الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 86

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 86


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء السادس والثمانون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان كافة الحقوق محفوضة مسجلة الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم * (أبواب) * * (القصر وأسبابه وأحكامه) * * (باب) * * (وجوب قصر الصلاة في السفر وعلله) * * (وشرائطه وأحكامه) * الايات: النساء: وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (1).


(1) النساء: 101، وقد كان على المؤلف العلامة أن ينقل الايتين بعدها، لما فيهما من التعلق التام بالمقام، فلا بأس أن ننقلهما ونبحث عن مفاد الايات الكريمة فنقول و من الله أسأل العصمة والرشاد: قال الله عزوجل تفريعا على الاية الاولى في بيان حكم صلاة القصر وصلاة الخوف: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليك ميلة واحدة ولاجناح عليكم ان كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم ان الله أعد للكافرين عذابا مهينا " (النساء: 102). ثم قال: عزوجل تماما لحكم صلاة الخوف وتعليقا على الاية الاولى:

[2]

تفسير: " وإذا ضربتم في الارض " أي سافرتم فيها " فليس عليكم جناح " أي حرج وإثم في (أن تقتصروا) قال في الكشاف في محل النصب بنزع الخافض، وقيل:


(فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا). فالمراد بالضرب في الارض هو السفر كناية، وذلك لان المسافة التى كانت تقطع في يوم واحد، هي مرحلة واحدة ثمان فراسخ، ولم يكن يمكنهم طى هذه المسافة على المعتاد المتعارف الا بضرب الراحلة والجد في المشى بضرب الاقدام. وأما قوله عزوجل: (فلا جناح عليكم) فسيأتي الكلام فيه مستوفى انشاء الله تبارك وتعالى. وأما قوله عزوجل: (أن تقصروا من الصلاة) فلما كان القصر متعديا بنفسه، كان تعديته بمن مفيدا لتضمينه معنى القطع والافراز، ولما كان لفظ الصلاة في اطلاق القرآن العزيز ينصرف إلى الركعتين الاولتين المفروضتين، كما مرت الاشارة إليه مرارا، كان قصر الصلاة بتنصيف الصلاة واتيان ركعة واحدة، كما هو واضح، وينص على ذلك روايات أهل البيت عليهم السلام، على ما سيجئ في باب صلاة الخوف. وأما قوله عزوجل: (ان خفتم أن يفتنكم) الخ فهو نص في الاشتراط ثانيا، أي إذا سافرتم وكنتم معذلك خائفين من أن يهجم عليكم الذين كفروا، فصلوا ركعة واحدة مكان ركعتين. ولكن يظهر من سياق الايات أن هذا الحكم انما هو إذا كان المؤمنون منفردين في السفر من دون امام يجمع شملهم، فحينئذ يصلى كل واحد منهم ركعة واحدة بالانفراد، ثم يشتغل عوض الركعة المتروكة بذكر الله عزوجل كما سيأتي في شرح الاية الثالثة، و اما إذا كانوا مع امام يجمع شملهم وكانوا ذوى عدة، فعليهم أن يحتالوا في رفع الخوف من هجومهم ومباغتتهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله بحكم الاية الثانية. فتبين كون فرض الاية ومفادها أن الصلاة في السفر انما فرضت ركعتين، وإذا كان

[3]

في موضع جر على تقدير حرف الجر، لان الحرف حذف لطول الكلام، وما حذف لذلك فهو في حكم الثابت، وقرئ في الشواذ (تقصروا) من الاقصار، (وتقصروا) من التقصير (من الصلاة) (من) زائدة وقال سيبويه صفة موصوف محذوف أي شيئا من الصلاة.


معه الخوف من فتنة الاعداء يكون الصلاة ركعة واحدة الا أن الاول على الاصل بالمفهوم الضمنى، والثانى بالمنطوق صريحا. وأما قوله عزوجل: (وإذا كانت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الاية، فالظاهر من تحويل السياق أنها بصدد بيان حكم خاص يتفرع على المسألة قبلها، والمعنى أنه إذا كان المؤمنون مسافرين وهم معذلك خائفون من العدو وهجومهم، وكنت أنت فيهم تجمع شملهم، فأردت أن تقيم لهم الصلاة ركعتين، فاحتل لرفع الخوف من بادرتهم بأن تفرق المؤمنين فرقتين: فرقة تقوم بازاء العدو ترصدهم والطائفة الاخرى يصلون معك ركعة جماعة وركعة أخرى تمام صلاتهم بالانفراد، ثم تقوم هذه الطائفة حذاء العدو ترصدهم ولتأت الطائفة الاخرى لم يصلوا فليصلوا معك ركعة جماعة وركعة اخرى منفردين، فتكونوا جميعا قد صليتم ركعتين في السفر، لارتفاع الشرط الثاني وهو المخافة. فعلى هذا لاريب في أن فرض هذه الاية هو صلاة السفر من دون المخافة من العدو، ولو احتيالا في رفعها، ويستنتج من هذا الفرع أن صلاة السفر، إذا لم يكن هناك خوف أبدا، لابد وأن تكون ركعتين بطريق أولى، وهو واضح بحمدالله. ولا يذهب عليك أن نزول هذه الاية كان في غزوة ذات الرقاع سنة أربع أو خمس. على ما سيجئ في باب صلاة الخوف، لقوله عزوجل فيها: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) فانه اخبار عن واقعة خارجية، الا أن حكم الاية عام لكل امام يخاف مباغتة الخصم يأمره بأن يحتال في رفع المخافة كما بين الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وجه الحيلة في ذلك. ومما ينص على أن حكم الاية عام ذيل الاية الكريمة: (ولاجناح عليكم ان كان بكم

[4]

(إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) في موضع نصب على المفعول به، وقيل مفعول له أي كراهية أن يفتنكم وفي قراءة ابي بن كعب بغير (إن خفتم) فقيل المعنى أن لا يفتنكم أو كراهة أن يفتنكم كقوله تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) (1).


أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم) الاية حيث يخاطب الامة بذلك، ويبين حكم الفروع المحتملة الطارءة، ولو كان الحكم مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله في قضية خاصة لم يكن لذلك وجه، كما هو واضح. وأما قوله عزوجل: (فإذا قضيتم الصلاة) الاية فهو حكم متمم لصلاة الخوف يفرض على الذين صلوا ركعة واحدة بالانفراد خوفا من باردة العدو، أن يذكروا عزوجل بعد قضاء صلاتهم تلك موا يوازى الركعة المتروكة. وانما أخص الحكم بصلاة الخوف فقط، لما عرفت قبلا من أن الاية الثانية انما تتكفل لبيان فرع من فروع المسألة، فتكون الاية الثانية كالمعترضة واقعة بين الاية الاولى والثالثة. ومما ينص على اتصال هذه الاية بالاولى اتحاد سياقهما من حيث الخطاب وتحليله إلى كل فرد فرد، وورود قوله تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) في هذه الاية ناظرا إلى قوله تعالى، (ان خفتم أن يفتنكم) في الاية الاولى. والمعنى أن حكم صلاة الخوف وايجاب الذكر بدلا عن الركعة الثانية انما هو مادام الخوف باقيا، وأما إذا اطمأننتم بأن ارتفع الخوف رأسا اما بمهادنة أو عدم حضور الكفار حولكم، فالفرض عليكم أن تقيموا الصلاة تماما ركعتين. فمفاد ذيل هذه الاية من حيث فرض الطمأنينة من العدو، ووجوب تمام الصلاة ركعتين مفاد الاية الثانية من حيث الاحتيال في رفع مخافة العدو، ووجوب تمام الصلاة ركعتين، ولذلك عبر فيهما عن الصلاة ركعتين باقامة الصلاة، كما كان يعبر عنها في سائر الموارد التى يأمر النبي صلى الله عليه وآله أو المؤمنين باقامة الصلاة. (1) النساء: 176.

[5]

(إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) أي ظاهر العدواة (1) قال في الكافرين عدوا لان لفظة فعول تقع على الواحد والجماعة. ثم الضرب في الارض معتبر في القصر بنص الكتاب، وقد أجمع علماؤنا على أن المسافة شرط، وسيأتي حدها وحد الترخص، وإن كان خلاف ظاهر الاية إذ ظاهرها أنه يكفي الخروج من البيت كما قيل. ونفي الجناح (2) وإن كان يصح في الواجب والمستحب والمباح، بل في


(1) وعلى ما مر في ج 79 ص 180 - 181 (كان) في هذه الموارد شأنية والمعنى أن الكافرين شأنهم أن يكونوا لكم عدوا مبينا، فلا تطمئنوا إليهم واحذروا منهم أن يفتنوكم أبدا. (2) انما عبر بنفى الجناح، لئلا تصير حكم القصر من الصلاة فرضا تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا وجهلا، كما عبر عن السعي بين الصفا والمروة كذلك لذلك وأما أن نفى الحرج يوجب حكم القصر في حال العلم والذكر، فلان ذلك منة من الله عزوجل امتن بها على عباده فرخص لهم القصر من الصلاة، والرخصة والمنة من الكريم تعالى يجب الاخذ بهما أدبا، كما أخذ بهما النبي صلى الله عليه وآله، وسيأتى في الاخبار من طرق الفريقين ما ينص على ذلك. ولا يذهب عليك أن نفى الجناح انما كان بالنسبة إلى صلاة الخوف في السفر بالاقتصار على ركعة واحده وتبديل الركعة الثانية بالذكر، فلو جهل أحد من المسلمين هذا الحكم أوسها وصلى ركعتين فصلاته ماضية. وأما صلاة السفر حال الطمأنينة من العدو، فالفرض فيها ركعتان على حد صلاة الحضر الا أن رسول الله صلى الله عليه وآله زاد في ركعات الحضر سبعا وتركها في السفر بحالها لم يضف إليها شيئا الا ما يوترها وهى ثالثة المغرب، كما أنه صلى الله عليه وآله وضع نوافل هذه الصلوات المقصورة الا نافلة المغرب. ولعله صلى الله عليه وآله امتثل في ذلك قوله تعالى: (ان لك في النهار سبحا طويلا) فصلى الركعات

[6]

المرجوح أيضا لكن الرواية المتواترة من طرق الخاصة والعامة توجب الحمل على الوجوب، والتعبير بهذا الوجه لنفي توهم أنه ينقص من ثوابهم شئ أو يوجب نقصا في صلاتهم، قال في الكشاف: كأنهم ألفوا الاتمام فكان مظنة لان يخطر ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر، فنفى الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، ويطمئنوا إليه، وسيأتي في رواية زرارة ومحمد بن مسلم إيماء إليه، وإطلاق السفر يعم ما كان معصية، ولكن رفع الجناح عن القصر إرفاقا يناسب التخصيص بالمباح، كما هو مقتضى الاخبار والاجماع. وقال في مجمع البيان (1): إن في المراد من قصر الصلاة هنا أقوالا: الاول أن معناه أن يقصروا الرباعيات ركعتين ركعتين عن مجاهد، وجماعة من المفسرين، وهو قول الفقهاء ومذهب أهل البيت عليهم السلام. الثاني وذهب إليه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم جابر بن عبد الله، و حذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وأبو هريرة، وكعب، وابن عمر وابن جبير، والسدى أن المعنى قصر صلاة الخوف من صلاة السفر لا من صلاة الاقامة، لان صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير قصر، قال فهنا قصران قصر الامن من أربع إلى ركعتين، وقصر الخوف من ركعتين إلى ركعة واحدة، وقد رواه أصحابنا أيضا. الثالث أن المراد القصر من حدود الصلاة عن ابن عباس وطاوس، وهو الذي


المسنونة - داخل الفرض وخارجها - في الحضر سبحة، واكتفى عند السفر عن هذه السبحة بالسبحة في الارض. فإذا كان وضع ركعات السنة عن صلاة السفر بالسنة، كانت الصلاة أربعا في صورة الجهل والسهو ماضية على حد سائر السنن التى لا تبطل الصلاة بالاخلال بها سهوا وجهلا ونسيانا وسيأتى في روايات أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ما ينص على ذلك. (1) مجمع البيان ج 3 ص 101 باختلاف.

[7]

رواه أصحابنا في صلاة شدة الخوف، وإنما يصلي إيماء والسجود أخفض من الركوع فان لم يقدر على ذلك فالتسبيح المخصوص كاف عن ركعة. الرابع أن المراد به الجمع بين الصلاتين قال: والصحيح الاول. ثم لا يخفى أن ظاهر الاية أن الخوف أيضا شرط للقصر، فلا يقصر مع الامن لمفهوم الشرط، لكن قد علم جواز القصر ببيان النبي صلى الله عليه وآله فنقول: المفهوم وإن كان حجة لكن بشرط عدم ظهور فائدة للتقييد، سوى المفهوم، ويحتمل أن يكون ذكر الخوف في الاية لوجود الخوف عند نزولها، أو يكون قد خرج مخرج الاعم الاغلب عليهم في أسفارهم، فانهم كانوا يخافون الاعداء في غايتها كما قيل، ومثله في القرآن كثير، مثل (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا) (1) وربما يدعى لزوم الخوف للسفر غالبا ويؤيد ذلك القراءة بترك (إن خفتم). على أن المفهوم إنما يعتبر إذا لم يعارضه أقوى منه، والمعارض هنا من الاجماع ومنطوق الاخبار من الخاصة والعامة أقوى. قال البيضاوي: وقد تظافرت السنن على جوازه أيضا في حال الامن فترك المفهوم بالمنطوق وإن كان المفهوم حجة لانه أقوى. وقيل: قوله (إن خفتم) منفصل عما قبله، روي عن أبي أيوب الانصاري أنه قال: نزلت إلى قوله: (أن تقصروا من الصلاة) ثم بعد حول سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) النور: 33: وعندي أن الاية على ظاهرها، والمراد بالبغاء تكليف الاماء بالبراز إلى الاسواق والتشاغل بالمكاسب ليؤدين ما حصل من ذلك إلى ساداتهن اما مضاربة أو مكاتبة على ما كان معمولا عندهم. وانما عبر عن ذلك بالغاء فان الامة المسكينة إذا أجبرت على تأدية مال معين في اليوم أو الشهر مضاربة أو مكاتبة آل أمرها إلى تأدية ذلك من مكسب هو أسهل عليها وأوفر هو الكسب بالفرج حراما، ولذلك قال عزوجل: ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان أردن تحصنا في البيت وخدمة في البيوت، راجع مشروح ذلك ج 79 ص 17 - 18. (*)

[8]

عن صلاة الخوف فنزل (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) الاية هو في الظاهر كالمتصل به، وهو منفصل عنه (1).


(1) وأخرج ابن جرير عن على عليه السلام (على ما في الدرر المنثور ج 2 ص 209) قال: سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله انا نضرب في الارض فكيف نصلى ؟ فأنزل الله: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) ثم انقطع الوحى. فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وآله فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم ! فقال قائل منهم: ان لهم مثلها اخرى في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين: (ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ان الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) إلى قوله (ان الله أعد للكافرين عذابا مهينا) فنزلت صلاة الخوف. أقول: قصر صلاة السفر ثابت بالسنة القطعية من رسول الله صلى الله عليه وآله، وعليه روايات الفريقين متواترة، وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يقصرون صلاتهم اقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله، حتى إذا جاء التابعون وظهر أصحاب الرأى والفتيا، توهموا أن حكم القصر في الصلاة انما ثبت بالاية الكريمة: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) فجعلوه رخصة لاعزيمة. ولكنهم معذلك مجمعون كالشيعة على أن الخوف من فتنة الاعداء ليس بشرط في قصر الصلاة، وانما هو شرط في صلاة الخوف على الهيئة المخصوصة، ولذلك أعضل عليهم توجيه لفظ الاية حيث علق صريحا كون المخافة من العدو شرطا لقصر الصلاة. فذهب بعضهم إلى أن حكم القصر في الاسفار، انما يثبت بالسنة، وان كانت الاية بظاهرها تدل على أن القصر يثبت بشرطين: السفر والمخافة معا، فحكم الاية بوجوب القصر مع الشرطين، لا ينافي حكم السنة بوجوبه مع شرط واحد. وبعضهم كأبى بن كعب أنكر نزول الشرط الثاني رأسا وكتب في مصحفه: (وإذا

[9]

وعلى هذا فيجوز أن يكون التقدير اقصروا من الصلاة إن خفتم، أولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم، بقرينة السؤال، ووقوعه في المصحف بعد ذلك. قيل: وعلى هذا يتوجه القول الثاني أو الثالث في القصر بالنسبة إلى الخوف مع الاول بالنسبة إلى السفر، ويتوجه أيضا قول أصحابنا إن كلا من السفر والخوف موجب للقصر كما يتوجه على قراءة ترك (إن خفتم). على أن الاجماع والاخبار تكفي في ذلك كما تقدم، وربما أمكن فهم


ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان يفتنكم الذين كفروا) الاية فحينئذ تكون الحكم ثابتا من الله عزوجل خوفا منه على الامة أن بفتنهم الذين كفروا، فيعم حال السفر مطلقا خاف المسلمون أنفسهم أولم يخافوا كما في قوله تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) أي مخافة منه أن تضلوا. لكنه قد ذهب عليه أن قوله تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) يصرح بأن حكم القصر انما كان في ظرف المخافة وعدم الطمأنينة، فلا يفيد انكاره نزول (ان خفتم) كما أن قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم) الاية انما ينظر إلى سفرهم وخوفهم من الاعداء، وهو واضح. ثم انه قد أتى بعضهم الاخر ببدع واختلق حديثا نسبه إلى عظماء الاصحاب بأن صدر الاية نزلت قبل ثم انقطع الوحى، ثم نزل تتمه الاية بعد سنة، وهو كما ترى لا يدفع الاشكال، بل يثبته. وذلك لان الشرط: (ان خفتم أن يفتنكم) إذا لحق بصدر الاية وفيها حكم القصر، صار مقيدا لاطلاقة، ولزم بعد نزوله اشتراط حكم القصر بالخوف من فتنة الاعداء وجاء الاشكال برمته بعد سنة، وإذا لم يلحق بصدر هذه الاية وهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة صار ذيل الاية: (ان خفتم) الخ لغوا من القول تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

[10]

القصر مع الخوف وحده من الاية الاتية أيضا كما سيأتي بيانه. قوله تعالى: (أن يفتنكم الذين كفروا) قيل أي في الصلاة، وقيل في أنفسكم أو دينكم، والفتنة قيل: القتل، وقيل: العذاب. والاظهر أنه هنا التعريض للمكروه. 1 - الكشى في الرجال: عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن محمد بن حكيم وغيره، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، عن أبيه عليهما السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: التقصير يجب في بريدين (1). 2 - تحف العقول: عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون قال: والتقصير في أربعة فراسخ: بريد ذاهبا وبريد جائيا اثنا عشر ميلا وإذا قصرت أفطرت (2). 3 - المقنعة: قال الصادق عليه السلام: ويل لهؤلاء القوم الذين يتمون الصلاة بعرفات أما يخافون الله ؟ فقيل له: وهو سفر ؟ قال، وأى سفر أشد منه (3). 4 - المقنع: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أتى سوقا يتسوق بها، وهي من منزله على أربع فراسخ فان هو أتاها على الدابة أتاها في بعض يوم، وإن ركب السفن لم يأتها في يوم، قال: يتم الراكب الذي يرجع من يومه صوما ويقصر صاحب السفن (4). بيان: اعلم أنه أجمع العلماء كافة على أن المسافة شرط في القصر، وإنما اختلفوا في تقديرها، فذهب علماؤنا أجمع إلى أن القصر يجب في مسيرة يوم هي بريدان ثمانية فراسخ: أربعة وعشرون ميلا، وتدل عليه روايات كثيرة.


(1) رجال الكشى في حديث طويل تحت الرقم 279 ط المصطفوى. (2) تحف العقول: 440 ط الاسلامية. (3) المقنعة: 71. (4) المقنع: 63 ط الاسلامية، وفيه على سبع فراسخ.

[11]

واختلف الاصحاب في مسيرة أربعة فراسخ، فدهب جماعة من الاصحاب منهم المرتضى وابن إدريس وكثير من المتأخرين إلى أنه يجب عليه التقصير إذا أراد الرجوع من يومه، والمنع منه إن لم يرد ذلك. وقال الصدوق في الفقيه: وإذا كان سفره أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب، وإن كان سفره أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتم وإن شاء قصر، ونحوه قال المفيد والشيخ في النهاية إلا أنه منع من التقصير في الصوم فيما إذا لم يرد الرجوع من يومه. وقال الشيخ في كتابي الاخبار: إن المسافر إذا أراد الرجوع من يومه، فقد وجب عليه التقصير في أربعة فراسخ، ثم قال: على أن الذي نقوله في ذلك أنه إنما يجب عليه التقصير إذا كان مقدار المسافة ثمانية فراسخ، وإذا كان أربعة فراسخ كان بالخيار في ذلك، إن شاء أتم وإن شاء قصر. وظاهر هذا الكلام العدول إلى القول بالتخيير، وإن أراد الرجوع ليومه، ولهذا نقل الشهيد في الذكرى عن الشيخ في التهذيب القول بالتخيير في تلك الصورة، و نقل ذلك عن المبسوط وعن ابن بابويه في كتابه الكبير وقواه. أقول: النقل من المبسوط لعله اشتباه، إذ فيما عندنا من نسخه هكذا: و حد المسافة التي يجب فيها التقصير ثمانيه فراسخ أربعة وعشرون ميلا، فان كانت أربعة فراسخ وأراد الرجوع من يومه وجب أيضا التقصير، وإن لم يرد الرجوع من يومه كان مخيرا بين التقصير والاتمام انتهى والكتاب الكبير للصدوق لم نظفر عليه، نعم ظاهر كتابي الاخبار ذلك، وإن كانا قابلين للتأويل. وقال ابن أبي عقيل: كل سفر كان مبلغه بريدين وهو ثمانية فراسخ، وبريد ذاهبا وبريد جائيا وهو أربعة فراسخ في يوم واحد، أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافره عند آل الرسول إذا خلف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره وغاب عنه منها صوت الاذان أن يصلي صلاة السفر ركعتين، ونقل في المختلف (1) عن سلار أنه إن كانت المسافة


(1) المختلف: 162.

[12]

أربعة فراسخ وكان راجعا من يومه قصر واجبا، وإن كان من غده فهو مخير بين القصر والاتمام، ونقله عن ابن بابويه. فمرادهم بالغد إن كان معناه الحقيقي كان قولا آخر، وان كان المراد به ما عدا اليوم كان بعينه قول المفيد، وحد المسافة ابن الجنيد بمسير يوم للماشي و راكب السفينة. ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الاخبار ففي كثير منها إناطة التقصير بثمانية فراسخ، وفي كثير منها بأربعة فراسخ، واختلفوا في الجمع بينها، فحمل الشيخ في أحد وجهيه وجماعة أخبار الاربعة على ما إذا أراد المسافر الرجوع ليومه. واحتجوا على ذلك بصحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن التقصير فقال: بريد ذاهب وبريد جاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أتى ذبابا قصر (1) وذباب على بريد، وإنما فعل ذلك لانه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ. وأمثالها ولا دلالة فيها على رجوع اليوم بوجه بل تدل على أن الذهاب والمجئ محسوبان معا في مسافة البريدين. مع أن الروايات المتضمنة لتوبيخ أهل عرفات على عدم التقصير تأبى عن هذا الحمل، إذا الظاهر أن خروجهم للحج بل بعضها صريح في ذلك، ولا يتحقق معه رجوع اليوم، نعم في فقه الرضا ما يدل على هذا الوجه، ولعل الصدوق أخذه منه، وتبعه القوم. وجمع الشيخ وغيره بينها بوجه آخر، وهو تنزيل أخبار الثمانية على الوجوب والاربعة على الجواز، وحمل الشهيد الثاني أخبار الاربعة على الاستحباب، وله وجه فانه أنسب بالتوبيخ على الترك والامر بالفعل، وإن كان بعيدا أيضا إذ التهديد بالويل، والتخويف بالعذاب لا يناسب ترك المستحب إلا أن يقال: التوبيخ والتهديد لاعتقادهم تعين الاتمام وإيقاعهم ذلك على وجه التعيين واللزوم.


(1) الفقيه ج 1 ص 287 والظاهر انتهاء الخبر هنا.

[13]

والاظهر في الجمع بينها أن يقال: المعتبر في السفر الموجب للتقصير أن تكون المسافة التي أرادها المسافر ثمانية فراسخ، وإن كان بحسب الذهاب والعود معا، فلو أراد السفر أربعة فراسخ وأراد الرجوع إلى المحل الذي سافر منه من غير أن ينقطع سفره بالوصول إلى منزله أو إقامة عشرة فيما بين ذلك، كان عليه التقصير، وإن لم يرد الرجوع من يومه، لقصد المسافة التي هي ثمانية فراسخ. وبه تتطابق الاخبار وتتصالح من غير منافرة، ويؤيده مرسلة صفوان (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى ابلغ النهروان وهي أربعة فراسخ من بغداد إذا أراد الرجوع ويقصر ؟ قال: لا يقصر ولا يفطر، لانه خرج من منزله وليس يريد السفر ثمانية فراسخ إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به المسير إلى الموضع الذي بلغه، ولو أنه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا وجائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا والافطار، فان هو أصبح ولم ينو السفر فبداله من بعد أن يصبح في السفر قصر ولم يفطر يومه ذلك. وأما ما ذكره ابن أبي عقيل رحمه الله فان كان مراده ما ذكرنا، فنسبته إلى آل الرسول صلى الله عليه وآله حسن لانه الظاهر من أخبارهم، وإلا فلا وجه لتخصيص العشرة أيضا، إذا يمكن أن يرجع بعد عشرين يوما مثلا ولم يقطع سفره بقصد إقامة العشرة في موضع. ويؤيد الاربعة أن أحدا من المخالفين لم يقل به، ومنهم من قال بالثمانية فالتعبير عن الاربعة بالثمانية يمكن أن يكون لنوع من التقية، أو لمن يريد الرجوع كما عرفت. وأما المخالفون فالاوزاعي قال: هي ثمانية فراسخ، وقال الشافعي: ستة عشر


(1) التهذيب ج 4 ص 225 ط نجف ج 1 ص 416 ط حجر،، وفيه قال: سألت الرضا عليه السلام.

[14]

فرسخا (1) ومنهم من قال: ستة وأربعون ميلا، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري


(1) في نسخة الكمبانى تبعا لنسخ الاصل ستة وعشرون فرسخا، وهو سهو ظاهر من طغيان القلم، والشافعي انما قال: حد المسافة ستة عشر فرسخا ثمانية وأربعون ميلا وبه قال مالك وأحمد. قال في مشكاة المصابيح ص 119: وعن مالك بلغه أن ابن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما يكون بين مكة والطائف (على ثلاث مراحل من مكة أربعة وعشرون فرسخا) وفى مثل ما بين مكة وعسفان (على مرحلتين من مكة ستة عشر فرسخا) وفي مثل ما بين مكة وجدة (على مرحلتين شاقتين) وقال مالك: وذلك أربعة برد، ورواه في الموطأ. أقول: لكن يبقى عليه أن يثبت أن ابن عباس كان يتم فيما دون ذلك، ولم يرد عنه خبر ينص على ذلك، ولعله كان يقصر فيما دون ذلك حتى ثمان فراسخ: بريدين. نعم ظاهر الشافعي في باب متعة الحج، أنه تعلق في تعيين مسافة القصر بقوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام) توهما منه أن الله عزوجل جعل وجوب الهدى أو الصيام (حيث قال (ذلك) اشارة إلى الهدى أو بدله الصيام) لمن كان مسافرا عند حضوره في مكة، فان الحضر مقابل السفر، ولما كان الحكم مقصورا على من كان دون عسفان وذات عرق بالسنة، لزم كون المسافة مثل ما بين عسفان ومكة، وهو من مكة على بعد مرحلتين: ستة عشر فرسخا، لتتطابق الفرض والسنة. لكنه غفل عن أن المراد بالمسجد الحرام هو الحرام كله، على ما عرفت في ج 84 ص 40 باب القبلة (بل وقد استفاض هذا القول عن ابن عباس أيضا كما أخرجه السيوطي في الدر المنثور ج 1 ص 217) وغفل عن أن الحرم من جانب عسفان يمتد إلى أرض الحديبية وبين عسفان وما دونها وبين الحديبية (أعنى أرض الحرم منها) أقل من ثمان فراسخ، فيكون الذى أراد الحج من عسفان وما دونها، وظيفته حج القران أو الافراد، لاحج التمتع لان أهله يعد من حاضرى المسجد الحرام، وهو واضح. فعلى هذا يجب أن نراعى هذه الدقيقة في كتاب الحج عند تعيين المسافة التى يجب

[15]

أربعة وعشرون فرسخا، وقال داود: يلحق الحكم بالسفر القصير كالطويل، لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا سافر فرسخا قصر الصلاة، وعن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين. وقال الحسين بن مسعود في شرح السنة: ذهب قول إلى إباحة القصر في السفر القصير روي عن علي عليه السلام أنه خرج إلى النخيلة فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، قال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد أقصر بعرفة. وأما عامة الفقهاء فلا يجو زون القصر في السفر القصير، واختلفوا في حده قال الاوزاعي: عامة الفقهاء يقولون مسيرة يوم تام، وبهذا نأخذ. قلت: وروى سالم أن عبد الله بن عمر كان يقصر في مسيرة اليوم التام، وقال محمد بن إسماعيل سمي النبي صلى الله عليه وآله يوما وليلة سفرا، وأراد به ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة، ثم نقل ساير الاخبار المتقدمة. وأما حديث المقنع (1) ففيه دلالة على أن من سافر أربعة فراسخ لا يفطر إن رجع من يومه، وإلا فيقصر، ويمكن حمله على أن الراكب يمكنه أن يرجع قبل الزوال فيصوم، بخلاف راكب السفينة، وسيأتي الكلام فيه في كتاب الصوم


فيما وراءها حج التمتع، فان زوايا الحرم بعضها أقرب إلى مكة من بعض، كما أن الحرم من جانب العرفات انما يمتد من مكة إلى ثلاث فراسخ، وبعض العرفات داخل الحرم و أكثرها خارج الحرم، والذى يكون بينه وبين عرفات (اعني أرضها الحرم) ثمانية فراسخ عليه حج التمتع مع أنه على احدى عشرة فرسخا من مكة، لاستة عشر فرسخا ولك أن تحمل حديث حريز وفيه (ثمانية عشر ميلا ستة فراسخ) على ما بعد الحرم. (1) في طبعة الكمبانى: وأما حديث المقنع ففيه ايماء إلى أن من سافر أربعة فراسخ يفطر ان رجع من يومه، والافلا يفطر، ولعله مستند الشيخ في الفرق بين الصلاة والصوم) وقد كان هكذا في نسخة الاصل: الا أن المؤلف العلامة رضوان الله عليه ضرب عليه بعدا

[16]

إنشاء الله تعالى. ثم اعلم أنه ورد في كثير من الروايات مسيرة يوم، واعتبره المحقق في المعتبر والعلامة في المنتهى وغيرهما، وقيدوه بسير الابل السير العام فيجوز التعويل على كل منهما في القصر، ولو اعتبرت المسافة بهما واختلفا، فمنهم من اكتفى ببلوغ أحدهما واحتمل الشهيد الثاني ره تقديم السير، وربما لاح من الذكرى تقديم التقدير ولعله أقوى لانه تحقيق والاخر تقريب، وإن كان الاول لا يخلو من قوة، و الاحوط حينئذ فيما به الاختلاف الجمع. ثم إنه نقل جماعة من الاصحاب اتفاق العلماء على أن الفرسخ ثلاثة أميال وهو مروي في الاخبار، وأما الميل فقد روى الصدوق (1) مرسلا عن الصادق عليه السلام أنه ألف وخمس مائة ذراع، وهو متروك، والظاهر أنه سقط من النساخ شئ، ويرشد إليه أن في الكافي (2) روى أنه ثلاثة آلاف وخمس مائة، فالظاهر سقوط الثلاثة من الفقيه، ويؤيده أيضا أنه قال في المعتبر: وفي بعض أخبار أهل البيت ثلاثة آلاف وخمس مائة ذراع، وقد قطع الاصحاب بأن قدره أربعة آلاف ذراع. وفي الشرايع الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربعة وعشرون أصبعا، تعويلا على المشهور بين الناس، أو مد البصر من الارض، [وفيه إشعار بنوع تردد في التفسير المشهور، وفي السرائر أسند ذلك إلى المسعودي في مروج الذهب] (3) و في القاموس الميل قدر مد البصر، ومنار يبنى للمسافر، أو مسافة من الارض متراخية بلاحد أو مائة ألف أصبع إلا أربعة آلاف أصبع، أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع، بحسب اختلافهم في الفرسخ، هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو أثنى عشر ألف ذراع بذراع المحدثين انتهى، ومنه يظهر وجه جمع بين المشهور وبين ما وقع في رواية الكليني بأن يكون


وأصلحه كما جعلناه في الصلب فلا تغفل. (1) الفقيه: ج 1 ص 286. (2) الكافي ج 3 ص 432. (3) ما بين العلامتين ساقط من المكبانى.

[17]

الاختلاف مبنيا على اختلاف الاذرع. وقال أحمد بن محمد المقري في المصباح المنير: الميل بالكسر في كلام العرب مقدار مدى البصري من الارض، قاله الازهري، والميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين أربعة آلاف ذراع والخلاف لفظي فانهم اتفقوا على أن مقداره ستة وتسعون ألف أصبع، والاصبع ست شعيرات بطن كل واحدة إلى ظهر الاخرى. ولكن القدماء يقولون الذراع اثنتان وثلاثون إصبعا، والمحدثون أربع وعشرون أصبعا، فإذا قسم الميل على رأي القدماء كل ذراع اثنتين وثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، وإن قسم على رأي المحدثين أربعا وعشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع، والفرسخ عند الكل ثلاثة أميال انتهى. وقدر الاكثر الشعيرة بسبع شعرات من شعر البرذون، وضبط مد البصر في الارض بأنه ما يميز به الفارس من الراجل للمبصر المتوسط في الارض المستوية، وبالجملة الجمع بين هذه التقديرات والعلم بحصول كل منها في المسافات لا تخلو من عسر وإشكال، والاولى رعاية الاحتياط فيما اشتبه من ذلك بالجمع بين القصر والتمام. ثم اعلم أنه ذكر غير واحد من الاصحاب أن مبدأ التقدير من آخر خطة البلد في المعتدل، وآخر محلته في المتسع عرفا، ولم نطلع على دليله، وقيل مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر، وقالوا: البحر كالبر، وإن قطع المسافة في ساعة واحدة، لان التقدير بالاذرع كاف في ثبوت الترخص، قال في المنتهى: لا نعرف في ذلك خلافا. ولو تردد يوما في ثلاثة فراسخ ذاهبا وجائيا، فان بلغ في الرجوع إلى موضع الاذان ومشاهدة الجدران، فالظاهر أنه لا خلاف في عدم القصر، وإن لم يبلغ فالمقطوع به في كلام الاصحاب أنه لم يجز القصر، وخالف فيه العلامة في التحرير. والاول لعله أقوى، إذ الظاهر من أخبار المسافة كون ذلك في جهة واحدة

[18]

وإنما اعتبرنا في خصوص الاربعة الاياب مع الذهاب، للاخبار الكثيرة الدالة عليه فلا يتعدى عنه، وإن أمكن أن يقال: إذا ظهر بتلك الاخبار كون الاياب محسوبا مع الذهاب، فهو كاف في ذلك. ولو كان لبلد طريقان أحدهما يبلغ المسافة، فان ملك الابعد لا لعلة الترخص قصر إجماعا وإن كان للترخص لاغير فالمشهور أنه يقصر أيضا، وقال ابن البراج يتم لانه كاللاهي بصيده، وهو كما ترى. ولو شك في بلوغ المسافة القدر المعتبر في القصر، فالمقطوع به في كلام الاصحاب أنه يتم، وهو قريب، وهل يجب الاعتبار مع الجهل بالبلوغ ؟ فيه وجهان والعدم أقوى. 5 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام ستة لا يقصرون الصلاة: الجباة الذين يدورون في جبايتهم، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، و الامير الذي يدور في إمارته، والراعي الذي يطلب مواضع القطر، ومنبت الشجر، والرجل يخرج في طلب الصيد يريد لهو الدنيا، والمحارب الذي يقطع الطريق (1). مقصد الراغب: عنه عليه السلام مرسلا مثله. 6 - الخصال: جعفر بن علي بن الحسن الكوفي عن جده الحسن بن علي، عن جده عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته ثم ذكر نحوا مما مر إلا أنه قال: والراعي والبوي الذي يطلب والرجل الذي يطلب الصيد يريد به وفي آخره يقطع السبل (2). ومنه: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي


(1) تفسير القمى: 137. (2) الخصال ج 1 ص 37.

[19]

عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: خمسة يتمون في سفر كانوا أو في حضر: المكاري، والكرى، والاشتقان وهو البريد والراعي والملاح لانه عملهم (1). ومنه: عن أبيه، عن موسى بن جعفر الكمنداني، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أربعة يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو في حضر: المكاري والكرى والاشتقان والراعي، لانه عملهم. قال الصدوق - ره - الاشتقان البريد (2). * (تفصيل وتبيين) * اعلم أن المشهور بين الاصحاب وجوب الاتمام على المسافر الذي سفره أكثر من حضره، وهذا التعبير شائع في ألسنة الفقهاء، ولم يرد في الاخبار هذا اللفظ، بل إنما ورد فيها وجوب الاتمام على جماعة مخصوصة عملهم وصناعتهم السفر (3) ولذا


(1) الخصال ج 1 ص 145. (2) الخصال ج 1 ص 120. (3) ظاهر قوله عزوجل: (وإذا ضربتم في الارض) أن المراد هو المسافر الذى يكون له مقصد وراء المسافة يجد ويجهد ويضرب حتى يصل إلى مقصده ذلك من متجر أو ضياع اوصلة رحم أو غير ذلك كما قال عزوجل: (وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون (يضربون في الارض) يقاتلون في سبيل الله. فإذا كان المقصد وراء المسافة، يدخل المسافر تحت الاية الكريمة فيوضع عنه الركعات المسنونة، سواء كانت داخل الفرض أو خارجه، على ما عرفت من قوله تعالى: (ان لك في النهار سبحا طويلا) لئلا يجتمع على المسافر مشقة سبحتين، وأما إذا كان المقصد مع المسافر لا يزال عنه، لم يدخل تحت الاية الكريمة حتى يسقط عنه الركعات المسنونة. وهذا كالذى اختار السفر لاجل التنزه أو السياحة أو الصيد الحلال، يكون نفس

[20]

أول جماعة كلامهم بهذا المعنى والظاهر قصر الحكم على الجماعة المذكورين في تلك الاخبار، وظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوب التقصير على كل مسافر، والاول أقوى لما مضى من الاخبار وغيرها. والكرى فسره أكثر اللغويين بالمكاري، ويحتمل تخصيص الكرى بالجمال،


السفر مقصدا له لا يفرق عنده ما وراء المسافة مما هو دونها، فليس له جد في الذهاب في الارض ولا الاسراع في المسير لا بضرب الاقدام ولا بضرب الاباط بل يطلب المواضع النزهة كلما وجد بغيته أقام فيها يوما أو يومين أو ساعة وساعتين على قدر نشاطه وفرحه، وكلما رأى صيدا تبعه وتعاقبه ليدركه سواء أنجد أو أغار، شرق أو غرب، ذهب أمامه أو رجع خلفه وان كان من أول السياحة عازما على الذهاب في أكثر من المسافة الشرعية. نعم إذا كان غرضه من التفرج والصيد مباحا أو مندوبا وكان الموضع الذى يريده للتنزه أو الصيد ما وراء المسافة الشرعية، دخل في القسم الاول وشمله حكم الاية الكريمة وسنتها، لانه قصد المسافة لمقصد هو ما وراءها، فيقصر في المسافة ويتم في البساتين و المتنزهات والنخجيرات وأماكن السياحة. ومن القسم الثاني الاعراب والاكراد الذين بيوتهم معهم لم يختاروا لتعيشهم موطنا بعد، فلا يتفاوت لهم بلد من بلد آخر. بل كل بلد موطن لهم، وكل منزل أنا خوا فيه رحالهم كان منزلهم، فمقصدهم معهم لا ينفك عنهم، الا الذين لهم طول السنة سفرتان فقط سفرة إلى القر وسفرة إلى الصر، يتمون في القر والصر ويقصرون ما بينهما. ومن القسم الثاني التاجر الذى يطوف وتجارته معه لم يختر سوقا معينا لتجارته، بل يدور من سوق إلى سوق ومن قرية إلى اخرى فمقصده معه لا يزول عنه، وان كان مجموع أسواقه يبلغ حد المسافة، إلا إذا كان بين سوق وسوق مسافة كاملة يقصر فيها و إذا بلغ منزله أعنى سوق تجارته أتم. ومن القسم الثاني الراعى الذى يرعى مواشيه يطلب منابع الشيح ومواضع القطر كلما رأى نبتا حصل في مقصده وأقام حتى يستوفيه، فهو قاصد لنفس السفر ليس له مقصد

[21]

والمكاري بغيره، أو تعميم المكاري، وتفسير الكري بمن يكري نفسه للسفر كالبريد قال في الذكري: المراد بالكرى في الرواية المكتري، وقال بعض أهل اللغة قد يقال الكرى على المكاري، والحمل على المغايرة أولى بالرواية لتكثر الفائدة، ولاصالة عدم الترادف انتهى. ولعل مراده بالمكترى من يكرى نفسه، وقيل: الذي يأخذ الكرى من المكاري


ما وراءها يطلبه ويجد في طلبه، يتم صلواته، الا إذا ابتلى بمفازة لانبت فيها وطول المسافة يبلغ المسافة الشرعية، يقصر طى سفره هذا حتى يجوز المفازة ويبلغ منبتا آخر يرعى فيه. ومن القسم الثاني الجمال والملاح والبريد والمكارى وأمثالهم، حيث كان نفس السفر وطى المسافة مقصدا لهم ليس لهم بعد تمام المسافة مقصد: وبعد ما بلغ المسافرون مقصدهم واشتغلوا بما أهمهم، فرغ هؤلاء من مقصدهم وما أهمهم، فهم طول المسافة في تجارتهم وكسبهم بل ومنازلهم، كأنهم استوطنوا المسالك واختاروها سوقا لهم يدورون من سوق إلى سوق وكل سوق فيه مقصدهم وتجارتهم، الا إذا جد بهم السير خوفا من لص أو طوفان أو سبع أو سيل فحينئذ يشملهم الاية الكريمة، (إذا ضربتم في الارض) على ما عرفت من ظاهر معناها، فيقصرون حين جدهم بين المنزلين لئلا يجتمع عليهم سبحتان. ومن القسم الثاني المالكون للضياع والعقار أو السباتين أو النخلات يطوفون بينها لاصلاحها ومرمة معاشهم، فإذا كان بين نخلة ونخلة أو بستان وآخر، أو شيعة واخرى مسافة شرعية كان مقصدهم في السفر والضرب في الارض ما وراء المسافة فيقصرون، وإذا كانت متقاربة ليس بينها مسافة شرعية، كان مقصدهم دون المسافة وخرجوا عن الاية الكريمة وأتموا، وان بلغت مجموع ذهابهم ذلك حد المسافة الشرعية، فانهم كلما حصلوا في واحد من تلك الضياع والعقار أو النخلات كانوا في منزلهم ومقصدهم، ولاحول ولا قوة الا بالله العلى العظيم.

[22]

أو من صاحب المتاع، ويكون دائما مع المكاري ملازما له. والاشتقان سمعنا من مشايخنا أنه معرب دشتبان أي أمين البيادر، يذهب من بيدر إلى بيدر، ولا يقيم مكانا واحدا، وفسره الصدوق بالبريد، قال في المنتهى: الاشتقان هو أمين البيدر ذكره أهل اللغة، وقيل البريد. وقال في النهاية في الحديث إني لا أحبس البرد، قال الزمخشري البرد يعني ساكنا جمع بريد وهو الرسول، والبريد كلمة فارسية يراد بها في الاصل البغل، وأصلها بريده دم أي محذوف الذنب، لان بغال البريد كانت محذوفة الاذناب كالعلامة لها، فاعربت وخففت، ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا والمسافة التي بين السكتين بريدا. والسكة موضع كان يسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبة أو رباط، وكان يرتب في كل سكة بغال، وكان بعدما بين السكتين فرسخا وقيل أربعة، ومنه الحديث لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد وهي ستة عشر فرسخا والفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف ذراع انتهى. ويستفاد من تعليل رواية ابن أبي عمير (1) أن كل من كان السفر عمله وصنعته يجب عليه الاتمام، وفي رواية إسحاق بن عمار (2) قال: سألته عن الملاحين والاعراب هل عليهم تقصير ؟ قال: لابيوتهم معهم، فيستفاد منها أن كل من شأنه أن يتحرك مع بيته ورحله فعليه التمام. فالظاهر أن المرجع في هذا الباب إلى صدق اسم المكاري والملاح وأمثالهم عرفا، وكذا صدق كون السفر عمله كاف في وجوب الاتمام، وبهذا قطع العلامة و الشهيد، لكنه قال في الذكري: وذلك إنما يحصل بالسفرة الثالثة التي لم يتخلل قبلها إقامة تلك العشرة، أي العشرة المنوية في غير بلده ومطلقا في بلده، واعتبر ذلك


(1) يعنى خبر الخصال المتقدم تحت الرقم 6. (2) التهذيب ج 1 ص 122.

[23]

جماعة من الاصحاب، واعتبر ابن إدريس في غير صاحب الصنعة ثلاث دفعات وقال ان صاحب الصنعة من المكارين والملاحين يجب عليهم الاتمام بنفس خروجهم إلى السفر، لان صنعتهم تقوم مقام من لاصنعة له ممن سفره أكثر من حضره، واستقرب في المختلف الاتمام في الثانية إذا لم يقيموا بعد الاولى مطلقا، وليس لهذه التعليلات مستند يصح التعويل عليه، غير ادعاه دلالة العرف عليه. وإذ قد عرفت أن الحكم في الاخبار ليس معلقا على الكثرة، بل على مثل المكاري والجمال ومن اتخذ السفر عمله، أو من كان بيته معه، وجب أن تراعى هذه الاسماء عرفا، فلو فرض عدم صدق الاسم بمرات كثيرة لم يتعلق حكم الاتمام. ثم اعلم أن أكثر الاصحاب قطعوا بأنه يشترط في إتمام هؤلاء أن لا يقيموا في بلدهم عشرة أيام، واحتجوا بما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المكاري إن لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام وأقل، قصر في سفره بالنهار، وأتم بالليل، وعليه صوم شهر رمضان، وإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام وأكثر قصر في سفره وأفطر. وهذه الرواية في سندها جهالة (2) وما تضمن من الاكتفاء في التقصير نهارا بأقل من خمسة أيام متروك بين الاصحاب ومقتضاها إقامة العشرة في البلد الذي يذهب إليه وهو غير ما اعتبروه من الاقامه في بلدهم، ومع ذلك فالحكم فيه مختص بالمكارى ولذا احتمل المحقق في المعتبر اختصاص الحكم بالمكارى ونقل في الشرايع قولا بذلك، هو مجهول القائل. وعبارة الحديث تحتمل احتمالا آخر وهو أن يكون المراد إن كان له إرادة المقام في البلد الذي يذهب إليه قصر في سفره إلى ذلك البلد بل هو أظهر (3) وهو


(1) التهذيب ج 1 ص 315. (2) يريد اهمال اسماعيل بن مرار، وقد عرفت أن الاهمال غير الجهالة. (3) ولعل المراد أن المكارى قد يكون مع كريه قاصدا للمسافة لغيرها، كالذى له

[24]

خلاف مقصودهم، وهذه الرواية أوردها الصدوق بطريق صحيح عن ابن سنان (1) ومتنه مغاير لما أورده الشيخ، فانه قال: المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار، وأتم صلاة ألليل، وعليه صوم شهر رمضان، فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر وينصرف إليه منزله، ويكون له مقام عشرة أيام أو أكثر، قصر في سفره وأفطر. والظاهر أن في رواية الشيخ سقطت هذه الفقرة ومقتضى هذه الرواية اعتبار إقامة العشرة في المنزل الذي يذهب إليه أيضا، والقول به غير معروف بين الاصحاب إلا أن العمل بمقتضى هذه الرواية الصحيحة غير بعيد. واستوجه ذلك بعض أفاضل المتأخرين ولم يعتن بمخالفة المشهور ومرسلة يونس (2) أيضا تدل على ذلك حيث قال عليه السلام: أيما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام، فعليه التقصير، لكنها تدل على الاكتفاء بأحدهما، و يمكن حمل الخبر الاول عليه، والمسألة محل إشكال، وقد مكار لا يقيم في بلده


حاجة ببعض البلدان فيكرى دوابه إلى هذا البلد ليفوز بالحسنيين كالحاج الذى يبتغى في سفره فضل الله عزوجل. وذلك بعد حمل المقام في الرواية على المقام لمقصد خاص أو رفع حاجة تخصه، ولذلك يقيم أكثر من خمسة أيام كالمقام عشرة لزيارة، فيقصر في سفره ذلك، لانه كأحد المسافرين، واما إذا لم يستقر في المنزل والمقصد الا ثلاثة ايام يريد بذلك راحة جماله ورفع التعب عنها واشتراء علوفتها، فالظاهر أنه قصد المسافة تجارة، فيتم صلاته ويصوم شهر رمضان، وهكذا نقول فيما سيأتي من الروايات. (1) الفقيه ج 1 ص 281. (2) التهذيب ج 1 ص 414، ولفظه: (أيما مكار أقام في منزله أو في البلد الذى يدخله أقل من مقام عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبدا، وان كان مقامه في منزله أو في البلد الذى يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير والافطار).

[25]

أو في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام. وقال في المدارك: ظاهر الاصحاب الاتفاق على أن إقامة العشرة أيام في البلدة قاطعة لكثرة السفر، وموجبة للقصر، والظاهر أنه محل للاحتياط، وألحق الفاضلان ومن تأخر عنهما باقامة العشرة في البلد العشرة المنوية في غير بلده، وهو حسن بحمل العشرة في رواية يونس على المنوية، للاجماع المنقول على عدم تأثير غير المنوية، وألحق الشهيد العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين، وفي التردد ثلاثين خلاف والاقرب عدم الالحاق كما اختاره الشهيدان. ومتى وجب القصر على كثير السفر باقامة العشرة، ثم سافر مرة ثانية بدون إقامة، فالاظهر وجوب الاتمام عليه، مع بقاء الاسم كما صرح به ابن إدريس وغيره واعتبر في الذكرى المرة الثالثة وهو ضعيف. وأما إقامة الخمسة فذهب الشيخ وابن البراج وابن حمزة إلى أنه يتم صلاة الليل خاصة للرواية المتقدمة والشمهور أنه لا تأثير لذلك أصلا، واجيب عن الرواية بأنها متروكه الظاهر فانها تتضمن المساواة بين الخمسة والاقل منها، و الاقل يصدق على يوم وبعض يوم ولا قائل به، مع أنها معارضة بقوله في صحيحة معاوية بن وهب (1): هما واحد إذا قصرت أفطرت، وإذا أفطرت قصرت. وما بعض أفاضل المتأخرين إلى العمل به، وأول الخبر بأن المراد إثبات الحكم المذكور لمن أقام خمسة أحيانا وأقل منه أحيانا أو بأن المراد بالاقل ما قارب الخمسة، وظاهر الصدوق العمل به، وعدم الاشتهار بين المتأخرين غير ضائر. وربما يحمل الخبر على التقية، لان الشافعي وجماعة كثيرة من العامة ذهبوا إلى الاكتفاء للاتمام باقامة أربعة أيام، سوى يوم القدوم والخروج، وذهب جماعة منهم إلى احتساب اليومين، وفيه تأمل، والمسألة مشكلة، ولعل الاحتياط


(1) الفقيه ج 1 ص 280.

[26]

في الجمع. 7 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن رجل [عن أبي عبد الله عليه السلام (1) في الرجل يخرج مسافرا ؟ قال: يقصر إذا خرج من البيوت (2). ومنه: بهذا الاسناد عن حماد] (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المسافر يقصر حتى يدخل المصر (4). ومنه: بهذا الاسناد عنه عليه السلام قال: إذا سمع الاذان أتم المسافر (5). 8 - قرب الاسناد: عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب قال: سمعت بعض الزراريين يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة، وله بالكوفة دار وعيال، فيخرج و يمر بالكوفة يريد مكة ليتجهز منها، وليس من رأيه أن يقيم أكثر من يوم أو يومين قال: يقيم في جانب الكوفة ويقصر حتى يفرغ من جهازه، وإن هو دخل منزله فليتم الصلاة (6). ومنه: عن محمد بن الوليد، عن عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة وله بها دار وأهل ومنزل ويمر بها وإنما هو يختلف لا يريد المقام، ولا يدري ما يتجهز يوما أو يومين ؟ قال: يقيم في جانبها ويقصر، قال: قلت له: فان دخل أهله ؟ قال: عليه التمام (7).


(1) في المطبوع من المصدر: عن أبى جعفر عليه السلام. (2) المحاسن: 370. (3) ما بين العلامتين ساقط من ط الكمبانى موجود في نسخة الاصل. (4 و 5) المحاسن: 371. (6) قرب الاسناد: 100 ط نجف. (7) قرب الاسناد: 105 ط نجف.

[27]

ومنه: عن السندي ابن محمد البزاز، عن أبي البختري وهب القرشي عن الصادق، عن أبيه أن عليا عليه السلام كان إذا خرج مسافرا لم يقصر من الصلاة حتى يخرج من احتلام البيوت، وإذا رجع لايتم الصلاة حتى يدخل احتلام البيوت (1). * (تبيين) * اعلم أن الاصحاب اختلفوا في أنه هل يعتبر في قصر المسافر حد يصل إليه ذهابا وعودا أم لا ؟ فقال الشيخ علي بن بايوية: إذا خرجت من منزلك فقصر حتى تعود إليه، وذهب المرتضى والشيخ في الخلاف والعلامة وجماعة من المتأخرين إلى اشتراط خفاء الجدران والاذان، وذهب الاكثر إلى أن المعتبر أحد الامرين المذكورين، ونسبه الشهيد الثاني إلى أكثر القدماء وقال ابن إدريس: الاعتماد عندي على الاذان المتوسط، والصدوق في المقنع اعتبر خفاء الحيطان، والقائلون بالجمع جمعوا بين الاخبار بذلك والقائلون بالتخيير جمعوا بينها بالحمل على أن كلا منهما كاف لذلك، وهو أصوب. ثم المشهور اتحاد حكم الذهاب والعود، وذنب المرتضى وابن الجنيد إلى أنه يجب عليه التقصير في العود حتى يبلغ منزله (2).


(1) قرب الاسناد ص 89 ط نجف. (2) وهذا هو الصحيح، فان ملاك القصر ليس هو نية المسافة وارادة السفر فقط. بل اللازم فيه التلبس بالسير ليصدق عليه الضرب في الارض، وليس يصدق عليه ذلك عند أهل البيت عليهم السلام الا بعد الخروج عن البلد والابتعاد منه حتى يخفى الجدران المتعارفة، وإذا كانت البلد رفيعة البنيان، فحتى يخفى الصوت الرفيع منه بالاذان، واما عند المراجعة إلى البيت فلا يلزم مراعاة ذلك، فان عنوان السفر والضرب في الارض بعد ما تحقق، لا يرتفع الا بالوصول إلى المقصد، والمقصد هو بيته أو بيت تجارته، أيهما دخل أتم الصلاة. وهكذا إذا كان له دار أو ضيعة أو نخلة يمر عليها في سفره، انما يكون الدخول فيها قاطعا لحكم السفر، إذا كان احدى هذه التى ذكرناها مقصدا له، وأما إذا لم يكن

[28]

واعلم أن الظاهر من أخبار التواري تواري المسافر عن البيوت أي أهلها، لا تواري البيوت عنه وهو أقرب إلى خفاء الاذان، ولا يبعد العمل وبه حينئذ هل يكفي التواري بالحائل بحيث لا تضر الرؤية بعده أم لا ؟. وجهان ولعل العمل باعتبار الاذان أضبط وأولى، وأما خفاء الجدران، فان اعتبر خفاء شبحها فلا تحصل في فراسخ، ولذا اعتبروا خفاء صورتها، وعدم تميز خصوصياتها، لتقارب العلامة الاخرى. وذكر الشهيدان أن البلد لو كان في علو مفرط أو وهدة اعتبر فيها الاستواء تقديرا، ويحتمل الاكتفاء بالتواري في المنخفضة كيف كان، لاطلاق الخبر. وقالوا لا عبرة بأعلام البلد كالمنارة والقلاع، ولاعبرة بسماع الاذان المفرط في العلو كما أنه لا عبرة بخفاء الاذان المفرط في الانخفاض، فتكون الرواية مبنية على الغالب. وقالوا: المراد جدران آخر البلد الصغير والقرية، وإلا فالمحلة، وكذا أذان مسجد البلد والمحلة، ويحتمل البيت ونهاية البلد، وظاهر بعض الروايات خفاء جميع بيوت البلد وأذانه، ويحتمل البيوت المتقاربة من بيته، وكذا أذانها. ويدل على مذهب المرتضى وابن الجنيد في العود صحيحة العيص بن القاسم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته، وفي موثقة إسحاق بن عمار (2) حتى يدخل أهله، وحملوهما على أن المراد الوصول إلى موضع يسمع فيه الاذان، ويشاهد الجدران، وهو بعيد جدا. ويمكن القول بالتخيير بعد الوصول إلى سماع الاذان بين القصر والاتمام جمعا بين الاخبار، كما اختاره بعض المحققين من المتأخرين، وربما يحمل أخبار عدم اشتراط حد الترخص في الذهاب والعود على التقية إذ عامة فقهائهم على عدم


من قصده الدخول إلى تلك الدار أو الضيعة أو النخلة، بل كان قصده السير إلى ما وراءها وانما وصل إليها لاتحاد الطريق، فله أن ينزل خارج الدار والضيعة ويقصر صلاته. (1 و 2) التهذيب ج 1 ص 317.

[29]

اشتراط ذلك. وأقول: يمكن حمل الاخبار الاخر أيضا على التقية، لان فقهاءهم الاربعة يشترطون الخروج من سور البلد، وإن كان داخل السور مزارع أو مواضع خربة، وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان خارج السور دورو مقابر، فلا بد من مجاوزتها، ولا يشترط عندهم مجاوزة المزارع والبستاتين المتصلة بالبلد، إلا إذا كانت فيها دور وقصور يسكن فيها. وأما الاخبار التي قدمناها، فالخبر الاول من المحاسن ظاهره الخروج من البيوت، ولا يوافق شيئا من مذاهب الاصحاب إلا بالتكلف، وهو بما ذكرنا من أقوال العامة أنسب، وكذا الثاني. وأما الثالث فيوافق القول باعتبار الاذان، وهو يشمل ظاهر الذهاب والعود معا، والخبر الرابع من قرب الاسناد يدل آخره على أن المعتبر في العود دخول المنزل، وأوله على أنه لا يتوسط البلد، إن حمل الجانب على الداخل، أولا يدخل البلد، إن حمل على الخارج، فيمكن حمل هذا الجزء على التقية، ويمكن حمل المنزل على البلد مجازا. أو يكون محمولا على أنه لما كانت الكوفة من البلاد الوسيعة تعتبر فيها المحلة، فإذا لم يدخل البلد يكون غالبا بينه وبين محلته حد الترخص، فيحمل على ما إذا لم تكن محلته في آخر البلد من تلك الجهة، ويمكن حمل الجزء الاول على الاستحباب وكذا الكلام في الخبر الخامس لكن الاهل فيه أوسع من المنزل، وأقبل للتأويل. وبالجملة يشكل الاستدلال بالخبرين على شئ من المذاهب، والخبر الاخير لعل فيه تصحيفا، ولا أعرف لاحتلام البيوت معنا مناسبا في المقام، إلا أن يكون كناية عن غيبة شبحها، فانها بمنزلة الخيال والمنام، أو يكون بالجيم بمعنى القطع، والبيوت تحتمل بيوت البلد والمحلة، وبالجملة ظاهره عدم الاكتفاء بالخروج من المنزل،

[30]

والدخول فيه، وأما تعيين ما يعتبر فيه على أحد المذاهب فلا يستفاد منه. 9 - كتاب المسائل: باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن المكارين الذين يختلفون إلى النيل هل عليهم تمام الصلاة ؟ قال: إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتموا الصلاة، إلا أن يجد بهم السير فليفطروا وليقصروا (1). بيان: قال في القاموس: النيل بالكسر نهر مصر، وقرية بالكوفة، وآخر بيزد، وبلد بين بغداد وواسط انتهى. قوله عليه السلام: (إذا كان مختلفهم) أي يختلفون اختلافهم المعهود بالكراء أو من غير جد. واعلم أن هذا وصحيحة محمد بن مسلم (2) وصحيحة الفضل بن عبد الملك (3) تدل على أن المكاري والجمال إذا جد بهما السير يقصران، وظاهر الجد في السير زيادته عن القدر المعتاد في أسفارهما غالبا، والحكمة فيه واضحة فيمكن تخصيص الاخبار السابقة بهذه الاخبار، أو القول بالتخيير في صورة الجد في السير، ولعل الاول أقوى. واختلف كلام الاصحاب في تنزيل هاتين الروايتين، فقال الشيخ في التهذيب: الوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمد بن يعقوب الكليني (4) ره قال: هذا محمول على من يجعل المنزلين منزلا فيقصر في الطريق خاصة ويتم في المنزل. واستدل بما رواه عن عمران الاشعري عن بعض أصحابنا (5) يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: الجمال والمكاري إذا جد بهما السير فليقصرا بين المنزلين، وليتما في المنزل، وهذه الرواية مع عدم قوة سندها غير دالة على ما ذكره، لجواز


(1) المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 254. (2 و 3) التهذيب ج 1 ص 315. (4) الكافي: ج 3 ص 437. (5) التهذيب ج 1 ص 315، وتراه في الفقيه ج 1 ص 282.

[31]

أن يكون المراد بالمنزلين المنزل الذي يبتدء منه سفره، والذي ينتهى إليه. وقال في المختلف: الاقرب عندي حمل الحديثين على أنهما إذا أقاما عشرة أيام قصرا، وحملهما في الذكرى على ما إذا أنشأ المكاري والجمال سفرا غير صنعتهما، قال: ويكون المراد بجد السير أن يكون مسيرهما مسيرا متصلا كالحج والاسفار التى لا يصدق عليها صنعته. واحتمل أيضا أن يكون المراد أن المكارين يتمون ماداموا يترددون في أقل من المسافة أو في مسافة غير مقصودة، فإذا قصدوا مسافة قصروا، قال: ولكن هذا لا يختص المكاري والجمال به، بل كل مافر، قيل: ولعل ذلك مستند ابن أبي عقيل حيث عمم وجوب القصر. وحملهما الشهيد الثاني على ما إذا قصد المكاري والجمال المسافة قبل تحقق الكثرة، وربما يحمل (ويتم في المنزل) على أن المعنى يتم إذا سافر منزلا منزلا، ولا يخفى بعد هذه الوجوه، والاظهر ما ذكرنا أولا نعم يمكن تخصيص جد السير بما ذكره الكليني لانه من أرباب النصوص مع أنه غير بعيد عن الاطلاق العرفي. 10 - المحاسن: عن بعض أصحابه عن علي بن أسباط، عن عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتصيد اليوم واليومين والثلاثة، أيقصر الصلاة ؟ قال: لا، إلا أن يشيع الرجل أخاه في الدين وإن المتصيد لهوا باطل لايقصرا الصلاة فيه (1). وقال: يقصر الصلاة إذا شيع أخاه (2). بيان: في التهذيب (3) والكافي (4): وإن التصيد مسير باطل.


(1 - 2) المحاسن: 371. (3) التهذيب ج 1 ص 316. (4) الكافي ج 3 ص 437.

[32]

واعلم أنه لا خلاف بين الاصحاب في أن جواز السفر شرط في جواز التقصير سواء كان السفر واجبا كحجة الاسلام، أو مندوبا كزيارة النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام أو مباحا كاسفار التجارات، ولو كان معصية لم يقصر كاتباع الجائر، وصيد اللهو، والسفر لضرر المسلمين، والفساد في الارض، وقد حكى اتفاق الاصحاب على ذلك جماعة منهم الفاضلان، وتدل عليه أخبار كثيرة. ويدل التعليل الوارد في هذا الخبر، وغيره من الاخبار على عموم الحكم بالنسبة إلى كل سفر حرام (1) سواء كانت غايته معصية كقاصد قطع الطريق، أو قتل مسلم، أو كان نفس سفره معصية كالفار من الزحف، وتارك الجمعة بعد وجوبها، و السالك طريقا يغلب على الظن الهلاك فيه، وإن كان لغاية حسنة كالحج والزيارات وكذا إطلاقات كلام الاصحاب يقتضي التعميم. ولا خلاف ظاهرا في أنه إذا رجع المسافر العاصي عن نية المعصية في أثناء السفر يقصر إن كان الباقي مسافة، ولو قصد المعصية في أثناء السفر المباح انقطع ترخصه، ولو عاد إلى الطاعة قصر، وهل يعتبر حينئذ كون الباقي مسافة ؟ قيل: نعم، كما حكم به في القواعد لبطلان المسافة الاولى بقصد المعصية، وقيل: لا وهو ظاهر المنتهي والمعتبر، والمقطوع به في الذكري وهو قوي لما رواه الشيخ (2) عن بعض أهل العسكر قال: خرج عن أبي الحسن عليه السلام أن صاحب الصيد يقصر مادام على الجادة فإذا عدل أتم فإذا رجع إليها قصر. ثم إن هذا كله في صيد اللهو، ولا خلاف في أن الصائد لقوته وقوت عياله يقصر، وأما الصائد للتجارة فقد اختلف الاصحاب فيه، فذهب المرتضى - ره - و جماعة منهم الفاضلان إلى أنه يقصر في الصلاة والصوم وذهب الشيخ في النهاية


(1) ووجهه واضح، حيث ان المسافر حراما مبغوض سفره عند الله عزوجل، فلا معنى لان يكون سفره هذا موجبا للمنة عليه والرخصة في تقصير الصلوات. (2) التهذيب ج 1 ص 316.

[33]

والمبسوط وجماعة إلى أنه يتم صلاته دون صومه كما يدل عليه ما سيأتي في فقه الرضا عليه السلام. وقال ابن إدريس: إن كان الصيد للتجارة دون الحاجة للقوت، روى أصحابنا بأجمعهم أنه يتم الصلاة ويفطر الصوم وكل سفر أوجب التقصير في الصلاة أوجب التقصير في الصوم، وكل سفر أوجب التقصر في الصوم أوجب التقصير في الصلاة، إلا هذه المسألة، فحسب، للاجماع عليها انتهى وهو غريب، ومع ذلك فلعل الاول أقوى، والاحوط الجمع في الصلاة. 11 - المقنع: روي ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام فإذا جاز ثلاثة أيام فعليه التقصير (1). بيان: هذا الخبر رواه الشيخ بسند (2) فيه إرسال عن أبي بصير، عن أبي - عبد الله عليه السلام وقال: فالوجه في هذا الخبر من كان صيده لقوته وقوت عياله فأما من كان صيده للهو، فلا يجوز له التقصير انتهى ورواه الصدوق في الفقيه (3) بطريق حسن أو موثق عن أبي بصير ثم قال: يعني الصيد للفضول. أقول: ما ذكره الشيخ أصوب، ولعله محمول على أن الغالب في صاحب الصيد أنه لا يبلغ مسافة القصر قبل ثلاثة أيام، فانه يتأنى في الحركة ويذهب يمينا وشمالا لا لطلب الصيد، فلذا حكم بأنه لا يقصر قبلها. ويؤيده ما رواه الشيخ (4) في الصحيح عن عبد الله قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتصيد، فقال: إن كان يدور حوله فلا يقصر، وإن كان تجاوز الوقت


(1) المقنع: 38 ط الاسلامية. (2) التهذيب ج 1 ص 316. (3) الفقيه ج 1 ص 288. (4) التهذيب ج 1 ص 316.

[34]

فليقصر، ورواه الصدق أيضا في الصحيح (1) عن عيص بن القاسم عنه عليه السلام فان الظاهر أن المراد بتجاوز الوقت بلوغ حد التقصير، والمراد به أيضا غير صيد اللهو وحمله على صيد اللهو وحمل الوقت على وقت الصيد بعيد جدا. وأما ما ذكره الصدوق في الحديث الاول فلعله حمله على أن الغالب أنه لا يشتغل بالصيد أكثر من ثلاثة أيام، فعبر عن ترك الصيد بتجاوز الثلاثة، أو مراده بالفضول فضول الرزق للتجارة. وقال العلامة في المختلف: قال ابن الجنيد: والمتصيد شيئا إذا كان دائرا حول المدينة غير متجاوز حد التقصير لم يقصر يومين، فان تجاوز الحد واستمر به دورانه ثلاثة أيام قصر بعدها، ولم يعتبر علماؤنا ذلك، بل أوجبوا القصر مع قصد المسافة والاباحة، لنا أنه مسافر فوجب عليه التقصير احتج برواية أبي بصير والجواب أنه مرسل، ولا يعول عليه انتهى. أقول: لعل كلام ابن الجنيد أيضا مؤول بما وجهنا به الخبر، والخبر في الفقيه غير مرسل، بل سنده معتبر، وإن لم يكن صحيحا على مصطلح القوم. 12 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يخرج إلى الضيعة فيقيم اليوم و اليومين والثلاثة يتم أو يقصر ؟ قال: يتم فيها (2). ومنه: عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن البزنطى قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يريد السفر إلى ضياعه في كم يقصر ؟ قال: ثلاثة (3). بيان: لعل الثلاثة محمول على ما إذا لم يبلغ حد مسافة التقصير قبلها، فان من يخرج إلى ضيعته للتنزه يسير متأنيا ومتدرجا، ويمكن حمله على التقية


(1) الفقيه ج 1 ص 288. (2) قرب الاسناد ص 214 ط نجف. (3) قرب الاسناد ص 226 ط نجف.

[35]

فانه قريب من مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ويمكن حمله على إقامة ثلاثة في الضيعة فانه ذهب جماعة من العامة إلى أنه إن نوى الاقامة ثلاثة أيام قصر، وإن زاد عليها أتم. ثم اعلم أن المشهور بين المتأخرين أن المسافر إذا دخل بلدا وقرية له في أحدهما منزل استوطنه ستة أشهر يتم، وإن كان عازما على السفر قبل انقضاء العشرة، والاكثر لم يفرقوا في الملك بين المنزل وغيره، حتى صرحوا بالاكتفاء في ذلك بالشجرة الواحدة، وبعضهم اعتبر المنزل خاصة. وقال الشيخ في النهاية ومن خرج إلى ضيعة له وكان له فيها موضع ينزله و يستوطنه وجب عليه التمام، فان لم يكن له فيها مسكن يجب عليه التقصير، وظاهره اعتبار المنزل، وعدم اعتبار ستة أشهر، بل الاستيطان، وقريب منه عبارة ابن البراج في الكامل. وقال أبو الصلاح: وإن دخل مصرا له فيه وطن، ونزل فيه، فعليه التمام ولو صلاة واحدة والظاهر منه المنزل الذي يستوطنه، سواء كان ملكا له أم لا، وقال ابن البراج أيضا: من مر في طريقه على مال له أو ضيعة يملكها أو كان له في طريقه أهل أو من جرى مجراهم ونزل عليهم ولم ينو المقام عندهم عشرة أيام، كان عليه التقصير، وهو نفي للقول المشهور مطلقا كما حكي عنه. وقال في المبسوط: وإذا سافر فمر في طريقه بضيعة له أو على مال له أو كانت له أصهار أو زوجة، فنزل عليهم ولم ينو المقام عشرة أيام قصر، وقد روي أن عليه التمام وقد بينا الجمع بينهما، وهو أنه ما روى أنه إذا كان منزله وضيعته مما قد استوطنه بستة أشهر فصاعدا تمم، وإن لم يكن استوطن ذلك قصر انتهى. وأجرى ابن الجنيد منزل الزوجة والاب والابن والاخ مع كونهم لا يزعجونه مجرى منزله، وبالجملة فالاقوال في هذه المسألة مختلفة، وكذا الروايات في ذلك في غاية الاختلاف.

[36]

فمنها صحيحة ابن بزيع (1) عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقصر في ضيعته ؟ فقال: لابأ، ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه فقلت ما الاستيطان ؟ فقال: أن يكون له منزل يقيم فيه ستة أشهر. ومنها موثقة عمار (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها، قال: يتم الصلاة، ولو لم يكن له إلا نخلة واحدة، فلا يقصر وليصم إذا حضره الصوم وهو فيها. ومستند المشهور هذان الخبران استدلوا بالثاني على مطلق الملك، وبالاول على استيطان ستة أشهر، ويرد على الاول أنه مع عدم قوة سنده معارض بأخبار كثيرة دالة على أن المعتبر في الاتمام أن يكون له منزل يستوطنه لا مطلق الملك، وعلى الثاني أن ظاهر الخبر اعتبار إقامة ستة أشهر في كل سنة. وبهذا صرح الصدوق في الفقيه (3) حيث قال بعد إيراد صحيحة إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل سافر من أرض إلى أرض، وإنما نزل قراه وضيعته، قال: إذا نزلت قراك وضيعتك فأتم الصلاة، وإذا كنت في غير أرضك فقصر. يعني بذلك إذا أراد المقام في قراه وأرضه عشرة أيام، ومن لم يرد المقام بها عشرة أيام قصر إلا أن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة أشهر، فان كان كذلك أتم متى دخلها، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع وأورد الخبر الاول. وصحيحة ابن الفضل المتقدمة، تدل على الاتمام في مطلق الملك والضيعة وصحيحة البزنطي التي أخرجناها من قرب الاسناد أيضا تدل على ذلك.


(1) التهذيب ج 1 ص 315، الفقيه ج 1 ص 288. (2) التهذيب ج 1 ص 314. (3) الفقيه ج 1 ص 287 و 288.

[37]

ومن الاخبار ما يدل على مطلق الاستيطان كصحيحة علي بن يقطين (1) قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: الرجل يتخذ المنزل فيمر به أيتم أو يقصر ؟ قال: كل منزل لا تستوطنه فليس له بمنزل وليس لك أن تتم فيه. وصحيحة الحسين بن علي (2) قال: سألت أبا الحسن الاول عليه السلام عن رجل يمر ببعض الامصار وله بالمصر دار، وليس المصر وطنه، أيتم صلاته أم يقصر ؟ قال: يقصر الصلاة، والضياع مثل ذلك إذا مربها. والذي يقتضي الجمع بين الاخبار، القول بأن الوصول إلى بلد أو قرية أو ضيعة له فيها منزل يستوطنه بحيث يصدق الاستيطان عرفا أو ولد ونشأ بها بحيث يصدق عرفا أنه وطنه وبلده كاف في الاتمام، وأخبار الضيعة والملك المطلق محمولة على ذلك أو على التقية، لانه قول جماعة من العامة. قال في شرح السنة: ذهب ابن عباس إلى أن المسافر إذا قدم على أهل أو ماشيته أتم الصلاة، وبه قال أحمد، وهو أحد قولي الشافعي إن المسافر إذا دخل بلدا له به أهل وإن كان مجتازا انقطعت رخصة السفر في حقه انتهى. والاحوط فيما إذا وصل بلدة أو قرية أو ضيعة استوطنها ستة أشهر أن يحتاط بالجمع بين الصلاتين رعاية للمشهور. ثم إن جماعة من القائلين بالملك كالشهيدين اعتبروا سبق الملك على الاستيطان وبقاء الملك، واشترط جماعة في الستة أن يكون مقيما فيها، وأن يكون إتمام الصلاة عليه فيها للاقامة، فلا يكفى مطلق الاقامة، كما لو أقام ثلاثين ثم أتم من غير نية الاقامة، ولا التمام بسبب كثرة السفر أو المعصية أو شرف البقعة، نعم لا يضر مجامعتها لها. والمشهور أنه لا يشترط التوالي ولا السكنى في ملكه، بل يكفي الاستيطان في البلد أو القرية، ولا يبعد أن يكفي في ذلك عدم الخروج على حد الخفاء، ولا


(1 - 2) التهذيب ج 1 ص 314 ط حجر ج 3 ص 213 ط نجف.

[38]

يكفي استيطان الوقوف العامة كالمدارس، وذهب جماعة إلى الاكتفاء بالخاص، و اشترط الشهيد ملك الرقبة، فلا تجزي الاجارة، وفيه تأمل، وألحق العلامة ومن تأخر عنه بالملك اتخاذ البلد دار مقام على الدوام، ولا بأس به. وهل يشترط استيطان الستة أشهر قال في الذكرى الاقرب ذلك، وهو بعيد والاصل ما ذكرنا من شهادة العرف بأنها وطنه أو مسكنه، ليدخل تحت الاخبار الواردة في ذلك، وأما ما شك في دخوله فيها فالاحتياط فيه سبيل النجاة. 13 - السرائر: نقلا من كتاب حريز بن عبد الله قال: قلت لابي جعفر عليه السلام أرأيت من قدم بلدة متى ينبغي له أن يكون مقصرا، ومتى ينبغي أن يتم ؟ قال: إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك فيها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة، فان لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج وبعد غد فقصر ما بينك وبين أن يمضي شهر، فإذا تم شهر فأتم الصلاة، وإن أردت أن تخرج من ساعتك فأتم (1).


(1) السرائر: 472، ويستفاد هذا الحكم من كتاب الله عزوجل بمعونة السنة أما الكتاب فحيث يقول عزوجل: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) والمراد بالعاكف المقيم قطعا كما في قوله عزوجل: (سواء العاكف فيه والباد). وأما السنة فحيث امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله دعوة الاية الكريمة، واعتكف في مسجده عشرة، حتى أنه لم يعتكف في سنة فقضاها في السنة بعدها عشرين: عشرة أداء وعشرة قضاء، فصارت الاعتكاف في محل عشرة من تمام الاقامة. بل ويدل على ذلك بوجه أجمع قوله تعالى: (واذ واعدنا موسى ثلاثين ليلة و أتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة) أي كان يواعده كل ليلة أنه إذا تم ميقاته واعتكافه بالصوم والصلاة أنزل عليك التوراة، وهو عليه السلام ينتظر في كل ثلاثة أيام نزول التوراة لما كان بحسابه أن اعتكافه بالصوم والصلاة انما يتم في ثلاث، على ما أمرهم الله عزوجل بالصيام ثلاثة أيام - أيام العشر: العاشر والحادي عشر والثانى عشر من كل شهر كما مر في ج 83 ص 91.

[39]

بيان: لاخف بين الاصحاب في أنه إذا نوى المقصر في بلد عشرة أيام أتم ويدل عليه هذا الخبر وأخبار كثيرة، والمشهور عدم الاتمام بنية الاقامة دون العشرة بل قال في المنتهى: إنه قول علمائنا أجمع. ونقل في المختلف عن ابن الجنيد ره أنه اكتفى في وجوب الاتمام بنية خمسة أيام، ولعل مستنده ما رواه الشيخ في الحسن (1) عن أبي أيوب قال: سأل محمد بن مسلم أبا جعفر عليه السلام عن المسافر إن حدث نفسه باقامة عشرة أيام، قال


لكنه عليه السلام لما كان مسافرا ولم يقصد الاقامة عشرا، كان ميقاته واعتكافه غير تامة حتى مضى ثلاثون تمام الشهر، وانقطع حكم السفر وصار اعتكافه وميقاته في العشرة بعدها تاما واقعا في محله ونزل عليه التوراة فيها حكم الله عزوجل. وهذا معنى قوله عزوجل: (فأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة)، وفقا لقوله عزوجل: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) أي كنا نواعده أربعين ليلة: كل ليلة نقول: إذا تم الاعتكاف والميقات نزل عليك التورات، ولم يتم الا بعد الاربعين: لم يتم في ثلاث لان أقل الاقامة عشرة، ولم يتم في العشرات الاول لكونه مسافرا. وانما لم يوح إليه بأن اعتكافه لايتم الا بعشرة عن قصد اقامة، ليفتتن طول ذلك قومه قال عزوجل: (وما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ قال: هم أولاء على أثرى وعجلت اليك رب لترضى، قال: فانا قدفتنا قومك من بعدك وأصلهم السامري). وذلك لان الله عزوجل واعدهم جميعا جانب الطور الايمن، لكن موسى عليه السلام استبطأهم لمسيرهم بالاثقال والاطفال وخلف فيهم أخاه هرون وتعجل إلى الميقات بنفسه، ليتم ميقاته واعتكافه مدى سيرهم إلى الطور، فيتوافق نزوله من الطور مع وصول قومه، فقد كان بخلده عليه السلام رقى قومه وهدايتهم إلى أرض القدس بنفسه، والله عزوجل بالرصد من افتتانهم بعد ايمانهم (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين). (1) الكافي ج 3 ص 436، التهذيب ج 1 ص 316. (*)

[40]

فليتم الصلاة، فان لم يدر ما يقيم أو أكثر، فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم وإن أقام يوما أو صلاة واحدة. فقال له محمد بن مسلم: بلغني أنك قلت خمسا، قال: قد قلت ذلك، قال أبو أيوب فقلت أنا: جعلت فداك يكون أقل من خمسة أيام ؟ قال: لا. واجيب عنه بنه غير دال على نية إقامة الخمسة صريحا، لاحتمال عود الاشارة إلى الكلام السابق، وهو الاتمام مع العشرة، ولا يخلو من بعد، وأوله الشيخ بوجهين: أحدهما: أنه محمول على ما إذا كان بمكة أو المدينة للحسن كالصحيح (1) عن محمد بن مسلم قال: سألته عن المسافر يقدم الارض فقال: إن حدثته نفسه أن يقيم عشرا فليتم وإن قال اليوم أخرج أو غدا أخرج، ولا يدري، فليقصر ما بينه وبين شهر، فان مضى شهر فليتم ولا يتم في أقل من عشرة إلا بمكة والمدينة، وإن أقام بمكة والمدينة خمسا فليتم. وثانيهما استحباب الاتمام لناوي المقام خمسة أيام، ولا يخلو من وجه، و المناقشة بأن القصر عند الشيخ عزيمة فكيف يصير رخصة ضعيف، لانه سد لباب القول بالتخيير بين الاتمام والقصر مطلقا مع ثبوت ذلك في مواضع لا يمكن إنكارها. والاظهر عندي حمله على التقية، لان الشافعي وجماعة منهم قائلون باقامة الاربعة، ولا يحسبون يوم الدخول ويوم الرحيل فيتحصل خمسة ملفقة، وسياق الخبر أيضا يدل عليها كما لا يخفى على الخبير. وهل يشترط في العشرة التوالي بحيث لا يخرج بينها إلى محل الترخص أم لا ؟ فيه وجهان: وقطع بالاشتراط الشهيد في البيان (2) والشهيد الثاني في جملة من كتبه


(1) التهذيب ج 1 ص 316. (2) لااعتبار بذلك أبدا، وذلك لان الشارع الاقدس جعل اقامة العشرة بمنزلة الاقامة الدائمية وضعا، ولازمه تسوية الحكم بين المقيمين والمتواطنين مطلقا في الظعن و

[41]

وقال في بعض فوائده بعد أن صرح باعتبار ذلك: وما يوجد في بعض القيود من أن الخروج إلى خارج الحدود مع العود إلى


الاقامة، فكما أن المتوطن في بلدة إذا حصل في رحله لا يضر باقامته الخروج إلى ما دون المسافة، وإذا خرج إلى المسافة ثم رجع إلى رحله أتم من حين دخوله الرحل، فهكذا المقيم للعشرة مادام لم يخرج إلى المسافة، فهو على اقامته، وإذا خرج إلى المسافة ثم رجع إلى محل اقامته ورحله أتم قضاء لحق الاقامة. ينص على ذلك صحيحة زرارة عن أبى جعفر عليه السلام قال: من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه اتمام الصلاة، وهو بمنزلة أهل مكة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، وعليه اتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر. فموضع النص هو قوله عليه السلام: (وهو بمنزلة أهل مكة) وذلك لان حكم الاتمام والاقامة، يثبت بقصد الاقامة، لابعد الاقامة عشرة، وانما شرط عليه السلام القدوم إلى مكة بعشرة أيام قبل التروية ليتحقق منه قصد الاقامة وهو واضح. وقوله عليه السلام بعد ذلك (فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتم الصلاة، شرح لهذه القاعدة من حيث شقه الثاني أعنى انشاء سفر جديد، فانهم إذا خرجوا إلى منى عازما لعرفات، فعليهم التقصير لخروجه عن حد الترخص، وإذا جاؤا لزيارة البيت ودخلوا رحالهم (على ما ستعرف الوجه في ذلك دراية ورواية) انقطع حكم السفر وكان على جميعهم الاتمام أما أهل مكة فانها وطنهم واما قاصد الاقامة لاتحاد حكمه مع المتوطنين. وقوله عليه السلام: (وعليه اتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر) شرح لهذه القاعدة من حيث شقه الاول أعنى الخروج إلى ما دون المسافة وأنه لا يضر بقصد الاقامة، فانهم بعد ما رجعوا الى منى لرمي الجمرات، كانوا خارجين من مكة إلى ما دون المسافة وكان عليهم الاتمام، فان أنشأوا السير إلى بلادهم من منى حين النفر، قصروا سواء مروا في سيرهم ذلك إلى مكة أولم يمروا بها وإذا رجعوا إلى مكة ثم خرجوا منها إلى بلادهم قصروا

[42]

موضع الاقامة كيوم أو ليلة لا يؤثر في نية الاقامة، وإن لم ينو إقامة عشرة مستأنفة لا حقيقة له، ولم نقف عليه مستندا إلى أحد من المعتبرين الذين يعتبر فتواهم، فيجب الحكم بإطراحه حتى لو كان ذلك في نيته من أول الاقامة لكان باقيا على القصر، لعدم الجزم باقامة العشرة، فان الخروج إلى ما يوجب الخفاء يقطعها، ونيته في ابتدائه يبطلها انتهى. وقيل: المعتبر صدق إقامة العشرة في البلد عرفا، والظاهر أن عدم التوالي في أكثر الاحيان يقدح في صدق المعنى المذكور عرفا، ولا يقدح فيه أحيانا كما إذا خرج يوما أو بعض يوم إلى بعض البساتين والمزارع المقاربة في البلد، وإن كان في حد الخفاء، ولا بأس به، والمسألة مشكلة، وهي من مواقع الاحتياط. والظاهر أن بعض اليوم لا يحسب بيوم كامل، بل يلفق فلو نوى المقام عند الزوال كان منتهاء زوال اليوم الحادي عشر. وهل يشترط عشر غير يومي الدخول والخروج، فلا يكفى التلفيق ؟ فيه وجهان، واستشكل العلامة في النهاية والتذكرة احتسابهما من العددين حيث إنهما من نهاية


منها، وهو واضح، وسيجئ تمام الكلام في هذا الحديث في الباب الاتى تحت الرقم 10 انشاء الله تعالى. ومن فروع هذه القاعدة (اتحاد حكم المقيمين بالحكم الوضعي مع المتواطنين) الاقامة بعد ثلاثين مترددا، فانها بمنزلة الاقامة الدائمية، كقصد العشرة من دون اختلاف فإذا عرض له حاجة إلى سفر لكنه لم يرتفع بعد حاجته عن محل اقامته تلك ولم يحصل على مراده من قصد البلدة هذه، فأبقى رحله في البلدة وأنشأ سفرا إلى بريدين ثم رجع إلى محل اقامته تلك قصر أيابا وذهابا وأتم في محل الاقامة كسائر المقيمين. ينص على ذلك ما رواه الشيخ باسناده عن صفوان عن اسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أهل مكة إذا زاروا، عليهم اتمام الصلاة ؟ قال: المقيم بمكة إلى شهر بمنزلتهم.

[43]

السفر وبدايته لاشتغاله في الاول بأسباب الاقامة، وفي الاخير بالسفر، ومن صدق الاقامة في اليومين، واحتمل التلفيق، ولعل التلفيق أظهر. ولافرق في وجوب الاتمام بنية الاقامة بين أن يكون ذلك في بلد أو قرية، لعموم بعض الاخبار كما في صحيحة زرارة، (إذا دخلت أرضا فأيقنت أن لك بها مقاما) والظاهر أنه لا خلاف فيه. ولو عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية ولم يعزم على إقامة العشرة في واحدة منها لم يبطل حكم سفره، لانه لم ينو الاقامة في بلد بعينه، فكان كالمنتقل في سفره من منزل إلى منزل، قاله العلامة في المنتهى وغيره. ولو قصد الاقامة في بلد ثم خرج بقصد المسافة إلى حد خفاء الاذان ثم رجع إلى محل الاقامة لغرض مع بقاء نية السفر، فالظاهر بقاؤه على حكم التقصير، بخلاف مالو كان الرجوع إلى بلده، ولو رجع عن نية السفر أتم في الموضعين كما ذكره الاصحاب. ولو صلى بتقصير ثم نوى الاقامة في أثنائها يتم، ونقل في التذكرة الاتفاق عليه. وهذا كله يتعلق بالحكم الاول من الخبر، وأما الحكم الثاني وهو أن من تردد في الاقامة يقصر إلى شهر ثم يتم فلا أعلم فيه خلافا بين الاصحاب، ونقل بعض المتأخرين عليه الاجماع، وتدل عليه أخبار، لكن بعضها بلفظ الشهر، وبعضها بلفظ الثلاثين يوما. فهل يجوز الاكتفاء بالشهر الهلالي إذا حصل التردد في أوله ؟ يحتمل ذلك لصدق الشهر عليه، وهو مقتضى إطلاق كلام أكثر الاصحاب، وحينئذ فالثلاثين محمول على الغالب، من عدم كون مبدء التردد مبدء الشهر. واعتبر في التذكرة الثلاثين ولم يعتبر الشهر الهلالي وله وجه (1) والاحوط


(1) قد عرفت أن الملاك هو مضى الثلاثين تاما لقوله عزوجل: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة).

[44]

في يوم الثلاثين الجمع. 14 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إن نويت المقام عشرة أيام وصليت صلاة واحدة بتمام ثم بدالك في المقام وأردت الخروج، فأتم، وإن بدالك في المقام بعد ما نويت المقام عشرة أيام وتممت الصلاة والصوم (1). بيان: (إن) في قوله (وإن بدالك) وصلية، ولا خلاف ظاهرا بين الاصحاب في أنه لو نوى قاصد الاقامة عشرا السفر قبل أن يصلي صلاة بتمام يرجع إلى التقصير، ولو صلى صلاة بتمام يتم إلى أن يخرج إلى المسافة (2) وظاهر الاصحاب أنه لا يشترط في الرجوع إلى القصر في صورة العدول عن نية الاقامة من غير صلاة كون الباقي مسافة، وقواه الشهيد الثاني - ره - واحتمل الاشتراط وإطلاق هذه الرواية وغيرها يؤيد المشهور. ثم إنهم اختلفوا في أنه هل يلحق بالصلاة الفريضة الصوم الواجب فيثبت حكم الاقامة بالشروع فيه مطلقا أو إذا زالت الشمس قبل الرجوع عن نية الاقامة أم لا ؟ فيه أوجه، والثالث أشهر وأقوى، وإن كان ظاهر عبارة الفقه كون إتمام الصوم في حكم إتمام الصلاة، إن حملنا الواو في قوله: (والصوم) بمعنى أو، ويمكن أن يكون ذكر الصوم استطرادا ولا دخل له في الحكم. ثم الظاهر أن المعتبر إتمام الصلاة الفريضة فقط كما صرح به في صحيحة أبي ولاد (3) فالحاق نافلة لا يؤتي بها في السفر بالفريضة كما فعله العلامة في


(1) فقه الرضا ص 16 باب صلاه المسافر والمريض. (2) وذلك لان الذى قصد الاقامة في قرية كأنه يعرض بنفسه أن يكتب عنوانه في جمع الميقمين المتوطنين وضعا، فما لم يمض قصده ذلك عملا، كان له البداء، وأما إذا مضى على قصده عملا وصلى صلاة واحدة على التمام وجبت الصفقة، وتحقق عنوان المقيم موضوعا وسجله الكرام الكاتبون في ديوان المتوطنين، فلا يخرج عن جمعهم الا بالخروج الموضوعي كأن يسافر جديدا على حد سائر المواطنين. (3) التهذيب ج 1 ص 317.

[45]

النهاية وقواه الشهيد الثاني ره لاوجه له، والظاهر أن الحكم معلق على فعل الفريضة، فلا يكفي دخول وقتها، ولا فوت وقت الصلاة مع تركها، سواء كان الترك عمدا أو سهوا، وقطع العلامة في التذكرة بكون الترك كالصلاة، نظرا إلى استقرارها في الذمة تماما، واستشكله في النهاية وكذا الشهيد في الذكرى. ولو كان الترك لعذر مسقط للقضاء كالجنون والحيض، فهو كمن لم يصل قولا واحدا، وهل يشترط كون التمام بنية الاقامة فلا يكفي التمام سهوا قبل الاقامة ؟ فيه وجهان وظاهر الخبر الاشتراط. ولو نوى الاقامة ثم صلى تماما لشرف البقعة ذاهلا عن نية الاقامة ثم رجع عن الاقامة، فالظاهر الكفاية لعموم الرواية، ولو نوى الاقامة في أثناء الصلاة المقصورة فأتمها ففي الاجتزاء بها وجهان، ولعل الاجتزاء أقوى. ثم ظاهر الرواية إتمام الصلاة، فلو شرع في الصلاة بنية الاقامة ثم رجع عن الاقامة في أثنائها لم يكف، وإن كان بعد الركوع في الثالثة، وهو ظاهر المنتهى، وتردد في المعتبر، وفصل في التذكرة والمختلف بمجاوزة محل القصر وعدمه. 15 - فقه الرضا: قال عليه السلام: فان فاتتك الصلاة في السفر فذكرتها في الحضر فاقض صلاة السفر ركعتين، كما فاتتك، وإن فاتتك في الحضر فذكرتها في السفر فاقضها أربع ركعات صلاة الحضر كما فاتتك، وإن خرجت من منزلك وقد دخل عليك وقت الصلاة ولم تصل حتى خرجت، فعليك التقصير، وإن دخل عليك وقت الصلاة و أنت في السفر ولم تصل حتى تدخل أهلك فعليك التمام، إلا أن يكون قد فاتك الوقت فتصلي ما فاتك من صلاة الحضر في السفر، وصلاة السفر في الحضر (1). بيان: لاريب في أن الاعتبار في القضاء بحال الفوات لابحال الفعل، فما فات قصرا يقضى قصرا، وإن قضاه في الحضر، وكذا العكس، ولو حصل الفوات في أماكن التخيير


(1) فقه الرضا ص 16.

[46]

ففي ثبوت التخيير في القضاء أو تحتم القصر وجهان أحوطهما الثاني. ولو سافر بعد دخول الوقت قبل أن يصلي فالاصحاب فيه على أقوال شتى ذهب ابن أبي عقيل والصدوق في المقنع والعلامة إلى أنه يجب عليه الاتمام، وذهب المفيد إلى أنه يجب عليه التقصير، واختاره ابن إدريس، ونقله عن المرتضى في المصباح، وهو اختيار علي بن بابويه والمحقق وجماعة. وذهب الشيخ في الخلاف إلى التخيير واستحباب الاتمام، وذهب - ره - في النهاية وكتابي الاخبار إلى أنه يتم إن بقى من الوقت مقدار ما يصلى فيه على التمام فان تضيق الوقت قصر، وبه قال في موضع من المبسوط، وبه قال ابن البراج، وهو اختيار الصدوق في الفقيه. وكذا الخلاف فيما إذا دخل محل التمام بعد دخول الوقت، فذهب المفيد وعلي بن بابويه وابن إدريس والفاضلان إلى أنه يتم، وهو المشهور بين المتأخرين ونقل عن ابن الجنيد والشيخ القول بالتخيير، وذهب الشيخ في النهاية وكتابي الاخبار إلى أنه يتم مع السعة، ويقصر مع الضيق، وحكى الشهيدان أن في المسألة قولا بالتقصير مطلقا. ومنشأ هذا الاختلاف الاختلاف الاخبار (1) ففي صحيحة إسماعيل بن جابر قال:


(1) بل لا اختلاف في الاخبار، كما مرت الاشارة إليه في باب اوقات الصلوات، و باب تقديم الفائتة على الحاضرة، وانما توهموا الاختلاف فيها، لقولهم باشتراك وقت الظهرين من الزوال إلى المغرب مطلقا واشتراك وقت العشاءين من المغرب إلى ثلث الليل أو نصفه أو آخره على اختلاف في ذلك، مع أن كل صلاة لها وقت محدود مختص بها بعضها بحكم السنة وبعضها بحكم الفرض، على ما مر تفصيلها في باب أوقات الصلوات. فمن توجه إلى ذلك حق التوجه ورجع إلى روايات الباب لم يجد فيها اختلافا الا ما يتراءى من بعضها وسيأتى بيانها وحملها على وجوه قريبة أقرب مما حملوها عليه عادة وحينئذ يتظافر أخبار الباب مع ما سبق في باب تقديم الفائتة على الحاضرة وباب أوقات

[47]

قلت لابي عبد الله عليه السلام يدخل على وقت الصلاة وأنا في السفر فلا اصلي حتى أدخل أهلي، فقال: صل وأتم الصلاة قلت: فدخل على وقت الصلاة وأنا في أهلى اريد السفر فلا اصلي حتى أخرج، فقال: صل وقصر، فان لم تفعل فقد خالفت والله رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدخل من سفره وقد دخل وقت الصلاة، وهو في الطريق، فقال: يصلي ركعتين، وإن خرج إلى سفره وقد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا. وفي موثقة عمار (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الرجل إذا زالت الشمس وهو في منزله ثم يخرج في سفر، قال: يبدء بالزوال فيصليها ثم يصلي الاولى بتقصير ركعتين لانه خرج من منزله قبل أن يحضر الاولى، وسئل: فان خرج


الصلوات، ويثبت الاوقات الخمسة بالتواتر القطعي، ولله الحمد. (1) الفقيه ج 1 ص 283، التهذيب ج 1 ص 137 و 301 و 317، ووجه الحديث أنه دخل عليه وقت صلاة الظهر مثلا حين بلوغ الظل إلى قدم وهو في السفر ودخل إلى أهله ولم يدخل وقت صلاة العصر بعد، وهكذا العكس. (2) التهذيب ج 1 ص 317، الفقيه ج 1 ص 284، وهو محمول على ما إذا دخل على أهله وقد فات وقت الظهر ودخل وقت العصر، وهكذا العكس. (3) التهذيب ج 1 ص 138، وصدر الحديث نص فيما قلنا، فان صلاة الزوال ثابت عليه لان وقتها حين زوال الشمس فلا يسقط هذه النافلة لادراك وقتها ولو خفيفة في الحضر وقال عليه السلام: (ثم يصلى الاولى بتقصير ركعتين) مع أنه أدرك أول وقت الزوال في الحضر وذلك لعدم العبرة بالزوال، بل العبرة بالوقت المسنون ولذلك قال بعده (لانه خرج من منزله قبل أن يحضر الاولى). واما ذيل الخبر فليحمل على أنه خرج بعد ما حضرت الاولى وحينما غاب وتوارى عن البيوت وأراد الصلاة فات وقتها المسنون وحضر وقت الثانية.

[48]

بعد ما حضرت الاولى قال: يصلي الاولى أربع ركعات ثم يصلي بعد النوافل ثمان ركعات لانه خرج من منزله بعد ما حضرت الاولى. وعن بشير النبال (1) قال: خرجت مع أبي عبد الله عليه السلام حتى أتينا الشجرة، فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا نبال، فقلت: لبيك، قال إنه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر أن يصلي أربعا غيري وغيرك وذلك أنه دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج. وربما يحصل صحيحة محمد بن مسلم على أن المراد أن الركعتين يؤتى بهما في السفر، والاربع في الحضر بأن يكون المراد بقوله: (يدخل من سفره) إرادة الدخول أو الاشراف عليه، وكأن في الايراد بصيغة المضارع إعانة على هذا المعنى وكذا قوله (خرج) يحمل على أحد الوجهين، وكذا خبر بشير يحمل على أنه عليه السلام صلى قبل أن يخرج، أو على أن المراد وجب علينا التمام وبعد السفر انقلب الحكم وإن كانا بعيدين، مع أن سنده غير نقي على المشهور. والقائل بالتخيير جمع به بين الروايات ويؤيده في الرجوع صحيحة منصور (2)


(1) التهذيب ج 1 ص 317 و 301، الكافي ج 3 ص 434، والظاهر أنه أراد مسجد الشجرة، وهو على رأس فرسخين من المدينة، ومعلوم أن من خرج بعد دخول وقت الصلاة وسارحتى أتى الشجرة يفوته وقت الاولى، ولو أسرع، وأما أفراد العسكر، فلما خرجوا قبل دخول وقت الصلاة كان عليهم التقصير، وهو واضح. (2) التهذيب ج 1 ص 317، والمراد أنه ان شاء صلى في السفر أول الوقت عند القدم، وان شاء سار ودخل على أهله وصلى أربعا آخر الوقت عند القدمين، والثانى أولى، إذا كان يمكنه الاسراع وادراك آخر الوقت المسنون. وهذا الاحتمال أقوى من غيره لاعتضاده بالاخبار المتكثرة المروية في هذا الباب و غيره كما عرفت ولقوله عليه السلام (فسار حتى يدخل أهله) حيث أتى بصيغة المضارع، كأنه يقول: (فسار وأسرع حتى يدخل أهله) أي يدخل أهله ووقت السنة باق ولذلك قال عليه السلام، والاتمام أحب إلى.

[49]

ابن حازم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتى يدخل أهله، فان شاء قصر وإن شاء أتم، والاتمام أحب إلى، وحمله على التقصير قبل الدخول والاتمام بعده بعيد جدا. والشيخ جمع بينها بالسعة والضيق وأيده بما رواه في الموثق (1) عن إسحاق ابن عمار قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة فقال: إن كان لا يخاف الفوت فليتم وإن كان يخاف خروج الوقت فليقصر. وروي هذا المضمون بسند (2) مرسل عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا وهما يدلان على التفصيل في القدوم، ويمكن حملهما على أنه إن كان لا يخاف فوت الوقت يؤخر حتى يدخل أهله ويتم، وإن كان يخاف الفوت إذا دخل أهله يصلي قصرا قبل الدخول. وأقول: يمكن الجمع بينها بوجهين آخرين: أحدهما حمل ما دل على الاعتبار بحال الوجوب، على ما إذا مضى زمان من أول الوقت يمكنه تحصيل الشرائط المفقودة، وإتمام الصلاة فيه، وما دل على الاعتبار بحال الاداء على ما إذا خرج عن حد الترخص، أو دخل فيه ولم يمض هذا المقدار من الزمان، كما أشار إليه العلامة في المنتهى، والشيخ في الخلاف قيد الحكم بذلك حيث قال: إذا خرج إلى السفر وقد دخل الوقت إلا أنه مضى مقدار ما يصلي فيه الفرض أربع ركعات جاز له التقصير، وكذا قال العلامة وأكثر الاصحاب والفرق أيضا ظاهر


(1) التهذيب ج 1 ص 317، والمراد فوات وقت الاولى مثلا بدخول وقت الثانية عند القدمين، بحيث إذا صلى الظهر أربعا وقع نصفه في وقت الظهر ونصفه في وقت العصر فيفوت عليه بذلك أول وقت الثانية مع أنه حاضر. (2) الفقيه ج 1 ص 284، رواه عن كتاب الحكم بن مسكين، ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 317 عن الحكم عن رجل. (*)

[50]

إذا بعضى مضى هذا الزمان يستقر الفرض في ذمته. وثانيهما أن يقال: إنه إذا خرج بعد دخول وقت الفضيلة يعني إذا صار الفئ قدمين، أو انقضى مقدار النافلة للمتنفل يتم الصلاة، وإذا خرج قبل دخول وقت [الفضيلة، وإن كان بعد دخول وقت] الاجزاء يقصر. فالمراد بالوقت في بعض الاخبار الفضيلة، وفي بعضها الاجزاء، ويشهد لهذا التأويل مؤثقة عمار، لكن لاأعرف قائلا به، وكذا الكلام في العود لاختلاف الاخبار فيه أيضا، والمسألة في غاية الاشكال وإن كان القول بالتخيير لا يخلو من قوة والاحتياط في الجمع. 16 - السرائر: نقلا من كتاب جميل بن دراج، عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام أنه قال في رجل مسافر نسي الظهر والعصر في السفر حتى دخل أهله، قال: يصلي أربع ركعات (1). وقال لمن نسي صلاة الظهر [أ] والعصر وهو مقيم حتى يخرج قال: يصلي أربع ركعات في سفره (2). وقال: إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثم سافر صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه وهو مقيم أربع ركعات في سفره (3). بيان: أقول: يمكن أن يكون قوله عليه السلام: (وإذا دخل على الرجل) بعد قوله: (لمن نسي صلاة الظهر) تعميما بعد التخصيص أو يكونا حديثين سمعهما في مقامين، أو يكون الاول للقضاء، والثاني للاداء، أو يكون الاخير محمولا على العمد كما أن الاول كان للنسيان، وقوله: أولا (في رجل مسافر) يحتمل الاداء والقضاء والاعم، وظاهر الخبر الاتمام في الدخول والخروج معا، كما هو مختار العلامة إن لم نحمل أحدهما على القضاء. ثم اعلم أنهم اختلفوا في القضاء أيضا أي إذا دخل وقت الصلاة في السفر ودخل بلده ثم فاتته الصلاة، وكذا العكس هل يعتبر بحال الوجوب أي أول الوقت أو بحال


(1 - 3) السرائر: 468.

[51]

الفوات أي آخره ؟ فذهب المرتضى وابن الجنيد إلى أنه يقضي بحسب حالها في أول وقتها، وآخرون إلى أنه يقضي بحسب حالها في آخر وقتها. ويدل على الاول ما رواه الشيخ عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة وهو في السفر فأخر الصلاة حتى قدم فنسي حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها، قال: يصليها ركعتين صلاة المسافر، لان الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يصليها عند ذلك (1). وموسى بن بكر وإن لم يذكر له توثيق، وذكر الشيخ أنه واقفي لكن واقفيته لم يذكره إلا الشيخ، ورواية ابن أبي عمير وصفوان وأجلاء الاصحاب عنه مما يدل على جلالته، فالخبر لا يقصر عن الصحيح أو الموثق. وأجاب في المعتبر عنه باحتمال أن يكون دخل مع مضيق الوقت عن أداء الصلاة أربعا، فيقضي على وقت إمكان الاداء، والمسألة في غاية الاشكال والجمع أيضا فيه طريق الاحتياط. 17 - العياشي: عن حريز قال: قال زرارة ومحمد بن مسلم قلنا لابي جعفر عليه السلام: ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي ؟ قال: إن الله يقول (إذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا قلنا إنما قال الله عزوجل: (فليس عليكم جناح) ولم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر ؟ قال: أو ليس قد قال الله عز و جل في الصفا والمروة (فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ألا ترى أن الطواف بهما واجب مفروض لان الله عزوجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه وكذلك التقصير في السفر شئ صنعه النبي صلى الله عليه وآله وذكره الله عزوجل في كتابه. قالا قلنا فمن صلى في السفر أربعا أيعيد أم لا ؟ قال: إن كان قد قرئت عليه آية التقصير وفسرت له فصلى أربعا أعاد، وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا


(1) التهذيب ج 1 ص 301.

[52]

إعادة عليه، والصلاة في السفر كلها الفريضة ركعتان كل صلاة إلا المغرب، فانها ثلاث ليس فيها تقصير، تركها رسول الله صلى الله عليه وآله في السفر والحضر ثلاث ركعات (1). دعائم الاسلام: عن أبي جعفر عليه السلام مثله إلى قوله وكذلك التقصير في السفر ذكره الله هكذا في كتابه وقد صنعه رسول الله صلى الله عليه وآله (2). بيان: (كيف هي) أي على العزيمة أو الرخصة، وكم هي أي في كم يجب القصر أوكم يصير عدد الركعات (ولم يقل افعلوا) قد يستفاد منه أن الامر للوجوب مطلقا أو أمر القرآن (أو ليس قال الله) الاستشهاد بالاية لبيان أن نفي الجناح لا ينافي الوجوب إذا دل عليه دليل آخر، إذ قد يكون التعبير على هذا الوجه لحكمة كما مر وسيأتي. (وصنعه نبيه) أي فعله صلى الله عليه وآله يدل على الوجوب، والجواز مستفاد من الاية، فيدل على أن التأسي واجب مطلقا، وإن لم يعلم أن فعله صلى الله عليه وآله على وجه الوجوب إلا أن يقال: المراد أنه صنعه على وجه الوجوب، أو واظب عليه أو الصنع كناية عن إجرائه بين الناس وأمره به. (إن كان قد قرئت) لعل ذكر قراءة الاية على التمثيل، والمراد إن علم وجوب التقصير فعليه الاعادة وإلا فلا. وجملة القول فيه أن تارك التقصير في موضع يجب عليه لا يخلو من أن يكون عالما عامدا أو ناسيا أو جاهلا، فالعامد العالم لاريب في أنه تبطل صلاته، ويعيدها في الوقت وخارجه، وأما الناسي فالمشهور بين الاصحاب أنه يعيد في الوقت خاصة، وذهب علي بن بابويه والشيخ في المبسوط إلى أنه يعيد مطلقا. وقال الصدوق - ره - في المقنع إن نسيت فصليت في السفر أربع ركعات فأعد الصلاة


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 271. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 195.

[53]

إن ذكرت في ذلك اليوم، وإن لم تذكر حتى يمضي ذلك اليوم فلا تعد، فمراده باليوم إن كان بياض النهار فقد وافق المشهور في الظهرين، وأهمل أمر العشاء، وإن كان مراده ذلك والليلة الماضية كان مخالفا في العشاء للمشهور لاقتضائه قضاء العشاء في النهار وإن كان مراده ذلك والليلة المستقبلة خالف المشهور في الظهرين وفي العشاء أيضا إلا على القول ببقاء وقتها إلى الصبح. والاول أقوى لصحيحة عيص بن القاسم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى وهو مسافر فأتم الصلاة، قال: إن كان في وقت فليعد، وإن كان الوقت قد مضى فلا، والحكم يشمل العامد والجاهل أيضا لكنهما خرجا عنه بدليل منفصل فيبقى الحكم في الناسي سالما عن المعارض.


(1) الكافي ج 3 ص 435، التهذيب ج 1 ص 303 و 318، والوجه في ذلك و ما يجرى مجراها أن الاعادة عقوبة لنسيانه، أي عدم اهتمامه بأمر الصلاة حتى ذهب عليه أنه مسافر يجب عليه القصر، وهذا كما أمروا عليهم الصلوات والسلام باعادة الصلاة في الوقت ان كان علم أن بثوبه شيئا نجسا ولم يغسله حتى نسى وصلى حيث قال أبو عبد الله عليه السلام يعيد صلاته كى يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه عقوبة لنسيانه. فعلى هذا، كما أن الاعادة في باب نسيان نجاسة الثوب انما هي عقوبة للنسيان - بل ومرغمة للشيطان حيث صارا نساؤه ذلك سببا لتكرار الصلاة رغم أنفه وسببا لانفته، ولا ينسيه بعد ذلك شيئا - لا يستلزم بطلان صلاته التى صلاها كما نص عليه أبو عبد الله عليه السلام - وقد سئل عن الرجل يصيب ثوبه الشئ ينجسه فينسى أن يغسله فيصلى فيه ثم يذكر أنه لم يكن غسله أيعيد الصلاة ؟ فقال: لا يعيد، قد مضت الصلاة وكتبت له. فهكذا صلاة ناسى الصفر ماضية مكتوبة له، فان القصر سنة، لا تبطل الصلاة بالاخلال بها سهوا ونسيانا وجهلا على حد سائر السنن من دون استثناء الا أنه إذا أعاد صلاته، يصير سببا لطرد الشيطان وترغيم أنفه، وموجبا لاهتمام الرجل بوظائفه.

[54]

وأما صحيحة أبي بصير (1) قال: سألت عن رجل ينسى فيصلي في السفر أربع ركعات قال: إن ذكر في ذلك اليوم فلعيد، وإن لم يذكر حتى يمضي اليوم فلا إعادة عليه، فظاهرها أن المراد باليوم بياض النهار، فتدل أيضا على المشهور في الظهرين وحكم العشاء غير مستفاد منها، فان كان مراد الصدوق ذلك فنعم الوفاق، وإلا فلا تدل على مذهبه، والاستدلال بالاحتمال البعيد غير موجه. واحتج القائلون بالاعادة مطلقا بأنها زيادة في الصلاة، وخبر العياشي أيضا لا يخلو من دلالة عليه، وكذا عمومات بعض الروايات الاخر، لكنها مخصصة بما مر. وقال الشهيد في الذكري: ويتخرج على القول بأن من زاد خامسة في الصلاة و كان قد قعد مقدار التشهد تسلم له الصلاة، صحة الصلاة هنا، لان التشهد حائل بين ذلك وبين الزيادة. واستحسنه الشهيد الثاني وقال: إنه كان ينبغي لمثبت تلك المسألة القول بها هنا، ولا يمكن التخلص من ذلك إلا بأحد امور إما إلغاء ذلك الحكم كما ذهب إليه أكثر الاصحاب، أو القول باختصاصه بالزيادة على الرابعة كما هو مورد النص فلا يتعدى إلى الثلاثية والثنائية فلا يتحقق المعارضة هنا، أو اختصاصه بزيادة ركعة لا غير كما ورد به النص هناك، ولا يتعدى إلى الزايد كما عداه بعض الاصحاب، أو القول بأن ذلك في غير المسافر جمعا بين الاخبار، لكن يبقى فيه سؤال الفرق مع اتحاد المحل انتهى. والسيد في المدارك ضعف هذه الوجوه، وقال: والذي يقتضيه النظر أن النسيان والزيادة إن حصلا بعد الفراغ من التشهد كانت هذه المسألة جزئية من جزئيات من زاد في صلاته ركعة فصاعدا بعد التشهد نسيانا، وقد بينا أن الاصح أن ذلك غير مبطل للصلاة مطلقا، لاستحباب التسليم، وإن حصل النسيان قبل ذلك اتجه القول بالاعادة


(1) التهذيب ج 1 ص 303 و 318 والفقيه ج 1 ص 281.

[55]

في الوقت دون خارجه كما اختاره الاكثر انتهى. وأقول: قد عرفت أن الحكم السابق على تقدير ثبوته مختص بالرابعة فلا إشكال ولاتنافي، بل هذا مما يؤيد أحد قولي الابطال مطلقا، أو الاختصاص بالر باعية. وأما إذا أتم جاهلا بوجوب التقصير فالمشهور بين الاصحاب أنه لا يعيد مطلقا وحكي عن ابن الجنيد وأبي الصلاح أنهما أوجبا الاعادة في الوقت، وعن ظاهر ابن أبي عقيل الاعادة مطلقا والاول أقرب لرواية زرارة ومحمد بن مسلم (1) الصحيحة في ساير الكتب، واختلفوا في أن الحكم هل هو مختص بالجاهل بوجوب التقصير من أصله أو ينسحب في الجاهل ببعض الاحكام ؟ وتوقف العلامة في النهاية فيها، وظاهر الرواية الاول. ولو انعكس الفرض بأن صلى من فرضه التمام قصرا جاهلا، فقيل بالبطلان لعدم تحقق الامتثال، وقيل بالصحة وهو اختيار صاحب الجامع، وروى الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أتيت بلدا وأزمعت المقام عشرة فأتم الصلاة، فان تركه جاهلا فليس عليه الاعادة، وهو دال على الصحة في بعض صور الاتمام، والعمل به متجه، وفي التعدي عنه إشكال. وألحق بعضهم بالجاهل ناسي الاقامة فحكم بأنه لاإعادة عليه، وهو خروج عن النص، وسيأتي في الفقه أن من قصر في موضع التمام ناسيا يعيد مطلقا، ولعله محمول على ما إذا وقع بعد التسليم المبطل عمدا وسهوا كما عرفت سابقا. 18 - كتاب محمد بن المثنى الحضرمي: عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن خرج الرجل مسافرا وقد دخل وقت الصلاة كم يصلي ؟ قال: أربعا قال: قلت: وإن دخل وقت الصلاة وهو في السفر ؟


(1) الفقيه ج 1 ص 279، التهذيب ج 1 ص 318. (2) التهذيب ج 1 ص 317.

[56]

قال: يصلي ركعتين قبل أن يدخل أهله وإن دخل المصر فليصل أربعا. 19 - كتاب عبد الله بن يحيى الكاهلى: عن سماعة بن مهران، عن العبد الصالح عليه السلام قال: قال لي: أتم الصلاة في الحرمين مكة والمدينة (1). 20 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين عن الحسن بن إبراهيم يرفعه إلى محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لاي علة تصلى المغرب في المسفر والحضر ثلاث ركعات، وسائر الصلوات ركعتين ؟ قال: لان رسول الله صلى الله عليه وآله فرض عليه الصلاة مثنى مثنى، وأضاف إليها رسول الله صلى الله عليه وآله ركعتين، ثم نقص عن المغرب ركعة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وآله ركعتين في السفر و ترك المغرب، وقال إني أستحيي أن أنقص منها مرتين، فلذلك العلة تصلى ثلاث ركعات في الحضر والسفر (2). أقول: قد مضى بعض الاخبار في ذلك في باب علل الصلاة. 21 - العلل (3) والعيون: عن عبد الواحد بن عبدوس، عن علي بن محمد ابن قتيبة في علل الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام: فان قال: فلم وجبت الجمعة على من يكون على (4) فرسخين لاأكثر من ذلك ؟ قيل: لان ما يقصر فيه الصلاة بريدان ذاهبا، أو بريد ذاهبا وجائيا، والبريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الذي يجب فيه التقصير، وذلك أنه يجئ فرسخين ويذهب فرسخين، فذلك أربعة فراسخ، وهو نصف طريق المسافر. فان قال: فلم قصرت الصلاة في السفر ؟ قيل: لان الصلاة المفروضة أولا إنما هي عشر ركعات، والسبع إنما زيدت فيها بعد، فخفف الله عنه تلك الزيادة


(1) المناسب الحاقة بالباب الاتى. (2) علل الشرايع ج 2 ص 13. (3) علل الشرايع ج 1 ص 253 - 254. (4) في العلل: على رأس فرسخين.

[57]

لموضع سفره وتعبه ونصبه، واشتغاله بأمر نفسه، وظعنه وإقامته، لئلا يشتغل عما لابد له من معيشته، رحمة من الله تعالى، وتعطفا عليه، إلا صلاة المغرب فانها لم تقصر لانها صلاة مقصرة في الاصل. فان قال: فلم وجب التقصير في ثمانية فراسخ ؟ لا أقل من ذلك ولا أكثر ؟ قيل: لان ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة، والقوافل والاثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم. فان قال: فلم وجب التقصير في مسيرة يوم ؟ قيل: لانه لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة سنة، وذلك أن كل يوم يكون بعد هذا اليوم فانما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره، إذا كان نظيره مثله، لا فرق بينهما. فان قال: قد يختلف السير وذلك أن سير البقر إنما هو أربعة فراسخ، وسير الفرس عشرين فرسخا فلم جعلت أنت مسيرة يوم ثمانية فراسخ ؟ قيل: لان ثمانية فراسخ هي مسير الجمال والقوافل، وهو السير الذي يسيره الجمالون والمكارون. فان قال: فلم ترك تطوع النهار ولا يترك تطوع الليل ؟ قيل: لان كل صلاة لا تقصير فيها فلا تقصير في تطوعها، وذلك أن المغرب لا تقصير فيها فلا تقصير فيما بعدها من التطوع، وكذلك الغداة لا تقصير فيما قبلا من التطوع. فان قال: فما بال العتمة مقصرة وليس تترك ركعتاها ؟ قيل: إن تلك الركعتين ليستا من الخمسين، فانما هي زيادة في الخمسين تطوعا، وليتم بها بدل كل ركعة من الفريضة ركعتين من النوافل. فان قال: فلم جاز (1) للمسافر والمريض أن يصليا صلاة الليل في أول الليل قيل: لاشتغاله وضعفه، ليحرز صلاته فيستريح المريض في وقت راحته، ويشتغل المسافر بأشغاله وارتحاله وسفره (2).


(1) في علل الشرايع: فلم وجب. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 112 - 113.

[58]

بيان: المشهور بين الاصحاب سقوط الوتيرة في السفر، ونقل ابن إدريس عليه الاجماع، وقال الشيخ في النهاية يجوز فعلها، قواه في الذكرى لهذا الخبر ولا يخلو من قوة، إذا لظاهر من الاخبار سقوط نوافل الصلوات المقصورة، وكون الوتيرة نافلة للعشاء غير معلوم، بل الظاهر أنها تقديم للوتر، وبدل عنها، فكما أن قبلها نافلة المغرب، ولا يشملها قولهم ليس قبلها نافلة، فكذا بعدها. 22 - العيون: بالاسناد المتقدم فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون: التقصير في ثمانية فراسخ، وما زاد، وإذا قصرت أفطرت (1). 23 - قرب الاسناد: عن محمد بن الوليد، عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشيع إلى القادسية أيقصر ؟ قال: كم هي ؟ قال: قلت التي رأيت قال: نعم يقصر (2). بيان: قال في المغرب: القادسية موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر ميلا انتهى، ويدل على وجوب القصر في أربعة فراسخ لعدم القول بالفصل. 24 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى أهدى إلى وإلى امتي هدية لم يهدها إلى أحد من الامم، كرامة من الله لنا، قالوا: وما ذاك يا رسول الله ؟ قال: الافطار في السفر، والتقصير في الصلاة فمن لم يفعل ذلك فقد رد على الله عزوجل هديته (3). العلل: [عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي مثله (4). دعائم الاسلام]: مرسلا مثله (5).


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 123. (2) قرب الاسناد ص 104 ط نجف، ص 79 ط حجر، ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 313. (3) الخصال ج 1 ص 10. (4) علل الشرايع ج 2 ص 69. (5) دعائم الاسلام ج 1 ص 359 وما بين العلامتين ساقط من ط الكمبانى.

[59]

25 - الخصال (1) والمجالس للصدوق: بسند تكرر ذكره في خبر نفر من اليهود جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: أعطاني الله الرخصة لامتي عند الامراض والسفر (2). 26 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن الهيثم وخمسة اخرى من مشايخه، عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبى معاوية، عن الاعمش، عن الصادق عليه السلام قال: التقصير في ثمانية فراسخ، وهو بريدان وإذا قصرت أفطرت، ومن لم يقصر في السفر لم تجز صلاته، لانه قد زاد في فرض الله عزوجل (3). 27 - العيون: بالاسانيد الثلاثة المتقدم ذكرها في صدر الكتاب عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، عن الصادق عليه السلام قال سئل أبي عن الصلاة في السفر فذكر أن أباه عليه السلام كان يقصر الصلاة في السفر (4). صحيفه الرضا: باسناده عنه عليه السلام مثله (5). 28 - العيون: عن تميم بن عبد الله القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن رجاء بن أبي الضحاك قال: كان الرضا عليه السلام في طريق خراسان يصلي فرائضه ركعتين ركعتين، إلا المغرب، فانه كان يصليها ثلاثا، ولا يدع نافلتها، ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر، وركعتي الفجر في سفر ولاحضر، وكان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئا، وكان يقول بعد كل صلاة يقصرها (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ثلاثين مرة، ويقول: هذا لتمام الصلاة، وما رأيته


(1) الخصال ج 2 ص 9. (2) أمالى الصدوق ص 117. (3) الخصال ج 2 ص 151. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 45. (5) صحيفة الرضا عليه السلام: 41.

[60]

صلى الضحى في سفر ولاحضر (1). وكان لا يصوم في السفر شيئا وكان إذا أقام ببلدة عشرة أيام صائما لا يفطر، فإذا جن الليل بدء بالصلاة قبل الافطار (2). بيان: التسبيحات الاربع ثلاثين مرة بعد المقصورات في السفر مما قطع الاصحاب باستحبابه، وورد خبر المروزي بلفظ الوجوب، ولم ينسب القول به إلى أحد وقال الصدوق في المقنع والفقيه: وعلى المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصرها) و لعل ظاهره الوجوب، وظاهر الاخبار اختصاص المقصورة، واحتمل العلامة التعميم ولاوجه لا، نعم يستحب على وجه آخر في دبر كل صلاة سفرا وحضرا كما مر في التعقيب وهذا استحباب آخر على الخصوص. 29 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه عن أحمد بن هارون بن الصلت، عن ابن عقدة عن القاسم بن جعفر بن أحمد، عن عباد بن أحمد، عن عمه، عن أبيه، عن جابر، عن إبراهيم ابن عبد الاعلى، عن سويد بن غفلة، عن عمر بن الخطاب وعن أبي بكرو عن علي عليه السلام وعن عبد الله بن العباس قال كلهم قال: إذا كنت مسافرا ثم مررت ببلدة تريد أن تقيم بها عشرا فأتم الصلاة وإن كنت إنما تريد أن تقيم بها أقل من عشرة فقصر، وإن قدمت وأنت تقول أسير غدا أو بعد غد حتى تتم شهرا فأكمل الصلاة ولا تقصر في أقل من ثلاث. وقال: سألتهم عن صاحب السفينة أيقصر الصلاة كلها ؟ قال: نعم إذا كنت في سفر ممعن، وإن سافرت في رمضان فصم إن شئت، وكلهم قال: إذا صليت في السفينة فأوجب الصلاة إلى القبلة، فان استدارت فاثبت حيث أوجبت، وكلهم صلى العصر و الفجاج مسفره فانها كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكلهم قنت في الفجر وعثمان أيضا قنت في الفجر (3).


(1 - 2) العيون ج 2 ص 82 بتقديم وتأخير. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 357.

[61]

بيان: الخبر عامي وإنما أوردناه تبعا للشيخ، وفيه أحكام محمولة على التقية كما في قوله (لا تقصر في أقل من ثلاث) أي مسيرة ثلاث ليال، وهو مذهب جماعة من العامة، ففتوى أمير المؤمنين عليه السلام معهم إن لم يكن مفترى عليه محمول على التقية، وكذا قوله: (فصم إن شئت) وكذا تخصيص القنوت بالفجر. قوله: ممعن يقال أمعن في الطلب أي جد وأبعد، والمراد السفر الذى يكون بقدر المسافة، والمراد بصاحب السفينة راكبها لا الملاح، قوله: (والفجاج مسفرة) أي الطرق منيرة قد أشرقت عليها الشمس ردا على أبي حنيفة وأمثاله حيث يؤخرون صلاة العصر إلى آخر الوقت. 30 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي وعن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن محمد بن أسلم الجبلي، عن صباح الحذاء، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن قوم خرجوا في سفر لهم، فلما انتهوا إلى الموضع الذى يجب عليهم فيه التقصير قصروا، فلما أن صاروا على رأس فرسخين أو ثلاثة أو أربعة فراسخ تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم. فقال: إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ، فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، وإن ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصروا. ثم قال عليه السلام: وهل تدري كيف صارت هكذا ؟ قلت: لا أدري، قال: لان التقصير في بريدين، ولا يكون التقصير في أقل من ذلك، فلما كانوا قد ساروا بريدا وأرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير، وإن كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة.

[62]

قلت: أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه ؟ قال: بلى إنما قصروا في ذلك الموضع لانهم لم يشكوا في سيرهم، وإن السير سيجد بهم في السفر، فلما جاءت العلة في مقامهم دون البريد، صاروا هكذا (1). المحاسن: عن أبي سمينة محمد بن علي، عن محمد بن أسلم مثله (2). بيان: اعلم أن الاصحاب اشترطوا في القصر استمرار قصد المسافة إلى انتهاء المسافة فلو قصد المسافة ورجع عن عزمه أو تردد قبل بلوغ المسافة أتم، ولو توقع رفقة علق سفره عليهم، فان كان التوقع في محل رؤية الجدار وسماع الاذان أتم وإن جزم بالسفر دونها، وإن كان بعد بلوغ المسافة قصر ما لم ينو المقام عشرة، أو يمضي ثلاثون يوما، ولو كان بعد الوصول إلى حد الترخص وقبل بلوغ المسافة أتم إلا مع الجزم بالسفر بدونهم، وهل يلحق الظن بالعلم ههنا فيه ؟ وجهان وألحقه الشهيد في الذكرى به وكذا لو رجع عن عزم السفر بدون توقع الرفقة في جميع ما مر. ولو صلى قصرا ثم عرض له الرجوع أو التردد فالاظهر أنه لا يعيد مطلقا وذهب الشيخ في الاستبصار إلى أنه يعيد مع بقاء الوقت لخبر المروزي (3) والاجود حمله على الاستحباب لمعارضته بصحيحة زرارة (4) وهي أقوى.


(1) علل الشرايع ج 02 ص 55. (2) المحاسن: 312، ورواه الكليني في الكافي ج 3 ص 433، إلى قوله: (فإذا مضوا فليقصروا). (3) التهذيب ج 1 ص 416، ولفظه، فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثنى عشر ميلا وذلك أربعة فراسخ ثم بلغ فرسخين ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصر، وان رجع عمانوى عند بلوغ الفرسخين وأراد المقام فعليه التمام، وان كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة. (4) التهذيب ج 1 ص 319 و 416، الفقيه ج 1 ص 281 ولفظه قال: سألت

[63]

ولو رجع عن التردد الحاصل قبل بلوغ المسافة قصر، وفي احتساب ما مضى من المسافة نظر، واستقرب الشهيد في البيان الاحتساب. ثم إن هذا الخبر يدل على الرجوع عن القصر مع الرجوع عن العزم قبل المسافة، لكن يدل على أن أربعة فراسخ يكفى لذلك، كما قطع به الشيخ في النهاية في هذه المسألة. ويدل على ما مر من أن أربعة فراسخ مع إرادة الذهاب قبل قطع السفر بالاقامة يكفي لوجوب القصر، وإنما حكم بالقصر لانه مع تردده جازم بالسفر في الجملة، لانه إما أن يجئ الرفقة فيذهب إلى منتهى المسافة ثمانية فراسخ أو أكثر أو يرجع قبل قصد الاقامة أربعة فراسخ فتصير ثمانية، فعلى الوجهين قاطع بالسفر، ولا يلزم القطع في جهة واحدة، بخلاف ما إذا ذهب أقل من أربعة فراسخ، فانه على تقدير الرجوع لا يصير سفره ثمانية فراسخ، فلا يكون قاطعا على المسافة فتفطن. 31 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن أحمد بن هلال، عن عيسى بن عبد الله عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خياركم الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا (1). ومنه: عن ابن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: من صلى في سفر أربع ركعات متعمدا فأنا إلى الله


أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده، فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التى صلاها ركعتين ؟ قال: تمت صلاته ولا يعيد. (1) ثواب الاعمال ص 34.

[64]

عزوجل منه برئ (1). المقنع: مرسلا مثله ومثل الخبر السابق (2). 32 - المحاسن: عن أبيه، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار قال: قال بعض أصحابنا لابي عبد الله عليه السلام: ما بال صلاة المغرب لم يقصر فيها رسول الله صلى الله عليه وآله في السفر والحضر مع نافلتها ؟ قال عليه السلام: لان الصلاة كانت ركعتين ركعتين، فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى كل ركعتين ركعتين، ووضعها عن المسافر وأقر المغرب على وجهها في السفر والحضر، ولم يقصر في ركعتي الفجر، أن يكون تمام الصلاة سبعة عشر ركعة في السفر والحضر (3). بيان: لعل المعنى أنه لما قصر في المفروضات، كان ترك المسنونات المتعلقة بالمفروضات أولى بالوضع والترك، وإنما ابقيت ركعة من المغرب [مع ست ركعات نوافل المغرب والفجر ليوافق سبعة عشرة ركعة الفريضة المقررة في الحضر، وأما صلاة] (4) الليل والوتيرة فانها صلوات برأسها لاتعلق لها بالفرائض. 33 - المحاسن: عن محمد بن خالد الاشعري، عن إبراهيم بن محمد الاشعري عن حذيفة بن منصور قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الصلاة في السفر ركعتان بالنهار ليس قبلهما ولابعدهما شئ (5). بيان: (ليس قبلهما ولا بعدهما) أي مما يتعلق بهما، فلا ينافي نافلة المغرب والوتيرة قبل العشاء وبعدها [هذا إن اريد بالنهار ما يشمل الليل، والاظهر أن المراد به هنا ما بين طلوع الشمس إلى غروبها كما صرح به في القاموس، فلا إشكال فيه] (6).


(1) ثواب الاعمال ص 249. (2) المقنع ص 38. (3) المحاسن: 327. (4) ما بين العلامتين ساقط من ط الكمبانى. (5) المحاسن: 371. (6) ما بين العلامتين زيادة من الاصل، وقد كان اللائح من نسخته قدس سره أنه زاد هذه الجملة بعدا.

[65]

34 - المحاسن: عن أبيه، عن سليمان الجعفري، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سافر فعليه التقصير والافطار غير الملاح فانه في بيته وهو يتردد حيث شاء (1). ومنه: عن أبيه، عن الجعفري، عن موسى بن حمزة بن بزيع قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك إن لي ضيعة دونت بغداد فاقيم في تلك الضيعة اقصر أم اتم ؟ قال: إن لم تنوا لمقام عشرا فقصر (2). 35 - فقه الرضا: (3) قال عليه السلام: اعلم يرحمك الله أن فرض السفر ركعتان إلا الغداة، فان رسول الله صلى الله عليه وآله تركها على حالها في السفر والحضر وأضاف إلى المغرب ركعة. وقد يستحب أن لا تترك نافلة المغرب، وهي أربع ركعات في السفر ولا في الحضر وركعتان بعد العشاء الاخرة من جلوس، وثمان ركعات صلاة الليل، والوتر وركعتا الفجر، فان لم تقدر على صلاة الليل قضيتها في الوقت الذي يمكنك من ليل أو نهار. ومن سافر فالتقصير عليه واجب إذا كان سفره ثمانية فراسخ، أو بريدين، و هو أربعة وعشرون ميلا فان كان سفرك بريدا واحدا وأردت أن ترجع من يومك قصرت لانه ذهابك ومجيئك بريدان. وإن عزمت على المقام وكان مدة سفرك بريدا واحدا ثم تجدد لك فيه الرجوع من يومك، وأقمت فلا تقصر، وإن كان أكثر من بريد فالتقصير واجب إذا غاب عنك أذان مصرك. وإن كنت مسافرا فدخلت منزل أخيك أتممت الصلاة والصوم مادمت عنده لان منزل أخيك مثل منزلك، وإن دخلت مدينة فعزمت على القيام فيها يوما أو


(1 - 2) المحاسن: 371. (3) فقه الرضا ص 16 باب صلاة المسافر.

[66]

يومين، فدافعتك الايام وأنت في كل يوم تقول أخرج اليوم أو غدا أفطرت وقصرت ولو كان ثلاثين يوما، وإن عزمت على المقام بها حين تدخل مدة عشرة أيام أتممت وقت دخولك. والسفر الذي يجب فيه التقصير في الصوم والصلاة هو سفر في الطاعة، مثل الحج والغزو والزيارة، وقصد الصديق والاخ وحضور المشاهد، وقصد أخيك لقضاء حقه، والخروج إلى ضيعتك، أو مال تخاف تلفه، أو متجر لابد منه، فإذا سافرت في هذه الوجوه وجب عليك التقصير، وإن كان غير هذه الوجوه وجب عليك الاتمام. وإذا بلغت موضع قصدك من الحج والزيارة والمشاهد وغير ذلك مما قد بينته لك فقد سقط عنك السفر، ووجب عليك الاتمام. وقد أروي عن العالم عليه السلام أنه قال: في أربع مواضع لا يجب أن تقصر: إذا قصدت مكة والمدينة ومسجد الكوفة والحيرة. وساير الاسفار التي ليست بطاعة مثل طلب الصيد والنزهة، ومعاونة الظالم وكذلك الملاح والفلاح والمكاري فلا تقصير في الصلاة، ولا في الصوم. وإن سافرت إلى موضع مقدار أربع فراسخ ولم ترد الرجوع من يومك، فأنت بالخيار، فان شئت تممت وإن شئت قصرت، وإن كان سفرك دون أربع فراسخ فالتمام عليك واجب. فإذا دخلت بلدا ونويت المقام بها عشرة أيام فأتم الصلاة والصوم وإن نويت أقل من عشرة أيام فعليك التقصير، وإن لم تدر ما مقامك بها تقول أخرج اليوم وغدا فعليك أن تقصر إلى أن يمضي ثلاثون يوما ثم تتم بعد ذلك، ولو صلاة واحدة، ومتى وجب عليك التقصير في الصلاة أو التمام لزمك في الصوم مثله، وإن دخلت قرية ولك بها حصة فأتم الصلاة، وإن خرجت من منزلك فقصر إلى أن تعود إليه.

[67]

واعلم أن المتمم في السفر كالمقصر في الحضر، ولا يحل التمام في السفر إلا لمن كان سفره لله عزوجل معصية أو سفرا إلى صيد، ومن خرج إلى صيد فعليه التمام إذا كان صيده بطرا وشرها وإذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة والتقصير في الصوم، وإذا كان صيده اضطرارا ليعود به على عياله فعليه التقصير في الصلاة والصوم. ولو أن مسافرا ممن يجب عليه، مال من طريقه إلى الصيد، لوجب عليه التمام لطلب الصيد، فان رجع بصيده إلى الطريق فعليه في رجوعه التقصير. وإن كنت صليت في السفر صلاة تامة فذكرتها وأنت في وقتها فعليك الاعادة، وإن ذكرتها بعد خروج الوقت فلا شئ عليك، وإن أتممتها بجهالة فليس عليك فيما مضى شئ، ولا إعادة عليك، إلا أن تكون قد سمعت بالحديث. وإن قصرت في قريتك ناسيا ثم ذكرت وأنت في وقتها أو في غير وقتها فعليك قضاء ما فاتك منها، وروي أن من صام في مرضه أو في سفره أو أتم الصلاة فعليه القضاء إلا أن يكون جاهلا فيه فليس عليه شئ (1). توضيح: يدل على ما هو المشهور من رجوع اليوم في أربعة فراسخ، ولعله مستند الصدوق، وبمجرد هذا الخبر يشكل تخصيص الاخبار الكثيرة المعتبرة، قوله: (وإن كان أكثر من بريد) أي بريدان وأكثر، قوله عليه السلام: (فدخلت منزل أخيك) موافق لمذهب ابن الجنيد وجماعة من العامة، ولعله محمول على التقية قوله: (هو سفر في الطاعة) يمكن حمل الطاعة على عدم المعصية، فيشمل المباح و المكروه كما هو المشهور. قوله عليه السلام: (سقط عنك السفر) أي مع قصد الاقامة، وظاهره الاتمام في جميع المشاهد كما قيل، وسيأتي ذكره (والنزهة) أي النزهة في الصيد أو بساير المحرمات


(1) فقه الرضا (وهو كتاب التكليف لابن أبي العزاقر الشلمغانى كما عرفت مرارا) ص 16، باب صلاة المسافر والمريض.

[68]

وظاهره عدم القصر في التنزهات المباحة أيضا، ولم يقل به ظاهرا أحد، وإن كان يومي إليه بعض الاخبار و (الفلاح) غير مذكور في غيره، وهو محمول على فلاح يكون غالبا في السير كما مر في التاجر والامير. قوله عليه السلام: (ولك بها حصة) أي من الملك، وحمل على الاستيطان كما مر، قوله: (في قريتك) أي في وطنك الذي يجب عليك فيه إتمام الصلاة، وقوله (إلا أن يكون جاهلا) بظاهره يشمل السفر والمرض، والاول هو المشهور بين الاصحاب ولم أر قائلا في المرض بذلك. 36 - العياشي: عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (فمن اضطر غير باغ ولاعاد) (1) قال: الباغي طالب الصيد، والعادي السارق، ليس لهما أن يقصرا من الصلاة، وليس لهما إذا اضطرا إلى الميتة أن يأكلاها، ولا يحل لهما ما يحل للناس إذا اضطروا (2). 37 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه قال: قال علي عليه السلام: جاءت الخضارمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنا لا نزال ننفر أبدا فكيف نضنع بالصلاة ؟ فقال: سبحوا ثلاث تسبيحات ركوعا، وثلاث تسبيحات سجودا (3). بيان: أي لا تقصروا في كيفية الصلاة أيضا كما لا تقصرون في الكمية، ويمكن أن يكون تجويزا للتخفيف، فالمراد بالتسبيحات الصغريات. 38 - كتاب صفين: لنصر بن مزاحم، عن عمر بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: خرج علي عليه السلام وهو يريد صفين حتى إذا قطع النهر أمر مناديه فنادى بالصلاة، قال: فتقدم فصلى ركعتين حتى إذا قضى الصلاة أقبل علينا


(1) البقرة: 173. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 75، الرقم 156. (3) لم نجده في المطبوع من المصدر.

[69]

فقال: يا أيها الناس ألا من كان مشيعا أو مقيما فليتم، فانا قوم على سفر، ومن صحبنا فلا يصم المفروض، والصلاة ركعتان. 39 - كتاب زيد النرسى: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله بعض أصحابنا عن طلب الصيد وقال له: إني رجل ألهو بطلب الصيد، وضرب الصوالج، وألهو بلعب الشطرنج، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما الصيد فانه مبتغى باطل، وإنما أحل الله الصيد لمن اضطر إلى الصيد، فليس المضطر إلى طلبه سعيه فيه باطلا، ويجب عليه التقصير في الصلاة والصيام جميعا إذا كان مضطرا إلى أكله، وإن كان ممن يطلبه للتجارة، وليست له حرفة إلا من طلب الصيد فان سعيه حق وعليه التمام في الصلاة والصيام، لان ذلك تجارته، فهو بمنزلة صاحب الدور الذي يدور الاسواق في طلب التجارة، أو كالمكاري والملاح. ومن طلبه لاهيا وأشرار وبطرا فان سعيه ذلك سعي باطل، وسفر باطل، و عليه التمام في الصلاة والصيام، وإن المؤمن لفي شغل عن ذلك، شغله طلب الاخرة عن الملاهي الحديث. بيان: ما دل عليه الخبر من أن الصائد للتجارة يتم الصلاة والصوم معا لم أر قائلا به، لكن ظاهر الخبر أن الحكم مختص بصائد يكون دائما في السير والحركة للصيد، فيكون بمنزلة التاجر الذي يدور في تجارته، فلا يبعد من مذاهب الاصحاب وظواهر النصوص القول به، وقد مر في الخبر تعليل الحكم بأنه عملهم، فيشمل التعليل هذا أيضا. وأما الصائد الذي يذهب أحيانا إلى الصيد للتجارة، فليس هذا حكمه، و يمكن حمله أيضا على ما إذا لم يبلغ المسافة ولم يقصدها أولا، كما هو الشايع في الصيد، والغالب فيه، والاول أظهر من الخبر. 40 - كتاب الغايات: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خيار امتي الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا.

[70]

41 - دعائم الاسلام: عن علي عليه السلام أنه قال: من قصر الصلاة في السفر وأفطر فقد قبل تخفيف الله وكملت صلاته (1). وعنه صلوات الله عليه أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى أن تتم الصلاة في السفر (2). وعن جعفر بن محمد أنه قال: أنا برئ ممن يصلي في السفر أربعا (3). وعن أبي جعفر محمد بن علي صلوات الله عليه أنه قال: من صلى أربعا في السفر أعاد إلا أن يكون لم تقرء الاية عليه، ولم يعلمها، فلا إعادة عليه. يعني بالاية آية القصر (4). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: الفرض على المسافر من الصلاة ركعتان في كل صلاة إلى المغرب، فانها غير مقصوره (5). وعن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: ليس في السفر في النهار صلاة إلا الفريضة ولك فيه أن تصلي إن شئت من أول الليل إلى آخره، ولا تدع أن تقضي نافلة النهار في الليل (6). وعنه عليه السلام أنه قال: إذا خرج المسافر إلى سفر يقصر في مثله الصلاة قصر و أفطر، إذا خرج من مصره أو قريته (7). وعنه عليه السلام أنه قال: تقصر الصلاة في بريدين ذاهبا ورجعا، يعني إذا كان خارجا إلى سفر مسيرة بريد، وهو يريد الرجوع قصر، وإن كان يريد الاقامة لم يقصر حتى تكون المسافة بريدين (8). وعن علي عليه السلام أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: تسعة لا يقصرون الصلاة: الامير يدور في إمارته، والجابي يدور في جبايته، وصاحب الصيد، والمحارب يعني قاطع الطريق، والباغي على المسلمين، والسارق، وأمثالهم، والتاجر يدور في تجارته، والبدوي يدور في طلب القطر، والزراع، فكل هؤلاء المراد فيهم إذا


(1 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 195. (5 - 8) دعائم الاسلام ج 1 ص 196.

[71]

كانوا يدورون من موضع إلى موضع لا يجدون في السفر (1). وكذلك روينا عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال في المكاري والملاح وهو النوتي لا يقصران لان ذلك دأبهما وكذلك المسافر إلى أرضين له بعضها قريب من بعض فيكون يوما ههنا ويوما ههنا، فقال عليه السلام في هذا أيضا أنه لا يقصر وكذلك قال في المسافر ينزل في بعض أسفاره على أهله لا يقصر (2). وعن أبي جعفر وأبي عبد الله صلوات الله عليهما أنهما قالا: إذا نزل المسافر مكانا ينوي فيه مقام عشرة أيام صام وأتم الصلاة، وإن نوى مقام أقل من ذلك قصر وأفطر وهو في حال المسافر وإن لم ينو شيئا وقال: اليوم أخرج وغدا أخرج قصر ما بينه وبين شهر ثم أتم (3). وقال: لا ينبغي للمسافر أن يصلي بمقيم، ولا يأتم به فان فعل فأم المقيمين سلم من ركعتين وأتمواهم، وإن أئتم بمقيم انصرف من ركعتين (4). وعن جعفر بن محمد أنه قال: من نسي صلاة في السفر فذكرها في الحضر قضى صلاة مسافر، وإن نسي صلاة في الحضر فذكرها في السفر قضاها صلاة مقيم (5). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن علي ومحمد بن علي بن الحسين وجعفر بن محمد عليهم السلام أنهم رخصوا للمسافر أن يصلي النافلة على دابته أو بعيره حيثما توجه للقبلة، أو لغير القبلة، وتكون صلاته إيماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع، فإذا كانت الفريضة لم يصل إلا على الارض متوجها إلى القبلة، والعامة أيضا على هذا (6). وقالوا في قول الله عزوجل (فأينما تولوا فثم وجه الله) (7) في هذا نزل، أي في صلاة النافلة على الدابة حيثما توجهت (8).


(1 - 6) دعائم الاسلام ج 1 ص 196 و 197. (7) البقرة: 115. (8) دعائم الاسلام ج 1 ص 197.

[72]

وروينا عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: من صلى في السفينة وهي تدور فليتوجه إلى القبلة، فان دارت به دار إلى القبلة بوجهه، وإن لم يستطع أن يصلي قائما صلى جالسا، ويسجد إن شاء على الزفت (1). وعنه عليه السلام أنه نهى عن الصلاة على جادة الطريق (2). وعنه عليه السلام أنه قال في الغريق وحائض الماء: يصليان إيماء، وكذلك العريان إذا لم يجد ثوبا يصلي فيه، صلى جالسا ويومي إيماء (3). بيان: (ولا تدع أن تقضي) يدل على استحباب قضاء نوافل النهار بالليل، وهو خلاف المشهور، وقد ورد في عدة روايات كصحيحة معاوية بن عمار (4) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أقضي صلاة النهار بالليل في السفر ؟ فقال: نعم، فقال له إسماعيل ابن جابر أقضي صلاة النهار بالليل في السفر ؟ فقال: لا، فقال: إنك قلت نعم فقال: إن ذلك يطيق وأنت لا تطيق. وفي حسنة سدير (5) كان أبي يقضي في السفر نوافل النهار بالليل، ولا يتم صلاة فريضة، ويعارضها روايات دالة على المنع، والشيخ حمل الروايات الاولة تارة على الجواز، واخرى على من سافر بعد دخول الوقت، والاظهر عندي حملها على التقية كما يومي إليه الاخبار. (والنوتي) بالضم الملاح، قال في النهاية النوتي الملاح الذي يدير السفينة في البحر، وقد نات ينوت نوتا إذا تمايل في النعاس، كأن النوتي يميل السفينة من جانب إلى جانب. 42 - الهداية: الحد الذي يوجب التقصير على المسافر أن يكون سفره ثمانية فراسخ، فإذا كان سفره أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار فان شاء أتم وإن شاء قصر، وإن أراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب، والمتم في السفر كالمقصر في الحضر، قال النبي صلى الله عليه وآله: من صلي في السفر أربعا متعمدا فأنا إلى


(1 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 197. (4 و 5) التهذيب ج 1 ص 138.

[73]

الله منه برئ (1). ولا يحل التمام في السفر إلا لمن كان سفره لله عزوجل معصية، أو سفر إلى صيد يكون بطرا أو أشرا فأما الذي يجب عليه الاتمام في الصلاة، والصوم في السفر، فالمكاري والكرى والبريد والراعي والملاح، لانه عملهم، وصاحب الصيد إن كان صيده ما يقوت به عياله فعليه التقصير في الصلاة والصوم (2). 43 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن موسى المروزي عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع يفسدن القلب، وينبتن النقاق في القلب كما ينبت الماء الشجر: اللهو، والبذاء، وإتيان باب السلطان، وطلب الصيد (3). بيان: الظاهر أن المراد بالصيد صيد اللهو، وظاهر الاخبار تحريمه كما هو ظاهر أكثر الاصحاب، ويحتمل كونه مكروها، ولكونه لغوا لا فائدة فيه لا يوجب قصر الصلاة والصوم والاول أظهر.


(1 و 2) الهداية: 33. (3) الخصال ج 1 ص 108. (*)

[74]

2 - (باب) * " (مواضع التخيير (1)) " * 1 - كامل الزيارة: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله قال: سألت أيوب بن نوح عن تقصير الصلوات في هذه المشاهد: مكة والمدينة والكوفة وقبر الحسين الاربعة، و


(1) من الايات المتعلقة بالباب قوله تعالى عزوجل في سورة النور: 35 - 38: (الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لاشرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شئ عليم: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار * ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب. وظاهر قوله عزوجل: (ويضرب الله الامثال للناس) أن في الاية الكريمة مبتدئا من قوله عزوجل: (نور السماوات والارض) إلى آخر الاية الكريمة كلمات ضربت أمثالا لهداية الناس أولها (نور السموات والارض) وهو النبي صلى الله عليه وآله وبعده (مثل نوره) وليس الا عليا عليه الصلاة والسلام، ثم العترة الطاهرة الزكية واحدا بعد واحد: أنوار الهداية والشجرة الطيبة التى أصلها ثابت وفرعها في السماء، إلى أن يبلغ (لنوره) وهو المهدى الذى يختم الله به أنوار هدايته ويظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم قال عزوجل: (في بيوت) أي هم في بيوت (أذن الله أن ترفع) أي يرفع

[75]

الذي روي فيها، فقال: أنا اقصر، وكان صفوان يقصر، وابن أبي عمير وجميع


سمكها كما أذن لبيته أن يرفع: فرفع ابراهيم واسماعيل عليهما الصلاة والسلام قواعد بيته بحيث علا على كل بيت، ولذلك لم يجز لغيرهم أن يرفع سمك بيته عن ثمانية أذرع وقد كان ارتفاع بيت الله عزوجل في عهد النبي محمد (ص) ثمانى عشرة أذرع، فجاز أن يرفع بيوت العترة الطاهرة أيضا ثمانى عشرة أذرع الا قليلا. ثم قال عز من قائل: (ويذكر فيها اسمه) أي يذكر في تلك البيوت اسم الله عزوجل كما يذكر اسمه في بيته بيت الله الحرام. ثم بين هذا الذكر بقوله: (يسبح له فيها بالغدو والاصال) والمراد بالتسبيح هو السبحة صلوات النوافل كما هو المعهود في لفظ القرآن الكريم إذا نسبه إلى الناس، و أما الغدو والاصال، فقد عرفت في باب أوقات الصلواة وباب الجهر والاخفات أن الغدو وقت الزوال يتغدى فيه الناس، والاصال وقت العصر حتى يغترب الشمس، فينطبق على صلاة الظهر والعصر، ويشير إلى أن نافلتهما مرغوب فيه في هذه البيوت مطلقا حتى في الاسفار فيعلم بذلك أن الركعات المسنونة الداخلة في الفرائض أيضا مرغوب فيها عند هذه البيوت الكريمة بطريق أولى. وقوله عزوجل: (رجال لاتلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) الخ كأنه اشارة إلى أن المسافر وان كان سفره للتجارة والبيع يبتغى فضل الله، لا يكون رغبته ذلك ليهليه عن هذه التجارة المعنوية وهو ذكر الله عزوجل في هذه البيوت الشريفة والمشاهد الكريمة يصلى نوافله في تلك البيوت بأجمعها فانها (مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا) ويقيم صلاته حق اقامتها ويؤتى زكاته وصدقاته المندوبة والمفروضة (وكأنه يجوز حمل الزكاة إلى تلك البيوت وتقسيمها بين مستحقيها) (يخافون) أي يتقون بأفعالهم ذلك (يوما تتقلب فيه القلوب والابصار) لكونها نافعة ليوم المعاد، وليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب. وأما ما سيجئ في الروايات من انحصار تلك المواضع بالاربعة: مكة والمدينة و

[76]

أصحابنا يقصرون (1). ومنه عن أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسن بن متيل، عن سهل بن زياد الادمي عن محمد بن عبد الله، عن صالح بن عقبة، عن أبي شبل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أزور قبر الحسين ؟ قال: زر الطيب وأتم الصلاة عنده، قلت: اتم الصلاة عنده ؟ قال: أتم قلت: بعض أصحابنا يروي التقصير قال: إنما يفعل ذلك الضعفة (2). ومنه عن الكليني (3) عن جماعة مشايخه عن سهل باسناده مثله. وعنه عن أبي عبد الرحمن محمد بن أحمد العسكري، عن الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عن علي بن الحسن بن سعيد، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن رجل من أصحابنا يقال له حسين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تتم الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله، وعند قبر الحسين عليه السلام (4). ومنه عن أبيه وأخيه وعلي بن الحسين، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الملك القمي، عن إسماعيل بن جابر عن عبد الحميد خادم إسماعيل بن جعفر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تتم الصلاة في أربعة مواطن في المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وآله، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين عليه السلام (5).


الكوفة والحائر، فلان الروايات الواردة في ذلك عن الصادقين عليهما السلام، والبيوت المذكورة في الاية الكريمة لم يتحقق في زمانهما الا هذه الاربعة، ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم. (1 - 2) كامل الزيارة: 248، التهذيب ج 1 ص 570. (3) الكافي ج 4 ص 587. (4) كامل الزيارة: 249، الكافي ج 4 ص 587. (5) المصدر نفسه، والتهذيب ج 1 ص 570، الكافي ج 4 ص 587.

[77]

المتهجد: عن إسماعيل بن جابر مثله (1). 2 - الكامل: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من الامر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: بمكة والمدينة ومسجدا لكوفة والحير (2). قال ابن قولويه وزاده الحسين بن أحمد بن المغيرة عقيب هذا الحديث في هذا الباب بما أخبره به حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي باجازته بخطه اجتيازه علينا للحج عن أبي النضر محمد بن مسعود العياشي، عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن محمد بن خالد البرقي وعلي بن مهزيار وأبي علي ابن راشد جميعا عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من مخزون علم الله الاتمام في أربعة مواطن: حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين، و حرم الحسين عليهم السلام (3). ومنه عن محمد بن همام بن سهيل، عن الفزاري، عن محمد بن حمدان المدايني عن زياد القندي قال: قال أبو الحسن موسى عليه السلام: احب لك ما احب لنفسي، أتم الصلاة في الحرمين وبالكوفة وعند قبر الحسين (4). المتهجد: عن زياد القندي مثله (5) وفيه بعد قوله: (ما احب لنفسي: وأكره لك ما أكره لنفسي). 3 - الكامل: عن علي بن حاتم القزويني، عن محمد بن أبي عبد الله الاسدي


(1) مصباح المتهجد: 509. (2) كامل الزيارة: 249. (3) المصدر نفسه، والتهذيب ج 1 ص 570، وتراه في الخصال ج 1 ص 120. (4) كامل الزيارة: 250، والتهذيب نفسه. (5) مصباح المتهجد: 509.

[78]

عن القاسم بن الربيع الصحاف عن عمرو بن عثمان، عن عمرو بن مرزوق قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في الحرمين وعند قبر الحسين عليه السلام قال: أتم الصلاة فيها (1). ومنه عن الكليني (2) وجماعة مشايخه عن محمد العطار، عن محمد بن الحسين عن محمد بن سنان، عن حذيفة بن منصور، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: تتم الصلاة في المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الكوفة، وحرم الحسين عليه السلام (3). المتهجد: عن حذيفة مثله، ثم قال: وفي خبر آخر في حرم الله، وحرم رسوله وحرم أمير المؤمنين، وحرم الحسين (4). 4 - الكامل: عن الحسين بن أحمد بن المغيرة، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو، عن فائد الخياط، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في الحرمين، فقال: أتم ولو مررت به مارا (5). ومنه: بالاسناد عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن أبي زاهر، عن محمد بن الحسين الزيات، عن حسين بن عمران، عن عمران قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: اقصر في مسجد الحرام أو أتم ؟ قال: إن قصرت فلك، وإن أتممت فهو خير، وزيادة في الخير خير (6). ومنه: عن أبيه، ومحمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة قال: سألت العبد الصالح، عن زيارة قبر الحسين عليه السلام فقال: ما أحب لك تركه، قلت: ما ترى


(1) كامل الزيارة: 250. (2) الكافي ج 4 ص 586، التهذيب ج 1 ص 570. (3) كامل الزيارة: 250. (4) مصباح المتهجد: 509. (5 - 6) كامل الزيارة: 250، التهذيب ج 1 ص 570 و 582 راجعه.

[79]

في الصلاة عنده وأنا مقصر ؟ قال: صل في المسجد الحرام ما شئت تطوعا، وفي مسجد الرسول ما شئت تطوعا وعند قبر الحسين فاني أحب ذلك. قال: وسألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين، ومشهد النبي صلى الله عليه وآله تطوعا [وفي مسجد الكوفه] فقال نعم ما قدرت عليه (1). ومنه: عن جعفر بن محمد بن إبراهيم، عن عبيدالله بن نهيك، عن ابن أبي عمير عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن التطوع عند قبر الحسين عليه السلام وبمكة و المدينة وأنا مقصر، قال: تطوع عنده وأنت مقصر ما شئت، وفي المسجد الحرام وفي مسجد الرسول، وفي مشاهد النبي فانه خير (2). ومنه: عن علي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير وإبراهيم ابن عبد الحميد جميعا، عن أبي الحسن عليه السلام مثله (3). ومنه: عن أبيه، عن سعد، عن الخشاب، عن جعفر بن محمد بن حكيم الخثعمي عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن عليه السلام مثله (4). ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي ابن إسماعيل، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن التطوع عند قبر الحسين عليه السلام ومشاهد النبي صلى الله عليه وآله والحرمين والتطوع فيهن بالصلاة ونحن مقصرون ؟ قال: نعم تطوع ما قدرت عليه فهو خير (5). ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: جعلت فداك أتنفل في الحرمين، وعند قبر الحسين بن علي، وأنا اقصر ؟ قال نعم ما قدرت عليه (6). ومنه: عن أبيه ومحمد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين


(1) كامل الزيارة: 246، ومثله في ص 248 بسند آخر. (2 - 6) كامل الزيارة: 247.

[80]

ابن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أي حمزة البطائني، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: سألته عن التطوع عند قبر الحسين، ومشاهد النبي صلى الله عليه وآله، والحرمين في الصلاة ونحن مقصر ؟ قال: نعم تطوع ما قدرت عليه (1). 5 - العلل: عن محمد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين ابن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن وهب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: مكة والمدينة كسائر البلدان ؟ قال: نعم، قلت: روى عنك بعض أصحابنا أنك قلت لهم: أتموا بالمدينة لخمس ؟ فقال: إن أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة، فكرهت ذلك لهم، فلهذا قلته (2). 6 - الكامل: عن الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان بن مسلم عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام في وصف زيارة الحسين عليه السلام إلى أن قال: ثم اجعل القبر بين يديك وصل ما بدالك، وكما دخلت الحائر فسلم ثم امش حتى تضع يديك وخديك جميعا على القبر، فإذا أردت أن تخرج فاصنع مثل ذلك، ولا تقصر عنده من الصلاة ما أقمت الحديث (3). ومنه: عن علي بن محمد بن يعقوب الكسائي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في الحاير، قال: ليس الصلاة إلا الفرض بالتقصير، ولا يصلى النوافل (4). 7 - قرب الاسناد: عن الحسن بن علي بن النعمان، عن عثمان بن عيسى قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن إتمام الصلاة في الحرمين مكة والمدينة، قال:


(1) كامل الزيارة ص 247. (2) علل الشرايع ج 2 ص 139. (3) كامل الزيارة: 216. (4) كامل الزيارة: 247.

[81]

أتم الصلاة ولو صلاة واحدة (1). ومنه: عن عبد الله بن عامر، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن صالح بن عبد الله الخثعمي قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام أسأله عن الصلاة في المسجدين اقصر أو اتم ؟ فكتب إلى: أي ذلك فعلت فلا بأس. قال: وكتبت إليه أسأله عن خصي لي في سن رجل مدرك يحل للمرءة أن يراها وتكشف بين يديه ؟ قال: فلم يجبني فيها. قال: فسألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عنها مشافهة فأجابني بمثل ما أجابني أبوه إلا أنه قال في الصلاة قصر (2). 8 - العيون: عن جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه محمد بن شاذان، عن الفضل ابن شاذان، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت ارضا عليه السلام عن الصلاة بمكة والمدينة تقصير أو تمام ؟ فقال: قصر ما لم تعزم على مقام عشرة (3). 9 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن محمد بن خالد البرقي، عن علي بن مهزيار وأبي علي بن راشد، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من مخزون علم الله عزوجل الاتمام في أربعة مواطن: حرم الله عزوجل وحرم رسوله صلى الله عليه وآله، وحرم أمير المؤمنين، وحرم الحسين عليهما السلام. قال الصدوق - ره - يعني أن ينوي الانسان في حرمهم عليهم السلام مقام عشرة أيام و يتم ولا ينوي مقام دون عشرة أيام فيقصر، وليس له ما يقوله غير أهل الاستبصار بشئ أنه يتم في هذه المواضع على كل حال (4).


(1) قرب الاسناد: 123 ط حجر ص 167 ط نجف وتراه في التهذيب ج 1 ص 568، الكافي ج 4 ص 524. (2) قرب الاسناد: 125 ط حجر ص 169 - 170. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 18 - 19، وتراه في التهذيب ج 1 ص 569. (4) الخصال ج 1 ص 120.

[82]

10 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل قدم مكة قبل التروية بأيام، كيف يصلي إذا كان وحده أو مع إمام فيتم أو يقصر ؟ قال: يقصر إلا أن يقيم عشرة أيام قبل التروية (1). قال: وسألته عن الرجل كيف يصلي بأصحابه بمنى أيقصر أم يتم ؟ قال: إن كان من أهل مكة أتم، وإن كان مسافرا قصر على كل حال، مع الامام أو غيره (2). * (تنقيح وتوضيح) * اعلم أن الاصحاب اختلفوا في حكم الصلاة في المواطن الاربعة: حرم الله، وحرم رسوله، ومسجد الكوفة، وحائر الحسين عليه السلام، فذهب الاكثر إلى أن المسافر مخير بين الاتمام، والقصر، وأن الاتمام أفضل، وقال الصدوق: يقصر ما لم ينو المقام عشرة، والافضل أن ينوي المقام بها ليوقع صلاته تمام كما مر. وقال السيد المرتضى: لا يقصر في مكة ومسجد النبي صلى الله عليه وآله ومشاهد الائمة القائمين مقامه صلى الله عليه وآله، وهذه العبارة تفيد منع التقصير، وعموم الحكم في مشاهد الائمة ونحوه قال ابن الجنيد، والاول أظهر لما مر من الاخبار الكثيرة الدالة على الاتمام جمعا بينها وبين ما ورد في التقصير والتخيير.


(1 و 2) قرب الاسناد: 99 ط حجر، ص 130 ط نجف، لكن الحديثين انما يبينان حكم القصر والاتمام على فرض عدم التخيير في المواطن الاربعة غير ناظر إلى ذلك أبدا كأنه عليه السلام أراد بيان الحكم بعد غمض العين عن خصوص المورد، ومثلهما صحيحة زرارة وموثقة اسحاق بن عمار المتقدمتان في الباب السابق، فعلى هذا لا غبار في معنى هذه الاحاديث واخراجها على المذهب المشهور المسلم عند الاصحاب، ولا يصح عنوانها في باب التخيير، بل اللازم عنوانها في الباب السابق كما عرفت ص 41.

[83]

ويدل عليه صحيحة (1) علي بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام: الرواية قد اختلفت عن آبائك في الاتمام والتقصير للصلاة في الحرمين (2) ومنها أن يأمر بأن يتم الصلاة ولو صلاة واحدة، ومنها أن يأمر أن يقصر الصلاة ما لم ينو مقام عشرة أيام، ولم أزل على الاتمام فيهما إلى أن صدرنا من حجنا في عامنا هذا، فان فقهاء أصحابنا أشاروا على بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة، فقد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك. فكتب بخطه: قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما، فأنا احب لك إذا دختلهما ألا تقصر وتكثر فيهما من الصلاة، فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: اني كتبت إليك بكذا فأجبت بكذا، فقال: نعم، فقلت أي شئ تعني بالحرمين ؟ فقال: مكة والمدينة ومنى إذا توجهت من منى فقصر الصلاة، فإذا انصرفت من عرفات إلى منى وزرت البيت ورجعت إلى منى فأتم الصلاة، تلك الثلاثة الايام وقال بأصبعه ثلاثا. وأما حديث أيوب بن نوح فلا ينافي التخيير، فانهم اختاروا هذا الفر، د وأما حديث أبي شبل وقوله: (إنما يفعل ذلك الضعفة) فيحتمل أن يكون المراد به الضعفة في الدين الجاهلين بالاحكام، أو من له ضعف لا يمكنه الاتمام، أو يشق عليه فيختار الاسهل، وإن كان مرجوحا، والوجه الاخير يؤيد ما اخترنا وهو أظهر، و الاول لا ينافيه إذ يمكن أن يكون الضعف في الدين باعتبار اختيار المرجوح، و الاخبار المشتملة على الامر بالاتام محمولة على الاستحباب، وخبر عمران صريح فيما ذكرنا. وأما حديث معاوية بن وهب وإن كان فيه إيماء إلى أن الامر بالاتمام محمول على التقية، لكن يعارضه ما رواه الشيخ بسند لا يقصر عن الصحيح عن عبد الرحمن


(1) التهذيب ج 1 ص 569، الكافي ج 4 ص 525. (2) زاد في التهذيب: منها أن يأمر بتتميم الصلاة.

[84]

ابن الحجاج (1) قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إن هشاما روى عنك أنك أمرته بالتمام في الحرمين، وذلك من أجل الناس، قال، لا، كنت أنا ومن مضى من آبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس، فان ظاهره أن ما ورد من الامر بالتقصير محمول على التقية، كما ذكره الفاضل التستري قدس الله سره. وروى الشيخ خبر معاوية بن وهب (2) بسند صحيح هكذا قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التقصير في الحرمين والتمام، قال: لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام، فقلت إن إن أصحابنا رووا عنك أنك أمرتهم بالتمام، فقال: إن أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون ويأخذون نعالهم ويخرجون، والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام. ثم قال: فالوجه في هذا الخبر أنه لا يجب التمام إلا على من أجمع على مقام عشرة أيام، ومتى لم يجمع على ذلك كان مخيرا بين الاتمام والتقصير، ويكون قوله: (لمن كان يخرج عن الصلاة من المسجد ولا يصلي مع الناس) أمرا على الوجوب، ولايجوز تركه لمن هذا سبيله، لان فيه رفعا للتقية، وإغراء للنفس، وتشنيعا على المذهب. وأما خبر العلل فيمكن حمله على أن المراد أنهما كساير البلدان في جواز القصر بالمعنى الاعم، وأما الخمس المذكور فيه، فليس المراد به خصوص الخمس، بل الاصحاب سألوه عن الخمس فأجابهم بذلك. وأما حديث عبد الرحمن فيحتاج إلى شرح وبيان، قوله: (وذلك من أجل الناس) يمكن أن يقرء بتشديد اللام أي كان هشام من أجل الناس وأعظمهم، وهو لا يكذب عليك أو ليس ممن تتقي منهم، أو بالتخفيف وهو أظهر، أي كان يقول هشام: إن الامر بالاتمام للتقية من المخالفين. أو يكون استفهاما أي هل أمرته بذلك للتقية ؟ فقال: عليه السلام: (لا ليس ذلك


(1 و 2) التهذيب: ج 1 ص 569.

[85]

للتقية بل أنا وآبائي كنا إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة مع استتارنا عن الناس أيضا لا أن الاستتار كان لاجل الاتمام بل الاتمام أوفق لما ذهب إليه أكثرهم من التخيير في السفر مطلقا مع أفضلية الاتمام. ويمكن أن يكون الاستتار لئلا يحتجوا على الشيعة بفعلهم عليهم السلام أو لئلا يصير سببا لرسوخهم في الباطل: أو لئلا يصير سببا لمزيد تشنيعهم على الائمة، لان الفرق بين المواضع كان أغرب عندهم من الحكم بالتقصير مطلقا، لان هذا القول موجود بينهم، ولعله لاحد هذه الوجوه قالوا إنه من الامر المذخور، مع أنه يحتمل أن يكون المراد أنه حجب عنهم هذا العلم، هكذا حقق المقام ولا تصغ إلى ما ذهب إليه بعض الاوهام. وأما خبر الساباطي والخثعمي وابن بزيع، فمن ضعف أسانيدها قابلة للتأويل وتأويل الصدوق ره مع بعده لا يجري في كثير منها، واشتهار الحكم بين القدماء والمتأخرين مما يؤيد العمل به. وينبغي التنبيه لامور: الاول: المستفاد من الاخبار الكثيرة جواز الاتمام في مكة والمدينة، وإن وقعت الصلاة خارج المسجد، وهو المشهور بين الاصحاب، وخص ابن إدريس الحكم بالمسجدين أخذا بالمتيقن المجمع عليه، ومن رأينا كلامه إنما صرح بالخلاف بين البلدين، وظاهر بعض الاخبار شمول الحكم لمجموع الحرمين وهما أعم من البلدين. والاصحاب استدلوا على البلدين بتلك الاخبار، وربما يؤمي كلام بعضهم إلى كون المراد بالبلدين مجموع الحرمين، وقال في البيان: وفي المعتبر الحرمان كمسجديهما بخلاف الكوفة، مع أن عبارة المعتبر كعبارات سائر الاصحاب. وقال الشيخ في النهاية ويستحب الاتمام في أربعة مواطن في السفر: بمكة و المدينة ومسجد الكوفة والحائر على ساكنه السلام، وقد رويت رواية بلفظة اخرى

[86]

وهو أن يتم الصلاة في حرم الله، وفي حرم رسوله، وفي حرم أمير المؤمنين عليه السلام وفي حرم الحسين عليه السلام فعلى هذه الرواية جاز الاتمام خارج المسجد بالكوفة، وعلى الرواية الاولى لم يجز إلا في نفس المسجد انتهى. وكأنهم حملوا الحرم على البلد، أو أطلقوا البلد على الحرم مجازا والاول أظهر، وظاهر عبارة الشيخ في التهذيب عموم الحرمين حيث قال: ويستحب إتمام الصلاة في الحرمين فان فيه فضلا كثيرا، ثم قال: ومن حصل بعرفات فلا يجوز له الاتمام على حال، وقد ورد في بعض الروايات الاتمام في خصوص منى، ونقل في الدروس عن ابن الجنيد أنه قال: روي عن أبي جعفر عليه السلام الاتمام في الثلاثة الايام بمنى للحاج، وأرى ذلك إذا نوى مقام خمسة أيام أولها أيام منى قال الشهيد و وهو شاذ. أقول: لعله أشار بهذه الرواية إلى صحيحة علي بن مهزيار المتقدمة و ظاهرها أن خصوص منى داخل في الحكم، ولعله لكونها من توابع مكة، ويمكن أن يكون لدخولها في الحرم، ويكون المعتبر مطلق الحرم، فالمراد بمكة والمدينة حرمهما بحذف المضاف، أو تسمية للكل باسم الجزء الاشرف. فان قيل: فالمشعر أيضا من الحرم، قلنا يمكن: أن يكون عدم ذكر المشعر لان ما يقع فيه ثلاث صلاة يقصر في واحدة منهن، وهذه يدخل وقتها قبل دخول الحرم، فلذا لا يتمها اعتبارا بحال الوجوب كما مر، كذا خطر بالبال في توجيه الخبر لكن الظاهر من الخبر عدم العموم، وبالجملة الحكم في غير البلدين مشكل، ولعل الاظهر فيها القصر، لاحتمال كون المراد بالحرمين البلدين، فقد روي عن الصادق عليه السلام (1) أنه قال: مكة حرم الله، وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب والمدينة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب، والكوفة حرم الله وحرم رسوله وحرم علي بن أبي طالب عليهما السلام، والظاهر شمول الحكم لمجموع البلدين.


(1) التهذيب ج 6 ص 31 و 32 ط نجف. (*)

[87]

وعدم اختصاصه بالمسجدين، والتخصيص في بعض الاخبار بالمسجدين لشرافتهما، و لشيوع وقوع الصلاة فيهما. وأما التفصيل الوارد في خبر علي بن جعفر (1) في الصلاة بمنى بأنه إن كان من أهل مكة أتم وإلا فلا، فالحكم في غير أهل مكة يدل على شمول حكم التخيير لمجموع الحرم، وأما حكم أهل مكة فيمكن أن يكون للتقية كما يظهر من الاخبار أن المخالفين لم يكونوا يعدون الذهاب إلى عرفات سفرا أو يكون مبنيا على القول باشتراط رجوع اليوم، وحمله على من لم يذهب إلى عرفات بعيد، والاظهر عندي حمله على الايام التي يكون بمنى بعد الرجوع عن مكة فانه لما رجع إلى مكة للزيارة انقطع سفره وبعد العود لا يقصد مسافة، لانه لا يتعدى عن منى، فيتم بخلاف غير أهل مكة فانه مسافر ذهابا وعودا فتفطن. الثاني: ذكر الشيخ أنه إذا ثبت الحكم في الحرمين من غير اختصاص بالمسجد يكون الحكم كذلك في الكوفة لعدم القائل بالفصل، وخص الحكم ابن إدريس بالمسجد أخذا بالمتيقن، والروايات ورد بعضها بلفظ حرم أمير المؤمنين عليه السلام وحرم الحسين عليه السلام وبعضها بالكوفة وفي الاول إجمال، وقد مر أن الكوفة حرم علي بن أبي طالب عليه السلام. والظاهر أن النجف على ساكنه السلام غير داخل في الكوفة (2) والشيخ في


(1) قد عرفت الوجه في ذلك. (2) حكم الاتمام في المشاهد المشرفة، انما تعلق بالبيوت التى أذن الله أن ترفع لاحتلال أنوار الهداية فيها، فكيف يكون النجف خارجا وفيها مثل نوره تعالى عزوجل فكما أن لبيت الله عزوجل حريما يعرف بأنصابه واعلامه فهكذا البيوت المشرفة: فحرم النبي محمد صلى الله عليه وآله ما بين لابتى المدينة من الحرات أو ما بين جبل عير إلى جبل ثور، لا يعضد شجرها ويختلى خلاها ولا يهاج صيدها، وأما حرم سائر الائمة عليهم السلام فالاشبه أن يكون بريدا في بريد اثنى عشر ميلا هكذا وهكذا ففى التهذيب عن ابن قولويه

[88]

المبسوط عدى الحكم إليه أيضا حيث قال: ويستحب الاتمام في أربعة مواطن في السفر بمكة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر على ساكنه السلام، وقد روي الاتمام في حرم الله وحرم الرسول، وحرم أمير المؤمنين، وحرم الحسين عليهم السلام، فعلى هذه الرواية يجوز الاتمام خارج مسجد الكوفة وبالنجف انتهى. وكانه نظر إلى أن حرم أمير المؤمنين عليه السلام ما صار محترما بسببه واحترام الغري به عليه السلام أكثر من غيره، ولا يخلو من وجه، ويومي إليه بعض الاخبار، و الاحوط في غير المسجد اختيار القصر. وقال المحقق في المعتبر: ينبغي تنزيل حرم أمير المؤمنين عليه السلام على مسجد الكوفة خاصة، أخذا بالمتيقن، وأما الحاير فظاهر أكثر الاصحاب اختصاص الحكم به. وحكى في الذكرى عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد أنه حكم في كتاب له في السفر بالتخيير في البلدان الاربعة حتى الحائر المقدس، لورود الحديث بحرم الحسين عليه السلام، وقدر بخمسة فراسخ وبأربعة وبفرسخ، قال: والكل حرم، وإن تقاوتت في الفضيلة، وهو غير بعيد، لما رواه الشيخ (1) والكليني (2) بسند فيه


قال: حدثنى حكيم بن داود عن سلمة بن الخطاب عن ابراهيم بن محمد بن على بن المعلى عن اسحاق بن داود عن أبى عبد الله عليه السلام في حديث ذكره (ج 6 ص 44 ط نجف) قال: عليك بالعراق: الكوفة فان البركة منها على اثنى عشر ميلا هكذا وهكذا، الحديث. وأما سائر أحكام الحرم، فعندي أن الائمة الطاهرين انما لم يصرحوا بذلك تقية، والاحوط رعاية جميع أحكامه، على ما ورد أن عليا عليه السلام حرم من الكوفة ما حرم ابراهيم من مكة وما حرم محمد صلى الله عليه وآله من المدينة، راجع أمالى الشيخ ج 2 ص 284. (1) التهذيب ج 6 ص 54 ط نجف. (2) الكافي ج 4 ص 576 في حديث.

[89]

ضعف عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أتيت أبا عبد الله عليه السلام فاغتسل على شاطئ الفرات والبس ثيابك الطاهرة ثم امش حافيا فانك في حرم من حرم الله وحرم رسوله الخبر. وبسند مرسل (1) عنه عليه السلام قال: حرم الحسين عليه السلام فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر، وبسند ضعيف آخر (2) عنه عليه السلام قال: حريم قبر الحسين عليه السلام خمسة (3) فراسخ من أربعة جوانبه، والاحوط إيقاع الصلاة في الحائر، وإذا أوقعها في غيره فيختار القصر. وأما حد الحائر فقال ابن إدريس: المراد به مادارسور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه، لان ذلك هو الحائر حقيقة، لان الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يحار فيه الماء، وقد ذكر ذلك شيخنا المفيد في الارشاد لما ذكر من قتل مع الحسين من أهله: والحائر يحيط بهم إلا العباس رحمة الله عليه، فانه قتل على المسناة، واحتج عليه بالاحتياط لانه المجمع عليه، وذكر الشهيدان في هذا الموضع حار الماء لما أمر المتوكل باطلاقه على قبر الحسين عليه السلام ليعفيه فكان لا يبلغه انتهى. وأقول: ذهب بعضهم إلى أن الحائر مجموع الصحن المقدس، وبعضهم إلى أن القبة السامية، وبعضهم إلى أنه الروضة المقدسة، وما أحاط به من العمارات القديمة من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها، والاظهر عندي أنه مجموع الصحن القديم لا ما تجدد منه في الدولة العلية الصفوية، شيد الله أركانهم. والذي ظهر لي من القرائن وسمعت من مشايخ تلك البلاد الشريفة أنه لم يتغير الصحن من جهة القبلة ولا من اليمين ولامن الشمال بل إنما زيد من خلاف جهة القبلة، وكل ما انخفص من الصحن وما دخل فيه من العمارات فهو الصحن القديم،


(1 و 2) التهذيب ج 2 ص 25 ط حجر ج 6 ص 71 ط نجف. (3) في ط الكمبانى أربعة، وهو سهو.

[90]

وما ارتفع منه فهو خارج عنه، ولعلهم إنما تركوه كذلك ليمتاز القديم عن الجديد والتعليل المنقول عن ابن إدريس ره منطبق على هذا، وفي شموله لحجرات الصحن من الجهات الثلاثة إشكال. ويدل على أن سعة الحائر أكثر من الروضة المقدسة والعمارات المتصلة بها من الجهات الثلاثة ما رواه ابن قولويه (1) بسند حسن عن الحسن بن عطية عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا دخلت الحير، وفي بعض النسخ الحائر، فقل: وذكر الدعاء ثم تمشي قليلا وتكبر سبع تكبيرات، ثم تقوم بحيال القبر، وتقول إلى أن قال: ثم تمشي قليلا وتقول إلى قوله: (وترفع يديك وتضهما على القبر). وعن ثوير بن أبي فاخته (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في وصف زيارته حتى تصير إلى باب الحائر أو الحير ثم قل إلى أن قال، ثم أخط عشر خطا ثم قف فكبر ثلاثين تكبيرة ثم امش حتى تأتيه من قبل وجهه. وعن أبي حمزة الثمالي (3) بسند معتبر عن أبي عبد الله عليه السلام في وصف زيارة الحسين عليه السلام ثم ادخل الحير أو الحائر وقل إلى قوله: ثم امش قليلا وقل إلى قوله: ثم امش وقصر خطاك حتى تستقبل القبر، ثم تدنو قليلا من القبر وتقول إلى آخر الخبر. فهذه الاخبار وغيرها مما سيأتي في كتاب المزار (4) إن شاء الله تعالى تدل على نوع سعة في الحائر. الثالث: الظاهر أن الحكم بالتخيير للمسافر إنما وقع في الصلاة خاصة (5)


(1) كامل الزيارة: 193. (2) كامل الزيارة: 197، الكافي ج 4 ص 578، التهذيب ج 6 ص 54 ط نجف. (3) كامل الزيارة: 222 - 245، وموضع النص ص 229 و 230. (4) راجع ج 101 ص 148 با ب زياراته المطلقة. (5) قد عرفت الوجه في ذلك عند البحث عن آية النور، وأن المرغوب في تلك الاماكن هو التسبيح أعنى النوافل داخل الفرض وخارجه.

[91]

في النصوص وفتاوى الاصحاب، وأما الصوم فلا يشرع في هذه الاماكن للادلة على وجوب الافطار على المسافر من غير معارض، وقد يقال إن مفهوم صحيحة معاوية بن وهب (1) حيث قال فيها (إذا قصرت أفطرت) يقتضي جواز الصوم مضافا إلى موثقة عثمان بن عيسى (2) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن إتمام الصلاة والصيام في الحرمين قال أتمهما ولو صلاة واحدة. والجواب عن الاول أنه يمكن أن يكون المراد به القصر على الحتم كما هو الغالب فيه، مع أن في عمومه للقوم كلاما، وعلى تقدير ثبوته يشكل تخصيص الاية، والاخبار الكثيرة به مع خلو سائر الاخبار الواردة في التخيير عن ذكر الصوم. وأما موثقة عثمان ففي النسخ التي عندنا (أتمها) وهو يدل على نفي الصوم ويؤيده قوله: (ولو صلاة واحدة) وإنها قد مرت برواية الحميري (3) ولم يكن فيها ذكر الصوم أصلا مع أنه لا يعلم قائل به أيضا. الرابع: صرح المحقق في المعتبر بأنه لا يعتبر في الصلاة الواقعة في هذه الاماكن التعرض لنية القصر أو الاتمام، وأنه لا يتعين أحدهما بالنسبة إليه، فيجوز لمن نوى الاتمام القصر، ولمن نوى التقصير الاتمام وهو حسن. الخامس: الاظهر جواز فعل النافلة الساقطة في السفر في هذه الاماكن كما صرح في الذكرى، للتحريص والترغيب على كثرة الصلاة فيها، ولما مر من الاخبار والظاهر عدم الفرق بين اختياره القصر أو الاتمام. السادس: الاظهر جواز الاتمام في هذه الاماكن وإن كانت الذمة مشغولة بواجب ونقل العلامة عن والده المنع وهو ضعيف.


(1) التهذيب ج 1 ص 317، وقد مر مرارا. (2) التهذيب ج 1 ص 568. (3) مر تحت الرقم 7.

[92]

السابع: الظاهر بقاء التخيير في قضاء ما فاتته في هذه الامكنة وإن لم يقض فيها، لعموم من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته ويحتمل تعيين القصر (1) وهو أحوط كما مر، والظاهر عدم التخيير في القضاء فيها إذا فاتته في غيرها. الثامن: لو ضاق الوقت إلا عن أربع، فقيل بوجوب القصر فيهما لتقع الصلاتان في الوقت، وقيل: بجواز الاتمام في العصر لعموم من أدرك ركعة، وقيل بجواز الاتيان بالعصر تماما في الوقت، وقضاء الظهر، والاول أحوط بل أظهر. التاسع: ألحق ابن الجنيد والمرتضى بهذه الاماكن جميع مشاهد الائمة عليهم السلام كما عرفت، قال في الذكري: ولم نقف لهما على مأخذ في ذلك، والقياس عندنا باطل. اقول: قد مر في فقه الرضا عليه السلام إيماء إليه، ولا يمكن التعويل عليه في ذلك. العاشر: روى الشيخ رواية ابن بزيع المنقول عن العيون (2) بسند صحيح ثم روى بسند ضعيف عن علي بن حديد (3) قال: سألت الرضا عليه السلام فقلت: إن أصحابنا اختلفوا في الحرمين، فبعضهم يقصر وبعضهم يتم وأنا ممن يتم على رواية قد رواها أصحابنا في التمام، وذكرت عبد الله بن جندب أنه كان يتم فقال: رحم الله ابن جندب ثم قال: لا يكون الاتمام إلا أن تجمع على إقامة عشرة أيام، وصل النوافل ما شئت قال ابن حديد: وكان محبتي أن يأمرني بالاتمام. ثم أولها بوجهين أحدهما أنه عليه السلام نفى الاتمام على سبيل الحتم والوجوب كما مر. ثم قال: ويحتمل هذان الخبران وجها آخر وهو المعتمد عندي، وهو أن من حصل بالحرمين ينبغي له أن يعزم على مقام عشرة أيام ويتم الصلاة فيهما، وإن كان


(1) بل هو الاقوى، لان الاتمام كان لخصوصية المحل. (2) راجع الرقم: 8. (3) التهذيب ج 1 ص 569.

[93]

يعلم أنه لا يقيم أو يكون في عزمه الخروج من الغد، ويكون هذا مما يختص به هذان الموضعان ويتميزان به عن ساير البلاد، لان ساير المواضع متى عزم الانسان فيها على المقام عشرة أيام وجب عليه الاتمام. ومتى كان دون ذلك وجب عليه التقصير. والذى يكشف عن هذا المعنى ما رواه (1) محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن مهزيار، عن محمد بن إبراهيم الحضينى قال: استأمرت أبا جعفر عليه السلام في الاتمام والتقصير قال: إذا دخلت الحرمين فانوا عشرة أيام وأتم الصلاة فقلت له: إني أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة، قال: انو مقام عشرة أيام وأتم الصلاة. وأقول: هذا غريب إذ ظاهر كلامه قدس سره أنه يعزم على إقامة العشرة وإن علم الخروج قبل ذلك، ولا يخفى أن هذا العلم ينافي ذلك العزم، إلا أن يقال: أراد بالعزم محض الاخطار بالبال، ولا يخفى ما فيه. وأما الخبر فيمكن أن يكون المراد به العزم على العشرة متفرقا قبل الخروج إلى عرفات وبعده (2) ويكون هذا من خصائص هذا الموضع أو العزم على الاقامة في مكة ونواحيها إلى عرفات (3) ويمكن أن لا يكون هذا من الخصائص وإن كان خلاف المشهور كما عرفت سابقا، ويمكن حمل كلام الشيخ على أحد هذين المعنيين وإن كان بعيدا.


(1) المصدر نفسه. (2) لكنه أيضا غريب كما استغرب كلام الشيخ قدس سره. (3) وهذا أغرب من الاول، فان أهل مكة يتمون في مكة وعليهم التقصير في سفرهم إلى عرفات كما قال عليه السلام ويحهم وأى سفر أشد من هذا، فكيف يصح قصد الاقامة في مكة وعرفات ؟ وجه الحديث أن أبا جعفر عليه السلام كان يحب الحضينى (وهو الذى قال أبو جعفر عليه السلام في حقه: رحمه الله انه كان من خصيص شيعتي) فأراد أن يوفقه لاتمام

[94]

* (فائدة غريبة) * قال في الذكري: قال الشيخ فرض السفر لا يسمى قصرا، لان فرض المسافر مخالف لفرض الحاضر، ويشكل بقوله تعالى: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة) وبعض الاصحاب سماها بذلك، قيل: وهو نزاع لفظي. أقول: لعل الشيخ إنما منع من التسمية بذلك، لئلا يتوهم المخالفون أن الصلاة المقصورة ناقصة في الفضل، أو منع من التسمية به مع قصد هذا المعنى.


الصلاة في الحرمين، لكنه أمره أولا بالاقامة عشرة حتى لا يتردد في ذلك كما تردد سائر الاصحاب، ولما قال انى أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين، قال عليه السلام لا بأس بذلك انو عشرة وأتم الصلاة، فأشار بقوله ذلك أن اتمام الصلاة فيهما مرغوب فيه، مطلقا أقمت بها عشرة أولم تقم، وذلك لان المسلم عندهم والمعهود من فقه الشيعة أن قصد الاقامة الصورية لا يوجب اتمام الصلاة.

[95]

3 - " (باب) " * " (صلاة الخوف وأقسامها وأحكامها) " * الايات: البقرة: فان خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (1). النساء: وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا * وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، و لا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا * فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما و قعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (2). * (تفسير) * (فان خفتم) أي عدوا أو سبعا أو غرقا ونحوها، فلم تتمكنوا أن تحافظوا عليها وتوفوا حقها فتأتوا بها تامة الافعال والشروط (فرجالا) جمع راجل مثل تجار


(1) البقرة: 239، والاية تبين حكم صلاة المطاردة وقد مر بعض الكلام فيها في ج 84 ص 90. (2) النساء: 101 - 103، وقد مر اصول البحث عن الاية، وسنتمه في خلال تفسير المؤلف العلامة رحمة الله عليه.

[96]

وصحاب وقيام، وهو الكائن على رجله، واقفا كان أو ماشيا أو فصلوا حالكونكم رجالا وقيل مشاة (أو ركبانا) جمع ركب كالفرسان، وكل شئ علا شيئا فقد ركبه أي أو على ظهور دوابكم أي تراعون فيها دفع ما تخافون فلا ترتكبون ما به تخافون، بل تأتون بها على حسب أحوالكم بما لا تخافون به واقفين أو ماشين أو راكبين إلى القبلة أو غيرها، بالقيام والركوع والسجود، أو بالايماء، أو بالنية والتكبير والتشهد والتسليم. ويروى أن عليا عليه السلام صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالايماء وقيل بالتكبير وأن النبي صلى الله عليه وآله صلى ليلة الاحزاب إيماء، وبالجملة فيها إشارة إلى صلاة الخوف إجمالا. (فإذا أمنتم) بزوال خوفكم (فاذكروا الله) أي فصلوا (كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) من صلاة الامن وقيل: اذكروا الله بالثناء عليه والحمد له شكرا على الامن والخلاص من الخوف والعدو، كما أحسن إليكم وعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من الشرايع، وكيف تصلون في حال الامن وحال الخوف ؟ أو شكرا يوازي نعمه وتعليمه. (إن خفتم) يدل على أن الخوف موجب للقصر في الجملة، وقد سبق تفسيره في باب القصر في السفر، واحتج الاصحاب بهذه الاية على وجوب القصر للخوف بأنه ليس المراد بالضرب سفر القصر، وإلا لم يكن في التقييد بالخوف فائدة، واجيب بأن حمل الضرب في الارض على غير سفر القصر عدول عن الظاهر، مع أنه غير نافع لان مجرد الخوف كاف في القصر على قولهم من غير توقف على الضرب في الارض وقد مر الوجه في التقييد بالخوف. ثم إنه لا خلاف بين الاصحاب في وجوب التقصير في صلاة الخوف في السفر، وإنما اختلفوا في وجوب تقصيرها إذا وقعت في الحضر، فذهب الاكثر منهم المرتضى والشيخ في الخلاف والابناء الاربعة إلى وجوب التقصير سفرا وحضرا، جماعة و

[97]

فرادى، وقال الشيخ في المبسوط: إنما يقصر في الحضر بشرط الجماعة ونسبه الشهيد إلى ظاهر جماعة من الاصحاب، وحكى الشيخ والمحقق قولا بأنها إنما تقصر في السفر خاصة والمشهور لعله أقوى لصحيحة زرارة (1). ثم المشهور أن هذا التقصير كتقصير المسافر برد الرباعية إلى الركعتين، و إبقاء الثلاثية والثنائية على حالهما، ويدل عليه الاخبار المستفيضة المتضمنة لكيفية صلاة الخوف، وقيل ترد الركعتان إلى ركعة كما مر أنه ذهب إليه ابن الجنيد من علمائنا، وكثير من العامة ويدل عليه بعض الاخبار، ولعلها محمولة على التقية أو على أن كل طائفة إنما تصلي مع الامام ركعة. (وإذا كنت) يا محمد (فيهم) يعني في أصحابك الضاربين في الارض الخائفين عدوهم، أو الاعم فيشمل الحضر كما ذكره الاكثر (فأقمت لهم الصلوة) بحدودها وركوعها وسجودها، أو بأن تؤمهم (فلتقم طائفة منهم معك) (2) في صلاتك، و ليكن سائرهم في وجه العدو، فلم يذكر ما ينبغي أن تفعله الطائفة غير المصلية لدلالة الكلام عليه. (وليأخذوا أسلحتهم) أي الطائفة المصلية لظاهر السياق، فيأخذون من السلاح ما لا يمنع واجبا في الصلاة كالسيف والخنجر والسكين ونحوها إلا مع الضرورة


(1) التهذيب ج 1 ص 338، الفقيه ج 1 ص 294. (2) الطائفة يطلق على الجماعة الطائفين، ولا يلزم أن يكون فيهم كثرة وافرة، بل انما يلزم أن يكون المسلمون بحيث إذا فرقوا فرقتين وقامت فرقة منهم ترصد العدو، كفوا شرهم حتى يفرغ المصلون من صلاتهم. فإذا لم يهجم الكفار على المسلمين، صلوا ركعتين لعدم الخوف بالفعل، كما عرفت في صدر الباب السابق، وإذا هجموا بعد ما شرعت الطائفة الاولى بالصلاة أتموها ركعة واحدة امامهم ومأمومهم لكون الخوف فعليا، فيشملهم الاية الاولى قبلها: (ولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة ان خفتم) الاية. وقد مر شرح ذلك وسيأتى انشاء الله.

[98]

فمطلقا وجوبا لظاهر الامر، ولتعليق نفي الجناح فيما سيأتي بشرط الاذى فتثبت مع عدمه، وهو المشهور بين الاصحاب، وقال ابن الجنيد يستحب وتردد في المعتبر والنافع وحمله ابن الجنيد على الارشاد، وفيه عدول عن الظاهر، بناء على كون الامر للوجوب من غير دليل. وهو يختص الوجوب بالمصلين ؟ فيه قولان، وروى ابن عباس أن المأمور بأخذ السلاح هم المقاتلة، وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر إما التعميم أو التخصيص بالمصلين كما قلنا أولا، بناء على أن أخذ السلاح للفرقة الاولى أمر معلوم لا يحتاج إلى البيان. وعلى القول بوجوب أخذ السلاح على المصلين لا تبطل الصلاة بتركه على المشهور لكون النهي متعلقا بأمر خارج عن حقيقة الصلاه، والنجاسة الكائنة على السلاح غير مانع من أخذه على المشهور وقيل لا يجوز أخذه حينئذ إلا مع الضرورة ولعل الاول أقرب، عملا باطلاق النص مع كون النجاسة فيه غير نادر وثبوت العفو عن نجاسة ما لايتم الصلاة فيه منفردا، وانتفاء الدليل على طهارة المحمول ولو تعدت نجاسته إلى الثوب وجب تطهيره إلا مع الضرورة. (فإذا سجدوا) (1) أي الطائفة الاولى المصلية (فليكونوا من ورائكم) (2)


(1) المراد بهذه السجدة السجدة الثانية من الركعة الثانية عند تمام الصلاة، وذلك لانه عزوجل قال (فإذا سجدوا) وأسند فعل السجدة إليهم دون أن يقول: (فإذا سجدت بهم). فمبنى الاية على أن النبي صلى الله عليه وآله يصلى بفرقة منهم ركعة بركوعها وسجودها: سجدتين ويقعد ذاكرا لله عزوجل وتقوم الفرقة المصلية لاتمام صلاتهم (لعدم الخوف بهم من العدو موقتا بعد تلك الحيلة) ويصلون ركعة واحدة منفردين، فإذا سجدوا، أي أتموا الصلاة بالسجدة الثانية فكنى عن تمام الصلاة بالسجدة، لانها آخر أجزاء الصلاة بالفرض على ما عرفت مرارا. (2) تنص هذه الجملة على أن الطائفة الراصدة انما تقوم خلف المصلين أبدا كانت

[99]

أي فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم مصافين للعدو، واختلف هنا: فعندنا أن الطائفة الاولى إذا رفعت رأسها من السجود وفرغت من الركعة يصلون ركعة اخرى ويتشهدون ويسلمون، والامام قائم في الثانية، وينصرفون إلى


القبلة في جهة العدو، أو خلاف جهتهم، ويستفاد من ذلك أن أمام المصلى يجب أن يكون فارغا لا يمر بين يديه أحد من المارة ولا يقوم بازائه احد، كما مر في ج 83 ص 294. وما يقال ان هذا الصلاة بالكيفية المعهودة انما تقام إذا كانت القبلة في خلاف جهة العدو، حتى يكون الطائفة الراصدة خلف المصلين تواجه الاعداء، واستأنسوا على ذلك أو استدلوا عليه بقوله عزوجل هذا (فليكونوا من ورائكم)، ثم حملوا الاية الكريمة على صلاة ذات الرقاع حيث كانت العدو في خلاف جهة القبلة لذلك، فليس بشئ. وذلك لان ظاهر الاية الكريمة أنها نزلت قبل هذه الوقايع تبين لهم وظيفتهم في السفر وعند موارد الخوف وامكان رفع الخطر موقتا بالتعبية كذلك، ولذلك عمم وقال: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) الاية. فحيثما ابتلى المسلمون بالسفر ومخافة العدو: أن يهجموا عليهم، وكان النبي صلى الله عليه وآله أو من يقوم مقامه في جمع شمل المسلمين فيهم وبامكانه أن يفرق المسلمين فرقتين: فرقة تصلى وفرقة ترصدهم وجب اقامة الصلاة كذلك، ولا يشترط في اقامتها غير هذه الشروط المذكورة. على أنك قد عرفت في صدر الباب السابق عند البحث عن الاية الكريمة ان صلاة السفر في مقابلة العدو والخوف من فتنتهم انما تقام على هذه الكيفية ليرتفع بهذه التعبية والرصد خوف فتنتهم بالفعل وموقتا، وهذا انما يكون إذا صادفوا العدو، وقاموا في وجههم لا يدرون مآل الامر أنهم يحاربون أولا، كما كان الامر في صلوات الرسول صلى الله عليه وآله غزوة ذات الرقاع وعسفان وبطن نخل. وأما إذا نشبت الحرب بينهم أو عزم الامر على ذلك بمواجهة القتال فصار خوف

[100]

مواقف أصحابهم، ويأتي الاخرون فيستفتحون الصلاة ويصلي بهم الامام الركعة الثانية ويطيل تشهده حتى يقوموا فيصلوا بقية صلاتهم ثم يسلم بهم الامام أو يسلم الامام وتقوم الثانية فيتمون صلاتهم، كما وردت الروايات بهما، وهو مذهب الشافعي أيضا. وقيل: إن الطائفة الاولى إذا فرغت من ركعة يسلمون ويمضون إلى وجه العدو وتأتي الطائفة الاخرى فيصلي بهم الركعة الاخرى، وهذا مذهب جابر ومجاهد و حذيفة وابن الجنيد، ومن يرى أن صلاة الخوف ركعة واحدة. وقيل: إن الامام يصلي بكل طائفة ركعتين فيصلي بهم مرتين عن الحسن، و هذه صلاة بطن النخل ولا أعلم من أصحابنا أحدا حمل الاية عليها، وإن جوزها الاكثر. وقيل: إنه إذا صلى بالاولى ركعة مضوا إلى وجه العدو، وتأتي الاخرى فيكبرون ويصلي بهم الركعة الثانية، ويسلم الامام خاصة ويعودون إلى وجه العدو


الهجوم منهم بالفعل كانت الصلاة صلاة مطاردة بالتكبيرة والتسبيح والتهليل كما وقع في بعض أيام غزوة الخندق، وامتثالا لقوله تعالى: (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فالقيام في وجه العدو انما يجب في هذه الصلاة لاغيرها. ويؤيذ ذلك أن الائمة الاطهار عليهم صلوات الله الرحمن انما تعرضوا لصلاة الخوف بوجه واحد طبقا لحكم الاية الكريمة، ولايكون ذلك الا لعموم حكم الاية لجميع موارد الخوف واطلاقها بالنسبة إلى موقف الاعداء وكونهم في جهة القبلة أو خلافها. بل وعندي أن النبي صلى الله عليه وآله انما صلى بهذه الكيفية فقط، وسائر ما ورد من طرق الجمهور، وقد ناهض إلى ستة عشر وجها، فكلها آراء الصحابة والتابعين توهموها على الاية الكريمة فاختار كل ما وجدها أنسب بظاهر الاية، وسيأتى تمام الكلام فيها عند تعرض المؤلف العلامة لبعضها انشاء الله تعالى.

[101]

وتأتي الاولى فيقضون ركعة بغير قراءة لانهم لاحقون، ويسلمون يرجعون إلى وجه العدو، وتأتي الثانية ويقضون ركعة بقراءة لانهم مسبوقون عن ابن مسعود، وهو مذهب أبي حنيفة. فالسجود في قوله (فإذا سجدوا) على ظاهره عند أبي حنيفة، وعلى قولنا والشافعي بمعنى الصلاة، أو التقدير وأتموا بقرينة ما بعده، وهو وإن كان خلاف ظاهره من وجه، إلا أنه أحوط للصلاة، وأبلغ في حراسة العدو، وأشد موافقة لظاهر القرآن، لان قوله: (ولتأت طائفة اخرى لم يصلوا) ظاهره أن الطائفة الاولى قد صلت، وقوله: (فليصلوا معك) مقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة، فالظاهر أن صلاة كل طائفة قد تمت عند تمام صلاته، وأيضا الظاهر أن المراد الاية بيان صلاة الطائفتين، وذلك يتم على ما قلناه بأدنى تقدير أو تجوز، بخلافه على قوله، و قول حذيفة وابن الجنيد في ذلك كقولنا إذ لابد بعد الركعة من التشهد والتسليم، نعم التجوز حينئذ أقرب من التجوز على ما قلناه. قيل: وربما يمكن حمل الاية على ما يعم الوجوه حتى صلاة بطن النخل، وهو في غاية البعد مع مخالفته للروايات وأقوال الاصحاب فيها. (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) أي الطائفة الثانية في صلاتهم، وقد جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة تستعملها الغازي، فجمع بينه وبين الاسلحة في الاخذ وجعلا مأخوذين مبالغة. (ود الذين كفروا) أي تمنوا (لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) أي يحملون عليكم حملة واحدة، وفيه تنبيه على وجه وجوب أخذ السلاح. قال في مجمع البيان: (1) في الاية دلالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وصحة نبوته


(1) مجمع البيان ج 3 ص 103 وترى مثله في الدر المنثور ج 2 ص 211 قال: أخرج الترمذي وصححه وابن جرير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بين ضجنان و عسفان وذكر مثله.

[102]

وذلك أنها نزلت والنبي صلى الله عليه وآله بعسفان والمشركون بضجنان (1) فتواقفوا فصلى النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع والسجود، فهم المشركون بأن يغيروا عليهم فقال بعضهم: إن لهم صلاة اخرى أحب إليهم من هذه، يعنون صلاة العصر، فأنزل الله تعالى عليه الاية، فصلى بهم العصر صلاة الخوف، وكان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد. (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) رخص لهم في وضع الاسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما ينالهم من مطر أو مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر بقوله (وخذوا حذركم) لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدو. (إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) هذا وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الامر بالحزم، لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الامر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم، بل لان الواجب أن يحافظوا في الامور على مراسم التيقظ والتدبير


(1) ضجنان جبل عرى بريد من مكة، وعسفان على مرحلتين: أربعة برد، فكيف تواقفوا ؟ على أن المسلم من غزوة الحديبية هذه أن رسول الله خرج حتى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك وقد نزلوا بذى طوى (موضع قرب مكة) وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قدموا إلى كراع الغميم (وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال) فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله بالمسلمين عن الطريق وسلكوا بين الشعاب حتى أفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي ثم سلكوا ذات اليمين في طريق يخرجهم على ثنية المرار مهبط الحديبية (على مرحلة من مكة) من أسفل مكة. فلما رأت خيل قريش قترة الجيش رجعوا راكضين إلى قريش، وسلك رسول الله ثنية المرار وخلات الناقة، فأمرهم أن ينزلوا بوادي الحديبية، فنزلوا واطمأنوا بها فلم يلتقوا مع قريش ولا خيلهم حيت أتاهم رجال خزاعة وقريش وتم الصلح بينهم.

[103]

فيتوكلوا على الله. ثم اعلم أن الاصحاب استدلوا بهذه الاية على ما هو المشهور من عموم القصر سفرا وحضرا، وجماعة وفرادى، وفيه نظر إذ الظاهر أن الضمير في قوله سبحانه (فيهم) راجع إلى الاصحاب الضاربين في الارض الخائفين عدوهم، كما ذكره الطبرسي - ره - وغيره، فلا عموم لها مع أنه لا دلالة فيها على القصر فرادى. (فإذا قضيتم الصلاة) يحتمل وجهين: الاول: أن يكون المعنى إذا فرغتم من صلاة الخوف لا تدعوا ذكر الله، بل كونوا مهللين مكبرين مسبحين، داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم [من قيام وقعود واضطجاع، فان ما أنتم فيه من الخوف والحرب جدير بذكر الله ودعائه واللجأ إليه. قال في مجمع البيان: (1) أي ادعوا الله في هذه الاحوال لعله ينصركم على عدوكم، ويظفركم بهم، عن ابن عباس وأكثر المفسرين، وقيل: المراد به التعقيب مطلقا، وقيل: إشارة إلى ما ورد به الروايات من استحباب التسبيحات الاربع بعد الصلوات المقصورة، وقيل: المراد به المداومة على الذكر في جميع الاحوال كما في الحديث القدسي: يا موسى اذكرني، فان ذكري على كل حال حسن. الثاني: أن يكون المراد: إذا أردتم قضاء الصلاة وفعلها في حال الخوف و القتال فصلوها (قياما) مسايفين ومقارعين، (وقعودا) جاثين على الركب مرامين (وعلى جنوبكم) مثخنين بالجراح. وقيل: المراد حال الخوف مطلقا من غير اختصاص بحال القتال، وقيل: إشارة إلى صلاة القادر والعاجز أي إذا أردتم الصلاة فصلوا (قياما) إن كنتم أصحاء (وقعودا) إن كنتم مرضى لا تقدرون على القيام (وعلى جنوبكم) إن لم تقدروا على القعود، روى ذلك عن ابن مسعود. وعلى هذا التفسير يستفاد الترتيب أيضا


(1) مجمع البيان ج 3 ص 104.

[104]

لكن لم نظفر برواية تدل على هذا التفسير في خصوص هذه الاية. نعم روي ذلك في تفسير قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا) (1) كذا قيل. وأقول: ذكره علي بن إبراهيم (2) بعد إيراد هذه الاية حيث قال: الصحيح يصلي قائما، والعليل يصلي قاعدا، فمن لم يقدر فمضطجعا يؤمي إيماء، وقد مر من تفسير النعماني (3) مثله في باب القيام (4) مرويا عن أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يخفى أن عدم اعتبار الخوف يأباه. قوله: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) فان ظاهره إذا استقررتم بزوال خوفكم وسكنت قلوبكم فأتموا حدود الصلاة واحفظوا أركانها وشرائطها، إلا أن يحمل الاطمينان على أعم من زوال الخوف والبرء من المرض، وقيل: معناه إذا أقمتم فأتموا الصلاة التي اجيز لكم قصرها، وقد يجمع بين الوجهين، وقد مر تفسير الموقوت (5). 1 - المقنع: سئل الصادق عليه السلام عن الصلاة في الحرب فقال: يقوم الامام قائما ويجئ طائفة من أصحابه يقومون خلفه، وطائفة بازاء العدو، فيصلي بهم الامام ركعة ثم يقوم ويقومون معه ويثبت قائما ويصلون هم الركعة الثانية ثم يسلم بعضهم على بعض ثم ينصرفون فيقومون مكان أصحابهم بازاء العدو ويجئ الاخرون فيقومون خلف الامام فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يجلس الامام فيقومون ويصلون


(1) آل عمران: 191. (2) تفسير القمى: 117. (3) تفسير النعماني: البحار ج 93 ص 28. (4) راجع ج 84 ص 331 - 343، وقد مضى فيه الحديث عن الكافي وغيره أيضا، راجعه أن شئت. (5) قد مضى في ج 82 ص 313 ما يتعلق بمعنى الموقوت، الا أنه يستدرك تفسير الاية بما ذكرناه في صدر الباب السابق فلا تغفل.

[105]

ركعة اخرى (1)] ثم يسلم عليهم فينصرفون بتسليمه. وإذا كنت في المطاردة فصل صلوتك إيماء، وإن كنت تستأنف فسبح الله واحمده وهلله وكبره، يقوم كل تحميدة وتسبيحة وتهليلة وتكبيرة مكان ركعة (2). بيان: ما رواه إلى قوله (بتسليمة) موافقة لما رواه الشيخ (3) في الحسن كالصحيح عن الحلبي عنه عليه السلام. واعلم أن صلاة الخوف أنواع منها صلاة ذات الرقاع، وهي الكيفية الاولى الواردة في هذا الخبر، وسميت بها لان القتال كان في سفح جبل فيه جدد حمر و صفر وسود كالرقاع، أو كانت الصحابة حفاة فلفوا على أرجلهم الجلود والخرق لشدة الحر، أو الرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: مر بذلك الموضع ثمانية نفر حفاة فنقبت أرجلهم وتساقطت أظفارهم، وكانوا يلفون عليها الخرق، وقيل: الرقاع اسم شجرة في موضع الغزو. والمشهور أن شروط هذه الصلاة أربعة: الاول كون العدو في خلاف جهة القبلة، بحيث لا يمكنهم مقابلته، وهم يصلون إلا بالانحراف عن القبلة، هذا هو المشهور واستوجه في التذكرة عدم اعتباره، ورجحه الشهيدان، والثاني أن يكون الخصم ذا قوة يخاف هجومه على المسلمين، الثالث أن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم الافتراق طائفتين يقاوم كل فرقة منهما العدو حال الاخرى، والرابع عدم احتياجهم إلى زيادة على الفرقيتن، وهذا الشرط في الثنائية واضح، وأما في الثلاثية فهل يجوز تفريقهم ثلاث فرق وتخصيص كل ركعة بفرقة ؟ قولان، واختار الشهيدان الجواز.


(1) ما بين العلامتين - وقد زاد على الثلاثين بيتا - ساقط عن ط الكمبانى أضفناه. من الاصل. (2) المقنع: 39، ط الاسلامية. (3) التهذيب ج 1 ص 303.

[106]

ثم اختلفوا في أنه هل يجب على الفرقة الاولى نية الانفراد عند مخالفة الامام أم لا ؟ والظاهر عدم انفكاك الانسان في تلك الحال عن النية، وأما الفرقة الثانية فظاهر الاكثر بقاء اقتدائهم في الركعة الثانية حكما وإن استقلوا بالقراءة والافعال فيحصل لهم ثواب الايتمام، يرجعون إلى الامام في السهو، وحينئذ لا ينوون الانفراد عند القيام إلى الثانية، وقد صرح به العلامة في المختلف وصرح ابن حمزة بأن الثانية تنوي الانفراد في الثنائية، وهو ظاهر المبسوط، واختاره بعض المتأخرين والروايات مختلفة في تسليم الامام أو لاثم قيامهم إلى الثانية، أو انتظار الامام إلى أن يفرغوا من الثانية، فيسلم معهم، والظاهر التخيير بينهما، فالظاهر على الاول انفرادهم، وعلى الثاني بقاء القدوة. ثم إن جماعة من الاصحاب ذكروا أن المخالفة في هذه الصلاة مع ساير الصلوات في ثلاثة أشياء: انفراد المؤتم، وتوقع الامام للمأموم حتى يتم، وإمامة القاعد بالقائم، ولا يخفى أن الانفراد إنما تحصل به المخالفة على قول الشيخ، حيث منع من ذلك في سائر الصلوات، وإلا فالمشهور الجواز مطلقا إلا أن يقال: بوجوب الانفراد هنا، فالمخالفة بهذا الاعتبار، وأما توقع الامام المؤتم حتى يتم فانه غير لازم هنا كما عرفت، وأما إمامة القاعد بالقائم، فانما يتحقق إذا قلنا ببقاء اقتداء الفرقة الثانية في الثانية، وقد عرفت الخلاف فيه، وتحقيق هذه الاحكام في تلك الازمان قليل الجدوى فلايهم التعرض لها. ومن أقسام صلاة الخوف صلاة بطن النخل (1) وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وآله صلاها بأصحابه، قال الشيخ، روى الحسن عن أبي بكرة فعل النبي صلى الله عليه وآله و


(1) هذه الصلاة هي صلاة ذات الرقاع نفسها، الا انها رواية الحسن ابن أبي الحسن عن جابر كما رواه ابن هشام في السيرة، والتى سبق رواية نافع عن ابن عمر وعليه اتفاق الشيعة الامامية. وبطن نخل موضع بنجد فيها منازل بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان على مرحلتين من المدينة، صلى بها رسول الله في بطن الوادي والمشركون من غطفان على رؤس الجبال بذات الرقاع فسميت الغزوة بهما.

[107]

صفتها أن يصلي الامام بالفرقة الاولى مجموع الصلاة، والاخرى تحرسهم، ثم يسلم بهم ثم يمضوا إلى موقف أصحابهم ثم يصلي بالطائفة الاخرى نفلا له وفرضا لهم، و شرطها كون العدو وفي قوة يخاف هجومه، وإمكان افتراق المسلمين فرقتين، وكونه في خلاف جهة القبلة. قال في الذكرى: ويتخير بين هذه الصلاة وبين ذات الرقاع، ويرجح هذا إذا كان في المسلمين قوة ممانعة بحيث لا تبالي الفرقة الحارسة بطول لبث المصلية، و يختار ذات الرقاع إذا كان الامر بالعكس، ولا يخفى أن هذه الرواية ضعيفة عامية يشكل التعويل عليها، وإن كانت مشهورة، فيبني الحكم بالجواز على أنه هل يجوز إعادة الجامع صلاته أم لا ؟ وقد سبق الكلام فيه. ومن أقسام صلاة الخوف صلاة عسفان وقد نقلها الشيخ في المبسوط بهذه العبارة: ومتى كان العدو في جهة القبلة، ويكونون في مستوى الارض، لا يسترهم شئ، و لا يمكنهم أمر يخاف منه، ويكون في المسلمين كثرة لا يلزمهم صلاة الخوف، ولا صلاة شدة الخوف، وإن صلوا كما صلى النبي صلى الله عليه وآله بعسفان جاز، فانه قام صلى الله عليه وآله مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصف خلف رسول الله صلى الله عليه وآله صف وصف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول الله صلى الله عليه وآله وركعوا جميعا، ثم سجد صلى الله عليه وآله وسجد الصف الذي يلونه (1) وقام الاخرون يحرسونه، فلما سجد الاولون السجدتين و قاموا، سجد الاخرون الذين كانوا خلفهم ثم تأخر الصف الذين يلونه إلى مقام الاخرين، وتقدم الصف الاخير إلى مقام الصف الاول، ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وآله وركعوا جميعا في حالة واحدة، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الاخرون يحرسونه، فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وآله والصف الذي يليه، سجد الاخرون، ثم


(1) والاصل في ذلك توهمهم أن معنى قوله تعالى: (فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم) أن طائفة في الصف الاول يسجد وطائفة من ورائهم وهم في الصف الثاني يحرسهم، وقد عرفت معنى الاية الكريمة.

[108]

جلسوا جميعا فسلم بهم جميعا. وقال العلامة: لها ثلاث شرايط أن يكون العدو في جهة القبلة، وأن يكون في المسلمين كثرة يمكنهم معها الافتراق فرقتين، وأن يكونوا على قلة جبل أو مستومن الارض لا يحول بينهم وبين إبصار المسلمين حائل من جبل وغيره، ليتوقوا كبسهم، والحمل عليهم، ولا يخاف كمين لهم. وتوقف الفاضلان في العمل بها، لانه لم يثبت نقلها عن طريق أهل البيت عليهم السلام وقال في الذكرى مرة هذه صلاة مشهوره في النقل كسائر المشهورات، واخرى أنها وإن لم تنقل بأسانيد صحيحة، وذكرها الشيخ مرسلا لها غير مسند (1) ولا محيل على سنده، فلو لم يصح عنده لم يتعرض حتى ينبه على ضعفه، فلا يقصر فتواه عن رواية ثم ليس فيها مخالفة لافعال الصلاة غير التقدم والتأخر، والتخلف بركن، وكل ذلك غير قادح في صحة الصلاة اختيارا فكيف عند الضرورة انتهى. واعترض عليه أما أولا ففي تصحيحه الرواية بمجرد نقل الشيخ، وأما ثانيا ففي حكمه بعدم قدم التخلف عن ركن في صحة الصلاة اختيارا. وأما صلاة شدة الخوف التي أشار إليها أخير فقسمان: احداهما أن يتمكنوا من أفعال الصلاة ولو بالايماء، ولا يتمكنوا من الجماعة على الوجوه المذكورة، فيصلون فرادى كيف ما أمكنهم واقفا أو ماشيا أو راكبا، ويركعون ويسجدون مع الامكان، وإلا فبالايماء ويستقبلون القبلة مع المكنة، وإلا فبحسب الامكان في بعض الصلاة، على ما ذكره جماعة من الاصحاب، وإلا فبتكبيرة الاحرام، وإلا سقط الاستقبال، وهذه الاحكام مجمع عليها بين الاصحاب، ويدل عليها روايات


(1) الظاهر أن الشيخ رحمه الله نظر إلى رواية ذلك عن طرق الجمهور، ورأى أنها تطابق لفظ القرآن الكريم على الوجه المذكور آنفا فاعتمد على روايتهم، والا فكيف يكون عنده رواية معتبرة أو غير معتبرة عن أهل البيت عليهم السلام ولا يذكرها ولا يتعرض لها في كتابي الاخبار ؟

[109]

كثيرة، والثانية صلاة من لم يتمكن من الايماء أيضا حال المسايفة، فانه يسقط عنه ذلك، وينتقل فرضه إلى التسبيح وهذا أيضا مجمع عليه بين الاصحاب. 2 - تفسير على بن ابراهيم: (فان ختفم فرجالا أو ركبانا) فهي رخصة بعد العزيمة للخائف أن يصلي راكبا وراجلا. وصلاة الخوف على ثلاثة وجوه: قال الله تبارك وتعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا [أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا] حذرهم و أسلحتهم) فهذا وجه. والوجه الثاني من صلاة الخوف فهو الذي يخاف اللصوص والسباع في السفر، فانه يتوجه إلى القبلة ويفتتح الصلاة ويمر على وجهه الذي هو فيه، فإذا فرغ من القراءة وأراد أن يركع ويسجد ولى وجهه إلى القبلة إن قدر عليه، وإن لم يقدر عليه ركع وسجد حيثما توجه، وإن كان راكبا يومي إيماء برأسه. والوجه الثالث من صلاة الخوف صلاة المجادلة، وهي المضاربة في الحرب إذا لم يقدر أن ينزل ويصلي: يكبر لكل ركعة تكبيرة وصلى وهو راكب، فان أمير - المؤمنين عليه السلام صلى وأصحابه خمس صلوات بصفين على ظهر الدواب لكل ركعة تكبيرة وصلى وهو راكب حيثما توجهوا (1). بيان: ظاهر الروايات الاجتزاء عند تلاحم القتال بالتكبير لكل ركعة، من غير تكبيرة للاحرام وتشهد وتسليم وفي صحيحة الفضلاء (2) عن أبي جعفر عليه السلام فإذا كانت المسايفة والمعانقة وتلاحم القتال، فان أمير المؤمنين عليه السلام ليلة صفين وهي ليلة الهرير لم تكن صلاتهم الظهر والمغرب والعشاء عند وقت كل صلاة إلا بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد، والدعاء، فكانت تلك صلاتهم لم يأمرهم باعادة الصلاة.


(1) تفسير القمى: 69 و 70 وما بين العلامتين ساقط عن ط ك. (2) التهذيب ج 1 ص 304، الكافي ج 3 ص 458.

[110]

وفي صحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة الزحف على الظهر إيماء برأسك وتكبير، والمسايفة تكبير بغير إيماء، والمطاردة إيماء يصلي كل رجل على حياله. والمشهور بين الاصحاب أنه يقرء عوض كل ركعة التسبيحات الاربع بعد النية، وتكبيرة الافتتاح، ويتشهد ويسلم، وإيجاب غير النية لادليل عليه، نعم يظهر من صحيحة الفضلاء التسبيحات الاربع من غير ترتيب مع إضافة الدعاء ولعل المراد به الاستغفار، فالاحوط الجمع بينها، وإن احتمل الواو فيها بمعنى (أو). 3 - مجالس الصدوق: عن محمد بن عمر الحافظ، عن أحمد بن عبد العزيز، عن عبد الرحمن بن صالح، عن شعيب بن راشد، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما كانت صلاة القوم يوم الهرير إلا تكبيرا عند مواقيت الصلاة (2). 4 - تفسير على ابن ابراهيم: في قوله تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) الاية، فانها نزلت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الحديبية يريد مكة فلما وقع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد في مائتي فارس ليستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فكان يعارض رسول الله صلى الله عليه وآله على الجبال، فلما كان في بعض الطريق وحضرت صلاة الظهر أذن بلال وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله بالناس، فقال خالد ابن الوليد: لو كنا حملنا عليهم وهم في الصلاة لاصبناهم، فانهم لا يقطعون الصلاة ولكن تجئ لهم الان صلاة اخرى هي أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا فيها حملنا عليهم، فنزل جبرئيل عليه السلام بصلاة الخوف بهذه الاية (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك) إلى قوله: (ميلة واحدة). ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه فرقتين، فوقف بعضهم تجاه العدو، وقد أخذوا


(1) الفقيه ج 1 ص 296، والتهذيب ج 1 ص 304. (2) أمالى الصدوق ص 244.

[111]

سلاحهم، وفرقة صلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله قائما ومروا فوقفوا مواقف أصحابهم، وجاء اولئك الذين لم يصلوا فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله الركعة الثانية وهي لهم الاولى وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وقام أصحابه، فصلوا هم الركعة الثانية وسلم عليهم (1).


(1) تفسير القمى: 138، و 632 في سورة الفتح، وترى مثله في الدر المنثور ج 2 ص 211 قال: أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبدبن حميدو أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والدار قطني و الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبى عياش الزرقى وذكر مثله. لكن الحديث لا يصح، فان أصحاب السيرة كلهم أجمعوا (مستندين بالروايات المعتبرة) على أن النبي صلى الله عليه وآله لم يواجه خالدا في غزوة الحديبية هكذا، وقد مر بعض ذلك في ص 102 نقلا عن سيرة ابن هشام بتخليص. وأزيدك الان أن الكليني روى في كتاب الروضة ج 8 ص 322 عن على بن ابراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير وغيره عن معاوية بن عمار عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لما خرج رسول الله في غزوة الحديبية، خرج في ذى القعدة، فلما انتهى إلى المكان الذى أحرم فيه أحرموا ولبسوا السلاح، فلما بلغه أن المشركين قد أرسلوا إليه خالد بن الوليد لبرده قال: ابغونى رجلا يأخذ بى على غير هذا الطريق فأتى برجل... فأخذه معه حتى انتهى إلى العقبة فقال: من يصعدها حط الله عنه كما حط عن بنى اسرائيل..... فابتدرها خيل الانصار فلما هبطوا الحديبية... وخرج رسول الله فأرسل إليه المشركون الحديث. نعم غزى رسول الله صلى الله عليه وآله في جمادى سنة خمس بنى لحيان حتى نزل على غران وهى منازل بنى لحيان، وغران واد بين أمج وعسفان إلى بلد يقال لها سايه، فوجدهم قدحذروا وتمنعوا في رؤس الجبال. فلما نزلها رسول الله وأخطأه من غرتهم ما أراد قال: لو أنا هبطنا عسفان لرأى أهل مكة أنا قد جئنا مكة فخرج في مائتي راكب من أصحابه حتى نزل بعسفان ثم رجع قافلا،

[112]

5 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: بسنديهما عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن صلاة الخوف كيف هي ؟ قال: يقوم الامام فيصلي ببعض أصحابه ركعة ويقوم في الثانية ويقوم أصحابه فيصلون الثانية، ويخففون وينصرفون ويأتي أصحابهم الباقون فيصلون معه الثانية فإذا قعد في التشهد قاموا فصلوا الثانية لانفسهم ثم يعقدون، فيتشهدون معه ثم يسلم وينصرفون معه (1). وسألته عن صلاة المغرب في الچوف كيف هي ؟ قال يقوم الامام ببعض أصحابه فيصلي بهم ركعة ثم يقوم في الثانية ويقومون فيصلون لانفسهم ركعتين ويخففون وينصرفون، ويأتي أصحابه الباقون فيصلون معه الثانية ثم يقوم بهم في الثالثة فيصلي بهم فتكون للامام الثالثة وللقوم الثانية، ثم يعقدون فيتشهد ويتشهدون معه، ثم يقوم أصحابه والامام قاعد فيصلون الثالثة ويتشهدون معه، ثم يسلم ويسلمون (2).


وسمى تلك الغزوة بغزوة عسفان أيضا. فالظاهر من تمنع بنى لحيان إلى رؤس الجبال أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى حينذاك بمن معه من المسلمين صلاة الخوف، خوفا من بادرتهم كما صرح بذلك الطبرسي في اعلام الورى ص 98 قال: ثم كانت غزوة بنى لحيان، وهى الغزوة التى صلى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بماهم به المشركون، وقيل: ان هذه الغزوة كانت بعد غزوة بنى قريظة. على أنه قد ثبت من دون ارتياب أن النبي صلى الله عليه وآله صلى صلاة الخوف بذات الرقاع ذكره ابن هشام في السيرة في حوادث سنة الاربع، وقيل في الخامسة لقى بها رسول الله صلى الله عليه وآله جمعا من غطفان ولم يكن بينهما حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلاة الخوف ثم انصرف بالناس، فإذا كان قد صلى قبل الحديبية صلاة الخوف، فلابد وأن تكون الاية نازلة قبلها، فلا معنى لنزول جبرئيل بصلاة الخوف: (وإذا كنت فيهم) في غزوة الحديبية آخر سنة ست تارة أخرى. (1 و 2) قرب الاسناد ص 99 ط حجر ص 131 ط نجف، كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 251. (*)

[113]

بيان: قوله: (لانفسهم ثم يقعدون) في كتاب المسائل ثم قعدوا فتشهدوا معه ثم سلم وانصرف وانصرفوا). ولا خلاف بين الاصحاب ظاهرا في أنه يتخير في المغرب بين أن يصلي بالاولى ركعة وبالثانية ركعتين، وبالعكس، لورود الروايات المعتبرة بهما جميعا، واختلف في الافضلية، فقيل إن الاول أفضل لكونه مرويا عن أمير المؤمنين عليه السلام، فيترجح للتأسي به، ولانه يستلزم فوز الفرقة الثانية بالقراءة وبالزيادة ليوازي فضيلة تكبيرة الافتتاح والتقدم، ولتقارب الفرقتين في إدراك الاركان، ونسب هذا القول إلى الاكثر واختاره في التذكرة، وقيل: إن الثاني أفضل لئلا يكلف الثانية زيادة جلوس في التشهد وهي مبنية على التخفيف، والترجيح لا يخلو من أشكال. 6 - فقه الرضا قال عليه السلام: إن كنت في حرب هي لله رضا، وحضرت الصلاة فصل على ما أمكنك على ظهر دابتك، وإلا تؤمي إيماء أو تكبر وتهلل (1). وروي أنه فات الناس مع علي عليه السلام يوم صفين صلاة الظهر والمغرب والعشاء فأمرهم علي فكبروا وهللوا وسبحوا، ثم قرأ هذه الاية (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) (2) فأمرهم علي عليه السلام فصنعوا ذلك رجالا أو ركبانا. فان كنت مع الامام (3) فعلى الامام أن يصلي بطائفة ركعة، وتقف الطائفة الاخرى بازاء العدو ثم يقوم ويخرجون فيقيمون موقف أصحابهم بازاء العدو، وتجئ طائفة اخرى فتقف خلف الامام ويصلي بهم الركعة الثانية، فيصلونها ويتشهدون ويسلم الامام ويسلمون بتسليمه، فيكون للطائفة الاولى تكبيرة الافتتاح، وللطائفة الاخرى التسليم.


(1) فقه الرضا ص 14 باب صلاة الخوف. (2) البقرة: 239. (3) بل إذا كان خوف ولم يكن الحرب كما عرفت والا فالمسلمون بصفين كان معهم الامام الاكبر.

[114]

وإن كان صلاة المغرب يصلي بالطائفة الاولى ركعة، وبالطائفة الثانية ركعتين. وإذا تعرض لك سبع وخفت أن تفوت الصلاة فاستقبل القبلة وصل صلاتك بالايماء، فان خشيت السبع يعرض لك فدر معه كيف ما دار، وصل بالايماء كيف ما يمكنك. وإذا كنت تمشي متفزعة من هزيمة أو من لص أو ذاعر أو مخافة في الطريق، وحضرت الصلاة استفتحت الصلاة تجاه القبلة بالتكبير، ثم تمضي في مشيتك حيث شئت وإذا حضر الركوع ركعت تجاه القبلة إن أمكنك وأنت مشي، وكذلك السجود سجدت تجاه القبلة أو حيث أمكنك، ثم قمت، فإذا حضر التشهد جلست تجاه القبلة بمقدار ما تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك. هذه مطلقة للمضطر في حال الضرورة، وإن كانت في المطاردة مع العدو فصل صلاتك إيماء وإلا فسبح واحمده وهلله وكبره، تقوم كل تسبيحة وتهليلة و تكبيرة مكان ركعة عند الضرورة، وإنما جعل ذلك للمضطر لمن لا يمكنه أن يأتي بالركوع والسجود (1). 7 - العياشي: عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فرض الله على المقيم خمس صلوات، وفرض على المسافر ركعتين، وفرض على الخائف ركعة، وهو قول الله: (لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) يقول: من الركعتين فتصير ركعة (2). بيان: هذا يدل على مذهب ابن الجنيد، وقد مر أنه يمكن حمله على التقية


(1) فقه الرضا: 14. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 271 وهذا نص فيما قلناه في تفسير الاية الكريمة صدر الباب السابق، وبمضمونه روايات اخر تراها في التهذيب ج 1 ص 338.

[115]

أو على أنه يصلي مع الامام ركعة. 8 - العياشي: عن أبن بن تغلب، عن جعفر بن محمد عليهما السلام في صلاة المغرب في الخوف، قال: يجعل أصحابه طائفتين بازاء العدو واحدة والاخرى خلفه، فيصلي بهم ثم ينصب قائما ويصلون هم تمام ركعتين ثم يسلم بعضهم على بعض، ثم تأتي الطائفة الاخرى فيصلي بهم ركعتين، ويصلون هم ركعة، فيكون للاولين قراءة، و للاخرين قراءة (1). بيان: هذا وجه ترجيح لتخصيص الاولين بركعة ليدرك كل منهما ركعة من الركعتين اللتين يتعين فيهما القراءة. 9 - العياشي: عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا حضرت الصلاة في الخوف، فرقهم الامام فرقتين فرقة مقبلة على عدوهم، وفرقة خلفه كما قال الله تبارك وتعالى، فيكبر بهم ثم يصلي بهم ركعة، ثم يقوم بعد ما يرفع رأسه من السجود فيتمثل قائما ويقوم الذين صلوا خلفه ركعة فيصلي كل إنسان منهم لنفسه ركعة، ثم يسلم بعضهم على بعض، ثم يذهبون إلى أصحابهم فيقومون مقامهم ويجئ الاخرون والامام قائم فيكبرون ويدخلون في الصلاة خلفه، فيصلي بهم ركعة ثم يسلم، فيكون للاولين استفتاح الصلاة بالتكبير، وللاخرين التسليم مع الامام، فإذا سلم الامام قام كل إنسان من الطائفة الاخيرة فيصلي لنفسه ركعة واحدة فتمت للامام ركعتان ولكل إنسان من القوم ركعتان واحدة في جماعة، والاخرى وحدانا. وإذا كان الخوف أشد من ذلك مثل المضاربة والمناوشة والمعانقة، وتلاحم القتال فان أمير المؤمنين عليه السلام ليلة صفين وهي ليلة الهرير لم يكن صلى بهم الظهر و العصر والمغرب والعشاء عند وقت كل صلاة، إلا بالتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء، فكانت تلك صلاتهم، لم يأمرهم باعادة الصلاة.


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 272.

[116]

وإذا كانت المغرب في الخوف فرقهم فرقتين فصلى بفرقة ركعتين ثم جلس ثم أشار إليهم بيده فقام كل إنسان منهم فصلى ركعة ثم سلموا وقاموا مقام أصحابهم وجاءت الطائفة الاخرى فكبروا ودخلوا في الصلاة وقام الامام فصلى بهم ركعة ثم سلم ثم قام كل إنسان منهم فصلى ركعة فشفعها بالتي صلى مع الامام ثم قام فصلى ركعة ليس فيها قراءة، فتمت للامام ثلاث ركعات وللاولين ثلاث ركعات: ركعتين في جماعة وركعة وحدانا، للاخرين ثلاث ركعات: ركعة جماعة وركعتين وحدانا، فصار للاولين افتتاح التكبير وافتتاح الصلاة، وللاخرين التسليم (1). بيان: المناوشة في القتال، وذلك إذا تدانى الفريقان، وليلة الهرير مشهورة سميت بذلك لكثرة الاصوات فيها. 10 - العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: فات الناس مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين صلاة الظهرو العصر والمغرب والعشاء الاخرة، فأمرهم علي أمير المؤمنين عليه السلام فكبروا وهللوا وسبحوا رجالا وركبانا، لقول الله (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فأمرهم على فصنعوا ذلك (2). ومنه: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له صلاة المواقفة، فقال: إذا لم تكن انتصفت من عدوك صليت إيماء راجلا كنت أو ركبانا، فان الله يقول: (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) (3) تقول في الركوع: لك ركعت وأنت ربي. وفى السجود: لك سجدت وأنت ربي - أينما توجهت بك دابتك، غير أنك توجه حين تكبر أول تكبيرة (4). ومنه: عن أبان بن منصور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فات أمير المؤمنين عليه السلام


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 272 - 273. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 273 في حديث. (3) البقرة: 239. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 128.

[117]

والناس يوما بصفين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأمرهم أمير المؤمنين عليه السلام أن يسبحوا ويكبروا ويهللوا، قال: وقال الله: (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فأمرهم علي عليه السلام فصنعوا ذلك ركبانا ورجالا (1). ورواه الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فات الناس الصلاة مع على يوم صفين إلى آخره (2). ومنه: عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله تعالى (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) كيف يفعل وما يقول ؟ ومن يخاف سبعا ولصا كيف يصلى ؟ قال: يكبر ويؤمي إيماء برأسه (3). ومنه: عن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله عليه السلام في صلاة الزحف قال تكبير وتهليل، يقول: الله أكبر، يقول الله (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) (4). 11 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يلقاه السبع وقد حضرت الصلاة، فلا يستطيع المشي مخافة السبع، وإن قام يصلي خاف في ركوعه أو سجوده، والسبع أمامه على غير القبلة، فان توجه الرجل أمام القبلة خاف أن يثب عليه الاسد، كيف يصنع ؟ قال: يستقبل الاسد ويصلي ويومي إيماء برأسه، وهو قائم وإن كان الاسد على غير القبلة (5) بيان: المشهور بين الاصحاب أن خائف السبع والسيل والغرق، يصلي صلاة الخوف كمية وكيفية، حتى قال في المعتبر: كل أسباب الخوف يجوز معها القصر، والانتقال إلى الايماء مع الضيق، والاقتصار التسبيح إن خشي مع الايماء وإن كان الخوف من لص أو سبع أو غرق، وعلى ذلك فتوى الاصحاب. وتردد في ذلك العلامة في المنتهى، ونقل عن بعض علمائنا قولا بأن التقصير


(1 - 3) تفسير العياشي ج 1 ص 128. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 129. (5) كتاب المسائل البحار ج 10 ص 279، الطبعة الحديثة.

[118]

في عدد الركعات إنما يكون في صلاة الخوف من العدو خاصة، ولا يظهر من الروايات إلا القصر في الكيفية على بعض الوجوه، والمذكور فيها العدو واللص والسبع، فالحاق غيرها بها يحتاج إلى دليل. وقال الشهيد الثاني: والحق بذلك الاسير في يد المشركين إذا خاف من إظهار الصلاة، والمديون المعسر لو عجز عن إقامة البينة بالاعسار، وخاف الحبس فهرب والمدافع عن ماله لاشتراك الجميع في الخوف انتهى. وقد يستدل على التعميم بأنه تجب الصلاة على جميع المكلفين لعموم الادلة والصلاة بالايماء والتكبير مع العجز صلاة شرعية في بعض الاحيان، فحيث تعذر الاول ثبت الثاني، وإلا يلزم التخصيص فيما دل على وجوب الصلاة على كل مكلف. والمسألة قوية الاشكال والمشهور في الموتحل والغريق أنهما يصليان بالايماء مع العجز، ولكن لا يقصران، وذكر الشهيد في الذكرى أنه لو خاف من إتمام الصلاة استيلاء الغرق، ورجا عند قصر العدد سلامته وضاق الوقت، فالظاهر أنه يقصر العدد أيضا واستحسنه الشهيد الثاني، وتنظر في سقوط القضاء، وربما يقال جواز الترك للعجز لا يوجب جواز القصر من غير دليل، والله يعلم. 12 - كتاب صفين: لنصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام في بعض أيام صفين وحض أصحابه على القتال، وساق الحديث الطويل إلى قوله: فاقتتلوا من حين طلعت الشمس حتى غاب الشفق، وما كانت صلاة القوم إلا تكبيرا. ومنه: عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: اقتتل الناس في صفين من لدن اعتدال النهار إلى صلاة المغرب، ما كان صلاة القوم إلا التكبير عند مواقيت الصلاة. ومنه: عن نمير بن وعلة عن الشعبي في وصف بعض مواقف صفين إلى أن

[119]

قال: واقتتل الناس قتالا شديدا بعد المغرب فما صلى كثير من الناس إلا إيماء. ومنه: عن رجل عن محمد بن عتبة الكندي عن شيخ من حضر موت في وصف بعض مواقف صفين قال: مرت الصلوات كلها ولم يصلوا إلا تكبيرا عند مواقيت الصلواة. ومنه: عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في وصف ليلة الهرير إلى قوله: وكسفت الشمس وثار القتام، وضلت الالوية والرايات ومرت مواقيت أربع صلوات لم يسجد لله فيهن إلا تكبيرا. بيان: القتام بالفتح الغبار، ولعل الكسوف أيضا كان لشدة ثوران الغبار. 13 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يلقاه السبع وقد حضرت الصلاة فلم يستطع المشي مخافة السبع، قال: يستقبل الاسد ويصلي ويومئ برأسه إيماء، وهو قائم، وإن كان الاسد على غير القبلة (1). 14 - مجمع البيان: قال: يروى أن عليا عليه السلام صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالايماء، وقيل بالتكبير، وإن النبي صلى الله عليه وآله صلى يوم الاحزاب إيماء (2). 15 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه سئل عن صلاة الخوف و صلاة السفر أتقصران جميعا ؟ قال: نعم، وصلاة الخوف أحق بالتقصير من صلاة في السفر ليس فيها خوف (3). وعنه: عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى صلاة الخوف بأصحابه في غزوة


(1) لم نجده في المصدر المطبوع، نعم ذكره الصدوق نقلا عن على بن جعفر راجع الفقيه ج 1 ص 294. (2) مجمع البيان ج 2 ص 344. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 199، وتراه في الفقيه ج 1 ص 294، التهذيب ج 1 ص 338.

[120]

ذات الرقاع ففرق أصحابه فرقتين أقام فرقة بازاء العدو، وفرقة خلفه وكبر فكبروا وقرء فأنصتوا وركع فركعوا، وسجد فسجدوا، ثم استتم رسول الله صلى الله عليه وآله قائما وصلى الذين خلفه ركعة اخرى وسلم بعضهم على بعض ثم خرجوا إلى مقام أصحابهم فقاموا بازاء العدو، وجاء أصحابهم فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فكبر وكبروا، وقرأ فأنصتوا، وركع فركعوا، وسجد فسجدوا، وجلس فتشهد فجلسوا ثم سلم فقاموا فصلوا لانفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض (1). وعنه عليه السلام: أنه وصف صلاة الخوف هكذا وقال: إن صلى بهم صلاة المغرب صلى بالطائفة الاولى ركعة، وبالثانية ركعتين، حتى يجعل لكل فرقة قراءة (2). وعن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن الصلاة في شدة الخوف والجلاد حيث لا يمكن الركوع والسجود، فقال: يؤمئون على دوابهم، وقوفا على أقدامهم، و تلا قول الله (فان خفتم فرجالا أو ركبانا) فان لم يقدروا على الايماء كبروا مكان كل ركعة تكبيرة (3).


(1 - 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 199. أقول: ومما يؤكد أن الامام يصلى بالطائفة الاولى ركعة وبالثانية ركعتين أن الفرض من ركعات المغرب هو الاولتان والثالثة سنة في فريضة، ولو صلى بالطائفة الاولى ركعتين لم يبق للطائفة الاخرى الا ركعة السنة. بقى ههنا شئ، وهو أن كيفية صلاة الخوف هذه على ما ظهر من الاية الكريمة في صدر الباب السابق، انما هي تعبية في قبال العدو، وحيلة لرفع الخوف من بادرتهم، لا أن ذلك من عزيمة الاحكام، فعلى هذا يجوز الصلاة بهذه الكيفية إذا كان الخوف من بادرة السبع أو اللص أو غير ذلك من المخاوف التى يتوجه إلى المصلين بالقوة لا بالفعل كان ذلك في السفر والصلاة ركعتان، أو في الحضر والصلاة أربع، وللمسألة فروع أخر غير مشتبهة. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 199.

[121]

بيان: الحديث الثاني رواه الصدوق في الفقيه (1) بسند صحيح عن عبد الرحمن ابن أبي عبد الله عنه عليه السلام. وقوله عليه الصلاة والسلام أخيرا: فكبر وكبروا، لعل تكبير الامام محمول على الاستحباب، وليس تكبير الافتتاح، وهذه الرواية مروية في الكافي (2) والتهذيب (3) وليس فيهما هكذا، وفيهما: فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فصلى بهم ركعة ثم تشهدوا سلم عليهم إلى آخر الخبر.


(1) الفقيه ج 1 ص 293. (2) الكافي ج 3 ص 456. (3) التهذيب ج 1 ص 304.

[122]

" (أبواب) " * * " (فضل يوم الجمعة وفضل ليلتها وصلواتهما) " * * " (و آدابهما وأعمال سائر أيام الاسبوع) " * 1 - (باب) * " (وجوب صلاة الجمعة وفضلها وشرايطها) " * * (وآدابها وأحكامها) * الايات: البقرة: حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين (1). الجمعة: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (2). المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لاتهلكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر


(1) البقرة: 238، وقد مر الكلام فيها في ج 82 ص 277. (2) الجمعة: 9 - 11.

[123]

الله ومن يفعل ذلك فاولئك هو الخاسرون (1). تفسير: قد مضت الاخبار في تفسير الصلاة الوسطى بصلاة الجمعة، وأن المراد بقوله: (قوموا الله قانتين) أي في الصلاة الوسطى، وقال الراوندي رحمه الله في فقه القرآن، قالوا: نزلت هذه الاية يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وآله في سفر، فقنت فيها وتركها على حالها في السفر والحضر. (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي (2) للصلاة من يوم الجمعة) لاريب في نزول


(1) المنافقون: 9. (2) ومن الايات الكريمة التى تشير إلى نداء الاذان للصلوات قوله تعالى عزوجل (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا) المائدة: 58، الا أنه في سائر الايام و مطلق الصلوات يقول: (إذا ناديتم) بصيغة الجمع، كأنه يجوز نداءات متعددة: نداء للصلاة في مسجد الزقاق، ونداء للصلاة في مسجد القبيلة، ونداء للصلاة في المسجد الاعظم فيجوز انعقاد جماعات متعددة في بلدة واحدة. وأما في يوم الجمعة وصلاتها، فقد قال عزوجل: (إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة) فمع أنه يخاطب المؤمنين جميعهم في صدر الاية بقوله: (يا أيها الذين آمنوا) لا يكلفهم بالتأذين واقامة الجمعة ولا واحدا منهم، بل يأمرهم بأنه إذا حصل النداء ونودى بالاجتماع للصلاة، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ومفاد الشرطية أنه إذا لم يحصل النداء ولم يناد بالاجتماع فلا تكليف عليكم الا ما كان في سائر الايام غير الجمعة والاجتماع، وهو الصلاة أربع ركعات كل في مسجده. فمفروض الاية أن هناك من هو فوق المؤمنين ووليهم، وهو الذى يأمر المؤذن للنداء بصلاة الجمعة إذا تمكن في مقامه كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما تمكن في المدينة صلى صلاة الجمعة في أول جمعة وردها على ما سيجئ شرحه، وإذا لم يتمكن في مقامه، كما إذا كان في سفر أو في خطر لم يأمر مؤذنه بالنداء للاجتماع كما لم يفعل ذلك رسول الله مدة اقامته بمكة المكرمة ولا في أسفاره إلى الغزوات وغيرها.

[124]

هذه السورة وتلك الايات في صلاة الجمعة وأجمع مفسروا الخاصة والعامة عليه، بمعنى تواتر ذلك عندهم، والشك فيه كالشك في نزول آية الظهار في الظهار، وغيرها من الايات والسور التي مورد نزولها متواتر معلوم، ومدار علماء الخاصة والعامة في الاستدلال على أحكام الجمعة على هذه الاية. وخص الخطاب بالمؤمنين تشريفا لهم، وتعظيما، ولانهم المنتفعون به، و إيذانا بأن مقتضى الايمان العمل بفرائض الله تعالى، وعدم الاستهانة بها، وأن تاركها كأنه غير مؤمن، وفسر الاكثر النداء بالاذان. قال في مجمع البيان (1): أي إذا أذن لصلاة الجمعة، وذلك إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لانه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله نداء سواه (2) ونحو ذلك قال في الكشاف، والظاهر أن المراد حضور وقت النداء كما أن في قوله (إذا قمتم إلى الصلوة) (3) المراد إرادة القيام، ولما كان النداء شائعا في ذلك الوقت عبر عنه به، وفيه الحث على الاذان، لتأكد استحبابه لهذه الصلاة، حتى ذهب بعضهم إلى الوجوب.


فعلى هذا إذا أمر ولى المؤمنين وامامهم بالنداء، وجب على أهل البلد كلهم حتى على من هو قاطن في حريم البلد بريدا في بريد (على رأس فرسخين) أن يجيب النداء، فلا يجوز لاحد التخلف عن الاجتماع، ولا أن يجتمعوا في مساجد متعددة ومحال مختلفة والصلاة أربع ركعات على ما هو وظيفة سائر الايام، كما لا يجوز أن ينعقد جمعتان في بلدة أبدا. (1) مجمع البيان ج 10 ص 288. (2) كانه يعرض بالنداء الاول الذى ابتدعه عثمان، فجعل مؤذنا يؤذن عند الزوال على دار له بالسوق يقال له الزوراء، ثم إذا جلس على المنبر أذن مؤذن المسجد أخرى طبقا لما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله. (3) المائدة: 6.

[125]

واللام في قوله (للصلوة) للاجل والتوقيت، وحينئذ يدل على عدم اعتبار الاذان قبل وقت الصلاة في ذلك، و (من) بيانية ومفسره لاذا، أو بمعنى (في) أو للتبعيض، والجمعة بضم الميم والسكون لغتان اليوم المعهود وإنما سمي به لاجتماع الناس فيه للصلاة (1) وقيل: لانه تعالى فرغ فيه من خلق الاشياء فاجتمعت فيه المخلوقات، وقيل: أول من سماه به كعب بن لؤي، وكان يقال له العروبة. (فاسعوا إلى ذكر الله) (2) الظاهر أن التعبير بهذه العبارة لتأكيد الامر و


(1) وفيه لغة ثالثة على ما حكاه الطبرسي في المجمع عن الفراء وهى الجمعة كضحكة وهمزة، وفى المغرب أن الجمعة اسم للاجتماع كما أن الفرقة اسم للافتراق. وقد كان الاجتماع في هذا اليوم معهودا للامة الاسلامية مسنونا بسنة النبي صلى الله عليه وآله من لدن أن نزل المدينة فصلى في بنى سالم بن عوف صلاة الظهر ركعتين وقدم لها خطبة فصارت أول جمعة جمعها رسول الله في الاسلام وخطبته في ذلك اليوم أو خطبة خطبها. ثم انه صلى الله عليه وآله التزمها سنة له يصلى في كل اسبوع كذلك ليكون ذكرى لاول يوم تمكن الاسلام على عرش الحكومة، وعيدا للمسلمين يجتمعون فيه بالبشارة والزينة ويذكرون الله عزوجل ويشكرونه على ذلك النعم. الا أن الناس لم يكونوا ليجتمعوا كلهم ولا ليسمونه يوم الجمعة علما (بزعمي) وربما تفرقوا حين خطبته صلى الله عليه وآله وابتغوا التجارة واللهو و تركوه قائما. وأما بعد نزول الاية والسورة (وصريح الخطاب فيها يدل على أنها محكمة من أمهات الكتاب من دون تشابه) فقد صار مفاد الاية بجميع أحكامها ومتعلقاتها مفروضة على الامة الاسلامية حتى تسمية اليوم بيوم الجمعة، بحيث أنه لم يجز تسميته بسائر الاسماء المعروفة عندهم أيام الجاهلية. (2) المراد بالسعي، هو الاسراع في المضى والاهتمام بالوصول إلى محل النداء حتى أنه لو وجد فراغا وساحة هرول هرولة كما يسعى الحاج بطواه بين الصفا والمروة. ولا يذهب عليك أن فرض السعي انما هو على من سمع النداء ولم يحضر المجتمع

[126]

المبالغة في الاتيان به، وعدم المساهلة فيه، كما أنه إذا قال المولى لعبده: امض إلى فلان يفهم منه الوجوب، وإذا قال اسع وعجل واهتم، كان آكد من الاول، و أدل على الوجوب، قال في مجمع البيان: أي فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متشاغلين عن قتادة وابن زيد والضحاك، وقال الزجاج: فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع وقرأ عبد الله بن مسعود (فامضوا إلى ذكر الله) وووي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه السلام وعمرو ابي وابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال ابن مسعود: لو علمت الاسراع لاسرعت حتى يقع ردائي من كتفي، وقال الحسن: ما هو السعي على الاقدام، وقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع (1). وكل ذلك مما يؤكد الوجوب، فان المراد به شدة العزم والاهتمام، و إخلاص النية فيه، فانه أقرب المجازات إلى السعي بالاقدام، بل هو مجاز شايع يعادل الحقيقة: قال في الكشاف: قيل المراد بالسعي القصد دون العدو، والسعي التصرف في كل عمل، ومنه قوله تعالى: (ولما بلغ معه السعي) (وأن ليس للانسان إلا ما سعى) (2)


بعد، كما هو المصرح به في لفظ الاية الكريمة، حيث يأمر بالسعي عند النداء وبعده، لئلا يفوت عنه الخطبة التى يكون فيه ذكر الله تعالى وتكون بمنزلة الركعتين السمنونتين في سائر الايام، واما من تهيأ وتعبأ قبل النداء وحضر المجتمع ينتظر صعود الامام للخطبة، فقد استبق إلى وظيفته، ولم يتوجه خطاب السعي إليه، وهو واضح. (1) مجمع البيان ج 10 ص 288. (2) الصافات: 109 النجم: 40، ولكن المراد من السعي في الاية الاولى هو السعي بين الصفا والمروة قطعا، وذلك لان ابراهيم ص وابنه اسماعيل بعد ما فرغا من رفع قواعد البيت دعو الله عزوجل قالا: ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم... وأرنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم (البقرة: 128). =

[127]

انتهى، وعليه ينبغي حمل ما رواه الراوندي وغيره عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: السعي قص الشارب، ونتف الابط، وتقليم الاظفار، والغسل، والتطيب، ليوم الجمعة، ولبس أفضل الثياب والذكر (1) فالمعنى اهتموا وعجلوا الفراغ من الاداب والمستحبات لادراك الجمعة، كل ذلك لا ينافي فهم الوجوب من الامر، بل هي مؤكدة له كما لا يخفى على العارف بقوانين البلاغة. وقال الرواندي: المراد بذكر الله الخطبة التي تتضمن ذكر الله والمواعظ، و قيل: المراد الصلاة انتهى، وإنما جعل الذكر مكان الضمير إيذانا بأن الصلاة متضمنة


= فاستجاب الله دعاء هما فكان يرى ابراهيم مناسك البيت في منامه (على ما كان يريه الله عزوجل ملكوت السموات والارض) فيمتثل ابراهيم خليل الله نسكه ويتبعه في ذلك اسماعيل ولده حتى إذا بلغ مع السعي بين الصفا والمروة قال له ابراهيم: يا بنى انى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ما ذا ترى ؟ وانما ائتمر معه لان ذبحه قربانا ونسيكة انما يتحقق بتسليمه. فقد كان رؤية ذبحه اسماعيل تماما لمناسك الحج التى كان يراها في منامه، كما ينص عليه روايات الفريقين، ولا يناسب ذلك الا بأن يكون المراد بالسعي هو السعي بين الصفا والمروة، كما بيناه لك، ومن حمل السعي في الاية على غير ذلك من المعاني غير المناسبة يبقى عليه توجيه قوله تعالى (معه) فان الكلمة تصير لغوا لا فائدة في ذكرها أبدا. (1) وجه الحديث أن هذا السعي المأمور به، انما هو للاجتماع مع جمهور المسلمين في مكان واحد، ومن لوازم هذا الاجتماع الوافر أن يتهيأكل واحد منهم بالطهارة الفطرية لئلا ينفر طباع المجتمعين من اجتماعهم، وهذه الطهارة الفطرية كما أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسنها انما هو قص الشارب ونتف الابط وتقليم الاظفار والاغتسال وترجيل الشعر والتطيب ان قدر على ذلك ولبس الثياب النظيفة، فإذا نودى أحدهم بأن يسعى إلى تلك الجماعة الوافرة، فكأنه نودى بأن يتحصل على هذه الطهارة الفطرية اولا ثم يحضر الجماعة، وهذا واضح بحمدالله.

[128]

لذكره تعالى، ولذا يجب السعي إليها، وأن الصلاة الكاملة هي التي تتضمن ذكر الله وحضور القلب، وقيل: المراد هما جميعا ولعله أظهر. (وذروا البيع) أي اتركوه ودعوه (ذلكم) أي ما امرتم به من السعي و ترك البيع (خير لكم) وأنفع عاقبة (إن كنتم تعلمون) الخير والشر، أو إن كنتم من أهل العلم والتمييز. (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) أي إذا صليتم الجمعة وفرغتم منها فتفرقوا في الارض (وابتغوا من فضل الله) قيل: أي واطلبوا الرزق في الشراء و البيع، فأطلق لهم ما حرم عليهم بعد قضاء الصلاة من الانتشار وابتغاء الربح والنفع من فضل الله ورحمته، مشيرا إلى أن الطالب ينبغي أن لا يعتمد على سعيه وكده، بل على فضل الله ورحمته وتوفقيه وتيسيره طالبا ذلك من ربه. قال في مجمع البيان (1): هذا إباحة وليس بأمر إيجاب، وروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في قوله (فانتشروا) الاية ليس لطلب دنيا ولكن عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله، وقيل: المراد به طلب العلم. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الصلاة يوم الجمعة والانتشار يوم السبت (2).


(1) مجمع البيان ج 10 ص 288 و 289. (2) وجه الحديث أن الامر بالانتشار والابتغاء من فضل الله انما هو أمر اباحة لكونه واقعا عقيب الحظر، فلا يدل على رجحان الانتشار أبدا، كيف وقد سمى الله عزوجل هذا اليوم يوم جمعة وندب بذلك إلى اجتماع المسلمين وتزاورهم وتباشرهم من اول اليوم إلى آخره، فعلى هذا يكون تمام اليوم يوم اجتماع وعيد كما تلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك وعند الزوال وقت اجابة النداء للصلاة المعهودة، وبعدها وقت صلاة العصر وتعقيبها بذكر الله عزوجل على ما يدل عليه ذيل هذه الكريمة، فلا يكون موقع للانتشار الا يوم السبت.

[129]

وروى عمر بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال إني لاركب في الحاجة التي كفاها الله، ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله اضحي في طلب الحلال، أما تسمع قول الله عزوجل (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله) أرأيت لو أن رجلا دخل بيتا وطين عليه بابه ثم قال: رزقي ينزل على، أكان يكون هذا ؟ أما إنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم. قال: قلت: من هؤلاء الثلاثة ؟ قال: رجل يكون عنده المرءة فيدعو عليها فلا يستجاب له، لان عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها [لخلى سبيلها] والرجل يكون له الحق على الرجل، فلا يشهد عليه، فيجحده حقه، فيدعو عليه فلا يستجاب له، لانه ترك ما امر به، والرجل يكون عنده الشئ فيجلس في بيته ولا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتى يأكله، ثم يدعو فلا يستجاب له. (واذكروا الله كثيرا) (1) قال الطبرسي - ره - أي اذكروه على إحسانه إليكم واشكروه على نعمه، وعلى ما وفقكم من طاعته، وأداء فرضه، وقيل: المراد بالذكر هنا الفكر، كما قال: تفكر ساعة خير من عبادة سنة، وقيل: معناه اذكروا الله في تجاراتكم وأسواقكم، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من ذكر الله في السوق مخلصا عند غفلة الناس وشغلهم بما فيه، كتب له ألف حسنة، ويغفر الله له يوم القيامة مغفرة لم يخطر على قلب شر انتهى (2). ويحتمل أن يكون المراد به اذكروا الله في الطلب، فراعوا أوامره ونواهيه فلا تطلبوا إلا ما يحل من حيث يحل، والاعم أظهر، والحاصل أنه تعالى وصاهم بأن لا يشغلهم التجارة عن ذكره سبحانه كما قال الله تعالى (رجال لاتلهيهم


(1) هذا الامر بالذكر بخلاف الامرين قبله - حيث كانا لرفع الحظر - أمر توكيد يفرض تعقيب صلاة الجمعة بذكر الله عزوجل كثيرا وقد مر في باب تسبيح الزهراء عليها السلام أنه من الذكر الكثير، فلا أقل منها. (2) مجمع البيان ج 10 ص 289.

[130]

تجارة ولابيع عن ذكر الله) (1) ويكونوا في أثناء التجارة مشغولين بذكره، مراعين أو امره ونواهيه. (لعلكم تفلحون) قال الطبرسي ره: أي لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم، علق سبحانه الفلاح بما تقدم ذكره من أعمال الجمعة وغيرها، وصح الحديث عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله و لبس صالح ثيابه، ومس من طيب بيته أو دهنه، ثم لم يفرق بين اثنين غفر الله له بينه وبين الجمعة الاخرى، وزيادة ثلاثة أيام بعدها، وروى سليمان التميمي، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله عزوجل في كل جمعة ست مائة ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجب النار. قال: ثم أخبر سبحانه عن جماعة قابلوا أكرم الكرم بألام اللؤم، فقال: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا) (2) أي عاينوا ذلك، وقيل معناه إذا علموا بيعا أو شراء أو لهوا


(1) النور: 37. (2) ظاهر سياق الاية وعدم اتساقها مع سائر آيات السورة، يدل على أنها نزلت في سياق آيات أخر تذم المنافقين ومن حذا حذوهم بأنهم لا يهتمون بصلاتهم، حتى أنهم في يوم الجمعة أو العيدين ربما آثروا اللهو والتجارة على خطبة النبي صلى الله عليه وآله ومواعظه، فتركوه قائما يخطب وليس حوله الا قليل من المسلمين. وعندي أنها نزلت في خطبة العيدين ثم أحلقت بالسورة لكونهما فرعا على صلاة الجمعة وذلك لان الخطبة في صلاة العيدين كانت تلقى بعد تمام الصلاة، ولكونها سنة في غير فريضة كان الاخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة، الا أنه إذا كان تركها بالاعراض عنها أو ايثار اللهو والتجازة عليها من دون حاجة إليها كان مذموما غير جائز، فناسب مقابلة التاركين لهذه السنة بقوله عزوجل: (قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين). وأما إذا جعلنا الاية ناظرة إلى خطبة الجمعة، كما هو المشهور بين المفسرين،

[131]

وهو الطبل عن مجاهد، وقيل: المزامير عن جابر (انفضوا إليها) أي تفرقوا عنك خارجين إليها، وقيل: مالوا إليها. والضمير للتجارة، وإنما خصت برد الضمير إليها، لانها كانت أهم إليهم وهم بها أسر من الطبل، لان الطبل إنما دلت على التجارة عن الفراء، وقيل: عاد الضمير إلى أحدهما اكتفاء به، وكأنه على حذف، والمعنى وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها، وإذا رأوا لهوا انفضوا إليه، فحذف إليه، لان إليها تدل عليه. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: انصرفوا إليها وتركوك قائما تخطب على المنبر، قال جابر بن سمرة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله خطب إلا وهو قائم، فمن حدثك أنه خطب وهو جالس فكذبه. وسئل ابن مسعود، أكان النبي صلى الله عليه وآله يخطب قائما ؟ فقال: أما تقرء (وتركوك


فلا مناص من القول بأنها نزلت قبل آيات الجمعة حين لم تكن صلاة الجمعة مفروضة بأحكامها ومتعلقاتها من وجوب السعي وتحريم البيع والتعامل بل كان صلاة الجمعة حين نزولها من السنن، لا يجب استماع خطبتها على حد سائر السنن، حتى يناسب مقابلة التاركين لخطبتها بالذم فقط. فلو قيل بأن هذه الاية نزلت مع سائر آيات السورة تتمة لها وملحقة بآيات الجمعة لكان حكمها بعدم تحريم الانتشار والاشتغال باللهو والتجارة ناسخا لاية الجمعة وأحكامها قبل العمل بها، وهذا مع أنه لغو باطل لا يصدر عن الحكيم تعالى، لم يتفوه به أحد من المسلمين. وأما على القول بأن المراد بقوله عزوجل (وتركوك قائما): قائما في الصلاة، لا قائما في الخطبة، فالامر أشكل وأشكل، فان ترك الخطبة والذهاب إلى اللهو والتجارة أهون من ترك الصلاة نفسها أو قطعها وابطالها، وهو واضح. وأما حكم اللهو والاستماع له فقد مر بعض الكلام فيه في ج 79 ص 248، راجعه.

[132]

قائما) وقيل: إراد قائما في الصلاة. ثم قال تعالى (قل) يا محمد لهم (ما عند الله) من الثواب على الخطبة وحضور الموعظة والصلاة، والثبات مع النبي صلى الله عليه وآله (خير) وأحمد عاقبة وأنفع (من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) يرزقكم وإن لم تتركوا الخطبة والجمعة. وقال - ره - في سبب (1) نزول الاية: قال جابر بن عبد الله: أقبلت عير ونحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله الجمعة، فانفض الناس إليها، فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم، فنزلت. وقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام، والنبي صلى الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله إلا رهط فنزلت الاية، فقال صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد لسال بكم الوادي نارا. وقال المقاتلان: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بتجارة وكلان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق أوبر أو غيره، وينزل عند أحجار الزيت، و هو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه، فيخرج إليه الناس ليتبايعوا معه. فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم (2) ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم على المنبر يخطب، فخرج الناس، فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرءة. فقال صلى الله عليه وآله:


(1) مجمع البيان ج 10 ص 287. (2) دحية بن خليفة الكلبى هذا من الذين شهدوا بدرا، ويدل الرواية ان صحت أن ذلك كان أوائل نزوله صلى الله عليه وآله بالمدينة حين يصلى بهم الجمعة سنة متبعة لا فرضا بعد نزول سورة الجمعة، فيؤيد بعض ما قلناه.

[133]

لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة من السماء، وأنزل الله هذه الاية. وقيل: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن عباس، وقيل إلا أحد عشر رجلا عن ابن كيسان، وقيل: إنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة و مقاتل انتهى. * (تذييل) * اعلم أن الله سبحانه أكد في هذه السورة الشريفة للامر الذي نزلت فيه - وهو وجوب صلاة الجمعة - تقدمة وتذييلا - أنواعا من التأكيد، لم يأت بها في شئ من العبادات، فيدل على أنه آكدها وأفضلها عنده، وأحبها إليه، وذلك من وجوه: أولها إنزال سورة مخصوصة لذلك، ولم ينزل في غيره سورة. الثاني: أنه قدم قبل الاية المسوقة لذلك آيات كلها معدات لقبولها، و الاتيان بها، حيث افتتح السورة بأن جميع ما في السموات والارض تسبح له فينبغي للانسان الذي هو أشرف المخلوفات أن لا يقصر عنها، بل يكون تنزيهه له سبحانه وطاعته له أكثر منها. ثم وصف سبحانه نفسه بأنه ملك العالم، ويجب على جميع الخلق طاعته، ثم بأنه القدوس المنزه عن الظلم والعبث، بل إنما كلفهم بالطاعات لاعظم المصالح ولوصولهم إلى درجات السعادات. ثم هددهم بأنه عزيز غالب قادر مع مخالفتهم على عقوبتهم في الدنيا والاخرة وأنه حكيم لا يفعل شيئا ولا يأمر ولا ينهى إلا لحكمة، فلا ينبغي أن يتجاوز عن مقتضى أمره ونهيه.

[134]

ثم ذكر امتنانه على عباده بأنه بعث في قوم اميين عارين عن العلوم والمعارف رسولا منهم، ليكون أدعى لهم إلى قبول قوله، يتلو عليهم آياته المشتملة على مصالحهم ويطهرهم من الصفات الذميمة والنقائص والجهالات، ويعلمهم الكتاب والحكمة ولقد كانوا من قبله لفي ضلال مبين عن الملة والشريعة فلا بدلهم من قبول قوله في كل ما يأمرهم به، ومنها هذه الصلاة. ثم بين أن شريعة هذا النبي وأحكامه لا تختص بقوم، ولا بالموجودين في زمانه، بل شريعته باقية، وحلال حلال، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، ردا على من يزعم أن الخطاب مخصوص بالموجودين فقال (وآخرين منهم) أي ويعلم آخرين من المؤمنين (لما يلحقوا بهم) وهم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة. ثم هدد وحث بوصف نفسه سبحانه مرة اخرى بالعزيز الحكيم، ثم عظم شأن النبوة لئلا يجوزوا مخالفة النبي صلى الله عليه وآله فيما أتى به من الشرايع، ثم ذم الحاملين للتوراة، العالمين غير العاملين به، تعريضا لعلماء السوء مطلقا، بأنهم لعدم عملهم بعلمهم كالحمار يحمل أسفارا. ثم أوعدهم بالموت الذي لابد من لقائه، وبما يتبعه من العذاب والعقاب، و نبههم على أن ولاية الله لا تنال إلا بالعمل بأوامره سبحانه، واجتناب مساخطه وليس ذلك بالعلم فقط، ولا بمحض الدعوى. ثم لما مهد جميع ذلك، خاطبهم بما هو المقصود من السورة أحسن خطاب وألطفه. الثالث: أنه سبحانه أكد في نفس الاية المنزلة لذلك ضروبا من التأكيد: الاول: إقباله تبارك وتعالى إليهم بالخطاب، تنشيطا للمكلفين وجبرا لكلفة التكليف بلذة المخاطبة. الثاني أنه ناداهم بياء الموضوعة لنداء البعيد، تعظيما لشأن المنادى له، و تنبيها على أنه من العظم والجلالة بحيث المخاطب في غفلة منه وبعد عنه، وإن كان

[135]

في نهاية التيقظ والتذكر له. الثالث أنه أطنب الكلام تعظيما لشان ما فيه الكلام، وإيماء إلى أنه من الشرافة والكرامة بحيث يتلذذ المتكلم بما تك لم فيه كما يتلذذ بذكر المحبوبين، و وصفهم بصفاتهم والاطناب في أحوالهم. والرابع أنه أجمل أولا المنادى، حيث عبر بأي العامة لكل شئ تخييلا لان هذا الامر لعظم شأنه مما لا يمكن المتكلم أن يعلم أول الامر وبادئ الرأي أنه بمن يليق، ومن يكون له ؟ حتى إذا تفكر وتدبر علم من يصلح له ويليق به. الخامس أنه أتى بكلمة ها التي للتنبية لمثل ما قلناه في يا. السادس أنه عبر عنهم بصيغة الغائب، تنبيها على بعدهم لمثل ما قلناه في يا. السابع أنه طول في اسمهم ليحصل لهم التنبيه الكامل، فانهم في أول النداء يأخذون في التنبه، فكلما طال النداء واسم المنادي ازداد تنبههم. الثامن أنه خص المؤمنين بالنداء مع أن غيرهم مكلفون بالشرايع، تنبيها على أن الامر من عظمه بحيث لا يليق به إلا المؤمنون. التاسع أنه عظم المخاطبين به بذكر اسمهم ثلاث مرات من الاجمال والتفصيل، فان (أيها) مجمعل و (الذين) مفصل بالنسبة إليه ثم الصلة تفصيل للموصول. العاشر أنه عظمهم بصيغة الغيبة. الحادي عشر أنه خص المعرفة بالنداء تنبيها على أنه لا يليق بالخطاب إلا رجال معهودون معروفون بالايمان. الثاني عشر أنه علق الحكم على وصف الايمان تنبيها على عليه له واقتضائه إياه. الثالث عشر أنه أمرهم بالسعي الذي هو الاسراع بالمشي إما حقيقة أو مجازا كما مر والثاني أبلغ.

[136]

الرابع عشر أنه رتبه على الشرط بالفاء الدالة على عدم التراخي. الخامس عشر أنه عبر عنها بذكر الله، فوضع الظاهر موضع الضمير إن فسر بالصلاة للدلالة على أنها ذكر الله، فمن تركها كان ناسيا لذكر الله، غافلا عنه، وإن فسر بالخطبة أيضا يجرى فيه مثله. السادس عشر تعقيبه بالامر بترك ما يشغل عنه من البيع. السابع عشر تعقيبه بقوله: (ذلكم خير لكم) وهو يتضمن وجوها من التأكيد الاول نفس تعقيب هذا الكلام لسابقه، والثاني الاشارة بصيغة البعيد المتضمن لتعظيم المشار إليه، والثالث تنكير (خير) إن لم نجعله اسم تفضيل لانه أيضا للتعظيم. الثامن عشر تعقيبه بقوله: (إن كنتم تعلمون) وهو يتضمن التأكيد من وجوه: الاول نفس هذا الكلام فان العرف يشهد بأنه يذكر في الامور العظام المرغب فيها (إن كنت تعلم ما فيه من الخير لفعلته). الثاني الدلالة على أن من توانى فيه فانما هو لجهله بما فيه من الفضل، ففيه تنزيل لبعض العالمين منزلة الجاهلين، ودلالة على أنه لا يمكن أن يصدر الترك أو التواني فيه من أحد إلا عن جهل بما فيه. والثالث أنه ترك الجزاء ليذهب الوهم كل مذهب ممكن، وهو نهاية في المبالغة. والرابع أنه ترك مفعول العلم فاما أن يكون لتنزيله منزلة اللازم فيدل على أنه يكفى في الرغبة والمسارعة إليه وترك ما يشغل عنه الاتصاف بمجرد العلم، و الكون من أهله، أو ترك إبهاما له لتعظيمه، وليذهب الوهم كل مذهب ممكن، فيكون المفهوم أن كل من علم شيئا من الاشياء أسرع إليها، لان فضلها من البديهيات التي ليس شئ أجلى منها.

[137]

الرابع: ما أكد الحكم به بعد هذه الاية وهو أيضا من وجوه: الاول قوله: (فإذا قضيت الصلوة) فانه بناء على كون الامر للاباحة كما هو الاشهر والاظهر هنا، دل بمفهوم الشرط على عدم إباحة الانتشار قبل الصلاة. الثاني أن أصل هذا الكلام نوع تأكيد للحكم بازاحة علتهم في ذلك، أي إن كان غرضكم التجارة فهو ميسور ومقدور بعد الصلاة، فلم تتركون الصلاة لذلك. الثالث تعليق الفلاح بما مر كما مر. الرابع الاتيان به بلفظ الترجي ليعلموا أن تحصيل الفلاح أمر عظيم لا يمكن الجزم بحصوله بقليل من الاعمال، ولامع عدم حصول شرايط القبول، فيكون أحث لهم على العمل ورعاية شرايطه. الخامس لومهم على ترك الصلاة والتوجه إلى التجارة واللهو أشد لوم. السادس بيان المثوبات المترتبة على حضور الصلاة. السابع إجمال هذه المثوبات إيذانا بأنه لا يمكن وصفه ولا يكتنه كنهه ولا يصل عقول المخاطبين إليه. الثامن بيان أن اللذات الاخروية ليست من جنس المستلذات الدنيوية و أنها خير منها بمراتب. التاسع بيان أن الرازق والقادر عليه، فلا ينبغي ترك طاعته وخدمته لتحصيل الرزق، فانه قادر على أن يحرمكم مع ترك الطاعة ويرزقكم مع فعلها. العاشر بيان أنه خير الرازقين على سبيل التنزل، أي لو كان غيره رازق فهو خير منه، فكيف ولارازق سواه، ويحتاج إليه كل ما عداه. الحادي عشر تعقيب هذه السورة بسورة المنافقين إيذانا بأن تارك هذه الفضيلة من غير علة منافق، كما ورد في الاخبار الكثيرة من طرق الخاصة والعامة، وبه يظهر سر تلك الاخبار، ويشهد له الامر بقراءتهما في الجمعة، وصلوات ليلة الجمعة و يومها، وتكرر ذكر الله فيهما على وجه واحد.

[138]

وروي الكليني في الحسن (1) كالصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله أكرم بالجمعة المؤمنين، فسنها رسول الله صلى الله عليه وآله بشارة لهم، والمنافقين توبيخا للمنافقين، ولا ينبغي تركها فمن تركها متعمدا فلا صلاة له. وبالجملة قوله سبحانه في الجمعة (فاسعوا إلى ذكر الله) وقوله (إذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا إليها) وقوله في المنافقين (يا أيها الذين آمنوا لاتلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) أي لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن ذكره سبحانه (ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون) حيث طلبوا تجارة الدنيا الفانية وربحها فسروا الاخرة الباقية، ذلك هو الخسران المبين، فكل ذلك مما يورث الظن القوى بأن هذه الاية أيضا مسوقة للتهديد على ترك الجمعة أو ما يشملها، ولذا أوردناها ههنا تأييدا لا استدلالا فلا تغفل.


(1) الكافي ج 3 ص 425.

[139]

* (تفصيل) * * " (ولنذكر الاحكام المستنبطة) " * * " (من تلك الايات مجملا) " * الاول أن تلك الايات تدل على وجوب صلاة الجمعة عينا في جميع الازمان ولنذكر أولا الاختلافات الواقعة فيها، ثم لنتعرض لوجه الاستدلال بالايات على ما وهو الحق عندي منها. اعلم أنه لا خلاف بين الامة في وجوب صلاة الجمعة وجوبا عينيا في الجملة، وإنما الخلاف في بعض شرايطها والكلام على وجوه تفصيلها أنه هل يشترط الامام أو نائبه (1) أم لا ؟ وعلى تقدير الاشتراط هل هو شرط الانعقاد أو شرط الوجوب ؟


(1) الامامة التى تعتقدها الشيعة الامامية انما تساوق معنى الولاية وتستلزم العصمة من الله عزوجل في العلم والعمل متأيدة بالروح القدس واشاراته والهاماته، وهذا معنى لا يتصور في النيابة حتى يدعيها مدع، الا من اشتبه عليه لفظ الامامة بالمعنى الذى تعتقده الجمهور حيث لايتعقدون بالعصمة والولاية وانما هي عندهم بمعنى سياسة شؤنهم وتدبير أمرهم كما كان يتكفل السلاطين والامراء شؤن أمتهم وسياسة مجتمعهم. فالامام عندنا هو الذى جهزه الله بحقيقة العلم والحكمة وميزه بالولاية التكوينية وأصدره من لباب المعرفة، ثم نصبه علما هاديا ووليا مرشدا يهدى إلى طريق الحق و صراط مستقيم. - يتلو عليهم آيات الله مبنية، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويرشدهم إلى معالم السنة ويزكيهم عن ادناس الشبهة وفى كل ذلك معتصم بعصمة الله عزوجل مؤيد بالروح القدسي (يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجه من الظلمات إلى النور باذن ربهم ويهديهم إلى صراط مستقيم). فإذا كانت الامامة بهذا المعنى، والولاية والعصمة من شؤنها وأسرارها، فكيف =

[140]

فبدونها يستحب ؟ وإن كان شرط الانعقاد فهل هو مخصوص بزمن حضور الامام أو عام أو أنه مخصوص بامكان الوصول بأحدهما حتى لو تعذر كفى إمام الجماعة، أو عام حتى لو تعذر لم تنعقد.


= تقبل النيابة، وكيف يجترئ أحد على ادعائها ! أهناك من يقف موقف الامام ويغنى مغناه ؟ أو من يقوم بأعباء الامامة والولاية ويسد مسدها ؟ أو هل عرفت أحدا من الفقهاء صدر من لباب العلم والحكمة ؟ أو عرف الكتاب - وفيه الهدى والنور - حق معرفته فلم يقل انه ظنى الدلالة، أو أيقن بأن هذا... حكم الله عزوجل، ولم يتعذر بأن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم، أو... أو... نعم قد جعل للفقهاء كثر الله أحياءهم منصب القضاء وجواز الافتاء، وذلك من زمن الباقرين عليهما السلام، حيث بلغ كثير من أصحابهما رضوان الله عليهم مبلغ الفتوى وتولية القضاء لكنه منصب لا يتقلده المفتى بعنوان النيابة عن الامام ولذلك لم يختص بزمن الغيبة، بل هو منصب كسائر المناصب المجعولة، يقلدها الامام لمن تصداه كامارة الحاج، وولاية الثغور، وبعث السرايا. فوظيفتهم التورع عن المحارم، والتحرى لمعرفة حقائق الاحكام، والاجتهاد في الدين ولو أن أحدا اتبع الشيطان وعبد الطاغوت وتعدى ما بعث لاجله كما فعل خالد بن الوليد حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بنى جذيمة من كنانة، لكان مثله، ولقال فيه الامام كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله رافعا يديه إلى السماء: اللهم انى أبرء اليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات. وأما الحكومة والقضاء في الامور التى تعرض الامة الاسلامية ومجتمعهم، فأمرهم كان إلى الله ورسوله صلى الله عليه وآله، لكنه معذلك أمر رسوله صلى الله عليه وآله أن يستشيرهم في تلك الامور و يكون هو الامير في شوراهم، وذلك بعد ما تولوا يوم التقى الجمعان وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وكثر القيل والقال في ذلك حتى أنكروا عليه من الخروج من المدينة، وقد كانوا هؤلاء الناقدين أشاروا إليه صلى الله عليه وآله بأن يغزوا

[141]

فكلام الفاضلين في التحرير والمعتبر والشهيد في الدروس والبيان صريح في أنه شرط الوجوب دون الانعقاد، وهو ظاهر الشيخ في النهاية، وصريح العلامة في


المشركين في أزقة المدينة وحوائطها فأنزل عليه: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله)، وهكذا مدح المؤمنين في آية الشورى باستشارتهم في الامور حيث قال عزوجل: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون). فهذه الحكومه والقضاء على الامة بأجمعهم وتولية أمورهم انما كان لله ولرسوله بعد المشورة منهم برئاسة الرسول صلى الله عليه وآله، ومن بعده يكون لمن هو صاحب الامر والعزم من الرسول، كما يقول عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم). ومعرفة هذه الاية حق معرفتها أن اللام في (الرسول) عوض من المضاف إليه - كما هو الشأن في سائر الموارد - وهكذا اللام في (الامر) ويكون تقدير الكلام أطيعوا الله وأطيعوا رسوله وأطيعوا اولى أمر الرسول، فتجب على المؤمنين اطاعة من أمره رسول الله على المسلمين عند مضيه صلى الله عليه وآله وهم الائمة الطاهرون كما نص عليهم عزوجل في قوله: (انما وليكم الله) الاية الكريمة. ومعلوم أن هذا المقام انما فوض إلى الرسول واولى أمره لكونهم معصومين أولى الولاية الكبرى، فلا يصح أن يقوم مقامهم احد من عرض الناس كما لم يكن لاحد أن ينوب عنه ويقف موقفه في الفتيا ولاغيرها من شئون الامامة اللهم الا بأن ينعقد سقيفة بنى ساعدة مرة اخرى و... وأما الحكومة والقضاء على الافراد بأشخاصهم، فكل أحد مختار بنفسه ينفذ في نفسه وماله الذى اكتسبه بعمل يديه ما شاء، لا حكومة عليه في أموره الشخصية لاحد، الالله ولرسوله كما قال عزوجل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن =

[142]

غير التحرير، وظاهر ابن إدريس والمرتضى، بل كل من نسب إليه التحريم في الغيبة. والشهيد في الذكرى والالفية، والشهيد الثاني في شرح [الالفية و] كذا الرسالة أنه شرط


= يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا). وإذا كانت الحكومة والقضاء هذه أيضا للائمة الهادين كما هو الظاهر من آية الولاية، كانت من شؤن الامامة التى لا يتحصل الا لمن كان معصوما وقد عرفت تمام البحث فيه. فإذا لم يكن للفقيه ولاية على المسلمين، ولاصح كونه نائبا عن وليهم لا يصح له الامر بنداء الصلاة يوم الجمعة ولاوجب على من سمع النداء أن يجيبها، فان النداء لم يكن من قبل الولى حتى يجب الاجابة له، وهذا واضح مما عرفت في آية الجمعة (إذا نودى للصلاة) حق الوضوح. على أن صلاة الجمعة لاريب أنها من شؤن الرئاسة والحكومة وذلك بمعنى فعليتها لاجعل الحكومة شرعا ولذلك ترى رسول الله صلى الله عليه وآله لم يصل صلاة الجمعة في مكة، مع انه كان يصلى بجماعة المسلمين في دار الارقم بن أبى الارقم، حتى إذا هاجر إلى المدينة صلى صلاة الجمعة في أول يوم ورده - وكان يوم الجمعة - وذلك لانه قد قام على عرش الحكومة الالهية ذاك اليوم. وهكذا الروايات التى تنص على أن الجمعة انما تقام بعد حضور سبعة أحدهم الامام وفى صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر عليه السلام التصريح بأنهم: الامام، وقاضيه، و المدعى حقا، والمدعى عليه (كأنه عليه السلام يعنى الوكيل المدافع والذى يدعى عليه لقيامه بالامور الحسبية) والشاهدان، والذى يضرب الحدود بين يدى الامام، تشير إلى أن الجمعة انما يقيمها ولى المسلمن إذا كان له البسطة في الرئاسة والحكومة. وعلى هذا. فلو ثبت لفقهاء الامة نيابة عن الامام في الحكومة على الناس لما جاز لهم أن يقيموا الجمعة، وهم بعد رعايا السلاطين تسوقهم سوق الاغنام، فكيف ولم يثبت لهم نيابة أبدا.

[143]

الانعقاد، وكلام الشيخ في المبسوط والخلاف مضطرب، والشهيد الثاني في شرح الالفية تردد بين أن يكون شرطا للانعقاد أو للوجوب العيني. ثم الذين شرطوا الانعقاد به، اختلفوا في أنه عام أو مخصوص بزمان الحضور أو مخصوص بامكان أحد الامرين: فصريح الشهيد الثاني في كتبه والشهيد الاول في الذكرى والعلامة في النهاية أنه مخصوص بزمان الحضور، وصريح أبي الصلاح أنه مخصوص بالامكان والمحرمون لها في الغيبة مع بعض الموجبين والمجوزين يعممون الاشتراط إلا أن الموجبين والمجوزين يعدون الفقيه من نواب الامام، وبعضهم وافق ظاهر الشيخ في عد كل من يصلح للامامة من نوابه. فقد تحقق أن ههنا مقامات: الاول هل الامام أو نائبه شرط أم لا ؟ والثاني شرط لاي شئ ؟ فيه خمسة أقوال الاول شرط الوجوب، والثانى شرط الوجوب العيني، والثالث شرط الانعقاد مطلقا، والرابع شرط له حين حضور الامام، والخامس شرط له ما أمكن. والثالث النائب من هو ؟ فيه وجوه ثلاثة الاول من استنابه الامام بعينه، والثانى هو والفقيه، والثالث هما وكل من يصلح لامامة الجماعة. فأما القائلون بوجوبها عينا في الغيبة فهو أبو الصلاح والمفيد في المقنعة و الاشراف والكراجكي وكثير من الاصحاب، حيث أطلقوا ولم يقيدوا الوجوب بشئ كالكليني والصدوق وساير المحدثين التابعين للنصوص الواردة عن أئمة الدين عليهم السلام أما الكليني (1) فلانه قال: (باب وجوب الجمعة وعلى كم تجب) ثم أورد الاخبار الدالة على الوجوب العيني، ولم يورد خبرا يدل على اشتراط الامام أؤ نائبه، حتى أنه لم يورد رواية محمد بن مسلم الاتية التي توهم جماعة دلالتها على اعتبار الامام أو نائبه. ولا يخفى على المتتبع أن قدماء المحدثين لا يذكرون في كتبهم مذاهبهم، و


(1) الكافي ج 3 ص 418.

[144]

إنما يوردون أخبارا يصححونها، ومنه يعلم مذاهبهم وآراؤهم وكذا الصدوق في الفقيه (1) قال: (باب وجوب الجمعة وفضلها وأورد الاخبار ولم يورد معارضا، ورواية ابن مسلم نتكلم على دلالتها، وعبارته في المقنع كالصريح في ذلك كما سيأتي. وقال - ره - في كتاب المجالس (2) في مجلس أورده لوصف دين الامامية: (والجماعة يوم الجمعة فريضة وفي ساير الايام سنة فمن تركها رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له، ووضعت الجمعة عن تسعة: عن الصغير والكبيرو المجنون والمسافر والعبد والمرءة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين). وتخصيصها بزمان الحضور مع كونه بصدد مذهب الامامية ليعمل به تلامذته والاخذون عنه من غير قرينة في غاية البعد (3) وكذا ساير المحدثين ظواهر كلماتهم ذلك.


(1) الفقيه ج 1 ص 266. (2) أمالى الصدوق: 383. (3) قالوا: ومما يدل على أن الشيعة في عهد الصدوق لم يكن يصلى الجمعة أنه قال في الفقيه: وقال أبو عبد الله عليه السلام: أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان لانه كان إذا صلى لم يقف الناس على خطبته وتفرقوا وقالوا ما نصنع بمواعظه وهو لا يتعظ بها وقد أحدث ما أحدث، فلما رأى ذلك قدم الخطبتين على الصلاة. ولو لا أنه لم يكن ليصلى الجمعة لم اشتبه عليه أن الخطبة في يوم الجمعة مقدم على الصلاة اجماعا من المسلمين. قيل: ولا يبعد أن يكون لفظ الجمعة في كلامه هذا من سهو القلم. وليس بشئ لان الصدوق قد تعرج على ذلك في كتابه علل الشرايع ج 1 ص 252 وعيون الاخبار ج 2 ص 112، حيث أنكر على الفضل روايته بتقديم الخطبة في الجمعة قال: قال مصنف هذا الكتاب: جاء هذا الخبر هكذا والخطبتان في الجمعة والعيدين

[145]

وممن ظاهر كلامه ذلك الشيخ عماد الدين الطبرسي في كتابه المسمى بنهج العرفان، حيث قال بعد نقل الخلاف بين المسلين في شروط وجوب الجمعة أن الامامية أكثر إيجابا للجمعة من الجمهور، ومع ذلك يشنعون عليهم بتركها، حيث إنهم لا يجوزون الايتمام بالفاسق ومرتكب الكبائر والمخالف في العقيدة الصحيحة. وأما القائلون بالتحريم فهم ابن إدريس وسلار والعلامة في المنتهى، وجهاد التحرير، ونسب إلى الشيخ وعبارته مضطربة، وإلى علم الهدى في مسائل الميافارقيات وهي أيضا ليست بصريحة فيه، لانه قال: صلاة الجمعة ركعتان من غير زيادة عليهما، ولا جمعة إلا مع إمام عادل أو مع نصبه الامام العادل، فإذا عدم صليت الظهر أربع ركعات، فيحتمل أن يكون الفقيه أو كل من جمع صفات إمام الجماعة، من المنصوبين من قبل الامام عنده، كما أن الشيخ قال مثل هذا الكلام ثم صرح بالجواز في زمان الغيبة. وقال ابن البراج في النسخة التي عندنا من المهذب: واعلم أن فرض الجمعة لا يصح كونه فريضة إلا بشروط متى اجتمعت صح كونه فريضة جمعة، ووجبت لذلك، ومتى لم يجتمع لم يصح ولم يجب كونه كذلك، بل يجب كون هذه الصلاة ظهرا ويصليها المصلي بنية كونها ظهرا، والشروط التي ذكرناها هي أن يكون المكلف لذلك حرا بالغا كامل العقل، سليما عن المرض والعرج والعمى والشيخوخة التي لا يمكن الحركة معها، وأن لا يكون مسافرا ولا في حكم المسافر، وأن يكون بينه و بين موضع الجمعة فرسخان فما دونهما، ويحضر الامام العادل أو من نصبه أو من جرى


من بعده، لانهما بمنزلة الركعتين الاخراوين وان اول من قدم الخطبتين عثمان إلى آخر ما قاله في الفقيه بلفظه. وهكذا صرح بذلك في كتابه المقنع حيث يقول: وانما جعلت الصلاة يوم الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين: جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين فهى صلاة حتى ينزل الامام ومثله ما في الهداية على ما سيجئ تحت الرقم 71.

[146]

مجراه، ويجتمع من الناس سبعة أحدهم الامام، ويتمكن من الخطبتين ويكون بين الجمعتين ثلاثة أميال. فهذه الشروط إذا اجتمعت وجب كون هذه الصلاة فريضة جمعة، ومتى لم يجتمع سقط كونها فريضة جمعة، وصليت ظهرا كما قدمناه، فان اجتمع من الناس خمسة نفر أحدهم الامام، وحصل باقي هذه الشروط، كانت صلاتها ندبا واستحبابا. ويسقط فرضها مع حصول الشروط المذكورة، عن تسعة نفر، وهم: الشيخ الكبير والطفل الصغير والعبد والمرءة والاعمى والمسافر والاعرج والمريض وكل من كان منزله من موضعها على أكثر من فرسخين. ثم قال: وإذا كان الزمان زمان تقية جاز للمؤمنين أن يقيموا في مكان لا يلحقهم فيه ضرر وليصلوا جماعة بخطبتين، فان لم يتمكنوا من الخطبة صلوا جماعة أربع ركعات، ومن صلى فرض الجماعة مع إمام يقتدي به فليصل العصر بعد الفراغ من فرض الجمعة، ولا يفصل بينهما إلا بالاقامة انتهى. ولا يخفى أن المستفاد من كلامه أولا وآخرا أنه تجب الجمعة عينا مع الامام أو نائبه الخاص أو العام أعني الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، وهو المراد بقوله أو من جرى مجراه، وحمله على أن المراد من نصبه لخصوص الصلاة أو من جرى مجراه بأن نصبه للاعم منه بعيد، مع أنه يشمل الفقيه أيضا، ومع عدم النائب والفقيه ووجود العادل يجب تخييرا مع التمكن من الخطبة فتدبر. ثم أقول: إذا عرفت هذه الاختلافات، فالذي يترجح عندي منها الوجوب المضيق العيني في جميع الازمان، وعدم اشتراط الامام أو نائبه الخاص أو العام (1)


(1) المراد بالنائب الخاص أمثال العمرى وابن روح من وكلاء الناحية، وقد كانوا رضوان الله عليهم في سالف الازمان عند قدماء الاصحاب والمترجمين لهم لا يعرفون الا بأنهم سفراء الناحية ووكلاء الامام في أخذ الوجوهات البرية من المؤمنين وانفاقها فيما يأمرهم به أو ايصالها إليه عليه السلام، كما كانوا ينفذون في بعض الاحيان كتبهم ورسائلهم إليه =

[147]

بل يكفي العدالة المعتبرة في الجماعة، والعلم بمسائل الصلاة إما اجتهادا أو تقليدا أعم من الاجتهاد والتقليد المصطلح بين الفقهاء، أو العالم والمتعلم على اصطلاح المحدثين. نعم يظهر من الاخبار زائدا على إمام الجماعة القدرة على إيراد الخطبة البليغة المناسبة للمقام، بحسب أحوال الناس، والامكنة والازمنة، والاعوام والشهور و الايام، والعلم بآدابها وشرائطها. فإذا عرفت ذلك، فاعلم أنه استفيد من تلك الايات أحكام: الاول: وجوب الجمعة على الاعيان في جميع الازمان، وجه الاستدلال اتفاق المفسرين على أن المراد بالذكر في الاية الاولى صلاة الجمعة أو خطبتها أوهما معا، حكى ذلك غير واحد من العلماء، والامر للوجوب على ما تحقق في موضعه، لاسيما أوامر القرآن المجيد. والمراد بالنداء الاذان أو دخول وقته كما مر، فالمستفاد من الاية الامر بالسعي إلى صلاة الجمعة أي الاهتمام في إيقاعها لكل واحد من المؤمنين، متى تحقق الاذان لاجل الصلاة أو وقت الصلاة، وحيث كان الاصل عدم التقييد بشرط يلزم عموم الوجوب بالنسبة إلى زمان الغيبة والحضور. واعترض عليه بوجوه: الاول أن كلمة إذا غير موضوعة للعموم لغة، فلا يلزم وجوب السعي كلما تحقق النداء. والجواب أن (إذا) وإن لم تكن موضوعة للعموم لغة، لكن يستفاد منها العموم في أمثال هذه المواضع، إما بحسب الوضع العرفي أو بحسب القرائن الدالة


= ثم ايصال توقيعه عليه السلام إليهم، وهذا غير النيابة عن الامام كما هو واضح. لكن المتأخرين من أصحاب التراجم بلغوا بهم مبلغ النيابة الخاصة عن الامام، و تفرع عليه أن يكون سائر الفقهاء رضوان الله عليهم نوابا عامة، فهذا هو أصل الخبر فافهم.

[148]

عليه، كما قالوا في آية الوضوء وأمثالها، مع أن حمله على الاهمال يجعل الكلام خاليا عن الفائدة المعتد بها، ويجب تنزيه كلام الحكيم عنه. وأيضا لا يخلو إما يكون المراد إيجاب السعي ولو في العمر مرة أو إيجابه على سبيل العموم أو إيجابه عند حضور الامام أو نائبه، لاسبيل إلى الاول إذ ظاهر أن المسلمين متفقون على أن ليس المراد من الاية إيجاب السعي مطلقا، بحيث يتحقق بالمرة، بل أطبقوا على أن المراد بها التكرار، ولا سبيل إلى الثالث لكونه خلاف الظاهر من اللفظ إلا لادلالة للفظ عليه، ولا قرينة تدل عليه، فالعدول عن الظاهر إليه يحتاج إلى دليل واضح، فثبت الثاني وهو المطلوب. وأيضا الخطاب عام بالنسبة إلى جميع المؤمنين، سواء تحقق الشرط المدعى بالنسبة إليه أم لا، فعلى تقدير تجويز أن لم يكن المراد بالاية التكرار يلزم إيجاب السعي على من لم يتحقق الشرط بالنسبة إليه ولو مرة، ويلزم منه الدوام والتكرار لعدم القائل بالفصل. الثاني: أن الخطاب إنما يتوجه إلى الموجودين عند المحققين ولا يشمل من سيوجد إلا بدليل خارج، وليس إلا الاجماع وهو لا يجري في موضع الخلاف. والجواب أن التحقيق أن الخطاب يتوجة إلى المعدومين بتبعية الموجودين إذا كان في اللفظ ما يدل على العموم كهذه الاية، وقد حقق في محله والاجماع على عدم اختصاص الاحكام بزمانه لم يتحقق على كل مسألة مسألة حتى يقال لا يجري في موضع الخلاف، بل على هذا المفهوم الكلي مجملا، وإلا فلا يمكن الاستدلال بالايات ولا بالاخبار على شئ من المسائل الخلافية إذا ورد بلفظ الخطاب، و هذا سفسطة. مع أن الاخبار المتواترة تدل على عدم اختصاص أحكام القرآن والسنة بزمان دون زمان وأن حلال محمد صلى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

[149]

الثالث: أن الامر معلق على الاذان فمن أين ثبت الوجوب مطلقا. والجواب أنه يلزم بصريح الاية الايجاب مع تحقق الاذان، ويلزم منه الايجاب مطلقا، مع أنا قد قدمنا أن الظاهر أن المراد دخول وقت النداء. واعترض عليه بوجوه سخيفة اخرى وبعضها يتضمن الاعتراض على الله تعالى إذ لم يرتب متتبع في أن الاية إنما نزلت لوجوب صلاة الجمعة والحث عليها، فقصورها عن إفادة المرام يؤل إلى الاعتراض على الملك العلام، ويظهر الجواب عن بعضها مما قررنا سابقا في تفسير الايات. ثم إن أمثال تلك الاعتراضات إنما يحسن ممن لم يستدل في عمره بآية ولا خبر على حكم من الاحكام، وأما من كان دأبه الاستدلال بالظواهر والابهامات على الاحكام الغريبة، لا يليق به تلك المناقشات، وهل يوجد آية أو خبر لا يمكن المناقشة في الاستدلال بها بأمثال ذلك. ومن العجب أنهم يقولون: ورد في الخبر أن الذكر رسول الله صلى الله عليه وآله فيمكن أن يكون المراد به هنا السعي إليه صلى الله عليه وآله: ولا يعرفون أن الاخبار الواردة في تأويل الايات وبطونها، لا ينافي الاستدلال بظاهرها، فقد ورد في كثير من الاخبار أن الصلاة رجل والزكاة رجل، وأن العدل رسول الله صلى الله عليه وآله والاحسان أمير المؤمنين عليه السلام والفحشاء والمنكر والبغي الثلاثة، وأمثال ذلك أكثر من أن تحصى، وشئ منها لا ينافي العمل بظواهرها، والاستدلال بها، وقد حققنا معانيها وأشبعنا الكلام فيها في تضاعيف هذا الكتاب، والله الموفق للصواب. الثاني: تدل الاية على شرعية الاذان لتلك الصلاة، وقد مر الكلام فيه والمشهور أن الاذان إنما يؤتى به بعد صعود الامام المنبر، قال في مجمع البيان (1) في قوله تعالى (وإذا نودي) أي اذن لصلاة الجمعة، وذلك إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، وذلك لانه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله نداء سواه.


(1) مجمع البيان ج 10 ص 288.

[150]

قال السائب بن يزيد: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنان أحدهما بلال، فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد، فإذا أذن أقام للصلاة، ثم كان أبو بكر وعمر كذلك حتى إذا كان عثمان وكثر الناس وتباعدت المنازل، زاد أذانا فأمر بالتأذين الاول على سطح دار له بالسوق يقال له الزوراء، وكان يؤذن عليها، فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنة، فإذا نزل أقام للصلاة، انتهى، ولذا حكم أكثر الاصحاب بحرمة الاذان الثاني وبعضهم بالكراهة. واختلفوا في أن الحرام أو المكروه هل الثاني زمانا أو وضعا، ويدل على استحباب كون الاذان بعد صعود الامام المنبر، ما رواه الشيخ (1) عن عبد الله بن ميمون عن جعفر، عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون، لكن تعارضه حسنة إبراهيم بن هاشم (2) عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الجمعة فقال أذان وإقامة يخرج الامام بعد الاذان فيصعد المنبر الخبر. وهذا يدل على استحبابه قبل صعود الامام كما ذهب إليه أبو الصلاح، حيث قال: إذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالاذان فإذا فرغوا منه صعد المنبر فخطب، والاول مؤيد بالشهرة، ويمكن حمل الثاني على التقية، والتخيير لا يخلو من قوة. الثالث: ربما يتوهم رجحان العدو والاسراع إلى الجمعة، لقوله تعالى: (فاسعوا) وقد عرفت أنه غير محمول على ظاهره، وقد وردت الاخبار باستحباب السكينة والوقار إلا مع ضيق الوقت وخوف فوت الصلاة، فلا يبعد وجوب الاسراع حينئذ. الرابع: بناء على تفسير الذكر بالخطبة فقط أو مع الصلاة، يدل على شرعية الخطبة بل وجوبها إذ الظاهر أن وجوب السعي إليها يستلزم وجوبها، ولا خلاف في وجوب الخطبتين في الجمعة ولا تقديمهما على الصلاة في الجمعة إلا من الصدوق - ره -


(1) التهذيب ج 3 ص 244 ط نجف. (2) الكافي ج 3 ص 424 في حديث.

[151]

حيث يقول بتأخير الخطبتين في الجمعة والعديدين وهو ضعيف، وفيها دلالة ما على التقديم إن فسر بالخطبة فقط إذ مع تقديم الصلاة الامر بالسعي إلى الخطبة فقط بعيد، بخلاف ما إذا كانتا متقدمتين، فان حضورهما يستلزم حضور الصلاة وهما من مقدماتها. الخامس: استدل بها على وجوب إيقاع الخطبة بعد الزوال، واختلف الاصحاب فيه، فذهب الاكثر منهم المرتضى وابن أبي عقيل وأبو الصلاح إلى أن وقتها بعد الزوال، وقال الشيخ في الخلاف والنهاية والمبسوط أنه ينبغي للامام إذا قرب من الزوال أن يصعد المنبر ويأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشمس، فإذا زالت نزل فصلى بالناس، واختاره ابن البراج والمحقق و الشهيدان، وظاهر ابن حمزة وجوب التقديم وجواز التقديم لا يخلو من قوة، ويدل عليه صحيحة ابن سنان (1) وغيرها. واحتج المانعون بهذه الاية حيث أوجب السعي بعد النداء الذي هو الاذان فلا يجب قبله، واجيب بأنه موقوف على عدم جواز الاذان يوم الجمعة قبل الزوال وهو ممنوع. السادس: تدل الاية على تحريم البيع بعد النداء ونقل الاجماع عليه العلامة وغيره، والاستدلال بقوله: (وذروا البيع) فانه في قوة اتركوا البيع بعد النداء وربما يستدل عليه بقوله تعالى: ((فاسعوا) بناء على أن الفورية تستفاد من ترتب الجزاء على الشرط، والامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، وهذا على تقدير تمامه إنما يدل على التحريم مع المنافاة والمشهور التحريم مطلقا. ثم اعلم أن المذكور في عبارة أكثر الاصحاب تحريم البيع بعد الاذان حتى أن العلامة في المنتهى والنهاية نقل إجماع الاصحاب على عدم تحريم البيع قبل النداء ولو كان بعد الزوال، وفي الارشاد أناط التحريم بالزوال، وتبعه الشهيد الثاني


(1) التهذيب ج 3 ص 12 ط نجف ج 1 ص 248 ط حجر.

[152]

في شرحه، وهو ضعيف، إلا أن يفسر النداء بدخول وقته فتدل الاية عليه. واختلف الاصحاب في تحريم غير البيع من العقود والايقاعات والمشهور عدم التحريم، وذهب بعضهم إلى التحريم للمشاركة في العلة المومى إليها، بقوله (ذلكم خير لكم) وبأن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، والاخير إنما يتم مع المنافاة، والدعوى أعم من ذلك، والاحوط الترك مطلقا لاسيما مع المنافاة، و هل الشراء مثل البيع في التحريم ؟ ظاهر الاصحاب ذلك وحملوا البيع الواقع فيها على ما يعم الشراء وللمناقشة فيه مجال. واختلفوا أيضا فيما لو كان أحد المتعاقدين ممن لا يجب عليه السعي، فذهب جماعة من المتأخرين إلى التحريم، والمحقق إلى عدمه، وفاقا للشيخ، فانه كرهه والاحوط الترك، لاسيما إذا اشتمل على معاونة الاخر على الفعل. ثم اختلفوا في أنه مع التحريم هل يبطل العقد فالمشهور عدم البطلان، لان النهي في المعاملات لا يستلزم الفساد عندهم، وذهب ابن الجنيد والشيخ في المبسوط والخلاف إلى عدم الانعقاد ولعل الاول أقوى. السابع: في الاية الاخيرة دلالة على وجوب الحضور في وقت الخطبة إن فسر قوله: (وتركوك قائما) على القيام في وقت الخطبة، ولعله لا خلاف فيه، إنما اختلفوا في وجوب الانصات، فذهب الاكثر إلى الوجوب وذهب الشيخ في المبسوط والمحقق في المعتبر إلى أنه مستحب، وعلى تقدير الوجوب هل يجب أن يقرب البعيد بقدر الامكان ؟ المشهور بينهم ذلك، ولا يبعد كون حكمه حكم القراءة، فلا يجب قرب البعيد واستماعه. وكذا اختلفوا في تحريم الكلام فذهب الاكثر إلى التحريم فمنهم من عمم التحريم بالنسبة إلى المستمعين والخطيب، ومنهم من خصه بالمستمعين، ونقل عن الشيخ الجليل أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أنه قال في جامعه إذا قام الامام يخطب فقد وجب على الناس الصمت، وذهب الشيخ في المبسوط وموضع من الخلاف والمحقق

[153]

إلى الكراهية، ولعله أقرب، ومن القائلين بالتحريم من صرح بانتفاء التحريم بالنسبة إلى البعيد الذي لا يسمع ولاصم لعدم الفائدة، ومن المتأخرين من صرح بعموم التحريم، ولم يصرح الاكثر ببطلان الصلاة أو الخطبة بالكلام، والاقرب العدم، قال العلامة في النهاية: ولا تبطل جمعة المتكلم وإن حرمناه إجماعا، والخلاف في الاثم وعدمه، والظاهر تحريم الكلام أو كراهته بين الخطبتين، ولا يحرم بعد الفراغ منهما، ولا قبل الشروع فيهما اتفاقا. 1 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران والحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما فرض الله عزوجل من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، فيها صلاة واحدة فرضها الله في جماعة، وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير، والكبير، والمجنون، والمسافر، والعبد، والمرءة، والمريض، والاعمى، ومن كان على رأس فرسخين، والقراءة فيها جهار، والغسل فيها واجب، و على الامام فيها قنوتان: قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع، وفي الثانية بعد الركوع (1). مجالس الصدوق: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد إلى قوله على رأس فرسخين (2). مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، عن الصدوق، عن أبيه مثله (3). الخصال: عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، عن علي بن إبراهيم مثله إلى قوله وهي الجمعة (4).


(1) الخصال ج 2 ص 46. (2) أمالى الصدوق: 234. (3) امالي الطوسى ج 2 ص 47. (4) الخصال ج 2 ص 108.

[154]

* (تبيين) * اعلم أن هذا الخبر في أعلا مراتب الصحة، ورواه الصدوق أيضا بسند صحيح (1) عن زرارة، وفيه (إنما فرض الله عزوجل على الناس) إلى قوله: (منها صلاة) وفي بعض النسخ (فيها) ورواه في الكافي (2) في الحسن كالصحيح وفيه: (و فرض الله على الناس) وفيه أيضا (منها صلاة) ويستفاد منه أحكام: الاول: وجوب صلاة الجمعة (3) عينا في جميع الازمان مع تأكيدات كثيرة:


(1) الفقيه ج 1 ص 266. (2) الكافي ج 3 ص 418. (3) وجوب صلاة الجمعة لاريب فيه، وانما الكلام في وجود شرائطها، فعلى هذا ورود الاحاديث الكثيرة بوجوبها شئ، واشتراطها بوجود الامام مبسوط اليد شئ آخر، فحيث لم يوجد شرطها تركها الشيعة منذ عهد الغيبة كما عرفت من عهد الصدوق رضوان الله عليه. وهكذا ورود أحاديث كثيرة بوجوب الجهاد شئ، واشتراطه بحضور الامام واذنه شئ آخر كما اجمع بذلك الاصحاب، ولم يجاهد أحد ممن قال بالنيابة وأقام الجمعة ! ! وهكذا ورود الاحاديث بوجوب الخمس من أرباح المكاسب شئ، واشتراط اخراجه بحضور الامام صاحب الحق ومطالبته شئ آخر، ولذلك أفتى فقهاؤنا رضوان الله عليهم من زمن الغيبة باباحتها الا في هذه السنوات الاخيرة لشبهة دخلت عليهم وهى تعارض الاخبار بالاباحة وعدمها مع أنه لا تعارض فيها. وذلك لان الخمس انما جعل حقا لذوى سهامه فقال عزوجل: (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى) الاية بخلاف الزكاة حيث جعل حكما شرعيا وأوجب على المؤمنين أداءها فقال: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة).

[155]

الاتيان بلفظ الفرض الذي هو أصرح العبارات في الوجوب وآكدها، ثم قوله: (على الناس) كما في سائر الكتب لئلا يتوهم منه التخصيص بصنف وجماعة، ثم ضمها مع الصلوات التي كلها واجبة عينا. ثم قوله: (وضعها عن تسعة) فانه في قوة الاستثناء، فيفيد تأكيد شمول الحكم لغير تلك الافراد، ويرفع احتمال حمل الفرض على الوجوب التخييري، فان فيهم من يجب عليهم تخييرا بالاتفاق، ولفظ الامام الواقع فيها وفي سائر أخبار الجمعة والجماعة لاريب في أن الظاهر فيها إمام الجماعة، بقرينة الجماعة المذكورة سابقا. فان قيل: لعل المراد بقوله خمسا وثلاثين صلاة الصلوات التي منها الصلاة الواقعة في ظهر يوم الجمعة أعم من الجمعة والظهر، وقوله (منها صلاة) اريد بها فرد من واحدة من الخمس والثلاثين فهو في غاية البعد.


فإذا كان الخمس حقا كان كالدين فإذا أباح صاحب الحق والدين واحله لهم، صار ساقطا، ولايكون بين الاباحة ووجوب الحق تعارض لان الاباحة فرع وجوب الحق كما أنه لا تعارض بين اباحة بعض وطلب بعض آخر، ولذلك أباح الباقر والصادق ومن قبلهما عليهم السلام عن حقهم وطلب حقه أبو الحسن الكاظم والرضا ومن بعدهما من الائمة الطاهرين كما ورد به الروايات. فعلى هذا، المحكم ما ورد عن صاحب الحق اليوم وهو المهدى امام عصرنا صلوات الله عليه، وهو عليه السلام وان طلب حقه في زمن الغيبة الصغرى ووكل لذلك وكلاء يقبضون حقه من الشيعة، لكنه صلوات الله عليه لم يوكل أحدا عند غيبته الكبرى حيث قال في توقيعه المبارك إلى السمرى (... ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور الابعد اذن الله) وصرح بالاباحة في توقيعه الاخر (... وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى أن يظهر امرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث)، وتمام البحث موكول إلى محله.

[156]

فان قيل: الحضر المستفاد من (إنما) على ما في بعض النسخ، يؤيد الحمل على الاعم، وإلا انتقض الحصر بصلاة ظهر يوم الجمعة، لمن سقط عنه الجمعة. قلنا: لا تأييد فيه، لان قوله عليه السلام: (ووضعها عن تسعة) في قوة الاستثناء فكأنه قال: لم يفرض الله على جميع الناس من الصلوات اليومية إلا الخمس والثلاثين التي أحدهما الجمعة، إلا هؤلاء التسعة، فانه لا يجب عليهم خصوص هذه الخمس والثلاثين. وإنما لم يتعرض صريحا لم يجب على هؤلاء التسعة لان بعضه لا يجب عليهم شئ أصلا، والبعض الذي يجب عليهم الظهر حكم اضطرارى تجب عليهم بدلا من الجمعة لبعض الموانع الخلقية أو الخارجية، وإنما الاصل في يوم الجمعة الجمعة، فلذا عدها من الخمس والثلاثين، ولم يتعرض للبدل صريحا، وهذا ظاهر من الخبر بعد التأمل فظهر أن الحصر مؤيد ومؤكد لما ذكرنا، لا لما ذكرتم. الثاني: يدل على كون الجماعة فرضا فيها، ولا خلاف فيه، وفي اشتراطها بها. ويتحقق الجماعة بنية المأمومين الاقتداء بالامام، ويعتبر في انعقداها نية العدد المعتبر، وفي وجوب نية الامام نظر، ولو بان كون الامام محدثا قال في الذكري: فان كان العدد لا يتم بدونه فالاقرب أنه لاجمعة لهم، لانتفاء الشرط، وإن كان العدد حاصلا نم غيره صحت صلاتهم عندنا، لما سيأتي في باب الجماعة. وربما افترق الحكم هنا وهناك، لان الجماعة شرط في الجمعة ولم يحصل في نفس الامر، بخلاف باقي الصلوات، فان القدوة إذا قاتت فيها يكون قد صلى منفردا وصلاة المنفرد هناك صحيحة بخلاف الجمعة، وذهب بعض المتأخرين إلى الصحة مطلقا وإن لم يكن العدد حاصلا من غيره، ولا يخلو من قوة، والاحوط الاعادة مطلقا. الثالث: يدل على عدم الوجوب على الصغير والمجنون ولا خلاف فيه إذا كان حالة الصلاة مجنونا.

[157]

الرابع: يدل على السقوط عن الشيخ الكبير، وهو مذهب علمائنا، وقيده في القواعد بالبالغ حد العجز أو المشقة الشديدة، والنصوص مطلقة والاحوط عدم الترك مع الامكان. الخامس: يدل على عدم وجوبه على المسافر، ونقل اتفاق الاصحاب عليه الفاضلان والشهيد، والمشهور أن المراد به المسافر الشرعي فتجب على ناوي الاقامة عشرا والمقيم في بلد ثلاثين يوما، وفي المنتهى نقل الاجماع عليه، وكذا كثير السفر و العاصي كما صرح به في الذكرى وغيره، وقال في المنتهى: لم أقف على قول لعلمائنا في اشتراط الطاعة في السفر لسقوط الجمعة، وقرب الاشتراط، والمسألة لا تخلو من إشكال، وإن كان ما قر به قريبا. ومن حصل في مواضع التخيير فالظاهر عدم الوجوب عليه، لصدق السفر، و جزم في التذكرة بالوجوب، وذهب في الدروس إلى التخيير. السادس: يدل على عدم الوجوب على المرءة، وقل الفاضلان وغيرهما اتفاق الاصحاب عليه وفي الخنثى المشكل قولان وظاهر هذا الخبر الوجوب عليها كظاهر أكثر الاخبار. السابع: يدل على عدم وجوبها على العبد ونقل الفاضلان وغيرهما اتفاق الاصحاب عليه، ولافرق في ذلك بين القن والمدبر والمكاتب الذي لم يؤد شيئا لصدق المملوك على الكل، وهل يجب إذا أمره المولى ؟ فيه إشكال، واختلف الاصحاب في المبعض إذا هاياه المولى، فاتفقت الجمعة في يومه، فالمشهور سقوطها عنه، وفي المبسوط تجب عليه ولا يخلو من قوة، لعدم صدق العبد و المملوك عليه. الثامن: يدل على عدم وجوبها على المريض والاعمى، ونقل الفاضلان وغيرهما اتفاق الاصحاب عليها، وكلام الاصحاب يقتضي عدم الفرق فيهما بين ما يشق معه الحضور وغيره، وبهذا التعميم صرح في التذكرة، واعتبر في المسالك

[158]

تعذر الحضور أو المشقة التي لا يتحمل مثلها عادة، أو خوف زيادة المرض، ولا يظهر ذلك من النصوص. ثم اعلم أن الشيخ عد في جملة من كتبه والعلامة في بعض كتبه العرج أيضا من الاعذار المسقطة، حتى أنه قال في المنتهى: وهو مذهب علمائنا أجمع، لانه معذور بالعرج لحصول المشقة في حقه، ولانه مريض فسقطت عنه، ولا يخفى ما فيهما، وقيده في التذكرة بالاقعاد، ونقل إجماع الاصحاب عليه، ولم يذكره المفيد ولا المرتضى، وقال المتأخرون النصوص خالية عنه، وقال المرتضى: وروي أن العرج عذر، وقال المحقق فان كان يريد به المقعد فهو أعذر من المريض والكبير لانه ممنوع من السعي فلا يتناوله الامر بالسعي، وإن لم يرد ذلك فهو في حيز المنع. أقول: ويمكن أن يستدل لهم بعموم قوله تعالى (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج) (1) كما استدل الشهيد - ره - في


(1) النور: 61، الفتح: 17، وعندي أن توارد الجملتين في مورد المؤاكلة والجهاد ولا نسبة بينهما، يفيد أن هذا الجملة استعملت في القرآن العزيز كالكبرى قاعدة كلية، لا دخل لخصوص المورد والمقام في رفع الحرج عن الطوائف الثلاث، فيكون نتيجة مفاد الايتين أن العمى والعرج والمرض عذر في الامور التى تشق عليهم ويدخل عليهم الحرج وهو واضح. ولا يذهب عليك أن الاعذار انما يرتفع بها وجوب السعي والحضور إلى الجمعة و الجماعة والجهاد وتولى الاذان، وأما أصل الحكم فهى على حاله من المحبوبية والانتداب له، فيستحب لصاحب الاعذار أن يجيب النداء ويحضر الجماعة ويتولى الاذان، تحصيلا على مراد الله عزوجل، الا النساء حيث يجب عليهن الستر وعدم التزاحم مع الرجال. فإذا حضر وانتدب لهذه الاحكام ولم يكن له عذر آخر يمنعه من ذلك، كما إذا حضر في المسجد قبل النداء أو بعده، أو لم يكن زحام يمنع المرءة عن الحضور في المسجد،

[159]

الاعمى بذلك، لكن يرد عليه أن هذا نزل في موضعين من القرآن أحدهما في سورة النور، والمشهور كما هو ظاهر ما بعده، بل ما قبله أنها نزلت في المؤاكلة، والاخر في سورة الفتح وظاهره النزول في الجهاد، فشموله لما نحن فيه بعيد، فالظاهر وجوب حضوره كما هو المصرح في التذكرة والذكرى لعموم أدلة الوجوب، وعدم ما يصلح للتخصيص، نعم سيأتي من كتاب الدروس رواية مرسلة، وهي أيضا لا تصلح للتخصيص. التاسع: يدل على عدم وجوبها على من كان على رأس فرسخين، واختلف الاصحاب في تحديد البعد المقتضي لعدم السعي إلى الجمعة، فالمشهور بينهم أن حده أن يكون أزيد من فرسخين، وظاهر الصدوق في المقنع والمجالس أنه لا يجب على من كان على رأس فرسخين أيضا، كما هو مدلول هذا الخبر وذهب إليه ابن حمزة أيضا. وقال ابن أبي عقيل: من كان خارجا من مصر أو قرية إذا غدا من أهله بعدما يصلي الغداة فيدرك الجمعة مع الامام، فاتيان الجمعة عليه فرض، وإن لم يدركها إذا غدا إليها بعد ما يصلي الغداة فلا جمعة عليه، وقال ابن الجنيد: وجوب السعي إليها على من يسمع النداء بها أو كان يصل إلى منزله إذا راح منها قبل خروج نهار يومه، وهو قريب من قول ابن أبي عقيل، وأكثر الاخبار تدل على الاول، وهذا الخبر وما سيأتي من خطبة أمير المؤمنين تدل على الثاني، ويمكن الجمع بينهما


فعليه أن يستمع الخطبة، ويصلى مع امامه، والا لكان راغبا عن ولاية امامه معرضا عن مراده عاصيا له، ودخل عليه الذم بقوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها و تركوك قائما). على أن نفى الالتزام ورفع الوجوب عليهم انما كان شفقة عليهم رفعا للضيق والحرج وبعدما انتدبوا للنداء وحضروا بأنفسهم فلا ضيق عليهم ولاحرج في استماع الخطبة والصلاة مع الامام حتى تسقط عنهم، وهذا واضح بحمدالله.

[160]

بوجهين: أحدهما أن يكون المراد بمن كان على رأس فرسخين أن يكون أزيد منها ويؤيده أن العلم بكون المسافة فرسخين إنما يكون غالبا عند العلم بكونها أزيد. وثانيهما حمل الوجوب فيما دل على الوجوب في فرسخين على الاستحباب المؤكد، ولعل الاول أولى، وهذا الاختلاف يكون في الاخبار الواردة في أشياء لا يمكن العلم بحدها حقيقة غالبا كمقدار الدرهم والكر وأمثالهما. ويدل على الثالث صحيحة زرارة (1) وحملت على الفرسخين، فان الضعفاء والمشاة لا يمكنهم السعي في يوم واحد أكثر من أربعة فراسخ، فيكون كالتعليل للفرسخين، ويمكن حملها على الاستحباب. ثم اعلم أن الاصحاب عدوا من مسقطات الجمعة المطر، وقال في التذكرة إنه لا خلاف فيه بين العلماء، ويدل عليه صحيحة (2) عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بأن يترك الجمعة في المطر، وألحق العلامة ومن تأخر عنه بالمطر الوحل والحر والبرد الشديدين إذا خاف الضرر معهما، ولا بأس به تفصيا من لزوم الحرج المنفى. وأما الثلج والبرد إذا لم يخف معهما الضرر، فيشكل إلحاقه بالمطر لعدم صدقه عليهما لغة وعرفا، والقياس بالطريق الاولى - مع عدم ثبوت حجيته مطلقا وعسر إثبات الاولوية هنا مشكل، والاولى عدم الترك بغير ما ورد فيه النص من تلك الاعذار، إلا مع خوف الضرر الشديد، لاسيما للامام. وقال في المعتبر: قال علم الهدى: وروي أن من يخاف على نفسه ظلما أو ماله


(1) التهذيب ج 1 ص 321. (2) التهذيب: ج 1 ص 322، وقد مر في باب المساجد أنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال.

[161]

فهو معذور في الجمعة وكذا من كان متشاغلا بجهاز ميت أو تعليل والد أو من يجري مجراه من ذوي الحرمات الوكيدة يسعه التأخر. العاشر: يدل على أن القراءة جهر ولا خلاف في رجحان الجهر فيها، وظاهر الاكثر الاستحباب قال في المنتهى: أجمع كل من يحفظ عنه العلم على أنه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، ولم أقف على قول للاصحاب في الوجوب وعدمه، والاصل عدمه. أقول: الاحوط عدم ترك الجهر. الحادى عشر: يدل على وجوب الغسل في يوم الجمعة، وحمل في المشهور على تأكد الاستحباب (1) ثم إن الظاهر إرجاع ضمير (فيها) إلى الصلاة فيدل على أن وجوبها لاجل الصلاة، فإذا لم تصلى الجمعة لم يجب (2) وهذا وجه جمع بين الاخبار، لكن لم يقل بهذا التفصيل أحد، ويحتمل إرجاعه إلى الجمعة بمعنى اليوم على الاستخدام أو بتقدير الصلاة في الاول. الثاني عشر: يدل على أن قنوتها اثنان: في الاولى قبل الركوع، وفي الثانية بعده وهو المشهور بين الاصحاب، وظاهر ابن أبي عقيل وأبي الصلاح أن في الجمعة قنوتين قبل الركوع، مع احتمال موافقتهما للمشهور، وظاهر الصدوق في الفقيه أن فيها قنوتا واحدا في الثانية قبل الركوع، وظاهر ابن إدريس أيضا ذلك. وقال المفيد: إن في الجمعة قنوتا واحدا في الركعة الاولى قبل الركوع، وهو ظاهر ابن الجنيد، ومختار المختلف وبعض المتأخرين، ويظهر من المرتضى التردد بين أن يكون له قنوت واحد قبل الركوع، أو قنوتان في الاول قبل الركوع، وفي


(1) وقد عرفت أنها سنة في غير فريضة: فالاخذ بها هدى وتركها إلى غير خطيئة، الا إذا كان متمكنا من ذلك ولم يغتسل رغبة عنها، فيكون عاصيا. (2) الظاهر من موارد تعليله أن الاغتسال لاجل الجمعة والاجتماع لها.

[162]

الثانية بعده، والمشهور أقوى لهذه الصحيحة وصحيحة أبي بصير (1) لكن وردت أخبار كثيرة دالة على مذهب المفيد، فيمكن الجمع بينها بعدم تأكد الاستحباب في الثانية أو بالوجوب في الاولى، والاستحباب في الثانية. ويظهر من المعتبر جمع آخر حيث قال: والذي يظهر أن الامام يقنت قنوتين إذا صلى جمعة ركعتين، ومن عداه يقنت مرة جامعا كان أو منفردا. والظاهر أن المراد بالامام إمام الاصل أي القنوتان في الجمعة إنما هو إذا كان الامام فيها إمام الاصل، وإلا فواحدة، ولكن الجامع جمعة يقنت الواحدة في الاولى، والجامع ظهرا والمنفرد في الثانية، وهذا الخبر مما يؤيده وعلى المشهور يمكن أن يكون التخصيص بالامام بكونه عليه آكد أو واجبا أو لمعلومية كون المأموم تابعا له. 2 - المعتبر: قال الصادق عليه السلام: إن الله فرض في كل اسبوع خمسا وثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة: المريض، والمملوك والمسفار، والمرءة، والصبي (2). بيان: هذا الخبر رواه الكليني (3) والشيخ بسند صحيح (4) عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عنه عليه السلام وفيهما في كل سبعة أيام، والتصريح بالتعميم فيه أكثر من الخبر السابق، لقوله: (في كل سبعة أيام) وقوله: (على كل مسلم) والاستثناء الموجب لزيادة التأكيد في العموم، فيشمل الحكم زمان الغيبة. ثم الظاهر أن قوله (على كل مسلم) متعلق بقوله (واجبة) وقوله: (أن يشهدها)


(1 *) التهذيب ج 1 ص 250. (2) المعتبر: 200. (3) الكافي ج 3 ص 418. (4) التهذيب ج 1 ص 250.

[163]

إما فاعل لقوله: (واجبة) أو بدل اشتمال من الضمير، ويحتمل على بعد أن يكون (على كل مسلم أن يشهدها) جملة مستأنفة مؤكدة للاولى، وهذه العبارة أيضا دالة على الوجوب، عرفا، لاسيما مع قرينة الكلمات السابقة، والاصل في الوجوب العيني وإطلاق الواجب على أحد فردي التخييري مجاز كما حقق في محله، إذ الواجب ما لا يجوز تركه، فالواجب هو المفهوم المردد بينهما، مع أن استثناء الخمسة يأبى عن الحمل عليه كما عرفت. وقوله: (أن يشهدها) لبيان اشتراط الجماعة فيها والظاهر أن الامام والعدد الذين ينعقد بهم الجمعة داخلون في قوله: (كل مسلم) والشهود لا يستلزم انعقاد جمعة قبله، بل الشهور أعم من أن يكون لانعقادها أو إيقاعها مع من عقدها، فحاصل الكلام أن من جملة ذلك العدد صلاة يجب على كل مسلم إيقاعها على الاجتماع جماعة إلا الخمسة، وليس هذا إلا صلاة الجمعة. وقد عرفت أن الشرائط غير مأخوذة في الجمعة، ولا يؤخذ فيها إلا العدد و الخطبة، فما ثبت من الشرايط بدليل من خارج يعتبر فيها وإلا فلا، ولو لم يحمل على هذا فأية فائدة في هذا الكلام، ولابد من حمل أفعال الحكيم وأقواله على وجه يفيد فائدة معتدا بها، ويشتمل على حكمة عظيمة، وحمله على الالغاز والتعمية غير موجه. 3 - المقنعة (1): اعلم أن الرواية جاءت عن الصادقين عليهم السلام أن الله جل جلاله فرض على عباده من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة لم يفرض فيها الاجتماع إلا في صلاة الجمعة خاصة، فقال جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا) الاية. وقال الصادق عليه السلام: من ترك الجمعة ثلاثا من غير علة طبع الله على قلبه، فغرضنا وفقك الله الاجتماع على ما قدمناه إلا أنه بشريطة إمام مأمون، على صفات: يتقدم


(1) في ط الكمبانى: توضيح، وهو سهو.

[164]

الجماعة، ويخطب بهم خطبتين يسقط بهما و بالاجتماع عن المجتمعين من الاربع الركعات ركعتان، وإذا حضر الامام وجبت الجمعة على ساير المكلفين إلا من أعذره الله تعالى منهم، وإن لم يحضر إمام سقط فرض الاجتماع، وإن حضر إمام يخل بشريطة من يتقدم فيصلح به الاجتماع، فحكم حضوره حكم عدم الامام، والشرايط التي تجب فيمن يجب معه الاجتماع أن يكون حرا بالغا طاهرا في ولادته مجنبا من الامراض الجذام والبرص خاصة في خلقته (1) مسلما مؤمنا معتقدا للحق بأسره في ديانته مصليا للفرض في ساعته. فإذا كان كذلك واجتمع معه أربعة نفر وجب الاجتماع، ومن صلى خلف إمام بهذه الصفات وجب عليه الانصات عند قراءته، والقنوت في الاولى من الركعتين في فريضته، ومن صلى خلف إمام بخلاف ما وصفناه رتب الفرض على المشروح فيما قدمناه. ويجب الحضور مع من وصفناه من الائمة فرضا، ويستحب مع من خالفهم تقية وندبا روى هشام بن سالم عن زرارة بن أعين قال: حثنا أبو عبد الله عليه السلام على صلاة الجمعة حتى ظننت أنه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك ؟ فقال: إنما عنيت ذلك عندكم (2). بيان: هذا الكلام كما ترى صريح في اشتراط الامام ونائبه، وأنه لا يشترط فيها إلا ما يشترط في إمام الجماعة، والشيخ في التهذيب أورد هذا الكلام ولم ينكر عليه، وأورد الاخبار الدالة عليه، فيظهر أنه في هذا الكلام يوافقه، ولو كان إجماع معلوم فكيف كان يخفى على المفيد، وهو استاد الشيخ وأفضل منه، فلا بد من تأويل وتخصيص في كلام الشيخ كما ستعرف. وأما الحديث الاخير فرواه الشيخ بسند صحيح (3) ويدل على وجوب الجمعة


(1) في المصدر: في جلدته. (2) المقنعة: 27. (3) التهذيب ج 1 ص 321. (*)

[165]

في زمان الغيبة، إذ صرح الاكثر بأن زمان عدم استيلاء الامام عليه السلام في حكم أزمنة الغيبة، وما قيل من أن الحث يدل على الاستحباب فلا وجه له، لان التحريض كما يكون على المستحبات يكون على الواجبات، والاستبعاد من ترك زرارة في تلك المدة مما لاوجه له أيضا لان الازمنة كانت أزمنة تقية وخوف، وكان تركهم لذلك ولما علم عليه السلام في خصوص هذا الزمان كسر سورة التقية، لان دولة بني امية زالت ودولة بني العباس لم يستقر بعد، فلذا أمره بفعلها، وهو عليه السلام كان الامر عليه أشد، وخوفه أكثر، فلذا لم يجوز أن يأتوه عليه السلام (وعندكم) يحتمل أن يكون المحلة التي كانوا يسكنونها في المدنية أو في الكوفة، والاخير أظهر، وأما حمله على إيقاعها مع المخالفين تقية فهو بعيد، لان الصلاة معهم ظهر لاجمعة، لكن ذلك ليس ببعيد كل البعيد، ويمكن أن يكون المفيد - ره - حمله على ذلك، فلذا أخره أو يكون ذكره مؤيدا لاول الكلام. 4 - المعتبر: قال النبي صلى الله عليه وآله: الجمعة حق على كل مسلم إلا أربعة (1). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله كتب عليكم الجمعة فريضة واجبة إلى يوم القيامة (2). قال: وقال صلى الله عليه وآله: الجمعة واجبة على كل مسلم في جماعة (3). 5 - رسالة الجمعة: للشهيد الثاني في وجوب الجمعة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: الجمعة حق واجب على كل مسلم إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرءة أو صبي أو مريض (4). قال: وقال صلى الله عليه وآله: من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه (5).


(1 - 4) المعتبر: 200. (4) رسالة الجمعة: 54. (5) رسالة الجمعة: 55.

[166]

وفي حديث آخر: من ترك ثلاث جمع متعمدا من غير علة طبع الله على قلبه بخاتم النفاق (1). قال: وقال صلى الله عليه وآله: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين (2). قال: وقال النبي صلى الله عليه وآله في خطبة طويلة نقلها المخالف والمؤالف: إن الله تبارك وتعالى فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتي استخفافا أو جحودا لها فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا صوم له، ألا ولا بر له حتى يتوب (3). 6 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن زرعة، عن سماعة، عن الصادق عن أبيه عليهم السلام أنه قال: أيما مسافر صلى الجمعة رغبة فيها وحبا لها أعطاه الله عزوجل أجر مائة جمعة للمقيم (4). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن أبي عبد الله مثله (5). 7 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين والجمعة ما على الرجال ؟ قال: نعم (6). بيان: اعلم أن الاصحاب ذكروا أن من لا يلزمه الجمعة إذا حضرها جاز له فعلها تبعا وأجزأته عن الظهر، وهذا الحكم مقطوع به في كلامهم، بل قال في المنتهى


(1 - 3) رسالة الجمعة: 55. (4) أمالى الصدوق: 8. (5) ثواب الاعمال ص 34. (6) قرب الاسناد ص 100 ط حجر 133 ط نجف.

[167]

لا خلاف في أن العبد والمسافر إذا صليا الجمعة أجزأتهما عن الظهر، وحكى نحو ذلك في العبد، وقال في المريض: لو حضر وجبت عليه وانعقدت به، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال في الاعرج لو حضر وجبت عليه وانعقدت به بلا خلاف، وقال في التذكرة لو حضر المريض والمحبوس بعذر المطر أو الخوف وجب عليهم، وانعقدت بهم إجماعا وقال في النهاية: من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها وصلاها انعقدت جمعة وأجزأته. ويدل موثقة سماعة على الاجزاء عن المسافر، ورواية علي بن جعفر على الاجزاء عن المرءة، بل الوجوب عليها، وتحمل على ما بعد الحضور، أو على الاستحباب. ثم المشهور بينهم أن من لا يجب عليه السعي إلى الجمعة تجب عليه الصلاة مع الحضور، وممن صرح بذلك المفيد في المقنعة، فقال: وهؤلاء الذين وضع عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها وأن يصلوها كغيرهم، ويلزمهم استماع الخطبة والصلاة ركعتين، ومتى لم يحضروها لم تجب عليهم، وكان عليهم الصلاة أربع ركعات كفرضهم في ساير الايام، ومقتضى كلامه - ره - وجوبها على الجميع مع الحضور من غير استثناء، ونحوه قال الشيخ في النهاية. وقال في المبسوط: أقسام الناس في الجمعة خمسة: من تجب عليه وتنعقد به، وهو الذكر حر البالغ العاقل الصحيح المسلم من العمى والعرج والشيخوخة التي لا حراك معها: الحاضرون من هو في حكمه، ومن لا تجب عليه ولا تنعقد به وهو الصبي والمجنون والمسافر والمرأة، لكن يجوز لهم فعلها إلا المجنون، ومن تنعقد به ولا تجب عليه وهو المريض والاعمى والاعرج، ومن كان على رأس أكثر من فرسخين، ومن تجب عليه ولا تنعقد به وهو الكافر لانه مخاطب بالفروع عندنا، ومختلف فيه وهو من كان مقيما في بلد من التجار وطلاب العلم ولا يكون مستوطنا بل يكون من عزمه متى انقضت حاجته خرج فانه يجب عليه وتنعقد به عندنا، وفي انعقادها

[168]

به خلاف. والظاهر أن مراده قدس سره بنفي الوجوب في موضع جواز الفعل نفي الوجوب العيني لان الجمعة لا تقع مندوبة إجماعا كما قيل، وينبغي أن يقيد الوجوب المنفي عن المريض والاعمى والاعرج في كلام الشيخ بحال عدم الحضور لئلا ينافي الاجماع المنقول عن العلامة، لكنه خلاف الظاهر من كلامه. والمستفاد من كلام المفيد والشيخ في النهاية وجوبها على المرءة عند الحضور وصرح به ابن إدريس فقال بوجوبها على المرءة عند الحضور غير أنها لا تحسب من العدد وقطع المحقق في المعتبر والشرايع بعدم الوجوب على المرءة وقال في المعتبر إن وجوب الجمعة عليها مخالف لما عليه اتفاق فقهاء الامصار، وطعن في رواية حفص (1) الدالة على الوجوب بضعف السند، وظاهره عدم جواز الفعل أيضا، وأما المسافر والعبد فالمشهور أنه تجب عليهما الجمعة عند الحضور، وظاهر المبسوط عدم الوجوب، و


(1) التهذيب ج 1 ص 251 ط حجر ج 3 ص 22 ط نجف، ولفظه: قال: سمعت بعض مواليهم سأل ابن أبى ليلى عن الجمعة هل تجب على العبد والمرءة والمسافر ؟ قال: لا، قال: فان حضر واحد منهم الجمعة مع الامام فصلاها هل تجزيه تلك الصلاة عن ظهر يومه ؟ قال: نعم، قال: وكيف يجزى ما لم يفرضه الله عليه عما فرض الله عليه، وقد قلت: ان الجمعة لا تجب عليه، ومن لم تجب عليه الجمعة فالفرض عليه أن يصلى أربعا ؟ ويلزمك فيه معنى أن الله فرض عليه أربعا فكيف أجزأه عنه ركعتان ؟ مع ما يلزمك أن من دخل فيما لم يفرضه الله عليه لم يجزء عنه مما فرض الله عليه ؟ فما كان عند ابن أبى ليلى فيها جواب وطلب إليه أن يفسرها له فأبى، ثم سألته أنا ففسرها لى، فقال: الجواب عن ذلك أن الله عزوجل فرض على جميع المؤمنين والمؤمنات ورخص للمرءة والعبد والمسافر أن لا يأتوها، فلما حضروا سقطت الرخصة ولزمهم الفرض الاول، فمن أجل ذلك أجزأ عنهم، فقلت: عمن هذا ؟ قال: عن مولانا أبى عبد الله عليه السلام.

[169]

هو المنقول عن ابن حمزة، وقال في المدارك، والحق أن الوجوب العيني منتف قطعا بالنسبة إلى كل من سقط عنه الحضور، وأما الوجوب التخييري فهو تابع لجواز الفعل انتهى. أقول: أمر النية هين، لاسيما بالنسبة إلى نوعي الوجوب، فإذا ثبت الوجوب في الجملة فلا يلزم تعيين نوعه، وأنت إذا تأملت في العبارات التي نقلناها في هذه المسألة، والاقوال التي قدمناها تبين حقيقة الاجماعات المنقولة. بقي الكلام في أن الجمعة بمن تنعقد من هؤلاء ؟ فقد نقل اتفاق الاصحاب على انعقادها بالعبد والاعمى والمحبوس بعذر المطر ونحوه، مع الحضور، وأطبقوا على عدم انعقادها بالمرءة بمعنى احتسابها من العدد، لان الرهط والقوم والنفر الواقعة في الاخبار خصها أكثر اللغويين بالرجال. واختلفوا في انعقادها بالمسافر والعبد لو حضرا، فقال الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر ينعقد بهما، لان ما دل على اعتبار العدد يتناولهما، وقال في المبسوط وجمع من الاصحاب: لا ينعقد بهما لانهما ليسامن أهل فرض الجمعة، و المسألة لا تخلو من إشكال، وإن كان الانعقاد لا يخلو من قوة. وقال في الذكرى: الظاهر وقوع الاتفاق على صحة الجمعة لجماعة المسافرين وإجزاؤها عن الظهر، وهو مشكل لدلالة الروايات الصحيحة على أن فرض المسافر الظهر، وعلى منعه من عقد الجمعة، وإطلاق موثقة سماعة محمول على ما إذا حضر جمعة الحاضرين. 8 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا تكون الجماعة بأقل من خمسة (1). بيان: لا خلاف بين العلماء في اعتبار العدد واشتراطه في صحة صلاة الجمعة،


(1) الخصال ج 1 ص 139.

[170]

وإنما الخلاف في أقله، فللاصحاب فيه قولان: أحدهما أنه خمسة وإليه ذهب الاكثر وثانيهما أنه سبعة في الوجوب العيني وخمسة في التخييري، وذهب إليه الشيخ و ابن البراج وابن زهرة والصدوق، ومال إليه في الذكرى، وهو أقوى، وبه يجمع بين الاخبار، وفي هذا الحديث أيضا إيماء إليه، وفي أكثر النسخ (لا تكون الجماعة) فالمراد الجماعة التي هي شرط صحة الصلاة، والجمعة كما في بعض النسخ أظهر. 9 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الزوال يوم الجمعة ماحده ؟ قال: إذا قامت الشمس صل الركعتين، فإذا زالت الشمس صل الفريضة، وإذا زالت الشمس قبل أن تصلي الركعتين فلا تصلهما وابدء بالفريضة واقض الركعتين بعد الفريضة (1). السرائر: نقلا من جامع البزنطي عن الرضا عليه السلام مثله (2) إلا أن فيه فيه (فصل ركعتين فإذا زالت فصل الفريضة ساعة تزول الشمس، فإذا زالت قبل أن تصلي الركعتين فلا تصلهما) إلى آخر الخبر. 10 - العياشي: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الاية (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فقال: إن للصلاة وقتا، والامر فيه واسع يقدم مرة ويؤخر مرة إلا الجمعة، فانما هو وقت واحد، وإنما عنى الله كتابا موقوتا أي واجبا يعني بها أنها الفريضة (3). ومنه: عن جعفر بن أحمد، عن العمركي، عن العبيدي، عن يونس، عن علي بن جعفر، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: لكل صلاة وقتان ووقت يوم الجمعة زوال الشمس (4).


(1) قرب الاسناد: 128 ط نجف. (2) السرائر: 469. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 274. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 314 في حديث.

[171]

11 - البصائر: للصفار عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن علي ابن النعمان، عن ابن مسكان، عن عبد الاعلى بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من الاشياء أشياء ضيقة، وليس تجري إلا على وجه واحد، منها وقت الجمعة ليس لوقتها إلا حد واحد حين تزول الشمس، ومن الاشياء أشياء موسعة تجري على وجوه كثيرة (1). المحاسن: عن علي بن النعمان مثله، وفيه: أشياء مضيقة (2). 12 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: تصلي الجمعة وقت الزوال (3). (تبيين) اعلم أن المشهور بين الاصحاب أن أول وقت الجمعة زوال الشمس، فقال الشيخ في الخلاف: وفي أصحابنا من أجاز الفرض عند قيام الشمس، قال: واختاره علم الهدى، قال ابن إدريس: ولعل شيخنا سمعه من المرتضى مشافهة، فان الموجود في مصنفات السيد موافق للمشهور والاول أقرب. ثم اختلفوا في آخر وقتها، فالمشهور بينهم أن آخره إذا صار ظل كل شئ مثله، بل قال في المنتهى: إنه مذهب علمائنا أجمع، وقال أبو الصلاح إذا مضى مقدار الاذان والخطبة وركعتي الفجر فقد فاتت، ولزم أداؤها ظهرا، وقال الشيخ في المبسوط: إن بقى من وقت الظهر قدر خطبتين وركعتين خفيفتين صحت الجمعة، وقال ابن إدريس: يمتد وقتها بامتداد وقت الظهر، واختاره في الدروس والبيان، و قال الجعفي: وقتها ساعة من النهار.


(1) البصائر: 328 في حديث. (2) المحاسن: 300 في حديث. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 140.

[172]

ومستند المشهور غير معلوم (1) واستند أبو الصلاح إلى هذه الاخبار الدالة


(1) مستند المشهور فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسنته التى سنها، فانه صلى الله عليه وآله كان يصلى يوم الجمعة حين الزوال - مطلقا: سواء صلى صلاة الجمعة أو صلى في السفر ركعتين - وذلك لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله انما جعل القدم والقدمين وبعبارة أخرى المثل والمثلين لمكان النافلة. وأما يوم الجمعة فلما جعله يوم عيد وفراغ واجتماع من اول يوم ورد المدينة، صارت النوافل بزيادة أربع ركعات قبل الزوال لمكان الفراغ، وصار الميقات الاول المقدر للنوافل في سائر الايام (وهو من اول الزوال إلى أن يصير الظل مثله) مختصا بصلاة الجمعة يقدم أولا فأولا، صار الميقات الثاني المقدر لصلاة الظهر في سائر الايام (وهو من أول المثل إلى أن يصير الفئ مثليه) لصلاة العصر يقدم أولا فاولا، وبقى الميقات الثالث المقدر لصلاة العصر في ساير الايام فارغا لاصلاة فيها. فعلى هذا، إذا كان الامام في سفر أو مطر أو يخاف من خطر أو لم يجتمع العدد، ولم يرتفع العذر الا بعد ما صار ظل كل شئ مثله فقد خرج وقت صلاة الجمعة وحان وقت صلاة الظهر على حدها في سائر الايام، وكان النداء غير جامعة، يصلى بهم الامام أربع ركعات ثم يصلى بهم العصر عند ما يصير الظل مثليه. كل ذلك بناء على ما مر في باب أوقات الصلوات أن بالزوال يحين وقت الصلاتين جميعا الا أن هذه قبل هذه، وانما سن رسول الله المثل والمثلين لمصلحة رآها، فحصل بذلك مواقيت ثلاثة في الحضر، واما في السفر، فلما كانت النافلة ساقطة عن المسافر، كان عليه أن يصلى صلاة الظهر أول الزوال الا لعذر ثم يصلى العصر يجمع بينهما الا لعذر أيضا، كما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله، ورود بذلك أحاديث أهل البيت عليهم الصلوات والسلام. ولذلك نفسه صلى رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة ظهره حين قدم المدينة أول الزوال ولما كان اول يوم غلب على عرش الحكومة وظهر له البسطة في اليد، قدم لصلاته خطبة واتخذ ذلك

[173]

على التضييق، والظاهر أن التضييق في مقابلة الوسعة التي في ساير الصلوات، ومستند الجعفي - ره - ما روي عن ابي جعفر عليه السلام قال: وقت الجمعة إذا زالت وبعده بساعة (1). وكان والدي قدس الله روحه يذهب إلى أن وقتها بقدر قدمين، وهو قوي لدلالة الاخبار الكثيرة على أن وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في ساير الايام، ووقت الظهر بعد القدمين، فالقدمان وقت الجمعة، والقول بالفاصلة بين وقتي الصلاتين في غاية البعد. ولا ينافي أخبار التضييق كما عرفت ولا أخبار الساعة، إذا الساعة في الاخبار تطلق على قدر قليل من الزمان، لا الساعة النجومية، مع أن مقدارهما قريب من الساعات المعوجة التي قد مر في بعض الاخبار إطلاق الساعة عليها في باب علل الصلاة. وظاهر الصدوق في المقنع أنه اختار هذا الرأي وإن لم ينسب إليه حيث قال: واعلم أن وقت صلاة العصر يوم الجمعة في وقت الاولى في ساير الايام، والعجب من القوم أنهم لم يتفطنوا لذلك لامن الاخبار، ولامن كلامه. والاحوط الشروع بعد تحقق الوقت في الخطبة، ثم الصلاة بلا فصل، و أما قصر الخطبة فلا يلزم لنقل الخطب الطويلة من الائمة عليهم السلام فيها وقال في المبسوط ولا يطول الخطبة بل يقتصد فيهما، لئلا تفوته فضيلة أول الوقت، وقال فيه: وقد روي أن من فاته الخطبتان صلى ركعتين، فعلى هذه الرواية يمكن أن يقال: يصلي الجمعة


اليوم يوم ذكرى هجرته صلى الله عليه وآله ويوم عيد يجتمع فيه المسلمون يتباشرون بتأسيس دولتهم، فسماه يوم جمعة، واتخذ الخطبة قبل الصلاة سنة لصلاة الجمعة وشعارا لرئيس دولتهم ووليهم يحيى بها ذكر الله عزوجل وذكر رسوله صلى الله عليه وآله، إلى أن نزلت سورة الجمعة وفرض هذا العيد بصلاته على ما عرفت في صدر الباب. (1) مصباح المتهجد: 254.

[174]

ركعتين، ويترك الخطبتين، والاول أحوط، والوجه في هذه الرواية أن تكون مختصة بالمأموم الذي تفوته الخطبتان، فانه يصلي الركعتين مع الامام فأما أن تنعقد الجمعة بغير خطبتين، فلا يصلح على حال انتهى. أقول: وما ذكره أخيرا هو الوجه، بل هو ظاهر الرواية. 13 - المقنع: وإن صليت الظهر مع الامام يوم الجمعة بخطبة، صليت ركعتين وإن صليت بغير خطبة صليتها أربعا بتسليمة واحدة، قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا كلام والامام يخطب يوم الجمعة ولا التفات إلا كما تحل في الصلاة. وإنما جعلت الصلاة يوم الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين، وهي صلاة حتى ينزل الامام (1). بيان: لا يخفى على المتأمل أن ظاهر هذه العبارة الوجوب وعدم الاشتراط بالامام، وروى الشيخ في الصحيح (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتى ينزل الامام. واستدل به على اشتراط طهارة الخطيب من الحدث في حال الخطبتين كما هو مختار الشيخ في المبسوط والخلاف ومنعه ابن إدريس والفاضلان ومنع دلالة الخبر على المساواة من جميع الجهات، وصرح الشهيد في البيان باشتراط الطهارة من الخبث أيضا ولاريب أنه أحوط، بل الاولى رعاية جميع شرايط الصلاة للخطيب والمستمع، إلا ما أخرجه الدليل، لاسيما الالتفات الفاحش كما ورد في هذا الخبر. 14 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يقول: لا بأس أن يتخطى الرجل يوم الجمعة إلى مجلسه حيث كان، فإذا خرج الامام فلا يتخطان أحد رقاب الناس، وليجلس حيث تيسر


(1) المقنع: 45 و 46، وقوله: (جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين) قد عرفت معناه في ص 145. (2) التهذيب ج 1 ص 248.

[175]

إلا من جلس على الابواب ومنع الناس أن يمضوا إلى السعة، فلا حرمة له أن يتخطاه (1). بيان: قال في المنتهى: إذا أتى المجلس جلس حيث ينتهي به المكان، و يكره له أن يتخطى رقاب الناس، سواء ظهر الامام أو لم يظهر، وسواء كان له مجلس يعتاد الجلوس فيه أو لم يكن، وبه قال عطا وسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد وقال مالك: إن لم يكن قد ظهر لم يكره وإن ظهر كره إن لم يكن له مجلس معتاد وإلا لم يكره، لنا ما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال للذي يتخطى الناس: رأيتك آنيت وآذيت أي أخرت المجئ. ثم ذكر - ره - روايتين اخريين عاميتين ثم قال: لو رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي كان مكروها لعموم الخبر، إلا أن لا يجد إلى مصلاه سبيلا فيجوز له التخطي إليه، إذا لم يكن له موضع يتمكن من الصلاة فيه، وبه قال الشافعي، وقال الاوزاعي: يتخطاهم إلى السعة مطلقا، وقال قتادة: إلى مصلاه، وقال الحسن: يتخطا رقاب الذين يجلسون على أبواب المسجد، فانه لاحرمة له، أما لو تركوا الاولى خالية جاز له أن يتخطاهم لانهم رغبوا عن الفضل فلا حرمة لهم انتهى. وأقول: الخبر الذي رواه الحميري وان كان فيه ضعف فهو أقوى سندا مما استند إليه العلامة ره من الروايات العامية، ويشكل حمله على التقية لعدم المعارض مع اختلاف الاقوال بينهم، بل خلاف الرواية بينهم أشهر، فلا بأس بالعمل به، وقال الجزرى في الحديث إنه قال لرجل جاء يوم الجمعة فتخطأ رقاب الناس آذيت وآنيت أي آذيت الناس بتخطيك وأخرت المجئ وأبطأت. 15 - العلل: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن ابي عبد الله عليه السلام قال:


(1) قرب الاسناد: 72 ط حجر ص 94 نجف. (*)

[176]

إذا قمت إلى الصلاة إنشاء الله تعالى فأتها سعيا، وليكن عليك السكينة والوقار، فما أدركت فصل، وما سبقت به فأتمه، فان الله عزوجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) ومعنى قوله: فاسعوا هو الانكفات (1). بيان: (وليكن عليك السكينة) أي ليس المراد بالسعي في الاية العدو، بل يلزم السكينة وهي اطمينان البدن والوقار، وهو اطمينان القلب أو العكس، فالمراد بالسعي إما مطلق المشي أو الاهتمام والمبالغة كما مر، قال في القاموس: سعى يسعي سعيا كرعي قصد وعمل ومشى وعدا ونم وكسب، وقوله: (ومعنى قوله) إما كلام الصدوق أو سائر الروات، أو الامام، والاخير أظهر، والانكفات المراد به الانقباض كناية عن ترك الاسراع، والقصد في المشئ، أو المراد السعي مع الانكفات، أو المراد الانكفات والانصراف عن سائر الاعمال، فيرجع إلى معنى الاهتمام المتقدم، ويحتمل أن يراد بالسعي والانكفات الاسراع، وبالسكينة والوقار عدم التجاوز عن الحد فيه أو كلاهما بمعنى اطمينان القلب بذكر الله، ولا يخلو من بعد. قال في القاموس: كفته يكفته: صرفه عن وجهه، وانكفت، والشئ إليه ضمه وقبضه، والطائر وغيره أسرع في الطير، ورجل كفت وكفيت خفيف سريع دقيق و كافته سابقه، والانكفات الانقباض والانصراف. 16 - كتاب العروس: للشيخ الفقيه جعفر بن أحمد القمي - رحمه الله - باسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: تجب الجمعة على سبعة نفر من المؤمنين ولا تجب على أقل منهم: الامام، وقاضيه، والمدعي حقا، والمدعى عليه، والشاهدان، و الذي يضرب الحدود بين يدي الامام. بيان: هذا الخبر رواه في التهذيب (2) عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد


(1) علل الشرايع ج 2 ص 46. (2) التهذيب ج 1 ص 251، وقد مر البحث عنه.

[177]

ابن الحسين، عن الحكم بن مسكين، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام ورواه الصدوق في الفقيه (1) باسناده، عن محمد بن مسلم وفيه (ومدعيا حق وشاهدان) وهو عمدة مستمسك المشترطين للامام أو نائبه بعد الاجماع، لدلالته على أنه إنما تجب الجمعة مع الامام، فلا تجب مع غيره، والمراد بالامام إمام الكل بقرينة القاضي وساير من ذكر بعده. واعترض عليه الشهيد الثاني رفع الله درجته بوجوه: الاول ضعف الخبر، فان في طريقه الحكم بن مسكين وهو مجهول (2) لم يذكره أحد من علماء الرجال المعتمدين ولم ينصوا عليه بتوثيق ولاضده، وما هذا شأنه يرد الحديث لاجله، لان أدنى مراتب قبوله أن يكون حسنا أو موثقا إن لم يكن صحيحا، وشهرته بين الاصحاب على وجه العمل بمضمونه بحيث يجبر ضعفه ممنوعة فان مدلوله لا يقول به الاكثر. أقول: وقد يجاب عنه بأن الخبر موجود في الفقيه عن محمد بن مسلم كما عرفت وسنده إليه صحيح. أقول: صحة سنده إليه ممنوع على طريقه المتأخرين إذ في سنده علي بن أحمد بن عبد الله بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد، وهو أبوه غير مذكورين في كتب الرجال (3) ولم يوثقهما أحد، وكونه من مشايخ الصدوق غير مفيد لتوثيق ولا مدح في غير هذا المقام وإن اعتبروه هنا اضطرارا. ثم قال الشهيد الثاني - ره - وثانيها أن الخبر متروك الظاهر، لان مقتضى ظاهره أن الجمعة لا تنعقد إلا باجتماع هؤلاء (4) واجتماعهم جميعا ليس بشرط


(1) الفقيه ج 1 ص 267. (2) بل مهمل، ولذلك عنونه ابن داود في القسم الاول. (3) راجع في ذلك ج 88 ص 272. (4) قد عرفت أن ذكر هؤلاء السبعة انما هو اشارة إلى بسط يد الامام وغلبته على دولة الاسلام، وهذا معنى واضح على فرض العمل بالحديث، والا لما كان للحديث معنى أبدا،

[178]

إجماعا، وإنما الخلاف في حضور أحدهم وهو الامام، فما يدل عليه الخبر لا يقول به أحد، وما يستدل به منه لا يدل عليه بخصوصه، فان قيل: حضور غيره خرج بالاجماع فيكون هو المخصص لمدلول الخبر، فتبقى دلالته على ما لم يجمع عليه باغية، قلنا يكفي في إطراحه وتهافته مع ضعفه مخالفة أكثر مدلوله لاجماع المسلمين، وما الذي يضطر إلى العمل ببعضه مع هذه الحالة العجيبة. وثالثها أن مدلوله من حيث العدد، وهو السبعة متروك أيضا، ومعارض بالاخبار الصحيحة الدالة على اعتبار الخمسة خاصة، وما ذكر فيه السبعة غير هذا الخبر لا ينافي إيجابها على من دونهم، بخلاف هذا الخبر، فانه نفي فيه وجوبها عن أقل من السبعة. ورابعها أنه مع تقدير سلامته من هذه القوادح يمكن حمله على حالة إمكان حضور الامام، وأما مع تعذره فيسقط اعتباره جمعا بين الادلة، ويؤيده إطلاق الوجوب فيه الدال بظاهره على الوجوب العيني المشروط عند من اعتبر هذا الحديث بحالة الحضور، وأما حال الغيبة فلا يطلقون على حكم الصلاة اسم الوجوب، بل الاستحباب، بناء على ذهابهم حينئذ إلى الوجوب التخييري مع كون الجمعة أحد الفردين الواجبين تخييرا. وخامسها حمل العدد المذكور في الخبر على اعتبار حضور قوم من المكلفين بها بعدد المذكورين، أعني حضور سبعة وإن لم يكونوا عين المذكورين، نظرا إلى فساد حمله على ظاهره من اعتبار أعيان المذكورين لاجماع المسلمين على عدم اعتباره وقد نبه على هذا التأويل شيخنا المتقدم السعيد أبو عبد الله المفيد في كتاب الاشراف فقال: وعددهم في عدد الامام والشاهدين والمشهور عليه والمتولي لاقامة


ومتى كان في عهد النبي صلى الله عليه وآله قاض يقضى بين المسلمين دونه، ومن الذى كان يضرب الحدود بين يديه ولم ينزل الحدود الا بعد سنوات من قدومه المدينة، و... و.. بل وكيف يصلون الجمعة في القرى، ولا أثر فيها من الولاة والقضاة وغير ذلك.

[179]

الحد. وسادسها أن الامام المذكور في الخبر، لا يتعين حمله على الامام المطلق أعني السلطان العادل، بل هو أعم منه، والمتيقن منه كون الجماعة لهم إمام يقتدون به حتى لا تصح صلاتهم فرادى، ونحن نقول به. فان قيل: قرينته الاطلاق، وعطف قاضيه عليه باعادة الضمير إليه، فان الامام غيره لا قاضي له، قلنا قد اضطررنا عن العدول عن ظاهره، لما ذكرناه من عدم اعتبار قاضيه وغيره، فالامام غيره، وإن اعتبرنا خصوص الامام، فلا حجة فيه حينئذ و جاز إضافة القاضي إليه بأدنى ملابسة لان المجمل باب تأويل لامحل تنزيل، وباب التأويل متسع خصوصا مع دعاء الضرورة إليه على كل حال، ونمنع من كون الامام محمولا على السلطان خصوصا مع وجود الصارف. وسابعها أن العمل بظاهر الخبر يقتضي أن لا يقوم نائبه مقامه (1) وهو خلاف إجماع المسلمين، فهو قرينة اخرى على كون الامام ليس هو المطلق، أو محمول على العدد المقدم أو غيره. وثامنها أنه معارض بما رواه محمد بن مسلم راوي هذا الحديث في الصحيح (2) عن أحدهما عليه السلام قال: سألته عن اناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة ؟ قال: نعم يصلون أربعا إذا لم يكن فيهم من يخطب، ومفهوم الشرط أنه إذا كان فيه من يخطب يصلون الجمعة ركعتين (ومن) عامة فيمن يمكنه الخطبة، الشامل لمنصوب الامام و


(1) قد عرفت أنه لا يعقل النيابة عن الامام وانه ينصب الامام واليا على المسلمين فيكون ولى أمرهم ويصلى بهم صلاة الجمعة أو ينصب أحدا ليقيم لهم صلواتهم بالجمة و الجماعات كأنه ولاه على تلك المصلحة من مصالح المسلمين، والا فلا معنى لان ينوب عن الامام في صلاته. (2) التهذيب ج 1 ص 321.

[180]

غيره، ومفهوم الشرط حجة عند المحققين (1) وإذا تعارضت رواية الرجل الواحد سقط الاستدلال بها فكيف مع حصول الترجيح لهذا الجانب بصحة طريقه، وموافقته لغيره من الاخبار الصحيحة، وغير ذلك مما علم، انتهى كلامه رفع الله في الجنان مقامه. وأقول: حاصل كلامه قدس سره أن في الخبر جهات كثيرة من الضعف متنا أيضا كما أنه ضعيف سندا لان متنه مشتمل إما على ما لم يعمل بظاهره أحد كاشتراط الامام فانه قد انعقد إجماع المسلمين على عدم اشتراطه بخصوصه، بل يقوم نائبه الخاص مقامه، وإن قيد بحضوره عليه السلام سقط الاستدلال رأسا وكذا انعقد إجماعهم على عدم اعتبار أحد من الستة الباقية بخصوصهم، وإما على ما لم يعمل به الاكثر من اشتراط السبعة في الوجوب، فان أكثرهم يكتفون بالخمسة كما عرفت، فلا يمكنهم الاستدلال به، مع أن معارضته لكثير من الاخبار مما يضعفه. ولو حملنا الخبر على أن المراد به بيان الحكمة (2) لاشتراط هذا العدد،


(1) لكنه قد ذهب عليه قدس سره أن ما تضمنه الصحيحة هو شرط الانعقاد فان الخطبة من أركان صلاة الجمعة أو هي كالركن لها بحيث إذا لم يكن فيهم من يخطب لم يتحقق صلاة الجمعة وصلوا أربعا، وهذا غير شرط الوجوب الذى تضمنته الرواية المتقدمة على ما عرفت معناه. بل وهكذا اشتراط العدد، سواء قلنا بالخمسة أو السبعة، فان العدد شرط الانعقاد ناظرا إلى القرى التى ليس فيها عدد كثير، وأما في الامصار فشرط الوجوب، وهو بسط يد الامام أو الوالى المنصوب من قبله يغنى عن اشتراط العدد، فان بسط اليد لا يكون الا بجمع كثير ذوى عدة وعدد، وهو واضح. (2) لكنه في غاية البعد، على ما ستعرف من كلامه قدس سره، انما أحوجهم إلى هذا الحمل البعيد، لعدم التفطن لما ذكرناه، وهو أن يكون اشارة بأن صلاة الجمعة من شؤن الحاكم الشرعي حقا.

[181]

لسقط عنه عمدة الفساد، وعليه قرينة واضحة، وهو قوله (ولا تجب على أقل منهم) ولو كان المراد خصوص الاشخاص لقال (ولا يجب على غيرهم)، فأشعر بذلك إلى أن المراد هذا العدد، وذكر الاشخاص لبيان النكتة والعلة في اعتبار العدد، وقد عرفت سابقا أنه لا يعتبر في تلك العلل اطراد. وعلى هذا الوجه ينتظم الكلام، ويتضح المرام، ويرتفع التنافي بينه وبين سائر الاخبار، ولاريب في أن ارتكاب مثل هذا التكلف القليل في الكلام بحيث يكون أجزاء الكلام محمولا على حقيقته، أولى من حمله على معنى لا يبقي شئ على حقيقته. وذلك مثل أن يقول رجل أحضر عندي زيدا وعمرا وبكرا وخالدا وسعيدا ورشيدا ثم يقول كان غرضي من زيد إما زيد أو نائبه، ومن ساير الاشخاص كل من كان من أهل اصفهان فانه في غاية البعد والركاكة، بخلاف ما إذا قال: كان ذكر هذه الجماعة على سبيل المثال، وكان الغرض إحضار هذا العدد، فلا يريب عاقل في أن الاخير أقرب إلى حقيقة كلامه، لا سيما وإذا ضم إليه قوله (ولا تحضر أقل من سبعة) خصوصا إذا كان في ذكر خصوص هؤلاء إشارة إلى حكمة لطيفة كما في ما نحن فيه. وتفصيل الكلام في ذلك أن قوله: (الامام وقاضيه) يحتمل وجوها من الاعراب الاول أن يكون بدلا من قوله: (سبعة نفر) الثاني أن يكون خبر مبتدء محذوف أو مبتدء محذوف الخبر، الثالث أن يكون في الكلام تقدير مضاف أو نحوه، الرابع أن يكون الظرف أعني (منهم) خبره. أما الاول، فلا يستقيم عليه قوله: (ومدعيا حق وشاهدان) إلا بتكلف عظيم، والثانى يمكن تقدير المبتدء أعني هو الامام، فيوافق فهم القوم، إن حمل على الحقيقة، وقد عرفت أنه لا يمكن حمله عليه على طريقتهم أيضا لعدم تعين الامام عليه السلام ولا أحد من المذكورين، فلابد من حمله على الفرد والمثال، أو الاكمل والافضل، أو بيان الحكمة في خصوص العدد، مع أن معارضته لساير الاخبار

[182]

من جهة مفهوم اللقب أو الوصف: والاول غير حجة، والثاني على تقدير حجيته معارض بمنطوق ساير الاخبار، بل بصدر هذا الخبر أيضا إذ ظاهر قوله: (سبعة نفر من المؤمنين) وقوله: (ولا تجب على أقل منهم) الاكتفاء بالعدد مع خصوصية الايمان من غير اشتراط خصوصية اخرى. ويمكن تقدير الخبر أي (منهم) وتكون الفائدة رفع توهم اشتراط كون السبعة غير الامام ومن يكون معه من خدمه وأتباعه المخصوصين به عليه السلام كما ورد في خبر آخر (1) في هذا المقام (أحدهم الامام) لرفع توهم أن المقصود تمام العدد بغيره، و لا يبعد مثل هذا التوهم من السائل والمستمعين، فيكون على هذا الاحتمال على التعميم أدل وكذا الاحتمال الرابع وهو أظهر من حيث إنه لا يحتاج إلى تقدير مبتدأ أو خبر، وحذف متعلق الاقل والاكثر شايع ذايع، بل حذفه أكثر من ذكره. وأما الثالث أي تقدير مضاف كالمثل ونحوه فيدل على ما ذكرنا لكنه مع الاول مشترك الفساد، فإذا كان في الخبر هذه الاحتمالات، فكيف يستقيم جعله ببعض محتملاته البعيدة معارضة للاخبار الصريحة الصحيحة، مع أنه يمكن حمله على زمان الحضور كما يومي إليه الخبر، وذكره الفاضل المتقدم، ولو قدر التعارض بينه و بين سائر الاخبار لوجب العمل بها دونه لحصتها وكثرتها، وكونها موافقة للكتاب العزيز كما مر في باب ترجيح الاخبار المتعارضة. 17 - العروس: باسناده، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس تكون جمعة إلا بخطبة وإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء وهؤلاء. بيان: روى الشيخ (2) هذا الخبر سند حسن بابراهيم بن هاشم عن محمد بن


(1) رجال الكشى: 167 تحقيق المصطفوى، ولفظه قال صلى الله عليه وآله: إذا اجتمع خمسة أحدهم الامام فلهم أن يجمعوا، ذيل حديث طويل. وسيأتى تحت الرقم 59. (2) التهذيب ج 1 ص 252.

[183]

مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال يعني لا تكون جمعة إلا فيما بينه وبين [ثلاثة أميال، فإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال] (1) فلا بأس أن يجمع هؤلاء ويجمع هؤلاء، ونقل الفاضلان وغيرهما اتفاق الاصحاب على اعتبار وحدة الجمعة، بمعنى أنه لا يجوز إقامة جمعتين بينهما أقل من فرسخ. وذكر بعض الاصحاب أنه يعتبر الفرسخ من المسجد إن صليت في مسجد، وإلا فمن نهاية المصلين، ولو كان بعضهم بحيث لا يبلغ البعد بينه وبين الجمعة الاخرى النصاب دون من صواه، مما تم بهم العدد، فيحتمل بطلان صلاته خاصة، وبطلان المجموع والاخير أحوط بل أظهر. ومنه: باسناده عن الاصبغ بن نباته، عن علي عليه السلام قال: إذا قال الرجل يوم الجمعة صه ! فلا صلاة له. ومنه: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الكلام يوم الجمعة والامام يخطب، فمن فعل ذلك فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له. بيان: (صه) وفي بعض الروايات (مه) وهو اسم فعل بمعنى اسكت، والظاهر أن المراد قول ذلك في وقت الخطبة، وهو غاية المبالغة في ترك الكلام أي وإن كان الكلام قليلا ومتعلقا بمصلحة الصلاة، فهو مناف لكمالها (فقد لغى) أي أتى بلغو، وكلام باطل في غير موقعه، قال في النهاية لغى الانسان يلغو إذا تكلم بالمطرح من القول بما لا يعني، وفيه: من قال لصاحبه والامام يخطب (صه) فقد لغى، والحديث الاخر من مس الحصى فقد لغى أي تكلم وقيل عدل من الصواب، وقيل خاب، والاصل الاول انتهى، وفي بعض النسخ بغى بالباء والاول أشهر وأظهر. 18 - أقول: وجدت في أصل قديم من اصول اصحابنا مرفوعا عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من ترك الجمعة ثلاثا متتابعة لغير علة كتب منافقا.


(1) ما بين العلامتين ساقط عن ط الكمبانى.

[184]

وقال عليه السلام: تؤتى الجمعة ولوحبوا. 19 - مجالس الصدوق: عن الحسين بن إبراهيم بن ناتانه، عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي زياد النهدي، عن ابن بكير قال: قال الصادق عليه السلام ما من قدم سعت إلى الجمعة إلا حرم الله جسدها على النار (1). بيان: (جسدها) أي جسد القدم من إضافة اكل إلى الجزء، وفي بعض النسخ جسده، فالضمير راجع إلى صاحب القدم بقرينة المقام. 20 - المجالس: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن مفضل بن عمر، عن جابر ابن يزيد، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إذا كان حين يبعث الله تبارك وتعالى العبادات بالايام، يعرفها الخلائق باسمها وحليتها، يقدمها يوم الجمعة، له نور ساطع تتبعه ساير الايام كأنها عروس كريمة ذات وقار تهدى إلى ذي حلم ويسار، ثم يكون يوم الجمعة شاهدا وحافظا لمن سارع إلى الجمعة، ثم يدخل المؤمنون الجنة على قدر سبقهم إلى الجمعة (2). كتاب العروس: باسناده عن جابر مثله إلا أن فيه بأسمائها وفيه (إلى ذي حلم وشأن ثم يكون يوم الجمعة شاهدا لمن حافظ وسارع). بيان: قدم القوم كنصر وعلى التفعيل أي تقدمهم، (إلى الجمعة) أي إلى صلاة الجمعة. 21 - المجالس: عن الحسين بن إبراهيم بن ناتانه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع إليها فريضة مع الامام، فان ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، ولا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق.


(1) أمالى الصدوق ص 221. (2) أمالى الصدوق ص 238.

[185]

وقال عليه السلام: من ترك الجماعة رغبة عنها وعن جماعة المسلمين من غير علة فلا صلاة له (1). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب ابن يزيد، عن حماد، عن حريز وفضيل، عن زرارة مثله (2). المحاسن: عن أبي محمد، عن حماد مثله إلى قوله إلا منافق (3). بيان: هذا الحديث الصحيح صريح في وجوب الجمعة، وباطلاقه بل عمومه شامل لزمان الغيبة، ومعلوم أن الظاهر من الامام في مثل هذا المقام إمام الجماعة، و قد عرفت أنه لا معنى لاخذ الامام أو نائبه في حقيقة الجمعة، والعهد إنما يعقل الحمل عليه إذا ثبت عهد، ودلت عليه قرينة، وههنا مفقود، وحمل مثل هذا التهديد العظيم على الكراهة أو ترك المستحب في غاية البعد، ولا يحمل عليه إلا مع معارض قوي وههنا غير معلوم كما ستعرف. 22 - تفسير القمى: (4) عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن الحسين ابن سعيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير أنه عليه السلام سئل عن الجمعة كيف يخطب الامام ؟ قال: يخطب قائما، فان الله يقول (وتركوك قائما) (5). بيان: ظاهره وجوب كون الخطيب قائما، ونقل عليه في التذكرة الاجماع مع القدرة، فأما مع عجزه فالمشهور جواز الجلوس، وقيل: يجب حينئذ الاستنابة، و المسألة لا تخلو من إشكال، وهل يجب اتحاد الخطيب والامام ؟ فيه قولان، والاحوط الاتحاد.


(1) أمالى الصدوق ص 290. (2) ثواب الاعمال: 209. (3) المحاسن: 85. (4) في ط الكمبانى قرب الاسناد وهو سهو. (5) تفسير القمى: 679.

[186]

23 - مجالس الصدوق: بالاسناد المتقدم في مناهي النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الكلام يوم الجمعة والامام يخطب، فمن فعل ذلك فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له (1). 24 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه، أن عليا عليه السلام كان يكره رد السلام والامام يخطب (2). ومنه: بهذا الاسناد عن علي عليه السلام قال: يكره الكلام يوم الجمعة والامام يخطب، وفي الفطر والاضحى والاستسقاء (3). بيان: كراهة رد السلام لعله محمول على التقية، إذ لا يكون حكمها أشد من الصلاة (4) ويمكن حمله على ما إذا رد غيره، قال العلامة في النهاية: ويجوز رد السلام بل يجب لانه كذلك في الصلاة، وفي الخطبة أولى، وكذا يجوز تسميت العاطس وهل يستحب ؟ يحتمل ذلك لعموم الامر به، والعدم لان الانصات أهم، فانه واجب على الاقوى انهى، والكراهة الواردة في الكلام غير صريح في الكراهة المطلحة لما عرفت مرارا. وظاهره شمول الحكم لمن لم يسمع الخطبة أيضا، قال العلامة في النهاية: و هل يجب الانصات على من لم يسمع الخطبة ؟ الاولى المنع، لان غايته الاستماع فله أن يشتغل بذكر وتلاوة، ويحتمل الوجوب لئلا يرتفع اللغط، ولا يتداعى إلى منع السامعين عن السماع. 25 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن بن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الامام إذا خرج يوم الجمعة، هل يقطع خروجه الصلاة أو يصلي الناس


(1) أمالى الصدوق: 255. (2) قرب الاسناد: 91. (3) قرب الاسناد: 92. (4) راجع في ذلك ج 84 ص 269.

[187]

وهو يخطب ؟ قال: لا تصلح الصلاة والامام يخطب، إلا أن يكون قد صلى ركعة فيضيف إليها اخرى، ولا يصلي حتى يفرغ الامام من خطبته (1). وسألته عن القراءة في الجمعة بما يقرء ؟ قال عليه السلام: بسورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، وإن أخذت في غيرها، وإن كان قل هو الله أحد فاقطعها من أولها، و ارجع إليها (2). وسألته عن القعود في العيدين والجمعة والامام يخطب كيف أصنع ؟ أستقبل الامام أو أستقبل القبلة ؟ قال استقبل الامام (3). قال: وقال أخي: يا علي بما تصلي في ليلة الجمعة ؟ قلت: بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون، فقال: رأيت أي يصلي في ليلة الجمعة بسورة الجمعة وقل هو الله أحدو في الفجر بسورة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى وفي الجمعة بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون (4). بيان: يدل على كراهة الصلاة في حال الخطبة، قال العلامة في النهاية: يستحب لمن ليس في الصلاة أن لا يفتتحها، سواء صلى أولا، ومن كان في الصلاة خففها لئلا


(1 و 2) قرب الاسناد: 128. (3) قرب الاسناد: 129، ووجه الحديث ما مر من قوله عزوجل (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) حيث أن السعي انما يكون إلى استماع الخطبة، وفيها ذكر الله عزوجل بمحامده ونعمه على المسلمين، حيث أظهرهم على الدين، فعلى هذا يجب استماع الخطبة كما اتخذه رسول الله سنة فلا يصح الا بالاستقبال الامام الخطيب: ليعى ما يذكره، ولا يصلح حين الخطبة الا الانصات لها ولو كان بعيدا لا يسمع، كما في مورد جهر الامام وهو لا يسمع، ولا يصح صلاته حينذاك، حتى أنه لو شرع فيها، ولو يركع بعد، سلم على النبي صلى الله عليه وآله وجلس للاستماع بانصات وإذا كان ركع خفف صلاته وسلم، ولو خالف ذلك عصى. (4) قرب الاسناد: 129. (*)

[188]

يفوته سماع أول الخطبة، ولقول أحدهما عليه السلام إذا صعد الامام المنبر يخطب فلا يصلي الناس مادام الامام على المنبر، والكراهية تتعلق بالشروع في الخطبة لا بالجلوس على المنبر، ولو دخل والامام في آخر الخطبة وخاف فوت تكبيرة الاحرام، لم يصل التحية، لان إدراك الفريضة من أولها أولى، وأما الداخل في أثناء الخطبة فالاقرب أنه كذلك للعموم انتهى. ويدل على لزوم قراءة الجمعة والمنافقين في الجمعة، والمشهور تأكد الاستحباب، وذهب المرتضى إلى الوجوب، والاول أقوى، والثاني أحوط، ويدل على رجحان العدول من التوحيد إليهما في الجمعة، وهذا هو المشهور بين الاصحاب ولكن خص بعضهم الحكم بعدم تجاوز النصف، وأطلق بعضهم كما هو ظاهر الخبر، وألحق الاكثر بالتوحيد الجحد، لكن لم يرد فيما رأينا من النصوص مع أنه ورد إطلاق المنع عن العدول عنهما، وقد مر بعض القول في ذلك في باب القراءة. ويدل على استحباب استقبال الناس الخطيب بأن ينحرفوا عن القبلة ويتوجهوا إليه، ويحتمل أن يكون الحكم مخصوصا بمن يكون خلف الامام كالصوف المتقدمة على المنبر، أو من يأتي لاستماع الخطبة من بعيد فيقف أو يجلس خلف المنبر، وأما الصوف التي المنبر بحذائهم، فلا يلزم انحرافهم، ويكفيهم التوجه إلى الجانب الذي الامام فيه. وكلام العلامة يدل على الاول، حيث قال في المنتهى: يستحب أن يستقبل الناس الخطيب، فيكون أبلغ في السماع، وهو قول عامة أهل العلم، إلا الحسن البصري فانه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الامام، وعن سعيد بن المسيب أنه كان لا يستقبل هشام بن إسماعيل إذا خطب، فوكل به هشام شرطيا ليعطفه إليه، لنا ما رواه الجمهور عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم. ثم قال: إنما يستحب هذا للقريب بحيث يحصل له السماع أو شدته،

[189]

وأما البعيد الذي لا تبلغه الاصوات، فالاقرب عندي أنه ينبغي له استقبال القبلة انتهى. وأقول: يمكن حمل حديث بل كلام العلامة أيضا عل الالتفات بالوجه فقط، وإن كان بعيدا، لاسيما عن كلامه قدس سره، ولعل في قوله: (بوجوههم) إيماء إليه، وقد مرت الرواية نقلا عن المقنع بالنهي عن الالتفات، إلا كما يجوز في الصلاة، وظاهره الالتفات عن القبلة. 26 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الرضا عليه السلام قال: يقرء في ليلة الجمعة الجمعة، وسبح اسم ربك الاعلى، وفي الغداة الجمعة وقل هو الله أحد، وفي الجمعة الجمعة والمنافقين، والقنوت في الركعة الاولى قبل الركوع (1). 27 - تفسير على بن ابراهيم: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) (2) قال: في العيدين والجمعة، يغتسل ويلبس ثيابا بيضا (3). 28 - مجالس الصدوق: عن أحمد بن هاروى الفامي، عن محمد بن جعفر ابن بطة، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الناس في الجمعة على ثلاثة منازل: رجل شهدها بانصات و سكون قبل الامام، وذلك كفارة لذنوبه من الجمعة إلى الجمعة الثانية وزيادة ثلاثة أيام لقول الله عزوجل: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (4) ورجل شهدها بلغط وملق وقلق، فذلك حظه، ورجل شهدها والامام يخطب فقام يصلي فقد أخطأ السنة، وذلك ممن إذا سأل الله عزوجل إن شاء أعطاه وإن شاء


(1) قرب الاسناد ص 158 ط حجر 211 ط نجف. (2) الاعراف: 31. (3) تفسير القمى: 214. (4) الانعام: 160.

[190]

حرمه (1). مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، عن الصادق عليه السلام مثله (2). قرب الاسناد: عن أحمد بن إسحاق مثله (3). بيان: في القاموس اللغطة ويحرك الصوت والجبلة، أو أصوات مبهمة لاتفهم وقال ملقه بالعصا ضربه، وفلان سار شديدا، والملق محركة ألطف الحضر وأسرعه، وقال: القلق محركة الانزعاج انتهى، وليس الملق في بعض النسخ. 29 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: القنوت في الوتر كقنوتك يوم الجمعة تقول في دعاء القنوت: اللهم تم نورك فهديت فلك الحمد ربنا، وبسطت يدك فأعطيت فلك الحمد ربنا، وعظم حلمك فعفوت فلك الحمد ربنا، وجهك أكرم الوجوه، وجهتك خير الجهات، وعطيتك أفضل العطيات، وأهنأها، تطاع ربنا فنشكر، و تعصي ربنا فتغفر لمن شئت، تجيب المضطر وتكشف الضر وتشفي السقيم وتنجي من الكرب العظيم، لا يجزي بآلائك أحد، ولا يحصي نعماءك قول قائل. اللهم إليك رفعت الابصار، ونقلت الاقدام، ومدت الاعناق، ورفعت الايدي ودعيت بالالسن، وتحوكم إليك في الاعمال، ربنا اغفر لنا وارحمنا وافتح بيننا وبين خلقك بالحق وأنت خير الفاتحين. اللهم إنا نشكو غيبة نبينا، وشدة الزمان علينا، وقوع الفتن، وتظاهر الاعداء، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، فافرج ذلك يا رب بفتح منك تعجله، و نصر منك تعزه، وإمام عدل تظهره، إله الحق رب العالمين (4).


(1) أمالى الصدوق: 223. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 45 - 44. (3) قرب الاسناد ص 97 ط حجر. (4) أمالى الصدوق: 235.

[191]

مجالس ابن الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، عن الصدوق مثله (1). 30 - المتهجد وجمال الاسبوع: روى حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: في قنوتك يوم الجمعة تقول قبل دعائك: اللهم تم نورك إلى قوله أكرم الوجوه، وجاهك أكرم الجاه، وجهتك) إلى قوله: (فتغفر لمن شئت فلك الحمد تجيب) إلى قوله (و تكشف الضر وتنجي من الكرب العظيم وتقبل التوبة وتشفي السقيم) وفي بعض النسخ (السقم وتعفو عن الذنب لا يجزي أحد بآلائك ولا يبلغ نعماءك) إلى قوله: (بالالسن وتقرب إليك بالاعمال) إلى قوله: (بيننا وبين قومنا بالحق) إلى قوله (إله الحق آمين) (2). بيان: في القاموس الجهة مثلثة، والوجه بالضم والكسر الجانب والناحية، يقال: فرج الله الهم يفرجه كشفه كفرجه، وقد مر في قنوت الوتر (3) ولا يخفى على المنصف دلالة هذا الدعاء المنقول بأسانيد صحيحة على رجحان صلاة الجمعة، بل وجوبها في زمان الغيبة، لاشتماله على أحوال الغيبة، وإذا جازت في الغيبة فهي واجبة عينا لعدم استناد التخيير إلى حجة كما ستعرف. 31 (الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يكون السهو في الجمعة (4). وقال عليه السلام: القنوت في صلاة الجمعة قبل الركوع ويقرء في الاولى الحمدو


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 47 - 48. (2) مصباح المتهجد: 256. (3) راجع ج 87 ص 199. (4) الخصال ج 2 ص 164 في كلام له.

[192]

الجمعة، وفي الثانية الحمد والمنافقين (1). 32 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب ؤن يزيد، عن حماد عن حريز عن زراة، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل يقول: اقرء سورة الجمعة والمنافقين، فان قراءتهما سنة يوم الجمعة في الغداة والظهر والعصر، ولا ينبغي لك أن تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر، يعني يوم الجمعة إماما كنت أو غير إمام (2). 33 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أتى الجمعة إيمانا واحتسابا استأنف العمل (3). ومنه: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم قالا: سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متواليات بغير علة طبع الله على قلبه (4). المحاسن: عن أبيه، عن النضر مثله (5). بيان: هذا الخبر مع صحته يدل على عموم وجوب الجمعة في جميع الازمان لعموم كلمة (من) وفيه من المبالغة والتأكيد ما لا يخفى، إذا الطبع والختم مما شاع استعماله في الكتاب والسنة في الكفار والمنافقين الذين لامتناعهم من قبول الحق وتعصبهم في الباطل كأنه ختم على قلوبهم، فلا يمكن دخول الحق فيه، أو هو بمعنى الريق الذي يعلو المرآة والسيف أي لا ينطبع في قلوبهم صورة الحق كما قال تعالى:


(1) الخصال ج 2 ص 165. (2) على اللشرايع ج 2 ص 44. (3) ثواب الاعمال: 34، وفيه: الجماعة بدل الجمعة. (4) ثواب الاعمال: 209. (5) المحاسن: 85.

[193]

(بل طبع الله عليها بكفرهم) (1) وقال سبحانه: (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (2) والتخصيص بالثلاثة لترتب ما يشبه الكفر لا ينافي كون الترك مرة واحدة معصية، وظاهر أن المواظبة على المكروهات لا يصير سببا لمثل هذا التهديد البليغ. 34 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلم أن ثلاث صلوات إذا حل وقتهن ينبعي لك أن تبتدئ بهن، ولا تصل بين أيديهن نافلة: صلاة استقبال النهار، وهي الفجر، وصلاة استقبال الليل، وهي المغرب، وصلاة يوم الجمعة، واقنت في أربع صلوات: الفجر والمغرب والعتمة وصلاة اگجمعة، والقنوت كلها قبل الركوع بعد الفراغ من القرءة (3). ووقت الجمعة زوال الشمس ووقت الظهر في السفر زوال الشمس، ووقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو وقت الظهر في غير يوم الجمعة (4). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: لاكلام والامام يخطب يوم الجمعة ولا التفات، و إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، جعلتا مكان الركعتين الاخيرتين فهي صلاة حتى ينزل الامام (5). والذي جاءت به الاخبار أن القنوت في صلاة الجمعة في الركعة الاولى بعد القراءة فصحيح، وهو للامام الذي يصلي ركعتين بعد الخطبة التي تنوب عن الركعتين، ففي تلك الصلاة يكون القنوت في الركعة الاولى بعد القراءة وقبل الركوع (6). واقرن بها صلاة العصر فليس بينهما نافلة في يوم الجمعة، ولاتصل يوم الجمعة


(1) النساء: 155. (2) المطففين: 14. (3) فقه الرضا: 8 ذيل الصفحة. (4 - 5) فقه الرضا ص 11 صدر الصحيفة. (6) فقه الرضا ص 11 ذيل الصفحة.

[194]

بعد الزوال غير الفرضين والنوافل قبلهما أو بعدهما (1). 35 - المحاسن: عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن محمد بن سنان، عن العلا ابن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس في السفر جمعة ولا أضحى ولا فطر. وقال: ورواه أبي، عن خلف بن حماد، عن ربعي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). 36 - السرائر: قال: قال البزنطي في كتابه: من أراد أن يصلي الجمعة فإذا زالت الشمس قام المؤذن فأذن وخطب الامام، ويكثر من قوله في الخطبة وأورد دعاء تركت ذكره (3). 37 - العياشي: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى) (4) وهي أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي وسط صلوتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر (وقوموا لله قانتين)) في الصلاة الوسطى. وقال: نزلت هذه الاية يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله في سفر، فقنت فيها و تركها على حالها في السفر والحضر، وأضاف للمقيم ركعتين، وإنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الامام، فمن صلى الجمعة في غير الجماعة فليصلها أربعا كصلاة الظهر في ساير الايام. قال: قوله: (وقوموا لله قانتين) قال: مطيعين راغبين (5). بيان: يدل هذا الخبر على أن الاصل في الصلوات كگها كان ركعتين، فأضاف رسول الله صلى الله عليه وآله للمقيم في غير الجمعة ركعتين وفي يوم الجمعة خطبتين، ومع الانفراد


(1) فقه الرضا ص 11 ذيل الصفحة. (2) المحاسن: 372 (3) السرائر: 469. (4) البقرة: 238. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 127.

[195]

يصلي أربع ركعات، وفيه إشعار بأن مع تحقق شرايط الجمعة تجب الجمعة، ولفظ الامام الواقع في مقابلة غير الجماعة مفاده معلوم، ويدل عگى أن الصلاة الوسطى المخصوصة من بين ساير الصلوات بمزيد التأكيد هي صلاة الجمعة. 38 - العياشي: عن زرارة ومحمد بن مسلم أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) قال: صلاة الظهر، وفيها فرض الله الجمعة، وفيها الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم فيسأل خيرا إلا أعطاه الله إياه (1). بيان: (وفيها فرض الله) أي في الصلاة الوسطى فيدل على أن الصلاة الوسطى المراد بها صلاة الجمعة في يوم الجمعة والظهر في سائر الايام، أو المعنى في هذه الكلمة وهي الصلاة الوسطى فرض الله الجمعة، فيوافق الخبر السابق، (وفيها) أي في الجمعة بمعنى اليوم، ففيه استخدام أو يقدر الصلاة في الاول. 39 - مناقب ابن شهر آشوب: مجاهد وأبي يوسف يعقوب بن أبي سفيان قال ابن عباس في قوله تعالى (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما) إن دحية الكلبي جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة، فنزل عند أحجار الزيت ثم ضرب بالطبول ليؤذن الناس بقدومه فتفرق الناس إليه إلا علي والحسن والحسين وفاطمة وسلمان وأبو ذر والمقداد وصهيب، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم قائما يخطب على المنبر فقال النبي صلى الله عليه وآله: لقد نظر الله يوم الجمعة إلى مسجدي فلو لا الفئة الذين جلسوا في مسجدي لاضرمت المدينة على أهلها، وحصبوا بالحجارة، كقوم لوط، ونزل فيهم (رجال لاتلهيهم تجارة) (2) الاية. 40 - العياشي: عن المحاملي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) قال الاردية في العيدين والجمعة (3).


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 127. (2) النور: 37. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 13، والاية في الاعراف: 31.

[196]

41 - كتاب اليقين: للسيد ابن طاوس، عن محمد بن العباس، عن محمد بن همام بن سهيل، عن محمد بن إسماعيل العلوي، عن عيسى بن داود النجار، عن موسى ابن جعفر، عن آبائه عليهم السلام في حديث المعراج قال أوحى الله تعالى إليه: هل تدري ما الدرجات ؟ قلت: أنت أعلم يا سيدي، قال: إسباغ الوضوء في المكروهات، والمشئ على الاقدام إلى الجمعات، معك ومع الائمة من ولدك، وانتظار الصلاة بعد الصلاة الخبر (1). ورواه الشيخ حسن بن سليمان في كتاب المحتضر نقلا من تفسير محمد بن العباس مثله (2). بيان: لا يخفى أن هذا الخبر مع جهالته إنما يدل على أن الجمعة مع النبي والائمة من ولده عليهم السلام أتم وأكمل وأدخل في رفع الدرجات، لا الاشتراط بقرينة ضمه مع المستحبات سابقا ولاحقا. 42 - مجمع البيان: عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تعالى (خذوا زينتكم عند كل مسجد) قال: أي خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة في الجمعات والاعياد (3). 43 - كتاب سليم بن قيس: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل، ضالا كان أو مهديا أن لا يعملوا عملا ولا يقدموا يدا ولارجلا قبل أن يختاروا لانفسهم إماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة، يجبي فيئهم ويقيم حجهم وجمعتهم، ويجبي صدقاتهم الخبر (4).


(1) اليقين في امرة أمير المؤمنين: 90 في حديث. (2) راجع ص 148 - 150. (3) مجمع البيان ج 4 ص 412. (4) كتاب سليم: 161 - 162.

[197]

بيان: كون إقامة الجمعة من فوائد قيام الامام بالامر لا يدل على الاشتراط لان الامام يقيم جميع شرايط الاسلام بين الناس، كما أن إقامة الحج لا يدل على اشتراطه به. 44 - نوادر الراوندي: (1) باسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل واعظ قبلة. وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث لو يعلم امتي ما لهم فيها لضربوا عليها بالسهام: الاذان والغدو إلى يوم الجمعة والصف الاول. وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة يستأنفون العمل: المريض إذا برئ، والمشرك إذا أسلم، والحاج إذا فرغ، والمنصرف من الجمعة. [وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من استأجر أجيرا فلا يحبسه عن الجمعة] (2) فيشتركان في الاجر. وبهذا الاسناد قال: قال علي عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الاتيان إلى الجمعة زيارة وجمال، قيل: يا أمير المؤمنين وما الجمال ؟ قال: ضوء الفريضة. وبهذا الاسناد قال: قال علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف بكم إذا تهيأ أحدكم للجمعة كما يتهيؤ اليهود عشية الجمعة لسبتهم. وبهذا الاسناد قال: سئل علي عليه السلام عن رجل يكون في زحام في صلاة الجمعة أحدث ولا يقدر على الخروج، فقال: يتمم ويصلي معهم ويعيد. وبهذا الاسناد قال: نهى علي عليه السلام أن يشرب الدواء يوم الخميس مخافة أن يضعف عن الجمعة. وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التهجير إلى الجمعة حج فقراء امتي.


(1) نوادر الراوندي: 24 و 46 و 50 و 51. (2) ما بين العلامتين ساقط عن ط الكمبانى، أضفناه من المصدر، والظاهر أن لفظ

[198]

بيان: ((كل واعظ قبلة) أي للموعوظ، ورواه في الفقيه (1) عن النبي صلى الله عليه وآله مرسلا، وأضاف إليه وكل موعوظ قبلة للواعظ، ثم قال: يعني في الجمعة والعيدين وصلاة الاستسقاء، والمراد استقبال كل منهما الاخر باستدبار الامام القبلة، و استقبال المأموم القبلة، أو الانحراف إليه كما مر (لضربوا عليها بالسهام) أي لنازعوا فيها حتى احتاجوا إلى القرعة بالسهام ويدل على فضل المباكرة. (يستأنفون العمل) أي يبتدؤونه كناية عن مغفرة ما مضى من ذنوبهم، فيشتركان أي إن لم يحبسه (وزيارة) أي لقاء الاخوان (ضوء الفريضة) أي نورها، أي يظهر في الوجه كما قال تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) (2). وأما الاعادة لمن صلى بتيمم إذا منعه الزحام، فقد مر أنه مختار الشيخ و ابن الجنيد، والمشهور عدم الاعادة، ويمكن حمله على الاستحباب أو الصلاة مع المخالف، ولعل في قوله (معهم) إيماء إليه وحمل النهي عن شرب الدواء في الخميس على الكراهة. (والتهجير إلى الجمعة) المبادرة إليها بادراك أول الخطبة، أو المباكرة إلى المسجد، قال في النهاية فيه لو يعلم الناس ما في التهجير لاستبقوا إليه، التهجير التبكير إلى كل شئ والمبادرة إليه، أراد المبادرة إلى أول الصلاة، ومنه حديث الجمعة فالمهجر إليها كالمهدي بدنة أي المبكر إليها انتهى وقيل أراد السير في الهاجرة وشدة الحر عقيب الزوال أو قريبا منه. 45 - مجالس ابن الشيخ: الحسين بن عبيدالله عن التعلكبري، عن الحكيمي عن سفيان بن زياد، عن عباد بن صهيب، عن جعفر بن محمد، عن عبد الله بن أبي رافع


الحديث هكذا، (من استأجر أجيرا فلا يحبسه عن الجمعة فيأثم، والا فيشتركان جميعا في الاجر) راجع مستدرك الوسائل ج 1 ص 407. (1) الفقيه ج 1 ص 275. (2) الفتح: 29.

[199]

مولى رسول الله صلى الله عليه وآله أن مروان بن الحكم استخلف أبا هريرة وخرج إلى مكة، و صلى بنا أبو هريرة الجمعة فقرء بعد سورة الجمعة في الركعة الثانية إذا جاءك المنافقون قال عبد الله بن أبي رافع، فأدركت أبا هريرة حين انصرفت، فقلت له: سمعتك تقرأ سورتين كان علي عليه السلام يقرؤهما بالكوفة فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقرء بهما (1). دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: الجمعة حج المساكين. 46 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تسافر في يوم جمعة حتى تشهد الصلاة إلا فاصلا في سبيل الله أو في أمر تعذر به (2). بيان: فاصلا أي شاخصا، قال تعالى: (فلما فصلت العير) (3) واعلم أنه نقل العلامة وغيره الاجماع على تحريم السفر بعد الزوال لمن وجبت عليه الصلاة (4) وكذا على كراهته بعد الفجر، واعترض على الاول بأن علة تحريم السفر استلزامه لفوات الجمعة، ومع التحريم يجوز إيقاعها (5) فتنتفي العلة فكذا المعلول وهو التحريم، وهذا دور فقهي وهو ما يستلزم وجوده عدمه، واجيب بأن علة حرمة السفر استلزام جوازه لجواز تفويت الواجب، والاستلزام المذكور ثابت ساء كان السفر


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 261. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 69 من قسم الرسائل. (3) يوسف: 94. (4) وذلك لان اجابة النداء واجبة، ومن لم يجب النداء فقد عصى، سواء اشتغل بالسفر أو اختفى في بيته ونام. (5) جواز ايقاع صلاة الجمعة للمسافر، انما يستلزم جواز السفر إذا كان متمكنا في سفره ذلك من اقامة الجمعة كما إذا سافر من قريته - وقد سمع النداء بها - وأدرك الصلاة في البلد أو قرية اخرى مثلها يقام فيها الجمعة، وأما إذا سمع النداء ثم خرج عن البلد وليس يدرك في سفره ذلك صلاة جمعة أخرى فالعصيان مقطوع به كما عرفت. (*)

[200]

حراما أو مباحا فتأمل. 47 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي، عن عبد الله بن أبي شيبة عن أبي معاوية الضرير، عن الاعمش، عن المنهال بن عمر، عن عباد بن عبد الله قال: كان علي عليه السلام يخطب على منبر من آجر. 48 - تفسير على بن ابراهيم: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي بالناس يوم الجمعة، ودخلت ميرة وبين يديها قوم يضربون بالدفوف والملاهي فترك الناس الصلاة ومروا ينظرون إليهم، فأنزل الله (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما). أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة (يعني للذين اتقوا) والله خير الرازقين) (1). 49 - كنز الكراجكى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزرا ولا يذكر الله إلا هجرا. بيان: النزر القليل وفي النهاية فيه من الناس من لا يذكر الله إلا مهاجرا يريد هجران القلب وترك الاخلاص في الذكر، فكان قلبه مهاجر للسانه غير مواصل له، ومنه ولا يسمعون القرآن إلا هجرا، يريد الترك له والاعراض عنه، يقال هجرت الشئ هجرا إذا تركته. 50 - عدة الداعي: قال الباقر عليه السلام: أول وقت يوم الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة تحافظ عليها، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يسأل الله تعالى فيها خيرا إلا أعطاه الله تعالى (2).


(1) تفسير القمى: 679. (2) عدة الداعي: 28.

[201]

51 - جنة الامان: عن الرضا عليه السلام قال: ما يأمن من سافر يوم الجمعة قبل الصلاة أن لا يحفظه الله تعالى في سفره، ولا يخلفه في أهله، ولا يرزقه من فضله (1). 52 - العيون والعلل: عن عبد الواحد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان في العلل التي رواها عن الرضا عليه السلام قال: فان قال: فلم صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الامام ركعتين، وإذا كانت بغير إمام ركعتين وركعتين ؟ قيل: لعلل شتى: منها أن الناس يتخطون إلى الجمعة من بعد، فأحب الله عزوجل أن يخفف عنهم لموضع التعب الذي صاروا إليه. ومنها أن الامام يحبسهم للخطبة، وهم منتظرون للصلاة، ومن انتظر الصلاة فهو في صلاة في حكم التمام. ومنها أن الصلاة مع الامام أتم وأكمل لعلمه وفقهه وعدله وفضله. ومنها أن الجمعة عيد وصلاة العيد ركعتان،، ولم يقصر لمكان الخطبتين. فان قال: فلم جعلت الخطبة ؟ قيل: لان الجمعة مشهد عام فأراد أن يكون الامام سببا لموعظتهم وترغيبهم في الطاعة وترهيبهم عن المعصية، وتوقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم ودنياهم، ويخبرهم بما ورد عليهم من الافات، ومن الاهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة. فان قال: فلم جعلت خطبتين ؟ قيل: لان يكون واحدة للثناء والتمجيد والتقديس لله عزوجل، والاخرى للحوائج والاعذار والانذار والدعاء وما يريد أن يعلمهم من أمره، ونهيه ما فيه الصلاح والفساد. فان قال: فلم جعلت الخطبة يوم الجمعه قبل الصلاة وجعلت في العيدين بعد الصلاة ؟ قيل: لان الجمعة أمر دائم تكون في الشهر مرارا، وفي السنة كثيرا، فإذا كثر ذلك على الناس صلوا وتركوه ولم يقيموا عليه، وتفرقوا عنه، فجعلت قبل الصلاة ليحتبسوا على الصلاة ولا يتفرقوا ولا يذهبوا، وأما العيدين فانما هو في السنة


(1) مصباح الكفعمي: 184.

[202]

مرتين، وهو أعظم من الجمعة، والزحام فيه أكثر، والناس فيه أرغب، فان تفرق بعض الناس بقي عامتهم، وليس هو بكثير فيملوا ويستخفوا به. قال الصدوق: جاء هذا الخبر هكذا والخطبتان في الجمعة والعيدين بعد الصلاة لانهما بمنزلة الركعتين الاخراوين، وأول من قدم الخطبتين عثمان لانه لما أحدث ما أحدث، لم يكن الناس يقفون على خطبته، ويقولون: ما نصنع بمواعظه و قد أحدث ما أحدث، فقدم الخطبتين ليقف الناس انتظارا للصلاة فلا يتفرقوا عنه (1). فان قال: فلم وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك ؟ قيل: لان ما يقصر فيه الصلاة بريدان ذاهبا، أو بريد ذاهبا وجائيا، والبريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الذي يجب فيه التقصير ولك أنه يجئ فرسخين ويذهب فرسخين، فذلك أربعة فراسخ وهو نصف طريق المسافر. فان قال: فلم زيد في صلاة السنة يوم الجمعة أربع ركعات، قيل: تعظيما لذلك اليوم، وتفرقة بينه وبين ساير الايام (2). أقول: في العلل (فهو في الصلاة) إلى قوله: (فأراد أن يكون للامير سبب إلى موعظتهم إلى قوله وفعلهم وتوقيفهم على ما أرادوا بما ورد عليهم من الافات) و في بعض النسخ (من الافات من الاهوال التي لهم فيها المضرة والمنفعة، ولايكون الصائر في الصلاة منفصلا وليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غيريوم الجمعة، فان قال إلى قوله: (واحدة للتمجيد) إلى قوله: (وتكون في الشهور والسنة كثيرا و إذا كثر ذلك على الناس ملوا) إلى قوله (وليس هو كثيرا) إلى قوله: (لم يكن الناس ليقفوا).


(1) راجع كلامنا في ذلك ص 144 مما سبق في هذا المجلد. (2) علل الشرايع ج 1 ص 251 - 253، عيون الاخبار ج 2 ص 111 - 112.

[203]

* (توضيح مرام ودفع اوهام) * (ركعتين وركعتين) أي أربع ركعات (وهم ينتظرون للصلاة) يدل على تقديم الخطبة كما سيصرح به (في حكم التمام) أي هذا في حكم إتمام الصلاة لان الخطبتين مكان الركعتين، والحاصل أن كونه بمنزلة من هو في الصلاة إنما هو في إتمام ثواب الصلاة لا في جميع الاحكام. (ولم تقصر لمكان الخطبتين): أقول: يخطر بالبال فيه وجوه: الاول أن يكون المراد بيان أمر آخر، وهو أن الجمعة مع كونها ركعتين لمشابهة العيد أو غير ذلك فليست من الصلوات المقصورة، لان الركعتين بمنزلة الخطبتين. الثاني أن يكون المعنى أنها لاتوقع في السفر قصرا لان الجمعة لا تكون جمعة إلا بالخطبة، والخطبة بمنزلة الركعتين، فإذا أتى بها في السفر يكون بمنزلة الاتمام في السفر وهو غير جائز. الثالث أن يكون بيانا لعلة قصر العيدين، فيقرأ (لم) بكسر اللام، فيكون استفهاما أي إنما تقصر صلاة العيد للخطبتين، وفيه بعد. قوله: (والمنفعة) لعلها معطوفة على الاهوال أو يقدر في الكلام شئ كما في قولهم (علفته تبنا وماء باردا) ولا يبعد أن يكون الاهوال تصحيف الاحوال. قوله: (ولايكون الصائر في الصلاة) هذه الفقرات ليست في العيون كما عرفت ولعله أسقطه هناك، لعدم اتضاح معناها، ويخطر بالبال في حلها وجوه: الاول: أن يكون المراد بيان كون حالة الخطبة حالة متوسطة بين الصلاة وغيرها، فتقدير الكلام لا يكون الصائر في الصلاة أي الكائن فيها منفصلا عنها في غير يوم الجمعة، وفي يوم الجمعة في حال الخطبة كذلك وليس فاعل غير الصلاة يؤم الناس في غير يوم الجمعة، وفيه كذلك لان الامام في حالة الخطبة بمنزلة الامام للناس يستمعون له ويجتمعون إليه، وليست الخطبة بصلاة، وعلى هذا وإن كان الظاهر غيرها، لكن يمكن إرجاع ضمير المذكر إليه بتأويل الفعل ونحوه.

[204]

الثاني: أن يكون بيان علة اخرى للخطبة، بأن يكون (وليس بفاعل غيره) تأكيدا لقوله: (منفصلا) وقوله: (من يؤم) متعلقا بقوله (منفصلا) أي لا يكون المصلي في يوم الجمعة منفصلا عن المصلي في غيره، بأن تكون صلاته ركعتين ولايكون فاعلا غير فعل المصلي في غيره، أولا يكون فاعلا مغايرا له في الصفة، بل يكونان سواء لكون الخطبتين بمنزلة الركعتين. الثالث: أن يكون المعنى إنما جعلت الخطبة قبلها، لئلا يكون الصائر في الصلاة قبل الدخول منفصلا عن الصلاة، بل يكون في حكم من كان في الصلاة وقوله: (وليس بفاعل غيره) المراد به أن الامام في غير يوم الجمعة أيضا كذلك وليس بمنفصل عن الصلاة لايقاع النافلة قبلها، ولما لم تكن في يوم الجمعة نافلة بعد الزوال، جعلت الخطبة مكانها، فقوله (وليس بفاعل) إما حال أي لا يكون منفصلا والحال أن غيره منفصل، فيكون هو مثلهم (وغيره) فاعل (فاعل) أي ليس بفاعل غير هذا الفعل أحد ممن يؤم أو استدراك والاول أظهر. الرابع: أن يكون المعنى ولا يكون الصائر في الصلاة أي إمام هذه الصلاة منفصلا أي عن العمل بما يعظ الناس به في الخطبة، لقوله سبحانه (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) (1) وغيره، (وليس بفاعل غيره) بالاضافة أي لا يكون فاعلا غير ما يقول في الخطبة ممن يؤم أي من بينهم، ليكون حالا عن الصاير، ويمكن أن يقرء حينئذ (فاعل) بالتنوين (وغيره) بالرفع ليكون فاعله، أي ليس يصدر الخطبة من أئمة الصلوات غير الجمعة، فلا بد فيها من ذلك. الخامس: أن يكون (ممن يؤم) خبر (كان) وقوله: (منفصلا) وقوله (وليس بفاعل) حالين عن الصائر أي لامتياز إمام الجمعة باعتبار اشتراط علمه بالخطبة عن إمام غير الجمعة، وهذا أبعد الوجوه. وأما تأخير الخطبة في الجمعة فقد عرفت أنه مما تفرد به الصدوق، ولم أظفر على موافق له في ذلك، فما عد من بدع عثمان إنما هو تقديم خطبة العيدين، وجعل


(1) البقرة: 44.

[205]

الخطبتين مكان الساقطتين (1). إذا عرفت مضمون الخبر مع إشكاله وإغلاقه فاعلم أن بعض المنكرين لوجوب الجمعة في زمن الغيبة، الشارطين للامام عليه السلام أو نائبه فيها، استدلوا على مطلوبهم بهذا الخبر من وجوه: الاول من لفظة الامام المترر ذكره في الخبر، حيث زعموا أنه حقيقة في إمام الكل. الثاني من قوله: (منها أن الصلاة مع الامام أتم وأكمل) حيث قالوا يدل على اشتراط العلم والفقه والفضل من إمام الجمعة زائدا على ما يشترط في إمام الجماعة، والقائلون بالغيبة لا يفرقون بينهما، وغيرهم يشرطون الامام أو نائبه، فلا بدمن حمله عليه. الثالث من قوله عليه السلام: (فأراد أن يكون للامام أو للامير سبب إلى موعظتهم) إلى قوله: (من الاحوال التي فيها المضرة والمنفعة) قالوا: (الامام والامير) يدلان على ما قلنا، وأيضا ظاهر أن تلك الفوائد ليس إلا شأن الامام أو الحاكم من قبله، لاسيما الاخبار بما يرد عليه من الافاق مما فيه المضرة والمنفعة لاكل عادل. الرابع من قوله: (وليس بفاعل غيره ممن يوم الناس في غير يوم الجمعة) فانه يدل على أن صلاة الجمعة لا يفعلها من يؤم في غير الجمعة فيدل على اشتراط الامام أو نائبه بالتقريب المتقدم. الخامس من قوله: (للحوائج والاعذار والانذار) وإعلام الامر والنهي كلها من شئون إمام الكل، والامير والحاكم، لاكل إمام. والجواب من وجوه: الاول أن السند غير صحيح على طريقتهم، فان ابن عبدوس غير مذكور في شئ من كتب الرجال، ولاوثقه أحد، وابن قتيبة وإن كان


(1) حيث قال: لانهما بمنزلة الركعتين الاخراوين، ولا نعرف القول بذلك الا عن الشلمغانى في كتاب التكليف المعروف بفقه الرضا عليه السلام كما مر تحت الرقم: 34.

[206]

ممدوحا لم يوثقه أيضا أحد. ثم إن الفضل - ره - ذكر أولا تلك العلل من غير رواية، ثم لما سأله ابن قتيبة هل قلت جميع ذلك برأيك أو عن خبر ؟ قال: بل سمعتها من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا المرة بعد المرة، والشئ بعد الشئ فجمعتها، ويظهر من الصدوق - ره - أنه حمل هذا الكلام على أن بعضها سماعي وبعضها استنباطي ولذا تراه يقول في مواضع وغلط الفضل بن شاذان في ذلك، وهذا مما يضعف الاحتجاج به. الثاني ما ذكره من الاستدلال بلفظ الامام، فقد عرفت جوابه مما سبق. الثالث أنا لا نسلم دلالة قوله: (لعلمه وفقهه وعدله وفضله) على اشتراط هذه الامور، إذ يمكن أن يكون التعليل مبنيا على أن في الغالب من يتصدى فيها يكون متصفا بتلك الاوصاف، أو يكون مبنيا على تأكد استحباب كون الامام أعلم وأفضل كما مر عن النبي صلى الله عليه وآله (إمام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم) ولما كان الاجتماع هنا أكثر، فيكون زيادة الفضل هنا مستلزما لمزيد فضل في نفسه، كما لا يخفى. والحق أن هذه الصلاة لما كان السعي إليها واجبا على الجميع إلا جماعة قليلة، فلا بد في إمامها من مزيد فضل ليكون أفضلهم، فيظهر وجه التخصيص، و يكفي هذا لصحة التعليل، على أنه لا يلزم اطراد التعليل، فجاز أن يكون لصلاة حضر فيها الامام أو الامير المنصوب من قبله، فانه لاريب أنهما مع حضورهما أولى من غيرهما. وأكثر التعليلات الواردة هذا الخبر الطويل غير مطرد كعلة الجهر والاخفات وغسل الميت، والقصر في السفر وأشباهها، وإنما هي مناسبات يكفي فيها التحقق في الجملة، وأيضا قد بينا أن إمام الجمعة يزيد على إمام غيرها بالعلم بالخطبة، والقدرة على إيقاعها، والعلم بأحكام خصوص الجمعة من الوقت والعدد والشراط والاداب.

[207]

الرابع أن التعبير بالامير لا يستلزم التخصيص، بل يمكن أن يكون على المثال أو ذكر أفضل أفراده، ليكون العلة فيه أتم وأظهر، مع أن في العيون مكانه الامام وقد عرفت أن ظاهره مطلق إمام الجماعة في المقام. والخامس أن كون إخبارهم بما ود عليه من الافاق مخصوص بالامام أو النائب ممنوع، إذ يمكن أن يخبر كل واعظ وخطيب الناس بما سنح في الاطراف من هجوم الكفار، وأعادي المؤمنين، وقوتهم وشوكتهم، ليهتموا في الدعاء والخيرات وبذل الصدقات. مع أنه في أكثر نسخ العيون (بما ورد عليهم من الافاق ومن الاهوال) فيمكن أن يكون المراد إخبارهم بآفات زروعهم وأشجارهم وأسعارهم، وبأن علتها المعاصي وشرور أنفسهم، ثم يأمرهم بالتوبة والانابة، كما اشتمل عليه كثير من الخطب المنقولة. على أن كون شئ علة لحدوث حكم لا يستلزم بقاء العلة إلى يوم القيامة كما مر أن علة التكبيرات السبع أن النبي صلى الله عليه وآله كلما صعد سماء كبر تكبيرة، ولما رأى من نور عظمته سبحانه ركع، ولما رأى نورا أشد من ذلك سجد، ولما رأى النبيين خلفه سلم، فلو كانت العلة موجبة للتخصيص، فلا تلزم هذه الامور لغيره، ولا له إلا في المعراج. السادس لا نسلم دلالة ذكر الحوائج والاعذار والانذار وإعلام ما فيه الصلاح والفساد بالامام، فان مدار الخطباء والوعاظ على ذكر ما يحتاج إليه الناس من امور دينهم ودنياهم نقلا عن أئمتهم ويتمون حجة الله عليهم، وينذرونهم عقابه ويدعون لهم ولانفسهم، ويأمرونهم بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه فسادهم ولو سلم فيرد عليه ما مر في الوجه السابق. السابع الاستدلال بقوله: (وليس بفاعل) مع أن معناه غير معلوم، والمقصود منه غير مفهوم، وإنما قطعوا من الكلام جزء غير تام، واستدلوا به وهذا في غاية الغرابة والظرافة، وقد عرفت الوجوه الدقيقة التي حملنا الكلام عليها، وليس في

[208]

شئ منها دلالة على مطلوبهم. على أن هذه الفقرة غير مذكورة في العيون مع أنه أورد فيه ساير أجزاء الخبر وإنما توجد في نسخ العلل، وهذا مما يضعفها، والاحتجاج بها. قوله: (لان ما يقصر فيه الصلاة) أقول: هذا أيضا يحتمل عندي وجوها: الاول: أن المراد أن هذه الصلاة لما كانت واسطة بين صلاة التمام والقصر من جهة أنها ركعتان، وأن الخطبتين مكان الركعتين، فناسب كون المسافة المعتبرة فيها نصف المسافة المعتبرة في القصر. الثاني أنه إذا لوحظ من الجانبين يصير بقدر مسافة القصر ومسافة القصر موجبة للتخفيف، فلذا اسقطت عمن بعد عنها أكثر من فرسخين. الثالث أن مسافة القصر أربعة فراسخ، وإن لم يرد الرجوع من يومه، بل أراد الرجوع قبل أن يقطع سفره كما عرفت، فقطع أربعة فراسخ موجب للقصر في الجملة، فناسب تخفيف الحكم عليه، وشئ من الوجوه لا يخلو من التكلف بحسب اللفظ والمعنى، ولعل بناء التعليل على مناسبة واقعية في عدل الله تعالى وحكمته بين العلتين هي خفية علينا (1). 53 - كتاب العروس: للشيخ الفقيه أبو محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي باسناده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: فرض الله على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة، منها واحدة فرضها في جماعة، وهي الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمريض والمرءة والاعمى ومن كان على رأس فرسخين، وروي مكان المجنون الاعرج. وقال: صلاة يوم الجمعة فريضة والاجتماع إليها فريضة مع الامام. ومنه: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أدركت الامام قبل أن يركع الاخرة فقد أدركت الصلاة، وإذا أدركت بعد ما رفع رأسه فهي أربع ركعات بمنزلة


(1) في ط الكمبانى بعد ذلك تكرار نحو صفحتين منه وقد اسقطناه لما سيأتي ذيل الباب بعينه.

[209]

الظهر، وخصوصيتها للذي أدرك الركعة الاخيرة يضيف إليها ركعة اخرى وقد تمت صلاته، ولا يعتبر بما فاته من سماع الخطبتين مكان الركعتين، وسائر الصلوات إذا أدرك الركعة الاخيرة يضيف إليها ثلاث ركعات التي فاتته. ومنه: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: ينبغي لك أن تصلي يوم الجمعة ست ركعات في صدر النهار، وست ركعات قبل الزوال، وركعتان مع الزوال، فإذا زالت الشمس صليت الفريضة، إن كنت مع الامام ركعتين، وإن كنت وحدك فأربع ركعات ثم تسلم وتصلي بين الظهر والعصر ثمان ركعات. وروي يصلي بين الظهر والعصر ست ركعات. ومنه: باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الاذان أو بعده ؟ قال: قبل الاذان. ومنه: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: تصلى العصر يوم الجمعة في وقت الظهر في غير يوم الجمعة، وقال: وقت صلاة الجمعة ساعة نزول الشمس، ووقتها في السفر و الحضر واحد، أو هي في المضيق وقت واحد حين تزول الشمس. ومنه: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله أكرم المؤمنين بالجمعة فسنها رسول الله صلى الله عليه وآله بشارة لهم، والمنافقين توبيخا للمنافقين ولا يبنغي تركهما فمن تركهما متعمدا فلا صلاة له. بيان: اعلم أن المراد بالجمعة اليوم أو الصلاة أو السورة، والمراد بالضمير السورة، فعلى الاوليين فيه استخدام، وقوله: (والمنافقين) عطف على الضمير البارز في سنها، وحمل لاصلاة له على نفي الكمال. 54 - العروس: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القنوت في يوم الجمعة إذا كنت وحدك ففي الثانية، وإن كان الامام ففي الركعة الاولى. وروى حريز أن القنوت يوم الجمعة قنوتان: قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع، وقنوت في الثانية بعد الركوع. ومنه: باسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: وقت الظهر يوم

[210]

الجمعة حين تزول الشمس، وليجهر بالقراءة في الركعتين الاوليين إذا كان وحده، ويقنت. وقال الباقر عليه السلام: الرجل إذا صلى الجمعة أربع ركعات يجهر فيها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أول ما صلى في السماء صلاة الظهر يوم الجمعة جهر بها. بيان: قوله عليه السلام: ((إذا كان وحده) لعله بيان للفرد الخفي، وكذا قوله: (إذا صلى الجمعة أربع ركعات) والمشهور بين قدماء الاصحاب استحباب الجهر بالظهر يوم الجمعة، ونقل المحقق في المعتبر عن بعض الاصحاب المنع من الجهر بالظهر مطلقا وقال: إن ذلك أشبه بالمذهب وقال ابن إدريس: يستحب الجهر بالظهر إن صليت جماعة لا انفرادا، ويدفعه صريحا رواية زرارة، هنا، وحسنة الحلبي في التهذيب (1) والاول أقوى. 55 - العروس: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ينبغي للامام الذي يخطب يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشتاء والصيف، ويترددى ببرد يمنية أو عبري، ويخطب وهو قائم. ومنه: باسناده عن جعفر بن محمد قال: ليس على أهل القرى جماعة ولا خروج في العيدين. ومنه: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: لاجمعة إلا في مصر يقام فيه الحدود. بيان: روى الشيخ في التهذيب هذه الرواية عن طلحة بن زيد (2) والذي قبله عن حفص بن غياث (3)، والاول ضعيف على المشهور والثاني موثق، وحملهما الشيخ على التقية، لانهما موافقان لمذاهب أكثر العامة، أو على حصول البعد بأكثر من فرسخين مع اختلال الشرايط عندهم، وورد هما في المنتهى بالضعف والحمل على


(1) التهذيب ج 1 ص 249. (2) التهذيب ج 1 ص 322. (3) التهذيب ج 1 ص 324.

[211]

ما ذكر، وقال: المصر ليس شرطا في الجمعة (1) وهو قول علمائنا، ثم قال: و قال أبو حنيفة: لا تجب على أهل السواد، وقال في الذكرى: ليس من شرط الجمعة المصر على الاظهر في الفتاوي، والاشهر في الروايات، ثم قال: وقال ابن أبي عقيل: صلاة الجمعة فرض على المؤمنين حضورها مع الامام في المصر الذي هو فيه، و حضورها مع امرائه في الامصار والقرى النائية عنه، وفي المبسوط لا تجب على أهل البادية والاكراد، لانه لا دليل عليه ثم قال: لو قلنا إنما تجب عليهم إذا حضر العدد لكان قويا انتهى. واستدلال جماعة بالخبرين على اشتراط الامام طريف. 56 - قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: لما سوى رسول الله صلى الله عليه وآله الصفوف باحد قام فخطب الناس فقال: أيها الناس اوصيكم بما أوصاني به الله في كتابه من العمل بطاعته، والتناهي عن محارمه، وساق الخطبة إلى أن قال: ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فعليه بالجمعة يوم الجمعة إلا صبيا أو امرأة أو مريضا أو عبدا مملوكا، ومن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد الخبر (2). بيان: قال في النهاية: استغنى الله عنه أي أطرحه الله، ورمى به من عينه فعل


(1) المصر ليس بشرط في انعقاد الجمعة، وانما هو شرط الوجوب، بمعنى أنه إذا لم يكن مصر فيه العدة والعدد، لم يكن الامام مبسوط اليد، بل كان خائفا لا يجب عليه صلاة الجمعة، كما أنه لا يجب عليه اقامة الحدود، وإذا كان مصر يقام فيه الحدود، و أقام الامام الجمعة، فعلى أهل المصر ومن في حريمه إلى رأس فرسخين اجابة النداء. وأما من هو خارج المصر وحريمه، فمن كان في سائر الامصار تحت ولاية الولادة اجاب نداء الوالى، أقام فيه الحدود أو لم يقم، ومن كان في القرى فإذا كان فيهم من يحسن الخطبة، واجتمع العدد. فالاولى لهم أن يقيموا الجمعة، الا أنه لا يجب، لعدم النداء من قبل ولى الامر على ما عرفت وجهه في ذيل الاية الكريمة ص 123. (2) شرح نهج البلاغة ج 3 ص 365.

[212]

من استغنى عن الشئ فلم يلتفت إليه، وقيل جزاه جزاء استغنائه عنها كقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) (1). 57 - رسالة الجمعة: في أعمال الجمعة للشهيد الثاني قال: قال النبي صلى الله عليه وآله الجمعة حج المساكين. وكان سعيد بن المسيب يقول: الجمعة أحب إلى من حجة تطوع. وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: يقرأ في الجمعة في الركعة الاولى بسورة الجمعة ليحرض بها المؤمنين، وفي الثانية بسورة المنافقين ليفزع بها المنافقين. وقال: من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام. وقال عليه السلام: من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها، و لبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كان كفارة لما بينهما، ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له طهرا. وقال: من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت لاجمعة له. وقال: من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج يأتي المسجد، ولم يتخط رقاب الناس، ثم يركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الامام، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها. وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله برد يلبسه في العيدين والجمعة سوى ثوب مهنته. وفي حديث آخر عنه عليه السلام: إن الله وملائكة يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة. وقال عليه السلام: إذا كان يوم الجمعة كان على باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الاول فالاول، فإذا جلس الامام طووا الصحف وجاؤا يستعمون الذكر.


(1) براءة: 67.

[213]

وقال عليه السلام: يجلس الناس من الله يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعات الاول والثاني والثالث. قوله: (من الله) أي من كرامة ونحوها. وقال عليه السلام: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، وإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستمعون الذكر. وعن الباقر عليه السلام قال: يجلس الملائكة يوم الجمعة على باب المسجد فيكتبون الناس على قدر منازلهم الاول والثاني، حتى يخرج الامام. وروى عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فضل الله الجمعة على غيرها من الايام، وإن الجنان لتزخرف وتزين يوم الجمعة لمن أتاها، وإنكم لتتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة، وإن أبواب السماء لتفتح لصعود أعماد العباد (1). وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الامام واستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وآله: مشيك إلى المسجد وانصرافك إلى أهلك في الاجر سواء. وعنه صلى الله عليه وآله أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر كل يوم إلا يوم الجمعة. وعنه صلى الله عليه وآله: إذا اشتد الحر أبرد بالصلاة يغير الجمعة. وعن سهل بن سعيد قال: كنا لا نقيل ولانتغدى إلا بعد الجمعة، وكنا نصلي


(1) راجع التهذيب ج 1 ص 246، وهكذا بعض الاحاديث منقول من التهذيب و الفقيه.

[214]

مع النبي صلى الله عليه وآله الجمعة، ثم تكون القائلة (1). وعن النبي صلى الله عليه وآله من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب في سفره، ولا تقضى له حاجة. وجاء رجل إلى سعيد بن المسيب يوم الجمعة يودعه لسفر فقال: لا تعجل حتى تصلي فقال: أخاد أن تفوتني أصحابي، ثم عجل فكان سعيد يسأل عنه حتى قدم قوم فأخبروه أن رجله انكسرت. فقال سعيد: إني كنت لاظن أنه سيصيبه ذلك. وروي أن صيادا كان يخرج في الجمعة لا يحرجه مكان الجمعة من الخروج فخسف به وببغلته فخرج الناس وقد ذهبت بغلته في الارض، فلم يبق منها إلا اذناها وذنبها. وروي أن قوما خرجوا إلى سفر حين حضرت الجمعة فاضطرم عليهم خباؤهم نارا من غير نار يرونها. وعن سلمان الفارسي - ره - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: أتدري ما يوم الجمعة ؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هو اليوم الذي جمع الله فيه بين أبويكم، لا يبقى منا عبد فيحسن الوضوء ثم يأتي المسجد لجمعة إلا كانت كفارة لما بينها و بين الجمعة الاخرى ما اجتنب الكبائر. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله النهي عن الاحتباء وقت الخطبة، قيل: والمعني فيه أن الحبوة تجلب النوم فتعرض طهارته للنقض ويمنع من استماع الخطبة. وعنه صلى الله عليه وآله قال: إن لكم في كل جمعة حجة وعمرة، فالحجة الهجرة إلى الجمعة، والعمرة انتظار العصر بعد الجمعة. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا راح مناسبعون رجلا إلى الجمعة كان كسبعين من قوم موسى الذين وفدوا إلى ربهم وأفضل.


(1) رواه في مشكاة المصابيح ص 123، وقال: متفق عليه، وهكذا سائر الاحاديث النبوية موجود فيه.

[215]

بيان: قال في النهاية: فيه ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته أي بذلته وخدمته، والرواية بفتح الميم وقد تكسرو خطأ الزمخشري الكسر انتهى (غسل الجنابة) أي كغسلها ويحتمل الحقيقة كما يظهر استحباب الجماع قبل الذهاب إلى الجمعة من بعض روايات العامة. قوله عليه السلام: (غسل يوم الجمعة واغتسل) قال في النهاية: ذهب كثير من الناس إلى أن (غسل) أراد به المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة، لان ذلك يجمع غض الطرف في الطريق يقال غسل الرجل امرأته بالتشديد وبالتخفيف أي جامعها وقد روي مخففا وقيل: أراد غسل غيره واغتسل هو لانه إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل وقيل: أراد بالغسل غسل أعضائه للوضوء، ثم يغتسل للجمعة، وقيل: هما بمعنى واحد كرر للتأكيد انتهى، وقال بعضهم غسل معناه غسل الرأس خاصة، لان العرب لهم شعور يبالغون في غسلها فأفردها بالذكر، واغتسل يعني غسل سائر جسده. اقول: ويحتمل أن يراد به غسل الرأس بالخطمي والسدر أو غسل الثياب. (وبكر وابتكر) قال في النهاية بكر إلى الصلاة أتى أول وقتها، وكل من أسرع إلى شئ فقد بكر إليه، وأما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شئ باكورته، وابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه. وقيل: معنى اللفظين واحد فعل وافتعل، وإنما كررا للمبالغة والتوكيد، كما قالوا جاد مجدا انتهى، وقال بعضهم: معنى بكر أي تصدق قبل خروجه كما في الحديث، باكروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها. أقول: هذه الاخبار أكثرها عامية أوردناها تبعا للشيخ المتقدم ذكره قدس الله لطيفه. 58 - المكارم: عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله عليا: يا علي ليس على النساء جمعة ولا جماعة، ولا أذان ولا إقامة ولا تسمع

[216]

الخطبة ولا تخرج من بيت زوجها إلا باذنه الخبر (1). 59 - المحاسن: عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن إبراهيم بن يحيى المديني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالخروج في السفر ليلة الجمعة (2). 60 - الكشى: عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد من أصحابنا، عن محمد بن حكيم وغيره، عن محمد بن مسلم، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله في الجمعة قال: إذا اجتمع خمسة أحدهم الامام فلهم أن يجمعوا (3). 61 - المعتبر: نقلا من جامع البزنطي، عن داود بن الحصين، عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا جمعة إلا بخطبة، وإنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين (4). 62 - المتهجد: عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن صلاة الجمعة قال: وقتها إذا زالت الشمس، فصل ركعتين قبل الفريضة، فان أبطأت حتى يدخل الوقت هنيئة فابدأ بالفريضة، ودع الركعتين حتى تصليهما بعد الفريضة (5). ومنه: عن إسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وقت الصلاة فقال: وجعل لكل صلاة وقتين إلا الجمعة في السفر والحضر، فانه عليه السلام قال: وقتها إذا زالت الشمس، وهي فيما سوى الجمعة، لكل صلاة وقتان، وقال: إياك أن تصلي قبل الزوال، فوالله ما ابالي بعد العصر صليتها أو قبل الزوال (6).


(1) مكارم الاخلاق: 510 في حديث طويل. (2) المحاسن: 347. (3) رجال الكشى: 167 تحقيق المصطفوى ذيل حديث طويل. (4) المتبر: 203. (5) مصباح المتهجد: 254. (6) مصباح المتهجد: 255.

[217]

وعن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وقت الجمعة ساعة تزول الشمس إلى أن تمضي ساعة تحافظ عليها فأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يسأل الله تعالى عبد فيها خيرا إلا أعطاه الله (1). وروى حريز قال: سمعته يقول: أما أنا إذا زالت الشمس يوم الجمعة بدأت بالفريضة، وأخرت الركعتين إذا لم أكن صليتهما (2). ومنه: روى ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إني لاحب للرجل أن لا يخرج من الدنيا حتى يتمتع، ولو مرة، وأن يصلي الجمعة في جماعة (3). بيان: قد يستدل بهذا الخبر على الوجوب التخييري لصلاة الجمعة، لقوله (لاحب) وهو ظاهر في الاستحباب، ولذكرها مع المتعة وهي مستحبة اتفاقا، والجواب أن قوله: (لاحب) لاظهور له في الاستحباب بحيث يصلح لتخصيص تلك العمومات ولذا ضمها مع مستحب لادلالة فيه على الاستحباب، بل هو نكتة باعثة للتعبير عنهما بقوله: (لاحب) ليشملهما. على أنه لاريب أن للجمعة أفرادا واجبة، وأفرادا مستحبة كمن بعد بأزيد من فرسخين والاعمى والمريض والمسافر، وساير من تقدم ذكره، فلو لم يمكن حملها على الواجبة فلتحمل على الافراد المستحبة، ولا تعيين في الرواية أن أي فرد من أفرادها المستحبة اريد بها، حتى يتعين حملها عليه، مع أنه يمكن حملها على الصلاة مع المخالفين تقية جمعا بين الاخبار (4). 63 - المتهجد: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، قال: ما بين فراغ الامام من الخطبة إلى أن تستوي الصفوف بالناس، وساعة اخرى من آخر النهار إلى غروب


(1 - 3) مصباح المتهجد: 255. (4) ذكر المتعة يأبي عن هذا الحمل.

[218]

الشمس (1). 64 - المجالس (2) والخصال للصدوق: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن الحسين البرقي، عن عبد الله بن جبلة، عن الحسن بن عبد الله، عن آبائه، عن جده الحسن ابن علي عليه السلام في حديث طويل قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله أعلمهم عن مسائل فكان فيما سأله أخبرنا عن سبع خصال أعطاك الله من بين النبين، وأعطى امتك من بين الامم فقال: أعطاني الله عزوجل فاتحة الكتاب، والاذان، و الجماعة في المسجد، ويوم الجمعة، والصلاة على الجنايز، والاجهار في ثلاث صلوات والرخصة لامتي عند الامراض والسفر، والشفاعة لاصحاب الكبائر من امتي قال: صدقت يا محمد فما جزاء من فعل هذه الاشياء ؟ وساق الحديث إلى أن قال. قال: وأما يوم الجمعة فيوم يجمع الله فيه الاولين والاخرين، فما من مؤمن مشى فيه إلى الجمعة، إلا خفف الله عليه أهوال يوم القيامة، ثم يؤمر به إلى الجنة (3). 65 - الصحيفة السجادية: (4) وكان من دعائه عليه السلام في يوم الاضحى ويوم


(1) مصباح المتهجد: 254 وفى نسخة الكمبانى بعد ذلك تكرار حديث البزنطى المذكور تحت الرقم 61 رواية عن جامعه، من دون ذكر المصدر مع بياض في محله، وقد حذفناه، وقال السيد الاجل المرزا محمد خليل الموسوي رحمه الله مصحح طبعة الكمبانى ما هذا لفظه نقلا عن هامش الطبعة: (حديث البزنطى ليس في النسخة الخطية المعتبرة، فلا اعتبار في مكان البياض). (2) أمالى الصدوق: 117، في حديث. وفيه بدل الجمعة الجماعة. (3) الخصال ج 2 ص 9، وفيه: وأما يوم القيمة فيجمع الله فيه الاولين والاخرين للحساب، فما من مؤمن مشى إلى الجماعة الاخفف الله عزوجل عليه أهوال يوم القيامة ثم يجازيه الجنة). (4) ههنا أيضا تكرر في طبعة الكمبانى حديث الكشى المذكور تحت الرقم 60 فأسقطناه.

[219]

الجمعة: اللهم هذا يوم مبارك ميمون، والمسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك، يشهد السائل منهم والطالب والراغب والراهب - إلى قوله - اللهم إن هذا المقام لخلفائك وأصفيائك، ومواضع امنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها، قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك - إلى قوله - حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين، يرون حكمك مبدلا، وكتابك منبوذا - إلى قوله عليه السلام - وعجل الفرج والروح والنصرة والتمكين والتأييد لهم إلى آخر الدعاء (1). بيان: لا يخفى على العارف بأساليب البلاغة أن هذا الدعاء يدل على مطلوبية اجتماع المؤمنين في الجمعة والاعياد للصلاة والدعاء، والسؤال والرغبة، وبث الحوائج في جميع الاحوال والازمان، لانه معلوم أن أدعية الصحيفة الشريفة مما أملاها عليه السلام لتقرأها الشيعة إلى آخر الدهر، وهي كالقرآن المجيد من البركات المستمرة إلى يوم الوعيد. ووجه الدلالة أنه ذكر في وصف اليوم وبيان فضله أن المسلمين يجتمعون في أقطار الارض، ومعلوم أن اجتماعهم كانوا لصلاة الجمعة والعيد، ولم يكونوا مأذونين منه عليه السلام لغاية خوفه واختفائه، وكذا الازمان بعده إلى زمان القائم، فلابد من مصداق لهذا الاجتماع في زمانه عليه السلام وأكثر الازمان بعده، حتى يحسن تعليمهم مثل هذا الدعاء. ولما كان في البلاد الذي كان فيه حاضرا فارغا لم يجز لغيره التقدم عليه أشار إلى خصوص هذا المقام فقال عليه السلام: (إن هذا المقام لخلفائك) وشكى إلى الله سبحانه ذلك، أو أنه لما كان من الحكم العظيمة للجمعات والاعياد ظهور دولتهم عليهم السلام و تمكنهم، وأمرهم ونهيهم، وإرشادهم، وكان في تلك الازمان الامر بعكس ذلك تظهر فيها دولة المتغلبين والغاصبين، وتقوى فيها بدعهم وإضلالهم، فأشار بتلك المناسبة


(1) الصحيفة السجادية تحت الرقم 48 ص 277 ط الاخوندى.

[220]

إلى الخلافة الكبرى التي ادعوها وابتزوها وغصبوها. فان قيل ذكر اجتماعهم لا يدل على رجحان بل هو بيان لامر واقعي، قلنا معلوم من سياق الكلام حيث ذكر لبيان كرامة اليوم وشرافته، ولتمهيد الدعاء وإدخال نفسه المقدسة في جملتهم إما تواضعا أو تعليما أنه في مقام التحسين والتجويز، ولو كان اجتماعهم كذلك بدعة وحراما لكان مثل أن يقول أحد: اللهم إن هذا يوم مبارك يجتمع فيه الناس في أقطار الارض لشرب الخمور وضرب الدفوف والمعازف واللعب بالقمار والملاهي، ويطلبون حوائجهم فأسئلك أن توفر حظي ونصيبي منه. والعجب أن جماعة من المانعين استدلوا بالعبارة الاخيرة على عدم وجوب صلاة الجمعة في أزمنة الغيبة، بل بعضهم على حرمتها، حيث قالوا: هذا المقام إشارة إلى إمامة الجمعة والعيد والخطبة وقوله: (لخلفائك) يدل على الاختصاص بهم وكذا قوله (قد اختصصتهم بها) وقوله: (قد ابتزوها) فان الابتزاز هو الاستلاب والاخذ قهرا. والجواب أما أولا فبما عرفت أن المشار إليه بهذا المقام يحتمل أن يكون الخلافة الكبرى، لظهور آثارها في هذا اليوم، بقرينة قوله بعد ذلك (حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا وكتابك منبوذا و فرائضك محرفة من جهات إشراعك، وسنن نبيك متروكة) إذ ظاهر أن الامور المذكورة مما يترتب على الولاية الكبرى، والخلافة العليا. وثانيا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى الصلاة والخطبة، يمكن إرجاعه إلى الصلاة المخصوصة، إذ إرجاع الضمير إلى الخاص أولى من إرجاعه إلى العام المتحقق في ضمن الخاص، كما إذا اشير إلى هذا بزيد واريد به زيد أو الانسان المتحقق في ضمنه، وظاهر أن الاول أظهر وأحق بكونه حقيقة، والصلاة المخصوصة كانت صلاة [محرمة] ظ لحضور الامام بغير إذنه عليه السلام مع قهره عليه السلام على الحضور والاقتداء به، فلا يدل على المنع من غيرها.

[221]

وثالثا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى مطلق الصلاة يكفي لصدق الاختصاص المستفاد من اللام كونهم أحق بها في الجملة، مع أنه قد حقق المحقق الدواني في حواشيه على شرح المختصر العضدي أن هذا الاختصاص ليس بمعنى الحصر بل يكفي فيه ارتباط مخصوص، كما يقال: الجل للفرس وقد حققنا ذلك في الفرائد الطريفة في شرح الحمدلله. وقوله: (ابتزوها) في بعض النسخ على بناء الفاعل، وفي بعضها على بناء المفعول، فعلى الاول ظاهر أن الضمير المرفوع راجع إلى خلفاء الجور، وأتباعهم الغاصبين لحقوقهم، وعلى الثاني أيضا المراد ذلك لان شيعتهم ومواليهم الذين يفعلونها إطاعة لامرهم، وإحياء لذكرهم، لا يصدق عليهم أنهم ابتزوها منهم، كما أن النائب الخاص خارج منهم اتفاقا. ورابعا بأنه يمكن تعميم الخلفاء والاصفياء والامناء بحيث تشمل فقهاء الشيعة ورواة أخبار الائمة، كما روى الصدوق وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله اللهم ارحم خلفائي قيل له: يا رسول الله ومن خلفاؤك ؟ قال: الذين يأتون من بعدي: يروون حديثي وسنتي، وفي رواية اخرى زاد فيه: ويعلمون الناس بعدي، لكن في هذا الوجه بعد، نعم لا يبعد حمل الامناء بل الاصفياء على الشيعة، لاسيما علماؤهم، والتأسيس أولى من التأكيد. * (تتميم) * أقول: جملة القول في هذا المسألة التى تحيرت فيها الاوهام، واضطرب فيها الاعلام، أنه لا أظن عاقلا يريب في أنه لو لم يكن الاجماع المدعى فيها، لم يكن لاحد مجال شك في وجوبها على الاعيان في جميع الاحيان والازمان كما في ساير الفرائض الثابتة بالكتاب والسنة فكما ليس لاحد أن يقول لعل وجوب صلاة العصر وزكاة الغنم مشروطان بوجود الامام وحضوره وإذنه، كذا ههنا لعدم الفرق بين الادلة الدالة عليها. لكن طرأ ههنا نقل إجماع من الشيخ وتبعه جماعة ممن تأخر عنه كما هو دأبهم في ساير المسائل، فهو عروتهم الوثقى، وحجتهم العظمى، به يتصاولون،

[222]

وعليه يتطاولون، فاشتهر في الاصقاع، ومالت إليه الاطباع، والاجماع عندنا على ما حققه علماؤنا رضوان الله عليهم في الاصول هو قول جماعة من الامة يعلم دخول قول المعصوم في أقوالهم، وحجيته إنما هو باعتبار دخول قوله عليه السلام، فهو كاشف عن الحجة، والحجة إنما هي قوله عليه السلام. قال المحقق - ره - في المعتبر: وأما الاجماع فهو عندنا حجة بانضمام قول المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة، لا باعتبار اتفاقهما، بل باعتبار قوله، ولا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الاجماع باتفاق الخمسة والعشرة من الاصحاب مع جهالته قول الباقين، إلا مع العلم القطعي بدخول الامام في الجملة انتهى. والاجماع بهذا المعنى لاريب في حجيته على فرض تحققه، والكلام في ذلك. ثم إنهم قدس الله أرواحهم لما رجعوا إلى الفروع، كأنهم نسوا ما أسسوه في الاصول فادعوا الاجماع في أكثر المسائل، سواء ظهر الاختلاف فيها أم لا، وافق الروايات المنقولة فيها أم لا حتى أن السيد رضي الله عنه وأضرابه كثيرا ما يدعون الاجماع فيما يتفردون في القول به، أو يوافقهم عليه قليل من أتباعهم، وقد يختار هذا المدعي للاجماع قولا آخر في كتابه الاخر، وكثيرا ما يدعي أحدهم الاجماع على مسألة ويدعى غيره الاجماع على خلافه. فيغلب الظن على أن مصطلحهم في الفروع غير ماجروا عليه في الاصول (1) بأن سموا الشهرة عند جماعة من الاصحاب إجماعا كما نبه عليه الشهيد - ره - في الذكرى وهذا بمعزل عن الحجية ولعلهم إنما احتجوا به في مقابلة المخالفين ردا عليهم أو تقوية لغيره من الدلائل التي ظهرت لهم. ولا يخفى أن في زمان الغيبة لا يمكن الاطلاع على الاجماع، إذ مع فرض


(1) قد مر في ج 85 ص 7 كلام في الاجماع الذى يدعيه الشيخ قدس سره، راجعه ان شئت.

[223]

إمكان الاطلاع على مذاهب جميع الامامية، مع تفرقهم وانتشارهم في أقطار البلاد، والعلم بكونهم متفقين على مذهب واحد، لاحجة فيه، لما عرفت أن العبرة عندنا بقول المعصوم، ولا يعدم دخوله فيها. وما يقال: من أنه يجب حينئذ على المعصوم أن يظهر القول بخلاف ما أجمعوا عليه، لو كان باطلا، فلو لم يظهر ظهر أنه حق، لايتم، سيما إذا كانت في روايات أصحابنا رواية بخلاف ما أجمعوا عليه، إذ لافرق بين أن يكون إظهار الخلاف على تقدير وجوبه بعنوان أنه قول فقيه، وبين أن يكون الخلاف مدلولا عليه بالرواية الموجودة في روايات أصحابنا. بل قيل إنه على هذا لا يبعد القول أيضا بأن قول الفقيه المعلوم النسب أيضا يكفي في ظهور الخلاف، وإن كان في زمان الحضور، أي ادعوا أنه يتحقق الاجماع في زمان حضور إمام من الائمة عليهم السلام، فان لم يعلم دخول قول الامام بين أقوالهم فلا حجية فيه أيضا، وإن علم فقوله كاف، ولا حاجة إلى انضمام الاقوال الاخر إلا أن لا يعلم الامام بخصوصه، وإنما يعلم دخوله لانه من علماء الامة، وهذا فرض نادر يبعد تحققه في زمان من الازمنة. وأيضا دعوى الاجماع إنما نشأ في زمن السيد والشيخ ومن عاصرهما ثم تابعهما القوم، ومعلوم عدم تحقق الاجماع في زمانهم، فهم ناقلون عمن تقدمهم فعلى تقدير كون المراد بالاجماع هذا المعنى المعروف، لكان في قوة خبر مرسل، فكيف يرد به الاخبار الصحيحة المستفيضة، ومثل هذا يمكن أن يركن إليه عند الضرورة، وفقد دليل آخر أصلا. وما قيل من أن مثل هذا التناقض والتنافي الذي يوجد في الاجماعات يكون في الروايات أيضا، قلنا: حجية الاخبار ووجوب العمل بها مما تواترت به الاخبار، و استقر عليه عمل الشيعة، بل جميع المسلمين في جميع الاعصار، بخلاف الاجماع الذي لا يعلم حجيته ولا تحققه، ولا مأخذه ولامراد القوم منه، وبالجملة من تتبع موارد الاجماعات وخصوصياتها، اتضح عليه حقيقة الامر فيها.

[224]

وأما الاجماع المدعى ههنا بخصوصه، فله جهات مخصوصة من الضعف. منها تحقق الخلاف في المسألة من الشيخ المفيد الذي هو أفضل وأقدم، والكليني والصدوق وأبي الصلاح والكراجكي فكيف يقبل دعوى الاجماع مع ذلك، و مع أنهم عللوا الاجماع هنا بعلة ضعيفة بخلاف ساير الاجماعات. قال في المعتبر: والبحث في مقامين أحدهما في اشتراط الامام أو نائبه، والمصادمة مع الشافعي ومعتمدنا فعل النبي صلى الله عليه وآله فانه كان يعين لصلاة الجمعة وكذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء، فكما لا يصح أن يصب الانسان نفسه قاضيا من دون إذن الامام كذا إمامة الجمعة، وليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الاعصار، فمخالفته خرق للاجماع انتهى. وقال الشهيد الثاني: مع تسليم اطراده في جميع الازمنة نمنع دلالته على الشرطية، بل هو أعم منها، والعام لا يدل على الخاص، والظاهر أن تعيين الائمة إنما هو لحسم مادة النزاع في هذه المرتبة، ورد الناس إليه بغير تردد، و اعتمادهم على تقليده بغير ريبة، واستحقاقه من بيت المال لسهم وافر من حيث قيامه بهذه الوظيفة الكبيرة من أركان الدين. ويؤيد ذلك أنهم يعينون لامامة الصلوات اليومية أيضا، والاذان وغيرهما من الوظائف الدينية مع عدم اشتراطها باذن الامام باجماع المسلمين، ولم يزل الامر متسمرا في نصب الائمة للصلوات الخمس والاذان ونحوهما أيضا من عهد النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا من الخلفاء والسلاطين، وأئمة العدل والجور، كل ذلك لما ذكرنا من الوجه، لا للاشتراط، وهذا أمر واضح، لا يخفى على منصف انتهى. ومنها أن ظاهر كلام أكثرهم أن هذا الشرط إنما هو عند حضور الامام، والتمكن منه كما أومأ إليه المحقق، حيث شبهه بالقضاء، فان التعيين في القضاء عندهم إنما هو عند حضور الامام، وأما مع غيبته فيجب على الفقهاء القيام به مع تمكنهم منه.

[225]

قال الشهيد الثاني روح الله روحه: إن الذي يدل عليه كلام الاصحاب أن موضع الاجماع المدعى إنما هو حال حضور الامام، وتمكنه، والشرط المذكور حينئذ إنما هو إمكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة لانهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب ويدعون الاجماع عليه أولا، ثم يذكرون حال الغيبة وينقلون الخلاف فيه، ويختارون جوازها حينئذ أو استحبابها، معترفين بفقد الشرط. هكذا عبروا به عن المسألة، وصرحوا به في الموضعين، فلو كان الاجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع، لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك، بل اختيار جواز فعلها بدونه أيضا فانهم يصرحون بأنه شرط للوجوب، ثم يذكرون الحكم بعد الغيبة، ويجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها حينئذ بالوجوب وهو دليل بين على أن الوجوب الذي يجعلونه مشروطا بالامام عليه السلام وما في معناه إنما هو حيث يمكن أو في الوجوب العيني حين حضوره، بناء منهم على أن ما عداه لا يسمونه واجبا، وإن أمكن إطلاقه عليه من حيث أنه واجب تخييري، وعلى هذا الوجه يسقط الاستدلال بالاجماع في موضع النزاع، لوتم في غيره. ومنها أن كلامهم في الاذن مشوش، فبعض كلماتهم يدل على الاذن لخصوص الشخص، لخصوص الصلاة، أو لما يشملها، وبعضها على الاذن الشامل للاذن العام للفقيه، وبعضها على الاعم من ذلك حتى يشمل كل من يصلح للامامة، فتسقط فائدة النزاع. قال الشيخ في الخلاف بعد أن اشترط أولا في الجمعة الامام أو نائبه، ونقل فيه الاجماع ما هذا لفظه: فان قيل أليس قد رويتم فيما مضى من كتبكم أنه يجوز لاهل القرى والسواد من المؤمنين إذا اجتمعوا العدد الذي ينعقد بهم أن يصلوا جمعة ؟ قلنا: ذلك مأذون فيه ومرغب فيه، فجرى ذلك مجرى أن ينصب الامام من يصلي بهم انتهى. فظهر أن الاذن الذي ادعي الاجماع على اشتراطه يشمل الاذن العام لسائر

[226]

من يمكنه أن يأتي بها، فيرد عليه أنه لاريب أن أصل صلاة الجمعة كانت واجبة عينا والباعث على عدم وجوبها في زمان الغيبة باعتقادكم عدم الاذن، فإذا قام الاذن العام مقام النصب الخاص، فأي مانع من الوجوب العيني ؟ ولذا حمل كلامه هذا جماعة على الوجوب العيني، وقالوا مأذون فيه ومرغب فيه، لا ينافي ذلك لما رأوا أنه يلزمه ذلك وإن كان بعيدا من كلامه. وقال - ره - في المبسوط: وأما الشروط الراجعة إلى صحة الانعقاد، فأربعة: السلطان العادل أو من يأمره السلطان، وقال بعد ذلك بجواز صلاة الجمعة في زمان الغيبة، وبينهما تناف ظاهرا، ويمكن أن يوجه بوجهين أحدهما تخصيص الاول بزمان الحضور، والثاني أن يقال: من يأمره السلطان أعم من أن يكون منصوبا بخصوصه أو مأذونا من قبلهم، ولو بالالفاظ العامة على ما استفيد من الخلاف. وقال العلامة قدس سره في المختلف بعد ما حكى المنع من ابن إدريس: والاقرب الجواز، ثم استدل بعموم الاية والاخبار، ثم حكى حجة إبن إدريس على المنع بأن شرط انعقاد الجمعة الامام أو من نصبه الامام إجماعا، ثم قال: والجواب بمنع الاجماع على خلاف صورة النزاع، وأيضا فانا نقول بموجبه لان الفقيه المأمون منصوب من قبل الامام على العموم انتهى. والذي يغلب على الظن ولعله ليس من بعض الظن أن الذي دعى القوم إلى دعوى الاجماع على اشتراط الاذن أحد أمرين: الاول إطباق الشيعة على ترك الاتيان بها علانية في الاعصار الماضية خوفا من المخالفين، لانهم كانوا يعينون لذلك أئمة مخصوصين في البلاد، ولم يكن يتمكن أحد من الاتيان بها إلا معهم، وكان يلزم المشاهير من العلماء الحضور في مساجدهم ولو كانوا يفعلون في بيوتهم كان نادرا مع نهاية السعي في الاستتار، فظن أن تركهم إنما هو لعدم الاذن. الثاني أن المخالفين كانوا يشنعون عليهم بترك الجمعة، ولم يمكنهم الحكم بفسقهم وكفرهم، فكانوا يتعذرون بعدم إذن الامام، وعدم حضوره دفعا لتشنيعهم، و

[227]

كان غرضهم عدم الاذن للتقية، وعلى هذا يظهر وجه تشويش كلام الشيخ وتنافر أجزائه كما لا يخفى على المتأمل. فاعتبر أيها العاقل الخبير أنه يجوز لمنصف أن يعول على مثل هذا الاجماع مع هذا التشويش والاضطراب، والاختلاف بين ناقليه، مع ما عرفت مع ما في أصله من البعد والوهن، ويعرض عن مدلولات الايات والاخبار الصريحة الصحيحة، وهل يشترط في التكليف بالكتاب والسنة عمل الشيخ ومن تأخر عنه إلى زمان الشهيد حيث يعتبر أقوال اولئك ولا يعتبر أقوال هؤلاء، مع أنه لاريب أن هؤلاء أدق فهما وأذكى ذهنا وأكثر تتبعا منهم، ونرى أفكارهم أقرب إلى الصواب في أكثر الابواب وابتداء الفحص والتدقيق وترك التقليد للسلف نشأ من زمان الشهيد الاول قدس الله لطيفه، وإن أحدث المحقق والعلامة شيئا من ذلك. قال الشهيد الثاني نور الله ضريحه في كتاب الرعاية: إن أكثر الفقهاء الذين نشأوا بعد الشيخ، كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه، وحسن ظنهم به، فلما جاء المتأخرون، وجدوا أحكاما مشهورة، قد عمل بها الشيخ ومتبابعوه، فحسبوها شهرة بين العلماء، وما دروا أن مرجعها إلى الشيخ، وأن الشهرة إما حصلت بمتابعته، ثم قال: وممن اطلع على هذا الذي تبينته وتحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصي (1) والسيد رضي الدين بن طاوس وجماعة. قال السيد في كتابه المسمى بالبهجة الثمرة المهجة أخبرني جدي الصالح ورام ابن أبي فراس قدس الله روحه: أن الحمصي حدثه أنه لم يبق للامامية مفت على التحقيق، بل كلهم حاك، وقال السيد عقيب ذلك: والان قد ظهر أن الذي يفتى به


(1) هو الشيخ الجليل سديد الدين محمود بن على بن الحسن الحمصى الرازي المتكلم المتبحر صاحب كتاب المنقذمن التقليد، والمرشد إلى التوحيد، المعروف بالتعليق العراقى في فن الكلام، كان من مشايخ الشيخ الامير الزاهد ورام بن أبي فراس، راجع بعض ترجمته في خاتمة المستدرك ج 3 ص 477 - 478.

[228]

ويجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين. وقال طيب الله مضجعه في رسالة صلاة الجمعة، بعد أن أورد بعض الاخبار الدالة على وجوبها: فهذه الاخبار الصحيحة الطرق، والواضحة الدلالة، التي لا يشوبها شك ولا يحوم حولها شبهة من طريق أهل البيت في الامر بصلاة الجمعة، و الحث عليها، وإيجابها على كل مسلم عدا ما استثني، والتوعد على تركها بالطبع على القلب الذي هو علامة الكفر، والعياذ بالله، كما نبه عليه تعالى في كتابه العزيز، وتركت غيرها من الاخبار حسما لمادة النزاع ودفعا للشبهة العارضة في الطريق. وليس في هذه الاخبار مع كثرتها تعرض لشرط الامام، ولامن نصبه، ولا لاعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة المعظمة، فكيف ينبغي للمسلم الذي يخاف الله إذا سمع مواقع أمر الله ورسوله وأئمته بهذه الفريضة، وايجابها على كل مسلم أن يقصر في أمرها، ويهملها إلى غيرها، ويتعلل بخلاف بعض العلماء فيها، وأمر الله تعالى ورسوله وخاصته عليهم السلام أحق، ومراعاته أولى، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. ولعمري لقد أصابهم الاول، فليرتقبوا الثاني إن لم يعف الله ويسامح، نسأل الله تعالى العفو والعافية. وقد يحصل من هذين أن من كان مؤمنا فقد دخل تحت نداء الله تعالى وأمره في الاية الكريمة، بهذه الفريضة العظيمة، وتهديده عن الالهاء عنها، ومن كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي صلى الله عليه وآله وقول الائمة أنها واجبة على كل مسلم، ومن كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى: (من يفعل ذلك) يعني الالهاء عنها (فاولئك هم الخاسرون) وقولهم عليهم السلام من تركها على هذا الوجه طبع الله على قلبه لان (من) موضوعه لمن يعقل إن لم يكن أعم. فاختر لنفسك واحدا من هذه الثلاث، وانتسب إلى اسم من هذه الاسماء أعني الايمان أو الاسلام أو العقل، وادخل تحت مقتضاه، أو التزم قسما رابعا إن شئت،

[229]

نعوذ بالله من قبح المدلة وتيه الغفلة. ثم قال - ره - بعد ما بين حقيقة الاجماعات المنقولة، وضعف الاحتجاج بها لاسيما المنقول منها بخبر الواحد: والله تعالى شهيد وكفى بالله شهيدا أن الغرض من كشف هذا كله ليس إلا تبيان الحق الواجب المتوقف عليه لقوة عسر الفطام عن المذهب الذي يألفه الانام، ولو لاه لكان عنه أعظم صارف، والله تعالى يتولى أسرار عباده، ويعلم حقايق أحكامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ثم قال: حتم ونصيحة: إذا اعتبرت ما ذكرناه من الادلة على هذه الفريضة المعظمة، وما ورد من الحث عليها في غير ما ذكرناه مضافا إليه، وما أعده الله من الثواب الجزيل عليها، وعلى ما يتبعها ويتعلق بها يوم الجمعة من الوظائف و الطاعات وهي نحو مائة وظيفة، وقد أقررنا عيونها في رسالة مفردة ذكرنا فيها خصوصيات يوم الجمعة، ونظرت إلى شرف هذا اليوم المذخور لهذه الامة، كما جعل لكل امة يوما يفرغون إليه، وفيه يجتمعون على طاعته، واعتبرت الحكم الالهية الباعثة على الامر بهذا الاجتماع، وإيجاب الخطبة المشتملة على الموعظة، وتذكير الخلق بالله تعالى، وأمرهم بطاعته، وزجرهم عن معصيته، وتزهيدهم في هذه الدار الفانية، وترغيبهم في الدار الاخرة الباقية، المشتملة على مالاعين رأت ولا اذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر، وحثهم على التخلق بالاخلاق الحميدة، واجتناب الصفات الرذيلة، وغير ذلك من المقاصد الجميلة، كما يطلع عليها من طالع الخطب المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وغيرهما من الائمة الراشدين والعلماء الصالحين. علمت أن هذا المقصد العظيم الجليل لا يليق من الحكيم إبطاله، ولا يحسن من العاقل إهماله، بل ينبغي بذل الهمة فيه، وصرف الحيلة إلى فعله، وبذل الجهد في تحصيل شرائطه ورفع موانعه، ليفوز بهذه الفضيلة الكاملة، ويحوز هذه المثوبة الفاضلة. ثم أورد - ره - أخبارا كثيرة دالة على فضل يوم الجمعة وعباداتها وصلاة الجمعة

[230]

والمباكرة إليها، وأن الصلاة أشرف العبادات وأن الصلاة الوسطى من بينها أفضلها. ثم قال: وأصح الاقوال أنها صلاة الظهر، وصلاة الظهر يوم الجمعة هي صلاة الجمعة على ما تحقق أو هي أفضل فرديها على ما تقرر، فقد ظهر من جميع المقدمات القطعية أن صلاة الجمعة أفضل الاعمال الواقعة من المكلفين بعد الايمان مطلقا، وأن يومها أفضل الايام، فكيف يسع الرجل المسلم الذي خلقه الله لعبادته، وفضله على جميع بريته، وبين له مواقع أمره ونهيه، وعرضه لتحصيل السعادات الابدية والكمالات النفسية السرمدية، وأرشده إلى هذه العبادة المعظمة السنية، ودله على متفرعاتها العلية أن يتهاون في هذه الجليلة، أو بحرمة هذا اليوم الشريف ويصرفه في البطالة وما في معناها، فان من قدر على اكتساب درة يتيمة قيمتها مائة ألف دينار، مثلا في ساعة خفيفة، فأعرض عنها أو اكتسب بدلها خرقة قيمتها فلس، يعد عند العقلاء في جملة السفهاء الاغبياء، وأين نسبة الدنيا بأسرها إلى ثواب فريضة واحدة. مع ما قد استفاض بطريق أهل البيت أن صلاة فريضة خير من الدنيا وما فيها فما ظنك بفريضة هي أعظم الفرائض، وأفضلها، على تقدير السلامة من العقاب، و الابتلاء بحرمان الثواب، فكيف بالتعرض لعقاب ترك هذه الفريضة العظيمة، والتهاون في حرمتها الكريمة، مع ما سمعت من توعد الله ورسوله وأئمته بالخسران العظيم والطبع على القلب، والدعاء عليهم من تلك النفوس الشريفة بما سمعت، إلى غير ذلك من الوعيد وضروب التهديد، على ترك الفرائض مطلقا فضلا عنها. وتعلل ذوي الكسالة وأهل البطالة المتهاونين بحرمة الجلالة في تركها، بمنع بعض العلماء من فعلها في بعض الحالات، مع ما عرفت من شذوذه وضعف دليله، معارض بمثله في الامر بها والحث عليها، والتهديد لتاركها من الله ورسوله وأئمته، و العلماء الصالحين، والسلف الماضين، ويبقى بعد المعارضة ما هو أضعاف ذلك، فأي وجه لترجح هذا الجانب مع خطره وضرره، لولا قلة التوفيق، وشدة الخذلان، و

[231]

خدع الشيطاي انتهى. وأقول: وناهيك شدة اهتمام هذا البارع الورع المتين الذي هو أفقه فقهائنا المتأخرين بل المتقدمين، وفاز بالسعادة فلحق بالشهداء الاولين في أعلا عليين في إظهار هذا الحق المبين، مع أنه لم يكن متهما في ذلك بغرض من أغراض المبطلين إذ لم يكن يمكنه إقامتها في بلاد المخالفين. وإني لم اطل الكلام في هذا المقام بايراد حجج الجانبين، ونقل كلمات القوم والتعرض لمدلولاتها، وإيراد الاخبار المذكورة في ساير الكتب، ولم أعمل في ذلك كتابا ولارسالة، لظني أن الامر في هذه المسألة أوضح من أن يحتاج إلى ذلك. وأيضا المنكرون لذلك إما علماء لهم أهلية الترجيح والنظر والاجتهاد، أو جهلة يتلبسون بلباس أهل العلم، لا لهم علم يمكنهم به التمييز بين الحق والباطل ولاورع به يحترزون عن الافتراء على الله ورسوله، والقول بغير علم، أو جهال بحت يلزمهم تقليد العلماء: فأما الفرقة الاولى، فان خلوا أنفسهم عن الاغراض الدنيوية، وبالغوا في الفحص والنظر، وتتبع مدارك الادلة فأدى اجتهادهم إلى أحد الاراء المتقدمة، فلا حرج عليهم في الدنيا ولا في الاخرة، وإن قصروا في ذلك، فأمرهم إلى الله، وعلى أي حال الكتاب والرسالة لا ينفعان هذه الطائفة، وربما يصير سببا لمزيد رسوخهم في خطائهم، وإن أخطاؤا. وأما الفرقة الثانية فحالهم معلومة فانهم في جل أعمالهم مبتدعون حائرون بائرون، ليس لهم علم يغنيهم، ولا يرجعون إلى عالم يفتيهم، وإنما هو تبع للدنيا وأهلها، ويختارون ما هو أوفق لدنياهم، فأي انتفاع لهم بالرسائل والزبر. وأما الفرقة الثالثة فحكمهم بذل الجهد في تحصيل عالم رباني لايتبع الهوى، ولا يختار على الاخرة الدنيا، وله تتبع تام في الكتاب والسنة، فالرسائل لا تنفعهم أيضا.

[232]

ونعم قال الصدوق - ره - في الفقيه إن البدعة إنما تماث وتبطل بترك ذكرها ولاقوة إلا بالله. 66 - مجمع البيان: قال: أما أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله بأصحابه فقيل إنه قدم رسول الله مهاجرا حتى نزل قباعلى بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول حين الضحى، فأقام بقبا يوم الاثنين والثلثاء والاربعاء والخميس، وأسس مسجدهم، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذوا اليوم في ذلك الموضع مسجدا، وكانت هذه الجمعة أول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وآله في الاسلام. فخطب في هذه الجمعة، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل، فقال صلى الله عليه وآله: الحمدلله الذي أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، واومن به ولا أكفره واعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الاجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وضل ضلالا بعيدا. اوصيكم بتقوى الله فانه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الاخرة وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، وإن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه عون صدق على ما تبغون من أمر الاخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية، لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت، حين المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد، والذي صدق قوله، ونجزو عده لاخلف لذلك، فانه يقول: ما يبدل القول

[233]

لدى وما أنا بظلام للعبيد. فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السرو العلانية، فانه من يتق الله يكفر عنه سيئاته، يعظم له أجرا، ومن يتق الله فقد فازفوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، فقد علمكم الله في كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم و سماكم المسلمين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ولاحول ولا قوة إلا بالله. فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فانه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة (1). بيان: قال الفيروز آبادي الكفر ضد الايمان، وكفر نعمة الله وبها كفورا وكفرانا جحدها وسترها، والفترة ما بين النبيين و (من) بعضها إبتدائية وبعضها صلة كدنو من الساعة، والمراد بانقطاع الزمان قرب انقطاعه بقرب القيامة، وقوله (ومن يعصهما) يدل على أن ما يقال: إنه صلى الله عليه وآله قال لمن قال ذلك: بئس الخطيب أنت، لا أصل له، إن كان ذلك المقام مقاما يقتضي التصريح بمقتضى البلاغة. (فانه) الضمير للشأن (على ما تبغون) أي تطلبون وترجون (تودلو أن بينها) اقتباس من قوله سبحانه (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد) (2) وفي الاية ضمير بينها راجع إلى النفس، وضمير بينه راجع إلى اليوم


(1) مجمع البيان ج 10 ص 286. (2) آل عمران: 30.

[234]

أو إلى ما عملت، والظاهر هنا العكس، وإن أمكن حمله على ما في الاية بارجاع الضمير إلى النفس بقرينتها، وفي قوله: (ويحذركم الله نفسه) تهديد بليغ. وقوله: (والذي صدق) يحتمل عطفه على رؤف ويحتمل القسم، والتوقية الكلاءة والحفظ (بحظكم) أي من ثواب الاخرة (في جنب الله) أي قربه وطاعته (ونهج لكم) أي أوضح (ليعلم) أي بعد الوقوع أو ليعلم أولياؤه. 67 - المتهجد: روى جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام يوم الجمعة فقال: الحمدلله ذي القدرة والسلطان، والرأفة والامتنان، أحمده على تتابع النعم، وأعوذ به من العذاب والنقم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مخالفة للجاحدين، ومعاندة للمبطلين، وإقرارا بأنه رب العالمين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قفى به المرسلين، وختم به النبيين، و بعثه رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين، وقد أوجب الصلاة عليه، وأكرم مثواه لديه، وأجمل إحسانه إليه. اوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي هو ولي ثوابكم، وإليه مردكم ومآبكم، فبادروا بذلك قبل الموت الذي لا ينجيكم منه حصن منيع، ولاهرب سريع، فانه وارد نازل، وواقع عاجل، فان تطاول الاجل، وامتد المهل، فكل ما هو آت قريب، ومن مهد لنفسه فهو المصيب، فتزودوا رحمكم الله ليوم الممات، واحذروا أليم هول البيات، فان عقاب الله عظيم، وعذابه أليم، نار تلهب، ونفس تعذب، وشراب من صديد، ومقامع من حديد، أعاذنا الله وإياكم من النار، ورزقنا و إياكم مرافقة الابرار، وغفر لنا ولكم جميعا إنه هو الغفور الرحيم. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله - ثم تعوذ بالله، وقرأ سورة العصر ثم قال: جعلنا الله وإياكم ممن تسعهم رحمته، ويشملهم عفوه ورأفته، وأستغفر الله لي ولكم ثم جلس يسيرا ثم قال: الحمدلله الذي دنا في علوه، وعلا في دنوه، وتواضع كل شي لجلاله، و

[235]

استسلم كل شئ لعظمته، وخضع كل شئ لقدرته، مقصرا عن كنه شكره، واومن به إذعانا لربوبيته، وأستعينه طالبا لعصمته، وأتوكل عليه مفوضا إليه، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا فردا صمدا وترا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا. وأشهد أن محمدا عبده المصطفى، رسوله المجتبى، وأمينه المرتضى، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إليه باذنه وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة، وأدى الامانة، ونصح الامة، وعبد الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وآله في الاولين، وصلى الله عليه وآله في الاخرين، وصلى الله عليه وآله يوم الدين. اوصيكم عباد لله بتقوى الله، والعمل بطاعته، واجتناب معصيته، فانه من يطع الله ورسوله فقد فازفوزا عظيما، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا، إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك أفضل صلواتك على أنبيائك وأوليائك (1). ايضاح: السلطان الحجة والبرهان، وقدرة الملك، والامتنان الانعام، وقال الفيروز آبادي: قفيت زيدا وبه تقفية أتبعته إياه (وقد أوجب) يدل على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله في الجملة، والمثوى المنزل، (ولي ثوابكم) أي المتولي له والقائم به، والمرد والمآب المرجع (فبادروا بذلك) أي بالتقوى أي سارعوا إليه قبل الموت، فكأن الموت يريد أن يحول بينكم وبينه، فبادروا إليه قبله، أو بادروا الناس إليه قبل ذلك، أو لم يعتبر فيه المغالبة بل المعنى عجلوا في فعله، والاول أبلغ، والعاجل السريع. وقوله عليه السلام: (فكل ما هو آت) تعليل لذلك، والاجل مدة العمر وغايته والمهل بالتحريك المهلة والسكون والرفق، والبيات هو أن يقصد العدو بالليل


(1) مصباح المتهجد: 269.

[236]

من غير أن يعلم فيأخذه بغتة (تلهب) أي تتلهب بحذف إحدى التائين، وتلهب النار اشتعالها، والصديد ماء الجرح الرقيق، والحميم اغلي حتى خثر. (المقمعة) كمنكسة العمود من حديد أو كالمحجن يضرب به رأس الفيل، وخشبة يضرب بها الانسان رأسه (دنا في علوه) أي دنوه دنو العلية والاحاطة العلمية والرأفة والرحمة، وهو لا ينافي علوه عن مناسبة الخلق ومشابهتهم، واستغناءه عنهم، وعدم وصول عقولهم إلى كنه ذاته وصفاته، وكذا العكس، بل كل من الجهتين تستلزم الاخرى. (لجلاله) أي عند جلاله أو عند سبب جلاله، والاحتمالان جاريان في الفقرتين الاتيتين (مقصرا) حال (إذعانا) مفعول مطلق من غير اللفظ أو مفعول لاجله، و يحتمل الحالية أي مذعنا (واستعينه) في جميع الامور لاسيما في الطاعات طالبا لعصمته عن المعاصي (وأتوكل عليه) أي أعتمد عليه في جميع اموري مفوضا إليه راضيا بكل ما يأتي به. (إلها) أي معبودا أو خالقا، والنصب على الحالية (واحدا) لا نظير له (أحدا) لاتثنية فيه بوجه (فردا) منفردا بخلق الاشياء (صمدا) مقصودا إليه في جميع الامور (وترا) لا شريك له في المعبودية. والاصطفاء والاجتباء والارتضاء متقاربة في المعنى، (بالحق) متلبسا و مؤيدا به. بشيرا بالثواب، ونذيرا بالعقاب، وداعيا إليه أي إلى الاقرار به وبتوحيده وما يجب الايمان به من صفاته (باذنه) بتيسيره وتوفيقه وعونه، وسراجا منيرا يستضاء به من ظلمات الجهالة ويقتبس من نوره أنوار البصائر (ونصح الامة) أي بذل الجهد في هدايتهم وإرشادهم (حتى أتاه اليقين) أي الموت المتيقن (في الاولين) أي معهم إذا صلى عليهم. 68 - المتهجد (1): روى زيد بن وهب قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يوم الجمعة فقال:


(1) مصباح المتهجد: 266.

[237]

الحمدلله الولي الحميد، الحكيم المجيد، الفعال لما يريد، علام الغيوب، وستار العيوب، وخالق الخلق، ومنزل القطر، ومدبر الامر، ورب السموات والارض، والدنيا والاخرة، وارث العالمين، وخير الفاتحين، الذي من عظم شأنه أنه لا شئ مثله. تواضع كل شئ لعظمته، وذل كل شئ لعزته، واستسلم كل شئ لقدرته وقر كل شئ قراره لهيبته، وخضع كل شئ من خلقه لملكه وربوبيته، الذي يمسك السماء أن تقع على الارض إلا باذنه، وأن (1) تقوم الساعة ويحدث شئ إلا بعلمه. نحمده على ما كان، ونستعينه من أمرنا على ما يكون، ونستغفره ونستهديه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ملك الملوك، وسيد السادات، وجبار السموات والارض (2) الواحد القهار، الكبير المتعال، ذو الجلال والاكرام، ديان يوم الدين، ورب آبائنا الاولين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله داعيا إلى الحق وشاهدا على الخلق فبلغ رسالات ربه كما أمره، لامتعديا ولا مقصرا، وجاهد في الله أعداءه لا وانيا ولا ناكلا، ونصح له في عباده صابرا محتسبا، وقبضه الله إليه وقد رضي عمله، وتقبل سعيه، وغفر ذنبه، صلى الله عليه وآله. اوصيكم عباد الله بتقوى الله، واغتنام طاعته ما استطعتم في هذه الايام الخالية الفانية وإعداد العمل الصالح لجليل ما يشفى به عليكم الموت، وآمركم (3) بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم، الزائلة عنكم، وإن لم تكونوا تحبون تركها، والمبلية لاجسادكم وإن أحببتم تجديدها، فانما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا، فكأنهم قد قطعوه وأفضوا إلى علم، فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجري


(1) لن تقوم خ ل. (2) جبار الارض والسموات خ ل. وهو اقرب بالسجع. (3) وفى أمركم خ ل.

[238]

إليها حتى يبلغها، وكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، وطالب حثيث من الموت يحدوه. فلا تنافسوا في عز الدنيا و فخرها، ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فان عز الدنيا وفخرها إلى إنقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى ارتجاع وإن ضراءها وبؤسها إلى نفاد، وكل مدة منها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى بلى. أو ليس لكم في آثار الاولين وفي آبائكم الماضين معتبر وبصيرة إن كنتم تعقلون، أو لم تروا إلى الاموات لا يرجعون، وإلى الاخلاف منكم لا يخلدون، قال الله والصدق قوله (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)) وقال: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور). أو لستم ترون إلى أهل الدنيا وهم يصبحون على أحوال شتى، فمن ميت يبكى ومفجوع يعزى، وصريع يتلوى، وآخر يبشر ويهنا، ومن عائد يعود، وآخر بنفسه يجود، وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي ما يمضي الباقي، والحمد لله رب العالمين، ورب السموات السبع ورب الارضين السبع، ورب العرش العظيم، الذي يبقى ويفنى ما سواه، وإليه موئل الخلق ومرجع الامور، وهو أرحم الراحمين. إن هذا يوم جعله الله لكم عيدا، وهو سيد أيامكم، وأفضل أعيادكم وقد أمركم الله في كتابه بالسعي فيه إلى ذكره، فلتعظم فيه رغبتكم، ولتخلص نيتكم، وأكثروا فيه من التضرع إلى الله، والدعاء ومسألة الرحمة والغفران، فان الله يستجيب لكل مؤمن دعاءه، ويورد النار كل مستكبر عن عبادته، وقال الله تعالى (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادته سيدخلون جهنم داخرين). واعلموا أن فيه ساعة مباركة لا يسأل الله فيها عبد مؤمن خيرا إلا أعطاه الله

[239]

والجمعة واجبة على كل مؤمن إلا الصبي والمرءة والعبد والمريض غفر الله لنا و لكم سالف ذنوبنا، وعصمنا وإياكم من اقتراف الذنوب بقية أعمارنا، إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله الكريم، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم. وكان يقرء قل هو الله أحد أو قل يا أيها الكافرون أو ألهيكم التكاثر أو العصر، وكان مما يدوم عليه قل هو الله أحد، ثم يجلس جلسة كلا ولا، ثم يقوم فيقول: الحمدلله نحمده ونستعينه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلوات الله عليه وآله، وسلامه ومغفرته ورضوانه، اللهم صل على محمد عبدك ورسولك، ونبيك وصفيك صلاة تامة نامية زاكية ترفع بها درجته، وتبين بها فضيلته، وصل على محمد وآل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم عذب كفرة أهل الكتاب والمشركين، الذين يصدون عن سبيلك، و يجحدون آياتك، ويكذبون رسلك، اللهم خالف بين كلمتهم، وألق الرعب في قلوبهم، وأنزل عليهم رجزك ونقمتك وبأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين. اللهم انصر جيوش المسلمين، وسراياهم ومرابطيهم، حيث كانوا في مشارق الارض ومغاربها إنك على كل شئ قدير. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ولمن هو لاحق بهم، واجعل التقوى زادهم، والجنة مآبهم، والايمان والحكمة في قلوبهم، وأوزعهم أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم، وأن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، إله الحق وخالق الخلق آمين. إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، اذكروا الله فانه ذاكر لمن ذكره، وسلوه رحمته

[240]

وفضله، فانه لا يخيب عليه داع من المؤمنين دعاه، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار (1). توضيح: (الحمدلله الولي) أي المتولي لامور العالم والخلايق، القائم بها أو المستحق لجميع المحامد باستجماعه للكمالات، وقيل هو الناصر (الحميد) أي المحمود على كل حال، فعيل بمعنى مفعول (الحكيم) هو فعيل بمعنى الفاعل أي الحاكم، وهو القاضي كما قيل، أو بمعنى مفعل أي الذي يحكم الاشياء ويتقنها، و قيل ذو الحكمة، وهي عبارة عن معرفة أفضل الاشياء بأفضل العلوم، أو الذي لا يفعل شيئا إلا لغرض أو منفعة تصل إلى غيره تعالى. (المجيد) ذو المجد والعظمة والكبرياء، وفي النهاية المجد في كلام العرب الشرف لواسع، ورجل ماجد: مفضال كثير الخير شريف، والمجيد فعيل منه للمبالغة وقيل هو الكريم الفعال، وقيل إذا قارن شرب الذات حسن الفعال سمي مجدا و فعيل أبلغ من فاعل، فكأنه يجمع معنى الجليل والوهاب والكريم. (الفعال لما يريد) إذا كان مشتملا على الحكم الكثيرة والمنافع الغزيرة (علام الغيوب) أي كثير العلم بما يغيب عن حواس الخلق وعقولهم، بحيث لاتخفى عليه خافية، والقطر جمع قطرة وهي المطر. وفي الفقيه (2) (ومدبر أمر الدنيا والاخرة ووارث السموت والارض) أي تنتقل السموات والارض من الخلايق إليه تعالى أو الباقي بعد فنائهما، أو الوارث للخلق في السموات والارض من قبيل مصارع البلد (من عظم شأنه) أي مرتبته أو فعله أو جميع ما يتعلق به وفي الفقيه (الذي عظم شأنه فلا شئ مثله). (تواضع كل شئ) أي من ذوي العقول أو الاعم لنفوذ قدرته وإرادته في كل ما يريد منها (لعظمته) أي عندها أوله تعالى بسببها، وكذا البواقي والعزة الغلبة والشدة والقوة والاستيلاء على الاشياء.


(1) مصباح المتهجد: 266. (2) الفقيه ج 1 ص 275.

[241]

والضمير في (قراره) راجع إلى الشئ وإرجاعه إلى الله بعيد أي جعل لكل شئ بحسب الامكنة الظاهرة والباطنة والدرجات الصورية والمعنوية والاستعدادات والقابليات مقرا لا يمكنه تعديه وتجاوزه فكأنه يهابه، فعبر عن عدم تجاوزهم عن مقتضى إرادته ومشيته بالهيبة، لان من يهاب أحدا لا يخرج عن أمره، وإن كان ظاهره أن للجمادات أيضا شعورا كما قيل، والملكة المالكية والسلطنة، و الخضوع الانقياد والطاعة. أن تقع أي من أن تقع أو كراهة أن تقع (إلا باذنه) أي إلا بمشيته وذلك يوم القيامة (وأن تقوم) عطف على السماء، وربما يقرء بالكسر بناء على كونها نافية، ويكون من عطف الجملة على الجملة، وكذا الجملة التالية تحتمل الوجهين، والاحتمال الاخير بعيد فيهما. (نحمده على ما كان) من النعماء والضراء (ونستعينه من أمرنا على ما يكون) أي على ما يكون بعد ذلك من امورنا للدنيا والاخرة، وفي النهج (1) بعده: ونسأله المعافات في الاديان كما نسأله المعافات في الابدان، يقال: عافاه الله من المكروه معافاة وعافية، أي وهب له العافية، وقيل المعافاة أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك، والتشبيه لشدة اهتمام الناس بالمشبه به، وإن كان المشبه أهم وأحرى بالطلب عند اولى الالباب. (وجبار الارضين والسموات) أي الجبار فيهما أو جبارهما بايجادهما و إعدامهما وساير ما يتصرف فيهما، قال في النهاية: الجبار في أسمائه تعالى الذي يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، وقيل هو العالي فوق خلقه (القهار)) أي الغالب على جميع الخلق أو معذبهم أو قهر العدم وأوجد الاشياء منه (الكبير) أي العظيم ذو الكبرياء والمتعالي عن صفات الخلق، حذفت الياء تخفيفا وابقيت الكسرة لتدل عليها.


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 97 من قسم الخطب التقط منها غررها، وهى نحو عشرين بيتا منها، أوله: نحمده على ما كان الخ.

[242]

(ذو الجلال) أي الاستغناء المطلق، (والاكرام) أي الفضل العام (ديان يوم الدين) أي الحاكم أو المجازي أو المحاسب في يوم الجزاء، قال الجوهري: الدين الجزاء والمكافاة ومنه الديان في صفته تعالى. (أرسله داعيا إلى الحق) أي إلى الله فانه الحق الثابت الذي لا يتغير، أو إلى دين الحق، وفي الفقيه (أرسله بالحق داعيا إلى الحق وشاهدا على الخلق) قال الوالد قدس سره: أي الانبياء والائمة فانهم الخلق حقيقة كما قال تعالى (ويوم نبعث من كل امة شهيدا وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) وقد ورد بذلك تفسيره في الاخبار الكثيرة، أو الاعم لعدم المنافاة. (لامتعديا) بأن يبلغ ما لم يوح إليه (ولا مقصرا) بأن لا يبلغ ما اوحي إليه (وجاهد في الله) أي له وفي سبيله (لاوانيا) من الونى بمعنى الضعف والفتور، (ولا ناكلا) أي جبانا ممتنعا من الجهاد لذلك (ونصح له) أي أطاع أمره وأخلص النية فيه أو نصح للعباد خالصا لوجهه سبحانه أو الاعم، قال الجزري فيه إن الدين النصيحة لله ورسوله ولكتابه، ولائمة المسلمين وعامتهم، النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة تجمع معناه غيرها، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال: نصحته ونصحت له، و معنى نصيحة الله الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته، والنصيحة لكتاب الله هو التصديق والعمل بما فيه، ونصيحة رسول الله صلى الله عليه وآله التصديق بنبوته والانقياد لما أمر به ونهى عنه، ونصيحة الائمة إطاعتهم، ونصيحة عامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم انتهى. (صابرا) على ما يلحقه من الاذى في ذلك (محتسبا) أي طالبا للاجر فيه خالصا لله (وغفر ذنبه) أي ما صدر عنه من ترك الاولى أو المباحات، فان حسنات الابرار سيئات المقربين، أو ذنب من يستحق المغفرة من امته، نسب إليه مجازا أو الذنب الذي كان المشركون ينسبونه إليه من جعل الالهة إلها واحدا فغفر وستر ورفع ذلك بترويج الدين وقمع رؤساء المشركين وقد مر الكلام فيه مستوفى في محله.

[243]

والخالية الماضية أي إنها بمعرض الانقضاء والزوال، وأشفى على الشئ أشرف أي إعداد العمل للامور العظيمة التي جعلها الموت مشرفة عليكم قريبة منكم من سكرات الموت وأهوال القبر وعقوباته وغيرها، أو أشرف الموت عليكم معها. (وآمركم) وفي بعض النسخ في أمركم فهو متعلق بقوله يشفي أي في الامور المتعلقة بكم، وقوله: (بالرفض) متعلق بالاعداد أي بأن ترفضوا، أو حال عن فاعل الاعداد، والباء للملابسة أي متلبسين بالرفض، أو في أمركم متعلق بقوله اوصيكم بأن يكون الامر مصدرا وبالرفض متعلقا به، وشئ منها لا يخلو من تكلف (وآمركم) أظهر، وفي الفقيه (بتقوى الله واغتنام ما استطعتم عملا به من طاعته في هذه الايام الخالية وبالرفض) وفي النهج (اوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تحبوا تركها، والمبلية لاجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها) والرفض الترك، والاضافة في قوله: (تركها) من إضافة المصدر إلى المفعول أي لاتحبكم الدنيا مع حبكم لها ولا تعاملكم بما يقتضيه حبكم، أو إلى الفاعل أي تترككم البتة وإن كنتم كارهين لذلك، ولا يبالي بسخطكم، وكذا الاضافة في (تجديدها) يحتمل الوجهين. (كركب) وفي النهج (كسفر) والركب جمع راكب كسفر جمع سافر، والفاء في قوله: (فانما مثلكم) للتعليل وما بعدها علة لكون الدنيا تاركة لهم وحقيقا بالرفض، وفي بعض النسخ بالواو، والمثل بالتحريك في الاصل بمعنى النظير، ثم استعمل في كل صفة وحال وقصة لها غرابة وشأن. والغرض تشبيه حالهم بالمسافرين، وحال الدنيا بالسبيل في قرب انقضاء السفر والوصول إلى الغاية، فكأنهم في حال كونهم غير قاطعين للسفر قاطعون له لشدة قرب إحدى الحالتين من الاخرى، قال ابن ميثم: فائدة (كان) في الموضعين تقريب الاحوال المستقبلة من الاحوال الواقعة. (وأفضوا إلى علم) أي خرجوا إلى الفضاء متوجهين إلى علم، قال الجوهري

[244]

الفضاء الساحة وما اتسع من الارض يقال: أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء انتهى، وفي النهج (أموا علما) أي قصدوا، والعلم بالتحريك المنار والجبل في الطريق يهتدى به. (وكم عسى) استفهام في معنى التحقير لمدة الجري والبقاء، وفي النهج في الثاني (وما عسى) والغاية نهاية السير وإجراء الفرس إرساله وحمله على السير، وفي النسخ مضبوطة على بناء اسم الفاعل، والفعل على بنائه ويمكن أن يقرء على بناء المفعول فيهما، كما لا يخفى. وعدا الامر وعنه أي جاوزه وتركه، والحثيث المسرع الحريص، والطالب الحثيث هو الموت أو أسبابه، فكلمة (من) على الاول للبيان، وعلى الثاني للابتداء وحدوته على السير أي حثثته وبعثته عليه، ومنه الحداء للغناء المعروف للابل (فلا تنافسوا) المنافسة الرغبة في الشئ والانفراد به لنفاسته وجودته، في أكثر نسخ الفقيه (تتنافسوا) على صيغة التفاعل والمعنى واحد. (ولا تعجبوا) بفتح التاء والجيم من قولهم عجب بالشئ كعلم إذا عظم موقعه عنده، وعده عجيبا، أو بضم التاء من بناء المفعول من الاعجاب من قولهم أعجبه إذا حمله على العجب منه، وفلان معجب برأيه بالفتح، والجزع نقيض الصبر، و الضراء الحالة التي تضر، والبؤس شدة الحاجة. (إلى انقطاع) متعلقه راجع أو آئل ونحوهما، وكذا فيما سيأتي من الظروف والنفاد الفناء والذهاب، والبلى بالكسر والقصر الخلق والاندراس. وفي النهج: وكل مدة فيها إلى انتهاء وكل حي فيها إلى فناء أو ليس لكم في آثار الاولين مزدجر وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون أولم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقي لا يبقون. والاثر محركة بقية الشئ وعلامته، ونقل الحديث، وهنا يحتمل الكل والمزدجر يحتمل المكان والمصدر، وهو غير موجود في بعض النسخ، والتبصرة مصدر

[245]

بصره تبصيرا أي جعله بصيرا وعرفه، والمعتبر أيضا يحتمل المكان والمصدر، و الاعتبار الاتعاظ، والخلف بالتحريك كل من يجئ بعد من مضى، وكذا بالسكون إلا أنه بالتحريك في الخير، وبالتسكين في الشر، وفي المقام أعم، والاخلاف جمعه. (وحرام على قرية أهلكناها) (1) أي ممتنع على أهل قرية حكمنا باهلاكها


(1) الانبياء: 95، والمراد بالحرام في لغة العرب ما نعبر عنه بالفارسية غدغن ومعناه العزيمة المؤكدة كالتى يصدر من الملوك والحكام في الامور الاجتماعية ونظام المجتمع إذا كانت ذات أهمية خاصة، فيهدد ناقض تلك العزيمة والهاتك لهذه الحرمة بأشد النكال والنقمة. وتلك العزيمة قد يكون في أمر يجب اتيانه وقد يكون في أمر يجب الانتهاء عنه، يستفاد ذلك بالقرائن اللفظية والحالية المقامية، كما قال عزوجل: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم: ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا ولا تقتلوا أولادكم من أملاق نحن نرزقكم واياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم نعقلون، ولا تقربوا ما اليتيم الا بالتى هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط - لا نكلف نفسا الا وسعها - وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (الانعام: (151 - 152). فقد عزم الله عزوجل في هذه الامور وبعضها فعل وبعضها ترك فعل وقد ورد بذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم وعلى ذلك قول الخنساء: وان حراما لا أرى الدهر باكيا * على شجوة الا بكيت على صخر فعلى هذا يكون معنى قوله عزوجل: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) واضحا لاريب فيه، يعنى أننا عزمنا عزيمة مؤكدة مولوية على القرى التى نستأصل أهلها بالعذاب والنقمة أنهم لا يرجعون إلى الحياة الدنيا في الرجعة، فتفيد الاية بمفهومها أن غيرهم قد يرجع إلى الدنيا كما تعتقده الشيعة الامامية تبعا لائمة أهل البيت عليهم الصلاة =

[246]

أو وجدناها هالكة (أنهم لا يرجعون) أي رجوعهم إلى التوبة أو إلى الحياة، و (لا) زائدة أو عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدء خبره حرام، أو فاعل له ساد مسد خبره


= والسلام والتحية والاكرام. ولعل الوجه في ذلك أن الله عزوجل انما خلق الموت والحياة ليبلوهم أيهم أحسن عملا، وقد لا يتهيأ في نظام الخلقة وخصوصا في أدوار الفترة بلاؤهم وفتنتهم بحيث يظهر سرائرهم وتتم الحجة عليهم (فيقضى عليهم اما بالنار أو الجنة قضاء حتم) أو يحول بين بلائهم الموت المقدر لهم من دون أن يكون ذلك نقمة عليهم واستئصالا لهم، فلا من رجوعهم إلى الحياة الدنيا ليتم بلاؤهم، على ما ورد بذلك روايات أهل البيت عليهم السلام. ولعل ما ورد في روايات أهل البيت عليهم السلام أن تمام الرجعة أوجلها ومعظمها انما تكون بعد ظهور دولة الحق بظهور المهدى المنتظر عليه الصلاة والسلام - حيث يكون الجو صالحا لاعمال الخير، ودعائم الشيطان والطغيان منكسرة بالعكس من أيامنا هذه - انما هو لئلا يعذر معتذرهم يوم القيامة أنه قد عاقه عن الخير والعمل الصالح ما كان مسلطا على جوه مع الطغيان ووساوس الشيطان، أو يدعى مدعيهم بأن ولادته في البيت الفلاني الغاشم الظالم أو مجتمع الشرك والضلال وبيئة الفحشاء والفساد هو الذى أخذ بناصيته إلى الكفر والعصيان، ولذلك يحكى القرآن العزيز عنهم: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل). وأما إذا كان في عمل الانسان الواحد أو القوم والمجتمع ما يسجل عليه أو عليهم البوار والنار قضاء حتم كالذى يستعجل بالشر ويباهل النبي أو يقترح عليه أن يأتي بآية كذا وكذا فيؤتاه ولا يؤمن به عنادا، أو يقتل نفسه دفعا للبلاء الذى توجه إليه وغير ذلك من الموارد التى لا مجال للبحث عنها، فحينئذ يتم بلواؤه ويظهر سريرته ويحتم عليه بالهلاك وإذا أهلكه الله عزوجل بعذاب نازل إليه أو إليهم لا يبقى مجال لاقالتهم عن البلوى الاولى، وارجاعهم إلى دار الامتحان مجددا وهو واضح. وأما قوله عزوجل: (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلى أعمل صالحا فيما تركت. كلا ! انها كلمة هو قائلها. ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) =

[247]

أو دليل عليه وتقدير توبتهم، أو حياتهم، أو عدم بعثهم، أو لانهم لا يرجعون ولا ينيبون. (وحرام) خبر محذوف أي وحرام عليها ذلك، وهو المذكور في الاية المتقدمة (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون) وقيل حرام أي عزم وموجب عليهم أنهم لا يرجعون. (كل نفس ذائقة الموت) وعد ووعيد للمصدق والمكذب (وإنما توفون اجوركم) أي تعطون جزاء أعمالكم خيرا كان أو شرا تاما وافيا (يوم القيمة) أي يوم قيامكم من القبور، وقيل: لفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الاجور يعني في البرزخ. (فمن زحزح عن النار) أي بعد عنها (فقد فاز) بالنجاة ونيل المراد والفوز الظفر بالبغية (وما الحيوة الدنيا) أي لذاتها وزخارفها (إلا متاع الغرور) شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه، والغرور مصدر وجمع غار. (أو لستم ترون إلى أهل الدنيا) في النهج (ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى فميت يبكى وآخر يعزى، وصريع مبتلى) والباقي بالرفع و كأن الرؤية ضمنت هنا معنى النظر، وشت الامر تفرق، وأشياء شتى أي متفرقة


= (المؤمنون: 100) فلا ينافى الرجعة أبدا كما أنه لا ينافي قوله عزوجل: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) وغير ذلك من الايات التى تنص على أن هناك موتين وحياتين. وذلك لان الاية نزلت في جمع خاص من معاندي النبي صلى الله عليه وآله وقد حتم عليهم بالنار قضاء حتم، حيث يقول عزوجل قبلها (قل رب اما ترينى ما يوعدون * رب فلا تجعلني في القوم الظالمين * وانا على أن نريك ما نعدهم لقادرون.... حتى إذا جاء أحدهم الموت) الاية. فعلى هذا عدم رجوع هذه الجماعة من المعاندين الذين وعد النبي صلى الله عليه وآله اهلاكهم، وهم الذين أهلكهم الله ببدر، انما كان طبقا لحكم هذه الاية الكريمة: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) ولا منافاة بينهما وهو واضح.

[248]

وبكيته وبكيت عليه بمعنى، والعز الصبرو التعزية الحمل عليه. والصريع المطروح على الارض، والمراد هنا الجريح المشرف على القتل أو المريض العاجز عن القيام، واللي فتل الحبل والتلوي عند المرض والشدة مجاز شائع في عرف العرب والعجم، وقوله: (يعود) على ما في النهج [أي] يعيد الاشتغال بالعيادة بالفعل وقيل مشتق من العود لافادة التكرار وهو بعيد. ويقال: يجود فلان بنفسه إذا كان يخرجها وهي تفارقة كأنه يهب نفسه و يسخي بها (وغافل)) أي عن الموت وما يراد به وما يصيبه من المكاره والمصائب، وما يكتب عليه من الخطايا (وليس بمغفول عنه) فان الكتبة يحفظون عمله، والله سبحانه رقيب عليه، والمقادير متوجهة عليه. وفلان يمضي على أثر فلان أي يحذو حذوه كأنه يضع القدم على أثر قدمه، وكلمة (ما) فيما يمضى مصدرية أو زائدة، والمعنى شأن الباقين في الامور المذكورة ما شاهدتموه من أحوال الماضين، أو المراد يمضي الباقون كما مضى من مضى وعاقبة الجميع الفناء، وقيل: أي على أثر من سلف يمضي من خلف فتزودوا فان خير الزاد التقوى. (ويفنى) على بناء المجرد، يمكن أن بقرء على بناء الافعال، والموئل الملجأو في الفقيه (يؤل الخلق ويرجع الامر). (ألا إن هذا يوم) وفي بعض النسخ (اليوم) وفي الفقيه (إن هذا اليوم يوم)). (إن الذين يستكبرون عن عبادتي) أي دعائي، سماه عبادة ترغيبا إليه و إيذانا بأنه ينبغي أن يكون الدعاء مقصودا بالذات للداعي ولا يمل منه لعدم الاجابة وقيل: المراد بالدعاء في قوله: (ادعوني) العبادة، والاول هو مدلول الصحيفة السجادية والاخبار الكثيرة، والدخور الصغار والذل. وفي الفقيه (لا يسأل الله عبد مؤمن فيها شيئا إلا أعطاه، والجمعة واجبة على كل مؤمن إلا على المريض والصبي والشيخ الكبير والمجنون والاعمى والمسافر

[249]

والعبد المملوك، ومن كان على رأس فرسخين) إلى قوله: (من اقتراف الاثام بقية أيام دهرنا) إلى قوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو الفتاح العليم). (وكان مما يدوم عليه) أي يقرؤه في غالب الاوقات، قوله: (صلوات الله عليه) في الفقيه (صلوات الله وسلامه عليه وآله ومغفرته ورضوانه). (زاكية) أي نامية تأكيدا، أو طاهرة من النيات والعقائد الفاسدة وغيرها مما يوجب عدم قبولها. (ترفع بها درجته) في الاخرة (وتبين بها فضيلته) في الدنيا، أو الاعم فيهما وفي الفقيه (فضله). (كفرة أهل الكتاب) لعله أراد عليه السلام لصوص الخلافة الثلاثة وأتباعهم فالمراد بالسبيل والايات الائمة عليهم السلام كما مر في الاخبار. والزجر العذاب، والسرايا جمع السرية وهي قطعة من الجيش، ويمكن أن يراد بالمسلمين المؤمنون الكاملون المنقادون لله في أوامره ونواهيه وبالمؤمنين غيرهم أو يراد بالمؤمنين الكاملون وبالمسلمين غير الكمل منهم، أو يراد بالمؤمنين كل من صحت عقائده، وبالمسلمين المستضعفون من المخالفين. (ولمن هو لاحق بهم) أي المستضعفين وأهل الكبائر من المؤمنين على بعض الوجوه في الفقرتين السابقتين، وعلى بعضها المراد بالمؤمنين والمسلمين الموجودن أوهم مع من مضى، وبمن هو لاحق بهم، من يأتي بعده، وليست هذه الفقرة في الفقيه ههنا لكن زاد بعد قوله وخالق الخلق (الهم اغفر لمن توفي من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ولمن هو لاحق بهم من بعدهم منهم إنك أنت العزيز الحكيم) وهو أظهر. وفي النهاية اللهم أوزعني شكر نعمتك أي ألهمني وأولعني انتهى (إله الحق) لعله من إضافة الموصوف إلى الصفة، كقولهم رجل صدق، أو الا له المنسوب إلى الحق فانه يلهم الحق ويعطيه من يشاء، كل ما ينسب إليه فهو حق من دينه وكتابه وشرعه ورسله، وهو يحق الحق بكلماته.

[250]

(إن الله يأمر بالعدل) قيل هو التوسط في الامور اعتقادا وقولا وعملا (و الاحسان) أي إحسان الطاعات كمية وكيفية، أو العدل بين الناس والاحسان إليهم وقيل: العدل التوحيد والاحسان أداء الفرائض، وقيل: العدل في الافعال والاحسان في الاقوال، وقيل: العدل أن ينصف وينتصف، والاحسان أن ينصف ولا ينتصف (وإيتاء ذي القربى) أي إعطاء الاقارب ما يحتاجون إليه أو أقارب الرسول صلى الله عليه وآله حقوقهم من الخمس وغيره كما ورد في الاخبار. (وينهى عن الفحشاء) أي الافراط في متابعة القوى الشهوية كالزنا (والمنكر) أي ما ينكر على متعاطيه في إثارة القوة الغضبية (والبغي) أي الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم بالشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية قيل: لا يوجد من الانسان شئ إلا وهو مندرج في هذه الاقسام، صادر بتوسط إحدى هذه القوى (يعظكم) بالامر والنهي والمميز بين الخير والشر (لعلكم تذكرون) أي تتعظون وقرئ بتخفيف الذال وتشديدها. 69 - المتهجد وجمال الاسبوع: وأما القنوت فيها، فان صلى جماعة ففيها قنوتان أحدهما في الركعة الاولى قبل الركوع، وفي الثانية بعد الركوع، وإن صلى منفردا فقنوت واحد، ويستحب أن يقنت بهذا الدعاء: اللهم إني أسئلك لي ولوالدي ولولدي وأهل بيتي وإخواني اليقين والعفو والمعافاة والمغفرة والرحمة والعافية في الدنيا والاخرة. وروى أبو حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في قنوت الجمعة كلمات الفرج ويقول: (يا الله الذي ليس كمثله شئ صل على محمد وآل محمد، صلاة كثيرة طيبة مباركة، اللهم أعط محمدا وآل محمد جميع الخير كله، واصرف عن محمدو آل محمد الشر كله، اللهم اغفر لي وارحمني وتب على وعافني ومن علي بالجنة طولا منك، ونجني من النار، واغفر لي ما سلف من ذنوبي، وارزقني العصمة فيما بقي من عمري أن أعود في شئ من معاصيك أبدا حتى تتوفاني وأنت عني راض،

[251]

وأثبت لي عندك الشهادة، ثم لا تحولني عنها أبدا برحمتك. يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك وطاعتك ودين رسولك، و ثبت قلبي على الهدى برحمتك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (1). وروى مقاتل بن مقاتل قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: أي شئ تقول في قنوت صلاة الجمعة قال: قلت: ما يقول الناس قال: لا تقل كما يقولون، ولكن قل: اللهم أصلح عبدك وخليفتك بما أصلحت به أنبياءك ورسلك، وحفه بملائكتك، وأيده بروح القدس من عندك، واسلكه من بين يديه ومن خلفه رصدا يحفظونه من كل سوء، وأبد له من بعد خوفه أمنا يعبدك لا يشرك بك شيئا، ولا تجعل لاحد من خلقك على وليك سلطانا، واذن له في جهاد عدوك وعدوه، واجعلني من أنصاره إنك على كل شئ قدير (2). وروى المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليكن من قولكم في قنوت الجمعة اللهم إن عبيدا من عبادك الصالحين قاموا بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وآله فأجزهم عنا خير الجزاء (3). وروى سليمان بن حفص المروزي عن أبي الحسن علي بن محمد الرضا يعني الثالث عليه السلام قال: قال: لا تقل في صلاة الجمعة في القنوت (والسلام على المرسلين). وقال سمع علي بن محمد القاشاني مسائل أبي الحسن الثالث سنة أربع وثلاثين ومائتين (4). بيان: قوله: (ويستحب أن يقنت) قال الصدوق في الفقيه (5): روي عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: القنوت كله جهار، والقول في قنوت الفريضة في الايام


(1) مصباح المتهجد: 255. (2) المصباح: 256. (3 - 4) المصباح: 257. (5) الفقيه ج 1 ص 209.

[252]

كلها إلا في الجمعة: اللهم إني أسألك لي ولوالدي إلى آخر ما مر، وفهم الاكثر أنه جزء الخبر الصحيح، وعندي أنه يحتمل أن يكون كلام الصدوق بل هو أظهر، وعلى التقديرين ينافي ما ذكره الشيخ، ويمكن الجمع بحمل كلام الصدوق على أن مراده أن قراءة ما رواه عن أبي جعفر عليه السلام في الجمعة وهو (اللهم تم نورك إلى آخر ما مر) (1) أحسن من هذا الدعاء، لاعدم استحبابه، وفي الفقيه (وإخواني المؤمنين فيك). قوله: (في اليقين) أي في جميع العقايد الحقة الايمانية، لاسيما في امور المعاد والقضاء والقدر، وربما يشعر بعض الاخبار بتخصيصه بأحد الاخيرين (و المعافاة) أن تسلم من شر الناس ويسلموا من شرك، قوله: (اللهم أصلح عبدك) ظاهره رجحان صلاة الجمعة في زمان عدم استيلاء الامام، وحمله على الجمعة مع المخالفين بعيد إذ لاإطلاق الجمعة على ما يفعل معهم مجاز. (واسلكه من بين يديه) إشارة إلى قوله سبحانه (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) (2) الاية فقيل: الرصد الطريق أي يجعل له إلى على من كان قبله من الانبياء والسلف، وعلم ما يكون بعده طريقا، وقيل: هو جمع راصد بمعنى الحافظ أي يحفظ الذي يطلع عليه الرسول فيجعل من بين يديه وخلفه رصدا من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة وقيل رصدا من بين يدي الرسول ومن خلفه، وهم الحفظة من الملائكة يحرسونه من شر الاعداء وكيدهم. وقيل: المراد به جبرئيل أي يجعل بين يديه ومن خلفه رصدا كالحجاب تعظيما لما يتحمله من الرسالة، والظاهر من الدعاء المعنى الثالث، ثم الظاهر على سياق الاية (واسلك) بدون ضمير، وفيما رأينا من النسخ المعتبرة مع الضمير، وكأن


(1) راجع ج 87 ص 198 - 199 باب كيفية صلاة الليل. (2) الجن: 28.

[253]

التصحيف من الناسخ الاول، وإرجاع الضمير إلى روح القدس يأبى عنه قوله: (يحفظونه). ويمكن إرجاعه إلى العبد، فيكون (من بين يديه) بدلا من الضمير، أو المراد اسلك له، بارتكاب حذف وإيصال. قوله: (وقال سمع) لعله - ره - ذكر ذلك لرفع استبعاد رواية المروزي عن أبي الحسن الثالث، إذ كان المروزي في زمن الرضا عليه السلام من علماء بلاد خراسان ووقع بينه وبينه عليه السلام مناظرات عند المأمون وإن المروزي ذكر ذلك تأييدا لقوله بأن القاساني سمع أيضا ذلك في جملة ما سمع من مسائله، وعلى التقديرين فاعل (قال) المروزي، ويحتمل أن يكون الفاعل الراوي المتروك ذكره، ويكون القاساني راويا عن المروزي سمع منه هذه المسائل في التاريخ المذكورويحتمل العكس و هو أبعد، وبالجملة الكلام لا يخلو من اضطراب، والنهي عن السلام في القنوت لعله على الكراهة، وإن كان الاحوط الترك، وقد مر الكلام فيه (1). 70 - جمال الاسبوع: باسناده عن الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد ابن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن بعض أصحابنا، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القنوت قنوت الجمعة في الركعة الاولى بعد القراءة، تقول في القنوت لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين اللهم صل على محمد كما هديتنا به، الله صل على محمد كما كرمتنا به، اللهم اجعلنا ممن اخترنه لدينك، وخلقته لجنتك، الله لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (2). أقول: الاولى ضم الصلاة على الال في نسخ الدعاء للنهي عن الاقتصار


وهو المقطوع على ما يظهر من الرجال. (1) راجع ج 85 ص 206، وعندي أن التسليم هكذا لا بأس به فان السلام اسم من أسماء الله تعالى عزوجل فيكون دعاء لهم عليهم السلام، ولما كان هذا غيابا لم يصدق عليه تسليم التحية حتى يكون مخرجا عن الصلاة. (2) الكافي ج 3 ص 426.

[254]

على الصلاة عليه بدون آله صلى الله عليه وآله، وإن ترك هنا تقية أو من الرواة وقوله: (كما هديتنا به) أي صلاة تناسب حقه علينا بالهداية في العظمة والجلالة و (ما) مصدرية أو كافة (من اخترته لدينك) أي وفقنا لاختياره، فنكون ممن خلقته لجنتك، فان المؤمنين مخلوقون لها. (لا تزغ قلوبنا) الزيغ الميل إلى الباطل، وقيل فيه وجوه: الاول أن المعنى لا تمنعنا لطفك الذي معه تستقيم القلوب، فتميل قلوبنا عن الايمان بعد إذ وفقتنا بألطافك حتى هديتنا إليك، الثاني أن معناه لا تكلفنا من الشدائد ما يصعب علينا فعله وتركه فيزيغ قلوبنا بعد الهداية، الثالث أنه قد يكون الدعاء بما وجب عليه سبحانه فعله على سبيل الانقطاع كقوله تعالى: (قال رب الحكم بالحق)) (1). (من لدنك رحمة) قيل أي من عندك لطفا نتوصل به إلى الثبات على الايمان، وقيل نعمة وقيل مغفرة (إنك أنت الوهاب) لكل سؤال. 71 - دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أربعة يستقبلون العمل: المريض إذا برئ، والمشرك إذا أسلم، والمنصرف من الجمعة إيمانا واحتسابا، والحاج (2). وعن علي عليه السلام أنه قال: يوشك أحدكم أن يتبدا حتى لا يأتي المسجد إلا يوم الجمعة ثم يستأخر حتى لا يأتي الجمعة إلا مرة ويدعها مرة ثم يستأخر حتى لا يأتيها فيطبع الله على قلبه (3). وعن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: صلاة الجمعة فريضة، والاجتماع إليها مع الامام العدل فريضة، فمن ترك ثلاث جمع على هذا فقد ترك ثلاث فرائض ولا يترك ثلاث فرائض من غير علة ولا عذر إلا منافق (4).


(1) الانبياء: 112. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 179. (3) الدعائم ج 1 ص 180 ويتبدى أي يقيم بالبادية. (4) الدعائم ج 1 ص 180.

[255]

وعن علي عليه السلام أنه قال: ليس على المسافر جمعة ولا جماعة ولا تشريق، إلا في مصر جامع (1). وعن جعفر عليه السلام أنه قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله بخمس وثلاثين صلاة في كل سبعة أيام، منها صلاة لا يسع أحدا أن يتخلف عنها إلا خمسة: المرءة والصبي و المسافر والمريض والمملوك، يعني صلاة الجمعة مع الامام العدل (2). وعن علي عليه السلام أنه قال: إذا شهدت المرءة والعبد الجمعة أجزءت عنهما من صلاة الظهر (3). وعن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين إذا كان الامام عدلا (4). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فصاعدا، وإن كانوا أقل من خمسة لم يجمعوا (5). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: التهجير إلى الجمعة حج فقراء امتي (6). وعن علي عليه السلام أنه سئل عن قول الله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) قال: ليس السعي الاشتداد و لكن يمشون إليها مشيا (7). وعنه عليه السلام أنه كان يمشي إلى الجمعة حافيا [تعظيما لها] ويعلق نعليه بيده اليسرى ويقول: إنه موطن لله وهذا منه عليه السلام تواضع لله عزوجل لا على أن ذلك شئ يجب، ولا يجزي غيره، ولا بأس بالانتعال والركوب إلى الجمعة (8). وعن علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يشهد الجمعة مع أئمة الجور تقية، ولا يعتد بها، ويصلي الظهر لنفسه (9).


(1 - 7) الدعائم ج 1 ص 181. (8 - 9) الدعائم ج 1 ص 182.

[256]

وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لاجمعة إلا مع إمام عدل تقى (1). وعن علي عليه السلام أنه قال: لا يصلح الحكم ولا الحدود ولا الجمعة إلا بامام عدل (2). وعنه عليه السلام أنه قال: الناس في إتيان الجمعة ثلاثة رجال: رجل حضر الجمعة للغو والمراء، فذلك حظه منها، ورجل جاء والامام يخطب فصلى فان شاء الله أعطاه وإن شاء حرمه، ورجل حضر قبل خروج الامام فصلى ما قضي له ثم جلس في إنصات وسكون، حتى خرج الامام، إلى أن قضيت، فهي كفارة لما بينها و بين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك، لان الله يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (3). وعنه عليه السلام أنه قال: لان أجلس عن الجمعة أحب إلى من أن أقعد حتى إذا جلس الامام جئت أتخطى رقاب الناس (4). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: إذا قام الامام يخطب فقد وجب على الناس الصمت (5). وعن علي عليه السلام أنه قال: لا كلام والامام يخطب ولا التفات، إلا بما يحل في الصلاة (6). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لاكلام حتى يفرغ الامام من الخطبة، فإذا فرغ منها فتكلم ما بينك وبين افتتاح الصلاة إن شئت (7). وعن علي عليه السلام أنه قال: يستقبل الناس الامام عند الخطبة بوجوههم و يصغون إليه (8). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: إنما جعلت الخطبة عوضا من الركعتين اللتين اسقطتا من صلاة الظهر، فهي كالصلاة لا يحل فيها إلا ما يحل في الصلاة (9). وعنه عليه السلام أنه قال: يبدء بالخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة، وإذا صعد الامام


(1 - 7) دعائم الاسلام ج 1 ص 182. (8 - 9) دعائم الاسلام ج 1 ص 183.

[257]

جلس وأذن المؤذنون بين يديه، فإذا فرغوا من الاذان قام فخطب ووعظ ثم جلس جلسة خفيفة، ثم قام فخطب خطبة اخرى يدعو فيها ثم أقام المؤذنون الصلاة ونزل يصلي الجمعة ركعتين يجهر فيهما بالقراءة (1). وعن علي عليه السلام أنه كان إذا صعد المنبر سلم على الناس (2). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: وينبغي للامام يوم الجمعة أن يتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويتعمم (3). وعنه عليه السلام: السنة أن يقرأ في أول ركعة يوم الجمعة بسورة الجمعة والثانية بسورة المنافقين (4). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: من أدرك ركعة من صلاة الجمعة يضيف إليها ركعة اخرى بعد انصراف الامام، وإن فاته الركعتان معا صلى وحده الظهر أربعا (5). بيان: (ولا تشريق إلا في مصر) التشريق صلاة العيد قال في النهاية: فيه من ذبح قبل التشريق فليعد أي قبل أن يصلي صلاة العيد، وهو من شروق الشمس لان ذلك وقتها، ومنه حديث علي عليه السلام (لاجمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع) أراد صلاة العيد ويقال لموضعها: المشرق انتهى. وقد مر أنها محمولة على التقية (6) ويظهر من النهاية أنها من روايات العامة، ويحتمل هنا وجها آخر، وهو أن يكون المراد بالمصر محل الاقامة أو أن المعنى لا يصلي المسافر العيد والجمعة إلا إذا حضر مصرا يصليها أهله، فيصلي معهم وعلى الاخير يكون الاستثناء متصلا بل على الاول أيضا على وجه وهو أولى من أخذه منقطعا، وأما الجماعة فيمكن حملها على نفي الاستحباب المؤكد وقوله: (يعني


(1 - 4) الدعائم ج 1 ص 183. (5) دعائم الاسلام ج 1 ص 184. (6) مر في ص 211 ما يتعلق بهذا الكلام وسيجئ في باب صلاة العيد أنها تتبع أحكام صلاة الجمعة.

[258]

صلاة الجمعة) لعله من كلام المؤلف مع أنه ظاهر أن المراد به نفي الصلاة خلف الفاسقين والمخالفين، كما يدل عليه ما بعده. قوله: (لان أجلس) أي اضطرارا، والمراد في الشقين خصور صلاة المخالفين كما يؤمى إليه الخبر. واعلم أنه اختلف الاصحاب في القدر المعتبر في كل من الخطبتين، فقال الشيخ في المبسوط: أقل ما يكون الخطبة أربعة أصناف: حمدالله، والصلاة على النبي وآله، والوعظ، وقراءة سورة خفيفة من القرآن، ومثله قال ابن حمزة وابن إدريس في موضع من السرائر، وقال الشيخ في الخلاف: أقل ما تكون الخطبة أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله ويقرأ شيئا من القرآن ويعط الناس ووافقه ابن إدريس في موضع من السرائر في عدم ذكر السورة، ولم يذكر أبو الصلاح القراءة، والشيخ في الاقتصاد ذكر قراءة السورة بين الخطبتين. وقال ابن الجنيد في الخطبة الاولى: وتوشحها بالقرآن، وفي الثانية إن الله يأمر بالعدل والاحسان الاية، ويظهر من الفاضلين أن وجوب الحمدلله والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله والوعظ موضع وفاق بين علمائنا وأكثر العامة، وقد وقع الخلاف في مواضع: الاول هل يجب القراءة في الخطبتين أم لا ؟ كما نقل عن أبي الصلاح. الثاني على تقدير الوجوب هل الواجب سورة كاملة أو آية تامة الفائدة فيهما أو في الاولى خاصة. الثالث هل تجب الشهادة بالرسالة في الاولى أم لا. الرابع هل يجب الاستغفار والدعاء لائمة المسلمين كما هو ظاهر المرتضى أم لا. وأما الروايات فالذي تدل عليه موثقه سماعة (1) في الاولى الحمد والثناء والوصية بالتقوى وقراءة سورة صغيرة وفي الثانية الحمد والثناء والصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وعلى أئمة المسلمين والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، وعليها


(1) الكافي ج 3 ص 421، التهذيب ج 1 ص 322.

[259]

اعتمد المحقق في المعتبر، وفي صحيحة محمد بن مسلم (1) خطبتان تضمنت الاولى منهما حمدالله والشهادتين والصلاة على محمد وآله، والوعظ قال: ثم اقرأ سورة من القرآن وادع إلى ربك وصل على النبي صلى الله عليه وآله وادع للمؤمنين وللمؤمنات، وتضمنت الثانية الحمد والشهادتين والوعظ والصلاة على النبي وآله قال: ثم يقول: اللهم صل على أمير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين ثم تسمي الائمة حتى تنتهي إلى صاحبك ثم تقول: اللهم افتح له فتحا يسيرا، وانصره نصرا عزيزا، قال: ويكون آخر كلامه أن يقول: إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ثم يقول اللهم اجعلنا ممن يذكر فتنفعه الذكرى. فالقول بوجوب السورة في الخطبة الاخيرة لاوجه له، لعدم اشتمال الروايتين عليها، نعم الثانية تدل على الاية، وقال في الذكرى: قال ابن الجنيد والمرتضى: ليكن في الاخيرة قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والاحسان) الاية وأورده البزنطي في جامعه. ثم إنه ذكر العلامة والشهيد وجماعة أنه يجب في الخطبتين التحميد بصيغة الحمدلله وفي إثباته إشكال، والظاهر عدم تعين لفظ ومضمون للوعظ، وإجزاء آية مشتملة عليه، وكذا في التحميد إجزاء آية مشتملة عليه، وإن اختلفوا فيهما، والاولى بل الاحوط أن يراعي الخطيب أحوال الناس بحسب خوفهم ورجائهم، فيعظهم مناسبا لحالهم للايام والشهور والوقايع الحادثة، وأمثال تلك الامور كما يومي إليه بعض الاخبار ويظهر من الخطب المنقولة. وذكر جماعة من الاصحاب أنه يجب الترتيب بين أجزاء الخطبة الحمد ثم الصلاة ثم الوعظ ثم القراءة، وهو أحوط، والمشهور بين الاصحاب المنع من الخطبة بغير العربية، ولو لم يفهم العدد العربية ولم يمكن التعلم قيل يجب بغير العربية واحتمل بعضهم وجوب العربية، واحتمل بعضهم سقوط الجمعة، والظاهر جواز


(1) الكافي ج 3 ص 422 - 424.

[260]

العربية، والاولى أن يلقي عليهم أولا مضامينها باللغة التي يفهمونها، ولا يبعد جواز الجمع بينهما بأداء المضامين اللازمة باللغتين معا. والمشهور وجوب الفصل بالجلوس بين الخطبتين، وإن استشكل العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر فيه، لاشتمال الروايات عليه من غير معارض، والاولى السكوت في حال الجلوس، لقوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن وهب (1): يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها، وإن احتمل أن يكون المراد عدم التكلم في الخطبة، وذكر العلامة وجماعة أنه لو عجز عن القيام جلس للخطبتين يفصل بينهما بسكتة، واحتمل في التذكرة الفضل بينهما بالاضطجاع وهو بعيد. 72 - الهداية: فرض الله عزوجل من الجمعة إلى الجمعة خمسا وثلاثين صلاة واحدة فرضها الله عزوجل في جماعة وهو الجمعة، ووضعها عن تسعة: عن الصغير والكبير والمجنون والمسافر والعبد والمرءة والمريض والاعمى ومن كان على رأس فرسخين. والقراءة فيها جهار، والغسل فيها واجب، وعلى الامام فيها قنوتان، قنوت في الركعة الاولى قبل الركوع، وفي الثانية بعد الركوع، ومن صلاها وحده فليصلها أربعا كصلاة الظهر في ساير الايام، وإذا اجتمع يوم الجمعة سبعة ولم يخافوا أمهم بعضهم وخطبهم. والخطبة بعد الصلاة لان الخطبتين مكان الركعتين الاخراوين وأول من خطب قبل الصلاة عثمان لانه لما أحدث ما أحدث لم يكن يقف الناس على خطبته فلهذا قدمها، والسبعة الذين ذكرناهم: هم الامام، والمؤذن، والقاضي، والمدعي والمدعى عليه، والشاهدان (2). بيان: أول الكلام يدل على عدم اشتراط الاذن والكلام في آخره كالكلام


(1) التهذيب ج 1 ص 251. (2) الهداية 33 و 34 باب فضل الجماعة، وقد مر مثله عن المقنع ص 145 و عرفت ما فيه.

[261]

في الخبر المأخوذ هذا منه، وتبديل الحداد بالمؤذن مما يؤيد حمله على العدد. 73 - مشكوة الانوار: نقلا من كتاب المحاسن قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إتيان الجمعة زيارة وجمال، قيل له: وما الجمال ؟ قال: قضوا الفريضة وتزاوروا. وقال عليه السلام: لكم في تزاوركم مثل أجر الحاجين (1). 74 - دعائم الاسلام: روينا عن أهل البيت عليهم السلام في قنوت الجمعة وجوها وكلها حسن منها أن يقنت بعد الفراغ من قراءة سورة المنافقين في الركعة الثانية قبل أن يركع فيقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين، يا الله الذي ليس كمثله شئ، صل على محمد وآل محمد، وعلى أئمة المؤمنين، اللهم ثبت قلبي على دينك ودين نبيك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم اجعلني ممن خلقته لجنتك و اخترنه لدينك وصل على محمد وآل محمد كما أنت أهله، وهم بك أهله صلوات الله عليهم أجمعين (2). 75 - فضائل الاشهر الثلاثة: للصدوق عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق، عن أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، ومن أدرك ليلة القدر فلم يغفر له فأبعده الله، ومن حضر الجمعة مع المسلمين فلم يغفر له، فأبعده الله، ومن أدرك والديه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله، ومن ذكرت عنده فصلى على فلم يغفر له فأبعده الله الخبر. 76 - أقول: وجدت في أصل قديم من اصول أصحابنا في الدعاء: روى حماد ابن عثمان عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القنوت في آخر صلاة إلا في


(1) مشكاة الانوار: 207. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 207.

[262]

يوم الجمعة. قال: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله النهي عن الاحتباء يوم الجمعة والامام يخطب. قال: وتقول في القنوت بعد كلمات الفرج: اللهم صل على محمد وآله صلاة كثيرة زاكية طيبة مباركة متقبلة، رب اغفر لي وارحمني وقني عذاب النار، يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على طاعتك، واجعلني ممن ترضى به لدينك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

[263]

2 - (باب) * " (فضل يوم الجمعة وليلتها وساعاتها) " * الايات: البروج: وشاهد ومشهود (1). تفسير: قال في مجمع البيان (2) فيه أقوال أحدها أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة عن ابن عباس وقتادة، وروي ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وعن النبي صلى الله عليه وآله أيضا، وسمي يوم الجمعة شاهدا لانه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وفي الحديث ما طلعت الشمس على يوم ولاغربت على يوم أفضل منه، وفيه ساعة لا يوافقها من يدعو الله فيها بخير إلا استجاب الله له، ولا استعاذ من شر إلا أعاذه منه، ويوم عرفة مشهود يشهد الناس فيه موسم الحج، و تشهده الملائكة. وثانيها أن الشاهد يوم النحر والمشهود يوم عرفة عن إبراهيم. وثالثها أن الشاهد محمد صلى الله عليه وآله والمشهود يوم القيامة عن ابن عباس في رواية اخرى وسعيد بن المسيب، وهو المروي عن الحسن بن علي عليه السلام. روي أن رجلا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا رجل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فسألته عن الشاهد والمشهود، فقال نعم الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، فجزته إلى آخر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فسألته عن ذلك فقال: نعم أما الشاهد فيوم الجمعة، وأما المشهود فيوم النحر، فجزتهما إلى غلام كان وجهه الدينار وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: أخبرني عن شاهد ومشهود، فقال: نعم، أما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وآله وأما المشهود فيوم القيامة، أما سمعته سبحانه يقول:


(1) البروج: 3. (2) مجمع البيان ج 10 ص 466.

[264]

(يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) (1) وقال: (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود) (2) فسألت عن الاول فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمر، وسألت عن الثالث فقالوا: الحسن بن علي عليه السلام. ورابعها أن الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أكثروا الصلاة على يوم الجمعة فانه يوم مشهود تشهده الملائكة وإن أحدا لا يصلي على إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ منها، قال: فقلت: وبعد الموت ؟ فقال: إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء، فنبي الله حي يرزق. وخامسها أن الشاهد الملك يشهد على ابن آدم، والمشهود يوم القيامة عن عكرمة، وتلا هاتين الايتين (وجاءت كل نفس معا سائق وشهيد) (3) (وذلك يوم مشهود) (4). وسادسها أن الشاهد الذين يشهدون على الناس، والمشهود هم الذين يشهد عليهم عن الجبائي. وسابعها الشاهد هذه الامة والمشهود سائر الامم لقوله تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس) (5) عن الحسن بن الفضل. وثامنها الشاهد أعضاء بني آدم والمشهود هم لقوله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم) (6) الاية. وتاسعها الشاهد الحجر الاسود، والمشهود الحاج. وعاشرها الشاهد الايام والليالي، والمشهود بني آدم، وينشد للحسين ابن علي عليهما السلام.


(1) الاحزاب: 45. (2 و 4) هود: 103. (3) ق: 21. (5) البقرة: 143. (6) النور: 24.

[265]

مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا * وخلفت في يوم عليك شهيد فان أنت بالامس اقترفت إساءة * فقيد باحسان وأنت حميد ولا ترج فعل الخير يوما إلى غد * لعل غدا يأتي وأنت فقيد الحادي عشر الشاهد الانبياء، والمشهود محمد صلى الله عليه وآله، بيانه (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) إلى قوله: (فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) (1). الثاني عشر الشاهد الخلق، والمشهود الحق: وفي كل شئ له آية * تدل على أنه واحد وقيل الشاهد الله، والمشهود لا إله إلا الله، لقوله (شهد الله أنه لاإله إلا هو). 1 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعيد بن عبد الله عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن ابن أبي نجران والحسين بن سعيد، عن حماد عن حريز، عن أبان بن تغلب، عن الصادق عليه السلام قال: من مات ما بين زوال الشمس يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة أعاذه الله من ضغطة القبر (2). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري عن علي بن إسماعيل، عن حماد مثله (3). 2 - المجالس (4): عن علي بن أحمد بن موسى، عن أحمد بن هارون الصوفي، عن عبيدالله بن موسى الروياني، عن عبد العظيم الحسني، عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا عليه السلام: يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ؟


(1) آل عمران: 81. (2) أمالى الصدوق ص 169. (3) ثواب الاعمال: 177. (4) في ط الكمبانى المحاسن، وهو سهو.

[266]

فقال عليه السلام: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله كذلك إنما قال صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الاخير، وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي هل من سائل فاعطيه ؟ هل من تائب فأتوب إليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ يا طالب الخير أقبل، يا طالب الشر أقصر ! فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفرج، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء، حدثني بذلك أبي عن جدي، عن آبائه، عن رسوله صلى الله عليه وآله (1). الاحتجاج: عن إبراهيم بن أبي محمود مثله (2). أقول: قد مضى بأسانيد في أبواب صلاة الليل وغيرها (3). 3 - تفسير على ابن ابراهيم: عن أبيه، عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن لله كرامة في عباده المؤمنين في كل يوم جمعة، فإذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمن ملكا معه حلة فينتهي إلى باب الجنة فيقول: استأذنوا لي على فلان فيقال له: هذا رسول ربك على الباب، فيقول لازواجه أي شئ ترين علي أحسن ؟ فيقلن يا سيدنا والذي أباحك الجنة ما رأينا عليك شيئا أحسن من هذا بعث إليك ربك، فينزر بواحدة ويتعطف بالاخرى، فلا يمر بشئ إلا أضاء له حتى ينتهي إلى الموعد، فإذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى، فإذا نظروا إليه خروا سجدا، فيقال: عبادي ارفعوا رؤسكم ليس هذا يوم سجود ولا يوم عبادة، قد رفعت عنكم المؤنة، فيقولون: يا رب وأي شئ أفضل مما أعطيتنا، أعطيتنا الجنة، فيقول لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضعفا فيرجع المؤمن في كل جمعة بسبعين ضعف مثل ما في يديه، وهو قوله و (لدينا مزيد) (4) وهو يوم الجمعة إنها ليلة غراء، ويوم أزهر، فأكثروا فيها من التسبيح والتهليل والتكبير و


(1) أمالى الصدوق: 246. (2) الاحتجاج: 223. (3) راجع ج 87 ص 163. (4) ق: 35.

[267]

الثناء على الله، والصلاة على محمد وآله قال: فيمر المؤمن فلا يمر بشئ إلا أضاء له حتى ينتهي إلى أزواجه، فيقلن والذي أباحنا الجنة يا سيدنا ما رأيناك قط أحسن منك الساعة فيقول: إني قد نظرت بنور ربي قال: إن أزواجه لا يغرن ولا يحضن ولا يصلفن (1). أقول: تمامه في باب صفة الجنة (2). بيان: تجلى لهم أي ظهر لهم بنور من أنوار جلاله (فإذا نظروا إليه) أي إلى ذلك النور، ويحتمل أن يكون التجلي للقلب والنظر بين القلب، وفي القاموس: الصلف بالتحريك ألا تحظى المرءة عند زوجها والتكلم بما يكرهه صاحبه، والتمدح بما ليس عندك، ومجاوزة قدر الظرف، والادعاء فوق ذلك تكبرا. 4 - تفسير على بن ابراهيم: (وشاهد ومشهود) قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم القيامة (3). 5 - الخصال: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن موسى ابن بكر، عن أبي الحسن الاول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى اختار من الايام أربعة: يوم الجمعة، ويوم التروية، ويوم عرفة، و يوم النحر (4). ومنه: عن عبدوس بن علي بن العباس، عن أحمد بن محمد بن إسحاق، عن الحارث بن محمد بن أبي اسامة، عن يحيى بن أبي بكر، عن زهير بن محمد، عن عبد الله ابن عقيل، عن عبد الرحمن بن بريد، عن أي لبابة بن عبد المنذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يوم الجمعة سيد الايام: وأعظم عند الله عزوجل من يوم الاضحى و


(1) تفسير القمى: 512. (2) راجع ج 8 ص 127 - 126. (3) تفسير القمى: 719.(4) الخصال ج 1 ص 107 في حديث.

[268]

يوم الفطر، فيه خمس خصال: خلق الله عزوجل فيه آدم عليه السلام، وأهبط الله فيه آدم إلى الارض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئا إلا آتاه، ما لم يسأل حراما، وما من ملك مقرب ولاسماء ولا أرض ولا رياح ولاجبال ولا بر ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة أن تقوم فيه الساعة (1). المتهجد: عنه صلى الله عليه وآله مرسلا مثله (2). 6 - المجالس (3) والخصال: في خبر نفر من اليهود جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله إلى أن قالوا: أخبرنا عن سبع خصال أعطاك الله من بين النبيين وأعطى امتك من بين الامم فقال النبي: أعطاني الله عزوجل فاتحة الكتاب، والاذان، والجماعة في المسجد ويوم الجمعة، والصلاة على الجنائز، والاجهار في ثلاث صلوات، والرخصة لامتي عند الامراض والسفر، والشفاعة لاصحاب الكبائر من امتي (4). 7 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السبت لنا، والاحد لشيعتنا والاثنين لاعدائنا، والثلثاء لبني امية، والاربعاء يوم شرب الدواء، والخميس تقضى فيه الحوائج، والجمعة للتنظف والتطيب، وهو عيد المسلمين، وهو أفضل من الفطر والاضحى، ويوم الغدير أفضل الاعياد، وهو الثامن عشر من ذي الحجة وكان يوم الجمعة، ويخرج قائمنا أهل البيت يوم الجمعة وتقوم القيامة يوم الجمعة وما من عمل أفضل يوم الجمعة من الصلوات على محمد وآله (5). ومنه: عن الحسن بن علي بن محمد العطار، عن محمد بن مصعب، عن أحمد ابن محمد بن غالب، عن دينار مولى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن ليلة الجمعة أربع


(1) الخصال ج 1 ص 152. (2) مصباح المتهجد: 196. (3) أمالى الصدوق: 117 في حديث، وفى ط الكمبانى المتهجد وهو سهو. (4) الخصال ج 2 ص 9 في حديث. (5) الخصال ج 2 ص 32.

[269]

وعشرون ساعة، لله عزوجل في كل ساعة ست مائة ألف عتيق من النار (1). ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن اليقطيني، عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير - المؤمنين عليه السلام: من كانت له إلى الله عزوجل حاجة فليطلبها في ثلاث ساعات: في يوم الجمعة، وساعة تزول الشمس، وساعة في آخر الليل (2). 8 - معاني الاخبار: عن أحمد بن الحسن القطان، عن عبد الرحمن بن محمد ابن حماد، عن يحيى بن حكيم، عن أبي قتيبة، عن الاصبغ بن زيد، عن سعد بن رافع، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن فاطمة بنت النبي صلوات الله عليها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إن في الجمعة لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله عزوجل فيها خيرا إلا أعطاه إياه. قالت: فقلت: يا رسول الله أي ساعة هي ؟ قال صلى الله عليه وآله: إذا تدلى نصف عين الشمس للغروب. قال: وكانت فاطمة تقول لغلامها اصعد إلى الظراب فإذا رأيت نصف عين الشمس قد تدلى للغروب فأعلمني حتى أدعو (3). دلائل الامامة: عن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري، عن الصدوق رحمه الله مثله (4). بيان: الظراب التلال والجبال الصغيرة. 9 - معاني الاخبار: (5) عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن


(1) الخصال ج 2 ص 30. (2) الخصال ج 2 ص 158. (3) معاني الاخبار ص 399 - 400. (4) دلائل الامامة: 5. (5) في ط الكمبانى ثواب الاعمال وهو سهو وما بعد ذلك إلى تمام الرقم 31، محل المصادر بياض فيها.

[270]

أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل: (وشاهد ومشهود) قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة (1). ومنه: عن أبيه، عن محمد العطار، عن أحمد بن محمد، عن موسى بن القاسم عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة (2). ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن فضالة، عن أبان، عن أبي الجارود، عن أحدهما عليه السلام مثله (3). ومنه: بالاسناد عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن محمد بن هاشم عمن يروي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سأله الابرش الكلبي عن قول الله عزوجل: (وشاهد ومشهود) فقال أبو جعفر عليه السلام: ما قيل لك ؟ فقال: قالوا: شاهد يوم الجمعة ومشهود يوم عرفة، فقال أبو جعفر عليه السلام ليس كما قيل لك الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة، أما تقرؤ القرآن قال الله عزوجل: (ذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود)) (4). أقول: اختلاف التأويل بحسب اختلاف البطون، واختلاف أحوال السائلين فالمناسب لكل منهم غير ما هو مناسب للاخر، وقد مضى في خبر آخر أن الشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله والمشهود أمير المؤمنين عليه السلام، وسيأتي بعض الاخبار في هذا المعنى في باب عرفة (5). 10 - المحاسن: عن عبد الله بن محمد، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الحسين بن جعفر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحور العين يؤذن لهم بيوم الجمعة، فيشر فن على


(1) معاني الاخبار: 298. (2 - 4) معاني الاخبار: 299، والاية في هود: 103. (5) راجع ج 99 ص 248 - 253.

[271]

الدنيا فيقلن: أين الذين يخطبونا إلى ربنا (1). ومنه: عن أبيه، عن الحسن بن يوسف، عن المفضل بن صالح، عن محمد بن علي عليه السلام قال: ليلة الجمعة ليلة غراء ويومها يوم أزهر، وليس على الارض يوم تغرب فيه الشمس أكثر معتقا فيه من النار من يوم الجمعة (2). بيان: الاغر الابيض من كل شئ، والزهرة بالضم البياض والحسن، و هما كنايتان هنا عن كونهما محلين لانوار رحمته وأزهار عنايته ولطفه. 11 - المحاسن: عن ابن محبوب رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن المؤمن ليدعو في الحاجة فيؤخر الله حاجته التي سأل إلى يوم الجمعة ليخصه بفضل يوم الجمعة، وقال: من مات يوم الجمعة كتب له براءة من ضغطة القبر (3). بيان: ليخصه أي ليضاعف له بسبب فضل يوم الجمعة، فان للاوقات الشريفة مدخلا في استحقاق الفضل والرحمة، وقيل ليسأل يوم الجمعة فيفوز بثواب الدعاء ولا يخفى بعده. 12 - المحاسن: عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن ابن طريف، عن ابي جعفر عليه السلام قال: من مات ليلة الجمعة كتب الله له براءة من النار، ومن مات يوم الجمعة اعتق من النار. وقال أبو جعفر عليه السلام: بلغني أن النبي صلى الله عليه وآله قال: من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة رفع عنه عذاب القبر (4). 13 - المقنعة: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (سوف أستغفر لكم ربي) قال: أخرها إلى السحر ليلة الجمعة (5).


(1 - 3) المحاسن: 58. (4) المحاسن: 60. (5) المقنعة: 25، ورواه الصدوق في الفقيه باسناده عن محمد بن مسلم ج 1 ص 272.

[272]

14 - جمال الاسبوع: مما أرويه باسنادي إلى محمد بن يعقوب الكليني باسناده إلى الصادق عليه السلام قال: إن ليلة الجمعة مثل يومها، فان استطعت أن تحييها بالصلاة والدعاء فافعل (1). وباسنادي عن محمد بن يعقوب الكليني باسناده إلى الرضا عليه السلام أنه قال: إن من مات يوم الجمعة وليلته مات شهيدا، وبعث آمنا (2). وباسنادي عن الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن النعمان، عن عمر بن يزيد، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل عن يوم الجمعة وليلتها، فقال: ليلتها غراء ويومها يوم زاهر، وليس على وجه الارض يوم تغرب فيه الشمس أكثر معافى من النار منه، من مات يوم الجمعة عارفا بحق أهل هذا البيت كتب الله له براءة من النار، وبراءة من عذاب القبر، ومن مات ليلة الجمعة اعتق من النار (3). الاختصاص: عن جابر مثله (4). الفقيه: مرسلا مثله (5). 15 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم الجمعة نادت الطير الطير والوحش الوحش و السباع السباع: سلام عليكم هذا يوم صالح (6). 16 - مجالس ابن الشيخ: عن محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان، عن المعافا بن زكريا، عن أحمد بن هوذه، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن إسحاق الديلمي، عن أبيه قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام لم سميت الجمعة ؟ قال: لان الله


(1 - 2) جمال الاسبوع:، الكافي ج 3 ص 414 في حديث. (3) جمال الاسبوع:، الكافي ج 3 ص 415. (4) الاختصاص: 130. (5) الفقيه ج 1 ص 83. (6) نوادر الراوندي: 24 ومثله في الكافي ج 3 ص 415.

[273]

تعالى جمع فيها خلقه لولاية محمد وأهل بيته (1). 17 - دعوات الراوندي: قال الصادق عليه السلام: إن العبد ليدعو فيؤخر الله حاجته إلى يوم الجمعة. وعن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة قال ما بين فراغ الامام عن الخطبة إلى أن تستوي الصفوف، وساعة اخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس، وكانت فاطمة عليها السلام تدعو في ذلك الوقت. وعن كعب، إن الله تعالى اختار من الساعات ساعات الصلوات، واختار من الايام يوم الجمعة، واختار من الليالي ليلة القدر، واختار من الشهور شهر رمضان فالصلاة يكفر ما بينها وبين الصلاة الاخرى، والجمعة تكفر بينها وبين الجمعة الاخرى، ويزيد ثلاثا، وشهر رمضان يكفر ما بينه وبين شهر رمضان آخر، و الحج مثل ذلك، وهو ما بين حسنتين حسنة ينتظرها وحسنة قضاها، وما من أيام أحب إلى الله من عشر ذي الحجة ولا ليالي أفضل منها. 18 - المقتضب: لاحمد بن محمد بن عياش: عن أحمد بن محمد العطار، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن ابن غزوان عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله اختار من الايام الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر الخبر. وروي باسناد آخر عن جابر بن عبد الله الانصاري، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله. 19 - عدة الداعي: قال الصادق عليه السلام: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة، وإن كلام الطير فيه إذا لقي بعضها بعضا: سلام سلام، يوم صالح. وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا خرج من البيت في دخول الصيف خرج يوم الخميس، وإذا أراد أن يدخل عند دخول الشتاء دخل يوم الجمعة.


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 299 - 300.

[274]

وعن ابن عباس قال: كان يدخل ليلة الجمعة ويخرج ليلة الجمعة. وعن الباقر عليه السلام إذا أردت أن تتصدق بشئ قبل الجمعة أخره إلى يوم الجمعة. وعن أحدهما عليه السلام أن العبد المؤمن يسأل الحاجة فيؤخر الله عزوجل قضاء حاجته التي سأل إلى يوم الجمعة. وعن الصادق عليه السلام في قول يعقوب لبنيه (سوف أستغفر لكم ربي) قال: أخرهم إلى السحر من ليلة الجمعة. وفي نهار الجمعة ساعتان ما بين فراغ الخطيب من الخطبة إلى أن تستوي الصفوف بالناس، واخرى من آخر النهار، وروي إذا غاب نصف القرص (1). 20 -: عن النبي صلى الله عليه وآله: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم عليه السلام وفيه ادخل الجنة، وفيه اخرج، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة. وروى أبو بصير في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة. وروى البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن يوم الجمعة سيد الايام، يضاعف الله عزوجل فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات، ويستجيب فيه الدعوات، ويكشف فيه الكربات، ويقضي فيه الحاجات العظام، وهو يوم المزيد لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ما دعا الله فيه أحد من الناس وعرف حقه وحرمته، إلا كان حتما على الله أن يجعله من عتقائه وطلقائه من النار، وإن مات في يومه أو ليلته مات شهيدا، وبعث آمنا، وما استخف أحد بحرمته وضيع حقه إلا كان حقا على الله عزوجل أن يصليه نار جهنم إلا أن يتوب (2). جمال الاسبوع: باسناده إلى الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن


(1) عده الداعي: 27 - 28. (2) بياض في الاصل.

[275]

محمد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، عن أبي بصير مثل الحديث الاول (1) وباسناده أيضا عن الكليني، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن البزنطى مثل الحديث الثاني (2). المتهجد: عن البزنطي مثل الثاني (3). المقنعة: مرسلا مثله (4). أقول: الظاهر أن تضييع الحرمة بترك الجمعة لانها الواجب المختص به، ويحتمل التعميم. 21 - المتهجد: روى المعلى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من وافق منكم يوم الجمعة فلا يشتغلن بشئ غير العبادة، فان فيه يغفر للعباد، وتنزل عليهم الرحمة. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن للجمعة حقا واجبا فاياك أن تضيع أو تقصر في شئ من عبادة الله والتقرب إليه تعالى بالعمل الصالح، وترك المحارم كلها، فان الله يضاعف فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات ويومه مثل ليلته، فان استطعت أن تحييها بالدعاء والصلاة فافعل، فان الله تعالى يضاعف فيها الحسنات، ويمحو فيها السيئات وإن الله واسع كريم. ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. وروى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: بلغني أن يوم الجمعة أقصر الايام، قال: كذلك هو، قلت: جعلت فداك كيف ذاك ؟


(1) جمال الاسبوع:، الكافي ج 3 ص 413. (2) جمال الاسبوع:، الكافي ج 3 ص 414. (3) مصباح المتهجد: 182. (4) المقنعة: 45.

[276]

قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله يجمع أرواح المشركين تحت عين الشمس، فإذا ركدت الشمس عذبت أرواح المشركين بركود الشمس، فإذا كان يوم الجمعة رفع عنهم العذاب لفضل يوم الجمعة، فلا يكون للشمس ركود (1). بيان: هذا الخير من عويصات الروايات التي صعب فهمها على أصحاب الدرايات ولعل عدم الخوض في أمثالها وتسليمها مجملا أسلم، وقد مر بعض القول فيه (2) ويستشكل بأنه مخالف للحس، وبأنه يلزم أن لا تتحرك الشمس في يوم الجمعة أصلا، إذ كل درجة من درجاتها ظهر لصقع من الاصقاع، ويمكن أن يجاب عن الاول بأنه يمكن أن يكون قدرا قليلا لا يظهر في الالات التي تستعلم بها الاوقات فان شيئا منها لا تحكم إلا بالتخمين، وعن الثاني بتخصيصه بمكة أو المدينة أو الكوفة أو غيرها من البلاد التي فيها خصوصية، وربما يؤل بأن الكفار يجدون سائر الايام أطول لان يوم العذاب والشدة يتوهم أنه أطول من يوم الراحة. 22 -: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل، وإن كان عنده طيب فليمس منه وعليكم بالسواك. وعنهم عليهم السلام الاعياد أربعة: الفطر، والاضحى، والغدير، ويوم الجمعة. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر يوم الجمعة فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم سأل الله شيئا إلا أعطاه إياه. واختلف أهل العلم في هذه الساعة اختلافا كثيرا وأصحها عندنا أنها من بين فراغ الامام من الخطبة إلى أن يستوي الصفوف بالناس، وساعة اخرى من آخر النهار إلى غروب الشمس رواه عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام. وعن النبي صلى الله عليه وآله من مات يوم الجمعة وقي عذاب القبر. وعنه عليه السلام قال: ما من مسلم يموت ليلة الجمعة إلا وقاه الله عزوجل فتنة


(1) مصباح المتهجد: 196. (2) راجع ج 58 ص 168 - 170 باب الشمس والقمر وأحوالهما.

[277]

القبر، وفي لفظ آخر ألا يرى من فتنة القبر وفي خبر آخر إلا وقي الفتان. وفي حديث آخر: ما من مسلم ومسلمة يموت ليلة الجمعة أو يوم الجمعة إلا وقي عذاب القبر، وفتنته، وبقي لاحساب عليه. وقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله اختار من كل شئ شيئا، واختار من الايام يوم الجمعة (1). 23 - المتهجد: روى أبو بصير عن أحدهما عليه السلام أنه قال: إن العبد المؤمن يسئل الله تعالى الحاجة فيؤخر الله حاجته التي سأل إلى ليلة الجمعة ليخصه بفضل يوم الجمعة (2). المقنعة: مرسلا مثله (3). 24 - الاختصاص: روى عن جابر الجعفي قال: كنت ليلة من بعض الليالي عند أبي جعفر عليه السلام فقرأت هذه الاية (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) قال: فقال: مه يا جابر كيف قرأت ؟ قال: قلت: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) قال: هذا تحريف يا جابر، قال: قلت: كيف أقرء جعلني الله فداك ؟ قال: فقال: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله) هكذا نزلت يا جابر، لو كان سعيا لكان عدوا مما كرهه رسول الله صلى الله عليه وآله لقد كان يكره أن يعدو الرجل إلى الصلاة. يا جابر لم سمي يوم الجمعة يوم الجمعة ؟ قال: قلت: تخبرني جعلني الله فداك، قال: أفلا اخبرك بتأويله الاعظم ؟ قال: قلت: بلى جعلني الله فداك، فقال: يا جابر سمى الله الجمعة جمعة لان الله عزوجل جمع في ذلك اليوم الاولين و الاخرين، وجميع ما خلق الله من الجن والانس، وكل شئ خلق ربنا، والسموات


(1) بياض في الاصل. (2) مصباح المتهجد: 182. (3) المقنعة: 25.

[278]

والارضين والبحار، والجنة والنار، وكل شئ خلق الله في الميثاق فأخذ الميثاق منهم له بالربوبية، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالنبوة، ولعلي عليه السلام بالولاية، وفي ذلك اليوم قال الله للسموات والارض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) (1). فسمى الله ذلك اليوم الجمعة لجمعه فيه الاولين والاخرين ثم قال عزوجل (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة) من يومكم هذا الذي جمعكم فيه، والصلاة أمير المؤمنين، يعني بالصلاة الولاية، وهي الولاية الكبرى، ففي ذلك اليوم أتت الرسل والانبياء والملائكة وكل شئ خلق الله، والثقلان الجن و الانس، والسماوات والارضون، والمؤمنون بالتلبية لله عزوجل (فامضوا إلى ذكر الله) وذكر الله أمير المؤمنين (وذروا البيع) يعنى الاول (ذلكم) يعني بيعة أمير المؤمنين وولايته (خير لكم) من بيعة الاول وولايته (إن كنتم تعلمون) (فإذا قضيت الصلاة) يعني بيعة أمير المؤمنين عليه السلام (فانتشروا في الارض) يعني بالارض الاوصياء، أمر الله بطاعتهم وولايتهم كما أمر بطاعة الرسول وطاعة أمير المؤمنين، كنى الله في ذلك عن أسمائهم فسماهم بالارض. (وابتغوا فضل الله) قال جابر: (وابتغوا من فضل الله)، قال عليه السلام: تحريف، هكذا انزلت وابتغوا فضل الله على الاوصياء (واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون). ثم خاطب الله عزوجل في ذلك الموقف محمدا فقال يا محمد (إذا رأوا) الشكاك والجاحدون (تجارة) يعني الاول (أولهوا) يعني الثاني (انصرفوا إليها) قال: قلت: (انفضوا إليها) قال: تحريف، هكذا نزلت (وتركوك) مع على (قائما) (قل) يا محمد (ما عند الله) من ولاية على والاوصياء (خير من اللهو ومن التجارة) يعنى بيعة الاول والثاني (للذين اتقوا) قال: قلت: ليس فيها (للذين اتقوا) قال: فقال: بلى هكذا نزلت، وأنتم هم الذين اتقوا (والله خير الرازقين) (2).


(1) فصلت: 11. (2) الاختصاص 128 - 130.

[279]

ومنه: روي علي بن مهزيار رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: من مات ليلة الجمعة عارفا بحقنا اعتق من النار، وكتب له براءة من عذاب القبر (1). 25 - دعائم الاسلام: عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: ليلة الجمعة غراءو يومها أزهر، وما من مؤمن مات ليلة الجمعة إلا كتب له براءة من عذاب القبر، وإن مات في يومها اعتق من النار، ولا بأس بالصلاة يوم الجمعة كله لانه لاتسعر فيه النار (2). وعن الباقر والصادق عليهم السلام أنهما قالا: إذا كان ليلة الجمعة أمر الله ملكا ينادي من أول الليل إلى آخره، وينادي في كل ليلة غير ليلة الجمعة من ثلث الليل الاخر: هل من سائل فاعطيه، هل من تائب فأتوب إليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ يا طالب الخير أقبل ! يا طالب الشر أقصر (3). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: في يوم الجمعة ساعة لا يسأل الله عبد مؤمن فيها شيئا إلا أعطاه، وهي من حين نزول الشمس إلى حين ينادى بالصلاة (4). 26 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرب تعالى ينزل أمره كل ليلة جمعة من أول الليل، وفي كل ليلة في الثلث الاخير، أمامه ملكان فينادي: هل من تائب فيتاب عليه ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ هل من سائل فيؤتى سؤله ؟ اللهم أعط كل منفق خلفا، وكل ممسك تلفا - إلى أن يطلع الفجر ثم عاد أمر الرب إلى عرشه يقسم الارزاق بين العباد. ثم قال للفضيل بن يسار: يا فضيل نصيبك من ذلك، وهو قوله عزوجل (وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين) (5).


(1) الاختصاص: 130. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 180. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 181. (5) تفسير القمى: 541 والاية في سورة سبأ: 39.

[280]

بيان: ليس في بعض النسخ (أمره) في الموضعين، فالنزول مجاز، والمراد نزوله من عرش العظمة والجلال والاستغناء المطلق إلى سماء التدبير على الاستعارة والمجاز (نصيبك) أي خذ نصيبك (من ذلك) أي من خلف الانفاق. 27 - كتاب العروس: للشيخ الفقيه أبي محمد جعفر بن أحمد بن علي القمى باسناده عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله إن جبرئيل أتاني بمرآة في وسطها كالنكتة السوداء، فقلت له: يا جبرائيل ما هذه ؟ قال: هذه الجمعة قال: قلت: وما الجمعة ؟ قال: لكم فيها خير كثير، قال: قلت: وما الخير الكثير ؟ فقال: تكون لك عيدا ولامتك من بعدك، قلت: ومالنا فيها ؟ قال: لكم فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله مسألة فيها وهي له قسم في الدنيا إلا أعطاها وإن لم يكن له قسم في الدنيا دخرت له في الاخرة أفضل منها، وإن تعوذ بالله من شر ما هو عليه مكتوب صرف الله عنه ما هو أعظم منه (1). ومنه: باسناده عن علي عليه السلام قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله بأبي أنت وامي أخبرني عن يوم الاحد كيف سمي يوم الاحد ؟ فقال: لانه أحد يوم خلق الله الدنيا، وهو أول يوم خلقه الله، فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله أخبرني عن يوم الاثنين كيف سمي يوم الاثنين ؟ قال: لانه ثاني يوم خلق الله الدنيا، وهو يوم ولدت فيه، ويوم نزلت فيه النبوة، وأخبرني حبيبي أنه يوم أقبض فيه، فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني عن يوم الثلثا فقال: هو ثالث يوم خلق الله من الدنيا، وهو يوم تاب الله فيه على آدم، ورضي عنه واجتباه وهداه فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني عن يوم الاربعا فقال: هو رابع يوم خلق الله من الدنيا، وهو يوم نحس مستمر، فيه خلق الله الريح الصرصر، قال: بأبي أنت وامي يا رسول الله أخبرني عن يوم الخميس، فقال صلى الله عليه وآله:


(1) اخرج المحدث النوري هذه الرواية وما يأتي بعدها في كتاب المستدرك و صححناها عليه.

[281]

هو خامس يوم خلق الله من الدنيا، ليله أنيس، ونهاره جليس، وفيه رفع إدريس ولعن فيه إبليس. قال: بأبي أنت وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرني عن يوم الجمعة فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: سألتني عن يوم الجمعة فقال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله تسميه الملائكة في السماء يوم المزيد: يوم الجمعة يوم خلق الله فيه آدم عليه السلام، يوم الجمعة يوم نفخ الله في آدم الروح، يوم الجمعة يوم أسكن الله آدم فيه الجنة، يوم الجمعة يوم أسجد الله ملائكته لادم، يوم الجمعة يوم جمع الله فيه لادم حوا، يوم الجمعة يوم قال الله للنار: كوني بردا وسلاما على إبراهيم. يوم الجمعة يوم استجيب فيه دعاء يعقوب عليه السلام، يوم الجمعة يوم غفر الله فيه ذنب آدم، يوم الجمعه يوم كشف الله فيه البلاء عن أيوب، يوم الجمعة يوم فدى الله فيه إسماعيل بذبح عظيم، يوم الجمعة يوم خلق الله فيه السماوات والارض، وما بينهما، يوم الجمعة يوم يتخوف فيه الهول وشدة القيامة والفزع الاكبر. ومنه: باسناده عن الصادق عليه السلام سميت الجمعة جمعة لان الله جمع الخلق لولاية محمد وأهل بيته. وقال أيضا: سميت الجمعة جمعة لان الله جمع للنبي صلى الله عليه وآله أمره. ومنه: باسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبيه، عن أبي الحسن الاول قال: سمعته يقول: خلق الله الانبياء والاوصياء يوم الجمعة، وهو اليوم الذي أخذ الله فيه ميثاقهم خلقنا نحن وشيعتنا من طينة مخزونة، لا يشذ فيها شاذ إلى يوم القيامة. ومنه: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان ليلة الجمعة رفعت حيتان البحور رؤسها، ودواب البراري، ثم نادت بصوت طلق: ربنا لا تعذ بنا بذنوب الادميين.

[282]

ومنه: باسناده قال الصادق عليه السلام: إن لله عتقاء في كل ليلة جمعة، فتعرضوا لرحمة الله في ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ومن مات في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة وقاه الله فتنة القبر، وطبع عليه بطابع الشهداء، لا يقولن أحدكم كان وكان، وكتب له براءة من ضغطة القبر، وكان شهيدا. ومنه: باسناده، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تعالى ليأمر ملكا فينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من أول الليل إلى آخره: ألاعبد مؤمن يدعوني لاخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فاجيبه ؟ ألا عبد مؤمن يتوب إلى من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب إليه ؟ ألا عبد مؤمن قدقترت عليه رزقه فيسألني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فأزيده واوسع عليه ؟ ألا عبد مؤمن سقيم فيسألني أن أشفيه قبل طلوع الفجر فاعافيه ؟ ألا عبد مؤمن مغموم محبوس يسألني أن اطلقه من حبسه وافرج عنه قبل طلوع الفجر فاطلقه واخلي سبيله، ألا عبد مؤمن مظلوم يسألني أن آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر فأنتصر له وآخذ بظلامته ؟ قال: فلا يزال ينادي حتى يطلع الفجر. المقنعة: عن أبي بصير مثله (1). 28 - كتاب العروس: باسناده قال الصادق عليه السلام: الصدقة ليلة الجمعة بألف، والصدقة يوم الجمعة بألف. وقال: ليلة الجمعة ويوم الجمعة في الفضل سواء. ومنه: باسناده قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الله اختار الجمعة فجعل يومها عيدا، واختار ليلها فجعلها مثلها، وإن من فضلها أن لا يسأل الله عزوجل يوم الجمعة حاجة إلا استجيب له، وإن استحق قوم عقابا فصادفوا يوم الجمعة وليلتها، صرف عنهم ذلك. ولم يبق شئ مما أحكمه الله وفصله إلا أبرمه في ليلة جمعة، فليلة


(1) المقنعة: 25.

[283]

الجمعة أفضل الليالي ويومها أفضل الايام، وليلة الجمعة ليلة غراء، ويوم الجمعة يوم أزهر. ومنه: باسناده قال الصادق عليه السلام: اجتنبوا المعاصي ليلة الجمعة، فان السيئة مضاعفة والحسنة مضاعفة، ومن ترك معصية الله ليلة الجمعة غفر الله له كل ما سلف فيه، وقيل له: استأنف العمل، ومن بارزالله ليلة الجمعة بمعصيته أخذه الله عزوجل بكل ما عمل في عمره، وضاعف عليه العذاب بهذه المعصية، فإذا كان يوم الجمعة رفعت حيتان البحور رؤسها، ودواب البراري ثم نادت بصوت ذلق: ربنا لا تعذبنا بذنوب الادميين. ومنه: باسناده قال الصادق عليه السلام: يقول الطير بعضهم لبعض في يوم الجمعة سلام سلام يوم صالح. ومنه: باسناده عن أبي بصير، عن أحدهما عليه السلام قال: إذا كان يوم الجمعة وأهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، عرف أهل الجنة يوم الجمعة، و ذلك أنهم يزاد في نعيمهم، وعرف أهل النار يوم الجمعة وذلك أن كلهم يبطش بهم الزبانية. ومنه: باسناده، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الخير والشر يضاعف يوم الجمعة. ومنه: باسناده عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل يريد أن يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو ذلك، قال يستحب أن يكون ذلك في يوم الجمعة والعمل فيه يضاعف. ومنه: باسناده عن زريق، عن الصادق عليه السلام قال: الصدقة يوم الجمعة تضاعف وليلة الجمعة تضاعف وما من يوم كيوم الجمعة، وما ليلة كليلة الجمعة، يومها أزهر وليلتها غراء. ومنه: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الساعة التي يرجى في يوم الجمعة

[284]

التي لا يدعو فيها مؤمن إلا استجيب ؟ قال: نعم إذا خرج الامام، قلت: إن الامام ربما يعجل ويؤخر قال: إذا زالت الشمس. وقال: الساعة التي يستجاب فيها الدعاء ما بين فراغ الامام من الخطبة إلى أن يستوي الناس في الصفوف، وساعة اخرى من آخر النهار إلى أن تغيب الشمس وروي حين ينزل الامام من المنبر إلى أن يقوم في مقامه، وروي ما بين نزول الامام من المنبر إلى أن يصير الفئ من الزوال قدم. 29 - الخصال: عن محمد بن أحمد الوراق، عن علي بن محمد مولى الرشيد عن دارم بن قبيصة، عن الرضا، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: تقوم الساعة يوم الجمعة بين الظهر والعصر (1). 30 - مجمع البيان: عن النبي صلى الله عليه وآله: إن لله تعالى في كل يوم جمعة ست مائة ألف عتيق من النار، كلهم قد استوجبوا النار (2). 31 - كتاب زيد النرسى: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول إذا كان يوم الجمعة ويوما العيدين، أمر الله رضوان خازن الجنان أن ينادي في أرواح المؤمنين وهم في غرفات الجنان أن الله قد أذن لكم بالزيارة إلى أهاليكم وأحبائكم من أهل الدنيا. ثم يأمر الله رضوان أن يأتي لكل روح بناقة من نوق الجنة عليها قبة من زبرجدة خضراء، غشاؤها من ياقوتة رطبة صفراء، على النوق جلال وبراقع من سندس الجنان واستبرقها. فيركبون تلك النوق عليهم حلل الجنة متوجون بتيجان الدر الرطب، تضئ


(1) الخصال ج 2 ص 390 ط مكتبة الصدوق، والحديث ساقط عن ط الحجر ولم يذكر منه الاسنده راجع ج 2 ص 29. (2) مجمع البيان ج 10 ص 289، وأخرجه النوري في المستدرك عن نثر اللئالى لابن أبى جمهور الاحسائي.

[285]

كما تضي الكواكب الدرية في جو السماء، من قرب الناظر إليها لامن البعد. فيجتمعون في العرصة، ثم يأمر الله جبرئيل في أهل السموات أن يستقبلوهم فيستقبلهم ملائكة كل سماء وتشيعهم ملائكة كل سماء إلى السماء الاخرى، فينزلون بوادي السلام وهو واد بظهر الكوفة، ثم يتفرقون في البلدان والامصار حتى يزوروا أهاليهم الذين كانوا معهم في دار الدنيا، ومعهم ملائكة يصرفون وجوههم عما يكرهون النظر إليه إلى ما يحبون. ويزورون حفر الابدان حتى إذا ما صلى الناس، وارح أهل الدنيا إلى منازلهم من مصلاهم، نادى فيهم جبرئيل بالرحيل إلى غرفات الجنان فيرحلون. قال: فبكى رجل في المجلس فقال: جعلت فداك هذا للمؤمن فما حال الكافر ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: أبدان ملعونة تحت الثري في بقاع النار وأرواح خبيثة ملعونة تجري بوادي برهوت من بئر الكبريت في مركبات الخبيثات الملعونات يؤدي ذلك الفزع والاهوال إلى الابدان الملعونة الخبيثة تحت الثرى في بقاع النار فهي بمنزلة. النائم إذا رأى الاهوال. فلا تزال تلك الابدان فزعة ذعرة، وتلك الارواح معذبة بأنواع العذاب في أنواع المركبات المسخوطات الملعونات المصفوفات مسجونات فيها لا ترى روحا ولاراحة إلى مبعث قائمنا، فيحشرها من تلك المركبات فترد في الابدان وذلك عند النشرات فتضرب أعناقهم، ثم تصير إلى النار أبد الابدين، ودهر الداهرين (1). 32 - اكمال الدين: عن غير واحد من أصحابه، عن محمد بن همام، عن عبد الله بن جعفر بن أحمد بن هلال، عن محمد بن أبي عمير، عن سعيد بن غزوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله اختار من الايام الجمعة، ومن الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر


(1) اخرجه المؤلف العلامة في ج 6 ص 292 - 293 من هذه الطبعة الحديثة مع بيان.

[286]

الخبر (1). 33 - المقنعة: عن الباقر عليه السلام قال: ما طلعت الشمس بيوم أفضل من يوم الجمعة. وعن الصادق عليه السلام قال: إن الله اختار من كل شئ شيئا، واختار من الايام يوم الجمعة (2).


(1) اكمال الدين ج 1 ص 281 ط مكتبة الصدوق. (2) المقنعة: 25.

[287]

3. (باب) * " (أعمال ليلة الجمعة وصلاتها وأدعيتها) " * 1 - المتهجد والجمال: من كانت له حاجة فليصم يوم الثلثا والاربعا و الخميس، قاذا كان العشاء تصدق بشئ قبل الافطار، فإذا صلى العشاء الاخرة ليلة الجمعة وفرغ منها، سجد وقال في سجوده (اللهم إني أسئلك بوجهك الكريم، و اسمك العظيم، وعينك الماضية، أن تصلي على محمد وآله، وأن تقضي ديني، و توسع علي في رزقي) فمن دام على ذلك وسع الله عليه رزقه، وقضى دينه (1). بيان: (وعينك) أي علمك (الماضية) أي النافذة في الامور المحيطة بها، ويحتمل أن يكون العين كناية عن الحفظ أيضا. 2 - المتهجد والجمال: ويستحب لمن صام أن يدعو بهذا الدعاء قبل إفطاره سبع مرات (الهم رب النور العظيم، ورب الكرسي الواسع، ورب العرش العظيم ورب البحر المسجور، ورب الشفع والوتر، ورب التوراة والانجيل، ورب الظلمات والنور، ورب الظل والحرور، ورب القرآن العظيم، أنت إله من في السماء وإله من في الارض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السموات، وجبار من في الارض، لاجبار فيهما غيرك، وأنت خالق من في السماء وخالق من في الارض لاخالق فيهما غيرك، وأنت ملك من في السماء وملك من في الارض لا ملك فيهما غيرك. أسألك باسمك الكبير، وبنور وجهك المنير وبملكك القديم إنك على كل شئ قدير، وباسمك الذي أشرق به نور حجبك، وباسمك الذي صلح به الاولون وبه يصلح الاخرون، يا حي قبل كل حي، وياحي بعد كل حي، يا حي محيي


(1) مصباح المتهجد: 182 و 183.

[288]

الموتى، يا حي لا إله إلا أنت، صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ذنوبنا، واقض لنا حوائجنا، واكفنا ما أهمنا من أمر الدنيا والاخرة، واجعل لنا من أمرنا يسرا، وثبتنا على هدى رسولك محمد وآله صلى الله عليه وآله، واجعل لنا من كل غم وهم وضيق فرجا ومخرجا، واجعل دعاءنا عندك في المرفوع المتقبل المرحوم، وهب لنا ما وهبت لاهل طاعتك من خلقك، فأنا مؤمنون بك منيبون إليك، متوكلون عليك ومصيرنا إليك. اللهم اجمع لنا الخير كله، واصرف عنا الشركله، إنك الحنان المنان بديع السموات والارض، تعطي الخير من تشاء، وتصرفه عمن تشاء. اللهم أعطنا منه، وامنن علينا به يا أرحم الراحمين، يا الله يا رحمن يا رحيم، يا ذاالجلال والاكرام، يا الله أنت الذي ليس كمثله شئ، وهو السميع البصير، يا أجود من سئل، ويا أكرم من أعطى، ويا أرحم من استرحم، صل على محمد وآله، وارحم ضعفي، وقلة حيلتي، إنك ثقتي ورجائي، وامنن على بالجنة، وعافني من النار، واجمع لنا خير الدنيا والاخرة برحمتك يا أرحم الراحمين (1). بيان: (رب النور العظيم) أي النور المخلوق في العرش الذي هو أضوء الانوار وأعظمها، أو النور العظيم من الانوار المعنوية، كالعلم والمعرفة، وربما يفسر بالعقل (والمسجور) المملو (والموقد) نار في القيمة (والشفع والوتر) أي جميع الاشياء شفعها ووترها أو صلاة الشفع وصلاة الوتر أو شفع الصلوات ووترها أو العناصر والافلاك، أو البروج والسيارات (والحرور) الريح الحارة وحر الشمس والحر الدائم، والنار (ونور وجهك) أي ظهور ذاتك وسطوع كمالاتها (من أمرنا) أي فيه أو بسببه أو من جملة الامور المتعلقة بنا، ويحتمل أن يكون على سبيل التجريد كقولهم رأيت منك أسدا. 3 - المتهجد: ومن أراد حفظ القرآن فليصل أربع ركعات ليلة الجمعة يقرء في الركعة الاولى فاتحة الكتاب ويس، وفي الثانية الحمد والدخان، وفي


(1) مصباح المتهجد ص 183.

[289]

الثالثة الحمد والم تنزيل السجدة، وفي الرابعة الحمد وتبارك الذي بيده الملك، فإذا فرغ من التشهد حمدالله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين وقال: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني، وارحمني من أن أتكلف مالا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني. اللهم بديع السموات والارض، ذا الجلال والاكرام، والعزة التي لاترام، أسئلك يا الله يا رحمن، بجلالك وبنور وجهك أن تلزم قلبي بحفظ كتابك كما علمتني وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، واسئلك أن تنور بكتابك بصري وتطلق به لساني، وتفرج به قلبي، وتشرح به صدري، وتستعمل به بدني، و تقويني على ذلك وتعينني عليه، فانه لا يعين على الخير غيرك، ولا يوفق له إلا أنت. ويستحب الاستكثار فيه من بعد صلاة العصر يوم الخميس إلى آخر نهار يوم الجمعة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فيقول: (اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم، وأهلك عدوهم، من الجن والانس، من الاولين والاخرين، وإن قال ذلك مائة مرة كان له فضل كثير (1). 4 - المتهجد والجمال: ويستحب أن يقرأ فيه من القرآن من سورة بني إسرائيل والكهف والطواسين الثلاث وسجدة لقمان وسورة ص وحم السجدة وحم الدخان وسورة الواقعة (2). أقول: وزاد في جمال الاسبوع سورة الاحقاف والطور واقتربت. ثم قالا: ويستحب أن يدعو بهذا الدعاء ليلة الجمعة: اللهم أنت الاول فلا شئ قبلك، وأنت الاخر الذي لا تهلك، وأنت الحي الذي لا تموت، والخالق الذي لا تعجز، وأنت البصير الذي لا يرتاب، والصادق الذي لا تكذب والقاهر الذي لا يغلب، البدئ لا تنفذ، القريب لاتبعد، القادر لا تضام، الغافر لا تظلم، الصمد لا تطعم، القيوم لا تنام، المجيب لاتسأم، الحنان لاترام، العالم لاتعلم، القوي لا تضعف


(1 - 2) مصباح المتهجد: 184.

[290]

العظيم لاتوصف، الوفي لاتخلف، العدل لا تحيف، الغني لاتفتقر، الكبير لا تصغر المنيع لا تقهر، المعروف لا تنكر، الغالب لاتغلب، الوتر لا تستأنس، الفرد لا تستشير لوهاب لا تمل، الجواد لا تبخل، العزيز لا تذل، الحافظ لا تفغل، القائم لا تنام، المحتجب لا ترى، الدائم لا تفنى، الباقي لاتبلى، المقتدر لا تنازع، الواحد لا تشبه بشئ. ولا إله إلا أنت الحق الذي لاتغيرك الازمنة، ولا تحيط بك الامكنة، ولا يأخذك نوم ولا سنة، ولا يشبهك شئ، وكيف لا تكون كذلك وأنت خالق كل شئ لا إله إلا أنت كل شئ هالك إلا وجهك الكريم: أكرم الوجوه، أمان الخائفين، وجار المستجيرين، أسئلك ولا أسئل غيرك، وأرغب إليك ولا أرغب إلى غيرك. أسئلك بأفضل المسائل كلها، وأنجحها التي لا ينبغي للعباد أن يسألوك إلا بها أنت الفتاح النفاح، ذو الخيرات، مقيل العثرات، كاتب الحسنات، ماحي السيئات رافع الدرجات، أسئلك يا الله يا رحمن يا رحيم، بأسمائك الحسنى كلها، وكلماتك العليا، ونعمك التي لا تحصى. وأسئلك بأكرم أسمائك عليك، وأحبها، إليك، وأشرفها عندك منزلة، وأقربها منك وسيلة، وأسرعها منك إجابة، وباسمك المكنون المخزون الجليل الاجل العظيم الاعظم الذي تحبه وترضي عمن دعاك به، وتستجيب له دعاءه، وحق عليك أن لا تحرم سائلك، وبكل اسم هو لك في التوراة والانجيل والزبور والفرقان العظيم، وبكل اسم هو لك علمته أحدا من خلقك أو لم تعلمه أحدا أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وبكل اسم دعاك به حملة عرشك، وملائكتك وأصفياؤك من خلقك، وبحق السائلين لك، والراغبين إليك، والمتعوذين بك، والمتضرعين إليك. أدعوك يا الله دعاء من قد اشتدت فاقته، وعظم جرمه، وأشرف على الهلكة وضعفت قوته، ومن لا يثق بشئ من عمله، ولا بجد لفاقته سادا غيرك، ولا لذنبه

[291]

غافرا غيرك، فقد هربت منك إليك غير مستنكف ولا مستكبر عن عبادتك، يا انس كل مستجير، يا سند كل فقير، أسألك بأنك أنت الله الحنان المنان، لا إله إلا أنت بديع السموات والارض، ذو الجلال والاكرام، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم. أنت الرب وأنا العبد، وأنت المالك وأنا المملوك، وأنت العزيز وأنا الذليل وأنت الغني وأنا الفقير، وأنت الحي وأنا الميت، وأنت الباقي وأنا الفاني، وأنت المحسن وأنا المسئ، وأنت الغفور وأنا المذنب، وأنت الرحيم وأنا الخاطي، و أنت الخالق وأنا المخلوق، وأنت القوى وأنا الضعيف، وأنت المعطي وأنا السائل، وأنت الرازق وأنا المرزوق، وأنت أحق من سكوت إليه واستعنت به ورجوته. إلهي كم من مذنب قد غفرت له، وكم من مسئ قد تجاوزت عنه، فصل على محمد وآله، واغفر لي وارحمني، واعف عني وعافني، وافتح لى من فضلك، سبوح ذكرك، قدوس أمرك، نافذ قضاؤك، يسير لي من أمري ما أخاف عسره، وفرج لي عنى وعن والدي وعن كل مؤمن ومؤمنة ما أخاف كربه، واكفنى ما أخاف ضرورته، وادرء عنى ما أخاف حزونته، وسهل لى ولكل مؤمن ما أرجوه وآمله، لا إله إلا أنت سبحانك إلى كنت من الظالمين (1). بيان: (أنت الاول) أي انحصر فيك الاولية لتعريف الخبر، فيتفرع عليه (لا شئ قبلك) أو المراد بالاولية كونه علة كل شئ، وكذا الاخر للحصر، أو بمعنى كونه غاية الغايات، وقد مر الكلام فيهما وسيأتي (البدئ) الاشياء ومبدعها (لا ينفد) أي لا يفنى أولا ينتهي إبداعه (لا تضام) أي لا تظلم (الصمد) أي البسيط الذي ليس بذي أجزاء أو ليس بأجوف تكون فيه جهة القوة والاستعداد، أو محتاج إليه الكل ولايحتاج إلى شئ، وعلى كل الوجوه يصح تفريع عدم احتياج الطعام عليه كمالا يخفى (القيوم) القائم بالذات الذي يقوم به كل شئ، فلا يكون منه نوم


(1) مصباح المتهجد ص 185 - 186.

[292]

ولاغفلة، والحنان كثير الحنان والرحمة. (لا يرام) أي لا يقصد بسوء فليس حنانه لدفع ضرر، أو لا يحتاج في رحمته إلى أن يقصد ويطلب (لا يوصف) أي لا تصل العقول إلى كنه عظمته فتصفها (لا ينكر) أي ليس محلا للانكار لكثرة ظهور آثاره في الاقطار، أو المعنى معروف بالاحسان لا يشاهد منه سوى ذلك، والحق: الثابت (وأنجحها) أي أقربها إلى الاجابة (وكلماتك) أي علومك أو كتبك أو تقديراتك أو الانبياء أو الائمة، وقد مر مرارا (وأقربها منك وسيلة) أي يكون قربها من جهة كونها وسيلة لحصول المطالب (وأسرعها منك إجابة) أي اجابة كائنة منك والظرف لا يتعلق بالاسراع (سبوح ذكرك) أي منزه من أن يدل على نقص أو عيب (قدوس أمرك) أي منزه ومبرء من أن يشتمل على ظلم وجور أو عبث. 5 - المتهجد والبلد (1) والجمال والاختيار: دعاء آخر: اللهم إني أسئلك رحمة من عندك تهدي بها قلبى، وتجمع بها أمري، وتلم بها شعثى، وتحفظ بها غائبي، وتصلح بها شاهدي، وتزكى بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها الفتى وتعصمني بها عن كل سوء. اللهم أعطني إيمانا صادقا، ويقينا خالصا، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والاخرة، اللهم إنى أسئلك الفوز في القضاء، ومنازل العلماء، وعيش السعداء والنصر على الاعداء، اللهم إنى أنزلت بك حاجتى، وإن ضعف عملي فقد افتقرت إلى رحمتك، فأسئلك يا قاضى الامور، ويا شافي الصدور، كما تجير بين البحور، أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور. اللهم وما قصر عنه رأيى، ولم تبلغه نيتى، ولم تحط به مسئلتي، من خير وعدته أحدا من خلقك، فاني أرغب إليك فيه، اللهم يا ذا الحبل الشديد، والامر الرشيد أسئلك الامن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، و الركع السجود، الموفين العهود، إنك رحيم ودود، وإنك تفعل ما تريد.


(1) البلد الامين: 68.

[293]

اللهم اجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لاوليائك، و حربا لاعدائك، نحب لحبك التائبين، ونعادي لعداوتك من خالفك. اللهم هذا الدعاء وعليك الاجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، اللهم اجعل لى نورا في قلبى ونورا في قبري ونورا بين يدي ونورا من خلفي ونورا من شمالى ونورا من فوقي ونورا من تحتي ونورا في سمعي ونورا في بصري ونورا في شعري و نورا في بشري، ونورا في لحمى، ونورا في دمى، نورا في عظامي، اللهم وأعظم لي النور، وأعطني نورا واجعل لى نورا. سبحان الله الذي ارتدى بالعز، وبان به، وسبحان الله الذي لبس المجد و تكرم به، سبحان من لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي المجد والكرم، سبحان ذي الجلال والاكرام (1). بيان: اللم الجمع، والشعث محركة انتشار الامر، ولم الله شعثه، قارب بين شتيت أمره ذكره الفيروز آبادي (وترد بها الفتي) أي أهل الفتي ومن أنست بهم أو الفتى وانسى بجنابك، وليست هذه الفقرة في أكثر الكتب والنسخ (أسئلك الفوز) أي بالسعادة (في القضاء) أي قضاء الموت وعند نزوله أو كل قضاء (ومنازل العلماء) وفي بعض النسخ (ونزل الشهداء) والنزل بالضم وبضمتين ما يهيأ للضيف. (كما تجير) متعلق بما بعده إشارة إلى قوله سبحانه (وجعل بين البحرين حاجزا) (2) وقوله: (وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح اجاج و جعل بينهما برزخا وحجرا محجورا) (3) قالوا وذلك مثل دجلة يدخل البحر فيشقه فيجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمه، وقيل: المراد بالعذب النهر العظيم، مثل النيل، وبالبحر الملح البحر الكبير، وبالبرزخ ما يحول بينهما من الارض وقيل:


(1) مصباح المتهجد: 187. (2) النمل: 61. (3) الفرقان: 53.

[294]

المراد بالبحرين أولا خليجا فارس والروم، ينشعبان من المحيط والارض فاصل بينهما لا يمتزجان. (ومن دعوة الثبور) هو أن ينادوا في القيامة (واثبوراه) والثبور الهلاك تلميح إلى قوله سبحانه (وإذا القوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا) (1) أي هلاكا، يتمنون الهلاك وينادونه ويقولون واثبوراه تعالى فهذا حينك. (ومن فتنة القبور) وعذابها وسؤالها قال في النهاية: فيه إنكم تفتنون في القبور يريد مسألة منكر ونكير، من الفتنة الامتحان والاختبار، وفي القاموس الفضيحة والعذاب. (يا ذا الحبل الشديد) قال الكفعمي الحبل هنا العهد، ومنه قوله تعالى: (إلا بحبل من الله وحبل من الناس) (2) وسمي العهد حبلا لانه يعقد به الامان كما يعقد الشئ بالحبل، وفي خط الشهيد قدس الله روحه بالياء المثناة من تحت، ومعناه يا ذا القوة الشديدة، وإنما قال: الشديد رجوعا إلى لفظ الحبل فانه مذكر انتهى. (والامر الرشيد) أي أمرك ذو رشد وصلاح (والشهود والسجود) جمعا شاهد وساجد، والسلم بالكسر والفتح الصلح وبالكسر المسالم، والحرب بالفتح العدو والمحارب، والجهد بالضم والفتح الطاقة، وبالفتح المشقة، والتكلان بالضم التوكل (وبان به) أي امتاز بذلك العزو الغلبة من جميع الموجودات. 6 - المتهجد والجمال والبلد (3) والجنة: ويستحب أن يدعو ليلة الجمعة ويوم الجمعة وليلة عرفة ويوم عرفة بهذا الدعاء (اللهم من تعبا وتهيأ وأعد واستعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وجائزته فاليك يا رب تعبئتي وتهيئتي وإعدادي واستعدادي


(1) الفرقان: 13. (2) آل عمران: 112. (3) البلد الامين: 69، جنة الامان، 435.

[295]

رجاء عفوك وطلب نائلك وجائزتك، فلا تخيب اليوم دعائي يا مولاي، يا من لا تخيب عليه سائل، ولا ينقصه نائل، فاني لم آتك اليوم ثقة بعمل صالح عملته، ولا لو فادة إلى مخلوق رجوته، أتيتك مقرا على نفسي بالاساءة والظلم، معترفا بأن لاحجة لي ولاعذر، أتيتك أرجو عظيم عفوك الذي علوت به على الخاطئين، فلم يمنعك طول عكوفهم على عظيم الجرم، أن عدت عليهم بالرحمة. فيامن رحمته واسعة، وعفوه عظيم، يا عظيم يا عظيم يا عظيم، لايرد غضبك إلا حلمك، ولا ينجي من سخطك إلا التضرع إليك، فهب لي يا إلهي فرجا بالقدرة التى بها تحيي ميت العباد، ولا تهلكني غما حتى تستجيب لي وتعرفني الاجابة في دعائي، وأذقني طعم العافية إلهى منتهى أجلي، ولا تشمت بي عدوي، ولا تسلطه على ولا تمكنه من عنقي. يا إلهي إن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني وإن رفعتني فمن ذا الذي يضعني وإن أهلكتني فمن ذا الذي يتعرض لك في عبدك، أو يسئلك عن أمره، وقد علمت يا إلهى أنه ليس في حكم ظلم، ولا في نقمتك عجلة، وإنما يعجل من يخاف الفوت، و إنما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت يا إلهى عن ذلك علوا كبيرا. اللهم إني أعوذ بك فأعذني، وأستجير بك فأجرني، وأسترزقك فارزقني، و أتوكل عليك فاكفني، وأستنصرك على عدوي فانصرني، وأستعين بك فأعني، و أستغفرك يا إلهى فاغفر لي آمين آمين آمين (1). بيان: قال الكفعمي (2) تعبأ وتهيأ بمعنى، وكرر للتأكيد واختلاف اللفظ، وتعبأ يجوز فيه الهمز وعدمه، وعبأت المتاع هيأته انتهى، وأعد أي نفسه أو ما يحتاج إليه للسفر، وقال الكفعمي تهيأ وتعبأ وأعد واستعد نظائر، والوفادة بالكسر الورود على الامير لرسالة أو طلب حاجة، وقال الكفعمي الرفد و النيل والجائزة نظائر، وقال الجوهري النوال العطاء والنائل مثله.


(1) مصباح المتهجد: 188. (2) جنة الامان: 437 في الهامش.

[296]

(يا من لا يخيب عليه سائل) في الصحيفة وسائر الادعية (يامن لا يحفيه سائل) والاحفاء المبالغة في الاخذ أي كلما أخذ السائلون وطلبوا، لا يكون إحفاء مبالغة في جنب سعة خزائنة، وقال الكفعمي: الحفو المنع أي لا يمنعه سؤال السائلين وكثرته عن العطاء، وما ذكرنا أظهر، وهو المراد بقوله: (ولا ينقصه نائل) أي لا ينقص خزائنه كثرة العطاء (طول عكوفهم) أي إقامتهم (ولا تهلكني غما) أي بسبب الغم أو مغموما بسبب العلم بخطاياى، وعدم العلم بالعفو (من ذا الذي يتعرض) و في بعض النسخ (يعرض) بمعناه أي يمانعك ويعترضك، يقال: عرض لي في الطريق عارض أي منعني مانع، والسؤال عن أمره هو أن يسأله تعالى لم أهلكته وبأي جرم أخذته، ثم لما كان ذلك موهما لان ذلك لمحض قدرته واستيلائه من دون استحقاق عقبه بقوله (وقد علمت) الخ. (وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف) لانه يظلم ليتقوى بما يأخذه من المظلوم. 7 - المتهجد وسائر الكتب: ويستحب أن يقول ليلة الجمعة ويوم الجمعة سبع مرات: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وابن أمتك في قبضتك، وناصيتي بيدك، أمسيت على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ برضاك من شر ما صنعت، أبوء بعملي وأبوء بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت (1). توضيح: على عهدك أي ما هدت إلى من فعل الطاعات وترك المعاصي (ووعدك) أي إنجازه وطلبه بسبب العقايد والاعمال بقدر استطاعتي، وباء بذنبه: أي أقر واعترف. 8 - المتهجد وغيره: دعاء آخر في ليلة الجمعة: اللهم اجعلني أخشاك حتى كأنى أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعاصيك، وخرلي في قضائك وبارك


(1) مصباح المتهجد ص 188، البلد الامين ص 69.

[297]

لي في قدرك حتى لا احب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت، واجعل غناى في نفسي، ومتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارثين مني، وانصرني على من ظلمني وأرني فيه قدرتك يا رب وأقر بذلك عيني. اللهم أعني على هول القيامة، وأخرجني من الدنيا سالما، وأدخلني الجنة آمنا، وزوجني من الحور العين، واكفني مؤنتي ومونة عيالي، ومؤنة الناس، و أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. إلهي إن تعذبني فأهل لذلك أنا، وإن تغفر لي فأهل لذلك أنت، وكيف تعذبني يا سيدي وحبك في قلبي، أما وعزتك لئن فعلت ذلك بي لتجمعن بيني وبين قوم طال ما عاديتهم فيك، اللهم بحق أوليائك الطاهرين عليهم السلام ارزقنا صدق الحديث، وأداء الامانة، والمحافظة على الصلوات، اللهم إنا أحق خلقك أن تفعل ذلك بنا، اللهم أفعله بنا برحمتك. اللهم ارفع ظني إليك صاعدا، ولا تطمعن في عدوا ولا حاسدا، واحفظني قائما وقاعدا، ويقظان وراقدا، اللهم اغفر لي وارحمني واهدني سبيلك الاقوم وقنى حر جهنم اللهم وحريقها المضرمة واحطط عنى المغرمة والمأثم واجعلني من خيار العالم، اللهم ارحمني مما لا طاقة لي به ولاصبر لي عليه، برحمتك يا أرحم الراحمين (1). بيان: (وخر لي في قضائك) أي اقض ما هو خير لي (وبارك لي في قدرك) أي اجعل فيما تقدر لي بركات دنيوية واخروية حتى لاأكرههما (واجعل غناى في نفسي) أي تكون نفسي قانعة راضية لا بسبب كثرة، فانها إذا لم تقارن الرضا تكون سببا لمزيد الفقر والحاجة (واجعلهما الوارثين مني) قال في النهاية: أي أبقهما صحيحين سليمين إلى أن أموت، وقيل: أراد بقاءهما وقوتهما عند الكبر وانحلال القوى النفسانية فيكون السمع والبصر وارثي سائر القوى والباقيين بعدها، وقيل أراد بالسع وعي ما يسمع والعمل به، وبالبصر الاعتبار بما يرى انتهى.


(1) مصباح المتهجد: 189.

[298]

وقيل: الضمير راجع إلى التمتيع والتثنية باعتبار السمع والبصر. (سالما) أي من الذنوب (آمنا) أي من العقوبات قبله (اللهم ارفع ظني) أي اقطع ظني ورجائي عن خلقك، واجعلهما صاعدين متصلين إلى جنابك الا رفع، واجعل ظنى بك في أعلى مدارج الكمال (والعزم) هو الذي يجب أداؤه ويقال أثم الرجل بالكسر إثما ومأثما إذا وقع في الاثم ذكره الجوهري. 9 - المتهجد والجمال والمسائل والاختيار: ويستحب أن يزاد في دعاء الوتر ليلة الجمعة (اللهم هذا مقام البائس الفقير، مقام المستغيث المستجير، مكان الهالك الغريق، مكان الوجل المشفق، مكان من يقر بخطيئته، ويعترف بذنوبه، و يتوب إلى ربه، اللهم قد ترى مكاني، ولا يخفي عليك شئ من أمري، يا ذا الجلال والاكرام، وأسألك بأنك تلي التدبير وتمضى المقادير، سؤال من أساء واقترف، واستكان واعترف، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تغفر لي ما مضي في علمك من ذنوبي، وشهدت به حفظتك وحفظة ملائكتك ولم يغب عنه علمك قد أحسنت فيه البلاء فلك الحمد، وأن تجاوز عن سيئاتي في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. اللهم صل على محمد وآل محمد أئمة المؤمنين، اللهم إني أسألك سؤال من اشتدت فاقته، وضعفت قوته، سؤال من لا يجد لفاقته مسدا ولا لضعفه مقويا غيرك يا ذالجلال والاكرام، اللهم أصلح باليقين قلبي، واقبض على الصدق إليك لساني، وأسألك خير كتاب سبق، وأعوذ بك من شره، جل ثناؤك. وأستجير بك أن أقول لك مكروها أستحق به عقوبة الاخرة، وأسألك علم الخائفين، وإنابة المخبتين، ويقين المتوكلين، وتوكل الموقنين بك، وخوف العالمين، وإخبات المنيبين، و شكر الصابرين، وصبر الشاكرين، واللحاق بالاحياء المرزوقين، آمين آمين. يا أول الاولين ويا آخر الاخرين، يا الله يا رحمن، يا الله يا رحيم يا الله صل على محمد وآله اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، واغفر لي الذنوب التي تورث الندم، واغفر لي

[299]

الذنوب التي تحبس القسم، واغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء، واغفر لي الذنوب التي تحبس غيث السماء، واغفر لي الذنوب التي تظلم الهواء، واغفر لي الذنوب التي تكشف الغطاء (1). بيان: (بأنك تلى التدبير) أي بسببه (واقترف) أي اكتسب الخطايا (و استكان) أي تذلل وخضع (قد أحسنت فيه البلاء) أي النعمة بأن حلمت ولم تعاجل العقوبة (وعد الصدق) تضمين لقوله: (رب أو زعني إلى قوله اولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب وعد الصدق الذي كانوا يوعدون) (2). (في أصحاب الجنة) أي كائنا في عدادهم أو مثابا أو معدودا فيهم، وقوله (وعد الصدق)) في الاية مصدر مؤكد لنفسه فان (نتقبل ونتجاوز) وعد، وهنا يحتمل المصدرية لفعل مقدر، وأن يكون مفعولا لاجله (واقبض على الصدق إليك لساني) لعل الظرف في إليك راجع إلى القبض، والمعنى واقبض إليك لساني عند الموت حالكونه كائنا على الصدق إلى هذا الوقت، أي اجعلني صادقا إلى وقت الموت أو المراد بالقبض إليه التصرف فيه أي لاتكله إلى، بل اقبضه إليك لاجل الصدق أي لان تدعوه إلى الصدق ولا تدعه يكذب في صدق المتوكلين أي حال كوني فيه (خير كتاب سبق) أي كتاب تقدير الاعمال والاخبات الخشوع والتواضع، وفي القاموس لحق به كسمع ولحقه لحقا بفتحهما أدركه انتهى، والاحياء المرزوقون الشهداء كما قال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (3) الاية وقد مر تفسير أنواع الذنوب في أبواب صلاة الليل. 10 - المتهجد والاختيار والجمال: ويستحب أن يدعو بعد الوتر بهذا


(1) مصباح المتهجد: 190. (2) الاحقاف: 16. (3) آل عمران: 169.

[300]

بهذا الدعاء: اللهم حبب إلى لقاءك وأحب لقائي، واجعل لي في لقائك الراحة و البركة والكرامة، وألحقني بالصالحين، ولا تؤخرني في الاشرار، وألحقني بصالح من مضى، واجعلني من صالح من بقي، واختم لي عملي بأحسنه، واجعل ثوابه الجنة برحمتك وخذ بي سبيل الصالحين وأعني على صالح ما أعطيتني، كما أعنت المؤمنين على صالح ما أعطيتهم، ولا تنزع مني صالحا أعطيتنيه، ولا تردني في سوء استنقذتني منه أبدا، ولا تشمت بي عدوا ولا حاسدا أبدا، ولا تكلني إلى نفسي في شئ من أمري طرفة عين أبدا، يا رب العالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد وأسألك يا رب إيمانا لا أجل له دون لقائك، تحييني عليه وتميتني عليه، وتبعثني عليه إذا بعثتني، وابرء قلبي من الرياء والسمعة والشك في دينك. اللهم أعطني نصرا في دينك، وقوة في عبادتك، وفهما في علمك، وفقها في حكمك، وكفلين من رحمتك وبيض وجهي بنورك، واجعل رغبتي فيما عندك، وتوفني في سبيلك على ملتك وملة رسولك صلواتك عليه وآله، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهموم والجبن والغفلة والفترة والمسكنة وأعوذ بك لنفسي ولاهلي و ذريتي من الشيطان الرجيم. اللهم إنه لم يجيرني منك أحد، ولا أجد من دونك ملتحدا، فلا تردني في هلكة، ولا تردني بعذاب، أسألك الثبات على دينك، والتصديق بكتابك، واتباع سنة رسولك، صلواتك عليه وآله، اللهم اذكرني برحمتك، ولا تذكرني بعقوبتك لخطيئتي، وتقبل مني وزدنى من فضلك، إني إليك راغب. اللهم اجعل ثواب منطقى وثواب مجلسي رضاك، واجعل عملي ودعائي خالصا لك، واجعل ثوابي الجنة برحمتك، واجمع لي خير ما سئلتك وزدني من فضلك إني إليك راغب، اللهم إني أشهد بما شهدت به على نفسك، وشهدت به ملائكتك واولو العلم أن لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، فمن لم يشهد على ما شهدت به على

[301]

نفسك، وشهدت به ملائكتك واولوا العلم بك، فاكتب شهادتى مكان شهادته. اللهم أنت السلام ومنك السلام أسألك يا ذالجلال والاكرام، أن تفك رقبتي من النار، اللهم إني أسألك مفاتيح الخير وخواتيمه وشرايعه وفوائده و بركاته وما بلغ علمه علمي، وما قصر عن إحصائه حفظي، اللهم انهج لي أسباب معرفته، وافتح لي أبوابه، وغشني رحمتك ومن على بعصمة عن الازالة عن دينك، وطهر قلبي من الشك، ولا تشغل قلبي بدنياى، وعاجل معاشي عن آجل ثواب آخرتي. اللهم ارحم استكانة منطقي وذل مقامي ومجلسي، وخضوعي إليك برقبتى أسألك اللهم الهدى من الضلالة، والبصيرة من العماية، والرشد من الغواية، وأسألك أكثر الحمد عند الرخاء، وأجمل الصبر عند المصيبة، وأفضل الشكر عند موضع الشك، والتسليم عند الشبهات، وأسألك القوة في طاعتك،، والضعف عن معصيتك والهرب إليك منك، والتقرب إليك رب لترضى، والتحري لكل ما يرضيك عنى في إسخاطك وإسخاط خلقك، التماسا لرضاك. رب من أرجوه إذا لم ترحمني، ومن يعود على إن رفضتني، أو من ينفعني عفوه إن عاقبتني، أو من آمل عطاياه إن حرمتنى، أو من يملك كرامتي إن هنتني أو من يضرنى هوانه إن أكرمتني، رب ما أسوء فعلى، وأقبح عملي، وأقسى قلبى وأطول أملى، وأقصر أجلى، وأجرأني على عصيان من خلقني، رب ما أحسن بلاءك عندي، وأظهر نعماءك على، كثرت منك على النعم فما أحصاها، وقل منى الشكر فيما أوليتنيه فبطرت بالنعم وتعرضت للنقم، وسهوت عن الذكر، وركبت الجهل بعد العلم، وجرت من العدل إلى الظلم، وجاوزت البر إلى الاثم، وصرت إلى اللهو من الخوف والحزن. رب ما أصغر حسناتي وأقلها في كثرة ذنوبي، وأعظمها على قدر صغر خلقي وضعف عملي، رب ما أطول أملى في قصر أجلى في بعد أملى، وما أقبح سريرتي في علانيتي، رب لا حجة لى إن احتججت، ولاعذر لى إذا اعتذرت، ولا شكر عندي

[302]

إذا أبليت، وأوليت، إن لم تعنى على شكر ما أوليت، وما أخف ميزاني غدا إن لم ترجحه، وأزل لساني إن لم تثبته، وأسود وجهى إن لم تبيضه. رب كيف بى بذنوبى التى سفلت منى قد هد لها أركاني، رب كيف لى بطلب شهوات الدنيا أو أبكى على حميم فيها، ولا أبكى على نفسي وتشتد حسراتي لعصياني وتفريطى، رب دعتني دواعى الدنيا فأجبتها سريعا وركنت إليها طائعا، ودعتني دواعى الاخرة فتثبطت عنها، وأبطأت في الاجابة والمسارعة إليها كما سارعت إلى دواعى الدنيا وحطامها الهامد، ونسيمها البائد، وسرابها الذاهب، رب خوفتني و شوقتني واحتججت على وكفك برزقى، فأمنت خوفك، وتثبطت عن تشويقك، ولم أتكل على ضمانك، وتهاونت باحتجاجك، اللهم اجعل أمنى منك في هذه الدنيا خوفا، و حول تثبيطي شوقا، وتهاوني بحجتك فرقا منك ثم رضنى بما قسمت لى من رزقك يا كريم. أسألك باسمك العظيم رضاك عند السخطة، والفرجة عند الكربة، والنور عند الظلمة، والبصيرة عند شدة الغفلة، رب اجعل جنتي من الخطايا حصينة، و درجاتي في الجنان رفيعة، وأعمالي كلها متقبلة، وحسناتي مضاعفة زاكية، أعوذ بك من الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن، ومن شر المطعم والمشرب ومن شر ما أعلم ومن شر ما لاأعلم، وأعوذ بك أن أشترى الجهل بالعلم أو الجفاء بالحلم، أو الجور بالعدل، أو القطيعة بالبر، أو الجزع بالصبر، أو الضلالة بالهدى، أو الكفر بالايمان. اللهم إنى أسألك برحمتك التى لا تنال إلا برضاك والخروج من جميع معاصيك والدخول في كل ما يرضيك، والنجاة من كل ورطة، والمخرج من كل كبيرة أتى بها منى عمد أوزل بها منى خطأ أو خطر بها خطرات الشيطان، أسألك خوفا توقفني به على حدود رضاك، وتشعث به عنى كل شهوة خطر بها هواي، وأستزل عندها رأيى لتجاوز حد حلالك.

[303]

أسألك اللهم الاخذ بأحسن ما تعلم، وترك سيئ كل ما تعلم، أو أبتلى من حيث أعلم ومن حيث لا أعلم، أسألك السعة في الرزق، والزهد في الكفاف، والمخرج بالبيان من كل شبهة، والصواب في كل حجة، والصدق في جميع المواطن وإنصاف الناس من نفسي فيما على وفي مالى، والتذلل في إعطاء النصف من جميع مواطن السخط والرضا، وترك قليل البغى وكثيرة في القول منى والفعل، وتمام نعمتك في جميع الاشياء والشكر لك عليها لكى ترضى وبعد الرضا، وأسألك الخيرة في كل ما يكون فيه الخيرة بميسور الامور لا بمعسورها، يا كريم يا كريم. اللهم إنى أسألك قول التوابين وعملهم، ونور الانبياء وصدقهم، ونجاة المجاهدين وثوابهم، وشكر المصطفين ونصيحتهم، وعمل الذاكرين ويقينهم، و إيمان العلماء وفقههم، وتعبد الخاشعين وتواضعهم، وحلم الفقهاء وسيرتهم، وخشية المتقين ورغبتهم، وتصديق المؤمنين وتوكلهم، ورجاء المحسنين وبرهم. اللهم إنى أسألك ثواب الشاكرين، ومنزلة المقربين، ومرافقة النبيين، اللهم إنى أسألك خوف العاملين، وعمل الخائفين، وخشوع العابدين لك، ويقين المتوكلين عليك، وتوكل المؤمنين بك. اللهم إنك بحاجتي عالم غير معلم، وأنت لها واسع غير متكلف، وإنك الذي لا يحفيك سائل، ولا ينقصك نائل، ولا يبلغ مدحتك قول قائل، وأنت كما تقول، وفوق ما نقول، اللهم اجعل لى فرجا قريبا وأجرا عظيما وسترا جميلا. اللهم هدأت الاصوات، وسكنت الحركات، وخلا كل حبيب بحبيبه، وخلوت بك يا إلهى، فاجعل خلوتي منك الليلة العتق من النار (1). توضيح: (وخذبى سبيل الصالحين) أي اذهب بى في سبيلهم (على صالح ما أعطيتني) كالزوجة الصالحة والاولاد والاموال وغيرها أعنى على حفظها و تربيتها وصرفها فيما تحب (لاأجل له دون لقائك) أي قبل الموت وعدم الزوال


(1) مصباح المتهجد: 191 - 195.

[304]

بعده لا يحتاج إلى الدعاء، أو المراد الايمان بالدليل وبعد الموت فينقلب ضرورة و عيانا، والاول أظهر كما يدل عليه ما بعده من الفقرات، والحاصل أنه لا يكون له أجل إلا لقاؤك، وهو لا يكون أجلا كقوله صلى الله عليه وآله (بيد أنى من قريش). ويحتمل أن يكون المراد بالاجل الحد الذي ينتهى إليه، أي يكون إيمانى مترقيا في الكمال لا ينتهى إلى حد إلا إلى اللقاء، وهو غاية مراتب العرفان، أو يكون (دون) بمعنى (عند) أي لا يكون له أجل الموت، والتخصيص لانه عند ذلك يوسوس الشيطان. ويحتمل وجها خامسا وهو أن يكون المراد بالدعاء الرؤية ويكون المعنى لا أجل له سوى الرؤية، والرؤية لا تكون أجلا لامتناعها، فلا أجل له أصلا، و يكون إشارة إلى ما مر في الخبر أن الرؤية توجب سلب الايمان الذي كان في الدنيا. (نصرا في دينك) أي وفقني لان أنصر دينك، وفي بعض النسخ بالباء أي بصيرة، وهو أظهر. وقال الجوهري: الكفل الضعف قال تعالى (يؤتكم كفلين من رحمته) ويقال إنه النصيب. أقول: يحتمل أن يكون المراد النعم الظاهرة والباطنة في الدنيا والاخرة (وبيض وجهى بنورك) في الاخرة أو الاعم منها ومن الانوار المعنوية في الدنيا، كما قال تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود) (1) ورد في الخبر في المتهجدين خلوا بربهم فألبسهم من نوره (فيما عندك) أي من المثوبات والقربات (في سبيلك أي في الجهاد أو الاعم كائنا وثابتا (على ملتك) والكسل التثاقل عن الامر و الفترة الانكسار والضعف، والملتحد الملجأ. (فلا تردني في هلكة) أي إذا نجيتنى من هلكة فلا تردني فيها بمنع لطفك


(1) الفتح: 29.

[305]

أو لا تردني من الارادة أو بسكون الراء وكسر الدال من الارداء بمعنى الاهلاك كما قال الله تعالى: (أرديكم فأصبحتم من الخاسرين) (1). (فاكتب شهادتى) أي ضاعف الثواب لى بعدد كل من جحد ما أقررت به (أنت السلام) أي السلم من النقايص، أو مسلم الخلق من الافات (ومنك السلام) أي سلامة كل الخلق من العيوب أو البلايا من فضلك (مفاتيح الخير) والمفاتيح جمع المفتاح أي أسألك ما يصير سببا لفتح أبواب الخيرات (وخواتيمه) أي ما يختم به الخيرات، أو أسألك أن يكون فتح جميع اموري وختمها بالخير. والشرايع جمع الشريعة وهو مورد المشاربة من الماء أي طرق الخير، ويقال نهجت الطريق أي أبنته وأوضحته (وغشني رحمتك) أي اجعل رحمتك تغشاني و تسترني وتحيط بى (عن الازالة) أي عن أن يزيلني أحد أو ازيل أحدا، والغواية بالفتح الضلال والخيبة. (عند موضع الشك) إذ كفران النعمة غالبا إنما يكون عند الشك في المنعم أو هو عمدة الكفران (والتسليم) لله ولحججه وانقياد ما يصدر عنهم وأموا به (عند الشبهات) أي عند اشتباه معنى ما ورد عنهم وصعوبته على الافهام، وخفاء علة الحكم وقد مر تحقيقه في باب التسليم. والتحري طلب الاحرى والاليق (في إسخاطك) أي إذا ترددت بين إسخاطك وإسخاط خلقك، أطلب ما هو أحرى وهو إسخاطهم لطلب رضاك وفي ساير الكتب سوى المتهجد (ليس إسخاطك) ولعله أصوب. (يعود على) من العائدة وهو العطف والمنفعة (إن رفضتني) أي تركتني، والبطر الطغيان بالنعمة. (أسألك برحتمك) أي رحمتك، يقال سأله وسأل به، وقال تعالى (سئل سائل بعذاب واقع) ويحتمل أن يكون المسئول (التى لا تنال) ولايكون صفة لرحمتك بل لمقدر أي النعمة أو الخلة وشبههما (وبرحمتك) قسما أو الباء للسببة، وفي


(1) فصلت: 23.

[306]

بعض نسخ الدعاء النجاة بدون الواو فيكون هي المسؤل، والخروج والدخول معطوفين على قوله (رضاك) وعلى نسخة العطف يحتمل أن يكون الجميع كذلك ويكون المسؤل (خوفا) و (أسألك) تأكيدا، ولعل الاظهر زيادة الواو في قوله: (والخروج) كما انه ليس في بعض نسخ الدعاء. والورطة الهلكة وكل أمر يعسر النجاة منه (على حدود رضاك) أي لا التجاوز عن الحدود التى بينتها لرضاك إلى ما ترضى، تشعث: أي تفرق وفي بعض النسخ بالباء بمعناه يقال: شعثت الشئ أي فرقته لكن الاول على بناء التفعيل والثانى على بناء المجرد. (خطر بها هواي) أي خطر بسبب تلك الشهوة ببالى ما أهواه أو طغى بسببها هواى ولم يطعني، في القاموس الخاطر الهاجس، خطر بباله وعليه يخطر خطورا ذكره بعد نسيان، وأخطره الله تعالى، والفحل بذنبه يخطر ضرب به يمينا وشمالا، وهى ناقة خطارة، والرجل بسيفه ورحمه رفعه مرة ووضعه اخرى، وفي مشيته رفع يديه ووضعهما خطرانا فيهما، والريح اهتز فهو خطار انتهى. (في الكفاف) أي معه قال في النهاية الكفاف هو الذي لا يفضل عنه الشئ، و يكون بقدر الحاجة، ويحتمل أن يكون الواو في قوله: (والزهد) بمعنى أو، أو يكون تفسير اللسعة، وفي التهذيب والزهد فيما هو وبال، وهو أصوب (في جميع المواطن) أي سواء كان ضارا أو نافعا ما لم يبلغ حد التقية، والنصف بالتحريك الانصاف (لا يحفيك سائل) قد مر معناه، ويحتمل وجها آخر وهو أن مبالغة السائلين لا يعد عندك مبالغة لانك تحب الملحين في الدعاء، والاظهر ما مر، وفي النهاية والهدءة والهدء السكون من الحركات. 11 - المتهجد: ويستحب أن يقول بعد الركعتين من نوافل الفجر الاول يوم الجمعة مائة مرة سبحان ربي العظيم وبحمده أستغفر الله ربي وأتوب إليه. ويستحب أيضا أن يدعو بدعاء المظلوم عند قبر أبي عبد الله عليه السلام وهو: (اللهم

[307]

إني أعتز بدينك، واكرم بهدايتك، وفلان يذلني بشره ويهينني بأذيته، ويعيبني بولاء أوليائك، ويبهتني بدعواه، وقد جئت إلى موضع الدعاء وضمانك الاجابة، اللهم صل على محمد وآل محمد، وأعدني عليه الساعة) ثم ينكب على القبر ويقول: مولاي إمامي، مظلوم استعدى على ظالمه، النصر النصر، حتى تنقطع النفس. ويستحب أيضا أن يقول عند السحر: اللهم صل على محمد وآله، وهب لي الغداة رضاك، وأسكن قلبي خوفك، واقطعه عمن سواك حتى لا أرجو ولا أخاف إلا إياك، اللهم صل على محمد وآله، وهب لي ثبات اليقين، ومحض الاخلاص، وشرف التوحيد، ودوام الاستقامة، ومعدن الصبر، والرضا بالقضاء والقدر، يا قاضي حوائج السائلين، يا من يعلم ما في ضمير الصامتين، صلى على محمد وآله واستجب دعائي، واغفر ذنبي، وأوسع رزقي، واقض حوائجي في نفسي وإخوانى في ديني وأهلي. إلهى طموح الامال قد خابت إلا لديك، ومعاكف الهمم قد تعطلت إلا عليك ومذاهب العقول قد سمت إلا إليك، فأنت الرجاء وإليك الملجأ، يا أكرم مقصود وأجود مسئول، هربت إليك بنفسي يا ملجأ الهاربين بأثقال الذنوب على ظهري، لا أجد لي إليك شافعا سوى معرفتي بأنك أقرب من رجاه الطالبون، وآمل ما لديه الراغبون. يامن فتق العقول بمعرفته، وأطلق الالسن بحمده، وجعل ما امتن به على عباده في كفاء لتأدية حقه، صل على محمد وآله، ولا تجعل للشيطان على عقلي سبيلا ولا للباطل على عملي دليلا (1). فإذا طلع الفجر فقل: أصبحت في ذمة الله وذمة ملائكته وذمم أنبيائه ورسله عليهم السلام وذمة محمد صلى الله عليه وآله، وذمم الاوصياء من آل محمد عليهم السلام آمنت بسر آل محمد عليهم السلام وعلانيتهم، وظاهرهم وباطنهم، وأشهد أنهم في علم وطاعته كمحمد


(1) مصباح المتهجد: 195.

[308]

صلى الله عليه وآله (1). بيان: روي ما سوى الدعاء في جمال الاسبوع والاختيار، وقال السيد بعد الدعاء الاخير رويناه باسنادنا إلى داود الرقي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه من قاله صباحا ومساء ثلاث مرات آمنه الله مما يخاف، وقال الكفعمي في البلد الامين (2) دعاء الفرج يدعى به في سحر ليلة الجمعة، ورأيت في بعض كتب أصحابنا ما ملخصه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا رسول الله إني كنت غنيا فافتقرت إلى آخر ما مر في كيفية صلاة الليل وذكر الدعاء من قوله (إلهى طموح الامال) إلى قوله على عملي دليلا، وافتح لى بخير الدنيا والاخرة، يا ولي الخير، وقد مر شرح الدعاء. قوله عليه السلام: (وضمانك) بالكسر عطفا على الدعاء، (والاجابة) بالنصب، وفي بعض النسخ برفعهما على الابتداء والخبرية أي والحال أنك ضمنت الاجابة قال الجوهري: العدوى طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم منه، يقال: استعديت على فلان الامير فأعدانى أي استعنت به عليه فأعاننى عليه، والاسم منه العدوى، وهى المعونة انتهى. قوله: (إمامى) نداء (مظلوم) خبر مبتدء محذوف أي أنا مظلوم (واستعدى) على صيغة الغيبة وفي بعض النسخ استعدي على صيغة التكلم فالخطاب في مولاي إلى الله، وإمامي مبتدأ ومظلوم خبره، والضمير في ظالمه راجع إلى الامام ((النصر) بالنصب أي أطلبه (شرف التوحيد) لعل المراد أشرفه. 12 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلم يرحمك أن الله تبارك وتعالى فضل يوم الجمعة وليلته على ساير الايام، فضاعف فيهما الحسنات لعاملها والسيئات على مقترفها إعظاما لهما فإذا حضر يوم الجمعة فقل في ليلة في آخر السجدة من نوافل


(1) مصباح المتهجد ص 196. (2) تراه في مصباح الكفعمي: 53 - 54 وقد مر في ج 87 ص 277 - 279 ولم نجد الحديث في البلد الامين المطبوع.

[309]

المغرب وأنت ساجد (اللهم إنى أسألك باسمك العظيم، وسلطانك القديم، أن تصلى على محمد وآله، وأن تغفر لي ذنبي العظيم. واقرء في صلاتك العشاء الاخرة سورة الجمعة في الركعة الاولى، وفي الثانية سبح اسم ربك الاعلى، وروي أيضا إذا جائك المنافقون، وإذا قرأت غيرهما أجزأك وأكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله في ليلة الجمعة ويومها وإن قدرت أن تجعل ذلك ألف كرة فافعل فان الفضل فيه. وقد يروى أنه إذا كان عشية يوم الخميس نزلت ملائكة معها أقلا من نور وصحف من نور، لا يكتبون إلا الصلوات على رسول الله صلى الله عليه وآله إلى آخر النهار من يوم الجمعة (1). 13 - عدة الداعي: روي يقرأ في الثلث الاخير من ليلة الجمعة سورة القدر خمس عشرة مرة ثم يدعو بما يريد (2). 14 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبى عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: من قال في آخر سجدة من النافلة بعد المغرب ليلة الجمعة، وإن قال في كل ليلة فهو أفضل (اللهم إنى أسألك بوجهك الكريم، واسمك العظيم، أن تصلى على محمد وآل محمد، وأن تغفر لى ذنبي العظيم) سبع مرات انصرف وقد غفر الله له. قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كانت عشية الخميس وليلة الجمعة نزلت ملائكة من السماء معهم أقلام الذهب وصحف الفضة، لا يكتبون عشية الخميس وليلة الجمعة ويوم الجمعة إلى أن تغيب الشمس إلا الصلاة على النبي وآله صلى الله عليه وآله (3). كتاب العروس: باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كانت إلخ.


(1) فقه الرضا: 11. (2) عدة الداعي: 30. (3) الخصال ج 2 ص 31.

[310]

أقول: سيأتي مسندا في كتاب (1) القرآن عن الصادق عليه السلام أنه قال: من قرء سورة بني إسرائيل في كل ليلة الجمعة لم يمت حتى يدرك القائم عليه السلام، فيكون من أصحابه (2). وعنه عليه السلام قال: من قرء سورة الطواسين الثلاث في ليلة الجمعة كان من أولياء الله وفي جوار الله وكنفه، ولم يصبه في الدنيا بؤس أبدا واعطى في الاخرة من الجنة حتى يرضى وفوق رضاه وزوجه الله مائة زوجة من الحور العين (3). وعنه عليه السلام قال: من قرء سورة السجدة في كل ليلة جمعة أعطاه الله كتابه بيمينه، ولم يحاسبه بما كان منه، وكان من رفقاء محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته صلى الله عليه وآله (4). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: من قرأ سورة ص في ليلة الجمعة اعطى من خير الدنيا والاخرة ما لم يعط أحد من الناس، إلا نبي مرسل أو ملك مقرب وأدخله الله الجنة وكل من أحب من أهل بيته، حتى خادمه الذي يخدمه، وإن لم يكن في حد عياله ولا في حد من يشفع فيه (5). وعن الصادق عليه السلام قال: من قرأ كل ليلة أو كل يوم جمعة سورة الاحقاف لم يصبه الله بروعة في الحياة الدنيا، وآمنه من فزع يوم القيامة إنشاء الله تعالى (6). وعنه عليه السلام من قرأ في كل ليلة جمعة الواقعة أحبه الله وحببه إلى الناس أجمعين، ولم ير في الدنيا بؤسا أبدا، ولا فقرا ولا فاقة، ولا آفة من آفات الدنيا، وكان من رفقاء أمير المؤمنين صلوات الله عليه (7).


(1) راجع ج 92، أبواب فضائل السور. (2) راجع ثواب الاعمال: 95، تفسير العياشي ج 2 ص 276. (3 و 4) راجع ثواب الاعمال: 99. (5) راجع ثواب الاعمال: 102. (6) راجع ثواب الاعمال: 103. (7) راجع ثواب الاعمال: 105.

[311]

15 - كتاب تأويل الايات الباهرة: نقلا عن كتاب محمد بن العباس بن ماهيار، عن حميد بن زياد، عن عبد الله بن أحمد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم ابن عبد الحميد، عن زيد الشحام قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام ليلة الجمعة فقال لي: اقرأ، فقرأت ثم قال: اقرأ فقرأت ثم قال لي: يا شحام أقرأ فانها ليلة قرآن، فقرأت حتى بلغت (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولاهم ينصرون) قال: هم، قال قلت: إلا من رحم، قال: نحن القوم الذين رحم الله، ونحن القوم الذين استثنى الله وإنا والله نغني عنهم. 16 - كتاب العروس: للشيخ الفقيه أبي محمد جعفر بن أحمد بن علي القمي - رحمه - الله باسناده عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: إن للجمعة ليلتين ينبغي أن يقرأ في ليلة السبت مثل ما يقرأ في عشية الخميس ليلة الجمعة. ومنه: باسناده عن أبي الصباح الكناني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اقرأ ليلة الجمعة في المغرب بسورة الجمعة وقل هو الله أحد، واقرأ في صلاة العتمة بسورة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى. وفي خبر آخر عن الصادق عليه السلام أنه قال: اقرأ في ليلة الجمعة وصلاة العتمة سورة الجمعة، وسورة الحشر. ومنه باسناده عن الباقر عليه السلام أنه قال: يستحب أن يقرأ في ليلة الجمعة في صلاة العتمة سورة الجمعة والمنافقين. ومنه باسناده عن الصادق عليه السلام قلت: ما أقرأ في ليلة الجمعة ؟ قال: اقرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر وقل هو الله أحد. ومنه باسناده عن عبد الله بن سنان عن الصادق عليه السلام قال: من صلى [المغرب] ظ ليلة الجمعة وبعدها أربع ركعات وقال في آخر سجدة من النوافل وإن فعل كل ليلة فهو أفضل (اللهم إني أسألك بوجهك الكريم، واسمك العظيم، أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تغفر لي ذنبي العظيم) سبع مرات ينصرف وقد غفر له. ومنه باسناده عن عبد صالح قال: من صلى المغرب ليلة الجمعة وبعدها أربع

[312]

ركعات ولم يتكلم حتى يصلي عشر ركعات يقرء في كل ركعة الحمدلله وقل هو الله أحد كانت [عدل] ظ عشر رقبات. قال الشيخ جعفر بن أحمد: جاء هذا الحديث هكذا والذي هو أفضل منه هو أن يجمع بين المغرب والعشاء الاخرة ليلة الجمعة ويصلي أربع ركعات بعد العتمة، ويؤخر الركعتين اللتين بعد العتمة من جلوس إلى أن يصلي ركعات المغرب ليكون قد ختمت الصلاة بوتر الليل. بيان: كذا فيما عندنا من نسخة الكتاب والظاهر عشر ركعات مكان أربع ركعات ولعله استدرك ذلك لخروج وقت النافلة ودخول وقت العشاء قبل الفراغ منها وقد سبق قول في ذلك وأنه يمكن القول بجواز فعل غير الرواتب في غير [وقت] ظ الفريضة إذا لم يخل بوقت فضيلة الفريضة. وقد رويت صلوات كثيرة بين الفرضين، مع أن تأخير العشاء أفضل والاحتياط فيما ذكروه، لكن الاتيان بها بعد الفرضين خروج عن النص، ولم أر نصا عاما في ذلك. 17 - كتاب العروس: باسناده قال الصادق عليه السلام: الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة بألف حسنات ويرفع له ألف درجة، وإن المصلي على محمد وآل محمد ليلة الجمعة يزهر نوره في السماوات إلى أن تقوم الساعة، وملائكة الله في السموات يستغفرون له، ويستغفر له الملك الموكل بقبر النبي عليه وآله السلام إلى أن تقوم الساعة. ومنه باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام إنه قال: من دعا لعشر من إخوانه الموتى في ليلة الجمعة أوجب الله له الجنة. ومنه باسناده عن السكني، عن جعفر، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تمثل ببيت شعر من الخنا ليلة الجمعة لم يقبل منه صلاة تلك الليلة، ومن تمثل في يوم الجمعة لم يقبل منه صلاة في يومه ذلك.

[313]

بيان: الخنا بالقصر الفحش من القول. 18 - كتاب العروس: باسناده، عن أبي سعيد الخدري قال: كان فيما أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله: عليا يا علي إن جامعت أهلك ليلة الجمعة فان الولد يكون حليما قوالا مفوها، وإن جامعتها ليلة الجمعة بعد العشاء الاخرة، فان الولد يرجى أن يكون من الابدال، وإن جامعتها بعد العصر يوم الجمعة، فان الولد يكون مشهورا معروفا عالما. ومنه باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قال بين ركعتي الفجر إلى الغداة يوم الجمعة (سبحان ربي العظيم وبحمده أستغفر الله ربي وأتوب إليه) مأة مرة بنى الله له مسكانا في الجنة. 19 - مصباح الانوار: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن فاطمة الصغرى، عن الحسين بن علي، عن أخيه الحسن صلوات الله عليهم قال: رأيت امي فاطمة قامت في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة حتى انفجر عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين وتسميهم وتكثر الدعاء لهم، ولا تدعو بشئ لنفسها فقلت: يا اماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بني الجار ثم الدار. 20 - رسالة الشهيد الثاني - ره -: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكثروا من الصلاة علي في الليلة الغراء، واليوم الازهر: ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فسئل كم الكثير ؟ فقال: إلى مائة وما زاد فهو أفضل. وروي أن من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت، وما زاد العتيق، ومن قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتا في الجنة، ومن قرأ ليلة الجمعة حم ويس أصبح مغفورا له، ومن قرأ سورة البقرة وآل عمران في ليلة الجمعة كان له من الاجر كما بين البيداء وعروبا فالبيداء الارض السابعة وعروبا السماء السابعة. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قال هذه الكلمات سبع مرات في

[314]

ليلة الجمعة فمات ليلته دخل الجنة، ومن قالها يوم الجمعة فمات في ذلك اليوم دخل الجنة من قال: اللهم ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وابن أمتك، وفي قبضتك وناصيتي بيدك، أمسيت على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يستحب إذا دخل وإذا خرج في الشتاء أن يكون في ليلة الجمعة. 21 - المقنعة: قال الصادق عليه السلام إن لله كرائم في عباده خصهم بها في كل ليلة ويوم جمعة، فأكثروا فيها من التهليل والتسبيح والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله (1). ومنه روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الصدقة ليلة الجمعة ويومها بألف والصلاة على محمد وآله ليلة الجمعة بألف من الحسنات، ويحط الله فيها ألفا من السيئات ويرفع فيها ألفا من الدرجات، وإن المصلي على محمد وآله ليلة الجمعة يتلا لانوره في السماوات إلى أن تقوم الساعة وإن ملائكة الله في السماوات يستغفرون له ويستغفر له الملك الموكل بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن تقوم الساعة (2). 22 - المحاسن: عن أبيه، عن القاسم روي في أكل الزمان كل ليلة الجمعة (3). 23 - المتهجد: روي في أكل الرمان في يوم الجمعة وليلته فضل كثير (4). 24 - جمال الاسبوع: باسنادي إلى الكليني عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن عذافر، عن عمر بن يزيد قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا عمر إنه إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر،


(1) المقنعة: 25. (2) المقنعة: 26. (3) المحاسن: 540 باسناده عن سعيد بن غزوان قال: كان أبو عبد الله (ع) يأكل الرمان كل ليلة جمعه. (4) مصباح المتهجد ص 197.

[315]

في أيديهم أقلام الذهب، وقراطيس الفضة، لا يكتبون إلى ليلة السبت إلا الصلاة على محمد وآل محمد صلى الله عليه وعليهم فأكثر منها، وقال لي: يا عمر إن من السنة أن تصلي على محمد وأهل بيته في كل جمعة ألف مرة وفي ساير الايام مائة مرة. وروى أحمد بن محمد بن يحيى، عن أبيه، عن محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسين، عن علي بن مهزيار، عن عثمان بن عيسى، عن سليمان، عن عبد صالح قال: من صلى المغرب ليلة الجمعة وصلى بعدها أربع ركعات ولم يتكلم حتى يصلي عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بالحمد والاخلاص كانت عدل عشر رقاب. 25 - جمال الاسبوع: قال: حدث أبو الحسين أحمد بن أحمد بن علي الكوفي، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن يحيى بن زكريا بن شيبان، عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة البطائني وحسين بن أبي العلا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أردت أن تصلي صلاة الليل في ليلة الجمعة قرأت في أول ركعة بام الكتاب وقل هو الله أحد، وفي الثانية بام الكتاب وقل يا أيها الكافرون وفي الثالثة بام الكتاب والم السجدة، وفي الركعة الرابعة بام الكتاب ويا أيها المدثر، وفي الركعة الخامسة بام الكتاب وحم السجدة، وإن لم تحسنها فاقرأ بالنجم، وفي الركعة السادسة بام الكتاب، وتبارك الذي بيده الملك، وفي الركعة السابعة بام الكتاب ويس، وفي الركعة الثامنة بام الكتاب والواقعة، وتوتر بالمعوذتين وقل هو الله أحد. المتهجد: وغيره عنه عليه السلام مرسلا مثله (1). 26 - جمال الاسبوع: ذكر دعاء نافلة الليل: روينا باسنادنا إلى الشيخ محمد ابن علي الكراجكى من كتابه في عمل يوم الجمعة فقال: إذا سلم المصلي من الركعتين


(1) مصباح المتهجد: 189.

[316]

الاولتين فليقل (اللهم صل على محمد وآل محمد الطاهرين أجمعين، وأعني على طاعتك ووفقني لعبادتك، اللهم يا إله جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، اجعل اليقين في قلبي والنور في بصرى، والنصيحة في صدري، وذكرك بالليل والنهار على لساني، و رزقا واسعا غير ممنون ولا محظور فارزقني، اللهم وسددني ما يرضيك عني). فإذا تم أربعا فليقل (اللهم صلى على محمد وآل محمد خاتم النيين وآله الطاهرين أجمعين، واجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين، سلما لاوليائك، وحربا لاعدائك نحب من أطاعك، ونعصى من خالفك، ونعصى من خالفك، اللهم هذا الدعاء وعليك التكلان في الاجابة، اللهم اجعل لي نورا في قلبي وصدري وسمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي وعظمي، ونورا يحيط بي، اللهم اهدني للرشاد، والطف لى بالسداد وأكفنى شر العباد، وارحمني يوم المعاد). فإذا تمم ستا فليقل (اللهم إنك أنت المفضل المنان، بديع السموات والارض ذو الجلال والاكرام، لاإله إلا أنت ذو الجود والانعام، صل على خير الانام، محمد رسولك وآله المعصومين الطاهرين الكرام، اللهم إني سائلك الفقير، وعبدك المستجير الخائف من عذابك، الراجى لفضلك وثوابك، فاجبر فقرى بنعمتك، واجبرني من كسرى برحمتك، وآمن خوفي بغفرانك، وحقق رجائي باحسانك. اللهم إني مستغفرك فاغفر لي، تائب إليك فتب على، اعف عن ذنوبي كلها قديمهاو حديثها، اللهم لاتجهد بلائي، ولا تشمت بى أعدائي، ولا تجعل النار مأواي). فإذا تمم الثمانية فليقل (اللهم صل على محمد رسولك الذى اصطفيت، وعلى الائمة الطاهرين أهل البيت، ولا تعدني في سوء استنقذتني منه أبدا، ولا تسلبني صالح ما أعطيتني أبدا، اللهم لك الحمد والمجد، أنت رب السماوات والارض، وما فيهن وما بينهن، اللهم إنك أنت الحق وقولك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك خاصمت وحاكمت، اللهم ادرء عني شر كل ذي شر، واصرف عني كل ضر.

[317]

اللهم صل على محمد وآل محمد الطاهرين أجمعين، وابدء بهم في كل خير، و اختم بهم الخير في كل خير، وأهلك عدوهم من الجن والانس من الاولين والاخرين يا أقدر القادرين). قال: ويستحب أن يقول في قنوته ليلة الجمعة: اللهم إني أسألك بفضل ليلة الجمعة وحرمتها وشرفها ومنزلتها، وبحق نبيك محمد صلى الله عليه وآله الطاهرين الدال عليها، والداعي إليها، والمعروف بها، والمنبه على واجبها أن تصلي على محمد وآل محمد الطاهرين خير الانام، وعلى أهل بيته البررة الكرام، وأن تجعلني من القوام الصوام، وحجاج بيتك الحرام، وزوار قبر نبيك محمد عليه وآله أفضل التحية والسلام، وقاصدي المشاهد العظام، اكفني شر الانام، وأجر أمري في الدين والدنيا على أحسن نظام. اللهم لك الحمد على ما هديتني إليه من معرفة حق هذه الليلة الشريفة ويومها ووفقتني له من ذكرك فيها، اللهم فاجعل دعائي فيها مجابا، وعملي مقبولا، و ذكرى لك فيها مرفوعا، ولا تسلبني ما عرفتني، وأدم لي ما أوليتني، واشملني بالسعادة ما أبقيتني، وارحمني إذا توفيتني. اللهم إني أسألك في هذه الليلة الشريفة مغفرة ماحية للمعاصي تؤمن أليم عقابك وتبشر بعظيم ثوابك، اللهم أشرك في صالح دعائي والدي وولدي وإخوانى فيك و أهلى، وعمنا برحمة منك جامعة، إنك ذو القدرة الواسعة. قال: وإن لم يتيسر له أن يورد هذا الدعاء على وتره فليدع به بعده. ذكر ما يدعى به بعد الوتر ليلة الجمعة من رواية الكراجكى قال: إذا فرغت من وترك فسبح التسبيح الذي تقدم ذكره وقل بعد الوتر: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، لك الملك ولك الحمد تحيى وتميت وتحيى وأنت الحي الذي لا يموت بيدك الخير إنك على كل شئ قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب، اللهم اغفر لنا

[318]

ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، وبلغنا به من الدنيا والاخرة آمالنا، واقض كل حاجة هي لنا بأيسر التيسير وأسهل التسهيل وأتم عافية وأحمد عاقبة. ثم تقول: (سبحانك ذي الملك والملكوت، سبحان ذي الملك القدوس) ثلاث مرات ففي ذلك فضل عظيم. ذكر الدعاء بعد ركعتي الفجر ليلة الجمعة: سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون، هو الله الذي لاإله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون، هو الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والارض وهو العزيز الحكيم. اللهم صل على من استنقذتنا به من الضلالة، وعلمتنا على يده بعد الجهالة سيدنا محمد رسولك ذي الانابة والدلالة، وعلى أهل بيته الطاهرين ذي الرياسة و العدالة، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين. بيان: قال الجوهري: المن القطع، ويقال النقص ومنه قوله تعالى: (لهم أجر غير ممنون) والمحظور المحروم أو الممنوع ((على واجبها) أي على ما يلزم من رعاية حرمتها والاتيان باعمالها الواجبة والمندوبة (خلق الازواج) أي الانواع والاصناف (مما تنبت الارض) من النبات والشجر (ومن أنفسهم) الذكر و الانثى (ومما لا يعلمون) أي أزواجا مما لم يطلعهم الله عليه ولم يجعل لهم طريقا إلى معرفته.

[319]

27 - جمال الاسبوع: الصلاة في ليلة الجمعة روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من قرأ في ليلة الجمعة أو يومها قل هو الله أحد مأتي مرة في أربع ركعات في كل ركعة خمسين مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر، ويسبح عقيبها فيقول: سبحان ذي العز الشامخ المنيف، سبحان ذي الجلال الباذخ العظيم، سبحان ذي الملك الفاخر القديم، سبحان من لبس البهجة والجمال، سبحان من تردى بالنور والوقار سبحان من يرى أثر النمل في الصفا، سبحان من يرى وقع الطير في الهواء، سبحان من هو هكذا ولا هكذا غيره. ثم يقول: اللهم إني أتوجه إليك بهم، وأسألك باسمك العظيم الذي أمرت إبراهيم عليه السلام أن يدعو به الطير فأجابته، وباسمك العظيم إلذي قلت للنار كوني بردا وسلاما على إبراهيم فكانت، وبحق أحب أسمائك إليك، وأشرفها وأعظمها إجابة وأنجحها طلبة، وبما أنت أهله ومستحقه ومستوجبه، وأتوسل إليك و أرغب إليك وأتصدق منك، وأستغفرك وأستمنحك وأتضرع إليك وأخضع لك واقر بسوء صنيعي وأتملقك والح عليك، وبكتبك التي أنزلتها على أنبيائك ورسلك صلواتك عليهم من التوراة والانجيل والزبور والقرآن العظيم من أولها إلى آخرها فان فيها اسمك الاعظم، وبما فيها من أسمائك العظمى أتقرب إليك وأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تفرج عن آل محمد وتقدم بهم إلى كل خير وتبدأ بهم فيه، و تفتح أبواب السماء لدعائي وترفع عملي في عليين، وتجعل في هذه الساعة وفي هذه الليلة فرجي، وتعطيني سؤلى في الدنيا والاخرة. يا من لا يعلم كيف هو وحيث هو وقدرته إلا هو، يا من سد السماء بالهواء ودحى الارض على الماء، واختار لنفسه خير الاسماء الحسنى، يامن سمى نفسه بالاسم الذي يقضي به حاجة من يدعوه، أسألك بهذا الاسم فلا شفيع أقوى منه، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تقضي حاجتي، وتسمع دعواتي، وبحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين وأوصيائهم صلواتك وسلامك عليهم، فيشفعوا لي إليك فشفعهم في ولا تردني خائبا لا إله إلا أنت، ثم سل حاجتك وقد روي أنها صلاة فاطمة الزهراء

[320]

عليها السلام. بيان: الشامخ الرفيع، المنيف المشرف، تردى أي جعلهما رداء كناية عن الاختصاص به، وقع الطير أي يعلم عند كون الطير في الهواء أن يقع ويسقط بعد نزوله، أو يعلم محل وقوعها على الاشجار في الهواء (أتوجه إليك بهم) الضمير راجع إلى أهل البيت عليهم السلام بقرينة المقام، أو كانت الصلاة عليهم قبل ذلك سقط عن قلم النساخ أو زيد (بهم) منهم (أتصدق منك) أي أطلب الصدقة (وأستمنحك) أي أطلب منحتك وعطائك. 28 - الجمال: ركعتان اخريان عنه صلى الله عليه وآله يقرأ في كل ركعة الحمد وآية الكرسي مرة مرة وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، ويقول في آخر صلاته ألف مرة: اللهم صل على النبي الامي، أعطاه الله شفاعة ألف نبي وكتب له عشر حجج وعشر عمر وأعطاه الله قصرا في الجنة كاؤسع مدينة في الدنيا. صلاة اخرى لهذه الليلة وهى صلاة حفظ القرآن رواها ابن عباس رضى الله عنه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا اعلمك كلمات فينفعك الله عز وجل بهن وينتفع بهن من علمهن، ويثبت ما تعلمته في صدرك ؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: إذا كان ليلة الجمعة فقم في الثلث الثالث من الليل، فان لم تستطع فقبل ذلك فصل أربع ركعات تقرأ في الركعة الاولى منهن فاتحة الكتاب وسورة يس وفي الثانية فاتحة الكتاب وتنزيل السجدة، وفي الثالثة فاتحة الكتاب وحم الدخان وفي الرابعة فاتحة الكتاب وتبارك الذي بيده الملك، فإذا فرغت من التشهد وسلمت فاحمد الله عزوجل وأثن عليه، وصل على بأحسن الصلاة ثم استغفر للمؤمنين ثم قل: اللهم ارحمنى بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني، وارحمني من أن أتكلف طلب ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللهم بديع السماوات و الارض، ذا الجلال والاكرام، والعز الذي لا يرام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبى حفظ كتابك كما علمتنيه، وارزقني أن أتلوه على النحو

[321]

الذى يرضيك عنى. اللهم بديع السموات والارض، ذا الجلال والاكرام والعز الذي لا يرام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصري، وأن تشرح به صدري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تستعمل به بدني فانه لا يعينني على الخير غيرك، ولا يؤتيه إلا أنت، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. افعل ذلك يا أبا الحسن ثلاث جمع أو خمسا أو سبعا. المكارم: صلاة لحفظ القرآن: صل ليلة الجمعة أو يومها أربع ركعات الاولى بفاتحة الكتاب ويس، والثانية حم الدخان والثالثة حم السجدة، والرابعة تبارك الذي بيده الملك، فإذا سلمت فاحمد الله وأثن عليه وصل على النبي وآله، واستغفر للمؤمنين مأة مرة ثم قل (اللهم ازجرني بترك معاصيك أبدا) إلى قوله: (من أن أتكلف) إلى قوله: (لاترام يا الله يا رحمن أسألك بجلالك وبنورك) إلى قوله (كتابك القرآن المنزل على رسولك وترزقني) إلى قوله: لا يرام يا الله يا رحمن أسألك بجلالك وبنورك) إلى قوله (بصري وتطلق لساني وتفرح به قلبي وتشرح به صدري و تستعمل به بدنى وتقويني على ذلك وتعينني عليه فانه لا يعين على الخير غيرك ولا يوفق إلا أنت) إلى آخر الدعاء (1). 29 - الجمال: صلاة اخرى ليلة الجمعة للحوائج آخر الليل أربع ركعات تقرأ في الاولى الحمد مرة ويس مرة، ثم تركع، فإذا رفعت رأسك من الركوع تقرأ وإذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون، تردد ذكرها مائة مرة وتقرأ في الثانية الحمد مرتين ويس مرة وتقنت وتركع وترفع رأسك وتقرأ المقدم ذكرها مائة مرة ثم تسجد فإذا فرغت من السجدتين تتشهد وتنهض إلى الثالثة من غير تسليم، فتقرأ الحمد ثلاث مرات ويس مرة، فإذا رفعت رأسك من الركوع تقرأ (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم)


(1) مكارم الاخلاق: 391، ومثله في قرب الاسناد ص 176 ط نجف.

[322]

مأة مرة، وتقرأ في الركعة الرابعة الحمد أربع مرات، ويس مرة، وتقرأ بعد الركوع (رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) فإذا سلمت سجدت واستغفرت الله مائة مرة، وتضع خدك الايمن على الارض وتصلي على محمد وآله مائة مرة وتضع خدك الايسر على الارض وتقرأ (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وتدعو بما شئت يستجاب لك إنشاء الله تعالى. صلاة الحاجة في ليلة الجمعة وليلة عيد الاضحى ركعتين تقرأ فاتحة الكتاب إلى إياك نعبد وإياك نستعين وتكرر ذلك مائة مرة وتتم الحمد ثم تقرأ قل هو الله أحد مأتي مرة في كل ركعة ثم تسلم وتقول لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، سبعين مرة، وتسجد وتقول مأتى مرة، يا رب يا رب، وتسأل كل حاجة. صلاة اخرى ليلة الجمعة ركعتين تقرأ: في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة مرة، والاخلاص خمس عشرة مرة، فإذا سلمت صليت على محمد وآله مأة مرة. صلاة اخرى ليلة الجمعة ركعتين في كل ركعة الحمد مرة وإذا زلزلت الارض زلزالها خمسين مرة. صلاة الخضر عليه السلام في ليلة الجمعة أربع ركعات بتسليمتين تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة ومائة مرة (وذالنون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين وافوض أمرى إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقيه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب) فإذا فرغت من صلاتك فقل مائة مرة لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم تسئل حاجتك فانها مقتضية إنشاء الله. صلاة اخرى ليلة الجمعة: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد سبعين مرة، فإذا فرغ من صلاته يقول أستغفر الله، سبعين مرة، فقيل يا رسول الله فما ثواب هاتين الركعتين ؟

[323]

قال: والذي بعثني بالحق نبيا إن جميع امتي لو دعالهم هذا المصلي بهذه الصلاة، وبهذا الاستغفار لاخذ لهم من الله الجنة بشفاعته، فيعطيه الله بكل حرف قرأ في هذا الاستغفار بعدد نجوم السماء دورا، في كل دار بعدد نجوم السماء قصور، في كل قصر بعدد نجوم السماء خزائن، في كل خزينة بعدد نجوم السماء أسرة، في كل سرير بعدد نجوم السماء فرش، وعلى كل فرش بعدد نجوم السماء وسايد، وبعدد نجوم السماء جوار، لكل جارية منهن بعدد نجوم السماء وصايف، وولدان، في كل بيت بعدد نجوم السماء صحايف، في كل صحيفة بعدد نجوم السماء ألوان الطعام، لا يشبه ريحه ولاطعمه بعضه بعضا، ويعطي الله كل هذا الثواب لمن صلى هاتين الركعتين. صلاة اخرى لهذه الليلة وهي صلاة الحاجة لامر الخوف تصوم الاربعاء والخميس والجمعة، وتصلي اثنتى عشرة ركعة تقرأ فيهن في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد عشر مرات، فإذا صليت أربع ركعات قلت: (اللهم يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، ويا محي العظام بعد الموت، وهي رميم، أسألك باسمك العظيم الاعظم، أن تصلي على محمد عبدك ورسولك وأهل بيته الطاهرين، وتعجل لي الفرج مما أنا فيه برحتمك يا أرحم الراحمين). بيان: (يا سابق الفوت) أي لا يسبقه فائت، ولا يخرج من قدرته ما هو بمعرض الفوت، أو يقتدم على الفوت ويغلب عليه فلا يعجزه فوت فائت. 30 - مهج الدعوات: رأيت في كتاب كنوز النجاح تأليف الفقيه أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي - ره - عن مولانا الحجة عجل الله فرجه ما هذا لفظه روى أحمد بن الدربي عن خزامة عن أبي عبد الله الحسين بن محمد البزوفري قال: خرج عن الناحية المقدسة: من كانت له إلى الله تعالى حاجة فليغتسل ليلة الجمعة بعد نصف الليل، ويأتي مصلاه ويصلي ركعتين يقرأ في الركعة الاولى الحمد فإذا بلغ إياك نعبد وإياك نستعين، يكررها مائة مرة، ويتمم في المأة إلى آخر السورة ويقرأ سورة التوحيد مرة واحدة ويسبح فيهما سبعة سبعة ويصلي الركعة الثانية على هيئة

[324]

الاولى، ويدعو بهذا الدعاء، فان الله تعالى يقضي حاجته البته كائنا ما كان إلا أن يكون في قطيعة رحم والدعاء: اللهم إن أطعتك فالمحمدة لك، وإن عصيتك فالحجة لك، منك الروح و منك الفرج، سبحان من أنعم وشكر، سبحان من قدر وغفر، اللهم إن كنت قد عصيتك فاني قد أطعتك في أحب الاشياء إليك وهو الايمان بك، لم أتخذ لك ولدا ولم أدع لك شريكا منا منك به على لامنا مني به عليك، وقد عصيتك يا إلهى على غير وجه المكابرة، ولا الخروج عن عبوديتك، ولا الجحود لربوبيتك، ولكن أطعت هواي وأزلني الشيطان، فلك الحجة على والبيان، فان تعذبني فبذنوبي غير ظالم، وإن تغفر لي وترحمني فانك جواد كريم يا كريم يا كريم... حتى ينقطع النفس. ثم يقول: يا آمنا من كل شئ، وكل شئ منك خائف حذر، أسألك بأمنك من كل شئ وخوف كل شئ منك، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعطيني أمانا لنفسي وأهلي وولدي وساير ما أنعمت به على، حتى لا أخاف أحدا ولا أحذر من شئ أبدا، إنك على كل شئ قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل. يا كافي إبراهيم نمرود، ويا كافي موسى فرعون، ويا كافي محمد صلى الله عليه وآله الاحزاب أسألك أن تصلى على محمد وآل محمد وأن تكفيني شر فلان بن فلان... فيستكفى شر من يخاف شره، فانه يكفى شره إنشاء الله تعالى. ثم يسجد ويسأل حاجته، ويتضرع إلى الله تعالى فانه ما من مؤمن ولا مؤمنة صلى هذه الصلاة ودعا بهذا الدعاء إلا فتحت له أبواب السماء للاجابة، ويجاب في وقته وليلته كائنا ما كان، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس (1). بيان: (فيستكفي) أي يدعو بكفاية شر من يخاف شره ويسميه ووالده. البلد الامين: من كتاب كنوز النجاح قال: خرج من الناحية المقدسة وذكر نحوه.


(1) مهج الدعوات: 366 - 368.

[325]

المكارم: عن البزوفري مرفوعا مثله (1). 31 - جمال الاسبوع: عن محمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن محمد بن الحسن الخطيب، عن الحسين بن علي بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن الجراح، عن سعيد بن عبد الكريم الواسطي، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يقرء في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد أربعين مرة لقيته على الصراط وصافحته ورافقته، ومن لقيته على الصراط وصافحته كفيته الحساب والميزان. المتهجد: مرسلا مثله (2). 32 - الجمال: عن محمد بن علي بن شاذان، عن ميسرة بن علي، عن الحسين ابن علي الطنافسي، عن أبيه، عن عبد الله بن الجراح، عن المحاربي، عن سليمان الفزاري، عن عمر بن عبد الله مولى عقبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء الاخرة عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة منها بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد عشر مرات، حفظه الله تعالى في أهله وماله ودينه ودنياه وآخرته. المتهجد: مرسلا مثله (3). 33 - الجمال: عن علي بن عبد الرحمن بن عيسى، عن الحسين بن سليمان ابن منصور، عن أحمد بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن أحمد بن سهيل الوراق، عن عبد الله بن داود، عن ثابت بن حماد، عن المختار، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب وإذا زلزلت خمس عشرة مرة آمنه الله تعالى من عذاب القبر ومن أهوال يوم القيامة. المتهجد: مرسلا مثله (4).


(1) مكارم الاخلاق. 390 - 391. (2 - 4) مصباح المتهجد: 180.

[326]

رسالة الشهيد الثاني: في أعمال الجمعة، عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وآله مثله. 34 - الجمال: عن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أحمد بن الحسن، عن محمد ابن الحسن الاجرى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسن البلخي، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي حفص، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى ليلة الجمعة أو يومها أو ليلة الخميس أو يومه أو ليلة الاثنين أو يومه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب سبع مرات وإنا أنزلناه في ليلة القدر مرة، ويفصل بينهما بتسليمة، فإذا فرغ منها يقول مائة مرة اللهم صل على محمد وآل محمد، ومائة مرة اللهم صل على محمد وعلى جبرئيل، أعطاه الله سبعين ألف قصر في كل قصر سبعون ألف بيت في كل بيت سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف جارية. المتهجد: مرسلا مثله (1). 35 - الجمال: عن أبي الفضل محمد بن عبد الله، عن محمد بن أحمد بن إسماعيل الادمي، عن أحمد بن منصور الرمادي، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن جابر، عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من صلى ليلة الجمعة أربع ركعات لا يفرق بينها يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وسورة الجمعة مرة و المعوذتين عشر مرات وقل هو الله أحد عشر مرات، وآية الكرسي وقل يا أيها الكافرون مرة، ويستغفر الله في كل ركعة سبعين مرة، ويصلي على النبي وآله سبعين مرة، ويقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم، سبعين مرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وقضى الله تعالى له سبعين حاجة من حوائج الدنيا، وسبعين حاجة من حوائج الاخرة، وكتب له ألف حسنة ومحى عنه ألف سيئة وأعطى جميع ما يريد، وإن كان عاقا لوالديه غفر له.


(1) مصباح المتهجد: 181. (*)

[327]

المتهجد: مرسلا مثله إلى قوله وما تأخر ثم قال: إلى آخر الخبر (1). 36 - الجمال: عن علي بن عبد الرحمن بن عيسى، عن الحسين بن سليمان عن محمد بن حامد، عن محمد بن السرى، عن علي بن داود، عن عبد الرحمن بن بشير عن أبي مورد، عن سليمان بن هشام، عن ابن عمرو أبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قرأ في ليلة الجمعة أو يومها قل هو الله أحد مأتي مرة في أربع ركعات في كل ركعة خمسين مرة غفرت ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر. المتهجد: مرسلا مثله (2). 37 - الجمال: عن محمد بن علي القزويني، عن أحمد بن محمد بن زمرة، عن الحسن بن أيوب، عن علي بن محمد الطيالسي، عن عبد الله بن الجراح، عن المحاربي عن أبي بكر المدني، عن سلمان بن محمد، عن مطلب بن حنطب، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من صلى ليلة الجمعة أربع ركعات يقرأ فيها قل هو الله أحد ألف مرة في كل ركعة مائتين وخمسين مرة، لم يمت حتى يرى الجنة أو ترى له. 38 - الجمال: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من صلى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة قل هو الله أحد خمسين مرة ويقول في آخر صلاته (اللهم صل على النبي العربي وآله) غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكأنما قرأ القرآن اثني عشر ألف مرة، ورفع الله عنه يوم القيامة الجوع والعطش، وفرج الله عنه كل هم و حزن، وعصمه من إبليس وجنوده، ولم تكتب عليه خطيئة البتة، وخفف الله عليه سكرات الموت، فان مات في يومه أو ليلته مات شهيدا، ورفع عنه عذاب القبر، ولم يسأل الله شيئا إلا أعطاه، وتقبل صلاته وصيامه، واستجاب دعاءه، ولم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بريحان من الجنة وشراب من الجنة. وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى ليلة الجمعة إحدى عشرة ركعة بتسليمة واحدة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مرة مرة، وقل أعوذ برب الفلق مرة، وقل أعوذ برب الناس مرة، فإذا فرغ من صلاته خر ساجدا وقال في سجوده


(1 - 2) مصباح المتهجد: 181.

[328]

سبع مرات لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، دخل الجنة يوم القيامة من أي أبوابها شاء، ويعطيه الله تعالى بكل ركعة ثواب نبى من الانبياء، وبنى الله تعالى له بكل ركعة مدينة ويكتب الله له ثواب كل آية قرأها ثواب حجة وعمرة، وكان يوم القيامة في زمرة الانبياء عليهم السلام. المتهجد: مثل الخبرين مع اختصار في الفضل (1). 39 - الجمال: صلاة ليلاة الجمعة بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد عشر مرات.


(1) مصباح المتهجد ص 181.

[329]

4 - " (باب) " * " (أعمال يوم الجمعة وآدابه ووظائفه) " * 1 - الاقبال: روينا باسنادنا إلى الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ادع في العيدين والجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء: اللهم من تهيأ في هذا اليوم أو تعبأ أو أعد أو استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده ونوافله وفواضله وعطاياه، فان إليك يا سيدي تهيئتي وتعبئتي وإعدادي واستعدادي رجاء رفدك وجوائزك ونوافلك وفواضلك وعطائك، وقد غدوت إلى عيد من أعياد امة محمد صلوات الله عليه وآله ولم أفد إليك اليوم بعمل صالح أثق به قدمته، ولا توجهت بمخلوق أملته، ولكن أتيتك خاضعا مقرا بذنوبي، وإساءتي إلى نفسي فيا عظيم يا عظيم، اغفر لي العظيم من ذنوبي، فانه لا يغفر الذنوب العظام إلا أنت يا لا إله إلا أنت يا أرحم الراحمين (1). 2 - المتهجد: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الخير والشر يضاعفان يوم الجمعة فينبغي للانسان أن يستكثر من الخير فيه، ويتجنب الشر، والحجامة فيه مكروهة وروي جوازها. ومن أكيد السنن فيه الغسل ووقته من بعد طلوع الفجر إلى الزوال، وكلما قارب الزوال كان أفضل، فإذا أراد الغسل فليقل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله، اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، والحمد لله رب العالمين. ويستحب أن يقص أظفاره ويقول عند ذلك (بسم الله وبالله وعلى سنة رسول


(1) كتاب اقبال الاعمال: 280.

[330]

الله والائمة من بعده عليه وعليهم السلام. ويأخذ من شاربه ويقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وملة أمير المؤمنين والاوصياء عليهم السلام. وينبغي أن يمس شيئا من الطيب جسده، ويلبس أطهر ثيابه، فإذا تهيأ للخروج إلى الصلاة قال: اللهم من تهيأ في هذا اليوم إلى آخر ما مر برواية السيد (1). 3 - المتهجد وجمال الاسبوع: ويستحب زيارة النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام في يوم الجمعة، روي عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: من أراد أن يزور قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين و قبور الحجج عليهم السلام وهو في بلده فليغتسل في يوم الجمعة وليلبس ثوبين نظيفين وليخرج إلى فلاة من الارض ثم يصلي أربع ركعات يقرء فيهن ما تيسر من القرآن، فإذا تشهد وسلم فليقم مستقبل القبلة وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك أيها النبي المرسل، والوصي المرتضى، والسيدة الكبرى والسيدة الزهراء، والسبطان المنتجبان والاولاد الاعلام، والامناء المنتجبون، جئت انقطاعا إليكم وإلى آبائكم، و ولدكم الخلف، على بركة الحق، فقلبي لكم مسلم، ونصرتي لكم معذة، حتى يحكم الله لدينه، فمعكم معكم لا مع عدوكم، إني لمن القائلين بفضلكم، مقر برجعتكم، لا انكرلله قدرة، ولا أزعم إلا ما شاء الله، سبحان الله ذي الملك والملكوت، يسبح لله بأسمائه جميع خلقه، والسلام على أرواحكم وأجسادكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وفي رواية اخرى: افعل ذلك على سطح دارك (2). أقول: ثم أورد الشيخ قدس سره زيارة اخرى للحسين عليه السلام أوردتها في


(1) مصباح المتهجد: 188 - 189. (2) مصباح المتهجد: 200.

[331]

كتاب المزار (1) مع غيرها وشرح جميعها ولم نوردها ههنا لعدم ظهور الاختصاص بيوم الجمعة من روايتها. 4 - المتهجد: وروي الترغيب في صومه إلا أن الافضل أن لا يتفرد بصومه إلا بصوم يوم قبله، وروي في أكل الرمان فيه وفي ليلته فضل كثير، ويكره السفر فيه ابتداء ويستحب الاكثار فيه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وإن تمكن من ذلك ألف مرة كان له ثواب كثير. ويستحب عقيب الفجر يوم الجمعة أن يقرأ مائة مرة قل هو الله أحد، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله مائة مرة، وأن يستغفر الله مائة مرة، ويقرة سورة النساء وسورة هود والكهف والصافات والرحمن ويقول: اللهم اجعل صلواتك و صلوات ملائكتك ورسلك على محمد وآل محمد، ويقول اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم. ويستحب أن يدعو أيضا بهذا الدعاء: اللهم إني تعمدت إليك بحاجتي، و أنزلت بك اليوم فقري وفاقتي ومسكنتي، وأنا لمغفرتك أرجا مني لعملي، ولمغفرتك ورحمتك أوسع من ذنوبي، فتول قضاء كل حاجة لي بقدرتك عليها، وتيسر ذلك عليك ولفقري إليك، فاني لم اصب خيرا قط إلا منك، ولم يصرف عني سوءا قط أحد غيرك، ولست أرجو لاخرتي ودنياى غيرك ولا ليوم فقرى يوم يفردنى الناس في حفرتي، وافضى إليك بذنبي سواك (2). 5 - جمال الاسبوع: حدث أبو الحسين محمد بن هارون التلعكبري، عن أحمد بن محمد بن عياش، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن بعض أصحابه، عن إسماعيل بن منصور الزبالي، عن أبي ركاز قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من قال يوم الجمعة حين يصلي الغداة قبل أن يتكلم وحدث به أيضا أبو المفضل محمد بن عبد الله بن مطلب عن حميد بن زياد، عن علي بن


(1) راجح ج 101 ص 368 - 369. (2) مصباح المتهجد ص 197.

[332]

بزرج الحناط، عن محمد بن جعفر المكفوف، عن إسماعيل بن منصور، عن أبي ركاز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قال يوم الجمعة حين يصلي الغداة قبل أن يتكلم: اللهم ما قلت في جمعتي هذه من قول أو حلف فيها من حلف أو نذرت فيها من نذر فمشيتك بين يدي ذلك كله، فما شئت منه أن يكون كان، وما لم تشأ منه لم يكن، اللهم اغفر لي وتجاوز عني، اللهم من صليت عليه فصلواتي عليه، ومن لعنت فلعنتي عليه. كان كفارة من جمعة إلى جمعة، وزاد فيه مصنف كتاب جامع الدعوات: ومن قالها في كل جمعة وفي كل سنة كانت كفارة لما بينهما، وزاد أبو المفضل في آخر الدعاء: وإن شئت قرأت كل جمعة كان من الجمعة إلى الجمعة، ومن شهر إلى شهر ومن سنة إلى سنة. ومنه: قال: حدث أبو عبد الله أحمد بن محمد الجوهري قال كتب إلى محمد بن أحمد بن سنان يقول: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده محمد بن سنان قال: قال لي العالم عليه السلام: يا محمد بن سنان هل دعوت في هذا اليوم بالواجب من الدعاء ؟ وكان يوم الجمعة، فقلت: وما هو يا مولاى ؟ قال: تقول: السلام عليك أيها اليوم الجديد المتبارك الذي جعله الله عيدا لاوليائه المطهرين من الدنس، الخارجين من البلوى، المكرورين مع أوليائه، المصفين من العكر، الباذلين أنفسهم في محبة أولياء الرحمن تسليما، السلام عليكم سلاما دائما أبدا. وتلتفت إلى الشمس وتقول: السلام عليك أيتها الشمس الطالعة، والنور الفاضل البهى اشهدك بتوحيدي الله لتكوني شاهدي إذا ظهر الرب لفصل القضاء في العالم الجديد. اللهم إني أعوذ بك وبنور وجهك الكريم أن تشوه خلقي، وأن تردد روحي في العذاب، بنورك المحجوب عن كل ناظر، نور قلبي، فاني أنا عبدك وفي قبضتك، ولارب لي سواك، اللهم إني أتقرب إليك بقلب خاضع، وإلى وليك ببدن خاشع وإلى الائمة الراشدين بفؤاد متواضع، وإلى النقباء الكرام والنجباء الاعزة بالذل

[333]

وأرغم أنفي لمن وحدك، ولا إله غيرك، ولا خالق سواك، واصغر خدي لاوليائك المقربين، وأنفي عنك كل ضد وند، فاني أنا عبدك الذليل المعترف بذنوبي أسئلك يا سدي حطها عني، وتخليصى من الادناس والارجاس، إلهى وسيدي قد انقطعت عن ذوي القربي، واستغنيت بك عن أهل الدنيا، متعرضا لمعروفك، أعطني من معروفك معروفا تغنيني به عمن سواك. بيان: لعل المراد بالاولياء أولا الشيعة، أو خواصهم، والدنس سوء العقايد والبلوى الافتتان والكر الرجوع، يقال كره وكر بنفسه يتعدى ولا يتعدى وهو إشارة إلى الرجعة، والعكر بالتحريك دردى الزيت وغيره، استعير هنا للعقايد والاعمال الردية، واصغر بالغين المعجمة أي اذلل، وفي بعض النسخ بالمهملة، وهو لا يناسب المقام، وإن ناسب الخد لانه بمعنى إمالة الخد تكبرا إلا أن يراد به إماة الوجه عن أعدائهم لهم وبسببهم. 6 - الجمال: حدثني الجماعة الذين قدمت أسماءهم باسنادهم إلى محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن زيد أبي اسامة الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من عمل يوم الجمعة أفضل من الصلوات على محمد وآل محمد، ولو مائة مرة ومرة، قال: قلت كيف اصلي عليهم ؟ قال: تقول: اللهم اجعل صلواتك وصلوات ملائكتك وأنبيائك ورسلك وجميع خلقك على محمد وأهل بيت محمد عليه وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته. 7 - البلد: روي أن من قرأ الجحد عشرا قبر طلوع الشمس من يوم الجمعة ودعا استجيب له. 8 - من أصل قديم من مؤلفات قدمائنا، فإذا صليت الفجر يوم الجمعة، فابتدئ بهذه الشهادة، ثم بالصلاة على محمد وآله وهي هذه: اللهم أنت ربي ورب كل شئ، وخالق كل شئ آمنت بك وبملائكتك وكتبك ورسلك، وبالساعة والبعث والنشور، وبلقائك والحساب ووعدك ووعيدك وبالمغفرة والعذاب، وقدرك وقضائك، ورضيت بك ربا، وبالاسلام دينا، و

[334]

بمحمد صلى الله عليه وآله نبيا، وبالقرآن كتابا وحكما، وبالكعبة قبلة، وبحججك على خلقك حججاو أئمة، وبالمؤمنين إخوانا، وكفرت بالجبت والطاغوت، وباللات والعزى، وبجميع ما يعبد دونك، واستمسكت بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم. وأشهد أن كل معبود من لدن عرشك إلى قرار الارضين السابعة سواك باطل لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، كنت قبل الايام والليالي، وقبل الازمان و الدهور، قبل كل شئ إذ أنت حي قبل كل حي وحي بعد كل حي، تباركت وتعاليت في عليائك وتقدست في أسمائك لا إله غيرك، ولارب سواك، وأنت حي قيوم ملك قدوس متعال أبدا، لانفاد لك ولا فناء ولا زوال ولاغاية ولا منتهى. لا إله في السموات والارضين إلا أنت تعظمت حميدا، وتحمدت كريما وتكبرت رحيما، وكنت عزيزا قديما، قديرا مجيدا، تعاليت قدوسا رحيما قديرا وتوحدت إلها جبارا قويا عليا عليما عظيما كبيرا، وتفردت بخلق الخلق كلهم فما خالق بارئ مصور متقن غيرك، وتعاليت قاهرا معبودا مبدئا معيدا منعما مفضلا جوادا ماجدا رحيما كريما. فأنت الرب الذى لم تزل ولا تزال وتضرب بك الامثال، ولا يغيرك الدهور، ولا يفنيك الزمان ولا تداولك الايام، ولا يختلف عليك الليالي ولا تحاولك الاقدار، ولا تبلغك الاجال، لا زوال لملكك ولا فناء لسلطانك، ولا انقطاع لذكرك ولا تبديل لكماتك، ولا تحويل لسنتك، ولاخلف لوعدك، ولا تأخذك سنة ولانوم و لا يمسك نصب ولا لغوب. فأنت الجليل القديم الاول الاخر الباطن الظاهر القدوس عزت أسماؤك، و جل ثناؤك، ولا إله سواك، وصفت نفسك أحدا صمدا فردا لم تتخذ صاحبة ولا ولدا لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد.

[335]

أنت الدائم في غير وصب ولا نصب، لم تشغلك رحمتك عن عذابك، ولا عذابك عن رحمتك، خلقت خلقك من غير وحشة بك إليهم، ولا انس بهم، وابتدعتهم لامن شئ كان ولا بشئ شبهتهم. لا يرام عزك، ولا يستضعف أمرك، لاعز لمن أذللت، ولاذل لمن أعززت، أسمعت من دعوت، وأجبت من دعاك. اللهم اكتب شهادتي هذه واجعلها عهدا عندك توفنيه يوم تسئل الصادقين عن صدقهم، وذلك قولك (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) اللهم إنى أتوجه إليك بمحمد نبيك صلى الله عليه وآله، وبايماني به، وبطاعتي له، وتصديقي بما جاء به من عندك، فنزل به الروح الامين من وحيك على محمد نبي الرحمة، القائد إلى الرحمة، الذي بطاعته تنال الرحمة، وبمعصيته تهتك العصمة صلى الله عليه وآله ورحم وكرم. يا داحي المدحوات، ويا باني المسموكات، ويا مرسى المرسيات، ويا جبار السماوات، وخالق القلوب على فطرتها شقيها وسعيدها، وباسط الرحمة للمتقين اجعل شرايف صلواتك، ونوامى بركاتك، ورأفة تحننك وعواطف زواكي رحمتك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما اغلق، والخاتم لما سبق، ومظهر الحق بالحق ودامغ الباطل كما حملته فاضطلع بأمرك، محتملا لطاعتك، مستوفزا في مرضاتك غيرنا كل في قدم، ولا واهن في عزم، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبس القابس وبه هديت القلوب بعد خوضات الفتن، وأقام موضحات الاعلام، ومنيرات الاسلام، ونائرات الاحكام. فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة ورسولك رحمة، فافسح له مفسحا في عدلك، وأجزه مضعفات الخير من فضلك مهنات غير مكدرات من فوز فوائدك المحلول وجزيل عطائك الموصول. اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نزله ومثواه وأتمم له نوره وأرناه بابتعاثك إياه مرضى المقالة، مقبول الشهادة، ذا منطق عدل، وخطة فصل

[336]

وحجة وبرهان عظيم الجزاء. اللهم اجعلنا شافعين مخلصين، وأولياء مطيعين، ورفقاء مصاحبين، أبلغه منا السلام، وأوردنا عليه وأورد عليه منا السلام. اللهم إني أشهدو الشهادة حظي، والحق علي أن محمدا عبدك ورسولك ونبيك وصفيك ونجيك وأمينك ونجيبك وحبيبك، وصفوتك من خلقك، وخليلك و خاصك وخالصتك، وخيرتك من بريتك، النبي الذي هديتنا به من الضلالة، وعلمتنا به من الجهالة، وبصرتنا به من العمى، وأقمتنا به على المحجة العظمى، وسبيل التقوى، وأخرجتنا به من الغمرات، وأنقذتنا به من شفا جرف الهلكات. أمينك على وحيك، ومستودع سرك وحكمتك، ورسولك إلى خلقك، وحجتك على عبادك، ومبلغ وحيك، ومؤدي عهدك، وجعلته رحمة للعالمين، ونورا يستضئ به المؤمنون، يبشر بالجزيل من ثوابك، وينذر بالاليم من عقابك. فأشهد أنه قد جاء بالحق من عندك، وعبدك حتى أتاه اليقين من وعدك، وأنه لسانك في خلقك، وعينك والشاهد لك، والدليل عليك، والداعى إليك والحجة على بريتك، والسبب فيما بينك وبينهم. وإنه قد صدع بأمرك، وبلغ رسالتك، وتلا آياتك، وحذر أيامك وأحل حلالك وحرم حرامك، وبين فرايضك، وأقام حدودك وأحكامك، وحض على عبادتك، وأمر بطاعتك، وائتمر بها، ونهى عن معصيتك، وانتهى عنها، ودل على حسن الاخلاق وأخذ بها، ونهى عن مساوي الاخلاق واجتنبها، ووالى أولياءك قولا وعملا، وعادى أعداءك قولا وعملا، ودعا إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة. وأشهد أنه لم يكن ساحرا ولا مسحورا، ولا شاعرا ولا مجنونا، ولا كاهنا و لا أفاكا ولا جاحدا ولا كذابا ولا شاكاو لامرتابا وأنه رسولك وخاتم النبيين جاء بالوحي من عندك، وصدق المرسلين.

[337]

وأشهد أن الذين كذبوه ذائقوا العذاب الاليم، وأن الذين آمنوا به واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المتقون. اللهم صل على محمد وآله أفضل وأشرف وأكمل وأكبر وأطيب وأطهر وأتم وأعم وأزكى وأنمى وأحسن وأجمل وأكثر ما صليت على أحد من الاولين والاخرين إنك حميد مجيد. اللهم صل على محمد حيا، وصل على محمد ميتا، وصل على محمد مبعوثا، و صل على روحه في الارواح الطيبة، وصل على جسده في الاجساد الزاكية. اللهم شرف بينانه، وكرم مقامه، وأضئ نوره، وأبلغه الدرجة الوسيلة عندك في الرفعة والفضيلة، وأعطه حتى يرضى وزده بعد الرضى، وابعثه مقاما محمودا، اللهم صل عليه بكل منقبة من مناقبه، وموقف من مواقفه، وحال من أحواله رأيته لك فيها ناصرا، وعلى مكروه بلائه صابرا، صلاة تعطيه بها خصائص من عطائك، وفضائل من حبائك، تكرم بها وجهه، وتعظم بها خطره، وتنمي بها ذكره، وتفلج بها حجته، وتظهر بها عذره، حتى تبلغ به أفضل ما وعدته من جزيل جزائك، وأعددت له من كريم حبائك، وذخرت له من واسع عطائك. اللهم شرف في القيامة مقامه، وقرب منك مثواه وأعطه أعظم الوسائل، و أشرف المنازل، وعظم حوضه، وأكرم وارديه وكثرهم، وتقبل في امته شفاعته وفيمن سواهم من الامم، وأعطه سؤله في خاصته وعامته، وبلغه في الشرف والتفضيل أفضل ما بلغت أحدا من المرسلين، الذين قاموا بحقك، وذبوا عن حرمك، وأفشوا في الخلق إعذارك وإنذارك، وعبدوك حتى أتاهم اليقين. اللهم اجعل محمدا أفضل خلقك منك زلقى، وأعظمهم عندك شرفا، وأرفعهم منزلا وأقربهم مكانا، وأوجههم عندك جاها، وأكثرهم تبعا، وأمكنهم شفاعة، و أجزلهم عطية. اللهم صل على محمد وآله صلاة يثمر سناها، ويسمو أعلاها، وتشرق اولاها وتنمى اخريها، نبى الرحمة، والقائد إلى الرحمة، الذي بطاعته تنال الرحمة

[338]

وبمعصيته تهتك العصمة، وسلم عليه سلاما عزيزا يوجب كثيرا ويومن ثبورا أبدا إلى يوم الدين. وعلى آله مصابيح الظلام، ومرابيع الانام، ودعائم الاسلام، الذين إذا قالوا صدقوا، وإذا خرس المغتابون نطقوا، آثروا رضاك، وأخلصوا حبك، واستشعروا خشيتك، ووجلوا منك، وخافوا مقامك، وفزعوا من وعيدك، ورجوا أيامك، و هابوا عظمتك، ومجدوا كرمك، وكبروا شأنك، ووكدوا ميثاقك، وأحكموا عرى طاعتك، واستبشروا بنعمتك، وانتظروا روحك، وعظموا جلالك، وسددوا عقود حقك بموالاتهم من والاك، ومعاداتهم من عاداك، وصبرهم على ما أصابهم في محبتك، ودعائهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى سبيلك، ومجادلتهم بالتي هي أحسن من عاندك، وتحليلهم حلالك، وتحريمهم حرامك، حتى أظهروا دعوتك، وأعلنوا دينك وأقاموا حدودك، واتبعوا فرائضك، فبلغوا في ذلك منك الرضى، وسلموا لك القضاء، وصدقوا من رسلك من مضى، ودعوا إلى سبيل كل مرتضى. الذين من اتخذهم مآبا سلم، ومن استتر بهم جنة عصم، ومن دعاهم إلى المعضلات لبوه، ومن استعطاهم الخير آتوه، صلاة كثيرة زاكية نامية مباركة صلاة لاتحد ولا تبلغ نعتها، ولا تدرك حدودها، ولا يوصف كنهها، ولا يحصى عددها وسلام عليهم بانجاز وعدهم، وسعادة جدهم، وإسناد رفدهم، كما قلت (سلام على آل ياسين إنا كذلك نجزي المحسنين). اللهم اخلف فيهم محمدا أحسن ما خلفت أحدا من المرسلين في خلفائهم، والائمة من بعدهم حتى تبلغ برسولك وبهم كمال ما تقربه أعينهم في الدنيا والاخرة، مما لاتعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون، واجعلهم في مزيد كرامتك، وجزيل جزائك مما لاعين رأت، ولا اذن سمعت، وأعطهم ما يتمنون وزدهم بعد ما يرضون، وعرف جميع خلقك فضل محمد وآل محمد، ومنزلتهم منك، حتى يقروا بفضلك فضلهم وشرفهم، ويعرفوا لهم حقهم الذي أوجبت عليهم، من فرض

[339]

طاعتهم ومحبتهم، وابتاع أمرهم، واجعلنا سامعين لهم مطيعين، ولسنتهم تابعين، وعلى عدوهم من الناصرين، وفيما دعوا إليه ودلوا عليه من المصدقين. اللهم فانا قد أقررنا لهم بذلك، وبما أمرتنا به على ألسنتهم، ونشهد أن ذلك من عندك، وفبرضاهم نرجو رضاك، وبسخطهم نخشى سخطك. اللهم فتوفنا على ملتهم، واحشرنا في زمرتهم، واجعلنا ممن تقر عينه غدا برؤيتهم، وأوردنا حوضهم، وأسقنا بكأسهم، وأدخلنا في كل خير أدخلتهم فيه، وأخرجنا من كل سوء أخرجتهم منه، حتى نستوجب ثوابك، وننجو من عقابك، ونلقاك وأنت عنا راض، ونحن لك مرضيون، صلوات الله ربنا الرؤف الرحيم على نبينا وآله أجمعين. اللهم إنا نسألك بمحمد وآل محمد الموصوفين بمعرفتك، تقربا إليك بالمسألة وهربا منك غير بالغ في مسئلتي لهم معشار ما برحمتك أعتقد لهم، إلا التماس المناصحة لهم، وثواب موعودك، والتوجه إليهم بهم والشفاعة لنا منهم. اللهم إني أسألك لال محمد الماضين من أئمة الهدى أفضل المنازل عندك، و أحبها إليك من الشرف الاعلى، والمكان الرفيع من الدرجات العلى، يا شديد القوى، نفحة من عطائك التى لامن فيها ولا أذى. خصهم منك بالفوز العظيم، في النظرة والنعيم، والثواب الدائم المقيم، الذي لانصب فيه ولا يريم. اللهم أسكنهم الغرف المبنية، على الفرش المرفوعة والسرر المصفوفة متكئين عليها متقابلين، لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما، يا رب العالمين. اللهم ارفع محمدا في أعلى عليين، فوق منازل المرسلين، وملائكتك المقربين وجميع النبيين وصفوتك من خلقك أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم أجزهم بشكر نعمتك، وتعظيم حرمتك، جزاء لاجزاء فوقه، وعطاء لاعطاء مثله، وخلودا لا خلود يشاكله، ولا يطمع أحد في مثله، ولا يقدر أحد قدره، ولا تهتدي

[340]

الالباب إلى طلبه، نعمة لما شكروا من أياديك، وإرصادا لما صبروا على الاذى فيك. اللهم وعلى الباقي منهم فترحم، وما وعدتهم من نصرك فتمم، وأشياعهم من كل سوء سلم، وبهم يا رب العالمين جناح الكفر فحطم، وأموال الظلمة وليك فغنم، وكن لهم وليا وحافظا وناصرا، واجعلهم والمؤمنين أكثر نفيرا، وأنزل عليهم من السماء ملائكة أنصارا، وابعث لهم من أنفسهم لدماء أسلافهم ثارا، ولا تدع على الارض من الكافرين ديارا، ولا تزد الظالمين إلا خسارا. اللهم مد لال محمد وأشياعهم في الاجال، وخصهم بصالح الاعمال، ولا تجعلنا ممن تستبدل بهم الابدال، يا ذالجود والفعال. اللهم خص آل محمد بالوسيلة، وأعطهم أفضل الفضيلة، واقض لهم في الدينا بأحسن القضية، واحكم بينهم وبين عدوهم بالعدل والوفا، واجعلنا يا رب لهم أعوانا ووزراء، ولا تشمت بنا وبهم الاعداء. اللهم احفظ محمدا وآل محمد، وأتباعهم وأولياءهم بالليل والنهار من أهل الجحد والانكار، واكفهم حسد كل حاسد متكبر جبار، وسلطهم على كل ناكث ختار حتى يقضوا من عدوك وعدوهم الاوطار، واجعل عدوهم مع الاذلين والاشرار وكبهم رب على وجوههم في النار، إنك الواحد القهار. اللهم كن لوليك في خلقك وليا وحافظا وقائدا وناصرا حتى تسكنه أرضك طوعا، وتمتعه منها طولا، وتجعله وذريته فيها الائمة الوارثين، واجمع له شمله وأكمل له أمره، وأصلح له رعيته، وثبت ركنه، وافرغ الصبر منك عليه حتى ينتقم فيشتفى ويشفى حزازات قلوب نغلة، وحرارت صدور وغرة، وحسرات أنفس ترحة، من دماء مسفوكة، وأرحام مقطوعة [وطاعة] مجهولة قد أحسنت إليه البلاء، ووسعت عليه الالاء، وأتممت عليه النعماء، في حسن الحفظ منك له. اللهم اكفه هول عدوه، وأنسهم ذكره، وأرد من أراده، وكد من كاده، وامكر بمن مكر به، واجعل دائرة السوء عليهم، اللهم فض جمعهم، وفل حدهم، وأرعب

[341]

قلوبهم، وزلزل أقدامهم، واصدع شعبهم، وشتتت أمرهم، فانهم أضاعوا الصلاة وابتعوا الشهوات، وعملوا السيئات، واجتنبوا الحسنات، فخذهم بالمثلات وأرهم الحسرات، إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على جميع المرسلين والنبيين، الذين بلغوا عنك الهدى، و اعتقدوا لك المواثيق بالطاعة، ودعوا العباد بالنصيحة، وصبروا على مالقوا في جنبك من الاذى والتكذيب، وصل على أزواجهم وذراريهم وجميع أتباعهم من المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليهم جميعا ورحمة الله وبركاته. اللهم صل على ملائكتك المقربين، وأهل طاعتك أجمعين، صلاة زاكية نامية طيبة، وخص آل نبينا الطيبين السامعين لك، المطيعين القوامين بأمرك، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، وارتضيتهم لدينك، أنصارا، وجعلتهم حفظة لسرك، ومستودعا لحكمتك، وتراجمة لوحيك، وشهداء على خلقك، وأعلاما لعبادك، ومنارا في بلادك فانهم عبادك المكرمون، الذين لا يسبقونك بالقول وهم بأمرك يعملون، يخافون بالغيب وهم من الساعة مشفقون، بصلوات كثيرة طيبة زاكية مباركة نامية بجودك وسعة رحمتك من جزيل ما عندك في الاولين والاخرين واخلف عليهم في الغابرين. اللهم اقصص بنا آثارهم، واسلك بناسبلهم، وأحينا على دينهم، وتوفنا على ملتهم، وأعنا على قضاء حقهم الذي أوجبته علينا لهم، وتمم لنا ما عرفتنا من حقهم، والولاية لاوليائهم، والبراءة من أعدائهم، والحب لمن أحبوا، والبغض لمن أبغضوا، والعمل بما رضوا، والترك لما كرهوا، وكما جعلتهم السبب إليك، و السبيل إلى طاعتك، والوسيلة إلى جنتك، والادلاء على طرقك. اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم - تقوله ألف مرة إن قدرت عليه - وصلى الله على محمد وآل محمد وسلم، اللهم اجعل فرجى معهم يا أرحم الراحمين، ثم قل مائة مرة: صلوات الله وملائكته ورسله وجميع خلقه على محمد النبي وآل محمد

[342]

والسلام عليه وعليهم وعلى أرواحهم وأجسادهم ورحمة الله وبركاته. توضيح: (لاتحاولك الاقدار) أي لا تقصدك وتريدك التقديرات كالعباد يتوجه إليهم قضاياك وتقديراتك، والوصب المرض (مستوفزا) أي مهتما مستعجلا والوفز العجلة، واستوفز في قعدته انتصب فيها غير مطمئن وقد تهيأ للوثوب، وتوفز للشئ تهيأ. وفي النهاية في حديث علي عليه السلام غير ناكل في قدم أي في تقدم ويقال: رجل قدم إذا كان شجاعا، وقد يكون القدم بمعنى المتقدم، وقال: يقال: ورى الزند إذا خرجت ناره وأوراه غيره إذا استخرجه ومنه حديث علي عليه السلام حتى أورى قبسا لقابس، أي أظهر نورا من الحق لطالب الهدى انتهى. والمحلول صفة للفوز أو للفوائد، وذكر بتأويل لرعاية السجع وهو بمعنى الحال أو المحلل، ولعل فيه تصحيفا، وفي النهاية فيه أن يفصل الخطة أي إذا تزل به أمر مشكل فصله برأيه، الخطة الحال والامر والخطب انتهى. (وحذر أيامك) أي الايام التي ينزل فيها العقوبات على المجرمين في الدنيا والاخرة، والافاك الكذاب، والمرابيع الامطار التي تجئ في أول الربيع (لا يريم) أي لا يبرح ولا يزول (على الفرش المرفوعة) أي الرفيعة القدر أو المنضدة المرتفعة، وقيل هي النساء (لغوا) أي باطلا (ولا تأثيما) أي نسبة إلى إثم أي لا يقال لهم أثيم (إلا قيلا) أي قولا (سلاما سلاما)) بدل من (قيلا) كقوله تعالى (لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما) أو صفة له أو مفعوله بمعنى إلا أن يقولوا سلاما أو مصدر و التكرير للدلالة على فشو السلام بينهم. والارصاد الاعداد، والتحطيم التكسير، والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل هو جمع نفروهم المجتمعون للذهاب إلى العدو (ممن تستبدل بهم) أي تذهب بنالعدم قابليتنا لنصرة الحق وتأتي بغيرنا لذلك. وفي القاموس الفعال كسحاب اسم الفعل الحسن والكرم، أو يكون في الخير والشر، والوسيلة درجة للنبي صلى الله عليه وآله في القيامة تختص به، وقد مر شرحها في

[343]

أبواب المعاد، والختار الغدار، والاوطار جمع الوطر وهو الحاجة، والاؤتار جمع الوتر بالفتح وهو طلب الدم. ويقال: جمع الله شملهم أي ما تشتت من أمرهم، وقال الراغب في مفرداته أفرغت الدلو صببت ما فيه، ومنه استعير (أفرغ علينا صبرا) والاشتفاء والتشفي زوال ما في القلب من الغيظ، وشفاء الغيظ إزالته، وفي الصحاح الحزازة وجمع في القلب من غيظ ونحوه وقال نغل قلبه على أي ضغن، وقال الوغرة شدة توقد الحر، ومنه قيل في صدره على وغر بالتسكين أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ، وقال: الترح ضد الفرح. (وطاعة مجهولة) أي جهلهم بوجوب طاعتهم، وقال الراغب الدائرة عبارة عن الخط المحيط ثم عبر بها عن الحادثة، والدورة والدائرة في المكروه كما يقال: دولة في المحبوب، قال تعالى: (نخشى أن تصيبنا دائرة) وقوله عزوجل: (و يتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء) أي يحيط بهم السوء إحاطة الدائرة بمن فيها فلا سبيل لهم إلى الانفكاك منه بوجه. وقال الجوهرى الشعب الصدع في الشئ وإصلاحه أيضا، وشعبت الشئ فرقته وشعبته جمعته، وهو من الاضداد، تقول: التأم شعبهم إذا اجتمعوا بعد التفرق، و تفرق شعبهم إذا تفرقوا بعد الاجتماع، قال المثلة بفتح الميم وضم الثاء العقوبة، والجمع المثلات. (في جنبك) أي في طاعتك وقربك، والاعلام جمع العلم، وهو العلامة يهتدى بها في الطريق، والمنار أيضا علم الطريق، والموضع المرتفع توقد في أعلاه النار ليهتدي به من ضل الطريق، واستعيرا لهم لاهتداء الخلق بهم عليهم السلام. (بالغيب) حال عن الفاعل أو المفعول أي حال كونهم غائبين عن الخلق أو عن ربهم، أو حال كون ربهم غائبا عنهم، أو المراد بالغيب القلب، فالبلاء للالة (مشفقون) أي خائفون، وقوله: (بصلوات) متعلق بخص (في الاولين) أي خصهم بذلك من

[344]

بين الاولين والاخرين أو اجعل ذلك في الاولين منهم والاخرين (واخلف عليهم) أي كن خليفة محمد صلى الله عليه وآله أو من مضى من الائمة (في الغابرين) أي في الباقين منهم عليهم السلام وقد مر في باب صلاة الجنائز وجوه في شرح هذه الفقرة، وتصحيحها إذا أردت الاطلاع عليها فارجع إليه. 9 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري عن أبي عبد الله الرازي، عن محمد بن عبد الله، عن إبراهيم بن عقبة، عن زكريا، عن أبيه، عن يحيى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من قص أظافيره يوم الخميس وترك واحدة ليوم الجمعة نفى الله عنه الفقر (1). ثواب الاعمال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الاشعري مثله (2). 10 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أطرفوا أهاليكم في كل جمعة بشئ من الفاكهة واللحم حتى يفرحوا بالجمعة. وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا خرج في الصيف من بيت خرج يوم الخميس وإذا أراد أن يدخل البيت في الشتاء من البرد دخل يوم الجمعة. وقد روي أنه كان دخوله وخروجه يوم الجمعة (3). 11 - تفسير على بن ابراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) يقول اسعوا امضوا، ويقال: اسعوا اعملوا لها، وهو قص الشارب، ونتف الابط، وتقليم الاظافير، والغسل، ولبس أفضل ثيابك، وتطيب للجمعة، فهي السعي، يقول الله (ومن أراد الاخرة وسعى لها سعيها وهو


(1) الخصال ج 2 ص 29. (2) ثواب الاعمال ص 22. (3) الخصال ج 2 ص 29 - 30، والسند ساقط عن مطبوعة الحجر.

[345]

مؤمن) (1). 12 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن صالح بن عقبة، عن أبي كهمش قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: علمني دعاء أستنزل به الرزق، قال لي: خذ من شاربك وأظفارك، وليكن ذلك في يوم الجمعة (2). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن سعد مثله (3). 13 - الخصال وثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد ابن عيسى اليقطينى، عن أبي أيوب المديني، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: تقليم الاظفار يوم الجمعة يؤمن من الجذام والبرص والعمى وإن لم تحتج فحكها حكا. وقال أبو عبد الله عليه السلام: من قلم أظفاره وقص شاربه في كل جمعة ثم قال: (بسم الله وعلى سنة محمد وآل محمد) اعطي بكل قلامة وجزازة عتق رقبة من ولد إسماعيل (4). ومنه عن أبيه، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن محمد بن حسان، عن أبي محمد الرازي، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله من أنامله الداء، وأدخل فيه الدواء وروى أنه لا يصيبه جنون ولا جذام ولابرص (5). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي إلى


(1) تفسير القمى: 679، والاية في سورة الاسراء: 19. (2) الخصال ج 2 ص 30. (3) ثواب الاعمال ص 23. (4) الخصال ج 2 ص 30 ثواب الاعمال ص 23. (5) الخصال ج 2 ص 30.

[346]

قوله: الدواء (1). أعلام الدين: مرسلا مثله ومثل الحديث السابق. 14 - الخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد ابن أبي عبد الله، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن سليمان الجعفري قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: قلموا أظفاركم يوم الثلثا، واستحموا يوم الاربعا، و أصيبوا من الحجام حاجتكم يوم الخميس، وتطيبوا بأطيب طيبكم يوم الجمعة (2). العيون: عن أبيه وابن الوليد معا، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا عن محمد بن أحمد مثله (3). 15 - الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن معاوية بن حكيم، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: لا ينبغي للرجل أن يدع الطيب في كل يوم، فان لم يقدر عليه فيوم ويوم لا، فان لم يقدر ففي كل جمعة ولا يدع ذلك (4). العيون: عن أحمد بن محمد، عن العطار، عن أبيه، عن الاشعري مثله (5). 16 - الخصال: عن أبيه، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن موسى بن الفرات، عن علي بن مطر عن السكن الخزاز قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لله حق على كل محتلم في كل جمعة: أخذ شاربه وأظفاره، ومس شئ من الطيب (6). 17 - الخصال: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه


(1) ثواب الاعمال ص 22. (2) الخصال ج 2 ص 30. (3) عيون الاخبار ج 1 ص 279. (4) الخصال ج 2 ص 30. (5) عيون الاخبار ج 1 ص 279 - 280. (6) الخصال ج 2 ص 30.

[347]

عن ابن أبي عمير وعلي بن الحكم معا، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يريد أن يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة والصوم ونحو هذا، قال: يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة فان العمل يوم الجمعة يضاعف (1). ومنه: بهذا الاسناد، عن ابن أبي عمير، عن ابراهيم بن أبي البلاد عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أنشد بيت شعر يوم الجمعة فهو حظه من ذلك اليوم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم الشيخ يحدث يوم الجمعة بأحاديث الجاهلية فارموا رأسه ولو بالحصى (2). بيان: يدل على جواز النهي عن المكروه والزجر على تركه، ويمكن حمله على الاحاديث الكاذبة، أو على ما إذا كان النقل على وجه التفاخر بالاباء الكفرة. 18 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن أبن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كانت عشية الخميس وليلة الجمعة، نزلت ملائكة من السماء معها أقلام الذهب وصحف الفضة لا يكتبون عشية الخميس، وليلة الجمعة، ويوم الجمعة، إلى أن تغيب الشمس، إلا الصلاة على النبي وآله، صلى الله عليهم، ويكره السفر والسعي في الحوائج يوم الجمعة بكرة، من أجل الصلاه فأما بعد الصلاة فجايز يتبرك به (3). 19 - الخصال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب ابن يزيد، عن ابن أبى عمير، عن أبي أيوب الخزاز قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله) قال: الصلاة يوم الجمعة، والانتشار يوم السبت. وقال أبو عبد الله عليه السلام: اف للرجل المسلم إن لا يفرغ نفسه في الاسبوع يوم الجمعة لامر دينه فيسأل عنه (4). 20 - عن محمد بن علي بن الشاه، عن أبي بكر بن عبد الله النيشابوري


(1 - 4) الخصال ج 2 ص 31.

[348]

عن عبد الله بن أحمد بن عامر، عن أبيه وعن أحمد بن إبراهيم الخوزي، عن إبراهيم ابن مروان، عن جعفر بن محمد الفقيه، عن أحمد بن عبد الله الهروي وعن الحسين بن محمد الاشناني العدل، عن علي بن محمد بن مهرويه، عن داود بن سليمان كلهم عن الرضا، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام قال: السبت لنا، والاحد لشيعتنا، والاثنين لبني امية، والثلثا لشيعتهم، والاربعا لبني العباس، والخميس لشيعتهم، والجمعة لله تعالى ولساير الناس جميعا، وليس فيه سفر، قال الله تبارك وتعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله) يعنى يوم السبت (1). 21 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن النساء هل عليهن من التطيب والتزين في الجمعة و العيدين ما على الرجال ؟ قال: نعم (2). 22 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن العجوز والعائق هل عليهما من التطيب إلى آخر الخبر (3). 23 - الاحتجاج: كتب الحميري إلى القائم عليه السلام يسأله عن صلاة جعفر بن أبي طالب في أي أوقاتها أفضل أن تصلى فيه ؟ وهل فيها قنوت ؟ وإن كان ففي أي ركعة منها ؟ فأجاب عليه السلام أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة ثم في أي الايام شئت وأي وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز، والقنوت فيها مرتان في الثانية قبل الركوع وفي الرابعة بعد الركوع (4). 24 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله محمد بن قال: من وافق منكم يوم الجمعة فلا يشتغلن * (هامش *) (1) عيون الاخبار ج 2 ص 42، وليس فيه: (لله تعالى). (2) قرب الاسناد ص 100 ط حجر ص 133 ط نجف. (3) المسائل: البحار ج 10 ص 273. (4) الاحتجاج: 275.

[349]

بشئ غير العبادة، فان فيها يغفر للعباد وتنزل الرحمة (1). 25 - المحاسن: عن عبد الله بن محمد، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: كان علي عليه السلام يقول: أكثروا المسألة يوم الجمعة والدعاء، فان فيه ساعات يستجاب فيها الدعاء والمسألة ما لم تدعوا بقطيعة أو معصية أو عقوق، واعلموا أن الخير و الشر يضاعقان يوم الجمعة (2). ومنه: عن الحسن بن علي بن فضال، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الصدقة يوم الجمعة تضاعف، وكان أبو جعفر عليه السلام يتصدق بدينار (3). 26 - أقول: سيأتي مسندا في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: من قرأ سورة النساء في كل جمعة أمن من ضغطة القبر (4). وعن الباقر عليه السلام أنه قال: من قرأ سورة المائدة في كل خميس لم يلبس إيمانه بظلم، ولم يشرك أبدا (5). وعن الصادق عليه السلام أنه قال: من قرأ سورة الاعراف في كل جمعة كان ممن لا يحاسب يوم القيامة (6). وعن الباقر عليه السلام أنه قال: من قرء سورة هود في كل جمعة بعثه الله عزوجل يوم القيامة في زمرة النبيين، ولم يعرف لم خطيئة عملها يوم القيامة (7). وعن الصادق عليه السلام من قرأ سورة إبراهيم والحجر في ركعتين جميعا في كل


(1) ثواب الاعمال ص 34، وتراه في المقنعة: 25 مصباح المتهجد: 196. (2) المحاسن: 58. (3) المحاسن: 59. (4 - 5) تفسير العياشي ج 1 ص 215، ثواب الاعمال: 95. (6) تفسير العياشي ج 2: 2 ثواب الاعمال، 95. (7) تفسير العياشي ج 2 ص 139، ثواب الاعمال: 96.

[350]

جمعة لم يصبه فقر أبدا ولا جنون ولا بلوى (1). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سورة المؤمنين ختم الله له بالسعادة إذا كان يدمن قراءتها في كل جمعة، وكان منزله في الفردوس الاعلى مع النبيين والمرسلين (2). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سورة الصافات في كل يوم جمعة لم يزل محفوظا عن كل آفة، مدفوعا عنه كل بلية، في الحياة الدنيا، مرزوقا في الدنيا بأوسع ما يكون من الرزق، ولم يصبه الله في ماله ولا ولده ولا بدنه بسوء من شيطان رجيم، ولامن جبار عنيد، وإن مات في يومه أو في ليلته بعثه الله شهيدا وأماته شهيدا وأدخله الجنة مع الشهداء في درجة من الجنة (3). وعنه عليه السلام قال: من قرأ كل ليلة أو كل جمعة سورة الاحقاف لم يصبه الله بروعة في الحيوة الدنيا، وآمنه من فزع يوم القيامة إنشاء الله تعالى (4). 27 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد - آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو ابن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الخير والشر يضاعف يوم الجمعة (5). 28 - ومنه: بالاسناد عن البرقي، عن أبيه، عن سعدان، عن عبد الله بن سنان قال: أتى سائل أبا عبد الله عليه السلام عشية الخميس فسأله فرده، ثم التفت إلى جلسائه فقال: أما إن عندنا ما نتصدق عليه ولكن الصدقة يوم الجمعة تضاعف أضعافا (6). ومنه: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 222، ثواب الاعمال ص 97. (2) ثواب الاعمال: 98. (3) ثواب الاعمال: 101. (4) ثواب الاعمال: 103. (5) ثواب الاعمال: 128. (6) المصدر نفسه.

[351]

محبوب، عن أبي محمد الوابشي وابن بكير وغيره رووه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي عليه السلام أقل أهل بيته ومالا وأعظمهم مؤنة، قال: وكان يتصدق كل جمعة بدينار، وكان يقول: الصدقة يوم الجمعة تضاعف لفضل يوم الجمعة على غيره من الايام (1). ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن الحسن بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى على يوم الجمعة مائة مرة قضى الله له ستين حاجة منها للدنيا ثلاثون حاجة وثلاثون للاخرة (2). رسالة الشهيد الثاني: عن الكاظم عليه السلام مثله. 29 - جمال الاسبوع: باسناده عن زرارة والفضيل قالا قلنا: يجزي إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة ؟ قال: نعم. وبهذا الاسناد عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لا تدع الغسل يوم الجمعة فانه سنة، وشم الطيب، والبس صالح ثيابك، وليكن فراغك من الغسل قبل الزوال، فإذا زالت الشمس فقم وعليك السكينة والوقار، وقال: الغسل واجب يوم الجمعة. وباسناده إلى محمد بن جمهور العمي فيما رواه في كتاب الواحدة عن الباقر عليه السلام قال: من أخذ أظفاره وشاربه كل جمعة وقال حين يأخذه: بسم الله وبالله وعلى سنة محمد وآل محمد، لم يسقط منه قلامة ولاجزازة إلا كتب له بها عتق نسمة، ولم يمرض إلا المرضة التي يموت فيها. وباسناد له عن محمد بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أخذ الشارب و الاظفار وغسل الرأس بالخطمي يوم الجمعة ينفي الفقر، ويزيد في الرزق.


(1) ثواب الاعمال: 168. (2) ثواب الاعمال: 141.

[352]

وباسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أخذ من شاربه وقلم أظفاره وغسل رأسه بالخطمي يوم الجمعة كان كم أعتق نسمة. وباسناده عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: غسل الرأس بالخطمي يوم الجمعة أمان من البرص والجنون. وباسناده عن هشام بن الحكم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليتزين أحدكم يوم الجمعة يغتسل ويتطيب ويسرح لحيته، ويلبس أنظف ثيابه، وليتهيأ للجمعة، وليكن عليه في ذلك اليوم السكينة والوقار، وليحسن عبادة ربه، وليفعل الخيرما استطاع، فان الله يطلع على الارض ليضاعف الحسنات. قال: ونقلت من خط أبي الفرج بن أبي قرة، عن أحمد بن الجندي، عن عثمان بن أحمد بن السماك، عن أبي نصر السمرقندي، عن حسين بن حميد، عن زهير بن عباد، عن محمد بن عباد، عن أبي البخترى، عن جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه السلام في وصيته له: يا علي على الناس في كل يوم من سبعة أيام الغسل، فاغتسل في كل جمعة، ولو أنك تشترى الماء بقوت يومك وتطويه، فانه ليس شئ من التطوع أعظم منه. وباسناده عن أبي ولاد الحناط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من اغتسل يوم الجمعة فقال: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) كان طهرا له من الجمعة إلى الجمعة. 30 - مجالس الشيخ: عن محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان، عن أبي عبد الله محمد بن علي، عن محمد بن جعفر بن بطة، عن محمد بن الحسن، عن حمزة بن يعلى، عن محمد بن داود النهدي، عن علي بن الحكم، عن الربيع بن محمد المسلى، عن عبد الله بن سليمان، عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن زيارة القبور قال: إذا كان يوم الجمعة فزرهم، فانه من كان منهم في ضيق وسع عليه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع

[353]

الشمس، يعلمون بمن أتاهم في كل يوم، فإذا طلعت الشمس كانوا سدى قلت: فيعلمون بمن أتاهم فيفرحون به ؟ قال: نعم ويستوحشون له إذا انصرف عنهم (1). 31 - المحاسن: عن أيوب بن نوح، عن أحمد بن الفضل، عن درست عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أكل سبع ورقات هندباء يوم الجمعة قبل الزوال دخل الجنة (2). 32 - كتاب العروس: للشيخ الفقيه أبي محمد جعفر بن أحمد بن علي القمى باسناده عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة بعث الله الايام في صور يعرفها الخلق أنها الايام، ثم يبعث الله الجمعة أمامها يقدمها كالعروس ذات جمال وكمال تهدى إلى ذي دين ومال، قال: فتفف على باب الجنة والايام خلفها يشهد، ويشفع لكل من أكثر الصلاة فيه على محمد وآل محمد عليهم السلام، قيل له وكم الكثير من هذا وفي أي أوقات أفضل، قال: مائة مرة، وليكن ذلك بعد صلاة العصر قال: فكيف أقول: قال تقول: اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرجهم. ومنه باسناده عن أبي الصباح الكنانى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام اقرأ ليلة الجمعة في المغرب بسورة الجمعة وقل هو الله أحد، واقرأ في صلاة العتمة بسورة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى الذي خلق فسوى، وفي الفجر سورة الجمعة وقل هو الله أحد، و في الظهر سورة الجمعة والمنافقين، وفي العصر يوم الجمعة سورة الجمعة وقل هو الله أحد. جمال الاسبوع: باسناده عن الشيخ باسناده عن الكناني مثله. 33 - العروس وفي خبر آخر، عن الصادق عليه السلام أنه قال: اقرأ في ليلة الجمعة في صلاة العتمة سورة الجمعة وسورة الحشر. ومثه باسناده عن الباقر عليه السلام أنه قال: يستحب أن يقرأ في ليلة الجمعة في صلاة


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 300، وتراه مشروحا في ج 6 ص 256 من هذه الطبعة. (2) المحاسن: 510.

[354]

العتمة سورة الجمعة والمنافقين، وفي صلاة الفجر مثل ذلك، وفي صلاة الظهر مثل ذلك وفي صلاة العصر مثل ذلك. ومنه باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كانت عشية الخميس ليلة الجمعة نزلت الملائكة من السماء معها أقلام الذهب وصحف الفضة، لا يكتبون عشية الخميس وليلة الجمعة ويوم الجمعة إلى أن تغيب الشمس إلا الصلاة على محمد و آل محمد صلى الله عليه وآله. ومنه باسناده عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تمثل ببيت شعر من الخنا ليلة الجمعة لم تقبل منه صلاة تلك الليلة، ومن تمثل في يوم الجمعة لم تقبل منه صلاة في يومه ذلك. ومنه باسناده عن أبي سعيد الخدري قال: كان فيما أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام: يا علي إن جامعت أهلك ليلة الجمعة فان الوليد يكون حليما قوالا مفوها، وإن جامعتها ليلة الجمعة بعد عشاء الاخرة، فان الولد يرجى أن يكون من الابدال، وإن جامعتها بعد العصر يوم الجمعة فان الولد يكون مشهورا معروفا عالما. ومنه باسناده عن الرضا عليه السلام أنه قال: صل صلاة الغداة إذا طلع الفجر و أضاء حسنا، وصل صلاة الغداة يوم الجمعة إذا طلع الفجر في أول وقتها. ومنه باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: يجب أن تقرأ في دبر الغداة يوم الجمعة الرحمن ثم تقول كلما قلت فبأي آلاء ربكما تكذبان قلت لا بشئ من آلائك رب اكذب. ومنه عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام أنه قال: من قال يوم الجمعة بعد صلاة الغداة: اللهم اجعل صلوات ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك وسمائك وأرضك وأنبيائك ورسلك على محمد وآل محمد لم يكتب عليه ذنب سنة. ومنه باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر سلمان الفارسي رحمة الله عليه

[355]

بمقابر يوم الجمعة فوقف ثم قال: السلام عليكم يا أهل الديار، فنعم دار قوم مؤمنين يا أهل الجمع ! هل علمتم أن اليوم الجمعة ؟ قال: ثم انصرف فلما أن أخذ مضجعه أتاه آت في منامه، فقال له: يا أبا عبد الله إنك أتيتنا فسلمت علينا ورددنا عليك السلام، وقلت لنا يا أهل الديار هل علمتم أن اليوم الجمعة، وإنا لنعلم ما يقول الطير في يوم الجمعة، قال: يقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح، سبقت رحمتك غضبك، ما عرف عظمتك من حلف باسمك كاذبا. ومنه: باسناده عن ابن مريم قال: قال علي عليه السلام لايدخل الصائم الحمام، ولا يحتجم ولا يتعمد صوم يوم الجمعة إلا أن يكون من أيام صيامه. ومنه: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام إن في يوم الجمعة ساعة لايحتجم فيها أحد إلا مات. ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من السنة الصلاة على محمد وآل محمد ألف مرة وفي غير يوم الجمعة مائة مرة، ومن صلى على محمد وآل محمد في يوم جمعة مائة صلوات واستغفر مائة مرة، وقرء قل هو الله أحد مائة مرة غفر له البتة. ومنه عن الحسين بن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن آية الكرسي في لوح من زمرد أخضر مكتوب بمداد مخصوص بالله، ليس من يوم الجمعة إلا صك ذلك اللوح جبهة إسرافيل، فإذا صك جبهته سبح فقال سبحان من لا ينبغي التسبيح إلا له، ولا العبادة والخضوع إلا لوجهه، ذلك الله القدير الواحد العزيز، فإذا سبح سبح جميع من في السموات من ملك وهللوا، فإذا سمع أهل السماء الدنيا تسبيحهم قدسوا، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا دعا لقارئ آية الكرسي على التنزيل. قال جعفر بن محمد: كان سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام إذا أصبح لايقرأ غيرها حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس صلى فإذا فرغ من صلاته ابتدأ في سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر. قال عبد الله بن الحسن قالت امي فاطمة بنت الحسين رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في

[356]

النوم فقال لي: يا بنية لا تخسري ميزانك، وأقيمى وزنه وثقليه بقراءة آية الكرسي فما قرأها من أهلي أحد إلا ارتجت السموات والارض بملائكتها وقد سوا بزجل التسبيح والتهليل والتقديس والتمجيد، ثم دعوا بأجمعهم لقاريها يغفر له كل ذنب ويجاوز عنه كل خطيئة. وقال الصادق عليه السلام: كان علي بن الحسين عليه السلام يحلف مجتهدا أن من قرأها قبل زوال الشمس سبعين مرة فوافق تكملة سبعين زوالها غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فان مات في عامه ذلك مات مغفورا غير محاسب. الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولانوم له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى عالم الغيب والشهادة فلا يظهر على غيبه أحدا من ذا الذي يشفع عنده إلا باذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والارض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم لاإكراه في الدين - إلى قوله - هم فيها خالدون. ومنه باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اغتسل يوم الجمعة إلا أن تكون مريضا تخاف على نفسك. ومنه قال الصادق عليه السلام لا يترك غسل يوم الجمعة إلا فاسق، ومن فاته غسل يوم الجمعة فليقضه يوم السبت. ومنه عن زيد النرسي عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: غسل الرأس بالخطمى يوم الجمعة من السنة يدر الرزق، ولا يضر الفقر، ويحسن الشعر والبشرة، وهو أمان من الصداع. ومنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أخذ الشارب والاظفار وغسل الرأس بالخطمي يوم الجمعة ينفي الفقر ويزيد في الرزق. ومنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله من أنامله داء وأدخل فيه دواء، ولم يصبه جنون ولا جذام ولابرص، ومن أخذ من شاربه وقلم

[357]

أظفاره يوم الجمعة وقال حين يأخذه: بسم الله وبالله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله لم يسقط منه قلامة ولاجزازة إلا كتب الله له بها عتق نسمة، ولم يمرض إلا مرضه الذي يموت فيه. ومنه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من اغتسل يوم الجمعة وأحسن طهوره ولبس صالح ثيابه ومس من طيب أهله، ثم راح إلى الجمعة ولم يؤذ أحدا ولم يتخط رقاب الناس كان كفارة ما بينه وبين الجمعة الاخرى، وزيادة ثلاثة أيام إلى ما شاء الله من الاضعاف،، لان الله يقول (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (1) ويؤت من لدنه أجرا عظيما بعد العشر، وكان وافدا إلى نفسه وفيمن خلف إلى يوم القيمة. ومنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال حبيبي جبرئيل: تطيب يوم ويوم لا، ويوم الجمعة لابد منه، أولا يترك له، ليتطيب أحدكم ولو من قارورة امرأته فان الملائكة نستنشق أرواحكم وتمسح وجوهكم بأجنحتها للصف الاول ثلاثا، وما بقي فمسحة مسحة. ومنه باسناده عن الرضا عليه السلام قال: يستحب أن يقرأ في الركعتين الاخراوين من صلاة الظهر يوم الجمعة في كلتيهما: الحمدلله وقل هو الله أحد. ومنه روي عن الصادق عليه السلام قال: يقرأ في صلاة الظهر يوم الجمعة في الركعتين بسورة الجمعة والمنافقين ويقرأ في الاخريين بام الكتاب وقل هو الله أحد. بيان: الخبران نادران لم أرهما في غير هذا الكتاب ولم أرمن عمل بهما. 34 - رسالة الشهيد الثاني - ره - روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من جاء منكم الجمعة فليغتسل. وقال صلى الله عليه وآله: من اغتسل يوم الجمعة محيت ذنوبه وخطاياه، وإذا أخذ في المشي كتب له بكل خطوة عشرون حسنة. وكان علي عليه السلام إذا وبخ رجلا يقول له: والله لانت أعجز من تارك الغسل يوم


(1) الانعام: 160.

[358]

الجمعة، فانه لا يزال في طهر إلى يوم الجمعة الاخرى. وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم وأن يستن يعني يستاك، وأن يمس طيبا إن وجد. وكان صلى الله عليه وآله يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة. وعنه صلى الله عليه وآله: قال: لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويتدهن بدهن من دهنه ويمس من طيب بيته ويخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الامام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى. 35 - ومنها ومن المقنعة: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أخذ من شاربه وقلم أظفاره يوم الجمعة ثم قال: (بسم الله على سنة محمد وآل محمد) كتب الله له بكل شعرة وكل قلامة عتق رقبة ولم يمرض مرضا يصيبه إلا مرضت الموت (1). بيان: التخلف في بعض الموارد لعله لتخلف بعض الشرايط من الاخلاص و التقوى وغيرهما، وقد قال تعالى (وافوا بعهدي اوف بعهدكم) (2) أو هذا مشروط بالمصلحة. 36 - الرسالة: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أكثروا من الصلاة على في كل جمعة فمن كان أكثركم صلاة على كان أقربكم مني منزلة، ومن صلى على يوم الجمعة مائة مرة جاء يوم القيامة وعلى وجهه نور، ومن صلى على في يوم الجمعة ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة. وروى أن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام، و إن خرج الدجال عصم منه، ومن قرأحم الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى


(1) المقنعة: 26. (2) البقرة: 40.

[359]

الله له بيتا في الجنة ومن قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكه حتى تغيب الشمس. وعن النبي صلى الله عليه وآله أن في يوم الجمعة ساعة لايحتجم فيها أحد إلا مات. وعنه صلى الله عليه وآله أن للمجامع فيه أجرين اثنين أجر غسله وأجر غسل امرأته. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قال قبل صلاة الغداة يوم الجمعة ثلاث مرات: أستغفر الله الذي لا إله هو الحي القيوم وأتوب إليه) غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر. وعنه صلى الله عليه وآله من صلى الجمعة وصام يومه وعاد مريضا وشهد جنازة وشهد نكاحا وجبت له الجنة. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قال هذه الكلمات سبع مرات في ليلة الجمعة فمات ليلته دخل الجنة، ومن قالها يوم الجمعة فمات في ذلك اليوم دخل الجنة، من قال: اللهم ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وابن أمتك وفي قبضتك، وناصيتي بيدك، أمسيت على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وقال صلى الله عليه وآله: من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له وكتب برا. قال بعض الصالحين: إن الموتى يعلمون زوارهم يوم الجمعة، ويوما قبله، و يوما بعده. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قرأ يوم الجمعة بعد صلاة الامام قل هو الله أحد مائة مرة وصلى على النبي صلى الله عليه وآله مائة مرة، وقال سبعين مرة (اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك) قضى الله له مائة حاجة ثمانين من حوائج الاخرة، وعشرين من حوائج الدنيا. 37 - مجالس الصدوق: في خبر مناهي النبي صلى الله عليه وآله أنه نهي عن الحجامة يوم الاربعاء والجمعة (1).


(1) أمالى الصدوق: 255 س 19. (*)

[360]

38 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اقرأ في صلاة الغداة يوم الجمعة سورة الجمعة في الاولى وفي الثانية المنافقون، وروي قل هو الله أحد، واقنت في الثانية قبل الركوع (1). وعليكم بالسنن يوم الجمعة، وهي سبعة إتيان النساء، وغسل الرأس واللحية بالخطمي، وأخذ الشارب، وتقليم الاظافير، وتغيير الثياب ومس الطيب فمن أتى بواحدة من هذه السنن نابت عنهن، وهي الغسل، وأفضل أوقاته قبل الزوال، ولا تدع في سفر ولاحصر، وإن كنت مسافرا وتخوفت عدم الماء يوم الجمعة اغتسل يوم الخميس، فان الغسل يوم الجمعة تتميم لما يلحق الطهور في ساير الايام من النقصان (2). ويستحب يوم الجمعة صلاة التسبيح، وهي صلاة جعفر وصلاة أمير المؤمنين وركعتا الطاهرة عليها السلام، ولا تدع تسبيح فاطمة بعقب كل فريضة وهي المائة، والاستغفار بعقبها سبعين مرة، قبل أن تثني رجلك يغفر الله لك جميع ذنوبك إن شاء (3) وتقرأ في صلواتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقون، وسبح اسم ربك الاعلى، وإن نسيتها أو في واحدة منها فلا إعادة عليك، فان ذكرتها من قبل أن تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة، وإن لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك (4). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكثروا الصلاة على الليلة الغراء واليوم الازهر، [فقيل: وما الليلة الغراء و اليوم الازهر ؟] ظ فقال: الليلة الغراء ليلة الجمعة واليوم الازهر يوم الجمعة فيهما لله طلقاء وعتقاء، وهو يوم العيد لامتي، أكثروا الصدقة فيهما، وروي أطرفوا أهاليكم في كل جمعة بشئ من الفاكهة واللحم حتى يفرحوا بالجمعة (5). 39 - المحاسن: عن النهيكي عبد الله بن محمد، عن زياد بن مروان قال:


(1 - 2) فقه الرضا ص 11. (3 - 5) فقه الرضا ص 12.

[361]

سمعت أبا الحسن الاول عليه السلام يقول: من أكل رمانة يوم الجمعة على الريق نورت قلبه أربعين صباحا فان أكل رمانيتن فثمانين يوما، فان أكل ثلاثا فمائة وعشرين يوما، وطردت عنه وسوسة الشيطان، ومن طردت عنه وسوسة الشيطان لم يعص الله، ومن لم يعص الله أدخله الله الجنة (1). 40 - محالسبة النفس: للسيد علي بن طاوس نقلا من كتاب التذييل لمحمد ابن النجار في ترجمة محمد بن الحسن بن محمد العطار باسناده إلى جعفر بن محمد عليه السلام قال: إذا كان يوم الخميس عند العصر أهبط الله عزوجل ملائكة من السماء إلى الارض، معها صحائف من فضة، بأيديهم أقلا من ذهب تكتب الصلاة على محمد وآله إلى عند غروب الشمس من يوم الجمعة. 41 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من قلم أظافيره يوم الجمعة لم تشعث أنامله (2). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قلم أظافيره يوم الجمعة أخرج الله تعالى من أنامله داء وأدخل فيه شفاء (3). وبهذا الاسناد قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ليتطيب أحدكم يوم الجمعة ولو كان من قارورة امرأته (4). 42 - عدة الداعي: في بعض الروايات أن الدعاء بعد قراءة الجحد عشر مرات عند طلوع الشمس من يوم الجمعة مستجاب. 43 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لرجل من أصحابه يوم جمعة: هل صمت اليوم ؟ قال: لا، قال: فهل تصدقت اليوم بشئ ؟ قال: لا، قال: قم فأصب من أهلك فانه منك صدقة عليها (5).


(1) المحاسن: 544. (2 - 4) نوادر الراوندي: 23. (5) قرب الاسناد: 32 ط حجر 45 ط نجف.

[362]

44 - الخصال: باسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس خصال تورث البرص: النورة يوم الجمعة، ويوم الاربعا الخبر (1). بيان: لعله في الجمعة محمولة على التقية أو النسخ، لما رواه الكليني (2) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن البرقي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل له يزعم بعض الناس أن النورة يوم الجمعة مكروهة، فقال: ليس حيث ذهب، أي طهور أطهر من النورة يوم الجمعة. 45 - المقنعة: عن الصادق عليه السلام يستحب أن يقرأ دبر الغداة يوم الجمعة الرحمن ثم تقول كلما قلت فبأي آلاء ربكما تكذبان: لا بشئ من آلائك رب اكذب، وقال: من قرء سورة الجمعة في كل ليلة جمعة كانت كفارة لما بين الجمعة إلى الجمعة (3). 46 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن الثمالي قال: صليت مع علي بن الحسين عليه السلام الفجر بالمدينة في يوم جمعة فلما فرغ من صلاته وتسبيحه نهض إلى منزله وأنا معه، فدعا مولاة له تسمى سكينة فقال لها: لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه، فان اليوم يوم الجمعة الخبر (4). 47 - المقنعة: روى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الصدقة ليلة الجمعة و يومها بألف (5). 48 - المحاسن: عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه


(1) الخصال ج 1 ص 130. (2) الكافي ج 6 ص 506. (3) المقنعة: 26. (4) علل الشرايع ج 1 ص 43 في حديث. (5) المقنعة: 26.

[363]

عليهما السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من صلى بين الجمعتين خمس مائة صلاة فله عند الله ما يتمنى من الخير (1). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن حسان، عن أبي محمد الرازي، عن السكوني مثله (2). بيان: لعل المراد بالصلاة الركعة لما رواه الكليني (3) عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من تنفل ما بين الجمعة إلى الجمعة بخمس مائة ركعة فله عند الله ما شاء إلا أن يتمنى محرما. 49 - مجمع البيان وجنة الامان: في الحديث: إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الاول فالاول على مراتبهم، وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مختصة بالمبتكرين إلى الجمعة يمشون بالطرق، وقيل: أول بدعة في الاسلام ترك البكورة إلى الجمعة. وعن ابن مسعود أنه بكر فرأى ثلاثة نفرقد سبقوه فاغتم وجعل يعاتب نفسه ويقول لها أراك رابع أربعة [وما رابع أربعة] بسعيد (4). 50 - اختيار ابن الباقي والجنة: يدعو في ساعة الاستجابة بهذا الدعاء و هو مروي عن النبي صلى الله عليه وآله: سبحانك لا إله إلا أنت يا حنان يا منان يا بديع السموات والارض يا ذاالجلال والاكرام) ثم تدعو بما أحببت (5). 51 - المتهجد والجنة: عن الصادق عليه السلام من قال بعد صلاة الظهر وصلاة الفجر في الجمعة وغيرها: (اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم) لم يمت حتى


(1) المحاسن ص 60. (2) ثواب الاعمال: 41. (3) الكافي ج 3 ص 488. (4) جنة الامان ص 420 في الهامش وقال: قاله الطبرسي في مجمعه. (5) جنة الامان: 420.

[364]

يدرك القائم المهدي عليه السلام (1). 52 - الجنة: فمن صلى على النبي صلى الله عليه وآله بهذه الصلوات يوم الجمعة مائة قضى الله له ستين حاجة: ثلاثون من حوائج الدنيا، وثلاثون من حوائج الاخرة (2). وفي كتاب فضائل الاخلاص لابي نعيم يرفعه أن من قرأ يوم الجمعة سورة التوحيد مائة مرة فقد أدى من فضائل سورة الاخلاص ما أدى حملة العرش من حق العرش. 53 - المتهجد والجنة: عن الصادق عليه السلام: من قال بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الجمعة: اللهم اجعل صلواتك وصلواة ملائكتك ورسلك على محمد وآل محمد لم يكتب عليه ذنب سنة (3). 54 - المتهجد: قال أبو عبد الله عليه السلام: إني اسبح وأذكر الله تعالى يوم الجمعة ثلاثين مرة (4). 55 - الذكرى: نقلا عن كتاب علي بن إسماعيل الميثمي باسناده إلى الصادق عليه السلام قال: صل يوم الجمعة الغداة بالجمعة والاخلاص، واقنت في الثانية بقدر ما قمت في الركعة الاولى (5). 56 - الدعائم: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أكثروا من الصلاة على يوم الجمعة فانه يوم يضاعف فيه الاعمال (6). عن جعفر بن محمد عليه السلام أن الله تبارك وتعالى يبعث ملائكة إذا انفجر الفجر يوم الجمعة يكتبون الصلاة على محمد وآله إلى الليل (7).


(1) مصباح المتهجد ص 197، جنة الامان ص 421 الهامش. (2) مصباح الكفعمي: 421 في الهامش. (3) جنة الامان: 422. (4) المتهجد: 257، وفيه بعد الجمعة. (5) الذكرى: 158. (6 - 7) دعائم الاسلام ج 1 ص 179.

[365]

وعن محمد بن علي عليه السلام أنه قال: الاعمال تضاعف يوم الجمعة فأكثروا فيه من الصلاة والصدقة والدعاء (1). وعنه عليه السلام قال: لا تدع الغسل يوم الجمعة فانه من السنة، وليكن غسلك قبل الزوال (2). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ليطيب أحدكم يوم الجمعة ولو من قارورة امرأته (3). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: لا تدع يوم الجمعة أن تلبس صالح ثيابك (4). 57 - كتاب من مؤلفات على بن بابوبه: عن أحمد بن علي، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم. 58 - كتاب الحسين بن عثمان: عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم الجمعة فالبس أحسن ثيابك، ومس الطيب، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا لم يصب الطيب دعا بالثوب المصبوغ فرشه بالماء ثم مسح به وجهه. 59 - جمال الاسبوع: صلاة علمها رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال لامير المؤمنين عليه السلام ولابنته فاطمة عليها السلام: إننى اريد أن أخصكما بشئ من الخير مما علمني الله عزوجل واطلعني الله عليه، فاحتفظا به، قالا: نعم يا رسول الله صلى الله عليه وآله فما هو ؟ قال: يصلي أحدكما ركعتين يقرء في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي ثلاث مرات، وقل هو الله أحد ثلاث مرات، وآخر الحشر ثلاث مرات، من قوله (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) إلى آخره، فإذا جلس فليتشهد وليثن على الله عزوجل، وليصل على النبي صلى الله عليه وآله وليدع للمؤمنين والمؤمنات، ثم يدعو على


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 180. (2 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 181.

[366]

أثر ذلك فيقول: اللهم إني أسئلك بحق كل اسم هولك يحق عليك فيه إجابة الدعاء إذا دعيت به، وأسئلك بحق كل ذى حق عليك، وأسئلك بحقك على جميع ما هو دونك أن تفعل بى كذا وكذا. صلاة اخرى ليوم الجمعة عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: من صلى يوم الجمعة ركعتين يقرء في إحداهما فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد مائة مرة، ثم يتشهد ويسلم ويقول: (يا نور النور يا الله يا رحمن يا رحيم، يا حي يا قيوم افتح لي أبواب رحمتك ومغفرتك، ومن على بدخول جنتك، وأعتقني من النار) يقولها سبع مرات غفر الله له سبعين مرة، واحدة تصلح دنياه وتسعة وستين له في الجنة درجات ولا يعلم ثوابه إلا الله عزوجل. 60 - المتهجد والجمال: روى أبو إسحاق، عن الحارث، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أراد أن يدرك فضل يوم الجمعة فليصل قبل الظهر أربع ركعات يقرء في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي خمس عشر مرة، وقل هو الله أحد خمس عشر مرة، فإذا فرغ من هذه الصلاة استغفر الله سبعين مرة، ويقول: لاحول ولا قوة إلا بالله، خمسين مرة، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له خمسين مرة، ويقول: صلى الله على النبي الامي وآله خمسين مرة، فإذا فعل ذلك لم يقم من مقامه حتى يعتقه الله من النار (1). أقول: رواها السيد في موضع آخر مسندا، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن زكريا، عن أبي حديثه، عن سفيان، عن أبي إسحاق مثله و زاد في آخره: ويقبل صلاته ويستجيب دعاءه، ويغفر له ولابويه، ويكتب الله تعالى له بكل حرف خرج من فيه حجة وعمرة، وينبي له بكل حرف مدينة، ويعطيه ثواب من صلى في مساجد الامصار الجامعة من الانبياء. 61 - المتهجد والجمال والبلد: أربع ركعات اخرى روى أنس بن مالك


(1) مصباح المتهجد: 221.

[367]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى يوم الجمعة أربع ركعات قبل الفريضة يقرء في الاولى فاتحة الكتاب مرة، وسبح اسم ربك الاعلى مرة، وقل هو الله أحد خمس عشر مرة وفي الركعة الثانية فاتحة الكتاب مرة وإذا زلزلت الارض مرة، وقل هو الله أحد خمس عشر مرة، وفي الركعة الثالثة فاتحة الكتاب مرة وألهيكم التكاثر مرة، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، وفي الركعة الرابعة فاتحة الكتاب مرة، وسورة إذا جاء نصر الله والفتح مرة، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرة، فإذا فرغ من صلاته رفع يديه إلى السماء إلى الله تعالى ويسأله حاجته (1). 62 - الجمال: عن محمد بن علي اليزدآبادي، عن أحمد بن محمد القزويني، عن يعقوب بن شعيب، عن أحمد بن عبد الله، عن يزيد بن حميد، عن أنس مثله. أربع ركعات اخر روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى يوم الجمعة أربع ركعات يقرء في الاولى والثانية والثالثة والرابعة فاتحة الكتاب مرة، وقل هو الله أحد خمسين مرة، وآية الكرسي خمسين مرة، جعل الله تعالى له جناحين يطير بهما على الصراط والجنة حيث يشاء. أربع ركعات اخر روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه أمر رجلا أن يصلي الضحى يوم الجمعة أربع ركعات يقرء في كل ركعة فاتحة الكتاب عشر مرات، وقل هو الله أحد عشر مرات، ثم قال: فإذا سلمت استغفر الله عزوجل سبعين مرة، وقل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 63 - المتهجد والجمال: صلاة اخرى ليوم الجمعة روى حميد بن المثنى قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كان يوم الجمعة فصل ركعتين تقرء في كل ركعة الحمد مرة، وقل هو الله أحد ستين مرة، فإذا ركعت قلت: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثلاث مرات، وإن شئت سبع مرات، فإذا سجدت قلت: سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، وأبوء إليك بالنعم، وأعترف


(1) البلد الامين: 150، المتهجد: 221.

[368]

لك بالذنب العظيم، عملت سوء وظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبي، فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ برحمتك من نقمتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك لا أبلغ مدحتك ولا احصى نعمتك، ولا الثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك وعملت سوء وظلمت نفسي، فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: قلت في أي ساعة اصليها من يوم الجمعة ؟ جعلت فداك، قال: إذا ارتفع النهار ما بينك وبين زوال الشمس، ثم قال: من فعلها فكأنما قرأ القرآن أربعين مرة (1). بيان: السواد الشخص، وحبة القلب أي سويداؤه، والخيال بالفتح شخص الرجل وطلعته والطيف وصورة الانسان في الماء والمرءاة، وهنا يحتمل السواد الوجهين والخيال يحتمل الاول والثاني والقوى المدركة. أقول: روى السيد هذه الصلاة في موضع آخر عن علي بن محمد بن يوسف البزاز، عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الحميد العطار، عن منصور بن يونس، عن أبي المغرا حميد بن المثنى مثله. 64 - الجمال والمتهجد: أربع ركعات اخر روي عن صفوان قال: دخل محمد بن علي الحلبي على أبى عبد الله عليه السلام في يوم الجمعة فقال له: تعلمني أفضل ما أصنع في هذا اليوم، فقال: يا محمد ما أعلم أن أحدا كان أكبر عند رسول الله صلى الله عليه وآله من فاطمة عليها السلام ولا أفضل مما علمها أبوها محمد بن عبد الله، قال: من أصبح يوم الجمعة فاغتسل وصف قدميه وصلى أربع ركعات مثنى مثنى، يقرء في أول ركعة الحمد والاخلاص خمسين مرة وفي الثانية فاتحة الكتاب والعاديات خمسين مرة، وفي الثالثة فاتحة الكتاب وإذا زلزلت الارض خمسين مرة، وفي الرابعة فاتحة الكتاب وإذا جاء نصر الله و الفتح خمسين مرة، وهذه سورة النصر وهي آخر سورة نزلت، فإذا فرغ منها دعا فقال:


(1) مصباح المتهجد ص 220.

[369]

إلهى وسيدي من تهيأ أو تعبأ أو أعد أو استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده وفوائده ونائله وفواضله وجوائزه، فاليك يا إلهى كانت تهيئتي وتعبئتي و إعدادى واستعدادى رجاء رفدك ومعروفك ونائلك وجوائزك، فلا تخيبي من ذلك يا من لايخب مسألة سائل ولا تنقصه عطية نائل، لم آتك بعمل صالح قدمته، ولا بشفاعة مخلوق رجوته، أتقرب إليك بشفاعة محمد وأهل بيته صلواتك عليهم أجمعين أرجو عظيم عفوك الذي عفوت به على الخاطئين عند عكوفهم على المحارم، فلم يمنعك طول عكوفهم على المحارم، أن عدت عليهم بالمغرة، وأنت سيدى العواد بالنعماء وأنا العواد بالخطاء، أسئلك بمحمد وآله الطاهرين، أن تغفر لى ذنبي العظيم فانه لا يغفر ذنبي العظيم إلا العظيم، يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا عظيم يا عظيم (1). صلاة اخرى روى عنبسة بن مصعب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قرأ سورة إبراهيم وسورة الحجر في ركعتين جميعا في يوم جمعة لم يصبه فقر أبدا ولا جنون ولا بلوى (2). وصلاة اخرى روى الحارث الهمداني، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: إن استطعت أن تصلي يوم الجمعة عشر ركعات تتم سجودهن وركوعهن وتقول فيما بين كل ركعتين سبحان الله وبحمده مائة مرة، فافعل تمام الخبر (3). 65 - المتهجد وجمال الاسبوع: صلاة اخرى ركعتان روى محمد بن داود بن كثير، عن أبيه قال: دخلت على سيدي أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام فرأيته يصلى ثم رأيته قنت في الركعة الثانية في قيامه وركوعه وسجوده ثم أقبل بوجهه الكريم على الله ثم قال: يا داود هي ركعتان والله لا يصليهما أحد فيرى النار بعينه بعدما يأتي فيهما ما أتيت، فلم أبرح من مكاني حتى علمني، قال محمد بن داود فعلمني يا أبه كما علمك، قال إني لاشفق عليك أن تضيع، قلت كلا إن شاء الله، قال: إذا كان يوم الجمعة قبل أن تزول الشمس فصلهما، واقرأ في الركعة الاولى فاتحة الكتاب وإنا أنزلناه وفي الثانية فاتحة الكتاب وقل هو الله أحذ، وتستفتحهما بفاتحة الكتاب، فإذا فرغت


(1 - 3) مصباح المتهجد ص 222 - 223.

[370]

من قراءة قل هو الله أحد في الركعة الثانية فارفع يديك قبل أن تركع وقل: إلهى إلهى إلهى أسئلك راغبا، وأقصدك سائلا، واقفا بين يديك، متضرعا إليك، إن أقنطتني ذنوبي نشطني عفوك، وإن أسكتني عملي أنطقني صفحك، فصل على محمد وأهل بيته، فأسئلك العفو العفو. ثم تركع وتفرغ من تسبيحك وقل: هذا وقوف العائذ بك من النار، يا رب أدعوك متضرعا وراكعا متقربا إليك بالذلة خاشعا، فلست بأول منطق من حشمة متذللا، أنت أحب إلي مولاى أنت أحب إلى مولاي. فإذا سجدت فابسط يديك كطالب حاجة وقل: (سبحان ربي الاعلى و بحمده، رب هذه يداى مبسوطتان بين يديك، هذه جوامع بدنى خاضعة بفنائك، وهذه أسبابي مجتمعة لعبادتك، لاأدرى بأي نعمائك أقلب، ولايها أقصد لعبادتك ألمسألتك أم الرغبة إليك، فاملا قلبي خشية منك، واجعلني في كل حالاتي لك قصدي، أنت سيدي في كل مكان وإن حججت عنك أعين الناظرين إليك أسألك بك إذ جعلت في طمعا فيك لعفوك، أن تصلي على محمد وآل محمد وترحم من يسألك وهو من قد علمت بكمال عيوبه وذنونه، لم يبسط إليك يده إلا ثقة بك، ولا لسانه إلا فرحا بك، فارحم من كثر ذنبه على قلته، وقلت ذنوبه في سعة عفوك، وجرأني جرمي وذنبي بما جعلت من طمع إذا يئس الغرور الجهول من فضلك، أن تصلى على محمد وآل محمد وأسألك لاخواني فيك العفو العفو. ثم تجلس ثم تسجد الثانية وقل: (يامن هداني إليه ودلني حقيقة الوجود عليه، وساقني من الحيرة إلى معرفته وبصرني رشدي برأفته، صل على محمد وآل محمد، واقبلني عبدا ولا تذرني فردا أنت أحب إلي مولاى أنت أحب إلى يا مولاى. ثم قال داود: والله لقد حلف لي عليهما جعفر بن محمد عليهما السلام وهو تجاه القبلة

[371]

أنه لا ينصرف أحد من بين يدي ربه تعالى إلا مغفورا له، وإن كانت له حاجة قضاها (1). بيان: بأول منطق، على بناء المفعول (من حشمة) أي لست أول من أنطقته حشمته أي استحياؤه وفي بعض النسخ (منطو) أي من انطوى بحاجته لحيائه ولم يظهرها (وهذه أسبابي) أي أعضائي وقواى ومشاعري (على قلته) أي ذلته وحقارته و قوله عليه السلام (ودلني حقيقة الوجود عليه) إشارة إلى طريقة الصديقين الذين يستدلون بالحق عليه. 66 - الجمال: عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يوم الجمعة صلاة كله ما من عبد قام إذا ارتفعت الشمس قدر رمح وأكثر يصلي ركعتين إيمانا و احتسابا إلا كثب الله له مائتي حسنة، ومحاعنه مائتي سيئة، ومن صلى ثمان ركعات رفع الله له في الجنة ثمان مائة درجة، وغفر له ذنوبه كلها، ومن صلى اثنتي عشر ركعة كنت الله له ألفا ومائتي حسنة، ومحاعنه ألفا ومائتي سيئة، ورفع له في الجنة ألفا ومائتي درجة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى الصبح يوم الجمعة ثم جلس في المسجد حتى تطلع الشمس، كان له في الفردوس سبعون درجة بعد ما بين الدرجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة، ومن صلى يوم الجمعة أربع ركعات قرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد خمسين مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له. بيان: الحضر بالضم العدو، وتضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن. 67 - جمال الاسبوع: الصلاة المعروفة بالكاملة حدث محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا الغلابي، عن محمد بن جعفر بن عمارة، عن أبيه، عن جعفر ابن محمد عليهما السلام وعن عتبة بن الزبير، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن أبيطالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى أربع ركعات يوم الجمعة قبل الصلاة يقرء في كل ركعة فاتحة الكتاب عشر مرات، ومثلها قل أعوذ برب الفلق


(1) مصباح المتهجد: 223 - 225.

[372]

ومثلها قل أعوذ برب الناس، ومثلها قل هو الله أحد، ومثلها قد يا أيها الكافرون، ومثلها آية الكرسي. وفي رواية اخرى يقرء عشر مرات إنا أنزلناه في ليلة القدر، وعشر مرات شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة واولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وبعد فراغه من الصلاة يستنغر الله مائة مرة ويقول أستغفر الله ربي و أتوب إليه. وفي رواية اخرى: أستغفر الله الذي لا إله هو الحي القيوم غافر الذنب واسع المغفرة، ويقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مائة مرة، ويصلي على محمد وآل محمد مائة مرة، ثم يدعو بعد ذلك بالدعاء الذي يأتي. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى هذه الصلاة وقال هذا القول، رفع الله عنه شر أهل السماء وأهل الارض، وشر الشيطان، وشر كل سلطان جائر، وقضى الله له سبعين حاجة في الدنيا، وسبعين حاجة في الاخرة، مقضية غير مردودة. وقال: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، يعتق الله تعالى لصاحب هذه الصلاة في كل ساعة لكرامته على الله سبعين ألف انسان قد استوجبوا النار من الموحدين يعتقهم الله من النار، ولو أن صاحب هذه الصلاة أتى المقابر فدعا الموتى أجابوه باذن الله لكرامته على الله تعالى. ثم قال عليه السلام: والذي بعثنى بالحق إن العبد إذا صلى هذه الصلاة ودعا بهذه الدعاء بعث الله له سبعين ألف ملك، يكتبون له الحسنات، ويرفعون عنه السيئات ويرفعون له الدرجات ويستغفرون له، ويصلون عليه حتى يموت. ولو أن رجلا لا يولد له ولد، وامرأة لا يولد لها، صليا هذه الصلوات ودعوا بهذا الدعاء، رزقهما الله ولدا، ولو مات بعد هذه الصلاة لكان له أجر سبعين ألف شهيد وحين يفرغ من هذه الصلوات يعطيه الله بكل قطرة قطرت من السماء، وبعدد نبات الارض، وكتب له مثل أجر إبراهيم وموسى وزكريا ويحيى صلى الله عليهم وآلهم

[373]

وفتح عليه باب الغنى، وسد عنه باب الفقر، ولم يلذعه حية ولا عقرب، ولا يموت غرقا ولا حرقا ولاشرقا. قال جعفر بن محمد الصادق: أنا الضامن عليه، وينظر الله إليه في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة، ومن ينظر إليه ينزل عليه الرحمة والمغفرة. ولو صلى هذه الصلاة وكتب ما قال فيها بزعفران وغسل بماء المطر، وسقى المجنون والمجذوم والابرص لشفاهم الله عزوجل، وخفف عنه وعن والديه، ولو كانا مشركين. قال جعفر بن محمد عليهما السلام: وهذه الصلاة يقال لها الكاملة. الدعاء بعد هذه الصلاة. اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الصادقين كما أنت - وهم بك ومنك - أهله، واكفنى بمحمد وآله صلواتك عليه وعليهم كل مهم، واقض لى بهم كل حاجة مع حوائج الدنيا والاخرة، وفقني لما يرضيك عني، وأرشدني للذي هو أفضل، واعصمني في جميع اموري، وأعذني من الشيطان الرجيم، ولا تسلطه على طرفة عين، ولا أقل من ذلك ولا أكثر، وامنعني أن يفرط على أو أن يطغى أو أن يصل إلى منه مكروه أو أذى، أو يستفز عنى أو يزين لي ارتكاب ما فيه سخطك والبعد من رضوانك، إنك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد. اللهم صل على محمد وآل محمد، وانظر إلى في وقتى هذا وفي جميع أوقاتي نظرة يكون لى فيها الخيرة للدنيا والاخرة، وتقلبني معها عن موضعي بالمغفرة والرحمة، وتجعلنى من عتقائك وطلقائك من النار. اللهم صل على محمد وآله واجعلني وأهلي ومن أعنى به وأحزن له في ودايعك وأمانك وعياذك وجوارك وحراستك وصيانتك وكلاءتك وحياطتك ورعايتك وحمايتك ومراعاتك، حيث كنت وأين حللت في بر أو بحر أو سهل أو جبل، واكفنا شر كل عدو وباغ وحاسد ولص ومعاند وفريد وكائد وغاصب وظالم ومخاصم ومن شر كل ذي شر ومن شر الجن والانس، وخذه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، وطمه بالبلاء طما، وغمه بالبلاء غما

[374]

وقمه بما قما، واجتثه عن جدد الارض، وارمه ببلية لا اخت لها، وامنعه من أن يفرط علينا أو أن يطغى، أو أن يصل إلينا بمكروه وأذى، واحلل به كل بلاء وأنزل بساحته وعقوته كل لاواء، ولا تمهله لحظة، ولا طرفة عين أبدا إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على محمد وآل محمد، وافعل بي ما أنت أهله، وامنن على بالعفو عن ذنوبي، والتعمد لخطاياي، والصفح عن جرايرى، والمسامحة لي، وترك مؤاخذتي بجهلي وسوء عملي، واعف عنى، واغفر لي قبيح ما كان منى بحسن ما عندك، يا من إذا وعدوفا، وإذا توعد عفا، يا من يعفو عن السيئات، ويعلم ما يفعل عباده، يا من يأمر بالعفو والتجاوز، صل على محمد وآل محمد، واعف عنى و تجاوز يا كريم يا كريم. يا أكرم من كل كريم، وأرأف من كل رؤف، وأعطف من كل عطوف، صل على محمد وآل محمد، وأنعم على بالعفو والعافية والمغفرة والرحمة، أنت يا سيدى قلت (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) يا كريم يا غفور يا جواد يا محسن يا مجمل يا منعم يا مفضل، يا أرحم من استرحم، وأجود من سئل، وأكرم من أعطى صل على محمد وآل محمد، وانظر إلي بعينك الرحيمة نظرة تكون لي فيها الخيرة، ومعها المغفرة والرضوان، وأعتقني من النار، وأنقذني من النار، وفك رقبتي من النار، وأدخلني الجنة يا رحمن، وزوجني من الحور العين، ووفقني لما يرضيك عني، وطهرني من الذنوب، وطهر قلبى من الذنب، وطهر جسدي من الدنس، وعيني من الخيانة، وصدري من الوسواس والحرج، والاتخرجني من الدنيا إلا وأنت عني راض يا أرحم الراحمين. اللهم صل على محمد وآل محمد، وارزقني رزقا واسعا حلالا طيبا صبا صبا هنيئا مريئا عفيا دارا عاجلا سيحا سيحا سريعا وشكا تغنيني به عن جميع خلقك، وتصونني به عمن سواك، وسهل لي من أمرى ما قد عسر، وأصلح لي ما فسد،

[375]

يا لطيف يا لطيف، أستلطف الله اللطيف لما أخاف وأحذر تغييره أن ييسر، يا من العسر عليه سهل يسير. أسئلك بخفى لطفك وبمحمد حبيبك وبآله الطيبين صفوتك، أن تصلي على محمد وأن تلطف بي بلطفك اللطيف الخفى، وتفضل على برحمتك وجودك، وتوحدني بنظرك ونصرك، وتجعلني ممن رضيت عنه فأرضيته، وتوكل عليك فكفيته، و سألك فأسعفته وأملك فكنت عند أمله، يا أملى يا ثقتى ورجائي، يا عدتي يا كهفي يا سيدى يا سيدي، يا معتمدي يا مفزعي، يا من هو وليي في كل شدة وعليه توكلي في كل كربة، وذخري وذخيرتي في كل نائبة وضرورة، وعدتي وعياذي من كل مرض وعلة. اللهم صل على محمد وآله، وهب لى ولوالدي ولولدي وذوي عنايتي العافية الشافية الكافية الدائمة التامه السابغة الكاملة وأدمها لنا وانشرها علينا، وامسح علينا يدك يد العافية، وهب لنا عافية في أثر عافية، متصلة بعافية، عافية تشتمل على عافية تحيط العافية عافية في الدنيا و عافية في الاخرة، عافية شافية كافية تامة دائمة متتابعة مترادفة متصلة متراكمة متضاعفة متوالية يا وهاب يا كريم. اللهم صل على محمد وآله، واقض عنى الدين، وخلصني من أذاه وبليته، وسهل لي الخروج إلى كل ذي حق من حقه وتحمل عنى يا مولاى مظالم عبادك وتبعاتهم، وهب لي ما بيني وبينك، واستوهب لي ما بيني وبين خلقك، يا من لا تنقص خزائنه، ولا يبيد ما عنده صل على محمد وآله، وجدلي بما لا ينقصك، واعف لي عمالا يضرك. اللهم صل على محمد وآله، واكفني مؤنة من تعاديني ويبغيني ويكيدني ويخلفني مما لاعلم لي به، وبما أنه في غفلة عنه، وخذه من مأمنه ومن بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته ولا تمهله لحظة ولاطرفة عين إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على محمد وآله، وارزقني الحج إلى بيتك الحرام، وزيارة قبر

[376]

نبيك محمد صلى الله عليه وآله في عامي هذا وفي كل عام ما أبقيتني في يسر منك وعافية، في سعة رزق وكفاية، وخير وسعادة وسلامة وغبطة، إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على محمد وآله، وانشر على رحمتك، وافتح لى أبواب مغفرتك وافتح لي أبواب سعتك، وافتح لي أبواب رزقك، وافتح لي أبواب غناك، وافتح لي أبواب توفيقك، وافتح لي أبواب تيسيرك، وافتح لي أبواب عصمتك، وافتح لي أبواب عفوك، وافتح لي أبواب عافيتك، وافتح لي أبواب جوامع الخير والبركات و السعادات والمعونات والكفايات والوقايات والارزاق الدارة من خزائنك الواسعات. وأغلق عني أبواب الشرور والاثام والاحلام والاسقام والاورام والامراض والعلل والعاهات والافات واللوازب والمصائب والمهمات والشدائد والكربات والرزيات والفجيعات والحادثات والاذيات والهموم والغموم والفقر والغدر والمكر والختر والكفر وعذاب القبر وبلية أعدم عليها الصبر إنك على كل شي قدير. اللهم قد أملتك يا مولاي فلا تخيبني، ورجوتك فلا تقطع رجائي، دعوتك يا إلهى فلا ترد دعائي، وابتهلت إليك فلا تعرض عني، يا معتمدي، وتقربت إليك بنبيك محمد وآله الطاهرين صلواتك عليه وعليهم، فاقض حوائجنا صغيرها و كبيرها، ما ذكرته ونسيته منها، ما قصدته أو سهوت عنه، وما أنت أعلم به، وجميع ما أنت أحصى لقدره، وأنت أحصى لذنوبي مني، فاغفرها لي. يا إلهى إن ذنوبي كثيرة وأفعالي سيئة وجرائري وأجرامي عظيمة، وإقدامي واجترائي أكثر من أن يحصى أو يعد أو يذكر أو ينشر، واعتمادى يا سيدى على عفوك وعلى ما وعدت به من فضلك، فانك يا سيدي قلت وقولك الحق (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وأخطأت وتعمدت وحفظت ونسيت، وعلمت وشهدت، ورحمتك وسعت كل شئ وأنا شئ فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين.

[377]

مغفرتك يا سيدي أعظم من كل شئ، فتفضل بها على، اغفر لي يا سيدى ما تبت إليك منه ثم عدت فيه، واغفر لي يا سيدي ما آليت على نفسي أن لا آتيه وتغمد لي ما أكذب على نفسي الاقلاع منه، ثم لم أف به، واصفح عما جعلت على نفسي عند الشدائد والعلل والاخطار والاضطرار والمرض أن لا أفعله، فلما أقلت وأنهضت وعافيت وأتممت لم يكن مني وفاء به، يا غافر الذنب يا ساتر العيوب يا كاشف الضر عن أيوب صل على محمد وآل محمد، واكشف ضري برحمتك، وأقل عثرتي بعزتك. اللهم صل على محمد وآله، واجعل لي في نفسي وأهلي ومالي وولدي و والدي ومن يعنينى أمره ويخصني البركة التامة، وكن لي ولهم راحما ووليا و حافظا وناصرا ورازقا ومعينا واجعلني في ودائعك وأمانك وحرزك وحراستك و صيانتك وخير ما جرت به المقادير من عندك يا أرحم الراحمين. اللهم صل على محمد وآل محمد، وما قسمت لي من قسم أو رزقتني من رزق فاجعله حلالا طيبا واسعا مباركا، قريب المطلب، سهل المأخذ، في يسر منك وعافية و سلامة وسعادة إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على محمد وآل محمد، ووسع رزقي أبدا ما أبقيتنى، وثمره ووفره، ولا تكدره ولا تعسره، وسهله ولا تنكده، وإن كان في ام الكتاب عندك أني شقى أو محروم أو مقتر علي رزقي فامح من ام الكتاب شقائي وحرماني وإقتاري، و اكتبني عندك سعيدا موفقا للخير موسعا على في رزقي، فانك قلت وأنت أصدق القائلين (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب). اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا وجازهما عني بالاحسان إحسانا، وبالسيئات غفرانا، ونضر وجوههما، وألحقهما بنبيهما نبي الرحمة وآله صلوات الله عليه وعليهم، واسقهما بكاسه مشربا ماء عذبا رويا سايغا هنيئا لا ظمأ بعده أبدا، وبيض وجوههما يوم تبيض فيه الوجوه

[378]

وأعلهما وأعطهما منيتهما وكتابهما بأيمانهما، ومحص عنهما سيئاتهما، وضاعف لهما حسناتهما، وكن أنت يا سيدى لهما فانهما فقيران إلى رحمتك، محتاجان إلى عفوك، مضطران إلى غفرانك. أدخل قبورهم الضياء والنور، والفرحة والسرور والسعة والحبور، ولا تؤاخذ هما بقبيح كان منهما، واجعلهما من أهل جناتك جنات النعيم، وأحلهما دار المقامة من فضلك لا يمسهما فيها نصب ولا يمسهما فيها لغوب، وأجرهما من العذاب وأعتقهما من النار، واجمع بيني وبينهما في مستقر رحمتك، وقرب من رضوانك ومغفرتك، وافعل مثل ذلك بأجدادي وجداتي وأعمامي وعماتي وأخوالى وخالاتي وأولادى وامهات أولادي ومعارفي وجيراني ومن أحبني ورباني وخدمني من المؤمنين والمؤمنات، الاحياء منهم والاموات، ومحبي محمد وآل محمد عليه وعليهم السلام إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على محمد وآل محمد، وإذا صرت إلى دار البلى، ونسيني أهل الدنيا ولم يكن لي زائر ولا ذاكر، فكن أنت يا سيدي مونسى وذاكري، والناظر إلى والراحم لي، والغافر لذنبي والصافح عن خطيئاتي، والمنور لحفرتي، والساتر لي برحمتك يا أرحم الراحمين، إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم صل على محمد وآله واجعل الموت خير غائب أنتظره، والقبر خير بيت سكنته، ولقنى حجتي عند خروج روحي، وسهل على فراق الدنيا، وأرني قبل خروج روحي ما تقربه عيني، و اجعل ملك الموت شفيقا رفيقا لي وعلى متحننا متعطفا وبي رؤفا رحيما. أرنى يا سيدي ملائكة الرحمة، والبشرى بالمغفرة، بما تكون به عيني قريرة، ونفسي إليه تائقة ساكنة، وجوارحي به مطمئنة، قبل فراق الدنيا، وسهل على المسألة، وادفع عني الضغطة، واجعل لي في قبري النور والرحمة، والجعل منقلبي أطيب منقلب، وقبري أفسح قبر، واقلبني إلى رضوانك والجنة، ولا تجعلني حطبا للنار يا أرحم الراحمين. اللهم صل على محمد وآل محمد، وما ذكرته من حوائجي ونسيته أو حفظته أو

[379]

أهملته نطق به لساني أو لم ينطق، فاقضه لي وتفضل به على وأرني في يومى من علامات إجابتك وتباشير قبولك وإقبالك ما أغتبط به في الدنيا والاخرة، وارزقني التوبة قبل الموت، والعصمة والطهارة من الذنوب، إنك على كل شئ قدير ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم صل على محمد وآل محمد، ووفقني للحمد على نعمتك التي أنعمت بها على والشكر لاحسانك الذي أسديت إلى، والاقبال على تحميدك وتكبيرك وتسبيحك وتقديسك وتهليلك وتمجيدك وتعظيمك في كل وقت والرضا بقضائك وقدرك إذا قضيت وقدرت، والصبر على بلاءك ومحنك إذا ابتليت وامتحنت، والتسليم عند حتمك إذا حتمت وأمرت، ورضني بقضائك، وبارك لي في فضلك وعطائك، وسهل لي حلول دار جنتك، وأذهب عنى الحزن بفضلك، وجنبني معصيتك، وأعذني من التعرض لما يسخطك ويباعدني من رضوانك، إنك على كل شئ قدير. اللهم صل على محمد وآله، واحفظنى واحفظ على، واحرسنى واحرس علي، واكنفني واكفني واجعلني وأهلي وولدي من يعنيني أمره ويخصني في ودايعك المحفوظة، وصيانتك المكلوءة، أسئلك بحق محمد وآله، وبحق ملائكتك المقربين، ورسلك وحملة عرشك وبحق يس والقرآن الحكيم، وبحق القبر الذي تضمن حبيبك محمدا صلواتك عليه وآله، وبحق بيتك الحرام، والركن والمقام، والالاء العظام، وبأسمائك الحسنى الكرام، وباسمك الاعظم الاعظم الاجل الاكرم المكنون المخزون الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، وأسعفت، ولم ترد سائلك، وبكل اسم هولك أو تسميت به لاحد من خلقك، أو مأثور في علم الغيب عندك، وما أحاط به علمك ووسعه حلمك، واستقل به عفوك وعرشك، وبك ولا شئ أعظم منك، أن تصلي على محمد وآله، وأن تسمع دعائي، وتجيب ندائي، وترحم تضرعي، وتقبل على وتقبل توبتي، وتديم عافيتي، وتسهل قضاء حاجتي وديني، وتوسع على في رزقي وتصح جسمي، وتطيل عمرى، وتغفر ذنبي، وتوفقني لما يرضيك، وتقلبني إلى

[380]

رضوانك والجنة برحمتك، وتعتقني من النار بجودك، وتكفيني كل مهم من أمر الدنيا والاخرة بكرمك، إنك على كل شي قدير، وذلك عليك يسير وأنت أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين. ما يقال في آخر سجدة من الصلاة الكاملة. اللهم إني أسئلك بالمماسة التي لا تتزعزع إلا صليت على محمد وآله، و غفرت لي ذنبي، وعزمت على قضاء حوائجي، وأسئلك بالذي نظر به موسى إلى نورك ولم يستطع النظر إليك لجلالك وهيبتك إلا صليت على محمد وآل محمد، وغفرت لي ذنبي، وعزمت على قضاء حوائجي، وأسئلك بالقدرة التي أنزلت بها الصخرة بعد نورك فانشقت لاعتزازك عن قدرك بلحظ أو وهم أو فكر أو رؤية بعلم أو عقل تعاليت عن ذلك علوا كبيرا، إلا صليت على محمد وآل محمد، وغفرت لي ذنبي، وعزمت على قضاء حوائجي، وأسألك بالقدرة التي نظرت بها إلى ساير الجبال فتصدعت لكبرياء عظمتك أقطارها إلا صليت على محمد وآل محمد وغفرت لي ذنبي، وعزمت على قضاء حوائجي وأسئلك بالقدرة التي نظرت بها إلى أغوار البحار فماجت وتقلبت بأمواجها إلا صليت على محمد وآل محمد، وغفرت لي ذنبي وعزمت على قضاء حوائجي. يا كفيل الكفلاء كفلتك نفسي حيث ما توجهت، فاحفظني يا خيرا لى من أبي وامي، وكفلتك أبي وامي حتى تحفهما بنورك، وتوفقهما لطاعتك، وتنجيهما من عذابك، وكفلتك ديوني وديون خلقك على حتى تقضيها جميعها عني، وتخلصني من تبعاتها، وأماناتي حتى تؤديها، وحاجاتي في الدنيا والاخرة حتى تقضيها، وتغفر لي وترحمني، وتصلي على محمد وآل محمد، يا محتملا لعظائم الامور، يا منتهى هم المهموم، ويا كاشف الكرب العظيم، يا ربنا العظيم شأنه، حسبنا أنت إنك ربنا لا إله إلا أنت إذا أردت شيئا تقول له كن فيكون أسألك بهذا الدعاء، وبهذه الاسماء، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تقضي لي حاجاتي، وتفرج عني وعن جميع إخواني المؤمنين والمؤمنات برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.

[381]

بيان: (لااخت لها) أي لا تشبهها بلية اخرى في الشدة كقوله سبحانه (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) (1) أي من التى تشبهها، أولا يبقى إلى بلية اخرى بل يفني بها، والاول أظهر، والعقوة الساحة وما حول الدار، واللاواء الشدة، والتغمد الستر يقال تغمده الله برحمته أي ستر الله ذنوبه وحفظه عن المكروه كما يحفظ السيف بالغمد، ومثله تغمد زللي أي اجعله مشمولا بالعفو والغفران، و تغمدت فلانا أي سترت ما كان منه وغطيته. والوعيد في الاشتقاق اللغوى كالوعد إلا أنهم خصوا الوعد بالخير، والوعيد بالشر، للفرق بين المعنيين، وربما يستعمل الوعد فيهما للاتباع، والازدواج، قال الجوهري الوعد يستعمل في الخير والشر، فان أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير الوعد والعدة، وفي الشر الايعاد والوعيد، والحرج الضيق (صبا) أي مصبوبا كناية عن الكثرة (عفيا) أي كثيرا وفي بعض النسخ بالقاف ولم نعرف له معنى، والسيح الجريان، وفي بعض النسخ سحا بالحاء المشددة وهو الصب أي جاريا أو مصبوبا، والوشك بالفتح والضم السرعة. وقال الجوهري اللطف في العمل الرفق فيه واللطف من الله تعالى التوفيق و العصمة، والتلطف للامر الترفق له، وقال الفيروز آبادي: لطف كنصر لطفا بالضم رفق ودنا، والله لك أوصل إليك مرادك بلطف، وقال الجوهري توحده الله بعصمته أي عصمه ولم يكله إلى غيره، وقال أسعفت الرجل بحاجته إذا قضيتها له (وذوي عنايتي) أي من أعتني وأهتم بشأنهم (ويخلفني) أي يخلف وعدي أو يبليني ويخلقني أو يفسدني، ويقال: أخلف الرجل إذا أهوى بيده إلى سيفه ليسله، وفي بعض النسخ بالقاف كناية عن هتك العرض، والختر بالفتح الغدر، وقوله عليه السلام (وما أخرت) لعله هنا سقط شئ، ويحتمل تقدير العامل بقرينة المقام أي واغفر لي ما أخرت، والعطف على الضمير في قوله: (فاغفرها) أبعد. وقال الجوهري: ثمر الله ماله أي كثره، وقال نكد عيشهم بالكسر إذا اشتد


(1) الزخرف: 48.

[382]

وقال: التباشير البشرى وتباشير الصبح أو ايله وكذا أوايل كل شئ، وقال الغبطة أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه، وليس بحسد، تقول منه غبطته بما نال أغبطه غبطا وغبطه فاغتبط هو. قوله عليه السلام: (لاعتزازك عن قدرك) أي إنما انشقت صخرة الجبل الذي كان عليه موسى بعد تجليك عليه، ونزلت وتقطعت، ليظهر للعباد أنك أعز من أن يقدر العباد قدرك ويطلعوا على كنه جلالك بلحظ عين أو وهم أو فكر يقال قدرت الشئ أقدره أو أقدره قدرا من التقدير، وقال تعالى (وما قدروا الله حق قدره) (1) أقول: كانت نسخ الدعاء سقيمة، ولم أجده في كتاب آخر سوى جمال الاسبوع فصحح بقدر الطاقة، وبقيت فيه أشياء إلى أن يتيح الله لنا ما يمكن تصحيحه به، والدعاء الطويل مخصوص بكتاب السيد ره وأما الصلوات فهي من المشهورات ذكرها أكثر الاصحاب في كتب الدعوات وغيرها. ورواها الشيخ (2) في المتهجد عن محمد بن زكريا الغلابى، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه عن الصادق عليه السلام، وعن عتبة بن أبى الزبير، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام وذكر نحوا مما مر من الروايتين إلى قوله: (فإذا فرغ من الصلاة استغفر الله مائة مرة ثم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) مائة مرة، ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله مائة مرة، قال من صلى هذه الصلاة وقال هذا القول دفع الله عنه شر أهل الارض تمام الخبر. ونحو ذلك قال العلامة ره في المنتهى وغيره، والشهيد في الذكرى وغيرهما من الاصحاب في كتبهم. 68 - جمال الاسبوع: صلوات الاعرابي عن محمد بن هارون، عن محمد بن القاسم، عن أبي يعلى بن أبي الحسين، عن عبد الله بن محمد النيسابوري عن أحمد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن زياد، عن أبيه، عن حارثة بن قدامة، عن زيد بن ثابت


(1) الزمر: 67. (2) مصباح المتهجد ص 220 - 221.

[383]

قال: قام رجل من الاعراب فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله إنا نكون في هذه البادية، ولا نقدر أن نأتيك في كل جمعة فدلني على عمل فيه فضل صلاة يوم الجمعة إذا مضيت إلى أهلى خبرتهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان ارتفاع النهار فصل ركعتين تقرأ في أول ركعة الحمد مرة واحدة، وقل أعوذ برب الفلق سبع مرات، واقرأ في الثانية الحمد مرة واحدة، وقل أعوذ برب الناس سبع مرات، فإذا سلمت فاقرأ آيه الكرسي سبع مرات. ثم قم فصل ثمان ركعات بتسليمتين، وتجلس في كل ركعتين منها، ولاتسلم فإذا تممت أربع ركعات الاخر كما صليت الاول، واقرأ في كل ركعة الحمد مرة واحدة، وإذا جاء نصر الله والفتح مرة واحدة، وقل هو الله أحد خمسا وعشرين مرة فإذا أتممت ذلك تشهدت وسلمت ودعوت بهذا الدعاء، سبع مرات وهو: يا حي يا قيوم يا ذالجلال والاكرام يا إله الاولين والاخرين، يا أرحم الراحمين، يا رحمن الدنيا والاخرة، ورحيمهما، يا رب يا رب يا رب يا رب يا رب يا رب يا رب يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله يا الله صل على محمد وآله واغفر لي. واذكر حاجتك وقل (لاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) سبعين مرة، و (سبحان الله رب العرش الكريم) فوالذي بعثني واصطفاني بالحق ما من مؤمن ولا مؤمنة يصلي هذه الصلاة يوم الجمعة كما أقول إلا وأنا ضامن له الجنة، ولا يقوم من مقامه حتى يغفر له ذنوبه، ولابويه ذنوبهما، وأعطاه الله تعالى ثواب من صلى في ذلك اليوم في أمصار المسلمين، وكتب له أجر من صام وصلى في ذلك اليوم في مشارق الارض ومغاربها، وأعطاه الله ما لاعين رأت ولا اذن سمعت. المتهجد: صلاة الاعرابي، عن زيد بن ثابت وذكر نحوه إلى قوله: وقل هو الله أحد خمسا وعشرين مرة، فإذا فرغت من صلواتك فقل سبحان الله رب العرش الكريم ولا حول، ولاقوة إلا بالله العلي العظيم سبعين مرة، ثم ذكر بعض ما مر من الفضل (1).


(1) مصباح المتهجد: 222.

[384]

بيان: هذه الصلاة مشهورة بين العلماء، استثنوها من القاعدة المقررة عندهم أن النوافل ركعتان بتشهد وتسليم كما ورد في رواية علي بن جعفر، قال الاكثر إلا الوتر إجماعي، وأما صلاة الاعرابي فاستثناؤها مشهور بين المتأخرين ولم يستثنها المحقق في المعتبر، وقال ابن إدريس وقد روي رواية في صلاة الاعرابي أنها أربع بتسليم بعدها، فان صحت هذه الرواية نقف عليها ولا نتعداها. وأقول: يشكل التخصيص بهذه الرواية العامية، وإن قيل ضعفها منجبر بالشهرة، وكذا كثير من الصلوات التى أوردناها من طرق العامة تبعا للشيخ والسيد وغيرهما حيث أوردوه في كتبهم لمساهلتهم في المستحبات، ويشكل العمل بها فيما كان مخالفا للهيئات المنقولة، وإن كان الحكم بالمنع أيضا مشكلا، والاولى العمل بالروايات المعتبرة، فان الاعمال كثيرة ولا يمكن الاتيان بجميعها، فاختيار ما هو أصح سندا أولى وأحوط وأحرى. * *

[385]

صورة فتوغرافية من نسخ الاصل بخط يد المؤلف العلامة المجلسي قدس سره تراها في الصفحة الاولى من هذا الجزء

[386]

صورة فتوغرافية اخرى من نسخة الاصل تراها في ص 120 و 121 من هذا الجزء

[387]

بسمه تعالى ههنا ننهي بالجزء العاشر من المجلد الثامن عشر من كتاب بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار - صلوات الله وسلامه عليهم مادام الليل والنهار - وهو الجزء السادس والثمانون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة النفيسة الرائقة. ولقد بذلنا جهدنا في تصحيحه ومقابلته فخرج بحمدالله ومشيته نقيا من الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر، وكل عنه النظر، لا يكاد يخفى على القارئ الكريم، ومن الله نسأل العصمة وهو ولي التوفيق. السيد ابراهيم الميانجى - محمد الباقر البهبودى

[388]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم وعليه توكلي وبه نستعين الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعترته الطاهرين. وبعد: فهذا هو الجزء العاشر من المجلد الثامن عشر، وقد انتهى رقمه في سلسلة الاجزاء حسب تجزئتنا إلى 86 حوى في طيه سبعة أبواب من كتاب الصلاة. وقد قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب، وهكذا على نص المصادر التي استخرجت الاحاديث منها ثم على نسخة الاصل التي هي بخط يد المؤلف العلامة المجلسي رضوان الله عليه إلى آخر باب صلاة الخوف الصفحة 121 ترى صورتين منها فتو غرافيتين فيما يلي. وقد أضفنا إلى طبعتنا هذه ما استدركه العلامة المرزا محمد العسكري رضوان الله عليه على طبعة الكمباني (طبعه عليحدة في احدى عشر صحيفة ليلحق بها في محلها) وقد وقع من طبعتنا هذه من ص 297، السطر الخامس: (واكفنى مؤنتي ومؤنة عيالي) إلى آخر الباب ص 328. كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم وعليه توكلي وبه نستعين الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعترته الطاهرين. وبعد: فهذا هو الجزء العاشر من المجلد الثامن عشر، وقد انتهى رقمه في سلسلة الاجزاء حسب تجزئتنا إلى 86 حوى في طيه سبعة أبواب من كتاب الصلاة. وقد قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب، وهكذا على نص المصادر التي استخرجت الاحاديث منها ثم على نسخة الاصل التي هي بخط يد المؤلف العلامة المجلسي رضوان الله عليه إلى آخر باب صلاة الخوف الصفحة 121 ترى صورتين منها فتو غرافيتين فيما يلي. وقد أضفنا إلى طبعتنا هذه ما استدركه العلامة المرزا محمد العسكري رضوان الله عليه على طبعة الكمباني (طبعه عليحدة في احدى عشر صحيفة ليلحق بها في محلها) وقد وقع من طبعتنا هذه من ص 297، السطر الخامس: (واكفنى مؤنتي ومؤنة عيالي) إلى آخر الباب ص 328. ومما كان سقط عن طبعة الكمبانى ولم يتنبه له أحد ما جعلناه في ص 103 - 104 نقلا من نسخة الاصل، وهو نحو ثلاثين بيتا وقد جعلناه بين المعقوفتين. وهذه النسخة لخزانة كتب الفاضل البحاث الوجيه الموفق المرزا فخر الدين النصيري الاميني زاده الله توفيقا لحفظ كتب السلف عن الضياع والتلف، فقد أودعها سماحته عندنا للعرض والمقابلة، خدمة للدين وأهله، فجزاه الله عنا وعن المسلمين أهل العلم خير جزاء المحسنين. المحتج بكتاب الله على الناصب - محمد الباقر البهبودي جمادي الاولى عام 1391 ه‍ ق

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية