الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




مناقب أهل البيت (ع)- المولى حيدر الشيرواني

مناقب أهل البيت (ع)

المولى حيدر الشيرواني


[1]

ما روته العامة من مناقب اهل البيت عليهم السلام تأليف المولى حيدر علي بن محمد الشرواني من أعلام القرن الثاني عشر تحقيق الشيخ محمد الحسون

[2]

الكتاب: ماروته العامة من مناقب أهل البيت عليهم السلام المؤلف: المولى حيدر علي بن محمد الشرواني الموضوع: حديث وتاريخ المطبعة: مطبعة المنشورات الاسلامية المطبوع: 1000 نسخة التاريخ شوال المكرم 1414

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم * (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور) *. القران الكريم

[4]

البلاغ المبين بلسان النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم " عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب ". " من سره أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد، بالائمة، من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهما وعلما. وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي ".

[5]

الاهداء الى الذي ضحى بزهرة شبابه في سبيل مبدأه وعقيدته. إلى السائر على نهج الحسين (ع). إلى من كان مثال الخلق السامي والحنان والعطف. إلى المجاهد الممتحن الصابر. إلى أخي في الدرب الشهيد المهندس محمد علي موسى حرز الدين أقدم ثواب عملي هذا. محمد الحسون

[7]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا للايمان، وأوضح لنا سبل البرهان، وجعلنا من المتمسكين بولاية علي أمير المؤمنين سلام الله عليه. والصلاة والسلام على خير الانام، المظلل بالغمام، أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى عترته الطيبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قبل التحدث عن هذا الكتاب ومؤلفه - كما جرت عليه عادة المحققين في كتابة مقدمة لكل كتاب يقومون بتحقيقه - لابد من الاشارة إلى نقطتين رئيستين: احداهما: سبب اختياري هذا الكتاب. وثانيهما: أهمية موضوعه وتأثيره ايجابا أو سلبا في المجتمع الاسلامي. فأقول: أولا: بعد أن خضت هذا البحر المتلاطمة امواجه، وداست قدماي الاشواك حيث شاركت اخواني المحققين في التحقيق، فحققت عدة كتب في مجالات شتى: الفقه، الرجال، الاخلاق، العقائد، وغيرها. كانت نفسي تنازعني دائما في أن أكتب قبسات من أخبار أهل البيت عليهم السلام، وجملة من صفاتهم وآثارهم ومناقبهم ومثالب أعدائهم، أو أحقق كتابا يحتوي على ذلك.

[8]

لكن العواتق تمنع من المراد، وعوادي الايام تضرب دون بلوغ الغرض بالاسداد، إلى أن عرض علي أخي سماحة الشيخ فارس الحسون نسخة خطية لهذا الكتاب، فأخذتها وتصفحتها بلهفة واشتياق، فوجدتها مطابقة لمرادي ومتماشية مع ما كنت أصبو إليه، فمؤلفها رحمه الله تعرض لهذا الامر الحساس بكل موضوعية، تاركا السب والشتم المنهي عنه شرعا وعرفا. لكن النسخة الخطية رديئة الخط، غير مقروءة في بعض الاماكن، فتوكلت على الله الحي القيوم وشرعت في استنساخها. وما أن أتممت صفحات قليلة منها حتى انتبهت إلى صعوبة العمل في هذا الكتاب، تلك الصعوبة التي ما قدرتها قبل الشروع به، وذلك لرداءة النسخة الخطية بحيث يصعب قراءة فقرات كاملة منها، بل من المستحيل قراءة الاسطر حتى بالاستعانة بذوي الخبرة في هذا المجال. فتركت العمل حينا من الزمن، ثم رجعت إليه واضعا أمامي قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله جعل لاخي علي بن أبي طالب (ع) فضائل لا تحصى كثرة، فمن قرأ فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة يستغفرون له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالسمع، ومن نظر إلى كتابة فضيلة من فضائله غفر الله له الذنوب التي اكتسبها بالنظر ". فكان هذا الحديث محفزا ودافعا لاتمام هذا الكتاب، راجيا من الله العلي القدير غفران ما تقدم من ذنوبي وما تأخر، فإني - ومن خلال تحقيق هذا الكتاب - أقرأ وأكتب وأنظر إلى فضائل علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليهم السلام. وهكذا استمر العمل في استنساخ هذا الكتاب بشق الانفس وبصعوبة لا

[9]

يقدرها إلا الاخوة المحققين، وكنت استعين ببعضهم في قراءة بعض الكلمات التي يصعب علي قرائتها، وكلما كللت من العمل، أو رماني الشيطان بسهم من سهامه داعيا لترك هذا العمل المبارك، كنت أجعل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المزبور نصب عيني، نعم كانت هذه الرواية هي المحفز والدافع للاستمرار بهذا العمل. وبعد أن أتممت استنساخ هذه النسخة بعون الله وقوته، شرعت في استخراج الاحاديث والاقوال الواردة فيها من مصادرها، جاعلا المصدر نسخة ثانية للكتاب حيث كنت أطابق الحديث أو القول الوارد في النسخة مع المصدر مطابقة دقيقة وأسجل الاختلافات الواردة بينهما، وعانيت في ذلك صعوبة كبيرة، لفقدان بعض المصادر، وكون بعضها الاخر خطيا. وفي يوم من أيام شهر محرم الحرام عام 1413 ه‍ كنت جالسا إلى جنب صديقي وعزيزي الاخ كاظم الجواهري في مؤسسة آل البيت عليهم السلام، وكان الاخ كاظم يريني ما في هذه المؤسسة المباركة من مصورات لنسخ خطية كانت المؤسسة قد صورتها، وإذا بي أعثر على نسخة لهذا الكتاب - وهي نسخة المكتبة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة - ففرحت بها كثيرا، وغمرني السرور العظيم، وبدأت بمقابلة هذه النسخة على الاصل من جديد، واستطعت قراءة ما صعب قرائته من النسخة الاولى، فحيا الله أخي وزميلي أبا مصطفى كاظم الجواهري، وجزاه الله خير جزاء المحسنين، وحشره مع الائمة الطاهرين عليهم السلام. ثانيا: لم يكن اختياري لهذا الكتاب - مع ما في تحقيقه من المصاعب الكثيرة - اعتباطا، ولست من الذين يرغبون في اشاعة الخلاف بين المسلمين من خلال ذكر المناقب والمثالب، بل كان لدراسة ناشئة عن وعي للمسؤولية الملقاة على عاتق كل مسلم بأن يبحث بحثا نزيها وموضوعيا عن سبب اختياره للمذهب الذي اعتنقه، ويبين الفضائل والمناقب التي وهبها الله تعالى لبعض دون بعض، والتي هي السبب

[10]

الرئيس في اتباع هذا المذهب أو ذاك وترك المذاهب الاخرى. ونحن حينما نبين فضائل أهل البيت عليهم السلام ومثالب مخالفيهم، إنما نسعى من وراء ذلك الى تبيان عقيدتنا ومذهبنا، وإلقاء الحجج البالغة على مخالفينا، وذلك حق شرعي لكل فرد، ولكن بشرط أن يكون هذا التبيان موضوعيا نزيها بعيدا عن المهاترات والاتهامات والسب والشتم، كما يفعله بعض جهال المسلمين الذين يظنون انهم يثابون على عملهم هذا. وهذا ما وجدته في هذا الكتاب، حيث يتعرض المصنف رحمه الله لهذا الموضوع بالصفات التي ذكرناها آنفا، ويستدل على كلامه بروايات رواها المخالفون، فهي أبلغ في الحجة: ومليحة شهدت لها ضراتها والفضل ما شهدت به الاعداء والمصنف رحمه الله محق في منهجه في هذا الكتاب، حيث يستدل على دعواه بكتب العامة دون الخاصة، لان العامة يردون المناقب والفضائل الواردة من طرق الخاصة: إذا ما روى الراوون ألف فضيلة لاصحاب مولانا النبي محمد يقولون هذا في الصحيحين مثبت بخط الامامين، الحديث مسدد ومهما روينا في علي فضيلة يقولون هذا من أحاديث ملحد * * * إذا في مجلس ذكروا عليا وسبطيه وفاطمة الزكية يقول الحاضرون ذروا فهذا سقيم من حديث الرافضية اسم الكتاب وما هيته: اختلف المفهرسون وأصحاب التراجم والسير في اسم هذا الكتاب، ولعل هذا الاختلاف ناشئ من عدم ذكر المؤلف اسما له في مقدمة هذا الكتاب أو غيره:

[11]

فسماه البعض: المناقب والمثالب، لانه في مناقب أهل البيت وفضائلهم عليهم السلام ومثالب أعدائهم. وسمي: مناقب الحيدرية. وسمي: فضائل أهل البيت ومناقبهم عليهم السلام ومثالب أعدائهم ومطاعنهم. وسمي: ما روته العامة من مناقب أهل البيت عليهم السلام ومثالب أعدائهم. ونحن أثبتنا الاسم الاخير له، لانطباقه على المسمى، ولو روده في مقدمة الكتاب اجمالا، ولاقربيته إلى الذوق السليم دون غيره من الاسماء، والله العالم (1). * * * وأما ما هية الكتاب فواضحة من عنوانه، فهو يبين ما روته العامة من مناقب أهل البيت عليهم السلام ومثالب أعدائهم، ونحن نسجل هنا بعض النقاط التي تبين ما هيته ومنهجيته: (1) يعتبر الكتاب جمعا، حيث إن المصنف رحمه الله جمع ورتب المناقب والمثالب، وعلق على القليل منها. (2) المنهج الذي اتبعه المصنف رحمه الله في هذا الكتاب هو ذكر مناقب أهل البيت عليهم السلام ومثالب أعدائهم من الكتب المعتمدة عند العامة، ولم يذكر المصادر الشيعية إلا في موارد لا تزيد على عدد أصابع اليد، حيث نقل منها بعض الاختلافات الواردة في خطبة الزهراء سلام الله عليها، وقد أشار إلى منهجه هذا في مقدمة الكتاب قائلا: هذا مختصر يحتوي على شئ من الاخبار المروية في فضائل أهل البيت


(1) انظر: الذريعة 16: 257 و 265 رقم 1098 و 22: 326 رقم 7296 و 335 رقم 7333، فهرست النسخ الخطية في المكتبة المرعشية 2: 185، فهرست الفبائي كتب خطي استانه مشهد: 554.

[12]

صلوات الله عليهم ومناقبهم، ومثالب أعدائهم ومطاعنهم، مما روته العامة ومحدثوهم ومفسروهم، ممن يعتمدون عليه ويثقون به، ملتزما أن لا أذكر إلا ما عثرت عليه في الكتاب الذي اسند إليه وشاهدته أنا فيه من غير تغيير للعبارة، إلا أن أنبه على التغيير والاختصار إن دعا إلى ذلك داع. من ذلك انهم عن آخرهم يخصون النبي صلى الله عليه وآله بالصلاة من غير ذكر لآله صلى الله عليهم، في نفس الخبر عليه بينهم في كيفية الصلاة عليه، المتضمن للزوم ذكر آله معه صلى الله عليه وآله. وكذلك إذا ذكروا من أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم ذكروه بالترضية والثناء، ولالتزامي عدم تغيير ألفاظهم أنقلها بعينها، إلا في ذكر الآل في الصلاة، وإسقاط الترضية. (3) قسم الكتاب إلى مقدمة وأربعة عشر بابا، وبعض الابواب قسمها إلى عدة فصول. (4) ذكر استطردا ايمان أبي طالب، واستدل عليه بوجوه خمسة، وكذلك ذكر فاطمة بنت اسد أم الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، وبين منزلتها ومناقبها، ثم بين في أثناء لعثمان مناقب عمار وأبي ذر. (5) ذكر تراجم الرجال المشهورين من الرواة والعلماء الذين ورد لهم ذكر في الكتاب كعفيف الكندي، ومحمد بن المنكدر، والبغوي، والطبري، وأبي داود، والطبراني، والشهرستاني. (6) شرح الكلمات اللغوية الصعبة الواردة في الكتاب، وبالاخص ما ورد في خطبة الزهراء سلام الله عليها. (7) ذكر ثلاث عبارات فارسية من كتاب روضة الاحباب، ولعدم معرفتي بهذه اللغة استعنت في ترجمتها بأخي المحقق سماحة حجة الاسلام الشيخ محمد الباقري حفظه الله تعالى.

[13]

حياة المؤلف لم أتعرف من خلال مطالعتي إلا على الشئ اليسير من حياة المصنف رحمه الله، والذي لا يصلح أن يكون ترجمة مستقلة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني للعثور على المزيد من صفاته وخصائصه وأساتذته وسائر جوانب حياته، واني مثبت هنا ما تعرفت عليه. اسمه ونسبه ونشأته: هو المولى حيدر علي ابن الشيخ المولى ميرزا محمد بن الحسن الشرواني، صهر المجلسي الثاني على ابنته التي كانت له من أخت أبي طالب خان النهاوندي (1). والشرواني نسبة إلى شروان: بكسر الشين المعجمة، وسكون الراء قبل الواو، والالف والنون، كما في روضات الجنات حيث قال: وهي اسم لنا حية بقرب باب الابواب، عمرها أنو شروان، سميت باسمه واسقط شطره تخفيفا، وانها مستقلة بنفسها، ملوكها من نسل بهرام چوبين الذي انهزم عن كسرى أبرويز وسار إلى ملك الترك ثم قتل هناك. ونسب إلى شروان الحكيم أفضل الدين الخاقاني، والقاضي أحمد بن علي بن أحمد المعروف بابن سيمكة الشرواني (2). وقال أيضا موضع آخر من الروضات: وهي من أقاصي بلاد ايران، وهي بكسر الشين المعجمة، وسكون الراء المهملة من غير توسط ياء، ومن نقطها بالياء فكأنه اشتباه منه بشيروان (3).


(1) روضات الجنات 7: 95. (2) روضات الجنات 1: 282. (3) روضات الجنات 7: 96.

[14]

وفي معجم البلدان: شيروان: قرية بجنب بمجگث من نواحي بخارى (1). وذكر القائيني في معجم الشيعة عددا ممن ينتسبون إلى شيروان من علماء الشيعة (2). وفي معجم المؤلفين ذكر عمر رضا كحالة أيضا عددا ممن ينتسبون إلى هذه المدينة (3). والده: المولى ميرزا محمد بن الحسن الشرواني، صاحب حاشيتي أصول المعالم بالعربية والفارسية، الذي كان من أفاضل أواخر دولة السلاطين الصفوية، وكان ماهرا في الاصولين والمنطق والفقه والحديث والعلوم الطبيعية وغيرها له مصنفات كثيرة، وهو صهر المجلسي الاول (4). جده: المجلسي الاول محمد تقي، الذي كان أفضل أهل عصره في فهم الحديث، وأحرصهم على احيائه، وأعلمهم برجاله (5). خاله: المجلسي محمد باقر، وهو غني عن التعريف، فهو العلامة الفهامة، غواص بحار الانوار، ومستخرج لآلئ الاخبار وكنوز الاثار، الذي للم يوجد له في عصره ولا قبله قرين في تزويج الدين واحياء شريعة سيد المرسلين (6). ولم أتعرف على مولد المترجم له، ولا سنة وفاته بشكل دقيق، إلا أنه كان حيا سنة 1129 ه‍، وهي السنة التي فرغ فيها من كتابه المبسوط في التوحيد التثليث (7).


(1) معجم البلدان 3: 382. (2) معجم مؤلفي الشيعة: 242. (3) معجم المؤلفين 14: 325. (4) روضات الجنات 7: 93. (5) روضات الجنات 2: 118. (6) روضات الجنات 2: 78. (7) الذريعة 1: 35 رقم 1589.

[15]

تتلمذ على والده، وعلى الميرزا عبد الله أفندي (1). وألف عددا من الكتب في شتى مجالات العلم والمعرفة، ويقال بأنه كانت له أقوال مختصة به - خصوصا في الفروع - تنكر عليه، وإن كان لبعضها قائل غيره (2). واطراه ومدحه كل من ذكره - مع قلتهم -، فقال عنه السيد الروضاتي في روضات الجنات: المولى الفاضل، المشتهر بالمولى حيدر علي (3). وقال عنه الشيخ عبد النبي القزويني في تتميم أمل الامل: كان فاضلا معظما وعالما مفخما، كما علمناه من تعليقاته على المسالك وغيرها، وإن كانت قليلة لكنها تدل على فضل محررها، وهو من أهل الفضل مع انه كان من أهل الزهد والتقوى أيضا (4). وقال عنه السيد محسن الامين في الاعيان: كان عالما فاضلا. (5). مؤلفاته: (1) الايات النازلة في ذم الجائرين على أهل البيت عليهم السلام (6). (2) أحكام الارضين (7). (3) أحكام المسافر (8). (4) أحوال الصحابة (9).


(1) تلامذة العلامة المجلسي والمجازون عنه: 37. (2) تتميم أمل الامل: 137. (3) روضات الجنات 7: 95. (4) تتميم أمل الامل: 137. (5) أعيان الشيعة 6: 274. (6) الذريعة 1: 48 رقم 243. (7) الذريعة 6: 274. (8) الذريعة 1: 302 رقم 1577. (9) الذريعة 1: 305 رقم 1589. (*)

[16]

(5) استنباط الاحكام في عصر غيبة الامام (1). (6) الاسلام والايمان (2). (7) الامامة (3). (8) تراجم السفراء في عصر الغيبة الصغرى (4). (9) التوحيد (5). (10) الرسائل الكثيرة (6). (11) رسالة في تكفير غير الامامي (7). (12) رسالة في تكفير المنافقين (8). (13) رسالة في حد القصر (9). (14) شكوك الصلاة وأحكامها (10). (15) رسالة في العصمة (11). (16) رسالة في فضل أهل البيت (ع) (12). (17) رسالة في كفر المنافق الناصب من جميع طبقات المسلمين (13).


أعيان الشيعة 6: 274، الذريعة 2: 34 رقم 130 و 18: 191 رقم 1357. (2) أعيان الشيعة 6: 274، الذريعة 2: 64 رقم 252. (3) الذريعة 2: 325 رقم 1291. (4) أعيان الشيعة 6: 274، الذريعة 4: 58 رقم 236. (5) الذريعة 4: 479 رقم 2129. (6) الذريعة 10: 254 رقم 835. (7) الذريعة 11: 155 رقم 987. (8) الذريعة 11: 155 رقم 988. (9) الذريعة 11: 170 رقم 1061. (10) الذريعة 14: 216 رقم 2261. (11) الذريعة 15: 273 رقم 1773. (12) الذريعة 16: 265 رقم 1098. (13) الذريعة 18: 103 رقم 873.

[17]

(18) المجالس (1). (19) المزار (2). (20) رسالة في مسائل الصوم (3). (21) ما روته العامة من فضائل أهل البيت عليهم السلام ومثالب أعدائهم (المناقب والمثالب) (مناقب الحيدرية) (4). (22) ميزان المقادير (5). (23) وجوب توقير الذرية الطاهرة (6). (24) رسالة في وجوب الصلاة عند ذكر النبي وآله (ع) (7). النسخ الخطية المعتمدة في التحقيق: (1) النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة المرحوم المغفور له آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي " رضوان الله تعالى عليه "، المرقمة 592 وهي بخط النستعليق، كتبها محمد تقي بن محمد هادي المازندراني في شهر رمضان المبارك عام 1133 ه‍، وهي تقع في 147 صفحة، كل صفحة تحتوي على 25 سطرا، وقد رمزنا لها بالحرف " م ". (2) النسخة الخطية المحفوظة في المكتبة الرضوية في مدينة مشهد المقدسة، المرقمة 10100، وهي بخط النسخ كتبها أحمد بن علي الحسيني في


(1) الذريعة 19: 353 رقم 1580. (2) الذريعة 20: 318 رقم 3186. (3) الذريعة 20: 355 رقم 3384. (4) الذريعة 22: 326 رقم 7296 و 335 رقم 7333. (5) الذريعة 23: 322 رقم 9154. (6) الذريعة 25: 31 رقم 147. (7) الذريعة 25: 33 رقم 160.

[18]

شهر جمادى الثانية عام 1120 ه‍، وهي تقع في 356 صفحة، كل صفحة تحتوي على 18 سطرا، وقد رمزنا لها بالحرف " ض ". منهجية التحقيق: (1) اعتمدت في تحقيقي لهذا الكتاب طريقة التلفيق بين النسختين الخطيتين اللتين مر ذكرهما، فثبت الصحيح أو الاصح في المتن وما قابلهما في الهامش. (2) خرجت الايات القرآنية والاحاديث الشريفة والاقوال من مصادرها الام، إلا تلك التي لم تتوفر لدينا فخرجناها بالواسطة أو أحلناها على مصادر أخرى. (3) بينت معاني الكلمات اللغوية التي لم يبينها المصنف رحمه الله. (4) عملت فهارس فنية كاملة للكتاب. ختاما: أحمد الله وأشكره أن وفقني لاتمام تحقيق هذا الكتاب الجليل وإن خرج دون المستوى الذي كنت أطمح إليه، فإني أسأله تبارك وتعالى أن يوفقني للعودة إليه ثانية لكي أعطيه حقه وأخرجه بالشكل اللائق به وبمؤلفه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين. أبو علي الحسون 8 ربيع الثاني 1413 ه‍

[19]

الصفحة الاولى من نسخة (ض)

[20]

الصفحة الاخيرة من نسخة (ض)

[21]

الصحفة الاولى من نسخة (م)

[22]

الصفحة الاخيرة من نسخة (م)

[23]

ما روته العامة من مناقب أهل البيت عليهم السلام تأليف المولى حيدر علي بن محمد الشرواني من أعلام القرن الثاني عشر تحقيق الشيخ محمد الحسون

[25]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما منح من الهداية، ووهب من الدلالة، وصلواته على من ابتعثه رحمة للانام، ومصباحا للظلام، وغيثا للعباد. وعلى أخيه أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وآلهما الغر الكرام، عليهم افضل الصلاة والسلام ما هطل غمام ووكف (1) ركام (2). أما بعد: فيقول الى عفو ربه الغني حيدر علي بن مهزيار محمد ابن الحسن الشرواني عفى الله عنهما: هذا مختصر يحتوي على شئ من الاخبار المروية في فضائل أهل البيت صلوات الله عليهم ومناقبهم، ومثالب أعدائهم ومطاعنهم، مما روته العامة ومحدثوهم ومفسروهم، ممن يعتمدون عليه ويثقون به، ملتزما أن لا أذكر إلا ما عثرت عليه في الكتاب الذي أسند الرواية إليه وشاهدته أنا فيه من غير تغيير للعبارة، إلا أن انبه على التغيير والاختصار إن دعا الى ذلك داع.


1 - وكف: أي قطر. الصحاح 4: 1441 " وكف ". 2 - الركام: السحاب المتراكم. الصحاح 5: 1936 " وكم ".

[26]

من ذلك أنهم عن آخرهم يخصون النبي صلى الله عليه وآله بالصلاة من غير ذكر لآله صلى الله عليهم، حتى في نفس الخبر المتفق عليه بينهم في كيفية الصلاة عليه، المتضمن للزوم ذكر آله معه صلى الله عليه وآله (1). وكذلك إذا ذكروا واحدا من أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم ذكروه بالترضية والثناء، ولالتزامي عدم تغيير ألفاظهم أنقلها بعينها، إلا في ذكر الال في الصلاة وإسقاط الترضية. ثم اني في الاكثر إلى الموضع الذي أخذت الحديث منه من الكتاب إذا كان في ذاك الكتاب مذكورا في غير موضعه لمناسبة. وهو مرتب على مقدمة وأبواب: * * *


1 - قال كعب: سألنا رسول الله (ص) فقلنا: يارسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ فأن الله تعالى قد علمنا كيف نسلم عليكم ؟ قال: " قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد ". انظر: صحيح البخاري 4: 484، الصواعق المحرقة: 146.

[27]

مقدمة: قال ابن أبي الحديد في الجزء الحادي عشر من شرح نهج البلاغة: وروى أبو الحسن علي بن محمد بن سيف المدائني في كتاب الاحداث قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل كورة (1) وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤن منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي (ع)، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، وأخافهم، وقطع الايدي والارجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم. وكتب معاوية إلى عماله في جميع الافاق: أن لا يجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم، واكتبوا الي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية (من) (2) الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حينا.


1 - الكورة: المدينة والصقع. الصحاح 2: 810 " كور ". 2 - أضفناها من المصدر

[28]

ثم كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاوليين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وآتوني بمناقص له في الصحابة (مفتعلة) (1)، فإن هذا أحب الي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم (2) من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذلك على المنابر. وألقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب الى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديون، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخة اخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به، وأهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة، حتى أن الرجل من شيعة علي (ع) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه. فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء


1 - أضفناها من المصدر. 2 - في المصدر: إليهم

[29]

والقضاة والولاة. وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الاموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها. فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه، أو طريد في الارض. ثم تفاقم الامر بعد مقتل الحسين (ع)، وولي عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي، وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي قوم من الناس انهم أيضا أعداؤه، فاكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من الغض من علي (ع) والطعن فيه والشنآن له، حتى أن إنسانا وقف للحجاج - ويقال أنه جد الاصمعي عبد الملك بن قريب - فصاح به: أيها الامير ان أهلي عقوني فسموني عليا، وأني فقير بائس، وأنا إلى صلة الامير محتاج. فتضاحك له الحجاج وقال: للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا. وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه - وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر، وقال: إن أكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في أيام بني امية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم. انتهى كلام ابن أبي الحديد (1).


1 - شرح نهج البلاغة 3: 15.

[31]

الباب الاول في ذكر فضائل سيد المسلمين وأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب صلوات الله عليه وآله وفيه فصول:

[32]

الفصل الاول في خلق أمير المؤمنين صلوات الله عليه وصفته قال أبو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري في كتاب الاستيعاب: وأحسن ما رأيت في صفته: انه كان ربعة من الرجال إلى القصر، هو أدعج العينين، حسن الوجه كأنه القمر ليلة البدر، حسنا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شثن الكفين أغيد، كأن عنقه ابريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضاري، لا يتبين عضده من ساعده قد أدمجت ادماجا. إذا مشى تكفأ، وإذا أمسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطيع أن يتنفس. وهو إلى السمن، ما هو شديد الساعد واليد، إذا مشى للحرب هرول. ثبت الجنان، قوي شجاع، منصور على من لاقاه (1). انتهى. وقال ابن الاثير في الكامل بعد أن ذكر صفته صلوات الله عليه: وكان من أحسن الناس وجها، لا يغير شيبه، كثير التبسم (2). وقال الزمخشري في كتابه ربيع الابرار: ابن عباس في علي بن أبي طالب: كان والله يشبه القمر الباهر، والاسد الخادر، والفرات الزاخر، والربيع الباكر. فأشبه من القمر ضوءه وبهاءه، ومن الاسد شجاعته ومضاءه، ومن الفرات جوده وسخاءه، ومن الربيع خصبه وحياءه (3) انتهى.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 57. 2 - الكامل في التأريخ 3: 397. 3 - ربيع الابرار 4: 161.

[33]

قال ابن الاثير في النهاية: في حديث ابن عباس: ما رأيت أحسن من شرصة علي: الشرصه بفتح الراء: الجلحة وهي انحسار الشعر عن جانبي مقدم الرأس. هكذا قال الهروي، وقال الزمخشري: هو بكسر الشين وسكون الراء (1). انتهى. وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال نصر: وكان علي رجلا ربعة، أدعج العينين، كأن وجهه القمر ليلة البدر، حسنا، ضخم البطن، عريض المسربة، شثن الكفين، ضخم الكسور، كأن عنقه ابريق فضة، أصلع، من خلفه شعر خفيف، لمنكبه مشاش كمشاش الاسد الضاري، إذا مشى تكفأ ومار به جسده، ولظهره سنام كسنام الثور، لا يبين عضده من ساعده قد أدمجت ادماجا، لم يمسك بذراع رجل قط إلا أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، ولونه إلى السمرة، هو أذلف الانف، إذا مشى إلى الحرب هرول، قد أيده الله تعالى في حروبه بالنصر والظفر (2). انتهى. قال في الكامل: وكان من أحسن الناس وجها، لا يغير شيبه، كثير التبسم (3). انتهى. قال في جامع الاصول في كتاب النون عند ذكره صفة النبي صلى الله عليه وآله: رجل ربعة معتدل القامه بين الطول والقصر. ثم قال: والدعج في العين شدة سوادها (4). وفي النهاية: قيل الدعج شدة سواد العين في شدة بياضها (5). وفي كتاب الصحاح للجوهري: مع سعتها (6).


1 - النهاية 2: 459 " شر ص ". 2 - شرح نهج البلاغة 1: 418. 3 - الكامل في التأريخ 3: 379. 4 - جامع الاصول 11: 226. 5 - النهاية 2: 119 " دعج ". 6 - الصحاح 1: 314 " دعج ".

[34]

وفيه: المسربة بضم الراء: الشعر المستدق الذي يأخذ من الصدر الى السرة قال الهذلي: الان لما ابيض مسربتي وعضضت من نابي علم جذم (1) وقال في جامع الاصول في صفة النبي صلى الله عليه وآله: الشثن: الغليظ، وهو مدح في الرجل، لانه أشد لقبضتهم (2). وفي النهاية: أي يميلان إلى الغلظ والقصر (3). وقال في القاموس: والكسر ويكسر: الجزء من العضو، أو العضو الوافر (4). انتهى. والابريق واحد الاباريق: معرب آب ري، ذكره في الصحاح والقاموس (5) والابريق أيضا السيف الشديد البريق. ذكره الجوهري (6)، وهو المراد هنا. وفي هذا الباب من جامع الاصول: جليل المشاش: عظيم رؤوس العظام كالركبتين والمرفقين والمنكبين، ونحو ذلك. والمشاش جمع مشاشة. وفيه أيضا: التكفؤ: التمايل في المشي الى قدام، كما تتكفأ السفينة في جريها، والاصل الهمز، فترك (7) انتهى. والذلف: ارتفاع طرف الانف مع صغر أرنبته، ذكره في النهاية (8). وبالجملة صفاته عليه السلام مواطئة لصفات النبي صلى الله عليه وآله، وهي كما ترى مذكورة له صلى الله عليه وآله.


1 - الصحاح 1: 146 " سرب ". 2 - جامع الاصول 11: 227. وفيه: أشد لقبضهم وأصبر على المراس. 3 - النهاية 2: 444 " شثن ". 4 - القاموس المحيط 2: 126 " كسر ". 5 - الصحاح 4: 1449 " برق "، القاموس المحيط 3: 211 " برق ". 6 - الصحاح 4: 1449 " برق ". 7 - جامع الاصول 11: 227. وفيه: الميل في المشي. 8 - النهاية 2: 165 ذلف. (*)

[35]

وكان عليه السلام غليظ القصرة، روي له في كتاب روضة الاحباب رجزا: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ضرغام آجام وليث قسورة (1) عبل الذراعين (2) غليظ القصرة (3) وذكر ابن ابي الحديد عن الجاحظ أنه ذكر وصف أبناء الملوك وأنشد لبعضهم فيهم: وصلع الرؤوس عظام البطون جفاة المحز غلاظ القصر أما قوله: جفاة المحز، فعلى سنن قول الاخر: ليس براعي إبل ولا غنم ولا بحزاز على ظهر وضم يعني أنهم أبناء الملوك لا حذق لهم بنحر الابل والغنم (4). والقصرة: العنق، وأصل الرقبة (5). * * *


1 - القسورة: الاسد: مجمع البحرين 3: 457 " قسر ". 2 - عبل الذراعين: أي صخمهما. مجمع البحرين 5: 418 " عبل ". 3 - روضة الاحباب: 216. 4 - شرح نهج البلاغة 4: 469. 5 - الصحاح 2: 793 " قصر ".

[36]

الفصل الثاني في اسلامه صلوات الله عليه، واسلام أبيه وأمه عليهما السلام اعلم انه صلوات الله عليه عند الشيعة وعلى أصولها لم يشرك طرفة عين فيحدث الاسلام، بل كان تابعا لله وللنبي صلى الله عليه وآله في جميع الافعال والاقوال، مؤيدا بروح القدس، معصوما، مسددا كما نقوله في النبي صلى الله عليه وآله قبل البعثة، وبلغ على ذلك، ولم يخالفه قبل البعثة ولا بعدها ولم يفارقه. وعقدنا هذا الفصل ليظهر اعتناء القوم في جحد مناقبه عليه السلام وتحاملهم عليه وشدة اهتمامهم في اخفاء مناقبه. قال ابن الاثير في جامع الاصول في الركن الثالث في الخواتم في أول الباب الثالث منه، في ذكر الطبقة الاولى: قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن علي بن أبي طالب أولهم اسلاما، وانما اختلفوا في بلوغه وهل كان لما اسلم بالغا أو صبيا. انتهى. وقال في كتاب الفاء في الفرع الثاني. عند ذكر فضائل أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أنس بن مالك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء. ابن عباس قال: أول من صلى علي. زيد بن أرقم قال: أول من أسلم علي (1). انتهى. وذكر أبو محمد البغوي في كتابه تفسير القرآن: عن جابر إن عليا عليه وآله السلام أولهم اسلاما (2).


1 - جامع الاصول 8: 648. 2 - معالم التنزيل 3: 410.

[37]

وقال ابن الاثير في الكامل: اختلف العلماء في أول من أسلم، مع الاتفاق على أن أول خلق الله اسلاما، فقال قوم: أول ذكر آمن علي. روي عن علي: " أنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الناس سبع سنين ". وقال ابن عباس: أول من صلى علي. وقال جابر بن عبد الله: بعث النبي صلى الله عليه وآله يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء. وقال زيد بن أرقم: أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله علي. وقال عفيف الكندي: كنت امرء تاجرا فقدمت مكة أيام الحج، فأتيت العباس، فبينا نحن عنده إذ خرج رجل فقام تجاه الكعبة يصلي، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي معه، ثم خرج غلام فقام يصلي معه. فقلت: يا عباس ما هذا الدين ؟ ! فقال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخي يزعم أن الله أرسله، وأن كنوز قيصر وكسرى تفتح عليه، وهذه امرأته خديجة آمنت به، وهذا الغلام علي ابن أخي أبي طالب آمن به. وأيم الله ما أعلم على ظهر الارض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة. قال عفيف: ليتني كنت رابعا. وقال محمد بن المنذر، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبو حازم المدني، والكلبي: أول من أسلم علي. قال الكلبي: كان عمره تسع سنين، وقيل: احدى عشرة سنة. وكان من نعم الله عليه أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس: " يا عم إن أبا طالب كثير العيال، فانطلق بنا نخفف عن عياله ". فانطلقا إليه وأعلماه ما

[38]

أراد، فقال أبو طالب: اتركا لي عقيلا واصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليا، وأخذ العباس جعفرا، فلم يزل عند النبي صلى الله عليه وآله حتى أرسله فاتبعه. وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أراد الصلاة انطلق هو وعلي الى بعض شعاب مكة فيصليان ويعودان، فعثر عليهما أبو طالب فقال: يا ابن أخي ما هذا الدين ؟ فقال: " دين الله وملائكته ورسله، ودين أبينا ابراهيم عليه السلام، بعثني الله به إلى العباد، وأنت أحق من دعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني ". قال: لا استطيع أن أفارق ديني ودين آبائي، ولكن والله لا تخلص قريش إليك بشئ تكرهه ما حييت. ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه. قال: وقال أبو طالب لعلي: ما هذا الدين الذي أنت عليه ؟ قال: " يا أبة آمنت بالله ورسوله، وصليت معه ". فقال: أما لا يدعو إلا الخير فالزمه. انتهى كلام ابن الاثير (1). أقول: قال ابن الاثير في النهاية: الازمة: السنة المجدبة، ثم قال: ومنه حديث مجاهد: إن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال (3). انتهى. وقول أبي طالب رضي الله عنه: لا أستطيع أن أفارق ديني ودين آبائي، إلى آخر كلامه، المعنى فيه: انك تدعوني إلى أمر وتخبرني أنه دين أبينا ابراهيم عليه السلام، وانني أحق من دعوته وأحق من أجاب، وأنت تعلم انني


1 - الكامل في التأريخ 2: 57. 2 - النهاية 1: 47 " أزم ".

[39]

قبل كنت به عالما، وأخبرت به في مقام بعد مقام، وأعلمت الناس بأنك ستقوم هذا المقام، وأنت على الحق، فكيف مع هذا كله أفارقك ولا اتبعك، وفي مفارقتك مفارقة دين آبائي الكرام رسل الله، والذي يليق أن تدعوني إليه أن انصرك وأبذل دونك نفسي وولدي، كما شهد به قوله لعلي عليه الصلاة والسلام في آخر كلامه وسائر أقواله وخطبه ولعلنا نذكر منه ما يشفي الصدور، ويزيل الريب بمشيئة الله وعونه. وذكر الرواية الاخيرة ابن أبي الحديد عن الطبري في تأريخه عن مجاهد من قوله: وقد كان النبي صلى الله عليه وآله إذا أراد الصلاة، إلى قوله: فألزمه، لكن بتغيى يسير في العبارة (1). وقال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر في كتاب الاستيعاب: وروي عن سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وخباب، وجابر، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن أرقم: أن علي بن أبي طالب أول من أسلم، وفضله هؤلاء على غيره. وقال ابن اسحاق: أول من آمن بالله وبرسوله محمد من الرجال علي بن أبي طالب، وهو قول ابن شهاب إلا أنه قال: من الرجال بعد خديجة، وهو قول الجميع في خديجة. حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا علي بن عبد الله الدهقان، قال: حدثنا مفضل بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لعلي أربع خصال ليست لاحد غيره: هو أول عربي وعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو كان لواؤه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم فر عنه غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره.


1 - شرح نهج البلاغة 3: 309، تأريخ الطبري 2: 314.

[40]

ثم قال: وروي عن سلمان الفارسي انه قال: أول هذه الامة ورودا على نبيها الحوض أولها اسلاما علي بن أبي طالب. وقد روى هذا الحديث مرفوعا عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: أول هذه الامة ورودا على الحوض أولها اسلاما علي بن أبي طالب. ورفعه أولى، لان مثله لا يدرك بالرأي. حدثنا أحمد بن قاسم، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا القاسم بن أبي أسامة، حدثنا يحيى بن هاشم، حدثنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن خنيس بن المعتمر، عن عليم الكندي، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أولكم ورودا على الحوض أولكم اسلاما علي بن أبي طالب ". وروى أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: " أنت ولي كل مؤمن بعدي ". وبه عن ابن عباس قال: أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله بعد خديجة علي بن أبي طالب. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير بن حرث، قال: حدثنا الحسن بن حماد، قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس قال: كان علي أول من آمن من الناس بعد خديجة. هذا اسناد لا مطعن فيه لاحد، لصحته وثقة نقلته. ثم قال: وقال ابن شهاب، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وقتادة وابن اسحاق: أول من أسلم من الرجال علي. ثم قال: وروي في ذلك عن أبي رافع مثل ذلك. ثم قال: قال الحسن الحلواني: وحدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا معمر بن

[41]

قتادة عن الحصين قال: أسلم علي وهو ابن خمس عشرة سنة. حدثنا خلف بن قاسم بن سهل، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن محمد ابن اسماعيل الطوسي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن اسحاق بن ابراهيم السراج، قال: حدثنا محمد بن مسعود، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن قال: أسلم علي وهو ابن خمس عشرة أو ست عشره سنة. قال ابن وضاح: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحديث من محمد بن مسعود، ولا أعلم بالرأي من سحنون. وقال ابن اسحاق: أول ذكر آمن بالله ورسوله علي بن أبي طالب وهو ابن عشرة سنين، قيل: أسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، وقيل: ابن ستة عشر سنة، وقيل: ابن عشرة، وقيل: ابن ثمان. وذكر عمر بن شبة، عن المدائني، عن أبي جعدية، عن نافع، عن ابن عمر قال: أسلم علي وهو ابن ثلاث عشرة. ثم قال: وذكر عبد الرزاق، عن معمر في جامعه، عن قتادة، عن الحسن وغيره قالوا: أول من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهو ابن خمس عشرة سنة أو ست عشرة سنة. ومعمر عن عثمان الجزري، عن ابن عباس قال: أول من أسلم علي. وذكر أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا شريح بن النعمان، وحدثنا الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر قال: أسلم علي بن أبي طالب وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. قال أبو عمر: وهذا أصح ما قيل من وجهين جيدين. وروى ابن فضيل عن الاجلح، عن سلمة بن كهيل، عن حبة بن جرير قال: سمعت عليا يقول: " أنا أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله ".

[42]

وقال سالم بن أبي الجعد: قلت لابن الحنفية: أبو بكر كان أولهم اسلاما ؟ قال: لا. وروى مسلم الملائي، عن أنس بن مالك قال: استنبئ النبي صلى الله عليه وآله يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء. وقال زيد بن أرقم أول من آمن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب. وروى حديث زيد بن أرقم من وجوه ذكرها النسائي وأسد الغابة بن موسى وغيرهما، منها ما حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة قال: أخبرنا عمر بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة الانصاري قال: سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب. وحدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، قال: حدثنا أحمد بن زهير بن حرث، حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن اسحاق قال: حدثنا يحيى بن الاشعث، عن اسماعيل بن اياس بن عفيف الكندي، عن أبيه، عن جده، قال: كنت امرء تاجرا فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لابتاع منه بعض التجارة، وكان امرء تاجرا، فو الله اني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر الى الشمس رآها قد زالت قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت تصلي، ثم خرج غلام قد راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي، فقلت للعباس: من هذا يا عباس ؟. قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ابن أخي. فقلت: من هذه المرأة ؟ قال: هذه امرأته خديجة بن خويلد. قلت: من هذا الفتى ؟ قال: علي بن أبي طالب ابن عمه.

[43]

قلت: ما هذا الذي يصنع ؟ قال: يصلي وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره أحد إلا امرأته وابن عمه هذا الغلام، وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر. وكان عفيف يقول وقد أسلم وحسن اسلامه: لو كان الله رزقني الاسلام يومئذ فأكون ثانيا مع علي. وقد ذكرنا هذا الحديث من طرق في باب عفيف الكندي من هذا الكتاب، والحمد لله. وقال علي: " صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله كذا وكذا، لا يصلي معه غيري إلا خديجة ". انتهى كلام صاحب الاستيعاب (1). وقال الزمخشري في الكشاف: عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال " سباق الامم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون " (2). انتهى. وحديث مفاخرة العباس مع أمير المؤمنين صلوات الله عليه، التي نذكرها بعد هذا الفصل في الايات النازلة فيه صلوات الله عليه، صريح في هذا المطلب، وكذا حديث الدار، وسنذكرهما بمشيئة الله تعالى وعونه. وقال ابن الاثير في كتاب النهاية: قيل لعلي: ألا تتزوج ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ! فقال: " ما لي صفراء ولا بيضاء، ولست بمأبور في ديني فيوري بها رسول الله صلى الله عليه وآله عني، انني لاول من أسلم " (4). انتهى.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 26. 2 - الكشاف 3: 97. 3 - الكشف والتبيان: 53. 4 - النهاية 1: 14 " أبر ". وفيه: لست بمأبور في ديني: أي لست غير الصحيح الدين ولا

[44]

وقال ابن البر في كتاب الاستيعاب عند ذكره مناقب أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله: وقال " زوجت سيدا في الدنيا والاخرة، وانه لاول أصحابي اسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما "، ثم ذكر تمام الخبر، وخبرين آخرين في فضله عليه وآله الصلاة، وقال: وهي كلها آثار ثابتة (1) انتهى. وقال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عند كلامه في اجلاب قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله، فنذكر منه ما ذكره محمد ابن اسحاق بن يسار في كتاب السيرة والمغازي، فلانه كتاب معتمد عند أصحاب الحديث والمؤرخين، ومصنفه شيخ الناس كلهم، قال محمد ابن اسحاق: لم يسبق عليا الى الايمان بالله ورسالة محمد عليه السلام أحد من الناس، اللهم إلا أن تكون خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: وقد كان صلى الله عليه وآله يخرج ومعه علي مستخفيا من الناس، فيصليان الصلوات في بعض شعاب مكة، فإذا أمسيا رجعا، فمكثنا بذلك ما شاء الله أن يمكثا لا ثالث لهما (2). انتهى. وقال في موضعين آخرين: وقال عثمان لعلي في كلام دار بينهما: أبو بكر وعمر خير منك، فقال: " كذبت أنا خير منك ومنهما، عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما (3) انتهى. ومن كلامه صلوات الله عليه ذكره ابن أبي الحديد في الشرح: عن نصر: " ولا سواء من صلى قبل كل ذكر، لم يسبقني بصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وآله أحد " (4) انتهى.


المتهم في الاسلام. 1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 36. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 309. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 381. 4 - شرح نهج البلاغة 2: 380.

[45]

وقال في موضع آخر من الشرح: وذهب أكثر أهل الحديث إلى انه عليه السلام أول الناس اتباعا لرسول الله صلى الله عليه وآله وايمانا به، ولم يخالف في ذلك إلا الاقلون، وقد قال هو عليه السلام: " أنا الصديق الاكبر، وأنا الفاروق الاول، أسلمت قبل إسلام الناس، وصليت قبل صلواتهم ". ومن وقف على كتب أصحاب الحديث تحقق ذلك وعلمه واضحا، وإليه ذهب الواقدي، وابن جرير الطبري، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب الاستيعاب (1). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق المحرقة: الحديث التاسع والعشرين: أخرج الديلمي عن عائشة، والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " السبق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق الى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب " (2). انتهى. قال في روضة الاحباب عند ذكر بكاء فاطمة صلوات الله عليه لما قام رسول الله صلى الله عليه وآله ليخرج من عندها ليلة الزفاف، من جملة حديث طويل: پيغمبر صلى الله عليه وآله فرمود: أي دخترك من، چه جيز تو را در گرية من آورد، بتحقيق كه تو را بزنى بكسى داده ام كه اسلام وى از همه بيشتر، وخلق وى از همه بهتر، وعرفان وى بخداوند تعالى از همه زياد است (3). وذكر ابن حجر في كتاب الصواعق المحرقة: عن ابن عباس، وأنس، وزيد بن أرقم، وسلمان رضي الله عنه، وجماعة: أن عليا صلوات الله عليه أول من أسلم قال: ونقل بعضهم الاجماع عليه.


1 - شرح نهج البلاغة 1: 10، الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 26. 2 - الصواعق المحرقة: 125. 3 - روضة الاحباب 218: وترجمته: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بنية ما يبكيك فأنه قد زوجتك بأقدمهم اسلاما، وأحسنهم خلقا، وأعرفهم بالله تعالى.

[46]

ثم قال: ونقل أبو يعلى عن علي أنه قال: " بعث رسول الله صلى الله عليه. وآله يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء (1). انتهى. قال ابن الحديد في الجزء الثالث عشر من شرحه: وروى الطبري في تأريخه قال: حدثنا أحمد بن الحسين الترمذي، قال حدثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا العلاء عن المنهال بن عمر، عن عباد الله بن عبد قال: سمعت عليا (ع) يقول: " أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت قبل الناس سبع سنين (2) ". انتهى. وفي غير رواية الطبري: " أنا الصديق الاكبر والفاروق الاعظم، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته سبع سنين ". كأنه عليه السلام لم يرتض أن يذكر عمر، ولا رآه أهلا للمقايسة بينه وبينه، وذلك لان اسلام عمر كان متأخرا. وروى الفضل بن عباس قال: سألت أبي عن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله: أيهم كان رسول الله صلى الله عليه وآله له أشد حبا ؟ فقال: علي ابن أبي طالب. فقلت له: سألتك عن بنيه، فقال: انه كان أحدب (3) عليه من بنيه جميعا وأرأف، ما رأيناه زايله يوما من الدهر منذ كان طفلا، إلا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أبا أبر بابن منه لعلي، ولا ابنا أطوع لاب من علي (4). انتهى. وقال في روضة الاحباب: وثبت عن علي (ع) انه قال: " صليت


1 - الصواعق المحرقة: 120. 2 - تأريخ الطبري 2: 310. 3 - في المصدر: أحب. وقال الجوهري في الصحاح ج 1 ص 108 " حدب ": حدب وتحدب عليه: أي تعطف عليه. 4 - شرح نهج البلاغة 3: 251.

[47]

مع النبي (ص) قبل الناس سبعا " (1). انتهى. أقول: الدلائل على هذا المطلب أكثر من أن تحصى، ولعلنا نورد فيما بعد في الفصول الاتية ما يدل عليه بمشيئة الله سبحانه وعونه. وقد مدحه عليه وآله الصلاة الصحابة والتابعون نظما ونثرا، وقد ذكر من ذلك ابن أبي الحديد في شرحه جملة كافية، من أراد الاطلاع عليه فليرجع إليه. وبالجملة قد ظهر مما حررناه أن تقدم اسلامه أظهر من كل ظاهر، بل كاد من استفاضته أن يلحق بالضروريات، مع انا ذكرنا قليلا من كثير، وهذا يدل على حرص عظيم واعتناء شديد للقوم في اخفاء مناقبه (ع) واثباتها لاعدائه. وقد قال ابن أبي الحديد في الجزء الرابع عشر في شرحه قوله عليه السلام: " فأراد قوما قتل نبينا واجتياح أصلنا "، قال ابن اسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله (ص)، فكان أول من أسلم وصلى معه بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة (2). قال في الاستيعاب: وقال الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب: ما كنت أحسب أن الامر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلته وأعلم الناس بالقرآن والسنن من فيه ما فيهم لا يمترون به وليس في القوم ما فيه من الحسن (3). انتهى.


1 - روضة الاحباب: 217. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 309. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 27. (*)

[48]

وأما إسلام أبي طالب فيدل عليه وجوه: الاول: اجماع أهل البيت صلوات الله عليهم، وهو المعتمد، وفيه الحجة على الخلق، لذهاب الرجس عنهم وطهارتهم، ولقوله صلى الله عليه وآله: " إني مخلف فيكم ما ان تمسكتم بن لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ". وقد اعترف بدلالته على حجية اجماع أهل البيت جماعة من مخالفينا، كالقاضي عبد الجبار صاحب كتاب المغني، ولا ريب فيه. وقال ابن الاثير في جامع الفصل التاسع من الباب الاول من الركن الثالث من الفن الثاني: أهل البيت يزعمون إن أبا طالب مات مسلما. الثاني: ما روي من تغظيمه للنبي (ص)، وتعظيمه صلى الله عليه وآله له، والمودة العظيمة بينهما: من ذلك خطبته في تزويج خديجة عليها السلام، قال في الكشاف في تفسير سورة آل عمران: وفيما خطب به أبو طالب في تزويج خديجة عليها السلام، وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوبا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس. ثم ان ابن أخي هذا من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل (1). انتهى. ورواه في روضة الاحباب، وفيه بعد قوله: وجعلنا الحكام على الناس: أما بعد، فإن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله فتى لا يوزن على رجل من قريش إلا رجح به وإن كان في المال قل، فان المال ظل زائل وأمر حائل، ومحمد قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من


1 - الكشاف 1: 424.

[49]

الصداق ما آجله وعاجله عشرين بكرة من مالي، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل (1). انتهى. ومنه أيضا ما رواه السيوطي في تفسير سورة أبي لهب قال: قال رسول الله (ص): " بعثت ولي أربع عمومة "، قال صلى الله عليه وآله في آخره: " وأما عبد مناف فيكنى بأبي طالب، فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة (2). انتهى. الثالث: ما روي في ذبه عن النبي صلى الله عليه وآله وقيامه دونه، أشد ذب وأحسن قيام. قال في جامع الاصول في الفصل الخامس من الباب الاول من الفن الثاني: فلما رأى المشركون ذلك - يعني اظهار الدعوة - خالفوه وعاندوه، وأظهروا عداوته، وأجمعوا على أذاه، وهموا بقتله، فأجاره عمه أبو طالب ودفع عنه وحماه، إلا أن قريشا تظافروا على بني هاشم وبني المطلب حتى حصروهم في الشعب بعد المبعث ست سنين. ثم قال: فمات أبو طالب بعد ذلك بستة أشهر، وماتت خديجة بعده بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة أيام، وقيل: بأكثر من ذلك، فبان أثر موتهما على النبي (ص) فخرج إلى الطائف. انتهى. قال الزمخشري في الفائق: " مازالت قريش كاعة حتى مات أبو طالب "، أي: جبناء عن أذاي، جمع كائع (3). انتهى. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة في شرح قوله صلوات الله عليه: " فإسلامنا ما قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع " بعد ذكر نبذ من فضائل هاشم وعبد المطلب: قال الزبير: فأما أبو طالب بن عبد المطلب واسمه عبد


1 - روضة الاحباب: 625. 2 - الدر المنثور 8: 668. 3 - الفائق 3: 290 " كيع ".

[50]

مناف، وهو كافل رسول الله (ص) وحاميه من قريش وناصره، والرفيق به والشفيقق عليه، ووصي عبد المطلب فيه. وكان سيد بني هاشم في زمانه، ولم يكن أحد من قريش تسود في الجاهلية إلا بمال إلا أبو طالب وعتبة بن ربيعة. قال الزبير: وأبو طالب أول من سن القسامة في الجاهلية في دم عمرو بن علقمة، ثم أثبتتها السنة في الاسلام، وكانت السقاية في الجاهلية بيد أبي طالب، ثم سلمها إلى أخيه العباس. ثم قال: قال الزبير: وحدثني محمد بن حسن، عن نصر بن مزاحم عن معروف بن خربوذ قال: كان أبو طالب يحضر أيام الفجار، ويحضر معه النبي (ص) وهو غلام، فإذا جاء أبو طالب هزمت قيس، وإذا لم يجئ هزمت كنانة، فقالوا لابي طالب: لا أبا لك ! لا تغب عنا، ففعل (1). وقال في موضع آخر من الشرح: فإن من قرأ علوم السير عرف أن الاسلام لولا أبو طالب لم يكن شيئا مذكورا (2). وحديث سنة القسامة في الجاهلية رواه البخاري في صحيحه، وابن الاثير في جامع الاصول. ومن أراد أن يقف على شدة بلاء أبي طالب في الدفع عنه والذب حين تعاقدت قريش على قطعه صلى الله عليه وآله، وكتبوا في ذلك الكتاب وعلقوه في الكعبة، ووثبت كل قبيلة على من أسلم منهم يعذبونهم على الصخر والصفا في حر الشمس، وحين صدوهم في الشعب سنتين أو ثلاثة، ومع ذلك كله أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وآله ويمنعه ويقوم دونه، فليراجع كتب السير، يقف على ما صنعه معه، بل لشاهد عيانا صدق قول الباقر عليه السلام - على ما رواه ابن أبي الحديد - وقد سئل عن


1 - شرح نهج البلاغة 3: 469. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 321.

[51]

ايمانه: " لو وضع ايمان أبي طالب في كفة ميزان وايمان هذا الخلق في الكفة الاخرى لرجح ايمانه " (1). الرابع: تقرير النبي صلى الله عليه وآله إياه على نكاح فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، مع جلالة قدرها وحسن اسلامها ورضاها به واطاعتها له. قال ابن ابي الحديد في الشرح: وروي ان علي بن الحسن عليه السلام سئل عن هذا فقال: " واعجبا إن الله نهى رسوله أن يقر مسلمة على نكاح كافر، وقد كانت فاطمة بن أسد من السابقات إلى الاسلام، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات " (2). انتهى. الخامس: شعره المأثور في مدح النبي صلى الله عليه وآله، والدلالة فيه من وجهين: أحدهما: تصريحه فيه بأنه رسول المليك والاله وبكفر من أبى، وأن كتابه ككتاب موسى عليه السلام، وأنه أتى بالحق من عند ربه، وانه أكرم الخلق، وأنه مهتد وغير ضال، وغير ذلك. وثانيهما: تضمنه لتعظيمه صلى الله عليه وآله، وتبجيله أكرم تبجيل وتعظيم، وتذلله له بتعظيم الشعراء الطامعين في الحباء، الراجين لعطاء الملوك ذوي السلطنة والانفة والتجبر والتكبر، وتذللهم لهم، بل أعظم وأبلغ، مع أنه رضي الله عنه سيد قريش وعظيمها، وهو صلى الله عليه وآله تربى في حجره وبيته. وهذا يدل على معرفة كاملة، وايمان صادق، ويقين راسخ. ولا يخفى على العارف بأساليب الكلام، والواقف على عادات الاشراف والاعاظم، سيما صناديد قريش، وعلى مذاهب الشعراء في مدحهم الملوك والامراء، فمن


1 - شرح نهج البلاغة 3: 316. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 316.

[52]

ذلك ما ذكره في روضة الاحباب: ودعوتني وعملت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت فيه أمينا أظهرت قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة لو جدتني سمحا بذاك مبينا (1) لا يقال: قوله: لولا الملامة، يدل على أنه لم يسمح بالايمان. لانا نقول: غاية ما يشعر به أنه لم يسمح بإظهار الايمان وابانته، حذرا أن لا يتمكن مع ذلك من نصرة الرسول صلى الله عليه وآله والذب عنه، لانه قال: لولا الملامة لو جدتني سمحا مبينا. وهذا لا ينافي أن يكون في الحال سمحا غير مبين وغير مظهر، على أنه غير صريح في أن المشار إليه بلفظة (ذاك) هو الايمان أو اظهاره، فلا يبعد أن يكون المشار إليه المجاهرة والمكاشفة وسب آلهتهم حتى لا يتناقض أول الكلام وآخره. وليت شعري إذا سمح بالايمان واظهاره، أي قول كان يصدر منه أقوى وأصرح من الشهادة له بالصدق والنصح، وبأن دينه من خير أديان الخلائق. وأيضا إذا دل أول الكلام على الاسلام كان حجة لنا على الخصوم، لشهادتهم بأنه من قوله، وإذا ناقضه البيت الاخير فلا حجة فيه علينا، لانا لا نعترف بأنه من قوله، ولا يبعد أن يكون من بعض أعداء أهل البيت، ألحقه بالابيات المتقدمة، لما رأى أنها صريحة في ايمانه. وفي ذلك ما ذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: أعوذ برب البيت من كل باغ (2) علينا بسوء أو يلوح بباطل ومن فاجر يغتابنا بمغيبة ومن ملحق في الدين ما لم نحاول كذبتم وبيت الله يبزى محمد ولما نطاعن دونه ونناضل


1 - روضة الاحباب: 118. 2 - في المصدر: طاعن.

[53]

وننصره حتى نصرع دونه ونذهل عن أبنائنا والحلائل وحتى نرى ذا الردع يركب ردعه من الطعن فعل الانكب المتحامل وينهض قوم في الحديد اليكم نهوض الروايا من طريق جلاجل وإنا وبيت الله إن جد جدنا لتلتبسن أسيافنا بالاماثل بكل فتى مثل الشهاب سميدع أخي ثقة عند الحفيظة باسل وما ترك قوم لا أبا لك سيدا يحوط الذمار غير نكس مواكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل وميزان صدق لا يخيس شعيرة ووزان صدق وزنه غير عائل ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب لدينا ولا يعبأ بقول الا باطل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه فحميته ودافعت عنه بالذرى والكواهل فلا زال في الدنيا جمالا لاهلها وشينا لمن عادى وزين المحافل وأيده رب العباد بنصره وأظهر دينا حقه غير باطل (1) أبزى فلان بفلان إذا غلبه وقهره. قال ابن الاثير في النهاية: في قصيدة أبي طالب يعاتب قريشا: كذبتم وبيت الله يبزى محمد، أي: يغلب ويقهر، أراد: لا يبزى، وحذف (لا) من جواب القسم، أي: لا يقهر ولم نقاتل عنه وندافع (2). أقول: انه للاستفهام الانكاري، أي: أيقهر بحضرتنا ولم نقاتل عنه. الردع: المنعة، وذو الردع: الشجاع ذو المنعة. ويقال للقتيل: ركب ردعه: إذا خر لوجهه على دمه. وقيل: الردع: العنق، أي: سقط على رأسه فاندقت عنقه. وسمي العنق


1 - شرح نهج البلاغة 3: 319. 2 - النهاية 1: 125 " بزا ".

[54]

ردعا على الحذف، أي: ذات الردع، أو على الاتساع. وقيل: ركب ردعه: أي صريعا لوجهه، فكلما هم بالنهوض ركب مقاديمه (1). والردع الثاني في البيت من قولهم: به ردع من زعفران أو دم، أي: لطخ وأثر. وإن أمكن أن يكون من المعنى الاول. والنكب: داء يأخذ الابل من مناكبها فتطلع منه وتمشي منه وتمشي منحرفة، يقال: نكب البعير فهو أنكب، وهو من صفة المتطاول الجائر، ذكره الجوهري (2). وقال في القاموس: والانكب: من لا قوس معه (3). وتحامل معه: مال، وتحاملت على نفسي: إذا تكلفت الشئ على مشقة. الروايا، جمع روية مؤنث روي: وهي السحابة العظيمة القطر الشديدة الوقع، والاظهر أن الروايا هنا الابل الحاملة لها، وهي جمع راوية، وسميت السحاب روايا تشبيها بها. ومنه حديث بدر: فإذا هو بروايا قريش، أي: ابلهم التي يستقون عليها. والطريق، جمع طريقة: وهو شريف القوم. الجلاجل بالفتح جمع الجلاجل بالكسر: هو السيد الركين. وقوله: من طريق: بيان للقوم. وتشبيه الجيش بالروايا من أحسن التشبيه، وكذلك تشبيه نهوضهم بنهوضها على المعنى الاخر للروايا. والنكس: الرجل الضعيف. قال ابن الاثير في النهاية: وفي شعر أبي طالب: بميزان قسط لا يحص


1 - انظر: لسان العرب 8: 121. 2 - الصحاح 1: 228 " نكب ". 3 - القاموس المحيط 1: 134 " نكب ".

[55]

شعيرة، أي: لا ينقص (1). انتهى. وقال ابن أبي الحديد: ومن ذلك قوله وقد غضب لعثمان بن مظعون الجمحي حين عذبته قريش ونالت منه: أمن تذكر دهرا غير مأمون أصبحت مكتئبا تبكي كمحزون أم من تذكر أقوام ذوي سفه يغشون بالظلم لعثمان بن مظعون ونمنع الضيم من يبغي مضامننا بكل مطرد في الكف مسنون ومرهفات كأن الملح خالطها يشفى بها الداء من هام المجانين حتى تقر رجال لا حلوم لها بعد الصعوبة بالاسماح واللين أو تؤمنوا بكتاب منزل عجب على نبي كموسى أو كذي النون (2) ونقل أيضا انه اشتهر عن عبد الله المأمون أنه قال: والله أسلم أبو طالب بقوله: نصرت الرسول رسول المليك ببيض تلألأ كلمع البروق أذب وأحمي رسول الاله حماية حام عليه شفيق وما إن أدب لاعدائه دبيب البكار حذار الفنيق ولكن أزير لهم ساميا كما زار ليث بغيل مضيق انتهى (3). الفنيق: الفحل المكرم من الابل الذي لا يركب ولا يهان. ثم ذكر انه قال مخاطبا حمزة (وكان يكنى أبا يعلى) (4) بقوله: فصبرا أبا يعلى على دين أحمد وكن مظهرا للدين وفقت صابرا


1 - النهاية 1: 396 " حصص ". 2 - شرح نهج البلاغة 3: 317. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 318. 4 - أضفناها من المصدر.

[56]

وحط من أتى من عند ربه بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصرا وباد قريشا بالذي قد أتيته جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا (1) ثم ذكر قوله: لا يمنعنك من حق تقوم به أيد تصول ولا سلق بأصوات فإن كفك كفي إن بليت بهم ودونك نفسي في الملمات (2) قال: ومن ذلك قوله: قد (3) أكرم الله النبي محمدا فأكرم خلق الله في الناس أحمد وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد (4) قال: ومن شعر أبي طالب في أمر الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم: ألا أبلغا عني ذات بينها لؤيا وخصا من لؤي بني كعب ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا رسولا كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة ولا حيف في من خصه الله بالحب وان الذي رقشتم في كتابكم يكون لكم يوما كراغية السقب أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى ويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنب ولا تتبعوا أمر الغواة فتقطعوا (5) أو اصرنا بعد المودة والقرب وتستجلبوا حربا عوانا وربما أمر على من ذاقه حلب الحرب فلسنا وبيت الله نسلم أحمدا لغراء من عض الزمان ولا كرب


1 - شرح نهج البلاغة 3: 319. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 319. 3 - في المصدر: لقد. 4 - شرح نهج البلاغة 3: 319. 5 - في المصدر: وتقطعوا.

[57]

ولما تبن منا ومنكم سوالف وأيد أترت بالمهندة الشهب بمعترك ضنك ترى القصد القنا به والضباع العرج تعكف كالشرب كأن مجال الخيل في حجراته وغمغمة الابطال معركة الحرب أليس أبونا هاشم شد أزره وأوصى بنيه بالطعان والضرب ! ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ولا نشتكي مما ينوب من النكب ولكننا أهل الحفائظ والنهى إذا طار أرواح الكماة من الرعب (1) الرقش كالنقش، قال المرقش الاكبر: الدار قفر والرسوم كما رقش في ظهر الاديم قلم ويقال: إنه سمي المرقش بهذا البيت، واسمه عمرو أو عوف بن مالك. والزبى، جمع زبية: وهي ما تحفر للاسد، وأراد: قبل أن تتعارضوا للصيد كما يصطاد الاسد، أو أراد به: القبر منن غير لحد تشبيها له بالزبية. والضبع: الذكر من ولد الناقة، ويقال أنه أشار به إلى قصة ثمود. ومعركة الحرب، تشبه بها الحرب، لان الابل الجرب إذا اعتركت بعضها ببعض ترغو وتضج وتثير النقع. وذكر في رواية الاحباب أنه لما مزق مطعم بن عدي الصحيفة قال أبو طالب أبياتا منها: محا الله منها كفرهم وعقوقهم وما نقموا من صادق القول منجب فأصبح ما قالوا من الحق باطلا ومن يختلف ما ليس بالحق يكذب فأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا على سخط من قومنا غير معتب (2) وذكر البيتين الاولين ابن الاثير في الكامل (3).


1 - شرح نهج البلاغة 3: 317. 2 - روضة الاحباب: 119. 3 - الكامل في التأريخ 2: 90. وذكر قبلهما هذا البيت: وقد كان في أمر الصحيفة عبرة متى ما يخبر غائب القوم يعجب

[58]

قال ابن أبي الحديد: ومن ذلك قوله: فلا تسفهوا أحلامكم في محمد ولا تتبعوا أمر الغواة الاشائم تمنيتم أن تقتلوه وإنما أمانيكم هذي كأحلام نائم فإنكم والله لا تقتلونه ولما تروا قطف اللحى والجماجم زعمتم بأنا مسلمون محمدا ولما نقاذف دونه ونزاحم من القوم مفضال أبي على العدا بخاتم في الفرعين من آل هاشم أمين حبيب بالعباد (1) مسوم بخاتم رب قاهر في الخواتم يرى الناس برهانا عليه وهيبة وما جاهل في قومه مثل عالم نبي أتاه الوحي من عند ربه فمن (2) قال لا يقرع بها سن نادم (3) قال ابن أبي الحديد: قال محمد بن اسحاق: فلم يزل أبو طالب ثابتا مستمرا على نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وحمايته والقيام دونه، حتى مات في أول السنة الحادية عشرة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله، فطمعت فيه قريش حينئذ ونالت منه، فخرج عن مكة خائفا يطلب أحياء العرب يعرض عليهم نفسه (4). ثم قال: قال - يعني محمد بن اسحاق - ومن شعر أبي طالب الذي يذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وقيامه دونه: أرقت وقد تصوبت النجوم وبت ولا تسالمك الهموم لظلم عشيرة ظلموا وعقوا وغب عقوقهم لهم وخيم هم انتهكوا المحارم من أخيهم وكل فعالهم دنس ذميم وراموا خطة ظلما وجورا (5) وبعض القول ذو جنف مليم


1 - في المصدر: في العباد. 2 - في المصدر: ومن. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 317. 4 - شرح نهج البلاغة 3: 312. 5 - في المصدر: جورا وظلما.

[59]

لتخرج هاشما فيكون منها بلاقع بطن مكة فالحطيم فمهلا قومنا لا تركبونا بمظلمة لها خطب جسيم فيندم بعضكم ويذل بعض وليس بمفلح أبدا ظلوم أرادوا قتل أحمد زاعميه وليس بمقتله منهم زعيم ودون محمد منا ندي هم العرنين والعضو الصميم ومن ذلك قوله: وقالوا لاحمد أنت امرؤ خلوف الحديث ضعيف السبب وإن كان أحمد قد جاءهم بصدق ولم يأتهم بالكذب فإني (1) ومن حج من راكب وكعبة مكة ذات الحجب تنالون أحمد أو تصطلوا ظباة الرماح وحد القضب وتغترفوا بين أبياتكم صدور العوالي وخيلا شزب تراهن ما بين ضافي السبب قصير الحزام طويل اللبب عليها صناديد من بني هاشم هم الانجبون مع المنتجب وروى عبد الله بن مسعود قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من قتلى بدر، وأمر بطرحهم في القليب، جعل يتذكر من شعر أبي طالب بيتا فلا يحضره، فقال له أبو بكر: لعله قوله: وإنا لعمر الله إن جد جدنا لتلتبسن أسيافنا بالاماثل فسر بظفره بالبيت، وقال: " أي لعمر الله لقد التبست ". ومن شعر أبي طال قوله: ألا أبلغا عني لؤيا رسالة بحق وما تغني رسالة مرسل بني عمنا الادنين تيما نخصهم وإخواننا من عبد شمس ونوفل أضاهرتم قوما علينا سفاهة وأمرا غويا من غواة وجهل


1 - في المصدر: فإنا.

[60]

يقولون لو أنا قتلنا محمدا أقرت نواصي هاشم بالتذلل كذبتم ورب الهدي تدمى نحوره بمكة والبيت العتيق المقبل تنالونه أو تصطلوا دون نيله صوارم تفري كل عضو ومفصل فمهلا ولما تنتج الحرب بكرها بحبل تمام أو بآخر معجل وتلقوا ربيع الابطحين محمدا على ربوة في رأس عنقاء عيطل وتأوي إليه هاشم إن هاشما عرانين كعب آخر بعد أول فإن كنتم ترجون قتل محمد فروموا بما جمعتم بما جمعتم نقل بليل فإنا سنحميه بكل طمرة وذي ميعة نهد المراكل عكل وكل رديني ظماء كعوبه وعضب كإيماض الغمامة معضل انتهى ما ذكره من كتاب محمد بن اسحاق (1). الخطة بالضم: الامر والقصة، وأنشد الجوهري لتأبط شرا: هما خطنا إما إسار ومنة وإما دم والقتل بالحر أجدر (2) والجف: الميل. والندي، على فعيل: مجلس القوم، وأراد: أهل الندي، كقوله تعالى: * (فليدع ناديه) * (3). وفي النهاية: ما كانوا ليقتلوا عامرا وبني سليم وهم الندي: أي القوم المجتمعون (4). وعرانين القوم: سادتهم. ورجل حلف اللسان: إذا كان حديد اللسان فصيحا، ذكره الجوهري (5).


1 - شرح نهج البلاغة 3: 313. 2 - الصحاح 3: 1123 " خطط ". 3 - العلق: 17. 4 - النهاية 5: 37 " ندا ". 5 - الصحاح 4: 1346 " حلف ".

[61]

وسيف قاضب وقضيب: قطاع، والجمع قواظب وقضب. وقوله: تغترفوا: أي تأخذوا بالمعروف، وهو مكيال ضخم، نحو: أكيلكم بالسيف. وخيل شزب: أي ضوامر. والضافي: السابغ. والمعجل: ما ولدت لغير تمام قبل استكمال الحول. والبكر: ولد الناقة. والحبل: الحمل، ذكره الجوهري (1). فرس طمر، بتشديد الراء: المستعد للوثب والعدو. والميعة: النشاط. ومراكل الدابة: حيث يركلها الفارس برجله، قال عنترة: وحشيتي سرج على عبل الشوى نهد مراكله نبيل المحزم يعني: انه عظيم المراكل واسع الجوف (2). قال الجوهري: والرمح الرديني: زعموا انه منسوب الى امرأة السمهري تسمى ردينه، وكانا يقومان القنا بحط هجر (3). قال ابن أبي الحديد ناقلا عن أمالي محمد بن حبيب: وكان أبو طالب كثيرا ما يخاف على رسول الله صلى الله عليه وآله البيات إذا عرف مضجعه، فكان يقيمه ليلا من منامه ويضجع ابنه عليا مكانه، فقال له علي ليلة: " يا أبة اني مقتول "، فقال له: اصبرن يا بني فالصبر احجى كل حي مصيره لشعوب قدر الله والبلاء شديد لفداء الحبيب وابن الحبيب


1 - الصحاح 4: 1665 " حبل ". 2 - الصحاح 4: 1712 " ركل ". 3 - الصحاح 5: 2122 " ردن ".

[62]

لفداء الاعز ذي الحسب الثا قب والباع والكريم والنجيب إن تصبك فالنبل تبرى فمصيب منها وغير مصيب كل حي وإن تملى بعمر آخذ من مذاقها بنصيب فأجابه علي (ع) فقال له: أتأمرني بالصبر في نصر أحمد فو الله ما قلت الذي قلت جازعا ولكنني أحببت أن تر نصرتي وتعلم أني لم أزل لك طائعا سأسعى لوجه الله في نصر أحمد نبي الهدى المحمود طفلا ويافعا (1) ثم قال - بعد ذكره أن بعض المعتزلة كأبي القاسم البلخي وأبي جعفر الاسكافي وغيرهما من الشيعة استدلوا بالاشعار - فمن تلك الاشعار قوله: ترجون منا خطة دون نيلها ضراب وطعن بالوشيج المقوم ترجون أن نسخي بقتل محمد ولم تختضب سمر العوالي من الدم كذبتم وبيت الله حتى تفلقوا جماجم تلقى بالحطيم وزمزم ونقطع أرحام وتنسى حليله حليلا ويغشى محرم بعد محرم على ما مضى من بغيكم وعقوقكم وغشيانكم في أمركم كل مأثم وظلم نبي جاء يدعو الى الهدى وأمر أتى من عند ذي العرش قيم فلا تحسبونا مسلميه فمثله إذا كان في قوم فليس بمسلم (2) وروي في روضة الاحباب: " اذهب فواره، غفر الله له ورحمه " (3). وقال فيه أيضا: وروى محمد بن اسحاق وغيره: ان النبي صلى الله عليه وآله لما عرض على أبي طالب التوحيد فأبى، نظر العباس إليه رآه يحرك


1 - شرح نهج البلاغة 3: 314. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 316. 3 - روضة الاحباب: 121.

[63]

شفتيه، فقدم راسه فسمعه يقول: لا إله إلا الله، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك، ثم اعترض على هذه الرواية معارضة بما في الصحيحين من الروايات (1). وأما فاطمة بنت أسد عليها السلام: فجلالة قدرها أجل من أن يذكر، أو يحتاج إلى التنبيه عليه. قال في الاستيعاب: قال أبو عمر: روى سعدان بن الوليد السابري، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله صلى الله عليه وآله قميصه، واضطجع معها في قبرها. فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه ؟ ! فقال: " إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبر بي منها، وإنما البستها قميصي لتكتسي من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها " (2). انتهى. قال في ربيع الابرار في باب الغزو والقتل: هبط جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن أصحابك الذين بمؤتة قد قتلوا جميعا وصاروا إلى الجنة، وإن الله قد جعل لجعفر جناحين أبيضين قادمتاهما مضرجان بالدم مكللتان باللؤلؤ والجوهر، يطير بهما مع الملائكة في الجنة. قال في الكامل: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " مر بي جعفر البارحة في نفر من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم ". وقال في الاستيعاب: عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " دخلت البارحة الجنة فإذا جعفر يطير مع الملائكة " (3). انتهى. ولنذكر بعض من تقدم له ذكر في هذا الفصل:


1 - شرح نهج البلاغة 3: 321. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 381. 3 - ربيع الابرار 3: 364.

[64]

أبو عبد الله الحاكم قال في جامع الاصول: محمد بن عبد الله الحاكم، هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدون بن نعيم بن الحاكم الضبي النيسابوري، المعروف بابن البيع، من أهل الفضل والعلم والمعرفة في العلوم المتنوعة، كان فريد عصره ووحيد وقته، وخاصة في علوم الحديث، وله فيها المصنفات الكثيرة الغريبة العجيبة. قدم بغداد في شبيبته، فكتب لها عن ابن السماك. ثم قال: وكان ثقة. ثم قال: نعيم النون، وفتح العين المهملة. ثم قال في النون: النيسابور: بفتح النون وسكون الباء (1). انتهى. وقال ابن خلكان: المعروف بابن البيع إمام أهل الحديث في عصره، والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبق لها مثلها. ثم قال: وإنما عرف بالحاكم، لتقلده القضاء (2). انتهى. أبو محمد البغوي قال في جامع الاصول: الحسين بن مسعود: هو الامام أبو محمد البغوي، الفقيه الشافعي، صاحب المصابيح في شرحه السنة، والتهذيب في الفقه، ومعالم التنزيل في تفسير القرآن، له من التصانيف الحسان ما يشهد له بعلو المنزلة (3). انتهى. وقال ابن خلكان، أبو محمد الحسين بن مسعود المعروف بالفراء البغوي الفقيه الشافعي، المحدث المفسر، كان بحرا في العلوم، وأخذ الفقه


1 - ذكر ترجمته الزركلي في الاعلام 6: 227. 2 - وفيات الاعيان: 4: 615. 3 - انظر الاعلام 2: 259.

[65]

عن القاضي حسين بن محمد كما تقدم في ترجمته، وصنف في تفسير كلام الله تعالى، وأوضح المشكلات من قول النبي صلى الله عليه وآله، وروى الحديث ودرس، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وصنف كتبا كثيرة منها: كتاب التهذيب في الفقه، وكتاب شرح السنة في الحديث، ومعالم التزيل في تفسير القرآن الكريم، وكتاب المصابيح، والجمع بين الصحيحين (1). انتهى. عفيف الكندي قال في الاستيعاب: فلا يختلفون أن عفيف الكندي له صحبة، روى عنه ابناه اياس ويحى أحاديث منها نزوله على العباس في أول الاسلام، حديث حسن، حدثنا عبد الوارث، ثم ذكر الرواية التي تقدمت (2). محمد بن المنكدر قال في جامع الاصول: وهو تابعي كبير مشهور، من مشاهير التابعين وجلتهم، جمع بين العلم والزهد والعبادة والدين المتين والصدق والثقة (3). ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال في جامع الاصول: واسم ابي عبد الرحمن فروخ، مولى التيميين، من تيم قريش، تابعي جليل القدر، أحد فقهاء المدينة متفق عليه، سمع أنس بن مالك، قال: وهو المعروف ربيعة الرأي (4).


1 - وفيات الاعيان 2: 136. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 105. 3 - قال الزر كلي: في الاعلام 7: 112: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن عبد العزى القرشي التيمي المدني. 4 - انظر: الاعلام: 3: 17.

[66]

أبو حازم المدني قال في جامع الاصول: هو أبو حازم سلمة بن دينار الاعرج، ثم قال: من عباد أهل المدينة وثقاتهم والمشهورين من تابعيهم (1). الطبري قال الشمني في حواشي كتاب المغني: هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الامام المجتهد، صاحب التفسير والتأريخ، كان إماما جليلا لم يقلد أحدا، والطبري نسبة إلى طبرستان (2). انتهى. وقال ابن خلكان في تأريخه: أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، صاحب التفسير الكبير والتأريخ الشهير، كان إماما في فنون كثيرة، منها: التفسير، والحديث، والفقه، والتأريخ، وغير ذلك. وله مصنفات مليحة في فنون عديدة، تدل على سعة علمه وغزارة فضله، وكان من الائمة المجتهدين لم يقلد أحدا، وكان ثقة في نقله، وتأريخه أصح التواريخ وأثبتها (3). انتهى. محمد بن اسحاق قال في جامع الاصول: كان عالما بالسير والمغازي وأيام الناس، وأخبار المبدأ، وقصص الانبياء، وعلم الحديث والقرآن والفقه. وقال ابن أبي الحديد عند ذكره تأريخه: كتاب معتمد عند أصحاب الحديث والمؤرخين، ومصنفه شيخ الناس كلهم.


1 - انظر: تهذيب التهذيب 4: 126. 2 - انظر الاعلام 6: 68. 3 - وفيات الاعيان 4: 191.

[67]

قال ابن خلكان: محمد بن اسحاق بن يسار صاحب المغازي والسير، كان ثابتا في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا تجهل امامته. قال ابن شهاب الزهري: مننن أراد المغازي فعليه بابن اسحاق. وذكره البخاري في تأريخه، وروى عن الشافعي انه قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فعليه بابن اسحاق. وقال شعبة بن الحجاج: محمد بن اسحاق أمير المؤمنين، يعني في الحديث (1). خباب بن الارت بفتح الخاء، وتشديد الباء الموحدة الاولى. والارت: بفتح الهمزة، وفتح الراء، وتشديد التاء فوقها نقطتان، صحابي جليل (2) (3). أبو داود الطيالسي قال في جامع الاصول: قال ابن مهدي: أبو داود من أصدق الناس. وقال عند ذكره ابن المهدي: هو أبو سعيد عبد الرحمان بن مهدي.


1 - قال الزركلي في الاعلام 6: 28: محمد بن يسار المطلبي بالولاء، المدني، من أقدم مؤرخي العرب، من أهل المدينة، له السيرة النبوية التي هذبها ابن هشام، وله كتاب الخلفاء. 2 - في هامش النسخة الخطية: قال في الاستيعاب: خباب بن الارت: كان فاضلا من المهاجرين الاولين، شهد بدرا وما بعده من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يعذب في الله ويصبر على دينه. " منه ". انظر الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 423. 3 - قال الزركلي في الاعلام 2: 301 خباب بن الارت بن جندلة بن سعد التميمي، أبو يحيى أو أبو عبد الله، صحابي، من السابقين، قيل: أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر اسلامه. وكان في الجاهلية قينا يعمل السيوف بمكة، ولما أسلم استضعفه المشركون فعذبوه ليرجع عن دينه فصبر الى أن كانت الهجرة ثم شهد المشاهد كلها ونزل الكوفة ومات فيها وله 73 عاما. (*)

[68]

ثم قال: وكان من الربانيين في العلم، من المذكورين بالحفظ، وممن رزق معرفة الاثر وطرق الروايات وأحوال المشايخ. ابن شهاب هو محمد بن شهاب الزهري: قال في جامع الاصول: هو أحد الفقهاء والمحدثين والعلماء الاعلام، من التابعين بالمدينة، المشار إليه في صفة علم الشريعة. ثم قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم لهؤلاء أعلم بالسنة الماضية منه. وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت ؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من ؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من ؟ قال ابن شهاب (1). انتهى. وفي تأريخ ابن خلكان بعد هذا الكلام: فإنكم لا تجدون أحدا أعلم بالسنة منه. عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب قال في جامع الاصول: كان من سادات المسلمين وفقهاء أهل البيت وقرائهم، سمع من الثوري، وشريك، وزهير، وابن عينية، وعمرو بن ثابت، وغيرهم. ابن شيبة قال ابن خلكان في تأريخه: كان صاحب أخبار ونوادر ورواية، واطلاع كثير. انتهى.


1 - انظر الاعلام 7: 97.

[69]

ابن الاثير (1) قال ابن خلكان: أبو السعادات المبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد ابن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الاثير الجزري، الملقب مجد الدين. قال أبو البركات ابن المستوفي في تأريخ اربل في حقه: أشهر العلماء ذكرا، وأكثر النبلاء قدرا، وأحد الافاضل المشار إليهم، وأفضل الاماثل المعتمد عليهم. إلى أن قال: وله المصنفات البديعة، والرسائل الوسيعة، منها: جامع الاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله، جمع فيه بين الصحاح الستة، ومنها كتاب النهاية في غريب الحديث (2). انتهى. وقال في باب العين: أبو الحسن علي بن أبي الكرم، المعروف بابن الاثير، إلى أن قال: وكان بيته مجمع الفضائل لاهل الموصل والواردين عليها، وكان إماما في حفظ الحديث ومعرفة ما يتعلق به، وحافظا للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، صنف في الاحاديث كتابا سماه الكامل، وهو من خيار التواريخ (3) انتهى مختصرا.


1 - ابن الاثير لثلاثة اخوة، عرف كل واحد منهم بناحية من العلوم: أكبرهم مجد الدين، برع في علم الحديث فألف " جامع في احاديث الرسول " و " النهاية في غريب الحديث ". وأوسطهم عز الدين، برع في التأريخ فألف " الكامل في التأريخ ". وأصغرهم ضياء الدين، برع في الادب فألف " المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ". انظر الكامل في التأريخ 1: 9. 2 - وفيات الاعيان 4: 141. 3 - وفيات الاعيان 3: 248.

[70]

الفصل الثالث في الايات النازلة في فضله صلوات الله عليه وهي كثيرة، ولنذكر منها تسعا وعشرين آية: الاولى: قال جلت عظمته: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) * (1). قال في الكشاف: وروي في نزولها انه شجر بين علي بن أبي طالب عليه السلام، والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام، فقال له الوليد: اسكت فانك صبي، أنا أشب منك شبابا، وأجلد منك جلدا، وأذرب منك لسانا، وأحد منك سنانا، وأشجع منك جنانا، وأملا منك حشوا في الكتيبة. فقال له علي عليه السلام: " اسكت فإنك فاسق "، فنزلت عامة للمؤمنين والفاسقين، فتناولتهما وكل من في مثل حالهما. وعن الحسن بن علي عليه السلام أنه قال للوليد: كيف تشتم عليا وقد سماه الله مؤمنا في عشر آيات وسماك فاسقا (2). انتهى. قال في الاستيعاب: ومن حديث الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) * (3). انتهى. ورواه البيضاوي في تفسيره (4). وفي تفسير الثعلبي مثل ما في الكشاف إلى قوله " اسكت فإنك فاسق "


1 - السجدة: 18. 2 - الكشاف 3: 244. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 36. 4 - أنوار التنزيل 2: 236.

[71]

بتغير يسير في بعض الالفاظ (1). الثانية: قال عز من إسمه * (اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله) * (2) الايات. قال في جامع الاصول في باب فضائله صلوات الله عليه من كتاب الفاء: قال: افتخر طلحة بن شيبة بن عبد الدار، والعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب عليه السلام، قال طلحة: أنا صاحب البيت ومعي مفاتحه، ولو اشأ بت فيه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية، ولو أشأ بت في المسجد. قال علي: " ما أدري ما تقولون، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وانا صاحب الجهاد " فأنزل الله تعالى * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن) * (3). الاية. وقال: افتخر علي والعباس وشيبة، قال العباس، أنا أسقي حاج بيت الله. وقال شيبة: أنا أعمر مسجد الله. وقال علي: " أنا هاجرت مع رسول الله صلى الله عليه وآله "، فأنزل الله عز وجل الاية (4). انتهى. قال البغوي في كتابه تفسير القرآن: قال الحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرطبي: نزلت في علي والعباس وطلحة بن شيبة، افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفاتحه. وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها.


1 - الكشف والتبيان: 31. 2 - التوبة: 19. 3 - جامع الاصول 8: 663. 4 - جامع الاصول 8: 664. (*)

[72]

وقال علي: " ما أدري ما تقولون، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد " فأنزل الله عز وجل: * (أجعلتم سقاية الحاج...) * (1). ثم قال: قوله عز وجل: * (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله) * (2) من الذين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج. قال الزمخشري في كتابه ربيع الابرار: افتخر العباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، وعلي بن أبي طالب، فقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها. وقال طلحة: أنا صاحب البيت ومعي مفتاحه. وقال علي: " ما أدري ما تقولون، أنا صليت إلى هذه القبلة قبلكما وقبل الناس أجمعين لستة أشهر "، فنزلت * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله) * الاية (3). وقال في جامع الاصول في الباب الخامس من الفن الاول من الركن الثالث وههو آخر الكتاب، في ذكر جماعة لهم ذكر ورواية ولم ترد أسماؤهم مذكورا في الاحاديث: حديث نعمان بن بشير في الذين تفاخروا بسقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام، والجهاد في سبيل الله: صاحب السقاية هو العباس بن عبد المطلب. وصاحب العمارة هو عثمان بن طلحة أو شيبة بن عثمان وصاحب الجهاد علي بن أبي طالب. انتهى. ورواه السيوطي عن ابن عباس، وعن الشعبي، وعن الحسن، وعن محمد ابن كعب القرطبي، وعن أنس.


1 - معالم التنزيل 3: 20. 2 - التوبة: 20. 3 - ربيع الابرار 3: 423.

[73]

وقال في الاول: أخرجه ابن مردويه. وفي الثاني: أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه. وقال في الثالث: أخرجه عبد الرزاق. وفي الرابع: أخرجه ابن جرير. وفي الخامس: أخرجه أبو نعيم، وابن عساكر (1). الثالثة: قال تبارك وتعالى: * (ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * (2). قال في الكشاف: عن ابن عباس: نزلت في علي، لم يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية (3). انتهى. وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى المفسرون انه - يعني أمير المؤمنين - صلوات الله عليه لم يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فأنزل فيه: * (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) * (4). انتهى. قال ابن حجر في آخر الفصل الرابع في كراماته صلوات الله عليه من صواعقه: اخرج الواقدي عن ابن عباس قال: كان مع علي أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهارا، وبدرهم سرا، وبدرهم علانية، فنزلت فيه * (الذين ينفقون أموالهم...) * الاية. ورواه السيوطي عن ابن عباس، وقال: أخرجه عبد الرزاق، وابن حميد،


1 - الدر المنثور 4: 144. 2 - البقرة: 274. 3 - الكشاف 1: 398. 4 - شرح نهج البلاغة 3: 214.

[74]

وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن عساكر (1). الرابعة: قال عز وجل: * (صراط الذين أنعمت عليهم) * (2). ذكر البغوي في تفسيره انهم الانبياء، ثم قال: وقال أبو العالية: هم آل رسول الله صلى الله عليه وآله (3). الخامسة: قال عز من قائل: * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * (4). قال البغوي في تفسيره: هو علي بن أبي طالب، قال علي: " ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية من القرآن "، فقال له رجل: وأنت أي شئ نزل فيك ؟ قال: * (ويتلوه شاهد منه) * (5). انتهى. وقال ابن أبي الحديد في الشرح: وروى محمد بن اسماعيل بن عمرو البجلي، قال: أخبرنا عمرو بن موسى الوجيهي، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، قال: قال علي على المنبر: " ما أحد جرت عليه المواسي إلا وقد أنزل الله فيه قرآنا "، فقام إليه رجل من مبغضيه فقال له: فما أنز الله تعالى فيك ؟ فقام الناس إليه يضربوه، فقال: " دعوه، أتقرأ سورة هود ؟ " قال: نعم، قال: " فقرأ عليه السلام: * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * " ثم قال: " الذي كان على بينة من ربه محمد صلى الله عليه وآله، والشاهد الذي يتلوه أنا (6). انتهى. ورواه السيوطي في تفسيره وقال: أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه. ثم روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه علي عليه السلام، وقال: أخرجه


1 - الصواعق المحرقة: 160. 2 - الفاتحة: 7. 3 - معالم التنزيل 1: 29. 4 - هود: 17. 5 - معالم التنزيل 3: 198. 6 - شرح نهج البلاغة 3: 216.

[75]

ابن مردويه، وابن عساكر (1). السادسة: قال تعالى: * (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) * (2). قال في الكشاف: قيل: نزلت في ناس من المنافقين يؤذون عليا عليه السلام ويسمعونه (3). انتهى. ونحوه روى البيضاوي في تفسيره (4). وقال البغوي: قال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب (5). السابعة: قال جلت عظمته: * (وتعيها أذن واعية) * (6). قال في الكشاف: وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عند نزول هذه الاية: " سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي "، قال علي (رضي الله عنه) (7) " فما نسيت شيئا بعده، وما كان لي أن أنسى " (8). انتهى. قال ابن الحديد عنه شرحه قوله صلوات الله عليه في آخر كتاب نهج البلاغة: " ما شككت في الحق منذ رأيته ": وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قرأ: * (وتعيها أذن واعية) * قال: " اللهم اجعلها اذن علي "، فقيل له: قد أجيبت دعوتك (9). انتهى. قال الثعلبي في تفسيره: أخبرنا ابن فنجويه، قال: حدثنا ابن حيان، قال: حدثنا اسحاق بن محمد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابراهيم بن عيسى،


1 - الدر المنثور 4: 409. 2 - الاحزاب: 58. 3 - الكشاف 3: 273. 4 - أنور التنزيل 2: 247. 5 - معالم التنزيل 4: 487. 6 - الحاقة: 12. 7 - أضفناها من المصدر. 8 - الكشاف 4: 151. 9 - شرخ نهج البلاغة 4: 347.

[76]

قال: حدثنا علي بن علي، قال: حدثني أبو حمزة الثمالي، قال: حدثني عبد الله بن الحسن، قال: لما نزلت هذه الاية * (وتعيها أذن واعية) * قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " سألت الله أن يجعلها اذنك يا علي "، قال علي: " فما نسيت شيئا بعد، وما كان لي أن أنسى ". أخبرني ابن فنجويه، قال: حدثني ابن خنيس، قال: حدثنا أبو القاسم بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن غالب بن حرب، قال: حدثني بشر بن آدم، قال: حدثني عبد الله بن الزبير الاسدي، قال: حدثنا صالح بن ميثم، قال: سمعت بريدة الاسلمي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " إن الله أمرني أن أدينك ولا أقصيك، وأن أعلمك، وأن تعي، وحق على الله ان تعي "، قال: ونزلت * (وتعيها أذن واعية) * (1). الثامنة: قال جل وعز: * (وقفوهم إنهم مسؤولون) * (2). قال ابن حجر: الاية الرابعة قوله تعالى: * (وقفوهم إنهم مسؤولون) *، اخرج الديلمي، عن أبي سعيد الخدري: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: * (وقفوهم إنهم مسؤولون) * عن ولاية علي. ثم ذكر أنه قال الواحدي: وروي في قوله تعالى: * (وقفوهم إنهم مسؤولون) *، أي: عن ولاية علي وأهل البيت (3). التاسعة: قال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا) * (4) الاية. قال في الكشاف: وعن علي عليه السلام: " إن في كتاب الله لاية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا


1 - الكشف والتبيان: 202. 2 - الصافات: 24. 3 - الصواعق المحرقة: 159. 4 - المجادلة: 12.

[77]

ناجيته تصدقت بدرهم ". قال الكليني: تصدق به في عشر كلمات سألهن من رسول الله صلى الله عليه وآله. وعن ابن عمر: كان لعلي ثلاث، لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، واعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى (1) انتهى. وقال القاضي البيضاوي: وعن علي " في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم (2). العاشرة: قال ابن حجر في الصواعق: الاية الحادية عشر لقوله تعالى: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * (3)، أخرج الحافظ جمال الدين الذرندي، عن ابن عباس: إن هذه الاية لما نزلت قال صلى الله عليه وآله لعلي: " هو أنت وشيعتك، تأتي يوم القيامة أنت وشيعتك راضين مرضيين، ويأتي عدوك غضابا مقمحين ". انتهى. (4) قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث علي قال له النبي صلى الله عليه وآله: " ستقدم على الله أنت وشيعتك راضيين مرضيين، ويرد عليه عدوك غضابا مقمحين "، ثم جمع يده إلى عنقه يريهم كيف الاقماح. الاقماح: رفع الرأس وغض البصر، أقمحه الغل: إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه (5) انتهى. قال السيوطي في تفسيره: أخرج ابن عساكر، عن جابر قال: كنا عند


1 - الكشاف 4: 76. 2 - أنوار التنزيل 2: 461. 3 - البينة: 7. 4 - الصواعق المحرقة: 161. 5 - النهاية 4: 106 " قمح ".

[78]

النبي صلى الله عليه وآله، فأقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وآله: " والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة "، ونزلت * (الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) *. وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي قالوا: جاء خير البرية. وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن أبي سعيد مرفوعا: " علي خير البرية ". وأخرج ابن مردويه (1) عن ابن عباس، قال: لما نزلت: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) * قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضيين مرضيين ". وأخرج ابن مردويه عن علي قال: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: ألم تسمع قول الله: * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) *، أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض إذا جثت الامم للحساب تدعون غرا محجلين " (2). الحادية عشر: قال ابن حجر في الصواعق: الاية الخامسة قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) *، أخرج الثعلبي في تفسيرها عن جعفر الصادق عليه السلام انه قال: " نحن حبل الله الذي قال فيه: * (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) * (3). الثانية عشر: قال ابن حجر في الصواعق: الاية السادسة قوله عز وجل * (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) * (4)، أخرج أبو


1 - هكذا في النسختين الخيتين، وفي المصدر: عدي. وهو الصحيح. 2 - الدر المنثور 8: 589. 3 - الصواعق المحرقة: 151. 4 - النساء: 54. (*)

[79]

الحسن المغازلي عن الباقر عليه السلام أنه قال في هذا الاية: " نحن الناس والله " (1). انتهى. وفي هذا الاية مع ما تقدمها وتأخر عنها دلالة واضحة على أن الامر والامامة لاهل البيت وآل محمد صلى الله عليه وآله، مع الاستدلال عليه والتوبيخ والتهديد للكافرين. الثالثة عشر: قال ابن حجر في الصواعق: الاية الثامنة قوله تعالى: * (وإني لغفار لمن تاب وآمن عمل صالحا ثم هدى) * (2) إلى ولاية أهل بيته صلوات الله عليه، جاء ذلك عن ابي جعفر الباقر عليه السلام. وأخرج الديلمي مرفوعا: " إنما سميت ابنتي فاطمة، لان الله تعالى فطمها ومحبيها من النار " (3) انتهى. الرابعة عشر: قال عز اسمه: * (إ ن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) * (4). قال في الكشاف: قيل: جاء علي في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتفاخروا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم (فقالوا: رأينا اليوم الاصلع فضحكوا) (5)، فنزلت قبل أن يصل علي إلى الرسول صلى الله عليه وآله (6). الخامسة عشر: * (هل أتى) * (7). قال الزمخشري في الكشاف: وعن ابن عباس: أن الحسن والحسين


1 - الصواعق المحرقة: 152. 2 - طه: 82. 3 - الصواعق المحرقة: 153. 4 - المطففين: 29. 5 - أضفناها من المصدر. 6 - الكشاف 4: 233. 7 - الانسان: 1.

[80]

مرضا فعادهما رسول الله في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة - جارية لهما - إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا، وما معهم شئ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فأثروه وباتوا لم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياما. فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم، فأثروه. ووقف عليهم في الثالثة اسير، ففعلوا مثل ذلك. فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال: " ما أشد ما يسؤوني ما أرى بكم "، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل عليه السلام قال: خذها يا محمد، هناك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة (1). انتهى. قال البغوي في تفسيره: وروي عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس: انها نزلت في علي بن أبي طالب، ثم قال بعد ذكر القصة: وهذا قول الحسن وقتادة (2). انتهى. وروى نزولها فيهم صلوات الله عليهم والبيضاوي في تفسيره (3)، والثعلبي على وجه مبسوط (4). السادسة عشر: قال عز من قائل: * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا


1 - الكشاف 4: 197. 2 - معالم التنزيل 5: 498. 3 - أنوار التنزيل 2: 526. 4 - الكشف والتبيان: 279.

[81]

المودة في القربى) * (1). قال في الكشاف: والقربى مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة، والمراد: في أهل القربى. وروي انها لما نزلت قيل: يارسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما " (2). انتهى. وقال البيضاوي: روى انها لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء ؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما " (3). انتهى. قال ابن حجر: أخرج أحمد، والطبراني، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس: ان هذه الاية لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم ؟ قال: " علي وفاطمة وابناهما " (4). انتهى. وروى الثعلبي عن ابن عباس مثله. ثم روى مسندا عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال لفاطمة: " آتيني بزوجك وابنيك "، فجاءت بهم، فألقى عليهم الكساء فدكيا ثم رفع يده عنهم فقال: " اللهم هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك عليهم وبركاتك على آل محمد، فإنك حميد مجيد "، فقالت: فرفعت الكساء لادخل معهم، فاجتذبه وقال: " إنك على خير ". ثم أنشد لبعضهم (5): إن كان حب خمسة زكت بهم فرائضي وبغض من عاداهم رفضا فاني رافضي ثم روى قوله صلى الله عليه وآله: " حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي


1 - الشورى: 23. 2 - الكشاف 4: 467. 3 - أنوار التنزيل 2: 357. 4 - الصواعق المحرقة: 162. 5 - وهو منصور الفقيه.

[82]

وآذاني في عترتي " الحديث. ثم روى عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من مات على حب محمد مات شهيدا " الحديث بطوله وهو مروي من الكشاف (1). ثم روى مسندا عن ابن عباس * (ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا) * (2) قال: المودة لال محمد صلى الله عليه وآله " انتهى. (3). وقال البغوي في كتابه معالم التنزيل: واختلفوا في قرابته، قيل: هم علي وفاطمة وابناهما صلى الله عليهم، وفيهم نزل: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * (4). وروينا عن يزيد بن حيان، عن زيد بن ارقم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي (5). انتهى. السابعة عشر: قال الله: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * (6). قال محمد بن اسماعيل الجعفي البخاري في صحيحه في باب يزفون النسلان (7) في المشي، عند ذكر جماعة من الانبياء عليهم السلام قبل ذكر مناقب قريش: حدثنا قيس بن حفص وموسى بن اسماعيل، قالا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا أبو قرة مسلم بن سالم الهمداني، قال حدثني


1 - الكشاف 3: 467. 2 - الشورى: 23. 3 - الكشف والتبيان: 329. 4 - الاحزاب: 33. 5 - معالم التنزيل 4: 464. 6 - الاحزاب: 56. 7 - النسلان: الاسراع في المشي، وهو دون السعي. النهاية 5: 49 " نسل "

[83]

عبد الله بن عيسى، سمع عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي اليك هدية سمعناها من النبي صلى الله عليه وآله ؟ ! فقلت: بلى فاهدها. فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت ؟ فإن الله تعالى قد علمنا كيف نسلم عليكم، قال: " قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد (1) ". انتهى. ورواه البغوي في تفسيره (2). وقال ابن حجر في الصواعق: صح عن كعب بن عجرة: لما نزلت هذه الاية قلنا: يارسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك ؟ قال: " قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " (3) الحديث. الثامنة عشر: قال السيوطي: وأخرج ابن عساكر عن مجاهد من قوله: * (والذي جاء بالصدق) * (4) قال: رسول الله صلى الله عليه وآله * (وصدق به) * قال: علي بن أبي طالب (5). وروى البغوي في معالم التنزيل: ان من جملة ما سألت اليهود ابن عباس فأجابهم فأسلموا: أما القبر يقول: اللهم العن مبغضي آل محمد. ثم روى عن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما أنه قال: " إذا صاح القبر قال: اللهم العن مبغضي آل محمد (6).


1 - صحيح البخاري 4: 178. 2 - معالم التنزيل 4: 484. 3 - الصواعق المحرقة: 146. 4 - الزمر: 33. 5 - الدر المنثور 7: 228. وفيه: أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة في قوله... 6 - معالم التنزيل 4: 484.

[84]

وروى الاخير الثعلبي في تفسيره (1). التاسعة عشر: قال تعالى: * (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) * (2) الاية. قال مسلم الحجاج القشيري النيسابوري في صحيحه: حدثنا عبد الله ابن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة في هذا الاسناد، حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد وتقاربا في اللفظ قالا: حدثنا حاتم وهو ابن اسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عمار بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أمر معاوية ابن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ قال: أما ما ذكرت لثلاث قالهن له رسول الله صلى الله عليه وآله فلن أسبه، لئن تكون لي واحدة منهن أحب الي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وخلفه في بعض مغازيه فقال له علي: " يا رسول الله خلفتني في النساء والصبيان "، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي ". وسمعته يقول يوم خيبر: " لا عطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله "، فقال: فتطاولنا، فقال: " ادعوا لي عليا "، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الاية: * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) * دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي (3) ". انتهى.


1 - الكشف والتبيان: 321. 2 - آل عمران: 61. 3 - صحيح مسلم 4: 187. وانظر: سنن الترمذي 5: 638، فرائد السمطين 1: 377، ترجمة الامام علي (ع) من تاريخ ابن عساكر 1: 225.

[85]

وروى هذه الرواية بألفاظها في جامع الاصول (1). قال في الكشاف عند تفسيره هذه الاية: وعن عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن فادخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) * (2) انتهى. وقال أيضا في هذا الموضوع: وروي أنه لما دعاهم إلى المباهلة، قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما تخالفوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن ابيتم إلا إلف دينكم والاقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم. فأتوا رسول الله وقد غدا محتضنا الحسين، آخذا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها وهو يقول: " إذا أنا دعوت فأمنوا ". فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لارى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لازاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الارض نصراني الى يوم القيامة (3). انتهى. ومثله روى البيضاوي في تفسيره (4). قال مبارك بن محمد بن الاثير الجزري في كتابه جامع الاصول: سعد ابن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الاية: * (ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم) * الاية، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة وحسنا


1 - جامع الاصول 8: 650. 2 - الكشاف 1: 434. 3 - الكشاف 1: 434. 4 - أنوار التنزيل 1: 161.

[86]

وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء... " انتهى. وقال ابن الاثير في الكامل: وأما نصارى نجران فإنهم أرسلو العاقب والسيد في نفر منهم إلى رسول الله (ص) وأرادوا مباهلته، فخرج رسول الله (ص) ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فلما رأوهم قالوا: هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لازالها، ولم يباهلوه (1). انتهى. وقال البغوي في المصابيح: عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الاية: * (ندع أبناءنا وأبناءكم) * دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي " (2). انتهى. أقول: ذكر هذه الرواية في الروايات الصحاح. وذكر هذه الرواية في المشكاة، وقال: رواه مسلم بهذه العبارة (3)، وفي صحيح مسلم في النسخة التي رأيتهاا وهي نسخة مضبوطة مقروءة على الشيوخ بهذه العبارة " أهل بيتي "، لكن في رواية ابن حجر عنه " أهلي " موضوع " أهل بيتي " وكأنه وهم. قال ابن حجر: الحديث الثالث: أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الاية * (ندع أبناءنا وأبناءكم) * دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء أهلي " (4). انتهى. وذكر ابن حجر في الصواعق: ان الرشيد سأل الكاظم صلوات الله عليه: كيف قلتم انا ذرية رسول الله (ص)، وأنتم أبناء علي ؟ فقال عليه السلام: * (ومن ذريته داود وسليمان) * إلى قوله عليه السلام: * (وعيسى) * (5)


1 - الكامل في التأريخ 2: 293. 2 - مصابيح السنة 4: 183. 3 - صحيح مسلم 4: 1871. 4 - الصواعق المحرقة: 148. 5 - الانعام: 84 - 85.

[87]

وليس له أب، وأيضا قال تعالى: * (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم) * الاية، ولم يدع (ص) عند المباهلة غير علي وفاطمة والحسن والحسين، فكانا عليهما السلام هما الابن ". انتهى. مختصرا (1). ومما يناسب هذا المقام ذكر بعض الاخبار التي تتضمن كونه عليه الصلاة والسلام مثل نفس النبي (ص): قال في الكشاف في تفسير قوله عز اسمه في سورة الحجرات: * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ) * الاية، بعث رسول الله صلى الله عليه وآله الوليد بن عقبة أخا عثمانن لامه - وهو الذي ولاه عثمانن الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص فصلى بالناس وهو سكران صلاة الفجر اربعا ثم قال: هل أزيدكم - مصدقا الى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم احنة، فلما شارف ديارهم، ركبوا مستقبلين له، فحسبهم مقاتلة، فرجع وقال لرسول الله: قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فوردوا وقالوا: نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم عليه السلام وقال: " لتنتهن أو لابعث إليكم رجلا هو عندي كنفسي، يقاتل مقاتلتكم، ويسبي ذراريكم " ثم ضرب بيده على كتف علي (2). انتهى. قال في الاستيعاب: وروى معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن المطلب ابن عبد الله بن خطب، قال: قال رسول الله (ص) لوفد ثقيف حين جاؤوه: " لتسلمن أو لابعث رجلا مني " أو قال: " مثل نفسي، فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن اموالكم "، قال عمر: فو الله ما تمنيت الامارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا، قال: فالتفت إلى علي فأخذ بيده ثم قال: " هو هذا " (3). انتهى. وقال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من الشرح: الخبر الثاني: قال


1 - الصواعق المحرقة: 156. 2 - الكشاف 3: 559. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 34.

[88]

لوفد ثقيف: " لتسلمن أو لابعث اليكم رجلا مني " أو قال: " عديل نفسي، فليضربن أعناقكم، وليسبين ذراريكم، وليأخذن أموالكم ". قال عمر: فما تمنيت الامارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا، فالتفت فأخذ بيد علي وقال: " هو هذا " مرتين. رواه أحمد في المسند، وروى في كتاب فضائل علي أنه قال: " لتنتهين يا بني وليعة أو لابعث إليكم رجلا كنفسي يمضي فيكم أمري، يقاتل المقاتلة ويسبي الذرية " قال أبو ذر: فما راعني إلا برد كف عمر في حجزتي من خلفي يقول: من تراه يعني ؟ قلت: انه لا يعنيك وإنما يعني خاصف النعل بالبيت، وانه قال: " هو هذا " (1). انتهى. وقال في موضع آخر من الشرح: وفي هذه الواقعة كان الخبر المشهور عن رسول الله (ص) انه قال لبني ربيعة: " لتنتهين أو لابعثن إليكم رجلا عديل نفسي، يقتل مقاتلكم ويسبي ذراريكم " قال عمر بن الخطاب: فما تمنيت الامارة إلا يومئذ، وجعلت أنصب له صدري رجاء أن يقول: هو هذا، فأخذ بيد علي وقال: " هو هذا " (2). انتهى. العشرون: قال ابن حجر في الصواعق: الاية الثالثة: قوله تعالى: * (سلام على آل يس) * (3) فقد نقل جماعة المفسرين عن ابن عباس: أن المراد بذلك: سلام على آل محمد (ص). وكذا قال الكلبي (4). انتهى. قال الثعلبي: قرأ ابن محيصن وشيبة (آل يس) موصولا، وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب (آل ياس) بالمد، وقرأ الباقون (إلياسين) بالقطع والقصر،


1 - شرح نهج البلاغة 2: 429. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 484. 3 - الصافات: 130. 4 - الصواعق المحرقة: 166.

[89]

فمن قرأ (آل يس) بالمد، فإنه أراد آل محمد (1). انتهى. وقال في أوائل سورة يس: وقال السيد الحميري: يا نفس لا تمحضي بالنصح مجتهدا على المودة إلا آل ياسينا قال البغوي في تفسيره: قرأ نانع وابن عامر (آل) بفتح الهمزة مشبعة وكسر اللام مقطوعة، لانها في المصحف مفصولة. ثم قال: فمن قرأ (آل يس) مقطوعا قيل: أراد آل محمد صلى الله عليه وآله (2). الحادي والعشرون: قال السيوطي: وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال: سألت رسول الله (ص) عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال: " سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام إلا تبت علي، فتاب عليه ". انتهى. وروى خبرا طويلا أخرجه الديلمي، وفيه أنه قال - يعني جبرئيل عليه السلام -: فعليك بهؤلاء الكلمات، فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك، قل: اللهم اني اسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوء وظلمت نفسي فاغفر لي انك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسالك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوء وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. فهذه الكلمات التي تلقاها آدم (3). انتهى. الثاني والعشرون: قال تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (4). قال مسلم بن الحجاج في صحيحه في باب فضائل الحسن صلوات الله


1 - الكشف والتبيان: 175. 2 - معالم التنزيل 4: 58. 3 - الدر المنثور 1: 147. 4 - الاحزاب: 33.

[90]

عليه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، واللفظ لابي بكر، قالا: حدثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة: خرج النبي ذات غداة وعليه مرط (1) مرحل (2) من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (3). انتهى. ورواه البغوي في المصابيح بهذا اللفظظ، إلا أن فيه (غداة) موضع (ذات غداة) (4). ورواه في تفسيره معالم التنزيل وفيه (ذات غداة) (5). وروى مسلم في صحيحه أيضا عن سعد بن أبي وقاص في جمله خبر قدمناه في آية المباهلة: فلما نزلت هذه الاية * (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم...) * (6) دعا رسول الله (ص) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي (7) انتهى. وما تقدم في أخبار المباهلة من قوله (ع): " اللهم هؤلاء أهل بيتي " يدل على اختصاص هذه الاية بأصحاب الكساء قال في كتاب جامع الاصول: أم سلمة قالت: إن هذه الاية نزلت في بيتي: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم


1 - المرط، بالكسر واحد المروط: وهي أكسية من صوف أو خز كان يؤتزر بها. الصحاح 3: 1159 " مرط ". 2 - مرحل: فيه أعلام. ومرط مرحل: أزار خز فيه علم. الصحاح 4: 1707 " رحل ". 3 - صحيح مسلم 4: 1883. 4 - مصابيح السنة 4: 183. 5 - معالم التنزيل 4: 464. 6 - آل عمران: 61. 7 - صحيح مسلم 4: 1871.

[91]

تطهيرا) *، قالت: وأنا جالسة عند الباب فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت ؟ فقال: " إنك على خير، إنك من أزواج رسول الله ". قالت: وفي البيت رسول الله (ص) وعلي وفاطمة وحسن وحسين عليهم السلام، فجللهم بكساء وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". وفي رواية: وان النبي (ص) جلل الحسن والحسين، وعلي وفاطمة عليهم السلام ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله ؟ قال: " إنك إلى خير ". الترمذي. عمر بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الاية على النبي (ص): * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * في بيت أم سلمة، فدعا النبي (ص) فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره، ثم قال: " هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله ؟ قال: " أنت على مكانك وأنت الى خير ". الترمذي (1). أنس: ان رسول الله (ص) كان يمر بباب فاطمة إذا خرج الى الصلاة قريبا من ستة أشهر يقول: " الصلاة أهل البيت ": * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) *. الترمذي (2). عائشة قالت: خرج رسول الله (ص) مرط مرحل أسود فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم


1 - سنن الترمذي 5: 663. 2 - سنن الترمذي 5: 663.

[92]

الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * انتهى كلام جامع الاصول (1). قال ابن حجر في الصواعق المحرقة: الاية الاولى: قال الله تعالى: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * أكثر المفسرين على أنها في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، لتذكير ضمير * (عنكم) * وما بعده. ثم قال: وأخرج أحمد، عن أبي سعيد الخدري: انها نزلت في علي وحسن وحسين وفاطمة عليهم السلام. وأخرجه الطبراني أيضا، ولمسلم أنه صلى الله عليه وآله أدخل أولئك تحت كساء عليه وقرأ هذه الاية. وصح انه صلى الله عليه وآله جعل في كساء وقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا " فقالت أم سلمة: وأنا معهم ؟ قال: " إنك على خير ". وفي رواية انه قال بعد * (تطهيرا) *: " أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم، وعدو لمن عاداهم ". وفي آخر: ألقى عليهم كساء ووضع يده عليه ثم قال: " اللهم إن هؤلاء آل محمد صلى الله عليه وآله، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، إنك حميد مجيد " انتهى (2). وما قدمنا ذكره من شرح سبب نزول سورة هل أتى في قول جبرئيل عليه السلام: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك، يشيد أركان ما ذكرناه. قال في الاستيعاب: ولما نزلت * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * دعا رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة وعليا وحسنا وحسينا عليهم السلام في بيت أم سلمة وقال: " اللهم


1 - جامع الاصول 9: 155. 2 - الصواعق المحرقة: 163. (*)

[93]

إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". انتهى (1). وروى الثعلبي نزولها فيهم صلوات الله عليهم مسندا عن أبي سعيد الخدري، كما رواه ابن حجر بألفاظه. ومسندا عن أم سلمة رضي الله عنها، وفي آخره: فأخذ فضل كساء فغشاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا "، قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله ؟ قال: " إنك الى خير، إنك الى خير ". ومسندا عن عائشة عن مجمع قال: دخلت مع أمي على عائشة فسألتها أمي: أرأيت خروجك يوم الجمل ؟ قالت: انه كان قدرا من الله. فسألتها عن علي، فقالت: تسألين عن أحب الناس كان إلى رسول الله لقد رأيت عليا وحسنا وحسينا وقد جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بثوب عليهم ثم قال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ". وعن واثلة بن الاسقع وعن أبي الحمراء قال: أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يجئ كل غداة فيقوم على باب علي وفاطمة فيقول: " الصلاة * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (2) ". الثالث والعشرون: قال الثعلبي في تفسيره: وأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري، أخبرنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني بالكوفة، أخبرنا المنذر بن محمد القابوسي، حدثني الحسين بن سعيد، قال: حدثني أبان بن تغلب، عن نقيع بن الحرث، عن أنس بن مالك وعن بريدة قالا: قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الاية: * (في بيوت أذن الله أن ترفع


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 37. 2 - الكشف والتبيان: 140.

[94]

ويذكر فيها اسمه) * إلى قوله: * (والابصار) * (1)، فقام رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ قال: " بيوت الانبياء ". قال: فقام إليه أبو بكر فقال: يارسول الله: هذا البيت منها لبيت علي وفاطمة ؟ قال: " نعم، من أفاضلها " (2). ورواه السيوطي في تفسيره وقال: أخرجه ابن مردويه (3). الرابعة والعشرون: قال الثعلبي في تفسيره: أخبرني أبو عبد الله القايني، أخبرنا أبو الحسن النصيبي القاضي، أخبرنا أبو بكر السبيعي الحلبي، أخبرنا محمد بن عمرو، أخبرنا حسين الاشعر، أخبرنا أبو قتيبة التميمي قال: سمعت ابن سيرين يقول في قوله عز وجل: * (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا) * (4)، قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب زوج فاطمة وهو ابن عمه وزوج ابنته، فكان نسبا وصهرا انتهى (5). الخامسة والعشرون: قال تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم


1 - النور: 36 - 37. 2 - الكشف والتبيان: 72. 3 - الدر المنثور 6: 203. 4 - الفرقان: 54. 5 - الكشف والتبيان: 82.

[95]

الغالبون) * (1). أما الاولى: فلما علمه الولي والعدو والمحب والمبغض من ثبوت هذه الاوصاف لامير المؤمنين صلوات الله عليه واجتماعها فيه، ولخبر خيبر المجمع عليه، وخبر الطائر، وحديث البراء، ورواية: " إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم "، ولعلنا بعد هذا نعقد لهذا المطلب فصلا، وكل هذه أخبار ثابتة ما نبينه بعون الله تعالى ومشيئته. وكذا ذلته على المؤمنين وتواضعه وتخاشعه معلوم لا ينكره إلا من لا يستحق الخطاب، ولا يعد من ذوي الالباب. وقس عليه جهاده عليه السلام، وعزته على الكافرين، وغلظته على المنافقين، وكثيرا ما كان يوصف بهذا، يصفه رسول الله صلى الله عليه وآله والصحابة، كقوله صلى الله عليه وآله: " علي مخشوشن في الله " (2)، وسيأتي من ذلك مقنعة إن شاء الله تعالى. وأما الثانية والثالثة: قال البغوي في كتابه معالم التنزيل في تفسير القرآن: قال السدي: قوله تعالى: * (الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (3) أراد به علي بن أبي طالب، مر به سائل وهو راكع في المسجد فاعطاه خاتمه (4). وقال في الكشاف: قيل: انها نزلت في علي حين سأله سائل وهو راكع فطرح له خاتمه وهو راكع (5) انتهى. ورواه البيضاوي في تفسيره (6).


1 - المائدة: 54 - 56. 2 - اخشوشن الشئ: مبالغة في خشونته، ومنه الحديث: أخيشن في ذات الله، وهو تصغير الاخشن للخشن. النهاية 2: 35 " خشن ". والحديث مروي في الاستيعاب 3: 51. 3 - المائدة: 55. 4 - معالم التنزيل 2: 272. 5 - الكشاف 1: 623. 6 - أنوار التنزيل 1: 280.

[96]

وقال الفخر الرازي في تفسيره: روى عكرمة، عن ابن عباس أنها في علي. روي عن عبد الله بن سلام قال: لما نزلت هذه الاية قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه. وروي عن أبي ذر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوما صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء فقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وما أعطاني أحد شيئا، وعلي كان راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم، فرأى النبي صلى الله عليه وآله ذلك فقال: " اللهم إن أخي موسى سألك فقال * (رب إشرح لي صدري ويسر لي أمري) * إلى قوله * (وأشركه في أمري) * (2)، اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، فاشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به أزري ". قال أبو ذر: فو الله ما أتم رسول الله صلى الله وآله هذه الكلمة حتى نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إقرأ: * (انما وليكم الله ورسوله...) * انتهى كلام الرازي (3). قال السيوطي: قوله تعالى: * (قال رب اشرح لي صدري) * الايات، أخرج ابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر عن أسماء بنت عميس قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله بازاء ثبير وهو يقول: " أشرق ثبير أشرق ثبير، اللهم اني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن


1 - طه: 25 - 32. 2 - القصص: 35. 3 - التفسير الكبير 12: 26.

[97]

تيسر لي أمري، وأن تحل عقدة من لساني * (يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا، انك كنت بنا بصيرا) *. وأخرج السلفي في الطيوريات بسند رواه عن أبي جعفر محمد بن علي قال: لما نزلت: * (وإجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري) * كان رسول الله صلى الله عليه وآله على جبل ثم دعا ربه وقال: " اللهم اشدد أزري بأخي علي " فأجابه الى ذلك (1). انتهى. قال في جامع الاصول في جملة خبر: ثم أذن بلال لصلاة الظهر فقام الناس يصلون، فمن ساجد وراكع وسائل، إذ سأل سائل فأعطاه علي خاتمه وهو راكع، فاخبر السائل رسول الله صلى الله عليه وآله، فقرأ علينا رسول الله: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) * انتهى. وروى السيوطي في تفسيره نزولها في أمير المؤمنين صلوات الله عليه عن ابن عباس بعدة طرق في بعضها: فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك وهو يقول: * (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) *. وعن عمار بن ياسر وفي آخره: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله على أصحابه ثم قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وعن علي صلوات الله وسلامه عليه، وعن سلمة بن كهيل، وعن مجاهد، والسدي، وابن أبي حكيم.


1 - الدر المنثور 5: 566.

[98]

وعن أبي رافع وفي آخره - بعد ذكره لقراءة النبي صلى الله عليه وآله الاية عليه - انه عليه السلام قال: " الحمد لله الذي اتم لعلي نعمه وهنيئا لعلي بفضل الله إياه ". وذكر فيما رواه عن ابن عباس أنه أخرجه: عبد الرزاق، وابن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه. وفيما رواه عن عمار رضي الله عنه أخرجه: الطبراني، وابن مردويه. وفيما رواه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أخرجه: ابن حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر. وفيما رواه عن سلمة أخرجه: ابن حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر. وفيما رواه عن أبي رافع أخرجه: الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم (1). السادسة والعشرون: قال السيوطي في تفسيره: وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: * (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) * (2) قال: مع علي ابن أبي طالب. وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر في قوله: * (وكونوا مع الصادقين) * قال: " مع علي بن أبي طالب " (3). السابعة والعشرين: قال الثعلبي مسندا عن سفيان الثوري في قول الله عز وجل: * (مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان) * (4) قال: فاطمة وعلي، * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) * (5) قال: الحسن والحسين عليهما السلام.


1 - الدر المنثور 3: 105 - 106. 2 - التوبة: 119. 3 - الدر المنثور 4: 316. 4 - الرحمن: 19 - 20. 5 - الرحمن: 22.

[99]

وروي هذا القول أيضا عن سعيد بن جبير وقال: * (بينهما برزخ) * محمد صلى الله عليه وآله (1). انتهى. ورواه السيوطي عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله، وعن أنس بن مالك، وقال: أخرجها ابن مردويه (2). الثامنة والعشرون: قال القرطبي: أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا عمر بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الحسن، أخبرنا أبي، أخبرنا حصين، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن أسماء بن عميس قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: " * (وصالح المؤمنين) * (3) علي بن أبي طالب (4). انتهى. ورواه أيضا عن علي صلوات الله عليه بسند آخر (5). ورواه السيوطي، ثم قال: وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: * (وصالح المؤمنين) * قال: هو علي بن أبي طالب (6). ورواه في الاستيعاب عن أبي علي الجيزي عن النبي صلى الله عليه وآله (7). انتهى. التاسعة والعشرون: في تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى: * (واسأل من أرسلنا) * (8): أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري رحمه الله، أخبرنا أبو الفتح محمد بن الحسين بن أحمد ابن الازدي الموصلي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن غزوان البغدادي، أخبرنا


1 - الكشف والتبيان: 296. 2 - الدر المنثور 7: 697. 3 - التحريم: 4. 4 - الكشف والتبيان: 196. 5 - الكشف والتبيان: 196. 6 - الدر المنثور 8: 224. 7 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 31. 8 - الزخرف: 54.

[100]

علي بن جابر، أخبرنا محمد بن خالد بن عبد الله ومحمد بن اسماعيل قالا: أخبرنا محمد بن فضل، عن محمد بن سوقة، عن ابراهيم عن علقمة، عن ابن مسعود رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أتاني ملك فقال: يا محمد * (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا) * علام بعثوا، قال: قلت: علام بعثوا ؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب عليه السلام (1). انتهى. * * * (أحمد الثعلبي النيسابوري) قال ابن خلكان في تأريخه: أبو اسحاق أحمد بن محمد بن ابراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر المشهور، كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير (2). انتهى. * * *


1 - الكشف والتبيان: 288. 2 - وفيات الاعيان 1: 79.

[101]

تذنيب: قال في الصواعق: عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية (1). انتهى. وروى السيوطي في تفسيره عن علي بن الحسين صلوات الله عليهما: " ان لعلي في كتاب الله اسما (لكن لا يعرفونه)، (2) " قلت: ما هو ؟ قال: " ألم تسمع قول الله: * (وأذن من الله ورسوله) * (3)، هو والله الاذان (4) ". وقال ايضا: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: * (والسابقون السابقون) * (5) قال: نزلت في حزقيل آل فرعون، وحبيب النجار، وعلي بن أبي طالب، وكل رجل منهم سابق امته، وعلي أفضلهم سبقا (6). وروى أيضا من طريق ابن أبي حاتم وابن مردويه: ان السابقين يوشع، ومؤمن آل يس، وعلي بن أبي طالب (7). وقال: اخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري في قوله: * (ولتعرفنهم في لحن القول) * (8) قال: ببغضهم علي بن أبي طالب. وروى ابن مسعود: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ببغضهم علي بن أبي طالب (9). انتهى. وقال الثعلبي: * (وعدناه وعدا حسنا) * (10) الاية، قال محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل (11).


1 - الصواعق المحرقة: 127. 2 - أضفناها من المصدر. 3 - التوبة: 3. 4 - الدر المنثور: 4: 126. 5 - الواقعة: 10. 6 - الدر المنثور 8: 7. 7 - الدر المنثور 8: 6. 8 - محمد (ص): 30. 9 - الدر المنثور 7: 504. 10 - القصص: 61. 11 - الكشف والتبيان: 195.

[102]

الفصل الرابع في خبر الدار وما يتبعه من الاثار الدالة على الوزارة والوصاية قال ابن الاثير في تأريخه المعروف بالكامل: عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله انه قال: " لما نزلت: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * (1) دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين، فضقت ذرعا، وعرفت أني متى أبادرهم أرى منهم ما أكره ". ثم ذكر أن النبي (ص) أمر أمير المؤمنين (ع) بأن يصنع طعاما لعشيرته وهم يقربون من أربعين رجلا، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة رضي الله عنه، والعباس، وأبو لهب، فذكر جمعه (ع) لهم وتفرقهم قبل الانذار. ثم قال: فقال لعلي: " فعد لنا من الطعام ما صنعت، ثم إجمعهم لي، ففعلت كما فعلت بالامس، فأكلوا وسقيتهم ذلك العس (2)، فشربوه ورووا جميعا ثم تكلم رسول الله (ص) فقال: يا بني عبد المطلب اني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به بخير الدنيا والاخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فإيكم يؤازرني على هذا الامر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها جميعا فقلت - واني لاحدثهم سنا، وارمصهم (3) عينا،


1 - الشعراء: 214. 2 - العس: القدح العظيم. الصحاح 3: 949 " عسى ". 3 - الرمص: وسخ يجتمع في موق العين، فأن سال فهو غمص، وأن جمد فهو رمص. مجمع البحرين 4: 172 " رمص ".

[103]

وأعظمهم بطنا، وأحمشهم (1) ساقا -: أنا يا نبي الله وزيرك عليه، فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فأسمعوا له وأطيعوا ". قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (2). انتهى. وهذا دليل على أن الطبري أيضا رواه في تأريخه عليى ما يرشدد إليه عنوان الكامل (3). وقال الثعلبي في تفسير قوله: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) *: أخبرني الحسين، أخبرنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب المعمر، قال: حدثني عباد بن يعقوب، أخبرنا علي ابن هاشم، عن صباح بن يحيى المزني، عن زكريا بن ميسرة، عن أبي اسحاق، عن البراء قال: لما نزلت * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * جمع رسول الله (ص) بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس، فأمر عليا برجل شاة فآدمها ثم قال: " إدنوا بسم الله " فدنا القوم عشرة عشرة حتى صدروا. ثم دعا بقعب (4) من لبن فجرع منه جرعة، ثم قال لهم: " اشربوا بسم الله " فشرب القوم حتى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل، فسكت النبي (ص) يومئذ ولم يتكلم. ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " يا بني عبد المطلب اني أنا النذير إليكم من الله عز وجل والبشير لما يجي به احد جئتكم بالدنيا والاخرة، فأسلموا


1 - رجل أحمش الساقين: دقيقها. الصحاح 3: 1002 " حمش 2 - الكامل 2: 62. 3 - تاريخ الطبري 2: 319. 4 - القعب: قدح من خشب مقعر. الصحاح 1: 204 " قعب ".

[104]

وأطيعوني تهتدوا، ومن يوآخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني ؟ " فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ويقول علي: " أنا "، فقال: " أنت "، فقام القوم وهم يقولون لابي طالب: اطع ابنك فقد أمر عليك (1). انتهى. ولا يخفى أنهم عقلوا من هذا الكلام فرض الطاعة والامارة في الحال، ومع ذلك أقرهم النبي (ص) على ذلك. وقال ابن أبي الحديد في الجزء الثالث عشر: فأما الوزارة فقد ذكرها الطبري في تأريخه عن عبد الله بن عباس عن علي بن ابي طالب (ع) قال: " لما نزلت هذه الاية: * (وأنذر عشيرتك الاقربين) * على رسول الله صلى الله عليه وآله دعاني فقال: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين، فضقت بذلك ذرعا، وعلمت اني متى ما أبادرهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره، فصمت حتى جاءني جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد انك إن لم تفعل يعذبك ربك، فأصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، واملا لنا عسا من لبن، ثم اجمع بني عبد المطلب حتى اكملهم وابلغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وابو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعا بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله (ص) بضعة من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاها في نواحي الصفحة، ثم قال: كلوا بسم الله، فأكلوا حتى ما لهم إلى شئ حاجة، وأيم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل منهم يأكل ما قدمته لجميعهم.


1 - الكشف والتبيان: 93.

[105]

ثم قال اسق القوم يا علي، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعا، وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله (ص) أن يكلمهم فبدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال من الغد: يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن اكلمهم، فعد لنا اليوم الى مثل ما صنعت بالامس ثم اجمعهم لي. ففعلت ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالامس، فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة. ثم قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس بالامس، فشربوا منه جميعا حتى رووا. ثم تكلم رسول الله (ص) فقال: يا بني عبد المطلب اني والله ما أعلم أن شابا في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الامر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فاحجم القوم عنها جميعا، وقلت: أنا - وإني لاحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا - يا رسول الله صلى الله عليه وآله أكون وزيرك عليه. فأعاد القوم فأمسكوا، وأعدت ما قلت، فأخذ برقبتي ثم قال لهم: هذا وصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع " (1). انتهى. وقال البغوي في تفسيره معالم التنزيل في تفسير هذه الاية: روى محمد ابن اسحاق، عن عبد القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله ابن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس،


1 - شرح نهج البلاغة 3: 254، تأريخ الطبري 2: 319.

[106]

عن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ثم ذكر مثل رواية ابن ابي الحديد عن الطبري بألفاظه إلى قوله: تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا بني عبد المطلب اني قد جئتكم بخير الدنيا والاخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري هذا، ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ فأحجم القوم عنها جميعا، فقلت - وأنا أحدثهم سنا -: يا نبي الله أنا وزيرك عليه، فقال: فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأسمعوا له وأطيعوا. فقام إليه القوم يضحكون ويقولون لابي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع " (1) انتهى كلام البغوي. ثم قال ابن أبي الحديد: ويدل على أنه وزير رسول الله صلى الله عليه وآله من نص الكتاب والسنة قوله تعالى: * (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) *. وقال النبي صلى الله عليه وآله في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الاسلام: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي ". فأثبت له جميع مراتب هارون ومنازله من موسى، فإذن هو وزير رسول الله صلى الله عليه وآله، وشاد ازره، لولا أنه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره. وروى أبو جعفر الطبري أيضا في التأريخ: ان رجلا قال لعلي عليه السلام: يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك دون عمك ؟ فقال عليه السلام: " هاؤم " ثلاث مرات، حتى اشرأب الناس ونشروا آذانهم ثم قال: " جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب بمكة وهم رهط يأكل الجذعة (2) ويشرب الفرق (3)، فصنع مدا من طعام حتى أكلوا وشبعوا،


1 - معالم التنزيل: 4: 287. 2 - الجذع: ولد الشاة في السنة الثانية، والانثى جذعة. الصحاح 3: 1194 " جذع ". 3 - الفرق: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رطلا. الصحاح 4: 154 " فرق ".

[107]

وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس. ثم دعا بغمر (1) فشربوا ورووا، وبقي الشراب كأنه لم يشرب. ثم قال: يا بني عبد المطلب اني بعثت إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي، ووارثي، فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه، وكنت من أصغر القوم، فقال: اجلس. ثم قال ذلك ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول: اجلس، حتى كان في الثالثة فضرب بيده على يدي. فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي (2). انتهى كلام ابن أبي الحديد. قال ابن الاثير في النهاية: وفيه أن أبا لهب قال: لهد ما سحركم صاحبكم، لهد: كلمة يتعجب بها (3). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الثالث عشر أيضا نقلا عن شيخه أبي جعفر الاسكافي: وقد ورد في الخبر الصحيح انه كلفه في مبدأ الدعوة أن يصنع له طعاما، وأن يدعوا له بني عبد المطلب، فصنع له ودعاهم، فخرجوا ذلك اليوم ولم ينذرهم صلى الله عليه وآله لكلمة قالها أبو لهب. فكلفه اليوم الثاني أن يصنع مثل ذلك الطعام، وأن يدعوهم فيه، فصنعه ودعاهم، ثم كلمهم صلى الله عليه وآله فدعاهم الى الدين ودعاه معهم، لانه من بني عبد المطلب، ثم ضمن لمن يؤازره منهم وينصره على قوله أن يجعله أخاه في الدين ووصيه بعد موته وخليفته من بعده، فأمسكوا كلهم وأجابه هو وحده، وقال: " أنا أنصرك على ما جئت به واوازرك وأبايعك ". فقال لهم - لما رأى منهم الخذلان ومنه النصر، وشاهد منهم المعصية ومنه الطاعة وعاين منهم الاباء ومنه الاجابة: " هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي ". فقاموا يسخرون ويضحكون ويقولون لابي طالب: أطع ابنك فقد


1 - الغمر: القدح الصغير. الصحاح 2: 772 " غمر ". 2 - شرح نهج البلاغة 3: 255، تأريخ الطبري 2: 319. 3 - النهاية 5: 250 " هدد ".

[108]

أمره عليك (1). انتهى. وما تقدم روايته عن الفخر الرازي وغيره، وعن أبي ذر رضي الله عنه وغيره في الاية الخامسة والعشرين صريح في هذا المعنى، أعني الوزارة (2). * * *


1 - شرح نهج البلاغة 3: 256. 2 - التفسير الكبير 12: 26، الدر المنثور 3: 105 - 106.

[109]

الفصل الخامس في الاخبار المتضمنة كونه عليه السلام ولي المؤمنين وإمامهم وسيدهم، وفيه: أنت مني وأنا منك قال في الاستيعاب: وروى أبو داود الطيالسي قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: " أنت ولي كل مؤمن بعدي " (1). انتهى. ثم قال بعد ذكره خبرا آخر بعد هذا بلا فصل يشترك مع هذا الخبر في الاسناد إلا أبا داود: هذا إسناد لا مطعن فيه لاحد، لصحته وثقة نقلته (2). انتهى. وقد قدمنا عن جامع الاصول ثناءه على أبي داود هذا وغلوه فيه. وابو عوانة روى عنه البخاري كثيرا، ومن جملة ما روى عنه حديث في أول كتابه في باب: كيف كان بدء الوحي، في باب: الدين النصيحة لله ولرسوله، قبيل كتاب العلم. وفي باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه. ولعمرو بن ميمون في البخاري أحاديث في باب: مناقب عثمان، وفي باب: إذا ألقي على ظهر المصلي قذارة، وباب: إذا غسل الجنابة ولم يذهب. قال في جامع الاصول: عمران بن حصين قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا، واستعمل عليهم علي بن أبي طالب، فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاهد أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرناه بما صنع علي. وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدأوا برسول الله صلى الله عليه وآله،


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 28. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 41.

[110]

ثم انصرفوا إلى رحالهم. فلما قدمت السرية فسلموا على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام أحد الاربعة فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألم تر الى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا ؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قام الثاني فقال مثل مقالته، فأعرض عنه. ثم قام الثالث فقال مثل مقالته، فأعرض عنه. ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبيل إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله والغضب يعرف في وجهه فقال: " ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي " (1) الترمذي. حبشي بن جنادة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " علي مني وأنا من علي، لا يؤدي عني إلا أنا أو علي " انتهى. قال في المصابيح: عن عمران بن حصين: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي ". وقال: عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي " (2). انتهى. ذكر هاتين الروايتين في الحسان ولم يقيدهما بالضعف والغرابة، فهما من الصحيح وإن لم يبلغا من علو الدرجة مبلغ ما أخرجه البخاري ومسلم على ما ذكره في أول المصابيح. قال البخاري في صحيحه في باب: مناقبه صلى الله عليه وآله: وقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت مني وأنا منك " (3). انتهى.


1 - سنن الترمذي 5: 632. 2 - مصابيح السنة 4: 172. 3 - صحيح البخاري 5: 22. (*)

[111]

ولما ذكر البخاري اختصام علي صلوات الله عليه وزيد وجعفر في ابنة حمزة قال: وقال صلى الله عليه وآله: " الخالة بمنزلة الام "، وقال لعلي: " أنت مني وأنا منك " (1). انتهى. قال في المصابيح: من الصحاح عن البراء: أن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: " أنت مني وأنا منك " (2). انتهى. وذكرنا هذه الروايات الثلاث مع عدم المناسبة لعنوان الفصل لمناسبة الروايات المتقدمة والمتأخرة. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه لنهج البلاغة: الخبر الثالث عشر: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد في سرية، وبعث عليا في سرية أخرى، وكلاهما إلى اليمن، وقال: " إن اجتمعتما فعلي على الناس، وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده ". فاجتمعا وأغارا وسبيا نساء واخذا أموالا وقتلا ناسا، وأخذ علي جارية فاختصها لنفسه، فقال خالد لاربعة من المسلمين - منهم بريدة الاسلمي - اسبقوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله فاذكروا له كذا واذكروا له كذا، لامور عددها على علي. فسبقوا إليه فجاء واحد من جانبه فقال: إن عليا فعل كذا، فأعرض عنه. فجاء الاخر من الجانب الاخر فقال: إن عليا فعل كذا، فأعرض عنه. فجاء بريدة الاسلمي فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنما عليا فعل كذا، وأخذ جارية لنفسه. فغضب صلى الله عليه وآله حتى احمر وجهه وقال: " دعوا لي عليا " يكررها " إن عليا مني وأنا من علي، وإن حظه في الخمس أكثر مما أخذ، وهو ولي مؤمن بعدي ". رواه أبو عبد الله أحمد في المسند غير مرة، ورواه في كتاب فضائل


1 - صحيح البخاري 4: 122. 2 - مصابيح السنة 4: 172.

[112]

علي عليه السلام، ورواه أكثر المحدثين (1). انتهى. قال في روضة الاحباب بعد هذه القضية: وروايتي از بريده آنكه گفت: رنگ رفسارش أفروخت وفرمود در شان على گمان بد مبر كه أو از من ومن از اويم واو ولى شما است بعد از من هر كس كه من ولى اويم على ولى أو است (2). وقال ابن حجر بعد ذكر قضية لعمر الاسلمي: وكذلك وقع لبريدة انه كان مع علي في اليمن فقدم مغضبا عليه، وأراد شكايته بجارية أخذها من الخمس، فقيل له: أخبره يسقط علي من عينه، ورسول الله صلى الله عليه وآله يسمع من وراء الباب، فخرج مغضبا فقال: " ما بال أقوام يبغضون عليا، من أبغض عليا فقد أبغضني، ومن فارق عليا فقد فارقني، إن عليا مني وأنا منه، خلق من طينتي، وخلقت من طينة ابراهيم، وأنا أفضل من ابراهيم، * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (3)، يا بريدة أما علمت ان لعلي أكثر من الجارية التي أخذها ؟ ! " الحديث أخرجه الطبراني انتهى (4). وقال ابن حجر في الصواعق في باب: فضائل أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: الحديث الخامس والعشرون: أخرج الترمذي والحاكم عن عمران بن حصين: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي " (5). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 2: 430. 2 - ترجمته: ورواية عن بريدة انه قال: تغير لون وجهه وقال في شأن علي عليه السلام: " لا تظن السوء بعلي فأنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي، من كنت مولاه فعلي وليه ". 3 - آل عمران: 34. 4 - الصواعق المحرقة: 122. 5 - الصواعق المحرقة: 124، سنن الترمذي 5: 632.

[113]

وقال ابن أبي الحديد في الجزء الثالث عشر من شرح نهج البلاغة: روى ابن ديزيل قال: حدثنا يحيى بن زكريا، قال: حدثنا علي بن القاسم، عن سعيد بن طارق، عن عثمان بن القاسم، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ألا أدلكم على ما إن تسالمتم عليه لم تهلكوا، إن وليكم وإمامكم علي بن أبي طالب عليه السلام، فناصحوه وصدقوه، فإن جبرئيل عليه السلام أخبرني بذلك " (1). انتهى. ثم أول هذا الخبر بما التعسف فيه ظاهر، ولم يقدح في صحته. وهذا دليل على أنه لا مطعن في سنده. قال ابن حجر: الحديث السادس: أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا علي " (2) انتهى. قال ابن ابي الحديد في الجزء الثالث عشر: وروي عن جعفر بن محمد الصادق قال: " كان علي يرى مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت، وقال له: لولا أني خاتم النبيين لكنت شريكا لي في النبوة وإلا تكن نبيا فأنت وصي نبي ووارثه، بل أنت سيد الاوصياء وإمام الاتقياء " (3) انتهى. وروي في روضة الاحباب عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال - لما وجه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه إلى مبارزة عمرو بن ود - في دعائه: " وهذا علي أخي وابن عمي فلا تذرني فردا وأنت خير الوارثين " (4)


1 - شرح نهج البلاغة 3: 208. 2 - الصواعق المحرقة: 111، مسند أحمد 3: 218، سنن الترمذي 63205، سنن ابن ماجة 1: 44. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 208. 4 - روضة الاحباب: 318.

[114]

انتهى. وفيه دلالة على أنه صلى الله عليه وآله كان يرى أن عليا صلوات الله عليه وارثه والخلف من بعده. قال ابن حجر في الصواعق: الحديث الثالث والثلاثون: أخرج الحاكم عن جابر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: " علي إمام البررة وقاتل الفجرة، منصور من نصره ومخذول من خذله " (1) انتهى. قال في المشكاة: حبشي بن جنادة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " علي مني وأنا من علي، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي ". رواه الترمذي، ورواه أحمد عن أبي جنادة (2). انتهى. وقال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من الشرح: الخبر الحادي عشر: " مرحبا بسيد المؤمنين وإمام المتقين ". فقيل لعلي: كيف شكرك ؟ فقال: " أحمد الله على ما آتاني، وأسأله الشكر على ما أولاني، وأن يزيدني مما أعطاني ". ذكره صاحب الحيلة (3) انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه لنهج البلاغة: وأنا أذكر من ذلك شيئا يسيرا مما رواه علماء الحديث، الذين لا يتهمون فيه، وجلهم قائلون بتفضيل غيره عليه، فروايتهمخ فضائله يوجب سكون النفس ما لا يوجب رواية غيرهم: الخبر الاول: " يا علي إن الله قد زينك لم يزين العباد بزينة أحب إليه منها، هي زينة الابرار عند الله تعالى الزهد في الدنيا، جعلك لا ترزأ من الدنيا شيئا ولا ترزأ الدنيا منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك اماما ".


1 - الصواعق المحرقة: 125. 2 - سنن الترمذي 5: 632، مسند احمد 4: 164. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 430، حيلة الاولياء 1: 66.

[115]

رواه أبو نعيم الحافظ في كتابه المعروف بحيلة الاولياء. وزاد فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند: " فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك " (1). انتهى. ثم قال: الخبر الثالث: " إن الله عهد إلي في علي عهدا، فقلت: يا رب بينه لي ؟ قال: اسمع، إن عليا راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه فقد أحبني، ومن أطاعه أطاعني، فبشره بذلك. فقلت: بشرته يا رب فقال: أنا عبد الله وفي قبضته، فإن يعذبني بذنوبي لم يظلم شيئا، وإن يتم لي ما وعدني فهو أولى. وقد دعوت له فقلت: اللهم اجل قلبه واجعل ربيعه الايمان بك. قال: قد فعلت ذلك غير أني مختصه بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي. فقلت: رب أخي وصاحبي. قال: انه سبق في علمي أنه لمبتلى ومبتلى به ". ذكره أبو نعيم الحافظ في حلية الاولياء عن أبي بردة الاسلمي. ثم رواه باسناد آخر عن أنس بن مالك: " إن رب العالمين عهد إلى في علي عهدا أنه راية الهدى، ومنار الايمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني، إن عليا أميني غدا في القيامة، رأيت بيد علي مفاتيح خزائن رحمة ربي " (2) انتهى. ثم قال: الخبر التاسع: " يا أنس اسكب لي وضوءا " ثم قام فصلى ركعتين ثم قال: " أول من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتقين، وسيد المرسلين،


1 - شرح نهج البلاغة 2: 429، حلية الاولياء 1: 71، مسند أحمد 4: 152. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 429، حلية الاولياء 1: 66 - 67.

[116]

ويعسوب المؤمنين، وخاتم الوصيين، وغاية الغر المحجلين ". قال أنس: فقلت: اللهم اجعله رجلا من الانصار، وكتمت دعوتي. فجاء علي فقال صلى الله عليه وآله: " من جاء يا أنس ؟ " فقلت: علي، فقام إليه مستبشرا، فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه. فقال علي: " يا رسول الله صلى الله عليه وآله لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل ". قال: " وما يمنعني وأنت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدي ". رواه أبو نعيم الحافظ في حلية الاولياء (1). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق في آخر الحديث الرابع من مناقبه صلوات الله عليه: أنه ظهر علي من البعد، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " هذا سيد العرب ". فقالت عائشة: ألست بسيد العرب ؟ فقال: " أنا سيد العالمين، وهو سيد العرب ". ورواه الحاكم في صحيحه عن ابن عباس: " أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب ". وقال: انه صحيح (2). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع: الخبر العاشر: " ادعوا لي سيد العرب عليا ". فقالت عائشة: ألست سيد العرب ؟ فقال: " أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب ". فلما جاء أرسل إلى الانصار فأتوه فقال لهم: " يا معشر الانصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: " هذا علي فأحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، فإن جبرئيل عليه السلام أمرني بالذي قلت لكم عن الله عز وجل ".


1 - شرح نهج البلاغة 2: 430، حلية الاولياء 1: 63. 2 - الصواعق المحرقة: 122، سنن البيهقي 9: 225، مستدرك الصحيحين 3: 124.

[117]

رواه الحافظ أبو نعيم في حلية الاولياء (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد عند الاستدلال على أن النبي صلى الله عليه وآله سيد العباد: واحتج الجمهور بقوله عليه السلام: " أنا سيد ولد آدم "، فقالت عائشة: ألست سيد العرب ؟ فقال: " أنا سيد البشر، وعلي سيد العرب " (2). انتهى. ومما يدل على تضمن قوله صلى الله عليه وآله: " أنت مني وأنا منك " الفضل العظيم والمزية الظاهرة، ما رواه ابن الاثير، وابن أبي الحديد: قال ابن الاثير في الكامل عند ذكر غزوة أحد: وكان الذي قتل أصحاب اللواء علي. قال أبو رافع: فلما قتلهم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة من المشركين فقال لعلي: " احمل عليهم "، فحمل ففرقهم وقتل منهم. ثم أبصر جماعة أخرى فقال لعلي: " أحمل عليهم "، فحمل ففرقهم وقتل منهم. فقال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن هذه للمواساة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنه مني وأنا منه "، فقال جبرئيل عليه السلام: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " (3). انتهى. وهذا يدل على أن الطبري أيضا ذكره على ما يستفاد من أول هذا الكتاب (4). قال في روضة الاحباب روايته هذا الخبر على هذا الترتيب: اين حديث را باين طريقه بعض از أكابر محدثان واهل سير در كتب خويش


1 - شرح نهج البلاغة 2: 430، حلية الاولياء 1: 63. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 430. 3 - الكامل في التأريخ 2: 154. 4 - تأريخ الطبري 2: 514.

[118]

آورده اند (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة: وروى محمد بن حبيب في أماليه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما فر معظم أصحابه عنه يوم أحد كثرت عليه كتائب المشركين، وقصدته كتيبة من بني كنانة، ثم من بني عبد مناة بن كنانة فيها بنو سفيان بن عويف، وفيهم خالد بن سفيان، وأبو الشعثاء بن سفيان، وأبو الحمراء بن سفيان، وغراب بن سفيان. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا علي أكفني هذه الكتيبة " فحمل عليها وانها لتقارب خمسين فارسا وهو عليه السلام راجلا، فما زال يضربها بالسيف فتفرق عنه. ثم يجتمع عليه هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الاربعة، وتمام العشرة منها ممن لا تعرف أسماؤهم. فقال جبرئيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا محمد إن هذه للمواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " وما يمنعه وهو مني وأنا منه ". فقال جبرئيل (ع): وأنا منكما. وسمع ذلك اليوم صوت من قبل السماء لا يرى شخص الصارخ ينادي مرارا: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله عنه فقال: " هذا جبرئيل عليه السلام ". قلت: وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين، وهو من الاخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن اسحاق، ورأيت بعضها خاليا عنه، وسألت عبد الوهاب بن سكينة عن هذا الخبر فقال: خبر صحيح.


1 - روضة الاحباب: 216. وترجمته: بعض الاكابر من المحدثين وأهل السير قد أوردوا هذا الحديث بهذا السند في كتبهم. (*)

[119]

فقلت: ما بال الصحاح لم تشتمل عليه ؟ قال: أو كل ما كان صحيحا تشتمل عليه كتب الصحاح، كم قد أهمل جامعوا الصحاح من أخبار صحيحة. انتهى كلام ابن أبي الحديد (1). * * * (عبد الوهاب بن سكينة) قال ابن الاثير في كتاب جامع الاصول: عبد الوهاب بن علي بن علي، هو شيخنا وأستاذنا الامام، شيخ وقته دينا وعلما وأمانة، وتقى، وزهدا، وورعا، وحفظا ودراية وفهما ورواية ضياء الدين شيخ الاسلام أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن علي بن عبيد الله الامين، ويعرف بابن سكينة البغدادي، أحسن الله معونته. سمع الكثير ولقي المشايخ، وحدث ببغداد والحجاز والشام وديار ربيعة وغيرها من البلاد، واسمع الكثير من الكتب الكبار والصغار، أثابه الله ومد في عمره فإنه بركة كله. انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 2: 231.

[120]

قال في جامع الاصول: بعث النبي صلى الله عليه واله ببراءة مع ابي بكر، ثم دعاه فقال: " لا ينبغي لاحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي " فدعا عليا فأعطاه إياه (1). انتهى. وقد مدحته الصحابة وغيرهم بذلك في عصره، ولم ينكره عليه الصلاة والسلام عليهم، أورد منها جملة كافية ابن أبي الحديد فمما أورده قول أبي الهيثم بن التيهان البدري: كنا شعار نبينا ودثاره نفديه منا الروح والابصار إن الوصي إمامنا وولينا برح الخفاء وباحت الاسرار وقول رجل من الازد يوم الجمل: هذا علي وهو الوصي آخاه يوم النجوة النبي وقال هذا بعدي الولي وعاه واع ونسى الشقي (2)


1 - جامع الاصول 8: 660. 2 - شرح نهج البلاغة 1: 47.

[121]

الحافظ أبو نعيم قال ابن خلكان بعد ذكره نسبه: أبو نعيم الاصبهاني الحافظ المشهور صاحب كتاب حلية الاولياء، وكان من أعلام المحدثين وأكابر الحفاظ والثقات، أخذ عن الافاضل، وأخذوا عنه وانتفعوا به، وكتاب الحلية من أحسن الكتب (1). انتهى.


1 - وفيات الاعيان 1: 91.

[122]

الفصل السادس حديث غدير خم قال أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري في كتاب الاستيعاب: وروى بريدة، وأبو هريرة، وجابر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، كل واحد منهم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". وبعضهم لا يزيد على: " من كنت مولاه فعلي مولاه " (1). انتهى. ثم ذكر بعد ذلك خبر خيبر، وقال: وهي كلها آثار ثابتة (2). قال أبو محمد الحسين بن مسعود في المصابيح: عن زيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " (3). انتهى. ذكرها في الحسان ولم يقيدها بضعف ولا غرابة، فهي من الصحيح على ما صرح به في أول كتابه هذا. قال ابن الاثير في كتاب جامع الاصول: ابن أرقم أو أبو سريحة - شك شعبة - ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " (4) انتهى. قال في المشكاة: عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزل بغدير خم أخذ بيد علي فقال: " ألستم تعلمون


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 36. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 36. 3 - مصابيح السنة 4: 172. 4 - جامع الاصول 8: 649.

[123]

اني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ "، قالوا: بلى. قال: " ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه ؟ "، قالوا: بلى. فقال: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. انتهى. وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: زيد بن أرقم: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". رواه أحمد والترمذي (1). انتهى. قال الثعلبي في تفسير سورة المعارج: وسئل سفيان بن عيينة عن قول الله تعالى: * (سأل سائل) * (2) قال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك، حدثني أبي، عن جعفر بن محمد، عن آبائه قال: لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي صلوات الله عليه فقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". فشاع ذلك وطار في البلاد فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله على ناقة له حتى أتى الابطح، فنزل عن ناقته وأناخها وعلقها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وهو في ملا من أصحابه فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا. ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبعي ابن عمكم فضلته علينا وقلت: " من كنت مولاه فعلي مولاه "، فهذا شئ منك أم من الله ؟


1 - مسند أحمد بن حنبل 4: 368، سنن الترمذي 5: 632. 2 - المعارج: 1.

[124]

فقال: " والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله ". فولى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقوله حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو آتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله، وأنزل الله تعالى: * (سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع) * (1) انتهى (2). قال ابن حجر في الصواعق: الحديث الرابع: قال صلى الله عليه وآله يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " الحديث. وقد مر في حادي الشبه، وانه رواه عن النبي صلى الله عليه وآله ثلاثون صحابيا وأن كثيرا من طرقة صحيح أو حسن (3). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: ومنه الحديث " من كنت مولاه فعلي مولاه ". ثم قال: وقول عمر لعلي: أصبحت مولى كل مؤمن، أي: ولي كل مؤمن (4) انتهى. قال ابن حجر في الصواعق - بعد رده النص الجلي وانكاره له، وأنه لو كان لاحتج به علي لنفسه -: وأما الخبر الاتي في فضائل علي أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " أنشد الله من شهد يوم غدير خم إلا قام، ولا يقوم رجل يقول نبئت أو بلغني، إلا رجل سمعت أذناه ووعاه قلبه " فقام سبعة عشر صحابيا، وفي رواية ثلاثون. فقال: " هاتوا ما سمعتم ؟ "، فذكروا الحديث الاتي ومن جملته: " من كنت مولاه فعلي مولاه ".


1 - المعارج: 1 - 2. 2 - الكشف والتبيان: 213. 3 - الصواعق المحرقة: 122. 4 - النهاية 5: 228 " ولا ".

[125]

فقال: " صدقتم، وأنا على ذلك من الشاهدين ". فإنما قال ذلك علي بعد أن آلت إليه الخلافة، لقول أبي الطفيل رواية كما يثبت عند أحمد والبزاز: جمع علي الناس بالرحبة يعني بالعراق، ثم قال لهم: " أنشد الله من شهد يوم غدير خم " الى آخر ما مر، فأراد به حثهم على التمسك به والنصرة له (1). انتهى. وقال ابن حجر في هذا الكتاب - بعد أن منع أن يكون المولى في هذا الخبر بمعنى الولي في كلام طويل لا يرجع الى طائل - قال: وحينئذ فإنما جعلنا في معانيه التصرف في الامور، نظرا إلى الرواية الاتية " من كنت وليه "، فالغرض من التنصيص على موالاته اجتناب بغضه، لان التنصيص عليه أوفى بمزيد شرفه، وصدره ب‍ " أولى بكم من أنفسكم " يرشد لما ذكرناه عليه صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة على أهل بيته عموما وعلى علي خصوصا. ويرشد إليه أيضا ما ابتدأ به هذا الحديث، ولفظه عن الطبراني وغيره بسند صحيح: انه صلى الله عليه وآله خطب بغدير خم تحت شجرات فقال: " يا أيها الناس انه قد نبأني اللطيف الخبير انه لم يعمر نبي إلا نصف عمر الذي يليه من قبله، وأني لاظن أن يوشك أن أدعى فأجيب، فإني مسؤول وانكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وجهدت ونصحت، فجزاك الله خيرا. فقال: " أليس تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن جنته حق، وأن ناره حق، وأن الموت حق، وأن البعث حق بعد الموت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور ؟ ". قالوا: بلى نشهد بذلك. قال: " اللهم إشهد ".


1 - الصواعق المحرقة: 126.

[126]

ثم قال: " أيها الناس إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا مولاه - يعني عليا - اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ". ثم قال: " يا أيها الناس أني فرطكم، وانكم واردون علي الحوض، حوض أعرض مما بين بصري الى صنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة، واني سائلكم حين تردون علي عن الثقلين، فانظروا كيف تخلفوني فيهما: الثقل الاكبر كتاب الله عز وجل، سبب طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به ولا تضلوا ولا تبدلوا. وعترتي أهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". وأيضا فسبب ذلك - كما نقله الحافظ شمس الدين الجوري، عن ابن اسحاق أن عليا تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن، فلما قضى صلى الله عليه وآله حجه خطبها تنبيها على قدره وردا لمن تكلم فيه كبريدة، كما في البخاري انه كان يبغضه. وسبب ذلك ما صححه الذهبي انه خرج الى اليمن فرأى منه جفوة، فقصه للنبي صلى الله عليه وآله، فجعل يتغير وجهه ويقول: " يا بريدة الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ ". قال: بلى يا رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " انتهى كلام ابن حجر (1). قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في الباب الاول منه: ليلة الغدير معظمة عند الشيعة، محياة فيهم بالتهجد، وهي الليلة التي خطب فيها رسول الله (ص) بغدير خم على أقتاب الابل، وقال في خطبته: " من


1 - الصواعق المحرقة: 156.

[127]

كنت مولاه فعلي مولاه " (1). انتهى. وقال في الكشاف: وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين صلوات الله عليه، أقيمت هذه الاية مقامها، ولعمري أنها كانت فاحشة ومنكرا وبغيا، فضاعف الله لمن سنها غضبا ونكالا وخزيا اجابة لدعوة نبيه: " وعاد من عاداه " (2) الحديث. انتهى. وفيه إيماء الى خبر الغدير على أبلغ وجه، لان مثل هذا إنما يستعمل في مقام يكون المشار إليه مسلما معروفا. قال في خلاصة الوفا تأريخ المدينة الطيبة في الفصل الاول من الباب السابع (3): في ذكر المساجد التي كان النبي (ص) يسلكها إلى مكة في الحج: مسجد بعد الجحفة، وأظنه مسجد غدير خم. قال الاسدي: وعلى ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق حذاء العين مسجد لرسول الله صلى الله عليه وآله، وبينهما الغيضة، وهي غدير خم، وهي على أربعة أميال من الجحفة. وقال عياض: غدير يصب فيه عين، وبين العين (4) مسجد النبي (ص)، ولاحمد: نزوله (ص) بغدير خم وصلاته الظهر به تحت شجرة، بيد علي وقوله: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه " (5). انتهى. قال ابن الحديد في شرح نهج البلاغة عند ذكره طائفة من كان يعادي أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: فمنهم أنس بن مالك، ناشد علي الناس في رحبة القصر، أو قال: في رحبة الجامع بالكوفة: " أيكم سمع رسول


1 - ربيع الابرار 1: 84. 2 - الكشاف 2: 425. والاية هي * (أن الله يأمر بالعدل والاحسان...) *. النحل 90. 3 - في النسختين الخطيتين: الرابع. وما أثبتناه من المصدر، وهو الصحيح. 4 - في المصدر: وبين الغدير وبين العين. 5 - خلاصة الوفا: 229.

[128]

الله (ص) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه " فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها، وأنس بن مالك في القوم لم يقم. فقال له: " يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد وقد حضرتها ؟ ". فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت. فقال: " اللهم إن كان كاذبا فأرمه بها بيضاء لا توار بها العمامة ". قال طلحة بن عمير: فو الله لقد رأيت الوضح بعد ذلك بين عينيه. وروى عثمان بن مطرف: إن رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب فقال: آليت لا أكتم حديثا سئلت عنه في علي بعد الرحبة، ذاك رأس المتقين يوم القيامة، سمعته والله من نبيكم. وروى أبو اسرائيل، عن الحكم، عن أبي سلمان المؤذن: إن عليا عليه السلام نشد الناس من سمع رسول الله (ص) يقول: " من كنت مولاه فعلي مولاه "، فشهد له قوم وأمسك زيد بن أرقم فلم يشهد وكان يعلمها، فدعا عليه علي بذهاب البصر فعمي، فكان يحدث الحديث بعدما كف بصره (1). انتهى. وقال في موضع آخر من هذا الشرح: قال ابراهيم في الكتاب المذكور - يعني ابن ديزيل في كتاب صفين -: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا الحسن بن الحكم النخعي، عن رياح بن الحرث النخعي قال: كنت جالسا عند علي (ع) إد قدم عليه قوم متلثمون فقالوا: السلام عليك يا مولانا، فقال لهم: " أو لستم قوما عربا ؟ " قالوا: بلى، وكنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوم غدير خم: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله ". قال: فلقد رأيت عليا (ع) ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: اشهدوا.


1 - شرح نهج البلاغة 2: 435.

[129]

ثم ان القوم مضوا الى رحالهم فتبعتهم فقلت لرجل منهم: من القوم ؟ قالوا: نحن رهط من الانصار وذلك - يعنون رجلا منهم - أبو أيوب صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فأتيته فصاحفته (1). انتهى. وذكر هذه الرواية في روضة الاحباب بطريقين: أحدهما مصدرة بقوله صلى الله عليه وآله: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ". والاخرى مصدرة بقوله صلى الله عليه وآله: " اني مخلف فيكم الثقلين، أحدهما أعظم من الاخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". ثم قال: " إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين ". ثم أخذ بيد علي وقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، واخذل من خذله وانصر من نصره، وأدر الحق معه حيث كان ". ثم روى قول عمر بن الخطاب: يا علي أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق: وأخرج أيضا - يعني الدارقطني - أنه قيل لعمر: انك تصنع بعلي ما تفعله ببقية الصحابة ؟ قال: انه مولاي. ثم قال: وأخرج أيضا: أنه جاء اعرابيان يختصمان، فأذن لعلي في القضاء بينهما، فقال أحدهم: هذا يقضي بيننا ؟ ! فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال: ويحك ما تدري من هذا، هذا مولاي ومولى كل مؤمن، ومن لا يكن مولاه فليس بمؤمن (3). انتهى. قال السيوطي في تفسيره: واخرج أبو الشيخ، عن الحسن: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعا، وعرفت أن


1 - شرح نهج البلاغة 2: 436. 2 - روضة الاحباب: 416. 3 - الصواعق المحرقة: 179.

[130]

الناس مكذبي، لا بلغن أو ليعذبني فانزل: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك) * (1). واخرج عبد الحميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت * (بلغ ما أنزل إليك من ربك) * قال: " يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع، ليجتمع علي الناس "، فنزلت: * (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) *. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الاية * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك) * على رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب. واخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله: * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك) * إن عليا مولى المؤمنين * (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * (2). ولنذكر جماعة ممن ورد لهم ذكر في هذا الفصل، وقد تقدم ذكر طائفة منهم:


1 - المائدة: 67. 2 - الدر المنثور 3: 117.

[131]

أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني قال في جامع الاصول: كان إماما في الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، وبه عرف الصحيح من السقيم، والمعوج من المعدل، نشأ ببغداد. انتهى. ثم قال بعد ذكر شيوخه ومن أخذ عنه: فضائله كثيرة، ومناقبه جمة، وآثاره في الاسلام مشهورة. ثم قال بعد ذكر شئ مما اعتقد له من المناقب: قال اسحاق بن راهويه: أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيدة في ارضه. قال الشافعي: خرجت من بغداد ما خلفت بها أحدا أتقى ولا أورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس، أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد بن حنبل (1). انتهى. وسيجئ ذكره في ذيل الفصل التاسع. الطبراني قال في جامع الاصول: الطبراني بفتح الطاء وفتح الباء الموحدة، وبالنون بعد الالف، منسوب الى طبرية، على غير قياس. ثم قال: وممن ينسب هذه النسبة سليمان بن أحمد بن ايوب الطبراني، الامام المشهور، فإنه من أهل طبرية. انتهى. وقال في الطبري: طبرية: المدينة المعروفة بأردن من أرض الشام.


1 - انظر الاعلام 1: 203.

[132]

انتهى. قال ابن خلكان: الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني، كان حافظ عصره، رحل في طلب الحديث، سمع الكثير، وعد شيوخه ألف شيخ، وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة، منها المعجم، وهو أشهر كتبه (1). انتهى. الدارقطني قال في جامع الاصول: هو أبو الحسن علي بن عمران بن أحمد بن مهدي - إلى أن قال -: الدارقطني، الامام العلامة المشهور، كان فريد عصره وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الحديث والمعرفة بعلله وأسماء الرجال ومعرفة الرواة مع الصدق والامانة، والثقة والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب، والقيام بعلوم اخرى انتهى. قال ابن خلكان: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي الدارقطني، الحافظ المشهور، كان عالما فقيها حافظا، على مذهب الشافعي (2). انتهى.


1 - وفيات الاعيان 2: 407. 2 - وفيات الاعيان 3: 297.

[133]

الفصل السابع حديث المنزلة قال البخاري في صحيحه في باب: مناقب علي بن أبي طالب: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة، عن سعيد، قال: سمعت ابراهيم بن سعد عن أبيه، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " (1). انتهى. وقال في موضع آخر: عن سعدان: إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج الى تبوك واستخلف عليا، قال: " أتخلفني في الصبيان والنساء ؟ ! "، قال: " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " (2). انتهى. قال مسلم بن الحجاج القشيري في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وأبو جعفر محمد بن الصباح، وعبيد الله القواريري ي، وشرح بن يونس كلهم عن يوسف بن الماجشون، واللفظ لابن الصباح قال: حدثنا يوسف أبو سلمة الماجشون، حدثنا محمد بن المنكدر، عن سعيد بن المسيب، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ". قال سعيد: فأحببت أن أشافه بها سعدا، فلقيت سعدا فحدثته بما حدثني عامر فقال: أنا سمعته.


1 - صحيح البخاري 4: 24. 2 - صحيح البخاري 5: 3.

[134]

قلت: أنت سمعته ؟ فوضع اصبعيه على اذنيه قال: نعم وإلا فاصطكتا (1). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر، عن شعبة، الحديث. وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: " يا رسول الله صلى الله عليه وآله تخلفني في النساء والصبيان ؟ " فقال صلى الله عليه وآله: " أما ترضى أن تكون بمنزلة هارون من موسى، غير أنه لا نبي بعدي " (2) انتهى. ثم ذكر خبر سعد مع معاوية، وقد تقدم في آية المباهلة، وبعد ذلك رواه من طريق آخر عن ابراهيم بن سعد. وذكر هذه الروايات كلها في جامع الاصول في آية المباهلة، وبعد ذلك رواه من طريق آخر عن ابراهيم بن سعد. وذكر هذه الروايات كلها في جامع الاصول في باب مناقبه صلوات الله عليه عن البخاري ومسلم (3). قال البغوي: في المصابيح في باب: مناقب أمير المؤمنين علي عليه السلام: من الصحاح: عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نب بعدي " (4) انتهى. وقال في المشكاة: عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا إنه لا نبي بعدي ". انتهى. قال ابن عبد البر النمري في الاستيعاب: ولم يتخلف مشهد شهده رسول


1 - في المصدر: فاستكتا. 2 - صحيح مسلم 4: 187. 3 - جامع الاصول 8: 649، صحيح البخاري 4: 24 و 5: 3، صحيح مسلم 4: 870. 4 - مصابيح السنة 4: 170.

[135]

الله صلى الله عليه وآله مذ قدم المدينة، إلا تبوك، فإنه خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي ". وروى قوله صلى الله عليه وآله: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " جماعه من الصحابة، وهو من أثبت الاثار وأصحها. رواه عن النبي صلى الله عليه وآله سعد بن أبي وقاص، وطرق حديث سعد فيه كثيرة جدا، وقد ذكرها ابن أبي خيثمة وغيره. ورواه ابن عباس، وأبو عباس، وأبو سعيد الخدري، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، وجابر بن عبد الله، وجماعة يطول ذكرهم. حدثنا خلف بن حماد، وحدثنا ابن المفسر، وحدثنا أحمد بن علي، وحدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا هارون بن معاوية، عن موسى الجهني، عن فاطمة بن علي قالت: سمعت أسماء بن عميس تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبي " (1). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق: الحديث الاول: أخرج الشيخان عن سعد ابن أبي وقاص، وأحمد والبزاز عن أبي سعيد الخدري، والطبراني عن أسماء بنت عميس وأم سلمة وحبشي بن جنادة وابن عمر وابن عباس وجابر وابن سمرة وعلي والبراء بن عازب وزيد بن أرقم: ان رسول الله صلى الله عليه وآله خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، ثم ذكر تمام الخبر بلفظ مسلم، عن مصعب بن سعد، عن سعد (2). وبعبارته قال في جامع الاصول في أواخر الكتاب عند ذكره العشرة من


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 41. 2 - الصواعق المحرقة: 121.

[136]

الصحابة: شهد مع النبي المشاهد كلها غير تبوك، فإنه خلفه في أهله، وفيها قال له: " ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ". انتهى. ورواه في شرح السنن فقال: هذا حديث متفق عليه على صحته.

[137]

الفصل الثامن في خبر ما يتبعه من الاخبار قال الجعفي البخاري في صحيحه بعد باب الجاسوس من كتاب الجهاد قريبا من آخره، باب: فضل من أسلم على يديه رجل: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمان بن محمد بن عبد الله بن القارئ، عن أبي حازم، قال: أخبرني سهل الساعدي، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله يوم خيبر: " لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله عليه يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ". فبات الناس ليلتهم أيهم يعطاها، فغدوا كلهم يرجوه، قال: " أين علي ؟ " فقيل: يشتكي عينيه، فبصق في عينه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه فقال: " أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا "، فقال: " أنفذ على رسلك حين تنزل بساحتهم، ثم إدعهم الى الاسلام، وأخبرهم بما يحب عليهم، فو الله لئن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم " (1). انتهى. ورواه بهذه الالفاظ في جامع الاصول عن سهل هذا (2). قال مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري في صحيحه: عن سلمة، قال: أرسلني النبي صلى الله عليه وآله الى علي وهو أرمد فقال: " لاعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ". قال: فأتيت عليا فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وآله فبصق في عينيه فبرئ، فأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال:


1 - صحيح البخاري 4: 73. 2 - جامع الاصول 8: 654.

[138]

قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحرب أقبلت تلتهب فقال علي: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة قال فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (1). انتهى. وروى مثل رواية البخاري بعينها عن سهل بن سعد الساعدي (2). وقد تقدم في آية المباهلة عن صحيح مسلم، عن سعد بن أبي وقاص - حين أمره معاوية بما أمره - هذه الالفاظ (3). قال البغوي في المصابيح عند ذكره الصحاح من الاخبار في فضائله صلوات الله عليه: سهل بن سعد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: " لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ". فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجون أن يعطاه، فقال: " أين علي بن أبي طالب ؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشكي عينيه، قال: " فأرسلوا إليه "، فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وآله في عينيه، فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية (4). انتهى. قال يوسف بن عبد البر في الاستيعاب: وروى سعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وسهل بن سعد، وبريدة الاسلمي، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين، وسلمة بن الاكوع، كلهم بمعنى واحد عن النبي


1 - صحيح مسلم 3: 1440. 2 - صحيح مسلم 3: 1440. 3 - صحيح مسلم 4: 1871. 4 - مصابيح السنة 4: 171. (*)

[139]

صلى الله عليه وآله انه قال يوم خيبر: " لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار، يفتح الله على يديه "، ثم دعا بعلي وهو أرمد فتفل في عينيه وأعطاه الراية، ففتح الله عليه، وهي كلها ثابتة (1). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث خيبر: " لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه "، فبات الناس يدو كون الليلة: أي يخوضون ويمرجون (2). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل: قال بريدة الاسلمي: كان رسول الله صلى الله عليه وآله ربما أخذته الشقيقة فلبث اليوم أو اليومين لا يخرج، ولما نزل خيبر أخذته، فلم يخرج إلى الناس، وأخذ أبو بكر الراية ثم نهض فقاتل قتالا شديدا، ثم رجع. فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا أشد من القتال الاول، ثم رجع. فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " أما والله لاعطينها غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يأخذها عنوة ". وليس ثم علي قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله مقالته هذه تطاولت لها قريش، فجاء علي على بعير له أناخ قريبا من خباء رسول الله، وهو أرمد قد عصب عينيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " مالك ؟ " قال: " رمدت بعدك "، فقال له: " إدن مني "، فدنى منه فتفل في عينيه، فما شكا وجعا حتى مضى لسبيله. ثم اعطاه الراية فنهض بها وعليه حلة حمراء، فأتى خيبر فأشرف عليه رجل من اليهود فقال: من أنت ؟ قال: " أنا علي بن أبي طالب "، فقال اليهودي: غلبتم يا معشر اليهود.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 43. 2 - النهاية 2: 140. " دوك ".

[140]

وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني، وحجر قد نقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يقول: قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب فقال عليه السلام: أنا الذي سمتني أمي حيدرة أكليكم بالسيف كيل السندرة ليث بغابات شديد القسورة (1) فاختلفا ضربتين، فبدره علي بضربة فقد الحجر والمغفر ورأسه، حتى وقع في الارض، وأخذ المدينة. قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله: خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله الى خيبر، فلما دنا من باب الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقلبه (2). انتهى. وقال ابن حجر: الحديث الثاني: أخرج الشيخان عن سهل بن سعد، والطبراني عن ابن عمر وابن أبي ليلى وعمران بن حصين، والبزاز عن ابن عباس: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوم خيبر: " لاعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله "، إلى تمام الخبر (3). قال في روضة الاحباب: وثبتت في الاحاديث الصحيحة أن أبا بكر توجه الى الحصن وقاتل ثم رجع ولم يفتح، ثم عمر في غد توجه فرجع ولم


1 - في المصدر: قسورة. 2 - الكامل في التأريخ 2: 219. 3 - الصواعق المحرقة: 121.

[141]

يفتح. ثم روى أن عمر سار أولا، ثم أبا بكر، ثم عمر في اليوم الثالث ولم يتيسر لهما الفتح. ثم روى قول النبي صلى الله عليه وآله: " لاعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه " ثم ذكر تمام الخبر بالفارسية وفيه هذا الرجز هكذا: أنا الذي سمتني أمي حيدرة ضرغام آجام وليث قسورة عبل الذراعين غليظ القصرة أوفيهم بالصاع كيل السندرة وفيه: ان مرحبا متعمما على رأسه عمامتين وعليها البيضة، فضربه علي عليه السلام فقد الترس والبيضة ورأسه الى قربوس سرجه نصفين (1). وقال ابن حجر في الباب التاسع في مآثره وفضائله في الفصل الاول منه: وأعطاه صلى الله عليه وآله اللواء في مواطن كثيرة، سيما يوم خيبر، وأخبر يومئذ باب حصنها على ظهره حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وانهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا اربعون رجلا. وفي رواية انه تترس بباب الحصن عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه فأراد ثمانية أن يقلبوه فما استطاعوا. انتهى. وذكر في روضة الاحباب: انه عليه السلام تترس بباب الحصن وكان من حديد، ثم ألقاه إلى خلفه ثمانين شبرا، فأراد سبعة أن يقلبوه مجتمعين فما استطاعوا، وأراد أربعون رجلا أن يقلوه فعجزوا. ثم ان النبي صلى الله عليه وآله لما بلغه ذلك أظهر سرورا كثيرا،


1 - روضة الاحباب: 431.

[142]

وخرج من الفسطاط مستقبلا لعلي عليه السلام، واعتنقه وقبل بين عينيه وقال: " قد بلغني نبأك المشهور، وصنيعك المذكور ". ثم روى انه صلى الله عليه وآله أخبره برضى الله تعالى ورسوله وملائكته وجبرئيل وميكائيل عنه، في كلام طويل أخذنا منه موضع الحاجة (1). وقال الثعلبي في تفسير قوله تعالى: * (وعدكم الله مغانم كثيرة) * (2) في أثناء رواية طويلة ذكرها بطرق كثيرة: ثم إن الله عز وجل فتحها علينا، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله أعطى اللواء عمر بن الخطاب، ونهض من نهض معه من الناس فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر وأصحابه إلى رسول الله يخيبه اصحابه ويخيبهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ الشقيقة فلم يخرج. فأخذ أبو بكر راية رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم ذكر نحو ما في الكامل بزيادة في بعض الالفاظ والشعر (3). قال أبو عيسى الترمذي في صحيحه: عن البراء: ان النبي صلى الله عليه وآله بعث جيشين، وأمر على أحدهما علي بن أبي طالب، وعلى الاخر خالد ابن الوليد، وقال: " إذا كان القتال فعلي ". قال: فافتتح علي حصنا فأخذ منه جارية، فكتب معي خالد الى النبي صلى الله عليه وآله يشي به. فقدمت على النبي صلى الله عليه وآله فقرأ الكتاب فتغير لونه ثم قال: " ما ترى في رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ؟ ". قال: قلت: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، وإنما أنا رسول،


1 - روضة الاحباب: 431. 2 - الفتح: 20. 3 - تفسير الثعلبي: 346، الكامل في التأريخ 2: 219.

[143]

فسكت (1). انتهى. وفي جامع الاصول في كتاب الغين مثله عن البراء (2). قال في جامع الاصول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بيد حسن وحسين عليهما السلام وقال: " من أحبني واحب هذين وأباهما وامهما كان معي في درجتي يوم القيامة " (3). انتهى. قال ابن حجر عند ذكررره فضائل أهل البيت صلوات الله عليهم: أخرج أحمد والترمذي، ثم ذكر هذا الخبر بعينه (4). قال ابن حجر: الحديث الخامس: أخرج الترمذي والحاكم في صحيحه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم ". قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله سمهم لنا، قال: " علي منهم - يقول ذلك ثلاثا - وأبو ذر، والمقداد، وسلمان " (5). انتهى. وروي في جامع الاصول مثله بألفاظه (6).


1 - سنن الترمذي 4: 207. 2 - جامع الاصول 8: 421. 3 - جامع الاصول 9: 34. 4 - الصواعق المحرقة: 187، مسند احمد 1: 77، سنن الترمذي 5: 641. 5 - الصواعق المحرقة: 122، سنن الترمذي 5: 636. 6 - جامع الاصول 8: 658.

[144]

الفصل التاسع في الاخبار الدالة على فضله صلى الله عليه وآله على سائر الامة وعلى جميع الخلق قال في جامع الاصول: أنس قال: كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله طير فقال: " اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير "، فجاء علي فأكل معه، أخرجه الترمذي. وقال رزين: قال أبو عيسى: في هذا الحديث قصة، وفي آخرها: ان أنسا قال لعلي: استغفر لي، ولك عندي بشارة، ففعل، فأخبره بقول رسول الله صلى الله عليه وآله (1). انتهى. قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في المصابيح: عن أنس قال: كان عند النبي صلى الله عليه وآله طير فقال: " اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير "، فجاء علي فأكل معه (2). انتهى. قال في المشكاة: أنس قال: كان عند النبي صلى الله عليه وآله طير فقال: " اللهم آتني بأحب خلقك اليك يأكل معي هذا الطير " فجاء علي فأكل منه رواه الترمذي (3). انتهى. قال يوسف بن عبد البر في الاستيعاب: وقال لها: " زوجتك سيدا في الدنيا والاخرة، وانه لاول أصحابي اسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما ". قالت أسماء بنت عميس: فرمقت رسول الله صلى الله عليه وآله حين اجتمعا جعل يدعو لهما لا يشرك في دعائه أحد، ودعا له كما دعا لها.


1 - جامع الاصول 8: 853، سنن الترمذي 5: 636. 2 - مصابيح السنة 4: 173. 3 - سنن الترمذي 5: 636.

[145]

ثم قال بعد ذكره خبرين: وهي كلها آثار ثابتة (1). انتهى. قال في روضة الاحباب بعد ذكر قتل عمرو بن عبد ود: ودر أخبار وارد شده كه (2): " لمبارزة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة " (3). انتهى. قال ابن ابي الحديد في الشرح في الجزء التاسع: الخبر الثالث والعشرون: قالت فاطمة: " انك زوجتني فقيرا لا مال له "، فقال: " زوجتك أقدمهم سلما وأعظمهم حلما، وأكثرهم علما، ألا تعلمين ان الله اطلع الى الارض اطلاعة فاختار منها أباك، ثم اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك ". رواه أحمد في المسند (4). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: قال النبي لفاطمة: " ما يبكيك ؟ فما ألوتك ونفسي قد أصبت لك خير أهلي " أي: ما قصرت في أمرك (5). انتهى. وروى ابن عبد البر في الاستيعاب عند ذكره سيدة النساء صلوات الله عليها رواية طويلة عن عمران بن حصين في آخرها: " أما والله لقد زوجتك سيدا في الدنيا والاخرة " (6). انتهى. قال البغوي في المصابيح: وروي عن عائشة انها سئلت: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالت: فاطمة. قيل: من الرجال ؟ قالت: زوجها (7). انتهى. وذكر هذا الخبر في الحسان ولم ينسبه الى ضعف، وغرابة، فهو صحيح


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 37. 2 - ترجمته: ورد في الاخبار: ان لمبارزة علي... 3 - روضة الاحباب: 372. 4 - شرح نهج البلاغة 2: 431، مسند أحمد 4: 143. 5 - النهاية 1: 63. " ألي ". وفيه: أمرك وأمري. 6 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 377. 7 - مصابيح السنة 4: 174.

[146]

على ما شرطه في أول كتابه. ورواه في المشكاة وقال: رواه الترمذي (1). انتهى. قال في جامع الاصول عند ذكره فضائل فاطمة صلوات الله عليها: جميع بن عمير التميمي قال: دخلت مع عمتي على عائشة فسئلت: أي الناس كان أحب الى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالت: فاطمة، فقيل: من الرجال ؟ قالت: زوجها إن كان ما عملت صواما قواما. أخرجه الترمذي. بريدة قال: أحب النساء الى رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة، ومن الرجال علي (2) انتهى. قال ابن الحديد في الجزء الثالث عشر من الشرح: وروى الفضل بن عباس قال: سألت أبي عن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله الذكور أيهم كان رسول الله صلى الله عليه وآله له أشد حبا ؟ فقال: علي بن أبي طالب. فقلت له: سألتك عن بنيه ؟ فقال: انه كان أحدب (3) عليه من بنيه جميعا وأرأف، ما رأيناه زايله يوما من الدهر منذ كان طفلا، إلا أن يكون في سفر لخديجة، وما رأينا أبا أبر بابن منه لعلي، ولا ابنا أطوع لاب من علي له (4). انتهى. وقال في موضع آخر من الشرح: وفي مسند احمد بن حنبل: عن مسروق قال: قالت عائشة: إنك من ولدي ومن أحبهم إلي، فهل عندك من علم المخدج ؟ فقلت: نعم، قتله علي بن أبي طالب على نهر يقال لاعلاه تامرا (5)،


1 - سنن الترمذي 5: 641. 2 - جامع الاصول 9 9: 125، سنن الترمذي 5: 641. 3 - حدب عليه وتحدب عليه: أي تعطف عليه. الصحاح 1: 108 " حدب ". 4 - شرح نهج البلاغة 3: 309. 5 - تامرا، بفتح الميم، وتشديد الراء، والقصر: نهر واسع يخرج من جبال شهر زور والجبال المجاورة لها. معجم البلدان 2: 7.

[147]

ولاسفله النهروان، بين لخاقيق (1) وطرفاء (2). قالت: أبغني على ذلك بينة، فأقمت رجالا شهدوا عندها بذلك. قال: فقلت لها: سألتك بصاحب القبر ما الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم ؟ قالت: نعم، سمعته يقول: " انهم شر الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة " (3) ! انتهى. ثم قال بعد شي: وفي كتاب صفين أيضا للمدائني: عن مسروق: ان عائشة قالت له لما عرفت أن عليا قتل ذا الثدية: لعن الله عمرو بن العاص فإنه كتب الي يخبرني أنه قتله بالاسكندرية، إلا أنه ليس يمنعني ما في نفسي أن أقول ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، سمعته يقول: " يقتله خير أمتي بعدي " (4) انتهى. قال ابن أبي الحديد في الخاتمة من الشرح وفي موضع آخر منه: وقال عثمان لعلي في كلام دار بينهما: أبو بكر وعمر خير منك، فقال علي: " كذبت، أنا خير منك ومنهما، عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما " (5). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق: أخرج الخطيب عن البراء، والديلمي عن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " علي مني بمنزلة رأسي من بدني " (6). وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور: ولما توجه أبو بكر وعلي لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته بستة أيام، فقال علي:


1 - لخاقيق، جمع لخقوق: وهو شق في الارض. الصحاح 4: 1549 " لخلق ". 2 الطرفاء: شجر، والواحدة: طرفة. الصحاح 4: 1394 " طرف ". 3 - شرح نهج البلاغة 3: 98، مسند أحمد 6: 218. 4 - شرح نهج البلاغة 3: 98. 5 - شرح نهج البلاغة 4: 389. 6 - الصواعق المحرقة 125.

[148]

" تقدم يا خليقة رسول الله صلى الله عليه وآله " فقال أبو بكر: ما كنت لاتقدم رجلا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيه: " علي مني كمنزلتي من ربي " (1) انتهى. وقال ابن الحديد في خاتمة الشرح عند ذكره بعض ما لم يذكره الرضي رحمه الله من الكلمات المفردة: " كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله من رسول الله صلى الله عليه وآله، ينظر إلي الناس كما ينظرون الى الكواكب في أفق السماء، ثم عض الدهر مني فقرن بي فلان وفلان، ثم قرنت بخمسة أمثلهم (2) عثمان، فقلت: وادفراه (3). ثم لم يرض لي الدهر بذلك أرذلني فجعلني نظيرا لابن هند وابن النابغة (4)، لقد استنت الفصال (5) حتى الفرعي (6). انتهى (7). استن الفرس: أي عدا لمرحه ونشاطه، ذكره في النهاية (8). وقال ابن أبي الحديد في الخاتمة: خكز (9) " أنا من رسول الله صلى الله عليه وآله كالعضد من المنكب، وكالذراع من العضد (10). رباني صغيرا، وآخاني كبيرا ولقد علمتم أني كان لي منه مجلس سر لا يطلع عليه غيري، وأنه أوصى الي دون أصحابه وأهل بيته، لاقولن ما لم أقله لاحد قبل هذا


1 - الصواعق المحرقة: 177. 2 - أمثلهم: أي أفضلهم وأخيرهم وأدناهم للخير. أنظر: الصحاح 5: 1816 " مثل ". 3 - الدفر: النتن خاصة. ومنه قوله: وادفراه: أي وانتناه، أي واذلاه. الصحاح 2: 124 " دفر ". 4 - نبغ الشئ نبوغا: أي ظهر. ومنه: ابن النابغة لعمرو بن العاص، لظهورها وشهرتها في البغي. مجمع البحرين 5: 17 " نبغ ". 5 - الفصال، جمع فصيل: وهو ولد الناقة إذا فصل عن امه. الصحاح 5: 1791 " فصل ". 6 - الفرع، بالتحريك: أول تنتجه الناقة. الصحاح 3: 1257 " فرع ". 7 - شرح نهج البلاغة 4: 533. 8 - النهاية 2: 410 " سنن ". 9 - أي الخبر الخامس والعشرون وستمائة " منه سلمه الله ". 10 - في المصدر: وكالكف من الذراع.

[149]

اليوم، سألته مرة أن يدعو لي بالمغفرة، فقال: أفعل، ثم قام فصلى، فلما رفع يده في الدعاء استمعت إليه فإذا هو قائل: اللهم بحق علي عندك إغفر لعلي. فقلت: يا رسول الله ما هذا ؟ فقال: أو أكرم منك عليه فاستشفع به إليه " (1). انتهى. قال ابن الحديد في الشرح بعد أن ذكر القائلين بتفضيل أمير المؤمنين صلوات الله عليه على سائر الامة وذكر فيهم عمارا، والمقداد، وأبا ذر، وسلمان، وجابر بن عبد الله، وأبيا، وحذيفة، وبريدة، وأبا أيوب الانصاري، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف، وأبا الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وأبا الطفيل عامر بن واثلة، والعباس وبنيه وبني هاشم كافة، وبني المطلب كافة، ومن بني أمية خالد بن سعيد بن العاص، ومنهم عمر بن عبد العزيز. قال: وأنا اذكر الخبر المروي المشهور عن عمر وهو من رواية ابن الكلبي قال: بينا عمر بن عبد العزيز جالسا في مجلسه، إذ دخل حاجبه ومعه إمرأة ادماء (2) طويلة، حسنة الجسم والقامة، ورجلان متعلقان بها، ومعهم كتاب من ميمون بن مهران، فدفعوا إليه كتاب فإذا فيه. ثم ذكر ابن ابي الحديد الكتاب بطوله، ونحن نختصره، ثم نعود الى حكاية ألفاظ الخبر، وهو أن هذه المرأة زوجها حلف بطلاقها أن عليا صلوات الله عليه خير هذه الامة، وأباها يزعم أن ابنته طلقت منه. ثم قال ابن أبي الحديد: فجمع عمر بني هاشم وبني أمية وأفخاذ قريش، ثم ذكر ترافعهما عنده بحضور الجميع، فقال عمر للزوج: ما تقول هكذا حلفت ؟ قال: نعم فقيل: إنه لما قال: نعم، كاد المجلس يترجج بأهله، وبنو أمية ينظرون إليه شزرا إلا أنهم لا ينطقوا بشئ، كل ينظر الى وجه عمر،


1 - شرح نهج البلاغة 4: 558. 2 - الادم من الناس: الاسمر. الصحاح 5: 1859 " أدم ".

[150]

فأكب عمر مليا ينكت الارض بيده والقوم صامتون ثم ساق كلامه إلى أن قال: ثم قال للقوم: وما قولكم في يمينه ؟ فسكتوا، فقال: سبحان الله ! قولوا، فقال رجل من بني أمية: هذا حكم ولسنا نجتري على القول فيه. ثم ساق الكلام الى ان قال: فالتفت عمر إلى رجل من ولد عقيل فقال له: ما تقول يا عقيلي، فاغتنمها فقال: يا أمير المؤمنين إذا جعلت حكما وحكمي جائزا قلت، وإن لم يكن ذلك فالسكوت أوسع لي وأبقى للمودة. قال: قل وقولك حكم، وحكمك ماض. فلما سمعت ذلك أمية قالوا: ما أنصفتنا إذ جعلت الحكم إلى غيرنا ونحن من لحمتك وأولي رحمك. ثم تكلم إلى أن قال: فقال: إن كان أصاب وأخطأتم، وحزم وعجزتم، وأبصر وعميتم، فما ذنب عمر لا أبا لكم ! أتدرون ما مثلكم ؟ قالوا: لا، قال: لكن العقيلي يدري. ثم قال: ما تقول يا رجل ؟ قال: نعم كما قال الاول: دعيتم إلى أمر فلما عجزتم تناوله من لا يداخله عجز فلما رأيتم ذاك أبدت نفوسكم ندما وهل يغني من القدر الحذر فقال عمر: أحسنت وأصبت، فقل ما سألتك عنه. فقال: بر قسمه ولم تطلق امرأته. قال: وأنى علمت ذلك ؟ ! قال: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة وهو عندها في بيتها عائدا لها: " يا بنية ما علتك ؟ " قالت: " الوعك يا أبتاه " - وكان علي غائبا في بعض حوائج النبي - فقال لها: " أتشتهين شيئا ؟ " قالت: " نعم، أشتهي عنبا، وأنا أعلم أنه عزيز، وليس وقت

[151]

عنب ". فقال صلى الله عليه وآله: " إن الله قادر على أن يجيئنا به " ثم قال: " اللهم إئتنا به مع أفضل أمتي عندك "، فطرق علي الباب ودخل ومعه مكتل قد القي على طرف ردائه، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " ما هذا يا علي ؟ " قال: " عنب التمسته لفاطمة "، فقال عليه السلام: " الله أكبر، اللهم كما سررتني بأن خصصت عليا بدعوتي فاجعل فيه شفاء بنيي "، ثم قال: " كلي على اسم الله با بنية " فأكلت، وما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله حتى استقلت وبرأت. فقال عمر: صدقت وبررت، أشهد لقد سمعته ووعيته، يا رجل خذ بيد امرأتك، فإن عرض لك أبوها فأهشم أنفه. ثم ذكر تمام الخبر (1). قال ابن حجر بعد ذكره خبر خيبر: وأخرج الترمذي عن عائشة: كانت فاطمة أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوجها علي أحب الرجال (2). انتهى. قال الزمخشري في كتابه ربيع الابرار في باب الخير والصلاح: جميع ابن عمير: دخلت على عائشة فقلت: من كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالت: فاطمة، قلت: إنما سألتك عن الرجال، قالت: زوجها، وما يمنعه فو الله إن كان لصواما قواما، وقد سالت نفس محمد بيده فردها إلى فيه، قلت: فما حملك على ما جرى، فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت: أمر قضي علي (3). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 4: 214. 2 - الصواعق المحرقة: 177، سنن الترمذي 5: 701. 3 - ربيع الابرار 1: 820.

[152]

أحمد بن حنبل قال ابن خلكان في تاريخه بعد أن ذكر نسبه: وكان إمام المحدثين، صنف كتابه المسند، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الامام الشافعي وخواصه، ولم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر وقال في حقه: خرجت من بغداد ولا خلفت أتقى ولا أفقه من ابن حنبل. ثم قال ابن خلكان: أخذ عنه الحديث جماعة كثيرة من الاماثل منهم محمد بن اسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع (1). انتهى.


1 - وفيات الاعيان 1: 63.

[153]

الفصل العاشر في حديث النجوى قال في جامع الاصول: قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم الطائق فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما انتجيته ولكن الله انتجاه " (1). انتهى. قال في المصابيح: عن جابر انه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما انتجيته ولكن الله انتجاه " (2). انتهى. وعده من الحسان، ولم يقدح فيه بضعف ولا غرابة، فهو من الصحاح. قال في المشكاة: جابر قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم الطائف فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما انتجيته، ولكن الله انتجاه "، رواه الترمذي. انتهى (3). قال ابن الحديد في الجزء التاسع: الخبر الحادي عشر: دعا صلى الله عليه وآله عليا في غزوة الطائف فانتجاه وأطال نجواه، حتى كره قوم من الصحابة ذلك، فقال قائل منهم: لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه، فبلغه صلى الله عليه وآله ذلك، فجمع منهم قوما ثم قال: " إن قائلا قال: لقد أطال اليوم نجوى ابن عمه، أما إني ما انتجيته ولكن الله انتجاه "، رواه أحمد في المسند (4). انتهى.


1 - جامع الاصول 8: 658. 2 - مصابيح السنة 4: 173. 3 - سنن الترمذي 5: 639. 4 - شرح نهج البلاغة 2: 430، مسند أحمد 4: 153.

[154]

قال ابن الاثير في كتاب النهاية: ومنه حديث علي: دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الطائف فانتجاه فقال الناس: لقد أطال نجواه، فقال: " ما انتجيته ولكن الله انتجاه " (1). انتهى.


1 - النهاية 5: 25 " نجا ".

[155]

الفصل الحادي عشر في حديث المؤاخاة وكونه عليه الصلاة والسلام الصديق والفاروق قال في جامع الاصول: ابن عمر لما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه، جاءه علي تدمع عيناه فقال له: " يا رسول الله صلى الله عليه وآله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخي بيني وبين أحد "، قال: فسمعت رسول الله صلى الله عليه يقول له: " أنت أخي في الدنيا والاخرة " (1). انتهى. قال البغوي في المصابيح: وعن ابن عمر قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين أصحابه، فجاء علي تدمع عيناه، فقال: " آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد "، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أنت أخي في الدنيا والاخرة " (2). انتهى. ورواه في المشكاة وابن حجر في الصواعق وقالا: رواه الترمذي (3). قال أبو عمر بن عبد البر النمري في الاستيعاب: حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، قال: وأخبرنا أحمد بن زهير، قال: وأخبرنا أبي، قال: وأخبرنا ابن نمير، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت أخي وصاحبي ". وأخبرنا عبد الوارث، أخبرنا قاسم، أخبرنا أحمد بن زهير، قال: أخبرنا حماد، قال: أخبرنا اسحاق بن ابراهيم الازدي، عن معروف بن خربوذ، عن


1 - جامع الاصول 8: 649. 2 - مصابيح السنة 4: 173. 3 - الصواعق المحرقة: 176، سنن الترمذي 5: 636.

[156]

زياد بن المنذر، عن سعيد بن محمد الاسدي، عن أبي الطفيل قال: لما احتضر عمر جعلها شورى بين علي وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمان وسعد، فقال لهم: " أنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وإليه بينه وبينه - إذ آخى بين المسلمين - غيري ؟ " قالوا: اللهم لا. وروينا من وجوه عن علي انه كان يقول: " أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها أحد غيري إلا كذاب ". قال أبو عمر: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين، ثم آخى بين المهاجرين والانصار، وقال في كل واحدة منهما لعلي: " أنت أخي في الدنيا والاخرة "، وآخى بينه وبين نفسه، ولذلك كان هذا القول وما أشبهه من علي. انتهى كلام الاستيعاب (1). قال ابن الاثير في الكامل: روي عن علي: " أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الناس بسبع سنين " (2). انتهى. وهذا يدل على أن الطبري أيضا رواه، لما ذكره في مقدمة الكتاب (3). قال ابن أبي الحديد في الجزء الثالث عشر من الشرح - شرح نهج البلاغة - وروى الطبري في تأريخه ايضا قال: حدثنا بن الحسين الترمذي، قال: حدثنا عبد الله بن موسى، قال: أخبرنا العلاء، عن المنهال بن عمر، عن عباد الله بن عبد الله قال: سمعت عليا يقول: " أنا عبد الله وأخو رسوله، وأنا الصديق الاكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر، صليت قبل الناس بسبع سنين ". وفي غير رواية الطبري: " أنا الصديق الاكبر، وأنا الفاروق الاول،


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2 - الكامل في التأريخ 3: 400. 3 - تأريخ الطبري 2: 310.

[157]

أسلمت قبل اسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته سبع سنين (1). انتهى. وقال في موضع آخر من الشرح: وقد قال هو عليه السلام: " أنا الصديق الاكبر، وأنا الفاروق الاول، أسلمت قبل إسلام الناس، وصليت قبل صلواتهم " (2) انتهى. وفيما رواه أبو داود السجستاني على ما ذكره ابن حجر - كما يأتي ذكره في تزويج فاطمة صلوات الله عليها - لام أيمن: " ها هنا أخي " قالت: أخوك وتزوجه ابنتك ؟ قال: " نعم " (3). قال في الاستيعاب: أبو ليلى الغفاري لا يوقف له على اسم، من حديثه ما رواه اسحاق بن بشر، عن خالد بن الحرث، عن عوف، عن الحسن، عن أبي ليلى الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ستكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فإنه أول من يراني، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الاكبر، وهو فاروق هذه الامة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين " (4). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب الخير والصلاح: قال النبي صلى الله عليه وآله: " إذا كان يوم القيامة نوديت من بطن العرش: نعم الاب أبوك ابراهيم، ونعم الاخ أخوك علي " (5). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق: الحديث الثلاثون: أخرج ابن النجار، عن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " الصديقون ثلاثة: حزقيل مؤمن


1 - شرح نهج البلاغة 3: 275، تأريخ الطبري 2: 310. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 276. 3 - سنن أبي داود 2: 221. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 46. 5 - ربيع الابرار 1: 807.

[158]

آل فرعون، وحبيب النجار صاحب يس، وعلي بن أبي طالب " (1) انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه: الخبر الثامن عشر: " الصديقون ثلاثة: حبيب النجار الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ومؤمن آل فرعون الذي يكتم ايمانه، وعلي بن أبي طالب وهو افضلهم "، رواه أحمد في كتاب فضائل علي (2) انتهى.


1 - الصواعق المحرقة: 125. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 431.

[159]

الفصل الثاني عشر في اخراجه صلى الله عليه وآله الصحابة من المسجد وسد أبوابهم إلا باب أمير المؤمنين صلوات الله عليه. قال صاحب الكشاف في تفسيره عند ذكره قوله عز اسمه في سورة النساء: * (إلا عابري سبيل) * (1): وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأذن لاحد أن يجلس في المسجد أو يمر فيه وهو جنب إلا لعلي، لان بيته كان في المسجد (2). وقال البغوي في المصابيح: عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " يا علي لا يحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ". قال ضرار بن صرد: معناه: لا حل لاحد أن يستطرقه جنبا غيري وغيرك (3). انتهى. قال في جامع الاصول: أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " يا علي لا يحل لاحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ". وقال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث ؟ قال: لا يحل لاحد أن يستطرقه جنبا غيري وغيرك. رواه الترمذي (4). ثم قال بعد ذكره طائفة من مناقبه صلى الله عليه وآله: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بسد الابواب إلا باب علي (5). انتهى.


1 - النساء: 43. 2 - الكشاف 1: 529. 3 - مصابيح السنة 4: 175. 4 - جامع الاصول 8: 657، سنن الترمذي 5: 640. 5 - جامع الاصول 8: 659.

[160]

قال الزمخشري في الفائق من اللغة وشرح غريب الحديث: عن سعدانه قال: لما نودي لنخرج من المسجد إلا آل رسول الله وآل علي عليه السلام، خرجنا نجر قلاعنا، أي: خرجنا ننقل أمتعتنا: هو جمع قلع: وهو الكنف (1) انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث سعد: لما نودي لنخرج من المسجد إلا آل رسول الله صلى الله عليه وآله وآل علي صلوات الله عليه، خرجنا من المسجد نجر قلاعنا، أي: كنفنا وأمتعتنا (2) انتهى. قال في المشكاة: أبو سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي: " يا علي لا يحل لاحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك ". انتهى. ثم قال بعد امة من مناقبه صلوات الله عليه: ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بسد الابواب إلا باب علي. رواه الترمذي (3). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق: وأخرج أبو يعلي، عن ابي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب: لقد أعطي علي ثلاث خصال لئن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم، فسئل: وما هي ؟ قال: تزويجه ابنته، وسكناه المسجد لا يحل فيه ما يحل له، والراية يوم خيبر. وروى أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه (4). انتهى. وقال أيضا في باب فضائله صلوات الله عليه: الحديث الرابع والعشرون: أخرج أحمد والضياء عن زيد بن أرقم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " اني أمرت بسد الابواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم، واني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، لكني أمرت بشئ فاتبعته " (5). انتهى.


1 - الفائق 3: 222. 2 - النهاية 4: 102 " قلع ". 3 - سنن الترمذي 5: 640. 4 - الصواعق المحرقة: 127، مسند أحمد 2: 144. 5 - الصواعق المحرقة: 124.

[161]

وقال السيوطي في تفسيره: وأخرج ابن مردويه، عن أبي الحمراء وحبة العرني قالا: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسد الابواب، ثم ذكر انكارهم عليه صلى الله عليه وآله اخراجهم واسكان ابن عمه، إلى أن قال: فلما اجتمعوا صعد المنبر، فلم يسمع الرسول صلى الله عليه وآله خطبة قط كان أبلغ منها تمجيدا وتوحيدا، فلما فرغ قال: " يا أيها الناس ما أنا سددتها ولا فتحتها، ولا أنا أخرجتكم وأسكنته، ثم قرأ: * (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) * (1) انتهى. ورواه ابن أبي الحديد في الجزء التاسع، وقال: رواه أحمد في المسند مرارا في كتاب الفضائل (2). انتهى. وقال عند ذكره الاخبار التي وضعتها البكرية قال: نحو: لو كنت متخذا خليلا. فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الاخاء. ونحو سد الابواب، فإنه كان لعلي فقلبته البكرية إلى أبي بكر (3). انتهى.


1 - النجم 1 - 4، الدر المنثور 7: 642. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 432. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 433.

[162]

الفصل الثالث عشر في الاخبار المتضمنة أن حبه عليه السلام حب الله تعالى وبغضه عليه السلام بغضه تعالى، ومن آذاه فقد آذى الله سبحانه وبالجملة محبته عليه السلام ايمان وبغضه كفر ونفاق قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الاعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر قال: قال علي: " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، انه لعهد النبي الامي صلى الله عليه وآله الي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " (1). انتهى. وقال البغوي في المصابيح: قال علي: " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، انه لعهد النبي الامي صلى الله عليه وآله الي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق " (2) انتهى. أقول: عدها من الصحاح. ورواه في جامع الاصول (3). ورواه في المشكاة وقال: رواه مسلم (4)، وذكره ابن حجر في الصواعق (5)، ورواه في شرح السنن وقال: هذا حديث صحيح، ثم رواه بطريق آخر وقال: صحيح. وفيه دليل على إيمان كل من أحبه، ولا شبهة في محبة الشيعة له عليه


1 - صحيح مسلم 4: 1873. 2 - مصابيح السنة 4: 171. 3 - جامع الاصول 8: 662. 4 - صحيح مسلم 4: 1873. 5 - الصواعق المحرقة: 122.

[163]

السلام، وأما من قدم عليه من هو دونه، وفضل عليه غيره ممن لا يوازنه في شرف ولا يقاربه في كرم، إن لم يكن مبغضا فلا شك انه ليس بمحب. وأيضا لا يمكن الحكم بايمان الطائفتين، فلابد من اخراج من هو أقرب الى عدم المحبة، وإدخال من هو أشبه بأن يكون محبا وأقرب إليها، فلينظر الناظر لنفسه. قال ابن حجر: وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري: قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم عليا (1). انتهى. قال البغوي في المصابيح: عن زيد بن أرقم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم: " أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم " (2). انتهى. ذكرها في الحسان ولم يقدح فيها، فهي صحيحة. قال في جامع الاصول: زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: " أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم " (3) انتهى. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وفي حديث عمرو بن شاس ما حدثنا به عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن ابراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن اسحاق، عن أبان بن صالح، عن الفضل بن معقل بن سنان، عن عبد الله بن نياز، عن عمرو بن شاس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " قد آذيتني "، فقلت: ما احب أن أوذيك، فقال: " من آذى عليا فقد آذاني ". قال أحمد بن زهير: وأخبرنا موسى بن اسماعيل، حدثنا مسعود بن


1 - الصواعق المحرقة: 122، سنن الترمذي 5: 635. 2 - مصابيح السنة 4: 190. 3 - جامع الاصول 9: 30. (*)

[164]

سعد، قال: حدثنا محمد بن اسحاق، عن الفضل بن معقل بن سنان، عن عبد الله بن نياز، عن عمرو بن شاس عن النبي صلى الله عليه وآله مثله. انتهى. روى هذه الرواية عند ذكره عمرا هذا (1). وقال عند ذكره مناقب أمير المؤمنين صلوات الله عليه: وروت طائفة من الصحابة ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ". وكان علي يقول: " والله انه لعهد النبي الامي صلى الله عليه وآله إلي انه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق ". وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ألا أعلمك كلمات لئن قلتهن غفر الله لك مع انك مغفور لك " الحديث (2) انتهى. ثم قال: وقال صلى الله عليه وآله: " من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله " (3). انتهى. قال ابن حجر: وخرج عمرو الاسلمي - وكان من اصحاب الحديبية - مع علي الى اليمن، فرأى منه جفوة، فلما قدم المدينة أذاع شكايته، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: " لقد آذيتني "، فقال: أعوذ بالله أوذيك يا رسول الله صلى الله عليه وآله ! ! فقال: " بلى من آذى عليا فقد آذاني ". أخرجه أحمد (4). وزاد ابن عبد البر: " من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله ".


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 529. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 36. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 37. 4 - مسند أحمد بن حنبل 4: 114.

[165]

ثم قال: وكذلك وقع لبريدة انه كان مع علي في اليمن، فقدم مغضبا عليه وأذاع شكايته بجارية أخذها من الخمس، فقيل: أخبره يسقط من عينه، ورسول الله صلى الله عليه وآله يسمع من وراء الباب، فخرج مغضبا فقال: " ما بال أقوام يبغضون عليا، من أبغض عليا فقد أبغضني، ومن فارق عليا فقد فارقني، إن عليا مني وأنا منه، خلق من طينتي، وخلقت من طينة ابراهيم، ولا أفضل من ابراهيم و * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (1)، يا بريدة أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية التي أخذها "، أخرجه الطبراني (2) انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه: الخبر السابع عشر: خطب صلى الله عليه وآله يوم الجمعة فقال: " أيها الناس قدموا قريشا ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها، قوة رجل من قريش تعدل قوة رجلين من غيرهم، أيها الناس أوصيكم بحب ذي قرباها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب، لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذبه الله بالنار ". ورواه أحمد في كتاب فضائل علي (3). انتهى. قال في المشكاة: عن أم سلمة قالت: قال رسول الله عليه وآله: " لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن ". رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب اسنادا. وقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من سب عليا فقد سبني ". رواه أحمد (4). انتهى.


1 - آل عمران: 34. 2 - الصواعق المحرقة: 134، الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 37. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 431. 4 - مسند أحمد 6: 323، سنن الترمذي 5: 633.

[166]

قال ابن حجر: الحديث السابع عشر: أخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله ". الحديث الثامن عشر: أخرج أحمد والحاكم، وصححه عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من سب عليا فقد سبني " (1). انتهى. ثم قال بعد كلام: الحديث الثاني والثلاثون: أخرج الخطيب، عن أنس: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن ابي طالب صلوات الله عليه " (2). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب: الخلق وصفاتها: أجارت أم هاني بنت أبي طالب الحرث بن هاشم يوم الفتح، فدخل عليها علي فأخذ السيف ليقتله، فوثبت فقبضت على يديه، فلم يقدر أن يرفع قدميه من الارض، وجعل يلتفت منها ولا يقدر، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر إليها فتبسم وقال: " قد أجرنا من أجرت، ولا تغضبي عليا، فإن الله يغضب لغضبه " (3). انتهى. أقول: تفلته صلوات الله عليه ليس من عجزه عنها، بل رفقه بها، ولخوفه أن يفصم منها المعصم إن عنف بها، وهذا بين. قال ابن أبي الحديد في الشرح في الجزء التاسع، الخبر الخامس عشر: " النظر الى وجهك يا علي عبادة، أنت سيد في الدنيا وسيد في الاخرة، من أحبك أحبني، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، الويل لمن أبغضك ".


1 - الصواعق المحرقة: 123. 2 - الصواعق المحرقة: 125. 3 - ربيع الابرار 1: 869.

[167]

رواه أحمد في المسند (1). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 2: 430، مسند أحمد 2: 175.

[168]

الفصل الرابع عشر في الاخبار الدالة على وجوب متابعتهم والاعتصام بحبلهم، وأن الحق والقرآن معهم، وهم معهما وأن النجاة في التمسك بحبلهم، وفيه ذكر الشيعة والثناء عليهم قال مسلم بن الحجاج في جامعة الصحيح: عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فينا خطيبا بما يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: " أما بعد، ألا يا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به " فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: " وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي " (1). انتهى. وروى مثله بطرق أخر. قال ابن الاثير في كتاب جامع الاصول في الباب الاول من كتاب الثاني في الاعتصام: جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: " اني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ". أخرجه الترمذي. زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر: كتاب الله حبل


1 - صحيح البخاري 4: 1873.

[169]

ممدود من الارض الى السماء، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ". أخرجه الترمذي. انتهى. ثم قال في شرح هذا الفصل: القصواء: اسم ناقة النبي صلى الله عليه وآله، ولم تكن قصواء، لان القصواء: هي التي قطع طرف إذنها، ولم تكن ناقته كذلك. يقال: ناقة قصوى، ولا يقال: جمل أقصى، وإنما يقال: مقصور مقصو (1). انتهى. قال البغوي في المصابيح: عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله خطيبا، ثم ذكر مثل رواية بألفاظها، إلا أنه ليس فيه قوله: فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: وفي رواية: " كتاب الله هو حبل ممدود، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة " (2). انتهى. ذكرها في الصحاح ثم قال: من الحسان: عن جابر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: " يا أيها الناس اني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي " (3). عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (4). انتهى.


1 - جامع الاصول 1: 277 - 278، سنن الترمذي 5: 662 - 663. 2 - مصابيح السنة 4: 186. 3 - مصابيح السنة 4: 189. 4 - مصابيح السنة 4: 190.

[170]

ولم يقدح فيهما بغرابة ولا ضعف، فهما صحيحان كما ذكر في أول كتابه. وذكرها في المشكاة، وقال في الاول: رواه مسلم (1)، وفي الاخرين: رواهما الترمذي (2). وروي في شرح السنن عن أبي سعيد الخدري مثل ألفاظ الرواية الاخيرة، إلا انه ليس فيه: " فانظروا كيف تخلفوني فيهما ". وقال السيوطي في تفسير قوله تعالى: * (واعتصموا بحبل الله جميعا) * (3): وأخرج أحمد، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " اني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والارض، وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ". وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم، فذكر قريبا مما تقدم عنه، وفي آخره: " فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم ". ثم قال: وأخرج ابن سعد، وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري، فذكر قريبا مما رواه البغوي عن زيد بن ارقم في الحسان (4). قال ابن الاثير في جامع الاصول: بريد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن ارقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله.


1 - صحيح مسلم 4: 1873. 2 - سنن الترمذي 5: 662. 3 - آل عمران: 103. 4 - الدر المنثور 5: 282.

[171]

قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وآله، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه. ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: " أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا (1) تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به "، فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: " وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ". وزاد في رواية: " كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ كان على الهدى، ومن أخطأه ضل ". ونحوه غير أنه قال: " ألا وإني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة ". انتهى. وفيه: فقلنا: من أهل بيته، نساؤه ؟ قال: لا وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى أبيها وقومها، أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة من بعده (2). انتهى. وروى هذه الرواية في شرح السنن بألفاظ مسلم فقال: هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن زهير بن حرب، عن ابن علية، عن أبي حيان. ورواه سعد بن مسروق عن يزيد بن حيان، وزاد " انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ".


1 - في المصدر: واني. 2 - جامع الاصول 9: 158.

[172]

وذكر ابن حجر: آية * (وقفوهم انهم مسؤولون) * (1)، ثم ذكر رواية مسالم التي قدمناها عن مسلم في صحيحه (2)، وعن أحمد في مسنده (3). ثم قال: في مسلم: عن زيد بن أرقم أنه صلى الله عليه وآله قال ذلك يوم غدير خم، وهو ماء بالجحفة - كما مر وزاد: " أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ". قلنا لزيد: من أهل بيته، نساؤه ؟ قال: لا وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده. وفي رواية صحيحة: " اني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما: كتاب الله، وأهل بيتي عترتي " (4). وزاد الطبراني: " اني سألت ذلك لهما، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم اعلم منكم " (5). انتهى. قال: ثم اعلم ان لحديث التمسك طرقا كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابيا، ومر له طرق مبسوطة في حادي الشبه، وفي بعض تلك الطرق: انه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة. وفي أخرى: انه قاله بغدير خم. وفي أخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلات الحجرة بأصحابه. وفي أخرى: انه قاله لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف. ولا تنافي، إذ لا مانع من أنه كرر ذلك عليهم في تلك المواطن وغيرها،


1 - الصافات: 24. 2 - صحيح مسلم 4: 1782. 3 - مسند أحمد 2: 175. 4 - صحيح مسلم 4: 1873. 5 - الصواعق المحرقة: 149.

[173]

اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة. وفي رواية عند الطبراني وأبي الشيخ: " إن لله ثلاث حرمات، فمن حفظهن حفظ الله دينه ودنياه، ومن لم يحفظهن لم يحفظ له دينه ولا آخرته ". قلت: ما هذه ؟ قال: " حرمة الاسلام، وحرمة رحمي ". وفي رواية للبخاري عن الصديق: يا أيها الناس ارقبوا محمدا في أهل بيته. وأخرج ابن سعد والملا في سيرته انه صلى الله عليه وآله قال: " استوصوا بأهل بيتي خيرا، فإني اخاصمكم عنهم غدا، ومن أكن خصمه أخصمه، ومن أخصمه دخل النار ". وانه قال: " من حفظني وأهل بيتي فقد اتخذ عند الله عهدا ". واخرج الاول: " أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ". والثاني: " في كل خلف من أمتي عدول، وأهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم الى الله، فانظروا من توفدون ". واخرج أحمد: " الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت ". انتهى كلام ابن حجر (1). قال ابن الاثير في كتاب النهاية وفيه: " اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي " (2). وقال في موضع آخر منه: وفيه: " خلفت فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي " (3). انتهى.


1 - الصواعق المحرقة: 149 - 150. 2 - النهاية 1: 216 " اثقل ". 3 - النهاية 3: 177 " عتر ".

[174]

قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب: الخير والصلاح: استأذن أبو ثابت مولى علي على أم سلمة، فقالت: مرحبا بك يا أبا ثابت، ثم قالت: يا أبا ثابت أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها ؟ قال: تبع عليا، قالت: وفقت والذي نفسي بيده، لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " علي مع الحق والقرآن، والحق والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (1). انتهى. قال ابن حجر: الطبراني في الاوسط عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (2). انتهى. وقال ابن حجر: الحديث الرابع والثلاثون: أخرج الدارقطني في الافراد عن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " علي باب حطة، من دخل منه كان مؤمنا، ومن خرج منه كان كافرا " (3). انتهى. ثم قال بعد ذكره الحديث الاربعين من فضائله صلوات الله عليه: وفي رواية انه صلى الله عليه وآله قال في مرض موته: " أيها الناس يوشك أن اقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة مني اليكم، ألا إني مخلف فيكم كتاب الله عز وجل، وعترتي أهل بيتي "، ثم أخذ بيد علي فرفعها فقال: " هذا مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض فاسألهما ما خلفت فيهما " (4). انتهى. ومن هذا الباب ما رواه في الاستيعاب عن أبي ليلى الغفاري، وقد تقدم في فصل خبر المؤاخاة (5).


1 - ربيع الابرار 1: 828. 2 - الصواعق المحرقة: 123. 3 - الصواعق المحرقة: 125. 4 - الصواعق المحرقة: 126. 5 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 38.

[175]

قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرحه: الخبر الخامس: " من سره أن يحيى حياتي ويموت ميتتي، ويتمسك بالقضيب من الياقوتة التي خلقها الله تعالى بيده، ثم قال لها: كوني، فكانت، فليتمسك بولاء علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ". ذكره أبو نعيم الحافظ في كتاب حلية الاولياء (1). ورواه أبو عبد الله أحمد بن حنبل في المسند، وفي كتاب فضائل علي ابن ابي طالب عليهما السلام، وحكاية لفظ أحمد: " من أحب أن يتمسك بالقضيب الاحمر الذي غرسه الله في جنة عدن بيمينه، فليتمسك بحب علي ابن ابي طالب عليهما السلام " (2). انتهى. وقال أيضا في هذا الجزء من الشرح: الخبر الثاني عشر: " من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي، فليوال عليا من بعدي، وليوالي وليه وليقتد بالائمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهما وعلما، فويل للمكذبين من أمتي، والقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي ". ذكره صاحب الحيلة أيضا (3). انتهى. قال في المشكاة عن أبي ذر انه قال - وهو آخذ بباب الكعبة: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: " إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك ". ثم قال: رواه أحمد (4). انتهى. وفي النهاية لابن الاثير بهذا اللفظ: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من


1 - حلية الاولياء 1: 86. 2 - مسند أحمد 4: 316. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 430 حلية الاولياء 1: 86. 4 - شرح نهج البلاغة 2: 430.

[176]

تخلف عنها زخ به في النار "، قال: أي دفع ورمي (1). انتهى. وقال ابن حجر في صواعقه: الحديث الثاني: أخرج الحاكم عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك ". وفي رواية للبزاز عن ابن عباس وعن ابن الزبير، وللحاكم عن أبي ذر أيضا: " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق " (2). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب الخير والصلاح: وعنه عليه السلام: " يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزهم، فترى أين يؤخذ (3) بنا " (4). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق: الاية السابقة: قوله تعالى: * (ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * (5) أشار صلى الله عليه وآله إلى وجود ذلك المعنى في أهل بيته، وأنهم أمان أهل الارض كما كان صلى الله عليه وآله أمانا لهم، وفي ذلك أحاديث كثيرة يأتي بعضها. ثم قال بعد أن ذكر ثلاثة أحاديث صريحا على ما ذكرره، قال: وفي رواية صحيحة الحاكم على شرط الشيخين: " النجوم أمان لاهل الارض من الغرق، وأهل بيته أمان لامتي من الاختلاف، فإذا خالفتهم قبيلة من العرب اختلفوا وصاروا حزب ابليس ". وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضا: " إنما مثل أهل بيتي فيكم


1 - النهاية 2: 298 " زخخ ". 2 - الصواعق المحرقة: 186. 3 - في المصدر: يأمر. 4 - ربيع الابرار 1: 808. 5 - الانفال: 33.

[177]

كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ". وفي رواية مسلم: " ومن تخلف عنها غرق ". وفي رواية مالك: " وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل، من دخله غفر له ". وفي رواية: " غفر له الذنوب " (1). انتهى. وقال في موضع آخر من صواعقه: وأخرج أبو الشيخ من جملة حديث طويل: " يا أيها الناس إن الفضل والشرف والمنزلة والولاية لرسول الله وذريته صلوات الله عليهم، فلا تذهبن بكم الاباطيل " (2). وفي كتاب النهاية لابن الاثير: " تقدم أنت وشيعتك آمنين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين "، ثم جمع يده الى عنقه يريهم كيف الاقماح (3). انتهى. وقال في الصواعق عند ذكره قوله تعالى: * (أولئك هم خير البرية) * (4) أخرج الحافظ جمال الدين الذرندي، عن ابن عباس: ان هذه الاية لما نزلت قال صلى الله عليه وآله لعلي: " هو أنت وشيعتك، تأتي يوم القيامة أنت وشيعتك راضيين مرضيين، ويأتي عدوك غضابا مقمحين " (5). انتهى. وقال في الصواعق أيضا: وأخرج الطبراني بسند ضعيف: إن عليا أوتي يوم البصرة بذهب وفضة فقال: " ابيضي واصفري غري غيري، غري أهل الشام غدا إذا ظهروا عليك ". فشق قوله ذلك على الناس، فذكر له ذلك، فأذن في الناس فدخلوا عليه


1 - الصواعق المحرقة: 152. 2 - الصواعق المحرقة: 154. 3 - النهاية 4: 106 " قمح ". وفيه: وشيعتك راضيين مرضيين. 4 - البينة: 7. 5 - الصواعق المحرقة: 161.

[178]

فقال: " إن خليلي صلى الله عليه وآله قال: يا علي انك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضيين مرضيين، ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين "، ثم جمع علي يده الى عنقه يريهم الاقماح (1). انتهى. وقال عند ذكره الاية العاشرة في آخر الفصل: وأخرج الديلمي: " يا علي إن الله قد غفر لك ولذريتك ولولدك ولاهلك، ولشيعتك ولمحبي شيعتك، فأبشر فإنك الانزع البطين " (2). انتهى. ثم روى خبر: " أنت وشيعتك تردون علي الحوض رواء مرويين مبيضة وجوهكم، وان عدوك يردون علي الحوض ظماء مقمحين "، وذكر أن فيه ضعفا، ثم قال: ومر بيان صفات شيعته، فاحذر غرور الضالين وتمويه الجاحدين الرافضة والشيعة ونحوهما * (قاتلهم الله أنى يؤفكون) * (3).


1 - الصواعق المحرقة: 155. 2 - الصواعق المحرقة: 161. 3 - التوبة: 30.

[179]

الفصل الخامس عشر في الاخبار النادرة قال الحسين بن مسعود البغوي في المصابيح: عن أم عطية قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله جيشا فيهم علي قالت: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو رافع يديه ويقول: " اللهم لا تمتني حتى تريني عليا " (1) انتهى. ذكره في الحسان ولم يقيده، فهو صحيح على شرطه على ما مر غير مرة. ورواه ابن الاثير في كتاب جامع الاصول (2). ورواه في المشكاة، وقال: قال ابن الحديد في الجزء التاسع من الشرح: الخبر السادس: " والذي نفسي بيده لولا أن تقول طوائف من أمتي فيك ما قالت النصارى في ابن مريم، لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بملا من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدميك للبركة ". ذكره ابن الاثير في كتاب النهاية في اللغة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " يزف علي بيني وبين ابراهيم الى الجنة " (4). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب الشجر والفواكه: علي: " قال صلى الله عليه وآله: لما أسري بي إلى السماء أخذ جبرئيل عليه السلام بيدي فأقعدني على درنوك (5) من درانيك الجنة، ثم ناولني سفرجلة، فأنا


1 - الصواعق المحرقة: 161. 2 - جامع الاصول 8: 661. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 430، مسند أحمد 3: 88. 4 - النهاية 2: 305 " زفف ". 5 - الدرنوك: ضرب من البسط ذو خمل. الصحاح 4: 1583 " درنك ".

[180]

اقلبها إذ انفلقت فخرجت منها جارية حوراء لم أر أحسن منها، فقالت: السلام عليك يا محمد، قلت: من أنت ؟ قالت: الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة أصناف: أسفلي من مسك، ووسطي من كافور، وأعلاي من عنبر، عجنني من ماء الحياة، قال الجبار: كوني، فكنت لاخيك وابن عمك علي " (1). انتهى. قال في النهاية في أسماء الله تعالى: الديان هو القهار، وقيل: الحاكم والقاضي، وهو فعال، من دان الناس أي قهرهم على الطاعة، يقال: دنتهم فدانوا: أي قهرتهم فأطاعوا، ومنه شعر الاعشى الحرمازي يخاطب النبي صلى الله عليه وآله: يا سيد الناس وديان العرب ومنه الحديث: " كان علي ديان هذه الامة " (2). انتهى. قال الجوهري في الصحاح: وقول ذي الاصبع: لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب عني ولا أنت دياني فتخزوني أي: ولا أنت مالك أمري فتسوسني (3). انتهى. وفي النهاية لابن الاثير انه صلى الله عليه وآله عوذ عليا حين ركب وصفن ثيابه في سرجه، أي: جمعها فيه (4). وفيه أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لعلي: " أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه الرجال كما يذاد البعير الصاد "، قال: أي العطشان (5). انتهى.


1 - ربيع الابرار 1: 286. وفيه: كوني فكنت، خلقني لاخيك وابن عمك علي بن أبي طالب رضي الله عنه. 2 - النهاية 2: 148 " دين ". 3 - الصحاح 5: 2119 " دين ". 4 - النهاية 3: 39 " صفن ". 5 - النهاية 3: 65 " صيد ".

[181]

وذكر الزمخشري في الفائق عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لعلي: " إن لك بيتا في الجنة وانك لذو قرنتها "، قال: الضمير للامة (1). قال في النهاية: وفيه انه قال لعلي: " إن لك بيتا في الجنة، وانك ذو قرنيها " أي: طرفي الجنة وجانبيها. قال أبو عبيد: وأحسب انه أراد: ذو قرني الامة، فأضمر (2). انتهى. وروي في روضة الاحباب عن أنس انه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أتاني جبرئيل عليه السلام وقال: إن الله يأمرك أن تزوج فاطمة من علي ". وروي فيه: ان أبا بكر وعمر خطباها إليه صلى الله عليه وآله فردهما، وخطبها علي صلوات الله عليه فقال صلى الله عليه وآله: " مرحبا وأهلا ". وروي انه عوذهما ليلة الزفاف بدعاء وماء كلا منهما صلوات الله عليهما علي حدة، وأمرهما بشرب الماء والوضوء منه. وروي أنه صلى الله عليه وآله قال: " اللهم إنهما مني، اللهم كما أذهبت عني الرجس وطهرتني فطهرهما " (3). قال ابن حجر في الصواعق: أخرج أبو بكر الخوارزمي انه صلى الله عليه وآله خرج عليهم ووجهه مشرق كدائرة القمر، فسأله عبد الرحمن بن عوف، فقال صلى الله عليه وآله: " بشارة أتتني من ربي في أخي وابن عمي وابنتي، بأن الله زوج عليا من فاطمة، وأمر رضوان خازن الجنان فهز شجرة طوبى، فحملت رقاقا - يعني صكاكا - بعدد محبي أهل البيت، وأنشأ تحته ملائكة من نور، رفع إلى كل ملك صكا، فإذا استوت القيامة بأهلها نادت الملائكة في الخلائق، فلا يبقى محب لاهل البيت إلا دفعت إليه صكا فيه فكاكه من النار، فصار أخي وابن عمي وابنتي فكاك رقاب رجال ونساء من


1 - الفائق 3: 172 " قرن ". 2 - النهاية 4: 51 " قرن ". 3 - روضة الاحباب: 214.

[182]

أمتي من النار " (1). انتهى. وذكر الزمخشري في الفائق، وابن الاثير في النهاية عن علي عليه السلام انه قال: " أنا قسيم النار " (2). قال ابن حجر في صواعقه: الحديث السابع والثلاثون: أخرج ابن عدي عن علي: " ان النبي صلى الله عليه وآله قال: علي يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين " (2). انتهى. قال في النهاية: في حديث علي: " أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكفار "، وفي رواية: " المنافقين ". انتهى. قال ابن حجر في الصواعق: الحديث الخامس عشر: أخرج الطبري والحاكم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " النظر إلى علي عبادة " اسناده حسن (4). انتهى. قال في النهاية: وفي حديث عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " النظر الى وجه علي عبادة " (5). انتهى. قال ابن حجر في صواعقه: الحديث الثامن والعشرون: أخرج الديلمي عن عائشة: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " خير اخوتي علي، وخير أعمامي حمزة، ذكر علي عبادة " (6). انتهى. وقال ابن حجر: الحديث الثامن عشر: أخرج أحمد والترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من أحب هذين وأباهما وأمهما كان معي


1 - الصواعق المحرقة: 142. 2 - الفائق 3: 195 " قسم "، النهاية 4: 61 " قسم ". 3 - الصواعق المحرقة: 125. 4 - الصواعق المحرقة: 123. 5 - النهاية 5: 77 " نظر ". 6 - الصواعق المحرقة: 124.

[183]

في درجتي يوم القيامة " (1). انتهى. وقال في موضع آخر منه: أخرج عنه صلى الله عليه وآله: " أعطيت في علي خمسا، هن أحب إلي من الدنيا، وما فيها: أما واحدة: فهو بين يدي الله حتى يفرغ من الحساب. 2 - وأما الثانية: فلواء الحمد بيده، آدم ومن ولده تحته. وأما الثالثة: فواقف علي على حوضي، يسقي من عرف من أمتي " الحديث (2). انتهى. وقال فيه أيضا: أخرج أبو يعليى عن عائشة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وآله التزم عليا وقبله وهو يقول: " بأبي الوحيد الشهيد " (3). انتهى. وقال فيه ايضا: أخرج الخطيب عن البراء، والديلمي عن ابن عباس: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " علي مني بمنزلة رأسي من بدني ". وقال فيه: أخرج البيهقي والديلمي عن أنس: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " علي يزهر في الجنة ككوكب الصبح لاهل الدنيا " (4). انتهى. وقال ابن حجر في الصواعق: ومن كراماته الباهرة أن الشمس ردت عليه لما كان رأس النبي صلى الله عليه وآله في حجره والوحي ينزل عليه وعلي لم يصل العصر، فما سرى عنه إلا وقد غربت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم انه كان في طاعتك وطاعة رسولك فأردد عليه الشمس "، فطلت بعدما غربت. وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي في الشفاء، وحسنه شيخ


1 - الصواعق المحرقة: 187، مسند أحمد 1: 76، سنن الترمذي 5: 641. 2 - الصواعق المحرقة: 186. 3 - الصواعق المحرقة: 124. 4 - الصواعق المحرقة: 125.

[184]

الاسلام أبو زرعة، وتبعه غيره (1). انتهى. وذكر مثله سواء في روضة الاحباب إلا أنه قال: انه كان بصهباء، مرجعه صلى الله عليه وآله من خيبر. ثم روى عن أسماء بنت عميس انها قالت: رأيت الشمس طلعت بعدما غربت، ولم يبق جبل ولا أرض إلا طلعت عليه حتى قام علي فصلي العصر. وروي عن الطحاوي انه قال: إن رواة هذا الخبر ثقات. وقال: إن الطحاوي من أكابر علماء الحنفية. وقال: أورده القاضي عياض في الشفاء عن الطحاوي، والشيخ سعيد الكارزوني عن علماء الشافعية في المنتقي، وذكر عن أحمد بن صالح انه أمر بحفظ هذا الخبر، لانه من علامات النبوة (2). انتهى. ثم قال ابن حجر: قال سبط ابن الجوزي: وفي الباب حكاية عجيبة، حدثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق انهم شاهدوا أبا المنصور المظفر بن أزدشير الواعظ القباوي ذكر بعد العصرر هذا الحديث ونمقه بألفاظ، وذكر فضائل أهل البيت، فغطت سحابة الشمس حتى ظن الناس أنها غابت، فقام على المنبر وأومأ الى الشمس وأنشد: لا تغربي يا شمس حتى ينتهي مدحي لال المصطفى ولنجله واثني عنانك إن أردت ثناءهم أنسيت إذ كان الوقوف لاجله إن كان للمولى وقوفك فليكن هذا الوقوف لخيله ولرحله قالوا: فانجاب السحاب عن الشمس فطلعت (3). انتهى. قال في تأريخ المدينة خلاصة الوفا: مسجد الفضيخ: صغير شرقي مسجد قباء على شفير الوادي.


1 - الصواعق المحرقة: 128. 2 - روضة الاحباب: 581. 3 - الصواعق المحرقة: 128.

[185]

ثم قال: ولم أر مأخذا لقول المطري أنه يعرف اليوم بمسجد الشمس. قال المجد: ولعله لكونه على مكان عال أو ما تطلع الشمس عليه، ولا يظن انه المكان الذي أعيدت الشمس فيه بعد الغروب لعلي بن أبي طالب، فغربت الشمس ولم يكن علي صلى العصر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " اللهم إنه كان (1) في طاعتك وطاعة رسولك (2) فأردد الشمس " الحديث، لان ذلك بالصهباء من خيبر. وقد أخرج هذا الحديث ابن مندة وابن شاهين عن أسماء بنت عميس، وابن مردويه عن ابن هريرة، واسنادهما حسن، وممن صححه الطحاوي (3). انتهى. قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب: روى ابن الهاد، عن عثمان بن صهيب، عن أبيه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: " من أشقى الاولين ؟ " قال: " الذي عقر الناقة ". قال: صدقت، فمن أشقى الاخيرين ؟ " قال: " لا أدري ". قال: " الذي يضربك على هذا - يعني يافوخخ - يخضب هذه " يعني لحيته (4). انتهى. وقال ابن حجر: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي: " أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - يعني قرنه - حتى يبل


1 - في النسختين: اللهم ان كان. 2 - في المصدر: نبيك. 3 - خلاصة الوفا: 184. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 54.

[186]

هذه " يعني لحيته. وقد ورد ذلك من حيث علي، وصهيب، وجابر بن سمرة، وغيره. وأخرج أبو يعلى عن عائشة قالت: رأيت النبي صلى الله عليه وآله التزم عليا وقبله وهو يقول: " بأبي الوحيد الشهيد، بأبي الوحيد الشهيد ". وروى الطبراني وأبو يعلى بسند رجاله ثقات إلا واحدا منهم فإنه موثق أيضا انه صلى الله عليه واله قال له يوما: " من أشقى الاولين ؟ " قال: " الذي عقر الناقة يا رسول الله صلى الله عليه وآله "، قال: " صدقت ". قال: " فمن أشقى الاخرين ؟ " قال: " لا علم لي يارسول الله صلى الله عليه وآله ". قال: " الذي يضربك على هذه "، وأشار صلى الله عليه وآله إلى يافوخه (1) انتهى. وروى الزمخشري في الكشاف: قال ابن حجر في ذيل الحديث الاربعون من مناقبه صلى الله عليه وآله: وأخرج أحمد في المناقب عن علي قال: " طلبني النبي صلى الله عليه وآله في حائط، فضربني برجله وقال: قم في الله لارضيك أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل على سنتي، من مات على عهدي فهو كنز الجنة، ومن مات على عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات بحبك بعد موتك ختم الله له بالامن والايمان ما طلعت شمس أو غربت ". وأخرج الدارقطني: إن عليا قال للستة الذين جعل عمر الامر شورى بينهم كلاما طويلا من جملته: " انشدكم بالله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أنت قسيم الجنة والنار ؟ " قالوا: اللهم لا. ومعناه ما رواه عنترة عن علي الرضا انه صلى الله عليه وآله قال له: " أنت قسيم الجنة والنار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي وهذا لك ".


1 - الصواعق المحرقة: 124، مسند أحمد 4: 263، مستدرك الصحيحين 3: 141.

[187]

وروى ابن السمان: إن أبا بكر قال له: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب له علي الجواز " (1). انتهى. قال ابن الحديد في الجزء التاسع من شرحه: فقد جاء في حقه الخبر الشائع المستفيض انه " قسيم النار والجنة ". وذكر أبو عبيد الهروي في الجمع بين الغريبين: إن قوما من أئمة العربية فسروه فقالوا: لانه لما كان محبه من أهل الجنة ومبغضه من أهل النار، كان بهذا الاعتبار قسيم النار والجنة. وقال غيره: بل هو قسيمها بنفسه في الحقيقة، يدخل قوما الى الجنة وقوما الى النار. وهذا الذي ذكره أبو عبيد أخيرا يطابق الاخبار الواردة فيه: " يقول للنار: هذا لي فدعيه، وهذا لك فخذيه " (2). انتهى. روي في روضة الاحباب: ان النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام وقد سأله عنه وعن فاطمة: " أينا أحب إليك ؟ " " هي أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها " (3). البيهقي قال ابن خلكان: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الشافعي، واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم (4). انتهى. الطحاوي قال ابن خلكان: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلام بن عبد الملك


1 - الكشاف 4: 175، الصواعق المحرقة: 139. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 433. 3 - روضة الاحباب: 664. 4 - وفيات الاعيان 1: 75.

[188]

الازدي الطحاوي، الفقيه الحنفي، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، وكان شافعي المذهب. ثم قال بعد ذكره علة انتقاله الى مذهب أبي حنيفة: وصنف كتبا مفيدة منها: أحكام القرآن، واختلاف العلماء، ومعاني الاثار والشروط، وله تأريخ كبير وغير ذلك (1). انتهى. القاضي عياض قال ابن خلكان: كان إمام وقته في الحديث وعلومه، والنحو والفقه، وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، وصنف التصانيف المفيدة. ثم ذكر تصانيفه الى أن قال: وله كتاب الشفاء (2). ابن مندة العبدي قال ابن خلكان: أبو عبد الله بن يحيى بن مندة، الحافظ المشهور، صاحب كتاب اصبهان، كان أحد الحفاظ الثقات. ثم قال: ومندة: بفتح الميم، والدال المهملة، وبينهما نون ساكتة، وفي الاخر هاء ساكنة (3). انتهى.


1 - وفيات الاعيان 1: 71. 2 - وفيات الاعيان 3: 483. ولم يرد فيه ذكر لكتاب الشفاء. 3 - وفيات الاعيان 4: 289.

[189]

الفصل السادس عشر في علمه صلى الله عليه وآله، ورجوع من تقدمه عليه السلام وسائر الصحابة إليه صلوات الله عليه اعلم أن جميع ما روي من مناقبه، وما دل على امامته ومعجزاته واخباره بالمغيبات، لا سيما ما روته الخاصة والعامة عنه صلوات الله عليه من العلوم الالهية، وأخبار الماضين والباقين، والفقه والقضايا والاحكام، ومحاسن الاداب والاخلاق والوعظ، ما ملا الخافقين، دال على ما أردنا ايراده وحاولناه قال البخاري في صحيحه في تفسير سورة البقرة باب قوله: * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) * (1): حدثنا عمر بن علي، قال: حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: أقرانا أبي، وأقضانا علي (2). انتهى. قال في المصابيح: وقال علي: " كنت إذا سألت رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني، وإذا سكت ابتدأني ". ثم قال: عن علي قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا دار الحكمة وعلي بابها (3). انتهى. ورواه في المشكاة وقال: رواه الترمذي (4). قال يوسف بن عبد البر في الاستيعاب: وروي عنه صلى الله عليه وآله: " أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه " (5). انتهى.


1 - البقرة: 106. 2 - صحيح البخاري 6: 23. 3 - مصابيح السنة 4: 174. 4 - سنن الترمذي 5: 641. 5 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 52.

[190]

قال في جامع الاصول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " (1). انتهى. قال في الصواعق: الحديث التاسع: أخرج البزاز والطبراني في الاوسط عن جابر بن عبد الله، والطبراني والحاكم والعقيلي في الضعفاء وابن عدي عن ابن عمر، والترمذي والحاكم عن علي قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم وعلي بابها ". وفي رواية اخرى: " فمن أراد العلم فليأت الباب ". وفي اخرى عند الترمذي عن علي: " أنا دار الحكمة وعلي بابها ". وفي أخرى عند أبي عدي: " علي باب علمي ". ثم قال: وبالغ الحاكم على عادته فقال: إن الحديث صحيح، وصوب بعض محققي المتأخرين والمطلعين من المحدثين انه حديث حسن (2). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث أبي ذر قال يصف عليا: وإنه لعالم الارض وزرها الذي تسكن إليه، أي: قوامها، وأصله من زر القلب: وهو عظيم صغير يكون قوام القلب به. وأخرج الهروي صدر هذا الحديث عن سلمان (3) انتهى. قال في الاستيعاب: وروى معمر عن وهب بن عبد الله، عن أبي الطفيل قال: شهدت عليا يخطب وهو يقول: " سلوني، فو الله لا تسألوني عن شئ إلا أخبركم، وسلوني عن كتاب الله، فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل " (4). انتهى. قال في الصواعق: أخرج ابن سعيد عنه قال: " والله ما نزلت آية إلا وقد


1 - جامع الاصول 8: 657. 2 - الصواعق المحرقة: 122، سنن الترمذي 5: 641. 3 - النهاية 2: 300 " زرر ". 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 49.

[191]

علمت فيما نزلت، وأين نزلت، وعلى من نزلت، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا ". وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل قال: قال علي: " سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل " (1). انتهى. قال ابن الحديد في الجزء التاسع من الشرح: الخبر الرابع: " من أراد أن ينظر إلى نوح في عزمه، وإلى آدم في علمه، وإلى ابراهيم في حلمه، وإلى موسى في فطنته، وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى علي بن أبي طالب ". رواه أحمد بن حنبل في المسند، ورواه البيهقي في صحيحه (2). انتهى. قال الحسين بن مسعود في المصابيح: عن علي قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله الى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء، فقال: إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، إذا تقاضى اليك رجلان فلا تقض للاول حتى تسمع كلام آخر، فإنه أحرى أن يتبين لك للقضاء، قال: فما شككت في قضاء بعد " (3). انتهى. ورواه بألفاظه ابن الاثير في كتاب القضاء من جامع الاصول (4). ورواه في روضة الاحباب (5). قال ابن حجر في الصواعق: الحديث العاشر: أخرج الحاكم - وصححه - عن علي قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء، فضرب


1 - الصواعق المحرقة: 127. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 430. 3 - مصابيح السنة 4: 192. 4 - جامع الاصول 10: 174. 5 - روضة الاحباب: 314.

[192]

صدري بيده ثم قال: اللهم إهد قلبه وثبت لسانه، فو الذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين " (1). انتهى. ورواه في روضة الاحباب، وروى قوله صلى الله عليه وآله: " اقضاكم علي " (2). قال في الاستيعاب: وبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله الى اليمن وهو شاب ليقضي بينهم، فقال: " يا رسول الله اني لا أدري ما القضاء "، فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بيده صدره وقال: " اللهم إهد قلبه وسدد لسانه "، قال علي: " فو الله ما شككت بعدها في قضاء بين اثنين " (3). انتهى. قال في جامع الاصول: علي قال: " كنت إذ سألت رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاني، وإذا سكت ابتدأني " (4). انتهى. قال ابن الحديد في خاتمة الشرح عند ذكره الكلمات المفردة: " لو كسر لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، حتى تزهر تلك القضايا إلى الله عز وجل وتقول: يا رب إن عليا قضى بين خلقك بقضائك " (5). انتهى. قال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: وقال صلى الله عليه وآله في أصحابه: " أقضاهم علي بن ابي طالب ". وقال عمر بن الخطاب: علي اقضانا، وأبي أقرأنا، وانا نشترك شيئا من قراءة أبي. وقال بعدما روى عن المغيرة انه حلف بالله ما أخطأ علي في قضاء قضى به قط: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وأخبرنا قاسم بن أصبغ، وأخبرنا أبو


1 - الصواعق المحرقة: 122. 2 - روضة الاحباب: 314. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 40. 4 - جامع الاصول 8: 658. 5 - شرح نهج البلاغة 4: 546.

[193]

بكر أحمد بن زهير بن أبي خيثمة، حدثنا أبو سلمة التبوكي، وأخبرنا عبد الواحد بن زياد، وأخبرنا أبو فروة قال: سمعت عبد الرحمان بن أبي ليلى قال: قال عمر: علي أقضانا. قال أحمد بن زهير: وحدثنا أبي، قال: حدثنا ابن عيينة، عن ابن جريح، عن ابن مليكة، عن ابن عباس قال: قال عمر: علي أقضانا. قال: وحدثنا عبد الله بن عمر القواريري، وأخبرنا موئل بن اسماعيل، وأخبرنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: نتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن. وقال في المجنونة التي أمر برجمها، وفي التي وضعت لست أشهر فأراد عمر رجمها، فقال له علي: " إن الله يقول: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (1) " الحديث، وقال له: " إن الله رفع القلم عن المجنون " الحديث. فكان عمر يقول: لولا علي لهلك عمر. انتهى بتمامه بالفاظه، والاختصار من صاحب الاستيعاب (2). ثم قال في الاستيعاب بعد روايته عن عبد الله انه قال: كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب: قال أحمد بن زهير: حدثنا ابراهيم بن بشار، وأخبرنا سفيان بن عيينة، وأخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ما كان من الناس يقول: " سلوني " غير علي بن أبي طالب. قال: وحدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا عبدة بن ميمون، عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: قلت لعطاء: ما كان في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أحد أعلم من علي ؟ قال: لا والله ما أعلمه.


1 - الاحقاف: 15. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 46.

[194]

قال أحمد بن زهير: وحدثنا محمد بن سعيد الاصفهاني، قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن قليب، عن جبير قال: قالت عائشة: من أفتاكم بصوم عاشوراء ؟ قالوا علي، قالت: أما انه أعلم بالسنة. قال: وحدثنا فضيل بن عبد الوهاب، قال: حدثنا شريك، عن ميسرة، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كنا إذا أتانا الثبت عن علي لم نعدل به. وأخبرنا خلف بن قاسم، وأخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج قال: حدثنا محمد بن أبي السري املاء بمصر سنة اربع وعشرين ومائتين، قال: حدثنا عمر بن هاشم الجنبي، قال: حدثنا جويبر عن الضحاك بن مزاحم عن عبد الله بن عباس قال: وأيم الله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شاركهم في العشر العاشر. وقال الحسن الجلواني: حدثنا وهب بن جرير، عن شعبة، عن حبيب بن الشهيد، عن ابن مليكة، عن ابن عباس، عن عمر انه قال: أقضانا علي، وأقرأنا أبي. قال: وحدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي اسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال ابن مسعود: إن أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب. قال: وحدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا مبذول، عن مطرف، عن أبي اسحاق، عن سعيد بن وهيب قال: قال عبد الله: أعلم أهل المدينة بالفرائض ابن أبي طالب. ثم قال - بعد ذكر قصة الارغفة -: وروى عبد الرحمان بن أذينة العبدي، عن ابيه أذينة بن مسلمة العبدي قال: أتيت عمر بن الخطاب فسألته: من أين أعتمر ؟ فقال: إئت عليا فاسأله، وذكر الحديث، وفيه: قال عمر: ما أجد لك

[195]

إلا ما قال علي. وسأل شريح بن هاني عائشة أم المؤمنين عن المسح على الخفين فقالت: إئت عليا فاسأله. انتهى. ثم قال بعد ذكره حديث ضرار: وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسئل له علي بن أبي طالب عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب. فقال عتبة أخوه: لا يسمع منك هذا أهل الشام، فقال: دعني عنك (1). انتهى. ثم قال: ذكر بعد يسير قول أبي عبد الرحمان السلمي: ما رأيت أحدا أقرأ من علي (2). الخبر. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: وروى ابن ديزيل في هذا الكتاب - يعني كتاب صفين - قال: حدثني يحيى بن سليمان، قال: حدثني يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي عتبة، عن اسماعيل بن رجاء، عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فانقطع شسع نعله فألقا إلى علي يصلحها، ثم قال: " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ". فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: " لا ". فقال عمر بن الخطاب: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: " لا، ولكنه ذلك خاصف النعل "، ويد علي على نعل النبي صلى الله عليه وآله يصلحها. قال أبو سعيد فأتيت عليا فبشرته بذلك، فلم يحفل به، كأن شئ قد كان علمه من قبل (3). انتهى. وقال في موضع آخر من الشرح: وقد روى كثير من المحدثين: إن


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 40. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 44. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 141.

[196]

النبي صلى الله عليه وآله قال لاصحابه: " إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ". فقال أبو بكر: أنا يارسول الله ؟ فقال: " لا ". قال عمر: أنا يارسول الله ؟ فقال: " لا، بل هو خاصف النعل "، وأشار الى علي (1). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: ومنه الحديث في ذكر خاصف النعل (2). انتهى. قال ابن حجر: الحديث التاسع عشر: أخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي: " إنك تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله " (3). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من الشرح: الخبر الثاني والعشرون: " أخصمك يا علي بالنبوة فلا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع لا يجاحد فيها أحد من قريش: أنت أولهم ايمانا بالله، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم بأمر الله، وأقسمهم بالسوية، وأعدلهم في الرعية، وأبصرهم بالقضية، وأعظمهم عند الله مزية ". رواه أبو نعيم الحافظ في نعيم الاولياء (4). انتهى. قال في الاستيعاب: وفيما أخبرنا شيخنا أبو الاصبغ عيسى بن سعيد بن سعدان المقرئ الكلبي معلم القرآن رحمه الله قال: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قاسم المقرئ قراءة عليه في منزله ببغداد، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد المقرئ في مسجده، قال: حدثنا


1 - شرح نهج البلاغة 2: 142. 2 - النهاية 2: 38. " خصف ". 3 - الصواعق المحرقة: 123. 4 - شرح نهج البلاغة 2: 431، حلية الاولياء 1: 176.

[197]

العباس بن محمد الدوري، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا أبو بكر ابن عباس، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة، ومع الاخر ثلاثة أرغفة، فلما وضعا الغذاء بين ايديهما مر بهما رجل فسلم، فقالا: اجلس للغذاء، فجلس واكل معهما، واستوفوا في أكلهم الارغفة الثمانية، فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم، وقال: خذا هذا عوضا عما أكلت منكما ونلته من طعامكما، فتنازعا: قال صاحب الخمسة أرغفة: لي خمسة دراهم، ولك ثلاثة. وقال صاحب الارغفة الثلاثة: لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين. وارتفعا الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقصا عليه قصتهما، فقال لصاحب الثلاثة: " قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فارض بالثلاثة ". فقال: لا والله، لا رضيت منه إلا بمر الحق. فقال علي صلوات الله عليه: " ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد، وله سبعة ". فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين عليه السلام هو يعرض علي ثلاثة فلم أرض، وأشرت علي بأخذها فلم أرض، وتقول الان: انه لا يجب في مر الحق إلا درهم واحد ؟ ! فقال له علي: " عرض عليك صاحبك أن تأخذ الثلاثة صلحا، فقلت: لا أرضى إلا بمر الحق، ولا يجب لك في مر الحق إلا واحد ". فقال له الرجل: فعرفني بالوجه في مر الحق حتى أقبله ؟ فقال عليه (ع): " أليس الثمانية الارغفة أربعة وعشرين ثلثا، أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس، ولا يعلم الاكثر منكم ولا الاقل ؟ فتحملون في أكله على السواء ".

[198]

قال: بلى. وقال: " فأكلت أنت ثمانية أثلاث وإنما لك تسعة أثلاث، وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثا أكل منها ثمانية وبقي له سبعة، وأكل لك واحدة من تسعة فلك واحد بواحدك وله سبعة بسبعته ". قال: رضيت الان (1). انتهى. قال ابن الحديد في الشرح: وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الالهي، لان شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف العلوم، ومن كلامه عليه السلام أقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ. فإن المعتزلة - الذين هم أهل العدل والتوحيد وأرباب النظر، ومنهم تعلم الناس هذا الفن - تلامذته وأصحابه، لان كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه عليه السلام. وأما الاشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشر الاشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد المعتزلة، فالاشعرية ينتهون بالاخرة إلى أسناد المعتزلة ومعلمهم وهو علي بن أبي طالب عليه السلام. وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر. ومن العلوم علم الفقه، وهو عليه السلام أصله وأساسه، وكل فقيه في الاسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه. فأما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما، فأخذوا عن أبي حنيفة.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 41.

[199]

وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن، فيرجع فقهه إلى أبي حنيفة. وأما أحمد بن حنبل فقرأ على الشافعي، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة. وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد، وجعفر قرأ على أبيه، وينتهي الامر إليه. وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس، وقرأ عبد الله على علي بن أبي طالب. وإن شئت رددت إليه فقه الشافعي لقرائته على مالك، كان لك ذلك، فهؤلاء الفقهاء الاربعة. وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر. وأيضا فإن فقهاء الصحابة كانوا: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وكلاهما أخذا عن علي عليه السلام. أما ابن عباس، فظاهر. وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة، وقوله غير مرة: لولا علي لهلك عمر. وقوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن. وقوله: لا يفتين أحد في المساجد وعلي حاضر. فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه، وقد وردت العامة والخاصة قوله عليه السلام: " اقضاكم علي "، والقضاء هو الفقه، فهو إذا أفقههم. وروى الكل أيضا أنه عليه السلام قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا: " اللهم إهد قلبه وثبت لسانه " قال: " فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين ". ثم ساق كلاما طويلا فقال: ومن العلوم علم النحو والعربية، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملا على أبي الاسود الدؤلي جوامعه وأصوله، من جملتها: الكلام كله ثلاثة اشياء: اسم، وفعل، وحرف.

[200]

ومن جملتها تقسيم الكلمة الى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الاعراب الى الرفع والنصب والجر والجزم. وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ولا تنهض بهذا الاستنباط (1). انتهى. وقال ابن أبي الحديد أيضا في الشرح: اتفق الكل على انه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يكن يحفظه غيره، ثم هو أول من جمعه، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعه أبي بكر، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة، بل يقولون: تشاغل بجمع القران. فهذا يدل على انه أول من جمع القرآن، لانه لو كان مجموعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لما احتاج الى أن يتشاغل بعد وفاته صلى الله عليه وآله. وإذا رجعت إلى كتب القراء وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه: كأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النجود، وغيرهما، لانهم يرجعون إلى أبي عبد الرحمن السلمي القارئ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق (2). انتهى. قال الشريف الرضي في نهج البلاغة: ومن خطبه له عليه السلام: " أيها الغافلون غير المغفول عنهم، والتاركون المأخوذ منهم، مالي أراكم عن الله ذاهبين، وإلى غيره راغبين، كأنكم نعم أراح بها سائم إلى مرعى وبي ومشرب دوي، إنما هي كالمعلوفة للمدى، لا تعرف ما ذا يراد بها، إذا أحسن إليها تحسب يومها دهرها وشبعها أمرها، والله لو شئت أن أخبر كل رجل


1 - شرح نهج البلاغة 1: 6. 2 - شرح نهج البلاغة 1: 6.

[201]

منكم بمخرجه ومولجه وجميع شأنه لفعلت، ولكن أخاف أن تكفرون في برسول الله صلى الله عليه وآله، ألا واني مفضيه إلى الخاصة ممن يؤمن ذلك منه " (1). وقال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث علي، " إلى مرعى وبي ومشرب دوي " أي: فيه داء، وهو منسوب الى دو من دوي بالكسر يدوي (2). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث عمر: قد أعضل بي أهل الكوفة، ما يرضون بأمير، ولا يرضى بهم أمير، أي: ضاقت علي الحيل في أمرهم. ومنه حديثه الاخر: أعوذ بالله من كل معضلة ليس لها أبو الحسن. وروي: معضلة، أراد: المسألة الصعبة والخطة الضيقة المخارج، من الاعضال أو التعضيل، ويريد بأبي الحسن: علي بن أبي طالب. ومنه حديث معاوية وقد جاءته منسألة مشكلة فقال: معضلة ولا أبا الحسن (3) ؟ ! انتهى. وقال ابن حجر في الصواعق: أخرج الدارقطني: إن عمر سأل عليا عن شئ فأجابه، فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم أبا الحسن. ثم قال: وأخرج أحمد: إن رجلا سأل معاوية عن مسألة فقال: اسأل عنها عليا فهو أعلم، فقال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحب الي من جواب علي، قال: بئس ما قلت، لقد كرهت رجلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغره بالعلم غرا، ولقد قال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي "، وكان عمر إذا أشكل عليه شئ أخذ منه. وأخرجه آخرون بنحوه، لكن زاد بعضهم: قم لا اقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديون.


1 - نهج البلاغة: 212. 2 - النهاية 2: 143 " دوا ". 3 - النهاية 3: 254 " عضل ".

[202]

ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه، ولقد شهدته إذا أشكل عليه شئ قال: ها هنا علي (1) ؟ انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث معاوية قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يغر عليا بالعلم، أي: يلقمه إياه، يقال: غر الطائر فرخه: إذا زقه (2). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية أيضا: ومنه حديث علي: " بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية (3) من الطوي البعيدة " أي: اجتمعت (عليه) (4) وانطويت (5). انتهى. وقال في باب الواو مع الياء: ومنه حديث علي: " ويلمه كيلا بغير ثمن لو أن له وعاء ": أي: يكيل العلوم الجمة بلا عوض إلا انه لا يصادف واعيا (6) انتهى. وقال في باب الهاء مع الهمزة: ومنه حديث علي: " ها إن ها هنا علما - وأومأ بيده إلى صدره - لو اصبت له حملة " (7). انتهى.


1 - الصواعق: 179. 2 - النهاية 3: 357 " غرر ". 3 - الرشا: الحبل الذي يتوصل به الى الماء. النهاية 2: 226 " رشا ". 4 - أضفناها من المصدر. 5 - النهاية 2: 132 " مج ". 6 - النهاية 5: 236 " ويل ". 7 - النهاية 5: 237 " ها ".

[203]

الفصل السابع عشر في نبذ من معجزاته واعلامه صلوات الله عليه قال ابن الاثير في الكامل: قال ابن سيرين: قال لعمرو بن سعد: كيف أنت إذا قمت مقاما تخير فيه بين الجنة والنار فتختار النار ! " (1). انتهى. قال ابن حجر: وأخرج عبد الرزاق عن حجر المرادي، قال: قال لي علي: " كيف بك إذا أمر بك أن تلعنني ؟ ! "، قلت: أو كائن ذلك ؟ ! قال: " نعم ". قلت: فكيف أصنع ؟ قال: " العني ولا تبرأ مني ". قال: فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج - وكان أمير (من قبل عبد الملك) (2) على اليمن - أن ألعن عليا، فقلت: إن الامير أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله، فما فطن لها إلا رجل، أي: لانه إنما لعن الامير ولم يلعن عليا. فهذا من كرامات علي وإخباره بالغيب. ومن كراماته أيضا: انه حدث بحديث فكذبه رجل، فقال له: " أدعو عليك إن كنت كاذبا ؟ " قال: ادع، فدعا عليه، فلم يبرح حتى ذهب بصره (3). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الشرح: قال نصر: وحدثنا منصور بن سلام التميمي، قال: حدثنا حيان التميمي، عن أبي عبيدة، عن هرثمة بن سليم، قال: غزونا مع علي عليه السلام، فلما نزل بكربلاء صلى بنا، فلما سلم رفع إليه من تربتها فشمها فقال: " واها لك يا تربة ليحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب " الحديث.


1 - الكامل في التأريخ 3: 400. 2 - اضفناها من المصدر. 3 - الصواعق المحرقة: 128.

[204]

ثم قال: قال نصر: وحدثنا مصعب، قال: حدثنا الاجلح بن عبد الله الكندي، عن أبي جحيفة قال: جاء عروة البارقي الى سعد بن وهب فسأله، فقال: حديث حدثناه عن علي بن أبي طالب قال: نعم، بعثني مخنف بن سليم إلى علي عند توجهه الى صفين، فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده فيقول: " ها هنا ها هنا "، فقال له رجل: ما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: " ثقل لال محمد ينزل هنا فويل لهم منكم، وويل لكم منهم ! ". فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين ؟ قال: " ويل لهم منكم تقتلوهم، وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النار ". قال نصر: وقد روي هذا الكلام على وجه آخر انه عليه السلام قال: " فويل لكم منهم، وويل لهم عليكم ". فقال الرجل: أما ويل لنا منهم فقد عرفناه، فويل لنا عليهم ما معناه ؟ ! فقال: " ترونهم يقتلون فلا تستطيعون نصرتهم ". قال نصر: وحدثنا بن حكيم العبسي، عن الحسن بن كثير، عن أبيه: ان عليا أتى كربلاء فوقف بها، فقيل له: يا أمير المؤمنين هذه كربلاء، فقال: " ذات كرب وبلاء "، ثم أومأ بيده إلى مكان فقال: " ها هنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم "، ثم أومأ بيده الى مكان آخر فقال: " ها هنا مراق دمائهم "، ثم مضى إلى سباط (1). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل عند ذكره وقعة الجمل: وقيل ان عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل، وقال أبو الطفيل: سمعت عليا يقول ذلك قبل وصولهم، فقعدت فأحصيتهم فما زادوا رجلا ولا نقصوا رجلا (2). انتهى. وروى ابن أبي الحديد في الشرح عن أبي جعفر الطبري، عن الشعبي،


1 - شرح نهج البلاغة 1: 278. 2 - الكامل في التأريخ 3: 216. (*)

[205]

عن أبي الطفيل مثل إلا ان فيه: اثني عشر ألف رجل ورجل واحد. وقال ابن أبي الحديد في الشرح: قال نصر: حدثنا عبد العزيز بن سياه، قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثنا سعيد التميمي المعروف بعقيصى، قال: كنا مع علي عليه السلام في مسيره إلى الشام، حتى إذا كنا بظهر الكوفة من جانب هذا السواد عطش الناس واحتاجوا إلى الماء، فانطلق بنا علي عليه السلام حتى أتى إلى صخرة في الارض كأنها ربضة عنز، فأمرنا فاقتلعناها، فخرج لنا تحتها ماء، فشرب الناس منه وارتووا، ثم أمرنا فأكفأناها عليه، وسار الناس حتى إذا مضى قليلا قال عليه السلام: " أمنكم أحد يعلم مكان هذا الماء الذي شربتم منه " ؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين عليه السلام. قال: " فانطلقوا إليه "، فانطلق منا رجال ركبانا ومشاة، فاقتصصنا الطريق إليه حتى انتهينا إلى المكان الذي نرى انه فيه، فطلبناه فلم نقدر على شئ، حتى إذا عيل علينا انطلقنا الى دير قريب منا فسألناهم: أين هذا الماء الذي عندكم ؟ قالوا: ليس قربنا ماء، فقلنا: بلى إنا شربنا منه، قالوا: أنتم شربتم منه ؟ قلنا: نعم، قال صاحب الدير: والله ما بني هذا الدير إلا بذلك الماء، وما استخرجه إلا نبي أو وصي نبي (1). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل: قال الحسن: سمعت عليا على المنبر يقول: " اللهم أئتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشوني، الله فسلط عليهم غلام ثقيف، يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية " فوصفه وهو يقول: الذيال (2) مفجر الانهار، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها ".


1 - شرح نهج البلاغة 1: 197. 2 - في المصدر: الزيال. وفي الهامش: الذيال (نسخة بدل)، وهو الصحيح والمطابق لكتب اللغة.

[206]

قال الحسن: هذه والله صفة الحجاج. قال حبيب بن ابي ثابت: قال علي لرجل: " لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف ". قيل له: يا أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما فتى ثقيف ؟ قال: " يقالن له (يوم القيامة) (1) أكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين أو بضعا وعشرين، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم تبق إلا معصية واحدة وبينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن اطاعه من عصاه " (2). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث علي: " اللهم سلط عليهم فتى ثقيف الذيال، يلبس فروتها، ويأكل خضرتها "، أي هنيئها، فشبهه بالخضر الغض الناعم (3). انتهى. وقال في باب الفاء مع الراء منه: وفي حديث علي: " اللهم اني قد مللتهم وملوني، وسئمتهم وسئموني، فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال المنان، يلبس فروتها ويأكل خضرتها "، اي: يتمتع بنعمتها لبسا وأكلا، يقال: فلان ذو فروة وثروة. وقال الزمخشري: معناه: يلبس الدفئ اللين من ثيابها، ويأكل الطري الناعم من طعامها. فضرب الفروة والخضرة لذلك مثلا، والضمير للدنيا، وأراد بالفتى الثقفي: الحجاج بن يوسف، قيل: انه ولد في السنة التي دعا فيها بهذه الدعوة (4). انتهى. وفي الصواعق المحرقة لابن حجر: انه صلى الله عليه وآله أرسل أبا ذر


1 - اضفناها من المصدر. 2 - الكامل في التأريخ 4: 587. 3 - النهاية 2: 41 " حضر ". 4 - النهاية 3: 442 " فراء "، الفائق 3: 110 " فرو ".

[207]

ينادي عليا، فرأى رحى تطحن في بيته وليس معها أحد، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك، فقال: " يا أبا ذر أما علمت أن لله ملائكة سياحين في الارض وكلوا بمعونة آل محمد " (1). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل عند ذكره خروج الخوارج: وجاء ربيعة بن أبي شداد الخثعمي - وكان شهد معه صفين والجميل - ومعه راية خثعم، فقال له: " بايع على كتاب الله وسنة رسول اله صلى الله عليه وآله ". فقال ربيعة: على سنة أبي بكر وعمر. فقال له علي: " ويلك لو أن لابي بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله لم يكونا على شئ من الحق "، فبايعه، فنظر إليه فقال: " أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأني بك وقد وطأتك الخيل بحوافرها ". فقتل يوم النهر مع الخوارج (2). انتهى. وذكره ابن قتيبة في تأريخه (3). وقال ابن خلكان في تأريخه: وروي ان علي بن أبي طالب افتقد ابن عباس وقت الظهر، فقال: " ماله لم يحضر " ؟ قالوا: ولد له، فلما صلى أتاه وهنأه، فأخرج إليه فأخذه وحنكه وقال له: " خذ إليك أبا الاملاك وقد كنيته ابا محمد " (4). انتهى. قال ابن الحديد في شرحه لقول صلوات الله عليه في كتاب له عليه السلام لمعاوية: " وكأني بجماعتك يدعونني جزعا من الضرب المتتابع، والقضاء الواقع، ومصارع، الى كتاب الله، وهي كافرة جاحدة،


1 - الصواعق المحرقة: 134. 2 - الكامل في التأريخ 3: 336. 3 - تأريخ الخلفاء (الامامة والسياسة): 146. 4 - وفيات الاعيان 3: 62.

[208]

أو متابعة حائدة " (1). قال: واعلم ان قوله: " وكأني بجماعتك يدعونني " الى آخره: إما أن تكون فراسة نبوية صادقة، وهذا عظيم. وإما أن يكون اخباره عن غيب مفصل، وهو أعظم وأعجب. وعلى كلا الامرين فهو في غاية العجب. وقد رأيت له ذكر هذا المعنى في كتاب غير هذا وهو: " أما بعد فما أعجب ما يأتيني منك، وما أعلمني بمنزلتك التي أنت إليها صائر، ونحوها سائر، وليس ابطائي عنك إلا لوقت أنا به مصدق وأنت به مكذب، وكأني أراك وأنت تضج من الحرب، واخوتك يدعونني ي خوفا من السيف الى كتاب هم به كافرون وله جاحدون ". ووقفت له على كتاب آخر إلى معاوية يذكر فيه هذا المعنى (2). انتهى. ثم ذكر الكتاب بطوله. قال ابن الحديد في الشرح: وذكر المدائني في كتاب الخوارج، قال: لما خرج علي الى أهل النهر، أقبل رجل من أصحابه - ممن كان على مقدمته - يركض حتى انتهى الى علي فقال: البشري، فقال: " ما بشرك ؟ "، قال: إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك، فأبشر فقد منحك الله أكتافهم. فقال له: " أنت رأيتهم قد عبروا ؟ "، قال: نعم، فأحلفه ثلاث مرات، في كلها يقول: نعم. فقال علي: " والله ما عبروه، ولن يعبروه، إن مصارعهم لدون النطفة (3)، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لن يبلغوا الا ثلاث ولا قصر حتى يقاتلهم الله، وقد خاب من افترى ".


1 - حاد عن الشئ: أي مال عنه. مجمع البحرين 3: 35 " حدد ". 2 - شرح نهج البلاغة 1: 197. 3 - يريد بها ماء النهر، وقي أفصح كناية عن الماء وان كان كثيرا. مجمع البحرين 5: 125 " نطف ".

[209]

ثم قال: أقبل فارس يركض فقال كقول الاول، فلم يكترث بقوله، فجاءت الفرسان كلها تركض وتقول مثل ذلك، فقام علي فجال في متن فرسه، قال: فقال شاب من الناس: والله لاكونن قريبا منه، فإن كانوا قد عبروا النهر لاجعلن سنان هذا الرمح في عينه، ايدعي علم الغيب. فلما انتهى عليه السلام إلى النهر وجد القوم كسروا جفون سيوفهم، وعرقبوا خيلهم، وجثوا على ركبهم، وحكموا تحكيمة واحدة بصوت عظيم له زجل، فنزل ذلك الشاب فقال: يا أمير المؤمنين صلوات الله عليه اني كنت قد شككت فيك آنفا واني تائب الى الله وإليك فاغفر لي ي، فقال علي عليه السلام: " إن الله هو يغفر الذنوب فاستغفروه " (1). انتهى. وذكر هذا المعنى ابن الاثير في تأريخه المعروف بالكامل، ثم قال في آخر الفصل: روى جماعة ان عليا يحدث اصحابه قبل ظهور الخوارج: " إن قوما يخرجون، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخدج اليد "، سمعوا ذلك منه مرارا. فلما خرج أهل النهروان وسار إليهم علي وفرغ، أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج، قال بعضهم: ما نجده، حتى قال بعضهم: ما هو فيهم، وهو يقول: " والله ما كذبت ولا كذبت "، ثم انه جاءه رجل فبشره: إنا وجدناه. بل قيل: وخرج علي في طلبه ومعه سليم بن ثمامة الحنفي، والريان بن صبرة، فوجدوه على شاطئ النهر في خمسين قتيلا، فلما استخرجه نظر الى عضده فإذا كم مجتمع كثدي المرأة، وحلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الطولى، ثم تترك فتعود الى منكبيه، فلما رآه قال: " والله ما كذبت ولا كذبت، والله لولا أن تنكلوا فتدعوا العمل لاخبرتكم


1 - شرح نهج البلاغة 1: 197.

[210]

بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله لمن قاتلهم مستبصرا في قتالهم، عارفا للهدى الذي نحن عليه " (1). انتهى كلام ابن الاثير. وقال في موضع آخر من شرحه: دخل الزبير وطلحة على علي فاستأذناه في العمرة، فقال: " ما العمرة تريدان "، فحلفا له بالله انهما ما يريدان غير العمرة، فقال لهما: " ما العمرة تريدان الغدرة ونكث البيعة "، فحلفاا بالله ما الخلاف عليه ولا نكث البيعة يريدان، وما رأيهما غير المعمرة. قال لهما: " فأعيدا البيعة ثانيا "، فأعاداها بأشد ما يكون من الايمان والمواثيق، فأذن لهما. فلما خرج من عنده لمن كان حاضرا: " والله لا ترونها إلا في فتنة يقتلان فيها "، قالوا: يا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فمر بردهما عليك، قال: * (ليقضي الله أمرا كان مفعولا) * (2). ولما خرج طلحة والزبير من المدينة إلى مكة لم يلقيا أحدا إلا وقالا: ليس لعلي في أعناقنا بيعة، وإنما بايعنا مكرهين، فبلغ عليا قولهما فقال: " أبعدهما الله وأعزب رأيهما، أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل، ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم، والله ما العمرة يريدان، ولقد أتيا بوجهي فاجرين ورجعا بوجهي غادرين نا كثين، والله لا يلقيانني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلا فيها أنفسهما، فبعدا لهما وسحقا " (3). انتهى. وقال ابن أبي الحديد أيضا في الجزء العاشر من الشرح: وقد ذكرنا فيما تقدم من اخباره عليه السلام عن الغيوب طرفا صالحا، ومن عجيب ما وقفت عليه من ذلك قوله عليه السلام في الخطبة التي يذكر فيها الملاحم -


1 - الكامل في التأريخ 3: 347. 2 - الانفال: 42. 3 - شرح نهج البلاغة 1: 77.

[211]

وهو يشير الى القرامطة - (1): " ينتحلون لنا الحب والهوى، ويضمرون لنا البغض والقلى، وآية ذلك قتلهم وراثنا وهجرهم أحداثنا ". وصح ما أخبر به عليه السلام، لان القرامطة قتلت من آل أبي طالب خلقا كثيرا، وأسماؤهم مذكورة في كتاب مقاتل الطالبيين لابي الفرج الاصبهاني. ومر أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابي في جيشه بالغري وبالحائر، فلم يعرج على واحد منهما ولا دخل ولا وقف. وفي هذه الخطبة قال - وهو يشير الى السارية التي كان إليها في مسجد الكوفة -: " كأني بالحجر الاسود منصوبا ها هنا، ويحهم إن فضيلة ليست في نفسه بل في موضعه وأسسه يمكث ها هنا برهة ثم ها هنا برهمة - وأشار الى البحرين - ثم يعود الى مأواه وأم مثواه ". ووقع الامر في الحجر الاسود بموجب ما أخبر به عليه السلام (2). انتهى. وقال أيضا ابن أبي الحديد في الشرح: وروى ان هلال الثقفي في كتاب الغارات، عن زكريا بن يحيى العطار، عن فضيل، عن محمد بن علي، قال: لما قال علي عليه السلام: " سلوني قبل أن تفقدوني، فو الله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهتدي مائة إلا أنبئكم بناعقها وسائقها ". فقام إليه رجل فقال: أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر ؟ فقال له علي عليه السلام: " والله لقد حدثني خليلي ان على كل طاقة شعر من رأسك ملكا يلعنك، وان على كل طاقة شعر من لحيتك شيطانا يغويك - وان في بيتك لسخلا يقتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ". وكان ابنه قاتل


1 - يرجع مذهب القرامطة الى كبيرهم الحسن بن بهرام الجنابي، كان دقاقا من أهل جنابة بفارس. ونفي عنها فأقام في البحرين تاجرا، وجعل يدعو العرب الى نحلته فعظم أمره، فحاربه الخليفة مظفر، وصافاه المقتدر العباسي، وكان أصحابه يسمونه السيد. استولى على هجر والاحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين، وكان شجاعا داهية، قتله خادم له صقلبي في الحمام بهجر سنة 301 ه‍. 2 - شرح نهج البلاغة 1: 207.

[212]

الحسين يومئذ طفلا يحبو، وهو سنان بن أنس النخعي. وروى الحسن بن محبوب، عن ثابت الثمالي، عن سويد بن غفلة: أن عليا عليه السلام خطب ذات يوم، فقام رجل من تحت منبره فقال: يا أمير المؤمنين عليه السلام اني مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له، فقال عليه السلام: " والله ما مات ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب بن حمار ". فقام رجل آخر من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين عليه السلام أنا حبيب بن حمار، واني لك شيعة ومحب. فقال: " أنت حبيب بن حمار ؟ " قال: نعم، فقال له ثانية: " والله أنت حبيب بن حمار ؟ "، قال: أي والله، قال: " أما والله إنك حاملها، ولتحملنها ولتدخلن بها من هذا الباب " وأشارر إلى باب الفيل بمسجد الكوفة. وقال ثابت: فو الله ما مت حتى رأيت ابن زياد وقد بعث عمر بن سعد الى الحسين عليه السلام، وقد جعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب بن حمار صاحب رايته، فدخل بها من باب الفيل. وروى محمد بن اسماعيل بن عمرو البجلي قال: أخبرنا عمرو بن موسى الوجيهي، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، قال: قال علي عليه السلام على المنبر: " ما أحد جرت عليه المواسي إلا وقد أنزل الله فيه قرآنا ". فقام إليه رجل من مبغضيه فقال له: فما أنزل الله تعالى فيك، فقام الناس إليه يضربونه، فقال: " دعوه، أتقرأ سورة هود ؟ " قال: نعم، قال: فقرأ عليه السلام: * (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) * (1) ثم قال: " الذي كان على بينة من ربه محمد صلى الله عليه وآله، والشاهد الذي يتلوه


1 - هود: 17.

[213]

أنا ". وروى عثمان بن سعيد، عن عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، قال: خطب علي فقال في أثناء خطبته: " أنا عبد الله وأخو رسول الله، لا يقولها أحد قبلي ولا بعدي إلا كذاب، ورثت نبي الرحمة، ونكحت سيدة نساء هذه الامة، وأنا خاتم الوصيين ". فقال رجل من عبس: من لا يحسن أن يقول مثل هذا، فلم يرجع الى أهله حتى جن وصرع، فسألوهم: هل رأيتم به عرضا قبل هذا ؟ قالوا: ما رأينا به قبل هذا عرضا. وروى محمد بن جبلة الخياط، عن عكرمة، عن زيد الاحمسي: ان عليا عليه السلام كان جالسا في مسجد الكوفة، وبين يديه قوم منهم عمرو بن حريث، إذ أقبلت أمرأة مختمرة لا تعرف، فوقفت وقالت لعلي: يا من قتل الرجال، وسفك الدماء، وأيتم الصبيان، وأرمل النساء. فقال علي: " وإنها لهي السلقلقة الجلعة (1) المجعة، وانها لهي هذه شبيهة الرجال والنساء، التي ما رأت دما قط ". قال: فولت هاربة منكسة رأسها، فتبعها عمرو بن حريث، فلما صارت بالرحبة قال لها: والله لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل، فادخلي منزلي حتى أهب لك وأكسوك، فلما دخلت منزله أمر جواريه بتفتيشها ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها، فبكت وسألته أن لا يكشفها، وقالت: أنا والله كما قال، لي ركب النساء، وأنثيان كانثى الرجال، وما رأيت دما قط. فتركها وأخرجها. ثم جاء الى علي فأخبره فقال: " إن خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني بالمتمردين علي من الرجال، والمتمردين من النساء الى أن تقوم


1 - في النسختين الخطيتين: الجعلة. والصحيح ما أثبتناه.

[214]

الساعة ". قلت: السلقلقة: السليط، وأصله من السلق وهو الذئب، والسلقة: الذئبة. والجعلة المجعة: البذيئة اللسان. والركب: منبت العانة (1). انتهى. أقول: المجعة: القليلة الحياء، على مثال الجلعة في الوزن والمعنى، ذكره الجوهري (2). وقال ابن أبي الحديد في الجزء العاشر من شرحه: ومن ذلك قوله للبراء بن عازب يوما: " يا براء أيقتل الحسين وأنت حي لاتنصره ؟ ! " فقال البراء: لا كان ذلك يا أمير المؤمنين عليه السلام. فلما قتل الحسين عليه السلام كان البراء يذكر ذلك ويقول: أعظم بها حسرة إذ لم أشهده (3). انتهى. وقال في موضع آخر بعد حكايته خروج أمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى الزبير يوم الجمل، وتذكيره إياه قول رسول الله صلى الله عليه وآله للزبير: " ستحاربه وأنت ظالم "، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين صلوات الله عليه تبرز إلى الزبير حاسرا وهو شاك في السلاح، وأنت تعلم شجاعته قال: " انه ليس بقاتلي، وإنما يقتلني رجل خامل الذكر، ضئيل النسب، غيلة في غير مأقط (4) حرب ولا معركة رجال، ويلمه (5) أشقى البشر ليودن أن امه هبلت أما به وأحمر ثمود لمقرونان في قرن " (6) انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 1: 208. 2 - الصحاح 3: 1283 " مجمع. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 513. 4 - المأقط: موضع الحرب، وقال الخليل: المضيق في الحرب. الصحاح 3: 1115 " أقط ". 5 - أي ويل لامه. 6 - شرح نهج البلاغة 1: 87.

[215]

قال ابن الحديد في تفسير قوله صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب أهل البصرة: " كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة، قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وغرق من في ضمنها ". وقال الرضي رضي الله عنه في رواية أخرى: " وأيم الله لتغرقن بلدتكم هذه حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو كناعمة جاثمة ". وفي رواية أخرى: " كجؤجؤ طير في لجة بحر ". قال: والصحيح ان المخبر به قد وقع، فإن البصرة غرقت مرتين: مرة في أيام القادر بالله، ومرة في أيام القائم بالله، غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلا مسجدها الجامع بارزا بعضه كجؤجؤ الطائر حسب ما أخبر به أمير المؤمنين صلوات الله عليه، جاءها الماء من بحر فارس من جهة الموضع المعروف دورها، وغرق كل ما في ضمنها، وهلك كثير من أهلها. وأخبار هذين الغرقين معروفين عند أهل البصرة، يتناقله خلفهم عن سلفهم (1). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: في حديث علي " كأني أنظر الى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة، أو كجؤجؤ طائر في لجة بحر ": الجؤجؤ: الصدر، وقيل: عظامه، والجمع الجآجئ (2). انتهى. وفي نهج البلاغة من ذلك الكثير الواسع.


1 - شرح نهج البلاغة 1: 84. 2 - النهاية 1: 232 " جؤجؤ ". (*)

[216]

الفصل الثامن عشر في ذكر شئ من فضائله وأفعاله الحسنة وأخلاقه الكريمة وشيمه الرضية صلوات الله عليه قال ابن البر في الاستيعاب: وأجمعوا على أنه صلى القبلتين، وهاجر، وشهد بدرا والحديبية وسائر المشاهد، وأنه أبلى ببدر وبأحد والخندق وبخيبر (بلاء عظيما) (1)، وانه أغنى في تلك المشاهد، وقام فيها المقام الكريم، وكان لواء رسول الله صلى الله عليه وآله بيده في مواطن كثيرة (1). انتهى. ثم قال: وروى الحجاج بن أرطاط، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس قال: دفع رسول الله صلى الله عليه وآله الراية يوم بدر إلى علي وهو ابن عشرين سنة، وذكره السراج في تأريخه، ولم يتخلف عن مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وآله مذ قدم المدينة، إلا تبوك فإنه خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة وعلى عياله بعده في غزوة تبوك، وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى ". وروى قوله صلى الله عليه وآله لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " جماعة من الصحابة، وهو من أثبت الاثار وأصحها (3). انتهى. قال الزمخشري في الكشاف: ولما نزلت هذه الاية قال جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: خذ محضرتك ثم القها، فجعل يأتي صنما صنما


1 - أضفناها من المصدر. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 33. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 140. (*)

[217]

وهو ينكث بالمحضرة في عينه ويقول: * (جاء الحق وزهق الباطل) * (1)، فيكب الصنم لوجهه، حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة، وكان من قوارير صفر، فقال: " يا علي إرم به "، فحمله رسول الله صلى الله عليه وآله حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد (2). انتهى. وروي في روضة الاحباب حمله صلى الله عليه وآله لعلي صلوات الله عليه، وانه وضع قدمه على كتفه صلى الله عليه وآله، وقال علي لما سأله النبي صلى الله عليه وآله: " كيف تراك ؟ كأن رأسي ينال العرش ". وروي انه صلى الله عليه وآله قال: " يا علي ادركت ما أردت "، فقال عليه السلام: " والذي بعثك بالحق أراني لو شئت أن أنال السماء لنلت ". وانه عليه السلام لما رمى بنفسه عنه صلى الله عليه وآله شفقة وأدبا، تبسم، فقال صلى الله عليه وآله: " مم تبسمت ؟ " فقال علي صلوات الله عليه: " لاني رميت بنفسي من المحل الناتى العالي ولم يصبني ألم "، فقال صلى الله عليه وآله: " تتألم وقد حملك محمد وأبسطك جبرئيل " (3). وهذا الذي ذكرناه مختصر من كلام طويل بالفارسية، أخذنا منه موضع الحاجة. قال في الاستيعاب: ولا يترك في بيت المال إلا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك، ويقول: " يا دنيا غري غيري "، ولم يكن يستأثر من الفئ بشئ، ولا يخص به حميما ولا قريبا، ولا يخص بالولايات إلا أهل الديانات والامانات، فإذا بلغه عن أحدهم خيانة كتب إليه:


1 - الاسراء: 81. 2 - الكشاف 2: 463. 3 - روضة الاحباب: 325.

[218]

" * (قد جاءتكم موعضة من ربكم) * (1) * (وأفوا الكيل والميزان بالقسط) * (2) * (ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) * (3) إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من علمنا، حتى نبعث اليك من يتسلمه منك " ثم يرفع طرفه الى السماء فيقول: اللهم إنك تعلم اني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك ". وخطبه ومواعظه ووصاياه لعماله - إذا كان يخرجهم الى عمله - كثيرة مشهورة، لم أر التعرض لذكرها لئلا يطول الكتاب، وهي حسان كلها. وثبت عن الحسن بن علي من وجوه أنه قال: " لم يترك أبي إلا ثمانمائة درهم أو سبعمائة درهم، فضلت من عطائه، كان يعدها لخادم يشتريها لاهله ". وأما في لباسه ومطعمه فأشهر من هذا كله، والتوفيق بالله والعصمة. حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج، حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني عبد الرحيم بن سليمان، قال: حدثنا أجلح بن عبد الله الكندي، عن عبد الله بن ابي الهذيل، قال: رأيت عليا وعليه قميص غليظ رازي، إذا مدكم قميصه بلغ إلى الظفر، وإذا ارسله صار الى نصف الساعد. قال: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثنا خالد بن عبد الله الخراساني أبو الهيثم، قال: حدثنا الحر بن جرموز، عن أبيه، قال: رأيت علي بن أبي طالب يخرج من مسجد الكوفة وعليه قطريتان متزرا بالواحدة مرتديا بالاخرى، وإزاره إلى نصف الساق، وهو يطوف في الاسواق ومعه درة، يأمرهم


1 - يونس: 57. 2 - الانعام: 152. 3 - هود: 85 - 86.

[219]

بتقوى الله، وصدق الحديث، وحسن البيع، والوفاء بالكيل والميزان (1). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية فيه: انه عليه السلام كان متوشحا بثوب قطري: هو ضرب من البرود، فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة (2). انتهى. وروي في الاستيعاب كنس أمير المؤمنين صلوات الله عليه لبيت المال وصلاته فيه وقسمته لما فيه، رجاء أن يشهد له يوم القيامة. وقسمته المال الذي ورد عليه من إصفهان، وانه وجد فيه رغيفا فقسمه ثم أقرع بينهم ايهم يعطي أولا. وقال: واخباره في مثل هذا من سيرته لا يحيط بها كتاب. ثم روي أنه صلوات الله عليه ما كان يدع في بيت المال مالا يبيت فيه حتى يقسمه، إلا أن يغلبه شغل فيصبح إليه، وكان يقول: " يا دنيا لا تغريني، غري غيري، وينشد: هذا جنائي وخياره فيه وكل جان يده إلى فيه وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه قال: رأيت علي بن أبي طالب عليهما السلام على المنبر يقول: " من يشتري مني سيفي هذا، فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته "، فقال إليه رجل فقال: أنا أسلفك ثمن إزار. قال عبد الرزاق: وكانت الدنيا بيده كلها إلا ما كان من الشام. وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي اسحاق، عن يزيد بن تبيع، عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن ولوا عليا فهاديا مهديا ". قيل لعبد الرزاق: سمعت هذا من الثوري ؟ قال: حدثنا النعمان بن أبي شيبة


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 48. 2 - النهاية 4: 80 " قطر ".

[220]

ويحيى بن يعلى عن الثوري (1). انتهى. ثم روى عن النبي صلى الله عليه وآله " علي مخشوشن في ذات الله ". ثم قال: وفضائله لا يحيط بها كتاب، وقد أكثر الناس في جمعها، فرأيت الاقتصار منها على النكت التي تحسن المذاكرة بها، وتدل على ما سواها من أخلاقه وأحواله وسيرته رضي الله عنه (2). انتهى. أقول: وأنا ايضا اختصرت من كتابه فذكرت بعض الروايات بألفاظها من غير تغيير واختصار، كما هو شرطي ودأبي في هذا الكتاب. قال ابن حجر في الصواعق - وهو يذكر أمير المؤمنين صلوات الله عليه -: وأحد من جمع القرآن، جمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وعرضه عليه أبو الاسود الدؤلي، وأبو عبد الرحمان السلمي، وعبد الرحمان ابن أبي ليلى، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وآله الى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة حتى يؤدي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي صلى الله عليه وآله ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك. وشهد مع النبي صلى الله عليه وآله سائر المشاهد إلا تبوك، فإنه صلى الله عليه وآله استخلفه على المدينة وقال له: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى " كما مر، وله في جميع المشاهد الاثار المشهورة (3). انتهى. ثم قال في الفصل الثالث - الذي عقده في ذكر ثناء الصحابة عليه صلوات الله عليه -: ولما دخل الكوفة دخل عليه حكيم من العرب، فقال: والله يا أمير المؤمنين صلوات الله عليه لقد زينت الخلافة وما زينتك، ورفعتك، وهي كانت أحوج إليك منك إليها (4).


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 49. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 52. 3 - الصواعق المحرقة: 140. 4 - الصواعق المحرقة: 127.

[221]

ثم قال في الفصل الرابع: وقال معاوية لخالد بن معمر: لم احببت عليا ؟ قال: على ثلاث خصال: على حلمه إذا غضب، وعلى صدقه إذا قال، وعلى عدله إذا حكم. ثم قال: ومناقب علي وفضائله أكثر من أن تحصى (1). انتهى. قال أبو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري في كتاب الاستيعاب في معرفة الصحابة: حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا يحيى بن مالك بن عائد، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد ابن سلمة البغدادي بمصر، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا الكلبي، عن الحرمازي، عن رجل من همدان، قال: قال معاوية لضرار الصيدائي: يا ضرار صف لي عليا، قال: اعفني يا أمير المؤمنين، قال: لتصفنه. قال: أما إذا لابد من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا ويحكم عدلا، ينفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواصيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبؤنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه - وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه - قابضا على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: " يا دنيا غري غيري، ألي تعرضني، أم إلي تشوقتي، هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق ".


1 - الصواعق المحرقة: 132.

[222]

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار، فقال: حزن من ذبح واحدها في حجرها (1). انتهى. وقال ابن حجر في صواعقه: وقال معاوية لضرار بن حمزة: صف لي عليا، فقال: اعفني، فقال: أقسمت عليك، فقال: كان والله بعيد المدى، فذكر مثله سواء إلى قوله عليه وآله الصلاة والسلام: " ووحشة الطريق " إلا أن فيه: وتنطق الحكمة من لسانه. وفيه: غزير الدمعة. وفيه: يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه وفيه: " وخطرك قليل " (2). وروى ابن ابي الحديد في خاتمة الشرح قوله صلوات الله عليه وآله: " والله ما قلعت باب خيبر، ودكدكت حصن اليهود بقوة جمسانية، بل بقوة إلهية " (3). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب الموت وما يتصل به: وعنه - يعني عليا صلوات الله عليه -: " ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وان رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفي، فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله والملائكة أعواني، ملك يهبط وملك يعرج، وما فارقت سمعي هنيمة منهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه " (4). انتهى. وسيجئ معنى هذه الرواية في كتاب ابن ابي الحديد، عن أبي سنان الاسلمي عنه صلوات الله عليه. وقد تقدم روايته في الفصل التاسع عن عائشة، فهذا يدل على كذب ما


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 43. 2 - الصواعق المحرقة: 131. 3 - شرح نهج البلاغة 4: 532. 4 - ربيع الابرار 4: 197.

[223]

رووه من قول عائشة: بين صدري ونحري. قال ابن أبي الحديد في المجلد العاشر: واعلم ان الاخبار مختلفة في هذا المعنى، فقد روى كثير من المحدثين عن عائشة أنها قالت: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله بين صدري ونحري. وروى كثير منهم هذا اللفظ عن علي انه قال عن نفسه. وقال في رواية أخرى: " ففاضت نفسه في يدي فأمررتها على وجهي ". والله أعلم بحقيقة هذه الحال. ثم قال: وقد وقع الاتفاق على أنه مات وهو حاضر لموته، وهو الذي كان يقلبه بعد موته، وهو الذي كان يعلله في مرضه، فيجوز أن يكون مستندا إلى زوجته وابن عمه. ثم قال: وقد وقع الاتفاق من المحدثين كلهم على ان العباس كان ملازما للرسول صلى الله عليه وآله أيام مرضه (1). انتهى. وذكر في الجمع شيئين: أحدهما: إن عدم الاستتار لكونها أهل الرجل واجزاء منه. وثانيهما: إنها كانت مختمرة مستترة. ولا يخفى ما في الاول. قال ابن الحديد في الشرح في الدفتر الحادي عشر في معنى طلحة والزبير: فلما شاهدا صلابته في الدين، وقوته في العزم، وهجره الادهان والمراقبة، ورفضه المدالسة والمواربة، وسلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب والسنة - وقد كانا يعلمان ذلك قديما من طبعه وسجيته، وكان عمر قال لهما ولغيرهما: أما أن الاجلح (2) إن وليها ليحملنكم على المحجة


1 - شرح نهج البلاغة 3: 134. 2 - الجلح: فوق الفزع، وهو انحسار الشعر عن جانبي الرأس، أوله النزع، ثم الجلح، ثم الصلع. الصحاح 1: 359 " جلح ".

[224]

البيضاء والصراط المستقيم، وكان النبي صلى الله عليه وآله من قبل قال: " وإن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا " إلا أنه ليس الخبر كالعيان، ولا القول كالفعل، ولا الوعد كالا نجاز - حالا عنه، وتنكرا له، ووقعا فيه وعاباه وغمصاه (1) وتطلبا له العلل والتأويلات (2). انتهى. وفي موضع آخر من الشرح في جواب مفاخرة أمية لعنها الله: وإن ذكرتم النجدة والبسالة والشجاعة فمن مثل علي بن أبي طالب وقد وقع اتفاق أوليائه وأعدائه على انه أشجع البشر (3) ؟ !. انتهى. وقال في موضع آخر: وذكر الشعبي قال: دخلت الرحبة بالكوفة وأنا غلام في غلمان، فإذا أنا بعلي قائما على صبرتين من ذهب وفضة، ومعه مخفقة (4) وهو يطرد الناس بمخفقته، ثم يرجع الى المال فيقسمه بين الناس، حتى لو يبق شئ، ثم انصرف ولم يحمل الى بيته قليلا ولا كثيرا (5). وقال في موضع آخر: روى عنبسة العابد، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال: أعتق علي في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله الف مملوك مما مجلت يداه، وعرق جبينه (6). انتهى. وقال في الدفتر الحادي عشر: وتسميه الفلاسفة إمام الائمة وحكيم العرب (7). انتهى. وقال في هذا الكتاب: وقال محفن بن ابي محفن لمعاوية: جئتك من عند أعيى الناس، فقال له: ويحك كيف يكون أعيى الناس، فو الله ما سن


1 - غمصاه: استصغراه. الصحاح 3: 1047 " غمص ". 2 - شرح نهج البلاغة 3: 4. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 16. 4 - المخفق: الدرة التي يضرب بها. الصحاح 4: 1469 " خفق ". 5 - شرح نهج البلاغة 3: 17. 6 - شرح نهج البلاغة 3: 164. 7 - شرح نهج البلاغة 3: 34.

[225]

الفصاحة لقريش غيره (1). انتهى. وقال في هذا الكتاب: وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن ابي سفيان لمحفن بن أبي العنبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس، فقال له: ويحك كيف يكون أبخل الناس، ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لانفذ تبره قبل تبنه (2). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 1: 8. 2 - شرح نهج البلاغة 1: 8.

[227]

الباب الثاني في فضائل فاطمة الزهراء صلوات الله عليها

[229]

قال البخاري في صحيحه في باب علامات النبوة: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زكريا، عن فراس، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: أقبلت فاطمة - صلوات الله عليها - تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وآله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " مرحبا يا بنتي "، ثم أجسلها على يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين ؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت لها: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قال فقالت: " أسر إلي أن جبرئيل عليه السلام كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وانه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وانك أول أهل بيتي لحاقا بي، فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين، فضحكت لذلك " (1). انتهى. وروى كونها " سيدة نساء أهل الجنة " في آخر المجلد الاول، عند ذكره مناقبها صلوات الله عليها (2). وقال البغوي في المصابيح في الاحاديث الصحاح: عن عائشة قالت: كنا أزواج النبي صلى الله عليه وآله عنده، فأقبلت ما تخفي مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما رآها قال: " مرحبا يا بنتي "، ثم أجلسها، ثم سارها فبكت بكاء شديدا، فلما رأى حزنها سارها الثانية فإذا هي تضحك، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وآله سألتها عما سارك، قالت: " ما


1 - صحيح البخاري 4: 247. 2 - صحيح البخاري 5: 25.

[230]

كنت لافشي على رسول الله صلى الله عليه وآله ". فلما توفي قلت: عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما أخبرتيني، قالت: " أما الان فنعم، أما حين سارني في الامر الاول فإنه أخبرني ان جبرئيل عليه السلام كان يعارضني القرآن في كل سنة مرة، وانه عارضني به العام مرتين، ولا أرى الاجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فاني نعم السلف أنا لك، فبكيت، فلما رأى حزني سارني الثانية قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكون سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين " (1). انتهى. ورواه بألفاظه في المشكاة، ثم قال: متفق عليه. قال البخاري في صحيحه في باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله: حدثنا أبو الوليد، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني " (2). انتهى. ورواه في موضع آخر من مناقب فاطمة صلوات الله عليها بطريق آخر (3). وقال ابن الاثير في النهاية: ومنه الحديث: " إنما فاطمة حذية مني يقبضني ما يقبضها " (4). انتهى. قال في باب الراء مع الباء: وفي حديث فاطمة: " يريبني ما يريبها، أي يسؤوني ما يسؤوها ويزعجني ما يزعجها (5). انتهى. وقال في باب النون مع الصاد: وفيه " فاطمة بضعة مني، ينصبني ما أنصبها " أي: يتعبني ما أتعبها (6). انتهى.


1 - مصابيح السنة 4: 184. 2 - صحيح البخاري 5: 26. 3 - صحيح البخاري 5: 27. 4 - النهاية 1: 357 " حذا ". 5 - النهاية 2: 287 " ريب ". 6 - النهاية 5: 62 " نصب ".

[231]

قال البغوي في المصابيح: عن المسور بن مخرمة: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني " (1). انتهى. وقال: وفي رواية: " يريبني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها " (2). انتهى، ذكرها في الصحاح. وقال في المشكاة بعذ ذكرهما: متفق عليهما. قال في روضة الاحباب: صح عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن أغضبها فقد أغضبني ". وفي بعض الاخبار: " إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها " (3). انتهى. قال ابن الاثير في كتاب جامع الاصول عند ذكره أولاد النبي صلى الله عليه وآله: أما فاطمة صلوات الله عليها فإن خديجة ولدتها وقريش تبني البيت قبل النبوة بخمس سنين، وقيل: ولدت سنة احدى وأربعين من الفيل، وهي أصغر بناته في قول، وهي سيدة نساء العالمين. تزوجها علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما في السنة الثانية في شهر رمضان، وبنى عليها في ذي الحجة، وقيل: تزوجها في رجب، وقيل: في صفر، وقيل: تزوجها بعد غزوة أحد، فولدت له الحسن والحسين صلوات الله عليهما، والمحسن، وزينب، وام كلثوم، ورقية. وماتت بالمدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله بستة أشهر، وقيل بثلاثة، ولها ثمان وعشرون سنة، وقيل: تسع وعشرين سنة، وأهل البيت يقولون: ثماني عشرة. وغسلها علي وصلى عليها، ودفنت ليلا. روى عنها علي بن أبي طالب، وابناهما الحسن والحسين عليهما السلام،


1 - مصابيح السنة 4: 185. 2 - مصابيح السنة 4: 185. 3 - روضة الاحباب: 665.

[232]

وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة، وأم سلمة، واسماء بنت عميس. انتهى. قال ابن أبي الحديد في المجلد العاشر: أما قول الرضي عند دفن سيدة النساء فلانه قد تواتر الخبر عنه صلى الله عليه وآله انه قال: " فاطمة سيدة نساء العالمين " (1). انتهى. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله سيدة نساء العالمين (2). ثم قال بعد ذكر الخلاف في الاصغر من بناته صلى الله عليه وآله واطالته في ذلك: قال ابن السراج: سمعت عبيد الله بن محمد بن سليمان بن جعفر الهاشمي يقول: ولدت فاطمة سنة احدى وأربعين من مولد النبي صلى الله عليه وآله، وأنكح رسول الله صلى الله عليه وآله فاطمة علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما بعد وقعة أحد (3). انتهى. ثم ذكر الخلاف في مدة بقائها بعد النبي صلى الله عليه وآله: فذكر محمد بن علي ستة أشهر، وعن ابن شهاب مثله، وعنه ايضا ثلاثة اشهر، وعن عمرو بن دينار ثمانية اشهر، وعن ابن بريدة سبعين يوما. ثم روي في فضلها شيئا، ثم قال: قال - يعني ابن السراج -: وحدثنا ابراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن سنان ابن أبي فروة، عن عقبة بن مريم، عن أبي ثعلبة الخشني، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا قدم من غزوة أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه، وذكر الحديث. ثم قال بعد ذكر أحاديث من فضائلها قال: وحدثنا محمد بن الصباح، قال: حدثنا عثمان بن عمر، عن اسرائيل، عن ميسرة بن حبيب، عن المنهال


1 - شرح نهج البلاغة 2: 590. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 373. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 374.

[233]

ابن عمرو، عن عائشة بن طلحة، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: ما رأيت أحدا أشبه كلاما وحديثا برسول الله صلى الله عليه وآله من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها ورحب بها، كما كانت تصنع هي به صلى الله عليه وآله. قال: وحدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن أبي اسحاق، عن يحيى ابن عباد، عن أبيه عن عائشة قالت: ما رايت أحدا أصدق لهجة من فاطمة، إلا أن يكون الذي ولدها صلى الله عليه وآله. أخبرنا خلف بن قاسم، حدثنا علي بن محمد بن اسماعيل، حدثنا محمد بن اسحاق السراج، حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن أبي الجحاف، عن جميع بن عمير، قال: دخلت على عائشة فسألتها: أي الناس كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالت: فاطمة، قلت: فمن الرجال ؟ قالت: زوجها، إنه كان ما علمته صواما قواما. قال: وحدثنا ابراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا شاذان، عن جعفر الاحمر، عن عبد الله بن عطاء، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: أحب الناس الى رسول الله صلى الله عليه فاطمة، ومن الرجال علي. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر، وعن عمارة بن المهاجر، عن أم جعفر: ان فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت لاسماء بنت عميس: " يا أسماء اني استقبحت ما يصنع بالنساء، يطرح على المرأة الثوب فيصفها ". فقالت: أسماء: يا ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله الا أريك شيئاا رأيته بأرض الحبضة فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا، فقالت فاطمة: " ما أحسن هذا وأجمله، تعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا مت

[234]

فغسليني أنت وعلي، ولا تدخلي علي أحدا ". فلما توفيت جاءت عائشة تدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي، فشكت الى أبي بكر: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب فقال: يا أسماء ما حملك أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وآله يدخلن على بنت رسول الله صلى الله وآله، وجعلت لها مثل هودج العروس ؟ فقالت: أمرتني أن لا يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع لها ذلك. قال أبو بكر: فاصنعي ما أمرتك، وغسلها علي وأسماء. قال أبو عمر: فاطمة أول من غشي نعشها من النساء في الاسلام على الصفة المذكورة في الخبر، ثم بعدها زينب بن جحش صنع لها أيضا. وماتت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وكانت أول أهله لحوقا به صلى الله عليه وآله، وصلى عليها علي بن أبي طالب، وهو الذي غسلها مع أسماء بنت عميس، ولم يخلف رسول الله صلى الله عليه وآله من بنيه غيرها. وقيل: توفيت فاطمة بعده بخمس وسبعين ليلة، وقيل: بستة أشهر إلا ليلتين، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث خلت من شهر رمضان، وغسلها زوجها علي، وكانت أشارت عليه أن يدفنها ليلا، وقد قيل: صلى عليها العباس بن عبد المطلب (1). انتهى. قال ابن حجر في كتابه الصواعق في الفصل الثالث (2) في الاحاديث الواردة في بعض أهل البيت: عن أبي أيوب: ان النبي صلى الله عليه وآله قال:


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 375. 2 - في " م ": السادس. والصحيح ما أثبتناه كما في المصدر.

[235]

" إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تمر بنت محمد على الصراط، فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق " (1). انتهى. روي في روضة الاحباب عند ذكره غزوة بني قريضة: عن ابن عباس انه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بفاطمة صلوات الله عليها، وقبل رأسها، فلما قدم من غزوة الاحزاب أتى فاطمة صلوات الله عليها، وغسل رأسه وسائر بدنه صلى الله عليه وآله من الغبار، وصلى الظهر. الحديث (2). وأسند الثعلبي في تفسير قوله تعالى: * (اذهبتم طيباتكم) * (3): عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سافر كان آخر عهده وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة (4). ورواه في المصابيح أيضا عن ثوبان (5). قال في الكشاف: وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه جاع في زمن قحط، فأهدت له فاطمة رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها وقال: " هلمي يا بنية "، فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزا ولحما، فبهتت وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها صلى الله عليه وآله: " أنى لك هذا ؟ "، فقالت: * (هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) * (6). فقال صلى الله عليه وآله: " الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني اسرائيل "، ثم جمع رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب


1 - الصواعق المحرقة: 190. 2 - روضة الاحباب: 431. 3 - الاحقاف: 20. 4 - الكشف والتبيان: 314. 5 - مصابيح السنة 4: 186. 6 - آل عمران: 37. (*)

[236]

والحسن والحسين، وجميع أهل بيته عليه حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة على جيرانها (1). انتهى. وروى نحوه السيوطي في تفسيره (2).


1 - الكشاف 1: 427. 2 - الدر المنثور 2: 186.

[237]

الباب الثالث في فضائل امامي المسلمين الحسن والحسين صلوات الله عليهما

[239]

قال ابن الاثير في كتاب جامع الاصول: هو أبو محمد الحسن بن علي ابن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة، ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. انتهى. قال في الاستيعاب: الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، كني أبا محمد، ولدته أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله في النصف من شهر رمضان ثلاثة من الهجرة، هذا أصح ما قيل في ذلك إن شاء الله. وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وآله يوم سابعه بكبش، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدق بزنته فضة (1). انتهى. ثم قال: وكان عليه السلام ورعا فاضلا (2). انتهى. ثم قال: وذكر معمر عن الزهري عن أنس قال: لم يكن فيهم أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله من الحسن (3). انتهى. قال البغوي في المصابيح: عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله حامل الحسن بن علي على عاتقه فقال رجل: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال النبي صلى الله عليه وآله: " ونعم الراكب هو " (4). انتهى.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 369. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 369. 3 - الاستيعاب: (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 369. 4 - مصابيح السنة 4: 196.

[240]

ورواه في جامع الاصول عن ابن عباس (1). قال ابن حجر: الحديث السابع: أخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي صلى الله عليه وآله وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ونعم الراكب هو " (2). انتهى. وقال ابن حجر في الصواعق أيضا: الفصل الثالث: في بعض مآثره: كان عليه السلام سيدا، كريما زاهدا، ذا سكينة ووقار وحشمة، جوادا، ممدوحا، وسيأتي بسط شئ من ذلك. أخرج أبو نعيم في الحيلة قال: " اني لاستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش الى بيته "، فمشى عشرين حجة (3). وأخرج الحاكم بن عبد الله بن عمر قال: لقد حج مع الحسن خمسا وعشرين حجة ماشيا وان النجائب لتقاد بين يديه (4). وأخرج أبو نعيم: انه خرج من ماله مرتين، وقاسم الله تعالى ماله ثالث مرات، حتى انه كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا، ويعطي خفا ويمسك خفا (5). انتهى. قال في جامع الاصول: الحسين بن علي: هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة. ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وكانت فاطمة علقت به بعد أن ولدت الحسن بخمسين ليلة، وقتل يوم


1 - جامع الاصول 9: 27. 2 - الصواعق المحرقة: 137. 3 - حلية الاولياء 1: 65. 4 - مستدرك الصحيحين 3: 169. 5 - الصواعق المحرقة: 139، حلية الاولياء 1: 65.

[241]

الجمعة يوم عاشوراء سنة احدى وستين بكربلاء، ويعرف الموضع أيضا بالطف من أرض العراق. انتهى. قال أبو عمر يوسف بن عبد البر في الاستيعاب: الحسين بن علي بن أبي طالب، امه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، يكنى أبا عبد الله. ولد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث، هذا قول الواقدي وطائفة معه. قال الواقدي: علقت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة. وروى جعفر بن محمد بن أبيه قال: لم يكن بين الحسن والحسين إلا طهر واحد (1). انتهى. ثم قال: وعق عنه رسول الله صلى الله عليه وآله كما عق عن أخيه، وكان الحسين فاضلا دينا، كثير الصوم والصلاة والحج (2). انتهى. ثم قال في آخر الفصل: قال مصعب الزبيري: حج الحسين بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا (3). انتهى. قال في جامع الاصول عند ذكره فضل حذيفة بن اليمان: حذيفة قال: سألتني أمي: متى عهدك برسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقلت: منذ كذا وكذا، فنالت مني، فقلت لها: دعيني آتي رسول الله صلى الله عليه وآله أصلي معه المغرب، وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيته فصليت معه المغرب، ثم قام فصلى حتى صلى العشاء ثم انفصل فتبعته فسمع صوتي فقال: " من هذا حذيفة ؟ ! " قلت: نعم. قال: " ما حاجتك، غفر الله لك ولامك، إن هذا ملك لم ينزل الارض قط، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني ان فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (4). انتهى.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 378. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 378. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 383. 4 - جامع الاصول 9: 59.

[242]

ورواه في روضة الاحباب (1). قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله من وجوه انه قال في الحسن والحسين: " انهما سيدا شباب أهل الجنة "، وقال: " اللهم اني أحبهما فأحبهما واحب من يحبهما " (2). انتهى. قال أبو محمد البغوي في المصابيح: عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ". انتهى. ثم قال: عن ابن عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " الحسن والحسين هما ريحاني في الدنيا ". عن اسامة بن زيد قال: طرقت النبي صلى الله عليه وآله ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج صلى الله عليه وآله وهو مشتمل على شئ لا أدري ما هو، فلما فرغت من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه ؟ فكشف فإذا الحسن والحسين على وركيه فقال: " هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم اني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما " (3). انتهى. وذكر هذه الروايات في الحسان ولم يقيدها، فهي صحيحة على ما مر غير مرة: ورواها في المشكاة وقال: رواها الترمذي (4). وقال البغوي في المصابيح أيضا: عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " إن هذا ملك لم ينزل الارض قط قبل هذه الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (5).


1 - روضة الاحباب: 241. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 379. 3 - مصابيح السنة 4: 193 - 194. 4 - سنن الترمذي 5: 656. 5 - مصابيح السنة 4: 196.

[243]

وعن أنس انه قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله: أي أهل بيتك أحب إليك ؟ قال: " الحسن والحسين "، وكان يقول لفاطمة: " ادعي الي ابني " فيشمهما ويضمهما إليه (1). انتهى. ورواها في المشكاة وقال: أخرجهما الترمذي (2). قال ابن حجر في صواعقه: الحديث العاشر: أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد، والطبراني عن عمرو وعن جابر وعن أبي هريرة وعن اسامة بن زيد وعن البراء، وابن عدي عن ابن مسعود: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (3). الحديث الحادي عشر: أخرج ابن عساكر عن علي وعن ابي عمر، وابن ماجة والحاكم عن ابن مسعود: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " ابناي هذان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (4). انتهى. الحديث الثاني عشر: أخرج أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن حبان عن حذيفة: ان النبي صلى الله عليه وآله قال له: " أما رأيت العارض الذي عرض لي قبل ذلك ؟ هو ملك من الملائكة لم يهبط للارض قط، استأذن ربه عز وجل أن يسلم علي وبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة " (5). انتهى. قال في كتاب الاستيعاب لابن عبد البر: حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن الورد، حدثنا يوسف بن يزيد، حدثنا أسد بن موسى، وحدثنا عبد


1 - مصابيح السنة 4: 194. 2 - سنن الترمذي 5: 656. 3 - الصواعق المحرقة: 191، مسند أحمد بن حنبل 3: 64، سنن الترمذي 5: 656. 4 - مستدرك الصحيحين 3: 167، سنن ابن ماجة 1: 44. 5 - الصواعق المحرقة: 191، مسند أحمد بن حنبل 3: 64، سنن الترمذي 5: 660، سنن النسائي 5: 97.

[244]

الوارث، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا خلف بن الوليد أبو الوليد، قالا: حدثنا اسرائيل، عن اسحاق، عن هاني بن هاني، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال: " لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسن، فلما ولد الحسين قال: أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسين، فلما ولد الثالث (1) جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال: أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت: حربا، قال: بل هو محسن "، زاد أسد ثم قال: " اني سميتهم بأسماء ولد هارون: شبر، وشبير، ومشبر ". وبهذا الاسناد عن علي صلوات الله عليه قال: " كان الحسن أشبه الناس بالنبي صلى الله عليه وآله ما بين الصدر الى الرأس، والحسين اشبه الناس بالنبي صلى الله عليه وآله ما كان أسفل من ذلك " (2). انتهى. ثم قال: الحديث السابع والعشرون: أخرج البغوي، وعبد الغني في الايضاح عن سلمان رضي الله عنه: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " سمى هارون ابنيه شبرا وشبيرا، واني سميت ابني الحسن والحسين كما سمى به هارون ابنيه " (4). انتهى.


1 - لم يولد للامام علي عليه السلام ولد ثالث، بل حملت به أمه فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وسماه جده رسول الله صلى الله عليه وآله " محسنا "، وقد أسقط في واقعة الدار، كما هو معروف. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 378. 3 - الصواعق المحرقة: 191. 4 - الصواعق المحرقة: 192.

[245]

قال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث ابن عمر - وذكر الحسن والحسين فقال -: إنما كانا يغران العلم غرا (1). انتهى. وقال ابن حجر في صواعقه: ولما أصيب دعا الحسن والحسين صلوات الله عليهما فقال لهما: " أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تبكيا على شئ زوي عنكما، وقولا الحق، وارحما اليتيم، وأعينا الضعيف، واصنعا للاخرة، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم أنصارا، واعملا لله ولا تأخذكما في الله لومة لائم ". ثم نظر إلى ولده محمد بن الحنفية فقال: " هل حفظت ما اوصيت به أخويك ؟ " قال: نعم، فقال: " اوصيك بمثله، وأوصيكما به فإنه أخوكما وابن أبيكما، وقد علمتما ان أباكما كان يحبه "، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله الى أن قبض عليه السلام (2). انتهى. ومن الكلمات المفردة التي ذكرها ابن أبي الحديد في خاتمة الشرح ما هذا لفظه: لما ضربه ابن ملجم وأوصى ابنيه بما أوصاهما قال لابن الحنيفة: " هل فهمت ما أوصيت به أخويك ؟ " قال: نعم، قال: " فإني أوصيك بمثله، وبتوقير أخويك، واتباع أمرهما، وأن لا تبرم أمرا دونهما ". وقال لهما: " أوصيكما به فإنه شقيقكما وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه فأحباه " (3). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل: قيل: وسمع بعض أهل المدينة ليلة قتل الحسين مناديا ينادي: أيها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب والتنكيل كل اهل السماء يدعو عليكم من نبي ومن ملك وقبيل


1 - النهاية 3: 357 " غرر ". 2 - الصواعق المحرقة: 134. 3 - شرح نهج البلاغة 4: 365.

[246]

قد لعنتم على لسان ابن داود وموسى وصاحب الانجيل (1) انتهى. قال ابن حجر في كتاب الصواعق المحرقة: أخرج البغوي في معجمه من حديث أنس: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " استأذن ملك القطر ربه أن يزورني فأذن له "، وكان في يوم أم سلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا أم سلمة احفظي علينا الباب "، فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم، فوثب على رسول الله صلى الله عليه وآله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يلثمه ويقبله. فقال له الملك: أتحبه ؟ قال: " نعم "، قال: إن امتك ستقتله، وإن شئت أريك المكان الذي يقتل فيه، فأراه، فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها. قال ثابت: كنا نقول: إنها كربلاء. وأخرجه أيضا أبو حاتم في صحيحه، وروى أحمد نحوه (2). انتهى. ثم قال: وفي رواية عنها: فأصبته يوم قتل الحسين وقد صار دما. وفي أخرى: ثم قال - يعني جبرئيل عليه السلام -: ألا أريك تربة مقتله ؟ فجاء بحصيات فجعلهن في قارورة، قالت أم سلمة: فلما كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلا يقول: أيها القاتلون جهلا حسينا أبشروا بالعذاب والتذليل قد لعنتم على لسان ابن داود وموس وحامل الانجيل قالت: فبكيت، وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دما (3). انتهى. وذكر في الكامل هذه الرواية، وأن الملك كان جبرئيل عليه السلام (4).


1 - الكامل في التأريخ 4: 90. 2 - الصواعق المحرقة: 192، مسند أحمد بن حنبل 3: 286. 3 - الصواعق المحرقة: 193. 4 - الكامل 4: 89.

[247]

قال في النهاية: حديث أم سلمة في مقتل الحسين: جبرئيل أتاه بسهلة أو تراب أحمر، السهلة: رمل خشن ليس بالدقاق الناعم (1). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل: ولما قتل الحسين أرسل رأسه ورؤوس أصحابه الى ابن زياد مع خولي بن يزيد وحميد بن مسلم الازدي، فوجد خولي القصر مغلقا، فأتى منزله فوضع الرأس تحت الاجانة في منزله، ودخل فراشه وقال لامراته النوار: جئتك بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معك في الدار. فقالت: ويلك، جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت برأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لا يجامع رأسي ورأسك بيتا أبدا، وقامت من الفراش وخرجت من الدار، قالت: فما زلت أنظر الى نور يسطع مثل العمود من السماء إلى الاجانة، ورايت طيرا أبيضا يرفرف حولها (2). انتهى. وقال في هذا الكتاب أيضا: ومكث الناس شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع (3). انتهى. وفيه أيضا: قال بعض حجاب ابن زياد: جئت معه القصر حين قتل الحسين، فاضطرم في وجهه نار، فقال بكمه هكذا على وجهه، وقال: لا تحدثن بهذا أحدا (4). انتهى. قال الثعلبي في تفسير قوله تعالى: * (فما بكت عليهم السماء) * (5) قال السندي: لما قتل الحسين عليه السلام بكت عليه السماء، بكاؤها حمرتها.


1 - النهاية 2: 428 " سهل ". 2 - الكامل 4: 80. 3 - الكامل 4: 90. 4 - الكامل 4: 81. 5 - الدخان: 29.

[248]

ثم أسند عن ابن سيرين انه قال: ان الحمرة التي مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن علي عليهما السلام. ثم أسند عن سليمان بن القاس قال: مطرنا دما أيام قتل الحسين (1). انتهى. قال ابن حجر بعد ذكره نبذا من بكاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه صلوات الله عليه وغير ذلك: ولما قتلوه بعثوا برأسه الى يزيد، فنزلوا أول مرحلة فجعلوا يشربون بالرأس، فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديد فكتبت سطرا بدم: أترجوا أمة قتلت حسينا شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس. أخرجه منصور بن عمار، وذكر غيره: إن هذا البيت وجد بحجر قبل مبعثه صلى الله عليه وآله بثلاثمائة سنة، وأنه مكتوب في كنيسة بأرض الروم لا يدرى من كتبه. وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة عن نضرة الازدية أنها قالت: لما قتل الحسين بن علي أمطرت السماء دما، فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دما (2). انتهى. ثم قال: ومما ظهر يوم قتل من الايات أيضا: ان السماء اسودت اسودادا عظيما حتى رؤيت النجوم نهارا، ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط (3). انتهى. ثم قال: وأخرج عثمان بن أبي شيبة: ان السماء مكثت بعد قتله سبعة أيام ترى على الحيطان كأنها ملاحف معصفرة من شدة حمرتها، وضربت


1 - تفسير الثعلبي: 164. 2 - دلائل النبوة 2: 709، الصواعق المحرقة: 193. 3 - الصواعق المحرقة: 194.

[249]

الكواكب بعضها بعضا. ونقل ابن جزري عن ابن سيرين: ان الدنيا اظلمت ثلاثة أيام، ثم ظهرت الحمرة في السماء دما، وبقي أثره في الثياب مدة حتى تقطعت. وأخرج الثعلبي وأبو نعيم ما مر من أنهم مطروا دما، وزاد أبو نعيم: فأصبحنا وحبابنا وجرارنا مملوءة دما. وفي رواية: انه مطر كالدم على البيوت والجدر بخراسان والشام والكوفة، وانه لما جئ برأس الحسين الى دار ابن زياد سالت حيطانها دما. وأخرج الثعلبي: إن السماء بكت (وبكاؤها حمرتها) (1). وقال غيره: احمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله، ثم لا زالت الحمرة ترى بعد ذلك، وان ابن سيرين قال: أخبرنا ان الحمرة التي مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسين. وذكر ابن سعد: ان هذه الحمرة لم تر في السماء قبل قتله. وقال ابن الجوزي: وحكمته ان غضبا يؤثر حمرة الوجه، والحق تنزه عن الجسمية فأظهر غضبه على من قتل الحسين بحمرة الافق اظهارا لعظيم الجناية (2). انتهى. ثم قال: وما مر من أنه لم يرفع حجر في الشام أو الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط، وقع يوم قتل علي أيضا، كما أشار إليه البيهقي، فإنه حكى عن الزهري أنه قدم الشام يريد الغزو فدخل على عبد الملك فأخبره انه يوم قتل علي لم يرفع حجر من بيت المقدس إلا وجد تحته دم. ثم قال: لم يبق من هذا غيري فلا تخبر به. قال: فما أخبرت به إلا بعد موته. وحكي عنه ايضا: ان غير عبد الملك أخبره بذلك أيضا.


1 - أضفناها من المصدر. 2 - الصواعق المحرقة: 194.

[250]

ثم قال: وأخرج أبو الشيخ ان جمعا كانوا يذكرون انه ما من أحد أعان على قتل الحسين إلا أصابه بلاء قبل أن يموت، قال شيخ: أنا أعنت فما أصابني شئ، فقام ليصلح السراج فأخذته النار، فجعل ينادي النار النار، فانغمس في الفرات، ومع ذلك لم يزل به ذلك حتى مات. وأخرج منصور بن عمار: أن بعضهم ابتلى بالعطش، فكان يشرب راوية ولا يروى، وبعضهم طال ذكره حتى إذا ركب الفرس لواه على عنقه كأنه حبل (1). ونقل سبط ابن الجوزي عن السدي: انه أضافة رجل بكربلاء، فتذاكروا انه ما شارك أحد في دم الحسين إلا مات أقبح موته، فكذب الضيف بذلك، وقال: انه ممن حضر، فقام آخر الليل يصلح السراج فوثب السراج في جسده فأحرقته. قال السدي: فأنا والله رايته كأنه فحمة. ثم قال - بعد ذكره عن الزهري: لم يبق ممن شهد قتله إلا عوقب في الدنيا -: وحكي سبط بن الجوزي عن الواقدي: ان شيخا حضر قتله فقط فعمي، فسئل عن سببه فقال: انه رأى النبي صلى الله عليه وآله حاسرا عن ذراعيه وبيده سيف وبين يديه نطع، ورأى عشرة من قاتلي الحسين مذبوحين بين يديه، ثم لعنه وسبه بتكثير سوادهم، ثم أكحله بمرود من دم الحسين، فأصبح أعمى. وأخرج أيضا: ان شخصا منهم علق في لب فرسه رأس الحسين، فرئي بعد أيام ووجهه أشد سوادا من القار، فقيل له: إنك كنت أنظر العرب وجها فقال: ما مرت علي ليلة من حين حملت ذلك الرأس إلا واثنان يأخذان بضبعي ثم ينتهيان بي إلى نار تؤجج فيدفعاني بها وأنا أنكص فتسفعني كما ترى (2). وأخرج أيضا: أن شخصا رأى النبي صلى الله عليه وآله وبين يديه طشت


1 - هكذا في النسخ الخطية والمصدر، والعهدة على الناقل. 2 - الصواعق المحرقة: 195.

[251]

فيها دم، والناس يعرضون فيلطخهم، حتى انتهيت إليه فقلت: ما حضرت، فقال: " هويت "، فأومى الي باصبعه فأصبحت أعمى. ومر أن أحمد روى ان شيخا قال: قتل الله الفاسق بن الفاسق، فرماه الله بكوكبين في عينيه فعمي. وذكر البارزي عن المنصور: انه رأى رجلا بالشام ووجهه وجه خنزير، فسأله فقال: انه كان يلعن عليا كل يوم ألف مرة، وفي يوم الجمعة أربعة الاف مرة وأولاده معه، فرأى النبي صلى الله عليه وآله، وذكر مناما من جملته أن الحسين شكاه إليه فبصق في وجهه، فصار موضع بصاقه خنزيرا، وصار آية للناس (1). ثم قال بعد ذكر كثير من أعلامه وآياته صلوات الله عليه: وكانت الحرس على الرأس كلما نزلوا منزلا وضعوه على رمح وحرسوه، فرآه راهب في دير، فسألهم عنه، فعرفوه به، فقال: بئس القوم أنتم، هل لكم في عشرة آلاف درهم ويبيت الرأس عندي هذه الليلة ؟ قالوا: نعم. فأخذه وغسله ووضعه على فخذه وقعد يبكي إلى الصبح، ثم أسلم، لانه رأى نورا ساطعا من الرأس إلى السماء، ثم خرج من الدير وما فيه فصار يخدم أهل البيت، وكان من اولئك الحرس دنانير أخذوها من عسكر الحسين، ففتحوا أكياسهم ليقتسموها فرأوها خزفا، وعلى أحد جانبي كل منها: * (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون) * (2)، وعلى الاخر: * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * (3). انتهى كلام ابن حجر بطوله (4).


1 - الصواعق المحرقة: 196. 2 - ابراهيم: 42. 3 - الشعراء: 227. 4 - الصواعق المحرقة: 199.

[253]

الباب الرابع في فضائل سيد الساجدين وزين العابدين علي بن الحسين صلوات الله عليهما

[255]

قال ابن الاثير في جامع الاصول: علي بن الحسين هو أبو الحسن، ويقال: أبو الحسين، ويقال: أبو محمد، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المعروف بزين العابدين، من أكابر سادات أهل البيت، ومن جملة التابعين وأعلامهم، كانت أمه أم ولد. قال الزهري: ما رأيت قريشا أفضل من علي بن الحسين، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ودفن في البقيع في القبر الذي فيه عمه الحسن بن علي، وهو الان في القبة التي فيها قبر العباس بن عبد المطلب. انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب العبيد والاماء: أبو اليقظان: إن قريشا لم تكن ترغب في أمهات الاولاد حتى ولدن ثلاثا هم خير أهل زمانهم: علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله. وذلك ان عمر أتي ببنات يزدجرد بن شهريار بن كسرى سبيات، فاراد بيعهن، فقال له علي: " إن بنات الملوك لا يبعن، ولكن قوموهن " فأعطاه أثمانهن فقسمهن بين الحسين بن علي، ومحمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، فولدن الثلاثة (1). انتهى. قال ابن خلكان وليس للحسين عقب إلا من ولد زين العابدين، وهو أحد الائمة الاثني عشر، وهو من سادات التابعين، قال الزهري: ما رأيت


1 - ربيع الابرار 3: 18.

[256]

قرشيا أفضل منه. ثم قال: وكان يقال لزين العابدين: ابن الخيرتين، لقوله صلى الله عليه وآله: " الله من عبيده خيرتان: فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس ". ثم قال في أواخر الفصل: وفضائل زين العابدين ومناقبه أكثر من أن تحصى. وكانت ولادته يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثمان وثلاثين للهجرة، وتوفي سنة أربع وتسعين، وقيل: تسع وتسعين، وقيل: اثنين وتسعين للهجرة بالمدينة المنورة، ودفن في البقيع في قبر عمه الحسن بن علي بن أبي طالب (1). انتهى. قال اليافعي الشافعي في روضة الرياحين: وروي ان زين العابدين كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة. قال ابن حجر في الصواعق: وزين العابدين هذا هو الذي خلف أباه علما وزهدا وعبادة، فكان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: " ألا تدرون بين يدي من أقف ". وحكي انه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. وحكى ابن حمدون عن الزهري: ان عبد الملك حمله مقيدا من المدينة بأثقله من حديد، ووكل به حفظة، فدخل عليه الزهري لوداعه فبكى وقال: وددت أني مكانك، فقال: " أتظن أن ذلك يكربني، لو شئت لما كان، وانه ليذكرني عذاب الله " ثم أخرج رجليه من القيد ويديه من النعل ثم قال: " لاجزت معهم على هذا يومين من المدينة "، فما مضى إلا يومان إلا وفقدوه حين طلع الفجر وهم يرصدونه فطلبوه فلم يجدوه. قال الزهري: فقدمت على عبد الملك فسألني عنه فأخبرته، فقال: قد جاءني يوم فقده الاعوان، فدخل علي فقال: " ما أنا وأنت ؟ "، فقلت: أقم


1 - وفيات الاعيان 3: 266 - 269. (*)

[257]

عندي، فقال: " لا أحب "، ثم خرج، فو الله لقد أمتلا قلبي منه خيفة. ومن ثم كتب عبد الملك للحجاج أن يجتنب دماء بني عبد المطلب، وأمره بكتم ذلك، فكوشف به زين العابدين فكتب إليه: " انك كتبت للحجاج يوم كذا سرا في حقنا بني عبد المطلب بكذا وكذا، وقد شكر الله لك ذلك " وأرسل به إليه، فلما وقف عليه وجد تأريخه موافقا لتأريخ كتابه للحجاج، ووجد خروج الغلام موافقا لمخرج رسوله للحجاج، فعلم ان زين العابدين كوشف بأمره، فسر به، وأرسل إليه مع غلامه بوقر راحلته دراهم وكسوة، وسأله أن لا يخيله من صالح دعائه (1). انتهى. ثم ذكر قصة الفرزدق المشهورة مع هشام ومدحه للامام الهمام صلوات الله عليه بالابيات المعروفة، فقال: وكان زين العابدين عظيم التجاوز والعفو والصفح، حتى انه سبه رجل فتغافل عنه، فقال له: إياك أعني، فقال: " وعنك أعرض " أشار الى الاية: * (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) * (2). وكان يقول: " ما يسرني بنصيبي من الذل حمر النعم ". توفي وعمره سبع وخمسون، منها سنتان مع جده علي، ثم عشر مع عمه الحسن، ثم احدى عشر سنة مع أبيه الحسين ويقال: سمه الوليد بن عبد الملك، ودفن بالبقيع عند عمه الحسن (3). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب العمل والكد: علي بن الحسين لما مات فغسلوه وجدوا على ظهره مجلا مما كان يستقي لضعفة جيرانه بالليل، ومما كان يحمل الى بيوت المساكين من جرب الطعام (4).


1 - الصواعق المحرقة: 200. 2 - الاعراف: 199. 3 - الصواعق المحرقة: 200. 4 - ربيع الابرار 2: 149.

[258]

انتهى. قال ابن أبي الحديد في جواب أمية نقلا عن الجاحظ: ومن مثل علي بن الحسين زين العابدين. وقال الشافعي في الرسالة في اثبات خبر الواحد: وحدث علي بن الحسين، وهو أفقه أهل المدينة يقول على خبر الواحد (1).


1 - شرح نهج البلاغة 3: 69.

[260]

الباب الخامس في فضائل امام المسلمين الباقر محمد بن علي بن الحسين صلوات الله عليهم

[261]

قال ابن الاثير في كتاب جامع الاصول: ولد سنة ست وخمسين ثم قال: ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن بن علي ابن أبي طالب. ثم قال: سمي الباقر، لانه تبقر في العلم، أي: توسع فيه. انتهى. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: كان محمد بن علي بن الحسين لا يسمع المبتلى الاستعاذة، وكان ينهى الجارية والغلام أن يقولا للمسلمين: يا سائل. وهو سيد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه، وهو الملقب بالباقر (باقر العلم) (1)، لقبه به رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يخلق بعد، وبشر به، ووعد جابر بن عبد الله برؤيته، وقال: " ستراه طفلا، فإذا رأيته بلغه عني السلام "، فعاش جابر حتى رآه وقال له ما وصي به (2). انتهى. قال ابن حجر في الصواعق بعد ذكره أولاد سيد الساجدين صلوات الله عليه: وارثه منهم علما وعبادة وزهادة أبو جعفر محمد بن علي الباقر، سمي بذلك من بقر الارض، أي: شقها وأثار مخبياتها ومكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبياتها كنوز المعارف وحقائق الاحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة.


1 - أضفناها من المصدر. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 69.

[262]

ومن ثم قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، صفا قلبه، وزكا عمله، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوخ في مقدمات العارفين ما يكل عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات كثيرات في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة. وكفاه شرفا ان ابن المدائني روى عنه جابر انه قال له وهو صغير: رسول الله صلى الله عليه وآله يسلم عليك، فقيل له: وكيف ذلك ؟ قال: كنت جالسا عنده والحسين في حجره وهو يداعبه، فقال: " يا جابر يولد له ولد اسمه محمد، فإن أدركته يا جابر فأقرأه مني السلام ". توفي في سنة سبع عشرة (1) عن ثمان وخمسين سنة مسموما كأبيه، وهو علوي من جهة أبيه وأمه، ودفن أيضا في قبة الحسن والعباس بالبقيع (2). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار: محمد بن علي الباقر: " إن الحق استصرخني وقد حواه الباطل في جوفه، فبقرت عن خاصرته، واطلعت الحق من حجبه، حتى ظهر وانتشر بعد ما خفي واستتر " (3). انتهى. قال في الصواعق المحرقة لابن حجر: أخبر المنصور بملك الارض شرقها وغربها وبطول مدته، فقال له: وملكنا قبل ملككم ؟ قال: " نعم "، قال: ويملك أحد من ولدي ؟ قال: " نعم "، قال: فمدة بني أمية أطول أم مدتنا ؟ قال: " مدتكم، وليلعبن بهذا الملك صبيانكم كما يعلب بالكرة، هذا ما عهد إلي أبي ". فلما أفضت الخلافة للمنصور تعجب من قول الباقر. قال ابن خلكان: وكان الباقر عالما سيدا كبيرا وإنما قيل له الباقر: لانه


1 - هكذا في النسختين الخطيتين والمصدر، والصحيح ان وفاته عليه السلام سنة أربع عشرة ومائة. 2 - الصواعق المحرقة: 201. 3 - ربيع الابرار 2: 603.

[263]

تبقر في العلم، أي: توسع. البقر: وفيه يقول الشاعر: يا باقر العلم لاهل التقى وخير من لبى على الجبل انتهى (1). قال اليافعي الشافعي: قال عبد الله بن عطا: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند محمد بن علي. انتهى.


1 - الصواعق المحرقة: 146.

[265]

الباب السادس في فضائل إمام المؤمنين الامام جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليه

[267]

قال ابن الاثير في كتابه جامع الاصول: جعفر بن محمد الصادق صلوات الله عليه، وهو أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب الهاشمي الصادق. وأمه أم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. كان من سادات أهل البيت، روى عن أبيه، والقاسم بن محمد، وعطاء. سمع من الائمة الاعلام نحو يحيى بن سعيد الانصاري، وابن جريح، ومالك ابن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبو حنيفة. ولد سنة ثمانين، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن ثمان وستين سنة، ودفن في البقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر، وجده علي بن زين العابدين، وعم جده الحسن بن علي بن أبي طالب، فلله دره من قبر ما أكرمه وأشرفه. انتهى. قال ابن الاثير في الكامل: وسئل الصادق جعفر الصادق عن أمر محمد، فقال: " فتنة يقتل فيها محمد، ويقتل أخوه لابيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه في ماء " (1). انتهى. هو محمد بن عبد الله المحض الملقب بالمهدي. قال ابن حجر في كتابه الصواعق بعد ذكر الباقر صلوات الله عليه: وخلف ستة أولاد أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق، ومن ثم كان خليفته


1 - الكامل في التأريخ 5: 553.

[268]

ووصيه، ونقل الناس عنه من العلوم والمعارف ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان. وروى عنه الائمة الاكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريح، ومالك، والسفيانين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السجستاني. وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر. وسعي به إلى المنصور لما حج، فلما حضر الساعي به ليشهد قال له: " أتحلف ؟ ". قال: نعم، فحلفه بالله العظيم، فقال: " أنا احلفه يا أمير المؤمنين بما أراه "، فقال: حلفه، فقال له: " قل: برئت من حول الله وقوته والتجأت إلى حولي وقوتي، لقد فعل جعفر كذا وقال كذا ". فامتنع الرجل، ثم حلف، فما أتم حتى مات مكانه (1). انتهى. ثم قال: وقتل بعض الطغاة مولاه، فلم يزل ليله يصلي ثم دعا عليه عند السحر، فسمعت الاصوات بموته. ولما بلغه قول الحكم بن عباس الكلبي في عمه زيد: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ولم نر مهديا على الجذع يصلب قال: " اللهم سلط عليه كلبا من كلابك "، فافترسه الاسد. ومن مكاشفاته: ان ابن عمه عبد الله المحض كان شيخ بني هاشم، وهو والد محمد الملقب بالنفس الزكية، ففي آخر دولة بني امية وضعفهم أراد بنو هاشم مبايعة محمد وأخيه، فأرسل لجعفر ليبايعهما، فامتنع، فأتهم أنه يحسدهما، فقال: " والله ليست لي ولا لهما، إنها لصاحب القباء الاصفر، ليلعبن بها صبيانكم وغلمانهم "، وكان المنصور العباسي يومئذ حاضرا وعليه قباء أصفر، فما زالت كلمة جعفر تعمل فيه حتى ملكوا (2). انتهى. ثم قال: وأخرج أبو القاسم الطبري في طريق ابن وهب قال: سمعت الليث بن سعد يقول: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، فلما صليت العصر في


1 - الصواعق المحرقة: 201. 2 - الصواعق المحرقة: 202.

[269]

المسجد رقيت أبا قبيس، فإذا رجل جالس يدعو فقال: " يا رب يا رب " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " يا حي " حتى انقطع نفسه، ثم قال: " الهي اني اشتهي العنب فاطعمنيه، اللهم وان بردي قد خلقا فأكسني ". قال الليث: فو الله ما استتم كلامه حتى نظرت الى سلة مملوءة عنبا، وليس على الارض يومئذ عنب، وإذا بردين موضوعين لم أر مثلهما في الدنيا، فأراد أن يأكل فقلت: أنا شريكك، فقال: " ولم ؟ " فقلت: إنك دعوت وكنت أو من، فقال: " تقدم وكل " فتقدمت وأكلت عنبا لم آكل مثله قط، ما كان له عجم، فأكلنا حتى شبعنا، ولم تتغير السلة فقال: لا تدخر ولا تخبأ منه شيئا، ثم أخذ أحد البردين، ودفع الي الاخر، فقلت: إن بي غنى عنه، فاتزر بأحدهما وارتدى بالاخرى، ثم أخذ برديه الخلقتين فنزل وهما بيده، فلقيه رجل بالمسعى فقال: أكسني يا ابن رسول الله مما كساك الله فانني عريان، فدفعهما إليه، فقلت: من هذا ؟ قال: جعفر الصادق، فطلبته بعد ذلك اسمع منه شيئا فلم أقدر عليه (1). انتهى. وذكر هذه القصة اليافعي الشافعي في كتابه روض الرياحين بعينها وألفاظها. ثم قال ابن حجر: توفي سنة أربع وثمانين ومائة مسموما أيضا على ما حكي وعمر ثمان وستون سنة، ودفن بالبقيع السابقة عند أهله (2). انتهى. قال ابن خلكان في تأريخه: جعفر الصادق: أبو عبد الله جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، أحد الائمة الاثني عشر على مذهب الامامية، كان من سادات أهل البيت، ولقب بالصادق، لصدقه في مقالته. وفضله أشهر من أن يذكر، وله كلام في صناعة الكيمياء والزجر


1 - الصواعق المحرقة: 203. 2 - الصواعق المحرقة: 203.

[270]

والفأل، وكذا تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي قد ألف كتاب يشتمل على ألف ورقة، يشير فيه الى رسائل أبي جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة. وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة النبوية، وهي سنة سيل الجحاف، وقيل: بل ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الفجرر ثامن شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين. وتوفي في شوال ثمانين وأربعين ومائة بالمدينة، ودفن بالبقيع في قبر أبيه محمد الباقر وجده زين العابدين وعم جده الحسن بن علي صلوات الله عليهم، فلله دره من قبر ما أكرمه وأشرفه. وأمه أم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. وحكى كشاجم في كتاب المصائد والمطارد: إن جعفرا المذكور سأل أبا حنيفة فقال: " ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي ؟ " فقال: يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه، فقال: " أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية، وهو ثني أبدا " (1). انتهى. قوله: الكيمياء والزجر، قال في الصحاح: الزجر: العافية، وهو ضرب من التكهن (2). وهذا اشارة منه الى المأثور عنه صلوات الله عليه من الاعلام والمعجزات، سماها بما سماها به عنادا وجرأة على الله سبحانه. وقوله صلوات الله عليه: " هو ثني أبدا " أي: ليس له رباعية فتسقط فيصير من أجله رباعا.


1 - وفيات الاعيان 1: 327. 2 - الصحاح 2: 668 " زجر ".

[271]

(الليث بن سعد) والليث بن سعد المذكور في هذا الفصل، قال ابن خلكان: أبو الحرث الليث بن سعد بن عبد الرحمان، إمام أهل مصر في الفقه والحديث. ثم قال: وقال الشافعي: الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد في جواب مفاخرة أمية نقلا عن الجاحظ: وكان لنا الفقه والعلم والتفسير والتأويل مثل علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي ابن الحسين، وجعفر بن محمد الذي ملا علمه وفقهه. ويقال: إن أبا حنيفة من تلامذته، وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما (2).


1 - وفيات الاعيان 4: 127. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 16.

[273]

الباب السابع في فضائل حجة الله على الخلق أجمعين موسى بن جعفر صلوات الله عليه وآله

[275]

قال ابن حجر في صواعقه عند ذكره صلوات الله عليه بعذ ذكر أبيه الامام جعفر بن محمد صلى الله عليه: وهو وارثه علما ومعرفة وكمالا وفضلا سمي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفا عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم. ثم قال: ومن بديع كراماته ما حكاه ابن الجوزي والرامهر مزي وغيرهما، عن شقيق البلخي: انه خرج حاجا سنة تسع وأربعين ومائة فرآه بالقادسية منفردا عن الناس، فقال في نفسه: هذا فتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس، لامضين إليه ولاوبخنه، فمضى إليه فقال: " يا شقيق * (اجتنبوا كثيرا من الظن) * (1) الاية ". فأراد أن يحالله فغاب عن عينه، فما رآه إلا بواقصة (2) يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تتحادر، فجاء إليه ليعتذر، فخفف في صلاته فقال له: * (وإني لغفار لمن تاب) * (3) الاية. فلما نزلوا زبالة (4) رآه على بئر فسقطت ركوته فيها، فدعا فطفى له الماء حتى أخذها فتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل فطرح منه فيها فشرب.


1 - الحجرات: 12. 2 - واقصة: منزل بطريق مكة. الصحاح 3: 1062 " وقص ". 3 - طه: 82. 4 - زبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة. معجم البلدان 3: 129.

[276]

فقال: " يا شقيق لم تزل أنعم الله علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنك بربك "، فناولنيها فشربت منها فإذا سويق وسكر ما شربت والله ألذ منه ولا أطيب ريحا فشبعت ورويت وقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا، ثم لم أره إلا بمكة وهو بغلمان وحاشيته وأمور على خلاف ما كان عليه في الطريق (1). انتهى. وذكر هذه القصة بعينها على وجه أبسط من هذا اليافعي الشافعي في كتابه روض الرياحين. قال ابن خلكان: أبو الحسن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أحد الائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين. قال الخطيب في تأريخ بغداد (2): وكان موسى يدعى العبد الصالح، لعبادته واجتهاده. وروي انه دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فسجد سجدة في أول الليل، وسمع وهو يقول في سجوده: " عظم الذنب من عندي فليحسن العفو من عندك، يا اهل التقوى وأهل المغفرة "، فجعل يرددها حتى أصبح. وكان سخيا كريما، وكان يبلغه عن الرجل انه يؤذيه فيبعث إليه بصرة فيها ألف درهم، وكان يصرر الصرر من ثلاثمائة دينار، وأربعمائة دينار، ومائتي دينار ثم يقسمها بالمدينة. ثم قال: وكان يسكن المدينة فأقدمه المهدي بغداد وحبسه فرأى في النوم: * (فهل عسى إن توليتم) * (3). الاية. انتهى (4).


1 - الصواعق المحرقة: 203. 2 - تأريخ بغداد 13: 27. 3 - محمد: 22. 4 - وفيات الاعيان 5: 308.

[277]

الباب الثامن في فضائل إمام المتقين علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه

[279]

قال ابن الاثير في كتاب جامع الاصول: علي بن موسى الرضا، هو أبو الحسن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المعروف بالرضا. أمه أم ولد يقال لها: شكر نوبية، ويقال: خيرزان. ولد بالمدينة سنة ست وخمسين ومائة، وعقد له البيعة والعهد بالخلافة المأمون بغير اختياره. ومات بطوس في حياة المأمون سنة اثنين ومائتين. وكان مقامه مع أبيه موسى بن جعفر تسعا وعشرين سنة وأشهرا، وعاش بعد أبيه عشرين سنة، ومات وهو ابن تسع وأربعين سنة وستة أشهر. إليه انتهت امامة الشيعة في زمانه، وفضائله أكثر من أن تحصى، عليه رحمة الله ورضوانه. انتهى. قال ابن خلكان في تأريخه: أبو الحسن علي الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زيد العابدين، المذكور قبله وهو أحد الائمة الاثني عشر على اعتقاد الامامية. وكان المأمون زوجه ابنته أم حبيب، وجعله ولي عهده، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وكان السبب في ذلك انه استحضر أولاد العباس الرجال منهم والنساء وهو بمدينة مرو، وكان عددهم في ثلاثة وثلاثين ألف، ما بين الكبار والصغار، واستدعى عليا المذكور فأنزله أحسن منزله، وجمع له خواص الاولياء، وأخبرهم انه نظر في أولاد العباس وأولاد علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم فلم يجد في وقته أفضل ولا أحق بالامر من علي الرضا، فبايع له بولاية عهده، وأمر بإزالة السواد من اللباس والاعلام، ولبس

[280]

الخضرة. ثم قال: وكانت ولادة علي الرضا يوم الجمعة في بعض شهور سنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة، وقيل: بل ولد رابع شوال، وقيل: ثامنه، وقيل: سادسه، سنة احدى وخمسين ومائة. توفي في آخر صفر سنة اثنتين ومائتين، وقيل: في خامس ذي الحجة، وقيل: ثالث عشر ذي القعدة، سنة ثلاث ومائتين بمدينة طوس، وصلى عليه المأمون ودفنه ملاصق قبر أبيه. وكان سبب موته أنه أكل عنبا فأكثر فيه، وقيل: بل كان مسموما فاعتل، ومات رحمه الله تعالى، وفيه يقول أبو نؤاس: قيل لي أنت أحسن الناس طرا في فنون من الكلام النبيه (1) لك من جيد القريض مديح يثمر الدر في يدي مجتنيه فعلى م تركت مدح ابن موسى والخصال التي تجمعن فيه قلت لا أستطيع مدح إمام كان جبريل خادما لابيه وكان سبب قوله هذه الابيات أن بعض أصحابه قال له: ما رأيت أوقح منك، ما تركت خمرا ولا طربا ولا مغنى إلا قلت فيه شيئا، وهذا علي بن موسى الرضا كان في عصرك لم تقل فيه شيئا، فقال: والله ما تركت ذلك إلا إعظاما له (2). انتهى. قال ابن حجر في صواعقه عند ذكره أولاد أبي الحسن موسى صلوات الله عليهم: منهم علي الرضا، هو أنبأهم ذكرا، وأجلهم قدرا، ومن ثم أحله المأمون محل مهجته وأشركه في مملكته. ثم قال بعد سطر: وأخبر قبل موته بأنه يأكل عنبا ورمانا مسموما ويموت، وان المأمون يريد دفنه خلف الرشيد فلم يستطع، فكان ذلك كله


1 - في النسختين الخطيتين: في مقال فنون من المقال النبيه. 2 - وفيات الاعيان 3: 269.

[281]

كما أخبر به. ومن مواليه معروف الكرخي استاذ السري القطبي، لانه أسلم علي يديه. وقال لرجل: " يا عبد الله أوصي ي بما تريد، واستعد لما لابد منه "، فمات الرجل بعد ثلاثة أيام، رواه الحاكم. وروى الحاكم عن محمد بن عيسى، عن أبي حبيب قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام في المنزل الذي ينزل الحجاج ببلدنا، فسلمت عليه، فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني، فناولني ثماني عشرة، فتأولت أن أعيش عدتها. فلما كان بعد عشرين يوما قدم أبو الحسن الرضا من المدينة ونزل ذلك المسجد، وهرع النسا للسلام عليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبي صلى الله عليه وآله جالسا فيه وبين يديه طبق من ذلك التمر، فإذا عدتها بعدد ما ناولني النبي صلى الله عليه وآله في النوم، فقلت: زدني فقال: " لو زادك رسول الله صلى الله عليه وآله لزدناك " (1). انتهى.


1 - الصواعق المحرقة: 204.

[283]

الباب التاسع في ذكر فضائل أمام المسلمين الامام محمد بن علي الجواد صلوات الله عليهما

[285]

قال ابن حجر في صواعقه في معنى الامام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه: وتوفي عليه السلام وعمره خمس وخمسون سنة عن خمسة ذكور وبنت، أجلهم أبا محمد الجواد، لكنه لم تطل حياته. ومما اتفق انه بعد موت أبيه بسنة واقف والصبيان يلعبون في أزقة بغداد، إذ مر المأمون، ففروا ووقف محمد وعمره تسع سنين، فألقى الله محبته في قلبه، فقال له: يا غلام ما منعك من الانصراف ؟ فقال له مسرعا: " يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق فاوسعه لك، وليس لي جرم فأخشاك، والظن بك حسن انك لا تضر من لاذنب له ". فأعجبه كلامه وحسن صوته فقال له: ما اسمك واسم أبيك ؟ فقال: " محمد بن علي الرضا "، فترحم على أبيه وساق جواده وكان معه بزاة للصيد، فلما بعد عن العمارة أرسل بازا على دراجة فغاب عنه، ثم عاد من الجو في منقاره سمكة صغيرة وبها بقاء الحياة، فتعجب من ذلك غاية العجب، ورجع فرأى الصبيان على حالهم ومحمد عندهم، ففروا إلا محمد، فدنا منه وقال له: ما في يدي ؟ فقال: " يا أمير المؤمنين إن الله تعالى خلق في بحر قدرته سمكا صغارا صيدها بزاة الملوك والخلفاء، فيختبر بها سلالة أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله ". فقال له: أنت أبن الرضا حقا، وأخذه معه وأحسن إليه بالغ في اكرامه، فلم يزل مشفعا به لما ظهر بعد ذلك من فضله وعلمه وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنه، وعزم على تزويجه بابنته أم الفضل وصمم على ذلك،

[286]

فمنعه العباسيون من ذلك خوفا من أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه، فلما ذكر لهم انه إنما اختاره لتميزه على كافة أهل الفضل علما ومعرفة وحلما مع صغر سنه، فنازعوا في اتصاف محمد بذلك، ثم تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره، فأرسلوا إليه يحيى بن أكثم، ووعدوه بشئ كثير إن قطع لهم محمدا، فحضروا للخليفة ومعهم ابن اكثم وخواص الدولة، فأمر المأمون بفرش حسن لمحمد فجلس عليه فسأله يحيى مسائل أجابه عنها بأحسن جواب وأوضحه، فقال له الخليفة: أحسنت يا أبا جعفر، فإن أردت أن تسأل يحيى ولو مسألة واحدة. فقال له: " ما تقول في رجل نظر الى امرأة أول النهار حراما، ثم حلت له ارتفاعه، ثم حرمت عليه عند الظهر، ثم حلت له عند العصر، ثم حرمت عليه عند المغرب، ثم حلت له العشاء، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له الفجر ". فقال يحيى: لا أدري. فقال محمد: " هي أمة نظرها أجنبي بشهوة وهو حرام، ثم اشتراها ارتفاع النهار، وأعتقها الظهر، وتزوجها العصر، وظاهر منها المغرب، وكفر العشاء، وطلقها رجعيا نصف الليل، وراجعها الفجر "، فعند ذلك قال المأمون للعباسيين: قد عرفتم ما كنتم تنكرون، ثم زوجه في ذلك المجلس بنته أم الفضل (1). انتهى. أقول: قوله عليه السلام: " ثم اشتراها " يعني في بعض الصور، كما إذا كان البائع امرأة، أو ثقة أو غير ذلك من الصور المبيحة للوطء.


(1) الصواعق المحرقة: 206.

[287]

الباب العاشر في فضائل سيدنا ومولى المؤمنين علي بن محمد الهادي صلوات الله عليه

[289]

قال ابن حجر بعد ذكره: وهو وارث أبيه حلما وسخاء، ومن ثم جاءه أعرابي من أعراب الكوفة: وقال إني من المتمسكين بولاء جدك وقد ركبني دين أثقلني حمله، ولم أقصد لقضائه سواك. ثم ذكر خبر طويلا يتضمن انه صلوات الله عليه كتب بذلك الدين للاعرابي على نفسه، ثم بعده تقاضاه، وسمع المتوكل ذلك فأمر إليه بثلاثين ألف درهم أعطاها الاعرابي ولم يسترد منه شيئا. ثم قال: ومر أن الصواب في قضية السباع الواقعة من المتوكل انه هو الممتحن بها، وانها لم تقر به، بل خضعت واطمأنت لما رأته (1). انتهى.


1 - الصواعق المحرقة: 207.

[291]

الباب الحادي عشر في فضائل الامام الهمام سيد المتقين الحسن العسكري صلوات الله عليه

[293]

قال ابن حجر في الصواعق في معنى أولاد سيدنا علي بن محمد الهادي: أجلهم أبو محمد الحسن الخالص، وجعل ابن خلكان (1) هذا هو العسكري ولد سنة اثنين وثلاثين ومائتين، ووقع لبهلول معه انه رآه وهو صبي يبكي والصبيان يلعبون، فظن انه يتحسر على ما في أيديهم، فقال: أشتري لك ما تلعب به ؟ فقال: " يا قليل العقل ما للعب خلقنا ". فقال له: فلماذا خلقنا ؟ قال: " للعلم والعبادة ". فقال له: من أين لك ذلك ؟ قال: " من قوله تعالى: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * (2). ثم سأله أن يعظه فوعظه بأبيات ثم خر الحسن مغشيا عليه، فلما أفاق قال له: ما نزل بك وأنت صغير لا ذنب لك ؟ فقال: " إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تقد إلا بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم ". ولما حبس قحط الناس بسر من رأى قحطا شديدا، فأمر الخليفة المعتمد بن المتوكل بالخروج والاستسقاء ثلاثة، فلم يسقوا، فخرج النصارى ومعهم راهب كلما مد يده إلى السماء هطلت، ثم في اليوم الثاني


1 - وفيات الاعيان 3: 273. 2 - المؤمنون: 115.

[294]

كذلك، فشك بعض الجهلة وارتد بعضهم، فشق ذلك على الخليفة، فأمر بأحضار الحسن الخالص وقال له: أدرك امة جدك رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن يهلكوا. فقال الحسن: " يخرجون غدا وأزيل الشك إن شاء الله تعالى "، وكلم الخليفة في اطلاق أصحابه من السجن فأطلقهم له. فلما خرج الناس للاستسقاء ورفع الراهب يده مع النصارى غمت السماء، فأمر الحسن بالقبض على يده، فإذا فيها عظم آدمي، فأخذه من يده فقال: " استسق "، فرفع يده فزال الغيم وطلعت الشمس فعجب الناس من ذلك فقال الخليفة للحسن: ما هذا يا أبا محمد ؟ فقال: " هذا عظم نبي ظفر به هذا الراهب من بعض القبور، وما كشف عن عظم نبي تحت السماء إلا هطلت بالمطر "، فامتحنوا ذلك العظم فكان كما قال، وزالت الشبهة عن الناس، ورجع الحسن الى داره وأقام عزيزا مكرما (1). انتهى.


1 - الصواعق المحرقة: 207.

[295]

الباب الثاني عشر في فضائل سيدنا وحجة الله على العالمين صاحب الزمان الحجة بن الحسن بن علي صلوات الله وسلامه عليه

[297]

قال ابن حجر في كتاب الصواعق المحرقة بعد ذكر الامام الحسن بن علي العسكري صلوات الله عليه: ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة، ويسمى القائم المنتظر، قيل: لانه ستر بالمدينة وغاب، فلم يعرف أين ذهب. ومر في الاية الثانية عشر قول الرافضة فيه انه المهدي، وروي ذلك مبسوطا، فراجعه فإنه مهم (1). انتهى كلامه. قال في جامع الاصول في الكتاب التاسع في القيامة: علي قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملاها عدلا كما ملئت جورا ". أم سلمة: قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " المهدي مني، أجلى الجبهة (2)، أقنى الانف (3)، يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يملك سبع سنين " (4). انتهى.


1 - الصواعق المحرقة: 208. 2 - أجلى الجبهة: الخفيف شعر ما بين النزعتين من الصدغين والذي انحسر الشعر عن جبهته. لسان العرب 14: 151 " جلا ". 3 - القنا: أحديد اب في وسط الانف، وقيل: القنا في الانف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه. الصحاح 6: 2469، مجمع البحرين 1: 351 " قنا ". 4 - جامع الاصول 10: 330.

[298]

وذكر أخبارا أخر في هذا المعنى لا نطول بذكرها. قال حسين بن مسعود البغوي في المصابيح: عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي (1). انتهى. ثم قال: عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " المهدي من عترتي من أولاد فاطمة " (2). انتهى. وروي عن أبي سعيد الخدري مثل رواية جامع الاصول عنه، وعن غيره بطرق متعددة هذا المعنى (3). قال ابن خلكان: أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي ابن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الائمة الاثني عشر على اعتقاد الامامية، المعروف بالحجة، هو الذي يزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم المهدي، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون خروجه آخر الزمان من السرداب بسر من رأى. وكانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه - وقد سبق ذكره - كان عمره خمس سنين. وإسم أمه خمط، وقيل: نرجس. ثم قال: وذكر ابن الازرق في تأريخ ميا فارقين: ان الحجة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الاخر سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل: في ثامن شعبان سنة ست وخمسين، وهو الاصح. وقيل: إنه دخل السرداب سنة خمس وسبعين وما ئتين للهجرة وعمره سبع عشرة سنة (4). انتهى.


1 - مصابيح السنة 3: 492. 2 - مصابيح السنة 3: 492. 3 - مصابيح السنة 3: 492، جامع الاصول 1: 330. 4 - وفيات الاعيان 4: 176.

[299]

قال ابن حجر في الاية الثانية عشر من الايات النازلة فيهم صلى الله عليهم بعد ذكره روايات كثيرة في المهدي، وانه " من أهل البيت "، " يقاتل على سنتي كما قاتلت على الوحي "، " ويملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا "، قال: وأخرج الروياني والطبراني وغيرهما: " المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدري، اللون لون عربي، والجسم جسم اسرائيلي، يملا الارض عدلا كما ملئت جورا، يرضى لخلافته أهل السماء وأهل الارض والطير في الجو، يملك عشرين سنة ". وأخرج الطبراني مرفوعا: " يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم عليه السلام كأنما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدم فصل بالناس، فيقول عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصل خلف رجل من ولدي "، الحديث. وفي صحيح ابن حبان في إمامة المهدي نحوه. وصح مرفوعا: " ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم أئمة على بعض تكرمة الله هذه الامة " (1). انتهى. ثم أورد رواية عن الحاكم انه: " لا مهدي إلا عيسى بن مريم " (2). ثم قال: وصرح النسائي بأنه منكر، وجزم غيره من الحفاظ بأن الاحاديث التي قبله الناصة على أن المهدي من ولد فاطمة أصح اسنادا. وأخرج ابن عساكر عن علي: " إذا قام القائم آل محمد صلى الله عليه وآله جمع الله أهل المشرق وأهل المغرب، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الابدال فمن أهل الشام " (3) ! انتهى. قال في النهاية في حديث علي: " الابدال بالشام ": هم الاولياء والعباد،


1 - الصواعق المحرقة: 163. 2 - المستدرك على الصحيحين 4: 557. 3 - الصواعق المحرقة: 165.

[300]

والواحد بدل كحمل وبدل كجمل، سموا بذلك لانهم كلما مات منهم واحد أبدل بآخر (1). انتهى. قال السيوطي في تفسيره: واخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي " (2). وأخرج أبو داود (3)، وابن ماجة (4)، والطبراني، والحاكم (5) عن أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " المهدي من عترتي من ولد فاطمة " (6). انتهى. وقال أيضا قبيل هذين الخبرين: وأخرج أبو داود عن أبي اسحاق قال: قال علي ونظر الى ابنه الحسين فقال: " إن إبني هذا سيد كما سماه النبي صلى الله عليه وآله، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبه في الخلق، سيملا الارض عدلا " (7). انتهى. ذكر في هذا المعنى اخبار كثيرة بألفاظ مختلفة.


1 - النهاية 1: 107 " بدل ". 2 - سنن الترمذي 5: 662. 3 - سنن أبي داود. 4 - سنن ابن ماجة 2: 928. 5 - المستدرك على الصحيحين 4: 557. 6 - الدر المنثور 7: 427. 7 - الدر المنثور 7: 424، سنن الترمذي 4: 107.

[301]

الباب الثالث عشر في ما ورد من الاخبار في النص عليهم جملة وعددا صلى الله عليهم

[303]

قال مسلم بن الحجاج النيسابوري في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شبة، أخبرنا أبو معاوية، عن داود، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " لا يزال هذا الامر عزيزا الى اثني عشر خليفة "، قال: ثم تكلم بشئ لم افهمه، فقلت لابي، فقال: " كلهم من قريش " (1). انتهى. وذكر بهذا المعنى واللفظ أخبارا بطرق ثمانية مع الاتفاق في المعاني، واختلاف يسير في بعض الالفاظ (2). وذكر في جامع الاصول عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش " (3). انتهى. وروى هذا المعنى ابن حجر في كتابه الصواعق (4). وهو أشهر من أن يحتاج الى الاطناب والاسهاب. قال في خلاصة الوفا في الفصل الخامس: في تراب المدينة وثمرها: عن جابر، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما في بعض حيطان المدينة ويد علي في يده قال: فمررنا بنخل، فصاح النخل: هذا محمد سيد الانبياء وهذا علي سيد الاولياء أبو الائمة الطاهرين. ثم مررنا بنخل فصاح النخل: هذا محمد رسول الله، وهذا علي سيف


1 - صحيح مسلم 3: 1453. 2 - صحيح مسلم 3: 1451 - 1454. 3 - جامع الاصول 11: 312. 4 - الصواعق المحرقة: 144.

[304]

الله، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله إلى علي فقال له: " سمه الصيحاني "، فسمي من ذلك اليوم الصيحاني (1). واختصرنا في هذه الفصلو والابواب، وذكرنا قليلا من كثير، ومن أراد أن يقف على تفصيل ما يعتقده العامة في أئمتنا وكبرائنا وساداتنا صلوات الله عليهم، فعليه بمطالعة الكتب الموضوعة في هذا المطلب، ومراجعة التواريخ المأخوذ منها هذه المعاني والله يهدي إلى سواء الصراط.


1 - خلاصة الوفا: 22. (*)

[305]

الباب الرابع عشر في ذكر نبذ من سيرة أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وحفصة وأحوالهم وأخلاقهم وصفاتهم وفيه فصول

[307]

الفصل الاول في ذكر أبي بكر هو أبو بكر بن أبي قحافة، واسمه عتيق. قال في جامع الاصول: قيل: انه اسم سمته به أمه. انتهى. قال في الاستيعاب لابن عبد البر: وقال آخرون: كان له أخوان أحدهما يسمى عتيقا، والاخر عتيقا، مات عتيق قبله فسمي باسمه (1). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار: سئلت عائشة عن أبي بكر فقالت: عبد الله، فقيل: إن الناس يقولون: عتيق، فقالت: إن أبا قحافة كان له ثلاثة هم: عتقا، ومعتقا، ومعيتقا (2) انتهى. أقول: وعتيق اسم كانت قريش تسمي به، وكان زوج خديجة عليها السلام قبل النبي صلى الله عليه وآله اسمه عتيق المخزومي. قال ابن الاثير في النهاية في حديث أبي بكر والنسابة: انك من زمعات قريش، الزمعة بالتحريك: التعلة الصغيرة، أي: لست من أشرافهم (3). انتهى. قال الجوهري: الزمع: رذال الناس وسفلتهم، يقال: هو من زمعهم (4). انتهى. قال في الاستيعاب: وذكر ابن المبارك عن مالك بن مغول، عن ابن الحر قال: لما بويع لابي بكر جاء أبو سفيان بن حرب الى علي فقال: غلبكم على


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 246. 2 - ربيع الابرار 2: 391. 3 - النهاية 2: 313 " زمع ". 4 - الصحاح 3: 1226 " زمع ".

[308]

هذا الامر أرذل بيت من قريش (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الثالث عشر: وروي الزبير في الموفقيات: إن أبا بكر قال في الجاهلية لقيس بن عاصم المنقري: ما حملك على أن وأدت ؟ قال: مخافة أن يخلف عليهن مثلك (2). انتهى. وذكر ابن أبي الحديد في الجزء الحادي عشر: كتاب عبد الملك بن مروان الى مصعب بن الزبير جوابا، وفيه ما هذا لفظه: أما ما ذكرت من وفائك، ولعمري لقد وفى أبوك لتيم وعدي بعداء قريش وزعانفها (3). انتهى. قال في الكشاف في قوله عز اسمه: * (لا تجد قوما يؤمنون) * (5) وروي أنها نزلت في أبي بكر، وذلك أن أبي قحافة سب رسول الله صلى الله عليه وآله فصكه صكة سقط عنها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: " أو فعلته ؟ " قال: نعم، قال: " لا تعد " (6). انتهى. قال في الاستيعاب: أخبرنا خلف بن هاشم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا أبو بشر الدولابي، قال: حدثنا ابراهيم، قال: حدثنا الحميدري، قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن مهيار، عن سعيد بن المسيب، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ارتجت مكة، فسمع بذلك أبو قحافة فقال: ما هذا ؟ ؟ قالوا: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: أمر جلل، قال: فمن ولي بعده ؟ قالوا: ابنك، قال: فهل رضيت


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 247. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 245. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 96. 4 - النهاية 2: 93 " خيف ". 5 - المجادلة: 22. 6 - الكشاف 4: 78.

[309]

بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ؟ قالوا: نعم، قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الشرح: قيل لابي قحافة يوم ولي الامر ابنه: ولي ابنك الخلافة، فقرأ: * (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء) * (2)، ثم قال: ولم ولوه ؟ قالوا: لسنه، قال: أنا أسن منه (3). انتهى. قال ابن حجر: وأخرج الحاكم: إن أبا قحافة لما سمع بولاية ابنه قال: هل رضي بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ؟ قالوا: نعم، قال: لا رافع لما وضعت، ولا واضع لما رفعت (4). انتهى. وقال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث أبي بكر: جاءه أعرابي فقال له: أنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ؟ فقال: لا. قال: فما أنت ؟ قال: أنا الخليفة بعده. الخليفة: من يقوم مقام الذاهب ويسد مسده، والهاء للمبالغة، وجمعه الخلفاء، على معنى التذكير لا على اللفظ، مثل ظريف وظرفاء، وتجمع على اللفظ خلائف كظريفة وظرائف. فأما الخالفة: وهو الذي لا غناء عنده ولا خير فيه، وكذلك الخالف، وقيل: هو كثير الخلاف، وهو بين الخلافة بالفتح (5). انتهى. قال ابن أبي الحديد: قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبة، عن


1 - النهاية 2: 69 " خلف ". 2 - آل عمران: 26. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 93. 4 - شرح نهج البلاغة 2: 184. 5 - الصواعق المحرقة: 13، مستدرك الصحيحين 3: 318.

[310]

رجاله، عن الشعبي قال: قام الحسن بن علي بن أبي بكر وهو يخطب على المنبر فقال: " انزل عن منبر أبي "، فقال أبو بكر: صدقت والله انه لمنبر أبيك لامنبر أبي (1). انتهى. وذكر هذه القضية بعينها ابن حجر في الصواعق عن الدراقطني (2). قال في الكشاف: عن أبي بكر: سئل عن الاب، فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به (3). انتهى. قال البغوي في تفسيره عن الشعبي: انه قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: اني أقول فيها قولا برأيي، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد (4). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث أبي بكر أخذ بلسانه وقال: هذا الذي أوردني الموارد، أي: الموارد المهلكة (5). انتهى. قال البغوي في كتاب المصابيح: عن قبيصة بن ذؤيب، قال: جاءت جدة الى أبي بكر لتسأله ميراثها، فقال لها: مالك في كتاب الله شئ، ومالك في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله شئ، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك ؟ فقال محمد بن سلمة مثل قول المغيرة، ثم جاءت الجدة الاخرى الى عمر تسأل ميراثها فقال: هو ذاك السدس، فإن اجتمعتا فهو بينكما، وأيتكما خلت فهو لها (6). انتهى. ورواه في جامع الاصول (7).


1 - شرح نهج البلاغة 3: 134. 2 - الصواعق المحرقة: 141. 3 - الكشاف 3: 210. 4 - معالم التنزيل 3: 118. 5 - النهاية 5: 173 " ورد ". 6 - مصابيح السنة 2: 391. 7 - جامع الاصول 9: 608.

[311]

ورواه في المشكاة أيضا، وقال: رواه مالك، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والدارمي، وابن ماجة. وفي المشكاة بعد قول محمد بن سلمة مثل ما قال المغيرة: فأنفذه لها أبو بكر (1). ورواه ابن حجر وقال: أخرجه أصحاب السنن الاربعة ومالك (2). قال ابن عبد البر في الاستيعاب: عبد الرحمن بن سهل الانصاري يقال انه شهد بدرا وكان له فهم وعلم، وذكر ابن عيينة قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: جاءت الى أبي بكر الجدتان، فاعطى السدس أم الام دون أم الاب، فقال عبد الرحمن بن سهل - رجل من الانصار من بني حارث قد شهد بدرا -: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله أعطيته التي لو ماتت لم يرثها، وتركت التي لو ماتت ورثها، فجعله أبو بكر بينهما (3). انتهى. أقول: روى هذه الرواية في كتاب جامع الاصول في كتاب الفاء (4). وقال ابن حجر: أخرج الدارقطني عن القاسم بن محمد، فذكره هذه الرواية بألفاظها (5). قال محمد بن اسماعيل الجعفي في جامعة الصحيح باب قوله: * (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) * (6) صلى الله عليه وآله: تشعرون تعلمون ومنه الشاعر: حدثنا بسرة بن صفوان بن جميل اللخمي، حدثنا نافع


1 - مسند أحمد بن حنبل 3: 66، سنن الترمذي 5: 608، سنن أبي داود 3: 342، سنن ابن ماجة 2: 918. 2 - الصواعق المحرقة: 34. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 420. 4 - جامع الاصول 9: 609. 5 - الصواعق المحرقة: 34، سنن الدارقطني 4: 84. 6 - الحجرات: 2.

[312]

بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وآله حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالاقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الاخر برجل أخر (قال نافع:) (1) لا أحفظ اسمه، فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك فانزل الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) * (2) صلى الله عليه وآله الاية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وآله بعد هذه الاية حتى يستفهمه ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر (3). حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون قال: أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك: ان النبي صلى الله عليه وآله افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه فقال له: ما شأنك ؟ فقال: شرا، كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي صلى الله عليه وآله فأخبره انه قال كذا وكذا، فقال موسى فرجع إليه المرة الاخرى ببشارة عظيمة، فقال: " اذهب إليه فقل له: أنت لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنة " (4). باب قوله عز وجل: * (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) * (5): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا حجاج، عن ابن


1 - أضفناها من المصدر. 2 - الحجرات: 2. 3 - صحيح البخاري 6: 171. 4 - صحيح البخاري 6: 171. 5 - الحجرات: 4.

[313]

جريح، أخبرني ابن ابي مليكة: ان عبد الله بن الزبير أخبرهم انه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه واله، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * حتى انقضت الاية، * (ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم) * (1). انتهى كلام البخاري (2). وروى رواية ابن الزبير وابن أبي مليكة في كتاب جامع الاصول. وروى قصة ثابت بن قيس في الاستيعاب عن أبيه وهو من الخزرج، ويقال له: خطيب الانصار لشدة صوته (3). وروى جميع ذلك السيوطي في تفسيره الدر المنثور (4). تأمل كيف اتقى ثابت ربه من فعله مما لم يتعمده وإنما هو كالطبيعي، والشيخان لم يكترثا بأن يفضحهما الله إذا تجرءا على رفع اصواتهما فوق صوت خاتم النبيين، وتقدما بين يديه ونادياه من وراء الحجرات عند خلوته ببعض نسائه، بما لو عومل به بعض سفلة الناس وأرذلهم وأخملهم لتأفف، وكان ذلك خطا لمرتبته ومنزلته. وفي هذا التعجرف والهجنة والجفاء والغلظة وقلة المبالاة ما ليس في أكثر صنائع المنافقين التي ذمهم الله عز وجل عليها وأكبرها ووبخ عليها، ولا يخفى حقيقة الحال على من نظر في آي سورة الحجرات وآي غيرها من السور.


1 - الحجرات: 1 - 5. 2 - صحيح البخاري 6: 172. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 193. 4 - الدر المنثور 7: 547.

[314]

ولقد اعترف ببعض ما ذكرناه صاحب الكشاف (1) وجماعة من المفسرين غفلة منهم عن نزول الاية في الرجلين، ولو أن هذا الفصل الشنيع كان في بدء الاسلام دون هذا في الفظاعة والقبح، ولكنه كان بعد فتح مكة، وتحلي الصحابة بمحاسن الاخلاق، وتخليهم عن مسائها ومن شيم الجاهلية ذكرته الرواة وأهل السير منهم يوسف بن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة الاقرع بن حابس (2)، وذكر رواية عبد الله بن الزبير في الاستيعاب في ذكر بن معبد بن زرارة التميمي (3). وفي رواية ابن أبي مليكة اعتراف بعدم توبة أبي بكر حيث أثبت ابن الزبير الانقلاع والتوبة لعمر وسكت عن أبي بكر، وهو جده لامه، وهي أسماء. قال ابن الاثير في كتابه جامع الاصول في قصة تخاصم العباس وأمير المؤمنين صلوات الله عليه إلى عمر بن الخطاب في الفرع الرابع في الفئ: وفي كتاب مسلم قال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا نورث ما تركناه صدقة "، فرأيتهماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم انه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وآله وولي أبي بكر، فرأيتماني آثما كاذبا غادرا خائنا، والله يعلم اني لصادق بار تابع للحق فوليتها، وأخرجه الترمذي مختصرا (4). انتهى. قال في الاستيعاب عند ذكره العباس بن عبد المطلب: وانهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم حنين غيره وغير عمر وعلي وأبي سفيان ابن الحارث، وقد قيل: غير سبعة من أهل بيته، وذلك مذكور في شعر العباس الذي يقول فيه:


1 - الكشاف 3: 552. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 96. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 262. 4 - جامع الاصول 2: 703، سنن الترمذي 5: 608.

[315]

ألا هل أتى عرسي مكري ومقدمي بوادي حنين والاسنة تشرع وهو شعر مذكور في السير لابن اسحاق وفيه: نصرنا رسول الله في الحرب سبعة وقد فر من قد فر عنه فأقشعوا وثامنا لاقى الحمام بسيفه بما مسه في الله لا يتوجع قال ابن اسحاق: السبعة: علي، والعباس، وفضل بن العباس، وأبو سفيان ابن الحارث، وابنه جعفر، وربيعة بن الحارث، واسامة بن زيد، والثامن أيمن ابن عبيد. وجعل غير ابن اسحاق في موضع أبي سفيان عمر بن الخطاب، والصحيح أن أبا سفيان بن الحارث كان يومئذ معه لم يختلف فيه، واختلف في عمر (1). انتهى. وفي هذا اعتراف بأن أبا بكر وعمر لم يثبتا، وأن ثبات عمر موقوف على فرار من لم يختلف في ثباته، وليتهم إذا اختلفوا شيئا تحروا ما فيه شبهة. قال الشهرستاني في كتاب الملل والنحل: وقد وقع في زمانهما اختلافات كثيرة في مسائل ميراث الاخوة والجد والكلالة، وفي عقل الاصابع، وديات الاسنان، وحدود بعض الجرائم (2). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الشرح: قال أبو بكر - يعني أحمد بن عبد العزيز الجوهري -: وأخبرنا أبو زيد بن شبة، قال: حدثنا ابراهيم بن المنذر، عن ابن وهب، عن أبي لهيعة، عن أبي الاسود قال: غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر من غير مشورة، وغضب علي والزبير فدخلا بيت فاطمهة معهما السلاج، فجاء عمر في عصابة منهم: أسيد بن خضير، وسلمة بن سلامة بن قيس وهما من بني عبد الاشل، فصاحت فاطمة وناشدتهم الله، فأخذوا سيفي علي والزبير فضربوا بهما الجدار حتى كسروهما، ثم أخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 96. 2 - الملل والنحل: 31.

[316]

ثم قام أبو بكر فخطب الناس واعتذر إليهم، وقال: إن بيعتي كانت فلتة وقى الله شرها وخشيت الفتنة، وأيم الله ما حرصت عليها يوما قط، ولقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة ولا يدان، ووددت أن اقوى الناس عليه مكاني، وجعل يتعذر إليهم (1). انتهى. قال ابن حجر في الفصل الاول من كتابه الصواعق المحرقة: وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه، والحاكم، وصححه عن عبد الرحمن بن عوف قال: خطب أبو بكر فقال، ثم ذكر الخطبة إلى قوله: ولقد قلدت أمرا عظيما مالي به طاقة ولا يدان. الحديث (2). قال الزمخشري في الفائق: عن عمر انه خطب الناس فقال: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، إنه لا بيعة إلا عن مشورة، وأيما رجل بايع من غير مشورة لا يؤمر واحد منهما، تغره أن يقتلا (3). انتهى. وقال أيضا في الفائق: والحديث عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: قال عمر: كانت امارة أبي بكر فلتة وقى الله شرها (5). انتهى. قال في النهاية أيضا: ومن حديث عمر: أيما رجل بايع آخر فإنه لا يؤمر واحد منهما، تغره أن يقتلا. التغره: مصدر غررته إذا ألقيته في الغرر وهي من التغرير، كالتعلة من التعليل، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: خوف تغره ان يقتلا، أي: خوف وقوعهما في القتل (6). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 2: 145. 2 - الصواعق المحرقة: 11. 3 - الفائق 3: 139. 4 - الفائق 3: 139 " فلت ". 5 - النهاية 3: 467 " فلت ". 6 - النهاية 3: 356 " غرر ".

[317]

قال ابن حجر في الصواعق: الشبهة السادسة: زعموا ان قول عمر: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، فمن عاد الى مثلها فاقتلوه، قادح في حقيقتها. وجوابه، ثم أجاب من غير قدح في الخبر (1). وقال في الفصل الثاني مشيرا إلى كلام له تقدم في كتابه: ولهذا مر عن عمر بسند صحيح: أن تلك البيعة كانت فلتة ولكن وقى الله شرها (2). انتهى. وقال ابن حجر في صدر الفصل الاول: روى الشيخان البخاري (3) ومسلم (4) في صحيحهما - اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن باجماع من يعتد به - أن عمر خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته: قد بلغني أن فلانا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ ان يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ألا وإنها كذلك، إلا أن الله وقى شرها (5). انتهى. وقال في هذا الفصل: روى اسحاق، عن الزهري، عن أنس: أنه لما بويع أبو بكر في السقيفة جلس الغد على المنبر فقام عمر فتكلم قبله، فذكر كلام عمر فقال: ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني (6). انتهى. وقال في هذا الفصل أيضا: وفي رواية لابن سعد: أما بعد فقد وليت هذا الامر وأنا له كاره، ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه، ألا وانكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله صلى الله عليه وآله لم أقم


1 - الصواعق المحرقة: 36. 2 - الصواعق المحرقة: 13. 3 - صحيح البخاري 6: 172. 4 - صحيح مسلم 3: 1445. 5 - الصواعق المحرقة: 9. 6 - الصواعق المحرقة: 10.

[318]

به، كان رسول الله صلى الله عليه واله عبدا أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحدكم فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإذا رأيتموني زغت فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أوثر في اشعاركم وابشاركم. وفي أخرى لابن سعد (1) والخطيب (2) انه قال: أما بعد فإني وليت أمركم ولست بخيركم (3). انتهى. قال ابن الحديد في الشرح: قال الزبير: فلما كان من الغد قام أبو بكر فخطب الناس فقال: أيها الناس إني وليتكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، إن لي شيطانا يعتريني، فاياكم وإياي إذا غضبت، لا أوثر في اشعاركم وابشاركم (4). انتهى. قال في جامع الاصول في كتاب الجهاد، في الفرع الثالث في الخمس، وفيه رواية أبي داود: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يكن لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئا، كما قسم لبني هاشم وبني المطلب قال: كان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وآله، غير أنه لم يكن يعطي منه قربى رسول الله كما يعطيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عمر يعطيهم، ومن كان بعده منه. وفي اخرى له: إن جبير بن مطعم جاء هو وعثمان بن عفان يكلمان رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يقسم من الخمس في بني هاشم وبني المطلب، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله قسمت لاخواننا بني المطلب ولم تعطينا شيئا وقرابتنا وقرابتهم واحدة ! فقال النبي صلى الله عليه


1 - الطبقات الكبرى 3: 171. 2 - تأريخ بغداد 9: 373. 3 - الصواعق المحرقة: 11. 4 - شرح نهج البلاغة 3: 38.

[319]

وآله: " إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد ". قال جبير: ولم يقسم لبني عبد المطلب ولا لبني نوفل من ذلك الخمس كما قسم لبني هاشم وبني المطلب. قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله صلى الله عليه وآله، غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان النبي يعطيهم. قال: وكان عمر يعطيهم منه، وعثمان بعده (1). انتهى. لا يخفى أن ذلك رعاية لمخالفة قول الله سبحانه: * (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (2). ذكر في روضة الاحباب: انه صلى الله عليه وآله أمر أبا عبيدة على أبي بكر وعمر في غزوة ذات السلاسل، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم أنفذ عمرو بن العاص أميرا على جماعة فيهم: سعيد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، فأرسل صلى الله عليه وآله أبا عبيدة بمن معه مددا لعمرو. وروي أن عمر كان يصلي بهم وأنه لما تشاجر عمرو وعمر في اضرام النار، قال عمرو لعمر: ألم يأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله أن تسمع قولي وتطيع أمري ؟ قال: نعم. فقال أبو بكر لعمر: دعه فإن النبي صلى الله عليه وآله لم يؤمره علينا إلا لمعرفته. ثم ذكر ان عوف بن مالك لما ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله أن أبا عبيدة ومن معه صلى بهم عمرو بن العاص ورضوا به بعد مقاولة ومنازعة قال صلى الله عليه وآله: " يرحم الله أبا عبيدة " (3). انتهى.


1 - جامع الاصول 2: 692. 2 - الشورى: 23. 3 - روضة الاحباب: 312.

[320]

وقال في الاستيعاب بعد أن ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث عمرا هذا إلى السلاسل فأمده بجيش فأمده بجيش من مائتي فارس من المهاجرين والانصار أهل الشرف منهم أبو بكر وعمر وأمر عليهم ابا عبيدة، ثم ذكر الملاحاة بين أبي عبيدة وعمر، ثم قال: وسلم له أبو عبيدة وصلى خلفه (1). انتهى. وذكر هذه المعاني في الكامل (2).


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 459. 2 - الكامل في التأريخ 2: 232.

[321]

الفصل الثاني في ذكر شئ من أخبار عمر بن الخطاب وسيره أما نسبه فقد طعن فيه الناس، وقد كان هذا الطعن مشهورا في الصدر الاول حتى في خلافته. قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة الدفتر الحادي عشر: قال أبو عثمان: وبلغ عمر بن الخطاب أن أناسا من رواة الاشعار وحملة الاثار ينتقصون الناس ويثلبونهم في أسلافهم، فقام على المنبر فقال: واياكم وذكر العيوب، والبحث عن الاصول، فلو قلت: لا يخرج اليوم من هذه الابواب إلا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم أحد، فقام رجل من قريش - نكره أن نذكر اسمه - فقال: إذن كنت أنا وأنت يا أمير المؤمنين نخرج ! فقال: كذبت، بل كان يقال لك: يا قين بن قين، أقعد. قلت: الرجل من المهاجرين خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، كان عمر يبغضه لبغضه اياه، ولان المهاجر كان علوي الرأي جدا، وكان أخوه عبد الرحمن بخلافه، شهد المهاجر صفين مع علي عليه السلام، وشهدها عبد الرحمن مع معاوية. وكان المهاجر مع علي عليه السلام يوم الجمل وفقئت ذلك اليوم عينه، ولان الكلام الذي بلغ عمر بلغه عن المهاجر، وكان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش - وكونه يسمى ريحانة قريش، ويسمى العدل، ويسمى الوحيد - حدادا يصنع الدروع وغيرها. ذكر ذلك فيه ابن قتيبة في كتاب المعارف. وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب أمهات الخلفاء، وقال: إنه روي عند جعفر بن محمد عليه السلام بالمدينة، فقال: لا تلمه يا ابن أخي

[322]

إنه أشفق أن يحدج (1) بقصة نفيل بن عبد العزى، وصهاك أمه الزبير بن عبد المطلب، ثم قال: رحم الله عمر فإنه لم يتعد السنة، وتلا: * (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم) * (2). انتهى. وقال أيضا ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر: قدم عمرو بن العاص على عمر، وكان واليا لمصر، فقال له: في كم سرت ؟ قال: في عشرين. قال عمر: لقد سرت سير عاشق، فقال عمرو: اني والله ما تأبطتني الاماء، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي. فقال عمر: والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه، وأن الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل، وإنما تنسب البيضة الى طرقها، فقام عمرو مربد الوجه. قلت: المآلي: خرق سود تحملها النوائح، ويشيرن بها بأيديهن عند اللطم. وأراد: خرق الحيض هنا، فشبهها بتلك، وأنكر عمر فخره بالامهات، وقال: إن الفخر بالاب الذي إليه النسب. وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث ما فحواه ؟ فقال: إن عمرا فخر على عمر لان أم الخطاب زنجية تعرف بباطحلي، وتعرف بصهاك. فقلت له: وأم عمرو النابغة أمة من سبايا العرب. فقال: إلا أنها عربية من عنزة، سبيت في بعض الغارات، فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الاماء الزنجيات (3). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية في باب الهمزة مع الباء: ومنه حديث عمرو ابن العاص قال لعمر: إني والله ما تأبطتني الاماء، أي: لم يحضنني ويتولين، تربيتي (4). انتهى.


1 - حدجه بذنب غيره: رماه به. الصحاح 1: 305 " حدج ". 2 - النور: 19. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 431. 4 - النهاية 1: 15 " أبط ".

[323]

وقال في باب الغين مع الباء: ومنه حديث عمرو بن العاص: ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي. أراد: انه لم تتول الاماء تربيته. المآلي: خرق الحيض، أي: بقاياها (1). انتهى. وقال في باب الميم مع الهمزة: في حديث عمرو بن العاص: إني والله ما تأبطتني الاماء، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي. المآلي جمع المئلاة على وزن سعلاة، وهي هنا: خرقة الحائض. وهي خرقة النائحة أيضا، يقال: آلت المرأة ايلاء: إذا اتخذت مئلاة، وميمها زائدة. نفى عن نفسه الجمع بين سبتين: أن يكون لزنية، وأن يكون محمولا في بقية حيضة (2). انتهى. وقال في باب الفاء مع الحاء: ومنه حديث عمر: ان الدجاجة لتفحص في الرماد، أي: تبحثه وتتمرغ فيه (3). انتهى. وقال في باب الطاء مع الهاء: منه حديث عمرو: والبيضة منسوبة الى طرقها، أي إلى فحلها (4). وقال في باب الراء مع الهاء: منه حديث عمرو بن العاص أنه قام من عند عمر مربد الوجه في كلام أسمعه (5). انتهى. قال الزمخشري في الفائق: عمرو قال لعمر: إني والله ما تأبطتني الاماء، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي. ثم بعد أن فسر الغريب منه قال: نفى عن نفسه الجمع بين سبتين: إحداهما: أن يكون لغية، والثانية: أن يكون محمولا في بقية حيضة (6). أقول: وظهر مما ذكرناه أن عمرا لما نفى عن نفسه الجمع بين


1 - النهاية 3: 338 " غير ". 2 - النهاية 4: 290 " مأل ". 3 - النهاية 3: 416 " فحص ". 4 - النهاية 3: 122 " طرق ". 5 - النهاية 2: 183 " ربد ". 6 - الفائق 1: 19 " أبط ".

[324]

الرذائل في هذا المقام افتخارا على عمر، فقد أثبتها له على أبلغ وجه وأوضحه ولا وجه لجعل فحواه الافتخار بالبعض وجعل ذكر البعض عبثا فيحصل في الكلام من التفكيك وعدم الالتئام ما ينافي المعروف من عاداتهم والمعلوم من مذاهبهم في الحانهم ومحاوراتهم، كما فعله ابن أبي الحديد والنقيب، وهذا غير خفي ي على العارف بأساليب الكلام. وقول عمر: إن الدجاجة لتفحص، صريح فيما أردناه ليطابق المثال الممثل، واعتراف بما نفاه عمرو عن نفسه، وإلا لما كان لقوله: فتضع لغير الفحل معنى. والمراد: إن افتخار الولد إنما هو بالاب الذي يولد على فراشه وإن كان في الحقيقة لزنية، كقوله عليه وآله الصلاة والسلام: " الولد للفراش وللعاهر الحجر " (1)، تأمل، فإنه واضح غيرر خفي على من له أدنى معرفة وتأمل. قال ابن عبد النمري في كتاب الاستيعاب: ووصفه أبو الرجاء العطاردي وكان مفضلا فقال: كان عمر بن الخطاب طويلا جسيما، أصلع شديد الصلع، أبيض، شديد حمرة العينين، في عارضيه خفة، سبلته كثيرة الشعر، في أطرافها صهبة (2). انتهى. أقول: الصهبة في السبلة آية اللؤم، والعرب تصف بها الاعداء، قال ذو الرمة: لهم مجلس صهب السبال أذلة سواسية أحرارها وعبيدها (3) قال الجوهري في كتاب الصحاح في اللغة: قال الاصمعي: يقال للاعداء صهب السبال سود الاكباد وإن لم يكونوا صهب السبال (فكذلك يقال


1 - سنن الدراقطني 4: 70 حديث 8. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 460. 3 - ديون ذي الرمة 2: 1235.

[325]

لهم) (1). قال ابن قيس الرقيات: وظلال السيوف شيبن رأسي واعتناقي القوم صهب السبال ويقال أصله للروم، لان الصهوبة فيهم، وهم أعداء العرب (2). انتهى. وأنشد المرزوقي في شرح الحماسة لاوس: نكبتها (3) ماءهم لما رأيتهم صهب السبال بأيديهم تباريز انتهى. يعني: تنحيت عنهم وصرفت ناقتي عن مائهم لما رأيت فيهم آية اللؤم وعلامة العدواة. قال ابن الاثير في الكامل عند ذكره نساء عمر: وخطب أم أبان بنت عتبة بن ربيعة، فكرهته وقالت: يغلق بابه، ويمنع خيره، ويدخل عابسا ويخرج عابسا (4). انتهى. قال أيضا في النهاية في باب الخاء مع الشين: ومنه حديث عمر: إن مرجاة وليدته أتت بولد زنا، فكان عمر يحمله على عاتقه ويسلت خشمه، أي: يمسح مخاطه (5). انتهى. قال الشهرستاني في كتاب الملل والنحل: الخلاف الثامن: في تنصيص أبي بكر على عمر للخلافة وقت الوفاة، فمن الناس من قال: قد وليت علينا فضا غليظا (6). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث خزيمة: كان عمر في الجاهلية


1 - أضفناها من المصدر. 2 - الصحاح 1: 166 " صهب ". 3 - نكب عن الطريق: عدل. لسان العرب 1: 770 " نكب ". 4 - الكامل في التأريخ 3: 55. 5 - النهاية 2: 35 " خشم ". 6 - الملل والنحل: 31.

[326]

هبرطشا، وهو الساعي بين البائع والمشتري، شبه الدلال. ويروى بالسين المهملة بمعناه (1). انتهى. قال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب: وقد روى خليد بن دعلج، عن قتادة، قال: خرج عمر من المسجد ومعه الجارود العبدي، فإذا بامرأة برزت على الطريق، فسلم عليها عمر، فردت عليه السلام وقالت: هيها يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميرا في سوق عكاظ، تروع الصبيان بعصاك، فلم تذهب الايام حتى سميت (عمر، ثم لم تذهب الايام حتى سميت) (2) أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت. فقال الجارود: قد أكثرت ايتها المرأة على أمير المؤمنين. فقال عمر: دعها، أما تعرفها، هذه خولة بن حكيم امرأة عباد بن الصامت التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، فعمر والله أحق بأن يسمع لها (3). انتهى. قال في الاستيعاب عند ذكره سلمان الفارسي رضي الله عنه: فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله من قوم من اليهود بكذا وكذا درهما، وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل، فغرس رسول الله صلى الله عليه وآله النخل كله، إلا نخلة غرسها عمر، فأطعم النخل كله إلا تلك النخلة، فقال صلى الله عليه وآله: " من غرسها ؟ " قالوا: عمر، فقطعها وغرسها رسول الله صلى الله عليه وآله فأطعمت من عامها (4). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار: أنزل الله في الخمر ثلاث آيات:


1 - النهاية 1: 119 " برطش ". 2 - أضفناها من المصدر. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 291. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 57.

[327]

* (يسألونك عن الخمر والميسر) * (1)، فكان المسلمون بين شارب وتارك، الى أن شربها رجل ودخل في صلاته فهجر، فنزلت: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * (2) فشربها من شربها من المسلمين، حتى شربها عمر فأخذ لحى (3) بعير فشج رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الاسود بن يعفر (4): وكائن بالقليب قليب بدر من القينات والشرب الكرام وكائن بالقليب قليب بدر من الشيزي المكلل بالسنام أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيى وكيف حياة أصداء وهام أيعجز أن يرد الموت عني وينشرني إذا بليت عظامي ألا من مبلغ الرحمن عني بأني تارك شهر الصيام فقل لله يمنعني شرابي وقل لله يمنعني طعامي فبلغ ذلك رسول الله، فخرج مغضبا يجر رداءه، فرفع شيئا في يده ليضربه، فقال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فأنزل الله: * (إنما يريد الشيطان) * إلى قوله * (فهل أنتم منتهون) * (5)، فقال عمر: انتهينا انتهينا (6). انتهى. الشيزي: شجر يتخذ من الجفان، وأراد أربابها كقوله: من القينات.


1 - البقرة: 219. 2 - النساء: 43. 3 - اللحى: عظم الحنك، أي منبت اللحية من الانسان. الصحاح 6: 248، مجمع البحرين 1: 373 " لحا ". 4 - في المصدر: الاسود بن عبد يغوث. 5 - المائدة: 91. 6 - ربيع الابرار 4: 51. 7 - النهاية 2: 455 " شرب ".

[328]

والاكليل: شبه عصابة تزين بالجوهر ويسمى التاج إكليلا (1) وكلله: أي ألبسه الاكليل، ذكره: الجوهري. قال في النهاية: كان المشركون ينسبون النبي صلى الله عليه وآله الى أبي كبشة، وهو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الاوثان، وعبد الشعرى العبور، فلما خالفهم النبي صلى الله عليه وآله في عبادة الاوثان شبهوه به. وقيل: إنه كان جد النبي صلى الله عليه وآله من قبل أمه، فأرادوا أنه نزع في الشبه إليه (2). انتهى. قال ابن عبد البر في الاستيعاب عند ذكره جميل بن معمر: وذكر الزبير ابن بكار قال: جاء عمر بن الخطاب إلى عبد الرحمن بن عوف قبل أن يدخل عليه يتغنى بالنصب: وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما قضى وطرا منها جميل بن معمر فلما دخل عليه قال: ما هذا يا أبا محمد ؟ قال: إنا إذا خلونا في منازلنا قلنا ما يقول الناس. وذكر محمد بن يزيد هذا الخبر فقلبه وجعل المتغني عمر، والجائي عبد الرحمن (3). انتهى. قال في النهاية: النصب بالسكون: ضرب من أغاني العرب شبه الحداء، وقيل: هو الذي أحكم من النشيد وأقيم لحنه ووزنه (4). انتهى. قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب الاصوات: عن عبد الرحمن بن عوف: أتيت عمر فسمعته يتغنى بالركبانية: فكيف ثوائي بالمدينة بعدما قضى وطرا منها جميل بن معمر


1 - الصحاح 5: 1812 " كلل ". 2 - النهاية 4: 144 " كبش ". 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 237. 4 - النهاية 5: 62 " نصب ".

[329]

هو جميل الجمحي، كان خاصا به، فلما استأذنت عليه قال لي: أسمعت ما قلت ؟ قلت: نعم، قال: إنا إذا خلونا قلنا ما يقول الناس في بيوتهم (1). انتهى. قال في الاستيعاب عند ذكره خوات بن جبير: أخبرنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن اسماعيل الطوسي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن اسحاق بن ابراهيم السراج، قال: حدثنا أحمد بن سعيد الرباطي، قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا خليج، عن ضمرة بن سعيد عن قيس بن أبي حذيفة، عن خوات بن جبير، قال: خرجنا حجاجا مع عمر بن الخطاب، فسرنا في ركب فيهم أبو عبيدة ابن الجراح، فقال القوم: غننا من شعر ضرار، فقال عمر: دعوا أبا عبد الله فليغني من بنيات فؤاده، يعني: من شعره، قال: فما زالت أغنيهم حتى كان السحر، فقال عمر: إرفع لسانك باخوات فقد أسحرنا (2). انتهى. قال الزمخشري في ربيع الابرار في باب الاصوات: قال عمر بن الخطاب في بعض أسفاره لرباح بن المعترف: غنني: أتعرف رسما كاطراد المذاهب لعمرة قفرا غير موقف راكب فغناه، فأصغى إليه عمر فقال: أجدت بارك الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين: لو قلت: زه، كان أعجب إلي. قال: وما زه ؟ قال: كلمة كان كسرى إذا قالها أعطى من قالها أربعة آلاف درهم. قال: إن شئت أقولها لك (فعلت) (3)، فأما أعطي أربعة آلاف درهم فلا يجوز لي من أموال المسلمين.


1 - ربيع الابرار 2: 568. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 446. 3 - أضفناها من المصدر.

[330]

قال: فبعضها من مالك، فأعطاه أربعمائة درهم. فقال يرفا (1): أتصل المغني ؟ قال: خدعني (2). انتهى (3). قال في الاستيعاب في معنى رباح بن المعترف وابنه عبد الله بن رباح: أحد العلماء روى انه كان مع عبد الرحمن يوما في سفر، فرفع صوته رباح يغني غناء الركبان، فقال له عبد الرحمن: ما هذا ؟ قال غيره: لا بأس نلهو ويقصر عنا السفر، فقال عبد الرحمن: إن كنتم لا بد فاعلين فعليكم بشعر ضرار بن الخطاب، ويقال إنه كان معهم في ذلك السفر عمر بن الخطاب، وكان يغنيهم غناء النصب (4). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل: منهم (5) لبيبة جارية بني مؤمل بن حبيب بن عدي بن كعب، أسلمت قبل اسلام عمر بن الخطاب، وكان عمر يعذبها حتى تفتن، ثم يدعها ويقول: لم أدعك إلا سامع، فتقول: كذلك يفعل الله بك إن لم تسلم. ثم قال: ومنهم زنيرة، وكانت لبني عدي، وكان عمر يعذبها (6). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الشرح - شرح نهج البلاغة - عند ذكره غزوة أحد: قال الواقدي: بينا عمر بن الخطاب يومئذ في رهط من المسلمين قعودا إذ مر بهم أنس بن النضر بن ضمضم، عم أنس بن مالك، فقال: ما يقعدكم ؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده ؟


1 - وهو حاجب عمر بن الخطاب. 2 - في النسختين الخطيتين: خذ عني. 3 - ربيع الابرار 2: 551. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 518. 5 - أي من الذين سبقوا الى الاسلام ولا عشائر لهم تمنعهم ولا قوة لهم يمنعون بها، فأما من كانت له عشيرة تمنعه فلم يصل الكفار إليه، فلما رأوا امتناع من له عشيرة وثبت كل قبيلة على من فيها من مستضعفي المسلمين، فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة والنار، ليفتنوهم عن دينهم. 6 - الكامل في التأريخ 2: 69.

[331]

قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم قام فجالد بسيفه حتى قتل (1). انتهى. قال في الكشاف في تفسير قوله عز من قائل: * (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * (2) وروي أنه لما صرخ الصارخ، قال بعض المسلمين: ليت عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وقال ناس من المنافقين: لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا الى إخوانكم وإلى دينكم. فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد بسيفه حتى قتل (3). انتهى. وفي هذه الرواية: أن الجماعة كلمهم أنس بهذا الكلام كانوا منافقين، وفي الرواية الاولى: أن منهم وفيهم عمر بن الخطاب. وهذا يدل على أنه كان من المنافقين وفي قعوده في هذه الواقعة الهائلة، واطمئنانه واعراضه عن البحث عن حال رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، والتفتيش والسؤال عما آل إليه أمرهم، مع صرخ الصارخ بقتله صلى الله عليه وآله، وتيقنهم واعتقادهم صدقه على ما نطقت الرواية المتقدمة بجميعها، أدل دليل على عدم مبالاته بالدين وشارعه، ونفاقه وركونه الى المشركين وميله، وهذا بين بحمد الله ومنه. وروى السيوطي في تفسير قوله تعالى: * (وما محمد إلا رسول) * (4) الاية: عن عمر أنه قال: إنها أحدية، ثم قال عمر: فتفرقنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله فصعدت الجبل (5). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 3: 187. 2 - آل عمران: 144. 3 - الكشاف 1: 468. 4 - آل عمران: 144. 5 - الدر المنثور 2: 334.

[332]

قال ابن أبي الحديد في الشرح في ذكره غزوة أحد: قلت: أختلف في عمر بن الخطاب هل ثبت يومئذ أم لا، مع اتفاق الرواة كافة على أن عثمان لم يثبت. فالواقدي ذكر أنه لم يثبت، وأما محمد بن اسحاق والبلاذري فجعلاه مع من ثبت ولم يفر، واتفق كلهم على أن ضرار بن الخطاب الفهري قرع رأسه بالرمح وقال: إنها نعمة مشكورة يا ابن الخطاب إني آليت ألا أقتل رجلا من قريش. روى ذلك محمد بن اسحاق وغيره، ولم يختلفوا في ذلك. ثم قال: وروى الواقدي قال: حدثني ابن أبي سبرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم - واسم أبي جهم عبيد - قال: كان خالد بن الوليد يحدث وهو في الشام فيقول: الحمد لله الذي هداني للاسلام لقد رأيتني ورأيت عمر بن الخطاب حين جال المسلمون وانهزموا يوم أحد وما معه أحد، واني لفي كتيبة خشناء، فما عرفه أحد منهم غيري، وخشيت إن أغريت به من معي أن يصعدوا له، فنظرت إليه وهو متوجه إلى الشعب. قلت: يجوز أن يكون هذا حقا، ولا خلاف أنه توجه إلى الشعب تاركا للحرب (1). انتهى. ثم قال: قال الواقدي: كان ممن ولى: عمر، وعثمان، والحارث بن حاطب، وثعلبة بن حاطب، وسواد بن غزية، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، وخارجة بن عمر بلغ ملل (2)، وأوس بن قيظي في نفر من بني حارثة بلغوا الشقرة (3) ولقيتهم أم ايمن تحثي في وجوههم التراب وتقول لبعضهم:


1 - شرح نهج البلاغة 3: 188. 2 - ملل: موضع على طريق المدينة الى مكة على ثمانية وعشرين ميلا من المدينة. معجم البلدان 5: 194. 3 - الشقرة، ووادي الشقرة: موضع معروف في طريق مكة لبني سليم. معجم البلدان 3: 355، مجمع البحرين 3: 352.

[333]

هاك المغزل فاغزل به وهلم سيفك. واحتج أيضا من قال بفرار عمر بما رواه الواقدي في كتاب المغازي في قصة الحديبية قال: قال عمر يومئذ: يا رسول الله ألم تكن حدثت انك ستدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف مع المعرفين، وهدينا لم يصلى إلى البيت ولا نحر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أقلت لكم: في سفركم هذا ؟ " قال عمر: لا. قال صلى الله عليه وآله: " أما إنكم ستدخلونه وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة، وأعرف مع المعرفين ". ثم أقبل على عمر وقال: " أنسيتم يوم أحد * (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد) * (1) وأنا أدعوكم في أخراكم "، ثم ساق كلامه الى أن قال: قالوا فلو لم يكن فر يوم أحد لما قال له: " انسيتم يوم أحد * (إذ تصعدون ولا تلوون) * " (2). قال ابن أبي الحديد أيضا في هذا الباب: واحتج من رأى أن عمر فر يوم أحد بما روي: أنه جاءت في أيام خلافته امرأة تطلب بردا من برود كانت بين يديه، وجاءت معها بنت لعمر تطلب بردا أيضا، فأعطى المرأة ورد ابنته، فقيل له في ذلك، فقال: إن أبا هذه ثبت يوم أحد ولم يفر، وإن أبا هذه فر يوم أحد ولم يثبت. وروى الواقدي: إن عمر كان يحدث فيقول: لما صاح الشيطان قتل محمد، أقبلت أرقي في الجبل كأني أرويه (3). انتهى (4). وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر من الشرح: فضيل بن عياض: ما


1 - آل عمران: 153. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 188. 3 - الاروية: الشاة الواحدة من شياه الجبل، وقيل: هو أنثى الوعول وهي تيوس الجبل. النهاية 2: 28 " روى ". 4 - شرح نهج البلاغة 3: 213.

[334]

ينبغي لك أن تتكلم بفيك كلمة، أتدري من كان يتكلم بفيه كله ؟ عمر بن الخطاب، كان يعدل في رعيته، ويجوز على نفسه، ويطعمهم الطيب ويأكل الغليظ، ويكسوهم اللين ويلبس الخشن، ويعطيهم الحق ويزيدهم ويمنع ولده وأهله، أعطى رجلا عطاءه أربعة آلاف درهم ثم زاده ألفا، فقيل له: ألا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا ؟ فقال: إن هذا ثبت أبوه يوم أحد، وإن عبد الله فر أبوه ولم يثبت (1). انتهى. وروى هذا الخبر الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب العدل والاتصاف (2). وبالجملة فرار عمر يوم أحد بين مذكور في السير والروايات، مشهور كالشمس في رابعة النهار، وكاد أن يلحق بالضرورات، والانكار لما يجري هذا المجريى لا يغني شيئا. وروى ابن الاثير في كتابه جامع الاصول في غزوة حنين من كتاب الغين، خبرا طويلا عن أبي قتادة وفيه ما هذا لفظه: وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس ؟ قال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (3). انتهى. قال السيوطي في تفسيره: أخرج ابن الضريس، عن الحسن: ان عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا وقد هممنا أن نكتبها، فقال: " يا ابن الخطاب امتهوكون (4) أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى ؟ ! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولكنني أعطيت جوامع الكلم " (5).


1 - شرح نهج البلاغة 3: 214. 2 - ربيع الابرار 3: 73. 3 - جامع الاصول 8: 400. 4 - التهوك: التحير. الصحاح 4: 1617 " تهوك ". 5 - الدر المنثور 3: 473.

[335]

واخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن الضريس، والحاكم في الكنى، والبيهقي في شعب الايمان عن ابن ثابت الانصاري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبي صلى الله عليه وآله بكتاب فيه مواضع من التوارة فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله تغيرا شديدا لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحرث لعمر: أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله (1). وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة: ان عمر بن الخطاب مر برجل يقرأ كتابا فاستمعه ساعة فاستحسنه، فقال للرجل: اكتب لي قال: نعم، فاشترى أديما، ثم جاء به فنسخ له في ظهره وبطنه، ثم أتى به النبي صلى الله عليه وآله فجعل يقرأ عليه، وجعل وجه رسول الله يتلون، فضرب رجل من الانصار بيده الكتاب وقال: ثكلتك امك يا ابن الخطاب أما ترى وجه رسول الله منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: " إنما بعثت فاتحا وخاتما، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه، فلا يهلكنكم المتهوكون " (2). وروي نحوه عن الزهري، وأن حفصة قرأت الكتاب، وذكر ذلك كله في سبب نزول قوله تعالى: * (أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) * (3). وفيها وفيما قبلها وبعدها تبصرة لمن كان له قلب. وفسر التهوك في هذه الاخبار بالتحير والتهور. قال البخاري في صحيحه في باب الشروط في الجهاد: وفي خبر طويل ما هذه عبارته وألفاظه: قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى


1 - الدر المنثور 3: 473. 2 - الدر المنثور 3: 473. 3 - العنكبوت: 51.

[336]

المشركين وقد جئت مسلما، لا ترون ما قد لقيت، وكان قد عذب عذابا شديدا في الله. قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وآله فقلت: ألست نبي الله حقا ؟ قال: " بلى "، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: " بلى "، قلت: فلم نعطى الدنية في ديننا إذن، قال: " اني رسول الله صلى الله عليه وآله ولست أعصيه، وهو ناصري "، قلت: ألست كنت تحدثنا انا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: " بلى، فأخبرتك إنا نأتيه العام ؟ "، قلت: أليس كان يحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرك أنه يأتيه العام ؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا (1). انتهى. وروى مثله بألفاظه ابن الاثير في كتاب جامع الاصول. قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث الحديبية: على م نعطي الدنية في ديننا، أي: الخصلة المذمومة، والاصل فيه الهمزة، وقد يخفف، وهو غير مهموز ايضا بمعنى الضعيف الخسيس (2). انتهى. وقال في باب العين مع الزاء من النهاية: ومنه حديث أبي بكر قال لعمر: استمسك بغرزه، أي: اعتلق به وامسكه واتبع قوله وفعله ولا تخالفه، فاستعار له الغرز كالذي يمسك بركاب الراكب ويسير بسيره (3). انتهى.


1 - صحيح البخاري 4: 46، الدر المنثور 3: 473. 2 - النهاية 2: 137 " دنا ". 3 - النهاية 3: 359 " غرز ".

[337]

الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب. قال في روضة الاحباب عند ذكره صلح الحديبية: مروي است از امير المؤمنين عمر بن خطاب كه گفت: در آن روز امرى عظيم در دل من پيداشد، ومراجعت كردم باحضرت، مراجعتي كه مثل آن هر گز نكرده بودم (1). انتهى. يعني ان عمر قال: دخلني أو خالج قلبي ذلك اليوم أمر عظيم، وراجعت النبي صلى الله عليه وآله مراجعة لم أعهدني صدر مني مثله. قال البخاري في صحيحه في تفسير سورة الفتح في باب قوله: * (إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (2) الاية: حدثني محمد بن الوليد، حدثنا محمد ابن جعفر، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك - وكان من أصحاب الشجرة - حدثنا أحمد بن أسحاق السلمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل أسأله، فقال: كنا بصفين فقال رجل: الم تر الذين يدعون الى كتاب الله ؟ ! فقال علي: " نعم "، فقال سهل بن حنيف: اتهموا انفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - ولو نرى قتالا لقاتلنا، فجاء عمر فقال: ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال: " بلى ". قال أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال: " بلى ". قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا ؟ فقال: " يا ابن الخطاب اني رسول الله صلى الله عليه وآله، ولن يضيعني الله أبدا "، فرجع متغيظا، فلم يصبر حتى جاء أبو بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا


1 - روضة الاحباب: 612. 2 - الفتح: 18.

[338]

على الحق وهم على الباطل ؟ قال: يا ابن الخطاب انه رسول الله صلى الله عليه وآله ولن يضيعه الله أبدا فنزلت سورة الفتح (1). انتهى. قال عز وجل في سورة الفتح: * (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم الله وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا) * (2). قال في الكشاف: ومعنى ظن السوء: ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين، ولا يرجعهم الى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهرا (3). انتهى. ولم ينقل هذا الظن عن غير عمر، وهو الذي بعد ما كشف له النبي صلى الله عليه وآله عن وجه الامر وبين وأوضح، تغيظ وراجع أبا بكر، وقد قال تعالى: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (4)، انظر وتأمل هل تجد في هذه الواقعة من عمر تسليما وسلامة من حرج. قال الثعلبي: وقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي صلى الله عليه وآله فقلت: ألست رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: " بلى ". ثم ذكر قريبا مما ذكره البخاري، وفيه: قلت: ألست تحدثنا إنا سنأتي البيت فنطوف به ؟ قال: " هل أخبرتك انك تأتيه العام ؟ " قال: لا. ثم ذكر قوله لابي بكر: أو ليس كان يحدث انا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى. الخبر على نحو رواية البخاري الاولى. قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن


1 - صحيح البخاري 6: 170. 2 - الفتح: 6. 3 - الكشاف 4: 542. 4 - النساء: 65.

[339]

زيد بن أسلم، عن أبيه: ان رسول الله صلى الله عليه واله كان يسير في بعض اسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلا، فسأله عمر بن الخطاب عن شئ، فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه. فقال عمر بن الخطاب: ثكلت أم عمر، نزرت رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك. قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في القرآن، فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي، فقلت: لقد خشيت أن يكون نزل في القرآن، فجئت رسول الله صلى الله عليه وآله فسلمت عليه فقال: " لقد أنزلت علي الليلة سورة، هي أحب الي مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: * (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) * (1). انتهى. أقول: هذه الواقعة، والقول من عمر، مع ما قدمناه من شكه وتردده، ما أشد انطباقها على قوله عز اسمه يحذر المنافقين أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم: * (قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون) * (2)، * (بل الانسان على نفسه بصيرة) * (3). ولولا نفاقه واقدامه على ما يوجب نزول القرآن - وما ينزل إلا لامر عظيم وخطب جسيم غير حقيق بالصفح عنه، والاعراض موجب لتفضيح مرتكبه الى يوم القيامة وانقراض الدنيا، في كل ناد ومسجد ومنبر ومحل - لما خشي نزول القرآن فيه، وإلا فعمر سئ الظن بربه وبرسوله صلى الله عليه وآله، بحيث يجوز عليهما الافتراء والتفضيح واشاعة الفاحشة من غير موجب لا محيص عنه ولا محيد، وهو صلى الله عليه وآله على خلق عظيم، والمأمور بالعفو والاعراض، وذلك ظاهر لمن تأمله.


1 - الفتح: 1، صحيح البخاري 6: 168. 2 - التوبة: 64. 3 - القيامة 14.

[340]

قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث عمر انه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن شئ مرارا فلم يجبه، فقال: ثكلتك امك يا عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وآله مرارا لا يجيبك، أي: ألححت عليه في المسألة الحاحا، أدبك بسكوته عن جوابك (1). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية في باب الميم مع الراء: فيه أن عمر دخل على النبي صلى الله عليه وآله يوما وكان منبسطا فقطب وتشزن له، فلما خرج عاد الى انبساطه، فسألته عائشة فقال: " إن عمر ليس ممن يمرخ معه " والمرخ والمزح سواء، وقيل: هو من مرخت الرجل بالدهن إذا دهنته به ثم دلكته، وأمرخت العجين إذا أكثرت ماءه، إذ ليس ممن يستلان جانبه (2). انتهى. قال الجوهري: وتشزن له: انتصب له في الخصومة (3). انتهى. وقال في باب الهمزة مع الخاء من النهاية: في حديث عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله قال له: " أخر عني يا عمر " أي: تأخر، يقال: أخر وتأخر وقدم وتقدم بمعنى، كقوله تعالى: * (ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله) * (4) أي: لا تتقدموا، وقيل معناه: أخر عني رأيك فاختصر إيجازا وبلاغه (5). انتهى. قال الزمخشري في الكشاف: وعن عمر أنه قرأ هذه الاية فقال: كل هذا قد عرفناه، فما الاب ؟ ثم رفع عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك ابن أم عمر ألا تدري ما الاب (6). انتهى.


1 - النهاية 5: 40 " نزر ". 2 - النهاية 4: 315 " مرخ ". 3 - الصحاح 5: 2144 " شزن ". 4 - الحجرات: 1. 5 - النهاية 1: 29 " اخر ". 6 - الكشاف 4: 220.

[341]

وقال البغوي: روى ابن شهاب عن أنس، ثم ذكر مثله (1). وقال في النهاية: إن عمر بن الخطاب قرأ قول الله تعالى: * (وفاكهة وأبا) * (2) وقال: فما الاب ؟ ثم قال: ما كلفنا بهذا (3). انتهى. قال أبو عيسى الترمذي في صحيحه: حدثنا قتيبة وأحمد بن منبع وغير واحد قالوا: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر: الدية على العاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، فأخبره الضحاك الكلابي ان رسول الله صلى الله عليه وآله كتب إليه أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، فقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (4). انتهى. وروى في جامع الاصول مثله، غير أن فيه بعد قوله: الدية على العاقلة: وهم يرثونها ولا ترث، وبعد قوله في آخر زوجها: وكانت من قوم آخرين فرجع عمر. انتهى. قال في الاستيعاب عند ذكر الضحاك بن سفيان هذا: وولاه رسول الله صلى الله عليه وآله على من أسلم من قومه، وكتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها، وكان أشيم قتل خطأ، وشهد بذلك الضحاك بن سفيان عند عمر بن الخطاب، فقضى وترك رأيه (5). انتهى. أشيم: بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الياء تحتها نقطتان. والضبابي: بكسر الضاد المعجمة، وتخفيف الباء الموحدة الاولى. قال البخاري في صحيحه في باب الجزية: ولم يكن عمر أخذ الجزية


1 - معالم التنزيل 5: 524. 2 - عبس: 31. 3 - النهاية 1: 13 " أبب ". 4 - سنن الترمذي 5: 614. 5 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 207.

[342]

من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذها من المجوس (1). انتهى. قال الزمخشري في الكشاف: وعن عمر انه قام خطيبا فقال: أيها الناس لا تغالوا بصدق النساء، فلو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وآله، ما أصدق امرأة من نسائه أكثر من أثنتي عشر أوقية. فقامت إليه امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين لم تمنعنا حقا جعله الله لنا، والله يقول: * (وآتيتم إحداهن قنطارا) * (2). فقال عمر: كل أحد أعلم من عمر، ثم قال لاصحابه: تسمعونني أقول مثل هذا فلا تنكرونه علي حتى ترد علي امرأة ليست من أعلم النساء (3). انتهى. وروى هذا المعنى أحمد بن أبي طاهر في كتابه المنثور والمنظوم عن ابن الاعرابي، وفيه فاضل إمامكم ففضل (4). قال في النهاية: ومنه حديث عمر: لا تغالوا صدق النساء، وفي رواية: لا تعلو في صدقات النساء، أي: لا تبالغوا في كثرة الصداق، وأصل الغلاء: الارتفاع ومجاورة القدر في كل شئ (5). انتهى. وقال ابن أبي الحديد في الشرح وقال مرة - يعني عمر -: لا يبلغني ان امرأة تجاوز صداقها صداق النبي صلى الله عليه وآله إلا ارتجعت ذلك منها، فقالت له امرأة: ما جعل الله ذلك لك، إنه تعالى قال: * (وآتيتم إحداهن


1 - صحيح البخاري 5: 181. 2 - النساء: 20. 3 - الكشاف 1: 514. 4 - فاضلت فلانا ففضلته: إذا غلبته. الصحاح 5: 1791 " فضل ". 5 - النهاية 3: 382 " غلا ".

[343]

قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) * (1) فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال، الا تعجبون من إمام أخطأ ومن امرأة أصابت، فاضلت إمامكم ففضلته (2). انتهى. وقال في النهاية: وجاء في الحديث: إن القنطار ألف ومائتا أوقية، والاوقية خير ما بين السماء والارض. وقال أبو عبيدة: ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا واحد له من لفظه. وقال ثعلب: المعمول عليه عند العرب الاكثر أنه اربعة آلاف دينار، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل: إن القنطار ملء جلد ثور ذهبا، وقيل: ثمانون ألف، وقيل: هو جملة كثيرة مجهولة من المال (3). وذكر ابن الاثير في الكامل: إن عمر عس بالليل، فوجد ناسا على شراب لهم، فقال لعبد الرحمن بن عوف وكان معه: انطلق فقد عرفته، فلما أرسل إليهم يعلمهم قالوا: أولم ينهك الله عن التجسس ؟ ! (4). قال ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح نهج البلاغة عند ذكره عمر بن الخطاب: وكان يعس ليلة، فمر بدار سمع فيها صوتا، فارتاب وتسور فوجد رجلا عند امرأة وزق خمر، فقال: يا عدو الله أظننت أن الله سترك وأنت على معصية، فقال: لا تعجل يا أمير المؤمنين إن كنت أخطأت في واحدة فقد أخطأت في ثلاث: قال الله تعالى: * (لا تجسسوا) * (5)، فتجسست.


1 - النساء: 20. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 113. 3 - النهاية 4: 113 " قنطر ". 4 - الكامل في التأريخ 3: 56. 5 - الحجرات: 12.

[344]

وقال: * (وأتوا البيوت من أبوابها) * (1)، وقد تسورت. وقال: * (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا) * (2)، وما سلمت (3). انتهى. ورواه السيوطي بعينه مبسوطا (4). قال يوسف أبو عمر النمري في كتاب الاستيعاب: وصعصعة بن صوحان هذا هو القائل لعمر بن الخطاب حين قسم المال الذي بعث إليه أبو موسى، وكان ألف ألف درهم، وفضلت منه فضلة فاختلفوا عليه حيث يضعها، فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس قد بقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس فما تقولون فيها ؟ فقام صعصعة بن صوحان وهو غلام شاب فقال: يا أمير المؤمنين إنما يشاور الناس فيما لم ينزل الله فيه قرآنا، وأما ما أنزل به القرآن ووصف مواضعه فضعه في مواضعه التي وضعه الله فيها، فقال: صدقت أنت مني وأنا منك، فقسمه بين المسلمين، ذكره عمر بن شبة باسناده (5). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الشرح: ومر - يعني عمر - يوما بشاب من شبان الانصار وهو ضمان فاستسقاه، فجدع له ماء بعسل، فلم يشربه وقال: إن الله يقول: * (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) * (6)، فقال له الفتى: يا أمير المؤمنين إنها ليست لك ولا لاحد من أهل القبلة، إقرأ ما قبلها: * (ويوم يعرض الذين كفروا على النار اذهبتم طيباتكم في حياتكم


1 - البقرة: 189. 2 - النور: 61. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 96. 4 - الدر المنثور: 7: 568. 5 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 196. 6 - الاحقاف: 20.

[345]

الدنيا) * (1)، فقال عمر: كل الناس أفقه من عمر (2). انتهى. ثم ذكر قصة تسور عمر الحائط وتجسسه، وقول الرجل له: أخطأت في ثلاث، المتقدم بطريق آخر (3). قال الزمخشري في تفسير سورة سبأ من الكشاف: وعن عمر انه قال: سمع رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء ؟ فقال الرجل: اني سمعت الله يقول: * (وقليل من عبادي الشكور) * (4)، فأنا أدعو أن يجعلني من ذلك القليل، فقال عمر: كل الناس أعلم من عمر (5). انتهى. قال محمد بن اسماعيل في صحيحه في آخر الكتاب في باب ما جاء في اجتهاد القضاة بما أنزل الله: حدثنا محمد، قال: أخبرنا أبو معاوية، قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن المغيرة قال: سئل عمر بن الخطاب عن إملاص المرأة - وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينا - فقال: أيكم سمع من النبي صلى الله عليه وآله شيئا ؟ فقلت: أنا، فقال: ما هو ؟ قلت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: " فيه غرة عبد أو أمة "، فقال: لا تبرح حتى تجيئني بالمخرج فيما قلت، فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به فشهدا معي انه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: " فيه غرة عبد أو أمة ". تابعه ابن الزياد، عن أبيه عن عروة عن المغيرة (6). وروى هذه الرواية في جامع الاصول في كتاب الديات عن البخاري


1 - الاحقاف: 20. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 96. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 96. 4 - سبأ: 13. 5 - الكشاف 3: 283. 6 - صحيح البخاري 9: 126.

[346]

ومسلم (1). ورواه بطرق كثيرة عن أبي داود والترمذي والنسائي (2). قال البخاري في صحيحه في أواخر الكتاب أيضا في باب قول النبي صلى الله عليه وآله: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق.. ": حدثنا اسماعيل، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني حميد، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (3). انتهى. قال في جامع الاصول في كتاب القضاء: بريدة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ". أخرجه أبو داود (4). وذكر رزين قال: " فأما الذي في الجنة فرجل قضى بكتاب الله وسنة نبيه لا يألو عن الحق، وأما اللذان في النار: فرجل قضى بجور، وآخر افترى على القضاء فقضى بغير علم " (5). انتهى. قال في جامع الاصول في الفرع الثالث من الباب الثاني من كتاب الحدود: ابن عباس قال: أتي عمر بمجنونة قد زنت، فاستشار فيها أناسا،


1 - جامع الاصول 4: 431، صحيح البخاري 9: 126، صحيح مسلم 3: 1304. 2 - سنن أبي داود 4: 190، سنن الترمذي 4: 24، سنن النسائي 8: 49. 3 - صحيح البخاري 9: 125. 4 - سنن ابي داود 3: 298. 5 - جامع الاصول 10: 166. 6 - صحيح البخاري 9: 132.

[347]

فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب فقال: " ما شأن هذه " ؟ قالوا: مجنونة بني فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: " ارجعوا بها "، ثم أتاه فقال: " يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم مرفوع عن المجنون حتى يبرأ - وفي رواية: حتى يفيق - وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل ؟ " فقال: بلى، قال: " فما بال هذه ؟ " قال: لا شئ، قال: فأرسلها عمر، قال: فجعل يكبر. وفي أخرى قال له: " أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم ؟ " قال: صدقت، فخلى عنها (1). انتهى. فإنكار ابن أبي الحديد ورود هذه الرواية بهذه الالفاظ مبني على الفساد والعصبية (2). وذكره ابن حجر في الصواعق بعد ذكره قول الحسن بن علي صلوات الله عليهما لابي بكر: " انزل عن مجلس أبي ": انه وقع للحسين عليه وآله الصلاة مثله مع عمر وهو على المنبر (3). قال السيوطي في تفسير قوله تعالى: * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) * (4) صلى الله عليه وآله: وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي، قال: بلغنا ان طلحة بن عبيد الله قال: ايحجبنا محمد عن بنات عمنا ويتزوج نساءنا من بعدنا، لئن حدث به حدث لنتزوج نساءه من بعده، فنزلت هذه الاية. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة قال: قال طلحة بن عبيد الله: لو قبض النبي صلى الله عليه وآله تزوجت عائشة،


1 - جامع الاصول 3: 506. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 95. 3 - الصواعق المحرقة: 34. 4 - الاحزاب: 53.

[348]

فنزلت: * (وما كان لكم أن تؤذوا) * (1) الاية. انتهى. ثم روى نزولها في طلحة بطريق آخر (2). وذكر البغوي في تفسيره عن مقاتل بن سليمان أن القائل: لانكحن عائشة هو طلحة (3). وذكر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ان عمر بن الخطاب قال لطلحة عند موته: ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله ساخطا عليك للكلمة التي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب، فقال: قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ: الكلمة المذكورة ان طلحة لما أنزلت آية الحجاب قال لمن نقل ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وآله: ما الذي يعنيه حجابهن اليوم وسيموت غدا وننكحهن. قال أبو عثمان أيضا: لو قال لعمر قائل: أنت قلت إن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة، فكيف تقول الان لطلحة: إنه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها، لكان قد رماه بالمناقضة، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا، فكيف هذا (4). انتهى. وقال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث الشورى قال عمر: قوموا فتشاوروا فمن بعل عليكم أمركم فاقتلوه، أي: من أبى وخالف (5) انتهى. كيف يخبر بالرضى عنهم والصلاح لامامة المسلمين، ثم يأمر بقتلهم إن فعل واحد واحد منهم لا يوجب القتل ! وكيف يأمر بقتل من يعتقد فيه هو والمخالفون أنه منصوص عليه بكونه من أهل الجنة !


1 - الدر المنثور 6: 643. 2 - الدر المنثور 6: 644. 3 - معالم التنزيل 4: 483. 4 - شرح نهج البلاغة 3: 98. 5 - النهاية 1: 142 " بعل ".

[349]

ونظيره قول عمر: من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من المسلمين فاقتلوه. وقوله الاخر: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الاخر منهما، وذكرهما في النهاية. فعلى هذا لو بويع لابي لؤلؤة أولا لعمرو بن الحمق، ثم لعمر لوجب قتل الاخر. قال في الكامل: وقال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل هؤلاء الرهط بيتا وقم على رؤوسهم، فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذي فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس. فخرجوا فقال علي لقوم معه من بني هاشم: " ان أطيع فيكم قومكم لم تؤمروا أبدا "، وتلقاه عمه العباس فقال له: " عدلت عنا ". قال: وما علمك ؟ قال: " قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الاكثر، فإن رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن، فسعد لا يخالف ابن عمه، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فيوليهما أحدهما الاخر " (1). انتهى. وإنما قال عليه السلام: " ابن عمه "، لان عبد الرحمن زهري أيضا. قال في جامع الاصول في كتاب الحدود: أنس: إن النبي صلى الله عليه وآله أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريد نحوا من أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر إستشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر، أخرجه البخاري ومسلم (2). انتهى.


1 - الكامل في التأريخ 3: 67. 2 - جامع الاصول 3: 582، صحيح البخاري 8: 196، صحيح مسلم 3: 1330.

[350]

قال ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر من كتابه شرح نهج البلاغة: وروى أبو سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر أول حجة في خلافته، فلما دخل المسجد الحرام دنا من الحجر الاسود فقبله واستلمه وقال: إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله قبلك واستلمك لما قبلتك ولا استلمتك. فقال له علي: " بل يا أمير المؤمنين انه ليضر وينفع، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله لعلمت أن الذي أقول لك كما أقول، قال الله تعالى: * (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) * (1)، فلما أشهدهم وأقروا له أنه الرب عز وجل وانهم العبيد، كتب ميثاقهم في رق ثم ألقمه هذا الحجر، وانه له عينين ولسانا وشفتين يشهد لمن وافاه بالموافاة، فهو أمين الله عز وجل بهذا المكان ". فقال عمر: لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن (2). انتهى. ورواه السيوطي في تفسيره وفي آخره: " واني أشهد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يؤتى بالحجر الاسود وله لسان ذلق (3) يشهد لمن يستلمه بالتوحيد " (4). وقال ابن أبي الحديد أيضا في موضع آخر من الشرح: وكان عمر يفتي كثيرا بالحكم ثم ينقضه ويفتي بضده وخلافه، فقضى في الجد مع الاخوة قضايا كثيرة مختلفة، ثم خاف من الحكم في هذه المسألة فقال: من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد برأيه (5). انتهى.


1 - الاعراف: 172. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 93. 3 - لسان ذلق: طلق. الصحاح 4: 1479 " ذلق ". 4 - الدر المنثور 3: 605. 5 - شرح نهج البلاغة 3: 98.

[351]

وبالجملة جهالته وعدم معرفته بالحكم والاحكام لا يحيط بها كتاب، وإنما ذكرنا قليلا من كثير، حتى أنه قال ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرحه: وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر: ان عمر تعلم سورة البقرة في اثني عشر سنة، فلما ختمها نحر جزورا (1). انتهى. وقال في هذا المجلد: وروى أنس: كان يطرح لعمر كل يوم صاع من تمر فيأكل حتى حشفه (2). انتهى (3). قال ابن أبي الحديد أيضا في الدفتر الثاني عشر: وروى محمد بن سيرين: ان عمر في آخر أيامه اعتراه نسيان، حتى كاد ينسى عدد ركعات صلاته، فجعل أمامه رجلا يلقنه، فإذا أومأ إليه أن يقوم أو يركع فعل (4). انتهى. قال البخاري في صحيحه عند ذكره أبا بكر: حدثنا اسماعيل بن عبد الله، حدثني سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله: ان رسول الله صلى الله عليه وآله مات وأبو بكر بالسنح (5) - قال اسماعيل: يعني: العالية - فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وآله. قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، ويبعثه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقبله فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك (6).


1 - الجزور: سن من الابل، يقع على الذكر والانثى. الصحاح 2: 612 " جزر ". 2 - شرح نهج البلاغة 3: 96. 3 - الحشف: أردأ التمر. الصحاح 4: 1344 " حشف ". 4 - شرح نهج البلاغة 3: 97. 5 - السنح: احدى محال المدينة كان بها منزل أبي بكر الصديق حين تزوج مليكة. معجم البلدان 3: 265. 6 - صحيح البخاري 4: 8.

[352]

انتهى. قال الزمخشري في الفائق: مانعهم عمر في دفن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: انه لم يمت ولكنه صعق كما صعق موسى، فقال العباس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمت حتى ترككم على طريق ناهجة، وإن يك ما تقول يا ابن الخطاب حقا فإنه لن يعجز أن يحثو عنه التراب، فخل بيننا وبين صاحبنا فانه يأسن كما يأسن الناس. الناهجة: البينة. أن يحثو عنه، أي: يرمي عن نفسه التراب. يأسن: تتغير رائحته (1). انتهى. قال ابن حجر في صواعقه: وأخرج ابن سعد عن شداد قال: كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني (2). انتهى. وذكر ابن أبي الحديد في الجزء الثاني خطبة لعمر من جملتها ما هذا لفظه: ألا واني داع فأمنوا: اللهم اني شحيح فسخني، اللهم اني غليظ فليني، اللهم اني ضعيف فقوني (3). انتهى. قال البغوي في تفسيره: وقد صح في سبب نزول آية الحجاب ما أخبرنا به عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن اسماعيل، أنبأنا يحيى بن بكير، أنبأنا الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة في جملة خبر: فخرجت سودة زوج النبي صلى الله عليه وآله من الليالي عشاء - وكانت امرأة طويلة - فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة (4). انتهى.


1 - الفائق 4: 34 " نهج ". 2 - الصواعق المحرقة: 67. 3 - شرح نهج البلاغة 1: 121. 4 - معالم التنزيل 4: 482.

[353]

وقال السيوطي: أخرج ابن حجر عن عائشة، ثم ذكر مثله (1). قال ابن أبي البر في كتاب الاستيعاب عند ذكره الحجاج بن علاط السلمي، قال: أبو عمر وابنه نصر بن حجاج، هو الفتى الجميل الذي نفاه عمر بن الخطاب من المدينة حين سمع امرأة تنشد: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج وخبره ليس هذا موضعه (2). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر: وروى عبد الله بن بريدة، قال: بينا عمر يعس ذات ليلة انتهى الى باب مخارف (3) وامرأة تغني: هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج فقال عمر: أما ما عشت فلا، فلما أصبح دعا نصر بن حجاج، وهو نصر ابن حجاج بن علاط البهزي السلمي، فأبصره وهو حسن، فقال له: فتنت نساء المدينة يا ابن الحجاج، لا تجاورني في بلدة أنا بها مقيم، ثم سيره الى البصرة، فأقام بها أياما، ثم ذكر شعر نصر بن حجاج فيه وانه أرسله الى عمر وقد دسه في كتب أهل البصرة وهو: لعمري لئن سيرتني وحرمتني لما نلت من عرضي عليك حرام أئن غنت الذلفاء يوما بمنية وبعض أماني النساء غرام ظننت بي الظن الذي ليس بعده بقاء فمالي في الندي كلام وأصبحت منفيا على غير ريبة وقد كان لي بالمكتين مقام سيمنعني مما تظن تكرمي وآباء صدق سالفون كرام ويمنعها مما تمنت صلاتها وحال لها في دينها وصيام فهاتان حالانا فهل أنت راجع فقد جب مني كاهل وسنام


1 - الدر المنثور 6: 185. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 344. 3 - المخارف: جمع مخرف: وهو البستان. انظر الصحاح 4: 1348 " خرف ".

[354]

ثم ذكر عن المبرد بن يزيد ابياتا أخر لنصر يذكر فيه حلق شعره من غير شئ منها: فصلع رأسا لم يصلعه ربه يرف رفيفا بعد أسود جاثل (1) ثم ذكر هذه القصة عن محمد بن سعيد، وفيه: انه أمر بشعره فجز، فخرجت له وجنتان كأنهما قمر، وفيها ذكر للمرأة وأبيات تعتذر فيها إلى عمر، وانه اتى على أم نصر حين اشتد عليها غيبة ابنها وعظم حزنها عليه فتعرضت لعمر وقالت: يا أمير المؤمنين لا جاثيك غدا بين يدي الله عز وجل، ولاخاصمنك إليه، يبيت عبد الله وعاصم الى جانبيك وبيني وبين ابني الفيافي والقفار والمفاوز والجبال ! (2). انتهى. ثم روى ان ابن موسى نفاه من البصرة الى فارس، وعليها عثمان بن أبي العاص الثقفي، فأراد عثمان نفيه عن فارس فقال نصر: والله لئن أخرجتموني لالحقن ببلاد الشرك، فكتب عثمان بذلك الى عمر، فكتب عمر: أن جزوا شعره وشمروا قميصه والزموه المساجد. ثم قال ابن ابي الحديد: وروى عبد الله بن بريدة: ان عمر خرج ليلة يعس، فإذا نسوة يتحدثن، وإذا هن يقلن: أي فتيان المدينة أصبح ؟ فقالت امرأة منهن: أبو ذؤيب والله، فلما أصبح عمر سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، وإذا هو ابن عم نصر بن حجاج فأرسل إليه فحضر، فإذا هو أجمل الناس وأملحهم، فلما نظر إليه قال: أنت والله ذئبها، يكررها ويكررها ويرددها، لا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أبدا. فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت لابد مسيري فسيري حيث سيرت ابن عمي نصر بن حجاج، فأمر بتسييره الى البصرة، فأشخص إليها (3). انتهى.


1 - الجثل: الكثير من الشعر. الصحاح 4: 1651 " جثل ". 2 - شرح نهج البلاغة 3: 99. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 100.

[355]

وذكر الشهرستاني في الملل والنحل: ان النظام طعن على عمر بتغريبه نصر بن حجاج (1). أقول: وهذا من طريف التدبير والحكم وظريفها أن يؤاخذ من لا ذنب له، ويغربه عن أهله ووطنه، ويعذبه بعذاب المحارب لله ولرسوله، وينفيه من بلد الى آخر، ويمثل به لاجل تمني امرأة له. وأي فائدة في أن ينفى من مهبط الوحي، ومجتمع المهاجرين والانصار، وذوي الدين والاحلام، ومن بين جماعة عمر بن الخطاب حاضرهم وسائسهم والرقيب عليهم، يخشون جانبه وسطوته، ويخافون أخذه وعقابه الى بعيد البلاد وأقاصيها مثل البصرة وفارس. ليت شعري هل اعتقد فتنة نصر لنساء البصرة مباح ومصلحة، أو نساء البصرة ذوات دين وعصمة دون نساء المدينة، تأمل وتدبر * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (2). قال في النهاية: ومنه حديث عمر نهى عن متعة الحج وقال: قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله فعله، ولكني كرهت أن يظلوا بها معرسين، أي: ملمين بنسائهم (3). انتهى. وقال في روضة الاحباب: ان النبي صلى الله عليه وآله قال لسراقه: " هذا للابد " وشبك على أصابعه وقال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " (4). قال ابن الاثير في جامع الاصول في الفصل الاول من الباب الرابع عشر من كتاب الحج: وفي رواية مجاهد بن جبير قال: دخلت أنا وعروة للمسجد فإذا ابن عمر جالس الى جنب حجرة عائشة، وإذا أناس يصلون في المسجد


1 - الملل والنحل: 33. 2 - الحشر 2. 3 - النهاية 3: 206 " عرس ". 4 - روضة الاحباب: 118.

[356]

صلاة الضحى قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة (1). انتهى. قال في الكامل: وفيها - يعني سنة أربعة عشر - أمر عمر بالقيام في شهر رمضان في المساجد بالمدينة، وجمعهم الى أبي بن كعب، وكتب الى الامصار بذلك (2). انتهى. وهذا صريح في حدوثها. وذكر الشهرستاني في كتاب الملل والنحل عن النظام انه طعن على عمر ابداعه التراويح، ونهيه عن متعة الحج، ومصادرته المال (3). قال ابن الاثير في النهاية: في حديث عمر في قيام رمضان: نعمة البدعة هذه (4). انتهى. وذكر في روضة الاحباب: ان النبي صلى الله عليه وآله أمر أبا عبيدة على ثلاثمائة وفيهم عمر بن الخطاب، بعثهم إلى جهينة، بعد ذكره تأمير عمرو بن العاص على أبي بكر وعمر وأبي عبيدة في غزوة ذات السلاسل (5). قال في الكامل قال عبد بن عامر: رأيت عمر أخذ بطينة من الارض فقال: ياليتني كنت هذه الطينة، ياليتني لم أك شيئا، ياليت أمي لم تلدني، ياليت كنت نسيا منسيا (6). وأما ما يصول به قوم من فتوحهم، وما ترتب على سلطانهم من ذلك فبعد الاغماض عن أنه لولا ظلمهم وسوء أفعالهم لامتلات الارض من الاسلام، وما يمنع من دخول الناس في دين الله أفواجا إلا ما يرونه من المنكر الظاهر، فيستحوذ عليهم الشيطان ويصرفهم عن النظر والبحث عن


1 - جامع الاصول 3: 450. 2 - الكامل في التأريخ 2: 489. 3 - الملل والنحل: 34. 4 - النهاية 1: 106 " بدع ". 5 - روضة الاحباب: 121. 6 - الكامل في التأريخ 3: 56.

[357]

الحق - ففيه: انه قد روى البخاري في صحيحه في غزوة أحد في قصة فرمان: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر " (1). وفي كثير من رواياتهم: " إن الله لينصر هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ". روى السيوطي في تفسير سورة البقرة عن أبي موسى الاشعري: انه نزلت سورة ثم رفعت وفيها: إن الله سيؤيدك بأقوام لا خلاق لهم. وفي رواية أخرى: " سيؤيد الله هذا الدين برجال مالهم في الاخرة من خلاق " (2). انتهى.


1 - صحيح البخاري 5: 123. 2 - الدر المنثور 1: 636. والخلاق، بالفتح: الحظ بالفتح: الحظ والنصيب. النهاية 2: 70 " خلق ".

[358]

الفصل الثالث في ذكر عثمان بن عفان الاموي قال محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في كتاب الملل والنحل - عند ذكره الخلاف التاسع في الاسلام، وانه في الشورى - في معنى عثمان: وأخذوا عليه أحداثا كلها محالة على بني أمية. منها: رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يسمى طريد رسول الله صلى الله عليه وآله، بعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك، ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا. ومنها: نفيه أبا ذر إلى الربذة، وتزويجه مروان بن الحكم ابنته، وتسليم خمس غنائم أفريقيا إليه وقد بلغت مائي ألف دينار. ومنها: ايواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد أن أهدر النبي صلى الله عليه وآله دمه، وتوليته إياه مصر بأعماله، وتولية عبد الله بن عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث، إلى غير ذلك مما نقموا عليه. وكان امراء جنوده: معاوية بن أبي سفيان عامل الشام، وسعد بن العاص عامل البصرة، وبعده عبد الله بن عامر، والوليد بن عقبة عامل الكوفة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر، وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى قدره عليه، وقتل مظلوما في داره وثارت الفتنة (1). انتهى. قال في النهاية: وفي حديث عائشة: عتبوا على عثمان موضع الغمامة المحماة، الغمامة: السحابة وجمعها الغمائم، وأرادت به: العشب والكلا


1 - الملل والنحل: 32.

[359]

الذي حماه (1). ثم قال: وجعلته عائشة موضعا للغمامة، لانها تسقيه بالمطر، والناس شركاء في ما سقته السماء من الكلا إذا لم يكن مملوكا، فلذلك عتبوا عليه (2) انتهى. قال ابن الاثير في الاستيعاب عند ذكره عبد الرحمن بن حنبل: وهو القائل في عثمان بن عفان: أحلف بالله جهد اليمين ما ترك الله شيئا (3) سدى ولكن جعلت لنا فتنة لكي نبتلي بها أو تبتلى دعوت الطريد فأدنيته خلافا لما سنه المصطفى ووليت قرباك أمر العباد خلافا لسنة من قد مضى وأعطيت مروان خمس الغنيمة آثرته وحميت الحمى ومالا أتاك به الاشعري من الفئ أعطيته من دنا (4) قال البخاري في صحيحه في باب لا حمى إلا لله ولرسول صلى الله عليه وآله: حدثنا يحيى بن بكر، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس: ان الصعب بن جثامة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " لا حمى إلا لله ولرسوله " صلى الله عليه وآله، وقال: قد بلغنا أن النبي صلى الله عليه وآله حمى النقيع، وان عمر حمى السرف والربذة (5). انتهى. وقال عبد الرحمن: دعوت الطريد، يعني: الحكم بن أبي العاص بن أمية، ولا يجوز أن يكون عثمان حمى للمسلمين ويعاب ويهجا ويؤاخذ.


1 - النهاية 3: 389 " غمم " وردت العبارة مصطربة، وما أثبتناه من المصدر. 2 - الملل والنحل: 32. 3 - في المصدر: أمرا. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 414. 5 - صحيح البخاري 3: 148.

[360]

قال ابن أبي الحديد في الشرح: وافتتحت أرمينية (1) في أيامه، فأخذ الخمس كله فوهبه لمروان، فقال عبد الرحمان بن حنبل الجمحي: أحلف بالله رب الانام ما ترك الله شيئا سدى ولكن جعلت (2) لنا فتنة لكي نبتلي بها أو تبتلى فإن الامينين قد بينا منار الطريق عليه الهدى فما أخذا درهما غيلة ولا جعلا درهما في هوى وأعطيت مروان خمس الغنيمة آثرته وحميت الحمى الامينان: أبو بكر، وعمر. وطلب إليه عبد الله بن خالد بن اسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم. وأعاد الحكم بن أبي العاص بعد أن كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد سيره، ثم لم يرد أبو بكر ولا عمر، وأعطاه مائة ألف درهم. وتصدق رسول الله صلى الله عليه وآله بموضع سوق بالمدينة بمهزور على المسلمين، فأقطعها عثمان الحرث بن الحكم أخا مروان بن الحكم. وأقطع مروان فدك، وقد كانت فاطمة طلبتها بعد وفاة أبيها تارة بالميراث، وتارة بالنحلة، فدفعت عنها. وحمى المراعي حول المدينة كلها من مواشي المسلمين إلا عن بني أمية. وأعطى عبد الله بن أبي سرح جميل ما أفاء الله عليه من فتح إفريقية بالمغرب - وهي من طرابلس المغرب الى طنجة - من غير أن يشرك فيه أحدا من المسلمين. وأعطى لابي سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي


1 - في المصدر: افريقية. 2 - في المصدر: خلقت.

[361]

أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف من بيت المال، وقد كان زوجه ابنته أم أبان، فجاء زيد بن أرقم صاحب البيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وبكى، فقال عثمان: أتبكي إن وصلت رحمي. قال: لا، ولكن أبكي لاني أخلتك أنك أخذت هذا المال عوضا عما انفقته في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لو أعطيت مروان مائتي درهما لكان كثيرا. فقال: ألق المفاتيح يا ابن ارقم، فإنا سنجد غيرك. وأتاه أبو موسى بن الحكم بأموال من العراق جليلة، فقسمها كلها في بني أمية. وأنكح الحرث بن الحكم ابنته عائشة، فأعطاه مائة ألف من بيت المال أيضا، بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنه. وانضم الى هذه الامور أمورا أخرى نقمها عليه المسلمون: كتسيير أبي ذر إلى الربذة، وضرب عبد الله بن مسعود حتى كسر أضلاعه، وما أظهر من الحجاب، والعدول عن طريقة عمر في اقامة الحدود، ورد المظالم، وكف الايدي العادية، والانتصاب لسياسة الرعية، وختم ذلك ما وجدوه من كتابه إلى معاوية يأمر فيه بقتل قوم من المسلمين، فاجتمع عليه كثير من أهل المدينة مع القوم الذين وصلوا من مصر لتعديد احداثه عليه فقتلوه. وقد أجاب أصحابنا عن المطاعن في عثمان بأجوبة مشهورة مذكورة في كتبهم. والذي نقوله نحن: إنها كانت أحداثنا، إلا أنها لا تبلغ الذي يستباح به دمه، وقد كان الواجب عليهم أن يخلعوه من الخلافة حيث لم يستصلحوه لها ولا يعجلوا بقتله (1). انتهى. قال في الاستيعاب: عبد الله بن سعد، أسلم قبل الفتح ثم ارتد مشركا


1 - شرح نهج البلاغة 1: 66.

[362]

وصار إلى قريش بمكة، فلما كان يوم الفتح أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة، ففر إلى عثمان وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله فاستأمنه له فصمت صلى الله عليه وآله، فلما أنصرف عثمان قال لمن حوله: " ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه "، فقال رجل من الانصار: فهلا أومأت الي ؟ فقال صلى الله عليه وآله: " إن النبي لا يكون له خائنة الاعين " انتهى مختصرا (1). ورواه السيوطي في تفسير خائنة الاعين (2). وسائر أهل السير. قال ابن الاثير في تفسير كتاب الكامل: وحمل خمس افريقية الى المدينة، فاشتراه مروان بن الحكم بخمسائة ألف دينار، فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما أخذ به. وهذا أحسن ما قيل في خمس إفريقيا، فإن بعض الناس يقول: أعطى عثمان خمس إفريقيا عبد الله بن سعد. وبعضهم يقول: أعطاه مروان بن الحكم. وظهر بهذا أنه أعطى عبد الله خمس الغزوة الاولى. وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع افريقية، والله العالم. انتهى. وقال: قال في الغزوة الاولى: وقال له عثمان - أي: لعبد الله بن سعد بن أبي سرح -: وإن فتح الله عليك فلك من الفئ خمس الخمس (3). قال في الاستيعاب: وللحلف والولاء اللذين بين بني مخزوم وبين عمار وأبيه ياسر، كان اجتماع بني مخزوم إلى عثمان، حين نال من عمار غلمان عثمان ما نالوا من الضرب، حتى انفتق له فتق في بطنه، زعموا: وكسروا ضلعا من اضلاعه (4). انتهى.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 375. 2 - الدر المنثور 7: 282. 3 - الكامل في التأريخ 3: 168. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 477.

[363]

قال في الكامل عند مسير الحسن صلوات الله عليه وعمار إلى الكوفة ليستنفروا الناس الى حرب الجمل: فأقبلا حتى دخلا المسجد، وكان أول من أتاها مسروق بن الاجدع، فسلم عليهما وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقضان على م قتلتم عثمان ؟ قال: على شتم أعراضنا، وضرب أبشارنا (1). قال: فو الله ما عقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين (2). انتهى. وذكر ابن قتيبة في تأريخه: إن أبا هريرة وأبا الدرداء قدما إلى علي عليه السلام رسولين من معاوية في طلب قتلة عثمان، قال: قال علي عليه السلام: " أتعرفانهم " ؟ قالا: نعم، قال: " فخذ اهم "، فأتيا محمدب بن أبي بكر وعمار بن ياسر والاشتر، وقالا: أنتم ممن قتل عثمان وقد أمرنا أن نأخذكم، فخرج إليهما أكثر من عشرة الاف رجل فقالوا: نحن قتلناه (3). انتهى. وذكر ابن قتيبة أيضا: إن سعد بن أبي وقاص كتب الى عمرو بن العاص: إنك سألتني من قتل عثمان ؟ واني أخبرك: إنه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه علي بن ابي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا رفعنا عنه (4). انتهى. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الاموي، عم عثمان بن عفان، وأبو مروان بن الحكم، كان من مسلمة الفتح، وأخرجه رسول الله صلى الله عليه


1 - الابشار، جمع البشرة: وهي ظاهر جلد الانسان. الصحاح 2: 590، النهاية 1: 129 " بشر ". 2 - الكامل في التأريخ 3: 228. 3 - الامامة والسياسة 1: 108. 4 - الامامة والسياسة 1: 110.

[364]

وآله من المدينة وطرده عنها، فنزل الطائف، وخرج معه ابنه مروان - وقيل: ان ابنه مروان - ولد بالطائف، فلم يزل الحكم بالطائف الى أن ولي عثمان، فرده عثمان إلى المدينة وبقي فيها، وتوفي في آخر خلافة عثمان قبل القيام على عثمان بأشهر فيما أحسب. واختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله صلى الله عليه وآله إياه، فقيل: كان يتحيل ويختفي ويتسمع ما يسره رسول الله صلى الله عليه وآله إلى كبار أصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين، وكان يفشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عليه. وكان يحكيه في مشيه وبعض حركاته، إلى أمور غيرها كرهت ذكرها. ذكروا ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا مشى يتكفأ، وكان الحكم بن أبي العاص يحكيه، فالتفت النبي صلى الله عليه وآله فرآه يفعل ذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " فكذلك فلتكن "، فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ، فعيره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فقال في عبد الرحمن بن الحكم يهجوه: إن اللعين أبوك فارم عظامه إن ترم مخلجا مجنونا يمسي خميص البطن من عمل التقى ويظل من عمل الخبيث بطينا فأما قول عبد الرحمن بن حسان: إن اللعين أبوك، فروي عن عائشة من طرق ذكرها ابن أبي خثيمة وغيره أنها قالت لمروان - إذ قال في أخيها ما قال -: أما أنت يا مروان فاشهد أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أباك وأنت في صلبه. وحدثنا عبد الرحمن، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا موسى ابن اسماعيل، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن الحكم، قال: حدثنا شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبد الله ابن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يدخل عليكم

[365]

رجل لعين "، قال عبد الله: وكنت تركت عمر يلبس ثيابه ليقبل الى رسول الله صلى الله عليه وآله، فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل، فدخل الحكم بن أبي العاص (1). انتهى كلامه. قال في النهاية: ومنه حديث عائشة قالت لمروان: إن النبي صلى الله عليه وآله لعن أباك وأنت فضض من لعنة الله، أي: قطعة وطائفة منها. ورواه بعضهم فظاظة، بظائين من الفظيظ: وهو ماء الكرش، أو فعالة من الفظيظ: وهو ماء الفحل، أي: نطفة من اللعنة (2). انتهى. قال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله بمنى ركعتين وأبي بكر وعمر ومع عثمان صدرا من أمارته، ثم أتمها. حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، أنبأنا أبو اسحاق، قال: سمعت حارثة بن وهب قال: صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله آمن ما كان بمنى ركعتين. حدثنا قتيبة بن سعد، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الاعمش، قال: حدثنا ابراهيم، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان ابن عفان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود، فاسترجع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (3). انتهى.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 317. النهاية 3: 454 " فضض ". 3 - صحيح البخاري 2: 53.

[366]

قال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث ابن مسعود: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمنى ركعتين، ومع أبي بكر وعمر، ثم تفرقت بكم الطرق، أي: ذهب كل منكم إلى مذهب ومال الى قول وتركتم السنة (1). انتهى. قال ابن الاثير في الكامل: حج بالناس في هذه السنة عثمان وضرب فسطاطا بمنى، وكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة بها وبعرفة، فكان أول ما تكلم الناس به في عثمان ظاهرا حين أتم الصلاة بمنى، فعاب ذلك غير واحد من الصحابة، وقال له علي: " ما حدث أمر ولا قدم عهد، ولقد عهدت النبي صلى الله عليه وآله وأبا بكر وعمر يصلون ركعتين وأنت صدرا من خلافتك "، فما درى ما يرجع إليه وقال: رأي رأيته. انتهى. ثم ذكر انكار عبد الرحمن بن عوف ذلك عليه، واعتذاره بأن جفاة الناس وبعض أهل اليمن قالوا: إن الصلاة للمقيم ركعتان، واحتجوا بصلاتي وقد اتخذت بمكة أهلا ولي بالطائف مال. ورد عبد الرحمن اعتذاره بأن أهلك بالمدينة، وإنما تسكن بسكناك. وأما مالك بالطائف، فبينك وبينه مسيرة ثلاث ليال، وأما قولك عن حاج اليمن وغيرهم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينزل عليه الوحي والاسلام قليل، ثم أبو بكر وعمر فصلوا ركعتين واليوم قد ضرب الاسلام بحرانة. فقال عثمان: هذا رأي رأيته (2). انتهى. قال ابن الاثير في كتابه جامع الاصول في الفرع الاول من الفصل الثاني من الباب الثاني من كتاب الحدود: مالك قال: بلغني أن عثمان أتي بامرأة ولدت في ستة أشهر فأمر برجمها، فقال له علي: " ما عليها رجم، لان


1 - النهاية 3: 439 " فرق ". 2 - الكامل في التأريخ 3: 103.

[367]

الله تعالى قال: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (1) وقال: * (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) * (2)، فالحمل يكون ستة أشهر، فلا رجم عليها " فأمر عثمان بردها، فوجدت قد رجمت. أخرجه الموطأ (3). انتهى. قال الثعلبي قبيل سورة الدخان: وأخبرني عقيل اجازة، أخبرنا أبو الفرج، أخبرنا ابن جرير، حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثنا ابن أبي ذيب، عن ابن قشط، عن بعجة بن بدر الجهني: إن امرأة منهم دخلت على زوجها وهو رجل منهم، فولدت في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان فأمر برجمها، فدخل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: " إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (4) وقال: * (وفصاله في عامين) * (5) قال: فو الله ما عبد (6) عثمان أن بعث إليها ترد، قال ابن وهب: استنكف وأنف (7). انتهى. قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبدان: قال: حدثنا أبو حمزة، عن عثمان بن وهب، قال: جاء رجل (من أهل مصر) (8) حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم ؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ فيهم ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شئ فحدثني. قال: أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان فر يوم أحد ؟ قال: نعم.


1 - الاحقاف: 15. 2 - البقرة: 233. 3 - جامع الاصول 3: 539، الموطأ 2: 825. 4 - الاحقاف: 15. 5 - لقمان: 14. 6 - عبد: أي أنف. الصحاح 2: 503 " عبد ". 7 - الكشف والتبيان: 337. 8 - أضفناها من المصدر.

[368]

قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها ؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها ؟ قال: نعم، فكبر. فقال ابن عمر: تعال لاخبرك ولابين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه (1)، الحديث. فاعتذر له بما هو المشهور من الاقتراح، مما لو صح لما أغنى شيئا. قال ابن حجر في كتابه الصواعق المحرقة بعد ذكره شيئا من أحداث عثمان: وما فعله بالاشتر معذور فيه، فإنه رأس فتنة في زمان عثمان، بل هو السبب في قتله، بل جاء انه الذي باشر في قتله بيده، فأعمى الله بصائرهم كيف لم يذموا مثل هذا المارق وذموا من شهد له الصادق بأنه الامام (2). انتهى. قال في الاستيعاب عند ذكره أبا ذر رضي الله عنه: وصلى عليه عبد الله ابن مسعود، صادفه وهو مقبل من الكوفة مع نفر فضلاء من أصحابه منهم: حجر بن الادبر، ومالك بن الحارث الاشتر، وفتى من الانصار (3). انتهى. ثم ذكر ابن عبد البر بعد هذا الكلام كلاما في كيفية موت أبي ذر رضي الله عنه، وأنه قال لامرأته: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لنفر أنا فيهم: " ليموتن رجل منكم بفلاة من الارض، يشهده عصابة من المؤمنين "، وليس في اولئك النفر إلا وقد مات في قرية أو جماعة، وأنا ذلك الرجل، والله ما كذبت ولا كذبت، فأبصري الطريق. ثم ساق الخبر إلى أن قال: فقال لهم: أبشروا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لنفر أنا فيهم: " يموتن رجل منكم بفلاة من الارض يشهده عصابة من المؤمنين "، وليس من أولئك النفر إلا وقد هلك في قرية أو


1 - صحيح البخاري 5: 18. وفيه بعض الاختلافات عما في الكتاب. 2 - الصواعق المحرقة: 115. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 214.

[369]

جماعة، والله ما كذبت ولا كذبت (1). انتهى. وفيه أيضا: إن جماعة غسلوا أبا ذر، وفيهم مالك بن الحارث الاشتر، كلهم يمان، وأخبرهم عن النبي صلى الله عليه وآله: انه يشهده عصابة من المؤمنين (2). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الخامس عشر من شرح نهج البلاغة: وقد روى المحدثون حديثا يدل على فضيلة عظيمة للاشتر، وهي شهادة قاطعة من النبي صلى الله عليه وآله بأنه مؤمن. ثم ذكر الخبر الذي في الاستيعاب بطوله بألفاظه. ثم قال: قلت حجر بن الادبر: فهو أشهر في الشيعة من أبي الهذيل في المعتزلة. وقرئ كتاب الاستيعاب على شيخنا عبد الوهاب بن سكينة المحدث وأنا حاضر، فلما انتهى القارئ إلى هذا الخبر قال أستاذي عمر بن عبد الله الدباس - وكنت أحضر معه سماع الحديث -: لتقل الشيعة بعد هذا ما شاءت، فما قال المرتضى والمفيد إلا بعض ما كان حجر والاشتر يعتقدانه في عثمان ومن تقدمه، فأشار الشيخ إليه بالسكوت (3). انتهى. وذكر في الكامل حضور مالك الاشتر هذا الموضع وشهادته أبا ذر رضي الله عنهما مع القوم، ووصف أبي ذر لهم بأنهم قوم صالحون، وهذا مما لا يدرك بالرأي كما تقرر في محله (4). قال ابن أبي الحديد في أوائل الجزء التاسع من الشرح: وروى الزبير ابن بكار أيضا في الكتاب المذكور - يعني الموفقيات - عن ابن عباس، ثم


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 215. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 216. 3 - شرح نهج البلاغة 3: 424. 4 - الكامل في التأريخ 3: 127.

[370]

ذكر دخول عثمان على أبيه، وانه حمد الله وأثنى عليه ثم قال ما هذا لفظه: أما بعد يا خال فإني جئتك استعذرك من ابن أخيك علي، سئمني وشهر أمري، وقطع رحمي، وطعن في ديني (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد في أوائل هذا الخبر أيضا: وروى الزبير بن بكار عن الزهري قال: لما أتي عمر بجوهر كسرى وضعه في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويحك ارحني من هذا وأقسمه بين المسلمين، فإن نفسي تحدثني انه سيكون في هذا بلاء وفتنة بين الناس. فقال: يا أمير المؤمنين إن قسمته بين المسلمين لم يسعهم، وليس أحد يشتريه، لان ثمنه عظيم، ولكن تدعه إلى قابل فعسى الله ان يفتح على المسلمين بمال فيشتريه به منهم من يشتريه. قال: ارفعه فأدخله بيت المال. وقتل عمر وهو بحاله، فأخذه عثمان لما ولي الخلافة فحلى به بناته. قال الزهري: كل قد أحسن: عمر حين حرم نفسه وأقاربه، وعثمان حين وصل أقاربه (2). انتهى. قال في الاستيعاب في ذكر الوليد بن عقبة: وهو القائل: ألا ما لليلي لا تغور كواكبه إذا لاح نجم غار نجم يراقبه بني هاشم لا تعجلونا فإنه سواء علينا قاتلوه وسالبه فإنا وإياكم وما كان بيننا كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه بني هاشم كيف التعاقد بننا وعند علي سيفه وحرائبه


1 - شرح نهج البلاغة 2: 377. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 378.

[371]

لعمرك لا أنسى ابن أروى وقتله وهل ينسين الماء ما عاش شاربه هم قتلوه كي يكونوا مكانه كما فعلت يوما بكسرى مرازبه فأجابه الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب: فلا تسألونا بالسلاح فإنه أضيع ألقاه الروع صاحبه وشبهته كسرى وما كان مثله شبيها بكسرى هديه وضرائبه واني لمجتاب إليكم بجحفل يصم السميع حرسه وجلائبه (1) وقال ابن أي الحديد في الجزء العاشر من الشرح: وروى المدائني في كتاب مقتل عثمان: إن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام، وأن عليا ليم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام. وان حكيم بن حزام أحد بني أسد بن عبد العزى وجبير بن مطعم بن حارث بن نوفل استنجدا بعلي على دفنه، فأقعد لهم طلحة في الطريق ناسا بالحجارة، فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب، كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما صار هناك رجم سريره، وهموا بطرحه، فأرسل علي إلى الناس يعزم عليهم ليكفوا عنه، فكفوا، فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب (2). وروي الطبراني نحو ذلك إلا أنه لم يذكر طلحة بعينه، وزاد فيه: إن معاوية لما ظهر على الناس أمر بذلك الحائط فهدم حتى أفضى به إلى البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل بمقابر المسلمين (3). انتهى. قال في النهاية: ومنه حديث عثمان أنه دفن بحش كوكب، وهو بستان


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 636. وقد وردت الابيات الشعرية مضطربة وفيها تقديم وتأخير، رتبناها من المصدر. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 468. 3 - تأريخ الطبري: 4: 412.

[372]

بظاهر المدينة خارج البقيع (1). قال ابن عبد البر في الاستيعاب: أخبرنا محمد بن ابراهيم، قال: حدثنا أحمد بن مطرف، حدثنا الاعناقي، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا عبد الملك بن الماجشون، عن مالك قال: لما قتل عثمان ألقي على المزبلة ثلاثة أيام، فلما كان من الليل أتاه إثنا عشر رجلا فيهم: حويطب بن عبد العزى، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم، فلما ساروا إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بني مازن: والله لئن دفنتموه ها هنا لنخبرن الناس غدا، فاحتملوه وكان على باب وأن رأسه ليقول طق طق، حتى صاروا به الى حش كوكب فاحتفروا له، وكانت عائشة بن عثمان معها مصباح في جرة، فلما أخرجوه ليدفنوه صاحت، فقال ابن الزبير: والله لئن لم تسكني لاضربن الذي فيه عيناك، قال: فسكتت، فدفن (2). انتهى. أقول: أين كان عن الصلاة عليه المهاجرون والانصار، وقد كان منهم يومئذ بالمدينة ما يربى على الالف. قال في النهاية ابن الاثير: ومنه حديث عائشة: اقتلوا نعثلا، قتل الله نعثلا، تعني عثمان (3). انتهى. وقد صح أن طلحة ممن شرك في دم عثمان، وهو المشهور له بالجنة عندهم، وكذلك حرض الزبير وحض وهوى، رضي الله عنه كان أس الامر وقوامه وعماده. قال ابن أبي الحديد في أوائل الجزء التاسع: وإن عثمان قال: ويلي على ابن الحضرمية - يعني طلحة - أعطيته كذا وكذا بهارا ذهبا، وهو يروم دمي


1 - النهاية 4: 210 " كوكب. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 79. 3 - النهاية 5: 80 " نعثل ".

[373]

ويحرض على نفسي، اللهم لا تمتعه به وألحقه عواقب بغيه. وروى الناس الذين صنفوا في واقعة الدار: ان طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعا بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام. ورووا أيضا: انه لما امتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار، حملهم طلحة الى دار لبعض الانصار فأصعدهم الى سطحها، وتسوروا منها على عثمان داره فقتلوه (1). انتهى. قال في النهاية: وفي حديث ابن العاص: ان ابن الصعبة ترك مائة بهار، في كل بهار ثلاثة قناطير ذهب وفضة. البهار عندهم: ثلاثمائة رطل، قال أبو عبيد: وأحسبها غير عربية. وقال الازهري: هو ما يحمل على البعير بلغة أهل الشام، وهو عربي صحيح. وأراد بابن الصعبة: طلحة بن عبيد الله كان يقال لامه صعبة (2). انتهى. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: ولا تختلف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة يوم الجمل: ندمت ندامة الكسعي لما شريت رضى بني جرم برغمي اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى (3). قال ابن الاثير في النهاية: وفي حديث طلحة وأمر عثمان قال: ندمت ندامة الكسعي، اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى. الكسعي: اسمه محارب ابن قيس من بني كسيعة أو بني الكسع، بطن من حمير، يضرب به المثل في الندامة وذلك أنه أصاب نبعة فاتخذ منها قوسا - وكان راميا مجيدا لا يكاد


1 - شرح نهج البلاغة 2: 384. 2 - النهاية 1: 166 " بهر ". 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 221.

[374]

يخطئ - فرمى عنها عيرا ليلا فنفذ السهم منه ووقع في حجر فأورى نارا، فظنه لم يصب، فكسر القوس: وقيل: قطع اصبعه ظنا منه انه قد أخطأ. فلما أصبح رأى العير مجدلا فندم، فضرب به المثل (1). انتهى. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وروى معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتاد، عن الجارود بن أبي سبرة قال: نظر مروان بن الحكم الى طلحة بن عبيد الله يوم الجمل فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، فرماه بسهم فقتله. ثم قال: وروى جويرة، عن يحيى بن سعيد، عن عمه قال: رمى مروان طلحة بسهم، ثم التفت إلى أبان بن عثمان، فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك (2). انتهى. ثم روى ما يتضمن أن مروان قتل طلحة وقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، بطريق آخرين عن قيس بن أبي حازم. ثم روى خطبة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه حين نهوضه إلى حرب الجمل في معنى طلحة والزبير وعائشة قال: ومن حديث صالح بن كيسان، وعبد الملك بن نوفل بن مساحق، والشعبي، وابن أبي ليلى بمعنى واحد: إن عليا عليه السلام قال، ثم ساق الخطبة إلى قوله صلوات الله عليه: " ليطلبون حقا تركوه، ودما سفكوه، ولقد ولوه دوني، وإن كنت شريكهم في الانكار لما أنكروه، وما تبعة عثمان إلا عندهم، وانهم لهم الفئة الباغية " (3). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من الشرح: ورووا أيضا - يعني الذين صنفوا في واقعة الدار - ان الزبير كان يقول: اقتلوه فقد بدل دينكم، فقالوا: ان ابنك يحامي عنه الباب، فقال: ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدئ بابني، إن


1 - النهاية 4: 173 " كسع ". 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 222. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 223.

[375]

عثمان لجيفة على الصراط غدا (1). انتهى. وقال في هذا الجزء من الشرح: وروى الزبير عن أبي عنان، عن عمر بن زياد، عن الاسود بن قيس، عن عبيد بن حارثة قال: سمعت عثمان وهو يخطب، فأكب الناس حوله فقال: اجلسوا يا أعداء الله، فصاح به طلحة: إنهم ليسوا بأعداء الله لكنهم عباده وقد قرأوا الكتاب (2). انتهى. وقال في أوائل هذا الجزء: روى أبو أسعد الابي في كتابه عن ابن عباس قال: وقع بين عثمان وعلي كلام فقال عثمان: ما أصنع إن كانت قريش لا نحبكم، وقد قتلتم يوم بدر كأن وجوههم شنوف (3) الذهب، تصرع أنفهم قبل شفاههم (4). انتهى. وهذا يدل على خبث باطني واضطغان على أهل البيت والمسلمين لاجل قتلى بدر، دلالة واضحة قوية، من وصف وجوههم وشرفهم ومدحهم، وغير ذلك لا يخفى على العارف بأساليب الكلام وألحانها. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من الشرح عند قصة الشورى: قال الشعبي، ثم ذكر رواية الشعبي إلى قوله راويا عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " أما أنت يا عثمان ففررت يوم حنين، وتوليت يوم التقى الجمعان. وأما أنت يا طلحة فقلت: إن مات محمد لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا " (5). انتهى. ثم قال ابن أبي الحديد في هذا الجزء: قد جاء في الاخبار الشائعة المستفيضة في كتب المحدثين: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر أن


1 - شرح نهج البلاغة 2: 384. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 382. 3 - الشنوف جمع شنف: وهو من حلي الاذن. مجمع البحرين 5: 76 " شنف ". 4 - شرح نهج البلاغة 2: 380. 5 - شرح نهج البلاغة 2: 382.

[376]

بني أمية تملك الخلافة بعده مع ذم منه عليه السلام لهم: نحو ما روي عنه من تفسير قوله تعالى: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) * (1)، فإن المفسرين قالوا: إنه رأى " بني أمية ينزون على منبره نزو القردة "، هذا لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله الذي فسر لهم الاية به فساءه ذلك، ثم قال: " الشجرة الملعونة بنو أمية وبنو المغيرة ". ونحو قوله صلى الله عليه وآله: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا ". ونحو قوله صلى الله عليه وآله في تفسير قوله تعالى: * (ليلة القدر خير من ألف شهر) * (2): " يملك فيها بنو أمية ". وورد عنه صلى الله عليه وآله في ذمهم الكثكير المشهور، نحو قوله صلى الله عليه وآله: " أبغض الاسماء الى الله الحكم، وهشام، والوليد ". وفي خبر آخر: " اسمان يبغضهما الله: مروان، والمغيرة ". ونحو قوله صلى الله عليه وآله: " ان ربكم يحب ويبغض كما يحب أحدكم ويبغض، وانه يبغض بني أمية، ويحب بني عبد المطلب " (3). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث أبي هريرة: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان عباد الله خولا "، أي: خادما وعبيدا، يعني انهم يستخدمونهم ويستعبدونهم (4). انتهى. وقال في باب الدال مع الخاء: ومنه حديث أبي هريرة: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان دين الله دخلا، وعباد الله خولا "، وحقيقة أن يدخلوا في


1 - الاسراء: 60. 2 - القدر: 3. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 387. 4 - النهاية 2: 88 " خول ". (*)

[377]

الدين أمورا لم تجر بها السنة (1). وقال في باب النون مع الحاء: وحديث أبي هريرة: " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان مال الله نحلا " أراد: ويصير الفئ عطاء من غير استحقاق على الايثار والتخصيص (2). انتهى. قال ابن الاثير في كتابه جامع الاصول في كتاب الفاء في فصل ما ورد ذكره من الازمنة: يوسف بن سعد قال: قام رجل الى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، أو: يا مسود وجوه المؤمنين. فقال: " لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي صلى الله عليه وآله أري بنو امية على منبره فساءه ذلك فنزلت: * (إنا انزلناه في ليلة القدر. وما أدريك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) * (3) تملكها بعدك يا محمد بنو أمية ". قال القاسم بن المنذر بن الفضل: فعددنا، فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص (4). انتهى. وقال أيضا قبيل هذا الخبر عند ذكره القبائل المتفرقة بنو حنيفة وبنو أمية: عمران بن حصين قال: مات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يكره ثلاثة أحياء: ثقيفا، وبني حنيفة، وبني أمية (5). انتهى. وروى السيوطي في تفسيره ما رواه عن ابن الاثير عن يوسف بن سعد بألفاظه، وذكر أنه أخرجه الترمذي، وابن جرير والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي (6).


1 - النهاية 2: 108 " دخل ". 2 - النهاية 5: 29 " نحل ". 3 - القدر: 1 - 3. 4 - جامع الاصول 9: 242. 5 - جامع الاصول 9: 238. 6 - الدر المنثور 8: 569.

[378]

قال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث علي: " إن بني أمية لا يزالون يطعنون في مسحل ضلالة "، أي: إنهم يسرعون فيها ويجدون فيها الطعن، يقال: طعن في العنان، وطعن في مسحله: إذا أخذ في أمر فيه كلام ومضى فيه مجدا (1). انتهى. المسحل: الحديدة التي تجعل في فم الفرس ليخضع. قال ابن أبي الحديد في أوائل الجزء الرابع عشر من الشرح: قال أبو مخنف: وحدثني موسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه قال: أقبلنا مع الحسن وعمار من ذي قار حتى نزلنا القادسية، فنزل الحسن وعمار ونزلنا معهما، فاحتبى عمار بحمائل سيفه ثم جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم، ثم سمعته يقول: ما تركت في نفسي حزة أهم إلي من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره ثم أحرقناه بالنار (2). انتهى. قال في النهاية لابن الاثير: في حديث أبي ذر قال لفلان: أشهد أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " اني أو إياك فرعون هذه الامة "، يريد: انك فرعون هذه الامة، لكنه ألقاه إليه تعريضا لا تصريحا (3). انتهى. ومعلوم من أدرك أبو ذر زمانه من الفراعنة ممكن يكنى عنه بفلان لا يحتاج إلى التبيين. ولما بينا في هذا الفصل عداوة أبي ذر وعمار لعثمان، واعتقادهم فيه أسوأ الاعتقاد، وأذى عثمان لهما واستخفافه بهما، ناسب أن نذكر شيئا من مناقبها وما يدل على عظيم قدرهما: قال البخاري في صحيحه باب مسح الغبار عن الرأس في السبيل: حدثنا ابراهيم بن موسى، قال: أخبرنا عبد الوهاب، قال: حدثنا خالد عن عكرمة: ان


1 - النهاية 2: 348 " سحل ". 2 - شرح نهج البلاغة 2: 296. 3 - النهاية 1: 88 " أيا ".

[379]

ابن عباس قال له ولعلي بن عبد الله: أئتيا أبا سعيد فاسمعا من حديثه، فأتياه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه، فلما رآنا جاء فاحتبى وجلس، فقال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فمر به النبي صلى الله عليه وآله ومسح عن رأسه الغبار وقال: " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم الى الله ويدعونه الى النار " (1). انتهى. وذكر ابن الاثير في النهاية عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعمار: " مرحبا بالطيب المطيب "، ثم قال: أي الطاهر المطهر (2). انتهى. قال في الاستيعاب: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن عمارا ملئ ايمانا الى مشاشه "، ويروي: " الى أخمص قدميه ". ثم روى عن عائشة باسناد ذكره قالت: ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أشاء أن أقول فيه إلا قلت، إلا عمار بن ياسر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " ملئ عمار إيمانا حتى أخمص قدميه ". ثم قال: وقال عبد الرحمن بن أبزي: شهدنا مع علي صفين في ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منا ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر. ثم روى عن عائشة بسند قالت: ما من أحد من أصحاب محمد رسول صلى الله عليه وآله أشاء أن أقول فيه إلا قلت: إلا عمار بن ياسر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إن عمار بن ياسر حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه ايمانا ". ثم قال: ومن حديث خالد بن الوليد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " من أبغض عمار أبغضه الله "، قال خالد: فما زلت أحبه من يومئذ.


1 - صحيح البخاري 4: 25. 2 - النهاية 3: 148 " طيب ".

[380]

وروى من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " اشتاقت الجنة الى علي، وعمار، وسلمان، وبلال ". وفي حديث علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: " جاء عمر بن ياسر يستأذن من النبي صلى الله عليه وآله يوما فعرف صوته فقال: " مرحبا بالطيب المطيب أئذنوا له "، وفضائله المروية كثيرة يطول ذكرها (1). انتهى. ثم قال بعد ذكر شئ من مناقبه: وتواترت الاثار عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: " تقتل عمار الفئة الباغية "، وهذا من إخباره بالغيب وأعلام نبوته، وهو من أصح الاحاديث (2). انتهى. وقال في هذا الباب أيضا من الاستيعاب: قال أبو عمر: كان عمارا وأمه سمية ممن عذب في الله، ثم أعطاهم عمارا ما أرادوا بلسانه واطمأن بالايمان قلبه فنزلت فيه: * (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) * (3) وهذا مما أجمع أهل التفسير عليه. وهاجر الى أرض الحبشة، وصلى القبلتين، وهو من المهاجرين الاولين، ثم شهد بدرا والمشاهد كلها، وأبلى بلاء حسنا، ثم شهد اليمامة فأبلى فيها أيضا، ويومئذ قطعت أذنه. ثم قال: عن ابن عباس في قول الله عز وجل: * (أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) * (4)، قال: عمار بن ياسر (5). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الثالث من الشرح: قال ابن ديزيل: وحدثنا أبو معاوية: عن عمار بن رزيق، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجهد، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إن الله تعالى قد امننا


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 478. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 379. 3 - النحل: 106. 4 - الانعام: 122. 5 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 480.

[381]

أن يظلمنا ولم يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع ؟ فقال: عليك بكتاب الله تعالى. قال: أفرأيت إن جاء أقوام كلهم يدعو الى كتاب الله ؟ فقال ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق "، يعني عمارا (1). انتهى. قال في المشكاة: عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان "، قال: رواه الترمذي (2). ثم قال: وعن خالد بن الوليد قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام، فأغلظت له في القول، فانطلق عمار يشكوني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، فجاء خالد وهو يشكوه إلى النبي صلى الله عليه وآله، فجعل يغلظ له ولا يزيده إلا غلظة، والنبي صلى الله عليه وآله ساكت لا يتكلم، فبكى عمار وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألا تراه ؟ ! فرفع النبي صلى الله عليه وآله رأسه وقال: " من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله " قال: رواه احمد (3). قال ابن الاثير في النهاية: ومنه الحديث: " إهدوا هدي عمار " أي: سيروا بسيرته، وتهيأوا بهيئته (4). انتهى. قال في جامع الاصول في كتاب الفاء: بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن الله تبارك وتعالى أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم "، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله سمهم لنا ؟ قال: " علي منهم - يقول ذلك ثلاثا - وأبو ذر والمقداد، وسلمان، أمرني بحبهم وأخبرني أنه


1 - شرح نهج البلاغة 1: 238. 2 - سنن الترمذي: 5: 667. 3 - مسند أحمد 4: 89. 4 - النهاية 5: 253 " هدا ".

[382]

يحبهم " (1). قال في الاستيعاب: روى سليمان وعبد الله ابنا بريدة، عن ابيهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " إن الله أمرني بحب أربعة من أصحابي، وأخبرني انه يحبهم "، فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله من هم ؟ قال: " علي، والمقداد، وسلمان، وابو ذر " (2). انتهى. وقال في هذا الكتاب: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " أبو ذر في أمتي شبيه عيسى بن مريم في زهده ". وبعضهم يرويه: " من سره أن ينظر الى تواضع عيسى بن مريم فلينظر الى أبي ذر ". ومن حديث ورقاء وغيره، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر الى تواضع عيسى بن مريم فلينظر الى أبي ذر ". وروي عنه صلى الله عليه وآله من حديث أبي الدرداء وغيره: " ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر (3). انتهى.


1 - جامع الاصول 8: 579. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 216. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 216.

[383]

الفصل الرابع فيما يدل على خبث باطن من تقدم عليه صلوات الله عليه ونفاقهم وظلمهم وفساد خلافتهم، والنهي عن اتباعهم والدخول معهم، وما أشبه ذلك قال محمد بن عبد الكريم الاشعري الشهرستاني في كتاب الملل والنحل: المقدمة: في بيان أول شبهة وقعت في البرية، ومن مصدرها في الاول، ومن مظهرها في الاخر: اعلم ان أول شبهة وقعت في الخليقة شبهة ابليس، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في مقابلة الامر. انتهى. ثم فصل شبهة الملل، وجعل منشأها شبهة ابليس، وذلك بعد ان فرق شبهة ابليس وحللها الى سبع شبه. ثم قال: وقال عليه السلام جملة: " لتسلكن سبل الامم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتموه " (1). وقال: المقدمة الرابعة: في أول وقعت في الملة الاسلامية وكيف انشعابها، ومن مصدرها، ومن مظهرها: وكما قررنا أن الشبهات التي وقعت آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان، وكذلك يمكن أن تقرر في زمان كل نبي، ودور كل صاحب ملة وشريعة: ان شبهات كل امة في آخر زمانه ناشئة عن شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والمنافقين، وإن خفي علينا ذلك في الامم السالفة فلم تخف في


1 - الملل والنحل 1: 23.

[384]

هذه الامة أن شبهاتها نشأت في منافقي زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى، وسألوا عما منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه. ثم روى طرفا مما روي من ذلك فقال: فهذا ما كان في زمانه عليه السلام، وهو صلى الله عليه وآله على شوكته وقوته وصحة بدنه، والمنافقون يخادعون ويظهرون الاسلام ويبطنون النفاق، وإنما يظهر نفاقهم في كل وقت بالاعتراض على حركاته وسكناته، فصارت الاعتراضات كالبذور، وظهر منها الشبهات كالزروع. وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه وبعد وفاته بين الصحابة، فهي اختلافات اجتهادية - كما قيل - كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع، وإدامة مناهج الدين. فأول تنازع وقع في مرضه صلى الله عليه وآله فيما رواه محمد بن اسماعيل البخاري عن عبد الله بن عباس قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله مرضه الذي مات فيه قال: " أئتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي "، فقال عمر: إن رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط فقال عليه السلام: " قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع ". قال ابن عباس: الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله (1). انتهى. أقول: لا يخفى انتظام أول كلامه واطراده وصحته، وأما استثناؤه من ذلك ما وقع من أئمة وقادته، فاقتراج بغير بينة ولا سلطان، ولا حجة ولا برهان، وتعصب وعناد، ألا ترى انه لما ذكر الاختلاف الواقع في حياته


1 - الملل والنحل 1: 27.

[385]

وقوته صلى الله عليه وآله نسبه إلى غير أبي بكر وعمر، ولم يذكر ما وقع منهما، مع أن جل ما روي من ذلك، بل أكثره منسوب إليها كاعتراض عمر وانكاره عليه صلوات الله عليه وآله صلاته عليه عبد الله بن أبي بن سلول، وتبرج نسائه للناس، وكتاب الصلح في الحديبية، وأمره ابا هريرة أن ينادي بالناس: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة مع استخفافه بأبي هريرة وضربه له، وضرب النسوة عنده بالدفوف ولهو من المعازف، ومتعة الحج، وغير ذلك مما رووه في صحاحهم مما صح وبطل، وهو أكثر من أن يحيط بها هذا المختصر، ومن أراد الاطلاع عليه فعليه بمطالعة صحيحي البخاري ومسلم، وصحيحي الترمذي والنسائي وغيرها. وفي صحيح البخاري في تفسير سورة براءة: عن ابن عمر: لما توفي عبد الله بن أبي سلول قام رسول الله صلى الله عليه وآله ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه ؟ ! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: " أخر عني يا عمر "، فلما اكثرت عليه قال: " اني خيرت فاخترت " (1). وفي كتاب اللباس من البخاري ذكر هذه القصة وفي آخرها: فجاء ليصلي عليه فجذبه عمر وقال: أليس قد نهاك الله ؟ ! (2) الحديث. ومن تأمل كيفية هذا الانكار والعجرفية والجلافة التي تضمنته، أغناه عما سواه. وليت شعري ما معنى قوله: وهو صلى الله عليه وآله على شوكته وقوته


1 - صحيح البخاري 6: 85. 2 - صحيح البخاري 7: 185.

[386]

وصحة بدنه، هل يعني بذلك انه صلى الله عليه وآله إذا كان قويا في بدنه وصحيحا في جسمه ذا شوكة وأنصار، لا تجوز مخالفته والرد عليه - والمخالفة آية النفاق - وإذا كان ضعيفا في بدنه مريضا لا قوة له ولا ناصر، تجوز مخالفته والرد عليه وايذاؤه ومناقشته، فهذا قول من لا دين له ولا عقل، وتعصب وعناد. وإن أراد انه صلى الله عليه وآله إذا قل أنصاره وضعفت شوكته وغلبه الوجع، ضعف عقله وقلت بصيرته، فلا يؤمن إذا كتب لهم كتابا أن يأمر بما فيه ضلالهم وفساد شرعهم، فهو تكذيب لقوله صلى الله عليه وآله في وصفه الكتاب: " لا تضلوا بعده "، ورد لشرع الوصية واستحبابها بل وجوبها، وتخطئة للحكمة الباعثة على الامر بها، إلا أن يخصه صلى الله عليه وآله ويستثنيه من بين العرب والعجم والرعاع والاكراد، فهو خروج عن الدين جملة، جل من وصفه سبحانه بأنه * (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) * (1)، وأمر ب‍ * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) * (2) عن ذلك كله. وعلى كل حال فكل ما يمكن أن يقال ها هنا يمكن القول به في حال الصحة بالطريق الاولى، فما وجه فصله بين الامرين، وجعله مصدر الاول النفاق، والثاني محض نصرة الايمان وإقامة مراسمها. ثم قال الشهرستاني: والخلاف الثاني في موته عليه السلام، قال عمر: من قال ان محمدا مات قتلته بسيفي هذا، وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام (3). انتهى.


1 - النجم: 3 - 4. 2 - آل عمران: 31. 3 - الملل والنحل: 29.

[387]

(الشهرستاني) قال ابن خلكان: أبو الفتح محمد بن أبي القاسم عبد الكريم بن أبي بكر الشهرستاني المتكلم على مذهب الاشعري، كان إماما مبرزا، فقيها متكلما، وبرع في الفقه، وقرأ الكلام على أبي القاسم الانصاري، وتفرد فيه، وصنف كتبا منها كتاب نهاية الاقدام، وكتاب الملل والنحل (1). انتهى كلامه. قال البخاري في صحيحه في باب كتابة العلم من المجلد الاول: حدثنا يحيى بن سليمان، قال: حدثني ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبي صلى الله عليه وآله وجعه قال: " إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده "، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: " قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع "، فخرج ابن عباس وهو يقول: إن الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين كتابه (2). انتهى. وقال في كتاب الطب من صحيحه باب قول المريض: قوموا عني: أخبرنا ابراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر وحدثني عبد الله محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وفي البيت رجال منهم عمر ابن الخطاب قال النبي صلى الله عليه وآله: " هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده "، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه وآله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم يقول: قربوا


1 - وفيات الاعيان 4: 273. 2 - صحيح البخاري 1: 39.

[388]

يكتب لكم النبي كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " قوموا عني ". قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم (1). انتهى. وروى مسلم بن الحجاج في صحيحه مثله بألفاظه، إلا أن فيه: فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله غلب عليه الوجع إلى آخره (2). وقال البخاري في قبيل كتاب بدء الخلق في باب اخراج اليهود من جزيرة العرب: أخبرنا محمد، حدثنا ابن عيينة، عن سليمان بن أبي مسلم، سمع سعيد بن جبير، سمع ابن عباس يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. قلت: يا ابن عباس وما يوم الخميس ؟ قال: اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وجعه فقال: " إئتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا "، فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبي تنازع - فقالوا: ماله أيهجر استفهموه ؟ فقال: " ذروني، الذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه "، فأمرهم بثلاث قال: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم "، والثالثة إما ان سكت عنها، وإما أن قال فنسيتها. قال سفيان: هذا من قول سليمان (3). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الثالث عشر من الشرح: قال أبو جعفر


1 - صحيح البخاري 7: 164. 2 - صحيح مسلم 4: 1826. 3 - صحيح البخاري 4: 120.

[389]

الطبري: روى سعيد بن جبير، وذكر مثله سواء (1). وذكر مثله في الكامل، إلا أن فيه: فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يهجر (2). وهنا أشياء لا بد من الاشارة إليها والتنبيه عليها: الاول: إنه يفهم من هذه الاخبار أن عمر لم يكتف بقوله: قد غلب عليه الوجع، ولا شفي غليل صدره حتى صرح بأنه صلى الله عليه وآله أهجر أو يهجر، وإن كان المعنى فيهما واحدا، لان من قال عند مريض يتكلم: لا تسمعوا لكلامه ولا تلتفتوا إلى قوله فإنه غلبه الوجع، إنما يعني أنه يهجر ويهذي. قال الجوهري في الصحاح: الهجر: الهذيان، وقد هجر المريض يهجر (3). انتهى. قال في جامع الاصول في شرح غريب كتاب الحج: الهجر: الفحش من القول والردئ (4). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: وفيه: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا " أي: فحشا، يقال: أهجر في منطقه يهجر: إذا أفحش، وكذلك إذا أكثر الكلام فيما لا ينبغي، والاسم الهجر بالضم، وهجر يهجر بالفتح: إذا خلط في كلامه وإذا هذى. ثم قال: ومنه حديث مرض النبي صلى الله عليه وآله قالوا: ما شأنه أهجر ؟ أي: اختلف كلامه بسبب المرض، على سبيل الاستفهام، أي: هل تغير كلامه واختلف لاجل ما به من المرض ؟ هذا أحسن ما يقال فيه، ولا


1 - شرح نهج البلاغة 4: 178، تأريخ الطبري 3: 195. 2 - الكامل في التأريخ 2: 320. 3 - الصحاح 2:، 851 " هجر ". 4 - جامع الاصول 3: 471.

[390]

يجعل إخبارا فيكون إما من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر، ولا يظن به ذلك (1). انتهى. أقول: لم يأل جهدا في الدفاع عن إمامة والذب عنه، ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر، لان الخطاب باللفظ القبيح لا يخرجه التأويل من القبح والخطر والحرمة، لان أحدنا إذا خاطب غيره بقول: يا حمار، لا يعذر إذا قال: أردت يا بليد وإن صدق، مع أن هذا اقتراح على عمر، ولعله لا يرضى ويقول: ما نويت ذلك وإن كان التأويل كالمؤول في المحذور، لان تخليط الكلام وتغيره بسبب المرض هو الهذيان بعينه. والجوهري قد صرح بأن التخليط هو الافساد، وخولط الرجل في عقله واختلط فلان: فسد عقله (2). وقوله آخرا: فيكون الفحش والهذيان الى آخره، ايهام بأنه إذا كان على الاستفهام لا يكون بمعنى الفحش والهذيان، وهو غلط فاحش وتدليس، وأيضا هو مناف لما نقلناه من قوله انه بالفتح إذا خلط في كلامه وإذا هذى. الثاني: انه يستلزم عدم إيمان عمر، لقوله سبحانه: * (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (3)، ومعلوم أنهم عصوه عنه الاختلاف العظيم وكثرة اللغط والتنازع، وقد نبههم صلى الله عليه وآله على هذا المعنى بقوله: " لا ينبغي عندي التنازع "، بل ينبغي إذا شجر بينهم شئ أن يحكمونه صلى الله عليه وآله، فلما رأينا فيهم من لم يسلم ولم يحكم حكمنا عليه بأنه لم يؤمن. الثالث: إن عمر نهى من حضر عن المعروف - وهو إطاعة النبي


1 - النهاية 5: 245 " هجر ". 2 - الصحاح 3: 1124 " خلط ". 3 - النساء: 65.

[391]

المكرم المؤيد بروح القدس الذي * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (1)، والذي علق الله محبته للعباد ومحبة العباد له بطاعته - وحسن لهم معصيته ومخالفته. الرابع: انه لم يمتثل أمر النبي ولم يطعم، بل خالفه. الخامس: انه حال بين سيد المرسلين وبين ما كلفه الله تعالى به، وكلف سائر العباد من الوصية وكتابتها، وهي مما يشهد العقل والنقل بصحتها وحسنها ووجوبها، وقد نطق بذلك القرآن المجيد. و وما أدرى عمر ما كان يريد كتابته، لعله صلى الله عليه وآله أراد أن يكتب ما يجتمع الصحابة على أنه مصلحة لهم ولسائر المسلمين، كما صرح صلوات الله عليه وآله بقوله: " لا تضلوا بعده أبدا ". السادس: انه رفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله، أو رفع أصوات من حضر. السابع: انه تقدم بين يدي الله ورسوله، وقد منعه الله وصاحبه منهما، وأنزل فيه وفي صاحبه سورة الحجرات من قبل، إذ ارتكبوا هذين القبيحين مع النداء وراء الحجرات على ما رواه البخاري (2) - وقد قدمناه في الفصل الاول من الباب الرابع عشر من هذا الكتاب - فلم يرتدع ولم ينزجر، يا ويله من الجرأة على الله ويلا عظيما. الثامن: إن عمر في فعله هذا وقوله آذى النبي الامي الذي هو على خلق عظيم، حتى بلغ منه صلى الله عليه وآله المبلغ الذي أمر من بحضرته من العواد بالقيام والخروج، وقد علم الناس كلهم من حسن خلقه وكريم سجيته صلوات الله عليه وآله انه ما فعل هذا إلا وقد بلغ الاذى منه كل مبلغ وتضجر وغضب، وقد قال تعالى: * (إن الذين يؤذون النبي الله ورسوله لعنهم


1 - النجم: 3 - 4. 2 - صحيح البخاري 6: 171.

[392]

الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا) * (1). التاسع: إن كل من له أدنى بصيرة ومعرفة لا يخفى عليه أن عمر استشعر أن النبي صلى الله عليه وآله يريد أن ينص على من يقوم بالامر بعده، ويصرح باسمه في الكتاب، ويودعه من المهاجرين والانصار من يعتمد على أمانته، فلا يختلف على ولي الامر اثنان، ولا يضلوا عن الدين أبدا، ولا يرجعوا كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، فمنع من ذلك وبالغ حتى بلغ من ذلك ما بلغ. وقال البخاري أيضا في صحيحه في كتاب الحدود باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو قذف: حدثني محمد بن عبد الله، قال: حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا عاصم بن محمد، عن واقد بن محمد، قال: سمعت أبي قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع: " ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة ؟ " قالوا: ألا شهرنا هذا. قال: " ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة ؟ " قالوا: ألا بلدنا هذا. قال: " ألا أي يوم تعلمونه أعظم ؟ " قالوا: ألا يومنا هذا. قال: " فإن الله تبارك وتعالى قد حرم عليكم دماءكم وأعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت ؟ " ثلاثا، كل ذلك يجيبونه: ألا نعم، قال: " ويحكم - أو ويلكم - لا ترجعن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " (2). انتهى. ورواه ابن الاثير في جامع الاصول في الفصل الثاني في حجة الوداع في آخر كتاب الحج (3). وقال البخاري في كتاب الفتن من صحيحه باب قول النبي صلى الله


1 - الاحزاب: 57. 2 - صحيح البخاري 8: 198. 3 - جامع الاصول 3: 458.

[393]

عليه وآله: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ": حدثنا عمر ابن حفص، حدثني أبي، حدثني الاعمش، حدثني شفيق قال: قال عبد الله: قال النبي صلى الله عليه وآله: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر ". حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة، أخبرني واقد، عن أبيه، عن ابن عمر انه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض " (1). انتهى. ثم روى عن أبي بكرة وابن عباس وجرير (2). ورواه ابن الاثير في كتاب جامع الاصول (3). وقال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " تحشرون حفاة عراة عزلا "، ثم قرأ: * (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) * (4). قال: " فأول من يكسى ابراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد) * (5). انتهى (6). وقال البخاري أيضا في آخر تفسير سورة المائدة من صحيحة باب قوله عز وجل: * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم) * إلى قوله: * (شهيد) *: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا شعبة، قال: أنبأنا المغيرة بن النعمان، قال:


1 - صحيح البخاري 9: 63. 2 - صحيح البخاري 9: 63 - 64. 3 - جامع الاصول 3: 458. 4 - الانبياء: 34. 5 - المائدة: 117. 6 - صحيح البخاري 6: 122.

[394]

سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " يا أيها الناس انكم محشورون الى الله حفاة عراة عزلا ". ثم قال: * (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين) * الى آخر الاية. ثم قال: " ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة ابراهيم، ألا وانه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: " انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) *، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " (1). انتهى. قال أبو عيسى الترمذي في صحيحه: حدثنا هارون بن اسحاق الهمداني، قال حدثني محمد بن عبد الوهاب، عن مسعر، عن أبي حصين، عن الشعبي، عن العدوي، عن كعب بن حجرة قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن تسعة، خمسة وأربعة، أحد العددين من العرب والاخر من العجم، قال: " اسمعوا، هل سمعتم أنه سيكون بعدي امراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض. ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم، فهو مني وأنا منه وهو وارد علي الحوض ". قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه من حديث مسعر إلا من هذا الوجه (2). انتهى.


1 - صحيح البخاري 6: 69. 2 - سنن الترمذي 5: 660.

[395]

وروى مثله بسندين آخرين (1). قال ابن الاثير في النهاية: فيه: " يرد علي يوم القيامة رهط فيحلاون عن الحوض " أي: يصدون عنه ويمنعون من وروده (2). انتهى. وقال في باب الجيم مع اللام: ومنه حديث الحوض: " يرد علي رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض "، هكذا روي في بعض الطرق، أي: يطردون وينفون (3). انتهى. قال في الاستيعاب في الباب الذي يذكر فيه من اسمه بسر: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال: حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا يوسف، قال حدثنا البخاري، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا محمد بن مطرف، قال: حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " اني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يضمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم ". قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عباس فقال: هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت: نعم، قال: فإني أشهد على أبي سعيد الخدري سمعته وهو يزيد فيها: " فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن غير بعدي ". والاثار في هذا المعين كثيرة، قد تقصيتها في ذكر الحوض في باب خبيب من كتاب التمهيد (4). انتهى.


1 - سنن الترمذي 5: 660. 2 - النهاية 1: 421 " حلا ". 3 - النهاية 1: 291 " جلا ". 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 159.

[396]

قال البخاري في صحيحه قريبا من آخر الكتاب باب قول النبي صلى الله عليه وآله: " لتتبعن سنن من كان قبلكم ": حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ امتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر، وذراعا بذراع ". فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله كفارس والروم ؟ قال: " ومن الناس إلا أولئك ؟ ! ". حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو عمر الصنعائي من اليمن، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا حجر ضب لتبعتموهم ". قلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله: اليهود والنصارى ؟ قال " فمن ؟ ! (1) انتهى. أقول: تأمل عبادة هذه الامة العجل، وعصيان هارون كيف يتصور أن يتحقق. قال في جامع الاصول في كتاب الفتن: ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ليأتين عن أمتي ما أتى على بني اسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية ليكون من أمتي من يصنع ذلك " (2). انتهى. ثم ذكر روايتي أبي سعيد وأبي هريرة المقدم ذكرهما عن البخاري بألفاظهما.


1 - صحيح البخاري 9: 126. 2 - جامع الاصول 10: 33. (*)

[397]

ثم قال بعد يسير: ثوبان: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " إنما أخاف على أمتي الائمة المضلين، وإذا وضع السيف على أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة " (1). انتهى. قال أبو سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلها أولى الطائفتين بالحق " (2). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: فيه " لتركبن سنن من كان قبلكم ذراعا بذراع، حتى لو سلكوا خشرم دبر لسلكتموه ". الخشرم: مأوى النحل والزنابير، وقد يطلق عليهما، والدبر: النحل (3). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الشرح في الجزء الثالث عشر: وروى الارقم بن شرحبيل قال: سألت ابن عباس رحمه الله: هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال: لا. قلت: فكيف كان ؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال في مرضه: " ابعثوا إلى علي فادعوه "، فقالت عائشة: لو بعثت الى أبي بكر، وقالت حفصة: لو بعثت الى عمر، فاجتمعوا عنده جميعا. هكذا لفظ الخبر على ما أورده الطبري في التأريخ (4)، ولم يقل: فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إليهما. قال ابن عباس: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " انصرفوا فإن تكن لي حاجة أبعث إليكم "، فانصرفوا. وقيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: الصلاة، فقال: " مروا عمر "، فقال عمر: ما كنت لاتقدم وأبو بكر شاهد، فتقدم أبو بكر، فوجد رسول الله


1 - جامع الاصول 10: 36. 2 - جامع الاصول 10: 39. 3 - النهاية 2: 33 " خشرم ". 4 - تأريخ الطبري 3: 197.

[398]

صلى الله عليه وآله خفا فخرج، فلما سمع أبو بكر حركته تأخر، فجذب رسول الله صلى الله عليه وآله ثوبه فأقامه مكانه، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله فقرأ حيث انتهى أبو بكر. قلت: عندي في هذه الواقعة تأمل، ويعترضني فيها شكوك واشتباه، إذا كان أراد أن يبعث علي ليوصي إليه فنفست عائشة عليه فسألت أن يحضروا أباها، ونفست حفصة عليه فسألت أن يحضروا أباها، ثم حضرا ولم يطلبا، فلا شبهة ان ابنتيهما طلبتاهما. هذا هو الظاهر. وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وقد إجتمعوا كلهم عنده: " انصرفوا، فإن كان لي حاجة بعثت اليكم " قول من عنده ضجر وغضب باطني لحضورهما وتهمة للنساء في استدعائهما، فكيف يطابق هذا الفعل وهذا القول ما روي من أن عائشة قالت لما عين على أبيها في الصلاة: إن أبي رجل رقيق فمر عمر، وأين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء (1). انتهى. وروى البخاري في صحيحه خبر صلاة أبي بكر في مواضع متعددة باختلاف كثير، لم أذكرها لطولها، وفي أكثرها: ان النبي صلى الله عليه وآله وجد خفا فخرج وجلس الى جنب أبي بكر، فصلى أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وآله، وصلى الناس بصلاة أبي بكر (2). انتهى. وإذا كان النبي صلى الله عليه وآلهه هو الذي عين أبا بكر فلم خرج وعزله ؟ ! وإذا كان أبو بكر صلى بصلاة النبي صلى الله عليه وآله فالناس ما حداهم إلى ترك الاقتداء به صلى الله عيه وآله ؟ ! وذكر ابن أبي الحديد في الشرح في الجزء التاسع عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن اسماعيل كلاما بهذه العبارة: ومن حديث الصلاة بالناس


1 - شرح نهج البلاغة 3: 191. 2 - صحيح البخاري 6: 16.

[399]

ما عرف، فنسب إلى عائشة الى أنها أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمره فليصل بالناس، لان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " ليصل بهم أحدهم " ولم يعين، وكانت صلاة الصبح، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس حتى قام في المحراب - كما ورد في الخبر - ثم دخل فمات ارتفاع الضحى، فجعل صلاته حجة في صرف الامر إليه. ثم قال: وكان علي عليه السلام يذكر هذا لاصحابه في خلواته كثيرا ويقول: " انه لم يقل صلى الله عليه وآله: انكن لصويحبات يوسف، إلا انكارا لهذه الحال وغضبا، لانها وحفصة تبادرتا الى تعيين أبويهما، وانه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب " (1). انتهى. أقول: ومن تأمل ما روي في هذا الباب واختلاف النقل في ذلك، تحقق وعلم يقينا صدق ما رواه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه. ومما يؤيد كذب هذا الخبر عن أصله ما قدمنا روايته عن البخاري من صحيحه في الفصل الثاني من الباب الرابع عشر، وأن أبا بكر كان عند وفاته - صلى الله عليه وآله بالسنح والعالية ولم يكن حاضرا، إلا أن يقال: إن أبا بكر بعد الصلاة ومشاهدة تلك الحال منه صلى الله عليه وآله سافر إلى العالية في حوائجه وتركه عليه السلام لما به، وقد ذكروا انه صلى الله عليه وآله خلف ابن عوف في سفره، وهو مذكور في الاستيعاب (2) وغيره. وقال ابن عبد البر النمري في الاستيعاب عند ذكر رفاعة بن رافع بن مالك: وذكر عمر بن شبة، عن المدائني، عن مخنف، عن جابر، عن الشعبي قال: لما خرج طلحة والزبير كتبت أم الفضل بنت الحرث بخروجهم، فقال علي:


1 - شرح نهج البلاغة 2: 439. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 152.

[400]

" العجب لطلحة والزبير، إن الله عز وجل لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله قلنا: نحن أولياؤه ولا ينازعنا سلطانه أحد، فأبى قومنا فولوا غيرنا، وأيم الله لولا مخافة الفرقة وأن يعود الكفر ويبور الدين لغيرنا، فصبرنا على بعض الالم، ثم لم نر بحمد الله إلا خيرا " (1). انتهى. قال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث علي: " لنا حق إن نعطه نأخذه، وإن نمنعه نركب اعجاز الابل وإن طال السرى "، الركوب على اعجاز الابل شاق، أي: إن منعنا حقنا ركبنا مركب المشقة صابرين عليها وإن طال الامد. وقيل: ضرب اعجاز الابل مثلا لتأخره عن حقه الذي كان يراه له وتقدم غيره عليه، وانه يصبر على ذلك وإن طال أمده، أي: إن قدمنا للامامة تقدمنا، وإن أخرنا صبرنا على الاثرة وإن طالت الايام (2). انتهى. قال ابن قتيبة في تأريخه: ثم ان عليا أتي به أبا بكر وهو يقول: " أنا عبد الله وأخو رسوله "، فقيل له: بايع، فقال: " أنا أحق بهذا الامر منكم، وأنتم أولى بالبيعة، لي غصبا، فأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الانصار، ونحن أولى برسول الله صلى الله عليه وآله حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تؤمنون بالله وتخافون الله، وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون ". فقال عمر: انك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: " احلب حلبا لك شطره، اشدده له اليوم يرده عليك غدا ". وقال علي: " يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعوركم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه، يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به، لانا أهل البيت ونحن


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 502. 2 - النهاية 3: 185 " عجز ".

[401]

أحق بهذا الامر منكم، أما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنة رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم الامور السيئة، القاسم بالسوية، والله إنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله وتزدادوا من الحق بعدا ". فقال قيس بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته الانصار قيل بيعتها ما اختلف عليك اثنان (1). انتهى والله المستعان. قال ابن الاثير في التأريخ المعروف بالكامل: فبايعه عمر وبايعه الناس، فقال الانصار أو بعض: لا نبايع إلا عليا. قال: وتخلف علي وبني هاشم والزبير وطلحة عن البيعة، وقال الزبير: لا أغمد سيفي حتى يبايع علي، فقال عمر: خذوا سيفه فاضربوا به الحجر، ثم أتاهم عمر فأخذهم للبيعة (2). انتهى. ثم قال في آخر الفصل: قال الزهري: بقي علي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر، حتى ماتت فاطمة صلوات الله عليها فبايعوه (3). انتهى. وهذا صريح في أنه صلوات الله عليه لم يبايع إلا مكرها. ثم إنه ذكر في الفصل خطبة لعمر بالمدينة تتضمن شرح ما جرى يوم السقيفة وفيها: وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة صلوات الله عليها، وتخلفت عنا الانصار (4). انتهى. وذكر ابن قتيبة في تأريخه: إن أبا بكر أرسل قنفذا إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه يدعوه للبيعة، قال قنفذ: يدعوكم خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله.


1 - الامامة والسياسة: 11. 2 - الكامل في التأريخ 2: 325. 3 - الكامل في التأريخ 2: 331. 4 - الكامل في التأريخ 2: 327.

[402]

فقال علي: " لسريع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله ". ثم قال أبو بكر: عد إليه فقل: أمير المؤمنين يدعوكم، فرفع علي صوته فقال: " سبحان الله لقد ادعى ما ليس له ". ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا فاطمة صلوات الله عليها فدقوا الباب، فلما سمعت اصواتهم نادت بأعلى صوتها: " يا رسول الله صلى الله عليه وآله ماذا لقينا من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ". قالوا: فأخرجوا عليا ومضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، قال: " فإن لم أفعل ؟ " قالوا: اذن والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. قال: " تقتلون عبد الله وأخا رسوله ". قال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال عمر: ألا تأمر فيه بأمرك، فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة صلوات الله عليها الى جنبه، فلحق علي بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله يصيح ويبكي وينادي: " يا ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا لهما، فأتيا عليا فأدخلهما، فلما قعدا حولت وجهها إلى الحائط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام (1). انتهى. ثم ذكر أنها صلوات الله عليها قالت لابي بكر وعمر: " نشدتكما بالله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: رضى فاطمة صلوات الله عليها من رضاي - الى قوله -: من أسخط فاطمة صلوات الله عليها فقد اسخطني ؟ " قالا: نعم. قالت: " فإني أشهد لك وملائكته أنكما أسخطتماني، وإن لقيت النبي صلى الله عليه وآله لاشكونكما إليه "، ثم ذكر قولها لابي بكر: " والله لادعون


1 - الامامة والسياسة: 13.

[403]

الله عليك في كل صلاة " (1). قال ابن أبي الحديد في الدفتر الحادي عشر من شرحه: وأما الزبير فلم يكن إلا علوي الرأي، شديد الولاء، جاريا من الرجل مجرى نفسه. ويقال إنه عليه السلام استنجد المسلمين عقيب السقيفة وما جرى فيه، وكان يحمل فاطمة صلوات الله عليها ليلا على حمار، وابناهما من بين يدي الحمار، وهو عليه السلام يسوقه، فيطرق بيوت الانصار وغيرهم، ويسألهم النصرة والمعونة، فأجابه أربعون رجلا، فبايعهم على الموت، وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رؤوسهم، معهم سلاحهم، فأصبح لم يوافه منهم إلا أربعة الزبير، والمقداد، وأبو ذر، وسلمان. ثم أتاهم بالليل فناشدهم فقالوا: نصحبك غدوة، فما جاء منهم إلا الاربعة، وكذلك في الليلة الثالثة، وكان الزبير أشدهم له نصرة وأنفذهم في طاعته، يصير حلق رأسه، وجاء مرارا وفي عنقه سيفه، وكذلك الثلاثة الباقون، ألا أن الزبير كان هو الرأس فيهم، وقد نقل الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة صلوات الله عليها وكسر سيفه في صخرة ضربت به (2). انتهى. وقال في موضع آخر من الشرح: قال أبو بكر: وحدثني أبو زيد عمر بن شبة، قال: حدثنا أحمد بن معاوية، قال: حدثني النضر بن سهيل، قال: حدثنا محمد بن عمر، عن سلمة بن عبد الرحمن، قال: لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي والزبير وناس من بني هاشم في بيت فاطمة، فجاء عمر إليهم فقال: والذي نفسي بيده لتخرجن الى البيعة أو لاحرقن البيت عليكم، فخرج الزبير مصلتا، فاعتنقه رجل من الانصار وزياد بن لبيد، فدق به فبدر السيف،


1 - الامامة والسياسة: 14. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 5.

[404]

فصاح به أبو بكر وهو على المنبر: اضرب به الحجر، فقال أبو عمر بن حماس: لقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة ويقال: هذه ضربة سيف الزبير. وفي رواية أخرى: إن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة صلوات الله عليها، والمقداد بن الاسود أيضا، وانهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا، فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه بالسيف، وخرجت فاطمة صلوات الله عليها تبكي (1). انتهى. وذكر الشهرستاني في الملل والنحل: ان النظام بن ابراهيم بن سيار قال: إن عمر ضرب بطن فاطمة صلوات الله عليها يوم السقيفة حتى ألقت المحسن من بطنها، وكان يصيح أحرقوها بمن فيها، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم (2). انتهى. قال ابن قتيبة في تأريخه: وخرج علي عليه السلام يحمل فاطمة صلوات الله عليها على دابة ليلا في مجالس الانصار يسألهم النصرة، فكانوا يقولون: قد مضت بيعتنا، ولو أن زوجك سبق إلينا ما عدلنا به، فيقول علي: " أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله في بيته لم أدفنه وأخرج أنازع الناس سلطانه "، فقالت فاطمة صلوات الله عليها: " ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ". ثم قال: فدعا عمر بالحطب فقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لاحرقنها عليك على ما فيها، فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة صلوات الله عليها، فقال: وإن فخرجوا وبايعوا إلا علي (3). انتهى. قال في الاستيعاب في معنى أبي بكر: وتخلف عن بيعته سعد بن عبادة وطائفة من الخزرج وفرقة من قريش، ثم بايعوه بعد غير سعد.


1 - شرح نهج البلاغة 3: 6. 2 - الملل والنحل: 32. 3 - الامامة والسياسة: 12.

[405]

ثم قال: وقيل إنه تخلف عنه من قريش علي، والزبير، وطلحة، وخالد بن سعيد بن العاص، ثم بايعوا بعد. ثم ذكروا خبر تخلف خالد، وغيره من الاخبار فقال: حدثنا محمد بن ابراهيم، حدثنا محمد بن محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: ان عليا عليه السلام والزبير كان حين بويع أبو بكر يدخلان على فاطمة صلوات الله عليها فيشاورانها ويتراجعون في أمرهم، فبلغ ذلك عمر، فدخل عليها فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله والله ما كان من الخلق أحد أحب الينا من أبيك، وما أحد أحب إلينا بعده منك، وقد بلغني أن هؤلاء النفر يدخلون عليك، ولئن بلغني لافعلن ولافعلن. ثم خرج وجاءوها فقالت لهم: " إن عمر جائني وحلف لئن عدتم ليفعلن، وأيم الله ليفين بها، فانظروا في أمركم ولا ترجعوا الي "، فانصرفوا فلم يرجعوا حتى بايعوا لابي بكر (1). انتهى. وقال ابن أبي الاثير في النهاية: ومنه حديث السقيفة: " وخالف عنا علي والزبير " أي تخلفا (2). انتهى. أقول: وإذا كان بلغ سطوتهم وتغلبهم على الامر وتسلطهم، ونبذهم أمر الدين وراء ظهورهم، أن يخيفوا سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها، ويهددوها كما يهددوا داني الناس وأراذلهم، فأي استبعاد في أن يبايعهم من الناس على سبيل الاستكراه والخوف على النفس والمال من لا يبلغ مبلغها من العز والفخر.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 254. 2 - النهاية 2: 68 " خلف ".

[406]

قال ابن حجر في الصواعق: ولا يقدح في حكاية الاجماع تأخر علي والزبير والعباس وطلحة مدة لامور (1). انتهى. وقال الشهرستاني في كتاب الملل والنحل: وانثال الناس عليه وبايعوه عن رغبة، سوى جماعة من بني هاشم، وأبي سفيان من بني أمية، وأمير المؤمنين علي عليه السلام كان مشغولا بما أمره النبي صلى الله عليه وآله من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره (2). انتهى. وروي في روضة الاحباب: ان النبي صلى الله عليه وآله قال عند وفاته: " ادعوا لي أخي عليا "، فجاء حتى جلس عند رأسه فرفع النبي رأسه واحتضنه وجعل رأسه على عضده، وقال له: " يا علي لفلان اليهودي علي دينا فأده عني، يا علي أنت أول من يرد علي الحوض، وستلقى بعدي أمورا مكرهة فلا تضجر واصبر ". وروي انه صلى الله عليه وآله قال له: " آتيني بدواة وصحيفة لاكتب فيه وصيتي إليك "، فقال عليه السلام: " خشيت أن أقوم من مجلسي فيرتحل صلى الله عليه وآله قبل أن أدركه، فقلت له صلى الله عليه وآله: أوصني بما شئت فإني أحفظه "، ثم ذكر أنه أوصاه (3). وروى ابن أبي الحديد في الجزء التاسع مسير أمير المؤمنين عليه السلام إلى البصرة، وارسال عثمان بن حنيف الانصاري وأبي الاسود الدؤلي وعمران بن الحصين الخزاعي من البصرة نحو عائشة وطلحة والزبير، ثم ذكر من جملة كلامهما للزبير كلاما بهذه العبارة واللفظ: وأنت يا أبا عبد الله لم يبعد العهد بقيامك دون هذا الرجل يوم مات رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنت آخذ قائم سيفك تقول: ما أحد أحق


1 - الصواعق المحرقة: 13. 2 - الملل والنحل: 29. 3 - روضة الاحباب: 606.

[407]

بالخلافة منه ولا أولى بها منه، وامتنعت من بيعة أبي بكر، فأين ذلك الفعل من هذا القول ؟ فقال لهما: اذهبا فالقيا طلحة، ثم ساق الخبر (1). وقال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع راويا عن الشعبي قصة الشورى: وخرج علي وهو كاسف البال مظلم وهو يقول: " يا ابن عوف ليس هذا بأول يوم تظاهرتم علينا من دفعنا حقنا والاستيثار علينا، وانها لسنة علينا وطريقة ركبتموها " (2). انتهى. ثم قال ابن أبي الحديد: قال الشعبي: فلما دخل عثمان رحله، دخل إليه بنو أمية حتى أمتلات بهم الدار، ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد غيركم ؟ قالوا: لا، قال: يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة. قال: فانتهره عثمان وساءه بما قال، وأمر بمشيئة الله تعالى. قال ابن أبي الحديد في الاستيعاب عند ذكر أبي سفيان: وروي عن الحسن أن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه، فقال: قد صارت إليك بعد تيم وعدي فأدرها كالكرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو الملك، ولا أدري ما جنة ولا نار، فصاح به عثمان: قم عني فعل الله بك وفعل (4). أقول: ليت شعري فلم أعطاه عثمان ما قدمناه مع تصريحه بالكفر، وتصريح الرسول صلى الله عليه وآله بلعنه مرارا، كما سيجئ عند ذكر معاوية، ولم وصله بما وصله.


1 - شرح نهج البلاغة 2: 214. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 390. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 390. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 87.

[408]

قال ابن الاثير في النهاية: ومنه الحديث: بلغ عمر أن معاوية قال: لو بلغ هذا الامر إلينا بني عبد مناف - يعني الخلافة - تزقفناه تزقف الاكرة، التزفق كالتلقف يقال: تزقفت الكرة تلقفتها: وهو أخذها باليد، من قبيل الاختطاف والاستلاب من الهواء، وهكذا جاء الحديث الاكرة والافصح الكرة، وبني عبد مناف منصوب على المدح، أو مجرور على البدل من الضمير في الينا. ومنه الحديث: إن أبا سفيان قال لبني أمية: تزقفوها تزقف الكرة، يعني الخلافة (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع عند ذكره قصة الشورى: قال عوانة: فحدثني يزيد بن جرير، عن الشعبي، عن شقيق بن سلمة: إن علي بن أبي طالب عليهما السلام لما انصرف إلى رحله قال لبني أبيه: " يا بني عبد المطلب إن قومكم عادوكم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله كعداوتهم النبي صلى الله عليه وآله في حياته، وان يطع قومكم لا تؤمروا أبدا، ووالله لا ينيب هؤلاء إلا بالسيف ". قال: وعبد الله بن عمر بن الخطاب داخل إليهم قد سمع الكلام كله فدخل فقال: يا أبا الحسن تريد أن تضرب بعضهم ببعض. فقال: " اسكت ويحك، فو الله لولا أبوك وما ركب مني قديما وحديثا، ما نازعني ابن عفان ولا ابن عوف " (2). انتهى. ثم ذكر عن الشعبي كلام المقداد رحمه الله مع ابن عوف، وفيه ما هذا لفظه: ومضى حتى دخل على علي فقال: قم حتى نقاتل معك، قال علي: " في من أقاتل رحمك الله ".


1 - النهاية 2: 306 " زقف ". 2 - شرح نهج البلاغة 2: 391.

[409]

واقبل عمار بن ياسر ينادي: يا ناعي الاسلام قم فانعه قد مات عرف وبدا نكر أما والله لو أن لي أعوانا لقاتلتهم، والله لئن قاتلهم واحد لاكونن له ثانيا، فقال علي: " يا أبا اليقظان والله لا أجد علينا أعوانا، ولا احب أن أعرضكم لما لا تطيقون "، وبقي علي في داره وعنده من أهل بيته، وليس يدخل إليه أحد مخافة عثمان (1). انتهى. وقال ابن أبي الحديد: قال الشعبي: واجتمع أهل الشورى على أن تكون كلمتهم واحدة على من لم يبايع، فقاموا إلى علي فقالوا: قم فبايع، قال: " فإن لم أفعل "، قالوا: نجاهدك، قال: فمشى إلى عثمان حتى بايعه وهو يقول: " صدق الله ورسوله " (2). انتهى. قال في الكامل بعد ذكره بيعة عثمان: فقال علي: " ليس هذا أول يوم تظاهرتم به علينا * (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) * (3) " (4). قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع عند شرحه قوله عليه السلام من خطبة: " بعث رسوله بما خصهم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم بترك الاعذار إليهم، فدعاهم بلسان الصدق إلى سبيل الحق، ألا إن الله قد كشف الخلق كشفة لا أنه جهل ما أخفوه من مصون أسرارهم ومكنون ضمائرهم، ولكن * (لنبلوهم أيهم أحسن عملا) * (5)، فيكون الصواب جزاء والعقاب بواء، أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا


1 - شرح نهج البلاغة 2: 391. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 391. 3 - يوسف: 18. 4 - الكامل في التأريخ 3: 71. 5 - الكهف: 7.

[410]

وأخرجهم. بنا يستعطى الهدى ويستجلب العمى، إن الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم ". قلت: هذا الموضوع مشكل ولي فيه نظر، وإن صح أن عليا عليه السلام قاله، قلت كما قال، لانه ثبت عندي ان النبي صلى الله عليه وآله قال: " إنه مع الحق وأن الحق معه يدور حيث ما دار " ويمكن أن يتناول ويطبق على مذهب المعتزلة، فيحمل على أن المراد به كمال الامامة، كما حمل قوله: " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " على نفي الكتاب لا على نفي الصحة (1). انتهى. قال في جامع الاصول في الفصل الاول من الكتاب الثالث في الفتن: أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يهلك أمتي هذا الحي من قريش " قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: " لو أن الناس اعتزلوهم " (2). انتهى. وقال في آخر كتاب الفتن: المسيب بن رافع قال: لقيت البراء فقلت: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وبايعته الشجرة، قال: يا ابن أخي انك لا تدري ما أحدثنا بعده (3). انتهى. وقال أيضا ابن الاثيرر في الفصل السادس من الباب الاول من كتاب الخلافة من كتاب جامع الاصول: كعب بن عجرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن خمسة وأربعة، أحد العددين من العرب والاخر من العجم، فقال: " اسمعوا انه سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منهم، وليس بوارد علي الحوض. ومن دخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم، ولم يصدقهم بكذبهم،


1 - شرح نهج البلاغة 3: 401. 2 - جامع الاصول 10: 17. 3 - جامع الاصول 10: 101.

[411]

فهو مني وهو وارد علي الحوض ". وروي: " ومن لم يدخل " في الثاني. وفي أخرى قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " أعيذك بالله يا كعب بن عجزة من أمراء يكونون بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منهم، ولا يرد علي الحوض. ومن غشى أبوابهم أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض "، تمام الخبر. ثم قال: أخرجه الترمذي. وأخرج النسائي الاول، وقال فيها: ونحن تسعة، ولم يذكر من العرب والعجم، وعينهم في رواية اخرى (1). انتهى. قال السيوطي في تفسير سورة النصر: وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة حنين أنزل عليه: * (إذا جاء نصر الله والفتح) * (2) الى آخر السورة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " يا علي بن أبي طالب عليهما السلام، يا فاطمة بن محمد صلى الله عليه وآله: جاء نصر الله والفتح، ورأيت يدخلون في دين الله أفواجا، سبحان ربي وبحمده، واستغفره إنه كان توابا، ويا علي إنه ليكون بعدي في المؤمنين الجهاد ". قال علي: " علام نجاهد المؤمنين الذين يقولون آمنا ؟ ". قال: " على الاحداث في الدين إذا ما عملوا بالرأي، ولا رأي في الدين، إنما الدين من الرب أمره ونهيه ". قال علي: " يا رسول الله صلى الله عليه وآله أرأيت إن عرض لنا أمر لم


1 - جامع الاصول 4: 75، سنن الترمذي 2: 512، سنن النسائي 7: 160. 2 - النصر: 1.

[412]

ينزل فيه القرآن، ولم تمض فيه سنة منك ؟ ". قال: " تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين ولا تقضونه برأي خاصة، فلو كنت مستخلفا أحدا لم يكن أحق منك، لقدمك في الاسلام، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله، وصهرك سيدة نساء المؤمنين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب إياي حين نزل القرآن، وأنا حريص على أن أرعى له في ولده " (1). انتهى. ورواه الثعلبي في تفسير هذه السورة بهذه الالفاظ بعينها إلا أن فيه: " وصهرك وعندك فاطمة صلوات الله عليها سيدة نساء المؤمنين "، رواه بسند عن عكرمة عن ابن عباس (2). قال البخاري في صحيحه: أخبرنا يحيى بن بكير، قال: أخبرنا الليث، عن عقيل بن أبي شهاب، عن عروة، عن عائشة: إن فاطمة بن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسلت إلى أبي بكرر تسأل ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وآله مما أفاء الله عز وجل عليه بالمدينة وفدك، وما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد عليهم السلام من هذا المال "، وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله عن حالها التي عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا عملن فيها كما عمل به رسول الله صلى الله عليه وآلهه، وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة صلوات الله عليها منها شيئا، فوجدت فاطمة عليها السلام على أبي بكر في ذلك، فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وآله ستة أشهر.


1 - الدر المنثور 8: 661. 2 - الكشف والتبيان: 214.

[413]

ولما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها، وكان لعلي عليه السلام في الناس وجه في حياة فاطمة صلوات الله عليها، فلما توفيت استنكر علي عليه السلام وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الاشهر، فأرسل إلى أبي بكر " أن إئتنا ولا يأتنا أحد معك " كراهة أن يحضر عمر. فقال عمر: لا والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عسيتم أن يفعلوا بي، والله لاتينهم، فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي فقال: " إنا عرفنا فضلك، وما أعطاك الله، ولم تنفس عليك خيرا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالامر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وآله نصيبا "، حتى فاضت عينا أبي بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إلي من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الاموال فإني لم آل فيها عن الخبر، ولم أترك ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لابي بكر: " موعدك العشية للبيعة ". فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر، وتشهد علي فعظم حق أبي بكر، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع تعاسته على أبي بكر، ولا إنكار بالذي فضله الله به: " ولكنا كنا نرى في هذا الامر نصيبا، فاستبد علينا فوجدنا أنفسنا " فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت، وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الامر بالمعروف (1). انتهى. وفي هذا الخبر دليل على أن أبا بكر آذى فاطمة صلوات الله عليها


1 - صحيح البخاري 5: 25.

[414]

وأغضبها أشد أذى وغضب، حتى هجرته وأوصت أن لا يحضر دفنها والصلاة عليها، وأن البيعة لم يرض بها أمير المؤمنين، ولما بايع رهبة وتقية، كان عمر يعرف من أمير المؤمنين أنه يستحل قتل أبي بكر وكذلك سائر أهل البيت: سيدة نساء العالمين صلوات الله عليها، وسيدي شباب أهل الجنة، حيث منعه من الدخول عليهم وحده، وقول أبي بكر: وما عسيتم أن يفعلوا بي، صريح في ذلك. وفيه أيضا دلالة على أنه عليه السلام ما بايع إلا رهبة وتقية لقوله: فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر، وقوله آخرا: وكان المسلمون إلى علي قريبا، الى آخره مما يؤيد ذلك. وفيه التظلم والتصريح بغصب حقه بالكنايات والالفاظ الصريحة ما لا يخفى، ألا ترى انه عليه السلام صرح أولا " بأنا لم نحسدك خيرا ساقه الله اليك، وإنما أنكرنا عليك أنك استبددت بالامر علينا، وأخذت حقا جعله الله لنا "، يعني أن الخلافة ليست مما ساقها الله إليه، وأنكرنا عليك أخذك ما جعله الله لنا بالقرابة والارث. فما تظلم وقرعه بالحجة التي تبكي الصخر، بكى أبو بكر مع أن قلبه أشد قسوة من الحجارة، فلم يجبه أبو بكر بجواب كلامه وإنما عدل عن الجواب إلى نوع من التلطف والتحيل، فلما رأى صلوات الله عليه أن الحجة لا تنفع ولا تنجع، وأن الموعظة لا تؤثر فيه، أعرض عما سمعه منه وقال: " موعدك العشية "، فلما كان بجمع الناس ومحضرهم أعاد ما كان حدث به أبا بكر اتماما للحجة على الحاضرين، فلما رآهم ضالين عن الحق حائرين عن القصد قام فبايع. ولا يخفى أنهم لما أهمهم أمر ترك أمير المؤمنين صلوات الله عليه للبيعة وانكاره، افتعلوا أحاديث تتضمن رضاه بالبيعة، يناقض بعضها بعضا ويكذب، فتارة قالوا: بعد ستة أشهر ووفاة فاطمة صلوات الله عليها تقية،

[415]

وتارة قالوا: كان مشغولا بجمع القرآن فخرج وبايع بعد أيام عينوها. قال أحمد بن أبي طاهر في المجلد الخامس من المنثور والمنظوم (1): في كتاب بلاغات النساء وجواباتهن وطريق كلامهن: كلام فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله عليها السلام: قال أبو الفضل: ذكرت لابي الحسين زيد بن علي الحسين بن علي بن أبي طالب كلام فاطمة عليها السلام عند منع أبي بكر إياها فدك، وقلت له: إن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع، وأنه من كلام أبي العيناء (الخبر منسوق البلاغة على الكلام). فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلمونه أبناءهم، وقد حدثنيه أبي عن جدي يبلغ به فاطمة عليها السلام على هذه الحكاية، ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العيناء، وقد حدث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنه سمع عبد الله بن الحسن يذكره عن أبيه. ثم قال أبو الحسن: وكيف يذكر هذا من كلام فاطمة صلوات الله عليها فيستنكرونه، وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة صلوات الله عليها فيحققونه، لولا عداوتهم لنا أهل البيت. ثم ذكر الحديث قال: لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله فدك، وبلغ ذلك فاطمة صلوات الله عليها، لاثت خمارها على رأسها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار، فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنه أجهش القوم لها، فافتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله


1 - خطبة الزهراء سلام الله عليها، وبيان معانيها، لم ترد في نسخة " ض "، والظاهر ان الناسخ قد حذفها ووضع محلها عبارة فارسية تشير الى حذفه هذا.

[416]

صلى الله عليه وآله، فعاد القوم في بكائهم، فلما أمسكوا عادت في كلامها فقالت: * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) * (1)، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم، فبلغ النذارة صادعا بالرسالة، مائلا على مدرجة المشركين، ضاربا لثبجهم، آخذا بكظمهم، يهشم الاصنام، وينكت الهام، حتى هزم الجمع، وولوا الدبر، وتغرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين. * (وكنتم على شفا حفرة من النار) * (2)، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الاقدام، تشربون الطربق، وتقتاتون الورق، أذلة خاشعين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله برسوله صلى الله عليه وآله، سيدا في أولياء الله، وأنتم في بلهنية وادعون آمنون، حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الافلين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهظكم فوجدكم خفافا، وأحمشكم فألقاكم غضابا، فوسمتم غير ابلكم، وأوردتموها غير شربكم هذا


1 - التوبة: 128. 2 - آل عمران: 103.

[417]

والعهد القريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، بدارا زعمتم خوف الفتنة، * (ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين) * (1). فهيهات منكم، وأنى بكم، وأنى تؤفكون، وهذا كتاب الله بين أظهركم، وزواجره بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تديرون، أم بغيره تحكمون، بئس للظالمين بدلا * (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين) * (2). ثم لم تريثوا اختها إلا ريث أن تسكن نفرتها، تسرون حسوا في ارتغاء، ونصبر منكم على مثل حز المدى، وأنتم اللائي تزعمون أن لا إرث لنا أفحكم الجاهلية تبغون * (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) * (3). ويها معشر المهاجرين أأبتز إرث أبي، أفي الكتاب أن ترث أباك ولا أرث أبي، لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم لله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، و * (لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) * " (4). ثم انحرفت إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وهي تقول: قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها واختل قومك فاشهدهم ولا تغب قال: فما رأينا يوما كان أكثر باكيا ولا باكية من ذلك اليوم. حدثني جعفر بن محمد - رجل من أهل ديار مصر لقيته بالرافقة - قال: حدثني أبي، قال: أخبرنا موسى بن عيسى، قال: أخبرنا عبد الله بن يونس، قال: أخبرنا جعفر الاحمر، عن زيد بن علي رحمة الله عليه، عن عمته زينب


1 - التوبة: 49. 2 - آل عمران: 85. 3 - المائدة: 50. 4 - الانعام: 67.

[418]

بنت الحسين عليهما السلام قالت: لما بلغ فاطمة عليها السلام اجماع أبي بكر على منعها فدك لا ثت خمارها، وخرجت في حشدة نسائها ولمة من قومها، تجر ادراعها، ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا، حتى وقفت على أبي بكر، وهو في حشد من المهاجرين والانصار، فأنت أنه أجهش لها القوم بالبكاء، فلما سكنت فورتهم قالت: " أبدأ بحمد الله " ثم أسبلت بينها وبينهم سجفا، ثم قالت: " الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدم من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسدادها، واحسان منن والاها، جم عن الاحصاء عددها، ونأى عن المجازاة أمدها، وتفاوت عن الادراك آمالها، واستثنئ الشكر باخضالها، واستحمد الى الخلائق باجزالها، وثنى بالندب الى امثالها. وأشهد أن لا إله إلا الله، جعل الاخلاص تأويلها، وضمن القلوب موصولها، وأنار في الفكرة معقولها، الممتنع من الابصار رؤيته، ومن الاوهام الاحاطة به، ابتدع الاشياء لا من شئ قبله، واحتذاها بلا مثال لغير فائدة زادته، إلا اظهارا لقدرته وتعبدا لبريته، واعزازا لدعوته، ثم جعل الثواب على طاعته، والعقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، وجياشا لهم إلى جنته. وأشهد أن أبي محمدا عبده ورسوله، اختاره قبل أن يجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه، وسماه قبل أن استنجبه، إذ الخلائق بالغيوب مكنونة، وبستر الاهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علما من الله عز وجل بمال الامور، واحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواضع المقدور. ابتعثه الله عز وجل اتماما لامره، وعزيمة على امضاء حكمه، فرأى صلى الله عليه وآله الامم فرقا في أديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لاوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بمحمد صلى الله عليه وآله ظلمها، وفرج عن

[419]

القلوب بهمها، وجلى عن الابصار غممها. ثم قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله قبض رأفة واختيار رغبة، بأبي صلى الله عليه وآله عزت هذه الدار، وموضوع عنه العب والاوزار، متحف بالملائكة الابرار، ومجاورة الملك الجبار، ورضوان الرب الغفار، صلى الله على محمد نبي الرحمة، وأمينه على وحيه، وصفيه من الخلائق ورضيه، صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته. ثم أنتم عباد الله - تريد أهل المجلس - نصب أمر الله ونهيه، وحملة دينه ووصيه، وأمناء الله على أنفسكم وبلغاؤه الى الامم، زعمتم حقا لكم الله فيكم عهد قدمه إليكم، وبقية استخلفنا عليكم، ومعنا كتاب الله بينة بصائره، وآي فينا منكشفة سرائره، وبرهان منجليه ظواهره، مديم البرية اسماعه، قائد إلى الرضوان اتباعه، مؤد الى النجاة استماعه، فيه بيان حجج الله المنورة، وعزائمه المفسرة، ومحارمه المخدرة، وتبيانه الجالية، وجمله الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة. ففرض الله الايمان تطهيرا لكم من الشرك، والصلاة تنزيها عن الكبر، والصيام تثبيتا للاخلاص، والزكاة تزييدا في الرزق، والحج تسلية للدين، والعدل تنسكا للقلوب، وطاعتنا وامامتنا لما من الفرقة، وحبنا عز الاسلام، والصبر نجاة، والقصاص حقنا للدماء، والوفاء بالنذر تعرضا للمغفرة وتوفية المكاييل والموازين تغييرا للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيها للعفة، وحرم الله عز وجل الشرك اخلاصا له بالربوبية، فاتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه * (إنما يخشى الله من عباده العلماء) * " (1). ثم قالت: " أيها الناس أنا فاطمة وأبي محمد صلى الله عليه وآله، أقولها


1 - فاطر: 28.

[420]

بدأ على عود * (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) * (1) "، ثم ساق الكلام على ما رواه زيد بن علي عليه السلام في رواية أبيه، ثم قالت في متصل كلامها: " أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول الله تبارك وتعالى: * (وورث سليمان داوود) * (2). وقال الله عز وجل فيما قص من خبر يحيى بن زكريا يا رب * (هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب) * (3). وقال عز من ذكره: * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * (4). وقال: * (يوصيكم الله للذكر مثل حظ الانثيين) * (5). وقال: * (إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حفا على المتقين) * (6). وزعمتم ألا حضوة ولا ارث من أبي ولا رحم بيننا، افخصكم الله بآية أخرج بنت نبيه صلى الله عليه وآله منها، أم تقولون: أهل ملتين لا يتوارثون، أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة، أم لعلكم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من النبي صلى الله عليه وآله، أفحكم الجاهلية تبغون * (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) * (7)، أأغلب على ارثي جورا وظلما * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * (8).


1 - التوبة: 128. 2 - النمل: 16. 3 - مريم: 5 - 6. 4 - الانفال: 75. 5 - النساء: 11. 6 - البقرة: 180. 7 - المائدة: 50. 8 - الشعراء: 227.

[421]

وذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر والمهاجرين عدلت إلى مجلس الانصار فقالت: " يا معشر البقية، وأعضاد الملة، وحصون الاسلام، ما هذه الغميزة في حقي، والسنة عن ظلامتي، أما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " المرء يحفظ من ولده "، سرعان ما أجدبتم فأكديتم، وعجلان ذا إهالة، أتقولون: مات رسول الله صلى الله عليه وآله فخطب جليل استوسع وهيه، واستنهز فتقه، وبعد وقته، وأظلمت الارض لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الجبال، واكدت الامال، واضيع الحريم، اذيلت الحرمة عند مماته صلى الله عليه وآله، وتلك والله نازلة علينا بها كتاب الله في أفنيتكم، وفي ممساكم ومصبحكم، يهتف في اسماعكم ولقلبه ما حلت بأنبياء الله عز وجل ورسله: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) * (1). ايها بني قيلة ! أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى منه ومسمع، تلبسكم الدعوة، وتثملكم الحيرة، وفيكم العدد والعدة، ولكم الدار، وعندكم الجنن، وأنتم الاولى نخبة الله التي انتخب لدينه، وأنصار رسوله، وأهل الاسلام والخيرة التي اختار لنا أهل البيت، فباديتم العرب وناهضتم الامم، وكافحتم البهم، لا نبرح نأمركم حتى دارت لكم بنا رحى الاسلام، ودر حلب الانام، وخضعت نعرة الشرك، وباخت نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين. فأنى حرتم بعد البيان، ونكصتم بعد الاقدام، وأسررتم بعد الاعلان، لقوم نكثوا ايمانهم أتخشونهم * (فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) * (2)، إلا قد أرى قد أخلدتم الى الخفض، وركنتم الى الدعة،


1 - آل عمران: 144. 2 - التوبة: 13.

[422]

فعجتم عن الدين، ومججتم الذي وعيتم، ووسعتم الذي سوغتم، فإن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فإن الله لغني حميد. ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خامر صدوركم، واستشعر قلوبكم، ولكن قلته فيضة النفس، ونفثة الغيظ وبثة الصدر، ومعذرة الحجة، فدونكموها فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناقبة الحق، باقية العار، موسومة بشنار الابد، موصولة ب‍ * (نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة) * (1)، فبعين الله ما تفعلون * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * (2)، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنا عاملون وانتظروا انا منتظرون ". وقال أبو الفضل: وقد ذكر ان أبا العيناء ادعى هذا الكلام، وقد رواه قوم وصححوه، وكتبناه على ما فيه. وحدثني عبد الله بن أحمد العبدي، عن الحسين بن علوان، عن عطية العوفي انه سمع أبا بكر يومئذ يقول لفاطمة صلوات الله عليها: يا ابنة رسول الله لقد كان صلى الله عليه وآله بالمؤمنين رؤوفا رحيما، وعلى الكافرين عذابا أليما، وإذا عزوناه كان أبوك دون النساء، واخا ابن عمك دون الرجال، آثره على كل حميم، وساعده على الامر العظيم، لا يحبكم إلا العظيم السعادة، ولا يبغضكم إلا الردي الولادة وأنتم عروة الله الطيبون، وخيرة الله المنتخبون على الاخرة أدلتنا، وباب الجنة لسالكنا، وأما منعك ما سألت فلا ذلك لي، وأما فدك وما جعل لك أبوك لك فإن منعتك فأنا ظالم، وأما الميراث فقد تعلمين انه صلى الله عليه وآله قال: " لا نورث ما تركناه صدقة ". قالت: " ان الله يقول عن نبي من انبيائه * (يرثني ويرث من آل


1 - الهمزة: 6 - 7. 2 - الشعراء: 227.

[423]

يعقوب) * (1). وقال: * (وورث سليمان داوود) * (2). فهذان نبيان، وقد علمت ان النبوة لا تورث، وإنما يورث ما دونهما، فمالي امنع ارث أبي، أأنزل الله في الكتاب إلا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله فتدليني عليه فاقنع ؟ !. فقال: يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله أنت عين الحجة، ومنطق الرسالة، لا بد لي بجوابك، ولا أدفعك عن صوابك، ولكن هذا أبو الحسن بيني وبينك هو الذي أخبرني بما تفقدت، وأنبأني بما أخذت وتركت. قالت: " فإن يكن ذلك كذلك فصبرا لمر الحق، والحمد لله اله الخلق ". قال أبو الفضل: وما وجدت هذا الحديثث على التمام إلا عند أبي حفان. وحدثني هارون بن مسلم بن سعدان، عن الحسن بن علوان، عن عطية العوفي قال: لما مرضت فاطمة عليها السلام المرضة التي توفيت بها، دخل النساء عليها فقلن: كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قالت: " اصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أن عجمتم، وسئمتم بعد أن سبرتم، فقبحا لفلول الحد، وخور القنا، وخطل الرأي، * (لبئسما قدمت لهم أنفسهم، أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون) * (3). لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وشنت عليهم عارها، فجدعا وعقرا وبعدا للقوم الظالمين.


1 - مريم: 6. 2 - النمل: 16. 3 - المائدة: 80.

[424]

ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الوحي الامين، الطبن بامور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين. وما الذي نقموا من أبي الحسن ؟ ! نقموا منه نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله وبالله لو تكافؤا على زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه وآله لسار بهم سيرا سجحا، لا يلكم خشاشة، ولا يتعتع راكبه، ولا وردهم منهلا رويا فضفاضاا، تطفح ضفتاه، ولاصدرهم بطانا قد تحبر بهم الري، غير متجل منهم بطائل بغمرة الباهر، وردعه سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون. ألا هلمن فاسمعن، وما عشتن أراكن الدهر عجبا، إلى أي لجأ لجأوا واسندوا، وبأي عروة تمسكوا، و * (لبئس المولى ولبئس العشير) * (1)، استبدلوا والله الذنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قوم * (يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * (2) * (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) * (3)، ويحهم * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون) * (4). أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا وذعافا ممقرا، هناك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسس الاولون، ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا، واطمأنوا للفتنة جأشا، وابشروا بسيف صارم وبقرح شامل، واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا، فيا حسرة لكم، وانى بكم وقد عميت عليكم انلزمكموها وانتم لها كارهون " ثم أمسكت عليها السلام. انتهى كلامه بألفاظه (5).


1 - الحج: 13. 2 - الكهف: 104. 3 - البقرة: 12. 4 - يونس: 35. 5 - بلاغات النساء: 12 - 20.

[425]

أقول: روى هذه الخطبة بألفاظها ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة، من كتاب أبي بكر، أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة، قال: قال أبو بكر: حدثني محمد بن زكريا، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن الحسن بن صالح، قال: حدثني رجالان من بني هاشم، عن زينب بنت علي ابن أبي طالب صلوات الله عليهما، قال: وقال جعفر بن محمد بن عمارة: حدثني أبي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه. قال أبو بكر: وحدثني عثمان بن عمران العجيفي، عن نائل بن نجيح بن عمير بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر بن محمد بن علي عليهما السلام. قال أبو بكر: وحدثني أحمد بن محمد بن يزيد، عن عبد الله بن محمد ابن سليمان، عن أبيه عبد الله بن الحسن بن الحسن، قالوا جميعا: لما بلغ فاطمة عليها السلام اجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها، وأقبلت في لمة من حفدتها، ثم أشار الى هذه الخطبة، فذكر التحميد الذي في الخطبة الثانية: " الحمد لله الذي على ما أنعم، وله الشكر بما ألهم " وأحال باقي الخطبة على الشهرة، ولم يذكرها (1). وكذلك صنع الصدوق قدس الله روحه في كتاب علل الشرائع والاحكام، ذكر منها ما يتضمن العلل (2)، وكذلك في كتاب من لا يحضره الفقيه، قال: والخطبة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة (3). رواه في الفقيه والعلل عن أحمد بن محمد بن جابر، عن زينب بنت علي عليهما السلام قالت: قالت فاطمة صلوات الله عليها في خطبتها في معنى فدك: " لله فيكم عهد قدمه " إلى قولها عليها السلام: " انتهوا عما نهاكم


1 - شرح نهج البلاغة 2: 402. 2 - علل الشرائع: 248. 3 - من لا يحضره الفقيه 3: 372 حديث 1754.

[426]

عنه ". وفي العلل باسناده عن عبد الله بن محمد العلوي، من رجال من أهل بيته، عن زينب عليها السلام، وباسناده عن حفص الاحمر، عن زيد بن علي، عن عمته زينب (1). وفي كتاب كشف الغمة روى الخطبة الثانية بطولها، وكذلك كلامها صلوات الله عليها لما دخل النساء عليها إلى قولها صلوات الله عليها: " وأنتم لها كارهون "، بتغيير يسير في بعض الالفاظ. قال رضوان الله عليه: نقلته من كتاب السقيفة تأليف أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، من نسخة قديمة مقروءة على مؤلفها، روي عن رجاله من عدة طرق (2). رجعنا إلى ألفاظ أحمد بن أبي طاهر قوله: الخبر منسوق البلاغة على الكلام، قال الجوهري: النسق: ما جاء من الكلام على نظام واحد، والنسق بالتسكين مصدر نسقت الكلام: إذا عطفت بعضه على بعض (3). والظاهر أن المراد: إن هؤلاء لا يذكرون كذا، ويستندون بأن هذا الكلام على نظام واحد معطوف بعضه على بعض في البلاغة والبراعة من غير اختلاف فائق على الكلام عال عليه، وما صدر ذلك إلا من بليغ بعد تفكر طويل وتدبر وتكرير ومراجعة، ويبعد أن تكون فاطمة المتكلمة به ارتجالا من غير فكر وتصنيف، ولهذا قال أبو الحسين: وكيف يذكر هذا من كلام فاطمة عليها السلام فينكر، إلى آخره. قوله: لما أجمع، الاجماع: العزم وإحكام النية يتعدى بنفسه وب‍ على. قوله: لاثت: أي لفت، قال في النهاية: ومنه حديث بعضهم: فخللت من


1 - علل الشرائع: 248. 2 - كشف الغمة 2: 480. 3 - الصحاح 4: 1558 " نسق ".

[427]

عمامتي لوثا أو لوثين: أي لفة أو لفتين (1). قوله: في لمة، بتخفيف الميم وضم اللام، قال في النهاية: في حديث فاطمة صلوات الله عليها: انها خرجت في لمة من نسائها تتوطأ ذيلها، الى أبي بكر فعاتبته، أي: في جماعة (من نسائها) (2)، قيل: هي ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقيل: اللمة: المثل في السن الترب. قال الجوهري: الهاء عوض (3) من الهمزة الذاهبة من وسطه (وهو مما اخذت عينه كسه ومذ) (4)، وأصلها فعلة من الملاءة، وهي الموافقة (5) والملاءة: الريطة. وفي رواية كشف الغمة وابن أبي الحديد: ريطة، قال: قال بعضهم قبطية (6). قال تعزوه: أي تنسبوه. قال في النهاية: التعزي: الانتماء والانتساب إلى القوم، يقال: عزيت الشئ وعزوت (7). ولعل المراد: أ تتأملوا في نسبه وتذكروا نسبه يتبين لكم أنه مخصوص بأبوتي وباخوة ابن عمي. ماثلا على مدرجة، الماثل: القائم، والمدرجة: المذهب والمسلك، أي:


1 - النهاية 4: 275 " لوث ". 2 - أضفناها من المصدر. 3 - الصحاح 6: 2485 " لمى ". علما بأن كلام الجوهري ينتهي الى كلمة " عوض "، وما بعده من قول الزمخشري في الفائق 3: 330 - 331. 4 - أضفناها من المصدر. 5 - النهاية 4: 273 " لمم ". 6 - كشف الغمة 2: 480، شرح نهج البلاغة 2: 402. 7 - النهاية 3: 233 " عزا ".

[428]

قائم ورقيب على سننهم يمنعهم من كل قبيح يستحسونه وظلم يرتكبونه، من شرب الخمور وعبادة الاوثان ووأد البنات. قال في النهاية: المدارج: الثنايا الغلاظ واحدتها مدرجة: وهي المواضع التي يدرج فيها أي يمشي (1). ضاربا لثبجهم، الثبج: ما بين الكاهل إلى الظهر، أي: متسلط عليه تسلط الراكب على مركوبه. والثبج: الوسط، قال في النهاية: ومنه حديث علي: " وعليكم الرواق المطنب فاضربوا ثبجه أخذا بكظمهم " (2). قال في النهاية: في حديث علي عليه السلام: " لعل الله يصلح أمر هذه الامة ولا يؤخذ بأكظامها " هي جمعع كظم بالتحريك: وهو مخرج النفس (3). ينكت الهام، النكت: أن تضرب بقضيب في الارض فتؤثر فيها، كناية عن سياسته لهم وتسلطه صلى الله عليه وآله عليهم. ويقال أيضا: نكته: أي ألقاه على وجهه، قال في النهاية: طعنه فنكته: أي ألقاه على رأسه (4). فالمراد بقولها: " ينكت الهام ": أي يلقها عن منابت الاعناق، ويحتمل أن يكون المراد: الهام من الاصنام. قال في الكشاف: لما نزلت هذه الاية يوم الفتح قال جبرئيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله: خذ محضرتك ثم ألق الاصنام، فجعل يأتي صنما صنما، وهو ينكت بالمخصرة في عينه ويقول: * (جاء الحق وزهق الباطل) * (5)، فينكب الصنم لوجهه، حتى ألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة


1 - النهاية 2: 111 " درج ". 2 - النهاية 1: 206 " ثبج ". 3 - النهاية 4: 178 " كظم ". 4 - النهاية 5 - 113 " نكت ". 5 - الاسراء: 81.

[429]

فوق الكعبة، وكان من قوارير صفر فقال: " يا علي ارم به "، فحمله رسول الله صلى الله عليه وآله حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا أسحر من محمد (1). انتهى. وتغرى الليل عن صبحه: أي الباطل عن الحق الذي كان قد شمله الباطل وغشيه، كما يغشى الليل النهار. وأسفر الحق: أي أشرق وتلالا كاشفا عن محضه وخالصه الذي كان مستورا تحت الباطل أو تحت الحق الممزوج بالباطل، فإنه لم يكن في الجاهلية إلا باطل محض أو حق ممزوج بباطل، ولم يرد أسفر بمعنى كشف، وإنما هو سفر. وخرست شقاشق الشياطين: أي صمتت وسكتت، فلا تسمع لها شقشقة بالكسر، كقولهم: كتيبة خرساء للتي لا تسمع لها قواقع، وسحابة خرساء: إذا لم يكن فيها رعد. على شفا حفرة من النار: أي حرفها: إما نار الاخرة، لانه لم يكن بينهم وبين خلودها إلا مفارقة الروج الابدان، أو ما كان يصيبهم في الدنيا من الفتن والقتل الذائع، والاسر الشائع، ونهب الاموال والاطفال وتعذيبهم إلى أيام واحس وغبراء وقرواش (2) وما ترتب عليها وأثمرته قليل من كثيرها. مذقة الشارب، المذقة بالضم: الشربة من اللبن الممذوق، من المذق، بمعنى الخلط، والميم أصلية. ونهزة بالضم: الفرصة. والقبسة بالتحريك: شعلة من نار يقتبس من معظمها، أرادت صلوات الله عليها: انكم كنتم في سهولة المأخذ على أعدائكم بمنزلة المذق للشارب والنهزة للطامع، لان الطامع يبيت من غير فرصة، فمع الفرصة أحرى.


1 - الكشاف 2: 463. 2 - أسماء أفراس لقيس بن زهير العبسي، سميت بها حرب وقعت بين عبس وذبيان دامت أربعين عاما، انظر: الاغاني 5: 33 و 8: 240، السيرة النبوية لابن هشام 1: 304، الصحاح 3: 927 (دحس) القاموس المحيط 2: 213 (دحس)، مجمع الامثال 2: 188.

[430]

يقال: نهزة المخلس: أي محل ظفر المخلس عند النهزة والفرصة. وبمنزلة قبسة العجلان وموطئ الاقدام، لان العجلان يقتبس بسرعة ولا يعهد منه. أو المراد: انكم كنتم مذقة لمن أراد الشرب، ونهزة لمن يتأتى منه الطمع، وقبسة للمقتبس العجلان ينال بغيته منكم بلا مؤنة. وموطئ الاقدام: من مشى عليكم وغزاكم. تشربون الطرق، الطرق: الماء الذي تطرقه الابل والدواب وتبول فيه وتبعر. وتقتاتون الورق: أي تتخذون أوراق الشجر قوتا. بعد اللتيا: بفتح اللام وتشديد الياء تصغير، وجوز بعضهم اللام، وهما كنايتان عن الداهية الصغيرة والكبيرة. منى بينهم الرجال: أي ابتلى بفرسان الرجال، لانهم لشدة بأسهم لا يدري من أين يؤتون. ذؤبان العرب: صعاليكها الذين يتلصصون. حشوا: أي أوقدوا، ومنه صلى الله عليه وآله لابي بصير بعد ما تخلص: " ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال "، وروي: مسعر حرب، يقال: حش الحرب: إذا أسعرها (1). ونجم قرن للضلال، شبهت صلوات الله عليها الضلال بالبهيمة إذا نجم وطلع قرنها صالت واستولت وكملت. أو المراد بالقرن: الجماعة من الناس في زمان واحد، قال في النهاية: في حديث خباب: هذا قرن طلع، أراد قوما أحداثا نبغوا بعد أن لم يكونوا (2).


1 - النهاية 1: 389 " حشش ". 2 - النهاية 4: 52 " قرن ".

[431]

فعلى هذا اللام في الظلال للعاقبة. سماخها بأخمصه، السماخ: ثقب الاذن، أو الاذن نفسها، وبالصاد لغة فيه، وهذا كناية عن قهرهم وقتلهم. ويخمد لهبها لجده، واخماد اللهب بماء السيف من أبلغ الكنايات وأحسنها. في بلهنية: أي سعة وفراغ. حسكة النفاق: أي الظغن الناشئ عنه، أو المراد بالحكسة: الشوك أو الالة المصنوعة على هيئتها من الحديد، فظهورها كناية عن ظهور أثر النفاق ورواجه. ونبغ خامل الافلين، نبغ الشئ: ظهر، ونبغ الرجل: إذا لم يكن في إرث الشعر ثم قال وأجاد، ومنه سمي النوابغ النابغة الذبياني والجعدي. والخامل: الساقط لا نباهة له. الافلين: الغيب عن الجلسة، والعقد من الاذناب. الفنيق: الفحل الكريم الذي لا يركب ولا يهان، قال أبو طالب رضي الله عنه: وما أن أدب لاعدائه دبيب البكار حذار الفنيق يخطر في عرصاتكم، خطر البعير بذنبه: رفعه مرة بعد مرة يضرب فخذيه قال الشاعر: تثني على الحاذين ذا فصل تعماله الشذران والخطر الحاذ: مؤخر الفخذ، والشذرات: رفع الناقة ذنبها من المرح. واطلع الشيطان رأسه من مغرزه، الرأس بالكسر: ما يختفي فيه. والمحل في الكلام تشبيهها للشيطان بالقنفذ، فإنه إنما يطلع رأسه عند زوال الخوف، كذا. ويحتمل ظاهرا رجوع الكناية في مغرزة إلى الشيطان لا إلى رأسه، أي: طلع رأسه من مكمنه وزبيته.

[432]

وللغرة فيه ملاحظين، الغرة بالكسر: الاغترار والغفلة عن العاقبة، والضمير المجرور راجع إلى الشيطان. وملاحظة الشئ: مراعاته، وأصله من اللحظ وهو النظر بمؤخر العين، وهو إنما يكون عند تعلق القلب بشئ أي: وجدكم الشيطان لسرعة قبولكم الانخداع كمن كان مطلع نظره أن يغتر بأباطيله. وأحمشكم فألفاكم غضابا: أحمشت الرجل: أغضبته، واحتمشت النار: الهبتها. أي: حملكم على الغضب فوجدكم غضابا. بدارا: أي مبادرين في جميع ذلك من غير تأمل وتثبت. زعمتم خوف الفتنة اجتنابا لها وهربا منها: فعلتم الذي فعلتموه كذبا وخديعة، وكيدا ومكرا وبغيا، ودهاء وغدرا وافكا. بئش للظالمين بدلا من الكتاب وأهل البيت، ما سولت لهم أنفسهم من الباطل وزخرف القول غرورا وبغيا. ثم لم تريثوا بدلا من الكتاب وأهل البيت، ما سولت لهم أنفسهم من الباطل وزخرف القول غرورا وبغيا. ثم لم تريثوا اختها، الريث: الابطاء، أي لم تؤخروا اخت تلك الفتنة إلا قدر سكون نفرة الفتنة المتقدمة لها، قال الشاعر: لا يصعب الامر إلا ريث يركبه والنفرة: الحزونة والصعوبة، والمراد: انكم لا تسوغون الاغضاء عن فتنة، ولما استتبت لكم فتنة السقيفة، وذلت حزونتها، وسمحت قرونتها أردفتموها بغصب حقي ومنع ارثي. تسرون حسوا في ارتغاء، حسى حسوا: شرب شيئا بعد شئ كالطائر. في الصحاح: ارتغيت: شربت الرغوة، وفي المثل: (يسر حسوا في ارتغاء) يضرب لمن يظهر أمرا وهو يريد غيره (1). قال الميداني: قال أبو زيد والاصمعي: أصله الرجل يؤتى باللبن فيظهر


1 - الصحاح 6: 236 " رغا ".

[433]

انه يريد الرغوة خاصة فشربها، وهو في ذلك ينال من اللبن، يضرب لمن يظهر انه يعينك وإنما يجر النفع إلى نفسه. فريا، قيل: من الفرية والافتراء بمعنى الخلق والاختلاق، أي: مصنوعا مختلفا، ويقال: عظيما. فدونكما: الضمير للفعلة والصنعة والخطيئة، أو لفدك، أي: خذها. مخطومة مرحولة: معدة معدلة، والامر للتمهيد. قال في النهاية: وفيه أن فاطمة عليها السلام قالت بعد موت أبيها، وذكر البيتين ثم قال: الهنبثة واحدة الهنابث: وهي الامور الشداد المختلفة، والهنبثة: الاختلاط في القول، والنون زائدة (1). قولها صلوات الله عليها: " واحسان منن والاها ": من الموالاة، من ولي الامرين: أي تابع بينهما مترادفة متوالية. نأى عن المجازاة أمدها: أي بعد المجازاة غايتها. والامد كالمدى بمعنى الغاية، يعني أنه لا أمد لها فيجازى، والامد المفروض لكل حد حدودها، أو بمعنى المدة المجهولة كما قيل على الاول، ورد قوله عليه السلام: " ولا انقطاع لامده ". وتفاوت عن الادراك آمالها، تفاوت الشيئان: أي تباعد ما بينهما، أي بعد عن الادراك من غيره سبحانه ما أمل منها فلا تنال إلا من عنده، أوجدت الامال عن ادراك تلك النعم، أي: لا تدرك بالاماني والامال كما ورد: ان الاماني أو الامال صنائع النوكى "، وفي بعض الروايات: " عن الادراك أبدها " أي: لا نهاية لها تدرك، أو المراد شاردها إن قرئ بالمد، والمراد النعم إذا زالت عن قوم بذنوب اقترفوها، فلا ترجع إليهم بسهولة، ولا يدرك أبدها بلا مؤنة.


1 - النهاية 5: 277 " هنبث ".

[434]

واستثنى الشكر بافضالها: أي طلب الثناء بالشكر وندب إليه اقتراحا بل مع افضال النعم، لانه تعالى أسبغ عليهم نعمه وندبهم الى الشكر والثناء، ليستوجبوا بذلك المزيد من فضله. وثنى بالندب، بالتشديد أي: ندب ثانيا الى أمثال النعم بأن وعدهم الزيادة بالشكر على المنعم، أو بالتخفيف أي: عطف العنان ومال الى الندب إلى أمثالها. جعل الاخلاص تأويلها، فلا يعبأ بها من دون الاخلاص، كأنها لا معنى لها عارية عن الاخلاص، أو لا معنى لها سوى الاخلاص. وضمن القلوب موصولها: أي أودع القلوب موصولها حيث جعلها مستعدة لذلك قابلة له، لانه تعالى فطر الناس عليها خلقهم خلقة قابلة لفهم التوحيد وادراك الصانع ثم أخذ عليهم الميثاق في عالم الذر تأكيدا للاستعداد والقبول الجبلي. وموصولها: أي المتصل بعضها ببعض، فلا يخلو زمان من موعد ظاهرا وباطنا، أو ظاهرا لا باطنا، أو باطنا لا ظاهرا. قيل: موصول القلوب: ما يقبل الوصول إلى معاني تلك الكلمة دقائقها. وقيل: المراد: وضمن القلوب ظاهر تلك الكلمة وما يصل إليه العقل منها، وكلاهما كما ترى. وأنار في الفكرة معانيها وما يعقل منها، حيث فطرهم عليها وخلقهم خلقة قابلة لادراكها. احتذاها: أي اخترعها بلا احتذاء بغيرها بل أحذا نفسها. بلا مثال: زيادة تعليل لجعل العقاب. وحياشا: تعليل لجعل الثواب لا على السبيل اللف. وبستر الاهاويل مصونة: لعل المراد مصونة عن الاهاويل والمصائب والحوادث بستر العدم، ويؤيده أنه حين تتوافق القرائن، والاضافة فيه

[435]

كالاضافة في ثياب الخز والقز، أو المراد: مستورون بالاهاويل، فجعل حالهم وهم مستورون في العدم عالما سبحانه بما يجري عليهم من الاهاويل والمصائب كأنهم مستورون بالاهاويل. وقيل: المراد بالاهاويل: الظلمات الثلاث التي ذكرها الله سبحانه أنه يخلقهم فيها خلقا بعد خلق، وهو بعيد، من حيث أن المراد: إنه اصطفاه قبل خلق الخلق، وهذا المعنى ينافيه. وقيل: المراد بالاهاويل: العدم، أي: مصونة بسر العدم، والتعبير عن درجات العدم بالاهاويل كالتعبير عنها بالظلمات. بهمها، غممها أي: القلوب والابصار: أو الامم أو الاديان. بأبي صلى الله عليه وآله عزت هذه الدار عن الشئ: قل حتى لا يكاد يوجد. نصب أمر الله: أي تتوجه إليكم أوامره ونواهيه. زعمتم: متعلق بما قبله، تعني: إنكم تزعمون وتدعون أنكم حملة دينه. حق لكم: أي كان ينبغي أن يكونوا كذلك وأنتم أحرياء بذلك للصحبة والخلطة، ولكنكم استهوتكم الشياطين وبدلتم نعمة الله كفرا. واحق لكم، بناء للمجهول أو المعلوم، ويمكن على بعد أن يكون حق لكم معمول زعمتم. لله فيكم عهد قدمه اليكم: جملة مستأنفة، إشارة الى هذا الميثاق قبل خلق الخلق، ويوم الغدير، وسائر المواقف والمواطن. وبقية استخلفنا عليكم ومعنا كتاب الله: الواو للحالية، إشارة الى الخبر المتواتر: " اني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ". أو المراد: جعلنا خلفاء عليكم وأئمة، والحال أن معنا كتاب الله وتأويله ومعانيه وعلومه.

[436]

بصائره، جمع بصيرة، قال الجوهري: البصيرة: ما بين شقتي البيت، وهي البصائر، والبصيرة: الحجة (1). والمقام يحتمل المعنيين. آي فينا منكشفة سرائره وبرهان منجلية ظواهره: لعل المراد بالاولى: الايات الدالة على الامامة والفضائل بالتأويل لا ظواهرها بل بطونها، وبالثانية: الايات الدالة ظواهرها وصريحها على الامامة والفضل الباهر، والاكرمية والافضلية. أو المراد بالاولى: ما يخص الائمة عليهم السلام من الايات وبالثانية: الاعم منها ومما يدل على الاحكام. مديم للبرية اسماعه: إشارة الى أن القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يحرف ولا يكتم الى انقضاء التكليف. المفسرة: أي على ألسنة أهل البيت صلوات الله عليهم. وجملة الكافية: أي في تأدية العلوم والمسائل الكثيرة كقوله تعالى: * (يريد الله بكم اليسر) * و * (اولوا الارحام بعضهم أولى ببعض) * و * (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) *. المندوبة: أي التي ندب إليها ورغب فيها. ورخصة: كالقصر في السفر، والتيمم عند الحاجة، وأكل الميتة عند الاضطرار. وتفسيره بالمباحات بعيد. تثبيتا للاخلاص، لان الصوم من العبادات الخفية. والحج تسلية للدين، والظاهر أنه وهم من قلم الناسخ وإنما هو تسنية كما في كتاب كشف الغمة (2)، وعلل الشرائع والاحكام (3) للصدوق رحمه


1 - الصحاح 2: 592 " بصر ". 2 - كشف الغمة 2: 480. 3 - علل الشرائع: 248.

[437]

الله، وفي رواية الطبرسي (1): تشييدا للدين. وكون الحج يثمر التسنية والتشييد، ظاهر من حيث تضمنه العبادات الظاهرة، والتواضع الواضح اللائح، ومن حيث لقاء الامام وقضاء النفث وازاحة الجهل. والعدل تنسكا للقلوب: أي تعبدا لها، لان العدل كثيرا ما ينشأ من عدم ميل القلب، قال تعالى: * (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء) * الاية، وفي رواية الطبرسي (2): مسكا، وهو ما يمسك به الشئ، أي: تسكينا. وطاعتنا وامامتنا لما، لانه إذا كانت الامامة بالنص والعصمة فلا تتفرق حينئذ الاهواء، ولا تتشتت الاراء، ولا تتلقفها السفهاء تلقف الكرة، ولا تنتضي عليها السيوف. وحبنا عز الاسلام: لانهم عليهم السلام أسه وأساسه، ومأواه ومنتهاه. والوفاء بالنذر تعرضا للمغفرة: لانه سبحانه لما وعد عباده المغفرة وقبول التوبة قال تعالى * (أوفوا بعهدي اوف بعهدكم) *. تغييرا للبخس: لما فيه من الجناية، ولتضمنها لؤما فاحشا ورذالة ودناءة واضحة. تنزيها عن الرجس: لما فيه من القذارة والرائحة الكريهة، والانخراط من سلك أولي العقول، والانتظام في قرن البهائم والانعام والسباع. اجتنابا للعنة: لانه إذا سب سب. بدأ على عود، قال في الصحاح: يقال: رجع عوده على بدئه: إذا رجع في الطريق الذي جاء منه (3). فيحتمل أن يكون كلامها عليها السلام على القلب، أي عودا على بدء، والمراد بدأ متقدما على عودي، اشارة منها عليها السلام


1 - الاحتجاج: 312. 2 - الاحتجاج: 312. 3 - الصحاح 1: 35 " بدأ ".

[438]

الى انها ستطالب به ولا ترضى إلا بحقها، وتعود في هذا القول في الدنيا ويوم القيامة الاشهاد. أو المراد: بدأ على عود على بدء، وحذفته لظهور استلزام العود البدء، أي أقولها ثالثا اتماما للحجة. أفعلى محمد صلى الله عليه وآله: أي في خصوص هذه المادة تحكمون بغير ما أنزل الله استثناء له صلى الله عليه وآله، أو بسببه شرع لكم الميراث وأنتم تتركونه في أهل بيته صلوات الله عليهم كما قال الشاعر: بمحمد سلوا سيوف محمد رضخوا بها هامات آل محمد معشر البقية: أي بقية الاصحاب. الغميزة، قال الجوهري: قولهم: ليس في فلان غميزة: أي مطعن، وقال: رجل غمز: أي ضعيف (1). ويؤيد الثاني ما في كشف الغمة (2) فإن فيه: " ما هذه الفترة، سرعان ما أجدبتم فأكديتم " أي سريعا ما أجدبتم وقحطتم فعجزتم. ثم يقال: أكدى الحاضر: إذا بلغ الكدية في حفرة. وعجلان ذا إهالة، قال الفيروز آبادي: سرعان ذا إهالة (3). أصله: إن رجلا كانت له نعجة عجفاء وكان زعامها يسيل من منخريها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل ؟ فقال: ودكها، فقال السائل: سرعان ذا إهالة. وذا إشارة الى الزعام، وإهالة على التمييز أو الحالية. أتقولون مات رسول الله: أي فننقلب على أعقابنا، ونصنع ما شئنا، ونبدي الضغائن. استوسع وهيه: وهي السقا، أي: انخرق، وفي السماء أي: خرق.


1 - الصحاح 3: 889 " غمز ". 2 - كشف الغمة 2: 480. 3 - القاموس المحيط 3: 332 " أهل ".

[439]

واستنهز فتقه: أي اتسع، وأنهزمت الطعنة: وسعتها، قال قيس بن الحطيم: ملكت بها كفي فانهزمت فتقها يرى قائم من دونها ما وراها وبعد وقته: الوقت الامد الموقوت الممدود، أي: لا يدرك أمد هذا الخطب ومنتهى عظمته. واكتأبت: من الكابة. اذيلت، الاذالة: الاهانة. بني قيلة: اسم أم الانصار، الاوس والخزرج، قديمة وهي بنت كاهل. بمرأى منه: أي من النبي صلى الله عليه وآله، أو من الظلم والهضم اتساع، أي: انتم بحيث ترونه ويراكم لو تأتي له الرؤية. تلبسكم الدعوة: أي إلى النهي عن المنكر ونصرة المظلوم، ومردة ذي القربى والذب عنهم. وتشملكم الحيرة: التخاذل والتواني من غير عذر. وأنتم الاولى نخبة الله: أي اختاركم لنصرة رسوله صلى الله عليه وآله، فرجعتم على أعقابكم القهقري بعد النصرة والجهاد، كما اختار موسى قومه للميقات. وكافحتم البهم: قال الاصمعي: كافحوهم: إذا استقبلوهم في الحرب بوجوههم ليس دونها ترس. والبهم، جمع بهيمة: وهو الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه، ويقال للجيش أيضا: بهمة. وخضعت نعرة الشرك، النعرة: الكبر، وقال الفيروز آبادي: النعرة كهمزة: الخيلاء والكبر، وقال: النعرة بالضم وكهمزة الخيشوم (1). وحرتم بعد البيان: بالمهملة المكسورة أولا: من حار: إذا تحير من


1 - القاموس المحيط 2: 145 " نعر ".

[440]

الحيرة. أو المضمومة: من حار: إذا رجع، أو من حار: إذا نقص، ومنه: " نعوذ بالله من الحور بعد الكور ". أو بالمعجمة من تحت: الجور: وهو الخروج عن الجادة. أو من فوق: من خار الرجل: إذا ضعف وانكسر. فعجتم عن الدين، قال الفيروز آبادي: عاج عوجا: أقام ووقف ورجع وعطف رأسه البعير (1). فالمعنى على الاولين: أقمتم على النفاق والجور منحرفين عن الدين، وعلى الثانيين أظهر. ومج الشراب من فيه: إذا رمى به. ووسعتم الذي سوغتم، الوسع: الدفع والقئ. خامر صدوركم، المخامرة: المخالطة، وخامر الرجل المكان: أي لزمه. فيضة النفس، فاض نفسه بالسر: أي باح به، ومن كتم سره وانطوى على الغم أخذ بنفسه، فإذا بث كأنما تنفس عنه، فالظاهر النفس بفتحتين. فدونكموها فاحتقبوها: أي خذوا هذه الصنعة الشنيعة والزموها واجعلوها في حقيبة، يقال: أحقبه: أي إدخره، والحقيبة: الوعاء الذي يجمع فيه المسافر زاده. ذكره في النهاية (2). مدبرة الظهر ناقبة الحق: تقبيح لهذه الصنعة، وبيان لاستلزامها خزي الدنيا وعذاب الاخرة، وانها مع انها شوماء لا تؤول بهم إلى خير ولا تبلغهم الى غاية، لاتوصلهم الى النهاية التي لها ارتكبوها. وقال الجوهري: احتقبه: أي احتمله، ومنه قيل: احتقب فلان الاثم: كأنه جمعه واحتقبه من خلفه (3).


1 - القاموس المحيط 1: 201 " عوج ". 2 - النهاية 1: 412 " حقب ". 3 - الصحاح 1: 114 " حقب ".

[441]

قولها صلوات الله وسلامه عليها: " بعد أن عجمتهم " عجمت العود أعجمه بالضم: إذا عضضته لتعرف صلابته من حوره، وعجمت العود: أي بلوت أمره، أي: اختبرتم وبلوت أمرهم فلما لم أجدهم مؤمنين تركتهم. لقد قلدتهم ربقتها، الربق بالكسر: حبل فيه عدة عرى تشد به البهم، الواحدة من العرى: ربقة، والضمير للصنعة الشنيعة. الطبن بأمور الدنيا: رجل طبن وطابن: أي فطن حاذق. وما الذي نقموا: نقمت على الرجل: إذا عتبت عليه، يقال: ما نقمت منه إلا الاحسان، ونقمته: إذا رهنته. نكير سيفه، النكير والانكار: تغيير المنكر، فيكون من اضافة المصدر الى الفاعل. ويحتمل أن يكون نكيز، بالزاي المعجمة، يقال: نكزت الحية بأنفها: أي لسعت، وقال الاصمعي: نكزه: أي ضربه ودفعه. وتنمزة: تنمر له: أي تنكر وتغير وأوعده، لان النمر لا تلقاه أبدا إلا متنكرا غضبان. وبالله لو تكافؤا: أي تساووا في الاجتماع على التمسك بالزمام الذي نبذه لهم رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله: " إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ". والتكافؤ من كفأ الاناء: إذا قلبه، وكفأت القوم كفاء: إذا أرادوا وجها فصرفتهم الى غيره، أي: لو أمال بعضهم بعضا، وعطفه على التمسك بالزمام، أو صرف بعضهم بعضهم بعضا عن الارتداد الى الرجوع والاجتماع على الزحام. خشاشة: والخشاش: بالكسر: الذي يدخل في عظم أنف البعير من خشب، والبردة من صفر، والخزامة من شعر. والمراد: انه صلى الله عليه وآله يوردهم من غير أن يحوجهم إلى أحد المذكورات، كما يحوجهم غيره، ونظيره قول أمير المؤمنين صلوات الله

[442]

عليه في الخطبة الشقشقية: " وراكبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم ". أو المراد: انه عليه السلام كاف يحملهم من الحق على محضه، ويزقهم ويسوسهم على شراستهم وصعوبتهم، ومع هذا لا يكلمهم. أو أنه صلى الله عليه وآله كان لا يحوجهم الى الخشاش الزمام، يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة على سنن قوله: على لا حب لا يهتدى بمناره، أي: ليس له منار فيهتدى به، أي ليس له خشاش فيكلم. ولا يتعتع: أي يحملهم عليه السلام على طريقة وخصال لا تتعب راكبها. تطفح ضفتاه: الضفة بالكسرر: جانب النهر. بطانا: أي من الري وكثرة النعم. قد تحبر بهم الري، الحبر بالموحدة الحبور: وهو السرور، وقوله تعالى: * (فهم في روضة تحبرون) *: أي يتنعمون ويكرمون. وعلى هذا تحبر بهم الري: أي أثر فيهم وسرهم ونعمهم، وتحير الماء بالمثناة من تحت: اجتمع، واستحيرر الشراب: اسبع، وتحير المكان بالماء: امتلاء، وعلى هذا المعنى ظاهر. غير متجل منه بطائل: أي لا شركهم في حطام الدنيا، نفسه منه في تعب، والناس منه في راحة، قال الجوهري: لم يحل منها بطائل: أي لم يستفد منه كثير فائدة ولا يتكلم به إلا مع الجحد. بغمرة الباهر، والغمر: الماء الكثير، ورجل غمر الرداء: إذا كان سخيا، وبهر الرجل: برع، وبهر القمر: غلب ضوؤه ضوء الكواكب. أي: تدبر الامور وتتهيأ وتتيسر له بجوده وعطائه السابغ الكثير، ومنعه سورة كل حريص متغلب، لانه صلى الله عليه وآله إذا منع الحريص والعادي وزهد فيها، يرغب فيه غيره، واعطى كلا كفافه، اشترك الكل في النعمة ولم يفتقر أحد.

[443]

أو المراد: انه عليه السلام بسده جوعة كل جائع، وبعطائه الباهر، كان يدرك ما يريده. والاول أولى، لانه على الثاني مرجع الفقرتين إلى معنى واحد. وفي كشف الغمة: الا بغمز الماء وردعه سورة الساغب، الغمز: القدح الصغير، تريد عليها السلام: إنه لو ولي علي عليه السلام الامر لم يتحل من ولايته إلا بشرب الماء القليل وكسر سورة الجوع. وما عشتن الى آخره: معترضة. إلى أي لجأ: مفعول (فاسمعن)، إذ مفعوله محذوف، والى أي لجأ مستأنف. لقد لقحت: الفتنة يوم السقيفة. فنظرة ريثما تنتج: أي انتظروا مقدار ما تنتج من العجائب والعظائم من تبديل الدين، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، واتخاذ مال الله، دولا، وعباده خولا، والفاسقين حزبا، والصالحين حربا، وقتل أئمة المؤمنين، الى غير ذلك مما لا يحصى. طلاع القصب، طلاع الشئ: ملؤه، والقعب: قدح من خشب. ذعافا ممقرا، الذعاف كغراب: السم. وأمقر الشئ: صار مرا، قال لبيد: ممقر مر على أعدائه وعلى الادنين حلو كالعسل وروى هذه الرواية الاخيرة الصدوق في معاني الاخبار بسندين عن فاطمة بنت الحسين صلوات الله عليهما، وعن عمر بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما (1). قال في الكامل في غزوة بدر: فلما بعثت قريش في فداء الاسرى، بعثت زينب في فداء أبي العاص زوجها بقلادة لها، كانت خديجة رضوان الله


1 - معاني الاخبار: 412.

[444]

تعالى عليها ادخلتها معها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله رق لها رقة شديدة وقال: " إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا "، فأطلقوا لها أسيرها، وردوا لها القلادة. ثم قال: فلما كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام، فلما عاد لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذوا ما معه، فهرب منهم وأتى المدينة ودخل على زينب، فلما كان الصبح كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وكبر الناس، نادت زينب من صف النساء: إني قد آجرت أبا العاص، فقال النبي صلى الله عليه وآله للسرية التي أصابوه: " إن رأيتم أن تردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فئ الله الذي أفاءه عليكم "، فردوا عليه ماله كله حتى الشظاظ (1). انتهى مختصرا. وذكر ذلك كله ابن عبد البر في الاستيعاب (2). وقال أيضا في الاستيعاب: هبار بن الاسود هو الذي عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حين بعث بها أبو العاص إلى المدينة، فأهوى ونخس بها، فألقت ذا بطنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إن وجدتم هبارا فأحرقوه بالنار "، ثم قال: " اقتلوه فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار " (3). انتهى. ومن عجائب الامور أن عمر خطب بنت أبي بكر، فمنعه من ذلك ابن العاص، معللا بأن فيك غلظة، وعسى أن يصدر منك إليها ما يسوءها، فتكون ما أحسنت الخلف في ولد أبي بكر، ولكن عليك بأم كلثوم بنت علي صلوات الله عليهما، فاستحسن ذلك عمر، وذلك في الكامل (4)، وهي تغني عما سواها.


1 - الكامل في التأريخ 2: 134. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 126. 3 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 609. 4 - الكامل في التأريخ: 54.

[445]

قال البخاري في صحيحه في باب تفسير سورة الحج: أخبرنا الحجاج ابن المنهال، حدثنا معمر بن سليمان، قال: سمعت أبي قال: حدثنا أبو مجلز، عن قيس بن عبادة، عن علي بن أبي طالب قال: " أنا أول من بحثو بين يدي الرحمة للخصومة يوم القيامة " (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد: قال نصر: وخطب علي عليه السلام أصحابه في ما حدثنا به عمر بن سعد، عن أبي يحيى، عن عمر بن طلحة، عن أبي سنان الاسلمي، قال: كأني أنظر إليه متوكئا على قوسه وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عنده، ثم ذكر الخطبة وفيها ما هذا لفظه: " ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وأن رأسه لفي حجري، ولقد وليت غسله بيدي وحدي، تقلبه الملائكة المقربون معي، وأيم الله ما أختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها، إلا ما شاء الله ". قال أبو سنان الاسلمي: فأشهد لقد سمعت عمار بن ياسر يقول: يا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقد أعلمكم أن الامة لم تستقم عليه وأنها لن تستقيم عليه (2). انتهى. ومن كلامه عليه وآله الصلاة والسلام المذكور في نهج البلاغة: " حتى إذا قبض الله ورسوله صلى الله عليه وآله، رجع قوم على الاعقاب، وغالتهم السبل، واتكلوا على الولائج، ووصلوا غير الرحم، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته، ونقلوا البناء عن رص أساسه فبنوه في غير موضعه، معادن كل خطيئة، وأبواب كل ضارب في غمرة، قد ماروا في الحيرة، وذهلوا عن السكرة على سنة من آل فرعون، من منقطع إلى الدنيا راكن، ومفارق للدين


1 - صحيح البخاري 6: 123. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 404.

[446]

مباين " (1). انتهى. وقد كدح نفسه ابن أبي الحديد وأتعبها، وأفرغ وسعه وبذل مجهوده في تنزيل هذا الكلام على ما يطابق أصول غير الامامية، ويصرف الكناية عن المتقدمين عليه بما لا يصح ولن يصح، ولم يتعرض لرده والطعن عليه صريحا ولا كناية، مع شدة اهتمامه كما يظهر بالرجوع إليه (2). ومن كلامه صلوات الله وسلامه عليه: " وقد قال لي قائل: إنك يا بن أبي طالب على هذا الامر لحريص، فقلت: بل أنتم والله لاحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما طلبت حقا لي، وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلما قرعته بالحجة في الملا الحاضرين هب كأنه بهت لا يدري ما يجيبني به، اللهم إني استعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، واجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه ". قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من شرح هذا الكلام: والذي قال له إنك على هذا الامر حريص سعد بن أبي وقاص، مع روايته فيه: " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "، وهذا عجيب، فقال لهم: " بل أنتم والله أحرص "، وبعده الكلام المذكور، وقد رواه الناس كافة (3). انتهى. ثم قال ابن أبي الحديد بعد شرحه هذه الخطبة وتفسيره غريب ألفاظها: واعلم أنه قد تواترت الاخبار عنه بنحو من هذا القول، نحو قوله: " ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه حتى يوم الناس هذا ". وقوله: " اللهم أخز قريشا، فإنها منعتني حقي، وغصبتني أمري ". وقوله: " فجزى قريشا عني الجوازي، فإنهم ظلموني حقي، واغتصبوني


1 - نهج البلاغة: 48. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 417. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 475.

[447]

سلطان ابن أمي ". وقوله، قد سمع صارخا ينادي: أنا مظلوم، فقال: " هلم فلنصرخ معا، فإني ما زلت مظلوما ". وقوله: " وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ". وقوله: " أرى تراثي نهبا ". وقوله: " أصغيا بإنائنا، وحملا الناس على رقابنا ". وقوله: " وإن لنا حقا، إن نعطه نأخذه وإن نمنعه نركب أعجاز الابل وإن طال السرى ". وقوله: " ما زلت مستأثرا علي، مدفوعا عما أستحقه وأستوجبه ". وأصحابنا يحملون ذلك كله على ادعائه الامر بالافضلية والاحقية، وهو الحق والصواب. انتهى كلام ابن أبي الحديد (1). وقال ابن أبي الحديد في الجزء الحادي عشر من الشرح: وقد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم وتظلم واستنجد واستصرخ، حيث ساموه الحضور والبيعة، وأنه قال وهو يشير إلى القبر: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني، وكادوا يقتلونني ". وأنه قال: " واجعفراه ولا جعفر لي اليوم، واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم ". وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم، وكل ذلك محمول عندنا على انه طلب الامر من جهة القرابة (2). انتهى. ثم قال في هذا الفصل عقيب هذا الكلام بيسير: وقد روي عنه أن فاطمة عليها السلام حرضته يوما على النهوض والوثوب، فسمع صوت المؤذن: أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال لها: " أيسرك زوال هذا


1 - شرح نهج البلاغة 2: 476. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 37.

[448]

النداء من الارض "، فأبت ذلك، قال: " إنه ما أقول لك " (1). انتهى. قال ابن أبي الحديد في المجلد الثاني عشر من شرحه: وقد روي عن ابن عباس قال: دخلت على عمر يوما فقال: لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتى نحلته رياء. فقلت: من هو ؟ فقال: ابن عمك، يعني عليا عليه السلام. قلت: وما يقصد بالرياء ؟ قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة. قلت: وما يصنع بالترشيح، قد رشحه لها رسول الله صلى الله عليه وآله فصرفت عنه. قال: إنه كان شابا حدثا فاستصغرت العرب سنه وقد كمل الان، ألم يعلم أن الله لم يبعث إلا بعد الاربعين. قلت: يا أمير المؤمنين أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع الله منار الاسلام، ولكنهم يعدونه محروما محدودا، ثم ذكر الخبر بتمامه. وقال: نقلت هذا الخبر من أمالي أبي جعفر محمد بن حبيب، ونقلت منه أيضا ما رواه عن ابن عباس قال: تبرم عمر بالخلافة آخر أيامه، وخاف العجز، وضجر من سياسة الرعية، فكان لا يزال يدعو الله أن يتوفاه، فقال لكعب الاحبار يوما وأنا عنده: إني قد أحببت أن أعهد إلى من يقوم بهذا الامر، فما تقول في علي، أشر علي واذكرني ما تجدونه عندكم ؟ فقال: أما من طريق الرأي، فإنه لا يصلح، إنه رجل مبين الدين، لا يقضي على عورة ولا يحكم عن زلة، ولا يعمل الا باجتهاد رأيه. ثم قال: قال: فإلى من يفضي الامر تجدونه عندكم ؟


1 - شرح نهج البلاغة 3: 38.

[449]

قال: نجده ينتقل بعد صاحب الشريعة والاثنين من أصحابه الى أعدائه الذين حاربهم وحاربوه، فاسترجع عمر مرارا وقال: أما والله لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ما يشبه هذا، سمعته يقول: " يصعدن بنو أمية على منبري هذا، ولقد رأيتهم في منامي ينزون عليه نزو القردة، وفيهم أنزل: * (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن) * (1). وقد روى الزبير بن بكار في الموفقيات ما يناسب هذا عن المغيرة بن شعبة (2). انتهى. قال أيضا في خاتمة الشرح عند ذكره الكلمات المفردة: دلج (3): " كنت في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله كجزء من رسول الله، ينظر إلي الناس كما ينظر إلى الكواكب في أفق السماء، ثم غض الدهر مني فقرن بي فلان وفلان، ثم قرنت بخمسة أمثلهم عثمان، فقلت: واذفراه، ثم لم يرض الدهر ذلك لي حتى أرذلني فجعلني نظيرا لابن هند وابن النابغة، لقد استننت الفصل حتى القرعي " (4). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الثاني عشر من شرح نهج البلاغة: وروى ابن عباس رحمه الله قال: دخلت على عمر في أول خلافته ولقد ألقي له صاع من تمر على خصفة، فدعاني إلى الاكل فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جرة كانت عنده، واستلقى على مرفقة وطفق يحمد الله يكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد الله ؟ قلت: من المسجد.


1 - الاسراء: 60. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 115. 3 - أشارة الى الرقم 733. 4 - شرح نهج البلاغة 4: 538.

[450]

قال كيف خلفت بني عمك، فظننت يعني عبد الله بن جعفر، قلت: خلفته يلعب مع أترابه. قال: لم أعن ذلك، إنما عنيت عظيمكم أهل البيت. قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخيلات وهو يقرأ القرآن. قال: يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنياها، أبقي في نفسه شئ من أمر الخلافة ؟ قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله جعلها له ؟ قلت: نعم، وأزيدك: سألت أبي عما يدعيه، فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله صلى الله عليه وآله في أمره ذرو من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذارا، ولقد كان يربع في أمره وقتا ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت ذلك اشفاقا وحيطة على الاسلام، لا ورب هذه البينة لا تجتمع عليه قريش أبدا، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله صلى الله عليه وآله أني علمت ما في نفسه فأمسك، وأبي الله إلا إمضاء ما حتم. ذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تأريخ بغداد في كتابه مسندا (1). انتهى. وقال أيضا في هذا الفصل من الجزء الثاني عشر: وروى الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات، عن عبد الله بن عباس، قال: اني لاماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة إذ قال لي: يا بن عباس ما أرى صاحبك إلا مظلوما. فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين فأردد إليه


1 - شرح نهج البلاغة 3: 97.

[451]

ظلامته، فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة، ثم وقف فلحقته فقال: يا بن عباس ما أظنهم منعوه إلا أنه استصغره قومه. فقلت في نفسي: هذه شر من الاولى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ براءة من صاحبك، فأعرض عني وأسرع، فرجعت عنه (1). انتهى. وقال أيضا ابن أبي الحديد في هذا الفصل من هذا الجزء: وروى أبو بكر الانباري في أماليه: إن عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلما قام عرض واحد بذكره، ونسبه إلى التيه، فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، والله لولا سيفه لما قام عمود الاسلام، وهو بعد أقضى الامة، وذو سابقتها، وذو شرفها. فقال له ذلك القائل: فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه ؟ ! قال: كرهناه على حداثة السن، وحبه بني عبد المطلب (2). انتهى. وقال أيضا في الجزء الثاني: قال ابن عباس: كنت عند عمر، فتنفس تنفسا ظننت أن اضلاعه قد انفجرت، فقلت: ما أخرج هذا النفس منك يا أمير المؤمنين إلا هم شديد ؟ قال: والله يا ابن عباس اني فكرت فلم أدر في من أجعل هذا الامر، قال: لعلك ترى صاحبك لها أهلا ؟ قلت: وما يمنعه من ذلك مع جهاده، وسابقته، وقرابته، وعلمه. قال: صدقت، ولكنه امرئ فيه دعابة. قلت: فأين أنت عن طلحة، وساق الخبر إلى أن قال: وقال: أجرؤهم إن وليها ليحملنهم على كتاب ربهم وسنة نبيه لصاحبك، أما انهم إن ولوه أمرهم حملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم.


1 - شرح نهج البلاغة 3: 98. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 115.

[452]

وروى عبد الله بن عمر قال: كنت عند أبي يوما وعنده نفر من الناس، فجرى ذكر الشعر فقال: من أشعر العرب ؟ فقالوا: فلان وفلان، فطلع ابن عباس فسلم وجلس فقال عمر: قد جاءكم ابن نجدتها، من أشعر الناس يا عبد الله ؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال: فأنشدني مما تستجيده له. فقال: يا أمير المؤمنين إنه مدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا قوم سنان أبوهم حين تنسبهم طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا إنس إذا آمنوا جن إذا فزعوا مرزاؤن بهاليل إذا جهدوا محتدون على ما كان من نعم لا ينزع الله منهم ماله حسدوا فقال عمر: قاتله الله لقد أحسن، ولا أرى هذا المدح يصلح إلا لهذا البيت من هاشم، لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال ابن عباس: وفقك الله يا أمير المؤمنين، فلم تزل موفقا. قال: يا ابن عباس اتدري ما منع الناس منكم ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. قال: لكني أدري. قال: ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة، فتجحفوا الناس جحفا، فنظرت قريش لانفسها فاختارت ووفقت وأصابت. فقال ابن عباس: أيليط أمير المؤمنين عني غصة فتسمع ؟ قال: قل ما تشاء. قال: أما قول أمير المؤمنين: إن قريشا كرهت، فإن الله تعالى قال لقوم

[453]

* (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) * (1). فأما قولك: إنا كنا نجحف، فلو جحفنا بالخلافة لجحفنا بالقرابة، ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله صلى الله عليه وآله، الذي قال الله في حقه: * (وإنك لعلى خلق عظيم) * (2)، وقال له: * (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) * (3). وأما قولك: إن قريشا اختارت، فإن الله تعالى يقول: * (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) * (4)، وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت. فقال عمر: على رسلك يا ابن عباس، أبت قلوبكم إلا بغضا لقريش لا يزول، وحقدا عليها لا يحول. فقال ابن عباس: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تنسب قلوب بني هاشم الى الغش، فإن قلوبهم من قلب رسول الله صلى الله عليه وآله الذي طهره الله وزكاه، وهم آل البيت الذين قال الله لهم: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (5). وأماا قولك: حقدا، فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره. فقال عمر: أما أنت يا عبد الله فلقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فنزول منزلتك عندي. قال: وما هو يا أمير المؤمنين، أخبرني به، فإن يك باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه، وإن يك حقا فإن منزلتي عندك لا تزول به.


1 - محمد: 9. 2 - القلم: 4. 3 - الشعراء: 215. 4 - القصص: 68. 5 - الاحزاب: 33.

[454]

قال: بلغني أنك لا تزال تقول: أخذ هذا الامر منا حسدا وظلما. قال: أما قولك يا أمير المؤمنين: حسدا، فقد حسد ابليس آدم، فنحن بنو آدم المحسود. فأما قولك: فأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو. ثم قال: يا أمير المؤمنين ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله صلى الله عليه وآله واحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله صلى الله عليه وآله، فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وآله من سائر قريش. فقال له عمر: قم الان فارجع إلى منزلك (1). انتهى. وذكر ابن الاثير هذه الرواية في الكامل (2). أقول: أما قول عمر: ولكنه امرء فيه دعابة، ففيه: إن النبي صلى الله عليه وآله يوصف بالدعابة والمزاح، قال ابن الاثير في النهاية: وفيه أنه عليه السلام كان فيه دعابة: المزاح. ثم قال: ومنه حديث عمر وذكر عنده علي للخلافة: لولا دعابة فيه (3). انتهى. وقال الزمخشري في الفائق: النبي صلى الله عليه وآله كانت فيه دعابة، والدعابة: كالفكاهة والمزاحة (4). انتهى. قال الاجل الرضي رضي الله عنه في نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام في ذكر عمرو بن العاص: " عجبا لابن النابغة يزعم لاهل الشام ان في دعابة، واني إمرؤ تلعابة أعافس وأمارس، لقد قال باطلا ونطق اثما، وشر القول الكذب ". وفي آخر هذا الكلام: " أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت،


1 - شرح نهج البلاغة 3: 106. 2 - الكامل في التأريخ 3: 62. 3 - النهاية 2: 118 " دعب ". 4 - الفائق 1: 425 " دعب ".

[455]

وإنه ليمنعه من قول الحق نسيان الاخرة " (1). انتهى. قال في النهاية: وفي حديث علي: " زعم ابن النابغة اني امرؤ تلعابة "، أي: كثير المزاح والمداعبة (2). قال في باب العين مع الفاء: المعافسة: المعالجة والممارسة والملاعبة، ومنه حديث علي: " أعافس وأمارس "، وحديثه الاخر: " يمنع من العفاس خوف الموت وذكر البعث والحساب " (3). انتهى. وقال في باب الميم مع الراء: ومنه حديث علي: " زعم اني كنت أعافس وأمارس "، أي: ألاعب النساء (4). انتهى. قال في الاستيعاب في زاهر بن حرام: وجده رسول الله صلى الله عليه وآله بسوق المدينة فأخذه من ورائه ووضع يديه على عينيه وقال: " من يشتري العبد ؟ "، ففطن زاهر انه رسول الله صلى الله عليه وآله (5). واخبار النعيمان، والاعرابي، وغيرهما بحضرته صلى الله عليه وآله مشهورة. وقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بأنه على خلق عظيم، فإن أراد القدر الذي كان في النبي صلى الله عليه وآله فهو ليس بقادح، وإن أراد ما زاد مما ينافي منصب الامامة، فتكذيب أمير المؤمنين صلوات الله عليه لعمرو تكذيب لعمر، وجوابه جوابه. قال ابن أبي الحديد في الجزء التاسع من الشرح: وروى الواقدي في كتاب الشورى، عن ابن عباس قال: شهدت عثمان لعلي، ثم ذكر فيما


1 - نهج البلاغة: 214. 2 - النهاية 4: 252 " لعب ". 3 - النهاية 3: 263 " عفس ". 4 - النهاية 4: 319 " مرس ". 5 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 575.

[456]

أجاب به أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام عن كتاب عثمان ما هذه ألفاظه: " وأما عتيق وابن الخطاب، فإن كانا أخذا ما جعله رسول الله صلى الله عليه وآله لي فأنت أعلم بذلك والمسلمون، ومالي ولهذا الامر وقد تركته منذ حين " (1). انتهى. قال في نهج البلاغة: ومن كلامه عليه السلام لبعض أصحابه وقد سأله: كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ فقال عليه السلام: " يا أخا بني أسد إنك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد، ولك بعد ذمامة الصهر وحق المسألة، وقد استعملت فاعلم: أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الاعلون نسبا والاشدون بالرسول نوطا، فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم سخت عنها نفوس آخرين، والحكم لله، والمعود إليه القيامة. ودع عنك نهبا صيح في حجراته وهلم الخطب في ابن أبي سفيان فلقد أضحكني الدهر بعد ابكائه فياله خطبا يستفرغ العجب ويكثر الاود " (2). قال ابن الاثير في النهاية: في حديث علي: " إنك لقلق الوضين "، الوضين: بطان منسوج بعضه على بعض، يشد به الرجل على البعير كالحزام للسرج، أراد أنه سريع الحركة، يصفه بالخفة وقلة الثبات (3). انتهى. وقال في باب العين مع الواو: ومنه حديث علي: " والحكم الله والمعود إليه يوم القيامة " أي: المعاد، هكذا جاء المعود على الاصل، وهو مفعل من عاد يعود (4). انتهى. وقال في باب الحاء مع الجيم: ومنه حديث علي: " الحكم لله ".


1 - شرح نهج البلاغة 2: 377. 2 - شرح نهج البلاغة 2: 454. 3 - النهاية 5: 199 " وضن ". 4 - النهاية 3: 316 " عود ".

[457]

ودع عنك نهبا صيح في حجراته هذا مثل للعرب يضرب لمن ذهب من ماله شئ ثم ذهب بعده ما هو أجل منه، وهو صدر بيت لامرئ القيس: فدع عنك نهبا صيح في حجراته ولكن حديثا ما حديث الرواحل (1) انتهى. قال الشريف الاجل الرضي رضي الله عنه: ومن خطبته المعروفة بالشقشقية: " أما والله لقد تقمصها فلان، وإنه يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الاول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده - ثم تمثل عليه السلام بقول الاعشى -: شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر فيا عجبا ! ! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لاخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن اشنق لها خرم، وأن أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون، واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ! ! لكني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا، فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الاخر لصهره، مع هن


1 - النهاية 1: 342 " حجر ".

[458]

وهن، الى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته، فما راعني إلا والناس كعرف الضبع الي ينثالون علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطافي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، ولما نهضت بالامر نكثت طائفة، ومرقت اخرى، وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: * (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) * (1)، بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله عليه العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لا لقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولالفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز ". قالوا: وقام إليه رجل من أهل السواد عند بلوغه عليه السلام إلى هذا الموضع من خطبته فناوله كتابا، فأقبل ينظر فيه، فلما فرغ من قرائته، قال له ابن عباس رحمة الله عليه: يا أمير المؤمنين لو اطردت مقالتك من حيث أفضيت، فقال: " هيهات يا ابن عباس، تلك شقشقة هدرت ثم قرت ". قال ابن عباس: فو الله ما أسفت على كلام قط كأسفي على ذلك الكلام ألا يكون أمير المؤمنين عليه السلام بلغ منه حيث أراد (2). وقال ابن الاثير في النهاية: ومنه حديث علي: " أصول بيد جذاء " أي: مقطوعة، كنى به عن قصور أصحابه وتقاعدهم عن الغزو، فإن الجند للامير كاليد، ويروى بالحاء المهملة (3). انتهى.


1 - القصص: 83. 2 - نهج البلاغة: 25. 3 - النهاية 1: 250 " حذذ ".

[459]

وقال في باب الشين مع النون: وفي حديث علي: " إن اشنق لها خرم "، يقال: شنقت البعير أشنقه شنقاء وأشنقه اشناقا: إذا كففته بزمامه وأنت راكبه، أي: أنا بالغ في اشناقها خرم أنفها، ويقال: شنق لها وأشنق (1). انتهى. وقال في باب العين مع الراء: ومنه حديث عثمان بن أبي العاص أنه رأى رجلا فيه اعتراض: هو الظهور والدخول في الباطل والامتناع من الحق (2). انتهى. وقال في باب النون مع الفاء: ونفجت الشئ فانتفج أي: رفعته وعظمته، ومنه حديث علي: " نافجا حضنيه "، كنى به عن التعاظم والتكبر والخيلاء (4). انتهى. وقال في باب النون مع الثاء: في حديث علي: " بين نثيله ومعتلفه " النثيل: الروق (5). انتهى. وقال في باب الخاء مع الضاد: في حديث علي: " فقام إليه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الابل نبتة الربيع "، الخضم: الاكل بأقصى الاضراس، والقضم بادناها (6). انتهى. وقال في باب الراء مع الباء: ومنه حديث علي: " والناس حولي كربيضة الغنم "، أي: كالغنم الربض (7). انتهى.


1 - النهاية 2: 506 " شنق ". 2 - النهاية 3: 216 " عرض ". 3 - النهاية 2: 375 " سفف ". 4 - النهاية 5: 89 " نفج ". 5 - النهاية 5: 16 " نثل ". 6 - النهاية 2: 44 " خضم ". 7 - النهاية 2: 185 " ربض ".

[460]

وقال في باب العين مع الفاء: في حديث علي: " ولكانت الدنيا هذه أهون علي من عفطة عنز "، أي: ضرطة عنز (1). انتهى. وقال في باب الشين مع القاف: ومنه حديث علي في خطبة له: " تلك شقشقة هدرت ثم قرت "، ويروى له شعر فيه: لسانا كشقشقة الارحبي أو الحسام اليماني الذكر (2) انتهى. وقال ابن أبي الحديد في الشرح: قال أبو بكر: وأخبرنا أبو زيد قال: حدثنا عبد العزيز بن حطاب، قال: حدثنا علي بن هشام مرفوعا الى عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لقي علي عمر فقال له: " أنشدك الله هل استخلف رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ". قال: لا. قال: " فكيف تصنع أنت وصاحبك ؟ ". قال: أما صاحبي فمضى لسبيله، وأما أنا فسأخلعها من عنقي الى عنقك. قال: " جدع الله أنف من ينقذك منها، لا ولكن جعلني الله علما، فإذا قمت فمن خالفني ضل " (3). انتهى. قال الزمخشري في الكشاف: وكان نزول سورة براءة سنة تسع من الهجرة وفتح مكة سنة ثمان، وكان الامير فيها عتاب بن اسيد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر على المرسوم سنة تسع ثم أتبعه عليا راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم، فقيل له: لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال: " لا يؤدي عني إلا رجل مني "، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال: هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما لحقه قال: أمير أو مأمور ؟


1 - النهاية 3: 264 " عفط ". 2 - النهاية 2: 490 " شقشق ". 3 - شرح نهج البلاغة 2: 187.

[461]

قال: " مأمور ". وروي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق هبط جبرئيل فقال: يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك فارسل عليا، فرجع أبو بكر وقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أشئ نزل من السماء ؟ قال: " نعم، فسر وأنت على الموسم، وعلي ينادي بالاي " (1). انتهى. قال السيوطي في تفسيره: وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في رواية المسند وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي قال: " لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي صلى الله عليه وآله دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: أدرك أبا بكر فحيث ما لقيته فخذ الكتاب منه فاقرأه على أهل مكة، فلحقته فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله نزل في شئ ؟ قال: لا ولكنه جبرئيل جائني فقال: لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك ". وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي، وحسنه أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: بعث النبي صلى الله عليه وآله ببراءة مع أبي بكر ثم دعاه فقال: " لا ينبغي لاحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي "، فدعا عليا فأعطاه إياه. وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أبا بكر إلى أهل مكة، ثم بعث عليا على أثره فأخذها منه، فكان أبو بكر وجد في نفسه فقال صلى الله عليه وآله: " يا أبا بكر لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني ". وروي مثله عن ابن عباس وعن أبي الخدري وفيه: " يا علي لا يؤدي عني إلا أنا وأنت ". ومثله عن أبي رافع (2).


1 - الكشاف 2: 172. 2 - الدر المنثور 4: 122.

[462]

وليس في هذه الروايات كلها كون أبي بكر على الموسم ورجوعه بعد رده وإنما روي ما في الكشاف (1) عن أبي هريرة وحده، وانحرافه عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وانقطاعه إلى معاوية معلوم مذكور في السير والتواريخ. ورواية أنس المتقدمة رواها ابن الاثير في كتاب جامع الاصول. فأما ما يدعى من نزول بعض الايات في أبي بكر، تخرصا فلم ترد به ولم يدعه البكرية، فضلا عن غيرها، وإنما هو مجرد تخمين ونوع استخراج يشهد العقل ببطلانه والنقل. وقد قال البخاري في صحيحه في باب تفسير سورة الاحقاف: حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن مالك، قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله عز وجل فيه: * (والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني) * (2)، فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله عز وجل أنزل عذري (3). انتهى. والاستثناء دليل على عموم النفي في الثناء، والثناء هو حجة في الباقي. وأما آية بيعة الشجرة فقد قال في جامع الاصول: جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: " ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الاحمر ". انتهى. وفيه دلالة على أن في من بايع تحت الشجرة ليس بمؤمن، وإنما رضي


1 - الكشاف 2: 172. 2 - الاحقاف: 17. 3 - صحيح البخاري 6: 116.

[463]

الله عن المؤمنين منهم. قال في الاستيعاب: عبد الرحمن بن عديس البلوي، مصري شهد الحديبية، ذكر أسد بن موسى، عن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: كان عبد الرحمن بن عديس ممن بايع تحت الشجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال أبو عمر: هو كان الامير على الجيش الذين حصروا عثمان وقتلوه (1). انتهى. وقال أيضا في هذا الكتاب: وكان علي يثني على محمد بن أبي بكر ويفضله، لانه كانت له عبادة واجتهاد، وكان ممن حضر قتل عثمان، وقيل: إنه شارك في دمه (2). انتهى. وقال في باب عثمان: اختلف في من باشر قتله: محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص (3)، وقيل: بل حبسه محمد وأسعده غيره (4).


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 2: 411. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 349. 3 - المشقص من النصال: ما طال وعرض. الصحاح 3: 1043 " شقص ". 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 77.

[464]

الفصل الخامس في ذكر معاوية قال السيوطي في تفسيره المترجم بالدر المنثور: وأخرج الترمذي، وابن جرير، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين، فقال: " لا تؤنبني رحمك الله، فإن النبي صلى الله عليه وآله أري بني أمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت: * (إنا اعطيناك الكوثر) * (1) يا محمد، يعني نهرا في الجنة. ونزلت: * (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدريك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) * (2) تملكها بنو أمية يا محمد " قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص يوما (3). وروي مثله في كتاب المختصر في أحوال البشر عن القاضي جمال الدين الواصل عن ابن الاثير. وروي مثله في جامع الاصول (4). وقد تقدم في الفصل الثالث في ذكر عثمان ذكر ابن أبي الحديد في الجزء الخامس عشر الكتاب الذي كتبه المعتضد بالله أبو العباس أحمد بن الموثق في سنة اربع وثمانين ومائتين مختصرا من تأريخ أبي جعفر محمد ابن جرير الطبري، وفيه بعد ذكر أبي سفيان ووصفه بالكفر والنفاق، وغير ذلك مما يطول ما هذا لفظه:


1 - الكوثر: 1. 2 - القدر: 1 - 3. 3 - الدر المنثور. 4 - جامع الاصول 9: 242.

[465]

ثم أنزل الله تعالى كتابا فيما أنزله على رسوله يذكر فيه شأنهم وهو قوله: * (والشجرة الملعونة في القرآن) * (1)، ولا خلاف بين أحد انه تبارك وتعالى أراد بها بني أمية. ومما ورد من ذلك في السنة ورواه ثقات الامة قول رسول الله صلى الله عليه وآله - وقد رآه مقبلا على حمار ومعاوية ويزيد يسوقه -: " لعن الله الراكب والقائد والسائق ". ومنه ما روته الرواة عنه من قوله يوم بيعة عثمان: تلقفوها يا بني عبد شمس تلقف الكرة، فو الله ما من جنة ولا نار (2). انتهى. ثم قال: ومنها الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وآله فوجم لها، قالوا: فما رؤي بعدها ضاحكا، رأى نفرا من بني أمية ينزون على منبره نزو القردة. ثم قال: ومنها ما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله: * (ليلة القدرر خير من ألف شهر) * (3)، قالوا: ملك بني أمية. ومنها: ان رسول الله صلى الله عليه وآله دعا معاوية ليكتب بين يديه فدافع بأمره واعتل بطعامه، فقال صلى الله عليه وآله: " لا أشبع الله بطنه "، فبقي لا يشبع ويقول: والله ما تركت الطعام شبعا ولكن اعيا. ومنها: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يطلع من هذا الفج رجل من أمتي يحشر على غير ملتي "، فطلع معاوية. ومنها: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ". ومنها: الحديث المشهور المرفوع انه صلى الله عليه وآله قال: " إن


1 - الاسراء: 60. 2 - شرح نهج البلاغة 3: 192. 3 - القدر: 3.

[466]

معاوية في تابوت من نار في أسفل من جهنم ينادي يا حنان يا منان، فيقال له: الان وقد عصيت وكنت من المفسدين (1). انتهى. أقول: ويزيد المذكور الذي تقدم أنه كان السائق هو ابن أبي سفيان بن حرب. قال في الاستيعاب عند ذكره: أسلم يوم فتح مكة، وشهد حنينا وأعطاه صلى الله عليه وآله من غنائم حنين مائة بعير وأربعين اوقية، واستعمله أبو بكر وأوصاه وخرج يشيعه راجلا (2). وروى قوله صلى الله عليه وآله في معاوية: " لا أشبع الله بطنه " مسلم في صحيحه عن ابن عباس بسندين (3). ورواه في الاستيعاب من مسند أبي داود الطيالسي (4). قال الزمخشري في كتاب ربيع الابرار في باب القرابات والانساب: كانت النابغة أم عمرو بن العاص أمة رجل من عنزة، فسبيت فاشتراها عبد الله بن جذعان، فكانت بغيا، ثم عتقت ووقع عليها أبو لهب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة، وأبو سفيان بن حرب، والعاص بن وابل، في طهر واحد، فولدت عمرا، فادعاه كلهم، فحكمت فيه أمه فقالت: هو للعاص، (لان العاص) (5) كان ينفق عليها، وقالوا: كان أشبه بأبي سفيان، وفي ذلك يقول أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: أبوك أبو سفيان لاشك قد بدت لنا فيك منه بينات الشمائل وكان معاوية يعزى إلى أربعة: الى ابي عمرو بن مسافر، وإلى أبي عمارة


1 - شرح نهج البلاغة 2: 391. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 395. 3 - صحيح مسلم 4: 1966. 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 397. 5 - أضفناها من المصدر.

[467]

ابن الوليد، وإلى العباس بن عبد المطلب، وإلى الصباح مغن أسود وكان لعمارة. قالوا: كان أبو سفيان ذميما قصيرا، وكان الصباح عسيفا لابي سفيان شابا وسيما، فدعته هند إلى نفسها (1). انتهى. قال في الاستيعاب: قال أبو عمر: معاوية وأبوه من المؤلفة قلوبهم، ذكره في ذلك بعضهم قال في الفائق: وعن معاوية: لو بلغ هذا الامر إلينا بني عبد مناف تزقفناه تزقف الكرة (2). وقال في ربيع الابرار: فلتت من معاوية ريح على المنبر فقال: أيها الناس إن الله خلق أبدانا، وجعل فيها أرواحا، فما تمالك الناس أن تخرج منهم. فقام صعصعة بن صوحان فقال: أما بعد، فإن خروج الارواح في المتوضئات سنة، وعلى المنابر بدعة، وأستغفر الله لي ولكم (3). انتهى. وقال أيضا في ربيع الابرار في رسالة عبيد الله بن سليمان بن وهب: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان مقبلا على حمار، ومعاوية ابنه يقوده، ويزيد يسوقه فقال: " لعن الله الراكب والقائد والسائق " (4). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الشرح: روى شيخنا أبو عبد الله البصري المتكلم رحمه الله، عن نصر بن عاصم الليثي، عن أبيه قال: أتيت مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله والناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله صلى الله عليه وآله ! فقلت: ما هذا ؟ قالوا: معاوية قام الساعة وأخذ بيد أبي سفيان فخرجا من المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لعن الله التابع والمتبوع، رب يوم لامتي من معاوية ذي الاستاه "، يعني


1 - ربيع الابرار 3: 548. 2 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 3: 395. 3 - ربيع الابرار 4: 172. 4 - ربيع الابرار 4: 400.

[468]

الكبير العجز (1). انتهى. قال ابن الاثير في الفصل الرابع من كتاب اللواحق من جامع الاصول: دس (2) - خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معن وعمروا بن الاسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن علي توفي ؟ فرجع المقدام، فقال له فلان: إن تعدها مصيبة ؟ قال المقدام: ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله في حجره وقال: " هذا مني وحسين من علي ". قال الاسدي: جمرة أطفأها الله. قال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغضبك، ثم قال: يا معاوية إن أنا صدقت فصدقني، وإن أنا كذبت، فكذبني، قال: أفعل. قال: فأنشدك الله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن لبس الذهب ؟ قال: نعم. قال: فأنشدك بالله هل تعلم ان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن لبس الجلود السباع والركوب عليها ؟ قال: نعم. قال المقدام: فو الله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية (3). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 2: 390. 2 - أي: أخرجه أبو داود والنسائي. 3 - جامع الاصول 11: 774.

[469]

الفصل السادس في ذكر عائشة قال ابن عبد البر النمري في كتاب الاستيعاب في ذكر أم المؤمنين خديجة عليها السلام: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن خليفة بن عبد الجبار، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي بمكة، قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، قال: حدثنا عمر بن اسماعيل ابن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يكاد يخرج من بيته حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوما من الايام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزا، فقد أبدلك الله خيرا منها، فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: " لا والله ما ابدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني أولاد النساء ". قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبدا (1). انتهى. ورواه بطريقين آخرين، وفيه إشارة إلى عدم انفاق أبي بكر، ومواساته، وإيذاء واغضاب منها له صلى الله عليه وآله. قال السيوطي في تفسيره: وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة قالت: أنزل الله عذري، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي: " اذهب الى ابنتك فأخبرها إن الله قد أنزل عذرها من السماء " فأتاني أبي وهو يعدو يكاد أن يعثر، فقال: أبشري فإن الله قد أنزل عذرك.


1 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 4: 286.

[470]

قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك الذي أرسلك، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله فتناول ذراعي، فقلت بيده هكذا، فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني، فمنعته (1). انتهى. وفي ذلك تبصرة وذكر لمن كان له قلب. ذكر السيوطي خبرا طويلا يتضمن هذه الواقعة عن ابن عمر قال: أخرجه الطبراني وابن مردويه فيه: فخرجت عائشة حتى أتت أباها فقال لها: مالك ؟ قالت: أخرجني رسول الله من بيته. وروى قولها للنبي صلى الله عليه وآله: لا بحمدك، من طرق عديدة تقرب من عشرة، لما أخبرها النبي صلى الله عليه وآله ببرائتها، وفي بعضها: لا بحمد صاحبك، لما أخبرها أبو بكر، عن ابن عباس وغيره (2). قال البخاري في صحيحه: حدثنا علي، حدثنا سفيان، حدثنا يحيى بن سعيد: سمعت عبيد بن حنين قال: سمعت ابن عباس يقول: أردت أن أسأل عمر فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فما أكملت كلامي حتى قال عمر: عائشة وحفصة (3). انتهى. ومن تأمل هذه السورة من القرآن حق تأملها، يرى من التعريض بها في ضرب المثل لهما بامرأة نوح وامرأة لوط، وكونهما تحت نبيين فخانتاهما، فلم يغنيا عنهما شيئا، استحقتا دخول النار مع الداخلين، وفي غيره مما لا حاجة بنا إلي بسط الكلام فيه وشرحه، لظهوره ما ليس عليه مزيد في البخاري في تفسير سورة التحريم عن عائشة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يشرب عسلا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل علينا فلنقل له: أكلت مغافير ؟ اني أجد منك ريح


1 - الدر المنثور 8: 221. 2 - الدر المنثور 8: 222. 3 - صحيح البخاري 4: 166.

[471]

مغافير، قال: " لا، ولكني كنت شربت عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدا " (1). انتهى. قال في النهاية: مغافير واحدها مغفور بالضم وله ريح كريهة منكرة (2). قال: ابن الاثير في تأريخه الكامل: ولما بلغ عائشة قتل علي عليه السلام قالت: فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر ثم قالت: من قتله ؟ قيل: قتله رجل من مراد، فقالت: فإن يك نائبا فلقد نعاه نعي ليس في فيه التراب فقالت زينب بنت أبي سلمة: تقولين هذا لعلي ؟ فقالت: انني أنسى فذكروني (3). انتهى. ومن تأمل هذا حق التأمل أغناه عما سواه في كل باب. قال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا جويرية، عن نافع، عن عبد الله قال: قام النبي صلى الله عليه وآله خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة: " هنا الفتنة - ثلاثا - من حيث يطلع قرن الشيطان " (4). انتهى. قال تعالى: * (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن) * (5) الاية: قال في الكشاف عن عائشة انها تسخر من زينب بنت خزيمة الهلالية، وكانت قصيرة. وعن ابن عباس: ان أم سلمة ربطت حقويها بسبيبة وسدلت طرفها من خلفها فكانت تجره، فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجر خلفها كأنه لسان


1 - صحيح البخاري 6: 194. 2 - النهاية 3: 374 " غفر ". 3 - الكامل في التأريخ 3: 394. 4 - صحيح البخاري 6: 188. 5 - الحجرات: 11.

[472]

كلب (1). انتهى. وقال البغوي في المصابيح: عن عائشة انها قالت للنبي صلى الله عليه وآله: حسبك من صفية كذا وكذا، تعني قصرها. فقال صلى الله عليه وآله: " لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته " (2). انتهى. وذكر في النهاية انه صلى الله عليه وآله قال لعائشة: " تربت يمينك " (3). قال في الاستيعاب: وروي من وجوه أن النبي صلى الله عليه وآله كان في مسير له إذ هوم فجعل يقول: " زيد وما زيد "، فسئل عن ذلك فقال: " رجل من أمتي تسبقه يده "، أو قال: " بعض جسده إلى الجنة، ثم يتبعه سائر جسده " قال أبو عمر: أصيبت يد زيد بن صوحان يوم جلولاء، ثم قتل مع علي يوم الجمل (4). انتهى مختصرا. وذكر ابن أبي الحديد في الجزء الثالث عشر من الشرح حديث وفاة النبي صلى الله عليه وآله من كتاب التأريخ للطبري عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، وساق الخبر إلى قولها: فخرج بين رجلين أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر، تخط قدماه في الارض، عاصبا رأسه حتى دخل بيتي. قال عبد الله بن عتبة: تحدثت عند ابن عباس بهذا الحديث فقال: أتدري من الرجل الاخر ؟ قلت: لا، قال: علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما، لكنها كانت لا تقدر أن تذكره بخير وهي تستطيع (5). انتهى. قال البخاري في صحيحه: حدثني ابن موسى، عن هشام، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن عائشة قالت: لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله


1 - الكشاف 3: 566. 2 - مصابيح السنة 3: 329. 3 - النهاية 1: 184 " ترب ". 4 - الاستيعاب (المطبوع بهامش الاصابة) 1: 560. 5 - شرح نهج البلاغة 3: 189.

[473]

فاشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فاذن له، فخرج بين رجلين تخط رجلاه الارض، وكان بين العباس وبين رجل آخر. قال عبيد الله: فذكرت لابن عباس ما قالت عائشة فقال: وهل تدري من الرجل الذي لم تسم عائشة ؟ قلت: لا، هو علي بن أبي طالب (1). وهو صريح في أنها تركت ذكره لبغض عظيم وحنق جسيم شديد، فترك آخر الخبر كذكره لمن كان له قلب أو بصر. وابن الاثير ذكر هذا الخبر في كتاب الموت من كتاب جامع الاصول عن عائشة بهذا اللفظ والعبارة: فخرج بين رجلين تخط رجلاه الارض: عباس بن عبد المطلب، ورجل آخر. قال ابن عباس: هو علي. ثم روى مثله فقال: قال عبيد الله: دخلت على عبد الله بن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي صلى الله عليه وآله ؟ قال: هات، فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت: لا، قال: هو علي رضي الله عنه (2). انتهى. قال ابن أبي الحديد في الجزء الرابع عشر من الشرح: قال أبو مخنف: ولما نزل علي عليه السلام ذا قار كتبت عائشة الى حفصة بنت عمر: أما بعد فإني أخبرك أن عليا - عليه السلام - قد نزل ذا قار، وأقام بها مرعوبا خائفا، لما بلغه من عدتنا وجماعتنا، فهو بمنزلة الاشقر، إن تقدم عقر، وإن تأخر نحر. فدعت حفصة جواري لها يتغنين ويضربن بالدفوف، فأمرتهن أن يقلن في غنائهن: ما الخبر ما الخبر، علي في السفر، كالفرس الاشقر، إن تقدم عقر وإن تأخر نحر.


1 - صحيح البخاري 6: 13. 2 - جامع الاصول 11: 60.

[474]

وجعلت بنات الطلقاء يدخلن على حفصة ويجتمعن لسماع ذلك الغناء. فبلغ ذلك أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليها السلام، فلبست جلابيبها ودخلت عليهن في نسوة متنكرات، ثم أسفرت عن وجهها، فلما عرفتها حفصة خجلت واسترجعت، فقالت أم كلثوم: لئن تظاهرتما عليه هذا اليوم لقد تظاهرتما على أخيه من قبل، فأنزل الله فيكما ما أنزل !. فقالت حفصة: كفي رحمك الله، وأمرت بالكتاب فمزق، واستغفرت الله. قال أبو مخنف: روى هذا جرير بن يزيد عن الحكم ورواه الحسن بن دينار عن الحسن البصري. وذكر الواقدي مثل ذلك، وذكر المدائني أيضا مثله قال: فقال سهل بن حنيف في ذلك: عذرنا الرجال بحرب الرجال فما للنساء وما للسباب أما حسبنا ما أتينا به ! لك الخير من هتك ذاك الحجاب ومخرجها اليوم من بيتها يعرفها الذنب نبح الكلاب إلى أن أتانا كتاب لها مشوم فيا قبح ذاك الكتاب (1). انتهى.


1 - شرح نهج البلاغة 3: 296.

[475]

الفصل السابع في ذكر جماعة من بني أمية وبني العباس الذين جلسوا هذا المجلس وقاموا هذا المقام وأجمع المسلمون عليهم ولم يختلف فيهم اثنان. والاجماع عليهم أولى من الاجماع على أبي بكر وعمر، لكثرة المخالف والطاعن ثمة وعدمها منهما. منهم: معاوية وقد قدمنا القول فيه، وفي لعن الرسول صلى الله عليه وآله له، وعددنا مثالبه ومعايبه، والاجماع عليه أبين وأوضح، حتى انه سمي العام الذي صالحه فيه الحسن صلوات الله عليه عام الجماعة. ومنهم: عبد الملك بن مروان قال ابن الاثير: في تأريخه الكامل: وقال عبد الملك لسعيد بن المسيب: يا أبا محمد صرت أعمل الخير ولا أسر به، وأعمل الشر فلا أساء به، فقال: الان تكامل فيك موت القلب. وكان عبد الملك أول من غدر في الاسلام، وقد تقدم فعله بعمرو بن سعيد، وكان أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية، وأول من نهى من الكلام بحضرة الخلفاء وكان الناس قبله يراجعونهم. وأول خليفة بخل، وكان يقال له: رشح الحجارة لبخله، وأول من نهى عن الامر بالمعروف، فإنه قال في خطبة بعد قتل ابن الزبير: ولا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا

[476]

ضربت عنقه (1). انتهى. أقول: وولى الحجاج وقربه، فهو خطيئة من خطاياه. قال في الكامل: قال الحسن: سمعت عليا عليه السلام على المنبر يقول: " اللهم ائمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشوني، اللهم فسلط عليهم غلام ثقيف، يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية "، فوصفه وهو يقول: " الذيال، مفجر الانهار، يأكل خضرتها ويلبس فروتها ". قال الحسن: هذه والله صفة الحجاج. قال حبيب بن أبي ثابت: قال علي لرجل: " لا تموت حتى تدرك فتى ثقيف "، قيل له: يا أمير المؤمنين ما فتى ثقيف ؟ قال: " ليقالن له يوم القيامة: أكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين أو بضعا وعشرين، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو تبق إلا معصية واحدة وبينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يفتك بمن أطاعه من عصاه ". وقيل: أحصي من قتله الحجاج صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا (2). انتهى. وقال ابن أبي الحديد عند ذكره مفاخرة بني هاشم وأمية: وخطب الحجاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: تبا لهم إنما يطوفون بأعواد رمة بالية، هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك، ألا يعلموا أن خلافة المرء خير من رسوله (3). انتهى. وقال في الكامل: قال الاوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم. قال منصور: سألنا ابراهيم النخعي عن الحجاج فقال: ألم يقل الله:


1 - الكامل في التأريخ 4: 521. 2 - الكامل في التأريخ 4: 587. 3 - شرح نهج البلاغة 2: 192.

[477]

* (الا لعنة الله على الظالمين) * (1). انتهى (2). ومنهم: الوليد، وهشام بن عبد الملك قال في الكامل: قيل: وفي هذه السنة ولي مكة خالد بن عبد الله القسري، فخطب أهلها فقال: أيها الناس أيهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم ؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة ألا إن ابراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا اجاجا، واستسقى الخليفة فسقاه عذبا فراتا. يعني بالملح: زمزم، وبالماء الفرات: بئرا حفرها الوليد بثنية طوى في ثنية الحجون، فكان ماؤها عذبا، وكان ينقل ماءها ويضعه في حوض الى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، فغارت البئر وذهب ماؤها، فلا يدرى أين هو اليوم (3). انتهى. وذكر في الكامل كتابا من خالد هذا الى هشام بن عبد الملك، وفيه ما هذا لفظه: ولكن أعظم من ذلك قيام ابن شقي الحميري الى أمير المؤمنين في قوله: يا أمير المؤمنين خليفتك في أهلك أكرم عليك أم رسولك في حاجتك ؟ فقال: بل خليفتي في أهلي، فقال ابن شقي: فأنت خليفة الله ومحمد رسوله (4). انتهى. وقال في الكامل: وكانت أم خالد نصرانية رومية، ابتنى بها أبوها في بعض أعيادهم فأولدها خالدا وأسدا، ولم تسلم، وبنى لها خالد بيعة، فذمه الناس والشعراء، فمن ذلك قول الفرزدق: ألا قطع الرحمن ظهر مطية أتتنا تهادى من دمشق بخالد


1 - هود: 18. 2 - الكامل في التأريخ 4: 586. 3 - الكامل في التأريخ 4: 536. 4 - الكامل في التأريخ 5: 278.

[478]

فكيف يؤم الناس من كان أمه تدين بأن الله ليس بواحد بنى بيعة فيها النصارى لامه ويهدم من كفر منار المساجد (1) انتهى. ثم قال: ولما بلغه أن الناس يذمونه لبنائه البيعة لامه، قام يعتذر لهم فقال: لعن الله دينهم إن كان شرا من دينكم، وكان يقول: إن خليفة الرجل في أهله أفضل من رسوله في حاجته، يعني ان الخليفة هشاما أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله (2). انتهى. هذا كله كما ترى أوضح دليل على اضمارهم الكفر، ورضاهم بمن يضمره. وذكر في الكامل موت الوليد هذا فقال: ولما دلي في حفرته جمعت ركبتاه إلى عنقه، فقال ابنه: أعاش أبي ؟ فقال عمر بن عبد العزيز - وكان في من دفنه -: عوجل والله أبوك (3). انتهى. ومنهم: يزيد بن عبد الملك قال في الكامل: كان يزيد من فتيانهم فقال يوما وقد طرب وعنده حبابة وسلامة القس: دعوني أطير، فقالت حبابة: علي من تدع الامة ؟ قال: عليك. قيل: وغنته يوما: وبين التراقي واللهاة حراة ما تطمئن وما يسوغ فتبردا فأهوى ليطير، فقالت: يا أمير المؤمنين إن لنا فيك حاجة، قال: والله لاطيرن، قالت: فعلى من تخلف الامة والملك ؟ قال: عليك والله ! وقبل يدها، فخرج بعض خدمه وهو يقول: عينك فما أسخفك.


1 - الكامل في التأريخ 5: 279. 2 - الكامل في التأريخ 5: 280. 3 - الكامل في التأريخ 5: 9.

[479]

وخرجت معه إلى ناحية الاردن يتنزهان فرماها بحبة عنب، فدخلت حلقها فشرقت ومرضت وماتت، فتركها ثلاثة أيام لا يدفنها حتى أنتنت وهو يشمها ويقبلها وينظر إليها ويبكي (1). انتهى. يا للرجال هذا على ما يرون ويزعمون أمير المؤمنين، وخليفة سيد المرسلين، وامام المسلمين، وأمينهم في الصلوات وسائر الدين، باختيارهم واجماعهم واتفاق علمائهم، وزهادهم وفقهائهم، ولم يختلف منهم فيه اثنان وان اختلفوا في أبي بكر وعثمان وتأخر بعضهم ونكص، وما يمكن أن يقال هنا يمكن القول به هناك. ومنهم: الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال في الكامل: وكان من فتيان بني أمية وظرفائهم وشجعانهم وأجوادهم وأشدائهم، منهمكا في اللهو والشرب وسماع الغناء، وظهر ذلك من أمره. ثم قال: واشتهر عنه أنه فتح المصحف فخرج * (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) * (2)، فألقاه ورماه بالسهام وقال: تهددني بجبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد فلم يلبث بعد ذلك إلا قليلا حتى قتل (3). انتهى. وقال ابن أبي الحديد في الشرح: ومن حمقى قريش سليمان بن يزيد بن عبد الملك، قال يوما: لعن الله الوليد أخي فلقد كان فاجرا أرادني على الفاحشة، فقال له قائل من أهله: اسكت ويحك فو الله إن كان هم لقد فعل (4) انتهى.


1 - الكامل في التأريخ 5: 121. 2 - ابراهيم: 15. 3 - الكامل في التأريخ 5: 289 - 290. 4 - شرح نهج البلاغة 2: 194.

[480]

قال في الكامل عند ذكره حمل رأس الوليد هذا إلى يزيد بن الوليد بن عبد الملك: ونصب على رمح فطاف به بدمشق، ثم أمر به أن يدفع الى أخيه سليمان، فلما نظر إليه سليمان قال: بعدا أشهد انه كان شروبا للخمر ماجنا فاسقا، ولقد أرادني على نفسي الفاسق (1). انتهى. وذكر في الكامل أيضا كلام يزيد بن عنبسة السكسكي للوليد هذا، ومن جملته ما هذا لفظه بعينه: إنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله، وشرب الخمر، وانكاح امهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله (2). انتهى. وذكر أيضا في هذا الكتاب: إنه لما غلب عليه في القتال دخل القصر وأغلق الباب وقال: دعوا لي سلمى والطلاء وقينة وكاسا ألا حسبي بذلك مالا (3) وقال عند ذكره سبب قتله: وكان سبب قتله ما تقدم ذكره من خلاعته ومجانته (4). وقال عند ذكره بيعة الوليد هذا في الكامل: فولاه الحج - يعني ان هشاما ولى الوليد سنة ست عشرة ومائة - فحمل معه كلابا في صناديق، وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة ويشرب فيها الخمر، فخوفه أصحابه وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا معك، فلم يفعل (5). انتهى. ثم قال: فأفرط الوليد في شرب الخمر وطلب اللذات، فقال هشام: يا وليد والله ما أدري أعلى الاسلام أنت أم لا، ما تدع شيئا من المنكرات إلا


1 - الكامل في التأريخ 5: 288. 2 - الكامل في التأريخ 5: 287. 3 - الكامل في التأريخ 5: 287. 4 - الكامل في التأريخ 5: 264.

[481]

أتيته غير متحاش، فكتب إليه الوليد: يا أيها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة بالسخن أحيانا وبالفاتر (1) انتهى. ثم قال: فقال مولى لاهل المدينة: يا أيها السائل عن ديننا نحن على دين أبي شاكر الواهب الجرد بأرسانها ليس بزنديق ولا كافر يعرض بالوليد (2). انتهى. وأبو شاكر: مسلمة بن هشام. وقال في الكامل: قال حكم الوادي المغني: كنا مع الوليد وأتاه الخبر بموت هشام، وهنئ لولاية الخلافة، وأتاه القضيب والخاتم، قال: فأمسكنا ساعة ونظرنا إليه بعين الخلافة، فقال: غنوني: طاب يومي ولذ شرب السلافة وأتانا نعي من بالرصافة وأتانا البريد ينعى هشاما وأتانا بخاتم الخلافة فاصطبحنا من خمر عانة صرفا ولهونا بقنة عرافة وحلف أن لا يبرح عن موضعه حتى يغنى بهذا الشعر ويشرب عليه، ففعلنا ذلك، ولم نزل نغني إلى الليل (3). انتهى.


1 - الكامل في التأريخ 5: 265. 2 - الكامل في التأريخ 5: 265. 3 - الكامل في التأريخ 5: 268.

[482]

ومن بني العباس المهدي العباسي قال في الكامل بعد ذكره اتصال آل يعقوب بالمهدي مع غاية العداوة بين الاباء: وقيل: اتصل به بالسعاية بآل علي، ولم يزل أمره يرتفع حتى استوزره. ثم قال: وكان يعقوب قد ضجر بموضعه قبل حبسه، وكان أصحاب المهدي يشربون عنده، فكان يعقوب ينهاه عن ذلك ويعظه ويقول: ليس على ذا استوزرتني ولا عليه صحبتك، أبعد الصلاة الخمس في المسجد الجامع يشرب عندك النبيذ ؟ فضيق على المهدي حتى قيل: فدع عنك يعقوب بن داود جانبا وأقبل على صهباء طيبة النشر وقال يعقوب يوما للمهدي في أمر أراده: هذا والله السرف، فقال المهدي: ويحك يا يعقوب إنما يحسن السرف بأهل الشرف، ولولا السرف لم يعرف المكثرون من المقلين (1). انتهى. وقال في الكامل أيضا في ذكر سيرة المهدي: وماتت الياقوتة بنت المهدي، وكان معجبا بها لا يطيق الصبر عنها، حتى أنه كان يلبسها لبسة الغلمان ويركبها معه (2). انتهى. وقال في الكامل: وكان بشار قد هجا صالح بن داود أخا يعقوب حين ولي فقال: هم حملوا فوق المنابر صالحا أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ يعقوب هجاؤه، فدخل على المهدي فقال: إن هذا الاعمى المشرك


1 - الكامل في التأريخ 6: 72. 2 - الكامل في التأريخ 6: 87.

[483]

قد هجا أمير المؤمنين، قال: ما قال ؟ قال: يعفيني أمير المؤمنين من انشاده، فأبى أن يعفيه، فأنشده: خليفة يزني بعمامته يلعب بالدبوق والصولجان أبدلنا الله غيره ودس موسى في حر الخيزران فوجه في حمله، فخاف يعقوب أن يقدم على المهدي فيمدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من يلقيه في البطخة في الحرارة (1). انتهى. ومنهم الرشيد قال في الكامل: ذكر ايقاع الرشيد بالبرامكة: في هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى، وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر: ازوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تقربها، فإني لا أطيق الصبر عنكما، فأجابه إلى ذلك، فزوجه منها، وكانا يحضران معه ثم يقوم عنهما (2). الخبر. وقال: قيل: كان مع الرشيد ابن أبي مريم المديني، وكان مضاحكا فكيها يعرف أخبار أهل الحجاز وألقاب الاشراف ومكائد المجان، فكان الرشيد لا يصبر عنه وأسكنه في قصره. انتهى. وإنما ذكرنا قليلا من كثير لشهرتها، ومن أراد الوقوف عليها طلبها من مضانها. تم كلامه أدام الله تعالى فضله. وقد تم على يد أقل الخليقة، بل اللاشئ في الحقيقة، ابن المرحوم


1 - الكامل في التأريخ 6: 86. 2 - الكامل في التأريخ 6: 175.

[484]

محمد هادي المازنداراني طاب ثراه محمد تقي عفى عنه، في العشر الاول من شهر رمضان المبارك من شهور سنة 1133 هجري على مهاجرها ألف ألف تحية، في البندر المعروف بهوكلي، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله عنه، فوجه إليه من يلقيه في البطخة في الحرارة (1). انتهى. ومنهم الرشيد قال في الكامل: ذكر ايقاع الرشيد بالبرامكة: في هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى، وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي، وكان يحضرهما إذا جلس للشرب، فقال لجعفر: ازوجكها ليحل لك النظر إليها ولا تقربها، فإني لا أطيق الصبر عنكما، فأجابه إلى ذلك، فزوجه منها، وكانا يحضران معه ثم يقوم عنهما (2). الخبر. وقال: قيل: كان مع الرشيد ابن أبي مريم المديني، وكان مضاحكا فكيها يعرف أخبار أهل الحجاز وألقاب الاشراف ومكائد المجان، فكان الرشيد لا يصبر عنه وأسكنه في قصره. انتهى. وإنما ذكرنا قليلا من كثير لشهرتها، ومن أراد الوقوف عليها طلبها من مضانها. تم كلامه أدام الله تعالى فضله. وقد تم على يد أقل الخليقة، بل اللاشئ في الحقيقة، ابن المرحوم


1 - الكامل في التأريخ 6: 86. 2 - الكامل في التأريخ 6: 175.

[484]

محمد هادي المازنداراني طاب ثراه محمد تقي عفى عنه، في العشر الاول من شهر رمضان المبارك من شهور سنة 1133 هجري على مهاجرها ألف ألف تحية، في البندر المعروف بهوكلي، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية