الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 80

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 80

نص المصادر التي اخرجت الاحاديث منها ثم من أول الجزء إلى تمام أبواب كتاب الطهارة على نسخة ثمينة كتبت بخط أحد كتاب المؤلف العلامة وأحد أعوانه في تسويد هذه الموسوعة الكبيرة (حيث إن أكثر أجزاء البحار التي وصلت إلينا - ورأيته - كان بخطه تمامه أو أكثره، وكان يكتب لنفسه نسخة اخرى كهذه النسخة وكما مر في مقدمة الجزء المتمم للثمانين تعريف نسخة مع صورتها بخط هذا الكاتب وكان في هامش نسخته خط المؤلف العلامة ومثل ما مر في آخر أجزاء المزار ج 102 ص 306 - 308 صورة نسخة اخرى مصححة بخط هذا الكاتب وفي هامشها خط المؤلف العلامة وتحشيته). وفيما يلي صورتان فتوغرافيتان من خطه، وترى في ثانيها أن كتابة هذه النسخة كانت أثناء تسويد المؤلف العلامة لنسخته الاصل أو بعده بقليل حيث كان تاريخ فراغ المؤلف العلامة من تسويده الرابع عشر من شهر صفر سنة 1094 وتاريخ فراغ التحرير من هذه النسخة: الحادي عشر من شهر ربيع الاول من هذه السنة.

[380]

وهذه النسخة قد قوبلت على أصل المؤلف العلامة، وفي هامشها خط أحد كتابه يشبه خط المؤلف العلامة إلا في ميزة يعرفها أهل الفن، استدرك حين مقابلة هذه النسخة مع أصل المؤلف ما كان سقط عنها كما تراها في الصورة الفتو غرافية الاولى. والنسخة (كما مرت الاشارة إليه في مقدمة الجزء 81) لخزانة كتب الفاضل البحاث الوجيه الموفق المرزا فخر الدين النصيري الاميني زاده الله توفيقا لحفظ كتب سلفنا الصالحين، أودعها سماحته للعرض والمقابلة، خدمة للدين و أهله، فجزاه الله عنا وعن المسلمين أهل العلم خير جزاء المحسنين. محمد الباقر البهبودى

[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الثمانون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان... الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍. 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - نباية كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث - تلكس 44632 / LE تراث

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم [6] * (باب) * * (الحث على المحافظة على الصلوات وأدائها) * * (في أوقاتها وذم اضاعتها والاستهانة بها) * الايات: البقرة: حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى (1). الانعام: والذين يؤمنون بالاخرة يؤمنون به وهم على صلوتهم يحافظون (2). مريم: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (3). الانبياء: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات (4). المؤمنون: والذينهم على صلواتهم يحافظون (5). وقال تعالى: اولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (6).


(1) البقرة: 238. (2) الانعام: 92. (3) مريم: 59. (4) الانبياء: 90. (5) المؤمنون: 8. (6) المؤمنون: 61.

[2]

النور: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وايتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار * ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (1). المعارج: إلا المصلين * الذينهم على صلاتهم دائمون * إلى قوله تعالى: والذينهم على صلاتهم يحافظون (2). الماعون: فويل للمصلين * الذينهم عن صلوتهم ساهون (3). تفسير: (يؤمنون به) أي بالقرآن أو النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وهم على صلاتهم) قال الطبرسي (4) أي على أوقاتها (يحافظون) أي يراعونها ليؤدوها فيها ويقيموها باتمام ركوعها وسجودها، وجميع أركانها، ففي هذا دلالة على عظم قدر الصلاة ومنزلتها، لانه سبحانه خصها بالذكر من بين سائر الفرائض، ونبه على أن من كان مصدقا بالقيامة وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخل بها ولا يتهاون بها ولا يتركها. (فخلف من بعدهم خلف) (5) أي فعقبهم وجاء من بعدهم عقب سوء يقال خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون (أضاعوا الصلوة) قيل أي تركوها، و قيل: أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها، قال الطبرسي - ره - (6) وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في حديث (7) وليس إن عجلت قليلا أو أخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضيع تلك الاضاعة، فان الله عزوجل يقول لقوم (أضاعوا الصلوة) الاية. (واتبعوا الشهوات) أي فيما


(1) النور: 36 - 38. (2) المعارج: 23 - 34. (3) الماعون: 4. (4) مجمع البيان ج 4 ص 334 في آية الانعام: 92. (5) مريم: 59. (6) مجمع البيان ج 6 ص 519. (7) الكافي ج 3 ص 270.

[3]

حرم عليهم، وفي الجامع عن أمير المؤمنين عليه السلام من بنى الشديد وركب المنظور ولبس المشهور. وفي المجمع: قال وهب: فخلف من بعدهم خلف شرابون للقهوات (1) لعابون بالكعبات، ركابون للشهوات، متبعون للذات، تاركون للجمعات، مضيعون للصلوات (فسوف يلقون غيا) أي جزاء النى، وعن ابن عباس أي شرا وخيبة، وقيل الغي واد في جهنم. (والذينهم على صلاتهم يحافظون) قال علي بن إبراهيم (2): أي على أوقاتها وحدودها، وفي الكافي عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال هي الفريضة قيل: (الذينهم على صلاتهم دائمون) قال: النافلة (اولئك يسارعون في الخيرات) أي يبادرون إلى الطاعات، ويسابقون إليها رغبة منهم فيها (وهم لها سابقون) أي وهم لاجل تلك الخيرات سابقون إلى الجنة أو هم إليها سابقون قيل أي سبقوا الامم أو أمثالهم إلى الخيرات، والاية تدل على استحباب أداء الفرائض والنوافل في أوائل أوقاتها. (في بيوت أذن الله أن ترفع) (3) أي المشكوة المقدم ذكرها في بيوت هذه صفتها وهي المساجد في قول ابن عباس وجماعة، وقيل هي بيوت الانبياء قال الطبرسي (4) روي ذلك مرفوعا أنه سئل النبي صلى الله عليه وآله لما قرأ الاية: أي بيوت هذه ؟ فقال: بيوت الانبياء، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها ؟ يعني بيت علي وفاطمة عليهما السلام قال: نعم، من أفاضلها، ويعضده آية التطهير وقوله تعالى (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) (5).


(1) المراد بالقهوة: الخمر، يقال: سميت الخمر قهوة لانها تقهى: أي تذهب بشهوة الطعام. (2) تفسير القمى ص 444 في آية المؤمنون: 8. (3) النور: 36. (4) مجمع البيان ج 7 ص 144. (5) هود: 73.

[4]

فالمراد بالرفع التعظيم، ورفع القدر من الارجاس، والتطهير من المعاصي والادناس، وقيل: المراد برفعها رفع الحوائج فيها إلى الله تعالى وقد مر في كتاب الحجة الاخبار الكثيرة في تأويل البيوت وأهلها، فلا نعيدها. (ويذكر فيها اسمه) قيل: أي يتلى فيها كتابه وقيل: أي يذكر فيها أسماؤه الحسني (يسبح له فيها بالغدو والاصال) قال الطبرسي - ره - أي يصلى له فيها بالبكر والعشايا عن ابن عباس وقال: كل تسبيح في القرآن صلاة (1) وقيل: المراد به معناه المشهور (رجال لا تلهيهم) أي لا تشغلهم ولا تصرفهم (تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة) أي إقامتها، فخذف الهاء لانها عوض عن الواو في إقوام، فلما أضافه صار المضاف إليه عوضا عن الهاء، وروي عن ابي جعفر و أبي عبد الله عليهما السلام أنهم قوم إذا حضرت الصلاة تركوا التجارة، وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجرا ممن لم يتجر انتهى. وفي الفقيه (2) عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال: كانوا أصحاب تجارة فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة، وهم أعظم أجرا ممن لا يتجر، وفي الكافي (3) رفعه قال: هم التجار الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله إذا دخل مواقيت الصلوات أدوا إلى الله حقه فيها، وعن الصادق عليه السلام (4) أنه سئل عن تاجر ما فعل ؟ فقيل: صالح، ولكنه قد ترك التجارة فقال عليه السلام:


(1) ومعنى هذا أن كل تسبيح ذكر في القرآن موقتا بوقت من الاوقات، جعله النبي صلى الله عليه وآله في صلاة ذلك الوقت اما في ركوعها أو سجودها أو زاد في ركعاتها حتى يتمكن من امتثال ذاك التسبيح، وقصارى ما تدل عليه هذه الاية جواز ايقاع الصلوات بالغدوة والاصيل في هذه البيوت التى أذن الله أن يذكر فيها اسمه. فتكون بيوتهم عليهم السلام بمنزلة المساجد التى يذكر فيها اسم الله كثيرا. (2) الفقيه ج 3 ص 119. (3) الكافي ج 5 ص 154. (4) الكافي ج 5 ص 75. (*)

[5]

عمل الشيطان ثلاثا، أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وآله اشترى عيرا أتت من الشام فاستفضل منها ما قضى دينه وقسم في قرابته، يقول الله عزوجل: (رجال لا تلهيهم) الاية يقول القصاص (1) إن القوم لم يكونوا يتجرون كذبوا ولكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها، وهو أفضل ممن حضر الصلاة ولم يتجر. (يخافون يوما) مع ما هم فيه من الذكر والطاعة (تتقلب فيه القلوب و الابصار) تضطرب وتتغير فيه من الهول (ويزيدهم من فضله) أشياء لم يعدهم على أعمالهم ولم تخطر ببالهم (والله يرزق من يشاء بغير حساب) تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشية، وسعة الاحسان، ويحتمل أن يكون الغرض التنبيه على أنه ينبغي ألا يجعل طلب الرزق مانعا من إقامة الصلاة وذكر الله وساير العبادات. (الذينهم على صلوتهم دائمون) (2) أي مستمرون على أدائها لا يخلون بها ولا يتركونها، وقال الطبرسي - ره - (3) روي عن أبي جعفر عليه السلام أن هذا في النوافل وقوله: (والذينهم على صلوتهم يحافظون) في الفرائض والواجبات، وقيل هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة و (الذينهم على صلوتهم يحافظون) (4) قال الطبرسي - ره - روى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: اولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا، وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: هذه الفريضة من صلاها عارفا بحقها، لا يؤثر عليها غيرها كتب الله له بها براءة لا يعذبه، ومن صلاها لغير وقتها مؤثرا عليها غيرها، فأن ذلك إليه، إن شاء


(1) يريد به رواة القصص والاكاذيب، وعبر عليه السلام به عن مفسري العامة و علمائهم لابتناء تفاسيرهم وتأويلاتهم على الاكاذيب والقصص الاسرائيليات، أو عبر عليه السلام به عن امثال سفيان الثوري واشباهه من المتصوفة حيث تركوا التجارة. (2) المعارج: 23. (3) مجمع البيان ج 10 ص 356. (4) المعارج: 34.

[6]

غفر له، وإن شاء عذبه. (الذينهم عن صلوتهم ساهون) قال علي بن إبراهيم (1): قال: عنى به تاركون، لان كل إنسان يسهو في الصلاة، قال أبو عبد الله عليه السلام تأخير الصلاة عن أول وقتها لغير عذر، وفي المجمع: هم الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها عن ابن عباس، وروي ذلك مرفوعا وقيل يريد المنافقين الذين لا يرجون لها ثوابا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها فإذا كانوا مع المؤمنين صلوها رئاء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو قوله: (الذينهم يراؤون) عن علي عليه السلام وابن عباس، وقيل ساهون عنها لا يبالون صلوا أم لم يصلوا، وقيل: هم الذين يتركون الصلاة، وقيل هم الذين لا يصلونها لمواقيتها، ولا يتمون ركوعها ولا سجودها. وروى العياشي بالاسناد عن يونس بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قوله: (الذينهم عن صلوتهم ساهون) أهي وسوسة الشيطان ؟ قال: لا كل أحد يصيبه هذا: ولكن أن يغفلها ويدع أن يصلي في أول وقتها. وعن أبي اسامة زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: (الذينهم عن صلوتهم ساهون) قال: هو الترك لها والتواني عنها. وعن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن عليه السلام قال: هو التضييع لها (2). 1 - السرائر: نقلا من كتاب حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: اعلم أن أول الوقت أبدا أفضل، فتعجل الخير أبدا ما استطعت، وأحب الاعمال إلى الله تعالى مادام عليه العبد وإن قل (3). بيان: يدل على أفضلية أول الوقت مطلقا واستثني منه مواضع: الاول: تأخير الظهر والعصر للمتنفل بمقدار ما يصلي النافلة وأما غير


(1) تفسير القمى: 740، في سورة الماعون. (2) مجمع البيان ج 10 ص 547 و 548. (3) السرائر ص 472، وتراه في التهذيب ج 1 ص 145.

[7]

المتنفل، فأول الوقت له أفضل، هذا هو المشهور بين الاصحاب، وذهب المتأخرون إلى استحباب تأخير الظهر مقدار ما يمضي من أول الزوال ذراع من الظل، وفي العصر ذراعان مطلقا، وقيل إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، والاول أظهر كما ستعرف، فما ورد من الاخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الظهر على ذراع، والعصر على ذراعين، محمول على أنه كان يطيل النوافل بحيث يفرغ في ذلك الوقت، أو كان ينتظر الجماعة واجتماع الناس، وما ورد أن وقت الظهر على ذراع وما يقرب منه، فمحمول على الوقت المختص الذي لا يشترك النافلة معها فيه، وكذا المثل. الثاني: يستحب تأخير المغرب إلى ذهاب الحمرة المشرقية على القول بدخول وقتها بغيبوبة القرص. الثالث: يستحب تأخير المغرب والعشاء للمفيض من عرفة، فانه يستحب تأخيرهما إلى المزدلفة، وإن مضى ربع الليل ونقل عليه الاجماع. الرابع: تأخير العشاء إلى ذهاب الحمرة المغربية كما ستعرف. الخامس: المستحاضة تؤخر الظهر والمغرب إلى آخر وقت فضيلتهما للجمع بينهما وبين العصر والعشاء بغسل واحد. السادس: من في ذمته قضاء الفريضة يستحب له تأخير الحاضرة إلى آخر الوقت، وقيل بوجوبه وسيأتي تحقيقه. السابع: تأخير صلاة الفجر حتى يكمل له نافلة الليل، إذا أدرك منها أربعا. الثامن: تأخير المغرب للصائم إذا نازعته نفسه إلى الافطار، أو كان من يتوقع إفطاره. التاسع: الظان دخول الوقت، ولا طريق له إلى العلم، يستحب له التأخير إلى حصول العلم كما مر. العاشر: المدافع للاخبثين يستحب له التأخير إلى أن يدفعهما.

[8]

الحادي عشر: تأخير صلاة الليل إلى آخره. الثاني عشر: تأخير ركعتي الفجر إلى طلوع الفجر الاول. الثالث عشر: تأخير مريد الاحرام الفريضة الحاضرة حتى يصلى نافلة الاحرام. الرابع عشر: تأخير الصلاة للمتيمم إلى آخر الوقت كما مر. الخامس عشر: تأخير السلس والمبطون الظهر والمغرب للجمع. السادس عشر: تأخير ذوات الاعذار الصلاة إلى آخر الوقت عند رجاء زوال العذر وأوجبه المرتضى - ره - وابن الجنيد وسلار. السابع عشر: تأخير الوتيرة ليكون الختم بها إلا في نافلة شهر رمضان على قول. الثامن عشر: تأخير المربية ذات الثوب الواحد الظهرين إلى آخر الوقت ليصلي أربع صلوات بعد غسله. التاسع عشر: تأخير الصبح عن نافلته إذا لم يصل قبله. العشرون: تأخير المسافر إلى الدخول ليتم، وقد دل عليه صحيحة محمد ابن مسلم (1). الحادى والعشرون: توقع المسافر النزول إذا كان ذلك أرفق به كما قيل. الثاني والعشرون: انتظار الامام والمأموم الجماعة كما يظهر من بعض الاخبار. الثالث والعشرون: إذا كان التأخير مشتملا على صفة كمال كالوصول إلى مكان شريف أو التمكن من استيفاء أفعالها على الوجه الاكمل كحضور القلب وغيره. الرابع والعشرون: التأخير لقضاء حاجة المؤمن، ولا شك أنه أعظم من


(1) راجع التهذيب ج 1 ص 301 ط حجر، وسيأتى في بابه انشاء الله تعالى.

[9]

النافلة، فلا يبعد استحباب تأخير الفريضة أيضا كما قيل. الخامس والعشرون: الابراد بالظهر على قول كما سيأتي. 2 - كتاب حسين بن عثمان: عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد إذا صلى الصلاة لوقتها وحافظ عليها ارتفعت بيضاء نقية تقول حفظتني حفظك الله، وإذا لم يصلها لوقتها ولم يحافظ عليها رجعت سوداء مظلمة تقول: ضيعتني ضيعك الله. 3 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن حديد وابن أبي نجران، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا تحتقرن بالبول، ولا تتهاون به، ولا بصلاتك، فان رسول الله صلى عليه وآله وسلم قال عند موته: ليس مني من استخف بصلاته لا يرد على الحوض لا والله، ليس مني من شرب مسكرا لا يريد على الحوض، لا والله (1). 4 - ومنه: عن أبيه، عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن زياد العطار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس مني من استخف بالصلاة لا يرد على الحوض لا والله (2). 5 - مجالس المفيد: عن محمد بن عمر الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد ابن يحيى، عن محمد بن علي، عن أبي بدر، عن عمرو، عن يزيد بن مرة، عن سويد بن غفلة، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من عبد اهتم بمواقيت الصلاة ومواضع الشمس، إلا ضمنت له الروح عند الموت، وانقطاع الهموم والاحزان، والنجاة من النار، كنا مرة رعاة الابل، فصرنا اليوم رعاة الشمس (3). 6 - مجالس الصدوق: فيما كلم موسى عليه السلام ربه: إلهي ما جزاء من


(1 - 2) علل الشرائع ج 2 ص 45. (3) أمالى المفيد ص 88.

[10]

صلى الصلاة لوقتها ؟ قال اعطيه سؤله، وابيحه جنتي (1). 7 - ومنه: عن الحسين بن إبراهيم بن ناتانه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من صلى الصلوات المفروضات في أول وقتها فأقام حدودها، رفعها الملك إلى السماء بيضاء نقية وهي تهتف به: حفظك الله كما حفظتني، و استودعك الله كما استودعتني ملكا كريما، ومن صلاها بعد وقتها من غير علة فلم يقم حدودها رفعها الملك سوداء مظلمة، وهي تهتف به ضيعتني ضيعك الله كما ضيعتني، ولا رعاك الله كما لم ترعني. ثم قال الصادق عليه السلام: إن أول ما يسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله عن الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت، فان أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقر بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عزوجل منه شيئا من أعماله (2). 8 - ومنه: بهذا الاسناد، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز، عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إذا صليت صلاة فريضة فصلها لوقتها صلاة مودع يخاف أن لا يعود إليها أبدا، ثم اصرف ببصرك إلى موضع سجودك، فلو تعلم من عن يمينك وشمالك لاحسنت صلاتك، وأعلم أنك بين يدي من يراك ولا تراه (3). 9 - ومنه: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن محبوب مثله (4).


(1) أمالى الصدوق ص 125، وتمامه في ج 69 ص 383 - 384 باب جوامع المكارم. (2) أمالى الصدوق ص 154. (3) أمالى الصدوق ص 155. (4) أمالى الصدوق ص 299.

[11]

ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن محبوب مثله (1). 10 - مجالس الصدوق: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن محمد بن آدم، عن الحسن بن علي الخزار، عن الحسين ابن أبي العلا، عن الصادق عليه السلام قال: أحب العباد إلى الله عزوجل رجل صدوق في حديثه، محافظ على صلواته وما افترض الله عليه، مع أدائه الامانة (2). الاختصاص: عن ابن أبي العلا مثله (3). 11 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن خالد بن جرير عن أبي الربيع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ينال شفاعتي غدا من أخر الصلاة المفروضة بعد وقتها (4). مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن الحسين بن عبيدالله الغضايري، عن الصدوق مثله. (5). 12 - مجالس الصدوق وثواب الاعمال: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الصيرفي، عن الحسن بن علي بن فضال عن سعيد بن غزوان، عن السكوني، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يزال الشيطان هائبا لابن آدم ذعرا منه ما صلى الصلوات الخمس لوقتهن، فإذا ضيعهن اجترأ عليه فأدخله في العظائم (6).


(1) ثواب الاعمال ص 33. (2) أمالى الصدوق ص 177 في حديث. (3) الاختصاص: 242 (4) أمالى الصدوق ص 240. (5) أمالى الطوسى ج 2 ص 55. (6) أمالى الصدوق: 290، ثواب الاعمال ص 207.

[12]

المحاسن: عن محمد بن علي، عن ابن فضال مثله (1). بيان: قال الجوهري ذعرته أذعره ذعرا أفزعته والاسم الذعر بالضم وقد ذعر فهو مذعور وفي النهاية فيه لا يزال الشيطان ذاعرا من المؤمن أي ذا ذعر وخوف أو هو فاعل بمعني مفعول أي مذعور. 13 - قرب الاسناد: عن أحمد بن إسحاق بن سعد، عن بكر بن محمد الازدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لفضل الوقت الاول على الاخير خير للمؤمن من ولده وماله (2). 14 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد، عن العباس بن معروف، عن الازدي مثله (3). 15 - ثم قال: وفي حديث آخر: قال الصادق عليه السلام: فضل الوقت الاول على الاخير كفضل الاخرة على الدنيا. 16 - الخصال: عن العطار، عن أبيه، عن أحمد بن محمد البرقي، عن محمد ابن علي الكوفي، عن محمد بن سنان، عن عمر بن عبد العزيز، عن الخيبري، عن يونس بن ظبيان والمفضل بن عمر معا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خصلتان من كانتا فيه وإلا فاعزب ثم اعزب، ثم اعزب، قيل: وما هما ؟ قال: الصلاة في مواقيتها والمحافظة عليها، والمواساة (4). 17 - كتاب الاخوان: للصدوق باسناده عن المفضل بن عمر مثله (5). بيان: وإلا فاعزب أي مستحق لان يقال له: اعزب أي ابعد كما يقال: سحقا وبعدا أو اقيم الامر مقام الخبر أي هو عازب وبعيد عن الخير، ويمكن


(1) المحاسن ص 82. (2) قرب الاسناد ص 21 ط حجر ص 30 ط نجف. (3) ثواب الاعمال ص 33. (4) الخصال ج 1 ص 25. (5) كتاب الاخوان: 8.

[13]

أن يقرأ على صيغة أفعل التفضيل، أي هو أبعد الناس من الخير، والاول أفصح وأظهر، قال الجوهري عزب عني فلان يعزب ويعزب أي بعد وغاب، وإبل عزيب لا تروح على الحي وهو جمع عازب، وفي الحديث من قرء القرآن في أربعين ليلة فقد عزب أي بعد عهده بما ابتدأه منه (1). 18 - الخصال: عن الخليل بن أحمد، عن أبي القاسم البغوي، عن علي ابن الجعد، عن شعبة، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الاعمال أحب إلى الله عزوجل ؟ قال: الصلاة لوقتها (2). 19 - ومنه: في خبر الاعمش بالسند المتقدم، عن الصادق عليه السلام قال: الصلاة تستحب في أول الاوقات (3). 20 - العيون: فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون: الصلاة في اول الوقت أفضل (4). 21 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام ليس عمل أحب إلى الله عز و جل من الصلاة، فلا يشغلنكم عن أوقاتها شئ من امور الدنيا، فان الله عز وجل ذم أقواما فقال: (الذينهم عن صلاتهم ساهون) يعني أنهم غافلون استهانوا بأوقاتها (5). 22 - العيون: عن محمد بن علي بن الشاه، عن أبي بكر بن عبد الله النيسابوري


(1) الصحاح ص 181 ط شربتلى. (2) الخصال ج 1 ص 78 في حديث. (3) الخصال ج 2 ص 151. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 123. (5) الخصال ج 2 ص 161.

[14]

عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه، وعن أحمد بن إبراهيم الخوزي عن إبراهيم بن مروان، عن جعفر بن محمد بن زياد، عن أحمد بن عبد الله الهروي وعن الحسين بن محمد الاشناني، عن علي بن محمد بن مهرويه، عن داود بن سليمان جميعا، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزال الشيطان ذعرا من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرء عليه وأوقعه في العظائم (1). 23 - ومنه: بهذه الاسانيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تضيعوا صلاتكم فان من ضيع صلاته حشر مع قارون وهامان، وكان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ على صلاته وأداء سنة نبيه صلى الله عليه وآله (2). صحيفة الرضا: باسناده عنه عن آبائه عليهم السلام مثل الخبرين (3). 24 - مجالس ابن الشيخ: باسناده فيما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام عند وفاته: اوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها والزكاة في أهلها عند محلها (4). 25 - ومنه: فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر: ارتقب وقت الصلاة، فصلها لوقتها، ولا تعجل بها قبله لفراغ، ولا تؤخرها عنه لشغل فان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أوقات الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل عليه السلام وقت الصلاة حين زالت الشمس فكانت على حاجبه الايمن، ثم أتاني وقت العصر فكان ظل كل شئ مثله، ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، ثم صلى العشاء الاخرة حين غاب الشفق، ثم صلى الصبح فأغلس بها والنجوم مشتبكة فصل لهذه الاوقات، والزم السنة المعروفة، والطريق الواضح. ثم انظرر كوعك وسجودك فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان أتم الناس صلاة وأخفهم عملا فيها.


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 28. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 31. (3) صحيفة الرضا: 3 و 29. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 6 في حديث طويل.

[15]

واعلم أن كل شئ من عملك تبع لصلاتك، فمن ضيع الصلاة فانه لغيرها أضيع (1). 26 - معاني الاخبار: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد البرقي، عن هارون بن الجهم، عن أبي جميلة، عن سعد الاسكاف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثلاث كفارات: إسباغ الوضوء في السبرات، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات، والمحافظة على الصلوات (2). 27 - العلل: عن أبي الهيثم عبد الله بن محمد، عن محمد بن علي الصمائغ، عن سعيد بن منصور، عن سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فان الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها فأذن لها في نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فشدة ما يجدون من الحر من فيحها وما يجدون من البرد من زمهريرها. قال الصدوق - رحمه الله - معنى قوله: فأبردوا بالصلاة أي اعجلوا بها و هو مأخوذ من البريد، وتصديق ذلك ما روي أنه ما من صلاة يحضر وقتها إلا نادى ملك قوموا إلى نيرانكم التي أو قدتموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم (3). بيان: ظاهر الخبر استحباب تأخير صلاة الظهر عن وقت الفضيلة، في شدة الحر، وهذا الخبر ضعيف لكن روى الصدوق في الفقيه (4) في الصحيح عن معاوية ابن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان المؤذن يأتي النبي صلى الله عليه وآله في الحر في صلاة الظهر فيقول له رسول الله صلى الله عليه وآله: أبرد أبرد، ولا استبعاد في كون التأخير في الحر أفضل، توسيعا للامر، ودفعا للحرج، لكن لما كان مخالفا لسائر


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 29 في حديث. (2) معاني الاخبار ص 314 في حديث ومثله في الخصال ج 1 ص 42، المحاسن: 4. (3) علل الشرائع ج 1 ص 235. (4) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 144.

[16]

الاخبار وموافقا لطريقة المخالفين، حمله بعضهم على التقية، وبعضهم أوله كالصدوق. وقال في المنتهى: لا نعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب تعجيل الظهر في غير الحر قالت عايشة ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله صلى الله عليه وآله أما في الحر فيستحب الابراد بها إن كانت البلاد حارة، وصليت في المسجد جماعة، و به قال الشافعي ثم نقل الروايتين من طريق الخاصة والعامة، ثم قال: ولانه موضع ضرورة، فاستحب التأخير لزوالها، أما لو لم يكن الحر شديدا، أو كانت البلاد باردة أو صلى في بيته فالمستحب فيه التعجيل وهو مذهب الشافعي خلافا لاصحاب الرأي وأحمد انتهى. وأما تأويل الصدوق - رحمه الله - ففي أكثر النسخ وهو مأخوذ من البريد وفي بعضها من التبريد والبريد الرسول المسرع والاخذ منه بعيد، وأما التبريد والابراد فقال في القاموس أبرد دخل في آخر النهار وأبرده جاء به باردا والابردان الغداة والعشي وقال في النهاية: في الحديث أبردوا بالظهر، فالابراد انكسار الوهج والحر، وهو من الابراد الدخول في البرد، وقيل: معناه صلوها في أول وقتها من برد النهار وهو أوله، وفي المغرب الباء للتعدية، والمعنى أدخلو صلاة الظهر في البرد، أي صلوها إذا سكنت شدة الحر انتهى. وقد يقال في توجيه كلام الصدوق أنه صلى الله عليه وآله أمر بتعجيل الاذان والاسراع فيه، كفعل البريد في مشيه إما ليتخلص الناس من شدة الحر سريعا، ويتفرغوا من صلاتهم حثيثا، وإما ليعجل راحة القلب وقرة العين، كما كان النبي صلى الله عليه وآله يقول: أرحنا يا بلال، وكان يقول: قرة عيني الصلاة. وقيل: يعني أبرد نار الشوق، واجعلني ثلج الفؤاد بذكر ربي، وقيل: الباء للسببية، والابراد الدخول في البرد، والمعنى أدخلو في البرد، وسكنوا عنكم الحر بالاشتغال بمقدمات الصلاة من المضمضة والاستنشاق وغسل الاعضاء فانها تسكن الحر.

[17]

وقال في النهاية: فيه شدة الحر من فيح جهنم الفيح سطوع الحر وفورانه ويقال بالواو، وفاحت القدر تفوح وتفيح إذا غلت، وقد أخرجه مخرج التشبيه والتمثيل، أي كأنه نار جهنم في حرها انتهى. وقال بعضهم: اشتكاء النار مجاز من كثرتها وغليانها، وازدحام أجزائها بحيث يضيق عنها مكانها، فيسعى كل جزء في إفناء الجزء الاخر، والاستيلاء على مكانها ونفسها لهبها، وخروج ما ينزل منها، مأخوذ من نفس الحيوان في الهواء الدخاني الذي تخرجه القوة الحيوانية، وينقي منه حوالي القلب. وقوله: (أشد ما يجدون من الحر) خبر مبتدأ محذوف، أي ذلك أشد وتحقيقه أن أحوال هذا العالم عكس امور ذلك العالم وآثارها، فكما جعل المستطابات وما يستلذ بها الانسان في الدنيا أشباه نعيم الجنان، ومن جنس ما اعدلهم فيها ليكونوا أميل إليها وأرغب فيها، ويشهد لذلك قوله تعالى: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) (1) كذلك جعل الشدائد المؤلمة والاشياء المؤذية انموذجا لاحوال الجحيم، وما يعذب الكفرة والعصاة ليزيد خوفهم وانزجارهم عما يوصلهم إليه، فما يوجد من السموم المهلكة فمن حرها، وما يوجد من الصراصر المجمدة فمن زمهريرها، وهو طبقة من طبقات الجحيم. 28 - ثوال الاعمال: عن أبيه عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبان ! هذه الصلوات الخمس المفروضات، من أقامهن وحافظ على مواقيتهن لقي الله يوم القيامة وله عنده عهد يدخله به الجنة، ومن لم يصلهن لمواقيتهن فذلك إليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه (2).


(1) البقرة: 25. (2) ثواب الاعمال ص 27.

[18]

29 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن إسماعيل البصري، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد وفيه ناس من أصحابه، قال: تدرون ما قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن ربكم يقول: هذه الصلوات الخمس المفروضات فمن صلاهن لوقتهن وحافظ عليهن لقيني يوم القيامة وله عندي عهد ادخله به الجنة، ومن لم يصلهن لوقتهن ولم يحافظ عليهن، فذلك إلى إن شئت عذبته وإن شئت غفرت له (1). توضيح: (لوقتهن) قال الشيخ البهائي قدس سره: اللام إما بمعنى في كما قالوه في قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) (2) أو بمعنى بعد كما قالوه في قوله عليه السلام: صوموا لرؤيته وأفطروا لرويته، أو بمعنى عند كما قالوه في قولهم كتبت الكتاب لخمس خلون من شهر كذا، والجار و المجرور في قوله تعالى: (فذلك إلى) خبر مبتدء محذوف، والتقدير فذلك أمره إلى، ويحتمل أن يكون هو الخبر عن اسم الاشارة أي فذلك الشخص صائر إلى وراجع إلي انتهى، والواو في قوله: (ولم يحافظ) إن لم يكن العطف للتفسير فهو بمعنى أو كما يدل عليه ما تقدمه. 30 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: الصلوات المفروضات في أول وقتها إذا اقيم حدودها أطيب ريحا من قضيب الاس حين يؤخذ من شجره في طيبه، وريحه وطراوته، فعليكم بالوقت الاول (3). بيان: قال الجوهري شئ طري أي غض بين الطراوة، وقال قطرب: طرو اللحم وطري طراوة وطراءة.


(1) ثواب الاعمال ص 27. (2) الانبياء: 47. (3) ثواب الاعمال ص 33 و 34.

[19]

31 - مجالس الصدوق (1) وثواب الاعمال: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أبي سمينة، عن الحسن بن علي بن فضال عن الميثمي، عن أبي بصير قال: دخلت على ام حميدة اعزيها بأبي عبد الله عليه السلام فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يابا محمد لو رأيت أبا عبد الله عليه السلام عند الموت لرأيت عجبا: فتح عينيه، ثم قال: أجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة، قالت: فلم نترك أحدا إلا جمعناه، قالت: فنظر إليهم، ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة (2). المحاسن: عن محمد بن علي وغيره، عن ابن فضال، عن المثنى، عن أبي بصير مثله (3). 32 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبي عمران الارمني عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن هشام الجواليقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صلى الصلاة لغير وقتها رفعت له سوداء مظلمة، تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، وأول ما يسأل العبد إذا وقف بين يدي الله عزوجل عن الصلاة، فان زكت صلاته زكى ساير عمله، وإن لم تزك صلاته لم يزك عمله (4). 33 - المحاسن: عن أبي عمران الدهني، عن عبد الله بن عبد الرحمن الانصاري عن هشام الجواليقي مثله، وفيه لم تزك ساير أعماله (5). بيان: أكثر تلك الاخبار ظاهرها أن المراد بها وقت الفضيلة.


(1) أمالى الصدوق: 290. (2) ثواب الاعمال ص 205. (3) المحاسن ص 80. (4) ثواب الاعمال ص 206. (5) المحاسن ص 81.

[20]

34 - المحاسن: عن ابن محبوب، عن جميل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أيما مؤمن حافظ على صلاة الفريضة فصلاها لوقتها، فليس هو من الغافلين، فان قرأ فيها بمائة آية فهو من الذاكرين (1). 35 - ومنه: عن ابن محبوب رفع الحديث إلى [أبي جعفر عليه السلام] أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي توفي فيه واغمى عليه ثم أفاق فقال: لا ينال شفاعتي من أخر الصلاة بعد وقتها (2). 36 - ومنه: عن عبد الرحمن بن حماد الكوفي، عن ميسر بن سعيد القصير الجوهري، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يعرف من يصف الحق بثلاث خصال: ينظر إلى أصحابه: من هم ؟ وإلى صلاته كيف هي ؟ وفي أي وقت يصليها ؟ فان كان ذا مال نظر أين يضع ماله ؟ (3). 37 - فقه الرضا: قال عليه السلام: حافظوا على مواقيت الصلوات فان العبد لا يأمن الحوادث، ومن دخل عليه وقت فريضة فقصر عنها عمدا متعمدا فهو خاطئ من قول الله: (ويل للمصلين * الذينهم عن صلاتهم ساهون) (4) يقول: عن وقتهم يتغافلون (5). واعلم أن أفضل الفرائض بعد معرفة الله جل وعز الصلوات الخمس، و أول الصلوات الظهر، وأول ما يحاسب العبد عليه الصلاة، فان صحت له الصلاة صحت له ما سواها، وإن ردت ردت ما سواها (6). وإياك أن تكسل عنها، أو تتوانى فيها، أو تتهاون بحقها، أو تضيع حدها وحدودها، أو تنقرها نقر الديك، أو تستخف بها، أو تشتغل عنها بشئ


(1) المحاسن ص 51. (2) المحاسن ص 79. (3) المحاسن: 254. (4) الماعون: 3. (5 - 6) فقه الرضا ص 6.

[21]

من عرض الدنيا، أو تصلي بغير وقتها (1). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس مني من استخف بصلاته، لا يرد على الحوض لا والله (2). وقال العالم عليه السلام: إن الرجل يصلي في وقت وما فاته من الوقت الاول خير من ماله وولده (3). 38 - الخرايج: عن إبراهيم بن موسى القزاز قال: خرج الرضا عليه السلام يستقبل بعض الطالبيين، وجاء وقت الصلاة فمال إلى قصر هناك فنزل تحت صخرة فقال: أذن، فقلت: ننتظر يلحق بنا أصحابنا، فقال: غفر الله لك لا تؤخرن صلاة عن أول وقتها إلى آخر وقتها من غير علة، عليك أبدا بأول الوقت فأذنت وصلينا تمام الخبر (4). بيان: يدل على أنه لا ينبغي التأخير عن أول وقت لانتظار الرفقة للجماعة أيضا. 39 - فلاح السائل: اروى بحذف الاسناد عن سيدة النساء فاطمة ابنة سيدة الانبياء صلوات الله عليها وعلى أبيها وعلى بعلها وعلى أبنائها الاوصياء أنها سألت أباها محمدا صلى الله عليه وآله فقالت: يا أبتاه ما لمن تهاون بصلاته من الرجال والنساء ؟ قال: يا فاطمة من تهاون بصلاته من الرجال والنساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة: ست منها في دار الدنيا، وثلاث عند موته، وثلاث في قبره، وثلاث في القيامة إذا خرج من قبره. فأما اللواتي تصيبه في دار الدنيا: فالاولى يرفع الله البركة من عمره، ويرفع الله البركة من رزقه، ويمحو الله عزوجل سيماء الصالحين من وجهه،


(1) فقه الرضا ص 6. (2) فقه الرضا ص 7. (3) فقه الرضا ص 2. (4) الخرائج والجرائح ص 230.

[22]

وكل عمل يعمله لا يوجر عليه، ولا يرتفع دعاؤه إلى السماء، والسادسة ليس له حظ في دعاء الصالحين. وأما اللواتي تصيبه عند موته فاولاهن أنه يموت ذليلا، والثانية يموت جائعا، والثالثة يموت عطشانا، فلو سقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه. وأما اللواتي تصيبه في قبره فاولاهن يوكل الله به ملكا يزعجه في قبره، والثانية يضيق عليه قبره، والثالثة تكون الظلمة في قبره. وأما اللواتي تصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره: فاولاهن أن يوكل الله به ملكا يسحبه على وجهه والخلايق ينظرون إليه، والثانية يحاسب حسابا شديدا، والثالثة لا ينظر الله إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم (1). وروى ابن بابويه في كتاب مدينة العلم فيما رواه عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله عليه السلام: لا تنال شفاعتي غدا من أخر الصلاة المفروضة بعد وقتها (2). 40 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، عن محمد بن أحمد، عن هارون بن مسلم، عن الليثي، عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: امتحنوا شيعتنا عند ثلاث: عند مواقيت الصلوات كيف محافظتهم عليها، وعند أسرارهم كيف حفظهم لها عن عدونا ؟ وإلى أموالهم كيف مواساتهم لاخوانهم فيها ؟ (3). 41 - ومنه ومن العيون: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن إبراهيم بن حمويه، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن الرضا عليه السلام قال: في الديك الابيض خمس خصال من خصال الانبياء عليهم السلام: معروفته بأوقات الصلوات والغيرة، والسخاء، والشجاعة، وكثرة الطروقة (4). بيان: فيه إشعار بجواز الاعتماد على صوت الديك في معرفة الاوقات، وسيأتي


(1) فلاح السائل ص 22. (2) فلاح السائل ص 127. (3) الخصال ج 1 ص 51. (4) الخصال ج 1 ص 143، عيون الاخبار ج 1 ص 277.

[23]

الكلام فيه، والطروقة بالضم أن يعلوا الفحل انثاه، وبالفتح انثاه، قال في النهاية: في حديث الزكوة فيها حقة طروقة الفحل أي يعلو الفحل مثلها في سنها، وهي فعولة بمعنى مفعولة، أي مركوبة للفحل انتهى، والخبر يحتملهما، وإن كان الضم أظهر. 42 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة كيف محافظتهم عليها (1). 43 - ارشاد القلوب للديلمي: قال: كان علي عليه السلام يوما في حرب صفين مشتغلا بالحرب والقتال، وهو مع ذلك بين الصفين يراقب الشمس، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما هذا الفعل ؟ قال: أنظر إلى الزوال حتى نصلي، فقال له ابن عباس: وهل هذا وقت صلاة ؟ إن عندنا لشغلا بالقتال عن الصلاة، فقال عليه السلام: على ما نقاتلهم ؟ إنما نقاتلهم على الصلاة، قال: ولم يترك صلاة الليل قط حتى ليلة الهرير. 44 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي، عن يحيى بن صالح، عن مالك بن خالد، عن عبد الله بن الحسن، عن عباية قال: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر: انظر صلاة الظهر فصلها لوقتها، لا تعجل بها عن الوقت لفراغ، ولا تؤخرها عن الوقت لشغل، فان رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسأله عن وقت الصلاة فقال صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل عليه السلام فأراني وقت الصلاة، فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم صلى العصر وهي بيضاء نقية، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غابت الشفق، ثم صلى الصبح فأغلس به والنجوم مشتبكة. كان النبي صلى الله عليه وآله كذا يصلي قبلك، فان استطعت ولا قوة إلا بالله أن تلتزم السنة المعروفة، وتسلك الطريق الواضح الذي أخذوا فافعل، لعلك تقدم عليهم غدا، ثم قال:


(1) قرب الاسناد ص 38 ط حجر ص 52 ط نجف وتمامه كما مر من الخصال.

[24]

واعلم يا محمد أن كل شئ تبع لصلاتك، واعلم أن من ضيع الصلاة فهو لغيرها أضيع. 45 - ومنه: باسناده عن ابن نباته قال: قال علي عليه السلام في خطبته: الصلاة لها وقت فرضه رسول الله صلى الله عليه وآله لا تصلح إلا به، فوقت صلاة الفجر حين يزائل المرؤ ليله، ويحرم على الصائم طعامه وشرابه، ووقت صلاة الظهر إذا كان القيظ يكون ظلك مثلك، وإذا كان الشتاء حين تزول الشمس من الفلك وذلك حين تكون على حاجبك الايمن مع شروط الله في الركوع والسجود، ووقت العصر تصلي والشمس بيضاء نقية قدر ما يسلك الرجل على الجمل الثقيل فرسخين قبل غروبها، ووقت صلاة المغرب إذا غربت الشمس وأفطر الصائم، ووقت صلاة العشاء الاخرة حين يسق الليل وتذهب حمرة الافق إلى ثلث الليل، فمن نام عند ذلك فلا أنام الله عينه، فهذه مواقيت الصلاة (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (1). بيان: يدل على استحباب تأخير الظهر عند شدة الحر كما مر، ويمكن حمله على التقية أيضا (حين تكون على حاجبك الايمن) أي عند استقبال نقطة الجنوب أو القبلة، فان قبلتهم قريبة منها (قدر ما يسلك الرجل) أي بقي ربع اليوم تقريبا فانهم جعلوا ثمانية فراسخ لمسير الجمل بياض اليوم، وهذا قريب من زيادة الفئ قامة أي سبعة أقدام، إذ في أواسط المعمورة في أول الحمل والميزان عند استواء الليل والنهار يزيد الفئ سبعة أقدام في ثلات ساعات ودقايق، ويزيد وينقص في سائر الفصول، ولا يبعد حمل هذا أيضا على التقية لجريان عادة الخلفاء قبله على التأخير أكثر من ذلك، فلم يمكنه عليه السلام تغيير عادتهم أكثر من هذا. (حين يسق الليل) مأخوذ من قوله تعالى: (والليل وما وسق) أي (2) وما جمع، وما ضم مما كان منتشرا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوي كل شئ إلى مأواه، وقيل أي وما طرد من الكواكب، فانها تظهر


(1) النساء: 103، وكتاب الغارات مخطوط. (2) الانشقاق: 18.

[25]

بالليل وتخفى بالنهار، وأضاف ذلك إلى الليل لان ظهورها فيه مطرد. 46 - اسرار الصلاة: عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أول ما يحاسب به العبد الصلاة فان قبلت قبل ما سواها، إن الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها وهي بيضاء مشرقة، تقول: حفظتني حفظك الله، وإذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها وهي سوداء مظلمة، تقول: ضيعتني ضيعك الله (1). بيان: رجعت إلى صاحبها، الرجوع إما في الاخرة وهو أظهر أو في الدنيا بعد الثبت في ديوان عمله، إما برجوع حاملها من الملائكة أو الكتاب الذي اثبتت فيه، ولا يبعد أن يكون الرجوع والقول استعارة تمثيلية، شبه الصلاة الكاملة وما يعود بها على صاحبها من النفع والبركة بالذي يذهب ويرجع ويقول هذا القول وكذا الصلاة الناقصة والله يعلم. 47 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام في قول الله عزوجل (موقوتا) قال: مفروضا (2). وعنه عليه السلام قال: لكل صلاة وقتان أول وآخر، فأول الوقت أفضله، وليس لاحد أن يتخذ آخر الوقتين وقتا إلا من علة، وإنما جعل آخر الوقت للمريض والمعتل ولمن له عذر وأول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله (3) وإن الرجل ليصلي في الوقت وإن ما فاته من الوقت خير له من أهله وماله (4).


(1) تراه في التهذيب ج 1 ص 203، الكافي ج 3 ص 268. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 131. (3) زاد في المصدر: والعفو لا يكون الا من تقصير. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 137.

[26]

[7] (باب) * (وقت فريضة الظهرين ونافلتهما) * 1 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء، وأبواب الجنان، واستجيب الدعاء، فطوبى لمن رفع له عند ذلك عمل صالح (1). 2 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن على بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة، وأفضل ساعات الليل والنهار أوقات الصلوات، ثم قال عليه السلام: إنه إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء وهبت الرياح، ونظر الله عزوجل إلى خلقه، وإني لاحب أن يصعد لي عند ذلك إلى السماء عمل صالح، ثم قال: عليكم بالدعاء في أدبار الصلوات، فانه مستجاب (2). 3 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من كانت له إلى ربه عزوجل حاجة فليطلبها في ثلاث ساعات: ساعة في يوم الجمعة، وساعة تزول الشمس حين تهب الرياح، وتفتح أبواب السماء، وتنزل الرحمة، ويصوت الطير، و


(1) أمالى الصدوق ص 343. (2) الخصال ج 2 ص 85

[27]

ساعة في آخر الليل عند طلوع الفجر، فان ملكين يناديان: هل من تائب يتاب عليه هل من سائل يعطى ؟ هل من مستغفر فيغفر له ؟ هل من طالب حاجة فتقضى له ؟ فأجيبوا داعي الله (1). 4 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن وقت الظهر قال: نعم، إذا زالت الشمس فقد دخل وقتها، فصل إذا شئت بعد أن تفرغ من تسبيحتك (2). وسألته عن وقت العصر متى هو ؟ قال: إذا زالت الشمس قدمين وصليت الظهر والسبحة بعد الظهر فصل العصر إذا شئت (3). 5 - ومنه: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن الفضل بن يونس قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام قلت: المرءة ترى الطهر قبل غروب الشمس كيف تصنع بالصلاة ؟ قال: فقال: إذا رأت الطهر بعد ما يمضي من زوال الشمس أربعة أقدام، فلا تصلي إلا العصر، لان وقت الظهر دخل عليها وهي في الدم و خرج عنها الوقت وهي في الدم، فلم يجب عليها أن تصلي الظهر، وما طرح الله عنها من الصلاة وهي في الدم أكثر (4). بيان: استدل به على ما ذهب إليه الشيخ من أن الاوقات المقدرة بالاقدام والاذرع أوقات للمختار، لا أوقات فضيلة، وفيه نظر ظاهر. وأما ما تضمنه من سقوط الظهر عن الحائض إذا طهرت بعد الاربعة أقدام فهو مختار الشيخ في الاستبصار وخالفه عامة المتأخرين، وقالوا: إن طهرت قدر ما تغتسل وتأتي بخمس ركعات قبل الغروب تجب عليها الصلاتان، وأجاب عنه العلامة بوجوه: الاول القدح في


(1) الخصال ج 2 ص 158. (2 - 3) قرب الاسناد: 86 ط حجر: 12 ط نجف. (4) قرب اسناد ص 130 ط حجر ص 176 ط نجف، ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 111، وتراه في الكافي ج 1 ص 102.

[28]

السند بأن الفضل واقفي، واجيب بأن النجاشي وثقه ولم يذكر كونه واقفيا وإنما ذكر ذلك الشيخ، والنجاشي أثبت منه، مع أنه روى الكشى ما يدل على مدحه. الثاني أنها منفية بالاجماع، إذ لا خلاف بيننا في أن آخر وقت الظهر للمعذور يمتد إلى قبل الغروب بمقدار العصر، وفيه نظر، إذ قد عرفت أن الشيخ قال به في الاستبصار، فالاجماع مع مخالفة الشيخ ممنوع. الثالث أنه علق الحكم على الطهارة بعد أربعة أقدام، فيحمل على أنه أراد بذلك ما إذا خلص الوقت للعصر، ولا يخفى بعد هذا التأويل وركاكته، لكن يعارضه موثق عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا طهرت المرءة قبل غروب الشمس فلتصل الظهر والعصر، وإن طهرت في آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء (1) ويمكن الجمع بحمل خبر ابن سنان على الاستحباب، وربما يحمل خبر الفضل على التقية، وفيه نظر إذ لم يظهر موافقة العامة لمدلوله، بل المشتهر بينهم خلافه، والاحوط العمل بالمشهور. 6 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن حماد، عن عبيد الله الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الموتور أهله وماله من ضيع صلاة العصر، قلت: ما الموتور أهله وماله ؟ قال: لا يكون له في الجنة أهل ولا مال [قيل: وما تضييعها، قال:] ظ يضيعها فيدعها متعمدا حتى تصفر الشمس وتغيب (2). بيان: الظاهر أن الواو بمعني أو، كما في الفقيه (3) وروى نحوه محيي السنة من محدثي العامة، ونقل عن الخطابي أن معنى وتر: نقص وسلب، فبقي وترا فردا بلا أهل ولا مال، يريد فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهابهما


(1) التهذيب ج 1 ص 111. (2) علل الشرايع ج 2 ص 45. (3) الفقيه ج 1 ص 141، وفيه (حتى تصفر الشمس أو تغيب).

[29]

وقيل: الوتر أصله الجناية، فشبه ما يلحق هذا الذي يفوته العصر بما يلحق الموتور من قتل حميمه أو أخذ ماله. 7 - معاني الاخبار: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم وأيوب بن نوح، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان جدار مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله قبل أن يظلل قدر قامة، فكان إذا كان الفئ ذراعا - وهو قدر مربض عنز - صلى الظهر، فإذا كان الفئ ذراعين وهو ضعف ذلك صلى العصر (1). 8 - ثواب الاعمال ومعانى الاخبار: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أبي سمينة، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ما خدعوك عن شئ فلا يخدعوك في العصر، صلها والشمس بيضاء نقية، فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الموتور أهله وماله من ضيع صلاة العصر، قلت: وما الموتور أهله وماله ؟ قال: لا يكون له أهل ولا مال في الجنة، قلت: وما تضييعها ؟ قال: يدعها والله حتى تصفار الشمس أو تغيب (2). المحاسن: عن أبي سمينة مثله (3). 9 - ثواب الاعمال: بالاسناد المقدم، عن أبي سمينة، عن حنان بن سدير، عن أبي سلام العبدي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: ما تقول في رجل يؤخر العصر متعمدا ؟ قال: يأتي يوم القيامة موتورا أهله وماله قال: قلت: جعلت فداك وإن كان من أهل الجنة ؟ قال: وإن كان من أهل الجنة، قلت: فما منزلته في الجنة موتورا بأهله وماله ؟ قال: يتضيف أهلها ليس له فيها منزل (4).


(1) معاني الاخبار ص 159 في حديث. (2) معاني الاخبار ص 171. (3) المحاسن ص 83. (4) ثواب الاعمال ص 208. (*)

[30]

المحاسن: عن أبي سمينة مثله (1). بيان: قال في القاموس: ضفته أضيفه ضيفا وضيافة بالكسر نزلت عليه ضيفا كضيفته. 10 - المحاسن: عن أبيه، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عبد الله بن بكير، عن محمد بن هارون قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من ترك صلاة العصر غير ناس لها حتى تفوته وتره الله أهله وماله يوم القيامة (2). 11 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن حسين، عن ابن مسكان، عن زرارة قال: قال لي: أتدري لم جعل الذراع والذراعان ؟ قلت: لم ؟ قال: لمكان الفريضة، لان لك أن تتنفل من زوال الشمس إلى أن يبلغ فيئك ذراعا، فإذا بلغ ذراعا بدأت بالفريضة وتركت النافلة، وإذا بلغ فيئك ذراعين بدأت بالفريضة وتركت النافلة (3). 12 - فقه الرضا: قال عليه السلام: أول صلاة فرضها الله على العباد صلاة يوم الجمعة الظهر، فهو قوله تبارك وتعالى (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (4) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. وقال: أول وقت الظهر زوال الشمس، وآخره أن يبلغ الظل ذراعا أو قدمين من زوال الشمس في كل زمان، ووقت العصر بعد القدمين الاولين إلى قدمين آخرين، وذراعين لمن كان مريضا أو معتلا أو مقصرا فصار قدمان للظهر، وقدمان للعصر. فان لم يكن معتلا من مرض أو من غيره ولا تقصير ولا يريد أن يطيل التنفل فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين وليس يمعنه منها إلا السبحة بينهما،


(1 - 2) المحاسن ص 83. (3) علل الشرائع ج 2 ص 38. (4) أسرى: 78.

[31]

والثمان ركعات قبل الفريضة، والثمان بعدها، فان شاء طول إلى القدمين، وإن شاء قصر، والحد لمن أراد أن يطول في الثماني والثماني أن يقرأ مائة آية فما دون و إن أحب أن يزداد فذاك إليه، وإن عرض له شغل أو حاجة أو علة يمنعه من الثماني والثماني إذا زالت الشمس صلى الفريضتين، وقضى النوافل متى ما فرغ من ليل أو نهار، في أي وقت أحب، غير ممنوع من القضاء، ووقت من الاوقات. وإن كان معلولا حتى يبلغ ظل القامة قدمين أو أربعة أقدام صلى الفريضة، وقضى النوافل متى ما تيسر له القضاء. وتفسير القدمين والاربعة أقدام، أنهما بعد زوال الشمس في أي زمان كان شتاء أو صيفا طال الظل أم قصر، فالوقت واحد أبدا، والزوال يكون في نصف النهار سواء قصر النهار أم طال، فإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاة، وله مهلة في التنفل، والقضاء والنوم والشغل إلى أن يبلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال فإذا بلغ ظل قامته قدمين بعد الزوال، فقد وجب عليه أن يصلي الظهر في استقبال القدم الثالث، وكذلك يصلي العصر إذا صلى في آخر الوقت في استقبال القدم الخامس، فإذا صلى بعد ذلك فقد ضيع الصلاة، وهو قاض للصلاة بعد الوقت. وأول وقت المغرب سقوط القرصة وعلامة سقوطه أن يسود افق المشرق وآخر وقتها غروب الشفق، وهو أول وقت العتمة، وسقوط الشفق ذهاب الحمرة، وآخر وقت العتمة نصف الليل وهو زوال الليل. وأول وقت الفجر اعتراض الفجر في افق المشرق، وهو بياض كبياض النهار وآخر وقت الفجر أن تبدو الحمرة في افق المغرب، وإنما يمتد وقت الفريضة بالنوافل، فلولا النوافل وعلة المعلول لم يكن أوقات الصلاة ممدودة على قدر أوقاتها، فلذلك تؤخر الظهر إن أحببت، وتعجل العصر إن لم يكن هناك نوافل ولا علة تمنعك أن تصليهما في أول وقتهما وتجمع بينهما في السفر، إذ لا نافلة تمنعك من الجمع، وقد جاءت أحاديث مختلفة في الاوقات، ولكل حديث معنى وتفسير (1).


(1) فقه الرضا ص 3.

[32]

إن أول وقت الظهر زوال الشمس، وآخر وقتها قامة رجل: قدم وقدمان وجاء على النصف من ذلك وهو أحب إلي وجاء آخر وقتها إذا تم قامتين وجاء أول وقت العصر إذا تم الظل قدمين وآخر وقتها إذا تم أربعة أقدام. وجاء أول وقت العصر إذا تم الظل ذراعا وآخر وقتها إذا تم ذراعين وجاء لهما جميعا وقت واحد مرسل قوله (إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين) وجاء أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر ثم بالعشاء والعتمة من غير سفر ولا مرض وجاء أن لكل صلاة وقتين أول وآخر كما ذكرناه في أول الباب. وأول الوقت أفضلها، وإنما جعل آخر الوقت للمعلول، فصار آخر الوقت رخصة للضعيف، لحال علته ونفسه وماله، وهي رحمة للقوي الفارغ لعلة الضعيف والمعلول، وذلك أن الله فرض الفرائض على أضعف القوم قوة ليستوي فيها الضعيف والقوي، كما قال الله تبارك وتعالى: (فما استيسر من الهدى) (1) وقال: (فاتقوا الله ما استطعتم) (2) فاستوى الضعيف الذي لا يقدر على أكثر من شاة، والقوي الذي يقدر على أكثر من شاة، إلى أكثر القدرة في الفرائض، وذلك لان لا تختلف الفرائض ولا تقام على حد. وقد فرض الله تبارك وتعالى على الضعيف ما فرض على القوي، ولا يفرق عند ذلك بين القوى والضعيف، فلما أن لم يجز أن يفرض على الضعيف المعلول فرض القوى الذي هو غير معلول، ولم يجز أن يفرض على القوى غير فرض الضعيف فيكون الفرض محمولا ثبت الفرض عند ذلك على أضعف القوم، ليستوي فيها القوى والضعيف رحمة من الله للضعيف لعلته في نفسه ورحمة منه للقوى لعلة الضعيف، ويستتم الفرض المعروف المستقيم عند القوى والضعيف. وإنما سمي ظل القامة قامة، لان حائط رسول الله صلى الله عليه وآله قامة إنسان، فسمي ظل الحائط ظل قامة وظل قامتين، وظل قدم وظل قدمين، وظل أربعة أقدام


(1) البقرة: 196. (2) التغابن: 16.

[33]

وذراع، وذلك أنه إذا مسح بالقدمين كان قدمين وإذا مسح بالذراع كان ذراعا، و إذا مسح بالذراعين كان ذراعين، وإذا مسح بالقامة كان قامة، أي هو ظل القامة وليس هو بطول القامة سواء مثله، لان ظل القامة ربما كان قدما، وربما كان قدمين، ظل مختلف على قدر الازمنة، واختلافها باختلافهما، لان الظل قد يطول وينقص لاختلاف الازمنة، والحائط المنسوب إلى قامة إنسان قائم معه غير مختلف، ولا زائد ولا ناقص، فلثبوت الحائط المقيم المنسوب إلى القامة كان الظل منسوبا إليه ممسوحا به، طال الظل أم قصر. فان قال: لم صار وقت الظهر والعصر أربعة أقدام، ولم يكن الوقت أكثر من الاربعة ولا أقل من القدمين ؟ وهل كان يجوز أن يصير أوقاتها أوسع من هذين الوقتين أو أضيق ؟ قيل له: يجوز الوقت أكثر مما قدر لانه إنما صير الوقت على مقادير قوة أهل الضعف واحتمالهم، لمكان أداء الفرائض، ولو كانت قوتهم أكثر مما قدر لهم من الوقت، لقدر لهم وقت أضيق، ولو كانت قوتهم أضعف من هذا لخفف عنهم من الوقت وصير أكثرهما، ولكن لما قدرت قوى الخلق على ما قدر لهم الوقت الممدود بها بقدر الفريقين، قدر لاداء الفرائض والنافلة وقت ليكون الضعيف معذورا في تأخيره الصلاة إلى آخر الوقت لعلة ضعفه وكذلك القوي معذورا بتأخيره الصلاة إلى آخر الوقت لاهل الضعف، لعلة المعلول، مؤديا للفرض، وإن كان مضيعا للفرض بتركه للصلاة في أول الوقت وقد قيل أول الوقت رضوان الله وآخر الوقت عفو الله. وقيل: فرض الصلوات الخمس التي هي مفروضة على أضعف الخلق قوة ليستوي بين الضعيف والقوى كما استوى في الهدي شاة وكذلك جميع الفرائض المفروضة على جميع الخلق إنما فرضها الله على أضعف الخلق قوة مع ما خص أهل القوة على أداء الفرائض في أفضل الاوقات وأكمل الفرض كما قال الله (ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب) (1).


(1) الحج: 32.

[34]

وجاء أن آخر وقت المغرب إلى ربع الليل للمقيم المعلول والمسافر، كما جاز أن يصلي العتمة في وقت المغرب الممدود كذلك جاز أن يصلي العصر في أول وقت الممدود للظهر (1). وقال عليه السلام في موضع آخر: أول وقت الظهر زوال الشمس إلى أن يبلغ الظل قدمين، وأول وقت العصر الفراغ من الظهر، ثم إلى أن يبلغ الظل أربعة أقدام، وقد رخص للعليل والمسافر منهما إلى أن يبلغ ستة أقدام، وللمضطر إلى مغيب الشمس (2). توضيح وتبيين وتحقيق متين قوله عليه السلام: (وآخره أن يبلغ الظل ذراعا) أي وآخر الوقت الذي يمكن تأخير الفريضة فيه للنافلة ولعلة اخرى كما سيأتي تفسيره، وكذا الاربعة الاقدام وقت يجوز تأخير العصر عنه للنافلة وغير ذلك، ولم يذكر آخر وقت الفرضين هنا. وهذا الخبر مع ما فيه من الاضطراب في الجملة قريب مما روي في الكافي والتهذيب (3) (عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن سعيد، عن يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عما جاء في الحديث أن صل الظهر إذا كانت الشمس قامة وقامتين، وذراعا وذراعين، وقدما وقدمين، من هذا، ومن هذا فمتى هذا ؟ وكيف هذا ؟ وقد يكون الظل في بعض الاوقات نصف قدم. قال إنما قال: ظل القامة، ولم يقل قامة الظل، وذلك أن ظل القامة يختلف مرة يكثر ومرة يقل، والقامة قامة أبدا لا تختلف. ثم قال: ذراع وذراعان، وقدم وقدمان، فصار ذراع وذراعان تفسير القامة والقامتين في الزمان الذي يكون فيه ظل القامة ذراعا، وظل القامتين ذراعين، ويكون ظل القامة والقامتين والذراع والذراعين متفقين في كل زمان معروفين


(1) فقه الرضا ص 3. (2) فقه الرضا ص 7 س 19. (3) التهذيب ج 1 ص 140، الكافي ج 3 ص 277.

[35]

مفسرا أحدهما بالاخر مسددا أبدا، فإذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا كان الوقت ذراعا من ظل القامة وكانت القامة ذراعا من الظل، وإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصورا بالذراع والذراعين (فهذا تفسير القامة والقامتين، والذراع والذراعين) ولنمهد لشرح هذا الحديث مقدمة تكشف الغطاء عن وجوه سائر الاخبار الواردة في هذا المطلب، مع اختلافها وتعارضها. اعلم أن الشمس إذا طلعت كان ظلها طويلا، ثم لا يزال ينقص حتى تزول فإذا زالت زاد، ثم قد تقرر أن قامة كل إنسان سبعة أقدام بأقدامه تقريبا كما عرفت، وثلاث أذرع ونصف بذراعه، والذراع قدمان تقريبا، فلذا يعبر عن السبع بالقدم، وعن طول الشاخص الذي يقاس به الوقت بالقامة وإن كان غير الانسان وقد جرت العادة بأن تكون قامة الشاخص الذي يجعل مقياسا لمعرفة الزوال ذراعا وكان رحل رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يقيس به الوقت أيضا ذراعا، فلاجل ذلك كثيرا ما يعبر عن القامة بالذراع، وعن الذراع بالقامة، وربما يعبر عن الظل الباقي عند الزوال من الشاخص بالقامة، وكأنه كان اصطلاحا معهودا. ثم إنه لما كان المشهور بين المخالفين تأخير الظهرين عن أول الوقت بالمثل والمثلين فقد اختلف الاخبار في ذلك، ففي بعضها، إذا صار ظلك مثلك فصل الظهر وإذا صار ظلك مثليك فصل العصر، وفي بعضها أن آخر وقت الظهر المثل، وآخر وقت العصر المثلان، كما ذهب إليه أكثر المتأخرين من علمائنا وفي بعضها أن وقت نافلة الزوال قدمان، ووقت فريضة الظهر ونافلة العصر بعدهما قدمان، ووقت فضيلة العصر أربعة أقدام في بعض الاخبار وفي بعضها قدمان وفي بعضها قدمان ونصف، وفي كثير منها أنه لا يمنعك من الفريضة إلا سبحتك إن شئت طولت، وإن شئت قصرت. والذي ظهر لي من جميعها أن المثل والمثلين إنما وردا تقية لاشتهارهما بين المخالفين، وقد أولوهما في بعض الاخبار بالذراع والذراعين، تحرجا عن الكذب، أو المثل والمثلان وقت للفضيلة بعد الذراع والذراعين والاربع، أي إذا أخروا الظهر عن أربعة أقدام فينبغي أن لا يؤخروها عن السبعة، وهي المثل، وإذا

[36]

أخروا العصر عن الثمانية فينبغي أن لا يؤخروها عن الاربعة عشر أعني المثلين. فالاصل من الاوقات الاقدام لكن لا بمعنى أن الظهر لا يقدم عن القدمين بل بمعنى أن النافلة لا توقع بعد القدمين، وكذا نافلة العصر، لا يؤتي بها بعد الاربعة أقدام، فأما العصر فيجوز تقديمها قبل مضى الاربعة إذا فرغ من النافلة قبلها، بل التقديم فيهما أفضل وأما آخر وقت فضيلة العصر فله مراتب: الاولى سته أقدام، والثانية ستة أقدام ونصف، الثالثة ثمانية أقدام، والرابعة المثلان على احتمال، فإذا رجعت إلى الاخبار الواردة في هذا الباب لا يبقى لك ريب في تعين هذا الوجه في الجمع بينها، ومما يؤيد ذلك هذا الخبر ولنرجع إلى حله. قوله عليه السلام: (أن صل الظهر) لعل ذكر الظهر على المثال، ويكون القامتان والذراعان والقدمان للعصر، كما هو ظاهر سائر الاخبار، ويمكن أن يكون وصل إليه الخبر لجميع تلك المقادير في الظهر. قوله: (من هذا) بفتح الميم في الموضعين أي من صاحب الحكم الاول ؟ ومن صاحب الحكم الثاني ؟ أو استعمل بمعنى (ما) وهو كثير، أو بكسرها في الموضعين أي سألت من هذا التحديد ومن هذا التحديد، وفيه بعد ما. قوله: (وقد يكون الظل) لعل السائل ظن أن الظل المعتبر في المثل والذراع هو مجموع المتخلف والزائد، فقال قد يكون الظل المتخلف نصف قدم فيلزم أن يؤخر الظهر إلى أن يزيد الفئ ستة أقدام ونصفا، وهذا كثير. أو أنه ظن أن المماثلة إنما تكون بين الفئ الزايد والظل المتخلف، فاستبعد الاختلاف الذي يحصل من ذلك بحسب الفصول، فان الظل المتخلف قد يكون في بعض البلاد والفصول نصف قدم وقد يكون خمسة أقدام. وحاصل جوابه عليه السلام أن المعتبر في ذلك هو الذراع والذراعان من الفئ الزايد، وهو لا يختلف في الازمان والاحوال. ثم بين عليه السلام سبب صدور أخبار القامة والقامتين، ومنشأ توهم المخالفين وخطائهم في ذلك فبين أن النبي صلى الله عليه وآله كان جدار مسجده قامة، وفي وقت كان

[37]

ظل ذلك الجدار المتخلف عند الزوال ذراعا قال إذا كان الفئ مثل ظل القامة فصلوا الظهر وإذا كان مثليه فصلوا العصر، أو قال مثل القامة وكان غرضه ظل القامة لقيام القرينة بذلك، فلم يفهم المخالفون ذلك وعملوا بالقامة والقامتين، وإذا قلنا القامة والقامتين تقية فمرادنا أيضا ذلك، فقوله عليه السلام متفقين في كل زمان يعني به أنا لما فسرنا ظل القامة بالظل الحاصل في الزمان المخصوص الذي صدر فيه الحكم عن النبي صلى الله عليه وآله وكان في ذلك الوقت ذراعا فلا يختلف الحكم باختلاف البلاد والفصول، وكان اللفظان مفادهما واحدا (مفسرا أحدهما) أي ظل القامة (بالاخر) أي بالذراع. وأما التحديد بالقدم، فأكثر ما جاء في الحديث فانما جاء بالقدمين و الاربعة أقدام، وهو مساو للتحديد بالذراع والذراعين، وما جاء نادرا بالقدم والقدمين فانما اريد بذلك تخفيف النافلة وتعجيل الفريضة طلبا لفضل أول الوقت فالاول، ولعل الامام عليه السلام إنما لم يتعرض للقدم عند تفصيل الجواب وتبيينه، لما استشعر من السائل عدم اهتمامه بذلك، وأنه إنما كان أكثر اهتمامه بتفسير القامة وطلب العلة في تأخير أول الوقت إلى ذلك المقدار. وربما يفسر هذا الخبر بوجه آخر، وهو أن السائل ظن أن غرض الامام من قوله عليه السلام: (صل الظهر إذا كانت الشمس قامة) أن أول وقت الظهر وقت ينتهي الظل في النقصان إلى قامة أو قامتين، أو قدم أو قدمين، أو ذراع أو ذراعين، فقال: كيف تطرد هذه القاعدة، والحال أن في بعض البلاد ينتهي النقص إلى نصف قدم، فإذا عمل بتلك القواعد، يلزم وقوع الفريضة في هذا الفصل قبل الزوال. فأجاب عليه السلام بأن المراد بالشمس ظلها الحادث بعد الزوال، بدليل أن قوله عليه السلام: (صل الظهر إذا كانت الشمس قامة) يدل على أن هذا الظل يزيد وينقص في كل يوم، وإذا كان المراد الظل المتخلف فهو في كل يوم قدر معين لا يزيد ولا ينقص ثم حمل كلامه عليه السلام على أن الاصل صيرورة ظل كل شئ مثله

[38]

لكن لما كان الشاخص قد يكون بقدر ذراع، وقد يكون بقدر ذراعين، أو بقدر قدم أو قدمين، فلذا قيل إذا كان الظل ذراعا أي في الشاخص الذي يكون ذراعا وهكذا، وقوله فإذا كان الزمان يكون فيه ظل القامة ذراعا حمله على ان المعنى أنه إذا كان الشاخص ذراعا، وكان الظل المتخلف ذراعا، فبعد تلك الذراع يحسب الذراع المقصود، وإن كان المتخلف أقل من الذراع فبعده يحسب الذراع والذراع الذي هو الظل الزايد ذراع أبدا لا يختلف، وإنما يختلف ما يضم إليه من الظل المتخلف، ولا يخفى بعد هذا الوجه، وظهور ما ذكرنا على العارف بأساليب الكلام، المتتبع لاخبار أئمة الانام عليهم السلام. وفي التهذيب فسر القامة في هذا الخبر بما يبقى عند الزوال من زوال الظل سواء كان ذراعا أو أقل أو أكثر، وجعل التحديد بصيرورة الفئ الزايد مثل الظل الباقي كائنا ما كان، واعترض عليه بأنه يقتضي اختلافا فاحشا في الوقت بل يقتضي التكليف بعبادة يقصر عنها الوقت، كما إذا كان الباقي شيئا يسيرا جدا بل يستلزم الخلو عن التوقيت في اليوم الذي تسامت فيه الشمس رأس الشخص، لانعدام الظل الاول حينئذ ويعني بالعبادة النافلة لان هذا التأخير عن الزوال إنما هو للاتيان بها. أقول: ويرد عليه أيضا أنه يأبى عنه قوله (فإذا كان ظل القامة أقل أو أكثر كان الوقت محصورا بالذراع والذراعين) لانه على تفسيره يكون محصورا بمقدار ظل القامة كائنا ما كان، وأيضا ينافي ساير الاخبار الواردة في هذا الباب، وعلى ما حملنا عليه يكون جامعا بين الاخبار المختلفة الواردة في هذا الباب، ويؤيده ما رواه (1) الشيخ عن الصادق عليه السلام أنه قال له أبو بصير: كم القامة ؟ فقال: ذراع، أن قامة رحل رسول الله صلى الله عليه وآله كانت ذراعا، وعنه عليه السلام قال: القامة هي الذراع (2) وعنه عليه السلام (3) قال: القامة والقامتين الذراع والذراعين في كتاب علي عليه السلام ونصبهما على الحكاية.


(1 - 3) التهذيب ج 1 ص 140.

[39]

ولنوضح هذا المطلب بايراد مباحث مهمة تعين على فهم الاخبار الواردة في هذا الكتاب، وفي سائر الكتب في هذا الباب. الاول: المشهور بين الاصحاب أن لكل صلاة وقتين، سواء في ذلك المغرب وغيرهما، كما ورد في الاخبار الكثيرة (لكل صلاة وقتان وأول الوقتين أفضلهما) وحكى ابن البراج عن بعض الاصحاب قولا بأن للمغرب وقتا واحدا عند غروب الشمس وسيأتي بعض القول فيه. واختلف الاصحاب في الوقتين فذهب الاكثر منهم المرتضى وابن الجنيد وابن إدريس والفاضلان وجمهور المتأخرين إلى أن الوقت الاول للفضيلة، والثاني للاجزاء وقال الشيخان: الاول للمختار، والثانى للمعذور والمضطر، وقال الشيخ في المبسوط العذر أربعة: السفر، والمطر، والمرض، وشغل يضر تركه بدينه أو دنياه والضرورة خمسة: الكافر يسلم، والصبي يبلغ، والحائض تطهر، والمجنون والمغمى عليه يفيقان. الثاني: أول وقت الظهر زوال الشمس عند وسط السماء، وهو خروج مركزها عن دائرة نصف النهار باجماع العلماء، نقله في المعتبر والمنتهى، و تدل عليه الاية والاخبار المستفيضة، وما دل من الاخبار على أن وقت الظهر بعد الزوال بقدم أو ذراع أو نحو ذلك، فانه محمول على وقت الافضلية أو الوقت المختص بالفريضة. الثالث: اختلف علماؤنا في آخر وقت الظهر، فقال السيد: يمتد وقت الفضيلة إلى أن يصير ظل كل شئ مثله ووقت الاجزاء إلى أن يبقى للغروب مقدار أداء العصر، وهو مختار ابن الجنيد وسلار وابن زهرة وابن إدريس و جمهور المتأخرين وذهب الشيخ في المبسوط والخلاف والجمل إلى امتداد وقت الاختيار إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، ووقت الاضطرار إلى أن يبقى للغروب مقدار أداء العصر، وقال في النهاية: آخر وقت الظهر لمن لا عذر له إذا صارت الشمس على أربعة أقدام، وقال المفيد: وقت الظهر بعد زوال الشمس إلى

[40]

أن يرجع الفئ سبعي الشخص. ونقل في المختلف عن ابن أبي عقيل أن أول وقت الظهر زوال الشمس إلى أن ينتهي الظل ذراعا واحدا، أو قدمين من ظل قامة بعد الزوال، وأنه وقت لغير ذوي الاعذار، وعن أبي الصلاح أن آخر وقت المختار الافضل أن يبلغ الظل سبعي القائم، وآخر وقت الاجزاء أن يبلغ الظل أربعة أسباعه، و آخر وقت المضطر أن يصير الظل مثله، وقد عرفت ما اخترناه في هذا الباب. الرابع: أول وقت العصر بعد الفراغ من الظهر، ونقل عليه الاجماع في المعتبر والمنتهى، ويستحب التأخير بمقدار أداء النافلة كما عرفت، وهل يستحب التأخير إلى أن يصير الظل أربعة أقدام أو يصير ظل كل شئ مثله ؟ فظاهر أكثر الاخبار عدمه كما عرفت، وذهب إليه جماعة من المحققين وذهب المفيد وابن الجنيد وجماعة إلى استحباب التأخير إلى أن يخرج فضيلة الظهر، وهو المثل أو الاقدام، وجزم الشهيد في الذكرى باستحباب التفريق بين الصلاتين وقد عرفت أن التفريق يتحقق بتوسط النافلة بينهما. الخامس: اختلف الاصحاب في آخر وقت العصر، فقال المرتضى - ره - يمتد وقت الفضيلة إلى أن يصير الفئ قامتين، ووقت الاجزاء إلى الغروب و إليه ذهب ابن الجنيد وابن إدريس وابن زهرة وجمهور المتأخرين وقال المفيد يمتد وقتها للمختار إلى أن يتغير لون الشمس باصفرارها للغروب، وللمضطر و الناسي إلى الغروب. وقال الشيخ في الخلاف: آخره إذا صار ظل كل شئ مثليه، وقال في المبسوط آخره إذا صار ظل كل شئ مثليه للمختار، وللمضطر إلى غروب الشمس، وهو المنقول عن ابن البراج وأبي الصلاح وابن حمزة وظاهر سلار وعن ابن أبي عقيل أن وقته إلى أن ينتهى الظل ذراعين بعد زوال الشمس، فإذا جاوز ذلك دخل في الوقت الاخر مع أنه زعم أن الوقت الاخر للمضطر. وعن المرتضى في بعض كتبه: يمتد حتى يصير الظل بعد الزيادة

[41]

مثل ستة أسباعه للمختار، وقد عرفت أن الظاهر أن وقت الاجزاء ممتد إلى الغروب، ووقت الفضيلة إلى المراتب المختلفة المقررة للفضل والافضلية. وقال المحقق في المعتبر ونعم ما قال: هذا الاختلاف في الاخبار دلالة الترخيص وأمارة الاستحباب. ثم الظاهر من كلام القائلين بالاختيار والاضطرار أن المختار وإن أثم بالتأخير عن الوقت الاول لكنها لا تصير قضاء، بل الظاهر من كلام بعضهم أنه إثم معفو عنه بل يظهر من بعض كلمات الشيخ أن المناقشة لفظية حيث قال في موضع من التهذيب: (وليس لاحد أن يقول إن هذه الاخبار إنما تدل على أن أول الاوقات أفضل، ولا تدل على أنه تجب في أول الوقت، لانه إذا ثبت أنه في أول الوقت أفضل، ولم يكن هناك منع ولا عذر، فانه يجب أن يفعل، ومن لم يفعل والحال هذه استحق اللوم والعتب، ولم نرد بالوجوب ههنا ما يستحق. بتركه العقاب، لان الوجوب على ضروب عندنا، منها ما يستحق بتركه العقاب ومنها ما يكون الاولى فعله، ولا يستحق بالاخلال به العقاب، وإن كان يستحق به ضربا من اللوم والعتب) وهذا كالصريح في أن المراد بالوجوب الفضيلة. وهذا كله في الحضر، فأما السفر فلا إشكال بل قيل لا خلاف بين المسلمين في جواز الجمع للاخبار الكثيرة الصريحة في ذلك. 13 - اختيار الرجال للكشي: عن محمد بن إبراهيم الوراق، عن علي بن محمد بن يزيد، عن بنان بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن محمد بن أبي عمير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: كيف تركت زرارة ؟ فقلت: تركته لا يصلي العصر حتى تغيب الشمس، قال: فأنت رسولي إليه، فقل له فليصل في مواقيت أصحابه، فاني قد حرقت قال: فأبلغته ذلك، فقال أنا والله أعلم أنك لم تكذب عليه، ولكن أمرني بشئ فأكره أن أدعه (1). بيان: قوله عليه السلام: (فاني قد حرقت) أقول: النسخ هنا مختلفة، ففي


(1) رجال الكشى ص 129

[42]

بعضها بالحاء المهملة والفاء على بناء المجهول من التفعيل أي غيرت عن هذا الرأي فاني أمرته بالتأخير لمصلحة والان قد تغيرت المصلحة، ويؤيده أن في بعض النسخ صرفت بالصاد المهملة بهذا المعنى، وفي بعضها بالحاء والقاف كناية عن شدة التأثر والحزن، أي حزنت لفعله ذلك، وفي خبر آخر من أخبار زرارة (فحرجت) من الحرج، وهو الضيق، وعلى التقادير الظاهر أن قول الراوي حتى تغيب الشمس مبني على المبالغة والمجاز، أي شارفت الغروب. 14 - الاختيار: عن حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن القاسم بن عروة، عن ابن بكير قال: دخل زرارة على أبي عبد الله عليه السلام قال: إنكم قلتم لنا في الظهر و العصر على ذراع وذراعين، ثم قلتم: أبردوا بها في الصيف، فكيف الابراد بها ؟ وفتح ألواحه ليكتب ما يقول فلم يجبه أبو عبد الله عليه السلام بشئ فأطبق ألواحه فقال إنما علينا أن نسألكم وأنتم أعلم بما عليكم، وخرج ودخل أبو بصير على أبي عبد الله فقال عليه السلام: إن زرارة سألني عن شئ فلم اجبه. وقد ضقت من ذلك، فاذهب أنت رسولي إليه فقل: صل الظهر في الصيف إذا كان ظلك مثلك والعصر إذا كان مثليك، وكان زرارة هكذا يصلي في الصيف ولم أسمع أحدا من أصحابنا يفعل ذلك غيره، وغير ابن بكير (1). بيان: هذا الخبر مؤيد لما مر من استحباب تأخير الظهر في شدة الحر ويدل على استحباب تأخير العصر أيضا والاصحاب خصوا الحكم بالظهر، ولا يخلو من قوة فان الخروج عن الاخبار الكثيرة الدالة علي فضيلة أول الوقت بمجرد ذلك مشكل، مع احتمال التقية أيضا، بل الحكم في الظهر أيضا مشكل كما عرفت، ولعل مضايقته عليه السلام عن بيان الحكم مما يؤيده. ويؤيده أيضا اشتهار الرواية والحكم بين المخالفين، قال محيي السنة في شرح السنة بعد أن روى عن أبي هريرة بأسانيد (أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فان شدة الحر من فيح جهنم، وقال: اشتكت النار إلى ربها


(1) رجال الكشى ص 130.

[43]

فقالت رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء، ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر فمن حرها، وأشد ما تجدون من البرد فمن زمهريرها) معنى الابراد انكسار حر الظهيرة، وهو أن يفئ الافياء، وينكسر وهج الحر فهو برد بالاضافة إلى حر الظهيرة، وقوله: (من فيح جهنم) قال الخطابي معناه سطوع حرها وانتشاره، وأصله في كلامهم السعة والانتشار يقال: مكان أفيح أي واسع. ثم قال: واختلف أهل العلم في تأخير صلاة الظهر في شدة الحر فذهب ابن المبارك وأحمد وإسحاق إلى تأخيرها والابراد بها في الصيف، وهو الاشبه بالاتباع، وقال الشافعي تعجيلها أولى إلا أن يكون إمام مسجد ينتا به الناس من بعد، فانه يبرد بها في الصيف، فأما من صلى وحده أو جماعة في مسجد بفناء بيته لا يحضره إلا من بحضرته فانه يعجلها، لانه لا مشقة عليهم في تعجيلها. ثم روي عن أبي ذر رضي الله عنه بأسانيد قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد حتى رأينا فئ التلول فقال النبي صلى الله عليه وآله إن شدة الحر من فيح جهنم: فإذا اشتد الحر فأبردو بالصلاة ثم قال: وفيه دليل على أن الابراد أولى، وإن لم يأت من بعد ؟ ؟ ؟ النبي صلى الله عليه وآله أمره مع كونهم مجتمعين في السفر انتهى. وحمل بعض الافاضل الخبر على بلد يكون ظل الزوال فيه حال الصيف خمسة أقدام مثلا، فإذا صار مع الزيادة الحاصلة بعد الزوال مساويا للشخص يكون قد زاد قدمين فيوافق الاخبار الاخر، وهو محمل بعيد، مع أنه لا يستقيم في العصر، وفي تنزيل الجمعة منزلة الظهر على القول به فيها وجهان الاقرب الاقتصار على مورد النص للاخبار الدالة على ضيق وقت الجمعة، وخالف في ذلك في التذكرة فحكم بشموله لها. 15 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن

[44]

عباد، عن عمه، عن أبيه، عن جابر، عن إبراهيم بن عبد الاعلى، عن سويد بن غفلة، عن علي وعمر وأبي بكر وابن عباس قالوا كلهم: صل العصر والفجاج مسفرة، فانها كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله (1). 16 - السرائر: من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد، عن ابن أبي عمير، عن أبي عبد الله الفراء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له رجل من أصحابنا: إنه ربما اشتبه علينا الوقت في يوم غيم، فقال: تعرف هذه الطيور التي عندكم بالعراق يقال لها: الديوك ؟ فقال: نعم، قال: إذا ارتفعت أصواتها وتجاوبت فعند ذلك فصل (2). بيان: يدل على جواز التعويل في دخول الوقت على ارتفاع أصوات الديوك وتجاو بها وأورده الصدوق في الفقيه (3) وظاهره الاعتماد عليها، ومال إليه في الذكرى ونفاه العلامة في التذكرة، وهو أحوط ولابد من حملها على ما إذا صاتت في الوقت المحتمل، إذا كثيرا ما تصيح عند الضحى. 17 - منتهي المطلب: روى ابن بابويه في كتاب مدينة العلم في الصحيح عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان المؤذن يأتي النبي صلى الله عليه وآله في الحر في صلاة الظهر فيقول صلى الله عليه وآله: أبرد أبرد. 18 - أربعين الشهيد: باسناده عن الصدوق، عن والده، عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عيسى، عن معاوية مثله. 19 - منتهى المطلب: روى ابن بابويه في كتاب مدينة العلم في الصحيح عن الحسن بن علي الوشا قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: كان أبي ربما صلى الظهر على خمسة أقدام. 20 - العياشي: عن إدريس القمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن (الباقيات الصالحات) فقال: هي الصلاة، فحافظوا عليها، وقال: لا تصلي الظهر أبدا حتى


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 357. (2) السرائر ص 496. الفقيه ج 1 ص 143 و 144

[45]

تزول الشمس (1). 21 - ومنه: عن سعيد الاعرج قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو مغضب، وعنده نفر من أصحابنا وهو يقول: تصلون قبل أن تزول الشمس ؟ قال وهم سكوت، قال: فقلت أصلحك الله ما نصلي حتى يؤذن مؤذن مكة، قال: فلا بأس أما إنه إذا أذن فقد زالت الشمس، ثم قال: إن الله يقول: (أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) فقد دخلت أربع صلوات فيما بين هذين الوقتين، وأفرد صلاة الفجر فقال: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) فمن صلى قبل أن تزول الشمس فلا صلاة له (2). بيان: ظاهره جواز التعويل على الاذان، وإن أمكن أن يكون عليه السلام علم أن هذا المؤذن لا يؤذن قبل الظهر. 22 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: إذا زالت الشمس دخل وقت الصلاتين: الظهر والعصر، وليس يمنع من صلاة العصر بعد صلاة الظهر إلا قضاء السبحة التي بعد الظهر وقبل العصر، فان شاء طول إلى أن يمضي قدمان، وإن شاء قصر (3). وعن أبي جعفر عليه السلام أنه خرج ومعه رجل من أصحابه إلى مشربة ام إبراهيم، فصعد المشربة، ثم نزل، فقال للرجل: زالت الشمس ؟ قال أنت أعلم جعلت فداك، فنظر فقال: قد زالت وأذن وقام إلى نخلة فصلى صلاة الزوال، وهي صلاة السنة قبل الظهر، ثم أقام الصلاة وتحول إلى نخلة اخرى، وأقام الرجل عن يمينه فصلى الظهر أربعا ثم تحول إلى نخلة اخرى فصلى صلاة السنة بعد الظهر أربع ركعات، ثم أذن وصلى أربع ركعات، ثم أقام الصلاة وصلى العصر أربعا ولم تكن بين الظهر والعصر إلا السبحة (4).


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 327، والاية في سورة الكهف. 46. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 308. (3 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 137.

[46]

ايضاح: يدل على استحباب إيقاع نافلة الزوال بين الاذان والاقامة وعلى جواز إيقاع الامام الاذان والاقامة معا بل، رجحانه وعلى رجحان قيام المقتدي إذا كان واحدا عن يمين الامام، وعلى أن الاربع الاولى من الثمان ركعات بين الظهرين للظهر، والاربع الاخيرة للعصر، وعلى استحباب إيقاع الاربع الاخيرة بين الاذان والاقامة، وعلى أنه يتحقق التفريق المستحب والموجب لاعادة الاذان بتوسط النافلة بين الفرضين، وعلى استحباب تفريق الفرائض والنوافل على الامكنة، وقد وردت العلة بأنها تشهد للمصلي يوم القيامة. 23 - الدعائم: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: آخر وقت العصر أن تصفر الشمس (1). وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: صلوا العصر والشمس بيضاء نقية (2). وعنه عليه السلام أنه كان يأمر بالابراد بصلاة الظهر في شدة الحر، وذلك أن تؤخر بعد الزوال شيئا (3). 24 - الهداية: قال الصادق عليه السلام: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين إلا أن بين يديها سبحة، فان شئت طولت، وإن شئت قصرت (4). وقال الصادق عليه السلام: أول الوقت زوال الشمس وهو وقت الله الاول وهو أفضلهما (5). وقال عليه السلام: إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء فلا احب أن يسبقني أحد بالعمل إني احب أن تكون صحيفتي أول صحيفة يكتب فيها العمل الصالح (6). وقال عليه السلام: ما يأمن أحدكم الحدث في ترك الصلاة، وقد دخل وقتها و هو فارغ، فأول وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن تمضي قدمان، ووقت العصر


(1 - 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 138. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 140. (4 - 6) الهداية: 28.

[47]

من حين يمضي قدمان من زوال الشمس إلى أن تغيب (1). وقال: لفضل الوقت الاول على الاخر كفضل الاخرة على الدنيا (2). 25 - تفسير سعد بن عبد الله: برواية ابن قولويه عند باسناده عنهم عليهم السلام قال: من كان مقيما على الاقرار بالائمة عليهم السلام كلهم، وبامام زمانه وولايته، وأنه قائم العين ومستور من عقب الماضي قبله وقد خفي عليه اسم الحجة وموضعه في هذا الوقت فمعذور في إدراك الاسم والموضع حتى يأتيه الخبر الذي بمثله تصح الاخبار، ويثبت الاسم والمكان، ومثل ذلك إذا حجب الله عزوجل عن العباد عين الشمس التي جعلها دليل الصلاة، فموسع عليهم تأخيرها حتى يتبين لهم، أو يصح لهم دخول الوقت، وهم على يقين أن عينها لم تبطل، وقد خفي عليهم موضعها (3). 26 - المجازات النبوية: عن النبي صلى الله عليه وآله قال في حديث طويل: يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى. قال السيد: أي يؤخرونها إلى أن لا يبقى من النهار إلا بقدر ما بقي من نفس الميت قد شرق بريقه وغرغر ببقية نفسه (4). 27 - كتاب عاصم بن حميد: عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام


(1 - 2) الهداية: 28. (3) كتاب التفسير هو الذى روى برواية اخرى عن النعماني، وقد أدرجه المؤلف العلامة في كتاب القرآن ج 93 وموضع النص منه ص 15 وقد مر سابقا أيضا ملخصا. (4) المجازات النبوية ص 193 واللفظ فيه هكذا: وقد قيل في ذلك أقوال كلها بعيدة عن المحجة، ومع ذلك يخرج الكلام من حيز الاستعارة غير قول واحد، وهو أن يكون المراد أنهم يؤخرون الصلاة إلى أن لا يبقى من النهار الا بقدر ما بقى من نفس الميت الذى قد شرق بريقه وغرغر ببقية نفسه، فشبه عليه السلام تلك البقية بشفافة الذماء التى قد قرب انقضاؤها وحان فناؤها.

[48]

يقول: إن الموتور أهله وماله من ضيع صلاة العصر قال: قلت أي أهل له ؟ قال: لا يكون له أهل في الجنة. 28 - كتاب محمد بن المثنى: عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربي أنه كان جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عليه زرارة بن أعين فقال: يا أبا عبد الله ! إني اصلي الاولى إذا كان الظل قدمين، ثم اصلي العصر إذا كان الظل أربعة أقدام، فقال أبو عبد الله عليه السلام إن الوقت في النصف مما ذكرت إني قدرت للموالي جريدة فليس يخفى عليهم الوقت. أقول: قد مضى خبر وصية محمد بن أبي بكر وخبر داود بن سليمان وغيرهما في الابواب السابقة.

[49]

[8] * (باب) * * (وقت العشائين) * 1 - مجالس الصدوق والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن الحسن القرشي، عن سليمان بن جعفر البصري عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن الله كره لكم أيتها الامة أربعا وعشرين خصلة، ونهاكم عنها - إلى أن قال: وكره النوم قبل العشاء الاخرة وكره الحديث بعد العشاء الاخرة (1). 2 - أمالى ابن الشيخ: عن أبيه عن جماعة، عن أبي المفضل، عن إسحاق بن محمد ابن مروان، عن أبيه، عن يحيى بن سالم الفرا، عن حماد بن عثمان، عن جعفر ابن محمد، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما اسرى بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ياقوت أحمر يرى باطنه من ظاهره لضيائه ونوره، وفيه قبتان من در وزبرجد، فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر ؟ قال: هو لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام. قال علي عليه السلام فقلت: يا رسول الله وفي امتك من يطيق هذا ؟ فقال صلى الله عليه وآله أتدري ما إطابة الكلام ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: من قال: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أتدري ما إدامة الصيام ؟ قلت: الله و رسوله أعلم، قال: من صام شهر الصبر شهر رمضان، ولم يفطر منه يوما، أتدري ما إطعام الطعام ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من طلب لعياله ما يكف به وجوههم


(1) أمالى الصدوق ص 181، الخصال ج 2 ص 102.

[50]

عن الناس أتدري ما التهجد بالليل والناس نيام ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال من لم ينم حتى يصلي العشاء الاخرة، والناس من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين نيام بينهما (1). 3 - تفسير النعماني: عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله، وفيه لانهم ينامون بين الصلاتين (2). 4 - السرائر: من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن الحسين، عن أحمد القروي، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دلوك الشمس زوالها وغسق الليل بمنزلة الزوال من النهار (3). 5 - منتهى المطلب: قال: روى ابن بابويه في كتاب مدينة العلم في الصحيح عن عبد الله بن مسكان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وقت المغرب إذا غربت الشمس فغاب قرصها. بيان: أول وقت المغرب غروب الشمس بلا خلاف، قال في المعتبر: وهو إجماع العلماء، وكذا في المنتهى، واختلف الاصحاب فيما يتحقق به الغروب فذهب الاكثر إلى أنه إنما يتحقق ويعلم بذهاب الحمرة المشرقية، قال في المعتبر: وعليه عمل الاصحاب، وقال الشيخ في المبسوط: علامة غيبوبة الشمس هو أنه إذا رأى الافاق، والسماء مصحية ولا حايل بينه وبينها ورآه قد غابت عن العين علم غروبها، وفي أصحابنا من قال: يراعي زوال الحمرة من ناحية المشرق وهو الاحوط فأما على القول الاول إذا غابت الشمس عن النظر ورأى ضوءها على جبل يقابلها أو مكان عال مثل منار الاسكندرية وشبهها فانه يصلي، ولا يلزمه حكم طلوعها بحيث طلعت وعلى الرواية الاخرى لا يجوز ذلك حتى تغيب في كل موضع تراه وهو الاحوط انتهى.


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 73. (2) راجع البحار ج 93 ص 83، ورواه القمى في تفسيره ص 19. (3) السرائر ص 475. (*)

[51]

ويظهر منه أن الاعتبار عنده بغيبوبة القرص، وإليه ذهب في الاستبصار على أحد الوجهين في الجمع بين الاخبار، وهو مختار السيد المرتضى وابن الجنيد و ابن بابويه في كتاب علل الشرايع (1) وظاهر اختياره في الفقيه (2) حيث نقل الاحاديث الدالة عليه، واختاره بعض المتأخرين. وقال ابن أبي عقيل: أول وقت المغرب سقوط القرص، وعلامة سقوط القرص أن يسود افق السماء من المشرق، وذلك عند إقبال الليل وتقوية الظلمة في الجو، واشتباك النجوم، ولعله أراد ما يقرب القول الاول والاخبار المعتبرة الكثيرة تدل على القول الثاني، وهو استتار القرص، ولعل الاكثر إنما عدلوا عنها لموافقتها لمذاهب العامة: فحملوها على التقية، وتأويلها بذهاب الحمرة في غاية البعد، لكن العمل بها، وحمل ما يعارضها على الاستحباب وجه قوي به يجمع بين


(1) علل الشرايع ج 2 ص 38 باب العلة التى من أجلها صار وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وكما ترى عنوان الباب يوافق المشهور وان كان في طى الباب احاديث تحكم بأن غروب الشمس باستتار القرص والذى عندي أن الغروب هو استتار القرص لا عن وجه الارض فقط، بل عنها وعن كل ما علاها من الجو الذى يتعلق بها وهو منتهى ما يمكن للانسان أن يعيش فيه ويتنفس من الهواء المحيط بالارض، وذلك لان سلطان الشمس ونفوذها انما هو في الهواء، ولولاه لم يكن للشمس ضياء ولا بهاء، فاللازم أن يعتبر الغروب بالنسبة الى الهواء الذى يعلو كل قطعة من الارض. فلو قيل بأن الغروب هو استتار الشمس عن نظر الرائى الذى قام على وجه الارض لوجب على ذاك الرائى صلاة المغرب، ولم يجب على من ارتفع إلى الطبقة الثانية، وإذا غربت الشمس من الطبقة الثانية ولم تغرب من الثالثة عاد الاشكال والمحذور وهكذا في كل طبقة بالنسبة إلى طبقة أخرى تعلوها، الا إذا اعتبر غروب الشمس عن الطبقة العالية التى ليس بعدها هواء ولا للشمس فيها شعاع وضياء. ولا يعرف غروبها عن تلك الطبقة الا بذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس. (2) الفقيه ج 1 ص 141 - 142.

[52]

الاخبار، ويؤيده بعض الروايات، وإن كان العمل بالمشهور أحوط. ثم إنه قد عرفت ما دل عليه كلام المبسوط من حصول الاستتار ودخول الوقت وإن بقي شعاع الشمس على رؤوس الجبال، والمنارة العالية، وقال في التذكرة وهو أي الغروب ظاهر في الصحاري وأما في العمران والجبال فيستدل عليه بأن لا يبقى شئ من الشعاع على رؤوس الجدران، وقلل الجبال، وهو أحوط، وإن دل بعض الاخبار على ما اختاره الشيخ كما ستعرف. وأما آخر وقت المغرب فالمشهور بين الاصحاب امتداد وقتها للمختار إلى انتصاف الليل أو إلى أن يبقى لانتصاف الليل مقدار العشاء على القول بالاختصاص، وهو اختيار المرتضى وابن الجنيد وابن زهرة وابن إدريس وجمهور المتأخرين، ونقل ابن زهره إجماع الفرقة عليه. وقال المفيد: آخر وقتها غيبوبة الشفق، وهو الحمرة في المغرب، والمسافر إذا جد به السير عند المغرب فهو في سعة من تأخيرها إلى ربع الليل، ونحوا منه قال الشيخ في النهاية: وقال في المبسوط آخره غيبوبة الشفق وأطلق، وكذا في الجمل وهو المحكى عن ابن البراج وابن أبي عقيل [ونقل في المختلف أنه للمختار وللمضطر إلى ربع الليل، وبه قال ابن حمزة وأبو الصلاح وقال في الخلاف آخره غيبوبة الشفق، وعن السيد أنه قال في الناصرية: آخر وقتها مغيب الشفق الذي هو الحمرة وروي ربع الليل وحكم بعض أصحابنا أن وقتها يمتد إلى نصف الليل وعن ابن أبي عقيل] أن ما بعد الشفق وقت المضطر، وعن ابن بابويه وقت المغرب لمن كان في طلب المنزل في سفر إلى ربع الليل، وكذا للمفيض من عرفات إلى جمع، وعن سلار يمتد وقت العشاء الاول إلى أن يبقى لغياب الشفق الاحمر مقدار أداء ثلاث ركعات. ونقل في المنتهى عن الشيخ أن آخره للمختار ذهاب الشفق، وللمضطر إلى ما قبل نصف الليل بأربع، ونقله عن السيد في المصباح، وعن بعض العلماء يمتد وقت المضطر حتى يبقى للفجر وقت العشاء، واختاره المحقق في المعتبر

[53]

ونقله الشيخ في المبسوط عن بعض الاصحاب وحكى عن ابن البراج أنه حكى عن بعض الاصحاب قولا بأن للمغرب وقتا واحدا عند غروب الشمس، ولعل الاقوى امتداد وقت الفضيلة إلى سقوط الشفق، ووقت الاجزاء للمختار إلى نصف الليل، وللمضطر إلى ما قبل طلوع الفجر بقدر العشاء. وأما وقت العشاء الاخرة فالمشهور أن أولها إذا مضى من غروب الشمس مقدار أداء ثلاث ركعات، وقال الشيخان: أول وقتها غيبوبة الشفق، ونسبه في الخلاف إلى ابن أبي عقيل وسلار وهو أحد قولي المرتضى وصرح الشيخ في النهاية بجواز تقديم العشاء قبل غيبوبة الشفق في السفر وعند الاعذار، وجوز في التهذيب تقديمه إذا علم أو ظن أنه إذا لم يصل في هذا الوقت لم يتمكن منه بعده، والاول أقوى. وآخر وقت العشاء على المشهور انتصاف الليل سواء في ذلك المختار والمضطر وقال المفيد: آخره ثلث الليل، وهو مختار الشيخ في جملة من كتبه، وابن البراج وقال في المبسوط والنهاية آخره للمختار ثلث الليل وللمضطر نصف الليل، واختاره ابن حمزة وعن ابن أبي عقيل أول وقت العشاء الاخرة مغيب الشفق وهو الحمرة فإذا جاز ذلك حتى دخل ربع الليل فقد دخل في الوقت الاخير، وقد روي إلى نصف الليل. ونقل الشيخ في المبسوط عن بعض علمائنا قولا بأن آخره للمضطر طلوع الفجر، واختاره المحقق في المعتبر وبعض المتأخرين، ونقل عن أبي الصلاح أن آخره للمختار ربع الليل وللمضطر نصف الليل ولعل الاقوى امتداد وقت الفضيلة إلى ثلث الليل، ووقت الاجزاء للمختار إلى نصف الليل، ووقت المضطر إلى طلوع الفجر فلو أخر المختار عن نصف الليل أثم، ولكنه يجب عليه الاتيان بالعشائين قبل طلوع الفجر أداء، وما اخترناه في الجمع أولى مما اختاره الشيخ من القول باستحباب القضاء إذا زال عذر المعذور بعد نصف الليل، حيث قال في المبسوط: وفي أصحابنا من قال إلى طلوع الفجر، فأما من يجب عليه القضاء من

[54]

أصحاب الاعذار والضرورات، فانا نقول ههنا عليه القضاء، إذ الحق قبل الفجر مقدار ما يصلي ركعة أو أربع ركعات صلى العشاء الاخرة، وإذ الحق مقدار ما يصلي خمس ركعات صلى المغرب أيضا معها استحبابا وإنما يلزمه وجوبا إذ الحق قبل نصف الليل بمقدار ما يصلي فيه أربع ركعات أو قبل أن يمضي ربعه مقدار ما يصلي ثلاث ركعات المغرب انتهى مع أنه قال بهذا الفرق في سائر أوقات الاختيار والاضطرار. وقال في موضع من الخلاف: لا خلاف بين أهل العلم في أن أصحاب الاعذار إذا أدرك أحدهم قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة أنه يلزمه العشاء الاخرة. فان قيل ظاهر الاية انتهاء وقت العشائين بانتصاف الليل، لقوله تعالى: (إلى غسق الليل) وإذا اختلفت الاخبار يجب العمل بما يوافق القرآن، قلنا إذا أمكننا الجمع بين ظاهر القرآن والاخبار المتنافية ظاهرا فهو أولى من طرح بعض الاخبار، وحمل الاية على المختارين الذين هم جل المخاطبين وعمدتهم يوجب الجمع بينها، وعدم طرح شئ منها وأيضا لو قال تعالى إلى طلوع الفجر لكنا نفهم منه جواز التأخير من نصف الليل اختيارا، فلذا قال إلى غسق الليل. وأما حمل أخبار التوسعة على التقية كما فعله الشهيد الثاني قدس الله روحه حيث قال: وللاصحاب أن يحملوا الروايات الدالة على الامتداد إلى الفجر على التقية لاطباق الفقهاء الاربعة عليه، وإن اختلفوا في كونه آخر وقت الاختيار أو الاضطرار، فهو غير بعيد، لكن أقوالهم لم تكن منحصرة في أقوال الفقهاء الاربعة وعندهم في ذلك أقوال منتشرة، والحمل على التقية إنما يكون فيما إذا لم يكن محمل آخر ظاهر به يجمع بين الاخبار، وما ذكرنا جامع بينها. وبالجملة، المسألة لا تخلو من إشكال، والاحوط عدم التأخير عن تتمة الليل، بعد تجاوز النصف، وعدم التعرض للاداء والقضاء، والله يعلم حقايق الاحكام وحججه الكرام عليهم السلام. 6 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف رفعه، عن محمد بن حكيم، عن شهاب بن عبد ربه قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا شهاب إني احب إذا صليت المغرب أن أرى في السماء

[55]

كوكبا (1). بيان: قال الشيخ في الاستبصار بع إيراد هذا الخبر: يوجه الاستحباب في هذا الخبر بأن يتأنى الانسان في صلاته ويصليها على تؤدة، فانه إذا فعل ذلك يكون فراغه منها عند ظهور الكواكب، ويحتمل أيضا أن يكون مخصوصا بمن يكون في موضع لا يمكنه اعتبار سقوط الحمرة من المشرق، بأن يكون بين الحيطان العالية أو الجبال الشاهقة، فان من هذه صفته ينبغي أن يستظهر في ذلك بمراعاة الكواكب انتهى. ولا يخفى أنه لا حاجة إلى هذا التأويل البعيد، لا سيما على ما اختاره عند إبداء الوجه الاخير من دخول الوقت بذهاب الحمرة، إذ لا ينفك ذهابها عن ظهور كوكب غالبا، وليس في الخبر الكواكب ولا اشتباكها، بل يمكن أن يقال لا ينافي القول باستتار القرص أيضا بل يؤيده بوجهين أحدهما أنه عند الغروب يظهر كوكب في أكثر الاوقات، لا سيما إذا كانت الزهرة مؤخرة عن الشمس، وثانيهما أن (احب) يدل على استحباب التأخير لا وجوبه. 7 - العلل: عن أبيه، عن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ملك موكل يقول (من نام عن العشاء إلى نصف الليل فلا أنام الله عينه) (2). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن موسى بن بكر مثله (3). المحاسن: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد مثله وفيه عينيه (4). 8 - السرائر: من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسن، عن


(1) علل الشرايع ج 2 ص 39. (2) علل الشرائع ج 2 ص 45. (3) ثواب الاعمال: 208. (4) المحاسن ص 84.

[56]

علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما أمرت أبا الخطاب أن يصلي المغرب حين تغيب الحمرة من مطلع الشمس عند مغربها، فجعله هو الحمرة التي من قبل المغرب، وكان يصلي حين يغيب الشفق (1). 9 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله، عن التلعكبري، عن محمد بن همام عن عبد الله بن الحميري، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن زريق الخلقاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عليه السلام يصلي المغرب عند سقوط القرص قبل أن تظهر النجوم (2). 10 - الهداية: قال الصادق عليه السلام: إذا غابت الشمس فقد حل الافطار، و وجبت الصلاة، ووقت المغرب أضيق الاوقات، وهو إلى حين غيبوبة الشفق، ووقت العشاء من غيبوبة الشفق إلى ثلث الليل (3). 11 - المحاسن: عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن صلاة المغرب فقال: أنخ إذا غابت الشمس، قال: فانه يشتد على القوم إناخته مرتين، قال: إنه أصون للظهر (4). 12 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد ابن عيسى وموسى بن جعفر البغدادي معا، عن عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن علي بن فضال، عن داود بن أبي يزيد، عن الصادق عليه السلام قال: إذا غابت الشمس فقد دخل وقت المغرب (5). 13 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن


(1) السرائر: 475. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 306. (3) الهداية: 29 و 30. (4) المحاسن ص 639. (5) أمالى الصدوق ص 49.

[57]

العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن الحسن بن سعيد، عن علي بن النعمان عن داود بن فرقد قال: سمعت أبي يسأل أبا عبد الله عليه السلام متى يدخل وقت المغرب ؟ فقال إذا غاب كرسيها، قال: وما كرسيها ؟ قال: قرصها، قلت متى يغيب قرصها ؟ قال إذا نظرت إليه فلم تره (1). بيان: لعل الضمير في كرسيها راجع إلى الشمس بمعنى الضوء، فانه يطلق على الجرم وعلى الضوء وعليهما معا، فشبه قرص الشمس بكرسي الضوء لتمكنه فيه. 14 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن زيد الشحام أو غيره قال: صعدت مرة جبل أبي قبيس والناس يصلون المغرب، فرأيت الشمس لم تغب، وإنما توارت خلف الجبل عن الناس فلقيت أبا عبد الله عليه السلام الصادق فأخبرته بذلك، فقال لي: ولم فعلت ذلك ؟ بئس ما صنعت، إنما تصليها إذا لم ترها خلف جبل غابت أو غارت، ما لم يجللها سحاب أو ظلمة تظلها فانما عليك مشرقك ومغربك، وليس على الناس أن يبحثوا (2). 15 - ومنه: عن أبيه وابن الوليد معا، عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن الحسن والحسين بن علي معا، عن أحمد بن هلال، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام في المغرب: إنا ربما صلينا ونحن نخاف أن تكون الشمس خلف الجبل، أو قد سترها منا الجبل، فقال: ليس عليك صعود الجبل (3). بيان: ظاهر هذا الخبر والخبر المتقدم الاكتفاء بغيبوبة الشمس خلف الجبل وإن لم تغرب عن الافق، ولعله لم يقل به أحد، وإن كان ظاهر الصدوق القول به، لكن لم ينسب إليه هذا القول، ويمكن حمله على ما إذا غابت عن الافق الحسي،


(1 - 2) أمالى الصدوق ص 49. (3) أمالى الصدوق ص 50. (*)

[58]

لكن يبقى ضوؤها على رؤوس الجبال، كما نقلنا عن الشيخ في المبسوط، ولعل الشيخ حملهما على هذا الوجه، وليس ببعيد جدا، والاولى الحمل على التقية. وقال الوالد قدس سره في الخبر الاول: الظاهر أو ذمه على صعود الجبل لانه كان غرضه منه إثارة الفتنة بأن يقول إنهم يفطرون ويصلون والشمس لم تغب بعد، وكان مظنة أن يصل الضرر إليه وإلى غيره، فنهاه عليه السلام لذلك، ويمكن أن يكون المراد بقوله عليه السلام فانما عليك مشرقك ومغربك، أنك لا تحتاج إلى صعود الجبل، فانه يمكن استعلام الطلوع والغروب بظهور الحمرة أو ذهابها في المشرق أو عنه للغروب وعكسه للطلوع، وهذا الوجه جار في الخبر الاخير أيضا. وقال الجوهري: غارت الشمس تغور غيارا غربت، وقال: جلل الشئ تجليلا عم والمجلل السحاب الذي يجلل الارض بالمطر أي يعم. 16 - المجالس: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن يحيى الخثعمي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي المغرب ويصلي معه حي من الانصار يقال لهم بنو سلمة، منازلهم على نصف ميل فيصلون معه ثم ينصرفون إلى منازلهم وهم يرون مواضع نبلهم (1). بيان: (مواضع نبلهم) أي سهامهم، ويدل على استحباب التعجيل بالمغرب وظاهره دخول الوقت بغيبوبة القرص، وهذا الخبر رواه المخالفون أيضا عن جابر وغيره، قال: كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وآله ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بني سلمة ننظر إلى مواقع النبل من الاسفار. 17 - المجالس: عن جعفر بن علي بن الحسن الكوفي، عن جده الحسن بن علي بن عبد الله، عن جده عبد الله بن مغيرة، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: صحبني رجل كان يمسي بالمغرب ويغلس بالفجر فكنت أنا اصلي المغرب إذا وجبت الشمس واصلي الفجر إذا استبان لي الفجر،


(1) أمالى الصدوق ص 50.

[59]

فقال لي الرجل: ما يمنعك أن تصنع مثل ما أصنع، فان الشمس تطلع على قوم قبلنا وتغرب عنا وهي طالعة على آخرين بعد، قال: فقلت إنما علينا أن نصلي إذا وجبت الشمس عنا، وإذا طلع الفجر عندنا ليس علينا إلا ذلك، وعلى اولئك أن يصلوا إذا غربت عنهم (1). بيان: يمسي بالمغرب أي يوقعها في المساء وبعد دخول الليل، وقال الجوهري: الغلس ظلمة آخر الليل، والتغليس السير بغلس يقال: غلسنا الماء أي وردناه بغلس، وكذلك إذا فعلنا الصلاة بغلس. 18 - المجالس: عن أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد وأحمد بن محمد العطار كلهم، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن موسى ابن بشار، عن المسعودي، عن عبد الله بن زبير وعن أبان بن تغلب والربيع بن سليمان وأبان بن أرقم وغيرهم قالوا أقبلنا من مكة حتى إذا كنا بوادي الاجفر إذا نحن برجل يصلي ونحن ننظر إلى شعاع الشمس، فوجدنا في أنفسنا، فجعل يصلي ونحن ندعو عليه، حتى صلى ركعة ونحن ندعو عليه ونقول هذا من شباب أهل المدينة، فلما أتيناه إذا هو أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام فنزلنا فصلينا معه، وقد فاتتنا ركعة، فلما قضينا الصلاة قمنا إليه، فقلنا: جعلنا فداك، هذه الساعة تصلي ؟ فقال إذا غابت الشمس فقد دخل الوقت (2). بيان: في القاموس الاجفر موضع بين الخزيمية وفيد، وقال: وجد عليه يجد ويجد وجدا وجدة وموجدة غضب، وبه وجدا في الحب فقط وكذا في الحزن ولكن يكسر ماضيه، والمراد بشعاع الشمس الحمرة المشرقية كما يدل آخر الخبر. 19 - المجالس: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد عن هارون بن مسلم، عن ابن أبي عمير، عن علي بن إسماعيل، عن زيد الشحام


(1) امالي الصدوق ص 50. (2) المصدر نفسه ص 50.

[60]

قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أخر المغرب حتى تشتبك النجوم من غير علة فأنا إلى الله منه برئ (1). بيان: اشتباك النجوم كثرتها قال في النهاية في حديث مواقيت الصلاة إذا اشتبكت النجوم أي ظهرت جميعا، واختلط بعضها ببعض لكثرة ما ظهر منها، و لعله محمول على ما إذا أخر معتقدا عدم جواز إيقاعها قبل ذلك، كما كان مذهب أبي الخطاب أو طلبا لفضلها كما قيد به في ساير الاخبار أو إذاعة وتركا للتقية فان العامة ينكرون التأخير أشد الانكار أو على من داوم على ذلك تهاونا بالسنة وعدولا عنها ويمكن حملها على التقية أيضا. 20 - الاحتجاج: عن الكليني رفعه عن الزهري قال: طلبت هذا الامر طلبا شافيا حتى ذهب لي فيه مال صالح، فرفعت إلى العمري فخدمته ولزمته فسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان عليه السلام فقال: ليس إلى ذلك وصول، فخضعت له فقال بكر بالغداة، فوافيت فاستقبلني شاب من أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا وفي كمه شئ كهيئة التجار، فلما نظرت إليه دنوت من العمري فأومأ إلى فعدلت إليه وسألته فأجابني عن كل شئ أردت، ثم مر ليدخل الدار، وكانت من الدور التي لا يكترث بها، فقال العمري: إن أردت أن تسئل فسل، فانك لا تراه بعد ذا، فذهبت لاسأل فلم يستمع ودخل الدار وما كلمني بأكثر من أن قال: ملعون ملعون من أخر العشاء إلى أن تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخر الغداة إلى أن تنقضي النجوم. ودخل الدار (2). بيان: لعل المراد بالعشاء هنا المغرب، ويحتمل على ما حمل عليه


(1) أمالى الصدوق ص 236، ووجه الحديث أن الوقت المسنون لصلاة المغرب أول المغرب عند ذهاب الحمرة، فمن أخر صلاة المغرب عن هذا الوقت من غير علة - كما صرح بذلك في الخبر - فقد تهاون بسنته صلى الله عليه وآله، ورغب عنها، ومن رغب عن سنته فليس منه في شئ. (2) الاحتجاج: 267

[61]

الخبر السابق. 21 - قرب الاسناد: عن أحمد بن إسحاق بن سعد، عن بكر بن محمد الازدي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن وقت صلاة المغرب فقال: إذا غاب القرص ثم سألته عن وقت صلاة العشاء الاخرة، قال: إذا غاب الشفق، قال وآية الشفق الحمرة، قال: وقال بيده هكذا (1). بيان: قال: بيده هكذا أي أشار بيده إلى ناحية المغرب، واستعمال القول في الفعل شايع. 22 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن صفوان الجمال: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: إن معي شبه الكرش المنثور فاؤخر صلاة المغرب حتى عند غيبوبة الشفق ثم اصليهما جميعا يكون ذلك أرفق بي، فقال: إذا غاب القرص فصل المغرب، فانما أنت ومالك لله عزوجل (2). 23 - ومنه: عن محمد بن خالد الطيالسي، عن صفوان مثله (3). بيان: قال في القاموس: الكرش بالكسر وككتف لكل مجتر بمنزلة المعدة للانسان، وعيال الرجل وصغار ولده، والجماعة، وفي الصحاح: وكرش الرجل أيضا عياله من صغار ولده، يقال هم كرش منثورة أي صبيان صغار، و تزوج فلان فلانة فنثرت له كرشها وبطنها، إذا كثر ولدها له، والكرش أيضا الجماعة من الناس انتهى، والمراد هنا كثرة العيال أو كثرة الجمال، كما يشهد به حاله وآخر الخبر أيضا، والغرض أني لكثرة عيالي محتاج إلى العمل، أو لكثرة جمالي وخوف انتشارها وتفرقها لا أقدر على تفريق الصلاتين، فنهى عليه السلام عن تأخير المغرب لذلك، وفيه دلالة ما على مرجوحية الجمع أيضا. 24 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن العلوي، عن جده علي بن


(1) قرب الاسناد ص 18 ط حجر ص 26 ط نجف. (2) قرب الاسناد ص 29 ط حجر، ص 41 ط نجف. (3) قرب الاسناد ص 61 ط حجر ص 81 ط نجف.

[62]

جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن القوم يتحدثون حتى يذهب الثلث الاول من الليل وأكثر أيما أفضل ؟ يصلون العشاء جماعة أو في غير جماعة ؟ قال: يصلونها جماعة أفضل (1). بيان: يدل على عدم خروج وقت العشاء بمضي ثلث الليل. 25 - قرب الاسناد: عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن الميثم، عن الحسين أبي العرندس قال: رأيت أبا الحسن موسى عليه السلام في المسجد الحرام في شهر رمضان وقد أتاه غلام له أسود بين ثوبين أبيضين، ومعه قلة وقدح، فحين قال المؤذن: الله أكبر صب له فناوله وشرب (2). بيان: ظاهره دخول وقت المغرب بغيبوبة القرص إذ مؤذنهم يؤذن عند ذلك، ونقل الراوي ذلك أيضا يدل عليه، كما لا يخفى، ويمكن حمله على التقية. 26 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي قال: صليت المغرب مع أهل المدينة في المسجد، فلما سلم الامام قمت فصليت أربع ركعات ثم صليت العتمة ركعتين ثم مضيت إلى أبي الحسن عليه السلام فدخلت عليه بعد ما أعتمت فقال لي صليت العتمة فقلت له: نعم، قال: متى صليت ؟ قلت: صليت المغرب وأمسيت بصلاتي معهم، فلما سلم الامام قمت فصليت أربع ركعات ثم صليت العتمة ركعتين، ثم أتيتك، فأخذ في شئ آخر ولم يجبني، فقلت له: إني فعلت هذا وهو عندي جايز، فان لم يكن جايزا قمت الساعة فأعدت فأخذ في شئ آخر ولم يجبني (3). توضيح: قال في النهاية: حتى يعتموا أي يدخلوا في عتمة الليل وهي ظلمته ويقال: أعتم الشئ وعتمه إذا أخره، وعتمت الجارية وأعتمت إذا تأخرت


(1) قرب الاسناد ص 121 ط نجف. (2) قرب الاسناد ص 173 ط نجف. (3) قرب الاسناد ص 229 ط نجف.

[63]

وفي القاموس عتم عنه يعتم كف بعد المضي فيه، كعتم وأعتم أو احتبس عن فعل شئ يريده، والليل مر منه قطعة كأعتم فيهما، وأعتم وعتم سار في العتمة انتهى، والظاهر أن عدم الجواب للتقية في تصويب ذلك أو لعدم جرءة المخاطب بعد ذلك على ترك التقية. 27 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن سعيد، عن أحمد بن عبد الله القروي، عن أبان بن عثمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا أن أشق على امتي لاخرت العشاء إلى نصف الليل (1). بيان: قال: في النهاية: أي لولا أن أثقل عليهم من المشقة وهي الشدة انتهى، ولولا يدل على انتفاء الشئ لثبوت غيره، وتحقيقه أنها مركبة من لو ولا


(1) علل الشرايع ج 2 ص 29، ووجه الحديث ظاهر مما تلوناه عليك من أن صلاة العشاء وقتها المفروض من أول الليل إلى آخره مع رعاية الاول فالاول لقوله تعالى: (زلفا) لكن رسول الله صلى الله عليه وآله سن لها وقتا معينا وهو أول غيبوبة الشفق لعجلة الناس في النوم والخوف من فوات العشاء عنهم، ولذلك قال: (من نام قبل العشاء الاخرة فلا أنام الله عينه). ومعنى قوله صلى الله عليه وآله (لولا أن أشق) أنه لولا ان أشق عليهم في السهر (بأن لا يناموا إلى ثلث الليل فيصلوا العشاء الاخرة ثم ينامون. أو ينامون ثم يستيقظون ثلث الليل لاداء الصلاة) لفعلت ذلك وأخرت وقتها المسنون إلى ثلث الليل أو نصفه، لوجود المصلحة في التفريق بين الصلوات المفروضة بساعات، ولكني لم أفعل ذلك. فيكون مغزا هذا الكلام أن المسلم المتبع لسنته صلى الله عليه وآله يجب عليه أن يصلى العشاء الاخرة عند وقتها المسنون وهو ذهاب الشفق اقتداء به وتبعا لقوله تعالى: (ولقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر) وان أخرها عن وقتها المسنون، وفات عنه الاخذ بالسنة فان أمكنه فليؤخرها إلى ثلث الليل ليدرك مراده صلى الله عليه وآله من المصالح.

[64]

و (لو) يدل على انتفاء الشئ لانتفاء غيره، فيدل ههنا على انتفاء التأخير لانتفاء نفي المشقة، ونفي النفي إثبات، فيكون التأخير منتفيا لثبوت المشقة، والمشقة هيهنا ليست بثابتة، فلابد من مقدر أي لولا خوف المشقة أو توقعها بسبب هذا الفعل لفعلت، والخبر يدل على استحباب تأخير العشاء عن أول وقت الفضيلة، وهو مناف لما مر من الاخبار الدالة على كون أول الوقت أفضل، فيمكن تخصيصها به كما خصص بغيره مما مر. ويمكن حمله على التقية لاشتهاره بين العامة كما رواه أحمد والترمذي وابن ماجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا أن أشق على امتي لامرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه: وقال محيي السنة من فقهائهم: اختار أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم تأخير العشاء، وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى تعجيلها، لكن رووا التعجيل عن عمر كما ورد في أخبارنا معارضته النبي صلى الله عليه وآله في ذلك. وقال في الذكرى بعد إيراد بعض الاخبار الدالة على استحباب التأخير: وظاهر الاصحاب عدم هذا الاستحباب، لمعارضة أخبار أفضلية أول الوقت صرح به في المبسوط وقال المرتضى - لما قال الناصر أفضل الاوقات أولها في الصلوات كلها: هذا صحيح وهو مذهب أصحابنا، والدليل على صحته بعد الاجماع ما رواه ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله وسأله عن أفضل الاعمال، فقال: الصلاة في أول وقتها، ومثله رواية ام فروة عن النبي صلى الله عليه وآله ولان في تقديمها احتياطا للفرض وفي التأخير تغريرا به، لجواز المانع وحينئذ نقول: ما اختاره النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاز أن يكون لعذر أو لبيان الجواز. 28 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن أحمد بن محمد، عن علي بن أحمد، عن بعض أصحابنا رفعه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وقت المغرب إذا ذهبت الحمرة من المشرق، وتدري كيف ذلك ؟ قلت: لا، قال: لان المشرق مطل على المغرب، هكذا، ورفع

[65]

يمينه فوق يساره، فإذا غابت ههنا ذهب الحمرة من ههنا (1). بيان، أطل عليه أشرف، ذكره في القاموس والمراد بالمشرق ما يقع عليه شعاع الشمس من كرة البخار في جانب المشرق، وبالمغرب محل غروب الشمس من تحت الافق إذ بعد الانحطاط عن الافق بزمان تذهب الحمرة عن المشرق و إشرافه عليه ظاهر بهذا الوجه إذ أحدهما تحت الافق والاخر فوقه. 29 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي اسامة الشحام قال: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام اؤخر المغرب حتى تستبين النجوم ؟ قال: فقال خطابية ؟ إن جبرئيل نزل بها على محمد صلى الله عليه وآله حين سقط القرص (2). اختيار الكشى: عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، عن الحسين بن موسى عن ابن عبد الحميد مثله (3). بيان: خطابية أي بدعة ابتدعها أبو الخطاب، وهو رجل غال ملعون على لسان الصادق عليه السلام اسمه محمد بن مقلاص، وكان صاحب بدع وأهواء، وسيأتي كيفية ابتداعه. 30 - العلل: عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن محمد بن السندي، عن علي بن الحكم رفعه عن أحدهما عليه السلام أنه سئل عن وقت المغرب فقال: إذا غابت كرسيها قال: وما كرسيها قال: قرصها قال: ومتى يغيب قرصها ؟ قال: إذا نظرت إليه فلم تره (4). 31 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن معاوية بن حكيم، عن عبد الله بن المغيرة، عن ابن مسكان، عن ليث، عن أبي عبد الله


(1) علل الشرائع ج 2 ص 38. (2) علل الشرايع ج 2 ص 39. (3) رجال الكشى ص 247. (4) علل الشرايع ج 2 ص 39.

[66]

عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يؤثر على صلاة المغرب شيئا إذا غربت الشمس حتى يصليها (1). 32 - ومنه: عن أبيه وابن الوليد معا عن محمد العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن أحمد بن محمد، عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي حمزة، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: ملعون من أخر المغرب طلبا لفضلها (9). 33 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي المغرا عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا نوم الصبي وعيلة الضعيف لاخرت العتمة إلى ثلث الليل (3). 34 - فقه الرضا: قال عليه السلام: أول وقت المغرب سقوط القرص، وعلامة سقوطه أن يسود افق المشرق، وآخر وقتها غروب الشفق، وهو أول وقت العتمة، وسقوط الشفق ذهاب الحمرة، وآخر وقت العتمة نصف الليل، وهو زوال الليل (4). وقال في موضع آخر: وقت المغرب سقوط القرص إلى مغيب الشفق، و وقت العشاء الاخرة الفراغ من المغرب، ثم إلى ربع الليل، وقد رخص للعليل والمسافر فيهما إلى انتصاف الليل وللمضطر إلى قبل طلوع الفجر، والدليل على غروب الشمس ذهاب الحمرة من جانب المشرق، وفي الغيم سواد المحاجر، وقد كثرت الروايات في وقت المغرب، وسقوط القرص، والعمل من ذلك على سواد المشرق إلى حد الرأس (5).


(1 - 2) علل الشرايع ج 2 ص 39. (3) علل الشرايع ج 2 ص 56. (4) فقه الرضا: 2. (5) فقه الرضا: 7.

[67]

بيان: في القاموس المحجر كمجلس ومنبر الحديقة، ومن العين ما داربها وبدا من البرقع أو ما يظهر من نقابها، وعمامته إذا اعتم وما حول القرية. 35 - السرائر: مما استطرفه من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الفضيل، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (1) قال: دلوك الشمس زوالها وغسق الليل انتصافها وقرآن الفجر ركعتا الفجر (2). 36 - ومنه: من كتاب البزنطي، عن علي، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: أخر رسول الله صلى الله عليه وآله العشاء الاخرة ليلة من الليالي حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فجاء عمر يدق الباب فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله نامت النساء، ونامت الصبيان، وذهب الليل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: ليس لكم أن تؤذوني ولا تأمروني إنما عليكم أن تسمعوا وتطيعوا (3). اربعين الشهيد: باسناده إلى الصدوق، عن والده، عن سعد بن عبد الله، عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان عنه عليه السلام مثله. 37 - السرائر: من كتاب السياري، عن محمد بن سنان، عن رجل سماه عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (وأتموا الصيام إلى الليل) (4) قال: سقوط الشفق (5). 38 - ومنه: من كتاب المسائل برواية أحمد بن محمد بن عياش الجوهري و رواية عبد الله بن جعفر الحميري عن مسائل علي بن الريان قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: رجل يكون في الدار يمنعه حيطانها من النظر إلى حمرة المغرب


(1) أسرى: 78. السرائر: 465. السرائر ص 465، وتراه في التهذيب ج 1 ص 141. (4) البقرة: 178. (5) السرائر: 468.

[68]

ومعرفة مغيب الشفق ووقت صلاة العشاء، متى يصليها وكيف يصنع ؟ فوقع عليه السلام يصليها إذا كانت على هذه الصفة عن اشتباك النجوم، والمغرب عند قصر النجوم، وبياض مغيب الشفق (1) بيان: في التهذيب (2) بعد نقل الرواية قال محمد بن الحسن: معنى قصر النجوم بيانها، وفي الكافي (3) قصرة النجوم بيانها، وفي بعض نسخه نضرة النجوم في الموضعين، وفي القاموس القصر اختلاط الظلام، وقصر الطعام قصورا نما وغلا ونقص ورخص، وفي مصباح اللغة: قصرت الثوب بيضته، فلعل ما ذكراه إما مأخوذ من المعنى الاخير أو من النمو. ثم اعلم أن نسخ الحديث في لفظ الخبر مختلفة ففي الكافي (يصليها إذا كان على هذه الصفة عند قصرة النجوم، والمغرب عند اشتباكها وبياض مغيب الشفق) وفي التهذيب (يصليها إذا كان على هذه الصفة عند قصر النجوم، والعشاء عند اشتباكها وبياض مغيب الشمس) وهو أصوب مما في الكتابين، وأوفق بساير الاخبار كما لا يخفى. 39 - العياشي: عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) (4) قال: إن الله افترض أربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل، منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلا أن هذه قبل هذه ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه (5). 40 - ومنه، عن أبي هاشم الخادم، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: ما


(1) السرائر: 471. (2) التهذيب ج 1 ص 210. (3) الكافي ج 3 ص 281. (4) أسرى: 78. (5) تفسير العياشي ج 2 ص 310.

[69]

بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق غسق (1). بيان: هذا معنى آخر للغسق وتأويل آخر للاية، فتكون الاية متضمنة لاربع صلوات أو ثلاث صلوات أو صلاتين، ويحتمل أن يكون المراد بالشفق أعم من الحمرة والبياض، فيكون إشارة إلى وقت الفضل للعشائين والظاهر أنه اشتباه من النساخ أو من الرواة. 41 - العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) قال: جمعت الصلاة كلهن، ودلوك الشمس زوالها، وغسق الليل انتصافه، وقال: إنه ينادي مناد من السماء كل ليلة إذا انتصف الليل: (من رقد عن صلاة العشاء إلى هذه الساعة فلا نامت عيناه) (2). 42 - اختيار الرجال للكشي: عن محمد بن مسعود، عن ابن المغيرة، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قال: يعني أبا عبد الله عليه السلام إن أبا الخطاب كذب علي وقال: إني أمرته أن لا يصلي هو وأصحابه المغرب حتى يروا كوكب كذا يقال: له القنداني، والله إن ذلك لكوكب ما أعرفه (3). بيان: أي ما أعرفه بهذا الوصف أو بهذا الاسم، ولعله كان كوكبا خفيا لا يظهر إلا بعد اشتباك النجوم كالسهى (4). 43 - الاختيار: عن محمد بن مسعود، عن علي بن الحسن عن معمر بن خلاد قال: قال: أبو الحسن عليه السلام: إن أبا الخطاب أفسد أهل الكوفة فصاروا لا يصلون المغرب حتى يغيب الشفق، ولم يكن ذلك، إنما ذلك للمسافر


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 310. (2) تفسير العياشي ج 2: 309 في حديث. (3) رجال الكشى ص 198. (4) السها والسهى - بالالف والياء - كوكب صغير من بنات نعش الصغرى.

[70]

وصاحب العلة (1). أقول: قد سبق خبر محمد بن أبي بكر وغيره في الابواب الماضية مما تضمن وقت الصلاتين. 44 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليه وعليهم السلام أن أول وقت المغرب غياب الشمس وهو أن يتوارى القرص في افق المغرب، لغير مانع من حاجز يحجز دون الافق مثل جبل أو حائط أو غير ذلك، فإذا غاب القرص فذلك اول وقت صلاة المغرب، وإن حال حائل دون الافق فعلامته أن يسود افق المشرق وكذلك قال جعفر بن محمد عليه السلام (2). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا أقبل الليل من ههنا وأومأ إلى جهة المشرق (3). وسمع أبو الخطاب أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: إذا سقطت الحمرة من ههنا وأومأ بيده إلى المشرق، فذلك وقت المغرب، فقال أبو الخطاب لاصحابه: لما أحدث ما أحدثه، وقت صلاة المغرب ذهاب الحمرة من افق المغرب، فلا تصلوها حتى تشتبك النجوم وروى ذلك لهم عن أبي عبد الله عليه السلام فبلغه عليه السلام ذلك فلعن أبا الخطاب وقال: من ترك صلاة المغرب عامدا إلى اشتباك النجوم فأنا منه برئ. وروينا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أول وقت العشاء الاخرة غياب الشفق والشفق الحمرة التي تكون في افق المغرب بعد غروب الشمس، وآخر وقتها أن ينتصف الليل (4). بيان: ما ذكره من حمل أخبار ذهاب الحمرة على صورة الاشتباه وعدم السبيل إلى تيقن استتار القرص وجه جمع بين الاخبار، اختاره المؤلف، ولعل


(1) رجال الكشى: 249. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 138. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 139.

[71]

الحمل على الاستحباب أحسن. 45 - المجازات النبوية: سأل النبي صلى الله عليه وآله رجل من جهينة متى تصلي العشاء الاخرة ؟ فقال: إذا ملا الليل بطن كل واد. قال السيد رضوان الله عليه: هذا مجاز لان الليل على الحقيقة لا تمتلئ به بطون الاودية كما تمتلئ بطون الاوعية، وإنما المراد إذا شمل ظل الليل البلاد، وطبق النجاد والوهاد، فصار كأنه سداد لكل شعب، وصمام لكل نقب (1).


(1) المجازات النبوية: 278 والنجاد - بكسر النون - جمع نجد وهو ما أشرف وارتفع من الارض خلاف الوهاد جمع وهد وهو ما انخفض من الارض، والشعب كالنقب الطريق في الجبل ومسيل الماء بين الجبلين، والسداد والصمام بمعنى كالذى يسد فم القارورة ويصمها.

[72]

[9] (باب) * (وقت صلاة الفجر ونافلتها) * 1 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن عبد الرحمن بن سالم عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر، قال: مع طلوع الفجر إن الله تبارك وتعالى يقول: (إن قرآن الفجر كان مشهودا) يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فإذا صلى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر اثبتت له مرتين: أثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار (1). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن ابن موسى الخشاب، عن عبد الله بن جبلة، غن غياث بن كلوب عن إسحاق مثله (2). 2 - فقه الرضا: قال عليه السلام: أول وقت الفجر اعتراض الفجر في افق المشرق، وهو بياض كبياض النهار وآخر وقت الفجر أن تبدو الحمرة في افق المغرب، وقد رخص للعليل والمسافر والمضطر إلى قبل طلوع الشمس (3). 3 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله الغضايري، عن هارون بن موسى التلعكبري، عن محمد بن همام، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن زريق الخلقاني، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يصلي الغداة بغلس عند طلوع الفجر الصادق أول ما يبدو، قبل أن يستعرض، وكان يقول:


(1) علل الشرائع ج 2 ص 25. (2) ثواب الاعمال ص 33. وقد عرفت وجه الحديث خصوصا قوله عليه السلام: (مع طلوع الفجر) ص 321 من ج 82 باب أوقات الصلوات. (3) فقه الرضا ص 2.

[73]

(وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) إن ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر، فأنا احب أن تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي وكان يصلي المغرب عند سقوط القرص قبل أن تظهر النجوم (1). وقال عليه السلام: إذا طلع الفجر فلا نافلة (2). بيان: (قبل أن يستعرض) أي قبل أن يعترض وينتشر كثيرا للتقييد بالصادق قبله، ثم اعلم أنه لا خلاف في أن أول وقت فريضة الفجر الصبح الصادق، و هو البياض المنتشر في الافق عرضا، لا الكاذب الشبيه بذنب السرحان، ونقل المحقق والعلامة عليه إجماع أهل العلم، والمشهور بين الاصحاب أن آخره طلوع الشمس، وقال ابن عقيل: آخره للمختار طلوع الحمرة المشرقية، و للمضطر طلوع الشمس واختاره الشيخ في المبسوط وابن حمزة وقال في الخلاف: وقت المختار إلى أن يسفر الصبح، وهو قريب من مذهب ابن أبي عقيل، والاول أقوى، والاقوال المتقاربة الاخرى أحوط. وأما نافلة الفجر فالمشهور أن وقتها بعد طلوع الفجر الاول ولمن يصلي صلاة الليل أن يأتي بها بعد الفراغ منها، بل هو أفضل وقال الصدوق: كلما قرب من الفجر كان أفضل، وفي المعتبر أن تأخيرها حتى تطلع الفجر الاول أفضل والمشهور أن آخر وقتها طلوع الحمرة المشرقية، قال ابن الجنيد على ما نقل عنه: وقت صلاة الليل والوتر والركعتين من حين انتصاف الليل إلى طلوع الفجر على الترتيب، وهو ظاهر اختيار الشيخ في كتابي الاخبار، ويدل عليه هذا الخبر وأخبار اخر، ويمكن حمل أخبار الجواز على التقية أو أخبار التقديم على الافضلية والاحوط التقديم، وإن كان الجواز أقوى في الجملة. أقول: قد سبق وصية محمد بن أبي بكر في باب أوقات الصلوات، وخبر الزهري في باب وقت العشائين وغيرهما في غيرهما مما يستنبط منه أحكام هذا الباب.


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 306. (2) المصدر ج 2 س 307. في حديث

[74]

4 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: وقت صلاة ركعتي الفجر بعد الفجر (1). وعن عليه السلام أيضا قال: لا بأس أن تصليها قبل الفجر (2). وعنه عليه السلام قال: أول وقت صلاة الفجر اعتراض الفجر في افق المشرق وآخر وقتها أن يحمر افق المغرب، وذلك قبل أن يبدو قرن الشمس من افق المشرق بشئ، ولا ينبغي تأخيره إلى هذا الوقت لغير عذر، وأول الوقت أفضل (3). بيان: اعتبار احمرار المغرب غريب، وقد جرب أنه إذا وصلت الحمرة إلى افق المغرب يطلع قرن الشمس. 5 - الهداية: قال الصادق عليه السلام حين سئل عن وقت الصبح فقال: حين يعترض الفجر ويضئ حسنا (4). 6 - كتاب العروس: باسناده عن الرضا عليه السلام أنه قال: صل صلاة الغداة إذا طلع الفجر وأضاء حسنا، وصل صلاة الغداة يوم الجمعة إذا طلع الفجر في أول وقتها. [10] (باب) * (تحقيق منتصف الليل ومنتهاه) * * (ومفتتح النهار شرعا وعرفا ولغة ومعناه) * اعلم أن بعض أصحابنا في زماننا جددوا النزاع القديم الذي كان في بعض الازمان السابقة واضمحل لوضوح الحق فيه واتقق الخاص والعام فيه على أمر واحد، وهو الخلاف في معنى الليل والنهار شرعا، وعرفا بل لغة: هل ابتداء النهار من طلوع الفجر أو طلوع الشمس، وعندنا أنه لا يفهم في عرف الشرع ولا في العرف العام ولا بحسب اللغة من اليوم أو النهار إلا ما هو من ابتداء طلوع الفجر ولم يخالف في ذلك إلا شر ذمة قليلة قد انقرضوا.


(1 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 139. (4) الهداية: 30.

[75]

نعم بعض أهل الحرف والصناعات لما كان ابتداء عملهم من طلوع الشمس قد يطلقون اليوم عليه، وبعض أهل اللغة لما رأوا هذا الاصطلاح ذكروه في كتب اللغة، ويحتمل أن يكون كلاهما بحسب اللغة حقيقة، وكذا المنجمون قد يطلقون اليوم على ما بين الطلوع إلى الغروب، وعلى ما بين الطلوع إلى الطلوع وعلى ما بين الغروب إلى الغروب، وعلى ما بين الزوال إلى الزوال، وكذا النهار على المعنى الاول، والليل على ما بين غروب الشمس إلى طلوعها. لكن لا ينبغي أن يستريب عارف بقواعد الشريعة وإطلاقاتها في أنه لا يتبادر فيها مع عدم القرينة من النهار إلا ما هو مبتدأ من طلوع الفجر، وكذا اليوم بأحد المعنيين، وقد يطلق اليوم على مجموع الليل والنهار، ولا يتبادر من الليل إلا ما هو مختتم بالفجر، وأما انتهاء النهار واليوم وابتداء الليل فهو إما غيبوبة القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية كما عرفت. ولنذكر بعض كلمات أهل اللغة والمفسرين والفقهاء من الخاصة والعامة ثم لنشر إلى بعض الايات والاخبار الدالة على هذا المطلب، لاراءة الطالبين للحق سبيل التحقيق، فان استيفاء جميع الدلائل والبراهين، والتعرض لما استدل به بعض أفاضل المعاصرين لا يناسب هذا الكتاب، وفي بالي إن ساعدني التوفيق أن أفرد لذلك رسالة تتضمن أكثر ما يتق بهذا المرام، والله الموفق والمعين. فأما كلمات القوم فقال الشيخ الطبرسي - رحمه الله - في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة) (1) الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، ولم يذكر لهما معنى آخر (2). وقال - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى. (وسخر لكم الليل والنهار) (3)


(1) البقرة: 51. (2) مجمع البيان ج 1 ص 108. (3) النحل: 12.

[76]

التسخير في الحقيقة للشمس والقمر، لان النهار هو حركات الشمس من وقت طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والليل حركات الشمس تحت الارض من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوع الفجر، إلا أنه سبحانه أجرى التسخير على الليل والنهار، على سبيل التجوز والاتساع (1). وقال في قوله تعالى: (والنهار مبصرا) (2) أي وجعل لكم النهار وهو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس مضيئا تبصرون فيه لمواضع حاجاتكم (3). وقال في نقل الاقوال في الصلاة الوسطى: وثانيها أنها صلاة العصر ونسبه إلى جماعة منهم علي عليه السلام وابن عباس ثم قال: قالوا: لانها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وذكر ذلك أكثر المفسرين والعلماء من الفريقين (4). وقال ابن البراج في جواهر الفقه: صلاة الصبح من صلاة النهار لقوله تعالى (أقم الصلوة طرفي النهار) (5) ولا خلاف في أن المراد بذلك صلاة الفجر والعصر ولما كانت صلاة الفجر وتقام بعد طلوع الفجر إلى قبل طلوع الشمس، كان ذلك دالا على أن هذا الوقت طرف النهار، لان إجماع الطائفة عليه أيضا. وقال الشيخ في الخلاف: الفجر الثاني هو أول النهار وآخر الليل، فينفصل به الليل من النهار، وتحل به الصلاة ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وتكون صلاة الصبح من صلاة النهار، وبه قال عامة أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ليس من النهار ولا من الليل، بل هو زمان منفصل عنهما، وذهبت طائفة إلى أن أول النهار هو طلوع الشمس، وما قبل ذلك من الليل، فتكون صلاة الصبح من صلاة الليل، ولا يحرم الطعام و


(1) مجمع البيان ج 6 ص 353. (2) غافر: 61. (3) مجمع البيان ج 8 ص 530. (4) مجمع البيان ج 2 ص 343. (5) هود: 114.

[77]

الشراب على الصائم إلى طلوع الشمس ذهب إليه الاعمش وغيره. وروي ذلك عن حذيفة. دليلنا على فساد قول الفرقة الاولى قوله تعالى: (يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل) (1) وهذا ينفي أن يكون بينهما فاصل، ويدل على فساد قول الاعمش قوله تعالى: (أقم الصلوة طرفي النهار) ولم يختلفوا أن المراد بذلك صلاة الصبح والعصر، فلما كانت صلاة الصبح تقام بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، دل ذلك على أن الوقت طرف النهار، وعنده أنه من الليل، وأيضا أجمعت الفرقة المحقة على تحريم الاكل والشرب بعد طلوع الفجر الثاني، وقد بينا أن ذلك حجة، على أن هذا الخلاف قد انقرض وأجمع المسلمون، فلو كان صحيحا لما انقرض. وقال العلامة نور الله مرقده في المنتهى: روى الشيخ في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر ؟ فقال: قبل الفجر، إنهما من صلاة الليل ثلاث عشرة ركعة صلاة الليل أتريد أن تقايس ؟ لو كان عليك من شهر رمضان أكنت تتطوع ؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة (2). ثم قال: وفي هذا الحديث فوائد: أحدها الحكم بأنهما قبل الفجر، وثانيها أنهما وإن كانا قبل الفجر فانهما يسميان بركعتي الفجر، وذلك من باب التجوز تسمية للشئ باسم ما يقاربه، وثالثها الحكم بأنهما من صلاة الليل، ورابعها تعليل أنهما قبل الفجر بأنهما من صلاة الليل وذلك يدل على أن ما بعد الفجر ليس من الليل خلافا للاعمش وغيره ولحذيفة على ما روي عنه حيث ذهبوا إلى أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل وأن صلاة الصبح من صلاة الليل، وأنه يباح للصائم الاكل والشرب إلى طلوع الشمس، ويزيده فسادا قوله تعالى: (أقم


(1) الحج: 61. (2) رواه في التهذيب ج 1 ص 173.

[78]

الصلاة طرفي النهار) واتفق المفسرون على أن المراد بذلك صلاة الصبح والعصر إلى آخر ما قال. وقال - ره - في كتاب الاعتكاف: لا تدخل الليالي في الاعتكاف بل ليلتان من كل ثلاث، ثم أجاب عن حجة المخالف بأن اسم اليوم حقيقة لما بين الفجر إلى الغروب، والليلة ما عدا ذلك، فلا يتناولها إلا مع القرينة، ومع تجرد اللفظ عنها يحمل على حقيقته. ثم قال في سياق كلامه: فمن نذر اعتكاف يوم فانه يلزمه الدخول فيه قبل طلوع فجره، ونحو هذا قال المحقق قدس سره في المعتبر، وغيره من الاصحاب. وقال ابن إدريس قدس سره في السرائر: تراوح على نزحها أربعة رجال من أول النهار إلى آخره، وأول النهار حين يحرم على الصيام الاكل والشرب، وآخره حين يحل له الافطار، وقد يوجد في كتب بعض أصحابنا (من الغدوة إلى العشية) وليس في ذلك ما ينافي ما ذكرناه، لان الغدوة والغداة عبارة عن أول النهار بغير خلاف بين أهل اللغة العربية، وقال في وقوف المشعر: وقته من طلوع الفجر من يوم النحر إلى طلوع الشمس من ذلك اليوم. وقال المفيد في المقنعة: من حصل بعرفات قبل طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدركها، وقال ابن أبي عقيل على ما نقل عنه حين عد النوافل: وثماني عشر ركعة بالليل، منها أربع ركعات بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء الاخرة من جلوس تعدان ركعة، وثلاث عشر ركعة من انتصاف الليل إلى طلوع الفجر الثاني منها ثلاث ركعات الوتر. وقال المفيد - ره - إذا كان يوم العيد بعد طلوع الفجر اغتسلت إلى آخر ما قال. وقال السيد المرتضى - ره - في احتجاج أن الصلاة الوسطى صلاة العصر: لانها وسط بين الصبح والظهر، وهما صلاة النهار وبين المغرب والعشاء، وهما صلاة الليل.

[79]

وقال ابن الجنيد على ما نقل عنه: وقت صلاة الليل والوتر والركعتين من حين انتصاف الليل إلى طلوع الفجر على الترتيب، ولا أستحب صلاة الركعتين قبل سدس الليل من آخره، وقال في الفطرة: أول وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم الفطر، وقال السيد في الجمل: وقت وجوب هذه الصدقة طلوع الفجر من يوم الفطر، وقال أبو الصلاح: وقت الوقوف بعرفة للمختار من زوال الشمس يوم التاسع إلى غروبها وللمضطر إلى طلوع الفجر يوم النحر. وقال المفيد: من لم يتمكن من صلاة الليل في آخره فليترك صلاة الليلة ثم ليقضها في أول الليلة الثانية، والمسافر إذا خاف أن يغلبه النوم ولا يقوم في آخر الليل فليقدم صلاة ليلته في أولها، وقال وقت وجوب الفطرة: يوم العيد بعد الفجر منه، وقال إذا أصبح يوم النحر فليصل الفجر، وقال في التكبيرات، وآخرها الغداة من يوم الرابع. وقال البغوي في شرح السنة في قول النبي صلى الله عليه وآله من صلى البردين دخل الجنة: أنه أراد بالبردين صلاة الفجر والعصر، لكونهما في طرفي النهار، والبردان الغداة والعشي. وقال الشهيد روح الله روحه في الذكرى: صلاة الصبح من صلاة النهار عند الكل إلا أبا محمد الاعمش، إذ حكي عنه أنها من صلاة الليل بناء على أن أول النهار طلوع الشمس حتى للصوم فيجوز الاكل والشرب إلى طلوع الشمس عنده. قال في الخلاف: وروي ذلك عن حذيفة لقوله تعالى (وجعلنا آية النهار مبصرة) (1) وآية النهار الشمس، ولقول النبي صلى الله عليه وآله صلاة النهار عجماء، وجوابه منع أن الاية الشمس بل نفس الليل والنهار آيتان، وهو من إضافة التبيين كاضافة العدد إلى المعدود، سلمنا أنها الشمس، ولكن علامة الشئ قد تتأخر حتى تكون بعد دخوله، سلمنا أن الشمس علامة النهار وأنها متقدمة لكن الضياء الحاصل من أول الفجر عن الشمس طالعة، وفي الحقيقة هي طالعة وإن تأخر رؤية جرمها


(1) أسرى: 12.

[80]

ولهذا اختلفت أوقات المطالع بحسب الاقاليم، وأما الخبر فقد نسبه الدار قطني إلى الفقهاء، ويحمل على معظم صلاة النهار، ويعارض باستقرار الاجماع على خلافه وبقوله تعالى (أقم الصلوة طرفي النهار) قال الشيخ: ولم يختلفوا أن المراد بذلك صلاة الصبح وصلاة العصر. وقال - ره -: في بعض بحث القراءة، وذكر بعض العامة ضابطا للجهر والاخفاف، وتبعهم عليه بعض الاصحاب كذلك وهو أن كل صلاة تختص بالنهار ولا نظير لها بالليل فجهر كالصبح، والعلامة - ره - في التذكرة قال صلاة صبح من صلوات النهار لان أول النهار طلوع الفجر الثاني عند عامة أهل العلم، لان الاجماع على أن الصوم إنما يجب بالنهار، والنص دل على تحريم الاكل والشرب بعد طلوع الفجر، ثم ذكر قول الاعمش ودلائله كما مر إلى قوله: وقول امية ابن الصلت. والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء يبصر لونها يتوقد ثم قال: وأما الشعر فحكى الخليل أن النهار هو الضياء الذي بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وسمي طلوع الشمس في آخر كل ليلة لمقارنتها لذلك وقال في تعليل كون الصلاة الوسطى هي الظهر بأنها وسط صلوات النهار وقال الشهيد الثاني - ره - وغيره في مسألة التراوح: واليوم من طلوع الفجر إلى الغروب. وذكر أكثر الاصحاب كالمحقق في المعتبر، والعلامة في المنتهى، والشهيد الثاني وسبطه قدس الله أرواحهم في تعليل أن غسل الجمعة وقته ما بين طلوع الفجر إلى زوال الشمس بأن الغسل وقع مضافا إلى اليوم، وهو يتحقق بطلوع الفجر، وكذا في غسل العيدين وعرفة وغيرها مما علق باليوم، وهم كانوا أهل اللسان، عارفين باللغة والاصطلاح والعرف. وفي الشرايع وغيره من كتب الفقه في المبيت عند الزوجة: ويختص الوجوب بالليل دون النهار، وقيل يكون عندها في ليلتها، ويظل عندها في صبيحتها وهو

[81]

المروي، ثم قالوا: ويستحب أن يكون صبيحة كل ليلة عند صاحبتها، ومعلوم أن ما بعد الصبح داخل في الصبيحة، وقال ابن الجنيد: العدل بين النساء هو إذا كن حرائر مسلمات لم يفضل إحداهن على الاخرى في الواجب لهن من مبيت الليلة، وقيلولة صبيحة تلك الليلة. وقال النيشابوري في تفسيره في قوله تعالى: (مالك يوم الدين): اليوم هو المدة من طلوع نصف جرم الشمس إلى غروب نصف جرمها أو من ابتداء طلوعها إلى غروب كلها، أو من طلوع الفجر الثاني إلى غروبها، وهذا في الشرع. وقال عند تفسير قوله تعالى في سورة البقرة (إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار) (1) الاية أما النهار فانه عبارة عن مدة كون الشمس فوق الافق وفي الشرع بزيادة ما بين طلوع الفجر الصادق إلى طلوع جرم الشمس، وأما الليل فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الافق أو بنقصان الزيادة المذكورة. وقال الكفعمي في كتاب صفوة الصفات: قال صاحب كتاب الحدود الليل اسم يقع على امتداد الظلام من أول ما يسقط قرص الشمس إلى أن يسفر الصبح، وقال: النهار اسم يقع على امتداد الضياء من أول ما يسفر الصبح إلى أن تغيب الشمس قال: وقال أبو العباس أحمد بن القاضي الطبرسي في كتابه تقويم القبلة: اليوم مبدأه من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس لقوله تعالى (كلوا واشربوا) (2) الاية مع قوله (فصيام ثلاثة أيام) (3) وقال أبو العباس: قيل اليوم والنهار مترادفان. وذكر الراغب الاصفهاني في مفرداته عند ترجمة النهار: النهار الوقت الذي ينتشر فيه الضوء وهو في الشرع ما بين طلوع الصبح إلى غروب الشمس. وقال أحمد بن محمد بن علي المقري في المصباح المنير: الليلة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقال: النهار في اللغة من طلوع الفجر إلى غروب


(1) البقرة: 164. (2) البقرة: 187. (3) البقرة: 196، المائدة: 89.

[82]

الشمس، وهو مرادف لليوم، وفي حديث إنما هو بياض النهار وسواد الليل ولا واسطة بين الليل والنهار، وربما توسعت العرب فأطلقت النهار من وقت الاسفار إلى الغروب، وهو في عرف الناس من طلوع الشمس إلى غروبها، وإذا اطلق النهار في الفروع انصرف إلى اليوم، نحو: صم نهارا واعمل نهارا. لكن قالوا إذا استأجره على أن يعمل له نهار يوم الاحد مثلا، فهل يحمل على الحقيقة اللغوية حتى يكون أوله من طلوع الفجر، أو يحمل على العرف حتى يكون أوله من طلوع الشمس، لاشعار الاضافة به: لان الشئ لا يضاف إلى مرادفه والاول هو الراجح دليلا، لان الشئ قد يضاف إلى نفسه عند اختلاف اللفظين، نحو (ولدار الاخرة) (1) (وحق اليقين) (2). وقال: الصبح الفجر وهو أول النهار، وقال: الفجر الثاني الصادق هو المستطير، وبطلوعه يدخل النهار، وقال في شمس العلوم آخر الليل قبل الفجر. وقال إمامهم الرازي في تفسيره - عن ذكر الاقوال في الصلاة الوسطى في احتجاج من قال إن الصلاة الوسطى صلاة الظهر: الثالث أنها صلاة بين صلاتين نهاريتين بين الفجر والعصر: وفي احتجاج من قال إنها العصر، وثالثها أن العصر بين صلاتين بالنهار وصلاتين بالليل، وقال في قوله تعالى: (أقم الصلاة طرفي النهار) المراد بطرفي النهار الصبح والعصر. وقال في القاموس: النهار ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس: أو من طلوع الشمس إلى غروبها، وقال: الليل والليلاة من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس، وقال الزمخشري في الاساس: إنما سمي السحر استعارة لانه وقت إدبار الليل وإقبال النهار، فهو متنفس الصبح. وقال الرازي في قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات) (3) الاية ووقت


(1) يوسف: 109. (2) الواقعة: 95، الحاقة: 51. (3) البقرة: 198.

[83]

الوقوف يدخل بزوال الشمس من يوم عرفة، ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وقال في قوله تعالى: (وسبح بالعشي والابكار) (1) الابكار مصدر أبكر يبكر إذا خرج للامر في أول النهار، هذا هو أصل اللغة سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكارا. وقال البيضاوي: الابكار من طلوع الفجر إلى الضحى، وقال في قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي) (2) أي في مجامع أوقاتهم أو في طرفي النهار، وقال الطبرسي - ره -: أي يداومون على الصلوات والدعاء عند الصباح والمساء لاشغل لهم غيره، ويستفتحون يومهم بالدعاء ويختمونه بالدعاء. وقال الراغب في مفرداته: الصبح والصباح أول النهار، وقال: السحر اختلاط ظلام آخر الليل بضوء النهار، وقال الخليل بن أحمد النحوي - ره - في كتاب العين وهو الاصل في اللغة، وعليه المعول، وإليه المرجع: النهار ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ولم يذكر له معنى آخر، وقال: الليل خلاف النهار، وقال: السحر آخر الليل. وقال الطيبي في شرح المشكوة: يوصف العصر بالوسطى لكونها واقعة بين صلاتي النهار وصلاتي الليل وقال النيشابوري في قوله تعالى (بقطع من الليل) (3) عن ابن عباس أي في آخر الليل بسحر. وقال الرازي في قوله تعالى (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) (4) إن الانسان مادام في الدنيا لا يمكنه أن يصرف جميع أوقاته في التسبيح، فأشار الله إلى أوقات إذا أتى العبد بتسبيح فيها يكون كأنه لم يفتر، وهو الاول والاخر والوسط من اليوم، وأول الليل ووسطه، ولم يأمر بالتسبيح في آخره لان النوم فيه غالب، فإذا صلى في أول النهار بتسبيحتين وهما ركعتان حسب له صرف ساعتين


(1) آل عمران: 41. (2) الكهف: 28. (3) هود: 81. (4) الروم: 18.

[84]

إلى التسبيح، وبالظهر أربع ساعات، وبالعصر في أواخر النهار أربع ساعات، وبالمغرب والعشاء في الليل سبع ساعات فبقي سبع ساعات وهو الذي لو نام الانسان فيه كان كثيرا، ثم قال بعد تحقيق طويل: النهار اثنى عشر ساعة، والصلاة المؤدات فيها عشر ركعات، فيبقى على المكلف ركعتان يؤديهما في أول الليل، ويؤدي ركعة من صلاة الليل ليكون ابتداء الليل بالتسبيح، كما كان ابتداء النهار بالتسبيح ولما كان المؤدى من تسبيح النهار في أوله ركعتين كان المؤدى من تسبيح الليل في أوله ركعة، لان تسبيح النهار طويل مثل ضعف تسبيح الليل، لان المؤدى في النهار عشرة، والمودى في الليل من تسبيح الليل خمس انتهى. وقال الشهيد في الذكرى: وقت الوتر آخر الليل، ونحوه قال جماعة من الاصحاب، وقال في دعائم الاسلام: وقت صلاة الليل المرغب فيه أن يصلي بعد النوم والقيام منه في آخر الليل، وسنذكر في الاستدلال بالايات تصريحات المفسرين بذلك. وقال السيد الداماد رزقه الله أقصى السعادة يوم التناد، في بيان ما ورد أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وما بين غروب الشمس وغروب الشفق غير داخل في شئ من الليل والنهار: ثم إن ما في أكثر رواياتنا عن أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين وما عليه العمل عند أصحابنا رضي الله تعالى عنهم إجماعا هو أن زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار، ومعدود من ساعاته، وكذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فان ذلك أمارة غروبها في افق المغرب فالنهار الشرعي في باب الصلاة والصوم وفي ساير الابواب من طلوع الفجر المستطير إلى ذهاب الحمرة المشرقية، وهذا هو المعتبر والمعول عليه عند الاساطين الالهيين والرياضيين من حكماء يونان، وقد مر تمام الكلام في باب علل الصلاة (1).


(1) راجع ج 82 ص 259 - 260.

[85]

وأما الايات: فالاولى: قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) (1) ووجه الاحتجاج بها أن الاصل في كلام الحكيم أن يكون مفهوما مفيدا ينتفع به المخاطب، وأجمعت الطائفة المحقة على حصر الصلاة الوسطى في صلاة الظهر والعصر، فلو اريد بها العصر لم نستفد من الاية شيئا إذ كونها وسطى بين الصلوات أو بين صلاتين مشترك بين جميعها فلا يتميز عندنا، وإن قلنا إن وجه التسمية لا يلزم اطراده، ولو قلنا بأنها الظهر لكونها بين صلاتي النهار كما ورد في الخبر يحصل لنا فائدة من الاية، ولا يكون ذلك إلا ويكون صلاة الفجر من صلاة النهار. وبوجه آخر وهو أن المتبادر من الوسطى المتوسطة بين الشيئين من جنسها فلو لم يقيد بقيد يشترك فيها جميع الصلوات، فلابد من التقييد، إما بكونها وسطى بين صلوات الليل، أو صلوات النهار أو صلوات الليل وصلوات النهار، والاولى باطلة بالاجماع المتقدم، والثانية لا تستقيم إلا بكون صلاة الفجر من صلاة النهار وكذا الثالثة لان ما سوى العصر من محتملاتها خارجة بالاجماع، والعصر إنما يتخصص بهذا الوصف إذا قلنا إنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار، ويمكن المناقشة فيه بوجوه أكثرها مندفعة بالتأمل الصادق. الثانية: قوله سبحانه: (أقم الصلاة طرفي النهار، وزلفا من الليل) (2) والتقريب أن المتبادر من الطرف أن يكون داخلا في الشئ، فانه لا يطلق طرف الثوب وطرف الخشب على غير جزئه الذي هو نهايته، لا سيما مع مقابلته بالليل، وليس في الطرف الاول صلاة سوى الفجر، ويؤيده أن أكثر المفسرين فسروهما بصلاة الفجر والعصر، وما ورد في بعض الاخبار من التفسير بصلاة الفجر والمغرب فمع ارتكاب التجوز في أحد الطرفين لدليل لا يلزم ارتكابه في الطرف الاخر.


(1) البقرة: 238. (2) هود: 114.

[86]

ويمكن أن تكون النكتة في التجوز الحث على المبادرة إلى صلاة المغرب في أول الليل، ولو قلنا بأن ما بين غيبوبة القرص إلى ذهاب الحمرة داخل في النهار وجوزنا الصلاة بغيبوبة القرص يكون التجوز فيه أقرب وأحسن. وأيضا لو قلنا بأن طرفي النهار داخل في الليل، يكون زلفا من الليل مشتملا على تكرار، أو يرتكب فيه تخصيصات كثيرة، وهما خلاف الاصل، سواء فسر الزلف بالساعات القريبة من اليوم أو بالقرب، وبالجملة لا ينبغي أن يريب عارف باللسان في أن المتبادر من (طرفي النهار) المقابل لزلف الليل كونهما من النهار. قال النيسابوري في تفسيره: الطرفان الغدوة وهي الفجر، والعشية وفيها الظهر والعصر، وقيل إن طرفي النهار لا يشمل إلا الفجر والعصر، ثم قال: الطرف الاول للنهار في الشرع هو طلوع الصبح الصادق. وقال ابن إدريس - رحمه الله - في السرائر في الاستدلال بهذه الاية: طرف الشئ ما يقرب من نهايته، ولا يليق ذلك إلا بقول من قال وقت العصر ممتد إلى قرب غروب الشمس، لان مصير ظل كل شئ مثله أو مثليه يقرب من الوسط، ولا يقرب من الغاية والنهاية، ولا معنى لقول من حمل الاية على الفجر والمغرب لان المغرب ليس هي طرف النهار، وإنما هي في طرف الليل. قال الرازي في تفسير هذه الاية: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار، والاقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار هما الفجر والعصر، وذلك لان أحد طرفي النهار طلوع الشمس، والطرف الثاني منه غروبها، فالطرف الاول هو صلاة الفجر، والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب، لانها داخلة تحت قوله تعالى: (وزلفا من الليل) فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر. إذا عرفت هذا كانت الاية دليلا على قول أبي حنيفة في أن التنوير بالفجر أفضل، وأن تأخير العصر أفضل، وذلك لان ظاهر هذه الاية يدل على وجوب

[87]

إقامة الصلاة في طرفي النهار، وبينا أن طرفي النهار هو الزمان الاول لطلوع الشمس، والزمان الاول لغروبها، وأجمعت الامة على أن إقامة الصلاة في ذلك الوقت من غير ضرورة غير مشروعة، فقد تعذر العمل بظاهر هذه الاية، فوجب حمله على المجاز، وهو أن يكون المراد أقم الصلاة في الوقت الذي يقرب من طرفي النهار، لان ما يقرب من الشئ يجوز أن يطلق عليه اسمه وإذا كان كذلك فكل وقت كان أقرب إلى طلوع الشمس وإلى غروبها كان أقرب إلى ظاهر اللفظ وإقامة صلاة الفجر عند التنوير أقرب إلى وقت الطلوع من إقامتها عند التغليس وكذلك إقامة صلاة العصر عند ما يصير ظل كل شئ مثليه أقرب إلى وقت الغروب من إقامتها عند ما يصير ظل كل شئ مثله، والمجاز ما كان أقرب إلى الحقيقة كان حمل اللفظ عليه أولى، فظهر أن ظاهر هذه الاية يقوى قول أبي حنيفة في هاتين المسئلتين انتهى كلامه. وقد ظهر بما قررنا ما فيه من الوهن والقصور، وكل هذه التكلفات التي ارتكبه مؤيد لما اخترناه، فان بناء جميع ذلك على أنه جعل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس خارجا من النهار، ولو جعله داخلا كما هو ظاهر الاية لم يحتج إلى شئ من ذلك. وأماما توهمه من كون الطرف الجزء الغير المنقسم أو الصغير الذي هو نهاية الشئ قياسا على ما أنس به من السطح والخط والنقطة، فليس كذلك إذ يقال للغداة والعشي طرفا اليوم، وللنصف الاول والنصف الاخير الطرف الاول والطرف الاخر ويقال خذ طرف الثوب، وطرف الخشب، ولا يراد به الجزء الاخير، فالظاهر أن المراد بالطرف الاول ما بين الطلوعين، وبالطرف الاخر إما العصر أو الظهر إلى آخر اليوم، أو المغرب تجوزا للنكتة التي ذكرناها كما قال البيضاوي والزمخشري طرفي النهار غدوه وعشيته، وإن قال البيضاوي بعد ذلك صلاة الغداة صلاة الصبح لانها أقرب الصلوات من أول النهار، وتبع في ذلك إمامه الرازي. وقال الطبرسي - ره -: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر والمغرب عن ابن عباس

[88]

وابن زيد، وقيل الغداة والظهر والعصر، وبه قال مجاهد والضحاك، ومحمد بن كعب والحسن قالوا: لان طرفي الشئ من الشئ، وصلاة المغرب ليست من النهار، و قيل: أراد بطرفي النهار صلاة الفجر وصلاة العصر انتهى. وهذا يدل على أن كون وقت صلاة الفجر من النهار كان مسلما عندهم. الثالثة: قوله تعالى (سلام هي حتى مطلع الفجر) فانه ظاهر من سياق هذه السورة من أولها إلى آخرها أنها نزلت لبيان فضيلة تلك الليلة، وأن الغرض من تلك الاية شمول السلامة والعافية، أو السلام والتحية لجميع تلك الليلة، فلو كان ما بين الطلوعين داخلا في الليل لم يكن لاخراجه من هذه الفضيلة وجه لاسيما مع قوله (هي) الراجعة إلى الليلة، مع ما سيأتي من الاخبار الكثيرة الدالة على أن الاعمال المتعلقة بليلة القدر، من الاحياء والغسل وغيرهما، ينتهي إلى الفجر، ولا تتعلق بما بعده. ويؤيده أن الرازي مع تصريحه في مواضع بدخوله في الليل جعله هنا خارجا ليستقيم الكلام، ويكمل النظام، حيث قال: وسادسها من أولها إلى طلوع الفجر سالمة في العبادة، كل واحدة من أجزائها خير من ألف شهر، ليست كسائر الليالي: يستحب للفرض الثلث الاول وللعبادة النصف والدعاء السحر، بل هي متساوية الاوقات والاجزاء. وقال الطبرسي - ره -: أي هذه الليلة إلى آخرها سلامة من الشرور والبلايا وآفات الشيطان، ثم قال: سلام هي حتى مطلع الفجر أي السلامة والبركة والفضيلة تمتد إلى وقت طلوع الفجر ولا يكون في ساعة منها فحسب بل يكون في جميعها. الرابعة: قوله تعالى (والليل إذا دبر والصبح إذا أسفر) (1) فان الظاهر أنه أقسم بوقت واحد هو إدبار الليل وإسفار الصبح، مع أن ظاهر المقابلة عدم كون الصبح من الليل، وقال الطبرسي ره -: أقسم بالليل إذا ولى وذهب، و


(1) المدثر: 34.

[89]

قيل دبر إذا جاء بعد غيره، وأدبر إذا ولى مدبرا، فعلى هذا يكون المعنى في إذا دبر إذا جاء الليل في أثر النهار، وفي إذ أدبر إذا ولى الليل، فجاء الصبح عقيبه. الخامسة: قوله تعالى (والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس) (1) بتقريب ما مر في الاية السابقة على الوجهين، قال الرازي: ذكر أهل اللغة أن عسعس من الاضداد يقال عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، وأنشدوا في ورودها بمعنى أدبر قول العجاج: حتى إذا الصبح لها تنفسا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا ثم منهم من قال المراد هنا أقبل الليل، لان على هذا التقدير يكون القسم واقعا باقبال الليل، وهو قوله (إذا عسعس) وبادباره وهو قوله (والصبح إذا تنفس) ومنهم من قال قوله (والصبح إذا تنفس) إشارة إلى تكامل طلوع الصبح، فلا يكون تكرارا انتهى، فظهر أن العجاج والرازي أيضا فهما الاية كما فهمنا، وجعلا إدبار الليل والصبح متلازمين بل مترادفين. وقال الواحدي في تفسيره الوسيط قوله (والصبح إذا تنفس) أي امتد ضوؤه حتى يصير نهارا ونحوه قال الطبرسي - ره -. السادسة: قوله سبحانه (قل أرأيتم إن أتيكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون) (2) استدل بها الراغب الاصفهاني على أن النهار في الشرع اسم لما بين طلوع الصبح إلى غروب الشمس وقال: بات فلان يفعل كذا موضوعة لما يفعل بالليل كظل لما يفعل بالنهار. أقول: لا يتم ذلك إلا بضم ما سيأتي في ضمن الاخبار وأقوال العلماء من إطلاق التبييت على الزمان الذي نهايته طلوع الفجر كما ذكروا في تبييت الزوج عند ذات النوبة، والبيتوته بالمشعر ومنى ومكة، وسيأتي الاخبار الكثيرة في ذلك وذكروا تبييت نية الصوم ولم يريدوا إلا النية قبل الفجر، قال في النهاية فيه:


(1) التكوير: 18. (2) يونس: 50.

[90]

لا صيام لمن لم يبيت الصيام، أي ينويه، من الليل. والحاصل أن الاية تدل على أن البيات مقابل النهار كما صرح به جميع أهل اللغة والتفسير، وقد ورد في موارد الشرع أن منتهى البيتوتة طلوع الفجر فهو نهاية الليل أيضا كما روي في الكافي بسند معتبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا جاء الليل بعد النفر الاول فبت بمنى ليس لك أن تخرج منها حتى تصبح (1). وستأتي أخبار كثيرة في ذلك يتم الاستدلال بها، بمعونة تلك الاية وأمثالها. السابعة: آيات الصيام من قوله تعالى (لعلكم تتقون * أياما معدودات) (2) وقوله: (فعدة من أيام اخر) (3) وقوله: (احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) (4) ثم بيان الليلة بقوله: (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) إلى قوله


(1) الكافي ج 4 ص 512. (2 - 3) البقرة: 183 - 184، ولفظ الايات هكذا: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون: أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) والصيام المفروض في هذه الاية هو الصوم والامساك من المغرب إلى المغرب كما هو المفروض على سائر الامم، ومنهم اليهود وقد كانوا بمرئى المؤمنين ومسمعهم: يصومون من الاكل والشرب والجماع من المغرب إلى المغرب، ولذلك قال عزوجل: (كما كتب على الذين من قبلكم) ولا تجوز في قوله تعالى (أياما معدودات) وقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) لان اليوم يطلق على مجموع النهار والليل وعلى ذلك فلا تعلق للايات بما كان المؤلف العلامة بصدده من البحث في تحقيق معنى النهار. (4) البقرة: 187، ولا بأس بأن نتم بحث الاية ههنا ليكون القارئ على بصيرة من ذلك فنقول: لما قال عزوجل (كتب عليكم الصيام) صار الصوم مكتوبا عليهم كالدين على ما عرفت بيانه في كتابة الصلاة: (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فوجب عليهم الصوم في ظرف معين، وان فاتهم ذلك وجب عليهم قضاؤه، وان فاتهم مدى عمرهم وجب على وليهم أن يصوم عنهم أو يستأجر من يصوم عنهم فلا يسقط الصوم عنهم أبدا الا بالاداء. = =

[91]

(ثم أتموا الصيام) فتدل، على معنى اليوم، وكذا ساير ما ورد في الصوم بلفظ اليوم


ولما قال عزوجل (أياما معدودات) وأطلقه علمنا أنه لابد وأن يكون تلك الايام متعينا من حيث التكليف، ولا تعين في أفراد الجموع غير المتناهية الا في أقله، وهو الثلاثة مع أنه القدر المتيقن من كل جمع، وقد كانت هذه الثلاثة أيام متعينا في كل شهر، ولذلك قال عزوجل: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) ولعلها هي أيام العشر: - بضم العين وفتح الشين - أعنى اليوم العاشر والحادي عشر والثانى عشر ثلاثة أيام كما ورد به الرواية وهى أيام التشريق. فالظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين كانوا يصومون تلك الايام فريضة حتى نزلت (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) فصاموا تمام شهر رمضان: يصومون من الغروب إلى الغروب، وانما يفطرون مرة واحدة بين المغربين قبل العشاء ونومه، ليتحقق مفهوم (صوم اليوم) وليستعد المكلف للصوم في اليوم الاتى. وكانوا على ذلك ما شاء الله حتى جاء عام الخندق فعلم الله أنهم كانوا يختانون أنفسهم فتاب عليهم رحمة لهم وعفا عنهم وأنزل (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم فالان باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) فقوله عزوجل (وابتغوا ما كتب الله لكم) يعنى التطهير من الجنابة بالماء وان أعوزه فبالتراب، ولذلك كانت الطهارة فرضا من أركان الصوم لو أخل به الصائم عمدا أو جهلا أو نسيانا وسهوا كان صيامه باطلا ووجب عليه القضاء. ويستفاد من قوله تعالى (أحل لكم ليلة الصيام) أن جواز الاكل والشرب والجماع ظرفه عامة الليل، وأن الليل تختتم بطلوع الفجر المعترض، وما بعده مفتتح النهار، ولذلك قال: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) فلو كان بعد الفجر إلى طلوع قرص الشمس من الليل أيضا لقال (ثم اتموا الصيام إلى الليل القابل) وهو واضح لمن تأمل صدر الاية وذيلها، وكفى بهذا دليلا على من قال أن ما بين الطلوعين معدود من الليل. = =

[92]

كقوله سبحانه (فصيام ثلثة أيام في الحج) (1) وأمثاله، والاصل عدم النقل والتجوز والتخصيص، وليلة الصيام معلوم أن التقييد فيه ليس لتخصيص معنى


ومعنى قوله عزوجل (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) الخ أن الليل الذى جعله الله سباتا وسكنا بجعله مظلما، يختتم بطلوع الفجر إذا تبين لكم من نوره وشعاعه الخيط الابيض من الخيط الاسود، فحينئذ يقع كمال الابصار ويفتتح النهار كما أشار إليه بقوله عزوجل (جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا فيه من فضله). وأما ما قيل من أنه شبه بياض الفجر بالخيط، لان القدر الذى يحرم الافطار من البياض يشبه الخيط فيزول به مثله من السواد، ولا اعتبار بالانتشار أو قيل: شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الافق وما يمتد معه من غبش الليل بخيطين أبيض وأسود، واكتفى ببيان الخيط الابيض بقوله (من الفجر) عن بيان الخيط الاسود، لدلالته على كونه من الليل وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل. ففيه أن الفجر الثاني على ما أجمع عليه أهل الاسلام واعتبروه ميقاتا لحرمة الاكل والشرب في شهر رمضان، له من العظمة والبهاء والنباهة ما يرفعه أن يتشابه بالخيط الابيض التافه على ما فيه من الدقة والبياض الذى لا يؤبه به، فلا تشابه ولا تجانس بينها من حيث الحسن والبهاء وعظمة النور حتى يشبه أحدهما بالاخر، ولو جاز التشبيه بينهما كان الفجر هو المشبه به لكون وجه الشبه فيه أقوى وأجلى وهو به أعرف وأشهر، لا أن يشبه الفجر في حسنه وبهائه ونوره وسطوعه وانتشار ضيائه بالخيط الابيض، وهذا واضح لمن له أدنى دربة بأساليب الكلام. هذا كله في الخيط الابيض، وأما الخيط الاسود، فالامر فيه أوهن وأفظع حيث لا يرى في الافق شئ يشبه بالخيط الاسود، لان أطباق السماء وأعنانها مملوء حينئذ ظلمة مطبقة، والغبش الذى يتوهم فوق الفجر المعترض، فمع أنه لا يشبه الخيط من حيث الدقة والعرض ليس تشبيهه بالخيط الاسود اولى من تشبيهه بالخيط الابيض لكونه ضياء مختلطا بالظلام ونسبته إلى البياض والسواد سيان. (1) البقرة 196، المائدة: 89، وفى سورة مريم: 36: (انى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا). (*)

[93]

الليلة من سائر معانيها بل لمعنى الليلة التي يصبح منها صائما. وأما (ثم) في قوله تعالى: (ثم أتموا) فمعلوم أنه ليس للتراخي الزماني بل للتراخي الرتبى إشارة إلى بعد ما بين حكم الليل من الاباحة، وحكم النهار من وجوب الامساك، وهذا الاطلاق شايع في القرآن، (وأتموا الصيام) معناه افعلوه تاما كقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) (1). ويمكن أن يقال: لما أمر الله تعالى سابقا بالصيام وأشار إليه بقوله (ليلة الصيام) لم يكن يحتاج إلى الامر بالصوم ثانيا، فلذا أمرهم بالاتمام وعدم النقص لا أصل الصيام، أو يقال: لما جوز لهم الجماع بالليل بعد التحريم، وكان مظنة أن يتوهم أن بهذا الفعل يحصل نقص في الصوم، قال: (ثم أتموا الصيام) إيماء إلى أن هذا الصوم تام لكم كما ورد في قوله تعالى (تلك عشرة كاملة) (2). وهذان وجهان وجيهان، لم أر من تعرض لهما ولا يخفى أن ارتكاب هذين التجوزين الشايعين اللذين وردت أمثالهما في الكتاب العزيز كثيرا، مع اشتمالهما على نكات بديعة توجب حسن الكلام وبلاغته، خير من حمل اليوم والليلة على المجاز، وارتكاب النقل. ولقد أبدع من استدل بها على أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس غير داخل في النهار: حيث قال: حقيقة استعمال لفظة (ثم) التراخي وظاهر الاتمام أن يكون بعد حصول بعض الشئ، ولابد أن يجعل للنهاية المذكورة في الاية مبدء تدل القرينة عليه، والاقرب أن يكون المبدء المنوي في الكلام أول النهار حتى يكون الكلام في قوة أن يقال: ثم أتموا الصيام في زمان مبتدء من أول


(1 - 2) البقرة: 196، والذى ظهر لى أن الفرق بين الاتمام والاكمال أن الاتمام يعتبر من حيث الامتداد بأن يداوم على الفعل حتى يتم، بحيث إذا أخل بالمداومة والاستمرار لاخل بالمقصود ولحقه النقصان، بخلاف الاكمال فانه يعتبر من حيث النتيجة، ولو بدفعات متناوبة، ولذلك قال عزوجل: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وقال في مورد القضاء (ولتكملوا العدة).

[94]

النهار منته إلى الليل، ويكون مكافيا لقوله تعالى (يتبين لكم الخيط) فان المراد هنا ترخيص الاكل من أول الليل إلى وقت التبيين، وإذا قيل سرت إلى آخر الكوفة، كان المتبادر منه سرت من أوله إلى آخره، ولا يستقيم أن يجعل المبدء زمان التبيين، لمنافاته التراخي المستفاد من ثم، وظاهر معنى الاتمام، ولا جزءا من النهار من غير تعيين ولا جزءا معينا من النهار مثل النصف أو الثلث وأمثالهما. وحينئذ نقول: لو كان طلوع الشمس مبدء النهار ومنتهى الليل استقام اعتبار هذه المعاني في الاية، لان الله تعالى لما خص الترخيص بأول الليل إلى وقت الفجر، ظهر منه وجوب الامساك في بقية الليل ثم أمر باتمام الامساك المذكور من أول النهار إلى الليل فصح معنى ثم والاتمام، وظهر حسن التعبير بهذا النحو بخلاف ما لو كان مبدء النهار الفجر إذ لا يصح حينئذ معنى ثم ولا الاتمام إلا بالعدول عن الظاهر وارتكاب تكلف، ولا يظهر حسن التعبير بهذا الوجه انتهى. أقول: بما قررنا انهدم أساس هذا الكلام، وظهر بهذا الوجه حسن التقرير والنظام، وليت شعري كيف يكون ارتكاب مثل هذه التكلفات التي تخرج الكلام إلى التعمية والالغاز، أحسن من حمل الكلام على المجاز الشايع في كلام البلغاء، على أنا نقول على ما قررنا لا حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز أصلا وإنما ارتكبنا لبلاغة الكلام وطراوته إذ نقول لما كان الامر السابق كافيا في الشروع في الصيام، وقد نبههم عليه بقوله (ليلة الصيام) (1) وتحديد الجماع والاكل والشرب بقوله (حتى يتبين) أيضا كان يدل عليه كما ذكره القائل الفاضل، فكأنه قال بعد شروعكم في الصيام بأمرنا يجب عليكم أن تتموه إلى الليل، فأي حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز


(1) قد عرفت أن الصيام قبل نزول هذه الاية كان مستوعبا لليل والنهار عامة ولذلك قال (أحل لكم ليلة الصيام) وظهور قوله تعالى (ليلة الصيام) في أن الليل بتمامه ظرف لاحلال الرفث والاكل والشرب، أقوى دلالة من التشبث بأن ثم للتراخي الزمانى، وقد عرفت أيضا أنه لو كان أول الصوم واقعا في آخر الليل الماضي، لقال (ثم أتموا الصيام إلى الليل القابل).

[95]

في ثم أو الاتمام ؟ وأي توقف لهذا الوجه على كون أول النهار طلوع الشمس وحمل الايام في المواضع على المجاز ؟ ولعله قدس سره توهم أنه لابد من تعيين مبدء للاتمام وهو فاسد، لانا إذا قلنا إذا شرعت في عمل فأتمه لا يلزم أن يكون للشروع حد معين، وأما ادعاؤه أن المتبادر من قول القائل سرت إلى آخر الكوفة، كون مبدء السير أوله غير مسلم، بل يفهم مبدء السير بالقرائن. وقال الطبرسي - ره - في المجمع: المراد بليلة الصيام الليلة التي يكون في غدها الصوم (1) وقال في قوله سبحانه (حتى يتبين) أي يظهر ويتميز لكم على التحقيق الخيط الابيض من الخيط الاسود أي النهار من الليل، فأول النهار طلوع الفجر الثاني وقيل بياض الفجر من سواد [الليل وقيل: بياض أول النهار من سواد] آخر الليل انتهى (2). وقال الرازي في قوله تعالى: (احل لكم) الاية هذا يقتضي حصول هذا الحل في جميع الليل لان ليلة نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث لو كان الليل كله مشغولا به، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لا كله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ وأما الذي بعده من قوله (كلوا واشربوا حتى يتبين) فذاك يكون كالتأكيد لهذا الناسخ، وأما الذي يقول إن قوله (احل لكم) الخ يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به، فيكون الناسخ قوله (وكلوا) انتهى، فهذان الفاضلان من الفريقين فسرا الليل والنهار في تلك الايات بما ترى. الثامنة: قوله تعالى (ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار) (3) فان مقابلة أطراف النهار بآناء الليل توجب حمله على الاطراف الداخلة


(1) قد عرفت أن التعبير بليلة الصيام على حقيقته، ولا وجه لهذا التأويل. (2) مجمع البيان ج 2 ص 280 و 281 وما بين العلامتين اضافة من المصدر. (3) طه: 13.

[96]

وعلى ما هو المشهور من حمل التسبيح على الصلاه ليس في الطرف الاول من اليوم إلا صلاة الفجر، فيكون وقته داخلا في النهار، ولعل الجمع باعتبار وقت الظهر والعصر أو إجزاء وقتي صلاة الفجر والعصر، ولعل الاول أظهر، وقد مر الكلام فيها. التاسعة: قوله تعالى (قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا) إلى قوله (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا طويلا) (1) فانه لا ينبغي أن يرتاب في أن الليل المذكور في الاية وما ذكره المفسرون أنه كان قيامه واجبا ثم نسخ، هو الذي منتهاه طلوع الفجر، وأن النصف والثلثين والثلث إنما هي بالنسبة إلى الليل بهذا المعنى، ومن راجع الاخبار والاقوال الواردة في ذلك، لا يبقى له ريب فيما ذكرنا، وكذا قوله تعالى (إن ناشئة الليل) فانه قد ظهر من الاخبار وأقوال المفسرين أنه نزل في صلاة الليل ووقتها إلى طلوع الفجر. وقال الطبرسي - ره - (2) والمروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا هي القيام في آخر الليل إلى صلاة الليل وسيأتي بعض الاخبار في ذلك في باب صلاة الليل. العاشرة: قوله سبحانه (فأسر بأهلك بقطع من الليل) إلى قوله (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) (3) قال الرازي: القطع من الليل بعضه، وهو مثل القطعة يريد اخرجوا ليلا لتسبقوا نزول العذاب الذي موعده الصبح، قال نافع بن الازرق لعبدالله بن عباس أخبرني عن قول الله (بقطع من الليل) قال هو آخر الليل سحر وروي أنهم لما قالوا للوط: (إن موعدهم الصبح) قال اريد أعجل من ذلك بل الساعة، فقالوا أليس الصبح بقريب، قال المفسرون: إن لوطا عليه السلام لما سمع


(1) المزمل: 1 - 7. (2) مجمع البيان ج 10 ص 378. (3) هود: 81.

[97]

هذا الكلام خرج بأهله في الليل انتهى وقال في موضع آخر: القطع في آخر الليل قال افتحي الباب وانظري في النجوم كم علينا من قطع الليل، وظاهر هذه الاية وقوله تعالى (نجيناهم بسحر) (1) وقوله (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) (2) وأقوال المفسرين فيها أن نجاة آل لوط كان في الليل، وعذاب قومه كان في النهار بعد الفجر، وقد مر بعض كلام المفسرين فيها. الحادية عشرة: قوله تعالى (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون) (3) فانه سبحانه قابل الليل بالاصباح، فما بعد الصبح ليس من الليل وقال الطبرسي - ره -: أي تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام على منازلهم وقراهم بالنهار وبالليل، وقال البيضاوي: مصبحين داخلين في الصباح، وبالليل أي ومساء أو نهارا وليلا، وقال الرازي: ذلك لان القوم كانوا يسافرون إلى الشام والمسافر في أكثر الامر إنما يمشي بالليل وفي أول اليوم، فلهذا السبب عين تعالى هذين الوقتين انتهى وقال الواحدي في تفسيره الوسيط (مصبحين) أي نهارا، فظهر أن المفسرين أيضا فهموا كما فهمنا. الثانية عشرة: قوله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) (4) فانه فسر في كثير من الروايات الايمان وجه النهار بالصلاة في أول النهار، وليست إلا صلاة الفجر، كما رواه علي بن إبراهيم (5) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قدم المدينة وهو يصلي إلى نحو بيت المقدس أعجب ذلك اليهود، فلما صرفه الله عن بيت المقدس إلى بيت الله الحرام وجدت اليهود من ذلك،


(1) القمر: 34. (2) القمر: 38. (3) الصافات: 137. (4) آل عمران: 72. (5) تفسير القمى: 95.

[98]

وكان صرف القبلة صلاة الظهر، فقالوا: صلى محمد الغداة واستقبل قبلتنا، فآمنوا بالذي انزل على محمد صلى الله عليه وآله وجه النهار واكفروا آخره، يعنون القبلة حين استقبل رسول الله المسجد الحرام لعلهم يرجعون إلى قبلتنا. وقال الرازي: وجه النهار هو أوله، والوجه في اللغة مستقبل كل شئ لانه أول ما يواجه منه كما يقال لاول الثوب وجه الثوب، وقال: قال ابن عباس وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، واكفروا آخره يعني صلاة الظهر وتقريره أنه صلى الله عليه وآله كان يصلي إلى بيت المقدس بعد أن قدم المدينة، ففرح اليهود بذلك، و طمعوا أن يكون منهم فلما حوله الله إلى الكعبة كان ذلك عند صلاه الظهر، وقال كعب بن الاشرف وغيره: آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار يعني آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق، واكفروا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الظهر وهي آخر النهار فهي الكفر. ثم روى رواية اخرى وهي أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم، فقال بعضهم لبعض: صلوا إلى الكعبة في أول النهار، ثم اكفروا بهذه القبلة في آخر النهار وصلوا إلى الصخرة، لعلهم يقولون إن أهل الكتاب أصحاب العلم فلولا أنهم عرفوا بطلان هذه القبلة لما تركوها فحينئذ يرجعون عن هذه القبلة. وقال الطبرسي - ره -: وجه النهار أوله ثم ذكر تلك الروايات مجملا ونحوه ذكر البيضاوي وغيره من المفسرين. الثالثة عشرة: قوله سبحانه (فالق الاصباح وجاعل الليل سكنا) (1) فان ظاهر التقابل بين الاصباح والليل عدم كون الصبح منه، قال الرازي: قال الليث الصبح والصباح هما أول النهار، وهو الاصباح أيضا، قال تعالى (فالق الاصباح) أي الصبح، وقيل الاصباح مصدر سمي به الصبح، وقال الطبرسي - ره -: نبه الله سبحانه على عظيم نعمته بأن جعل الليل للسكون، والنهار للتصرف، ودل بتعاقبهما


(1) الانعام: 96.

[99]

على كمال قدرته وحكمته. الرابعة عشرة: قوله سبحانه (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) (1) فانه قد وردت الاخبار المستفيضة بل المتواترة أن المراد بالمشهود أنه يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فظهر أن النهار عند الملائكة وفي السماء أيضا من طلوع الفجر، وقد مضت الروايات فيه أيضا ومقابلته بتهجد الليل مما يقوي ذلك، وظاهر أن التهجد لا يصدق على القيام إلى صلاة الفجر. وقال الرازي: قال الجمهور معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الامام، تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة قبل أن تعرج ملائكة الليل، فإذا فرغ الامام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار. وقال الطبرسي - ره -: كلهم قالوا معناه أن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، وكذا ذكر غيرهما من المفسرين وروى الشيخ والكليني والصدوق (2) وغيرهم بأسانيد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في تفسير هذه الاية: يعني صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فإذا صلى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر اثبتت له مرتين أثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار، وبسند آخر عنه عليه السلام (3) قال: إن ملائكة الليل تصعد وملائكة النهار تنزل عند طلوع الفجر فأنا احب أن تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار صلاتي. الخامسة عشرة: قوله تعالى (ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر) (4) فأطلق على وقت عذابهم الصبح والبكرة، وقد صرح اللغويون بأن البكرة أول


(1) اسرى: 78. (2) راجع التهذيب ج 1 ص 144، الكافي ج 3 ص 283، علل الشرايع ج 2 ص 25، تفسير القمى: 386. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 306. (4) القمر: 38.

[100]

النهار، وقد قال تعالى (إن موعدهم الصبح) قال الراغب الاصفهاني في مفرداته: أصل الكلمة هي البكرة التي هي أول النهار، فاشتق من لفظه لفظ الفعل فقيل بكر فلان بكورا إذا خرج بكرة وقال في الكشاف: (ولقد صبحهم بكرة) أول النهار أو باكره كقوله مشرقين ومصبحين، وقال البيضاوي: وقرء بكرة غير مصروفة على أن المراد بها أول نهار معين، وقال في قوله تعالى (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) (1) روي عن أبي العالية ان بكرة صلاة الفجر وعشيا صلاة العصر، وأيضا ظاهر قوله تعالى قبل ذلك (نجيناهم بسحر) أن ما بعد الصبح ليس بداخل في السحر كما صرح به اللغويون، وقد صرح جماعة بأن السحر آخر الليل، وقال الرازي: (نجيناهم بسحر) أي أمرناهم بالخروج آخر الليل والسحر قبيل الصبح، وقيل هو السدس الاخر من الليل، وفي الكشاف (نجيناهم بسحر) بقطع من الليل، وهو السدس الاخر منه، وقال البيضاوي: أي في سحر وهو آخر الليل، وقد مر ما في الاساس. السادسة عشرة: قوله سبحانه (يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال) (2) فان أكثر المفسرين فسروا تسبيح الغد وبصلاة الفجر، وقد صرح اللغويون بأن الغداة من النهار، فصلاة الفجر من صلاة النهار، قال في النهاية: الغدوة المرة من الغدو، وهو سير أول النهار نقيض الروح، والغدوة بالضم ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، وفي القاموس الغدوة بالضم البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، كالغداة والغدية، وتغدى أكل أول النهار، وقال الخليل في كتاب العين: الغداء ما يؤكل في أول النهار، وقال في مصباح اللغة: غدا غدوا من باب قعد ذهب غدوة، وهو ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس. السابعة عشرة: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا


(1) مريم: 11. (2) النور: 36. (*)

[101]

وسبحوه بكرة وأصيلا) (1) وقد مر أن أكثر المفسرين فسروا تسبيح البكرة بصلاة الغداة، وصرح اللغويون بأن البكرة أول النهار كما مر، وقال في مصباح اللغة: البكرة من الغداة جمعها بكر مثل غرفة وغرف، إلى أن قال: قال أبو زيد في كتاب المصادر: بكر بكورا وغدا غدوا، هذان من أول النهار. الثامنة عشرة: قوله (وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار) (2) وقد مر تقريبه ووجه الاستدلال به وقال الطبرسي - ره - وقيل: معناه صل بأمر ربك بالعشي من زوال الشمس إلى الليل، والابكار من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس عن مجاهد، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله يا ابن آدم اذكرني بعد الغداة ساعة، وبعد العصر ساعة أكفك ما أهمك، وقال الرازي: الابكار مصدر أبكر يبكر إذا خرج للامر في أول النهار، هذا هو في أصل اللغة ثم سمي ما بين طلوع الفجر إلى الضحى إبكارا وقال في موضع آخر: العشي والابكار قيل صلاة العصر وصلاة الفجر، وقيل الابكار عبارة عن أول النهار إلى نصف النهار والعشي من نصف النهار إلى آخر النهار، وقيل المراد طرفي النهار، وقال البيضاوي: الابكار من طلوع الفجر إلى الضحى. التاسعة عشرة: قوله سبحانه (وسبح بحمدك ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وإدبار السجود) (3) فان ظاهر المقابلة كون قبل طلوع الشمس من النهار لا من الليل، وفسره الاكثر بصلاة الفجر كما مر، وقال الرازي: قبل طلوع الشمس وقبل الغروب إشارة إلى طرفي النهار، ومن الليل فسبحه إشارة إلى زلفا من الليل. العشرون: قوله عزوجل: (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا) (4) إذ المقابلة بين البكرة والاصيل وبين الليل


(1) الاحزاب: 42. (2) المؤمن: 55. (3) ق: 39. (4) الدهر: 26.

[102]

تقتضي المغايرة، وفسر ذكر البكرة بصلاة الغداة، قال في الكشاف: واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا ودم على صلاة الفجر والعصر ومن الليل فاسجد له وبعض الليل فصل له، أو يعني صلاة المغرب والعشاء، وسبحه ليلا طويلا وتهجد له هزيعا طويلا من الليل ثلثيه أو نصفه أو ثلثه، ونحو ذلك قال الرازي والبيضاوي، إلا أنهما أدخلا صلاة الظهر في ذكر الاصيل، وقال الطبرسي - ره -: أي أقبل على شأنك من ذكر الله والدعاء إليه صباحا ومساء أو البكرة أول النهار والاصيل العشي، وهو أصل الليل، وقال الواحدي في الوسيط أي اذكره بالتوحيد في الصلاة بكرة وعشيا يعني الفجر والعصر، ومن الليل، فاسجد له يعني المغرب والعشاء، وسبحه ليلا طويلا يعني التطوع بعد المكتوبة. الحادية والعشرون: قوله سبحانه: (والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر) بتقريب ما مر من التقابل كما قابل بين الليل والنهار في آيات كثيرة كقوله (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى) (والضحى والليل إذا سجى). وقال الرازي: ذكروا في القسم بالفجر وجوها أحدها ما روي عن ابن عباس أن الفجر هو الصبح المعروف، فهو انفجار الصبح الصادق والكاذب، أقسم الله تعالى بما يحصل فيه من انقضاء الليل وظهور الضوء وانتشار الناس، وسائر الحيوانات من الطير والوحش في طلب الارزاق، إلى أن قال: ومنهم من قال المراد به جميع النهار إلا أنه دل بالابتداء على الجميع، ونظيره (والضحى) وقوله (والنهار إذا تجلى) وثانيها أن المراد نفس صلاة الفجر فأقسم بصلاة الفجر لانها صلاة في مفتتح النهار، وتجتمع لها ملائكة الليل وملائكة النهار. هذا ما حضر في الحال وخطر بالبال من الايات التي يمكن أن يستدل بها على هذا المطلوب، فأشرنا إلى كيفية الاستدلال بها وبأضرابها على الاجمال. واستدل بعض الافاضل على خلاف هذا المدعى بقوله تعالى (يقلب الله الليل والنهار) حيث قال: فقد قيل في تفسيره أن الله يقلب بالمعاقبة بينهما أو بنقص


(1) النور: 44.

[103]

أحدهما وزيادة الاخر أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد، والظلمة والنور، أو ما يعم ذلك، وعندي كل هذه الوجوه خلاف الظاهر وفرق بين تقليب الشئ وتبديل الشئ ومعاقبتهما، والظاهر من التقليب جعل الشئ عجزا وبالعكس (1). وذلك إنما يتحقق في كل واحد من الليل والنهار بالمعنى الذي ذكرناه حسب، بناء على أن في أول الليل الحمرة في جهة المغرب ثم يزداد الليل ظلمة وتزول الحمرة، وتبقى الصفرة والبياض المعترض، ثم البياض المرتفع إلى السماء ثم السواد المحيط بالافاق، ويزداد الليل ظلمة، وإن لم يظهر أثر الازدياد حتى ينتصف الليل ويصير رأس ظل المخروط (7) على دائرة نصف النهار فوق الارض، ويكون المخروط حينئذ إما قائما أو مائلا إلى جهة الجنوب أو الشمال مع تساوي بعده عن جهة المشرق والمغرب، ثم إذا زال الليل مال رأس المخروط عن دائرة نصف النهار إلى جهة المغرب، وأخذ الظلمة في الانتقاص، وإن لم يظهر ذلك حسا وانقلبت الحالات الواقعة في النصف الاول فيميل النور إلى جهة المشرق حتى يظهر أثر النور المستطيل في الافق الشرقي ثم الفجر المعترض ثم الصفرة


(1) وفيه أن التقليب أظهر معناه التحويل عن وجهه بجعل أعلاه أسفله، كما يقال: قلب الامر ظهرا لبطن، ويقال تقلب الشئ ظهرا لبطن كالحية تتقلب على الرمضاء، وانما جئ به من باب التفعيل لاجل أن ذلك بالتدريج ولكن وقت الاعتبار عند نصف النهار و نصف الليل بمعنى أن الذى يكون محيطا بكرة الارض أو يصورها في مد نظره إذا نظر في النهار إلى كرة الارض رأى أعلى الارض - مثلا - منورا بالضياء وأسفلها مظلما بالليل و السواد، ثم إذا توجه إلى الارض بعد اثنا عشر ساعة مثلا يرى الليل والنهار المحيطين بكرة الارض مقلبا ظهرا لبطن، الا أن ذلك وقع تدريجا، ولذلك عبر بقوله عزوجل (يقلب) بالتضعيف. (2) لكنه غفل عن أن رأس ظل المخروط بل معظمه خارج عن كرة الهواء، فلا سلطان لهذا الظل بالنسبة إلى كرة الارض، فلا يزيد فيه سوادا ولا ينقص بعد مغرب الشفق أبدا، الا عند طلوع الفجر واسفار الهواء المرئى في مشرق الشمس.

[104]

والحمرة الشرقيتان إلى أن تطلع الشمس من المشرق. وفي هذه الحالات تقليب للحالة الاولى، وانعكاس لامرها، وكذلك إذا طلع الشمس من المشرق، كثر النور في الجهات الشرقية، والظل ممتد من جهة الغرب، وكلما ارتفع نقص الظل وازداد النور والشعاع وارتفاع الشمس، وجميع ما يترتب على ذلك حتى إذا زالت الشمس انعكس الامر، وانقلبت الحال، فصارت الجهات الغربية في حكم الشرقية وبالعكس انتهى. أقول: يرد عليه أنه مخالف لما ورد في ساير الايات من إيلاج الليل في النهار، وتكوير الليل على النهار (1) وغير ذلك، والظاهر أن يكون على سياق تلك الايات، مع أن ذلك ليس تقليب الليل والنهار، بل لنصف الليل ونصف النهار، وعلى ما اخترناه يمكن توجيهه بوجه آخر أظهر، وأوفق بسائر الايات، و هو أن يقال الليل مقلوب النهار، والنهار مقلوب الليل، من جميع الوجوه، إذ ابتداء اليوم ظهور البياض ثم الصفرة، ثم الحمرة، ثم يطلع الشمس، وكلما ارتفعت ازدادت نورا، وهكذا إلى الزوال، ثم ينقص النور إلى أن تغيب، ثم


(1) ليس المراد من ايلاج الليل في النهار وبالعكس، وهكذا تكوير الليل على النهار ما يزيد في مدة النهار والليل بحسب الفصول، بل المراد ايلاج الليل وسواده في بطن النهار وضيائه من جهة المغرب على الاستدامة وايلاج النهار في بطن الليل في المشرق هكذا الا أن ذلك يترائى لمن خرج ببصره أو بفكره وخياله عن الارض وعرج بروحه إلى السماء وتصور كرة الارض في مقابلته، فحينئذ يشاهد كيف يلج سواد الليل في بطن الضياء من جهة المغرب، وكيف يلج ضياء النهار في دبر الليل من جهة المشرق، وهكذا كيف يكور ويلف أطراف الليل على النهار كأنه يستر الضياء بذيله من جهة المغرب وكيف يلف أطراف النهار بضيائه الليل كأنه يستر السواد بلفاف بياضه، كل هذا على التشبيه البليغ البديع يجعل كيفية الامساء والاصباح وانسلاخ الليل من النهار مشاهدا لحس المتفكرين وينبه على عظمة الابداع وحسنه كأن تلك الايات يعرج بروح المؤمن إلى فوق الافق خارج الكرة الارضية ويشاهده تلك البدايع ومحاسن الصنع ليعرف عظمة ربه.

[105]

يظهر الليل بعكس النهار ترتيبا وصفة، لغروب الشمس أولا ثم ظهور الحمرة، ثم الصفرة، ثم البياض، ثم تزداد الظلمة إلى الغسق، ثم تنتقص إلى طلوع الفجر، فالليل مقلوب النهار، والنهار مقلوب الليل. ويمكن أن يقال النكتة في جعل الشفق في أحد الطرفين من النهار، وفي الاخر من الليل أن الانسان بعد نوم الليل والاستراحة يغتنم أدنى ضوء للحركة والانتشار لطلب المعاد والمعاش، بخلاف انتهاء اليوم فانه لكثرة مشاغله في اليوم وتضجره منها يغتنم أدنى ظلمة لترك الاعمال والاستراحة، فلذا عد من الليل. وأما الاستدلال بأن الغسق نهاية الظلمة، وهو منتصف ما بين الطلوع والغروب فهو إنما يتم إذا كان المراد بالغسق جزء غير منقسم كالزوال، وهو في محل المنع بل الظاهر من إطلاقات اللغويين أنه قدر من الزمان في وسط الليل تشتد فيه الظلمة، فيمكن أن يكون ابتداؤه موافقا لمنتصف ما بين الغروب إلى الفجر. وأما الاخبار الواردة في ذلك فهي أكثر من أن تجتمع في موضع، ولنذكر هنا ما يكفى في الدلالة على المقصود والجرعة تدل على الغدير، والحفنة على البيدر الكبير، وأرجو الاعانة من العليم القدير. 1 - الاحتجاج: عن الحسن بن محبوب، عن سماعة قال: قال أبو حنيفة لابي عبد الله عليه السلام: كم بين المشرق والمغرب ؟ قال: مسيرة يوم بل أقل من ذلك قال: فاستعظمه فقال يا عاحز لم تنكر هذا ؟ إن الشمس تطلع من المشرق وتغرب في المغرب، في أقل من يوم تمام الخبر (1). بيان: ظاهره أن الاقل باعتبار انضمام ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وان أمكن أن يكون باعتبار الافق الحسى والافق الحقيقي لكنه بعيد و الاستدلال بالظواهر. 2 - العلل والخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أبي هاشم


(1) الاحتجاج: 197

[106]

الخادم قال: قلت لابي الحسن الماضي عليه السلام: لم جعلت صلاة الفريضة والسنة خمسين ركعة، لا يزاد فيها ولا ينقص منها ؟ قال: إن ساعات الليل اثنتى عشرة ساعة، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة، وساعات النهار اثنتى عشرة ساعة فجعل لكل ساعة ركعتين، وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق غسق (1). بيان: هذا اصطلاح آخر لليل والنهار، وللساعات المعوجة سوى المشهور، وكان مشهورا بين أهل الكتاب، ولا يدل على شئ من طرفي النزاع، وقال أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي نقلا عن براهمة الهند: إن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق خارجان عن الليل والنهار، بل هما بمنزلة الفصل المشترك. 3 - الخصال: عن الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، عن عمه عن أبي إسحاق قال: أملى علينا تغلب ساعات الليل: الغسق، والفحمة، والعشوة، و الهدأة، والسباع، والجنح والهزيع، والفغد، والزلفة، والسحرة والبهرة، وساعات النهار: الرأد، والشروق: والمتوع، والترجل، والدلوك، والجنوح، والهجيرة، والظهيرة، والاصيل، والطفل (2). بيان: قال الفيروز آبادي: الغسق محركة ظلمة أول الليل وقال فحمة الليل أوله، أو أشد سواده، أو ما بين غروب الشمس إلى نوم الناس، خاص بالصيف وقال: العشوة بالفتح الظلمة أو ما بين أول الليل إلى ربعه، وقال أتانا بعد هدء من الليل وهدء وهدءة أي حين هدأه الليل والرجل، والهدو أول الليل إلى ثلثه، ولم يذكر للسباع معنى مناسبا، وقال: ككتاب الجماع ويحتمل أن يكون سمي بذلك لانه وقته أو يكون تصحيفا، وقال الجنح من الليل بالكسر الطائفة ويضم، وقال هزيع من الليل كأمير طائفة أو نحو من ثلثه أو ربعه. وقال الزلفة الطائفة من الليل، وقال السحر قبيل الصبح، والسحرة بالضم


(1) علل الشرايع ج 2 ص 17، والخصال ج 2 ص 85. (2) الخصال ج 2 ص 85، واخرجه في ج 59 ص 4 من هذه الطبعة مع شرح واف.

[107]

السحر الاعلى، وقال البهر الاضاءة وابهار الليل أي انتصف أو تراكمت ظلمته أو ذهب عامته، أو بقي نحو من ثلثه، والبهرة من الليل وسطه، وكأنها الفجر الاول أو الفجران، وقال: رئد الضحى ورأده ارتفاعه، وقال: شرقت الشمس شروقا طلعت، وقال: متع النهار متوعا ارتفع والضحى بلغ آخر غايته، وقال: رجل النهار وترجل ارتفع، وقال: دلكت الشمس زالت عن نصف النهار. وقال: جنح مال، وجنوح الليل إقباله، والجنح بالكسر الجانب والكنف وقال: الهجيرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر، وقال الظهيرة: حد انتصاف النهار، وقال الاصيل العشي وقال طفل العشي محركا آخره عند الغروب. أقول: لم أجد للفغد معنى، ولعله تصحيف، وليس فيه دلالة صريحة على أحد الجانبين، وإنما ذكرناه للمناسبة. 4 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن إسماعيل بن أبان، عن عمر ابن أبان الثقفي قال: سأل نصراني الشام الباقر عليه السلام عن ساعة ماهي من الليل ولا هي من النهار، أي ساعة هي ؟ قال أبو جعفر عليه السلام: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، قال النصراني: إذا لم ؟ كن من ساعات الليل ولا من ساعات النهار فمن أي ساعات هي ؟ فقال: أبو جعفر من ساعات الجنة، وفيها تفيق مرضانا، فقال النصراني أصبت (1). بيان: أقول: قد مر أن هذا اصطلاح آخر كان معروفا عند أهل الكتاب فلذا أجابه عليه السلام على وفق معتقده، وقوله عليه السلام: (من ساعات الجنة) أي شبيهة بها ولا يبعد أن يكون المراد أنها لا تحسب في انتصاف الليل ولا في انتصاف النهار. 5 - العلل: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن علي بن بشار عن موسى، عن أخيه علي بن محمد عليهما السلام أنه أجاب في مسائل يحيى بن أكثم القاضي أما صلاة الفجر وما يجهر فيها بالقراءة، وهي من صلاة النهار، وإنما يجهر في


(1) تفسير القمى: 89 في حديث طويل وتراه في الكافي ج 8 ص 123. (*)

[108]

صلاة الليل، قال: جهر فيها بالقراءة لان النبي صلى الله عليه وآله كان يغلس فيها لقربها بالليل (1). تحف العقول: مرسلا مثله (2). 6 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن حديد وابن أبي نجران، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر الخبر (3). العياشي: عن زرارة مثله (4). معاني الاخبار: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمان بن أبي نجران والحسين بن سعيد معا، عن حماد عن حريز، عن زرارة مثله (5). توضيح: أقول هذه الرواية مع ورودها بأسانيد صحيحة، صريحة في كون وقت الفجر من النهار، وما قيل من أن قوله عليه السلام: (بالنهار) قيد لصلاة الظهر، لا لصلاتين - والمعنى أن صلاة الظهر وسط صلاتين، مع كونها بالنهار، وهذا يوجب فضلها، والكلام مسوق لبيان كونها الصلاة الوسطى، ولا ينافي تسميتها بصلاة وسطى لما ذكر اشتراكها مع صلاة العصر في الصفة المذكورة، مع أنه يحتمل أن يكون المراد أنها أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله، والحال أنها على الصفة المذكورة حتى لا يشاركها صلاة العصر ويحتمل أن يكون الظرف لغوا متعلقا بقوله صلى - فلا يخفى ما فيه من التهافت والتكلف.


(5) علل الشرايع ج 2 ص 13. (6) تحف العقول: 508 ط الاسلامية. (7) علل الشرايع ج 2 ص 43. (8) تفسير العياشي ج 1 ص 127. (9) معاني الاخبار: 332.

[109]

أما الوجه الاول فبعده بحسب اللفظ ظاهر للفصل بالظرف بين البيان والمبين وأما معنى فلما أومأنا إليه سابقا من أن الحكيم إذا ذكر الصلوات ثم أفرد واحدة منها من بينها بوصف، لابد أن يكون لهذا الوصف اختصاص ما بتلك الصلاة، و كونها وسط صلاتين مطلقا مشترك بين جميع الصلوات، فيصير بمنزلة أن يقول: حافظوا على جميع الصلوات وعلى الصلاة التي هي صلاة، أو مشتملة على الركوع والسجود، وإن أراد أن كونها بالنهار يستفاد من الاية وسلم ذلك، فذكر الوسطى لغو إذ لا يستفاد منه تخصيص بوجه، وما أفاده من استفادة الفضل من كونها بالنهار فمع أنه لا ينفع في المقام غير مسلم بل الظاهر خلافه لقوله تعالى: (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا) (1). والوجه الثاني لا أفهم منه معنى محصلا، ولعله أراد أن يجعل الجميع من قوله وهي أول صلاة إلى آخر الكلام وجها واحدا، فلو أراد أنه عليه السلام بين علة أنه لم سماها الله وسطى من بين الصلوات، فلا ينفع تكلفه، ولا يدفع شيئا، ويرد عليه ما أوردنان على الوجه الاول. وإن أراد أنه عليه السلام أراد أن يذكر نكتة وعلة لتعيين صلاة الظهر، لكونها وسطى مع قطع النظر عن دلالة لفظ الاية عليه، وعن أنه لم سميت وسطى، فلا ينفع في هذا إلا الجزء الاول، أعني كونها أول صلاة صلاها صلى الله عليه وآله فأما كونها وسط صلاتين، فلا مدخل له في ذلك لانه مشترك بين الصلوات وكونها بالنهار مشترك بينها وبين العصر، فتدبر. والظرف اللغو الذي أبدى لعله بكونه لغوا أحرى فان توسيط متعلق جملة بين جملة اخرى ومتعلقها مما يصير به الكلام مشوشا متهافتا، بل مما لا يكاد يصح. ولا محصل لمعناه أيضا إذ لو كان الغرض أنه ليس الظهر أول الصلوات مطلقا بل أول ما فعله صلى الله عليه وآله بالنهار، فلا يخلو إما أن تكون صلاة الفجر من صلاة النهار أم لا فعلى الثاني لا محصل لهذا الكلام ولا طائل تحته، إذ حينئذ لا يكون


(1) المزمل: 6.

[110]

أول صلاة النهار إلا الظهر، فلا تترتب فائدة على هذا الكلام، وعلى الاول يتم مطلوبنا، وإن كان فيه قصور أيضا، إذ الظاهر من الاخبار أن صلاة اليوم والليلة فرضت مرة واحدة، فيكون أول ما صلى بالنهار الصبح لا الظهر، ولو كان المراد أنه أول ما صلى مطلقا ومع ذلك قيد بالنهار فكونه لغوا أبين وأظهر. 7 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلم أن ثلاث صلوات إذا حل وقتهن ينبغى لك أن تبدأ بهن ولا تصلي بين أيديهن نافلة صلاة استقبال النهار وهي الفجر وصلاة استقبال الليل وهي المغرب، وصلاة يوم الجمعة (1). 8 - العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصلاة الوسطى هي الوسطى من صلاة النهار، وهي الظهر (2). 9 - ومنه: عن حريز: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أقم الصلاة طرفي النهار) وطرفاه المغرب والغداة، و (زلفا من الليل) وهي صلاة العشاء الاخرة (3). 10 - ارشاد القلوب: عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في بيان فضل هذه الامة ومنها أن الله عزوجل فرض عليهم في الليل والنهار خمس صلوات في حمسة أوقات: اثنتان بالليل، وثلاث بالنهار (4). 11 - العلل: في علل الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في علة أوقات الصلوات: أن الله عزوجل أحب أن يبدأ في كل عمل أولا بطاعته وعبادته، فأمرهم أول النهار إن يبدؤا بعبادته ثم ينتشروا فيما أحبوا من مؤنة دنياهم، فأوجب صلاة الفجر عليهم (5). 12 - الفقيه: باسناده عن معاوية بن وهب قال: لا تنتظر بأذانك وإقامتك


(1) فقه الرضا: (2) تفسير العياشي ج 1 ص 127. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 161. (4) ارشاد القلوب ج 2 ص 22، وقد مر في ج 82 ص 274. (5) علل الشرايع ج 1 ص 250.

[111]

إلا دخول وقت الصلاة، واحدر إقامتك (1). قال: وكان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنان أحدهما بلال، والاخر ابن ام مكتوم وكان ابن ام مكتوم أعمى وكان يؤذن قبل الصبح، وكان بلال يؤذن بعد الصبح، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن ابن ام مكتوم يؤذن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال (2). 13 - الكافي: بسند صحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخيط الابيض من الخيط الاسود، فقال: بياض النهار من سواد الليل (3) قال: وكان بلال يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله وابن ام مكتوم وكان أعمى يؤذن بليل، ويؤذن بلال حين يطلع الفجر الحديث وبسند آخر فيه قوة عن زرارة عنه عليه السلام مثله (4). 14 - التهذيب: عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن لنا مؤذنا يؤذن بليل، فقال أما إن ذلك ينفع الجيران لقيامهم إلى الصلاة، وأما السنة فان يتأدى مع طلوع الفجر (5). بيان: هذه الاخبار صريحة في أن ما بعد الصبح ليس من الليل، ويدل على أنه كان معلوما مسلما بينهم، وعليه جرى اصطلاحهم. 15 - الكافي: في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من قال: ما شاء الله كان، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، مائة مرة حين يصلي الفجر لم ير في يومه ذلك شيئا يكرهه (6). 16 - ثواب الاعمال: باسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: من استغفر الله بعد صلاة الفجر سبعين مرة غفر الله له، ولو عمل ذلك اليوم أكثر من سبعين


(1) الفقيه ج 1 ص 185. (2) الفقيه ج 1 ص 194. (3 - 4) الكافي ج 4 ص 98. (5) التهذيب ج 1 ص 148. (6) الكافي ج 2 ص 530.

[112]

ألف ذنب (1). وعن الصادق عليه السلام بسند صحيح قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام من صلى الفجر وقرأ قل هو الله أحد، أحد عشر مرة، لم يتبعه في ذلك اليوم ذنب (2). بيان: ظاهر الاشارة في تلك الاخبار بذلك اليوم ويومه ذلك أنه بعد طلوع الفجر دخل في اليوم وخرج من الليل، ومثله كثير في الاخبار، ولامكان المناقشة فيها اكتفينا بالقليل منها. 17 - الفقيه: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن إبليس إنما يبث جنود الليل من حين تغيب الشمس إلى أن يغيب الشفق، ويبث جنود النهار من حين يطلع الفجر إلى أن تطلع الشمس (3). 18 - الخصال: بسنده المعتبر عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من كانت له حاجة فليطلبها في ثلاث ساعات إلى قوله: وساعة في آخر الليل عند طلوع الفجر (4). بيان: الظاهر أن المراد الساعة التي نهايتها الطلوع لا بدايتها، كما دلت عليه الاخبار الكثيرة الواردة في ذلك. 19 - عدة الداعي: عن الباقر عليه السلام قال: إن الله ينادي كل ليلة من أول الليل إلى آخره: ألا عبد مؤمن يدعوني لدينه ودنياه، قبل طلوع الفجر إلى آخر الخبر (5). توضيح: نداء المنادي بعد طلوع الفجر بأن يدعو قبل الفجر غير محتمل. 20 - الكافي: في المعتبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تقول: إذا أصبحت و أمسيت: الحمد لرب الصباح، الحمد لخالق الاصباح مرتين، الحمدلله الذي ذهب


(1 - 2) ثواب الاعمال: 116. (3) الفقيه ج 1 ص. (4) الخصال ج 2 ص 158 في حديث الاربعمائة. (5) عدة الداعي ص 50.

[113]

بالليل بقدرته، وجاء بالنهار برحمته - الخبر - (1). وبسند حسن عنه عليه السلام قال. إذا أصبحت وأمسيت فقل إلى أن قال: فإذا قلت ذلك كنت قد أديت شكر ما أنعم الله به عليك في ذلك اليوم، وفي تلك الليلة (2). 21 - المصباح الكبير للشيخ: من أدعية الصباح قال: إذا طلع الفجر الثاني فقل يا فالقه من حيث لا أرى إلى قوله: واجعل أول يومنا هذا صلاحا وأوسطه فلاحا وآخره نجاحا، قال ثم تقول: مرحبا بالحافظين إلى قوله: الحمد الله الذي أذهب الليل بقدرته، وجاء بالنهار برحمته خلقا جديدا ثم قال: دعاء آخر اللهم إني أصبحت أستغفرك في هذا الصباح، وفي هذا اليوم لاهل رحمتك. ثم قال: دعاء آخر برواية معاوية بن عمار تقول بعد الفجر إلى قوله: الحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله إلى قوله على إدبار الليل وإقبال النهار الحمد لله الذي ذهب بالليل مظلما بقدرته وجاء بالنهار مبصرا برحمته، إلى قوله: مرحبا بخلق الله الجديد، واليوم العتيد، إلى قوله عليه السلام واجعل أول يومي هذا صلاحا إلى قوله، وارزقني خير يومي هذا. ثم ذكره - ره - دعاء العشرات مرويا عن الصادق عليه السلام وساق الدعاء إلى قوله: الحمد لله الذي ذهب بالليل بقدرته، وجاء بالنهار برحمته، إلى قوله: اللهم كما ذهبت بالليل وأقبلت بالنهار خلقا جديدا. 22 - الصحيفة السجادية: في دعاء الصباح وهذا يوم حادث جديد، و هو علينا شاهد عتيد إلى قوله عليه السلام اللهم وفقنا في يومنا هذا إلى قوله عليه السلام: واجعله أيمن يوم عهدناه إلى قوله عليه السلام في يومي هذا (3).


(1) الكافي ج 2 ص 528 في حديث. (2) الكافي ج 2 ص 99. (3) الدعاء السادس من أدعية الصحيفة ص 47 ط الاخوندى.

[114]

23 - المصباح للشيخ: ذكر في أدعية ساعات اليوم الساعة الاولى وهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لامير المؤمنين عليه السلام. 24 - الفقيه ومجالس الصدوق والتوحيد والعيون والاحتجاج: بأسانيدهم عن الرضا عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا من السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الاخير، وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي: هل من سائل فأعطيه إلى قوله: ينادي بهذا حتى يطلع الفجر فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء (1). بيان: الظاهر أن النداء في جميع الثلث الاخير ونهاية الفجر. 25 - الفقيه والمقنعة والتهذيب: بأسانيدهم عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تعالى لينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من أول الليل إلى آخره ألا عبد مؤمن يدعوني لاخرته ودنياه فاجيبه ؟ ألا عبد مؤمن يتوب إلي من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه، إلى قوله: فما يزال ينادي بهذا إلى أن يطلع الفجر (2). 26 - الكافي والتهذيب: باسنادهما عن أبي جعفر عليه السلام قال: الاذان الثالث يوم الجمعة بدعة (3). أقول: التقريب أن أحسن محامله أن يكون المراد أذان العصر، فانه ثالث بالنسبة إلى أذاني الفجر والجمعة. 27 - الكافي والتهذيب والمقنعة: بأسانيدهم الصحيحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يستحب أن يقرء في دبر الغداة يوم الجمعة الرحمن الخبر (4).


(1) الفقيه ج 1 ص 271 في حديث: أمالى الصدوق ص 246، التوحيد ص 176 ط مكتبة الصدوق، عيون الاخبار ج 2 ص 126، الاحتجاج: 223. (2) الفقيه ج 1 ص 271، المقنعة: 25، التهذيب ج 1 ص 246. (3) الكافي ج 3 ص 421، التهذيب ج 1 ص 250. (4) الكافي ج 3 ص 429، المقنعة: 26، التهذيب ج 1 ص 247.

[115]

28 - مجالس الشيخ: باسناده عن الباقر عليه السلام قال: سألته عن زيارة القبور قال: إذا كان يوم الجمعة فزرهم، فانه من كان منهم في ضيق وسع عليه ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يعلمون بمن أتاهم في كل يوم، فإذا طلعت الشمس كانوا سدي (1). 29 - الكافي والتهذيب: في الصحيح، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس يوم الفطر ولا يوم الاضحي أذان ولا إقامة، أذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا الخبر (2). 30 - وفي الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح وأنت بالبلد، فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد (3). 31 - الاقبال: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يحيى ليلة عيد الفطر بالصلاة حتى يصبح، ويبيت ليلة الفطر في المسجد (4) 32 - المصباح للشيخ، ومسار الشيعة للمفيد: عن زيد بن علي قال: كان على بن الحسين عليهما السلام يجمعنا جميعا ليلة النصف من شعبان ثم يجزي بالليل أجزاء ثلاثة فيصلي بنا جزء، ثم يدعو فنؤمن على دعائه، ثم يستغفر الله ونستغفره و نسأله الجنة حتى ينفجر الفجر. 33 - الكافي: في الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد يوقظ ثلاث مرات من الليل، فان لم يقم أتاه الشيطان فبال في اذنه، قال محمد بن مسلم: وسألته عن قول الله (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون) (5) قال: كانوا أقل الليالي


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 300. (2) الكافي ج 3 ص 459، التهذيب ج 1 ص 289. (3) التهذيب ج 1 ص 334. (4) الاقبال: 274. (5) الذاريات. 18.

[116]

تفوتهم لا يقومون فيها (1). بيان: أقول: ظاهر أن القائم بعد طلوع الفجر غير داخل في الممدوحين بتلك الاية، وأيضا ظاهر أن الايقاظ من الليل قبل الفجر فتدبر. 34 - التهذيب: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد أدرك الحج (2). 35 - الكافي: في الصحيح عن الرضا عليه السلام قال: لا ترم الجمرة يوم النحر حتى تطلع الشمس (3). 36 - التهذيب: في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح قال: إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى أصبح فعليه دم يهريقه (4). 37 - وفي الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا وهو بمنى، وإن زار بعد أن انتصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح وهو بمكة (5). 38 - التهذيب: عن أبي الحسن عليه السلام فيمن بات ليالي منى بمكة إذا بات مشتغلا بالعبادة قال: ما احب أن ينشق الفجر إلا وهو بمنى (6). وفي صحيحة معاوية بن عمار: وإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك بأن تصبح في غيرها (7). 39 - وفي الكافي مثله، وزاد وسألته عن الرجل زار عشاء فلم يزل في طوافه


(1) الكافي ج 3 ص 446. (2) التهذيب ج 1 ص.. (3) الكافي ج 4 ص 482. (4) التهذيب ج 1 ص 520. (5) الكافي ج 4 ص 514، التهذيب ج 1 ص 520. (6 - 7) التهذيب ج 1 ص 520.

[117]

ودعائه وفي السعي بين الصفا والمروة حتى يطلع الفجر، قال: ليس عليه شئ كان في طاعة الله (1). وروي مثله في الكتابين بأسانيد جمة أكثرها صحيحة تركنا إيرادها مخافة الاطناب. 40 - التهذيب: عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم رجع فغلبته عينه في الطريق فنام حتى أصبح، قال: عليه شاة (2). وعن أبي عبد الله عليه السلام عن الدلجة إلى مكة أيام منى، وأنا اريد أن أزور البيت فقال: لا حتى ينشق الفجر. كراهية أن يبيت الرجل بغير منى (3). وفي الصحيح عنه عليه السلام قال: من زار فنام في الطريق فان بات بمكة فعليه دم، وإن كان قد خرج منها فليس عليه شئ، وإن أصبح دون منى (4). ورواه الكليني في الحسن (5). 41 - وروى الكليني أيضا بسند حسن عنه عليه السلام قال: إذا زار الحاج من منى فخرج فجاوز بيوت مكة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شئ عليه (6). 42 - الفقيه: باسناده عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلا بها (7) وباسناده عن جعفر بن ناجية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلا وهو بمنى، وإذا خرج بعد نصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها (8).


(1) الكافي ج 4 ص 514. (2 - 4) التهذيب ج 1 ص 520. (5) الكافي ج 4 ص 514. (6) الكافي ج 4 ص 515. (7 - 8) الفقيه ج 2 ص 287.

[118]

43 - قرب الاسناد: عن وهب، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال في الرجل أفاض إلى البيت فغلبته عيناه حتى أصبح قال: لا بأس عليه (1). وعن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل بات بمكة حتى أصبح في ليالى منى فقال: إن كان أتاها نهارا فبات حتى أصبح فعليه دم شاة يهريقه وإن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شئ (2). بيان: هذه الاخبار الكثيرة وأمثالها تدل على أن منتهى ما يعتبر في البيتوتة طلوع الفجر، وقد صرح اللغويون وغيرهم أن البيتوتة والبيات الكون بالليل، وقد قال تعالى: (بياتا أو نهارا) (3) كما مر. 44 - الكافي: بسند معتبر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد العمرة انتظر إلى صبيحة ثلاث وعشرين من شهر رمضان ثم يخرج مهلا في ذلك اليوم (4). أقول: لا يخفي أن الظاهر أن الامر بالتوقف لادراك ليلة القدر، فيدل على أن نهايتها الصبح، وأيضا قوله ذلك اليوم لا يخلو من دلالة على المطلوب. 45 - الكافي: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يكره للرجل إذا قدم من سفره أن يطرق أهله ليلا حتى يصبح (5). 46 - العلل: باسناده عن ابن عباس في تزويج النبي صلى الله عليه وآله زينب قال: و لبث سبعة أيام بليالهن عند زينب ثم تحول إلى بيت ام سلمة، وكان ليلتها و صبيحة يومها من رسول الله صلى الله عليه وآله (6). بيان: المقابلة بين الليلة وصبيحة اليوم تدل على عدم كونها من الليل.


(1) قرب الاسناد ص 65 ط حجر ص 86 ط نجف. (2) قرب الاسناد ص 106 ط حجر ص 141 ط نجف. (3) يونس: 50. (4) الكافي ج 4 ص 536. (5) الكافي ج 5 ص 499. (6) علل الشرايع ج ص...

[119]

47 - الكافي والفقيه والتهذيب: باسنادهم عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما عليه أن يبيت عندها في ليلتها، ويظل عندها في صبيحتها الخبر (1). 48 - التهذيب: عن علي بن مهزيار، عن فضالة عن أبان، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في رجل صلى الغداة بليل غره من ذلك القمر، ونام حتى طلعت الشمس فأخبر أنه صلى بليل، قال: يعيد صلاته (2). 49 - الفقيه: قال أبو جعفر عليه السلام وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل إلى آخره (3). 50 - الكافي: عن علي بن محمد، عن سهل، عن علي بن مهزيار قال: قرأت في كتاب رجل إلى أبي جعفر عليه السلام: الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر من صلاة الليل هي أم من صلاة النهار ؟ وفي أي وقت اصليهما ؟ فكتب بخطه: احشهما في صلاة الليل حشوا (4). 51 - التهذيب: عن الحسين، عن النظر، عن هشام بن سالم، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن ركعتي الفجر قبل الفجر أو بعد الفجر ؟ فقال قبل الفجر، إنهما من صلاة الليل ثلات عشرة ركعة صلاة الليل - الخبر (5). بيان: قد مر استدلال العلامة قدس سره بهذا الخبر، وربها يناقش فيه بأنه يدل على كونها من جملة صلاة الليل المعروفة، يعني ثلاث عشر ركعة. ويؤيده أنه لم يقل من صلوات الليل، بل قال من صلاة الليل. أقول: هذا الوجه وإن كان متحملا لكن لا يخلو من ظهور في المراد.


(1) الكافي ج 5 ص 564، الفقيه ج 3 ص 270، التهذيب ج 2 ص 232. (2) التهذيب ج 1 ص 208، ورواه الكليني في ج 3 ص 285. (3) الفقيه ج 1 ص 302. (4) الكافي ج 3 ص 450. (5) التهذيب ج 1 ص 173.

[120]

52 - التهذيب: عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بصلاة الليل من أول الليل إلى آخره إلا أن أفضل ذلك إذا انتصف الليل (1). وعن ابن محبوب عن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير مثله (2) توضيح: يدل على أن آخر الليل آخر وقت صلاته، ومعلوم أن الانتصاف الواقع بعد ذكر الاول والاخر على وجه مخصوص، إنما يراعي بالنسبة إليهما على هذا الوجه. 53 - التهذيب: عن ابن محبوب، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، وأظنه اسحاق ابن غالب قال: قال: إذا قام الرجل من الليل فظن أن الصبح قد أضاء فأوتر ثم نظر فرأى أن عليه ليلا، قال: يضيف إلى الوتر ركعة ثم يستقبل صلاة الليل ثم يوتر بعده (3). وعن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن علي بن عبد العزيز قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أقوم وأنا أتخوف الفجر، قال: فأوتر، قلت فأنظر فإذا علي ليل، قال: فصل صلاة الليل (4). وعن محمد بن أحمد، عن الحجال، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يصلي ركعتين بعد العشاء يقرء فيهما بمائة آية ولا يحتسب بهما، وركعتين وهو جالس يقرء فيهما بقل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، فان استيقظ من الليل صلي صلاة الليل وأوتر، وإن لم يستيقظ حتى يطلع الفجر صلي ركعة فصارت شفعا واحتسب


(1) التهذيب ج 1 ص 320. (2) التهذيب ج 1 ص 232. (3) التهذيب ج 1 ص 232. (4) التهذيب ج 1 ص 232

[121]

بالركعتين اللتين صلاهما بعد العشاء وترا (1). بيان: هذه الاخبار تدل على أنه إذا بقي شئ من الليل بقي وقت صلاة الليل، ولو حمل ليل وليلا على كثير من الليل أيضا يدل على ذلك كما لا يخفي على العارف بأساليب الكلام. 54 - الكافي: عن محمد، عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن الخزاز، عن محمد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إن علي بن الحسين عليه السلام كان إذا أصبح قال: أبتدئ يومي هذا - الدعاء - فإذا فعل ذلك العبد أجزأ مما نسي في يومه (2). وعن على بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السراج، عن الحسين بن المختار، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قال إذا أصبح: اللهم إني أصبحت الخ إذا قال: هذا الكلام لم يضره يومه ذلك شئ، وإذا أمسى فقال لم يضره تلك الليلة شئ إن شاء الله (3). 55 - التهذيب والكافي: محمد بن يعقوب، عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أحدهما عليه السلام قال: أيما امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر الحرام ليلا فلا بأس، فليرم الجمرة ثم ليمض وليأمر من يذبح عنه - الخبر (4). وعنه عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليه السلام قال: لا بأس أن يفيض الرجل بليل إذا كان خائفا (5). وعنه، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن


(1) التهذيب ج 1 ص 233. (2) الكافي ج 2 ص 523. (3) الكافي ج 2 ص 528 وصدر السند هكذا: أبو على الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار عن محمد بن اسماعيل. (4 - 5) التهذيب ج 1 ص 502، الكافي ج 5 ص 474.

[122]

أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وآله: للنساء والصبيان أن يفيضوا بالليل، وأن يرموا الجمار بليل، وأن يصلوا الغداة في منازلهم (1) وعنه، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، معنا نساء فافيض بهن بليل ؟ قال: نعم، تريد أن تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله قلت: نعم، فقال: أفض بهن بليل الخبر (2). تقريب أقول: معلوم أن الافاضة بالليل المذكورة في تلك الاخبار، المراد بها الافاضة قبل الفجر، والمناقش مكابر. 56 - التهذيب: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الثمانية ركعات يصليها العبد آخر الليل زينة الاخرة (3). وعن مرازم عنه عليه السلام قلت: متى اصلي صلاة الليل ؟ قال: صلها آخر الليل (4). 57 - الخلاف للشيخ: روي النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن ام مكتوم. 58 - المعتبر: عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثمان من آخر الليل ثم الوتر ثلاث ركعات: ويفصل بينهما بتسليم، ثم ركعتي الفجر. 59 - التهذيب: في الصحيح عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الصلاة بالليل في السفر في أول الليل ؟ فقال: إذا خفت الفوت في آخره (5). وفي الموثق: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بصلاة الليل فيما بين أوله إلى آخره، إلا أن أفضل ذلك بعد انتصاف الليل (6).


(1) التهذيب ج 1 ص 502، الكافي ج 5 ص 474. (2) التهذيب ج 1 ص 169. (3) التهذيب ج 1 ص 231. (4) التهذيب ج 1 ص 320. (5 - 6) التهذيب ج 1 ص 232 و 320.

[123]

وعن الحسين بن علي بن بلال قال: كتبت إليه في وقت صلاة الليل، فكتب عند زوال الليل، وهو نصفه أفضل، فان فات فأوله وآخره جائز (1). تفهيم: هذه الاخبار تدل على أن وقت صلاة الليل ممتد إلى آخر الليل وآخر وقت صلاة الليل الفجر الثاني بالاتفاق، والخبران الاخيران يدلان ظاهرا على أن نصف الليل هو نصف الزمان الممتد من الغروب إلى طلوع الفجر، إذ ذكر الانتصاف بعد ذكر الاول والاخر لا يفهم منه إلا كونه منتصف ما بينهما، لا سيما الاخير لارجاع الضماير إلى أمر واحد، ويفهم منه أن زوال الليل لايراد به الزوال عن دائرة نصف النهار. 60 - الفقيه والكافي: في الصحيح عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن رجلا من مواليك من صلحائهم شكى إلي ما يلقى من النوم، وقال: إني اريد القيام إلى الصلاة بالليل فيغلبني النوم إلى أن اصبح، إلى قوله ولم يرخص في النوافل أول الليل، وقال: القضاء بالنهار أفضل (2). 61 - الكافي والتهذيب: عن إسماعيل بن جابر أو ابن سنان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أقوم آخر الليل، وأخاف الصبح، قال: اقرأ الحمد، و اعجل اعجل (3). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقوم من آخر الليل، وهو يخشي أن يفجأه الصبح أيبدأ بالوتر - الخبر (4). 62 - التهذيب: في الصحيح، عن سعد بن سعد قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يكون في بيته وهو يصلي، وهو يرى أن عليه ليلا ثم يدخل عليه الاخر من الباب، فقال: قد أصبحت، هل يعيد الوتر أم لا ؟ أو يعيد شيئا من صلاته ؟ قال:


(1) التهذيب ج 1 ص 232 و 320. (2) الفقيه ج 1 ص 302، الكافي ج 3 ص 447. (3 - 4) التهذيب ج 1 ص 125، الكافي ج 3 ص 449.

[124]

يعيد إن صلاها مصبحا (1). 63 - الفقيه: قال: قال أبو جعفر عليه السلام: وقت صلاة الليل ما بين نصف الليل إلى آخره (2). 64 - التهذيب: عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أول وقت ركعتي الفجر، قال: سدس الليل الباقي (3). وفي الصحيح عن حماد قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ربما صليتهما وعلي ليل، فان قمت ولم يطلع الفجر أعدتهما (4). 65 - الكافي: في الموثق، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان يحمد الرجل أن يقوم من آخر الليل فيصلي صلاته ضربة واحدة، ثم ينام ويذهب (5). 66 - التهذيب: عن إسماعيل بن سعد قال: سألت الرضا عليه السلام عن ساعات الوتر قال: أحبها إلي الفجر الاول (6). وسألته عن أفضل ساعات صلاة الليل قال: الثلث الباقي (7). 67 - الفقيه: عن بريد عن أبي جعفر عليه السلام قال: أفضل قضاء صلاة الليل في الساعة التي فاتتك آخر الليل، وليس بأس أن تقضيها بالنهار، وقبل أن تزول الشمس (8). 68 - الكافي: عن أبي جعفر عليه السلام قال: أفضل قضاء النوافل قضاء صلاة الليل بالليل، وصلاة النهار بالنهار، قلت: ويكون وتران في ليلة ؟ قال: لا، قلت: ولم تأمرني أن اوتر وترين في ليلة قال: أحدهما قضاء (9).


(1) التهذيب ج 1 ص 232. (2) الفقيه ج 1 ص 302. (3 - 4) التهذيب ج 1 ص 173. (5) الكافي ج 3 ص 446. (6 - 7) التهذيب ج 1 ص 232. (8) الفقيه ج 1 ص 316. (9) الكافي ج 3 ص 452.

[125]

69 - غياث سلطان الورى: للسيد بن طاوس، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف أن يدركه الصبح ولم يصل صلاة ليلته تلك، قال يؤخر القضاء ويصلي صلاة ليلته تلك. 70 - الخصال: بسنده المعتبر عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من كانت له حاجة فيطلبها في ثلاث ساعات إلى قوله، وساعة في آخر الليل عند طلوع الفجر، فان ملكين يناديان هل من تائب يتاب عليه - الخبر (1). أقول: ظاهر أن المراد به قبل طلوع الفجر كما روي في أخبار كثيرة، أن هذا النداء في الليل، وأن وقت الاجابة السحر، وأن ساعة الاجابة في الليل كما لا يخفى على المتتبع. 71 - الكافي: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله الله (وظلالهم بالغدو والاصال) (2) قال: هو الدعاء قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وهي ساعة إجابة (3). اقول: معلوم أن الغدو من اليوم والغداء من طعام اليوم، لكن من لا ينبهه صلاة الغداة لا ينبهه هذا، ويلتزم أن الغداة من الليل. 72 - مصباح الكفعمي: عن الصادق عليه السلام من كانت به علة فليقل عليها في كل صباح أربعين مرة أربعين يوما الخ. أقول: لو كان الصباح من الليل لقال أربعين ليلة. 73 - الكافي: في الحسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أصبحت وأمسيت فقل عشر مرات (اللهم ما أصبحت بي من نعمة) إلى قوله (فانك إذا قلت ذلك كنت قد أديت شكر ما أنعم الله به عليك في ذلك اليوم وفي تلك الليلة (4).


(1) الخصال ج 2 ص 158، وقد مر تحت الرقم... (2) الرعد: 15. (3) الكافي ج 2 ص 522. (4) الكافي ج 2 ص 99 وقد مر.

[126]

وفي الصحيح: عنه عليه السلام قال: شرف المؤمن قيامه بالليل (1). وعنه عليه السلام في قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) (2) قال: صلاة المؤمن بالليل تذهب بما عمل من ذنب بالنهار (3). 74 - التهذيب: في الصحيح عن أبي جعفر عليه السلام وسئل عن قول الله (قم الليل إلا قليلا) (4) قال: أمره الله أن يصلي كل ليلة إلا أن يأتي ليلة من الليالي لا يصلي فيها شيئا (5). أقول: من البين أن صلاة الفجر غير داخل في هذه الصلاة، بعد القيام، ولكن عليه السلام يترك صلاة الفجر أبدا. 75 - التهذيب وثواب الاعمال: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل قال: (المال والبنون زينة الحيوة الدنيا) إن الثماني ركعات يصليها العبد آخر الليل زينة الاخرة (6). وعنه عليه السلام قال: قال علي عليه السلام قيام الليل مصحة للبدن - الخبر (7). 76 - الفقيه: في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يا علي ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا منها التهجد في آخر الليل، يا علي ثلاث كفارات منها التهجد بالليل والناس نيام (8).


(1) الكافي ج 3 ص 488. (2) هود: 114. (3) الكافي ج 3 ص 266. (4) المزمل: 2. (5) التهذيب ج 1 ص 231. (6) التهذيب ج 1 ص 231 وقد مر تحت الرقم 56، ثواب الاعمال: 38. (7) التهذيب ج 1 ص 169، وتراه في الخصال ج 2 ص 156، المحاسن: 53 ثواب الاعمال: 38. (8) الفقيه ج 4 ص 260.

[127]

أقول: ظاهر أن الصلاة بعد الفجر غير داخل في التهجد المذكور هنا. 77 - التهذيب والعلل: عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لا تدع قيام الليل فان المغبون من حرم قيام الليل (1). 78 - الكافي: قال: جا رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إني قد حرمت الصلاة بالليل، فقال: عليه السلام: قد قيدتك ذنوبك (2). أقول: معلوم أن من قام إلى صلاة الفجر فقط يصدق عليه أنه حرم صلاة الليل أو قيامه. 79 - الفقيه: عن أبي عبد الله عليه السلام إني لامقت الرجل قد قرأ القرآن ثم يستيقظ من الليل فلا يقوم حتى إذا كان عند الصبح قام يبادر بالصلاة (3). أقول: ظاهر من هذا السياق أن القيام عند الصبح غير داخل في القيام بالليل، وأن الصبح غاية الاستيقاظ بالليل. 80 - المعتبر: عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: في قوله تعالى: (وبالاسحارهم يستغفرون) قال: في الوتر في آخر الليل سبعين مرة (4). وروى من طريق المخالفين، عن ابن عمر وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الوتر ركعة من آخر الليل. 81 - التهذيب: بسند يقرب من الصحيح عن أبي بصير قال: إذا خرجت بعد طلوع الفجر ولم تنو السفر من الليل فأتم الصوم، واعتد به من شهر رمضان. وبسند آخر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت


(1) التهذيب ج 1 ص 169، علل الشرايع ج 2 ص 51، وترى مثله في معاني الاخبار ص 342. (2) الكافي ج 3 ص 450. (3) الفقيه ج 1 ص 303. (4) المعتبر:... وتراه في التهذيب ج 1 ص 172.

[128]

الخروج من الليل فان خرجت قبل الفجر أو بعده، فأنت مفطر، وعليك قضاء ذلك اليوم (1). أقول: ظاهر من الخبرين أن نهاية الليل الفجر، مع أن الاصحاب عبروا من ذلك بتبييت النية، والبيات مقابل النهار كما مر. 82 - الاقبال: باسناده عن حماد بن عيسى، عن محمد بن يوسف، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الجهني أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن لي إبلا وغنما وغلمة فاحب أن تأمرني ليلة أدخل فيها فأشهد الصلاة، وذلك في شهر رمضان، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فساره في اذنه، قال: فكان الجهني إذا كانت ليلة ثلاث وعشرين دخل بابله وغنمه وأهله وولده وغلمته، فكان تلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين بالمدينة، فإذا أصبح خرج بأهله وغنمه وإبله إلى مكانه (2). 83 - التهذيب ومجالس الشيخ: بسند موثق عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي صل في ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، في كل واحدة منهما إن قويت على ذلك مائة ركعة سوى الثلاث عشر وأسهر فيهما حتى تصبح فان ذلك يستحب أن يكون في صلاة ودعاء وتضرع، فانه يرجى أن تكون ليلة القدر في إحداهما وليلة القدر خير من ألف شهر - الخبر (3). بيان: الرواية بصدرها وعجزها تنادي بأن نهاية ليلة القدر طلوع الفجر. 84 - دعوات الراوندي: عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: من اغتسل ليلة القدر وأحياها إلى طلوع الفجر خرج من ذنوبه. 85 - التهذيب: في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في حديث طويل في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين يصلي في كل واحدة منهما إذا قوي على ذلك


(1) التهذيب ج 1 ص 417. (2) الاقبال ص 207. (3) التهذيب ج 1 ص 262، أمالى الطوسى ج 2 ص 301.

[129]

مائة ركعة سوى هذه الثلاث عشرة ركعة، وليسهر فيهما حتى يصبح، فانه يرجا أن تكون ليلة القدر في إحداهما (1). 86 - الكافي والتهذيب والسرائر: عن زرارة والفضيل قالا: قلنا له أيجزي إذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة ؟ فقال: نعم (2). 87 - التهذيب: عن بكير قال: سألت في أي الليالي أغتسل في شهر رمضان ؟ إلى أن قال: والغسل أول الليل، قلت: فان نام بعد الغسل ؟ قال: هو مثل غسل يوم الجمعة، إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك (3) وبسند آخر عن ابن بكير مثله (4) قرب الاسناد: عن ابن بكير مثله (5). بيان: أقول هذه الاخبار تدل على أن غسل الجمعة يجزي بعد الفجر مع أن الاخبار المستفيضة الواردة في غسل الجمعة كلها وردت بلفظ اليوم، بلا تقييد وتخصيص، فيدل على أن اليوم إذا ورد في الشرع، المتبادر منه ما بين طلوع الفجر إلى الغروب. 88 - قرب الاسناد: عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته هل يجزيه أن يغتسل بعد طلوع الفجر هل يجزيه ذلك من غسل العيدين ؟ قال: إن اغتسل يوم الفطر والاضحى قبل الفجر لم يجزه، وإن اغتسل بعد طلوع الفجر أجزاه (6). أقول: وجه الاحتجاج ما مر من ورود أخبار غسل العيدين بلفظ اليوم، مع أن مدلول هذا الخبر والروايات الاخر أن أول وقته طلوع الفجر. 89 - التهذيب: عن الرضا عليه السلام سئل عن رجل أصابته جنابة في آخر الليل


(1) التهذيب ج 1 ص 264 باسناده عن سماعة. (2) الكافي ج 3 ص 418، التهذيب ج 1 ص 321، السرائر: 473. (3 و 4) التهذيب ج 1 ص 106. (5) قرب الاسناد ص 102 ط نجف وص 82 ط حجر. (6) قرب الاسناد ص 111 ط نجف 78 ط حجر.

[130]

فقام ليغتسل، فلم يصب ماء فذهب ليطلبه أو بعث من يأتيه بالماء، فعسر عليه حتى أصبح، كيف يصنع ؟ قال: يغتسل إذا جاءه ثم يصلي (1). وباسناده عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض مواليه قال: سألته عن احتلام الصائم قال: قال إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فلا ينم حتى يغتسل، وإن أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام إلا ساعة حتى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة الخبر (2). أقول: الاخبار في الجنابة في الليل في شهر رمضان والاصباح جنبا، والنوم الاول والثاني والثالث وغيرها كثيرة، تدل على ما ذكرنا، لم نطول الكلام بايرادها. 90 - الفقيه والتهذيب: في الصحيح عن عبد الله بن سنان أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أول الليل ولا يغتسل حتى يجئ آخر الليل، وهو يرى أن الفجر قد طلع، قال: لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره (3). 91 - التهذيب: في الموثق عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا طهرت بليل من حيضتها ثم توانت في أن تغتسل في شهر رمضان حتى أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم (4). 92 - قرب الاسناد: عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: كان علي عليه السلام يستاك وهو صائم في أول النهار وآخره في شهر رمضان (5). وعنه عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: لا بأس بأن يستاك الصائم


(1) التهذيب ج 1 ص 412. (2) التهذيب ج 1 ص 443 و 412. (3) الفقيه ج 2 ص 75، التهذيب ج 1 ص 430. (4) التهذيب ج 1 ص 112. (5) قرب الاسناد ص 43 ط حجر.

[131]

بالسواك الرطب في أول النهار (1). أقول: كون المراد بالنهار في الخبرين من أول طلوع الفجر أبين من الفجر. 93 - الكافي: في الموثق عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان يتم صومه كما هو، فقال: لا بأس (2). 94 - الفقيه: عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقلت: متى يحرم الطعام والشراب على الصائم وتحل الصلاة صلاة الفجر ؟ فقال: إذا اعترض الفجر وكان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام، ويحل الصيام، وتحل الصلاة صلاة الفجر (3). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن ابن ام مكتوم يؤذن بليل فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال (4). 95 - الكافي: في الصحيح عن أحدهما عليهما السلام في قوله الله عزوجل (احل لكم ليلة الصيام) (5) الاية قال: نزلت في خوات بن جبير إلى قوله، فبات على تلك الحال فأصبح الخبر (6). 96 - الفقيه: سئل الصادق عليه السلام عن الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر، فقال: بياض النهار من سواد الليل (7). 97 - التهذيب: عن إسحاق قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام آكل في شهر رمضان


(1) قرب الاسناد ص 43 ط حجر. (2) الكافي ج 4 ص 105. (3) الفقيه ج 2 ص 81. (4) الفقيه ج 1 ص 194، وقد مر. (5) البقرة: 187. (6) الكافي ج 4 ص 99. (7) الفقيه ج 2 ص 82. (*)

[132]

بالليل حتى أشك ؟ قال: كل حتى لا تشك (1). 98 - الكافي: بسند معتبر عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أذن ابن ام مكتوم لصلاة الغداة ومر رجل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتسحر، فدعاه أن يأكل معه، فقال: يا رسول الله قد أذن المؤذن للفجر، فقال: إن هذا ابن ام مكتوم وهو يؤذن بليل، فإذا أذن بلال فعند ذلك فأمسك (2). 99 - الفقيه والكافي والتهذيب: بأسانيدهم عن الزهري، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: وكذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أهله امر بالامساك بقية يومه وليس بفرض، وكذلك الحائض إذا طهرت (3). 100 - الكافي: في الصحيح عن عيص قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام، هل عليهم أن يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه ؟ فقال: ليس عليهم قضاء، ولا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر (4). وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد الله عليه السلام قال لابي بصير - في حديث طويل: فاطلبها - أي ليلة القدر - في ليلة إحدى وثلاث، وصل في كل واحدة منهما مائة ركعة، وأحيهما إن استطعت إلى النور واغتسل فيهما (5). 101 - مصباح الشيخ والمقنعة: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو قرء رجل ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان إنا أنزلناه في ليلة القدر، ألف مرة لاصبح وهو شديد اليقين في الاعتراف بما يختص فينا (6).


(1) التهذيب ج 1 ص 442، (2) الكافي ج 4 ص 98. (3) الفقيه ج 2 ص 48 الكافي ج 4 ص 86، التهذيب ج 1 ص 424. (4) الكافي ج 4 ص 125. (5) الكافي ج 1 ص 156، ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 263. (6) المصباح ص 434، المقنعة ص 50 ورواه أيضا في التهذيب ج 1 ص 278.

[133]

102 - معاني الاخبار وصفات الشيعة والمجالس للصدوق: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الشتاء ربيع المؤمن يطول فيه ليله فيستعين به على قيامه، ويقصر فيه نهاره فيستعين به على صيامه (1). 103 - التهذيب: عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا طهرت المرءة من آخر الليل فلتصل المغرب والعشاء (2). 104 - الذكرى: عن عبد الله بن سنان، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) (3) هو الوتر آخر الليل (4) وعن أبي عبد الله عليه السلام في صلاة الليل والوتر في السفر أول الليل إذا لم يستطع أن يصلي في آخره قال: نعم (5). وعن محمد بن أبي قرة باسناده إلى إبراهيم بن سيابة قال: كتب بعض أهل بيتي إلى أبي محمد عليه السلام في صلاة المسافر أول الليل صلاة الليل، فكتب فضل صلاة المسافر من أول الليل كفضل صلاة المقيم في الحضر من آخر الليل (6) 105 - دعائم الاسلام عن الصادق عليه السلام قال: صل صلاة الليل متى شئت من أول الليل أو من آخره بعد أن تصلي العشاء الاخرة وتوتر بعد صلاة الليل (7). وعنه عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى يبعث ملائكة إذا انفجر الفجر يوم الجمعة يكتبون الصلاة على محمد وآله إلى الليل (8). وعنه عليه السلام قال: التكبير في أيام التشريق من صلاة الفجر يوم عرفة إلى


(1) معاني الاخبار ص 228، صفات الشيعة 179، أمالى الصدوق ص 143. (2) التهذيب ج 1 ص 111. (3) الطور: 48. (4 - 6) الذكرى ص 124. (7) دعائم الاسلام ج 1 ص 139. (8) دعائم الاسلام ج 1 ص 179 و 180.

[134]

صلاة العصر من آخر أيام التشريق (1) وعنه عليه السلام في قوله تعالى: (وإدبار النجوم) قال هو الوتر من آخر الليل (2). وعن علي عليه السلام قال: من أراد شيئا من قيام الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كان نومه صدقة من الله عليه ويتمم الله قيام ليلته (3). وعنه عليه السلام قال: من أخر النفر إلى اليوم الثالث فله أن ينفر من أول النهار إلى آخره متى شاء بعد أن يصلي الفجر ويرمي الجمار (4). وسئل عليه السلام عن الرجل يكون عنده النساء يغشي بعضهن دون بعض، قال: إنما عليه أن يبيت عند كل واحدة في ليلتها، ويقيل عندها في صبيحتها الخبر (5). 106 - الفقيه والتهذيب: باسنادهما عن محمد بن سنان، عن عبد الاعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلا في شهر رمضان، قال: عليه الكفارة قال: قلت: فان وطئها نهارا ؟ قال: عليه كفارتان (6). أقول: معلوم أن النهار هنا مبدؤه الفجر، ولنذكر بعض الاخبار الموهمة لخلاف ما ذكرنا. فمنها ما رواه السيد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب، قال: مسيرة يوم للشمس (7) ولعله محمول على التقريب بقرينة ما مر


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 187. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 204. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 213. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 332. (5) دعائم الاسلام ج 2 ص 251. (6) الفقيه ج 2 ص 122، التهذيب ج 1 ص 434. (7) نهج البلاغة تحت الرقم 294 من قسم الحكم.

[135]

برواية الاحتجاج أو يقال لما كان السائلون عن تلك المسائل غالبا من أهل الكتاب فيمكن أن يكون عليه السلام أجابهم على معتقدهم ومصطلحهم، حيث إنهم لا يعدون ما بين الطلوعين من الليل ولا من النهار كما مر. ومنها ما رواه الصدوق في الصحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته وهو يريد السفر وهو صائم، فقال: إن خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم صومه (1). وجوابه أن الانتصاف هنا مبني على التقريب والتخمين، ولعله عليه السلام لذلك غير العبارة ثانيا فعبر عنه بالزوال إزاحة لهذا الوهم، وبأمثال هذا الخبر لا يمكن رد ما مر من الايات والاخبار الصريحة، وقد ورد بهذا المضمون أخبار، والتوجيه مشترك. وقد أومأنا سابقا إلى نكتة في عدم عد ما بين الطلوعين من الليل والنهار تؤيد ذلك، وكذا ما ورد في كلام اللغويين وغيرهم من التعبير عن الزوال بنصف النهار مبني على المسامحة إذ أكثرهم مع تصريحهم بكون اليوم من طلوع الفجر عبروا عن الزوال بذلك، فظهر أن بناء كلامهم ليس على التحقيق والمناصفة الحقيقية، وهذا أمر شايع في العرف، وقد يسامحون في أمثال ذلك كثيرا. ومنها ما ورد أن النبي صلى الله عليه وآله كان يغلس بصلاة الفجر أو قال: صلها بغبش (2) وذكر بعض اللغويين أن الغلس والغبش ظلمة آخر الليل، وجوابه أنه معلوم أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لا يسمى كله غلسا ولا غبشا وإلا لم يكن للخبر فائدة، فقولهم ظلمة آخر الليل ينافي ما ذهبتم إليه أكثر من منافاته لما ذهبنا إليه، فالظاهر أن الخبر وكلام اللغويين مبني على المجاز والتوسع فلا يستقيم الاستدلال بمثله. ومنها ما رواه الشيخ بسند يمكن أن يعد من الحسان عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يصلي من النهار حتى تزول الشمس ولا من الليل


(1) الفقيه ج 2 ص 92. (2) راجع ص 72 باب وقت صلاة الفجر ونافلتها

[136]

بعد ما يصلي العشاء حتى ينتصف الليل (1). وعن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي عليه السلام لا يصلي من الليل شيئا إذا صلى العتمة حتى ينتصف الليل، ولا يصلي من النهار حتى تزول الشمس (2). وروى الصدوق في الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلي بالنهار شيئا حتى تزول الشمس، فإذا زالت صلى ثمان ركعات وهي صلاة الاوابين تفتح في تلك الساعة أبواب السماء، ويستجاب الدعاء، وتهب الرياح، وينظر الله إلى خلقه، فإذا فاء الفئ ذراعا صلى الظهر أربعا، وصلى بعد الظهر ركعتين، ثم صلى ركعتين اخراوين، ثم صلى العصر أربعا إذا فاء الفئ ذراعا، ثم لا يصلي بعد العصر شيئا حتى تؤوب الشمس فإذا آبت وهو أن تغيب صلى المغرب ثلاثا وبعد المغرب أربعا ثم لا يصلي شيئا حتى يسقط الشفق، فإذا سقط الشفق صلى العشاء ثم أوى رسول الله صلي الله عليه وآله إلى فراشه ولم يصل شيئا حتى يزول نصف الليل، فإذا زال نصف الليل صلى ثمان ركعات وأوتر في الربع الاخير من الليل بثلاث ركعات، فقرأ فيهن فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، ويفصل بين الثلاث بتسليمة ويتكلم، ويأمر بالحاجة ولا يخرج من مصلاه حتى يصلي الثالثة التي يوتر فيها، ويقنت فيها قبل الركوع، ثم يسلم ويصلي ركعتي الفجر قبيل الفجر، وعنده، وبعيده، ثم يصلي ركعتي الصبح، وهي الفجر إذا اعترض الفجر، وأضاء حسنا، فهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله التي قبضه الله عزوجل عليها (3) ونحوه روى الشيخ عن زرارة عنه عليه السلام (4). فبعد ما علمت من الاخبار المستفيضة المؤيدة بالايات الكثيره لابد من تأويل في تلك الاخبار: إما بحملها على أنه لم يكن يصلي من نوافل النهار


(1 - 2) التهذيب ج 2 ص 266 ط نجف، ج 1 ص 212 ط حجر. (3) الفقيه ج 1 ص 146 - 147. (4) التهذيب ج 1 ص 210.

[137]

شيئا إلى الزوال، لانه صلى الله عليه وآله كان يصلي ركعتي نافلة الفجر قبل الفجر مع صلاة الليل ويؤيده أن الظاهر أن الغرض نفي صلاة الضحى التي ابتدعتها العامة. أو على أن المراد أنه لم يكن يصلي بعد صلاة الفجر شيئا إلى الزوال، و لما كانت صلاة الظهر أول الصلوات وأفضلها أراد أن يبتدء في ذكر الصلوات بها فلذا أخر ذكر صلاة الفجر أو يقال: استعمل لفظ النهار في جزئه مجازا لقيام القرينة مع أن في الخبر الاخير ما يدل على ما ذهبنا إليه، لانه قال: وأوتر في الربع الاخير من الليل ومعلوم أن آخر وقت صلاة الوتر طلوع الفجر الثاني، فالظاهر أن النصف أيضا أراد به نصف الليل الذي نهايته الفجر، إذ حمل الليل في الاخير على معنى، وفي الاول على معنى آخر في غاية البعد. فظهر أن هذا الخبر على مطلوبنا أدل وأصرح. ويحتمل أن يكون هذه الاخبار مبنية على اصطلاح آخر أومأنا إليه سابقا، وهو عدم عد ما بين الطلوعين من الليل ولا من النهار، لكنه بعيد، و الاوجه أحد الوجوه المتقدمة، وبالجملة الخبر الاخير قرينة جلية على تأويل الخبرين الاولين وضعف الاحتجاج بهما. ومنها ما رواه في الفقيه باسناده عن عمر بن حنظلة أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام فقال له: زوال الشمس نعرفه بالنهار فكيف لنا بالليل ؟ فقال: لليل زوال كزوال الشمس، قال: فبأي شئ نعرفه ؟ قال: بالنجوم إذا انحدرت (1). وروى محمد بن إدريس في آخر السراير نقلا من كتاب محمد بن علي بن محبوب عن الحسين بن أحمد القروي، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دلوك الشمس زوالها وغسق الليل بمنزلة الزوال من النهار (2). أقول: أما الخبر الاول فلابد فيه من تخصيص ببعض الكواكب فنخصها


(1) الفقيه ج 1 ص 146. (2) السرائر: 475.

[138]

بكواكب مخصوصة تنحدر في منتصف ما بين الغروب وطلوع الفجر، مع أنه ظاهر أنه أمر تقريبي إذ تعيين كواكب مخصوصة كل ليلة لا يتيسر لاكثر الخلق مع أن الانحدار لا يتبين لهم إلا بعد مضى زمان من التجاوز عن دائرة نصف النهار، وفي مثل ذلك لا يؤثر التقدم والتأخر بقدر نصف ساعة أو ثلثيها أو أكثر من ذلك بقليل. ويمكن أن يكون هذا التحديد لاستعلام أول صلاة الليل، بل هو الظاهر وروعي في ذلك الاحتياط لحصول الجزم، أو الظن القوي بانتصاف الليل، ولا يحصل شئ منهما قبل الانحدار إلا لمن كانت له آلة يستعلم الوقت بها كالاسطرلاب وأمثاله، وتحصيل أمثالها متعسر على غالب الناس. ويمكن أن يقال: الخبر يدل على مطلوبنا بهذا الوجه، بل يمكن أن يدعى ذلك بوجه آخر وهو أن أكثر الكواكب لا تظهر للابصار إلا بعد مضي زمان من غروب الشمس فإذا حملت على الكواكب التي كانت عند ظهورها على الافق فهي تصل إلى دائرة نصف النهار بعد مضى كثير من انتصاف الليل، ولو حملت على أن يقدر أنها كانت عند الغروب على الافق، فهذا مما لا يهتدي إليه أكثر العوام بل الخواص أيضا، فلابد من حملها على ما كانت ترى في البلدان في بدو ظهورها فوق الابنية والجدران، والظاهر في أمثالها أنها تصل إلى دائرة نصف النهار قبل انتصاف الليل المعهود عندهم، فعلى هذا يمكن حمله على أن الغرض بيان آخر وقت العشائين أيضا. وأما التشبيه الوارد في الخبرين فلا يلزم أن يكون تشبيها في جميع الامور وعلى التحقيق والتدقيق، حتى يلزم أن يكون المعتبر فيه الوسط بين الغروب و الطلوع، بل يمكن أن يكون التشبيه للانتصاف العرفي أو لوصول أمثال تلك الكواكب التي ذكرنا إلى دائرة نصف النهار، أو لكونه مبدءا لوقت صلاة معينة وغير ذلك من جهات التشبيه. فظهر أنه ليس في هاتين الروايتين أيضا دلالة على مطلوبهم، لا سيما مع

[139]

معارضة الايات والاخبار السالفة، ومع تسليم دلالتهما على أن المعتبر في انتصاف الليل ذلك لا يلزم أن يحمل كل ما ورد من الاحكام معلقة بلفظ النهار أو اليوم أو الليل على هذا الوجه مع ما مر من النصوص الصحيحة والاقوال الصريحة. وقال الشهيد - ره - في الذكرى: وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلي الله عليه وآله إذا صلى العشاء الاخرة أوى إلى فراشه ثم لا يصلي شيئا إلا بعد انتصاف الليل (1) ومثله عن أبي جعفر عليه السلام وقال حتى يزول الليل، فإذا زال الليل صلى ثماني ركعات [ثم ثلاث ركعات] ظ وأوتر في الركعة الاخيرة ثم يصلي ركعتي الفجر قبل الفجر، وعنده وبعيده (2) قلت: عبر بزوال الليل عن انتصافه كزوال النهار، ثم نقل رواية عمر بن حنظلة المتقدمة ثم قال: والظاهر أنه عنى انحدار النجوم الطوالع عند غروب الشمس، والجعفي اعتمد على منازل القمر الثمانية والعشرين المشهورة، فانه قال إنها مقسومة على ثلاث مائة وأربعة وستين يوما، لكل منزل ثلاثة عشر يوما فيكون الفجر مثلا بسعد الاخبية ثلاثة عشر يوما ثم ينتقل إلى ما بعده، وهكذا. فإذا جعل القطب الشمالي بين الكتفين نظر ما على الرأس وبين العينين من المنازل فيعد منها إلى منزلة الفجر ثم يؤخذ لكل منزلة نصف سبع قال: والقمر يغرب في ليلة الهلال على نصف سبع من الليل ثم ؟ ؟ ايد كذلك إلى ليلة أربع عشرة، ثم يتأخر ليلة خمس عشرة نصف سبع، وعلى هذا إلى آخره. قال: وهذا تقريب انتهى كلام الذكرى. وظاهر كلامه قدس سره وما نقله عن الجعفي وإن كان موهما لكون المعتبر عندهما منتصف ما بين غروب الشمس وطلوعها لكن لتصريحهما مع ساير القوم في مواضع ونقلهم الاجماع على معنى الليل والنهار، لابد من حمل كلامهما على ما يرجع إلى ما ذكرنا في الخبرين، وقد ذكرا أنه على التقريب لا التحقيق


(1) رواه في التهذيب ج 1 ص 168. (2) التهذيب ج 1 ص 210.

[140]

وقد ذكر الشهيد بعد ذلك أخبارا صريحة فيما ذكرنا، على أنهما لو صرحا بذلك أيضا لم يكن في كلامهما حجة. ثم اعلم أن ما ذكره الشيخ الشهيد وتبعه شيخنا البهائي نور الله ضريحهما من تخصيص النجوم المذكورة في الخبر بالنجوم التي طلعت عند غروب الشمس إنما يستقيم إذا كان كل افق من الافاق منصفا لمدارات جميع الكواكب، و ليس كذلك، بل هذا مخصوص بافق خط الاستواء، إذ في الافاق المائلة باعتبار قلة ميل معدل النهار عن سمت الرأس وكثرته، وقرب مدارات الكواكب بالنسبة إلى المعدل وبعدها عنه، يختلف اختلافا فاحشا، ففي أواسط المعمورة إذا اتفق طلوع كوكب عند غروب الشمس، فربما وصل قبل انتصاف الليل إلى نصف النهار قريبا من ساعة كفرد الشجاع، وربما وصل قبله قريبا من ساعتين كالشعراء اليمانية وربما تأخر وصوله إلى نصف النهار عن الانتصاف بساعة ونصف تقريبا كالسماك الرامح ورأس الجوزاء وفم الفرس، أو بساعتين تقريبا كالنسر الطائر و العيوق ونير الفكة، أو بثلاث ساعات تقريبا كالنسر الواقع، أو أربع ساعات كالردف، وربما اتفق وصول بعض الكواكب القريبة من القطب الشمالي إلى نصف النهار بعد طلوع الشمس، فلابد على طريقتهم من تخصيص آخر، وهو أن يكون الكوكب قوس نهاره موافقة لقوس ميل درجة الشمس من منطقة البروج، أو قريبا منه كالسماك الاعزل بالنسبة إلى بعض درجات أواخر الحمل، وحمل كلام الامام عليه السلام في بيان القاعدة التي تحتاج إليها عامة الخلق على معنى لا يعرفه إلا أوحدي الناس في هذا الفن في غاية البعد، وهذا يؤيد ما ذكرنا أنه مبني على التقريب والتخمين لاستعلام أول صلاة الليل، فيسقط الاستدلال به على ما توهموه كما عرفت. وربما يحمل على الكواكب التي كانت معروفة عند العرب، وكانوا يعرفون بالتجارب طلوعها وغروبها، ووصولها إلى نصف النهار، ويكون الغرض تنبيههم على أنه يمكن استعلام الاوقات بأمثال ذلك بعد تحصيل التجربة، وفيه

[141]

أيضا ما فيه. وذكر بعض أفاضل الاذكياء لذلك علامات فقال: علامة روال الليل في أوايل الحمل طلوع الردف، وفي أواسطه انحدار السماك الاعزل وفي أواخره طلوع النسر الطاير، وغروب الشعراء الشامية والعيوق، وفي أوائل الثور انحدار السماك الرامح، وفي أواسطه غروب فرد الشجاع، وفي أواخره طلوع فم الفرس وانحدار نير الفكة وعنق الحية وغروب قلب الاسد، وفي أوايل الجوزاء انحدار رأس الجوزاء وفي أواسطه انحدار قلب العقرب وفي أواخره إشراف النسر الواقع على الانحدار. وفي أوائل السرطان انحدار النسر الواقع، وفي أواسطه غروب السماك الاعزل، وفي أواخره انحدار النسر الطاير، وفي أوائل الاسد طلوع العيوق وانحدار الردف، وفي أواسطه طلوع الثريا وغروب الرامح، وفي أواخره طلوع عين الثور وانحدار فم الفرس وغروب عنق الحية، وفي أوائل السنبلة إشراف نير الفكة على الغروب، وفي أواسطه غروب نير الفكة، وفي أواخره طلوع يد الجوزاء اليمنى ورجلها اليسرى. وفي أوائل الميزان غروب رأس الجوزاء، وفي أواسطه طلوع الشعراء اليمانية وفي أواخره إشراف النسر الطاير على الغروب وفي أوائل العقرب غروب النسر الطائر، وفي أواسطه طلوع قلب الاسد، وغروب النسر الواقع، وفي أواخره طلوع فرد الشجاع، وفي أوائل القوس انحدار عين الثور وغروب فم الفرس، و في أواسطه انحدار العيوق ورجل الجوزاء اليسرى وغروب الردف، وفي أواخره انحدار يد الجوزاء اليمنى. وفي أوائل الجدي انحدار اليمانية، وفي أواسطه انحدار الشامية وطلوع الرامح، وفي أواخره طلوع الاعزل ونير الفكة، وفي أوائل الدلو إشراف قلب الاسد على الانحدار، وفي أواسطه انحدار قلب الاسد والفرد وطلوع العنق، و في أواخره إشراف رجل الجوزاء اليسرى على الغروب، وفي أوائل الحوت طلوع

[142]

الواقع وغروب رجل الجوزاء اليسرى، وفي أواسطه غروب عين الثور وفي آخره غروب اليمانية ويد الجوزاء اليمنى. وهذا كله مبني على أخذ الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، لكن قد عرفت أنه على هذا التقريب لا يظهر التفاوت بين المعنيين كثيرا، والجعفي - ره - جعل بناء استعلام زوال الليل تارة على منازل القمر المعروفة بين العرب ولعله حمل الخبر عليه، وتارة على غروب القمر وطلوعه، أما الاول فلان العرب قسموا مدار القمر ثمانية وعشرين قسما (1) وضبطوا حدود تلك الاقسام بكواكب وسموها منازل القمر، وهي التي اشتملت عليها هذه الابيات بالفارسية اسماء منازل قمر نزد عرب * شرطين وبطين است ثريا د بران هقعه هنعه ذراع نثره پس طرف * جبهه زبره صرفه وعوا پس از آن پس سماك غفر، زبانا إكليل * قلب وشوله نعايم وبلده بدان سعد ذابح سعد بلع سعد سعود * باشد پس سعد أخبيه چارمشان از فرغ مقدم بمؤخر چه رسيد * آنگه به رشا رسد كه باشد پايان ومدة قطع الشمس تلك المنازل ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وشئ، فإذا قسمت على المنازل يقع بازاء كل منزل ثلاثة عشر يوما وشئ، فإذا حصل الاطلاع على منزل الشمس من تلك المنازل، يمكن استخراج ما مضى من الليل وما بقي منه بملاحظه الطالع والمنحدر والغارب من تلك المنازل تقريبا بأدنى


(1) راجع شرح ذلك ج 58 ص 135 من أجزاء كتاب السماء والعالم وفى هامش طبعة الكمبانى: (الزبانيان كوكبان نيران وهما قرنا العقرب، وهما من المنازل، و عبر عنهما بالزبانا على التخفيف. منه طاب ثراه، وهكذا في هامش المطبوعة، (السماك ككتاب كوكبان: الاعزل والرامح، والاول من منازل القمر دون الثاني، العوا: بفتح العين وتشديد الواو، ويمد ويقصر. منه طاب رمسه). وأيضا في هامش المطبوعة شرح بعض هذه المنازل نقلا من صحاح الجوهرى، تركنا ايرادها اتكالا على ما في كتاب السماء والعالم ج 58 ص 135 و 136.

[143]

تأمل، إذ عند غروب الشمس يكون المنزل السابع من المنزل الذي فيه الشمس على نصف النهار، والرابع عشر على المشرق، وفي كل نصف سبع من الليل يتفاوت بقدر منزل، فيكون التفاوت في ربع الليل بقدر ثلاثة منازل ونصف وفي نصف الليل بقدر سبعة منازل وعلى هذا القياس. وهذا أيضا تقريبي لاختلاف مدار الشمس والقمر وجهات اخر، فلو حملنا الخبر عليه حملنا النجوم على نجوم المنزل الذي يكون مقابلا للمنزل الذي فيه الشمس. وأما الثاني وهو بناء الامر على غروب القمر في أوائل الشهر وطلوعه في أواخره فضابطه أن يضرب عدد ما مضى من أول الشهر إلى الرابع عشر، ومن الخامس عشر إلى الثامن والعشرين في الستة، وقسمة الحاصل على السبعة، فالخارج في الاول قدر الساعات المعوجة الماضية من الليل إلى غروب القمر، وفي الثاني قدر الساعات المذكورة إلى طلوعه، مثاله: إذا ضربنا الاربعة في الستة حصل أربعة وعشرون، فإذا قسمناها على السبعة خرج ثلاث وثلاثة أسباع، فيكون غروب القمر في الليلة الرابعة وطلوعه في الثامنة عشر بعد ثلاث ساعات وثلاثة أسباع ساعة، وكذا إذا قسمنا الحاصل من ضروب الخمسة في الستة وهو الثلاثون على السبعة خرج أربعة وسبعان، فغروب القمر في الليلة الخامسة وطلوعه في التاسعة عشر بعد أربع ساعات وسبعي ساعة وهكذا وهذا أيضا تقريبي للاختلاف بحسب كثرة الزمان بين خروج الشعاع وأول ليلة الغرة وقلته وغيرهما.

[144]

فذلكة لاأراك أيها المتفطن اليقظان - بعد ما أحطت خبرا بقوة ما استبني عليه بياننا من أنواع البرهان، ووهن ما بنوا عليه كلامهم من البنيان، وقد أتينا بنيانهم من القواعد، وجعلنا مطاوي كلامنا مشحونة بصنوف الفوائد - تستريب في أن الليل والنهار واليوم في اصطلاح الشرع والعرف العام بل في أصل اللغة أيضا لا يتبادر منه إلا ما ينتهي إلى طلوع الفجر، أو يبتدئ منه، مع أنا لم نستقص في استخراج الدلائل، ونقل كلام الاوائل، ولا في نقل الاخبار وذكر الاثار، لانا اكتفينا بذكر البعض لتنبيه اولي الالباب عما يؤدي إلى الاسهاب والاطناب. وأيضا لم نكن عقدنا لذلك بابا عند طرح الكتاب، ورسم الابواب، وإنما سنح لنا ذلك بعد ما رأينا الاختلاف في الامر الذي لم نكن نجوز الخلاف في مثله لا سيما من سدنة العلم وأهله، وهل يقول أحد من أهل العرف والشرع إذا أتاه قبيل طلوع الشمس طرقتك ليلا أو أتيتك البارحة، وشاع بين الناس يقولون هل قمت الليلة فيجيب غلبني النوم فلم أنتبه إلا بعد الفجر، ومن تتبع ذلك في محاورات الناس لا يحتاج إلى الرجوع إلى كتاب، أو التمسك بخطاب. وما يقال من أن قاطبة الناس يقولون استوى الليل والنهار، وصار النهار كذا ساعة، ومضى من النهار ساعة، أو ساعتان، ولا يتبادر إلى الاذهان إلا اليوم من طلوع الشمس، فمعلوم أن هذا إنما هو لالفهم باصطلاح المنجمين، وبناء الالات المعدة لاستعلام الساعات عليه، ولذا نرى من لا يألف تلك الاصطلاحات إذا سألته كم مضى من اليوم لا يفهم إلا ما مضى من طلوع الفجر، كما سمعنا وعهدنا في عراق العرب والبلاد البعيدة عن تلك الاصطلاحات الجديدة، وكذا استواء الليل والنهار أيضا مأخوذ من المنجمين ومبني على اصطلاحهم، وأماء الفقهاء وأهل اللسان، فهم لا يفهمون ولا يفهم من كلامهم إلا ما ذكرنا، ولذا ترى الفقهاء يقولون وقت صلاة الليل من النصف إلى آخر الليل، والوتر كلما قرب من آخر

[145]

الليل أفضل، ولا يفهمون من ليلة الجمعة وليلة العيد وليلة القدر وأمثالها، إلا ما قبل الفجر، وكذا يوم الجمعة ويوم العيد ويوم الغدير وأمثالها، يظهر لك ذلك بالرجوع إلى كتب الفقه والدعاء وغيرها، وإذا قال فقيه أو غيره: افعل ذلك في الليلة الفلانية، هل يفهم أحد إلا إيقاعه قبل الفجر، وإذا قال افعل اليوم الفلاني هل يفهم أحد إلا أن ابتداءه الفجر. ولعمري لا يحتاج هذا إلى الافصاح والايضاح، وهو أبين من الفجر والصباح فظهر مما قررنا أن نصف الليل وثلثه وربعه وسدسه وأمثالها إنما هي بالمقايسة إلى الليل المنتهي إلى الفجر، وإذا علق عمل بالليل أو نصف الليل أو ثلثه أو ربعه أو آخره وأمثال ذلك كمبيت المشعر ومنى وعند الزوجة أو صلاة الليل والوتر وإحياء الليالي الشريفة وأشباه ذلك أو آخر الليل فانما ينتهي وقته إلى الفجر الثاني، إلا مع قيام قرينة على المجاز وكذا إذا علق عمل باليوم أو النهار كالاغسال والاعمال المتعلفة بالايام الشريفة، فابتداء وقته الفجر، وإذا نذر رجل أن يعمل عملا في النهار لا يحنث بايقاعه قبل طلوع الشمس وإذا نذر أن يعمله في الليل يحنث بايقاعه بعد الفجر، وكذا كل ما يبتني على هذا الخلاف مما يتعلق بالليالي والايام. هذا ما حضر لي وخطر ببالي في تحقيق الحق في هذا المقام، والله تعالى يعلم حقايق الاحكام، وحججه الكرام، عليهم الصلاة والسلام، ونسأل الله العفو عن الزلل والخطل، في القول والعمل، والصفح عن الخطاء والتقصير، فانه ولي ذلك وهو على كل شئ قدير.

[146]

[11] * (باب) * * (الاوقات المكروهة) * 1 - الاحتجاج: عن محمد بن جعفر الاسدي قال: كان فيما ورد علي من محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائلي إلى صاحب الزمان عليه السلام: أما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فلئن كان كما يقول الناس: إن الشمس تطلع بين قرني شيطان، وتغرب بين قرني شيطان. فما أرغم أنف الشيطان شئ مثل الصلاة، فصلها وارغم أنف الشيطان (1). اكمال الدين: عن محمد بن أحمد السناني وعلي بن أحمد بن محمد الدقاق والحسين بن إبراهيم المؤدب وعلي بن عبد الله الوراق قالوا حدثنا أبو الحسين محمد بن جعفر الاسدي قال: كان فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري في جواب مسائلي إلى صاحب الدار (ع) وذكر الحديث بعينه (2). بيان: قال في النهاية فيه الشمس تطلع بين قرني الشيطان، أي ناحيتي رأسه وجانبيه، وقيل: القرن القوة أي حين تطلع يتحرك الشيطان ويتسلط فيكون كالمغلق بها، وقيل بين قرنيه أي امتيه الاولين والاخرين، وكل هذا تمثيل لمن يسجد للشمس عند طلوعها، فكأن الشيطان سول له ذلك، فإذا سجد لها فكان الشيطان مقترن بها، وقال في القاموس قرن الشيطان وقرناه امته والمتبعون لرأيه أو قوته وانتشاره أو تسلطه، وقال الطيبي في شرح المشكوة فيه وجوه: أحدها أنه ينتصب قائما في وجه الشمس عند طلوعها ليكون طلوعها كالمعين لها بين قرنيه أي فوديه فيكون مستقبلا لمن يسجد للشمس، فتصير عبادتهم له، فنهوا عن الصلاة في


(1) الاحتجاج: 267. (2) اكمال الدين ج 2 ص 198.

[147]

ذلك الوقت مخالفة لعبدة الشيطان، وثانيها أن يراد بقرنيه حزباه اللذان يبعثهما لاغواء الناس، وثالثها أنه من باب التمثيل شبه الشيطان فيما يسول لعبدة الشمس ويدعوهم إلى معاندة الحق بذوات القرون التي تعالج الاشياء وتدافعها بقرونها ورابعها أن يراد بالقرن القوة، من قولهم أنا مقرن له أي مطيق، ومعنى التثنية تضعيف القوة كما يقال: مالي بهذا الامر يد ولا يدان، أي لا قدرة ولا طاقة. 2 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف وعلي بن إسماعيل ومحمد بن عيسى جميعا عن حماد بن عيسى قال: رأيت أبا الحسن موسى عليه السلام صلى الغداة فلما سلم الامام قام فدخل الطواف، فطاف اسبوعين بعد الفجر قبل طلوع الشمس ثم خرج من باب بني شيبة ومضى، ولم يصل (1). بيان: لعل ترك صلاة الطواف في هذا الوقت للتقية، كما أن قران الطوافين أيضا محمول عليها كما ستعرف. 3 - مجالس الصدوق: في مناهي النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الصلاة في ثلاث ساعات: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند استوائها (2). 4 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك فمتى ذكرتها أديتها، وصلاة ركعتي طواف الفريضة، وصلاة الكسوف والصلاة على الميت، وهؤلاء يصليهن الرجل في الساعات كلها (3). 5 - ومنه: عن عبد الله بن أحمد الفقيه، عن علي بن عبد العزيز، عن عمرو بن عون، عن خلف بن عبد الله، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن الاسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: صلاتين لم يتركهما رسول الله صلى الله عليه وآله سرا و


(1) قرب الاسناد: 170 ط نجف. (2) أمالى الصدوق ص 255. (3) الخصال ج 1 ص 118.

[148]

علانية، ركعتين بعد العصر، وركعتين قبل الفجر (1). 6 - ومنه: عن عبد الله بن أحمد، عن يعقوب بن إسحاق، عن الحوضي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله عندي يصلي بعد العصر ركعتين (2). 7 - ومنه: عن عبد الله بن أحمد، عن محمد بن علي بن طرخان، عن عبد الله ابن الصباح، عن محمد بن سيار، عن أبي حمزة، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: رسول الله صلي الله عليه وآله: من صلى البردين دخل الجنة، يعني بعد الغداة وبعد العصر (3). 8 - ومنه: عن عبد الله بن أحمد، عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن عائشة أنه دخل عليها يسألها عن الركعتين بعد العصر، قالت: والذي ذهب بنفسه - تعني رسول الله صلى الله عليه وآله - ما تركهما حتى لقي الله عزوجل، وحتى ثقل عن الصلاة، وكان يصلي كثيرا من صلاته وهو قاعد، فقلت إنه لما ولي عمر كان ينهى عنهما، قالت: صدقت ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله كان لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على امته، وكان يحب ما خفف عليهم (4). قال الصدوق - ره - كان مرادي بايراد هذه الاخبار الرد على المخالفين لانهم لا يرون بعد الغداة وبعد العصر صلاة، فأحببت أن ابين أنهم قد خالفوا النبي صلى الله عليه وآله في قوله وفعله. بيان: اختلف المخالفون في توجيه هذه الصلاة، فمنهم من قال: إن النبي صلى الله عليه وآله إنما صلى هاتين الركعتين بعد العصر، لانه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر ولم يعد إليهما، رووا ذلك عن ابن عباس ورووا عن عائشة أنها قالت كان يصليهما قبل العصر ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما فكان إذا صلى صلاة أثبتها، وهذا بينهم


(1 - 4) الخصال ج 1 ص 36.

[149]

أشهر، وقالوا إن ذلك كان من خصايصه صلى الله عليه وآله ولا يستحب لغيره ذلك ودعوى الاختصاص اقتراح بلا دليل. 9 - الخصال: فيما أجاب به أمير المؤمنين عن مسائل اليهود أن قال: إن الشمس تطلع من قرني الشيطان (1). أقول: قد مضى مسندا في أبواب الاحتجاجات، وقد سبق أيضا خبر نفر من اليهود في باب علل الصلاة. 10 - مجموع الدعوات: لمحمد بن هارون التلعكبري في وصف صلاة الاستخارة عن الصادق عليه السلام - وسيأتي - قال عليه السلام: فيوقف إلى أن تحضر صلاة مفروضة، ثم قم فصل ركعتين كما وصفت لك، ثم صل الصلاة المفروضة أو صلهما بعد الفرض ما لم تكن الفجر والعصر، فأما الفجر فعليك بعدها بالدعاء إلى أن تبسط الشمس، ثم صلهما وأما العصر فصلهما قبلها. 11 - العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن أحمد بن يحيى، عن ابن أسباط، عن الحسن ابن علي، عن سليمان بن جعفر الجعفري قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: لا ينبغي لاحد أن يصلي إذا طلعت الشمس لانها تطلع بقرني شيطان، فإذا ارتفعت وصفت فارقها، فيستحب الصلاة ذلك الوقت والقضاء وغير ذلك، فإذا انتصف النهار قارنها، فلا ينبغي لاحد أن يصلي في ذلك الوقت لان أبواب السماء قد غلقت، فإذا زالت الشمس وهبت الريح فارقها (2). بيان: (وصفت) أي عن كدورة الابخرة التي تحول بيننا وبينها عند قربها من الافق، فلذا يتغير لونها، ويحتمل أن يكون مقارنة الشيطان لها عند قرب الزوال، لانها عند ذلك في نهاية الارتفاع والضياء فيكون تسويل الشيطان لعبدتها بهذا الوضع أكثر وأشد فلما زالت حصل فيها الافول والانحطاط الذي


(1) الخصال ج 2 ص 146 و 147 في حديث أخرج تمامه في ج 10 ص 1 - 5. (2) علل الشرايع ج 2 ص 32.

[150]

هو علامة كونها مخلوقة مدبرة فينتقص استيلاء الشيطان، وتنحل شبهه، فكأنه يفارقها. 12 - السرائر: من جامع أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن علي ابن سليمان، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن محمد بن الفضيل البصري قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: إن يونس كان يفتي الناس عن آبائك عليهم السلام أنه لا بأس بالصلاة بعد طلوع الفجر إلي طلوع الشمس، وبعد العصر إلى أن تغيب الشمس ؟ فقال: كذب لعنه الله على أبي، أو قال على آبائي (1). 13 - كتاب الراوندي (2) عن علي بن مزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول إن الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان، إلا صبيحة ليلة القدر. 14 - المجازات النبوية: عن النبي صلى الله عليه وآله: فإذا طلع حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تبرز، وإذا غاب حاجب الشمس فلا تصلوا حتى تغيب. قال السيد: المراد بحاجب الشمس أول ما يبدو من قرصها فكأنه صلى الله عليه وآله شبه الشمس عند صعودها من حدبة الارض بالطالع من وراء سترة تستره [أو غيب يطمره] فأول ما يبدو منه وجهه، وأول ما يبدو من مخاطيط وجهه حاجبه، ثم بقية وجهه ثم ساير جسده شيئا شيئا، وجزءا جزءا، وكأنه صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة عند ظهور بعض الشمس للعيون حتى يظهر جميعها وعند مغيب بعضها حتى يغيب جميعها. وقد يجوز أن يكون لحاجب الشمس ههنا معنى آخر، وهو أن يراد به ما يبدو من شعاعها قبل أن يظهر جرمها وكذلك ما يغيب من شعاعها قبل أن يغيب قرصها، فأقام ذلك بها مقام الحاجب، لانه يدل عليها، ويظهر بين يديها فكأنه صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة قبل أن يظهر قرص الشمس بعد الشعاع الذي يظهر قبل طلوعها، وكذا في الغروب، والصلاة المراد ههنا صلاة التطوع دون


(1) السرائر: 470. (2) كتاب زيد النرسى، خ ل.

[151]

صلاة الفرض، ألا ترى أن أول ما يظهر قرص الشمس ليس بوقت لشئ من الصلوات المفروضات (1). ومنه: عنه صلى الله عليه وآله وقد ذكر صلاة العصر: ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد. قال السيد: المراد بالشاهد هنا النجم و [العرب يسمون الكواكب شاهد الليل كأنه يشهد بادبار النهار وإقبال الظلام، وكل شئ يدل على شئ فهو يجري مجرى الشاهد به والمخبر عنه، إذ ليس كل دال بانسان ولا كل دليل من جهة اللسان] (2). 15 - المناقب: عن علي بن محمد، عن أبيه رفعه قال: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام: إن الشمس تطلع بين قرني الشيطان ؟ قال: نعم، إن إبليس اتخذ عرشا بين السماء والارض، فإذا طلعت الشمس وسجد في ذلك الوقت اناس قال: إبليس إن بني آدم يصلون لي (3).


(1) المجازات النبوية: وزاد في المصدر بعده: وفي أول هذا الخبر ما يحقق القول الذى قلناه، وهو قوله عليه السلام: (لا تنحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فانها تطلع بين قرنى شيطان) وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتطوع بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وقال الشافعي: يجوز أن يصلى في هذين الوقتين النفل الذى له سبب مثل تحية المسجد ولا يصلى النفل المبتدء الذى لا سبب له. (2) المجازات النبوية ص 277، وما بين العلامتين زيادة اتممناها من المصدر. (3) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 257.

[152]

تحقيق وتوفيق ذهب أكثر الاصحاب إلى كراهة فعل النوافل المبتدآت التي لا سبب لها عند طلوع الشمس إلى أن ترفع ويذهب شعاعها، وعند ميلها إلى الغروب واصفرارها إلى أن يكمل الغروب بذهاب الحمرة المشرقية، وعند قيامها في وسط السماء إلى أن يزول إلا يوم الجمعة، فانه لا يكره فيها الصلاة في هذا الوقت، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، وهذا مختار الشيخ في المبسوط. وقال في الخلاف: الاوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة: وقتان تكره الصلاة لاجل الفعل، وثلاثة لاجل الوقت، فما كره لاجل الفعل بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وبعد العصر إلى غروبها وما كره لاجل الوقت ثلاثة عند طلوع الشمس، وعند قيامها، وعند غروبها، والاول إنما يكره ابتداء الصلاة فيه نافلة فأما كل صلاة لها سبب من قضاء فريضة أو نافلة أو تحية مسجد أو صلاة زيارة أو صلاة إحرام أو صلاة طواف أو نذر أو صلاة كسوف أو جنازة فانه لا بأس به ولا يكره، وأما ما نهي فيه لاجل الوقت فالايام والبلاد والصلوات فيها سواء إلا يوم الجمعة، فان له أن يصلي عند قيامها النوافل. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: التي لها سبب مثل ذلك، وقال في النهاية: من فاته شئ من صلاة النوافل فليقضها أي وقت شاء من ليل أو نهار، ما لم يكن وقت فريضة، أو عند طلوع الشمس وغروبها فانه تكره صلاة النوافل في هذين الوقتين، وقد وردت رواية بجواز النوافل في الوقتين اللذين ذكرناهما، فمن عمل بها لم يكن مخطئا، لكن الاحوط ما ذكرناه، وصرح بكراهة النوافل أداء وقضاء في الوقتين من غير استثناء. وكذا المفيد جزم بكراهة النوافل المبتدأة وذات السبب عند الطلوع و الغروب، وقال: إن من زار أحد المشاهد عند طلوع الشمس أو غروبها أخر الصلاة حتى تذهب حمرة الشمس عند طلوعها وصفرتها عند غروبها، وقال ابن الجنيد:

[153]

ورد النهي عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن الابتداء بالصلاة عند طلوع الشمس وغروبها و قيامها نصف النهار، إلا يوم الجمعة في قيامها، وعن الجعفي كراهة الصلاة في الاوقات الثلاثة إلا القضاء، وعن المرتضى: ومما انفردت الامامية به كراهية صلاة الضحى، فان التنفل بالصلاة بعد طلوع الشمس إلى الزوال محرمة إلا يوم الجمعة خاصة. قال في الذكرى: وكأنه عنى به - يعني بالتنفل - صلاة الضحى لذكرها من قبل: وجور في الناصرية أن يصلي في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها كل صلاة لها سبب متقدم. وظاهر الصدوق التوقف في أصل هذه المسألة (1) فانه قال: وقد روي نهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، إلا أن روى لي جماعة من مشايخنا عن أبي الحسين محمد ابن جعفر الاسدي رضي الله عنه ثم أورد الرواية التي أثبتناها في أول الباب. وقال الشيخ في التهذيب (2) بعد أن أورد الاخبار المتضمنة للكراهة: وقد روي رخصة في الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ونقل الرواية بعينها، والظاهر صحة الرواية، لان قول الصدوق - ره -: (روى لي جماعة من مشايخنا) يدل على استفاضتها عنده، والمشايخ الاربعة الذين ذكرهم في إكمال الدين، و إن لم يوثقوا في كتب الرجال، لكنهم من مشايخ الصدوق، ويروي عنهم كثيرا ويقول غالبا بعد ذكر كل منهم (رضي الله عنه) واتفاق هذا العدد من المشايخ على النقل، لا يقصر عن نقل واحد قال فيه بعض أصحاب الرجال: ثقة، فلا يبعد حمل أخبار النهي مطلقا على التقية أو الاتقاء، لاشتهار الحكم بين المخالفين، و اتفاقهم على إضرار من صلى في هذه الاوقات.


(1) الفقيه ج 1 ص 315. (2) التهذيب ج 1 ص 185.

[154]

وقد أكثر الشيخ الاجل السعيد المفيد قدس الله روحه في كتابه المسمى بافعل لا تفعل، من التشنيع على العامة في روايتهم ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وقال: إنهم كثيرا ما يخبرون عن النبي صلى الله عليه وآله بتحريم شئ وبعلة تحريمه وتلك العلة خطاء لا يجوز أن يتكلم بها النبي صلى الله عليه وآله، ولا يحرم الله من قبلها شيئا، فمن ذلك ما أجمعوا عليه من النهي عن الصلاة في وقتين عند طلوع الشمس حتى يلتام طلوعها وعند غروبها، فلولا أن علة النهي أنها تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان لكان ذلك جايزا، فإذا كان آخر الحديث موصولا بأوله وآخره فاسد، أفسد الجميع، وهذا جهل من قائله، والانبياء لا تجهل، فلما بطلت هذه الرواية بفساد آخر الحديث ثبت أن التطوع جائز فيهما.

[155]

[12] (باب) * (صلاة الضحى) * 1 - ختص: عن أحمد بن محمد بن يحيي العطار، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن الوليد الخزاز، عن يونس بن يعقوب قال: دخل عيسى بن عبد الله القمي على أبي عبد الله عليه السلام فلما انصرف قال لخادمه ادعه، فانصرف إليه فأوصاه بأشياء ثم قال: يا عيسي بن عبد الله، إن الله يقول: (وأمر أهلك بالصلاة) (1) وإنك منا أهل البيت، فإذا كانت الشمس من ههنا مقدارها من هيهنا من العصر، فصل ست ركعات، قال: ثم ودعه وقبل ما بين عيني عيسى وانصرف. قال يونس بن يعقوب: فما تركت الست ركعات منذ سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول ذلك لعيسى بن عبد الله (2). 2 - رجال الكشى: عن حمدويه بن نصير، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن يونس بن يعقوب قال: وحدثني محمد بن عيسى بن عبد الله، عن يونس بن يعقوب مثله (3). 3 - العيون: عن تميم بن عبد الله بن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد ابن علي الانصاري، عن رجاء بن أبي الضحاك، عن الرضا عليه السلام قال: ما رأيته صلى الضحى في سفر ولا حضر (4). 4 - التوحيد: للصدوق، عن جعفر بن علي بن أحمد، عن عبد الله الفضل


(1) طه: 132. (2) الاختصاص: 195 - 196. (3) رجال الكشى: 282. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 182 في حديث.

[156]

عن محمد بن يعقوب الجعفري، عن محمد بن أحمد بن شجاع، عن الحسن بن حماد عن إسماعيل بن عبد الجليل، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه في حديث أن أمير المؤمنين عليه السلام في صفين نزل فصلى أربع ركعات قبل الزوال الحديث (1). 5 - العياشي: عن الاصبغ بن نباته قال خرجنا مع علي عليه السلام فتوسط المسجد فإذا ناس يتنفلون حين طلعت الشمس، فسمعته يقول: نحروا صلاة الاوابين نحرهم الله، قال: قلت: فما نحروها ؟ قال: عجلوها قال: قلت: يا أمير المؤمنين ما صلاة الاوابين ؟ قال: ركعتان (2). توضيح وتنقيح النحر الطعن في منحر الابل، أي ضيعوا صلاة الاوابين وهي نافلة الزوال بتقديمها على وقتها، فانهم تركوا بعض الثمان ركعات من نافلة الزوال، وأبدعوا مكانها صلاة الضحى، فكأنهم نحروها وقتلوها، أو قدموها (نحرهم الله) أي قتلهم الله، قال في النهاية: في حديث علي عليه السلام إنه خرج وقد بكروا بصلاة الضحى فقال: نحروها نحرهم الله، أي صلوها في أول وقتها من نحر الشهر وهو أوله و قوله نحرهم الله [يحتمل أن يكون دعاء لهم أي بكرهم الله بالخير كما بكروا بالصلاة أول وقتها، و] يحتمل أن يكون دعاء عليهم بالنحر والذبح لانهم غيروا وقتها انتهى. قوله: (ركعتان) أي التي قدموها ركعتان، فانهما أقل صلاة الضحى أو صلاة الاوابين هي نافلة وقت الزوال، وهي ركعتان وست ركعات اخر نافلة الظهر، كما يظهر من بعض الاخبار، أو المعنى أن صلاة الاوابين هي التي يكتفي المخالفون منها بركعتين، فان نافلة الزوال عند بعضهم ركعتان، أو قال ذلك تقية.


(1) التوحيد ص 89 س 11 ط مكتبة الصدوق. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 285.

[157]

وروي الكليني عن محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل القمي، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة رفعه قال: مر أمير المؤمنين عليه السلام برجل يصلي الضحى في مسجد الكوفة، فغمز جنبه بالدرة وقال: نحرت صلاة الاوابين نحرك الله، قال: فأتركها ؟ قال: فقال: (أرأيت الذي ينهى * عبدا (1) إذا صلى) فقال أبو عبد الله عليه السلام: وكفى بانكار علي عليه السلام نهيا (2). قوله عليه السلام (أرأيت الذي ينهى) الظاهر أنه قال عليه السلام: ذلك تقية، فانه قد ورد في الاخبار أنهم كانوا يعارضونه عليه السلام عند نهيه عنها بهذه الاية، أو المعنى إنى إذا قلت لا تفعل، لا تقبل مني وتعارضني بالاية، وعلى التقديرين أزال الصادق عليه السلام ما يتوهم منه من التجويز، بأن إنكار أمير المؤمنين عليه السلام أولا كان كافيا في انزجاره، وعلمه بحرمة الفعل، إذ الضرب والزجر والاهانة لا تكون إلا على الحرام، لكن السائل لما كان غبيا أو مخاصما شقيا، وأعاد السؤال لم ير عليه السلام المصلحة في التصريح وإعادة النهي. وأما جواب معارضتهم فهو أنه لا ينافي ما دلت الاية عليه من استحباب الصلاة في كل وقت أن يكون تعيين عدد مخصوص في وقت معين بغير نص وحجة بدعة محرمة، كما إذا هلل رجل عند الضحى عشر مرات مثلا من غير قصد تعيين يكون مثابا مأجورا، وإذا فعلها معتقدا أنها بهذا العدد المعين في هذا الوقت المخصوص مستحبة مطلوبة، يكون مبتدعا ضالا سبيله إلى النار، كما مر تحقيقه مفصلا في باب البدعة. وأما حديث عيسى بن عبد الله فالظاهر أنه عليه السلام أمره بذلك تقية أو اتقاء وإبقاء عليه لئلا يتضرر بترك التقية وكذا فعل أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين إما للتقية أو لغرض آخر يتعلق بخصوص هذا اليوم من صلاة حاجة أو مثلها، إذ كون صلاة الضحى بدعة من المتواترات عند الامامية، لا خلاف بينهم فيه.


(1) العلق: 10. (2) الكافي ج 3 ص 452.

[158]

قال الشيخ في الخلاف: صلاة الضحى بدعة لا يجوز فعلها، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا إنها سنة، وقال الشافعي أقل ما يكون فيها ركعتان، وأفضله اثنتا عشرة ركعة، والمختار ثمان ركعات، ثم قال: دليلنا إجماع الفرقة وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: صلاة الضحى بدعة. وقال العلامة في المنتهى: صلاة الضحى بدعة عند علمائنا، خلافا للجمهور فانهم أطبقوا على استحبابها، لنا ما رواه الجمهور عن عائشة قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وآله يصلي الضحي قط وسألها عبد الله بن شقيق أكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي الضحى ؟ قالت: لا، إلا أن يجئ من مغيبة، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما حدثني أحد قط أنه رأي النبي صلى الله عليه وآله يصلي الضحى إلا ام هاني فانها حدثت أن النبي صلى الله عليه وآله دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثمان ركعات ما رأيته قط صلى صلاة أخف منها. وروى أحمد في مسنده قال: رأي أبو بكر ناسا يصلون الضحى، فقال: إنهم ليصلون صلاة ما صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله ولا عامة أصحابه، ثم قال: لا يقال: الصلاة مستحبة في نفسها، فكيف حكمتم ههنا بكونها غير مستحبة ؟ لانا نقول: إذا أتى بالصلاة من حيث إنها نافلة مشروعة في هذا الوقت كان بدعة، أما إذا أوقعها على أنها نافلة مبتدأة فلا يمنع، وهى عندهم ركعتان وأكثرها ثمان وفعلها وقت اشتداد الحر انتهى. والعامة رووا عن ام هاني ثماني ركعات، وعن عايشة أربع ركعات، فما زاد، وعن أنس اثنتى عشر ركعة، وقال الابي في شرح صحيح مسلم: الاحاديث كلها متفقة وحاصلها أن الضحى سنة، وأقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، و بينهما أربع وست. وروى مسلم في صحيحه، عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله على أهل قبا وهم يصلون الضحى، فقال: صلاة الاوابين، إذا رمضت الفصال. قال في النهاية: هو أن تحم الرمضاء وهى الرمل فتبرك الفصال من شدة

[159]

حرها وإحراقها أخفافها انتهى، والفصال ككتاب جمع الفصيل وهو ولد الناقة إذا فصل عن امه. أقول: حمل المخالفون صلاة الاوابين على صلاة الضحى، واستدلوا بهذا الخبر على استحباب إيقاعها عند شدة الحر، والظاهر أنه شبيه هذا الخبر، وكان غرضه صلى الله عليه وآله منعهم عن صلاه الضحى، وأن نافلة الزوال هي صلاة الاوابين ووقتها عند زوال الشمس عند غاية اشتداد الحر، فلم قدمتموها وأبطلتموها. 6 - دعائم الاسلام: عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال لرجل من الانصار، سأله عن صلاة الضحى فقال: إن أول من ابتدعها قومك الانصار سمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة، فكانوا يأتون من ضياعهم ضحى، فيدخلون المسجد فيصلون، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله فنهاهم عنه (1)


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 214.

[160]

[13] (باب) * (فرائض الصلاة) * 1 - الخصال: عن ستة من مشايخه عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن الصادق عليه السلام قال: فرائض الصلاة سبع: الوقت، والطهور، والتوجه، والقبلة. والركوع، والسجود، والدعاء (1). بيان: روى الشيخ بسنده الصحيح، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الفرض في الصلاة، فقال: الوقت والطهور، والقبلة، والتوجه، والركوع، والسجود، والدعاء، قلت: ما سوى ذلك ؟ فقال: سنة في فريضة (2)، والمراد بالفرض (3) ما ظهر وجوبه بالقرآن أو شرعيته أعم


(1) الخصال ج 2 ص 152 في حديث خصال من شرايع الدين. (2) التهذيب ج 1 ص 204. (3) المراد بالفرض ما ذكر في القرآن العزيز صريحا بما هو هو، فكما أشرنا إليه قبل ذلك يكون كل فرض من فرائض الصلوات ركنا تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا وجهلا ونسيانا - على ما سيأتي شرح ذلك مستوفى - فمن ذلك الوقت وقد مر الايات التى تصرح بأوقات الصلوات بما هي صلاة يجمعها قوله تعالى: (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا): أي يؤدى كل صلاة في وقتها الموسع أو المضيق. وأما الطهور فقد مر قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) الاية فأوجب الطهارة للصلاة بما هي صلاة. وأما القبلة فسيأتي الايات المتعرضة لها في بابها، وأما التوجه فالمراد به افتتاح الصلاة بالتكبير، فهو ليس بفرض لانه لم يذكر في القرآن العزيز ما يدل عليه الا قوله تعالى: (وربك فكبر) وكما ترى لم يتعرض لوجوب التكبير الا بما هو تكبير، لا بما هو من أجزاء الصلاة - مع كون الامر به متوجها إلى النبي صلى الله عليه وآله فقط - فلو كان فرضا لكان فرضا

[161]

من الوجوب والاستحباب، والطهور أعم من الطهارة من الحدث والخبث لايتي الوضوء والغسل، ولقوله تعالى (وثيابك فطهر) (1) والتوجه المراد به إما تكبيرة الافتتاح لقوله تعالى: (وربك فكبر) (2) والنية لقوله تعالى: (وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) (3) وأمثاله، أو استقبال القبلة بأن يكون المراد بالقبلة معرفتها لا التوجه إليها وهو بعيد، والدعاء القنوت لقوله سبحانه


عليه كما في قوله تعالى (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) وقوله تعالى (قم الليل الا قليلا) الاية وانما عد في الفرائض، لكونه ركنا كالفرض تبطل الصلاة بالاخلال به عمدا وسهوا ونسيانا، وانما جعل ركنا لانه تحريم الصلاة بالحكم الوضعي، فلو ترك لم يكن المصلى داخل الصلاة وضعا، وان ركع وسجد، ومثله التسليم من بعض الجهات كما سيأتي. وأما الركوع والسجود فسيأتي في بابهما، وأما الدعاء فهو مفهوم الصلاة المفروضة بقوله تعالى (الا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون) وغير ذلك مما ذكر بلفظ الصلاة وحقيقته التوجه إلى الله مخلصا وصورته بالتكبير والقراءة والتسبيح والتهليل والابتهال وقد مر في ج 82 ص 277 أن حفظ عدد الركعات أيضا فرض وسيأتى الكلام عليه في محله. وأما ما ذكر في القرآن العزيز صريحا لا بما هو صلاة، بل بما هو غيره، لكن النبي صلى الله عليه وآله جعله في الصلاة، فهو سنة لا تبطل الصلاة بالاخلال به الا عمدا، ومن أخل به جاهلا أو ناسيا أو سهوا فلا شئ عليه، وذلك مثل طهارة الثوب والبدن ومثل قراءة الحمد والسورة وقول (سبحان ربى العظيم وبحمده والتشهد وغير ذلك مما سنبحث عنها في محالها بحول الله وقوته. (1) المدثر: 4. (2) المدثر: 3. (3) البينة: 5.

[162]

(وقوموا لله قانتين) (1) فيدل على التفسير الاول للفرض على وجوبه، أو القراءة لاشتماله على الدعاء، ويقال للفاتحة سورة الدعاء لقوله تعالى (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) (2) أو الاعم منهما. قوله عليه السلام: (سنة في فريضة) أي ظهر وجوبه أو رجحانه من السنة بأن يوقع في فعل ظهر وجوبه بالقرآن وهو الصلاة. 2 - فقه الرضا: اعلم أن الصلاة ثلثه وضوء وثلثه ركوع، وثلثه سجود وأن لها أربعة آلاف حد، وأن فروضها عشرة ثلاث منها كبار، وهي تكبيرة الافتتاح والركوع والسجود، وسبعة صغار وهي القراءة، وتكبير الركوع، وتكبير السجود، وتسبيح الركوع، وتسبيح السجود، والقنوت، والتشهد، وبعض هذه أفضل من بعض (3). توضيح: روى الكليني في الحسن، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود (4) والحصر للمبالغة وبيان شدة الاهتمام بتلك الافعال وعد الوضوء من الاجزاء أيضا للمبالغة وبيان شدة مدخليته في الصحة. وقال والدي قدس سره التثليث إما باعتبار المسائل والاحكام، أو باعتبار الواجبات والمندوبات، أو باعتبار الثواب، والغرض منه الترغيب في الاهتمام بشأن هذه الثلاثة سيما الطهور لانه رفع المانع ولذا قدمه، وهو أعم من إزالة النجاسات والطهارات الثلاث، ويمكن إرادة الاخير فقط، والاهتمام بشأن الركوع والسجود باعتبار كثرة الذكر والتوجه والطمأنينة انتهى. والخبر يدل على وجوب تكبيري الركوع والسجود والقنوت، ويمكن


(1) البقرة: 238 وقد مر البحث فيها ج 82 ص 278 راجعه. (2) المزمل: 20، والاية ناظرة إلى قراء القرآن سورة سورة كما سيأتي في محله (3) فقه الرضا ص 8 السطران الاخران. (4) الكافي ج 3 ص 273.

[163]

حمله على شدة الاستحباب وتأكده. 3 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن جده، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن كبار حدود الصلاة فقال: سبعة: الوضوء، والوقت، والقبلة، وتكبيرة الافتتاح، والركوع، والسجود، والدعاء. فهذه فرض على كل مخلوق، وفرض على الاقوياء والعلماء الاذان، و الاقامة، والقراءة، والتسبيح، والتشهد، وليست فرضا في نفسها، ولكنها سنة وإقامتها فرض على العلماء والاقوياء، ووضع عن النساء والمستضعفين والبله الاذان والاقامة، ولابد من الركوع والسجود وما أحسنوا من القراءة و التسبيح والدعاء. وفي الصلاة فرض وتطوع فأما الفرض فمنه الركوع، وأما السنة فثلاث تسبيحات في الركوع، وأما التطوع فما زاد في التسبيح والقراءة، والقنوت واجب، والاجهار بالقراءة واجب في صلاة المغرب والعشاء والفجر، والعلة في ذلك من أجل القنوت حتى إذا قطع الامام القراءة علم من خلفه أنه قدقنت، فيقنتون، وقد قال العالم عليه السلام: إن للصلاة أربعة آلاف حد. بيان: الظاهر أن من قوله (فهذه فرض) كلام المؤلف، فلذا لم نتعرض لشرحه وتأويله. 4 - الهداية: قال الصادق عليه السلام حين سئل عما فرض الله تبارك وتعالى من الصلاة فقال: الوقت، والطهور، والتوجه، والقبلة والركوع، والسجود، والدعاء، ومن ترك القراءة في صلاته متعمدا فلا صلاة له، ومن ترك القنوت متعمدا فلا صلاة له (1).


(1) الهداية: 29.

[164]

أبواب لباس المصلى [1] (باب) * (ستر العورة، وعورة الرجال والنساء في الصلاة) * * (وما يلزمهما من الثياب فيها، وصفاتها وآدابها) * الايات: الاعراف: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما. إلى قوله تعالى: يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد. إلى قوله سبحانه: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون (1).


(1) الاعراف: 26 - 32، أما الايتان الاوليان، فكما مر الكلام فيهما في ج 79 ص 295 - 297، عرفت أن المراد باللباس الذى يوارى سوآت الناس هو الازار، لكن لبس هذا الازار بمعنى عدم كشف السوآت ليس مختصا بحال الصلاة، لان كشفهما من الفاحشة المحرمة، ولذلك وجه الخطاب إلى كل البشر بقوله (يا بنى آدم)

[165]

النحل: والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون إلى قوله


وأما قوله تعالى: (يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) فالمراد الازار والرداء كما مر توضيحه في ج 79 ص 298 وانما عبر عنهما بالزينة لكونهما موجبا لتزيين البدن وحشمته، ولما قال (عند كل مسجد) والمسجد موضع الصلاة، كان المراد أخذ الزينة بلبس الازار والرداء عند الصلاة، ولذلك كره الصلاة من دون رداء بحيث يعرى أعالي البدن. وهذه الاية من المتشابهات على اصطلاح القرآن المجيد حيث انها تشبه الايات التى هي ام الكتاب: توهم كونها مستقلة برأسها وليس كذلك. بيان هذا انجازا لما وعدنا في ج 82 ص 322 أنه قال الله عزوجل: (هو الذى أنزل عليك الكتاب: منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله - وما يعلم تأويله الا الله - والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب) آل عمران: 7. والمعنى أن آيات القرآن على قسمين: قسم هي محكمات وهن معذلك أم الكتاب و أصله ومرجعه، وقسم آخر هي محكمات تشابه أم الكتاب. فكل الايات محكمة لقوله تعالى (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) هود: 1، مثلا قوله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) الاية من القسم الاول فان الصلاة فرض مستقل في حد نفسها، والاية أم الكتاب وأصل يرجع إليه فروع: كقوله تعالى (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) ومعناه في السنة: (لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد) وقوله تعالى: (فاقرؤا ما تيسر من القرآن) ومعناه في السنة (لا صلاة الا بفاتحة الكتاب)، وامثال ذلك مما سنشرحه في محله. فظاهر تلك الاوامر كلها يشبه أم الكتاب وكونها مستقلة يجب الاتيان بها في نفسها، لكن بعضها أم الكتاب مستقل في حد نفسها كالصلاة والصوم والحج، وبعضها متشابه به غير مستقل أدخلها النبي صلى الله عليه وآله في الفرائض المستقلة، الحاق الفرع بالاصل والولد بأمه. فأما الذين في قلوبهم زيغ واعوجاج عن الفطرة وميل إلى الاستبداد وهوى

[166]

سبحانه: وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها (1). وقال تعالى: والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين * والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (2). فاطر: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها (3).


إلى الرئاسة، يتبعون بأهوائهم ما تشابه أم الكتاب، مع أن المتشابهات لا يصلح اتباعها الا بعد تأويلها وهو ارجاعها إلى أمها، ولا يعلم تأويل ذلك الا الله عزوجل وهو بمعزل عن الاتصال بالوحى، ومع جهلهم يدعون علم ذلك ومعرفتهم بالام والمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كما زعموا أن قوله تعالى (إذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وقوله (فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) مستقلة من أمهات الكتاب، ويفتون بوجوب الاستعاذة والانصات والاستماع عند قراءة القرآن مطلقا، وليس كذلك كما أجمع عليه أهل الفقه بأن شيئا من ذلك ليس بواجب الا في الصلاة. وأما الراسخون في العلم والايمان فهم يعترفون بأن الامهات والمتشابهات كلها نزلت من عند الله، فلابد وأن يوحى علمه إلى رسوله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور: يقولون آمنا به كل من عند ربنا ولسنا نتبع الكتاب الا باشارة الرسول وعترته، وما يذكر سر ذلك الا اولوا الالباب الذين أخذوا بالكتاب والعترة وهجروا مقالة الزائغين الذين قالوا حسبنا كتاب الله. (1) النحل: 5 - 14. (2) النحل: 80 - 81. (3) فاطر: 12.

[167]

الرحمن: يخرج منهما اللؤلوء والمرجان (1). تفسير: (قد أنزلنا عليكم لباسا) أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية و أسباب نازلة منها، أو لكون العلة أشرف من المعلول، فحصول الشئ من العلة كأنه نزول من الاعلى إلى الاسفل، أو إشارة إلى علو رتبته تعالى، فالنزول منه إلينا نزول من العليا إلى السفلى، وهو قريب من الثاني، وقيل إشارة إلى إنزال شئ من اللباس مع آدم وحوا عليهما السلام. (يواري سوآتكم) أي يستر عوراتكم وكل ما يسوء كشفه منكم (وريشا) وهو لباس الزينة (2) استعير من ريش الطير لانه لباسه وزينته، وفسر ابن عباس الريش بالمال والاول يؤمى إلى وجوب ستر العورة في جميع الاوقات، لا سيما في وقت العبادات، فان (يواري سوآتكم) يومي إلى قبح الكشف، وأن الستر مراد الله تعالى، وظاهر الثاني استحباب التجمل باللباس. (ولباس التقوى) قيل خشية الله، وقيل العمل الصالح، وقيل ما يقصد به التواضع لله تعالى وعبادته، كالصوف والشعر والخشن من الثياب وعن زيد بن (3) علي أنه ما يلبس من الدروع والجواشن والمغافر وغيرها مما يتقى به في الحروب وقيل مطلق اللباس الذي يتقى به من الضرر كالحر والبرد والجرح وقال علي بن


(1) الرحمن: 22. (2) الريش - بالكسر - كسوة جناح الطائر، استعير في الاية الكريمة للرداء بعد تشبيهه بريش الطير، فكما أن ريش الطير يلتف على جناحيه وابطيه يسترهما، كذلك الرداء يلتف على العضدين والابطين يسترهما، فلو عرى جناحا الطير من الريش أشبه الانسان حيث لبس الازار من دون رداء أشد الشباهة ولا يخفى لطف التشبيه على من تأمل وتصور ذلك خيالا ولا يذهب عليك أن مرادنا بالازار والرداء ما يعرفهما المسلمون اليوم بلباسى الاحرام كما عرفت شرح ذلك في ج 81 ص 269. (3) ذكره الطبرسي في المجمع ج 4 ص 408.

[168]

إبراهيم (1) لباس التقوى ثياب البياض، وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: فأما اللباس فالثياب التي تلبسون وأما الرياش فالمال والمتاع، وأما لباس التقوى فالعفاف، إن العفيف لا تبدوله عورة، وإن كان عاريا من الثياب، والفاجر بادي العورة، وإن كان كاسيا من الثياب. (ذلك خير) أي لباس التقوى ذلك خير، وقيل إشارة إلى موارات السوءة فانه من التقوى تفضيلا له على نفس اللباس مطلقا أو إشارة إلى اللباس المواري للسوءة (ذلك) يعني إنزال اللباس مطقا أو جميع ما تقدم (من آيات الله) الدالة على وجوده ولطفه وفضله ورحمته على عباده، (لعلهم يذكرون) فيعرفون عظيم النعمة فيه أو يتعظون فيتورعوا عن القبائح. (لا يفتننكم الشيطان) أي لا يوقعنكم في فتنة وفضيحة بأن يدعوكم أن لا تتذكروا بآيات الله، ولا تتورعوا عن القبايح، فيخرجكم من محال فضل الله ومواضع رحمته، فيسلبكم نعمة الله وستره عليكم، ويحرمكم الجنة (ينزع عنهما لباسهما) إسناد النزع إليه للتسبيب فيه. (خذوا زينتكم عند كل مسجد) في مجمع البيان عن الباقر عليه السلام أي خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة في الجمعات والاعياد (2) وروى العياشي عن الرضا عليه السلام قال: هي الثياب (3) وعن الصادق عليه السلام هي الاردية يعني في العيدين والجمعة (4) وقال علي بن إبراهيم: في العيدين والجمعة يغتسل ويلبس ثيابا بيضا. وروي أيضا المشط عند كل صلاة (5) وفي الكافي عن الصادق عليه السلام يعني في العيدين والجمعة (6) وفي العياشي والجوامع كان الحسن بن علي عليهما السلام إذا قام


(1) تفسير القمى: 213، راجع ج 79 ص 297. (2) مجمع البيان ج 4 ص 412. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 12، الرقم 21. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 13 الرقم: 27. (5) تفسير القمى ص 214. (6) الكافي ج 3 ص 424.

[169]

إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وقرأ هذه الاية (1) وفي الفقيه (2) عن الرضا عليه السلام من ذلك التمشط عند كل صلاة، والعياشي عن الصادق عليه السلام مثله (3). وفي التهذيب (4) عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال: الغسل عند لقاء كل إمام، والعياشي عنه عليه السلام يعني الائمة (5) وقيل هو أمر بلبس الثياب في الصلاة والطواف، وكانوا يطوفون عراة ويقولون لا نعبد في ثياب أذنبنا فيها ونحوه ذكر علي بن إبراهيم (6). وفي الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير هذه الاية قال: تمشطوا فان التمشط يجلب الرزق إلى آخر الخبر (7)، وفي العياشي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هو المشط عند كل صلاة فريضة ونافلة (8)، وقال بعض الافاضل: وقد فسر بالمشط والسواك والخاتم والسجادة والسبحة. (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده) من الثياب كالقطن والكتان والحرير والصوف، وما يعمل منه الدروع والخواتيم والحلي وغيرها (والطيبات من الرزق) المستلذات من المآكل والمشارب أو المباحات والاستفهام للانكار (قل هي) أي الزينة والطيبات (للذين آمنوا في الحياة الدنيا) الظرف متعلق بآمنوا (خالصة


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 14 الرقم 29. (2) الفقيه ج 1 ص 75 ط نجف. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 13، الرقم 25. (4) التهذيب ج 6 ص 107 ط نجف. (5) تفسير العياشي ج 2 ص 12، الرقم 18. (6) تفسير القمى ص 214 راجع شرح ذلك ج 79 ص 297. (7) الخصال ج 1 ص 129. (8) تفسير العياشي ج 2 ص 13، الرقم 25، وقد مر الاشارة إليه.

[170]

يوم القيامة) حال من المستتر في متعلق للذين، ويوم القيامة ظرف لخالصة، أي لا يشاركهم غيرهم فيها كما يشاركهم في الدنيا، أو الظرف متعلق بمتعلق (للذين) أي هي حاصلة للذين آمنوا في الحياة الدنيا غير خالصة لهم، خالصة لهم يوم القيامة (1) قيل: ولم يقل ولغيرهم لينبه على أنها خلقت لهم بالاصالة، وأن غيرهم تبع لهم كقوله: (ومن كفر فامتعه قليلا) (2) الاية. (والانعام خلقها لكم) (3) أي لمصالحكم (فيها دفء) اسم لما يدفأ به فيقي البرد، وهو اللباس المعمول من صوف أو وبر أو شعر، والظاهر شموله للفراء أيضا (ومنافع) هي نسلها ودرورها وظهورها وغير ذلك، (حلية تلبسونها) كاللؤلؤ و المرجان، وقيل اليواقيت أيضا. (سكنا) (4) موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم (بيوتا) يعني الخيم والمضارب المتخذة من الادم والوبر والصوف والشعر (تستخفونها) أي تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها ووضعها وضربها (يوم ظعنكم) ترحالكم وسفركم (ويوم إقامتكم) نزولكم وحضركم، والاثاث أنواع متاع البيت من الفرش والاكسية، وقيل المال والمتاع ما يتجر به من سلعة أو ينتفع به مطلقا (إلى حين) أي إلى أن تقضوا منه أو طاركم، أو إلى حين مماتكم، أو إلى مدة من الزمان فانها لصلابتها تبقى مدة مد يده أو إلى يوم القيامة، وقيل إلى وقت البلى والفناء، إشارة إلى أنها فانية، فلا ينبغي للعاقل أن يختارها. (والله جعل لكم مما خلق) من الشجر والجبل والابنية وغيرها (ظلالا) تتقون به حر الشمس (وجعل لكم من الجبال أكنانا) مواضع تستكنون بها


(1) وقيل: معناه: قل هي في الحياة الدنيا للذين آمنوا غير خالصة من الهموم والاحزان والمشقة، وهى لهم خالصة في الاخرة، منه رحمه الله، على ما في هامش طبعة الكمبانى. (2) البقرة: 126. (3) النحل: 5. (4) النحل: 14.

[171]

من الغيران والبيوت المنحوتة فيها (وجعل لكم سرابيل) ثيابا من القطن والكتان والصوف وغيرها (تقيكم الحر) اكتفى بذكر أحد الضدين لدلالته على الاخر، ولان وقاية الحر كانت عندهم أهم (وسرابيل تقيكم بأسكم) يعني الدروع والجواشن، والسربال يعم كل ما يلبس (كذلك) كاتمام هذه النعم التي تقدمت (يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون) أي تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به، وتنقادون لحكمه. (هذا عذب) (1) أي طيب (فرات) أي اشتدت عذوبته، وقيل هو الخالص الذي لا يشوبه شئ (سائغ شرابه) [أي] مرئ سريع الانحدار لعذوبته، وذكر الاكثر أن اللؤلوء كبار الدر، والمرجان صغاره، وقيل المرجان الخرز الاحمر. ففي الايات دلالة على لزوم ستر العورة، لا سيما في الصلاة وعلى استحباب أنواع الزينة من التنظيف والتطهير والتطييب، والملابس الفاخرة عند الصلاة والطواف، وعلى جواز اتخاذ الملابس والفرش وغيرها، وأنواع انتفاع يمكن من أصواف الانعام وأوبارها وأشعارها وجلودها، وجواز الصلاة فيها وعليها إلا ما أخرجه الدليل من عدم جواز السجود ونحو، وطهارتها ولو من الميتة لاطلاق اللفظ (2) وعلى جواز بناء الابنية والاستظلال بها وبالكهوف والغيران والصلاة فيها. وجواز استعمال ثياب القطن والكتان والصوف وغيرها، والدروع والجواشن وأمثالهما في الصلاة وغيرها، إلا ما أخرجه الدليل. وعلى جواز التحلي باللؤلؤ والمرجان للرجال والنساء وصلاتهما فيهما للاطلاق، لا سيما في مقام الامتنان.


(1) فاطر: 12. (2) لا يتم هذا الاطلاق، فان المولى ليس بصدد بيان حلية أو طهارة جلود الانعام بل المقام مقام الامتنان عليهم باستفادتهم من جلود الانعام، ويكفى في صدق ذلك المذكى منها.

[172]

وقد يستشكل في الصلاة في اللؤلؤ (1) لكونه جزءا من الصدف، والصدف حيوان لا يؤكل لحمه أما كونه حيوانا فلما ذكره الاطباء وغيرهم من التجار والغواصين، ولما رواه الكليني (2) في الصحيح عن على بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن اللحم الذي يكون في أصداف البحر والفرات، أيؤكل ؟ قال: ذلك لحم الضفادع، لا يحل أكله، وأما كونه غير مأكول اللحم فلهذا الخبر، وللاجماع المنقول على أن من حيوان البحر لا يوكل لحمه الا السمك، وأما عدم الجواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه فلما سيأتي من عدم جواز الصلاة في شئ منه، إلا ما استثني. ويمكن أن يجاب بوجوه الاول لا نسلم كونه جزء من ذلك الحيوان، فان الانعقاد في جوفه لا يستلزم الجزئية بل الظاهر أنه ظرف لتولد ذلك، نعم يكون اللؤلوء في بعض الاصداف مركوزا في جرمه، وهذا نادر، ويمكن أن يناقش فيه أيضا. الثاني أنا لا نسلم عدم جواز الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه مما ليس له له نفس سائلة وظاهر الاصحاب اختصاص الحكم بماله نفس سائلة وإن أمكن المناقشة فيه. الثالث أنه على تقدير عدم اختصاص الحكم بماله نفس سائلة فهو أيضا من المستثنيات لظواهر الايات السالفة، ولشيوع التحلي بها، والصلاة معها في أعصار الائمة عليهم السلام مع أنه لم يرو منع بخصوص ذلك والظاهر أنه لو كان ممنوعا


(1) وعندي أن اللؤلؤ كالذهب والحرير من لباس أهل الجنة ومواعيدهم كما في قوله تعالى (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير) الحج: 23، فاطر: 33 ولقبح تمتع الموعود قبلا مما هيئ له ثم حضوره في الميعاد، قال رسول الله (ص) في مورد الحرير والذهب: ان هذين حرام على ذكور أمتى، فكذلك اللؤلؤ، بحكم الاية الكريمة، (2) الكافي ج 6 ص 221.

[173]

لورد المنع منه في أخبار متعددة، فلم أر خبرا يتضمنه إلا العمومات والاطلاقات التي يمكن أن يدعى أنها محمولة على الافراد الشايعة، وليس هذا منه. وبالجملة الحكم بالمنع مع عموم الايات والاخبار الدالة على الجواز، و عدم ظهور التخصيص، وتطرق الاجمال فيه من وجوه لا يخلو من إشكال ويؤيد الجواز ما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح أن يصلي وفي فيه الخرزة اللؤلوء ؟ قال إن كان يمنعه من قراءته فلا، وإن كان لا يمنعه فلا بأس (1). تذنيب قال الشهيد - ره - في الذكرى: أجمع العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة، وعندنا وعند الاكثر أنه شرط في الصحة، لقوله تعالى (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) قيل: اتفق المفسرون على أن الزينة هنا ما توارى به العورة للصلاة والطواف، لانهما المعبر عنهما بالمسجد، والامر للوجوب، ويؤيده قوله تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم) أمر تعالى باللباس المواري للسوءة، وهي ما يسوء الانسان انكشافه، ويقبح في الشاهد إظهاره، وترك القبيح واجب، قيل: وأول سوء أصاب الانسان من الشيطان انكشاف العورة، و لهذا ذكره تعالى في سياق قصة آدم عليه السلام انتهى. وهل الستر شرط مع الذكر أو مطلقا ؟ ظاهر (2) العلامة في المختلف والنهاية


(1) الفقيه ج 1 ص 165. (2) قد عرفت في صدر الباب أن أخذ اللباس الذى يوارى السوءة وهو الازار حكم تكليفي مستقل يشمل كل بشر مسلم أو غير مسلم، مصل أو غيره، فقوله تعالى (قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم) من الايات أم الكتاب، فلا يتعلق وجوب ستر العورة بحال دون حال وظرف دون ظرف، ولذلك لم يقيد بما قيد به الاية التالية لها من قوله تعالى (عند كل مسجد) الا أن كون الستر شرطا للصلاة لم يرد به أية حتى يكون فرضا وركنا تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا وجهلا ونسيانا، نعم بعد ما كان الستر فرضا في حد نفسه وكشف العورة =

[174]

صحة الصلاة إذا لم يعلم بالانكشاف سواء دخل في الصلاة عاريا ساهيا أو انكشف في الاثناء وسواء كان الانكشاف في جميع الصلاة أو كان في بعضها وقال في المعتبر، لو انكشفت عورته في أثناء الصلاة ولم يعلم صحت صلاته، لانه مع عدم العلم غير مكلف، ويؤيده ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام في الرجل يصلي وفرجه خارج لا يعلم به، هل عليه الاعادة ؟ قال: لا إعادة عليه وقد تمت صلاته (1) ويظهر من التعليل عدم الفرق بين عدم الستر ابتداء والتكشف في الاثناء. وفرق الشهيد - ره - في كتبه فقال في الذكرى: ولو قيل بأن المصلي عاريا مع التمكن من الساتر يعيد مطلقا والمصلي مستورا ويعرض له التكشف في الاثناء بغير قصد لا يعيد مطلقا، كان قويا وقر به في الدروس، وقريب منه كلامه في البيان، وكلامه يحتمل أمرين أحدهما الفرق بين الانكشاف في الكل والبعض وثانيهما الفرق بين النيسان ابتداء والتكشف في الاثناء، وكلامه في الذكرى يشعر بالاول، حيث قال: وليس بين الصحة مع عدم الستر بالكلية وبينها مع عدمه ببعض الاعتبارات تلازم، بل جاز أن يكون المقتضي للبطلان انكشاف جميع العورة في جميع الصلاة، فلا يحصل البطلان بدونه، وجاز أن يكون المقتضي للصحة ستر جميعها في جميعها فيبطل بدونه. وقال ابن الجنيد: لو صلى وعورتاه مكشوفتان غير عامد أعاد في الوقت فقط وقال الشيخ في المبسوط فان انكشفت عورتاه في الصلاة وجب سترهما عليه، ولا


= = فاحشة ممقوتا تمنع الصلاة منها لقوله عزوجل: (ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) كان كشف العورة مانعا للصلاة منافيا له في حال العلم والاختيار، وأما حال الجهل بالانكشاف مطلقا من أول الصلاة أو أثنائه، فلا. وأما انكشاف تمام العورة فلا معنى للسهو عنه، فان الانكشاف التام لا يكون الا بوضع الازار والسربال، وهذا مما لا يسهو عنه الا من غفل عن صلاته بالمرة. وهو فاقد لركن الدعاء، أعنى التوجه إلى الله وأنه في حال الصلاة، فصلاته باطلة من رأس. (1) التهذيب ج 1 ص 197، وتراه في السرائر ص 476.

[175]

تبطل صلاته، سواء كان ما انكشفت عنه قليلا أو كثيرا، بعضه أو كله، وكلام الشيخ مطلق يشمل صورة العلم والعمد، وعليه حمله العلامة في التذكرة، وإن كان المنساق إلى الذهن منه الانكشاف بدون العلم والعمد، وعليه حمله في المختلف والاقرب أن الانكشاف ساهيا غير ضائر، والله يعلم. 1 - مكارم الاخلاق: عن محمد بن حسين بن كثير قال: رأيت على أبي عبد الله عليه السلام جبة صوف بين قميصين غليظين، فقلت له في ذلك، فقال رأيت أبي يلبسها وإنا أردنا أن نصلي لبسنا أخشن ثيابنا (1). بيان: رواه الكليني، عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن محمد بن الحسين بن كثير الخزاز، عن أبيه قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام وعليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه، وفوقه جبة صوف، وفوقها قميص غليظ فمسستها فقلت: جعلت فداك إن الناس يكرهون لباس الصوف، فقال: كلا كان أبي محمد بن علي عليه السلام يلبسها، وكان علي بن الحسين عليه السلام يلبسها، و كانوا عليهم السلام يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة ونحن نفعل ذلك (2). 2 - العياشي: عن خيثمة بن أبي خيثمة قال: كان الحسن بن على عليه السلام إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فقيل له: يا ابن رسول الله لم تلبس أجود ثيابك ؟ فقال: إن الله جميل يحب الجمال، فأتجمل لربي، وهو يقول: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) فأحب أن ألبس أجود ثيابي (3). غوالي اللئالي مرسلا مثله. بيان: الاخبار في فضل التزين للصلاة كثيرة، والجمع بينها وبين ما سبق بحمل أخبار لبس الخشن على ما إذا صلى لحاجة مهمة، ولدفع بلية، وفي


(1) مكارم الاخلاق: 133. (2) الكافي ج 6 ص 405. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 14، الرقم 29 من سورة الاعراف الاية: 31.

[176]

مقام تناسبه غاية الخشوع، لما رواه في الكافي (1) عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتخذ مسجدا في بيتك فإذا خفت شيئا فالبس ثوبين غليظين من أغلظ ثيابك فصل فيهما الخبر ولما رواه في المكارم (2) عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان لابي ثوبان خشنان يصلي فيهما صلاته، وإذا أراد أن يسأل الحاجة لبسهما، وسأل الله حاجته. أو يحمل الخشن على ما إذا صلى في الخلوة، والزينة على ما إذا خرج إلى الناس، كما يظهر من فحوى بعض الاخبار، ولما سيأتي في خبر مسمع (3) قال: كتب إلى أبو عبد الله إني احب لك أن تتخذ في دارك مسجدا في بعض بيوتك ثم تلبس ثوبين طمرين غليظين، ثم تسأل الله أن يعتقك من النار وأن يدخلك الجنة الخبر، ولما روي عن الباقر عليه السلام في تفسير قوله سبحانه (خذوا زينتكم عند كل مسجد) قال أي خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة في الجمعات والاعياد (4). ويمكن حمل لبس الخشن على التقية، لانه كان الشايع بين أهل البدع في تلك الازمنة، وكانوا ينكرون على أئمتنا عليهم السلام لبس الثياب الفاخرة. وبالجملة الظاهر، أن لبس الفاخر أفضل في جميع الصلوات، إلا فيما ورد فيه نص باستحباب غيره، لظاهر الاية والاخبار العامة قال في الذكرى بعد إيراد الرواية الاولى: قلت إما للمبالغة في الستر وعدم الشف والوصف، وإما للتواضع لله تعالى مع أنه روي استحباب التجمل في الصلاة، وذكره ابن الجنيد وابن البراج وأبو الصلاح وابن إدريس، وروى غياث بن إبراهيم (5) عن جعفر عن


(1) الكافي ج 3 ص 480. (2) مكارم الاخلاق: 131. (3) المحاسن: 412. (4) قد مر عن المجمع ج 4 ص 412. (5) راجع التهذيب ج 1 ص 242.

[177]

أبيه، عن علي عليه السلام لا تصلي المرءة عطلا وهو بضم العين والطاء والتنوين، و هي التي خلا جيدها من القلائد. 3 - السرائر: من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن محمد بن أحمد أبي إسماعيل الهاشمي، عن علي بن الحسين، عن علي بن عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والعمركي البوفكي، عن علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن الرجل صلى وفرجه خارج لا يعلم به، هل عليه إعادة أو ما حاله ؟ قال: لا إعادة عليه، وقد تمت صلاته (1). بيان: لا خلاف في أن من أخل بستر العورة عمدا يعيد في الوقت وخارجه ولو أخل ناسيا أو جاهلا، فذهب الاكثر منهم الشيخ والمحقق والعلامة إلى عدم الاعادة مطلقا، كما يدل عليه هذا الخبر الصحيح، وقال ابن الجنيد يعيد في الوقت خاصة، وفرق الشهيد ره بين ما إذا صلى جميع الصلاة مكشوف العورة أو بعضها فحكم في الاول بالاعادة دون الثاني ولا يعلم وجهه، وما ذهب إليه الاكثر أظهر، كما دل عليه الخبر. 4 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن المرءة ليس لها إلا ملحفة واحدة كيف تصلي ؟ قال: تلتف فيها وتغطي رأسها وتصلي، فان خرجت رجلها وليس تقدر على غير ذلك فلا بأس (2). تفصيل وتبيين: اعلم أنه لا خلاف في وجوب ستر العورة في الصلاة والمشهور بين الاصحاب أن عورة الرجل التي يجب سترها في الصلاة وغيرها قبله ودبره أعني الذكر والانثيين، وحلقة الدبر دون الاليتين والفخذين (3)


(1) السرائر: 476. (2) راجع البحار ح 10 ص 279. (3) قد عرفت في ذيل الاية أن المراد بالسوآت في قوله تعالى: (فبدت لهما سوآتهما) وهكذا قوله: (ليريهما سوآتهما) هو فلق الاليتين من الرجل والمرءة دبرا وفلق الحر من المرءة قبلا ؟ ؟ كر والانثيين من الرجل، بما عليها وعلى حواليها من = =

[178]

ونقل ابن إدريس عليه الاجماع، ونقل عن ابن البراج أنه قال: هي من السرة إلى الركبة، وعن أبي الصلاح أنه جعلها من السرة إلى نصف الساق، مع أن


= = الشعر النابت، كما هو الظاهر من لفظ السوآت ولذلك قال عز وعلا (فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) وظاهر أن ورق الجنة لم يكن منسعا كالسربال والازار حتى يستر الاليتين والفخذين، الا أن ذلك حكم عام للبشر ولذلك صدر الاية بقوله (يا بنى آدم) من دون تقييد. فامتثال هذا الحكم بما أنه اجتناب الفاحشة، انما يكون بلبس خرقة يستر السوآت من القبل والدبر كالذى يسمونه اليوم، (شرت) بضم الشين وسكون الراء، سواء في ذلك المسلم وغيره. وأما المسلمون فقد أوجب الله تعالى عليهم الستر من السرة إلى الركبتين بقوله (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم... وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن) النور: 30 و 31، والمراد بالفرج فرج الازار بعد لبسه، فانهم كانوا يلبسون شملة يلفونها على أسفلهم من السرة إلى الركبة بحيث يدرج أحد طرفيه على الاخر، الا أنه قد ينفرج الطرفان عن الفخذين خصوصا حين الجلوس أو المشى بسرعة فينكشف، فأوجب الله على المؤمنين والمؤمنات أن يحفظوا فروج أزرهم حتى لا ينكشف عن أفخاذهم ومع ذلك أوجب عليهم - إذا انكشف وانفرج ازار أحدهم - أن يغضوا أبصارهم لئلا يبصروا منه ما وجب ستره. وأما قول المفسرين بأن المراد بالفرج العورة من القبل والدبر. فلا يناسب مفهوم الفرج والانفراج خصوصا في الاية الاولى بالنسبة إلى الرجال، فان حلقة الدبر مستورة بالاليتين، والذكر والانثيين لا وجه لاطلاق الفرج عليه وهو ظاهر. وأما قولهم بأن حفظ الفرج كناية عن عدم ارتكاب الزنا، فهو صحيح في بعض الموارد كقوله تعالى: (والذينهم لفروجهم حافظون) وقوله تعالى: (ومريم ابنت عمران التى أحصنت فرجها) حيث أطلق حفظ الفرج واحصان الازار وكنى به عن عدم ارتكاب الفاحشة لان ارتكابها يوجب وضع الازار وانفراجه عن القبل أو الدبر، وحفظ فرج الازار يوجب = =

[179]

المحقق في المعتبر قال: ليست الركبة من العورة باجماع علمائنا، والاول أقوى وعورة المرءة جسدها كله عدا الوجه والكفين والقدمين، هذا هو المشهور بين الاصحاب، وقيل ظاهر القدمين دون باطنهما، فيجب ستره في الصلاة، ولا تكشف غير الوجه فقط.


= = الحفظ عن الزنا وارتكاب الفاحشة. وأما في قوله تعالى: (يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) فالظاهر منه الحفظ من النظر بقرينة غض البصر، وبعبارة أخرى هو من صنعة الاحتباك كقوله تعالى: (الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا) غافر: 61 حيث يكمل كل جزء الجزء الاخر ويفيد أنه: جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا فيه من فضله. فالمعنى في آية النور هكذا: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم من فروج المؤمنين و المؤمنات، ويحفظوا فروجهم من أبصار المؤمنين والمؤمنات، وقد ورد بذلك قول الصادق عليه السلام (كل شئ في القرآن من حفظ الفرج فهو من الزنا الا هذه الاية فانها من النظر) راجع الكافي ج 2 ص 36، تفسير القمى ص 455، الفقيه ج 1 ص 63. فعلى هذا يجب حفظ الفرج بعد لبس الازار حتى لا ينكشف عن موضعه - وهو من السرة إلى الركبة - ولا يمكن حفظه حين الركوع والانحناء الا إذا كان الازار متدليا إلى نصف الساق كما كان يلبسه النبي صلى الله عليه وآله كذلك لئلا ينكشف الفخذان حين الركوع. وهذا الحكم عام بالنسبة إلى الرجال والنساء بنص الاية وصريحها، ويختص النساء معذلك بقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن) والزينة التى اريدت هنا وقد أعطاها الله عز وجل كل النساء، شعر رأسها) (الا ما ظهر منها) بعد سترها بقطعة من اللباس قهرا و أحيانا، (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) والخمار كان شملة اخرى كالرداء يعقدنه النساء على جيوبهن، فيستر من عنقها إلى سرتها، وكان الخمار هذا مذيلا بحيث يتدلى على الازار إلى الاليتين، لئلا ينكشف ما فوق الازار حين الانحناء، أو عند رفع اليدين لبعض الحاجات كالقنوت في الصلاة.

[180]

وقال أبو الصلاح المرءة كلها عورة (1) وأقل ما يجزي الحرة البالغة درع سابغ إلى القدمين، وخمار، وهذا قريب من الاقتصار، وقال ابن زهرة: والعورة الواجب سترها من النساء جميع أبدانهن إلا رؤس المماليك منهن، و قال ابن الجنيد الذي يجب ستره من البدن العورتان وهما القبل والدبر من الرجل والمرءة، وهذا يدل على المساواة بينهما عنده، وقال أيضا لا بأس أن تصلي المرءة الحرة وغيرها وهي مكشوفة الرأس، حيث لا يراها غير محرم لها، وكذلك الرواية عن أبي عبد الله عليه السلام (2) انتهى، والاول أقوى لهذه الرواية وغيرها. ثم إنه ليس في كلام الاكثر تعرض لوجوب ستر الشعر، واستقرب الشهيد في الذكرى الوجوب وهو أحوط ويجوز للامة والصبية غير البالغة كشف الرأس في الصلاة ونقل عليه الفاضلان والشهيد إجماع العلماء عليه، إلا الحسن البصري فانه أوجب على الامة الخمار إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه، ولو انعتق بعضها فكالحرة. قوله عليه السلام: (فان خرجت رجلها) أي بعض ساقها، فيكون التقييد بعدم القدرة على الوجوب أو أصل القدمين، فالتقييد على الاستحباب على المشهور، وربما يؤيد قول من لم يستثن بطن القدمين.


= = وهذا حكم ستر المرءة في كل حال حتى في الصلاة، الا أنه استثنى من ستر شعورهن بقوله عز من قائل (ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن أو آبائهن) إلى آخر الاية فرخص ابداء شعورهن للمحارم، ثم وصاهن بعد الاحتيال فقال: ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) أي لا يضربن بأرجلهن حين المشى بحيث يظهر شعورهن شيئا فشيئا من تحت المقنعة، ثم يعتذرن بأنها ظهرت قهرا وطبعا، (1) يعنى من حيث اصطلاح الفقه، والا فهى ريحانة يحق شمها واستطابتها. (2) التهذيب ج 1 ص 197، وأخرى ص 198، ولفظه لا بأس بالمرءة المسلمة الحرة أن تصلى وهى مكشوفة الرأس، أقول: ويحمل على ما إذا صلت في بيتها عند المحارم.

[181]

5 - قرب الاسناد: قال: سألته عن المرءة الحرة هل يصلح لها أن تصلي في درع ومقنعة ؟ قال لا يصلح لها إلا في ملحفة، إلا أن لا تجد بدا (1) قال: وسألته عن الامة هل يصلح لها أن تصلي في قميص واحد ؟ قال: لا بأس (2). 6 - العلل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن حماد اللحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الخادم تقنع رأسها في الصلاة ؟ قال: اضربوها حتى تعرف الحرة عن المملوكة (3). 7 - ومنه: عن أبيه، عن علي بن سليمان، عن محمد بن الحسين، عن أحمد ابن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن حماد اللحام قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المملوكة تقنع رأسها إذا صلت ؟ قال: لا قد كان أبي إذا رأى الخادم تصلي وهى مقنعة ضربها لتعرف الحرة عن المملوكة (4). المحاسن: عن أبيه، عن يونس، عن حماد مثله (5). الذكرى: من كتاب البزنطي باسناده إلى حماد اللحام مثله، وفيه تصلي بمقنعة (6). 8 - ومنه: نقلا من كتاب علي بن إسماعيل الميثمي عن أبي خالد القماط قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الامة أتقنع رأسها ؟ فقال: إن شاءت فعلت، و إن شاءت لم تفعل، سمعت أبي يقول: كن يضربن فيقال لهن: لا تشبهن بالحرائر (7). بيان: قال في الذكرى: هل يستحب للامة القناع ؟ أثبته في المعتبر و نقله عن عطا وعن عمر أنه نهى عن ذلك، وروي ضرب أمة لال أنس رآها بمقنعة


(1 و 2) قرب الاسناد ص 101 ط حجر، ص 133 ط نجف. (3 و 4) علل الشرايع ج 2 ص 34. (5) المحاسن ص 318. (6 - 7) الذكرى: 140. (*)

[182]

قال: لنا أنه أنسب بالخفر والحياء، وهما مرادان من الامة كالحرة وفعل عمر جاز أن يكون رأيا ثم ذكر الروايتين ومال إلى عدم الاستحباب. أقول: ظاهر هذه الاخبار عدم استحباب الستر لهن، بل كراهته بل التحريم أيضا للامر بالضرب، وهو الظاهر من الصدوق - ره - في العلل حيث قال: (باب العلة التي من أجلها لا يجوز للامة أن تقنع رأسها في الصلاة) ثم ذكر الاخبار المتقدمة، لكن لما كانت روايات اللحام مجهولة لجهالته، وخبر القماط وإن كان حسنا كالصحيح، لكن قوله عليه السلام: (كن يضربن) يحتمل أن يكون إشارة إلى ما رواه العامة عن عمر، ويكون ذكره للتقية بقرينة الرواية عن أبيه عليه السلام فلا تثبت الحرمة. وأما الكراهة فلما لم يكن لها معارض، فلا يبعد القول بها، أما استحباب الستر، فيبعد القول به مع ورود تلك الاخبار، وعدم المعارض الصريح، وتجب على الامة ستر ما عدا الرأس مما يجب ستره على الحرة، ونقل العلامة الاجماع عليه، والظاهر تبعية العنق للرأس، إذ هو الظاهر من تجويز ترك التقنع لانه يعسر ستره بدون الرأس 9 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد - أبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن محمد ابن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ليس على الامة قناع في الصلاة، ولا على المدبرة قناع في الصلاة ولا على المكاتبة إذا اشترط عليها قناع في الصلاة، وهي مملوكة حتى تؤدي جميع مكاتبتها، ويجري عليها ما يجري على المملوكة في الحدود كلها (1) بيان: ظاهر الخبر أن من انعتق بعضها كالحرة كما ذكره الاصحاب، والمكاتبة المطلقة إذا لم تؤد شيئا في حكم الامة كما يظهر من سياق الخبر. 10 - العلل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام


(1) علل الشرايع ج 2 ص 35.

[183]

عن الجارية التي لم تدرك، متى ينبغي لها أن تغطي رأسها ممن ليس بينه وبينها محرم ؟ ومتى يجب عليها أن تقنع رأسها للصلاة ؟ قال: لا تغطي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة (1). بيان: المراد بحرمة الصلاة عليها حيضها، وهو كناية عن بلوغها، فيدل على عدم لزوم القناع للصبية كما مر. 11 - معاني الاخبار: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثمانية لا تقبل لهم صلاة: العبد الابق حتى يرجع إلى مولاه، والناشز عن زوجها وهو عليها ساخط ومانع الزكاة، وتارك الوضوء، والجارية المدركة تصلي بغير خمار، وإمام قوم يصلي بهم وهم له كارهون، والزبين. قالوا: يا رسول الله وما الزبين ؟ قال: الرجل يدافع الغائط والبول. والسكران، فهؤلاء ثمانية لا تقبل لهم صلاة (2). المحاسن: عن بعض أصحابه عنه عليه السلام مثله (3). توضيح: قد مر في كتاب الطهارة (4) بعض الكلام في هذا الخبر، والفرق بين القبول والاجزاء، وأنه ليس في غير تارك الوضوء وتاركة الخمار والسكران بمعني الاجزاء على المشهور، وربما يحمل في الابق والناشز والمانع أيضا على الاجزاء، بحمله على ما إذا صلوا في سعة الوقت، بناء على أن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، والنهي في العبادة يوجب الفساد، وهو في محل المنع. قال الشهيد روح الله روحه في الذكرى عند عد المبطلات: ومنها ما خرجه


(1) علل الشرايع ج 2 ص 252. (2) معاني الاخبار: 404 ورواه في الخصال ج 2 ص 38. (3) المحاسن ص 12. (4) راجع ج 80 ص 232.

[184]

بعض متأخري الاصحاب من تحريم الصلاة مع سعة الوقت، لمن تعلق به حق آدمي مضيق مناف لها، ولا نص فيه إلا ما سيجئ إنشاء الله من عدم قبول الصلاة ممن لا يخرج الزكاة وليس بقاطع في البطلان، وأما احتجاجهم بأن الامر بالشئ يستلزم النهي عن ضده، وأن حق الادمي مضيق، فيقدم على حق الله تعالى، وأن النهي في العبادة يفسدها ففيه كلام حققناه في الاصول. 12 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في سراويل واحد، وهو يصيب ثوبا ؟ قال: لا يصلح (1) وسألته عن الرجل يقوم في الصلاة فيطرح على ظهره ثوبا يقع طرفه خلفه وأمامه الارض، ولا يضمه عليه أيجزيه ذلك ؟ قال: نعم (2). 13 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن القاسم ابن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عليكم بالصفيق من الثياب، فان من رق ثوبه رق دينه (3). وقال عليه السلام: لا يقومن أحدكم بين يدي الرب جل جلاله وعليه ثوب يشف (4). وقال عليه السلام: لا يصلي الرجل في قميص متوشحا به، فانه من أفعال قوم لوط (5). وقال عليه السلام: تجزي الصلاة للرجل في ثوب واحد يعقد طرفيه على عنقه وفي القميص الضيق يزره عليه (6).


(1 - 2) قرب الاسناد ص 89 ط حجر، ص 116 ط نجف. (3 - 4) الخصال ج 2 ص 162. (5) الخصال ج 2 ص 164. (6) الخصال ج 2 ص 162.

[185]

بيان: قال الشهيد قدس الله روحه في الذكرى: تكره الصلاة في الرقيق الذي لا يحكي، تباعدا من حكاية الحجم، وتحصيلا لكمال الستر، نعم لو كان تحته ثوب آخر لم تكره، إذا كان الاسفل ساترا للعورة، أما الثوب الواحد الصفيق فظاهر الاصحاب عدم الكراهية للرجل، لما رواه محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام أنه رآه يصلي في إزار واحد قد عقده على عنقه، وروي أيضا (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يصلي في ثوب واحد قال: إذا كان صفيقا فلا بأس وقال الشيخ في المبسوط: تجوز إذا كان صفيقا وتكره إذا كان رقيقا، وفي الخلاف تجوز في قميص وإن لم يزر ولا يشد وسطه، سواء كان واسع الجيب أو ضيقه، و روى زياد بن (3) سوقه عن أبي جعفر عليه السلام: لا بأس أن يصلي في الثوب الواحد و أزراره محلولة إن دين محمد صلى الله عليه وآله حنيف، ولا يعارضه رواية غياث بن إبراهيم (4) عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يصلي الرجل محلول الازرار إذا لم يكن عليه إزار للحمل على الكراهية. أقول: يمكن حمله على ما إذا انكشفت العورة في بعض الاحوال. ثم قال قدس سره: وقال بعض العامة الفضل في ثوبين لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: إذا كان لاحدكم ثوبان فليصل فيهما ولا بأس به، والاخبار الاولة لا تنافيه لدلالتها على الجواز، ويؤيده عموم قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) (5) ودلالة الاخبار أن الله أحق أن يتزين له، وأورد هذا في التذكرة عن النبي صلى الله عليه وآله وأفتى به، فيكون مع القميص إزار أو سراويل، مع


(1) التهذيب ج 1 ص 197. (2) الكافي ج 3 ص 393. (3) الكافي ج 3 ص 395. (4) التهذيب ج 1 ص 238. (5) الاعراف: 31.

[186]

الاتفاق على أن الامام يكره له ترك الرداء، وقد رواه سليمان بن خالد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام لا ينبغي إلا أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها، والظاهر أن القائل بثوب واحد من الاصحاب إنما يريد به الجواز المطلق، ويريد به أيضا على البدن، وإلا فالعمامة مستحبة مطلقا وكذا السراويل وقد روي تعدد الصلاة الواحدة بالتعمم والتسرول. أما المرءة فلابد من ثوبين درع وخمار إلا أن يكون الثوب يشمل الرأس والجسد، وعليه حمل الشيخ رواية عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام في جواز صلاة المسلمة بغير قناع (2) ويستحب ثلاث للمرأة لرواية جميل بن دراج (3) عن أبي عبد الله عليه السلام درع وخمار وملحفة، ورواية ابن أبي يعفور (4) عنه عليه السلام إزار و درع وخمار قال: فان لم تجد فثوبين تأتزر بأحدهما وتقنع بالاخر، قلت: فان كان درعا وملحفة وليس عليها مقنعة ؟ قال: لا بأس إذا تقنعت بالملحفة انتهى. فظهر أن قوله عليه السلام في خبر علي بن جعفر (لا يصلح) اريد به الكراهة كما هو الظاهر، والامر بالصفيق أعم من الوجوب والاستحباب، وجملة القول فيه أن المعتبر في الساتر كونه صفيقا ساترا للون البشرة، وهل يعتبر كونه ساترا للحجم ؟ قال الفاضلان: لا، ولعله أظهر، وقيل: يعتبر لمرفوعة أحمد بن حماد (5) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تصل فيما شف أوصف يعني الثوب الصقيل كذا فيما وجدناه من نسخ التهذيب وذكر الشهيد (6) - ره - أنه وجده كذلك بخط الشيخ أبي جعفر - ره - وأن المعروف (ووصف) بواوين، قال: ومعنى شف: لاحت منه البشرة، ووصف: حكى الحجم، وقريب منه مرفوعة محمد بن يحيى (7) لكنهما ضعيفتا


(1) الكافي ج 3 ص 394. (2 - 3) التهذيب ج 1 ص 198. (4) الكافي ج 3 ص 395. (5) التهذيب ج 1 ص 196. (6) ذكره في الذكرى ص 146. (7) الكافي ج 3 ص 402، التهذيب ج 1 ص 112.

[187]

السند، غير واضحتي الدلالة على التحريم، فيبقى الاصل والعمومات سالمة عن المعارض. وإذا كان الستر بالطين فقد صرح الشهيد باعتبار اللون والحجم معا، فان تعذر فاللون خاصة، قال: وفي الايماء نظر، وتبعه الشهيد الثاني - ره -، وقول الصادق عليه السلام النورة سترة يدل على خلافه، والاحوط عدم الاكتفاء بستر اللون فقط، مطلقا. ثم إن بعض المحققين قالوا: الستر يراعى من الجوانب الاربع، ومن فوق ولا يراعى من تحت، فلو كان على طرف سطح ترى عورته من تحته أمكن الاكتفاء بذلك، لان الستر إنما يلزم من الجوانب التي جرت العادة بالنظر إليها، وعدمه لان الستر من تحت إنما لا يراعى إذا كان على وجه الارض انتهى. وأما التوشح فالظاهر أنه محمول على ما إذا انكشفت العورة معه، فيكون حراما أو بعض ما يستحب ستره فيكون مكروها، والظاهر من الاخبار عدم كراهة الصلاة في الثوب الواحد الستير الذي يشمل المنكبين وأكثر البدن، وكراهتها في الرقيق غير الحاكي للون العورة، وفي الثوب الواحد الذي لا يستر أعلى البدن كالازار، والسراويل فقط، وأما حمل الجواز في كلام القائلين بالجواز في الثوب الواحد على الجواز المطلق كما فعله الشهيد - ره - فلا يخلو من بعد. وأما العمامة والسراويل، فاستحبابهما لا يدل على كراهة تركهما، إذ ليس ترك كل مستحب مكروها. 14 - اعلام الدين للديلمي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: صلاة ركعتين بفص عقيق تعدل ألف ركعة بغيره. وقال عليه السلام: ما رفعت إلى الله كف أحب إليه من كف فيها عقيق. بيان: يدل على استحباب لبس خاتم العقيق في الصلاة، وروى الخبر الاول في عدة الداعي عن الصادق عليه السلام. 15 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون

[188]

عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: إن كل شئ عليك تصلي فيه يسبح معك (1). بيان: يدل على استحباب كثرة الملابس في الصلاة حتى الخواتيم. 16 - العيون: عن محمد بن الحسين بن يوسف البغدادي، عن علي بن محمد بن عنبسة، عن الحسين بن محمد العلوي، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وفي يده خاتم فصه جزع يماني، فصلى بنا فيه فلما قضى صلاته دفعه إلي وقال: يا علي تختم به في يمينك وصل فيه، أما علمت أن الصلاة في الجزع سبعون صلاة، وأنه يسبح ويستغفر، وأجره لصاحبه (2) 17 - دعائم الاسلام: عن علي عليه السلام أنه قال: في المرءة تصلي في الدرع و الخمار إذا كانا كثيفين، وإن كان معهما إزار أو ملحفة فهو أفضل، ولا تجزي الحرة أن تصلي بغير خمار أو قناع (3). وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يقبل الله صلاة جارية قد حاضت حتى تختمر فهذا في الحره فأما المملوكة فليس عليها أن تختمر (4). وروينا عن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه سئل هل على الامة أن تقنع رأسها إذا صلت ؟ قال: لا، كان أبي عليه السلام إذا رأى أمة تصلي وعليها مقنعة ضربها، ليعلم الحرة من الامة (5). وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كره للمرءة أن تصلي بلا حلي. وقال لا تصلي المرءة إلا وعليها من الحلي أدناه خرص فما فوقه ولا تصلي إلا وهي مختضبة فإن لم تكن مختضبة فلتمس مواضع الحناء بخلوق (6). وقد روينا عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مر نساءك لا يصلين معطلات، فان لم يجدن فليعقدن في أعناقهن ولو السير، ومرهن فليغيرن أكفهن


(1) علل الشرائع ج 2 ص 25. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 132. (3 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 177. (6) دعائم الاسلام ج 1 ص 177.

[189]

بالحناء ولا يدعنها لكيلا يتشبهن بالرجال (1). توضيح: قال في النهاية: الخرص بالضم والكسر الحلقة الصغيرة من الحلي وهو من حلي الاذن. [2] * (باب) * * (الرداء وسدله، والتوشح فوق القميص، واشتمال) * * (الصماء، وادخال اليدين تحت الثوب) * 1 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه ما لم تر فيه دما، والقوس بمنزلة الرداء (2). بيان: يظهر من بعض الاصحاب استحباب الرداء للمصلين مطلقا (3) كالشهيدين - ره -


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 178. (2) قرب الاسناد ص 62. (3) قد عرفت أن الرداء كانت شملة تلف على الظهر والمنكبين ويقال له بالفارسية: بالاپوش. أي ما يستر أعلى البدن، ومن كان يعوزه ثوب يلبسه رداء يكتفى بالازار، وهو شملة يؤتزر بها على السرة متدليا يستر أسافل البدن من السرة إلى الركبة، وقد دل قوله تعالى (أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا) وهكذا قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) على أن الازار والرداء سنة مندوبة بحكم الايتين، فمن قدر على الشملتين فليأتزر باحداهما ويرتدى بالاخرى لانه هو السنة، ومن لم يقدر فلابد من شملة واحدة يأتزر به لكن لا يليق به أن يؤم غيره، خصوصا إذا كان المأمومون مرتدين، ومن قدر على شملة واسعة ويسمى ريطة فليتوشح به ويصلى فيه. وأما اليوم فقد خرج المسلمون عن هذا الزى فخرجوا بذلك عن مورد الاية و موضع السنة: فليلبس كل أحد ما شاء فانه مباح، لا ندب فيه ولا كراهة ولا حرمة، الا أنه لابد وأن يستر أعلاه وأسفله بحكم الاية.

[190]

ومن بعضهم كراهة الامامة بغير رداء كأكثر الاصحاب، والذي يظهر لنا من الاخبار أن الرداء إنما يستحب للامام وغيره، إذا كان في ثوب واحد لا يستر منكبيه أولا يكون صفيقا وإن ستر منكبيه، لكنه في الامام آكد، وإذا لم يجد ثوبا يرتدي به مع كونه في إزار وسراويل فقط، يجوز أن يكتفي بالتكة والسيف والقوس ونحوها. ويمكن القول باستحباب الرداء مع الاثواب المتعددة أيضا (1) لكن الذي ورد التأكيد الشديد فيه يكون مختصا بما ذكرنا، وأما ما هو الشايع من جعل منديل أو خيط على الرقبة في حال الاختيار مع لبس الاثواب المتعددة، ففيه شائبة بدعة. ويحتمل أن يكون العباء وشبهه أيضا قائما مقام الرداء بل الرداء شامل له قال الفاضلان: الرداء هو ثوب يجعل على المنكبين وفي القاموس إنه ملحفة، و قال الشهيد الثاني رفع الله درجته: اعلم أنه ليس في الاخبار وأكثر عبارات الاصحاب بيان كيفية لبس الرداء، بل هي مشتركة في أنه يوضع على المنكبين، وفي التذكرة هو الثوب الذي يوضع على المنكبين، ومثله في النهاية، فيصدق أصل السنة بوضعه كيف اتفق، لكن لما روي كراهة سدله (2) وهو أن لا يرفع أحد طرفيه على المنكب فانه فعل اليهود، وروى علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يجمع طرفي ردائه على يساره ؟ قال: لا يصلح جمعهما على اليسار ولكن اجمعهما على يمينك أودعهما، تعين أن الكيفية الخالية عن الكراهة هي وضعه على المنكبين، ثم يرد ما على الايسر على الايمن، وبهذه الهيئة فسره


(1) الرداء موضعه الظهر والمنكبان من أعالي البدن إذا كان عاريا أو مستورا بالشعار من الثياب كالدرع، وأما إذا كان أعالي البدن مستورا بالدثار وثوب الصون، فلا معنى للارتداء، أبدا. (2) الفقيه ج 1 ص 168. (3) التهذيب ج 1 ص 242.

[191]

بعض الاصحاب. لكن لو فعله على غير هذه الهيئة خصوصا ما نص على كراهيته، هل يثاب عليه ؟ لا يبعد ذلك لصدق مسمى الرداء، وهو في نفسه عبادة لا يخرجها كراهتها عن أصل الرجحان، ويؤيده إطلاق بعض الاخبار وكونها أصح من الاخبار المقيدة. وما ذكره حسن إلا أن في معنى السدل اختلافا سيأتي تفصيله. وأما الاخبار الشاهدة لما ذكرنا فمنها ما رواه الكليني والشيخ في الصحيح (1) عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أم قوما في قميص ليس عليه رداء فقال: لا ينبغي إلا أن يكون عليه رداء أو عمامة يرتدي بها فانها إنما تدل على كراهة الامامة بدون الرداء إذا كان في القميص وحده، لا مطلقا و يدل على التخصيص بغير الصفيق قول أبي جعفر عليه السلام (2) لما أم أصحابه في قميص بغير رداء: إن قميصي كثيف فهو يجزي أن لا يكون على إزار ولا رداء. وأما استحبابه مطلقا لمن لم يستر أعالي بدنه، ولو بشئ يسير مع الضرورة فلما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: أدنى ما يجزيك أن تصلي فيه بقدر ما يكون على منكبيك مثل جناحي الخطاف. والشيخ في الصحيح (4) عن ابن سنان قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل ليس معه إلا سراويل، قال: يحل التكة منه فيطرحها على عاتقه، ويصلي، قال: وإن كان معه سيف وليس معه ثوب فليتقلد السيف ويصلي قائما. وفي الصحيح (5) عن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام أنه قال: إذا لبس


(1) الكافي ج 2 ص 394، التهذيب ج 1 ص 241. (2) الكافي ج 3 ص 216. (3) الفقيه ج 1 ص 166. (4) التهذيب ج 1 ص 240. (5) التهذيب ج 1 ص 197 ذيل حديث.

[192]

السراويل فليجعل على عاتقه شيئا ولو حبلا (1). وعن جميل قال: سأل مرازم أبا عبد الله عليه السلام وأنا معه حاضر، عن الرجل الحاضر يصلي في إزار مؤتزرا به، قال: يجعل على رقبته منديلا أو عمامة يرتدي بها. فإذا تأملت في تلك الروايات اتضح لك ما ذكرنا غاية الوضوح وسيأتي ما يزيد إيضاحه. 2 - كتاب المسائل: باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح أن يصلي في قميص واحد أو قباء وحده ؟ قال: ليطرح على ظهره شيئا (2). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يؤم في سراويل ورداء ؟ قال: لا بأس به (3). وسألته عن المرءة هل يصلح لها أن تصلي في ملحفة ومقنعة ولها درع ؟ قال: لا يصلح لها إلا أن تلبس درعها (4). وسألته عن المرءة هل يصلح لها أن تصلي في إزار وملحفة ومقنعة ولها درع ؟ قال: إذا وجدت فلا يصلح لها الصلاة إلا وعليها درع (5). وسألته عن المرءة هل يصلح لها أن تصلي في إزار وملحفة تقنع بها ولها درع ؟ قال: لا يصلح لها أن تصلي حتى تلبس درعها (6). وسألته عن السراويل هل يجزي مكان الازار قال: نعم (7). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في إزار وقلنسوة وهو يجد رداء ؟ قال: لا يصلح (8).


(1) التهذيب ج 1 ص 240. (2) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 255. (3 - 6) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 253. (7 - 8) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 254.

[193]

وسألته عليه السلام عن الرجل هل يصلح أن يؤم في سراويل وقلنسوة ؟ قال: لا يصلح (1). وسألته عن المحرم هل يصلح له أن يعقد إزاره على عنقه في صلاته ؟ قال لا يصلح أن يعقد، ولكن يثنيه على عنقه ولا يعقده (2). وسألته عن الرجل هل يصلح أن يؤم في ممطر وحده أو جبة وحدها ؟ قال: إذا كان تحتها قميص فلا بأس (3). وسألته عن الرجل يؤم في قباء وقميص ؟ قال: إذا كان ثوبين فلا بأس (4). بيان: يظهر من تلك الاجوبة أنه يستحب للرجل أن يكون أعالي بدنه مستورة، وأن يكون للمصلي رجلا كان أو امرأة ثوبان أحدهما فوق الاخر، سواء كان رداء أو قباء أو عباء أو غيرها كما مر. 3 - المكارم: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ركعتان بعمامة أفضل من أربع بغير عمامة (5). بيان: الظاهر أن هذه الرواية عامية وبها استند الشهيد وغيره ممن ذكر استحبابها في الصلاة، ولم أر في أخبارنا ما يدل على ذلك، نعم ورد استحباب العمامة مطلقا في أخبار كثيرة وحال الصلاة من جملة تلك الاحوال، وكذا ورد استحباب كثرة الثياب في الصلاة وهي منها، وهي من الزينة فتدخل تحت الاية، ولعل هذه الرواية مع تأيدها بما ذكرنا تكفي في إثبات الحكم الاستحبابي، ويمكن أن يقال تركه أنسب بالتواضع والتذلل، ولذا ورد في بعض المقامات الامر به، و لعل الاحوط عدم قصد استحبابها في خصوص الصلاة، بل يلبسها بقصد أنها حال من الاحوال. ثم إن الاصحاب ذكروا كراهة العمامة بغير حنك، وأسنده في المعتبر


(1 - 2) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 254. (3 - 4) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 256. (5) مكارم الاخلاق ص 137.

[194]

إلى علمائنا، وقال: في المنتهى: ذهب إليه علماؤنا أجمع وهذا أيضا مثل أصل العمامة إذ الاخبار الواردة بذلك لا اختصاص له بحال الصلاة، قال في المنتهى: المستفاد من الاخبار كراهة ترك الحنك في حال الصلاة وغيرها، بعد أن أورد الروايات في ذلك، وهي ما رواه الكليني والشيخ (1) بطرق كثيرة عن الصادق عليه السلام قال: من تعمم ولم يتحنك فأصابه داء لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه وفي الفقيه (2). عنه عليه السلام إني لاعجب ممن يأخذ في حاجته وهو معتم تحت حنكه، كيف لا تقضى حاجته ؟ وقال النبي صلى الله عليه وآله: الفرق بين المسلمين والمشركين التلحى بالعمائم، وذلك في أول الاسلام وابتداؤه ثم قال: وقد نقل عنه عليه السلام أهل الخلاف أيضا أنه أمر بالتلحى ونهى عن الاقتعاط (3) انتهى كلام الفقيه. ونقل العلامة - ره - في المختلف ومن تأخر عنه عن الصدوق القول بالتحريم وكلامه في الفقيه هكذا: وسمعت مشايخنا - رضي الله عنهم - يقولون لا تجوز الصلاة في الطابقية (4) ولا يجوز للمعتم أن يصلي إلا وهو متحنك (5). وقال الشيخ البهائي قدس سره: لم نظفر في شئ من الاحاديث بما يدل على استحبابها لاجل الصلاة، ومن ثم قال في الذكرى: استحباب التحنك عام ولعل حكمهم في كتب الفروع بذلك مأخوذ من كلام علي بن بابويه، فان الاصحاب كانوا يتمسكون بما يجدونه في كلامه عند إعواز النصوص، فالاولى المواظبة على التحنك في جميع الاوقات، ومن لم يكن متحنكا وأراد أن يصلي به، فالاولى أن يقصد أنه مستحب في نفسه، لا أنه مستحب لاجل الصلاة انتهى.


(1) الكافي ج 6 ص 460، و 461 التهذيب ج 1 ص 197. (2) الفقيه ج 1 ص 173. (3) اقتعط الرجل: تعمم ولم يدر تحت الحنك وعبارة الاساس: اقتعط العمامة: إذا لم يجعلها تحت حنكه، وقد نهى عن الاقتعاط وأمر بالتلحى. (4) الطابقية: هي العمة التى لا حنك لها. (5) الفقيه ج 1 ص 172.

[195]

أقول: يمكن أن يستدل لذلك بما رواه الكليني رفعه (1) إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: طلبة العلم ثلاثة وساق الحديث إلى أن قال: وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة وحزن وسهر، قد تحنك في برنسه، وقال الليل في حندسه إلى آخر الخبر، وفيه أيضا ما ترى. ولنرجع إلى معنى التحنك فالظاهر من كلام بعض المتأخرين هو أن يدير جزء من العمامة تحت حنكه ويغرزه في الطرف الاخر كما يفعله أهل البحرين في زماننا، ويوهمه كلام بعض للغويين أيضا، والذي نفهمه من الاخبار هو إرسال طرف العمامة من تحت الحنك وإسداله كما مر في تحنيك الميت، وكما هو المضبوط عن سادات بني الحسين عليه السلام أخذوه عن أجدادهم خلفا عن سلف، ولم يذكر في تعمم الرسول والائمة عليهم السلام إلا هذا. ولنذكر بعض عبارات اللغويين وبعض الاخبار ليتضح لك الامر في ذلك قال الجوهري: التحنك التلحي وهو أن تدير العمامة من تحت الحنك، وقال: الاقتعاط شد العمامة على الرأس من غير إدارة تحت الحنك، وفي الحديث إنه نهى عن الاقتعاط وأمر بالتلحي، وقال: التلحى تطويق العمامة تحت الحنك، ثم ذكر الخبر، وقال الفيروز آبادي: اقتعط تعمم ولم يدر تحت الحنك، وقال: العمة الطابقية هي الافتعاط، وقال تحنك أدار العمامة تحت حنكه، وقال الجزرى: فيه إنه نهى عن الاقتعاط، هو أن يعتم بالعمامة ولا يجعل منها شيئا تحت ذقنه، و قال: فيه إنه نهى عن الاقتعاط وأمر بالتلحى، هو جعل بعض العمامة تحت الحنك والاقتعاط أن لا يجعل تحت حنكه منها شيئا وقال الزمخشري في الاساس: اقتعط العمامة إذا لم يجعلها تحت حنكه ثم ذكر الحديث، وقال الخليل في العين يقال: اقتعط بالعمامة إذا اعتم بها ولم يدرها تحت الحنك. وأما الاخبار فقد روى الكليني في الصحيح عن الرضا عليه السلام في قول الله عزوجل (مسومين) (2) قال: العمائم اعتم رسول الله صلى الله عليه وآله فسد لها من بين يديه


(1) الكافي ج 1 ص 49. (2) آل عمران: 125، ولفظ الاية: (ولقد نصر كم الله ببدر وأنتم أذلة - إلى

[196]

...


قوله تعالى - الن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين * وما جعله الله الا بشرى لكم) الخ. والذى عندي أن العمامة كان يلبسها الناس تارة عند أسفارهم حفظا من الغبار والصعيد المرتفع من الجادة ألا يغبر رؤسهم وأشعارهم ويتلثمون بها دفعا للغبار والتراب أن يدخل فمهم وخياشيمهم، وربما فعلوا ذلك لئلا يعرفهم الاعداء، وهذا ظاهر من شيمتهم. وقد يكونون يتعصبون بعصابة كالعمة لاجل الوجع وغير ذلك كما فعلوا ذلك بعد خروجهم من الحمام. وأما عند الحرب، فقد كان علامة يعلم بها الشجعان والابطال كما قال الشاعر: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني وربما يعلمون بريش النعام كما هو سيرة أبطال الاعاجم في الحرب وقد فعل ذلك حمزة سيد الشهداء في حرب أحد وأما الزبير وكان من الابطال تعمم بعمامة بيضاء، و أبو دجانة الانصاري تعمم بعصابة حمراء، لم يعلم غيرهم الا رسول الله صلى الله عليه وآله، عممه الاصحاب حين خروجه من المدينة إلى أحد على ما صرح به الواقدي. وأشار رسول الله صلى الله عليه وآله إلى على عليه السلام أن يتعمم بعمامة الابطال، فتعذر باعوازه، فأمر أن يعلم رأسه بصوف، ففتل عليه السلام صوفا وعصب به رأسه كالعمامة امتثالا لامره صلى الله عليه وآله، والظاهر أنها كانت كالعمة الطابقية. وعندي أنه - نفسي لروحه الفداء - كان يتهضم أن يعد نفسه في الابطال خصوصا مع صغر سنه، ما قرب العشرين من عمره وعدم خوضه غمرات الحروب بعد، حتى أنه صلوات الله الرحمان عليه لم يعلم رأسه بالعمامة ولا غيرها في غزوة الخندق، مع أنه قد شوهد منه يوم بدر ما لم يشاهد من سائر الابطال، وتثبته وربط جأشه في حرب أحد ومواساته للنبى صلى الله عليه وآله حتى قيل لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا على. لكنه لما - قام صلى الله عليه - إلى مبارزة عمرو بن عبدود، أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عمامته السحاب من رأسه الشريف - وكان معلما به - فعمم به عليا عليه السلام وأرسل طرفا (*)

[197]

...


منها إلى صدره وطرفا منها إلى خلفه وقال: هكذا تيجان الملائكة، يريد بذلك ما يجعل على الرأس علامة يعرف بها لا اكليل الملك، ولذلك قيل: العمائم تيجان العرب، والا فالعرب متى كانوا ملوكا حتى يكون تيجانهم العمائم، مع أنهم كانوا يلبسونها في الاسفار والغزوات والغارات والحمامات. وأما في بدر، فلم يكن معشر المسلمين متخذين أهبة القتال، بل كانوا خارجين طلبا للعير يودون أن غير ذات الشوكة تكون لهم، فلم يتعلم بالعمامة يومئذ الا زبير بن العوام، ولما نزلت الملائكة نصرة لهم في زى الابطال مع العمائم البيض، كان يفتخر بذلك. وانما نزلت الملائكة كذلك ترعيبا لقريش، كما نزلت يوم حنين مع العمائم الحمر: لما صف المسلمون مع قلة عددهم واعواز الاسلحة والفرس بينهم، توهمت قريش أن يكون للمسلمين كمين فبعثوا عمير بن وهب الجمحى فاستجال بفرسه حول العسكر ثم صوب الوادي وصعد الاتلال ورجع إليهم فقال: هم ثلاث مائة يزيدون قليلا أو ينقصون، ليس يرى لهم كمين ومدد، فتعجبت قريش من جسارة المسلمين مع هذه العدة والعدة كيف صفوا في مقابلهم وهم زهاء عشرة آلاف وأكثرهم الابطال، ولما اطمأنوا أن لا مدد للمسلمين تجرأ أبو جهل فقال: احملوا عليهم، ما هم الا أكلة رأس، ولو بعثنا إليهم عبيدنا لاخذوهم أخذا باليد. فلما التقى الجمعان، وحمى الوطيس، نزلت خمسة آلاف من الملائكة مسومين، فتراءت في أعين المشركين أن جما غفيرا من الابطال معلمين بعلامة الشجعان انحدرت من أعلى الوادي كالسيل، يهجمون عليهم فلم قريش الا وأن هذا الجم الغفير من الشجعان كان كمينا للمسلمين ومددا لهم على قريش فصفروا استهم وانتفخ سحرهم وانهزموا مدبرين لا يلوون على شئ وهكذا تنزلت الملائكة يوم حنين معلمين بالعمائم الحمر وأرعبوا المشركين. هذا شأن نزول الملائكة مسومين بتيجان العمائم علامة الابطال، الا أن الملائكة كانوا قد أرسلوا طرف العمامة ارسالا، وشأن العرب ومنهم قريش أنهم كانوا يعلمون بالعمائم يغتبطون اغتباطا، فنهى رسول الله عن كل عمة - إذا كانت العمة للغزو - الا بزى

[198]

ومن خلفه واعتم جبرئيل عليه السلام فسدلها من بين يديه ومن خلفه (1). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر (2). وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: عمم رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بيده فسدلها من بين يديه وقصرها من خلفه، قدر أربع أصابع، ثم قال: أدبر فأدبر، ثم قال: أقبل فأقبل، ثم قال: هكذا تيجان الملائكة (3). وعن ياسر الخادم قال: لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا عليه السلام يسأله أن يركب ويحضر العيد ويصلي ويخطب، فبعث إليه الرضا عليه السلام يستعفيه فألح عليه، فقال: إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام فقال له المأمون: اخرج كيف شئت، فساق الحديث إلى أن قال: فلما طلعت الشمس قام عليه السلام فاغتسل فتعمم بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه وتشمر، إلى آخر الخبر اختصرنا الحديث (4). ورواه المفيد في الارشاد بسند صحيح (5). وروى الطبرسي - ره - في المكارم عن عبد الله بن سليمان، عن أبيه أن علي


= = الملائكة: ونهى عن العمة الطابقية لذلك، وأما إذا لم يكن العمة للحرب، بل كان في السفر للحفظ عن الغبار والتراب الصاعد، فالسيرة المعروفة عندهم التلحى بالعمائم تحت الحنك وفوق اللحى شبه اللثام حائدا عن الغبار ومضاره، ولم يرد من نزول الملائكة ولا غيره ما ينافى هذه السيرة، الا ما أيدته الاخبار الكثيرة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بالتلحى وادارة العمامة تحت الحنك. فإذا تحرر محل النزاع ومحط الاحاديث وموارد الاخبار فعليك بمراجعة أخبار الباب. (1) الكافي ج 6 ص 460. (2 - 3) الكافي ج 6 ص 461. (4) الكافي ج 2 ص 489 في حديث طويل. (5) الارشاد ص 293.

[199]

ابن الحسين عليهما السلام دخل المسجد وعليه عمامة سوداء قد أرسل طرفيها بين كتفيه (1). وقال السيد بن طاوس قدس سره: روينا عن أبي العباس أحمد بن عقدة في كتابه الذي سماه كتاب الولاية باسناده إلى عبد الله بن بشر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله يوم غدير خم إلى علي عليه السلام فعممه وأسدل العمامة بين كتفيه، وقال: هكذا أيدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين قد أسدلوا العمائم، وذلك حجز بين المسلمين والمشركين إلى آخر الخبر (2). وقال في الحديث الاخر عمم رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم غدير خم عمامة سدلها بين كتفيه، وقال: هكذا أيدني ربي بالملائكة ثم أخذ بيده فقال: أيها الناس من كنت مولاه فهذا علي مولاه، والى الله من والاه، وعادى الله من عاداه. ثم قال السيد أقول: هذا لفظ ما رويناه أردنا أن نذكره لتعلم وصف العمامة في السفر الذي تخشاه انتهى كلامه - ره - (3). وأقول: لم يتعرض في شئ من تلك الروايات لادارة العمامة تحت الحنك على الوجه الذي فهمه أهل عصرنا، مع التعرض لتفصيل أحوال العمائم وكيفيتها وقوله صلى الله عليه وآله: (وذلك حجز بين المسلمين والمشركين) مشيرا إلى السدل في هذا الخبر وقع مكان قوله صلى الله عليه وآله وسلم (الفرق بين المسلمين والمشركين التلحى بالعمائم) وأكثر كلمات اللغويين أيضا لا تأبى عما ذكرنا، إذ إدارة رأس العمامة من خلف إلى الصدر إدارة أيضا بل كلام الجزري والزمخشري حيث قالا: (أن لا يجعل شيئا منها تحت حنكه) فيما ذكرنا أظهر، والظاهر من كلام السيد أيضا أن فهمه موافق لفهمنا لانه قال: أولا (الفصل الثاني فيما نذكره من التحنك للعمامة عند تحقق عزمك على السفر لتسلم من الخطر) ثم قال بعد إيراد الروايتين ما قدمنا ذكره، فظهر أنه فسر التحنك بما ورد شرحه في الروايتين من إسدال العمامة.


(1) مكارم الاخلاق ص 138. (2 - 3) أمان الاخطار ص 91.

[200]

وروى الكليني والشيخ (1) عن عثمان النوا قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أغسل الموتى، قال: أو تحسن ؟ قلت: إني أغسل، فقال: إذا غسلت فارفق به، ولا تغمزه ولا تمس مسامعه بكافور، وإذا عممته فلا تعممه عمة الاعرابي قلت: كيف أصنع ؟ قال: خذ العمامة من وسطها وانشرها على رأسه ثم ردها إلى خلفه، واطرح طرفيها على صدره، وكذا سائر أخبار تعميم الميت ليس في شئ منها غير إسدال طرفي العمامة على صدره كما عرفت في باب التكفين، فلو فعل ذلك في جميع الاوقات أو عند الصلوات لا بقصد الخصوص كان أولى، ولو جمع بينهما كان أحوط. 4 - المناقب لابن شهر آشوب: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن علة ما يصلى فيه من الثياب، فقال: إن الانسان إذا كان في الصلاة فان جسده وثيابه وكل شئ حوله يسبح (2). 5 - معاني الاخبار: محمد بن هارون الزنجاني عن علي بن عبد العزيز، عن القاسم بن سلام بأسانيد متصلة إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن لبستين اشتمال الصماء وأن يلتحف (3) الرجل بثوب ليس بين فرجه وبين السماء شئ. قال الاصمعي: اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا فيخرج منه يده، وأما الفقهاء فانهم يقولون هو أن يشتمل الرجل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه يبدو منه فرجه، وقال الصادق عليه السلام (4) التحاف الصماء هو أن يدخل الرجل رداءه تحت إبطه ثم يجعل طرفيه على منكب واحد، وهذا هو التأويل الصحيح


(1) الكافي ج 3 ص 144، التهذيب ج 1 ص 88. (2) مناقب آل أبى طالب ج 2 ص 377. (3) في المصدر: أن يحتبى. (4) كانه - رحمه الله - ناظر إلى الحديث الاتى.

[201]

دون ما خالفه (1). 6 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إياك والتحاف الصماء، قال: قلت: وما الصماء ؟ قال: أن تدخل الثوب من تحت جناحك فتجعله على منكب واحد (2). 7 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو ابن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يؤم بقوم يجوز له أن يتوشح ؟ قال: لا يصلي الرجل بقوم وهو متوشح فوق ثيابه، وإن كانت عليه ثياب كثيرة، لان الامام لا يجوز له الصلاة وهو متوشح (3). 8 - ومنه: عن أبيه، عن سعد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما كره التوشح فوق القميص لانه من فعل الجبابرة (4). 9 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن جماعة من أصحابه، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنه سئل ما العلة التي من أجلها لا يصلي الرجل وهو متوشح فوق القميص ؟ قال: لعلة التكبر في موضع الاستكانة والذل (5). 10 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى عن القاسم ابن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلي الرجل في قميص متوشحا


(1) معاني الاخبار ص 281 في حديث طويل. (2) معاني الاخبار: 390 باب نوادر الكتاب تحت الرقم 32، وتراه في الكافي ج 3 ص 394. (3) علل الشرائع ج 2 ص 18 في حديث. (4 - 5) علل الشرائع ج 2 ص 19.

[202]

به، فانه من أفعال قوم لوط (1). 11 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن الحجاج قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه عبد الملك القمي فقال: اصلحك الله أشرب وأنا قائم ؟ فقال: إن شئت، قال: فأشرب بنفس واحد حتى أروي ؟ قال: إن شئت، قال: فأسجد ويدي في ثوبي ؟ قال: إن شئت ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: إني والله ما من هذا وشبهه أخاف عليكم (2). بيان: يدل على أنه يجوز للرجل أن يصلي ويده تحت ثوبه قال في المنتهى: يجوز للرجل أن يصلي ويداه تحت ثوبه وإن أخرجهما كان أولى، لما رواه الشيخ في الصحيح (3) عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي ولا يخرج يديه من ثوبه، فقال: إن أخرج يديه فحسن، وإن لم يخرج فلا بأس. ولا يعارض هذا ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي ويدخل يديه في ثوبه، قال: إن كان ثوب آخر إزار أو سراويل فلا بأس، وإن لم يكن فلا يجوز له ذلك، وإن أدخل يدا واحدة ولم يدخل الاخرى فلا بأس. أما أولا فلان رواتها ضعيفة، وأما ثانيا فلانها معارضة للاصل المقتضي للجواز، وأما ثالثا فلان قوله لا يجوز يحمل على الكراهية لاحتماله ذلك انتهى. وقال في الدروس: يستحب جعل اليدين بارزتين أو في الكمين لا تحت الثياب. 12 - كتاب المسائل وقرب الاسناد: بسنديهما عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يتوشح بالثوب فيقع على الارض أو يجاوزه


(1) الخصال ج 2 ص 164. (2) المحاسن ص 581. (3 - 4) التهذيب ج 1 ص 238.

[203]

عاتقه أيصلح ذلك ؟ قال: لا بأس (1). 13 - المقنع: إياك وسدل الثوب في الصلاة، فان أمير المؤمنين عليه السلام خرج على قوم يصلون قد أسدلوا أرديتهم فقال: مالكم قد أسدلتم ثيابكم، كانكم يهود قد خرجوا من فهرهم، يعني من بيعهم (2). 14 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: إنما كره السدل على الازر بغير قميص، فأما على القميص والجباب فلا بأس (3). * (تبيين وتفصيل) * اعلم أن هذه الاخبار تشتمل على أحكام: الاول: المنع من اشتمال الصماء [وهو] أن تجلل جسدك بثوبك نحو شملة الاعراب بأكسيتهم، وهو أن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الايسر، ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الايمن، فيغطيهما جميعا. وذكر أبو عبيد أن الفقهاء يقولون هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فيبدو منه فرجه، فإذا قلت اشتمل فلان الصماء كأنك قلت اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم، لان الصماء ضرب من الاشتمال افتعال من الشملة، وهو كساء يتغطى به ويتلفف فيه، والمنهى عنه هو التجلل بالثوب، وإسباله من غير أن يرفع طرفه، ومنه الحديث (نهى عن اشتمال الصماء) وهو أن يتجلل الرجل بثوبه ولا يرفع منه جانبا، وإنما قيل له صماء لانه يشد على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق ولا صدع، والفقهاء يقولون هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتكشف عورته.


(1) قرب الاسناد ص 116 ط نجف. (2) المقنع ص 23 و 24 ط الاسلامية. (3) قرب الاسناد ص 54 ط حجر 73 ط نجف.

[204]

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: يكره على الاول لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام أو غيره، فيتعذر عليه أو يعسر، ويحرم على الثاني إن انكشف بعض عورته، وإلا يكره وهو بمهملة ومد. وقال في الغريبين: من فسره بما قاله أبو عبيد فكراهته للتكشف وإبداء العورة، ومن فسره تفسير أهل اللغة فانه كره أن يتزمل به شاملا جسده مخافة أن يدفع منها إلى حالة سادة لنفسه فيهلك. وقال ابن فارس: هو أن يلتحف بالثوب ثم يلقي الجانب الايسر على الايمن وقال في المغرب: لبسة الصماء هي عند العرب أن يشتمل بثوبه فيجلل جسده كله به، ولا يرفع جانبا يخرج منه يده، وقيل: أن يشتمل بثوب واحد وليس عليه إزار. وقال الهروي: هو أن يتجلل الرجل بثوبه لا يرفع منه جانبا، وعن الاصمعي هو أن يشتمل بالثوب حتى يتجلل به جسده لا يرفع منه جانبا فيكون فيه فرجة يخرج منها يده. وقال الحسين بن مسعود في شرح السنة: روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان لاحدكم ثوبان فليصل فيهما، فان لم يكن إلا ثوب فليتزر، ولا يشتمل اشتمال اليهود، هو أن يجلل بدنه الثوب ويسدله من غير أن يشيل طرفه فأما اشتمال الصماء الذي جاء في الحديث هو أن يجلل بدنه الثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقيه من أحد جانبيه فيبدو منه فرجه، وقد جاء هذا التفسير في الحديث، وإليه ذهب الفقهاء، وفسر الاصمعي بالاول، فقال: هو عند العرب أن يشتمل بثوبه فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبا يخرج منه يده، وربما اضطجع على هذه الحالة. كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شئ يحتاج أن يقيه بيديه ولا يقدر لكونهما في ثيابه. قلت وقد روى أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الصماء اشتمال اليهود فجعلهما شيئا واحد انتهى. وروي العامة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن اشتمال الصماء

[205]

وهو أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الايمن، ويرد طرفه على الايسر، وعن ابن مسعود قال: نهى النبي أن يلبس الرجل ثوبا واحدا يأخذ بجوانبه عن منكبيه يدعى تلك الصماء، وعن بعض الشافعية هو أن يلتحف بالثوب ثم يخرج يديه من قبل صدره فتبدو عورته. أقول: هذا كلام اللغويين وفقهاء المخالفين في تفسير الصماء، وأما فقهاؤنا فقال الشيخ في المبسوط والنهاية: هو أن يلتحف بالازار ويدخل طرفيه تحت يده ويجمعهما على منكب واحد كفعل اليهود، وهو المشهور بين الاصحاب، والمراد بالالتحاف ستر المنكبين وقال ابن إدريس في السرائر: ويكره السدل في الصلاة كما يفعل اليهود، وهو أن يتلفف بالازار ولا يرفعه على كتفيه، وهذا تفسير أهل اللغة في اشتمال الصماء وهو اختيار السيد المرتضى. فأما تفسير الفقهاء لاشتمال الصماء الذي هو السدل قالوا هو أن يلتحف بالازار ويدخل طرفيه من تحت يده، ويجعلهما جميعا على منكب واحد، ومقتضى كلامه اتحاد السدل واشتمال الصماء خلافا للمشهور والمعتمد قول الشيخ والاكثر موافقا للخبر. الثاني: التوشح فوق القميص، وقد ذكر أكثر الاصحاب كراهة الايتزار فوق القميص، وقد ورد الاخبار بجوازه، وإنما ورد في الاخبار النهى عن التوشح فوق القميص كما مر، وهو خلاف الاتزار، قال الجوهري والفيروز آبادي يقال: توشح الرجل بثوبه وسيفه إذا تقلد بهما، ونقل الجوهري عن بعض أهل اللغة أن التوشح بالثوب هو إدخاله تحت اليد اليمنى وإلقاؤه على المنكب الايسر كما يفعل المحرم، وقال في النهاية: فيه أنه كان يتوشح به، أي يتغشي به، فالاصل فيه من الوشاح. وقال النووي في شرح صحيح مسلم: التوشح أن يأخذ طرف ثوب ألقاه على منكبه الايمن من تحت يده اليسرى ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الايسر تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره مع المخالفة بين طرفيه، والاشتمال بالثوب

[206]

بمعنى التوشح. وقال المحقق في المعتبر: الوجه أن التوشح فوق القميص مكروه، وأما شد المئزر فوقه فليس بمكروه، أما ما رواه الشيخ في الحسن عن حماد بن عيسى قال: كتب الحسن بن علي بن يقطين إلى العبد الصالح عليه السلام هل يصلي الرجل الصلاة وعليه إزار متوشح به فوق القميص ؟ فكتب نعم (1) فمحمول على الجواز المطلق، وهو لا ينافي الكراهة. وقال الشيخ: بعد نقل الاخبار المتعارضة: المراد بالاخبار المتقدمة هو أن لا يلتحف الانسان ويشتمل به كما يلتحف اليهود، وما قدمناه أخيرا هو أن يتوشح بالازار ليغطي ما قد كشف منه، ويستر ما تعرى من بدنه، واحتج لهذا بما رواه في الموثق عن سماعة (2) قال: سألته عن رجل يشمل في صلاته بثوب واحد، قال: لا يشتمل بثوب واحد فأما أن يتوشح فيغطي منكبيه فلا بأس. وقال الصدوق في الفقيه (3): بعد أن روى الكراهة: وقد رويت رخصة في التوشح بالازار فوق القميص عن العبد الصالح، وعن أبي الحسن وعن أبي جعفر الثاني عليهم السلام، وبه آخذ وافتي. وأما جعل المئرز تحت القميص، فقد نقل العلامة الاجماع على عدم كراهته. وروى الشيخ في الضعيف عن زياد بن المنذر (4) عن أبي جعفر عليه السلام قال: سأله رجل وأنا حاضر عن الرجل يخرج من الحمام أو يغتسل فيتوشح ويلبس قميصه فوق الازار فيصلي، وهو كذلك، قال: هذا عمل قوم لوط، قال: قلت: فانه يتوشح فوق القميص، فقال: هذا من التجبر. وفي هذا الخبر إشعار بأن المراد بالتوشح الاتزار، فيؤيد ما قاله القوم


(1 و 2) التهذيب ج 1 ص 197. (3) الفقيه ج 1 ص 169. (4) التهذيب ج 1 ص 242.

[207]

لكن لا يعارض هذا ما مر، فالاظهر كراهة التوشح فوق القميص إلا لضرورة وعدم كراهة الاتزار مطلقا، وقال ابن الجنيد: لا بأس أن يتزر فوق القميص إذا كان يصف ما تحته ليستر عورته. أقول: ويؤيد ما ذكرناه من عدم كراهة الاتزار فوق القميص وشد الوسط فوق الثوب ما رواه الكراجكي في كنز الفوائد قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عشرون خصلة في المؤمن من لم يكن فيه لم يكمل إيمانه، إن من أخلاق المؤمن يا على الحاضرون للصلاة، والمسارعون إلى الزكاة، والمطعمون المساكين، الماسحون رأس اليتيم، والمطهرون أظفارهم، والمتزرون على أوساطهم (1) إلى قوله رهبان بالليل، اسد بالنهار، صائمون النهار، قائمون الليل الذين مشيهم على الارض هونا، وخطاهم إلى المساجد، وعلى أثر المقابر الخبر. وعن أبي الرجا محمد بن طالب، عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني، عن عبد الله بن جعفر الازدي، عن خالد بن يزيد بن محمد، عن أبيه، عن حنان بن سدير عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام لنوف البكالي: هل تدري من شيعتي ؟ قال: لا والله، قال شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية والربانية في وجوههم، رهبان بالليل، اسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل اتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم، وصفوا على أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم - الخبر. ثم اعلم أن أكثر الاصحاب حكموا بكراهة القباء المشدود في غير الحرب واعترفوا بأن مستنده غير معلوم، وحرمه صاحب الوسيلة، وقال المفيد في المقنعة:


(1) المراد بالازار والرداء في هذا الخبر: الازار والرداء المعروفان عندنا بثوبي الاحرام كما مر مرارا منا، فلا يكون في الخبرين شاهد على جواز الاتشاح فوق القميص لانهم لم يكونوا يلبسون تحتهما ثوبا الا شعارا.

[208]

ولا يجوز لاحد أن يصلي وعليه قباء مشدود، إلا أن يكون في الحرب، فلا يتمكن أن يحله، فيجوز ذلك للاضطرار، وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل هذه العبارة: ذكر ذلك علي بن الحسين بن بابويه، وسمعناه من الشيوخ مذاكرة، ولم أعرف به خبرا مسندا. وقال الشهيد قدس الله روحه في الذكرى بعد نقل هذا الكلام من الشيخ، قلت: قد روى العامة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا يصلي أحدكم وهو محزم، وهو كناية عن شد الوسط وكرهه في المبسوط انتهى. وقال الشهيد الثاني - ره -: الظاهر أنه جعله دليلا على كراهة القباء المشدود من جهة النص، وهو بعيد لكونه على تقدير تسليمه غير المدعى، ونقل في البيان عن الشيخ كراهة شد الوسط، ومنهم من حمل القباء المشدود على القباء الذي شدت أزراره، وظاهر الاخبار كراهة حل الازرار في الصلاة، وأنه من عمل قوم لوط، ولا وجه لهذا الحكم من أصله، ولا مستند له، وما رواه الشهيد خبر عامي لا يصلح مستندا لشئ، والله تعالى يعلم. الثالث: سدل الثوب وحكم الاكثر بكراهته وقال العلامة في التذكرة: يكره السدل وهو أن يلقي طرف الرداء من الجانبين ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الاخرى، ولا يضم طرفيه بيده، وقال الشهيد في النفلية: هو أن يلتف بالازار فلا يرفعه على كتفيه، وقال في الذكرى: بعد نقل كلام التذكرة، وقال ابن إدريس باتحاده مع اشتمال الصماء، وأنه قول المرتضى كما ذكرنا، وجزم ابن الجنيد أيضا بكراهة السدل، ونسبه إلى اليهود، وللعامة فيه خلاف، قال ابن المنذر ولا أعلم فيه حديثا. وقال في النهاية: فيه أنه نهى عن السدل في الصلاة، هو أن يلتحف بثوبه و يدخل يديه من داخل فيركع ويسجد وهو كذلك وكانت اليهود تفعله، فنهوا عنه وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب، وقيل هو أن يضع وسط الازار على رأسه ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه، ومنه حديث على عليه السلام

[209]

أنه رأى قوما يصلون قد سدلوا ثيابهم فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم، و قال: من فهرهم أي موضع مدارسهم، وهي كلمة نبطية أو عبرانية عربت وأصلها بهربا لباء، وقال الجوهرى: فهر اليهود بالضم مدارسهم (1) وأصلها بهر وهي عبرانية فعربت، وروى في المشكوة عن أبي داود والترمذي باسنادهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه. وقال الطيبي في شرحه: السدل منهى عنه مطلقا لانه من الخيلاء وفي الصلاة أشنع وأقبح، قيل خص النهي بالمصلي لان عادة العرب شد الازار على أوساطهم حال التردد، فإذا انتهوا إلى المجالس والمساجد أرخوا العقد وأسبلوا الازار حتى يصيب الارض، فان ذلك أروح لهم، وأسمح لقيامهم وقعودهم، فنهوا عنه في الصلاة، لان المصلي يشتغل بضبطه، ولا يأمن أن ينفصل عنه فيكون مصليا في الثوب الواحد، وهو منهى عنه، وربما يضم إليه جوانب ثوبه فيصدر عنه الحركات المتداركة انتهى. وقال شارح السنة: السدل هو إرسال الثوب حتى تصيب الارض، واختلف العلماء فيه فذهب بعضهم إلى كراهية السدل في الصلاة وقال: هكذا تصنع اليهود ورخص بعض العلماء في الصلاة قال الخطابي: ويشبه أن يكونوا إنما فرقوا بين السدل في الصلاة وخارج الصلاة، لان المصلي في مكان واحد ثابت، وغير المصلي يمشي فيه، فالسدل في حق الماشي من الخيلاء المنهى عنه، وقال أحمد: إنما يكره السدل في الصلاة إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، فأما إذا سدل على القميص فلا بأس، ومن لم يجوز على الاطلاق احتج بما روي عن ابن مسعود من أسبل إزراه في صلاته خيلاء فليس من الله في حل ولا حرام انتهى. أقول: لا يبعد أن يكون الذي نهى عنه أمير المؤمنين عليه السلام هو أن يضع وسط الرداء على رأسه ويرسل طرفيه، فانه أشبه بفعل ليهود، ولما رواه الصدوق عن ابن بكير أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي ويرسل جانبي ثوبه، قال:


(1) في الصحاح: مدراسهم، وهو الصحيح ومدارسهم تحريف.

[210]

لا بأس (1) ويمكن أن يكون إرسال طرفي الرداء مطلقا مكروها كما أن جمعهما على اليسار أيضا مكروه وإنما المستحب جمع طرفيه على اليمين، ولا ينافي (لا بأس) الكراهة والاحوط ذلك تبعا للمشهور وقد مرت الاخبار والكلام فيه. 2 - دعائم الاسلام: روينا عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: حدثني من رأى الحسين بن علي عليه السلام وهو يصلي في ثوب واحد، وحدثه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي في ثوب واحد (2). قال: وصلى بنا جابر بن عبد الله في بيته في ثوب واحد، وإن إلى جانبه مشجبا (3) عليه ثياب لو شاء أن يتناول منها ما يلبسه لفعل، وأخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي في ثوب واحد (4). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: صلى بنا أبي رضوان الله عليه في ثوب واحد قد توشح به (5). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يصلي في الثوب الواحد الواسع (6). وقيل لابي جعفر عليه السلام: إن المغيرة يقول لا يصلي الرجل في ثوب واحد إلا وعليه معه إزار، فان لم يجد شد في وسطه عقالا، فقال أبو جعفر عليه السلام: هذا فعل اليهود (7). وعن علي عليه السلام أنه قال: لا بأس بالصلاة [في القميص الواحد الكثيف: إذا أزره عليه. (8). وعن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: لا باس بالصلاة في الازار] (9).


(1) الفقيه ج 1 ص 169. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 175. (3) المشجب والشجاب: خشبات موثقة منصوبة توضع عليها الثياب وتنشر. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 175. (5 - 8) دعائم الاسلام ج 1 ص 176. (9) ما بين العلامتين زيادة من المصدر، وقد سقط عن الكمبانى، بعد التوجه إليه.

[211]

أو في السراويل إذا رمى المصلي على كتفيه شيئا ولو مثل جناحي الخطاف (1). وقد روينا عن على عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أبقى على ثوبه أن يلبسه في صلاته فليس لله اكتساؤه (2). وعن على عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يصلي في البرنس (3). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال البرنس كالرداء (4). وعن علي عليه السلام أنه خرج على قوم في المسجد قد أسدلوا أرديتهم وهم قيام يصلون فقال مالكم اسدلتم أرديتكم كانكم يهود في بيعتهم إياكم والسدل (5). قال المؤلف: السدل أن يجعل الرجل حاشية الرداء من وسطه على رأسه أو على عاتقه ويضم طرفيه على صدره، ويرسله إرسالا إلى الارض (6). وعن جعفر بن محمد أنه سئل عن الصلاة في السيف، فقال السيف في الصلاة كالرداء (7).


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 176. (2) المصدر نفسه وزاد بعده: وعن على عليه السلام أنه نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن اشتمال الصماء، والصماء: الاشتمال بالثوب الواحد يجمع بين طرفيه على شق واحد، كاشتمال البربر اليوم، قال: فالصلاة لا تجوز بذلك الاشتمال، ولكن من صلى في ثوب واحد يتوشح به فليجعل وسط حاشيتيه على مكنبيه ويرخى طرفيه مع يديه ثم يخالف بينهما فيلقى ما على يده اليمنى من الطرفين على عاتقه الايسر وما على يده اليسرى على عاتقة الايمن ويخرج يديه ويصلى. (3 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 176. (6 - 8) دعائم الاسلام ج 1 ص 177.

[212]

[3] * (باب) * * (صلاة العراة) * 1 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه قال: قال علي عليه السلام في العريان: إن رآه الناس صلى قاعدا وإن لم يره الناس صلى قائما (1). 2 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: من غرقت ثيابه فلا ينبغي له أن يصلي حتى يخاف ذهاب الوقت يبتغي ثيابا، فان لم يجد صلى عريانا جالسا يؤمي إيماء، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، فان كانوا جماعة تباعدوا في المجالس ثم صلوا كذلك فرادى (2). 3 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة، عن عبد الله ابن مسكان، عن أبي جعفر عليه السلام في رجل عريان ليس معه ثوب قال: إذا كان حيث لا يراه أحد فليصل قائما (3). 4 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل قطع عليه أو غرق متاعه فبقي عريانا وحضرت الصلاة كيف يصلي ؟ قال: إن أصاب حشيشا يستر به عورته أتم صلاته بركوع وسجود، وإن لم يصب شيئا يستر به عورته أومأ وهو قائم (4). فوائد لابد من التنبيه عليها لفهم الاخبار: الاولى: يدل الاخير على جواز ستر العورة بالحشيش والتقييد بالضرورة وعدم الثياب إنما وقع في كلام السائل، واختلف الاصحاب في ذلك فذهب الاكثر


(1) نوادر الراوندي ص 51. (2) قرب الاسناد ص 66 ط حجر ص 87 ط نجف. (3) المحاسن ص 372. (4) البحار ج 10 ص 278.

[213]

منهم الشيخ وابن إدريس والفاضلان والشهيد في البيان أنه مخير بين الثوب والورق والحشيش والطين، وليس شئ منها مقيدا بحال الضرورة (1) وذهب الشهيد في الذكرى إلى التخيير بين الثلاثة الاول، فان تعذر فبالطين، وفي الدروس إلى أنه يجب الستر بالثوب، فان تعذر فبالحشيش أو الورق، فان تعذر فبالطين. والمسألة قوية الاشكال إذ المتبادر من الستر ما كان بالثياب، والغرض من الستر - وهو عدم كشف العورة - حاصل في غيرها، وقد يقال بالتخيير في الستر بين الثياب وغيرها في غير حال الصلاة لعدم انتهاض الادلة على أكثر من ذلك، و أما في حال الصلاة فيجب تقديم ما عدا الطين عليه تمسكا بما دل على الانتقال إلى الايماء من غير اعتبار الطين، ولا يخلو من قوة، وإن أمكن أن يقال: قوله عليه السلام (وإن لم يصب شيئا يستر به عورته) يشمل الطين، فيمكن أن يكون ذكر الحشيش أولا على المثال، والاحتياط رعاية الترتيب في الجميع. الثانية: الظاهر من هذا الخبر وجوب الايماء قائما مطلقا كما ذهب إليه ابن إدريس - ره - وخبر أبي البختري دل على الصلاة جالسا موميا مطلقا كما ذهب إليه المرتضى - رضي الله عنه - وخبر النوادر والمحاسن يدلان على ما ذهب إليه الاكثر من أنه مع أمن المطلع يصلي قائما، ومع عدمه جالسا، وبه يجمع بين الاخبار المختلفة أيضا، ولذا مال إليه الاكثر ورواية المحاسن صحيحة. لكن رواها الشيخ (2) عن محمد بن علي بن محبوب، عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يخرج عريانا فتدركه الصلاة، قال: يصلي عريانا قائما إن لم يره أحد، فان رآه أحد


(1) بل يظهر من قوله تعالى (وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة) في سياق قصة آدم وحواء عليهما السلام أن التستر بالورق والحشيش ستر اضطرارى ولذلك من عليهم بانزال الثوب وقال: (يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم) فبين أن التستر بالحشيش والاوراق غير كاف حال الاختيار. (2) راجع التهذيب ج 1 ص 240 ط حجر ج 2 ص 365 ط نجف. (*)

[214]

صلى جالسا. وهذا مرسل، لكن الارسال بعد ابن مسكان وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ويمكن أن يكونا خبرين لكن رواية ابن مسكان عن الباقر عليه السلام أيضا (1) غريب ولعل فيه أيضا إرسالا. وبالجملة أخبار التفصيل معتبرة، فحمل أخبار التفصيل المطلقة عليها حسن، ويمكن الجمع بين الاخبار بالحمل على التخيير أيضا كما مال إليه المحقق في المعتبر استضعافا للرواية المفصلة، فيمكن حمل أخبار التفصيل على الفضيلة والاستحباب، وعلى أي حال العمل بالمشهور أولى، فانه لا ينافي التخيير. ثم الظاهر من الروايتين أنه يصلي قائما إذا لم يكن رآه في حال الدخول في الصلاة، وإن أمكن ورود أحد بعد الدخول فيها، لكن القوم فهموا كما ذكرنا. الثالثة: صرح الشيخ في النهاية بجواز صلاة العاري مع سعة الوقت، وقال المرتضى وسلار: يجب أن يؤخر رجاء لحصول السترة، ومال في المعتبر إلى وجوب التأخير مع ظن تحصيل الستر، وعدمه بدونه، وقربه في الذكرى، والسيد في المدارك وخبر أبي البختري يدل على الثاني لكنه قاصر عن إفادة الوجوب سندا ومتنا. الرابعة: المستفاد من كلام الاصحاب والاخبار لا سيما الخبر الاخير أن الايماء في حالتي القيام والجلوس على وجه واحد، فيجعلهما من قيام مع القيام، ومن جلوس مع الجلوس، وحكى الشهيد في الذكرى عن شيخه السيد عميد الدين أنه كان يقوي جلوس القائم ليؤمى للسجود جالسا استنادا إلى كونه حينئذ أقرب إلى هيئة الساجد، فيدخل تحت (فأتوا به ما استطعتم) وهو ضعيف، لان الوجوب


(1) لانه من اصحاب أبى عبد الله وأبى الحسن موسى عليهما السلام مات في أيامه قبل الحادثة، روى عن الكاظم ولم يرو عن أبى عبد الله عليه السلام الا حديث من أدرك المشعر فقد أدرك الحج، كيف وعن أبى جعفر الباقر عليه السلام، زعم العياشي أنه كان لا يدخل على أبى عبد الله عليه السلام شفقة أن لا يوفيه حق اجلاله، فكان يسمع من أصحابه.

[215]

حينئذ انتقل إلى الايماء، فلا معنى للتكليف بالاتيان بالممكن من السجود. الخامسة: الايماء بالرأس للتصريح به في رواية زرارة (1) وهو الظاهر من رواية أبي البختري كما لا يخفى، فان تعذر فبالعينين وأوجب الشهيد في الذكرى الانحناء فيهما بحسب الممكن، بحيث لا تبدو معه العورة، وأن يجعل السجود أحفض محافظة على الفرق بينه وبين الركوع، واحتمل وجوب وضع اليدين والركبتين وإبهامي الرجلين في السجود على الكيفية المعتبرة فيه، وقال في المدارك: وكل ذلك تقييد للنص من غير دليل، نعم لا يبعد وجوب رفع شئ يسجد عليه لقوله عليه السلام في صحيحة عبد الرحمان (2) الواردة في صلاة المريض (ويضع وجهه في الفريضة على ما أمكنه من شئ) انتهى وخبر أبي البختري يدل على الاخفضية والاحوط العمل به. السادسة: ما ورد في خبر أبي البختري من النهي عن الجماعة، لعله محمول على التقية بقرينة الراوي، قال في الذكرى: يستحب للعراة الصلاة جماعة، رجالا كانوا أو نساء، إجماعا لعموم شرعية الجماعة، وأفضليتها، ومنع بعض العامة من الجماعة إلا في الظلمة حذر كشف العورة، وسترها ساقط لانا نتكلم على تقدير عدمه. ثم الذي دل عليه خبر إسحاق (3) بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوم قطع عليهم الطريق واخذت ثيابهم فبقوا عراة وحضرت الصلاة كيف يصنعون ؟ فقال: يتقدمهم إمامهم فيجلس ويجلسون خلفه، فيومئ الامام بالركوع والسجود، و يركعون ويسجدون خلفه على وجوههم، وبها عمل الشيخ في النهايه وقال المرتضى والمفيد يومي الجميع كالصلاة فرادى، وهو اختيار ابن إدريس مدعيا


(1) التهذيب ج 1 ص 305، ج 2 ص 364 ط نجف. (2) التهذيب ج 3 ص 308 ط نجف. (3) التهذيب ج 1 ص 240 ط حجر.

[216]

للاجماع، وفي المعتبر رجح مضمون الرواية لجودة سندها، ويشكل بأن فيه تفرقة بين المنفرد والجامع، وقد نهى المنفرد عن الركوع والسجود كما تقدم لئلا تبدو العورة، وقد روى عبد الله بن سنان (1)، عن أبي عبد الله عليه السلام: يتقدمهم الامام بركبتيه ويصلي بهم جلوسا وهو جالس، وأطلق. وبالجملة يلزم من العمل برواية إسحاق أحد أمرين إما اختصاص المأمومين بهذا الحكم، وإما وجوب الركوع والسجود على كل عار إذا أمن المطلع والامر الثاني لا سبيل إليه، والامر الاول بعيد، انتهى. ويمكن تأويل خبر إسحاق بما يوافق سائر الاخبار لكنه في غاية البعد. السابعة: قال في المعتبر: لو وجد وحلا أو ماء راكدا بحيث لو نزله ستر عورته لم يجب نزوله، لان فيه ضررا ومشقة، وهو كذلك مع مخالفته لظواهر الاخبار، ولو أمكن العاري ولوج حفيرة والصلاة فيها قائما بالركوع والسجود قيل يحب لمرسلة أيوب بن نوح (2)، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: العاري الذى ليس له ثوب إذا وجد حفيرة دخلها فسجد فيها وركع وقيل: لا، استضعافا للرواية والتفاتا إلى عدم انصراف لفظ الساتر إليها والمسألة لا تخلو من إشكال: لكنها قليلة الجدوى لقلة الحاجة إليها.


(1) التهذيب ج 1 ص 305 ط حجر ج 3 ص 178 ط نجف. (2) التهذيب ج 3 ص 79 ط نجف وهكذا ج 2 ص 365، وفى ط حجر ص 305 و 204.

[217]

[4] (باب) * (ما تجوز الصلاة فيه من الاوبار والاشعار) * * (والجلود وما لا تجوز) * 1 - العلل عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن أحمد بن محمد السيارى، عن أبي يزيد القسمي، وقسم حى من اليمن بالبصرة، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه سأله عن جلود الدارش الذي يتخذ منها الخفاف، قال: فقال لا تصلى فيها، فانها تدبغ بخرء الكلاب (1). بيان: قال في القاموس: الدارش جلد معروف أسود كأنه فارسي، قوله عليه السلام: (فانها تدبغ) لعلهم لم يكونوا يغسلونها بعد الدباغ، أو بعد الغسل أيضا كان تبقى فيها أجزاء صغار، أو الحكم محمول على الاستحباب احتياطا، لاحتمال أن يبقى فيها شئ منه، ولعل عدم أمره عليه السلام بالغسل أيضا لذلك، أو لاجل اللون بناء على أن الملون بالنجس أو بالمتنجس لا يطهر بالغسل. قال في المنتهى: يجوز استعمال الطاهر في الدباغ كالشث، والقرظ، والعفص وقشر الرمان، وغيرها، والقائلون بتوقف الطهارة على الدباغ من أصحابنا والجمهور اتفقوا على حصول الطهارة بهذه الاشياء، أما الاشياء النجسة، فلا يجوز استعمالها في الدباغ، وهل تطهر أم لا ؟ أما عندنا فان الطهارة حصلت بالتذكية، وكان ملاقات النجس موجبة لتنجيس المحل، ويطهر بالغسل، وأما القائلون بتوقف الطهارة على الدباغ، فقد ذهب بعضهم إلى عدم الطهارة، ذكره ابن الجنيد وبعض الجمهور لانها طهارة من نجاسة، فلا تحصل بالنجس كالاستجمار والغسل، وينبغي أن يكون ما يدبغ به منشفا للرطوبة مزيلا للخبث، وقد روي عن الرضا عليه السلام عدم جواز الصلاة في الجلود المدبوغة بخرء الكلاب، والرواية ضعيفة، ومع تسليمها


(1) علل الشرائع ج 2 ص 33.

[218]

تحمل على المنع من الصلاة قبل الغسل. وقال في الذكرى: الاصح وقوع الذكاة على الطاهر في حال الحياة كالسباع لعموم (إلا ما ذكيتم) (1) وقول الصادق عليه السلام لا تصل فيما لا يؤكل لحمه ذكاه الذبح أو لم يذكه، فيطهر بالذكاة والمشهور تحريم استعماله حتى يدبغ، والفاضلان جعلاه مستحبا لطهارته، وإلا لكان ميتة، فلا يطهره. وليكن الدبغ بالطاهر كالقرظ، وهو ورق السلم، والشث بالشين والثاء المثلثتين، وهو نبت طيب الريح مر الطعم يدبغ به، قاله الجوهري، وقيل: بالباء الموحدة وهو شبه الزاج، والاصل فيهما ما روي من قول النبي صلى الله عليه وآله أليس في الشث والقرظ ما يطهره، ولا يجوز بالنجس فلا يطهر عند ابن الجنيد، والاجود أنه يكفي فيما يحتاج إلى الدبغ، ولكن لا يستعمل إلا بعد طهارته لقول الرضا عليه السلام في جلود الدارش بالراء المهملة والشين المعجمة لا تصل فيها فانها تدبغ بخرء الكلاب. 2 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن جلود الخز فقال: ليس به بأس، فقلت: جعلت فداك إنها علاجي وإنما هي كلاب تخرج من الماء، فقال: إذا خرجت تعيش خارجا من الماء ؟ قلت: لا، قال: ليس به بأس (2). 3 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس معا، عن أحمد بن محمد بن عيسى ومحمد بن عيسى اليقطيني معا، عن أيوب بن نوح رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الصلاة في الخز الخالص ليس به بأس، وأما الذي يخلط فيه الارانب أو غيرها مما يشبه [هذا فلا تصل] فيه (3).


(1) المائدة 3. (2) علل الشرائع ج 2 ص 45. (3) علل الشرائع ج 2 ص 46.

[219]

تبيين: جواز الصلاة في وبر الخز الخالص متفق عليه بين الاصحاب، و نقل إجماعهم عليه جماعة والمشهور بين المتأخرين أن حكم الجلد حكم الوبر، و منعه ابن إدريس، ونفى عنه الخلاف، وتبعه العلامة في المنتهى، والمسألة لا تخلو من إشكال، وإن كان الجواز أقوى. ثم إن للاصحاب اختلافا في حقيقة الخز فقيل: إنه دابة بحرية ذات أربع تصاد من الماء وتموت بفقده، وقد رواه الشيخ والكليني عن علي بن محمد عن عبد الله بن إسحاق العلوي، عن الحسن بن علي، عن محمد بن سليمان الديلمي عن قريب، عن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من الخزازين فقال له: جعلت فداك ما تقول في الصلاة في الخز ؟ فقال: لا بأس بالصلاة فيه [فقال له الرجل: جعلت فداك إنه ميت وهو علاجي وأنا أعرفه] فقال له أبو عبد الله عليه السلام أنا أعرف به منك فقال له الرجل: إنه علاجي وليس أحد أعرف به مني، فتبسم أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: أتقول إنه دابة تخرج من الماء أو تصاد من الماء فتخرج فإذا فقد الماء مات ؟ فقال الرجل: صدقت جعلت فداك هكذا هو، فقال له أبو عبد الله عليه السلام فانك تقول: إنه دابة تمشي على أربع وليس هو في حد الحيتان فتكون ذكاته خروجه من الماء، فقال الرجل إي والله هكذا أقول: فقال له أبو عبد الله عليه السلام: فان الله تبارك وتعالى أحله، وجعل ذكاته موته كما أحل الحيتان وجعل ذكاتها موتها (1). وقال في المعتبر: عندي في هذه الرواية توقف لضعف محمد بن سليمان، و مخالفتها لما اتفقوا عليه من أنه لا يؤكل من حيوان البحر إلا السمك ولا من السمك إلا ماله فلس، وحدثني جماعة من التجار أنها القندس، ولم أتحققه. وقال الشهيد في الذكرى: مضمونها مشهور بين الاصحاب، فلا يضر ضعف الطريق، والحكم بحله جاز أن يسند إلى حل استعماله في الصلاة، وان لم يذك


(1) الكافي ج 3 ص 399، التهذيب ج 1 ص 196 وما بين العلامتين ساقط من الكمبانى زيادة من التهذيب والكافي.

[220]

كما أحل الحيتان بخروجها من الماء حية، فهو تشبيه للحل بالحل لا في جنس الحلال، ثم قال الشهيد - ره -: ولعله ما يسمى في زماننا بمصر وبر السمك وهو مشهور هناك، ومن الناس من يزعم أنه كلب الماء، وعلى هذا يشكل ذكاته بدون الذبح، لان الظاهر أنه ذونفس سائلة انتهى هذا. واعلم أن في جواز الصلاة في الجلد المشهور في هذا الزمان بالخز وشعره ووبره إشكالا، للشك في أنه هل هو الخز المحكوم عليه بالجواز في عصر الائمة أم لا ؟ بل الظاهر أنه غيره لانه يظهر من الاخبار أنه مثل السمك يموت بخروجه من الماء، وذكاته إخراجه منه، والمعروف بين التجار أن الخز المعروف الان دابة تعيش في البر ولا تموت بالخروج من الماء، إلا أن يقال إنهما صنفان بري وبحري، وكلاهما يجوز الصلاة فيه، وهو بعيد، ويشكل التمسك بعدم النقل و اتصال العرف من زماننا إلى زمانهم عليهم السلام إذ اتصال العرف غير معلوم، إذ وقع الخلاف في حقيقته في أعصار علمائنا السالفين أيضا رضوان الله عليهم، وكون أصل عدم النقل في مثل ذلك حجة في محل المنع، فالاحتياط في عدم الصلاة فيه. ثم إن الاتفاق على الجواز إنما هو في الخز الخالص عن الامتزاج بوبر الارانب والثعالب وأما الممتزج بشئ منهما فالمشهور بين الاصحاب عدم جواز الصلاة فيه، قال في المنتهى: وعليه فتوى علمائنا، وقال فيه أيضا: وكثير من أصحابنا ادعوا الاجماع ههنا، وروي عن داود الصرمي (1) قال: سألته عن الصلاة في الخز يغش بوبر الارانب، فكتب يجوز ذلك، وقال الصدوق - ره - في الفقيه (2) بعد إيراد هذه الرواية: وهذه رخصة الاخذ بها مأجور، ورادها مأثوم، والاصل ما ذكره أبي - ره - في رسالته: إلى وصل في الخز ما لم يكن مغشوشا بوبر الارانب انتهى، والاظهر حمله على التقية، وسيأتي بعض القول فيه.


(1) التهذيب ج 1 ص 196. (2) الفقيه ج 1 ص 170 و 171.

[221]

4 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن إسماعيل البرمكي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تجوز الصلاة في شعر ووبر ما لا يؤكل لحمه، لان أكثرها مسوخ. قال الصدوق - ره -: يعني أكثر الاشياء التي لا يؤكل لحمها مسوخ (1). 5 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن الحسن ابن علي الوشا رفعه قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يكره الصلاة في وبر كل شئ لا يؤكل لحمه (2). أيضاح: عدم جواز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه وشعره وبره وصوفه في غير المواضع المستثناة إجماعي، ونقل الاجماع عليه جماعة، واختلف في امور: الاول: الصلاة في قلنسوة أو تكة متخذتين من جلد غير المأكول أو وبره فالمشهور بين الاصحاب المنع، والمستفاد من كلام الشيخ في التهذيب الجواز في المتخذتين من الجلد، وكذا ذهب الشيخ في النهاية والمحقق في المعتبر إلى الكراهة في المتخذتين من وبر الارانب لاخبار حملها على التقية أظهر من حمل معارضها على الكراهة. الثاني: قال في التذكرة: لو مزج صوف ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل لحمه ونسج منهما ثوب، لم تصح الصلاة فيه تغليبا للحرمة على إشكال ينشا من إباحة المنسوج من الكتان والحرير، ومن كونه غير متخذ من مأكول اللحم، وكذا لو أخذ قطعا وخيطت ولم يبلغ كل واحد منها ما يستر العورة، والمنع أظهر كما لا يخفى على المتدبر. الثالث: قطع الشهيدان وجماعة باختصاص المنع بالملابس، فلو كانت غيرها كالشعرات الملقاة على الثوب لم يمنع الصلاة فيه وذهب الاكثر إلى عموم المنع وهو أحوط بل أظهر إلا في أجزاء الانسان. الرابع: اختلفوا فيما لو شك في كون الصوف والوبر من مأكول اللحم


(1 - 2) علل الشرايع ج 2 ص 31.

[222]

فقال المنتهي بالمنع، ولعل الجواز أقوى، لا سيما إذا اخذ من مسلم أخبر بكونه مأخوذا من مأكول اللحم. 6 - العياشي: عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام في قول الله (خذوا زينتكم عند كل مسجد) (1) قال هي الثياب (2). 7 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن الحفار، عن إسماعيل بن علي أخي دعبل، عن الرضا عليه السلام أنه خلع على دعبل قميصا من خز وقال له: احتفظ بهذا القميص فقد صليت فيه ألف ليلة كل ليلة ألف ركعة، وختمت فيه القرآن ألف ختمة الخبر (3). 8 - عوالي اللئالى: روي أن الصادق عليه السلام لبس ثياب الخز وصلى فيها. وروي أنه عليه السلام كان عليه جبة خز بسبع مائة درهم. وروي أن الرضا عليه السلام لبس الخز فوق الصوف، فقال له بعض جهلة الصوفية لما رأى عليه ثياب الخز: كيف تزعم أنك من أهل الزهد وأنت على ما نراه من التنعم بلباس الخز ؟ فكشف عليه السلام عما تحته فرأوا تحته ثياب الصوف، فقال: هذا لله، وهذا للناس. وسئل الباقر عليه السلام عن جلد الميتة أيلبس في الصلاة ؟ فقال: لا، ولو دبغ سبعين دبغة (4). 9 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل مس ظهر سنور هل يصلح له أن يصلي قبل أن يغسل يده ؟ قال: لا بأس (5). بيان: لا يمكن الاستدلال به على جواز الصلاة في الشعرات مما لا يؤكل لحمه


(1) الاعراف: 29. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 12. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 370. (4) ورواه في التهذيب ج 1 ص 193. (5) البحار ج 10 ص 285.

[223]

إذ لعل التجويز لعدم العلم بلصوق شئ منها باليد، بل هو أظهر. 10 - قرب الاسناد: باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي ومعه دبة من جلد الحمار، وعليه نعل من جلد الحمار، وهو يصلي، هل تجزيه صلاته أو عليه إعادة ؟ قال لا يصلح له أن يصلي وهي معه إلا أن يتخوف عليها ذهابها فلا بأس أن يصلي وهي معه (1). بيان: يدل على كراهة الصلاة فيما يظن اتخاذه من الميتة، والتجويز مع خوف الذهاب والتعبير عن المنع بلا يصلح يدلان على الكراهية، مع أنه ورد في الرواية: ما علمت أنه ميتة فلا تصل فيه. 11 - الاحتجاج: فيما كتب محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى الناحية المقدسة: وروي عن صاحب العسكر عليه السلام أنه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغش بوبر الارانب فوقع يجوز وروي عنه أيضا أنه لا يجوز، فأي الامرين نعمل به ؟ فأجاب عليه السلام إنما حرم في هذه الاوربار والجلود، فأما الاوبار وحدها فحلال (2). وقد سئل بعض العلماء عن معنى قول الصادق عليه السلام: لا يصلي في الثعلب ولا الثوب الذي يليه، فقال إنما عنى الجلود دون غيره (3). بيان: ما ذكر في الخبر من الفرق بين الجلد والوبر خلاف ما يعهد في كلام الاصحاب، وذكروا اتفاق الاصحاب على عدم جواز الصلاة في جلد ما لا يؤكل لحمه وشعره ووبره، عدا ما استثني مما سيذكر، وأما وبر الارانب والثعالب و جلودهما فالروايات فيها مختلفة، والمشهور عدم جواز الصلاة فيها، قال في المعتبر: اعلم أن المشهور في فتوى الاصحاب المنع مما عدا السنجاب ووبر الخز والعمل به احتياط في الدين ثم روى صحيحتي الحلبي وعلي بن يقطين (4) الدالتين على الجواز


(1) قرب الاسناد ص 87 ط حجر. (2 - 3) الاحتجاج ص 275. (4) راجع التهذيب ج 1 ص 195. (*)

[224]

وقال: طريق هذين الخبرين أقوى من تلك الطرق، ولو عمل بهما عامل جاز وعلى الاولى عمل الظاهرين من الاصحاب منضما إلى الاحتياط للعبادة، وكلامه - ره - في غاية المتانة، والاحتياط لا يترك في مثله، مع ظهور احتمال التقية في أخبار الجواز. قوله عليه السلام: (ولا الثوب الذي يليه) قال الشيخ في النهاية: لا يجوز الصلاة في الثوب الذي تحت وبر الثعالب والارانب، ولا الذي فوقه، ونحوه قال في المبسوط: وقال الصدوق، وإياك أن تصلي في الثعلب لا في الثوب الذي يليه من تحته وفوقه، وذهب ابن إدريس وجمهور المتأخرين إلى الجواز، ولعله أقوى وإن كان الاحوط الترك، لورود صحيحة علي بن مهزيار بالمنع (1). العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده عن جلود الخز، فقال: ليس به بأس، فقلت جعلت فداك: إنها علاجي وإنما هي كلاب تخرج من الماء، فقال: إذا خرجت تعيش خارجا من الماء ؟ قلت: لا، قال: ليس به بأس (2). ومنه عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس معا، عن أحمد ابن محمد بن عيسى ومحمد بن عيسى اليقطيني معا، عن أيوب بن نوح رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام الصلاة في الخز الخالص لا بأس به، وأما الذي يخلط فيه الارانب أو غيرهما مما يشبه هذا فلا تصل فيه (3) 12 - تحف العقول: قال الصادق عليه السلام: وما يجوز من اللباس فكل ما أنبتت الارض فلا بأس بلبسه والصلاة فيه، وكل شئ يحل لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكى منه، وصوفه وشعره ووبره، وإن كان الصوف والشعر والريش والوبر من


(1) التهذيب ج 1 ص 194. (2 - 3) قد مر هذان الحديثان تحت الرقم 2 و 3 مع شرح مستوفى وتكرر هنا سهوا.

[225]

الميتة وغير الميتة ذكيا فلا بأس بلبس ذلك، والصلاة فيه (1). 13 - فقه الرضا: قال عليه السلام: لا بأس بالصلاة في شعر ووبر من كل ما اكل لحمه والصوف منه، ولا تجوز الصلاة في سنجاب وسمور وفنك، فإذا أردت الصلاة فانزع عنك وقد أروي فيه رخصة، وإياك أن تصلي في الثعالب ولا في ثوب تحته جلد ثعالب، وصل في الخز إذا لم يكن مغشوشا بوبر الارانب، ولا تصل في جلد الميتة على كل حال (2). بيان: اعلم أن الاصحاب اختلفوا في الصلاة في جلد السنجاب ووبره، فذهب الشيخ في المبسوط وأكثر المتأخرين إلى الجواز، حتى قال في المبسوط: فأما السنجاب والحواصل فلا خلاف في أنه تجوز الصلاة فيهما، ونسبه في المنتهى إلى الاكثر، وذهب الشيخ في الخلاف وموضع من النهاية إلى المنع، واختاره ابن البراج وابن إدريس، وهو ظاهر ابن الجنيد والمرتضى وأبو الصلاح وظاهر ابن زهرة نقل الاجماع عليه، واختاره في المختلف، ونسبه الشهيد الثاني إلى الاكثر وذهب ابن حمزة إلى الكراهة، وذكر الصدوق في الفقيه عبارة الفقه عن رسالة أبيه إليه إلى وقد روى فيه رخص. والاخبار فيه مختلفة، والجمع بينها إما بحمل أخبار المنع على الكراهة، أو بحمل أخبار الجواز على التقية، ولعل الاول أرجح، إذ مذهب العامة جواز الصلاة في جلود ما لا يؤكل لحمه مطلقا، وأخبار الجواز مشتملة على المنع من غيره، وإن كان الاحتياط في الاجتناب. ثم على القول بالجواز إنما يجوز الصلاة فيه مع تذكيته لانه ذونفس، قال في الذكرى: وقد اشتهر بين التجار والمسافرين أنه غير مذكى، ولا عبرة بذلك حملا لتصرف المسلمين على ما هو الاغلب، نعم لو علم ذلك حرم استعماله، و هو جيد.


(1) تحف العقول ص 355 ط الاسلامية. (2) فقه الرضا ص 16.

[226]

وأما السمور والفنك فالمشهور فيهما المنع، وذهب الصدوق في المقنع إلى الجواز، وقال المحقق في المعتبر بعد نقل خبرين يدلان على الجواز: لو عمل بهما عامل جاز، والاظهر حمل أخبار الجواز على التقية، وقال في القاموس: الفنك بالتحريك دابة فروتها أطيب أنواع الفراء، وأشرحها وأعدلها، صالح لجميع الامزجة المعتدلة، وقال في حيوة الحيوان: الفنك كعسل دويبة يؤخذ منها الفرو، وقال ابن البيطار: وإنه أطيب من جميع الفراء يجلب كثيرا من بلاد الصقالبة، وقال في المصباح المنير: قيل نوع من جراء الثعلب الرومي، ولهذا قال الازهري: وغيره هو معرب، وحكى لي بعض المسافرين أنه يطلق على فرخ بن آوى في بلاد الترك انتهى، وبالجملة لا نعرفه في تلك البلاد على التعيين. 14 - المحاسن: عن علي بن أسباط، عن علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن ركوب جلود السباع، قال: لا بأس ما لم يسجد عليها (1). ومنه عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن جلود السباع فقال: اركبوا ولا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه (2). 15 - فقه الرضا: قال عليه السلام: كل شئ حل أكل لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكى وصوفه وشعره ووبره وريشه وعظامه، وإن كان الصوف والشعر والوبر والريش من الميتة وغير الميتة بعد أن يكون مما حلل الله تعالى أكله فلا بأس به، وكذلك الجلد فان دباغته طهارته، وقد يجوز الصلاة فيما لم تنبته الارض ولم يحل أكله مثل السنجاب والفنك والسمور والحواصل، إذا كان مما لا يجوز في مثله وحده الصلاة، مثل القنسوة من الحرير، والتكة من الابريشم، والجورب والخفتان وألوان رجاجيلك يجوز لك الصلاة فيه (3). بيان: قوله عليه السلام: (وكذلك الجلد) يدل على جواز استعمال جلد الميتة


(1 و 2) المحاسن ص 629. (3) فقه الرضا ص 41، وقوله (فان دباغته طهارته) يؤيد ما قلناه من أن هذا الكتاب كتاب التكليف للشلمغانى: وقد نسب إليه القول بذلك كما مر في ج 80 ص 78.

[227]

بعد الدباغ، ويمكن حمله على غير الميتة، ويكون الدباغ محمولا على الاستحباب على المشهور وعلى الوجوب على مذهب الشيخ والمرتضى، ويدل على جواز الصلاة فيما لا تتم الصلاة فيه من جلد غير المأكول وصوفه وشعره ووبره، وقد مر الكلام فيه، ويمكن تخصيص الحكم بخصوص هذه الجلود، ويكون وجه جمع بين الاخبار، ولعل المراد بالرجاجيل أنواع ما يلبس في الرجل ولعله من المولدات. 16 - الخرائج: روي عن أحمد بن أبي روح قال: خرجت إلى بغداد في مال لابي الحسن الخضر بن محمد لاوصله وأمرني أن أدفعه إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري وأمرني أن لا أدفعه إلى غيره، وأمرني أن أسأل الدعاء للعلة التي هو فيها، وأسأله عن الوبر يحل لبسه ؟ فدخلت بغداد، وصرت إلى العمري فأبى أن يأخذ المال وقال: صر إلى أبي جعفر محمد بن أحمد وادفع إليه، فأنه أمره بأن يأخذه، وقد خرج الذي طلبت، فجئت إلى أبي جعفر فأوصلته إليه، فأخرج إلي رقعة فيها (بسم الله الرحمن الرحيم سألت الدعاء عن العلة التي تجدها، وهب الله لك العافية، ودفع عنك الافات، وصرف عنك بعض ما تجده من الحرارة، وعافاك وصح جسمك، وسألت ما يحل أن يصلى فيه من الوبر والسمور والسنجاب والفنك والدلق والحواصل، فأما السمور والثعالب فحرام عليك وعلى غيرك الصلاة فيه، ويحل لك جلود المأكول من اللحم إذا لم يكن فيه غيره، وإن يكن لك ما تصلي فيه فالحواصل جائز لك أن تصلي فيه، والفراء متاع الغنم ما لم يذبح بارمنية يذبحه النصارى على الصليب، فجائز لك أن تلبسه إذا ذبحه أخ لك أو مخالف تثق به (1). بيان: يدل على جواز الصلاة في الحواصل في حال الضرورة، ويمكن حمل القيد على الاستحباب، وقد عرفت أن ظاهر الشيخ دعوى الاجماع على جواز الصلاة فيها، والمشهور عدم الجواز، قال في الذكرى: قال الشيخ في المبسوط: لا خلاف في جواز الصلاة في السنجاب والحواصل، وقيدها ابن حمزة وبعضهم بالخوارزمية


(1) الخرائج ص 241.

[228]

تبعا لما ذكره في التهذيب (1) عن بشير بن بشار قال: سألته عن الصلاة في الفنك والسنجاب إلى قوله: صل في السنجاب والحواصل الخوارزمية، ومنع منه في النهاية وهو ظاهر الاكثر انتهى، وقال في الدروس: وفي الحواصل الخوارزمية رواية بالجواز متروكة. وقال في حيوة الحيوان: الحوصل جمعه حواصل وهو طير كبير له حوصلة عظيمة يتحذ منها الفروة، وقال ابن البيطار: وهذا الطائر يكون بمصر كثيرا و يعرف بالبجع، وهو جمل الماء، وهو صنفان أبيض وأسود، والاسود منه كريه الرائحة، لا يكاد يستعمل، والاجود أبيضه، وحرارته قليلة، ورطوبته كثيرة، وهو قليل البقاء. 17 - السرائر: من كتاب المسائل برواية الحميري وابن عياش، عن داود الصرمي، عن بشير بن بشار النيسابوري قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في الفنك والفراء والسمور والسنجاب والحواصل التي تصطاد ببلاد الشرك أو بلاد الاسلام، يصلي فيها بغير تقية ؟ قال: يصلى في السنجاب والحواصل الخوارزمية، ولا تصل في الثعالب والسمور (2). 18 - ومنه: من كتاب المسائل برواية ابن عياش والحميري من مسائل محمد بن [علي بن] عيسى: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن زياد، وموسى بن محمد، عن محمد بن علي بن عيسى قال: كتبت إلى الشيخ أعزه الله وأيده أسأله عن الصلاة في الوبر أي أصنافه أصلح ؟ فأجاب لا احب الصلاة في شئ منه، قال: فرددت الجواب: إنا مع قوم في تقية، وبلادنا بلاد لا يمكن أحد أن يسافر منها بلا وبر ولا يأمن على نفسه إن هو نزع وبره، وليس يمكن الناس كلهم ما يمكن الائمة فما الذي ترى أن نعمل به في هذا الباب ؟ قال: فرجع الجواب إلي تلبس الفنك والسمور (3).


(1) التهذيب ج 1 ص 195. (2 و 3) السرائر ص 471.

[229]

بيان: الشيح هو الهادي عليه السلام ويدل على أن الفنك والسمور أولى من غيرهما عند الضرورة والتقية، وهذا أيضا وجه جمع بين الاخبار. 19 - مكارم الاخلاق: عن يونس بن يعقوب قال: دخلت على أبي عبد الله وهو معتل وهو في قبة، وقباء عليه غشاء مذاري، وقدامه مخضبة هيئ فيها ريحان مخروط، وعليه جبة خز ليس بالثخينة ولا بالرقيقة، وعليه لحاف ثعالب مظهر يمنة، فقلت له: جعلت فداك، ما تقول في الثعالب ؟ قال: هوذا علي (1). بيان: في القاموس المذار بلد بين واسط والبصرة انتهى ويدل على جواز استعمال جلود الثعالب في غير الصلاة. 20 - المكارم: عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام أو أبي الحسن عليه السلام أنه سئل عن لحوم السباع وجلودها، قال أما لحوم السباع والسباع من الطير، فانا نكرهه، وأما الجلود فاركبوا فيها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه (2). عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:: اهديت لابي جبة فرومن العراق، فكان إذا أراد أن يصلي نزعها فطرحها (3). عن عبد الله بن سنان عنه عليه السلام قال: ما جاءك من دباغ اليمن فصل فيه ولا تسأل عنه (4). بيان: الخبر الاول يدل على أن السباع قابلة للتذكية، ولا تجوز الصلاة في جلودها، والثاني على نزع ما جلب من الجلود من العراق عند الصلاة. ولعله محمول على الاستحباب، لانهم كانوا يستحلون الميتة بالدباغ، أو كانوا يدبغون بخرء الكلاب. قال في الذكرى: ولو وجد في يد مستحل بالدبغ فقيه صور ثلاث: الاول أن يخبر بأنه ميتة فليجتنب، لاعتضاده بالاصل من عدم الذكاة، الثاني أن يخبر بأنه مذكى فالاقرب القبول ويمكن المنع، والثالث أن يسكت ففيه وجهان.


(1 - 4) مكارم الاخلاق ص 136.

[230]

وقد روى الشيخ في التهذيب (1) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام رجلا صردا فلا يدفئه فراء الحجاز، لان دباغها بالقرظ فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه، وكان يسئل عن ذلك، فيقول إن أهل العراق يستحلون لباس الجلود الميتة، ويزعمون أن دباغه ذكاته، قلت: الصرد بفتح الصاد وكسر الراء من يجد البرد سريعا يقال صرد الرجل يصرد صردا فهو صرد ومصراد وفي هذا دلالة على جواز لبسه في غيره الصلاة، ويمكن حمله على ما لم يعلم كونه ميتة ويكون فعل الامام احتياطا للدين انتهى. وقد سبق الكلام في حكم ما يؤخذ من سوق المسلمين في كتاب الطهارة، و تخصيص دباغ اليمن في الخبر الثالث لعله يؤيد الوجه الثاني، وإن أمكن حمله على الاول أيضا بأن يكونوا لم يستحلوا الميتة بالدباغ. 21 - المكارم: سئل الرضا عليه السلام عن جلود الثعالب والسنجاب والسمور فقال: قد رأيت السنجاب على أبي ونهاني عن الثعالب والسمور (2). 22 - العيون: فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون قال: ولا يصلى في جلود الميتة ولا جلود السباع (3). 23 - مجمع البيان: نقلا عن العياشي باسناده عن يوسف بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعلى قباء خز وبطانته خز وطيلسان خز مرتفع، فقلت: إن على ثوبا أكره لبسه، فقال: وما هو ؟ قلت: طيلساني هذا، قال: وما بال الطيلسان ؟ قلت: هو خز، قال: وما بال الخز ؟ قلت: سداه أبريسم قال: وما بال الابريسم ؟ قال: لا يكره أن يكون سدا الثوب أبريسم الحديث (4).


(1) التهذيب ج 1 ص 193. (2) مكارم الاخلاق ص 136. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 123. (4) مجمع البيان ج 4 ص 413، بغير هذا اللفظ واللفظ للكافى بهذا السند ج 6 ص 415، ومثله في تفسير العياشي ج 2 ص 15.

[231]

24 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام أن علي بن الحسين عليهما السلام كان يلبس الجبة الخز بخمس مائة درهم والمطرف الخز بخمسين دينار فيشتو فيه فإذا خرج الشتاء باعه وتصدق بثمنه (1). 25 - تفسير العياشي: عن أحمد بن محمد، عن أبي الحسن عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يلبس الثوب بخمس مائة الحديث (2). بيان: يدل على استحباب الصدقة بثوب عبد الله فيه، قال في الذكرى: يستحب الصدقة بثمن الثوب الذي يصلى فيه لو باعه تأسيا بزين العابدين عليه السلام فيما رواه الشيخ (3) عن الحلبي، عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه كان يلبس الكساء الخز في الشتاء فإذا جاء الصيف باعه وتصدق بثمنه، ويقول: إني لاستحيي من ربي أن آكل ثمن ثوب عبدت الله فيه. 26 - ومنه: (4) عن محمد بن عيسى، عن حفص بن محمد مؤذن علي بن يقطين قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام في الروضة وعليه جبة خز سفر جليلة (5). 26 - مجمع البيان: قال: روى العياشي باسناده عن الحسين بن زيد، عن عمر بن علي، عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام أنه كان يشتري كساء الخز بخمسين دينارا فإذا أصاف تصدق به ولا يرى بذلك بأسا، ويقول (من حرم زينة الله) الاية (6). أقول: وقد أخرجنا تلك الاخبار من تفسير العياشي في أبواب اللباس من


(1) قرب الاسناد ص 157 ط حجر 210 ط نجف. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 16. (3) التهذيب ج 1 ص 241. (4) يعنى قرب الاسناد، لا تفسير العياشي. (5) قرب الاسناد ص 8 ط حجر ص 11 ط نجف. (6) مجمع البيان ج 4 ص 413، وقوله عليه السلام: أصاف: أي دخل في الصيف.

[232]

كتاب المناهي والسنن (1). 27 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل يلبس فراء الثعالب والسنانير ؟ قال: لا بأس، ولا يصلي فيه (2). 28 - مكارم الاخلاق: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل ينفصم سنه أيصلح له أن يشدها بالذهب، وإن سقطت أيصلح أن يجعل مكانها سن شاة ؟ قال: نعم إن شاء ليشدها بعد أن تكون ذكية (3). وعن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (4). وعن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله أبي وأنا حاضر عن الرجل يسقط سنه فأخذ سن إنسان ميت فيجعله مكانه ؟ قال: لا بأس (5). بيان: يدل الخبر الاول على جواز شد الاسنان بالذهب، وهو موافق للاصل، وتحريم مطلق التزين بالذهب غير ثابت، وقال العلامة في المنتهى: لا بأس باتخاذ الفضة اليسيرة كالحلية للسيف، والقصعة، السلسة التي شعب بها الاناء وأنف الذهب، وما يربط به أسنانه، لما رواه الجمهور في قدح رسول الله صلى الله عليه وآله، والخاصة في مرآة موسى عليه السلام، وروى الجمهور أن عرفجة ابن سعد اصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن عليه فأمره النبي صلى الله عليه وآله أن يتخذ أنفا من ذهب، وللحاجة إلى ذلك، واتخاذ ذلك جائز مع الحاجة و بدونها خلافا لبعض. وقال في التذكرة: لو اتخذ أنفا من ذهب أو فضة أو سنا أو أنملة لم يحرم لحديث عرفجة، ولو اتخذ أصبعا أو يدا فللشافعية قولان: الجواز قياسا على الانف والسن، والتحريم لانه زينة محضة، إذ لا منفعة به انتهى. وأما السن فظاهر الاصحاب اتفاقهم على كونه مما لم تحل فيه الحياة، و


(1) راجع ج 79 ص 304 - 306 من هذه الطبعة الحديثة. (2) بحار الانوار ج 10 ص 269 من هذه الطبعة. (3 - 5) مكارم الاخلاق ص 109.

[233]

يجوز استعماله من الميتة وظاهر الخبر توقف جواز الاستعمال على التذكية ويمكن حمله على الاستحباب أو على أن المراد بها الطهارة أو عدم كونه مخلوطا بلحم، وإن كان الاحوط اعتبارها، إذ الاخبار الدالة على كونه مما لا تحله الحياة وكونه مستثنى من الميتة لا يخلو من ضعف، ومن الاطباء من يعده عصبا لا عظما لطريان الوجع عليه، مع معارضته هذه الاخبار وصحة بعضها وعدم تحقق الاجماع على خلافها. وأما سن الانسان فهو إما محمول على ما إذا سقط في حال حياته، وقلنا بعدم وجوب دفنه معه، وحملنا الخبر به على الاستحباب، أو على ما إذا سقط بعد نفرق الاعضاء، ولم نقل بوجوب دفن الاعضاء حينئذ أو على سن طاهر ممن لم يجب دفنه كالمخالفين، على القول بطهارتهم وعدم وجوب دفنهم، أو على سن الكافر على مذهب السيد حيث يقول بطهارة مالا تحله الحياة من نجس العين، وعلى التقادير يدل على أن المنع من الصلاة في أجزاء ما لا يؤكل لحمه مخصوص بغير الانسان، بل هو من النصوص أظهر، قال العلامة في التذكرة لو جبر عظمه بعظم طاهر العين جاز، لان الموت لا ينجس عظمه ولا شعره ولو جبره بعظم آدمي فاشكال ينشأ من وجوب دفنه وطهارته، ورواية زرارة عن الصادق عليه السلام عن الرجل يسقط سنه فيأخذ سن ميت مكانه ؟ قال: لا بأس، وقال في الذكرى: ليس له إثبات سن نجسة مكان سنه ويجوز الطاهرة، ولو كان سن آدمى أو جبر بعظم آدمى أمكن الجواز لطهارته ولتجويز الصادق عليه السلام أخذ سن الميت لمن سقطت سنه ورد سنه الساقطة أولى بالجواز لطهارتها عندنا، ويمكن المنع في العظم لوجوب دفنه، وإن أوجبنا دفن السن توجه المنع أيضا وقال الفيروز آبادي: فصمه يفصمه كسره فانفصم وتفصم. 29 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألته عن الثنية تنفصم وتسقط أيصلح أن يجعل مكانها سن شاة ؟ فقال: إن شاء فليضع مكانها سنا بعد أن تكون ذكية (1). بيان: يحتمل هذا الخبر زائدا على مر أن يكون المراد بالسن مطلق السن


(1) المحاسن ص 644.

[234]

وبالذكى، الطاهر أو ما يقبل التذكية. 30 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن الهيثم وأحمد بن الحسن القطان و محمد بن أحمد السناني والحسين بن إبراهيم المكتب وعبد الله بن محمد الصايغ وعلي بن عبد الله الوراق جميعا، عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لا يصلى في جلود الميتة وإن دبغت سبعين مرة، ولا في جلود السباع (1). بيان: عدم جواز الصلاة في جلد الميتة مما لا خلاف، فيه حتى أن القائل بطهارته بالدباغ كابن الجنيد منع من الصلاة فيه، وقال الشيخ البهائي قدس سره لا يخفى أن المنع من الصلاة في جلد الميتة يشمل باطلاقه ميتة ذي النفس وغيره سواء كان مأكول اللحم أولا، وفي كلام بعض علمائنا جواز الصلاة في ميتة غير ذي النفس من مأكول اللحم كالسمك الطافي مثلا والمنع من الصلاة في ذلك متجه لصدق الميتة عليه، وكونه طاهرا لا يستلزم الصلاة فيه، وكان والدي قدس سره يميل إلى هذا القول ولا بأس به انتهى، ولا يخفى أن النهي عن الصلاة في جلود السباع يشمل أكثر ما اختلف في الصلاة في جلده ووبره. 31 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن الصلاة بجلود الميتة وإن دبغت (2). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: لا يصلى بجلد الميتة ولو دبغ سبعين مرة إنا أهل بيت لا نصلي بجلود الميتة وإن دبغت (3). وعنه عليه السلام أنه سئل عن جلود الغنم يختلط الذكى منها بالميتة، ويعمل منها الفراء، قال: إن لبستها فلا تصل فيها، وإن علمت أنها ميتة فلا تشترها ولا تبعها، وإن لم تعلم اشتر وبع (4). وقال: كان علي بن الحسين عليهما السلام له جبة من فراء العراق يلبسها فإذا حضرت


(1) الخصال ج 2 ص 151. (2 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 126.

[235]

الصلاة نزعها (1). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه سئل عن فرو الثعلب والسنور والسمور والسنجاب والفنك والقاقم، قال: يلبس ولا يصلى فيه، ولا يصلى بشئ من جلود السباع ولا يسجد عليه وكذلك كل شئ لا يحل أكل لحمه (2). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كره شعر الانسان فقال: كل شئ سقط من حي فهو ميتة، وكذا كل شئ سقط من أعضاء الحيوان وهي أحياء فهو ميتة لا يؤكل، ورخص فيما جز عنها من أصوافها وأوبارها وأشعارها إذا غسل أن يمس ويصلى فيه وعليه إذا كان طاهرا، خلاف شعور الناس (3). بيان: الحكم بجواز لبس المختلط مخالف للمشهور والحكم به بمجرد هذه الرواية مشكل إلا أن يحمل على ما إذا اخذ من مسلم وظن عدم تذكية بعضها كما هو الشائع فالحكم بترك الصلاة للاستحباب، كالرواية التي بعدها، وقال في المصباح المنير: القاقم حيوان ببلاد الترك على شكل الفارة إلا أنه أطول، ويأكل الفارة، هكذا أخبرني بعض الترك، وقال في حيوة الحيوان دويبة تشبه السنجاب إلا أنه أبرد منه مزاجا وأرطب، ولهذا هو أبيض يقق، ويشبه جلده جلد الفنك، وهو أعز قيمة من السنجاب انتهى، والحكم بكون شعر الانسان خلاف أشعار الحيوانات كأنه لعدم جواز الصلاة فيها كما ذكره بعض الاصحاب في شعر الغير وظاهر الاخبار الجواز. 32 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يصلى في ثوب ما لا يؤكل لحمه، ولا يشرب لبنه. فهذه جملة كافية من قول رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا يصلى في الخز والعلة في أن لا يصلى في الخز أن الخز من كلاب الماء وهي مسوخ، إلا أن يصفى وينقى وعلة أن لا يصلى في السنجاب والسمور والفنك قول رسول الله صلى الله عليه وآله المتقدم. بيان: لعل مراده عدم جواز الصلاة في جلد الخز بقرينة الاستثناء، وقد تقدم


(1 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 126.

[236]

القول في الجميع، ويمكن حمل الاكثر على الكراهة. 33 - الهداية: قال الصادق عليه السلام: صل في شعر ووبر كل ما أكلت لحمه، وما لم تأكل لحمه فلا تصل في شعره ووبره (1). 34 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: باسنادهما عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن لبس السمور والسنجاب والفنك قال: لا يلبس ولا يصلى فيه إلا أن يكون ذكيا (2). 35 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عزوجل لموسى عليه السلام (فاخلع نعليك) (3) لانها كانت من جلد حمار ميت (4). 36 - كمال الدين: عن محمد بن علي بن حاتم، عن أحمد بن عيسى الوشا، عن أحمد بن طاهر، عن محمد بن بحر، عن محمد [أحمد] بن مسرور، عن سعد بن عبد الله القمي قال: دخلت مع أحمد بن إسحاق على أبي محمد عليه السلام وعلى فخذه الايمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، فأردت أن أسأله عن مسائل، فقال: سل قرة عيني عنها - وأومأ إلى الغلام [فقال له الغلام سل] عما بدالك فكان فيما سألته أخبرني يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله عن أمر الله تبارك وتعالى لنبيه موسى عليه السلام (فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس) فان فقهاء الفريقين يزعمون أنها كانت من إهاب الميتة. فقال القائم عليه السلام: من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوته لانه ما خلا الامر فيها من خطبين إما أن تكون صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة: فان كانت


(1) الهداية ص 33. (2) قرب الاسناد ص 118 ط حجر، ص 158 ط نجف. البحار ج 10 ص 269. (3) طه: 12. (4) علل الشرايع ج 1 ص 63.

[237]

صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة، وإن كانت مقدسة مطهرة فليست بأقدس وأطهر من الصلاة. وإن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب على موسى عليه السلام أنه لم يعرف الحلال من الحرام، ولم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما لم تجز، وهذا كفر. قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما ؟ قال: إن موسى عليه السلام ناجى ربه بالواد المقدس فقال: يا رب إني أخلصت لك المحبة مني وغسلت قلبي عمن سواك، وكان شديد الحب لاهله، فقال الله تبارك وتعالى: (اخلع نعليك) أي انزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة، وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولة (1) والخبر طويل مذكور في محله (2). بيان: يظهر منه أن الخبر الاول محمول على التقية، ومع قطع النظر عنه محمول على عدم علمه عليه السلام بذلك أو أنه عليه السلام لم يكن يصلي فيها إن جوزنا الاستعمال في غيرها، أو لم يكن في شرعه تحريم الصلاة في جلد الميتة، وقد مر بعض القول فيه مع تأويل الاية وتفسيرها في المجلد الخامس (3) وقد مضى بعض الاخبار المناسبة للباب في باب ما يؤخذ من سوق المسلمين (4) وأبواب آداب اللباس.


(1) اكمال الدين ج 2 ص 134 في حديث طويل. (2) راجع ج 52 ص 83 من هذه الطبعة الحديثة. (3) راجع ج 13 ص 64 - 66 من هذه الطبعة الباب الثالث من أبواب قصص موسى عليه السلام. (4) راجع ج 80 ص 83 - 82 من هذه الطبعة.

[238]

[5] * (باب) * * (النهى عن الصلاة في الحرير والذهب والحديد) * * (وما فيه تماثيل، وغير ذلك مما نهى عن الصلاة فيه) * الايات: المائدة حرمت عليكم الميتة (1). تفسير: استدل به على تحريم لبس جلد الميتة في الصلاة وغيرها، وفيه نظر لاحتمال انصراف التحريم إلى الانتفاع الشائع وسيأتي القول فيه. 1 - الاحتجاج: كتب الحميري إلى الناحية المقدسة: إنا نجد باصفهان ثيابا عتابية على عمل الوشي من قز أو أبريسم، هل تجوز الصلاة فيها أم لا ؟ فأجاب عليه السلام لا يجوز الصلاة إلا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان (2).


(1) المائدة: 3 ولما كان تحريم الميتة على اطلاقه ولم يقيد بأكله أو بيعه وشرائه وأمثال ذلك، والاطلاق في كلام الحكيم محكم، صار المنع شاملا لجميع جهات المنافع كالحمى، ولذلك قال عليه السلام (ان الله إذا حرم شيئا حرم أكله وشربه ولبسه وملكه و امساكه وبيعه وثمنه وجميع التقلب فيه). فعلى هذا لبس جلود الميتة حرام: سواء كان في حال الصلاة أو غيرها، ولما كان ارتكاب المحرم منكرا والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، كان لبس جلود الميتة مانعا من الصلاة. (2) الاحتجاج: 275، ووجه الحديث ما مر سابقا من أن ملاك عدم الجواز في لبس الحرير والذهب قوله تعالى (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلوءا ولباسهم فيها حرير) ولا ريب أن الذى وعد المتقون من أساور الذهب ولباس الحرير هو الخالص غير المغشوش، فإذا كان اللباس من الحرير المغشوش أو الذهب قليل العيار لم يكن في التمتع بها في حياتنا الدنيا مانعا، وهذا بخلاف جلود الميتة إذ اكف بها جيب اللباس وكمه و ذيله فان مانعية الميتة كانت على الاطلاق وبحسب الفرض ولبس الحرير مانعيته بحكم السنة من أدب النبي صلى الله عليه وآله، وسيمر عليك أحاديث تشير الى ذلك.

[239]

بيان لا خلاف بين علماء الاسلام في عدم جواز لبس الحرير المحض للرجال في الصلاة وغيرها، ودلت عليه أخبار كثيرة، وذهب علماؤنا إلى بطلان الصلاة فيه، ونقلوا عليه الاجماع، ولا فرق بين أن يكون ساترا أو غيره، ونسب المحقق والعلامة عدم الفرق إلى المرتضى والشيخين وأتباعهم، والتحريم والبطلان مخصوصا بحال الاختيار، أما في حال الضرورة كدفع الحر والبرد فلا، بلا خلاف وكذا في حال الحرب وإن لم تكن ضرورة. ثم المعتبر في التحريم كون الحرير محضا ولو خيط الحرير بغيرة لم يخرج عن التحريم، وأظهر في المنع لو كانت البطانة حريرا وحدها أو الظهارة، وأما الحشو بالابريسم فذهب الاكثر إلى التحريم، ومال الشهيد في الذكرى إلى الجواز، لرواية ورد فيها تجويز الحشو بالقز، وحمله الصدوق على قز الماعز وهو بعيد، والجواز متجه لعدم تحقق الاجماع على التحريم، وإن كان كلام الفاضلين موهما له، وقد أجمع الاصحاب ودلت الاخبار على أن المحرم إنما هو الحرير المحض، أما الممتزج بغيره فالصلاة فيه جائزة، سواء كان الخليط أقل أو أكثر، ولو كان عشرا كما نص عليه في المعتبر، ما لم يكن مستهلكا بحيث يصدق على الثوب أنه أبريسم محض، فانه ورد في الاخبار الكثيرة حصر المحرم في الحرير المحض أو المبهم، فما ورد هذا الخبر من ذكر السدى أو اللحمة لعله على المثال أو على الاستحباب، وكذا تخصيص الخليط بالقطن والكتان، فلو كان صوفا أو فضة أو غيرهما يصدق عليه أنه ليس بحرير محض. وفي القاموس الوشي نقش الثوب، ويكون من كل لون، ووشى الثوب كوعى وشيا وشية حسنة نمنمه ونقشه وحسنه كوشاه وفي المصباح المنير: وشيت الثوب وشيا من باب وعد رقمته ونقشته، فهو موشى، والاصل على مفعول، والوشي نوع من الثياب الموشية تسمية بالمصدر، وقال: القز معرب، قال الليث هو ما يعمل منه الابريسم، ولهذا قال بعضهم القز والابريسم مثل الحنطة والدقيق. 2 - قرب الاسناد وكتاب المسائل: بسنديهما عن علي بن جعفر، عن أخيه

[240]

عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له لبس الطيلسان فيه الديباج والبركان عليه حرير قال: لا (1). وسألته عن الديباج هل يصلح لبسه للنساء قال: لا بأس (2). توضيح: الديباج معرب ديباه وفي المصباح المنير الديباج ثوب سداه ولحمته أبريسم، ويقال: هو معرب ثم كثر حتى اشتقت العرب منه، فقالوا: دبج الغيث الارض دبجا من باب ضرب إذا سقاها فأنبتت أزهارا مختلفة، لانه عندهم اسم للمنقش، واختلف في الياء فقيل زائدة ووزنه فيعال، ولهذا يجمع بالياء فيقال دبابيج، وقيل هو أصل والاصل دباج بالتضعيف، فابدل من أحد المضعفين حرف العلة، ولهذا يرد في الجمع إلى أصله، وقال الفيروز آبادي يقال: للكساء الاسود البركان والبركاني مشددتين انتهى، وظاهره أنه إذا كان بعض أجزاء الثوب حريرا (3) لا تجوز الصلاة فيه. والظاهر في الزر إذا كان حريرا الجواز، لما رواه الشيخ في الصحيح (4) عن يوسف بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالثوب أن يكون سداه وزره وعلمه حريرا، وإنما كره الحرير المبهم للرجال. وأما الكف (5) به بأن يجعل في رؤس الاكمام والذيل وحول الزيق (6)


(1) قرب الاسناد ص 118 ط حجر. 159 ط نجف كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 263. (2) قرب الاسناد ص 101 ط حجر، 134 ط نجف، البحار ج 10 ص 263. (3) بل الثوب البركاني كله ابريسم، فانه معرب پرنيان وهو الحرير المنقش في غاية اللطافة يجلب من الصين، وقد عربوها بصور مختلفة: برنكان كزعفران، برنكانى كزعفراني وبركاني وبركان بابدال النون راء وادغامه في الراء الاولى مشددتين. (4) التهذيب ج 1 ص 195. (5) هو الخياطة الثانية بعد الشل كخياطة الحاشية. (6) الزيق من القميص: ما أحاط منه بالعنق، وما كف جانبه الجيب.

[241]

والجيب فالمعروف بين الاصحاب جوازه، واستدل عليه الفاضلان بما رواه العامة عن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن الحرير إلا في موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع ومن طريق الاصحاب ما رواه جراح المدائني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج، والرواية مجهولة غير دالة على الجواز، لان الكراهة في عرف الحديث تطلق على معنى شامل للحرمة كما لا يخفى على المتتبع، وكونها حقيقة في المعنى المصطلح غير واضح، بل بعض المحدثين يستدلون بها إذا ورد في الحديث على التحريم وهو إفراط، والحق أنه لا يفهم منها التحريم والكراهة المصطلحة، إلا بالقرينة، على أن الرواية معارضة بما دل على تحريم لبس الحرير مطلقا. وربما يستدل عليه بفحوى رواية يوسف المتقدمة، قيل: وربما ظهر من عبارة ابن البراج المنع من ذلك، والاحتياط يقتضيه، وقال الشهيد الثاني - ره -: التحديد بأربع أصابع ورد في أحاديث العامة، ولم نقف على تحديده في أخبارنا، وللتوقف فيه مجال وهو حسن، ثم على تقدير اعتباره فالمعتبر أربع أصابع مضمومة. ثم اختلفوا فيما لا يتم الصلاة فيه منفردا إذا كان من حرير فالمشهور الجواز وذهب المفيد والصدوق وابن الجنيد إلى المنع، وقواه في المختلف، وبالغ الصدوق في الفقيه، فقال: لا تجوز الصلاة في تكة رأسها من أبريسم، والثاني أحوط، ولعله أقوى أيضا إذ الاخبار مختلفة، وأخبار المنع أكثر وأقوى سندا. وأما ما ورد في الخبر من جواز لبس الحرير للنساء فقد أجمع المسلمون عليه كما نقله جماعة، واختلف في جواز اللبس لهن في حال الصلاة، فذهب الاكثر إلى الجواز، والصدوق إلى المنع لبعض الاخبار الواردة في ذلك، وسيأتي بعضها ولعل الجواز أقوى، وبحمل أخبار المنع على الكراهة، وإن كان الترك أحوط، وفي الخنثى إشكال والاحوط المنع، وإن كان الجواز أقوى. 3 - العلل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن


(1) الكافي ج 6 ص 454.

[242]

الحسن، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: إني احب لك ما احب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي، فلا تتختم بخاتم ذهب، فانه زينتنا في الاخرة، ولا تلبس القرمز فانه من أردية إبليس، ولا تركب بميثرة حمراء فانها من مراكب إبليس، ولا تلبس الحرير فيحرق الله جلدك يوم القيامة (1). بيان: في القاموس القرمز بالكسر صبغ أرمني يكون من عصارة دود تكون في آجامهم انتهى، ويدل على المنع من الصلاة في الثوب المصبوغ به، وحمل على الكراهة ولا يضر كونه حيوانا غير مأكول اللحم إذ لا نفس له، مع أن المتبادر منه أن يكون له لحم، وذهب أبو الصلاح وابن إدريس وابن الجنيد إلى كراهة الصلاة في مطلق الثوب الشديد اللون، وإليه ينظر كلام المبسوط، ومال إليه الشهيد في الذكرى، وقال: إن كثيرا من الاصحاب اقتصروا على السواد والمعصفر والمزعفر والمشبع بالحمرة، وأما الالوان الضعيفة فالمستفاد من كلام الاصحاب عدم كراهتها مطلقا. وقال بعض المحققين: ولا يبعد استثناء السواد منها، فيحكم بكراهته، وإن كان ضعيفا لاطلاق الاخبار الواردة فيه، وهو حسن، إذا صدق عليه السواد، وقد استثنوا من السواد الخف والعمامة والكساء لورود الاخبار به. وقال ابن الاثير في النهاية: فيه أنه نهى عن ميثرة الارجوان الميثرة بالكسر مفعلة من الوثارة، يقال وثر وثارة فهو وثير أي وطئ لين، وأصلها موثرة، فقلبت الواو ياء لكسرة الميم، وهي من مراكب العجم تعمل من حرير أو ديباج، والارجوان صبغ أحمر ويتخذ كالفراش الصغير، ويحشى بقطن أو صوف يجعلها الراكب تحته على الرحال فوق الجمال، ويدخل فيه مياثر السرج لان النهي يشمل كل ميثرة حمراء، سواء كان على رحل أو سرج انتهى. والعامة حملوا النهي على التحريم حملا له على الحرير، وذهب أصحابنا


(1) علل الشرايع ج 2 ص 37.

[243]

إلى الكراهة للونها، سواء كانت من حرير أم لا، إذ لا يحرم الركوب على الحرير على المشهور والاحوط ترك الملون بهذا اللون مطلقا، سواء كان متصلا بالسرج أو غشاء فوقه أو فراشا محشوا يجعل فيه، ويدل الخبر على حرمة لبس الحرير للرجال مطلقا. 4 - العيون: عن جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه محمد بن شاذان، عن الفضل ابن شاذان، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا عليه السلام [عن الصلاة] في الثوب المعلم فكره ما فيه تماثيل (1). بيان: يدل على عدم كراهة الصلاة في المعلم، والكراهة فيما فيه تماثيل ولا خلاف ظاهرا بين الاصحاب في رجحان الاجتناب عن التماثيل والصورة في الخاتم والثوب، والحق به السيف، والخلاف في مقامين: الاول: المشهور بين الاصحاب كراهة الصلاة فيما ذكر، وقال الشيخ في المبسوط: الثوب إذا كان فيه تماثيل وصور لا تجوز الصلاة فيه، وقال: فيه لا يصلى في ثوب فيه تماثيل ولا في خاتم كذلك وكذا في النهاية وحرم ابن البراج الصلاة في الخاتم الذي فيه صورة، ولم يذكر الثوب، والاشهر أقرب، وإن كان الاحوط الترك. الثاني: ظاهر الاكثر عدم الفرق بين صور الحيوان وغيره، وقال ابن إدريس: إنما تكره الصلاة في الثوب الذي عليه الصور والتماثيل من الحيوان وأما صور غير الحيوان فلا بأس، وما ذكره الاكثر وإن كان أوفق بكلام اللغويين، فان أكثرهم فسروا الصورة والمثال والتمثال بما يعم ويشمل غير الحيوان أيضا لكن ظاهر إطلاق أكثر الاخبار التخصيص، ففي بعض الروايات الواردة في خصوص هذا المقام مثال طير أو غير ذلك، وفي بعضها صورة إنسان وفي بعضها تمثال جسد، وعن أبي جعفر عليه السلام قال: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) (2) هم المصورون يكلفون يوم


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 18 في حديث طويل. (2) الاحزاب: 57.

[244]

القيامة أن ينفخوا فيها الروح (1) وفي خبر المناهي عن النبي صلى الله عليه وآله من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها وليس بنافخ (2) وفي الخصال عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من صور صورة كلف أن ينفخ فيها وليس بفاعل، الخبر (3). فهذه الاخبار وأمثالها تدل على إطلاق المثال والصورة على ذي الروح، وقد وردت أخبار كثيرة تتضمن جواز عمل صور غير ذي الروح، ولا يخلو من تأييد لذلك. وكذا ما ورد في جواز كونها في البيت فقد روى الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل أتاني فقال إنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب ولا تمثال جسد، ولا إناء يبال فيه (4). وفي الموثق عنه عليه السلام في قول الله عزوجل (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) (5) فقال: والله ما هي تماثيل الرجال والنساء، ولكنها الشجر وشبهه (6). وفي الحسن كالصحيح عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا بأس بأن يكون التماثيل في البيوت إذا غيرت رؤسها منها، وترك ما سوى ذلك (7). وفي الصحيح عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الدار والحجرة فيها التماثيل أيصلى فيها ؟ قال: لا يصلى فيها وشئ يستقبلك إلا أن لا تجدبدا فتقطع رؤسهم وإلا فلا تصل فيها (8).


(1) راجع المحاسن ص 616. (2) أمالى الصدوق ص 254. (3) الخصال ج 1 ص 54. (4) الكافي ج 3 ص 393. (5) السبأ: 12. (6 - 8) الكافي ج 6 ص 527.

[245]

وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله إنا لا ندخل بيتا فيه صورة إنسان (1) الخبر. وروى الطبرسي في المكارم عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا بأس أن تكون التماثيل في البيوت إذا غيرت الصورة (2). ووجه الدلالة في الجملة في تلك الاخبار غير نقى وسيأتي بعضها في أبواب المكان وقد صرح بعض اللغويين أيضا بما ذكرنا قال المطرزي في المغرب: التمثال ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح، والصورة عام، ويشهد لهذا ما ذكر في الاصل أنه صلى وعليه ثوب فيه تماثيل كره له ذلك، قال: وإذا قطعت رؤسها فليس بتماثيل، وقوله عليه السلام لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل أو تصاوير كأنه شك من الراوي، وأما قولهم ويكره التصاوير والتماثيل، فالعطف للبيان وأما تماثيل شجر فمجاز إن صح، وقال في المصباح المنير: المثال الصورة المصورة وفي ثوبه تماثيل أي صور حيوانات مصورة. وقال في الذكرى: وخص ابن إدريس الكراهية بتماثيل الحيوان لا غيرها، كالاشجار ولعله نظر إلى تفسير قوله تعالى (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) فعن أهل البيت عليهم السلام أنها كصور الاشجار، وقد روى العامة في الصحاح أن رجلا قال لابن عباس: إني اصور هذه الصور فأفتني فيها، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم وقال: إن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له. وفي مرسل ابن أبي عمير (3) عن الصادق عليه السلام في التماثيل في البساط لها عينان وأنت تصلي، فقال: إن كان لها عين واحدة فلا بأس وإن كان لها عينان فلا، وعن محمد


(1) الكافي ج 6 ص 528. (2) مكارم الاخلاق ص 153. (3) الكافي ج 3 ص 392.

[246]

ابن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام لا بأس أن تكون التماثيل في الثوب إذا غيرت الصورة منه، وأكثر هذه يشعر بما قاله ابن إدريس وإن أطلقه كثير من الاصحاب انتهى. أقول: مع قطع النظر عن دلالة تلك الاخبار على تخصيص مدلول التماثيل والصورة نقول إذا جاز الصلاة وزالت الكراهة بمحض النقص في عضو من الحيوان مع أن سائر أجزائه مماثلة لما وجد منها في الخارج فالشجر وأمثاله أولى بالجواز وبالجملة الجزم بالتعميم مع ذلك مشكل مع تأيد التخصيص لاصل البراءة، و مناسبته للشريعة السمحة، ولقوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) (2) وإن كان الاحوط ترك لبس المصور مطلقا. وأما الاخبار الدالة على الجواز فكثيرة منها ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يصلي وفي ثوبه دراهم فيها تماثيل فقال: لا بأس بذلك (3). وروى الكليني في الصحيح عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام أنه أراه خاتم أبي الحسن عليه السلام وفيه وردة وهلال في أعلاه (4). والاخبار الواردة بلفظ الكراهة ولا أشتهي ولا احب كثيرة وروي في الصحيح عن زرارة، عن أبي جعفر قال: لا بأس بتماثيل الشجر (5). وفي الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن تماثيل الشجر والشمس والقمر، فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان (6). وقال في المنتهى: لو غير الصورة من الثوب زالت الكراهية وذكر صحيحة محمد


(1) التهذيب ج 1 ص 240. (2) الاعراف: 29، (3) التهذيب ج 1 ص 240. (4) الكافي ج 6 ص 437. (5 - 6) راجع المحاسن ص 619.

[247]

ابن مسلم التي رواها في الذكرى. 5 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن القاسم ابن يحيى، عن جده الحسن بن راشد، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يعقد الرجل الدراهم التي فيها صورة في ثوبه، وهو يصلي، ويجوز أن تكون الدراهم في هميان أو في ثوب إذا خاف ويجعلها إلى ظهره (1). توضيح: ما دل عليه من كراهة استصحاب الدراهم التي فيها صورة في الصلاة هو المشهور بين الاصحاب، وتزول أو تخف الكراهة بشدها في ثوب أو هميان وشدها في وسطه، بحيث تكون الدراهم خلفه، لا بمعنى أن يضعها خلفه، كما فهم ولعل النكتة في ذلك أنها إذا كانت خلفه ولم تكن بينه وبين القبلة، كان أبعد من توهم العبادة لها، ومشابهة عبادة الاصنام. ويؤيده ما رواه الصدوق في الفقيه (2) بسنده الحسن أنه سأل عبد الرحمان ابن الحجاج أبا عبد الله عليه السلام عن الدراهم السود تكون مع الرجل وهو يصلي، مربوطة أو غير مربوطة ؟ قال: ما أشتهي أن يصلي ومعه هذه الدراهم التي فيها التماثيل ثم قال عليه السلام: ما للناس بد من حفظ بضائعهم فان صلى وهي معه فليكن من خلفه، ولا يجعل شيئا منها بينه وبين القبلة. وقال العلامة في المنتهى: لو كانت معه دراهم فيها تماثيل استحب له أن يواريها عن نظره، لما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الدراهم السود فيها التماثيل أيصلي الرجل وهي معه ؟ فقال: لا بأس بذلك إذا كانت مواراة (3) وعن ليث المرادي، عن أبي عبد الله عليه السلام وإذا كانت معك دراهم سود فيها تماثيل فلا تجعلها بين يديك، واجعلها من


(1) الخصال ج 2 ص 165. (2) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 166 ط نجف. (3) التهذيب ج 1 ص 240.

[248]

خلفك (1) انتهى. والخبر الاخير يحتمل أن يكون المراد به وضعها خلفه لما ذكر، أو لعدم شغل القلب به، ولعله محمول على ما إذا لم يخف التلف، فان معه يكون شغل القلب أكثر. 6 - العلل والخصال: بالاسناد المتقدم عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا تلبسوا السواد فانه لباس فرعون (2). 7 - المحاسن: عن بعض أصحابه، عن ابن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يكون معي الدراهم فيها تماثيل وأنا محرم، فأجعلها في همياني وأشد في وسطي ؟ قال: لا بأس، أو ليس هي نفقتك تعينك بعد الله (3). 8 - الخصال: عن أحمد بن الحسن القطان، عن الحسن بن علي السكري عن محمد بن زكريا البصري، عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: يجوز للمرءة لبس الديباج والحرير في غير صلاة وإحرام وحرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد، ويجوز أن تتختم بالذهب وتصلي فيه، وحرم ذلك على الرجال (4). قال النبي صلى الله عليه وآله يا علي: لا تتختم بالذهب فانه زينتك في الجنة، ولا تلبس الحرير فانه لباسك في الجنة (5). 9 - غوالى اللئالى: قال النبي صلى الله عليه وآله: مشيرا إلى الذهب والحرير: هذان محرمان على ذكور امتي دون إناثهم.


(1) التهذيب ج 1 ص 240. (2) علل الشرايع ج 2 ص 35، الخصال ج 2 ص 158. (3) المحاسن ص 358. (4 و 5) الخصال ج 2 ص 142 في حديث طويل.

[249]

10 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: لا يصلى في الديباج، و لا يصلى في ثوب أسود، ولا على ثوب عليه اسم الله كثيرا، ولا على ثوب فيه تصاوير. ثم قال: والعلة في أن لا يصلي في الابريسم لانه من لعاب الدود. والدود ميتة ! 11 - كتاب المسائل وقرب الاسناد: بسنديهما عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الخلاخل هل يصلح لبسها للنساء والصبيان ؟ قال: إن كن صماء فلا بأس، وإن كان لها صوت فلا (1). بيان: المشهور بين الاصحاب كراهة الخلخال المصوت للمرءة، وهذا الخبر في سائر الكتب مروي بسند صحيح (2) ولا اختصاص له بحال الصلاة، بل المستفاد منه الكراهة مطلقا، وقال ابن البراج على ما حكي عنه لا تصح الصلاة في خلاخل النساء إذا كان لها صوت، والاظهر الكراهة لقصور الرواية عن إفادة التحريم. 12 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: اصلي في قلنسوة سوداء ؟ قال: لا تصل فيها، فانها لباس أهل النار (3). 13 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن الاشعري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكره السواد إلا في ثلاثة: العمامة والخف والكساء (4).


(1) قرب الاسناد: 101 ط حجر، 134 ط نجف، البحار ج 10 ص 263. (2) الكافي ج 3 ص 404، الفقيه ج 1 ص 165. (3) علل الشرائع ج 2 ص 25. (4) علل الشرايع ج 2 ص 36.

[250]

14 - رجال الكشى: الخلف بن حماد، عن سهل بن زياد، عن علي بن الحكم، عن علي بن المغيرة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كأني بعبدالله بن شريك العامري عليه عمامة سوداء، ذوابتاها بين كتفيه مصعدا في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت في أربعة آلاف يكبرون ويكرون (1). بيان: قال الفيروز آبادي: اللحف بالكسر أصل الجبل. 15 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن بن فضال عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يصلي وعليه خاتم حديد، قال: لا، ولا يتختم به الرجل، لانه من لباس أهل النار (2). وقال لا يلبس الرجل الذهب ولا يصلي فيه، لانه من لباس أهل الجنة (3).


(1) رجال الكشى ص 190 تحت الرقم: 97. (2) قال الله عزوجل: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار... ولهم مقامع من حديد) الحج: 20 - 22، والمراد بالثياب من النار الحديد والقطر والنحاس المحترقة بالنار بقرينة قوله (قطعت) ومثله قوله تعالى: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد * سرابيلهم من قطرآن) ابراهيم: 50 وقوله تعالى: (خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) الحاقة: 30 - 32، وغير ذلك من الايات التى تشير إلى ان الحديد وما شابهه لباس أهل النار، فكما نهى النبي صلى الله عليه وآله ان يبتدروا إلى لباس أهل الجنة في الدنيا، بقية لهم في نعيم الاخرة، كذلك نهى أن يلبسوا لباس أهل النار فيعجلوا إلى عذابه كأنهم غير مبالين بهذا العذاب. هذا إذا كان الحديد صيقليا أو مموها بالاستيل ونحوه، وأما إذا كان ذا خبث ظاهر فهو خبيث غير طاهر لا يليق لبسه في الصلاة كما قال صلى الله عليه وآله (ما طهرت كف فيها خاتم حديد). (3) علل الشرائع ج 2 ص 37.

[251]

بيان: اشتمل الخبر على حكمين أحدهما المنع من لبس خاتم الحديد في الصلاة، والمشهور بين الاصحاب كراهة استصحاب الحديد ظاهرا فيها، وقال الشيخ في النهاية: ولا تجوز الصلاة إذا كان مع الانسان شئ من حديد مشهر، مثل السكين والسيف، وإن كان في غمد أو قراب فلا بأس بذلك، وعن ابن البراج أنه عد ثوب الانسان إذا كان فيه سلاح مشهر مثل سكين أو سيف مما لا يصح الصلاة فيه على حال، قال: وكذلك إذا كان في كمه مفتاح حديد إلا أن يلفه بشئ، و إذا كان معه دراهم سود إلا أن يلفه في شئ ولعل الكراهة أقوى، لضعف الاخبار وعدم صراحتها في التحريم وقال المحقق وتسقط الكراهة مع ستره وقوفا بالكراهة على موضع الوفاق ممن كرهه، وهو قريب لدلالة بعض الاخبار عليه. وثانيهما المنع عن لبس الخاتم من الذهب والصلاة فيه، فأما تحريم لبس الذهب للرجال فلا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بطلان الصلاة فيما لا تتم فيه كالخاتم منه مثلا، وذهب العلامة والاكثر إلى البطلان، وقوى المحقق عدمه، قال في الذكرى: الصلاة في الذهب حرام على الرجال فلوموه به ثوبا وصلى فيه بطل، بل لو لبس خاتما منه وصلى فيه بطلت صلاته، قاله الفاضل للرواية، ولان فعل المنهى عنه مفسد للعبادة، وقوى في المعتبر عدم الابطال بلبس خاتم من ذهب، لاجرائه مجرى لبس خاتم مغصوب، والنهي ليس عن فعل من أفعال الصلاة، ولا عن شرط من شروطها. ثم قال الشهيد - ره -: لوموه الخاتم بذهب فالظاهر تحريمه لصدق اسم الذهب عليه، نعم لو تقادم عهده حتى اندرس وزال مسماه جاز، ومثله الاعلام على الثياب من الذهب أو المموه به، في المنع من لبسه والصلاة فيه، قال أبو الصلاح: يكره الصلاة في الثوب المصبوغ وآكده كراهية الاسود، ثم الاحمر المشبع، و المذهب، والموشح والملحم بالحرير والذهب، قال: والافضل الثياب البياض، والتحريم أحوط وأقوى. 16 - العلل: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن

[252]

هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يصلي الرجل في خاتم حديد (1). 17 - الاحتجاج: كتب الحميري إلى القائم عليه السلام يسأله عن الرجل في كمه أو سراويله سكين أو مفتاح من حديد هل يجوز ذلك ؟ فكتب عليه السلام جائز (2). 18 - غيبة الشيخ: عن محمد بن أحمد بن داود، عن أحمد بن إبراهيم النوبختي عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري مثله (3). بيان: يدل على أن النهي في سائر الاخبار على الكراهة، ويحتمل أن يكون التجويز فيه لعدم كونه بارزا. 19 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الثوب فيه التماثيل أو علمة أيصلى فيه ؟ قال: لا (4). أقول: رواه في المحاسن عن موسى بن القاسم، عن أبيه، قال: سألته عن الثوب يكون فيه تماثيل أو في علمه أيصلى فيه ؟ قال: لا يصلى فيه (5). 20 - قرب الاسناد: بالاسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه قال: سألته عن الخاتم يكون فيه نقش تماثيل سبع أو طير أيصلى فيه ؟ قال: لا بأس (6). بيان: يدل على أن أخبار النهي محمولة على الكراهة، ورواه في كتاب المسائل (7) وفيه قال: لا، فيؤيد سائر الاخبار، والاعتماد على نسخ قرب الاسناد


(1) علل الشرائع ج 2 ص 37. (2) الاحتجاج ص 270. (3) غيبة الشيخ ص 249. (4) قرب الاسناد ص 86 ط حجر. (5) المحاسن: 617. (6) قرب الاسناد ص 97 ط حجر. (7) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 259.

[253]

أكثر، مع أنه رواه ابن إدريس (1) في السرائر من قرب الاسناد موافقا لما في النسخ. 21 - فقه الرضا: قال عليه السلام: لا تصلى في ديباج، ولا في حرير، ولا وشي ولا في ثوب أبريسم محض، ولا في تكة أبريسم، وإذا كان الثوب سداه أبريسم و لحمته قطن أو كتان أو صوف فلا بأس بالصلاة فيها، ولا تصل في جلد الميتة على كل حال، ولا في خاتم ذهب، ولا تشرب في آنية الذهب والفضة، ولا تصل على شئ من هذه الاشياء إلا ما يصلح لبسه (2). وقال عليه السلام: اعلم يرحمك الله أن كل شئ أنبتته الارض فلا بأس بلبسه والصلاة فيه (3). ذبيان: النهي عن الوشي إما على الكراهة أو لكونه غالبا من الحرير، وقوله ولا تصل ظاهره تحريم افتراش الحرير والذهب، وسائر ما لا يجوز الصلاة فيه حال الصلاة، والمشهور جواز الركوب على الحرير والافتراش له، وحكى في المختلف عن بعض المتأخرين القول بالمنع، وتردد فيه في المعتبر، ولعل الجواز أقرب، وفي حكم الافتراش التوسد، وأما الالتحاف ففيه إشكال، والاشهر الجواز وأما التدثر فقال الشهيد الثاني - ره -: إنه كالافتراش، وحكم بعض المتأخرين عنه بتحريمه لصدق اللبس عليه، والاحوط ترك الالتحاف والتدثر لا سيما الاخير. 22 - قرب الاسناد عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبع: عن التختم بالذهب، والشرب في آنية الذهب، والفضة، وعن المياثر الحمر، وعن لباس الاستبرق والحرير والقز والارجوان (4).


(1) السرائر ص 480. (2) فقه الرضا ص 16. (3) فقه الرضا ص 41، (4) قرب الاسناد ص 34 ط حجر ص 48 ط نجف.

[254]

23 - أربعين الشهيد: باسناده عن الشيخ، عن ابن أبي جيد، عن محمد بن الوليد، عن الحميري مثله. 24 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له ان يتختم بالذهب ؟ قال: لا (1). 25 - معاني الاخبار: عن حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيدالله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله ولا أقول نهاكم عن التختم بالذهب، وعن ثياب القسي، وعن مياثر الارجوان، وعن الملاحف المفدمة وعن القراءة وأنا راكع، قال حمزة بن محمد: القسي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير (2). 26 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد وعبد الله ابني محمد ابن عيسى، عن محمد بن أبي عمير مثله (3). 27 - ومنه: باسناده إلى البراء بن عازب قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبع نهانا أن نتختم بالذهب وعن الشرب في آنية الذهب والفضة وقال: من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الاخرة (4) وعن ركوب المياثر، وعن لبس القسي


(1) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 274. (2) معاني الاخبار ص 301. وزاد بعده: وأصحاب الحديث يقولون: القسى - بكسر القاف - وأهل مصر يقولون: القسى تنسب إلى بلاد يقال لها القس، هكذا ذكره القاسم بن سلام، وقال: قد رأيتها ولم يعرفها الاصمعي. (3) الخصال ج 1 ص 139. (4) وهذا النهى أيضا من أدبه صلى الله عليه وآله على ما مر شرحه، بيانه قوله عزوجل (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون * يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب، الزخرف: 71، وقوله تعالى: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا * متكئين فيها على الارائك... ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير قوارير من فضة

[255]

وعن لبس الحرير والديباج والاستبرق (1). بيان: قال في النهاية: فيه أنه نهى عن لبس القسى هي ثياب من كتان مخلوط حرير يؤتى بها من مصر، نسبت إلى قرية على ساحل البحر قريبا من تنيس يقال لها: القس بفتح القاف، وبعض أهل الحديث يكسرها، وقيل أصل القسي القزي بالزاي منسوب إلى القز، وهو ضرب من الابريسم، فابدل من الزاء سينا، وقيل هو منسوب إلى القس وهو الصقيع لبياضه انتهى. وقال بعض شراح البخاري: هو بمهملة وتحتية مشددتين، وفسر بثياب مضلعة فيها حرير مثل الاترنج أو كتان مخلوط بحرير، وقال في الذكرى: بفتح القاف وتشديد السين المهملة المنسوب إلى القس موضع، وهي من ثياب مصر فيها حرير انتهى، ولما كان ظاهر كلام الاكثر عدم كونه حريرا محضا، فالنهي محمول على الكراهة للونه، أو لكونه مخلوطا على ما قيل من كراهة المخلوط مطلقا، وإن لم يثبت، والمفدم يظهر من الجوهري والفيروز آبادي وغيرهما أنه المشبع بالحمرة، ومن بعضهم أنه المشبع بأي لون كان وبالنظر إلى المعنى الثاني كره الشيخ وجماعة الصلاة في الثياب المفدمة بأي لون كان كما مر قال في الذكرى: وفي المبسوط ولبس الثياب المفدمة بلون من الالوان، والتختم بالحديد مكروه في الصلاة، فظاهره كراهية المشبع مطلقا واختاره أبو الصلاح وابن الجنيد وابن إدريس، والاولى حمل رواية حماد عليه، والتخصيص بالحمرة أخذه المحقق من ظاهر كلام الجوهري انتهى.


قدروها تقديرا) الانسان: 12 - 16، فالشرب من أواني الذهب والفضة ولباس الحرير كالاتكاء على الارائك، من نعيم أهل الجنة اعدت لهم نزلا، وأدب الموعود يقتضى أن يزهد عنها في هذه الدنيا حتى ينزل عليها في الدار الاخرة ويتنعم بها، وأما الذى تنعم بها قبل الميعاد زاهدا فيها طيلة حياته الدنيا فكأنه رغب عن نعيم الاخرة ورضى بالحياة الدنيا من الاخرة. (1) الخصال ج 2 ص 1.

[256]

وقال الفيروز آبادي: الاستبرق الديباج الغليظ معرب استبروة، أو ديباج يعمل بالذهب، أو ثياب حرير صفاق نحو الديباج أو قدة حمراء كأنها قطع الاوتار. 28 - قرب الاسناد: عن محمد بن عبد الحميد وعبد الصمد بن محمد جميعا، عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: إياك أن تتختم بالذهب، فانه حليتك في الجنة، وإياك وأن تلبس القسي (1). 29 - الاحتجاج وغيبة الشيخ: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه كتب إلى صاحب الزمان عليه السلام يسأله عن الفص الخماهن، هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في أصبعه ؟ فكتب الجواب: فيه كراهية أن يصلى فيه، وفيه إطلاق، والعمل على الكراهية (2). بيان: الخماهن بالضم كلمة فارسية، قالوا حجر أسود يميل إلى الحمرة، فالظاهر أنه الحديد الصيني (3) وقيل: فيه سواد وبياض، وفي بعض نسخ الاحتجاج الجوهر بدل الخماهن ولعله تصحيف، وعلى تقديره فهو محمول على غير الجواهر التي يستحب التختم بها. أقول: قد مر الاخبار في أبواب آداب اللباس، وسيأتي بعضها في باب حكم النساء في الصلاة.


(1) قرب الاسناد ص 66 ط نجف ص 47 ط حجر. (2) الاحتجاج ص 270، غيبة الشيخ الطوسى ص 248. (3) وقال في البرهان بعد تعريفه بأنه حجر صلب أسود يضرب إلى الحمرة يسحق للاورام الصفراوية: انه نوع من الحديد يقال له بالعربية حجر حديدي وصندل حديدي.

[257]

[6] (باب) * (الصلاة في الثوب النجس أو ثوب أصابه) * * (بصاق أو عرق أو ذرق، وحكم ثياب الكفار،) * * (وما لا يتم فيه الصلاة) * الايات: المدثر: وثيابك فطهر (1). تفسير: المتبادر تطهير الثياب من النجاسات فيجب في جميع الاحوال إلا ما أخرجه الدليل، ومنها حال الصلاة، وفسر في الروايات بالتشمير، فيستفاد منه التطهير أيضا، إذ التعبير عن التشمير بالتطهير يومي إلى أن الغرض منه عدم تنجس الثوب، وقيل المراد طهر نفسك عن الرذائل أولا تلبسها على معصية ولا غدر، وهما مدفوعان بأن المجاز لا يصار إليه إلا لقرينة أو نص نعم يمكن أن يقال: لعل المراد به التنظيف بناء على عدم ثبوت الحقايق الشرعية فتأمل. 1 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن الصادق عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام سئل عن البزاق يصيب الثوب، فقال: لا بأس به (2). وقال: إن عليا عليه السلام كان لا يرى بالصلاة باسا في الثوب الذي يشترى من النصارى والمجوسي واليهودي قبل أن يغسل يعني الثياب التي تكون في أيديهم فيحبسونها، وليست بثيابهم التي يلبسونها (3).


(1) المدثر: 4، والاية من المتشابهات بأم الكتاب: ظاهره الاستقلال وأنه واجب الاتباع على الاطلاق، وليس كذلك، بل هو سنة في فريضة بتأويل النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته ولذلك لا تبطل الصلاة بالاخلال به الا عمدا كسائر السنن التى جعلت في الصلاة. (2 و 3) قرب الاسناد ص 42 ط حجر، 57 ط نجف وقد مر في ج 80 ص 46 وقابلنا الاخير على نسخة مخطوطة مصححة وفيه (فيجتنبونها) بمعنى يأخذونها جنبا ولا يلبسونها.

[258]

بيان: الظاهر أن قوله (يعني) كلام بعض الروات، أو صاحب الكتاب، و يحتمل أن يكون كلام الصادق عليه السلام والظاهر شمول البزاق لبزاق الغير، وشمول السؤال لحال الصلاة، فيدل على جواز الصلاة في فضلات الانسان من عرقه و نخامته وبصاقه وشعره وظفره كما هو الظاهر من أكثر الاخبار، ويظهر من كلام بعض الاصحاب أيضا، ويشهد لذلك مصافحتهم في البلاد الحارة ومعانقتهم مع أزواجهم مع عدم الامر بالغسل للصلاة، وعدم انفكاكهم عن العرق غالبا، قال في المنتهى: لا بأس أن يصلي الانسان وعلى ثوبه شئ من شعره أو أظفاره وإن لم ينفضه لانهما طاهران لا مانع من استصحابهما في الصلاة. ويؤيده ما رواه الشيخ (1) في الصحيح عن علي بن الريان قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: هل تجوز الصلاة في ثوب يكون فيه شعر من شعر الانسان و أظفاره من قبل أن ينفضه ويلقيه عنه ؟ فوقع يجوز. فانه وإن فرض المسألة في شعر الانسان نفسه، لكن استشهاده بالخبر يعطي العموم، وقد صرح بذلك بعض المتأخرين ونسب الشهيد الثاني الفرق بين شعرات الانسان وغيره إلى بعض الاصحاب. 2 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يرى في ثوبه خرء الحمام أو غيره، هل يصلح له أن يحكه وهو في صلاته ؟ قال: لا بأس (2). وسألته عن الرجل يشتري ثوبا من السوق لبيسا لا يدرى لمن كان ؟ يصلح له الصلاة فيه ؟ قال إن كان اشتراه من مسلم فليصل فيه، وإن كان اشتراه من نصراني فلا يصل فيه حتى يغسله (3). 3 - السرائر: من جامع البزنطي، عن الرضا عليه السلام مثله إلا أنه قال في آخره لا يلبسه ولا يصل فيه (4).


(1) التهذيب ج 1 ص 241. (2) قرب الاسناد ص 117 ط نجف 89 ط حجر. (3) قرب الاسناد ص 126 ط نجف. (4) السرائر ص 465. (*)

[259]

بيان: ظاهر الجواب الاول جواز الصلاة في خرء الطيور، وعدم كون الحك فعلا كثيرا، والثاني يدل على جواز الصلاة في ثوب أصابه عرق الغير، و على نجاسة أهل الكتاب، ولعله إما محمول على العلم بالملاقات، أو النهي على التنزيه، وقد مر القول فيه مع سائر الاخبار في كتاب الطهارة (1). 4 - قرب الاسناد: بسنده عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن أكسية المرعزى والخفاف ينقع في البول أيصلى فيها ؟ قال: إذا غسلت بالماء فلا بأس (2). بيان: المرعزى بكسر الميم والعين وتشديد الزاء المفتوحة الزغب الذي تحت شعر العنز، والغسل في الخفاف، لعله على الاستحباب، لكونها مما لا تتم الصلاة فيه منفردا، وقد مر تفصيل تلك الاحكام. 5 - الاحتجاج وغيبة الشيخ: بسنديهما أنه كتب الحميري إلى القائم عليه السلام أن عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثيابنا، فهل تجوز الصلاة فيها قبل أن تغسل ؟ فخرج الجواب: لا بأس بالصلاة فيها (3). بيان: حمل على ما إذا لم يعلم ملاقاتهم لها بالرطوبة، وإن غلب الظن بها. 6 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إن أصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة أو الجورب أو الخف مني أو بول أو دم أو غايط فلا بأس في الصلاة فيه، وذلك أن. الصلاة لا يتم في شئ من هذه وحده (4). وقال عليه السلام: روي في دم الدماميل يصيب الثوب والبدن أنه قال: يجوز فيه


(1) راجع ج 80 ص 46. (2) قرب الاسناد ص 116 ط نجف. (3) الاحتجاج ص 270، غيبة الطوسى ص 248. (4) فقه الرضا ص 6.

[260]

الصلاة، وأروي أنه لا بأس بدم البعوض والبراغيث (1). وأروى ليس دمك مثل دم غيرك ونروى قليل البول والغائط والجنابة وكثيرها سواء لابد من غسله إذا علم به، فإذا لم يعلم به أصابه أم لم يصبه، رش على موضع الشك الماء، فان تيقن أن في ثوبه نجاسة ولم يعلم في أي موضع على الثوب غسل كله (2). ونروى أن بول ما لا يجوز أكله في النجاسة ذلك حكمه، وبول ما يؤكل لحمه فلا بأس به (3). بيان: قد مر الكلام في تلك الاحكام في كتاب الطهارة. 7 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل أصا [ب ثو] به خنزير فذكر وهو في صلاته [قال:] فليمض فلا بأس، وإن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه أثر فيغسله (4). 8 - ومنه: قال: سألته عن ثياب النصراني واليهودي أيصلح أن يصلي فيه المسلم ؟ قال: لا (5). بيان: الجواب الاول يدل على عدم وجوب غسل ما لاقاه الخنزير يابسا على الظاهر، والثاني محمول على العلم بالملاقاة رطبا أو على الاستحباب، كما عرفت. 9 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: سئل علي بن أبي طالب عليه السلام عن الصلاة في الثوب الذي فيه أبوال الخنافس ودماء البراغيث، فقال: لا بأس (6). 10 - دعوات الراوندي: عن محمد بن علي عليه السلام أنه سئل عن قوله تعالى:


(1 - 3) فقه الرضا ص 41. (4) المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 256. (5) المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 262. (6) نوادر الراوندي: لم نجده وقد مر في ج 80 ص 110 وفيه الخفافيش.

[261]

(وثيابك فطهر) قال: يعني فشمر، ثم قال: لا يجوز ثوبك كعبك، فان الاسبال من عمل بني امية. 11 - قرب الاسناد: بسنده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل عريان وقد حضرت الصلاة فأصاب ثوبه بعضه دم أو كله أيصلي فيه أو يصلي عريانا ؟ قال: إن وجد ماء غسله، فان لم يجد ماء صلى فيه، ولم يصل عريانا (1). بيان: اختلف الاصحاب في هذه المسألة، فذهب الشيخ وأكثر الاصحاب إلى أن من ليس معه إلا ثوب نجس، وتعذر تطهيره، نزعه وصلى عريانا موميا، وقال ابن الجنيد: لو كان مع الرجل ثوب فيه نجاسة لا يقدر على غسلها، كان صلاته فيه أحب إلى من صلاته عريانا، وقال العلامة في المنتهى والمحقق في المعتبر بالتخيير من غير ترجيح، والاخبار في ذلك مختلفة، وجمع ابن الجنيد بينها بحمل أخبار الصلاة عاريا على الجواز، وهذا ومثله على الاستحباب، وهذا وجه قريب، ويؤيده أن في الصلاة عاريا يفوت أصل الشرط أعني الستر مع الركوع والسجود والقيام، بخلاف ما إذا صلى في الثوب النجس فانه يفوت وصف من أوصاف الشرط، ويأتي بالاركان صحيحة وأيضا أخبار الصلاة (2) في الثوب أصح سندا. وأجاب الشيخ عن هذه الاخبار بحمل الصلاة على صلاة الجنازة وبأن المراد الصلاة فيه إذا لم يتمكن من نزعه، وحمل خصوص هذا الخبر على أن المراد بالدم ما تجوز الصلاة فيه كدم السمك ولا يخفى ما في الجميع من التكلف، والاولى الصلاة في الثوب وإن كان الاحوط الصلاة عاريا أيضا. 12 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر بن محمد عليه السلام عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: السيف بمنزلة الرداء تصلي فيه


(1) قرب الاسناد ص 116 ط نجف ص 89 ط حجر. (2) راجع التهذيب ج 1 ص 199، الكافي ج 3 ص 396.

[262]

ما لم تر فيه دما (1). بيان: التقييد بعدم رؤية الدم إما على الاستحباب، أو هو مبني على اختصاص الحكم بالملابس والاثواب، وقد مر القول فيه. 13 - دعائم الاسلام: عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن الصلاة في ثياب اليهود والنصارى والمجوس يعني التي لبسوها (2). 14 - الهداية: كل ما لا تتم الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة فيه، إذا أصابه قذر، مثل العمامة والقلنسوة والتكة والجورب والخف (3). بيان: إطلاق كلامه يقتضي عدم الفرق في ما لا تتم الصلاة فيه كونه من الملابس وغيرها، ولا في الملابس بين كونها في محالها أم لا، وإلى هذا التعميم أشار في المعتبر، ونقل عن القطب الراوندي أنه حصر ذلك في خمسة أشياء: القلنسوة، والتكة، والخف. والنعل، والجورب، وعن ابن إدريس أنه خص الحكم بالملابس، واختاره العلامة في جملة من كتبه، واعتبر كونها في محالها والتعميم أظهر. ثم اعلم أن إدخال العمامة في ذلك مما تفرد - ره - به وكأنه أخذه من الفقه (4) ويشكل بأن أكثر العمائم مما تتم الصلاة فيها وحدها، ولعل مراده عدم تمام الصلاة فيها مع بقاءها على تلك الهيئة، وفيه ما لا يخفى، وربما يحمل كلامه على العمامة الصغيرة التي لا يمكن ستر العورة بها كالعصابة كما ذكره القطب الراوندي، وبالجملة العمل بظاهره مشكل، وإن احتمله بعض المحققين من المتأخرين.


(1) قرب الاسناد ص 62 ط حجر ص 82 ط نجف. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 177. (3) الهداية ص 15 ط الاسلامية. (4) فقه الرضا ص 6، وقد مر تحت الرقم 6.

[263]

[7] * (باب) * * (حكم المختضب في الصلاة) * 1 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار عن يونس، عن جماعة من أصحابنا قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام ما العلة التي من أجلها لا يحل للرجل أن يصلي وعلى شاربه الحنا ؟ قال: لانه لا يتمكن من القراءة والدعاء (1). 2 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، وغيره، عن أبان، عن مسمع بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يصلي المختضب، قلت: جعلت فداك ولم ؟ قال: إنه محصر (2). بيان: محصر أي ممنوع عن القراءة والذكر، وبعض أفعال الصلاة، قال في النهاية: الاحصار المنع والحبس، يقال أحصره المرض أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، فهو محصر، وحصره إذا حبسه فهو محصور. 3 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل والمرءة أيصلح لهما أن يصليا وهما مختضبان بالحناء والوسمة ؟ قال: إذا برز الفم والمنخر فلا بأس (3). 4 - المحاسن: عن أبيه، عن أبان، عن مسمع بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يختضب الجنب ولا يجامع المختضب، ولا يصلي المختضب


(1) علل الشرائع ج 2 ص 32. (2) علل الشرائع ج 2 ص 42. (3) قرب الاسناد ص 91 ط حجر، ومثله في المسائل: البحار ج 10 ص 269.

[264]

قلت: جعلت فداك لم لا يجامع المختضب ولا يصلي ؟ قال: لانه مختضب (1). بيان: أي الخضاب واقعا له تأثير في المنع، وليس عليكم أن تعلموا سببه، ولا يبعد أن يكون (لانه محصر) فصحف، لان الراوي واحد، ويمكن الجمع بين الاخبار بحمل أخبار المنع على ما إذا منع القراءة أو بعض الافعال، وأخبار الجواز على عدمه، فيكون المنع محمولا على الحرمة أو المنع على ما إذا لم يأت بالافعال على وجه الكمال، فيكون النهي للتنزيه، فلا ينافي الجواز. قال في المنتهى: لا با س للرجل والمرءة أن يصليا وهما مختضبان، أو عليهما خرقة الخضاب إذا كانت طاهرة، ثم استشهد بصحيحة رفاعة (2) وخبر سهل ابن اليسع (3) ثم قال: هذا وإن كان جائزا إلا أن الاولى نزع الخرقة وأن يصلي ويده بارزة، واستدل بخبر الحضرمي المشتمل على المنع (4) ثم قال: ولا فرق بين الرجل والمرءة في ذلك لرواية عمار (5) وصحيحة علي بن جعفر (6).


(1) المحاسن ص 339. (2 و 3) التهذيب ج 1 ص 238. (4) التهذيب ج 1 ص 237، الكافي ج 3 ص 408. (5 و 6) التهذيب ج 1 ص 238.

[265]

[8] * (باب) * * (حكم ناسى النجاسة في الثوب والجسد وجاهلها) * (وحكم الثوب المشتبه) 1 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن زرعة، عن سماعة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة ولم تهرق الماء، ثم توضأت ونسيت أن تستنجي، فذكرت بعد ما صليت فعليك الاعادة، وإن كنت أهرقت الماء ونسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء والصلاة وغسل ذكرك، لان البول مثل البراز (1). بيان: قد سبق الكلام فيه في كتاب الطهارة (2) وأن الاشهر في ناسي استنجاء البول ذلك، وفي نسيان استنجاء الغائط عدم الاعادة مطلقا، والاحوط العمل بالمشهور. 2 - تفسير على بن ابراهيم: من كان عليه ثوبان فأصاب أحدهما بول أو قذر أو جنابة ولم يدر أي الثوبين أصاب القذر، فانه يصلي فيهذا وفي هذا، فإذا وجد الماء غسلهما جميعا (3). بيان: يدل على وجوب الصلاة في كل من الثوبين المشتبهين، كما هو المشهور بين الاصحاب، والظاهر أخذه من الرواية، لانه من أرباب النصوص ويدل عليه حسنة صفوان (4) ونقل الشيخ في الخلاف عن بعض علمائنا أنه يطرحهما ويصلي


(1) علل الشرائع ج 2 ص 267. (2) راجع ج 80 ص 208. (3) تفسير القمى ص 70. (4) التهذيب ج 1 ص 199.

[266]

عريانا، وجعله في المبسوط رواية، واختاره ابن إدريس والاول أقوى للرواية المتقدمة ولورود الروايات بالصلاة في الثوب المتيقن النجاسة، والمشهور في الثياب الكثيرة المشتبهة أيضا ذلك، إلا، أن يضيق الوقت فيصلي عريانا على الاشهر، والاظهر تعين الصلاة في الممكن، وإن كان واحدا إذ الاظهر جواز الصلاة في الثوب المتيقن النجاسة، بل تعينها كما مر. 3 - فقه الرضا: قال عليه السلام: إن كنت أهرقت الماء فتوضأت ونسيت أن تستنجي حتى فرغت من صلاتك، ثم ذكرت فعليك أن تستنجي ثم تعيد الوضوء والصلاة (1). وقال عليه السلام: قدري وفي المنى إذا لم تعلم من قبل أن تصلي فلا إعادة عليك (2). 4 - السرائر: من كتاب المشيخة لابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رأيت في ثوبك دما وأنت تصلي ولم تكن رأيته قبل ذلك فأتم صلاتك، فإذا انصرفت فاغسله، قال: وإن كنت رأيته قبل أن تصلي فلم تغسله ثم رأيته بعد وأنت في صلاتك، فانصرف واغسله وأعد صلاتك (3). بيان: يدل ظاهرا على أن الجاهل إذا رأى في أثناء الصلاة لا يستأنف ولا يطرح، بل يتم الصلاة فيه، ويحمل على ما إذا لم يكن عليه غيره، أو لم يكن له ثوب غيره أصلا، وعلى أن الناسي إذا رأى في الاثناء يستأنف، وسيأتي تفصيل القول فيه. 5 - قرب الاسناد: عن محمد بن الوليد، عن عبد الله بن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه وهو لا يصلي فيه، قال: لا يعلمه


(1) فقه الرضا ص 3. (2) فقه الرضا ص 6. (3) السرائر ص 473.

[267]

قلت: فان أعلمه قال: يعيد (1). بيان: ظاهره أن قول المالك بالنجاسة وغيرها معتبر مقبول، ويدل على أنه لا يلزم إعلام الجاهل بشئ لا يجوز له مع علمه، ويدل عليه أيضا ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام قال: سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما وهو يصلي قال: لا يوذيه وفي بعض النسخ لا يؤذنه حتى ينصرف (2). وأما الامر بالاعادة مع الاعلام فلعله محمول على الاستحباب، أو على ما إذا صلى بعد الاخبار، وإن كان بعيدا، لما ستعرف من عدم إعادة الجاهل ولما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل صلى في ثوب رجل أياما ثم إن صاحب الثوب أخبره أنه لا يصلي فيه، قال: لا يعيد شيئا من صلاته (3). وقال في التذكرة: لو استعار ثوبا وصلى فيه ثم أخبره المالك بنجاسته لم تجب عليه الاعادة، خصوصا إذا خرج الوقت عملا بالاصل، ولان قول الغير لا يقبل في حقه، ولصحيحة العيص. 6 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: من صلى في ثوب نجس فلم يذكره إلا بعد فراغه فليعد صلاته (4). بيان: يدل على إعادة الناسي ويحمل على الوقت أو على الاستحباب كما سيأتي. 7 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز عن زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إنه أصاب ثوبي دم من الرعاف أو غيره أو شئ من مني فعلمت أثره إلى أن اصيب له ماء فأصبت الماء وقد حضرت الصلاة


(1) قرب الاسناد ص 79 ط حجر ص 103 ط نجف. (2 و 3) التهذيب ج 1 ص 239. (4) نوادر الراوندي: لم نجده.

[268]

ونسيت أن بثوبي شيئا فصليت ثم إني ذكرت بعد، قال: تعيد الصلاة وتغسله، قال: قلت: فان لم أكن رأيت موضعه، وقد علمت أنه قد أصابه فطلبته فلم أقدر عليه فلما صليت وجدته، قال: تغسله وتعيد. قال: قلت: فان ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك، فنظرت فلم أر شيئا ثم طلبت فرأيته فيه بعد الصلاة، قال: تغسله ولا تعيد الصلاة، قال: قلت: ولم ذاك ؟ قال: لانك كنت على يقين من نظافته، ثم شككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا، قلت: فاني قد علمت أنه أصابه ولم أدر أين هو فأغسله ؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه أصابها حتى تكون على يقين من طهارته. قال: قلت: فهل على إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه فأقلبه ؟ قال: لا، ولكنك إنما تريد بذلك أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك، قال: قلت: فاني رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة، قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته فيه، وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت وغسلته ثم بنيت على الصلاة، فانك لا تدري لعله شئ وقع عليك، فليس لك أن تنقض بالشك اليقين (1). توضيح: قوله عليه السلام: (لانك كنت على يقين) الخ أقول يحتمل هذا الكلام وجهين: الاول: أن يكون المعنى أنك لما كنت أولا على يقين من طهارة الثوب أي قبل أن تظن أنه أصابته نجاسة، والمراد بقوله ثم شككت الظن الذي حصل له، ثم انقلب الظن بالشك بعد النظر، ولا عبرة بهذا الشك بعد علم الطهارة، فقد صليت في ثوب محكوم بطهارته شرعا، فلا يلزمك الاعادة بطريان العلم بعد الصلاة بكون الثوب نجسا حالة الصلاة، فيومي إلى إجزاء صلاة تكون ظاهرا موافقة للامر


(1) علل الشرائع ج 2 ص 49، ورواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 199. الاستبصار ج 1 ص 91.

[269]

وإن ظهر خلافه. الثاني: أن يكون المراد بحالة اليقين مجموع حالتي اليقين والظن السابقتين، وبحالة الشك حالة الرؤية أي كنت سابقا على يقين من الطهارة وبعد الظن والتفحص لم يزل ذلك اليقين وصليت على تلك الحالة، ثم شككت بعد الرؤية في أنه هل كان حالة الصلاة الثوب نجسا أو طرأت النجاسة بعد حين الرؤية، فلا يحكم بمجرد الشك ببطلان الصلاة، وعلى هذا لا يدل على عدم إعادة الجاهل، بل فيه إيماء إلى الاعادة ولا يخفى أن الاول أظهر. وقال الشيخ البهائي قدس سره: ما تضمنه من قوله عليه السلام (تعيد الصلاة و تغسله) يدل باطلاقه على ما ذهب إليه الثلاثة قدس الله أرواحهم من أن من علم بالنجاسة ثم نسيها وصلى ثم ذكر فعليه الاعادة في الوقت وخارجه، وبه قال ابن حمزة والعلامة وشيخنا الشهيد، ونقل ابن إدريس على ذلك الاجماع، وقال: لولا الاجماع لما صرت إليه، ويؤيد ذلك إطلاقه عليه السلام الاعادة في بعض الاخبار. والشيخ في الاستبصار جمع بين هذه الاخبار بحمل ما تضمن الاعادة على أن المراد به مع بقاء الوقت وما تضمن عدمها على ما إذا خرج الوقت وهو غير بعيد، وقول زرارة (فان ظننت أنه قد أصابه إلى آخره) وقوله عليه السلام: (لانك كنت على يقين من طهارتك ثم شككت) ربما استفيد منه أن ظن النجاسة لا يقوم مقام العلم، وأن الظن. قد يطلق عليه اسم الشك وليس بشئ، فان قول زرارة (فنظرت فلم أر شيئا) يعطي تغير ذلك الظن، وقوله عليه السلام: (ثم شككت) ينبئ عن انقلاب ذلك الظن بسبب عدم الرؤية شكا. وقد دل هذا الحديث على أن من شك في أن النجاسة هل أصابت ثوبه فليس عليه أن ينظر إلى الثوب ويستعلم الحال ليصير على يقين من أمره بل يستصحب طهارة الثوب إلى أن يتحقق ما يزيلها، والمراد أن هذا التفحص ليس أمرا واجبا عليه بحيث يعاقب على تركه، والظاهر أنه لو تفحص لاستعلام الحال تحصيلا لليقين، واحتياطا لامر الدين: واهتماما بشأن العبادة، لكان مثابا ومتمثلا لقوله

[270]

(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). واعلم أن بعض الاصحاب جعل ما تضمنه هذا الحديث من قول زرارة (فاني رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة) وقوله عليه السلام في جوابه: (تنقض الصلاة) دالا على أن من علم النجاسة في ثوبه ثم نسيها ورآها في أثناء الصلاة فانه يقطع الصلاة، وهو مبني على أن هذا القول من زرارة مندرج تحت قوله في أول الحديث أصاب ثوبي دم من الرعاف أو غيره إلى قوله (ونسيت أن بثوبي شيئا) وأن قوله عليه السلام: (تنقض الصلاة) منقطع عن قوله (وتعيد إذا شككت) إلى آخره. وهو كما ترى، فان الظاهر أن هذا القول من زرارة غير مندرج تحت كلامه ذلك، ولا منخرط في سلكه، وأن قوله عليه السلام (تنقض الصلاة) غير منقطع عن قوله (وتعيد إذا شككت) بل هو مرتبط به. وظني أن هذا القول من زرارة إن جعل مرتبطا بما قبل فليجعل مرتبطا بقوله (فهل على إن شككت) فكأنه قال: إذا شككت قبل الصلاة في إصابته ثوبي ثم رأيته فيه وأنا في الصلاة فما الحكم ؟ فأجابه عليه السلام بأنه إذا سبق شكك في موضع من الثوب أنه أصابه نجاسة ثم رأيتها وأنت في الصلاة فانقض الصلاة وأعدها، وإن لم يكن سبق منك شك في إصابة النجاسة وكنت خالي الذهن من ذلك، ثم رأيته على وجه يحتمل تجدده في ذلك الوقت، قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت ولعل بعض الشقوق الاخر المحتملة كان زرارة عالما بها، فلذلك سكت عليه السلام عن التعرض لها انتهى. وقال الشهيد طاب ثراه في الذكرى: ولو قيل لا إعادة على من اجتهد قبل الصلاة، ويعيد غيره، أمكن لما رواه محمد بن مسلم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر المنى فشدده وجعله أشد من البول ثم قال: إن رأيت المني قبل أو بعد ما تدخل في الصلاة فعليك إعادة الصلاة، فان أنت نظرت في ثوبك فلم تصبه ثم صليت


(1) التهذيب ج 1 ص 72 و 99.

[271]

فيه ثم رأيته بعد فلا إعادة عليك. وكذا البول إن لم يكن إحداث قول ثالث. اقول: قد مر بعض القول منا فيه في كتاب الطهارة (1). 8 - قرب الاسناد: وكتاب المسائل بسنديهما، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن رجل احتجم فأصاب ثوبه دم فلم يعلم به حتى إذا كان من الغد كيف يصنع ؟ قال: إن كان رآه فلم يغسله فليقض جميع ما فاته على قدر ما كان يصلي، ولا ينقص منها شئ، وإن كان رآه وقد صلى، فليعتد بتلك الصلاة ثم ليغسله (2). بيان: يستفاد منه بظاهره إعادة العامد والناسي في الوقت وخارجه، وعدم إعادة الجاهل مطلقا، وجملة القول فيه أنه لا خلاف في العامد العالم بعدم جواز الصلاة في الثوب النجس أنه يعيد في الوقت وخارجه، إن لم تكن النجاسة من المستثنيات، وأما العامد الجاهل للحكم فالمشهور فيه أيضا ذلك، وفيه إشكال، وإن كان العمل بالمشهور أحوط بل أقوى. وأما الناسي فذهب الشيخ في أكثر كتبه والمفيد والمرتضى وابن إدريس إلى الاعادة في الوقت وخارجه، وحكي عن الشيخ في بعض أقواله عدم وجوب الاعادة مطلقا، ومال إليه في المعتبر، وذهب في الاستبصار إلى أنه يعيد في الوقت دون خارجه، جمعا بين الاخبار كما عرفت، والاحوط الاول والثاني لعله أقوى


(1) راجع ج 80 ص 124 - 125. (2) قرب الاسناد ص 95 ط حجر، 125 ط نجف: ووجه الحديث - مع ما سبق في ذيل قوله تعالى (وثيابك فطهر والرجز فاهجر) أن طهارة الثوب والبدن من سنن الصلاة فلا تبطل الصلاة بالاخلال به الا عمدا - أن الذى علم بنجاسة الثوب والبدن ثم نسى وصلى بالنجاسة، كالعامد حيث أهمل طهارته حين علم بالنجاسة حتى نسيه. وفى الموثق عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرى في ثوبه الدم فينسى أن يغسله حتى يصلى، قال: يعيد صلاته، كى يهتم بالشئ إذا كان في ثوبه، عقوبة لنسيانه، قلت: فكيف يصنع من لم يعلم ؟ أيعيد حين يرفعه ؟ قال: لا، ولكن يستأنف. (*)

[272]

إذ يمكن حمل أخبار الاعادة علي الاستحباب. وأما الجاهل للنجاسة إذا لم يعلم إلا بعد الصلاة، فالمشهور عدم الاعادة مطلقا، وقال الشيخ في المبسوط: يعيد في الوقت خاصة، وظاهرهم الاتفاق على عدم وجوب القضاء إذا علم بها بعد الوقت، ونقل في المهذب عليه الاجماع، وربما ظهر من عبارة المنتهى تحقق الخلاف فيه أيضا، والاظهر عدم الاعادة مطلقا. ولو وجد في ثوبه أو جسده نجاسة وهو في الصلاة فاما أن يعلم سبقها على الصلاة أم لا ؟ أما الاول فقد صرح الشيخ في المبسوط والنهاية والفاضلان ومن تبعهم بأنه يجب عليه إزالة النجاسة، أو إلقاء الستر النجس، وستر العورة بغيره مع الامكان، وإتمام الصلاة، وإن لم يمكن إلا بفعل المبطل كالفعل الكثير و الاستدبار بطلت صلاته واستقبلها بعد إزالة النجاسة. قال في المعتبر: وعلى قول الشيخ الثاني يستأنف، وأشار بالقول الثاني إلى ما نقله عن المبسوط من إعادة الجاهل الذي لم يعلم بالنجاسة حتى فرغ من صلاته في الوقت. وقال السيد في المدارك: ويشكل بمنع الملازمة، إذ من الجائز أن تكون الاعادة لوقوع الصلاة بأسرها مع النجاسة، فلا يلزم مثله في البعض، وبأن الشيخ قطع في المبسوط بوجوب المضي في الصلاة مع التمكن من إلقاء الثوب وستر العورة بغيره، مع حكمه فيه باعادة الجاهل في الوقت. وقد اختلف الروايات في ذلك، فمقتضى روايتي زرارة ومحمد بن مسلم المتقدمتين تعين القطع مطلقا سواء تمكن من إلقاء الثوب وستر العوره بغيره أم لا وروى محمد بن مسلم (1) في الحسن قال: قلت له: الدم يكون في الثوب علي وأنا في الصلاة، قال: إن رأيته وعليك ثوب غيره فاطرحه وصل، وإن لم يكن عليك


(1) التهذيب ج 1 ص 72.

[273]

غيره فامض في صلاتك ولا إعادة عليك، ويدل على عدم إعادة الجاهل إن علم في الاثناء، وكذا صحيحة ابن سنان (1) السابقة ويدل هذا على جواز إتمام الصلاة في الثوب إن لم يكن عليه غيره، ويمكن حمله على ما إذا لم يكن له غيره. وقال بعض المحققين: الجمع بين الروايات يتحقق بحمل ما تضمن الامر بالاستيناف على الاستحباب، وإن جاز المضي في الصلاة مع طرح الثوب النجس، إذا كان عليه غيره، وإلا مضى مطلقا ولا بأس بالمصير إلى ذلك، وإن كان الاستيناف مطلقا أولى وأحوط. وأما الثاني وهو أن لا يعلم السبق فالاظهر وجوب طرح النجاسة أو غسلها وإتمام الصلاة ما لم يكثر الفعل، وإلا استأنف وجعل في المعتبر وجوب الاستيناف هنا مبنيا على القول باعادة الجاهل في الوقت، والاشكال في هذا البناء أكثر من السابق. ولو صلى ثم رأى النجاسة وشك هل كانت عليه في الصلاة أم لا ؟ فالصلاة ماضية، قال في المنتهى لا نعرف فيه خلافا بين أهل العلم، ولو علم بالنجاسة السابقة في أثناء الصلاة عند تضيق الوقت عن الازالة والاستيناف فقد قطع الشهيد في البيان بوجوب الاستمرار، ومال إليه في الذكرى، والمسألة مشكلة، ولعل الاحوط الصلاة مع النجاسة والقضاء بعد الازالة. ثم اعلم أن الظاهر من الادلة أن الجاهل والناسي في ساير الشروط حكمهما عدم الاعادة في الوقت وخارجه كالمصلي في الميتة أو الحرير أو جلد ما لا يؤكل لحمه أو الساجد على النجس، أو ما لا يصح السجود عليه، أو المصلي مكشوف العورة وغير ذلك، إلا في استقبال القبلة، فان فيه كلاما سيأتي.


(1) نقلا من السرائر تحت الرقم: 4.

[274]

[9] (باب) * (الصلاة في النعال والخفاف، وما يستر) * * (ظهر القدم بلا ساق) * 1 - غيبة الشيخ والاحتجاج: فيما كتب الحميرى إلى الناحية المقدسة: هل يجوز للرجل أن يصلي وفي رجليه بطيط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز ؟ فخرج الجواب: جائز (1). ايضاح: قال في القاموس: البطيط رأس الخف بلا ساق انتهى. أقول: اختلف الاصحاب في الصلاة فيما يستر ظهر القدم ولا ساق له بحيث يغطي المفصل الذي بين الساق والقدم وشيئا من الساق، وإن قل، فذهب المفيد في المقنعة والشيخ في النهاية وابن البراج وسلار والفاضلان إلى التحريم، إلا أن سلارا استثنى الصلاة على الموتى، والاشهر الكراهة، واستدل الاولون بعدم صلاة النبي صلى الله عليه وآله والصحابة والتابعين في هذا النوع وهو ممنوع، وعلى تقدير التسليم لا يدل على التحريم، وهذا الخبر يدل على الجواز وهو أقوى، واستند من حكم بالكراهة إلى الخروج عن الخلاف، وذكر الاكثر أن الحكم مختص بما يستر ظهر القدم كله، ولا يبعد شموله لما يستر أكثر ظهر القدم أيضا، لتمثيلهم بالشمشك والنعال السندية، فان أكثرها لا تستر جميع ظهر الفدم، وعلى ما اخترنا لا جدوى في تحقيق ذلك. وأما ما لا يستر أكثر ظهر القدم كالنعال العربية أو ماله ساق كالجرموق والخف فلا خلاف في جواز الصلاة فيها، وعدم كراهتها. 2 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام قال: إن كل شئ عليك تصلي


(1) غيبة الشيخ الطوسى: 241، الاحتجاج: 270.

[275]

فيه يسبح معك، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اقيمت الصلاة لبس نعليه و صلى فيهما (1). 3 - العيون: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام عند رأس النبي صلى الله عليه وآله صلى ست ركعات أو ثمان ركعات في نعليه (2). بيان: ذكره الاصحاب في استحباب الصلاة في النعل العربية، ومقتضى الروايات استحبابها في النعل مطلقا وقيل الوجه في حملها على العربية أنها هي المتعارفة في ذلك الزمان، ولعل الاطلاق أولى. 4 - الغوالى: روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في النعلين يصيبهما الاذى: فليمسحهما وليصل فيهما. 5 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: صل في خفيك و في نعليك إن شئت (3).


(1) علل الشرايع ج 2 ص 25. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 17 في حديث. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 177.

[276]

* (أبواب) * * (مكان المصلى وما يتبعه) * [1] * (باب) * * (أنه جعل للنبى صلى الله عليه وآله ولامته الارض مسجدا) * 1 - معاني الاخبار والعلل والخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد عن سعد بن عبد الله ومحمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى وأحمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا، ونصرت بالرعب واحل لي المغنم واعطيت جوامع الكلم، واعطيت الشفاعة (1). بيان: (جعلت لي الارض مسجدا) أي محل صلاة كما فهمه الاكثر، و دلت عليه الاخبار الاتية، فأطلق السجود على الصلاة تسمية للكل باسم الجزء ويظهر وجه التخصيص مما سيأتي، أو محل سجود فيدل على جواز السجود على جميع أجزاء الارض (2) إلا ما أخرجه الدليل أو الاعم منهما (وطهورا) أي للتيمم فيدل على جواز التيمم على جميع أجزاء الارض إلا ما خرج بالدليل، ويحتمل شموله لحجر الاستنجاء وتعفير الاناء، وتطهير النعل والرجل وغيرها مما مر


(1) معاني الاخبار، 51، علل الشرائع ج 1 ص 122، الخصال ج 1 ص 140 واللفظ والسند للخصال على السيرة المعهودة. (2) راجع في ذلك ج 81 ص 165 - 166.

[277]

تفصيله، ونصرته بالرعب مسيرة شهر أو شهرين من خصائصه المشهورة صلى الله عليه وآله قال في النهاية فيه: نصرت بالرعب مسيرة شهر، الرعب الخوف والفزع، كان أعداء النبي صلى الله عليه وآله قد أوقع الله في قلوبهم الخوف منه، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه، وحل المغنم لان ساير الامم كانوا يحرقون غنائم الكفار و قال في النهاية: فيه اوتيت جوامع الكلم: يعني القرآن، جمع الله بلطفه في الالفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، واحدها جامعة، أي كلمة جامعة، ومنه الحديث في صفته صلى الله عليه وآله أنه كان يتكلم بجوامع الكلم أي أنه كان كثير المعاني قليل الالفاظ. 2 - الخصال: عن محمد بن علي بن شاه، عن محمد بن جعفر البغدادي، عن أبيه، عن أحمد بن السخت، عن محمد بن الاسود، عن أيوب بن سليمان، عن أبي البخترى، عن محمد بن حميد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال الله تعالى: جعلت لك ولامتك الارض كلها مسجدا وترابها طهورا الخبر (1). 3 - مجالس ابن الشيخ: عنه عن المفيد، عن محمد بن علي بن رياح، عن أبيه، عن الحسن بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله جعل لي الارض مسجدا وطهورا أينما كنت منها أتيمم من تربتها واصلي عليها (2). ومنه عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن محمد بن سليمان، عن عبد السلام بن عبد الحميد، عن موسى بن أعين. قال أبو المفضل: وحدثني نصر ابن الجهم، عن محمد بن مسلم بن وارة، عن محمد بن موسى بن أعين، عن أبيه، عن عطا بن سائب، عن الباقر، عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: جعلت لي الارض مسجدا الخبر (3).


(1) الخصال ج 2 ص 48، ومثله في ج 1 ص 94. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 56. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 98. (*)

[278]

4 - ارشاد القلوب: عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في جواب اليهودي الذي سأله عن فضل النبي صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام: قال الله تعالى في ليلة المعراج: إني جعلت على الامم أن لا أقبل منهم فعلا إلا في بقاع الارض التي اخترتها لهم، وإن بعدت، وقد جعلت الارض لك ولامتك طهورا ومسجدا، فهذه من الاصار، وقد رفعتها عن امتك (1). 5 - المحاسن: عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن مروان جميعا، عن أبان بن عثمان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرايع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى إلى أن قال: وجعل له الارض مسجدا وطهورا (2). 6 - المعتبر: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جعلت لي الارض مسجدا وترابها طهورا: أينما أدركتني الصلاة صليت (3). أقول: سيأتي بعض الاخبار في الابواب الاتية، وقد مر بعضها في المجلدات السابقة. تفريع قد عرفت أنه يستفاد من تلك الاخبار المتواترة معنى جواز الصلاة في جميع بقاع الارض، إلا ما أخرجه الدليل. فمنها المكان المغصوب للاجماع على عدم جواز التصرف في ملك الغير، إلا باذنه صريحا أو فحوى أو بشاهد الحال، وربما يجوز بعض المحدثين الصلاة في المغصوب لعموم تلك الاخبار، وهو ضعيف للايات و الاخبار الكثيرة الدالة على تحريم الظلم والغصب والتصرف في مال الغير، بغير إذنه.


(1) ارشاد القلوب ج 2 ص 222. (2) المحاسن: 287. (3) المعتبر: 158.

[279]

وروى الكليني في الحسن (1) عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، فانه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه، وسيأتي بعض الاخبار في آخر الباب، وفي باب الغصب. وأما بطلان الصلاة مع العلم بالغصب، فقال في المنتهى: ذهب علماؤنا إلى بطلان الصلاة فيه، وظاهره دعوى الاجماع، وقال في المعتبر وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم، وظاهره عدم تحقق الاجماع عليه [حيث] إن الفضل بن شاذان من قدماء أصحابنا ذكر في جواب من قاس من العامة صحة الطلاق في الحيض بصحة العدة مع خروج المعتدة من بيت زوجها ما هذا لفظه: وإنما قياس الخروج والاخراج كرجل دخل دار قوم بغير إذنهم فصلى فيها فهو عاص في دخوله الدار وصلاته جائزة لان ذلك ليس من شرائط الصلاة لانه منهي عن ذلك صلى أم لم يصل، وكذلك لو أن رجلا غصب رجلا ثوبا أو أخذه فلبسه بغير إذنه فصلى فيه لكانت صلاته جائزة، وكان عاصيا في لبسه ذلك الثوب، لان ذلك ليس من شرائط الصلاة، لانه منهي عن ذلك صلى أو لم يصل وكذلك لو أنه لبس ثوبا غير طاهر أو لم يطهر نفسه أو لم يتوجه نحو القبلة لكانت صلاته فاسدة غير جائزة، لان ذلك من شرائط الصلاة وحدودها لا يجب إلا للصلاة. وكذلك لو كذب في شهر رمضان وهو صائم بعد أن لا يخرجه كذبه من الايمان، لكان عاصيا في كذبه ذلك، وكان صومه جائزا لانه منهي عن الكذب صام أم أفطر، ولو ترك العزم على الصوم أو جامع لكان صومه فاسدا باطلا، لان ذلك من شرائط الصوم وحدوده، لا يجب إلى مع الصوم. وكذلك لو حج وهو عاق لوالديه أو لم يخرج لغرمائه من حقوقهم، لكان عاصيا في ذلك وكانت حجته جائزة، لانه منهي عن ذلك حج أم لم يحج ولو


(1) الكافي ج 7 ص 273.

[280]

ترك الاحرام أو جامع في إحرامه قبل الوقوف لكانت حجته فاسدة غير جائزة، لان ذلك من شرائط الحج وحدوده، لا يجب إلا مع الحج ومن أجل الحج، وكل ما كان واجبا قبل الفرض وبعده فليس ذلك من شرائط الفرض، لان ذلك أتى على حده والفرض جائز معه، وكل ما لم يجب إلا مع الفرض، ومن أجل الفرض، فان ذلك من شرائطه، لا يجوز الفرض إلا بذلك، على ما بينا، ولكن القوم لا يعرفون ولا يميزون، ويريدون أن يلبسوا الحق بالباطل إلى آخر ما ذكره - ره -. فظهر أن القول بالصحة كان بين الشيعة بل كان أشهر عندهم في تلك الاعصار وكلام الفضل يرجع إلى ما ذكره محققوا أصحابنا من أن التكليف الايجابي ليس متعلقا بهذا الفرد الشخصي بل متعلق بطبيعة كلية شاملة لهذا الفرد وغيره، وكذا التكليف السلبي متعلق بطبيعة الغصب لا بخصوص هذا الفرد، والنسبة بين الطبيعتين عموم من وجه، فطلب الفعل والترك غير متعلق بأمر واحد في الحقيقة حتى يلزم التكليف بما لا يطاق، وإنما جمع المكلف بينهما في فرد واحد باختياره فهو ممتثل للتكليف الايجابي باعتبار أن هذا فرد الطبيعة المطلوبة، وامتثال الطبيعة إنما يحصل بالاتيان بفرد من أفرادها، وهو مستحق للعقاب أيضا باعتبار كون هذا الفرد فردا للطبيعة المنهية. وقيل: هذا القول غير صحيح على اصول أصحابنا، لان تعلق التكليف بالطبيعة مسلم، لكن لا نزاع عندنا في أن الطبيعة المطلوبة يجب أن تكون حسنة ومصلحة راجحة متأكدة يصح للحكيم إرادتها، وقد ثبت ذلك في محله، وغير خاف أن الطبيعة لا تتصف بهذه الصفات، إلا من حيث التحصل الخارجي باعتبار أنحاء وجوداته الشخصية وحينئذ نقول: الفرد المحرم لا يخلو إما أن يكون حسنا ومصلحة متأكدة مرادة للشارع أم لا ؟ وعلى الاول لا يصح النهي عنه، وعلى الثاني لم يكن القدر المشترك بينه وبين باقي الافراد مطلوبا للشارع، بل المطلوب الطبيعة المقيدة بقيد يختص به ما عدا ذلك الفرد، فلا يحصل الامتثال بذلك الفرد، لخروجه من أفراد المأمور به.

[281]

أقول: ويمكن المناقشة فيه بوجوه لو تعرضنا لها، خرجنا عما هو مقصودنا في هذا الكتاب، وبالجملة الحكم بالبطلان أحوط وأولى، وإن كان إثباته في غاية الاشكال. فائدة اعلم أنهم ذكروا أنه لابد في مكان المصلي من كونه مملوكا عينا أو منفعة كالمستأجر والموصى للمصلي بمنفعته والمعمر والمستعار، أو مأذونا فيه صريحا بأن يقال صل في هذا المكان، أو فحوى كادخال الضيف منزله، كذا أطلق الاصحاب ولو فرض وجود الامارات على كراهة المالك للصلاة فيه بسبب من الاسباب كمخالفته له في الاعتقاد مثلا، لم يبعد عدم الجواز، أو بشاهد الحال: وفسر بما إذا كان هناك أمارة تشهد بأن المالك لا يكره وظاهر ذلك أنه يكفي الظن برضا المالك وظاهر كثير من عبارات الاصحاب اعتبار العلم برضاه، والاول أنسب وأوفق بعمومات الاخبار السالفة، واعتبار العلم ينفي فائدة هذا الحكم إذ قلما يتحقق ذلك في مادة. بل الظاهر جواز الصلاة في كل موضع لم يتضرر المالك بالكون فيه، و كان المتعارف بين الناس عدم المضايقة في أمثاله، وإن فرضنا عدم العلم برضا المالك هناك على الخصوص بسبب من الاسباب نعم لو ظهرت كراهة المالك لامارة لم تجز الصلاة فيه مطلقا. وبالجملة الظاهر أنه لا خلاف بين الاصحاب في جواز الصلاة في الصحاري والبساتين إذا لم يتضرر المالك بها، ولم تكن أمارة تشهد بعدم الرضا، وإن لم يأذن المالك صريحا أو فحوى، وفي حكم الصحارى الاماكن المأذون في غشيانها على وجه مخصوص إذا اتصف به المصلي كالحمامات والخانات والارحية وغيرها، ولا يقدح في الجواز كون الصحراء لمولى عليه بشهادة الحال ولو من الولي. قال في الذكرى: ولو علم أنها لمولى عليه، فالظاهر الجواز لاطلاق الاصحاب، وعدم تخيل ضرر لا حق به، فهو كالاستظلال بحائطه، ولو فرض ضرر

[282]

امتنع منه ومن غيره، ووجه المنع أن الاستناد إلى أن المالك أذن بشاهد الحال والمالك هنا ليس أهلا للاذن، إلا أن يقال: إن الولي أذن هنا، والطفل لابد له من ولى انتهى، والعمدة عندي الاستدلال بعموم الاخبار السالفة إذ لم يخرج تلك الافراد منها بدليل. تتمة اعلم أن المشهور بين الاصحاب أنه لا فرق في عدم جواز الصلاة في الملك المغصوب بين الغاصب وغيره ممن علم الغصب، وجوز المرتضى والشيخ أبو الفتح الكراجكى الصلاة في الصحاري المغصوبة استصحابا لما كانت عليه قبل الغصب، وهو غير بعيد، ولو صلى المالك في المكان المغصوب صحت صلاته، ونقل الاجماع عليه إلا من الزيدية، ولو أذن المالك للغاصب أو لغيره في الصلاة صحت لارتفاع المانع، وقال الشيخ في المبسوط: لو صلى في مكان مغصوب مع الاختيار لم تجز الصلاة فيه، ولا فرق بين أن يكون هو الغاصب أو غيره ممن أذن له في الصلاة، لانه إذا كان الاصل مغصوبا لم تجز الصلاة فيه انتهى والظاهر أن مراده بالاذن الغاصب وإن كان الوهم لا يذهب إلى تأثير إذنه في الصحة، إذ يمكن أن يكون الاشتراط مبنيا على العرف، وأن الغالب أنه لا يتمكن الغير من الصلاة فيه، إلا باذن الغاصب الغالب. وحمله على إرادة المالك كما هو ظاهر المعتبر بعيد جدا، إذ لا جهة للبطلان حينئذ ووجهه في الذكرى بأن المالك لما لم يكن متمكنا من التصرف فيه لم يفد إذنه الاباحة، كما لو باعه، فانه باطل، ولا يجوز للمشتري التصرف فيه، وفيه نظر لمنع الاصل وبطلان القياس، فلا يتم الحكم في الفرع، وفي الذكرى أيضا ويجوز أن يقرء اذن بصيغة المجهول، ويراد به الاذن المطلق المستند إلى شاهد الحال، فان طريان الغصب يمنع استصحابه كما صرح به ابن إدريس، ويكون فيه التنبيه على مخالفة المرتضى - ره - وتعليل الشيخ مشعر بهذا انتهى، وفيه ما ترى وليت شعري ما المانع عن الحمل على ما ذكرنا، مع أنه أظهر في عبارته لفظا ومعنى، و

[283]

ما الداعي على الحمل على ما يوجب تلك التكلفات. وسمعنا أن بعض أفاضل المتأخرين ممن ولي عصرنا زاد في الطنبور نغمة وحكم بأنه لا يجوز للمالك أيضا أن يصلي فيه، لانه يصدق عليه أنه مغصوب، وهذا فرع ورود تلك العبارة في شئ من النصوص، ولا نص فيه على الخصوص، بل إنما يستدلون بعموم ما دل على عدم جواز التصرف في ملك الغير ثم يحتجون للبطلان بأن النهي في العبادة موجب للفساد، ولا يجري ذلك في المالك ومن أذن له فكم بين من يحكم بجواز الصلاة وصحتها للغاصب وغيره وإن منع المالك صريحا، وبين من يقول بهذا القول. ثم اعلم أنه على القول بالبطلان لا فرق بين الفريضة والنافلة، وهل تبطل الصلاة تحت السقف والخيمة إذا كانا مغصوبين مع إباحه الارض ؟ فيه إشكال، ولعل الاظهر عدم البطلان، واستند القائل به إلى أن هذا تصرف في السقف و الخيمة، بناء على أن التصرف في كل شئ بحسب ما يليق به، والانتفاع به بحسب ما اعدله. واختلفوا في بطلان الطهارة في المكان المغصوب فذهب المحقق إلى العدم، بناء على أن الكون ليس جزء منها ولا شرطا فيها، وإليه ذهب العلامة في المنتهى والفرق بين الطهارة والصلاة في ذلك مشكل، إذ الكون كما أنه مأخوذ في مفهوم السكون، مأخوذ في مفهوم الحركة، وليس الوضوء والغسل إلا حركات مخصوصة، وليس المكان منحصرا فيما يعتمد عليه الجسم فقط، فان الملك والاحكام الشرعية لا تتعلق به خاصة، بل تعم الفراغ الموهوم، أو الموجود، فكل منهما عبارة حقيقة عن الكون أو مشتمل عليه. وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام لكثرة حاجة الناس إلى تلك المسائل، ودورانها على ألسن الخاص والعام، والله يعلم حقايق الاحكام. 7 - تحف العقول: للحسن بن علي بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في خطبة الوداع: أيها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لمؤمن مال أخيه

[284]

إلا عن طيب نفس منه (1). ومنه باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لكميل قال: يا كميل انظر فيما تصلي وعلى ما تصلي إن لم يكن من وجهه وحله فلا قبول (2). 8 - بشارة المصطفى، لمحمد بن أبي القاسم الطبري: عن إبراهيم بن الحسن البصري، عن يحيى بن الحسن بن عتبة، عن محمد بن الحسين بن أحمد، عن محمد بن وهبان الدبيلى، عن علي بن أحمد العسكري، عن أحمد بن المفضل عن راشد بن على القرشي، عن عبد الله بن حفص المدني. عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن زيد بن أرطاة عن كميل بن زياد مثله (3).


(1) تحف العقول: 33. (2) تحف العقول: 169 ط الاسلامية. (3) بشارة المصطفى ص 34. في حديث طويل، وعندي في هذا المقام أن التصرف في المغصوب منكر شرعا يضاده طبيعة الصلاة، لقوله تعالى: (ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).

[285]

[2] (باب) * (طهارة موضع الصلاة وما يتبعها) * * (من أحكام المصلى) * 1 - قرب الاسناد: عن محمد بن الوليد، عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الشاذكونة يصيبها الاحتلام أيصلى عليها ؟ قال: لا (1). بيان: الشاذكونة في أكثر النسخ بالذال المعجمة، وفي كتب اللغة بالمهملة، وقد يقال إنه معرب شاديانه، قال الفيروز آبادي: الشادكونة بفتح الدال ثياب غلاظ مضربة تعمل باليمين انتهى، وظاهره وجوب طهارة جميع مكان المصلي كما نقل عن السيد، وعن أبي الصلاح طهارة المواضع السبعة والمشهور بين الاصحاب عدم اشتراط طهارة غير موضع الجبهة كما يدل عليه أكثر الاخبار بل يظهر من بعضها عدم اشتراط طهارة موضع الجبهة أيضا، لكن نقل كثير من الاصحاب كالمحقق والعلامة والشهيد وابن زهرة عليه الاجماع، لكن المحقق نقل عن الراوندي وصاحب الوسيلة أنهما ذهبا إلى أن الارض والبواري والحصر إذا أصابها البول وجففتها الشمس لا يطهر بذلك، لكن يجوز السجود عليها، واستجوده المحقق، فلعل دعواهم الاجماع فيما سوى هذا الموضع، وبالجملة لو ثبت الاجماع لكان هو الحجة، وإلا فيمكن المناقشة فيه أيضا، فالخبر إما محمول على الاستحباب، أو على ما إذا كان رطبا يسري إلى المصلي أو ثيابه، وحمله على موضع الجبهة بعيد، لبعد كون الشاذكونة مما يصح السجود عليه. 2 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر عليه السلام


(1) قرب الاسناد ص 104 ط نجف.

[286]

عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن البيت والدار لا تصيبها الشمس، ويصيبها البول، أو يغتسل فيه من الجنابة، أيصلى فيه إذا جف ؟ قال: نعم (1). قال: وسألته عن رجل مر بمكان قد رش فيه خمر قد شربته الارض، و بقي نداه أيصلى فيه ؟ قال: إن أصاب مكانا غيره فليصل فيه، وإن لم يصب فليصل ولا بأس (2). قال: وسألته عن الرجل يجامع على الحصير أو المصلى هل تصلح الصلاة عليه ؟ قال: إذا لم يصبه شئ فلا بأس وإن أصابه شئ فاغسله وصل (3). قال: وسألته عن الرجل يكون على المصلى والحصير، فيسجد فيضع يده على المصلى وأطراف أصابعه على الارض، أو بعض كفه خارجا عن المصلى على الارض قال: لا بأس (4). قال: وسألته عن رجل يقعد في المسجد ورجله خارجة منه أو أسفل من المسجد وهو في صلاته، أيصلح له ؟ قال: لا بأس (5). قال: وسألته عن البواري يبل قصبها بماء قذر أتصلح الصلاة عليها إذا يبست قال: لا بأس (6). توضيح: الجواب الاول والاخر يدلان على عدم اشتراط طهارة موضع الصلاة مطلقا، وحمل في المشهور على ما سوى موضع الجبهة، ويمكن حمل الاخير على ما إذا جفت بالشمس، أو على ما إذا اريد بالقذر غير النجس. والثاني إما على عدم الاشتراط المذكور أو على عدم نجاسة الخمر، والحمل كما مر مع حمل


(1) قرب الاسناد ص 118 ط نجف. (2 - 3) قرب الاسناد ص 119 ط نجف ص 91 ط حجر. (4) قرب الاسناد ص 122 ط نجف. (5) قرب الاسناد ص 124 ط نجف. (6) قرب الاسناد ص 127 ط نجف.

[287]

الندى على غير المسري، أو على ما إذا طرح عليه ثوبا أو غيره، ويكون النهي مع إمكان الغير لكونه مقاربا للخمر، ككراهة الصلاة في بيت فيه خمر، والثالث يدل على اشتراط الطهارة، والحمل على ما مر في الخبر السابق أو على موضع الجبهة على المشهور، والرابع يؤمي إلى استحباب طرح مصلى مخصوص للصلاة، ويدل على أن كون أكثر الجسد عليه يكفي لتحقق الاستحباب، وكذا الخامس إن اريد بالمسجد المصلى، كما هو الظاهر وحمله على المسجد المعهود بعيد.

[288]

[3] * (باب) * * (الصلاة على الحرير أو على التماثيل، أو في) * * (بيت فيه تماثيل أو كلب أو خمر أو بول) * 1 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن فراش حرير ومصلى حرير ومثله من الديباج هل يصلح للرجل النوم عليه، والتكاءة عليه، والصلاة عليه ؟ قال: يفرشه ويقوم عليه ولا يسجد عليه (1). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في بيت على بابه ستر خارجه فيه التماثيل ودونه مما يلي البيت ستر آخر ليس فيه تماثيل، هل يصلح له أن يرخي الستر الذي ليس فيه التماثيل حتى يحول بينه وبين الستر الذي فيه تماثيل أو يجيف الباب دونه ويصلي ؟ قال: نعم لا بأس (2). وسألته عن البيت قد صور فيه طير أو سمكة أو شبهه يعبث به أهل البيت، هل تصلح الصلاة فيه ؟ قال: لا حتى يقطع رأسه أو يفسده، وإن كان قد صلى فليس عليه إعادة (3). وسألته عن الدار والحجرة فيها التماثيل أيصلى فيها ؟ قال: لا يصلى فيها وشئ منها مستقبلك، إلا أن لا تجدبدا فتقطع رؤوسها، وإلا فلا تصل فيها (4). المحاسن: عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في بيت على بابه ستر إلى آخر الاسؤلة


(1) قرب الاسناد ص 86 ط حجر ص 122 ط نجف. (2 - 4) قرب الاسناد: 86 ط حجر ص 113 ط نجف.

[289]

والاجوبة (1). بيان: يدل الجواب الاول على جواز افتراش الحرير في حال الصلاة و غيرها، كما هو المشهور وقد مر القول فيه، وأما الاجوبة الباقية، فيظهر منها ومما سيأتي أنه إذا كان في البيت الذي يصلى فيه صورة حيوان على ما اخترنا أو مطلقا مما له مشابه في الخارج على ما قيل، يكره الصلاة فيه وتخف الكراهة بكون الصورة على غير جهة القبلة، أو تحت القدمين، أو بكونها مستورة بثوب أو غيره، أو بنقص فيها لا سيما ذهاب عينيها أو إحداهما ولو ذهب رأسها فهو أفضل، ويحتمل ذهاب الكراهة بأحد هذه الامور، وإن كان الاحوط الاحتراز منها مطلقا. والمنط محركة ضرب من البسط. 2 - المكارم: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ربما قمت اصلي وبين يدي وسادة فيها تماثيل طائر فجعلت عليه ثوبا، وقال قد اهديت إلى طنفسة من الشام، فيها تماثيل طائر فأمرت به فغير رأسه فجعل كهيئة الشجر، وقال إن الشيطان أشد ما يهم بالانسان إذا كان وحده (2). وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا بأس أن تكون التماثيل في البيوت إذا غيرت الصورة (3). وعن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن تماثيل الشجر والشمس والقمر ؟ قال: لا بأس ما لم يكن فيه شئ من الحيوان (4). وعن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إنما يبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل ونفرشها ؟ قال: لا بأس لما يبسط منها ويفترش ويوطأ، إنما يكره منها ما نصب على الحائط والسرير (5). 3 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن


(1) المحاسن ص 617. (2) مكارم الاخلاق ص 152. (3 - 5) مكارم الاخلاق ص 153. (*)

[290]

أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في بيت فيه أنماط فيها تماثيل قد غطاها ؟ قال: لا بأس (1). وعن البيت فيه الدراهم السود في كيس أو تحت فراش أو موضوعة في جانب البيت فيه التماثيل هل تصلح الصلاة فيه ؟ قال لا بأس (2). وسألته عن رجل كان في بيته تماثيل أو في ستر ولم يعلم بها وهو يصلي في ذلك البيت ثم علم ما عليه ؟ قال: ليس عليه فيما لا يعلم شئ، فإذا علم فلينزع الستر وليكسر رؤس التماثيل (3). وسألته عن المسجد يكون فيه المصلى تحته الفلوس أو الدراهم البيض أو السود هل يصلح القيام عليها وهو في الصلاة ؟ قال: لا بأس (4). وسألته عن مسجد يكون فيه تصاوير وتماثيل أيصلى فيه ؟ قال: يكسر رؤس التماثيل ويلطخ رؤس التصاوير ويصلي فيه، ولا بأس (5). [بيان: في القاموس، النمط محركة ظهارة فراش ما أو ضرب من البسط، و ثوب صوف يطرح على الهودج والجمع أنماط ونماط]. 4 - الخصال: عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن جبرئيل أتاني فقال: إنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه كلب، ولا تمثال جسد ولا إناء يبال فيه (6). المحاسن: عن علي بن محمد، عن أيوب مثله (7). بيان: لعل هذا الخبر - والاخبار التي مثلها - المراد بالملائكة فيها


(1 - 4) قرب الاسناد ص 86 ط حجر ص 113 ط نجف. (5) قرب الاسناد: 97 ط حجر ص 123 ط نجف. (6) الخصال ج 1 ص 68. (7) المحاسن ص 615.

[291]

غير الكاتبين للاعمال، وإن أمكن أن لا يتوقف كتابتهم على دخولهم، لكن قول أمير المؤمنين عليه السلام للملكين (أميطا عني) (1) يدل على دخولهم. 5 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يسجد الرجل على صورة، ولا على بساط فيه صورة، ويجوز أن تكون الصورة تحت قدمه، أو يطرح عليه ما يواريها (2). 6 - المحاسن: عن علي بن الحكم، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: [إن جبرئيل قال:] إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة إنسان ولا بيتا فيه تمثال (3). ومنه: عن أبيه، عن الحسن بن مخلد، عن أبان، عن عمر بن خلاد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنا لا ندخل بيتا فيه صورة إنسان، ولا بيتا يبال فيه، ولا بيتا فيه كلب (4). بيان: ذكر أكثر الفقهاء كراهة الصلاة في بيوت الغائط، وعللوا بكونها مظنة النجاسة، وبهذا الخبر وفي خبر محمد بن مروان (5) ولا إناء يبال فيه: ولو


(1) يعنى الذى رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 100 عن محمد بن على بن محبوب عن اليقطينى، عن الحسن بن على، عن ابراهيم بن عبد الحميد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ان أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا أراد قضاء الحاجة، وقف على باب المذهب ثم التفت يمينا وشمالا إلى ملكيه فيقول: أميطا عني ! فلكما الله على أن لا أحدث حدثا حتى أخرج اليكما. (2) الخصال ج 2 ص 165. (3) المحاسن ص 614. (4) المحاسن ص 615. (5) الكافي ج 6 ص 526، وهكذا في المحاسن 615، الخصال ج 1 ص 68 كما مر.

[292]

ذكروا كما في الخبر كان أصوب وإن كان بيت الغائط غالبا يبال فيه، والاحوط عدم كون الاناء الذي يبال فيه في البيت أيضا. وقال المفيد في المقنعة: لا تجوز الصلاة في بيوت الغائط، ولعل مراده الكراهة، وربما يستدل له برواية الفضيل (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: أقوم في الصلاة فأرى قد امي في القبلة العذرة فقال: تنح عنها ما استطعت، ولا تصل على الجواد، وعن عبيد بن زرارة (2) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الارض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة. فالاولى الجمع بينهما، كما فعله الشهيد - ره - في النفلية، حيث قال: وبيت الغائط، وبيت يبال فيه، ولو قال: وإلى عذرة كان أجمع. 7 - المحاسن: عن عدة من أصحابنا، عن ابن اسباط، عن علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن البيت يكون على بابه ستر فيه تماثيل أيصلى في ذلك البيت ؟ قال: لا (3). وسألت عن البيوت يكون فيها التماثيل أيصلى فيها ؟ قال: لا (4) بيان: هذه الاخبار تدل على كراهة الصلاة في بيت فيه تماثيل مطلقا ويمكن تقييدها بالاخبار الاخر أو القول بالكراهة الخفيفة في غير الصور المخصوصة، ويمكن أن يقال في النقص أن البقية ليست صورة الانسان ولا الحيوان المخصوص و فيه نظر. 8 - المحاسن: عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: اصلي والتماثيل قدامي وأنا أنظر إليها ؟ قال: لا، اطرح عليها ثوبا، ولا بأس بها إذا كانت على يمينك أو شمالك أو خلفك أو تحت رجلك أو فوق رأسك، وإن كانت في القبلة فألق عليها ثوبا وصل (5).


(1) التهذيب ج 1 ص 200 و 243، وتراه في المحاسن ص 365. (2) التهذيب ج 1 ص 327. (3 و 5) المحاسن 617.

[293]

9 - ومنه: عن عدة من أصحابنا، عن ابن أبي نجران، عن العلاء، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا بأس بالتماثيل أن يكون عن يمينك وعن شمالك أو عن خلفك أو تحت رجليك، فان كانت في القبلة فألق عليها ثوبا إذا صليت (1). 10 - فقه الرضا: لا يصلى في بيت فيه خمر محصور في آنية (2). 11 - المقنع: قال: لا يجوز أن يصلي في بيت فيه خمر محصور في آنية ؟ قال: وروي أنه يجوز (3). بيان: نسب إلى الصدوق - ره - تحريم الصلاة في بيت فيه خمر لظاهر الفقيه مع أنه حكم بطهارة الخمر، واستبعد المتأخرون ذلك منه، ولا استبعاد فيه بعد ورود النص لكن الخبر الوارد فيه موثقة عمار قال: ولا تصل في بيت فيه خمر أو مسكر (4)، والحكم بالتحريم بمثل خبره مشكل، لا سيما مع ورود رواية الجواز كما أشار إليه. 12 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير رفعه قال: لا بأس بالصلاة والتصاوير تنظر إليه إذا كانت بعين واحدة (5). أقول: أوردنا بعض الاخبار في باب السترة، وفي باب تزويق البيوت و تصويرها من كتاب الاداب والسنن (6).


(1) المحاسن ص 620. (2) فقه الرضا ص 38. (3) المقنع ص 25 ط الاسلامية. (4) التهذيب ج 1 ص 243. (5) المحاسن ص 620. (6) راجع ج 76 ص 159 - 161 من طبعتنا هذه.

[294]

[4] (باب) * (ما يكون بين يدى المصلى أو يمر بين يديه) * * (واستحباب السترة) * 1 - الاحتجاج: عن محمد بن جعفر الاسدي قال: كان فيما ورد علي من محمد ابن عثمان العمري عن القائم عليه السلام: أما ما سألت عنه عن المصلي والنار والصورة و السراج بين يديه، هل تجوز صلاته ؟ فان الناس اختلفوا في ذلك قبلك، فانه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الاوثان والنيران (1). اكمال الدين: عن محمد بن أحمد الشيباني وعلي بن أحمد الدقاق والحسين ابن إبراهيم المؤدب وعلي بن عبد الله الوراق جميعا، عن محمد بن جعفر الاسدي قال: كان فيما ورد علي من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه في جواب مسائلي إلى صاحب الزمان عليه السلام وأما ما سألت وذكر نحوه إلى قوله من أولاد عبدة الاصنام والنيران (2). توضيح: قد مر الكلام في الصلاة إلى الصورة، والمشهور فيها وفي السراج والنار الكراهة، وذهب أبو الصلاح إلى الحرمة فيهما كما نسب إليه والتفصيل الوارد في هذا الخبر لم أر قائلا به، ويمكن حمله على أنهما بالنسبة إلى أولاد عبدة النيران والاوثان أشد كراهة، لان احتمال شغل القلب ومظنة كونها معبودة لهم فيهم أكثر، ولا يبعد حمل المطلق على المقيد، لكون الخبر في قوة الصحيح، والاظهر الكراهة لما سيأتي وغيره من أخبار الجواز. ثم إن بعض الاصحاب قيدوا الكراهية في النار بالمضرمة، والروايات غير مقيدة بها، والاجتناب مطلقا أحوط وأولى.


(1) الاحتجاج ص 268. (2) اكمال الدين ج 2 ص 199.

[295]

2 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي وأمامه شئ عليه ثيابه ؟ قال: لا بأس (1). وسألته عن الرجل هل يصلح أن يصلي وأمامه ثوم أو بصل نابت ؟ قال: لا بأس (2). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي والسراج موضوع بين يديه في القبلة ؟ قال: لا يصلح له أن يستقبل النار (3). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي وأمامه حمار واقف ؟ قال: يضع بينه وبينه عودا أو قصبة أو شيئا يقيمه بينهما ويصلي لا بأس قلت: فان لم يفعل وصلى أيعيد صلاته ؟ أو ما عليه ؟ قال: لا يعيد صلاته وليس عليه شئ (4). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي وأمامه النخلة وفيها حملها ؟ قال: لا بأس (5). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في الكرم وفيه حمله ؟ قال: لا بأس (6). وسألته عن الرجل يكون في صلاته هل يصلح له أن يكون امرءة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة ؟ قال: يدرؤها عنه، فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته (7). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي وأمامه شئ من الطير ؟ قال: لا بأس (8). بيان: يدل على المنع من كون النار أمامه في الصلاة و (لا يصلح) لا يدل على أزيد من الكراهة، وعلى كراهة كون الحمار أمامه بدون سترة، ولم أره في كلام


(1 - 6) قرب الاسناد ص 114 ط نجف. (7) قرب الاسناد ص 123 ط نجف. (8) قرب الاسناد ص 127 ط نجف ص 97 ط حجر.

[296]

الاصحاب، بل عد بعضهم الحيوان غير الانسان المواجه من السترة إلا أن الصدوق أورد الرواية في الفقيه (1) ويدل على كراهة المرءة المواجهة، وذكر الاصحاب الانسان المواجه مطلقا واعترف أكثر المتأخرين بعدم النص فيه، وقال أبو الصلاح يكره التوجه إلى الطريق والحديد والسلاح المتواري والمرءة النائمة بين يديه أشد كراهية. 3 - العلل: عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن الحسن بن علي، عن الحسين بن عمر، عن أبيه، عن عمر بن إبراهيم الهمداني رفع الحديث قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس أن يصلي الرجل والنار والسراج والصورة بين يديه، لان الذي يصلي له أقرب إليه من الذي بين يديه (2). المقنع: مرسلا مثله (3). بيان قال الصدوق - ره - في الفقيه بعد إيراد رواية علي بن جعفر السابقة: هذا هو الاصل الذي يجب أن يعمل به، فأما الحديث الذي روي عن أبي عبد الله عليه السلام - وذكر هذه الرواية - فهو حديث يروى عن ثلاثة من المجهولين باسناد منقطع، يرويه الحسن بن علي الكوفي وهو معروف، عن الحسين بن عمرو، عن أبيه، عن عمرو بن إبراهيم الهمداني وهم مجهولون رفع الحديث قال: قال أبو عبد الله عليه السلام ذلك، ولكنها رخصة اقترنت بها علة صدرت عن ثقات، ثم اتصلت بالمجهولين والانقطاع، فمن أخذ بها لم يكن مخطئا بعد أن يعلم أن الاصل هو النهي، وأن الاطلاق رخصة، والرخصة رحمة انتهى. ومراده إما حمل النهي على الكراهة، أو حمل الرخصة على حال الضرورة والاول أظهر، لتعاضد أخبار الجواز، وكونها معللة موافقة لاصل الاباحة، ونفي


(1) الفقيه ج 1 ص 162. (2) علل الشرائع ج 2 ص 31. (3) المقنع ص 25 ط الاسلامية.

[297]

الحرج وكونها أنسب بالشريعة السمحة السهلة، وإن كان الاحوط الاجتناب عما نهي عنه لغير الضرورة. 4 - العلل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد الاشعري عن علي بن إبراهيم الجعفري، عن أبي سليمان مولى أبي الحسن العسكري عليه السلام قال: سأله بعض مواليه وأنا حاضر عن الصلاة يقطعها شئ ؟ فقال: لا، ليست الصلاة تذهب هكذا بحيال صاحبها، إنما تذهب مساوية لوجه صاحبها (1). توجيه وجيه: (مساوية لوجه صاحبها) أي إلى السماء من جهة رأسها، ويحتمل أن يكون المراد أنها تذهب إلى الجهة التي توجه قلبه إليها فان كان قلبه متوجها إلى الله تعالى وعمله خالصا له سبحانه فانه يعود إليه، ويقبل عنده، سواء كان في مقابله شئ أو لم يكن، وإن كان وجه قلبه متوجها إلى غيره تعالى وعمله مشوبا بالاغراض الفاسدة والاعراض الكاسدة، فعمله ينصرف إلى ذلك الغير سواء كان ذلك الغير في مقابل وجهه أو لم يكن، ولذا يقال له يوم القيامة (خذ ثواب عملك ممن عملت له) وهو المراد من الخبر الاتي في قوله عليه السلام (الذي اصلي له أقرب إلى من هؤلاء) أي هو في قلبي وأنا متوجه إليه، ولا يشغلني هذه الامور عنه فعلى هذا يمكن أن يكون هذا وجه جمع بين الاخبار، بأن يكون النهي لمن تكون مقابلة هذه الامور سببا لشغل قلبه، والتجويز لمن لم يكن كذلك. ويحتمل الخبر الاتي وجها آخر، وهو أن يكون المعنى أن الرب تعالى لما كان بحسب العلية والتربية والعلم أقرب إلى العبد من كل شئ فلا يتوهم توسط ما يكون بين يدي المصلي بينه وبين معبوده، والاول أوجه. والحاصل أن الغرض من عدم كون الصورة والسراج وأمثالهما بين يديه عدم انتقاش صورة الغير في القلب والنفس والخيال، وتوجه العبد بشراشره إلى رب الارباب، فمن لم يتوجه إلى غيره فلا ضير، والله الموفق لكل خير. 5 - التوحيد: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن


(1) علل الشرائع ج 2 ص 38.

[298]

أبيه، عن ابن أبي عمير قال: رأى سفيان الثوري أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام و هو غلام يصلي والناس يمرون بين يديه، فقال له: إن الناس يمرون بك وهم في الطواف ؟ فقال عليه السلام: الذي اصلي له أقرب إلى من هؤلاء (1). ومنه: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن أبي سعيد الرميحي، عن عبد العزيز ابن إسحاق، عن محمد بن عيسى بن هارون، عن محمد بن زكريا المكي، عن منيف مولى جعفر بن محمد قال: حدثني سيدي جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: كان الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يصلي فمر بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه فلما انصرف من صلاته، قال له: لم نهيت الرجل ؟ قال يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله خطر فيما بينك وبين المحراب ؟ فقال: ويحك إن الله عزوجل أقرب إلى من أن يخطر فيما بيني وبينه أحد (2). 6 - المحاسن: عن أبيه، عن حماد بن عيسى وفضالة عن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أقوم اصلي والمرءة جالسة بين يدي أو مارة ؟ قال: لا بأس بذلك، إنما سميت بكة لانه تبك فيها الرجال والنساء (3). بيان: يدل على ما سيأتي نقلا من التذكرة أنه لا بأس أن يصلى في مكة إلى غير سترة، وقال في الذكرى بعد نقل كلام التذكرة: قلت قد روي في الصحاح أن النبي صلى الله عليه وآله صلى بالابطح فركزت له عنزة، رواه أنس وأبو جحيفة، ولو قيل السترة مستحبة مطلقا ولكن لا يمنع المار في مثل هذه الاماكن، لما ذكر، كان وجها انتهى. أقول: يمكن حمل خبر الجواز على المسجد الحرام، لكون التعليل فيه أظهر. 7 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن الصادق


(1) التوحيد ص 179 ط مكتبة الصدوق. (2) التوحيد ص 184. (3) المحاسن ص 337

[299]

عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام سأل عن الرجل يصلي فيمر بين يديه الرجل والمرءة والكلب أو الحمار، فقال: إن الصلاة لا يقطعها شئ، ولكن ادرؤا ما استطعتم، هي أعظم من ذلك (1). تبيين: (ولكن ادرؤا) أي ادفعوا المار إما باشارة أو برمي شئ كما فهمه الاصحاب أو ضرر مروره بالسترة لما رواه الكليني (2) في الموثق، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يقطع الصلاة شئ لا كلب ولا حمار ولا امرءة، ولكن استتروا بشئ، فان كان بين يديك قدر ذراع رافعا من الارض فقد استترت. قال الكليني: والفضل في هذا أن يستتر بشئ ويضع بين يديه ما يتقى به من المار، فان لم يفعل فليس به بأس، لان الذي يصلي له المصلي أقرب إليه ممن يمر بين يديه، ولكن ذلك أدب الصلاة وتوقيرها. ثم روى مرفوعا عن محمد بن مسلم (3) قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله عليه السلام فقال له: رأيت ابنك موسى يصلي والناس يمرون بين يديه فلا ينهاهم و فيه ما فيه ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ادعوا لي موسى فدعي فقال يا بني إن أبا حنيفة يذكر أنك كنت تصلي والناس يمرون بين يديك فلم تنههم ؟ فقال: نعم يا أبت إن الذي كنت اصلي له كان أقرب إلى منهم، يقول الله عزوجل: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (4) قال: فضمه أبو عبد الله عليه السلام إلى نفسه ثم قال: بأبي أنت وامي يا مودع الاسرار، وهذا تأديب منه عليه السلام لا أنه ترك الفضل انتهى. أقول: قوله (وفيه ما فيه) أي وفي هذا الفعل ما فيه من الكراهة، أو فيه عليه السلام ما فيه من توقع إمامته وقوله (وهذا تأديب) كلام الكليني ويحتمل وجوها: الاول: أن يكون المعنى أن هذا منه عليه السلام كان تأديبا لابي حنيفة، ولذا


(1) قرب الاسناد ص 72 ط نجف ص 54 ط حجر. (2 و 3) الكافي ج 3 ص 297. (4) ق: 16.

[300]

طلبه ليعلم الملعون أنه عليه السلام لم يترك الفضل، إما لعدم الحاجة إلى السترة لمن لا يشغله عن الله شئ كما مر، أو لانه عليه السلام كان لم يترك السترة حيث لم يذكر في الخبر تركها. الثاني: أن يكون المراد تأديب موسى عليه السلام فالمراد بالفضل السنة الاكيدة والتأديب في أصل الطلب، ولا ينافي ذلك مدحه عليه السلام على ما ذكره من العلة في عدم تأكيد السنة، وفي بعض النسخ لانه ترك، فالثاني أظهر، ويحتمل الاول على تكلف. الثالث: أن يكون ضمير منه راجعا إلى موسى عليه السلام أي صلاته عليه السلام كذلك كان تأديبا لابي حنيفة، لا أنه ترك الفضل إذ ترك السنة لهذه العلة ليس تركا للفضل، بل هو عين الفضل. فائدة قال الشهيد - ره - في الذكرى: تستحب السترة بضم السين في قبلة المصلي إجماعا، فان كان في مسجد أو بيت فحائطه أو سارية، وإن كان في فضاء أو طريق جعل شاخصا بين يديه، ويجوز الاستتار بكل ما يعد ساترا ولو عنزة، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله تركز له الحربة فيصلي إليها، ويعرض البعير فيصلي إليه، وركزت له العنزة يصلي الظهر يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، والعنزة العصا في أسفلها حديد، والاولى بلوغها ذراعا، قاله الجعفي والفاضل زاد: فما زاد. وقد روى أبو بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان طول رحل رسول الله صلى الله عليه وآله ذراعا، وكان إذا صلى وضعه بين يديه يستتر به ممن يمر بين يديه، ويجوز الاستتار بالسهم والخشبة وكل ما كان أعرض فهو أفضل. وروى معاوية بن وهب (2) عن الصادق عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يجعل العنزة بين يديه إذا صلى.


(1 و 2) الكافي ج 3 ص 296.

[301]

وروى السكوني (1) عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا صلى أحدكم بأرض فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فان لم يجد فحجرا فان لم يجد فسهما، فان لم يجد فيخط في الارض بين يديه. وعن أبي عبد الله عليه السلام برواية غياث (2) أن النبي صلى الله عليه وآله وضع قلنسوة وصلى إليها. وعن محمد بن إسماعيل (3) عن الرضا عليه السلام يكون بين يديه كومة من تراب أو يخط بين يديه بخط. وروى العامة الخط عن النبي صلى الله عليه وآله وأنكره بعض العامة (4) ثم هو عرضا، وبعض العامة طولا أو مدورا أو كالهلال، وقال - ره - إذا نصب بين يديه عنزة أو عودا لم يستحب الانحراف عنه يمينا ولا يسارا، قاله في التذكرة، وقال ابن الجنيد يجعله على جانبه الايمن ولا يتوسطها، فيجعلها مقصده تمثيلا بالكعبة، وبعض العامة لتكن على الايمن أو على الايسر. أقول: ظاهر الاخبار المحاذات، وما ذكره ابن الجنيد لا وجه له ظاهرا. ثم قال قدس سره: يستحب الدنو من السترة لما روي (5) عن النبي صلى الله عليه وآله إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان صلاته، وقدره ابن الجنيد بمربض الشاة لما صح من خبر سهل الساعدي قال: كان بين مصلى النبي صلى الله عليه وآله


(1) التهذيب ج 1 ص 244. (2) التهذيب ج 1 ص 228. (3) التهذيب ج 1 ص 244. (4) رواه أبو داود وابن ماجة عن أبى هريرة على ما في المشكاة ص 74، قيل: قال به الشافعي في القديم، ونفاه في الجديد لاضطراب الحديث وضعفه، وقال ابن الهمام: وأما الخط فقد اختلفوا فيه حسب اختلافهم في الوضع إذا لم يكن معه ما يغرزه أو يضعه، فالمانع يقول: لا يحصل به المقصود، إذ لا يظهر من بعيد، والمجيز يقول: ورد الاثر به. (5) رواه أبو داود عن سهل بن أبى حثمة على ما في المشكاة ص 74.

[302]

وبين الجدار ممر الشاة، وبعض العامة بثلاث أذرع، ويجوز الاستتار بالحيوان لما مر (1) ويجزي إلقاء العصا عرضا إذا لم يمكن نصبها، لانه أولى من الخط. أقول: ذكر بعض الاصحاب حد الدنو من مربض عنز إلى مربط فرس، لما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أقل ما يكون بينك وبين القبلة مربض عنز، وأكثر ما يكون مربط فرس، وقال قدس سره سترة الامام سترة لمن خلفه، وقال: يستحب دفع المار بين يديه، لقوله عليه السلام لا يقطع الصلاة شئ فادرؤا ما استطعتم ثم ذكر الاخبار المتقدمة. ثم قال: يكره المرور بين يدي المصلي سواء كان له سترة أم لا، ولو احتاج المصلي في الدفع إلى القتال لم يجز، ورواية أبي سعيد الخدري وغيره عن النبي صلى الله عليه وآله (فان أبى فليقاتله، فانما هو شيطان) للتغليظ، أيضا أو يحمل على دفاع مغلظ لا يؤدي إلى جرح ولا ضرر، وهل كراهة المرور وجواز الدفع مختص بمن استتر أو مطلقا نظر، ولو كان في الصف الاول فرجة جاز التخطي بين الصف الثاني لتقصيرهم لاهمالها، ولو لم يجد المار سبيلا سوى ذلك لم يدفع، وغلا بعض العامة في ذلك وجوز الدفع مطلقا. ولا يجب نصب السترة إجماعا وليست شرطا في صحة الصلاة أيضا بالاجماع، وإنما هي من كمال الصلاة انتهى ملخص كلامه زاد الله في إكرامه. 8 - العلل والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يصلي أحدكم وبين يديه سيف، فان القبلة أمن (3).


(1) ولما روى عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وآله كان يعرض راحلته فيصلى إليها، متفق عليه. (2) الفقيه ج 1 ص 253 (3) علل الشرائع ج 2 ص 42، الخصال ج 2 ص 158 واللفظ له.

[303]

بيان: (فان القبلة أمن) أي ذوأمن لا ينبغي أن يكون فيه ما يوجب الخوف أو ما يوجب تذكر القتال وشغل القلب به، أو أن الله تعالى يحفظ المصلي فلا يحتاج إلى السيف، ثم اعلم أن المشهور بين الاصحاب أنه يكره الصلاة إلى سيف مشهور أو غيره من السلاح. وقال أبو الصلاح: لا يحل للمصلي الوقوف في معاطن الابل، ومرابط الخيل والبغال والحمير والبقر، ومرابض الغنم، وبيوت النار، والمزابل ومذابح الانعام والحمامات، وعلى البسط المصورة، وفي البيت المصور، ولنا في فسادها في هذه المحال نظر، ثم قال: لا يجوز التوجه إلى النار والسلاح المشهور والنجاسة الظاهرة والمصحف المنشور، والقبور، ولنا في فساد الصلاة مع التوجه إلى شئ من ذلك نظر ويكره التوجه إلى الطريق والحديد والسلاح المتواري والمرءة النائمة بين يديه أشد كراهية انتهى والاشهر أظهر. وقال ابن الجنيد: إن التماثيل والنيران مشعلة في قناديل أو سرج أو شمع أو جمر معلقة أو غير معلقة سنة للمجوس وأهل الكتاب، قال: ويكره أن يكون في القبلة مصحف منشور، وإن لم يقرأ فيه، أو سيف مسلول، أو مرآت ترى المصلى نفسه أو ما وراءه انتهى. اقول: لم أر المرآة في رواية، وحمله على الصورة قياس، وربما يبنى ذلك على الخلاف في الانطباع وخروج الشعاع، فعلى الاول داخل في الصورة وعلى الثاني رأي نفسه، والظاهر أن الاحكام الشرعية لا تبتني على تلك الدقائق الحكمية، بل على الدلالات العرفية واللغوية، ولا يطلق في العرف واللغة عليها المثال والصورة، وإن كان الاولى والاحوط الترك. 9 - دعائم الاسلام: عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: الصلاة إلى غير سترة من الجفاء ومن صلى في فلاة فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل (1). وعن علي عليه السلام أنه كان يكره الصلاة إلى البعير، ويقول: ما من بعير إلا


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 150.

[304]

وعلى ذروته شيطان (1). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كره أن يصلي الرجل ورجل بين يديه قائم و لا يصلي الرجل وبحذائه امرءة، إلا أن يتقدمها بصدره (2). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال إذا قام أحدكم في الصلاة إلى سترة فليدن منها فان الشيطان يمر بينه وبينها، وحد في ذلك كمربض الثور (3). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام أنه كره التصاوير في القبلة (4). وعن علي عليه السلام أنه سئل عن المرور بين يدي المصلي فقال: لا يقطع الصلاة شئ، ولا تدع من يمر بين يديك وإن قاتلته (5). وقال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة فمر بين يديه كلب ثم مر حمار، ثم مرت امرءة وهو يصلي، فلما انصرف قال: رأيت الذي رأيتم، وليس يقطع صلاة المؤمن شئ، ولكن ادرؤا ما استطعتم (6).


(1 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 150. (5 - 6) دعائم الاسلام ج 1 ص 191.

[305]

[5] * (باب) * * (المواضع التى نهى عن الصلاة فيها) * 1 - المحاسن: عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عشرة مواضع لا يصلى فيها: الطين، والماء، والحمام، والقبور، ومسان الطريق، وقرى النمل، ومعاطن الابل، ومجرى الماء، والسبخة، والثلج (1). ومنه: عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل النوفلي، عن أبيه، عن مشيخته، عنه عليه السلام مثله (2). الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله ابن الفضل مثله إلا أنه أسقط لفظ القبور وزاد في آخره، ووادي ضجنان. ثم قال رضوان الله عنه: هذه المواضع لا يصلي فيها الانسان في حال الاختيار فإذا حصل في الماء والطين واضطر إلى الصلاة فيه، فانه يصلى إيماء، ويكون ركوعه أخفض من سجوده، وأما الطريق فانه لا بأس بأن يصلى على الظواهر التي بين الجواد، فأما على الجواد فلا يصلى، وأما الحمام فانه لا يصلى فيه على كل حال فأما مسلخ الحمام فلا بأس بالصلاة فيه لانه ليس بحمام، وأما قرى النمل فلا يصلى فيها لانه لا يتمكن من الصلاة لكثرة ما يدب عليه من النمل، فيؤذيه فيشغله عن الصلاة. وأما معاطن الابل فلا يصلى فيها إلا إذا خاف على متاعه الضيعة فلا بأس حينئذ بالصلاة فيها، وأما مرابض الغنم فلا بأس بالصلاة فيها، وأما مجرى الماء فلا يصلى فيه على كل حال، لانه لا يؤمن أن يجرى الماء إليه وهو في صلاته، وأما السبخة فانه لا يصلي فيها نبي ولا وصي نبي، وأما غيرهما فانه


(1) المحاسن ص 13. (2) المحاسن ص 366.

[306]

متى دق مكان سجوده حتى تتمكن الجبهة فيه مستوية في سجوده فلا بأس، وأما الثلج فمتى اضطر الانسان إلى الصلاة عليه فانه يدق موضع جبهته حتى يستوي عليه في سجوده، وأما وادي ضجنان وجميع الاودية فلا تجوز الصلاة فيها لانها مأوى الحيات والشياطين (1). بيان: اشتمل الخبر مع قوته لتكرره في الاصول، ورواية الكليني والشيخ وغيرهما له (2) على أحكام. الاول: المنع عن الصلاة في الطين والماء، والظاهر أنه على التحريم إن منعا شيئا من واجبات الصلاة، كالسجود والاستقرار، وإلا كره، لما رواه الشيخ في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن حد الطين الذي لا يسجد عليه ما هو ؟ قال: إذا غرق الجبهة ولم تثبت على الارض (3). الثاني: المنع عن الصلاة في الحمام، والمشهور الكراهة، وقد مر قول أبي الصلاح أنه منع من الصلاة في الحمام وتردد في الفساد، والاظهر الكراهة للروايات الدالة على الجواز، وإن حملها الصدوق والشيخ على المسلخ وظاهر الشيخ نفي ثبوت الكراهة في المسلخ كما صرح به الشهيدان، والصدوق في العلل (4) وإن كان في دليله نظر، واحتمل في التذكرة ثبوت الكراهة فيه أيضا وأما سطح الحمام فلا تكره الصلاة فيه قطعا، ويحتمل أن يكون النهي عن الصلاة في الحمام محمولا على ما إذا كان نجسا لانهم كانوا يصلون في فرشه، وقلما تخلو عن النجاسة، لما رواه الصدوق (5) في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام أنه سأله


(1) الخصال ج 2 ص 52 - 53. (2) تراه في الكافي ج 3 ص 390، فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 156، التهذيب ج 1 ص 198. (3) التهذيب ج 1 ص 224. (4) بل ذكره في الخصال على ما مر. (5) الفقيه ج 1 ص 156.

[307]

عن الصلاة في بيت الحمام فقال: إذا كان الموضع نظيفا فلا بأس، وروى الشيخ (1) مثله في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام. الثالث: المنع عن الصلاة في القبور وقال في المنتهى: يكره الصلاة في المقابر، ذهب إليه علماؤنا، قال: ونقل الشيخ عن بعض علمائنا القول بالبطلان وقال: تكره الصلاة إلى القبور وأن يتخذ القبر مسجدا يسجد عليه، وقال ابن بابويه: لا يجوز فيهما، وهو قول بعض الجمهور، ثم قال: لو كان بينه وبين القبر حائل أو بعد عشرة أذرع لم تكن بالصلاة إليه بأس، وقد مر أن أبا الصلاح حرمها وتردد في البطلان، وقال المفيد: لا تجوز الصلاة إلى شئ من القبور حتى تكون بينه وبينه حائل أو قدر لبنة أو عنزة منصوبة، أو ثوب موضوع. وعلى القول بالكراهة أو الحرمة الحكم برفعهما بالحوائل التي ذكرها مشكل، ولم نر مستنده، فأما عشرة أذرع فرواه الشيخ في الموثق (2) عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي بين القبور ؟ قال: لا يجوز ذلك إلا أن يجعل بينه وبين القبور إذا صلى عشرة أذرع من بين يديه، وعشرة أذرع من خلفه، وعشرة أذرع عن يمينه، وعشرة أذرع عن يساره، ثم يصلي إن شاء. واستندوا في التحريم إلى هذه الرواية، وهي عندنا ليست في درجة من القوة وقد عارضها روايات صحيحة مثل ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن يقطين (3) قال: سألت أبا الحسن الماضي عليه السلام عن الصلاة بين القبور هل يصلح ؟ قال: لا بأس وفي الصحيح (4) عن علي بن جعفر، عن أخيه مثله، فغاية ما يمكن إثباته مع تلك المعارضات القوية الكراهة، بل يمكن المناقشة فيها أيضا، نعم الاحوط عدم التوجه إلى قبر غير الائمة عليهم السلام لحسنة زرارة الاتية وأما قبور الائمة عليهم السلام


(1) التهذيب ج 1 ص 243. (2) التهذيب ج 1 ص 200. (3) التهذيب ج 1 ص 243. (4) الفقيه ج 1 ص 158.

[308]

فسيأتي القول فيها، وألحق جماعة من الاصحاب بالقبور القبر والقبرين ومستنده غير واضح. الرابع: المنع من الصلاة في الطرق، وقال في المغرب: سنن الطريق معظمه ووسطه، وفي القاموس سن الطريقة سار فيها كاستسنها وسنن الطريق مثلثة وبضمتين [نهجه] وجهته. والمسان من الابل الكبار انتهى ولعل المراد هنا الطرق المسلوكة أو العظيمة، والمشهور كراهة الصلاة في الطريق المسلوكة وقال في المنتهى: إنه مذهب علمائنا أجمع، وظاهر الصدوق والمفيد الحرمة، والكراهة أظهر، والترك أحوط، ولا فرق بين أن تكون الطريق مشغولة بالمارة وقت الصلاة أولا للعموم، نعم لو تعطلت المارة اتجه التحريم واحتمل الفساد. ومنهم من خص الكراهة بجواد الطرق وهي العظمى منها، والاجود التعميم لموثقة ابن الجهم عن الرضا عليه السلام (1) قال: كل طريق يوطأ فلا تصل عليه، وفي رواية اخرى عنه (2): كل طريق يوطأ ويتطرق، وكانت فيه جادة أو لم تكن، فلا ينبغي الصلاة فيه. الخامس: المنع من الصلاة في قرى النمل، والمشهور الكراهة لهذا الخبر ولما سيأتي، ولعدم انفكاك المصلي من أذاها، وقتل بعضها. السادس: المنع من الصلاة في معاطن الابل، قال الجوهري: العطن والمعطن واحد الاعطان والمعاطن وهي مبارك الابل عند الماء لتشرب عللا بعد نهل فإذا استوفت ردت إلى المراعي والاظماء، قال ابن السكيت: وكذلك تقول هذا عطن الغنم ومعطنها لمرابضها حول الماء، وقال: العلل الشرب الثاني، والنهل الشرب الاول، وقال الفيروز آبادي: العطن محركة وطن الابل ومنزلها حول الحوض، وقريب منه كلام ابن الاثير وغيره، وقال في مصباح اللغة: العطن للابل المناخ والمبرك، ولا يكون إلا حول الماء، والجمع أعطان، نحو سبب وأسباب والمعطن وزان مجلس مثله، وعطن الغنم ومعطنها، أيضا مربضها حول الماء، قاله ابن السكيت وابن قتيبة.


(1 و 2) التهذيب ج 1 ص 198، ط حجر ج 2 ص 220 و 221 ط نجف.

[309]

وقال ابن فارس: قال بعض أهل اللغة: لا يكون أعطان الابل إلا حول الماء، فأما مباركها في البرية أو عند الحي فهي المأوى، وقال الازهري: أيضا عطن الابل موضعها الذي تتنحى إليه أي تشرب الشربة الثانية، وهو العلل، ولا تعطن الابل على الماء إلا في حمارة القيظ، فإذا برد الزمان فلا عطن للابل، والمراد بالمعاطن في كلام الفقهاء المبارك انتهى. وظاهر الفقهاء أن الكراهة تشتمل كل موضع يكون فيه الابل، والاولى ترك الصلاة في الموضع الذي تأوي إليه الابل، وإن لم تكن فيه وقت الصلاة كما يومي إليه بعض الاخبار، وصرح به العلامة في المنتهى معللا بأنها بانتقالها عنها لا تخرج عن اسم المعطن إذا كانت تأوي إليه. ثم إن الذي ورد في أخبارنا إنما هو بلفظ العطن، وقد عرفت مدلوله لغة، وأكثر أصحابنا حكموا بالتعميم كالمحقق والعلامة، وقال ابن إدريس في السرائر بعد تفسير المعطن بما نقلناه: هذا حقيقة المعطن عند أهل اللغة إلا أن أهل الشرع لم يخصص ذلك بمبرك دون مبرك انتهى. واستندوا في التعميم بما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا أدركتم الصلاة وأنتم في مراح الغنم فصلوا فيها فانها سكينة وبركة، وإن أدركتم الصلاة وأنتم في أعطان الابل فاخرجوا منها فانها جن من جن خلقت ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها. وعن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله أنصلي في مرابض الغنم ؟ قال: نعم، قال: أنصلي في مبارك الابل ؟ قال: لا. وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تصلوا في مبارك الابل فانها من الشياطين. ولا يخفى أن بعض تلك الروايات على تقدير صحتها تؤمى إلى كراهة الصلاة في كل موضع حضر فيه إبل، مع أنهم ذكروا في السترة أنها تتحقق بالبعير، ورووا أن النبي صلى الله عليه وآله صلى إلى بعير، ورووا عنه صلى الله عليه وآله أنه كان يعرض راحلته ويصلي إليها

[310]

قال: قلت: فإذا ذهبت الركاب ؟ قال: كان يعرض الرحل ويصلي إلى آخرته وقال العلامة في المنتهى: لا بأس أن يستر ببعير أو حيوان، ثم ذكر الروايتين الاخيرتين. وقال - ره - في المعاطن بعد الروايات الاولة: والفقهاء جعلوه أعم من ذلك وهي مبارك الابل مطلقا التي تأوي إليها، ويدل عليه ما فهم من التعليل بكونها من الشياطين، ثم قال: والمواضع التي تبيت فيها الابل في سيرها أو تناخ فيها لعلفها أو وردها الوجه أنها لا بأس بالصلاة فيها، لانها لا تسمى معاطن، ولو صلى في هذه المواضع لم يكن به بأس، وليس مكروها خلافا لبعض الجمهور انتهى. وقد عرفت أنه لو صح التعليل لدل على كراهة مطلق المواضع التي تحضر الابل فيها، وإلا فينبغي أن يقتصر على مدلول المعاطن لغة، مع أن الروايات عامية لا عبرة بمدلولاتها. ثم إن المشهور بين الاصحاب الكراهة، وقد مر عن أبي الصلاح القول بالتحريم، والتردد في بطلان الصلاة، وظاهر المفيد في المقنعة أيضا التحريم، وهو أحوط، وإن كانت الكراهة أقوى في الجملة. السابع: المنع من الصلاة في مجرى الماء، وهو المكان المعد لجريانه فيه، وإن لم يكن فيه ماء، والمشهور فيه الكراهة لهذا الخبر، وقيل يكره الصلاة في بطون الاودية التي يخاف فيها هجوم السيل، وظاهر الصدوق - ره - فيما مر التحريم، وإن لم ينسب إليه، وقال في المنتهى: تكره الصلاة في مجرى الماء ذهب إليه علماؤنا. ثم قال - ره -: تكره الصلاة في السفينة لانه يكون قد صلى في مجرى الماء، وكذا لو صلى على ساباط تحته نهر يجري، أو ساقية، وهل يشترط في الكراهة جريان الماء ؟ عندي فيه توقف أقربه عدم الاشتراط، ولا فرق بين الماء الطاهر والنجس في ذلك، وهل تكره الصلاة على الماء الواقف ؟ فيه تردد أقر به الكراهية انتهى، وقال في النهاية: فان أمن السيل احتمل بقاء الكراهة اتباعا

[311]

لظاهر النهي، وعدمها لزوال موجبها. وأقول: ظاهر الاخبار كراهة الصلاة في المكان الذي يتوقع فيه جريان الماء، وفي المكان الذي يجرى فيه الماء بالفعل، على تفصيل قد تقدم، وقد سبق القول في الصلاة في السفينة، وأما الساباط فالظاهر عدم الكراهة والله أعلم. الثامن: المنع من الصلاة في السبخة بفتح الباء، وإذا كانت نعتا للارض كقولك الارض السبخة فبكسر الباء ذكره الخليل في كتاب العين، والذي يظهر من الاخبار أن المنع لعدم استقرار الجبهة وعدم استواء الارض فلو دق وسوي لم يكن به بأس كما ذكره الصدوق - ره - وظاهر الصدوق في العلل (1) التحريم حيث قال (باب العلة التي من أجلها لا تجوز الصلاة في السبخة) وظاهره في الخصال (2) تخصيص التحريم بالنبي صلى الله عليه وآله والامام، وظاهر الاكثر الكراهة مطلقا، والاظهر أنه إن لم تستقر الجبهة أصلا أو كان الارتفاع والانخفاض أزيد من المعفو فتحرم الصلاة اختيارا، وإلا فتكره، ومع الدق والاستواء تزول الكراهة أو تخف و الاول أظهر، لما رواه الشيخ (3) في الموثق عن سماعة قال: سألته عن الصلاة في السباخ فقال: لا بأس، وحملها الشيخ على موضع تقع فيه الجبهة مستوية. التاسع: المنع من الصلاة على الثلج، والظاهر أنه أيضا مثل السبخة، و مع عدم الاستقرار أصلا يحرم، ومعه في الجملة يكره، ومع الدق والاستواء التام تزول الكراهة أو تخف، والثاني أظهر لما سيأتي. العاشر: المنع من الصلاة في وادي ضجنان وقال المنتهى: تكره الصلاة في ثلاثة مواطن بطريق مكة: البيداء، وذات الصلاصل، وضجنان وقال: البيداء في اللغة المفازة، وليس ذلك على عمومه ههنا، بل المراد موضع معين، وقد ورد أنها أرض خسف روي أن جيش السفياني يأتي إليها قاصدا مدينة الرسول صلى الله عليه وآله فيخسف


(1) علل الشرايع ج 2 ص 16. (2) قد مر كلامه ص 305 س 21. (3) التهذيب ج 1 ص 198، الاستبصار ج 1 ص 199.

[312]

الله تعالى بتلك الارض، وبينها وبين ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة ميل واحد، وضجنان جبل بمكة ذكره صاحب الصحاح، والصلاصل جمع صلصال وهي الارض التي لها صوت ودوى انتهى. وقيل: إنه الطين الحر المخلوط بالرمل، فصار يتصلصل إذا جف أي يصوت وبه فسره الشهيد - ره -، ونقله الجوهري عن أبي عبيدة، ونحو منه كلام الفيروز آبادي، ويوهم عبارات بعض الاصحاب أن كل أرض كانت كذلك كرهت الصلاة فيها، وهو خطأ، لانه قد ظهر من الاخبار وكلام قدماء الاصحاب أنها أسماء مواضع مخصوصة بين الحرمين. وورد في بعض الاخبار النهي عن الصلاة في ذات الجيش ويظهر من بعضها أنها البيداء كما اختاره الاصحاب، وعللوا التسمية بخسف جيش السفياني فيها، ومن بعضها أنها مبدء البيداء للجائي من مكة، ومن بعضها المغايرة، فيحتمل التكرار على التأكيد، أو الحمل على أنها متصلة بالبيداء فحكم بالاتحاد مجازا. 2 - المحاسن: عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن عمار الساباطي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تصل في وادي الشقرة، فان فيه منازل الجن (1). بيان: قال الجوهري: الشقر بكسر القاف شقائق النعمان، الواحدة شقرة وقال ابن إدريس: تكره الصلاة في وادي الشقرة بفتح الشين وكسر القاف، وهي واحد الشقر موضع بعينه مخصوص، سواء كان فيه شقائق النعمان أو لم يكن، وليس كل واد يكون فيه شقائق النعمان تكره فيه الصلاة بل بالموضع المخصوص فحسب، وهو بطريق مكة لان أصحابنا قالوا: تكره الصلاة في طريق مكة بأربعة مواضع من جملتها وادي الشقرة، والذي ينبه على ما اخترناه ما ذكره ابن الكلبي في كتاب الاوائل وأسماء المدن قال: زرود والشقرة ابنتا يثربن قابية بن مهلهل بن وام بن عقيل بن عوض بن ارم بن سام بن نوح، هذا آخر كلام ابن الكلبي النسابة فقد جعل زرود والشقرة موضعين سميا باسم امرأتين، وهو أبصر بهذا الشأن انتهى.


(1) المحاسن ص 366.

[313]

وقال في المنتهى: الشقرة بفتح الشين وكسر القاف واحدة الشقرة، وهو شقائق النعمان، وكل موضع فيه ذلك تكره الصلاة فيه، وقيل: وادي الشقرة موضع مخصوص بطريق مكة ذكره ابن إدريس والاقرب الاول، لما فيه من اشتغال القلب بالنظر إليه، وقيل: هذه مواضع خسف فتكره الصلاة فيها لذلك انتهى. والاظهر ما اختاره ابن إدريس، والتعليل الوارد في الخبر مخالف لما ذكره إلا بتكلف تام. 3 - مجالس الصدوق: بالاسناد المتقدم في كتاب المناهي أن النبي صلى الله عليه وآله نهى أن تجصص المقابر ويصلى فيها (1)، ونهى أن يصلي الرجل في المقابر والطرق والارحية والاودية ومرابط الابل وعلى ظهر الكعبة (2). بيان: كراهة الصلاة في الارحية لم يذكرها الاكثر، وإن دل عليها هذا الخبر، والمرابط أعم من المعاطن مطلقا أو من وجه. 4 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الصلاة بين القبور، قال: صل بين خلالها ولا تتخذ شيئا منها قبلة، فان رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن ذلك، وقال: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا، فان الله عزوجل لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (3). ايضاح: ظاهره عدم جواز الصلاة إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله والسجود عليه، و روى في المنتهى من طرق العامة عن ابن عباس وعائشة قالا: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة كشف وجهه وقال: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وعنه صلى الله عليه وآله أنه قال: أما إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك.


(1) أمالى الصدوق ص 253. (2) المصدر ص 254. (3) علل الشرائع ج 2 ص 47.

[314]

ثم قال - ره -: وذلك محمول على الكراهة، إذ القصد بذلك النهي عن التشبه بمن تقدمنا في تعظيم القبور بحيث تتخذ مساجد، ومن صلى لا لذلك لم يكن قد فعل محرما، إذ لا يلزم من المساواة التحريم كالسجود لله تعالى المساوي للسجود للصنم في الصورة ثم قال: قال الشيخ: قد رويت رواية بجواز النوافل إلى قبور الائمة عليهم السلام والاصل الكراهية انتهى. أقول: الجواز وعدم الكراهة في قبور الائمة عليهم السلام لا يخلو من قوة، لا سيما مشهد الحسين عليه السلام لما سيأتي من الاخبار، ولا يبعد القول بذلك في قبر الرسول صلى الله عليه وآله أيضا بحمل أخبار المنع على التقية، لشهرة تلك الروايات عند المخالفين، وقول بعضهم بالحرمة، ويمكن القول بالنسخ فيها أيضا، أو الحمل على أن يجعل قبلة كالكعبة، بأن يتوجه إليه من كل جانب، لكن هذا الحمل بعيد في بعضها، أو الحمل على ما إذا كان المقصود سجدة القبر أو صاحبه. ويمكن القول بالفرق بين قبر النبي صلى الله عليه وآله وقبور الائمة عليهم السلام بالقول بالكراهة في الاول دون الثاني، لان احتمال توهم المعبودية والمسجودية أو مشابهة من مضى من الامم فيه أكثر، أو لدفن الملعونين عنده صلى الله عليه وآله. 5 - العيون: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن الحسن ابن علي بن فضال قال: رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام وهو يريد أن يودع للخروج إلى العمرة، فأتى القبر من موضع رأس النبي صلى الله عليه وآله بعد المغرب، فسلم على النبي صلى الله عليه وآله ولزق بالقبر ثم انصرف حتى أتى القبر فقام إلى جانبه يصلي، فألزق منكبه الايسر بالقبر قريبا من الاسطوانة المخلقة التي عند رأس النبي صلى الله عليه وآله فصلى ست ركعات أو ثمان ركعات (1). 6 - مشكوة الانوار: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا أتى أبا جعفر عليه السلام فقال له: أصلحك الله إني أتجر إلى هذه الجبال، فنأتي أمكنة لا نستطيع أن نصلي إلا على الثلج، قال: ألا تكون مثل فلان، يعني رجلا عنده - يرضى بالدون


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 17 في حديث.

[315]

ولا يطلب التجارة إلى أرض لا يستطيع أن يصلي إلا على الثلج (1). 7 - الاحتجاج: قال: كتب الحميري إلى القائم عليه السلام يسأله عن الرجل يزور قبور الائمة عليهم السلام هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا ؟ وهل يجوز لمن صلى عند بعض قبورهم عليهم السلام أن يقوم وراء القبر، ويجعل القبر قبلة أو يقوم عند رأسه أو رجليه ؟ وهل يجوز أن يتقدم القبر ويصلى ويجعل القبر خلفه أم لا ؟ فأجاب عليه السلام أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة، ولا فريضة، ولا زيارة، والذي عليه العمل أن يضع خده الايمن على القبر وأما الصلاة فانها خلفه، ويجعل القبر أمامه، ولا يجوز أن يصلي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره، لان الامام عليه السلام لا يتقدم ولا يساوى (2). بيان: روى الشيخ في التهذيب (3) هذه الرواية عن محمد بن أحمد بن داود، عن أبيه، عن محمد بن عبد الله الحميري، وقال شيخنا البهائي قدس الله روحه: الواسطة بين الشيخ وبين محمد، الشيخ المفيد طاب ثراه، فالحديث صحيح لان الثلاثة ثقات من وجوه أصحابنا، وقال المحقق في المعتبر: إنه ضعيف، ولعل السبب في ذلك كونه مكاتبة انتهى. وما ذكره قريب، لان محمد بن أحمد، وإن لم ينص على توثيقة لكن مدحه النجاشي مدحا يربي على التوثيق، حيث قال فيه (4) شيخ هذه الطائفة وعالمها، و شيخ القميين في وقته، وفقيههم، حكى أبو عبد الله الحسين بن عبيدالله أنه لم ير أحدا أحفظ منه ولا أفقه ولا أعرف بالحديث، وصنف كتبا انتهى لكن في التهذيب هكذا (وأما الصلاة فانها خلفه يجعله الامام، ولا يجوز أن يصلي بين يديه، لان الامام لا يتقدم ويصلي عن يمينه وشماله) وظاهره تجويز المساواة إلا أن يقال: بعطف يصلي على يصلي، أو على يتقدم، ولا يخفى بعدهما، وإن أمكن ارتكابه جمعا


(1) مشكاة الانوار ص 131. (2) الاحتجاج ص 474. (3) التهذيب ج 1 ص 200. (4) رجال النجاشي ص 298.

[316]

بين الروايتين. ثم قال الشيخ البهائي قدس سره: هذا الخبر يدل على عدم جواز وضع الجبهة على قبر الامام عليه السلام، لا في الصلاة ولا في الزيارة، بل يضع خده الايمن عليه، وعلى عدم جواز التقدم على الضريح المقدس حال الصلاة لان قوله عليه السلام (يجعله الامام) صريح في جعل القبر بمنزلة الامام في الصلاة، فكما أنه لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الامام بأن يكون موقفه أقرب إلى القبلة من موقف الامام بل يجب أن يتأخر عنه أو يساويه في الموقف يمينا أو شمالا، فكذا هنا، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام (ولا يجوز أن يصلي بين يديه) إلى آخره. والحاصل أن المستفاد من هذا الحديث أن كل ما ثبت للمأموم من وجوب التأخر عن الامام، أو المساواة له، وتحريم التقدم عليه ثابت للمصلي بالنسبة إلى الضريح المقدس، من غير فرق، فينبغي لمن يصلي عند رأس الامام عليه السلام أو عند رجليه أن يلاحظ ذلك وقد نبهت على هذا جماعة من إخواني المؤمنين في المشهد المقدس الرضوي على مشرفه السلام فانهم كانوا يصلون في الصفة التي عند رأسه عليه السلام صفين، فبينت لهم أن الصف الاول أقرب إلى القبلة من الضريح المقدس على صاحبه السلام، وهذا مما ينبغي ملاحظته لمن يصلي في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، وكذا في سائر المشاهد المقدسة، على ساكنيها أفضل التسليمات. وربما يستفاد من هذا الحديث المنع من استدبار ضرائحهم صلوات الله عليهم في غير الصلاة أيضا نظرا إلى أن قوله عليه السلام (لان الامام لا يتقدم) عام في الصلاة وغيرها، وهذا هو الذي فهمه العلامة في المنتهى، وحمل المنع منه على الكراهة وقد دل أيضا على جواز الصلاة إلى قبر الامام عليه السلام إذا كان في القبلة وبهذا تتخصص أخبار المنع، وظاهر المفيد - ره - بقاؤها على عمومها، فانه قال في المقنعة: لا تجوز الصلاة إلى شئ من القبور، حتى يكون بينه وبينه حائل إلى آخر ما مر ثم قال: وقد روي أنه لا بأس بالصلاة إلى قبلة فيها قبر إمام عليه السلام والاصل ما قدمناه

[317]

انتهى، وقد تقدم الكلام فيه. 8 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في بيت الحمام من غير ضرورة، قال: لا بأس إذا كان المكان الذي صلى فيه نظيفا. وسألته عن الصلاة بين القبور قال: لا بأس (1). 9 - الخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري عن محمد بن الحسين باسناده رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ثلاثة لا يتقبل الله عزوجل لهم بالحفظ: رجل نزل في بيت خرب، ورجل صلى على قارعة الطريق، ورجل أرسل راحلته ولم يستوثق منها (2). 10 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن عبد الله القزويني، عن الحسين بن المختار القلانسي عن أبي بصير، عن عبد الواحد بن المختار الانصاري، عن ام المقدام الثقفية قالت: قال لي جويرية بن مسهر: قطعنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام جسر الصراة في وقت العصر، فقال: إن هذه أرض معذبة، لا ينبغي لنبي ولا وصي نبي أن يصلي فيها، فمن أراد منكم أن يصلي فليصل. فتفرق الناس يمنة ويسرة يصلون، فقلت: أنا والله لاقلدن هذا الرجل صلاتي اليوم، ولا اصلي حتى يصلي، فسرنا، وجعلت الشمس تسفل، وجعل يدخلني من ذلك أمر عظيم حتى وجبت الشمس، وقطعنا الارض، فقال: يا جويرية أذن فقلت: يقول: أذن وقد غابت الشمس، فقال: أذن فأذنت ثم قال لي: أقم فأقمت فلما قلت: قد قامت الصلاة، رأيت شفتيه تتحركان، وسمعت كلاما كأنه كلام العبرانية، فارتفعت الشمس حتى صارت في مثل وقتها في العصر فصلى، فلما انصرفنا، هوت إلى مكانها، واشتبكت النجوم، فقلت أنا: أشهد أنك وصي رسول الله


(1) قرب الاسناد ص 91 ط حجر ص 119 ط نجف. (2) الخصال ج 1 ص 69.

[318]

صلى الله عليه وآله فقال: يا جويرته أما سمعت الله عزوجل يقول: (فسبح باسم ربك العظيم) (1) فقلت: بلى، قال: فاني سألت الله باسمه العظيم فردها علي (2). بصائر الدرجات: عن أحمد بن محمد مثله (3). بيان: قوله (جسر الصراة) قال في القاموس: الصراة نهر بالعراق انتهى، و في بعض النسخ بالفرات، في الفقيه (4) والبصائر نهر سورى، وفي القاموس سورى كطوبى موضع بالعراق، من بلد السريانيين، وموضع من أعمال بغداد، وقد يمد، والظاهر أنه كان مكان جسر الحلة ومسجد الشمس هناك مشهور، ويدل على كراهة الصلاة في كل أرض عذب أهلها، وقال ابن إدريس - ره - في السرائر: تكره الصلاة في كل أرض خسف، ولهذا كره أمير المؤمنين عليه السلام الصلاة في أرض بابل، فلما عبر الفرات إلى الجانب الغربي وفاته لاجل ذلك أول الوقت ردت له الشمس إلى موضعها في أول الوقت، وصلى بأصحابه صلاة العصر، ولا يحل أن يعتقد أن الشمس غابت ودخل الليل، وخرج وقت العصر بالكلية، وما صلى الفريضة عليه السلام لان هذا من معتقده جهل بعصمته عليه السلام لانه يكون مخلا بالواجب المضيق عليه وهذا لا يقوله من عرف إمامته، واعتقد عصمته انتهى. أقول: قد مر الكلام فيه في كتاب فضائله عليه السلام، وأنه لا استبعاد في أن يكون من خصائصهم عليهم السلام عدم جواز الصلاة في تلك الاراضي مطلقا، وجواز تأخيرهم الصلاة عن الوقت لذلك مطلقا أو إذا علموا أنهم يدعون ويرجع لهم الشمس، والحاصل أن النبي صلى الله عليه وآله أخبره بأمره تعالى بأنه يرد عليه الشمس، وأمره بتأخير الصلاة لتظهر منه تلك المعجزة، لكن سيأتي ما يؤيد تأويله - ره -. 11 - العلل: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن


(1) الواقعة: 74 و 96. (2) علل الشرائع ج 2 ص 41. (3) بصائر الدرجات ص 217. (4) الفقيه ج 1 ص 130 و 131.

[319]

يزيد، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في السبخة فكرهه لان الجبهة لا تقع مستوية عليها، فقلنا إن كانت أرضا مستوية ؟ قال: لا بأس (1). المعتبر: نقلا من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم، عن الحلبي مثله (2). 12 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن داود بن الحصين بن السرى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لم حرم الله الصلاة في السبخة ؟ قال: لان الجبهة لا تتمكن عليها (3). 13 - كامل الزيارة: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي ابن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن الاصم، عن محمد البصري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبي يقول لرجل من مواليه وسأله عن الزيارة فقال: من صلى خلفه صلاة واحدة يريد بها الله، لقي الله يوم يلقاه و عليه من النور ما يغشى له كل شئ يراه، الخبر (4). ومنه: بهذا الاسناد عن الاصم، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتاه رجل فقال له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله هل يزار والدك ؟ قال: فقال: نعم، ويصلى خلفه ولا يتقدم عليه (5). أقول: تمام الخبرين في أبواب المزار. ومنه: عن أبيه وعلي بن الحسين وجماعة، عن سعد، عن موسى بن عمر


(1) علل الشرايع ج 2 ص 17. (2) المعتبر: 157. (3) علل الشرائع ج 2 ص 16. (4) كامل الزيارات ص 122. (5) كامل الزيارات ص 123.

[320]

وأيوب بن نوح، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي اليسع قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع قال: إذا أتيت قبر الحسين عليه السلام اجعله قبلة إذا صليت ؟ قال: تنح هكذا ناحية (1). ومنه عن علي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران عن يزيد بن إسحاق، عن الحسين بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا فرغت من التسليم على الشهداء أتيت قبر أبي عبد الله عليه السلام ثم تجعله بين يديك ثم صل ما بدالك (2). ومنه عن علي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن علي بن عقبة، عن عبيدالله الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت إنا نزور قبر الحسين عليه السلام كيف نصلي عليه ؟ قال: تقوم خلفه عند كتفيه، ثم تصلى على النبي صلى الله عليه وآله وتصلي على الحسين (3). ومنه عن محمد بن جعفر، عن محمد بن الحسين، عن أيوب بن نوح وغيره، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي اليسع قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع عن الغسل إذا آتي قبر الحسين عليه السلام قال: قال: اجعله قبلة إذا صليت، قال: تنح هكذا ناحية، قال: آخذ من طين قبره ؟ ويكون عندي أطلب بركته ؟ قال: نعم، أو قال: لا بأس بذلك (4). بيان: الخبر الاول يدل على استحباب مطلق الصلاة خلف قبر الحسين عليه السلام فريضة كانت أم نافلة، وكذا الرابع لكنه يحتمل التخصيص بصلاة الزيارة، والثاني يدل على استحبابها مطلقا خلف القبر وعدم خصوصية الامام عليه السلام هنا ظاهر، وأما الثالث والسادس فلعلهما محمولان على الاتقاء، لئلا تتضرر الشيعة بذلك من المخالفين المانعين مطلقا وفي الخامس النسخ مختلفة ففي بعضها كيف نصلي عليه ؟ وفي بعضها كيف نصلي عنده ؟ فعلى الاول لا يناسب الباب إذ الظاهر الصلاة والدعاء


(1 - 3) كامل الزيارات ص 245. (4) كامل الزيارات ص 246

[321]

لهما صلى الله عليهما، وعلى الثاني يحتمل ذلك والصلاة المصطلح، فلا تغفل 14 - المحاسن: عن ابن فضال، عن عبيس بن هشام، عن عبد الكريم بن عمرو عن الحكم بن محمد بن القاسم، عن عبد الله بن عطا قال: ركبت مع أبي جعفر وسار وسرت حتى إذا بلغنا موضعا قلت: الصلاة جعلني الله فداك، قال: هذا أرض وادي النمل لا يصلى فيها حتى إذا بلغنا موضعا آخر قلت له: مثل ذلك فقال: هذه الارض مالحة لا يصلى فيها (1). بيان: يدل على كراهة الصلاة في وادي النمل، سواء وقعت الصلاة عند قراها أم لا، والمالحة هي السبخة، وفي بعض النسخ نصلي في الموضعين بالنون، وفي بعضها بالياء فعلى الاول ظاهره اختصاص الحكم بهم عليهم السلام، والمراد التحريم أو شدة الكراهة، فلا ينافي حصول الكراهة في الجملة لغيرهم أيضا. أقول: قد مضى تمام الخبر في باب آداب الركوب (2). 15 - المحاسن: عن أبيه، عن صفوان، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام قال: سألته عن الصلاة على ظهر الطريق، فقال: لا تصل على الجادة وصل على جانبيها (3). ومنه: عن صفوان، عن معلى بن عثمان، عن معلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة على الطريق، قال: لا اجتنب الطريق (4). ومنه: عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الفضيل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أقوم في الصلاة في بعض الطريق، فأرى قدامي في القبلة العذرة ؟ قال: تنح عنها ما استطعت، ولا تصل على الجواد (5). بيان: يمكن أن يكون النهي عن الصلاة على الجواد بعد ذكر التنحي لان


(1) المحاسن ص 352. (2) راجع ج 76 ص 296. (3) المحاسن ص 364. (4 و 5) المحاسن ص 365.

[322]

العذرة تكون غالبا في أطراف الطرق، والتنحى إن كان من جهة الطريق يقع في وسطه، فاستدرك ذلك بأنه لابد أن يكون التنحي على وجه لا يقع المصلي به في وسط الطريق واستدل به بعض الاصحاب على كراهة الصلاة في بيت الخلاء بطريق أولى وفيه ما لا يخفى. 16 - المحاسن: عن النوفلي باسناده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الارض كلها مسجد إلا الحمام والقبر (1). ومنه: عن أبيه، عن صفوان، عن أبي عثمان، عن المعلى بن خنيس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في معاطن الابل فكرهه، ثم قال: إن خفت على متاعك شيئا فرش بقليل ماء وصل (2). ومنه: بالاسناد قال: سألته عن السبخة أيصلي الرجل فيها ؟ فقال إنما تكره الصلاة فيها من أجل أنها فتك، ولا يتمكن الرجل يضع وجهه كما يريد، قلت: أرأيت إن هو وضع وجهه متمكنا ؟ فقال: حسن (3). بيان: التفتيك كناية عن كونها رخوة نشاشة لا تستقر الجبهة عليها، قال في القاموس: تفتيك القطن تفتيته. 17 - المحاسن: عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان وعبد الرحمان بن الحجاج وغيرهما، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تصل في ذات الجيش، ولا ذات الصلاصل، ولا البيداء ولا ضجنان (4). ومنه: عن البزنطي قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الصلاة في البيداء، فقال: البيداء لا يصلى فيها، قلت: وأين حد البيداء قال: أما رأيت ذلك الرفع والخفض ؟ قلت: إنه كثير، فأخبرني أين حده ؟ فقال: كان أبو جعفر عليه السلام إذا بلغ ذات الجيش جد في السير ثم لم يصل حتى يأتي معرس النبي صلى الله عليه وآله قلت: وأين ذات الجيش ؟ قال: دون الحفيرة بثلاثة أميال (5).


(1 - 4) المحاسن ص 365. (5) المحاسن ص 366.

[323]

18 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في معاطن الابل أتصلح ؟ قال: لا تصلح إلا أن تخاف على متاعك ضيعة، فاكنس ثم انضع بالماء، ثم صل (1). وسألته عن معاطن الغنم أتصلح الصلاة فيها ؟ قال: نعم، لا بأس به (2). 19 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في الارض السبخة أيصلى فيها ؟ قال: لا إلا أن يكون فيها نبت إلا أن يخاف فوت الصلاة فيصلي (3). 20 - المقنعة: قال: قال صلى الله عليه وآله تكره الصلاة في طريق مكة في ثلاثة مواضع: أحدها البيداء، والثاني ذات الصلاصل، والثالث ضجنان (4). 21 - بصائر الدرجات: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن علي بن مغيرة قال: نزل أبو جعفر عليه السلام في ضجنان وذكر حديثا يقول في آخره وإنه ليقال: إنه واد من أودية جهنم (5). 22 - مجالس الشيخ: عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي ابن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر، عن أحمد، عن يحيى بن العلا قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لما خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى النهروان وطعنوا في أول أرض بابل، حين دخل وقت العصر، فلم يقطعوها حتى غابت الشمس، فنزل الناس يمينا وشمالا لا يصلون إلا الاشتر وحده، فانه قال: لا اصلي حتى أرى أمير المؤمنين عليه السلام قد نزل يصلي، قال: فلما نزل قال: يا مالك إن هذه أرض سبخة، ولا يحل الصلاة فيها، فمن كان صلى فليعد الصلاة، قال: ثم استقبل القبلة فتكلم بثلاث كلمات ما هن بالعربية ولا بالفارسية، فإذا هو بالشمس بيضاء نقية، حتى إذا صلى


(1 و 2) المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 277. (3) المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 279. (4) المقنعة ص 71. (5) بصائر الدرجات ص 285.

[324]

بنا سمعنا لها حين انقضت خريرا كخرير المنشار (1). بيان: الخرير الصوت والامر بالاعادة لعله على الاستحباب، أو كانوا صلوا مع عدم الاستقرار، وكان الوقت واسعا. 23 - كتاب صفين: لنصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف، عن عمه ابن مخنف قال: إني لانظر إلى أبي مخنف بن سليم وهو يساير عليا ببابل، وهو يقول إن ببابل أرضا قد خسف بها، فحرك دابتك، فعلنا أن نصلي العصر خارجا منها قال: فحرك دابته وحرك الناس دوابهم في أثره، فلما جاز جسر الصراة نزل فصلى بالناس العصر. وعن عمر عن عبد الله بن يعلى بن مرة، عن أبيه، عن عبد خير قال: كنت مع على أسير في أرض بابل، قال: وحضرت الصلاة صلاة العصر قال: فجعلنا لا نأتي مكانا إلا رأيناه أقبح من الاخر، قال: حتى أتينا على مكان أحسن ما رأينا، وقد كادت الشمس أن تغيب، فنزل علي عليه السلام ونزلت معه، قال: فدعا الله فرجعت الشمس كمقدارها من صلاة العصر، قال: فصلينا العصر ثم غابت الشمس. 24 - مجالس الشيخ: عن المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور، عن أبي بكر المفيد الجرجرائي، عن أبي الدنيا معمر المغربي، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لا تتخذوا قبري مسجدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فان صلاتكم وسلامكم يبلغني (2). أقول: ورواه الكراجكي في كنز الفوائد، عن أسد بن إبراهيم السلمي و الحسين بن محمد الصيرفي معا، عن أبي بكر المفيد، وزاد فيه ولا تتخذوا قبوركم مساجد. 25 - عدة الداعي: قال جويرية بن مسهر: خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام نحو بابل، لا ثالث لنا، فمضى وأنا اسايره في السبخة، فإذا نحن بالاسد جاثما في


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 284. (2) لا يوجد في المطبوع من المصدر.

[325]

الطريق، ولبوته خلفه، وأشبال لبوته خلفها، فكبحت دابتي لاتأخر، فقال: أقدم يا جويرية، فانما هو كلب الله، وما من دابة إلا الله آخذ بناصيتها لا يكفي شرها إلا هو، وإذا أنا بالاسد قد أقبل نحوه يبصبص له بذنبه، فدنا منه فجعل يمسح قدمه بوجهه، ثم أنطقه الله عزوجل فنطق بلسان طلق ذلق، فقال: السلام عليك يا أمير - المؤمنين، ووصي خاتم النبيين، قال: وعليك السلام يا حيدرة، ما تسبيحك ؟ قال أقول: سبحان ربي، سبحان إلهي سبحان من أوقع المهابة والمخافة في قلوب عباده مني، سبحانه سبحانه. فمضى أمير المؤمنين عليه السلام وأنا معه واستمرت بنا السبخة ووافت العصر فأهوى فوتها ثم قلت في نفسي مستخفيا: ويلك يا جويريةء أنت أظن أم أحرص من أمير المؤمنين عليه السلام وقد رأيت من أمر الاسد ما رأيت فمضى وأنا معه حتى قطع السبخة، فثنى رجله ونزل عن دابته وتوجه فأذن مثنى مثنى، وأقام مثنى مثنى، ثم همس بشفتيه وأشار بيده فإذا الشمس قد طلعت في موضعها من وقت العصر، وإذا لها صرير عند سيرها في السماء، فصلى بنا العصر، فلما انفتل رفعت رأسي فإذا الشمس بحالها فما كان إلا كلمح البصر فإذا النجوم قد طلعت فأذن وأقام وصلى المغرب. ثم ركب وأقبل علي فقال: يا جويرية أقلت هذا ساحر مفتر ؟ وقلت ما رأيت طلوع الشمس وغروبها أفسحر هذا أم زاغ بصري ؟ سأصرف ما ألقى الشيطان في قلبك ما رأيت من أمر الاسد وما سمعت من منطقه، ألم تعلم أن الله عزوجل يقول: (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها) (1) يا جويرية إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يوحى إليه، وكان رأسه في حجري، فغربت الشمس، ولم أكن صليت العصر، فقال لي: صليت العصر ؟ قلت: لا، قال: اللهم إن عليا في طاعتك وحاجة نبيك، ودعا بالاسم الاعظم، فردت إلي الشمس، فصليت مطمئنا ثم غربت بعد ما طلعت، فعلمني بأبي هو وامي ذلك الاسم الذي دعا به، فدعوت الان به. يا جويرية إن الحق أوضح في قلوب المؤمنين من قذف الشيطان، فاني قد


(1) الاعراف: 180.

[326]

دعوت الله عزوجل بنسخ ذلك من قلبك، فماذا تجد ؟ فقلت: يا سيدي قد محي ذلك من قلبي. بيان: قال الجوهري: جثم الطائر أي تلبد بالارض، وكذلك الانسان و قال: اللبوءة انثى الاسد، واللبوة ساكنة الباء غير مهموز لغة فيها عن ابن سكيت، والشبل بالكسر ولد الاسد. وقال: كبحت الدابة إذا جذبتها إليك باللجام لكي تقف ولا تجري، وقال: بصبص الكلب وتبصبص: حرك ذنبه، والتبصبص التملق (فأهوى فوتها) أي سقط لفوتها أو قرب فوتها (ءأنت أظن) أي أعلم وفي بعض النسخ بالضاد أي أبخل بدينك، وضنائن الله خواص خلقه، والهمس الصوت الخفي. 26 - المحاسن: عن محمد بن علي، عن عبد الرحمان بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على ام أيمن فقال: مالي لا أرى في بيتك البركة ؟ فقالت: أو ليس في بيتي بركة ؟ قال: لست أعني ذلك، لك شاة تتخذينها تستغني ولدك من لبنها ؟ وتطعمين من سمنها ؟ وتصلين في مربضها (1). 27 - ومنه: عن أبيه، عن سليمان الجعفري رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: امسحوا رغام الغنم، وصلوا في مراحها، فانها دابة من دواب الجنة، قال: الرغام ما يخرج من أنوفها (2). بيان: الرغام في بعض النسخ بالعين المهملة، وفي بعضها بالغين المعجمة، و روت العامة أيضا على وجهين، قال في النهاية: فيه صلوا في مراح الغنم وامسحوا رعامها، الرعام ما يسيل من أنوفها، وشاة رعوم، وقال في المعجمة في حديث أبي هريرة صل في مراح الغنم وامسح الرغام عنها، كذا رواه بعضهم بالغين المعجمة، وقال: إنه ما يسيل من الانف، والمشهور فيه والمروي بالعين المهملة، ويجوز أن يكون أراد مسح التراب عنها، رعاية لها، وإصلاحا لشأنها انتهى. وقال العلامة في المنتهى: لا بأس بالصلاة في مرابض الغنم، وليس مكروها


(1) المحاسن ص 641.

[327]

ذهب إليه أكثر علمائنا، وقال أبو الصلاح: لا تجوز الصلاة فيها، لما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (1) قال: سألته عن الصلاة في أعطان الابل وفي مرابض البقر والغنم ؟ فقال: إن نضحته بالماء وقد كان يابسا فلا بأس بالصلاة فيها، فأما مرابط الخيل والبغال فلا، قال: وهذا يدل على اشتراك مرابض الغنم وأعطان الابل في الحكم، وقد بينا تحريم الصلاة في الاعطان فكذا في المرابض. وأجاب العلامة قدس سره أولا بضعف السند، وثانيا بكونه موقوفا، وثالثا بمنع التحريم في المعاطن، ورابعا بمنع الاشتراك مع تسليم التحريم، ثم قال: وتكره الصلاة في مرابط الخيل والبغال والحمير سواء كانت وحشية أو إنسية، وقال أبو الصلاح: لا يجوز، والشيخ في بعض كتبه يذهب إلى وجوب الاحتراز عن أبوالها وأرواثها فيلزم المنع من الصلاة فيها انتهى، والظاهر الكراهة من حيث المكان، وحكم النجاسة حكم آخر تقدم ذكره، وأما مرابض البقر والغنم فالظاهر عدم الكراهة مطلقا، إلا أنه يستحب الرش بالماء. 28 - العياشي: عن عبد الله بن عطا قال: ركبت مع أبي جعفر عليه السلام فسرنا حتى زالت الشمس، وبلغنا مكانا قلت: هذا المكان الاحمر، فقال: ليس يصلى ههنا هذه أودية النمال، وليس يصلى فيها، قال: فمضينا إلى أرض بيضاء قال: هذه سبخة وليس يصلى بالسباخ قال: فمضينا إلى أرض خصباء قال ههنا، فنزل ونزلت الخبر (2). 29 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم قال: لا يصلى في ذات الجيش، ولا ذات الصلاصل، ولا في وادي مجنة، ولا في بطون الاودية، ولا في السبخة، ولا على القبور، ولا على جواد الطريق، ولا في أعطان الابل، ولا على بيت النمل، ولا في بيت فيه تصاوير، ولا في بيت فيه نار أو سراج بين يديك، ولا في بيت فيه خمر، ولا في بيت فيه لحم خنزير، ولا في بيت فيه الصلبان، ولا في بيت فيه لحم ميتة، ولا في بيت فيه دم، ولا في بيت فيه ما ذبح لغير الله، ولا في بيت فيه


(1) التهذيب ج 1 ص 198. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 286 في حديث.

[328]

المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، ولا في بيت فيه ما ذبح على النصب، ولا في بيت فيه ما أكل السبع، إلا ما ذكيتم، ولا على الثلج، ولا على الماء، ولا على الطين ولا في الحمام. ثم قال: أما قوله لا يصلى في ذات الجيش، فانها أرض خارجة من ذي الحليفة على ميل، وهي خمسة أميال والعلة فيها أنه يكون فيها جيش السفياني، فيخسف بهم، وذات الصلاصل موضع بين مكة والمدينة، نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يصلى فيه، و العلة في وادي مجنة أنه وادي الجن وهو الوادي الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله لما رجع من الطائف، فاستمعت الجن لقراءته وآمنوا به، وهو قول الله عزوجل (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين) (1). والعلة في السبخة أنها أرض مخسوف بها، والعلة في القبور أن فيها أرواح المؤمنين وعظامهم، وعلة اخرى أنه لا يحل أن يوطأ الميت لقول رسول الله صلى الله عليه وآله من وطئ قبرا فكأنما وطئ جمرا، والعلة في جواد الطريق لما يقع فيها من بول الدواب والقذر، والعلة في أعطان الابل أنها قذرة يبال في كل موضع منها، والعلة في حجرة النمل أن النمل ربما أذاه، فلا يتمكن من الصلاة، والعلة في بطون الاودية أنها مأوى الحيات والجن والسباع ولا يأمن منها. والعلة في بيت فيها تصاوير أنها تصاوير صورت على خلق الله عزوجل، ولا يصلى في بيت فيه ذلك تعظيما لله عزوجل، ولا في بيت فيه نار أو سراج بين يديك، لان النار تعبد ولا يجوز أن يصلي ويسجد ونحوه إليه، والعلة في بيت فيه صلبان أنها شركاء يعبدون من دون الله فينزه الله تبارك وتعالى أن يعبد في بيت فيه ما يعبد من دون الله، ولا في بيت فيه الخمر ولحم الخنزير والميتة وما اهل لغير الله وهو الذي يذبح لغير الله، ولا في بيت فيه الموقوذة وهي التي تضرب حتى تموت، ولا في بيت فيه ما أكل السبع إلا ما ذكي، ولا في بيت فيه النطيحة وهي التي تناطح بها حتى


(1) الاحقاف: 29.

[329]

تموت وما كانت العرب يذبحونها على الانصاب، وهو القمار، ولا في بيت فيه بول أو غائط. والعلة في ذلك وهذه الاشياء كلها وهذه البيوت أن لا يصلى فيها أن الملائكة لا يصلون ولا يحضرون هذه المواضع، وقال الصادق عليه السلام: إذا قام المصلي للصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الارض، وحفت به الملائكة، ونادته الملائكة، ويروى وناداه ملك لو علم المصلي ما في الصلاة ما انفتل فإذا صلي الرجل في هذه المواضع لم تحضره الملائكة، ولم يكن له من الفضل ما قال الصادق عليه السلام، و ترفع صلاته ناقصة. والعلة في الحمام لموضع القذر والجن. بيان: اشتمل كلامه على أشياء لم يذكر في أخبار اخر، ولا في كلام غيره، ولما كان من أصحاب الاخبار، وفي إثبات الكراهة توسعة عند الاصحاب الاحتراز عنها أحوط وأولى [أوردناه في الباب] ظ، ويظهر منه أن السبخة كراهة الصلاة فيها مخصوصه بموضع مخصوص، ولعلها فيه آكد كراهة. 30 - الهداية: تكره الصلاة في القبور، والماء والحمام، وقرى النمل، و معاطن الابل، ومجرى الماء، والسبخة، وذات الصلاصل، ووادي الشقرة، ووادي ضجنان، ومسان الطرق، وفي بيت فيه تماثيل إلا أن تكون بعين واحدة أو قد غير رؤوسها (1).


(1) الهداية ص 32 - 33.

[330]

[6] * (باب) * * (الصلاة في الكعبة ومعابد أهل الكتاب وبيوتهم) * 1 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: لا بأس بالصلاة في البيعة والكنيسة، الفريضة والتطوع والمسجد أفضل (1). 2 - العياشي: عن حماد، عن صالح بن الحكم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول - وقد سئل عن الصلاة في البيع والكنايس - فقال: صل فيها فقد رأيتها ما أنظفها قال: قلت اصلي فيها وإن كانوا يصلون فيها ؟ فقال: أما تقرأ القرآن (قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) (2) صل إلى القبلة ودعهم (3). ايضاح: الظاهر أنه عليه السلام فسر الشاكلة بالطريقة، وفسرت في بعض الاخبار بالنية ولا يناسب المقام كثيرا، وقد حققناه في موضعه، وقال الطبرسي - ره - أي كل واحد من المؤمن والكافر يعمل على طبيعته وخليقته التي تخلق بها، عن ابن - عباس، وقيل على طريقته وسنته التي اعتادها عن الفراء والزجاج، وقيل: على ما هو أشكل بالصواب وأولى بالحق عنده، عن الجبائي، قال: ولهذا قال (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) أي إنه يعلم أي الفريقين على الهدى، وأيهما على الضلال ؟ وقيل: معناه إنه أعلم بمن هو أصوب دينا وأحسن طريقة انتهى (4). والظاهر أن الاستشهاد بالاية لانها يفهم منها أن بطلان المبطلين لا يضر حقية المحقين، ثم المشهور بين الاصحاب عدم كراهة الصلاة في البيع والكنايس وذهب ابن البراج وسلار وابن إدريس إلى الكراهة، لعدم انفكاكها من النجاسة غالبا، وقال


(1) قرب الاسناد ص 70 ط حجر ص 92 ط نجف. (2) أسرى: 84. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 316. (4) مجمع البيان ج 6 ص 436.

[331]

الشيخان - ره -: لو كانت مصورة كره قطعا من حيث الصور وظاهر الخبر وما قبله عدم الكراهة، وهذا الخبر يؤمي إلى طهارة أهل الكتاب إلا أن يقال ليس المراد بالنظافة الطهارة، بل المراد أنه ليس فيها قذارة ولا نجاسة مسرية، وقال في المنتهى: الاقرب أنه يستحب رش الموضع الذي يصلى فيه من البيع والكنايس، لما رواه الشيخ في الصحيح (1) عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الصلاة في البيع والكنايس وبيوت المجوس فقال: رش وصل، والعطف يقتضي التشريك في الحكم انتهى، وهو حسن وإطلاق النص وكلام الاصحاب يقتضي عدم الفرق بين إذن أهل الذمة وعدمه، واحتمل الشهيد في الذكرى توقفها على الاذن تبعا لغرض الواقف وعملا بالقرينة، والظاهر عدمه لاطلاق النصوص ويؤيده ورود الاذن في نقضها، بل لو علم اشتراطهم عند الوقف عدم صلاة المسلمين فيها، كان شرطهم فاسدا باطلا، وكذا الكلام في مساجد المخالفين وصلاة الشيعة فيها. 3 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن بواري اليهود والنصارى التي يقعدون عليها في بيوتهم أيصلى عليها قال: لا (2). بيان: حمل على الكراهة وعلى العلم بالنجاسة، والاحوط الاجتناب لغلبة الظاهر فيه على الاصل، وقال الشيخ في المبسوط: تجوز الصلاة في البيع والكنايس وتكره في بيوت المجوس، وفي النهاية لا يصلى في بيت فيه مجوسي ولا بأس بالصلاة وفيه يهودي أو نصراني، ولا بأس بالصلاة في البيع والكنايس. وقال العلامة - ره - في المنتهى: تكره الصلاة في بيوت المجوس لانها لا تنفك عن النجاسات، ويؤيده ما رواه أبو جميلة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تصل


(1) التهذيب ج 1 ص 199. (2) قرب الاسناد ص 112 ط نجف. (3) التهذيب ج 1 ص 244، ورواه الكليني في الكافي ج 3 ص 389 عن أبى جميلة عن أبى أسامة عن أبي عبد الله عليه السلام.

[332]

في بيت فيه مجوسي ولا بأس أن تصلي في بيت فيه يهودي أو نصراني. ثم قال: ولا بأس بالصلاة في البيت إذا كان فيه يهودي أو نصراني لانهم أهل كتاب ففارقوا المجوس ويؤيده رواية أبي جميلة ولو اضطر إلى الصلاة في بيت المجوسي صلى فيه بعد أن يرش الموضع بالماء على جهة الاستحباب، لما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي بصير (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في بيوت المجوس، فقال: رش وصل. أقول: ظاهر الاخبار كراهة الصلاة في البيت الذي فيه المجوسي، سواء كان بيته أم لا، وعدم كراهة الصلاة في بيته إن لم يكن فيه، لكن يستحب الرش، والاحوط انتظار الجفاف كما هو ظاهر انتهى. 4 - كتاب محمد بن المثنى: عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألت الصلاة في بيوت المجوس فقال: أليست مغازيكم ؟ قلت: بلى قال: نعم. بيان أليست مغازيكم أي تردونها في الذهاب إلى غزو العدو، فيدل على أن التجويز مقيد بالضرورة. 5 - قرب الاسناد: عن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنه رأى علي بن الحسين عليهما السلام يصلي في الكعبة ركعتين (2). 6 - المقنعة: قال: قال عليه السلام: لا تصل المكتوبة في جوف الكعبة، ولا بأس أن تصلي فيها النافلة (3). 7 - المناقب: لابن شهر آشوب، عن معاوية بن عمار قال: سألت الصادق عليه السلام لم لا تجوز المكتوبة في جوف الكعبة ؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يدخلها


(1) التهذيب ج 1 ص 199. (2) قرب الاسناد ص 13 ط حجر ص 18 ط نجف. (3) المقنعة 71.

[333]

في حج ولا عمرة، ولكن دخلها في فتح مكة فصلى فيها ركعتين بين العمودين، ومعه اسامة (1). بيان: رواه في التهذيب (2) عن الطاطري، عن محمد بن أبي حمزة، عن معاوية وعن الحسين بن سعيد (3) عن فضالة عن معاوية، ويحتمل أن يكون ذكر عدم الدخول في الحج والعمرة استطرادا، ولو ذكر للتعليل فوجه الاستدلال به أنه لم يدخلها مكررا حتى يتوهم أنه صلى فيها فريضة، بل دخلها مرة واحدة، ولم يكن وقت فريضة، أو أنه لم يدخلها في الحج والعمرة حتى يتوهم أنهما كانتا صلاة الطواف الواجب. ثم اعلم أنه لا خلاف في جواز النافلة في الكعبة وأما الفريضة، فالمشهور بين الاصحاب فيها الكراهة، وقال ابن البراج والشيخ في الخلاف بالتحريم، بل ادعى الشيخ إجماع الفرقة عليه، مع أنه خالف ذلك في أكثر كتبه، وقال بالكراهة، والكراهة أقوى والترك أحوط.


(1) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 257. (2) التهذيب ج 1 ص 245 ط حجر ج 2 ص 282 ط نجف. (3) التهذيب ج 1 ص 526 ط حجر. ج 5 ص 279 ط نجف، باب دخول الكعبة.

[334]

[7] * (باب) * * (صلاة الرجل والمرءة في بيت واحد) * 1 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يكون يصلي الضحى وأمامه امرأة تصلي بينهما عشرة أذرع ؟ قال: لا بأس ليمض في صلاته (1). وسألته عن الرجل يكون في صلاته هل يصلح له أن تكون امرأة مقبلة بوجهها عليه في القبلة قاعدة أو قائمة ؟ قال: يدرأها عنه فان لم يفعل لم يقطع ذلك صلاته (2). وسألته عن الرجل هل يصلح له أن يصلي في مسجد قصير الحائط وامرأة قائمة تصلي بحياله، وهو يراها وتراه ؟ قال: إن كان بينهما حائط قصيرا أو طويلا فلا بأس (3). توضيح: قوله (يصلي الضحى): الضحى ظرف أي يصلي في هذا الوقت صلاة مشروعة، ولو كان المراد صلاة الضحى فالتقرير للتقية. 2 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن فضالة، عن أبان، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما سميت مكة بكة لانه يبك بها الرجال والنساء، والمرءة تصلي بين يديك وعن يمينك وعن يسارك وعن شمالك ومعك، ولا بأس بذلك، إنما يكره في سائر البلدان (4). 3 - المحاسن: عن أبيه، عن حماد بن عيسى وفضالة، عن معاوية قال: قلت


(1) قرب الاسناد ص 123 ط نجف. (2) قرب الاسناد ص 91 ط حجر ص 123 ط نجف. (3) قرب الاسناد ص 124 ط نجف. (4) علل الشرائع ج 2 ص 84.

[335]

لابي عبد الله عليه السلام أقوم اصلي والمرءة جالسة بين يدي أو مارة، فقال: لا بأس إنما سميت بكة لانه يبك فيها الرجال والنساء (1). 4 - السرائر: نقلا من كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن المفضل، عن محمد الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يصلي في زاوية الحجرة وامرأته أو ابنته تصلي بحذائه في الزاوية الاخرى ؟ قال: لا ينبغي ذلك إلا أن يكون بينهما ستر، فان كان بينهما ستر أجزأه (2). ومنه: نقلا من كتاب حريز قال: قلت لابي جعفر عليه السلام المرءة والرجل يصلي كل واحد منهما قبالة صاحبه ؟ قال: نعم، إذا كان بينهما قدر موضع رحل. قال: وقال زرارة وقلت له: المرءة تصلي حيال زوجها ؟ فقال: تصلي بازاء الرجل إذا كان بينها وبينه قدر ما لا يتخطى، أو قدر عظم الذراع فصاعدا (3). 5 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الرجل هل يصلح أن يصلي في مسجد وحيطانه كوى كله قبلته وجانباه وامرأة تصلي حياله يراها ولا تراه ؟ قال: لا بأس (4). تحقيق وتبيين: الكوى بالضم جمع كوة بالفتح والضم والتشديد، وهي الخرق في الحائط. واعلم أن الاصحاب اختلفوا في أن المنع من محاذاة الرجل والمرءة في الصلاة على التحريم أو الكراهة، فذهب المرتضى وابن إدريس وأكثر المتأخرين إلى الثاني، و ذهب الشيخان إلى أنه لا يجوز أن يصلي الرجل وإلى جنبه امرءة تصلي، سواء صلت بصلاته أم لا، فان فعلا بطلت صلاتهما، وكذا إن تقدمته عند الشيخ، ولم يذكر ذلك المفيد، وتبعهما ابن حمزة وأبو الصلاح، وقال الجعفي: ومن صلى وحياله امرءة وليس


(1) المحاسن ص 337. (2) السرائر ص 465. (3) السرائر ص 472. (4) البحار ج 10 ص 264.

[336]

بينهما قدر عظم الذراع فسدت الصلاة. ثم اختلفوا فيما يزول به الكراهة أو التحريم، فمنهم من قال يزول بالحائل بينهما أو بتباعد عشرة أذرع، أو وقوع صلاتها خلفه بحيث لا يحاذي جزء منها جزءا منه في جميع الاحوال، وقال في المعتبر: لو كانت متأخرة عنه ولو بشبر أو مسقط الجسد أو غير متشاغلة بالصلاة لم يمنع، ونحوه قال في المنتهى وظاهر الشيخ في كتابي الحديث أيضا الاكتفاء بالشبر والظاهر أنه لا خلاف في زوال المنع بتوسط الحائل أو بعد عشرة أذرع وقد حكى الفاضلان عليه الاجماع، لكن في بعض الروايات أكثر من عشرة أذرع، والظاهر أن زوال المنع بصلاتها خلفه أيضا في الجملة إجماعي. ثم إن الشهيد الثاني - ره -: اعتبر في الحائل أن يكون مانعا من الرؤية، و كلام سائر الاصحاب مطلق، وخبرا علي بن جعفر يدلان على عدمه، وقال العلامة في النهاية: ليس المقتضي للتحريم أو الكراهة النظر، لجواز الصلاة وإن كانت قد امه عارية، ولمنع الاعمى ومن غمض عينيه، وقريب منه كلامه في التذكرة، وفي البيان وفي تنزيل الظلام أو فقد البصر منزلة الحائط نظر أقر به المنع، وأولى بالمنع منع الصحيح نفسه من الاستبصار، واستوجه في التحرير الصحة في الاعمى، واستشكل فيمن غمض عينيه، والظاهر عدم زوال المنع بشئ من ذلك، كما هو الظاهر من الاخبار. واختلف في الصغيرين والصغير والكبير والظاهر اشتراط البلوغ فيهما، وذهب الاكثر إلى اشتراط تعلق الكراهة والتحريم بصلاة كل منهما صحة صلاة الاخر، و احتمل الشهيد الثاني عدم الاشتراط، وإطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق بين اقتران الصلاتين أو سبق إحداهما في بطلان الكل، وذهب جماعة من المتأخرين إلى اختصاص البطلان بالمقترنة والمتأخرة دون السابقة، وفي التقدير بعشرة أذرع الظاهر أن مبدءه الموقف، وربما يحتمل مع تقدمها اعتباره من موضع السجود. والذي يظهر من الاخبار أن الحكم على الكراهة تزول بتأخرها بشبر، و الذراع أفضل، وبمسقط الجسد أحوط، وبعشرة أذرع أو بحائل بينهما، وإن كان بقدر ذراع أو بقدر عظم الذراع أيضا إذ الظاهر من رواية زرارة (قدر ما لا يتخطى أو قدر

[337]

عظم الذراع، أن يكون بينهما شئ ارتفاعه أحد المقدارين، ورواية الحلبي رواها الشيخ في الصحيح (1) عن العلا، عن محمد بن مسلم بتلك العبارة بعينها إلا أن فيه (لا ينبغي ذلك فان كان بينهما شبر أجزأه ذلك) بالشين المعجمة والباء الموحدة وقال الشيخ بعد ذلك يعني إذا كان الرجل متقدما للمرءة بشبر. واحتمل الشيخ البهائي قدس سره كون المفسر محمد بن مسلم بأن يكون فهم ذلك من الامام عليه السلام لقرينة حالية أو مقالية، وقال: قد استبعد بعض الاصحاب هذا التفسير واختار جعل الشبر في الحديث بالسين المهملة والتاء المثناة من فوق، وهو كما ترى، و ربما يقال في وجه الاستبعاد أن بلوغ الحجرة في الضيق إلى حد لا يبلغ البعد بين المصليين في زاويتيها مقدار شبر خلاف الغالب المعتاد، وليس بشئ لانه إذا كان المراد كون الرجل أقرب إلى القبلة من المرءة بشبر، لا يلزم حمل الحجرة على خلاف مجرى العادة. وقال - ره - إلحاق التاء بالعشرة يعطي عدم ثبوت ما نقله بعض اللغويين من أن الذراع مؤنث سماعي انتهى. ثم إنهم ذكروا أن جميع ذلك في حال الاختيار، فأما مع الاضطرار فلا كراهة وأما استثناء مكة من هذا الحكم كما مر في رواية الفضيل، فلم أر التصريح به في كلام الاصحاب، وظاهر الصدوق - ره - القول به، نعم قال العلامة قدس سره في المنتهى: لا بأس بالصلاة هناك والمرءة قائمة أو جالسة بين يديه، لما رواه الشيخ عن معاوية (2). قال قلت لابي عبد الله عليه السلام أقوم اصلي بمكة ومرءة بين يدي جالسة أو مارة ؟ قال: لا بأس إنما سميت مكة بكة لانه تبك فيه الرجال والنساء. وقال في التذكرة: ولا بأس بأن يصلى في مكة - زادها الله شرفا - إلى غير سترة لان النبي صلى الله عليه وآله صلى هناك وليس بينه وبين الطواف سترة. ولان الناس يكثرون هناك لاجل قضاء نسكهم وسميت بكة، لان الناس


(1) التهذيب ج 1 ص 201. (2) التهذيب ج 1 ص 576 باب الزيادات من الحج.

[338]

يتباكون فيها: أي يزدحمون، ويدفع بعضهم بعضا، فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه ضاق على الناس، وحكم الحرم كله ذلك لان ابن عباس قال: أقبلت راكبا على حمار، والنبي صلى الله عليه وآله يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، ولانه محل المشاعر والمناسك انتهى. ولا يبعد القول به، لان رعاية هذا عند المقام يوجب الحرج غالبا لتضيق الوقت والمكان، ولا يمكن رعاية ذلك في غالب الاوان، ولتلك الرواية (1) التي ليس فيها ما يتأمل فيه إلا أبان (2) وهو وإن رمي بالناووسية، لكن روي فيه إجماع العصابة.


(1) يعنى ما مر تحت الرقم 2 من كتاب العلل. (2) يعنى أبان بن عثمان الاحمر، وقوله (وان رمى بالناووسية) فتد اختلف فيه نسخ رجال الكشى - وهو الاصل في هذا -، ففى بعضها (وكان من القادسية) راجع في ذلك قاموس الرجال للتستري.

[339]

[8] (باب) * (فضل المساجد وأحكامها وآدابها) * الايات: البقرة: ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها اولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين * لهم في الدنيا خزي ولهم في الاخرة عذاب عظيم (1). الاعراف: وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد (2). التوبة: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر اولئك حبطت أعمالهم وفي النارهم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى اولئك أن يكونوا من المهتدين * أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (3). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا (4). وقال تعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين و إرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا لمسجد اسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين (5).


(1) البقرة: 114 و 115. (2) الاعراف: 29. (3) براءة: 17 - 19. (4) براءة: 28. (5) براءة: 107 - 108.

[340]

يونس: واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوة (1). الحج: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا (2). الجن: وأن المساجد لله فلا تدع مع الله أحدا (3). تفسير: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله) في (4) تفسير العسكري عليه السلام (5) هي مساجد خيار المؤمنين بمكة، منعوهم عن التعبد فيها بأن ألجأوا رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الخروج عن مكة، وفي تفسير علي بن إبراهيم (3) وغيره عن الصادق عليه السلام أنهم قريش حين منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله دخول مكة والمسجد الحرام، وروي عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه أراد جميع الارض لقول النبي صلى الله عليه وآله جعلت لي الارض مسجدا وطهورا (7). أقول: اللفظ يقتضي العموم في المسجد والمانع والذكر. (وسعى في خرابها) أي في خراب تلك المساجد، لئلا تعمر بطاعة الله (اولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) في تفسير الامام عليه السلام أنه وعد للمؤمنين بالنصرة، و استخلاص المساجد منهم، وقد أنجز وعده بفتح مكة لمؤمني ذلك العصر، وسينجزه لعامة المؤمنين حين ظهور القائم عليه السلام، وقيل المعنى: كان حقهم بحسب حالهم أن لا يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين، فكيف جاز لهم أن يمنعوا المؤمنين، وقيل: إلا خائفين من أن ينزل عليهم عذاب، لاستحقاقهم ذلك، وقيل: ما كان لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوع فضلا عن أن يجترؤا على تخريبها. فيستفاد منها استحباب دخولها بالخضوع والخشوع والخشية من الله تعالى، كما


(1) يونس: 87. (2) الحج: 40. (3) الجن: 18. (4) البقرة: 114. (5) تفسير الامام العسكري: 256. (6) تفسير القمى: 50. (7) تفسير مجمع البيان ج 1 ص 190.

[341]

هو حال العبد الواقف بين يدي سيده، وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المساجد، وروى العياشي عن محمد بن يحيى (1) يعني لا يقبلون الايمان إلا والسيف على رؤسهم. (لهم في الدنيا خزي) قتل وسبي أو ذلة بضرب الجزية، وقيل: أي بعد قيام القائم، والاولى التعميم بكل ما يصير سببا لمذلتهم في الدنيا. أقول: تدل الاية بعمومها على عدم جواز منع ما يذكر الله به من الصلوات والدعوات وتلاوة القرآن ونشر العلوم الدينية وأمثالها في المساجد، وحرمة السعي في خرابها الصوري بهدمها، وإدخالها في الملك وغير ذلك، بل تعطيلها، وكل ما يوجب ذهاب رونقها و إحداث البدع فيها، وكل ما ينافي وضعها وحصول الذكر فيها. (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) (2) على بعض المحتملات يدل على رجحان إتيان المساجد، وسيأتي في باب القبلة. (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) (3) أي ما كانوا أهل ذلك، ولا جاز لهم، أو ما صح ولا استقام لهم عمارة شئ من المساجد فضلا عن المسجد الحرام، و هو صدرها ومقدمها، وقيل: هو المراد كما هو الظاهر على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب مسجد الله لقوله تعالى فيما بعد (وعمارة المسجد الحرام) وإنما جمع لانها قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامرها كعامر جميعها، أو لان كل بقعة منه مسجد. (شاهدين على أنفسهم بالكفر) باظهار كفرهم، ونصبهم الاصنام حول البيت وقيل: هي اعترافهم بملة من ملل الكفر كالنصراني بأنه نصراني وروي في الجوامع أن المسلمين عيروا اسارى بدر، ووبخ علي عليه السلام العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله و قطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقالوا: أو لكم محاسن ؟ قال: نعم، إنا نعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 56. (2) الاعراف: 29، وقد مر في ص 165 ما يتعلق بها. (3) براءة: 17.

[342]

ونفك العاني، فنزلت. (اولئك حبطت أعمالهم) التي هي العمارة والسقاية والحجابة وفك العناة التي يفتخرون بها أو مطلقا بما قارنها من الشرك (وفي النارهم خالدون) لاجله، وفيها دلالة على بطلان أعمال الكفار وعدم صحة شئ منها ويمكن أن يفهم منها جواز منعهم من مثل العمارة. (إنما يعمر مساجد الله) الحصر إما إضافي بالنسبة إلى اولئك المشركين، أو مطلق الكفرة، فهذه الاوصاف لتفخيم شأن عمارة مساجد الله، وتعظيم عاملها، وأنه ينبغي أن يكون على هذه الاوصاف، ولبيان بعد اولئك عن عملها، أو المراد عمارتها حق العمارة التي لا يوفق لها إلا هؤلاء الموصوفون باعتبار قوة إيمانهم، وكمال إخلاصهم أو المراد أنه لا يستقيم ولا يصح عمارة مساجد الله من أحد على طريق الولاية عليها إلا ممن كان كذلك، فان الظاهر أن اولئك المفتخرين أرادوا نحو ذلك، وأنهم ولاة المسجد الحرام، فيختص بالنبي والائمة الطاهرين صلوات الله عليهم. على أن الظاهر من قوله (ولم يخش إلا الله) عدم سبق الفسق، بل ولا ذنب فكيف الكفر، و قيل: إنهم كانوا يخشون الاصنام ويرجونها، فاريد نفي تلك الخشية. (فعسى اولئك أن يكونوا من المهتدين) تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء وحسم لاطماعهم في الانتفاع بأعمالهم التي استعظموها وافتخروا بها، وأملوا عاقبتها بأن الذين آمنوا وضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع، مع استشعار الخشية والتقوى اهتداؤهم دائر بين عسى ولعل، فما بال المشركين يقطعون أنهم مهتدون ويأملون عند الله الحسنى. وقيل في هذا الكلام ونحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية، ورفض الاغترار بالله، وقيل عسى إشارة إلى حال المؤمنين وأنهم مع ذلك في دعواهم للهداية، وعد نفوسهم من المهتدين على هذا الحال، فما بال الكفار يقطعون لانفسهم بالاهتداء، ثم ذلك للمؤمنين إما أن يكون لرجحان الخشية وقوتها، أو على سبيل التأدب والتواضع أو نظرا منهم إلى مرتبة أعلى ودرجة أسنى.

[343]

ثم في الاية حث عظيم على تعمير المساجد، وتعظيم شأنه، وقيل: المراد بالتعمير بناؤها وإصلاح ما يستهدم منها، وتزيينها وفرشها، وإزالة ما يكره النفس منه مثل كنسها والاسراج فيها، وقيل: المراد شغلها بالعبادة مثل الصلاة والذكر، وتلاوة القرآن ودرس العلوم الدينية وتجنبها من أعمال الدنيا، واللهو واللعب، وعمل الصنايع، وحديث الدنيا ولعل التعميم أولى. (أجعلتم سقاية الحاج) قد مضى تفسيرها ونزولها في مفاخرة أمير المؤمنين عليه السلام بسبق الايمان، والعباس بالسقاية وشيبة بالحجابة، وفضل الايمان على تلك الامور ظاهر لا سيما إذا لم تكن مع الايمان، فانها باطلة محبطة كما مر. (فلا يقربوا المسجد الحرام) (1) استدل به على عدم جواز إدخال النجاسة المسجد الحرام، وهو غير بعيد للتفريع، وإن أمكن المناقشة فيه، وأما الاستدلال به على عدم جواز دخولهم شيئا من المساجد فهو ضعيف (2). (والذين اتخذوا مسجدا) (3) في المجمع (4) والجوامع روي أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قبا وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قبا وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتجهز إلى تبوك: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال: إني على جناح سفر، ولما انصرف من تبوك نزلت، فأرسل من هدم المسجد و أحرقه وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة. (ضرارا) مضارة للمؤمنين أصحاب مسجد قبا (وكفرا) وتقوية للكفر الذي كانوا يضمرون (وإرصادا) أي وإعدادا أو ترقبا لمن حارب الله ورسوله من قبل، يعني أبا عامر الراهب، قيل بنوه على أن يؤمهم فيه أبو عامر إذا قدم من الشام، في الجوامع


(1) براءة: 28. (2) راجع في ذلك ج 80 ص 44. (3) براءة: 107. (4) مجمع البيان ج 5 ص 72.

[344]

أنه كان قد ترهب في الجاهلية، ولبس المسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله المدينة حسده وحزب عليه الاحزاب، ثم هرب بعد فتح مكة وخرج إلى الروم وتنصر، وكان هؤلاء يتوقعون رجوعه إليهم، وأعدوا هذا المسجد له ليصلي فيه، ويظهر على رسول الله صلى الله عليه وآله لانه كان يقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله في غزواته إلى أن هرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومات بقنسرين وحيدا. (وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة والذكر، والتوسعة على المصلين (والله يشهد إنهم لكاذبون) في حلفهم (لا تقم فيه أبدا) أي لا تصل فيه أبدا يقال: فلان يقوم بالليل أي يصلي (لمسجد اسس على التقوى من أول يوم) من أيام وجوده، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام وفي العياشي عن الباقر والصادق عليهما السلام يعني مسجد قبا، وكذا ذكره علي بن إبراهيم (1) أيضا، وقيل: أسسه رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى فيه أيام مقامه بقبا، وقيل هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله و قال في المجمع: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: هو مسجدي هذا (2) وقيل: هو كل مسجد بني للاسلام واريد به وجه الله تعالى. (أحق أن تقوم فيه) أي أولى بأن تصلي فيه (فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين) روى العياشي عن الصادق عليه السلام (3) أنه الاستنجاء وفي المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام يحبون أن يتطهروا بالماء عن الغائط والبول، وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لاهل قبا: ما تفعلون في طهركم ؟ فان الله قد أحسن إليكم الثناء ؟ قالوا: نغسل أثر الغائط، فقال أنزل الله فيكم (والله يحب المتطهرين). أقول: قد مضى تفسير تلك الايات وتأويلها (4) والقصص المتعلقة بها بأسانيدها


(1) راجع الكافي ج 3 ص 560 في حديثين، تفسير العياشي ج 2 ص 111 تحت الرقم 135 و 136 من سورة براءة، تفسير على بن ابراهيم ص 280. (2) مجمع البيان ج 5 ص 74. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 112. (4) راجع ج 21 ص 252 - 263 من هذه الطبعة الحديثة.

[345]

في المجلد السادس، والغرض من إيرادها هنا الاستدلال بها على اشتراط القربة في صحة وقف المساجد وفضلها، وجواز تخريب ما بني منها لغرض فاسد، بل وجوبه وعدم جواز الصلاة فيما بني لذلك إن أوجب ترويج بدعتهم، وتشييد غرضهم، ولعل فيها إيماء إلى رجحان الصلاة في مسجد بانوها ومجاوروها والمصلون فيها من الاتقياء وأهل الطهارة والنظافة، وإلى رجحان الطهارة والنظافة لدخولها. فان قيل: ما ذكر يستلزم عدم جواز الصلاة في البيع والكنايس، والمساجد التي بناها المخالفون، قلت: لو استلزم الصلاة فيها ما اشترطناه في عدم جوازها كان الامر كذلك وما ورد من الرخصة لعلها مختصة بغير تلك الصورة. فان قيل: إذا كان الوقف باطلا كانت ملكا لهم، فلا يجوز الصلاة فيها بغير إذنهم قلت: إنهم يقصدون القربة في بنائها ووقفها، لكنهم أخطأوا في أن مستحقه من وافق مذهبهم، فوقفهم صحيح، وظنهم فاسد، ولا يعلم أنهم شرطوا في الوقف عدم عبادة غير أهل ملتهم فيها، ولو ثبت أنهم شرطوا ذلك أيضا فيمكن أن يقال بصحة وقفهم، وبطلان شرطهم المبتني على ظنهم الفاسد بخلاف مسجد الضرار، فانه لم تكن فيها قربة أصلا ولو قيل ببطلان الوقف أيضا ففي البيع والكنايس لا يضر ذلك، لان الملك للمسلمين وإنما قرروهم فيها لمصلحة، بل يمكن قول مثل ذلك في مساجد المخالفين أيضا كما يظهر من كثير من الاخبار أن الارض للامام، وبعد ظهور الحق يخرجهم منها أذلة وهم صاغرون. وبالجملة تجويز الصلاة في تلك المواضع للشيعة، وتقريرهم عليها في أعصار الائمة عليهم السلام يكفينا للجواز، وإن كان الاخوط عدم الصلاة فيها إذا علم اشتراطهم عدم صلاة الشيعة فيها عند الوقف، وهذا نادر. وقال الشهيد في الذكرى: يجوز اتخاذ المساجد في البيع والكنايس لرواية العيص ابن القاسم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في البيع والكنايس، هل يصلح نقضها لبناء المساجد ؟ فقال: نعم، ثم قال: المراد بنقضها نقض ما لابد منه في تحقق المسجدية كالمحراب


(1) التهذيب ج 1 ص 327، الكافي ج 3 ص 368.

[346]

وشبهه، ويحرم نقض الزائد لابتنائها للعبادة، ويحرم أيضا اتخاذها في ملك أو طريق، لما فيه من تغيير الوقف المأمور باقراره، وإنما يجوز اتخاذها مساجد إذا باد أهلها، أو كانوا أهل حرب، فلو كانوا أهل ذمة حرم التعرض لها انتهى. أقول: يمكن أن يقرأ نقضها بالضم أو الكسر بمعنى آلات بنائها ولا يخلو من بعد، وتجويز النقض يؤيد ما ذكرنا من عدم صحة الوقف. (واجعلوا بيوتكم قبلة) (1) قال الطبرسي - ره -: (2) اختلف في ذلك، فقيل: لما دخل موسى مصر بعد ما أهلك الله فرعون، امروا باتخاذ مساجد يذكر فيها اسم الله، وأن يجعلوا مساجدهم نحو القبلة، أي الكعبة عن الحسن. ونظيره (في بيوت أذن الله أن ترفع) الاية (3) وقيل: إن فرعون أمر بتخريب مساجد بني إسرائيل، ومنعهم من الصلاة، فامروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم يصلون فيها، خوفا من فرعون (4) وذلك قوله (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي صلوا في بيوتكم لتأمنوا من الخوف


(1) يونس: 87. (2) مجمع البيان ج 5 ص 128. (3) النور: 36. (4) ولعل هذا هو الظاهر من سياق الايات الكريمة، فان الايات هكذا: فما آمن لموسى الا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم، وان فرعون لعال في الارض وانه لمن المسرفين * وقال موسى: يا قوم ان كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين * وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين * وقال موسى ربنا انك آتيت فرعون وملاءه زينة وأموالا في الحياة الدينا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم * قال: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (83 - 89). فكما ترى، يظهر من الايات الشريفة أن الله عزوجل أوحى إلى موسى وأخيه - حينما كانوا بمصر وقد آمن بشريعته جمع من بنى اسرائيل على خوف من فرعون وملائه

[347]

عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم، قيل: معناه اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا عن ابن جبير انتهى. وروى علي بن إبراهيم عن الكاظم عليه السلام (1) قال: لما خافت بنو إسرائيل جبابر تها أوحى الله إلى موسى وهارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة، قال امروا أن يصلوا في بيوتهم انتهى، ويدل على رجحان الصلاة في البيوت في الجملة، وفي بعض الاحوال واتخاذ المساجد في البيوت، فيمكن حمله على حال التقية، أو على النافلة لرجحانها في البيت، وقد ورد لا تجعلوا بيوتكم مقابر أي لا تصلى فيها أصلا كالقبور. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) (2) أي بتسلط المؤمنين منهم على الكافرين (لهدمت) أي لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل (صوامع وبيع وصلوات و مساجد) قال: في المجمع (3) أي صوامع في أيام شريعة عيسى عليه السلام وبيع في أيام شريعة موسى عليه السلام ومساجد في أيام شريعة محمد صلى الله عليه وآله أي لهدم في كل شريعة المكان الذي يصلى فيه، وقيل: البيع للنصارى في القرى، والصوامع في الجبال والبوادي، ويشترك فيها الفرق الثلاث والمساجد للمسلمين، والصلوات كنيسة اليهودي وقال ابن عباس والضحاك وقتادة: الصلوات كنائس اليهود يسمونها صلوة فعرب، وقرء جعفر بن محمد عليهما السلام بضم الصاد واللام وقال الحسن: أراد بذلك عين الصلاة وهدم الصلاة بقتل فاعليها ومنعهم من


أن يتبوآ لقومهما بيوتا أي يتخذا محلة لهم يقيمون بها ليكونوا منحازا عن سائر بنى اسرائيل وأمرناهم أن اجعلوا بيوتكم هذه قبلة - أي في قبلة مصر لا يحول بيوت غيركم من الكافرين بموسى وأخيه - سواء كان قبطيا أو عبريا - بينكم وبين قبلتكم ثم أقيموا الصلاة في بيوتكم غير متظاهرين بجماعة وغيرها لئلا يشعر بصلاتكم وايمانكم فرعون وملاؤه من القوم الظالمين فيفتنوكم عن دينكم، وبشر المؤمنين يا موسى بأن الله سينجيهم برحمته من القوم الكافرين. (1) تفسير القمى ص 290. (2) الحج: 40. (3) مجمع البيان ج 7 ص 87.

[348]

إقامتها، وقيل المراد بالصلوات المصليات كما قال: (ولا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى) (1) وأراد المساجد. (يذكر فيها اسم الله كثيرا) قال الهاء تعود إلى المساجد، وقيل: إلى جميع المواضع التي تقدمت لان الغالب فيها ذكر الله، ويدل على فضل المساجد وتعميرها وذم تخريبها وتعطيلها وفضل إيقاع الذكر بأنواعه فيها كثيرا. (وأن المساجد لله) (2) قال في المجمع أي لا تذكروا مع الله في المواضع التي بنيت للعبادة والصلاة أحدا على وجه الاشتراك في عبادته، كما تفعل النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة، قال الحسن من السنة عند دخول المسجد أن يقال: لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدا، وقيل: المساجد مواضع السجود من الانسان، وهي الجبهة والكفان وأصابع الرجلين وعينا الركبتين، وهي لله تعالى إذ خلقها وأنعم بها، فلا ينبغي أن يسجد بها لاحد سوى الله، وقيل: المراد بالمساجد البقاع كلها، وذلك لان الارض كلها جعلت للنبي صلى الله عليه وآله مسجدا (3) ويدل على استحباب اتخاذ المساجد ووجوب الاخلاص في العبادة فيها على بعض الوجوه. 1 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله الغضائري، عن التلعكبري، عن محمد بن همام، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن زريق ابن الزبير الخلقاني قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: شكت المساجد إلى الله تعالى الذين لا يشهدونها من جيرانها، فأوحى الله عزوجل إليها: وعزتي وجلالي لا قبلت لهم صلاة واحدة، ولا أظهرت لهم في الناس عدالة، ولا نالتهم رحمتي، ولا جاوروني في جنتي (4).


(1) النساء: 43. (2) الجن: 18. (3) المجمع ج 10 ص 372. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 307.

[349]

بيان: يدل على فضل عظيم لاتيان المساجد، بل على وجوبه لكن لم نر قائلا به وأما أصل الرجحان والفضل في الجملة فهو إجماعي بل يمكن أن يعد من ضروريات الدين، وظاهر كثير من الاخبار أن الشهود للجماعة، وأن التهديد في تركه لتركها، و على المشهور يمكن حملها على الجماعة الواجبة كالجمعة أو على ما إذا تركه مستخفا به غير معتقد لفضله، والاحوط عدم الترك لغير عذر، لا سيما إذا انعقدت فيها جماعة لا عذر في ترك حضورها. وعدم إظهار العدالة لعله إشارة إلى ما ورد في خبر ابن أبي يعفور (1) من أن الذي يوجب على الناس توليته وإظهار عدالته في الناس التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحافظ مواقيتهن باحضار جماعة المسلمين وأن لا يتخلف عن جماعتهم في مصلا هم إلا لعلة. 2 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم، ورفع أصواتكم إلا بذكر الله تعالى، وبيعكم وشراءكم وسلاحكم، وجمروها في كل سبعة أيام، وضعوا المطاهر على أبوابها. وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليمنعن أحدكم مساجدكم يهودكم ونصاراكم وصبيانكم، أو ليمسخن الله تعالى قردة وخنازير ركعا سجدا. بيان: لا خلاف في كراهة تمكين المجانين والصبيان لدخول المساجد، وربما يقيد الصبي بمن لا يوثق به، أما من علم منه ما يقتضي الوثوق به لمحافظته على التنزه من النجاسات وأداء الصلوات، فانه لا يكره تمكينه، بل يستحب تمرينه ولا بأس به والمشهور بين الاصحاب كراهة رفع الصوت في المسجد مطلقا وإن كان في القرآن، للاخبار المطلقة، واستثنى في هذا الخبر ذكر الله، وكذا فعله ابن الجنيد، ولعله المراد في سائر الاخبار لحسن رفع الصوت بالاذان والتكبير والخطب والمواعظ فيها، وإن كان الاحوط عدم رفع الصوت فيما لم يتوقف الانتفاع به عليه، ومعه يقتصر على ما يتأدى


(1) راجع علل الشرائع ج 2 ص 15.

[350]

به الضرورة. والمشهور كراهة البيع والشراء، فان زاحم المصلين أو تضمن تغيير هيئة المسجد فلا يبعد التحريم، وبه قطع جماعة، وأما السلاح فالمراد به تشهيره أو عمله، والاحوط تركهما وروى الشيخ عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن سل السيف وعن بري النبل في المسجد، وقال إنما بني لغير ذلك (1) وقال ابن الجنيد ولا يشهر فيه السلاح. واستحباب التجمير لم أره في غير هذا الخبر، والدعائم (2) ولا بأس بالعمل به. وأما جعل المطاهر أي محل تطهير الحدث والخبث على أبوابها، فقد ذكر الاصحاب استحبابه، وايد بأنها لو جعلت داخلها لتأذى المسلمون برائحتها، وهو مطلوب الترك ومنع ابن إدريس من جعل الميضاة في وسط المسجد، قال في الذكرى: وهو حق إن لم يسبق المسجد وهو حسن، وذكر العلامة والمتأخرون عنه كراهة الوضوء من البول والغائط في المسجد لرواية رفاعة (3) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء في المسجد فكرهه من الغائط والبول، وحكم الشيخ في النهاية بعدم جواز ذلك، وتبعه ابن إدريس ومنع في المبسوط عن إزالة النجاسة في المساجد وعن الاستنجاء من البول والغائط قال في الذكرى: وكأنه فسر الرواية بالاستنجاء ولعله مراده في النهاية وهو حسن. وأما منع اليهود والنصارى فهو على الوجوب على المشهور قال في الذكرى: لا تجوز لاحد من المشركين الدخول في المساجد على الاطلاق، ولا عبرة باذن المسلم له لان المانع نجاسته للاية، فان قلت لا تلويث هنا، قلت: معرض له غالبا، وجاز اختصاص هذا التغليظ بالكافر، وقول النبي صلى الله عليه وآله من دخل المسجد فهو آمن منسوخ بالاية، وكذا ربط ثمامة في المسجد إن صح انتهى. ويحتمل أن تكون القوم الممسوخة من النصاب والمخالفين، وقد مسخوا بتركهم


(1) التهذيب ج 1 ص 327، الكافي ج 3 ص 369. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 149 وسيأتى في أواخر الباب. (3) التهذيب ج 1 ص 326، الكافي ج 3 ص 369.

[351]

الولاية فلم يبق فيهم شئ من الانسانية، وقد مسح الصادق عليه السلام يده على عين بعض شيعته فرآهم في الطواف بصورة القردة والخنازير. 3 - اعلام الدين، للديلمي: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كونوا في الدنيا أضيافا واتخذوا المساجد بيوتا، وعودوا قلوبكم الرقة، وأكثروا من التفكر والبكاء من خشية الله، واجعلوا الموت نصب أعينكم، وما بعده من أهوال القيامة، تبنون مالا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، فاتقوا الله الذي إليه ترجعون. 4 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن سعد ابن طريف، عن الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان يقول: من اختلف إلى المسجد أصاب إحدى الثمان: أخا مستفادا في الله، أما علما مستطرفا، أو آية محكمة، أو رحمة منتظرة، أو كلمة ترده عن ردى، أو يسمع كلمة تدله على هدى، أو يترك ذنبا خشية أو حياء (1). مجالس الشيخ: عن المفيد، عن الحسين بن عبيدالله، عن الصدوق مثله (2). ثواب الاعمال، والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن سعد الاسكاف، عن زياد بن عيسى، عن أبي الجارود، عن ابن نباتة مثله (3). نهاية الشيخ: عن ابن أبي عمير مثله (4). اعلام الدين: للديلمي عنه عليه السلام مثله. بيان: (أخا مستفادا في الله) أي يكون استفادة اخوته وتحصيلها لله، لا للاغراض


(1) أمالى الصدوق ص 234. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 46 و 47. (3) ثواب الاعمال ص 25، الخصال ج 2 ص 40. (4) النهاية: 23، ورواه في المحاسن ص 48، قرب الاسناد ص 33 ط حجر.

[352]

الباطلة (فان الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) وقيل: أي يمكن أن يستفاد منه العلم والعمل، والكمالات المقربة إلى الله (أو أصاب أخا في الله عزوجل) يمكن أن يستفيد منه، ففي الكلام على الوجهين الاخيرين حذف وإيصال، والاول أظهر. (مستطرفا) أي علما يعد حسنا طريفا بديعا أو علما لم يكن عنده فيكون عنده طريفا، قال في القاموس المستطرف الحديث من المال، وامرءة طرف الحديث حسنته يستطرفه من يسمعه (أو آية محكمة) أي واضحة الدلالة، يمكن لاكثر الناس أو مثله فهمها، والانتفاع بها، أو غير منسوخة إذ ليس كثير انتفاع بالايات المنسوخة (أو رحمة منتظرة) بالفتح أي ينتظرها الناس أو بالكسر أي تنتظر القابل كما روي إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها، وقيل: يمكن أن يكون كناية عن العبادات من الصلوات وغيرها، لا سيما الجماعات، ورؤيه العلماء والصلحاء، وزيارتهم، و التبرك بمجالستهم. (ترده عن ردى) أي ضلالة كان مقيما عليها فيتركها، أو مريدا لها فلا يرتكبها (على هدى) أي سبيل هداية يسلكها أو يثبت عليها إن كان فيها قبله (أو يترك ذنبا خشية) من الله أو من الناس أو الاعم في المسجد أو مطلقا وكذا الحياء يحتمل الجميع، قال في الذكرى: كأن الثامنة ترك الذنب حياء، يعني من الله أو من الملائكة أو من الناس كما أن الخشية كذلك، ويجوز أن تكون الخشية من الله والحياء من الناس. 5 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام كان يكسر المحاريب إذا رآها، ويقول: كأنها مذابح اليهود (1). وبهذا الاسناد عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام رأى مسجدا بالكوفة قد شرف فقال: كأنه بيعة، وقال: إن المساجد لا تشرف تبنى جما (2).


(1) علل الشرايع ج 2 ص 9. (2) علل الشرايع ج 2 ص 10.

[353]

ايضاح: حكم الاصحاب بكراهة المحاريب الداخلة، وهي قسمان الاول الداخلة في المسجد بأن يبنى جداران في قبلة المسجد ويسقف ليدخله الامام، وكان خلفاء الجور يفعلون ذلك خوفا من أعاديهم، والثاني الداخلة في البناء بأن يبنى في أصل حائط المسجد موضع يدخله الامام، والكسر الوارد في الخبر بالاول أنسب، وإن احتمل الثاني أيضا بهدم الجدار، والاكثر اقتصروا على الاول مع أن الثاني أولى بالمنع، والشهيد الثاني - ره -: عمم الحكم بالنسبة إليهما، وقيد الدخول في الحائط بكونه كثيرا، وبعض المتأخرين قصروا الحكم بالكراهة بالثاني، ولعله أوجه، وإن كان الاحوط تركهما. وقال في النهاية المذبح واحد المذابح، وهي المقاصير وقيل: المحاريب، وفي القاموس المذابح المحاريب والمقاصير، وبيوت كتب النصارى، الواحد كمقعد انتهى. والمشهور كراهة الشرف للمساجد، وهي ما يجعل في أعلى الجدران فتخرج عن الاستواء، وقال في النهاية: الجماء التي لا قرن لها، ومنه حديث ابن عباس أمرنا أن نبني المدائن شرفا، والمساجد جما: الشرف التي طولت أبنيتها بالشرف واحدها شرفة، والجم التي لا شرف لها، وجم جمع أجم شبه الشرف بالقرون. 6 - غيبة الشيخ: عن الفضل بن شاذان، عن عبد الرحمان بن أبي هاشم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: إذا قام القائم دخل الكوفة وأمر بهدم المساجد الاربعة حتى يبلغ أساسها، ويصيرها عريشا كعريش موسى، ويكون المساجد كلها جما لاشرف لها، كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله تمام الخبر (1). توضيح: قال الجوهري: العرش والعريش ما يستظل به، وعرش يعرش ويعرش عرشا أي بنى بناء من خشب وبئر معروشة وكروم معروشات، والعريش عريش الكرم، و العريش شبه الهودج وليس به، يتخذ ذلك للمرءة تقعد فيه على بعيرها، والعريش خيمة من خشب وثمام والجمع عرش، مثال قليب وقلب، ومنه قيل لبيوت مكة العرش لانها عيدان تنصب ويظلل عليها.


(1) غيبة الشيخ الطوسى ص 297.

[354]

7 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال: علي عليه السلام ليس لجار المسجد صلاة إذا لم يشهد المكتوبة في المسجد، إذا كان فارغا صحيحا (1). بيان: ظاهره وجوب إيقاع المكتوبة في المسجد، وحمل على تأكيد الاستحباب وفوت فضل الصلاة لما مر من الاخبار، والتقييد بالمكتوبة يدل على عدم الاهتمام في إيقاع النافلة فيه، والمشهور بين الاصحاب أن النافلة في المنزل أفضل، ونسبه في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بالاجماع، وقال في المعتبر إنه فتوى علمائنا (2) ونقل عن الشهيد الثاني - ره - أنه رجح في بعض فوائده رجحان فعلها أيضا في المسجد كالفريضة ولعله أقوى لعموم الاخبار ولما روي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي صلاة النفل في المسجد، نعم يشعر بعض الاخبار باستحباب أن يأتي بشئ من صلاته في البيت. وقال الشهيد - ره - في الذكرى: وقال ابن الجنيد: روي عن الصادق عليه السلام (3) أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا صلاة لمن لم يصل في المسجد مع المسلمين إلا من علة ولا غيبة لمن صلى في بيته ورغب عن جماعتنا، ومن رغب عن جماعة المسلمين سقطت عدالته، ووجب هجرانه، وإن رفع إلى إمام المسلمين أنذره وحذره، ومن لزم جماعة المسلمين حرمت عليهم غيبته، وثبتت عدالته، ومن قربت داره من المسجد لزمه من حضور الجماعة ما لا يلزم من بعد منه. قال: ويستحب أن يقرء في دخوله المسجد (إن في خلق السموات والارض) إلى


(1) قرب الاسناد ص 68 ط حجر، ص 89 ط نجف. (2) قد عرفت في ص 165 أن قوله تعالى (وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد) يوجب اقامة الصلاة في المسجد فأوله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة المكتوبة، فلا صلاة لجار المسجد الا في مسجده، إذا كان اعراضه عن المسجد اهمالا له ورغبة عنه، وهو معنى قوله عليه السلام (إذا كان فارغا صحيحا) وأما صلاة النافلة، فلم يرد ايقاعه في المسجد الا عند الاعتكاف و لزوم المسجد. (3) راجع الذكرى: 267.

[355]

قوله (لا يخلف الميعاد) تمام خمس آيات، وآية الكرسي والمعوذتين وآية السخرة ويحمد الله ويصلى على محمد وآله وأنبياء الله وملائكته ورسله، ويسأل الله الدخول في رحمته، ويسلم على الحاضرين فيه، وإن كانوا في صلاة، فان كانوا ممن ينكر ذلك سلم خفيا على الملائكة فيصلي ركعتين قبل جلوسه، ولا بأس بقتل الحية والعقرب فيه ولا يتخذ متجرا ولا مجلس حديث، ولا يحدث فيه بالهزل، ولا بماثر الجاهلية ولا يرفع فيه الصوت إلا بذكر الله، ولا يشهر فيه السلاح. قال: ويستحب أن يجعل الانسان لنفسه حظارة من صلاته النوافل في منزله، ولا يجعله كالقبر له، انتهى كلام ابن الجنيد - ره - وإنما ذكرناه بطوله لكثرة فوائده، ولانه من القدماء، وأكثر كلامه على ما ظهر لنا من التتبع مأخوذ من النصوص المعتبرة مع أن كثير مما ذكره هنا مما لا مدخل للاراء فيها، وبعضها ورد به رواية. 8 - كامل الزيارة: لابن قولويه، عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن بعض أصحابه يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت نكون بمكة أو بالمدينة أو بالحير أو المواضع التي يرجى فيها الفضل، فربما يخرج الرجل يتوضؤ فيجئ آخر فيصير مكانه ؟ قال: من سبق إلى موضع فهو أحق به يومه وليله (1). ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد مثله (2). بيان ذكر أكثر الاصحاب أن من سبق إلى مكان من المسجد أو المشهد فهو أولى به مادام باقيا فيه، فلو فارقه ولو لحاجة كتجديد طهارة وإزالة نجاسة بطل حقه، و إن كان ناويا للعود، إلا أن يكون رحله أو شئ من أمتعته ولو سبحة وما يشد به وسطه وخفه باقيا في الموضع، وقيد الشهيد - ره - مع ذلك نية العود، فلو فارق لا بنيته سقط حقه، وإن كان رحله باقيا، واحتمل الشهيد الثاني قدس سره بقاء الحق حينئذ لاطلاق النص والفتوى، ثم تردد على تقدير سقوط حقه في جواز دفع الرحل أم لا، وعلى تقدير الجواز في الضمان وعدمه، ثم قال: وعلى تقدير بقاء الحق


(1 - 2) كامل الزيارات ص 331.

[356]

لبقائه أو بقاء رحله فان أزعج مزعج فلا شبهة في إثمه، وهل يصير أولى بعد ذلك يحتمله لسقوط حق الاول بالمفارقة، وعدمه للنهي فلا يترتب عليه حق، ويتفرع على ذلك صحة صلاة الثاني وعدمها. واشترط الشهيد في الذكرى في بقاء حقه مع بقاء الرحل أن لا يطول المكث، وفي التذكرة استقرب بقاء الحق مع المفارقة لعذر كاجابة داع، وتجديد وضوء، و قضاء حاجة، وإن لم يكن له رحل، قالوا ولو استبق اثنان دفعة إلى مكان واحد و لم يمكن الجمع بينهما اقرع، ومنهم من توقف في ذلك. وقال الشهيد الثاني: ولا فرق في ذلك كله بين المعتاد لبقعة معينة وغيره، وإن كان اعتياده لدرس وإمامة، ولا بين المفارق في أثناء الصلاة وغيره للعموم، واستقرب في الدروس بقاء أولوية المفارق في أثنائها اضطرارا إلا أن يجد مكانا مساويا للاول أو أولى منه، محتجا بأنها صلاة واحدة فلا يمنع من إتمامها. هذا ما ذكره الاصحاب والذي يظهر من الرواية الاولوية مطلقا في يوم وليلة إن حملنا الواو على معناها، وإن حملناها على معنى أو كما هو الشايع أيضا فان كان يوما فبقية اليوم، وإن كان ليلة فبقية الليلة ويؤيد الاخير ما رواه الكليني عن طلحة (1) ابن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام سوق المسلمين كمسجدهم، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل، وروى بعض أصحابنا عن النبي صلى الله عليه وآله إذا قام أحدكم من مجلسه في المسجد فهو أحق به إلى الليل، وعلى الاول يمكن الجمع بحمل خبر الصادق عليه السلام على ما كان المعتاد في ذلك المسجد بقاء الرحل تمام اليوم مع ليلته، وعدم قضاء وطره بدون ذلك، وحمل غيره على غير ذلك، ولعل حمله على معنى أو أظهر. وعلى أي الوجهين، ليس في تلك الاخبار تقييد ببقاء الرحل، نعم يظهر من الخبر الاول إرادة العود من كلام السائل، والاحقية الواردة في الجواب أيضا تشعر بنية العود، إذ مع عدمها لا نزاع، وقطع المحقق بعدم بطلان حقه إن كان قيامه لضرورة كتجديد طهارة


(1) الكافي ج 2 ص 662.

[357]

أو إزالة نجاسة أو ضرورة إلى التخلي، وإن لم يكن رحله باقيا وهو قوي ويفرض الاشكال في بعض الصور كما إذا كان رحله أو الموضع الذي عينه واقعا في مكان الجماعة، ولو لم يقف أحد مكانه تحصل الفرجة بين الصفوف وقد نهي عن ذلك لا سيما إذا علم أنه لا يحضر إلا بعد انقضاء الصلاة، فلا يبعد حينئذ جواز رفع رحله والصلاة في موضعه، ثم يكون بعد حضوره أولى أو كما إذا بسط ثوبا في مكان من المشهد تحتاج الزوار إليه للدعاء أو الزيارة أو الصلاة، وغاب زمانا طويلا وعطل المكان والزوار وأشباه ذلك، والاحوط له عدم فعل ذلك، ولغيره رعاية حقه في المدة المذكورة في الخبر مهما أمكن، ولو كان رحله في مكان لا يحتاج إليه المصلون والزوار، فالاحوط بل الاظهر عدم جواز التعرض له مطلقا إلا مع اليأس عن عوده، لعدم جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه من غير ضرورة. 9 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال إن المساكين كانوا يبيتون في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله (1). ومنه: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن النوم في المسجد الحرام قال: لا بأس (2). وسألته عن النوم في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله قال: لا يصلح (3). ومنه: عن محمد بن خالد الطيالسي، عن إسماعيل بن عبد الخالق قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النوم في المسجد الحرام، فقال: هل بد للناس من أن يناموا في المسجد الحرام ؟ لا بأس به، قلت الريح تخرج من الانسان ؟ قال: لا بأس (4). توفيق: اعلم أن أكثر الاصحاب قطعوا بكراهة النوم في المسجد مطلقا و استدلوا بما رواه الشيخ عن أبي اسامة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام قول الله عزوجل


(1) قرب الاسناد ص 69 ط حجر ص 91 ط نجف. (2 - 3) قرب الاسناد ص 120 ط حجر ص 162 ط نجف. (4) قرب الاسناد ص 79 ط نجف ص 60 ط حجر. (*)

[358]

(لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى) (1) قال: سكر النوم، بناء على أن المراد بالصلاة مواضعها، وقد مر بعض القول فيه (2). وذهب المحققون من المتأخرين إلى قصر الكراهة على النوم في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله، لما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة (3) قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: ما تقول في النوم في المساجد ؟ فقال: لا بأس إلا في المسجدين: مسجد النبي صلى الله عليه وآله والمسجد الحرام، قال: وكان يأخذ بيدي في بعض الليالي فيتنحى ناحية ثم يجلس، فيتحدث في المسجد الحرام، فربما نام، فقلت له في ذلك، فقال إنما يكره في المسجد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فأما الذي في هذا الموضع فليس به بأس. فالخبر الاول يمكن حمله على الضرورة، لان المساكين مضطرون إلى ذلك، أو كان ذلك قبل بناء الصفة، وحمله على غير مسجده صلى الله عليه وآله بعيد، والثاني يمكن حمله على زوائد المسجد الحرام أو يقال النوم في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله أشد كراهة منه، لان فيه سوء أدب بالنسبة إلى ضريحه المقدس أيضا، والخبر الاخير حمله على الزوائد أظهر، ويمكن حمله على الضرورة أيضا، وأما خروج الريح فالعامة يكرهون ذلك، لما رووا أنه تتأذى به الملائكة، والخبر يدل على عدم الكراهة. 10 - قرب الاسناد: بالاسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن بيت كان حشا زمانا، هل يصلح أن يجعل مسجدا ؟ قال: إذا نظف وأصلح فلا بأس (4). بيان: لعل المراد بالتنظيف والاصلاح إخراج النجاسات، والتراب النجس، وحك الجدار إذا كان نجسا، بحيث لا يبقى فيه نجاسة أصلا أو بالقاء التراب عليه


(1) النساء: 43. (2) راجع ج 81 ص 33 و 131. (3) التهذيب ج 1 ص 327. (4) قرب الاسناد ص 120 ط حجر ص 162 ط نجف.

[359]

أيضا، ويحتمل الاكتفاء بالقاء التراب كما سيأتي، وهو الظاهر من كلام المنتهى، حيث قال: لا بأس بوضع المسجد على بئر غائط أو بالوعة إذا طم وانقطعت رائحته، لان الموذي يزول، فتزول الكراهية، ثم ذكر مثل هذه الرواية بأسانيد ثم قال: لا يقال: قد روى الشيخ (1) عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الارض كلها مسجد إلا بئر غائط أو مقبرة، لانا نقول بموجبه إذ بئر الغائط إنما يتخذ مسجدا مع الطم وانقطاع الرائحة. 11 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي باسناده عن هارون بن خارجة قال: قال لي جعفر بن محمد عليهما السلام: كم بين منزلك ومسجد الكوفة ؟ فأخبرته، فقال: ما بقي ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح إلا وقد صلى فيه، وإن رسول الله صلى الله عليه وآله مر به ليلة اسري به، فاستأذن ربه فصلى فيه ركعتين، والصلاة الفريضة فيه ألف صلاة، والنافلة خمس مائة صلاة، والجلوس فيه من غير تلاوة القرآن عبادة، فأته ولو زحفا (2). بيان: الزحف مشي الصبي باسته، وفي التهذيب في رواية اخرى: وإن الجلوس فيه بغير تلاوة ولا ذكر لعبادة، ولو علم الناس ما فيه لاتوه ولوحبوا. 12 - كتاب الغارات: عن حبة العرني وميثم التمار قالا: جاء رجل إلى علي عليه السلام فقال: يا أمير الؤمنين إني قد تزودت زادا وابتعت راحلة وقضيت شأني يعني حوائجي، فأرتحل إلى بيت المقدس ؟ فقال له: كل زادك، وبع راحلتك، وعليك بهذا المسجد يعني مسجد الكوفه، فانه أحد المساجد الاربعة: ركعتان فيه تعدل عشرا فيما سواه من المساجد، البركة منه على اثني عشر ميلا من حيث ما أتيته وقد ترك من اسه ألف ذراع، وفي زاويته فار التنور، وعند الاسطوانة الخامسة صلى


(1) التهذيب ج 1 ص 327. (2) مخطوط، ورواه الشيخ في التهذيب ج 2 ص 11 وج 1 ص 324، ورواه في الامالى ج 2 ص 43، ورواه البرقى في المحاسن ص 56، ورواه الكليني في الكافي ج 3 ص 490 ورواه الصدوق في الامالى ص 232.

[360]

إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد صلى فيه ألف نبى وألف وصي، وفيه عصى موسى، وشجرة يقطين، وفيه هلك يغوث ويعوق، وهو الفاروق، ومنه يسير جبل الاهواز، وفيه مصلى نوح عليه السلام، ويحشر منه يوم القيامة سبعون ألفا لا عليهم حساب ولا عذاب، ووسطه على روضة من رياض الجنة، وفيه ثلاث أعين يزهرن: تذهب الرجس، وتطهر المؤمنين عين من لبن، وعين من دهن، وعين من ماء جانبه الايمن ذكر وجانبه الايسر مكر، لو يعلم الناس ما فيه لاتوه ولوحبوا (1). بيان: (فيما سواه) أي من المساجد المباركة كمسجد الاقصى ومسجد السهلة فلا ينافي الالف، أو الاختلاف باعتبار اختلاف الصلوات والمصلين، ولعل التخصيص بالالف لكونهم من أعاظم الانبياء والاوصياء أو هم الذين صلوا فيه ظاهرا بحيث اطلع عليه الناس وشاهدوهم، وأما سائرهم عليهم السلام فصلوا فيه كما صلى فيه نبينا صلى الله عليه وآله، ولعل المراد بكون عصى موسى عليه السلام فيه كونها مدفونة فيه في الازمان السالفة، حتى وصل إلى أئمتنا عليهم السلام لئلا ينافي الاخبار التي مضت في كتاب الامامة أنها عندهم عليهم السلام مع سائر آثار الانبياء، ويحتمل أن تكون مودعة هناك، وهي تحت أيديهم كلما أرادوا أخذوها، وأما شجرة يقطين فيمكن أن يكون هناك منبتها إذ يظهر من بعض الاخبار أنه خرج من الفرات (ويسير جبل أهواز) لم أره في غير هذا الخبر. قوله (ويحشر منه) أي من جنبه يعني الغري كما صرح به في غيره، والظاهر أن الاعين يظهرن في زمن القائم عليه السلام وكون جانبه الايسر مكرا، لان فيه كانت منازل الخلفاء والظلمة، كما قال الصدوق - ره - في الفقيه (2) يعني منازل الشياطين، وقال في النهاية: الحبو أن يمشي على يديه وركبتيه أو إسته. 13 - كتاب الغارات: باسناده عن الاعمش، عن ابن عطية قال: قال لهم علي عليه السلام إن بالكوفة مساجد مباركة، ومساجد ملعونة، فأما المباركة فان منها


(1) ترى مثله في التهذيب ج 1 ص 325، الكافي ج 3 ص 491. كامل الزيارات ص 32. (2) الفقيه ج 1 ص 150 ط نجف.

[361]

مسجد غنى، وهو مسجد مبارك، والله إن قبلته لقاسطة، ولقد أسسه رجل مؤمن، و إنه لفي صرة الارض، وإن بقعته لطيبة، ولا تذهب الليالي والايام حتى تنفجر فيه عين، وحتى يكون على جنبيه جنتان، وأهله ملعونون، وهو مسلوب عنهم، و مسجد جعفي مسجد مبارك، وربما اجتمع فيه اناس من الغيب يصلون فيه، ومسجد ابن ظفر مسجد مبارك، والله إن طباقه لصخرة خضراء ما بعث الله من نبي إلا فيها تمثال وجهه، وهو مسجد سهلة، ومسجد الحمراء، وهو مسجد يونس بن متى عليه السلام ولتنفجرن فيه عين تطهر السبخة وما حوله. وأما المساجد الملعونة فمسجد الاشعث، ومسجد جرير، ومسجد ثقيف، ومسجد سماك بني على قبر فرعون من الفراعنة (1). بيان: روى مثله في التهذيب (2) عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام وفيه (حتى تنفجر فيه عينان، وتكون عليه جنتان) وهو أظهر، ولعله إشارة إلى ما في سورة الرحمن والظاهر أنه المسجد الكبير المعروف الان بمسجد الكوفة، لاشتراك أكثر الفضائل كما سيأتي ويحتمل أن يكون غيره كما يظهر من بعض الاخبار، ومسجد الحمراء لعله الموضع المعروف الان بقبر يونس عليه السلام. 14 - كنز الكراجكى: عن محمد بن أحمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ملعون ملعون من لم يوقر المسجد، تدري يا يونس لم عظم الله حق المساجد، وأنزل هذه الاية (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنايسهم أشركوا بالله تعالى فأمر الله سبحانه نبيه أن يوحد الله فيها ويعبده. 15 - عدة الداعي: روى سعدان بن مسلم، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان إذا طلب الحاجة طلبها عند زوال الشمس، فإذا أراد ذلك قدم


(1) مخطوط، وترى مثله في الخصال ج 1 ص 144، أمالى الطوسى ج 1 ص 171. (2) التهذيب ج 1 ص 324.

[362]

شيئا فتصدق به، وشم شيئا من طيب، وراح إلى المسجد فدعا في حاجته بما شاء. 16 - العدة واعلام الدين: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنة فان الجنة فيها رضا نفسي، والجامع فيها رضا ربي. 17 - الخصال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب عن علي بن أسباط، عن بعض رجاله قال: قال أبو عبد الله عليه السلام جنبوا مساجدكم الشراء والبيع والمجانين والصبيان والضالة والاحكام والحدود ورفع الصوت (1). العلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن الخشاب مثله (2). بيان: ذكر الاصحاب كراهة تعريف الضالة وطلبها في المسجد، وهذه الرواية يحتملهما بل يشملهما، وروى في الفقيه (3) مرسلا أن النبي صلى الله عليه وآله سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فقال: قولوا لا رد الله عليك، فانها لغير هذا بنيت، والتجويز الوارد في رواية علي بن جعفر الاتية لا ينافي الكراهة، وأما الاحكام فالمشهور فيها الكراهة وحكم الشيخ في الخلاف وابن إدريس بعدم الكراهة، واستقر به العلامة في المختلف محتجا بأن الحكم طاعة فجاز إيقاعها في المساجد الموضوعة في الطاعات وبأن أمير المؤمنين عليه السلام حكم في مسجد الكوفة، وقضى فيه بين الناس، ودكة القضاء معروفة فيه إلى يومنا هذا، وأجاب عن الرواية بالطعن في السند لاحتمال أن يكون متعلق النهي إنفاذ الاحكام، كالحبس على الحقوق، والملازمة فيها عليها، وقال الراوندي: الحكم المنهي عنه ما كان فيه جدل وخصومة وربما قيل دوام الحكم فيها مكروه، وأما إذا اتفق في بعض الاحيان فلا، ويمكن تخصيص الكراهة بما يكون الجلوس لاجل ذلك بخلاف ما إذا كان الجلوس للعبادة فاتفق صدور الدعوى، والوجهان الاخيران لا ينفعان


(1) الخصال ج 2 ص 40. (2) علل الشرايع ج 2 ص 9. (3) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 154.

[363]

في الجمع بين الاخبار، إذ الظاهر من دكة القضاء والمشهور في ذلك وقوع الحكم فيها غالبا بل لم يذكر موضع آخر لجلوسه عليه السلام للحكم فيه أقول: ويحتمل تخصيص المنع بأوقات الصلوات، فانها توجب شغل خواطر المصلين أو بغير المعصوم، فانه يحتمل فيهم الخطا وكذا المشهور في إقامة الحدود الكراهة لاحتمال تلويث المسجد بخروج الحدث، كما ذكر في المنتهى، وأيضا فيه شغل الخواطر وتفرق بال المصلين. 18 - قرب الاسناد: عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته أينشد الشعر في المسجد ؟ قال: لا بأس (1). وسألته عن الضالة ينشد في المسجد ؟ قال: لا بأس (2). وسألته عن السيف هل يصلح أن يعلق في المسجد ؟ قال: أما في القبلة فلا، وأما في جانب فلا بأس (3). بيان: قال الفيروز آبادي: أنشد الضالة عرفها واسترشد عنها، ضد: والشعر قرأه وتناشدوا أنشد بعضهم بعضا، والنشدة بالكسر الصوت، والنشيد رفع الصوت، وقال الجزري نشدت الضالة فأنا ناشد إذا طلبتها، وأنشدتها فأنا منشد إذا عرفتها، ومنه الحديث قال لرجل ينشد ضالة في المسجد أيها الناشد غيرك الواجد قال ذلك تأديبا له حيث طلب ضالته في المسجد، وهو من النشيد رفع الصوت انتهى. والمشهور بين الاصحاب كراهة إنشاد الشعر في المساجد، لما رواه الشيخ في الصحيح (4) على الظاهر عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله من سمعتموه ينشد الشعر في المساجد فقولوا له: فض الله فاك، إنما نصبت المساجد للقرآن وحملوا هذه الرواية على الجواز، وهو لا ينافي الكراهة. وقال في الذكرى بعد إيراد الرواية: وليس ببعيد حمل إباحة إنشاد الشعر على ما يقل منه وتكثر منفعته، كبيت حكمة أو شاهد على لغة في كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وآله


(1 - 3) قرب الاسناد ص 120 ط حجر، ص 162 ط نجف. (4) التهذيب ج 3 ص 259 ط نجف.

[364]

وشبهه، لانه من المعلوم أن النبي كان ينشد بين يديه البيت والابيات من الشعر في المسجد ولم ينكر ذلك، وألحق به الشيخ على - ره - مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومراثي الحسين عليه السلام. أقول: ما ذكراه لا يخلو من قوة ويؤيده استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بالاشعار في الخطب، وكانت غالبا في المسجد، وما نقل من إنشاد المداحين كحسان وغيره أشعارهم عندهم عليهم السلام، ولان مدحهم عليهم السلام عبادة عظيمة والمسجد محلها، فيخص المنع بالشعر الباطل، لما روي في الصحيح (1) عن علي بن يقطين أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن إنشاد الشعر في الطواف، فقال: ما كان من الشعر لا بأس به. وأما تعليق السلاح في المسجد فقد حكم الشهيد بكراهته حيث قال في البيان و يكره تعليق السلاح في المسجد إلا لسبب وروى في التهذيب (2) بسند صحيح عن الحلبي قال: سألته عليه السلام أيعلق الرجل السلاح في المسجد ؟ فقال: نعم، وأما المسجد الاكبر فلا، فان جدي نهى رجلا يبري مشقصا في المسجد، ولعل التعليل مبني على أن النهي عن بري المشقص إنما كان لكونه سلاحا لا لكونه صنعة، ويحتمل أن يكون من (علق القوس: إذا جعل لها علاقة) وحمل خبر علي بن جعفر على هذا بعيد، والمسجد الاعظم المراد به المسجد الحرام أو كل جامع للبلد، ولعل فيه أشد كراهة لا سيما إذا كان في القبلة، لما روي (3) عن أمير المؤمنين عليه السلام لا يصلين أحدكم وبين يديه سيف فان القبلة أمن. 19 - المجازات النبوية: للسيد الرضي قال صلى الله عليه وآله: ابنوا المساجد واجعلوها جما (4). ومنه: قال صلى الله عليه وآله: إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار إذا انقبضت واجتمعت: وقال السيد - ره -: قوله صلى الله عليه وآله جما استعارة


(1) التهذيب ج 1 ص 483. (2) التهذيب ج 1 ص 325. (3) راجع الخصال ج 2 ص 158. (4) المجازات النبوية ص 62.

[365]

لان المراد ابنوها ولا تتخذوا لها شرفا فشبهها صلى الله عليه وآله بالكباش الجم وهي التي قرونها صغار خافية. قوله صلى الله عليه وآله: لينزوي، هذا الكلام مجاز، وفيه قولان أحدهما أن المسجد يتنزه عن النخامة وهي البصقة بمعنى أنه يجب أن يكرم عنها، فإذا رؤيت عليه كانت شانئة له وزارئة عليه وكان معها بمنزلة الرجل ذي الهيئة يشمئز مما يهجنه وأصل الانزواء الانحراف مع تقبض وتجمع. والقول الاخر أن يكون المراد اهل المسجد فاقيم المسجد في الذكر مقامهم لما كان مشتملا عليهم، فالمعنى أن أهل المسجد ينقبضون من النخامة إذا رأوها فيه ذهابا به عن الادناس وصيانة له عن الادران (1). بيان: قال في النهاية: في شرح تلك الرواية (لينزوي) أي ينضم ويتقبض، و قيل أراد أهل المسجد وهم الملائكة انتهى، وذكر الاكثر كراهة التنخم والبصاق في المسجد، واستحباب سترهما بالتراب أو بالحصا، وقد ورد بجواز البصاق روايات مثل ما رواه الشيخ (2) عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يكون في المسجد في الصلاة فيريد أن يبصق ؟ فقال: عن يساره، وإن كان في غير صلاة فلا يبزق حذاء القبلة، ويبزق عن يمينه وشماله. وعن طلحة بن زيد (3)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يبزق أحدكم في الصلاة قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبزق عن يساره، وتحت قدمه اليسرى. وعن عبيد بن زرارة (4) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان أبو جعفر عليه السلام يصلي في المسجد فيصبق أمامه وعن يمينه وعن شماله وخلفه عن الحصا ولا يغطيه. فيمكن حمل ما عدا الاخير على كون بعضها أشد كراهة، أو على حال الضرورة والاخير على أنه لبيان الجواز، أو يكون مختصا بهم عليهم السلام لتشرف المسجد ببصاقهم. ثم الظاهر من الاخبار أن البصاق أخف كراهة، ويمكن المناقشة في كراهته


(1) المجازات النبوية ص 133. (2 - 4) التهذيب ج 1 ص 326.

[366]

أيضا وسيأتي الاخبار فيهما، وذكر الاصحاب كراهة قتل القمل في المساجد، واستحباب ستره بالتراب، لكن اعترف أكثر المتأخرين بعدم اطلاعهم على نص فيهما. 20 - المحاسن: عن محمد بن عيسى، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان لعلي عليه السلام بيت ليس فيه شئ إلا فراش وسيف ومصحف، وكان يصلي فيه، أو قال كان يقيل فيه (1). بيان: على الرواية الاولى المؤيدة بسائر الاخبار، يدل على استحباب اتخاذ بيت في الدار للصلاة، وعلى الرواية الثانية يدل ظاهرا على جواز القيلولة في البيت وحده. 21 - المحاسن: عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه السلام قد جعل بيتا في داره ليس بالصغير ولا بالكبير، لصلاته، وكان إذا كان الليل ذهب معه بصبي لا يبيت معه فيصلي فيه (2). 22 - قرب الاسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي، عن ابن بكير عنه عليه السلام مثله (3). بيان: يدل على استحباب أن لا يكون في البيت وحده في الليل، وإن كان في الصلاة، كما دل عليه غيره، بل يكون معه أحد وإن كان صبيا، أو الطفل متعين إذا كان مصليا لبعده عن الرياء، وعدم منافاته لكمال الخشوع، والاقبال على العبادة لعدم الاحتشام منه، ويؤيده أن في رواية الطيالسي أخذ صبيا لا يحتشم منه كما سيأتي (4) قوله عليه السلام (لا يبيت معه) أي لم يكن في سائر الليل عنده، لانه عليه السلام كان مع أزواجه وسراياه ولم يكن يناسب كونه نائما [إلا] معهم، ويحتمل أن يكون ليبيت. 23 - مكارم الاخلاق: عن النبي صلى الله عليه وآله في قوله تعالى (خذوا زينتكم عند كل


(1 - 2) المحاسن ص 612. (3) قرب الاسناد ص 75 ط حجر ص 98 ط نجف. (4) بل هو لفظ حديث الطيالسي في قرب الاسناد.

[367]

مسجد) قال: تعاهدوا نعالكم عند أبواب المسجد (1). تنقيح: ذكر الاصحاب استحباب تعاهد النعال عند دخول المساجد، وفسروا باستعلام حاله استظهارا للطهارة، والحق به ما كان مظنة النجاسة كالعصا، واستدل عليه بما رواه الشيخ (2) عن القداح، عن جعفر، عن أبيه أن عليا عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: تعاهدوا نعالكم عند أبواب مساجدكم قال الجوهري: التعهد التحفظ بالشئ، وتجديد العهد به، وهو أفصح من قولك تعاهدت، لان التعاهد إنما يكون بين اثنين. أقول: ورود الرواية عن أفصح الفصحاء يدل على خطاء الجوهري. بل يطلق التفاعل فيما لم يكن بين اثنين للمبالغة، إذ ما يكون بين اثنين يكون المبالغة والاهتمام فيه أكثر، ويحتمل أن يكون المراد بتعاهد النعل أن يحفظ عند أمين ونحوه لئلا يشتغل قلبه في حال الصلاة به، ولعل ما فهمه القوم أظهر. 24 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيدالله، عن التلعكبري، عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمد بن خالد الطيالسي، عن رزيق الخلقاني قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلاة الرجل في منزله جماعة تعدل أربعا وعشرين صلاة، وصلاة الرجل جماعة في المسجد تعدل ثمانيا وأربعين صلاة مضاعفة في المسجد، وإن الركعة في المسجد الحرام ألف ركعة في سواه من المساجد، وإن الصلاة في المسجد فردا بأربع وعشرين صلاة، والصلاة في منزلك فردا هباء منثورا لا يصعد منه إلى الله شئ، ومن صلى في بيته جماعة رغبة عن المساجد فلا صلاة له، ولا لمن صلى معه، إلا من علة تمنع من المسجد (3). 25 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن جعفر، عن موسى بن عمران، عن الحسين بن يزيد، عن حماد بن عمرو، عن أبي الحسن


(1) مكارم الاخلاق ص 142. (2) التهذيب ج 1 ص 326. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 307.

[368]

الخراساني، عن ميسرة بن عبد الله، عن أبي عائشة السعدي، عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في خطبة طويلة: من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات، ويمحى عنه عشر سيئات، ويرفع له عشر درجات (1). ومن بنى مسجدا في الدنيا أعطاه الله بكل شبر منه، أو قال بكل ذراع منه، مسيرة أربعين ألف ألف عام مدينة من ذهب وفضة ودر وياقوت وزمرد وزبرجد و لؤلؤ، في كل مدينة أربعون ألف ألف قصر، في كل قصر أربعون ألف ألف دار في كل دار أبعون ألف ألف بيت، في كل بيت أربعون ألف ألف سرير، على كل سرير زوجة من الحور العين، وفي كل بيت أربعون ألف ألف وصيف، وأربعون ألف ألف وصيفة، وفي كل بيت أربعون ألف ألف مائدة على كل مائدة أربعون ألف ألف قصعة، في كل قصعة أربعون ألف ألف لون من الطعام، يعطي الله وليه من القوة ما يأتي على تلك الازواج وعلى ذلك الطعام، وعلى ذلك الشراب في يوم واحد (2). 26 - الخصال: عن محمد بن عمر الجعابي، عن عبد الله بن بشر، عن الحسن بن الزبرقان، عن أبي بكر بن عياش، عن الابطح، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يجئ يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف: يا رب حرقوني ومزقوني، ويقول المسجد: يا رب عطلوني وضيعوني، وتقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا، فأجثوا للركبتين في الخصومة، فيقول الله لي: أنا أولى بذلك (3). 27 - تنبيه الخاطر للورام وجامع الاخبار: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يأتي في آخر الزمان قوم يأتون المساجد، فيقعدون حلقا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم فليس


(1) ثواب الاعمال ص 259. (2) ثواب الاعمال ص 258. (3) الخصال ج 1 ص 83.

[369]

لله فيهم حاجة (1). 28 - ارشاد المفيد: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا قام القائم لم يبق مسجد على وجه الارض له شرف إلا هدمها وجعلها جما (2). 29 - المجازات النبوية: للرضي - ره - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أكل هاتين البقلتين فلا يقربن مسجدنا - يعني الثوم والكراث - فمن أراد أكلهما فليمتهما طبخا وفي رواية فليمثهما طبخا (3). بيان: الاماتة أو الموث الذي هو الدوف في الماء هنا مجاز كما لا يخفى. 30 - مجالس الشيخ: باسناده المتقدم في باب فضل الصلاة عن أبي ذر فيما أوصى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر صلاة في مسجدي هذا تعدل مائة ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، صلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وأفضل من هذا كله صلاة يصليها الرجل في بيته حيث لا يراه إلا الله عزوجل يطلب به وجه الله تعالى (4). يا أبا ذر طوبى لاصحاب الالوية يوم القيامة، يحملونها فيسبقون الناس إلى الجنة، ألا هم السابقون إلى المساجد بالاسحار وغيرها (5). يا أبا ذر لا تجعلن بيتك قبرا، واجعل فيه من صلاتك يضئ لك قبرك (6). يا أبا ذر إن الصلاة النافلة تفضل بالسر على العلانية كفضل الفريضة على النافلة (7). يا أبا ذر الكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة (8).


(1) جامع الاخبار ص 83. (2) ارشاد المفيد ص 344 في حديث (3) المجازات النبوية: 49. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 141. (5 - 6) أمالى الطوسى ج 2 ص 142. (7) أمالى الطوسى ج 2 ص 143. (8) لم نجده في الامالى المطبوع والظاهر أن شطرا من تلك الوصية ساقط

[370]

يا أبا ذر من أجاب داعي الله، وأحسن عمارة مساجد الله، كان ثوابه من الله الجنة فقلت بأبي وامي يا رسول الله صلى الله عليه وآله كيف يعمر مساجد الله ؟ قال لا ترفع فيها الاصوات ولا يخاض فيها بالباطل، ولا يشترى فيها ولا يباع، واترك اللغو ما دمت فيها، فان لم تفعل فلا تلومن يوم القيامة إلا نفسك (1). يا أبا ذر إن الله تعالى يعطيك مادمت جالسا في المسجد بكل نفس تنفس فيه درجة في الجنة، وتصلي عليك الملائكة، ويكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات، ويمحى عنك عشر سيئات (2). يا أبا ذر أتعلم في أي شئ انزلت هذه الاية (اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (3) قلت: لا فداك أبي وامي قال: في انتظار الصلاة خلف الصلاة (4). يا أبا ذر إسباغ الوضوء على المكاره من الكفارات وكثرة الاختلاف إلى المساجد فذلكم الرباط (5). يا أبا ذر يقول الله تعالى إن أحب العباد إلى المتحابون بجلالي المتعلقة قلوبهم بالمساجد، المستغفرون بالاسحار، اولئك إذا أردت بأهل الارض عقوبة ذكرتهم فصرفت العقوبة عنهم (6). يا أبا ذر كل جلوس في المسجد لغو إلا ثلاثة: قراءة مصل أو ذاكر الله تعالى أو سائل عن علم (7). بيان: قوله صلى الله عليه وآله (مائة ألف صلاة في غيره) الضمير في غيره إما راجع إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله فيدل على مساواتهما في الفضل ويؤيده بعض الاخبار، لكن ينافيه أكثرها، ويمكن حمل المساجد المفضل عليها في المسجد الحرام على المساجد العظيمة وفي مسجد الرسول صلى الله عليه وآله على غيرها، أو إلى المسجد الحرام، فيصير أزيد من مسجد


من المطبوعة وتراه في مكارم الاخلاق بروايته عن املاء الطوسى - ره - ص 548. (1 - 2) لم نجدهما في الامالى المطبوع. (3) آل عمران: 20. (4 - 7) راجع مكارم الاخلاق ص 548 - 549.

[371]

الرسول صلى الله عليه وآله بأكثر مما ورد في سائر الاخبار، وفي أصل الفضل أيضا يزيد على سائر ما ورد فيه، ويمكن الحمل على اختلاف المصلين أيضا، وإن كان بعيدا أو على بعض أجزاء المسجدين، وبه يمكن دفع التنافي بينه وبين ما ورد في فضل مسجد الرسول صلى الله عليه وآله في سائر الاخبار. قوله صلى الله عليه وآله: (وأفضل من هذه كله) لعل الغرض التحريص على تحصيل الاخلاص والحاصل أن الصلاة في البيت مع الاخلاص الكامل أفضل من الصلاة في الاماكن الشريفة بدونه فالسعي في تحصيل الاخلاص في الاعمال وخلوها عن شوائب الرياء والاغراض الفاسدة، أهم من السعي في إيقاعها في الامكنة الشريفة، فلو اجتمعا كان نورا على نور، ويحتمل تخصيصه بالنوافل والاول أظهر. قوله صلى الله عليه وآله: (وكثرة الاختلاف) أي هي أيضا من الكفارات، وهي أيضا من الرباط، إذ هي ربط النفس على الطاعة، وترقب للشيطان لئلا يستولي على القلب فيسلب الايمان، قوله صلى الله عليه وآله (قراءة مصل) أي إذا صلى جالسا، أو المراد بالجلوس مطلق اللبث. 31 - مكارم الاخلاق: قال النبي صلى الله عليه وآله: صلاة المرءة وحدها في بيتها كفضل صلاتها في الجمع خمسا وعشرين درجة (1). 32 - نهاية الشيخ: روى يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: خير مساجد نسائكم البيوت (2). بيان: المشهور بين الاصحاب والمقطوع به في كلامهم أنه يستحب للنساء أن لا يحضرن المساجد، بل المستحب لهن أن يصلين في أستر موضع في بيوتهن كما دلت عليه الاخبار. 33 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن


(1) مكارم الاخلاق ص 268 باب نوادر النكاح. (2) ورواه في التهذيب ج 1 ص 325.

[372]

الحسين بن سعيد، عن محمد بن سنان قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: الصلاة في مسجد الكوفة فردا أفضل من سبعين صلاة في غيرها جماعة (1). 34 - مجالس الصدوق: عن جعفر بن علي، عن جده الحسن بن علي، عن جده عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من سمع النداء في المسجد فخرج من غير علة فهو منافق إلا أن يريد الرجوع إليه (2). 35 - اختيار الرجال: للكشي، عن حمدويه بن نصير، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن سنان، عن يونس بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا يونس ! قل لهم: يا مؤلفة ! قد رأيت ما تصنعون، إذا سمعتم الاذان أخذتم نعالكم وخرجتم من المسجد (3). بيان: أي أنتم من المؤلفة قلوبهم، ولستم من المؤمنين حقيقة، والخبران يدلان على منع شديد للخروج من المسجد بعد الاذان قبل الصلاة، ولا ينافيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (4) قال: إذا صليت صلاة وأنت في المسجد، واقيمت الصلاة، فان شئت فاخرج، وإن شئت فصل معهم، واجعلها تسبيحا. إذا الظاهر من الخبرين سماع الاذان قبل صلاته، ومن هذا الخبر سماع الاقامة بعد صلاته في المسجد، مع أن الجواز لا ينافي الكراهة، إذ هما على المشهور محمولان عليها. 36 - دعوات الراوندي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خصال ست ما من مسلم يموت في واحدة منهن إلا كان ضامنا على الله أن يدخله الجنة، منها رجل توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى مسجد الصلاة، فان مات في وجهه كان ضامنا على الله. بيان: (كان ضامنا) أي الرسول صلى الله عليه وآله أو المسلم مجازا لانه فعل ما يوجب ذلك،


(1) ثواب الاعمال ص 28. (2) أمالى الصدوق ص 300. (3) رجال الكشى ص 332، الرقم 244. (4) التهذيب ج 1 ص 332.

[373]

فكأنه ضامن وهو بعيد (1). 37 - الهداية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: في التوراة مكتوب أن بيوتي في الارض المساجد، فطوبي لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي، ألا إن على المزور كرامة الزائر، ألا بشر المشائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيامة (2). 38 - المجازات النبوية: عن النبي صلى الله عليه وآله إن للمساجد أوتادا الملائكة جلساؤهم إذا غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم. قال السيد - ره -: وهذه استعارة كأنه صلى الله عليه وآله شبه المقيمين في المساجد بالاوتاد المضروبة فيها، وذلك من التمثيلات العجيبة الواقعة موقعها يقال: فلان وتد المسجد، وحمامة المسجد، إذا طالت ملازمته له وانقطاعه إليه، وتشبيهه بالوتد أبلغ لان الحمامة تنتقل وتزول والوتد يقيم ولا يريم (3). 39 - كتاب محمد بن المثنى: عن جعفر بن محمد بن شريح، عن ذريح المحاربي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النوم في المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: نعم. 40 - مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت باب بيت ملك عظيم لا يطأ بساطه إلا المطهرون، ولا يؤذن بمجالسة مجلسه إلا الصديقون، وهب القدوم إلى بساط خدمة الملك فانك على خطر عظيم إن غفلت هيبة الملك، واعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك، فان عطف عليك برحمته وفضله قبل منك يسير الطاعة، وآجرك عليها ثوابا كثيرا، وإن


(1) قد أدرج في طبعة الكمبانى (ص 133 و 134) بعد ذلك ثمانية أسطر مصدرا بقول المؤلف [أقول:] تركنا ايرادها ههنا اكتفاء بما سيجيئ آخر الباب مثلها لفظا بلفظ تحت قوله [تتميم]، وقد قال في هامش الطبعة ص 133: (ليس في النسخة الموجودة المعتبر بها ! قوله (أقول ذكر الاصحاب) إلى قوله: (الهداية). (2) الهداية ص 31. (3) المجازات النبوية ص 265.

[374]

طالبك باستحقاقه الصدق والاخلاص عدلا بك، حجبك ورد طاعتك وإن كثرت، وهو فعال لما يريد. واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه، فانك قد توجهت للعبادة له، و المؤانسة، واعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا تخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين و علانيتهم، وكن كأفقر عباده بين يديه، وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك فانه لا يقبل إلا الاطهر والاخلص. وانظر من أي ديوان يخرج اسمك، فان ذقت من حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته وشربت بكاس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجابته، فقد صلحت لخدمته، فادخل، فلك الامن والامان، وإلا فقف وقوف مضطر قد انقطع عنه الحيل، وقصر عنه الامل، وقضى عليه الاجل، فإذا علم الله عزوجل من قلبك صدق الالتجاء إليه، نظر إليك بعين الرحمة والرأفة والعطف ووفقك لما يحب ويرضى فانه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاته، قال الله عزوجل (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) الاية (1). بيان: (هب) بالفتح أمر من هاب يهاب، والهيبة المخافة والتقية. 41 - السرائر: من كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن الفضل، عن محمد الحلبي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن طريقي إلى المسجد في زقاق يبال فيه، فربما مررت فيه وليس على حذاء فيلصق برجلي من نداوته، فقال: أليس تمشي بعد ذلك في أرض يابسة ؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إن الارض يطهر بعضها بعضا، قلت: فأطا على الروث الرطب ؟ قال: لا بأس، أما والله ربما وطئت عليه ثم اصلي ولا أغسله (2). بيان: ظاهره عدم جواز إدخال النجاسة إلى المسجد، وإن أمكن أن يكون السؤال للصلاة، ولا خلاف ظاهرا في عدم جواز إدخال المتعدية إلى المسجد، وأما غير المتعدية فالظاهر جواز إدخاله كما هو الاشهر بين المتأخرين، وذهب جماعة إلى


(1) مصباح الشريعة ص 10، والاية في سورة النمل: 62. (2) السرائر ص 465.

[375]

تحريم إدخال النجاسة مطلقا وادعى ابن إدريس عليه الاجماع، وهو ممنوع، ولم يتم دليل على عموم المنع. 42 - العياشي: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الحائض والجنب يدخلان المسجد أم لا ؟ فقال: لا يدخلان المسجد إلا مجتازين إن الله يقول (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) وياخذان من المسجد الشئ ولا يضعان فيه شيئا (1). بيان: يدل على عدم جواز لبث الحائض والجنب في المساجد، وعلى عدم جواز وضعهما شيئا فيها، كما ذكره الاصحاب وقد مر الكلام فيها في كتاب الطهارة. 43 - السرائر: نقلا من جامع البزنطي، عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن رجل كان له مسجد في بعض بيوته أو داره، هل يصلح أن يجعله كنيفا ؟ قال: لا بأس (2). قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده، عن على بن جعفر مثله (3). توضيح: يدل على أن مسجد البيت ليس كسائر المساجد، ويجوز تغييره و إخراجه عن المسجدية، وحمله الاصحاب على موضع لم يوقف لذلك، بل عين في البيت للصلاة فيه، قال في الذكرى: لو اتخذ في داره مسجدا له ولعياله ولم يتلفظ بالوقف ولانواه، جاز له تغييره وتوسيعه وتضييقه، لما رواه أبو الجارود عن الباقر عليه السلام في المسجد يكون في البيت فيريد أهل البيت أن يتوسعوا بطائفة منه أو يحولونه إلى غير مكانه، قال: لا بأس بذلك (4) انتهى. وقال الوالد قدس سره: ويمكن تخصيص العمومات بتلك الاخبار الصحيحة، لكن الاحوط عدم التغيير مع الصيغة.


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 243 في سورة النساء الاية 43. (2) السرائر ص 469. (3) قرب الاسناد ص 120 ط حجر ص 162 ط نجف. (4) رواه في الفقيه ج 1 ص 153.

[376]

وقال العلامة - ره - في التذكرة: من كان له في داره مسجد قد جعله للصلاة، جاز له تغييره وتبديله وتضييقه وتوسيعه حسب ما يكون أصلح له، لانه لم يجعله عاما وإنما قصد اختصاصه بنفسه وأهله، ولرواية أبي الجارود، وهل يلحقه أحكام المساجد من تحريم إدخال النجاسة إليه، ومنع الجنب في استيطانه وغير ذلك ؟ الاقرب المنع لنقص المعنى فيه انتهى وكلامه يشعر بالتردد ومع الوقف كذلك أيضا كما احتمله الوالد - ره -. 44 - كشف الغمة: نقلا من دلائل الحميري، عن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فقال: إذا خرج القائم أمر بهدم المنار والمقاصير التي في المساجد فقلت: في نفسي لاي معنى هذا ؟ فأقبل على وقال: معنى هذا أنها محدثة مبتدعة، لم يبنها نبى ولا حجة (1). غيبة الشيخ: عن سعد بن عبد الله، عن الجعفري مثله (2). تبيين: المشهور بين الاصحاب كراهة تطويل المنارة أزيد من سطح المسجد لئلا يشرف المؤذنون على الجيران، والمنارات الطويلة من بدع عمر، والمراد بالمقاصير المحاريب الداخلة كما مر. 45 - جامع الاخبار: روى باسناد صحيح عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: لو يعلم الناس ما في مسجد الكوفة لاعدوا له الزاد والرواحل من مكان بعيد، إن صلاة فريضة فيه تعدل حجة، وصلاة نافلة تعدل عمرة (3). وروي باسناد صحيح عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: النافلة في مسجد الكوفة تعدل عمرة مع النبي صلى الله عليه وآله، والفريضة تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وآله وقد صلى فيه ألف نبي وألف وصي (4). وقال الصادق عليه السلام: ما من عبد صالح ولا نبي إلا وقد صلى في مسجد كوفان، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري به، قال له جبرئيل عليه السلام: أتدري أين أنت يا رسول الله


(1) كشف الغمة ج 3 ص 296. (2) غيبة الشيخ الطوسى ص 133. (3 - 4) جامع الاخبار ص 81.

[377]

الساعة ؟ أنت مقابل مسجد كوفان، قال: فاستأذن لي ربي حتى آتيه فاصلي ركعتين، فاستأذن الله عزوجل فأذن له وإن ميمنته لروضة من رياض الجنة، وإن مؤخره لروضة من رياض الجنة، وإن الصلاة المكتوبة فيه لتعدل بألف صلاة، وإن صلاة النافلة فيه لتعدل بخمس مائة صلاة، وإن الجلوس فيه بغير تلاوة ولا ذكر لعبادة، ولو علم الناس ما فيه لاتوه ولوحبوا (1). وروى باسناد صحيح عن أبي حمزة الثمالي أنه قال: سألته عن الاسطوانة السابعة، فقال: هذا مقام أمير المؤمنين عليه السلام (2). وقال: وكان الحسين علي عليه السلام يصلي عند الخامسة، فإذا غاب أمير المؤمنين عليه السلام صلى فيها الحسن بن علي عليه السلام وهي من باب كندة (3). وقال الصادق عليه السلام الاسطوانة السابعة مما يلي أبواب كندة هي مقام إبراهيم والخامسة مقام جبرئيل عليه السلام (4). وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: نعم المسجد مسجد الكوفة، صلى فيه ألف نبي وألف وصي، ومنه فار التنور، وفيه نجرت السفينة، ميمنته رضوان الله، ووسطه روضة من رياض الجنة وميسرته مكر، فقال: قلت بأبي أنت و امي ما معنى ما تقول مكر ؟ قال: بعض منازل السلطان (5). وقال: عليه السلام: صلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد (6). وقال النبي صلى الله عليه وآله: لحديث البغي في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البيهمة الحشيش (7). وقال عليه السلام: لا تدخل المساجد إلا بالطهارة (8). وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أدخل ليلة واحدة سراجا في المسجد، غفر الله له


(1 - 4) جامع الاخبار ص 82. (5) منازل الشيطان خ ل. (6) جامع الاخبار ص 82. (7 و 8) جامع الاخبار ص 83.

[378]

ذنوب سبعين سنة، وكتب له عبادة سنة، وله عند الله مدينة، وإن زاد على ليلة واحدة فله بكل ليلة يزيد ثواب نبي فإذا تم عشر ليال لا يصف الواصفون ماله عند الله من الثواب، فإذا تم الشهر حرم الله جسده على النار (1). بيان: سيأتي فضل المساجد المخصوصة في كتاب المزار وكتاب الحج، ولنشر هنا إلى بعض الفوائد. الاولى: أنه هل يشمل الفضل الوارد للصلاة في المسجد الحرام الصلاة في الكعبة مع كراهة الفريضة فيها ؟ الظاهر العدم وربما يقال الفضل الوارد في الخبر هو المشترك بين جميع الاجزاء حتى الكعبة، فلا ينافي كون الصلاة خارجها من المسجد أفضل من الصلاة فيها، وهو بعيد، إذ الظاهر من النهي عن الصلاة في الكعبة رجحان الصلاة خارج المسجد أيضا بالنسبة إليها. وقيل: يجوز أن يكون العدد الذي بازاء الصلاة في بعض أجزاء المسجد مختصا بفضيلة وثواب زائد على ما ثبت للعدد الذي بازاء الصلاة في البعض الاخر، ويرد عليه أن الظاهر أن المراد أن الصلاة الواحدة في المسجد الحرام مثلا مثل مائة ألف صلاة في غيرها إذا فرضت الصلاتان بوجه واحد من استجماع الشرائط والكمالات وعدمها إلا باعتبار المكان، فلا وجه لما ذكر، وكذا استشكل في الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله إذا وقعت في محاذات ضريحه المقدس مع كراهتها، والجواب زائدا على ما تقدم منع كراهة الصلاة إلى قبره المقدس، وقد مر الكلام فيه، ولو ثبت يكون مخصصا بغيره. الثانية: الظاهر أن الثواب المذكور لكل من المساجد الشريفة، المقدر المشترك بين الجميع، فلا ينافي كون بعض الاجزاء أفضل من سائرها كما ورد في الاخبار كالحطيم وتحت الميزاب وغيرهما من المسجد الحرام، وبعض الاساطين في مسجد النبي صلى الله عليه وآله ومسجد الكوفة. الثالثة: الاختلاف الواقع في عدد فضل الصلاة لكل من المساجد الشريفة لعله باعتبار اختلاف الصلوات والمصلين في المفضل أو المفضل عليه أو فيهما فتأمل.


(1) جامع الاخبار ص 83

[379]

الرابعة: الظاهر أن تلك الفضيلة في المسجدين مختصة بما كان في عهد الرسول وأما ما زيد فيهما في زمن خلفاء الجور، فكسائر المساجد، بل يمكن المناقشة في كونها مسجدا أيضا لما ورد في كثير من الاخبار أن القائم عليه السلام يردها إلى أربابها وذهب بعض الاصحاب إلى التعميم وهو بعيد. الخامسة: ما ورد في بعض الاخبار ألف صلاة أو مائة ألف في غيره لفظ الغير فيها تام شامل للفاضل والمفضول، فيلزم مساواة الفاضل المفضول، فلابد من تخصيص في الغير وإن أمكن تصحيحه باختلاف الصلاة والمصلين لكنه بعيد. 46 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن الطين يطرح فيه السرقين يطين به المسجد أو البيت أيصلى فيه ؟ قال: لا بأس (1). وسألته عن الرجل يقعد في المسجد ورجله خارج منه أو أسفل من المسجد، و هو في صلاته أيصلح له ؟ قال: لا بأس (2). قال: وسألته عن الدابة يبول فيصيب بوله المسجد أو حائطه أيصلى فيه قبل أن يغسل ؟ قال إذا جف فلا بأس (3). بيان: حمل على سرقين الدواب المأكولة اللحم، ويدل على طهارتها، والظاهر أن المراد بالمسجد في قوله (يقعد في المسجد) المصلى الذي يصلى عليه كما مر، و لما كان محتملا للمسجد المعروف أوردناه هنا، فالمراد أنه يكفي في إدراك فضل المسجد في الجملة كون بعض الجسد فيه، ويدل ظاهرا على طهارة أبوال الدواب مع كراهة الصلاة في المسجد قبل جفافها. 47 - دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام أنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، إلا أن يكون له عذر أو به


(1) البحار ج 10 ص 261. (2) البحار ج 10 ص 270. (3) البحار ج 10 ص 286. (*)

[380]

علة، فقيل ومن جار المسجد يا أمير المؤمنين ؟ قال: من سمع النداء (1). وعنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: الصلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، والصلاة في مسجد المدينة عشرة ألف صلاة، والصلاة في مسجد بيت المقدس ألف صلاة، والصلاة في المسجد الاعظم مائة صلاة والصلاة في مسجد القبيلة خمس وعشرون صلاة، والصلاة في مسجد السوق اثنتا عشرة صلاة، وصلاة الرجل وحده في بيته صلاة واحده (2). وعنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: الجلوس في المسجد انتظارا للصلاة عبادة (3). وقال: من كان القرآن حديثه، والمسجد بيته بنى الله له بيتا في الجنة، ودرجة دون الدرجة الوسطى (4). بيان: لعل الوسطى بمعنى الفضلى أي درجة عند أفضل الدرجات أو قريبة منها. 48 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: من السنة إذا جلست في المسجد أن تستقبل القبلة (5). وعنه عليه السلام أنه قال: إن المسجد ليشكو الخراب إلى ربه وإنه ليتبشبش من عماره إذا غاب عنه ثم قدم، كما يتبشبش أحدكم بغائبه إذا قدم عليه (6). بيان: قال في النهاية: فيه لا يوطن الرجل المسجد للصلاة إلا يتبشبش الله به كما يتبشبش أهل البيت بغائبهم، البش فرح الصديق بالصديق واللطف في المسألة والاقبال عليه وقد بششت به أبش، وهذا مثل ضربه لتلقيه إياه ببره وإكرامه انتهى، والظاهر هنا رجوع الضمير إلى المسجد. 49 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: الجلوس في المسجد رهبانية العرب، و المؤمن مجلسه مسجده، وصومعته بيته (7). بيان: رواه في التهذيب (8) عن إسماعيل بن أبي عبد الله، عن أبيه عليه السلام قال: قال


(1 - 7) دعائم الاسلام ج 1 ص 148. (8) التهذيب ج 1 ص 324.

[381]

رسول الله صلى الله عليه وآله: الاتكاء في المسجد رهبانية العرب، فالظاهر أنه ذم للاتكاء، فان الرهبانية في هذه الامة مذمومة أي ينبغي أن يكون اتكاؤه في بيته، لانه صومعته و محل استراحته، ويحتمل أن يكون مدحا ويكون المراد الاتكاء لانتظار الصلاة بلا نوم، فالمراد بالصومعة محل النوم، وعلى ما في الدعائم الاخير متعين. وقد روى العامة مثله: ففي شرح السنة (1) باسناده عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون أتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: ائذن لنا في الترهب، فقال: إن ترهب امتي الجلوس في المساجد انتظارا للصلاة. 50 - الدعائم: عن علي عليه السلام قال: جنبوا مساجدكم رفع أصواتكم، وبيعكم وشراءكم وسلاحكم، وجمروها في كل سبعة أيام، وضعوا فيها المطاهر (2). وقال عليه السلام: من وقر المسجد من نخامته لقي الله يوم القيامة ضاحكا قد اعطي كتابه بيمينه، وإن المسجد ليلتوي عند النخامة كتلوى أحدكم بالخيزران إذا وقع به (3). بيان: قد مر في خبر النوادر (وضعوا المطاهر على أبوابها) وهو أظهر، والمراد هنا أصل تعيين المطاهر، لا كونها في وسطها، والخيزران بالضم شجر هندي معروف و تخصيصه لان الضرب به أشد. 51 - الدعائم: عن علي عليه السلام أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن تقام الحدود في المساجد، وأن يرفع فيها الصوت، وأن ينشد فيها الضالة أو يسل فيها السيف، أو يرمى فيها النبل أو يباع فيها أو يشترى، أو يعلق في القبلة منها سلاح أو يبرى فيها نبل (4). وعن علي عليه السلام أنه قال: لتمنعن مساجدكم يهودكم ونصاراكم وصبيانكم و مجانينكم، أو ليمسخنكم الله قردة وخنازير ركعا سجدا (5).


(1) راجع مشكاة المصابيح ص 69. (2 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 149.

[382]

وقال عليه السلام في قول الله عزوجل: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) (1) قال: هو الجنب يمر في المسجد مرورا ولا يجلس فيه (2). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن أكل الثوم أن يؤذي برائحته أهل المسجد، وقال: من أكل هذه البقلة فلا يقربن مسجدنا (3). وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من ابتنى مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة (4). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه سئل عن المسجد يتخذ في الدار إن بدا لاهله في تحويله عن مكانه أو التوسع بطائفة منه ؟ قال: لا بأس بذلك (5). 52 - كتاب زيد النرسى: عن عبد الله بن سنان، عن محمد بن المنكدر قال: رأيت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام في ليلة ظلماء شديدة الظلمة، وهو يمشي إلى المسجد، وإني أسرعت فدفعت إليه فسلمت عليه فرد، علي السلام وقال لي: يا محمد بن المنكدر قال: رسول الله صلى الله عليه وآله: بشر المشائين إلى المساجد في ظلم الليل بنور ساطع يوم القيامة. ومنه قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يحدث عن أبيه أن الجنة والحور لتشتاق إلى من يكسح المساجد ويأخذ منها القذى. 53 - مشكوة الانوار: نقلا من المحاسن قال: قال عثمان بن مظعون للنبي صلى الله عليه وآله: إني هممت بالسياحة، فقال: مهلا يا عثمان فان السياحة في امتي لزوم المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة (6) الخبر. 54 - أصل من اصول أصحابنا عن أحمد بن علي، عن محمد بن بن الحسن، عن محمد ابن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سوق المسلمين كمسجدهم


(1) النساء: 43. (2 و 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 149. (4 و 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 150. (6) مشكاة الانوار ص 262.

[383]

فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل. ومنه: عن محمد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن الحسن بن عبيد الكندي، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ضعوا المطاهر على أبواب المساجد. 55 - كتاب عبد الله بن يحيى الكاهلى: قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: صلوا في مساجدهم الخبر. 56 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن تسنيم، عن العباس بن عامر، عن ابن بكير، عن سلام بن غانم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من قم مسجدا كتب الله له عتق رقبة، ومن أخرج منه ما يقذى عينا كتب الله عزوجل له كفلين من رحمته (1) المحاسن: عن محمد بن تسنم مثله (2). بيان: في القاموس: القذى: ما يقع في العين وفي الشراب، قذيت عينه كرضي وقع فيها القذى، وقال: الكفل بالكسر الضعف والنصيب والحظ، والتقدير بما يقذى عينا أو يذر في العين كما في الخبر الاخر، مبالغة في كنس المساجد، وإن كانت نظيفة، وإن لم يستوعب جميعها أو كنس قليلا منها يترتب عليه هذا الثواب. 57 - مجالس الصدوق: عن أحمد بن هارون الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله تبارك وتعالى إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي، وفيها ثلاثة نفر من المؤمنين، ناداهم جل جلاله وتقدست أسماؤه: يا أهل معصيتي ! لولا من فيكم من المؤمنين المتحابين بجلالي، العامرين بصلاتهم أرضي ومساجدي، و


(1) أمالى الصدوق ص 108. (2) المحاسن ص 56.

[384]

المستغفرين بالاسحار خوفا مني لانزلت بكم عذابي ثم لا ابالي (1). 58 - العلل: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن هارون مثله (2). بيان: قد أوردت مثله بأسانيد جمة في باب صلاة الليل وأبواب المكارم، وقوله بجلالي في بعض النسخ بالجيم أي لعظمتي وطاعتي لا للاغراض الدنيوية، وفي بعضها بالحاء المهملة أي بالمال الحلال. 59 - مجالس الصدوق: عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن مرازم، عن الصادق عليه السلام أنه قال: عليكم باتيان المساجد، فانها بيوت الله في الارض، ومن أتاها متطهرا طهره الله من ذنوبه، وكتب من زواره فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء، وصلوا من المساجد في بقاع مختلفة، فان كل بقعة تشهد للمصلي عليها يوم القيامة (3). بيان: يدل على استحباب الطهارة لاتيان المساجد، وعلى استحباب الصلاة في المواضع المختلفة منها. 60 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الجلوس في المسجد لانتظار الصلاة عبادة، ما لم يحدث، قيل: يا رسول الله وما الحدث ؟ قال: الاغتياب (4). بيان: لعل المراد بالحدث الامر المنكر القبيح كما ورد في حديث المدينة من أحدث فيها حدثا، وفسر بذلك أو شبه صلى الله عليه وآله الاغتياب بالحدث لانه ناقض لفضل الكون في المسجد كما أن الحدث ناقض للصلاة، وروى المخالفون مثله عن أبي هريرة ورووا أنه سئل أبو هريرة عن معنى الحدث ففسره بالفسوة والضرطة مناسبا للحيته الكاذبة الفاجرة.


(1) أمالى الصدوق ص 120. (2) علل الشرائع ج 2 ص 209. (3) أمالى الصدوق ص 216. (4) أمالى الصدوق ص 252.

[385]

61 - مجالس الصدوق: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن سهل بن زياد، عن محمد بن بشار، عن عبيدالله الدهقان، عن عبد الحميد ابن أبي الديلم، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنس مسجدا يوم الخميس ليلة الجمعة، فأخرج منه من التراب ما يذر في العين غفر له (1). ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى العطار مثله (2). بيان: في القاموس الذر طرح الذرور في العين. 62 - مجالس الصدوق: عن جعفر بن علي، عن جده الحسن بن علي، عن جده عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان القرآن حديثه والمسجد بيته، بنى الله له بيتا في الجنة (3). نهاية الشيخ: عن السكوني مثله (4). ثواب الاعمال: عن حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي عن السكوني مثله (5). 63 - الخصال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيي العطار، عن أحمد بن موسى، عن ابن فضال، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة يشكون إلى الله عزوجل: مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه غبار لا يقرء فيه (6).


(1) أمالى الصدوق ص 300. (2) ثواب الاعمال ص 29. (3) أمالى الصدوق ص 300. (4) النهاية ص 23. (5) ثواب الاعمال ص 26. (6) الخصال ج 1 ص 69.

[386]

64 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمد وسئل عن الدار والبيت قد يكون فيه مسجد فيبدو لاصحابه أن يتسعوا بطائفة منه، ويبنوا مكانه ويهدموا البنية قال: لا بأس بذلك (1). قال مسعدة: وسمعته يقول أيصلح لمكان حش أن يتخذ مسجدا ؟ فقال: إذا ألقى عليه من التراب ما يواري ذلك ويقطع ريحه، فلا بأس بذلك، لان التراب يطهره وبه مضت السنة (2). ايضاح: قال الوالد قدس الله روحه: يدل على أن إلقاء التراب مطهر كما دلت الاخبار الصحيحة على أن الارض يطهر بعضها بعضا، ولا استبعاد فيه، ويمكن حمل الاخبار على ما إذا ازيلت النجاسة عنه أولا، ويكون إلقاء التراب لزيادة التنظيف أو يكون تحته نجسا وبعد إلقاء التراب يجعل فوقه مسجدا ولا تجب حينئذ إزالة النجاسة عنه، أو يكون هذا الحكم مختصا بمساجد البيوت، كالتحويل والتغيير أو يحمل على ما إذا لم يوقف ويكون إطلاق المسجد عليه لغويا انتهى. وقال في الذكرى: يجوز اتخاذ المساجد على الحش ثم ذكر هذه الرواية و غيرها، وفي القاموس الحش: مثلثة المخرج، لانهم كانوا يقضون حوائجهم في البساطين. 65 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام قال: قال الحسن بن علي عليه السلام: من أدمن الاختلاف إلى المساجد، لم يعدم واحدة من سبع: أخا يستفيده في الله، أو علما مستطرفا أو رحمة منتظرة أو آية محكمة تدل على هدى، أو - إنه أظنه قال: - سدة أو رشدة تصده عن ردى أو يترك ذنبا حياء أو تقوى (3). بيان: (أو إنه أظنه قال سدة) إنما نسب إلى الظن للتردد بين العبارتين، والسدة في بعض النسخ بالسين المهملة من السداد، وهو الصواب من القول والفعل يقال:


(1 - 2) قرب الاسناد ص 31 ط حجر ص 44 ط نجف. (3) قرب الاسناد ص 46 ط نجف.

[387]

سد يسد صار سديدا، وفي بعضها بالمعجمة أي شدة وقوة في الدين، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، والتقوى هنا مكان الخشية في سائر الاخبار بمعناها. 66 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الرجل يمشي في العذرة وهي يابسة، فتصيب ثوبه ورجليه هل يصلح له أن يدخل المسجد فيصلي ولا يغسل ما أصابه ؟ قال: إذا كان يابسا فلا بأس (1). بيان (إذا كان يابسا () أي الثوب والرجل أو العذرة أيضا تأكيدا للسؤال، وتغليبا أو بتأويل النجس. 67 - قرب الاسناد: باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام قال: سألته عن الجص يطبخ بالعذرة أيصلح أن يجصص به المسجد ؟ قال: لا بأس (2). وسألته عن المسجد يكتب في القبلة القرآن أو شئ من ذكر الله ؟ قال: لا بأس (3). وسألته عن المسجد ينقش في قبلته بجص أو إصباغ ؟ قال: لا بأس (4). بيان: قد مر الكلام في الجص المطبوخ بالعذرة في كتاب الطهارة، والحاصل أنه محمول في المشهور على العذرة الطاهرة، أو على ما إذا لم يعلم سراية النجاسة إلى الجص، أو على الاكتفاء في الاستحالة بهذا القدر، ويدل الخبر على عدم كراهة الكتاب في قبلة المسجد ولا ينافي كراهة النظر إليها حال الصلاة، لما مر عن علي بن جعفر أيضا أن النظر إلى كتاب في القبلة نقص في الصلاة. وأما النقش فقد حكم جماعة بتحريم النقش بالذهب، وأطلق العلامة في أكثر كتبه والمحقق في المعتبر والشهيد في الذكرى تحريم النقش من غير تقييد بالذهب، معللين بأن ذلك لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله فيكون بدعة، وهو استدلال ضعيف وكذا حكم الاكثر بتحريم نقش الصور.


(1) قرب الاسناد ص 123 ط حجر. (2 - 4) قرب الاسناد ص 162 ط نجف، ص 120 ط حجر. (*)

[388]

واحتج عليه الفاضلان بالتعليل السابق، وبما رواه الشيخ (1) عن عمرو بن جميع قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة في المساجد المصورة، فقال: أكره ذلك، ولكن لا يضركم اليوم، ولو قد قام العدل لرأيتم كيف يصنع في ذلك. وهي مجهولة غير دالة على التحريم، والشهيد في البيان حرم زخرفتها ونقشها وتصويرها بما فيه روح وكره غيره كالشجر، وفي الدروس كره الجميع، وظاهر الخبر جواز الجميع، والاحوط الترك مطلقا.


(1) التهذيب ج 1 ص 327.

[389]

بسمه تعالى ههنا أنهينا الجزء الرابع من المجلد الثامن عشر من كتاب بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار - صلوات الله وسلامه عليهم مادام الليل والنهار - وهو الجزء الثمانون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة الحديثة الرائقه. وقد بذلنا جهدنا في تصحيحه ومقابلته، فخرج بحمدالله ومشيته نقيا من الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر، وكل عنه النظر، لا يكاد يخفى على القارئ الكريم، ومن الله نسأل العصمة وهو ولي التوفيق. السيد ابراهيم الميانجى - محمد الباقر البهبودى

[390]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم وعليه توكلي وبه نستعين الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعترته الطاهرين. وبعد: فهذا هو الجزء الرابع من المجلد الثامن عشر، وقد انتهى رقمه حسب تجزئتنا إلى 80، حوى في طيه خمسا وعشرين بابا من أبواب كتاب الصلاة. وقد قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب، وهكذا على نص المصادر التي استخرجت الاحاديث منها، فسددنا ما كان في المطبوعة الاولى من خلل وتصحيف بجهدنا البالغ في مقابلة النصوص وتصحيحها وتنميقها وضبط غرائبها وإيضاح مشكلاتها على ما كان سيرتنا في سائر الاجزاء، والحمد لله، ولا قوة إلا بالله. وقد كنت عزمت على نفسي أن أكتب ذيل الايات الشريفة في أوائل الابواب، نذرا يسيرا مما ألهمني الله تعالى بلطفه ومنه - من تطبيق الفقه الجعفري على كتاب الله عزوجل والاشارة إلى بعض ما هو مبنى الاحكام الشرعية ووجه استنباطها من نصوص الايات الكريمة، احتجاجا على نصاب أهل البيت ومنكري فقههم بعد ما آمنوا بالكتاب ولم يتفقهوا فيه، وتحقيقا لما قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: (أما المحتج بكتاب الله على الناصب من قرقز. فرجل عارف يلهمه الله معرفة القرآن فلا يلقى أحدا من المخالفين إلا حاجه ويثبت أمرنا في كتاب الله) (1). ولكن وصل إلينا أنهم نقموا على ذلك المسير ومنهج التفسير، فكففت عن ذلك بعزيمة من الناشر المحترم، ولعل الله أن يتيح لى فرصة اخرى لا نجاز ما كتب الله على من نشر علم القرآن وتفسيره على أساس أهل البيت المتخذ من فقههم ونصوصهم، وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين. المحتج بكتاب الله على الناصب ربيع الاول عام 1390 ه‍ محمد الباقر البهبودى


(1) راجع نص الخبر في غاية المرام ص 724 في أنباء آخر الزمان. الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعترته الطاهرين. وبعد: فهذا هو الجزء الرابع من المجلد الثامن عشر، وقد انتهى رقمه حسب تجزئتنا إلى 80، حوى في طيه خمسا وعشرين بابا من أبواب كتاب الصلاة. وقد قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب، وهكذا على نص المصادر التي استخرجت الاحاديث منها، فسددنا ما كان في المطبوعة الاولى من خلل وتصحيف بجهدنا البالغ في مقابلة النصوص وتصحيحها وتنميقها وضبط غرائبها وإيضاح مشكلاتها على ما كان سيرتنا في سائر الاجزاء، والحمد لله، ولا قوة إلا بالله. وقد كنت عزمت على نفسي أن أكتب ذيل الايات الشريفة في أوائل الابواب، نذرا يسيرا مما ألهمني الله تعالى بلطفه ومنه - من تطبيق الفقه الجعفري على كتاب الله عزوجل والاشارة إلى بعض ما هو مبنى الاحكام الشرعية ووجه استنباطها من نصوص الايات الكريمة، احتجاجا على نصاب أهل البيت ومنكري فقههم بعد ما آمنوا بالكتاب ولم يتفقهوا فيه، وتحقيقا لما قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: (أما المحتج بكتاب الله على الناصب من قرقز. فرجل عارف يلهمه الله معرفة القرآن فلا يلقى أحدا من المخالفين إلا حاجه ويثبت أمرنا في كتاب الله) (1). ولكن وصل إلينا أنهم نقموا على ذلك المسير ومنهج التفسير، فكففت عن ذلك بعزيمة من الناشر المحترم، ولعل الله أن يتيح لى فرصة اخرى لا نجاز ما كتب الله على من نشر علم القرآن وتفسيره على أساس أهل البيت المتخذ من فقههم ونصوصهم، وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين. المحتج بكتاب الله على الناصب ربيع الاول عام 1390 ه‍ محمد الباقر البهبودى

(1) راجع نص الخبر في غاية المرام ص 724 في أنباء آخر الزمان. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية