامدد انت يدك. فقال علي عليه السلام: إذا احتججت لاستحقاقه الامر بصحبته اياه في المواطن [كلها] فهلا سلمت الامر إلى من قد شركه في ذلك وزاد عليه بالقرابة ؟ ! وأما النظم فموجه إلى ابى بكر، لان ابا بكر حاج الانصار في السقيفة فقال نحن عشيرة [عترة] رسول الله صلى الله عليه وآله وبيضته التي تفقأت عنه، فلما بويع احتج على الناس ببيعته [بالبيعة] وانها صدرت عن اهل الحل والعقد، فقال علي عليه السلام: اما احتجاجك على الانصار بأنك من بيضة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن قومه فغيرك اقرب نسبا منك إليه، واما احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد فكيف يثبت " 1. الثامن: لقد استخلف أبو بكر عمر من غير مشورة من المسلمين، بل لقد أمره عليهم بالرغم منهم، وتلك كتبهم تنطق بذلك، فقد روى القاضى أبو يوسف في باسناده قال: " لما حضرت الوفاة أبا بكر رضي الله عنه ارسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: أتستخلف علينا فظا غليظا لو قد ملكنا كان أفظ وأغلظ ؟ فماذا تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر ؟ قال: اتخوفونني ربي [بربي] ؟ أقول: اللهم أمرت خير أهلك " 2. وقال ابن سعد: " وسمع بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بدخول


(1) شرح نهج البلاغة 18 / 416. (2) الخراج: 11.

[319]

عبد الرحمن وعثمان على ابي بكر وخلوتهما به، فدخلوا على ابي بكر فقال [له] قائل منهم: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك لعمر علينا وقد ترى غلظته.. " 1. وروى باسناده عن عائشة قالت: " لما ثقل أبي دخل عليه فلان وفلان فقالوا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا تقول لربك إذا قدمت عليه غدا وقد استخلفت علينا ابن الخطاب ؟ فقال اجلسوني، أبالله ترهبوني ؟ اقول: استخلفت عليهم خيرهم.... عن عائشة قالت: لما حضرت ابا بكر الوفاة استخلف عمر فدخل عليه علي وطلحة فقالا: من استخلفت ؟ قال: عمر، قالا: فماذا أنت قائل لربك ؟ قال: أبالله تفرقاني ؟ لانا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول: استخلفت عليهم خير أهلك " 2. ورواه المحب الطبري 3 والمتقي 4 والوصابي 5. وروى ابن ابي شيبة في [المصنف]: " ان ابا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه، فقال الناس: تستخلف علينا فظا غليظا ؟ ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ، فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر.. ". ورواه شاه ولي الله (والد الدهلوي) 6.


(1) طبقات ابن سعد 3 / 199. (2) طبقات ابن سعد 3 / 274. (3) الرياض النضرة 1 / 237. (4) كنز العمال 5 / 398. (5) الاكتفاء في فضل الاربعة الخلفاء - مخطوط. (6) قرة العينين 27.

[320]

وقال محمد بن جرير الطبري " وعقد أبو بكر في مرضته التي توفى فيها لعمر بن الخطاب عقد الخلافة من بعده وذكر أنه لما أراد العقد له دعا عبد الرحمن بن عوف فيما ذكر ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: لما نزل أبي بكر - رحه - الوفاة دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر ! فقال: يا خليفة رسول الله ! هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل ولكن فيه غلظة: فقال أبو بكر: ذلك لانه يراني رقيقا ولو أفضى الامر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، ويا أبا محمد ! قد رمقته فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشئ أراني الرضى عنه وإذا لنت له أراني الشدة عليه ! لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئا. قال: نعم ! ثم دعا عثمان بن عفان فقال: يا أبا عبد الله ! أخبرني عن عمر، قال: أنت أخبر به، فقال أبو بكر على ذاك، يا أبا عبد الله ! قال: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأن ليس فينا مثله ! قال أبو بكر رحمه الله: رحمك الله يا أبا عبد الله ! لا تذكر مما ذكرت لك شيئا قال: أفعل. فقال له أبو بكر: لو تركته ما عدوتك ! وما أدري لعله تاركه، والخيرة له ألا يلي من اموركم شيئا ولوددت أني كنت خلوا من اموركم وأني كنت فيمن مضى من سلفكم، يا أبا عبد الله ! لا تذكرن مما قلت لك من أمر عمر ولا مما دعوتك له شيئا ! ثنا: ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن عمرو عن أبي السفر، قال: أشرف أبو بكر على الناس من كنفيه وأسماء ابنة عميس ممسكته موشومة اليدين وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم فاني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة واني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له واطيعوا ! فقالوا: سمعنا وأطعنا ! حدثنى عثمان بن يحيى عن عثمان القرقساني قال: ثنا سفيان بن عيينة عن

[321]

اسمعيل عن قيس، قال رأيت عمر بن الخطاب وهو يجلس والناس معه، وبيده جريدة وهو يقول: أيها الناس ! اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، انه يقول: اني لم الكم نصحا، قال: ومعه مولى لابي بكر يقال له: شديد، معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر. قال أبو جعفر: وقال الواقدي: حدثني ابراهيم بن أبي النضر عن محمد ابن ابراهيم بن الحارث، قال: دعا أبو بكر عثمان خاليا فقال له: اكتب " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين: أما بعد " قال ثم اغمى عليه فذهب عنه فكتب عثمان: أما بعد، فاني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم الكم خيرا [منه]. ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي فقرأ عليه فكبر أبو بكر وقال: أراك خفت أن يختلف الناس ان افتلتت نفسي في غشيتي ! قال: نعم ! قال: جزاك الله خيرا عن الاسلام وأهله وأقرها أبو بكر رضي الله عنه من هذا الموضع. ثنا: يونس بن عبد الاعلى، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: ثنا علوان عن صالح بن كيسان عن عمر بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه أنه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه، فأصابه مهتما فقال له عبد الرحمن: أصبحت والحمد لله بارئا فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتراه ؟ قال: نعم ! قال: اني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه من ذلك يريد أن يكون الامر له دونه ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولما تقبل وهي مقبلة، حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج وتألموا الاضطجاع على الصوف الاذري كما يألم أحدكم أن ينام على حسك، والله لان يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، وأنتم أول ضال بالناس غدا فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا !

[322]

يا هادي الطريق انما هو الفجر أو البحر. فقلت، له خفض عليك رحمك الله فان هذا يهيضك في أمرك، انما الناس في أمرك بين رجلين: اما رجل رأى ما رأيت فهو معك، واما رجل خالفك فهو مشير عليك وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت الا خيرا ولم تزل صالحا مصلحا وانك لا تأسى على شئ من الدنيا. قال أبو بكر رضي الله عنه: أجل ! اني لا آسي على شئ من الدنيا الا على ثلث فعلتهن وددت أني تركتهن، وثلث تركتهن وددت أني فعلتهن، وثلث وددت أني سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما الثلث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ وان كانوا قد علقوا على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي وأني كنت قتلته سريحا، أو خليته نجيحا، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الامر في عنق أحد الرجلين - يريد عمر وأبا عبيدة - فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا. وأما اللاتي تركتهن فوددت أني يوم أتيت بالاشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه فانه يخيل الي أنه لا يرى شرا الا أعان عليه ! ووددت أني سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة، فان ظفر المسلمون ظفروا وان هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد، ووددت أني كنت إذ وجهت خالد ابن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله ومد يديه ! ووددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذا الامر فلا ينازعه أحد ! ووددت أني كنت سألته هل للانصار في هذا الامر نصيب ؟ ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الاخ والعمة فان في نفسي منها شيئا.

[323]

قال لي يونس: قال لنا يحيى ثم قدم علينا علوان بعد وفاة الليث فسألته عن هذا الحديث فحدثني به كما حدثني الليث بن سعد حرفا حرفا. وأخبرني أنه هو حدث به الليث بن سعد وسألته عن اسم أبيه وأخبرني أنه علوان بن داود. وحدثني محمد بن اسمعيل المرادي، قال: ثنا عبد الله بن صالح المصري قال: حدثني الليث عن علوان بن صالح عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: ثم ذكر نحوه ولم يقل فيه عن أبيه " 1. وقال أبو عمر أحمد بن عبد ربه القرطبي: " قال أبو صالح: أخبرنا محمد ابن وضاح، قال: حدثني محمد بن زمج بن مهاجر النجيبي، قال: حدثني الليث بن سعد عن علوان عن صالح بن كيسان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه أنه دخل على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه الذي توفى فيه فأصابه مفيقا فقال: أصبحت بحمد الله بارئا، قال أبو بكر: أبرأه الله (أتراه برءا ؟. ظ) قال: نعم ! قال: أما اني علي ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي، اني وليت أمركم خيركم في نفسي فكلكم ورم من ذلك أنفه ! يريد أن يكون له الامر، ورأيتم الدنيا مقبلة ولما تقبل وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألمون الاضطجاع على الصوف الازري كما يألم أحدكم الاضطجاع على شوك السعدان ! والله لان يقدم أحدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، ألا وانكم أول ضال بالناس غدا فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا ! يا هادي الطريق، انما هو الفجر والبحر. قال: فقلت له خفض عليك يرحمك الله ! فان هذا يهيضك على ما بك،


(1) تاريخ الطبري 2 / 617 - 620.

[324]

انما الناس في أمرك بين رجلين: اما رجل رأى ما رأيت فهو معك، واما رجل خالفك فهو يشير عليك برأيه، وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت الا الخير ولم تزل صالحا مصلحا، مع أنك لا تأسى على شئ من الدنيا. فقال أجل ! اني لا آسى على شئ من الدنيا الا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن ووددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن. فأما الثلاث التي فعلتهن ووددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ وان كانوا أغلقوه على الحرب ! ووددت أني لم أكن حرقت النحام (الفجاءة. ظ) السلمي وأني قتلته شديخا أو خليته نجيحا ! ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة قدمت (قلدت. ظ) الامر في عنق أحد الرجلين، فكان أحدهما أميرا وكنت له وزيرا. يعني بالرجلين عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح. وأما الثلاث التي تركتهن ووددت أني فعلتهن: فوددت أني يوم أتيت الاشعث بن قيس أسيرا ضربت عنقه فانه يخيل الي أنه لا يرى شرا الا أعان عليه ! ووددت أني يوم سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة أقمت بذي القصة فان ظفر المسلمون ظفروا وان انهزموا كنت بصدد لقاء أو مدد ! ووددت أني وجهت خالد بن الوليد إلى الشام ووجهت عمر بن الخطاب إلى العراق فأكون قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله. وأما الثلاث التي وددت أني أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن فاني وددت أني سألته لمن هذا الامر من بعده ؟ فلا ينازعه أحد ! وأني سألته هل للانصار في هذا الامر نصيب ؟ فلا يظلموا نصيبهم منه ! ووددت أني سألته عن بنت الاخ والعمة فان في نفسي منهما شيئا " 1.


(1) العقد الفريد 4 / 267.

[325]

وقال أبو بكر الباقلاني: " وفي حديث عبد الرحمن بن عوف رحمة الله عليه، قال: دخلت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه في علته التي مات فيها، فقلت: أراك بارئا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ! فقال: أما أني على ذلك لشديد الوجع، وما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي ! اني وليت اموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الامر من دونه ! والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الاذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان. والذي نفسي بيده لان يقدم أحدكم فتضرب رقبته في غير حد خير له من أن يخوض غمرات الدنيا يا هادي الطريق جرت انما هو وان الفجر أو البحر. قال: فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فان هذا يهيضك إلى ما بك فوالله ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شئ فاتك من أمر الدنيا، ولقد تخليت بالامر وحدك فما رأيت الا خيرا " 1. وقال الزمخشري في كتاب [الفائق]: " أبو بكر الصديق رضي الله عنه دخل عليه عبد الرحمن بن عوف في علته التي مات فيها فقال: أراك بارئا يا خليفة رسول الله ! فقال أما اني على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي ! وليت اموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الامر من دونه، والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الاذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان ! والذي نفسي بيده لان يقدم احدكم فتضرب عنقه في غير حد خير له من ان يخوض غمرات الدنيا يا هادى الطريق جرت انما هو الفجر أو البحر. وروى البحر، قال له عبد الرحمن: خفض عليك يا خليفة رسول الله ! فان هذا


(1) اعجاز القرآن - هامش الاتقان: 184.

[326]

يهيضك إلى ما بك. وروي أن فلانا دخل عليه فنال من عمر وقال: لو استخلفت فلانا ؟ ! فقال أبو بكر رضي الله عنه: لو فعلت ذلك لجعلت انفك في قفاك ولما اخذت من اهلك حقا ! ودخل عليه بعض المهاجرين وهو يشتكي في مرضه فقال له: اتستخلف علينا عمر وقد عتا علينا ولا سلطان له ولو ملكنا كان اعتى وأعتى فكيف تقول لله إذا لقيته ؟ ! فقال أبو بكر: اجلسوني ! فأجلسوه فقال: ابالله تفرقني فاني اقول له إذا لقيته: استعملت عليهم خير اهلك ! (برئ) من المرض وبرأ فهو بارئ ومعناه مزايلة المرض والتباعد منه. ومنه برئ من كذا براءة. ورم الانف كناية عن افراط الغيظ لانه يردف الاغتياظ الشديد أن يتورم انف المغتاظ وينتفخ منخراه، قال: ولا يهاج إذا ما أنفه ورما النضائد: الوسائد والفرش ونحوها مما ينضد، الواحدة نضيدة. الاذربي منسوب إلى أذربيجان وروى الاذري، البحر الامر العظيم. والمعنى: ان انتظرت حتى يضئ لك الفجر أبصرت الطريق وان خبطت الظلماء أفضت بك إلى المكروه، وقال المبرد فيمن رواه البحر ضرب ذلك مثلا لغمرات الدنيا وتحييرها اهلها. خفض عليك أي ابق على نفسك وهون الخطب عليها. بيض كسر العظم المجبور ثانية، والمعنى أنه ينكسك إلى مرضك. جعل الانف في القفا عبارة عن غاية الاعراض عن الشئ ولس الرأس عنه لان قصارى ذلك أن يقبل بأنفه على ما رواه فكأنه جعل انفه في قفاه، ومنه قولهم للمنهزم عيناه في قفاه لنظره إلى ما وراءه دائبا فرقا من الطلب. والمراد لا فرطت في الاعراض عن الحق، أو لجعلت ديدنك الاقبال بوجهك إلى من ورائك من اقاربك مختصا لهم ببرك ومؤثرا اياهم على غيرهم. تفرقني: تخوفني. اهلك، كان يقال لقريش " اهل

[327]

الله " تفخيما لشأنهم، وكذلك كل ما يضاف إلى اسم الله كبيت الله وكقولهم لله انت، وكقول امرء القيس: فلله عينا من رأى من تفرق اشت وأنأى من فراق المحصب " 1. وقال في كتاب [اساس البلاغة]: " ومن المجاز: ورم انفه إذا غضب. وفي حديث ابي بكر رضي الله عنه. كلكم ورم انفه أن يكون له الامر من دونه " 2. وقال ابن الاثير: " ومنه حديث ابي بكر: وليت اموركم خيركم فكلكم ورم انفه على أن يكون له من دونه. أي امتلاء وانتفخ من ذلك غضبا، وخص الانف بالذكر لانه موضع الانفة والكبر كما يقال: شمخ بأنفه، ومنه قول الشاعر " ولا يهاج إذا ما أنفه ورما " 3. وقال محمد بن مكرم الانصاري: " ورم انفه، أي غضب، ومنه قول الشاعر: " ولا يهاج إذا ما انفه ورما " وفي حديث ابي بكر رضي الله عنه: وليت اموركم خيركم، فكلكم ورم انفه على ان يكون له الامر من دونه، أي امتلاء وانتفخ من ذلك غضبا. وخص الانف بالذكر لانه موضع الانفة والكبر كما يقال شمخ بأنفه " 4. التاسع: لقد كان طائفة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يعتقدون بطلان خلافة ابي بكر واستخلافه لعمر بن الخطاب باعتبار وقوعهما بغير مشورة


(1) الفائق في غريب الحديث 1 / 45. 2) اساس البلاغة: ورم. (3) النهاية في غريب الحديث: ورم. (4) لسان العرب: ورم.

[328]

من المسلمين، فقد جاء في [العقد الفريد] ما نصه: " وقال المغيرة بن شعبة انى لعند عمر بن الخطاب ليس عنده احد غيرى، إذ [ا] اتاه آت فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في نفر من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعمون أن الذى فعل أبو بكر في نفسه وفيك لم يكن له، وانه كان بغير مشورة ولا مؤامرة، وقالوا: تعالوا نتعاهد ان لا نعود إلى مثلها، قال عمر: وأين هم ؟ قال: في دار طلحة. فخرج نحوهم وخرجت معه وما اعلمه يبصرني من شدة الغضب، فلما رأوه كرهوه وظنوا الذى جاء له، فوقف عليهم وقال: انتم القائلون ما قلتم ؟ والله لا [لن] تتحابوا حتى يتحاب الاربعة: الانسان والشيطان يغويه وهو يلعنه، والنار والماء يطفئها وهى تحرقه، ولم يأن لكم بعد وقد آن ميعادكم ميعاد المسيح متى هو خارج، قال: فتفرقوا فسلك كل واحد منهم طريقا. قال المغيرة قال لى: ادرك ابن ابى طالب فاحبسه علي، فقلت: لا تفعل يا أمير المؤمنين [لا يفعل امير المؤمنين] فوالله ما عدوت ابغضهم، فقال: ادركه والا قلت لك يا ابن الدباغة، قال: فأدركته فقلت له: قف مكانك لامامك واحلم فانه سلطان ويندم [سيندم] وتندم. قال: فأقبل عمر فقال: والله ما خرج هذا الامر الا من تحت يدك، قال علي: اتق ان لا تكون الذى نطيعك فنفتنك، قال: وتحب ان تكون هو ؟ قال: لا ولكننا نذكرك الذى نسيت، فالتفت الي عمر فقال: انصرف فقد سمعت منا عند الغضب، ما كفاك، فتنحيت قريبا وما وقفت الا خشية ان يكون بينهما شئ فأكون قريبا، فتكلما كلاما غير غضبانين ولا راضيين، ثم رأيتهما يضحكان وتفرقا، وجاءني عمر فمشيت معه وقلت: يغفر الله لك اغضبت ؟ قال: فأشار إلى علي وقال: اما والله لولا دعابة فيه ما شككت في ولايته وان نزلت على رغم

[329]

انف قريش " 1. العاشر: ان هذا الكلام ينص على لزوم المشورة من المهاجرين والانصار. ولم تكن خلافة عثمان من مشورة منهم، بل جعلها عمر بين ستة رجال من المهاجرين وهم: أمير المؤمنين علي عليه السلام وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. وهل جاءت خلافة عثمان نتيجة الشورى حقيقة ؟ كلا.. فلقد كان سعد من بنى عم عبد الرحمن، وكان يبغض عليا عليه السلام، وعبد الرحمن كان صهرا لعثمان وكان طلحة يميل إلى عثمان، وكان عمر قد أوصى أنه: ان اجتمع خمسة على رأي واحد وأبى واحد ضرب رأسه بالسيف، وان اجتمع أربعة وأبى الاثنان ضرب رأساهما، فان رضى ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن ابن عوف واقتلوا الباقين. فانضم سعد في الرأي إلى عبد الرحمن، وطلحة إلى عثمان، ومال عبد الرحمن إلى صهره.. وهكذا تمت البيعة لعثمان على يد عبد الرحمن طبق الخطة المدبرة فأين الشورى ؟ هذا اجمال القصة واليك بعض رواياتهم في ذلك: قال ابن سعد: " أخبرنا عفان بن مسلم، نا: حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مستندا إلى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعيد بن زيد فقال: اعلموا اني لم أقل في الكلالة شيئا ولم أستخلف بعدي أحدا، وانه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله. قال سعيد بن زيد، انك لو أشرت برجل من المسلمين أئتمنك الناس. فقال عمر: قد رأيت من أصحابي حرصا سيئا، واني جاعل هذا الامر


(1) العقد الفريد 4 / 281 - 282.

[330]

إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ! ثم قال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الامر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبي عبيدة بن الجراح. أخبرنا وكيع بن الجراح عن الاعمش عن ابراهيم قال: قال عمر: من استخلف لو كان ابو عبيدة فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ! فأين أنت من عبد الله بن عمر ؟ فقال: قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا. استخلف رجلا لم يحسن يطلق امرأته ! ؟ " 1. وروى ابن سعد عن عمرو بن ميمون في خبر طويل: " ثم قال: ادعوا لي عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعدا فلم يكلم أحدا منهم غير علي وعثمان فقال يا علي ! لعل هؤلاء القوم يعرفون لك قرابتك من النبي صلى الله عليه وسلم وصهرك وما آتاك الله من الفقه والعلم، فان وليت هذا الامر فاتق الله فيه ! ثم دعا عثمان فقال: يا عثمان ! لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنك وشرفك، فان وليت هذا الامر فاتق الله ولا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس ثم قال ادعوا لي صهيبا فدعى فقال: صل بالناس ثلاثا ولتخل هؤلاء القوم في بيت فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه، فلما خرجوا من عند عمر قال عمر: لو ولوها الاجلح 2 سلك بهم الطريق فقال له ابن عمر: فما يمنعك يا أمير المؤمنين ! قال اكره أن أتحملها حيا وميتا " 3. وروى في خبر عن سماك: " وقال للانصار: أدخلوهم بيتا ثلاثة أيام فان


1) طبقات ابن سعد - ترجمة عمر. 2) يعنى عليا عليه السلام. 3) طبقات ابن سعد 3 / 338 - 339. (*)

[331]

استقاموا والا فادخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم ! ". وقال ابن سعد أيضا: " أخبرنا محمد بن عمر: حدثني محمد بن موسى عن اسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك، قال: أرسل عمر ابن الخطاب إلى أبي طلحة الانصاري قبل أن يموت بساعة فقال: يا أبا طلحة ! كن في خمسين من قومك من الانصار مع هؤلاء النفر من أصحاب الشورى فانهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت أحدهم، فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحدا يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم، اللهم أنت خليفتي عليهم ". وجاء في ما رواه عن عمرو بن ميمون " وقالوا له حين حضره الموت: استخلف ! فقال: لا أجد أحدا أحق بهذا الامر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض فأيهم استخلف فهو الخليفة، فسمى عليا عليه السلام وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعدا، فان أصابت سعدا فذاك، والا فأيهم استخلف فليستعن به فاني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، قال، وجعل عبد الله معهم يشاورونه وليس له من الامر شئ، قال فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلثة نفر منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد امره إلى عبد الرحمن فأتمروا اولئك الثلثة حين جعل الامر إليهم فقال عبد الرحمن: ايكم يبرء من الامر ويجعل إلى ولكم الله علي الا آلو كم عن افضلكم وخيركم للمسلمين، فأسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن: تجعلانه الي وانا اخرج منها ! فو الله لا آلو كم عن افضلكم وخيركم للمسلمين، قالوا: نعم ! فخلا بعلي عليه السلام فقال: ان لك من القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم، والله عليك لئن استخلف لتعدلن ولئن استخلف عثمان

[332]

لتسمعن ولتطيعن فقال: نعم ! قال: وخلا بعثمان فقال مثل ذلك، قال فقال عثمان: نعم ! قال: فقال ابسط يدك يا عثمان ! فبسط يده فبايعه ! ". وقال أبو بكر بن أبي شيبة في [المصنف] في ما رواه عن عمرو بن ميمون في خبر مقتل عمر فقالوا له حين حضره الموت: استخلف ! فقال: لا أجد أحدا أحق بهذا الامر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فأيهم استخلفوا فهو الخليفة بعدي، فسمى عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعدا، فان أصابت سعدا فذلك والا فأيهم استخلف فليستعن به فاني لم أنزعه عن عجز ولا خيانة، قال: وجعل عبد الله بن عمر يشاور معهم وليس له من الامر شئ، قال: فلما اجتمعوا قال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم يشاورونه ثلثة نفر، قال، فجعل الزبير أمره إلى علي وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن، قال: فأتمروا اولئك الثلاثة حين جعل الامر إليهم، قال: فقال عبد الرحمن، أياكم يتبرأ من الامر ويجعل الامر الي ولكم الله على أن لا آلو عن أفضلكم وخيركم للمسلمين ؟ قالوا: نعم ! فخلا بعلي فقال: ان لك من القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم ولي الله عليك لئن استخلفت لتعدلن ولئن استخلف عثمان لتسمعن ولتطيعن، قال: فقال: نعم ! قال: وخلا بعثمان فقال مثل ذلك، فقال له عثمان: نعم ! ثم قال: يا عثمان ابسط يدك ! فبسط يده وبايعه علي والناس ". وفيه: " حدثنا وكيع عن اسرائيل عن أبي اسحق عن عمرو بن ميمون الاودي أن عمر بن الخطاب لما حضر قال: ادعوا الي عليا وطلحة والزبير وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعدا، قال: فلم يكلم أحدا منهم الا عليا وعثمان فقال: يا علي ! لعل هؤلاء القوم يعرفون لك قرابتك وما آتاك الله من العلم

[333]

والفقه، فاتق الله وان وليت هذا الامر فلا ترفعن بني فلان على رقاب الناس ! وقال لعثمان يا عثمان: ان هؤلاء القوم لعلهم يعرفون لك صهرك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنك وشرفك، فان أنت وليت هذا الامر فاتق الله ولا ترفع بني فلان على رقاب الناس ! فقال: ادعوا لي صهيبا فقال صل بالناس ثلاثا وليجتمع هؤلاء الرهط فليخلوا فان أجمعوا على رجل فأضربوا رأس من خالفهم ". وأخرج البخاري الخبر المذكور وهذا نصه " فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين ! استخلف ! قال: ما أجد أحق بهذا الامر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعد، وعبد الرحمن، وقال: يشهد كم عبد الله بن عمرو ليس له من الامر شئ كهيئة التعزية له، فان أصابت الامرة سعدا فهو ذاك والا فليستعن به أيكم ما أمر فاني لم أعزله عن عجز ولا خيانة ". وفيه: " فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلثة منكم فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الامر فنجعله إليه والله عليه والاسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه الي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم، قالا: نعم ! فأخذ بيد أحدهما فقال لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الاسلام ما قد علمت فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالاخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان ! فبايعه وبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه ". وقال اليعقوبي: " وصير الامر شورى بين ستة نفر من أصحاب رسول

[334]

الله علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص وقال: أخرجت سعيد بن زيد لقرابته مني فقيل له في ابنه عبد الله بن عمر، قال: حسب آل الخطاب ما تحملوا منها، ان عبد الله لم يحسن يطلق امرأته، وأمر صهيبا أن يصلي بالناس حتى يتراضوا من الستة بواحد واستعمل أبا طلحة زيد بن سهل الانصاري وقال ان رضى أربعة وخالف اثنان فاضرب عنق الاثنين ! وان رضى ثلثة وخالف ثلثة فاضرب أعناق الثلثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن ! وان جازت الثلثة الايام ولم يتراضوا بأحد فاضرب أعناقهم جميعا ! وكانت الشورى بقية ذي الحجة سنة 23 وصهيب يصلي بالناس وهو الذي صلى على عمر، وكان أبو طلحة يدخل رأسه إليهم ويقول: العجل ! العجل ! فقد قرب الوقت وانقضت المدة ". قال: " وكان عبد الرحمن بن عوف الزهري لما توفي عمر واجتمعوا للشورى وسألهم أن يخرج نفسه منها على أن يختار منهم رجلا ففعلوا ذلك فأقام ثلثة أيام وخلى بعلي بن أبي طالب فقال: لنا الله عليك ان وليت هذا الامر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: أسير فيكم بكتاب وسنة نبيه ما استطعت. فخلا بعثمان فقال له: لنا الله عليك ان وليت هذا الامر أن تسير فينا بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: لكم أن أسير فيكم بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر، ثم خلى بعلي فقال له مثل مقالته الاولى فأجابه مثل الجواب الاول، ثم خلى بعثمان فقال له مثل المقالة الاولى فأجابه مثل ما كان أجابه ثم خلى بعلي فقال له مثل المقالة الاولى فقال: ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى اجيري أحد، أنت مجتهد تزوي هذا الامر عني. فخلا بعثمان فأعاد عليه القول فأجابه بذلك الجواب

[335]

وصفق على يده، وخرج عثمان والناس يهنئونه " 1. قال " ومال قوم مع علي بن ابي طالب وتحاملوا في القول على عثمان، فروى بعضهم قال: دخلت مسجد رسول الله فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف تلهف من كان الدنيا كانت له فسلبها وهو يقول: واعجبا لقريش ودفعهم هذا الامر على (عن. ظ) أهل بيت نبيهم وفيهم اول المؤمنين وابن عم رسول الله، اعلم الناس وأفقههم في دين الله وأعظمهم غناءا في الاسلام وأبصرهم بالطريق وأهداهم للصراط المستقيم، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقي، وما أرادوا اصلاحا للامة ولا صوابا في المذهب ولكنهم آثروا الدنيا على الاخرة، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين ! فدنوت منه فقلت: من أنت ؟ يرحمك الله ! ومن هذا الرجل فقال: أنا المقداد بن عمرو وهذا الرجل علي بن أبي طالب، قال فقلت: ألا تقوم بهذا الامر فأعينك عليه ؟ فقال: يا ابن أخي ! ان هذا الامر لا يجزي فيه الرجل ولا الرجلان. ثم خرجت فلقيت أبا ذر فذكرت له ذلك فقال: صدق أخي المقداد ". قال: " وروي أن عثمان اعتل علة اشتدت به فدعا حمران ابن ابان و كتب عهدا لمن بعده وترك موضع الاسم ثم كتب إلى عبد الرحمن بن عوف وربطه وبعث به إلى ام حبيبة بنت أبي سفيان فقرأه حمران في الطريق فأتى عبد الرحمن فأخبره، فقال عبد الرحمن وغضب غضبا شديدا: استعمله علانية ويستعملني سرا ! ونمى الخبر وانتشر بذلك في المدينة وغضب بنوامية، فدعا عثمان بحمران مولاه فضربه مائة سوط وسيره إلى البصرة، فكان سبب العداوة بينه وبين عبد الرحمن بن عوف ووجه إليه عبد الرحمن بن عوف بابنه فقال له قل له: والله لقد بايعتك وان في ثلث خصال أفضلك بهن: اني حضرت بدرا


1) تاريخ اليعقوبي 2 / 152.

[336]

ولم تحضرها، وحضرت بيعة الرضوان ولم تحضرها، وثبت يوم احد وانهزمت ! فلما أدى ابنه الرسالة إلى عثمان قال له قل له: أما غيبتي عن بدر فاني أقمت على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمي وأجري. وأما بيعة الرضوان فقد صفق لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيمينه على شماله فشمال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من أيمانكم، وأما يوم أحد فقد كان ما ذكرت الا أن الله قد عفا عني. ولقد فعلنا أفعالا لا ندري أغفرها الله أم لا ؟ ! ". وقال الطبري " حدثني سلمة بن جنادة، قال: ثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال: ثنا أبي عن عبد الله ابن جعفر عن أبيه عن المسور بن محرمة، وكانت امه عاتكة بن عوف، قال: خرج عمر بن الخطاب يوما يطوف في السوق فلقيه أبولؤلؤ غلام المغيرة بن شعبة وكان نصرانيا فقال: يا امير المؤمنين ! اعدني على المغيرة بن شعبة فان علي خراجا كثيرا، قال: وكم خراجك ؟ قال: درهمان في كل يوم، قال وأيش صناعتك قال: نجار نقاش حداد قال: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الاعمال قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحى تطحن بالريح فعلت، قال: نعم ! قال: فاعمل لي رحى، قال: لئن سلمت لا عملن لك رحى يتحدث بها من في المشرق والمغرب، ثم انصرف عنه. فقال عمر رضي الله عنه: لقد توعدني العبد آنفا ! قال: ثم انصرف عمر إلى منزله فلما كان من الغد جاءه كعب الاحبار فقال له يا امير المؤمنين ! اعهد فانك ميت في ثلاثة أيام، قال: وما يدريك ! قال: أجده في كتاب الله عزوجل التوراة، قال عمر: الله ! انك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة ؟ ! قال: اللهم لا

[337]

ولكني أجد صفتك وحليتك وأنه قد فنى أجلك، قال: وعمر لا يحس وجعا ولا ألما، فلما كان من الغد جاءه كعب فقال: يا امير المؤمنين ! ذهب يوم وبقي يومان، قال: ثم جاءه من غد الغد فقال: ذهب يومان وبقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها. قال: فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت جاء هو فكبر. قال: ودخل أبو لؤلؤة في الناس وفي يده خنجر له رأسان نصابه في وسطه، فضرب عمر ست ضربات احديهن تحت سرته وهي التي قتلته، وقتل معه كليب بن أبي البكير الليثي وكان خلفه، فلما وجد عمر حر السلاح سقط وقال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف ؟ قالوا: يا امير المؤمنين، هو ذا، قال تقدم فصل بالناس، قال: فصلى عبد الرحمن بن عوف وعمر طريح ثم احتمل فأدخل داره. فدعا عبد الرحمن بن عوف فقال: اني اريد أن أعهد اليك، فقال: يا أمير المؤمنين ! نعم، ان أشرت الي قبلت منك، قال: وما تريد ؟ قال: أنشدك الله أتشير علي بذلك ؟ قال: اللهم لا ! قال: والله لا أدخل فيه أبدا، قال: فهب لي صمتا حتى أعهد الي النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ادع لي عليا وعثمان والزبير وسعدا، قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فان جاء والا فأقضوا أمركم، أنشدك الله يا علي ان وليت من امور الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس، أنشدك الله يا عثمان ان وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، أنشدك الله يا سعد ان وليت من امور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا ثم اقضوا أمركم وليصل بالناس صهيب. ثم دعا أبا طلحة الانصاري فقال. قم على بابهم فلا تدع أحدا يدخل إليهم

[338]

وأوص الخليفة من بعدي بالانصار الذين تبوؤا الدار والايمان أن يحسن إلى محسنهم وأن يعفو عن مسيئهم، وأوص الخليفة من بعدي بالعرب فانها مادة الاسلام أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم، وأوص الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت ! تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة، يا عبد الله بن عمر ! اخرج فانظر من قتلني، فقال: يا أمير المؤمنين ! قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة ! يا عبد الله بن عمر ! اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر. يا عبد الله بن عمر ان اختلف القوم فكن مع الاكثر، وان كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحزب الذي فيه عبد الرحمن. يا عبد الله ائذن للناس. قال: فجعل يدخل عليه المهاجرون والانصار فيسلمون عليه ويقول لهم عن ملا منكم كان هذا فيقولون معاذ الله ؟ قال ودخل في الناس كعب فلما نظر إليه عمر أنشأ يقول: فأوعدني كعب ثلاثا أعدها * ولا شك ان القول ما قال لي كعب وما بي حذار الموت اني لميت * ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب قال: فقيل له يا أمير المؤمنين لو دعوت الطبيب ؟ قال فدعى طبيب من بني الحارث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج البنيذ مشكلا، قال فاسقوه لبنا قال فخرج اللبن أبيض. فقيل له يا أمير المؤمنين اعهد ! قال: قد فرغت. قال ثم توفى ليلة الاربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة سنة 23 قال فخرجوا به بكرة يوم الاربعاء فدفن في بيت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، قال وتقدم صهيب فصلى عليه وتقدم قبل ذلك رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم علي وعثمان، قال فتقدم واحد من عند

[339]

رأسه والاخر من عند رجليه فقال عبد الرحمن: لا اله الا الله ما أحرصكما على الامرة ! أما علمتما أن أمير المؤمنين قال: ليصل بالناس صهيب ! ؟ فتقدم صهيب ؟ ! فصلى عليه قال: ونزل في قبره الخمسة ". وروى الطبري خبر عمرو بن ميمون وفيه: " ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين ! لو عهدت عهدا. فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولى رجلا أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي ورهقتني غشية فرأيت رجلا دخل جنة قد غرسها فجعل يقطف كل غصنة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت ان الله غالب أمره ومتوف عمر. فما اريد أن أتحملها حيا وميتا. عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انهم من أهل الجنة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل منهم ولست مدخله ولكن الستة علي وعثمان ابنا عبد مناف وعبد الرحمن وسعد خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وطلحة الخير بن عبيدالله، فليختاروا رجلا منهم ". وفيه " وقال لابي طلحة الانصاري: يا أبا طلحة ! ان الله عزوجل طالما أعز الاسلام بكم، فاختر خمسين رجلا من الانصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم، وقال للمقداد بن الاسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة ان قدم وأحضر عبد الله بن عمر ولا شئ له من الامر وقم على رؤوسهم. فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه أو اضرب رأسه بالسيف وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما. فان رضي ثلاثة رجلا منهم والثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر فأي الفريقين حكم

[340]

له فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس فخرجوا، فقال علي لقوم كانوا معه من بني هاشم: ان اطيع فيكم قومكم لم تؤمرا أبدا، وتلقاه العباس، فقال: عدلت عنا ! فقال: وما علمك ؟ قال: قرن بي عثمان وقال كونوا مع الاكثر فان رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن، فلو كان الاخران معي لم ينفعاني بله اني لا أرجو الا أحدهما ". وفيه: " فلقى علي سعدا فقال: اتقوا الله الذي تساءلون به والارحام ان الله كان عليكم رقيبا، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرحم عمي حمزة منك أن لا تكون مع عبد الرحمن لعثمان ظهيرا علي فاني ادلى بما لا يدلى به عثمان ". وفيه: " ودعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له بمثل ما قال لعلي، قال: نعم، فبايعه فقال علي: حبوته حبو دهر ! ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك والله كل يوم هو في شأن ". وفيه " فقال المقداد: ما رأيت مثل ما اوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم اني لاعجب من قريش أنهم تركوا رجلا ما أقول ان أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل، أما والله لو أجد عليه أعوانا، فقال عبد الرحمن: يا مقداد ! اتق الله فانى خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد: رحمك الله من أهل هذا البيت

[341]

ومن هذا الرجل ؟ قال: أهل البيت بنو عبد المطلب والرجل علي بن أبي طالب فقال علي: ان الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر إلى بينها فتقول ان ولى عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم " 1. وقال أبوعمرا بن عبد ربه القرطبي في بيان قصة الشورى: " يونس بن الحسن وهشام بن عروة عن أبيه قال: لما طعن عمر بن الخطاب قيل له: يا أمير المؤمنين ! لو استخلف ؟ قال: ان تركتكم فقد ترككم من هو خير مني وان استخلفت فقد استخلف عليكم من هو خير مني، ولو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا لاستخلفته، فان سألني ربي قلت: سمعت لنبيك يقول انه أمين هذه الامة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لا ستخلفته، فأن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: ان سالما ليحب الله حبا لو لم يخفه ما عصاه قيل له: فلو أنك عهدت إلى عبد الله فانه له أهل في دينه وفضله وقديم اسلامه، قال: بحسب آل الخطاب أن يحاسب منهم رجل واحد عن امة محمد صلى الله عليه وسلم، ولوددت أني نجوت من هذا الامر كفافا لالي ولا علي. ثم راحوا فقالوا: يا أمير المؤمنين ! لو عهدت ؟ فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن اولى رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق وأشار إلى علي، ثم رأيت لا أتحملها حيا ولا ميتا، فعليكم بهؤلاء الرهط الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم انهم من أهل الجنة منهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ولست مدخله فيهم، ولكن الستة علي وعثمان ابنا عبد مناف وسعد وعبد


1) تاريخ الطبري 3 / 297

[342]

الرحمن بن عوف خال رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وطلحة الخير، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولو كم واليا فأحسنوا موازرته. فقال العباس لعلي: لا تدخل معهم ! قال: أكره الخلاف، قال إذا ترى ما تكره ! فلما أصبح عمر دعا عليا وعثمان وسعدا والزبير وعبد الرحمن ثم قال: اني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم ولا يكون هذا الامر الا فيكم واني لا أخاف الناس عليكم، ولكني أخافكم على الناس وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنكم راض فاجتمعوا إلى حجرة عائشة باذنها لتشاوروا واختاروا منكم رجلا، وليصل بالناس صهيب ثلاثة أيام ولا يأتي اليوم الرابع الا وعليكم أمير منكم ويحضركم عبد الله مشيرا ولا شئ له من الامر وطلحة شريككم في الامر فان قدم في الثلثة أيام فأحضروه أمركم وان مضت الثلاثة أيام قبل قدومه فامضوا أمركم، ومن لي بطلحة ؟ فقال سعد: أنا لك به انشاء الله. ثم قال لابي طلحة الانصاري: يا أبا طلحة ! ان الله قد أعزبكم الاسلام فاختر خمسين رجلا من الانصار، كونوا مع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. وقال للمقداد بن الاسود الكندي إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم، وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام وادخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن وطلحة ان حضر، وأحضر عبد الله بن عمرو وليس له في الامر شئ وقم على رؤوسهم. فان اجتمع خمسة على رأي واحد وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف ! وان اجتمع أربعة فرضوا وأبى الاثنان فاضرب رأسيهما، فان رضى ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر فان لم يرضوا بعبدالله فكونوا مع الذين فبهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس وخرجوا.

[343]

فقال علي لقوم معه من بني هاشم: ان أطيع فيكم قومكم فلن بؤمرو كم أبدا، وتلقاه العباس فقال له: عدلت عنا ! قال له: وما أعلمك ؟ قال قرن بي عثمان ثم قال: ان رضى رجلان رجلا ورجلا ورجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فلو كان الاخران معى ما نفعاني، فقال العباس: لم أدفعك في شئ الا رجعت الي متأخرا بما أكره. أشرت عليك عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الامر فأبيت. وأشرت عليك بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان تعاجل الامر فأبيت. وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل معهم فأبيت، فاحفظ عنى واحدة: كلما عرض عليك القوم فأمسك إلى أن يولوك وأحذر هذا الرهط فانهم لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الامر حتى يقوم لنا فيه غيرنا. فلما مات عمر واخرجت جنازته تصدى علي وعثمان أيهما يصلى عليه فقال عبد الرحمن: كلا كما يحب الامر ! لستما من هذا في شئ ! هذا صهيب استخلفه عمر يصلى بالناس ثلاثا حتى يجتمع الناس على امام، فصلى عليه صهيب فلما دفن عمر جمع المقداد بن الاسود أهل الشورى في بيت عائشة باذنها وهم خمسة معهم ابن عمر وطلحة غائب وأمروا أبا فروة فحجبهم، وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا بالباب فحصبهما سعد وأقامهما وقال: تريدان أن تقولا حضرنا وكنا في الشورى. فتنافس القوم في الامر وكثر بينهما الكلام كل يرى انه أحق بالامر، فقال أبو طلحة، لا تتدافعوا فاني أخاف أن تناقضوها، لا والذي ذهب بنفس محمد لا أزيد كم على الايام الثلاثة التي أمر بها عمر وأجلس في بيتي، فقال عبد الرحمن. أيكم تخرج منها نفسه ويتقلدها على أن وليها أفضلكم ؟ فلم يجبه أحد، قال: فأنا أتخلع منها، قال عثمان: أنا أول من رضى فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: عبد الرحمن أمين في السماء امين في الارض، فقال القوم:

[344]

رضينا وعلي ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن ! قال: أعطني موثقا لتوثرن الحق ولا تتبع الهوى ولا تخص ذارحم ولا تألوا لامة نصحا، قال: أعطوني مواثيقكم على أن تكونوا معى على من نكل وأن ترضوا بما أخذت لكم. فتوثق بعضهم من بعض وجعلوها إلى عبد الرحمن فخلا بعلى فقال: انك أحق بالامر لقرابتك وسابقتك وحسن أثرك ولم تبعد فمن أحق بها بعدك من هؤلاء ؟ ! قال: عثمان. ثم خلا بعثمان فسأله من مثل ذلك فقال: على. ثم خلا بسعد فقال على ثم خلا بالزبير فقال عثمان: فقال عمار بن ياسر لعبد الرحمن: ان أردت أن لا يختلف عليك اثنان فول عليا، وقال ابن ابي سرح: ان أردت أن لا يختلف عليك قرشي فول عثمان، وقال عبد الرحمن: والله ما خلعت نفسي وأنا أرى فيه خيرا لاني علمت أنه لا يلى بعد أبي بكر وعمر أحد يرضى الناس أمره. فلما أحدث عثمان ما أحدث من تولية الاحداث من أهلبيته وتقديم قرابته قيل لعبد الرحمن: هذا كله فعلك ؟ قال: لم ظن هذابه ولكن لله علي أن لا أكلمه أبدا ؟ فمات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان. ودخل عليه عثمان عائدا فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه ". وقال ابن عبد ربه " فلما أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الاحداث من أهلبيته على الجلة من أصحاب محمد قيل لعبد الرحمن: هذا عملك ! قال: ما ظننت هذا ! ثم مضى ودخل عليه وعاتبه وقال: انما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فخالفتهما وحابيت أهلبيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين ! فقال: ان عمر كان يقطع قرابته في الله، وأنا أصل قرابتي في الله ! قال عبد الرحمن لله على أن لا اكلمك أبدا ! فلم يكلمه أبدا حتى مات ودخل عليه عثمان عائدا له في مرضه فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه " 1. وقال ابن الاثير الجزري في [الكامل]: " قال المسور بن مخرمة: خرج عمر بن الخطاب يطوف يوما في السوق، فلقيه أبولؤلؤ غلام المغيرة بن شعبة


1) العقد الفريد 4 / 279

[345]

وكان نصرانيا فقال: يا أمير المؤمنين ! أعدني على المغيرة بن شعبة فان على خراجا كثيرا، قال: وكم خراجك ؟ قال: درهمان كل يوم، قال، وأيش صناعتك ؟ قال: نجار، نقاش، حداد. قال: فما أرى خراجك كثيرا على ما تصنع من الاعمال ! قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت ؟ ! قال: فاعمل لى رحى، قال: لئن سلمت لا عملن لك رحى يتحدث بها من المشرق والمغرب ! ثم انصرف عنه. فقال عمر ؟ لقد أوعدنى العبد الان. ثم انصرف عمر إلى منزله، فلما كان الغد جاءه كعب الاحبار فقال له يا أمير المؤمنين ! اعهد فانك ميت في ثلث ليال: قال: وما يدريك ؟ قال: أجده في كتاب التورية، قال عمر: أتجد عمر بن الخطاب في التورية ؟ قال: اللهم لا، ولكني أجد حليتك وصفتك وأنك قد فنى أجلك قال: وعمر لا يحس وجعا فلما كان الغد جاءه كعب فقال: بقى يومان، فلما كان الغد جاء كعب فقال: مضى يومان وبقى يوم، فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوت كبر ودخل أبو لؤلؤة في الناس وبيده خنجر له رأسان نصابه في وسطه. فضرب عمر ست ضربات احديهن تحت سرته وهى التى قتلته، وقتل معه كليب بن أبي بكير الليثى وهو حليفه (خلفه. ظ) وقتل جماعة غيره، فلما وجد عمر حر السلاح سقط وأمر عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس وعمر طريح فاحتمل فأدخل بيته. ودعا عبد الرحمن فقال له: اني اريد أن أعهد اليك، قال: أتشير على بذلك ؟ ! قال: أللهم لا ! قال: والله لا أدخل فيه أبدا ! قال: فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، ثم دعا عليا وعثمان والزبير وسعدا فقال: انتظروا أخاكم طلحة ثلاثا فان جاء والا فاقضوا أمركم، أنشدك الله يا علي ان وليت من أمور الناس شيئا أن

[346]

تحمل بنى هاشم على رقاب الناس أنشدك الله يا عثمان ان وليت من امور الناس شيئا أن تحمل بنى ابي معيط على رقاب الناس، انشدك الله يا سعد ان وليت من أمور الناس شيئا ان تحمل اقاربك على رقاب الناس، قوموا امركم فتشاوروا ثم اقضوا وليصل بالناس صهيب. ثم دعا ابا طلحة الانصاري فقال: قم على بابهم فلا تدع احدا يدخل إليهم، واوص الخليفة من بعدى بالانصار الذين تبوؤ الدار والايمان ان يحسن إلى محسنم ويعفو عن مسيئهم، واوص الخليفة بالعرب فانهم مادة الاسلام ان يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم، واوص الخليفة بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يوفى لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت ! لقد تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة. يا عبد الله بن عمر ! اخرج فانظر من قتلني، قال: يا امير المؤمنين قتلك ابو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة، يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة فسلها ان تأذن لي ان ادفن مع النبي صلى الله عليه وسلم وابي بكر. يا عبد الله ان اختلف القوم فكن مع الاكثر فان تساووا فكن مع الحزب الذي فيه عبد الرحمن بن عوف، يا عبد الله ائذن للناس، فجعل يدخل عليه المهاجرون والانصار فيسلمون عليه ويقول لهم: اهذا عن ملا منكم ؟ ! فيقولون: معاذ الله: قال: ودخل كعب الاحبار مع الناس فلما رآه عمر قال: توعدني كعب ثلاثا اعدها * ولا شك ان القول ما قال لى كعب وما بى حذار الموت انى لميت * ولكن حذار الذنب يتبعه الذنب ودخل عليه على يعود فقعد عند راسه وجاء ابن عباس فأثنى عليه فقال له عمر: انت لي بهذا يا بن عباس ! فأوما إلى (إليه ظ) علي ان قل: نعم ! فقال ابن عباس: نعم ! فقال عمر: لا تغرنى انت واصحابك ! ثم قال: يا عبد الله !

[347]

خذر أسي عن الوسادة فضعه في التراب لعل الله جل ذكره ينظر إلى فيرحمني والله لو ان لي ما طلعت عليه الشمس لا فتديت به من هول المطلع، ودعى له طبيب من بنى الحرث بن كعب فسقاه نبيذا فخرج غير متغير، فسقاه لبنا فخرج كذلك ايضا، فقال له: اعهد يا امير المؤمنين ! قال: قد فرغت ". وقال في بيان قصة الشورى: " وقال لابي طلحة الانصاري: يا ابا طلحة ! ان الله طالما اعزبكم الاسلام فاختر خمسين رجلا من الانصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم، وقال للمقداد بن الاسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا، وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة ايام وادخل هؤلاء الرهط بيتا وقم على رؤوسهم فان اجتمع خمسة وابى واحد فأشدخ راسه بالسيف، وان اتفق اربعة وابى اثنان فاضرب رؤوسهما، وان رضي ثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع فيه الناس، فخرجوا فقال على لقوم معه من بنى هاشم: ان اطيع فيكم قومكم لم تؤمروا ابدا وتلقاه عمه العباس فقال: عدلت عنا ! فقال وما علمك ؟ ! قال: قرن بي عثمان وقال كونوا مع الاكثر فان رضى رجلان رجلا ورجلان ورجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها احدهما الاخر، فلو كان الاخران معي لم ينفعاني ". وقال: ودعا عليا وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: ارجوا ان افعل فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي فقال نعم، نعمل، فرفع رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان، فقال: اللهم اسمع واشهد ! اللهم انى قد جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان فبايعه.

[348]

فقال علي: ليس هذا اول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك، والله كل يوم في شأن فقال عبد الرحمن: يا علي ! لا تجعل على نفسك حجة وسبيلا، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. فقال المقداد: يا عبد الرحمن ! أما والله لقدتر كته وانه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال يا مقداد ! والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: ان كنت اردت الله فأثابك الله ثواب المحسنين، فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أتى إلى اهل هذا البيت بعد نبيهم، اني لا عجب من قريش انهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالعدل ولا اعلم منه، أما والله لو أجد أعوانا عليه ! فقال عبد الرحمن: يا مقداد: اتق الله، فاني خائف عليك الفتنة، فقال رجل للمقداد رحمك الله من أهل هذا البيت ومن هذا الرجل ؟ قال: اهل البيت بنو عبد المطلب والرجل علي بن أبي طالب. فقال علي: ان الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر بينها فتقول: ان ولي عليكم بني هاشم لم تخرج منهم أبدا وما كانت في غيرهم تتداولوها بينكم " 1. وقال ابو الفداء " ثم دخلت سنة أربع وعشرين فيها عقب موت عمر اجتمع أهل الشورى وهم علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وكان قد شرط عمر أن يكون ابنه عبد الله شريكا في الرأي ولا يكون له حظ في الخلافة، وطال الامر بينهم وكان قد جعل لهم عمر مدة ثلاثة أيام وقال: لا يمضي اليوم الرابع الا ولكم امير وان اختلفتم فكونوا مع الذي معه عبد الرحمن.


1) الكامل في التاريخ 3 / 35

[349]

فمضى علي إلى العباس رضي الله عنهما وقال له: عدل عنا لان سعدا لا يخالف عبد الرحمن لانه ابن عمه وعبد الرحمن صهر عثمان، فلا يختلفون فيوليها أحدهم الاخر، فقال العباس: لم أدفعك عن شئ الا رجعت الي مستأخرا، أشرت عليك قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسأله فيمن يجعل هذا الامر فأبيت، وأشرت عليك حين سماك عمر في الشورى أن لا تدخل فيهم فأبيت، وهذا الرهط لا يبرحون يدفعوننا عن هذا الامر حتى يقوم له غيرنا وأيم الله لا يناله الا بشر لا ينفع معه خير. ثم جمع عبد الرحمن الناس بعد أن أخرج نفسه عن الخلافة فدعا عليا فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، فقال: ارجو أن أفعل وأعمل مبلغ علمي وطاقتي، ودعا بعثمان وقال له مثل ما قال لعلي (فقال: نعم. صح. ظ) فرفع عبد الرحمن رأسه إلى سقف المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان وبايعه. فقال علي: ليس هذا اول يوم تظاهر تم علينا فيه، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك، والله كل يوم هو في شأن ! فقال عبد الرحمن: يا علي: لا تجعل على نفسك حجة وسبيلا، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب اجله. فقال المقداد بن الاسود لعبد الرحمن: والله لقد تركته يعني عليا وانه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال: يا مقداد ! لقدأ جهدت (اجتهدت: ظ) للمسلمين، فقال المقداد: اني لا عجب من قريش انهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالحق ولا أعلم منه، فقال عبد الرحمن، يا مقداد اتق الله فاني اخاف عليك الفتنة.

[350]

ثم لما أحدث عثمان رضي الله عنه ما أحدث من تولية الامصار للاحداث من اقاربه روي انه قيل لعبد الرحمن بن عوف: هذا كله فعلك ! فقال لم: أظن هذا به لكن لله علي أن لا اكلمه ابدا، ومات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان رضي الله المسجد ويده في يد عثمان وقال: اللهم اسمع واشهد، اللهم اني جعلت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان وبايعه. فقال علي: ليس هذا اول يوم تظاهر تم علينا فيه، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك، والله كل يوم هو في شأن ! فقال عبد الرحمن: يا علي: لا تجعل على نفسك حجة وسبيلا، فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب اجله. فقال المقداد بن الاسود لعبد الرحمن: والله لقد تركته يعني عليا وانه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال: يا مقداد ! لقدأ جهدت (اجتهدت: ظ) للمسلمين، فقال المقداد: اني لا عجب من قريش انهم تركوا رجلا ما أقول ولا أعلم أن رجلا أقضى بالحق ولا أعلم منه، فقال عبد الرحمن، يا مقداد اتق الله فاني اخاف عليك الفتنة.

[350]

ثم لما أحدث عثمان رضي الله عنه ما أحدث من تولية الامصار للاحداث من اقاربه روي انه قيل لعبد الرحمن بن عوف: هذا كله فعلك ! فقال لم: أظن هذا به لكن لله علي أن لا اكلمه ابدا، ومات عبد الرحمن وهو مهاجر لعثمان رضي الله عنهما ودخل عليه عثمان عائدا في مرضه فتحول إلى الحائط ولم يكلمه " 1. (قال الميلاني): الحمد لله حمد الشاكرين على أن وفقنا لا تمام مجلد (حديث الثقلين) من هذه الموسوعة، ونسأله تعالى أن يتقبل هذا العمل وسائر أعمالنا بفضله وكرمه، وأن يوفقنا للاعتصام بالثقلين والحشر معهما في الدنيا والاخرة. انه سميع مجيب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


1) المختصر في أحوال البشر 1 / 166 (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية