الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 82

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 82


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الثاني والثمانون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (23) * (باب) * * " (القراءة وآدابها وأحكامها) " * الايات: النحل: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (1). المزمل: ورتل القرآن ترتيلا (2).


(1) النحل: 98، لكن خطاب الاية الكريمة متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله فتكون الاستعاذة المأمور بها فرضا عليه وسنة لامته صلى الله عليه وآله بالاقتداء والتأسى، لكونها سنة في فريضة: الاخذ بها هدى وتركها ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار. (2) المزمل: 4، والاية توجب ترتيل القرآن بمعنى قراءته مرتلا منسقا سورة بعد سورة حتى يأتي على آخرها، قال عزوجل: يا ايها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا) فأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أولا بتهجد الليل ثم بترتيل القرآن، الا أن أمره بقيام الليل مستقل من أمهات الكتاب، وأمره بالترتيل غير مستقل من المتشابهات بها، فأوله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة بعد تكبيرة الاحرام قبل الركوع، فتكون سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة، ومن تركها عمدا بطلت صلاته لاعراضه عن سنة الرسول الله صلى الله عليه وآله. وانما قلنا بقراءته سورة بعد سورة حتى يأتي على آخرها، لاطلاق لفظ القرآن والاطلاق في كلام الحكيم محكم، وأما امكان ذلك في تهجد ليلة، أو صلوات يوم وليلة = [*]

[2]


= = فلان سورة المزمل من أوائل السور النازلة على النبي صلى الله عليه وآله، وقد قيل بأنها ثالث ثلاثة: نزلت أولا سورة العلق ثم القلم ثم المزمل، وان كان لا يخلو عن بعد بملاحظة مضمون الايات الكريمة. وكيف كان، لازم قوله عزوجل: (ورتل القرآن ترتيلا) نزول صدر السورة وفيها هذه الاية الشريفة - في ظرف كان يمكن قراءة سور القرآن منسقا ومنضدا ومرتلا في تهجد واحد، ولعله لم تكن السور النازلة قبلها تربو على عدد الاصابع، وسيأتى تأييد ذلك في الاية المتممة للعشرين من هذه السورة. وأما الترتيل: فهو معنى لا يتعلق الا بالشئ ذى الاجزاء المختلفة والمراد تنسيق تلك الاجزاء وتنضيدها أحسن نضد واتساق، وانتظامها سلكا واحدا يقع كل جزء موقعه الخاص به المناسب له من حيث الترتيب، يقال ثغر مرتل: إذا كان مستوى النبات حسن التنضيد، كلام رتل: حسن التأليف، ترتل في الكلام: ترسل وتأنق في قراءته بتبيين الحروف وأداء الوقوف وحسن تنسيقها، لا يندمج بعضها في بعض. وأما القرآن الكريم، فلما كان مشتملا على سور متعددة، وكل سورة في طيها آيات وكل آية مركب من جملات، وكل جملة من كلمات، وكل كلمة من حروف، كان ترتيل القرآن بقراءته سورة بعد سورة لا أقل من قراءة سورتين في ركعة، ليتم معنى التنسيق والتنضيد وترتيل السورة بقراءة آياتها مرتبة منسقة من دون تقديم وتأخير بين. آياتها المتناسقة وبلا زيادة فيها ونقيصة منها، ومنه الوقف عند تمام الاية الشريفة - كما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله لئلا يندمج الاية في الاية. وأما ترتيل الاية فبقراءة جملاتها منظمة مترسلة ومنه حفظ الوقوف، وترتيل الجملة بقراءة الكلمات بعضها اثر بعض من دون ريث وسكتة، ومنه رعاية الوقف بالحركة و الوصل بالسكون، وترتيل الكلمة بترسيل الحروف متسقة وتبيينها من مخارجها منتظمة لا يندمج بعضها في بعض. ومن الترتيل وحسن الترسل في القراءة أن يتانق في اعلاء صوته حين القراءة كما = [*]

[3]

وقال سبحانه: فاقرؤا ما تيسر من القرآن (1).


= = يتأنق الخطيب المصقع يتصوب بصوته تارة ويتصعد به اخرى حسب مقتضى المقام، فلو علا بصوته في كلمة ثم خفض صوته بالكلمة بعدها وهكذا بحيث صار مخالفا لطبع القراءة كان خارجا عن الترتيل الواجب عليه بالسنة، والكلام في الاسراع بالقراءة والابطاء فيها كالكلام في اعلاء الصوت واخفاضها لايا بلاى. ويؤيد هذا المعنى بل يصرح به قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) الفرقان: 33، لان المعنى انا أنزلنا القرآن متفرقا بين قطعاتها سورة سورة لنثبت به فؤادك بانزال كل سورة عند الحاجة إليها ولتقرءه على الناس على مكث، فيتعلموه ويتأنسوا به. لكنه معذلك لم يكن التفريق بين قطعة وقطعة وبين سورة وسورة، وآية وآية كتفرقة الدقل ونثره ونثر الشذر بانقطاع سلكه، بل رتلناه ترتيلا يتسق نظام آياته و ينتظم نطاق قصصه وعبره، ويتنضد سياق حكمه وأمثاله، وزواجره ورغائبه، مع ما في طيها من أحكام المعاملات والعبادات وقد وقع كل موقعه بحسن التأليف والترصيف. (1) المزمل: 20، وقد كان على المؤلف العلامة أن ينقل تمام الاية لمسيس الحاجة إليها، وها أناذا أنقلها مع ما يتعلق بها من الابحاث: قال عزوجل: (ان ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه (اشارة إلى ما نزل في صدر السورة من أمره صلى الله عليه وآله بقيام الليل في هذه الاوقات المعينة ثلاث مرات متهجدا ثم أمره بترتيل القرآن سورة بعد سورة حتى يأتي على آخرها في تمام تهجده) و (هكذا يعلم أنه تقوم) طائفة من الذين معك (رغبة في حسن ثواب الله من المقام المحمود، واقتداء وتأسيا بك رجاء لله وفى اليوم الاخر، لكنه ليس لهم طاقة كطاقتك. ولا رغبة كرغبتك، ولا هم يحفظون ويتذكرون سور القرآن بتمامها) والله يقدر الليل والنهار (فتارة يقصر الليل ويطول النهار وتارة بالعكس، فلا يسع الوقت لقراءة القرآن بتمام سوره). (وعلى أي حال وعلة) علم أن لن تحصوه (أي لن تحصوا القرآن بقراءة تمام = [*]

[4]

وقال تعالى: فأقرؤا ما تيسر منه. تفسير: (فإذا قرأت القرآن) أي أردت قراءته، ونقل عليه الاجماع، قال في


= = سوره وترتيله سورة سورة، خصوصا في مستقبل أمركم حيث ينزل عليكم سائر القرآن بسوره السبع الطوال والمثاني والمئين والمفصل) فتاب عليكم (وخفف عنكم حيث كتب على نفسه الرحمة من تشريع دين سمحة سهلة) فاقرؤا ما تيسر من القرآن (أي فلا يلزمكم بعدئذ أن ترتلوا القرآن بتمامه سورة بعد سورة، بل اقرؤا ما تيسر لكم من سور القرآن، كل بحسب حاله وفراغه وذكره حتى لا يختل عليكم أمر المعاد والمعاش، والنوم واليقظة. فالمراد من قوله عزوجل: (ما تيسر من القرآن) بقرينة لفظ اليسر والمقابلة بقوله (علم أن لن تحصوه) هو سورة كاملة يتيسر قراءتها ويكون تذكرها وحفظها وتعلمها وترتيلها سهلا يسيرا، كل على حسب حاله، كما صرح بذلك في قوله عزوجل: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) حيث نزل القرآن سورة سورة وجعل لكل سورة نسقا ونضدا في ترتيب آياتها، فمن كان ذا ذكر قوى يقدر أن يحفظ أمثال سورة البقرة من السبع الطوال، ومن كان على دون ذلك يحفظ أمثال سورة الحجر من المئين ومن كان دون ذلك يحفظ أمثال سورة الرحمن من المفصل، ومن كان يغلب عليه النسيان فلا أقل من أنه يحفظ السور القصار. وقد كان تنبه لذلك من المتقدمين ابن سيرين حيث قال لرجل: لا تقل سورة خفيفة، ولكن قل سورة ميسرة لان الله يقول: (ولقد يسرنا القرآن للذكر) أخرجه ابن المنذر عنه على ما في الدر المنثور ج 6 ص 135. ثم قال عزوجل: علم أن سيكون منكم مرضى (فيشغله هم الوجع من قراءة القرآن) وآخرون يضربون في الارض (عند أسفارهم) يبتغون من فضل الله (فليس لهم كثير فراغ) وآخرون يقاتلون في سبيل الله (اشارة إلى ما سيؤل إليه أمر الامة بالقتال مع المشركين فيخافون أن يفتنهم الذين كفروا) فاقرؤا ما تيسر منه (في هذه الحالات، فانه لا أقل من قراءة سورة واحدة خفيفة يسيرة كسورة النصر ثلاث آيات، ومن رغب عن قراءة القرآن مطلقا فلا صلاة له على أي حالة كانت. ولا يذهب عليك أن هذا الحكم كان قبل نزول قوله تعالى في سورة الحجر: = = [*]

[5]

مجمع البيان: (1) معناه إذا أردت يا محمد قراءة القرآن فاستعذ بالله من شر الشيطان المرجوم المطرود الملعون، وهذا كما يقال: إذا أكلت فاغسل يديك، وإذا صليت فكبر، ومنه (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) والاستعاذة استدفاع الادنى بالاعلى على وجه الخشوع والتذلل، وتأويله استعذ بالله من وسوسة الشيطان عند قراءتك لتسلم في التلاوة من الزلل وفي التأويل من الخطل، والاستعاذة عند التلاوة مستحبة غير واجبة بلا خلاف في الصلاة، وخارج الصلاة انتهى. وفي كيفية الاستعاذة عند القراء اختلاف كثير، فقال ابن كثير وعاصم وأبو عمرو: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ونافع وابن عامر والكسائي كذلك بزيادة (إن الله هو السميع العليم) وحمزة (نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) وأبو حاتم (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) والاشهر بيننا الاول والاخير، وفي بعض رواياتنا (أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم) وزاد في بعضها (إن الله هو السميع العليم) وفي بعضها (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون) وفي بعضها (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو الفتاح العليم). قال الشهيد - ره - في الذكرى في سنن القراءة: فمنها الاستعاذة قبل القراءة في الركعة الاولى خاصة من كل صلاة، لعموم فإذا قرأت القرآن أي أردت القراءة، ولما روى أبو سعيد الخدري (2) أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول قبل القراءة: أعوذ بالله من


= = (ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم) الاية: 87، وبعد ما نزلت الاية وجعل سورة الفاتحة في قبال القرآن العظيم كأنها في كفة والقرآن العظيم في كفة، اختارها النبي صلى الله عليه وآله بدلا من قراءة قرآن كامل، وجعلها في أول الركعة، وقال: لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وخير المصلين على ما خيرهم الله في آية المزمل بقراءة سورة ميسرة بعدها على حسب حالهم حتى أنه يمكنهم أن يجتزئوا من قراءة السورة بقراءة الحمد في حال المرض والسفر، فان الفاتحة أيضا سورة ميسرة، والحمد لله رب العالمين. (1) مجمع البيان ج 6 ص 384. (2) الذكرى: 191. [*]

[6]

الشيطان الرجيم، ولرواية الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام وصورته ما روى الخدري، وروي أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ورواه البزنطي عن معاوية بن عمار (2) عن الصادق عليه السلام واختاره المفيد في المقنعة، وروى (3) سماعة أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وقال ابن البراج: يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم). وللشيخ أبي علي ابن الشيخ الاعظم أبي جعفر الطوسي قول بوجوب التعوذ للامر به، وهو غريب، لان الامر هنا للندب بالاتفاق، وقد نقل فيه والده في الخلاف الاجماع، وقد روى الكليني (4) عن أبي جعفر عليه السلام إذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فلا تبال أن لا تستعيذ. ثم قال - ره -: لا تتكرر الاستعاذة عندنا وعند الاكثر، ولو نسيها في الاولى لم يأت بها في الثانية، انتهى. وأقول: الظاهر التخيير بين أنواع الاستعاذة الواردة في النصوص، ولولا الاخبار الكثيرة لتأتى القول بوجوب الاستعاذة في كل ركعة يقرء فيها بل في غير الصلاة عند كل قراءة (5) لكن الاخبار الكثيرة تدل على الاستحباب، وتدل بظواهرها على


(1) تراه في التهذيب ج 1 ص 152. (2) أخرجه في الذكرى، ولم يعثر عليه في الكتب الاربعة. (3) التهذيب ج 1 ص 177. (4) الكافي ج 3 ص 313، ولما روى أيضا أن الشياطين إذا سمعوا (بسم الله الرحمن الرحيم) ولوا على أدبارهم نفورا، وبعد نفورهم وتوليهم مدبرين لا حاجة إلى الاستعاذة منهم، فتكون البسملة كالاستعاذة بل هو أحسن. (5) قد عرفت في ج 83 ص 166 أن الاية من المتشابهات، ظاهرها الاستقلال، وليس كذلك، فلا يجوز اتباعها الابعد تأويلها، وقد أولها رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام إلى الركعة الاولى من الصلاة، فالمتبع سنته صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز التخطي عنها أبدا وانما لم تجب الاستعاذة في حال الاختيار كسائر السنن ولم تبطل الصلاة بتعمد تركها لكون البسملة خلفا عن الاستعاذة، على ما عرفت. [*]

[7]

اختصاصه بالركعة الاولى والاجماع المنقول والعمل المستمر مؤيد، ومن مخالفة ولد الشيخ يعلم معنى الاجماع الذي ينقله والده قدس سره (1) وهو أعرف بمسلك أبيه ومصطلحاته. (ورتل القرآن ترتيلا) قال في الصحاح: الترتيل في القراءة الترسل فيها والتبيين من غير بغي، وفي النهاية التأني فيها والتمهل، وتبيين الحروف والحركات تشبيها بالثغر المرتل، وهو المشبه بنور الاقحوان. وفي المغرب الترتيل في الاذان وغيره أن لا يعجل في إرسال الحروف، بل يتثبت فيها ويبينها تبيينا، ويوفيها حقها من الاشباع، من غير إسراع، من قولهم ثغر مرتل ورتل مفلج مستوى النسبة حسن التنضيد. وقال المحقق في المعتبر: هو تبيينها من غير مبالغة، قال: وربما كان واجبا إذا اريد به النطق بالحروف، بحيث لا يدمج بعضها في بعض، ويمكن حمل الاية عليه لان الامر عند الاطلاق للوجوب، وتبعه العلامة في المنتهى وقال في النهاية: يعني به بيان الحروف وإظهارها ولا يمد بحيث يشبه الغناء وقال في الذكرى: هو حفظ الوقوف وأداء الحروف. وقال في مجمع البيان (2) أي بينه بيانا واقرءه على هينتك وقيل معناه ترسل فيه ترسلا، وقيل: تثبت فيه تثبتا وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام في معناه أنه قال: بينه بيانا ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ولكن أقرع به القلوب القاسية،


(1) كان الشيخ قدس سره يذهب إلى قاعدة اللطف بأن على الامام الغائب - أرواح العالمين له الفداء - أن يظهر الحق من الاحكام عند اشراف الامة على خلاف الحق لئلا تجتمع شيعته على الخطاء، وكان قدس سره رئيس المذهب في وقته لا يشذ العلماء المتفقهون عن حوزته، فإذا عنون مسألة فقهية وبحث فيها ولم يخالف معه أحد ممن لا يعرف شخصه ونسبه، ولم ينقل خلاف فيه ممن هو كذلك ادعى الشيخ قدس سره الاجماع على المسألة و لو كان ولده أو السيد المرتضى وأمثالهما ممن يعرف شخصه ونسبه مخالفا في المسألة. فافهم ذلك. (2) مجمع البيان ج 9 ص 377. [*]

[8]

ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة، وروى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في هذا قال: هو أن تتمكث فيه وتحسن به صوتك انتهى. وعد الشهيد - ره - في النفلية الترتيل من المستحبات، وقال: هو تبيين الحروف بصفاتها المعتبرة من الهمس والجهر والاستعلاء والاطباق والغنة وغيرها، والوقف التام والحسن، وعند فراغ النفس مطلقا، وفسر الشهيد الثاني - ره - التام بالذي لا يكون للكلام قبله تعلق بما بعده لفظا ولا معنى، والحسن بالذي يكون له تعلق من جهة اللفظ دون المعنى، ثم قال: ومن هنا يعلم أن مراعاة صفات الحروف المذكورة وغيرها ليس على وجه الوجوب، كما يذكره علماء فنه، مع إمكان أن يريدوا تأكيد الفعل كما اعترفوا في اصطلاحهم على الوقف الواجب. ثم قال: ولو حمل الامر بالترتيل على الوجوب كان المراد ببيان الحروف إخراجها من مخارجها على وجه يتميز بعضها عن بعض، بحيث لا يدمج بعضها في بعض وبحفظ الوقوف مراعاة ما يخل بالمعنى ويفسد التركيب، ويخرج عن اسلوب القرآن الذي هو معجز بغريب اسلوبه وبلاغة تركيبه انتهى. فظهر مما ذكرنا أن الذي يظهر من كلام اللغويين هو أن الترتيل الترسل والتأني وعليه حمل الاية جماعة من أصحابنا وغيرهم كما عرفت، لكن لما روى الخاص والعام عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس تفسيره بحفظ الوقوف وأداء الحروف، وفي بعض الروايات وبيان الحروف تمسك به أصحاب التجويد، وفسروه بهذا الوجه و تبعهم الشهيد قدس سره وكثير ممن تأخر عنه، وتبعوهم في تفسيرهم الحديث حيث فسروه على قواعدهم ومصطلحاتهم. ولقد أحسن الوالد قدس سره حيث قال: الترتيل الواجب هو أداء الحروف من المخارج، وحفظ أحكام الوقوف، بأن لا يقف على الحركة ولا يصل بالسكون فانهما غير جائزين باتفاق القراء وأهل العربية، والترتيل المستحب هو أداء الحروف بصفاتها المحسنة لها، وحفظ الوقوف التي استحبها القراء وبينوها في تجاويدهم. والحاصل أنه إن حملنا الترتيل في الاية على الوجوب كما هو دأبهم في أوامر

[9]

القرآن، فليحمل على ما اتفقوا على لزوم رعايته من حفظ حالتي الوصل الوقف، و أداء حقهما من الحركة والسكون، أو الاعم منه ومن ترك الوقف في وسط الكلمة اختيارا ومنع الشهيد - ره - من السكوت على كل كلمة بحيث يخل بالنظم، فلو ثبت تحريمه كان أيضا داخلا فيه، ولو حمل الامر على الندب أو الاعم كان مختصا أو شاملا لرعاية الوقف على الايات مطلقا كما ذكره جماعة من أكابر أهل التجويد. ويشمل أيضا على المشهور رعاية ما اصطلحوا عليه من الوقف اللازم والتام والحسن والكافي والجائز والمجوز والمرخص والقبيح، لكن لم يثبت استحباب رعاية ذلك عندي، لان تلك الوقوف من مصطلحات المتأخرين، ولم تكن في زمان أمير المؤمنين عليه السلام، فلا يمكن حمل كلامه عليه السلام عليه إلا أن يقال: غرضه عليه السلام رعاية الوقف على ما يحسن بحسب المعنى على ما يفهمه القارئ، ولا ينافي هذا حدوث تلك الاصطلاحات بعده. ويرد عليه أيضا أن هذه الوقوف إنما وضعوها على حسب ما فهموه من تفاسير الايات، وقد وردت الاخبار الكثيرة كما سيأتي في أن معاني القرآن لا يفهمها إلا أهل بيت نزل عليهم القرآن، ويشهد له أنا نرى كثيرا من الايات كتبوا فيها نوعا من الوقف بناء على ما فهموه، ووردت الاخبار المستفيضة بخلاف ذلك المعنى، كما أنهم كتبوا الوقف اللازم في قوله سبحانه (وما يعلم تأويله إلا الله) على آخر الجلالة لزعمهم أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابهات، وقد وردت الاخبار المستفيضة في أن الراسخين هم الائمة عليهم السلام، وهم يعلمون تأويلها، مع أن المتأخرين من مفسري العامة والخاصة رجحوا في كثير من الايات تفاسير لا توافق ما اصطلحوا عليه في الوقوف. ولعل الجمع بين المعينين لورود الاخبار على الوجهين وتعميمه بحيث يشمل الواجب والمستحب من كل منهما حتى أنه يراعى في الوقف ترك قلة المكث بحيث ينافي التثبت والتأني، وكثرة المكث بحيث ينقطع الكلام ويتبدد النظام، فيكره أو يصل إلى حد يخرج عن كونه قارئا فيحرم على المشهور، أولى وأظهر تكثيرا للفائدة

[10]

ورعاية لتفاسير العلماء واللعويين، وأخبار الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، والله يعلم حقائق كلامه المجيد. (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) استدل به بعض الاصحاب على وجوب القراءة في الصلاة حيث دل الامر على الوجوب، وأجمعوا على أنها لا تجب في غير الصلاة، فتجب فيها، وعلى هذه الطريقة استدلوا به على وجوب السورة حيث قالوا الامر للوجوب وما تيسر عام فوجب قراءة كل ما تيسر لكن وجوب الزائد على مقدار الحمد والسورة في الصلاة منفي بالاجماع فبقى وجوب السورة سالما عن المعارض. واجيب بأنه يجوز أن تكون كلمة ما نكرة موصوفة لا موصولة حتى يفيد العموم فالمعنى شيئا ما تيسر أي اقرؤا مقدار ما أردتم وأحببتم، ولعل ذلك أظهر لكونه المتبادر عرفا كما يقال أعطه ما تيسر، وكونه أنسب بسياق الاية، وغرض التخفيف والامتثال المقصود بيانه بها والتفريع على قوله (فتاب عليكم) واستلزامه التفصي عن مثل هذا التخصيص الذى هو في غاية البعد. وأيضا الاية واقعة في سياق آيات صلاة الليل والظاهر كون المراد القراءة في صلاة الليل أو في الليل مطلقا على الندب والاستحباب كما سيأتي. وقيل: المراد بالقراءة الصلاة تسمية للشئ باسم بعض أجزائه، وعنى بها صلاة الليل، ثم نسخ بالصلوات الخمس، وقيل الامر في غير الصلاة، فقيل على الوجوب نظرا في المعجزة، ووقوفا على دلائل التوحيد، وإرسال الرسل، وقيل على الاستحباب فقيل أقله في اليوم والليلة خمسون آية، وقيل مائة، وقيل مائتان كذا ذكره في كنز العرفان، ومع تطرق تلك الاحتمالات التي أكثرها أظهر من التخصيص يشكل الاستدلال بعموم الايات، وسيأتي تمام القول فيه وفي قوله تعالى (فاقرؤا ما تيسر منه). 1 - تفسير الامام: قال عليه السلام الذى ندبك الله إليه وأمرك به عند قراءة القرآن (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم) فان أمير المؤمنين عليه السلام قال إن قوله (أعوذ بالله) أمتنع بالله (السميع) لمقال الاخيار والاشرار، ولكل من المسموعات

[11]

من الاعلان والاسرار (العليم) بأفعال الفجار والابرار وبكل شئ مما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون (من الشيطان) هو البعيد من كل خير الرجيم المرجوم باللعن المطرود من بقاع الخير، والاستعاذة هي مما قد أمر الله به عباده عند قراءتهم القرآن، فقال: (فإذا قرأت القرآن) (1) الاية. 2 - المجازات النبوية: للسيد الرضي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل صلاة لا يقرء فيها بفاتحه الكتاب فهي خداج. وروي بلفظ آخر وهو قوله: كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج. قال السيد رضي الله عنه هذه استعارة عجيبة لانه صلى الله عليه وآله جعل الصلاة التي لا يقرء فيها ناقصة بمنزلة الناقة إذا ولدت ولدا ناقص الخلقة أو ناقص المدة ويقال أخدج الرجل صلاته إذا لم يقرء فيها وهو مخدج وهي مخدجه، وقال بعض أهل اللغة يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلقة، و أخدجت إذا ألقته ناقص الخلق، وإن كان تام الحمل، فكأنه صلى الله عليه وآله قال: كل صلاة لايقرء فيها فهي نقصان (2). 3 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون مستعجلا يجزيه أن يقرء في الفريضة بفاتحة الكتاب وحدها ؟ قال: لا بأس (3). تبيين: لا خلاف بين الاصحاب في وجوب القراءة في الصلاة، وإليه ذهب أكثر المخالفين، وليست بركن في الصلاة عند الاكثر حتى أن الشيخ نقل الاجماع عليه، وحكى في المبسوط القول بركنيتها عن بعض الاصحاب، والاول أصح للروايات


(1) تفسير الامام: 6. (2) المجازات النبوية: 70، وزاد بعده: (الا أنها مع نقصانها مجزية، و ذلك كما يقال في قوله عليه السلام لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد، وانما أراد به نفى الفضل لا نفى الاصل، فكأنه قال لا صلاة كاملة أو فاضلة الا في المسجد وان كانت مجزية في غير المسجد الخ. (3) قرب الاسناد: 96 ط حجر ص 127 ط نجف. [*]

[12]

الكثيرة المستفيضة الدالة على عدم إعادة الصلاة بتركها نسيانا، وتجب في الفريضة الثنائية وفي الاوليين من غيرها الحمد عند علمائنا أجمع على ما نقله جماعة من الاصحاب وهل يتعين الفاتحة في النافلة ؟ الاقرب ذلك وقال في التذكرة: لا تجب قراءة الفاتحة فيها للاصل، والاصوب اشتراط الفاتحة فيها كسائر واجبات الصلاة إلا ما أخرجه الدليل. ولا خلاف بين الاصحاب في جواز الاقتصار على الحمد وحدها في النوافل مطلقا وفي الفرائض عند الضرورة كالخوف والمرض وضيق الوقت، ونقل الاتفاق على ذلك العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر، واختلفوا في وجوب السورة عند عدم الضرورة فذهب الاكثر إلى الوجوب، والشيخ في النهاية وابن الجنيد وسلار والمحقق في المعتبر إلى الاستحباب، ومال إليه في المنتهى واختاره جماعة من المتأخرين والاخبار في ذلك متعارضة فبعضها يدل على وجوب السورة الكاملة، وأكثر الاخبار المعتبرة تدل على عدم الوجوب: فبعضها يدل على عدم وجوب السورة أصلا، وبعضها على جواز الاكتفاء ببعض السورة وهي أكثر. ويظهر من الشيخ في المبسوط وابن الجنيد الميل إلى هذه الاخبار، والقول بوجوب شئ مع الحمد إما سورة كاملة أو بعض سورة قال في المبسوط قراءة سورة بعد الحمد واجب على أنه إن قرء بعض السورة لا نحكم ببطلان الصلاة، وقال ابن الجنيد: ولو قرئ بام الكتاب وبعض سورة في الفرائض أجزء، وهذا مما يضعف استدلال أكثر المتأخرين بتلك الاخبار تمسكا بعدم القول بالفصل، وبالجملة القول بعدم وجوب السورة الكاملة قوي من حيث الاخبار، والاحتياط يقتضي عدم ترك السورة إلا عند الاضطرار، وإنما عدل الاكثر عن تلك الاخبار إلى الوجوب، لان عدم الوجوب قول المخالفين إلا شاذا منهم، وهذا مما يؤكد الاحتياط. وهذا الخبر مما استدل به على الوجوب، وأجاب القائلون بالاستحباب بأن دلالته بالمفهوم ولا يعارض المنطوق، ويمكن حمله على الاستحباب، بل يمكن أن يستدل به على الندب إذ الاستعجال أعم من أن يكون لحاجة ضرورية أو غيرها، مع أن مفهومه ثبوت البأس عند عدمه، وهو أعم من الحرمة.

[13]

4 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى عليه السلام عن رجل قرء سورتين في ركعة، قال: إذا كانت نافلة فلا بأس، فأما الفريضة فلا يصلح (1). بيان: ظاهره كراهة القران بين السورتين في ركعة في الفريضة، وعدمها في النافلة وأما جواز القران في النافلة فلا خلاف فيه بين الاصحاب، بل ظاهرهم الاتفاق على عدم الكراهة أيضا، وقد دلت عليه أخبار كثيرة عموما وفي خصوص كثير من النوافل كصلاة الوتر وصلاة أمير المؤمنين عليه السلام وصلاة فاطمة وصلاة النبي صلى الله عليه وآله وغيرها، والاولى عدم القران فيما لم يرد فيه بالخصوص لاطلاق بعض الاخبار. وأما القران في الفريضة فذهب الشيخ في الاستبصار وابن إدريس والمحقق وجمهور المتأخرين إلى الكراهة، وذهب الشيخ في النهاية والخلاف والمبسوط إلى أنه غير جائز، بل قال في الاخيرين إنه مفسد، وإليه ذهب المرتضى في الانتصار، وادعى عليه الاجماع، والاخبار فيها متعارضة، ويمكن الجمع بينها بوجهين: أحدهما حمل أخبار المنع على الكراهة، وثانيهما حمل أخبار الجواز على التقية، والاول أظهر، والثاني أحوط. وقال الشهيد الثاني - ره - يتحقق القران بقراءة أزيد من سورة، وإن لم يكمل الثانية، بل بتكرير السورة الواحدة أو بعضها، ومثله تكرار الحمد، وفيه نظر لانه ينافي تجويزهم العدول قبل تجاوز النصف، وكثير من الروايات تدل على جواز قراءة أكثر من سورة، وعلى أي حال، فالظاهر كون موضع الخلاف قراءة الزايد على أنه جزء من القراءة المعتبرة في الصلاة، إذ لا خلاف ظاهرا في جواز القنوت ببعض الايات وإجابة المسلم بلفظ القرآن، والاذان للمستأذن بقوله (ادخلوها بسلام) ونحو ذلك. 5 - قرب الاسناد: بالاسناد المتقدم عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقرء في الفريضة سورة النجم أيركع بها ؟ أو يسجد ثم يقوم فيقرء بغيرها ؟ قال: يسجد ثم يقوم فيقرء بفاتحة الكتاب ويركع، ولا يعود يقرء في الفريضة


(1) قرب الاسناد: 93 ط حجر ص 122 ط نجف. [*]

[14]

بسجدة (1). 6 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر عنه عليه السلام مثله إلا أن فيه: ويركع، وذلك زيادة في الفريضة فلا يعودن يقرء السجدة في الفريضة (2). بيان: المشهور بين الاصحاب عدم جواز قراءة العزيمة في الفرائض، ونقل جماعة عليه الاجماع، وقال ابن الجنيد: لو قرء سورة من العزائم في النافلة سجد، وإن كان في فريضة أومأ، فإذا فرغ قرأها وسجد، وظاهره جواز القراءة في الفريضة، وربما يحمل كلامه على أن المراد بالايماء ترك قراءة السجدة مجازا وهو بعيد جدا، نعم يمكن حمله على الناسي، وهذه الرواية تدل ظاهرا على جواز قراءتها في الفريضة و السجود في أثنائها ويمكن حملها على الناسي أو على التقية. ثم الظاهر من كلام القائلين بالتحريم بطلان الصلاة بقراءتها، وقال في المعتبر: والتحقيق أنا إن قلنا بوجوب سورة مضافة إلى الحمد وحرمنا الزيادة، لزم المنع من قراءة سورة العزيمة، وإن أجزنا أحدهما لم يمنع ذلك، إذا لم يقرء موضع السجود وقال في الذكرى: لو قرأها سهوا في الفريضة ففي وجوب الرجوع منها ما لم يتجاوز النصف وجهان، وإن تجاوز ففي جواز الرجوع أيضا وجهان، والمنع أقرب، وإن منعناه أومأ بالسجود ثم ليقضها، ويحتمل وجوب الرجوع ما لم يتجاوز السجدة وهو أقرب انتهى ملخصا. وإذا أتم السورة ناسيا فظاهر الشهيد أنه يومئ ثم يقضي، وبه قطع الشهيد الثاني والعلامة خير بين الايماء والقضاء، وقال ابن إدريس: مضى في صلاته ثم قضى، والاحوط اختيار الاول مع الاعادة أو العمل بهذا الخبر مع الاعادة، ولو استمع في الفريضة قال العلامة في النهاية: أومأ أو سجد بعد الفراغ، والجمع بينهما أحوط، وقرب العلامة تحريم الاستماع في الفريضة كالقراءة، ولا يخلو من تأمل. كل ذلك في الفريضة فأما في النافلة فالمشهور جواز قراءتها، ووجوب السجود


(1) قرب الاسناد: 93 ط حجر: 121 ط نجف. (2) المسائل - البحار ج 10 ص 285. [*]

[15]

في الاثناء ثم يقوم فيتم القراءة، ولو كانت السجدة آخر السورة استحب له بعد القيام قراءة الحمد ليركع عن قراءة لرواية الحلبي (1) وقال الشيخ: يقرء الحمد وسورة أو آية معها، ولو نسي السجدة حتى ركع سجد إذا ذكر، لصحيحة محمد بن مسلم (2) ولو كان مع إمام ولم يسجد إمامه ولم يتمكن من السجدة أومأ للروايات الكثيرة، والاحوط القضاء بعدها أيضا. 7 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن إمام قرأ السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع ؟ قال: يقدم غيره فيسجد ويسجدون، وينصرف، فقد تمت صلاتهم (3). بيان: روى هذا الخبر في التهذيب (4) بسند صحيح عن علي بن جعفر، والجواب هكذا، قال: يقدم غيره فيتشهد ويسجد وينصرف هو، وقد تمت صلاتهم. والخبر يحتمل وجوها: الاول أن يكون فاعل التشهد والسجود والانصراف جميعا الامام الاول فيكون التشهد محمولا على الاستحباب للانصراف عن الصلاة، والسجود للتلاوة لعدم اشتراط الطهارة فيه. الثاني أن يكون فاعل الاولين الامام الثاني، بناء على أن الامام قد ركع معهم، والمراد بقول السائل قبل أن يسجد قبل سجود الصلاة لا سجود التلاوة، ولا يخفى بعده. الثالث أن يكون فاعل التشهد الامام الثاني أي يتم الصلاة بهم وعبر عنه بالتشهد


(1) الكافي ج 3 ص 318، الاستبصار ج 1 ص 319. (2) التهذيب ج 1 ص 219. (3) قرب الاسناد ص 94 ط حجر ص 123 ط نجف. (4) التهذيب ج 1 ص 220، ولعل المراد بقوله (قرأ السجدة) أي السجدة الاولى من صلاته (فأحدث قبل أن يسجد) أي الثانية، بقرينة أن لكل ركعة سجدتان، والجواب ظاهر، فان الامام يقدم غيره ليسجد بهم السجدة الثانية ويسجدون، وينصرف هو ليتوضأ ويبنى على صلاته، وعلى هذا الوجه ليس الرواية من الباب. [*]

[16]

لانه آخر أفعالها، ويسجد الامام الاول للتلاوة وينصرف. الرابع أن يكون فاعل الاولين الامام الثاني، ويكون المراد بالتشهد إتمام الصلاة بهم وبالسجود سجود التلاوة أي يتم الصلاة بهم ويسجد للتلاوة بعد الصلاة. وأما على ما في قرب الاسناد فالمعنى يسجد الامام الثاني بالقوم إما في أثناء الصلاة كما هو الظاهر أو بعده على احتمال بعيد، وينصرف أي الامام الاول بعد السجود منفردا أو قبله، بناء على اشتراط الطهارة فيه، وهو أظهر من الخبر. وعلى التقادير يدل على جواز قراءة العزيمة في الفريضة، ولا يمكن حمله على النافلة لعدم جواز الجماعة فيها، ويكن حمله على المشهور على النسيان أو على التقية ومع قطع النظر عن الشهرة يمكن حمل أخبار المنع على الكراهة. 8 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: بسنديهما عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل أراد سورة فقرأ غيرها هل يصلح له أن يقرأ نصفها ثم يرجع إلى السورة التي أراد ؟ قال: نعم، ما لم يكن قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون (1). وسألته عن القراءة في الجمعة بما يقرء ؟ قال: بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون وإن أخذت في غيرها وإن كان قل هو الله أحد فاقطعها من أولها وارجع إليها (2). بيان: في كتاب المسائل في السؤال الاول هكذا (هل يصلح له بعد أن يقرأ) نصفها أن يرجع). ثم اعلم أنه يستفاد من الخبر أحكام: الاول: جواز العدول عن غير الجحد والتوحيد بعد قراءة نصف السورة إلى غيرها والمشهور بين الاصحاب جواز العدول من سورة إلى اخرى في غير السورتين، ما لم يتجاوز النصف، واعتبر ابن إدريس والشهيد في الذكرى عدم بلوغ النصف، وأسنده في الذكرى إلى الاكثر، واعترف جماعة من الاصحاب بأن التحديد بمجاوزة النصف أو


(1) قرب الاسناد ص 95 ط حجر 124 ط نجف المسائل ج 10 ص 275 من البحار. (2) قرب الاسناد ص 97 ط حجر ص 128 ط نجف. [*]

[17]

بلوغه غير موجود في النصوص وهو كذلك وما ورد في هذا الخبر إنما وقع التقييد في كلام السائل (1) ومع اعتباره يوافق أحد القولين، وسائر الروايات مطلقة بجواز العدول إلا موثقة ابن بكير (2) عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يريد أن يقرأ السورة فيقرأ غيرها، فقال: له أن يرجع ما بينه وبين أن يقرأ ثلثيها، وهذا التفصيل لم يقل به أحد، ويمكن حمله على كراهة العدول بعد الثلثين، فلو ثبت إجماع على عدم جواز العدول بعد النصف كان حجة والظاهر عدمه فالقول بالجواز مطلقا متجه والاحتياط ظاهر. الثاني: عدم جواز العدول عن السورتين إلى غيرهما عدا ما استثني، والمشهور تحريم العدول عنهما مطلقا في غير ما سيأتي، ونقل المرتضى في الانتصار إجماع الفرقة عليه، وذهب المحقق في المعتبر إلى الكراهة، وتوقف فيه العلامة في المنتهى والتذكرة وهو في محله. الثالث: جواز العدول عن التوحيد والجحد أيضا إلى الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة واستحبابه وهو المشهور بين الاصحاب لكن قيده أكثر الاصحاب بعدم تجاوز النصف في السورتين، وقال في الشرايع في أحكام الجمعة: وإذا سبق الامام إلى قراءة سورة فليعدل إلى الجمعة والمنافقين ما لم يتجاوز نصف السورة إلا في سورة الجحد والتوحيد، وهو ظاهر إطلاق ابن الجنيد والسيد، ولعل جواز العدول أقوى. ثم المشهور جواز العدول عن السورتين كما هو ظاهر هذا الخبر والروايات التي أوردها الاصحاب في كتبهم إنما تضمنت جواز العدول عن التوحيد فقط وربما يتمسك في ذلك بعدم القول بالفصل، وفيه إشكال، ولذا توقف بعض المتأخرين في العدول عن الجحد، ولا يبعد كون هذا الخبر بانضمام الشهرة بين القدماء المتأخرين كافيا في إثباته.


(1) راجع في ذلك ج 82 ص 346. (2) التهذيب ج 1 ص 220. [*]

[18]

ثم اعتبار عدم تجاوز النصف في جواز العدول عنهما مصرح به في كلام الاكثر وكثير من عبارات الاصحاب مجمل والاخبار مطلقة، وربما يستند في ذلك إلى ما رواه الشيخ عن صباح بن صبيح (1) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل أراد أن يصلي الجمعة فقرأ بقل هو الله أحد، قال: يتمها ركعتين ثم يستأنف، بأن الجمع بينها وبين ساير الروايات يقتضي حملها على بلوغ النصف، وسائرها على عدمه، وهذا هو التفصيل الذى صرح به الصدوق وابن إدريس، ولا يخفى ما فيه، بل الجمع بالتخيير أقرب كما يشعر به كلام الكليني - ره - (2). ثم إنه اشترط الشيخ علي والشهيد الثاني قدس الله روحهما في جواز العدول عن السورتين أن يكون الشروع فيهما نسيانا، ولعل التعميم أظهر، كما هو المستفاد من إطلاق أكثر الروايات. ثم إن المذكور في كثير من عبارات الاصحاب في هذه المسألة ظهر الجمعة، وفي كثير منها إجمال، والظاهر اشتراك الحكم عندهم بين الظهر والجمعة بلا خلاف في عدم الفرق بينهما، والاخبار إنما وردت بلفظ الجمعة، والظاهر أنها تطلق على ظهر يوم الجمعة مجازا، وربما يقال إنها مشتركة بين الجمعة والظهر اشتراكا معنويا وهو غير ثابت، والعلامة في التذكرة عمم الحكم في الظهرين، وتبعه الشهيد الثاني ولا مستند له، ونقل عن الجعفي تعميم الحكم في صلاة الجمعة وصبحها والعشاء ليلة الجمعة، ودليله غير معلوم، ولو تعسر الاتيان ببقية السورة للنسيان أو حصول ضرر بالاتمام فقد صرح الاصحاب بجواز العدول. الرابع: ذكر أكثر الاصحاب وجوب البسملة للسورة المخصوصة، فقالوا لو قرأها بعد الحمد من غير قصد سورة فلا يعيدها، ومع العدول يعيد البسملة وعللوا


(1) التهذيب ج 1 ص 247. (2) حيثما روى باسناده عن محمد بن مسلم، عن أحدهما في الرجل يريد أن يقرء بسورة الجمعة في الجمعة فيقرء قل هو الله أحد ؟ قال: يرجع إلى سورة الجمعة. ثم قال بعده: وروى أيضا: يتمها ركعتين ثم يستأنف. راجع ج 3 ص 426 من الكافي. [*]

[19]

ذلك بأن البسملة صالحة لكل سورة فلا يتعين لاحدى السور إلا بالتعيين، فلو قصد بها سورة وعدل إلى غيرها فلا يحسب من المعدول إليها. وفيه نظر لانا لا نسلم أن للنية مدخلا في صيرورة البسملة جزء من السورة بل الظاهر أنه إذا أتى بالبسملة فقد أتى بشئ يصلح لان يكون جزء لكل سورة، وليس لها اختصاص بسورة معينة، فإذا أتى ببقية الاجزاء فقد أتى بجميع أجزاء السورة المعينة كما إذا كتب بسملة بقصد سورة تم كتب بعدها غيرها لا يقال: إنه لم يكتب هذه السورة بتمامها، ولو تم ما ذكروه يلزم أن يحتاج كل كلمة مشتركة بين السورتين إلى القصد، مثل الحمد لله والظاهر أنه لم يقل به أحد. ويمكن أن يستدل بهذا الخبر على عدم لزوم نية البسملة لانه إذا كان مريدا لسورة اخرى فقد قرأ البسملة لها ففي صورة عدم العدول يكون قد اكتفى ببسملة قصد بها اخرى، ولو قيل لعله عند قراءة السورة قصد البسملة لها، قلنا إطلاق الخبر يشمل ما إذا نسي السورة بعد قراءة البسملة للاخرى، وعدم التفصيل في الجواب دليل العموم. 9 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: أعطوا كل سورة حقها [حظها] من الركوع والسجود (5). وقال عليه السلام: تقرأ في صلاة الجمعة في الاولى الحمد والجمعة، وفي الثانية الحمد والمنافقين (2). وقال عليه السلام: إذا فرغتم من المسبحات الاخيرة فقولوا: سبحان الله الاعلى، وإذا قرأتم إن الله وملائكته يصلون على النبي فصلوا عليه في الصلاة كنتم أو في غيرها، وإذا قرأتم والتين فقولوا في آخرها: ونحن على ذلك من الشاهدين، وإذا قرأتم قولوا آمنا بالله، فقولوا آمنا بالله، حتى تبلغوا إلى قوله مسلمون (3).


(1) الخصال ج 2 ص 164. (2 - 3) الخصال ج 2 ص 165 و 166. [*]

[20]

توضيح: المشهور بين الاصحاب استحباب الجمعة والمنافقين في ظهري الجمعة وصلاة الجمعة، وظاهر الصدوق وجوبها في ظهر يوم الجمعة واختاره أبو الصلاح ونقل في الشرايع قولا بوجوب السورتين في الظهرين يوم الجمعة ولا يعلم قائله، وربما يظن أنه وهم من كلام الصدوق ذلك، وهو بعيد من مثله، وظاهر السيد وجوب السورتين في صلاة الجمعة ولعل الاظهر الاستحباب في الجميع والاحوط عدم الترك وهذا الخبر يدل على رجحان قرائتهما في الجمعة، ويدل صدور الخبر على مرجوحية القران بين السورتين في ركعة، وحمل على الفريضة، كما عرفت. 10 - العياشي: عن يونس بن عبد الرحمن عمن رفعه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم) قال: هي سورة الحمد وهى سبع آيات منها بسم الله الرحمن الرحيم وإنما سميت المثانى لانها تثنى في الركعتين (1). ومنه: عن أبى حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سرقوا أكرم آية في كتاب الله بسم الله الرحمن الرحيم (2). ومنه: عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما أنزل الله من السماء كتابا إلا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم، وإنما كان يعرف انقضاء السورة بنزول بسم الله الرحمن الرحيم ابتداء للاخرى (3). ومنه: عن الحسن بن خرزاد قال: روي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: إذا أم الرجل القوم جاء شيطان إلى الشيطان الذي هو قرين الامام، فيقول هل ذكر الله ؟ يعنى هل قرء بسم الله الرحمن الرحيم ؟ فان قال: نعم هرب منه، وإن قال: لا، ركب عنق الامام ودلى رجليه في صدره، فلم يزل الشيطان إمام القوم حتى يفرغوا من صلاتهم (4). ومنه: عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كانت لك حاجة فاقرأ


(1) تفسر العياشي ج 2 ص 250 والاية في الحجر: 87. (2 - 3) تفسير العياشي ج 1 ص 19. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 20. [*]

[21]

المثاني وسورة اخرى، وصل ركعتين وادع الله، قلت: أصلحك الله وما المثانى ؟ قال: فاتحة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين (1). ومنه: عن عيسى بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: بلغه أن اناسا ينزعون بسم الله الرحمن الرحيم، فقال: هي آية من كتاب الله أنساهم إياها الشيطان (2). ومنه: عن خالد بن المختار قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول: ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنها بدعة إذا أظهروها وهى بسم الله الرحمن الرحيم (3). ومنه: عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عن قول الله (لقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم) فقال: فاتحة الكتاب يثنى فيها القول (4). قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى من على بفاتحة الكتاب من كنز الجنة فيها بسم الله الرحمن الرحيم الاية التى يقول الله تعالى فيها (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا والحمد لله رب العالمين [الرحمن الرحيم] دعوى أهل الجنة حين شكروا الله حسن الثواب (مالك يوم الدين) قال جبرئيل ما قالها مسلم قط إلا صدقه الله وأهل سماواته (إياك نعبد) إخلاص للعبادة (وإياك نستعين) أفضل ما طلب به العباد حوائجهم (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) صراط الانبياء، وهم الذين أنعم الله عليهم (غير المغضوب عليهم) اليهود (وغير الضالين) النصارى (5). بيان: هذه الاخبار تدل على أن البسملة جزء من الفاتحة وبعضها على أنها جزء من كل سورة، وقال في الذكرى: بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة ومن كل سورة خلا براءة إجماعا منا، ثم قال: وابن الجنيد يرى أن البسملة في الفاتحة بعضها وفى


(1 - 3) تفسير العياشي ج 1 ص 21. (4 - 5) تفسير العياشي ج 1 ص 22. [*]

[22]

غيرها افتتاح لها (1) وهو متروك انتهى، وما ورد من تجويز تركها في السورة إما مبنى على عدم وجوب السورة الكاملة أو محمول على التقية لقول بعض المخالفين بالتفصيل. 11 - العياشي: عن محمد بن علي الحلبي، عن أبى عبد الله عليه السلام أنه كان يقرأ (مالك يوم الدين) ويقرأ (إهدنا السراط المستقيم) (2). ومنه: عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقرء ما لا احصي: ملك يوم الدين (3). بيان: قرأ عاصم والكسائي مالك والباقون ملك، وقد يؤيد الاولى بموافقة قوله تعالى (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله) (4) والثانية بوجوه خمسة الاول أنها أدخل في التعظيم، الثاني أنها أنسب بالاضافة إلى يوم الدين، كما يقال ملك العصر، الثالث أنها أوفق بقوله تعالى (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) (5) الرابع أنها أشبه بما في خاتمة الكتاب من وصفه سبحانه بالملكية بعد الربوبية، فيناسب الافتتاح الاختتام، الخامس أنها غنية عن توجيه وصف المعرفة بما ظاهره التنكير، وإضافة اسم الفاعل إلى الظرف لاجرائه مجرى المفعول به توسعا، والمراد مالك الامور كلها في ذلك اليوم وسوغ وصف المعرفة به إرادة معنى المضى تنزيلا


(1) بمعنى أنها سابع سبعة من آياتها التى قال الله عزوجل (ولقد آتيناك سبعا) فحكم بكونها جزءا من الفاتحة، وأما أنها كالجزء من سائر السور، فانها جعلت كالمفتاح تفتتح بها وكان جبرئيل عليه السلام حين ينزل بأول السورة من سور القرآن يفتتحها بالبسملة ثم لا يأتي بها الا عند افتتاح سورة أخرى فالبسملة آية واحدة، جعلت في افتتاح سورة الحمد جزءا ومفتاحا لسائر سور القرآن عند قراءتها، لكنها خارجة عنها كالباب ومفتاحه، ولذلك يجهر أهل البيت عليهم الصلاة والسلام بالبسملة حتى في الصلوات التى يخافت بقراءتها. (2 - 3) تفسير العياشي ج 1 ص 22 و 24. (4) الانفطار: 19. (5) غافر: 16. [*]

[23]

للمحقق الوقوع منزلة ما وقع أو إرادة الاستمرار الثبوتي، وأما قراءة ملك فغنية عن التوجيه لانها من قبيل كريم البلد. وفي أخبارنا وردت القراءتان، وإن كان مالك أكثر، وهذا مما يرجحه، وهذا الخبر ظاهره أنه سمعه عليه السلام يقرء في الصلواة الكثيرة وفي غيرها ملك دون مالك، ويحتمل أن يكون المراد تكرار الاية في الصلاة الواحدة على وفق الرواية الاتية فيدل على جواز تكرار بعض الايات، وعدم كونه من القران المنهى عنه. 12 - العياشي: عن الزهري قال: كان علي بن الحسين عليه السلام إذا قرأ (مالك يوم الدين يكررها حتى يكاد أن يموت (1). ومنه: عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: اهدنا الصراط المستقيم يعني أمير المؤمنين عليه السلام (2). ومنه: عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هم اليهود والنصارى (3). ومنه: عن رجل، عن ابن أبي عمير رفعه في قوله (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) قال: هكذا نزلت، وقال: المغضوب عليهم فلان وفلان وفلان، والنصاب و (الضالين) الشكاك الذين لا يعرفون الامام (4). بيان: قال البيضاوي وقرئ (وغير الضالين) ونسبه في مجمع البيان إلى علي عليه السلام وإلى أهل البيت عليهم السلام (صراط من أنعمت) لكن المشهور بين الاصحاب عدم جواز قراءة الشواذ في الصلاة، بل في غيرها أيضا، ولا خلاف في جواز قراءة أي السبع شاء واختلفوا في بقية العشر ورجح في الذكرى جوازها مدعيا تواترها كالسبع والاحوط الاقتصار على السبع. ثم المشهور بين المفسرين أن المغضوب عليهم هم اليهود لقوله تعالى فيهم


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 23. (2 - 4) تفسير العياشي ج 1 ص 24. [*]

[24]

(من لعنه الله وغضب عليه) (1)، والضالين هم النصارى لقوله تعالى فيهم (قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا) (2)، ويظهر من الاخبار أنهما يشملهما وكل من خرج عن الحق بعلم أو بغير علم، وقد مر القول فيه وسيأتي. 13 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل افتتح الصلاة فقرأ السورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب معها ؟ أيجزيه أن يفعل ذلك متعمدا لعجلة كانت ؟ قال: لا يتعمد ذلك، فان نسي فقرأه في الثانية أجزأه (3). وسألته عن الرجل يقرء في الفريضة بفاتحة الكتاب وسورة اخرى في النفس الواحد، هل يصلح ذلك أوما عليه إن فعل ؟ قال: إن شاء قرأ بالنفس الواحد، وإن شاء في غيره فلا بأس (4). وسألته عن الرجل يقرء في صلاته هل يجزيه أن لا يحرك لسانه وأن يتوهم توهما ؟ قال: لا بأس (5). وسألته عن الرجل يصلي أله أن يقرأ في الفريضة فيمر بالاية فيها التخويف فيبكي ويردد الاية ؟ قال: يردد القرآن ما شاء وإن جاءه البكا فلا بأس (6). وسألته عن الرجل يقرأ سورة واحدة في الركعتين من الفريضة وهو يحسن غيرها فان فعل فما عليه ؟ قال: إذا أحسن غيرها فلا يفعل وإن لم يحسن غيرها فلا بأس، وإن فعل فلا شئ عليه، ولكن لا يعود (7). وسألته عن رجل صلى العيدين وحده أو الجمعة هل يجهر فيها بالقراءة ؟ قال:


(1) المائدة: 60. (2) المائدة: 77. (3) قرب الاسناد ص 118 ط نجف. (4 - 5) قرب الاسناد ص 122 ط نجف. (6) قرب الاسناد ص 123 ط نجف. (7) قرب الاسناد: 95 ط حجر، 124 ط نجف. [*]

[25]

لا يجهر إلا الامام. قال: وقال أخي: يا علي بما تصلي في ليلة الجمعة ؟ قلت: بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون، فقال: رأيت أبي يصلي في ليلة الجمعة بسورة الجمعة وقل هو الله أحد، وفي الفجر بسورة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى، وفي الجمعة بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون (1). توضيح: لا خلاف بين الاصحاب في وجوب القراءة في الفريضة، ووجوب الحمد في الاوليين، والمشهور عدم ركنيتها، بل نقل الشيخ عليه الاجماع، لكن حكى في المبسوط عن بعض الاصحاب القول بركنيتها، والجواب عن السؤال الاول محمول على الذكر بعد الركوع، ويدل على عدم ركنية الفاتحة والقراءة في الثانية محمولة على الذكر قوله عليه السلام: (وإن شاء في غيره)، أقول: في كتاب المسائل (2) هكذا (وإن شاء أكثر فلا شئ عليه) ويدل على جواز قراءة سورة وأكثر بنفس واحد، قال في الذكرى: يستحب الوقوف على مواضعه وأجودها التام ثم الحسن، ثم الجائز، ثم قال: ويجوز الوقف على ما شاء، والوصل. ثم ذكر هذه الرواية، ثم قال نعم يكره قراءة التوحيد بنفس واحد لما رواه محمد بن يحيى بسنده إلى الصادق عليه السلام، انتهى. قوله: (أن لا يحرك لسانه) قال في الذكرى: أقل الجهر أن يسمع من قرب منه إذا كان يسمع، وحد الاخفات إسماع نفسه إن كان يسمع، وإلا تقديرا، قال في المعتبر: وهو إجماع العلماء، ثم قال: فان قلت قد روى علي بن جعفر، عن أخيه: لا بأس أن لا يحرك لسانه يتوهم توهما ؟ قلت: حمله الشيخ على من كان في موضع تقية لمرسلة محمد بن أبي حمزة عنه عليه السلام (3) يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس. قوله عليه السلام: (يردد القرآن ما شاء) يدل على جواز تكرير الاية، وأنه ليس


(1) قرب الاسناد ص 124 ط نجف. (2) المسائل - البحار ج 10 ص 276، ورواه في التهذيب ج 1 ص 220. (3) التهذيب ج 1 ص 256. [*]

[26]

من القران المنهي عنه كما توهم. قوله عليه السلام: (إذا أحسن غيرها فلا يفعل) يدل على كراهة قراءة سورة واحدة في الركعتين، كما ذكره أكثر الاصحاب، واستثنى بعضهم سورة التوحيد، كما مرت الاشارة إليه في خبر حماد، وقال في الذكرى روى في التهذيب (1) عن زرارة قلت لابي جعفر عليه السلام اصلي بقل هو الله أحد فقال: نعم قد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله في كلتا الركعتين بقل هو الله أحد لم يصل قبلها ولا بعدها بقل هو الله أحد أتم منها، قلت: تقدم كراهة أن يقرأ بالسورة الواحدة في الركعتين، فيمكن أن يستثنى من ذلك قل هو الله أحد لهذا الحديث، ولاختصاصها بمزيد الشرف أو فعله النبي صلى الله عليه وآله لبيان جوازه، انتهى، ونحو ذلك قال الشهيد الثاني - ره - في شرح النفلية. ثم اعلم أنه ربما يحمل هذا على تبعيض السورة في الركعتين، ولا يخفى بعده والاشتراط بعدم علم غيرها يأبى عنه، ويدل على عدم استحباب الجهر في العيدين وظهر الجمعة للمنفرد وسيأتي القول فيه. وقال في الذكرى: وافق المرتضى الصدوق في قراءة المنافقين في صبح الجمعة، ورواه الشيخ في المبسوط وهو في خبر ربعي وحريز (2) رفعاه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كانت ليله الجمعة يستحب أن يقرأ في العتمة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون، وفي صلاة الصبح مثل ذلك، وخير ابن أبي عقيل بين المنافقين وبين الاخلاص، وقال الشيخان بل يقرء في الثانية قل هو الله أحد، وهو موجود في رواية الكناني (3) وأبي بصير (4) عن الصادق عليه السلام وطريقه رجال الواقفة لكنه مشهور. ثم قال: ويستحب قراءة الجمعة في أول المغرب ليلة الجمعة والاعلى في الثانية لرواية أبي بصير عن الصادق عليه السلام، وقال في المصباح والاقتصاد: يقرء في الثانية التوحيد لرواية أبي الصباح، ويستحب قراءة الجمعة والاعلى في العشاء ليلة الجمعة لرواية


(1) التهذيب ج 1 ص 161. (2) التهذيب ج 1 ص 247. (3 - 4) التهذيب ج 1 ص 246. [*]

[27]

أبي الصباح أيضا، ورواه أبو بصير عنه عليه السلام أيضا، وقال ابن أبي عقيل: يقرء في الثانية المنافقين ووافق في الاول على الجمعة لرواية حريز السالفة والاول أشهر وأظهر في الفتوى، انتهى. وأقول: الاظهر التخيير بين الجميع لورود الرواية في الكل. 14 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: يقرء في ليلة الجمعة الجمعة وسبح اسم ربك الاعلى وفي الغداة الجمعة وقل هو الله أحد، وفي الجمعة الجمعة والمنافقين، والقنوت في الركعة الاولى قبل الركوع (1). 15 - الخصال: عن الخليل، عن الحسين بن حمدان، عن إسماعيل بن مسعود عن يزيد بن ذريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن أن سمرة بن جندب وعمران بن حصين تذاكرا فحدث سمرة أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وآله سكتتين سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءته عند ركوعه، ثم إن قتادة ذكر السكتة الاخيرة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين: أي حفظ ذلك سمرة وأنكره عليه عمران ابن حصين، قال: فكتبا في ذلك إلى ابي بن كعب وكان في كتابه إليهما أو في رده عليهما أن سمرة قد حفظ. قال الصدوق - ره - إن النبي صلى الله عليه وآله إنما سكت بعد القراءة لئلا يكون التكبير موصولا بالقراءة، وليكون بين القراءة والتكبير فصل، وهذا يدل على أنه لم يقل آمين بعد فاتحة الكتاب سرا ولا جهرا، لان المتكلم سرا أو علانية لا يكون ساكتا، وفي ذلك حجة قوية للشيعة على مخالفيهم في قولهم آمين بعد الفاتحة، ولا قوة إلا بالله (2). تأييد: قال الشهيد قدس سره في الذكرى: يستحب السكوت إذا فرغ من الحمد والسورة، فهما سكتتان لرواية إسحاق بن عمار عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله اختلفا في رسول الله، فكتبا إلى ابي بن كعب كم كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله من سكتة ؟ قال: كانت له سكتتان إذا فرغ من ام القرآن،


(1) قرب الاسناد ص 158 ط حجر ص 211 ط نجف. (2) الخصال ج 1 ص 38، ورواه في التهذيب ج 1 ص 221 عن اسحاق بن عمار. [*]

[28]

وإذا فرغ من السورة وفي رواية حماد (1) تقدير السكتة بعد السورة بنفس، وقال ابن الجنيد روى سمرة وابي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وآله أن السكتة الاولى بعد تكبيرة الافتتاح، والثانية بعد الحمد، ثم قال: الظاهر استحباب السكوت عقيب الحمد في الاخيرتين قبل الركوع وكذا عقيب التسبيح. 16 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الوليد، عن محمد بن الفضل، عن سليمان بن أبي عبد الله عليه السلام قال: صليت خلف أبي جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب وآي من البقرة: وجاء أبي فسأل فقال: يا بنى إنما صنع ذا ليفقهكم ويعلمكم (2). بيان: روى في التهذيب عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل بن الفضل قال: صلى بنا أبو عبد الله عليه السلام أو أبو جعفر عليه السلام فقرأ بفاتحة الكتاب وآخر سورة المائدة، فلما سلم التفت إلينا فقال: أما إني إنما أردت أن اعلمكم (3). والظاهر أن هذا الخبر غيره، وسليمان لعله ابن عبد الله بن الحسن، والمسؤول عبد الله و (أبي) زيد من النساخ، والتعليم في الخبرين الظاهر أنه تعليم جواز الاكتفاء ببعض السورة، وعدم وجوب تمامها أو عدم وجوب السورة مطلقا كما فهمه الاكثر أو تعليم التقية كما فهمه الشيخ في التهذيب ولا يخفى ما فيه، إذ يفهم من كلامه أنه لم يكن المقام مقام تقية، وفعل الصلاة على وجه التقية في غير مقام التقية بعيد جدا إلا أن يقال: هو مبني على عدم وجوب تمام السورة وعلمهم عليه السلام أن في مقام التقية ينبغي ترك المستحب والاكتفاء بالبعض، وحمله على نافلة يجوز الاقتداء فيها أو صلاة الايات في غاية البعد، فالظاهر منه عدم وجوب تمام السورة مطلقا. 17 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار عن يونس، عن جماعة من أصحابنا قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام ما العلة التي من أجلها لا يحل للرجل أن يصلي وعلى شاربه الحنا قال: لانه لا يتمكن من القراءة والدعاء (4).


(1) راجع ج 84 ص 189 بذيلها. (2) علل الشرايع ج 2 ص 28. (3) التهذيب ج 1 ص 220. (4) علل الشرايع ج ص 32. [*]

[29]

ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد البزنطي وغيره، عن أبان، عن مسمع بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يصلي المختضب، قلت: جعلت فداك ولم ؟ قال: إنه محصر (1). ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد، عن حريز عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل يقول: اقرأ سورة الجمعة والمنافقين فان قراءتهما سنة يوم الجمعة في الغداة والظهر والعصر، ولا ينبغي لك أن تقرأ بغيرهما في صلاة الظهر يعني يوم الجمعة، إماما كنت أو غير إمام (2). 18 - التوحيد والعيون: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن جعفر الاسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن زياد، عن عبد العزيز ابن المهتدي قال: سألت الرضا عليه السلام عن التوحيد، فقال: كل من قرأ قل هو الله أحد وآمن بها، فقد عرف التوحيد، قلت: كيف نقرؤها ؟ قال: كما يقرء الناس وزاد فيه كذلك الله ربي كذلك الله ربي (3). بيان: في أكثر كتب الحديث في هذا الخبر (كذلك الله ربي) ثلاث مرات (4) وعد الشهيد في النفلية من مستحبات القراءة قول كذلك الله ربي ثلاث مرات خاتمة التوحيد، واستدل عليه الشهيد الثاني في شرحها بهذه الرواية، وبما رواه عبد الرحمن


(1) علل الشرايع ج 2 ص 42، راجع شرح ذلك ج 84 ص 263 باب حكم المختضب في الصلاة. (2) علل الشرائع ج 2 ص 45. (3) التوحيد ص 284 ط مكتبة الصدوق، عيون الاخبار ج 1 ص 134. (4) لكنه مخالف لسائر الروايات كما رواه في الكافي ج 1 ص 91، مع ما في سائر الروايات التى تصرح بأن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول بعد (الله الصمد): الله أحد الله الصمد، وعند تمام السورة (كذلك الله ربى كذلك الله ربى) اشارة إلى الايتين الاخيرتين، راجع في ذلك ج 92 ص 218. [*]

[30]

ابن الحجاج (1) عن الصادق عليه السلام أن أباه كان إذا قرأ قل هو الله أحد وفرغ منها قال: كذلك الله أو كذاك الله ربي. 19 - العيون عن محمد بن علي بن الشاه، عن أبي بكر بن عبد الله النيسابوري، عن عبد الله بن أحمد الطا، عن أبيه، وعن أحمد بن إبراهيم الخوزي، عن إبراهيم بن مروان، عن جعفر بن محمد بن زياد، عن أحمد بن عبد الله الهروي، وعن الحسين بن محمد الاشناني، عن علي بن محمد بن مهرويه، عن داود بن سليمان جميعا عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة السفر فقرء في الاولى قل يا أيها الكافرون، وفي الاخرى قل هو الله أحد، ثم قال: قرأت لكم ثلث القرآن وربعه (2). صحيفة الرضا عليه السلام بسنده عنه عليه السلام مثله (3). 20 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن عمر العطار قال: دخلت على أبي الحسن العسكري عليه السلام يوم الثلثاء فقال: لم أرك أمس قال: كرهت الحركة في يوم الاثنين، قال: يا علي من أحب أن يقيه الله شر يوم الاثنين فليقرأ في أول ركعة من صلاة الغداة هل أتى على الانسان ثم قرأ أبو الحسن عليه السلام (فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقيهم نضرة وسرورا) (4).


(1) التهذيب ج 1 ص 171، وفيه تكرار الجملة مرتين، فلا يصلح اخراجه شاهدا نعم ما روى في خبر رجاء بن أبى الضحاك عن الرضا عليه السلام (العيون ج 2 ص 183) أنه كان إذا قرأ قل هو الله أحد قال سرا (الله أحد) فإذا فرغ منها قال: كذلك الله ربنا - ثلاثا - يصلح لكونه شاهدا على ذلك، الا أن الخبر ضعيف. والخبر لا ينافى ما أشرنا إليه من الاعتبار حيث صرح عليه السلام بمتن الاية الاولى عند تمامها وأشار إلى الايات الثلاث الاخيرة بقوله (كذلك الله ربنا) ثلاث مرات آخر السورة، الا أنه خلاف سنة النبي صلى الله عليه وآله. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 37. (3) صحيفة الرضا ص 20. (4) امالي الطوسى ج 1 ص 228. [*]

[31]

21 - الاحتجاج: قال: كتب محمد الحميري إلى القائم عليه السلام روي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها أن العالم عليه السلام قال: عجبا لمن لم يقرأ في صلاته إنا أنزلناه في ليلة القدر كيف تقبل صلاته ؟ وروي ما زكت صلاة من لم يقرأ فيها قل هو الله أحد، وروي أن من قرأ في فرائضه الهمزة اعطي من الثواب قدر الدنيا، فهل يجوز أن يقرأ الهمزة ويدع هذه السور التي ذكرناها، مع ما قد روي أنه لا تقبل صلاته ولا تزكو إلا بهما ؟ التوقيع: الثواب في السور على ما قد روي، وإذا ترك سورة مما فيها الثواب وقرء قل هو الله أحد وإنا أنزلناه لفضلهما اعطي ثواب ما قرء وثواب السورة التي ترك، ويجوز أن يقرأ هاتين السورتين وتكون صلاته تامة، ولكن يكون قد ترك الفضل (1). فلاح السائل: رأيت في كتاب مشايخ خواص من الشيعة لمولانا أبي الحسن علي ابن محمد ومولانا الحسن بن علي العسكريين ما هذا لفظ السائل ولفظه عليه السلام ثم ذكر هذه الرواية (2). غيبة الشيخ: عن جماعة، عن محمد بن أحمد بن داود القمي، عن محمد بن عبد الله الحميري مثله (3). بيان: لعله مخير بين قراءة القدر في الاولى والتوحيد في الثانية، وبين العكس، وهذا الخبر لا يدل على تعين الثاني كما توهم إذ الواو لا تدل على الترتيب، والخبر ورد في الوجهين جميعا، وقال الصدوق - ره - إنما يستحب قراءة القدر في الاولى والتوحيد في الثانية، لان القدر سورة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته، فيجعلهم المصلي وسيلة إلى الله تعالى لانه بهم وصل إلى معرفته، وأما التوحيد فالدعاء على أثرها مستجاب. 22 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن عبد الله بن المغيرة، عن معاذ بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تدع أن تقرأ قل هو الله أحد وقل


(1) الاحتجاج ص 269. (2) فلاح السائل لم نجده. (3) الغيبة ص 246. [*]

[32]

يا أيها الكافرون في سبعة مواطن: في الركعتين قبل الفجر، وركعتي الزوال، والركعتين بعد المغرب، والركعتين في أول صلاة الليل، وركعتي الاحرام، وركعتي الفجر إذا أصبحت بها، وركعتي الطواف. قال الصدوق رضي الله عنه: الامر بقراءة هاتين السورتين في هذه السبعة المواطن على الاستحباب لا على الوجوب (1). الهداية: عنه عليه السلام، مرسلا مثله (2). بيان: قال في الذكرى: من سنن القراءة اختيار ما تضمنته رواية معاذ بن مسلم، وذكر الرواية، ثم قال: قال الشيخ وفي رواية اخرى أنه يقرأ في هذا كله بقل هو الله أحد في الاولى وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون [إلا في الركعتين قبل الفجر فانه يبدء بقل يا أيها الكافرون] ثم يقرأ في الثانية بقل هو الله أحد (3) هذا حكاية الشيخ لكلام أبي جعفر الكليني - ره - ولم يذكرا سند الرواية، انتهى. وقال الشهيد الثاني قدس سره المراد بالاصباح بها أن يفعل بعد انتشار الصبح وظهوره كثيرا إذ قبله يستحب قراءة طوال المفصل فيها، والظاهر أن حد الاصباح ظهور الحمرة أو ما قاربه، بحيث تطلع ولما يفرغ، لان تأخيرها إلى ذلك الوقت مكروه، فإذا خاف الوصول إليه خففها وكذا إذا وصل إليه بالفعل. 23 - العيون: عن تميم بن عبد الله القرشي عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن رجاء بن أبي الضحاك قال: كان الرضا عليه السلام في طريق خراسان قراءته في جميع المفروضات في الاولى الحمد وإنا أنزلناه، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد إلا في صلاة الغداة والظهر والعصر يوم الجمعة، فانه كان يقرء فيها بالحمد وسورة الجمعة والمنافقين، وكان يقرء في صلاة العشاء الاخرة ليلة الجمعة في الاولى الحمد وسورة الجمعة وفي الثانية الحمد وسبح اسم ربك.


(1) الخصال ج 2 ص 5. (2) الهداية ص 38 ط الاسلامية. (3) الكافي ج 3 ص 316، التهذيب ج 1 ص 155 وما بين العلامتين ساقط من الكمبانى [*]

[33]

وكان يقرء في صلاة الغداة يوم الاثنين ويوم الخميس في الاولى الحمد وهل أتى على الانسان، وفي الثانية الحمد وهل أتيك حديث الغاشية، وكان يجهر بالقراءة في المغرب والعشاء وصلاة الليل والشفع والوتر والغداة، ويخفي القراءة في الظهر والعصر وكان يسبح في الاخراوين يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله [والله أكبر] ثلاث مرات، وكان قنوته في جميع صلاته (رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الاعز الاجل الاكرم). وكان إذا أقام في بلدة عشرة أيام صائما لا يفطر، فإذا جن الليل بدأ بالصلاة قبل الافطار، وكان في الطريق يصلي فرائضه ركعتين ركعتين إلا المغرب، فانه كان يصليها ثلاثا ولا يدع نافلتها ولا يدع صلاة الليل والشفع والوتر وركعتي الفجر في سفر ولا حضر. وكان لا يصلي من نوافل النهار في السفر شيئا وكان يقول بعد كل صلاة يقصرها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثلاثين مرة، ويقول: هذا تمام الصلاة وما رأيته صلى الضحى في سفر ولا حضر، وكان لا يصوم في السفر شيئا. وكان عليه السلام يبدء في دعائه بالصلاة على محمد وآله، ويكثر من ذلك في الصلاة وغيرها، وكان يكثر بالليل في فراشه من تلاوة القرآن، فإذا مر بآية فيها ذكر جنة أو نار بكى، وسأل الله الجنة وتعوذ بالله من النار، وكان عليه السلام يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار. وكان إذا قرأ قل هو الله أحد قال سرا: الله أحد، فإذا فرغ منها قال: كذلك الله ربنا ثلاثا وكان إذا قرأ قل يا أيها الكافرون قال في نفسه سرا: يا أيها الكافرون، فإذا فرغ منها قال: ربي الله وديني الاسلام ثلاثا، وكان إذا قرأ والتين والزيتون قال عند الفراغ منها: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، وكان إذا قرأ لا اقسم بيوم القيمة قال عند الفراغ منها: سبحانك اللهم بلى، وكان يقرء في سورة الجمعة قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة [للذين اتقوا] والله خير الرازقين. وكان إذا فرغ من الفاتحة قال: الحمد لله رب العالمين، فإذا قرأ سبح اسم ربك

[34]

الاعلى، قال سرا: سبحان ربي الاعلى، وإذا قرأ يا أيها الذين آمنوا قال: لبيك اللهم لبيك، سرا (1). بيان: ذكر الاكثر استحباب قراءة هل أتى في غداة الاثنين والخميس، و اقتصروا عليه وزاد الصدوق قراءة الغاشية في الثانية وقال من قرأهما وقاه الله شر اليومين والتسبيح في الاخراوين ليس فيه والله أكبر في أكثر النسخ المصححة القديمة، وإنما رأيناها ملحقة في بعض النسخ الجديدة. وقال في الذكرى: من سنن القراءة أنه إذا ختم والشمس وضحيها، فليقل صدق الله وصدق رسوله، وإذا قرأ آلله خير أما يشركون، قال: الله خير الله أكبر، وإذا قرأ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، قال كذب العادلون بالله، وإذا قرأ الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا - إلى - وكبره تكبيرا، قال الله أكبر ثلاثا وروى ذلك (2) عمار عن الصادق عليه السلام. ثم قال: وروى عبد الله المزني مرسلا (3) عن الصادق عليه السلام ينبغي للعبد إذا صلى أن يرتل قراءته وإذا مر بآية فيها ذكر الجنة والنار سأل الله الجنة وتعوذ بالله من النار، وإذا مر بيا أيها الذين آمنوا قال: لبيك ربنا. قلت: هذه الرواية تدل على جواز التلبية في الصلاة، ومثلها رواية أبي جرير (4) عن الكاظم عليه السلام قال: إن الرجل إذا كان في الصلاة فدعاه الوالد فليسبح فإذا دعته الوالدة فليقل لبيك انتهى. 24 - العيون: عن علي بن عبد الله بن الوراق، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب ابن يزيد، عن محمد بن حسان وأبي محمد النيلي، عن الحسين بن عبد الله، عن محمد بن علي بن شاهويه، عن أبي الحسن الصائغ، عن عمه قال: خرجت مع الرضا عليه السلام إلى


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 180 - 183. (2) التهذيب ج 1 ص 221. (3) التهذيب ج 1 ص 162. (4) التهذيب ج 1 ص 236. [*]

[35]

خراسان فما زاد في الفرائض على الحمد وإنا أنزلناه في الاولى، والحمد وقل هو الله أحد في الثانية (1). 25 - قرب الاسناد: عن محمد بن عبد الحميد وعبد الصمد بن محمد معا، عن حنان ابن سدير قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام المغرب فتعوذ باجهار أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأعوذ بالله أن يحضرون، ثم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم (2). بيان: قال في الذكرى: من سنن القراءة الاستعاذة قبلها في الركعة الاولى خاصة من كل صلاة ويستحب الاسرار بها، ولو في الجهرية، قاله الاكثر، ونقل الشيخ فيه الاجماع منا وروى حنان بن سدير (3) قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام فتعوذ باجهار ثم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ويحمل على الجواز انتهى وأقول: لم أر مستندا للاسرار، والاجماع لم يثبت، والرواية تدل على استحباب الجهر خصوصا للامام لا سيما في المغرب، إذ الظاهر اتحاد الواقعة في الروايتين، ويؤيده عموم ما ورد في إجهار الامام في سائر الاذكار إلا ما أخرجه الدليل. نعم ورد في صحيحة صفوان (4) قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام أياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم وأخفى ما سوى ذلك، وإنه يدل على استحباب الاخفات في الاستعاذة لان قوله ما سوى ذلك يشملها، ويمكن أن يقال لعله عليه السلام: لم يتعوذ في تلك الصلوات والاستدلال موقوف على الاتيان بها وهو بعيد إذ تركه عليه السلام الاستعاذة في صلوات متوالية بعيد لكن دخولها في ما سوى ذلك غير معلوم إذ يحتمل أن يكون المراد بما سوى ذلك من القراءة أو من الفاتحة بل هو الظاهر من السياق، وإلا فمعلوم


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 206 في حديث. (2) قرب الاسناد 58 ط حجر. (3) التهذيب ج 1 ص 218. (4) التهذيب ج 1 ص 153. [*]

[36]

أنه عليه السلام كان يجهر بالتسبيحات والتشهدات والقنوتات وسائر الاذكار، والاستعاذة ليست بداخلة في القراءة ولا في الفاتحة بل هي من مقدماتها والله يعلم. 26 - التوحيد: عن أحمد بن الحسين، عن محمد بن سليمان، عن محمد بن يحيى عن محمد بن عبد الله الرقاشي، عن جعفر بن سليمان، عن يزيد الرشك، عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله بعث سرية واستعمل عليها عليا عليه السلام فلما رجعوا سألهم فقالوا كل خير غير أنه قرأ بنا في كل الصلاة بقل هو الله أحد، فقال: يا علي لم فعلت هذا ؟ فقال: لحبي لقل هو الله أحد، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما أحببتها حتى أحبك الله عزوجل (1). مجمع البيان: عن عمران مثله (2). 27 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الاشعري، عن سهل بن الحسن، عن محمد بن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب، عن أبي الحسن العبدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من قرأ قل هو الله أحد وإنا أنزلناه في ليلة القدر وآية الكرسي في كل ركعة من تطوعه فقد فتح الله له بأعظم أعمال الادميين، إلا من أشبهه أو زاد عليه (3). دعوات الراوندي: عن أبي الحسن العبدي مثله. فلاح السائل: باسناده إلى التلعكبري عن آخرين، عن الكليني، عن محمد بن الحسن وغيره، عن سهل، عن محمد بن علي مثله (4). أقول: سيأتي في باب فضايل السور عن الباقر عليه السلام أنه قال: من قرأ سورة الدخان في فرائضه ونوافله بعثه الله من الامنين يوم القيامة وأظله تحت عرشه، وحاسبه حسابا يسيرا، وأعطاه كتابه بيمينه (5).


(1) التوحيد ص 94، ط مكتبة الصدوق. (2) المجمع ج 10 ص 567. (3) ثواب الاعمال ص 31. (4) فلاح السائل ص 127 و 128. (5) ثواب الاعمال ص 103. [*]

[37]

وعنه عليه السلام قال: من أدمن في فرائضه ونوافله قراءة سورة ق وسع الله عليه رزقه، و أعطاه كتابه بيمينه وحاسبه حسابا يسيرا (1). وعن علي بن الحسين عليه السلام قال: من قرأ سورة الممتحنة في فرائضه ونوافله امتحن الله قلبه للايمان، ونور له بصره، ولا يصيبه فقر أبدا، ولا جنون في بدنه، ولا في ولده (2). وعن الباقر عليه السلام قال: من قرأ سورة الصف وأد من قراءتها في فرائضه ونوافله، صفه الله مع ملائكته وأنبيائه المرسلين إن شاء الله (3). وعن الصادق عليه السلام قال: من الواجب على كل مؤمن إذا كان لنا شيعة أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة وسبح اسم ربك الاعلى، وفي صلاة الظهر بالجمعة والمنافقين، فإذا فعل ذلك فكأنما يعمل بعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وكان جزاؤه وثوابه على الله الجنة (4). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سورة التغابن في فريضته كانت شفيعة له يوم القيامة، و شاهد عدل عند من يجيز شهادتها، ثم لا يفارقها حتى تدخله الجنة (5). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سورة الطلاق والتحريم في فريضة أعاذه الله من أن يكون يوم القيامة ممن يخاف أو يحزن، وعوفي من النار، وأدخله الله الجنة بتلاوته اياهما ومحافظته عليهما، لانهما للنبي صلى الله عليه وآله (6). وعنه عليه السلام قال: من قرأ تبارك الذي بيده الملك في المكتوبة قبل أن ينام لم يزل في أمان الله حتى يصبح، وفي أمانه يوم القيامة حتى يدخل الجنة (7). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سورة ن والقلم في فريضته أو نافلته آمنه الله عزوجل من أن يصيبه فقر أبدا، وأعاذه إذا مات من ضمة القبر (8). وعنه عليه السلام قال: أكثروا قراءة الحاقة فان قراءتها في الفرائض والنوافل من الايمان


(1) ثواب الاعمال ص 104. (2 - 5) ثواب الاعمال ص 107. (6 - 8) ثواب الاعمال ص 108. [*]

[38]

بالله ورسوله لانها إنما نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام ومعاوية ولم يسلب قارئها دينه حتى يلقى الله عزوجل (1). وعنه عليه السلام قال: أي عبد قرأ إنا أرسلنا نوحا محتسبا صابرا في فريضة أو نافلة أسكنه الله تعالى مساكن الابرار، وأعطاه ثلاث جنان مع جنته كرامة من الله، وزوجه مائتي حوراء وأربعة آلاف ثيب إن شاء الله (2). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سورة المزمل في العشاء الاخرة أو في آخر الليل كان له الليل والنهار شاهدين مع سورة المزمل، وأحياه الله حياة طيبة وأماته ميتة طيبة (3). وعن الباقر عليه السلام قال: من قرأ في الفريضة سورة المدثر كان حقا على الله عزوجل أن يجعله مع محمد صلى الله عليه وآله في درجته ولا يدركه في حياة الدنيا شقاء أبدا (4). وعنه عليه السلام قال: من قرأ هل أتى على الانسان في كل غداة خميس زوجه الله من الحور ثمان مائة عذراء وأربعة آلاف ثيب وحوراء من الحور العين وكان مع محمد صلى الله عليه وآله (5). وعن الصادق عليه السلام قال: من قرأ هاتين السورتين وجعلهما نصب عينيه في صلاة الفريضة والنافلة: إذا السماء انفطرت وإذا السماء انشقت، لم يحجبه الله من حاجة، ولم يحجزه من الله حاجز، ولم يزل ينظر الله إليه حتى يفرغ من الحساب (6). وعنه عليه السلام قال: من قرأ في الفريضة ويل للمطففين أعطاه الله من يوم القيمة من النار، ولم تره ولا يراها ولا يمر على جسر جهنم ولا يحاسب يوم القيمة (7). وعنه عليه السلام قال: من قرأ والسماء ذات البروج في فرائضه فانها سورة النبيين، كان محشره وموقفه مع النبيين والمرسلين (8). وعنه عليه السلام قال: من كانت قراءته في فرائضه بالسماء والطارق كانت له عند الله يوم القيامة جاه ومنزلة، وكان من رفقاء النبيين وأصحابهم في الجنة (9). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سبح اسم ربك الاعلى في فريضة أو نافلة قيل له يوم القيامة:


(1) ثواب الاعمال ص 108. (2 - 4) ثواب الاعمال ص 109. (5 - 9) ثواب الاعمال ص 110. [*]

[39]

ادخل من أي أبواب الجنان شئت إنشاء الله (1). وعنه عليه السلام قال: من أدمن قراءة هل أتيك حديث الغاشية في فريضة أو نافلة غشاه الله برحمته في الدنيا والاخرة وآتاه الامن يوم القيامة من عذاب النار (2). وعنه عليه السلام قال: اقرؤا سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم فانها سورة الحسين بن على من قرأها كان مع الحسين عليه السلام يوم القيامة في درجة من الجنة إن الله عزيز حكيم (3). وعنه عليه السلام قال: من كان قراءته في فريضته لا اقسم بهذا البلد كان في الدنيا معروفا أنه من الصالحين، وكان في الاخرة معروفا أن له من الله مكانا وكان يوم القيامة من رفقاء النبيين والشهداء والصالحين (4). وعنه عليه السلام قال: من قرأ والتين في فرائضه ونوافله اعطي من الجنة حتى يرضى إن شاء الله (5). وعنه عليه السلام قال من قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر في فريضة من فرائض الله، نادى مناد يا عبد الله غفر الله لك ما مضى فاستأنف العمل (6). وعنه عليه السلام قال: لا تملوا من قراءة إذا زلزلت الارض، فان من كانت قراءته في نوافله لم يصبه الله عزوجل بزلزلة أبدا، ولم يمت بها ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدنيا، فإذا مات امر به إلى الجنة فيقول الله عزوجل: عبدي أبحتك جنتي فاسكن منها حيث شئت وهويت، لا ممنوعا ولا مدفوعا (7). وعنه عليه السلام قال: من قرأ سورة ألهيكم التكاثر في فريضة كتب الله له ثواب وأجر مائة شهيد، ومن قرأها في نافلة كتب له ثواب خمسين شهيدا، وصلى معه في فريضته أربعون صفا من الملائكة إن شاء الله (8). وعنه عليه السلام قال: من قرأ والعصر في نوافله بعثه الله يوم القيامة مشرقا وجهه،


(1) ثواب الاعمال ص 110. (2 - 5) ثواب الاعمال ص 111. (6 - 7) ثواب الاعمال ص 112. (8) ثواب الاعمال ص 113. [*]

[40]

ضاحكا سنه، قريرا عينه، حتى يدخل الجنة (1). وعنه عليه السلام قال: من قرأ ويل لكل همزة في فرائضه نفت عنه الفقر، وجلبت عليه الرزق، وتدفع عنه ميتة السوء (2). وعنه عليه السلام قال: من قرأ في فرائضه ألم تر كيف فعل ربك شهد له يوم القيامة كل سهل وجبل ومدر بأنه كان من المصلين، وينادي له يوم القيامة مناد صدقتم على عبدي، قبلت شهادتكم له وعليه، أدخلوه الجنة، ولا تحاسبوه فانه ممن أحبه واحب عمله (3). قال الصدوق - ره - عند ذكر هذا الخبر: من قرأ سورة الفيل فليقرأ معها لايلاف في ركعة فريضة فانهما جميعها سورة واحدة ولا يجوز التفرد بواحدة منهما في ركعة فريضة. وعن الباقر عليه السلام قال: من قرأ سورة أرأيت الذي يكذب بالدين في فرائضه ونوافله كان فيمن قبل الله عزوجل صلاته وصيامه، ولم يحاسبه بما كان منه في الحياة الدنيا (4). وعن الصادق عليه السلام قال: من كان قراءته إنا أعطيناك الكوثر في فرائضه ونوافله، سقاه الله من الكوثر يوم القيامة، وكان محدثه عند رسول الله صلى الله عليه وآله في أصل طوبى (5). وعنه عليه السلام قال: من قرأ قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد في فريضة من الفرائض غفر الله له ولوالديه، وما ولدا، وإن كان شقيا محي من ديوان الاشقياء، واثبت في ديوان السعداء، وأحياه الله سعيدا وأماته شهيدا وبعثه شهيدا (6). وعنه عليه السلام قال: من قرأ إذا جاء نصر الله والفتح في نافلة أو فريضة نصره الله على جميع أعدائه وجاء يوم القيامة ومعه كتاب ينطق قد أخرجه الله من جوف قبره فيه أمان من جسر جهنم ومن النار، ومن زفير جهنم، فلا يمر على شئ يوم القيامة إلا بشره وأخبره بكل خير حتى يدخل الجنة، ويفتح له في الدنيا من أسباب الخير ما لم يتمن ولم يخطر على


(1 - 3) ثواب الاعمال ص 113. (5 - 6) ثواب الاعمال ص 114. [*]

[41]

قلبه (1). وعنه عليه السلام قال: من مضى به يوم واحد فصلى فيه خمس صلوات ولم يقرأ فيها بقل هو الله أحد، قيل له: يا عبد الله لست من المصلين (2). وعنه عليه السلام قال: من مضت له جمعة ولم يقرأ فيها بقل هو الله أحد ثم مات مات على دين أبي لهب (3). بيان: جميع هذه الاخبار مأخوذة من كتاب ثواب الاعمال للصدوق - ره - وستأتي بأسانيدها في كتاب القرآن (4) وأكثرها ضعيفة السند على المشهور مأخوذة من تفسير الحسن ابن علي بن أبي حمزة، والخبران الاخيران ظاهرهما وجوب قراءة التوحيد في الجملة في الصلاة، وغيرها، ولم أر قائلا به ولعله لضعف سندهما عندهم والاحوط العمل بهما. 28 - المحاسن: عن ابن محبوب، عن جميل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أيما مؤمن حافظ على صلاة الفريضة فصلاها لوقتها، فليس هو من الغافلين فان قرأ فيها بمائة آية فهو من الذاكرين (5). ومنه، عن أبيه، عن إبراهيم بن إسحاق، عن أبي عثمان العبدي، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة (6). 29 - فقه الرضا: قال عليه السلام: لا تقرء في صلاة الفريضة والضحى وألم نشرح. وألم تر كيف، ولايلاف ؟ ولا المعوذتين فانه قد نهي عن قراءتهما في الفرائض، لانه روي أن والضحى وألم نشرح سورة واحدة وكذلك ألم تر كيف ولايلاف سورة واحدة، وأن المعوذتين من الرقية ليستا من القرآن أدخلوهما في القرآن، وقيل: إن جبرئيل علمهما رسول الله صلى الله عليه وآله فان أردت قراءة بعض هذه السور الاربع فاقرأ والضحى وألم


(1 - 3) ثواب الاعمال ص 115. (4) راجع ج 92 أبواب فضائل السور. (5) المحاسن ص 51. (6) المحاسن ص 122، في حديث. [*]

[42]

نشرح، ولم تفصل بينهما، وكذلك ألم تر كيف ولايلاف، وأما المعوذتان فلا تقرأهما في الفرائض، ولا بأس في النوافل (1). وقال العالم عليه السلام اقرأ في صلاة الغداة المرسلات وإذا الشمس كورت، ومثلهما من السورة في الظهر إذا السماء انفطرت وإذا زلزلت ومثلهما، وفي العصر العاديات والقارعة ومثلهما وفي المغرب والتين وقل هو الله أحد ومثلهما، وفي يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين (2). وقال عليه السلام: ولا تقرء في المكتوبة سورة ناقصة ولا بأس به في النوافل. وقال العالم عليه السلام: لا تجمع بين السورتين في الفريضة (3). وسئل عن رجل يقرأ في المكتوبة نصف السورة ثم ينسى فيأخذ في الاخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل أن يركع، قال: لا بأس به (4). وتقرأ في صلواتك كلها يوم الجمعة وليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين وسبح اسم ربك الاعلى، وإن نسيتها أو في واحدة منها فلا إعادة عليك، فان ذكرتها من قبل أن تقرأ نصف سورة فارجع إلى سورة الجمعة وإن لم تذكرها إلا بعد ما قرأت نصف سورة فامض في صلاتك (5). بيان: كون السور الاربع اثنتين سيأتي الكلام فيه، وأما النهي عن قراءة المعوذتين في الفريضة فلعله محمول على التقية، قال في الذكرى: أجمع علماؤنا وأكثر العامة على أن المعوذتين بكسر الواو من القرآن العزيز، وأنه يجوز القراءة بهما في فرض الصلاة ونفلها، وعن ابن مسعود أنهما ليستا من القرآن، وإنما انزلتا لتعويذ الحسن والحسين عليهما السلام وخلافه انقرض، واستقر الاجماع الان من الخاصة والعامة على ذلك، انتهى.


(1) فقه الرضا ص 9. (2) فقه الرضا ص 11 س 11. (3 - 4) فقه الرضا ص 11 س 20. (5) فقه الرضا ص 12. [*]

[43]

قوله عليه السلام (فيأخذ في الاخرى) موافق لما رواه الشيخ في الصحيح (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يقرء في المكتوبة بنصف السورة ثم ينسى فيأخذ في اخرى حتى يفرغ منها ثم يذكر قبل أن يركع، قال: يركع ولا يضره. أقول: يحتمل الخبر وجهين: الاول أنه نسي فابتدأ بسورة اخرى وأتمها فيدل على أنه لا بأس بالعدول عن سورة إلى اخرى نسيانا، وإن بلغ النصف، والثاني أن يسهى فيقرأ النصف الاخر من سورة اخرى فيدل على عدم وجوب سورة كاملة، ولعله أظهر في الخبر، وإن كان هنا حمله على الاول أوفق بما مر. قال في الذكرى: هذا لا دلالة فيه على اعتبار النصف، إذ مفهوم الاسم ليس فيه حجة نعم يظهر منه على بعد استحباب قراءة السورة انتهى. قوله (وسبح اسم ربك الاعلى) لعل الواو بمعنى أو أي اقرأ في الثانية في بعضها المنافقين وفي بعضها الاعلى كما عرفت، والجزء الاخير يدل على اعتبار مجاوزة النصف في الجملة. 30 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: من قرأ القرآن ولم يخضع لله، ولم يرق قلبه، ولا يكتسي حزنا ووجلا في سره، فقد استهان بعظيم شأن الله تعالى، وخسر خسرانا مبينا، فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب خاشع، وبدن فارغ، وموضع خال، فإذا خشع لله قلبه فر منه الشيطان الرجيم، قال الله عزوجل (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وإذا تفرغ نفسه من الاسباب تجرد قلبه للقراءة فلا يعترضه عارض، فيحرم بركة نور القرآن وفوائده، وإذا اتخذ مجلسا خاليا واعتزل من الخلق بعد أن أتى بالخصلتين الاولتين استأنس روحه وسره بالله، ووجد حلاوة مخاطبات الله عزوجل عباده الصالحين، وعلم لطفه بهم، ومقام اختصاصه لهم بفنون كراماته، وبدايع إشاراته فإذا شرب كأسا من هذا المشروب لا يختار على ذلك الحال حالا، ولا على ذلك الوقت وقتا، بل يؤثره على كل طاعة وعبادة لان فيه المناجاة مع الرب بلا واسطة.


(1) التهذيب ج 1 ص 190. [*]

[44]

فانظر كيف تقرأ كتاب ربك، ومنشور ولايتك، وكيف تجيب أوامره ونواهيه، وكيف تمتثل حدوده، فانه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فرتله ترتيلا، وقف عند وعده ووعيده، وتفكر في أمثاله ومواعظه واحذر أن تقع من إقامتك حروفه في إضاعة حدوده (1). 31 - السرائر: نقلا من كتاب حريز قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لا تقرن بين سورتين في الفريضة في ركعة فانه أفضل. وقال: قال زرارة قال أبو جعفر عليه السلام: لا قران بين سورتين في ركعة ولا قران بين اسبوعين في فريضة ولا نافلة، ولا قران بين الصومين، ولا قران بين صلاتين، ولا قران بين فريضة ونافلة (2). 32 - فلاح السائل: روى أبو المفضل محمد بن عبد الله، عن جععر بن محمد بن مسعود العياشي، عن أبيه، عن جعفر بن أحمد، عن العمركي، عن يعقوب بن يزيد، عن أحمد بن عبدوس، عن محمد بن دادنة، عن محمد بن الفرج أنه كتب إلى الرجل عليه السلام يسأله عما يقرء في الفرائض، وعن أفضل ما يقرء به فيها، فكتب عليه السلام إليه إن أفضل ما يقرأ في الفرائض إنا أنزلناه في ليلة القدر، وقل هو الله أحد (3). 33 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عمن ترك القراءة ما حاله ؟ قال: إن كان متعمدا فلا صلاة له، وإن كان نسي فلا بأس (4). ومنه: قال: سألته عن الرجل يفتتح السورة فيقرء بعضها ثم يخطئ فيأخذ في غيرها حتى يختمها ثم يعلم أنه قد أخطأ هل له أن يرجع في الذي فتح، وإن كان قد ركع وسجد ؟ قال: إن كان لم يركع فليرجع إن أحب وإن ركع فليمض (5). وسألته عن الرجل يخطئ في قراءته هل له أن ينصت ساعة ويتذكر ؟ قال:


(1) مصباح الشريعة ص 13 و 14. (2) السرائر ص 472. (3) فلاح السائل ص 162. (2) المسائل - البحار ج 10 ص 271. (5) المسائل - البحار ج 10 ص 274. [*]

[45]

لا بأس (1). وسألته عن الرجل يقرأ في صلاته هل يجزيه أن لا يخرج وأن يتوهم توهما ؟ قال: لا بأس (2). 34 - الهداية: قال الصادق عليه السلام لا تقرن بين السورتين في الفريضة، فأما في النافلة فلا بأس، ولا تقرأ في الفريضة شيئا من العزائم الاربع، وهي سجدة لقمان (3) وحم السجدة، والنجم، وسورة اقرأ باسم ربك، ولا بأس أن تقرأ بها في النافلة، وموسع عليك أي سورة قرأت في فرائضك إلا أربع سور: وهي والضحى وألم نشرح في ركعة لانهما جميعا سورة واحدة، ولايلاف وألم تر كيف في ركعة، لانهما جميعا سورة واحدة ولا تنفرد بواحدة من هذه الاربع سور في ركعة فريضة (4). 35 - الخرائج: للراوندي باسناده عن داود الرقي قال: صليت صلاة الفجر خلف الصادق عليه السلام فقرأ في الركعة الاولى الحمد ووالضحى، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد ثم قنت (5). أقول: تمامه في باب معجزاته عليه السلام (6). 36 - المعتبر والمنتهى: نقلا من جامع أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلا الضحى وألم نشرح، وسورة الفيل ولايلاف قريش (7).


(1) المسائل - البحار 10 ص 275. (2) المسائل - البحار ج 10 ص 276. (3) يعنى سورة السجدة التى وقعت في المصحف الشريف بعد سورة لقمان، وهذا اصطلاح. (4) الهداية: 31. (5) لا يوجد في الخرائج المطبوع. (6) راجع ج 47 ص 104 و 105 من هذه الطبعة الحديثة. (7) المعتبر ص 178. [*]

[46]

مجمع البيان: نقلا من تفسير العياشي، عن المفضل بن صالح مثله (1). بيان: المشهور بين الاصحاب كون الضحى وألم نشرح سورة واحدة، وكذا الفيل ولايلاف، ونسبه المحقق إلى رواية الاصحاب، وقال الشيخ في الاستبصار: (2) هاتان السورتان يعني الضحى وألم نشرح سورة واحدة عند آل محمد عليه وعليهم السلام، وينبغي أن يقرأهما موضعا واحدا، ولا يفصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم في الفرائض، وقال في التهذيب (3) وعندنا أنه لا يجوز قراءة هاتين السورتين إلا في ركعة، وهو مشعر بالاتفاق عليه. واختلفوا في أنه هل يقرأ بينهما البسملة أم لا ؟ والاكثر على ترك البسملة، وليس في الروايات دلالة على كونها سورة واحدة إلا ما مر من فقه الرضا عليه السلام، ولعل الصدوق أخذه منه وتبعه غيره، ولكن سيأتي بعض الروايات المرسلة الدالة على ذلك وغاية ما يدل عليه غيرها من الروايات جواز الجمع بينهما في ركعة وأما عدم جواز الانفراد باحداهما فلا يظهر عنها، ورواية الخرائج يدل على الجواز. ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخ في الصحيح (4) عن زيد الشحام قال: صلى بنا أبو عبد الله عليه السلام فقرأ بنا بالضحى وألم نشرح، وحمله الشيخ على أن المراد أنه قرأهما في ركعة، ولا يخفى بعده، ويؤيده ما رواه أيضا في الصحيح (5) عن زيد الشحام قال صلى أبو عبد الله عليه السلام: فقرأ في الاولى والضحى وفي الثانية ألم نشرح، وحمله الشيخ على النافلة، وتعاضد الخبرين مع اتحاد راويهما يبعد هذا الحمل. وقال في المعتبر بعد إيراد رواية البزنطي المتقدمة وما رواه الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام (6) قال: صلى بنا أبو عبد الله عليه السلام الفجر فقرأ الضحى وألم نشرح في ركعة واحدة: ما تضمنته الروايتان دال على الجواز، وليس بصريح في الوجوب الذي ادعوه.


(1) مجمع البيان ج 10 ص 544. (2) الاستبصار ج 1 ص 162. (3 - 6) التهذيب ج 1 ص 154. [*]

[47]

وهل تعاد البسملة في الثانية ؟ قال الشيخ في التبيان: لا، وقال بعض المتأخرين تعاد لانها آية من كل سورة، والوجه أنهما إن كانتا سورتين فلابد من إعادة البسملة وإن كانتا سورة واحدة كما ذكر علم الهدى والمفيد وابن بابويه فلا إعادة، للاتفاق على أنها ليست آيتين من سورة واحدة، وإنما قال الاشبه أنها لا تعاد، لان المستند التمسك بقضية مسلمة في المذهب، وهي أن البسملة آية من كل سورة فبتقدير كونهما سورة واحدة يلزم عدم الاعادة. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنهما سورة واحدة بل لم لا تكونان سورتين وإن لزم قراءتهما في الركعة الواحدة، على ما ادعوه ؟ ويطالب بالدلالة في كونهما سورة واحدة، وليس في قراءتهما في الركعة الواحدة دلالة على ذلك، وقد تضمنت رواية المفضل تسميتهما سورتين، ونحن فقد بينا أن الجمع بين السورتين في الفريضة مكروه فيستثنيان في الكراهة انتهى. ولا يخفى حسنه ومتانته وغرابة اختلاف الروايات الثلاث المنتهية إلى الشحام في قضية واحدة وحكم واحد. 37 - مجمع البيان: روى أصحابنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، و كذا سورة ألم تر كيف ولايلاف قريش، قال: وروى العياشي، عن أبي العباس، عن أحدهما عليهما السلام قال: ألم تر كيف فعل ربك ولايلاف قريش سورة واحدة، قال: وروي أن ابي بن كعب لم يفصل بينهما في مصحفه (1). 38 - ثواب الاعمال: من قرأ سورة الفيل فليقرأ معها لايلاف فانهما جميعا سورة واحدة (2). 39 - الشرايع: روى أصحابنا أن الضحى وألم نشرح سورة واحدة، وكذا الفيل ولايلاف (3).


(1) مجمع البيان ج 10 ص 544. (3) ثواب الاعمال ص 114، وقد مر ص 40 أنه كلام الشيخ الصدوق قدس سره. (2) الشرايع ص 14. [*]

[48]

40 - تفسير الامام، والعيون، ومجالس الصدوق: عن أبي محمد العسكري عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب، و هي سبع آيات تمامها ببسم الله الرحمن الرحيم (1). 41 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير، عن هشام أو بعض أصحابنا عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قرأ سورة الرحمن فقال عند كل: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) لا بآلائك رب اكذب، فان قرأها ليلا مات شهيدا، وإن قرأها نهارا مات شهيدا (1). ومنه: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن حسان، عن إسماعيل بن مهران، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن علي بن شجرة، عن بعض أصحابه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قرأتم تبت يدا أبي لهب فادعوا على أبي لهب، فانه كان من المكذبين الذين يكذبون بالنبي صلى الله عليه وآله وبما جاء به من عند الله (2). 42 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: تعوذ بعد التوجه من الشيطان تقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (3). وعن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام، عن جابر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة ؟ قال: قلت: الحمد لله رب العالمين، قال: قل: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين (4). وروينا عنهم صلوات الله عليهم أنهم قالوا يبتدء بعد بسم الله الرحمن الرحيم في كل ركعة بفاتحة الكتاب. ويقرء في الركعتين الاوليين من كل صلاة بعد فاتحة


(1) تفسير الامام ص 13، عيون الاخبار ج 1 ص 302، أمالى الصدوق ص 106. (1) ثواب الاعمال: 105. (2) ثواب الاعمال: 115. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 157. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 159. [*]

[49]

الكتاب بسورة، وحرموا أن يقال بعد قراءة (فاتحة الكتاب): آمين، كما تقول العامة (1). قال جعفر بن محمد عليهما السلام إنما كانت النصارى تقولها (2). وعنه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تزال امتي بخير وعلى شريعة من دينها حسنة جميلة ما لم يتخطوا القبلة بأقدامهم، ولم ينصرفوا قياما كفعل أهل الكتاب، ولم تكن لهم ضجة بآمين (3). وروينا عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: يقرء في الظهر والعشاء الاخرة مثل والمرسلات، وإذا الشمس كورت، وفي العصر والعاديات والقارعة، وفي المغرب مثل قل هو الله أحد، وإذا جاء نصر الله، وفي الفجر أطول من ذلك (4). وليس في هذا شئ موقت، وقد ذكرنا ما ينبغي من التخفيف في صلاة الجماعة وأن يصلي بصلاة أضعفهم، لان فيهم ذا الحاجة والعليل والضعيف، وأن الفضل لمن صلى وحده وقدر على التطويل أن يطول، ولا بأس أن يقرأ في الفجر بطوال المفصل وفي الظهر والعشاء الاخرة بأوساطه وفي العصر والمغرب بقصاره (5). وروينا عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: من بدأ بالقراءة في الصلاة بسورة ثم رأى أن يتركها ويأخذ في غيرها فله ذلك، ما لم يأخذ في نصف السورة الاخرى إلا أن يكون بدأ بقل هو الله أحد، فانه لا يقطعها، وكذلك سورة الجمعة أو سورة المنافقين في الجمعة، لا يقطعهما إلى غيرهما، وإن بدأ بقل هو الله أحد وقطعها و رجع إلى سورة الجمعة أو سورة المنافقين في صلاة الجمعة يجزيه خاصة (6). وروينا عنه عن أبيه، عن آبائه عن على صلوات الله عليهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى أن يقرأ في صلاة فريضة بأقل من سورة ونهى عن تبعيض السور في الفرايض و كذلك لا يقرن فيها بين سورتين بعد فاتحة الكتاب، ورخص في التبعيض والقران في النوافل (7).


(1 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 160، وفيه بدل (حرموا) كرهوا. (6 - 7) دعائم الاسلام ج 1 ص 161. [*]

[50]

وروينا عن علي عليه السلام أنه سئل عن قول الله عزوجل: (ورتل القرآن ترتيلا) قال: بينه تبيينا ولا تنثره نثر الدقل، ولا تهذه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة (1). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: القراءة في الصلاة سنة، وليست من فرائض الصلاة، فمن نسي القراءة لم يكن عليه إعادة، ومن تركها متعمدا لم تجزه صلاته، لانه لا يجزي تعمد ترك السنة (2). قال: وأدنى ما يجب في الصلاة تكبيرة الافتتاح والركوع والسجود، من غير أن يتعمد ترك شئ مما هو عليه من حدود الصلاة، ومن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي فلا شئ عليه (3). توضيح: ما لم يتخطوا القبلة، لعل المراد النهي عن المشي في أثناء الصلاة إلى القبلة ثم الرجوع إلى موضعه، وأما آمين فقال الفيروز آبادي هو بالمد والقصر وقد يشدد الممدود، ويمال أيضا، عن الواحدي في الوسيط اسم من أسماء الله تعالى أو معناه اللهم استجب أو كذلك مثله فليكن أو كذلك فافعل، وقال الجزري هو اسم مبني على الفتح، ومعناه اللهم استجب وقيل معناه كذلك فليكن يعني الدعاء، و قال الزمخشري إنه صوت سمي به الفعل الذي هو استجب انتهى. والمشهور بين الاصحاب تحريمه وبطلان الصلاة به، ونقل الشيخان وجماعة إجماع الاصحاب عليه، وقال الصدوق رحمه الله لا يجوز أن يقال بعد فاتحة الكتاب: آمين، لان ذلك كان يقوله النصارى، ونقل عن ابن الجنيد أنه جوز التأمين عقيب الحمد وغيرها، ومال إليه المحقق في المعتبر، وبعض المتأخرين والاول أحوط بل أقوى: إذا كان بعد الحمد وقصد استحبابه على الخصوص، وأما في القنوت و ساير الاحوال فالاحوط تركه، وإن كان في الحكم بالتحريم والابطال إشكال. وقال في النهاية: في حديث ابن مسعود أهذا كهذ الشعر، ونثرا كنثر الدقل


(1 - 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 161. (3) المصدر نفسه ج 1 ص 162. [*]

[51]

أراد تهذ القرآن هذا فتسرع فيه كما تسرع في قراءة الشعر، والهذ سرعة القطع، والدقل ردي التمر، [ويابسه وما ليس له اسم خاص فيراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون هباء منثورا] أي كما تتساقط الرطب اليابس من العذق إذا هز انتهى. أقول: حمل تلك الفقرتين على الاسراع، ويمكن حمل نثر الدقل في رواية الكتاب على كثرة التأني والفصل بين الحروف كثيرا، فتكون كالدقل المنثور واحد ههنا وآخر في موضع آخر، فان التأسيس أولى من التأكيد، والمراد بالسنة ههنا ما ظهر وجوبه منها كما مر مرارا. 43 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: قوله أعوذ بالله: أي أمتنع وأحترز بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى الرجيم أي الملائكة ترجمه بالنجوم، والدليل على ذلك قول الله عزوجل (ولقد جعلنا في السماء بروجا و زيناها للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم) (1) أي يرجم بالنجوم. وحدثني أبي عن جدي، عن عمر بن إبراهيم، عن يونس، عن علي بن يحيى، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن تفسير بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الباء بهاء الله، والسين سناء الله، والميم ملك الله، والله إله كل شئ، والرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصة، وقال بسم الله الرحمن الرحيم أحق ما جهر به في الصلاة، لقول الله عزوجل (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا) (2). ومنه: قال تفسير الحمد لله رب العالمين يعني الشكر لله، وهو أمر ولفظه خبر والامر مضمر فيه، ومعناه قل الحمد لله رب العالمين، ومعنى (رب) أي خالق (والعالمين) كل مخلوق خلقه الله (الرحمن) بجميع خلقه (الرحيم) بالمؤمنين خاصة (ملك يوم الدين) يعني يوم الحساب، والدليل على ذلك قوله: (وقالوا


(1) الحجر: 17 - 16. (2) أسرى: 46. [*]

[52]

يا ويلنا هذا يوم الدين) (1) - الحق يوم الحساب والمجازاة (إياك نعبد) مخاطبة من رسول الله صلى الله عليه وآله لله عزوجل (وإياك نستعين) مثل ذلك (إهدنا الصراط المستقيم) حدثني أبي عن جدي، عن حماد بن عيسى، عن الحلبي، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: الصراط المستقيم لامير المؤمنين عليه السلام (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم) يعني النصاب (ولا الضالين) يعني اليهود والنصارى، ووصف أبو عبد الله عليه السلام الصراط فقال: ألف سنة صعود، وألف سنة هبوط، وألف سنة حدال فأول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة بعد أن نبئ الحمد. ومنه: قال تفسير: (إنا أنزلناه في ليلة القدر) قال الصادق عليه السلام نزل القرآن في ليلة القدر إلى البيت المعمور جملة، ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله صلى الله عليه وآله في طول عشرين سنة (وما أدريك ما ليلة القدر) ومعنى ليلة القدر أن الله تبارك و تعالى يقدر فيها الاجال والارزاق، وما يكون في السنة من موت أو حياة أو جدب أو خصب أو شدة أو رخاء أو خير أو شر (تنزل الملائكة) على إمام الزمان مع روح القدس. وقوله تبارك وتعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربهم) ويدفعون ما كتبوه إلى الامام ويلقي الله ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ثم إلى أمير المؤمنين ثم إلى الائمة عليهم السلام واحدا بعد واحد حتى يلقوه إلى الامام. وقوله (ليلة القدر خير من ألف شهر) قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى في نومه كأن قرودا تصعد منبره، فغمه ذلك، فأنزل الله عزوجل (إنه أنزلناه في ليلة القدر * وما أدريك ما ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر) - تملكها بنو امية ليس فيها ليلة القدر، وقوله (من كل أمر سلام) قال تحية الامام يحيى بها إلى أن يطلع الفجر (هي حتى مطلع الفجر) يعني هذه الليلة. ومنه: قال: تفسير (قل هو الله أحد) وكان سبب نزول سورة الاخلاص أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن نسبة الله عزوجل فأنزل الله عزوجل هو الله الاحد الواحد


(1) الصافات: 20. [*]

[53]

الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فمعنى الاحد أي أنه ليس بذي أبعاض جوارح مختلفة مبعضة، وليس فيه جوانب ولا أطراف، ومعنى الواحد أنه نور واحد بلا اختلاف، والصمد الذي لا مدخل فيه (لم يلد) أي لم يحدث مثل حدث الانسان (ولم يولد) أي لم يتحلل منه شئ (ولم يكن له كفوا أحد) أي ليس له كفو ولا نظير. ومنه: قال تفسير: (قل يا أيها الكافرون) وكان سبب نزلها أن قريشا قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا شهرا ونعبد إلهك شهرا، فأنزل الله عزوجل (قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي [دين) فقال صلى الله عليه وآله: ربي الله و] ديني الاسلام ثلاثا. ومنه: قال: أقل ما يجب في الصلاة من القرآن: الحمد وسورة، ثلاث آيات. ومنه: قال: علة إسقاط بسم الله الرحمن الرحيم من سورة براءة أن البسملة أمان، والبراءة كانت إلى المشركين فأسقط منها الامان. بيان: في القاموس قوس حدال كغراب تطامنت إحدى سيتيها قوله ثلاث آيات لعل المراد به سوى البسملة، فان أقصر السور الكوثر ومع البسملة أربع آيات. 44 - المعتبر: نقلا من جامع البزنطي، عن عبد الكريم بن عمرو، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين ؟ قال: لا. 45 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن محمد ابن الحسين، عن صفوان، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما يكره أن يجمع بين السورتين في الفريضة فأما في النافلة فلا بأس (1). ومنه: من الكتاب المذكور عن الحسين بن سعيد، عن القروى، عن أبان


(1) السرائر: 478. [*]

[54]

عن عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أقرأ سورتين في ركعة ؟ قال: نعم، قلت: أليس يقال أعط كل سورة حقها من الركوع والسجود ؟ فقال: ذلك في الفريضة، فأما في النافلة فلا بأس به (1). 46 - العلل والعيون: عن عبد الواحد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام فان قال: فلم امروا بالقراءة في الصلاة ؟ قيل لئلا يكون القرآن مهجورا مضيعا، وليكون محفوظا مدروسا، فلا يضمحل و لا يجهل. فان قال: فلم بدئ بالحمد في كل قراءة دون سائر السور ؟ قيل لانه ليس شئ من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد وذلك أن قوله: (الحمد لله) إنما هو أداء لما أوجب الله تعالى على خلقه من الشكر وشكر لما وفق عبده للخير (رب العالمين) تمجيد له وتحميد وإقرار بأنه هو الخالق المالك لا غيره (الرحمن الرحيم) استعطاف وذكر لالائه ونعمائه على جميع خلقه (مالك يوم الدين) إقرار بالبعث والحساب والمجازاة، وإيجاب له ملك الاخرة كما اوجب له ملك الدنيا (إياك نعبد) رغبة وتقرب إلى الله عزوجل و إخلاص بالعمل له دون غيره (وإياك نستعين) استزادة من توفيقه وعبادته واستدامة لما أنعم عليه ونصره (اهدنا الصراط المستقيم) استرشاد به واعتصام بحبله، واستزادة في المعرفة بربه وبعظمته وبكبريائه (صراط الذين أنعمت عليهم) توكيد في السؤال والرغبة وذكر لما قد تقدم من نعمه على أوليائه، ورغبة في مثل تلك النعم (غير المغضوب عليهم) استعاذة من أن يكون من المعاندين الكافرين المستخفين به وبأمره و نهيه (ولا الضالين) اعتصام من أن يكون من الضالين الذين ضلوا عن سبيله من غير معرفة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فقد اجتمع فيه من جوامع الخير والحكمة في أمر الاخرة والدنيا ما لا يجمعه شئ من الاشياء (2).


(1) السرائر ص 478. (2) علل الشرايع ج 1 ص 247، عيون الاخبار ج 2 ص 107. [*]

[55]

تبيين قوله عليه السلام: (لئلا يكون القرآن مهجورا) أي لو لم يجب قراءته في الصلاة لتركوها لتساهلهم في المندوبات، وليكون محفوظا لحفظ المعجز والمواعظ والاخبار والحقايق والاحكام، التي اشتمل القرآن عليها. (وذلك أن قوله (الحمد لله) إنما هو أداء) أي لما علم الله سبحانه عجز عبيده عن الاتيان بحمده، حمد نفسه بدلا عن خلقه، أو أنه تعالى علمهم ليشكروه وإلا لم يعرفوا طريق حمده وشكره وقوله: (وشكر) تخصيص بعد التعميم أي شكر له على جميع نعمه لاسيما نعمة التوفيق للعبادة (تمجيد له وتحميد) التمجيد ذكر ما يدل على المجد والعظمة والتحميد ذكر ما يدل على النعمة، ودلالته عليهما ظاهرة، وأما الاقرار بالتوحيد فلان العالم ما يعلم به الصانع، وهو كل ما سوى الله، وجمع ليدل على جميع أنواعه، فإذا كان الله خالق الجميع ومدبرهم ومربيهم، فيكون هو الواجب وغيره من آثاره، والاستعطاف لان ذكره تعالى بالرحمانية والرحيمية نوع من طلب الرحمة، بل أكمله. وأقول: لما أشار الشهيدان رفع الله درجتهما في النفلية وشرحها إلى ما احتوى عليه هذا الخبر من الحكم والفوائد، نذكر كلامهما لايضاحه: قالا: ويلزمه استحضار التوفيق للشكر عند أول الفاتحة، وعند كل شكر، لان التوفيق لقوله: (الحمد لله) المشتمل على غرائب المعاني وجلائل الشكر نعمة من الله تعالى على القارئ، وفقه لها بتعليمه الشكر له، بهذه الصيغة الشريفة، وليستحضر أن جملة الافراد المحمود عليها والنعم الظاهرة والباطنة عليه، كلها من الله تعالى إما بواسطة أو بغير واسطة فان الواسطة فيها كلها رشحة من رشحات جوده، ونفحة من نفحات فضله، ليناسب كون جملة (الحمد لله الجواد) ويطابق المعنى المدلول عليه للاعتقاد. واستحضار التوحيد الحقيقي عند قوله: (رب العالمين) حيث وصفه بكونه ربا ومالكا لجميع العالمين، من الانس والجن والملائكة وغيرهم، واستحضار

[56]

التمجيد، وهو النسبة إلى المجد والكرم، وذكر الالاء وهي هنا النعماء مطلقا على جميع الخلق عند (الرحمن الرحيم) الدالين على إفاضة النعم الدقيقة والجليلة على القوابل في الدنيا والاخرة، إذ كل من ينسب إليه الرحمة فهو مستفيض من لطفه وإنعامه، ومرجع الكل إلى ساحل جوده وإكرامه، وعند ذلك ينبعث الرجاء، وهو أحد المقامين العليين. واستحضار الاختصاص لله تعالى بالخلق والملك عند (مالك يوم الدين) فانه وإن كان مالكا لغيره من الايام وغيرها، إلا أنه ربما يظهر على الجاهل مشاركة غيره بواسطة تغلب ظاهري بخلاف ذلك اليوم، فانه المنفرد فيه بنفوذ الامر، وحقيقة الملك بغير منازع، لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار. مع إحضار البعث والجزاء والحساب، وملك الاخرة الواقعة في ذلك اليوم، فينبعث لذلك الخوف، وهو المقام الثاني ويثبت في القلب لطروه وعدم المعارض له، فيغلب على الرجاء، وهي الحالة اللائقة بالسالكين عند المحققين وفي هذا الترتيب العجيب إشارة إلى برهانه، وليعلم أن هذه الاوصاف الثلاثة جامعة لمراتب الوجود من ابتدائه إلى انتهائه، متصلا باليوم الاخر الذي هو الغاية الدائمة. فالاول إشارة إلى وصف الابداع والايجاد، وهو أول النعم المستحقة للحمد والوصفان الوسطان إشارة إلى حالة دوامه وما يشتمل عليه من النعم في حالة بقائه، والثالث إشارة إلى آخر حالاته ونهاية أمره التي لا آخر لها، وحقيق لمن جرت عليه هذه الاوصاف - من كونه موجدا منعما بالنعم كلها ظاهرها وباطنها، وعاجلها وآجلها، على جميع العالمين، مالكا لامورهم يوم الدين، من ثواب وعقاب - أن يكون مختصا بالحمد، لا أحد يشاركه فيه على الحقيقة. وإذا أحطت بذلك وفزت بفضيلتي الرجاء والخوف، فترق منه إلى استحضار الاخلاص والرغبة إلى الله وحده عند (إياك نعبد) حيث قد خصصته تعالى بالعبادة التي هي أقصى غاية الخضوع والتذلل، ومن ثم لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى وارتقيت من مقام البعد عن مقاربة جنابه إلى مقام الفوز بلذيذ خطابه، والاستزادة من

[57]

توفيقه وعبادته، واستدامة ما أنعم الله على العباد عند (إياك نستعين) حيث قدمت الوسيلة على طلب الحاجة، ليكون أدعى للاجابة، واستعنت به في جميع امورك من غير التفات إلى فرد منها ولا إلى جميعها، لقصور العبادة وحسور الوهم عن الاحاطة بتفاصيل ما تحتاج إليه، وتفتقر إلى عونه عليه. واستحضار الاسترشاد به والاعتصام بحبله، والاستزادة في المعرفة به سبحانه والاقرار بعظمته وكبريائه عند (اهدنا الصراط المستقيم) وأشار بكون طلب الهداية متناولا للاسترشاد والاعتصام، والاستزادة من المعرفة والاقرار بالنعمة إلى مطلب شريف، وهو أن هداية الله تعالى متنوع أنواعا كثيرة تجمعها أربعة أجناس مرتبة: أولها إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه، كالقوة العقلية، والحواس الباطنة، والمشاعر الظاهرة. وثانيها نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد، و إليه أشار تعالى بقوله: (وهديناه النجدين) (1) وقال تعالى: (فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) (2). وثالثها الهداية بارسال الرسل وإنزال الكتب وإليه أشار بقوله: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) (3) وقوله تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (4) ورابعها أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الاشياء بالوحي الالهي، أو بالالهام والمنامات الصادقة، وهذا القسم يختص بنيله الانبياء والاولياء وإليه أشار تعالى بقوله: (اولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده) (5) وقوله تعالى: (والذين جاهدوا


(1) البلد: 10. (2) فصلت: 17. (3) الانبياء: 73. (4) أسرى: 9. (5) الانعام: 90. [*]

[58]

فينا لنهدينهم سبلنا) (1). فالاسترشاد به إشارة إلى الجنس الاول وهو واضح، والاعتصام إلى الثاني فان أصله الامتناع بالشئ ولا شك أن نصب الادلة وإقامة السبل الفارقة بين الحق والباطل، والصلاح والفساد، عصمة لمن تمسك بها من الهلكة، وجنة لهم من الضلالة والاستزادة في المعرفة إلى الثالث فان العالم وإن كان دليلا على الله تعالى بآثاره الظاهرة وآياته الباهرة المتظافرة، إلا أن الانبياء والرسل عليهم السلام والكتب المطهرة تهدي للتي هي أقوم للتقوى، وتزيد في المعرفة على الوجه الاتم، ويرشد إلى ما لا يفي العقل بدركة، والاقرار بعظمته وكبريائه إلى المقام الرابع فان من ارتقى إلى تلك الغاية، ووصل إلى شريف تلك المرتبة، وانغمس في أنوار تلك الهيبة، واغترف من بحار الاسرار الالهية، اعترف بمزيد الكبرياء، بل اضمحل وفنى في تلك المرتبة وعرف أن كل شئ هالك إلا وجهه. فإذا طلب العارف الهداية إلى الصراط المستقيم، فمطلبه هذه المنزلة لتمكنه مما سبق، والناس فيها على حسب مراتبهم، والصراط المستقيم المستوي مشترك بين الجميع، وإذا توجه المصلي إلى ذلك الجناب العلي وسأل ذلك المطلب السنى، فليترق إلى استحضار التأكيد في السؤال والرغبة، والتذكر لما تقدم من نعمه على أوليائه وطلبه متلها، عند قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم) من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وإنما طلب الهداية إلى سلوك طريق المذكورين التي هي نعم اخروية أو كان وسيلة إليها، حذفا لما سواهما من النعم الدنيوية عن درجة الاعتبار، وتحقيقا وتفخيما لها من بين ساير الاغيار، فان أصل النعمة الحالة التي يستلذها الانسان، ونعم الله وإن كانت لا تحصى، كما قال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (2) تنحصر في جنسين دنيوي واخروي، والاول قسمان موهبي وكسبي، والموهبي


(1) العنكبوت: 69. (2) ابراهيم: 34. [*]

[59]

قسمان روحاني كنفخ الروح فيه، وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى، كالفهم و الفكر والنطق، وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة فيه، والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الاعضاء، والكسبي تزكية النفس وتخليتها عن الرذائل وتحليتها بالاخلاق والملكات الفاضلة وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلي المستحسنة، و حصول الجاه والمال، والثاني أن يرضى عنه ويغفر ما سلف منه، ويؤويه في أعلا عليين مع الملائكة المقربين أبد الابدين. والمراد من النعمة المطلوبة هنا التي توكد الرغبة فيها وسؤال مثلها، هو القسم الاخير، وما يكون وصلة إلى نيله من القسم الاول، وما عدا ذلك يشترك في نيله المؤمن والكافر، واستحضار الاستدفاع لكونه من المعاندين والكافرين المستخفين بالاوامر والنواهي عند الباقي من السورة، والمعنى طلب سبيل من أفاض عليهم نعمة الهداية دون الذين غضب عليهم من الكفار والزائغين من اليهود والنصارى وغيرهم من الضالين. ولنكتف في شرح الخبر بما ذكره الفاضلان الشهيدان نور الله ضريحهما، ومن أراد أبسط من ذلك، فليرجع إلى ما أورده والدي قدس الله روحه في شرح الفقيه، و ما أوردته في بعض كتبي الفارسية، وسيأتي تفسير الفاتحة وساير السور التي تقرء في الصلاة وفضلها، وساير الاخبار في كون البسملة جزء من السور في كتاب القرآن إنشاء الله الرحمن. 47 - تفسير الامام والعيون: قال عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: فاتحة الكتاب أعطاها الله محمدا صلى الله عليه وآله وامته، بدأ فيها بالحمد والثناء عليه، ثم ثنى بالدعاء لله عزوجل: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قال الله عزوجل: قسمت الحمد بيني وبين عبدي: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الله عزوجل: بدأ عبدي باسمي حق علي أن اتمم له اموره، وابارك له في أحواله. فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) قال الله عزوجل: حمد لي عبدي، و

[60]

علم أن النعم التي له من عندي، والبلايا التي اندفعت عنه بتطولي، اشهدكم أني اضعف له نعم الدنيا إلى نعيم الاخرة، وأدفع عنه بلايا الاخرة، كما دفعت عنه بلايا الدنيا، فإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله عزوجل: شهد لي بأني الرحمن الرحيم اشهدكم لاوفرن من رحمتي حظه، ولاجزلن من عطائي نصيبه، فإذا قال: (مالك يوم الدين) قال الله عزوجل: اشهدكم كما اعترف بأني أنا المالك ليوم الدين، لاسهلن يوم الحساب حسابه، ولا تقبلن حسناته، ولا تجاوزن عن سيئاته. فإذا قال العبد: (إياك نعبد) قال الله عزوجل: صدق عبدي إياي يعبد، لاثيبنه عن عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي، فإذا قال: (وإياك نستعين) قال الله عزوجل بي استعان وإلى التجاء، اشهدكم لاعيننه على أمره ولاغيثنه في شدايده، ولاخذن بيده يوم القيامة عند نوائبه. وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها، قال الله عزوجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، قد استجبت لعبدي، وأعطيته ما أمل، وآمنته مما منه وجل. قيل: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن (بسم الله الرحمن الرحيم) أهي من فاتحة الكتاب ؟ قال: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤها ويعدها آية منها، ويقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني، فضلت ببسم الله الرحمن الرحيم، وهي الاية السابعة منها (1). 48 - مجمع البيان: عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قرأت الفاتحة وقد فرغت من قراءتها وأنت في الصلاة فقل: الحمد لله رب العالمين (2). ومنه: عن الفضيل بن يسار قال: أمرني أبو جعفر عليه السلام أن أقرأ قل هو الله


(1) تفسير الامام: 27 و 28، عيون الاخبار ج 1 ص 300، واللفظ للاول، و تراه في أمالى الصدوق: 105. (2) مجمع البيان ج 1 ص 31. [*]

[61]

أحد، فأقول إذا فرغت منها: كذلك الله ربي ثلاثا (1). ومنه: عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قرأت قل يا أيها الكافرون، فقل: يا أيها الكافرون، وإذا قلت لا أعبد ما تعبدون، فقل أ عبد الله وحده وإذا قلت لكم دينكم ولي دين، فقل ربي الله وديني الاسلام (2). ومنه: عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الاية (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سبحانك اللهم وبلى، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (3). 49 - الذكرى: نقلا من كتاب البزنطي، عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يريد أن يقرء السورة فيقرأ في اخرى ؟ قال: يرجع إلى التي يريد، وإن بلغ النصف (4). 50 - السرائر: نقلا من نوادر البزنطي، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يقرء السجدة فينساها حتى يركع ويسجد قال: يسجد إذا ذكر إذا كانت من العزائم (5). بيان: ظاهره جواز قراءة السجدة في الفريضة، والاتيان بها فيها حيث ذكر، ويمكن حمله على النافلة. 51 - تفسير على بن ابراهيم: عن علي بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد الله عن علي بن سيف بن عميرة، عن أبيه، عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت لابي جعفر عليه السلام إن ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف، فقال: كان أبي يقول: إنما فعل ذلك


(1) مجمع البيان ج 10 ص 567. (2) مجمع البيان ج 10 ص 553. (3) مجمع البيان ج 10 ص 402. (4) الذكرى: 195. (5) السرائر ص 496. [*]

[62]

ابن مسعود برأيه، وهما من القرآن (1). 52 - طب الائمة: عن أبى عبد الله عليه السلام أنه سئل عن المعوذتين أهما من القرآن ؟ فقال عليه السلام: هما من القرآن، فقال الرجل: إنهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه ؟ فقال عليه السلام: أخطأ ابن مسعود، أو قال: كذب ابن مسعود، هما من القرآن، فقال الرجل فأقرأ بهما في المكتوبة ؟ فقال: نعم (2). 53 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمد - وسئل عما قد يجوز وعما لا يجوز من النية من الاضمار في اليمين - قال إن النيات قد تجوز في موضع ولا تجوز في آخر، فأما ما تجوز فيه فإذا كان مظلوما فما حلف به ونوى اليمين فعلى نيته، فأما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم. ثم قال: لو كانت النيات من أهل الفسق يؤخذ بها أهلها إذا لاخذ كل من نوى الزنا بالزنا، وكل من نوى السرقة بالسرقة، وكل من نوى القتل بالقتل، و لكن الله تبارك وتعالى عدل كريم ليس الجور من شأنه، ولكنه يثيب على نيات الخير أهلها، وإضمارهم عليها، ولا يؤاخذ أهل الفسوق حتى يعملوا، وذلك أنك قد ترى من المحرم من العجم ما لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم المحرم، لا يراد منه ما يراد من العالم المتكلم الفصيح، ولو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم أنه يلزمه ويعمل به، وينبغي له أن يقوم به، حتى يكون ذلك منه بالنبطية والفارسية، لحيل بينه وبين ذلك بالادب، حتى يعود إلى ما قد علمه وعقله، قال: ولو ذهب من لم يكن في مثل حال الاعجمي والاخرس [ففعل فعال الاعجمي والاخرس] على ما قد وصفنا إذا لم يكن أحد فاعلا لشئ من الخير، ولا يعرف الجاهل من العالم (3).


(1) تفسير القمى: 744. (2) طب الائمة: 114. (3) قرب الاسناد ص 24 ط حجر: 34 ط نجف. [*]

[63]

توضيح: قال في النهاية: فيه فأرسل إلى ناقة محرمة: المحرمة هي التي لم تركب ولم تذلل، وفي الصحاح جلد محرم لم تتم دباغته، وسوط محرم لم يلين بعد، وناقة محرمة أي لم تتم رياضتها بعد، وقال: كل من لا يقدر على الكلام أصلا فهو أعجم ومستعجم، والاعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه انتهى ويمكن أي يقرأ العجم بالضم وبالتحريك. ثم إن أول الخبر يدل على جواز التورية في اليمين، وأن المدار على نية المحق من الخصمين كما ذكره الاصحاب، وسيأتي في بابه، ثم ذكر عليه السلام حكم نية أهل المعاصي وعزمهم عليها إذا لم يأتوا بها وأنه لا يعاقبهم الله عليها، ونية أرباب الطاعات وعزمهم عليها وأنه يثيبهم عليها وإن لم يأتوا بها، ثم ذكر عليه السلام نظيرا لاختلاف النيات في الحكم وجوازها بالنسبة إلى بعض الاشخاص، وعدمه بالنسبة إلى بعض، وهو أن العجمي أو الاعجم الذي لم يصحح القراءة بعد، أولا يمكنه أداء الحروف من مخارجها، يجوز له أن يأتي بكل ما تيسر منها بخلاف العالم المتكلم الفصيح القادر على صحيح القراءة أو تصحيحها لا يصح منه ما يصح من الاعجم الذي لم يصحح القراءة وتضيق الوقت عنه أولا يمكنه التصحيح أصلا كالالكن، فالمراد بالمحرم من العجم من لا يقدر على صحيح القراءة ولم يصححها بعد، شبه بالدابة التي لم تركب ولم تذلل. والعجم إن قرئ بالضم الحيوانات العجم أو الاعجم الذي لا يفصح الكلام، و يمكن أن يراد به الحيوان حقيقة أي لم يكلف الله البهيمة العجماء ما كلف الانسان العاقل القادر على التعلم والتكلم والافصاح بالكلام والاول أظهر وأصوب، لقوله مثل حال الاعجمي المحرم، وإن قرئ بالتحريك فظاهر. ثم بين ذلك بالاخرس فانه يجوز منه الاخطار بالبال، ويجزيه ذلك، ولا يجوز ذلك للقادر على الكلام، ويحتمل أن يكون جميع ذلك بيانا لعدله وكرمه سبحانه لانه لا يكلف نفسا إلا وسعها، بل لا يطلب منها جهدها، ووسع على العباد و رضي منهم ما يسهل عليهم، ولم يجعل في الدين من حرج. [*]

[64]

فيستفاد من الخبر أحكام: الاول: وجوب تعلم القراءة والاذكار، ولا خلاف فيه بين الاصحاب. الثاني: أنه مع ضيق الوقت عن التعلم تجزيه الصلاة كيف ما أمكن، وذكر الاصحاب أنه إن أمكنه القراءة في المصحف وجب، وقد مر أنه لا يبعد جواز القراءة فيه مع القدرة على الواجب بظهر القلب، والاحوط تركه، وقالوا إن أمكنه الايتمام وجب وليس ببعيد، فان لم يمكنه شئ منهما، فان كان يحس الفاتحة ولا يحسن السورة فلا خلاف في جواز الاكتفاء بها وإن كان يحسن بعض الفاتحة فان كان آية قرأها وإن كان بعضها ففي قراءته أقوال الاول الوجوب، الثاني عدمه والعدول إلى الذكر الثالث وجوب قراءته إن كان قرآنا وهو المشهور، وهل يقتصر على الاية التي يعلمها من الفاتحة أو يعوض عن الفائت بتكرار قراءتها أو بغيرها من القرآن أو الذكر عند تعذره قولان، والاخير أشهر. ثم إن علم غيرها من القرآن فهل يعوض عن الفائت بقراءة ما يعلم من الفاتحة مكررا بحيث يساويها أم يأتي ببدله من سورة اخرى، فيه أيضا قولان، وهل يراعي في البدل المساواة في الايات أو في الحروف أو فيهما جميعا أقوال. ولو لم يحسن شيئا من الفاتحة فالمشهور أنه يجب عليه أن يقرأ بدلها من غيرها إن علمه، وقيل إنه مخير بينه وبين الذكر، والخلاف في وجوب المساواة وعدمه وكيفية المساواة ما مر، فلو لم يحسن شيئا من القرآن سبح الله تعالى وهلله وكبره بقدر القراءة أو مطلقا، والخبر مجمل بالنسبة إلى جميع تلك الاحكام لكن يفهم منه غاية التوسعة فيها، وأكثر الاقوال فيها لم يستند إلى نص، وما يمكن فيه الاحتياط فرعايته أولى. الثالث: عدم جواز الترجمة مع القدرة، ولا خلاف فيه بين الاصحاب ووافقنا عليه أكثر العامة خلافا لابي حنيفة، فانه جوز الترجمة مع القدرة. الرابع: جواز الترجمة مع عدم القدرة كما هو الظاهر من قوله حتى يكون منه بالنبطية والفارسية، وحمله على القراءة الملحونة التي يأتي بها النبطي والعجمي

[65]

بعيد جدا، فيدل بمفهومه على جواز ذلك لغير القادر، وهذا هو المشهور بين الاصحاب لكن اختلفوا في أنه هل يأتي بترجمة القرآن أو ترجمة الذكر مع عدم القدرة عليهما و القدرة على ترجمتهما معا، ولعل ترجمة القرآن أولى. الخامس: أن الاخرس تصح صلاته بدون القراءة والاذكار، ويمكن أن يفهم منه الاخطار بالخصوص على بعض الاحتمالات والمشهور بين الاصحاب فيه أنه يحرك لسانه بها ويعقد بها قلبه، وزاد بعض المتأخرين الاشارة باليد، لما رواه الكليني بسند ضعيف (1) عن السكوني عن أبي عبد الله أن عليا عليه السلام قال: تلبية الاخرس وتشهده وقراءة القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بأصبعه، والشيخ اكتفى بتحريك اللسان، ومرادهم بعقد القلب إما إخطار الالفاظ بالبال، أو فهم المعاني كما هو ظاهر الذكرى، وهو في غاية البعد. 54 - مجمع البيان: نقلا عن الشيخ الطوسي قال: روي عنهم عليهم السلام جواز القراءة بما اختلفت القراء فيه (2). 55 - الخصال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن عيسى بن عبد الله الهاشمي، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني آت من الله، فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: يا رب وسع على امتي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف (3). بيان: الخبر ضعيف ومخالف للاخبار الكثيرة كما ستأتي، وحملوه على القراءات السبعة، ولا يخفى بعده لحدوثها بعده صلى الله عليه وآله، وسنشبع القول في ذلك في كتاب القرآن إنشاء الله (4) ولا ريب في أنه يجوز لنا الان أن نقرأ موافقا لقراءاتهم المشهورة


(1) الكافي ج 3 ص 315. (2) مجمع البيان ج 1 ص 13. (3) الخصال ج 2 ص 12. (4) راجع ج 92 ص 78 - 106 باب أن للقرآن ظهرا وبطنا، وفيه نقلا عن الخصال = = [*]

[66]

كما دلت عليه الاخبار المستفيضة إلى أن يظهر القائم عليه السلام، ويظهر لنا القرآن على حرف واحد، وقراءة واحدة، رزقنا الله تعالى إدراك ذلك الزمان. 56 - كتاب المجتنى: للسيد ابن طاوس رحمه الله نقلا من كتاب الوسائل إلى المسائل تأليف أحمد بن علي بن أحمد قال: بلغنا أن رجلا كان بينه وبين بعض المتسلطين عداوة شديدة حتى خافه على نفسه، وأيس معه من حياته وتحير في أمره، فرأي ذات ليلة في منامه كأن قائلا يقول: عليك بقراءة سورة ألم تر كيف في إحدى ركعتي الفجر وكان يقرؤها كما أمره فكفاه الله شر عدوه في مدة يسيرة، وأقر عينه بهلاك عدوه قال: ولم يترك قراءة هذه السورة في إحدى ركعتي الفجر إلى أن مات. بيان: هذا المنام لا حجة فيه، ولو عمل به أحد فالاحوط قراءتها في نافلة الفجر لما عرفت. 57 - مشكوة الانوار: عن علي بن الحسين عليه السلام قال: لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت، لو كان القرآن معي، وإذا كان قرأ من القرآن (مالك يوم الدين) كررها وكاد أن يموت مما دخل عليه من الخوف (1). 58 - البلد الامين: من كتاب طريق النجاة لابن الحداد العاملي باسناده عن أبي جعفر الجواد عليه السلام قال: من قرأ سورة القدر في صلاة رفعت في عليين مقبولة مضاعفة ومن قرأها ثم دعا رفع دعاؤه إلى اللوح المحفوظ مستجابا (2). 59 - كتاب زيد الزراد: قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أنا ضامن لكل من كان من شيعتنا إذا قرء في صلاة الغداة من يوم الخميس هل أتى على الانسان ثم


= = ج 2 ص 10 العياشي ج 1 ص 11 باسناده عن حماد بن عثمان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ان الاحاديث تختلف عنكم، قال: فقال عليه السلام: ان القرآن نزل على سبعة أحرف وأدنى ما للام أن يفتى على سبعة وجوه، ثم قال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب). (1) مشكاة الانوار: 120. (2) راجع البحار ج 92 ص 329 باب فضائل سورة القدر. [*]

[67]

مات من يومه أو ليلته أن يدخل الجنة آمنا بغير حساب، على ما فيه من ذنوب و عيوب، ولم ينشر الله له ديوان الحساب يوم القيامة، ولا يسأل مسألة القبر، وإن عاش كان محفوظا مستورا مصروفا عنه آفات الدنيا كلها، ولم يتعرص له شئ من هوام الارض إلى الخميس الثاني إنشاء الله.

[68]

(24) (باب) * " (الجهر والاخفات وأحكامهما) " * الايات: اسرى: وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (1). وقال سبحانه: ولا تجهر بصلوتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (2).


(1) أسرى: 46. (2) أسرى: 110، والظاهر من لفظ الاية الشريفة أن المراد بالجهر والمخافتة اجهار الصلاة علانية واخفاتها سرا حيث لا يراه أحد من الاحانب، على ما أشرنا إليه قبل ذلك في ج 82 ص 318. فالنبى صلى الله عليه وآله بعد ما فرض عليه في الاية 78 من هذه السورة - سورة الاسراء - صلاتا المغرب والفجر، كان يجهر بهما علانية في فناء الكعبة الشريفة، يصلى هناك منفردا وأحيانا مع زوجته خديجة وابن عمه على عليهم السلام فاشتد ذلك على قريش حتى آذوه بالسب والشتم ورمى الحصا، وبلغ أمرهم إلى أن ألقوا عليه سلى ناقة وأراد بعضهم أن يدمغ رأسه صلى الله عليه وآله بحجر، فكفاه الله شره، فلا جرم انتقل إلى بيته ليصلى مخافتة فنزلت هذه الاية، وأمره أن يتطلب ويتجسس ويبتغى بين هذين الامرين منهجا، فتذاكر النبي صلى الله عليه وآله مع الارقم ابن أبى الارقم المخزومى واختار داره - وهى في أصل الصفا على يسار الصاعد إليه - للصلاة ثم لقراءة القرآن والانذار به، حتى نزل قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين * انا كفيناك المستهزئين) الحجر: 94 و 95. ينص على ذلك قوله عزوجل في ذيل الاية (وابتغ بين ذلك سبيلا) حيث ان الابتغاء وهو الاجتهاد في الطلب على ما صرح به الراغب لا يناسب الا ما حملنا الاية عليه، وأما لو حملنا الجهر والاخفات على جهر القراءة والاخفات بها من حيث مد الصوت وعدمه فمع أنه = [*]

[69]

تفسير: (ولوا على أدبارهم نفورا) قال الطبرسي رحمه الله: أي أدبروا عنك


= خلاف ظاهر اللفظ حيث لا ذكر في الاية من القراءة والذكر، لا وجه لقوله عزوجل (وابتغ) أي تطلب وتفحص أمرا بين الامرين، حيث أن قراءة بين القراءتين: الجهر والاخفات ليس يخفى كيفيتها على أحد، حتى يؤمر بابتغائه وطلبه مع اجتهاد. على أنه لو كان المراد ذلك، لكان على النبي صلى الله عليه وآله أن يمتثل هذا الامر بقراءة القرآن قراءة متعارفة بين القراءتين، مع أنه صلى الله عليه وآله جهر في بعض الصلوات وأخفت في بعضها، و هذا ضد ما أمر به القرآن العزيز وخلاف عليه بكلا شقى المسألة. فعلى هذا لا وجه لعنوان الاية الكريمة في هذا الباب، بل الاية التى تتكفل لبيان الجهر بالقراءة والاخفات بها وامتثل أمرها النبي صلى الله عليه وآله فأخفت في بعض الصلوات وجهر ببعضها الاخر على ما عرف من سنته صلى الله عليه وآله، هو قوله عزوجل: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له و أنصتوا لعلكم ترحمون * واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والاصال ولا تكن من الغافلين) الاعراف: 204 و 205. والايتان كلتاهما من المتشابهات على ما عرفت معنى المتشابه في ج 83 ص 166، الا أن الاية الاولى آلت بتأويله صلى الله عليه وآله إلى صلاة الجماعة فأوجب على المأمومين أن ينصتوا لقراءة الامام في الصلاة، ومعلوم أن الانصات لا يكون الا عند الاجهار بالقراءة، ثم في الاية الثانية أمره صلى الله عليه وآله أن يذكر ربه في نفسه تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول الذى يناسب معنى التضرع والخيفة، بالغدو والاصال والغدو على ما يدل عليه قوله عزوجل (غدوها شهر ورواحها شهر) وقوله تعالى (آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا): الظهر وقت النهار والاصيل وقت العصر، فآلت أمره إلى صلاة الظهر والعصر بتأويل النبي صلى الله عليه وآله فصلى صلاتي العصرين بالاخفات بذكره تعالى من أول الصلاة إلى خاتمتها حتى الاذكار والتسبيحات وحد الاخفات هذا أن يكون قراءة دون الجهر من القول في النفس كما هو ظاهر. فالواجب الجهر بقراءة القرآن في غير صلاتي الظهرين وأما الاذكار والتسبيحات فهو مخير بين أن يجهر بها أو يخافت ولعل الجهر بها تبعا للجهر بالقراءة أولى، وأما صلاتا النهار والاصيل، فالقراءة والاذكار كلها سواء، يخافت بها مطلقا، وسيمر عليك في طى الباب أخبار عن الائمة المعصومين عليهم السلام ينص على ذلك.

[70]

مدبرين نافرين، والمعني بذلك كفار قريش، وقيل هم الشياطين عن ابن عباس، وقيل معناه إذا سمعوا بسم الله الرحمن الرحيم (1) ولوا. (ولا تجهر بصلوتك) فيه أقوال: أحدها أن معناه لا تجهر باشاعة صلاتك عند من يؤذيك، ولا تخافت بها عند من يلتمسها منك، قال الطبرسي ره روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا صلى جهر في صلاته حتى يسمع المشركون، فشتموه و آذوه فأمره سبحانه بترك الجهر، وكان ذلك بمكة في أول الامر، وروي ذلك عن أبى جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (2) وقال في الكشاف: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يرفع صوته بقراءته، فإذا سمعه المشركون لغوا وسبوا، فأمره بأن يخفض من صوته، و المعنى ولا تجهر حتى تسمع المشركين ولا تخافت بها حتى لا تسمع من خلفك، وابتغ بين الجهر والمخافتة سبيلا وسطا. وثانيها: لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها كلها (وابتغ بين ذلك سبيلا) أي التبعيض على ما عين من السنة. وثالثها: أن المراد بالصلاة الدعاء وهو بعيد. ورابعها: أن يكون خطابا لكل واحد من المكلفين أو من باب إياك أعني واسمعي يا جارة أي لا تعلنها إعلانا يوهم الريا ولا تسترها بحيث يظن بك تركها والتهاون بها. وخامسها: لا تجهر جهرا يشتغل به من يصلي بقربك، ولا تخافت حتى لا تسمع نفسك كما قال أصحابنا إن الجهر أن ترفع صوتك شديدا والمخافتة ما دون سمعك، وابتغ بين ذلك سبيلا أي بين الجهر الشديد والمخافتة، فلا يجوز الافراط ولا التفريط، ويجب الوسط والعدل، لكن قد علم من السنة الشريفة اختيار بعض أفراد هذا الوسط في بعض الصلوات كالجهر غير العالي شديدا للرجل في الصبح واوليي


(1) مجمع البيان ج 6 ص 418. (2) مجمع البيان ج 6 ص 446. [*

[71]

المغرب والعشاء، وكالاخفات لا جدا بحيث يلحق بحديث النفس في غيرها من الفرائض، وما نسب إلى أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام لا ينافي ذلك. وسادسها: ما رواه العياشي عن الباقر عليه السلام لا تجهر بولاية علي ولا بما أكرمته به حتى آمرك بذلك، ولا تخافت بها يعني لا تكتمها عليا وأعلمه بما أكرمته به (وابتغ بين ذلك سبيلا) سلني أن آذن لك أن تجهر بأمر علي بولايته، فاذن له باظهاره يوم غدير خم (1). أقول: وهذا بطن الاية ولا ينافي العمل بظاهرها. ثم اعلم أن المشهور بين الاصحاب وجوب الجهر والاخفاف في مواضعهما في الفرائض وأنه تبطل الصلاة بتركهما عالما عامدا، ونقل عليه الشيخ في الخلاف الاجماع والمنقول عن السيد المرتضى رضي الله عنه أنهما من وكيد السنن، وعن ابن الجنيد أيضا القول باستحبابهما، ولا يخلو من قوة كما ستعرف، ولا يخفى أن الاية على الوجه الخامس الذي هو أظهر الوجوه، يؤيد الاستحباب إذ التوسط الذي يظهر منها شامل لحدي الجهر وإلاخفات وتخصيص بعضها ببعض خلاف الظاهر. وأما حدهما فقال في التذكرة أقل الجهر أن يسمع غيره القريب تحقيقا أو تقديرا، وحد الاخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سميعا باجماع العلماء وقريب منه كلام المنتهى والمحقق في المعتبر، وجماعة من الاصحاب، ويرد عليه أن مع إسماع نفسه يسمع القريب أيضا غالبا، وضبط هذا الحد بينهما في غاية الاشكال إن أمكن ذلك، ولذا قال بعض المتأخرين: الجهر هو ظهور جوهر الصوت والاخفات هو إخفاء الصوت وهمسه، وإن سمع القريب، ومنهم من أحالهما على العرف ولعله أظهر. والظاهر أنه لا فرق بين الاداء والقضاء في الوجوب والاستحباب كما يدل عليه كلام الاصحاب وذهبوا إلى أن الجاهل فيهما معذور، والجهر إنما يجب على القول به في القراءة دون الاذكار، ونقل في المنتهى اتفاق الاصحاب على استحباب


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 319. [*]

[72]

الاجهار في صلاة الليل، والاخفات في صلاة النهار. 1 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن الصباح، عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) قال: الجهر بها رفع الصوت، والتخافت ما لم تسمع نفسك باذنك واقرأ ما بين ذلك (1). ومنه: بهذا الاسناد عنه عليه السلام قال: الاجهار رفع الصوت عاليا والمخافتة ما لم تسمع نفسك (2). قال: وروي أيضا عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في هذه الاية قال الاجهار أن ترفع صوتك يسمعه من بعد عنك، والاخفات أن لا تسمع من معك إلا سرا [يسيرا] خ ل (3). بيان: يحتمل أن يكون الغرض بيان حد الجهر في الصلاة مطلقا أو للامام، و هذا وجه قريب لتفسير الاية أي ينبغي أن يقرأ فيما يجهر فيه من الصلوات بحيث لا يتجاوز الحد في العلو، ولا يكون بحيث لا يسمعه من قرب منه فيكون إخفاتا أولا يسمعه المأمومون فيكون مكروها، وعليه حمل الصدوق في الفقيه الاية حيث قال: و اجهر بجميع القراءة في المغرب والعشاء الاخرة والغداة من غير أن تجهد نفسك أو ترفع صوتك شديدا، وليكن ذلك وسطا، لان الله عزوجل يقول: (ولا تجهر بصلوتك) الاية وستسمع الاخبار في ذلك. 2 - العياشي: عن المفضل قال: سمعته وسئل عن الامام هل عليه أن يسمع من خلفه وإن كثروا ؟ قال: يقرء قراءة وسطا، يقول الله تبارك وتعالى: (ولا تجهر بصلوتك ولا تخافت بها) (4). ومنه: عن عبد الله بن سنان عنه عليه السلام مثله (5). ومنه: عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: (ولا تجهر بصلوتك ولا تخافت بها) قال: المخافتة ما دون سمعك، والجهر أن ترفع صوتك شديدا (6).


(1 - 3) تفسير القمى: 391. (4 - 6) تفسير العياشي ج 2 ص 318. [*]

[73]

ومنه: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قوله تعالى: (ولا تجهر بصلوتك) الاية قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان بمكة جهر بصلاته فيعلم بمكانه المشركون، فكانوا يؤذونه، فانزلت هذه الاية عند ذلك (1). ومنه: عن سليمان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: (ولا تجهر بصلاتك) الاية قال: الجهر بها رفع الصوت، والمخافتة ما لم تسمع اذناك، وبين ذلك قدر ما تسمع اذنيك (2). ومنه: عن الحلبي قال: قال أبو جعفر لابي عبد الله عليه السلام يا بني عليك بالحسنة بين السيئتين تمحوهما، قال: وكيف ذلك يا أبه ؟ قال: مثل قول الله: (ولا تجهر بصلاتك) سيئة (ولا تخافت بها) سيئة (وابتغ بين ذلك سبيلا) حسنة الخبر (3). ومنه: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام في هذه الاية قال: نسختها (فاصدع بما تؤمر) (4). بيان: لعل المراد نسخ بعض معانيها بالنسبة إليه صلى الله عليه وآله والظاهر من الاخبار الواردة في تفسير الاية عدم وجوب الجهر والاخفات، وأن المصلي مخير بين أقل مراتب الاخفات وأكثر مراتب الجهر في جميع الصلوات، وحملها على التبعيض بعيد. 3 - العياشي: عن زيد بن علي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فذكر (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال: تدري ما نزل في (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ فقلت لا، فقال: إن رسول الله كان أحسن الناس صوتا بالقرآن، وكان يصلي بفناء الكعبة يرفع صوته، وكان عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وجماعة منهم يستمعون قراءته، قال: وكان يكثر ترداد (بسم الله الرحمن الرحيم) فيرفع بها صوته، فيقولون إن


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 318. (2 - 3) تفسير العياشي ج 2 ص 319، (4) تفسير العياشي ج 2 ص 252، والاية في سورة الحجر: 94. [*]

[74]

محمدا ليردد اسم ربه تردادا فيأمرون من يقوم فيستمع عليه ويقولون إذا جاز (بسم الله الرحمن الرحيم) فأعلمنا حتى نقوم فنستمع قراءته فأنزل الله في ذلك وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده - بسم الله الرحمن الرحيم - ولوا على أدبارهم نفورا (1). ومنه: عن زرارة عن أحدهما عليه السلام قال: في بسم الله الرحمن الرحيم قال: هو الحق فاجهر به، وهي الاية التي قال الله: (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده - بسم الله الرحمن الرحيم - ولوا على أدبارهم نفورا) كان المشركون يتسمعون إلى قراءة النبي صلى الله عليه وآله فإذا قرء (بسم الله الرحمن الرحيم) نفروا وذهبوا، فإذا فرغ منه عادوا وتسمعوا (2). ومنه: عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا صلى بالناس جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فتخلف من خلفه من المنافقين عن الصفوف، فإذا جازها في السورة عادوا إلى مواضعهم، وقال بعضهم لبعض إنه ليردد اسم ربه تردادا إنه ليحب ربه، فأنزل الله (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده) الاية (3) ومنه: عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام ياثمالي إن الشيطان ليأتي قرين الامام فيسأله هل ذكر ربه ؟ فان قال: نعم اكتسع فذهب، وإن قال: لا ركب على كتفيه، وكان إمام القوم حتى ينصرفوا، قال: قلت: جعلت فداك، وما معنى قوله ذكر ربه ؟ قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (4). بيان: الظاهر المراد بقرين الامام الشيطان الذي وكله به، ويحتمل الملك لكنه بعيد وقال الفيروز آبادي اكتسع الفحل خطر وضرب فخذيه بذنبه والكلب بذنبه استثفر، وقال الجزري: فلما تكسعوا فيها أي تأخروا عن جوابها ولم يردوه انتهى. 4 - الذكرى: قال ابن أبي عقيل: تواترت الاخبار عنهم عليهم السلام أن لا تقية في الجهر بالبسملة.


(1 - 3) تفسير العياشي ج 2 ص 295، في آية الاسراء: 45. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 296. [*]

[75]

5 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن الهيثم وأحمد بن الحسن ومحمد بن أحمد والحسين بن إبراهيم وعبد الله بن محمد وعلي بن عبد الله الوراق، عن أحمد بن يحيى ابن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن الصادق عليه السلام قال: الاجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة واجب (1). 6 - العيون: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون قال: الاجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنة (2). توضيح: المشهور بين الاصحاب استحباب الجهر بالبسملة في مواضع الاخفات للامام والمنفرد في الاوليين والاخريين، ونقل السيد وابن إدريس عن بعض الاصحاب القول باختصاص ذلك بالامام دون غيره، وهو المنقول عن ابن الجنيد، وخصه ابن إدريس بالاوليين، بل قال بعدم جواز الجهر بها في الاخيرتين، ونقل الاجماع على جواز الاخفات بها فيهما، وأوجب أبو الصلاح الجهر بها في اوليي الظهر والعصر في ابتداء الحمد والسورة التي تليها وأوجب ابن البراج الجهر بها فيما يخافت فيه، وأطلق، والظاهر رجحان الجهر في الجميع للامام والمنفرد، والاستحباب أقوى وعدم الترك أحوط، لاطلاق الوجوب في بعض الاخبار. وأما ترك التقية فيها فهو خلاف المشهور والاخبار التي وصلت إلينا لا تدل على ذلك إلا ما سيأتي برواية صاحب الدعائم، ويشكل تخصيص عمومات التقية بأمثال ذلك. 7 - المصباح للشيخ: قال: روي عن أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: علامات المؤمن خمس: صلاة الاحدى والخمسين، وزيارة الاربعين، والتختم باليمين، وتعفير


(1) الخصال ج 2 ص 151. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 123. [*]

[76]

الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (1). 8 - فقه الرضا: قال عليه السلام: أسمع القراءة والتسبيح اذنيك فيما لا تجهر فيه من الصلوات بالقراءة، وهي الظهر والعصر، وارفع فوق ذلك فيما تجهر فيه بالقراءة (2). قال: وسألت العالم عليه السلام عن القنوت يوم الجمعة إذا صليت وحدي أربعا، فقال: نعم في الركعة الثانية خلف القراءة، فقلت: أجهر فيها بالقراءة ؟ قال: نعم (3). 9 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن القاسم ابن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن الصادق، عن أبيه عن جده عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام إذا صليت فأسمع نفسك القراءة والتكبير والتسبيح (4). 10 - العياشي: عن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام قال: لا يكتب الملك إلا ما أسمع نفسه، وقال الله: (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة) (5) قال: لا يعلم ثواب ذلك الذكر في نفس العبد لعظمته إلا الله (6). ومنه: عن إبراهيم بن عبد الحميد يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (واذكر ربك في نفسك) [تضرعا] يعني مستكينا (وخيفة) يعني خوفا من عذابه (ودون الجهر من القول) يعني دون الجهر من القراءة (بالغدو والاصال) يعني بالغداة والعشي (7). بيان: لعل الذكر النفساني في الخبرين محمول على غير قراءة الصلاة.


(1) مصباح المتهجد: 551. (2) فقه الرضا ص 7 س 35. (3) فقه الرضا ص 11 س 18. (4) لم نجده في الخصال المطبوع. (5) الاعراف: 205. (6 و 7) تفسير العياشي ج 2 ص 44. [*]

[77]

11 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل صلى العيدين وحده والجمعة، هل يجهر فيهما بالقراءة ؟ قال: لا يجهر إلا الامام (1). قال: وسألته عن الرجل يصلي الفريضة ما يجهر فيه بالقراءة هل عليه أن يجهر قال: إن شاء جهر، وإن شاء لم يفعل (2). بيان: هذا الخبر صريح في الاستحباب، وحمله الشيخ على التقية، وقال المحقق في المعتبر وهو تحكم من الشيخ - ره - فان بعض الاصحاب لا يرى وجوب الجهر بل يستحبه مؤكدا انتهى، وحمله بعضهم على الجهر العالي وهو بعيد. وروى الصدوق ره في الصحيح (3) عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الجهر فيه، أو أخفى فيما لا ينبغي الاخفات فيه، فقال: أي ذلك فعل متعمدا فقد نقض صلاته، وعليه الاعادة، وإن فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أولا يدري فلا شئ عليه، وقد تمت صلاته، وهذا مستند الوجوب وفي بعض النسخ نقص بالمهملة فهو أيضا يؤيد الاستحباب، وفي بعضها بالمعجمة فيمكن حمله على تأكد الاستحباب وكذا الامر بالاعادة، والمسألة في غاية الاشكال، ولا يترك الاحتياط فيها. 12 - العلل: عن حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن محمد بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام لاي علة يجهر في صلاة الفجر وصلاة المغرب وصلاة العشاء الاخرة ؟ وسائر الصلوات مثل الظهر والعصر لا يجهر فيها ؟ فقال: لان النبي صلى الله عليه وآله لما أسري


(1) قرب الاسناد ص 98 ط حجر ص 129 ط نجف. (2) قرب الاسناد: 94 ط حجر: 123 ط نجف، ومعنى السؤال أن الرجل إذا صلى بالفرائض التى يجهر فيها بالقراءة هل عليه أن يجهر بغير القراءة من الاذكار أيضا ؟ فقال عليه السلام هو مخير ان شاء جهر وان شاء لم يجهر. (3) الفقيه ج 1 ص 227، وقوله عليه السلام: (ان فعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو لا يدرى فلا شئ عليه) جار في سنن الصلاة كلها. [*]

[78]

به إلى السماء كان أول صلاة فرض الله عليه صلاة الظهر يوم الجمعة، فأضاف الله إليه الملائكة يصلون خلفه، فأمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يجهر بالقراءة ليتبين لهم فضله، ثم فرض عليه العصر، ولم يضف إليه أحدا من الملائكة، فأمره أن يخفي القراءة لانه لم يكن وراءه أحد، ثم فرض عليه المغرب وأضاف إليه الملائكة فأمره بالاجهار و كذلك العشاء الاخرة، فلما كان قرب الفجر نزل ففرض الله عليه الفجر وأمره بالاجهار ليبين للناس فضله كما بين للملائكة فلهذه العلة يجهر فيها (1). كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم باسناده، عن محمد بن حمران عنه عليه السلام مثله. بيان: في علل محمد بن علي بن إبراهيم وفي الفقيه (2) هكذا: (لاي علة يجهر في صلاة الجمعة وصلاة المغرب وصلاة العشاء الاخرة وصلاة الغداة) وهو الصواب كما يدل عليه الجواب ولعل المراد بالظهر صلاة الجمعة أو الاعم منه ومن الظهر، ليكون مطابقا للسؤال. 13 - العلل: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن بشار، عن موسى عليه السلام أنه سأل أخاه علي بن محمد عليه السلام فيما سأل عنه يحيى بن أكثم، عن صلاة الفجر لم يجهر فيها بالقراءة وهي من صلوات النهار، وإنما يجهر في صلاة الليل ؟ قال: لان النبي صلى الله عليه وآله كان يغلس بها لقربها من الليل (3). 14 - مجالس الصدوق والخصال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن علي بن الحسين البرقي، عن عبد الله ابن جبلة، عن معاوية بن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن أبيه، عن جده الحسن ابن علي عليه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن مسائل فكان فيما سألوه أن قالوا: لم يجهر في ثلاث صلوات ؟ قال: لانه يتباعد منه لهب النار مقدار


(1) علل الشرايع ج 2 ص 12 في حديث. (2) الفقيه ج 1 ص 202. (3) علل الشرايع ج 2 ص 13. [*]

[79]

ما يبلغه صوته، ويجوز على الصراط، ويعطي السرور حتى يدخل الجنة (1). 15 - العيون: عن تميم بن عبد الله القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن رجاء بن أبي الضحاك أن الرضا عليه السلام في طريق خراسان كان يجهر بالقراءة في المغرب والعشاء الاخرة وصلاة الليل والشفع والوتر، ويخفي القراءة في الظهر والعصر، وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار (2). 16 - قرب الاسناد: عن عبد الصمد بن محمد ومحمد بن عبد الحميد، عن حنان بن سدير قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام فتعوذ باجهار ثم جهر ببسم الله الرحمن الرحيم (3). 17 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن أبي عمر بن مهدي، عن ابن عقدة عن الحسن بن علي بن عفان، عن أبي حفص الصائغ قال: صليت خلف جعفر بن محمد بن علي عليه السلام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (4). 18 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقوم آخر الليل فيرفع صوته بالقرآن، فقال: ينبغي للرجل إذا صلى بالليل أن يسمع أهله لكي يقوم قائم ويتحرك المتحرك (5). 19 - كنز الكراجكى: باسناده عن رجاله مرفوعا إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة يقبل قوم على نجائب من نور ينادون بأعلى أصواتهم: (الحمد لله


(1) أمالى الصدوق ص 117. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 182، (3) قرب الاسناد ص 58 ط حجر 78 ط نجف. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 279. (5) علل الشرايع ج 2 ص 53. [*]

[80]

الذي صدقنا وعده، وأورثنا أرضه نتبوء من الجنة حيث نشاء) (1) قال: فتقول الخلائق: هذه زمرة الانبياء، فإذا النداء من قبل الله عزوجل: هؤلاء شيعة علي بن أبي طالب، فهم صفوتي من عبادي، وخيرتي من بريتي، فتقول الخلائق: إلهنا و سيدنا بما نالوا هذه الدرجة ؟ فإذا النداء من الله: بتختمهم في اليمين، وصلاتهم إحدى وخمسين، وإطعامهم المسكين، وتعفيرهم الجبين، وجهرهم ببسم الله الرحمن الرحيم. أعلام الدين: للديلمي من كتاب الحسين بن سعيد، عن صفوان باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. 20 - تأويل الايات الباهرة: نقلا من تفسير محمد بن العباس بن ماهيار عن محمد بن وهبان، عن محمد بن علي بن رجيم، عن العباس بن محمد، عن أبيه، عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة البطائني، عن أبيه، عن أبي بصير قال: سأل جابر الجعفي أبا عبد الله عليه السلام عن تفسير قوله تعالى: (وإن من شيعته لابراهيم) (2) فقال عليه السلام: إن الله سبحانه لما خلق إبراهيم كشف له عن بصره فنظر فرأى نورا إلى جنب العرش، فقال: إلهي ما هذا النور ؟ فقيل له: هذا نور محمد صلى الله عليه وآله صفوتي من خلقي، ورأى نورا إلى جنبه فقال: إلهي وما هذا النور ؟ فقيل له: هذا نور علي بن أبي طالب عليه السلام ناصر ديني، ورأى إلى جنبهم ثلاثة أنوار، فقال: إلهي وما هذه الانوار ؟ فقيل له: هذا نور فاطمة فطمت محبيها من النار، ونور ولديها الحسن والحسين، فقال: إلهي وأرى تسعة أنوار قد حفوا بهم، قيل يا إبراهيم هؤلاء الائمة من ولد علي وفاطمة. فقال: إلهي وسيدي أري أنوارا قد أحدقوا بهم لا يحصي عددهم إلا أنت، قيل يا إبراهيم هؤلاء شيعتهم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال إبراهيم وبم تعرف شيعتهم ؟ قال: بصلاة الاحدى والخمسين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والقنوت قبل الركوع، والتختم في اليمين، فعند ذلك قال إبراهيم: اللهم اجعلني من شيعة أمير المؤمنين ! قال: فأخبر الله تعالى في كتابه فقال: (وإن من شيعته


(1) الزمر: 74. (2) الصافات: 83. [*]

[81]

لابراهيم) (1). 21 - كتاب المحتضر: للشيخ حسن بن سليمان من كتاب السيد حسن بن كبش باسناده عن الصادق عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة تقبل أقوام على نجائب من نور، ينادون بأعلى أصواتهم (الحمد لله الذي أنجزنا وعده، الحمد لله الذي أورثنا أرضه نتبوء من الجنة حيث شئنا) قال فتقول الخلائق: هذه زمرة الانبياء فإذا النداء من عند الله عزوجل: هؤلاء شيعة علي بن أبي طالب، وهو صفوتي من عبادي وخيرتي، فتقول الخلائق إلهنا وسيدنا بما نالوا هذه الدرجة ؟ فإذا النداء من قبل الله عزوجل نالوها بتختمهم في اليمين، وصلاتهم إحدى وخمسين، وإطعامهم المسكين، وتعفيرهم الجبين، وجهرهم في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. 22 - دعائم الاسلام: روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن علي والحسن و الحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم فيما يجهر فيه بالقراءة من الصلوات في أول فاتحة الكتاب، و أول السورة في كل ركعة، ويخافتون بها فيما يخافت فيه من السورتين جميعا (2). قال الحسن بن علي عليه السلام اجتمعنا ولد فاطمة على ذلك (3). وقال جعفر بن محمد عليه السلام التقية ديني ودين آبائي، ولا تقية في ثلاث: شرب المسكر، والمسح على الخفين، وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (4). بيان: الاخفات بالبسملة في الاخفاتية محمول على التقية، قال في التذكرة: يجب الجهر بالبسملة في مواضع الجهر، ويستحب في مواضع الاخفات في أول الحمد وأول السورة عند علمائنا، وقال الشافعي: يستحب الجهر بها قبل الحمد، وقبل السورة في الجهرية والاخفاتية، وبه قال عمرو ابن زبير وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وعطا وطاؤوس وابن جبير ومجاهد، وقال الثوري والاوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد لا يجهر بها بحال، وقال النخعي الجهر بها بدعة، وقال مالك المستحب أن لا يقرأ بها، وقال ابن أبي ليلى والحكم وإسحاق: إن جهر فحسن، وإن


(1) الصافات: 83. (2 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 160. [*]

[82]

أخفت فحسن. 23 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن العباس عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل لا يرى أنه صنع شيئا في الدعاء وفي القراءة حتى يرفع صوته فقال لا بأس إن علي بن الحسين عليه السلام كان أحسن الناس صوتا بالقرآن، وكان يرفع صوته حتى يسمع أهل الدار، وإن أبا جعفر عليه السلام كان أحسن صوتا بالقرآن، وكان إذا قام من الليل وقرء صوته فيمر به مار الطريق من السقائين وغيرهم، فيقومون فيستمعون إلى قراءته (1). بيان: يدل على جواز الجهر في القراءة والاذكار مطلقا، بل استحبابه، وحمل على الجهرية ونوافل الليل، ويحمل حسن الصوت على ما إذا لم يصل إلى حد الغناء: بأن يكون جوهر الصوت حسنا، أو يضم إليه تحزين صوت لا يظهر فيه الترجيع. 24 - العياشي: عن أبي حمزة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويرفع صوته بها، فإذا سمعها المشركون ولوا مدبرين فأنزل الله (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا) (2). 25 - تفسير على بن ابراهيم: بأسانيد جمة عن ابن اذينة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أحق ما جهر بها: وهي الاية التي قال الله عزوجل: (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا) (3). ومنه: في قوله تعالى (وإذا ذكرت ربك) الاية قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا تهجد بالقرآن تسمع قريش لحسن قراءته، وكان إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فروا عنه (4).


(1) السرائر ص 476. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 20، والاية في سورة أسرى: 45. (3) تفسير القمى: 25. (4) تفسير القمى ص 382. [*]

[83]

26 - قرب الاسناد: بسنده عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن المرءة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة ؟ قال: بقدر ما تسمع (1). قال: وسألته عن النساء هل عليهن جهر بالقراءة ؟ قال: لا إلا أن تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها (2). قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يجهر بالتشهد والقول في الركوع والسجود والقنوت ؟ قال: إن شاء جهر وإن شاء لم يجهر (3). بيان: يدل على عدم وجوب الجهر على النساء، ونقل عليه الفاضلان والشهيدان إجماع العلماء، لكن لابد من إسماع نفسها كما دلت عليه الرواية، ولو جهرت ولم يسمعها الأجنبي، فالظاهر الجواز، ولو سمعها الاجنبي فالمشهور بين المتأخرين بطلانها، بناء على أن صوت الاجنبي عورة، وهو في محل المنع، وإن كان مشهورا إذ لم يقم عليه دليل. ثم الظاهر من كلام الاكثر وجوب الاخفات عليها في موضعه، وربما أشعر بعض عباراتهم بثبوت التخيير لها مطلقا، وقال الفاضل الاردبيلي قدس سره: لا دليل على وجوب الاخفات على المرءة في الاخفاتية، وهو كذلك إلا أن الاحوط موافقة المشهور، ويدل الخبر على جهرها إذا كانت إماما، ولعله على الاستحباب. 27 - العيون والعلل: عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان فيما رواه عن الرضا عليه السلام من العلل قال: فان قال: لم جعل الجهر في بعض الصلواة ولم يجعل في بعض ؟ قيل: لان الصلوات التي لا يجهر فيها إنما هي صلوات تصلى في أوقات مظلمة، فوجب أن يجهر فيهما، لان يمر المار فيعلم أن ههنا جماعة، فان أراد أن يصلي صلى، ولانه إن لم ير جماعة تصلي سمع وعلم ذلك من جهة السماع، والصلاتان اللتان لا يجهر فيهما فانهما بالنهار، وفي أوقات مضيئة فهي تدرك من جهة الرؤية، فلا يحتاج فيها إلى السماع (4).


(1 - 2) قرب الاسناد: 100 ط حجر ص 132 و 133 ط نجف. (3) قرب الاسناد: 91 ط حجر: 120 ط نجف. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 109، علل الشرايع ج 1 ص 249. [*]

[84]

28 - كتاب الروضة وفضائل ابن شاذان: باسنادهما إلى عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لما خلق الله إبراهيم الخليل كشف الله عن بصره فنظر إلى جانب العرش فرأى أنوار النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام فقال: إلهي وسيدي أرى عدة أنوار حولهم لا يحصي عدتهم إلا أنت، قال: يا إبراهيم ! هؤلاء شيعتهم ومحبوهم، قال: إلهي وبما يعرف شيعتهم ومحبوهم ؟ قال: بصلاة الاحدى والخمسين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، والقنوت قبل الركوع، وسجدة الشكر والتختم باليمين (1). أقول: تمامه في باب نص الله على الائمة عليهم السلام (2). 29 - تفسير فرات بن ابراهيم: عن يحيى بن زياد رفعه، عن عمرو بن شمر قال: سألت جعفر بن محمد عليهما السلام أني أؤم قومي فأجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال: نعم حق فاجهر بها قد جهر بها رسول الله صلى الله عليه وآله. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان من أحسن الناس صوتا بالقرآن، فإذا قام من الليل يصلي جاء أبو جهل والمشركون يستمعون قراءته، فإذا قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا فإذا فرغ من ذلك جاؤوا فاستمعوا، وكان أبو جهل يقول: إن ابن أبي كبشة ليردد اسم ربه إنه ليحبه، فقال جعفر: صدق وإن كان كذوبا. قال: فأنزل الله (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا) وهو بسم الله الرحمن الرحيم (3).


(1) الروضة: 34، الفضائل: 167. (2) راجع ج 36 ص 214 من هذه الطبعة. (3) تفسير فرات: 85. [*]

[85]

(25) " (باب) " * " (التسبيح والقراءة في الاخيرتين (1)) " * 1 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن العباس عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الاولتين فيذكر في الركعتين الاخيرتين أنه لم يقرأ،


(1) ومن الايات المتعلقة بالباب قوله تعالى في سورة النصر: (إذا جاء نصر الله و الفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا) والظاهر من (إذا) الشرطية نزول السورة قبل فتح مكة بل قبل نصرة المسلمين على قريش في غزوة الاحزاب كأنه يقول عزوجل: إذا نصرك الله على قريش في غزوة الاحزاب ثم أتاك الفتح فتح مكة ثم رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا وفدا وفدا كما جاءه الوفود مسلمين في سنة التسع، فحينئذ فاعلم أن أمرك قد دنا للاتمام فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا. وقوله عزوجل: (فسبح بحمد ربك واستغفره) أمر غير مستقل من المتشابهات بأم الكتاب، ولذلك بعد ما حصل الشرائط الثلاثة في سنة التسع، وآن لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يمتثل أمر هذه الاية أوله إلى ركعات السنة السبعة الداخلة في الفرائض، فسبح الله عزوجل فيها وحمده ثم استغفره، بدلا عن قراءة الفاتحة وحدها. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخافت بهذه الركعات السبعة، لم يشتهر عند العامة أمر التسبيح بدل القراءة، ولذلك أوجب أحمد والشافعي من العامة قراءة الفاتحة في الاخيرتين وأوجبها مالك في ثلاث ركعات وجوز التسبيح في الرابعة فقط، وأبو حنيفة خير بين الفاتحة والتسبيح، وجوز السكوت أيضا كأنه توهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسكت عند القيام للاخيرتين والظاهر أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقرء بفاتحة الكتاب حتى جاء سنة تسع فانتقل إلى التسبيح والتحميد، واللازم علينا الاقتداء بسنته الا حدث فالاحدث. = = [*]

[86]

قال: أتم الركوع والسجود ؟ قلت: نعم، قال: إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها (1). بيان: أي لا يقرء أصلا بل يسبح، فان القراءة للاوليين والتسبيح للاخيرتين أو لا يقرء الحمد والسورة معا، وسيأتي ما يؤيد الاخير. 2 - الاحتجاج: فيما كتب محمد بن عبد الله الحميري إلى القائم عليه السلام سأله عن الركعتين الاخيرتين قد كثرت فيهما الروايات، فبعض يرى أن قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يرى أن التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لايهما لنستعمله ؟ فأجاب عليه السلام: قد نسخت قراءة ام الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، والذي نسخ التسبيح قول العالم عليه السلام كل صلاة لا قراءة فيها فهي خداج، إلا للعليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه (2). 3 - السرائر: نقلا من كتاب حريز قال: وهو من جلة المشيخة عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لا تقرأ في الركعتين الاخيرتين من الاربع الركعات المفروضات شيئا إماما كنت أو غير إمام، قلت: فما أقول فيهما ؟ قال: إن كنت إماما فقل: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) ثلاث مرات ثم تكبر وتركع، وإن كنت خلف إمام (3) فلا تقرأ شيئا في الاوليين وأنصت لقراءته، ولا تقولن شيئا في الاخيرتين، فان الله عزوجل يقول للمؤمنين (وإذا قرئ القرآن) يعني في الفريضة خلف الامام (فاستمعوا


= = فبحكم الاية الكريمة يجب علينا وجوبا غير ركني أن نسبح الله ونحمده ثم نستغفره من ذنوبنا في هاتين الركعتين، كما أرشدنا بذلك علماء التأويل من أهل بيت العصمة عليهم صلوات الله الرحمن، وسيمر عليك في الباب أحاديث تؤيد ذلك بحول الله وقوته. (1) السرائر: 476. (2) الاحتجاج: 274، لكنك قد عرفت أن المنسوخ هو قراء الفاتحة وسيعود الكلام فيه. (3) يعنى اماما من أئمة الجمهور جيث يقرؤن في كل الركعات بفاتحة الكتاب = [*]

[87]

له وأنصتوا لعلكم ترحمون) والاخريان تبع الاوليين (1). قال زرارة: قال أبو جعفر عليه السلام: كان الذي فرض الله على العباد من الصلاة عشرا فزاد رسول الله صلى الله عليه وآله سبعا وفيهن السهو وليس فيهن قراءة، فمن شك في الاوليين أعاد حتى يحفظ، ويكون على يقين، ومن شك في الاخريين عمل بالوهم (2). بيان: روى ابن إدريس هذا الخبر من كتاب حريز في باب كيفية الصلاة، و زاد فيه بعد لا إله إلا الله (والله أكبر) ورواه في آخر الكتاب في جملة ما استطرفه من كتاب حريز ولم يذكر فيه التكبير، والنسخ المتعددة التي رأينا متفقة على ما ذكرنا ويحتمل أن يكون زرارة رواه على الوجهين ورواهما حريز عنه في كتابه لكنه بعيد جدا، والظاهر زيادة التكبير من قلمه - ره - أو من النساخ، لان ساير المحدثين رووا هذه الرواية بدون التكبير، وزاد في الفقيه (3) وغيره بعد التسبيحات (تكملة تسع تسبيحات) ويؤيده أنه نسب في المعتبر وفي التذكرة القول بتسع تسبيحات إلى حريز وذكرا هذه الرواية. 4 - العلل: عن حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن محمد بن أبي حمزة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لاي شئ صار التسبيح في الاخيرتين أفضل من القراءة ؟ قال: لانه لما كان في الاخيرتين ذكر ما يظهر من عظمة الله عزوجل فدهش، وقال: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فلذلك العلة صار التسبيح أفضل من القراءة (4).


= = فيجب عليك الانصات في الاوليين انصاتا لقراءته، وفى الاخيرتين لانهم يفتون بذلك ويجعلونهما تبعا للاوليين. (1) السرائر: 471 و 45. (2) السرائر: 472. (3) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 256. (4) علل الشرايع ج 2 ص 12، وهذا ذيل حديث تقدم في الباب السابق تحت الرقم: 11. [*]

[88]

ومنه: عن عبد الواحد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل عن الرضا عليه السلام قال: فان قال: فلم جعل القراءة في الركعتين الاولتين والتسبيح في الاخيرتين ؟ قيل: للفرق بين ما فرضه الله عزوجل من عنده وبين ما فرضه من عند رسول الله صلى الله عليه وآله (1). 5 - المعتبر: روى زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاخيرتين من الظهر ؟ قال: تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك (2). 6 - الهداية: سبح في الاخراوين إماما كنت أو غير إمام، تقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) وفي الثالثة والله أكبر ثم تكبر وتركع (3). 7 - العيون: عن تميم بن عبد الله القرشي، عن أحمد بن على الانصاري، عن رجاء بن أبي الضحاك أنه صحب الرضا عليه السلام من المدينة إلى مرو فقال: كان يسبح في الاخراوين يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله) ثلاث مرات ثم يركع (4). بيان: في بعض النسخ زيد في آخرها (والله أكبر) والموجود في النسخ القديمة المصححة كما نقلنا بدون التكبير، والظاهر أن الزيادة من النساخ تبعا للمشهور. ثم اعلم أنه لا خلاف بين الاصحاب في جواز التسبيحات بدل الحمد في الاخيرتين من الرباعية وثالثة المغرب، ونقل جماعة عليه الاجماع، والاخبار بذلك مستفيضة بل متواترة، واختلف في مقدارها، فقال الشيخ في النهاية والاقتصاد: إنها ثلاث مرات (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فتكون اثنتي عشرة تسبيحة، وهو


(1) علل الشرايع ج 1 ص 249. (2) المعتبر ص 171 ووجه الحديث ما أشرنا إليه من قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا). (3) الهداية ص 31 ط الاسلاميه. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 182. [*]

[89]

المنقول عن ظاهر ابن أبي عقيل غير أنه قال: يقول سبعا أو خمسا وأدناه ثلاث. ونقل عن السيد رضي الله عنه أنها عشر تسبيحات بحذف التكبير في الاوليين دون الثالثة وهو مختار الشيخ في المبسوط والجمل وابن البراج وسلار. وذهب المفيد والشيخ في الاستبصار وجماعة إلى وجوب الاربع على الترتيب المذكورة مرة، وذهب ابن بابويه إلى أنها تسعة بحذف التكبير في الثلاث وأسنده في المعتبر والتذكرة و الذكرى إلى حريز بن عبد الله السجستاني من قدماء الاصحاب، وهو منسوب إلى أبي الصلاح، لكن العلامة في المنتهى نسب إليه القول بثلاث تسبيحات وقال ابن إدريس يجزي المستعجل أربع وغيره عشر، ونقل عن ابن الجنيد أنه قال: والذي يقال في مكان القراءة تحميد وتسبيح وتكبير يقدم ما شاء. وقال في المعتبر بعد إيراد الروايات التي بعضها يدل على إجزاء مطلق الذكر: الوجه جواز الكل وقال في الذكرى: ذهب صاحب البشرى جمال الدين ابن طاووس إلى إجزاء الجميع، فيظهر منهما الاكتفاء بمطلق الذكر، وقواه في الذكرى، وقال العلامة في المنتهى الاقرب عدم وجوب الاستغفار، وهو مشعر بوجود القول بوجوبه، وقال سيد المحققين في المدارك: الاولى الجمع بين التسبيحات الاربع والاستغفار وإن كان الكل مجزيا إنشاء الله. أقول: والذي يظهر لي من مجموع الاخبار جواز الاكتفاء بمطلق الذكر ثم الافضل اختيار التسع، لانه أكثر وأصح أخبارا، وهو مختار قدماء المحدثين الانسين بالاخبار، المطلعين على الاسرار: كحريز والصدوق قدس الله روحهما، ثم الاربع مرة لما رواه الكليني والشيخ (1) عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: ما يجزي من القول في الركعتين الاخيرتين ؟ قال: أن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) ويكبر ويركع، ولا يضر جهالة محمد بن إسماعيل لكونه من مشايخ إجازة كتاب الفضل ولتأيدها بالاخبار الكثيرة الدالة على إجزاء مطلق الذكر.


(1) الكافي ج 3 ص 319، التهذيب ج 1 ص 162 باسناده عن الكليني. [*]

[90]

والافضل ضم الاستغفار إلى أيهما اختار، لدلالة بعض الاخبار المعتبرة عليه فقد روى الشيخ في الصحيح عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الركعتين الاخيرتين من الظهر، قال تسبح وتحمد الله وتستغفر لذنبك، وإن شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء (1) وقد مر مثله من المعتبر (2) برواية زرارة، ويحتمل اتحادهما والاشتباه في الراوي، والدعاء الذي ورد في بعض الروايات يمكن حمله على الاستغفار. وأما العشرة فلم أر رواية تدل عليها، وربما يتوهم ذلك من رواية زرارة المتقدمة ولا يخفى وهنه فانه ظاهر أن التكبير للركوع، ولعلهم جمعوا بذلك بين روايتي الاربع والتسع، وليكونوا عاملين بهما، وإن كانوا من جهة غير عاملين بشئ منهما، وكذا الاثنتي عشرة لم أقف لها على رواية سوى ما سيأتي في فقه الرضا عليه السلام وخبر زرارة على ما نقله ابن إدريس في موضع وخبر ابن أبي الضحاك وقد عرفت حالهما والاشتباه فيهما ويمكن الاكتفاء بما سيأتي مع تأيده بالشهرة العظيمة بين الاصحاب لاثبات الاستحباب، مع أنه فرد كامل لافراد مطلق الذكر، وموافق للاحتياط، فالعمل به لا يبعد عن الصواب. واستدل لابن الجنيد بما رواه الشيخ في الصحيح (3) عن عبيدالله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قمت في الركعتين لا تقرأ فيهما فقل الحمد لله وسبحان الله والله أكبر، وهذا مما يؤيد ما اخترنا من إجزاء مطلق الذكر، وقال المحقق - ره - في المعتبر بعد إيراد هذه الرواية: لا تقرأ ليس نهيا بل هي بمعنى


(1) التهذيب ج 1 ص 162 وقد عرفت الوجه في ذلك، وأما قوله (وان شئت فاتحة الكتاب فانها تحميد ودعاء) يفيد بتعليله أنها غير مجزية، فان الفاتحة وان تضمنت الحمد والدعاء لكنها لا تتضمن التسبيح والاستغفار، والظاهر حمل الحديث على التقية لكونه فتوى أبى حنيفة. (2) مضى تحت الرقم: 5. (3) التهذيب ج 1 ص 162. [*]

[91]

غير، كأنه قال: غير قاري، انتهى وهو ظاهر، والفاء تدل عليه لدخولها على الجزاء غالبا. ومما يؤيد التوسعة ما رواه الكليني في الحسن (1) عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في جملة حديث قال: فزاد النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة سبع ركعات هي سنة ليس فيهن قراءة، إنما هو تسبيح وتهليل وتكبير ودعاء. وما رواه الصدوق بسند لا يخلو من قوة عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أدنى ما يجزي من القول في الركعتين الاخيرتين ثلاث تسبيحات يقول: سبحان الله سبحان الله سبحان الله. وما رواه الشيخ بسند فيه جهالة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت فاذكر الله. ثم اعلم أنهم اختلفوا في أفضلية التسبيح أو القراءة في الاخيرتين فذهب الصدوق وابن أبي عقيل وابن إدريس إلى أفضلية التسبيح مطلقا وظاهر الشيخ في أكثر كتبه المساواة، ويظهر من الاستبصار التخيير للمنفرد، وأفضلية القراءة للامام، ونقل عن ابن الجنيد أنه قال: يستحب للامام التسبيح إذا تيقن أنه ليس معه مسبوق، وإن علم دخول المسبوق أو جوزه قرأ ليكون ابتداء الصلاة للداخل بقراءة يقرء فيها، والمنفرد يجزيه مهما فعل. وقال العلامة في المنتهى: الافضل للامام القراءة، وللمأموم التسبيح، وقواه في التذكرة، وهذا القول لا يخلو من قوة إذ به يجمع بين أكثر الاخبار، وإن كان بعض الاخبار يأبى عنه، وذهب جماعة من محققي المتأخرين إلى ترجيح التسبيح مطلقا وحملوا الاخبار الدالة على أفضلية القراءة للامام أو مطلقا على التقية، لان الشافعي وأحمد يوجبان القراءة في الاخيرتين، ومالكا يوجبها في ثلاث ركعات من


(1) الكافي ج 3 ص 273. (2) الفقيه ج 1 ص 256. (3) التهذيب ج 1 ص 162. [*]

[92]

الرباعية، وأبا حنيفة خير بين الحمد والتسبيح، وجوز السكوت، ويرد عليه أن التخيير مع أفضلية القراءة أو التفصيل بين الامام والمنفرد مما لم يقل به أحد من العامة، فلا تقبل الحمل على التقية نعم يمكن حمل أخبار التسوية المطلقة على التقية لقول أبي حنيفة بها ويمكن ترجيح القراءة بقوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) وربما يرجح بما ورد في فضيلة الفاتحة، وبأنه لا خلاف في كيفيتها وعددها بخلاف التسبيح، وبرواية الحميري مع قوة سندها لانه يظهر من الشيخ في الغيبة (1) والتهذيب أنها منقولة بأسانيد معتبرة مع ما ورد من قولهم عليهم السلام: خذوا بالاحدث. فان قيل يرد عليها وجوه من الاشكال: الاول أن النسخ بعد زمن الرسول صلى الله عليه وآله لا وجه له (2) الثاني أن الخبر يدل على عدم صحة صلاة لا فاتحة فيها أصلا، لا إذا لم يقرأ بها في الاخيرتين (3) الثالث مخالفته لساير الاخبار الصحيحة والمعتبرة (4).


(1) لا يوجد هذا التوقيع في غيبة الشيخ، ولا في التهذيب، ولذلك لم يخرجه الشيخ الحر العاملي في وسائله الا عن الاحتجاج، ولا استدرك عليه العلامة النوري في مستدركه والمؤلف نفسه قدس سره حيث ذكر التوقيعات في ج 53 ص 150 - 198 لم يخرجه الا عن الاحتجاج، وكيف كان الخبر مرسل في الاحتجاج ضعيف بالكتابة محمول على التقية لذلك، فان الاتقاء في الكتابة والتوقيع أكثر كما هو واضح، وسيأتى مزيد توضيح لذلك. (2) وسيأتى أن الامر بالعكس، (3) هذا إذا كان الاحتجاج بالخبر المروى عن العالم (كل صلاة لا قراءة فيها فهى خداج) واما إذا احتج بخبر التوقيع ومتنه (قد نسخت قراءة أم الكتاب في هاتين الركعتين - يعنى الاخيرتين - التسبيح) فلا وجه لهذا الكلام. (4) بل هذا التوقيع بذيله يخالف صدره حيث يستثنى ويقول: (الا للعليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوف بطلان الصلاة عليه) ولا وجه لهذا الاستثناء من حيث الاعتبار، ولم يرد به رواية عن الائمة المعصومين، ولا قال به أحد من الفقهاء. كما هو واضح. والظاهر عندي أن ابن روح قده اتقى في صدر هذا الفتوى وأفتى بفتوى الجمهور تقية، ثم استدرك الحق في ذيله وقال: (الا للعليل) الخ حتى يعرف العارف أنه لا يوجب قراءة = [*]

[93]

ويمكن أن يجاب عن الاول بأن المراد بالعالم الرسول صلى الله عليه وآله لانها مروية عنه عليه السلام (1) كما مر نقلا من المجازات النبوية، وإن كان المراد بالعالم غيره فهو رواه عنه صلى الله عليه وآله والنسخ إنما وقع في زمانه، فيكون الاخبار الواردة في التسبيح لبيان الحكم المنسوخ (2) ويحتمل أن يكون المراد بنسخ التسبيح نسخ أفضليته لئلا يلزم طرح جميع أخبار التسبيح.


= = الفاتحة، والا فالعليل الذى يتمكن من قراءة التسبيحات المعروفة كيف لا يتمكن من قراءة الفاتحة ؟ وكيف يكثر السهو من قراءة الفاتحة ولا يكثر من التسبيحات ؟ مع أن السهو في الركعتين الاخيرتين يمكن تداركه مطلقا لكونهما سنة في فريضة يجوز الوهم فيهما. وقد كان رحمه الله يستعمل التقية شديدا، كما مر شطر من سيرته في باب أحوال السفراء ج 51 ص 356 - 357 نقلا من كتاب الغيبة للشيخ الطوسى قدس سره ص 250 - 251، ولذلك ترى أنه يستدل في فتواه ذلك بما لا يروى الا من طرق الجمهور، ويحتج بالحديث على الوجه الذى يحتجون به على ما ستعرف. (1) هذا هو المتعين وقد أشرنا في ج 53 ص 167 أن المراد بالعالم في توقيعه هذا (وقد تكرر ثلاث مرات عند المسألة 24 و 26 وهذه المسألة 22) هو رسول الله صلى الله عليه وآله والحديث هذا رواه الجمهور في كتبهم كأبى داود في سننه ج 1 ص 88 وأخرجه السيوطي في الجامع الصغير عن مسند أحمد والسنن الكبرى للبيهقي، وأخرجه في مشكاة المصابيح ص 68 وقال: متفق عليه، وأما من طرقنا فلم ينقل في واحد منها وانما نقلوه من كتب الجمهور نقلا مرسلا كما نقله السيد في المجازات النبوية وقد مر في ص 11 من هذا المجلد. (2) بل قد عرفت أن الامر بالعكس، حيث نسخت قراءة أم الكتاب بالتسبيح بعد نزول قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا). على أنه كيف يقول شيعي بأن أئمة أهل البيت عليهم السلام لم يعرفوا الناسخ من المنسوخ حتى أمروا شيعتهم بالتسبيح المنسوخ في غير واحد من رواياتهم وفتاواهم ؟ وعندي أنه قدس سره أشار ببطلان هذا النسخ إلى بطلان الفتوى وكونه صادرا على وجه التقية. [*]

[94]

وعن الثاني بأنه عليه السلام علم أن مراد الرسول صلى الله عليه وآله اشتمال كل ركعة منها على الفاتحة (1) والاظهر عندي حمله على قراءة الامام إذا علم أن معه مسبوقا أو مطلقا لاحتمال ذلك (2) لئلا يكون قراءة المسبوق بالركعتين بغير فاتحة الكتاب إذا قرأ


(1) احتج المخالفون بالحديث النبوى على أن قراءة الفاتحة واجب في كل ركعة أخذا بالاطلاق وغاية ما يمكن لتوجيه احتجاجهم أن كل ركعة في حد ذاتها صلاة تامة بركوعها وسجودها الا أن الركعة قد تنفرد وحدها كما في الوتر وركعة الاحتياط وقد تضم إليها ركعة أو ركعات، فكما لا يقتصر بقراءة الفاتحة في الركعة الاولى عن الثانية فهكذا في الثانية والرابعة. وهذا الاحتجاج ساقط على مذهبنا حيث ان اطلاق الحديث لو سلم فقد كان على اطلاقه إلى سنة تسع وبعدها نسخت القراءة بقوله عزوجل (فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا) وعلى المستدل بالحديث أن يأتي بشاهد يشهد أنه صلى الله عليه وآله قال ذلك بعد سنة تسع في أواخر عمره الشريف، وأنى له بالاثبات ؟. بل النسخ والتقييد مروى من طريق أهل السنة أيضا على ما نقله في المعتبر ص 171 عن على عليه السلام أنه قال: (اقرء في الاوليين وسبح في الاخيرتين) ولذلك اختلف فقهاء الجمهور على ما عرفت. (2) هذا إذا كان على الامام الجهر بالقراءة في الاخيرتين وأما بعد أنه لا يجهر بالقراءة فيهما اجماعا واتفاقا، فلا معنى لتحمل الامام عن المأموم حيث لا انصات، على أن المسلم في محله اتحاد وظيفة الامام مع المنفرد، فان امام الجماعة انما يصلى صلاة نفسه وانما هو على المأموم أن يتحفظ على وظيفة نفسه في صلاته ويراعى وظائف الجماعة أيضا بالمتابعة و غيرها، فلا وجه لهذا الحمل ولا لهذا الفتوى. وأما الاحاديث الواردة في ذلك، فانما وردت تقية حيث كان شيعتهم عليهم السلام في ذاك الظرف مبتلين بالحضور في جماعاتهم والعمل بفتاواهم ظاهرا، ولذلك أفتى ابن روح في التوقيع تقية حيث كان يصل هذا الحكم من الحميرى إلى جماعة الشيعة ويعملون به جهارا، والا لم نجوز حمل الخبر على التقية بمعنى اتقاء الشيخ ابن روح قدس الله سره أن = [*]

[95]

في الاخيرتين التسبيح، ويمكن حمله على المسبوق كذلك فيكون موافقا لقول من قال بتعين القراءة أو أولويتها له كما ستعرف ومن هذين الوجهين يعرف الجواب عن الثالث ويمكن حمله على التقية أيضا. ولننبه على أحكام ضرورية في ذلك تعم البلوى بها: الاول: من نسي القراءة في الاوليين، هل تتعين عليه القراءة في الاخيرتين ؟ فالمشهور أن التخيير بحاله، وقال الشيخ في المبسوط بأولوية القراءة حينئذ، وظاهره في الخلاف تعين القراءة والاخبار في ذلك مختلفة، ولعل بناء التخيير أقوى، ولا يبعد كون القراءة له أفضل، لما رواه الشيخ (1) بسند مرسل عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: أي شئ يقول هؤلاء في الرجل إذا فاتته مع الامام ركعتان ؟ قال: يقولون يقرء في الركعتين بالحمد وسورة، فقال: هذا يقلب صلاته فيجعل أولها آخرها ؟ فقلت: فكيف يصنع ؟ قال: يقرء بفاتحة الكتاب في كل ركعة. الثاني: هل يجب الاخفات في التسبيحات ؟ قيل: نعم، تسوية بين البدل و المبدل، كما اختاره الشهيد - ره - وقيل: لا، وإليه ذهب ابن إدريس والاول أحوط والثاني أقوى، ويدل بعض الاخبار ظاهرا على رجحان الجهر ولم أر به قائلا. الثالث: المشهور أنه لو شك في عدده بنى على الاقل تحصيلا للبراءة اليقينية وهو قوي.


= = يظهر المخالفون على توقيعه ذلك ويعرفوا فتواه على خلافهم فيؤذوه. وذلك لانه يفتى في المسألة 6 من هذا التوقيع بجواز المتعة وفى المسألة 11 بوضع تربة الحسين عليه السلام مع الميت وفى المسألة 14 و 13 بجواز اتخاذ السبحة للتسبيح و اللوح للسجدة من طين قبره وهو شرك عندهم وفى المسألة 15 بأن الصلاة أمام قبر الامام غير جائزة بل يصلى خلفه أو يمينه أو يساره ولا يتقدم عليه وفى المسألة 27 يفتى بسقوط آجل المهر بعد الزفاف وهو قول أهل البيت عليهم السلام وفى المسألة 29 يفتى بالمسح على الرجلين، وهكذا. (1) التهذيب ج 1 ص 259. [*]

[96]

8 - فقه الرضا: قال عليه السلام: واقرء في الركعتين الاخرتين إن شئت الحمد وحده، وإن شئت سبحت ثلاث مرات (1). وقال عليه السلام في موضع آخر: تقرء فاتحة الكتاب وسورة في الركعتين الاوليين وفي الركعة الاخراوين الحمد وحده، وإلا فسبح فيها ثلاثا ثلاثا تقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) تقولها في كل ركعة منها ثلاث مرات (2) 9 - جمال الاسبوع: باسناده الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم ابن هاشم، عن أبي عبد الله البرقي يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له رجل: جعلت فداك أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى وما وصف من الملائكة (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) (3) ثم قال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (4) كيف لا يفترون وهم يصلون على النبي صلى الله عليه وآله فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى لما خلق محمدا صلى الله عليه وآله أمر الملائكة فقال: انقصوا من ذكري بمقدار الصلاة على محمد، فقول الرجل صلى الله على محمد في الصلاة مثل قوله سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (5). بيان: يدل على جواز الصلوة في جميع أحوال الصلاة، وعلى أنها تجزي عن التسبيحات (6) وأن المطلوب في الاخيرتين الاربع، وإن أمكن المناقشة في الاخيرين.


(1) فقه الرضا ص 8 س 16. (2) فقه الرضا ص 7 س 34، (3) الانبياء: 20. (4) الاحزاب: 56. (5) جمال الاسبوع. 235. (6) وفى امالي الصدوق: 45: قال الرضا عليه السلام: الصلاة على محمد وآله تعدل عند الله عزوجل التسبيح والتهليل والتكبير. [*]

[97]

(26) * " (باب) " * * " (الركوع وأحكامه وآدابه وعلله) " * الايات: البقرة: واركعوا مع الراكعين (1). آل عمران: مخاطبا لمريم عليها السلام: واركعي مع الراكعين (2). الحج: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (3). ص: وخر راكعا وأناب (4). الواقعة: فسبح باسم ربك العظيم (5).


(1) البقرة: 43. والاية توجب الاجتماع للصلاة ويكون الملاك في ادراك الجماعة الركوع، وسيجيئ البحث عنها في محله. (2) آل عمران: 43، وتدل الاية على شرافة عظيمة لها حيث أمرها بالصلاة جماعة، مع أنه لا جماعة على النساء، فهى صلوات الله عليها أنثى وليس الذكر كالانثى. (3) الحج: 77. وتمامها: (واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)، والاية من أمهات الكتاب توجب على المؤمنين عبادة الرب وهى الصلاة المفروضة ويبين كيفيتها بالركوع أولا ثم السجود، ويسميها خير الافعال كما نودى عليها بحى على خير العمل. (4) ص: 24، ومعنى الخرور: الوقوع على الارض من غير تمالك فالمراد هو السجود بعد الوصول إلى هيئة الركوع واستقبال الارض بباطن الكفين كما عرفت في ج 84 ص 193 و 195، فالاية لا تناسب الباب. (5) الواقعة، 74 و 96، الحاقة: 52، والاية من المتشابهات أولها رسول الله صلى الله عليه وآله إلى ركوع الصلاة، وصوره التسبيح (سبحان ربى العظيم وبحمده) على ما سيجئ. [*]

[98]

المرسلات: وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون * ويل يومئذ للمكذبين (1). تفسير: (واركعوا مع الراكعين) قال الطبرسي - رحمه الله - (2) الركوع الانحناء والانخفاض في اللغة (3) وقال ابن دريد الراكع الذي يكبو على وجهه، ومنه


(1) المرسلات: 48. (2) مجمع البيان ج 1 ص 97. (3) وأصل الركوع هو الانحناء، وهو بالنسبة إلى الانسان لا يكون الا إلى القدام حيث ان قامته يتكسر طبعا وخلقة بتكسر عجزه إلى خلف فيتحصل الانحناء إلى قدام. ولانحنائه حد محدود بالطبع والفطرة، وهو عندما يصل الكفان إلى الركبتين حتى يردهما إلى خلف ويعتمد عليهما بثقل البدن ليستقر كل عضو موضعه الفطري الطبيعي ويحصل الطمأنينة والاستقرار طبعا. ولولا ذلك لكان تماسك ثقل البدن في الهواء بتجاذب أوتار الاعصاب قسريا فيكون الركوع غير طبيعي كالذى يسجد ولا يمكن جبهته من الارض وانما يماسها بالارض بتماسك الاعصاب، أو يقوم على احدى رجليه ويتكئ عليها بثقله ويجعل الاخرى كالشلاء تماس الارض من دون اعتماد عليها، أو يقعد للتشهد ولا يمكن اليتيه من الارض كالذى بمقعدته دمل لا يقدر على القعود والجلوس المتعارف. فكما أن القيام الطبيعي لا يكون الا بالاعتماد على الرجلين، والسجدة الطبيعية لا تكون الا بتقسيم ثقله على مساجده السبعة كل مسجد بحسب حاله، والجلوس الطبيعي لا يكون الا بتمكن الاليتين من الارض ليحصل القرار والامنة طبعا وفطرة لا قسرا فكذلك الركوع لا يكون طبيعيا الا بوضع كفيه على ركبتيه وردهما إلى خلف ثم الاعتماد عليهما، وان التقم عين ركبتيه وهو أصل المفصل بكفيه فهو أوفق بطبيعة الركوع كما هو ظاهر. وقد مر شطر من هذا البيان في بحث السجود ج 84 ص 194 - 196، وأن النبي صلى الله عليه وآله قال: ان ابن آدم يسجد على سبعة أعظم بناء على انصراف الامر إلى الكيفية الطبيعية للمأمور به، ان شئت راجعه. على أن المسلم من سنة النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يضع يديه على ركبتيه ويردهما إلى خلف، و = = [*]

[99]

الركوع في الصلاة، وقال صاحب العين: كل شئ ينكب لوجهه فيمس ركبتيه الارض أو لا يمس بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع. قال: وإنما خص الركوع بالذكر، وهو من أفعال الصلاة بعد قوله: (وأقيموا الصلاة) لاحد وجوه أحدها أن الخطاب لليهود، ولم يكن في صلاتهم ركوع (1) فكان الاحسن ذكر المختص دون المشترك لانه أبعد من اللبس، وثانيها أنه عبر بالركوع عن الصلاة لانه أول ما يشاهد من الافعال التي يستدل بها على أن الانسان يصلي فكأنه كرر ذكر الصلاة تأكيدا، وثالثها أنه حث على صلاة الجماعة لتقدم ذكر الصلاة في أول الاية انتهى. (اركعوا واسجدوا) قيل أي صلوا فانهما من أعظم أركانها، وافعلوهما فيها، كما رواه الشيخ (2) في الموثق عن سماعة قال: سألته عن الركوع والسجود هل نزل في القرآن ؟ فقال: نعم قول الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) الخبر وقيل: كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع، ويركعون بلا سجود، فامروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود. (وخر راكعا) قال الطبرسي (3) أي صلى لله تعالى وأناب إليه، وقيل سقط ساجدا لله ورجع إليه، وقد يعبر عن السجود بالركوع، قال الحسن إنما قال: وخر راكعا لانه لا يصير ساجدا حتى يركع.


= = لما كان هذه سنة في فريضة، كان الاخذ بها هدى وتركها ضلالة، وكل ضلالة في النار، فإذا ركع المصلى ولم يضع يديه على ركبتيه من دون عذر، فأيا ما فعل: وضع يديه على ظهره ! أو أرسلهما إلى الارض كهيئة الذى يريد أن يأخذ شيئا من الارض ! أو قبضهما إلى صدره كالنساء ! ! أو جعلهما إلى الاذقان فهم مقمحون ! ! أيا ما فعل، فقد خرج عن السنة إلى البدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. (1) ويرد هذا قوله عزوجل خطابا لمريم عليها السلام: (واركعى مع الراكعين) (2) التهذيب ج 1 ص 155. (3) مجمع البيان ج 8 ص 471. [*]

[100]

وقال في قوله تعالى: (فسبح باسم ربك العظيم) (1) أي فبرئ الله تعالى مما يقولون في وصفه، ونزهه عما لا يليق بصفاته، وقيل معناه قل سبحان ربي العظيم (2) فقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما نزلت هذه الاية قال: اجعلوها في ركوعكم انتهى، وروى الصدوق في الفقيه مرسلا مثله (3). (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) قال الطبرسي: أي صلوا لا يصلون قال مقاتل: نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالصلاة فقالوا لا ننحني فان ذلك مسبة علينا، فقال عليه السلام: لا خير في دين ليس فيه ركوع وسجود، وقيل إن المراد بذلك يوم القيامة حين يدعون إلى السجود، فلا يستطيعون، عن ابن عباس انتهى. ثم اعلم أنه لا خلاف في وجوب الركوع في الصلاة بل هو من ضروريات الدين ولا خلاف بين الاصحاب في كونه ركنا في الجملة (4) وذهب الشيخ في المبسوط إلى أنه ركن في الاوليين وفي ثالثة المغرب دون غيرها وسيأتي تحقيقه. 1 - المحاسن: عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلي فلم يتم ركوعه (1) مجمع البيان ج 9 ص 224. (2) الا أنه صلى الله عليه وآله زاد على لفظ الاية قوله: (وبحمده) لسائر الايات التى تأمره بأن يسبح بحمد ربه كما في غير واحد من الايات. (3) الفقيه ج 1 ص 207. (4) بل هو ركن مطلقا إذا كانت الصلاة حين حصول الطمأنينة والامنة لقوله تعالى عزوجل (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) على ما أشرنا إليه في ج 84 ص 90، والدليل على ركنيته قوله: عزوجل في آية الحج (اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم) وأوضح منه قوله: عزوجل (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) المائدة: 55، حيث يصرح بأن هذه الزكاة دفعت حين ركوع الصلاة، فالاية من حيث الدلالة على كون الركوع جزءا من الصلاة من أمهات الكتاب، فيكون ركنا مفروضا تبطل الصلاة بتركها عمدا وسهوا وجهلا. [*]

[101]

ولا سجوده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا وهكذا صلاته ليموتن على غير ديني (1). 2 - أربعين الشهيد: باسناده عن شيخ الطائفة، عن أبي الحسن بن أحمد القمي، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة مثله. بيان: يدل على وجوب الطمأنينة بقدر الذكر في الركوع والسجود، وادعى عليه الاجماع جماعة. وذهب الشيخ في الخلاف إلى أنها ركن (2) والمشهور خلافه و هو الاصح. 3 - العيون والعلل: عن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل فيما رواه من العلل عن الرضا عليه السلام قال: فان قال: فلم جعل التسبيح في الركوع والسجود قيل: لعلل منها أن يكون العبد مع خضوعه وخشوعه وتعبده وتورعه واستكانته و تذلله وتواضعه وتقربه إلى ربه مقدسا له ممجدا مسبحا معظما شاكرا لخالقه و رازقه، فلا يذهب به الفكر والاماني إلى غير الله (3). فان قال: فلم جعل ركعة وسجدتين ؟ قيل: لان الركوع من فعل القيام، و السجود من فعل القعود، وصلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، فضوعف السجود ليستوي بالركوع، فلا يكون بينهما تفاوت لان الصلاة إنما هي ركوع وسجود (4). وفي العلل بعد قوله: (لخالقه ورازقه): (وليستعمل التسبيح والتحميد كما


(1) المحاسن ص 79. (2) لا ريب في أن الطمأنينة في كل الصلاة ركن لقوله تعالى: (فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) وقوله تعالى: (فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة) على ما مر في ج 84 ص 90 وج 82 ص 314، لكنها تنصرف إلى فرائض الصلاة فلا تجب الا في الركوع والسجود لخطة يتحقق بها هيئة الركوع والسجود فقط، لا بمقدار الذكر. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 107. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 108. [*]

[102]

استعمل التكبير والتهليل، وليشغل قلبه وذهنه بذكر الله، ولم يذهب به الفكر والاماني إلى غير الله) (1). 4 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل قرأ في ركوعه من سورة غير السورة التي كان يقرؤها، قال: إن كان فرغ فلا بأس في السجود، وأما الركوع فلا يصلح (2). كتاب المسائل: لعلي بن جعفر عنه عليه السلام مثله وفيه قال: إن نزع بآية فلا بأس في السجود (3). قال: وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يقرأ في ركوعه أو سجوده الشئ يبقى عليه من السورة يكون يقرؤها ؟ قال: أما في الركوع فلا يصلح، وأما في السجود فلا بأس (4). بيان: الفرق بين الركوع والسجود في ذلك غير معهود في كلام الاصحاب، و المشهور كراهة القراءة فيهما مطلقا كما ورد النهي في ساير الاخبار، ويمكن حمل هذا على النافلة، والرواية الاولى على ما في كتاب المسائل يمكن حملها على استخراج ذكر من القرآن أو تسبيح سوى التسبيح المشهور فيقرؤه بدلا من التسبيح، بناء على إجزاء مطلق الذكر أو مطلق التسبيح، أو حمل هذا على الجواز وأخبار المنع على الكراهة، ولا يبعد حمل أخبار النهي على التقية لاشتهارها بين العامة، وكون رجالها في أكثرها رجال العامة، والاحوط الترك في الفريضة. قال في المنتهى: لا تستحب القراءة في الركوع والسجود، وهو وفاق لما رواه علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، رواه الجمهور


(1) علل الشرائع ج 1 ص 247 و 249. (2) قرب الاسناد ص 92 ط حجر. (3) المسائل - البحار ج 10 ص 283. (4) قرب الاسناد: 92 ط حجر: 120 ط نجف، والمراد ما إذا بقى عليه بعض السورة، فيقرء باقيها في السجود لا في الركوع. [*]

[103]

ولانها عبادة فتستفاد كيفيتها من صاحب الشرع عليه السلام، وقد ثبت أنه لم يقرأ فيهما، فلو كان مستحبا لنقل فعله. وقال: يستحب أن يدعو في ركوعه لانه موضع إجابة لكثرة الخضوع فيه. وقال في الدروس: تكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، وقال في الذكري: كره الشيخ القراءة في الركوع، وكذا يكره عنده في السجود والتشهد، وقد روى العامة عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ألا إني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا، و لعله ثبت طريقه عند الشيخ - ره - وقد روى في التهذيب قراءة المسبوق مع التقية في ركوعه، وروى عن عمار (1) عن الصادق عليه السلام في الناسي حرفا من القرآن لا يقرؤه راكعا بل ساجدا. 5 - العلل: عن علي بن حاتم، عن إبراهيم بن علي، عن أحمد بن محمد الانصاري عن الحسين بن علي العلوي، عن أبي حكيم الزاهد، عن أحمد بن عبد الله قال: قال رجل لامير المؤمنين عليه السلام: يا ابن عم خير خلق الله ما معنى مد عنقك في الركوع ؟ قال: تأويله آمنت بوحدانيتك ولو ضربت عنقي (2). ومنه: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين، عن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن زياد، عن هشام بن الحكم، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: قلت له: لاي علة يقال في الركوع: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ويقال في السجود: (سبحان ربي الاعلى وبحمده) قال: يا هشام إن الله تبارك وتعالى لما اسري بالنبي صلى الله عليه وآله وكان من ربه كقاب قوسين أو أدنى، رفع له حجاب من حجبه فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله سبعا حتى رفع له سبع حجب، فلما ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه، فانبرك على ركبتيه وأخذ يقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده) فلما اعتدل من ركوعه قائما ونظر إليه في موضع أعلى من ذلك الموضع خر على وجهه وجعل يقول: (سبحان ربي الاعلى وبحمده) فلما قال سبع مرات


(1) التهذيب ج 1 ص 221. (2) علل الشرايع ج 2 ص 10. [*]

[104]

سكن ذلك الرعب فلذلك جرت به السنة (1). 6 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن إسماعيل بن حبان، عن محمد بن الحسين الحفص، عن عباد بن يعقوب، عن أبي علي خلاد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتقوا الله وأحسنوا الركوع والسجود، وكونوا أطوع عباد الله، فانكم لن تنالوا ولايتنا إلا بالورع الخبر (2). 7 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي، عن يحيى بن صالح، عن مالك ابن خالد، عن عبد الله بن الحسن، عن عباية قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر انظر ركوعك وسجودك، فان النبي صلى الله عليه وآله كان أتم الناس صلاة وأحفظهم لها وكان إذا ركع قال: (سبحان ربي العظيم) ثلاث مرات، وإذا رفع صلبه قال: (سمع الله لمن حمده. اللهم لك الحمد ملء سمواتك وملء أرضك وملء ما شئت من شئ) فإذا سجد قال: (سبحان ربي الاعلى وبحمده) ثلاث مرات. 8 - عدة الداعي: روى سعيد القماط عن الفضل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك علمني دعاء جامعا، فقال لي: احمد الله، فانه لا يبقى أحد يصلي إلا دعا لك يقول: (سمع الله لمن حمده). 9 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: لا قراءة في ركوع ولا سجود، إنما فيهما المدحة لله عزوجل ثم المسألة فابتدئوا قبل المسألة بالمدحة لله عزوجل ثم اسألوا بعد (3). بيان: يدل على استحباب الذكر والدعاء في الركوع كما مر، قال في الذكري: يستحب الذكر أمام التسبيح إجماعا، وذكر الدعاء الاتي ثم قال: قال ابن الجنيد: لا بأس بالدعاء فيهما يعني الركوع والسجود لامر الدين والدنيا من غير أن يرفع يديه في الركوع عن ركبتيه، ولا عن الارض في سجوده. (1) علل الشرايع ج 2 ص 22. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 292 في حديث. (3) قرب الاسناد ص 66 ط حجر 88 ط نجف. [*]

[105]

10 - الخصال: عن حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن الصادق عليه السلام عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: سبعة لا يقرؤن القرآن: الراكع، والساجد، وفي الكنيف، وفي الحمام، والجنب، والنفساء والحائض (1). الهداية: مرسلا مثله (2). 11 - العيون: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: رأيت الرضا عليه السلام إذا سجد يحرك ثلاث أصابع من أصابعه واحدة بعد واحدة تحريكا خفيفا كأنه يعد التسبيح ثم يرفع رأسه، قال: ورأيته يركع ركوعا أخفض من ركوع كل من رأيته ركع، كان إذا ركع جنح بيديه (3). توضيح: يدل على جواز عد التسبيحات بالاصابع، ولعله عليه السلام فعل ذلك لبيان الجواز إذ الظاهر أنه لا يحتاج إلى ذلك ولا يسهو، قال في الذكرى: قال ابن الجنيد: لوعد التسبيح في ركوعه وسجوده وحفظ على نفسه صلاته لم أر بذلك بأسا، ولو نسي التسبيح إلا أنه لبث راكعا وساجدا بمقدار تسبيحة واحدة أجزأه، ومفهومه أنه لو لم يلبث لم يجزه فيكون إشارة إلى أن الطمأنينة ركن كقول الشيخ والله أعلم. 12 - العلل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن يحيى الاشعري عن يوسف بن الحارث، عن عبد الله بن يزيد المنقري، عن موسى بن أيوب الغافقي، عن عمه إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: لما انزلت (فسبح باسم ربك العظيم) قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله: اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت (سبح اسم ربك الاعلى) قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله: اجعلوها في سجودكم (4).


(1) الخصال ج 2 ص 10. (2) الهداية: 40. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 7 و 8. (4) علل الشرايع ج 2 ص 23. [*]

[106]

13 - معاني الاخبار: عن حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أقول نهاكم عن التختم بالذهب، وعن ثياب القسي، وعن مياثر الارجوان، وعن الملاحف المفدمة، وعن القراءة وأنا راكع. قال الصدوق - رحمه الله - قال حمزة بن محمد: القسي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، وأصحاب الحديث يقولون القسي بكسر القاف، وأهل مصر يقولون القسي تنسب إلى بلاد يقال لها: القس، هكذا ذكره العبيد بن سلام، وقال قد رأيتها ولم يعرفها الاصمعي انتهى (1). أقول: والمفدم هو الثوب المشبع حمرة وقد مر (2). 14 - معاني الاخبار: عن محمد بن هارون الزنجاني، عن علي بن عبد العزيز عن القاسم بن سلام رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني قد نهيت عن القراءة في الركوع والسجود فأما الركوع فعظموا الله فيه، وأما السجود فأكثروا فيها الدعاء فانه قمن أن يستجاب لكم (3). قوله: (قمن) كقولك جدير وحرى (أن يستجاب لكم) (4). ونهى صلى الله عليه وآله أن يذبح الرجل في الصلاة كما يذبح الحمار، ومعناه أن يطأطئ الرجل رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهره. وكان عليه السلام إذا ركع لم يصوب رأسه ولم يقنعه، معناه أنه لم يرفعه حتى يكون أعلى من جسده ولكن بين ذلك. والاقناع رفع الرأس وإشخاصه قال الله تعالى: (مهطعين مقنعي رؤسهم) (5)


(1) معاني الاخبار: 301، وتراه في الخصال ج 1 ص 139. (2) راجع ج 76 ص 290. (3) معاني الاخبار: 278 في حديث. (4) معاني الاخبار ص 280. (5) ابراهيم: 44. [*]

[107]

والذي يستحب من هذا أن يستوي ظهر الرجل ورأسه في الركوع، لان رسول - الله صلى الله عليه وآله كان إذا ركع لو صب على ظهره ماء لاستقر، وقال الصادق عليه السلام: لا صلاة لمن لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده (1). بيان: قال الفيروز آبادي القمين الخليق الجدير كالقمن ككتف وجبل، و قال في النهاية: فيه أنه نهى أن يدبح الرجل في الصلاة، هو الذي يطأطي رأسه في الركوع حتى يكون أخفض من ظهره، وقيل دبح تدبيحا إذا طأطأ رأسه، ودبح ظهره إذا ثناه فارتفع وسطه كأنه سنام قال الازهري رواه الليث بالذال المعجمة وهو تصحيف والصحيح بالمهملة: وقال في المعجمة: ذبح الرجل إذا طأطأ رأسه للركوع، ومنه الحديث أنه نهى عن التذبيح في الصلاة هكذا جاء في رواية والمشهور بالمهملة انتهى. أقول: أكثر نسخ الكتاب بالمعجمة. وقال في النهاية فيه كان إذا ركع لا يصوب رأسه ولا يقنعه، صوب رأسه نكسه وصوب يده أي حطها ولا يقنعه أي لا يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره، وقد أقنعه يقنعه إقناعا. وقال في الذكرى: يكره في الركوع خمسة أشياء: التبازخ وهو تسريح الظهر و إخراج الصدر، وهو بالزاء والخاء المعجمتين، الثاني التدبيح بالخاء والحاء وهو أن يقبب الظهر ويطأطئ الرأس روي ذلك في نهي النبي صلى الله عليه وآله، وروي أيضا بالذال المعجمة والدال أعرف، والنهي للكراهة هنا. 15 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن السندي بن ربيع، عن سعيد بن جناح قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام في منزله بالمدينة فقال مبتدئا: من أتم ركوعه لم تدخله وحشة في قبره (2). دعوات الراوندي: عنه عليه السلام مثله. (1) معاني الاخبار: 280. (2) ثواب الاعمال ص 31. [*]

[108]

16 - ثواب الاعمال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار عن محمد بن أحمد الاشعري، عن أحمد بن محم بن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله، عن محمد بن أبي حمزة، عن أبيه قال: قال أبو جعفر عليه السلام: من قال في ركوعه وسجوده وقيامه: اللهم صل على محمد وآل محمد، كتب الله له ذلك بمثل الركوع والسجود والقيام (1). توضيح أي ضاعف ثواب تلك الاعمال بسبب الصلاة، ويدل على استحبابها في تلك الاحوال، وقال في الدروس: تجوز الصلاة عن النبي وآله في الركوع والسجود وقال في الذكرى: وتجوز الصلاة على النبي وآله في الركوع والسجود بل يستحب. 17 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: لا يركع عبد الله ركوعا على الحقيقة، إلا زينه الله بنور بهائه وأظله في ظلال كبريائه، وكساه كسوة أصفيائه، والركوع أول، والسجود ثاني، فمن أتى بمعنى الاول صلح للثاني، وفي الركوع أدب وفي السجود قرب، ومن لا يحسن الادب لا يصلح للقرب، فاركع ركوع خاشع لله بقلبه، متذلل وجل [دخل] ظ تحت سلطانه، خافض له بجوارحه، خفض خائف حزن على ما يفوته من فائدة الراكعين. حكي أن الربيع بن خثيم كان يسهر الليل إلى الفجر في ركعة واحدة، فإذا هو أصبح تزفر وقال: آه سبق المخلصون وقطع بنا. واستوف ركوعك باستواء ظهرك، وانحط عن همتك في القيام بخدمته إلا بعونه، وفر بالقلب من وساوس الشيطان وخدايعه ومكائده، فان الله تعالى يرفع عباده بقدر تواضعهم له، ويهديهم إلى اصول التواضع والخضوع والخشوع بقدر اطلاع عظمته على سرائرهم (2). 18 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر للبزنطي، عن ابن بكير، عن حمزة


(1) ثواب الاعمال ص 32. (2) مصباح الشريعة ص 12. [*]

[109]

ابن حمران والحسن بن زياد قالا: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام وعنده قوم فصلى بهم العصر وكنا قد صلينا العصر، فعددنا له في كل ركعة (سبحان ربي العظيم) ثلاثا وثلاثين مرة. وقال أحدهما في حديثه (وبحمده) في الركوع والسجود معا، سواء. قال ابن إدريس: ومعنى ذلك والله أعلم أنه كان يعلم أن القوم كانوا يحبون أن يطول بهم في الصلاة ففعل، لانه ينبغي للامام إذا صلى بقوم أن يخفف بهم (1). بيان: قال في الذكرى: ظاهر الشيخ وابن الجنيد وكثير أن السبع نهاية الكمال في التسبيح، وفي رواية هشام إشارة إليه، لكن روى حمزة بن حمران والحسن ابن زياد، وذكر هذه الرواية، ثم قال: وروى أبان بن تغلب (2) أنه عد على الصادق عليه السلام في الركوع والسجود ستين تسبيحة، قال في المعتبر: الوجه استحباب ما لا يحصل معه السأم إلا أن يكون إماما، وهو حسن، ولو علم من المأمومين حب الاطالة استحب له أيضا التكرار. 19 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن أحمد عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من كلمة أخف على اللسان ولا أبلغ من (سبحان الله) قلت فيجزي أن أقول في الركوع والسجود مكان التسبيح لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر ؟ قال: نعم كل ذا ذكر الله (3). بيان: يدل على الاكتفاء بمطلق الذكر في الركوع، ولا خلاف بين الاصحاب في وجوب الذكر فيه، واختلفوا في موضعين: الاول: أنه هل يكفي مطلق الذكر أم يتعين فيه التسبيح ؟ والثاني هو المشهور بل نقل جماعة عليه الاجماع، والاول مذهب الشيخ في المبسوط والجمل، وكثير من المتأخرين، وهو أقوى لهذا الخبر وغيره من الاخبار الصحيحة والحسنة.


(1) السرائر ص 465. (2) التهذيب ج 1 ص 221. (3) السرائر ص 475. [*]

[110]

الثاني: القائلون بالتسبيح اختلفوا على أقوال: الاول جواز التسبيح مطلقا ذهب إليه السيد في الانتصار، الثاني وجوب تسبيحة واحدة كبرى وهي (سبحان ربي العظيم وبحمده) ذهب إليه الشيخ في النهاية، الثالث التخيير بين واحدة كبرى وثلاث صغريات وهي سبحان الله وهو ظاهر الصدوق والشيخ في التهذيب، الرابع وجوب ثلاث على المختار وواحدة على المضطر، وهو منسوب إلى أبي الصلاح، الخامس نسب في التذكرة القول بوجوب ثلاث تسبيحات كبريات إلى بعض علمائنا، وعلى القول بوجوب التسبيح لعل الاول أقوى، والاخير أحوط وبالعمل أحرى، والاظهر على التقادير استحباب (وبحمده) لخلو كثير من الروايات عنه، وإن اشتملت الصحاح عليه. 20 - فلاح السائل: يقول في ركوعه ما روي عن الباقر عليه السلام: (اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت، ولك أسلمت وعليك توكلت وأنت ربي، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي لله رب العالمين) (1). وروينا باسنادنا إلى أبي جعفر ابن بابويه فيما رواه في كتاب زهد مولانا علي ابن أبي طالب عليه السلام، عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن سعيد عن المفضل بن صالح عن أبي الصباح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان على يركع فيسيل عرقه حتى يطأ في عرقه من طول قيامه (2). فإذا رفع المصلي رأسه من الركوع قال: (سمع الله لمن حمده الحمد لله رب العالمين أهل الكبرياء والعظمة والجود والجبروت) (3). تبيين أقول: نسخ الحديث والدعاء في دعاء الركوع مختلفة ففي الكافي والتهذيب (4) في صحيحة زرارة عن الباقر عليه السلام ثم اركع وقل [رب] (اللهم لك ركعت ولك أسلمت


(1) فلاح السائل ص 132. (2) فلاح السائل: 109. (3) فلاح السائل: 133. (4) الكافي ج 3 ص 319، التهذيب ج 1 ص 156. [*]

[111]

وبك آمنت وعليك توكلت وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري وشعري وبشري و لحمي ودمى ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر، سبحان ربي العظيم وبحمده - ثلاث مرات في ترسل. وفي الفقيه (1) (اللهم لك ركعت وخشعت ولك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وأنت ربي خشع لك وجهي وسمعي وبصري وشعرى وبشري ولحمي ودمي ومخي وعصبي وعظامي وما أقلت الارض مني لله رب العالمين. وذكر الشهيد - ره - في الذكري كما في الكافي وفي النفلية نحوا مما في فلاح السائل. وقال الشهيد الثاني قدس سره: ومعنى ما أقلته قدماي أي حملتاه وقامتا به ومعناه جميع جسمي وفي الاتيان به بعد قوله خشع لك سمعي وبصري الخ تعميم بعد التخصيص وقوله: (لله رب العالمين) يمكن كونه خبر مبتدأ محذوف أي جميع ذلك لله وإن كان قد ذكر أن بعضه لله فان بعضه وهو قوله: (وبك آمنت وعليك توكلت) لم يدل لفظه على كونه له، ويمكن كونه بدلا من قوله لك سمعي إلى آخره إبدال الظاهر من المضمر والتفت من الخطاب إلى الغيبة انتهى. وأقول: يحتمل كون ما أقلته مبتدءا ولله خبره، والاستنكاف الانفة من العبادة والاستكبار طلب الكبر من غير استحقاق، والاستحسار بالحاء والسين المهملتين التعب أي لا أجد من الركوع تعبا ولا كلالا ولا مشقة بل أجد لذة وراحة وأما الدعاء بعد التسميع كما ذكره فهو مأخوذ من مصباح الشيخ، ولم أر به رواية، وفي صحيحة زرارة ثم قل سمع الله لمن حمده وأنت منتصب قائم الحمدلله رب العالمين أهل الجبروت والكبرياء والعظمة لله رب العالمين وفي بعض الكتب بعد قوله والعظمة الحمد لله رب العالمين. وفي نهاية الشيخ بعد التسميع والتحميد أهل الجود والجبروت والكبرياء و العظمة، وفي النفلية والحمد لله رب العالمين أهل الكبرياء والجود والعظمة [ا] لله


(1) الفقيه ج 1 ص 205. [*]

[112]

رب العالمين وقال الشهيد الثاني رحمه الله: هكذا وجدته بخط المصنف - ره - باثبات الالف في الله آخرا، وفي بعض نسخ الرسالة بخط غيره لله بغير ألف وهو الموافق لرواية زرارة عن الباقر عليه السلام برواية التهذيب وخط الشيخ أبي جعفر رحمه الله ثم على ما هنا يمكن كون أهل الكبرياء مبتدءا، والله خبره، ويمكن كون أهل صفة ثانية لله، والله رب العالمين مستأنفا إما مبتدء وخبر أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك أو هو، ونحو ذلك، وعلى حذف الالف يمكن كون لله رب العالمين تأكيدا لما سبق ويكون الجود والعظمة معطوفين على الكبرياء مجرورين وكونه خبرا للجود والعظمة معطوفة عليه، وكونه خبرا للعظمة فتكون مرفوعة والجود مجرورا على ما سبق، و في الذكرى اقتصر على قوله رب العالمين وهو أوضح، واتفق كثير على أن صدر الرواية (الحمد لله رب العالمين أهل الجبروت والكبرياء والعظمة) خلاف ما ذكر في الرسالة انتهى. ثم اعلم أن ظاهر الاصحاب عموم استحباب التسميع للامام والمأموم والمنفرد وبهذا التعميم صرح المحقق والعلامة قدس الله روحهما في المعتبر والمنتهى وأسنداه إلى علمائنا وهو الظاهر من أكثر الاخبار. وقال بعض أفاضل المتأخرين: ولو قيل باستحباب التحميد خاصة للمأموم كان حسنا لما رواه الكليني في الصحيح (1) عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام قلت: ما يقول الرجل خلف الامام إذا قال: سمع الله لمن حمده ؟ قال: يقول: الحمد لله رب العالمين ويخفض من الصوت انتهى، ولا يخفى ضعف دلالته على التخصيص ولا يتأتى تخصيص الاخبار الكثيرة به. وروى العامة عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد (2)، وقال أبو حنيفة ومالك: لا يزيد الامام على سمع الله لمن حمده ولا المأموم على ربنا لك الحمد، فيمكن حمل الخبر


(1) الكافي ج 2 ص 320. (2) رواه في مشكاة المصابيح ص 82، وقال: متفق عليه، وزاد بعده: فانه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. [*]

[113]

على التقية أيضا. وقال في الذكري: نقل في المعتبر عن الخلاف، أن الامام والمأموم يقولان الحمد لله رب العالمين أهل الكبرياء والعظمة، ثم قال: وهو مذهب علمائنا، وأنكر في المعتبر ربنا ولك الحمد، وذكر أن المروي ما ذكره الشيخ قال في المبسوط: وإن قال ربنا ولك الحمد لم تفسد صلاته وروايتنا لا واو فيها. والعامة مختلفون في ثبوتها وسقوطها، فمنهم من أسقطها لانها زيادة لا معنى لها وهو منسوب إلى الشافعي، والاكثر على ثبوتها، فمنهم من زعم أنها واو العطف و المعطوف هنا مقدر والواو يدل عليه وتقديره ربنا حمدناك ولك الحمد، فيكون ذلك أبلغ في الحمد، وزعم بعضهم أن الواو قد تكون مقحمة في كلام العرب، وهذه منها لورود اللفظين في الاخبار الصحاح عندهم. قال ابن أبي عقيل: وروي اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بعد (1) والذي أنكره في المعتبر تدفعه قضية الاصل والخبر حجة عليه، وطريقه صحيح، وإليه ذهب صاحب الفاخر، واختاره ابن الجنيد ولم يقيده بالمأموم. واستحب في الذكر هنا (بالله أقوم وأقعد) وذهب ابن أبي عقيل في ظاهر كلامه وابن إدريس - وصرح به أبو الصلاح وابن زهرة - إلى أنه يقول: (سمع الله لمن حمده) في حال ارتفاعه، وباقي الاذكار بعد انتصابه، وهو مردود بالاخبار المصرحة بأن الجميع بعد انتصابه، وهو قول الاكثر انتهى. أقول: إنما عدل المحقق قدس سره وغيره عن (ربنا لك الحمد) لاشتهاره بين العامة، وذلك مما يحدث الريب فيه، وكذا عدلوا عما رواه ابن أبي عقيل لذلك


(1) أخرجه في مشكاة المصابيح ص 82 عن صحيح مسلم باسناده عن أبى سعيد الخدرى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الارض وملء ما شئت من شئ بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد). [*]

[114]

ولعله اختاره لانهم رووه عن علي عليه السلام برواية عبد الله بن أبي رافع أو وصل إليه خبر آخر. فائدة اعلم أن المشهور بين الاصحاب أن استحباب رفع اليدين إنما هو في حال التكبير وأنه ليس في حال الرفع من الركوع تكبير ولا رفع يد حتى أن المحقق في المعتبر قال: رفع اليدين بالتكبير مستحب في كل رفع ووضع، إلا في الرفع من الركوع فانه يقول: (سمع الله لمن حمده) من غير تكبير ولا رفع يد، وهو مذهب علمائنا. ثم قال بعد فاصلة: وقد روي في بعض أخبارنا استحباب رفع اليدين عند الرفع من الركوع أيضا روى ذلك معاوية بن وهب (1) قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا أراد السجود للثانية، وروى ابن مسكان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يرفع يديه كلما أهوى إلى الركوع والسجود، وكلما رفع رأسه من ركوع وسجود وقال: هي العبودية. وقال في الذكرى بعد نقل الروايتين: وظاهرهما مقارنة الرفع للرفع وعدم تقييد الرفع بالتكبير، فلو ترك التكبير فظاهرهما استحباب الرفع والحديثان أوردهما في التهذيب ولم ينكر منهما شيئا وهما يتضمنان رفع اليدين عند رفع الرأس من الركوع، ولم أقف على قائل باستحبابه إلا ابني بابويه وصاحب الفاخر، ونفاه ابن أبي عقيل والفاضل، وهو ظاهر ابن الجنيد والاقرب استحبابه لصحة سند الحديثين وأصالة الجواز وعموم أن الرفع زينة الصلاة واستكانة من المصلي، وحينئذ يبتدئ بالرفع عند ابتداء رفع الرأس وينتهي بانتهائه، وعليه جماعة من العامة انتهى. أقول: ميل أكثر العامة إلى استحباب الرفع، صار سببا لرفع الاستحباب عند أكثرنا.


(1 و 2) التهذيب ج 1 ص 155، والاول عن معاوية بن عمار لا معاوية بن وهب. [*]

[115]

وقال في الذكرى: يستحب للامام رفع صوته بالذكر في الركوع و الرفع، وأما المأموم فيسر، وأما المنفرد فمخير إلا التسميع فانه جهر لصحيحة زرارة. 21 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك، وابسط ظهرك، ولا تقنع رأسه ولا تصوبه، وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ركع لو صب على ظهره ماء لاستقر وقال: فرج أصابعك على ركبتيك في الركوع، وأبلغ أطراف أصابعك عيون الركبتين (1). وعنه عليه السلام أنه قال: وقل في الركوع (سبحان ربي العظيم) ثلاث مرات (2). ومما رويناه مما يقال في الركوع، عن جعفر بن محمد عليه السلام: اللهم لك ركعت ولك خشعت وبك آمنت وعليك توكلت وأنت ربي خشع لك سمعي وبصري وشعري وبشرى ولحمي ودمي ومخي وعصبي وعظامي وما أقلت قدماي غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر عن عبادتك والخشوع لك والتذلل لطاعتك سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات (3). وعنه عليه السلام أنه قال: وإذا رفعت رأسك من الركوع فقل: (سمع الله لمن حمده) ثم تقول: ربنا لك الحمد (4). وروينا عنه أيضا وعن آبائه الطاهرين عليهم السلام في القول بعد الركوع وجوها كثيرة منها أن تقول: ربنا لك الحمد الحمد لله رب العالمين، أهل الجبروت والكبرياء و العظمة والجلال والقدرة، اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني فاني لما أنزلت إلى من خير فقير، فهذا وما هو في معناه يقوله من صلى لنفسه، ويجزئ في صلاة الجماعة أن يقول: (سمع الله لمن حمده) يجهر بها ويقول في نفسه ربنا لك الحمد ثم يكبر ويسجد (5). 22 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن محمد


(1 و 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 162. (3 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 163. [*]

[116]

ابن أبي الصهبان، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عمن ذكره، عن مسمع أبي سيار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يجزيك من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات أو قدرهن مترسلا، وليس له ولا كرامة أن يقول سبح سبح سبح (1). بيان: ظاهره جواز الاكتفاء بثلاث تسبيحات صغريات أو قدرهن من ساير الاذكار، واستحباب التأني وذم الاستعجال. 23 - الهداية: قال الصادق عليه السلام سبح في ركوعك ثلاثا تقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده) ثلاث مرات، وفي السجود ثلاث مرات (سبحان ربي الاعلى وبحمده) لان الله عزوجل لما أنزل على نبيه (فسبح باسم ربك العظيم) قال النبي صلى الله عليه وآله: اجعلوها في ركوعكم، فلما أنزل الله (سبح اسم ربك الاعلى) قال: اجعلوها في سجودكم، فان قلت سبحان الله سبحان الله سبحان الله أجزأك، وتسبيحة واحدة تجزي للمعتل والمريض والمستعجل (2). 24 - المحاسن: عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أحسن المؤمن عمله ضاعف الله عمله لكل حسنة سبع مائة، و ذلك قول الله تبارك وتعالى (والله يضاعف لمن يشآء) (3) فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله، فقلت له: وما الاحسان ؟ قال: فقال: إذا صليت فأحسن ركوعك وسجودك، وإذا صمت فتوق كل ما فيه فساد صومك، وإذا حججت فتوق ما يحرم عليك في حجك وعمرتك، قال: وكل عمل تعمله فليكن نقيا من الدنس (4). 25 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم، سئل أمير المؤمنين عليه السلام ما معنى الركوع ؟ فقال: معناه آمنت بك ولو ضربت عنقي، ومعنى قوله: (سبحان ربي العظيم وبحمده) فسبحان الله أنفة لله عزوجل، وربي خالقي، والعظيم هو العظيم


(1) السرائر: 475. (2) الهداية: 32. (3) البقرة: 261. (4) المحاسن: 254. [*]

[117]

في نفسه غير موصوف بالصغر، وعظيم في ملكه وسلطانه، وأعظم من أن يوصف، تعالى الله. قوله: (سمع الله لمن حمده) فهو أعظم الكلمات، فلها وجهان: فوجه منه معناه أن حمد الله سمعه، والوجه الثاني يدعو لمن حمد الله، فيقول اللهم اسمع لمن حمدك. وقال الصادق عليه السلام: أقل ما يجب من التسبيح في الركوع والسجود فثلاث تسبيحات لابد منها يكون في خمس صلوات مائة وثلاث وخمسون تسبيحة، ففي الظهر ست وثلاثون، وفي العصر ست وثلاثون، وفي المغرب سبع وعشرون، وفي العتمة ست وثلاثون، وفي الفجر ثمان عشرة. 26 - السرائر: نقلا من كتاب الحسن بن محبوب، عن الحرث بن الاحول عن بريد العجلي قال: قلت لابي جعفر عليه السلام أيهما أفضل في الصلاة كثرة القراءة أو طول اللبث في الركوع والسجود ؟ قال: فقال: كثرة اللبث في الركوع والسجود في الصلاة أفضل، أما تسمع لقول الله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة) (1) إنما عنى باقامة الصلاة طول اللبث في الركوع والسجود، قلت: فأيهما أفضل كثرة القراءة أو كثرة الدعاء ؟ فقال: كثرة الدعاء أفضل، أما تسمع لقول الله لنبيه صلى الله عليه وآله: (قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم) (2). توضيح: قوله عليه السلام: (إنما عنى) لعله عليه السلام استدل بالمقابلة في الاية، وأنه لما ذكر الاكتفاء في القراءة بما تيسر ثم أمر باقامة الصلاة، وعمدة أجزاء الصلاة الركوع والسجود، فيفهم منها طول اللبث فيهما أو يقال يفهم من الاقامة الاعتدال و الاستواء، فينبغي أن يكون الركوع والسجود مثل القراءة والاول أظهر. 27 - الذكرى: قال: قال روى الحسين بن سعيد باسناده إلى أبي بصير، عن الصادق عليه السلام أنه كان يقول بعد رفع رأسه: (سمع الله لمن حمده، الحمد لله رب


(1) المزمل: 20. (2) السرائر: 272، والاية في الفرقان: 77. [*]

[118]

العالمين بحول الله وقوته أقوم وأقعد أهل الكبرياء والعظمة والجبروت) (1). قال: وباسناده الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قال الامام (سمع الله لمن حمده) قال من خلفه (ربنا لك الحمد) وإن كان وحده إماما أو غيره قال: سمع الله لمن حمده الحمد لله رب العالمين (2). ومنه: عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام أن عليا عليه السلام كان يعتدل في الركوع مستويا حتى يقال لو صب الماء على ظهره لاستمسك، وكان يكره أن يحدر رأسه ومنكبيه في الركوع (3). 28 - العلل: علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران عن الحسين بن يزيد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لم صارت الصلاة ركعتين وأربع سجدات ؟ قال: لان ركعة من قيام بركعتين من جلوس (4). 29 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: باسنادهما عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن تفريج الاصابع في الركوع أسنة هو ؟ قال: من شاء فعل، ومن شاء ترك (5). بيان: لا ينافي جواز الترك استحبابه الذي دلت عليه الاخبار الاخر، والمراد أنه ليس سنة مؤكدة، أو ليس من الواجبات التي ظهرت من السنة قال في المنتهى: يستحب للمصلي وضع الكفين على عيني الركبتين مفرجات الاصابع عند الركوع، و هو مذهب العلماء كافة، إلا ما روي عن ابن مسعود أنه كان إذا ركع طبق يديه و جعلهما بين ركبتيه، وفي الذكرى عد التطبيق من مكروهات الركوع، ولا يحرم على الاقرب، وهو قول أبي الصلاح والفاضلين، وظاهر الخلاف وابن الجنيد التحريم


(1 و 2) الذكرى: 199. (3) الذكرى: 198. (4) علل الشرايع ج 2 ص 25. (5) قرب الاسناد: 94 ط حجر: 123 ط نجف، المسائل - البحار ج 10 ص 260. [*]

[119]

وحينئذ يمكن البطلان للنهي عن العبادة، والصحة لان النهي عن وصف خارج. وعد أيضا من المكروهات الركوع ويده تحت ثيابه، وقال ابن الجنيد: ولو ركع ويداه تحت ثيابه جاز ذلك، إذا كان عليه ميرز أو سراويل، وقال أبو الصلاح: يكره إطلاق اليدين في الكمين أو تحت الثياب وأطلق انتهى والتفصيل الذي ذكره ابن الجنيد دلت عليه رواية (1) عمار عن الصادق عليه السلام. 30 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون راكعا أو ساجدا فيحكه بعض جسده هل يصلح له أن يرفع يده من ركوعه أو سجوده فيحكه مما حكه ؟ قال: لا بأس إذا شق عليه، والصبر إلى أن يفرغ أفضل (2). 31 - المعتبر: عن معاوية بن عمار وابن مسلم والحلبي قالوا: وبلغ بأطراف أصابعك عين الركبة، فان وصلت أطراف أصابعك في ركوعك إلى ركبتيك أجزأك ذلك واحب أن تمكن كفيك من ركبتيك، فإذا أردت أن تسجد فارفع يديك بالتكبير وخر ساجدا (3). المنتهى: في الصحيح عن الثلاثة نحوه إلى قوله من ركبتيك (4). بيان: يدل على الاكتقاء بالانحناء بمقدار ما يمكن وصول أطراف الاصابع إلى الركبتين، وعبارات الاصحاب في ذلك مختلفة، فمن بعضها يظهر ذلك، ومن بعضها وصول الكفين إلى الركبتين كما ذكره في المعتبر أو الراحتين كما ذكره في التذكرة وادعيا عليه الاجماع من غير أبي حنيفة، ولعلهما سامحا في التعبير، بل مرادهما وصول جزء من اليد كما في المنتهى، ويدل عليه أن في المعتبر استدل عليه بهذه


(1) التهذيب ج 1 ص 238. (2) قرب الاسناد ص 88 ط و 114 ط. (3) المعتبر ص 179. (4) المنتهى ج 1 ص 281. [*]

[120]

الرواية مع صراحتها في الاكتفاء بوصول رؤوس الاصابع، وصرح الشيخ على والشهيد الثاني رحمه الله بأن وصول شئ من رؤوس الاصابع غير كاف، ولا ريب أنه أحوط ونقلوا الاجماع على عدم وجوب وضع اليد، وأن المعتبر إمكان وصولها وأما الوضع فهو مستحب، ويظهر من بعض الاخبار (1) الوجوب، والاحوط عدم الترك إلا لضرورة. 32 - المعتبر: روى جماعة منهم زرارة عن الباقر عليه السلام قال: ثم قل سمع الله لمن حمده أهل الجود والكبرياء والعظمة. 33 - مشكوة الانوار: من كتاب المحاسن، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يعظ أهله ونساءه وهو يقول لهن: لا تقلن في ركوعكن وسجودكن أقل من ثلاث تسبيحات، فانكن إن فعلتن لم يكن أحسن عملا منكن (2). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب علل الصلاة، وباب وصف الصلاة، وباب التكبير، وسيأتي بعضها في باب السجود.


(1) كالنبوي الذى استدل به الاصحاب في كتبهم الفقهية (إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك) رواه النسائي في سننه ج 2 ص 180، البغوي في مصابيحه ج 1 ص 55 عن أنس وما مر عن الدعائم ص 115. (2) مشكاة الانوار ص 261. [*]

[121]

(27) * (باب) * * ((السجود وآدابه وأحكامه)) * الايات (1) آل عمران: يا مريم اقتني لربك واسجدي واركعي مع


(1) ومن عمدتها في الباب قوله تعالى: في سورة النساء 101 (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) الاية، حيث انها من أمهات الكتاب تصرح بأن أقل الصلاة لا تكون الا ركعتين لا يقتصر عن ذلك حتى في السفر حين لا يكون المخافة من العدو أن يفتنكم ولو بحيلة مثل ذلك. وأن السجدة من أجزاء الصلاة، وأنها ليست بأول جزء من أجزائها المفروضة، بل يكون قبلها الركوع، كما مر في ص 97 عند قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) الحج: 77. ولذلك قال على عليه السلام ان اول صلاة احدكم الركوع (التهذيب ج 1 ص 161). فعلى هذا تكون السجدة فرضا فتكون ركنا تبطل الصلاة بالاخلال بها عمدا وسهوا وجهلا. وأما سائر الايات التى عنونها المؤلف العلامة في الباب، فبعضها من المتشابهات بأم الكتاب وهو قوله عزوجل في الحجر: (فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) ولذلك أولها النبي صلى الله عليه وآله إلى الصلاة فزاد في كل ركعة سجدة أخرى، فتكون هذه السجدة الاخيرة سنة في فريضة تبطل الصلاة بتركها عمدا فقط لا سهوا وجهلا ونسيانا على حد سائر السنن. وبعضها سجدة العزائم كآية التنزيل والسجدة والنجم وسيأتى في محله أنها سجدة الصلاة المنسوخة كيفيتها ؟ فان الصلاة في صدر الاسلام كانت بلا ركوع: كان يكبر المصلى ثم يقرء القرآن سورة سورة حتى إذا قرء سورة السجدة وبلغ آيتها سجد من قيام، ثم بعد = = [*]

[122]

الراكعين (1). الاعراف: ويسبحونه وله يسجدون (2). الرعد: ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والاصال (3). الحجر: فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (4). النحل: ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (5). اسرى: إن الذين اوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (6).


= = تمام السجدة يقوم إلى السجدة الثانية ليتم الصلاة بعدها ويسلم. ولما نسخت هذه الكيفية في الصلاة بآية الحج 77 - وقد نزلت بالمدينة - صارت عزيمة في غير الصلاة، وحرم قراءتها في الصلاة، لوجوب السجدة عند قراءتها فرضا وعزيمة وهى زيادة في الصلاة عمدا، فتكون مبطلا لها، وسيأتى مزيد الكلام فيه. وأما سائرها، فهى سجدة التلاوة المسنونة، وسيجئ الكلام فيها مستوعبا في محله الباب 30. (1) آل عمران: 43. (2) الاعراف: 206. (3) الرعد، 15 والاية تدل بظاهرها على أن المراد بالسجود هو الوقوع على الارض كما عرفت في ج 84 ص 194 و 195. (4) الحجر: 98. (5) النحل: 49. (6) اسرى: 107 - 109 [*]

[123]

الحج: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس و القمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب (1). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا (2). الفرقان: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (3). النمل: ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض (4). التنزيل: إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (5). السجدة: لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (6). النجم: فاسجدوا لله واعبدوا (7). الجن: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (8). تفسير: في هذه الايات دلالة ما على وجوب السجود، وحسنه في الجملة، ففي بعضها عبر عن الصلاة به، فتدل على اشتمالها عليه، وبعضها ظاهره سجود الصلاة وبعضها سجود التلاة.


(4) الحج: 18. (5) الحج: 77، وقد مر الكلام في الاية ص 97 من هذا المجلد. (6) الفرقان: 60. (7) النمل: 25. (8) التنزيل: 15. (9) السجدة: 37. (0) النجم: 62. (1) الجن: 18. [*]

[124]

قوله تعالى: (وله يسجدون) قال الطبرسي رحمه الله (1): أي يخضعون، و قيل: يصلون، وقيل يسجدون في الصلاة، وهي أول سجدات القرآن، فعند أبي حنيفة واجبة، وعند الشافعي سنة مؤكدة، وإليه ذهب أصحابنا. وقال في قوله (2) (ولله يسجد) اختلف في معناه على قولين أحدهما أنه يجب السجود لله تعالى إلا أن المؤمن يسجد له طوعا، والكافر كرها بالسيف، والثاني أن معناه الخضوع، وقيل المراد بالظل الشخص، فان من يسجد يسجد ظله معه، قال الحسن: يسجد ظل الكافر ولا يسجد الكافر، ومعناه عند أهل التحقيق أنه يسجد شخصه دون قلبه، وقيل: إن الظلال هنا على ظاهرها، والمعنى في سجودها تمايلها من جانب إلى جانب وانقيادها للتسخير بالطول والقصر انتهى. وروى علي بن إبراهيم (3) عن الباقر عليه السلام أنه قال: أما من يسجد من أهل السموات طوعا: فالملائكة يسجدون لله طوعا، ومن يسجد من أهل الارض فمن ولد في الاسلام فهو يسجد له طوعا، وأما من يسجد له كرها فمن جبر على الاسلام، وأما من لم يسجد فظله يسجد له بالغداة والعشي. وقال علي بن إبراهيم (4) تحريك كل ظل خلقه الله هو سجوده لله، لانه ليس شئ إلا له ظل يتحرك بتحركه، وتحوله سجوده. وقال: ظل المؤمن يسجد طوعا وظل الكافر يسجد كرها، وهو نموهم وحركتهم وزيادتهم ونقصانهم (5). وقد مر الكلام فيه في كتاب السماء والعالم.


(1) مجمع البيان ج 4 ص 516، آخر سورة الاعراف. (2) مجمع البيان ج 5 ص 284 سورة الرعد: 15. (3) تفسير القمى ص 338. (4) تفسير القمى ص 361. (5) تفسير القمى: 338. [*]

[125]

وقال الطبرسي (1) (وكن من الساجدين) أي المصلين عن ابن عباس، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقيل كن من الذين يسجدون لله ويوجهون بعبادتهم إليه. وقال في قوله سبحانه (2) (إن الذين اوتوا العلم من قبله) أي اعطوا علم التوراة من قبل نزول القرآن كعبد الله بن سلام وغيره، فعلموا صفة النبي صلى الله عليه وآله قبل مبعثه عن ابن عباس، وقيل إنهم أهل العلم من أهل الكتاب وغيرهم، وقيل إنهم امة محمد صلى الله عليه وآله (إذا يتلى عليهم) القرآن (يخرون للاذقان سجدا) أي يسقطون على وجوههم ساجدين عن ابن عباس وقتادة، وإنما خص الذقن لان من سجد كان أقرب شئ منه إلى الارض ذقنه، والذقن مجمع اللحيين (ويقولون سبحان ربنا) أي تنزيها لربنا عما يضيف إليه المشركون (إن كان وعد ربنا لمفعولا) إنه كان وعد ربنا مفعولا حقا يقينا (ويخرون للاذقان يبكون) أي ويسجدون باكين إشفاقا من التقصير في العبادة، وشوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب (ويزيدهم) ما في القرآن من المواعظ (خشوعا) أي تواضعا لله تعالى واستسلاما لامر الله وطاعته انتهى. وأقول: سيأتي تفسير السجود على الاذقان بمعناه الظاهر كما رواه الكليني (3) عن علي بن محمد باسناد له قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عمن بجبهته علة لا يقدر على السجود عليها ؟ قال: يضع ذقنه على الارض إن الله تعالى يقول: (ويخرون للاذقان سجدا) فيمكن أن يكون في الامم السالفة سجودهم هكذا (4) والاستشهاد بالاية لمناسبة أنه لما كان الذقن مسجدا للامم السابقة، فلذا صار مع الضرورة مسجدا لهذه الامة أيضا، ويحتمل أن يكون المراد بالاية سجودهم في حال الضرورة، وعلي بن


(1) مجمع البيان ج 6 ص 347. (2) مجمع البيان ج 6 ص 445. (3) الكافي ج 3 ص 334. (4) قد عرفت في ج 84 ص 195، أن هذه السجدة سيرة القسيسين والرهبان ينبطحون على الارض ويضعون أذقانهم على الارض. [* [

[126]

إبراهيم (1) فسر أولا الاذقان بالوجه، والذين اوتوا العلم بقوم من أهل الكتاب آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله ثم ذكر الرواية الاتية فيمكن أن يكون كلا المعنيين مقصودين في الاية. ثم اعلم أن الفاضلين استدلا بهذه الاية على وجوب السجود على الذقن مع تعذر الجبينين (2) قالا: إذا صدق عليه السجود وجب أن يكون مجزيا في الامر به، و يرد عليه أن السجود المأمور به غير هذا المعنى، بدليل عدم صحة الاجتزاء به في حال الاختيار، فلا يحصل به امتثال الامر بالسجود، فالعمدة في ذلك الاخبار المؤيدة بالشهرة بين الاصحاب. (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض) من العقلاء (و الشمس) أي وتسجد الشمس الخ وصف سبحانه هذه الاشياء بالسجود وهو الخضوع والذل والانقياد لخالقها فيما يريد منها (وكثير من الناس) يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى (وكثير حق عليه العذاب) أي ممن أبى السجود ولا يوحده سبحانه (3). (وإذا قيل لهم) أي للمشركين (اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن) أي أنا لا نعرف الرحمن، فانهم لم يكونوا يعرفون الله بهذا الاسم (وزادهم) ذكر الرحمن (نفورا) عن الايمان (4).


(1) تفسير القمى: 391. (2) قد عرفت في ج 84 ص 195، أن السجدة على الذقن غير مجز لعدم كونها سجدة بالطبع، وأن السجدة طبيعة تقع على سبعة أعضاء: الجبهة والكفين والركبتين وأصابع الرجلين، وأما خبر الكافي فمع أنه مرسل مخالف لسائر الروايات الامرة بوضع أحد الجبينين عند تعذر الجبهة، أو حفر حفيرة لتقع الدمل في الحفيرة ويقع السجود على أطرافه. (3) مجمع البيان ج 7 ص 76، في سورة الحج: 18. (4) مجمع البيان ج 7 ص 176، في سورة الفرقان: 60. [*]

[127]

(ألا يسجدوا) أي فصدهم ألا يسجدوا، أو زين لهم ألا يسجدوا أو لا يهتدون إلى أن يسجدوا فلا زائدة (الذي يخرج الخبء) أي ما خفي لغيره وإخراجه إظهاره فهو يشمل إبداع جميع الاشياء. (إنما يؤمن بآياتنا) قال الطبرسي رحمه الله (1) أي يصدق بالقرآن وساير حججنا (الذين إذا ذكروا بها) أي وعظوا بها تذكروا واتعظوا بمواعظها بأن (خروا سجدا) أي ساجدين شكرا لله سبحانه على أن هداهم بمعرفته، وأنعم عليهم بفنون نعمته (وسبحوا بحمد ربهم) أي نزهوه عما لا يليق به من الصفات، وعظموه وحمدوه (وهم لا يستكبرون) عن عبادته ولا يستنكفون من طاعته، ولا يأنفون أن يعفروا وجوههم صاغرين له. أقول: فيها إيماء إلى حسن التسبيح والتحميد في السجود، ويمكن حمل الاية على السجدات الواجبة أو الاعم منها ومن المندوبة، وإن لم يذكره المفسرون. (لا تسجدوا للشمس) (2) الخ يدل على عدم جواز السجود لغير الخالق، ووجوب السجود له، وعدم صحة العبادة بدون السجود (واسجدوا لله) يدل على وجوب السجود والاخلاص فيه، واستدل به على وجوب السجود عند تلاوة الاية وسماعها، ولا يخفى ما فيه. (وأن المساجد لله) (3) قد مر تفسيرها في باب المساجد، وقد فسرت في أخبارنا بالمساجد السبعة كما ستعرف، فيدل على عدم جواز السجود بتلك المساجد السبعة لغيره تعالى وقد مر في صحيحة حماد تفسيرها بالمساجد السبعة. ويؤيده ما رواه في الكافي (4) عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسمه عليها، وفرقه فيها، وساق


(1) مجمع البيان ج 8 ص 329، في سورة التنزيل: 15. (2) فصلت: 37. (3) الجن: 18، راجع شرح ذلك في ج 84 ص 196. (4) الكافي ج 2 ص 36. [*]

[128]

الحديث الطويل إلى أن قال: وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال: (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (1) وهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا). وفي الفقيه (2) في وصية أمير المؤمنين عليه السلام لابنه محمد ابن الحنفية قال الله عز و جل: (وأن المساجد لله) الاية يعني بالمساجد الوجه واليدين والركبتين والابهامين. 1 - العياشي: عن أبي جعفر الثاني عليه السلام أنه سأله المعتصم عن السارق من أي موضع يجب أن يقطع ؟ فقال: إن القطع يجب أن يكون من مفصل اصول الاصابع، فيترك الكف، قال: وما الحجة في ذلك ؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع والمرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله: (وأن المساجد لله) يعني به هذه الاعضاء السبعة التي يسجد عليها (فلا تدعوا مع الله أحدا) وما كان لله فلا يقطع الخبر (3). 2 - غيبة الشيخ: عن جماعة، عن محمد بن أحمد بن داود القمي قال: كتب محمد ابن عبد الله بن جعفر الحميري إلى الناحية المقدسة يسأل عن المصلى يكون في صلاة الليل في ظلمة فإذا سجد يغلط بالسجادة ويضع جبهته على مسح أو نطع، فإذا رفع رأسه وجد السجادة هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد بها ؟ فوقع عليه السلام: ما لم يستو جالسا فلا شئ عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة (4). الاحتجاج: عن الحميري مثله (5).


(1) الحج: 77. (2) الفقيه ج ص (3) تفسير العياشي ج 1 ص 320 في حديث. (4) غيبة الشيخ: 248. (5) الاحتجاج: 270. [*]

[129]

3 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يسجد على الحصاة فلا يمكن جبهته من الارض، قال: يحرك جبهته حتى يمكن وينحي الحصاة عن جبهته ولا يرفع رأسه (1). توفيق: تعارضت الاخبار في جواز رفع الرأس وإعادة السجود، عند وقوع الجبهة على ما لا يصح السجود عليه أو عدم تمكن الجبهة، وعدمه، فالشيخ حمل أخبار الجواز على ما إذا لم يمكن وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه أو تمكنها بدون الرفع، وأخبار عدم الجواز على ما إذا أمكن بدونه، ويمكن حمل أخبار الجواز على النافلة كما هو مورد الخبر الاول، والعدم على الفريضة، أو الاولى على الجواز والثانية على الكراهة. قال في المنتهى: لو وقعت جبهته على المرتفع جاز أن يرفع رأسه ويسجد على المساوي، لانه لم يحصل كمال السجود، فيجوز العود لتحصيل الكمال، ويؤيده ما رواه الشيخ عن الحسين بن حماد (2) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أسجد فتقع جبهتي على الموضع المرتفع، فقال: ارفع رأسك ثم ضعه، ولا يعارض ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا وضعت جبهتك على نبكة فلا ترفعها ولكن جرها على الارض، وروى نحوه عن الحسين بن حماد (4) عنه عليه السلام وعن يونس عنه عليه السلام. ثم قال: لانا نحمل هذه الاخبار على ما إذا كان مقدار المرتفع لبنة فما دون، فلو رفع رأسه حينئذ لزمه أن يزيد سجدة متعمدا وهو غير سائغ. وقال في الذكرى: لو وقعت الجبهة على ما لا يصح السجود عليه فان كان أعلى من لبنة رفعها ثم سجد لعدم صدق مسمى السجود، وإن كان لبنة فما دون، فالاولى أن يجر، ولا يرفع لئلا يلزم تعدد السجود، وعلى ذلك دلت رواية الحسين بن


(1) قرب الاسناد ص 93 ط حجر: 122 ط نجف. (2 و 3) التهذيب ج 1 ص 222. (4) التهذيب ج 1 ص 225. [*]

[130]

حماد، ثم حمل روايات المنع على غير المرتفع، وكذا فعل المحقق في المعتبر، ولعل بعض ما ذكرنا من الوجوه أوجه، إذ عدم تحقق السجود الشرعي كما يكون في الارتفاع زائدا على اللبنة يكون في وقوع الجبهة على ما لا يصح السجود عليه أو عدم الاستقرار فيه، وأما أصل حقيقة السجود شرعا وعرفا ولغة، فالظاهر أنه يتحقق مع قدر من الانحناء ووضع الجبهة، ويلزمهم أنه إذا وضع جبهته على أزيد من لبنة مرات لا يتحقق معها الفعل الكثير، لا يكون مبطلا لصلاته، ولعلهم لا يقولون به فالظاهر أن جواز ذلك للضرورة ومع عدمها لا يجوز الرفع كما هو ظاهر الشيخ. ثم تحريك الجبهة وتنحية الحصاة في الخبر إما لعدم الاستقرار، أو لعدم الاكتفاء بأقل من الدرهم كما قيل، أو لتحقق المستحب من إيصال الدرهم فما زاد، وبالجملة لا يمكن الاستدلال به على وجوب الدرهم. 4 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن المرءة إذا سجدت يقع بعض جبهتها على الارض وبعضها يغطيه الشعر، هل يجوز ؟ قال: لا حتى تضع جبهتها على الارض (1). بيان: المشهور بين الاصحاب إجزاء إيصال جزء من الجبهة إلى ما يصح السجود عليه، وذهب الصدوق وابن إدريس والشهيد في الذكرى إلى وجوب مقدار الدرهم، وظاهر ابن الجنيد وجوب وضع كل الجبهة على الارض، فانه قيد إجزاء مقدار الدرهم بما إذا كان بالجبهة علة، وهذا الخبر يؤيده، والاقوى حمله على الاستحباب لمعارضة الاخبار الكثيرة المعتبرة الدالة على إجزاء المسمى (2) قال في الذكرى: يستحب للمرءة أن ترفع شعرها عن جبهتها، وإن كان يصيب الارض بعضها لزيادة التمكن لرواية علي بن جعفر، والظاهر أنه على الكراهة، وقال


(1) قرب الاسناد: 133 ط نجف: 101 ط حجر. (2) قد ظهر مما مر ص 98 وج 84 ص 194 أن الجبهة يجب أن تقع على شئ يمكن معه أن تتمكن بثقلها عليه، والظاهر أنه لا أقل من سعة الدرهم، الا أن يكون خشنة جدا أو مشمسا شديد الحرارة لا يقدر الساجد أن يمكن جبهته منه ويعتمد عليه بالقاء الثقل عليه. [*]

[131]

ابن الجنيد: لا يستحب للمرءة أن تطول قصتها حتى يستر شعرها بعض جبهتها عن الارض أو ما تسجد عليه. 5 - الكافي: في الصحيح عن أبي عبيدة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول وهو ساجد: (أسألك بحق حبيبك محمد صلى الله عليه وآله إلا بدلت سيأتي حسنات، وحاسبتني حسابا يسيرا) ثم قال في الثانية: (أسألك بحق حبيبك محمد إلا كفيتني مؤنة الدنيا و كل هول دون الجنة) وقال في الثالثة: (أسألك بحق حبيبك محمد لما غفرت لي الكثير من الذنوب والقليل، وقبلت مني عملي اليسير) ثم قال في الرابعة: (أسئلك بحق حبيبك محمد لما أدخلتني الجنة، وجعلتني من سكانها، ولما نجيتني من سفعات النار برحمتك. وصلى الله على محمد وآله (1). ومنه: بسند قريب من الصحيح عن جميل قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أي شئ تقول إذا سجدت ؟ قلت: علمني جعلت فداك ما أقول، قال: قل (يا رب الارباب ويا ملك الملوك، وياسيد السادات، ويا جبار الجبابرة، ويا إله الالهة، صل على محمد وآل محمد، وافعل بي كذا وكذا) ثم قال: (فاني عبدك ناصيتي في قبضتك) ثم ادع بما شئت، واسأله فانه جواد ولا يتعاظمه شئ (2). 6 - كتاب عاصم بن حميد: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يرفع موضع جبهته في المسجد، فقال إني احب أن أضع وجهي في مثل قدمي، وأكره أن يضعه الرجل [على مرتفع] ظ (3). ومنه: عن سعيد بن يسار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أدعو وأنا راكع أو ساجد ؟ قال: فقال: نعم ادع وأنت ساجد، فان أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو


(1) الكافي ج 3 ص 322. (2) المصدر نفسه ص 323. (3) رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 158، ولفظه في آخره (انى أحب أن أضع وجهى في موضع قدمى وكرهه) واستدركه العلامة النوري على صاحب الوسائل من كتاب عاصم بن حميد ولفظه (أن يصنعه الرجل). وما استظهرناه أوفق بالسياق. [*]

[132]

ساجد، ادع الله عزوجل لدنياك وآخرتك. 7 - العلل: عن علي بن سهل، عن إبراهيم بن علي، عن أحمد بن محمد الانصاري، عن الحسن بن علي العلوي، عن أبي حكيم الزاهد، عن أحمد ابن علي الراهب قال: قال رجل لامير المؤمنين عليه السلام: يا ابن عم خير خلق الله ما معنى السجدة الاولى ؟ فقال: تأويله اللهم إنك منها خلقتني يعني من الارض و رفع رأسك ومنها أخرجتنا، والسجدة الثانية وإليها تعيدنا ورفع رأسك من الثانية ومنها تخرجنا تارة اخرى. قال الرجل: ما معني رفع رجلك اليمنى وطرحك اليسرى في التشهد ؟ قال: تأويله اللهم أمت الباطل وأقم الحق (1). ومنه: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: إذا سجد أحدكم فليباشر بكفيه الارض لعل الله يصرف عنه الغل يوم القيامة (2). ثواب الاعمال: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي مثله (3). بيان: المراد بالارض التراب والحجر وغيرهما من وجه الارض أو التراب فقط أو ما يصح عليه السجود تغليبا أو الاعم منه ايضا بأن يكون المراد الاعتماد عليهما ولا يخفى بعد ما عدا الاول. 8 - العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك الرجل يكون في السفر فيقطع عليه الطريق فيبقى عريانا في سراويل، ولا يجد ما يسجد عليه ويخاف إن سجد على الرمضاء احترقت وجهه


(1) علل الشرايع ج 2 ص 25. (2) علل الشرايع ج 2 ص 20. (3) ثواب الاعمال: 31 و 32. [*]

[133]

قال: يسجد على ظهر كفه فانها أحد المساجد (1). بيان: لعل التعليل لتخصيص السجدة بكونها على ظهر الكف، لان بطنها إلى المساجد، فإذا سجد على بطنها فات إيصال البطن إلى الارض، وقيل: تعليل للسجود على الكف بمناسبة أنها أحد المساجد، وقيل: المراد أن كفك أحد مساجدك على الارض، فإذا وضعت جبهتك عليها صارت موضوعة على الارض بتوسطها، و يحتمل أن يكون المراد أنها أحد الاشياء التي جوز الشارع السجود عليها في حال الضرورة. 9 - تفسير على بن ابراهيم: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) قال: المساجد السبعة التي يسجد عليها: الكفان والركبتان والابهامان والجبهة (2). ومنه: عن أبيه، عن الصباح، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام رجل بين عينيه قرحة لا يستطيع أن يسجد عليها ؟ قال: يسجد ما بين طرف شعره، فان لم يقدر سجد على حاجبه الايمن، فان لم يقدر فعلى حاجبه الايسر فان لم يقدر فعلى ذقنه، قلت: على ذقنه ؟ قال: نعم أما تقرأ كتاب الله عزوجل (يخرون للاذقان سجدا) (3). تنقيح: المشهور بين الاصحاب أنه إن كان بجبهته دمل أو جراح حفر له حفيرة ليقع السليم على الارض، فان تعذر سجد على إحدى الجبينين، وذهب الصدوق و والده إلى وجوب تقديم الايمن، فان تعذر فعلى ذقنه، وقال الشيخ في المبسوط: إن كان هناك دمل أو جراح ولم يتمكن من السجود عليه، سجد على أحد جانبيه، فان لم يتمكن من السجود عليه سجد على ذقنه وإن جعل لموضع الدمل حفرة يجعله فيها كان جائزا، وقدم ابن حمزة السجود على أحد الجانبين على الحفرة، والاشهر


(1) علل الشرايع ج 2 ص 29 و 30. (2) تفسير القمى: 700. (3) تفسير القمى: 391، في. آية الاسراء: 109. [*]

[134]

أقوى لهذا الخبر، وإن لم يتعرضوا له، ولما رواه الشيخ (1) عن مصادف قال: خرج بي دمل وكنت أسجد على جانب فرأى أبو عبد الله عليه السلام أثره فقال لي: ما هذا ؟ فقلت لا أستطيع أن أسجد من أجل الدمل، فانما أسجد منحرفا، فقال لي: لا تفعل ذلك ! احفر حفيرة واجعل الدمل في الحفيرة حتى تقع جبهتك على الارض، وهل يجب كشف الذقن من اللحية عند السجود عليه ؟ قال الشهيد الثاني: نعم استنادا إلى أن اللحية ليست من الذقن، فيجب كشفه مع الامكان، وقيل لا يجب، لاطلاق الخبر ولعله أقرب. 10 - قرب الاسناد: عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: يسجد ابن آدم على سبعة أعظم: يديه و رجليه وركبتيه وجبهته (2). ومنه: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يسجد ثم لا يرفع يديه من الارض حتى يسجد الثانية، هل يصلح له ذلك ؟ قال: ذلك نقص في الصلاة (3). بيان: (ذلك نقص في الصلاة) في أكثر النسخ بالصاد المهملة، وفي بعضها بالمعجمة، فعلى الاول ظاهره الجواز، ولا خلاف بين الاصحاب في وجوب الجلوس والطمأنينة بين السجدتين نقل الاجماع عليه جماعة. 11 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: السجود على سبعة أعظم: الجبهة والكفين والركبتين والابهامين، وترغم بأنفك، أما المفترض فهذه السبعة وأما الارغام فسنة (4)


(1) التهذيب ج 1 ص 158. (2) قرب الاسناد: 12 ط حجر، 17 ط نجف، ورواه ابن ادريس نقلا من جامع البزنطى ج 496 من سرائره. (3) قرب الاسناد: 96 ط حجر: 126 ط نجف. (4) الخصال ج 2 ص: 5. [*]

[135]

12 - مجالس الصدوق والخصال: في بعض أخبار المناهي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله كره النفخ في الصلاة (1). 13 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن هيثم، عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن الحسين بن مصعب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يكره النفخ في الرقى والطعام وموضع السجود (2). ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم ابن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لا ينفخ الرجل في موضع سجوده، ولا ينفخ في طعامه، ولا في شرابه، ولا في تعويذه (3). 14 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن ليث قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يصلي فينفخ في موضع جبهته، قال: ليس به بأس، إنما يكره ذلك أن يؤذي من إلى جانبه (4). بيان: حمل هذا على الجواز، وما مر على الكراهة، ويمكن تقييد الاخبار السابقة بهذا الخبر كما فعله الشيخ في الاستبصار، ويمكن حمل هذا الخبر على قبل الصلاة والاخبار المطلقة على حال الصلاة كما يدل عليه خبر المناهي، فالمراد بقوله: (يصلي) يريد الصلاة، لكن يأبى عنه بعض الاخبار المصرحة بجوازه في الصلاة ما لم يؤذ أحدا، ويمكن القول بالكراهة مطلقا وتكون مع الايذاء أشد. 15 - المحاسن: عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن أبي اسامة قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بتقوى الله، والورع والاجتهاد، وصدق الحديث


(1) أمالى الصدوق: 181، الخصال ج 2 ص 102. (2) الخصال ج 1 ص 76، والرقى كهدى جمع رقية بالضم كاللقمة، والمراد التعويذ والنفث فيه، راجع ج 95 ص 4 - 6 باب ما يجوز من النشرة. (3) الخصال ج 2 ص 156. (4) علل الشرايع ج 2 ص 34. [*]

[136]

وأداء الامانة، وحسن الجوار، وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا زينا، ولا تكونوا شينا، وعليكم بطول السجود والركوع، فان أحدكم إذا أطال الركوع والسجود، يهتف إبليس من خلفه وقال: يا ويلتاه أطاعوا وعصيت، وسجدوا وأبيت (1). 16 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: ما خسر والله من أتى بحقيقة السجود، ولو كان في العمر مرة واحدة، وما أفلح من خلا بربه في مثل ذلك الحال شبيها بمخادع لنفسه، غافل لاه عما أعد الله للساجدين: من انس العاجل، وراحة الاجل، ولابعد أبدا عن الله من أحسن تقربه في السجود، ولاقرب إليه أبدا من أساء أدبه، وضيع حرمته، بتعليق قلبه بسواه في حال سجوده، فاسجد سجود متواضع ذليل علم أنه خلق من تراب يطأه الخلق، وأنه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد وكون ولم يكن. وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسر والروح، فمن قرب منه بعد من غيره، ألا يرى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلا بالتواري عن جميع الاشياء، والاحتجاب عن كل ما تراه العيون، كذلك أراد الله تعالى أمر الباطن فمن كان قلبه متعلقا في صلاته بشئ دون الله، فهو قريب من ذلك الشئ، بعيد من حقيقة ما أراد الله منه في صلاته، قال الله عزوجل: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (2) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عزوجل: لا أطلع على قلب عبد فأعلم منه حب الاخلاص لطاعتي لوجهي، وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته ومن اشتغل في صلاته بغيري فهو من المستهزئين بنفسه، ومكتوب اسمه في ديوان الخاسرين (3). 17 - فلاح السائل: تقول في السجود ما رواه الكليني - ره - عن الحلبي، عن


(1) المحاسن: 18. (2) الاحزاب: 4. (3) مصباح الشريعة 12 و 13. [*]

[137]

أبي عبد الله عليه السلام وفيه زيادة برواية اخرى: (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت وأنت ربي، سجد لك سمعي وبصري وشعري وعصبي و عظامي، سجد وجهي البالي الفاني للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالفين) (1). وروى الكليني عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام إذا قام إلى الصلاة تغير لونه، فإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا ثم يرفع رأسه من السجدة الاولى ويقول: اللهم اعف عني واغفر لي وارحمني واجبرني واهدني إني لما أنزلت إلى من خير فقير (2). بيان: ما ذكره من دعاء السجود موافق لما في مصباح الشيخ، وفيه (وجهي الفاني البالي) وكذا ذكره الشهيد في النفلية، وفي الكافي (3) والتهذيب (4) وأنت ربي سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره والحمد لله رب العالمين تبارك الله أحسن الخالقين) روياه في الحسن عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: فإذا رفعت رأسك فقل بين السجدتين (اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني، وادفع عني إني لما أنزلت إلى من خير فقير، تبارك الله رب العالمين. وفي الذكرى ذكر دعاء السجود كما في الكافي، ثم قال: وإن قال: خلقه وصوره كان حسنا، ثم قال في الدعاء بين السجدتين: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان يقول بينهما (اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وعافني إني لما أنزلت إلى من خير فقير تبارك الله رب العالمين) وأسقط ابن جنيد تبارك الله إلى آخرها، وزاد سمعت و أطعت غفرانك ربنا وإليك المصير. 18 - جامع البزنطى: نقلا من خط بعض الافاضل، عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام قال: إذا سجدت فلا تبسط ذراعيك كما يبسط السبع ذراعيه، ولكن


(1 - 2) فلاح السائل: 133. (3) الكافي ج 321 3. (4) التهذيب ج 1 ص 156. [*]

[138]

اجنح بهما، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يجنح بهما حتى يرى بياض إبطيه. 19 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يسجد فيضع يده على نعله هل يصلح ذلك ؟ قال: لا بأس (1). 20 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال قال علي عليه السلام في قوله تعالى: (وأن المساجد لله) ما سجدت به من جوارحك لله تعالى (فلا تدعو مع الله أحدا) (2). 21 - مجمع البيان: روي أن المعتصم سأل أبا جعفر محمد بن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن قوله تعالى: (وأن المساجد لله) فقال: هي الاعضاء السبعة التي يسجد عليها (3). 22 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: إذا تصوبت للسجود فقدم يديك إلى الارض قبل ركبتيك بشئ (4). وعنه عليه السلام قال: إذا سجدت فلتكن كفاك على الارض مبسوطتين، وأطراف أصابعك حذاء اذنيك، نحو ما تكون إذا رفعتهما بالتكبير، واجنح بمرفقيك، و لا تفترش ذراعيك، وأمكن جبهتك وأنفك من الارض، واخرج يديك من كميك وباشر بهما الارض أو ما تصلي عليه، ولا تسجد على كور العمامة، حسر عن جبهتك ! وأقل ما يجزي أن يصيب الارض عن جبهتك قدر درهم (5). وعنه عليه السلام أنه قال: وقل في السجود: (سبحان ربي الاعلى) ثلاث مرات (6). ومما روينا عنهم عليهم السلام فيمن صلى لنفسه أن يقول في سجوده: (اللهم لك


(1) المسائل - البحار ج 10 ص 253. (2) نوادر الراوندي: 30، والاية في سورة الجن: 18. (3) مجمع البيان ج 10 ص 372. (4 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 163. (6) دعائم الاسلام ج 1 ص 164. [*]

[139]

سجدت وبك آمنت وعليك توكلت وأنت ربي وإلهي سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره لله رب العالمين، سبحان ربي الاعلى وبحمده) ثلاث مرات ويقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني (1). بيان: إخراج اليد عن الكم وإيصالها الارض على الاستحباب، كما ذكر الاصحاب، وعدم السجود على كور العمامة لكونها من الثياب، ومنع الشيخ من السجود على ما هو حامل له ككور العمامة وطرف الرداء، قال في الذكرى: فان قصد لكونه من جنس ما لا يسجد عليه فمرحبا بالوفاق، وإن جعل المانع نفس الحمل كما هو مذهب بعض العامة طولب بدليل المنع. 23 - الهداية: السجود على سبعة أعظم: على الجبهة، والكفين، والركبتين والابهامين، والارغام بالانف سنة من تركها لم تكن له صلاة (2). 24 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى السجود، فقال: معناه منها خلقتني يعني من التراب ورفع رأسك من السجود معناه منها أخرجتني، والسجدة الثانية، وإليها تعيدني، ورفع رأسك من السجدة الثانية ومنها تخرجني تارة اخرى، ومعنى قوله سبحان ربي الاعلى، فسبحان أنفة لله، و ربي خالقي، والاعلى أي علا وارتفع في سماواته، حتى صار العباد كلهم دونه و قهرهم بعزته، ومن عنده التدبير وإليه تعرج المعارج. وقالوا أيضا في علة السجود مرتين: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري به إلى السماء ورأى عظمة ربه سجد، فلما رفع رأسه رأى من عظمته ما رأى فسجد أيضا فصار سجدتين. 25 - مجالس الصدوق: عن محمد بن علي بن الفضل، عن محمد بن عمار القطان عن الحسين بن علي الزعفراني، عن إسماعيل بن إبراهيم العبدي، عن سهل، عن ابن محبوب، عن الثمالي قال: دخلت مسجد الكوفة فإذا أنا برجل عند الاسطوانة السابعة


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 164. (2) الهداية: 32. [*]

[140]

قائما يصلي ويحسن ركوعه وسجوده، فجئت لانظر إليه فسبقني إلى السجود فسمعته يقول في سجوده: (اللهم إن كنت قد عصيتك فقد أطعتك في أحب الاشياء إليك وهو الايمان بك، منا منك به على لامن به مني عليك، ولم أعصك في أبغض الاشياء إليك: لم أدع لك ولدا، ولم أتخذ لك شريكا منا منك على لامن مني عليك، و عصيتك في أشياء على غير مكاشرة مني ولا مكابرة، ولا استكبار عن عبادتك، ولا جحود لربوبيتك، ولكن ابتعت هواي وأضلني الشيطان بعد الحجة والبيان فان تعذبني فبذنبي غير ظالم لي، وإن ترحمني فبجودك ورحمتك يا أرحم الراحمين). ثم انفتل وخرج من باب كندة فتبعته حتى أتى مناخ الكلبيين فمر بأسود فأمره بشئ لم أفهمه، فقلت: من هذا ؟ فقال: هذا علي بن الحسين عليه السلام فقلت: جعلني الله فداك ما أقدمك هذا الموضع ؟ فقال: الذي رأيت (1). 26 - المقنعة: ثم يرفع رأسه من السجدة الاولى ويقول وهو جالس (اللهم اغفر لي وارحمني وادفع عني واجبرني إني لما أنزلت إلى من خير فقير) (2). 27 - كتاب زيد النرسى: عن سماعة بن مهران قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام إذا سجد بسط يديه على الارض بحذاء وجهه وفرج بين أصابع يديه، ويقول: إنهما يسجدان كما يسجد الوجه. بيان: تفريج الاصابع خلاف المشهور وساير الاخبار من استحباب ضم الاصابع بل ادعى عليه في المنتهى الاجماع، وقال ابن الجنيد: يفرق الابهام عنها، فيمكن حمل الخبر على بيان الجواز أو العذر أو على خصوص الابهام على مختار ابن الجنيد، و إن كان بعيدا.


(1) أمالى الصدوق: 188. (2) المقنعة: 16. [*]

[141]

دقيقة اعلم أن المشهور بين الاصحاب أن السجدتين معا ركن، وأما إحداهما فليست ركنا، وههنا خلاف في موضعين: أحدهما أن الاخلال بالسجدتين معا مبطل في الاخيرتين كالاوليين أم لا، واختار الشيخ الثاني خلافا للمشهور كما سيأتي الثاني أن الاخلال بالسجدة الواحدة سهوا هل هو مبطل أم لا ؟ وعلى الاخير معظم الاصحاب وقال في الذكرى: بل هو اجماع، وكلام ابن أبي عقيل يومئ إلى الاول لصدق الاخلال بالركن، إذ الماهية المركبة تفوت بفوات جزء منها. ويرد على المشهور أن الركن إن كان مسمى السجود يلزم بطلان الصلاة بالسجدتين والثلاث عمدا وسهوا، وإن كان السجدتين يلزم بطلان الصلاة بترك واحدة منهما سهوا، واجيب عنه بوجوه مدخولة أوردوها في كتبهم، ولا فائدة في إيرادها. وربما يتوهم اندفاع الشبهة بما يومي إليه خبر المعراج بأن الاولى كأنت بأمره تعالى والثانية أتى بها الرسول صلى الله عليه وآله من قبل نفسه، فتكون الاولى فريضة وركنا والثانية سنة بالمعنى المقابل للفريضة، وغير ركن (1).


(1) قد عرفت في صدر الباب أن آية النساء: 101، قد فرضت لكل ركعة سجدة فتكون ركنا تبطل الصلاة بالاخلال به عمدا وسهوا وجهلا، وزاد رسول الله صلى الله عليه وآله سجدة أخرى معها فتكون سنة تبطل الصلاة بالاخلال بها عمدا فقط، لا سهوا ولا نسيانا ولا جهلا. وهذا هو الفرق بين الفرض الذي هو ركن وبين السنة التى هي واجب غير ركني. وأما أن الاخلال بالفرض أو السنة كيف يكون ؟ فهو أمر يتعلق بنفس العمل وماهيته لا بعنوان آخر، فترك الركن اخلال به مطلقا، كترك الطهارة والوقت والقبلة (باستدبارها) وترك الركوع والسجود، وأما زيادة الركن فقد يتحقق ويتحصل لذاته كزيادة الركوع وقد لا يتحصل لذاته كزيادة القبلة والوقت والطهور وكلها ركن، وقد لا يتحصل لعارض كالسجدة، حيث ضم إليها سجدة أخرى سنة، فكلما زيد على الاولى سجدة كانت سجدة ثانية بعنوان السنة. فالزائد في السجدة لا يمكنه ان يزيد في الفرض الذى هو ركن، وانما يزيد في = = [*]

[142]

ويرد عليه بعد تسليم دلالة خبر المعراج عليه أنه لا ينفع في دفع الفساد، بل يزيده إذ لا يعقل حينئذ زيادة الركن أصلا، لان السجدة الاولى لا تتكرر إلا بأن يفرض أنه سها عن الاولى وسجد اخرى بقصد الاولى، فيلزم زيادة الركن بسجدتين أيضا مع أنه يلزم أنه إذا سجد ألف سجدات بغير هذا الوجه لم يكن زاد ركنا على أنه لو اعتبرت النية في ذلك يلزم بطلان صلاة من ظن أنه سجد الاولى ثم سجد بنية الاخيرة فظهر له بعد الصلاة ترك الاولى، ولم يقل به أحد. وقيل في دفعه وجه آخر أيضا وهو أن الركن هو أحد الامرين من إحداهما وكلتيهما، ويرد عليه أنه إذا سجد ثلاث سجدات سهوا يلزم بطلان صلاته حينئذ. وقال بعض الافاضل ممن قرب عصرنا يدفع الاشكال بأن يقال: الركن المفهوم المردد بين السجدة الواحدة بشرط لا، والسجدتين بشرط لا، وثلث سجدات بشرط لا، إذ ترك الركن حينئذ إنما يكون بعدم تحقق السجدة مطلقا وإذا سجد أربع سجدات أو أكثر لم يتحقق الركن أيضا، ويرد عليه أنه لا خلاف في أن بطلان الصلاة فيما إذا أتى بأربع أو أكثر إنما هو لزيادة الركن لا لتركه ويلزم على هذا الوجه أن يكون البطلان لترك الركن وعدم تحققه لا لزيادته. ويخطر بالبال وجه آخر لدفع الاشكال على سياق هذا الوجه لكنه أخصر وأفيد وهو أن يكون الركن المفهوم المردد بين سجدة واحدة بشرط لا وسجدتين لا بشرط شئ، فإذا أتى بواحدة سهوا فقد أتى بفرد من الركن وكذا إذا أتى بهما، ولا ينتفي الركن إلا بانتفاء الفردين، بأن لا يسجد أصلا، وإذا سجد ثلاث سجدات لم يأت إلا بفرد واحد وهو الاثنان لا بشرط شئ، وأما الواحدة الزائدة فليست فردا له لكونها مع اخرى، وما هو فرد له على هذا الوجه هو بشرط أن لا يكون معها شئ، وإذا أتى


= = السنة التى كان عنوانها سجدة اخرى، أو سجدة ثانية، فالذي أتى بها ان كان أتى بها عمدا بطلت صلاته لاجل السنة لا لاجل الفرض، وان أتى بها سهوا لا زال يأتي بها بعنوان السنة. وأما الذى سها عن الاولى وزعم أنه لم يأت بها فأتى بها ثانية بعنوان الفرض، لم يزد في الفرض الا بزعمه، فان الفرض هو الاولى حقيقة وواقعا لا زعما. [*]

[143]

بأربع فما زاد أتى بفردين من الاثنتين. وهذا وجه متين لم أر أحدا سبقني إليه، ومع ذلك لا يخلو من تكلف. والاظهر في الجواب أن يقال: غرض المعترض إما إيراد الاشكال على الاحاديث الواردة في هذا الباب، أو على كلام الاصحاب، والاول لا وجه له لخلو الروايات عن ذكر الركن ومعناه وعن هذه القواعد الكلية، بل إنما ورد حكم كل من الاركان بخصوصه (1) وورد حكم السجود هكذا، فلا إشكال يرد عليها، وأما الثاني فغير وارد عليه أيضا، لتصريحهم بحكم السجود فهو مخصص للقاعدة الكلية كما خصصت تلك القاعدة بغيره مما ذكر في كلامهم، وفصل في زبرهم، وأمثال تلك المناقشات بعد ظهور المرام لا طائل تحتها، كما لا يخفى على ذوي النهى.


(1) لم يرد في الباب الا قوله عليه السلام: (لا تعاد الصلاة الا من خمس: الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود)، والحديث باطلاقه لا يشمل الا موارد تركها سهوا وجهلا وعمدا ونسيانا، وأما موارد الاخلال بها بالزيادة فظاهر الخبر منصرف عنه. [*]

[144]

(28) " (باب) " * " (ما يصح السجود عليه (1) وفضل السجود) " * * ((على طين القبر المقدس)) * 1 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: باسنادهما، عن علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يجزيه أن يضع الحصير أو البوريا على


(1) ومن الايات التى تتعلق بالباب قوله عزوجل: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء) البقرة: 21 و 22، حيث انه عزوجل أمر بعبادته، وهى الصلاة التى تتخلص بالركوع والسجود على ما دل عليه قوله عزوجل (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) الحج: 77، ثم وصف الرب بأنه الذى جعل الارض فراشا والسماء بناء، ارشادا إلى أن منة الرب عزوجل بهاتين النعمتين مما يقتضى عبادته بالسجود له عزوجل. فعلى هذا يجب على المصلى العابد لله أن يعبده ويصلى ويسجد له على الارض (و معناه بالفارسية خاك كما عرفت في ج 81 ص 165) ويأتى بالعبادة تحت السماء الذى هو بناء الله عزوجل قال: (والسماء بنيناها بأيد) الذاريات: 47، لا يرغب عن هاتين النعمتين عند عبادته بأن يسجد على فراش غير فراشه ويدخل تحت سقف مظلل غير سمائه. وأما النباتات التى تنبت من الارض وموادها وأملاحها بوسيلة الماء فما دامت رطبة تغلب عليها المائية حكمها حكم الماء لا يسجد عليها، وإذا يبست وغلبت عليها الارضية، فالسجود عليها جائزة الا إذا كانت ملبوسا أو مأكولا فيترك السجدة عليها، لئلا يتوهم المتوهم من المنافقين أو ينقم المستهزئ من المشركين أن المسلمين انما يعبدون زخرف الدنيا وزينتها. هذا هو الفرض من ذلك، وأما السنة، فلما كانت الارض مختلطة بالرمل والحصا = [*]

[145]

الفراش وغيره من المتاع ثم يصلي عليه ؟ قال: إن كان يضطر إلى ذلك فلا بأس (1). وسألته عن الرجل هل يجزيه أن يقوم إلى الصلاة على فراشه فيضع على الفراش مروحة أو عودا ثم يسجد عليه ؟ قال: إن كان مريضا فليضع مروحة وأما العود فلا يصلح (2). وسألته عن الرجل هل يصلح أن يقوم في الصلاة على القت والتبن والشعير وأشباهه، ويضع مروحة ويسجد عليها ؟ قال: لا يصلح له إلا أن يكون مضطرا (3). وسألته عن الرجل يوذيه حر الارض في الصلاة، ولا يقدر على السجود، هل يصلح له أن يضع ثوبه إذا كان قطنا أو كتانا ؟ قال: إذا كان مضطرا فليفعل (4). وسألته عن الطين يطرح فيه التبن حتى يطين به المسجد أو البيت أيصلى فيه ؟ قال: لا بأس (5). وسألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أيصلح الصلاة عليها إذا يبست ؟ قال


= = غالبا - خصوصا سفاح الجبال وأطرافها حيث تغلب عليها الرمل والحصا والسبخة كما في المدينة ومكة وأمثالهما، عمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خمرة معمولة من سعف النخل وسجد عليها فصارت سنة متبعة. وانما فعل صلى الله عليه وآله ذلك تخفيفا لامته من أن يوجب عليهم حمل جراب من التراب الخالص ليسجدوا عليها حين الصلاة، نعم كان بوسعه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر المسلمين بأن يعملوا لوحا سعته مقدار درهم من الطين الحر يأخذوه معهم لسجدة الصلاة، ولكن لم يأمرهم بذلك والناس حديثو عهد بالاسلام، لئلا يتوهم متوهم من المنافقين أو يستهزء به مستهزء من المشركين أنه رفض آلهة آبائه واتخذ الها لنفسه يعبده ويضع جبهته عليه كما أن الشيعة منذ عملت هذا اللوح واتخذته مسجدا لجبهتهم حين السجود، أخذا بالافضل الاسهل، وهو السجود على الارض الخالصة، نقمت عليهم المخالفون بأنها أصنام لهم، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. (1 - 4) قرب الاسناد ص 112 ط نجف ص 86 ط حجر. (5) قرب الاسناد: 127 ط نجف: 97 ط حجر. [*]

[146]

عليه السلام: لا بأس (1). قال: وسألته عن القعدة والقيام على جلود السباع وركوبها وبيعها أيصلح ذلك ؟ قال: لا بأس ما لم يسجد عليها (2). وسألته عن الرجل يسجد فتحول عمامته وقلنسوته بين جبهته وبين الارض قال: لا يصلح حتى يضع جبهته على الارض (3). وسألته عن فراش حرير ومصلى حرير ومثله من الديباج هل يصلح للرجل النوم عليه والتكاءة والصلاة عليه ؟ قال: يفرشه ويقوم عليه ولا يسجد عليه (4). توضيح: تقييد الجواز في جواب السؤال الاول والثاني والثالث بالاضطرار والمرض، لعدم الاستقرار التام، وأما العود فالظاهر أنه لا خلاف في جواز السجود عليه، وفي صحيحة زرارة (5) فاسجد على المروحة وعلى السواك وعلى عود، والنهي لعله محمول على الكراهة كما هو الظاهر، لعدم إيصال قدر الدرهم، أو على الحرمة بناء على لزم هذا المقدار، أو على عود لم يتحقق معه استقرار الجبهة. ثم اعلم أنه أجمع الاصحاب على أنه لا يجوز السجود على ما ليس من الارض ولا نباتها، ودلت عليه الاخبار المستفيضة ونقلوا الاجماع أيضا على عدم جواز السجود على ما يؤكل أو يلبس عادة إلا القطن والكتان، فانه نقل عن المرتضى في بعض رسالته تجويز الصلاة عليهما على كراهية، واستحسنه في المعتبر والمشهور عدم الجواز وهو أقوى وأحوط والاخبار الدالة على الجواز محمولة على التقية أو الضرورة، ويمكن حمل بعضها على ما قبل النسج والغزل، وقد جوز العلامة في النهاية السجود عليهما قبلهما، والاحوط ترك ذلك أيضا كما هو المشهور.


(1) قرب الاسناد ص 127 ط نجف 97 ط حجر. (2) قرب الاسناد: 150 ط نجف. (3) قرب الاسناد: 121 ط نجف ص 92 ط حجر. (4) قرب الاسناد: 112 ط نجف ص 86 ط حجر. (5) التهذيب ج 1 ص 224. [*]

[147]

وأما البواري المبلولة بالماء القذر فالمراد بالقذر إما غير النجس، أو محمول على ما إذا جففتها الشمس، وظاهره عدم اشتراط طهارة موضع الجبهة، وقد مر الكلام فيه. 2 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن عباس، عن عمر بن عبد العزيز، عن هشام بن الحكم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عما يجوز السجود عليه وعما لا يجوز ؟ قال: السجود لا يجوز إلا على الارض أو ما أنبتت الارض إلا ما اكل أو لبس، فقلت له: جعلت فداك ما العلة في ذلك ؟ قال: لان السجود هو الخضوع لله عزوجل، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس، لان أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة الله عزوجل، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغتروا بغرورها، والسجود على الارض أفضل، لانه أبلغ في التواضع والخضوع لله عزوجل (1). ومنه: عن أبيه، عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن السياري أن بعض أهل المداين كتب إلى أبي الحسن الماضي عليه السلام يسأله عن الصلاة على الزجاج قال: فلما نفذ كتابي إليه فكرت فقلت هو مما أنبتت الارض، وما كان لي أن أسأل عنه قال: فكتب: لا تصل على الزجاج، فان حدثتك نفسك أنه مما أنبتت الارض فانه مما أنبتت الارض ولكنه من الرمل والملح وهما ممسوخان. قال الصدوق - رحمه الله - ليس كل رمل ممسوخا، ولا كل ملح، ولكن الرمل والملح الذي يتخذ منه الزجاج ممسوخان (2). 3 - كشف الغمة: نقلا من دلايل الحميري، عن محمد بن الحسين بن مصعب المدايني أنه كتب إليه عليه السلام وذكر مثله وفي آخره: فانه من الرمل والملح، و


(1) علل الشرايع ج 2 ص 30. (2) علل الشرايع ج 2 ص 31. [*]

[148]

الملح سبخ (1). ايضاح: لعل السائل زعم أن المراد بما أنبتت الارض كل ما حصل منها، قوله عليه السلام: (ممسوخان) أي مستحيلان خارجان عن اسم الارض، ويدل على عدم جواز السجود على الرمل ولم أر به قائلا، ويمكن أن يقال الرمل مؤيد للمنع، ومناط التحريم الملح أو المعنى أنهما استحيلا حتى صارا زجاجا، فلو كان أصله من الارض أيضا لم يصح السجود عليه، ولعل هذا مراد الصدوق - رحمه الله - وإن كان بعيدا من عبارته، وإلا فلا يعرف له معنى محصلا، وعلى ما في رواية الحميري يرتفع الاشكال رأسا. 4 - العلل: بالاسناد المقدم، عن الاشعري، عن علي بن الحسن، عن أحمد ابن إسحاق القمي، عن ياسر الخادم قال مر بي أبو الحسن عليه السلام وأنا اصلي على الطبري، وقد ألقيت عليه شيئا، فقال لي: مالك لا تسجد عليه ؟ أليس هو من نبات الارض ؟ قال محمد بن أحمد: وسألت أحمد بن إسحاق عن ذلك فقال: قد رويته (2). بيان: حمله أكثر الاصحاب على التقية حملا له على الثوب الطبري ولا يبعد أن يراد به الحصير الطبري فلا يحتاج إلى ذلك. 5 - العلل: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن محمد بن يحيى الصيرفي، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: السجود على ما أنبتت الارض إلا ما اكل أو لبس (3). 6 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن القاسم بن يحيى عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لا يسجد الرجل على كدس حنطة ولا شعير، ولا على لون مما يؤكل ولا


(1) كشف الغمة ج 3 ص 245 في دلائل الامام أبى الحسن الهادى عليه السلام. (2 - 3) علل الشرايع ج 2 ص 30. [*]

[149]

يسجد على الخبز (1). بيان: الكدس بالضم الحب المحصود المجموع ذكره الفيروز آبادي والظاهر أن النهي لعدم جواز السجود عليه، ويحتمل كونه للقيام والقعود فوقه لمنافاته لاحترام الطعام. 7 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن الهيثم وجماعة من مشايخه، عن أحمد ابن يحيى، عن بكر بن عبد الله، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش عن الصادق عليه السلام قال: لا يسجد إلا على الارض أو ما أنبتت الارض، إلا المأكول والقطن والكتان (2). 8 - الاحتجاج: قال: كتب الحميري إلى القائم عليه السلام يسأله عن السجدة على لوح من طين القبر، وهل فيه فضل ؟ فأجاب عليه السلام يجوز ذلك وفيه الفضل (3). بيان: يدل على أن عمل الطين لوحا لا يخرجه عن الفضل كما توهم. 9 - تحف العقول: قال الصادق عليه السلام وكل شئ يكون غذاء الانسان في مطعمه أو مشربه أو ملبسه فلا تجوز الصلاة عليه، ولا السجود، إلا ما كان من نبات الارض من غير ثمر قبل أن يصير مغزولا، فإذا صار غزلا فلا تجوز الصلاة عليه، إلا في حال الضرورة (4). بيان: يدل على ما ذهب إليه العلامة في النهاية من جواز السجود على القطن والكتان قبل الغزل وقد مر. 10 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إذا سجدت فليكن سجودك على الارض أو على شئ ينبت من الارض مما يلبس ولا تسجد على الحصر المدنية لان سيورها من جلود، ولا تسجد على شعر ولا على وبر ولا على صوف ولا على جلود ولا على أبريسم


(1) الخصال ج 2 ص 165. (2) الخصال ج 2 ص 151. (3) الاحتجاج: 274. (4) تحف العقول ص 355 ط الاسلامية. [*]

[150]

ولا على زجاج ولا على ما يلبس به الانسان، ولا على حديد ولا على الصفر ولا على الشبه (1) ولا على النحاس ولا على الرصاص ولا على آجر يعني المطبوخ، ولا على الريش ولا على شئ من الجواهر وغيره من الفنك والسمور والحواصل والثعالب، ولا على بساط فيها الصور والتماثيل، وإن كانت الارض حارة تخاف على جبهتك أن تحرق أو كانت ليلة مظلمة خفت عقربا أو حية أو شوكة أو شيئا يؤذيك فلا بأس أن تسجد على كمك إذا كان من قطن أو كتان. فان كان في جبهتك علة لا تقدر على السجود أو دمل فاحفر حفيرة، فإذا سجدت جعلت الدمل فيها، وإن كان على جبهتك علة لا تقدر على السجود من أجلها، فاسجد على قرنك الايمن، فان تعذر عليه فعلى قرنك الايسر، فان لم تقدر عليه فاسجد على ظهر كفك فان لم تقدر عليه فاسجد على ذقنك، يقول الله تبارك وتعالى (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا - إلى قوله - ويزيدهم خشوعا) (2). ولا بأس بالقيام ووضع الكفين والركبتين والابهامين على غير الارض، و ترغم بأنفك ومنخريك في موضع الجبهة من قصاص الشعر إلى الحاجبين مقدار درهم، ويكون سجودك إذا سجدت تتخوى كما يتخوى البعير الضامر عند بروكه، تكون شبه المعلق، ولا يكون شئ من جسدك على شئ منه (3). بيان: قوله عليه السلام: لان سيورها، كذا ذكره في الفقيه نقلا من رسالة والده، إليه، والاظهر أن يقال: لان لحمتها أو سداها من جلد إذ السيور لا يكون إلا من جلد، وهو مأخوذ من خبر علي بن الريان (4) قال: كتب بعض أصحابنا إليه يعني


(1) الشبه: حجر يشبه الكهرباء في لينه وخفته في لون السواد مع لمعان، يتخذ للزينة، وقد يجعل فصا للخاتم. (2) أسرى: 108 - 109. (3) فقه الرضا ص 9. (4) التهذيب ج 1 ص 223، الكافي ج 3 ص 331. [*]

[151]

أبا جعفر عليه السلام عن الصلاة عن الخمرة المدنية فقال: صل فيها ما كان معمولا بخيوطة ولا تصل على ما كان معمولا بسيورة، قال: فتوقف أصحابنا فأنشدتهم بيت شعر لتأبط شرا الفهمي (1). كأنها خيوطة ماري تغار وتفتل وماري رجل حبال يفتل الخيوط أقول: كأن توقفهم لجمعه عليه السلام بين الجمعية والتاء، ولعلهما كانتا في خطه عليه السلام منقوطتين فاستشهد الراوي لجوازه بالبيت، وقوله: (كأنها) تمام المصراع السابق، وهو هكذا. وأطوى على الخمص الحوايا كأنها * خيوطة ماري تغار وتفتل يقال: أغار أي شد القتل. ثم اعلم أن الفرق بين ما كان بخيوط أو بسيور أن ما كان بخيوط لا تظهر الخيوط في وجهه كما هو المشاهد بخلاف السيور، فانها تظهر إما بأن تغطيه جميعا فالنهي للحرمة أو بعضه بحيث لا يصل من الجبهة بقدر الدرهم إلى الحصير، فبناء على اشتراطه على الحرمة أيضا وإلا فعلى الكراهة، قال في الذكرى: لو عملت الخيوط من جنس ما يجوز السجود عليه فلا إشكال في جواز السجود عليها، ولو عملت بسيور فان كانت مغطاة بحيث تقع الجبهة على الخوص صح السجود أيضا، ولو وقعت على السيور لم يجز، وعليه دلت رواية ابن الريان، وأطلق في المبسوط جواز السجود على المعمولة بالخيوط انتهى. وأما الاجر (2) فظاهر الاكثر جواز السجود عليه ولم ينقلوا فيه خلافا مع


(1) هو ثابت بن جابر أحد رآبيل العرب من مضر بن نزار، لانه تأبط جفير سهام وأخذ قوسا أو تأبط سكينا فأتى ناديهم فوجأ بعضهم، والفهمي نسبة إلى فهم بن عمرو، بطن من قيس بن عيلان وهم بنوفهم بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وفى الكافي والتهذيب نسبه إلى العدوان، وهو عدوان بن عمرو بن قيس ابن عيلان. (2) لا يجوز السجود عليه، لانه خرج عن كونه أرضا تنبت فهو كالرمل والرماد والنورة والجص المطبوخ. [*]

[152]

أن الشيخ جعل من الاستحالة المطهرة صيرورة التراب خزفا ولذا تردد فيه بعض المتأخرين وهذا الخبر يدل على المنع وهو أحوط وحكم الشهيد بالكراهة، ولعله للخروج عن هذا الاشكال، أو الخلاف إن كان فيه. قوله عليه السلام (فان لم تقدر فاسجد على ظهر كفك) كذا عبارة رسالة والد الصدوق وأكثر ما هنا مطابق لها، ويرد عليه أن هذا ليس على سياق ما تقدم، وليس في الاخبار هذا بين تلك المراتب، بل ذكر في خبر آخر أنه إن لم يقدر على السجود على الارض لشدة الحر سجد على ظهر كفه كما مر، ولعل المراد هنا أنه إن لم يقدر على السجود على الارض لخشونتها سجد على ظهر الكف لكونه ألين، والمراد بالقرن هنا الجبين مجازا. قوله عليه السلام: (كما يتخوى) الظاهر أن التشبيه في عدم إلصاق البطن بالارض وعدم إلصاق الاعضاء بعضها ببعض، وإلقاء الخوى بينها، ويحتمل أن يكون التشبيه في أصل البروك أيضا فان البعير يسبق بيديه قبل رجليه عند بروكه، قال في النهاية: فيه أنه كان إذا سجد خوى أي جافى بطنه عن الارض ورفعها، وجافى عضديه عن جنبيه حتى يخوي ما بين ذلك، ففي القاموس خوى في سجوده تخوية تجافى وفرج ما بين عضديه وجنبيه، والخواء بالمد الهواء بين الشيئين. 11 - المحاسن: عن علي بن أسباط، عن علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن ركوب جلود السباع قال: لا بأس ما لم يسجد عليها (1). 12 - فقه الرضا: قال عليه السلام: كل شئ يكون غذاء الانسان في المطعم والمشرب من الثمر والكثر فلا تجوز الصلاة عليه، ولا على ثياب القطن والكتان والصوف والشعر والوبر، ولا على الجلد إلا على شئ لا يصلح للبس فقط، وهو مما يخرج من الارض إلا أن تكون في حال الضرورة (2).


(1) المحاسن ص 629. (2) فقه الرضا ص 41. [*]

[153]

بيان: الكثر بالفتح وبالتحريك شحم النخلة الذي في وسطها. 13 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون على المصلى أو على الحصير فيسجد فيقع كفه على المصلى أو أطراف أصابعه وبعض كفه خارج عن المصلى على الارض قال: لا بأس (1). 14 - مصباح الشيخ: روى معاوية بن عمار قال: كان لابي عبد الله عليه السلام خريطة ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام فكان إذا حضرت الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه، ثم قال عليه السلام: السجود على تربة الحسين عليه السلام يخرق الحجب السبع (2). دعوات الراوندي: عنه عليه السلام مثله. بيان: خرق الحجب كناية عن قبول الصلاة ورفعها إلى السماء. 15 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: لا يسجد على شئ من الحبوب ولا على الثمار، ولا على مثل البطيخ والقثاء والخيار، مما لا ساق له، ولا على الجلود ولا على الشعر ولا على الصوف ولا على الوبر ولا على الريش ولا على الثياب إلا من ضرورة من شدة الحر والبرد، ولا على الطين والثلج، ولا على شئ مما يؤكل ولا على الصهروج، ولا على الرماد ولا على الزجاج. ثم قال: والعلة في الصهروج أن فيه دقيقا ونورة، ولا تحل عليه الصلاة ولا على الثلج لانه رجز وسخطة، ولا على الماء والطين لانه لا يتمكن من السجود ويتأذى به، والعلة في السجود على الارض من بين المساجد أن السجود على الجبهة لا يجوز إلا لله تعالى، ويجوز أن تقف بين يدي مخلوق على رجليك وركبتيك ويديك ولا يجوز السجود على الجبهة إلا لله تعالى فلهذه العلة لا يجوز أن يسجد على ما يسجد عليه، ويضع عليه هذه المواضع. بيان: قال في القاموس: الصاروج النورة واختلاطها، وقال الصهريج: كقنديل حوض يجتمع فيه الماء، والمصهرج المعمول بالصاروج.


(6) قرب الاسناد ص 93 ط حجر ص 122 ط نجف. (2) المصباح ص 511. [*]

[154]

واعلم أن المشهور بين الاصحاب عدم جواز السجود على الصاروج والرماد والنورة أي بعد الطبخ، وكذا الجص، قال في التذكرة: لو لم يخرج بالاستحالة عن اسم الارض جاز كالسبخة والرمل وأرض الجص والنورة على كراهة ثم قال: ويحرم السجود على الزجاج، قال في المبسوط: لما فيه من الاستحالة، وكذا منع من الرماد، ويحرم على القير والصهروج وفي رواية المعلى (1) الجواز وهي محمولة على الضرورة انتهى. 16 - الهداية: قال الصادق عليه السلام: اسجدوا على الارض أو على ما أنبتت الارض إلا ما اكل أو لبس (2). 17 - العلل للصدوق: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن يعقوب بن يزيد رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: السجود على الارض فريضة وعلى غير ذلك سنة (3). تبيين: هذا الخبر يحتمل وجوها الاول ما ذكره الاكثر من أن السجود على الارض ثوابه ثواب الفريضة وعلى ما أنبتته ثوابه ثواب السنة، الثاني أن المستفاد من أمر الله تعالى بالسجود إنما هو وضع الجبهة على الارض إذ هو غاية الخضوع والعبودية، وأما جواز وضعها على غير الارض فانما استفيد من فعل النبي صلى الله عليه وآله وقوله رخصة ورحمة، الثالث أن يكون المراد بالارض أعم منها ومما أنبتته والمراد بغير الارض تعيين شئ خاص للسجود كالخمرة واللوح أو الخريطة من طين الحسين عليه السلام وهو بعيد، وإن كان يؤيده في الجملة ما رواه في الكافي (4) مرسلا أنه قال: السجود على الارض فريضة وعلى الخمرة سنة. 18 - المحاسن: عن علي بن الحكم عمن ذكره قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام في


(1) التهذيب ج 1 ص 169. (2) الهداية لم نجده. (3) علل الشرايع ج 2 ص 30، وقد عرفت وجه الحديث في صدر الباب. (4) الكافي ج 3 ص 331. [*]

[155]

المحمل يسجد على القرطاس وأكثر ذلك يومي إيماء (1). توضيح: اعلم أن الشهيد الثاني - رحمه الله - نقل الاجماع على جواز السجود على القرطاس في الجملة، وإطلاق الاخبار يقتضي عدم الفرق بين المتخذ من القطن والابريسم وغيرهما، واعتبر العلامة في التذكرة كونه مأخوذا من غير الابريسم لانه ليس بأرض ولا نباتها، وهو تقييد للنص بلا دليل، واعتبر الشهيد في البيان كونه مأخوذا من نبات، وفي الدروس عدم كونه من حرير أو قطن أو كتان. وقال في الذكرى: الاكثر اتخاذ القرطاس من القنب فلو اتخذ من الابريسم فالظاهر المنع إلا أن يقال: ما اشتمل عليه من أخلاط النورة مجوز له، وفيه بعد لاستحالتها عن اسم الارض، ولو اتخذ من القطن أو الكتان أمكن بناؤه على جواز السجود عليهما، وقد سلف، وأمكن أن يقال المانع اللبس حملا للقطن والكتان المطلقين على المقيد، فحينئذ يجوز السجود على القرطاس وإن كان منهما لعدم اعتياد لبسه وعليه يخرج جواز السجود على ما لم يصلح للبس من القطن والكتان. وقال - ره - روى داود بن فرقد (2) عن صفوان أنه رأى أبا عبد الله عليه السلام في المحمل يسجد على قرطاس وفي رواية جميل بن دراج (3) عنه عليه السلام أنه كره أن يسجد على قرطاس عليه كتابة لاشتغاله بقراءته، ولا يكره في حق الامي ولا في القاري إذا كان هناك مانع من البصر، كذا قاله الشيخ في المبسوط وابن إدريس وفي النفس من القرطاس شئ من حيث اشتماله على النورة المستحيلة إلا أن يقال الغالب جوهر القرطاس أو يقال جمود النورة يرد إليها اسم الارض، ويختص المكتوب بأن أجرام الحبر مشتملة غالبا على


(1) المحاسن ص 373. (2) رواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد، عن عبد الرحمان بن أبى نجران، عن صفوان الجمال، وأما ما رواه داود بن فرقد فقد رواه باسناده، عن على بن مهزيار قال: سأل داود ابن فرقد أبا الحسن عليه السلام عن القراطيس والكواغذ المكتوبة عليها هل يجوز السجود عليها أم لا ؟ فكتب عليه السلام: يجوز، راجع التهذيب ج 1 ص 224. (3) التهذيب ج 1 ص 223. [*]

[156]

شئ من المعادن إلا أن يكون هناك بياض يصدق عليه الاسم. وربما يخيل أن لون الحبر عرض والسجود في الحقيقة إنما هو على القرطاس وليس بشئ، لان العرض لا يقوم بغير حامله، والمداد أجسام محسوسة مشتملة على اللون، وينسحب البحث في كل مصبوغ من النبات وفيه نظر انتهى. ولا يبعد القول بالجواز لكونها في العرف لونا وإن كانت في الحقيقة أجساما وأكثر الالوان كذلك، والاحوط ترك السجود إذا لم تكن فيه فرج تكفى للسجود، وأما الاشكالات الواردة في القرطاس فيدفعها إطلاقات النصوص وإن أمكن الجواب عن كل منها فلم نتعرض لها لقلة الجدوى. 19 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يجزيه أن يسجد في السفينة على القير ؟ قال: لا بأس (1). بيان: اعلم أن الاخبار مختلفة في جواز السجود على القير وعدمه ويمكن الجمع بينها بوجهين: أحدهما حمل أخبار الجواز على التقية، والثاني حمل أخبار النهي على الكراهة، والاول أحوط بل أقوى للشهرة العظيمة بين الاصحاب بحيث لا يكاد يظهر مخالف في المنع، بل ربما يدعى عليه الاجماع، واتفاق المخالفين على الجواز، ولولاهما لكان الجمع الثاني أوجه. 20 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الارض بكم برة تتيممون منها، وتصلون عليها في الحياة وهي لكم كفات في الممات، وذلك من نعمة الله له الحمد، فأفضل ما يسجد عليه المصلي الارض النقية (2). وروينا عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: ينبغي للمصلي أن يباشر بجبهته الارض ويعفر وجهه في التراب، لانه من التذلل لله (3). وعنه عليه السلام أنه قال: لا بأس بالسجود على ما تنبت الارض غير الطعام كالكلاء


(1) المسائل - البحار ج 10 ص 283. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 178. [*]

[157]

وأشباهها (1). وروينا عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى على حصير (2). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه صلى على الخمرة (3). والخمرة منسوج يعمل من سعف النخل ويوصل بالخيوط، وهو صغير على قدر ما يسجد عليه المصلي أو فويق ذلك قليلا (4)، فإذا اتسع عن ذلك حتى يقف عليه المصلي ويسجد عليه ويكفي جسده كله عند سقوطه للسجود فهو حصير حينئذ وليس بخمرة. وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه نهى عن السجود على الكم وأمر بابراز اليدين وبسطهما على الارض، أو على ما يصلي عليه عند السجود (5). وروى عن أبيه، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى أن يسجد المصلي على ثوبه أو على كمه أو على كور عمامته (6). بيان: الكفات بالكسر الشئ الذي يكفت فيه الشئ أي يضم، ومنه قوله تعالى (ألم نجعل الارض كفاتا) (7) وقال الجوهري: كار العمامة على رأسه يكورها كورا أي لاثها وكل دور كور. 21 - المعتبر: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصلاة على البساط والشعر والطنافس قال: لا تسجد عليه، وإذا قمت عليه وسجدت على الارض فلا بأس وإن بسطت عليه الحصير وسجدت على الحصير فلا بأس (8).


(1 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 178. (4) قال الجوهرى: الخمرة - بالضم - سجادة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط. أقول: انما سميت سجادة بعد ما اتخذها رسول الله صلى الله عليه وآله مسجدا لجبهته الكريمة وأما قبل ذلك فقد كانت خمرة يخمر بها رأس الجام حذرا من أن يقع فيه شئ من الهوام. (5 - 6) دعائم الاسلام ج 1 ص 179. (7) المرسلات: 25. (8) المعتبر ص 158. [*]

[158]

22 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: باسنادهما عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقعد في المسجد ورجلاه خارجة منه أو أسفل من المسجد وهو في صلاته قال: لا بأس (1). بيان: قد مر أن الظاهر أن المراد بالمسجد مصلاه الذي يصلي عليه. 23 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي على الحشيش النابت والثيل وهو يجد أرضا جددا ؟ قال: لا بأس (2). 24 - مجالس ابن الشيخ: عن والده الجليل، عن ابن مخلد، عن أبي عمرو السماك عن يحيى بن أبي طالب، عن أبي بكر الحنفي، عن سفيان، عن ابن الزبير، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاد مريضا فرآه يصلي على وسادة فأخذها فرمى بها وأخذ عودا ليصلي عليه، فأخذه فرمى به، وقال: على الارض إن استطعت، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك (3). بيان: قد سبق الكلام في العود، ويمكن حمله هنا على أنه كان في صدر الاسلام السجود على الارض متعينا ثم نسخ مع أن الخبر عامي ضعيف. 25 - ارشاد القلوب: للديلمي قال: كان الصادق عليه السلام لا يسجد إلا على تربة الحسين عليه السلام تذللا لله واستكانة إليه (4). 26 - المجازات النبوية: عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (تمسحوا بالارض فانها بكم برة). قال السيد: هذه استعارة أي أنها كالام للبرية لان خلقهم ومعاشهم عليها، ورجوعهم إليها، وأنهم يقولون الارض ولود يريدون كثرة إنشاء الخلق واستيلادهم


(1) قرب الاسناد ص 124 ط نجف، وقد مر في ج 83 ص 286. (2) قرب الاسناد ص 87 ط حجر: 114 ط نجف. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 396. (4) ارشاد القلوب ص 141. [*]

[159]

عليها، وكونها برة من صفات الام. والكلام يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد التيمم منها في حال الحدث والجنابة، والوجه الاخر أن يكون المراد مباشرة ترابها بالجباه في حال السجود عليها وتعفير الوجوه فيها، أو يكون هذا القول أمر تأديب لا أمر وجوب، لانه يجوز السجود على غير الارض أيضا إلا أن مباشرتها بالسجود أفضل، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يسجد على الخمرة وهي الحصير الصغير يعمل من سعف النخل (1). أقول: قد مر في باب التيمم وأبواب المكان أخبار كثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا (2).


(1) المجازات النبوية ص 173. (2) راجع ج 83 ص 276 - 284. [*]

[160]

(29) * (باب) * * " (فضل السجود واطالته واكثاره) " * الايات: الفتح: والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود (1). العلق: واسجد واقترب (2). تفسير: (تريهم ركعا سجدا) يدل على فضل الركوع والسجود، قال الطبرسي: (3) هذا إخبار عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها (يبتغون فضلا من الله ورضوانا) أي يلتمسون بذلك زيادة نعمهم من الله ويطلبون مرضاته. أقول: فيه دلالة على أنه لو ضم في نية العبادة مزيد البركات الدنيوية لا يضر بالاخلاص، وأن كثرة الصلاة والركوع والسجود موجبة لذلك ولرضاه سبحانه (سيماهم في وجوههم) قال الطبرسي - ره -: أي علامتهم يوم القيامة أن تكون مواضع سجودهم أشد بياضا عن ابن عباس وعطية، قال شهر بن حوشب: تكون مواضع سجودهم كالقمر ليلة البدر، وقيل: هو التراب على الجباه لانهم يسجدون على التراب لا على الاثواب، وقيل: هو الصفرة والنحول، قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الاية كل من صلى الخمس انتهى. أقول: يحتمل أن يكون المراد به الاثر الذي يظهر في الجبهة من كثرة السجود، ويؤيده ما رواه الشيخ عن السكوني (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي عليه السلام إني لاكره للرجل أن أرى جبهته جلحاء ليس فيها أثر السجود وستأتي


(1) الفتح: 29. (2) العلق: 19، آية السجدة. (3) مجمع البيان ج 9 ص 127. (4) التهذيب ج 1 ص 225. [*]

[161]

الاخبار في ذلك. (واسجد واقترب) قال الطبرسي (1): واسجد لله وأقترب من ثوابه، وقيل: معناه وتقرب إليه بطاعته، وقيل معناه: اسجد يا محمد لله لتقرب منه، فان أقرب ما يكون العبد من الله إذا سجد له، وقيل: واسجد أي وصل لله واقترب من الله، وفي الحديث عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان ساجدا وقيل: المراد به السجود لقراءة هذه السورة والسجود هنا فرض وهو من العزائم. 1 - العلل: عن محمد بن محمد بن عصام، عن الكليني، عن علي بن محمد، عن محمد ابن إسماعيل، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: كان لابي عليه السلام في موضع سجوده آثاره ناتئة وكان يقطعها في السنة مرتين، في كل مرة خمس ثفنات، فسمي ذا الثفنات لذلك (2). بيان: قال الجوهرى الثفنة واحدة ثفنات البعير، وهي ما يقع من أعضائه على الارض إذا استناخ وغلظ كالركبتين وغيرهما. 2 - العلل والخصال: عن أبيه، عن سعد، عن اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام أطيلوا السجود، فما من عمل أشد على إبليس من أن يرى ابن آدم ساجدا، لانه امر بالسجود فعصى، وهذا امر بالسجود فأطاع ونجا (3). 3 - العيون: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن ابن علي الوشا، عن الرضا عليه السلام قال: إذا نام العبد وهو ساجد، قال الله تبارك و تعالى: عبدي قبضت روحه وهو في طاعتي (4).


(1) مجمع البيان ج 10 ص 516. (2) علل الشرايع ج 1 ص 222. (3) علل الشرايع ج 2 ص 29، الخصال ج 2 ص 158. (3) عيون الاخبار ج 1 ص 281. [*]

[162]

ومنه: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الوشا، عن الرضا عليه السلام قال: أقرب ما يكون العبد من الله عزوجل وهو ساجد، وذلك في قوله تبارك وتعالى: (واسجد واقترب) (1). ومنه: بهذا الاسناد، عن الرضا عليه السلام قال: إذا نام العبد وهو ساجد، قال الله عزوجل للملائكة: انظروا إلى عبدي قبضت روحه وهو في طاعتي (2). ومنه: عن أبيه، عن سعد ومحمد بن يحيى العطار معا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الله الحجال، عن سليمان الجعفري قال: قال الرضا عليه السلام: جاءت ريح وأنا ساجد، وجعل كل إنسان يطلب موضعا وأنا ساجد ملح في الدعاء على ربي عزوجل حتى سكنت (3). 4 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد عليك بطول السجود، فان ذلك من سنن الاوابين (4). 5 - العيون: فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون بالسند المتقدم قال: ومن دين الائمة عليهم السلام الورع والعفة والصدق والصلاح وطول السجود (5). 6 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن جعفر بن محمد الهاشمي، عن أبي جعفر العطار، عن الصادق عليه السلام قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله كثرت ذنوبي وضعف عملي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أكثر السجود فانه يحط الذنوب


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 7. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 8. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 7. (4) علل الشرايع ج 2 ص 29. (5) عيون الاخبار ج 2 ص 122. [*]

[163]

كما تحط الريح ورق الشجر (1). 7 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عمن ذكره قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لم اتخذ الله عزوجل إبراهيم خليلا ؟ قال: لكثرة سجوده على الارض (2). 8 - ثواب الاعمال: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن موسى ابن القاسم، عن صفوان بن يحيى، عن كليب الصيداوي، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سجد سجدة حط عنه بها خطيئة، و رفع له بها درجة (3). ومنه: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن العبد إذا أطال السجود حيث لا يراه أحد، قال الشيطان: واويلاه أطاعوا وعصيت، وسجدوا وأبيت (4). المقنع: مرسلا مثله (5). 9 - ثواب الاعمال بالاسناد المتقدم، عن الحسين، عن فضالة، عن العلا، عن زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد (6). بيان: قوله عليه السلام: (وهو ساجد) حال وقع موقع الخبر، قال الشيخ الرضي


(1) أمالى الصدوق ص 299. (2) علل الشرايع ج 1 ص 32 و 33. (3) ثواب الاعمال ص 31. (4) ثواب الاعمال ص 32، وتراه في المحاسن: 18. (5) المقنع 45 ط حجر. (6) ثواب الاعمال: 32. [*]

[164]

رضي الله عنه في شرح الكافية: إن كانت الحال جملة اسمية وقعت خبرا فعند غير الكسائي يجب معها واو الحال، قال صلى الله عليه وآله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) إذ الحال فضلة وقد وقعت موقع العمدة فيجب معها علامة الحالية، لان كل واقع غير موقعه ينكر، وجوز الكسائي تجردها عن الواو لوقوعها موقع خبر المبتدء، فتقول ضربي زيدا أبوه قائم. 10 - مجالس الشيخ: الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن هشام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قوما أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا: يارسول الله اضمن لنا على ربك الجنة، قال: فقال: على أن تعينوني بطول السجود، قالوا: نعم يا رسول الله، فضمن لهم الجنة الخبر (1). 11 - دعوات الراوندي: سأل ربيعة بن كعب النبي صلى الله عليه وآله أن يدعو له بالجنه فأجابه وقال: أعني بكثرة السجود. وقال الصادق عليه السلام السجود منتهى العبادة من بني آدم. 12 - أعلام الدين: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: علمني عملا يحبني الله عليه، ويحبني المخلوقون، ويثري الله مالي، ويصح بدني، ويطيل عمري، ويحشرني معك، قال هذه ست خصال تحتاج إلى ست خصال إذا أردت أن يحبك الله فخفه واتقه، وإذا أردت أن يحبك المخلوقون فأحسن إليهم وارفض ما في أيديهم، وإذا أردت أن يثري الله مالك فزكه، وإذا أردت أن يصح الله بدنك فأكثر من الصدقة، وإذا أردت أن يطيل الله عمرك فصل ذوي أرحامك وإذا أردت أن يحشرك الله معي فأطل السجود بين يدي الله الواحد القهار. 13 - أربعين الشهيد: باسناده عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل ودخل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 277 في حديث. [*]

[165]

فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني اريد أن اسألك فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: سل ما شئت، قال: تحمل لي على ربك الجنة، قال: تحملت لك، ولكن أعني على ذلك بكثرة السجود. بيان: اريد بالتحمل هنا الضمان، لان الضامن يتحمل الدين عن المضمون عنه، أو الشفاعة قال الجوهري تحمل الحمالة أي حملها، والحمالة ما تتحمله عن القوم من الدية أو الغرامة، وقال الجزري: في حديث قيس قال تحملت بعلي على عثمان في أمر أي استشفعت به إليه. 14 - أربعين الشهيد: باسناده عن الكليني بسنده الصحيح، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر بالنبي رجل وهو يعالج في بعض حجراته فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ألا أكفيك ؟ قال: شأنك، فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حاجتك ؟ قال: الجنة، فأطرق رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: نعم، فلما ولى قال له: يا عبد الله أعنا بطول السجود (1). 15 - الخرايج: روي عن منصور الصيقل قال: حججت فمررت بالمدينة فأتيت قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فسلمت عليه، ثم التفت فإذا أنا بأبي عبد الله عليه السلام ساجدا فجلست حتى مللت، ثم قلت لاسبحن ما دام ساجدا فقلت: سبحان ربي العظيم و بحمده أستغفر الله ربي وأتوب إليه ثلاث مائة مرة ونيفا وستين مرة، فرفع رأسه ثم نهض. فأتبعته وأنا أقول في نفسي: إن أذن لي دخلت عليه ثم قلت له: جعلت فداك أنتم تصنعون هكذا فكيف ينبغي لنا أن نصنع ؟ فلما أن وقفت على الباب خرج إلى مصادف فقال: ادخل يا منصور، فدخلت فقال: لي مبتدئا: يا منصور إنكم إن أكثرتم أو أقللتم فوالله ما يقبل إلا منكم (2).


(1) راجع الكافي ج 3 ص 266. (2) لا يوجد في مختار الخرائج المطبوع. [*]

[166]

16 - العيون: عن أحمد بن زياد، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن الحسن المدني، عن عبد الله بن الفضل، عن أبيه في حديث طويل أنه دخل على أبي الحسن موسى عليه السلام: قال: فإذا أنا بغلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجوده (1). 17 - كتاب الملهوف: عن علي بن الحسين عليه السلام أنه برز إلى الصحراء فتبعه مولا له فوجده ساجدا على حجارة خشنة، فأحصى عليه ألف مرة لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله تعبدا ورقا، لا إله إلا الله إيمانا وصدقا. ثم رفع رأسه (2). 18 - مشكوة الانوار: نقلا من المحاسن، عن ابن اسامة، عن أبي عبد الله قال: اقرء من ترى أنه يطيعني ويأخذ بقولي منهم السلام وأوصهم بتقوى الله، و الورع في دينهم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الامانة، وطول السجود وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله الحديث (3). وعن إسماعيل بن عمار قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: اوصيك بتقوى الله والورع وصدق الحديث وأداء الامانة وحسن الجوار وكثرة السجود فبذلك أمرنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (4). وعن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد عليكم بالورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الامانة وحسن الصحابة لمن صحبكم وطول السجود فان ذلك من سنن الاوابين (5).


(1) عيون الاخبار ج 1 ص 77 في حديث طويل. (2) الملهوف: 174. (3) مشكاة الانوار: 65 في حديث. (4) مشكاة الانوار: 66. (5) مشكاة الانوار: 146. [*]

[167]

وقال سمعته يقول: الاوابون هم التوابون (1). 19 - كتاب زيد الزراد: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إني لاكره للرجل أن تكون جبهته جلحاء ليس فيها شئ من أثر السجود - وبسط راحته - إنه يستحب للمصلي أن يكون ببعض مساجده شئ من أثر السجود فانه لا يأمن أن يموت في موضع لا يعرف، فيحضره المسلم فلا يدري على ما يدفنه.


(1) مشكاة الانوار: 109 و 146. [*]

[168]

(30) (باب) * " (سجود التلاوة) " * الايات: الانشقاق: وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (1). تفسير: قال الطبرسي ره (2) عطف على قوله: (فمالهم لا يؤمنون) أي ما الذي يصرفهم عن الايمان وعن السجود لله تعالى إذا يتلى عليهم القرآن، وقيل معنى لا يسجدون لا يصلون لله تعالى، وفي خبر مرفوع عن أبي هريرة قال: قرء رسول الله صلى الله عليه وآله إذا السماء انشقت فسجد. أقول:: ولا يبعد حمله على السجدات الواجبة أو الاعم منها ومن المندوبة وقد مر ساير الايات التي يحتمل فيها ذلك في باب السجود. 1 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون في صلاة في جماعة فيقرء إنسان السجدة كيف يصنع ؟ قال: يومي برأسه (3). قال: وسألته عن الرجل يكون في صلاته فيقرء آخر السجدة، قال: يسجد إذا سمع شيئا من العزائم الاربع، ثم يقوم فيتم صلاته إلا أن يكون في فريضة فيومي برأسه إيماء (4). 2 - شرح النفلية: للشهيد الثاني روي أنه يقول في سجدة اقرأ: إلهي آمنا بما كفروا، وعرفنا منك ما أنكروا، وأجبناك إلى ما دعوا إلهي العفو العفو. 3 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن محمد


(1) الانشقاق: 21. (2) مجمع البيان ج 10 ص 462. (3 - 4) المسائل - البحار ج 10 ص 279. [*]

[169]

ابن الحسين، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن غياث، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: لا تقضي الحائض الصلاة، ولا تسجد إذا سمعت السجدة (1). ومنه: من الكتاب المذكور، عن علي بن خالد، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن الرجل إذا قرئ العزائم كيف يصنع ؟ قال: ليس فيها تكبير إذا سجدت، ولا إذا قمت، ولكن إذا سجدت قلت ما تقول في السجود (2). 4 - العلل: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقرء السجدة وهو على ظهر دابته ؟ قال: يسجد حيث توجهت به، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي على ناقته وهو مستقبل المدينة، يقول الله عز وجل: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (3). 5 - العياشي: عن حماد بن عثمان عنه عليه السلام مثله (4). 6 - مجمع البيان: روى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العزائم (الم تنزيل، وحم السجدة، والنجم إذا هوى، واقرأ باسم ربك) وما عداها في جميع القرآن مسنون، وليس بمفروض (5). ومنه: قال: عن أئمتنا عليهم السلام أن السجود في سورة فصلت عند قوله: (إن كنتم إياه تعبدون) (6). 7 - غوالى اللئالى: روي في الحديث أنه لما نزل قوله تعالى: (واسجد


(1) السرائر: 477 راجع ج 81 ص 118. (2) السرائر ص 476. (3) علل الشرايع ج 2 ص 47 و 48. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 57. (5) مجمع البيان ج 10 ص 516. (6) مجمع البيان ج 9 ص 15. [*]

[170]

واقترب) سجد النبي صلى الله عليه وآله فقال في سجوده: أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. 8 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الله ابن المغيرة، عن عبد الله بن سنان، عن الوليد بن صبيح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال فيمن قرء السجدة وعنده رجل على غير وضوء قال: يسجد (1). ومنه: عن علي بن رئاب، عن الحلبي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يقرء الرجل السجدة وهو على غير وضوء قال: يسجد إذا كانت من العزائم (2). 9 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن أحمد ابن محمد بن أبي نصر، عن داود بن سرحان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العزائم أربع: اقرأ باسم ربك الذي خلق، والنجم، وتنزيل السجدة، وحم السجدة (3). 10 - المعتبر: نقلا من جامع البزنطي عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام فيمن يقرأ السجدة من القرآن من العزائم: لا يكبر حين يسجد، ولكن يكبر إذا رفع رسه (4) 11 - السرائر: نقلا من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن العلا، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الرجل يقرأ بالسورة فيها السجدة فينسى، فيركع و يسجد سجدتين، ثم يذكر بعد، قال: يسجد إذا كانت من العزائم، والعزائم أربع: الم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك، وكان علي بن الحسين عليه السلام يعجبه أن يسجد في كل سورة فيها سجدة (5). 12 - العلل: عن محمد بن محمد بن عصام، عن الكليني، عن الحسين بن الحسن الحسيني وعلي بن محمد بن عبد الله جميعا، عن إبراهيم بن إسحاق الاحمر، عن عبد الرحمن بن


(1 - 2) السرائر ص 465. (3) الخصال ج 1 ص 120. (4) المعتبر: 200. (5) السرائر: 496. [*]

[171]

عبد الله الخزاعي، عن نصر بن مزاحم، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أبي عليه السلام ما ذكر لله نعمة عليه إلا سجد ولا قرأ آية من كتاب الله عزوجل فيها سجدة إلا سجد، إلى أن قال فسمي السجاد لذلك (1). 13 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: باسنادهما، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقرأ في الفريضة سورة النجم أيركع بها أو يسجد ثم يقوم فيقرء بغيرها ؟ قال: يسجد ثم يقوم فيقرء فاتحة الكتاب ثم يركع، ولا يعود يقرء في الفريضة بسجدة (2). قال: وسألته عن إمام يقرء السجدة فأحدث قبل أن يسجد كيف يصنع ؟ قال: يقدم غيره فيسجد ويسجدون وينصرف فقد تمت صلاتهم (3). 14 - دعائم الاسلام: مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا (4)


(1) علل الشرايع ج 1 ص 222. (2) قرب الاسناد: 93 ط حجر: 121 ط نجف، المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 285 مع اختلاف. (3) قرب الاسناد: 94 ط حجر ص 123 ط نجف، وقد مر شرح ذلك في الباب 45 باب القراءة وآدابها تحت الرقم ص 15. (4) في الاعراف: 206 قوله تعالى: (ان الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) والظاهر من الاية أن السجدة في حد نفسها عبادة خصوصا إذا كانت معها تسبيح، فإذا يستفاد منها حرمة السجود لغير الله عزوجل بالايات التى تنهى عن عبادة غير الله. 2 - وفى الرعد: 16 قوله تعالى: (ولله يسجد من في السموات والارض طوعا و كرها وظلالهم بالغدو والاصال) ويفيد بفحواه أن السجدة انما تكون بالوقوع على الارض كالظلال يفترش عليها وقد عرفت في ج 84 ص 193 وجه الاستدلال به. 3 - وفى النحل: 48 - 50، قوله تعالى: (أولم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون * ولله يسجد ما في السموات وما في = [*]

[172]

أولها آخر الاعراف، وفي سورة الرعد (وظلالهم بالغدو والاصال) وفي النحل (ويفعلون ما يؤمرون) وفي بني إسرائيل (ويزيدهم خشوعا) وفي كهيعص (خروا


= = الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون). 4 - وفى الاسراء: 107 - 109 قوله تعالى: قل آمنوا به أولا تؤمنوا ان الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا ان كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للاذقان يبكون ويزيدهم خشوعا) وقد عرفت أن السجود على الاذقان سيرة النصارى ينبطحون على الارض كالعمود إذا سجد، ولكن المسلمين تبعا لقدوتهم يسجدون على سبعة أعظم. 5 - وفى مريم: 58 قوله تعالى بعد ما ذكر جمعا من الرسل: (اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ابراهيم واسرائيل و ممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا). 6 - وفى الحج: 18 قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم ان الله يفعل ما يشاء). 7 - وأما قوله عزوجل في الاية: 77 (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) فقد عرفت في ص 97، أن الاية من امهات الكتاب توجب التعبد والعبادة بالركوع ثم السجود، وهى صلاة المسلمين الان، يمتثلون أمرها بفعل الصلاة آناء الليل والنهار، فلا وجه للسجود عند قراءتها، والا لكانت السجدة عندها فرضا عزيمة لامر بها لا ندبا مسنونا ولكانت الركوع قبلها أيضا فرضا كما هو ظاهر. 8 - وفى الفرقان: 60 قوله تعالى في وصف المشركين: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا). 9 - وفى النمل: 25 و 26 قوله تعالى بعد ما وصف أهل سبأ بقوله (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله): (ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء في السموات والارض [*]

[173]

سجدا وبكيا) وفي الحج (إن الله يفعل ما يشاء) وفيها (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) وفي الفرقان (وزادهم نفورا) وفي النمل (رب العرش العظيم) وفي تنزيل السجدة (وهم لا يستكبرون) وفي ص (وخر راكعا وأناب) وفي حم السجدة


= = ويعلم ما تخفون وما تعلنون * الله لا اله الا هو رب العرش العظيم). 10 - وفى الم تنزيل (السجدة): 15 قوله عزوجل: (انما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) وهى احدى العزائم الاربع. 11 - وفى ص 24 قوله عزوجل في وصف داود عليه السلام: (وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) وعنوان الاية الكريمة في سجود التلاوة والاجماع على كون السجدة عند قراءتها مسنونة مندوبة، يسلم أن الخرور على الارض كانت سجدة لا ركوعا كما توهم، وقد مر الكلام في الاية ج 84 ص 196 وسيأتى في الباب الاتى انشاء الله تعالى. 12 - وفى السجدة (فصلت) 37 قوله عزوجل: (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن ان كنتم اياه تعبدون) و هي الثانية من العزائم الاربع وتفيد بسياقها أن السجدة عبادة لله عزوجل. 13 - وفى النجم: 62 قوله عزوجل: (أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون * فاسجدوا لله واعبدوا) وهى الثالثة من العزائم الاربع: و يظهر منها أيضا أن السجدة في حد نفسها عبادة لله كما مر. 14 - وفى الانشقاق: 21 قوله تعالى: (فما لهم لا يؤمنون * وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون). 15 - وفى العلق: 19 قوله تعالى: بعد ما ذكر في (9 - 10): (أرأيت الذى ينهى * عبدا إذا صلى): (كلا لا تطعه واسجد واقترب) وهى الاخيرة من العزائم الاربع، وتصرح بسياقها أن الاصلاة كانت حينئذ بقراءة القرآن ثم السجود من دون ركوع. ولعلهم كانوا يقرؤن القرآن ويرتلونه سورة بعد سورة على ما عرفت في ص 1 و 2 = = [*]

[174]

(إن كنتم إياه تعبدون) وفي آخر النجم، وفي إذا السماء انشقت (وإذا قرء عليهم القرآن لا يسجدون) وآخر اقرأ باسم ربك (1). وروينا عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: العزائم من سجود القرآن أربع: في الم تنزيل السجدة، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك، قال: فهذه العزائم لابد من السجود فيها، وأنت في غيرها بالخيار، إن شئت فاسجد، وإن شئت فلا تسجد (2).


= = ثم إذا ارادوا أن يسجدوا قرؤا سورة فصلت أو الم تنزيل حتى إذا بلغوا آية السجدة خروا سجدا لله وسبحوا بحمد ربهم داخرين غير مستكبرين، واحتسبوا بها سجدة واحدة على حد احتسابنا بالركعات، ثم قاموا وقرؤا بقية السورة ثم سورة أخرى وأخرى حتى إذا أرادوا أن يسجدوا السجدة الاخرة وينصرفوا عن صلاتهم، قرؤا سورة النجم أو سورة العلق إلى آخرها ثم وقعوا ساجدين بحمد ربهم. (1 و 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 214 و 215، وانما صارت سجدة فصلت والنجم و العلق عزيمة فريضة لظاهر الامر بها في القرآن العزيز، واما سجدة الم تنزيل لما فيها من الاغراء الشديد والاشارة إلى أنها سجدة العبادة التى يسجدها المؤمنون فقط بقوله (انما) وقوله: (وهم لا يستكبرون) أي عن العبادة مع أن المشركين يستكبرون، وقوله بعدها: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا) يعنى صلاة الليل التى سن لهم في سورة المزمل وغيرها. وانما صارت سائر السجدات مسنونا لانها لا تأمر بالسجدة ولا تحكى سجدة قدماء المسلمين في صلواتهم بل انما تحكى سجدة الملائكة الذين عند ربنا (الاعراف: 206) أو سجدة من في السموات والارض طوعا وكرها من دابة أو ملائكة (الرعد: 16 والنحل: 49) أو سجدتهم مع سجدة الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر (الحج: 18) أو سجدة النصارى على أذقانهم (أسرى، 107 - 109) أو سجدة الانبياء المتقدمين وأممهم (مريم: 58: 24) أو يوبخ المشركين بأنهم لا يسجدون لله (الفرقان: 60، النمل: 25، الانشقاق: 21). [*]

[175]

قال: وكان علي بن الحسين عليه السلام يعجبه أن يسجد فيهن كلهن (1). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: من قرأ السجدة أو سمعها من قارئ يقرؤها وكان يستمع قراءته، فليسجد، فان سمعها وهو في صلاة فريضة من غير إمام أومأ برأسه، وإن قرأها وهو في الصلاة سجد وسجد معه من خلفه إن كان إماما، ولا ينبغي للامام أن يتعمد قراءة سورة فيها سجدة في صلاة فريضة (2). وعنه أنه قال: ومن قرأ السجدة أو سمعها سجد أي وقت كان ذلك مما تجوز الصلاة فيه أو لا تجوز، وعند طلوع الشمس وعند غروبها، ويسجد وإن كان على غير طهارة، وإذا سجد فلا يكبر ولا يسلم إذا رفع، وليس في ذلك غير السجود و يسبح ويدعو في سجوده بما تيسر من الدعاء (3). وعنه عليه السلام أنه قال: إذا قرأ المصلي سجدة انحط فسجد ثم قام فابتدء من حيث وقف، فان كانت في آخر السورة فليسجد ثم يقوم فيقرأ بفاتحة الكتاب و يركع ويسجد (4). وعن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: إذا قرأت السجدة وأنت جالس فاسجد متوجها إلى القبلة، وإذا قرأتها وأنت راكب فاسجد حيث توجهت فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي على راحلته وهو متوجه إلى المدينة بعد انصرافه من مكة يعني النافلة، قال: وفي ذلك قول الله: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (5).


= = نعم لما كانت الايات بسياقها تغرى إلى السجود لله عزوجل، لا بما أنها سجدة في صلاة لهم، كان النبي صلى الله عليه وآله يسجد عند قراءتها أدبا وايذانا بأنا أيضا ساجدون لله طوعا كما تسجد الملائكة لا نستكبر كما يستكبر المشركون عن السجود لله عزوجل، فتكون سنة في غير فريضة الاخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة. (1) دعائم الاسلام ج 1 ص 215، والظاهر أن المراد سجدته عليه السلام في المواضع الخمسة عشر، لا في كل مورد ذكر فيه السجدة كما عرفت عن العلل تحت الرقم 12. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 215. (4 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 216. [*]

[176]

فروع * (لابد من التعرض لها لفهم تلك الاخبار) * الاول: لا خلاف بين الاصحاب في أن سجدات القرآن خمس عشرة كما مر ونقل الشهيد إجماع الاصحاب عليه، وقال الصدوق ويستحب أن يسجد في كل سورة فيها سجدة، فيدخل فيه آل عمران عند قوله: (يا مريم اقنتي لربك واسجدي) (1) و غيرها ويؤمي إليه ما مر في خبر العلل، والواجب منها الاربع المشهورة، ولا خلاف فيه بين الاصحاب، وقد سبقت الاخبار الدالة عليه. الثاني: لا خلاف بين الاصحاب في وجوب السجود على القارئ والمستمع، و إنما اختلفوا في السامع من غير إصغاء، فذهب الشيخ إلى عدم وجوبه عليه (2) ونقل الاجماع عليه في الخلاف، وقال ابن إدريس: يجب السجود على السامع وذكر أنه إجماع الاصحاب، والاخبار مختلفة، ويمكن الجمع بينها بحمل ما دل على الامر بالسجود على الاستحباب أو حمل ما دل على عدم الوجوب على التقية، لموافقته لمذهب العامة وهو أحوط. الثالث: الاظهر أن موضع السجود في الاربع بعد الفراغ من الاية، وقال المحقق في المعتبر قال الشيخ في الخلاف: موضع السجدة في حم السجدة عند قوله: (واسجدوا لله) وقال في المبسوط (إن كنتم إياه تعبدون) والاول أولى، وقال الشافعي وأهل الكوفة عند قوله: (وهم لا يسأمون) لنا أن الامر بالسجود مطلق ويكون للفور، فلا يجوز التأخير. وقال في الذكرى: ليس كلام الشيخ صريحا فيه ولا ظاهرا، بل ظاهره السجود عند تمام الاية لانه ذكر في أول المسألة أن موضع السجود في حم عند قوله (واسجدوا


(1) آل عمران: 43. (2) لان الملاك درك معنى الاية وتعقل الامر بالسجود حتى يتوجه إليه الامر و ليس الا بالاصغاء. [*]

[177]

لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون). ثم قال: وأيضا قوله: (فاسجدوا لله الذي خلقهن) أمر والامر يقتضي الفور عندنا، وذلك يقتضي السجود عقيل الاية، ومن المعلوم أن آخر الاية (تعبدون) ولان تخلل السجود في أثناء الاية يؤدي إلى الوقوف على المشروط دون الشرط وإلى ابتداء القاري بقوله: (إن كنتم إياه تعبدون) وهو مستهجن عند القراء، ولانه لا خلاف فيه بين المسلمين، إنما الخلاف في تأخير السجود إلى يسأمون، فان ابن عباس والثوري وأهل الكوفة والشافعي يذهبون إليه والاول هو المشهور عند الباقين فإذا ما اختاره في المعتبر لا قائل به، فان احتج بالفور قلنا هذا القدر لا يخل بالفور، وإلا لزم وجوب السجود في باقي الاي العزايم عند صيغة الامر وحذف ما بعده من اللفظ، ولم يقل به أحد انتهى كلامه رفع الله مقامه، ولا يخفى متانته. ورأيت في بعض تعليقات الشيخ البهائي قدس سره قول بعض الاصحاب بوجوب السجود عند التلفظ بلفظ السجدة في جميع السجدات الاربع، ولم أر هذا القول في كلام غيره وقد صرح في الذكرى بعدم القول به فلعله اشتباه. الرابع: هل الطهارة شرط فيها ؟ الاقرب عدمه (1) والروايات في الحائض متعارضة ووجوبه عليها أقوى، والاحوط لها عدم الاستماع، والسجود مع السماع، ثم القضاء بعد الطهر، قال في الذكرى: الاظهر أن الطهارة غير شرط في هذا السجود للاصل ولرواية أبي بصير (2) وفي النهاية منع من سجود الحائض، وابن الجنيد ظاهره اعتبار الطهارة وأما ستر العورة والطهارة من الخبث واستقبال القبلة فظاهر الاكثر أنه لا خلاف في عدم اشتراطها، ويظهر الخلاف فيها أيضا من بعضهم، و الاقوى عدمه.


(1) دليل الطهارة من آيات الله الحكيم انما توجه إلى الصلاة، ولا ريب أن سجدة التلاوة انما كانت صلاة قبل ايجاب الركوع وأما بعده إلى الان فلا تكون صلاة ولا بحكم الصلاة وهو ظاهر. (2) التهذيب ج 1 ص 219. [*]

[178]

الخامس: اختلف الاصحاب في غير الجبهة من أعضاء السجود، هل يجب وضعها والسجود عليها ؟ واختلفوا أيضا في وجوب وضع الجبهة على ما يصح السجود عليه، والاحوط رعاية جميع ذلك، وإن لم يقم دليل مقنع على الاشتراط، قال في الذكرى: وفي اشتراط السجود على الاعضاء السبعة أو الاكتفاء بالجبهة نظر من أنه السجود المعهود، ومن صدقه بوضع الجبهة، وكذا في السجود على ما يصح السجود عليه في الصلاة من التعليل هناك: بأن الناس عبيد ما يأكلون ويلبسون، وهو يشعر بالتعميم. السادس: المشهور بين الاصحاب عدم وجوب التكبير لها والذكر فيها، وقال أكثر العامة بوجوب التكبير قبلها، نعم يستحب التكبير عند الرفع، وظاهر الشهيد في الذكرى والشيخ في المبسوط والخلاف الوجوب، وصرح العلامة في المنتهى وغيره بالاستحباب، وهو أقوى، والاحوط عدم الترك لورود الامر به في الاخبار، وقال في المنتهى: يستحب أن يقول في سجوده (إلهي آمنا بما كفروا، وعرفنا منك ما أنكروا وأجبناك إلى ما دعوا فالعفو العفو) قاله ابن بابويه (1) وقال أيضا: وقد روي أنه يقال في سجدة العزائم (لا إله إلا الله حقا حقا، لا إله إلا الله إيمانا وتصديقا، لا إله إلا الله عبودية ورقا، سجدت لك يا رب تعبدا ورقا، لا مستنكفا ولا مستكبرا بل أنا عبد ذليل خائف مستجير) انتهى. وأقول: قال الصدوق: في مجالسه (2) فيما وصف لاصحابه من دين الامامية وأما سجدة العزايم فيقال فيها: لا إله إلا الله حقا حقا إلى قوله: مستجير، وقال: ويكبر إذا رفع رأسه. وقال الشهيد في البيان: وفي المعتبر للراوندي من قرأ في نافلة اقرأ سجد، وقال إلهي آمنا إلى قوله: (إلهى العفو العفو) ثم يرفع رأسه ويكبر، وروي أنه يقال: في العزائم (لا إله إلا الله حقا حقا إلى قوله: (تعبدا ورقا) وقال فيه: وروى ابن


(1) الفقيه ج 1 ص 201. (2) أمالى الصدوق: 382. [*]

[179]

محبوب (1) عن عمار، عن الصادق عليه السلام لا تكبر إذا سجدت، ولا إذا قمت وإذا سجدت قلت ما تقول في السجود، وهو خيرة ابن الجنيد، وقال يكبر لرفعه منها إن كان في صلاة خاصة. أقول: وروى الكليني في الصحيح، عن أبي عبيدة الحذاء (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده (سجدت لك تعبدا ورقا لا مستكبرا عن عبادتك ولا مستنكفا ولا متعظما بل أنا عبد ذليل خائف مستجير. السابع: قيل: وقت نيتها الهوي إليها، وقيل عند وضع الجبهة، ولعل التخيير أقوى، وقيل يجوز عند استدامة الوضع وفيه إشكال، وإن كان الامر في النية هينا. الثامن: نقلوا الاجماع على فوريتها فلو أخرها عن الفراغ من الاية بما يخرج به عن الفورية أثم، وهل تصير حينئذ قضاء أم تبقى مدة العمر أداء ؟ اختار في المعتبر الثاني وفي الذكرى الاول، ولعل المعتبر مختار المعتبر، وكونه على الفور لا يوجب القضاء بفواته كالحج وصلاة الزلزلة، ولعله لا حاجة إلى نية الاداء والقضاء وكذا الكلام في المستحب. التاسع: قال في الذكرى: تتعدد السجدة بتعدد السبب، سواء تخلل السجود أولا، لقيام السبب وأصالة عدم التداخل، وروى محمد بن مسلم (3) عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يتعلم السورة من العزائم فيعاد عليه مرارا في المقعد الواحد، قال عليه السلام: عليه أن يسجد كل ما سمعها، وعلى الذي يعلمه أيضا أن يسجد. أقول: لا شك مع تخلل السجود في التعدد، وأما مع عدمه فالحكم به مشكل، إذ لا نسلم أن الاصل عدم التداخل، بل تدل أخبار كثيرة على أنه إذا


(1) السرائر ص 476. (2) الكافي ج 3 ص 328. (3) التهذيب ج 1 ص 220. [*]

[180]

اجتمعت لله عليك حقوق كفاك حق واحد، والخبر وإن كان صحيحا لا يدل على هذا الشق، والاحوط العمل بالمشهور. العاشر: قال في المنتهى: إذا قرأ السجدة على الراحلة في السفر وأمكنه السجود وجب، وإن لم يتمكن أومأ بالسجود، حيث كان وجهه، لان عليا عليه السلام أومأ على الراحلة، نقله الجمهور، ولو كان ماشيا وأمكن السجود على الارض وجب وإلا أومأ. أقول: قد مر بعض الاخبار والاحكام في باب القراءة وباب الحيض.

[181]

(31) * (باب) * * " (الادب في الهوى إلى السجود والقيام عنه (1)) " * * " (والتكبير عند القيام من التشهد) " * * " (وجلسة الاستراحة) " * 1 - معاني الاخبار: عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن جميع قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس في الاقعاء في الصلاة بين السجدتين، وبين الركعة الاولى والثانية، وبين الركعة الثالثة والرابعة، وإذا أجلسك الامام في موضع يجب أن تقوم فيه، فتجاف ! ولا يجوز الاقعاء في موضع التشهدين إلا من علة لان المقعي ليس بجالس إنما جلس بعضه على بعض، والاقعاء أن يضع الرجل أليتيه على عقبيه في تشهديه، فأما الاكل مقعيا فلا بأس به لان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أكل مقعيا (2). 2 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن القيام من التشهد من الركعتين الاوليين، كيف يصنع ؟ يضع ركبتيه ويديه على الارض ثم ينهض أو كيف يصنع ؟ قال: ما شاء صنع و لا بأس (3). 3 - الاحتجاج: قال: كتب: الحميري إلى القائم عليه السلام يسأله عن المصلي إذا


(1) من الايات المتعلقة بالباب قوله تعالى: (وخر راكعا وأناب) ص: 24، على ما عرفت ج 84 ص 195، وهكذا ج 85 ص 97. وهكذا قوله تعالى في وصف المنافقين (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى) النساء: 142 على ما عرفت في ج 84 ص 202. (2) معاني الاخبار: 300. (3) قرب الاسناد ص 92 حجر 121 ط نجف. [*]

[182]

قام من التشهد الاول إلى الركعة الثالثة، هل يجب عليه أن يكبر ؟ فان بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير ويجزيه أن يقول: (بحول الله وقوته أقوم وأقعد) فوقع عليه السلام إن فيه حديثين أما أحدهما فانه إذا انتقل من حالة إلى حالة اخرى فعليه التكبير، وأما الاخر فانه روي إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، وكذلك التشهد الاول يجري هذا المجرى وبأيهما أخذت من جهة التسليم كان ثوابا (1). غيبة الشيخ: عن جماعة من مشايخه، عن محمد بن أحمد بن داود القمي، عن محمد بن عبد الله الحميري مثله (2). بيان: المشهور بين الاصحاب عدم مشروعية التكبير عند القيام من التشهد الاول، وقال المفيد - رحمه الله - باستحبابه عنده، وعدم استحبابه للقنوت، واعترض عليه الشيخ في التهذيب والشهيد في الذكرى بأنه يكون حينئذ عدد تكبيرات الصلوات أربعا وتسعين مع ورود الرواية بأن عددها خمس وتسعون، قال الشهيد: مع أنه روي بعدة طرق منها رواية محمد بن مسلم (3) عن الصادق عليه السلام في القيام من التشهد يقول: (بحول الله وقوته أقوم وأقعد) وفي بعضها (بحولك وقوتك أقوم وأقعد) وفي بعضها (وأركع وأسجد) ولم يذكر في شئ منها التكبير، فالاقرب سقوطه للقيام وثبوته للقنوت، وبه كان يفتي المفيد وفي آخر عمره رجع عنه، قال الشيخ: ولست أعرف بقوله هذا حديثا أصلا انتهى. وأقول: لعل مستند المفيد هذا الخبر، لكن هذا لا يقتضي إسقاط تكبير القنوت إلا لتصحيح العدد المذكور، مع أنه لا يصح أيضا، فالاولى مع القول به حمل العدد


(1) الاحتجاج: 270، وهذا التوقيع وأمثاله يؤذن بأن ابن روح كان يفتى مستندا إلى الروايات حين لم يمكنه الوصول إلى الامام عليه السلام وقد أحسن في فتواه اولا بتقديم الخاص على العام وأخطأ ثانيا حيث جوز العمل بالعام مع انصرافه عن المورد.

(2) غيبة الشيخ ص 247. (3) التهذيب ج 1 ص 159. [*]

[183]

على التكبيرات المتعينة أو المؤكدة، والعمل بالمشهور أولى. ثم إن الخبر يدل على التخيير عند تعارض الاخبار. 4 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اجلسوا في الركعتين حتى تسكن جوارحكم، ثم قوموا، فان ذلك من فعلنا (1). 5 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن أحمد عن الحسين، عن محمد بن الفضيل، عن سعد الجلاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يبرء من القدرية في كل ركعة ويقول: (بحول الله وقوته أقوم وأقعد) (2). ومنه: من الكتاب المذكور، عن العباس، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قمت من السجود قلت: (اللهم بحولك وقوتك أقوم وأقعد وأركع وأسجد) (3). ومنه: نقلا من كتاب حريز قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين، ولا ينبغي الاقعاء بين التشهد في الجلوس وإنما التشهد في الجلوس وليس المقعي بجالس (4). 6 - فلاح السائل: قال: روى الكليني باسناده، عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا قمت من الركعة فاعتمد على كفيك، وقل: (بحول الله وقوته أقوم وأقعد) فان عليا عليه السلام كان يفعل ذلك (5).


(1) الخصال ج 2 ص 165. (2) السرائر ص 475. (3) السرائر ص 476. (4) السرائر ص 472. (5) فلاح السائل ص 134، وتراه في الكافي ج 3 ص 338، وقوله عليه السلام بحول الله وقوته أقوم وأقعد، وان كان بظاهره يؤمئ إلى القيام قراءة الصلاة والقعود للتشهد = [*]

[184]

7 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: كان علي عليه السلام إذا رفع رأسه من السجدتين قال: لا إله إلا الله (1). 8 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين عن الحسين بن الوليد، عن طلحة السلمي أنه: سأل أبا عبد الله عليه السلام لاي علة توضع اليدان إلى الارض في السجود قبل الركعتين ؟ قال: لان اليدين بهما مفتاح الصلاة (2). 9 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إذا أردت القيام من السجود فلا تعجن بيديك، يعني تعتمد عليهما وهي مقبوضة، ولكن ابسطهما بسطا، واعتمد عليهما وانهض قائما (3). وعن علي عليه السلام أنه كان يقول إذا نهض من السجود للقيام: اللهم بحولك وقوتك أقوم وأقعد (4). 10 - كتاب زيد النرسى: عن أبي الحسن موسى عليه السلام أنه كان إذا رفع رأسه في صلاته من السجدة الاخيرة جلس جلسة ثم نهض للقيام، وبادر بركبتيه من الارض قبل يديه، وإذا سجد بادر بهما الارض قبل ركبتيه. ومنه: قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: إذا رفعت رأسك من آخر سجدتك


(1) مثلا، لكن المراد منه القيام بالطاعات والقعود عن المعاصي، فان المراد بالحول هو حالة التدافع والتنافر، ويتعلق بترك الافعال المذمومة - مثلا - نفرة عنها وقعودا منها، والمراد بالقوة هو قوة الفعل وايجاد العمل والتسبب بالاسباب الكونية، ويتعلق بالافعال المحمودة - مثلا - ميلا إليها وقياما بها. فإذا قعد عن المعاصي، فقد قعد بحول الله ومشيئته، وإذا قام بالطاعات فقد قام بها بقوة الله ومشيئته، ولا حول ولا قوة الا بالله العزيز، في كلتا الحالتين، وهذا معنى البراءة من القدرية ومقالتهم. (1) نوادر الراوندي ص 41. (2) علل الشرايع ج 2 ص 20 و 21 ؟. (3 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 164. [*]

[185]

في الصلاة، قبل أن تقوم، فاجلس جلسة ثم بادر بركبتيك إلى الارض قبل يديك، وابسط يديك بسطا واتك عليهما ثم قم، فان ذلك وقار المؤمن الخاشع لربه، ولا تطيش من سجودك مبادرا إلى القيام كما يطيش هؤلاء الاقشاب في صلاتهم. بيان: قال في النهاية: فيه اغفر للاقشاب هي جميع قشب يقال: رجل قشب خشب بالكسر إذا كان لا خير فيه. فوائد جليلة: اعلم أنه يستفاد من تلك الاخبار أحكام:


الاول: ابتداء في الجلوس بوضع اليدين قبل الركبتين، وقد مر أن استحبابه إجماعي عند الاصحاب. الثاني: استحباب الابتداء برفع الركبتين قبل اليدين عند القيام وهو أيضا إجماعي عندهم. الثالث: كراهة العجن باليدين عند القيام، قال في الذكرى: إذا قام واعتمد على يديه بسطهما ولا يعجن بهما ذكره الجعفي ورواه الشيخ والكليني (1) عن الحلبي عن الصادق عليه السلام. الرابع: لا خلاف بين الاصحاب في رجحان الجلوس بعد الرفع من السجدة الثانية في الركعة الاولى والثالثة، ويسمى بجلسة الاستراحة، والمشهور استحبابه، و أوجبه المرتضى - ره - وهو أحوط، وإن كان الاول أقوى، وقال ابن الجنيد: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الاولى والثالثة، [وجلس] ظ حتى يماس ألياه الارض أو اليسرى وحدها يسيرا ثم يقوم، جاز ذلك، وقال علي بن بابويه: لا بأس أن لا يقعد في النافلة، كذا ذكر في الذكرى. الخامس: استحباب الدعاء عند القيام، قال في الذكرى في سياق مستحباب السجود: ومنها الدعاء في جلسة الاستراحة بقوله (بحول الله وقوته أقوم وأقعد وأركع وأسجد) قاله في المعتبر، والذي ذكره علي بن بابويه وولده والجعفي وابن الجنيد و

(1) التهذيب ج 1 ص 222، الكافي ج 3 ص 336. [*]

[186]

المفيد وسلار وأبو الصلاح وابن حمزة وهو ظاهر الشيخ - ره - أن هذا القول يقوله عند الاخذ في القيام، وهو الاصح لرواية عبد الله بن سنان (1) عن الصادق عليه السلام إذا قمت من السجود قلت: اللهم ربي بحولك وقوتك أقوم وأقعد وإن شئت قلت: وأركع وأسجد، وفي رواية محمد بن مسلم (2) عنه عليه السلام إذا قام الرجل من السجود قال: (بحول الله أقوم وأقعد) وعنه عليه السلام (3) إذا تشهدت ثم قمت فقل (بحول الله أقوم وأقعد)، وعن رفاعة (4) عنه عليه السلام كان علي عليه السلام إذا نهض من الاوليين قال: بحولك وقوتك أقوم و أقعد انتهى والظاهر التخيير بين تلك الاذكار، والافضل الاتيان بها عند الاخذ في القيام. السادس: كراهة الاقعاء، واختلف كلام الاصحاب وكلام أهل اللغة في حكمه وتفسيره، أما حكمه فذهب الاكثر إلى كراهته، وادعى الشيخ في الخلاف الاجماع عليه، ونقله المحقق في المعتبر عن معاوية بن عمار ومحمد بن مسلم من القدماء، وذهب الشيخ في المبسوط والمرتضى إلى عدم كراهته، وقال الصدوق: لا بأس بالاقعاء بين السجدتين، ولا بأس بن بين الاولى والثانية، وبين الثالثة والرابعة، ولا يجوز الاقعاء في التشهدين وتبعه ابن إدريس إلا في التشهد. وتركه أفضل وفي التشهد آكد. ثم اعلم أن أكثر الروايات المشتملة على النهي عن الاقعاء مخصوصة بالجلوس بين السجدتين، وكذا عبارات كثير من الاصحاب، وصرح الشهيد - ره - بتعميم الحكم بالنسبة إلى جلسة الاستراحة أيضا وظاهر كلامه كون ذلك مذهب الاكثر، ونسب العلامة في النهاية كراهة الاقعاء إلى الاكثر حالة الجلوس مطلقا، وصرح الشهيد الثاني قدس سره بعموم الحكم لجميع حالات الجلوس ولعله أقوى. وأما تفسيره فقد قال الجوهري أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه، و ناصبا يديه، وقد جاء النهي عن الاقعاء في الصلاة وهو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا تفسير الفقهاء، وأما أهل اللغة فالاقعاء عندهم أن يلصق الرجل أليتيه


(1 - 2) التهذيب ج 1 ص 158. (3 - 4) التهذيب ج 1 ص 159. [*]

[187]

بالارض وينصب ساقيه ويتساند إلى ظهره. وقال الجزري في النهاية: فيه أنه نهى عن الاقعاء في الصلاة، الاقعاء أن يلصق الرجل أليتيه بالارض وينصب ساقيه وفخذيه، ويضع يديه على الارض كما يقعي الكلب، وقيل: هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين، والقول الاول، ومنه الحديث أنه عليه السلام أكل مقعيا أراد أنه كان يجلس عند الاكل على وركيه مستوفزا غير متمكن. وقال الفيروز آبادي: أقعى في جلوسه: تساند إلى ما وراءه، والكلب جلس على استه. وقال المطرزي في المغرب: الاقعاء أن يلصق أليتيه بالارض وينصب ساقيه ويضع يديه على الارض كما يقعي الكلب وتفسير الفقهاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين وهو عقب الشيطان. وقال المحقق نور الله ضريحه في المعتبر: يستحب الجلوس بين السجدتين متوركا وقال في المبسوط: الافضل أن يجلس متوركا ولو جلس مقعيا بين السجدتين وبعد الثانية جاز، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد: يجلس مفترشا لرواية أبي حميد الساعدي وكيفية التورك أن يجلس على وركه اليسرى ويخرج رجليه جميعا ويفضي بمقعدته إلى الارض ويجعل رجله اليسرى على الارض وظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى وكيفية الافتراش أن يجلس على رجله اليسرى ويخرج رجله اليمنى من تحته وينصبها ويجعل بطون أصابعها على الارض معتمدا عليها إلى القبلة. وقال علم الهدى: يجلس مماسا بوركه الايسر مع ظاهر فخذه اليسرى الارض رافعا فخذه اليمنى على عرقوبه الايسر، وينصب طرف إبهام رجله اليمنى على الارض ويستقبل بركبتيه معا القبلة، وما ذكره الشيخ أولى. ثم قال - ره -: يكره الاقعاء بين السجدتين قاله في الجمل، وبه قال معاوية بن عمار منا ومحمد بن مسلم والشافعي وأبو حنيفة وأحمد، وقال الشيخ بالجواز، وإن كان التورك أفضل، وبه قال علم الهدى، لنا ما رووه عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله

[188]

صلى الله عليه وآله: ولا تقع بين السجدتين، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب، ومن طريق الاصحاب ما رواه أبو بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تقع بين السجدتين، والدليل على أن النهي ليس للتحريم ما رواه (2) عبيدالله الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالاقعاء في الصلاة بين السجدتين، والاقعاء أن يعتمد بصدور قدميه على الارض ويجلس على عقبيه وقال بعض أهل اللغة: هو أن يجلس على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والمعتمد الاول لانه تفسير الفقهاء وبحثهم على تقديره. وقال العلامة - ره - في المنتهى: مثل هذا الكلام من أوله إلى آخره وقال: الاقعاء عبارة عن أن يعتمد بصدور قدميه على الارض ويجلس على عقبه، وقال بعض أهل اللغة: هو أن يجلس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب، والاول أولى لانه تفسير الفقهاء وبحثهم فيه. وقال الشهيد رفع الله مقامه عند ذكر مستحبات السجود: ومنها التورك بين السجدتين بأن يجلس على وركه اليسرى ويخرح رجليه جميعا من تحته، ويجعل رجله اليسرى على الارض وظاهر قدمه اليمنى على باطن اليسرى، ويفضي بمقعدته إلى الارض كما في خبر حماد (3)، وروى ابن مسعود التورك عن النبي صلى الله عليه وآله. ولا يستحب عندنا الافتراش، وهو أن يثني رجليه اليسرى فيبسطها ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى ويخرجها من تحته، ويجعل بطون أصابعه على الارض معتمدا عليها، ليكون أطرافها إلى القبلة، ويظهر من خبر (4) زرارة عن الباقر عليه السلام كراهيته حيث قال: وإياك والقعود على قدميك فتتأذى بذلك ولا تكون قاعدا على الارض إنما قعد بعضك على بعض. وقال ابن الجنيد في الجلوس بين السجدتين: يضع أليتيه على بطن قدميه، ولا يقعد على مقدم رجليه وأصابعهما، ولا يقعي إقعاء الكلب.


(1 - 2) التهذيب ج 1 ص 222. (3) راجع ج 84 ص 185 مشروحا. (4) التهذيب ج 1 ص 157 في حديث. [*]

[189]

ثم قال - ره - بعد ذكر جلسة الاستراحة: ويكره الاقعاء فيها وفي الجلوس بين السجدتين على الاشهر. ثم قال بعد نقل كلام المحقق وغيره: وصورة الاقعاء أن يعتمد بصدر قدميه على الارض ويجلس على عقبيه، قاله في المعتبر، ونقل عن بعض أهل اللغة أنه الجلوس على أليتيه ناصبا فخذيه إقعاء الكلب، والمعتمد الاول، ومثله قال الشهيد الثاني - ره - في شرح النفلية، وشرح الارشاد وغيرهما، والسيد في المدارك، ولا نطيل الكلام بذكر كلام غيرهم من أصحابنا فانهم لم يذكروا إلا مثل ما نقلنا. وقال البغوي من علماء العامة في شرح السنة بعد ما روى باسناده عن الحارث عن علي عليه السلام قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي احب لك ما احب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقرأ وأنت راكع، ولا أنت ساجد، ولا تصل وأنت عاقص شعرك، فانه كفل الشيطان، ولا تقع بين السجدتين: على كراهية الاقعاء بين السجدتين أكثر أهل العلم، وقد صح عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وآله ينهى عن عقبة الشيطان والاقعاء قال أبو عبيد: هو جلوس الانسان على أليتيه ناصبا فخذيه واضعا يديه على الارض من إقعاء الكلب والسبع، وليس هذا معنى الحديث من الاقعاء، وتفسير أصحاب الحديث في عقبة الشيطان وفي الاقعاء واحد، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه مستوفزا غير مطمئن إلى الارض. وذهب بعض أهل العلم إلى الاقعاء بين السجدتين، قال طاوس: قلت لابن عباس في الاقعاء على القدمين قال: هي السنة، قال طاوس: رأيت العبادلة يفعلون ذلك: عبد الله ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، قال أبو سليمان الخطابي وقد روى عن ابن عمر أنه قال لبنيه: لا تقتدوا بي في الاقعاء فاني إنما فعلت هذا حين كبرت، وروى عن ابن عمر أنه كان يضع يديه بالارض بين السجدتين فلا يفارقان الارض حتى يعيد السجود، و هكذا يفعل من أقعى، وكان يفعل ذلك حين كبرت سنه قال الخطابي ويشبه أن يكون حديث الاقعاء منسوخا، والاحاديث الثابتة في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله عن أبي حميد ووائل بن حجر أنه قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى، وقد رويت

[190]

الكراهة في الاقعاء عن جماعة من الصحابة، وكرهه النخعي ومالك والشافعي وأحمد و إسحاق وأصحاب الرأي وعامة أهل العلم انتهى. وقال الرافعي في شرح الوجيز في الجلوس بين السجدتين: والمشهور أنه يجلس مفترشا وكذلك رواه أبو حميد الساعدي، وفي قول يضجع قدميه ويجلس على صدورهما وعن مالك أن المصلي يتورك في جميع جلسات الصلاة، وقال في وصف التشهد ويجزي القعود على أي هيئة اتفق، لكن السنة في القعود حال الصلاة الافتراش وفي القعود في آخرها التورك كذلك روي عن أبي حميد في صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال أبو حنيفة: السنة فيهما الافتراش، وقال مالك: السنة فيهما التورك، وقال أحمد: إن كانت الصلاة ذات تشهدين تورك في الاخير، وإن كانت ذات تشهد واحد افترش فيه. والافتراش أن يضجع رجله اليسرى بحيث يلي ظهرها الارض ويجلس عليها و ينصب اليمنى ويضع أطراف أصابعها على الارض موجهة إلى القبلة والتورك أن يخرج رجليه وهما على هيئتهما في الافتراش من جهة يمينه، ويمكن وركه من الارض، و خص الافتراش بالتشهد الاول لان المصلي مستوفز للحركة يبادر إلى القيام عند تمامه، وهو من الافتراش أهون، والتورك هيئة السكون والاستقرار فخص بآخر الصلاة انتهى. وقال بعض شراح صحيح مسلم في خبر رواه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة الشيطان، قال: قولها (وكان يفرش رجله اليسرى): معناه يجلس مفترشا وفيه حجة لابي حنيفة ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا، سواء فيه جميع الجلسات، وعند مالك متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته ويفضي بوركه إلى الارض، وقال الشافعي: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا الجلسة التي يعقبها السلام، والجلسات عند الشافعي أربع: الجلوس بين السجدتين، وجلسة الاستراحة عقب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الاول، والجلسة للتشهد الاخير، فالجميع يسن مفترشا إلا الاخيرة.

[191]

قولها (عقبة الشيطان) بضم العين، وفي رواية اخرى (عقب الشيطان) بفتح العين وكسر القاف، وفسره أبو عبيد وغيره بالاقعاء المنهى عنه، وهو أن يلصق ألييه بالارض وينصب ساقيه ويضع يديه على الارض كما يفترش الكلب وغيره من السباع، وهو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير، وأما الاقعاء الذي ذكره مسلم بعد هذا في حديث ابن عباس أنه سنة فهو غير هذا كما سنفسره. ثم قال في باب الاقعاء بعد نقل حديث ابن عباس أنه سنة: اعلم أن الاقعاء ورد فيه حديثان ففي هذا الحديث أنه سنة، وفي حديث آخر النهي عنه رواه الترمذي وغيره من رواية علي عليه السلام وابن ماجة من رواية أنس وأحمد بن حنبل من رواية سمرة وأبي هريرة والبيهقي من رواية سمرة وأنس وأسانيدها كلها ضعيفة. وقد اختلف العلماء في حكم الاقعاء وفي تفسيره اختلافا كثيرا لهذه الاحاديث والصواب الذي لا معدل عنه أن الاقعاء نوعان: أحدهما أن يلصق ألييه بالارض وينصب ساقيه ويضع يديه على الارض كاقعاء الكلب، هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي، والنوع الثاني أن يجعل ألييه على عقبيه بين السجدتين وهذا هو مراد ابن عباس أنه سنة، وقد نص الشافعي على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وحمل حديث ابن عباس عليه جماعات من المحققين منهم البيهقي والقاضي عياض وآخرون. قال القاضي: وقد روي عن جماعة من الصحابة والسلف أنهم كانوا يفعلونه، قال: وكذا جاء مفسرا عن ابن عباس (من السنة أن تمس عقبيك ألييك) فهذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس، وقد ذكرنا أن الشافعي نص على استحبابه في الجلوس بين السجدتين، وله نص آخر وهو الاشهر أن السنة فيه الافتراش، وحاصله أنهما سنتان، وأيهما أفضل ؟ فيه قولان انتهى. أقول: بعد ما أحطت خبرا بما ذكرنا لا يخفى عليك أن الاقعاء يطلق على معان: الاول الجلوس على الاليين ونصب الساقين، وهو الاشهر بين اللغوين،

[192]

الثاني الجلوس على العقبين مطلقا كما هو الظاهر من كلام أكثر العامة، الثالث ما اتفق عليه كلام أصحابنا من وضع صدور القدمين على الارض ووضع الاليين على القدمين ولعل مراد أكثر العامة أيضا هذا المعنى، لان الجلوس على العقبين حقيقة لا يتحقق إلا بهذا الوجه، فانه إذا جعل ظهر قدمه على الارض يقع الجلوس على بطن القدمين لاعلى العقبين. ويؤيده قول الجزري عند تفسير إقعائه صلى الله عليه وآله عند الاكل أنه كان يجلس عند الاكل على وركيه مستوفزا غير متمكن، فان المستعجل هكذا يجلس، و أما الجالس على بطون القدمين فهو متمكن مستقر وقال الجوهري: استوفز في قعدته إذا قعد قعودا منتصبا غير مطمئن، ومثله ما ذكره البغوي في تفسير الاقعاء. وأيضا اعتذار ابن عمر بالضعف والكبر يدل على ذلك، فان الضعف يقتضي عدم تغيير القدمين عما كانتا عليه في حالة السجود، ولا يتمكن من الجلوس ثم يعود إلى السجود، ولذا قال الخطابي: معناه أنه كان يضع يديه بالارض بين السجدتين فلا تفارقان الارض حتى يعيد السجود، وهكذا يفعل من أقعى، وما هو المشاهد من العوام من الفريقين، حيث يجلسون هكذا بين السجدتين لسهولته عليهم، شاهد بذلك. وأما التشبيه باقعاء الكلب فلا يلزم أن يكون كاملا من كل جهة بل يكفي أنه يشبهه في الانحناء عند الجلوس والاعتماد على الرجلين واليدين، لاسيما إذا لم يرفع يديه من الارض، وأما الجلوس على القدمين بدون ذلك فهو أبعد من مشابهة إقعاء الكلب كما لا يخفى. فإذا تمهد هذا فاعلم أن المعنى الاول خلاف ما هو المستحب من التورك، وأما إثبات كراهته فهو مشكل لانه لا يدل على كراهته ظاهرا إلا أخبار الاقعاء، و هي ظاهرة في معنى آخر مشتهر بين الاصحاب، ويؤيده ما ورد في حديث زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: ولا تقع على قدميك. إذ الظاهر من الاقعاء على القدمين أن يكون الجلوس عليهما، وإن لم تكن ظاهرة في معنى آخر فمجرد الاحتمال لا يكفي للاستدلال. فان قلت: الاشتهار بين اللغويين يؤيده، قلنا الشهرة بين علماء الفريقين في

[193]

خلافه يعارضه، والاولى ترك هذا الجلوس لاشتهار هذا المعنى بين اللغويين، واحتمله بعض علمائنا كما عرفت مع أنه خلاف ما هو السنة في هذا الجلوس، والفرق بين ترك السنة وارتكاب المكروه ضعيف، بل قيل باستلزامه له. وأما المعنى الثالث فقد عرفت أن المشهور بين علمائنا بل علماء المخالفين أيضا كراهته، وكفى بذلك مرجحا وقد ورد في اللغة بهذا المعنى، وقد عرفت ما يؤيده وتجويز ابن عمر وأضرابه ذلك وعملهم به يؤيد أن النهي إنما ورد في ذلك للرد عليهم وأما ما ورد في صحيحة الحلبي من عدم البأس فلا ينافي الكراهة بل قيل إنه يؤيدها. وأما الجلوس على القدمين من غير أن يكون صدر القدمين على الارض الذي نسميها المعنى الثاني، فهو خلاف المستحب أيضا، ولم أر من أصحابنا من قال بكراهته بل يظهر من كلام ابن الجنيد أنه قال باستحبابه كما مر، وقد اتفقت كلمة أصحابنا في تفسير الاقعاء المكروه بما عرفت، فاثبات كراهته مما يوهمه إطلاق كلام بعض اللغويين والمخالفين مشكل. فان قيل: ما مر من قول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة (ولا تقع على قدميك) وقوله عليه السلام في صحيحته الاخرى (إياك والقعود على قدميك فتتأذى بذلك ولا تكون قاعدا على الارض فيكون إنما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد والدعاء) يدلان على شمول النهي لهذا الفرد أيضا. قلنا: أما الخبر الاول فقد ورد النهي فيه عن الاقعاء على القدمين لا مطلق القعود عليهما فيتوقف الاستدلال به على أن الاقعاء موضوع لخصوص هذا الفرد أو لما يشمله وقد عرفت ما فيه، نعم بظاهره ينفي المعنى الاول من الاقعاء كما أومأنا إليه، وأما الخبر الثاني فهو وارد في الجلوس للتشهد لا بين السجدتين، ولو ارتكبنا التكلف في ذلك بأن العلة التي ذكرها في التشهد تحصل في غيره، فيتعدى الحكم إليه كما قيل، فمع أنه يمكن المناقشة فيه بمنع جريان العلة إذ الدعاء والذكر في التشهد أكثر منهما بين السجدتين، لا نسلم أنه يدل على هذا المعنى، إذ يحتمل أن يكون المراد به النهي عن أن يجعل باطن قدميه على الارض غير موصل أليتيه إليها رافعا فخذيه و

[194]

ركبتيه إلى قريب ذقنه، كما يتجافى المسبوق. بل الخبر الاول أيضا يحتمل ذلك فيظهر معنى آخر للاقعاء والفرق بينه وبين المعنى الاول من المعاني الثلاثة بالصاق الاليتين بالارض وعدمه، وربما احتمل كلام ابن الجنيد أيضا ذلك، حيث قال (ولا يقعد على مقدم رجليه وأصابعهما) هذا المعنى أيضا، والتعليل الوارد في الخبر أيضا شديد الانطباق على هذا الوجه، ولو سلم عدم إرادة هذا المعنى، فالتعليل الوارد في الخبر بالاقعاء بالمعنى المشهور بين الاصحاب ألصق. وبالجملة الاظهر حمل الاقعاء المنهى عنه على ما هو المشهور بين الاصحاب ولكن الاحوط والاولى ترك الجلوس على الوجوه الاربعة التي ذكرنا أنها من محتملات الاخبار، بل يحتمل أن يكون المراد النهي عن جميعها إن جوزنا استعمال اللفظ في المعنيين الحقيقيين، أو المعنى الحقيقي والمجازي معا، والله تعالى يعلم وحججه صلوات الله عليهم حقايق أحكامه تعالى.

[195]

(32) * (باب) * * " (القنوت وآدابه وأحكامه) " * الايات: البقرة: وقوموا لله قانتين (1). آل عمران: يا مريم اقتني لربك (2). تفسير: القنوت يطلق في اللغة على خمسة معان: الدعاء، والطاعة، والسكون والقيام في الصلاة، والامساك عن الكلام، ذكره في القاموس، وذكر ابن الاثير معاني اخرى كالخشوع، والصلاة، والعبادة، والقيام، وطول القيام، وقال الجوهري: القنوت الطاعة، هذا هو الاصل، ومنه قوله تعالى: (القانتين والقانتات) (3) ثم سمي القيام في الصلاة قنوتا، وقريب منه كلام ابن فارس، وهو في اصطلاح الفقهاء الدعاء في أثناء الصلاة في محل معين سواء كان معه رفع اليدين أم لا، وربما يطلق على الدعاء مع رفع اليد. ثم إن المشهور بين الاصحاب استحبابه، وقال الصدوق في الفقيه: سنة واجبة من تركه عمدا أعاد، ونقل عن ظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوبه في الصلوات الجهرية والاول لعله أقوى. واستدل بالاية الاولى على مذهب الصدوق ويرد عليه أن القنوت جاء في اللغة


(1) البقرة: 238، وقد مر في ج 82 ص 278 ما يتعلق بالمقام، ونزيد هنا أن الاية من المتشابهات بأم الكتاب، فأول رسول الله صلى الله عليه وآله قيامها وقنوتها إلى الصلاة فتكون سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة وكل ضلالة في النار على حد سائر السنن التى تبطل الصلاة بتعمد تركها رغبة عنها، كما قال به الصدوق في الفقيه ج 1 ص 207. (2) آل عمران: 43. (3) الاحزاب: 35. [*]

[196]

لمعان، فيجوز أن يكون المراد به في الاية الطاعة أو غيرها من المعاني المتقدمة، فلا يختص بالدعاء، ولو سلم أن المراد به الدعاء فيمكن أن يراد به الدعاء الذي يتحقق في ضمن القراءة، لان الفاتحة مشتملة على الدعاء، فلا دلالة في الاية على الدعاء المخصوص، على أن الاختصاص بالصلاة الوسطى قائم كما مر في الخبر أيضا، فيحتاج إلى التمسك بعدم القائل بالفصل وفي إثباته عسر. والمفسرون أيضا اختلفوا في تفسيره قال في مجمع البيان (1): قال ابن عباس: معناه داعين، والقنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل طائعين، وقيل خاشعين، وقيل ساكنين، وقال في الكشاف (قوموا لله قانتين) ذاكرين الله في قيامكم، والقنوت أن تذكر الله قائما وعن عكرمة كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا وقال مجاهد هو الركود وكف الايدي والبصر، وروي أنه إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمد بصره أو يلتفت أو يقلب الحصا أو يحدث نفسه بشئ من امور الدنيا. وكذا الكلام في الاية الثانية وتزيد على الاولى بأنها متعلقة بالامم السالفة، قال الطبرسي - ره - (2) (اقنتي لربك) أي اعبديه وأخلصي له العبادة، عن ابن جبير وقيل: معناه أديمي الطاعة له، وقيل أطيلي القيام في الصلاة. 1 - العيون والعلل: عن عبد الواحد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان في العلل التي رواها عن الرضا عليه السلام: فان قال: فلم جعل الدعاء في الركعة الاولى قبل القراءة، ولم جعل في الركعة الثانية القنوت بعد القراءة ؟ قيل: لانه أحب أن يفتح قيامه لربه وعبادته بالتحميد والتقديس والرغبة والرهبة، ويختمه بمثل ذلك، ويكون في القيام عند القنوت بعض الطول فأحرى أن يدرك المدرك الركوع فلا تفوته الركعتان في الجماعة (3).


(1) مجمع البيان ج 2 ص 343. (2) مجمع البيان ج 2 ص 440. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 106، علل الشرايع ج 1 ص 247. [*]

[197]

2 - العيون: بالاسناد المتقدم عن الفضل فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون من شرايع الدين قال عليه السلام: والقنوت سنة واجبة في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء الاخرة (1). 3 - الخصال: عن ستة من مشايخه رضي الله عنهم عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن الصادق عليه السلام قال: القنوت في جميع الصلوات سنة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، وقال فرائض الصلاة سبع: الوقت، والطهور، والتوجه، والقبلة، والركوع والسجود، والدعاء (2). بيان: قد عرفت أنه لا يمكن الاستدلال بالسنة على الاستحباب (3) ولا بالوجوب على المعنى المصطلح، لشيوع استعمال الاول فيما ظهر من السنة، واجبا كان أم ندبا، والثاني في السنن الاكيدة في الاخبار، وقد يستدل بالجزء الاخير على وجوبه بحمل الدعاء على القنوت، وقد عرفت احتمال كون المراد به قراءة الفاتحة لاشتمالها على الدعاء، ولذا تسمى سورة الدعاء أيضا، مع أنه يمكن حمل الفرض على ما يشمل السنة المؤكدة لوجود المعارض، والاحوط عدم الترك. ثم إن الخبر يدل على كون القنوت قبل الركوع كما هو المشهور بين الاصحاب وحكى العلامة في المنتهى اتفاق الاصحاب عليه، ويظهر من المحقق في المعتبر الميل إلى التخيير بين فعله قبل الركوع وبعده، وإن كان الاول أظهر لما رواه الشيخ عن أبي جعفر عليه السلام قال: القنوت قبل الركوع وإن شئت بعده (4) وفي سند الرواية


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 123. (2) الخصال ج 2 ص 151. (3) الا بعد ملاحظة ما صح عن طرق الفريقين أنه صلى الله عليه وآله قال: السنة سنتان: سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة - وكل ضلالة في النار - وسنة في غير فريضة الاخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة. (4) التهذيب ج 1 ص 160. [*]

[198]

ضعف، والمشهور أقوى وأحوط، والظاهر أن قنوت الوتر أيضا قبل الركوع، و يستحب الدعاء أيضا بعده فيها لرواية وردت فيه وسماه في المعتبر قنوتا، والعلامة في المنتهى جوز قنوت الوتر قبل الركوع وبعده وفيه نظر والاولى إما الجمع بينهما أو الاكتفاء بما قبل الركوع، وسيأتي حكم قنوت الجمعة. 4 - تحف العقول: عن الرضا عليه السلام: فيما كتب للمأمون قال: كل القنوت قبل الركوع وبعد القراءة (1). 5 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل نسي القنوت حتى ركع ما حاله ؟ قال عليه السلام: تمت صلاته ولا شئ عليه (2). بيان: المشهور بين الاصحاب استحباب القنوت بعد الركوع لمن نسيه قبله، وقال في المنتهى: لا خلاف عندنا في استحباب الاتيان بالقنوت بعد الركوع مع نسيانه قبله، وأما أنه هل هو أداء أو قضاء ؟ ففيه تردد، ثم قرب كونه قضاء. والظاهر أنه لا حاجة إلى نية الاداء والقضاء، وهذا الخبر إنما يدل على عدم وجوب القضاء، ولعله لم يقل به أحد، ولا ينافي استحبابه مع ورود الاخبار الكثيرة به، ولو لم يذكره بعد الركوع أيضا استحب قضاؤه بعد الصلاة، كما ذكره الاكثر، ودلت عليه الرواية، واحتمال الاداء هنا ضعيف جدا. 6 - الاحتجاج: كتب الحميري إلى القائم عليه السلام يسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه أن يرد يديه على وجهه وصدره، للحديث الذي روي (3) أن الله


(1) تحف العقول ص 440 ط الاسلامية وفيه: القنوت في أربع صلوات: في الغداة والمغرب والعتمة ويوم الجمعة وصلاة الظهر. (2) المسائل - البحار ج 10 ص 280. (3) روى عن أبى عبد الله عليه السلام قال: ما أبرز عبد يده إلى الله العزيز الجبار الا استحيى الله عزوجل أن يردها صفرا حتى يجعل فيها من فضل رحمته ما يشاء، فإذا دعا أحدكم فلا يرد يده حتى يسمح على وجهه ورأسه، تراه في الفقيه ج 1 ص 107، اصول الكافي ج 2 ص 471، والحديث بظاهره منصرف في الدعاء غير القنوت. [*]

[199]

عزوجل أجل من أن يرد يدي عبده صفرا بل يملؤها من رحمته. أم لا يجوز، فان بعض أصحابنا ذكر أنه عمل في الصلاة (1). فأجاب عليه السلام: رد اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جائز في الفرائض والذي عليه العمل فيه إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من الدعاء أن يرد بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهل ويكبر ويركع، والخبر صحيح، وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض، والعمل به فيها أفضل (2). ايضاح: هذا التفصيل لم أره في كلام الاصحاب بل قال الاكثر بعدم استحباب مسح الوجه بعده، وقال بعضهم باستحبابه مطلقا، قال في المنتهى: هل يستحب أن يمسح وجهه بيديه عند الفراغ من الدعاء ؟ قيل: نعم، ولم يبثت، وقال في الذكرى: ويمسح وجهه بيديه ويمرهما على لحيته وصدره، قاله الجعفي، وهو مذهب بعض العامة انتهى، والاحوط تركه في المكتوبة للرواية من غير معارض. 7 - مجالس الصدوق: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن صفوان، عن أبي أيوب، عن أبي بصير، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام عن أبي ذر - رحمه الله - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أطولكم قنوتا في دار الدنيا أطولكم راحة يوم القيامة في الموقف (3). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن علي بن إسماعيل، عن صفوان مثله (4). 8 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري عن إبراهيم بن إسحاق عن ابن بزيع رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: سبعة مواطن


(1) قد عرفت الوجه في ذلك في ج 84 ص 326، راجعه. (2) الاحتجاج: 272. وفى مطبوعة الكمبانى نقل الحديث من قرب الاسناد و هو سهو. (3) أمالى الصدوق: 304. (4) ثواب الاعمال: 31. [*]

[200]

ليس فيها دعاء موقت: الصلاة على الجنازة، والقنوت، والمستجار، والصفا، والمروة والوقوف بعرفات، وركعتي الطواف (1). الهداية: مرسلا مثله (2). 9 - معاني الاخبار والخصال: في خبر أبي ذر - رحمه الله - أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي الصلاة أفضل ؟ قال: طول القنوت (3). 10 - العيون: عن جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان، عن ابن بزيع قال: سألت الرضا عليه السلام عن القنوت في الفجر والوتر قال: قبل الركوع (4). أقول: قد مضى في خبر رجاء بن أبي الضحاك القنوت في الصلوات وقنوت الوتر وقال: كان قنوت الرضا عليه السلام في جميع صلواته (رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الاعز الاجل الاكرم) (5). 11 - مجالس ابن الشيخ: عن ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن القاسم ابن جعفر بن أحمد، عن عباد بن أحمد القزويني، عن عمه، عن أبيه، عن جابر عن إبراهيم بن عبد الاعلى، عن سويد بن غفلة، عن عمرو أبي بكر وعلي و عبد الله بن العباس قال كلهم قنت في الفجر وعثمان أيضا قنت في الفجر (6). ومنه: بالاسناد، عن عباد، عن عمه، عن أبي المجالد، عن زيد بن وهب عن أبي المنذر الجهني، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تنسين الاستغفار في صلاتك فانها


(1) الخصال ج 2 ص 10. (2) الهداية: 40. (3) معاني الاخبار: 332، الخصال ج 2 ص 103 في حديث. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 18. (5) راجع عيون الاخبار ج 2 ص 182. (6) أمالى الطوسى ج 1 ص 357. [*]

[201]

ممحاة للخطايا باذن الله (1). 12 - المحاسن: عن أبيه، عن محمد بن إسماعيل رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: عليك برفع يديك إلى ربك وكثرة تقلبهما (2). ومنه: عن أبيه، عن أبي إسماعيل قال: سأل رجل شريكا ونحن حضور، فقال: ما تقول في رجل على باب داره مسجد لا يقنت فيه، ووراء ذلك المسجد مسجد يقنت فيه ؟ قال يأتي المسجد الذي يقنت فيه، فقال: ما تقول في رجل يرى القنوت فسهى ولم يقنت ؟ قال: يسجد سجدتي السهو، فقال: ما تقول في رجل لم ير القنوت فيها، فقنت، فضحك وقال: هذا رجل سهى فأصاب (3). 13 - فقه الرضا: عليه السلام قال عليه السلام: اقنت في أربع صلوات: الفجر، والمغرب، والعتمة، وصلاة الجمعة، والقنوت كلها قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة، وأدنى القنوت ثلاث تسبيحات (4). وسألت العالم عليه السلام عن القنوت يوم الجمعة إذا صليت وحدي أربعا، فقال: نعم في الركعة الثانية خلف القراءة، فقلت: أجهر فيها بالقراءة ؟ فقال: نعم (5). 14 - العياشي: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (قوموا لله قانتين) قال: مطيعين راغبين (6). ومنه: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (قوموا لله قانتين) قال: إقبال الرجل على صلاته، ومحافظته على وقتها (7).


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 356. (2) المحاسن: 17. (3) المحاسن: 324. (4) فقه الرضا: 8 س 33. (5) فقه الرضا: 11 س 19. (6 - 7) تفسير العياشي ج 1 ص 127. [*]

[202]

وفي رواية سماعة (وقوموا لله قانتين) قال: هو الدعاء (1). 15 - السرائر: نقلا من كتاب حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال القنوت كلها جهار (2). بيان: قال في الذكري: يستحب الجهر في القنوت في الجهرية والاخفاتية للرواية الصحيحة (3) وقال الجعفي والمرتضى - رحمهما الله - أنه تابع للصلاة في الجهر والاخفات لعموم: (صلاة النهار عجماء وصلاة الليل جهر) قلنا الخاص مقدم وقال ابن الجنيد: يستحب أن يجهر به الامام ليؤمن من خلفه على دعائه، فان أراد لفظ آمين فسيأتي أنه مبطل، وإن أراد الدعاء بالاستجابة فلا بأس، وهل يسر به المأموم ؟ الاقرب نعم، لعموم قول الصادق عليه السلام (4) ينبغي للامام أن يسمع من خلفه كل ما يقول، ولا ينبغي لمن خلفه أن يسمعه شيئا مما يقول انتهى. أقول: بين الخبرين عموم من وجه فليس أحدهما أولى بالتخصيص من الاخر إلا أن يقال: أخبار عدم إسماع المأموم أكثر، والله يعلم. 16 - السرائر: نقلا من نوادر محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن الحسين عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي إسحاق ثعلبة، عن عبد الله بن هلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إن حالنا قد تغيرت، قال: فادع في صلاتك الفريضة، قلت: أيجوز في الفريضة فاسمي حاجتي للدين والدنيا ؟ قال: نعم، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قنت ودعا على قوم بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، وفعله علي عليه السلام من بعده (5). 17 - رجال الكشى: عن محمد بن الحسن البراثي، عن أبي علي الفارسي عن إبراهيم بن عقبة قال: كتبت إلى العسكري عليه السلام جعلت فداك قد عرفت هؤلاء


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 128. (2) السرائر ص 472. (3) رواه في الفقيه ج 1 ص 209. (4) التهذيب ج 1 ص 260. (5) السرائر: 476. [*]

[203]

الممطورة فأقنت عليهم في الصلاة: قال: نعم، اقنت عليهم في صلاتك (1). ومنه: عن حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن إبراهيم مثله (2). ايضاح: قال في الذكرى: يجوز الدعاء فيه للمؤمنين بأسمائهم، والدعاء على الكفرة والمنافقين، لان النبي صلى الله عليه وآله دعا في قنوته لقوم بأعيانهم وعلى آخرين بأعيانهم كما روي أنه قال: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش ابن ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، واشدد وطأتك على مضر ورعل وذكوان، وقنت أمير المؤمنين عليه السلام في صلاة الغداة فدعا على أبي موسى وعمرو بن العاص ومعاوية وأبي الاعور وأشياعهم، قاله ابن أبي عقيل انتهى. والممطورة الواقفية لقبوا بذلك لانهم لكثرة ضررهم على الشيعة وافتتانهم بهم، كانوا كالكلاب التي أصابها المطر وابتلت ومشت بين الناس، فلا محالة يتنجس الناس بها، فكذلك هؤلاء في اختلاطهم بالامامية وافتتانهم بهم. 19 - جامع البزنطى: نقلا من خط بعض الافاضل، عن جميل، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: تقول في القنوت: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني إنك على كل شئ قدير. 20 - مجمع البيان: في تفسير قوله تعالى: (وتبتل إليه تبتيلا) روي عن محمد بن مسلم وزرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السلام أن التبتل هنا رفع اليدين في الصلاة (3). وفي رواية أبي بصير قال: هو رفع يديك إلى الله وتضرعك إليه (4). 14 - الهداية: المواطن التي ليس فيها دعاء موقت: الصلاة على الجنازة، والقنوت، والمستجار، والصفا، والمروة، والوقوف بعرفات، وركعتي


(1) رجال الكشى ص 391. (2) رجال الكشى ص 392. (3 و 4) مجمع البيان ج 10 ص 279، والاية في المزمل: 8. [*]

[204]

الطواف (1). 21 - أربعين الشهيد: باسناده عن الصدوق، عن المظفر العلوي، عن جعفر ابن محمد بن مسعود العياشي، عن أبيه، عن محمد بن نمير، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) (2) قال: التضرع رفع اليدين بالدعاء (3). بيان: قال في الذكرى في آداب القنوت: يستحب رفع اليدين به تلقاء وجهه مبسوطتين، يستقبل ببطونهما السماء، وبظهورهما الارض، قاله الاصحاب وروى عبد الله بن سنان (4) عن الصادق عليه السلام وترفع يديك حيال وجهك، وإن شئت تحت ثوبك وتتلقى بباطنهما السماء، وقال المفيد: يرفع يديه حيال صدره، وحكى في المعتبر قولا بجعل باطنهما إلى الارض وتفرق الابهام عن الاصابع، قاله ابن إدريس، ويستحب نظره إلى بطونهما، ذكره الجماعة ويجوز ترك الرفع للتقية انتهى. وأقول: روى في الكافي هذا الخبر بسند آخر صحيح عن محمد بن مسلم (5) هكذا قال: الاستكانة هي الخضوع، والتضرع رفع اليدين والتضرع بهما. وبسند آخر (6) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الرغبة أن تستقبل ببطن كفيك إلى السماء، والرهبة أن تجعل ظهر كفيك إلى السماء، وقوله: (وتبتل إليه تبتيلا) قال


(1) الهداية: 40، وقد مرت الاشارة إليه تحت الرقم 8. (2) المؤمنون: 75. (3) رواه الصدوق في المعاني ص 369. (4) التهذيب ج 1 ص 172. (5) الكافي ج 2 ص 480. (6) الكافي ج 2 ص 479. [*]

[205]

الدعاء باصبع واحدة تشير بها، والتضرع تشير بأصبعيك وتحركهما، والابتهال رفع اليدين وتمدهما، وذلك عند الدمعة ثم ادع. وفي رواية اخرى (1) عنه عليه السلام قال: ذكر الرغبة: وأبرز باطن راحتيه إلى السماء، وهكذا الرهبة: وجعل ظهر كفيه إلى السماء، وهكذا التضرع: وحرك أصابعه يمينا وشمالا، وهكذا التبتل: ويرفع أصابعه مرة ويضعها مرة وهكذا الابتهال: ومد يديه تلقاء وجهه إلى القبلة، ولا يبتهل حتى تجري الدمعة. وبسند صحيح (2) عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول مر بي رجل وأنا أدعو في صلاتي بيساري، فقال: يا أبا عبد الله بيمينك، فقلت: يا عبد الله إن لله تبارك وتعالى حقا على هذه كحقه على هذه. وقال: الرغبة تبسط يديك وتظهر باطنهما، والرهبة تبسط يديك وتظهر ظهرهما، والتضرع تحرك السبابة اليسرى ترفعها إلى السماء رسلا وتضعها، و الابتهال تبسط يدك وذراعك إلى السماء، والابتهال حين ترى أسباب البكاء. وفي رواية اخرى (3) عن أبي بصير عنه عليه السلام قال: سألته عن الدعاء ورفع اليدين فقال: على أربعة أوجه، أما التعوذ فتستقبل القبلة بباطن كفيك، وأما الدعاء في الرزق فتبسط كفيك وتفضي بباطنهما إلى السماء، وأما التبتل فايماؤك بأصبعك السبابة، وأما الابتهال فرفع يديك تجاوز بهما رأسك، ودعاء التضرع أن تحرك أصبعك السبابة مما يلي وجهك وهو دعاء الخيفة. وأقول: سيأتي ساير الاخبار في ذلك مع أسرار تلك الاشارات في كتاب الدعاء (4) والظاهر جواز إعمالها في قنوت الصلاة كما يدل عليه بعض الاخبار. 23 - الذكرى: قال: روى علي بن إسماعيل الميثمي في كتابه باسناده إلى الصادق عليه السلام صل يوم الجمعة الغداة بالجمعة والاخلاص، واقنت في الثانية بقدر


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 480. (3) الكافي ج 2 ص 481. (4) راجع ج 93 ص 304 - 323 من هذه الطبعة. [*]

[206]

ما قمت في الركعة الاولى (1). ومنه: ورد عنهم عليهم السلام: أفضل الصلاة ما طال قنوتها (2). 23 - فلاح السائل: قال: يقول في قنوته: لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع، ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين (3). 24 - المقنعة: إذا فرغ من قراءة السورة بعد الحمد رفع يديه بالتكبير ثم قلبهما، فجعل باطنهما إلى السماء وظاهرهما إلى الارض، وقنت فقال: (لا إله إلا الله الحليم الكريم) وساق مثله إلا أنه أسقط الرب قبل الارضين وما تحتهن وزاد (اللهم صل على محمد وآل محمد، وعافني واعف عني وآتني في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة، وقني برحمتك عذاب النار) ويدعو بما أحب (4). المهذب: لابن البراج مثله إلا أن فيه (وعافني واغفر لي واعف). بيان: وردت كلمات الفرج بطرق مختلفة قد سبق بعضها في كتاب الجنائز (5) وفي رواية أبي بصير في قنوت الجمعة (6) لا إله إلا الله رب السموات) مكان (سبحان الله) وكذا في المصباح (7) أيضا وليس في الرواية وفي بعض نسخ المصباح (وما تحتهن) وفي بعض نسخه (وهو رب العرش) وليس في الرواية ولا في المصباح (وسلام على المرسلين) والاحوط تركه، وقد ورد النهي عن قوله في قنوت الجمعة عن أبي الحسن الثالث () كما سيأتي في باب صلاة الجمعة إنشاء الله.


(1 - 2) الذكرى: 158. (3) فلاح السائل: 134. (4) المقنعة: 16. (5) راجع ج 81 ص 230 باب آداب الاحتضار. (6) التهذيب ج 1 ص 119. (7 - 8) مصباح المتهجد ص 251. [*]

[207]

وقال في الذكرى: ويجوز أن يقول فيها هنا (وسلام على المرسلين) ذكر ذلك جماعة من الاصحاب منهم المفيد وابن البراج وابن زهرة، وسئل عنه الشيخ نجم الدين في الفتاوى فجوزه لانه بلفظ القرآن، ولورود النقل انتهى. أقول: قد عرفت خلو ما وصل إلينا من النصوص عنه، ثم إن الاصحاب ذكروا أن أفضل القنوت كلمات الفرج. ولم أره مرويا إلا في قنوت الجمعة وقنوت الوتر، ونسبه بعضهم إلى الرواية. قال في الذكرى: أفضل ما يقال فيه كلمات الفرج قال ابن إدريس: وروي أنها أفضله، وقد ذكره الاصحاب، وفي المبسوط والمصباح هي أفضل، وروى سعد بن أبي خلف (1) عن الصادق عليه السلام قال: يجزيك في القنوت (اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا في الدنيا والاخرة إنك على كل شئ قدير) وفي النهاية أدناه (رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك الاعز الاكرم) وعن أبي بصير (2) قال: سألته عن أدنى القنوت، فقال: خمس تسبيحات، وقال ابن أبي عقيل والجعفي والشيخ: أقله ثلاث تسبيحات. واختار ابن أبي عقيل الدعاء بما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في القنوت اللهم إليك شخصت الابصار، ونقلت الاقدام، ورفعت الايدي، ومدت الاعناق، وأنت دعيت بالالسن، وإليك سرهم ونجواهم في الاعمال، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، اللهم إنا نشكو إليك غيبة نبينا وقلة عددنا، وكثرة عدونا، وتظاهر الاعداء علينا، ووقوع الفتن بنا، ففرج ذلك اللهم بعدل تظهره، وإمام حق تعرفه إله الحق آمين رب العالمين. قال: وبلغني أن الصادق عليه السلام كان يأمر شيعته أن يقنتوا بهذا بعد كلمات الفرج، قال ابن الجنيد: وأدناه رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، قال: والذي استحب فيه ما يكون فيه حمدالله وثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) التهذيب ج 1 ص 159. (2) التهذيب ج 1 ص 225. [*]

[208]

والائمة صلوات الله عليهم، وأن يتخير لنفسه من الدعاء وللمسلمين ما هو مباح له انتهى. وأقول: ليس آمين في هذا الدعاء في ساير الروايات كما سيأتي، والاحوط تركه لما عرفت، ثم اعلم أنه منع سعد بن عبد الله من الدعاء في القنوت بالفارسية، و جوزه الصفار، واختاره ابن بابويه، والشيخ في النهاية وغيرهما، والاحوط عدم الاتيان به بغير العربية، وإن كان الجواز لا يخلو من قوة. 25 - العيون: تميم بن عبد الله القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن رجاء بن أبي الضحاك فيما ذكر من عمل الرضا عليه السلام في طريق خراسان قال: كان عليه السلام إذا زالت الشمس قام فصلى ست ركعات ويسلم في كل ركعتين ويقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة إلى أن قال: ثم يقيم ويصلي الظهر إلى أن قال: ثم سجد سجدة الشكر فإذا رفع رأسه قام فصلى ست ركعات يقرأ في كل ركعة الحمد وقل هو الله أحد، ويسلم في كل ركعتين ويقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذن ثم يصلي ركعتين ويقنت في الثانية إلى قوله، فإذا غابت الشمس توضأ وصلى المغرب ثلاثا بأذان وإقامة، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، إلى قوله فيصلي أربع ركعات بتسليمتين يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، إلى قوله ثم قام إلى صلاة الليل فيصلي ثمان ركعات يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع ثم يقوم فيصلي ركعتي الشفع ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فإذا سلم قام وصلى ركعة الوتر ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة إلى قوله: وكان قنوته في جميع صلواته: رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الاعز الاكرم (1). توفيق: هذا الخبر صريح في استحباب القنوت في صلاة الشفع، وقد شملها عموم الاخبار الصحيحة الصريحة الواردة بأن القنوت في كل صلاة في الثانية قبل الركوع


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 181. [*]

[209]

وروى الشيخ في الصحيح (1) عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القنوت في المغرب في الركعة الثانية، وفي العشاء والغداة مثل ذلك، وفي الوتر في الركعة الثالثة. ولهذا الخبر مال بعض المتأخرين في العصر السابق إلى سقوط القنوت في الشفع، مع أنه لا دلالة فيه إلا بالمفهوم، والمنطوق مقدم، ولم يستثنها أحد من قدماء الاصحاب. فيمكن حمل الخبر على أن القنوت المؤكد الذي يستحب إطالته إنما هو في الثالثة، ويمكن حمله على التقية أيضا، لان أكثر المخالفين يعدون الشفع والوتر صلاة واحدة ويقنتون في الثالثة. 26 - دعائم الاسلام: روينا عن أهل البيت عليهم السلام في الدعاء في قنوت الفجر وجوها كثيرة منها (اللهم عذب الكافرين بك، والمنافقين والجاحدين لاوليائك الائمة من أهل بيت نبيك الطاهرين، اللهم اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، وأصلح ذات بينهم، وألف كلمتهم، وثبت في قلوبهم الايمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك، وانصرهم على عدوك وعدوهم اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، ولا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وأسئلك يا رب في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة، وأسألك أن تقينا عذاب النار (2). 27 - الفقيه: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: تقول في قنوت الفريضة في الايام كلها إلا في الجمعة (اللهم إني أسئلك لي والوالدي ولولدي وأهل بيتي وإخواني فيك اليقين والعفو والمعافاة والرحمة والعافية في الدنيا والاخرة (3). 28 - التذكرة: عن الحسن بن علي عليه السلام قال: علمني رسول الله كلمات في القنوت أقولهن (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن


(1) التهذيب ج 1 ص 159. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 206 و 207 مع اختلاف. (3) الفقيه ج 1 ص 209، والظاهر أنه ليس من حديث زرارة راجعه. [*]

[210]

توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت. 29 - كتاب محمد بن المثنى: عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربي قال: قال الحرث بن المغيرة النضري لابي عبد الله عليه السلام: إن أبا معقل المزني حدثني عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه صلى بالناس المغرب فقنت في الركعة الثانية ولعن معاوية وعمرو بن العاص وأبا موسى الاشعري وأبا الاعور السلمي قال عليه السلام: الشيخ صدق فالعنهم.

[211]

(33) " (باب آخر) " * " (في القنوتات الطويلة المروية عن أهل البيت) " * * " (عليهم السلام) " * 1 - مهج الدعوات: قال السيد - ره -: وجدت في الاصل الذي نقلت منه هذه القنوتات، ما هذا لفظه: مما يأتي ذكره بغير إسناد، ثم وجدت بعد سطر هذه القنوتات إسنادها في كتاب عمل رجب وشعبان وشهر رمضان، تأليف أحمد بن عبد الله ابن عياش (1) رحمه الله فقال: حدثني أبو الطيب الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر ابن عبد الله بن الصباح القزويني وأبو الصباح محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن البغدادي الكاتبان قالا: جرى بحضرة شيخنا فقيه العصابة ذكر مولانا أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين عليه السلام فقال رجل من الطالبيين: إنما ينقم منه الناس تسليم هذا الامر إلى ابن أبي سفيان، فقال شيخنا رأيت مولانا أبا محمد عليه السلام أعظم شأنا وأعلى مكانا وأوضح برهانا من أن يقدح في فعل له اعتبار المعتبرين، أو يعترضه شك الشاكين وارتياب المرتابين، ثم أنشأ يحدث فقال: لما مضى سيدنا الشيخ أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري رضي الله عنه وأرضاه، وزاده علوا فيما أولاه، ففرغ من أمره، جلس الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر زاد الله توفيقه للناس في بقية النهار يومه في دار الماضي رضي الله عنه فأخرج إليه ذكاء الخادم الابيض مدرجا وعكازا وحقة خشب مدهونة، فأخذ العكاز فجعلها في حجره على فخذيه، وأخذ المدرج بيمينه، والحقة بشماله، فقال لورثته في هذا المدرج ذكر ودايع فنشره، فإذا هي أدعية وقنوت موالينا الائمة من آل محمد صلى الله عليه وآله، فأضربوا عنها، وقالوا: ففي الحقة جوهر لا محالة، قال لهم: تبيعونها ؟


(1) في المصدر: أحمد بن محمد بن عبد الله بن عباس. [*]

[212]

فقالوا بكم ؟ قال: يا أبا الحسن - يعني ابن شبيب الكوثاري - ادفع إليهم عشرة دنانير ! فامتنعوا فلم يزل يزيدهم ويمتنعون إلى أن بلغ مائة دينار، فقال لهم إن بعتم، وإلا ندمتم، فاستجابوا للبيع، وقبضوا المائة الدينار، واستثنى عليهم المدرج والعكاز (1). فلما انفصل الامر قال: هذه عكاز مولانا أبي محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا عليه السلام التي كانت في يده يوم توكيله سيدنا الشيخ عثمان بن سعيد العمري رحمه الله ووصيته إليه وغيبته إلى يومنا هذا، وهذه الحقة فيها خواتيم الائمة فأخرجها فكانت كما ذكر من جواهرها ونقوشها وعددها. وكان في المدرج قنوت موالينا الائمة عليهم السلام وفيه قنوت مولانا أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين عليه السلام أملاها علينا من حفظه، فكتبناها على ما سطر في هذه المدرجة وقال احتفظوا بها كما تحتفظون بمهمات الدين، وعزمات رب العالمين عزوجل، وفيها بلاغ إلى حين. قنوت سيدنا الحسن عليه السلام (2). يامن بسلطانه ينتصر المظلوم، وبعونه يعتصم المكلوم، سبقت مشيتك، وتمت كلمتك، وأنت على كل شئ قدير، وبما تمضيه خبير، يا حاضر كل غيب، ويا عالم كل سر، وملجأ كل مضطر، ضلت فيك الفهوم، وتقطعت دونك العلوم، و أنت الله الحى القيوم الدائم الديموم، قد ترى ما أنت به عليم، وفيه حكيم، وعنه حليم، وأنت بالتناصر على كشفه والعون على كفه غير ضائق، وإليك مرجع كل أمر كما عن مشيتك مصدره، وقد أبنت عن عقود كل قوم، وأخفيت سراير آخرين وأمضيت ما قضيت، وأخرت ما لا فوت عليك فيه، وحملت العقول ما تحملت في غيبك، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وإنك أنت السميع العليم، الاحد البصير. وأنت اللهم المستعان، وعليك التوكل، وأنت ولي ما توليت، لك الامر


(1) ولعله قدس سره صالحهم على ذلك، والا فالبيع غررى باطل. (2) مهج الدعوات ص 58. [*]

[213]

كله، تشهد الانفعال، وتعلم الاختلال، وترى تخاذل أهل الخبال وجنوحهم إلى ما جنحوا إليه من عاجل فان، وحطام عقباه حميم آن، وقعود من قعد وارتداد من ارتد وخلوي من النصار، وانفرادي من الظهار، وبك أعتصم وبحبلك أستمسك و عليك أتوكل. اللهم فقد تعلم أني ما ذخرت جهدي، ولا منعت وجدي، حتى انفل حدي وبقيت وحدي، فاتبعت طريق من تقدمني في كف العادية، وتسكين الطاغية، عن دماء أهل المشايعة، وحرست ما حرسه أوليائي من أمر آخرتي ودنياي فكنت لغظيهم أكظم، وبنظامهم أنتظم، ولطريقهم أتسنم، وبميسمهم أتسم، حتى يأتي نصرك و أنت ناصر الحق وعونه، وإن بعد المدى من المرتاد، ونأى الوقت عن إفناء الاضداد. اللهم صل على محمد وآله، وأخرجهم مع النصاب في سرمد العذاب، وأعم عن الرشد أبصارهم وسكعهم في غمرات لذاتهم حتى تأخذهم بغتة وهم غافلون، وسحرة وهم نائمون، بالحق الذي تظهره، واليد التي تبطش بها، والعلم الذي تبديه، إنك كريم عليم. ودعا عليه السلام في قنوته: اللهم إنك الرب الرؤف الملك العطوف المتحنن المألوف، وأنت غياث الحيران الملهوف، ومرشد الضال المكفوف، تشهد خواطر أسرار المسرين كمشاهدتك أقوال الناطقين، أسألك بمغيبات علمك في بواطن سرائر المسرين إليك، أن تصلي على محمد وآله صلاة نسبق بها من اجتهد من المتقدمين، ونتجاوز فيها من يجتهد من المتأخرين وأن تصل الذي بيننا وبينك صلة من صنعته لنفسك واصطنعته لعينك، فلم تتخطفه خاطفات الظنن، ولا واردات الفتن، حتى نكون لك في الدنيا مطيعين، وفي الاخرة في جوارك خالدين.

[214]

قنوت الامام الحسين بن علي عليه السلام (1). اللهم منك البدء ولك المشية، ولك الحول ولك القوة، وأنت الله الذي لا إله إلا أنت، جعلت قلوب أوليائك مسكنا لمشيتك، ومكمنا لارادتك، وجعلت عقولهم مناصب أوامرك ونواهيك، فأنت إذا شئت ما تشاء حركت من أسرارهم كوامن ما أبطنت فيهم، وأبدأت من إرادتك على ألسنتهم ما أفهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك وتدعو إليك بحقايق ما منحتهم به، وإني لاعلم مما علمتني مما أنت المشكور على ما منه أريتني، وإليه آويتني. اللهم وإني مع ذلك كله عائذ بك، لائذ بحولك وقوتك، راض بحكمك الذي سقته إلي في علمك، جار بحيث أجريتني، قاصد ما أممتني، غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عني إذ به قد رضيتني، ولا قاصر بجهدي عما إليه ندبتني، مسارع لما عرفتني، شارع فيما أشرعتني، مستبصر ما بصرتني، مراع ما أرعيتني، فلا تخلني من رعايتك، ولا تخرجني من عنايتك، ولا تقعدني عن حولك، ولا تخرجني عن مقصد أنال به إرادتك، واجعل على البصيرة مدرجتي، وعلى الهداية محجتي، وعلى الرشاد مسلكي، حتى تنيلني وتنيل بي امنيتي، وتحل بي على ما به أردتني، وله خلقتني، وإليه آويتني، وأعذ أولياءك من الافتتان بي، وفتنهم برحمتك لرحمتك في نعمتك تفتين الاجتباء، والاستخلاص بسلوك طريقتي، واتباع منهجي، و ألحقني بالصالحين من آبائي وذوي رحمي. ودعا في قنوته: اللهم من أوى إلى مأوى فأنت مأواي، ومن لجا إلى ملجأ فأنت ملجأي اللهم صل على محمد وآل محمد، واسمع ندائي، وأجب دعائي، واجعل عندك مآبي ومثواي، واحرسني في بلواي من افتنان الامتحان، ولمة الشيطان، بعظمتك التي لا يشوبها ولع نفس بتفتين، ولا وارد طيف بتظنين، ولا يلم بها فرج حتى تقلبني إليك بارادتك غير ظنين ولا مظنون، ولا مراب ولا مرتاب، إنك أنت أرحم الراحمين.


(1) مهج الدعوات ص 59. [*]

[215]

قنوت الامام زين العابدين عليه السلام (1). اللهم إن جبلة البشرية، وطباع الانسيانية، وما جرت عليه تركيبات النفسية وانعقدت به عقود النسية، تعجز عن حمل واردات الاقضية إلا ما وفقت له أهل الاصطفاء، وأعنت عليه ذوي الاجتباء. اللهم وإن القلوب في قبضتك، والمشية لك في ملكتك، وقد تعلم أي رب ما الرغبة إليك في كشفه واقعة لاوقاتها بقدرتك، واقفة بحدك من إرادتك، وإني لاعلم أن لك دار جزاء من الخير والشر مثوبة وعقوبة، وأن لك يوما تأخذ فيه بالحق وأن أناتك أشبه الاشياء بكرمك، وأليقها بما وصفت به نفسك في عطفك وتراؤفك، وأنت بالمرصاد لكل ظالم في وخيم عقباه وسوء مثواه. اللهم وإنك قد أوسعت خلقك رحمة وحلما، وقد بدلت أحكامك، وغيرت سنن نبيك وتمرد الظالمون على خلصائك، واستباحوا حريمك، وركبوا مراكب الاستمرار على الجرأة عليك، اللهم فبادرهم بقواصف سخطك، وعواصف تنكيلاتك واجتثاث غضبك، وطهر البلاد منهم، وعف عنها آثارهم، واخطط من قاعاتها و مظانها منارهم، واصطلمهم ببوارك حتى لا تبقي منهم دعامة لناجم، ولا علما لام ولا مناصا لقاصد، ولا رائدا لمرتاد. اللهم امح آثارهم، واطمس على أموالهم وديارهم، وامحق أعقابهم، وافكك أصلابهم، وعجل إلى عذابك السرمد انقلابهم، وأقم للحق مناصبه، واقدح للرشاد زناده، وأثر للثار مثيره، وأيد بالعون مرتاده، ووفر من النصر زاده، حتى يعود الحق بحدبه، وتنير معالم مقاصده، ويسلك أهله بالامنة حق سلوكه، إنك على كل شئ قدير. ودعا في قنوته: اللهم أنت المبين البائن، وأنت المكين الماكن الممكن، اللهم صل على


(1) مهج الدعوات: 61. [*]

[216]

آدم بعيد فطرتك، وبكر حجتك، ولسان قدرتك، والخليفة في بسيطتك، وأول مجتبى للنبوة برحمتك، وساحف شعر رأسه تذللا لك في حرمك لعزتك، ومنشئ من التراب نطق إعرابا بوحدانيتك، وعبد لك أنشأته لامتك، ومستعيذ بك من مس عقوبتك، وصل على ابنه الخالص من صفوتك، والفاحص عن معرفتك والغائص المأمون عن مكنون سريرتك، بما أوليته من نعمك ومعونتك، وعلى من بينهما من النبيين والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين. وأسئلك اللهم حاجتي التي بيني وبينك لا يعلمها أحد غيرك، أن تأتي على قضائها وإمضائها في يسر منك وعافية، وشد أزر وحط وزر، يامن له نور لا يطفى، وظهور لا يخفى، وامور لا تكفى. اللهم إني دعوتك دعاء من عرفك وتبتل إليك، وآل بجميع بدنه إليك سبحانك طوت الابصار في صنعتك مديدتها، وثنت الالباب عن كنهك أعنتها، فأنت المدرك غير المدرك، والمحيط غير المحاط، وعزتك لتفعلن وعزتك لتفعلن [وعزتك لتفعلن]. قنوت الامام أبى جعفر محمد الباقر عليه السلام (1) اللهم إن عدوي قد استسن في غلوائه، واستمر في عدوانه، وأمن بما شمله من الحلم عاقبة جرأته عليك، وتمرد في مباينتك، ولك اللهم لحظات سخط بياتا وهم نائمون، ونهارا وهم غافلون، وجهرة وهم يلعبون، وبغتة وهم ساهون، وإن الخناق قد اشتد، والوثاق قد احتد، والقلوب قد شجيت، والعقول قد تنكرت، و الصبر قد أودى، وكاد تنقطع حبائله، فانك لبالمرصاد من الظالم، ومشاهدة من الكاظم، لا يعجلك فوت درك، ولا يعجزك احتجاز محتجز، وإنما مهلته استثباتا و حجتك على الاحوال البالغة الدامغة ولعبدك ضعف البشرية وعجز الانسيانية، ولك سلطان الالهية وملكة الربوبية، وبطشة الاناة وعقوبة التأبيد. اللهم فان كان في المصابرة لحرارة المعان من الظالمين، وكيد من نشاهد من


(1) مهج الدعوات: 63. [*]

[217]

المبدلين، رضي لك ومثوبة منك فهب لنا مزيدا من التأييد، وعونا من التسديد، إلى حين نفوذ مشيتك فيمن أسعدته وأشقيته من بريتك وامنن علينا بالتسليم لمحتومات أقضيتك، والتجرع لواردات أقدارك، وهب لنا محبة لما أحببت في متقدم ومتأخر ومتعجل ومتأجل، والايثار لما اخترت في مستقرب ومستبعد، ولا تخلنا اللهم مع ذلك من عواطف رأفتك ورحمتك وكفايتك وحسن كلاءتك بمنك وكرمك. ودعا عليه السلام في قنوته. يا من يعلم هواجس السرائر، ومكامن الضمائر، وحقايق الخواطر، يامن هو لكل غيب حاضر، ولكل منسي ذاكر، وعلى كل شئ قادر، وإلى الكل ناظر، بعد المهل، وقرب الاجل، وضعف العمل، وأرأب الامل، وآن المنتقل وأنت يا الله الاخر كما أنت الاول، مبدئ ما أنشأت، ومصيرهم إلى البلى ومقلدهم أعمالهم، ومحملها ظهورهم إلى وقت نشورهم من بعثة قبورهم، عند نفخة الصور، و انشقاق السماء بالنور، والخروج بالمنشر إلى ساحة المحشر، لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء، متراطمين في غمة مما أسلفوا، ومطالبين بما احتقبوا، ومحاسبين هناك على ما ارتكبوا. الصحائف في الاعناق منشورة، والاوزار على الظهور مأزورة، لا انفكاك ولا مناص، ولا محيص عن القصاص، قد أفحمتهم الحجة وحلوا في حيرة المحجة، همسوا الضجة، معدول بهم عن المحجة، إلا من سبقت له من الله الحسنى، فنجي من هول المشهد، وعظيم المورد، ولم يكن ممن في الدنيا تمرد، ولا على أولياء الله تعند ولهم استعبد، وعنهم بحقوقهم تفرد. اللهم فان القلوب قد بلغت الحناجر، والنفوس قد علت التراقي، والاعمار قذ نفدت بالانتظار، لا عن نقص استبصار، ولا عن اتهام مقدار، ولكن لما تعاني من ركوب معاصيك، والخلاف عليك في أوامرك ونواهيك، والتلعب بأوليائك و مظاهرة أعدائك، اللهم فقرب ما قد قرب، وأورد ما قد دنى، وحقق ظنون الموقنين وبلغ المؤمنين تأميلهم من إقامة حقك ونصر دينك، وإظهار حجتك والانتقام من أعدائك.

[218]

قنوت الامام جعفر الصادق عليه السلام (1). يا من سبق علمه، ونفذ حكمه، وشمل حلمه، صل على محمد وآل محمد، و أزل حلمك عن ظالمي، وبادره بالنقمة، وعاجله بالاستيصال، وكبه لمنخره، و اغصصه بريقه، واردد كيده في نحره، وحل بيني وبينه بشغل شاغل مولم، وسقم دائم، وامنعه التوبة، وحل بينه وبين الانابة، واسلبه روح الراحة، واشدد عليه الوطأة، وخذ منه بالمخنق، وحشرجه في صدره، ولا تثبت له قدما، وأثكله ونكله واجتثه واستأصله وجثه وجث نعمتك عنه، وألبسه الصغار، واجعل عقباه النار، بعد محو آثاره، وسلب قراره، وإجهار قبيح آصاره، وأسكنه دار بواره، ولا تبق له ذكرا، ولا تعقبه من مستخلف أجرا. اللهم بادره ثلاثا اللهم عاجله ثلاثا اللهم لا تؤجله ثلاثا اللهم خذه ثلاثا اللهم اسلبه التوفيق ثلاثا اللهم لا تنهضه، اللهم لا ترثه، اللهم لا تؤخره، اللهم عليك به اللهم اشدد قبضتك عليه، اللهم بك اعتصمت عليه، وبك استجرت منه، وبك تواريت عنه، وبك استكففت دونه، وبك استترت من ضرائه. اللهم احرسني بحراستك منه، ومن عداتك، واكفني بكفايتك كيده وكيد بغاتك، اللهم احفظني بحفظ الايمان، وأسبل علي سترك الذي سترت به رسلك عن الطواغيت، وحصني بحصنك الذي وقيتهم به من الجوابيت، اللهم أيدني منك بنصر لا ينفك، وعزيمة صدق لا تحل، وجللني بنورك، واجعلني متدرعا بدرعك الحصينة الواقية، واكلاني بكلاءتك الكافية، إنك واسع لما تشاء، وولي من لك توالى، وناصر من إليك أوى، وعون من بك استعدى، وكافي من بك استكفى، والعزيز الذي لا يمانع عما يشاء، ولا قوة إلا بالله، وهو حسبي وعليه توكلت وهو رب العرش العظيم.


(1) مهج الدعوات: 64. [*]

[219]

ودعا عليه السلام في قنوته: يا مأمن الخائف، وكهف اللاهف، وجنة العائذ، وغوث اللائذ، خاب من اعتمد سواك، وخسر من لجأ إلى دونك، وذل من اعتز بغيرك، وافتقر من استغنى عنك. إليك اللهم المهرب، ومنك اللهم المطلب، اللهم قد تعلم عقد ضميري عند مناجاتك وحقيقة سريرتي عند دعائك، وصدق خالصتي باللجاء إليك فأفزعني إذا فزعت إليك ولا تخذلني إذا اعتمدت عليك، وبادرني بكفايتك، ولا تسلبني وفق عنايتك، وخذ ظالمي الساعة الساعة أخذ عزيز مقتدر عليه، مستأصل شأفته، مجتث قائمته، حاط دعامته، مبير له مدمر عليه. اللهم بادره قبل أذيتي، واسبقه بكفايتي كيده وشره ومكروهه وغمزه وسوء عقده وقصده، اللهم إني إليك فوضت أمري، وبك تحصنت منه، ومن كل يتعمدني بمكروهه، ويترصدني بأذيته، ويصلت لي بطانته، ويسعى على بمكائده. اللهم كد لي ولا تكد على، وامكر لي ولا تمكر بي، وأرني الثار من كل عدو أو مكار، ولا يضرني ضار وأنت وليي، ولا يغلبني مغالب وأنت عضدي، ولا تجري علي مساءة وأنت كنفي، اللهم بك استدرعت واعتصمت، وعليك توكلت ولا حول ولا قوة إلا بك. قنوت الامام موسى بن جعفر عليه السلام (1): يا مفزع الفازع، ومأمن الهالع، ومطمع الطامع، وملجأ الضارع، يا غوث اللهفان، ومأوى الحيران، ومروي الظمآن، ومشبع الجوعان، وكاسي العريان، وحاضر كل مكان، بلا درك ولا عيان، ولا صفة ولا بطان، عجزت الافهام، وضلت الاوهام عن موافقة صفة دابة من الهوام، فضلا عن الاجرام العظام، مما أنشأت حجابا لعظمتك وأنى يتغلغل إلى ما وراء ذلك مما لا يرام، تقدست يا قدوس


(1) مهج الدعوات: 66. [*]

[220]

عن الظنون والحدوس، وأنت الملك القدوس، باري الاجسام والنفوس، ومنخر العظام ومميت الانام، ومعيدها بعد الفناء والتطميس، وأسألك يا ذا القدرة والعلاء، والعز والثناء، أن تصلي على محمد وآله اولي النهى، والمحل الاوفى، والمقام الاعلى، وأن تعجل ما قد تأجل، وتقدم ما قد تأخر، وتأتي بما قد وجب إتيانه وتقرب ما قد تأخر في النفوس الحصرة أوانه، وتكشف البأس وسوء اللباس، وعوارض الوسواس الخناس، في صدور الناس، وتكفينا ما قد رهقنا، وتصرف عنا ما قد ركبنا، وتبادر اصطلام الظالمين، ونصر المؤمنين، والادالة من العاندين، آمين يا رب العالمين. ودعا عليه السلام في قنوته: اللهم إني وفلان بن فلان عبدان من عبيدك، نواصينا بيدك، تعلم مستقرنا ومستودعنا، ومنقلبنا ومثوانا، وسرنا وعلانيتنا، تطلع على نياتنا وتحيط بضمائرنا علمك بما نبديه كعلمك بما نخفيه، ومعرفتك بما نبطنه كمعرفتك بما نظهره، ولا ينطوي عندك شئ من أمورنا، ولا يستتر دونك حال من أحوالنا، ولا منك معقل يحصننا، ولا حرز يحرزنا، ولا مهرب لنا نفوتك به، ولا يمنع الظالم منك حصونه ولا يجاهدك عنه جنوده، ولا يغالبك مغالب بمنعة، ولا يعازك معاز بكثرة، أنت مدركه أينما سلك، وقادر عليه أينما لجأ. فمعاذ المظلوم منا بك، وتوكل المقهور منا عليك، ورجوعه إليك، يستغيث بك إذا خذله المغيث، ويستصرخك إذا قعد عنه النصير، ويلوذ بك إذا نفته الافنية ويطرق بابك إذا غلقت عنه الابواب المرتجة، ويصل إليك إذا احتجبت عنه الملوك الغافلة، تعلم ما حل به قبل أن يشكوه إليك، وتعلم ما يصلحه قبل أن يدعوك له، فلك الحمد سميعا لطيفا عليما خبيرا. وأنه قد كان في سابق علمك، ومحكم قضائك، وجاري قدرك، ونافذ أمرك وماضي مشيتك في خلقك أجمعين، شقيهم وسعيدهم، وبرهم وفاجرهم، أن جعلت لفلان بن فلان على قدرة فظلمني بها وبغى على بمكانها، واستطال وتعزز بسلطانه

[221]

الذي خولته إياه، وتجبر وافتخر بعلو حاله الذي نولته، وغره إملاؤك له، وأطغاه حلمك عنه، فقصدني بمكروه عجزت عن الصبر عليه، وتعمدني بشر ضعفت عن احتماله ولم أقدر على الانتصاف منه لضعفي، ولا على الانتصار لقلتي، فوكلت أمره إليك، و توكلت في شأنه عليك، وتوعدته بعقوبتك، وحذرته ببطشك، وخوفته نقمتك، فظن أن حلمك عنه من ضعف، وحسب أن إملاءك له عن عجز، ولم تنهه واحدة عن اخرى، ولا انزجر عن ثانية باولى. لكنه تمادى في غيه، وتتابع في ظلمه، ولج في عدوانه، واستثرى في طغيانه جرأة عليك، يا سيدي ومولاي، وتعرضا لسخطك الذي لا ترده عن الظالمين، وقلة اكتراث ببأسك الذي لا تحبسه عن الباغين. فها أنا ذا يا سيدي مستضعف في يده [يه] مستضام تحت سلطانه، مستذل بفنائه، مغلوب مبغي على مرعوب وجل خائف مروع مقهور، قد قل صبري، وضاعت حيلتي وانغلقت على المذاهب إلا إليك، وانسدت عني الجهات إلا جهتك، والتبست على اموري في دفع مكروهه عني، واشتبهت على الاراء في إزالة ظلمه، وخذلني من استنصرته من خلقك، وأسلمني من تعلقت به من عبادك. فاستشرت نصيحي فأشار علي بالرغبة إليك، واسترشدت دليلي فلم يدلني إلا عليك، فرجعت إليك يا مولاي ساغرا راغما مستكينا عالما أنه لا فرج لي إلا عندك ولا خلاص لي إلا بك، أنتجز وعدك في نصرتي، وإجابة دعائي، لان قولك الحق الذي لا يرد ولا يبدل، وقد قلت تباركت وتعاليت (ومن بغي عليه لينصرنه الله) وقلت جل ثناؤك وتقدست أسماؤك (ادعوني أستجب لكم). فأنا فاعل ما أمرتني به لا منا عليك، وكيف أمن به وأنت عليه دللتني، فاستجب لي كما وعدتني، يامن لا يخلف الميعاد. وإني لاعلم يا سيدي أن لك يوما تنتقم فيه من الظالم للمظلوم، وأتيقن أن لك وقتا تأخذ فيه من الغاصب للمغصوب لانه لا يسبقك معاند ولا يخرج من قبضتك منابذ، ولا تخاف فوت فائت، ولكن جزعى وهلعي لا يبلغان الصبر على أناتك وانتظار حلمك، فقدرتك يا سيدي فوق

[222]

كل قدرة، وسلطانك غالب كل سلطان، ومعاد كل أمد إليك وإن أمهلته، ورجوع كل ظالم إليك وإن أنظرته، وقد أضرني يا سيدي حلمك عن فلان وطول أناتك له وإمهالك إياه، فكاد القنوط يستولي علي لولا الثقة بك، واليقين بوعدك. فان كان في قضائك النافذ، وقدرتك الماضية، أنه ينيب أو يتوب، أو يرجع عن ظلمي ويكف عن مكروهي، وينتقل عن عظيم ما ركب مني، فصل اللهم على محمد وآل محمد، وأوقع ذلك في قلبه الساعة الساعة قبل إزالة نعمتك التي أنعمت بها علي وتكدير معروفك الذي صنعته عندي. وإن كان علمك به غير ذلك، من مقامه على ظلمي، فاني أسألك يا ناصر المظلومين المبغي عليهم إجابة دعوتي، فصل على محمد وآل محمد وخذه من مأمنه أخذ عزيز مقتدر، وافجأه في غفلته مفاجأة مليك منتصر، واسلبه نعمته وسلطانه، وافضض عنه جموعه وأعوانه ومزق ملكه كل ممزق، وفرق أنصاره كل مفرق، وأعره من نعمتك التي لا يقابلها بالشكر، وانزع عنه سربال عزك الذي لم يجازه باحسان. واقصمه يا قاصم الجبابرة، وأهلكه يا مهلك القرون الخالية، وأبره يا مبير الامم الظالمة، واخذله يا خاذل الفرق الباغية، وابتر عمره وابتزه ملكه، وعف أثره، واقطع خبره، وأطف ناره، وأظلم نهاره، وكور شمسه، وأزهق نفسه، واهشم سوقه، وجب سنامه، وأرغم أنفه، وعجل حتفه. ولا تدع له جنة إلا هتكتها، ولا دعامة إلا قصمتها، ولا كلمة مجتمعة إلا فرقتها، ولا قائمة علو إلا وضعتها، ولا ركنا إلا وهنته، ولا سببا إلا قطعته، و أرنا أنصاره عباديد بعد الالفة، وشتى بعد اجتماع الكلمة، ومقنعي الرؤس بعد الظهور على الامة، واشف بزوال أمره القلوب الوجلة، والافئدة اللهفة، والامة المتحيرة، والبرية الضايعة. وأدل ببواره الحدود المعطلة، والسنن الداثرة، والاحكام المهملة، والمعالم المغيرة، والايات المحرفة، والمدارس المهجورة، والمحاريب المجفوة، والمشاهد

[223]

المهدومة، وأشبع به الخماص الساغبة، واروبه اللهوات اللاغبة، والاكباد الظامئة وأرح به الاقدام المتعبة، وأطرقه بليلة لااخت لها، وبساعة لا مثوى فيها، وبنكبة لا انتعاش معها، وبعثرة لا إقالة منها، وأبح حريمه، ونغص نعيمه، وأره بطشتك الكبرى، ونقمتك المثلى، وقدرتك التي فوق قدرته، وسلطانك الذي هو أعز من سلطانه. واغلبه لي بقوتك القوية، ومحالك الشديد، وامنعني منه بمنعك الذي كل خلق فيه ذليل، وابتله بفقر لا تجبره، وبسوء لا تسترة، وكله إلى نفسه فيما يريد إنك فعال لما تريد، وأبرئه من حولك وقوتك وكله إلى حوله وقوته، و أزل مكره بمكرك، وادفع مشيته بمشيتك، وأسقم جسده، وأيتم ولده، وانقص أجله، وخيب أمله، وأدل دولته، وأطل عولته، واجعل شغله في بدنه، ولا تفكه من حزنه، وصير كيده في ضلال، وأمره إلى زوال، ونعمته إلى انتقال، وجده في سفال، وسلطانه في اضمحلال، وعاقبته إلى شر مآل، وأمته بغيظه، إن أمته، وأبقه بحسرته إن أبقيته، وقني شره وهمزه ولمزه وسطوته وعداوته، والمحه لمحة تدمر بها عليه، فانك أشد بأسا وأشد تنكيلا. قنوت الامام على بن موسى الرضا عليه السلام (1). الفزع الفزع إليك يا ذا المحاضرة، والرغبة الرغبة إليك يا من به المفاخرة وأنت اللهم مشاهد هواجس النفوس، ومراصد حركات القلوب، ومطالع مسرات السرائر، من غير تكلف ولا تعسف، وقد ترى اللهم ما ليس عنك بمنطوي، و لكن حلمك آمن أهله عليه جرأة وتمردا وعتوا وعنادا، وما يعانيه أولياؤك من تعفية آثار الحق ودروس معالمه، وتزيد الفواحش، واستمرار أهلها عليها، و ظهور الباطل، وعموم التغاشم، والتراضي بذلك في المعاملات والمتصرفات، قد جرت به العادات، وصار كالمفروضات والمسنونات. اللهم فبادرنا منك بالعون الذي من أعنته به فاز، ومن أيدته لم يخف لمز


(1) مهج الدعوات: 72. [*]

[224]

لماز، وخذ الظالم أخذا عنيفا، ولا تكن له راحما ولا به رؤفا، اللهم اللهم اللهم بادرهم، اللهم عاجلهم، اللهم لا تمهلهم، اللهم غادرهم بكرة وهجرة وسحرة وبياتا وهم نائمون، وضحى وهم يلعبون، ومكرا وهم يمكرون، وفجأة وهم آمنون. اللهم بددهم وبدد أعوانهم واغلل أعضادهم، واهزم جنودهم، وافلل حدهم واجتث سنامهم، وأضعف عزائمهم، اللهم امنحنا أكتافهم، وبدلهم بالنعم النقم، وبدلنا من محاذرتهم وبغيهم السلامة، واغنمناهم أكمل المغنم، اللهم لا ترد عنهم بأسك الذي إذا حل بقوم فساء صباح المنذرين. ودعا عليه السلام في قنوته: يامن شهد خواطر الاسرار مشاهدة ظواهر جاريات الاخبار، عجز قلبي عن جميل فنون الاقدار، وضعفت قوتي عن النهوض بفوادح المكار، ولمم الشيطان، و وسوسة النفس بالطغيان المتتابعة في الليل والنهار بالعصيان، فان عصمتني بعصم الابرار ومنحتني منح أهل الاستبصار، وأعنتني بتعجيل الانتصار، وإلا فأنا من واردي النار، اللهم فصل على محمد وآله، وجللني عصمة تدرء عني الاصرار، وتحط بها عن ظهري ما أثقله من الاصار. أقول: ليس هذا الدعاء في أكثر النسخ ولعله من زيادات بعض القاصرين، ولا يشبه ساير ما روي عن الطاهرين، وفي رواية الكفعمي مكانه الدعاء الذي سنذكره برواية الصدوق ره في العيون أوله (اللهم يا ذا القدرة الجامعة) ثم كتب في حاشيته: هذا الدعاء لم يذكره السيد ابن طاوس ره بل ذكر في آخر الكتاب المذكور ولم يفعل كما فعل في قنوت غيره من الائمة عليهم السلام، فأحببت أن أضع هذا الدعاء في هذا المكان لتكون القنوتات كلها على وتيرة واحدة، وهذا الدعاء ذكره الطبرسي رحمه الله في كتابه كتاب كنوز النجاح. ورواه أبو جعفر ابن بابويه، ثم ذكر الحديث كما سيأتي، ولنرجع إلى سياق الحديث في الادعية على الروايتين.

[225]

قنوت الامام محمد بن موسى عليه السلام (1). اللهم منايحك متتابعة، وأياديك متوالية، ونعمك سابغة، وشكرنا قصير، وحمدنا يسير، وأنت بالتعطف على من اعترف جدير، اللهم وقد غص أهل الحق بالريق، وارتبك أهل الصدق في المضيق، وأنت اللهم بعبادك وذوي الرغبة إليك شفيق، وباجابة دعائهم وتعجيل الفرج عنهم حقيق. اللهم فصل على محمد وآل محمد وبادرنا منك بالعون الذي لا خذلان بعده، و النصر الذي لا باطل يتكأده، وأتح لنا من لدنك متاحا فياحا يأمن فيه وليك، ويخيب فيه عدوك، وتقام فيه معالمك، وتظهر فيه أوامرك، وتنكف فيه عوادي عداتك، اللهم بادرنا منك بدار الرحمة، وبادر أعداءك من بأسك بدار النقمة، اللهم أعنا وأغثنا وارفع نقمتك عنا وأحلها بالقوم الظالمين. ودعا في قنوته: اللهم أنت الاول بلا أولية معدودة والاخر بلا آخرية محدودة، أنشأتنا لا لعلة اقتسارا، واخترعتنا لا لحاجة اقتدارا، وابتدعتنا بحكمتك اختيارا، وبلوتنا بأمرك ونهيك اختبارا، وأيدتنا بالالات، ومنحتنا بالادوات، وكلفتنا الطاقة، وجشمتنا الطاعة، فأمرت تخييرا، ونهيت تحذيرا، وخولت كثيرا، وسألت يسيرا، فعصي أمرك فحلمت، وجهل قدرك فتكرمت، فأنت رب العزة والبهاء، والعظمة والكبرياء، و الاحسان والنعماء، والمن والالاء، والمنح والعطاء، والانجاز والوفاء، لا تحيط القلوب لك بكنه، ولا تدرك الاوهام لك صفة، ولا يشبهك شئ من خلقك، ولا يمثل بك شئ من صنعتك، تباركت أن تحس أو تمس أو تدركك الحواس الخمس وأنى يدرك مخلوق خالقه، وتعاليت ياإلهي عما يقول الظالمون علوا كبيرا. اللهم أدل لاوليائك من أعدائك الظالمين الباغين الناكثين القاسطين المارقين، الذين أضلوا عبادك، وحرفوا كتابك، وبدلوا أحكامك، وجحدوا حقك، و جلسوا مجالس أوليائك جرءة منهم عليك، وظلما منهم لاهل بيت نبيك، عليهم


(1) مهج الدعوات: 73. [*]

[226]

سلامك وصلواتك ورحمتك وبركاتك، فضلوا وأضلوا خلقك، وهتكوا حجاب سرك عن عبادك، واتخذوا اللهم مالك دولا، وعبادك خولا، وتركوا اللهم عالم أرضك في بكماء عمياء ظلماء مدلهمة، فأعينهم مفتوحة، وقلوبهم عمية، ولم تبق لهم اللهم عليك من حجة، لقد حذرت اللهم عذابك، وبينت نكالك ووعدت المطيعين إحسانك، وقدمت إليهم بالنذر، فآمنت طائفة، وأيدت اللهم الذين آمنوا على عدوك، وعدو أوليائك، فأصبحوا ظاهرين، وإلى الحق داعين، وللامام المنتظر القائم بالقسط تابعين وجدد اللهم على أعدائك وأعدائهم نارك، وعذابك الذي لا تدفعه عن القوم الظالمين. اللهم صل على محمد وآل محمد، وقو ضعف المخلصين لك بالمحبة. المشايعين لنا بالموالات، المتبعين لنا بالتصديق والعمل، المؤازرين لنا بالمواساة فينا، المحيين ذكرنا عند اجتماعهم، وشدد اللهم ركنهم وسدد لهم اللهم دينهم الذي ارتضيته لهم، وأتمم عليهم نعمتك، وخلصهم واستخلصهم، وسد اللهم فقرهم، والمم اللهم شعث فاقتهم، واغفر اللهم ذنوبهم وخطاياهم، ولا تزغ قلوبهم بعد إذ هديتهم ولا تخلهم أي رب بمعصيتهم، واحفظ لهم ما منحتهم به من الطهارة بولاية أوليائك، والبراءة من أعدائك، إنك سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين أجمعين. قنوت الامام مولانا الزكي على بن محمد بن على الرضا عليهم السلام (1) مناهل كراماتك بجزيل عطياتك مترعة، وأبواب مناجاتك لمن أمك مشرعة، وعطوف لحظاتك لمن ضرع إليك غير منقطعة، وقد ألجم الحذار، واشتد الاضطرار وعجز عن الاصطبار أهل الانتظار، وأنت اللهم بالمرصد من المكار، اللهم وغير مهمل مع الامهال، واللائذ بك آمن، والراغب إليك غانم، والقاصد اللهم لبابك سالم، اللهم فعاجل من قد استن في طغيانه، واستمر على جهالته لعقباه في كفرانه، وأطمعه حلمك عنه في نيل إرادته، فهو يتسرع إلى أوليائك بمكارهه، ويواصلهم بقبايح مراصده، ويقصدهم في مظانهم بأذيته.


(1) مهج الدعوات: 75. [*]

[227]

اللهم اكشف العذاب عن المؤمنين، وابعثه جهرة على الظالمين، اللهم اكفف العذاب عن المستجيرين، واصببه على المغترين، اللهم بادر عصبة الحق بالعون، وبادر أعوان الظلم بالقصم، اللهم أسعدنا بالشكر، وامنحنا النصر، وأعذنا من سوء البداء و العاقبة والختر. ودعا عليه السلام في قنوته: يامن تفرد بالربوبية، وتوحد بالواحدانية، يامن أضاء باسمه النهار، وأشرقت به الانوار، وأظلم بأمره حندس الليل، وهطل بغيثه وابل السيل، يامن دعاه المضطرون فأجابهم، ولجأ إليه الخائفون، فأمنهم، وعبده الطائعون فشكرهم، وحمده الشاكرون فأثابهم، ما أجل شأنك، وأعلى سلطانك، وأنفذ أحكامك. أنت الخالق بغير تكلف، والقاضي بغير تحيف حجتك البالغة، وكلمة الدامغة، بك اعتصمت، وتعوذت من نفثات العندة، ورصدات الملحدة الذين ألحدوا في أسمائك ورصدوا بالمكارة لاوليائك، وأعانوا على قتل أنبيائك وأصفيائك، وقصدوا لاطفاء نورك باذاعة سرك، وكذبوا رسلك، وصدوا عن آياتك، واتخذوا من دونك ودون رسولك ودون المؤمنين وليجة، رغبة عنك، وعبدوا طواغيتهم وجوابيتهم بدلا منك، فمننت على أوليائك بعظيم نعمائك، وجدت عليهم بكريم آلائك، وأتممت لهم ما أوليتهم بحسن جزائك، حفظا لهم من معاندة الرسل، وضلال السبل، وصدقت لهم بالعهود ألسنة الاجابة، وخشعت لك بالعقود قلوب الانابة. أسئلك اللهم باسمك الذي خشعت له السماوات والارض، وأحييت به موات الاشياء، وأمت به جميع الاحياء، وجمعت به كل متفرق، وفرقت به كل مجتمع، وأتممت به الكلمات، وأريت به كبرى الايات، وتبت به على التوابين، وأخسرت به عمل المفسدين فجعلت عملهم هباء منثورا، وتبرتهم تتبيرا أن تصلى على محمد وآل محمد، وأن تجعل شيعتي من الذين حملوا فصدقوا، واستنطقوا فنطقوا، آمنين مأمونين. اللهم إني أسئلك لهم توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وتقية أهل الورع، وكتمان الصديقين، حتى يخافوك -

[228]

اللهم مخافة تحجزهم عن معاصيك، وحتى يعملوا بطاعتك لينالوا كرامتك، وحتى يناصحوا لك وفيك خوفا منك، وحتى يخلصوا لك النصيحة في التوبة حبا لهم، فتوجب لهم محبتك التي أوجبتها للتوابين، وحتى يتوكلوا عليك في امورهم كلها حسن ظن بك، وحتى يفوضوا إليك امورهم ثقة بك. اللهم لا تنال طاعتك إلا بتوفيقك، ولا تنال درجة من درجات الخير إلا بك، اللهم يا مالك يوم الدين، العالم بخفايا صدور العالمين، طهر الارض من نجس أهل الشرك، وأخرس الخراصين عن تقولهم على رسولك الافك، اللهم اقصم الجبارين، و أبر المفترين، وأيد الافاكين الذين إذا تتلى عليهم آيات الرحمان قالوا أساطير الاولين. وأنجز لي وعدك إنك لا تخلف الميعاد، وعجل فرج كل طالب مرتاد، إنك لبالمرصاد للعباد، وأعوذ بك من كل لبس ملبوس، ومن كل قلب عن معرفتك محبوس ومن نفس تكفر إذا أصابها بؤس، ومن واصف عدل عمله عن العدل معكوس، ومن طالب للحق وهو عن صفات الحق منكوس، ومن مكتسب اثم باثمه مركوس، ومن وجه عند تتابع النعم عليه عبوس، أعوذ بك من ذلك كله، ومن نظيره وأشكاله وأمثاله إنك عليم حكيم. قنوت مولانا الوفى الحسن بن على العسكري عليهما السلام (1) يامن غشي نوره الظلمات، يامن أضاءت بقدسه الفجاج المتوعرات، يامن خشع له أهل الارض والسماوات، يامن بخع له بالطاعة كل متجبرعات، يا عالم الضمائر المستخفيات، وسعت كل شئ رحمة وعلما، فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، وعاجلهم بنصرك الذي وعدتهم إنك لا تخلف الميعاد، وعجل اللهم اجتياح أهل الكيد، وأوبهم إلى شر دار في أعظم نكال، وأقبح مثاب. اللهم إنك حاضر أسرار خلقك، وعالم بضمائرهم، ومستغن لولا الندب باللجأ إلى تنجز ما وعدت اللاجين عن كشف مكامنهم، وقد تعلم يا رب ما اسره وابديه


(1) مهج الدعوات ص 77. [*]

[229]

وانشره وأطويه واظهره واخفيه على متصرفات أوقاتي وأصناف حركاتي في جميع حاجاتي وقد ترى يا رب ما قد تراطم فيه أهل ولايتك، واستمر عليهم من أعدائك، غير ظنين في كرم، ولا ضنين بنعم، لكن الجهد يبعث على الاستزادة، وما أمرت به من الدعاء إذا أخلص لك اللجا يقتضي إحسانك شرط الزيادة، وهذه النواصي والاعناق خاضعة لك بذل العبودية، والاعتراف بملكة الربوبية، داعية بقلوبها، ومشخصات إليك في تعجيل الانالة، وما شئت كان، وما تشاء كائن، أنت المدعو المرجو المأمول المسئول لا ينقصك نائل وإن اتسع، ولا يحلفك سائل وإن ألح وضرع ملكك، لا يخلقه التنفيد وعزك الباقي على التأبيد، وما في الاعصار من مشيتك بمقدار، وأنت الله لا إله إلا أنت الرؤف الجبار، اللهم أيدنا بعونك، واكنفنا بصونك، وأنلنا منال المعتصمين بحبلك المستظلين بظلك. ودعا عليه السلام في قنوته وأمر أهل قم بذلك لما شكوا من موسى بن بغا: الحمد لله شاكرا لنعمائه، واستدعاء لمزيده، واستخلاصا به دون غيره، وعياذا به من كفرانه، والالحاد في عظمته وكبريائه، حمد من يعلم أن ما به من نعماء فمن عند ربه، وما مسه من عقوبة فبسوء جناية يده، وصلى الله على محمد عبده ورسوله و خيرته من خلقه، وذريعة المؤمنين إلى رحمته، وآله الطاهرين ولاة أمره. اللهم إنك ندبت إلى فضلك، وأمرت بدعائك، وضمنت الاجابة لعبادك، ولم تخيب من فزع إليك برغبة، وقصد إليك بحاجة، ولم ترجع يد طالبة صفرا من عطائك، ولا خائبة من نحل هباتك، وأي راحل رحل إليك فلم يجدك قريبا، أو أي وافد وفد عليك فاقتطعته عوائد الرد دونك، بل أي محتفر من فضلك لم يمهه فيض جودك وأي مستنبط لمزيدك أكدى دون استماحة سجال عطيتك. اللهم وقد قصدت إليك برغبتي، وقرعت باب فضلك يد مسئلتي، وناجاك بخشوع الاستكانة قلبي، ووجدتك خير شفيع لي إليك، وقد علمت ما يحدث من طلبتي قبل أن يخطر بفكري، أو يقع في خلدي، فصل اللهم دعائي إياك باجابتي، واشفع مسئلتي بنجح طلبتي، اللهم وقد شملنا زيغ الفتن، واستولت علينا غشوة الحيرة، وقارعنا

[230]

الذل والصغار، وحكم علينا غير المأمونين في دينك، وابتز امورنا معادن الابن ممن عطل حكمك، وسعى في إتلاف عبادك، وإفساد بلادك. اللهم وقد عاد فيئنا دولة بعد القسمة، وإمارتنا غلبة بعد المشورة، وعدنا ميراثا بعد الاختيار للامة، فاشتريت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والارملة، وحكم في أبشار المؤمنين أهل الذمة، وولي القيام بامورهم فاسق كل قبيلة، فلا ذائد يذودهم عن هلكة، ولا راع ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا ذو شفقة يشبع الكبد الحرى من مسغبة، فهم اولو ضرع بدار مضيعه، واسراء مسكنة وحلفاء كآبة وذلة. اللهم وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهايته، واستحكم عموده، واستجمع طريده، وخذرف وليده، وبسق فرعه، وضرب بجرانه، اللهم فأتح له من الحق يدا حاصدة تصرع قائمه، وتهشم سوقه، وتجب سنامه، وتجدع مراغمه، ليستخفي الباطل بقبح صورته، ويظهر الحق بحسن حليته. اللهم ولا تدع للجور دعامة إلا قصمتها، ولا جنة إلا هتكتها، ولا كلمة مجتمعة إلا فرقتها، ولا سرية ثقل إلا خففتها، ولا قائمة علو إلا حططتها، ولا رافعة علم إلا نكستها، ولا خضراء إلا أبرتها. اللهم فكور شمسه، وحط نوره، واطمس ذكره، وأرم بالحق رأسه، وفض جيوشه، وأرعب قلوب أهله، اللهم ولا تدع منه بقية إلا أفنيت، ولا بنية إلا سويت ولا حلقة إلا فصمت، ولا سلاحا إلا أفللت، ولا كراعا إلا اجتحت، ولا حاملة علم إلا نكست. اللهم وأرنا أنصاره عباديد بعد الالفة، وشتى بعد اجتماع الكلمة، ومقنعي الرؤس بعد الظهور على الامة، وأسفر لنا عن نهار العدل، وأرناه سرمدا لا ظلمة فيه، ونورا لا شوب معه، وأهطل علينا ناشئته، وأنزل علينا بركته، وأدل له ممن ناواه، و انصره على من عاداه. اللهم وأظهر به الحق وأصبح به في غسق الظلم وبهم الحيرة، اللهم وأحي به القلوب الميتة، وأجمع به الاهواء المتفرقة، والاراء المختلفة، وأقم به الحدود المعطلة، و

[231]

الاحكام المهملة، وأشبع به الخماص الساغبة، وأرح به الابدان المتعبة، كما ألهجتنا بذكره، وأخطرت ببالنا دعاءك له، ووفقتنا للدعاء إليه وحياشة أهل الغفلة عليه، و أسكنت في قلوبنا محبته، والطمع فيه، وحسن الظن بك، لاقامة مراسمه، اللهم فلت لنا منه على أحسن يقين يا محقق الظنون الحسنة، ويا مصدق الامال المبطئة. اللهم وأكذب به المتألين عليك فيه، واخلف به ظنون القانطين من رحمتك والايسين منه، اللهم اجعلنا سببا من أسبابه، وعلما من أعلامه، ومعقلا من معاقله، ونضر وجوهنا بتحليته، وأكرمنا بنصرته، واجعل فينا خيرا تظهرنا له وبه، ولا تشمت بنا حاسدي النعم، والمتربصين بنا حلول الندم، ونزول المثل، فقد ترى يا رب براءة ساحتنا، وخلو ذرعنا من الاضمار لهم على إحنة، والتمني لهم وقوع جائحة، وما تنازل من تحصينهم بالعافية، وما أضبوا لنا من انتهاز الفرصة، وطلب الوثوب بنا عند الغفلة، اللهم وقد عرفتنا من أنفسنا، وبصرتنا من عيوبنا، خلالا نخشى أن تقعد بنا عن استيهال إجابتك، وأنت المتفضل على غير المستحقين، والمبتدئ بالاحسان غير السائلين فلت لنا في أمرنا على حسب كرمك وجودك وفضلك وامتنانك، إنك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد، إنا إليك راغبون، ومن جميع ذنوبنا تائبون. اللهم والداعي إليك، والقائم بالقسط من عبادك، الفقير إلى رحمتك، المحتاج إلى معونتك، على طاعتك إذا ابتدأته بنعمتك، وألبسته أثواب كرامتك، وألقيت عليه محبة طاعتك، وثبت وطأته في القلوب من محبتك، ووفقته للقيام بما أغمض فيه أهل زمانه من أمرك، وجعلته مفزعا لمظلومي عبادك، وناصرا لمن لا يجد له ناصرا غيرك ومجددا لما عطل من أحكام كتابك، ومشيدا لما رد من أعلام سنن نبيك، عليه وآله سلامك وصلواتك ورحمتك وبركاتك، فاجعله اللهم في حصانة من بأس المعتدين، و أشرق به القلوب المختلفة من بغاة الدين، وبلغ به أفضل ما بلغت به القائمين بقسطك من أتباع النبيين. اللهم وأذلل به من لم تسهم له في الرجوع إلى محبتك، ومن نصب له العداوة وارم بحجرك الدامغ من أراد التأليب على دينك باذلاله، وتشتيت جمعه، واغضب

[232]

لمن لا ترة له ولا طائلة، وعادى الاقربين والابعدين فيك منا منك عليه لا منا منه عليك. اللهم فكما نصب نفسه غرضا فيك للابعدين، وجاد ببذل مهجته لك في الذب عن حريم المؤمنين، ورد شر بغاة المرتدين المريبين، حتى أخفى ما كان جهر به من المعاصي، وأبدى ما كان نبذه العلماء وراء ظهورهم مما أخذت ميثاقهم على أن يبينوه للناس ولا يكتموه، ودعا إلى إفرادك بالطاعة، وألا يجعل لك شريكا من خلقك يعلو أمره على أمرك، مع ما يتجرعه فيك من مرارات الغيظ الجارحة بمواس القلوب، وما يعتوره من الغموم، ويفرغ عليه من أحداث الخطوب، ويشرق به من الغصص التي لا تبتلعها الحلوق، ولا تحنو عليها الضلوع، من نظرة إلى أمر من أمرك، ولا تناله يده بتغييره ورده إلى محبتك. فاشدد اللهم أزره بنصرك، وأطل باعه فيما قصر عنه من إطراد الراتعين حماك وزده في قوته بسطة من تأييدك، ولا توحشنا من انسه، ولا تخترمه دون أمله من الصلاح الفاشي في أهل ملته، والعدل الظاهر في امته. اللهم وشرف بما استقبل به من القيام بأمرك لدى موقف الحساب مقامه، وسر نبيك محمدا صلواتك عليه وآله برؤيته، ومن تبعه على دعوته، وأجزل له على ما رأيته قائما به من أمرك ثوابه، وأبن قرب دنوه منك في حياته، وارحم استكانتنا من بعده، واستخذاءنا لمن كنا نقمعه به إذ أفقدتنا وجهه، وبسطت أيدي من كنا نبسط أيدينا عليه لنرده عن معصيته، وافتراقنا بعد الالفة والاجتماع تحت ظل كنفه، وتلهفنا عند الفوت على ما أقعدتنا عنه من نصرته، وطلبنا من القيام بحق ما لا سبيل لنا إلى رجعته. واجعله اللهم في أمن مما يشفق عليه منه، ورد عنه من سهام المكايد ما يوجهه أهل الشنآن إليه، وإلى شركائه في أمره ومعاونيه على طاعة ربه، الذين جعلتهم سلاحه وحصنه ومفزعه وأنسه الذين سلوا عن الاهل والاولاد، وجفوا الوطن، وعطلوا الوثير من المهاد، ورفضوا تجاراتهم، وأضروا بمعايشهم، وفقدوا في أنديتهم بغير

[233]

غيبة عن مصرهم، وخالفوا البعيد ممن عاضدهم على أمرهم، وقلوا القريب ممن صد عنهم وعن جهتهم، فائتلفوا بعد التدابر والتقاطع في دهرهم، وقلعوا الاسباب المتصلة بعاجل حطام الدنيا، فاجعلهم اللهم في أمن حرزك، وظل كنفك، ورد عنهم بأس من قصد إليهم بالعداوة من عبادك، وأجزل لهم على دعوتهم من كفايتك ومعونتك، و أيدهم بتأييدك ونصرك، وأزهق بحقهم باطل من أراد إطفاء نورك، اللهم واملا كل افق من الافاق وقطر من الاقطار قسطا وعدلا ومرحمة وفضلا، واشكرهم على حسب كرمك وجودك ما مننت به على القائمين بالقسط من عبادك، وادخرت لهم من ثوابك ما ترفع لهم به الدرجات، إنك تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد. قنوت مولانا الحجة بن الحسن عليهما السلام (1). اللهم صل على محمد وآل محمد، وأكرم أولياءك بانجاز وعدك، وبلغهم درك ما يأملون من نصرك، واكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك، وتمرد بمنعك على ركوب مخالفتك، واستعان برفدك على فل حدك، وقصد لكيدك بأيدك، ووسعته حلما لتأخذه على جهرة، أو تستأصله على غرة، فانك اللهم قلت وقولك الحق (حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتيها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذلك نفصل الايات لقوم يتفكرون) وقلت: (فلما آسفونا انتقمنا منهم) وإن الغاية عندنا قد تناهت، وإنا لغضبك غاضبون وإنا على نصر الحق متعاصبون، وإلى ورود أمرك مشتاقون، ولانجاز وعدك مرتقبون، و لحول وعيدك بأعدائك متوقعون. اللهم فأذن بذلك، وافتح طرقاته، وسهل خروجه، ووطئ مسالكه، واشرع شرائعه، وأيد جنوده وأعوانه، وبادر بأسك القوم الظالمين، وابسط سيف نقمتك على أعدائك المعاندين، وخذ بالثار، إنك جواد مكار.


(1) مهج الدعوات ص 84. [*]

[234]

ودعا عليه السلام في قنوته: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير، يا ماجد يا جواد، يا ذا الجلال والاكرام، يا بطاش، يا ذا البطش الشديد، يا فعالا لما يريد، يا ذا القوة المتين، يا رؤف يا رحيم، يا لطيف يا حي حين لا حي. اللهم أسئلك باسمك المخزون المكنون الحي القيوم الذي استأثرت به في علم الغيب عندك، ولم يطلع عليه أحد من خلقك، وأسألك باسمك الذي تصور به خلقك في الارحام كيف تشاء، وبه تسوق إليهم أرزاقهم في أطباق الظلمات، من بين العروق والعظام، وأسألك باسمك الذي ألفت به بين قلوب أوليائك، وألفت بين الثلج والنار لا هذا يذيب هذا ولا هذا يطفئ هذا. وأسألك باسمك الذي كونت به طعم المياه، وأسألك باسمك الذى أجريت به الماء في عروق النبات بين أطباق الثرى، وسقت الماء إلى عروق الاشجار بين الصخرة الصماء، وأسألك باسمك الذي كونت به طعم الثمار وألوانها، وأسألك باسمك الذي به تبدئ وتعيد، وأسألك باسمك الفرد الواحد المتفرد بالوحدانية المتوحد بالصمدانية وأسألك باسمك الذي فجرت به الماء من الصخرة الصماء، وسقته من حيث شئت، وأسألك باسمك الذي خلقت به خلقك، ورزقتهم كيف شئت، وكيف شاؤوا. يامن لا تغيره الايام والليالي، أدعوك بما دعاك به نوح حين ناداك، فأنجيته ومن معه، وأهلكت قومه، وأدعوك بما دعاك به إبراهيم خليلك حين ناداك فأنجيته و جعلت النار عليه بردا وسلاما، وأدعوك بما دعاك به موسى كليمك حين ناداك، ففرقت له البحر فأنجيته وبني إسرائيل، وأغرقت فرعون وقومه في اليم، وأدعوك بما دعاك به عيسى عليه السلام روحك حين ناداك فنجيته من أعدائه، وإليك رفعته، وأدعوك بما دعاك به حبيبك وصفيك ونبيك محمد صلى الله عليه وآله فاستجبت له، ومن الاحزاب نجيته، وعلى أعدائك نصرته، وأسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، يامن له الخلق والامر، يامن أحاط بكل شئ علما، وأحصى كل شئ عددا.

[235]

يامن لا تغيره الايام والليالي، ولا تتشابه عليه الاصوات، ولا تخفى عليه اللغات ولا يبرمه إلحاح الملحين أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد خيرتك من خلقك، فصل عليهم بأفضل صلواتك، وصل على جميع النبيين والمرسلين الذين بلغوا عنك الهدى وعقدوا لك المواثيق بالطاعة، وصل على عبادك الصالحين. يا من لا يخلف الميعاد ! أنجز لي ما وعدتني، وأجمع لي أصحابي وصبرهم و انصرني على أعدائك وأعداء رسولك ولا تخيب دعوتي، فاني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، أسير بين يديك. سيدي أنت الذي مننت علي بهذا المقام، وتفضلت به علي دون كثير من خلقك أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تنجز لي ما وعدتني إنك أنت الصادق ولا تخلف الميعاد وأنت على كل شئ قدير. توضيح: قوله (واستثنى عليهم) أي شرط على ورثة محمد بن عثمان أن لا يأخذوا منه المدرج والعكاز. أقول: روى الكفعمي في البلد الامين (1) هذه القنوتات وزاد في أولها دعاء صنمي قريش ودعاء آخر مرويين عن أمير المؤمنين عليه السلام كما سيأتي، وكتب في الهامش: هذا القنوت المتقدم لامير المؤمنين عليه السلام لم يذكره السيد في مهجه بل ذكر قنوتات الائمة الاحد عشر عليهم السلام وابتد بذكر قنوت الحسن عليه السلام فأحببت أن أضع قنوت مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المكان، لتكون القنوتات كعدد الاثني عشر، والعيون المنبجسة من الحجر، ثم زاد في موضعين آخرين أشرنا إليهما، ولنوضح بعض ما يحتاج إلى الايضاح من تلك الادعية. (المكلوم) المجروح، (والديموم) في اللغة الفلاة الواسعة، ولعلة استعير هنا لسعة جوده ورحمته تعالى، ويحتمل أن يكون مبالغة في الدوام على خلاف القياس، و (الصدر) الرجوع، والمراد هنا الحدوث والصدور (وقد أبنت عن عقود كل قوم) أي أظهرت عقائدهم وضمائرهم التي يخفونها (ما تحملت) على صيغة الغيبة أي كلفتها ما يمكنها إدراكه والوصول إليه على ما تعلمه بعلمك المغيب عن حواس الخلق وعقولهم


(1) البلد الامين ص 551 - 570.

[236]

فالظرفية مجازية، أو بصيغة الخطاب أي أظهرت لها ما كنت عالما بها في الدرجة التي لم تصل إليها عقول الخلق، فالظرف متعلق بتحملت أو حال من فاعله. (وأنت ولي ما توليت) أي أنت المستحق لما توليت من خلق الاشياء وحفظها وتربيتها وأمر العباد بأن يعبدوك وأولى بجميع ذلك (تشهد الانفعال) أي ما نتحمله من ظلم الظالمين، وفي القاموس (الخبال) كسحاب النقصان والهلاك والعناء، والخابل المفسد، وقال: جنح جنوحا مال، وجنوح الليل إقباله، وقال: أنى االحميم انتهى حره فهوآن، والعادية الخيل تعدو، والرجال يعدون، ويقال: دفعت عنك عادية فلان أي ظلمه وشره، وأهل المشايعة: المراد به شيعتهم عليهم السلام. (لغيظهم أكظم) هذا هو الظاهر وفي أكثر النسخ (لكظمهم أكظم) وهو لا يخلو من تكلف إذ كظم الغيظ رده وحبسه، وفي بعضها ككظمهم وهو أقرب وفي بعضها لكنظهم بالنون قال الفيروز آبادي: كنظه الامر يكنظه ويكنظه بلغ مشقته وغمه وملاه والكنظة بالضم الضغطة. وقال: المدى: الغاية، وقال: سكع كمنع وفرح مشى مشيا متعسفا لا يدري أين يأخذ من بلاد الله وتحير كتسكع وتسكع تمادى في الباطل، والمكفوف أي الاعمى أو الممنوع عن الخير والرشد، والظنن كعنب جمع الظنة بالكسر بمعنى التهمة، و المكمن محل الكمون والاستخفاء. (مناصب أوامرك) أي نصبت في عقولهم أوامرك ونواهيك بحيث لا يغفلون عنهما طرفة عين (ما أممتني) أي ما قصدتني به أو ما أمرتني بقصده وجعلتني قاصدا له يقال: أمه وأممه أي قصده (ولا تقعدني عن حولك) أي لا تجعلني عاجزا عن نيل حولك و تأييدك، ولعل الاظهر (ولا تفقدني حولك). والمدرجة مصدر ميمي أو اسم مكان من درج دروجا أي مشى، والمحجة جادة الطريق (وتنيل بي) أي توصل إلي وإلى غيري بسببي ما أتمناه لنفسي ولهم من الهداية والكرامة والتأييد. (أويت بي) على بناء المجرد أي آويتني ولعله كان كذلك (وفتنهم) أي امتحنهم أوصفهم وخلصهم مما يكدرهم، من قولهم فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتخليصه

[237]

(تفتين الاجتباء) أي اختبارا يصير سببا لاجتبائهم واستخلاصهم من الشك والشرك، لا اختبارا يوضح عن ضلالهم وكفرهم، وفي القاموس اللمم محركة الجنون، وصغار الذنوب، وإصابته من الجن لمة أي مس أو قليل، واللمة الشدة. وقال: ولع به كوجل ولعا محركة استخف وكذب، وبحقه ذهب وما أدري ما ولعه ما حسبه، وأولعه به أغراه به وقال: الطيف الغضب والجنون والخيال في المنام أو مجيئه في النوم، وقال الظنين المتهم، ولعل المراد بالمظنون هنا المظنون به السوء تأكيدا للظنين، أو المراد بالظنين المتهم في الدين، وبالظنون المتهم في الاعمال، والريب الظنة والتهمة، وقد رابني وأرابني، وارتاب شك وبه اتهمه ذكره الفيروز آبادي. (واقعة) بالنصب حالا من الموصول باعتبار المعنى، فان المراد به المصيبة النازلة والقضية الواقعة، وتذكير الضمير في كشفه باعتبار اللفظ أو بالرفع خبرا لمبتدأ مخذوف، والدعامة بالكسر عماد البيت، ونجم الشئ ظهر، والمناص الملجأ والمفر والرائد الذي يرسل في طلب الكلاء، والارتياد الطلب، والزناد بالكسر جمع الزند بالفتح، وهو العود الذي يقدح به النار والضمير راجع إلى الحق والثأر بالهمزة وقد يخفف طلب الدم، وإثارة الغبار تهييجه، وضمير (مثيره) إما راجع إلى الثار أو إلى الحق وسائر الضماير تحتمل وجوها لا تخفى على المتأمل. والبكر بالكسر أول كل شئ، وسحف رأسه أي حلقه (والغائص المأمون) سيد الانبياء صلى الله عليه وآله (مديدتها) أي نظرتها الممدودة المبسوطة طوتها عن إدراك صنعتك لعجزها عنه، وثنت الالباب أي عطفت، ويقال: استسن أي كبر سنه ذكره الفيروز آبادي، وقال: الغلواء بالضم وفتح اللام وتسكن الغلو، وأول الشباب وسرعته كالغلوان بالضم أي واظب على غلوه في العداوة حتى كبر سنه، وفي رواية الكفعمي استسر بالراء وهو أنسب بما بعده، والخناق ككتاب الحبل يخنق به، وكغراب داء يمنع معه نفوذ النفس إلى الرية والقلب، ويقال أيضا: أخذ بخناقه بالكسر والضم ومخنقه أي بحلقه، والوثاق ويكسر ما يشد به. (قد شجيت) في بعض النسخ بالجيم والياء المثناة التحتانية أي حزنت، والشجو الهم

[238]

والحزن، وفي بعضها شجبت بالجيم والباء الموحدة أي هلكت، وفي بعضها بالحاء المهملة والباء الموحدة أي تغيرت، وفي بعضها محيت على المجهول من المحو و الاول أظهر. قد أودى أي هلك، والحبائل عروق الظهر، والضمير راجع إلى الصبر، و (المرصاد) الطريق والمكان يرصد فيه العدو (لا يعجلك) على بناء الافعال أي لا يصير خوف فوت إدراك أمر سببا لعجلتك فيه، إذ لا يفوتك شئ، وإنما يعجل من يخاف الفوت (احتجاز محتجز) أي امتناع ممتنع، والاستثبات التثبت والتأني في الامر. (لحرارة المعان) أي من اعين بكثرة الاموال والجنود، فصار بذلك قويا وقال الفيروز آبادي: الكمد بالفتح وبالتحريك تغير اللون وذهاب صفائه، والحزن الشديد، ومرض القلب منه، والكلاءة بالكسر الحراسة، وقال: هجس الشئ في صدره يهجس خطر بباله، أو هو أن يحدث نفسه في صدره مثل الوسواس (بعد المهل) المهل بالتحريك المهلة والرفق، أي بعد وامتد مهلتك وتأنيك في عقابي، أو أخذ من يعاديني. (وأرأب الامل) قال في القاموس، رأب الصدع كمنع أصلحه وشعبه كأرابه وبينهم أصلح، والرأب الجمع والشد يقال راب الصدع إذا شعبه وراب الشئ إذا جمعه و شده برفق. أقول: لعل المعنى أن الامل يصلح أحوالي ويخفف أحزاني، ولعل الانسب أراب غير مهموز أي أوقعني في الريب بأنه لا يصدقني، وفي بعض النسخ (وآب) أي رجع (وآن المنتقل) أي الانتقال إلى الاخرة، وانشقاق السماء بالنور لعله إشارة إلى قوله سبحانه (يوم تشقق السماء بالغمام) (1) بأن يكون الغمام مشتملا على النور لنزول الملائكة فيها. (لا يرتد إليهم طرفهم) أي لا ترجع إليهم أعينهم، ولا يطبقونها ولا يغمضونها (وأفئدتهم هواء) أي قلوبهم خالية من كل شئ فزعا وخوفا، وقيل خالية من كل سرور وطمع في الخير لشدة ما يرون من الاهوال كالهواء الذي بين السماء والارض


(1) الفرقان: 25. [*]

[239]

وقيل خالية من عقولهم، وقيل زائلة عن مواضعها قد ارتفعت إلى حلوقهم لا تخرج ولا تعود إلى أماكنها، بمنزلة الشئ الزاهد في جهات مختلفة المتردد في الهواء. وفي القاموس: رطمه أدخله في أمر لا يخرج منه فارتطم، والراطم اللازم للشئ وارتطم عليه الامر لم يقدر على الخروج منه، والشئ ازدحم وتراكم، وقال احتقبه واستحقبه ادخره، وقال: وزره كوعده وزرا بالكسر حمله فهو موزور، وقوله صلى الله عليه وآله ارجعن مأزورات غير مأجورات، للازدواج، ولوا فرد لقيل موزورات، وقال: المحيص المحيد، والمعدل والمميل والمهرب، والافحام الاسكات. (ولا عن اتهام مقدار) أي ليس جزع القلوب ناشيا عن قلة الاستبصار واليقين ولا عن اتهام قدر الله وقضائه بأنهما وقعا على خلاف المصلحة، أو قدرة الله سبحانه بأن ننسبها إلى ضعف، وفي بعض النسخ (ولا عن إبهام مقدار) بالباء الموحدة أي ليس ناشيا عن أن مقدار زمان البلاء مبهم لا تعلم نهايته، والاول أظهر. (ولكن لما يعانى) على بناء المفعول أو بالتاء على بناء الفاعل، بأن يكون المستتر راجعا إلى القلوب والنفوس، وفي بعض النسخ (لما يعاين) وهو أيضا يشمل الوجهين السابقين، وقال الجوهري: كبه لوجهه أي صرعه فأكب هو لوجهه، والمنخر بفتح الميم وكسر الخاء ثقب الانف، وقد تكسر الميم إتباعا لكسرة الخاء ويقال غصصت بالماء أغص إذا شرقت به ويقال: أغصصته فاغتص. والدعاء لمنع التوبة والانابة لعله لغاية شقاوة المدعو عليه بحيث لا يستحق الرحمة واللطف بوجه، ويمكن حملهما على التوبة الظاهرة مع عدم الشرائط، و حملهما على التوبة والانابة اللغويين أي الرجوع إلى الظلم والعدوان بعيد جدا. وقال في النهاية الوطء في الاصل الدوس بالقدم، فسمي به الغزو والقتل، لان من يطأ على الشئ برجله فقد استقصى في هلاكه وإهانته، ومنه الحديث اللهم اشدد وطأتك على مضر، أي خذهم أخذا شديدا، وقال: الحشرجة الغرغرة عند الموت وتردد النفس.

[240]

أقول: لا يظهر من كتب اللغة تعديته بنفسه ولا بفي يقال: حشرج صدره، ويمكن أن يقرأ هنا وحشرجة عطفا على المخنق وإن كان بعيدا. (وأثكله) أي ابتله بالثكل وهو بالضم فقد الولد ونكله: أي ابتله بما يكون نكالا وعبرة له أو لغيره أو الاعم، وقال الجوهري: جثه قلعه واجتثه اقتلعه (وجثه وجث نعمتك عنه) في بعض النسخ بالجيم والثاء المثلثة فيهما وقد مر وفي بعضها بالحاء المهملة وبالتاء المثناة، قال الجوهري: الحت حتك الورق من الغصن والمني من الثوب، وقال: الصغار بالفتح والضيم، وقال: الاصر الذنب والثقل وقال: البوار الهلاك. (من مستخلف) بكسر اللام أي من جهة من مات وخلفه بعده، وفي أكثر النسخ بفتح اللام ولا يستقيم إلا بتكلف، بأن يكون المعنى لا تعقبه أجرا من بين المستخلفين، أو من جهة الاستخلاف، بأن يكون مصدرا ميميا (لا تنهضه) أي لا تقمه وفي أكثر النسخ لا تنهنهه يقال نهنهه الرجل فتنهنهه أي كففته وزجرته فكف وهو لا يناسب إلا بتكلف مر مثله ولا ترثه أي لا ترحمه، قال الجوهري: رثيت الميت ورثوته بكيته وعددت محاسنه، ورثا له أي رق له. (استكففت) أي طلبت كفه عني أو جعلت نفسي مكفوفا ممنوعا منه، وفي بعض النسخ استكهفت أي جعلت نفسي في كهف تمنعني منه (وكيد بغاتك) أي البغاة من عبادك أو الذين يبغون دينك وأولياءك شرا (بحفظ الايمان) أي بأن تحفظ إيماني أو مع حفظه، أو بما تحفظ به أهل الايمان، أو بحفظ يقتضيه الايمان، وفي بعض النسخ بحفظك الايمان، وهو يؤيد الاول، والاستعداء طلب العدوى أي النصرة، واللاهف الحزين المتحسر (وصدق خالصتي) أي نيتي الخالصة. وقال الجوهري يقال: فزعت إليه فأفزعني أي لجأت إليه فأغاثني، وقال: الشأفة قرحة تخرج في أصل القدم فتكوى فتذهب، يقال في المثل: استأصل الله شأفته أي أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي، وقال: تبره تتبيرا كسره وأهلكه، وقال: الدمار الهلاك يقال: دمره تدميرا ودمر عليه بمعنى، وقال: الراصد للشئ

[241]

الراغب له، تقول رصده يرصده رصدا ورصدا والرصد الترقب، ويقال: أصلت سيفه أي جرده من غمده، والظبات جمع ظبة بالضم فيهما، وظبة السيف طرفه انتهى. والغرثان كالجوعان وزنا ومعنى، (ولا بطلان) أي من غير أن يطلع أحد على أسرارك وبواطن امورك، من قولهم بطنت هذا الامر أي عرفت باطنه (عن موافقة) صفة دابة أي مصادفتها والاطلاع عليها (مما أنشأت حجابا لعظمتك) أي خلقت السموات والحجب حجابا وساترا عما خلقت عند العرش من آثار عظمتك، أو المراد بالحجاب ما يكون واسطة بين الشيئين، أي تلك الاجرام مما يوصل الناس إلى إدراك عظمتك، والاول أظهر. (وأنى يتغلغل) أي يدخل إلى ما وراء ذلك أي ما هو خلف ما خلقته حجابا من أنوار العرش وأسرار الملكوت، أو ما وراء جميع المخلوقات من كنه الذات والصفات والحدوس جمع الحدس، ومنخر العظام أي جاعلها ناخرة بالية متفتتة، والتطميس مبالغة في الطمس بمعنى المحو والاستيصال، والطموس الدروس والامحاء، والمحل عطف على النهى. (الاوفى) أي الاعلى، من قولهم أوفى عليه، أي أشرف (ما قد تأخر في النفوس الحصرة) أي الضيقة، كما قال سبحانه (حصرت صدورهم) (1) أي ضاقت، أي تقدم الامور التي عدتها النفوس الضيقة لقلة صبرها متأخرة أوانها واستبطؤها من فرج المؤمنين ودفع الظالمين، وأشباه ذلك. (وسوء الباس) وفي بعض النسخ اللباس إشارة إلى قوله تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) (2) ويمكن أن يقرأ البأس واليأس بتخفيف الهمزة للسجع، ويقال: رهقه بالكسر يرهقه بالفتح أي غشيه، والادالة الغلبة.


(1) النساء: 90. (2) النحل: 112. [*]

[242]

(مستقرنا ومستودعنا) إشارة إلى قوله تعالى: (وما من دابة إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها) (1) في مجمع البيان (2) أي يعلم موضع قرارها والموضع الذي أودعها فيه، وهو أصلاب الاباء وأرحام الامهات، وقيل مستقرها حيث تأوي إليه من الارض، ومستودعها حيث تموت وتبعث منه، وقيل مستقرها أي ما استقر عليه، ومستودعها أي ما تصير إليه انتهى. وأقول: يحتمل أن يكون المراد بالمستقر الجنة أو النار وبالمستودع ما يكون فيه في عالم البرزخ، أو المستقر الاجساد الاصلية، والمستودع الاجساد المثالية، أو المراد بالمستقر الذي استقر فيه الايمان، وبالمستودع الذي اعير الايمان ثم سلب منه كما ورد في تفسير قوله سبحانه (فمستقر ومستودع) (3) أي تعلم منا من هو مستقر ومن هو مستودع. (ومنقلبنا ومثوانا) وفي بعض النسخ (متقلبنا) وهو أنسب بقوله تعالى: (و الله يعلم متقلبكم ومثويكم) (4) قال الطبرسي رحمه الله (5) أي متصرفكم في أعمالكم في الدنيا ومصيركم في الاخرة إلى الجنة أو إلى النار، وقيل: متقلبكم في أصلاب الاباء إلى أرحام الامهات (ومثويكم) أي مقامكم في الارض، وقيل متقلبكم من ظهر إلى بطن، ومثويكم في القبور، وقيل منصرفكم بالنهار ومضجعكم بالليل، والمعنى أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفي عليه شئ منها انتهى. (ولا حرز) وفي بعض النسخ (ولا وزر) وهو بالتحريك الملجأ (نفوتك به) أي لا يمكنك إدراكنا والظفر بنا بسببه، وقال الجوهري منعت الرجل عن الشئ فامتنع منه، وفلان في عز ومنعة بالتحريك، وقد يسكن، ويقال المنعة جمع مانع


(1) هود: 6. (2) المجمع ج 5 ص 144. (3) الانعام: 98. (4) القتال: 19. (5) المجمع ج 9 ص 102 و 103. [*]

[243]

مثل كافر وكفرة، أي هو في عز ومن يمنعه من عشيرته، وقال: عازه أي غالبه (فمعاذ المظلوم) مصدر أي عياذه والتخويل التمليك، والتنويل الاعطاء، والاملاء الامهال وتعمدني أي قصدني عمدا وفي بعض النسخ بالمعجمة أي غمرني بشر أحاط بي، و في القاموس انتصف منه استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء، و قال: انتصر منه انتقم. (لقلتي) أي قلة أعواني أو ذات يدي أو ذلتي (واستثرى) أي طلب الثروة وكثرة المال، وفي بعض النسخ بالشين وهو أظهر، قال الجوهري: شرى الرجل واستشرى إذا لج في الامر وقال: (ما أكترث له) ما ابالي به، وقال الضيم الظلم، فهو مضيم ومستضام أي مظلوم، وقال: نابذه الحرب كاشفه، وقال أباده الله أهلكه وقال: بترت الشئ بترا قطعته قبل الاتمام، وقال: بزه يبزه بزا سلبه، وابترزت الشئ استلبته وقال: عفت الريح المنزل درسته، وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى، وعفتها الريح شدد للمبالغة انتهى. ولعل إطفاء النار كناية عن محو الاثار، وذهاب العز والاعتبار، فان الحي لابد أن يوقد نارا كما يقال: ما بالدار نافخ ضرمة أو نار، أو المراد بالنار النور أو الشر والضرر والفتنة كما يقال. إطفاء النائرة، وتكوير الشمس إذهاب نوره كما قال تعالى: (إذا الشمس كورت). والازهاق إخراج النفس والاهلاك، والهشم كسر الشئ اليابس، والسوق جمع الساق، والجب القطع، والسنام بالفتح معروف وجب سنامه كناية عن إذهاب ما يوجب عزه ورفعته، والحتف الموت، و (لا قائمة علو) أي قائمة توجب العلو وقال الجوهري السبب الحبل، والسبب أيضا كل شئ يتوصل به إلى غيره، وقال العباديد الفرق من الناس الذاهبون في كل وجه، قال سيبويه لا واحد له، واحده على فعلول أو فعليل أو فعلال في القياس، وقال: أمر شت أي متفرق، وقوم شتى وأشياء شتى. وقال: قال أبو يوسف: أقنع رأسه إذا رفعه، قال: ومنه قوله تعالى: (مهطعين

[244]

مقنعي رؤسهم) (1). قوله عليه السلام: (القلوب الوجلة) في بعض النسخ النغلة قال الجوهري: نغل قلبه علي أي ضغن يقال نغلت نياتهم أي فسدت (وأدل) الادالة الغلبة، وفي البلد الامين (وأحي ببواره) وهو أظهر، والبوار الهلاك، وقال الجوهري الدثور الدروس وقد دثر الرسم وتداثر، والمدارس محال الدرس ودرس الكتاب معروف (والمحاريب المجفوة) الجفاء خلاف البر، وقد جفوت الرجل أجفوه جفاء فهو مجفو، ويحتمل أن يكون من الجفا بمعنى البعد، أي بعد الناس عنها، وفي بعض النسخ المجفوءة بالهمز من جفأت القدر أي كفأتها وأملتها فصببت ما فيها ذكره الجوهري. وقال فلان خميص الحشا أي ضامر البطن، والجمع خماص والخمصة الجوعة وقال: سغب بالكسر يسغب سغبا أي جاع، فهو ساغب وسغبان، واللهوات جمع اللهات وهي اللحمات في سقف أقصى الفم، وقال الفيروز آبادي لغب لغويا كمنع وسمع وكرم أعيا أشد الاعياء وألغبه السير وتلغبه، واللغب ما بين الثنايا من اللحم والريش الفاسد ولغب عليهم كمنع أفسد، وفي بعض النسخ اللاغية بالياء المثناة فهو أيضا بمعنى الفاسدة. قوله عليه السلام: (لا اخت لها) أي لا مثل لها في الشدة أو تكون اخرى لياليه لا تكون له ليلة بعدها، (لا مثوى فيها) أي لا قرار له فيها لشدة الاحزان والاوجاع والمخاوف، أو يكون ساعة ارتحاله عن الدنيا يقال: ثوى بالمكان أي أقام به. (وبنكبة لا انتعاش معها) قال في القاموس: النكبة بالفتح المصيبة ونكبه الدهر نكبا ونكبا بلغ منه أو أصابه بنكبة، وقال: نعشه الله كمنعه رفعه، وانتعش العاثر: انتهض من عثرته. أقول: لا يبعد أن يكون في الاصل بكبة فانه أنسب بالانتعاش، قال في القاموس كبه قلبه وصرعه كأكبه والكبة الرمي في الهوة. وإباحة الحريم كناية عن ذهاب حرمته من بين الخلق بحيث لا يبالون بايقاع


(1) ابراهيم: 43. [*]

[245]

شئ من الضرر به، والتنغيص التكدير، وقال في النهاية المحال بالكسر: الكيد، وقيل المكر، وقيل القوة والشدة وميمه أصلية، وفي الصحاح العولة رفع الصوت بالبكاء وكذلك العويل، وقال الجد الحظ والبخت، والسفال نقيض العلو، و الهمز واللمز كلاهما بمعنى العيب قال تعالى: (ويل لكل همزة لمزة) وربما يفرق بينهما بأن الهمز العيب بظهر الغيب واللمز العيب في الوجه: أو الهمز العيب باللسان واللمز العيب بالاشارة بالعين وغيرها. وقال الجوهري: لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة، وقال الدمار الهلاك يقال دمره تدميرا ودمر عليه بمعنى وقال: يقال: نكل به تنكيلا إذا جعله نكالا وعبرة لغيره، وقال حاضرته جاثيته عند السلطان وهو كالمغالبة و المكاثرة، وقال الهاجس الخاطر يقال: هجس في صدري شئ يهجس أي حدس، وقال الراصد للشئ الراقب له، والترصد الترقب. والسرائر جمع السريرة وهي السر الذي يكتم وإضافة المسرات على بناء المفعول إليه للمبالغة، والمعاناة مقاساة الشدايد، وفي بعض النسخ (يعاينه) بتقديم الياء وكلمة (من) على الاول تعليلية، وعلى الثاني بيانية، والتغاشم قبول الغشم، وهو الظلم، وقال الجوهري الهجر والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، و قال السحرة بالضم السحر الاعلى، وفي القاموس فجأه كسمعه ومنعه فجاءة وفجأة هجم عليه، وقال: بدده تبديدا فرقه. (وافلل أعضادهم) أي اكسر أو اهزم أعوانهم، يقال: فله أي ثلمه، وفل القوم هزمهم، ولا يبعد أن يكون في الاصل (وافتت أعضادهم) فانه يقال: فت في ساعده وفي عضده أي أضعفه، والجث والاجتثاث القطع وانتزاع الشجر من أصله (اللهم امنحنا أكتافهم) لعله كناية عن التسلط عليهم أي اجعلنا مسلطين عليهم يحيث نركب أكتافهم، وقد مر في حديث بدر فاركبوا أكتافهم، وملكنا أكنافهم أي نواحيهم و بلادهم وأكنافها. والغصة بالضم ما اعترض في الحلق يقال: غصصت بالكسر والفتح يغص غصصا

[246]

فأنت غاص ذكره الفيروز آبادي، وقال: ربكه خلطه فارتبك، وفلانا ألقاه في وحل فارتبك فيه، وقال تكأد الشئ تكلفه وكابده وصلى به وتكأدني الامر شق على كتكاءدني، وقال: تاح له الشئ يتوح تهيأ كتاح يتيح، وأتاحه الله فاتيح انتهى، ولعل المتاح مصدر ميمي ويحتمل اسم المكان وفي بعض النسخ متاحا فياحا وفي القاموس فاح المسك انتشرت رائحته وبحر فياح واسع. قوله عليه السلام: (تنكف) في بعض النسخ بالتخفيف على بناء المفعول أي تنقطع وفي بعضها بالتشديد على بناء المعلوم أي تدفع، وفي القاموس جشم الامر كسمع جشما وجشامة تكلفه على مشقة كتجشمه وأجشمني إياه وجشمني، وقال الدولة انقلاب الزمان والعقبة في المال، والجمع دول مثلثة، وقال الخول محركة ما أعطاك الله من النعم والعبيد والاماء وغيرهم من الحاشية، وقال في النهاية في حديث أشراط الساعة (إذا كان المغنم دولا) جمع دولة بالضم، وهو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم، وقال فيه (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين كان عباد الله خولا) أي خدما وعبيدا يعني أنهم يستخدمونهم ويستعبدونهم. (عالم أرضك) بكسر اللام أي الامام أو الاعم (في بلية بكماء) أو بفتح اللام أي جميع العباد في فتنة بكماء لا يهتدى فيها بوجه ولا ينطق أحد فيها لرفعها، وهذا أنسب، وفي القاموس ادلهم الظلام كثف وأسود مدلهم مبالغة وقال في النهاية، (اللهم المم شعثنا) يقال لممت الشئ ألمه لما إذا جمعة أي اجمع ما تشتت من أمرنا وقال: الشعت انتشار الامر. (وقد ألجم الحذار) أي منعنا عن السؤال منك الحذر عن العقوبة، أو الرد أو منعنا عن التكلم والتعرض للامور المحاذرة والتحرز عن ضرر الاعادي وهو أظهر و (غير مهمل مع الامهال) أي إمهاله سبحانه وتأخير العذاب ليس من جهة الاهمال و ترك العقوبة بالكلية بل لمصلحة في التأخير (من قد استن) أي كبر سنه وطال عمره في الطغيان، والقصم بالكسر، والختر العذر، والحندس بالكسر الليل المظلم والظلمة.

[247]

وفي القاموس الهطل المطر الضعيف الدائم وتتابع المطر المتفرق العظيم القطر وقد هطل يهطل، وقال: الوابل المطر الشديد الضخم القطر وفي بعض النسخ (بعينه) أي بعلمه وفي بعضها (بغيثه) وقوله: (وابل السيل) أي الوابل الذي يصير سببا لجريان السيل أو الوابل الذي ينزل كالسيل أو نسبة الهطول والوبل إلى السيل على التوسع. وقال الجوهري: دمغه دمغا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، وقال: النفث شبيه بالنفخ والنفاثات في العقد السواحر (وتقية أهل الورع) في بعض النسخ بالتاء المثناة الفوقانية، وفي بعضها بالباء الموحدة التحتانية، ويحتمل أن يكون إشارة إلى قوله تعالى: (اولو بقية ينهون عن الفساد في الارض) (1) قال البيضاوي: أي بقية من الرأي والعقل واولو فضل، وإنما سمي بقية لان الرجل يستبقي فضل ما يخرجه، و يجوز أن يكون مصدرا كالتقية أي ذوي إبقاء على أنفسهم وصيانه من العذاب، ولعل الاخير هنا أفضل. وفي القاموس الخرص والحرز والكذب وكل قول بالظن (كل طالب) أي للحق (مرتاد) للرشد أو للفرج، وفي القاموس المرصاد الطريق والمكان يرصد فيه العدو، وقال لبس عليه الامر يلبسه خلطه انتهى، والملبوس تأكيد من قبيل ليل أليل، وقال الجوهري الركس رد الشئ مقلوبا وقد ركسه وأركسه بمعنى (والله أركسهم بما كسبوا) (2) أي ردهم إلى كفرهم، والعبوس بالضم كلوح الوجه وبالفتح الكالح، وفي الصحاح استخفيت منه أي تواريت، والاجتياح الاستيصال و (أو بهم) على بناء التفعيل من الاوب بمعنى الرجوع، وفي بعض النسخ (وأوبهم) وفي بعضها (و آوهم) على بناء الافعال من أوى يأوي، والكل مناسب، والاخيران أظهر، و المثاب المرجع. قوله عليه السلام: (عن كشف مكامنهم) متعلق بقوله مستغن، وقوله: (باللجاء)


(1) هود: 116. (2) النساء: 88. [*]

[248]

متعلق بالندب، والباء بمعنى إلى، وقوله (إلى تنجز) متعلق باللجاء ويحتمل تعلقه بالندب، فقوله باللجاء متعلق بالتنجز والاول أظهر، ويقال ندبه إلى الامر كنصره دعاه وحثه وتنجز الحاجة طلب نجحها وتنجز العدة طلب إنجازها أي أنت مستغن عن أن ينكشف الخلق ما كمنوه وأخفوه في ضمايرهم من الحاجات والمطالب إلا أنك رغبت وأمرت بالالتجاء إلي طلب إنجاز ما وعدته اللاجين إليك ويقال: طوى الحديث أي كتمه. (ما قد تراطم) أي الامور التي وقع فيها أصفياؤك وأولياؤك من جهة المخالفين ولا يمكنهم التخلص منها، قال الجوهري رطمته في الوحل رطما فارتطم هو، أي ارتبك فيه، وارتطم عليه أمر: إذا لم يقدر على الخروج منه (غير ظنين) أي متهم، حال عن ضمير الخطاب، (ولا ضنين) أي بخيل (ولكن الجهد) أي الشدة يبعث على طلب زيادة الاكرام والنعمة بدفع البلية. (وما أمرت به من الدعاء إذا أخلص) على بناء المجهول أو المعلوم أي الداعي لك اللجأ أي يكون التجاؤه خالصا لك فيه ولا يرجو غيرك (يقتضي إحسانك) بالرفع (شرط الزيادة) بالنصب أي أن تشرط له الزيادة في الكرم وتحكم له بها، والعائد محذوف أي (له) وبسبب الدعاء، ويحتمل العكس بأن يكون الاحسان منصوبا و الشرط مرفوعا أي ما شرطت من إجابة دعاء الداعين والزيادة على ما طلبوا منك أن تحسن إليهم بسبب الدعاء، ويحتمل النصب فيهما بأن يكون المرفوع في (يقتضي) راجعا إلى الموصول، والاحسان مفعوله، والشرط منصوبا بنزع الخافض أي بشرط الزيادة والوعد بها. (بملكة الربوبية) أي المالكية التي هي من جهة الخالقية والربوبية، أو صفة الربوبية (ومشخصات) أي مخرجات إليك، قال الجوهري شخص من بلد إلى بلد شخوصا أي ذهب وأشخصه غيره، وفي بعض النسخ (محصنات) أي محفوظات بتضمين معنى الخروج ومثله، وفي بعضها (محضات) من الحض بمعنى التحريص والانالة الاعطاء وإيصال الخير، والنائل العطاء كالنول، أي لا ينقص خزائنك كثرة

[249]

العطاء، وألحف السائل ألح، أي الالحاح في دعائك ليس من الالحاح المذموم، فانك تحب الملحين أو في جنب سعة قدرتك وخزائنك كلما لج السائلون وأخذوا لا يعد إلحافا وإلحاحا، وقال الفيروز آبادي ضرع إليه ويثلث ضرعا محركة وضراعة خضع وذل واستكان، أو كفرح ومنع تذلل فهو ضارع وضرع ككتف، وككرم ضعف فهو ضرع محركة من قوم ضرع. قوله عليه السلام: (لا يخلقه التفنيد) أي لا يبليه الافناء، فان كل ما يكون في معرض الفناء يلحقه البلى، وما في الاعصار: أي كل ما ينشؤ في الازمان والاعصار بسبب مشيتك فهو بمقدار يوافق الحكمة، أو بتقدير وتدبير، وليس بالاهمال والاتفاق، وقال الجوهري كنفت الرجل أكنفه أي حطته وصنته، والمنال مصدر أو المعنى اوصل يدي إلى حيث يصل إليه أيدي المعتصمين بحبل الله المتين. وموسى بن بغا كان من الاتراك من امراء المهدي والمعتمد، وكان بغا أبوه من امرائهم (واستخلاصا له به) أي أحمده طلبا لخلاص نفسي من العقوبات خالصا له مستعينا به، أو طلبا لاخلاص الدعاء والعبادة له بعونه، وفي بعض النسخ (وبه) والالحاد في العظمة الاتيان بما ينافي عظمته سبحانه، والاعتقاد بها قولا وعقلا وعملا (ندبت إلى فضلك) إشارة إلى قوله تعالى (واسألوا الله من فضله) (1). قوله عليه السلام: (لم يمهه) بفتح الياء وكسر الميم وسكون الهاء وفي بعض النسخ بضم الياء على بناء الافعال، قال الجوهري ماهت الركية تموه وتميه وتماه موها إذا ظهر ماؤها وكثر، ومهت الرجل ومهته بكسر الميم وضمها إذا سقيته الماء، و أمهت الرجل والسكين إذا سقيتهما، وأمهت الدواة صببت فيها الماء. وفي بعض النسخ لم يمهه بضم الياء وسكون الميم وكسر الهاء، قال في الصحاح حفر البئر حتى أمهى لغة في أماه على القلب، وقال: نبط الماء نبع وأنبط الحفار بلغ الماء، والاستنباط الاستخراج، وقال الكدية الارض الصلبة وأكدى الحافر إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر، وحفر فأكدى: إذا بلغ إلى الصلب، وأكديت


(1) النساء: 32. [*]

[250]

الرجل عن الشئ رددته عنه، وأكدى الرجل إذا قل خيره، وقوله تعالى: (وأعطى قليلا وأكدى) (1) أي قطع القليل وقال المايح الذي ينزل البئر فيملؤ الدلو وذلك إذا قل ماؤها، واستمحت الرجل سألته العطاء، وقال: السجل الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر والجمع السجال انتهى، ولا يخفى لطف تلك الاستعارات والترشيحات على المتأمل. والخلد البال يقال: وقع ذلك في خلدي أي في روعي وقلبي ذكره الجوهري (واشفع مسئلتي) أي اجعلها شفعا وزوجا بقضاء حاجتي (زيغ الفتن) أي الميل إلى الباطل الذي يحدث من الفتن، وفي الصحاح جعل على بصره غشوة مثلثة وغشاوة أي غطاء: ومنه قوله تعالى: (فأغشيناهم فهم لا يبصرون) (2) أقول: وإضافتها إلى الحيرة إما لامية أو من قبيل لجين الماء، وفي بعض النسخ بالعين المهملة، وقال الجوهري العشوة أن يركب أمرا على غير بيان يقال: أوطأتني عشوة وعشوة وعشوة أي أمرا ملتبسا، وذلك إذا أخبرته بما أوقعته به في حيرة أو بلية، ومقارعة الابطال قرع بعضهم بعضا، وقوارع الدهر شدائده، وابتز امورنا أي سلبها عنا. (معادن الابن) أي الذينهم محال العيوب الفاضحة من العلة المعروفة وغيرها كما اشتهر بها رءساؤهم، وقد ورد في الخبر أنه لا يتسمى بأمير المؤمنين بغير استحقاقه إلا من ابتلى بتلك العلة الشنيعة التي تذهب بالحياء رأسا وبه اول قوله تعالى: (إن يدعون من دونه إلا إناثا) (3) كما مر في موضعه وفي القاموس أبنه بشئ يأبنه و يأبنه اتهمه فهو مأبون بخير أو شر، فان أطلقت فقلت مأبون فهو للشر وأبنه وأبنه تأبينا عابه في وجهه، والابنة بالضم العقدة في العود، والعيب، والرجل الخفيف والحقد، قوله: (دولة بعد القسمة) أي بعد ما قسم الله بيننا، بقوله: (ما أفاء الله


(1) النجم: 34. (2) يس: 9. (3) النساء: 117. [*]

[251]

على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الاغنياء منكم) (1). قال الطبرسي رحمه الله (2) (من أهل القرى) أي من أموال الكفار أهل القرى (فلله) يأمركم فيه بما أحب (وللرسول) بتمليك الله إياه (ولذي القربى) يعنى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقرابته، وهم بنو هاشم (واليتامى والمساكين و ابن السبيل) منهم (كيلا يكون دولة) الدولة اسم للشئ الذي يتداوله القوم بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة أي لئلا يكون الفئ متداولا بين الرؤساء منكم يعمل فيه كما كان يعمل في الجاهلية. قال ابن جني: منهم من لا يفصل بين الدولة والدولة ومنهم من يفصل بينهما فقال: الدولة بالفتح للملك، وبالضم للملك. وقال الجوهري: المشورة الشورى وكذلك المشورة بضم الشين (وعدنا ميراثا) أي عاد حقنا وخلافتنا ميراثا، أو عادت أنفسنا ميراثا يملكوننا ويتصرفون فينا، و يحبسوننا ويظلموننا خليفة منهم بعد خليفة وباغ بعد باغ (بعد الاختيار للامة) أي بعد ما اختارنا الله للامة أو بعد اختيارهم للامة غيرنا. وفي الصحاح المعازف الملاهي والعازف اللاعب بها، والمغني، وقال: الارملة المرءة التي لا زوج لها (في أبشار المؤمنين) أي أبدانهم ودمائهم وفروجهم (أهل الذمة) حقيقة أو الذين هم كفار وإنما حكم باسلامهم في زمان الهدنة، فهم بمنزلة أهل الذمة. وقال الجوهري: الذياد الطرد تقول ذدته عن كذا وذدت الابل سقتها وطردتها ورجل ذائد وذواد أي حامي الحقيقة دفاع (والمسغبة) المجاعة، وقال الفيروز آبادي: هو بدار مضيعة كمعيشة ومهلكة أي بدار ضياع. قوله عليه السلام: (وحلفاء كآبة) أي صاروا ملازمين للكآبة والذل، فكأنهم صاروا


(1) الحشر ص 7. (2) مجمع البيان ج 9 ص 261. [*]

[252]

حلفاء لهما، والحليفان هما اللذان تحالفا وتعاقدا على أن ينصر كل منها صاحبه و يعاضده، وقال الجوهري: استحصد الزرع حان له أن يحصد، وقال: استجمع السيل اجتمع من كل موضع. وقال الفيروز آبادي: الخذروف كعصفور شئ يدوره الصبي بخيط في يديه فيسمع له دوى والسريع في جريه وخذرف أسرع، والاناء ملاه والسيف حدده، وفلانا بالسيف قطع أطرافه، وقال الوليد: المولود والصبي والعبد، وقال: بسق النخل بسوقا طال، وقال في النهاية: الجران باطن العنق، ومنه حديث عائشة حتى ضرب الحق بجرانه أي قر قراره واستقام، كما أن البعير إذا برك واستراح مد عنقه على الارض، وقال الجوهري: جران البعير مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره. (وتجب سنامه) وفي بعض النسخ وتجذ بالذال المعجمة من جذذت الشئ كسرته وقطعته، وفي بعضها وتجز بالزاي من جززت البر والنخل والصوف أجزه جزا، والجدع قطع الانف، والمرغم بفتح العين وكسرها الانف، والسرية القطعة من الجيش وإضافتها إلى الثقل من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة كمقعد صدق. وفي قوله: (ولا رافعة علم) من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف بأن يكون الرافعة بمعنى المرتفعة والمرفوعة، أو المعنى العلم التي ترفع صاحبها، وتأنيث العلم لانه بمعنى الراية، ويحتمل أن يكون من إضافة العامل إلى المعمول، أي الجماعة الرافعة للعلم، فنسبة التنكيس إليها على التوسع، وليست هذه الفقرة في المصباح، والنكس والتنكيس رد الشئ مقلوبا على رأسه. وقال الجوهري: قولهم (أباد الله خضراءهم) أي سوادهم ومعظمهم، وأنكره الاصمعي، وقال إنما يقال: أباد الله غضراءهم أي خيرهم وغضارتهم (وأرعب) وفي المصباح (وأوغر) وقال الجوهري: الوغرة شدة توقد الحر، ومنه قيل في صدره على وغر بالتسكين أي ضغن وعداوة وتوقد من الغيظ، وقال فصم الشئ كسره من غير أن يبين، وقال الفيروز آبادي: الكراع كغراب من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس وهو مستدق الساق واسم يجمع الخيل (ولا حاملة علم) الكلام فيه كما مر (إلا نكست) وفي

[253]

المصباح (إلا نكبت) بالباء، قال في القاموس: نكبه تنكيبا نحاه والنكب الطرح، ونكب الاناء أهراق ما فيه، والكنانة نثر ما فيها، ونكبه الدهر نكبا ونكبا بلغ منه أو أصابه بنكبة. وقال في النهاية: فيه كان إذا رأى ناشئا في افق السماء أي سحابا لم يتكامل اجتماعه واصطحابه، وقال الجوهري: النشؤ أول ما ينشؤ من السحاب وناشئة الليل أول ساعاته، ونشأت السحابة ارتفعت: وأنشأها الله. (وأدل له) هذا الضمير وما بعده إما راجع إلى نهار العدل، فهو كناية عن الامام أو نهار العدل أيامه، والضمائر راجعة إليه بقرينة المقام (وأصبح به) أي أظهر صبح الحق به وإن لم يأت بهذا المعنى في اللغة، أو المعنى ائت به صباحا وأظهره لنا في أول نهار العدل، قال في النهاية: فيه أصبحوا بالصبح أي صلوها عند طلوع الصبح، يقال: أصبح الرجل إذا دخل في الصبح، وقال الجوهري: الغسق أول ظلمة الليل، وقد غسق الليل يغسق إذا أظلم. (وكما ألهجتنا) أي أنطقتنا، وقال الفيروز آبادي: اللهجة اللسان، وقال: حاش الصيد: جاءه من حواليه ليصرفه إلى الحبالة كأحاشه وأحوشه، والابل جمعها وساقها، وفي النهاية فهو يحوشهم أي يجمعهم يقال: حشت عليه الصيد وأحشته إذا نفرته نحوه وسقته إليه وجمعته عليه، واحتوش القوم على فلان جعلوه وسطهم. (فلت لنا منه) أي أعطنا بسببه ما نأمله من الاجر أو أعطنا من الامور المتعلقة به من ظهوره وكوننا أنصاره وأشباه ذلك ما يناسب حسن يقيننا فيه، وفي بعض النسخ على بناء الافعال وفي بعضها على المجرد (المتألين عليك فيه) أي الذين يقسمون و يحلفون أنك لا تأتي به ولا تنصره، وقال في النهاية: (فيه من يتأل على الله يكذبه) أي من حكم عليه وحلف كقولك والله ليدخلن الله فلانا النار، ولينجحن الله سعي فلان وهو من الالية اليمين يقال: آلى يؤلي إيلاء وتألى يتألى تأليا، والاسم الالية. وقال: المعاقل الحصون واحدها معقل، والمثل العقوبات (وخلو ذرعنا) أي اعمالنا، قال الجوهري: أصل الذرع إنما هو بسط اليد، ولا يبعد أن يكون في الاصل

[254]

(درعنا) بالدال المهملة المكسورة أي قميصنا لاشتماله على الصدر أو زرعنا بالزاي فيكون انسب بالساحة، وقال الجوهري يقال: في صدره على إحنة أي حقد، وقال الجائحة الشدة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة. (وما تنازل) كأنه عطف على براءة أي ترى ما تتابع نزوله عليهم من تحصينهم بالعافية، وفي البلد الامين (ما يتناول) على بناء المفعول، وفي بعض نسخ المصباح (وما يتناولهم) ولعله أظهر. وقال الجوهري: ضبأت في الارض ضبأ وضبوءا إذا اختبأت، قال الاصمعي: ضبأ لصق بالارض وأضبأ الرجل على الشئ إذا سكت عليه وكتمه، فهو مضبئ عليه، وفي المصباح (من انتظار الفرصة وطلب الغفلة) قوله عليه السلام: (تقعد بنا) أي تعجزنا قال الفيروز آبادي: وقعد به أعجزه، قوله عليه السلام: (وثبت وطاءة) قال الجوهري: الوطأة موضع القدم أي جعلت له في قلوب المؤمنين مدخلا ومنزلا ثبت أثره فيها من محبتك التي جعلت له في قلوبهم، أو بسبب أنك التي تحبه أو أنه يحبك. قوله عليه السلام: لما دثر، ففي بعض النسخ درس وفي أكثرها (ورد) وفي بعضها (رد) والاولان أظهر إذ الدثور والدروس محو الاثار (وأشرق به) الاشراق لازم على المشهور واستعمل هنا متعديا ويحتمل أن يكون من قولهم أشرق عدوه أي أغصه بريقه (من لم تسهم له) أي لم تجعل له سهما ونصيبا من الرجوع إلى محبتك أو محبوبك، وقال الفيروز آبادي: التأليب التحريض والافساد. (لا ترة له) أي لم يطلب أحد الجنايات التي وقعت عليه وعلى أهل بيته، والطائلة الفضل والقدرة والغناء والسعة، ذكر الفيروز آبادي، أي ليس لاحد عليه فضل وإحسان أو لم يكن له ولاهل بيته قدرة على دفع من يعاديهم، وفي بعض النسخ لمن لا قوة له ولا طاقة. قوله عليه السلام: (بمواس القلوب) أي عجل حزن القلوب من الاسى بالفتح بمعنى الحزن، وفي بعض النسخ: (لحواس القلوب) وفي بعضها (لحواشي القلوب) وفي بعضها (بمواس القلوب) بتشديد السين أي بما يمسها من الاحزان وكل منها لا يخلو من تكلف (ويفرغ

[255]

عليه) كناية عن كثرة الورود، والخطوب الامور العظيمة، وشرق بريقه كفرح غص، وقال الجوهري: فلان أحنى الناس ضلوعا عليك أي أشفقهم عليك وحنوت عليه أي عطفت. ثم اعلم أن من قوله عليه السلام (واغضب لمن لا ترة له) إلى هنا، بعض الفقرات إرجاع الضماير فيها إلى الرسول صلى الله عليه وآله أنسب، وفي بعضها إلى إمام العصر، ولعل الاخير أوفق، وإن احتمل التفريق أيضا، وبعض الفقرات لا محيص عن حملها على الاخير. وقال الجوهري: رتعت الماشية ترتع رتوعا أي أكلت ما شاءت، وقال حميته حماية إذا دفعت عنه، وهذا شئ حمى على فعل أي محظور لا يقرب، وقال: البسطة السعة، وقال اخترمهم الدهر وتخرمهم أي اقتطعهم واستأصلهم (وأبن) أي أظهر للناس قربه منك (في حياته) بأن تظهره وتنصره، وإضافة القرب إلى الدنو للتأكيد، وفي بعض النسخ (في حبوته) أي بما تحبوه وتكرمه به من الغلبة والنصرة من بعده، أي بعد غيبته، وفي بعض النسخ بضم الباء، وقال الجوهري: استخذيت خضعت وقد يهمز، والشنآن بالتحريك والتسكين البغض، وسلا عنه نسيه، وفي النهاية، وثر وثارة فهو وثير أي وطئ لين. والاندية جمع النادي وهو مجلس القوم ومتحدثهم، وفي المصباح (فقدوا أنديتهم) على بناء المعلوم (بغير غيبة) أي ليس عدم حضور المجالس لغيبة، بل لمباينتهم القوم في أطوارهم وأديانهم، أو لاشتغالهم بمهمات الامور، وفي بعض النسخ بغير غنية بالنون والياء المثناة أي من غير استغناء لهم عن بلدهم، بل يهجرون الاوطان لمصالح الدين مع شدة حاجتهم إليها. (وحالفوا البعيد) أي على التناصر والتعاون وفي بعض النسخ (خاللوا) من الخلة بمعنى الصداقة بفك الادغام، وقال الفيروز آبادي: قلاه كرماه ورضيه أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه أوقلاه في الهجر وقليه في البغض، قوله عليه السلام: (ما مننت) أي بما مننت، أو هو مفعول اشكرهم أي أعطهم شكرا ما مننت وفي بعض النسخ (على ما مننت) أي شكرا كائنا على نحو ما مننت، والايد القوة.

[256]

(وأن الغاية عندنا قد تناهت) أي ظننا أنه لم يبق لامهالهم أمد لكثرة طغيانهم أو أنا لا ننتظر أمرا لقتالهم ونصرة إمامنا سوى أمرك له بالخروج ولا نوقفه على أمر آخر. قوله (متعاصبون) أي يتعصب كل منا لصاحبه في نصرة الحق، والثأر بالهمزة وقد يخفف طلب الدم، وفي النهاية المجد في كلام العرب الشرف الواسع، ورجل ماجد مفضال كثير الخير شريف، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال سمي مجدا والجلال العظمة، والاكرام الانعام، والمتين الشديد القوي الذي لا يلحقه في أفعاله مشقة ولا كلفة ولا تعب، والمتانة الشدة، (والرؤف) الرحيم بعباده العطوف عليهم بألطافه. واللطيف هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل والعلم بدقايق المصالح، وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه، وقد مر شرح أسماء الله سبحانه في كتاب التوحيد. وقال الفيروز آبادي: استأثر بالشئ استبد به وخص به نفسه (والمتفرد بالواحدانية) إذ الواحد من جميع الجهات الحقيقية ليس إلا الله سبحانه المتوحد بالصمدانية أي بكونه مقصودا إليه في جميع امور الخلق غير محتاج إليهم في شئ من اموره. (وعقدوا له المواثيق) أي في قلوبهم لانفسهم أو على عبادك بأن يطيعوك بهذا المقام، أي الاقامة على الولاية. 2 - أقول: زاد الكفعمي في القنوت الثاني (1) للعسكري عليه السلام بعد قوله (وتحكم ما تريد) زيادة وقال الشيخ في المصباح الكبير عند ذكر أدعية قنوت الوتر: ويستحب أن يزاد الدعاء في الوتر وذكر القنوت مع الزيادة وهي هذه (وتحكم ما تريد، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد وآله الاطهار، اللهم إني أجد هذه الندبة حيث امتحت دلالتها، ودرست أعلامها، وعفت إلا ذكرها، وتلاوة الحجة بها، اللهم إني أجد بيني وبينك مشتبهات تقطعني دونك، ومبطآت أقعدني عن إجابتك، وقد علمت أن عبدك لا يرحل إليك إلا بزاد، وأنك لا تحجب عن خلقك إلا أن تحجبهم الاعمال


(1) البلد الامين: 568. [*]

[257]

دونك، وقد علمت أن زاد الراحل إليك عزم إراة يختارك بها ويصير بها إلى ما يؤدي إليك. اللهم وقد ناداك بعزم الارادة قلبي، واستبقني نعمتك بفهم حجتك لساني وما تيسر لي من إرادتك اللهم فلا اختزلن عنك، وأنا أؤمك، ولا اختلجن عنك وأنا أتحراك، اللهم وأيدنا بما تستخرج به فاقة الدنيا من قلوبنا، وتنعشنا من مصارع هوانها، وتهدم به عنا ما شيد من بنيانها، وتسقينا بكأس السلوة عنها، حتى تخلصنا لعبادتك، وتورثنا ميراث أوليائك، الذين ضربت لهم المنازل إلى قصدك، وآنست وحشتهم حتى وصلوا إليك. اللهم وإن كان هوى من هوى الدنيا أو فتنة من فتنتها علق بقلوبنا حتى قطعنا عنك، أو حجبنا عن رضوانك، أو قعد بنا عن إجابتك، اللهم فاقطع كل حبل من حبالها جذبنا عن طاعتك وأعرض بقلوبنا عن أداء فرائضك، واسقنا عن ذلك سلوة وصبرا يوردنا على عفوك ويقومنا على مرضاتك إنك ولي ذلك. اللهم واجعلنا قائمين على أنفسنا باحكامك، حتى تسقط عنا مؤن المعاصي، واقمع الاهواء أن تكون مساورة، وهب لنا وطء آثار محمد وآله صلواتك عليه وآله و اللحوق بهم، حتى نرفع للدين أعلامه ابتغاء اليوم الذي عندك، اللهم فمن علينا بوطي آثار سلفنا، واجعلنا خير فرط لمن ائتم بنا. فانك على كل شئ قدير، وذلك عليك سهل يسير، وأنت أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الابرار، وسلم تسليما (1). بيان: قال الجوهري: الاختزال الاقتطاع يقال: اختزله عن القوم، وقال: اختلجه جذبه فانتزعه وقال: نعشه الله ينعشه رفعه، وقال: ساوره أي واثبه ويقال: إن لغضبه لسورة، وهو سوار أي وثاب، وفي بعض النسخ مشاورة بالشين المعجمة وفيه تكلف. (ابتغاء اليوم الذي عندك) أي يوم ظهور دولة القائم عليه السلام. 3 - العيون: عن علي بن عبد الله الوراق والحسين بن أحمد المؤدب وحمزة


(1) البلد الامين: 568. [*]

[258]

ابن محمد العلوي وأحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: وحدثنا أبو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان، عن أحمد بن إدريس، عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: رفع إلى المأمون أن أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام يعقد مجالس الكلام، والناس يفتنون بعلمه، فأمر محمد بن عمرو الطوسى حاجب المأمون فطرد الناس عن مجلسه، وأحضره، فلما نظر إليه المأمون زبره واستخف به فخرج أبو الحسن عليه السلام من عنده مغضبا وهو يدمدم بشفتيه ويقول: (وحق المصطفى والمرتضى وسيدة النساء لانتزلن من حول الله عزوجل بدعائي عليه ما يكون سببا لطرد كلاب أهل هذه الكورة إياه واستخفافهم به، وبخاصته وعامته. ثم إنه عليه السلام انصرف إلى مركزه واستحضر الميضأة وتوضأ وصلى ركعتين، وقنت في الثانية فقال: (اللهم يا ذا القدرة الجامعة، والرحمة الواسعة، والمنن المتتابعة، والالاء المتوالية، والايادي الجميلة، والمواهب الجزيلة، يامن لا يوصف بتمثيل ولا يمتثل بنظير، ولا يغلب بظهير، يامن خلق فرزق، وألهم فأنطق، وابتدع فشرع وعلا فارتفع، وقدر فأحسن، وصور فأتقن، واحتج فأبلغ، وأنعم فأسبغ، و أعطى فأجزل، ومنح فأفضل، يامن سما في العز ففات خواطف الابصار، ودنا في اللطف فجاز هواجس الافكار، يامن تفرد بالملك فلا ند له في ملكوت سلطانه، وتوحد بالكبرياء فلا ضد له في جبروت شأنه. يا من حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الاوهام، وانحسرت دون إدراك عظمته خطائف أبصار الانام، يا عالم خطرات قلوب العالمين، ويا شاهد لحظات أبصار الناظرين، يامن عنت الوجوه لهيبته، وخضعت الرقاب لجلالته، ووجلت القلوب من خيفته، وارتعدت الفرائص من فرقه، يابدي [بديع] ياقوي، يا علي يا رفيع صل على من شرفت الصلاة بالصلاة عليه، وانتقم لي ممن ظلمني واستخف بي، وطرد الشيعة عن بابي، وأذقه مرارة الذل والهوان كما أذاقنيها، واجعله طريد الارجاس

[259]

وشريد الانجاس، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين (1). بيان: (بتمثيل) أي بالتشبيه بالمخلوقين (ولا يغلب بظهير) أي لا يغلبه أحد بمعاونة معاون، ويمكن أن يقرء على البناء للفاعل، لكن البناء للمفعول أنسب بساير الفقرات، وهو المضبوط في النسخ (فشرع) أي في الخلق أو أحدث الشرائع والاول أظهر (يامن سما في العز) أي علا وارتفع فيه أو به (ففات خواطف الابصار) أي الابصار الخاطفة والخطف استلاب الشئ، ولعله هنا كناية عن إدراك الاشياء بسرعة ويقال: خطف الشيطان السمع أي استرقه، ويحتمل على بعد أن يكون الفاعل هنا بمعنى المفعول أي الابصار المختطفة، أي أن الابصار تختطف لغلبة نوره، فلا تدركه كما قال الله تعالى: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) (2) وفي بعض النسخ (خواطر الابصار) فالمراد بالابصار البصائر أو الخواطر التي تحدث بعد الابصار، وفوته عنها عدم إدراكها له. (فجاز هواجس الافكار) أي تجاوز عما يهجس في الخواطر أي أدركها وأدرك ما هو أخفى منها مما هو كامن في النفوس، ولا يبعد أن يكون بالحاء المهملة، من الحيازة والمضبوط بالجيم، وفي القاموس هجس الشئ في صدره يهجس خطر بباله أو هو أن يحدث نفسه في صدره مثل الوساوس (يامن عنت الوجوه) أي خضعت، و الفرائض أوداج العنق والفريصة أيضا اللحمة بين الجنب والكتب، لا تزال ترعد من الدابة. و (البدئ) المبدئ، وهو الذي أنشأ الاشياء واخترعها ابتداء من غير مثال سابق، كالبديع، فانه أيضا بمعنى المبدع، وهو الخالق لا عن مثال أو مادة، و المنيع الذي يمتنع من شر من يعاديه بذاته بغير معاون، ويقال: فلان في عز و منعة، والشريد الطريد من طردته وأبعدته وفرقته.


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 172 و 173 في حديث طويل. (2) البقرة: 20. [*]

[260]

4 - مصباح الشيخ: وغيره يستحب أن يقنت في الفجر بعد القراءة وقبل الركوع فيقول: (لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، يا الله الذي ليس كمثله شئ وهو السميع العليم، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تعجل فرجهم، اللهم من كان أصبح وثقته ورجاؤه غيرك فأنت ثقتي ورجائي في الامور كلها، يا أجود من سئل، ويا أرحم من استرحم، ارحم ضعفي، وقلة حيلتي، وامنن علي بالجنة طولا منك، وفك رقبتي من النار، وعافني في نفسي وفي جميع اموري برحمتك يا أرحم الراحمين. 5 - البلد الامين وجنة الامان: هذا الدعاء رفيع الشأن عظيم المنزلة و رواه عبد الله بن عباس عن علي عليه السلام أنه كان يقنت به، وقال: إن الداعي به كالرامي مع النبي صلى الله عليه وآله في بدر واحد وحنين بألف ألف سهم. الدعاء: اللهم العن صنمي قريش وجبتيها وطاغوتيها وإفكيها، وابنتيهما اللذين خالفا أمرك وأنكرا وحيك، وجحدا إنعامك، وعصيا رسولك، وقلبا دينك وحرفا كتابك، وعطلا أحكامك، وأبطلا فرائضك، وألحدا في آياتك، وعاديا أولياءك وواليا أعداءك، وخربا بلادك، وأفسدا عبادك. اللهم العنهما وأنصارهما فقد أخربا بيت النبوة، ورد ما بابه، ونقضا سقفه، وألحقا سماءه بأرضه، وعاليه بسافله، وظاهره بباطنه، واستأصلا أهله، وأبادا أنصاره. وقتلا أطفاله، وأخليا منبره من وصيه ووارثه، وجحدا نبوته، وأشركا بربهما، فعظم ذنبهما وخلدهما في سقر ! وما أدريك ما سقر ؟ لا تبقي ولا تذر. اللهم العنهم بعدد كل منكر أتوه، وحق أخفوه، ومنبر علوه، ومنافق ولوه ومؤمن أرجوه، وولي آذوه، وطريد آووه، وصادق طردوه، وكافر نصروه، وإمام قهروه، وفرض غيروه، وأثر أنكروه، وشر أضمروه، ودم أراقوه، وخبر بدلوه، وحكم قلبوه، وكفر أبدعوه، وكذب دلسوه، وإرث غصبوه، وفيئ اقتطعوه، و

[261]

سحت أكلوه، وخمس استحلوه وباطل أسسوه، وجور بسطوه، وظلم نشروه، ووعد أخلفوه، وعهد نقضوه، وحلال حرموه وحرام حللوه، ونفاق أسروه، وغدر أضمروه وبطن فتقوه، وضلع كسروه، وصك مزقوه، وشمل بددوه، وذليل أعزوه، وعزيز أذلوه، وحق منعوه، وإمام خالفوه. اللهم العنهما بكل آية حرفوها، وفريضة تركوها، وسنة غيروها، وأحكام عطلوها، وأرحام قطعوها، وشهادات كتموها، ووصية ضيعوها، وأيمان نكثوها ودعوى أبطلوها، وبينة أنكروها، وحيلة أحدثوها، وخيانة أوردوها، وعقبة ارتقوها ودباب دحرجوها، وأزياف لزموها [وأمانة خانوها] ظ. اللهم العنهما في مكنون السر وظاهر العلانية لعنا كثيرا دائبا أبدا دائما سرمدا لا انقطاع لامده، ولا نفاد لعدده، ويغدو أوله ولا يروح آخره، لهم ولاعوانهم و أنصارهم ومحبيهم ومواليهم والمسلمين لهم، والمائلين إليهم والناهضين بأجنحتهم والمقتدين بكلامهم، والمصدقين بأحكامهم. ثم يقول: اللهم عذبهم عذابا يستغيث منه أهل النار آمين رب العالمين) أربع مرات، ودعا عليه السلام في قنوته: اللهم صل على محمد وآل محمد، وقنعني بحلالك عن حرامك، وأعذني من الفقر إني أسأت وظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فها أنا واقف بين يديك، فخذ لنفسك رضاها من نفسي، لك العتبى لا أعود، فان عدت فعد على بالمغفرة والعفو، ثم قال عليه السلام: العفو العفو مائة مرة، ثم قال: أستغفر الله العظيم من ظلمي وجرمي و إسرافي على نفسي وأتوب إليه، مائة مرة، فلما فرغ عليه السلام من الاستغفار ركع وسجد وتشهد وسلم (1). بيان: قال الكفعمي رحمه الله، عند ذكر الدعاء الاول: هذا الدعاء من غوامض الاسرار، وكرائم الاذكار، وكان أمير المؤمنين عليه السلام يواظب في ليله ونهاره وأوقات أسحاره، والضمير (في جبتيها وطاغوتيها وإفكيها) راجع إلى قريش و


(1) البلد الامين: 551 - 552. [*]

[262]

من قرأ (جبتيهما وطاغوتيهما وإفكيهما) على التثنية فليس بصحيح، لان الضمير حينئذ يكون راجعا في اللغة إلى جبتي الصنمين وطاغوتيهما وإفكيهما، وذلك ليس مراد أمير المؤمنين عليه السلام وإنما مراده عليه السلام لعن صنمي قريش، ووصفه عليه السلام لهذين الصنمين بالجبتين والطاغوتين والافكين تفخيما لفسادهما وتعظيما لعنادهما، وإشارة إلى ما أبطلاه من فرائض الله، وعطلاه من أحكام رسول الله صلى الله عليه وآله. والصنمان هما الفحشاء والمنكر. قال شارح هذا الدعاء: الشيخ العالم أبو - السعادات أسعد بن عبدالقاهر في كتابه رشح البلاء في شرح هذا الدعاء، الصنمان الملعونان، هما الفحشاء والمنكر، وإنما شبهتهما عليه السلام بالجبت والطاغوت لوجهين: إما لكون المنافقين يتبعونهما في الاوامر والنواهي غير المشروعة، كما اتبع الكفار هذين الصنمين، وإما لكون البراءة منهما واجبة لقوله تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) (1). وقوله: (اللذين خالفا أمرك) إشارة إلى قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) (2) فخالفا الله ورسوله في وصيه بعد ما سمعا من النص عليه ما لا يحتمله هذا المكان، ومنعاه في حقه فضلوا وأضلوا وهلكوا وأهلكوا وإنكارهما الوحي إشارة إلى قوله تعالى: (بلغ ما انزل إليك من ربك فان لم تفعل فما بلغت رسالته) (3). (وجحدهما الانعام) إشارة إلى أنه تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، ليتبعوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه، فإذا أبوا أحكامه وردوا كلمته فقد جحدوا نعمته وكانوا كما قال سبحانه: (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) (4).


(1) البقرة: 256. (2) النساء: 59. (3) المائدة: 67. (4) المائدة: 70. [*]

[263]

وأما عصيانهم الرسول صلى الله عليه وآله فلقوله صلى الله عليه وآله: يا علي من أطاعك فقد أطاعني، ومن عصاك فقد عصاني، وأما قلبهما الدين فهو إشارة إلى ما غيراه من دين الله كتحريم عمر المتعتين وغير ذلك مما لا يحتمله هذا المكان وأما تغييرهما الفرض إشارة إلى ما روي عنه عليه السلام أنه رأى ليلة الاسرى مكتوبا على ورقة من آس أني افترضت محبة علي على امتك، فغيروا فرضه، ومهدوا لمن بعدهم بغضه، وسبه حتى سبوه على منابرهم ألف شهر. و (الامام المقهور منهم) يعني نفسه عليه السلام، ونصرهم الكافر إشارة إلى كل من خذل عليا عليه السلام وحاد الله ورسوله، وهو سبحانه يقول: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله) (1) الاية (وطردهم الصادق) إشارة إلى أبي ذر طرده عثمان إلى الربذة، وقد قال النبي صلى الله عليه في حقه: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء الحديث (وإيواؤهم الطريد) وهو الحكم بن أبي العاص طرده النبي صلى الله عليه وآله فلما تولى عثمان آواه (وإيذائهم الولي) يعني عليا عليه السلام (وتوليتهم المنافق) إشارة إلى معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة والوليد بن عتبة و عبد الله بن أبي سرح والنعمان بن بشير (وإرجائهم المؤمن) إشارة إلى أصحاب علي عليه السلام كسلمان والمقداد وعمار وأبي ذر، والارجاء التأخير، ومنه قوله تعالى: (أرجه وأخاه) (2) مع أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقدم هؤلاء وأشباههم على غيرهم. والحق المخفي هو الاشارة إلى فضائل علي عليه السلام وما نص عليه النبي صلى الله عليه وآله في الغدير وكحديث الطاير وقوله عليه السلام: يوم خيبر لاعطين الراية غدا الحديث، و حديث السطل والمنديل، وهوي النجم في داره، ونزول هل أتى فيه وغير ذلك مما لا يتسع لذكره هذا الكتاب: وأما المنكرات التي أتوها فكثيرة جدا وغير محصورة عدا حتى روي أن


(1) المجادلة: 22. (2) الاعراف: 111. [*]

[264]

عمر قضى في الجده بسبعين قضية غير مشروعة، وقد ذكر العلامة قدس الله سره في كتاب كشف الحق ونهج الصدق، فمن أراد الاطلاع على جملة مناكرهم، وما صدر من الموبقات عن أولهم وآخرهم، فعليه بالكتاب المذكور، وكذا كتاب الاستغاثة في بدع الثلاثة وكتاب مسالب الغواصب في مثالب النواصب، وكتاب الفاضح، وكتاب الصراط المستقيم، وغير ذلك مما لا يحتمل هذا المكان ذكر الكتب فضلا عما فيها. وقوله: (فقد أخربا بيت النبوة اه) إشارة إلى ما فعله الاول والثاني مع علي عليه السلام وفاطمة عليها السلام من الايذاء، وأرادا إحراق بيت علي عليه السلام بالنار، وقاداه قهرا كاجمل المخشوش، وضغطا فاطمة عليها السلام في بابها حتى سقطت بمحسن، وأمرت أن تدفن ليلا لئلا يحضر الاول والثاني جنازتها وغير ذلك من المناكير. وعن الباقر عليه السلام ما اهرقت محجمة دم إلا وكان وزرها في أعناقهما إلى يوم القيامة، من غير أن ينتقص من وزر العاملين شئ، وسئل زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام وقد أصابه سهم في جبينه: من رماك به ؟ قال: هما رمياني، هما قتلاني. وقوله: (وحرفا كتابك) يريد به حمل الكتاب على خلاف مراد الشرع لترك أوامره ونواهيه، ومحبتهما الاعداء إشارة إلى الشجرة الملعونة بني امية ومحبتهما لهم، حتى مهدا لهم أمر الخلافة بعدهما، وجحدهما الالاء كجحدهما النعماء، و قد مر ذكره، وتعطيلهما الاحكام يعلم مما تقدم، وكذا إبطال الفرائض، والالحاد في الدين الميل عنه. (ومعاداتهما الاولياء) إشارة إلى قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله) (1) الاية (وتخريبهما البلاد وإفسادهما العباد) هو مما هدموا من قواعد الدين، وتغييرهم أحكام الشريعة، وأحكام القرآن، وتقديم المفضول على الفاضل (والاثر الذي أنكروه) إشارة إلى استيثار النبي صلى الله عليه وآله عليا من بين أفاضل أقاربه و


(1) المائدة: 55. [*]

[265]

جعله أخا ووصيا، وقال له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى وغير ذلك ثم بعد ذلك كلها أنكروه (والشر الذي آثروه) هو إيثارهم الغير عليه، وهو إيثار شر متروك مجهول على خير مأخوذ معلوم، هذا مثل قوله عليه السلام: (علي خير البشر من أبى فقد كفر). (والدم المهراق) هو جميع من قتل من العلويين، لانهم أسسوا ذلك كما ذكرناه من قبل من كلام الباقر عليه السلام (ما اهرقت محجمة دم) اه حتى قيل * وأريتكم أن الحسين اصيب في يوم الثقيفة * (1) والخبر المبدل منهم عن النبي صلى الله عليه وآله كثير كقولهم أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة وغير ذلك مما هو مذكور في مظانه. والكفر المنصوب: هو أن النبي صلى الله عليه وآله نصب عليا عليه السلام علما للناس وهاديا فنصبوا كافرا وفاجرا، والارث المغصوب: هو فدك فاطمة عليها السلام، والسحت المأكول هي التصرفات الفاسدة في بيت مال المسلمين، وكذا ما حصلوه من ارتفاع الفدك من التمر والشعير، فانها كانت سحتا محضا، والخمس المستحل: هو الذي جعله سبحانه لال محمد صلى الله عليه وآله فمنعوهم إياه واستحلوه حتى أعطى عثمان مروان بن الحكم خمس افريقية وكان خمس مائة ألف دينار بغيا وجورا، والباطل المؤسس: هي الاحكام الباطلة التي أسسوها وجعلوها قدوة لمن بعدهم، والجور المبسوط هو بعض جورهم الذي مر ذكره. (والنفاق الذي أسروه) هو قولهم في أنفسهم لما نصب النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام للخلافة قالوا: والله لا نرضى أن تكون النبوة والخلافة لبيت واحد، فلما توفي النبي صلى الله عليه وآله أظهر واما أسروه من النفاق، ولهذا قال علي عليه السلام: والذي فلق الحبة و برئ النسمة ما أسلموا، ولكن استسلموا: أسروا الكفر، فلما رأوا أعوانا عليه أظهروه. وأما الغدر المضمر: هو ما ذكرناه من إسرارهم النفاق، والظلم المنشور كثير أوله أخذهم الخلافة منه عليه السلام بعد فوت النبي صلى الله عليه وآله، والوعد المخلف هو ما وعدوا


(1) راجع كشف الغمة ج 2 ص 69. [*]

[266]

النبي صلى الله عليه وآله من قبولهم ولاية علي عليه السلام والايتمام به فنكثوه، والامانة الذي خانوها هي ولاية علي عليه السلام في قوله تعالى: (إنا عرضنا الامانة على السموات) الاية (1). والانسان هم لعنهم الله، والعهد المنقوض: هو ما عاهدهم به النبي صلى الله عليه وآله يوم الغدير على محبة علي عليه السلام وولايته، فنقضوا ذلك. والحلال المحرم كتحريم المتعتين، وعكسه كتحليل الفقاع وغير ذلك، و والبطن المفتوق بطن عمار بن ياسر ضربه عثمان على بطنه فأصابه الفتق، والضلع المدقوق والصك الممزوق إشارة إلى ما فعلاه مع فاطمة عليها السلام من مزق صكها ودق ضلعها، والشمل المبدد هو تشتيت شمل أهل البيت عليهم السلام وكذا شتتوا بين التأويل والتنزيل وبين الثقلين الاكبر والاصغر، وإعزاز الذليل وعكسه معلوما المعنى وكذا الحق الممنوع، وقد تقدم ما يدل على ذلك. والكذب المدلس مر معناه في قوله عليه السلام (وخبر بدلوه) والحكم المقلب مر معناه في أول الدعاء في قوله عليه السلام (وقلبا دينك) والاية المحرفة مر معناه في قوله عليه السلام: (حرفا كتابك) والفريضة المتروكة هي موالاه أهل البيت عليهم السلام لقوله تعالى (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (2) والسنة المغيرة كثيرة لا تحصى، وتعطيل الاحكام يعلم مما تقدم، والبيعة المنكوثة هي نكثهم بيعته كما فعل طلحة والزبير، والرسوم الممنوعة هي الفئ والخمس ونحو ذلك، والدعوى المبطلة إشارة إلى دعوى الخلافة وفدك، والبينة المنكرة هي شهادة علي والحسنين عليهم السلام وام أيمن لفاطمة عليها السلام فلم يقبلوها. والحيلة المحدثة هي اتفاقهم أن يشهدوا على علي عليه السلام بكبيرة توجب الحد إن لم يبايع، وقوله: وخيانة أوردوها إشارة إلى يوم الثقيفة لما احتج الانصار على أبي بكر بفضائل علي عليه السلام وأنه أولى بالخلافة، فقال أبو بكر: صدقتم ذلك ولكنه نسخ بغيره لاني سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إنا أهل بيت أكرمنا الله بالنبوة ولم يرض لنا


(1) الاحزاب: 72. (2) الشورى: 23. [*]

[267]

بالدنيا وأن الله لن يجمع لنا بين النبوة والخلافة، وصدقه عمر وأبو عبيدة و سالم مولى حذيفة على ذلك، وزعموا أنهم سمعوا هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وآله كذبا وزورا فشبهوا على الانصار والامة، والنبي صلى الله عليه وآله قال: من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده في النار. وقوله: (وعقبة ارتقوها) إشارة إلى أصحاب العقبة وهم أبو بكر وعمر و عثمان وطلحة والزبير وأبو سفيان ومعاوية ابنه وعتبة بن أبي سفيان وأبو الاعور السلمي والمغيرة بن شعبة وسعد بن أبي وقاص وأبو قتادة وعمرو بن العاص وأبو - موسى الاشعري اجتمعوا في غزوة تبوك على كؤد لا يمكن أن يجتاز عليها إلا فرد رجل أو فرد جمل، وكان تحتها هوة مقدار ألف رمح من تعدى عن المجرى هلك من وقوعه فيها، وتلك الغزوة كانت في أيام الصيف. والعسكر تقطع المسافة ليلا فرارا من الحر فلما وصلوا إلى تلك العقبة أخذوا دبابا كانوا هيؤها من جلد حمار، ووضعوا فيها حصى وطرحوها بين يدي ناقة النبي صلى الله عليه وآله لينفروها به فتلقيه في تلك الهوة فيهلك صلى الله عليه وآله. فنزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله بهذه الاية (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) (1) الاية وأخبره بمكيدة القوم، فأظهر الله تعالى برقا مستطيلا دائما حتى نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى القوم وعرفهم وإلى هذه الدباب التي ذكرناها أشار عليه السلام بقوله: (ودباب دحرجوها) وسبب فعلهم هذا مع النبي صلى الله عليه وآله كثرة نصه على علي عليه السلام بالولاية والامامة والخلافة، وكانوا من قبل نصه أيضا يسوؤنه لان النبي صلى الله عليه وآله سلطه على كل من عصاه من طوائف العرب، ققتل مقاتليهم، وسبا ذراريهم، فما من بيت إلا وفي قلبه ذحل، فانتهزوا في هذه الغزوة هذه الفرصة، وقالوا إذا هلك محمد صلى الله عليه وآله رجعنا إلى المدينة، ونرى رأينا في هذا الامر من بعده، وكتبوا بينهم كتابا فعصم الله نبيه منهم، وكان من فضيحتهم ما ذكرناه.


(1) براءة: 74. [*]

[268]

وقوله: وأزياف لزموها) الازياف جمع زيف، وهو الدرهم الردى غير المسكوك الذي لا ينتفع به أحد، شبه أفعالهم الردية وأقوالهم الشنيعة بالدرهم الزيف الذي لا يظهر في البقاع، ولا يشترى به متاع، فلافعالهم الفضيحة وأقوالهم الشنيعة، وذكرهم الله تعالى في قوله: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة) (1). (والشهادات المكتومة) هي ما كتموا من فضائله ومناقبه التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وهي كثيرة جدا وغير محصورة عدا (والوصية المضيعة) هي قول النبي صلى الله عليه وآله اوصيكم بأهل بيتي وآمركم بالتمسك بالثقلين، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، وأمثال ذلك انتهى كلامه قدس سره. قوله: (لان الضمير) لا يخفى ما فيه إذ لا مانع حينئذ من إرجاع الضمير إلى الصنمين، ولا ريب في أن تأنيث الضماير أظهر، لكن العلة معلولة، قوله: (إلى استيثار النبي صلى الله عليه وآله) الظاهر أن المراد بالاثر إما الخبر وآثار النبي صلى الله عليه وآله ولعله حمل الاثر على الذي آثر الله ورسوله، واختاره على غيره، وهو بعيد لفظا ويحتمل أن يكون في نسخته (وأثير) على فعيل. قوله: (الازياف جمع زيف) أقول: في بعض النسخ بالراء المهملة جمع ريف بالكسر، وهي أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل والمشرب، وما قارب الماء من أرض العرب، أو حيث الخضر والمياه و الزروع، ولا يخفى مناسبة الكل. ثم إنا بسطنا الكلام في مطاعنهما في كتاب الفتن، وإنما ذكرنا هنا ما أورده الكفعمي ليتذكر من يتلو الدعاء بعض مثالبهما لعنة الله عليهما وعلى من يتولاهما. 6 - مهج الدعوات (2): ومن ذلك دعاء وجدناه بخط الرضي الموسوي رضوان الله عليه نذكره بلفظه، وتنظر المراد منه. بسم الله الرحمن الرحيم وجدت في كتاب القاضي علي بن محمد الفزاري أيده الله


(1) النور: 39. (2) مهج الدعوات: 406. [*]

[269]

قال: قرءت علي أبي جعفر الزاهد أحمد بن محمد بن عيسى العلوي وذكر أنه لبعض الائمة يقنت بها، كتبته بنيشابور من نسخة أبي الحسن أحمد بن محمد بن كسرى بن يسار ابن قيراط البلخي ويعرف بدعاء السامري: بسم الله ما شاء الله توجها بالدعاء إلى الله، بسم الله ما شاء الله تقربا بالتضرع إلى الله، بسم الله ما شاء الله توسلا بالتطلب إلى الله، بسم الله ما شاء الله تعبدا لله، بسم الله ما شاء الله تلطفا لله، بسم الله ما شاء الله تذللا لله، بسم الله ما شاء الله تخشعا لله بسم الله ما شاء الله استكانة لله، بسم الله ما شاء الله استعانة بالله، بسم الله ما شاء الله استغاثة بالله، بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، بسم الله ما شاء الله كان بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله أستغفر الله المستعان. بسم الله ما شاء الله لا إله إلا الله الحليم الكريم، بسم الله ما شاء الله لا إله إلا الله العلي العظيم، بسم الله ما شاء الله رب السموات السبع ورب الارضين السبع وما فيهن وما بينهن وما عليهن وهو رب العرش العظيم، لا إله إلا الله هو رب العرش الكريم بسم الله ما شاء الله لا إله إلا الله الاول قبل كل شئ، بسم الله ما شاء الله لا إله إلا الله الاخر بعد كل شئ، بسم الله ما شاء الله لا إله إلا الله سبحان الله ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. يا الله يالطيف، يا لله الذي ليس كمثله شئ، وأنت السميع البصير، صل على محمد وعلى أئمة المؤمنين من آله كلهم، وعجل فرجهم، وضاعف أنواع العذاب على أعدائهم، وثبت شيعتهم على طاعتك وطاعتهم وعلى دينك ومنهاجهم، ولا تنزع منهم سيدي شيئا من صالح ما أعطيتهم برحمتك. يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب والابصار لا تزغ قلوبهم بعد إذ هديتهم، وهب لهم من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، يا الله يا حي يا قيوم أسئلك أن تجعل الصلاة كلها على من صليت عليهم، وأن تجعل اللعائن كلها على من لعنتهم وأن تبدء بالذين ظلما آل رسولك، وغصبا حقوق أهل بيت نبيك، وشرعا غير دينك اللهم فضاعف عليهما عذابك، وغضايبك ولعناتك ومخازيك، بعدد ما في علمك، و

[270]

بحسب استحقاقهما من عدلك، وأضعاف أضعاف أضعافه، بمبلغ قدرتك عاجلا غير آجل، بجميع سلطانك. ثم بسائر الظلمة من خلقك بأهل بيت نبيك بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين الزاهرين، صلواتك عليهم أجمعين، بحسب ما أحاط به علمك في كل زمان وفي كل أوان، ولكل شأن وبكل لسان، وعلى كل مكان ومع كل بيان وكذا كل إنسان أبدا دائما واصلا ما دامت الدنيا والاخرة، يا ذا الفضل والثناء، والطول، لك الحمد لا إله إلا أنت سبحانك يا الله وبحمدك، ترحمت على خلقك، فهديتهم إلى دعائك، فقولك الحق في كتابك، وإذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعاني. فلبيك لبيك لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، والمهدي من هديت عبيدك داعيك منتصب بين يديك، ورقك وراجيك، منتهى عن معاصيك، وسألك من فضلك يصلي لك وحدك لا شريك لك، بك ولك ومنك وإليك، لا منجا ولا ملتجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك ربنا وحنانيك، سبحانك وتعاليت، سبحانك ربنا ورب البيت الحرام، سبحانك ربنا والرغبة إليك، سبحانك ربنا و رب الورى، ترى ولا ترى، وأنت بالمنظر الاعلى، وإليك الرجعى، وإليك الممات والمحيا ولك الاخرة والاولى، ولك القدرة والحجة والامر والنهي، وأنت الغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى. فآمنا بك يا سيدي وسألناك واهتدينا لك بمن هديتنا بهم من بريتك المختار من المتقين، محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين الخيرين الفاضلين الزاهدين المرضيين صلواتك عليهم أجمعين. اللهم فصل عليهم بجميع صلواتك، وعجل فرجهم بعز جلالك، وأدخلنا بهم فيمن هديت، وعافنا بهم فيمن عافيت، وتولنا بهم فيمن توليت، وارزقنا بهم فيمن رزقت، وبارك لنا بهم فيما أعطيت، وقنا بهم جميع شرور ما قدرت وقضيت فانك تقضي ولا يقضى عليك، وتذل ولا يذل من واليت، وتجير ولا يجار عليك

[271]

والمصير والمعاد إليك، آمنا بك يا سيدي وتوكلنا عليك، وسمعنا لك يا سيدي وفوضنا إليك. اللهم إنا نعوذ بك من أن نذل ونخزى، ونعوذ بك من درك الشقاء، ومن شماتة الاعداء، ومن سوء القضاء، ومن تتابع الفناء والبلاء ومن الوباء ومن جهد البلاء، وحرمان الدعاء، ومن سوء المنظر في أنفس أهل بيت نبيك محمد صلواتك عليهم، وفي أديانهم في جميع ما تفضلت وتتفضل به عليهم، ما عاشوا وعند وفاتهم وبعد وفاتهم ونعوذ بك يا سيدي من الخزي في الحيوة الدنيا، ومن المرد إلى النار. هذا مقام العائذ بك من النار ! أعوذ بك يا سيدي من النار، هذا مقام الهارب إليك من النار، أهرب إليك إلهي من النار، هذا مقام المستجير بك من النار، أستجير بك يا سيدي وإلهي من النار، هذا مقام التائب الراغب إليك في فكاك رقبتي من النار، هذا مقام التائب إليك الضارع إليك الطالب إليك في عتق رقبتي من النار. هذا مقام من باء بخطيئته، وتاب وأناب إلى ربه، وتوجه بوجهه إلى الذي فطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة على ملة إبراهيم ومنهاجه، وعلى دين محمد صلى الله عليه وآله وشريعته، وعلى ولاية علي وإمامته، وعلى نهج الاوصياء والاولياء المختارين من ذريتهما المخصوصين بالامامة والطهارة والوصاية والحكمة، والتسمية بالسبطين الحسن والحسين عليها السلام، سيدي شباب أهل الجنة أجمعين، وبعلي بن الحسين سيد العابدين، وبمحمد بن علي باقر علم الدين، وبجعفر بن محمد الصادق عن رب العالمين، وبموسى بن جعفر العبد الصالح، وبعلي بن موسى الرضا من المرضيين، وبمحمد بن علي التقي من المتقين، وبعلي بن محمد الطاهر من المطهرين، و بالحسن بن علي الهادي من المهديين، وبابن الحسن المبارك من المباركين، وعلى سننهم وسبلهم وحدودهم ونحوهم وأمهم وأمرهم وتقواهم وسنتهم وسيرتهم وقليلهم وكثيرهم حيا وميتا، وشكرا لدينا على ذلك دائما. فيا الله يا نور كل نور، يا صادق النور، يا من صفته نور، يا مدهر الدهور

[272]

يا مدبر الامور، يا مجري البحور، يا باعث من في القبور، يا مجري الفلك لنوح، يا ملين الحديد لداود، يا مؤتي سليمان ملكا عظيما، يا كاشف الضر عن أيوب، يا جاعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، يا فادي ابنه بالذبح العظيم، يا مفرج هم يعقوب، يا منفس غم يوسف، يا مكلم موسى تكليما، يا مؤيد عيسى بالروح تأييدا، يا فاتح لمحمد فتحا مبينا، ويا ناصره نصرا عزيزا، يا جاعل للخلق لسان صدق عليا يا مذهب عن أهل بيت محمد الرجس ومطهرهم تطهيرا. أسألك أن تجعل فواضل صلواتك وبركاتك وزاكياتك ومغفرتك ونواميك و رضوانك ورأفتك ورحمتك ومحبتك وتحيتك وصلواتك على جميع أهل طاعتك من خلقك، على محمد وعليهم وعلى جميع أجسادهم وأرواحهم، وعلى كل من أحببت الصلاة عليه من جميع خلقك، بعدد ما في علمك. وآمنت يا الله بك وبهم، وبجميع من أمرت بالايمان من جميع خلقك، و آمنت يا الله بك وبجميع أسرار آل محمد وعلانيتهم وظاهرهم وباطنهم، ومعروفهم حيا وميتا، أشهد أنهم في علم الله وطاعته كمحمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، بعدد ما في علم الله في كل زمان، وفي كل حين وأوان، وفي كل شأن وبكل لسان، و على كل مكان أبدا دائما واصلا، ما دامت الدنيا والاخرة بك وبجميع رحمتك يا أرحم الراحمين. يا الله يا متعالي المكان، يا رفيع البنيان، يا عظيم الشأن، يا عزيز السلطان يا ذاالنور والبرهان، يا ذاالقدرة والبنيان، يا هادي للايمان، يا مخوف الاحكام، يا مخشي الانتقام، يا ذا الملك والمعارج، يا ذا العدل والرغائب، أسألك أن تصلي على محمد وآل محمد عليه وعليهم السلام، المتقين الزاهدين بجميع صلواتك، وأن تعجل فرجهم بعز جلالك، وأن تضاعف أنواع العذاب واللعائن بعدد ما في علمك على مبغضيهم ومعاديهم وغاصبيهم ومناويهم، والتاركين أمرهم، والرادين عليهم، والجاحدين لهم، والصادين عنهم، والباغين سواهم، والغاصبين حقوقهم، والجاحدين فضلهم.

[273]

والناكثين عهدهم، والمتلاشين ذكرهم، والمستأكلين برسمهم، والواطئين لسمتهم، والناشين خلاقهم، والناصبين عداوتهم، والمانعين لهم، والناكثين لاتباعهم. اللهم فأبح حريمهم، وألق الرعب في قلوبهم، وخالف بين كلمتهم، وأنزل عليهم رجزك وعذابك وغضائبك ومخازيك ودمارك ودبارك وسفالك ونكالك وسخطك وسطواتك وبأسك وبوارك ونكالاتك ووبالك وبلاءك وهلاكك وهوانك وشقاءك وشدائدك ونوازلك ونقماتك ومعارك ومضارك وخزيك وخذلانك ومكرك و متالفك وقوامعك وعوارتك وأوراطك وأوتارك وعقابك بمبلغ ما أحاط به علمك، وبعدد أضعاف أضعاف أضعاف استحقاقهم من عدلك، من كل زمان وفي كل أوان وبكل شأن وبكل مكان، وبكل لسان ومع كل بيان أبدا دائما واصلا ما دامت الدنيا والاخرة بك وبجميع قدرتك يا أقدر القادرين، يا رب، الارباب، يا معتق الرقاب يا كريم يا وهاب، يا رحيم يا تواب، أنت تدعوني حتى أكله، وأنا عبدك، وقد عظمت ذنوبي عندك، وخفت ألا أستحق إجابتك، وعفوك ورحمتك أجل وأعظم من ذنوبي حتى لا أقنط من رحمتك ولا أيئس من حسن إجابتك فلتسعني رحمتك ولينلني حسن إجابتك برأفتك، وأكرمني سابغ عطائك، وسعة فضلك، والرضا بأقدارك بغير فقر وفاقة، وتبلغني سؤلي ونجاح طلبتي، وعن حسن إجابتك إلحاحي، وعن جملة اعترافي واستغفاري. أستغفرك إلهي وسيدي لجميع ما كرهته مني بجميع الاستغفارات لك، وتبت إليك من جميع ما كرهته مني بأفضل التوبات لديك، مصليا على محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين بجميع صلواتك، ولاعنا أعداءك وأعداءهم قبل كل شئ ومع كل شئ وعند كل شئ ولكل شئ وفي كل شئ وبعد كل شئ ومع كل شئ، ولكل شئ وفي كل شئ على أفضل محبتك ومرضاتك حيا وميتا حتى ترضى وتمحوني من الاشقياء المحرومين إجابتك، وتكتبني من السعداء المستحقين إجابتك، فانك سيدي تمحو ما تشاء وتثبت وعندك ام الكتاب، ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين واتبعنا الرسول ووالينا الولي وتأممنا الائمة فاكتبنا مع

[274]

الشاهدين وأدخلنا بهم في عبادك الصالحين، وانصرنا بهم على القوم الكافرين، وبجميع رحمتك يا أحم الراحمين. ثم قل سبعين مرة: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لجميع ذنوبي وأسأله أن يتوب علينا برحمته، ثم اركع وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (1). بيان: (التسمية من السمو) بمعنى الرفعة أو خصوا بالتسمية للامامة أو بالاسماء المذكورة بعده، وهو أظهر، وأمهم أي قصدهم أو مقصودهم، وشكر الدنيا أي ألزمت على ذلك شكرا علينا وفي ذمتنا ولعل فيه تصحيفا أو سقطا (بعدد ما في علم الله) متعلق بالصلوات (بك وبجميع رحمتك) لعل الباء فيهما للقسم أو للملابسة، أي ما دامتا متلبسين بك وبرحمتك، أو متعلقان بالصلاة، فالباء للسببية ويحتمل تعلقهما بقوله: (أسئلك) المذكور بعد ذلك، أو بمثله مقدرا والظاهر أن فيه أيضا سقطا. (يا مخوف الاحكام) أي يخاف الناس من أحكامك على العباد في الدنيا و الاخرة (والمتلاشين ذكرهم) أي الذين يسعون في أن يكون ذكرهم بين الناس كذكرهم أو يفرقون ويمحون ذكرهم ولم يرد بالمعنيين في اللغة، وقد يستعمل في العرف فيهما، لكن في الثاني لا يستعمل متعديا، وفي القاموس اللش الطرد واللشلشة كثرة التردد وكونهما مأخوذين منه يحتاج إلى مزيد تكلف لفظا ومعنى، وإن كان هذا القلب في المضاعف شايعا. (والمستأكلين برسمهم) أي الذين يأكلون أموالهم وأموال المسلمين بادعاء رسمهم وأثرهم، أو بالمرسوم المقرر لهم من الله (والناشين خلاقهم) قال الجوهري نشيت منه ريحا نشوة بالكسر أي شممت ويقال أيضا: نشيت الخبر إذا تخبرت و نظرت من أين جاء، والخلاق النصيب الوافر من الخير، فالمعنى الطالبين نصيبهم و المستخبرين عنه ليأخذوه، وفي بعض النسخ بالسين المهملة وهو أنسب وفي بعضها


(1) مهج الدعوات: 413. [*]

[275]

بالفاء بكسر الخاء فيكون الناشين مخففا من نشأ، والدبار بالكسر المعاداة و بالفتح الهلاك، والسفال بالفتح نقيض العلو يقال: سفل ككرم وعلم ونصر سفالا و سفالا، والشقاء الشدة والعسر، والمعرة الاثم والاذى والغرم والدية والجناية وتلون الوجه غضبا، والورطة الهلكة وكل أمر تعسر النجاة منه، والوتر الذحل، والظلم فيه كالترة. قوله: (استحقاقهم) أي بحسب عقول الخلق (من عدلك) أي حال كونها ناشئة من عدلك ولا تزيد على استحقاقهم الواقعي، أو المراد استحقاقهم بالذات فلا ينافي زيادتهما بحسب ما يصل ضرر أفعالهم إلى الخلق، وهذا أحد الوجوه المذكورة في فائدة اللعن عليهم، فان جميع الخلق طالبون للحقوق منهم بحسب ما وصل إليهم من الضرر من منع الامام عن إقامة العدل، وبيان الاحكام، وإقامة الحدود، فلعنهم طلب لحقهم فيستحقون بذلك مضاعفة العذاب. (حتى أكله) أي يحصل لي الكلال بتكرر الدعوة (حتى لا أقنط) أي تدعوني لكيلا أقنط. وأقول: هذا الدعاء كان سقيما جدا وعسى أن يتيسر لنا نسخة يمكننا تصحيحه منها، أو لغيرنا، ولذا أوردناه، وكانت نسخة السيد أيضا كذلك حيث قال بعد تمام الدعاء: (أقول: هذا آخر لفظ الدعاء المذكور، وفيه ما يحتاج إلى استدراك وتحقيق امور) انتهى ولعل أكثر تلك القنوتات بالصلاة المستحبة أنسب، لا سيما صلاة الوتر.

[276]

(34) * (باب) * * " (التشهد وأحكامه (1)) " * الايات: الاحزاب: إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا


(1) ومن الايات التى تتعلق بالباب على مبنى أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، قوله تعالى: (قل انما أمرت أن أ عبد الله ولا أشرك به إليه أدعو واليه مآب) الرعد: 36، وقوله تعالى: (انما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذى حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين) النمل: 92، وقوله تعالى: (قل انى أمرت أن أ عبد الله مخلصين له الدين وأمرت لان أكون أول المسلمين) الزمر: 11 - 12. والايات تأمر النبي صلى الله عليه وآله بأن يكون في عبادته مخلصا لله وأن يكون من المسلمين أو أول المسلمين الذين يشهدون أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. فاصول الاسلام هي الشهادة والاعتراف بهذه الامور الثلاثة فهى واجبة، الا أن النبي صلى الله عليه وآله أولها إلى الصلاة وجلس لاداء هذه الشهادات عند آخر ركعة من الفرائض وهى الركعة الثانية من كل صلاة وهكذا عند آخر ركعة من ركعات السنة، سواء كانت داخلة في الفرض كالركعة الثالثة في المغرب، والركعة الرابعة من الظهرين والعشاء الاخرة، أولم تكن داخلة في الفرض كالنوافل اليومية. ولا يذهب عليك أن ألفاظ الشهادة غير مذكورة في متن القرآن الكريم ولذلك كان المصلى في أداء تلك الشهادات مختارة ينشئ من عنده كيف يشاء، كل على قدر بيانه وحسن أدائه، والاحسن الاقتداء بالنبي وآله في ذلك حيث أخذوا الشهادة بتلك الامور من شتات ألفاظ القرآن الكريم في غير واحد من الموارد وسيجيئ بيانه في الاحاديث التى تمر عليك في الباب. [*]

[277]

صلوا عليه وسلموا تسليما (1). تفسير: المشهور أن الصلاة من الله الرحمة، ومن غيره طلبها، وظاهر الاية وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله في الجملة، واختلف الاصحاب في وجوب الصلاة على النبي وآله عليهم السلام في التشهد فالمشهور بين الاصحاب الوجوب بل نقل جماعة


(1) الاحزاب: 56، والاية تأمر المؤمنين بالصلاة على النبي وآله، ثم التسليم عليهم، الا أنها من المتشابهات بأم الكتاب أولها النبي صلى الله عليه وآله إلى الصلاة بعد أداء الشهادات أو الشهادتين - وفى الثانية منها ذكره صلى الله عليه وآله بالرسالة - ردا للمتشابه إلى أمه، فيجب على المسلمين خاصة أن يصلوا عليه وعلى آله بعد الفراغ من تلك الشهادات ثم يسلموا عليه وعلى آله عند تمام الصلاة لتكون خاتمة الصلاة المحللة لغيرها. فالذي يتشهد في الركعة الثانية من صلاته ويريد أن يقوم للثالثة يتشهد بتلك الشهادات ويصلى على النبي وآله ولا يسلم عليهم، وأما الذى يتشهد في الركعة الاخرة من صلاته، فيتشهد بتلك الشهادات ويصلى على النبي وآله ثم يسلم عليهم جمعاء بقوله (السلام عليكم و رحمة الله وبركاته) ويخرج عن صلاته أو يفرد النبي صلى الله عليه وآله خاصة بقوله (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ويخرج بذلك عن الصلاة، ثم يسلم على أهله وآله بقوله: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، كما كانوا يفعلون في صدر الاسلام. وأما قوله (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فلم يرد به أمر من القرآن الكريم الا عند الدخول في بيت ليس فيه أهله، وهو قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة) النور: 61. فيكون هذا التسليم حشوا لا من الصلاة ولا من تعقيباتها. ولعلهم زادوها في تشهد الصلاة بعد تسليمهم على النبي منفردا، حسدا منهم لاهل بيت النبي صلى الله عليه وآله أن يسلموا عليهم بعد الصلاة على النبي، وهم الذين فرقوا بين النبي وآله في الصلاة أيضا، رغم أنف راوي الصحيح كعب بن عجرة حيث روى عن النبي صلى الله عليه وآله في حديثه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال عند ما سئل عن كيفية الصلاة عليه: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد.

[278]

اتفاق الاصحاب عليه، ولم يذكرها الصدوق أصلا ولا والده في التشهد الاول، وعن ابن الجنيد أنه قال: تجزي الشهادتان إذا لم تخل الصلاة من الصلاة على محمد وآله في أحد التشهدين. واحتج الفاضلان على الوجوب بورود الامر بها في هذه الاية ولا تجب في غير الصلاة إجماعا فتجب في الصلاة في حال التشهد، ويرد عليه: أنه يجوز أن يكون المراد بالصلاة عليه صلى الله عليه وآله الاعتناء باظهار شرفه وتعظيم شأنه، فلا يدل على المدعى، أو يكون المراد الكلام الدال على الثناء عليه وهو حاصل بالشهادة بالرسالة، وبالجملة إثبات أن المراد الصلاة المتعارفة محل إشكال، على أن الامر المطلق لا يقتضي التكرار، فغاية ما يلزم من الاية وجوب الصلاة في العمر مرة، وإثبات أن القول بذلك خلاف الاجماع كما ادعاه الفاضلان لا يخلو عن عسر، لكن الاخبار وردت من الجانبين في أن الاية نزلت في الصلاة عليه صلى الله عليه وآله بالمعنى المعهود، مع الصلاة على الال أيضا كما مر في بابها، فيندفع بعض الايرادات. وقال المحقق في المعتبر: أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فانها واجبة في التشهدين وبه قال علماؤنا أجمع: وقال الشيخ هي ركن، وبه قال أحمد، وقال الشافعي: مستحبة في الاولى وركن من الصلاة في الاخيرة، وأنكر أبو حنيفة ذلك واستحبهما في الموضعين وبه قال مالك، لان النبي صلى الله عليه وآله لم يعلمه الاعرابي، ولان النبي صلى الله عليه وآله قال لابن مسعود عقيب ذكر الشهادتين: فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك، أو قضيت صلاتك، لنا ما رووه عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا تقبل صلاة إلا بطهور، و بالصلاة على، ورووه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله ولانه لو لم تجب الصلاة عليه في التشهد لزم أحد الامرين إما خروج الصلاة عليه عن الوجوب، أو وجوبها في غير الصلاة، ويلزم من الاول خروج الامر عن الوجوب، ومن الثاني مخالفة الاجماع. لا يقال: ذهب الكرخي إلى وجوبها في غير الصلاة في العمر مرة، وقال الطحاوي: كل ما ذكر، قلنا: الاجماع سبق الكرخي والطحاوي فلا عبرة بخروجهما. ثم قال - ره -: وأما قول الشيخ إنها ركن فان عنى الوجوب والبطلان بتركها

[279]

عمدا، فهو صواب، وإن عنى ما نفسر به الركن فلا. ثم قال في الاستدلال على وجوب الصلاة على آله صلى الله عليه وآله بعد قوله: وهو مذهب علمائنا: وبه قال التويجي من أصحاب الشافعي وأحد الروايتين عن أحمد، وقال الشافعي يستحب، لنا ما رواه كعب بن عجرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: في صلاته اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنه حميد مجيد فتجب متابعته لقوله صلى الله عليه وآله: صلوا كما رأيتموني اصلي، وحديث جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام عن ابن مسعود الانصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى صلاة ولم يصل فيها على وعلى أهل بيتي لم تقبل منه، واقتران الاهل به في الحكم دليل الوجوب لما بيناه من وجوب الصلاة عليه انتهى. واستدل أيضا بالاية على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله كلما ذكر بما مر من التقريب ونقل العلامة في المنتهى الاجماع على عدم الوجوب كما مر من المحقق أيضا، وذهب صاحب كنز العرفان إلى وجوبها ونقله عن الصدوق، وإليه ذهب الشيخ البهائي في بعض كتبه. وللعامة هنا أقوال مختلفة، قال في الكشاف: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله واجبة، وقد اختلفوا فمنهم من أوجبها كلما جرى ذكره، وفي الحديث من ذكرت عنده فلم يصل على فدخل النار فأبعده الله، ويروى أنه قيل: يارسول الله أرأيت قول (الله إن الله وملائكته يصلون على النبي) فقال عليه السلام: هذا من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، إن الله وكل بي ملكين، فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلي على إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين آمين، ولا اذكر عند عبد مسلم فلا يصلي على إلا قال ذانك الملكان لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته لذينك الملكين آمين، ومنهم من قال: يجب في كل مجلس مرة، وإن تكرر ذكره: كما قيل في آية السجدة وتسميت العاطس، وكذلك كل دعاء في أوله وآخره، ومنهم من أوجبهما في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين والذي يقتضيه الاحتياط الصلاة عند كل ذكر لما ورد في الاخبار انتهى. وما عده أحوط

[280]

فلا ريب في أنه أحوط بل هو المتعين، للاخبار الكثيرة الدالة على وجوبها كما سيأتي في باب الصلاة عليه في كتاب الدعاء، وإن كان في بعضها ضعف على المشهور لكن كثرتها وتعاضدها بالاية مما يجبر ضعفها، وسيأتي تمام القول فيها وفي فروعها في محله، وقد مر في صحيحة الفضلاء في خبر المعراج أن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وآله بالصلاة عليه وعلى أهل بيته في التشهد، فقول الصدوق بوجوبها كل ما ذكر صلى الله عليه وآله وعدم وجوبها في التشهد مما يوهم التناقض إلا أن يقال: يوجبها من حيث الذكر عموما لا من حيث الجزئية خصوصا، وهذا لا يخلو من وجه، وبه يمكن الجمع بين الاخبار. وأما قوله سبحانه: (وسلموا تسليما) فقيل المراد به: انقادوا له في الامور كلها وأطيعوه، وقد وردت الاخبار الكثيرة في أن المراد به التسليم لهم عليهم السلام في كل ما صدر عنهم من قول أو فعل، وعدم الاعتراض عليهم في شئ كما مر في كتاب العلم وقيل: سلموا عليه بأن تقولوا السلام عليك يا رسول الله، ونحو ذلك، وربما رجح هذا بالمقارنة بالصلاة، وقد يحمل على المعنيين معا وعلى التقديرين فيه دلالة على وجوب السلام في الجملة، فهو إما في ضمن التسليم المخرج من الصلاة، كما قيل، و استدل به عليه على قياس الصلاة، أو يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله و بركاته، قبل التسليم المخرج كما في الكنز، والاستدلال بنحو ما مر، مع أن الظاهر التسليم على النبي فلا يشمل نحو التسليم المخرج، واحتمل المحقق الاردبيلي قدس سره وجوبه في حال حياته صلى الله عليه وآله وغيره الاستحباب مطلقا أو مؤكدا في الصلاة ويشكل الاستدلال لقيام ما سبق من الاحتمال. 1 - ثواب الاعمال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن أبي جميلة، عن محمد بن هارون، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا صلى أحدكم ولم يصل على النبي صلى الله عليه وآله في صلاته، يسلك بصلاته غير سبيل الجنة (1).


(1) ثواب الاعمال ص 187، ووجه الحديث ما عرفت من أن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار. [*]

[281]

المحاسن: عن محمد بن علي، عن أبي جميلة مثله (1). مجالس الصدوق: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبد الله، عن ابن أبي عمير، عن أبي جميلة، عن محمد بن هارون عنه عليه السلام مثله إلا أن فيه ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله (2). 2 - المحاسن: عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن رجل صلى الفريضة فلما رفع رأسه من السجدة الثانية من الرابعة أحدث، فقال: أما صلاته فقد مضت، وأما التشهد فسنة في الصلاة، فليتوضأ وليعد إلى مجلسه أو مكان نظيف فيتشهد (3). بيان: رواه الشيخ بسند موثق لا يقصر عن الصحيح (4) ثم قال: يحتمل أن يكون إنما سئل عمن أحدث بعد الشهادتين وإن لم يستوف باقي تشهده، فلاجل ذلك قال: تمت صلاته، ولو كان قبل ذلك لكان يجب عليه إعادة الصلاة على ما بيناه. وأما قوله (وأما التشهد فسنة) معناه ما زاد على الشهادتين، ويكون ما أمره به من إعادته بعد أن يتوضأ محمولا على الاستحباب انتهى. وربما يحمل على التقية، لقول بعض العامة باستحباب التشهد، والاظهر حمله على أن وجوبه ظهر من السنة لا من القرآن فيكون من الاركان، والحدث الواقع بعد الفراغ من أركان الصلاة لا يوجب بطلانها كما يدل عليه صحيحة (5) زرارة أيضا واختاره الصدوق - ره - ولا ينافي وجوب التشهد، وما ورد من الامر بالاعادة في خبر قاصر السند، يمكن حمله على الاستحباب والاحوط العمل بهذا الخبر ثم الاعادة. 3 - فقه الرضا: قال عليه السلام أدنى ما يجزي من التشهد الشهادتان (6).


(1) المحاسن: 95. (2) أمالى الصدوق ص 346. (3) المحاسن ص 325، وقد مر في ج 84 ص 302 مع شرح. (4 - 5) التهذيب ج 1 ص 226. (6) فقه الرضا: 9 س 6. [*]

[282]

بيان: ظاهره عدم وجوب الصلاة على النبي آله، ويمكن حمله على أنها من لوازم الشهادتين، فكأنها داخلة فيهما، أو أنها واجبة برأسها غير داخلة في التشهد، قال الشيخ البهائي قدس سره: لعل الوجه في خلو بعض الاخبار عن الصلاة أن التشهد هو النطق بالشهادتين، فانه تفعل من الشهادة، وهي الخبر القاطع، وأما الصلاة على النبي وآله فليست في الحقيقة تشهدا، وسؤال السائل إنما وقع في التشهد، فأجابه الامام عما سأله عنه انتهى. واعلم أن المشهور بين الاصحاب أن التشهد الواجب إنما يحصل بأن يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله) ثم يصلي على النبي وآله. وما زاد على ذلك فهو مندوب، وقيل: الواجب أن يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد) وهو أحوط والظاهر أنه مجز اتفاقا، ولو قال: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) أو قال (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله) أو (عبده ورسوله) أو قال: (أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا عبده ورسوله) من غير واو أو غير الترتيب، فلا يبعد الاجزاء والاحوط العدم. 4 - مشكاة الانوار: نقلا من المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل (إن الله وملائكته يصلون على النبي) (1) الاية قال: اثنوا عليه وسلموا عليه صلى الله عليه وآله قلت: فكيف علم الرسول أنها كذلك ؟ قال: كشف له الغطاء (2). 5 - كتاب عاصم بن حميد: عن منصور بن حازم، عن بكر بن حبيب الاحمسي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن التشهد كيف كانوا يقولون ؟ قال: كانوا يقولون أحسن ما يعلمون، ولو كان موقتا هلك الناس. بيان: حمل على التحيات وسائر الادعية المستحبة فيه. 6 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن حميد بن شعيب، عن جابر الجعفي


(1) الاحزاب: 56. (2) مشكاة الانوار ص 17 في حديث. [*]

[283]

قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إذا صلى أحدكم فنسي أن يذكر محمدا وآله في صلاته سلك بصلاته غير سبيل الجنة ولا تقبل صلاة إلا أن يذكر فيها محمد وآل محمد. بيان: لعل النسيان بمعنى الترك أو محمول على نسيان مستند إلى تقصيره وعدم اهتمامه. 7 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا قال العبد في التشهد في الاخيرتين وهو جالس (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) ثم أحدث حدثا فقد تمت صلاته (1). بيان: ظاهره وجوب التشهد في الصلاة، أما وجوب الشهادتين عقيب كل ثنائية وفي آخرة الثلاثية والرباعية، فنقل الاجماع عليه جماعة من الاصحاب، واقتصر الصدوق في المقنع على الشهادتين، ولم يذكر الصلاة على النبي وآله، ثم قال: و أدنى ما يجزئ من التشهد الشهادتان، أو يقول: بسم الله وبالله ثم يسلم، وحكم في الذكرى بأنه معارض باجماع الامامية، والوجوب أحوط وأقوى. وأما وجوب الصلاة على النبي وآله في التشهد فقد مر الكلام فيه، وربما يستدل بهذا الخبر وأمثاله على عدم وجوبها، وفيه نظر إذ عدم ناقضية الحدث بينها وبين الصلاة لا يدل على عدم الجزئية كما سيأتي على أنه لا ينافي الوجوب من حيث العموم بوجه، وأيضا عدم التمامية أعم من البطلان، وما يدل عليه بحسب المفهوم من وجوب قوله: (وأن الساعة آتية) إلى آخره فليس بمعتبر لمعارضته الاجماع والاخبار الكثيرة المعتبرة. 8 - العلل: بالاسناد المتقدم في باب السجود قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام ما معنى رفع رجلك اليمنى وطرحك اليسرى في التشهد ؟ قال: تأويله اللهم أمت الباطل


(1) الخصال ج 2 ص 166. [*]

[284]

وأقم الحق (1). 9 - معاني الاخبار: عن أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب بن بهلول، عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما معنى قول المصلي في تشهده (لله ما طاب و طهر، وما خبث فلغيره) قال: ما طاب وطهر كسب الحلال من الرزق، وما خبث فالربا (2). بيان: لعل ما ذكر على سبيل المثال، فان الظاهر عمومه، فان كل ما طاب وطهر من العقايد والاعمال والمكاسب والاموال وغير ذلك، فهي لله، ويصل إليه ويحصل بتوفيقه، وما خبث عن جميع ذلك فهي للشيطان وغيره وبسببهم. 10 - العلل والعيون: عن عبد الواحد بن عبدوس، عن علي بن محمد ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل، عن الرضا عليه السلام قال: فان قال: فلم جعل التشهد بعد الركعتين ؟ قيل: لانه كما قدم قبل الركوع والسجود الاذان و الدعاء والقراءة فكذلك أيضا أمر بعدها بالتشهد والتحميد والدعاء (3). 11 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: التشهد ثناء على الله، فكن عبدا له بالسر خاضعا له بالفعل، كما أنك عبد له بالقول والدعوى، وصل صدق لسانك بصفاء صدق سرك، فانه خلقك عبدا وأمرك أن تعبده بقلبك ولسانك وجوارحك وأن تحقق عبوديتك له وربوبيته لك، وتعلم أن نواصي الخلق بيده، فليس لهم نفس ولا لحظة إلا بقدرته ومشيته، وهم عاجزون عن إتيان أقل شئ في مملكته إلا باذنه وإرادته، قال الله عزوجل: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم سبحان الله عما يشركون) (4) فكن له عبدا شاكرا بالقول والدعوى


(1) علل الشرايع ج 2 ص 25. (2) معاني الاخبار ص 175. (3) علل الشرايع ج 1 ص 249: عيون الاخبار ج 2 ص 108. (4) القصص: 69. [*]

[285]

وصل صدق لسانك بصفاء سرك فانه خلقك فعزوجل أن تكون إرادة ومشية لاحد إلا بسابق إرادته ومشيته. فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته، وبالعبادة في أداء أوامره، وقد أمرك بالصلاة على حبيبه محمد صلى الله عليه وآله فأوصل صلاته بصلاته، وطاعته بطاعته، وشهادته بشهادته، وانظر إلى أن لا تفوتك بركات معرفة حرمته، فتحرم عن فائدة صلاته وأمره بالاستغفار لك، والشفاعة فيك، إن أتيت بالواجب في الامر والنهي والسنن و الاداب، وتعلم جليل مرتبته عند الله عزوجل (1). 12 - تفسير الامام عليه السلام: قوله عزوجل: (وأقيموا الصلاة) (2) هو إقامة الصلاة بتمام ركوعها وسجودها ومواقيتها، وأداء حقوقها التي إذا لم تؤد بحقوقها لم يتقبلها رب الخلائق، أتدرون ما تلك الحقوق ؟ فهو إتباعها بالصلاة على محمد وعلي وآلهما منطويا على الاعتقاد بأنهم أفضل خيرة الله، والقوامون بحقوق الله، والنصار لدين الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العبد إذا أصبحت أقبل الله تعالى عليه وملائكته ليستقبل ربه عزوجل بصلاته، فيوجه إليه رحمته، ويفيض عليه كرامته، فان وفى بما أخذ عليه فأدى الصلاة على ما فرضت، قال الله تعالى للملائكة: خزان جنانه وحملة عرشه: قد وفى عبدي هذا، أو فواله، وإن لم يف قال الله تعالى: لم يوف عبدي هذا وأنا الحليم الكريم، فان تاب تبت عليه، وإن أقبل على طاعتي أقبلت عليه برضواني ورحمتي. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وإن كسل عما يريد، قصرت في قصوره حسنا و بهاء وجلالا، وشهرت في الجنان بأن صاحبها مقصر. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: وذلك أن الله عزوجل أمر جبرئيل ليلة المعراج فعرض علي قصور الجنان، فرأيتها من الذهب والفضة ملاطها المسك والعنبر، غير أني


(1) مصباح الشريعة: 13 و 14. (2) الاية 83 من سورة البقرة. [*]

[286]

رأيت لبعضها شرفا عالية، ولم أر لبعضها، فقلت: يا جبرئيل ما بال هذه بلا شرف كما لسائر تلك القصور ؟ فقال: يا محمد هذه قصور المصلين فرائضهم، الذين يكسلون عن الصلاة عليك، وعلى آلك بعدها، فان بعث مادة لبناء الشرف من الصلاة على محمد وآله الطيبين بنيت له الشرف، وإلا بقيت هكذا، فيقال حتى يعرف في الجنان أن القصر الذي لا شرف له هو الذي كسل صاحبه بعد صلاته عن الصلاة على محمد و آله الطيبين. ورأيت فيها قصورا وسيعة مشرفة عجيبة الحسن، ليس لها أمامها دهليز، ولا بين يديها بستان، ولا خلفها، فقلت: ما بال هذه القصور لا دهليز بين يديها ؟ ولا بستان خلف قصرها ؟ فقال: يا محمد هذه قصور المصلين الخمس الصلوات، الذين يبذلون بعض وسعهم في قضاء حقوق إخوانهم المؤمنين دون جميعها، فلذلك قصورهم مسترة (1) بغير دهليز أمامها، ولا بساتين خلفها (2). 13 - ومنه: إذا قعد المصلي للتشهد الاول والتشهد الثاني قال الله تعالى: يا ملائكتي قد قضى خدمتي وعبادتي، وقعد يثني علي ويصلي على محمد نبيي لاثنين عليه في ملكوت السموات والارض ولاصلين على روحه في الارواح، فإذا صلى على أمير المؤمنين عليه السلام في صلاته قال: لاصلين عليك كما صليت عليه، ولاجعلنه شفيعك كما استشفعت به (3). بيان: الخبر الاول ظاهره استحباب الصلاة، لكن يحتمل كون المراد به الصلاة في التعقيب لا في التشهد، بل هو أظهر، والثاني يدل على استحباب الصلاة على أمير المؤمنين صلوات الله عليه في التشهد إما في ضمن الصلوات على الال أو على الخصوص أو الاعم والاوسط أظهر. 14 - السرائر: نقلا من كتاب حريز عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام:


(1) في المطبوع من المصدر: مستعمرة. (2) تفسير الامام: 166. (3) تفسير الامام: 240. [*]

[287]

لا بأس بالاقعاء فيما بين السجدتين، ولا ينبغي الاقعاء في موضع السجود، إنما التشهد في الجلوس وليس المقعي بجالس (1). بيان: يدل على كراهة الاقعاء في التشهد، والمشهور استحباب التورك، وقال ابن بابويه والشيخ: لا يجوز الاقعاء وعلله الصدوق بما في الخبر. 15 - فلاح السائل: يقول في التشهد: بسم الله وبالله، والاسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته في امته وارفع درجته) وإن اقتصر على الشهادة لله جل جلاله بالواحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وآله بالرسالة، وعلى الصلاة عليه وآله أجزءه ذلك (2). وقال رحمه الله: يقول في تشهد الفريضة: بسم الله وبالله والاسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. التحيات لله، والصلواة الطيبات الطاهرات الزاكيات الرائحات الغاديات الناعمات لله، ما طاب لله، وطهر وزكى وخلص، وما خبث فلغير الله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة وأشهد أن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأشهد أن ربي نعم الرب، وأن محمدا نعم الرسول، أشهد: ما على الرسول إلا البلاغ المبين. اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت ورحمت وترحمت وتحننت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله، السلام على الائمة الهادين المهديين، السلام


(1) السرائر: 472. (2) فلاح السائل: 134. [*]

[288]

علينا وعلى عباد الله الصالحين (1). 16 - مصباح الشيخ: في تشهد النافلة والتشهد الاول يقول: بسم الله وبالله والاسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته في امته وقرب وسيلته، وارفع درجته. وذكر في التشهد الثاني ما ذكره السيد إلى آخره. أقول: وذكر الشيخ نحو ذلك في النهاية والصدوق في المقنع (2) أيضا بأدنى تغيير في الترتيب وغيره. 17 - اعلام الدين: للديلمي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من صلى ولم يذكر الصلاة على وعلى آلي، سلك به (3) غير طريق الجنة، وكذلك من ذكرت عنده ولم يصل على. 18 - المحاسن: عن أبيه، عن محمد بن مهران، عن القاسم الزيات، عن عبد الله بن حبيب بن جندب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني اصلي المغرب مع هؤلاء فاعيدها فأخاف أن يتفقدوني، قال: إذا صليت الثالثة فمكن في الارض أليتيك ثم انهض وتشهد وأنت قائم ثم اركع واسجد، فانهم يحسبون أنها نافلة (4). بيان: يدل على جواز قراءة التشهد قائما عند التقية، ولم أره في كلام الاصحاب ولا خلاف في وجوب الجلوس فيه في حال الاختيار، وادعى في المنتهى عليه الاجماع، ويدل على جواز إيقاع هيئة الركوع والسجود، وإن لم يقصد بهما الصلاة تقية، وعمومات التقية مؤيدة للحكمين. 19 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كان يقول في التشهد الاول: (بسم الله وبالله، والاسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده


(1) فلاح السائل: 162. (2) المقنع ص 29 ط الاسلامية. (3) بصلاته ظ. (4) المحاسن: 325. [*]

[289]

لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وآله محمد، وتقبل شفاعته في امته وصل على أهل بيته (1). وعنه عليه السلام أنه كان يقول في التشهد الاخر، وهو الذي ينصرف به من الصلاة (بسم الله، التحيات لله، الطيبات الطاهرين، الصلوات الزاكيات الحسنات الغاديات الرائحات الناعمات السابغات لله، ما طاب وصلح وخلص وزكى فلله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، أشهد أن الله نعم الرب، وأن محمدا صلى الله عليه وآله نعم الرسول - ثم أثن على ربك بما قدرت عليه من الثناء الحسن، وصل على محمد وآله ثم سل لنفسك، وتخير من الدعاء ما أحببت، فإذا فرغت من ذلك فسلم على النبي صلى الله عليه وآله تقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على محمد بن عبد الله، السلام على محمد رسول الله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (2). 20 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: علة وضع الرجلين اليمنى على اليسرى في التشهد: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى ذلك، فقال: معناه اللهم أمت الباطل وأقم الحق وعلة التشهد في الركعتين أن الصلاة كانت أول ما أمر الله بها ركعتين ثم أضاف إليها رسول الله صلى الله عليه وآله ركعتين، فمن أجل ذلك يتشهد في الركعتين الاوليين. ومعنى التشهد في الرابعة (التحيات لله الصلوات الطيبات الطاهرات) فهو لطف حسن وثناء على الله عزوجل، وقوله: (لله ما طاب وطهر) يعني ما خلص في القلب وصفي في النية فلله، وما خبث يعني ما عمل رياء (فلغير الله) وأقل ما يجب من التشهد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده. 21 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 164. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 165. [*] 8

[290]

أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل ترك التشهد حتى سلم كيف يصنع ؟ قال إن ذكر قبل أن يسلم فليتشهد، وعليه سجدتا السهو، وإن ذكر أنه قال: أشهد أن لا إله إلا الله أو بسم الله أجزأه في صلاته، وإن لم يتكلم بقليل ولا كثير حتى سلم أعاد الصلاة (1). بيان: لم أر عاملا به من الاصحاب بل المشهور قضاء التشهد وسجدتا السهو كما سيأتي، نعم قال ابن إدريس: إذا كان المنسي التشهد الاخير، وأحدث ما ينقض طهارته قبل الاتيان به يجب عليه إعادة الصلاة وهو أيضا خلاف المشهور ويمكن حمل الخبر عليه، والاظهر حمله على الاستحباب، وروى في التهذيب قريبا منه عن عمار الساباطي (2) ولو قضى التشهد وسجد للسهو ثم أعاد الصلاة كان أحوط. 22 - المعتبر: أفضل التشهد ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا جلست في الثانية فقل: بسم الله وبالله الحمدلله، وخير الاسماء لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة، أشهد أن ربي نعم الرب، وأن محمدا نعم الرسول، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته في امته وارفع درجته، ثم تحمد الله مرتين أو ثلاثا ثم تقوم. فإذا جلست في الرابعة قلت: (بسم الله وبالله، والحمد لله وخير الاسماء لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، أشهد أنك نعم الرب، وأن محمدا نعم الرسول التحيات لله، والصلوات الطاهرات الطيبات الزاكيات الغاديات الرائحات السابغات الناعمات لله، ما طاب وزكى وطهر وما خلص وصفي فلله. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،


(1) قرب الاسناد: 90 ط حجر ص 118 ط نجف. (2) التهذيب ج 1 ص 226. [*]

[291]

أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، وسلم على محمد وآل محمد، وترحم على محمد وآل محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم صل على محمد وآل محمد، وامنن على بالجنة، وعافني من النار ثم قل (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام على أنبياء الله ورسله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (1). بيان: روى الشيخ هذا الحديث بسند موثق عن أبي بصير (2) وفيه في التشهد الاول (أشهد أنك نعم الرب) بدون الواو، وساق التشهد الثاني إلى قوله: (بين يدي الساعة أشهد أن ربي نعم الرب وأن محمدا نعم الرسول وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد وآل محمد) وساق إلى قوله (إنك حميد مجيد اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم اللهم صل على محمد وآل محمد وامنن على بالجنة وعافني من النار اللهم صل على محمد وآل محمد واغفر للمؤمنين والمؤمنات ولمن دخل بيتي مؤمنا ولا تزد الظالمين إلا تبارا، ثم قل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على أنبياء الله ورسله، السلام على جبريل وميكائيل والملائكة المقربين، السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين لا نبي بعده، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين). ثم اعلم أن الشيخ وأكثر الاصحاب ذكروا في افتتاح التشهد بسم الله وبالله والاسماء الحسنى كلها لله كما عرفت، وفي الرواية كما رأيت، ويظهر من الشهيدين قدس الله روحهما أنهما لم يريا رواية موافقة للمشهور نعم قد مر في صحيحة ابن


(1) المعتبر: 190. (2) التهذيب ج 1 ص 162. [*]

[292]

اذينة (1) وغيرها في ذكر الصلاة في المعراج هكذا (بسم الله وبالله ولا إله إلا الله و الاسماء الحسنى كلها لله) وقد سبق ما نقلنا (2) من فقه الرضا عليه السلام موافقا للمشهور ولعل الصدوق أخذ منه وتبعه القوم، وربما يؤيده حديث الدعائم فكل من الطرق الثلاثة حسن وإن كان بعضها أقوى سندا وبعضها أوفق للمشهور. وقال الشهيد الثاني رحمه الله في شرح النفلية: اختصاص التحيات بالتشهد الاخير موضع وفاق بين الاصحاب، فلا تحيات في الاول إجماعا، فلو أتى فيه بها لغير تقية معتقدا لشرعيتها مستحبا أثم، واحتمل البطلان، ولو لم يعتقد استحبابها فلا إثم من حيث الاعتقاد، وتوقف المصنف في الذكرى في بطلان الصلاة حينئذ وعدم البطلان متجه لانها ثناء على الله تعالى. وقال الشهيد في الذكرى: لا تحيات في التشهد الاول باجماع الاصحاب، غير أن أبا الصلاح قال فيه: (بسم الله وبالله والحمد لله والاسماء الحسنى كلها لله، لله ما طاب وزكى ونمى وخلص وما خبث فلغير الله) وتبعه ابن زهرة. وقال في النفلية وروي مرسلا عن الصادق عليه السلام جواز التسليم على الانبياء ونبينا صلى الله عليه وآله في التشهد الاول ولم يثبت، قال الشارح: من حيث إرسال خبره و عدم القائل به من الاصحاب انتهى. والتحية ما يحيى به من سلام وثناء ونحوهما، وقد يفسر التحيات بالعظمة والملك والبقاء، قال في النهاية: التحيات جمع تحية قيل أراد بها السلام يقال: حياك الله أي سلم عليك، وقيل التحية الملك، وقيل البقاء، وإنما جمع التحية لان ملوك الارض يحيون بتحيات مختلفة، فيقال لبعضهم: أبيت اللعن، ولبعضهم: أنعم صباحا ولبعضهم اسلم كثيرا ولبعضهم عش ألف سنة، فقيل للمسلمين قولوا التحيات لله أي الالفاظ التي تدل على السلام والملك والبقاء هي لله عزوجل، والتحية تفعلة من الحياة، وإنما ادغمت لاجتماع الامثال، والهاء لازمة لها، والتاء


(1) راجع ج 82 ص 242. (2) راجع ج 84 ص 209 باب وصف الصلاة. [*]

[293]

زائدة انتهى. وقال في شرح السنة بعد إيراد الوجه المتقدم عن القتيبي: قلت: وشئ مما كان يحيون به الملوك لا يصلح الثناء على الله، وقيل التحيات لله هي أسماء الله تعالى (السلام المؤمن المهيمن الحي القيوم) يريد التحية بهذه الاسماء لله عزوجل، وقوله: (الصلوات لله) أي الرحمة لله على العباد كقوله تعالى (اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) (1) وقيل الصلوات الادعية لله انتهى. وقال في النهاية الصلوات لله أي الادعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى هو مستحقها لا يليق بأحد سواه انتهى. وقال الابي في شرح صحيح مسلم: الصلوات هي الصلوات المعروفة، وقيل الدعوات والتضرع، وقيل الرحمة، أي الله المتفضل بها. وقال الطيبي إن العبد لما وجه التحيات المباركات إلى الله تعالى اتجه لسائل أن يقول: فما للعبد حينئذ ؟ فاجيب بأن الصلوات الطيبات لله، فانه عزوجل يوجهها إليه جزاء لما فعل انتهى. والغاديات الكائنة وقت الغدو، والرائحات الكائنة في وقت الرواح، وهو من زوال الشمس إلى الليل، وما قبله غدو، والسابغات الكاملات الوافيات، و المراد بالناعمات ما يقرب من معنى الطيبات، والتبار الهلاك، وخلص بفتح اللام كما ذكره ابن إدريس وغيره. 23 - المهذب: لابن البراج في التشهد الاول يقول: (بسم الله وبالله و الاسماء الحسنى كلها لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، اللهم صل على محمد وآل محمد، وتقبل شفاعته في امته وارفع درجته. وفي الثاني مثله إلى قوله عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، التحيات لله، والصلوات الطيبات الطاهرات


(1) البقرة: 157. [*]

[294]

الزاكيات الرائحات الناعمات الغاديات المباركات، لله ما طاب وطهر وزكى وخلص ونمى، وما خبث فلغير الله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، كأفضل ما صليت وباركت وترحمت و تحننت على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله، السلام على الائمة الطاهرين الهادين المهديين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب علل الصلاة، وفي باب آداب الهوي إلى السجود، وباب وصف الصلاة، وسيأتي بعضها في باب الشك والسهو.

[295]

(35) (باب) * " (التسليم وآدابه وأحكامه) " * الايات: الاحزاب: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (1). أقول: قد مر الكلام فيها في الباب السابق واستدلال القوم بها على وجوب التسليم، قال في كنز العرفان (2) في تفسير هذه الاية استدل بعض شيوخنا على وجوب التسليم المخرج من الصلاة بما تقريره: شئ من التسليم واجب ولا شئ منه في غير التشهد بواجب فيكون وجوبه في الصلاة، وهو المطلوب، أما الصغرى فلقوله: (سلموا) الدال على الوجوب، وأما الكبرى فللاجماع، وفيه نظر لجواز كونه بمعنى الانقياد، سلمنا لكنه سلام على النبي لسياق الكلام، وقضية العطف، وأنتم لا تقولون إنه المخرج من الصلاة، بل المخرج غيره. ثم قال: واستدل بعض شيوخنا المعاصرين على أنه يجب إضافة السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته إلى التشهد الاخير بالتقريب المتقدم، قيل عليه إنه خرق للاجماع، لنقل العلامة الاجماع على استحبابه، ويمكن الجواب بمنع الاجماع على عدم وجوبه والاجماع المنقول على مشروعيته وراجحيته وهو أعم من الوجوب والندب (3). ثم قال: وبالجملة الذي يغلب على ظني الوجوب، واستدل ببعض الاخبار. أقول: يؤيد عدم الاجماع ما ذكره في الذكرى حيث قال: قال صاحب الفاخر أقل المجزي من عمل الصلاة في الفريضة تكبيرة الافتتاح، وقراءة الفاتحة في الركعتين


(1) الاحزاب: 56، وقد مر الكلام فيه في الباب السابق. (2) كنز العرفان ج 1 ص 141 ط المكتبة المرتضوية. (3) كنز العرفان ج 1 ص 142 ذكره بوجه أبسط. [*]

[296]

أو ثلاث تسيحات، والركوع والسجود، وتكبيرة واحدة بين السجدتين والشهادة في الجلسة الاولى وفي الاخيرة الشهادتان، والصلاة على النبي وآله عليهم السلام والتسليم والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ثم قال الشهيد رحمه الله: وكلام هذا يشتمل على أشياء لا تعد من المذهب، وقال: ثم قال: يسلم إن كان إماما بواحدة تلقاء وجهه في القبلة، السلام عليكم يرفع بها صوته وإذا كانوا صفوفا خلف إمام سلم القوم على أيمانهم وعلى شمائلهم، ومن كان في آخر الصف فعليه أن يسلم على يمينه فقط، ومن كان وحده أجزأ منه السلام الذي في آخر التشهد، ويزيد في آخره السلام عليكم يميل أنفه عن يمينه قليلا، وعنى بالذي في آخر التشهد قوله: (السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أهل بيته، السلام على نبي الله، السلام على محمد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول رب العالمين، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على الائمة المهديين الراشدين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) انتهى. ثم اعلم أن الاصحاب اختلفوا في التسليم فذهب المرتضى وأبو الصلاح وسلار وابن أبي عقيل والراوندي وصاحب الفاخر وابن زهرة إلى الوجوب، والشيخان وابن البراج وابن إدريس وجماعة إلى الاستحباب، ونسبه في الذكرى إلى أكثر القدماء، واختاره العلامة في عدة من كتبه. واختلفوا أيضا في أنه هل هو جزء من الصلاة أم خارج عنها ؟ قال المرتضى: لم أجد لاصحابنا فيه نصا (1) ويقوى عندي أنها من الصلاة، والاخبار في المقامين


(1) قد عرفت في مطاوى أبحاثنا السابقة أن قوله صلى الله عليه وآله (تحريم الصلاة التكبير و تحليلها التسليم) يفيد أنهما كالبرزخ بين الجزء الداخل والخارج، فان بعد التكبير يحكم وضعا بأن الرجل داخل في الصلاة يحرم عليه ما ينافى الصلاة قولا وعملا، وبعد التسليم يحكم وضعا بأن المصلى خرج من الصلاة وحل له اتيان كل شئ مما حرم عليه بالتحريم. الا أن التحريم لا يتحقق الا بعد تمام التكبيرة من راء (أكبر) بحيث لو عرض [*]

[297]

متعارضة، ويشكل الجزم بأحد الطرفين، وان كان الاستحباب والخروج لا يخلوان من قوة، فالاحتياط يقتضي الاتيان به، ونية الوحوب والندب غير ضرور لاسيما إذا لم يعلم أحدهما، وأما الاحكام المترتبة عليهما فسيأتي أكثرها، ولها مدارك مخصوصة نتكلم فيها إنشاء الله تعالى. 1 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن تسليم الرجل خلف الامام في الصلاة كيف ؟ قال: تسليمة واحدة عن يمينك إذا كان عن يمينك أحد أو لم يكن (1). بيان: ذهب الاصحاب إلى أن المنفرد يسلم تسليمة واحدة إلى القبلة، وقال الشيخ وأكثر الاصحاب: ويومئ بمؤخر عينيه إلى يمينه، ولا تساعده الاخبار، وقال الاكثر: يسلم الامام واحدة إلى القبلة ويومئ إلى اليمين بصفحة وجهه، وقال ابن الجنيد: إذا كان الامام في صف سلم عن جانبيه، وقال المأموم يسلم عن الجانبين إن كان على يساره أحد وإلا فعن يمينه، ويؤمي بصفحة الوجه، وقال الصدوق يرد المأموم على الامام بواحدة، ثم يسلم عن جانبيه بتسليمتين وجعل ابنا بابويه الحائط عن يساره كافيا في التسليمتين للمأموم، كذا فهمه القوم من كلامهما وقال في الذكرى:


له عارض وأراد تأخير الصلاة جاز له أن يمتنع من اتمام التكبيرة والانصراف إلى ما يريده من المشاغل من دون اثم، وأما التسليم فبالعكس بمعنى أنه لو قال المصلى أثناء الصلاة (السلام) أو (السلام عليك) سهوا كان أو عمدا ولو لم يتمه بقوله (أيها النبي ورحمة الله وبركاته) يخرج عن الصلاة، ويكون آثما في الثاني دون الاول، وأما إذا وقع في محله آخر الصلاة فيجب عليه اتمامه، سواء قلنا بخروجه أول الكلمة أو آخرها. (1) قرب الاسناد ص 96 حجر 126 ط نجف، والحديث وما في معناه خرج تقية، لان جمهور المخالفين على أن التسليم المخرج عن الصلاة هو تسليم المصلى على نفسه بقوله (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ان لم يكن معه أحد، وان كان معه أحد فتسليمه على سائر من معه عن يمينه أو يساره، أو تلقاء وجهه فلا وجه لاستدلال الاصحاب بهذه الاحاديث. [*]

[298]

ولا بأس باتباعهما لانهما جليلان، لا يقولان إلا عن ثبت. وقال في الفقيه: وإن كنت خلف إمام تأتم به فسلم تجاه القبلة واحدة ردا على الامام، وتسلم على يمينك واحدة، وعلى يسارك واحدة إلا أن لا يكون على يسارك إنسان فلا تسلم على يسارك إلا أن تكون بجنب الحائط فتسلم على يسارك، و لا تدع التسليم على يمينك، كان على يمينك أحد أو لم يكن. وقال الوالد قدس سره: الظاهر أنه أخذه مما رواه في العلل عن المفضل بن عمر (1) لان ما ذكره سابقا مأخوذ منه، وظاهر كلامه أنه إذا كان على يساره الحائط يسلم على اليسار كما فهمه الاصحاب، وظاهر الخبر أنه إذا كان على يمينه الحائط لا يسلم على اليمين بل على اليسار، وهو غريب إلا أن يحمل قوله: (ولا تدع التسليم) على غير صورة الحائط، ليكون مطابقا للرواية، انتهى كلامه رفع مقامه. ولا يخفى أن ما يستفاد من الخبر أنسب وأوفق بالاعتبار وسيأتي الخبر. ثم إنه اختلفت الاخبار في إيماء الامام، ففي بعضها يسلم إلى القبلة، وفي بعضها إلى اليمين، وربما يجمع بينهما بأنه يبتدئ أولا من القبلة، ثم يختمه مائلا إلى اليمين، أو أنه لا يميل كثيرا ليخرج عن حد القبلة، بل يميل بوجهه قليلا، والاظهر حملها على التخيير، ويؤيده ما في فقه الرضا عليه السلام حيث قال: ثم سلم عن يمينك، وإن شئت يمينا وشمالا، وإن شئت تجاه القبلة. وأما المأموم فقال السيد في المدارك: ليست فيما وقفت عليه من الروايات دلالة على الايماء بصفحة الوجه، ولا يخفى أن ظاهر هذا الخبر الايماء بالوجه، إذ لا يعقل من التسليم عن اليمين إلا ذلك، وأما الاكتفاء بذكر اليمين في هذا الخبر فهو إما محمول على ما إذا لم يكن على يساره أحد، أو على أقل المجزي، فان الثاني مستحب اتفاقا.


(1) سيأتي تحت الرقم: 9. [*]

[299]

وكذا يدل على ذلك ما رواه الشيخ عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت إماما فانما التسليم أن تسلم على النبي صلى الله عليه وآله وتقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فإذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ثم تؤذن القوم فتقول وأنت مستقبل القبلة (السلام عليكم) وكذلك إذا كنت وحدك، تقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) مثل ما سلمت وأنت إمام، فإذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت، وسلم على من على يمينك وشمالك، فان لم يكن على شمالك أحد فسلم على الذين على يمينك ولا تدع التسليم عن يمينك إن لم يكن على شمالك أحد، فان ظاهر التسليم على اليمين والشمال ذلك والحمل على القصد بعيد لاسيما وقد قوبل بقوله: (وأنت مستقبل القبلة). 2 - المعتبر: نقلا من جامع البزنطي عن عبد الكريم، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك (2). بيان: قال في المعتبر: أما الاشارة بمؤخر العين، فقد ذكره الشيخ في النهاية، وهو من المستحب عنده، وربما أيده ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي في جامعه وذكر الخبر، وقد عرفت أن ظاهر الخبر الايماء بالوجه، ولعله قدس سره جمع بذلك بين الاخبار، وقد مر وجوه اخرى للجمع، وقال في الذكرى: لا إيماء إلى القبلة بشئ من صيغتي التسليم المخرج من الصلاة بالرأس ولا بغيره إجماعا، وإنما الامام والمنفرد يسلمان تجاه القبله بغير إيماء وأما المأموم فالظاهر أنه يبتدئه مستقبل القبلة، ثم يختمه بالايماء إلى الجانب الايمن أو الايسر، ثم قال: ويستحب عند ذكر النبي صلى الله عليه وآله بالتسليم عليه الايماء إلى القبلة بالراس، قاله المفيد وسلار، وهو حسن في البلاد التي يكون قبره صلى الله عليه وآله في قبلة المصلي انتهى. وأقول: لو لم يكن قولهما مأخوذا من خبر فهذا الوجه ناقص عن إفادة المرام والله أعلم بحقائق الاحكام.


(1) التهذيب ج 1 ص 160. (2) المعتبر ص 191. [*]

[300]

3 - الخصال عن ستة من مشايخه منهم علي بن عبد الله الوراق، عن أحمد بن محمد بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن جبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يقال في التشهد الاول (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) لان تحليل الصلاة هو التسليم، وإذا قلت هذا فقد سلمت (1). العيون: عن عبد الواحد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام فيما كتب للمأمون مثله إلا أن فيه لا يجوز أن تقول (2). توضيح وتنقيح اعلم أن الاصحاب اختلفوا فيما يجب من صيغة التسليم، فذهب الاكثر إلى أنه (السلام عليكم) قال في الدروس: وعليه الموجبون، وذكر في البيان أن السلام علينا لم يوجبه أحد من القدماء، وأن القائل بوجوب التسليم يجعلها مستحبة كالتسليم على الانبياء والملائكة، غير مخرجة من الصلاة، والقائل بندب التسليم يجعلها مخرجة. وذهب المحقق إلى التخيير بين الصيغتين، وأن الواجبة ما تقدم منهما، وتبعه العلامة، وأنكره الشهيد في الذكرى والبيان، فقال في الذكرى: إنه قول محدث في زمان المحقق أو قبله بزمان يسير، ونقل الايماء إلى ذلك من شرح رسالة سلار، وقال في موضع آخر: إنه قوي متين إلا أنه لا قائل به من القدماء، وكيف يخفى عليهم مثله لو كان حقا، مع أنه قد قال بذلك في الرسالة الالفية واللمعة الدمشقية، وهي من آخر ما صنفه. وذهب صاحب الجامع يحيى بن سعيد إلى وجوب (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وتعيينها للخروج من الصلاة، وأنكره في الذكرى فقال: إنه خروج عن الاجماع من حيث لا يشعر به قائله، ونسب المحقق في المعتبر هذا القول إلى الشيخ وخطأه الشهيد في هذه النسبة، وذهب صاحب الفاخر إلى وجوب السلام على النبي صلى الله عليه وآله وجعل ذلك من جملة أقل المجزي في الصلاة كما عرفت.


(1) الخصال ج 2 ص 151. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 123. [*]

[301]

ثم الظاهر أن الواجب على القول بوجوب التسليم (السلام عليكم) خاصة، وبه قال ابن بابويه وابن أبي عقيل وابن الجنيد، وقال أبو الصلاح: يجب (السلام عليكم ورحمة الله) وذهب ابن زهرة إلى وجوب (وبركاته) أيضا، وقال في المنتهى: ولو قال (السلام عليكم ورحمة الله) جاز، وإن لم يقل (وبركاته) بلا خلاف ويخرج به من الصلاة، واختلف الاصحاب فيما يخرج به المكلف من الصلاة، فقيل يتعين للخروج (السلام عليكم) وهو قول أكثر القائلين بوجوب التسليم، ومنهم من قال إنه يخرج من الصلاة بقوله (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وإن وجب الاتيان بالسلام عليكم بعد ذلك، وهو صاحب البشرى قال في الذكرى: وقال صاحب البشرى: السيد جمال الدين بن طاوس وهو مضطلع بعلم الحديث وطرقه ورجاله: لا مانع أن يكون الخروج بالسلام علينا وأن يجب (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) بعده، للحديث الذي رواه ابن اذينة عن الصادق عليه السلام في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وآله في السماء أنه لما صلى امر أن يقوم للملائكة (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) إلا أن يقال: هذا في الامام دون غيره، قال: ومما يؤكد وجوبه رواية زرارة ومحمد بن مسلم (1) عن الباقر عليه السلام قال: إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته وإن كان مستعجلا في أمر يخاف أن يفوته فسلم وانصرف أجزأه انتهى. وذهب المحقق، والعلامة في المنتهى، والشهيد في اللمعة والرسالة إلى التخيير بينهما، وأنه يخرج من الصلاة بكل منهما، ولو جمع بينهما يحصل الخروج بالمتقدم منهما، وقد سمعت إنكار الشهيد لذلك في الذكرى، وقال في البيان: بعد البحث عن الصيغة الاولى: وأوجبها بعض المتأخرين وخير بينهما وبين السلام عليكم، وجعل الثانية منهما مستحبة، وارتكب جواز السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين بعد السلام عليكم، ولم يذكر ذلك في خبر ولا مصنف، بل القائلون بوجوب التسليم واستحبابها يجعلونها مقدمة، وذهب يحيى بن سعيد إلى تعيين الخروج بالصيغة الاولى. وأما القائلون باستحباب التسليمتين فمنهم من قال إنه يخرج من الصلاة بالفراغ


(1) التهذيب ج 1 ص 266. [*]

[302]

من الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، ومنهم من قال إنه يخرج من الصلاة بالتسليم، وهو ظاهر الشيخين. إذا عرفت هذا فالذي يقتضي الجمع بين الاخبار التخيير بين الصيغتين، واستحباب الجمع بينهما بتقديم السلام علينا، وهذا أحوط مع قصد القربة بهما من غير تعرض للوجوب والندب، والاخبار في السلام علينا أكثر، والسلام عليكم بين الاصحاب أشهر ويظهر من بعض الاخبار كخبر أبي بصير المتقدم أن آخر أجزاء الصلاة قول المصلي السلام علينا، وبه ينصرف عن الصلاة، وبعد الانصراف عنها بذلك يأتي بالتسليم للاذن وإيذان المأمومين بالانصراف. قال في الذكرى: وبعد هذا كله فالاحتياط للدين الاتيان بالصيغتين جمعا بين القولين، وليس ذلك بقادح في الصلاة بوجه من الوجوه باديا بالسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا بالعكس فانه لم يأت به خبر منقول، ولا مصنف مشهور، سوى ما في بعض كتب المحقق - ره - ويعتقد ندب السلام علينا ووجوب الصيغة الاخرى، وإن أبى المصلي إلا إحدى الصيغتين فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته مخرجة بالاجماع انتهى، ولا يخفى جودة ما أفاده - ره - إلا ما ذكره في اعتقاد الوجوب والندب. وهل يجب نية الخروج على القول بوجوبه ؟ الاجود عدمه، لعدم الدليل عليه وقال في المنتهى: لم أجد لاصحابنا نصا فيه، وقال الشيخ في المبسوط: ينبغي أن ينوى بها وربما يقال بالوجوب كما يظهر من صاحب الجامع. 4 - المعتبر، والمنتهى، والتذكرة: نقلا من جامع البزنطي، عن عبد الله ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عن تسليم الامام وهو مستقبل القبلة، قال: يقول: السلام عليكم (1). 5 - الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام:


(1) المعتبر ص 191. [*]

[303]

إذا انفتلت من الصلاة فانفتل عن يمينك (1). بيان: رواه في الفقيه (2) باسناده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا انصرفت من الصلاة فانصرف عن يمينك، وهو يحتمل وجهين أحدهما الايماء بالسلام إلى اليمين، وثانيهما أن يكون المراد أنه إذا فرغ من التعقيب وأراد الذهاب لحاجة فليذهب من جهة اليمين كما فهمه الصدوق حيث أورده في باب مفرد بعد الفراغ من ذكر التعقيب وسائر أحكام الصلاة، وبعد أن ذكر الالتفات في التسليم سابقا، ولعله أظهر وأبعد من التخصيص والتأويل. 6 - المناقب: لابن شهر آشوب، عن أبي حازم قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام ما افتتاح الصلاة ؟ قال: التكبير، قال: ما تحريمها ؟ قال: التكبير، قال: ما تحليلها ؟ قال: التسليم (3). 7 - قرب الاسناد: عن محمد بن عبد الحميد، عن يونس بن يعقوب قال: قلت لابي الحسن الاول عليه السلام: صليت بقومي صلاة فقمت ولم اسلم عليهم نسيت فقالوا: ما سلمت علينا، قال: ألم تسلم وأنت جالس ؟ قلت: بلى، قال: فلا شئ عليك، ولو شئت حين قالوا لك، استقبلتهم بوجهك فقلت: (السلام عليكم) (4). بيان: روى الشيخ أيضا هذا الخبر في الموثق عن يونس (5) وفيه (ولو نسيت حيث قالوا) ولعل ما هنا أصوب، وظاهره أنه كان قال: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ولم يأت بالعبارة التي جرت العادة بسلام بعضهم على بعض بها وهي السلام


(1) الخصال ج 2 ص 166. (2) الفقيه ج 1 ص 345، ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 226، والكليني في الكافي ج 3 ص 338. (3) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 130 في حديث مر بشرحه في ج 84 ص 244 و 245. (4) قرب الاسناد ص 128 ط حجر، 173 ط نجف. (5) راجع التهذيب ج 1 ص 235. [*]

[304]

عليكم، فقالوا له: ما سلمت علينا، فلا يدل على عدم وجوب التسليم كما استدل به، بل على الوجوب أدل، نعم يدل على عدم وجوب السلام عليكم بعد السلام علينا وظاهر الخبر استحباب تحويل الوجه إلى المأمومين عند قوله (السلام عليكم) وتخصيصه بالسهو بعيد، نعم على ما في قرب الاسناد الحكم مخصوص بما إذا بدأ بقوله (السلام علينا) وفيه وجه بحسب الاعتبار أيضا لانه قد خرج بالصيغة الاولى عن الصلاة، فلا يضره الالتفات، وبه يمكن الجمع بين أكثر الاخبار بحمل التسليم إلى القبلة، على ما إذا لم يأت بالصيغة الاولى أو على الصيغة الاولى والالتفات على الصيغة الثانية. قال في الذكرى عند ذكر الايماء: فيه دلالة ما على استحباب التسليم، أو على أن التسليم وإن وجب لا يعد جزءا من الصلاة، إذ يكره الالتفات في الصلاة عن الجانبين ويحرم إن استلزم استدبارا، ويمكن أن يقال: التسليم وإن كان جزء من الصلاة إلا أنه خرج من حكم القبلة بدليل من خارج. أقول: على ما ذكرنا لا حاجة إلى التخصيص والتكلف. 8 - الخصال: عن جعفر بن محمد بن بندار، عن سعيد بن أحمد بن أبي سالم، عن يحيى بن الفضل الوراق، عن إسحاق بن إبراهيم، عن سليمان بن سلمة، عن بقية بن الوليد، عن الزيادي، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسلم تسليمة واحدة (1). ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد ابن محمد البزنطي، عن ثعلبة، عن ميسر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: شيئان يفسد الناس بهما صلاتهم، قول الرجل (تبارك اسمك وتعالى جدك) وإنما هو شئ قالته الجن بجهالة، فحكى الله عنهم، وقول الرجل (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) (2). بيان: قد مر أن المراد به قول (السلام علينا في التشهد الاول). 9 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن محمد بن


(1) الخصال ج 1 ص 18. (2) الخصال ج 1 ص 26، وقد مر في ج 84 ص 320 - 322 مع شرح مبسوط راجعه. [*]

[305]

إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن القاسم بن ربيع، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العلة التي من أجلها وجب التسليم في الصلاة، قال: لانه تحليل الصلاة، قلت: فلاي علة يسلم على اليمين، ولا يسلم على اليسار ؟ قال: لان الملك الموكل الذي يكتب الحسنات على اليمين، والذي يكتب السيئات على اليسار، والصلاة حسنات ليس فيها سيئات، فلهذا يسلم على اليمين دون اليسار. قلت: فلم لا يقال: السلام عليك، والملك على اليمين واحد ؟ ولكن يقال: (السلام عليكم) ؟ قال: ليكون قد سلم عليه وعلى من على اليسار، وفضل صاحب اليمين عليه بالايماء إليه، قلت: فلم لا يكون الايماء في التسليم بالوجه كله، ولكنه كان بالانف لمن يصلي وحده، وبالعين لمن يصلي بقوم ؟ قال: لان مقعد الملكين من ابن آدم الشدقين، فصاحب اليمين على الشدق الايمن، وتسليم المصلي عليه، ليبثت له صلاته في صحيفته، قلت: فلم يسلم المأموم ثلاثا ؟ قال: تكون واحدة ردا على الامام، وتكون عليه وعلى ملائكته، وتكون الثانية على من على يمينه والملكين الموكلين به، وتكون الثالثة على من على يساره وملكيه الموكلين به، ومن لم يكن على يساره أحد لم يسلم على يساره إلا أن يكون يمينه إلى الحائط ويساره إلى المصلي معه خلف الامام، فيسلم على يساره. قلت: فتسليم الامام على من يقع ؟ قال: على ملائكته والمأمومين، يقول لملائكته: اكتبا سلامة صلاتي لما يفسدها، ويقول لمن خلفه سلمتم وأمنتم من عذاب الله عزوجل. قلت: فلم صار تحليل الصلاة التسليم ؟ قال: لانه تحية الملكين، وفي إقامة الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها وتسليمها سلامة العبد من النار وفي قبول صلاة العبد يوم القيامة قبول سائر أعماله، فإذا سلمت له صلاته سلمت جميع أعماله وإن لم تسلم صلاته وردت عليه رد ما سواه من الاعمال الصالحة (1).


(1) علل الشرايع ج 2 ص 48 و 49. [*]

[306]

بيان: هذا الخبر مع ضعفه - على المشهور - مشتمل على امور مخالفة لاقوال الاصحاب وسائر الاخبار. الاول: الايماء بالانف لمن يصلي وحده، والمشهور الايماء بالعين، ولم يقل به أحد إلا صاحب الفاخر كما مر مع أنه لا يمكن الايماء به إلا مع الوجه، ولعل المراد الايماء القليل بالوجه بحيث ينحرف الانف عن القبلة، والتخصيص به من بين أجزاء الوجه لارتفاعه، فهو كالشاخص المنصوب عليه، وكالشاقول لاستعلام استوائه وانحرافه. الثاني: الانحراف بالعين للامام مع أن المشهور الانحراف بالوجه إلا أن يحمل أن المراد به انحراف قليل يرى بعينه بعض المأمومين، أو انحراف كثير يرى كلهم أو أكثرهم. الثالث: قعود الملكين على الشدقين - بكسر الشين وقد يفتح - بمعنى طرف الفم مع أن المشهور أن مقعدهما العاتقان، ويمكن الجمع بأن جلوسهما على العاتقين، ورؤسهما على طرفي الفم، لاستماع ما به يتكلم. الرابع: تسليم المأموم ثلاثا كما هو مختار الصدوق، ويمكن حمله على الاستحباب. الخامس: الاكتفاء بالتسليم على اليسار إذا كان اليمين إلى الحائط، ولم أر به قائلا وإن أمكن تخصيص الاخبار العامة به. قوله عليه السلام: (وفي إقامة الصلاة) يحتمل أن يكون تتمة لما سبق أي يحيي الملكين ليحيوه بالسلام، ولما كان سلامهم متضمنا للدعاء بسلامة أعماله وقبولها ودعاء الملك مستجاب، فلابد من التسليم لتحصيل هذا النفع العظيم، والفضل العميم ويمكن أن يكون علة اخرى بأن يتضمن دعاء بعض المصلين لبعضهم بمثل هذا الدعاء الجامع الكريم، أو هو بشارة لهم من الله بذلك كما ورد في الخبر. 10 - معاني الاخبار: عن أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن يحيى ابن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبيه، عن عبد الله

[307]

ابن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن معنى التسليم في الصلاة، فقال: التسليم علامة الامن، وتحليل الصلاة، قلت: وكيف ذلك جعلت فداك ؟ قال: كان الناس فيما مضى إذا سلم عليهم وارد أمنوا شره، وكانوا إذا ردوا عليه أمن شرهم، وإن لم يسلم لم يأمنوه، وإن لم يردوا على المسلم لم يأمنهم، وذلك خلق في العرب، فجعل التسليم علامة للخروج من الصلاة وتحليلا للكلام وأمنا من أن يدخل في الصلاة ما يفسدها، والسلام اسم من أسماء الله عزوجل وهو واقع من المصلي على ملكي الله الموكلين به (1). بيان: قوله عليه السلام وأمنا أي إيذانا بأنهم فرغوا من الصلاة، فلا يصدر منهم بعد ذلك ما يفسدها مما يعمل في أثناء الصلاة، أو دعاء بالامن عن عدم القبول، وفي النهاية التسليم مشتق من السلام اسم الله تعالى لسلامته من العيب والنقص وقيل معناه أن الله مطلع عليكم فلا تغفلوا، وقيل معناه اسم السلام عليكم أي اسم الله عليك إذ كان اسم الله يذكر على الاعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وانتفاء عوارض الفساد عنه، وقيل معناه سلمت مني فاجعلني أسلم منك، من السلامة بمعنى السلام انتهى، وقال النووي أي اسم الله عليك أي أنت في حفظه كما يقال: الله معك. 11 - العلل والعيون: بالاسناد المتقدم في علل الفضل، عن الرضا عليه السلام: فان قال قائل: فلم جعل التسليم تحليل الصلاة، ولم يجعل بدله تكبيرا أو تسبيحا أو ضربا آخر ؟ قيل: لانه لما كان في الدخول في الصلاة تحريم الكلام للمخلوقين والتوجه إلى الخالق، كانت تحليلها كلام المخلوقين، والانتقال عنها، وابتداء المخلوقين بالكلام إنما هو بالتسليم (2). 12 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: معنى السلام في دبر كل صلاة الامان، أي من أدى أمر الله وسنة نبيه خالصا لله خاشعا فيه فله الامان من بلاء الدنيا، وبراءة من عذاب الاخرة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى أودعه خلقه،


(1) معاني الاخبار: 175 - 176. (2) علل الشرايع ج 1 ص 249، عيون الاخبار ج 2 ص 108. [*]

[308]

ليستعملوا معناه في المعاملات والامانات والانصافات، وتصديق مصاحبتهم فيما بينهم وصحة معاشرتهم، فان أردت أن تضع السلام موضعه، وتؤدي معناه فاتق الله و ليسلم منك دينك وقلبك وعقلك ولا تدنسها بظلمة المعاصي، ولتسلم حفظتك ألا تبرمهم وتملهم وتوحشهم منك بسوء معاملتك معهم ثم صديقك ثم عدوك فان من لم يسلم منه من هو أقرب إليه، فالابعد أولى، ومن لم يضع السلام مواضعه هذه، فلا سلم، ولا سلام، وكان كاذبا في سلامه، وإن أفشاه في الخلق. واعلم أن الخلق بين فتن ومحن في الدنيا، إما مبتلا بالنعمة ليظهره شكره وإما مبتلا بالشدة ليظهر صبره، والكرامة في طاعته والهوان في معصيته، ولا سبيل إلى رضوانه إلا بفضله، ولا وسيلة إلى طاعته إلا بتوفيقه، ولا شفيع إليه إلا باذنه ورحمته (1). 13 - فلاح السائل: يقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله و بركاته، السلام على جميع أنبياء الله وملائكته ورسله، السلام على الائمة الهادين المهديين، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) ثم يسلم إن كان إماما أو منفردا تجاه القبلة، يومئ بمؤخر عينه إلى يمينه، وإن كان مأموما سلم عن يمينه ويساره إن كان على يساره أحد، وإن لم يكن كفاه التسليم عن يمينه (2). 14 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: إذا قضيت التشهد فسلم عن يمينك وعن شمالك، تقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) (3). بيان: قال الشهيد رحمه الله في الذكرى: روى علي بن جعفر (4) أنه رأى موسى وإسحاق ومحمدا يسلمون على الجانبين (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله) ويبعد أن يختص الرؤية بهم مأمومين لا غير، بل الظاهر الاطلاق


(1) مصباح الشريعة ص 14. (2) فلاح السائل: 163. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 165. (4) رواه في التهذيب ج 1 ص 226. [*]

[309]

خصوصا ومنهم الامام عليه السلام، ففيه دلالة على استحباب التسليمتين للامام والمنفرد أيضا غير أن الاشهر الواحدة فيهما انتهى ويمكن حمل التعدد على التقية، والخلاف بينهم مشهور في ذلك. 15 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لمحمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسن بن علي بن الفضال، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن أبي كهمش، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الركعتين الاولتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وأنا جالس: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله و بركاته) انصراف هو ؟ قال: لا، ولكن إذا قلت: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فهو الانصراف (1). 16 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: السلام معناه تحية، وذلك قول الله عزوجل يحكي عن أهل الجنة فقال: (دعويهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام) (2) والوجه الثاني معناه أمان، وذلك قوله: (وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) (3) والدليل على ذلك أنه أمان قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن) (4) فمعنى المؤمن أنه يؤمن أولياءه من عذابه. وسئل أمير المؤمنين عليه السلام عن علة قول الامام (السلام عليكم) فقال: يترجم عن الله عزوجل فيقول في ترجمته أمان لكم من عذابكم يوم القيامة، وأقل ما يجزي من السلام (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) وما زاد على ذلك ففيه الفضل، لقول الله عزوجل: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) (5).


(1) السرائر: 467. (2) يونس: 10. (3) الزمر: 73. (4) الحشر: 23. (5) البقرة: 184. [*]

[310]

بيان: القول بالاكتفاء بهذا التسليم منه غريب. 17 - الهداية: قال الصادق عليه السلام: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (1). بيان: استدل به المحقق في المعتبر على وجوب التسليم، ثم قال: لا يقال: كون التحليل بالتسليم لا يستلزم انحصار التحليل فيه، بل يمكن أن يكون به وبغيره لانا نقول: الظاهر إرادة حصر التحليل فيه، لانه مصدر مضاف إلى الصلاة، فيتناول كل تحليل يضاف إليها، ولان التسليم وقع خبرا عن التحليل، فيكون مساويا أو أعم من المبتدء، فلو وقع التحليل بغيره لكان المبتدأ أعم من الخبر، ولان الخبر إذا كان مفردا كان هو المبتدأ، والمعنى أن الذي صدق عليه أنه تحليل للصلاة صدق عليه التسليم انتهى. واورد عليه بأنا لا نسلم تعين مساواة الخبر للمبتدأ فيما نحن فيه، ولاكون إضافة المصدر للعموم، إذ كما أنها تكون للاستغراق تكون لغيره كالجنس والعهد على أن التحليل قد يحصل بغير التسليم كالمنافيات، وإن لم يكن الاتيان بها جائزا وحينئذ لابد من تأويل التحليل بالتحليل الذي قدره الشارع، وحينئذ كما أمكن إرادة التحليل الذي قدره الشارع على سبيل الوجوب، أمكن إرادة التحليل الذي قدره الشارع على الاستحباب (2) وليس للاول على الاخير ترجيح واضح. أقول: لا ريب في ظهور تلك العبارة في الحصر كقرينتها لتعريف الخبر وغيره، لكن مع المعارض تقبل التأويل.


(1) الهداية: 31. (2) قد عرفت أنه لا وجه لهذا الكلام حيث أن التحليل والتسليم كالحكم الوضعي لان يجعل الشارع التسليم محللا لمنافيات الصلاة استحبابا. [*]

[311]

فائدة قال في الذكرى: يستحب أن يقصد الامام التسليم على الانبياء والائمة و الحفظة والمأمومين لذكر اولئك وحضور هؤلاء، والصيغة صيغة خطاب والمأموم يقصد باولى التسليمتين الرد على الامام، فيحتمل أن يكون على سبيل الوجوب لعموم قوله: (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها) (1) ويحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب، لانه لا يقصد به التحية، وإنما الغرض بها الايذان بالانصراف من الصلاة كما مر في خبر أبي بصير، وجاء في خبر عمار بن موسى (2) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التسليم ما هو ؟ فقال: هو إذن، والوجهان ينسحبان في رد المأموم على مأموم آخر، وروى أمامة عن سمرة قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نسلم على أنفسنا وأن يسلم بعضنا على بعض، وعلى القول بوجوب الرد يكفي في القيام به واحد، فيستحب الباقي. وإذا اقترن تسليم المأموم والامام أجزأ ولا يجب ردها وكذلك إذا اقترن تسليم المأمومين لتكافؤهم في التحية، ويقصد المأموم بالثانية الانبياء والحفظة و المأمومين، وأما المنفرد فيقصد بتسليمه ذلك، ولو أضاف تسليمتين. أقول: كأنه يرى أن التسليمتين ليستا للرد، بل هما عبادة محضة متعلقة بالصلاة، ولما كان الرد واجبا في غير الصلاة لم يكف عنه تسليم الصلاة، وإنما قدم الرد لانه واجب مضيق إذ هو حق الادمي، والاصحاب يقولون إن التسليمة تؤدي وظيفتي الرد والتعبد به في الصلاة، كما سبق مثله في اجتزاء العاطس في حال رفع رأسه من الركوع بالتحميد عن العطسة وعن وظيفة الصلاة، وهذا يتم حسنا على القول باستحباب التسليم، وأما على القول بوجوبه فظاهر الاصحاب أن الاولى من المأموم للرد على الامام، والثانية للاخراج من الصلاة، ولهذا احتاج إلى تسليمتين.


(1) النساء: 86. (2) التهذيب ج 1 ص 226. [*]

[312]

ويمكن أن يقال: ليس استحباب التسليمتين في حقه لكون الاولى ردا، والثانية مخرجة، لانه إذا لم يكن على يساره أحد اكتفى بالواحدة عن يمينه، و كانت محصلة للرد والخروج من الصلاة، وإنما شرعية الثانية ليعمم السلام من على الجانبين لانه بصيغة الخطاب، فإذا وجهه إلى أحد الجانبين اختص به، وبقي الجانب الاخر بغير تسليم، ولما كان الامام غالبا ليس على جانبيه أحد اختص بالواحدة، وكذا المنفرد، ولذا حكم ابن الجنيد كما تقدم أن يسلم الامام إذا كان في صف عن جانبيه انتهى. وأقول: الظاهر أن الصدوق بنى حكمه بالثلاث على الخبر المتقدم، لا على تلك الوجوه، نعم تصلح حكمة للحكم كما يؤمي إليه الخبر. 18 - المقنع: ثم سلم وقل: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، ولك السلام، وإليك يعود السلام، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلا على الائمة الراشدين المهتدين، السلام على جميع أنبياء الله ورسله وملائكته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فإذا كنت إماما فسلم وقل: (السلام عليكم) مرة واحدة وأنت مستقبل القبلة، وتميل بعينك إلى يمينك، وإن لم تكن إماما تميل بأنفك إلى يمينك، وإن كنت خلف إمام تأتم به فتسلم تجاه القبلة واحدة ردا على الامام، وتسلم على يمينك واحدة، وعلى يسارك واحدة، إلا أن لا يكون على يسارك أحد فلا تسلم على يسارك، إلا أن تكون بجنب الحائط فتسلم على يسارك ولا تدع التسليم على يمينك، كان على يسارك أحد أو لم يكن (1).


(1) المقنع: 29، ط الاسلامية. [*]

[313]

(36) * " (باب) " * * " (فضل التعقيب وشرائطه وآدابه) " * الايات: ق: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (1). الانشراح: فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب (2). تفسير: (وأدبار السجود) ظاهره التسبيح بعد الصلوات (3) كما روي عن ابن عباس ومجاهد، وقيل المراد به الركعتان بعد المغرب، وقيل النوافل بعد المفروضات،، روي أنه الوتر من آخر الليل رواه الطبرسي عن أبي عبد الله عليه السلام و التسبيح قبل طلوع الشمس وقبل الغروب يشمل تعقيب الصبح والعصر، وسيأتي القول فيه في باب أدعية الصباح والمساء. (فإذا فرغت فانصب) النصب التعب أي فاتعب ولا تشتغل بالراحة، والمعنى إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب في الدعاء (وإليه فارغب) في المسألة


(1) ق: 39 و 40. (2) الانشراح آخر السورة: 7 - 8 والظاهر منها أن المراد إذا حصل لك فراغ من المشاغل فانصب نفسك قائما لعبادة ربك وارغب إليه بجهدك، فلا تكون الاية من باب التعقيب. (3) وانما عبر بأدبار السجود، لكون الصلاة في أول الاسلام سجدة بلا ركوع على ما عرفت ص 173 باب سجود التلاوة، ويظهر منها أن التعقيب انما تكون بعد الفريضة، بالمداومة على هيئة الجلوس بعد تمام الصلاة، فان المصلى في دبر الصلاة يكون جالسا مفترشا أو متوركا على الخلاف فيه، والامر بالتسبيح وهو قوله: (فسبحه) بأن يقول (سبحان الله وبحمده) وأمثال ذلك توجه إليه في تلك الحالة. [*]

[314]

يعطك، عن جماعة من المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. وفي مجمع البيان قال الصادق عليه السلام هو الدعاء في دبر الصلاة وأنت جالس واستدل بالفاء على الاشتغال به بغير فصل. وفي الاية أقوال اخر الاول إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل عن ابن مسعود، الثاني إذا فرغت من دنياك فانصب في عبادة ربك عن الجبائي ومجاهد في رواية، الثالث إذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب في عبادة ربك عن الحسن وابن زيد الرابع إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في جهاد نفسك، الخامس إذا فرغت علي أداء الرسالة فانصب لطلب الشفاعة، قيل أي استغفر للمؤمنين، وفي المجمع وسئل عن ابن طلحة عن هذه الاية فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال إذا صححت فاجعل صحتك وفراغك نصبا في العبادة (1). (وإلى ربك فارغب) أي بجميع حوائجك وامورك، ولا ترغب إلى غيره بوجه، قيل: ويجوز عطفه على الجزاء والشرط. أقول: وقد مر تأويلات اخر لهذه الاية في أبواب الايات النازلة في أمير - المؤمنين صلوات الله عليه، وستأتي الاخبار في تأويلها، ولنذكر بعض ما قيل في حقيقة التعقيب وشرايطه. قال شيخنا البهائي نور الله ضريحه: لم أظفر في كلام أصحابنا قدس الله أرواحهم بكلام شاف فيما هو حقيقة التعقيب شرعا، بحيث لو نذر التعقيب لانصرف إليه، ولو نذر لمن هو مشتغل بالتعقيب في الوقت الفلاني لاستحق المنذور إذا كان مشتغلا به فيه، وقد فسره بعض اللغويين كالجوهري وغيره بالجلوس بعد الصلاة لدعاء أو مسألة وهذا يدل بظاهره على أن الجلوس داخل في مفهومه، وأنه لو اشتغل بعد الصلاة بالدعاء قائما أو ماشيا أو مضطجعا لم يكن ذلك تعقيبا. وفسره بعض فقهائنا بالاشتغال عقيب الصلاة بدعاء أو ذكر وما أشبه ذلك، ولم يذكر الجلوس، ولعل المراد بما أشبه الدعاء والذكر: البكاء من خشية الله


(1) مجمع البيان ج 10 ص 509. [*]

[315]

تعالى والتفكر في عجائب مصنوعاته، والتذكر بجزيل آلائه، وما هو من هذا القبيل. وهل يعد الاشتغال بمجرد تلاوة القرآن بعد الصلاة تعقيبا لم أظفر في كلام الاصحاب بتصريح في ذلك، والظاهر أنه تعقيب أما لو ضم إليه الدعاء فلا كلام في صدق التعقيب على المجموع المركب منها، وربما يلوح ذلك من بعض الاخبار، و ربما يظن دلالة بعضها على اشتراط الجلوس في التعقيب، كما روي (1) عن أمير - المؤمنين عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما امرئ مسلم جلس في مصلاه الذي صلى فيه الفجر يذكر الله حتى تطلع الشمس كان له من الاجر كحاج رسول الله صلى الله عليه وآله فان جلس فيه حتى يكون ساعة تحل فيه الصلاة، فصلى ركعتين أو أربعا غفر له ما سلف، وكان له من الاجر كحاج بيت الله. وما روي (2) عن الصادق عليه السلام عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه قال: من صلى فجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس كان له سترا من النار، وغيرهما من الاحاديث المتضمنة للجلوس بعد الصلاة، والحق أنه لا دلالة فيها على ذلك، بل غاية ما يدل عليه كون الجلوس مستحبا أيضا أما أنه معتبر في مفهوم التعقيب فلا وقس عليه عدم مفارقة مكان الصلاة. وفي رواية وليد بن صبيح (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: التعقيب أبلغ في طلب الرزق من الضرب في البلاد، يعني بالتعقيب الدعاء بعقب الصلاة، وهذا التفسير أعني تفسير التعقيب بالدعاء عقيب الصلاة، لعله من الوليد بن صبيح أو من بعض رجال السند، وأكثرهم من أجلاء أصحابنا، وهو يعطي باطلاقه عدم اشتراطه بشئ من الجلوس، والكون في المصلى والطهارة، واستقبال القبلة، وهذه الامور إنما هي شروط كماله، فقد ورد أن المعقب ينبغي أن يكون علي هيئة المتشهد في استقبال


(1) التهذيب ج 1 ص 174. (2) التهذيب ج 1 ص 227. (3) التهذيب ج 1 ص 164. [*]

[316]

القبلة، والتورك. وأما ما رواه (1) هشام بن سالم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أخرج واحب أن أكون معقبا فقال: إن كنت على وضوء فأنت معقب، فالظاهر أن مراده أن لمستديم الوضوء مثل ثواب المعقب لا أنه معقب حقيقة. وهل يشترط في صدق اسم التعقيب شرعا اتصاله بالصلاة، وعدم الفصل الكثير بينه وبينها ؟ الظاهر نعم، وهل يعتبر في الصلاة كونها واجبة أو يحصل حقيقة التعقيب بعد النافلة أيضا ؟ إطلاق التفسيرين السابقين يقتضي العموم، وكذلك إطلاق رواية ابن صبيح وغيرها، والتصريح بالفرائض في بعض الروايات لا يقتضي تخصيصها بها والله أعلم انتهى. وقال الشهيد رفع الله درجته في الذكرى: قد ورد أن المعقب يكون على هيئة المتشهد في استقبال القبلة، وفي التورك، وأن ما يضر بالصلاة يضر بالتعقيب انتهى. وربما احتمل بعض الاصحاب كون محص الجلوس بعد الصلاة بتلك الهيئة تعقيبا، وإن لم يقرء دعاء، ولا ذكرا ولا قرآنا، وهو بعيد، بل الظاهر تحقق التعقيب بقراءة شئ من الثلاثة بعد الصلاة أو قريبا منها عرفا، على أي حال كان والجلوس والاستقبال والطهارة من مكملاته، نعم ورد في بعض التعقيبات ذكر بعض تلك الشرائط كما سيأتي فيكون شرطا فيها بخصوصها في حال الاختيار، وإن احتمل أن يكون فيها أيضا من المكملات، ويكون استحبابه فيها أشد منه في غيرها، و الافضل والاحوط رعاية شروط الصلاة فيه مطلقا بحسب الامكان. وأما رواية هشام فيحتمل وجوها: الاول أن المدار في التعقيب على الطهارة ولا يشترط فيه الاستقبال والجلوس وغيرهما، الثاني أنك ما دمت على وضوء يكتب لك ثواب التعقيب، وإن لم تقرأ شيئا فكيف إذا قرأت، الثالث أن الوضوء في تلك الحال يصير عوضا من الجلوس، ويستدرك لك ما فات بسبب فواته، ويؤيد الاولين


(1) التهذيب ج 1 ص 227. [*]

[317]

والثاني أكثر ما رواه في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق عليه السلام قال: المؤمن معقب ما دام على وضوئه. وقال الشهيد قدس سره في النفلية ووظائفه عشر: الاقبال عليه بالقلب، و البقاء على هيئة التشهد، وعدم الكلام أي قبله وخلاله، والحدث بل الباقي على طهارة معقب وإن انصرف، وعدم الاستدبار، ومزايلة المصلى، وكل مناف صحة الصلاة أو كمالها، وملازمة المصلى في الصبح إلى الطلوع، وفي الظهر والمغرب إلى الثانية. وقال الشهيد الثاني - رحمه الله -: كل ذلك وظائف كماله، وإلا فانه يتحقق بدونها. 1 - مجالس الصدوق والعيون: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد ابن عيسى اليقطيني، عن أحمد بن عبد الله القروي، عن أبيه قال: دخلت على الفضل ابن الربيع وهو جالس على سطح، فقال لي: ادن فدنوت حتى حاذيته، قال لي: أشرف إلى البيت في الدار، فأشرفت، فقال: ما ترى في البيت ؟ قلت: ثوبا مطروحا، فقال: انظر حسنا فتأملت فنظرت فتيقنت، فقلت: رجل ساجد، فقال لي: تعرفه ؟ قلت: لا قال: هذا مولاك، قلت: ومن مولاي فقال: تتجاهل علي ؟ فقلت: ما أتجاهل، ولكني لا أعرف لي مولى، فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر إني أتفقده الليل والنهار فلم أجد في وقت من الاوقات إلا على الحالة التي اخبرك بها. إنه يصلي الفجر فيعقب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، وقد وكل من يترصد الزوال فلست أدري متى يقول الغلام قد زالت الشمس إذ يثبت فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدد وضوء فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى، فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، قاذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجدا إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلى المغرب من غير أن يحدث حدثا، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلي العتمة، فإذا صلى العتمة أفطر على شوئ يؤتى به، ثم يجدد الوضوء


(1) الفقيه ج 1 ص 359. [*]

[318]

ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدد الوضوء، ثم يقوم فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام إن الفجر قد طلع إذ قد وثب هو لصلاة الفجر. فهذا دأبه منذ حول ؟ إلي، فقلت: اتق الله ولا تحدثن في أمره حدثا يكون منه زوال النعمة، فقد تعلم أنه لم يفعل أحد بأحد منهم سوء إلا كانت نعمته زائلة، فقال: قد أرسلوا إلي في غير مرة يأمرونني بقتله فلم اجبهم إلى ذلك، وأعلمتهم أني لا أفعل ذلك ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني (1). أقول: تمامه في باب أحواله عليه السلام. 2 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام المنتظر وقت الصلاة بعد الصلاة من زوار الله عزوجل، وحق على الله تعالى أن يكرم زائره، وأن يعطيه ما سأل (2). وقال عليه السلام: اطلبوا الرزق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فانه أسرع في طلب الرزق من الضرب في الارض، وهي الساعة التي يقسم الله فيها الرزق في عباده (3). وقال: إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء ولينصب في الدعاء فقال عبد الله بن سبا: يا أمير المؤمنين ! أليس الله في كل مكان ؟ قال عليه السلام: بلى، قال: فلم يرفع العبد يديه إلى السماء ؟ قال: أما تقرء (وفي السماء رزقكم وما توعدون) (4) فمن أين يطلب الرزق إلا من موضعه، وموضع الرزق ما وعد الله عز


(1) لا يوجد في أمالى الصدوق والحديث في عيون الاخبار ج 1 ص 107. (2) الخصال ج 2 ص 169. (3) الخصال ج 2 ص 156. (4) الذاريات: 22. [*]

[319]

وجل السماء (1). بيان: الضرب في الارض المسافرة فيها والمراد هنا السفر للتجارة، مع أنه قد ورد أن تسعة أعشار الرزق في التجارة، ومع ذلك التعقيب أبلغ منها في طلبه، و ذلك لان المعقب يكل أمره إلى الله ويشتغل بطاعته بخلاف التاجر، فانه يطلب بكدة ويتكل على السبب وقد مر أنه من كان لله كان الله له. (وفي السماء رزقكم) قيل أي أسباب رزقكم، أو تقديره، وقيل: المراد بالسماء السحاب وبالرزق المطر، لانه سبب الاقوات (وما توعدون) أي من الثواب لان الجنة فوق السماء السابعة أو لان الاعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء، والحاصل أنه لما كان تقدير الرزق وأسبابه في السماء والمثوبات الاخروية وتقديراتها في السماء، فناسب رفع اليد إليها في طلب الامور الدنيوية والاخروية في التعقيب وغيره. وابن سبا هو الذي كان يزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام إله وأنه نبيه واستتابه أمير المؤمنين عليه السلام ثلاثه أيام فلم يتب فأحرقه. 3 - مجالس الصدوق: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن وهب بن وهب عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله جل جلاله: يا ابن آدم أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني ما يصلحك (2). ومنه: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الله جل جلاله: يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة وبعد العصر ساعة أكفك ما أهمك (3). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمر بن شمر، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمر بن شمر، عن


(1) الخصال ج 2 ص 165. (2) أمالى الصدوق ص 192. (3) أمالى الصدوق: 193. [*]

[320]

جابر، عن أبي جعفر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله (1). 4 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسن بن محبوب، عن سعد بن طريف، عن عمير بن مأمون العطاردي قال: رأيت الحسن بن علي عليهما السلام يقعد في مجلسه حين يصلي الفجر حتى تطلع الشمس، وسمعته يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى الفجر ثم جلس في مجلسه يذكر الله عزوجل حتى تطلع الشمس ستره الله عزوجل من النار، ستره الله عزوجل من النار، ستره الله عزوجل من النار (2). 5 - ثواب الاعمال ومجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي الجوزاء، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن عاصم بن أبي النجود الاسدي، عن ابن عمر، عن الحسن بن علي قال: سمعت أبي علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيما امرئ مسلم جلس في مضلاه الذي يصلي فيه الفجر يذكر الله عزوجل حتى تطلع الشمس، كان له من الاجر كحاج بيت الله، وغفر له، فان جلس فيه حتى يكون ساعة تحل فيه الصلاة فصلى ركعتين أو أربعا غفر له ما سلف من ذنبه وكان له من الاجر كحاج بيت الله (3).


بيان: الظاهر أن الصلاة محمولة على التقية بل قوله تحل فيها الصلاة 6 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد الاصبهاني عن سليمان بن داود المنقري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل فرض عليكم الصلواة الخمس في أفضل الساعات، فعليكم بالدعاء في أدبار الصلوات (4).

(1) ثواب الاعمال ص 42. (2) أمالى الصدوق: 343. (3) أمالى الصدوق: 349. ثواب الاعمال: 41، وقد مر ص 315. (4) الخصال ج 1 ص 134. [*]

[321]

ومنه باسناده عن سعيد بن علاقة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: التعقيب بعد الغداة وبعد العصر يزيد في الرزق (1). 7 - العيون: بأسانيد عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أدى فريضة فله عند الله دعوة مستجابة (2). صحيفة الرضا: عنه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام مثله (3). مجالس ابن الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن أحمد ابن عامر، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام مثله (4). 8 - ومنه: عن أبي محمد الفحام، عن محمد بن أحمد المنصوري، عن عيسى بن أحمد عم أبيه، عن أبي الحسن العسكري، عن آبائه، عن الصادق عليهم السلام قال: ثلاثة أوقات لا يحجب فيها الدعاء عن الله: في أثر المكتوبة، وعند نزول القطر، وظهور آية معجزة لله في أرضه (5). ومنه: بهذا الاسناد عنه عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أدى لله مكتوبة فله في أثرها دعوة مستجابة، قال ابن الفحام: رأيت والله أمير المؤمنين عليه السلام في النوم فسألته عن الخبر فقال: صحيح إذا فرغت من المكتوبة فقل وأنت ساجد (اللهم بحق من رواه وروي عنه، صل على جماعتهم وافعل بي كيت وكيت (6). بيان: الضمير في رواه لعله راجع إلى هذا الخبر، فيحتمل اختصاص الدعاء بهذا الراوي، ولا يبعد أن يكون المراد الاستشفاع بالائمة (7) لا بهذا اللفظ، بل


(1) الخصال ج 2 ص 93. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 28. (3) صحيفة الرضا عليه السلام: 15. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 210 وتراه في أمالى المفيد: 76: (5) أمالى الطوسى ج 1 ص 287. (6) أمالى الطوسى ج 1 ص 295. (7) أو يكون المراد بمن رواه، أبا الحسن العسكري وآباءه عليهم السلام) لا من روى عنه من الرواة والمراد بمن روى عنه هو النبي صلى الله عليه وآله. [*]

[322]

بما ورد في سائر الادعية بأن يقول: بحق محمد وعلي الخ لانهم داخلون فيمن روى هذا الخبر وروي عنه، وفي بعض الكتب بدون الضمير فيعم. وقال الجوهري: قال أبو عبيدة: يقال: كان من الامر كيت وكيت، بالفتح وكيت وكيت بالكسر، والتاء فيها هاء في الاصل فصارت تاء في الوصل. 9 - الخصال: فيما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام ثلاث درجات: إسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات (1). أقول: قد مضى مثله باسناد آخر في أبواب المكارم (2). 10 - المحاسن: في رواية إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أقام في مسجد بعد صلاته انتظارا للصلاة، فهو ضيف الله، وحق على الله أن يكرم ضيفه (3). ومنه: عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، عن أبيه عليه السلام قال: ما من مؤمن يؤدي فريضة من فرائض الله إلا كان عند أدائها دعوة مستجابة (4). ومنه: عن علي بن حديد، عن منصور بن يونس، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من صلى صلاة فريضة وعقب إلى اخرى، فهو ضيف الله، وحق على الله أن يكرم ضيفه (5). ومنه: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) الخصال ج 1 ص 42. (2) راجع ج 70 ص 5 - 7. (3) المحاسن: 48. (4) المحاسن: 50. (5) المحاسن: 52. [*]

[323]

قال: إن العبد إذا قام يعني في الصلاة فقام لحاجته يقول الله تبارك وتعالى: أما يعلم عبدي أني أنا الذي أقضي الحوائج (1). 11 - تفسير العياشي: عن الحسين بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك إنهم يقولون إن النوم بعد الفجر مكروه، لان الارزاق تقسم في ذلك الوقت ؟ فقال: الارزاق موظوفة مقسومة، ولله فضل يقسمه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وذلك قوله: (واسئلوا الله من فضله) ثم قال: وذكر الله بعد طلوع الفجر أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الارض (2). 12 - فلاح السائل: روينا باسنادنا إلى محمد بن علي بن محبوب من أصل كتاب له بخط جدي أبي جعفر الطوسي باسناده إلى الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: منجلس في مصلاه ثابتا رجله وكل الله به ملكا، فقال له: ازدد شرفا تكتب لك الحسنات، وتمحى عنك السيئات، وتبنى لك الدرجات حتى تنصرف (3). 13 - دعائم الاسلام: مرسلا مثله، فيه ثانيا رجليه يذكر الله، وكل الله به ملكا يقول له (4). 14 - كتاب الاخوان: للصدوق باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة من خالصة الله عزوجل يوم القيامة: رجل زار أخاه في الله عزوجل فهو زور الله، و على الله أن يكرم زوره، ويعطيه ما سأل، ورجل دخل المسجد فصلى وعقب انتظارا للصلاة الاخرى، فهو ضيف الله وحق على الله أن يكرم ضيفه، والحاج والمعتمر فهذا وفد الله، وحق على الله أن يكرم وفده (5).


(1) المحاسن: 252 (2) تفسير العياشي ج 1 ص 240 والاية في سورة النساء: 23. (3) فلاح السائل: 163 و 164 وفيه ثانيا رجله. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 165. (5) كتاب مصادقة الاخوان: 28. [*]

[324]

بيان: الزور بالفتح جمع زائر كالسفر جمع سافر. 14 - مجالس الشيخ: عن المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور، عن أبي بكر المفيد الجرجرائي، عن أبي الدنيا المعمر المغربي، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى وجلس في مجلسه يتوقع صلاة بعدها، صلت عليه الملائكة وصلاتهم: اللهم اغفر له وارحمه (1). 15 - عدة الداعي: عن الصادق عليه السلام أن الله عزوجل فرض عليكم الصلوات في أحب الاوقات إليه، فاسئلوا الله حوائجكم عقيب فرائضكم (2). وروى فضل البقباق عن الصادق عليه السلام قال: يستحب الدعاء في أربعة مواطن: في الوتر وبعد الفجر، وبعد الظهر، وبعد المغرب، وفي رواية أنه يسجد بعد المغرب ويدعو في سجوده (3). 16 - المحاسن: عن الحسن بن محبوب، عن الحسين بن صالح بن حي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فأتم ركوعها وسجودها، ثم جلس فأثنى على الله وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سأل الله حاجته، فقد طلب الخير من مظانه، ومن طلب الخير من مظانه لم يخب (4). 17 - فلاح السائل: روى محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: الدعاء دبر الصلاة المكتوبة أفضل من الدعاء دبر التطوع كفضل المكتوبة على التطوع (5). وعن أبي الحسن العسكري، عن أبيه، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال: من صلى لله سبحانه صلاة مكتوبة فله في أثرها دعوة مستجابة (6). وروي عن الباقر عليه السلام قال: الدعاء بعد الفريضة أفضل من الصلاة تنفلا (7).


(1) لا يوجد في المطبوع من المصدر. (2 و 3) عدة الداعي ص 43. (4) المحاسن ص 52. (5 - 7) فلاح السائل لم نجده. [*]

[325]

الدعائم: عنه عليه السلام مثله (1). توضيح: لعله محمول على غير النوافل المرتبة جمعا. 18 - اختيار ابن الباقي: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إذا فرغ العبد من الصلاة ولم يسأل الله تعالى حاجته يقول الله تعالى لملائكته انظروا إلى عبدي فقد أدى فريضتي ولم يسأل حاجته مني، كأنه قد استغنى عني، خذوا صلاته فاضربوا بها وجهه. 19 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي يقول في قول الله تبارك وتعالى (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب) فإذا قضيت الصلاة بعد أن تسلم وأنت جالس، فانصب في الدعاء من أمر الاخرة والدنيا، فإذا فرغت من الدعاء فارغب إلى الله عزوجل أن يتقبلها منك (2). 20 - دعائم الاسلام: قال أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام: المسألة قبل الصلاة وبعدها مستجاب (3). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: في قول الله عزوجل (فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب) قال: الدعاء بعد الفريضة، إياك أن تدعه فان فضله بعد الفريضة كفضل الفريضة على النافلة ثم قال: إن الله عزوجل يقول: (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (4) فأفضل العبادة الدعاء، وإياه عنى (5). وسئل عليه السلام عن قول الله (إن إبراهيم لحليم أواه منيب) (6) قال: الاواه الدعاء (7).


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 166. (2) قرب الاسناد ص 5 ط حجر. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 166. (4) المؤمن: 60. (5) دعائم الاسلام ج 1 ص 166. (6) هود: 75. (7) دعائم الاسلام ج 1 ص 166. [*]

[326]

وعن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن رجلين دخلا المسجد في وقت واحد وافتتحا الصلاة فكان دعاء أحدهما أكثر، وكان قرآن الاخر أكثر أيهما أفضل ؟ قال كل فيه فضل، وكل حسن، قيل: قد علمنا ذلك، ولكن أردنا أن نعلم أيهما أفضل ؟ قال: الدعاء أفضل أما سمعت الله عزوجل يقول: (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) هي العبادة وهي أفضل (1). بيان: ظاهره أن السؤال عن القراءة والدعاء في الصلاة، والاكثر حملوه عليهما بعد الصلاة في التعقيب، ويحتمل الاعم أيضا، والاول أظهر. 21 - الهداية: روي أن الله عزوجل يقول: يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة، وبعد العصر ساعة، أكفك ما أهمك، والتعقيب بعد صلاة الغداة أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الارض (2). وقد روي أن المؤمن معقب ما دام على وضوئه (3). وقال - ره -: إذا انصرفت من الصلاة فانصرف عن يمينك (4). بيان: قال في المنتهى: يستحب له إذا أراد أن ينصرف الانصراف عن يمينه خلافا للجمهور، لنا ما رواه الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا انصرفت من صلاتك فانصرف عن يمينك، احتجوا بما رواه مهلب أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وآله فكان ينصرف عن شقيه، والجواب أنه مستحب فيجوز تركه في بعض الاوقات لعذر أو غيره.


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 166. (2 و 3) الهداية ص 40. (4) الهداية ص 41. (5) الفقيه ج 1 ص 245. [*]

[327]

(37) * (باب) * * " (تسبيح فاطمة صلوات الله عليها وفضله وأحكامه) " * * " (وآداب السبحة وادارته) " * 1 - الاحتجاج: كتب الحميري إلى القائم عليه السلام يسأله هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر ؟ وهل فيه فضل ؟ فأجاب عليه السلام يسبح به فما من شئ من التسبيح أفضل منه، ومن فضله أن الرجل ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له التسبيح (1). وسأل هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسرى إذا سبح أولا يجوز ؟ فأجاب: يجوز ذلك والحمد لله (2). وسأل عن تسبيح فاطمة عليها السلام من سهى فجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين، هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف ؟ وإذا سبح تمام سبعة وستين هل يرجع إلى ستة وستين أو يستأنف، وما الذي يجب في ذلك ؟ فأجاب عليه السلام إذا سهى في التكبير حتى تجاوز أربعا وثلاثين، عاد إلى ثلاث وثلاثين، ويبني عليها، وإذا سهى في التسبيح فتجاوز سبعا وستين تسبيحة عاد إلى ست وستين، وبنى عليها، فإذا جاوز التحميد مائة فلا شئ عليه (3). بيان: قوله (تمام سبعة) لعل مراده الزيادة عليه أو توهم كون التسبيح اثنين وثلاثين، وعلى التقديرين استدرك في الجواب ذلك وصححه وظاهر الجواب أنه يرجع ويأتي بواحد مما زاد وينتقل إلى التسبيح الاخر، وفيه غرابة ولم أر من تعرض لذلك من الاصحاب والموافق لاصولهم إسقاط الزايد والبناء على ما سبق، نعم روي (4) عن الصادق عليه السلام إذا شككت في تسبيح فاطمة عليها السلام فأعد.


(1 - 2) الاحتجاج ص 274. (3) الاحتجاج ص 276 ومبنى الجواب على أن التسبيحات 99 تسبيحة فافهم. (4) الكافي ج 3 ص 342. [*]

[328]

وقوله عليه السلام: (فأعد) أي التسبيح من أوله أو على ما شككت فيه، فالاعادة باعتبار أحد احتمالي الشك، وهذا شايع، وهو أوفق بما ورد في سائر المواضع من البناء على الاقل في النافلة. 2 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق عليه السلام قال: من سبح تسبيح فاطمة عليها السلام قبل أن يثني رجليه بعد انصرافه من صلاة الغداة غفر له ويبدأ بالتكبير ثم قال أبو عبد الله عليه السلام لحمزة بن حمران: حسبك بها يا حمزة (1). بيان: (قبل أن يثني رجليه) قال في النهاية: أراد قبل أن يصرف رجليه عن حالته التي هي عليها في التشهد انتهى (حسبك بها) أي يكفيك هذا التسبيح في التعقيب أو في المغفرة. 3 - مجالس الصدوق: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله، عن ابن أبي عمير، عن أبي هارون المكفوف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا أبا هارون إنا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة عليها السلام كما نأمرهم بالصلاة فالزمه، فانه لم يلزمه عبد فشقي (2). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون مثله (3). بيان: فشقي مأخوذ من الشقاوة ضد السعادة. 4 - الخصال بالاسناد الاتي في باب حكم النساء عن الباقر عليه السلام: إذا سبحت المرءة عقدت على الانامل لانهن مسئولات (4). 5 - فلاح السائل: عن حمويه، عن أبي الحسين، عن أبي خليفة، عن محمد بن


(1) قرب الاسناد ص 4 ط حجر. (2) أمالى الصدوق ص 345. (3) ثواب الاعمال ص 148. (4) الخصال ج 2 ص 97 في حديث. [*]

[329]

كثير، عن شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن يكبر أربعا وثلاثين، ويسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين (1). 6 - فلاح السائل: رويت في تاريخ نيشابور في ترجمة رجاء بن عبد الرحيم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: معقبات وذكر نحوه (2). بيان: رواه العامة، عن شعبة، عن الحكم بن عيينة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة مثله إلا أنهم قدموا في روايتهم التسبيح على التحميد، و التحميد على التكبير، ولذا قالوا بهذا الترتيب، قال في شرح السنة أخرجه مسلم، وقوله معقبات يريد هذه التسبيحات سميت معقبات لانها عادت مرة بعد مرة، والتعقيب أن تعمل عملا ثم تعود إليه، وقوله (ولى مدبرا ولم يعقب) (3) أي لم يرجع انتهى. وقال الابي في إكمال الاكمال: معناه تسبيحات تفعل أعقاب الصلاة، وقيل سميت معقبات لانها تفعل مرة بعد اخرى، وقوله تعالى: (له معقبات) (4) أي ملائكة يعقب بعضها بعضا. وفي النهاية: سميت (معقبات) لانها عادت مرة بعد مرة، أو لانها يقال عقيب الصلاة والمعقب من كل شئ ما جاء عقيب ما قبله. 7 - العلل: عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي السكري، عن الحكم بن أسلم، عن ابن علية، عن الحريري، عن أبي الورد بن ثمامة، عن علي صلوات الله عليه أنه قال لرجل من بني سعد: ألا احدثك عني وعن فاطمة ؟ إنها كانت عندي وكانت من أحب أهله إليه، وإنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضرر شديد، فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك حرما أنت فيه من هذا العمل.


(1 و 2) فلاح السائل لم نجده. (3) النمل: 10. (4) الرعد: 11. [*]

[330]

فأتت النبي صلى الله عليه وآله فوجدت عنده حداثا فاستحت فانصرفت، قال: فعلم النبي صلى الله عليه وآله أنها جاءت لحاجة، قال: فغدا علينا ونحن في لفاعنا، فقال: السلام عليكم، فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثم قال: السلام عليكم فسكتنا، ثم قال: السلام عليكم فخشينا إن لم نرد عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك يؤسلم ثلاثا فان اذن له وإلا انصرف فقلت: وعليك السلام يا رسول الله صلى الله عليه وآله ادخل. فلم يعد أن جلس عند رؤوسنا، فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمد، قال: فخشيت إن لم تجبه أن يقوم قال: فأخرجت رأسي فقلت: أنا والله اخبرك يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها، وجرت بالرحا حتى مجلت يداها وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها فقلت لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادما يكفيك حرما أنت فيه من هذا العمل. قال صلى الله عليه وآله: أفلا اعلمكما ما هو خير لكما من الخادم ؟ إذا أخذتما منامكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، قال: فأخرجت عليها السلام رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله (1). بيان: (من أحب أهله) الضمير راجع إلى الرسول بقرينة المقام، وقال الجزري في النهاية يقال: مجلت يده تمجل مجلا ومجلت إذا ثخن جلدها وتعجر وظهر فيه شبه البثر من العمل بالاشياء الصلبة الخشنة، ومنه حديث فاطمة عليها السلام إنها شكت إلى على مجل يديها من الطحن انتهى، وكسحت البيت بالمهملتين أي كنست. وقال الجوهري: الدكنة بالضم لون يضرب إلى السواد، وقد دكن الثوب يدكن دكنا وقال في النهاية: في شرح هذا الخبر: دكن الثوب إذا اتسخ واغبر لونه. قوله عليه السلام (لو أتيت) (لو) للتمني أو للغرض أو الجزاء محذوف لدلالة المقام عليه. وفي النهاية في حديث علي عليه السلام: إنه قال لفاطمة لو أتيت النبي صلى الله عليه وآله فسألتيه


(1) علل الشرايع ج 2 ص 54 - 55. [*]

[331]

خادما يقيك حرما أنت فيه من العمل، وفي رواية حار ما أنت فيه يعني التعب و المشقة من خدمة البيت لان الحرارة مقرونة بهما، كما أن البرد مقرون بالراحة والسكون والحار بالشاق والمتعب، وقال في حديث فاطمة: فوجدت عنده حداثا أي جماعة يتحدثون وهو جمع على غير قياس حملا على نظيره، نحو سامر وسمار انتهى وفي بعض النسخ أحداثا جمع حدث بالتحريك بمعنى الشاب. وفي النهاية اللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره ومنه حديث علي وفاطمة: وقد دخلنا في لفاعنا أي لحافنا انتهى، ويدل على عدم وجوب رد سلام الاذن كما مر، وقال الشيخ البهائي - ره -: يدل على أن السكوت عن رد السلام لغلبة الحياء جائز، ولا يخفى ما فيه. 8 - معاني الاخبار: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أحمد بن إدريس عن محمد بن أحمد الاشعري، عن جعفر بن أحمد بن سعيد، عن علي بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح بن نعيم، عن محمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن قول الله عزوجل (اذكروا الله ذكرا كثيرا) (1) ما هذا الذكر الكثير ؟ قال: من سبح تسبيح فاطمة عليها السلام فقد ذكر الله الذكر الكثير (2). العياشي: عن محمد بن مسلم مثله (3). 9 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد ابن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي خالد القماط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال:


(1) الاحزاب: 42. (2) معاني الاخبار ص 193 مرسلا وبعده: حدثنا بذلك محمد بن الحسن - ره - قال: حدثنا أحمد بن ادريس، عن محمد بن أحمد قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن أحمد ابن سعيد البجلى ابن أخى صفوان بن يحيى، عن على بن أسباط، عن سيف بن عميرة، عن أبى الصباح بن نعيم العائذى، عن محمد بن مسلم قال في حديث يقول في آخره: تسبيح فاطمة عليها السلام من ذكر الله الكثير الذى قال الله عزوجل (فاذكروني أذكركم). (3) تفسير العياشي ج 1 ص 68 في قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم): البقرة: 152. [*]

[332]

تسبيح الزهراء فاطمة عليها السلام في دبر كل صلاة أحب إلى من صلاة ألف ركعة في كل يوم (1). مصباح الانوار: مرسلا مثله. 10 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد الاشعري عن جعفر بن أحمد البجلي، عن ابن أسباط، عن ابن عميرة، عن أبي الصباح بن نعيم عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من سبح تسبيح الزهراء عليها السلام ثم استغفر غفر له وهي مائة باللسان، وألف في الميزان، وتطرد الشيطان، وترضي الرحمن (2). 11 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة وابن أبي نجران معا، عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من سبح تسبيح فاطمة عليها السلام قبل أن يثني رجليه من صلاة الفريضة غفر له ويبدأ بالتكبير (3). 12 - مكارم الاخلاق: من مسموعات السيد أبي البركات المشهدي عن القماط مثله (4). بيان: قال الشيخ البهائي - ره -: هذا الخبر يوجب تخصيص حديث أفضل الاعمال أحمزها، اللهم إلا أن يفسر بأن أفضل كل نوع من أنواع الاعمال أحمز ذلك النوع. 13 - فلاح السائل: مما رويناه من كتاب محمد بن علي بن محبوب باسناده إلى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول من سبح تسبيح فاطمة في دبر المكتوبة من قبل أن يبسط رجليه أوجب الله له الجنة (5).


(1) ثواب الاعمال ص 149. (2) ثواب الاعمال ص 148. (3) ثواب الاعمال ص 149. (4) مكارم الاخلاق ص 325 و 326. (5) فلاح السائل ص 165. [*]

[333]

14 - المحاسن: عن يحيى بن محمد وعمرو بن عثمان، عن محمد بن عذافر قال: دخلت مع أبي على أبي عبد الله عليه السلام فسأله أبي عن تسبيح فاطمة عليها السلام فقال: الله أكبر حتى أحصاها أربعة وثلاثين، ثم قال: الحمد لله حتى بلغ سبعا وستين، ثم قال: سبحان الله حتى بلغ مائة يحصيها بيده جملة واحدة (1). بيان: قوله (جملة واحدة) كأن المعنى أنه عليه السلام بعد إحصاء عدد كل واحد من الثلاثة لم يستأنف العدد للاخر، بل أضاف إلى السابق حتى وصل إلى المائة، و يحتمل تعلقه بقال أي قالها جملة واحدة من غير فصل. 15 - السرائر: نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن ابن سنان، عن جابر الجعفي قال: من سبح تسبيح فاطمة الزهراء صلوات الله عليها منكم قبل أن يثني رجليه من المكتوبة غفر له (2). 16 - مكارم الاخلاق: من مسموعات السيد أبي البركات المشهدي: روى إبراهيم بن محمد الثقفي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله كانت سبحتها من خيط صوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات فكانت عليها السلام تديرها بيدها تكبر وتسبح إلى أن قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه سيد الشهداء، فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس، فلما قتل الحسين صلوات الله عليه عدل بالامر إليه فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية (3). وفي كتاب الحسن بن محبوب أن أبا عبد الله عليه السلام سئل عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة والحسين والتفاضل بينهما، فقال عليه السلام: السبحة التي من قبر الحسين عليه السلام تسبح بيد الرجل من غير أن يسبح (4). وروي أن الحور العين إذا أبصرن بواحد من الاملاك يهبط إلى الارض لامر ما يستهدين منه السبح والتراب من طين قبر الحسين عليه السلام (5).


(1) المحاسن ص 36. (2) السرائر ص 473. (3 - 5) مكارم الاخلاق ص 326. [*]

[334]

وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: من أدارها مرة واحدة بالاستغفار أو غيره كتب له سبعين مرة، وإن السجود عليها يخرق الحجب السبع (1). 17 - مصباح الشيخ: عن عبيدالله بن علي الحلبي، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: لا يخلو المؤمن من خمسة: سواك، ومشط، وسجادة، وسبحة فيها أربع وثلاثون حبة، وخاتم عقيق (2). المكارم: عنه عليه السلام مثله (3). 18 - المصباح: عن الصادق عليه السلام أنه قال: من أراد الحجر من تربة الحسين فاستغفر به مرة واحدة كتب الله له سبعين مرة، وإن أمسك السبحة بيده ولم يسبح بها ففي كل حبة منها سبع مرات (4). بيان: ظاهره أن الفضل في المشوى أيضا باق والاخبار الواردة بالسبحة من طين الحسين عليه السلام تشمله والقول بخروجه عن اسم التربة بالطبخ بعيد مع أنه لا يضر في ذلك. 19 - جامع البزنطى: نقلا من خط بعض الافاضل عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قال تسبيح فاطمة عليها السلام قبل أن يثني رجليه غفر له. 20 - دعوات الراوندي: قال بعض أصحاب أبي عبد الله عليه السلام: شكوت إليه ثقلا في اذني، فقال عليه السلام: عليك بتسبيح فاطمة عليها السلام. 21 - مشكاة الانوار: قال: دخل رجل على أبي عبد الله وكلمه فلم يسمع كلام أبي عبد الله عليه السلام وشكى إليه ثقلا في اذنيه، فقال له: ما يمنعك ؟ وأين أنت من تسبيح فاطمة عليها السلام قال: جعلت فداك، وما تسبيح فاطمة ؟ فقال: تكبر الله أربعا وثلاثين وتحمد الله ثلاثا وثلاثين وتسبح الله ثلاثا وثلاثين تمام المائة، قال: فما فعلت ذلك إلا


(1) مكارم الاخلاق ص 348. (2) مصباح المتهجد ص 512. (3) المكارم ص 326. (4) المصباح ص 512. [*]

[335]

يسيرا حتى أذهب عني ما كنت أجده (1). 22 - مجمع البيان: عن زرارة وحمران ابني أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سبح تسبيح فاطمة عليها السلام فقد ذكر الله ذكرا كثيرا (2). ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من بات على تسبيح فاطمة كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات (3). 23 - المحاسن: عن يحيى بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن أبي نجران عن رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سبح الله في دبر الفريضة قبل أن يثني رجليه تسبيح فاطمة المائة وأتبعها بلا إله إلا الله مرة واحدة، غفر له (4). المكارم: عنه عليه السلام مثله (5). بيان: قال في إكمال الاكمال: دبر الفريضة وهو بضم الدال هذا هو المشهور في اللغة والمعروف في الروايات، وقال أبو عمر المطرزي في كتاب اليواقيت: دبر كل شئ بفتح الدال آخر أوقاته، من الصلاة وغيرها، قال: هو المعروف في اللغة، وأما الجارحة فبالضم وقال الداودى، عن ابن الاعزابي دبر الشئ ودبره بالضم والفتح آخر أوقاته، والصحيح الضم، ولم يذكره الجوهري وآخرون غيره انتهى. وقال الفيروز آبادي: الدبر بالضم وبضمتين نقيض القبل، ومن كل شئ عقبه و مؤخره، وجئتك دبر الشهر أي آخره. 24 - دعائم الاسلام، والبلد الامين: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سبح تسبيح فاطمة قبل أن يثني رجله من صلاة الفريضة غفر الله له (6).


(1) مشكاة الانوار ص 278. (2) مجمع البيان ج 8 ص 362 في آية الاحزاب 42. (3) مجمع البيان ج 8 ص 358 في آية الاحزاب: 35. (4) المحاسن ص 36. (5) مكارم الاخلاق ص 348. (6) دعائم الاسلام ج 1 ص 168، البلد الامين ص 9 في الهامش. [*]

[336]

25 - الدعائم: عن علي عليه السلام قال: أهدى بعض ملوك الاعاجم رقيقا فقلت لفاطمة اذهبي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاستخدميه خادما فأتته فسألته ذلك وذكر الحديث بطوله فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة اعطيك ما هو خير لك من خادم، ومن الدنيا بما فيها: تكبرين الله بعد كل صلاة أربعا وثلاثين تكبيرة، وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين تحميدة، وتسبحين الله ثلاثا وثلاثين تسبيحة ثم تختمين ذلك بلا إله إلا الله، وذلك خير لك من الذي أردت، ومن الدنيا وما فيها، فلزمت صلوات الله عليها هذا التسبيح بعد كل صلاة ونسب إليها (1). 26 - البلد الامين: عن الباقر عليه السلام قال: من سبح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام ثم استغفر الله غفر له (2). 27 - الهداية: سبح بتسبيح فاطمة عليها بعد الفريضة وهي أربع وثلاثون تكبيرة وثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة، فان من فعل ذلك قبل أن يثني رجليه غفر له (3). توفيق وتحقيق اعلم أن الاخبار اختلفت في كيفية تسبيحها - صلوات الله وسلامه عليها - من تقديم التحميد على التسبيح والعكس واختلف أصحابنا والمخالفون في ذلك، مع اتفاقهم جميعا على استحبابه، قال في المنتهى: أفضل الاذكار كلها تسبيح الزهراء عليها السلام، وقد أجمع أهل العلم كافة على استحبابه انتهى، فالمخالفون بعضهم على أنها تسعة وتسعون بتساوي التسبيحات الثلاث، وتقديم التسبيح ثم التحميد ثم التكبير، وبعضهم إلى أنها مائة بالترتيب المذكور، وزيادة واحدة في التكبيرات، ولا خلاف بيننا في أنها مائة وفي تقديم التكبير، وإنما الخلاف في أن التحميد مقدم على التسبيح أو بالعكس والاول أشهر وأقوى.


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 168. (2) البلد الامين ص 9 في الهامش. (3) الهداية ص 33. [*]

[337]

قال في المختلف: المشهور تقديم التكبير ثم التحميد ثم التسبيح ذكره الشيخ في النهاية والمبسوط والمفيد في المقنعة وسلار وابن البراج وابن إدريس، وقال علي بن بابويه: يسبح تسبيح الزهراء وهو أربع وثلاثون تكبيرة وثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة، وهو يشعر بتقديم التسبيح على التحميد، وكذا قال ابنه أبو جعفر وابن جنيد والشيخ في الاقتصاد واحتجوا برواية فاطمة والجواب أنه ليس فيها تصريح بتقديم التسبيح، أقصى ما في الباب أنه قدمه في الذكر وذلك لا يدل على الترتيب، والعطف بالواو لا يدل عليه انتهى. وقال الشيخ البهائي ضاعف الله بهاءه في مفتاح الفلاح: اعلم أن المشهور استحباب تسبيح الزهراء عليها السلام في وقتين: أحدهما بعد الصلاة، والاخر عند النوم، وظاهر الرواية الواردة به عند النوم يقتضي تقديم التسبيح على التحميد، وظاهر الرواية الصحيحة الواردة في تسبيح الزهراء عليها السلام على الاطلاق يقتضي تأخيره عنه، ولا بأس ببسط الكلام في هذا المقام، وإن كان خارجا عن موضوع الكتاب فنقول: قد اختلف علماؤنا قدس الله أرواحهم في ذلك مع اتفاقهم على الابتداء بالتكبير لصراحة صحيحة ابن سنان عن الصادق عليه السلام في الابتداء به والمشهور الذي عليه العمل في التعقيبات: تقديم التحميد على التسبيح، وقال رئيس المحدثين وأبوه وابن الجنيد بتأخيره عنه، والروايات عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم لا تخلو بحسب الظاهر من اختلاف، والرواية المعتبرة التي ظاهرها تقديم التحميد شاملة باطلاقها لما يفعل بعد الصلاة، وما يفعل عند النوم، وهي ما رواه شيخ الطائفة في التهذيب (1) بسند صحيح عن محمد بن عذافر وساق الحديث كما مر برواية البرقي في المحاسن، والرواية التي ظاهرها تقديم التسبيح على التحميد مختصة بما يفعل عند النوم ثم أورد من الفقيه (2)


(1) التهذيب ج 1 ص 164. (2) الفقيه ج 1 ص 211، قال: وروى أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لرجل من بنى سعد ألا أحدثك عنى وعن فاطمة - وساق القصة مثل ما مر تحت الرقم 7 من كتاب العلل مسندا بروايته عن العامة من دون تغير ؟ الا في آخرها: ففى الفقيه تقديم التكبير ثم التسبيح = [*]

[338]

رواية علي وفاطمة. ثم قال: ولا يخفى أن هذه الرواية غير صريحة في تقديم التسبيح على التحميد، فان الواو لا تفيد الترتيب، وإنما هي لمطلق الجمع على الاصح كما بين في الاصول نعم ظاهر التقديم اللفظي يقتضي ذلك، وكذا الرواية السابقة غير صريحة في تقديم التحميد


= = ثم التحميد، وفى العلل تقديم التسبيح ثم التحميد ثم التكبير، ولا ريب أن الحديث واحد، والصحيح من لفظ الحديث ما في العلل لكون الرواية عامية مروية من طرقهم، وقد أطبق الجمهور وأحاديثهم على تقديم التسبيح ثم التحميد ثم التكبير، طبقا لما في العلل. قال في مشكاة المصابيح ص 209: وعن على عليه السلام أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وآله تشكو اليه ما تلقى في يدها من الرحى وبلغها أنه جاءه رقيق - فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء صلى الله عليه وآله أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا فذهبنا نقوم، فقال على مكانكما، فجاء فقعد بينى وبينها حتى وجدت برد قدمه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضجعكها فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم (متفق عليه). وعن أبى هريرة قال جاءت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وآله تسأله خادما فقال: ألا أدلك على ما هو خير من خادم: تسبحين الله ثلاثا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين وتكبيرين الله أربعا وثلاثين عند كل صلاة وعند منامك (رواه مسلم). فعلى هذا يضعف الاستناد إلى رواية الفقيه من حيث ترتيب الاذكار لكونها عامية مع ما في متن الرواية من غرائب تشهد بكونها موضوعة. وأما خبر المفضل بن عمر ففيه قال: سبح تسبيح فاطمة عليها السلام، وهو: الله أكبر أربعا وثلاثين مرة، وسبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، فوالله لو كان شئ أفضل منه لعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله اياها) فمتنه كسنده في نهاية الضعف والسقوط ولولا تسامحهم في أدلة السنن لما نقلوا الحديث في كتبهم أبدا، والحديث طويل يأتي في نوافل شهر رمضان مفصلا وسنتكلم عليه. [*]

[339]

على التسبيح، فان لفظة ثم فيها من كلام الراوي، فلم يبق إلا ظاهر التقديم اللفظي أيضا فالتنافي بين الروايتين إنما هو بحسب الظاهر، فينبغي حمل الثانية على الاولى لصحة سندها، واعتضادها ببعض الروايات الضعيفة (1) كما رواه أبو بصير عن الصادق عليه السلام أنه قال: في تسبيح الزهراء عليها السلام تبدء بالتكبير أربعا وثلاثين ثم التحميد ثلاثا وثلاثين ثم التسبيح ثلاثا وثلاثين، وهذه الرواية صريحة في تقديم التحميد فهي مؤيدة لظاهر لفظ الرواية الصحيحة، فتحمل الرواية الاخرى على خلاف ظاهر لفظها ليرتفع التنافي بينهما كما قلنا. فان قلت: يمكن العمل بظاهر الروايتين معا بحمل الاولى على الذي يفعل بعد الصلاة، والثانية على الذي يفعل عند النوم، وحينئذ لا يحتاج إلى صرف الثانية عن ظاهرها، فلم عدلت عنه ؟ وكيف لم تقل به ؟. قلت: لاني لم أجد قائلا بالفرق بين تسبيح الزهراء في الحالين، بل الذي يظهر بعد التتبع أن كلا من الفريقين القائلين بتقديم التحميد وتأخيره قائل به مطلقا سواء وقع بعد الصلاة أو قبل النوم فالقول بالتفصيل إحداث قول ثالث في مقابل الاجماع المركب. وأما ما يقال من أن إحداث القول الثالث إنما يمتنع إذا لزم منع رفع ما أجمعت عليه الامة كما يقال في رد البكر الموطوءة بعيب مجانا لاتفاق الكل على عدمه بخلاف ما ليس كذلك كالقول بفسخ النكاح ببعض العيوب الخمسة دون بعض لموافقة كل من الشطرين في شطر، وكما نحن فيه إذ لا مانع منه مثل القول بصحة بيع الغائب وعدم قتل المسلم بالذمي بعد قول أحد الشطرين بالثاني ونقيض الاول والشطر الثاني بعكسه. فجوابه أن هذا التفصيل إنما يستقيم على مذهب العامة، أما على ما قرره الخاصة من أن حجية الاجماع مسببة عن كشفه عن دخول المعصوم فلا، إذ مخالفته حاصلة وإن وافق القائل كلا من الشطرين في شطر، وقس عليه مثال البيع والقتل انتهى.


(1) التهذيب ج 1 ص 265. [*]

[340]

وأقول: الاجماع المذكور غير ثابت، وما ذكروه وجه جمع بين الاخبار، ويمكن الجمع بالقول بالتخيير مطلقا، وأما قوله رحمه الله إن رواية ابن عذافر غير صريحة في الترتيب لان لفظة ثم فيها في كلام الراوي، فهو طريف، لكنه تفطن لما يوهنه (1) وتداركه فيما علقه على الهامش. 28 - الذكرى: قال الصادق عليه السلام: من كانت معه سبحة من طين قبر الحسين عليه السلام كتب مسبحا وإن لم يسبح بها. 29 - البلد الامين: روي أن من أدار تربة الحسين عليه السلام في يده وقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، مع كل سبحة كتب الله له ستة آلاف حسنة ومحى عنه ستة آلاف سيئة، ورفع له ستة آلاف درجة، وأثبت له من الشفاعات بمثلها (2). 30 - الدروس: يستحب حمل سبحة من طينه عليه السلام وثلاثين حبة، فمن قلبها ذاكرا لله فله بكل حبة أربعون حسنة، وإن قلبها ساهيا فعشرون حسنة، وما سبح بأفضل من سبحة طينه عليه السلام. 31 - رسالة السجود على التربة للتوبة للشيخ علي - ره - عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: لا يستغني شيعتنا عن أربع: خمرة يصلي عليها، وخاتم يتختم به، وسواك يستاك به، وسبحة من طين قبر الحسين عليه السلام فيها ثلاث وثلاثون حبة متى قلبها فذكر الله كتب له بكل حبة أربعون حسنة وإذا قلبها ساهيا يعبث بها كتب له عشرون حسنة روضة الواعظين: عنه عليه السلام قال: لا يستغني شيعتنا عن أربع: عن خمرة يصلي عليها إلى آخر ما مر. 32 - وجدت: بخط الشيخ محمد بن علي الجباعي جد الشيخ البهائي قدس الله روحهما نقلا من خط الشهيد رفع الله درجته نقلا من مزار بخط محمد بن محمد بن الحسين ابن معية قال: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: من اتخذ سبحة من تربة الحسين عليه السلام


(1) فقد صرح عليه السلام بالترتيب حيث عد التحميد من خمس وثلاثين إلى سبع وستين وعد التسبيح من ثمان وستين إلى تمام المائة. [*]

[341]

إن سبح بها، وإلا سبحت في كفه، وإذا حركها وهو ساه كتب له تسبيحة، وإذا حركها وهو ذاكر الله تعالى كتب له أربعين تسبيحة. وعنه عليه السلام أنه قال: من سبح بسبحة من طين قبر الحسين عليه السلام تسبيحة كتب الله له أربع مائة حسنة، ومحى عنه أربع مائة سيئة، وقضيت له أربع مائة حاجة، ورفع له أربع مائة درجة ثم قال: وتكون السبحة بخيوط زرق أربعا وثلاثين خرزة وهي سبحة مولاتنا فاطمة الزهراء، لما قتل حمزة عليه السلام عملت من طين قبره سبحة تسبح بها بعد كل صلاة. هذا آخر ما نقلته من خطه قدس سره. 33 - المكارم: قال النبي صلى الله عليه وآله للمهاجرات: عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن، فتنسين الرحمة، واعقدن بالانامل فانهن مسئولات مستنطقات (1)، بيان: لعل العقد بالانامل مع فقد السبحة كما هو الظاهر كما في ابتداء الهجرة وربما يقال: العقد بالانامل للنساء أفضل جمعا بين الاخبار.


(1) المكارم ص 351. [*]

[342]

بسمه تعالى ههنا أنهينا الجزء السادس من المجلد الثامن عشر من كتاب بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار - صلوات الله وسلامه عليهم ما دام الليل والنهار - وهو الجزء الثاني والثمانون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة النفيسة الرائقة. وقد بذلنا جهدنا في تصحيحه ومقابلته فخرج بحمد الله ومشيته نقيا من الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر وكل عنه النظر، لا يكاد يخفى على القارئ الكريم. ومن الله نسأل العصمة وهو ولي التوفيق السيد ابراهيم الميانجى محمد الباقر البهبودى

[343]

كلمة المصحح: الجزء الثاني والثمانون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة النفيسة الرائقة. وقد بذلنا جهدنا في تصحيحه ومقابلته فخرج بحمد الله ومشيته نقيا من الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر وكل عنه النظر، لا يكاد يخفى على القارئ الكريم. ومن الله نسأل العصمة وهو ولي التوفيق السيد ابراهيم الميانجى محمد الباقر البهبودى

[343]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم وعليه توكلي وبه نستعين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعترته الطاهرين. وبعد: فهذا هو الجزء السادس من المجلد الثامن عشر، وقد انتهى رقمه في سلسلة الاجزاء حسب تجزئتنا إلى 82، حوى في طيه خمسة عشر بابا من أبواب كتاب الصلاة. وقد قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب، وهكذا على نص المصادر التي استخرجت الاحاديث منها فسددنا ما كان في المطبوعة الاولى من خلل وتصحيف بجهدنا البالغ في مقابلة النصوص وتصحيحها وتنميقها وضبط غرائبها وإيضاح مشكلاتها على ما كان سيرتنا في سائر الاجزاء، نرجو من الله العزيز أن يوفقنا لادامة هذه الخدمة إنه ولي التوفيق. محمد الباقر البهبودى المحتج بكتاب الله على الناصب... رجب الاصم عام 1390 ه‍

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية