الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 79

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 79


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء التاسع والسبعون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم 11. * { باب } * * { أحكام الشهيد والمصلوب والمرجوم } * * { والمقتص منه والجنين واكيل السبع } * * { وأشباههم في الغسل والكفن والصلاة } * 1 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام لم يغسل عمار بن ياسر، ولا هاشم بن عتبة يوم صفين ودفنهما في ثيابهما، وصلى عليهما (1). بيان: لا خلاف بين الاصحاب في أن الشهيد لا يغسل ولا يكفن، والمشهور أنه يشترط فيه أن يقتل بين يدى إمام عادل، أو من نصبه في نصرته، وقال في المعتبر: الاقرب اشتراط الجهاد السائغ حسب، فقد يجب الجهاد وإن لم يكن الامام موجودا، واختاره الشهيد وجماعة من المتأخرين، ولا خلاف في أنه لا يشمل غير هؤلاء ممن اطلقت الشهادة عليهم كالمقتول دون أهله وماله، والمطعون والغريق وغيرهم.


(1) قرب الاسناد ص 58 ط حجر.

[2]

واشترطوا أيضا موته في المعركة فلو حمل من المعركة وبه رمق ثم مات نزع عنه ثيابه وغسل وكفن، ويظهر من بعض الاخبار أنه إن وجد وبه رمق ثم مات يغسل ويكفن. ولا خلاف بين الاصحاب في وجوب دفنه بثيابه، قال في المعتبر: ويدفن الشهيد بجميع ثيابه أصابها الدم أو لم يصبها، وهو إجماع المسلمين، ولا خلاف أيضا في وجوب الصلاة عليه، وذهب بعض العامة إلى سقوط الصلاة أيضا كما يستفاد من بعض أخبارنا أيضا. 2 - قرب الاسناد: بالاسناد المتقدم عن علي عليه السلام قال: إذا مات الميت في البحر غسل وكفن وحنط، ثم يوثق في رجله حجر فيرمى به في الماء (1). ايضاح: قطع الشيخ والاكثر بأن من مات في سفينة في البحر يغسل ويحنط ويكفن ويصلى عليه، وينقل إلى البر مع المكنة، فان تعذر لم يتربص به بل يوضع في خابية أو نحوها ويسد رأسها ويلقى في البحر أو يثقل ليرسب في الماء، ثم يلقي فيه، وظاهر المقنعة والمعتبر جواز ذلك ابتداء وإن لم يتعذر البر والعمل بالمشهور أحوط، وورد في بعض الاخبار جعله في خابية وهذا الخبر خال عنها وجمع بينهما بالتخيير، ويمكن حمل هذا على ما إذا لم تكن الخابية كما هو الغالب، والاولى والاحوط العمل بها مع الامكان لصحة خبرها. 3 - الخصال: عن محمد بن موسى، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد البرقى، عن أبى الجوزا، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: ينزع عن الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل، إلا أن يكون أصابه دم فيترك، و


(1) قرب الاسناد 65 ط حجر.

[3]

لا يترك عليه شئ معقود إلا حل (1). دعائم الاسلام: عن علي عليه السلام مثله (2). توضيح: القلنسوة بفتح القاف وضم السين، والعمامة بكسر العين: معروفتان، والمنطقة بكسر الميم وفتح الطاء ما يشد في الوسط. قوله: " إلا أن يكون أصابه " الضمير إما راجع إلى السراويل، أو إلى كل واحد من المذكورات. واختلف الاصحاب فيما ينزع منه اختلافا كثيرا، قال في الذكرى بعد إيراد هذا الخبر: قال ابن بابويه: تنزع هذه الاشياء إلا أن يصيب شيئا منها دم، وابن الجنيد ينزع عنه الجلود والحديد المفرد والمنسوج مع غيره، والسراويل إلا أن يكون فيه دم، وهذا يمكن عود الاستثناء فيه إلى الاخير، وكذلك الرواية في عود الاستثناء، ويمكن فيهما العود إلى الجميع، وفي النهاية يدفن جميع ما عليه مما أصابه الدم إلا الخفين، وقد روي أنه إذا أصابهما الدم دفنا معه، وفي الخلاف يدفن بثيابه ولا ينزع منه إلا الجلود، والمفيد ينزع عنه السراويل إلا أن يصيبه دم، وينزع عنه الفرو والقلنسوة، وإن أصابهما دم دفنا معه، وينزع الخف عنه على كل حال. وابن إدريس: يدفن بثيابه وإن لم يصبها الدم، وبالخف والفرو والقلنسوة إن أصابها دم، وإن لم يصبها دم نزعت. وفي المعتبر دفنه بثيابه وإن لم يصبها دم أجمع عليه المسلمون، وقال: الاوجه وجوب دفن السروال لانه من الثياب، وظاهره أنه ينزع عنه الخف والفرو والجلود، وإن أصابها الدم، لان دفنها تضييع انتهى والمسألة في هذا الزمان قليلة الجدوى كما لا يخفى. 4 - العيون: عن محمد بن على بن بشار، عن المظفر بن أحمد القزويني، عن العباس بن محمد العلوى، عن الحسن بن سهل القمي، عن محمد بن حامد، عن أبي هاشم الجعفري، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الصلاة على المصلوب


(1) الخصال ج 1 ص 162. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 229.

[4]

قال: أما علمت أن جدي صلى على عمه ؟ قلت: أعلم ذلك، ولكني لم أفهمه مبينا قال: ابينه لك: إن كان وجه المصلوب إلى القبلة، فقم على منكبه الايمن وإن كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الايسر، فان ما بين المشرق والمغرب قبلة، وإن كان منكبه الايسر إلى القبلة فقم على منكبه الايمن، وإن كان منكبه الايمن إلى القبلة فقم على منكبه الايسر، وكيف كان منحرفا فلا تزايلن مناكبه، وليكن وجهك إلى ما بين المشرق والمغرب، ولا تستقبله ولا تستدبره البتة، قال أبو هاشم: ثم قال الرضا عليه السلام قد فهمت إنشاء الله. قال الصدوق - رحمه الله - هذا حديث غريب نادر، لم أجده في شئ من الاصول والمصنفات، ولا أعرفه إلا بهذا الاسناد (1). تبيان: في الكافي (2) قال أبو هاشم: " وقد فهمت إنشاء الله فهمته والله " قوله: " أما علمت أن جدي " يعني الصادق عليه السلام، قوله: " على عمه " يعني زيد بن علي بن الحسين عليه السلام، قال الشهيد - رحمه الله - في الذكرى: وإنما يجب الاستقبال مع الامكان فيسقط لو تعذر من المصلي والجنازة كالمصلوب الذي يتعذر إنزاله كما روى أبو هاشم الجعفري، وهذه الرواية وإن كانت غريبة نادرة كما قال الصدوق وأكثر الاصحاب لم يذكروا مضمونها في كتبهم، إلا أنه ليس لها معارض ولاراد، وقد قال أبو الصلاح وابن زهرة: يصلى على المصلوب ولا يستقبل وجهه الامام في التوجه، فكأنهما عاملان بها، وكذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد، والفاضل في المختلف، قال: إن عمل بها فلا بأس، وابن إدريس نقل عن بعض الاصحاب: إن صلي عليه وهو على خشبته استقبل وجهه المصلي، ويكون هو مستدبر القبلة، ثم حكم بأن الاظهر إنزاله بعد الثلاثة


(1) عيون الاخبار ج 1 ص 255 و 256. (2) الكافي ج 3 ص 215.

[5]

والصلاة عليه، قلت: هذا النقل لم نظفر به، وإنزاله قد يتعذر كما في قصة زيد انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول: إن المتعرضين لهذا الخبر لم يتكلموا في معناه، ولم يتفكروا في مغزاه، ولم ينظروا إلى ما يستنبط من فحواه، فأقول وبالله التوفيق: إن مبنى هذا الخبر على أنه يلزم المصلي أن يكون مستقبلا للقبلة، وأن يكون محاذيا بجانبه الايسر، فان لم يتيسر ذلك فيلزمه مراعاة الجانب في الجملة مع رعاية القبلة الاضطرارية، وهو ما بين المشرق والمغرب فبين عليه السلام محتملات ذلك في قبلة أهل العراق المائلة عن خط نصف النهار إلى جانب اليمين، فأوضح ذلك أبين إيضاح، وأفصح أظهر إفصاح. ففرض عليه السلام أولا كون وجه المصلوب إلى القبلة، فقال: قم على منكبه الايمن لانه لا يمكن محاذات الجانب الايسر مع رعاية القبلة، فيلزم مراعاة الجانب في الجملة، فإذا قام محاذيا لمنكبه الايمن يكون وجهته داخلة فيما بين المشرق والمغرب من جانب القبلة، لميل قبلة أهل العراق إلى اليمين عن نقطة الجنوب إذ لو كان المصلوب محاذيا لنقطة الجنوب كان الواقف على منكبه واقفا على خط مقاطع لخط نصف النهار على زوايا قوائم، فيكون مواجها لنقطة مشرق الاعتدال فلما انحرف المصلوب عن تلك النقطة بقدر انحراف قبلة البلد الذي هو فيه، ينحرف الواقف على منكبه بقدر ذلك عن المشرق إلى الجنوب، وما بين المشرق والمغرب قبلة، إما للمضطر كما هو المشهور وهذا المصلي مضطر أو مطلقا كما هو ظاهر بعض الاخبار، وظهر لك أن هذا المصلي لو وقف على منكبه الايسر كان خارجا عما بين المشرق والمغرب، محاذيا لنقطة من الافق منحرفا عن نقطة مغرب الاعتدال إلى جانب الشمال بقدر انحراف القبلة. ثم فرض عليه السلام كون المصلوب مستدبرا للقبلة، فأمره حينئذ بالقيام على منكبه الايسر، ليكون مواجها لما بين المشرق والمغرب، واقفا على منكبه الايسر كما هو اللازم في حال الاختيار، ثم بين علة الامر في كل من الشقين

[6]

بقوله: " فان ما بين المشرق والمغرب قبلة ". ثم فرض عليه السلام كون منكبه الايسر إلى القبلة، فأمره بالقيام على منكبه الايمن ليكون مراعيا لمطلق الجانب، لتعذر رعاية خصوص المنكب الايسر، والعكس ظاهر. ثم لما أوضح عليه السلام بعض الصور بين القاعدة الكلية في ذلك، ليستنبط منه باقي الصور المحتملة، وهي رعاية ما بين المشرق والمغرب مع رعاية أحد الجانبين، ونهاه عن استقبال الميت واستدباره في حال من الاحوال. فإذا حققت ذلك، فاعلم أن الاصحاب اتفقوا على وجوب كون الميت في حال الصلاة مستلقيا على قفاه، وكون رأسه إلى يمين المصلي، ولم يذكروا لذلك مستندا إلا عمل السلف في كل عصر وزمان، حتى أن بعض مبتدعي المتأخرين أنكر ذلك في عصرنا، وقال: يلزم أن يكون الميت في حال الصلاة على جانبه الايمن مواجها للقبلة على هيئته في اللحد، وتمسك بأن هذا الوضع ليس من الاستقبال في شئ. أقول: هذا الخبر على ما فسرناه وأوضحناه ظاهر الدلالة على رعاية محاذاة أحد الجانبين، على كل حال، وبانضمام الخبر الوارد بلزوم كون رأس الميت إلى يمين المصلي، يتعين القيام على يساره، إذ لا يقول هذا القائل أيضا فضلا عن أحد من أهل العلم بجواز كون الميت منبطحا على وجهه حال الصلاة، مع أن عمل الاصحاب في مثل هذه الامور التي تتكرر في كل يوم وليلة في أعصار الائمة عليهم السلام وبعدها من أقوى المتواترات وأوضح الحجج وأظهر البينات. 5 - دعائم الاسلام: عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الشهيد: إذا قتل في مكانه فمات دفن في ثيابه، ولم يغسل، فان كان به رمق ونقل عن مكانه فمات، غسل وكفن (1). قال: وقد كفن رسول الله صلى الله عليه واله حمزة عليه السلام في ثيابه التي اصيب فيها


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 229.

[7]

وزاده بردا (1). وعن علي عليه السلام قال: لما كان يوم بدر فاصيب من اصيب من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه واله بدفنهم في ثيابهم، وأن ينزع عنهم الفراء، وصلى عليهم (2). 6 - مجمع البيان: قال: قال النبي صلى الله عليه واله في شهداء احد: زملوهم بدمائهم وثيابهم (3). بيان: قال في النهاية: في حديث قتلى احد: " زملوهم بثيابهم ودمائهم " أي لفوهم فيها يقال: تزمل بثوبه إذا التف فيه. 7 - المعتبر: نقلا من كتاب الجامع للبزنطي عن أحمد بن محمد بن عيسى عن بعض أصحابه رفعه قال: المقتول إذا قطع أعضاؤه يصلي على العضو الذي فيه القلب (4). وعن الجامع أيضا عن ابن المغيرة قال: بلغني عن أبي جعفر عليه السلام أنه يصلى على كل عضو رجلا كان أو يدا أو الرأس، جزءا فما زاد فإذا نقص عن رأس أو يد أو رجل لم يصل عليه (5). تنقيح: قوله: " على العضو الذي فيه القلب " وفي الكافي (6) بسند آخر إذا كان الميت نصفين صلي على النصف الذي فيه القلب، وهو يحتمل وجوها الاول اشتراط كون القلب فيه، الثاني أن يكون المراد به النصف الذي يكون فيه القلب وإن لم يكن عند الوجدان فيه ولعله أظهر، الثالث أن يكون المراد به أن مع وجود النصفين يقف عند الصلاة على النصف الذي فيه القلب ومحاذيا له ولا يخفى بعده. ثم اعلم أنه اختلف كلام الاصحاب في حكم تلك المسألة اختلافا كثيرا


(1 - 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 229. (3) مجمع البيان ج ص (4 - 5) المعتبر ص 86. (6) الكافي ج 3 ص 212.

[8]

قال في المنتهى: لو وجد بعض الميت إما بأن أكله سبع، أو احترق بالنار، أو غير ذلك، فان كان فيه عظم وجب غسله بلا خلاف بين علمائنا، ويكفن، وإن كان صدره صلي عليه، وإلا فلا، ثم قال: أما لو لم يكن فيها عظم فانه لا يجب غسلها، وكان حكمها حكم السقط قبل أربعة أشهر، وكذا البحث لو ابينت القطعة من حي. وقال في المعتبر: وإذا وجد بعض الميت وفيه الصدر، فهو كما لو وجد كله، وهو مذهب المفيد، وقال الشيخ إن كان صدره وما فيه قلبه صلي عليه، ثم قال: والذي يظهر لي أنه لا تجب الصلاة إلا أن يوجد ما فيه القلب أو الصدر واليدان أو عظام الميت، ثم ذكر الخبرين المتقدمين مع أخبار اخر. وقال في الذكرى: وما فيه الصدر يغسل، وكذا عظام الميت تغسل، وكذا تغسل قطعة فيها عظم، ذكره الشيخان، واحتج عليه في الخلاف باجماعنا ويلوح ما ذكره الشيخان من خبر علي بن جعفر، ولو كان لحم بغير عظم فلاغسل. قال ابن إدريس: ولا كفن ولا صلاة، وأوجب سلار لفها في خرقة ودفنها ولم يذكره الشيخان انتهى. أقول: الظاهر من أكثر الاخبار هو مختار المعتبر، وأما مرسلة ابن المغيرة فيمكن حملها على الاستحباب، ولعل المراد بالعضو فيها العضو التام الذي رواه ثقة الاسلام في الكافي (1) بسند مرسل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا وجد الرجل قتيلا فان وجد له عضو تام صلي عليه ودفن، وإن لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه ودفن. والعضو التام فيه يحتمل وجوها الاول أن يكون المراد به تمام عضو له اسم مخصوص، فيشمل بعض الاعضاء التي لا عظم لها كالاذن والعين والذكر و الانثيين واللسان وأمثالها. الثاني أن يراد به العضو الذي لا يكون جزءا لعضو آخر كالرأس، فانه ليس جزء من عضو آخر له اسم مخصوص، الثالث أن يراد به العضو


(1) الكافي ج 3 ص 212.

[9]

ذو العظم، وإن كان جزءا لآخر، الرابع أن يراد به العضو الذي يكون فقده سببا لفقد الحياة كما روي (1) في دعائم الاسلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: يصلى على ما وجد من الانسان مما يعلم أنه إذا فارقه مات. وحمله ابن الجنيد على الثالث حيث قال: ولا يصلى على عضو الميت، ولا يغسل إلا أن يكون عضوا تاما بعظامه، أو يكون عظما مفردا، ويغسل ما كان من ذلك لغير الشهيد كما يغسل بدنه، ولم يفصل بين الصدر وغيره. أقول: ويمكن حمل كلامه على المحمل الثاني للخبر، وعلى التقادير حمله على الاستحباب أظهر والله يعلم. 8 - فقه الرضا: قال عليه السلام: وإن كان الميت أكله السبع، فاغسل ما بقي منه، وإن لم يبق منه إلا عظام جمعتها وغسلتها وصليت عليها ودفنتها (2). وإن مات في سفينة فاغسله وكفنه وثقل رجليه وألقه في البحر (3). وإن كان الميت قتيل المعركة في طاعة الله لم يغسل، ودفن في ثيابه التي قتل فيها بدمائه، ولا ينزع منه من ثيابه شئ إلا أنه لا يترك عليه شئ معقود وتحل تكته، ومثل المنطقة والفروة إن أصابه شئ من دمه لم ينزع منه شئ إلا أنه يحل المعقود، ولم يغسل إلا أن يكون به رمق ثم يموت بعد ذلك، فإذا مات بعد ذلك غسل كما يغسل الميت، وكفن كما يكفن الميت، ولا يترك عليه شئ من ثيابه (4). وإن كان قتل في معصية الله غسل كما يغسل الميت وضم رأسه إلى عنقه فيغسل مع البدن كما وصفناه في باب الغسل، فإذا فرغ من غسله جعل على عنقه قطنا وضم إليه الرأس وشد مع العنق شدا شديدا (5). وإذا ماتت المرءة وهي حاملة وولدها يتحرك في بطنها شق بطنها من الجانب الايسر واخرج الولد، وإن مات الولد في جوفها ولم يخرج أدخل إنسان يده في


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 235. (2 - 3) فقه الرضا ص 19. (4 - 5) فقه الرضا ص 20.

[10]

فرجها وقطع الولد بيده فأخرجه: وروي أنها تدفن مع ولدها إذا مات في بطنها (1). وإذا أسقطت المرءة وكان السقط تاما غسل وحنط وكفن ودفن، وإن لم يكن تاما فلا يغسل، ويدفن بدمه، وحد إتمامه إذا أتى عليه أربعة أشهر (2). وإن كان الميت مرجوما بدأ بغسله وتحنيطه وتكفينه، ثم رجم بعد ذلك وكذلك القاتل إذا اريد قتله قودا (3). وإن كان الميت مصلوبا انزل من خشبته بعد ثلاثة أيام، وغسل ودفن، ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام (4) بيان: قوله عليه السلام " إلا عظام " يدل على وجوب الصلاة على مجموع العظام كما مر. قوله " إلا أن يكون به رمق ". أقول: روى الكليني في الصحيح، عن أبان بن تغلب (5) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الذي يقتل في سبيل الله أيغسل ويكفن ويحنط ؟ قال: يدفن كما هو في ثيابه، إلا أن يكون به رمق ثم مات. فانه يغسل ويكفن ويحنط ويصلى عليه إن رسول الله صلى الله عليه واله صلى على حمزة وكفنه لانه كان قد جرد. فقوله عليه السلام: " إلا أن يكون به رمق " يحتمل أن يكون المراد به أن يكون به رمق عند إدراك المسلمين له، فمناط وجوب التغسيل إدراك المسلمين إياه وبه رمق، وإن لم يدرك كذلك لم يجب تغسيله كما فهمه الشهيد، والمحقق الشيخ على وغيرهما من المتأخرين من هذا الخبر، وإن لم يحكموا بموجبه، ويحتمل أن يكون المراد أن يكون بعد الاخراج من المعركة به رمق أو وجدوه وبه رمق، ثم مات بعد الاخراج، وعلى هذا ينطبق على ما ذكره الاصحاب من إناطة الفرق بالموت في المعركة وعدمه. قوله: " وإن كان قتل في معصية الله " ذكر هذا المضمون في الفقيه ورواه


(1 - 4) فقه الرضا: 20. (5) الكافي ج 3 ص 210.

[11]

الشيخ بسند (1) مجهول عن الصادق عليه السلام. قوله: " وإذا ماتت المرءة " رواه الشيخ في الصحيح والموثق وغيرهما (2) وعمل به الاصحاب، وليس في ساير الاخبار التقييد بالايسر، وذكره الصدوق في الفقيه وتبعه الاكثر، وفي بعض الاخبار أنه يخاط بطنها، وذكره بعض الاصحاب، وقال في الذكرى: ولا عبرة بكونه مما يعيش عادة أولا، لظاهر الخبر. وأما تقطيع الولد وإخراجه مع موته فهو مذهب الاصحاب، ونقل الشيخ في الخلاف الاجماع فيه، واستدلوا عليه برواية وهب الآتية وقال في المعتبر: ووهب هذا عامي ضعيف لا يعمل بما ينفرد به، والوجه أنه إن أمكن التوصل إلى إسقاطه صحيحا بشئ من العلاجات، وإلا توصل إلى إخراجه بالارفق فالارفق، ويتولى ذلك النساء، فان تعذر النساء فالرجال المحارم، فان تعذر جاز أن يتولاه غيرهم دفعا عن نفس الحي انتهي، ولا يخفى قوته ومتانته والرواية لا تنافيه. وأما ما ذكر من أنه إذا تم للسقط أربعة أشهر غسل وكفن وحنط فهو المشهور بين الاصحاب، وذكر بعض الاصحاب مكان التكفين والتحنيط لفه في خرقة، وأوجب الشهيد ومن تأخر عنه تكفينه بالقطع الثلاث وتحنيطه كما هو مدلول الرواية، وهو أقوى، ومنهم من عبر عنه بمن ولج فيه الروح لادعاء التلازم بينه وبين بلوغ أربعة أشهر، وهو في محل المنع. وأما الصلاة عليه فانها غير واجبة ولا مستحبة باجماع علمائنا قاله في المعتبر وذكر الاكثر في السقط إذا لم يلجه الروح أو لم يبلغ أربعة أشهر أنه يلف في خرقة ويدفن، والروايات خالية من ذكر اللف. وأما عدم الغسل فلا خلاف فيه بيننا ظاهرا، والمشهور بين الاصحاب أنه


(1) التهذيب ج 1 ص 126. (2) التهذيب ج 1 ص 98.

[12]

يؤمر من وجب قتله بالاغتسال أولا غسل الاموات بالخليطين، ثم لا يغسل بعده وكذا يقدم التحنيط على ما ذكره الشيخ وأتباعه، وزاد ابنا بابويه والمفيد تقديم التكفين كما في هذا الخبر وظاهر الاكثر عدم مشروعية الغسل والتكفين والتحنيط بعده، وأما الصلاة عليه بعده فلا خلاف في وجوبها. قوله " ولا يجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيام " قال في المعتبر هذا مذهب الاصحاب، ورواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تقروا المصلوب بعد ثلاثة أيام حتى ينزل ويدفن. 9 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه، عن علي عليهم السلام في المرءة يموت في بطنها الولد فيتخوف عليها، قال: لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه. إذا لم ترفق به النساء (1). 10 - كتاب مقصد الراغب: قال قضى أمير المؤمنين عليه السلام في قتلى صفين والجمل والنهروان من أصحابه أن ينظر في جراحاتهم، فمن كانت جراحته من خلفه لم يصل عليه، وقال فهو الفار من الزحف، ومن كانت جراحته من قدامه صلى عليه ودفنه. بيان: لعله عليه الصلاة والسلام علم أن الفارين من المخالفين، فلذا لم يصل عليهم. ومنه: عن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن جده، عن ابن أبي عمير، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إني زنيت فطهرني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألك زوجة، قال: نعم، وساق الحديث الطويل إلى أن قال: لما ثبت عليه الحد باقراره أربع مرات أخرجه أمير المؤمنين عليه السلام ثم أخذ حجرا فكبر أربع تكبيرات ثم رماه به ثم أخذ الحسن عليه السلام مثله ثم أخذ الحسين عليه السلام مثله فلما مات


(1) قرب الاسناد ص 64 ط حجر ص 84 ط نجف.

[13]

أخرجه أمير المؤمنين عليه السلام فصلى عليه ودفنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين لم لا تغسله ؟ قال: قد اغتسل بما هو منها طاهر إلى يوم القيامة. بيان: لعله عليه السلام أمره قبل ذلك بالغسل، وإن لم يذكر في الخبر. 11 - كتاب زيد الزراد: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام يستحب للمصلي أن يكون ببعض مساجده شئ من أثر السجود، فانه لا يأمن أن يموت في موضع لا يعرف، فيحضره المسلم فلا يدري على ما يدفنه.

[14]

12. { باب } * { الدفن وآدابه واحكامه } * الايات: المرسلات: " ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا " (1) تفسير: قال الطبرسي - رحمه الله - كفت الشئ يكفنه كفتا وكفاتا إذا ضمه، ومنه الحديث اكفتوا صبيانكم أي ضموهم إلى أنفسكم، ويقال: للوعاء كفت وكفيت (2). قوله تعالى " كفاتا " أي للعباد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم وتكفتهم أمواتا في بطنها، أي تحوزهم وتضمهم قال بنان: خرجنا في جنازة مع الشعبي فنظر إلى الجبان فقال: هذه كفات الاموات ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الاحياء، وروي ذلك عن أمير المؤمنين عليه السلام، وقيل: كفاتا أي وعاء، وهذا كفته أي وعاؤه، وقوله تعالى " أحياء وأمواتا " أي منه ما ينبت ومنه ما لا ينبت، فعلى هذا يكون أحياء وأمواتا نصبا على الحال. وعلى القول الاول على المفعول به (3). 1 - العلل: عن الحسين بن أحمد، عن أبيه، عن أحمد بن محمد، عن بكر ابن صالح، عن الحسين بن علي الرافقي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليه السلام أن قبر النبي صلى الله عليه واله رفع شبرا من الارض، وأن النبي صلى الله عليه واله أمر برش القبور (4).


(1) المرسلات: 25 - 26. (2) مجمع البيان ج 10 ص 416. (3) مجمع البيان ج 10 ص 417. (4) علل الشرايع ج 1 ص 290.

[15]

بيان: المشهور بين الاصحاب استحباب رفع القبر مقدار أربع أصابع مفرجات، لا أكثر من ذلك، وابن زهرة خير بينها وبين شبر، وفي خبر سماعة (1) يرفع من الارض، قدر أربع أصابع مضمومة، وعليه ابن أبي عقيل قال في الذكرى: قلت: اختلاف الرواية دليل التخيير، وما رووه (2) عن جابر أن قبر النبي صلى الله عليه واله رفع قدر شبر، ورويناه عن إبراهيم (3) بن علي، عن الصادق عليه السلام أيضا يقارب التفريج، ولما كان المقصود من رفع القبر أن يعرف ليزار ويحترم كان مسمى الرفع كافيا، وقال ابن البراج شبرا وأربع أصابع انتهى. وقال في المنتهي: يستحب أن يرفع من الارض مقدار أربع أصابع مفرجات وهو قول العلماء، ثم قال: وقد روي استحباب ارتفاعه أربع أصابع مفرجات، و روي أربع أصابع مضمومات، والكل جايز، ثم قال: يكره أن يرفع أكثر من ذلك، وهو فتوى العلماء انتهى. وأما رش القبر فلا خلاف في استحبابه، قال في المنتهى: وعليه فتوى العلماء والمشهور في كيفيته أنه يستحب أن يستقبل الصاب القبلة، ويبدء بالرش من قبل رأسه، ثم يدور عليه إلى أن ينتهي إلى الرأس، فان فضل من الماء شئ صبه على وسط القبر، لرواية موسى بن أكيل (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: السنة في رش الماء على القبر أن تستقبل القبلة وتبدء من عند الرأس إلى عند الرجل، ثم تدور على القبر من الجانب الآخر، ثم ترش على وسط القبر، فذلك السنة. أقول: مقتضى غيرها من الروايات إجزاء النضح كيف اتفق، والظاهر


(1) راجع التهذيب ج 1 ص 92، الكافي ج 3 ص 199. (2) سيأتي لفظه نقلا من كتاب المنتهى. (3) التهذيب ج 1 ص 132، ومتن الحديث هو الذى رواه عن الصدوق في العلل عن الحسين بن على الرافقى في الصفحة السابقة. (4) التهذيب ج 1 ص 91.

[16]

تأدي أصل السنة بذلك، وإن كان إيقاعه على الهيئة الواردة في هذا الخبر أفضل وأحوط، ثم قولهم " فان فضل من الماء شئ " فلا يخفى ما فيه إذ ظاهر الخبر الذي هو مستندهم ظاهرا لزوم الاتيان به على كل حال، لكن في الفقه الرضوي ورد موافقا للمشهور وقال في الفقيه: من غير أن يقطع الماء، وفي دلالة الخبر عليه أيضا خفاء لكنه موافق لما في الفقه. ثم إنه لا يظهر من الاخبار ولا من كلام القوم تعين الابتداء من الجانب الذي يليه، أو الجانب الذي يلى القبلة، فالظاهر التخيير بينهما. 2 - منتهى المطلب: روى الجمهور عن الساجى في كتابه، عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام عن جابر قال: لحد رسول الله صلى الله عليه واله ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره عن الارض قدر شبر. وعن القاسم بن محمد قال: قلت لعائشة يا امه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه واله وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاث قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. 3 - المحاسن: عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن الاصبغ ابن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج من الاسلام (1). تبيين: قال الصدوق في الفقيه (2) بعد إيراد هذا الخبر مرسلا: واختلف مشايخنا في معنى هذا الخبر، فقال محمد بن الحسن الصفار - ره - هو جدد بالجيم لاغير، وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يحكى عنه أنه قال: لا يجوز تجديد القبر ولا تطيين جميعه بعد مرور الايام عليه، وبعد ما طين في الاول، ولكن إذا مات ميت فطين قبره فجائز أن يرم سائر القبور من غير أن يجدد، وذكر عن سعد ابن عبد الله - ره - أنه كان يقول إنما هو حدد قبرا بالحاء غير المعجمة، يعنى به


(1) المحاسن ص 612. (2) الفقيه ج 1 ص 120 - 121.

[17]

من سنم قبرا وذكر عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي إنما هو من جدث قبرا وتفسير الجدث القبر، فلا ندري ما عنى به. والذي أذهب إليه أنه جدد بالجيم، ومعناه نبش قبرا لان من نبش قبرا فقد جدده وأحوج إلى تجديده، وقد جعله جدثا محفورا. وأقول: إن التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الصفار و التحديد بالحاء غير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد الله والذي قاله البرقي من أنه جدث، كله داخل في معنى الحديث، وأن من خالف الامام عليه السلام في التجديد والتسنيم والنبش، واستحل شيئا من ذلك فقد خرج من الاسلام. والذي أقوله في قوله عليه السلام " من مثل مثالا " أنه يعني به من أبدع بدعة ودعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الاسلام، وقولى في ذلك قول أئمتي عليهم السلام فان أصبت فمن الله على ألسنتهم، وإن أخطأت فمن عند نفسي. وقال الشيخ في التهذيب (1) بعد نقل كلام البرقي: ويمكن أن يكون المعنى بهذه الرواية النهي أن يجعل القبر دفعة اخرى قبرا لانسان آخر، لان الجدث هو القبر، فيجوز أن يكون الفعل مأخوذا منه، ثم قال: وكان شيخنا محمد بن محمد ابن النعمان يقول: إن الخبر بالخاء والدالين، وذلك مأخوذ من قوله تعالى " قتل أصحاب الاخدود " (2) والخد هو الشق، يقال خددت الارض خدا أي شققتها، وعلى هذه الروايات يكون النهي تناول شق القبر إما ليدفن فيه، أو على جهة النبش على ما ذهب إليه محمد بن علي، وكل ما ذكرناه من الروايات والمعاني محتمل، والله أعلم بالمراد، والذي صدر الخبر عنه عليه السلام. وقال الشهيد قدس سره في الذكرى: قلت: إشتغال هؤلاء الافاضل بتحقيق هذه اللفظة مؤذن بصحة الحديث عندهم، وإن كان طريقه ضعيفا كما في أحاديث كثيرة اشتهرت وعلم موردها، وإن ضعف إسنادها، فلا يرد ما ذكره في المعتبر من


(1) التهذيب ج 1 ص 130 ط حجر ص 459 و 460 ط نجف. (2) البروج: 4.

[18]

ضعف محمد بن سنان وأبي الجارود راوييه. على أنه قد ورد نحوه من طريق أبى الهياج قال: قال علي عليه السلام أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه واله لا ترى قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته (1) وقد نقله الشيخ في الخلاف وهو من صحاح العامة، وهو يعطي صحة الرواية بالحاء المهملة لدلالة الاشراف والتسوية عليه، ويعطي أن المثال هنا هو المثال هناك، و هو الصورة، وقد روي في النهي عن التصوير وإزالة التصاوير أخبار مشهورة، وأما الخروج عن الاسلام بهذين، فإما على طريقة المبالغة، زجرا عن الاقتحام على ذلك وإما لانه فعل ذلك مخالفة للامام عليه السلام انتهى. وربما يقال على تقدير أن يكون اللفظ جدد بالجيم والدال، وجدث بالجيم والثاء، يحتمل أن يكون المراد قتل مؤمن عدوانا لان من قتله فقد جدد قبرا مجددا بين القبور، وجعله جدثا وهو مستقل في هذا التجديد، فيجوز إسناده إليه بخلاف ما لو قتل بحكم الشرع، وهذا أنسب بالمبالغة بخروجه من الاسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالمثال الصنم للعبادة. أقول: لا يخفى بعد ما ذكره في التجديد، وأما المثال فهو قريب، وربما يقال: المراد به إقامة رجل بحذاه كما يفعله المتكبرون، ويؤيده ما ذكره الصدوق - ره - في كتاب معاني الاخبار (2) عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن النبيكى باسناده رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج من الاسلام، فقيل له: هلك إذا كثير من الناس، فقال: ليس حيث ذهبتم إني عنيت بقولي " من مثل مثالا " من نصب دينا غير دين الله، ودعا الناس إليه، وبقولي " من اقتنى كلبا " مبغضا لنا أهل البيت اقتناه وأطعمه وسقاه، من فعل ذلك فقد خرج من الاسلام. ثم اعلم أن للاسلام والايمان في الاخبار معاني شتى، فيمكن أن يراد هنا


(1) راجع مشكاة المصابيح ص 148 قال: رواه مسلم. (2) معاني الاخبار ص 181.

[19]

معنى يخرج ارتكاب بعض المعاصي عنه، وأما إثبات حكم بمجرد تلك القراءات والاحتمالات بخبر واحد فلا يخفى ما فيه، وما ذكره القوم من التفسيرات والتأويلات لا يدل على تصحيحها، والعمل بها، نعم يصلح مؤيدا لاخبار اخر، وردت في كل من تلك الاحكام، ولعله يصح لاثبات الكراهة أو الاستحباب، وإن كان فيه أيضا مجال مناقشة. 4 - المحاسن: عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدايني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تبنوا على القبور، ولا تصوروا سقوف البيوت، فان رسول الله صلى الله عليه واله كره ذلك (1). تحقيق وتفصيل: قال في الذكرى: المشهور كراهة البناء على القبر واتخاذه مسجدا، وكذا يكره القعود على القبر، وفي المبسوط نقل الاجماع على كراهة البناء عليه، وفي النهاية يكره تجصيص القبور وتظليلها، وكذا يكره المقام عندها، لما فيه من إظهار السخط لقضاء الله، أو الاشتغال عن مصالح العباد والمعاش أو لسقوط الاتعاظ بها، وقد روى يونس بن ظبيان (2) عن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله أن يصلي على قبر أو يعقد عليه أو يبنى عليه، وقد روي مثله من صحاح العامة. ثم قال: وروى (3) علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام لا يصلح البناء عليه ولا الجلوس وظاهره الكراهية، فيحمل النهي الاول وغيره عليها، وزاد الشيخ في الخلاف الاتكاء عليه والمشي، ونقله في المعتبر عن العلماء وقد نقل الصدوق في الفقيه (4) عن الكاظم عليه السلام إذا دخلت المقابر فطأ القبور، فمن كان مؤمنا استروح إلى ذلك، ومن كان منافقا وجد ألمه، ويمكن حمله على القاصد زيارتهم بحيث لا يتوصل إلى قبر إلا بالمشي على آخر، أو يقال: تختص الكراهية بالقعود، لما فيه من


(1) المحاسن ص 612. (2 - 3) راجع التهذيب ج 1 ص 130. (4) الفقيه ج 1 ص 115.

[20]

اللبث المنافي للتعظيم. وروى الصدوق عن سماعة (1) أنه سأله عليه السلام عن زيارة القبور وبناء المساجد فيها، فقال: زيارة القبور لا بأس بها، ولا يبنى عندها مساجد، وقال الصدوق (2) وقال النبي صلى الله عليه واله: لا تتخذوا قبري قبلة ولا مسجدا فان الله تعالى لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قلت: هذه الاخبار رواها الصدوق والشيخان وجماعة المتأخرين في كتبهم ولم يستثنوا قبرا، ولا ريب في أن الامامية مطبقة على مخالفة قضيتين من هذه إحداهما البناء، والاخرى الصلاة في المشاهد المقدسة، فيمكن القدح في هذه الاخبار لانها آحاد، وبعضها ضعيف الاسناد، وقد عارضها أخبار أشهر منها. وقال ابن الجنيد: لا بأس بالبناء عليه وضرب الفسطاط يصونه ومن يزوره، أو تخصيص هذه العمومات باجماعهم في عهود كانت الائمة ظاهرة فيهم وبعدهم من غير نكير، وبالاخبار الدالة على تعظيم قبورهم وعمارتها وأفضلية الصلاة عندها، ثم أورد بعض ما سيأتي من الاخبار الدالة على فضل زيارتهم عليهم السلام وعمارة قبورهم وتعاهدها والصلاة عندها. ثم قال: والاخبار في ذلك كثيرة، ومع ذلك فقبر رسول الله صلى الله عليه واله مبني عليه في أكثر الاعصار، ولم ينقل عن أحد من السلف إنكاره، بل جعلوه أنسب لتعظيمه. وأما اتخاذ القبور مسجدا فقد قيل: هو لمن يصلي فيه جماعة، أما فرادى فلا. 5 - دعائم الاسلام: عن الصادق، عن آبائه، عن على عليهم السلام أنه ألحد لرسول الله صلى الله عليه واله واللحد هو أن يشق للميت في القبر مكانه الذي يضجع فيه، مما يلي القبلة مع حائط القبر. والضريح أن يشق له وسط القبر (3). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه ضرح لابيه محمد بن علي عليه السلام احتاج إلى ذلك


(1 - 2) الفقيه ج 1 ص 114. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 237.

[21]

لانه كان جسيما (1). وعن علي عليه السلام أنه فرش في لحد رسول الله صلى الله عليه واله قطيفة، لان الموضع كان نديا سبخا (2). وعنه صلوات الله عليه أنه قال: لا ينزل المرءة في قبرها إلا من كان يراها في حياتها، ويكون أولى الناس بها، يلي مؤخرها، وأولى الناس بالرجال يلي مقدمه، وكره للرجل أن ينزل في قبر ولده خوفا من رقة قلبه عليه (3). وعنه عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لكل بيت باب وباب القبر مما يلي رجلي الميت، فمنه يجب أن ينزل ويصعد منه (4). وعنه عليه السلام أنه قال: شهد رسول الله صلى الله عليه واله جنازة فأمرهم فوضعوا الميت على شفير القبر مما يلي القبلة، وأمرهم فنزلوا واستقبلوا استقبالا، فأنزلوه في لحده وقال لهم: قولوا على ملة الله وملة رسوله (5). وعنه عليه السلام أنه أمر أن يبسط على قبر عثمان بن مظعون ثوب، وهو أول قبر بسط عليه ثوب (6). وعنه صلوات الله عليه أنه شهد رسول الله جنازة رجل من بني عبد المطلب فلما أنزلوه في قبره، قال: أضجعوه في لحده على جنبه الايمن مستقبل القبلة، ولا تكبوه لوجهه ولا تلقوه لظهره، ثم قال للذي وليه: ضع يدك على أنفه حتى يتبين لك استقبال القبلة، ثم قال: قولوا " اللهم لقنه حجته، وصعد روحه، ولقه منك رضوانا " (7). وعن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا دفن جنازة حثا في القبر ثلاث حثيات (8). وعن علي عليه السلام أنه كان إذا حثا في القبر قال: " إيمانا بك، وتصديقا لرسلك، وأيقانا ببعثك، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله " وقال: من فعل


(1 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 237. (6 - 8) دعائم الاسلام ج 1 ص 238. (*)

[22]

هذا كان له بمثل كل ذرة من التراب (1). وعنه صلوات الله عليه أنه لما دفن رسول الله صلى الله عليه واله ربع قبره (2). وعنه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله لما دفن عثمان بن مظعون دعا بحجر فوضعه عند رأس القبر، وقال: يكون علما ليدفن إليه قرابتي (3). وعن علي صلوات الله عليه أنه كره أن يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع، وأن يزاد عليه تراب غير ما خرج منه (4). وعنه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله رش قبر عثمان بن مظعون بالماء بعد أن سوى عليه التراب (5). 6 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: إن النبي صلى الله عليه واله كان إذا مات رجل من أهل بيته يرش قبره، ويضع يده على قبره، ليعرف أنه قبر العلوية وبني هاشم من آل محمد، فصارت بدعة في الناس كلهم، ولا يجوز ذلك. 7 - كتاب عباد العصفرى: عن ابن العرزمي، عن ثوير بن يزيد، عن خالد ابن معدان، عن حوس بن بعر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن لكل بيت بابا و إن باب القبر من قبل الرجلين. 8 - العيون: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان قال: كان فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون من محض الاسلام: الميت يسل من قبل رجلين، ويرفق به إذا ادخل قبره (6). 9 - الخصال: عن أحمد بن محمد بن الهيثم وأحمد بن الحسن القطان ومحمد ابن أحمد السناني وجماعة، عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن الصادق عليه السلام قال: الميت يسل من قبل رجليه سلا، والمرءة تؤخذ بالعرض من قبل اللحد، والقبور


(1 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 238. (4 - 5) المصدر ج 1 ص 239. (6) عيون الاخبار ج 2 ص 123.

[23]

تربع ولا تسنم (1). بيان: اعلم أن الاصحاب ذكروا استحباب وضع الرجل مما يلي الرجلين والمرءة مما يلي القبلة، وأن يؤخذ الرجل من قبل الرجلين سابقا برأسه، والمرءة عرضا، وقال السيد في المدارك: المسند في ذلك مرفوعة عبد الصمد (2) بن هارون قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أدخلت الميت القبر إن كان رجلا سل سلا والمرءة تؤخذ عرضا فانه أستر، وأكثر الاخبار واردة بسل الميت من قبل الرجلين، من غير فرق بين الرجل والمرءة انتهى. وربما يقال: يفهم من أخذ المرءة عرضا وضعها بأحد جنبي القبر، لانه أسهل للاخذ كذلك وتعيين جهة القبلة لشرافتها. ولا يخفى أنه بعد ورود هذا الخبر مع تأيده بما في الفقه الرضوي وما في الدعائم بحمله على المرءة جمعا وعمل قدماء الاصحاب، لا يحتاج إلى تلك التكلفات ولا يرد ما أورده السيد قدس سره، إذ يستفاد من السل السبق بالرأس مع ملاحظة الهيئة التي يوضع الميت عليها عند رجلي القبر، وباقي الاحكام مصرحة فيه. وقال الصدوق في الفقيه: المرءة تؤخذ بالعرض من قبل اللحد، ويقف زوجها في موضع يتناول وركها، ويؤخذ الرجل من قبل رجليه يسل سلا، وقول أمثاله كاشف عن النص، فينبغي تخصيص الاخبار المطلقة بالرجل. 10 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رش الماء على القبر قال: يتجافى عنه العذاب مادام الندى في التراب (3). 11 - اكمال الدين: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم


(1) الخصال ج 2 ص 151. (2) راجع التهذيب ج 1 ص 93. (3) علل الشرايع ج 1 ص 290.

[24]

ابن مهزيار، عن أخيه علي، عن محمد بن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة، عن مرة مولى محمد بن خالد قال: لما مات إسماعيل فانتهى أبو عبد الله عليه السلام إلى القبر، أرسل نفسه فقعد على حاشية القبر، ولم ينزل في القبر، ثم قال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه واله بإبراهيم ولده (1). توضيح: روى الكليني (2) هذا الخبر، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن محمد بن أبي حمزة، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما مات إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام أتى أبو عبد الله عليه السلام القبر فأرخى نفسه فقعد ثم قال: رحمك الله وصلى عليك، ولم ينزل في قبره، وقال: هكذا فعل النبي صلى الله عليه واله بإبراهيم، ويدل على كراهية إدخال الوالد ولده في القبر، وعلى عدم كراهة القعود قبل دفن الميت بل على استحبابه. أما الاول: فظاهر الاخبار اختصاص الكراهة بنزول الوالد في قبر ولده و المشهور بين الاصحاب عموم الكراهة لجميع ذوي الارحام والاقارب إذا كان الميت رجلا، وحملوا ما يدل على الاختصاص على نفي الكراهة المؤكدة في غيره، وهو إنما يستقيم مع وجود المعارض، وقد ورد في خبر (3) وفات إبراهيم أمر النبي صلى الله عليه واله أمير المؤمنين عليه السلام بالنزول في قبره، ويدل على عدم الكراهية أيضا ما رووه من إدخال أمير المؤمنين عليه السلام [قثم بن العباس] ظ والعباس، وفي رواية الفضل بن العباس [واسامة مولى] ظ النبي صلى الله عليه واله ضريحه وكلهم كانوا ذوي رحمه، ولو اعتذر في أمير المؤمنين بأنه كان يلزمه ذلك إذ المعصوم لا يتولى أمره إلا المعصوم، فلا يجري ذلك في صاحبيه مع تقريره عليه السلام لهما على ذلك، ولورود أخبار كثيرة في جواز دفن الولد والده. ومن الغرائب أن العلامة - ره - قال في المنتهى: ويستحب أن ينزل إلى القبر الولي أو من يأمره الولي إن كان رجلا، وإن كان امرءة لا ينزل إلى قبرها


(1) اكمال الدين ج 1 ص 161. (2) الكافي ج 3 ص 193. (3) راجع ج 22 ص 156 وبعدها من هذه الطبعة.

[25]

إلا زوجها أو ذو رحم لها، وهو وفاق العلماء، ثم قال: الرجال أولى بدفن الرجال بلا خلاف بين العلماء في ذلك، والرجال أولى بدفن النساء أيضا. ثم قال في كراهة إهالة الاب على ولده وبالعكس، وكذا ذو الرحم لرحمه معللا بأنه يورث القساوة: يكره لمن ذكرنا أن ينزل إلى القبر أيضا للعلة وقد روي جواز نزول الولد إلى قبر والده انتهى وكذا فعل في التذكرة. أقول: التنافي بين الكلامين ظاهر. فان قيل أراد بالاولوية التي أثبتها أولا أن له ولاية ذلك، أعم من أن يتولاه بنفسه أو يأمر غيره بذلك، فلا ينافي كراهة أن يتولاه بنفسه، قلت: ما أورده من الدلائل يدل على استحباب أن يتولاه بنفسه فلا يجديه هذا التوجيه، والتعليل بالقساوة ضعيف معارض بأنه أرفق للميت وأشفق عليه، وكراهة الاهالة إنما هي لعدم ضرورة داعية إليها بخلاف ارتكاب الدفن، وإدخال القبر، فان فيه مصلحة للميت، وإرفاقا له، بل قلما يرضى غير ذي الرحم بذلك، فقياسه عليها مع بطلانه رأسا قياس مع الفارق، فالاظهر عدم كراهة إنزال غير الولد من الاقارب القبر والله يعلم. وأما الثاني وهو عدم كراهة جلوس المشيع قبل الدفن، فذهب إليه الشيخ في الخلاف وابن الجنيد، وذهب المحقق والعلامة وابن أبي عقيل وابن حمزة إلى كراهته، قال في الذكرى: اختلف الاصحاب في كراهة جلوس المشيع قبل الوضع في اللحد، فجوزه في الخلاف، ونفى عن البأس ابن الجنيد للاصل، ولرواية عبادة بن الصامت (1) أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا كان في جنازة لم يجلس حتى توضع في اللحد، فقال يهودي: إنا لنفعل ذلك، فجلس وقال: خالفوهم !


(1) أخرجه في مشكاة المصابيح ص 147، ولفظه عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا تبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حبر من اليهود، فقال له: انا هكذا نصنع يا محمد ! قال: فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: خالفوهم. رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة، وقال الترمذي هذا حديث غريب وبشر بن رافع الراوى ليس بالقوى.

[26]

وكرهه ابن عقيل وابن حمزة والفاضلان، وهو الاقرب لصحيح ابن سنان (1) عن الصادق عليه السلام ينبغي لمن شيع جنازة أن لا يجلس حتى توضع في لحده، والحديث حجة لنا لان " كان " يدل على الدوام، والجلوس لمجرد إظهار المخالفة، ولان الفعل لا عموم له، فجاز وقوع الجلوس تلك المرة خاصة، ولان القول أقوى من الفعل عند التعارض، والاصل يخالف لدليل انتهى. ويرد عليه أن لابن الجنيد أن يقول إن احتجاجي ليس بمجرد الفعل، بل بقوله صلى الله عليه واله أيضا. وأقول: لا يبعد أن يكون خبر النهي محمولا على التقية، للاخبار الكثيرة الدالة على أن الائمة عليهم السلام كانوا يجلسون قبل ذلك، ولكون المنع بين المخالفين أشهر. 12 - اختيار الوجال للكشي: عن العياشي قال: سمعت علي بن الحسن يقول: مات يونس بن يعقوب بالمدينة، فبعث إليه أبو الحسن الرضا عليه السلام بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه، وأمر مواليه وموالي أبيه وجده أن يحضروا جنازته، وقال لهم: هذا مولى لابي عبد الله عليه السلام وكان يسكن العراق، وقال لهم: احفروا له في البقيع، فان قال لكم أهل المدينة إنه عراقي ولا ندفنه في البقيع، فقولوا لهم: هذا مولى لابي عبد الله وكان يسكن العراق، فان منعتمونا أن ندفنه في البقيع منعناكم أن تدفنوا مواليكم في البقيع، فدفن في البقيع، ووجه أبو الحسن علي بن موسى إلى زميله محمد بن الحباب وكان رجلا من أهل الكوفة، فقال: صل عليه أنت (2). علي بن الحسن قال: حدثني محمد بن الوليد قال: رآني صاحب المقبر ؟ وأنا عند القبر بعد ذلك، فقال لي: من هذا الرجل صاحب هذا القبر، فان أبا الحسن علي بن موسى عليهما السلام أوصاني به وأمرني أن أرش قبره أربعين شهرا أو أربعين يوما


(1) راجع التهذيب ج 1 ص 130. (2) رجال الكشى ص 330.

[27]

في كل يوم مرة ؟ فقال أبو الحسن الشك مني. قال: وقال لي صاحب المقبرة: إن السرير عندي يعني سرير النبي صلى الله عليه واله فإذا مات رجل من بني هاشم صر السرير فأقول: أيهم مات حتى أعلم بالغداة، فصر السرير في الليلة التي مات فيها هذا الرجل، فقلت: لا أعرف أحدا منهم مريضا فمن ذا الذي مات ؟ فلما أن كان من الغد جاؤا فأخذوا مني السرير، وقالوا: مولى لابي عبد الله عليه السلام كان يسكن العراق (1). بيان: ما تضمنه من استمرار الرش على إحدى المدتين خلاف المشهور ولم أر قائلا به، ولا بأس بالعمل به في أقل المدتين وأبو الحسن كنية علي بن الحسن بن فضال وصاحب المقبرة هو الذي كان يتولى أمر الموتى والسرير وخدمة القبور بالبقيع. 13 مصباح الانوار: عن أبي عبد الله، عن آبائه قال: إن فاطمة عليها السلام لما احتضرت أوصت عليا عليه السلام فقالت: إذا أنت مت فتول أنت غسلي، وجهزني وصل على وأنزلني قبري، وألحدني وسو التراب على واجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء، فانها ساعة يحتاج الميت فيها إلى انس الاحياء وأنا أستودعك الله تعالى واوصيك في ولدي خيرا ثم ضمت إليها ام كلثوم فقالت له: إذا بلغت فلها ما في المنزل ثم الله لها. فلما توفيت فعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام ودفنها ليلا في دار عقيل في الزاوية الثالثة من صدر الدار. ومنه عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام لما وضع فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله في القبر قال: " بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله محمد بن عبد الله سلمتك أيتها الصديقة إلى من هو أولى بك مني ورضيت لك بما رضي الله تعالى لك، ثم قرء: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى " فلما سوى عليها التراب أمر بقبرها فرش عليه الماء، ثم


(1) رجال الكشى ص 330.

[28]

جلس عند قبرها باكيا حزينا فأخذ العباس بيده فانصرف به. ومنه: عن جابر بن عبد الله الانصاري، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: الشفع يدخل القبر أو الوتر فقال: سواء عليك أدخل فاطمة صلوات الله عليها القبر أربعة. 14 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن إبراهيم بن مخلد، عن محمد بن بشير، عن محمد بن سنان، عن أبي عبد الله القزويني قال: سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت: لاي علة يولد الانسان ههنا ويموت في موضع آخر ؟ قال: لان الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه خلقهم من أديم الارض فمرجمع كل إنسان إلى تربته (1). بيان: لعله إشارة إلى التربة التي تذر في النطفة في الرحم، ويحتمل أن يكون عند خلق آدم عليه السلام جعل كل جزء من طينه لشخص من ولده كما يظهر من بعض الاخبار. 15 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن محمد بن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام إذا جئت بأخيك إلى القبر فلا تفدحه به، ضعه أسفل من القبر بذراعين أو ثلاثة حتى يأخذ لذلك اهبته، ثم ضعه في لحده وإن استطعت أن تلصق خده بالارض وتحسر من خده فافعل، وليكن أولى الناس به مما يلي رأسه، وليتعوذ بالله من الشيطان، وليقرء فاتحة الكتاب والمعوذتين و قل هو الله أحد وآية الكرسي ثم ليقل ما يعلم حتى ينتهي إلى صاحبه (2). قال: وروي في حديث آخر: إذا أتيت بالميت القبر فلا تفدح به القبر، فان للقبر أهوالا عظيمة، وتعوذ من هول المطلع ولكن ضعه قرب شفير القبر، واصبر عليه هنيئة ثم قدمه قليلا واصبر عليه ليأخذ اهبته ثم قدمه إلى شفير القبر (3). توضيح: قوله عليه السلام " فلا تفدحه به " قال في القاموس فدحه الدين كمنعه


(1) علل الشرايع ج 1 ص 291 - 290. (2) علل الشرايع ج 1 ص 288. (3) علل الشرائع ج 1 ص 289.

[29]

أثقله أقول: لعل المراد لا تجعل القبر ودخوله ثقيلا على ميتك بادخاله مفاجاة قوله عليه السلام " أسفل من القبر " قال الشيخ البهائي رحمه الله: لعل المراد بوضعه أسفل القبر من قبل رجليه وهو باب القبر، وقال الجوهري: تأهب استعد، واهبة الحرب عدتها، ويدل على اطلاع الروح على تلك الاحوال، وعلى سؤال القبر وعذابه وعلى استحباب الوضع قبل الوصول إلى القبر بذراعين أو ثلاثة، وبمضمونها أفتى ابن الجنيد والمحقق في المعتبر. والخبر المرسل الاخير يدل على النقل ثلاث مرات كما ذكره الصدوق - ره - في الفقيه موافقا للفقه الرضوي وكأنه أخذه منه، وإليه ذهب أكثر الاصحاب ولا تدل الاخبار المنقولة في الكتب المشهورة إلا على الوضع مرة، ولعله يكفى في المستحبات مثل هذا الخبر المرسل، مع تأيده بعمل الصدوق وما في الفقه والله يعلم. ويدل على رجحان إبراز وجه الميت ووضعه على التراب، وقد ذكره الشيخ في النهاية والعلامة في المنتهى والشهيد في الدروس ولم يتعرض له بعض المتأخرين إلا أنه لم يرده أحد ووردت به الاخبار، وقال الشيخ البهائي - ره -: لا ريب في استحبابه، قوله " وإن استطعت " أي إذا لم يكن من تتقيه " وليكن أولى الناس به " أي الوارث القريب وأولاهم به من جهة المذهب والولاية والمحبة. قوله عليه السلام " ثم ليقل ". وفي الكافي (1) " وليتشهد ويذكر ما يعلم حتى ينتهى إلى صاحبه " والمراد بما يعلم العقائد الحقة والاقرار بالائمة، وبصاحبه إمام الزمان عليهم السلام وقال في القاموس: هنية مصغر هنة، أصلها هنوة أي شئ يسير ويروي هنيهة بابدال الياء هاء، وقال في باب الهمزة: وهنيئة في صحيح البخاري أي شئ يسير وصوابه ترك الهمزة. 16 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى، عن ابن


(1) الكافي ج 3 ص 192.

[30]

أبي عمير، عن علي بن يقطين قال: سمعت أبا الحسن الاول يقول: لا تنزل في القبر وعليك العمامة ولا القلنسوة ولا الحذاء ولا الطيلسان، وحل أزرارك، فذلك سنة من رسول الله صلى الله عليه واله قلت: فالخف ؟ قال فلا أرى به بأسا قلت: لم يكره الحذاء ؟ قال: مخافة أن يعثر برجله فيهدم. قال الصدوق - ره -: لا يجوز دخول القبر بخف ولا حذاء ولا أعرف الرخصة في الخف إلا في هذا الخبر وإنما أوردته لمكان العلة (1). بيان: الطيلسان بفتح الطاء واللام على الاشبه الافصح، وحكي كسر اللام وضمها وحكي عن مطالع الانوار أنه قال: الطيلسان شبه الاردية يوضع على الرأس والكتفين والظهر، وقال في الجمهرة: وزنه فيعلان وربما يسمى طيلسا وقال ابن الاثير في شرح مسند الشافعي: الرداء الثوب الذي يطرح على الاكتاف يلقى فوق الثياب، وهو مثل الطيلسان يكون على الرأس [والاكتاف، وربما ترك في بعض الاوقات على الرأس]، وسمى رداء كما يسمى الرداء طيلسانا انتهى، ولم يذكر الاصحاب وضع الرداء والطيلسان مع اشتمال الاخبار عليهما، ولعلهم اكتفوا عن ذكر الطيلسان بكشف الرأس. وقال في المعتبر: يستحب لمن دخل قبر الميت أن يحل أزراره وأن يتحفى ويكشف رأسه، هذا مذهب الاصحاب وقال في الذكرى: يستحب لملحده حل أزراره، وكشف رأسه وحفاؤه، إلا لضرورة، ثم قال: وليس ذلك واجبا إجماعا انتهى والظاهر أن تجويز الخف للتقية لما رواه الكليني (2) عن أبى بكر الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تنزل القبر وعليك العمامة ولا القلنسوة ولارداء ولا حذاء، وحل أزرارك قال: قلت: والخف قال: لا بأس بالخف في وقت الضرورة والتقية، وقال الشيخ: ويجوز أن ينزل بالخفين عند الضرورة والتقية. 17 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه عن حماد بن عيسى، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان البراء


(1) علل الشرايع ج 1 ص 288. (2) الكافي ج 3 ص 192.

[31]

ابن معرور الانصاري بالمدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه واله بمكة والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس، فأوصى إذا دفن أن يجعل وجهه إلى رسول الله صلى الله عليه واله فجرت فيه السنة ونزل به الكتاب (1). بيان: لعله لم يكن في شرعهم تعيين لتوجيه الميت إلى جهة وكانوا مخيرين في الجهات فاختار تلك الجهة للاستحسان العقلي أو لما ثبت عنده شرعا من تعظيم الرسول صلى الله عليه واله وعلى التقديرين يدل إما على حجية أحدهما أو على أن الانسان يثاب على ما يفعله موافقا للواقع، وإن لم يكن مستندا إلى دليل معتبر، وبأمثال ذلك استدل المحقق الاردبيلي قدس سره عليه، وعلى الاكتفاء بالتقليد في الاصول، و للكلام فيه مجال. 18 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ينبغي أن يتخلف عند قبر الميت أولى الناس به بعد انصراف الناس عنه، ويقبض على التراب بكفيه ويلقنه ويرفع صوته، فإذا فعل ذلك كفي الميت المسألة في قبره (2). بيان: لا يبعد أن يكون اشتراط انصراف الناس ووضع الفم عند الرأس كما ورد في أخبار اخر للتقية، والاولى مراعات ذلك كله، والتلقينات المروية ثلاثة أولها عند الاحتضار لرفع وساوس الشيطان، وثانيها بعد دخول القبر قبل وضع اللبن، وثالثها بعد طم القبر وانصراف الناس، وهو المذكور هنا، ولا خلاف في استحباب الجميع. وادعى في المنتهى وغيره إجماع العلماء على استحباب هذا التلقين، و أنكره أكثر الجمهور، مع أنهم رووا عن أبي أمامة الباهلي أن النبي صلى الله عليه واله قال: إذا مات أحدكم وسويتم عليه التراب فليقم أحدكم عند قبره، ثم ليقل يا فلان بن فلانة فانه يسمع ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة الثانية فيستوي قاعدا ثم


(1) علل الشرائع ج 1 ص 284. (2) علل الشرايع ج 1 ص 290.

[32]

ليقل يا فلان بن فلانة، فانه يقول: أرشدنا رحمك الله ! فيقول: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا " وبالقرآن إماما " فان منكرا ونكيرا يتأخر كل واحد منهما، فيقول انطلق فما يقعدنا عند هذا، وقد لقن حجته ؟ فقيل: يا رسول الله فان لم يعرف امه ؟ قال: فلينسبه إلى حواء انتهى. وقد نقل الشهيد - رحمه الله - عن بعض العامة كالرافعي منهم القول باستحبابه ويدل على سؤال القبر، وهو من ضروريات الدين، وعلى سقوط السؤال بهذا التلقين، وذكره جماعة من أصحابنا وعلى كون الملقن أولى الناس به، إما بحسب النسب والارث، أو بحسب التوافق في المذهب والمحبة والمعاشرة أيضا كما مر، قال في الذكرى: أجمع الاصحاب على تلقين الولي أو من يأمره الميت بعد انصراف الناس عنه انتهى. وعلى ما حملوا عليه الخبر يشكل إلحاق من يأمره الولي به، وهل يلقن الطفل ؟ قال في الذكرى وأما الطفل فظاهر التعليل يشعر بعدم تلقينه، ويمكن أن يقال: يلقن إقامة للشعاير، وخصوصا المميز كما في الجريدتين انتهى، وإطلاق الاخبار يدل على الجواز ويشكل التخصيص بالتعليل، وقال ابن إدريس يستقبل الملقن القبلة والقبر أيضا، وقال أبو الصلاح وابن البراج والشيخ يحيى بن سعيد: يستقبل القبلة والقبر أمامه، وما وصل الينا من الروايات خالية عن تلك الخصوصيات، فالظاهر جوازه كيف ما اتفق، وإن كان اتباع ما ذكروه أحوط. 19 - الخصال: عن أبيه وابن الوليد معا عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن محمد بن الحسين رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا سكير، ولا عاق، ولا شديد السواد ولا ديوث، ولا قلاع وهو الشرطي، ولا رتوق وهو الخنثى، ولا خيوف وهو النباش

[33]

ولا عشار ولا قاطع رحم ولا قدري (1). ومنه: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن الحسن الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام مثله مع زيادات (2) وأوردته في باب مساوي الاخلاق وأبواب المناهي (3). 20 - معاني الاخبار: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد أبي عبد الله عن أبيه، عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر أنه قال: قال رسول الله أخبرني جبرئيل أن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ما يجدها عاق ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء، ولا قتات، ولا منان ولا جعظري، قال: قلت: فما الجعظري ؟ قال: الذي لا يشبع من الدنيا. وفي حديث آخر ولا جيوف وهو النباش، ولا رنوف وهو المخنث، ولا جواظ ولا جعظري وهو الذي لا يشبع من الدنيا (4). بيان الخبرين: السكير بالتشديد الكثير السكر، وفي النهاية فيه لا يدخل الجنة قلاع ولا ديبوب، القلاع هو الساعي إلى السلطان بالباطل في حق الناس سمي به لانه يقلع المتمكن من قلب الامير فيزيله عن رتبته، كما يقلع النبات من الارض ونحوه، والقلاع أيضا القواد والكذاب، والنباش والشرطي، و الرتوق الفجرة والربية أو هو بالزاي والباء الموحدة من قولهم زبق لحيته أي نتفها وفي أكثر النسخ في الحديث الثاني رنوف بالراء المهملة والفاء، قال في القاموس الرانفة أسفل الالية إذا كنت قائما وأرنفت الناقة باذنيها أرختها إعياء، والبعير سار فحرك رأسه فتقدمت جلدة هامته، والرجل أسرع انتهى، ولا مناسبة لتلك


(1) الخصال ج 2 ص 54. (2) المصدر ج 2 ص 54. (3) راجع ج 72 ص 189 وما بعده. (4) معاني الاخبار ص 330.

[34]

المعاني بما في الخبر إلا بتكلف. وفي النهاية فيه لا يدخل الجنة جياف هو النباش سمي به لانه يأخذ الثياب عن جيف الموتي انتهى، ويحتمل أن يكون في الاصل جيافا فصحف أو جاء جيوف بمعناه، وأما الخيوف بالياء أو بالنون فلم أر بهذا المعنى. وفي النهاية فيه أهل النار كل جعظري جواظ، الجعظري الفظ الغليظ المتكبر وقيل: هو المنتفخ بما ليس عنده، وفيه قصر، والجواظ الجموع المنوع، وقيل الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل القصير البطين، وفي القاموس الجعظري الفظ الغليظ أو الاكول الغليظ، والقصير المنتفخ بما ليس عنده، والجعنظار الشره النهم والاكول الضخم. 21 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن القاسم، بن محمد، عن سليمان ابن داود، عن حماد بن عيسى، عن أبى عبد الله عليه السلام أنه نظر إلى المقابر فقال يا حماد ؟ هذه كفات الاموات، ونظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الاحياء ثم تلا " ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا " (1). 22 - تفسير على بن ابراهيم: قال: نظر أمير المؤمنين عليه السلام في رجوعه من صفين إلى المقابر فقال: هذه كفات الاموات، أي مساكنهم، ثم نظر إلى بيوت الكوفة فقال: هذه كفات الاحياء، ثم تلا قوله تعالى " ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا " (2). 23 - الاحتجاج وغيبة الطوسي: فيما كتب عبد الله بن جعفر الحميري إلى القائم عليه السلام سئل عن طين القبر يوضع مع الميت في قبره ؟ هل يجوز ذلك أم لا ؟ فأجاب عليه السلام يوضع مع الميت في قبره ويخلط بحنوطه إنشاء الله (3). بيان: ما ورد في الخبر من خلط التربة بالحنوط لم أربه قائلا، وأما الوضع


(1) تراه في المعاني ص 342، والاية في سورة المرسلات 25 و 26. (2) تفسير القمى ص 709. (3) الاحتجاج ص 274، وقد مر في باب التكفين.

[35]

في القبر، فقد ذكره الاصحاب، واختلفوا في كيفيته وظاهر الخبر استحبابه بأي وضع كان، وقال في المختلف: قال الشيخ في الاقتصاد: ويضع شيئا من تربة الحسين عليه السلام في وجهه، ونقل ابن إدريس عنه هذا القول، وقولا آخر وهو جعل التربة في لحده مقابلة وجهه، وعن المفيد جعل التربة تحت خده، وقواه، و الكل عندي جائز لان التبرك موجود في الجميع. 24 - العلل: عن علي بن حاتم، عن العباس بن محمد العلوي، عن الحسن ابن سهل، عن محمد بن سهل، عن محمد بن حاتم، عن يعقوب بن يزيد، عن علي بن أسباط، عن عبيد بن زرارة قال: مات لبعض أصحاب أبي عبد الله عليه السلام ولد فحضر أبو عبد الله عليه السلام جنازته فلما ألحد تقدم أبوه ليطرح عليه التراب، فأخذ أبو عبد الله عليه السلام بكفيه وقال: لا تطرح عليه التراب، ومن كان منه ذارحم فلا يطرح عليه التراب، فقلنا: يا ابن رسول الله أتنهى عن هذا وحده ؟ فقال: أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي الارحام، فان ذلك يورث القسوة، ومن قسا قلبه بعد من ربه عزوجل (1). بيان: يدل على المنع من إهالة ذي الرحم، والمشهور فيه الكراهة، قال في المعتبر: وعليه فتوى الاصحاب، قوله: " عن هذا وحده " أي خصوص الابن أو خصوص هذا الميت، والاخير أظهر للتصريح بالتعميم في ذوي الارحام وفي الكافي (2) بعد قوله: " فلا يطرح عليه التراب: فان رسول الله صلى الله عليه واله نهي أن يطرح الوالد أو ذو رحم على ميته التراب " فركاكة السؤال تجري في الوجهين معا، وقال الشيخ البهائي قدس سره قول الراوي " أتنهانا عن هذا وحده " أي حال كون النهي عنه منفردا عن العلة في ذلك النهي مجردا عما يترتب عليه من الاثر وحاصله طلب العلة في ذلك فبينها عليه السلام بقوله: " فان ذلك يورث القسوة في القلب "


(1) علل الشرايع ج 1 ص 287. (2) الكافي ج 3 ص 199.

[36]

انتهى، وفي التهذيب (1) أيضا كما هنا. 25 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين عن الحسين بن الوليد عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: لاي علة يربع القبر ؟ قال: لعلة البيت، لانه نزل مربعا (2). بيان: ليس المراد بالتربيع المربع المتساوي الاضلاع لتعطيل كثير من الارض، وعدم كونه معهودا في الزمن السالفة، كما يرى فيما بقي آثارها من القبور، فيحتمل أن يكون المراد به التربيع خلاف التدوير والتسديس وأمثالهما أو يكون المراد به خلاف التسنيم، كما فهمه بعض الاصحاب، ويدل عليه خبر الاعمش (3). قال في التذكرة: يربع القبر مسطحا، ويكره التسنيم، ذهب إليه علماؤنا أجمع، وبه قال الشافعي لان رسول الله صلى الله عليه واله سطح قبر ابنه إبراهيم وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وأحمد: السنة في التسنيم انتهى، وقد روى التسطيح مخالفونا أيضا لكن قالوا: لما صار شعارا للروافض عدلنا عنه إلى التسنيم. 26 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام أن الرش على القبور كان على عهد النبي صلى الله عليه واله وكان يجعل الجريد الرطب على القبر حين يدفن الانسان في أول الزمان، ويستحب ذلك للميت (4). بيان: لعله كانت السنة أولا جعل الجريد على القبر، ثم صارت السنة جعله في الكفن، أو هو محمول على حالة الاضطرار، أو هذا مستحب آخر.


(1) التهذيب ج 1 ص 91. (2) علل الشرايع ج 1 ص 288. (3) فيه " والقبور تربع ولا تسنم " راجع الخصال ج 2 ص 151. (4) قرب الاسناد ص 69 ط حجر ص 90 ط نجف. (*)

[37]

27 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه، عن علي عليهم السلام أن قبر رسول الله صلى الله عليه واله رفع من الارض قدر شبر وأربع أصابع ورش عليه الماء، قال علي عليه السلام: والسنة أن يرش على القبر الماء (1). بيان: لعل زيادة الاربع أصابع بالنسبة إلى بعض أطراف القبر، ليوافق ما ورد أن قبره صلى الله عليه واله رفع شبرا، أو يحمل على اختلاف الاشبار (2) أو هذا محمول على التقية بقرينة أن الراوي عامي. 28 - مجالس الصدوق: عن حمزة العلوي، عن عبد العزيز الابهري، عن محمد بن زكريا، عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجصص المقابر ويصلى فيها (3) 29 - معاني الاخبار: عن محمد بن هارون الزنجاني، عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد القاسم بن سلام باسناد متصل إلى النبي صلى الله عليه واله أنه نهى عن تقصيص القبور وهو التجصيص وذاك أن الجص يقال له: القصة يقال منه قصصت القبور والبيوت إذ جصصتها (4). بيان: قال في النهاية فيه أنه نهى عن تقصيص القبور، هو بناؤها بالقصة وهي الجص، والمشهور بين الاصحاب كراهة تجصيص القبر مطلقا، وظاهرهم أن الكراهة تشمل تجصيص داخله وخارجه، قال في المنتهى: ويكره تجصيص القبر وهو فتوى علمائنا. وقال في المعتبر ومذهب الشيخ أنه لا بأس بذلك ابتداء وأن الكراهية إنما هي إعادتها بعد اندراسها، وروى الكليني (5) عن العدة


(1) قرب الاسناد ص 72 ط حجر ص 94 ط نجف. (2) بل هو لاختلاف الشبر الاصطلاحي مع الشبر المتعارف، فان الشبر الاصطلاحي الذى يقال له القدم والفوت والاياق يزيد على الشبر المتعارف بأربع أصابع مضمومات (3) أمالى الصدوق ص 253. (4) معاني الاخبار: 279 في حديث. (5) الكافي ج 3 ص 202، وفيد قرية بطريق مكة، ذكره الفيروز آبادى.

[38]

عن سهل، عن ابن محبوب، عن يونس بن يعقوب قال: لما رجع أبو الحسن موسى عليه السلام من بغداد ومضى إلى المدينة، ماتت لة ابنة بفيد، فدفنها، وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها، ويكتب على لوح اسمها، ويجعله في القبر. وقال في المعتبر بعد إيراد تلك الرواية: الوجه حمل هذه على الجواز والاولى على الكراهية مطلقا انتهى. وأقول: يمكن حمل التجصيص المنهي عنه على تجصيص داخل القبر، و هذا الخبر على تجصيص خارجه، ويمكن أن يقال: هذا من خصائص الائمة وأولادهم عليهم السلام لئلا يندرس قبورهم الشريفة، ولا يحرم الناس من فضل زيارتهم كما قال السيد قدس سره في المدارك، وكيف كان فيستثنى من ذلك قبور الانبياء والائمة لاطباق الناس على البناء على قبورهم من غير نكير، واستفاضة الروايات بالترغيب في ذلك، بل لا يبعد استثناء قبور العلماء والصلحاء أيضا استضعافا لسند المنع، والتفاتا إلى أن في ذلك تعظيما لشعائر الاسلام، وتحصيلا لكثير من المصالح الدينية كما لا يخفى انتهى. وهذا الحمل أولى مما حمله العلامة - ره - من أن المراد بالتجصيص التطيين، ويؤيد ما ذكرنا ما سيأتي في كتاب المزار من استحباب تعمير قبور النبي والائمة عليهم السلام. وأما تطيين القبر، فقد ورد في خبر ضعيف على المشهور (1) النهي عن التطيين بغير طين القبر، وفي موثقة علي بن جعفر (2) لا يصلح البناء على القبر، ولا الجلوس عليه، ولا تجصيصه ولا تطيينه وظاهر بعض الاصحاب كراهة التطيين مطلقا، وقال الشيخ في النهاية: ويكره تجصيص القبور، والتظليل عليها، والمقام عندها، وتجديدها بعد اندراسها، ولا بأس بتطيينها ابتداء، وكذا قال العلامة في المنتهى، والاولى الترك مطلقا.


(1) رواه في الكافي ج 3 ص 201، عن السكوني. (2) التهذيب ج 1 ص 130.

[39]

أقول: قد مر كثير من الاخبار المناسبة لهذا الباب في باب الصلاة على الميت، وباب التكفين، وباب التجهيز. 30 - فقه الرضا: قال عليه السلام: وإذا حملته إلى قبره فلا تفاجئ به القبر فان للقبر أهوالا عظيمة، ونعوذ بالله من هول المطلع، ولكن ضعه دون شفير القبر، واصبر عليه هنيئة، ثم قدمه إلى شفير القبر، ويدخله القبر من يأمره ولى الميت إن شاء شفعا وإن شاء وترا (1). وقل إذا نظرت إلى القبر " اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران " فإذا دخلت القبر فاقرء ام الكتاب والمعوذتين وآية الكرسي، فإذا توسطت المقبرة فاقرء " ألهيكم التكاثر " واقرأ " منها خلقناكم و فيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى " (2). وإذا تناولت الميت فقل: " بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله " ثم ضعه في لحده على يمينه مستقبل القبلة، وحل عقد كفنه، وضع خده على التراب وقل: " اللهم جاف الارض عن جنبيه، وصعد إليك روحه ولقه منك رضوانا " ثم تدخل يدك اليمنى تحت منكبه الايمن وتضع يدك اليسرى على منكبه الايسر وتحركه تحريكا شديدا وتقول: " يا فلان بن فلان، الله ربك، ومحمد صلى الله عليه واله نبيك والاسلام دينك، وعلي وليك، وإمامك " وتسمي الائمة واحدا واحدا إلى آخرهم عليهم السلام ثم تعيد عليه التلقين مرة اخرى (3). فإذا وضعت عليه اللبن فقل: " اللهم آنس وحشته، وصل وحدته برحمتك اللهم عبدك وابن عبدك، ابن أمتك، نزل بساحتك وأنت خير منزول به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، واغفر له إنك أنت الغفور الرحيم " (4). وإن كانت امرءة فخذها بالعرض من قبل اللحد وتأخذ الرجل من قبل رجليه تسله سلا، فإذا ادخلت المرءة القبر وقف زوجها من موضع ينال وركها


(1 - 4) فقه الرضا ص 18.

[40]

فإذا خرجت من القبر فقل وأنت تنفض يديك من التراب: " إنا لله وإنا إليه راجعون (1). ثم احث التراب عليه بظهر كفيك ثلاثة مرات، وقل: " اللهم إيمانا بك، و تصديقا بكتابك، هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله " فانه من فعل ذلك وقال هذه الكلمة كتب الله له بكل ذرة حسنة (2). فإذا استوى قبره فصب عليه ماء وتجعل القبر أمامك وأنت مستقبل القبلة وتبدأ بصب الماء من عند رأسه، وتدور به على القبر، ثم من أربع جوانب القبر حتى ترجع، من غير أن تقطع الماء، فان فضل من الماء شئ فصبه على وسط القبر (3). ثم ضع يدك على القبر وأنت مستقبل القبلة فقل: " اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، وآمن روعته، وأفض عليه من رحمتك، وأسكن إليه من برد عفوك، وسعة غفرانك ورحمتك، رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك، واحشره مع من كان يتولاه " (4). ومتى ما زرت قبره فادع له بهذا الدعاء وأنت مستقبل القبلة، ويداك على القبر (5). ويستحب أن يتخلف عند رأسه أولى الناس به، بعد انصراف الناس عنه ويقبض على التراب بكفيه ويلقنه برفع صوته، فانه إذا فعل ذلك كفي المسألة في قبره (6). والسنة أن القبر ترفع أربع أصابع مفرجة من الارض وإن كان أكثر فلا بأس، ويكون مسطحا لا يكون مسنما (7). وقال: قال العالم عليه السلام: كتب أبي في وصيته أن اكفنه في ثلاثة أثواب وساق الحديث إلى قوله " وشققنا له القبر شقا من أجل أنه كان رجلا بدينا وأمرني


(1 - 6) فقه الرضا ص 18. (7) فقه الرضا 19.

[41]

أن أجعل ارتفاع قبره أربعة أصابع مفرجات (1). وقال: تتوضأ إذا أدخلت القبر الميت، واغتسل إذا غسلت، ولا تغتسل إذا حملته (2). وقال عليه السلام: إذا أتيت به القبر فسله من قبل رأسه، وإذا وضعته في القبر فاقرأ آية الكرسي وقل بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه واله، اللهم افسح له في قبره، وألحقه بنبيه صلى الله عليه واله، وقل كما قلت في الصلاة مرة واحدة واستغفر له ما استطعت (3). قال: وكان علي بن الحسين عليه السلام إذا أدخل الميت القبر قام على قبره ثم قال: " اللهم جاف الارض عن جنبيه، وصعد عمله، ولقه منك رضوانا (4). ايضاح: قال في النهاية " هول المطلع " يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الاخرة عقيب الموت، فشبهه بالمطلع الذي يشرف عليه من موضع عال انتهى، قوله: " ويدخله القبر " روى الكليني مضمونه بسند صحيح (5) ويدل على عدم تعين عدد مخصوص لذلك، وعلى جواز إدخال الشفع والوتر، وعلى أن الاختيار في ذلك إلى الولي، وربما يستفاد منه عدم دخول الولي نفسه وفيه نظر قال في المنتهى: لا توقيف في عدد من ينزل القبر، وبه قال أحمد وقال الشافعي: يستحب أن يكون العدد وترا. قوله: " فاقرء ام الكتاب " كذا ذكره في الفقيه نقلا عن أبيه، ورواه في الكافي (6) عن الصادق عليه السلام بزيادة قل هو الله أحد. قوله " بسم الله " أي أضعه في اللحد متبركا أو مستعينا أو مستعيذا من عذاب الله باسمه الاقدس " وفي سبيل الله " أي سبيل رضاه وقربه وطاعته، فان تلك الاعمال لكونها بأمره تعالى من


(1 - 4) فقه الرضا ص 20 متفرقا في السطور. (5) الكافي ج 3 ص 193. (6) الكافي ج 3 ص 195.

[42]

سبيل قربه ورضوانه أي كائنا في سبيله وكائنا على ملة رسول الله صلى الله عليه واله مطابقا لامرنا به، وفي حسنه الحلبي (1) بعد ذلك " اللهم افسح له في قبره وألحقه بنبيه ". وأما الاستقبال بالميت في القبر فالمشهور بين الاصحاب وجوبه، وذهب ابن حمزة إلى الاستحباب، والاشهر أظهر. قوله: " اللهم جاف الارض " أي أبعد الارض عن جنبيه، ولا تضيق القبر عليه بالضغطة، أو المراد به وسعة مكانه وحسن حاله في عالم البرزخ " وصعد إليك " أي إلى قربك وجوارك في الجنة أو إلى أعلا عليين أو إلى أوليائك من الانبياء والائمة صلوات الله عليهم أجمعين. والرضوان بالكسر وقد يضم: الرضا أي ابعث بشارة رضوانك أو ما يوجبه رضوانك من المثوبات تلقاء وجهه، والتنوين للتفخيم ويحتمل التحقير أيضا إيذانا بأن القليل من رضاك كثير، وإرادة خازن الجنان منه بعيدة هنا. قوله عليه السلام: " ثم ادخل يدك اليمنى " هذا موافق لما في الفقيه إلى قوله: " فإذا وضعت " ولم أر في ساير الاخبار هذه الكيفية ولم يروه في الفقيه رواية، بل يحتمل أن يكون من كلامه أو من كلام والده في رسالته إليه، وقد يتوهم أنه من تتمة رواية سالم بن مكرم (2) وهو بعيد عندي، وزاد بعد قوله إلى آخرهم " أئمتك أئمة هدى أبرار ". قوله عليه السلام: فإذا وضعت الخ رواه في الكافي (3) في الحسن، عن محمد بن مسلم بتغيير وزيادة، وفي إسناد الانس إلى الوحشة والوصل إلى الوحدة، تجوز أي كن أنيسه في وحشته، وصله برحمتك في وحدته. قوله: " وقف زوجها " روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: يكون أولى الناس


(1) الكافي ج 3 ص 194. (2) راجع الفقيه ج 1 ص 108. (3) الكافي ج 3 ص 196.

[43]

بالمرءة في مؤخرها (1). ولا ريب في استحباب حثو التراب ثلاث مرات، لكن الاصحاب ذكروا استحباب الاهالة بظهور الاكف كما في هذه الرواية، ورواية مرسلة رواها (2) الشيخ عن أبي الحسن عليه السلام وساير الاخبار ظاهرها أخذ التراب ببطن الكف و الرمي بها فالظاهر التخيير بينهما ولعل الرمي ببطن الكف أولى، وذكر القوم الترجيع عند الحثو، واعترف الاكثر بعدم النص وهذه الرواية تدل على استحبابه عند نفض اليد. وأما الدعاء وفضله فقد رواه في الكافي (3) عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام ورواه أيضا بسند حسن (4) وزاد في آخره " وما زادنا إلا إيمانا وتسليما " وفيهما " وتصديقا ببعثك ". قوله عليه السلام " إيمانا بك وتصديقا " نصبهما إما بالمفعولية المطلقة أي اومن بك إيمانا واصدق ببعثك تصديقا أو بأن يكون كل منهما مفعولا لاجله، أي أفعل تلك الافعال لايماني بك، وبما أتى به نبيك، ولتصديقى بأنه يبعث وينفعه تلك الاعمال، أو بأن يكون كل منهما مفعولا به أي زادنا ما رأينا إيمانا وتصديقا أو أوقعنا إيمانا وتصديقا، ولعل الثاني أظهر من الجميع. قوله: " ثم ضع يدك " ذكر نحوا من ذلك في الفقيه، ويمكن استنباطه متفرقا من الاخبار، قوله عليه السلام: " وإن كان أكثر " أي إلى شبر جمعا. قوله عليه السلام: " قال العالم " المراد به الصادق عليه السلام كما روي في ساير كتب الحديث عنه عليه السلام، قوله عليه السلام: " وشققنا " يدل على أن اللحد أولى من الشق، وأنه مع الضرورة تتأتى السنة بالشق، وكونه عليه السلام " بدينا " إنما كان


(1) راجع التهذيب ج 1 ص 93. (2) راجع التهذيب ج 1 ص 91. (3 - 4) الكافي ج 3 ص 198.

[44]

يمنع من اللحد لعدم إمكان توسيع اللحد بحيث يسع جثته عليه السلام لرخاوة أرض المدينة وقال في المنتهى: اللحد أفضل من الشق وهو قول العلماء، روى الجمهور عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه واله قال: اللحد لنا، والشق لغيرنا، ولا بأس بالشق لان الواجب مواراته في الارض، وهي تحصل معه، ومعنى اللحد أنه إذا بلغ أرض القبر حفر في جانبه مما يلي القبلة مكانا يوضع الميت فيه، ومعنى الشق أن يحفر في أرض القبر شقا يوضع الميت فيه ويسقف عليه، وذلك يختلف باختلاف الاراضي في القوة والضعف فالمستحب في الارض القوية اللحد، وفي الضعيفة الشق للامن من الانخساف، وعليه يحمل حديث الباقر عليه السلام انتهى. قوله عليه السلام: " رجلا بدينا " في أكثر نسخ الحديث بادنا وفي القاموس البادن والبدين والمبدن كمعظم الجسيم، قوله عليه السلام: " تتوضأ " المراد بالتوضي غسل اليد كما روى الكليني في الصحيح، عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام قال: قلت الرجل يغمض عين الميت عليه غسل ؟ قال إذا مسه بحرارته فلا، و لكن إذا مسه بعد ما يبرد فليغتسل، وساق الحديث إلى أن قال: " قلت فمن حمله عليه غسل ؟ قال: لا، قلت: فمن أدخله القبر عليه وضوء ؟ قال: لا، إلا أن يتوضأ من تراب القبر إن شاء " فان الظاهر منه أيضا أن المراد أنه يغسل يده مما أصابها من تراب القبر. وأما الحمل على التيمم بتراب القبر، فلا يخلو من بعد إذ إطلاق الوضوء على التيمم غير مأنوس، وأيضا فلا ثمرة للتخصيص بتراب القبر. قوله عليه السلام " إذا أتيت به القبر " رواه الكليني وغيره في الحسن كالصحيح عن الحلبي (2) إلى قوله: " ولقه منك رضوانا " وفيه " فسله من قبل رجليه " وهو أصوب، وعلى ما هنا لعلل المعنى سابقا برأسه، فالضمير راجع إلى الميت وفيه، وقل: كما قلت في الصلاة عليه مرة واحدة من عند " اللهم إن كان


(1) الكافي ج 3 ص 160. (2) الكافي ج 3 ص 194.

[45]

محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فاغفر له وارحمه وتجاوز عنه " وروى الحلبي في الصلاة (1) نحوا مما مر في باب الصلاة نقلا من الفقه الرضوي (2) بعد قوله: " باب آخر في الصلاة على الميت " فيحتمل أن يكون المراد قراءة ما ذكر بعد التكبير الاول، أو ما ذكر بعد جميع التكبيرات. قوله عليه السلام: وصعد عمله أي تقبله واكتبه في ديوان المقربين وفي الكافي (3) وصاعد عمله، وفي الفقيه (4) وصعد إليك روحه. 31 - منتهى المطلب: قال: روي أن امرأة كانت تزني وتضع أولادها فتحرقهم بالنار، خوفا من أهلها، ولم يعلم بها غير امها، فلما ماتت دفنت، فانكشف التراب عنها ولم تقبلها الارض، فنقلت من ذلك المكان إلى غيره، فجرى لها ذلك، فجاء أهلها إلى الصادق عليه السلام وحكوا له القصة، فقال لامها ما كانت تصنع هذه في حياتها من المعاصي ؟ فأخبرته بباطن أمرها، فقال الصادق عليه السلام: إن الارض لا تقبل هذه لانها كانت تعذب خلق الله بعذاب الله، اجعلوا في قبرها من تربة الحسين عليه السلام، ففل ذلك بها فسترها الله تعالى (5). 32 - المصباح للشيخ: عن جعفر بن عيسى أنه سمع أبا الحسن عليه السلام يقول: ما على أحدكم إذا دفن الميت ووسده التراب أن يضع مقابل وجهه لبنة من الطين، ولا يضعها تحت رأسه (6) بيان: الظاهر أن اللام في الطين للعهد، والمراد طين قبر الحسين عليه السلام كما فهمه الشيخ، وأورد الرواية في أخبار فضل التربة المقدسة.


(1) الكافي ج 3 ص 184. (2) مر في ج 81 ص 355. (3) يعنى في حديث الحلبي عن الصادق (ع). (4) الفقيه ج 1 ص 108. (5) منتهى المطلب ج 1 ص 461. (6) مصباح الطوسى ص 511، وقد أخرجه المؤلف العلامة في كتاب المزار ج 101 ص 136 من من هذه الطبعة وفيه " لبنة من طين الحسين (ع) ".

[46]

33 - العيون والعلل: في علل الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام فان قال: فلم امروا بدفن الميت ؟ قيل لئلا يظهر الناس على فساد جسده وقبح منظره وتغيير ريحه ولا يتأذى به الاحياء وبريحه وربما يدخل عليه من الآفة والفساد وليكون مستورا عن الاولياء والاعداء، فلا يشمت عدو ولا يحزن صديق (1). 34 - ثواب الاعمال واعلام الدين: باسنادهما إلى أبي هريرة وابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من احتفر لمسلم قبرا محتسبا حرمه الله على النار، وبوأه بيتا في الجنة، وأورده حوضا فيه من الاباريق عدد النجوم عرضه ما بين ابلة وصنعاء (2). بيان: الابلة كعتلة موضع بالبصرة أحد جنان الدنيا (3) وفي بعض النسخ بالياء المثناة، وهو بالفتح اسم جبل بين مكة والمدينة قرب ينبع، وبالكسر قرية بباخور، وموضعان آخران ذكرهما الفيروز آبادي. 35 - مجالس الصدوق والعيون: عن محمد بن موسى بن المتوكل وأحمد ابن علي بن إبراهيم بن هاشم ومحمد بن علي ماجيلويه وأحمد بن زياد بن جعفر الهمداني والحسين بن إبراهيم بن ناتانه والحسين بن إبراهيم بن هشام المؤدب و علي بن عبد الله الوراق كلهم، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الصلت


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 114، علل الشرايع ج 1 ص 254. (2) اعلام الدين مخطوط، ثواب الاعمال ص 260، ط بغداد. (3) قال في المراصد: هي بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى في زاوية الخليج الذى يدخل إلى مدينة البصرة، وهى أقدم من البصرة، كأنه قبل أن تمصر البصرة فيها مسالح للفرس وقائد. قال الاصمعي: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق، ونهر بلخ، و نهر الابلة: وحشوش الدنيا ثلاثة: الابلة وسيراف وعمان، وقيل: عمان وأردبيل وهيت، ونهر الابلة الضارب إلى البصرة، وحفرة زياد. انتهى، وحكى عن ثمار القلوب - في هامش طبعة الكمبانى - أن جنان الارض أربعة: ابلة البصرة، وشعب توان بفارس، وسغد ثمرقند، وغوطة دمشق.

[47]

الهروي، عن الرضا عليه السلام في حديث أنه قال له: سيحفر لي في هذا الموضع، فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل وأن يشق لي ضريحه فان أبوا إلا أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبرا، فان الله سيوسعه ما شاء (1). بيان لعل اختيار الشق هنا لامر يخصه عليه السلام أو يخصه ذلك المكان كما أن الحفر سبع مراقي كذلك، ويدل على استحباب توسيع اللحد. 36 - ارشاد المفيد: عن يونس بن عبد الرحمان، عن عبد الاعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أبي استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا فدعوت أربعة من قريش، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه إلى أن قال: وأوصى محمد بن علي إلى جعفر بن محمد وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة وأن يعممه بعمامته وأن يربع قبره ويرفعه أربعة أصابع، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه الحديث (2). ايضاح: " ما هناك " أي من الكتب والسلاح وغيرهما من آثار النبي صلى الله عليه واله وسائر الانبياء عليهم السلام، " والاطمار " جمع الطمر بالكسر، وهو الثوب الخلق والكساء البالي، ولعل المراد به حل عقد الاكفان عند الرأس والرجلين، وقيل أمره أن لا يدفنه في ثيابه المخيطة. 37 - اكمال الدين: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن محمد بن يحيى، عن أبي علي الخيراني، عن جارية لابي محمد عليه السلام أن ام المهدي عليه السلام ماتت في حياة أبي محمد عليه السلام، وعلى قبرها لوح مكتوب عليه: هذا قبر ام محمد (3). بيان: يدل على استحباب نصب علامة في القبر ليعرف ويزار، وعلى استحباب كتابة الاسم عليه، لذلك، لا سيما في من في زيارته مزيد فضل، وإن أمكن تخصيصه به.


(1) أمالى الصدوق ص 392 و 393، عيون الاخبار ج 2 ص 242. (2) ارشاد المفيد ص 254 و 255. (3) اكمال الدين ج 2 ص 105، في حديث.

[48]

قال في الذكرى: يستحب أن يوضع عند رأسه حجر أو خشبة علامة، ليزار ويترحم عليه كما فعل النبي صلى الله عليه واله حيث أمر رجلا بحمل صخرة ليعلم بها قبر عثمان ابن مظعون، فعجز الرجل، فحسر رسول الله صلى الله عليه واله عن ذراعيه فوضعها عند رأسه، وقال: أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهله. وروينا عن يونس بن (1) يعقوب قال: لما رجع الكاظم عليه السلام من بغداد إلى المدينة ماتت ابنة له في رجوعه بفيد، وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها و يكتب على لوح اسمها، ويجعله في القبر، وفيه دلالة على إباحة الكتابة على القبر، وقد روي فيه نهي عن النبي صلى الله عليه واله من طريق العامة ولو صح حمل على الكراهة لانه من زينة الدنيا انتهى. 38 الذكرى: عن حماد اللحام، عن الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه واله في يوم بدر أمر بمواراة كميش الذكر، أي صغيره، وقال: إنه لا يكون إلا في كرام الناس (2). قال الشهيد: وأورده الشيخ في الخلاف (3) والمبسوط (4) عن علي عليه السلام. بيان: قال في الذكرى: لو اشتبه المسلم بالكافر فالاقرب الصلاة على الجميع بنية الصلاة على المسلمين، لتوقف الواجب عليه، ثم ذكر هذه الرواية، وقال: فحينئذ يمكن العمل به في الصلاة في كل مشتبه لعدم تعقل معنى في اختصاص الشهيد، وفي المبسوط أورد الرواية في اشتباه قتلى المسلمين بالمشركين، وبنى عليها الصلاة، ثم قوى ما قلناه أولا، واحتاط بأن يصلى على كل واحد واحد بشرط إسلامه (5).


(1) راجع الكافي ج 3 ص 202، التهذيب ج 1 ص 130. (2) الذكرى: 54. (3) الخلاف ص 509. (4) المبسوط ج 1 ص 182 وقد أشار إليه في ج 2 ص 19 ط المكتبة المرتضويه ص 53 ط حجر أيضا. (5) قال: وان قلنا: انه يصلى على كل واحد منهم منفردا بنية شرط اسلامه - >

[49]

قال في المعتبر: ولو قيل بمواراة الجميع ترجيحا لجانب حرمة المسلم كان صوابا، وهذا فيه طرح للرواية لضعفها، والصلاة على الجميع حينئذ بالطريق الاولى. 39 - العلل: عن علي بن الحسين بن سفيان، عن جعفر بن أحمد بن يوسف عن علي بن نوح الخياط، عن عمرو بن اليسع، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: قال أتي رسول الله صلى الله عليه واله فقيل: إن سعد بن معاذ قد مات، فقام رسول الله صلى الله عليه واله وقام أصحابه، فحمل فأمر فغسل على عضادة الباب. فلما أن حنط وكفن وحمل على سريره، تبعه رسول الله صلى الله عليه واله ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر، فنزل رسول الله صلى الله عليه واله حتى لحده وسوى عليه اللبن، وجعل يقول: ناولني حجرا، ناولني ترابا رطبا، يسد به ما بين اللبن، فلما أن فرغ وحثا التراب عليه، وسوى قبره، قال رسول الله صلى الله عليه واله: إني لاعلم أنه سيبلى ويصل إليه البلى ولكن الله عزوجل يجب عبدا إذا عمل عملا فأحكمه، فلما أن سوى التربة عليه قالت ام سعد من جانب: هنيئا لك الجنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يا ام سعد مه لا تجزمي على ربك، فان سعدا قد أصاب ضمة. قال: ورجع رسول الله صلى الله عليه واله ورجع الناس، فقالوا: يا رسول الله لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء، فقال صلى الله عليه وآله: إن الملائكة كانت بلا حذاء ولا رداء، فتأسيت بها، قالوا: وكنت تأخذ يمنة السرير مرة، ويسرة السرير مرة، قال صلى الله عليه واله: كانت يدي في يد جبرئيل آخذ حيث ما أخذ، فقالوا: أمرت بغسله وصليت على جنازته ولحدته، ثم قلت: أن سعدا قد أصاب ضمة ؟ فقال صلى الله عليه وآله: نعم إنه كان في


< - كان احتياطا، وان قلنا: يصلى عليهم صلاة واحدة وينوى بالصلاة الصلاة على المؤمنين منهم كان قويا.

[50]

خلقه مع أهله سوء (1). توضيح: يدل على استحباب تشريح اللبن على اللحد، وسد فرجها بالطين والحجر، قال في المنتهى: إذا وضعه في اللحد شرج عليه اللبن لئلا يصل التراب إليه، ولا تعلم فيه خلافا، ويقوم مقام اللبن مساويه في المنع من تعدي التراب إليه كالحجر والقصب والخشب، إلا أن اللبن أولى من ذلك كله، لانه المنقول من السلف، المعروف في الاستعمال، وينبغي أن يسد الخلل بالطين، لانه أبلغ في المنع، وروى ما يقاربه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام انتهى. وتركه صلى الله عليه واله الرداء لغير قريبه لعلة خاصة بينها يمنع التأسي مع ما ورد من عموم المنع، واليمنة واليسرة بفتح الياء فيهما الجهتان المعروفتان، وضمة القبر ضغطته. 40 - غيبة الشيخ وفلاح السائل: عن ابن نوح، عن هبة الله بن محمد، عن علي بن أبي جيد القمي، عن علي بن أحمد الدلال قال: ادخلت على أبي جعفر محمد بن عثمان يعني وكيل مولانا المهدي صلوات الله عليه عجل الله فرجه يوما لاسلم عليه، فوجدت بين يديه ساجة، ونقاش بنقش عليها ويكتب عليها آيات من القرآن وأسماء الائمة عليهم السلام من جوانبها، فقلت له: يا سيدي ما هذه الساجة ؟ فقال لي: هذه لقبري تكون فيه اوضع عليها، أو قال اسند إليها، وقد فرغت منه، وأناكل يوم أنزل إليه واقرأ أجزاء من القرآن فيه، وأصعد، وأظنه قال: وأخذ بيدي، و أرانيه فإذا كان من يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا، صرت إلى الله تعالى ودفنت فيه وهذه الساجة معه. قال: فلما خرجت من عنده أثبت ما ذكره، ولم أزل مترقبا ذلك، فما تأخر الامر حتى اعتل أبو جعفر فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله


(1) علل الشرايع ج 1 ص 292، ومثله في الامالي ص 231. (2) التهذيب ج 1 ص 129.

[51]

من السنة التي ذكرها ودفن (1) 41 - فلاح السائل: رأيت في كتاب الاستيعاب في الجزء الرابع أن سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب حفر قبره قبل أن يموت بثلاثة أيام، وكان أخا رسول الله صلى الله عليه واله من الرضاعة. وذكر محمد بن سعيد في الجزء السابع من كتاب الطبقات حفر قبر سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب في حياته، قال: وكان جدي ورام بن أبي فراس قدس الله جل جلاله روحه - وهو ممن يقتدى بفعله - قد أوصى أن يجعل في فمه بعد وفاته فص عقيق عليه أسماء أئمته صلوات الله عليهم، فنقشت أنا فصا عقيقا عليه " الله ربي، ومحمد نبيي، وعلي - وسميت الائمة عليهم السلام إلى آخرهم - أئمتي ووسيلتي " وأوصيت أن يجعل في فمي بعد الموت ليكون جواب الملكين عند المسألة في القبر سهلا إن شاء الله. ورأيت في كتاب ربيع الابرار للزمخشري في باب اللباس والحلي عن بعض الاموات أنه كتب على فص شهادة أن لا إله إلا الله، وأوصى أن يجعل في فمه عند موته (2). ثم قال: ويجعل معه شئ من تربة الحسين عليه السلام فقد روي أنه أمان (3). وروي عن النبي صلى الله عليه واله أن أول ما يبشر به المؤمن أن يقال له: قدمت خير مقدم، قد غفر الله لمن شيعك، واستجاب لمن استغفر لك، وقبل ممن شهد لك (4). ثم يلقن الميت ويشرج اللبن عليه ويقول: " اللهم صل وحدته، وآنس وحشته، وارحم غربته، وأسكن إليه من رحمتك رحمة يستغنى بها عن رحمة من سواك، واحشره مع من كان يتولاه " (5). فإذا فرغ من تشريج اللبن عليه خرج من القبر من جهة رجليه، وأهال


(1) غيبة الشيخ الطوسى ص 237، فلاح السائل ص 74. (2) فلاح السائل ص 74 و 75. (3 - 5) فلاح السائل ص 84.

[52]

التراب عليه، ويهيل من حضر هناك بظهور أكفهم إلا من كانت له به رحم، ويقولون إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانا وتسليما (1). بيان: الاكتفاء في وضع الفص في فم الميت بمثل ذلك لا يخلو من إشكال ولم أر غيره قدس الله روحه تعرض لذلك. 42 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه واله: لكل شئ باب، وباب القبر عند رجلي الميت، ويستحب أن ينزل القبر حافيا مكشوف الرأس. بيان: روى الجزء الاول الشيخ بسند فيه جهالة عن جبير بن نفير (2) الحضرمي عنه صلى الله عليه واله ويمكن أن يستدل به على استحباب الدخول والخروج وإدخال الميت من قبل الرجلين، لان الباب محل جميع ذلك، ولعل العلامة - ره - لذلك قال في المنتهى باستحباب الدخول أيضا من قبل الرجلين، حيث قال: يستحب له أن يخرج من قبل الرجلين لانه قد استحب الدخول منه، فكذا الخروج، ولقوله عليه السلام: باب القبر من قبل الرجلين. أقول: لم أر غيره تعرض لاستحباب ذلك عند الدخول، ولعله لضعف دلالة الخبر، مع أنه روى الكليني عن العدة (3) عن سهل رفعه قال: قال: يدخل الرجل القبر من حيث يشاء، ولا يخرج إلا من قبل رجليه، بل يمكن أن يقال ظاهر الخبر بيان إدخال الميت منه، لان القبر بيته، والمقصود إدخاله. ويؤيده ما رواه الشيخ في الموثق (4) عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لكل شئ باب وباب القبر مما يلي الرجلين، إذا وضعت الجنازة، فضعها مما يلى الرجلين، يخرج الرجل مما يلي الرجلين، ويدعى له حتى يوضع في حفرته،


(1) فلاح السائل ص 85. (2) التهذيب ج 1 ص 90. (3) الكافي ج 3 ص 193. (4) التهذيب ج 1 ص 90.

[53]

ويسوى عليه التراب. والحاصل أن عموم الخبر وشموله لما ذكر غير معلوم إذ يكفي ذلك في إطلاق الباب عليه، وأما الخروج من قبل الرجلين فروى الكليني أيضا بسند فيه (1) ضعف على المشهور بالسكوني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من دخل القبر فلا يخرج إلا من قبل الرجلين. وفيه أيضا إيماء إلى تجويز الدخول من أي جهة شاء. وقال في الذكرى: يستحب الخروج من قبل الرجلين لخبر عمار " لكل شئ باب وباب القبر مما يلي الرجلين " ولرواية السكوني والظاهر أن هذا النفي أو النهي للكراهية، ووافق ابن الجنيد في الرجل، وقال في المرءة يخرج من قبل رأسها لا نزالها عرضا، أو للبعد عن العورة، والاحاديث مطلقة انتهى. وأما الحفاء وكشف الرأس فقد مر الكلام فيهما. 43 - دعوات الراوندي: قال الصادق عليه السلام: إذا نظرت إلى القبر فقل " اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران ". وقال: إذا تناولت الميت فقل " بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله اللهم إلى رحمتك لا إلى عذابك " ثم تسل الميت سلا فإذا وضعته في قبره فضعه على يمينه مستقبل القبلة، وحل عقد كفنه وضع خده على التراب وقل: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، واقرأ الحمد وقل هو الله أحد، و المعوذتين، وآية الكرسي، ثم قل: " اللهم يا رب عبدك وابن عبدك نزل بك وأنت خير منزول به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، وألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه واله وصالح شيعته، واهدنا وإياه إلى صراط مستقيم، اللهم عفوك عفوك " ثم تضع يدك اليسرى على عضده الايسر وتحركه تحريكا شديدا ثم تدني فمك إلى اذنه وتقول: يا فلان إذا سئلت فقل: الله ربي، ومحمد نبيي والاسلام ديني، والقرآن كتابي وعلي إمامي حتى تسوق الائمة عليهم السلام، ثم تعود القول عليه ثم تقول " أفهمت يا فلان ؟ "


(1) الكافي ج 3 ص 193.

[54]

وقال عليه السلام فأنه يجيب ويقول: نعم، ثم تقول: " ثبتك الله بالقول الثابت وهداك الله إلى صراط مستقيم عرف الله بينك وبين أوليائك في مستقر من رحمته ". ثم تقول: " اللهم جاف الارض عن جنبيه، واصعد بروحه إليك، ولقنه منك برهانا، اللهم عفوك عفوك " ثم تضع الطين واللبن وإذا وضعت الطين و اللبن تقول: " اللهم صل وحدته، وآنس وحشته، وآمن روعته، وأسكن إليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك، فانما رحمتك للظالمين. ثم تخرج من القبر وتقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ارفع درجته في أعلا عليين واخلف عى عقبه في الغابرين، وعندك نحتسبه يا رب العالمين ". فلما أن دفنوه تضع كفك على قبره عند رأسه، وفرج أصابعك، واغمز كفك عليه بعد ما تنضح بالماء، فإذا انصرفوا فضع الفم عند رأسه وتناديه بأعلا صوت " يا فلان بن فلان هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه واله وأن عليا أمير المؤمنين إمامك، وفلان وفلان حتى تأتي إلى آخرهم، فانه إذا فعل ذلك قال أحد الملكين لصاحبه: قد كفينا الدخول إليه في مسئلتنا إليه، فانه يلقن، فينصرفان عنه ولا يدخلان إليه. وقال: السنة في رش الماء أن تستقبل القبلة، وتبدء من عند الرأس إلى عند الرجل، ثم تدور على القبر من الجانب الآخر، ثم ترش على وسط القبر. وقال عليه السلام إذا جئت بالميت، ضعه دون قبره بذراعين أو ثلاث، ودعه حتى يتأهب للقبر ولا تفدحه به. وقال النبي صلى الله عليه واله ما من أحذ يقول عند قبر ميت إذا دفن ثلاث مرات: " اللهم إني أسئلك بحق محمد وآل محمد أن لا تعذب هذا الميت " إلا رفع الله عنه العذاب إلى يوم ينفخ في الصور. وعن الرضا عليه السلام من أتى قبر أخيه فوضع يده على القبر وقرء " إنا أنزلناه " سبع مرات أمن من الفزع الاكبر.

[55]

وعن أبى المقدام قال: مررت مع ابي جعفر عليه السلام بالبقيع فمررنا بقبر رجل من الشيعة قال فوقف عليه ثم قال: " اللهم ارحم غربته، وصل وحدته، وآنس وحشته، وأسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك وألحقه بمن كان يتولاه ". بيان: كلمة " من " في قوله: " من رحمتك " بيانية أو سببية، قوله: " وعندك نحتسبه " أي أجر مصيبته أي أصبر عليها احتسابا وطلبا للاجر، أو الضمير راجع إلى [ما فعل من الدفن وغيره بهذا المعنى أو راجع إلى] الميت، بمعنى أني أظنه عندك في جواز رحمتك وكرامتك، أو عند أوليائك. 44 - كنز الكراجكى: عن أسد بن إبراهيم السلمي والحسين بن محمد الصيرفي معا عن أبي بكر المفيد الجرجرائي، عن أبي الدنيا المعمر المغربي، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: لا تتخذوا قبري عيدا، ولا تتخذوا قبوركم مساجد، ولا بيوتكم قبورا الخبر. 45 - مجالس الشيخ: عن المفيد، عن إبراهيم بن الحسن بن جمهور، عن أبي بكر مثله (1). توضيح: هذا الخبر رواه في فردوس الاخبار وغيره من كتب المخالفين عن علي عليه السلام، وقال الطيبي في شرح المشكوة في قوله صلى الله عليه واله: " لا تتخذوا قبري عيدا " أي لا تجعلوا زيارة قبري عيدا أو قبري مظهر عيد، أي لا تجتمعوا لزيارتي اجتماعكم للعيد، فانه يوم لهو وسرور، وحال الزيارة بخلافة، وكان دأب أهل الكتاب فأورثهم القسوة، ومن هجيرى (2) عبدة الاوثان حتى عبدوا الاموات، أو اسم من الاعتياد من عاده واعتاده إذا صار عادة له، واعتياده يؤدي إلى سوء الادب و ارتفاع الحشمة، ويؤيده قوله " فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم " أي لا تتكلفوا المعاودة


(1) لا يوجد في المصدر المطبوع. (2) الهجير مثال الفسيق: الدأب والعادة وكذلك الهجيرى والاهجيرى. قاله الجوهرى.

[56]

إلى فقد استغنيتم عنه بالصلاة على. وقال في شرح الشفاء: ويحتمل كون النهي لرفع المشقة عن امته، أو لكراهة أن يجاوزوا في تعظيم قبره، فيقسو به، وربما يؤدي إلى الكفر، و قال الكرماني في شرح البخاري: بيان ملائمه الصدر للعجز أن معناه لا تجعلوا بيوتكم كالقبور الخالية عن عبادة الله، وكذا لا تجعلوا القبور كالبيوت محلا للاعتياد لحوائجكم ومكانا للعيادة، أو مرجعا للسرور والزينة كالعيد. وفي النهاية في قوله صلى الله عليه واله: " لا تجعلوا بيوتكم مقابر " أي لا تجعلوها لكم كالقبور فلا تصلوا فيها، لان العبد إذا مات وصار في قبره لم يصل، ويشهد له قوله: فيه " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا " وقيل معناه لا تجعلوها كالمقابر التي لا تجوز الصلاة فيها، والاول أوجه انتهى. وقال الطيبي في شرح المشكوة: هذا محتمل لمعان أحدها أن القبور مساكن الاموات الذين سقط عنهم التكليف، فلا يصلى فيها، وليس كذلك البيوت فصلوا فيها، وثانيها أنكم نهيتم عن الصلاة في المقابر لاعنها في البيوت، فصلوا فيها ولا تشبهوها بها، والثالث أن مثل الذاكر كالحي وغير الذاكر كالميت فمن لم يصل في البيت جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر، والرابع قول الخطابي لا تجعلوا بيوتكم أوطانا للنوم، فلا تصلوا فيها، فان النوم أخو الموت، وقد حمل بعضهم على النهي عن الدفن في البيوت، وذلك ذهاب عما يقتضيه نسق الكلام، على أنه صلى الله عليه واله دفن في بيت عايشة مخافة أن يتخذوه مسجدا. وقال الطيبي في شرح ما رووه عن النبي صلى الله عليه واله " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " كانوا يجعلونها قبلة يسجدون إليها في الصلاة، كالوثن، أما من اتخذ مسجدا في جوار رجل صالح أو صلى في مقبرة قاصدا بها الاستظهار بروحه، أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التوجه إليه والتعظيم له، فلا حرج عليه، ألا يرى أن مرقد إسماعيل في الحجر في المسجد الحرام والصلاة فيه أفضل.

[57]

أقول: سيأتي تمام القول فيه في كتاب الصلاة. 46 - الهداية: إذا نظرت إلى القبر فقل: " اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة، ولا تجعلها حفرة من حفر النيران " (1). وقال النبي صلى الله عليه واله لكل شئ باب وباب القبر عند رجلي الميت، والمرءة تؤخذ بالعرض من قبل اللحد، والرجل من قبل رجليه يسل سلا، ويدخل القبر من يأمره الولى ولي الميت إن شاء شفعا وإن شاء وترا (2). وقال الصادق عليه السلام: إذا دخلت القبر فاقرأ ام الكتاب والمعوذتين وآية الكرسي (3). وقال عليه السلام: إذا وضعت الميت في لحده فضعه على يمينه مستقبل القبلة، وحل عقد كفنه، وضع خده على التراب (4). وقال صلوات الله عليه: يقول من يضع الميت في لحده " اللهم جاف الارض عن جنبيه، وصعد إليك روحه، ولقه منك رضوانا " ثم يضع يده اليسرى على منكبه الايسر، ويدخل يده اليمنى تحت منكبه الايمن ويحركه تحريكا شديدا ويقول: يا فلان بن فلان، حتى ينتهي إلى القائم عليه السلام - أئمتك أئمة هدى أبرار " ثم يعيد عليه التلقين مرة اخرى (5). وقال عليه السلام: إذا وضعت اللبن على اللحد فقل: " اللهم آنس وحشته، ووصل وحدته، وارحم غربته، وآمن روعته، وأسكن إليه رحمة واسعة يستغني بها عن رحمة من سواك، واحشره مع من كان يتولاه " وتقول متى زرته هذا القول (6).


(1 - 2) الهداية ص 26. (3) كأنه سقط عن المطبوعة. (4 - 6) الهداية: 27.

[58]

وقال عليه السلام: إذا خرجت من القبر فقل وأنت تنقض يديك من التراب " إنا لله وإنا إليه راجعون " ثم احث التراب عليه بظهر كفيك ثلاث مرات، وقل " اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله " فانه من فعل ذلك وقال هذه الكلمات، كتب الله له بكل ذرة حسنة (1). وقال - رحمه الله -: إذا سوى قبر الميت فصب على قبره الماء، وتجعل القبر أمامك وأنت مستقبل القبله، وتبدأ بصب الماء عند رأسه وتدور به على قبره من أربعة جوانبه حتى ترجع إلى الرأس من غير أن تقطع الماء، فان فضل من الماء شئ فصبه على وسط القبر. وقال الصادق عليه السلام: والرش بالماء على القبر حسن، يعني في كل وقت (2). أقول: قد مر كثير من الاخبار المناسبة للباب في باب التجهيز، وباب التكفين، وباب الصلاة على الميت، لاسيما خبر دفن فاطمة بنت أسد رضي الله عنها، وخبر دفن إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه واله، وهما مشتملان على أحكام، و سيأتي ذكر الصلاة بعد الدفن في كتاب الصلاة.


(1) المصدر: 27. (2) الهداية ص 28.

[59]

13. { باب } * { شهادة أربعن للميت } * 1 - المصباح: نسخة الكتاب الذي يوضع عند الجريدة مع الميت، يقول قبل أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه واله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور " ثم يكتب " بسم الله الرحمن الرحيم شهد الشهود المسمون في هذا الكتاب أن أخاهم في الله عزوجل فلان بن فلان - ويذكر اسم الرجل - أشهدهم واستودعهم وأقر عندهم أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه مقر بجميع الانبياء والرسل عليهم السلام، وأن عليا ولي الله وإمامه، وأن الائمة من ولده أئمته، وأن أولهم الحسن، والحسين، وعلي بن الحسين ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والقائم الحجة عليهم السلام، وأن الجنة حق، والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأن محمدا صلى الله عليه واله رسوله جاء بالحق وأن عليا ولي الله والخليفة من بعد رسول الله صلى الله عليه واله ومستخلفه في امته، مؤديا لامر ربه تبارك وتعالى، وأن فاطمة بنت رسول الله، وابنيها الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله، وسبطاه وإماما الهدى وقائدا الرحمة وأن عليا ومحمدا وجعفرا وموسى وعليا ومحمدا وعليا وحسنا والحجة عليهم السلام أئمة وقادة ودعاة إلى الله عزوجل وحجة على عباده، ثم يقول لشهود يا فلان ويا فلان المسمين في هذا الكتاب اثبتوا إلى هذه الشهادة عندكم حتى تلقوني بها عند الحوض.

[60]

ثم يقول الشهود: يا فلان نستودعك الله والشهادة والاقرار والاخاء موعودة عند رسول الله صلى الله عليه واله، ونقرء عليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم تطوى الصحيفة وتطبع وتختم بخاتم الشهود، وخاتم الميت، وتوضع عن يمين الميت مع الجريدة، وتكتب الصحيفة بكافور وعود على جبهته غير مطيب إنشاء الله تعالى وبه التوفيق. وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الاخيار الابرار وسلم تسليما. بيان: قوله: وأن أولهم الحسن والحسين، لعل اسم إن مقدر فيما بعد الاول بما يناسبه، أو الحسين معطوف على الاول، وخبره وخبر ما بعده مقدر، وقوله عليه السلام: " والشهادة " مبتدأ وما بعده معطوف عليه، وموعودة خبر للجميع. قوله: " وعود " لعل المعنى أنه يكتب بعود غير مطيب مكان القلم، و قوله: " على جبهته " أي من غير أن يبرى أو المعنى من غير أن يضم إلى الكافور أو يلطخ العود بشئ مطيب أو مطلقا كالمداد، واحتمال كون العود جزءا للمداد بعيد جدا. 2 - عدة الداعي: روى محمد بن خالد البرقي، عن بعض أصحابنا، عن الصادق عليه السلام قال: كان في بني إسرائيل عابد فأوحى الله إلى داود أنه مراء، قال: ثم إنه مات فلم يشهد جنازته داود عليه السلام، قال: فقام أربعون من بني إسرائيل فقالوا اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا، فاغفر له، قال: فلما غسل أتى أربعون غير الاربعين. وقالوا اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا فاغفر له، فلما وضع في قبره قام أربعون غيرهم فقالوا اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا وأنت أعلم به منا فاغفر له. قال: فأوحى الله إلى داود عليه السلام ما منعك أن تصلي عليه ؟ فقال داود: للذي أخبرتني، قال: فأوحى الله إليه أنه قد شهد قوم فأجزت شهادتهم، وغفرت له ما علمت مما لا يعلمون.

[61]

3 - كتاب الحسين بن السعيد: عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن سعد الاسكاف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان في بني إسرائيل عابد فأعجب به داود عليه السلام فأوحى الله تبارك وتعالى: لا يعجبك شئ من أمره فانه مراء، قال: فمات الرجل فأتي داود فقيل له: مات الرجل، فقال: ادفنوا صاحبكم، قال فأنكرت ذلك بنوا إسرائيل، وقالوا: كيف لم يحضره، قال: فلما غسل قام خمسون رجل فشهدوا بالله ما يعلمون منه إلا خيرا فلما صلوا عليه قام خمسون رجلا فشهدوا بالله ما يعلمون إلا خيرا، قال: فأوحى الله عزوجل إلى داود عليه السلام ما منعك أن تشهد فلانا ؟ قال: الذي اطلعتني عليه من أمره، قال: إن كان لكذلك ولكن شهده قوم من الاحبار والرهبان فشهدوا لي ما يعلمون إلا خيرا فأجزت شهادتم عليه، وغفرت له علمي فيه.

[62]

14 - * { باب } * * { استحباب الصلاة عن الميت والصوم } * * { والحج والصدقة والبر والعتق عنه } * * { والدعاء له والترحم عليه وبيان ما يوجب } * * { التخلص من شدة الموت وعذاب القبر وبعده } * 1 - الفقيه: باسناده، عن عمر بن يزيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: نصلي عن الميت ؟ قال: نعم، حتى أنه ليكون في ضيق فيوسع الله عليه ذلك الضيق، ثم يؤتى فيقال له: خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك، قال: فقلت له: فأشرك بين رجلين في ركعتين ؟ قال: نعم (1). قال: وقال عليه السلام: إن الميت ليفرح بالترحم عليه والاستغفار له، كما يفرح الحي بالهدية تهدى إليه (2). 2 - عدة الداعي: قال الصادق عليه السلام: يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء، ويكتب أجره للذي يفعله وللميت. قال: وقال عليه السلام: من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا أضعف الله له أجره ونفع الله به الميت. وقال: قال النبي صلى الله عليه واله ما يمنع أحدكم أن يبر والديه حيين وميتين يصلي عنهما ويتصدق عنهما ويصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما وله مثل ذلك فيزيده الله ببره خيرا كثيرا (3).


(1 - 2) الفقيه ج 1 ص 117. (3) عدة الداعي ص 58.

[63]

مشكوة الانوار: نقلا من كتاب المحاسن، عن الصادق عليه السلام مثله (1). 3 - عدة الداعي: عن النبي صلى الله عليه واله قال: ومن دخل المقابر وقرء سورة يس خفف الله عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات. 4 - الكافي: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن صفوان بن يحيى، عن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما يلحق الرجل بعد موته ؟ فقال: سنة سنها يعمل بها بعد موته، فيكون له مثل أجر من يعمل بها من غير أن ينتقص من اجورهم شئ، والصدقة الجارية تجري من بعده، والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما، ويحج ويتصدق ويعتق عنهما، ويصلي ويصوم عنهما، فقلت: أشركهما في حجتي ؟ قال: نعم (2). 5 - التهذيب: باسناده، عن محمد بن عبد الحميد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يصلي عن ولده في كل ليلة ركعتين، وعن والديه في كل يوم ركعتين، قلت له: جعلت فداك كيف صار للولد الليل ؟ قال: لان الفراش للولد. قال: وكان يقرء فيهما " إنا أنزلناه في ليلة القدر " و " إنا أعطيناك الكوثر " (3). 6 - المحاسن: عن أبيه، عن أبان بن عثمان، عن معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي شئ يلحق الرجل بعد موته ؟ قال: يلحقه الصلاة عنه، والصدقة عنه، والحج عنه (4) 7 - تنبيه الخاطر: للورام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا تصدق الرجل بنية الميت أمر الله جبرئيل أن يحمل إلى قبره سبعين ألف ملك، في يد كل ملك


(1) مشكاة الانوار: 159. (2) الكافي ج 7 ص 56. (3) التهذيب ج 1 ص 132. (4) المحاسن ص 72.

[64]

طبق فيحملون إلى قبره، ويقولون: السلام عليك يا ولي الله، هذه هدية فلان ابن فلان إليك، فيتلألأ قبره، وأعطاه الله ألف مدينة في الجنة وزوجه ألف حوراء، وألبسه ألف حلة، وقضى له ألف حاجة. ومنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا قرء المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لاهل القبور جعل الله تعالى له من كل حرف ملكا يسبح له إلى يوم القيامة. 8 - دعوات الراوندي: قال الصادق عليه السلام: من قال سبعين مرة: يا أسمع السامعين ويا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ويا أحكم الحاكمين، فأنا ضامن له في دنياه وآخرته أن يلقاه الله ببشارة عند الموت، وله بكل كلمة بيت في الجنة. وقال النبي صلى الله عليه واله: أكثروا الصلاة علي فان الصلاة علي نور في القبر، ونور على الصراط، ونور في الجنة. وقال أبو عبد الله عليه السلام من قرء سورة ن في فريضة أو نافلة أعاذه الله من ضمة القبر، وأوحي الله إلى موسى عليه السلام قم في ظلمة الليل أجعل قبرك روضة من رياض الجنة. وقال النبي صلى الله عليه واله: زوروا قبور موتاكم وسلموا عليهم، فان لكم فيهم عبرة. وقال أبو جعفر عليه السلام: من أتم ركوعه لم يدخله وحشة في القبر. وعن داود الرقي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام يقوم الرجل عند قبر قريبه أو غير قريبه هل ينفعه ذلك ؟ قال: نعم إن ذلك يدخل عليه كما يدخل على أحدكم الهدية يفرح بها. وقال ابن عباس إن رجلا ضرب خباءه على قبر ولم يعلم أنه قبر، فقرء " تبارك الذي بيده الملك " فسمع صائحا يقول ؟: هي المنجية، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه واله فقال: هي المنجبة من عذاب القبر.

[65]

9 - مشكوة الانوار: من كتاب المحاسن، عن الباقر عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله من أعظم حقا على الرجل ؟ قال: والداه (1). وقال عليه السلام: إن الرجل يكون بارا بوالديه وهما حيان، فإذا لم يستغفر لهما كتب عاقا لهما، وإن الرجل ليكون عاقا لهما في حياتهما فإذا ماتا أكثر الاستغفار لهما فكتب بارا (2). وقال الصادق عليه السلام من أحب أن يخفف الله عنه سكرات الموت، فليكن بقرابته وصولا، وبوالديه بارا، فإذا كان كذلك هون الله عليه سكرات الموت ولم يصبه في حياته فقر أبدا (3). وعنه عليه السلام قال: من حق الوالدين على ولدهما أن يقضي ديونهما، ويوفي نذورهما ولا يستسب لهما، فإذا فعل ذلك كان بارا بهما وإن كان عاقا لهما في حياتهما، وإن لم يقض ديونهما، ولم يوف نذورهما، واستسب لهما كان عاقا، و إن كان بارا بهما في حياتهما (4). أقول: سيأتي أخبار إيقاع الصلاة والعبادات للميت في كتاب الصلاة، و أحاديث فضل زيارة المؤمن وآدابها في كتاب المزار، وإنما أوردنا ههنا شذرا منهما لئلا يخلو هذا المجلد منهما، وأخبار ما يوجب النجاة من شدائد الموت والقبر، و أهوال القيامة مفرقة على الابواب وأوردنا طرفا منها في كتاب المعاد.


(1 - 2) مشكاة الانوار: 158. (3) مشكاة الانوار ص 162. (4) مشكاة الانوار ص 163.

[66]

15. * { باب } * * { نقل الموتى والزيارة بهم } * 1 - كامل الزيارات: عن محمد بن يعقوب، عن أبي علي الاشعري، عمن ذكره، عن محمد بن سنان وحدثني محمد الحميري، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أوحي إلى نوح وهو في السفينة أن يطوف بالبيت اسبوعا، فطاف بالبيت اسبوعا كما أوحى الله إليه، ثم نزل في الماء إلى ركبتيه، فاستخرج تابوتا فيه عظام آدم عليه السلام، فحمل التابوت في جوف السفينة حتى طاف بالبيت ما شاء الله أن يطوف ثم ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها، ففيها قال الله للارض " ابلعي ماءك " فبلعت ماءها من مسجد الكوفة كما بدأ الماء من مسجدها، وتفرق الجمع الذي كان مع نوح في السفينة، فأخذ نوح التابوت فدفنه في الغري (1). 2 - الكافي: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد بن شيرة، عن علي ابن سليمان قال: كتبت إليه أسأله عن الميت يموت بعرفات يدفن بعرفات أو ينقل إلى الحرم ؟ فأيهما أفضل ؟ فكتب: يحمل إلى الحرم ويدفن فهو أفضل (2). التهذيب: عن محمد بن عيسى، عن علي بن محمد، عن سليمان قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن الميت يموت بمنى أو عرفات الوهم منى، ثم ذكر مثله (3). 3 - دعائم الاسلام: عن علي عليه السلام أنه رفع إليه أن رجلا مات


(1) كامل الزيارات: 38 و 39. (2) الكافي ج 4 ص 543. (3) التهذيب ج 1 ص 580.

[67]

بالرستاق (1) فحملوه إلى الكوفة فانهكهم عقوبة وقال: ادفنوا الاجساد في مصارعها ولا تفعلوا كفعل اليهود، ينقلون موتاهم إلى بيت المقدس (2). وقال: إنه لما كان يوم احد أقبلت الانصار لتحمل قتلاها إلى دورها، فأمر رسول الله صلى الله عليه واله مناديا فنادى: ادفنوا الاجساد في مصارعها (3). قصص الانبياء: للراوندي بأسانيده إلى الصدوق، عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما مات يعقوب عليه السلام حمله يوسف عليه السلام في تابوت إلى أرض الشام فدفنه في بيت المقدس. 4 - العيون والعلل والخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي الحسن عليه السلام أنه قال: احتبس القمر عن بني إسرائيل فأوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام أن أخرج عظام يوسف عليه السلام من مصر، ووعده طلوع القمر إذا أخرج عظامه، فسأل موسى عليه السلام عن من يعلم موضعه، فقيل له: ههنا عجوز تعلم علمه، فبعث إليها فأتي بعجوز مقعدة عمياء فقال لها: أتعرفين موضع قبر يوسف، قالت: نعم، قال: فأخبريني به قالت: لا حتى تعطيني أربع خصال: تطلق لي رجلي، وتعيد إلى شبابى، و تعيد إلى بصري، وتجعلني معك في الجنة. قال: فكبر ذلك على موسى عليه السلام فأوحى الله عز وجل: يا موسى أعطها ما سألت، فانك إنما تعطي على، ففعل فدلته عليه فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر، فلما أخرجه طلع القمر فحمله إلى الشام فلذلك يحمل أهل الكتاب


(1) الرستاق: معرب رزداق بمعنى القرية، وزاد في المصدر أنه كان على رأس فرسخ من الكوفة. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 238.

[68]

موتاهم إلى الشام (1). بيان: الظاهر أن خروجهم من مصر ودخولهم البحر كانا موقوفين على طلوع القمر، وكان أوحى إلى موسى عليه السلام أنه لا يطلع القمر حتى تخرج عظام يوسف. 5 - ارشاد القلوب: للديلمي، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان إذا أراد الخلوة بنفسه أتى طرف الغري، فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف فإذا رجل قد أقبل من البرية راكبا على ناقة وقدامه جنازة فحين رأى عليا عليه السلام قصده حتى وصل إليه وسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: من أين ؟ قال: من اليمن قال: وما هذه الجنازة التي معك ؟ قال: جنازة أبي لادفنه في هذه الارض، فقال له علي عليه السلام: لم لا دفنته في أرضكم ؟ قال: أوصى بذلك وقال: إنه يدفن هناك رجل يدعى في شفاعته مثل ربيعة ومضر فقال عليه السلام له: أتعرف ذلك الرجل ؟ قال لا قال: أنا والله ذلك الرجل، ثلاثا، فادفن فقام ودفنه. 6 - المصباح: قال: لا ينقل الميت من بلد إلى بلد، فان نقل إلى المشاهد كان فيه فضل، ما لم يدفن، وقد رويت بجواز نقله إلى بعض المشاهد رواية والاول أفضل (2). 7 - النهاية للشيخ: فإذا دفن في موضع فلا يجوز تحويله من موضعه، و قد وردت رواية بجواز نقله إلى بعض مشاهد الائمة عليهم السلام سمعناها مذاكرة والاصل ما قدمناه (3). 8 - مجمع البيان: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث قال: لما مات يعقوب حمله يوسف عليه السلام في تابوت إلى أرض الشام فدفنه في بيت المقدس (4).


(1) عيون الاخبار ج 1 ص 259، علل الشرايع ج 1 ص 280 الخصال ج 1 ص 96. (2) مصباح الشيخ ص 17. (3) النهاية: ص 10. (4) مجمع البيان ج 5 ص 266.

[69]

تبيين: اعلم أن المشهور بين الاصحاب كراهة نقل الميت إلى غير بلد موته من غير المشاهد المشرفة، بل نقل المحقق في المعتبر والعلامة في التذكرة وغيرهما إجماع العلماء عليه، والمشهور بينهم جواز النقل إلى المشاهد بل استحبابه وقال في المعتبر: إنه مذهب علمائنا خاصة، قال: وعليه عمل الاصحاب من زمن الائمة عليهم السلام إلى الان، وهو مشهور بينهم لا يتناكرونه. ونقل عمل الامامية وإجماعهم على ذلك في التذكرة والذكرى، واستدل في الذكرى بحديث عظام يوسف، وقال في التذكرة ولان موسى عليه السلام لما حضرته الوفاة سأل الله عزوجل أن يدنيه إلى الارض المقدسة رمية حجر، قال النبي صلى الله عليه واله لو كنت ثم لاريتكم قبره عند الكثيب الاحمر. وقال المفيد في العزية: وقد جاء حديث يدل على رخصة في نقل الميت إلى بعض مشاهد آل الرسول صلى الله عليه واله إن وصى الميت بذلك، وقال صاحب الجامع لو مات بعرفة فالافضل نقله إلى الحرم. ثم قال الشهيد - ره - ولو كان هناك مقبرة بها قوم صالحون، أو شهداء استحب الحمل إليها، لتناله بركتهم وبركة زيارتهم، ولو كان بمكة أو بالمدينة فبمقبرتيهما أما الشهيد فالاولى دفنه حيث قتل، لما روي عن النبي صلى الله عليه واله ادفنوا القتلى في مصارعهم ثم قال: ويستحب جمع الاقارب في مقبرة، لان النبي صلى الله عليه واله لما دفن عثمان ابن مظعون قال: أدفن إليه من مات من أهله، ولانه أسهل لزيارتهم فيقدم الاب ثم من يليه في الفضل، والذكر على الانثى. انتهى. وقال الشهيد الثاني - ره -: يجب تقييد جواز النقل إلى المشاهد بما إذا لم يخف هتك الميت لبعد المسافة أو غيرها، ولا يخفى متانته، لانه هتك لحرمة الميت وإضرار بالمؤمنين، مع أن النقل المنقول عن الاصحاب وفي الاخبار المعتبرة إنما كان من المسافات القريبة التي لم يستلزم النقل إليها مثل ذلك. هذا كله في النقل قبل الدفن فأما بعده فالاكثر على عدم جوازه، وجوز الشيخ وجماعة نقله إلى المشاهد المشرفة، وقال ابن إدريس: لا يجوز نقله،

[70]

وهو بدعة في شريعة الاسلام، سواء كان النقل إلى مشهد أو غيره، وأسند الجواز في التذكرة إلى بعض علمائنا، وجعله ابن حمزة مكروها، وقال ابن الجنيد ولا بأس بتحويل الموتى من الارض المغصوبة ولصلاح يراد بالميت. والمسألة في غاية الاشكال إذ الاخبار الدالة على النقل بعضها غير جيدة الاسناد، وغير مذكورة في الاصول المعتبرة، وبعضها دالة على الجواز قبل الدفن ومن الامكنة القريبة، وبعضها حكاية لما وقع في الشريعة الغري والحاير على مشرفهما الصلاة والسلام، والعمدة في تحريم النبش الاجماع وإثباته هيهنا مشكل لقول جماعة من الاصحاب بالجواز، والله يعلم حقايق الاحكام، ونرجو من فضله سبحانه أن لا يقبضنا إلا في تلك الاماكن المقدسة لئلا يشكل الامر على من يتولى أمرنا، والله ولي التوفيق. 9 - ارشاد المفيد: عن عبد الله بن إبراهيم، عن زياد المخارقي قال: لما حضرت الحسن عليه السلام الوفاة استدعى الحسين عليه السلام فقال له: يا أخي إني مفارقك ولا حق بربي، فإذا قضيت نحبى فغمضني وغسلني وكفني، واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه واله لاجدد به عهدا، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة فادفني هناك (1) بيان: أقول: روي هذا المضمون في أخبار كثيرة تقدمت في باب شهادة الحسن عليه السلام ويدل على استحباب تقريب الميت إلى الضرايح المقدسة والزيارة بهم كما هو الشايع في المشاهد المقدسة، وعلى استحباب الدفن بقرب الاقارب والصلحاء والمقدسين، ويشهد بذلك دفن ثلاثة من الائمة بعده بجنبه صلوات الله عليهم أجمعين وفي الصحاح النحب النذر والمدة والوقت، يقال: قضى فلان نحبه: إذا مات


(1) ارشاد المفيد ص 174.

[71]

16. * { باب } * * { التعزية والماتم وآدابهما وأحكامهما } * 1 - العلل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن العباس بن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله، أو عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ينبغي لصاحب المصيبة أن لا يلبس الرداء، وأن يكون في قميص حتى يعرف، وينبغي لجيرانه أن يطعموا عنه ثلاثة أيام. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: ملعون من وضع رداءه في مصيبة غيره (1). تبيين: ظاهره استحباب وضع الرداء لصاحب المصيبة والظاهر الرجوع في ذلك إلى العرف، ويحتمل أن يكون بناؤه على شدة التأثر والتألم أو الارتباط والخلطة لا القرابة، والاول أظهر، ويظهر منه أن المراد بالرداء الثوب المتعارف الذي يلبسه الناس فوق الثياب (2) غالبا ليكون وضعه سببا للامتياز، ومن هذا التعليل فهموا غير ذلك من أنواع الامتياز خصوصا في الازمنة التي لا يصلح وضع الرداء للامتياز، وظاهر الخبر المرسل تحريم وضع الرداء لغير صاحب المصيبة كما ذهب إليه ابن حمزة، وإثبات التحريم بمثله مشكل، والاحوط الترك وقد مر الكلام فيه في باب التشييع. وأما استحباب بعث الطعام ثلاثة أيام إلى صاحب المصيبة، فلا خلاف بين الاصحاب في ذلك، وفيه إيماء إلى استحباب اتخاذ المأتم ثلاثة بل على استحباب تعاهدهم وتعزيتهم ثلاثة أيضا فان الاطعام عنه يدل على اجتماع الناس للمصيبة. قال في الذكرى: بعد ذكر بعض أحكام التعزية: ولاحد لزمانها عملا بالعموم نعم، لو أدت التعزية إلى تجديد حزن قد نسي كان تركها أولى، ويمكن القول


(1) علل الشرايع ج 1 ص 289. (2) راجع في ذلك باب التشييع ج 81 ص 269 - 271. (*)

[72]

بثلاثة أيام لنقل الصدوق [عن أبي جعفر عليه السلام يصنع للميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات، ونقل الصدوق] (1) عن الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه واله أمر فاطمة عليها السلام أن تأتي أسماء بنت عميس ونساءها وأن تصنع لهم طعاما ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنة، وقال الصادق عليه السلام: ليس لاحد أن يحد أكثر من ثلاثة أيام إلا المرءة على زوجها حتى تنقضي عدتها، قال: وأوصى أبو جعفر عليه السلام بثمان مائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك من السنة لان رسول الله صلى الله عليه واله أمر باتخاذ طعام لآل جعفر (2) وفي كل هذه إيماء إلى ذلك والشيخ أبو الصلاح قال: من السنة تعزية أهله ثلاثة أيام وحمل الطعام إليهم. والشيخ في المبسوط نقل الاجماع على كراهية الجلوس للتعزية يوما أو يومين أو ثلاثة، ورده ابن إدريس بأنه اجتماع وتزاور. ونصره المحقق بأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة والائمة الجلوس لذلك، فاتخاذه مخالف لسنة السلف، ولا يبلغ التحريم. قلت: الاخبار المذكورة مشعرة به، وشهادة الاثبات مقدمة إلا أن يقال: لا يلزم من عمل المأتم الجلوس للتعزية، بل هو مقصور على الاهتمام بامور أهل الميت لاشتغالهم بحزنهم، لكن اللغة والعرف يشهدان بخلافه، قال الجوهري: المأتم النساء يجتمعن، قال: وعند العامة المصيبة، وقال غيره: المأتم المناحة، وهما مشعران بالاجتماع انتهى. 2 - العلل: عن جعفر بن محمد بن مسرور، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله بن عامر، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق عليه السلام: ما بالنا نجد بأولادنا ما لا يجدون بنا ؟ قال: لانهم منكم، ولستم منهم (3). بيان: يمكن أن يكون لخلقهم من أجزاء بدن الاباء مدخل في ذلك، وأن


(1) ما بين العلامتين ساقط عن طبعة الكمبانى. (2) الفقيه ج 1 ص 116. (3) علل الشرائع ج 1 ص 97.

[73]

يكون المراد إنكم ربيتموهم بمشقة شديدة، وآنستم بهم في صغرهم، فلذا تحزنون على موتهم أكثر منهم على موتكم: أو لانكم حصلتموهم للانتفاع بهم، فلذا تحزنون على حرمانكم، والاول أظهر. 3 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من اصيب بميصبة فليذكر مصيبته بي، فانها أعظم المصائب (1). مسكن الفؤاد: عن ابن عباس مثله (2). بيان لعل العلة في ذلك أن تذكر عظام المصائب يهون صغارها كما هو المجرب. 4 - قرب الاسناد: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله تبارك وتعالى ينزل المعونة على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر شدة البلاء (3). 5 - مجالس الصدوق: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن الحسين بن الهيثم، عن عباد بن يعقوب الاسدي، عن عنبسة العابد قال: لما مات إسماعيل بن جعفر بن محمد، و فرغنا من جنازته، جلس الصادق جعفر بن محمد عليه السلام وجلسنا حوله، وهو مطرق ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس إن هذه الدنيا دار فراق، ودار التواء، لا دار استواء، على أن لفراق المألوف حرقة لا تدفع، ولوعة لاترد، وإنما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحة الفكرة، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يقدم


(1) قرب الاسناد ص 62 ط نجف ص 45 ط حجر، والاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام. (2) مسكن الفؤاد ص 77. (3) قرب الاسناد ص 74 ط نجف.

[74]

ولدا كان هو المقدم دون الولد. ثم تمثل عليه السلام بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه: ولا تحسبي أني تناسيت عهده * ولكن صبري يا امام جميل (1) بيان: قال الفيروز آبادي: لواه فتله وثناه فالتوى وتلوى، وعن الامر تثاقل كالتوى، وفلانا على فلان آثره، وتلوى انعطف كالتوى، والبقل ذوى، وبه ذهب وبما في الاناء استأثر به وغلب على غيره وبه العقاب طارت به، وبهم الدهر أهلكهم وبكلامه خالف به عن جهته انتهى، والاكثر مناسب كما لا يخفى أي دار ذهاب و انعطاف إلى دار اخرى، ودار استيثار وواستبداد وبوار وهلاك ويتلوى فيها للمصائب، لادار استواء أي اعتدال واستقامة، أو استيلاء على المطلوب واللوعة حرقة في القلب، والثكل بالضم الموت والهلاك، وفقدان الجيب أو الولد، وقد ثكله كفرح، وامام بالضم مرخم امامة اسم امرءة. 6 مجالس الصدوق والعيون: عن محمد بن القاسم الاسترابادي، عن أحمد ابن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي بن الناصر، عن أبيه، عن محمد بن علي عن أبيه الرضا، عن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: رأى الصادق عليه السلام رجلا قد اشتد جزعه على ولده، فقال: يا هذا جزعت للمصيبة الصغرى، وغفلت عن المصيبة الكبرى ! لو كنت لما صار إليه ولدك مستعدا لما اشتد عليه جزعك، فمصابك بتركك الاستعداد له أعظم من مصابك بولدك (2). 7 - الخصال: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن أبى الحسين الفارسي، عن سليمان بن جعفر البصري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أربعة


(1) أمالى الصدوق ص 144، ورواه في اكمال الدين ج 1 ص 163، أيضا. وقد أخرجه المؤلف العلامة في تاريخ الامام الصادق ج 47 ص 245 من هذه الطبعة راجعه. (2) أمالى الصدوق ص 215 عيون الاخبار ج 2 ص 5.

[75]

لا تزال في امتي إلى يوم القيامة: الفخر بالاحساب، والطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة، وإن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب (1). بيان: في القاموس السربال بالكسر القميص أو الدرع، أو كل ما لبس انتهى والقطران ما يتحلب من الا بهل، فيطبخ فيهنأبه الابل الجربى فيحرق الجرب بحدته وهو أسود منتن يشتعل فيه النار بسرعة، يطلى بها جلود أهل النار حتى يكون طلاءلهم كالقميص، ليجمع عليهم لدغ القطران ووحشة لونه ونتن ريحه، مع إسراع النار في جلودهم، وقرء يعقوب في الآية من قطرآن (2) والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره، ويمكن أن يقرء ههنا أيضا هكذا. 8 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم، فان فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله لما قبض أبوها ساعدتها بنات بني هاشم، فقالت: دعوا التعداد وعليكم بالدعاء (3). بيان: لعلها صلوات الله عليها إنما نهت عن تعداد الفضائل للتعليم إذ ذكر فضائله صلى الله عليه واله كان صدقا، وكان من أعظم الطاعات، فكان غرضها عليها السلام أن لا يذكروا أمثال ذلك في موتاهم، لكونها مشتملة على الكذب غالبا، وانتفاع الميت بالاستغفار والدعاء أكثر على تقدير كونها صدقا، والمراد بالقول الحسن أن لا يقولوا فيما


(1) الخصال ج 1 ص 107. (2) سورة ابراهيم: 50 قال الطبرسي: وقرأ زيد عن يعقوب " من قطرآن " على كلمتين منونتين، وهو قراءة أبى هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير والكلبي وقتادة وعيسى الهمداني والربيع، وقرأ سائر القراء: " قطران ". وقال الفيروز آبادى: القطران بالفتح والكسر وكظربان عصارة الا بهل والارز ونحوهما. (3) الخصال ج 2 ص 159.

[76]

يذكرونه للميت من مدايحه كذبا أو الدعاء والاستغفار وترك ذكر المدائح مطلقا إلا فيما يتعلق به غرض شرعي. 9 - العيون: عن علي بن عبد الله الوراق، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما اسري بي إلى السماء رأيت امرءة على صورة الكلب، والنار تدخل في دبرها وتخرج من فيها، والملائكة يضربون رأسها وبدنها بمقامع من نار فسئل صلى الله عليه واله عنها فقال: إنها كانت قينة نواحة حاسدة (1). بيان: القينة الامة المغنية أو أعم ذكره الفيروز آبادي. 10 - مجالس ابن الطوسى: عن أبيه - ره - باسناده عن عائشة قالت: لما مات إبراهيم بكى النبي صلى الله عليه واله حتى جرت دموعه على لحيته، فقيل له: يا رسول الله تنهى عن البكاء وأنت تبكي ؟ فقال: ليس هذا بكاء، وإنما هي رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم (2). 11 - معاني الاخبار: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن سلمة بن الخطاب عن القاسم بن يحيى، عن الحسن بن راشد، عن علي بن إسماعيل، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول في هذه الاية: " ولا يعصينك في معروف " (3) قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله قال لفاطمة عليها السلام: إذا أنامت فلا تخمشي على وجها، ولا ترخي علي شعرا، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي على نايحة، ثم قال: هذا المعروف الذي قال الله عزوجل في كتابه: " ولا يعصينك في معروف " (4). بيان: قال الطبرسي قدس سره: " ولا يعصينك في معروف " هو جميع ما يأمرهن به، لانه صلى الله عليه واله لا يأمر إلا بالمعروف، والمعروف نقيض المنكر، وهو


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 10 و 11. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 398. (3) الممتحنة: 12. (4) معاني الاخبار ص 390.

[77]

كل مادل العقل والسمع على وجوبه أو ندبه، وقيل: عنى بالمعروف النهي عن النوح وتمزيق الثياب، وجز الشعر وشق الجيب، وخمش الوجه، والدعاء بالويل، عن المقاتلين والكلبي، والاصل أن المعروف كل بر وتقوى وأمر وافق طاعة الله تعالى انتهى (1). وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: إنها نزلت يوم فتح مكة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله قعد في المسجد يبايع الرجال إلى صلاة الظهر والعصر، ثم قعد لبيعة النساء، وأخذ قدحا من ماء فأدخل يده فيه، ثم قال للنساء: من أراد أن يبايع فليدخل يده في القدح، فاني لا اصافح النساء، ثم قرء عليهن ما أنزل الله من شروط البيعة عليهن فقال: " على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن، ولا يعصينك في معروف " فبايعهن. فقامت ام حكيم بنت الحارث بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله ما هذا المعروف الذي أمرنا الله به أن لا نعصيك فيه ؟ فقال: أن لا تخمشن وجها، ولا تلطمن خدا، ولا تنتفن شعرا، ولا تمزقن جيبا، ولا تسودن ثوبا، ولا تدعون بالويل والثبور، ولا تقمن عند قبر، فبايعهن رسول الله صلى الله عليه واله على هذه الشروط انتهى (2). ولا يبعد أن يكون ذكر هذه الامور على سبيل المثال، أو لبيان ما هو أهم بحسب حالهن، لما رواه علي بن إبراهيم أيضا عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن علي بن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله الله عزوجل " ولا يعصينك في معروف " قال هو ما فرض الله عليهن من الصلاة والزكاة وما أمرهن به من خير (3) وفي القاموس: خمش وجهه يخمشه ويخمشه: خدشه ولطمه وضربه وقطع عضوا


(1) مجمع البيان ج 10 ص 276. (2) تفسير القمى: ص 676. (3) المصدر ص 677.

[78]

منه. وفي النهاية: الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء منه يا ويلي ويا حزني ويا عذابي احضر، فهذا وقتك وأوانك. 12 - تفسير على بن ابراهيم: عن محمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد ابن سيار، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين " (1) قال رسول الله صلى الله عليه واله: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. ومن رمى ببصره إلى ما في يدي غيره كثر همه، ولم يشف غيظه، ومن لم يعلم أن لله عليه نعمة إلا في مطعم أو ملبس فقد قصر عمله، ودنا عذابه، ومن أصبح على الدنيا حزينا، أصبح على الله ساخطا، ومن شكى مصيبة نزلت به، فانما يشكو ربه، ومن دخل النار من هذه الامة ممن قرء القرآن فهو ممن يتخذ آيات الله هزؤا، ومن أتى ذا ميسرة فتخشع له طلب ما في يديه، ذهب ثلثا دينه، ثم قال: ولا تعجل وليس يكون الرجل ينال من الرجل المرفق فيجله ويوقره، فقد يجب ذلك له عليه، ولكن يريه أنه يريد بتخشعه ما عند الله، ويريد أن يختله عما في يديه (2). بيان: قال في النهاية: في الحديث " من لم يتعز بعزاء الله فليس منا " قيل أراد بالتعزي التأسي والتبصر عند المصيبة، وأن يقول " إنا لله وإنا إليه راجعون " كما أمر الله تعالى، ومعنى قوله " بعزاء الله " أي بتعزية الله إياه، فأقام الاسم مقام المصدر، قوله عليه السلام " ولا تعجل " أي لا تبادر في هذا الحكم الذي ذكرت لك بأن تحكم على كل من يتواضع لغني أنه كذلك، فانه إذا نال الرجل من غيره رفقا ولطفا ثم يجله ويوقره قضاء لحق النعمة، فلا يجب ذلك، أي ما ذكرت لك من ذهاب ثلثي دينه " له " أي لذلك الفعل " عليه " أي على ذلك الموقر، ويحتمل أن


(1) الحجر: 88. (2) تفسير القمى: 356.

[79]

يكون في الكلام تقدير أي داخلا فيه، فقوله " فقد يجب " تعليل له، وضمير " له " راجع إلى الموقر على المجهول. قوله صلى الله عليه واله، ولكن يريه " أي ولكن يدخل في ذلك من يري غيره أنه أراد بتخشعه أجر الاخرة، وغرضه أن يخدعه ويأخذ ما في يديه، فهذا الذي يذهب ثلثا دينه، وقال الجوهري ختله وخاتله خادعه. 13 - الخصال: عن محمد بن أحمد السناني، عن أحمد بن يحيى القطان عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن تيمم بن بهلول، عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة لا أدري أيهم أعظم جرما الذي يمشي خلف جنازة في مصيبة غيره بغير رداء، أو الذي يضرب يده على فخذه عند المصيبة، أو الذي يقول: ارفقوا به وترحموا عليه يرحمكم الله (1). 14 - ومنه: في وصية النبي صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام: يا علي ليس على النساء جمعة ولا جماعة ولا عيادة مريض ولا إتباع جنازة، ولا تقيم عند قبر تمام الخبر (2). 15 - قرب الاسناد: عن السندي بن محمد، عن أبي البخترى، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: من عزى مصابا كان له مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر المصاب شئ (3). ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام مثله (4). 16 - فقه الرضا عليه السلام: إياك أن تقول: ارفقوا به وترحموا عليه، أو تضرب


(1) الخصال ج 1 ص 90. (2) الخصال ج 1 ص 97. (3) قرب الاسناد 27 ط حجر. (4) ثواب الاعمال ص 180. (*)

[80]

يدك على فخذك، فانه يحبط أجرك عند المصيبة (1). وقال عليه السلام بعد ذكر سنن الدفن: وعز وليه، فانه روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من عزى أخاه المؤمن كسي في الموقف حلة (2). والسنة في أهل المصيبة أن يتخذ لهم ثلاثة أيام طعام لشغلهم في المصيبة (3). وإن كان المعزى يتيما فامسح يدك على رأسه فقد روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: من مسح يده على رأس يتيم ترحما له كتب الله له بكل شعرة مرت عليه يده حسنة (4). وإن وجدته باكيا فسكته بلطف ورفق، فانه أروي عن العالم عليه السلام أنه إذا بكى اليتيم اهتزله العرش، فيقول الله تبارك وتعالى: " من هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته أبويه في صغره ؟ وعزتي وجلالي وارتفاعي في مكاني لا أسكته عبد مؤمن إلا أوجبت له الجنة (5). 17 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن رفاعة بن موسى النخاس عن أبي عبد الله عليه السلام أنه عزى رجلا بابن له، فقال له: الله خير لابنك منك، وثواب الله خير لك منه، فلما بلغه جزعه عليه عاد إليه فقال له: قد مات رسول الله صلى الله عليه واله فما لك به اسوة ؟ فقال له: إنه كان مراهقا، فقال: إن أمامه ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله، ورحمة الله، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه واله، فلن يفوته واحدة منهن إنشاء الله (6). توضيح: " بابن له " أي بسبب فقد ابنه، قوله عليه السلام: " الله خير لابنك منك " أقول: لما كان الغالب أن الحزن على الاولاد يكون لتوهم أمرين باطلين: أحدهما أنه على تقدير وجود الولد يصل النفع من الوالد إليه أو أن هذه النشأة


(1) فقه الرضا: 17. (2 - 5) فقه الرضا ص 18. (6) ثواب الاعمال ص 180.

[81]

خير له من النشاة الاخرى، والحياة خير له من الموت، فأزال عليه السلام وهمه بأن الله سبحانه ورحمته خير [لابنك منك ومما تتوهم من نفع توصله إليه على تقدير الحياة، والموت مع رحمة الله خير] من الحياة، وثانيهما توقع النفع منه مع حياته أو الاستيناس به، فأبطل عليه السلام ذلك بأن ما عوضك الله تعالى من الثواب على فقده خير لك من كل نفع توهمته أو قدرته في حياته. قوله: " فعاد إليه " يفهم منه استحباب تكرار التعزيه مع بقاء الجزع. قوله عليه السلام: " فما لك به اسوة " قال في القاموس: الاسوة وتضم القدوة، وما يأتسي به الحزين، والجمع إسى ويضم وأساه تأسية فتأسى عزاه فتعزى وفي النهاية الاسوة بكسر الهمزة وضمها القدوة، إذا عرفت ذلك فاعلم أن الكلام يحتمل وجهين: الاول أن يكون المراد بالاسوة القدوة، والمعنى أنك تتأسى به [ولابد لك من التأسي به] في الموت فلاي شئ تجزع إذ بعد الموت تجتمع مع ابنك. والحاصل أنه لو كان لاحد بقاء في الدنيا كان ذلك لاشرف الخلق، فإذا لم يخلد هو في الدنيا فكيف تطمع أنت في البقاء، ومع تيقن الموت لا ينبغي الجزع لما ذكر، أو أنه ينبغي لك مع علمك بالموت أن تصلح أحوال نفسك، ولا تحزن على فقد غيرك. الثاني أن يكون المراد بالاسوة ما يأتسي به الحزين أي ينبغي أن يحصل لك به وبسبب مصيبته وتذكرها تأس وتعز عن كل مصيبة، لانه من أعظم المصائب، وتذكر عظام المصائب يهون صغارها، كما مر، وقيل أراد أنك من أهل التأسي به صلى الله عليه واله ومن امته، فينبغي أن تكون مصيبتك بفقده أعظم، وما ذكرنا أظهر. قوله: " إنه كان مراهقا " في بعض النسخ مرهقا كما في الكافي، فهو على بناء المجهول من باب التفعيل، أو من الافعال على البنائين، قال في النهاية: الرهق السفه، وغشيان المحارم، وفيه فلان مرهق أي متهم بسوء وسفه، ويروى مرهق أي ذو رهق، وفي القاموس الرهق محركة السفه، والنوك، والخفة، و

[82]

ركوب الشر والظلم، وغشيان المحارم، والمرهق كمكرم من أدرك، وكمعظم الموصوف بالرهق، أو من يظن به السوء انتهى. فالمراد أن حزني ليس بسبب فقده، بل بسبب أنه كان يغشى المحارم، وأخاف أن يكون معذبا فعزاه عليه السلام بذكر وسائل النجاة وأسباب الرجاء، و أما على نسخة المراهق فهو من قولهم راهق الغلام أي قارب الحلم فاما أن يكون أطلق المراهق على المدرك مجازا أو توهم أن المراهق أيضا معذب، والحاصل أنه خرج من حد الصغر، وأخاف أن يكون مأخوذا بأعماله، والاول أصوب. 18 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن أحمد بن محمد البرقي عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما مات جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه واله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما لاسماء بنت عميس، وتأتيها [و] نساءها فجرت بذلك السنة من أن يصنع لاهل الميت طعام ثلاثة أيام (1). 19 - المحاسن: (2) عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يصنع للميت الطعام للماتم ثلاثة أيام بيوم مات فيه (3). 20 - ومنه: (4) عن أبيه، عن سعدان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ينبغي لصاحب الجنازة أن يلقي رداءه حتى يعرف، وينبغي لجيرانه أن يطعموا عنه ثلاثة أيام (5).


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 272. (2) في مطبوعة الكمبانى " منه " وهو سهو. (3) المحاسن ص 419. (4) في مطبوعة الكمبانى " المحاسن " وهو سهو بالتقديم والتأخير. (5) المحاسن ص 419.

[83]

21 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قتل جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه واله فاطمة عليها السلام أن تتخذ طعاما لاسماء بنت عميس ثلاثة أيام، وتأتيها وتسليها ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنة أن يصنع لاهل المصيبة ثلاثة أيام طعام (1). 22 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما قتل جعفر بن أبي طالب عليه السلام أمر رسول الله صلى الله عليه واله أن تأتي فاطمة أسماء بنت عميس هي ونساؤها وتقيم عندها ثلاثا وتصنع لها طعاما ثلاثة أيام (2). 23 - ومنه: عن بعض أصحابنا، عن العباس بن موسى بن جعفر قال: سألت أبي عليه السلام عن المأتم فقال: إن رسول الله صلى الله عليه واله لما انتهى إليه قتل جعفر ابن أبي طالب عليه السلام دخل على أسماء بنت عميس امرءة جعفر فقال: أين بني ؟ فدعت بهم وهم ثلاثة: عبد الله، وعون، ومحمد، فمسح رسول الله صلى الله عليه واله رؤسهم، فقالت: إنك تمسح رؤسهم كأنهم أيتام ؟ فعجب رسول الله صلى الله عليه واله من عقلها فقال: يا أسماء ألم تعلمي أن جعفرا رضوان الله عليه استشهد ؟ فبكت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: لا تبكي ! فان رسول الله (3) أخبرني أن له جناحين في الجنة من ياقوت أحمر، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه واله لو جمعت الناس وأخبرتهم بفضل جعفر لا ينسى فضله فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله من عقلها، ثم قال: ابعثوا إلى أهل جعفر طعاما فجرت السنة (4). ومنه: عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن مرازم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وذكر مثله بتغيير ما وقد مر في أحواله رضي الله عنه (5).


(1 و 2) المحاسن: 419. (3) في المصدر: فان جبرئيل. (4 - 5) المحاسن: 420، راجع ج 21 باب غزوة مؤتة.

[84]

24 - ومنه: عن الحسن بن ظريف بن ناصح، عن أبيه، عن الحسين بن زيد عن عمر بن علي بن الحسين قال: لما قتل الحسين بن علي صلوات الله عليه، لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكن لا يشتكين من حر ولابرد، وكان علي ابن الحسين عليه السلام يعمل لهن الطعام للمأتم (1). بيان: المسوح بالضم جمع المسح بالكسر، وهو اللباس " وكن لا يشتكين " أي لا يشكون ولا يبالين لشدة المصيبة من إصابة الحر والبرد. 25 - اكمال الدين: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن إسماعيل، عن ظريف بن ناصح، عن الحسين بن زيد قال: ماتت ابنة لابي عبد الله عليه السلام فناح عليها سنة، ثم مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثم مات إسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا فقطع النوح، فقيل لابي عبد الله عليه السلام أيناح في دارك ؟ فقال عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه واله قال - لما مات حمزة: لكن حمزة لا بواكي له (2). 26 - مسكن الفؤاد: للشهيد الثاني أن فاطمة عليها السلام ناحت على أبيها وأنه صلى الله عليه واله أمر بالنوح على حمزة (3). ومنه: عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: من عظمت عنده مصيبة فليذكر مصيبته بي فانها ستهون عليه (4). ومنه: عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال في مرض موته: أيها الناس أيما عبد من امتي اصيب بمصيبة من بعدي، فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بعدي، فان أحدا من امتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي (5) 27 - نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: [ينزل] الصبر


(1) المحاسن: 420. (2) اكمال الدين ج 1: 162. (3) مسكن الفؤاد ص 69. (4 - 5) مسكن الفؤاد: 77.

[85]

على قدر المصيبة، ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبته حبط أجره (1). بيان: روي في الكافي بسند فيه (2) ضعف على المشهور بالسكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة إحباط لاجره. وروى بسنده آخر فيه أيضا ضعف (3) عن أبي الحسن الاول عليه السلام مثله، وظاهرها الحرمة، ويمكن حملها على الكراهة كما هو ظاهر أكثر الاصحاب والاحوط الترك، ويدل على الاحباط في الجملة. 28 - كشف الغمة: نقلا من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري عن أبي هاشم الجعفري قال: خرج أبو محمد في جنازة أبي الحسن عليه السلام وقميصه مشقوق فكتب إليه ابن عون: من رأيت أو بلغك من الائمة شق قميصه في مثل هذا ؟ فكتب إليه أبو محمد عليه السلام: يا أحمق ! ما يدريك ما هذا ؟ قد شق موسى على هارون (4). 29 - اختيار الرجال: للكشي، عن أحمد بن علي بن كلثوم السرخسي عن إسحاق بن محمد البصري، عن محمد بن الحسن بن شمون وغيره مثله إلا أنه قال: فكتب إليه أبو عون الابرش قرابة نجاح بن سلمة (5). 30 - ومنه: عن أحمد بن علي، عن إسحاق بن إبراهيم بن الخضيب الانباري قال: كتب أبو عون الابرش قرابة نجاح بن سلمة إلى أبي محمد عليهما السلام: إن الناس قد استوهنوا من شقك ثوبك على أبي الحسن عليه السلام قال يا أحمق ما أنت وذاك ؟ قد شق موسى على هارون على نبينا وعليهما السلام إن من


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 144 من قسم الحكم (2) الكافي ج 3 ص 224. (3) الكافي ج 3 ص 225. (4) كشف الغمة ج 3 ص 295. (5) رجال الكشى ص 479، تحت الرقم 467.

[86]

الناس من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا، ويحيى كافرا، ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا، ويموت كافرا، وإنك لا تموت حتى تكفر ويغير عقلك، فما مات حتى حجبه ولده عن الناس وحبسوه في منزله من ذهاب العقل والوسوسة، وكثرة التخليط، ويرد على أهل الامامة، وانتكث عما كان عليه (1). 31 - نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه لما ورد الكوفة قادما من صفين، مر بالشباميين فسمع بكاء الناس على قتلى صفين، فقال لشرحبيل الشبامي: أتغلبكم نساؤكم على ما أسمع، ألا تنهونهن عن هذا الرنين (2). بيان: في القاموس الشبام كسحاب وكتاب موضع بالشام، وجبل لهمدان باليمن، وبلد لحمير تحت جبل كوكبان، وبلد لبني حبيب عند ذمر مر، وبلد في حضر موت انتهى، ولعل النهي عن الرنين في تلك الواقعة كان أشد لانه كان يصير سببا لخذلانهم وتركهم الجهاد. 32 - اكمال الدين: عن محمد بن الحسن، عن الحسن بن متيل، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي بن فضال، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي قال: لما حضرت إسماعيل بن أبى عبد الله عليه السلام الوفاة جزع جزعا شديدا، فلما أن أغمضه، دعا بقميص غسيل أو جديد فلبسه،، ثم تسرح وخرج يأمر وينهي، قال: فقال له بعض أصحابه: جعلت فداك لقد ظننا أن لا ننتفع بك زمانا، لما رأينا من جزعك، قال عليه السلام: إنا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة، وإذا نزلت صبرنا (3). 33 - الخصال: عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن العباس بن معروف عن محمد بن سهل البحراني يرفعه إلى أبى عبد الله عليه السلام قال: البكاؤون خمسة: آدم


(1) رجال الكشى ص 480، تحت الرقم 467. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 322 من قسم الحكم. (3) اكمال الدين ج 1 ص 162 و 163.

[87]

ويعقوب، ويوسف، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله، وعلي بن الحسين عليهم السلام. فأما آدم فبكى على الجنة، حتى صار في خديه أمثال الاودية، وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره، وحتى قيل له: " تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين " وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما. وأما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه واله حتى تأذى بها أهل المدينة، فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك وكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف، وأما علي بن الحسين عليهما السلام فبكى على الحسين عليه السلام عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلا بكى، حتى قال له مولى له: إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة (1). مجالس الصدوق: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف مثله (2) وقد مضى أمثال ذلك في أبواب شهادته عليه السلام. 34 - اختيار الرجال للكشي: عن حمدويه ومحمد ابني نصير، عن محمد بن عبد الحميد العطار عن يونس بن يعقوب، عن عبد الله بن بكر قال: ذكرت أبا الخطاب ومقتله عند أبي عبد الله عليه السلام قال: فرققت عند ذلك فبكيت، فقال: أتأسى عليهم ؟ فقلت لا، ولكن سمعتك تذكر أن عليا عليه السلام قتل أصحاب النهروان فأصبح أصحاب علي عليه السلام يبكون عليهم فقال علي عليه السلام أتأسون عليهم ؟ فقالوا: لا، إنا ذكرنا الالفة التي


(1) الخصال ج 1 ص 131. (2) أمالى الصدوق ص 85.

[88]

كنا عليها، والبلية التي أوقعتهم، فلذلك رققنا عليهم، قال: لا بأس (1). 35 - فلاح السائل: روى غياث بن إبراهيم في كتابه باسناده، عن مولانا علي عليه السلام أنه قال: التعزية مرة واحدة، قبل أن يدفن وبعد ما يدفن (2). وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال في التعزية ما معناه: إن كان هذا الميت قد قربك موته من ربك أو باعدك عن ذنبك، فهذه ليست مصيبة، ولكنها لك رحمة، وعليك نعمة، وإن كان ما وعظك، ولا باعدك عن ذنبك، ولا قربك من ربك، فمصيبتك بقساوة قلبك أعظم من مصيبتك بميتك. إن كنت عارفا بربك (3). 36 - ومنه: عن حريز بن عبد الله السجستاني باسناده إلى أبي جعفر عليه السلام قال: يصنع للميت مأتم ثلاثة أيام من يوم مات (4). 37 - أعلام الدين للديلمي: قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام يعزي قوما: عليكم بالصبر فان به يأخذ الحازم، وإليه يرجع الجازع. وعن الرضا عليه السلام: أنه قال للحسن بن سهل وقد عزاه بموت ولده: التهنئة بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة. 38 - الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة: عنه عليه السلام مثله. وقال: قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان. 39 - كتاب المسائل: بالاسناد عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن النوح على الميت أيصلح قال: يكره (5). 40 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه واله: إن التعزية تورث الجنة. وجاء رجل من موالي أبي عبد الله عليه السلام إليه فنظر إليه فقال عليه السلام: مالي


(1) رجال الكشى ص 249. (2 و 3) فلاح السلائل: 82. (4) فلاح السائل: 86. (5) راجع البحار ج 10 ص 271.

[89]

أراك حزينا ؟ فقال: كان لي ابن قرة عين فمات فتمثل عليه السلام: عطيته إذا أعطى سرور * وإن أخذ الذي أعطى أثابا فأي النعمتين أعم شكرا * وأجزل في عواقبها إيابا أنعمته التي أبدت سرورا * أم الاخرى التي ادخرت ثوابا وقال عليه السلام: إذا أصابك من هذا شئ فأفض من دموعك، فانها تسكن. 41 - كتاب الصفين لنصر بن مزاحم: عن عمر بن سعد، عن عبد الله بن عاصم الفايشي قال: مر علي عليه السلام بالثوريين سمع البكاء، فقال: ما هذه الاصوات ؟ قيل: هذا البكاء على من قتل بصفين، قال: أما إني شهيد لمن قتل منهم صابرا محتسبا للشهادة، ثم مر بالفايشين فسمع الاصواب فقال: مثل ذلك، ثم مر بالشباميين فسمع رنة شديدة وصوتا مرتفعا عاليا فخرج إليه حرب بن شرحبيل الشبامي فقال علي عليه السلام أتغلبكم نساؤكم ألا تنهونهن عن هذا الصياح والرنين قال: يا أمير المؤمنين لو كانت دارا أو دارين أو ثلاثا قدرنا على ذلك، ولكن من هذا الحي ثمانون ومائة قتيل، فليس من دار إلا وفيها بكاء، أما نحن معاشر الرجال فانا لا نبكي، ولكن نفرح لهم بالشهادة، فقال علي عليه السلام: رحم الله قتلاكم وموتاكم. 42 - مسكن الفؤاد للشهيد الثاني: عن جابر، عن الباقر عليه السلام قال: أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل، ولطم الوجه والصدر، وجز الشعر، ومن أقام النواحة فقد ترك الصبر، وأخذ في غير طريقه، ومن صبر واسترجع وحمد الله جل ذكره فقد رضي بما صنع الله، ووقع أجره على الله عزوجل، ومن لم يفعل ذلك جرى عليه القضاء، وهو ذميم، وأحبط الله أجره. بيان: في القاموس الصرخة الصيحة الشديدة، وكغراب الصوت أو شديده، وقال: أعول رفع صوته بالبكاء والصياح كعول، والاسم العول والعولة والعويل، وقال: اللطم ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة انتهى.

[90]

ثم اعلم أن هذا الخبر وأمثاله تدل على أن هذه الامور خلاف طريقة الصابرين، فهي مكروهة، ولا تدل على الحرمة، وأما ذم إقامة النواحة فهو إما محمول على ما إذا اشتملت على تلك الامور المرجوحة، أو على أنها تنافي الصبر الكامل فلا ينافي ما يدل على الجواز. قوله عليه السلام: " ووقع " قال البيضاوي: الوقوع والوجوب متقاربان، والمعنى ثبت أجره عند الله ثبوت الامر الواجب، وفي القاموس ذمه ذما ومذمة فهو مذموم وذميم. 43 - مسكن الفؤاد: عن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام قال: يا إسحاق لا تعدن مصيبة اعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله عزوجل الثواب، إنما المصيبة التي تحرم صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها. وفي مناجاة موسى عليه السلام أي رب أي خلقك أحب إليك ؟ قال: من إذا أخذت حبيبه سالمني، قال: فأي خلقك أنت عليه ساخط ؟ قال: من يستخيرني في الامر فإذا قضيت له سخط قضائي. وعن جابر بن عبد الله قال أخذ رسول الله صلى الله عليه واله: بيد عبد الرحمن بن عوف فأتى إبراهيم وهو يجود بنفسه، فوضعه في حجره، فقال: يا بني إني لا أملك لك من الله شيئا وذرفت عيناه، فقال له عبد الرحمن: يا رسول الله صلى الله عليه واله تبكي، أو لم تنه عن البكاء ؟ قال إنما نهيت عن النوح عن صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نعم: لعب ولهو ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة: خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان، إنما هذه رحمة، من لا يرحم لا يرحم، لو لا أنه أمر حق، ووعد صدق وسبيل بالله وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزنا أشد من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العين، ويدمع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب عزوجل. وفي رواية اخرى: يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول ما يسخط الرب

[91]

وإنا على إبراهيم لمحزونون. وعن محمود بن لبيد قال: انكسفت الشمس يوم مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه واله فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه و اله فخرج رسول الله صلى الله عليه واله حين سمع ذلك، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد، ولا لحياته، وإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى المساجد. و دمعت عيناه، فقالوا يا رسول الله صلى الله عليه واله تبكي وأنت رسول الله ؟ فقال: إنما أنا بشر، تدمع العين، ويفجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، و الله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون. وقال النبي صلى الله عليه واله يوم مات إبراهيم: ما كان من حزن في القلب أو في العين فانما هو رحمة، وما كان من حزن باللسان وباليد فهو من الشيطان. وروى الزبير بن بكار أن النبي صلى الله عليه واله لما خرج بابراهيم خرج يمشي ثم جلس على قبرة، ثم ولي، ولما رآه رسول الله صلى الله عليه واله قد وضع في القبر، دمعت عيناه، فلما رأى الصحابة ذلك بكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فأقبل عليه أبو بكر فقال: يا رسول الله تبكي وأنت تنهى عن البكاء ؟ فقال النبي صلى الله عليه واله تدمع العين، و يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب. وروي أنه صلى الله عليه واله لما مات عثمان بن مظعون كشف الثوب عن وجهه، ثم قبل ما بين عينيه، ثم بكى طويلا، فلما رفع السرير قال: طوباك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها. وعن اسامة بن زيد قال: أتى النبي صلى الله عليه واله بأمامة بنت زينب، ونفسها تتقعقع في صدرها، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لله ما أخذ، ولله ما أعطى، وكل إلى أجل مسمى وبكى، فقال له سعد بن عبادة: تبكي وقد نهيت عن البكاء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما هي رحمة يجعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء. بيان: قال في النهاية في الحديث فجئ بالصبي ونفسه تتقعقع، أي تضطرب

[92]

وتتحرك، أراد كلما صار إلى حال لم يلبث أن ينتقل إلى اخرى تقربه من الموت. 44 - مسكن الفؤاد: لما اصيب جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - أتى رسول الله أسماء فقال لها: أخرجي لي ولد جعفر، فاخرجوا إليه، فضمهم إليه وشمهم ودمعت عيناه فقالت: يا رسول الله أصيب جعفر ؟ فقال صلى الله عليه واله: نعم اصيب اليوم. قال عبد الله بن جعفر أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه واله على امي فنعى لها أبي ونظرت إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي، وعيناه تهرقان الدموع، حتى تقطر لحيته، ثم قال: اللهم إن جعفرا قد قدم إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته، ثم قال: يا أسماء ألا ابشرك ؟ قالت: بلى بأبي أنت وامي، فقال: إن الله عزوجل جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة، ولما انصرف النبي صلى الله عليه واله من احد راجعا إلى المدينة، لقيته خميسة بنت جحش فنعى لها الناس أخاها عبد الله بن جحش، فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها فاستغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت و ولولت، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إن زوج المرءة منها لبمكان، لما رأى صبرها على أخيها وخالها، وصياحها على زوجها، ثم مر رسول الله صلى الله عليه واله على دور من دور الانصار من بني عبد الاشهل، فسمع البكاء والنوايح على قتلاهم، فذرفت عيناه وبكى، ثم قال: لكن حمزة لا بواكي له. فلما رجع سعد بن معاذ واسيد بن حضير إلى دور بني عبد الاشهل أمرا نساءهم أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه واله، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه واله بكاءهن على حمزة خرج إليهن وهن على باب مسجده يبكين، فقال لهن رسول الله صلى الله عليه واله: ارجعن يرحمكن الله فقدوا سيتن بأنفسكن. وعن الصادق عليه السلام أن إبراهيم خليل الرحمن سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته.

[93]

بيان: يدل على رجحان البكاء في المصائب، لا سيما على الاب، وعلى استحباب إقامة المأتم، وعلى رجحان طلب ما يوجب بقاء الذكر بعد الموت. 45 - مسكن الفؤاد: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب. وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه واله لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور. وعن يحيى بن خالد أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه واله فقال: ما يحبط الاجر في المصيبة ؟ قال: تصفيق الرجل بيمينه على شماله، والصبر عند الصدمة الاولى من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. وقال النبي صلى الله عليه واله: أنا برئ ممن حلق وصلق، أي حلق الشعر و رفع صوته. بيان: قال في النهاية في باب السين " فيه ليس منا من سلق أو حلق " سلق أي رفع صوته عند المصيبة، وقيل هو أن تصك المرءة وجهها وتمرشه، و الاول أصح، ومنه الحديث لعن الله السالقة والحالقة، ويقال: بالصاد، ثم قال في باب الصاد " فيه ليس منا من صلق أو حلق " الصلق الصوت الشديد، يريد رفعه عند المصائب، وعند الفجيعة بالموت، ويدخل فيه النوح ويقال: بالسين، ومنه الحديث أنا برئ من السالقة والحالقة. 46 - مسكن الفؤاد: عن أبي مالك الاشعري، عن النبي صلى الله عليه واله النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران وعن أبي سعيد الخدري لعن رسول الله صلى الله عليه واله النايحة والمستمعة. ثم قال - رحمه الله - وهذا النهي محمول على الباطل كما يظهر منها، وبه يجمع بينها وبين الاخبار السابقة. وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: أتدرون ما حق الجار ؟ قالوا: لا، قال: إن استغاثك أغثه، وإن استقرضك أقرضه، وإن

[94]

افتقر عدت إليه، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته وإن أصابته مصيبة عزيته وإن مات تبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلا باذنه، وإذا اشتريت فاكهة فاهدها له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك يغيض بها ولده، ولا تؤذه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها. وعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه واله قال: من عزى مصابا فله مثل أجره. وعن جابر بن عبد الله - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من عزى مصابا كان له مثل أجره من غير أن ينقصه الله من أجره شيئا، ومن كفن مسلما كساه الله من سندس واستبرق وحرير، ومن حفر قبرا لمسلم بنا الله عز وجل له بيتا في الجنة، ومن أنظر معسرا أظله الله في ظله يوم لاظل إلا ظله. وعن جابر أيضا رفعه: من عزى حزينا ألبسه الله عزوجل من لباس التقوى وصلى الله على روحه في الارواح. وسئل النبي صلى الله عليه واله: عن المصافح في التعزية فقال: هو سكن للمؤمن، ومن عزى مصابا فله مثل أجره. وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عميرة بن حزم، عن أبيه، عن جده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه واله وهو يقول: من عاد مريضا فلا يزال في الرحمة حتى إذا قعد عنده استنقع فيها، ثم إذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج، ومن عزى أخاه المؤمن من مصيبته كساه الله عزوجل من حلل الكرامة يوم القيامة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من عزى ثكلى كسي بردا في الجنة. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله من عزى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله عزوجل حلة خضراء، يحبر بها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله ما يحبربها ؟ قال: يغبط بها.

[95]

وروي أن داود عليه السلام قال: إلهي ما جزاء من يعزي الحزين على المصائب ابتغاء مرضاتك ؟ قال: جزاؤه أن أكسوه رداء من أردية الايمان أستره به من النار وادخله به الجنة، قال: يا إلهي فما جزاء من شيع الجنايز ابتغاء مرضاتك ؟ قال: جزاؤه أن تشيعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وأن اصلي على روحه في الارواح. وروي أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه فقال: أي رب ما جزاء من بل الدمع وجهه من خشيتك ؟ قال: صلواتي ورضواني، قال: فما جزاء من يصبر الحزين ابتغاء وجهك ؟ قال أكسوه ثيابا من الايمان يتبوء بها الجنة ويتقى بها النار، قال: فما جزاء من سدد الارملة ابتغاء وجهك ؟ قال: اقيمة في ظلي وادخله جنتي، قال: فما جزاء من شيع الجنازة ابتغاء وجهك ؟ قال: تصلي ملائكتي على جسده وتشيع روحه. وعن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا عزى قال: آجركم الله و رحمكم، وإذا هنأ قال: بارك الله لكم وبارك عليكم. وروي أنه توفي لمعاذ ولد، فاشتد وجده عليه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه واله فكتب إليه: " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ، سلام عليك، فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد أعظم الله (1) لك الاجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، إن أنفسنا وأهالينا وأموالنا وأولادنا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة (2) يمتع بها إلى أجل معلوم، و يقبض لوقت معدود (3) ثم افترض علينا (4) الشكر إذا أعطانا (5)، والصبر إذا


(1) فعظم الله جل اسمه خ. (2) المستردة خ ل. (3) يمتع بها إلى أجل معدود، ويقبض [يقبضها] لوقت معلوم خ ل. (4) وقد جعل الله تعالى خ ل. (5) إذا أعطى خ ل.

[96]

ابتلانا (1) وقد كان ابنك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير [مذخور] الصلاة والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت، فلا تجمعن عليك مصيبتين، فيحبط لك أجرك، وتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك علمت أن المصيبة قد قصرت في جنب الله عن الثواب، فتنجز من الله موعوده، وليذهب أسفك على ما هو نازل بك، فكأن قد، والسلام. بيان: هذا من قبيل الاكتفاء ببعض الكلام، أي فكان قدمت أو وصل إليك ثواب صبرك أقول: رواه في أعلام الدين إلى قوله: فلا تجمعن أن يحبط جزعك أجرك، وأن تندم غدا على ثواب مصيبتك، فانك لو قدمت على ثوابها علمت أن المصيبته قد قصرت عنها، واعلم أن الجزع لا يرد فائتا ولا يدفع حزن قضاء فليذهب أسفك ما هو نازل بك مكان ابنك والسلام. 47 - مسكن الفؤاد: عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام عن أبيه، عن جده قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه واله جاء جبرئيل عليه السلام والنبي مسجى وفي البيت علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون اجوركم يوم القيمة " الآية (2) إن في الله عزوجل عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا لما فات، فبالله عزوجل فثقوا، وإياه فارجوا، فان المصاب من حرم الثواب هذا آخر وطئي من الدنيا. وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه واله عزتهم الملائكة يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالوا: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل


(1) إذا ابتلى خ ل. (2) سورة آل عمران: 185.

[97]

فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فانما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وروى البيهقي في الدلايل قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله أحدق به أصحابه فبكوا حوله، واجتمعوا، ودخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطا رقابهم فبكى، ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضا من كل فايت، وخلفا من كل هالك، فالى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء فانظروا، فان المصاب من لم يجبر، و انصرف، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل ؟ فقال علي عليه السلام نعم، هذا أخو رسول الله صلى الله عليه واله الخضر عليه السلام. بيان: مسجى أي مغطى بالثوب بعد وفاته صلى الله عليه واله " يا أهل بيت الرحمة " أي أهل بيت تنزل فيه رحمات الله الخاصة الكاملة على أهله أو أهل بيت منسوبين إلى الرحمة، فانهم رحمة الله على العالمين، وببركتهم افيضت الرحمة على الاولين والاخرين " كل نفس ذائقة الموت " أي ينزل بها الموت لا محالة كأنها ذاقته، أو ذائقة مقدمات الموت وسكراته وشدائده " وإنما توفون اجوركم " أي تعطون جزاء أعمالكم وافيا يوم القيامة إن خيرا فخيرا وثوابا و إن شرا فشرا وعقابا. " فمن زحزح عن النار " أي بوعد من نار جهنم ونحى عنها وادخل الجنة " فقد فاز " أي نال المنية وظفر بالبغية ونجا من الهلكة، " وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " أي وما لذات الدنيا وزينتها وشهواتها إلا متعة متعكموها للغرور والخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختبار، وقيل متاع الغرور القوارير وهي في الاصل ما لا بقاء له، وقيل شبهها بالمتاع الذي دلس به على المستام ويغير حتى يشتريه، وهذا لمن آثرها على الاخرة، فأما من طلب بها الاخرة فهي له متاع بلاغ، والغرور مصدر أو جمع غار. إن في الله عزاء " قدمر أن العزاء بمعنى الصبر، والمراد به هنا ما يوجب

[98]

التعزية والتسلية، أي في ذات الله، فان الله باق لكل أحد بعد فوت كل شئ أو في ثواب الله سبحانه، وما أعده للصابرين ووعدهم، أو في التفكر فيها أو في التفكر في أن الله حكيم لا يفعل إلا الاصلح بعباده، ما يوجب التصبر والتسلي والرضا بالمصيبة. ويحتمل أن يكون الكلام مبنيا على التجريد كما قال في الكشاف في قوله تعالى: " ريح فيها صر " (1) بعد ذكر وجهين: الثالث أن يكون من قوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة " (2) ومن قولك إن ضيعني فلان ففي الله كاف وكافل، قال: وفي الرحمن للضعفاء كاف. وقال في تلخيص المفتاح: وفي شرحه في عد أقسام التجريد: ومنها ما يكون بدخول في المنتزع منه، نحو قوله تعالى: " لهم فيها دار الخلد " (3) أي في جهنم وهي دار الخلد، انتزع منها دارا اخرى، وجعلها معدة في جهنم، لاجل الكفار تهويلا لامرها، ومبالغة في اتصافها بالشدة انتهي. والدرك محركة اللحاق والوصول، أي يحصل به تعالى أو بثوابه الخلف والعوض من كل هالك، وتدارك ما قد فات، أو الوصول إلى ما يتوهم فوته عن الانسان من المنافع بفوات من مات. " فبالله فثقوا " هذا مما قدر فيه أما، والفاء دليل عليه، قال الرضي رضي الله عنه: وقد يحذف أما لكثرة الاستعمال نحو قوله تعالى: " وربك فكبر و ثيابك فطهر والرجز فاهجر " (4) " وهذا فليذوقوه " (5) " فبذلك فليفرحوا " (6)


(1) آل عمران: 117. (2) الاحزاب: 21. (3) فصلت: 28. (4) المدثر: 3 - 5. (5) ص: 57. (6) يونس: 58.

[99]

وإنما يطرد ذلك إذا كان ما بعد الفاء أمرا أو نهيا، وما قبلها منصوبا به، أو بمفسر به، فلا يقال: زيد فضربت، ولا زيدا فضربته، بتقدير أما، وأما قولك زيد فوجد، فالفاء فيه زائدة. وقال ابن هشام: الفاء في نحو " بل الله فاعبد " (1) جواب لاما مقدرة عند بعضهم، وفيه إجحاف، وزائدة عند الفارسي وفيه بعد، وعاطفة عند غيره والاصل تنبه فا عبد الله، ثم حذف تنبه وقدم المنصوب على الفاء، إصلاحا للفظ كيلا تقع الفاء صدرا، كما قال الجميع في الفاء في نحو أما زيدا فاضرب، إذ الاصل مهما يكن من شئ فاضرب زيدا. وقال الزمخشري في قوله تعالى: " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " (2) فحذف أحد الفعلين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط، كأنه قيل: إن فرحوا بشئ فليخصوهما بالفرح، فانه لا مفروح به أحق منهما، ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا. " فان المصاب " أي لم تقع المصيبة على من اصيب في الدنيا بفوت مال أو حميم وأحرز ثواب الآخرة، بل المصيبة مصيبة من حرم ثواب الآخرة، وإن كان له الدنيا بحذافيرها " هذا آخر وطئي من الدنيا " أي آخر نزولي إلى الارض ومشيي عليها، ويعارضه أخبار كثيرة، ويمكن حمله على أن المراد آخر نزولي لا نزال الوحي، أو المراد به قلة النزول بعد ذلك، فان القليل في حكم المعدوم وقال الجوهري: الحس والحسيس الصوت الخفي، ومقتضى الجمع بين الاخبار أن جبرئيل والخضر عليهما السلام كلاهما أتيا للتعزية. 48 - دعائم الاسلام: روينا عن جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه واله أتاهم آت يسمعون صوته، ولا يرون شخصه، فقال: " السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته [كل نفس ذائقة الموت وإنما


(1) الزمر: 66. (2) يونس: 58.

[100]

توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور " إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، فالله فارجوا وإياه فاعبدوا واعلموا أن المصاب من حرم الثواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته] (1) فقيل لجعفر بن محمد عليه السلام: من كنتم ترون المتكلم يا ابن رسول الله ؟ فقال: كنا نراه جبرئيل عليه السلام (2). وعن جعفر بن محمد عليه السلام قال: لما هلك أبو سلمة جزعت عليه أم سلمة فقال لها النبي صلى الله عليه واله: قولي يا ام سلمة اللهم أعظم أجري في مصيبتي، وعوضني خيرا منه، قالت: وأين لي مثل أبي سلمة يا رسول الله فأعاد عليها فقالت مثل قولها الاول فرد عليها رسول الله صلى الله عليه واله فقالت في نفسها: أرد على رسول الله صلى الله عليه واله ثلاث مرات فقالتها فأخلف الله عليها خيرا من أبي سلمة رسول الله صلى الله عليه واله (3). وعن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال من اصيب منكم بمصيبة بعدي فليذكر مصابه بي فان مصابه بي أعظم من كل مصاب (4). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: تعزية المسلم للمسلم الذي يعزيه استرجاع عنده، وتذكرة للموت وما بعده، ونحو هذا من الكلام، قال: وكذلك الذمي إذا كان لك جارا فاصيب بمصيبة تقول له أيضا مثل ذلك، وإن عزاك عن ميت فقل هداك الله (5). وعن علي عليه السلام قال: لما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه واله أمرني فغسلته وكفنه رسول الله صلى الله عليه واله وحنطه، وقال لي: احمله يا علي فحملته حتى جئت به إلى البقيع فصلى عليه، ثم أتى القبر فقال لي: انزل يا علي فنزلت ودلاه علي رسول الله صلى الله عليه واله فلما رآه منصبا بكى عليه السلام، فبكى المسلمون لبكائه، حتى ارتفعت أصوات الرجال على أصوات النساء، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه واله أشد النهي


(1) ما بين العلامتين ساقط عن الكمبانى زيادة من المخطوطة كما في المصدر. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 222. (3 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 224.

[101]

وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا بك لمصابون وإنا عليك لمحزونون، ثم سوى قبره ووضع يده عند رأسه وغمزها، حتى بلغت الكوع، وقال: بسم الله ختمتك من الشيطان أن يدخلك الحديث (1). وعنه عليه السلام قال: بكى رسول الله صلى الله عليه واله عند موت بعض ولده، فقيل له: يا رسول الله تبكي وأنت تنهانا عن البكاء ؟ فقال: لم أنهكم عن البكاء، وإنما نهيتكم عن النوح والعويل، وإنما هي رقة ورحمة يجعلها الله في قلب من شآء من خلقه ويرحم الله من يشاء، وإنما يرحم من عباده الرحماء (2). وعنه عليه السلام قال: رخص رسول الله صلى الله عليه واله في البكاء عند المصيبة، وقال: النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب، فقولوا: ما أرضى الله ولا تقولوا الهجر (3). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه أوصى عندما احتضر فقال: لا يلطمن علي خد، ولا يشقن علي جيب، فما من امرءة تشق جيبها إلا صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت (4). وعن علي عليه السلام قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه واله البيعة على النساء أن لا ينحن ولا يخمش ولا يقعدن مع الرجال في الخلاء (5). وعنه عليه السلام قال: ثلاث من أعمال الجاهلية لا يزال فيها الناس حتى تقوم الساعة: الاستسقاء بالنجوم، والطعن في الانساب والنياحة على الموتى (6) وعن علي عليه السلام أنه كتب إلى رفاعة بن شداد قاضيه على الاهواز: وإياك والنوح على الميت ببلد يكون لك به سلطان (7). وعنه عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: صوتان ملعونان يبغضهما الله: إعوال عند مصيبة


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 224. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 225. (4 - 6) دعائم الاسلام ج 1 ص 226. (7) دعائم الاسلام ج 1 ص 227.

[102]

وصوت عند نعمة، يعنى النوح والغناء (1). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: نيح على الحسين بن علي سنة في كل يوم وليلة، وثلاث سنين من اليوم الذي اصيب فيه، وكان المسور بن مخرمة وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله يأتون مستترين متقنعين فيستمعون ويبكون. وقد عثرنا على بعض الائمة نيح عليهم وبعضهم لم ينح عليهم، فمن نيح عليه منهم فلعظيم رزئه، ولان الله عزوجل لم يسو بأحد منهم أحدا من خلقه وهم أهل البكاء والنياحة عليهم، على خلاف سائر الناس الذين لا ينبغي ذلك لهم ومن لم ينح عليه منهم فلأمرين إما بوصية منه كما ذكرنا عن جعفر بن محمد عليه السلام تواضعا لربه واستكانة إليه، وإما أن يكون الامام بعده قد آثر الصبر على عظيم الرزية، وتجرع غصص الحزن رجاء عظيم ثواب الله عليه، فلزم الصبر وألزمه من سواه، لما يكون من الغبطة والسعادة في عقباه، لما وعد الله الصابرين على المصائب (2). وعن علي عليه السلام أنه قال: لما جاء نعي جعفر قال رسول الله صلى الله عليه واله لاهله: اصنعوا طعاما واحملوه إلى أهل جعفر ما كانوا في شغلهم ذلك، وكلوا معهم فقد أتاهم ما يشغلهم عن أن يصنعوا لانفسهم (3). 49 - مشكوة الانوار: نقلا من كتاب المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " ولا يعصينك في معروف " (4) قال: المعروف أن لا يشققن حبيبا ولا يلطمن وجها، ولا يدعون ويلا، ولا يقمن عند قبر، ولا يسودن ثوبا، ولا ينشرن شعرا (5).


(1 - 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 227 (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 239 (4) الممتحنة: 12. (5) مشكاة الانوار: 203 و 204.

[103]

ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أنعم الله عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها، ومن اصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد أحبطها (1). 50 - شهاب الاخبار: قال رسول الله صلى الله عليه واله: النياحة عمل الجاهلية. وقال صلى الله عليه واله: الصبر عند الصدمة الاولى. وقال صلى الله عليه واله: من كنوز البر كتمان المصائب والامراض والصدقة. بيان: قوله " عند الصدمة " قال في النهاية أي عند فورة المصيبة وشدتها، و الصدم ضرب الشئ الصلب بمثله، والصدمة المرة منه انتهى، وقال الازهري: البر هو الجنة، ومنه قوله تعالى: " لن تنالوا البر " (2) وقد جاء من وجه آخر من كنوز الجنة. 51 - مشكوة الانوار: عن الرضا عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: أمرني أبي يعني أبا عبد الله عليه السلام أن آتي المفضل بن عمر فاعزيه باسماعيل، وقال: اقرء المفضل السلام وقل له اصبنا باسماعيل، فصبرنا فاصبركما صبرنا، إذا أردنا أمرا وأراد الله أمرا سلمنا لامر الله (3). ومنه: عن جابر، عن الباقر عليه السلام قال: لما توفي الطاهر ابن رسول الله صلى الله عليه واله فبكت خديجة، فقال صلى الله عليه واله: أما ترضين أن تجديه قائما لك على باب الجنة، فإذا رآك أخذ بيدك فأدخلك أطهرها مكانا وأطيبها قالت: فان ذلك كذلك ؟ قال: صلى الله عليه واله: الله أعز وأكرم من أن يسلب عبدا ثمرة فؤاده فيصبر ويتحسر ويحمد الله ثم يعذبه (4) 52 - قرب الاسناد: باسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته


(1) مشكاة الانوار: 333. (2) آل عمران: 92. (3) مشكوة الانوار ص 20. (4) مشكوة الانوار ص 23.

[104]

عن النوح فكرهه (1). 53 - مجالس الصدوق: باسناده عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكره (2). وقال صلى الله عليه واله: من يصبر على الرزية يغثه الله (3). ومنه: عن حمزة بن محمد العلوي، عن عبد العزيز بن محمد الابهري عن محمد بن زكريا الجوهري، عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه واله عن الرنة عند المصيبة، ونهى عن النياحة والاستماع إليها، ونهى عن تصفيق الوجه (4). تبيين: الرنة الصوت، رن يرن رنينا صاح، والمراد بتصفيق الوجه: ضرب اليد عليه عند المصيبة، أو ضرب الماء على الوجه عند الوضوء كما مر (5) والاول أظهر. قال العلامة قدس الله روحه في المنتهى: البكاء على الميت جائز غير مكروه إجماعا، قبل خروج الروح وبعده، إلا الشافعي فانه كره بعد الخروج. وروى ابن بابويه (6) عن الصادق عليه السلام قال: إن النبي صلى الله عليه واله لما جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا و يقول: كانا يحدثاني ويونساني، فذهبا جميعا.


(1) قرب الاسناد ص 163 ط نجف ص 121 ط حجر. (2) أمالى الصدوق ص 292 في حديث. (3) المصدر نفسه ص 293. (4) أمالى الصدوق ص 254 ص 4 و 5 و 26. (5) مر في أبواب الوضوء ج 81، وانما يحتمل المعنيين لان قوله " ونهى عن تصفيق الوجه " منفرد عن الجملتين الاوليين. (6) الفقيه ج 1 ص 113.

[105]

ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه واله (1) من وقعة احد إلى المدينة سمع من كل دار قتل من أهلها قتيل نوحا وبكاء ولم يسمع من دار حمزة عمه، فقال صلى الله عليه واله: لكن حمزة لابواكي له، فآلى أهل المدينة أن لا ينوحوا على ميت ولا يبكوه حتى يبدؤا بحمزة فينوحوا عليه ويبكوه فهم إلى اليوم على ذلك. وقال الصادق عليه السلام: من خاف على نفسه من وجد بمصيبة فليفض من دموعه فانه يسكن عنه (2). ثم قال - ره -: الندب لا بأس به، وهو عبارة عن تعديد محاسن الميت ومالقوه بفقده بلفظة النداء بوا مثل قولهم " وارجلاه، واكريماه، وانقطاع ظهراه، وامصيبتاه " غير أنه مكروه لانه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه واله ولا أحد من أهل البيت عليهم السلام. والنياحة بالباطل محرمة إجماعا أما بالحق فجائزة إجماعا، ويحرم ضرب الخدود ونتف الشعر وشق الثوب إلا. في موت الاب والاخ، فقد سوغ فيهما شق الثوب للرجل، وكذا يكره الدعاء بالويل والثبور. وروى ابن بابويه (3) عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال لفاطمة حين قتل جعفر بن أبي طالب عليه السلام: لا تدعين بذل ولا بثكل ولا حرب، وما قلت فيه فقد صدقت، وروى (4) قال: لما قبض علي بن محمد العسكري عليهما السلام رئي الحسن بن علي عليهما السلام وقد خرج من الدار وقد شق قميصه من خلف وقدام. وقال الشهيد نور الله ضريحه في الذكرى: يحرم اللطم والخدش وجز الشعر إجماعا قاله في المبسوط لما فيه من السخط لقضاء الله، ولرواية خالد بن سدير (5)


(1) الفقيه ج 1 ص 116 و 117. (2) الفقيه ج 1 ص 119. (3) الفقيه ج 1 ص 112. (4) الفقيه ج 1 ص 111. (5) التهذيب ج 2 ص 339.

[106]

عن الصادق عليه السلام لا شئ في لطم الخدود سوى الاستغفار والتوبة، وفي صحاح العامة أنا برئ ممن حلق وصلق، أي حلق الشعر ورفع صوته، واستثنى الاصحاب إلا ابن إدريس شق الثوب على موت الاب والاخ لفعل العسكري على الهادي عليهما السلام وفعل الفاطميات على الحسين عليه السلام، وروى فعل الفاطميات أحمد بن محمد بن داود عن خالد بن سدير (1) عن الصادق عليه السلام وسأله عن شق الرجل ثوبه على أبيه و امه وأخيه أو على قريب له فقال: لا بأس بشق الجيوب قد شق موسى بن عمران على أخيه هارون. ولا يشق الوالد على ولده، ولا زوج على امرأته، وتشق المرءة على زوجها وفي نهاية الفاضل: يجوز شق النساء الثوب مطلقا وفي الخبر إيماء إليه، وروى الحسن الصفار (2) عن الصادق عليه السلام: لا ينبغي الصياح على الميت ولاشق الثياب، وظاهره الكراهة، وفي المبسوط روى جواز تخريق الثوب على الاب والاخ، ولا يجوز على غيرهما، ويجوز النوح بالكلام الحسن وتعداد فضائله باعتماد الصدق، فان فاطمة عليهما السلام فعلته في قولها: " يا أبتاه ! من ربه ما أدناه * يا أبتاه ! إلى جبرئيل أنعاه يا أبتاه ! أجاب ربا دعاه " وروي أنها صلى الله عليها أخذت قبضة من تراب قبره صلى الله عليه وآله فوضعتها على عينيها وأنشدت: ماذا على المشتم تربة أحمد * أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت على مصائب لو أنها * صبت على الايام صرن لياليا ولما مر من رواية حمزة: وروى ابن بابويه أن الباقر عليه السلام أوصى أن يندب له في المواسم عشر


(1) التهذيب ج 2 ص 339. (2) بل روى من امرءة الحسن الصيقل عن أبي عبد الله عليه السلام راجع الكافي ج 3 ص 225.

[107]

سنين (1) وسئل الصادق عليه السلام عن أجر النائحة فقال لا بأس قد نيح على رسول الله صلى الله عليه وآله (2) وفي خبر آخر عنه لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا (3) وفي خبر أبي بصير عنه عليه السلام لا بأس بأجر النائحة، وروى حنان عنه عليه السلام لا تشارط وتقبل ما اعطيت (4) وروى أبو حمزة عن الباقر عليه السلام (5) مات ابن المغيرة فسألت ام سلمة النبي صلى الله عليه واله أن يأذن لها في المضي إلى مناحته فأذن لها، وكان ابن عمها فقالت: أنعى الوليد بن الوليد * أبا الوليد فتى العشيرة حامي الحقيقة ماجدا * يسموا إلى طلب الوتيرة قد كان غيثا للسنين * وجعفرا غدقا وميرة وفي تمام الحديث: فما عاب عليها النبي صلى الله عليه واله ذلك، ولا قال شيئا. ثم قال قدس سره: يجوز الوقف على النوائح لانه فعل مباح، فجاز صرف المال إليه، ولخبر يونس بن يعقوب (6) عن الصادق عليه السلام قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: قف من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيام منى، و المراد بذلك تنبيه الناس على فضائله وإظهارها ليقتدى بها، ويعلم ما كان عليه أهل هذا البيت ليقتفى آثارهم لزوال التقية بعد الموت. والشيخ في المبسوط وابن حمزة حرما النوح وادعى الشيخ الاجماع والظاهر أنهما أرادا النوح بالباطل، أو المشتمل على المحرم كما قيده في النهاية. وفي التهذيب جعل كسبها مكروها بعد روايته أحاديث النوح. ثم أول الشهيد - ره - أحاديث المانع المروية من طرق المخالفين بالحمل


(1 - 3) الفقيه ج 1 ص 116. (4) أخرجه في ج 103 ص 58 من البحار طبعتنا هذه من قرب الاسناد ص 58، وتراه في التهذيب ج 2 ص 108. (5) راجع التهذيب ج 2 ص 108. (6) راجع الفقيه ج 1 ص 116، التهذيب ج 2 ص 108.

[108]

على ما كان مشتملا على الباطل، أو المحرم، لان نياحة الجاهلية كانت كذلك غالبا، ثم قال: المراثي المنظومة جائزة عندنا، وقد سمع الائمة عليهم السلام المراثي ولم ينكروها. ثم قال روح الله روحه: لا يعذب الميت بالبكاء عليه، سواء كان بكاء مباحا أو محرما، لقوله تعالى " ولا تزر وازرة وزر اخرى " (1) وما في البخاري ومسلم في خبر عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه واله قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله، و في رواية اخرى: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله، ويروى أن حفصة بكت على عمر فقال: مهلا يا بنية ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، مؤول. قيل: وأحسنه أن أهل الجاهلية كانوا ينوحون ويعدون جرائمه كالقتل وشن الغارات، وهم يظنونها خصالا محمودة، فهو يعذب بما يبكون عليه، ويشكل أن الحديث ظاهر في المنع عن البكاء بسبب استلزامه عذاب الميت، بحيث ينتفي التعذيب بسبب انتفاء البكاء قضية للعلية، والتعذيب بجرائمه غير منتف، بكي عليه أولا. وقيل: لانهم كانوا يوصون بالندب والنياحة، وذلك حمل منهم على المعصية وهو ذنب، فإذا عمل بوصيتهم زيدوا عذابا، ورد بأن ذنب الميت الحمل على الحرام والامر به، فلا يختلف عذابه بالامتثال وعدمه، ولو كان للامتثال أثر لبقي الاشكال بحاله. وقيل: لانهم إذا ندبوه يقال له: كنت كما يقولون ؟ ورد بأن هذا توبيخ وتخويف له، وهو نوع من العذاب، فليس في هذا سوى بيان نوع التعذيب، فلم يعذب بما يفعلون ؟ وعن عائشة: رحم الله ابن عمر، والله ما كذب، ولكنه أخطأ أو نسي، إنما مر رسول الله صلى الله عليه واله بقبر يهودية وهم يبكون عليها، فقال: إنهم يبكون وإنها لتعذب بجرمه، وفي هذا نسبة الراوي إلى الخطاء وهو علة من العلل المخرجة للحديث


(1) فاطر: 18.

[109]

عن شرط الصحة. ولك أن تقول إن الباء بمعنى مع، أي يعذب مع بكاء أهله عليه يعنى الميت يعذب بأعماله وهم يبكون عليه، فما ينفعه بكاؤهم، ويكون زجرا عن البكاء لعدم نفعه، ويطابق الحديث الآخر. توضيح قوله: " لا تدعين بذل " وفي بعض النسخ " بويل " بأن تقول " واذلاه أو واويلاه أو واثكلاه " والثكل بالضم الموت والهلاك، وفقدان الحبيب، أو الولد ويحرك " ولا حرب " وفي بعض النسخ " ولا حزن " بأن تقول واحرباه أو واحزناه يقال حربه أي سلبه ما معه، أي هلم الذل والويل والثكل والحرب، فهذه أوان مجيئكن ووقت عروضكن. قوله " وما قلت فيه فقد صدقت " أي ما قلت فيه من الكمالات فأنت صادقة لانه كان متصفا بها، أو اصدقي فيما تقولين فيه ولا تقولي كذبا والاول أظهر، قوله " أنعى الوليد " النعي خبر الموت، وفي القاموس المولدة بين العرب كالوليدة، وليس في بعض النسخ ابن الوليد، وفي نسخ التهذيب موجود، والفتى الشاب الكريم، ويقال فلان حامى الحقيقة إذا حمى ما يحق عليه حمايته، والوتر والوتيرة الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي، والموتور الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه، ويقال: سمى إلى المعالي إذا تطاول إليها، والسنة القحط، والجعفر النهر الصغير، والكبير الواسع ضد، والماء الغدق بالتحريك الكثير، والميرة بالكسر الطعام يمتاره الانسان. 54 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر عن ابن عقدة الحافظ، عن أحمد بن يوسف، عن الحسين بن محمد، عن أبيه، عن عاصم بن عمر، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كتب إلى الحسن بن علي عليه السلام قوم من أصحابه يعزونه عن ابنة له فكتب إليهم: أما بعد فقد بلغني كتابكم تعزوني بفلانة، فعند الله أحتسبها تسليما لقضائه، وصبرا على بلائه أوجعتنا المصائب، وفجعتنا النوائب بالاحبة المألوفة التي كانت بنا حفية، والاخوان

[110]

المحبين الذين كان يسر بهم الناظرون، وتقربهم العيون، أضحوا قد اخترمتهم الايام ونزل بهم الحمام، فخلفوا الخلوف، وأودت بهم الحتوف، فهم صرعى في عساكر الموتى، متجاورون في غير محلة التجاور، ولا صلات بينهم ولا تزاور، لا يتلاقون عن قرب جوارهم، أجسامهم نائية من أهلها، خالية من أربابها، قد أخشعها إخوانها فلم أر مثل دارها دارا، ولا مثل قرارها قرارا، في بيوت موحشة، وحلول مضجعة قد صارت في تلك الديار الموحشة، وخرجت من الديار المؤنسة، ففارقتها من غير قلى، فاستودعتها للبلى، وكانت أمة مملوكة سلكت سبيلا مسلوكة صار إليها الاولون وسيصير إليها الاخرون، والسلام (1). بيان: فعند الله " أحتسبها " أي أحتسب الاجر بصبري على مصيبتها، وفجعته المصيبة: أي أوجعته وكذلك التفجيع، والحفاوة المبالغة في السؤال عن الرجل والعناية في أمره واخترمهم الدهر: أي اقتطعهم واستأصلهم، والحمام بالكسر قدر الموت، وقال الفيروزآبادي (2) الخلف بالتحريك والسكون كل من يجئ بعد من مضى إلا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر، وفي حديث ابن مسعود ثم إنه تخلف من بعده خلوف هي جمع خلف. وأودى به الموت ذهب، والحتوف بالضم جمع الحتف وهو الموت، وعن في قوله " عن قرب جوارهم " لعلها للتعليل، أي لا يقع منهم الملاقات الناشية عن قرب الجوار، بل أرواحهم يتزاورون بحسب درجاتهم وكمالاتهم، قوله عليه السلام قد أخشعها كذا في أكثر النسخ ولا يناسب المقام، وفي بعضها بالجيم، والجشع الجزع لفراق الالف، ولا يبعد أن يكون تصحيف اجتنبها، والحلول بالضم جمع حال من قولهم حل بالمكان أي نزل فيه، ومضجعه بضم الجيم من أضجعه وضع جنبه إلى الارض، وفي أكثر النسخ مخضعه، والقلى بالكسر البغض. 55 - ثواب الاعمال: عن حمزة بن محمد العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 205. (2) هذا من سهو القلم، والصحيح قال الجزرى. (*)

[111]

أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن السكوني، عن جعفر بن محمد الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: التعزية تورث الجنة (1). وعنه صلى الله عليه واله قال: من عزى حزينا كسي في الموقف حلة يحبربها (2). المقنع: مرسلا مثله (3)، وفيه من عزى مؤمنا. الهداية: روى الخبرين معا مرسلا (4). تبيين: روى في الكافي الخبر الاخير عن علي بن إبراهيم (5) عن أبيه عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله وقال في الذكرى: التعزية هي تفعلة من العزاء أي الصبر يقال: عزيته أي صبرته والمراد بها طلب التسلي عن المصاب، والتصبر عن الحزن والانكسار باسناد الامر إلى الله ونسبته إلى عدله وحكمته، وذكر ما وعد الله على الصبر مع الدعاء للميت والمصاب لتسليته عن مصيبته، وهى مستحبة إجماعا ولا كراهة فيها بعد الدفن عندنا انتهى. وفي النهاية التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده، بلا خلاف بين العلماء في ذلك إلا الثوري فانه قال: لا تستحب التعزية بعد الدفن، وقال في التذكرة: قال الشيخ التعزية بعد الدفن أفضل وهو جيد، وقال المحقق في المعتبر التعزية مستحبة، وأقلها أن يراه صاحب التعزية وباستحبابها قال أهل العلم مطلقا خلافا للثوري فانه كرهها بعد الدفن، ثم قال: فأما رواية إسحاق بن عمار فليس بمناف لما ذكرناه لاحتمال أنه يريد عند القبر بعد الدفن أو قبله، وقال الشيخ بعد الدفن أفضل وهو حق انتهى.


(1 - 2) ثواب الاعمال ص 180. (3) المقنع: 6، ط حجر، ص 22 ط الاسلامية. (4) الهداية ص 28. (5) الكافي ج 3 ص 205، ورواه بسند آخر ص 227.

[112]

وأقول: رواية إسحاق هي ما رواه الكليني وغيره (1) بسند موثق وبسند آخر فيه ضعف (2) على المشهور عنه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس التعزية إلا عند القبر ثم ينصرفون لا يحدث في الميت حدث، فيسمعون الصوت. وروي بسند حسن عنه عليه السلام (3) قال: التعزية لاهل المصيبة بعد ما يدفن وبسند مرسل عنه عليه السلام (4) قال: التعزية الواجبة بعد الدفن، وبسند حسن لا يقصر عن الصحيح (5) عن هشام بن الحكم قال: رأيت موسى عليه السلام يعزي قبل الدفن وبعده. [فظهر من تلك الاخبار أن التعزية مستحبة قبل الدفن وبعده، وأن بعده] (6) أفضل، ويستفاد من بعضها عدم استحباب استمرار المأتم والتعزية، و لعلة محمول على عدم تأكد استحبابها وقد مر الكلام فيه. وقال في القاموس: الحلة بالضم إزار ورداء برد أو غيره ولا يكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة، وقال فيه: الحبر بالكسر الاثر أو أثر النعمة والحسن، وبالفتح السرور كالحبور والحبرة والحبر محركة، وأحبره سره والنعمة كالحبرة، وقال: تحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه، وفي النهاية: الحبر بالكسر وقد يفتح الجمال والهيئة الحسنة يقال: حبرت الشئ تحبيرا إذا حسنته انتهى. أقول: فيمكن أن يقرء على المجهول مشددا أي يحسن ويزين بها، و مخففا أي تسير بها. وروي في الذكرى يحبى بها من الحبوة وهي العطاء، ثم قال: وروي يحبر بها أي يسر.


(1) راجع الكافي ج 3 ص 203، التهذيب ج 1 ص 131. (2 - 4) الكافي ج 3 ص 204. (5) الكافي ج 3 ص 205. (6) ما بين العلامتين ساقط عن المطبوعة.

[113]

57 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان فيما ناجى به موسى عليه السلام ربه قال: يا رب ما لمن عزى الثكلى ؟ قال: اظله في ظلي يوم لاظل إلا ظلي (1). بيان: في القاموس ناجاه مناجاة ساره، وقال: الثكل بالضم الموت و الهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد ويحرك، وقد ثكله كفرح فهو ثاكل وثكلان وهي ثاكل، وثكلانة قليل، وثكول وثكلى انتهى، والمراد هنا المرءة التي مات ولدها أو حميمها، أو الطائفة الثكلى أعم من الرجال والنساء، والاول أظهر، ولعل التخصيص لكون المرءة أشد جزعا وحزنا في المصائب من الرجل والاطلاق إما محمول على الحقيقة أو المجاز. قال في النهاية: وفي الحديث سبعة يظلهم الله بظله وفي حديث آخر سبعة في ظل العرش أي في ظل رحمته، وقال الكرماني في شرح صحيح البخاري سبعة في ظلة أضافه إليه للتشريف أي ظل عرشه، أو ظل طوبى أو الجنة، وقال النووي في شرح صحيح مسلم، وقيل الظل عبارة عن الراحة والنعيم نحو هو في عيش ظليل والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس لانها وساير العالم تحت العرش، وقيل أي كنه من المكاره ووهج الموقف، وظاهره أنه في ظله من الحر والوهج وأنفاس الخلق، وهو قول الاكثر. " ويوم لا ظل إلا ظله " أي حين دنت منهم الشمس واشتد الحر وأخذهم العرق، وقيل: أي لا يكون من له ظل كما في الدنيا. اقول: ويؤيد أن المراد به ظل العرش ما رواه في الكافي (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من عزى الثكلى أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.


(1) ثواب الاعمال ص 177. (2) الكافي ج 3 ص 277.

[114]

17. * { باب } * * { أجر المصائب } * 1 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى، عن محمد بن أبى عبد الله الكوفي عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن وهب المصري، عن ثؤابة بن مسعود، عن أنس بن مالك قال: توفي ابن لعثمان بن مظعون رضي الله عنه فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ من داره مسجدا يتعبد فيه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه واله فقال له: يا عثمان إن الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية إنما رهبانية امتي الجهاد في سبيل الله. يا عثمان بن مظعون للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك، آخذا بحجزتك، يشفع لك إلى ربك ؟ قال: بلى فقال المسلمون: ولنا يا رسول الله في فرطنا ما لعثمان ؟ قال: نعم، لمن صبر منكم واحتسب. تمام الخبر (1). 2 - ومنه: عن محمد بن موسى، عن عبد الله الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سيف، عن أخيه الحسين، عن أبيه سيف بن عميرة، عن عمرو ابن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قدم أولادا يحتسبهم عند الله، حجبوه من النار باذن الله عزوجل (2). 34 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد ابن محمد بن عيسى مثله (3).


(1) أمالى الصدوق ص 40. (2) أمالى الصدوق ص 323. (3) ثواب الاعمال: 178.

[115]

توضيح: قال في النهاية: فيه: من صام شهر رمضان إيمانا واحتسابا أي طلبا لوجه الله وثوابه، والاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه، لان له حينئذ أن يعتد عمله فجعل في حال مباشرة الفعل كأنه معتد به، والحسبة اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد والاحتساب في الاعمال الصالحات، وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الاجر وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها، طلبا للثواب المرجو منها، ومنه الحديث من مات له ولد فاحتسبه أي احتسب الاجر بصبره على مصيبته يقال: فلان احتسب ابنا له، إذا مات كبيرا، وافترطه إذا مات صغيرا، ومعناه اعتد مصيبته به في جملة بلايا الله التي يثاب على الصبر عليها انتهى، وقال في المغرب: احتسب ولده معناه اعتد أجر مصابه فيما يدخر 3 - الخصال: عن الخليل بن أحمد، عن المخلدي، عن يونس بن عبد الاعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمر بن الحارث، عن أبي غسانة المعافري، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله عزوجل وجبت له الجنة (1). 4 - ومنه: عن محمد بن جعفر البندار، عن أبي العباس الحمادي، عن محمد ابن علي الصايغ، عن عمر بن سهل، عن الوليد بن مسلم، عن الاوزاعي، عن أبي سلام الاسود، عن أبي سالم راعي رسول الله صلى الله عليه واله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: خمس ما أثقلهن في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى لمسلم فيصبر ويحتسب (2). 5 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد ابن محمد بن عيسى، عن علي بن سيف، عن أخيه الحسين، عن أبيه سيف بن عميرة عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عمر بن عنبسة السلمي قال:


(1) الخصال ج 1 ص 85. (2) الخصال ج 1 ص 128.

[116]

سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أيما رجل قدم ثلاثة أولادلم يبلغوا الحنث أو امرءة قدمت ثلاثة أولاد فهم حجاب يسترونه من النار (1). 6 - ومنه: بهذا الاسناد عن سيف بن عميرة، عن أشعث بن سوار، عن الاحنف بن قيس، عن أبي ذر الغفاري رحمة الله عليه قال: ما من مسلمين يقدمان عليهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهم الله الجنة بفضل رحمته (2) بيان: قال الشهيد الثاني قدس سره بعد إيراد الروايتين: الحنث بكسر الحاء المهملة وآخره مثلثة الاثم والذنب، والمعنى أنهم لم يبلغوا السن الذي يكتب عليهم فيه الذنوب، قال الخليل: بلغ الغلام الحنث أي جرى عليه القلم، وفي النهاية فيه من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، أي لم يبلغوا مبلغ الرجال، ويجري عليهم القلم، فيكتب عليهم الحنث وهو الاثم، وقال الجوهري مبلغ الغلام الحنث أي المعصية والطاعة. 7 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن أحمد بن الحسين بن سعيد، عن علي بن ميسر، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولدا يبقون بعده يدركون القائم عليه السلام (3). 8 - مسكن الفؤاد: عن علي بن ميسرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين يخلفونه من بعده كلهم قد ركب الخيل و قاتل في سبيل الله. وعنه عليه السلام قال: ثواب المؤمن من ولده الجنة صبر أو لم يصبر. وعنه عليه السلام من أصيب بمصيبة جزع عليها أو لم يجزع صبر عليها أولم يصبر كان ثوابه من الله الجنة. ايضاح: يدل على أن الجزع لا يحبط أجر المصيبة، ويمكن حمله على ما إذا لم يقل ولم يفعل ما يسخط الرب عزوجل أو على ما إذا صدر منه بغير اختياره.


(1 - 3) ثواب الاعمال ص 178.

[117]

9 - مسكن الفؤاد: عن ثوبان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: بخ بخ خمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه. قال - رحمه الله -: بخ بخ كلمة تقال عند المدح والرضا بالشئ، وتكرر للمبالغة وربما شددت، ومعناها تفخيم الامر وتعظيمه، ومعني يحتسبه أي يجعله حسبة وكفاية عند الله عزوجل، أي يحتسبه بصبره على مصيبته بموته ورضاه بالقضاء. وعن عبد الرحمن بن سمرة، عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: إني رأيت البارحة عجبا فذكر حديثا طويلا وفيه رأيت رجلا من امتي قد خف ميزانه فجاء أفراطه فثقلوا ميزانه. قال - ره - الفرط بفتح الفاء والراء هو الذي لم يدرك من الاولاد الذكور و الاناث، ويتقدم وفاته على أبويه أو أحدهما، يقال فرط القوم إذا تقدمهم وأصله الذي يتقدم الركب إلى الماء يهيئ لهم أسبابه. وعن سهل بن حنيف قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله تزوجوا فاني مكاثر بكم الامم حتى أن السقط ليظل محبنطئا على باب الجنة يقال له ادخل، يقول حتى يدخل أبواي. قال قدس سره: السقط مثلث السين والكسر أكثر، هو الذي يسقط من بطن امه قبل تمامه، ومحبنطئا بالهمز وتركه هو المتغضب المستبطئ للشئ. بيان: قال الجزري بعد نقل الحديث: المحبنطئ بالهمز وتركه المتغضب المستبطئ للشئ، وقيل: هو الممتنع امتناع طلبة لا امتناع إباء، يقال احبنطأت واحبنطيت والحبنطى القصير البطين والنون والهمزة والالف والياء من زوايد الالحاق. 10 - المسكن: عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: النفساء يجرها ولدها يوم القيامة بسرره إلى الجنة. قال قدس سره: النفساء بضم النون وفتح الفاء المرءة إذا ولدت، والسرر بفتح السين المهملة وكسرها ما تقطعه القابلة من سرة المولود التي هي موضع القطع

[118]

وما بقي بعد القطع فهو السرة، وكان يريد الولد الذي لم تقطع سرته. بيان: قال في النهاية: السرر بضم السين وفتح الراء، وقيل هو بفتح السين والراء وقيل بكسر السين، ومنه حديث السقط إنه يجر والديه بسرره حتى يدخلهما الجنة (1). 11 - المسكن: عن عبيد بن عمير الليثي قال: إذا كان يوم القيامة خرج ولدان المسلمين من الجنة بأيديهم الشراب قال: فيقول لهم الناس: اسقونا اسقونا فيقولون ؟ أبوينا أبوينا، قال: حتى السقط محبنطئا باب الجنة يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا كان يوم القيامة نودي في أطفال المؤمنين والمسلمين أن اخرجوا من قبوركم فيخرجون من قبورهم ثم ينادى فيهم أن امضوا إلى الجنة زمرا، فيقولون ربنا ووالدينا معنا [ثم ينادي فيهم الثانية أن امضوا إلى الجنة زمرا، فيقولون: ربنا ووالدينا معنا ؟] فيقول في الثالثة ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه فيأخذون بأيديهم فيدخلون بهم الجنة، فهم أعرف بآبائهم وامهاتهم يومئذ من أولادكم الذين في بيوتكم. قال - رحمه الله - الزمر الافواج المتفرقة بعضها في أثر بعض، وقيل في زمر (2) الذين اتقوا من الطبقات المختلفة الشهداء والزهاد والعلماء والقراء والمحدثون وغيرهم، وروي أن رجلا كان يجئ بصبي له معه إلى رسول الله صلى الله عليه واله وأنه مات فاحتبس والده عن رسول الله صلى الله عليه واله فسأل عنه، فقالوا: مات صبيه الذي رأيته معه، فقال صلى الله عليه واله هلا آذنتموني فقوموا إلى أخينا نعزيه، فلما دخل عليه إذا الرجل حزين وبه كآبة، فعزاه، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه واله كنت أرجوه


(1) ولا يبعد أن يكون " والدته " و " حتى يدخلها " وفي بعض رواياتهم لتجر أمه بسرره منه مد ظله، كذا في هامش النسخة المخطوطة. (2) يعنى قوله تعالى " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا " الاية 71 من سورة الزمر. (*)

[119]

لكبر سني وضعفي، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: أما يسرك أن يكون يوم القيامة بازائك، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: يا رب وأبواي، فلا يزال يشفع حتى يشفعه الله عزوجل فيكم، فيدخلكم جميعا الجنة. قال قدس الله روحه: احتبس أي تخلف عن المجئ إلى النبي صلى الله عليه واله " وآذنتموني " بالمد أخبرتموني، والكآبة بالمد تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن، والضعف بضم المعجمة وفتحها " وبازائك " أي بحذائك. وعن عبد الله بن قيس عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون: بحمدك نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي، فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد. بيان: روي قريبا منه في الكافي عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام وقال في النهاية فيه إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون نعم، قيل للولد ثمرة لان الثمر نتيجة الشجر والولد نتيجة الاب انتهى وأقول: إضافة الثمرة إلى الفؤاد أي القلب لانه أشرف الاعضاء: ولانه محل الحب، فلما كان حبه لازقا بالقلب لا ينفك عنه فكأنه ثمرته، وقال الطيبي: ثمرة فؤاده أي نقاوة خلاصته فان خلاصة الانسان الفؤاد والفؤاد إنما يعتد به لما هو مكان اللطيفة التي خلق لها وبها شرفه وكرامته. 12 - المسكن: روي أن امرءة أتت النبي صلى الله عليه واله يصحبها ابن لها مريض، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفي ابني هذا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: هل لك فرط ؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال صلى الله عليه واله: في الجاهلية أو في الاسلام ؟ قالت: بل في الاسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: جنة حصينة، جنة حصينة. قال - رحمه الله - الجنة بالضم الوقاية، أي وقاية لك من النار، أو من جميع الاهوال، وحصينة بمعنى فاعل أي محصنة لصاحبها، وساترة من أن يصل


(1) الكافي ج 3 ص 219.

[120]

إليه شئ. وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب، وجبت له الجنة، فقالت ام أيمن: واثنين ؟ فقال: من دفن اثنين وصبر عليهما واحتسبهما وجبت له الجنة، فقالت ام أيمن: وواحدا فسكت وامسك، ثم قال: يا ام أيمن: من دفن واحدا فصبر عليه واحتسبه وجبت له الجنة. وعن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يتعاهد الانصار ويعودهم ويسأل عنهم، فبلغه أن امرءة مات ابن لها فجزعت عليه، فأتاها فأمرها بتقوى الله عز و جل، والصبر، فقالت: يا رسول الله ! إني امرءة رقوب لا ألد، ولم يكن لي ولد غيره، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: الرقوب التي يبقى لها ولدها ثم قال: ما من امرئ مسلم ولا امرءة مسلمة يموت لهما ثلاثة من الولد إلا أدخلهما الجنة، فقيل له: واثنان ؟ فقال: واثنان. وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه واله قال لها: أما تحبين أن ترينه علي باب الجنة وهو يدعوك إليها، فقالت: بلى قال: فانه كذلك. قال - رحمه الله - الرقوب بفتح الراء هو الذي لا يولد له ولا يعيش ولده، هذا بحسب اللغة وقد خصه النبي صلى الله عليه واله بما ذكر. وعن أنس قال: وقف رسول الله صلى الله عليه واله على مجلس من بني سلمة، فقال: يا بني سلمة ما الرقوب فيكم ؟ قالوا الذي لا يولد له، قال: بل هو الذي لافرط له، قال: ما المعدم فيكم ؟ قالوا الذي لا مال له، قال: بل هو الذي يقدم وليس له عند الله خير. ونحوه عن ابن مسعود. ودخل صلى الله عليه واله على امرأة يعزيها بابنها، فقال: بلغني أنك جزعت جزعا شديدا، فقالت: وما يمنعني يا رسول الله صلى الله عليه واله وقد تركني عجوزا رقوبا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله لست بالرقوب إنما الرقوب التي تتوفي وليس لها فرط، و لا يستطيع الناس يعودون عليها من أفراطهم، فتلك الرقوب. ايضاح: قال الجزري فيه أنه قال: ما تعدون الرقوب فيكم ؟ قالوا

[121]

الذي لا يبقي له ولد، قال: بل الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئا، الرقوب في اللغة الرجل والمرءة إذا لم يعش لهما ولد، لانه يرقب موته ويرصده خوفا عليه، فنقله صلى الله عليه واله إلى الذي لم يقدم من الولد شيئا أي يموت قبله تعريفا أن الاجر والثواب لمن قدم شيئا من الولد، وأن الاعتداد به أكثر، والنفع فيه أعظم، وأن فقدهم وإن كان في الدنيا عظيما فان فقد الاجر والثواب على الصبر والتسليم للقضاء في الآخرة أعظم، وأن المسلم ولده في الحقيقة من قدمه واحتسبه، ومن لم يرزق ذلك فهو كالذي لا ولد له، ولم يقله إبطالا لتفسيره اللغوي كما قال: إنما المحروب من حرب دينه، ليس على أن من اخذ ماله غير محروب. 13 - المسكن: عن قبيصة قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه واله جالسا إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله ادع الله لي فانه ليس يعيش لي ولد، قال صلى الله عليه واله: وكم مات لك ولد ؟ قالت: ثلاثة قال: لقد احتظرت من النار بحظار شديد. قال: قدس الله لطيفه الحظار بكسر الحاء المهملة والظاء المشالة: الحظيرة تعمل للابل من شجر لتقيها البرد والريح، ومنها المحظور للمحرم أي الممنوع من الدخول فيه كأن عليه حظيرة تمنع من دخوله. تأييد: قال في النهاية: الحظيرة الموضع الذي يحاط عليه ليأوي إليه الغنم والابل تقيها البرد والريح، ومنه الحديث لا حمى في الاراك، فقال له رجل أراكة في حظاري أراد الارض التي فيها الزرع المحاط عليها كالحظيرة، وتفتح الحاء وتكسر، ومنه الحديث أتته امرءة فقالت: يا نبي الله ادع الله لي فقد دفنت ثلاثة فقال: لقد احتظرت بحظار شديد من النار والاحتظار فعل الحظار، أراد لقد احتميت بحمى عظيم من النار يقيك حرها ويؤمنك دخولها. 14 - المسكن: عن زيد بن أسلم قال: مات ولد لداود عليه السلام فحزن عليها حزنا كثيرا فأوحى الله إليه: يا داود وما كان يعدل هذا الولد عندك ؟ قال: كان يا رب يعدل عندي ملء الارض ذهبا، قال: فلك عندي يوم القيامة ملء الارض ثوابا. وحكى الشيخ أبو عبد الله بن النعمان في كتاب مصباح الظلام عن بعض الثقات

[122]

أن رجلا أوصى بعض أصحابه ممن حج أن يقرء سلامه لرسول الله صلى الله عليه واله ويدفن رقعه مختومة أعطاها له عند رأسه الشريف، ففعل ذلك، فلما رجع من حجه أكرمه الرجل وقال له: جزاك الله خيرا لقد بلغت الرسالة، فتعجب المبلغ من ذلك، وقال: من أين علمت بتبليغها قبل أن احدثك ؟ فأنشأ يحدثه، قال: كان لي أخ مات وترك ابنا صغيرا فربيته وأحسنت تربيته، ثم مات قبل أن يبلغ الحلم. فلما كان ذات ليلة رأيت في المنام أن القيامة قد قامت، والحشر قد وقعت والناس قد اشتد بهم العطش من شدة الجهد، وبيد ابن أخي ماء فالتمست أن يسقيني فأبي، وقال: أبي أحق به منك، فعظم علي ذلك. وانتبهت فزظا فلما أصبحت تصدقت بجملة دنانيري، وسألت الله أن يرزقني ولدا ذكرا فرزقنيه واتفق سفرك فكتبت لك تلك الرقعة ومضمونها التوسل بالنبي إلى الله عزوجل في قبوله مني رجاء أن أجده يوم الفزع الاكبر، فلم يلبث أن حم ومات، وكان ذلك يوم وصولك، فعلمت أنك بلغت الرسالة. ومن كتاب النوم والرؤيا لابي الصقر الموصلي عن علي بن الحسين بن جعفر، عن أبيه، عن بعض أصحابنا ممن أثق بدينه وفهمه قال: أتيت المدينة ليلا فبت في بقيع الغرقد بين أربعة قبور، عندها قبر محفور، فرأيت في منامي أربعة أطفال قد خرجوا من تلك القبور، وهم يقولون: أنعم الله بالحبيبة عينا * وبمرآك يا اميم إلينا عجبا ما عجبت من ضغطة القبر * ومغداك يا اميم إلينا فقلت: إن لهذه الابيات لشأنا وأقمت حتى طلعت الشمس، فإذا جنازة قد أقبلت فقلت: من هذه ؟ قالوا امرءة من المدينة، فقلت: اسمها اميم ؟ قالوا: نعم، قلت: أقدمت فرطا قالوا أربعة أولاد فأخبرتهم الخبر. وعن النبي صلى الله عليه واله قال: المصائب مفاتيح الاجر. وعنه صلى الله عليه واله قال: قال الله عزوجل إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة

[123]

في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشرله ديوانا. وعن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من كان له ابن وكان عليه عزيزا و به ضنينا ومات فصبر على مصيبته واحتسبه، أبدل الله الميت دارا خيرا من داره، و قرارا خيرا من قراره، وأبدل المصاب الصلوة والرحمة والمغفرة والرضوان. 15 - اعلام الدين: عن النبي صلى الله عليه واله قال: تجئ يوم القيامة أطفال المؤمنين عند عرض الخلائق للحساب فيقول الله تعالى لجبرئيل عليه السلام: اذهب بهؤلاء إلى الجنة، فيقفون على أبواب الجنة ويسألون عن آبائهم وامهاتهم فتقول لهم الخزنة: آباؤكم وأمهاتكم ليسوا كأمثالكم، لهم ذنوب وسيئات يطالبون بها، فيصيحون صيحة باكين، فيقول الله تعالى: يا جبرئيل ما هذه الصيحة ؟ فيقول اللهم أنت أعلم، هؤلاء أطفال المؤمنين، يقولون: لا ندخل الجنة حتى يدخل آباؤنا وامهاتنا، فيقول الله سبحانه وتعالى يا جبرئيل تخلل الجمع وخذ بيد آبائهم وامهاتهم فأدخلهم معهم الجنة برحمتي. 16 - دعوات الراوندي: عن الصادق عليه السلام قال: ولد واحد يقدمه الرجل أفضل من سبعين ولدا يبقون بعده شاكين في السلاح مع القائم عليه السلام. بيان: في النهاية الشكة بالكسر السلاح، ورجل شاك السلاح وشاك في السلاح. 17 - دعائم الاسلام: عن النبي صلى الله عليه واله قال: من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم حجبوه من النار، فقيل: يا رسول الله واثنان ؟ قال: واثنان (1). 18 - مشكوة الانوار: عن مهران، قال: كتب رجل إلى أبي جعفر عليه السلام يشكو إليه مصابه بولده، فكتب إليه: أما علمت أن الله يختار من مال المؤمن ومن ولده وأنفسه ليأجره على ذلك (2).


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 223. (2) مشكاة الانوار: 280.

[124]

ومنه: عن أبي عليه السلام قال: الولد الصالح ميراث الله من المؤمن [إذا قبضه (1). بيان الظاهر أن الضمير في " قبضه " راجع إلى المؤمن] (2) أي ما يصل إلى الله مما يخلفه المؤمن من أهله وماله، وولده الولد الصالح لانه ينفع لدين الله وإحياء شريعته، ويحتمل كون الضمير راجعا إلى الولد، كما فهمه الاكثر ولذا أوردناه في هذا الباب، ولا يخفى بعده، إذ الميراث إنما يطلق على ما يبقى بعد الموت، وأيضا التقييد بالولد الصالح لا يناسب هذا المعنى.


(1) مشكاة الانوار ص 280. (2) ما بين العلامتين ساقط عن المطبوعة.

[125]

18. * { باب } * * { فضل التعزى والصبر عند المصائب والمكاره } * الايات: البقرة: ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، واولئك هم المهتدون (1). وقال تعالى: " ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر " إلى قوله " و الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون " (2). لقمان: واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور (3). الزمر: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (4). تفسير: " ولنبلونكم " أي ولنصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء " بشئ من الخوف والجوع " أي بقليل من ذلك وإنما قلله بالاضافة إلى ما وقاهم عنه ليخفف عنهم، ويريهم أن رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة " ونقص من الاموال والانفس و الثمرات " عطف على شئ أو الخوف، وقيل الخوف خوف الله والجوع صوم شهر رمضان والنقص من الاموال الزكوات والصدقات، ومن الانفس الامراض، ومن الثمرات موت الاولاد، فانهم ثمرات القلوب كما مر في الخبر والتعميم في


(1) البقرة: 155. (2) البقرة: 177. (3) لقمان: 17. (4) الزمر: 10.

[126]

الجميع أولى. " وبشر الصابرين " الخطاب للرسول صلى الله عليه واله أو لمن يتأتى منه البشارة والمصيبة تعم ما يصيب الانسان من مكروه أي أخبرهم بمالهم على الصبر في تلك المشاق والمكاره من المثوبة الجزيلة، والعافبة الجميلة. " قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " معني " إنا لله " إقرار له بالعبودية أي نحن عبيد الله وملكه، فله التصرف فينا بالحياة والموت والصحة والمرض والمالك على الاطلاق أعلم بصلاح مملوكه، واعتراض المملوك عليه من سفاهته " وإنا إليه راجعون " إقرار بالبعث والنشور، وتسلية للنفس بأن الله تعالى عند رجوعنا إليه يثيبنا على ما أصابنا من المكاره والآلام أحسن الثواب، كما وعدنا، وينتقم لنا ممن ظلمنا، وفيه تسلية من جهة اخرى وهي أنه إذا كان رجوعنا جميعا إلى الله وإلى ثوابه، فلا نبالي بافتراقنا بالموت، ولا ضرر على الميت أيضا فانه ينتقل من دار إلى دار أحسن من الاولى ورجع إلى رب كريم هو مالك الدنيا والعقبى. وقال الطبرسي قال أمير المؤمنين عليه السلام: قولنا " إنا لله " إقرار على أنفسنا بالملك وقولنا " وإنا إليه راجعون " إقرار على أنفسنا بالهلك وفي الحديث من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه، وقال عليه السلام: من اصيب بمصيبة فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الاجر مثله يوم اصيب (1). والصلاة في الاصل الدعاء، ومن الله التزكية والثناء الجميل والمغفرة، و جمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها، والمراد بالرحمة اللطف والاحسان " واولئك هم المهتدون " للحق والصواب، حيث استرجعوا وسلموا لقضاء الله. وروى الكليني (2) في الصحيح عن عبد الله بن سنان وإسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: قال الله عزوجل: إني جعلت الدنيا


(1) مجمع البيان ج 1 ص 238. (2) الكافي ج 2 ص 92 (*).

[127]

بين عبادي قرضا فمن أقرضني منها قرضا أعطيته بكل واحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف، وما شئت من ذلك، ومن لم يقرضني منها قرضا فأخذت منه شيئا قسرا [فصبر] خ أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهن ملائكتي لرضوا بها مني ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام قول الله تعالى " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم " فهذه واحدة من ثلاث خصال " ورحمة " اثنتان " واولئك هم المهتدون " ثلاث، ثم قال: أبو عبد الله عليه السلام هذا لمن أخذ الله منه شيئا قسرا. " والصابرين في البأساء والضراء " قيل: البأساء البؤس والفقر، والضراء الوجع والعلة، و " حين البأس " وقت القتال وجهاد العدو " اولئك الذين صدقوا " في الدين واتباع الحق وطلب البر " واولئك هم المتقون " عن الكفر وسائر الرذائل. " إن ذلك من عزم الامور " أي الصبر أو كل ما أمره مما عزمه الله من الامور أي قطعه قطع إيجاب. " أجرهم بغير حساب " أي أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب. أقول: قد مرت سائر الآيات الواردة في الصبر في بابه (1) في كتاب الايمان والكفر. 1 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن سنان، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند مصيبته حين تفجأه المصيبة، إلا غفر الله له ما مضى من ذنوبه إلا الكبائر التي أوجب الله عليها النار، قال: وكلما ذكر مصيبة فيما يستقبل من عمره فاسترجع عندها وحمد الله، غفر الله له كل ذنب اكتسبه فيما بين الاسترجاع الاول إلى الاسترجاع


(1) راجع ج 71 ص 56 - 97 من هذه الطبعة.

[128]

الثاني، إلا الكبائر من الذنوب (1). 2 - ومنه: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن علي بن سيف، عن أخيه، عن أبيه سيف بن عميرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من الهم الاسترجاع عند المصيبة وجبت له الجنة (2). بيان: في القاموس أرجع في المصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كرجع واسترجع، 3 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن، عن محمد بن أبى القاسم، عن أحمد ابن أبي عبد الله، عن الحسن بن الحسين بن يزيد، عن إبراهيم بن أبي بكر، عن عاصم، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: سمعته يقول: من صبر على مصيبة زاده الله عزوجل عزا على عزه وأدخله جنته مع محمد وأهل بيته صلى الله عليه واله (3). 4 - مجالس الصدوق والعيون: عن محمد بن القاسم المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي بن الناصر، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه الرضا، عن أبيه قال: نعي إلى الصادق عليه السلام إسماعيل وهو أكبر أولاده، وهو يريد أن يأكل، وقد اجتمع ندماؤه، فتبسم ثم دعا بطعامه، فقعد مع ندمائه وجعل يأكل أحسن من أكله سائر الايام، ويحث ندماءه ويضع بين أيديهم، ويعجبون منه لا يرون للحزن في وجهه أثرا. فلما فرغ قالوا: لقد رأينا منك عجبا اصبت بمثل هذا الابن وأنت كما نرى ؟ فقال: مالي لا أكون كما ترون، وقد جاءني خبر أصدق الصادقين أني ميت وإياكم، إن قوما عرفوا الموت فلم ينكروا ما يخطفه الموت منهم وسلموا لامر خالقهم عزوجل (4).


(1 - 2) ثواب الاعمال ص 179. (3) المصدر ص 180. (4) لا يوجد في أمالى الصدوق والحديث في عيون الاخبار ج 2 ص 2.

[129]

5 - العيون: عن علي بن عبد الله، عن سعد بن عبد الله، عن الهيثم بن أبي مسروق عن محمد بن الفضل، عن الرضا عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: من بلي من شيعتنا ببلاء فصبر كتب الله له مثل أجر ألف شهيد (1). بيان لعل المراد شهداء سائر الامم. 6 - صفات الشيعة: للصدوق، عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا تكونون مؤمنين حتى تكونوا مؤتمنين، وحتى تعدوا النعمة والرخاء مصيبة، وذلك أن الصبر على البلاء أفضل من العافية عند الرخاء (2). 7 - المحاسن: عن عبد الله بن حماد، عن أبي عمران عمر بن مصعب، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: العبد بين ثلاث: بين بلاء وقضاء ونعمة، فعليه للبلاء من الله الصبر فريضة، وعليه للقضاء من الله التسليم فريضة، وعليه للنعمة من الله الشكر فريضة (3). 8 - مجالس المفيد: عن محمد بن عمر الجعابي، عن عبد الله بن بريد البجلي، عن محمد بن بواب الهبارى، عن محمد بن علي بن جعفر، عن أبيه، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أربع من كن فيه كتبه الله من أهل الجنة: من كان عصمته شهادة أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله صلى الله عليه واله، ومن إذا أنعم الله عليه بنعمة قال الحمد لله، ومن إذا أصاب ذنبا قال أستغفر الله، ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون (4). مسكن الفؤاد: عن النبي صلى الله عليه واله قال: أربع من كن فيه كان في نور الله


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 221. (2) صفات الشيعة: 180 ط نجف تحت الرقم 53. (3) المحاسن ص 6. (4) مجالس المفيد ص 54.

[130]

الاعظم وذكر نحوه. 9 - مجالس المفيد: باسناده إلى هاشم بن محمد في خبر طويل قال: لما وصل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وفاة الاشتر جعل يتلهف ويتأسف عليه، ويقول: لله در مالك، لو كان من جبل لكان أعظم أركانه، ولو كان من حجر كان صلدا، أما والله ليهدن موتك، فعلى مثلك فلتبك البواكي، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين، إني أحتسبه عندك: فان موته من مصائب الدهر. فرحم الله مالكا قد وفى بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربه، مع أنا قد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه واله، فانها أعظم المصيبة (1). 10 - ومنه: عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن داود ابن فرقد عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن فيما ناجى الله به موسى بن عمران أن: يا موسى ما خلقت خلقا هو أحب إلى من عبدي المؤمن وإني إنما أبتليه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عبدي. وليصبر على بلائي وليشكر نعمائي وليرض بقضائي، أكتبه في الصديقين عندي، إذا عمل بما يرضيني وأطاع أمري (2). 11 - ومنه: عن أحمد بن محمد، عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد ابن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن رفاعة، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أنه قال: أربع في التوراة وأربع إلى جنبهن: من أصبح على الدنيا حزينا أصبح ساخطا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به، فانما يشكو ربه (3) الحديث. 12 - ومنه: باسناده عن علي بن مهزيار، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمش


(1) مجالس المفيد ص 58. (2) مجالس المفيد 63. (3) مجالس المفيد ص 119.

[131]

عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أوصني ! قال: اوصيك بتقوى الله - إلى أن قال: وإن نازعتك نفسك إلى شئ من ذلك، فاعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قوته الشعير، وحلواه التمر إذا وجده، ووقوده السعف وإذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه واله، فان الناس لن يصابوا بمثله أبدا (1). 13 - اعلام الدين: قال أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الاعور: ثلاثة بهن يكمل المسلم: التفقة في الدين والتقدير في المعيشة والصبر على النوائب. ومنه وروى أن أمير المؤمنين عليه السلام سمع إنسانا يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون فقال قولنا إنا لله إقرار له منا بالملك وقولنا إنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك. 14 - مجالس الشيخ: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عقيلة، عن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن علي ابن الحسين عليهم السلام قال: سمعته يقول من تعزى عن الدنيا بثواب الآخرة فقد تعزى عن حقير بخطير، وأعظم من ذلك من عد فائته سلامة نالها، وغنيمة اعين عليها (2). 15 - ومنه: عن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد ابن زكريا، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمش عن عمرو بن سعيد بن هلال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه واله، فان الناس لم يصابوا بمثله ولن يصابوا بمثله أبدا (3). 16 - دعوات الراوندي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الجزع أتعب من الصبر.


(1) مجالس المفيد ص 122. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 226. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 294.

[132]

وقال النبي صلى الله عليه واله: يقول الله عزوجل: من لم يرض بقضائي، ولم يشكر لنعمائي، ولم يصبر على بلائي، فليتخذ ربا سواي. وقال: من أصبح حزينا على الدنيا، أصبح ساخطا على الله، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فانما يشكو الله عزوجل. وأوحى الله إلى عزيز: يا عزيز ! إذا وقعت في معصية فلا تنظر إلى صغرها ولكن انظر من عصيت، وإذا اوتيت رزقا مني فلا تنظر إلى قلته، ولكن انظر إلى من أهداه، وإذا نزلت إليك بلية فلا تشك إلى خلقي كما لا أشكوك إلى ملائكتي عند صعود مساويك وفضائحك. وروي عن الحسن البصري أنه قال: بئس الشئ الولد إن عاش كدني، وإن مات هدني، فبلغ ذلك زين العابدين عليه السلام فقال: كذب والله نعم الشئ الولد، إن عاش فدعاء حاضر، وإن مات فشفيع سابق. وعن ام سلمة قال رسول الله صلى الله عليه واله: من اصيب بمصيبة فقال كما أمره الله " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني من مصيبتي، واعقبني خيرا منه " فعل الله ذلك به. قالت: فلما توفي أبو سلمة قلته ثم قلت: ومن مثل أبي سلمة ؟ فأعقبني الله برسوله صلى الله عليه واله فتزوجني. وقال الباقر عليه السلام: ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند مصيبته إلا غفر الله له ما مضى من ذنوبه. وقال النبي صلى الله عليه واله: ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن قدم عهدها، فأحدث لها استرجاعا إلا أحدث الله له منزلة، وأعطاه مثل ما أعطاه يوم اصيب بها، وما من نعمة وإن تقادم عهدها تذكرها العبد فقال: الحمد لله. إلا جدد الله له ثوابه كيوم وجدها. وقال: إن أهل المصيبة لتنزل بهم المصيبة فيجزعون فيمر بهم مار من الناس فيسترجع فيكون أعظم أجرا من أهلها.

[133]

وكان أبو عبد الله عليه السلام يقول عند المصيبة: الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني، والحمد لله الذي لو شاء أن تكون مصيبتي أعظم مما كانت لكانت. وكان للصادق عليه السلام ابن فبينا هو يمشي بين يديه إذ غص فمات، فبكى، و قال: لئن أخذت لقد بقيت ولئن ابتليت لقد عافيت، ثم حمل إلى النساء فلما رأينه صرخن فأقسم عليهن أن لا يصرخن، فلما أخرجه للدفن قال: سبحان من يقتل أولادنا ولا نزداد له إلا حبا، فلما دفنه قال: يا بني وسع الله في ضريحك وجمع بينك وبين نبيك. وقال عليه السلام: إنا قوم نسأل الله ما نحب فيمن نحب فيعطينا، فإذا أحب ما نكره فيمن نحب رضينا. وقال عليه السلام: نحن صبر، وشيعتنا والله أصبر منا، لانا صبرنا على ما علمنا وصبروا على ما لم يعلموا. بيان " على ما علمنا " أي نزوله قبل وقوعه، وذلك مما يهون المصيبة أو قدر الاجر الذي يترتب على الصبر عليها بعلم اليقين، ولعل الاول أظهر. 17 - دعوات الراوندي: قال الصادق عليه السلام: يصبح المؤمن حزينا، و يمسي حزينا، ولا يصلحه إلا ذاك، وساعات الغموم كفارات الذنوب. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من قصر عمره كانت مصيبته في نفسه، ومن طال عمره تواترت مصائبه، ورأى في نفسه وأحبائه ما يسوؤه. وقال أبو عبد الله عليه السلام: المؤمن صبور في الشدائد، وقور في الزلازل، قنوع بما اوتي، لا يعظم عليه المصائب، ولا يحيف على مبغض، ولا يأثم في محب. الناس منه في راحة، والنفس منه في شدة. وقال زين العابدين عليه السلام: ما اصيب أمير المؤمنين عليه السلام بمصيبة إلا صلى في ذلك اليوم ألف ركعة، وتصدق على ستين مسكينا. وصام ثلاثة أيام، وقال لاولاده: إذا اصبتم بمصيبة فافعلوا بمثل ما أفعل، فاني رأيت رسول الله صلى الله عليه واله هكذا يفعل فاتبعوا أثر نبيكم، ولا تخالفوه فيخالف الله بكم، إن الله تعالى يقول:

[134]

" ولمن صبر وغفر فان ذلك من عزم الامور " ثم قال زين العابدين عليه السلام: فمازلت أعمل بعمل أمير المؤمنين عليه السلام. وقال عليه السلام: الرضا بالمكروه أرفع درجات المتقين. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: المصائب بالسوية مقسومة بين البرية. وقال عليه السلام: من لم ينجه الصبر أهلكه الجزع. وروي أن موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على عمل إذا أنا عملته نلت به رضاك، فأوحى الله إليه: يا ابن عمران إن رضاي في كرهك، ولن تطيق ذلك، قال: فخر موسى عليه السلام ساجدا باكيا فقال يا رب خصصتني بالكلام، ولم تكلم بشرا قبلي، ولم تدلني على عمل أنال به رضاك ؟ فأوحى الله إليه إن رضاي في رضاك بقضائي. 18 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين: وقد عزى الاشعث بن قيس عن ابن له: يا أشعث إن تحزن على ابنك فقد استحقت ذلك منك الرحم، وإن تصبر ففي الله من كل مصيبة خلف، يا أشعث إن صبرت جرى عليك القدر، وأنت مأجور وإن جزعت جرى عليك القدر، وأنت مأزور (1) سرك وهو بلاء وفتنة، وحزنك وهو ثواب ورحمة (2). وقال عليه السلام على قبر رسول الله صلى الله عليه واله ساعة دفن: إن الصبر لجميل إلا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك، وإن المصاب بك لجليل، وإنه قبلك و بعدك لجلل (3). بيان: قال الجوهري الوزر الاثم والثقل، قال الاخفش تقول منه وزريوزر ووزريزر ووزريوزر، فهو موزور، وإنما قال في الحديث: مأزورات لمكان مأجورات ولو أفرد لقال موزورات انتهى.


(1) في المصدر: يا أشعث ابنك سرك. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 291 من قسم الحكم. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 292 من قسم الحكم.

[135]

قوله عليه السلام: " وهو بلاء وفتنة " لقوله تعالى: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " (1) قوله عليه السلام: " لجلل " قال في النهاية الجلل من الاضداد، يكون للعظيم والحقير انتهى أي كل مصيبة قبلك وبعدك سهل هين بالنسبة إلى مصابك، وقيل أراد به أن المصاب به قبله عظيم على المسلمين لحذرهم منه، وبعده عظيم لاختلال أمرهم وأمر الدين بفقده، والاول أظهر. 19 - النهج: سمع عليه السلام رجلا يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون " فقال إن قولنا: " إنا لله " إقرار على أنفسنا بالملك وقولنا " إنا إليه راجعون " إقرار على أنفسنا بالهلك (2). وقال عليه السلام: ينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن ضرب يده على فخذه عند مصيبة حبط أجره (3). وقال عليه السلام: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فانما يشكو ربه (4). وعزى عليه السلام: قوما عن ميت مات لهم فقال: إن هذا الامر ليس بكم بدء ولا إليكم انتهى، وقد كان صاحبكم هذا يسافر، فعدوه في بعض سفراته، فان قدم عليكم وإلا قدمتم عليه (5). وقال عليه السلام: من صبر صبر الاحرار، وإلا سلاسلو الاغمار (6). وفي آخر أنه عليه السلام قال للاشعث بن قيس معزيا: إن صبرت صبر الاكارم


(1) التغابن: 15. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 99 من قسم الحكم. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 144 من قسم الحكم. (4) نهج البلاغة تحت الرقم 288 من قسم الحكم. (5) نهج البلاغة تحت الرقم 357 من قسم الحكم. (6) نهج البلاغة تحت الرقم 413 من قسم الحكم.

[136]

وإلا سلوت سلو البهايم (1). بيان: قال في القاموس سلاه وعنه كدعاه ورضيه سلوا وسلوا نسيه، فتسلى، وفي النهاية الاغمار جمع غمر بالضم وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الامور. 20 - نهج البلاغة ودعوات الراوندي: قال عليه السلام: من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها (2). بيان: قوله: " بكبارها " أي في الدنيا أو أعم من الدنيا والعقبى، فان تعظيم المصيبة يوجب الجزع الموجب للنار، أو لحبط الاعمال المنجية منها. 21 - كنز الكراجكى: روي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: الصبر ستر من الكروب، وعون على الخطوب. وقال صلى الله عليه واله: الصبر صبران: صبر عند البلاء، وأفضل منه الصبر عند المحارم. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من كنوز الايمان الصبر على المصاب. وقال عليه السلام: الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا إيمان لمن لاصبر له. وقال عليه السلام: اطرح عنك الهموم بعزائم الصبر، وحسن اليقين. وقال عليه السلام: من صبر ساعة حمد ساعات. وقال عليه السلام: الصبر على ثلاثة أوجه: صبر على المعصية، وصبر على المصيبة وصبر على الطاعة. وقال عليه السلام: من جعل له الصبر واليا لم يكن بحدث مباليا. 22 - مسكن الفؤاد: للشهيد الثاني قدس سره: أوحى الله تعالى إلى داود تريد واريد، وإنما يكون ما اريد، فان سلمت لما اريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لما اريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما اريد.


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 414 من قسم الحكم. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 448 من قسم الحكم.

[137]

وروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: الصبر نصف الايمان. وقال صلى الله عليه واله: من أقل ما اوتيتم اليقين، وعزيمة الصبر، ومن اعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولان تصبروا على مثل ما أنتم عليه أحب إلى من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم، ولكني أخاف أن يفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضا، وينكركم أهل السماء عند ذلك، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ثم قرأ " ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم " (1) الاية. وسئل عليه السلام ما الايمان ؟ قال: الصبر. وقال صلى الله عليه واله: الصبر كنز من كنوز الجنة. وقيل: أوحى الله إلى داود عليه السلام تخلق بأخلاقي، وإن من أخلاقي الصبر. وعن ابن عباس لما دخل رسول الله صلى الله عليه واله على الانصار فقال: أمؤمنون أنتم ؟ فسكتوا، فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال: وما علامة إيمانكم ؟ فقالوا: نشكر على الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء، فقال: مؤمنون و رب الكعبة. وقال صلى الله عليه واله: في الصبر على ما نكره خير كثير. وقال المسيح عليه السلام: إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون. وقال علي عليه السلام: بني الايمان على أربع دعائم: اليقين، والصبر، والجهاد والعدل. وقال عليه السلام: الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس له، ولا إيمان لمن لا صبر له. وقال عليه السلام: عليكم بالصبر فان به يأخذ الحازم، وإليه يعود الجازع. وعن الحسن بن علي عليهما السلام عن النبي صلى الله عليه واله قال: إن في الجنة شجرة يقال


(1) النحل: 96.

[138]

لها شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء يوم القيامة، فلا يرفع لهم ديوان، ولا ينصب لهم ميزان، يصب عليهم الاجر صبا، وقرء " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (1). وعنه عن النبي صلى الله عليه واله قال: ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها رجل، أو جرعة صبر على مصيبة، وما من قطرة أحب إلى الله عز وجل من قطرة دمع من خشية الله أو قطرة دم أهريقت في سبيل الله. وعن زين العابدين عليه السلام قال: إذا جمع الله الاولين والآخرين: ينادي مناد أين الصابرون ليدخلوا الجنة جميعا بغير حساب، قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين يا بني آدم ؟ فيقولون إلى الجنة، فيقولون: وقبل الحساب ؟ فقالوا: نعم، قالوا: ومن أنتم ؟ قالوا: الصابرون، قالوا: وما كان صبركم ؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتى توفانا الله عزوجل، قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنة، فنعم أجر العاملين. وعن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: ثلاث من رزقهن فقد رزق خير الدارين: الرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، والدعاء في الرخاء. وعن ابن عباس قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا غلام أو يا غليم ألا اعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ فقلت: بلى، فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله فإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن في الصبر على ما نكره خيرا كثيرا، وإن النصر مع الصبر وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا. وعنه عليه السلام إذا ادخل الرجل القبر قامت الصلاة عن يمينه والزكاة عن شماله والبر يظلل عليه، والصبر ناحية يقول: دونكم صاحبي ! فاني من ورائه، يعني إن استطعتم أن تدفعوا عنه العذاب، وإلا فأنا أكفيكم ذلك، وأدفع عنه العذاب.


(1) الزمر: 10.

[139]

وعنه صلى الله عليه واله: عجبا لامر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لاحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له. وعنه صلى الله عليه واله: الصبر خير مركب: ما رزق الله عبدا خيرا له ولا أوسع من الصبر. وسئل صلى الله عليه واله هل من رجل يدخل الجنة بغير حساب ؟ قال: نعم كل رحيم صبور. وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الحر حر على جميع أحواله: إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره، و إن اسر وقهر واستبدل باليسر عسرا كما كان يوسف الصديق الامين صلوات الله عليه لم يضرر حريته أن استعبد وقهر، ولم تضرره ظلمة الجب ووحشته وما ناله أن من الله عليه، فجعل الجبار العاتي له عبدا بعد أن كان مالكا فأرسله ورحم به امة، وكذلك الصبر يعقب خيرا فاصبروا ووطئوا أنفسكم على الصبر تؤجروا. بيان: النوب نزول الامر والتداكك الازدحام، قوله: " أن من الله " أي إلى أن أو في أن من الله. 23 - المسكن: عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاث مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الارض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ست مائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الارض إلى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الارض إلى منتهى العرش. وعن ام سلمة زوجة النبي صلى الله عليه واله قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول:

[140]

ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله عزوجل " إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم اجرني في مصيبتي، واخلف على خيرا منها " إلا آجره الله عزوجل في مصيبته. وأخلف له خيرا منها، قالت: فلما مات أبو سلمة رضي الله عنه قلت: و أي رجل خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه واله ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه واله. قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه واله بحاطب بن أبي بلتعة يخطبني، فقلت له: إن لي بنتا وأنا غيور، فقال: أما بنتها فأدعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة عنها. وفي آخر: قالت أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه واله فقال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه واله قولا سررت به، قال: لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته فيقول: " اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها " إلا فعل ذلك به، قالت ام سلمة: فحفظت ذلك منه فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منه ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير من أبي سلمة، فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه واله وأنا أدبغ إهابا لي، فغسلت يدي من القرظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة من أدم حشوها ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله صلى الله عليه واله ما بي إلا أن يكون بك الرغبة، ولكني امرءة في غيرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به، وأنا امرءة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال فقال: أماما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فانما عيالك عيالي، قالت: فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه واله فتزوجها رسول الله فقالت ام سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله صلى الله عليه واله. بيان: في مصباح اللغة القرظ حب معروف يخرج في غلف كالعدس من الشجر الغضاة، وبعضهم يقول القرظ ورق السلم يدبغ به الاديم وهو تسامح، فان الورق لا يدبغ به، وإنما يدبغ بالحب.

[141]

24 - المسكن: وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن للموت فزعا فإذا أتى أحدكم وفات أخيه فليقل " إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم اكتبه عندك من المحسنين، واجعل كتابه في عليين، واخلف على عقبه في الآخرين، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده ". وعن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي صلى الله عليه واله قال: من أصابته مصيبته فقال إذا ذكرها: إنا لله وإنا إليه راجعون. جدد الله له أجرها مثل ما كان له يوم أصابته. وعن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت قال: لما حضرت عبادة الوفاة قال: أخرجوا فراشي إلى الصحن يعنى الدار، ففعلوا ذلك، ثم قال اجمعوا لي موالي وخدمي وجيراني ومن كان يدخل علي، فجمعوا، فقال: إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي علي من الدنيا، واولى ليلة من ليالي الآخرة، وإني لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شئ، وهو والذي نفس عبادة بيده القصاص يوم القيامة، فاحرج على أحد منكم في نفسه شئ من ذلك، إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي، فقالوا: بل كنت والدا وكنت مؤدبا - وما قال لخادم سوء قط - قال: أغفرتم لي ما كان من ذلك، قالوا نعم، قال: اللهم اشهدهم، ثم قال أما فاحفظوا وصيتي احرج على إنسان منكم يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضؤا وأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجدا يصلي، ثم ليستغفر لعبادة ولنفسه، فان الله عزوجل قال: " استعينوا بالصبر والصلاة " (1) ثم اسرعوا بى إلى حفرتي، ولا تتبعوني بنار ولا تضعوا تحتي ارجوانا. بيان: في النهاية في الدعاء على ما فرط مني: أي سبق وتقدم، وقال: فيه في قتل الحيات فليحرج عليها، وهو أن يقول لها أنت في حرج أي ضيق إن عدت إلينا. ومنه اللهم إني احرج حق الضعيفين أي اضيقه واحرمه على من ظلمهما.


(1) البقرة: 153.

[142]

25 - المسكن: عن ربعي بن عبد الله، عن الصادق عليه السلام قال: إن الصبر والبلاء يستبقان إلى المؤمن فيأتيه البلاء وهو صبور، وإن الجزع والبلاء يستبقان إلى الكافر فيأتيه البلاء وهو جزوع. وعن أبي ميسرة قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فجاءه رجل وشكى إليه مصيبته، فقال له: أما إنك إن تصبر توجر، وإن لا تصبر يمض عليك قدر الله عز وجل الذى قدر الله عليك، وأنت مذموم. وكان أبو ذر رضي الله عنه لا يعيش له ولد، فقيل له: إنك امرؤ لا يبقى لك ولد، فقال: الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء، ويدخرهم في دار البقاء. وروي أن قوما كانوا عند علي بن الحسين عليهما السلام فاستعجل خادما بشواء في التنور، فأقبل به مسرعا فسقط السفود من يده على ابن له عليه السلام فأصاب رأسه فقتله فوثب علي بن الحسين عليه السلام فلما رأى ابنه ميتا قال للغلام: أنت حر لوجه الله، أما إنك لم تتعمده وأخذ في جهاز ابنه. وروى الصدوق أنه لما مات ذر بن أبي ذر وقف على قبره ومسح القبر بيده، ثم قال: رحمك الله ياذر، والله إن كنت بي لبرا ولقد قبضت وإني عنك راض، والله ما بي فقدك، ولا علي من غضاضة، ومالي إلى أحد سوى الله من حاجة، ولو لا هول المطلع لسرني أن أكون مكانك، وقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك والله ما بكيت لك، بل بكيت عليك، فليت شعري ما قلت وما قيل لك ؟ اللهم إني وهبت ما افترضت عليه من حقي، فهب له ما افترضت عليه من حقك فأنت أحق بالجود مني والكرم. بيان: " إن " في قوله: " إن كنت " مخففة " ما بي فقدك " أي ليس بي غم من فقدك، ولا علي بأس ومنقصة من فوتك، والغضاضة الذلة والمنقصة، و لو لا هول المطلع بالفتح أي ما يشرف عليه من أهوال الآخرة وربما يقرء بالكسر أي الرب تعالى. 26 - المسكن: قال النبي صلى الله عليه واله إذا أحب الله عبدا ابتلاه، فان صبر اجتباه وإن رضي اصطفاه.

[143]

وقال صلى الله عليه واله: أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب الله تعالى يوم فقركم والا فلاس. وفي أخبار موسى عليه السلام إنهم قالوا: اسأل لنا ربك أمرا إذا نحن فعلناه يرضى به عنا، فأوحى الله تعالى إليه قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم. وفي أخبار داود عليه السلام ما لاوليائي والهم بالدنيا، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، يا داود إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمون. وروي أن موسى عليه السلام قال: يا رب دلني على أمر فيه رضاك عني أعمله (1) فأوحى الله إليه إن رضاي في كرهك، وأنت ما تصبر على ما تكره، قال: يا رب دلني عليه قال: فان رضاي في رضاك بقضائي. وعن ابن عباس قال: أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى على كل حال. وعن داود بن زربي، عن الصادق عليه السلام قال: من ذكر مصيبة ولو بعد حين فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، الحمد لله رب العالمين، اللهم اجرني على مصيبتي، واخلف على أفضل منها، كان له من الاجر مثل ما كان عند أول صدمة. وعن النبي صلى الله عليه واله أنه قال في مرض موته: أيها الناس أيما عبد من أمتي اصيب بمصيبة من بعدي، فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فان أحدا من امتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي. وعن عبد الله بن الوليد باسناده قال: لما اصيب علي عليه السلام بعثني الحسن إلى الحسين عليه السلام وهو بالمداين، فلما قرء الكتاب قال: يا لها من مصيبة ما أعظمها، مع أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: من اصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابي، فانه لن يصاب بمصيبة أعظم منها.


(1) حتى أعمله.

[144]

وروى إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام أنه قال: يا إسحاق لا تعدن مصيبة اعطيت عليها الصبر واستوجبت عليها من الله الثواب، إنما المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها. وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: قال جبرئيل عليه السلام: يا محمد عش ما شئت فانك ميت، واحبب من شئت فانك مفارقه، واعمل ما شئت فانك ملاقيه. بيان: لعل الامر للتسوية كقوله صاحب الحسن أو ابن سيرين، أو للتهديد. 27 - اعلام الدين: قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان. 28 - نهج البلاغة: قال عليه السلام: مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الآخرة (1). 29 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه مر على امرءة تبكي على قبر فقال لها اصبري أيتها المرءة فقالت: يا هذا الرجل اذهب إلى عملك، فانه ولدي وقرة عيني، فمضى رسول الله صلى الله عليه واله وتركها، ولم تكن المرءة عرفته، فقيل لها: إنه رسول الله، فقامت تشتد حتى لحقته فقالت: يا رسول الله لم أعرفك فهل لى من أجر إن صبرت ؟ قال: الاجر مع الصدمة الاولى (2). وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: إياك والجزع فانه يقطع الامل، ويضعف العمل، ويورث الهم، واعلم أن المخرج في أمرين: ما كانت فيه حيلة فالاحتيال. وما لم تكن فيه حيلة فالاصطبار (3). وعن النبي صلى الله عليه واله أنه مر على قوم من الانصار في بيت فسلم عليهم ووقف فقال: كيف أنتم ؟ قالوا: مؤمنون يا رسول الله، قال: أفمعكم برهان ذلك ؟ قالوا:


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 251 من قسم الحكم. (2) دعائم الاسلام ج 1 ص 222. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 223.

[145]

نعم، قال: هاتوا، قالوا: نشكر الله في الرخاء، ونصبر على البلاء، ونرضى بالقضاء قال: أنتم إذا أنتم (1). 30 - مشكوة الانوار: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أربع من كن فيه كان في نور الله الاعظم: من كان عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ومن إذا أصابته مصيبة قال إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن إذا أصاب خيرا قال الحمد لله رب العالمين، ومن إذا أصاب خطيئة قال أستغفر الله وأتوب إليه (2). ومنه عن عمار بن مروان، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: سمعته يقول: لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وذلك أن الصبر على البلاء أفضل من الغفلة عند الرخاء (3). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من عبد اعطي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا وجسدا في البلاء صابرا، وزوجة صالحة إلا وقد اعطي خير الدنيا والآخرة (4). 31 - جوامع الجوامع: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله إذا نشرت الدواوين، ونصبت الموازين، لم ينصب لاهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان، وتلا هذه الاية " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (5). 32 - الاقبال: للسيد بن طاوس: عن شيخ الطائفة، عن المفيد، وابن الغضائري، عن الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عمار. وعن الشيخ، عن أحمد بن محمد بن موسى الاهوازي عن ابن عقدة، عن محمد بن الحسن القطراني، عن حسين بن أيوب الخثعمي، عن صالح بن أبي الاسود، عن عطية بن نجيح بن مطهر الرازي و


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 223 (2) مشكاة الانوار ص 149. (3) مشكاة الانوار: 276 و 298. (4) المصدر ص 276 (5) الزمر: 10

[146]

إسحاق بن عمار الصيرفي قالا معا: إن أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام كتب إلى عبد الله بن الحسن رضي الله عنه حين حمل هو وأهل بيته يعزيه عما صار إليه. بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخلف الصالح، والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه، أما بعد ! فلئن كنت قد تفردت أنت وأهل بيتك ممن حمل معك بما أصابكم، ما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة وأليم وجع القلب دوني فلقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحر المصيبة مثل ما نالك، ولكن رجعت إلى ما أمر الله جل جلاله به المتقين من الصبر وحسن العزاء، حين يقول لنبيه صلى الله عليه واله: " فاصبر لحكم ربك فانك بأعيننا " (1) [وحين يقول: " فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت " (2)] وحين يقول لنبيه صلى الله عليه واله حين مثل بحمزة: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين " (3) و صبر صلى الله عليه واله ولم يعاقب، وحين يقول: " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " (4) وحين يقول: " الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون " (5) وحين يقول " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (6) وحين يقول لقمن لابنه: " واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور " (7) وحين يقول عن موسى " قال موسى لقومه استعيونا بالله واصبروا إن الارض يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين " (8) وحين يقول " الذين آمنوا وعملوا


(1) الطور: 48. (2) القلم: 48 وما بين العلامتين ساقط من الكمبانى موجود في الاصل والمصدر كما أخرجه في ج 47 ص 399 من هذه الطبعة. (3) النحل: 127. (4) طه: 132. (5) البقرة: 157. (6) الزمر: 10. (7) لقمان: 17 (8) الاعراف: 128.

[147]

الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " (1) وحين يقول: " ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة " (2) وحين يقول: " ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين " (3) وحين يقول " وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين (4) و حين يقول " والصابرين والصابرات " (5) وحين يقول " واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين " (6) وأمثال ذلك من القرآن كثير. واعلم أي عم وابن عم إن الله جل جلاله لم يبال بضر الدنيا لوليه ساعة قط، ولا شئ أحب إليه من الضر والجهد والبلاء مع الصبر، وإنه تبارك و تعالى لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة قط، ولو لا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه آمنون مطمئنون، عالون ظاهرون قاهرون. ولو لا ذلك لما قتل زكريا ويحيى بن زكريا ظلما وعدوانا في بغي من البغايا، ولو لا ذلك ما قتل جدك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لما قام بأمر الله عزوجل ظلما، وعمك الحسين بن فاطمة صلوات الله عليهما اضطهادا وعدوانا. ولو لا ذلك ما قال الله جل وعز في كتابه " ولو لا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون " (7)


(1) العصر: 3. (2) البلد: 17. (3) البقرة: 155. (4) آل عمران: 146. (5) الاحزاب: 35. (6) يونس: 109. (7) الزخرف: 33.

[148]

ولو لا ذلك لما قال في كتابه " أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون " (1). ولو لا ذلك لما جاء في الحديث: لو لا أن يحزن المؤمن لجعلت للكافر عصابة من حديد لا يصدع رأسه أبدا، ولو لا ذلك لما جاء في الحديث أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو لا ذلك ما سقا كافرا منها شربة من ماء، ولو لا ذلك لما جاء في الحديث " لو أن مؤمنا على قلة جبل لا بتعث الله له كافرا أو منافقا يؤذيه ". ولو لا ذلك لما جاء في الحديث أنه إذا أحب الله قوما أو أحب عبدا صب عليه البلاء صبا، فلا يخرج من غم إلا وقع في غم، ولو لا ذلك لما جاء في الحديث ما من جرعتين أحب إلى الله عزوجل أن يجرعهما عبده المؤمن في الدنيا من جرعة غيظ كظم عليها وجرعة حزن عند مصيبة صبر عليها بحسن عزاء واحتساب. ولو لا ذلك لما كان أصحاب رسول الله يدعون على من ظلمهم بطول العمر وصحة البدن، وكثرة المال والولد، ولو لا ذلك ما بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا خص رجلا بالترحم عليه والاستغفار استشهد. فعليكم يا عم وابن عم وبني عمومتي وإخوتي بالصبر والرضا والتسليم والتفويض إلى الله جل وعز، والرضا والصبر على قضائه، والتمسك بطاعته، والنزول عند أمره. أفرغ الله علينا وعليكم الصبر وختم لنا ولكم بالاجر والسعادة وأنقذكم وإيانا من كل هلكة بحوله وقوته، إنه سميع قريب، وصلى الله على صفوته من خلقه، محمد النبي وأهله بيته (2). مسكن الفؤاد: بالسند الاول من السندين مثله.


(1) المؤمنون: 56. (2) كتاب اقبال الاعمال ص 578 - 581 وفى ط 49 - 51.

[149]

19. * { باب آخر } * * { في ذكر صبر الصابرين والصابرات } * 1 - مسكن الفؤاد: للشهيد الثاني رفع الله درجته قال: أسند أبو العباس ابن مسروق عن الاوزاعي قال: حدثنا بعض الحكماء قال: خرجت وأنا اريد الرباط حتى إذا كنت بعريش مصر، إذا أنا بمظلة وفيها رجل قد ذهبت عيناه، و سترسلت يداه ورجلاه، وهو يقول: " لك الحمد سيدي ومولاي، اللهم إني أحمدك حمدا يوافي محامد خلقك كفضلك على سائر خلقك، إذ فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا " فقلت: والله لا سألنه أعلمه أو الهمه إلهاما. فدنوت منه وسلمت عليه، فرد علي السلام فقلت له: رحمك الله إني أسئلك عن شئ أتخبرني به أم لا ؟ فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به، فقلت: رحمك الله على أي فضيلة من فضائله تشكره ؟ فقال أو ليس ترى ما قد صنع بي فقلت: بلى، فقال: والله لو أن الله تبارك وتعالى صب علي نارا تحرقني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الارض فخسفت بى، ما ازددت فيه سبحانه إلا حبا، ولا ازددت له إلا شكرا وإن لي إليك حاجة تقضيها لي ؟ فقلت نعم، قل ما تشاء، فقال بني لي كان يتعاهدني أوقات صلاتي ويطعمني عند إفطارى، وقد فقدته منذ أمس، فانظر هل تجده لي ؟ قال: فقلت في نفسي إن في قضاء حاجته لقربة إلى الله عزوجل. فقمت وخرجت في طلبه حتى إذا صرت بين كثبان الرمال إذا أنا بسبع قد افترس الغلام يأكله، فقلت: " إنا لله وإنا إليه راجعون كيف آتي هذا العبد الصالح بخبر ابنه، قال: فأتيته وسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: يرحمك الله إن سألتك عن شئ تخبرني به ؟ فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به، قال

[150]

قلت إنك أكرم على الله عزوجل وأقرب منزلة أو نبي الله أيوب صلوات الله وسلامه عليه ؟ فقال: بل أيوب أكرم على الله تعالى مني وأعظم عند الله منزلة مني، فقلت إنه ابتلاه الله تعالى فصبر حتى استوحش منه من كان يأنس به، و كان غرضا لمرار الطريق واعلم أن ابنك الذي أخبرتني به وسألتني أن أطلبه لك افترسه السبع، فأعظم الله أجرك فيه. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا، ثم شهق شهقة و سقط على وجهه، فجلست ساعة ثم حركته فإذا هو ميت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف أعمل في أمره ؟ ومن يعينني على غسله وكفنه وحفر قبره ودفنه ؟ فبينما أنا كذلك إذا أنا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم، فأقبلوا نحوي حتى وقفوا علي فقالوا ما أنت ؟ وما هذا ؟ فأخبرتهم بقصتي، فعقلوا رواحلهم، و أعانوني حتى غسلناه بماء البحر، وكفناه بأثواب كانت معهم، وتقدمت فصليت عليه مع الجماعة ودفناه في مظلته، وجلست عند قبره آنسا به أقرء القرآن إلى أن مضى من الليل ساعة. فغفوت غفوة فرأيت صاحبي في أحسن صورة وأجمل زي، في روضة خضراء عليه ثياب خضر، قائما يتلو القرآن، فقلت له ألست بصاحبي ؟ قال: بلى قلت: فما الذي صيرك إلى ما أرى ؟ فقال: اعلم أنني وردت مع الصابرين لله عز و جل في درجة لم ينالوها إلا بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، فانتبهت. وروي في عيون المجالس عن معاوية بن قرة قال: كان أبو طلحة يحب ابنه حبا شديدا، فمرض فخافت ام سليم على أبي طلحة الجزع، حين قرب موت الولد، فبعثته إلى النبي صلى الله عليه واله فلما خرج أبو طلحة من داره توفي الولد ؟ فسجته ام سليم بثوب، وعزلته في ناحية من البيت، ثم تقدمت إلى أهل بيتها وقالت لهم لا تخبروا أبا طلحة بشئ ثم إنها صنعت طعاما ثم مست شيئا من الطيب. فجاء أبو طلحة من عند رسول الله صلى الله عليه واله فقال: ما فعل ابني ؟ فقالت له: هدأت

[151]

نفسه، ثم قال: هل لنا ما نأكل ؟ فقامت فقربت إليه الطعام. ثم تعرضت له فوقع عليها، فلما اطمأن قالت له: يا أبا طلحة أتغضب من وديعة كانت عندنا فرددناها إلى أهلها ؟ فقال: سبحان الله لا، فقالت: ابنك كان عندنا وديعة فقبضه الله تعالى فقال أبو طلحة فأنا أحق بالصبر منك، ثم قام من مكانه فاغتسل وصلى ركعتين ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه واله فأخبره بصنيعها فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: فبارك الله لكما في وقعتكما، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: الحمد لله الذي جعل في امتي مثل صابرة بني إسرائيل. فقيل: يا رسول الله صلى الله عليه واله ما كان من خبرها ؟ فقال: كان في بني إسرائيل امرءة وكان لها زوج، ولها منه غلامان، فأمرها بطعام ليدعو عليه الناس ففعلت، واجتمع الناس في داره فانطلق الغلامان يلعبان، فوقعا في بئر كانت في الدار فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة، فأدخلتهما البيت وسجتهما بثوب، فلما فرغوا دخل زوجها فقال: أين ابناي ؟ قالت: هما في البيت، وإنها كانت تمسحت بشئ من الطيب وتعرضت للرجل حتى وقع عليها، ثم قال أين ابناي ؟ قالت: هما في البيت، فناداهما أبوهما فخرجا يسعيان، فقالت المرءة: سبحان الله، والله لقد كانا ميتين، ولكن الله تعالى أحياهما ثوابا لصبري. وقريب من هذا ما رويناه في دلائل النبوة عن أنس بن مالك قال: دخلنا على رجل من الانصار، وهو مريض، فلم نبرح حتى قضى، فبسطنا عليه ثوبا وام له عجوز كبيرة عند رأسه، فقلنا لها: يا هذه احتسبي مصيبتك على الله عز وجل، فقالت: ومات ابني ؟ قلنا نعم: قالت: حقا تقولون ؟ قلنا نعم، قال: فمدت يدها فقالت اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك، وهاجرت إلى رسولك رجاء ؟ أن تعينني عند كل شدة ورخاء، فلا تحمل علي هذه المصيبة اليوم، فكشف الثوب عن وجهه ثم ما برحنا حتى طعمنا معه. قال قدس سره: وهذا الدعاء من المرءة رحمها الله إدلال على الله، و استيناس منه يقع للمحبين كثيرا، فيقبل دعاءهم، وإن كان في التذكير بنحو ذلك

[152]

ما يظهر منه قلة الادب، لو وقع من غيرهم، ولذلك بحث طويل، وشواهد من الكتاب والسنة يخرج ذكره عن مناسبة المقام. وقال أبان بن تغلب: دخلت على امرءة وقد نزل بابنها الموت، فقامت إليه فغمضته وسجته، ثم قالت يا بني ما الجزع فيما لا يزول، وما البكاء فيما ينزل بك غدا، يا بني تذوق ما ذاق أبوك، وستذوقه من بعدك امك، وإن أعظم الراحة لهذا الجسد النوم والنوم أخو الموت، فما عليك إن كنت نائما على فراشك، أو على غيره، وإن غدا السؤال والجنة أو النار، فان كنت من أهل الجنة فما ضرك الموت، وإن كنت من أهل النار فما ينفعك الحياة، ولو كنت أطول الناس عمرا، يا بنى لولا أن الموت أشرف الاشياء لابن آدم لما أمات الله نبيه صلى الله عليه واله وأبقى عدوه إبليس. وعن مسلم بن يسار قال: قدمت البحرين، فأضافتني امرءة لها بنون ورقيق ومال ويسار، وكنت أراها محزونة فغبت عنها مدة طويلة، ثم أتيتها فلم أرببابها إنسا، فاستأذنت عليها فإذا هي ضاحكة مسرورة، فقلت لها: ما شأنك ؟ قالت: إنك لما غبت عنا لم نرسل شيئا في البحر إلا غرق، ولا في البر شيئا إلا عطب وذهب الرقيق، ومات البنون، فقلت لها يرحمك الله رأيتك محزونة في ذلك اليوم ومسرورة في هذا اليوم ؟ فقالت: نعم إنى لما كنت فيما كنت فيه من سعة الدنيا خشيت أن يكون الله قد عجل لي حسناتي في الدنيا فلما ذهب مالي وولدي ورقيقي، رجوت أن يكون الله قد ذخر لي عنده شيئا. وعن بعضهم قال: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدنا نحوها فسلمنا فإذا بامرءة ترد علينا السلام وقالت: من أنتم ؟ قلنا: ضالون فأتيناكم فاستأنسنا بكم، فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا فألقت لنا مسحا فقالت اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة و

[153]

تردها إلى أن رفعته مرة، فقالت أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني، وأما الراكب فليس هوبه. قال: فوقف الراكب عليها وقال: يا ام عقيل عظم الله أجرك في عقيل ولدك، فقالت له: ويحك مات قال: نعم، قالت: وما سبب موته ؟ قال: ازدحمت عليه الابل فرمت به في البئر فقالت: انزل واقض ذمام القوم، ودفعت إليه كبشا فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت: يا قوم هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئا ؟ فقلت نعم، قالت فاقرأ علي آيات أتعزي بها عن ولدي. فقلت: يقول الله عزوجل " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون " قالت بالله إنها في كتاب الله هكذا ؟ قلت والله إنها لفي كتاب الله هكذا، فقالت السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: " اللهم إني قد فعلت ما أمرتني به فأنجز لي ما وعدتني به، ولو بقي أحد لاحد - قال: فقلت في نفسي: لبقي ابني لحاجتي إليه فقالت: - لبقي محمد صلى الله عليه واله لامته. فخرجت وأنا أقول: ما رأيت أكمل منها ولا أجزل، ذكرت ربها بأكمل خصاله وأجمل خلاله، ثم إنها لما علمت أن الموت لا مدفع له، ولا محيص عنه وأن الجزع لا يجدي نفعا والبكاء لا يرد هالكا، رجعت إلى الصبر الجميل، و احتسبت ابنها عند الله ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة. وروي أن يونس عليه السلام قال لجبرئيل عليه السلام دلني على أعبد أهل الارض فدله على رجل قد قطع الجذام يديه ورجليه، وذهب ببصرة وسمعه، وهو يقول: متعتني بها ما شئت، وسلبتني ما شئت، وأبقيت لي فيك الامل يا بر يا وصول. وروي أن عيسى عليه السلام مر برجل أعمى أبرص مقعد، مضروب الجنبين بالفالج، وقد تناثر لحمه من الجذام، وهو يقول: " الحمد لله الذي عافاني مما

[154]

ابتلى به كثيرا من خلقه " فقال له عيسى عليه السلام: يا هذا وأي شئ من البلاء أراه مصروفا عنك ؟ فقال: يا روح الله أنا خير ممن لم يجعل الله في قلبه ما جعل في قلبي من معرفته، فقال له: صدقت، هات يدك، فناوله يده، فإذا هو أحسن الناس وجها وأفضلهم هيئة، قد أذهب الله عنه ما كان به فصحب عيسى عليه السلام وتعبد معه. وروي أنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرءة وكان بها معجبا، فماتت فوجد عليها وجدا شديدا حتى خلافي بيت وأغلق على نفسه، واحتجب عن الناس، فلم يكن يدخل عليه أحد، ثم إن امرءة من بني إسرائيل سمعت به فجائته فقالت لي إليه حاجة أستفتيه فيها ليس يجزئني إلا أن اشافهه بها فذهب الناس ولزمت الباب فاخبر فأذن لها، فقالت أستفتيك في أمر قال: ما هو ؟ قالت: إني استعرت من جارة لي حليا فكنت ألبسه زمانا ثم إنهم أرسلوا إلى أفأرده إليهم ؟ قال: نعم، والله، قالت: إنه قد مكث عندي زمانا قال: ذاك أحق بردك إياه، فقالت له: رحمك الله أفتأسف على ما أعارك الله عزوجل ثم أخذه منك وهو أحق به منك ؟ فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها. وعن أبي الدرداء قال: كان لسليمان بن داود عليه السلام ابن يحبه حبا شديدا، فمات فحزن عليه حزنا شديدا، فبعث الله عزوجل إليه ملكين في هيئة البشر فقال ما أنتما ؟ قالا: خصمان، قال: اجلسا بمجلس الخصوم، فقال أحدهما إني زرعت زرعا فأتى هذا فأفسده، فقال سليمان عليه السلام: ما يقول هذا ؟ قال أصلحك الله إنه زرع في الطريق، وإني مررت فنظرت يمينا وشمالا فإذا الزرع، فركبت قارعة الطريق، وكان في ذلك فساد زرعه، فقال سليمان ما حملك على أن تزرع في الطريق ؟ أما علمت أن الطريق سبيل الناس، ولابد للناس من أن يسلكوا سبيلهم. فقال له: أحد الملكين أو ما علمت يا سليمان أن الموت سبيل الناس، ولابد للناس أن يسلكوا سبيلهم ؟ قال: فكأنما كشف عن سليمان عليه السلام الغطاء، ولم يجزع على ولده بعد ذلك، رواه ابن أبي الدنيا.

[155]

وروى أيضا أن قاضيا كان في بني إسرائيل مات له ابن، فجزع عليه وصاح فلقيه رجلان فقالا له: اقض بيننا، فقال: من هذا فررت، فقال أحدهما إن هذا مر بغنمه على زرعي فأفسده، فقال الآخر إن هذا زرع بين الجبل والنهر، ولم يكن لي طريق غيره، فقال له القاضي أنت حين زرعت بين الجبل والنهر ألم تعلم أنه طريق الناس ؟ فقال له الرجل: فأنت حين ولدلك ولد ألم تعلم أنه يموت ؟ فارجع إلى قضائك، ثم عرجا وكان ملكين. وروي أنه كان بمكة مقعدان كان لهما ابن شاب فكان إذا أصبح نقلهما، فأتى بهما المسجد، فكان يكتسب عليهما يومه، فإذا كان المساء احتملهما فأقبل بهما، فافتقده النبي صلى الله عليه واله فسأل عنه فقيل له: مات فقال رسول الله صلى الله عليه واله لو ترك أحد لاحد ترك ابن المقعدين. انتهى ما أردنا إخراجه من كتابه مسكن الفؤاد.

[156]

20. * { باب النوادر } * 1 - نهج البلاغة: من كلام له عليه السلام بعد تلاوته " ألهيكم التكاثر حتى زرتم المقابر ": يا له مراما ما أبعده، وزورا ما أغفله، وخطرا ما أفظعه، لقد استخلوا منهم أي مدكر، وتناوشوهم من مكان بعيد، أفبمصارع آبائهم يفخرون، أم بعديد الهلكى يتكاثرون ؟ يرتجعون منهم أجسادا خوت، وحركات سكنت، ولان يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، ولان يهبطوا بهم جناب ذلة أحجى من أن يقوموا بهم مقام عزة. لقد نظروا إليهم بأبصار العشوة، وضربوا منهم في غمرة جهالة، ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت ذهبوا في الارض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا: تطأون في هامهم، وتستثبتون في أجسادهم، و ترتعون فيما لفظوا، وتسكنون فيما خربوا، وإنما الايام بينهم وبينكم، بواك ونوائح عليكم. اولئكم سلف غايتكم، وفراط مناهلكم، الذين كانت لهم مقاوم العز، وحلبات الفخر، ملوكا وسوقا، سلكوا في بطون البرزخ سبيلا، سلطت الارض عليهم فيه، فأكلت من لحومهم، وشربت من دمائهم، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون، وضمارا لا يوجدون، لا يفرغهم ورود الاهوال، ولا يحزنهم تنكر الاحوال ولا يحفلون بالرواجف، ولا يأذنون للقواصف. غيبا لا ينتظرون، وشهودا لا يحضرون، وإنما كانوا جميعا فتشتتوا والافا فافترقوا، وما عن طول عهدهم ولابعد محلهم عميت أخبارهم، وصمت ديارهم، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا، وبالسمع صمما، وبالحركات سكونا

[157]

فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات، جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون، بليت بينهم عرى التعارف، وانقطعت منهم أسباب الاخاء، فكلهم وحيد، وهم جميع وبجانب الهجروهم أخلاء، لا يتعارفون لليل صباحا، ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا. شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا، ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا فكلا الغايتين مدت لهم إلى مباءة فأتت مبالغ الخوف والرجاء، فلو كانوا ينطقون بها، لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا. ولئن عميت آثارهم، وانقطعت أخبارهم، لقد رجعت فيهم أبصار العبر، و سمعت عنهم آذان العقول، وتكلموا من غير جهات النطق، فقالوا كلحت الوجوه النواضر، وخوت الاجساد النواعم، ولبسنا أهدام البلاء، وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة، وتهكمت علينا الربوع الصموت، فانمحت محاسن أجسادنا وتنكرت معارف صورنا، وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا، ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا. فلو مثلتهم بعقلك، أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت، واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت، وتقطعت الالسنة في أفواههم بعد ذلاقتها، وهمدت القلوب في صدرهم بعد يقظتها، وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها، وسهل طرق الآفة إليها مستسلمات، فلا أيد تدفع، ولا قلوب تجزع، لرأيت أشجان قلوب، وأقذاء عيون، لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي. وكم أكلت الارض من عزيز جسد، وأنيق لون، كان في الدنيا غذي ترف، وربيب شرف يتعلل بالسرور في ساعة حزنه، ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به، ضنا بغضارة عيشه، وشحاحة بلهوه ولعبه. فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه، في ظل عيش غفول، إذ وطئ الدهر به حسكه، ونقضت الايام قواه، ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث

[158]

لا يعرفه، ونجي هم ما كان يجده، وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته. ففزع إلى ما كان عوده الاطباء من تسكين الحار بالقار، وتحريك البارد بالحار، فلم يطفئ ببارد إلا ثور حرارة، ولا حرك بحار إلا هيج برودة، ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء حتى فترمعلله، وذهل ممرضه، وتعايا أهله بصفة دائه، وخرسوا عن جواب السائلين عنه، وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه فقائل هو لما به، وممن لهم إياب عافيته، ومصبر لهم على فقده، يذكرهم اسى الماضين من قبله. فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا، وترك الاحبة، إذ عرض له عارض من غصصه، فتحيرت نوافذ فطنته، ويبست رطوبة لسانه، فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده، ودعاء مولم لقلبه سمعه فتصام عنه، من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه، وإن للموت لغمرات هي أفظع من أن تستغرق بصفة، أو تعتدل على عقول أهل الدنيا (1). بيان: قيل: نزلت سورة التكاثر في اليهود، قالوا نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، حتى ماتوا ضلالا، وقيل: في فخذ من الانصار وقيل: في حيين من قريش: بني عبد مناف بن قصي وبني سهم بن عمرو، تكاثرا فعدوا أشرافهم فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا: نعد موتانا حتى زاروا القبور وقالوا هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم، لانهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية. وكلامه عليه السلام يدل على الاخير " ألهيكم التكاثر " أي شغلكم عن طاعة الله، وعن ذكر الآخرة التكاثر بالاموال والاولاد والتفاخر بكثرتها، " حتى زرتم المقابر " أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال، ولم تتوبوا، أو حتى عددتم الاموات في القبور. " يا له مراما ما أبعده " اللام للتعجب كقولهم يا للدواهي و " مراما وزورا


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 219 من قسم الخطب.

[159]

وخطرا " منصوبات على التميز، والمرام المقصد، والمعنى التعجب من بعد ذلك المرام، فان الغاية المطلوبة لا يدركها الانسان، لان كل غاية بلغها فان فوقها غاية اخرى قد أدركها غيره، فيطمح نفسه إليها، أو ما أبعده عن نظر العقل وعما هو الغاية الاصلية التي لابد من السعي في الوصول إليها و " زورا ما أغفله " الزور الزائرون أو مصدر لزار يزور، فنسبة الغفلة إليه توسع أي ما أغفل صاحبه، وهو أنسب بالمرام " والخطر " الاشراف على الهلاك، والسبق الذي يتراهن عليه وخطر الرجل قدره ومنزلته، وفظع الشئ بالضم وهو فظيع أي شديد شنيع مجاوز للحد والخطر الفظيع الموت، أو شدايد الآخرة اللازمة لتلك الغفلة. " لقد استخلوا منهم أي مدكر " الضمير في " استخلوا " للاحياء وفي " منهم " للاموات، وكني بالمدكر عما خلفوه من الآثار التي هي محل العبرة، و " أي مدكر " استفهام على سبيل التعجب من ذلك المدكر في حسن إفادته للعبر لاولي الابصار، واستخلوا أي اتخذوا تخلية الذكر دابهم وشأنهم وقيل استخلوا أي وجدوه خاليا كذا ذكره ابن ميثم، وقال ابن أبي الحديد: استخلوا أي ذكروا من خلا من آبائهم أي من مضى، يقال هذا الامر من الامور الخالية، وهذا القرن من القرون الخالية أي الماضية، واستخلا فلان في حديثه أي حدث عن امور خالية، والمعنى أنه عليه السلام استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا وعمن خلا من أسلافهم و آثار أسلافهم من التذكير، فقال: أي مذكر وواعظ في ذلك، وروي أي مدكر بمعنى المصدر كالمعتقد بمعنى الاعتقاد. " وتناوشوهم) أي تناولوهم من مكان بعيد عنهم وعن تناولهم، فانهم بأن يكونوا عبرا أحق من أن يكونوا مفتخرا، وقال الجوهري: عددته أحصيته عدا والاسم العدد والعديد. " يرتجعون منهم أجسادا خوت " يقال خوت الدار أي خلت أو سقطت أي خلت عن الروح أو سقطت وخربت، والمعنى يذكرون آباءهم فكأنهم يردونهم إلى الدنيا بذكرهم والافتخار بهم أو هو استفهام على الانكار، والمفتخر محل الافتخار.

[160]

" ولان يهبطوا بهم جناب ذلة " الجناب الناحية أي يذلوا ويخشعوا بذكر مصارعهم أو يذكروهم بالموت والاندراس والذلة " وأحجى " بمعنى أولى وأجدر و أحق، من قولهم حجى بالمكان إذا أقام وثبت، والعشوة مرض في العين، والضرب في الارض السير فيها، وقال الخليل في العين: الضرب يقع على كل فعل، والغمر الماء الكثير، والغمرة الشدة، ومزدحم الشئ أي صاروا بسببهم في بيداء جهالة أو ألقوا أنفسهم في شدتها ومزدحمها، أو خاضوا في بحرها. " ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية " أي لو طلب الاحياء أن تنطق العرصات والربوع، وتفصح عن أحوال الاموات لنطقت بلسان حالها أو مقالها بناء على شعورها، وبينت أحوال الاموات، واستطردت بيان حال الاحياء، فالضمير في " استنطقوا " راجع إلى الاحياء وفي " عنهم " إلى الاموات والعكس بعيد، ويحتمل إرجاع الضمير في " عنهم " إلى الجميع، فلا يكون بيان حال الاحياء استطرادا، والديار والربوع منازلهم حال حياتهم أو قبورهم والخاوية الخالية أو الساقطة، والربع الدار والمحلة، والهامة الرأس والجمع هام أي تمشون على رؤسهم. " وتستثبتون " أي تنصبون الاشياء الثابة كالعمود والاساطين وفي بعض النسخ تستنبتون أي تزرعون النبات، ورتعت الماشية أي أكلت ما شاءت، ولفظت الشئ رميته " وتسكنون فيما خربوا " أي فارقوها وأخلوها فكأنهم خربوها أولم يعمروها بالذكر والعبادة. " اولئكم سلف غايتكم " السلف المتقدمون، والغاية الحد الذي ينتهى إليه حسا أو معنى، والمراد هنا الموت، وفرط القوم من سبقهم إلى الماء، والمنهل المورد وهو عين ماء ترده الابل في المراعي، وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السفار مناهل، لان فيها ماء. و " مقاوم العز " دعائمه جمع مقوم وأصلها الخشبة التي تمسكها الحراث و " حلبات الفخر " جمع حلبة وهي الخيل تجمع للسباق، والسوق جمع سوقة، وهو من دون

[161]

الملك، والبرزخ الحاجز بين الشيئين، وما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فالمراد هنا القبر لانه حاجز بين الميت والدنيا، ويحتمل الثاني أي بطون القبور الواقعة في البرزخ، وفي بعض النسخ وفي بطون القبور، والفجوة هي الفرجة المتسعة بين الشيئين. " جمادا لا ينمون " من النمو ويروى بتشديد الميم من النميمة وهي الهمس والحركة، وقال في النهاية: المال الضمار: الغائب الذي لا يرجى، وإذا رجي فليس بضمار من أضمرت الشئ إذا غيبته، فعال بمعنى فاعل ومفعل. " ولا يحزنهم تنكر الاحوال " أي الاحوال الحادثة في الدنيا وأسباب الحزن لاهلها، أو اندراس أجزاء أبدانهم وتشتتها، ولا ينافي عذاب القبر " ولا يحفلون " أي لا يبالون " بالرواجف " أي الزلازل " ولا يأذنون للقواصف " أي لا يسمعون الاصوات الشديدة يقال: رعد قاصف، أي شديد الصوت. " غيبا لا ينتظرون " على بناء المجهول أي لا ينتظر الناس حضورهم، أو المعلوم أي لا يطمع الموتى في حضور الناس عندهم، " وشهودا لا يحضرون " إذ أبدانهم شاهدة وأرواحهم غائبة، " وما عن طول عهدهم " أي ليس عدم علمنا بأخبارهم وعدم سماعهم للاصوات، أو عدم سماعنا صوتا منهم في قبورهم، لطول عهد بيننا وبينهم كالمسافر الذي يغيب عنا خبره ولا نسمع صوته، أو لا يسمع صوتنا، فانهم حال موتهم بلا تراخي زمان كذلك بل لانهم سقوا كأس الموت فصار نطقهم مبدلا بالخرس، و سمعهم بالصمم، ونسبة الصمم إلى ديارهم التي هي القبور تجوز. وقوله عليه السلام: " وبالسمع صمما " يدل على أن المراد بقوله " صمت ديارهم " عدم سماعهم صوتنا، لاعدم سماعنا صوتهم. قوله عليه السلام: " في ارتجال الصفة " قال الجوهرى: ارتجال الخطبة والشعر ابتداؤه من غير تهيئة قبل ذلك انتهى، أي ولو وصفهم واصف بلا تهيئة وتأمل بل بحسب ما يبدو له في بادي الرأي لقال: هم سقطوا على الارض لسبات والسبات نوم للمريض والشيخ المسن، وهو النومة الخفيفة، وأصله من السبت، وهو القطع

[162]

وترك الاعمال، أو الراحة والسكون. " أحباء لا يتزاورون " الاحباء بالموحدة جمع حبيب، كخليل، وأخلاء، أي هم أحباء لتقاربهم بأبدانهم أو لانهم كانوا أحباء قبل موتهم في الدنيا، وفي بعض النسخ المصححة الاحياء بالمثناة التحتانية، فالظاهر أنه جمع حي بمعنى القبيلة، قال الجوهري: الحي واحد أحياء العرب، ويحتمل أن يراد أنهم أحياء بنفوسهم لا يتزاورون بأبدانهم. " بليت بينهم " أي اندرست أسباب التعارف بينهم، والسبب في الاصل الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى شئ ذكره الجزرى، وقيل: لفظة جنب موضوعة في الاصل للمباعدة، ومنه قولهم الجار الجنب أي جارك من قوم آخرين، ولذا يقولون فلان في جانب الهجر، وفي جانب القطيعة، ولا يقولون في جانب المواصلة، والظعن السير، والجديدان الليل والنهار، والسرمد الدائم. وقال ابن أبي الحديد: ليس المراد أنهم وهم موتى يشعرون بالوقت الذي ما توا فيه، ولا يشعرون بما يتعقبه من الاوقات، بل المراد أن صورة ذلك الوقت لو بقيت عندهم لبقيت من غير أن يزيلها وقت آخر يطرؤ عليها، ويجوز أن يفسر على مذهب من قال ببقاء الانفس فيقال: إن النفس التي تفارق ليلا تبقى الليلة والظلمة حاصلة عندها أبدا، ولا تزول بطريان نهار عليها، لانها قد فارقت الحواس فلا سبيل لها إلى أن يرتسم فيها شئ من المحسوسات بعد المفارقة، وإنما حصل ما حصل من غير زيادة عليه وكذلك الانفس التي تفارق نهارا. " مما قدروا " أي تصوروا وجعلوا له مقدارا بأوهامهم. " فكلا الغايتين " اللام العهدى في الكلام إشارة إلى الغايتين المعهودتين بين المتكلم والمخاطب. أي غاية السعداء والاشقياء، ويحتمل أن يكون المراد بالغاية امتداد المسافة أي مدة البرزخ [أو منتهى الامتداد وهو البرزخ] لانه غاية حياة الدنيا، وهو يمتد إلى أن ينتهى إلى مباءة هي الجنة أو النار. ويحتمل أن يكون إشارة إلى الغايتين المفهومتين من الفقرتين السابقتين

[163]

أي الاخطار والآيات البالغتين الغاية أو إلى المدتين المنتهيتين إلى غاية أي مدة حياة السعداء والاشقياء، لازمان كونهم في عالم البرزخ وقيل: إشارة إلى الجديدين المذكورين سابقا. و " المباءة " المنزل، والموضع الذي يبوء الانسان إليه أي يرجع " فأتت مبالغ الخوف " أي تجاوزت عن أن يبلغها خوف خائف أو رجاء راج، لعظمها وشدتها، وقال الجوهرى: العي خلاف البيان، وقدعى في منطقه وعيي أيضا، والادغام أكثر وتقول في الجمع عيوا مخففا كما قلناه في حيوا، ويقال أيضا عيوا بالتشديد انتهى. " لقد رجعت فيهم أبصار العبر " رجع يكون لازما ومتعديا قال الله تعالى: " فارجع البصر كرتين " أي فرد البصر وأدرها في خلق الله واستقص في النظر مرة بعد اخرى، وتكلموا أي بلسان الحال، وفي النهاية الكلوح العبوس، يقال: كلح الرجل وكلحه الهم، والنظرة الحسن والرونق، وفي النهاية الاهدام الاخلاق من الثياب: واحدها هدم بالكسر، وهدمت الثوب رقعته. " تكاءدنا " أي شق علينا " وتوارثنا الوحشة " قيل: لما مات الاب فاستوحش أهله منه ثم مات الابن فاستوحش أهله منه صار الابن وارثا لتلك الوحشة من أبيه وقيل لما أصاب كل ابن بعد أبيه وحشة القبر، فكأنه ورثها من أبيه. أقول: ويحتمل أن يكون المعنى استوحش أهالينا وديارنا منا واستوحشنا منهم ومنها، أو صارت القبور سببا لوحشتنا وصرنا سببا لوحشة القبور. " وتهكمت علينا الربوع الصموت " قال ابن أبي الحديد: يروى تهدمت بالدال يقال: تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد، ويجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت، ويروى تهكمت بالكاف وهو كقولك تهدمت بالتفسيرين جميعا، ويعني بالربوع الصموت، القبور لانه لانطق فيها كقولك نهاره صائم انتهى، وفي أكثر النسخ المعروضة على المصنف بالكاف، ويحتمل أن يكون بمعنى الاستهزاء، أو بمعنى التكبر لكونهم أدلاء في القبور، أو بمعنى التندم والتأسف، وقد ورد بتلك

[164]

المعاني في اللغة ولعلها أنسب بوصف الربوع بالصموت، ويحتمل أيضا أن يكون المراد بالربوع مساكنهم في الدنيا، وفي الصحاح امرءة حسنة المعارف أي الوجه وما يظهر منها، والواحد معرف. " ولم نجد من كرب " أي من بعد كرب أو هو متعلق بفرجا " أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك " من إضافة الصفة إلى الموصوف والمحجوب بمعنى الحاجب كقوله سبحانه: " حجابا مستورا " وقال ابن ميثم: أي ما حجب بأغطية التراب ولا يخفى ما فيه، لان ما حجب هي أبدانهم ولا يكشف عنهم إلا أن يريد به الاكفان المستورة بالتراب. " وقد ارتسخت " قال ابن أبي الحديد: ليس معناه ثبتت كما ظنه القطب الراوندي لانها لم تثبت وإنما ثبتت الهوام فيها، بل الصحيح أنه من رسخ الغدير إذا نش ماؤه ونضب، ويقال: قد ارتسخ المطر بالتراب إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان انتهى. أقول: لعل الراوندي - رحمه الله - حمل الكلام على القلب، وهو أوفق بما في اللغة. وفي القاموس استكت المسامع أي صمت وضاقت " فخسفت " أي غارت و ذهبت في الرأس، وذلاقة اللسان حدتها " وهمدت " أي سكنت وخمدت، والعيث الافساد، وقوله سمجها أي قبح صورتها بيان لافساد البلى الجديد " مستسلمات " أي منقادات طائعات ليس لها يد تدفع منها الآفات. " لرأيت " جواب " لو " والاشجان جمع الشجن وهو الحزن، والاقذاء جمع قذى، وهو ما يسقط في العين فيؤذيها " لا تنتقل " أي إلى حسن وصلاح، والغمرة الشدة، والانيق الحسن المعجب " غذي ترف " أي كان معتادا في الدنيا بأن يتغذى بالترف وهو التنعم المطغي، " وربيب شرف " أي قد ربي في العز و الشرف، وقال الجوهري: تعلل به أي تلهى به، ويفزع إلى السلوة أي يلجأ إلى ما يسليه عن الهم " ضنا " بالكسر أي بخلا كقوله شحاحة، والغضارة طيب

[165]

العيش، يضحك إلى الدنيا أي كأن الدنيا تحبه وهو يحب الدنيا، قال ابن ميثم: ضحكه إلى الدنيا كناية عن ابتهاجه بها وبما فيها، وغاية اقباله عليها، فان غاية المتبهج بالشئ أن يضحك له. " في ظل عيش غفول " أي عيش غافل عن صاحبه فهو مستغرق في العيش لم يتنبه له الدهر فيكدر عليه، أو عيش تكثر الغفلة فيه لطيبه، من قبيل نهاره صائم أوذي غفلة يغفل فيه صاحبه كقوله سبحانه " عيشة راضية ". " إذ وطئ الدهر به حسكه " الباء للتعدية، والحسك جمع حسكة شوكة صلبة معروفة، واستعار لفظ الحسك للآلام والامراض ومصائب الدهر، ورشح بذكر الوطئ " والحتوف " جمع الحتف وهو الموت، و " الكثب " بالتحريك القرب والجمع إما باعتبار تعدد أسبابه أو لان بطلان كل قوة وضعف كل عضو موت والبث الحزن، وباطل الامر الدخيل ونجئ فعيل من المناجاة، والفترة الانكسار والضعف، وقال ابن أبي الحديد الفترات أوائل المرض. " آنس ما كان بصحته " قال ابن ميثم انتصاب آنس على الحال، وما بمعنى الزمان، وكان تامة، وبصحته متعلق بآنس أي حال ما هو آنس زمان مدة صحته وقيل ما مصدرية والتقدير آنس كونه على أحواله بصحته. " من تسكين الحار " إنما استعمل في البارد التسكين وفي الحار التهييج، لان الحرارة شانها التهييج والبرودة شأنها التسكين والتجميد " فلم يطفئ ببارد " أي لم يزد إطفاء الحرارة ببارد " إلا ثور حرارة " أي غلبت الحرارة الطبيعية على الدواء، وظهر بعده الداء فكان الدواء ثورها " ولا اعتدل بممازج " أي ما أراد الاعتدال بدواء مركب من الحار والبارد، إلا أعان صاحب المرض كل طيبعة ذات داء ومرض من تلك الطبايع بمرض زائد على الاول أو بقوة زائدة على ما كان، ففاعل " أمد " الشخص ويحتمل الممازج ويظهر من ابن ميثم أنه جعل أمد بمعنى صار مادة ولا يخفى بعده. " حتى فتر معلله " قال الجوهري علله بالشئ لهاه به كما يعلل الصبي بشئ

[166]

من الطعام يتجزأ به عن اللبن انتهى، أي ضعف عن التعليل لطول المرض أو لان المعلل يكون له نشاط في أوائل المرض لوجاء البرء، فإذا رأى أمارات الهلاك فترت همته وفي الصحاح مرضته تمريضا إذا قمت عليه في مرضه، " وتعايا أهله " أي عجزوا عن تحقيق مرضه، قال الجوهري عييت بأمري إذا لم تهتد لوجهه وأعياني هو وأعيى عليه الامر وتعيا وتعايا بمعنى. " وخرسوا " أي سكتوا عن جواب السائلين عنه، لانهم لا يخبرون عن عافية لعدمها، ولا عن عدمها لكونه غير موافق لنفوسهم " وتنازعوا دونه شجى خبر " الشجي ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه، والشجو الهم والحزن، أي تخاصموا في خبر معترض في حلوقهم لا يمكنهم إساغته لشدته ولابثه لفظاعته، و قال ابن أبي الحديد أي تخاصموا في خبر ذي شجى أو خبر ذي غصة يتنازعونه وهم حول المريض سرا دونه وهو لا يعلم بنجواهم، " فقائل منهم هو لما به " أي قد أشفى على الموت، " وممن لهم " أي يمنيهم " إياب عافيته " أي عودها يقول رأينا من بلغ أعظم من هذا ثم عوفي " اسى الماضين " الاسى جمع اسوة أي التأسي بالماضين أو صبر الماضين، قال الجوهري: الاسوة والاسوة بالكسر والضم لغتان وهو ما يأتسي به الحزين، ويتعزى به وجمعها إسى واسى ثم سمي الصبر أسى، ولا تأنس بمن ليس لك بأسوة أي لا تقتد بمن ليس لك بقدوة انتهى. والغصص جمع غصة، وهو ما يعترض في مجرى الانفاس " فكم من مهم من جوابه " كوصية أرادها أو مال مدفون أراد أن يعرفه أهله " فعي " أي عجز " فتصام عنه " أي أظهر الصمم، لانه لا حيلة له، ثم وصف عليه السلام ذلك الدعاء فقال: " من كبير كان يعظمه " كصراخ الوالد على الولد، والولد يسمع ولا يستطيع الكلام، أو صغير كان يرحمه كصراخ الولد على الوالد " وإن للموت لغمرات " أي شدايد هي أشد وأشنع من أن يبين بوصف كما هو حق بيانها " أو تعتدل على عقول أهل الدنيا " أي لا تستقيم على العقول ولا تقبلها، أو لا يقدر أهل الدنيا على تعقلها.

[167]

2 - دعائم الاسلام: عن أبي ذر رحمة الله عليه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه واله في مرضه الذي قبض فيه، فقال: ادن مني يا أبا ذر أستند إليك فدنوت منه، فاستند إلى صدري إلى أن دخل علي صلوات الله عليه فقال لي: قم يا أبا ذر فان عليا أحق بهذا منك، فجلس علي عليه السلام فاستند إلى صدره ثم قال لي: ههنا بين يدي فجلست بين يديه، فقال لي اعقد بيدك من ختم له بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن ختم له بحجة دخل الجنة، ومن ختم له بعمرة دخل الجنة ومن ختم له بطعام مسكين دخل الجنة، ومن ختم له بجهاد في سبيل الله ولو قدر فواق الناقة دخل الجنة (1). وعن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إن الله تبارك وتعالى ربما أمر ملك الموت عليه السلام فردد نفس المؤمن ليخرجها من أهون المواضع عليه، ويرى الناس أنه شدد عليه، وإن الله تبارك وتعالى ربما أمر ملك الموت بالتشديد على الكافر فيجذب نفسه جذبة واحدة كما يجذب السفود من الصوف المبلول، ويرى الناس أنه هون عليه (2). بيان السفود بالتشديد الحديدة التي يشوى بها اللحم. 3 - الدعائم: عن رسول الله صلى الله عليه واله قال: إن العبد لتكون له المنزلة من الجنة، فلا يبلغها بشئ من البلاء حتى يدركه الموت، ولم يبلغ تلك الدرجة، فيشدد عليه عند الموت فيبلغها (3). وعن رسول الله صلى الله عليه واله أنه أوصى رجلا من الانصار فقال: اوصيك بذكر الموت فانه يسليك عن أمر الدنيا (4). وعنه صلى الله عليه واله أنه قال: أكثروا من ذكر هادم اللذات، فقيل: يا رسول الله فما هادم اللذات ؟ قال: الموت، فان أكيس المؤمنين أكثرهم ذكرا للموت، و


دعائم الاسلام ج 1 ص 219. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 220. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 221. (*)

[168]

أشدهم له استعدادا (1). وعنه صلى الله عليه واله أنه قال لقوم من أصحابه: من أكيس الناس ؟ قال: الله ورسوله أعلم، فقال: أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا له (2). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه أوصى بعض أصحابه فقال: أكثروا ذكر الموت فانه ما أكثر ذكر الموت إنسان إلا زهد في الدنيا (3). وعن رسول الله صلى الله عليه واله قال: الموت ريحانة المؤمن (4). وعنه صلى الله عليه واله قال: مستريح ومستراح منه، فأما المستريح فالعبد الصالح استراح من غم الدنيا، وما كان فيه من العبادة إلى الراحة ونعيم الآخرة (5) وأما المستراح منه فالفاجر يستريح منه ملكاه (6). وعنه صلى الله عليه واله أنه كان يقول: ألا رب مسرور مقبور وهو لا يشعر يأكل ويشرب ويضحك، وحق له من الله أن سيصلى السعير (7). وعن علي صلوات الله عليه أنه قال: لو لا أن الله خلق ابن آدم أحمق ما عاش، ولو علمت البهايم أنها تموت كما تعلمون ما سمنت لكم (8). وعنه صلى الله عليه واله أنه قال: ما رأيت إيمانا مع يقين أشبه منه بشك، إلا هذا الانسان، إنه كل يوم يودع وإلى القبور يشيع، وإلى غرور الدنيا يرجع، و عن الشهوة واللذة لا يقلع، فلو لم يكن لابن آدم المسكين ذنب يتوقعه، ولا حساب يوقف عليه إلا موت يبدد شمله، ويفرق جمعه، ويؤتم ولده، لكان ينبغي له أن يحاذر ما هو فيه، ولقد غفلنا عن الموت غفلة أقوام غير نازل بهم، و ركنا إلى الدنيا وشهواتها ركون أقوام لا يرجون حسابا، ولا يخافون عقابا (9). وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: لما احتضر رسول الله صلى الله عليه واله غشي عليه فبكت فاطمة عليها السلام فأفاق صلى الله عليه واله وهي تقول: من لنا بعدك يا رسول الله ؟ فقال:


(1 - 8) دعائم الاسلام ج 1 ص 221 (9) دعائم الاسلام ج 1 ص 222.

[169]

أنتم المستضعفون بعدي (1). وعن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه رخص في زيارة القبور وقال: تذكركم الآخرة (2). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: كانت فاطمة صلوات الله عليها تزور قبر حمزة وتقوم عليه، وكانت في كل سنة تأتي قبور الشهداء مع نسوة معها فيدعون ويستغفرون (3). وعن علي صلوات الله عليه أنه كان إذا مر بالقبور قال: " السلام عليكم أهل الديار. وإنابكم لاحقون " ثلاث مرات (4). وعنه عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن تخطي القبور والضحك عندها (5). 4 - الهداية: قال الرضا عليه السلام من زار قبر مؤمن فقرء عنده " إنا أنزلناه " سبع مرات غفر الله له، ولصاحب القبر. ومن يزور القبر يستقبل القبلة ويضع يده على القبر إلا أن يزور إماما فانه يجب أن يستقبله بوجهه ويجعل ظهره إلى القبلة (6). وقال الصادق عليه السلام لما أشرف أمير المؤمنين عليه السلام على القبور قال: " يا أهل التربة يا أهل الغربة، أما الدور فقد سكنت، وأما الازواج فقد نكحت، وأما الاموال فقد قسمت، فهذا خبر ما عندنا. فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: لو اذن لهم في الكلام لاخبروكم إن خير الزاد التقوى (7). وروي أن من مسح يده على رأس يتيم ترحما كتب الله له بعدد كل شعرة مرت على يده حسنة (8). 5 - مشكوة الانوار: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله !


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 225. (2 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 239. (6 - 8) الهداية ص 28.

[170]

إذا حضر جنازة وحضر مجلس عالم أيهما أحب إليك أن أشهد ؟ فقال صلى الله عليه واله: إن كان للجنازة من يتبعها ويدفنها فان حضور مجلس عالم أفضل من حضور ألف جنازة، ومن عيادة ألف مريض، ومن قيام ألف ليلة، ومن صيام ألف يوم، ومن ألف درهم يتصدق بها على المساكين، ومن ألف حجة سوى الفريضة، ومن ألف غزوة سوى الواجب تغزوها في سبيل الله بمالك وبنفسك. وأين تقع هذه المشاهد من مشهد عالم ؟ أما علمت أن الله يطاع بالعلم، و يعبد بالعلم، وخيرة الدنيا والآخرة مع العلم، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل ألا اخبركم عن أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الناس يوم القيامة بمنازلهم من الله عزوجل، على منابر من نور ؟ قيل: من هم يا رسول الله ؟ قال: هم الذين يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده، قلنا هذا حببوا الله إلى عباده، فكيف يحببون عباد الله إلى الله ؟ قال: يأمرونهم بما يحب الله وينهونهم عما يكره الله، فإذا أطاعوهم أحبهم الله (1). ومنه عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام اسلم على أهل القبور ؟ قال: نعم، قلت كيف أقول ؟ قال: تقول " السلام على أهل الديار من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، أنتم لنا فرط وإنابكم إنشاء الله راجعون " (2) ومنه: قال: قال الباقر عليه السلام أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته ثم أردت التحول عنه من يومك، أو كمال اكتسبة في منامك وليس في يدك منه شئ، وإذا حضرت في جنازة فكن كأنك المحمول عليها، وكأنك سألت ربك الرجعة إلى الدنيا فردك، فاعمل عمل من قد عاين (3). ومنه: عن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رجلا فيما مضى من الدهر كان لا يرفع لاهل الارض من الحسنات ما يرفع له، ولم


(1) مشكاة الانوار: 135. (2) مشكوة الانوار ص 200. (3) مشكوة الانوار ص 270.

[171]

يكن له سيئة، فأحبه ملك من الملائكة فسأل الله عزوجل أن يأذن له فينزل إليه فيسلم عليه، فأذن له فنزل، فإذا الرجل قائم يصلي فجلس الملك وجاء أسد فوثب على الرجل فقطعه أربعة آراب، وفرق في كل جهة من الاربعة إربا وانطلق. فقام الملك فجمع تلك الاعضاء فدفنها ثم مضى على ساحل البحر فمر برجل مشرك تعرض عليه ألوان الاطعمة في آنية الذهب والفضة وهو ملك الهند، وهو كذلك إذ تكلم بالشرك. فصعد الملك فدعي فقيل له: ما رأيت ؟ فقال: من أعجب ما رأيت عبدك فلان الذي لم يكن يرفع لاحد من الآدميين من الحسنات مثل ما يرفع له، سلطت عليه كلبا فقطعه إربا ثم مررت بعبد لك قد ملكته تعرض عليه آنية الذهب والفضة فيها ألوان الاطعمه فيشرك بك وهو سوي ؟ قال: فلا تعجبن من عبدي الاول فانه سألني منزلة من الجنة لم يبلغها بعمل فسلطت عليه الكلب لابلغه الدرجة التي أرادها، وأما عبدي الآخر فاني استكثرت له شيئا صنعته به لما يصير إليه غدا من عذابي (1). 6 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه واله: تحفة المؤمن الموت. وقال: الموت كفارة لكل مسلم، وإذا مات المؤمن ثلم في الاسلام ثلمة لا يسد مكانها شئ، وبكت عليه بقاع الارض التي كان يعبد الله فيها. وقال صلى الله عليه واله: إذا تقارب الزمان انتقى الموت خيار امتي كما ينتقي أحدكم خيار الرطب من الطبق. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ليس بيننا وبين الجنة أو النار إلا الموت. وقال الصادق عليه السلام: هول لا تدري متى يغشاك، ما يمنعك أن تستعد له قبل أن يفجأك. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله


(1) مشكاة الانوار: 299 و 230.

[172]

وما أطال عبد الامل إلا أساء العمل وطلب الدنيا. وقال الصادق عليه السلام إنه لم يكثر عبد ذكر الموت إلا زهد في الدنيا. وقال النبي صلى الله عليه واله لو نظرتم إلى الاجل ومسيره لابغضتم الامل وغروره إن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم سمينا. عش ما شئت فانك ميت، واحبب من أحببت فانك مفارقه، عجبت لمؤمل دنيا والموت يطلبه. وروي أنه لما دنى وفاة إبراهيم عليه السلام قال: هلا أرسلت إلى رسولا حتى: آخذ اهبة قال له: أو ما علمت أن الشيب رسولي. وحدث أبو بكر بن عياش قال كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فجاءه رجل فقال رأيتك في النوم كأني أقول لك: كم بقى من أجلي ؟ فقلت: لي بيدك هكذا، و أو مأ [ت] إلى خمس، وقد شغل ذلك قلبي، فقال عليه السلام إنك سألتني عن شئ لا يعلمه إلا الله عزوجل، وهي خمس تفرد الله بها " إن الله عنده علم الساعة " (1) إلى آخرها. وقال: سمعته يقول: سبحان من لا يستأنس بشئ أبقاه، ولا يستوحش من شئ أفناه، وسمعته يقول: وأقسموا بالله جهد أيمانكم لا يبعث الله من يموت " (2) أفتراك تجمع بين أهل القسمين في دار واحدة وهي النار. وروي أنه جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه واله وقال إن فلانا جاري يؤذيني قال: اصبر على أذاه كف أذاك عنه، فما لبث أن جاء وقال: يا نبي الله إن جاري قد مات فقال صلى الله عليه واله: كفى بالدهر واعظا وكفى بالموت مفرقا. وقال النبي صلى الله عليه واله يا رب أي عبادي أحب إليك ؟ قال الذي يبكي لفقد الصالحين، كما يبكى الصبي على فقد أبويه.


(1) لقمان: 34. (2) النحل: 38.

[173]

وقال زيد بن أرقم قال الحسين بن علي عليه السلام: ما من شيعتنا إلا صديق شهيد، قلت أنى يكون ذلك وهم يموتون على فرشهم ؟ فقال: أما تتلو كتاب الله " الذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم " (1) ثم قال عليه السلام: لو لم تكن الشهادة إلا لمن قتل بالسيف، لاقل الله الشهداء. وقال زين العابدين عليه السلام أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله عزوجل: فاما إلى الجنة أو إلى النار. ثم قال عليه السلام: إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت، وإلا هلكت وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت، [وإن نجوت حين يحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت] وإن نجوت حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت ثم تلا: " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " (2) قال هو القبر، وإن لهم فيه معيشة ضنكا، والله إن القبور لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. وقال عليه السلام: القبر أول منزل من منازل الآخرة، فان نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده شر منه. وقال علي بن الحسين عليهما السلام: من مات على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر واحد. وقيل لامير المؤمنين عليه السلام: ما شأنك جاورت المقبرة ؟ فقال: إني أجدهم جيران صدق يكفون السيئة ويذكرون الآخرة. بيان: الانتقاء الاختيار، قوله عليه السلام من الموت أي من شدايد الموت والعقوبات بعده، أي لو كانوا مكلفين وعلموا ترتب العقاب على أعمالهم السيئة لكانوا دائما مهتمين لذلك، فيهزلون ولم تجدوا منهم سمينا فلا ينافي ما ورد أن الموت مما لم تبهم عنه البهايم، أو المعنى لو كانوا يعلمون كعلمكم بالتجارب وإخبار الله والانبياء


(1) الحديد: 19. (2) المؤمنون: 100.

[174]

والاوصياء والصالحين لكانوا كذلك فانهم وإن علموا الموت مجملا ويحذرون منه، لكن لا يعلمون كعلمكم، والاول أظهر. قوله عليه السلام بين أهل القسمين الظاهر أن القسم الآخر قوله تعالى في سورة التغابن " قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم " (1) ويحتمل أن يكون إشارة إلى تتمة تلك الآية " بلى وعدا عليه حقا " فانه في قوة القسم لكنه بعيد و كأن في الحديث سقطا. 7 - أعلام الدين: عن النبي صلى الله عليه واله قال: الناس اثنان رجل أراح، و آخر استراح، فأما الذي استراح فالمؤمن استراح من الدنيا ونصبها، وأفضى إلى رحمة الله وكريم ثوابه، وأما الذي أراح، فالفاجر استراح منه الناس، والشجر والدواب وأفضى إلى ما قدم. 8 - كتاب: جعفر بن محمد بن شريح، عن حميد بن شعيب، عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما من مؤمن يحضره الموت إلا رأى محمدا و عليا عليهما السلام حيث تقر عينه، ولا مشرك يموت إلا رآهما حيث يسوؤه. 9 - مجالس الصدوق ومعانى الاخبار: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام إن للمرء المسلم ثلاثة أخلاء: فخليل يقول له أنا معك حيا وميتا وهو علمه، وخليل يقول له: أنا معك حتى تموت وهو ماله، فإذا مات صار للوارث، وخليل يقول له: أنا معك إلى باب قبرك ثم اخليك وهو ولده (2). الخصال: عن أبيه، عن عبد الله الحميري، عن هارون مثله (3). 10 - مجالس الصدوق: عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد البرقي، عن ابن أبي نجران والحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، عن أبان


(1) التغابن: 7. (2) أمالى الصدوق ص، معاني الاخبار ص 232 (3) الخصال ج 1 ص 56.

[175]

ابن تغلب، عن الصادق عليه السلام أنه قال: من مات بين زوال الشمس من يوم الخميس إلى زوال الشمس من يوم الجمعة من المؤمنين أعاذه الله من ضغطة القبر (1). 11 - ومنه ومن العيون: عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: لما حضرت الحسن بن علي بن أبي طالب الوفاة بكى، فقيل له: يا ابن رسول الله ! أتبكى ومكانك من رسول الله صلى الله عليه واله الذي أنت به ؟ وقال فيك رسول الله صلى الله عليه واله ما قال فيك ؟ وقد حججت عشرين حجة ماشيا ؟ وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات حتى النعل والنعل ؟ فقال عليه السلام: إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الاحبة (2). 12 - العيون: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما نزلت هذه الآية " إنك ميت وإنهم ميتون " (3) قلت: يا رب أيموت الخلايق ويبقى الانبياء ؟ فنزلت " كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون " (4). بيان: لعله صلى الله عليه واله إنما سأل عن ذلك بعد نزول تلك الآية، لاحتمال كون الكلام مسوقا على الاستفهام الانكاري. 13 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن محمد بن علي بن حشيش، عن محمد بن أحمد بن عبد الوهاب، عن محمد بن علي بن خلف، عن الحسن بن العلا، عن مكي بن إبراهيم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الاحياء (5).


(1) أمالى الصدوق ص 169، ورواه في ثواب الاعمال ص 177. (2) أمالى الصدوق ص 133، عيون الاخبار ج 1 ص 303. (3) الزمر: 30. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 32، والاية في سورة العنكبوت: 57. (5) أمالى الطوسى ج 1 ص 316.

[176]

14 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد ابن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن سدير الصيرفي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فذكروا عنده المؤمن، فالتفت إلى فقال: يا أبا الفضل ألا احدثك بحال المؤمن عند الله ؟ قلت: بلى فحدثني ! قال: فقال: إذا قبض الله روح المؤمن صعد ملكاه إلى السماء، فقالا ربنا عبدك فلان ونعم العبد، كان لك سريعا في طاعتك بطيئا عن معصيتك، وقد قبضته إليك فماذا تأمرنا من بعده ؟ قال: فيقول الله لهما اهبطا إلى الدنيا وكونا عند قبر عبدي، فمجداني وسبحاني وهللاني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي حتى أبعثه من قبره. ثم قال: ألا أزيدك ؟ فقلت بلى فزدني، فقال: إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال يقدمه أمامه فكلما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تحزن ولا تفزع، وابشر بالسرور والكرامة من الله، فما يزال يبشره بالسرور والكرامة من الله عزوجل حتى يقف بين يدي الله جل جلاله فيحاسبه حسابا يسيرا، ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه فيقول له المؤمن: رحمك الله نعم الخارج خرجت معي من قبري مازلت تبشرني بالسرور والكرامة من الله عز وجل حتى رأيت ذلك فمن أنت ؟ فيقول له المثال: أنا السرور الذي كنت تدخله على أخيك المؤمن في الدنيا خلقني الله منه لاسرك (1). 15 - مجالس المفيد: عن جعفر بن محمد بن قولويه، عن أبيه، عن سعد ابن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن حنان بن سدير، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وذكر مثله (2). 16 - منتهى المطلب: عن النبي صلى الله عليه واله قال: لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، وليقل " اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي. وتوفني إذا كانت


(1) ثواب الاعمال: 181 - 182. (2) أمالى المفيد ص 113.

[177]

الوفاة خيرا لي (1). 17 - العيون: عن أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم، عن ياسر عن الرضا عليه السلام أنه كان إذا رجع يوم الجمعة من الجامع وقد أصابه العرق والغبار رفع يديه وقال: اللهم إن كان فرجى مما أنا فيه بالموت فعجله لي الساعة ولم يزل مغموما إلى أن قبض (2). بيان: يدل على جواز تمني الموت في بعض الاحوال ويحتمل أن يكون ذلك لازالة وهم بعض الجاهلين الذين كانوا يظنون أنه عليه السلام مسرور بقرب المأمون راض بأفعاله، متوقع لولاية عهده. 18 - قرب الاسناد: عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب قال: سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الارض التي كان يعبد الله عليها، و أبواب السماء التي كان يصعد بأعماله فيها، وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شئ قال: لان المؤمنين الفقهاء حصون المسلمين كحصن سور المدينة لها (3). منية المريد: عن الكاظم عليه السلام مثله. بيان: بكاء البقاع والابواب المراد به بكاء أهلهما من الملائكة أو هو كناية عن ظهور آثار فقده فيهما، أو تمثيل لبيان عظم المصيبة، فكأنه تبكي عليه السماء والارض، كما هو الشايع في العرف أنهم يذكرون ذلك لبيان شدة المصيبة و عمومها، والثلمة بالضم فرجة المكسور والمهدوم، وإضافة الحصن إلى السور بيانية أو اريد به المعنى المصدري. 19 - مجالس المفيد: عن علي بن مالك النحوي، عن محمد بن الفضل الكاتب، عن عيسى بن حميد قال: سمعت أبا عبد الله الربعي يقول: حدثنا الاصمعي


(1) المنتهى ج 1 ص 425. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 15. (3) قرب الاسناد ص 168 ط نجف.

[178]

قال: دخلت البصرة فبينا أنا أمشي بشارعها إذا أبصرت بجارية أحسن الناس وجها وإذا هي كالشن البالي، فلم أزل أتبعها وأحبس نفسي عنها حتى انتهت من المقابر إلى قبر فجلست عنده، ثم أنشأت تقول بصوت ما يكاد يبين هذا والله المسكن لامابه نغر أنفسنا، هذا والله المفرق بين الاحباب، والمقرب من الحساب، وبه عرفان الرحمة من العذاب، يا أبه فسح الله في قبرك، وتغمدك بما تغمد به نبيك أما إني لا أقول خلاف ما أعلم كنت علمي بك جوادا إذا اتيت اتيت وسادا، وإذا اعتمدت وجدت عمادا. ثم قالت: يا ليت شعري كيف غيرك البلى * أم كيف صار جمال وجهك في الثرى لله درك أي كهل غيبوا * تحت الجنادل، لا تحس ولا ترى لبا وحلما بعد حزم زانه * بأس وجود حين يطرق للقرى لما نقلت إلى المقابر والبلى * دنت الهموم فغاب عن عيني الكرى (1) 20 - ومنه: عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه - رحمه الله - عن محمد ابن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى بن مريم عليهما السلام يا عيسى ! هب لي من عينك الدموع، ومن قلبك الخشوع، واكحل عينك بميل الحزن، إذا ضحك البطالون، وقم على قبور الاموات، فنادهم بالصوت الرفيع لعلك تأخذ موعظتك منهم، وقل: إني لاحق بهم في اللاحقين (2). 21 - ومنه: عن محمد بن علي بن الحسين، عن محمد بن على ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن محمد بن سنان عن محمد بن عطية، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الموت


(1) مجالس المفيد ص 79 و 80 (2) مجالس المفيد ص 147.

[179]

كفارة لذنوب المؤمنين (1) 22 - أعلام الدين: للديلمي فيما أوصى لقمان ابنه: اعلم يا بني أن الموت على المؤمن كنومة نامها، وبعثه كانتباهه منها. 23 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما من مؤمن يموت في غربته إلا بكت عليه الملائكة رحمة له، حيث قلت بواكيه، وفسح له في قبره بنور يتلالؤ من حيث دفن إلى مسقط رأسه (2). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الموت ريحانة المؤمن (3). 24 - كتاب الصفين: لنصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عبد الرحمان ابن جندب قال: لما رجع أمير المؤمنين عليه السلام من صفين، وجازدور بني عوف و كنا معه، إذا نحن عن أيماننا بقبور سبعة أو ثمانية، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما هذه القبور ؟ فقال له قدامة بن العجلان الازدي: يا أمير المؤمنين ! إن خباب بن الارت توفي بعد مخرجك فأوصى أن يدفن في الظهر، وكان الناس يدفنون في دورهم وأفنيتهم فدفن الناس إلى جنبه. فقال عليه السلام: رحم الله خبابا فقد أسلم راغبا، وهاجر طائعا، وعاش مجاهدا وابتلى في جسده أحوالا، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا، فجاء حتى وقف عليهم ثم قال: السلام عليكم يا أهل الديار، الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، أنتم لناسلف وفرط، ونحن لكم تبع وبكم عما قليل لاحقون، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم " ثم قال: " الحمد لله الذي جعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا الحمد لله الذي منها خلقنا وفيها يعيدنا وعليها يحشرنا، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي


(1) مجالس المفيد ص 174. (2) نوادر الراوندي: 9. (3) نوادر الراوندي ص 10.

[180]

عن الله عن بذلك. بيان: قال الجوهري: الوحشة الخلوة والهم، وقد أوحشت الرجل فاستوحش، وأرض وحشة وبلد وحش بالتسكين أي قفر، وتوحشت الارض صارت وحشة وأوحشت الارض وجدتها وحشة، وقال: القفر مفازة لانبات فيها ولاماء، يقال: أرض قفر ومفازة قفرة وأقفرت الدار خلت. 25 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: وقد رجع من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة " يا أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، والقبور المظلمة، يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة، أنتم لنا فرط سابق، و نحن لكم تبع لاحق، أما الدور فقد سكنت، وأما الازواج فقد نكحت، وأما الاموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما لو اذن لهم في الكلام لاخبروكم أن خير الزاد التقوى (1). وقال عليه السلام: إن لله ملكا ينادي في كل يوم: لدوا للموت، واجمعوا للفناء وابنوا للخراب (2). وقال عليه السلام: الهم نصف الهرم (3). وقال عليه السلام: فيما كتب إلى الحارث الهمداني: أكثر ذكر الموت وما بعد الموت، ولا تتمن الموت إلا بشرط وثيق (4). بيان: أي لا تتمن الموت إلا مشروطا بالمغفرة أو بعد تحصيل ما يوجب رفع درجات الآخرة في بقية العمر، وقال ابن أبي الحديد: أي لا تتمن الموت إلا وأنت واثق من أعمالك الصالحة أنها تؤديك إلى الجنة وتنقذك من النار. أقول: على هذا يحتمل أن يكون نهيا عن تمني الموت مطلقا فان ذلك


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 130 من قسم الحكم. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 132 من قسم الحكم. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 143 من قسم الحكم. (4) نهج البلاغة تحت الرقم 69 من قسم الكتب والرسائل.

[181]

الوثوق لا يكاد يحصل لاحد سوى الانبياء والائمة عليهم السلام. 26 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي باسناده عن ابن نباته قال: كتب صاحب الروم إلى معاوية فسأله عن مسائل عجز عنها، فبعث إلى أمير المؤمنين عليه السلام من يسأله عنها، فكان فيما سأله أين تأوى أرواح المسلمين ؟ وأين تأوي أرواح المشركين ؟ فقال عليه السلام: تأوي أرواح المسلمين عينا في الجنة تسمى سلمى، وتأوي أرواح المشركين في جب في النار يسمى برهوت الخبر. 27 - تفسير على بن ابراهيم: قال: إن حنظلة بن أبي عامر تزوج في الليلة التي كان في صبيحتها حرب احد، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه واله أن يقيم عند أهله، فأنزل الله " فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم " (1) فأقام عند أهله ثم أصبح وهو جنب، فحضر القتال فاستشهد، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: رأيت الملائكة تغسل حنظلة بماء المزن في صحاف فضة بين السماء والارض، فكان يسمى غسيل الملائكة (2). بيان:: ربما يستدل به على أن الجنب إذا استشهد يغسل للجنابة ولا يخفى وهنه. 28 - كنز الكراجكى: روي أنه كان في التوراة مكتوبا: يا ابن آدم لا تشتهي تموت حتى تتوب وأنت لا تتوب حتى تموت. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير. وقيل: إن من عجائب الدنيا أنك تبكي على من تدفنه، وتطرح التراب وجه من تكرمه. ومنه قال أمير المؤمنين عليه السلام: موت الابرار راحة لانفسهم، وموت الفجار راحة للعالم. وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه


(1) النور: 62. (2) تفسير القمى ص 462.

[182]

عمله، وينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه، وذلك قول الله عزوجل: " فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " (1). وقال الكراجكي - ره - بعد إيراد الخبر: هذه الآية نزلت في قوم فرعون وإهلاكهم، وفيها وجوه من التأويل أحدها ما ورد في هذا الخبر، ومعنى البكاء ههنا الاخبار عن الاختلال بعده، كما يقال بكى منزل فلان بعده. قال مزاحم العقيلي: بكت دارهم من بعدهم فتهللت * دموعي فأي الجازعين ألوم أمستعبرا يبكي من الهون والبلا * وآخر يبكي شجوه ويهيم فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله تعالى ببوارهم مقام صالح في الارض ولا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال: فما بكت عليهم السماء والارض، و قد روي عن ابن عباس أنه قيل له: وقد سئل عن هذه الآية أتبكي السماء والارض على أحد ؟ فقال: نعم، مصلاه في الارض ومصعد عمله في السماء. والثاني أن يكون تعالى أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر وسقوط المنزلة، لان العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك، قالت: كسفت لفقده الشمس، وأظلم القمر، وبكاه الليل والنهار والسماء والارض قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز: الشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك نجوم الليل والقمر والثالث أن يكون الله تعالى أراد ببكائهما بكاء أهلهما كما في قوله تعالى: " واسأل القرية " (2). والرابع أن يكون المعنى لم يأخذ آخذ بثأرهم، ولا أحد انتصر لهم لان العرب كانت لا تبكي على قتيل إلا بعد الاخذ بثاره، فكني بهذا اللفظ عن فقد الانتصار والاخذ بالثار، على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن.


(1) الدخان: 29. (2) يوسف: 82. (*)

[183]

والخامس أن يكون البكاء كناية عن المطر والسقيا، لان العرب تشبه المطر بالبكاء، فمعنى الآية أن السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد بقطرها عليهم، على مذهب العرب المعهود بينهم، لانهم كانوا يستسقون السحايب لقبور من فقدوه من أعزائهم، ويستنبتون الزهر والرياض لمواقع حفرهم قال النابغة: فلا زال قبر بين تبنى وحاسم * عليه من الوسمى طل ووابل فينبت حوذانا وعوفا منورا * سأتبعه من خير ما قال قائل وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام، ومسألة الله تعالى لهم الرضوان، والفعل إذا اضيف إلى السماوات كان لا تجوز إضافته إلى الارض، فقد يصح عطف الارض على السماء بأن يقدر فعل يصح نسبته إليها، والعرب تفعل مثل هذا، قال الشاعر: يا ليت زوجك قد غدا * متقلدا سيفا ورمحا بعطف الرمح على السيف، وإن كان التقلد لا يجوز فيه، ومثل هذا يقدر في الآية فيقال: إنه تعالى أراد السماء لم تسق قبورهم، وأن الارض لم تعشب عليها، وكل هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله عزوجل، وربما شبه الشعراء النبات بضحك الارض كما شبهوا المطر ببكاء السماء، وفي ذلك يقول أبو تمام: إن السماء إذا لم تبك مقلتها * لم تضحك الارض عن شئ من الخضر والزهر لا تنجلي أبصاره أبدا * إلا إذا رمدت من كثرة المطر بيان: قال الفيروز آبادي: هام يهيم هيما وهيمانا أحب امرءة، والهيام بالضم كالجنون من العشق، وقال: تبنى بالضم موضع، وقال: حاسم كصاحب موضع، و قال: الوسمي مطر الربيع الاول، وقال: الطل المطر الضعيف، والوابل المطر الشديد الضخم القطر، وقال الجوهري: الجوذان نبت نوره أصفر، وفي القاموس الغوف نبات طيب الرائحة. 29 - عدة الداعي: عن الصادق عليه السلام قال: إذا مات المؤمن صعد ملكاه فقالا: يا ربنا أمت فلانا فيقول انزلا فصليا عليه عند قبره، وهللاني وكبراني واكتبا

[184]

ما تعملان له. 30 - أعلام الدين للديلمي: عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الانسان قد نفد أجله، وانقطع أكله، ألقى عليه الموت فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، الصارخة بويلها، الباكية بشجوها، فيقول ملك الموت: ويلكم مم الفزع ؟ وفيم الجزع ؟ والله ما أذهب لاحد منكم مالا ولا قربت له أجلا ولا أتيته حتى امرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وإن لي إليكم عودة ثم عودة حتى لا ابقي منكم أحدا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: والذي نفسي بيده، لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه، لذهلوا عن ميتهم، وبكوا على نفوسهم، حتى إذا حمل الميت على نعشه، رفرف روحه فوق النعش، وهو ينادي: يا أهلي وولدي، لا تلعبن بكم الدنيا، كما لعبت بي جمعته من حله ومن غير حله، وخلفته لغيري، والمهناله، والتبعات على فاحذروا من مثل ما نزل بي. وعن أنس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه واله هذه الآية " ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله " (1) قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله ؟ قال صلى الله عليه واله: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال: يا ملك الموت من بقي ؟ قال: يقول سبحانك ربي تباركت ربي وتعاليت ربي ذا الجلال والاكرام بقي جبرائيل وميكائيل و إسرافيل وملك الموت، قال: فيقول خذ نفس إسرافيل فيأخذ نفس إسرافيل قال: فيقول: يا ملك الموت من بقي ؟ قال: فيقول سبحانك ربي تباركت وتعاليت ربي ذا الجلال والاكرام بقي جبرائيل وميكائيل وملك الموت، قال: فيقول: خذ نفس ميكائيل، قال: فيأخذ نفس ميكائيل فيقع كالطود العظيم، فيقول: يا ملك الموت


(1) الزمر: 68.

[185]

من بقي ؟ فيقول: تباركت ربي وتعاليت بقي جبرئيل وملك الموت، قال: فيقول، مت يا ملك الموت فيموت. قال: فيقول يا جبرئيل من بقي ؟ فيقول تباركت ربي وتعاليت ذا الجلال والاكرام وجهك الباقي الدائم، وجبرئيل الميت الفاني ؟ قال: يا جبرئيل لابد من الموت فيخر ساجدا فيخفق بجناحيه فيقول: سبحانك ربي تباركت وتعاليت ذاالجلال والاكرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: فعند ذلك يموت جبرئيل وهو آخر من يموت من خلق السماوات والارض. 31 - اختيار ابن الباقي: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: مر أمير المؤمنين عليه السلام بالمقبرة، ويروى بالمقابر، فقال: " السلام عليكم يا أهل المقبرة والتربة اعلموا أن المنازل بعد كم قد سكنت، وأن الاموال بعدكم قد قسمت، وأن الازواج بعدكم قد نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم ؟ فأجابه هاتف من المقابر نسمع صوته ولا نرى شخصه: عليك السلام يا أمير المؤمنين و رحمة الله وبركاته أما خبر ما عندنا فقد وجدنا ما وعدناه وربحنا ما قدمناه، وخسرنا ما خلفناه. فالتفت إلى أصحابه فقال: أسمعتم ؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فتزودوا فان خير الزاد التقوى. 32 - تفسير على بن ابراهيم: في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى " قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم " (1) قال: الخلق الذي يكبر في صدوركم الموت (2). بيان: قال في مجمع البيان في تفسير هذه الآية: أي اجهدوا في أن لا تعادوا ولا تحشروا، أو كونوا إن استطعتم حجارة أو حديدا في الشدة أو خلقا هو أعظم من ذلك عندكم وأصعب، فانكم لا تفوتون الله، ويحييكم بعد الموت، وقيل: يعني


(1) اسرى: 51 وصدرها " قالوا ءإذا كنا عظاما ورفاتاءانا لمبعوثون خلقا جديدا ". (2) تفسير القمى ص 383.

[186]

بقوله ما يكبر في صدوركم الموت عن ابن عباس وابن جبير، أي لو كنتم الموت لاماتكم الله (1) وليس شئ أكبر في صدور بني آدم من الموت، وقيل: يعني به السماوات والارض والجبال (2). قد فرغ من تسويد هذا الجزء من المجلد الثامن عشر مؤلفه الحقير المقر بالتقصير في رابع عشر شهر صفر، ختم بالخير والظفر، من شهور سنة أربع وتسعين بعد الالف الهجرية والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيد المرسلين محمد و عترته الاكرمين الاقدسين. تم كتاب الطهارة ويليه كتاب الصلاة


(1) بل: لو كنتم نفس الموت لاحياكم الله عزوجل كيف وأنتم عظام ورفات راجع سياق الاية بتأمل. (2) مجمع البيان ج 6 ص 420.

[187]

القسم الثاني كتاب الصلاة

[188]

بسم الله الرحمن الرحيم * { كتاب الصلاة } * 1. * { باب } * * { فضل الصلاة وعقاب تاركها } * الايات: البقرة: ويقيمون الصلاة (1). وقال تعالى: وأقيموا الصلاة. في مواضع (2). وقال تعالى: واستعينوا بالصبر والصلوه وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (3). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالبصر والصلاة (4).


(1) البقرة: 3. (2) البقرة. 43 و 83 و 110، النساء: 77 و 103 وغير ذلك. (3) البقرة: 45. (4) البقرة: 153.

[189]

وقال تعالى: وأقاموا الصلاة (1). [المائدة:] لئن أقمتم الصلاة (2). الانعام: وأن أقيموا الصلاة واتقوه (3). [وقال تعالى:] والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين (4). الانفال: الذين يقيمون الصلوة (5). التوبة: فان تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فخلوا سبيلهم (6). وقال: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة (7). وقال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة (8). الرعد: وأقاموا الصلوة (9). ابراهيم: قل لعبادي الذي آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه ولا خلال (10). وقال تعالى: ربنا ليقيموا الصلاة إلى قوله: رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي (11). مريم: وأوصاني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا (12).


(1) البقرة. 277. (2) المائدة: 12. (3) الانعام: 72. (4) الانعام: 170. (5) الانفال: 3. (6) براءة: 5. (7) براءة: 11. (8) براءة: 71. (9) الرعد: 22. (10) ابراهيم: 31. (11) ابراهيم: 37 - 40 (12) مريم: 31.

[190]

وقال تعالى: وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة (1). طه: وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (2). الانبياء: وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة (3). الحج: الذي إن مكناهم في الارض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة (4). وقال تعالى: فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة (5). النور: وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (6). النمل: هدى وبشرى للمؤمنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة (7). العنكبوت: وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر (8). الروم: وأقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين (9). لقمان: هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وبالآخرة هم يوقنون (10). وقال: يا بني أقم الصلوة (11). فاطر: إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقام الصلوة (12).


(1) مريم: 55. (2) طه: 132. (3) الانبياء: 73. (4) الحج: 41. (5) الحج: 78. (6) النور: 56. (7) النمل: 3. (8) العنكبوت: 45. (9) الروم: 31. (10) لقمان: 4. (11) لقمان: 17. (12) فاطر: 18. (*)

[191]

وقال تعالى: إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (1). حمعسق: والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة (2). المجادلة: فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة (3). المزمل: وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة (4). المدثر: قالوا لم نك من المصلين (5). القيامة: فلا صدق ولا صلى (6). العلق: أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى (7). البينة: وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة (8). تفسير: " ويقيمون الصلاة " (9) باتمام ركوعها وسجودها، وحفظ مواقيتها وحدودها، وصيانتها مما يفسدها أو ينقصها، وفسر في تفسير الامام عليه السلام (10) بالصلاة على محمد وآل محمد، وهو بطن من بطونها. " واستعينوا بالصبر والصلاة " (11) أي استعينوا على حوائجكم أو على قربه سبحانه والوصول إلى درجات الآخرة بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات وفي المصائب، وبكل صلاة فريضة أو نافلة، وفيه دلالة على مطلوبية الصلاة في


(1) فاطر: 29. (2) الشورى: 38. (3) المجادلة: 13. (4) المزمل: 20. (5) المدثر 430. (6) القيامة: 31. (7) العلق، 10. (8) البينة: 5. (9) البقرة: 3. (10) تفسير الامام: 34 و 35. (11) البقرة: 45.

[192]

كل وقت، لا سيما عند عروض حاجة، وقيل أي بالجمع بينهما بأن تصلوا صابرين على تكليف الصلاة، محتملين لمشاقها، وما يجب من شرائطها وآدابها. وقيل: استعينوا على البلايا والنوايب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة كما روي أن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا حزبه (2) أمر فزع إلى الصلاة وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين، وأطال فيهما الجلوس ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: " استعينوا بالصبر والصلاة " (3) وسيأتي في أخبار كثيرة أن المراد بالصبر الصوم، وأنه ينبغي أن يستعين في الحوائج وغموم الدنيا بالصوم والصلاة. وفي تفسير الامام عليه السلام " استعينوا بالصبر " عن الحرام على تأدية الامانات وعن الرياسات الباطلة، وعلى الاعتراف بالحق واستحقاق الغفران والرضوان، ونعيم الجنان وبالصلوات الخمس والصلاة على النبي وآله الطاهرين، على قرب الوصول إلى جنات النعيم (4). " وإنها " أي الاستعانة بهما، أو أن الصلاة أو جميع الامور التي امر بها بنو إسرائيل من قوله: " اذكروا نعمتي " إلى قوله: " واستعينوا " كما قيل


(2) حزبه الامر حزبا: أصابه واشتد عليه أو ضغطه فجأة قيل: وفى الحديث " كان إذا حزبه أمر صلى " أي إذا نزل به مهم وأصابه غم. وفى حديث الدعاء " اللهم أنت عدتي ان حزبت ". (3) أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 68 وقال أخرجه سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن عباس، أقول: وعليه صححنا الحديث وقثم بن العباس هذا كان آخر الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وآله وذلك أنه كان آخر من خرج من قبره ممن نزل فيه، مات قثم بن العباس بسمرقند واستشهد بها ودفن فيها وكان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية. (4) تفسير الامام ص 114 و 115.

[193]

وفي تفسير الامام عليه السلام أن هذه الفعلة من الصلوات الخمس والصلاة على محمد و آله مع الانقياد لاوامرهم، والايمان بسرهم وعلانيتهم، وترك معارضتهم بلم وكيف (1). " لكبيرة " لشاقة ثقيلة كقوله " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " (2) " إلا على الخاشعين " أي الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه، وذلك لان نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستخف لاجله مشاقها، ويستلذ بسببه متاعبها، كما قال النبي صلى الله عليه واله " جعلت قرة عيني في الصلاة " وكان يقول: أرحنايا بلال. " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " (3) في التوحيد والاحتجاج وتفسير العياشي (4) عن أمير المؤمنين عليه السلام أن المعنى يوقنون أنهم يبعثون، والظن منهم يقين، وقال صلى الله عليه واله: اللقاء البعث، والظن ههنا اليقين. وفي تفسير الامام عليه السلام ويتوقعون أنهم يلقون ربهم اللقاء الذي هو أعظم كرامته لعباده (5) وقيل أي يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده، وفي مصحف عبد الله " يعلمون " ومعناه يعلمون أنه لابد من لقاء الجزاء، فيعملون على حسب ذلك، وأما من لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة، فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين. وفي المجمع بعد حمل الظن على اليقين، وقيل: إنه بمعنى الظن غير اليقين، أي يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم لشدة إشفاقهم من الاقامة على معصية


(1) تفسير الامام: 114 و 115. (2) الشورى: 13. (3) البقرة: 46. (4) التوحيد: 267 ط مكتبة الصدوق، الاحتجاج 132 ط نجف، تفسير العياشي ج 1 ص 44. (5) التفسير ص 115.

[194]

الله، قال الرماني: وفيه بعد، لكثرة الحذف، وقيل الذين يظنون انقضاء آجالهم وسرعة موتهم، فهم أبدا على حذر ووجل، ولا يركنون إلى الدنيا كما يقال لمن مات لقي الله (1). " وإنهم إليه راجعون " قال الامام أي إلى كراماته ونعيم جناته، قال: وإنما قال: يظتون لانهم لا يدرون بماذا يختم لهم، لان العاقبة مستورة عنهم، لا يعلمون ذلك يقينا، لانهم لا يأمنون أن يغيروا ويبدلوا انتهى (2) ويسأل ويقال: ما معنى الرجوع هنا، وهم ما كانوا قط في الاخرة فيعودوا إليها ؟ ويجاب بوجوه أحدها أنهم راجعون بالاعادة في الآخرة. وثانيها أنهم كانوا أمواتا فاحيوا ثم يموتون فيرجعون أمواتا كما كانوا، وثالثها أنهم راجعون بالموت إلى موضع لا يملك أحدهم ضرا ولا نفعا غيره تعالى، كما كانوا في بدئ الخلق، فانهم في أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم، والتدبير لنفعهم وضرهم. والحق أنه لما دلت الاخبار على أن الارواح خلقت قبل الاجساد، فهي قبل تعلقها بالاجساد كانت في حالة تعود بعد قطع التعلق إليها. " والذين يمسكون بالكتاب " (3) أي يتمسكون به، وقرء أبو بكر يمسكون بتسكين الميم وتخفيف السين، والباقون بالتشديد على بناء التفعيل، يقال أمسك ومسك وتمسك واستمسك بالشئ بمعنى واحد، أي استعصم به، والكتاب التوراة أو القرآن " وأقاموا الصلاة " في تخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات دلالة على جلالة موقعها، وشدة تأكدها. وكذا قوله سبحانه: " فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا


(1) مجمع البيان ج 1 ص 101. (2) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري ص 115. (3) الانعام: 170.

[195]

سبيلهم " (1) يدل على اشتراط الايمان باقامة الصلاة وإيتآء الزكاة، وقيل أي قبلوا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لان عصمة الدم لا يتوقف على فعلهما " فخلوا سبيلهم " أي دعوهم يتصرفون في بلاد الاسلام، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، وقيل دعوهم يحجوا معكم، وقال الطبرسي - ره - استدل بها على أن من ترك الصلاة متعمدا يجب قتله، لان الله أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا ويقيموا الصلاة، فإذا لم يقيموها وجب قتلهم انتهى (2). ويمكن أن يقال إظهار الاسلام بعد الكفر لا يقبل إلا بالاتيان بهاتين الفريضتين اللتين هما من عمدة شرايعه. " وأقام الصلاة " (3) في حصر تعمير المساجد فيمن أتى بعد الايمان بالله و اليوم الاخر بهاتين الفريضتين دلالة على جلالة شأنهما. " بعضهم أولياء بعض " (4) أي أنصار بعض أو متولي امورهم. " يقيموا الصلاة " (5) أي أقيموا الصلاة يقيموا أو ليقيموا " لا بيع فيه " فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه " ولا خلال) ولا مخالة فيشفع له خليله. " ومن ذريتي " أي وبعض ذريتي (6). " وأمر أهلك بالصلاة " (7) أي أهل بيتك وأهل دينك كما ذكره الطبرسي أو أهل بيتك خاصة كما رواه أبو سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية كان


(1) براءة: 5. (2) مجمع البيان ج 5 ص 7. (3) براءة: 11. (4) براءة: 71. (5) ابراهيم: 31. (6) ابراهيم: 37. (7) طه: 132.

[196]

رسول الله صلى الله عليه واله يأتي باب فاطمة وعلي تسعة أشهر وقت كل صلاة فيقول: " الصلاة يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " رواه الطبرسي (1) وقال: ورواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام وعن غيرهم مثل أبي برزة وابن أبي رافع، وقال أبو جعفر عليه السلام أمره الله تعالى أن يخص أهله دون الناس، ليعلم الناس أن لاهله عند الله منزلة ليست للناس، فأمرهم مع الناس عامة وأمرهم خاصة. وفي العيون (2) وغيره عن الرضا عليه السلام في هذه الآية قال: خصنا الله بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع الامة باقامة الصلاة ثم خصنا من دون الامة فكان رسول الله صلى الله عليه واله يجئ على باب علي وفاطمة بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرات، فيقول: " الصلاة رحمكم الله " وما أكرم الله أحدا من ذراري الانبياء عليهم السلام بمثل هذه الكرامة التي أكرمنا بها وخصنا من دون جميع أهل بيتهم. وفي نهج البلاغة (3) وكان رسول الله صلى الله عليه واله نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنة لقول الله سبحانه " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " فكان يأمر بها ويصبر عليها نفسه. ثم اعلم أن الظاهر من الاخبار الماضية وما أوردنا سابقا في مجلدات الحجة أن المراد من يختص به من أهل بيته لا أهل دينه مطلقا وأنه إنما أمر بذلك لبيان شرفهم وكرامتهم عليه تعالى فما قيل إنه يجب علينا أيضا أمر أهالينا بدلالة التأسي محل نظر، وإن أمكن أن يقال هذا لا ينافي لزوم التأسي، ويؤيده قوله تعالى: " قوا أنفسكم وأهليكم نارا " الآية (4) وعمومات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.


(1) مجمع البيان ج 7 ص 37. (2) عيون الاخبار ج 1 ص 240. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 197 من قسم الخطب. (4) التحريم: 6.

[197]

" واصطبر عليها " بالمداومة عليها واحتمال مشاقها، بل الامر بها واحتمال مشاقه أيضا فهو صلى الله عليه وآله مأمور بها على أبلغ وجه " لا نسألك رزقا " لا نكلفك شيئا من الرزق لا لنفسك ولا لغيرك " نحن نرزقك " ما يكفيك وأهلك، فيحتمل أن يكون المراد ترك التوصل إلى تحصيل الرزق وكسب المعيشة بالكلية، ويكون من خصائصه صلى الله عليه واله لمنافاة تحصيل الرزق، لتعرض أشغال النبوة وتحمل أعبائها ويحتمل العموم كما ورد: من كان الله كان الله له، ومن أصلح أمر دينه أصلح الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس. وقال تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (1) ولعل الاولى حينئذ أن يراد ترك الاعتناء والاهتمام، لا ترك الطلب بالكلية وسيأتي تمام القول فيه في محله " والعاقبة للتقوى " أي العاقبة المحمودة لاهل التقوى. " الذين إن مكناهم في الارض " (2) ورد في الاخبار الكثيرة أنها نزلت في الائمة وقائمهم عليهم السلام. " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " (3) قال الطبرسي - ره - (4) في هذا دلالة على أن فعل الصلاة لطف للمكلف في ترك القبيح والمعاصي التي ينكرها العقل والشرع، فان انتهى عن القبيح يكون توفيقا وإلا فقد اتي المكلف من قبل نفسه، وقيل: إن الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء و المنكر، وذلك أن فيها التكبير والتسبيح والتهليل والقراءة، والوقوف بين يدي الله سبحانه، وغير ذلك من صنوف العبادة، وكل ذلك يدعو إلى شكره، ويصرف عن ضده، فيكون مثل الامر والنهي بالقول، وكل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق فهو داع إليه، وصارف عن الباطل الذي هو ضده.


(1) الطلاق: 3. (2) الحج: 41. (3) العنكبوت: 45. (4) مجمع البيان ج 8 ص 285.

[198]

وقيل: معناه إن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر مادام فيها، و قيل معناه أنه ينبغي أن تنهاه كقوله: " ومن دخله كان آمنا " (1) وقال ابن عباس: في الصلاة منهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلا بعدا، وعن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعدا. وعنه صلى الله عليه واله قال: لا صلاة لمن لم يطع الصلاة وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر ومعنى ذلك أن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها فان تاب من بعد ذلك وترك المعاصي فقد تبين أن صلاته كانت نافعة له وناهيته، وإن لم ينته إلا بعد زمان. وروي أن فتى من الانصار كان يصلي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه واله ويرتكب الفواحش، فوصف ذلك لرسول الله صلى الله عليه واله فقال: إن صلاته تنهاه يوما ما، فلم يلبث أن تاب. وعن جابر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه واله: إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: إن صلاته لتردعه. وروى أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب أن يعلم أقبلت صلاته أم لم تقبل، فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء والمنكر ؟ فبقدر ما منعته قبلت منه انتهى كلام الطبرسي. وروى في الكافي عن سعد الخفاف (2) عن الباقر عليه السلام في حديث طويل أنه سأله هل يتكلم القرآن، فتبسم ثم قال: رحم الله الضعفاء من شيعتنا إنهم أهل تسليم ثم قال: نعم، يا سعد والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى، قال: فتغير لذلك لوني، وقلت: هذا شئ لا أستطيع أن أتكلم به في الناس، فقال عليه السلام:


(1) آل عمران: 97. (2) الكافي ج 2 ص 598. (*)

[199]

وهل الناس إلا شيعتنا ؟ فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقنا، ثم قال: يا سعد اسمعك كلام القرآن ؟ قال سعد: فقلت: بلى، صلى الله عليك، فقال: " إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر " فالنهي كلام، والفحشاء و المنكر رجل، ونحن ذكر الله ونحن أكبر. أقول: قد مرت الاخبار بأن المراد بالصلاة أمير المؤمنين عليه السلام والفحشاء والمنكر أبو بكر وعمر وذكر الله رسول الله صلى الله عليه واله (1) فقوله عليه السلام " الصلاة تتكلم ولها صورة " يمكن أن يكون على سبيل التنظير أي لا استبعاد في أن يكون للقرآن صورة كما أن في بطن تلك الآية المراد بالصلاة رجل، أو المراد أن للصلاة صورة ومثالا يترتب عليه وينشأ منه آثار الصلاة فكذا القرآن. ويحتمل أن يكون صورة القرآن في القيامة أمير المؤمنين عليه السلام فانه حامل علمه والمتحلي بأخلاقه كما قال عليه السلام " أنا كلام الله الناطق " فان كل من كمل فيه صفة عمل أو حالة فكأنه جسد لتلك الصفة وشخص لها فأمير المؤمنين عليه السلام جسد للقرآن وللصلاة والزكاة ولذكر الله، لكمالها فيه، فيطلق عليه تلك الاسامي في بطن القرآن، ويطلق على مخالفيه الفحشاء والمنكر والبغي والكفر والفسوق والعصيان لكمالها فيهم، فهم أجساد لتلك الصفات الذميمة. وبهذا التحقيق الذي افيض علي ينحل كثير من غوامض الاخبار، وقد مر بعض الكلام في ذلك في أبواب الآيات النازلة فيهم، وسيأتي في كتاب القرآن أيضا. " ولذكر الله أكبر " روي عن الباقر عليه السلام (2) أنه قال: ذكر الله لاهل الصلاة أكبر من ذكرهم إياه، ألا ترى أنه يقول: " اذكروني أذكركم " (3)


(1) راجع كتاب الامامة ج 24 ص 286 - 304 من هذه الطبعة. (2) تفسير القمى: 497. (3) البقرة: 152.

[200]

وعن الصادق عليه السلام أنه ذكر الله عند ما أحل وحرم (1). وقال الطبرسي (2) أي ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته، عن ابن عباس وغيره، وقيل: ذكر العبد لربه أكبر مما سواه وأفضل من جميع أعماله عن سلمان وغيره، وعلى هذا فيكون تأويله أن أكبر شئ في النهي عن الفواحش ذكر العبد ربه وأوامره ونواهيه، وما أعده من الثواب والعقاب فانه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة وترك المعصية، وهو أكبر من كل لطف، وقيل: معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة، وقيل ذكر الله هو التسبيح والتقديس وهو أكبر وأحرى بأن ينهى عن الفحشاء والمنكر. " ولا تكونوا من المشركين " (3) فيه إيماء إلى أن ترك الصلاة نوع من الشرك. " الذين يقيمون الصلاة " (4) فيه إيماء إلى أن العمدة في الاحسان إقامة الصلاة. " إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب " (5) أي بالقلب الذي هو غايب عن الحواس أو هم غائبون عما يخشون الله بسببه من أحوال الآخره وأهوالها أو يخشون ربهم في خلواتهم وغيبتهم عن الخلق " وأقاموا الصلاة " لعل فيه إيماء إلى أن الصلاة المقبولة هي التي تكون لخشية الله تعالى ومقرونة بها وإنما خص الانذار بهم لانهم المشفعون به دون غيرهم. " إن الذين يتلون كتاب الله " (6) في الصلاة وغيرها " لن تبور "


(1) الخصال ج 1 ص 63. (2) مجمع البيان ج 8 ص 285. (3) الروم: 31. (4) لقمان: 4. (5) فاطر: 18. (6) فاطر: 29.

[201]

أي لن تكسد ولن تفسد ولن تهلك. " والذين استجابوا لربهم " (1) أي قبلوا ما امروا به، وفي تفسير علي بن إبراهيم (1) في إقامة الامام، ويدل على أن الصلاة من عمدة المأمورات وأشرفها وعلى ما في التفسير يومي إلى اشتراط قبول الصلاة وساير الاعمال بالولاية. " قالوا لم نك من المصلين " (3) يعني الصلاة الواجبة كما سيأتي من نهج البلاغة ويدل على مخاطبة الكفار بالفروع، وقد مر تأويلها بمتابعة أئمة الدين و بالصلاة عليهم. " فلا صدق " (4) أي بما يجب أن يصدق به، أو لم يتصدق بشئ " ولا صلى " أي لم يصل لله. " أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى " (5) ما ذا يكون جزاؤه وما يكون حاله، وفي تفسير علي بن إبراهيم (6) قال: كان الوليد بن المغيرة ينهى الناس عن الصلاة وأن يطاع الله ورسوله، فقال " أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى " وفي مجمع البيان (7) جاء في الحديث أن أبا جهل قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم ؟ قالوا نعم، قال: فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لاطأن على رقبته، فقيل هاهو ذلك يصلي، فانطلق ليطأ على رقبته فرأى معجزة ونكص على عقبيه وتركه، فأنزل الله هذه الآية، وقد مرت الاخبار في ذلك.


(1) الشورى: 38. (2) تفسير القمى ص 604. (3) المدثر: 43. (4) القيامة: 31. (5) العلق: 10. (6) تفسير القمى: 731. (7) مجمع البيان ج 10 ص 515.

[202]

" مخلصين له الدين " (1) أي لا يشركوا في عبادته سبحانه أحدا، ويدل على وجوب الاخلاص وتحريم الرياء " حنفاء " ما يلين عن جميع الاديان إلى دين الاسلام " وذلك دين القيمة " أي دين الملة القيمة، أو الكتب القيمة، ويشعر بأن الاخلال بالصلاة والزكوة وشرائطهما مخرج من الدين القويم. 1 - جامع الاخبار: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الصلاة عماد الدين، فمن ترك صلاته متعمدا فقد هدم دينه، ومن ترك أوقاتها يدخل الويل، والويل واد في جهنم كما قال الله تعالى: " ويل للمصلين الذين عن صلاتهم ساهون " (2). وقال النبي صلى الله عليه واله: حافظوا على الصلوات، فان الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة يأتي بالعبد فأول شئ يسأله عنه الصلاة، فان جاء بها تامة وإلا زخ في النار (3). بيان: قال في النهاية: فيه: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من تخلف عنها زخ به في النار، أي دفع ورمي، يقال: زخه يزخه زخا. 2 - الجامع: قال النبي صلى الله عليه واله: لا تضيعوا صلاتكم فان من ضيع صلاته حشره الله مع قارون وفرعون وهامان، لعنهم الله وأخزاهم، وكان حقا على الله أن يدخله النار مع المنافقين، فالويل لمن لم يحافظ صلاته (4). وقال صلى الله عليه واله: من ترك صلاته حتى تفوته من غير عذر، فقد حبط عمله، ثم قال: بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة (5). وقال صلى الله عليه واله: لا يزال الشيطان يرعب من بني آدم ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن تجرأ عليه وأوقعة في العظائم (6). وقال صلى الله عليه واله: من ترك صلاة لا يرجو ثوابها، ولا يخاف عقابها، فلا ابالي


(1) البينة: 5. (2) الماعون 4 و 5. (3) جامع الاخبار ص 86 و 87. (4 - 6) جامع الاخبار ص 87.

[203]

أيموت يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا (1). 3 - مجالس الصدوق: عن محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن أحمد بن عقدة، عن محمد بن أحمد بن صالح التميمي، عن أبيه، عن أحمد بن هشام، عن منصور بن مجاهد، عن الربيع بن بدر، عن سوار بن منيب، عن وهب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن لله تبارك وتعالى ملكا يسمى سخاييل يأخذ البروات للمصلين عند كل صلاة من رب العالمين جل جلاله، فإذا أصبح المؤمنون وقاموا وتوضؤا وصلوا صلاة الفجر، أخذ من الله عزوجل براءة لهم مكتوب فيها " أنا الله الباقي، عبادي وإمائي ! في حرزي جعلتكم، وفي حفظي وتحت كنفي صيرتكم، وعزتي لاخذلتكم وأنتم مغفور لكم ذنوبكم إلى الظهر ". فإذا كان وقت الظهر فقاموا وتوضؤا وصلوا أخذ لهم من الله عزوجل البراءة الثانية، مكتوب فيها " أنا الله القادر عبادي وإمائي بدلت سيئاتكم حسنات وغفرت لكم السيئات، وأحللتكم برضاي عنكم دار الجلال " فإذا كانت وقت العصر فقاموا وتوضؤا وصلوا أخذ لهم من الله عزوجل البراءة الثالثة مكتوب فيها " أنا الله الجليل جل ذكري، وعظم سلطاني، عبيدي وإمائي حرمت أبدانكم على النار، وأسكنتكم مساكن الابرار، ودفعت عنكم برحمتي شر الاشرار " فإذا كان وقت المغرب فقاموا وتوضؤا وصلوا أخذلهم من الله عزوجل البراءة الرابعة مكتوب فيها " أنا الله الجبار الكبير المتعال عبيدي وإمائي صعد ملائكتي من عندكم بالرضا وحق علي أن ارضيكم واعطيكم يوم القيامة منيتكم " فإذا كان وقت العشاء فقاموا وتوضؤا وصلوا أخذ من الله عزوجل لهم البراءة الخامسة، مكتوب فيها " إنى أنا الله لا إله غيري ولا رب سواي، عبادي وإمائي في بيوتكم تطهرتم وإلى بيوتي مشيتم، وفي ذكري خضتم، وحقي عرفتم، وفرائضي أديتم اشهدك يا سخاييل وسائر ملائكتي أني قد رضيت عنهم ".


(1) جامع الاخبار ص 87.

[204]

قال: فينادي سخاييل بثلاثة أصوات كل ليلة بعد صلاة العشاء: يا ملائكة الله إن الله تبارك وتعالى قد غفر للمصلين الموحدين، فلا يبقى ملك في السموات السبع إلا استغفر للمصلين، ودعا لهم بالمداومة على ذلك، فمن رزق صلاة الليل من عبد أو أمة قام لله عزوجل مخلصا فتوضأ وضوءا سابغا وصلى لله عزوجل بنية صادقة، وقلب سليم، وبدن خاشع، وعين دامعة، جعل الله تبارك وتعالى خلفه تسعة صفوف من الملائكة، في كل صف ما لا يحصي عددهم إلا الله تبارك و تعالى، أحد طرفي كل صف بالمشرق، والآخر بالمغرب قال: فإذا فرغ كتب له بعددهم درجات. قال منصور: كان الربيع بن بدر إذا حدث بهذا الحديث يقول: أين أنت يا غافل عن هذا الكرم ؟ وأين أنت عن قيام هذه الليل ؟ وعن جزيل هذا الثواب ؟ وعن هذه الكرامة (1). 4 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الصفار، عن سلمة بن الخطاب عن علي بن الحسن، عن أحمد بن محمد المؤدب، عن عاصم بن حميد، عن خالد القلانسي قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليه السلام: يؤتى بشيخ يوم القيامة فيدفع إليه كتابه، ظاهره مما يلي الناس، لا يرى إلا مساوي، فيطول ذلك عليه، فيقول: يا رب أتأمرني إلى النار ؟ فيقول الجبار جل جلاله يا شيخ أنا أستحيي أن اعذبك وقد كنت تصلي في دار الدنيا، اذهبوا بعبدي إلى الجنة (2). الخصال: عن أبيه، عن سعد، عن سلمة مثله (3). 5 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن سهل بن زياد، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي الحسن العسكري عليه السلام قال: كلم الله عزوجل موسى بن عمران عليه السلام قال موسى: إلهي ما جزاء من صلى الصلوات


(1) أمالى الصدوق ص 41 - 42. (2) أمالى الصدوق ص 32. (3) الخصال ج 2 ص 115 و 116.

[205]

لوقتها ؟ قال: أعطيته سؤله وابيحه جنتي الخبر (1). 6 - ومنه: عن الحسين بن علي الصائغ، عن أحمد بن عقدة، عن جعفر ابن عبيد الله، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جاء ثقفي إلى النبي صلى الله عليه واله فسأله عما له من الثواب في الصلاة فقال النبي صلى الله عليه واله: إذا قمت إلى الصلاة وتوجهت وقرأت ام الكتاب، وما تيسر من السور، ثم ركعت فأتممت ركوعها وسجودها، وتشهدت وسلمت، غفر لك كل ذنب فيما بينك وبين الصلاة التي قدمتها إلى الصلاة المؤخرة، فهذا لك في صلاتك (2). أقول: تمامه في باب فضائل الحج (3). 7 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن أيمن بن محرز، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من عبد من شيعتنا يقوم إلى الصلاة إلا اكتنفته بعدد من خالفه ملائكة يصلون خلفه يدعون الله له حتى يفرغ من صلاته (4). ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن ابن محبوب، عن ابن الفضيل، عن الثمالي مثله (5). مشكوة الانوار: عنه عليه السلام مثله (6).


(1) أمالى الصدوق ص 125. (2) أمالى الصدوق: 328 (3) راجع ج 99 ص 4 و 5 من هذه الطبعة الحديثة. (4) أمالى الصدوق 343. (5) ثواب الاعمال ص 35. (6) مشكاة الانوار ص 81.

[206]

8 - تفسير على بن ابراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى " ولذكر الله أكبر " (1) يقول ذكر الله لاهل الصلاة أكبر من ذكرهم إياه ألا ترى أنه يقول " اذكروني أذكر كم " (2). 9 - الخصال: عن محمد بن علي ماجيلويه عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن عمران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يؤتى بعبد يوم القيامة ليست له حسنة فيقال له: اذكر أو تذكر هل لك من حسنة ؟ قال: فيتذكر فيقول: يا رب مابي من حسنة إلا أن فلانا عبدك المؤمن مربي فطلبت منه ماء فأعطاني ماء فتوضات به وصليت لك، قال: فيقول الرب تبارك وتعالى: قد غفرت لك أدخلوا عبدي الجنة (3). 10 - ومنه: عن الخليل بن أحمد، عن أبي القاسم البغوي، عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن الوليد بن الغيزار، عن أبي عمرو الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه واله قال إن أحب الاعمال إلى الله عزوجل الصلاة والبر والجهاد (4). 11 - ومنه: عن محمد بن جعفر بن بندار، عن محمد بن محمد بن جمهور، عن صالح بن محمد، عن عمرو بن عثمان بن كسير، عن إسماعيل بن عياش، عن شر حبيل ابن مسلم وعن محمد بن زياد قالا: سمعنا أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا امة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنة ربكم (5).


(1) العنكبوت: 45. (2) تفسير على بن ابراهيم ص 497 والآية في سورة البقرة: 152. (3) الخصال ج 1 ص 15. (4) الخصال ج 1 ص 78 ملخصا. (5) الخصال ج 1 ص 156.

[207]

12 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: أمير المؤمنين عليه السلام: لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله ما سره أن يرفع رأسه من السجود (1)، وقال عليه السلام: من أتى الصلاة عارفا بحقها غفر له (2). وقال عليه السلام: إذا قام الرجل إلى الصلاة أقبل إليه إبليس ينظر إليه حسدا لما يرى من رحمة الله التي تغشاه (3) 13 - العيون: عن محمد بن علي بن الشاه، عن أبي بكر بن عبد الله، عن عبد الله بن أحمد الطائي عن أبيه، عن الرضا عليه السلام وعن أحمد بن إبراهيم الخوزي عن جعفر بن محمد بن زياد، عن أحمد بن عبد الله الهروي عنه عليه السلام وعن الحسين بن محمد الاشناني عن علي بن محمد بن مهروية القزويني، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أدى فريضة فله عند الله دعوة مستجابة (4). 14 - ومنه: بتلك الاسانيد عنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تزال امتي بخير ما تحابوا وتهادوا، وأدوا الامانة، واجتنبوا الحرام، وقروا الضيف، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين (5). 15 - ومنه: بتلك الاسانيد عنه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأول شئ يسأل عنه الصلاة، فان جاء بها تامة


(1) الخصال ج 2 ص 167 ص 17. (2) الخصال ج 2 ص 165. (3) الخصال ج 2 ص 167 ص 20. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 28. (5) عيون الاخبار ج 2 ص 29.

[208]

وإلازخ في النار (1). صحيفة الرضا: عنه عليه السلام مثله (2). 16 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن سعد ابن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن يونس، عن كليب الاسدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أما والله إنكم لعلى دين الله وملائكته، فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد، عليكم بالصلاة والعبادة، عليكم بالورع (3). 17 - ومنه: عن أبيه، عن المفيد، عن عمر بن محمد الزيات، عن الحسين ابن يحيى بن عياش، عن الحسن بن عبد الله، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان قال: كنا مع سلمان الفارسي - رحمه الله - تحت شجرة فأخذ غصنا منها فنفضه فتساقط ورقة، فقال: ألا تسئلوني عما صنعت ؟ فقلنا: أخبرنا ! قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه واله في ظل شجرة فأخذ غصنا منها فنفضه فتساقط ورقة، فقال: ألا تسئلوني عما صنعت ؟ قلنا أخبرنا يا رسول الله ! قال: إن العبد المسلم إذا قام إلى الصلاة تحاتت عنه خطاياه كما تحاتت ورق هذه الشجرة (4). بيان: في النهاية تحاتت عنه ذنوبه أي تساقطت. 18 - مجالس ابن الشيخ: باسناده، عن أبي امامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة كلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها فأولهن نقض الحكم، وآخرهن الصلاة (5). بيان: لعل المراد بنقض الحكم إبطال الاحكام الشرعية، وتوليها من لا


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 31. (2) صحيفة الرضا عليه السلام ص 3 و 4 و 29 الثلاثة أحاديث على الترتيب. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 31. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 170. (5) أمالى الطوسى ج 1 ص 189.

[209]

يستحق إجراءها كالثلاثة. 19 - أقول: قد مضى بأسانيد عن أمير المؤمنين عليه السلام (1) أنه قال: إن أفضل ما توسل به المتوسلون الايمان بالله ورسوله إلى أن قال: وإقامة الصلاة فانها الملة، وفيما أوصى به الباقر عليه السلام جابر الجعفي (2) الصلاة بيت الاخلاص وتنزيه عن الكبر. وفي خطبة فاطمة صلوات الله عليها: فرض الله الصلاة تنزيها من الكبر (3). 20 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن الفضل ابن محمد الشعراني، عن هارون بن عمرو المجاشعي، عن محمد بن جعفر، عن أبيه الصادق عليه السلام وعن المجاشعي، عن الرضا، عن أبيه، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: اوصيكم بالصلاة وحفظها، فانها خير العمل وهي عمود دينكم الخبر (4). 21 - مجالس الصدوق: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي. عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله الدهقان، عن واصل بن سلميان، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه واله: ما من صلاة يحضر وقتها إلا نادى ملك بين يدي الناس [أيها الناس] قوموا إلى نيرانكم التي أو قدتموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم (5). ثواب الاعمال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد


(1) راجع ج 69 ص 386 و 387 وهكذا ج 77 ص 398 و 399. (2) راجع ج 78 ص 183 باب وصايا الباقر عليه السلام. (3) علل الشرائع ج 1 ص 236. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 136 (5) أمالى الصدوق ص 297.

[210]

الاشعري، عن موسى بن جعفر، عن الدهقان مثله (1). بيان: الظاهر اختصاص الصلاة بالفرايض اليومية، ويحتمل التعميم ليشتمل جميع الفرائض والنوافل الموقتة. ويدل على تكفير الحسنات للسيئات في الجملة وقد سبق القول فيه. وقال الشيخ البهائي قدس الله روحه: " ما من صلاة " " من " صلة لتأكيد النفي " إلا نادى ملك " استثناء مفرغ، وجملة نادى ملك حالية، والمعنى ما حضر وقت صلاة على حالة من الحالات إلا مقارنا لنداء ملك، وإنما صح خلو الماضي الواقع حالا عن الواو وقد في امثال هذه المقامات، لانه قصد به تعقيب ما بعد إلا لما قبلها، فأشبه الشرط والجزاء، صرح به التفتازاني وغيره. وقال في الكشاف: حقيقة قول القائل جلست بين يدي فلان أن يجلس بين الجهتين المسامتين ليمينه وشماله، قريبا منه، فسميت الجهتان، يدين لكونهما على سمت اليدين مع القرب منهما توسعا، كما يسمى الشئ باسم غيره إذا جاوره و داناه انتهى (2). وقوله: " إلى نيرانكم " استعارة مصرحة شبهت الذنوب بالنار في إهلاك من وقع فيها، و " أوقدتموها " ترشيح " وأطفؤها " ترشيح آخر، وإن جعلت نيرانكم مجازا مرسلا من قبيل تسمية السبب باسم المسبب، فالترشيحان على ما كانا عليه، إذ المجاز المرسل ربما يرشح أيضا كما قالوه في قوله صلى الله عليه واله: " أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا " ولا يبعد أن يجعل الكلام استعاره تمثيلية من غير ارتكاب تجوز في المفردات بأن تشبه الهيئة المنتزعة من المذنب وتلبسه بالذنب المهلك له وتخفيف ذلك بالصلاة بالهيئة المنتزعة من موقد النار على ظهره، ثم إطفائه لها وههنا وجه آخر مبني على تجسم الاعمال، كما ذهب إليه بعض أصحاب القلوب وقد ورد في القرآن والحديث ما يرشد إليه، فيكون مجازا مرسلا علاقته تسمية الشئ باسم ما يؤل إليه، والترشيح بحاله كما عرفت. انتهى كلامه


(1) ثواب الاعمال ص 32. (2) يعنى كلام الكشاف.

[211]

رفع مقامه. 22 - الخصال: عن محمد بن جعفر بن البندار، عن أبي العباس الحمادي عن صالح بن محمد، عن علي بن الجعد، عن سلام بن المنذر، عن ثابت البناني، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه واله قال: حببت إلى من الدنيا ثلاث: النساء، والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة (1)، 23 - ومنه: عن الحسن بن علي بن محمد العطار، عن محمد بن أحمد بن مصعب، عن أحمد بن محمد بن إسحاق عن أحمد بن محمد بن غالب، عن يسار مولى أنس، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه واله قال: حبب إلي من دنياكم: النساء، والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة (2). قال الصدوق - رحمه الله - إن الملحدين يتعلقون بهذا الخبر يقولون إن النبي صلى الله عليه واله قال: حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وأراد أن يقول الثالث فندم وقال: وجعل قرة عيني في الصلاة، وكذبوا، لانه صلى الله عليه واله لم يكن مراده بهذا الخبر إلا الصلاة وحدها، لانه قال عليه الصلاة والسلام: ركعتين يصليهما المتزوج أفضل عند الله من سبعين ركعة يصليهما غير متزوج، وإنما حبب إليه النساء لاجل الصلاة، وهكذا قال: ركعتين يصليهما متعطر أفضل من سبعين ركعة يصليهما غير متعطر، وإنما حبب إليه الطيب أيضا لاجل الصلاة، ثم قال عليه السلام: " وجعل قرة عيني في الصلاة " لان الرجل لو تطيب وتزوج ثم لم يصل لم يكن له في التزويج والطيب فضل ولا ثواب (3). توضيح: أقول: ما ذكره - رحمه الله - جيد متين لكنه إنما يستقيم على رواية ليس فيها ثلاث، وأما على الرواية التي ذكر فيها الثلاث فلا يستقيم ما ذكره قدس سره وليت شعري أي إلحاد فيما ذكروه ولعله نسب إليه الالحاد من جهة


(1) الخصال ص 79. (2 - 3) المصدر نفسه ص 79.

[212]

اخرى علمها منهم، وإنما ارتكبوا هذا في رواية ليس فيها لفظ الثلاث أيضا، لان الصلاة ليست من امور الدنيا، بل من امور الآخرة وأفضلها، ولو كان المراد ما يقع في الدنيا فلا وجه ظاهرا لتخصيص تلك الامور بالذكر، ويمكن أن يقال: المراد به ما يقع في الدنيا مطلقا والغرض بيان أن الاولين من اللذات الدنيوية أهم وأفضل من سائرها والاخير من العبادات الدينية أهم من سائرها. والحاصل أني أحببت من اللذات هذين، ومن العبادات هذه، ويحتمل وجها آخر بأن يقال قرة العين في الصلاة أيضا من اللذات التي تحصل للمقربين في الدنيا، وإن كانت الصلاة من الاعمال الاخروية، فان التذاذ المقربين بالصلاة والمناجات أشهى عندهم من جميع اللذات، فلذا عده صلى الله عليه واله من لذات الدنيا، بل يمكن أن يقال إنما عده صلى الله عليه واله في تلك الامور إشعارا بأن التذاذه بالنساء والطيب أيضا من تلك الجهة أي لان الله تعالى رضيهما واختارهما لا للشهوة النفسانية، وقد مر وسيأتي في ذلك تحقيق منا يقتضي أن التذاذهم عليهم السلام بنعيم الجنة أيضا من تلك الجهة، ولو كان النار - والعياذ بالله - دار الاخيار، ومرضيا للعزيز الجبار، لكانوا طالبين لها، فلذاتهم في الدارين مقصورة على ما اختاره لهم مولاهم، ولا يذعن بهذا الكلام حق الاذعان إلا من سعد بالوصول إلى مقامات المحبين، رزقنا الله نيل ذلك وسائر المؤمنين. ثم اعلم أن القر بالضم ضد الحر، والعرب تزعم أن دمع الباكي من شدة السرور بارد، ومن الحزن حار فقرة العين كناية عن السرور والظفر بالمطلوب، يقال: قرت عينه تقر بالكسر والفتح قرة بالفتح والضم. 24 - العلل: عن علي بن حاتم، عن أحمد بن علي العبدي، عن الحسن ابن إبراهيم الهاشمي، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: جاءني جبرئيل فقال لي: يا أحمد الاسلام عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له فيها اولاها شهادة أن لا إله إلا الله وهي الكلمة والثانية الصلاة وهي الطهر، والثالثة الزكاة وهي الفطرة، والرابعة الصوم وهي الجنة، والخامسة

[213]

الحج وهي الشريعة، والسادسة الجهاد وهو العز، والسابعة الامر بالمعروف وهو الوفاء، والثامنة النهي عن المنكر وهو الحجة، والتاسعة الجماعة وهي الالفة، والعاشرة الطاعة وهي العصمة. ثم قال حبيبي جبرئيل: إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة الايمان أصلها، والصلاة عروقها، والزكاة ماؤها، والصوم سعفها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن المحارم ثمرها، فلا تكمل شجرة إلا بالثمر، كذلك الايمان لا يكمل إلا بالكف عن المحارم (1). بيان: " وهي الكلمة " أي كلمة التوحيد " وهي الطهر " أي من الذنوب " وهي الفطرة " أي هي من عمدة شرائع الفطرة أي الملة الحنيفية التي فطر الله الناس عليها، وبتركها كأنه يخرج الانسان عنها " وهي الشريعة " أي شريعة عظيمة من شرائع الاسلام " وهو العز " أي سبب لعزة الاسلام وغلبته على الاديان، أو عزة المسلمين أو الاعم " وهو الوفاء " أي بعهد الله الذي أخذه على العباد فيه خصوصا أو في جميع الاحكام " وهو الحجة " أي يصير سببا لتمام الحجة على أهل المعاصي " والجماعة " هي صلاة الجماعة أو ملازمة جماعة أهل الحق، وكل منهما سبب للالفة بين المؤمنين، وطاعة الائمة سبب للعصمة عن الذنوب أو شر الاعادي، والمراد بالسعف هنا جريد النخل لاورقها، ويطلق عليهما معا. 25 - العلل: عن محمد بن الحسن بن متيل، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن الصادق، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: إن الانسان إذا كان في الصلاة فان جسده وثيابه وكل شئ حوله يسبح (2). 26 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما اسري بي إلى السماء مضيت


(1) علل الشرايع ج 1 ص 237، وللحديث شرح تام في ج 68 ص 380، كتاب الايمان والكفر باب دعائم الاسلام والايمان (2) علل الشرائع ج 2 ص 25.

[214]

بأقوام ترضخ رؤسهم بالصخر فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: هؤلاء الذين ينامون عن صلاة العشاء (1). 27 - قرب الاسناد: عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام ما بال الزاني لا تسميه كافرا وتارك الصلاة قد تسميه كافرا، وما الحجة في ذلك ؟ قال: لان الزاني وما أشبهه إنما يفعل ذلك لمكان الشهوة، ولانها تغلبه وتارك الصلاة لا يتركها إلا استخفافا بها، وذلك لانك لا تجد الزاني يأتي المرءة إلا وهو مستلذ لاتيانه إياها قاصدا إليها، وكل من ترك الصلاة قاصدا إليها فليس يكون قصده لتركها للذة، فإذا انتفت اللذة وقع الاستخفاف وإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر (2). 28 - ومنه بهذا الاسناد عن ابن صدقة قال: قيل لابي عبد الله عليه السلام: ما فرق بين من نظر إلى امرءة فزنى بها أو خمرا فشربها وبين من ترك الصلاة حيث لا يكون الزاني وشارب الخمر مستخفا كما استخف تارك الصلاة، وما الحجة في ذلك وما العلة التي تفرق بينهما ؟ قال: الحجة أن كل ما أدخلت نفسك فيه ولم يدعك إليه داع، ولم يغلبك عليه غالب شهوة مثل الزنا وشرب الخمر، فأنت دعوت نفسك إلى ترك الصلاة وليس ثم شهوة فهو الاستخفاف بعينه، وهذا فرق ما بينهما (3). العلل: عن أبيه، عن هارون مثل الخبرين معا (4). بيان: اعلم أن تارك الصلاة مستحلا كافر إجماعا كما ذكره في المنتهى ثم قال: ولو تركها معتقدا لوجوبها لم يكفر، وإن استحق القتل بعد ترك ثلاث صلوات والتعزير فيهن، وقال أحمد في رواية: يقتل لاحدا بل لكفرة، ثم قال: ولا يقتل عندنا في أول مرة ولا إذا ترك الصلاة ولم يعزر، وإنما يجب القتل إذا تركها


(1) تفسير القمى ص 371. (2) قرب الاسناد ص 32. (3) قرب الاسناد ص 32 و 33. (4) علل الشرائع ج 2 ص 28.

[215]

مرة فعزر ثم تركها ثانية فعزر، ثم تركها ثالثة فعزر، فإذا تركها رابعة فانه يقتل وإن تاب، وقال بعض الجمهور: يقتل بأول مرة انتهى. وحمل تلك الاخبار على الاستحلال بعيد إذ لا فرق حينئذ بين ترك الصلاة و فعل الزنا، بل الظاهر أنه محمول على أحد معاني الكفر التي مضت في كتاب الايمان والكفر، وهو مقابل للايمان الذي يطلق على يقين لا يصدر معه عن المؤمن ترك الفرائض، وفعل الكبائر بدون داع قوي، وهذا الكفر لا يترتب عليه وجوب القتل، ولا النجاسة، ولا استحقاق خلود النار، بل استحقاق الحد والتعزير في الدنيا والعقوبة الشديدة في الآخرة، وقد يطلق على فعل مطلق الكبائر وترك مطلق الفرائض، وعلى هذا المعنى لا فرق بين ترك الصلاة وفعل الزنا. قوله عليه السلام: إن كل ما أدخلت، الظاهر أن خبر إن مقدر، بقرينة ما بعده أو ما قبله، أو قوله فهو الاستخفاف خبره، وقوله " وأنت دعوت " معترض بين الاسم والخبر. 29 - العلل: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ملك موكل يقول: من نام عن العشاء إلى نصف الليل فلا أنام الله عينه (1). بيان " فلا أنام الله عينه " هو دعاء بنفي الصحة وفراغ البال، فان من به وجع أو حزن يرتفع نومه، أو بنفي الحياة، فان النوم من لوازمها والاول أظهر. 30 - ثواب الاعمال: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: للمصلي ثلاث خصال: إذا قام في صلاته يتناثر عليه البر من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، وتحف به الملائكة من تحت قدميه إلى أعنان السماء، وملك ينادي: أيها المصلي لو تعلم من تناجي ما انفتلت (2).


(1) علل الشرائع ج 2 ص 45، ومثله في ثواب الاعمال ص 208، المحاسن ص 84. (2) ثواب الاعمال ص 33.

[216]

ايضاح: قال الجوهري: أعنان السماء صفائحها، وما اعترض من أقطارها كأنه جمع عنن، والعامة تقول عنان السماء، وقال: المفرق والمفرق وسط الرأس، وهو الذي يفرق فيه الشعر، وقال: حفوا حوله يحفون حفا أي أطافوا به واستداروا وقال: فتله عن وجهه فانفتل صرفه فانصرف، وهو قلب لفت. الهداية: قال الصادق عليه السلام: للمصلي ثلاث خصال وذكر مثل ما مر إلى قوله " وملك يناديه: لو تعلم من تناجي ومن ينظر إليك لما زلت من موضعك أبدا " (1). 31 - ثواب الاعمال: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن معاوية بن عمار، عن إسماعيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إياكم والكسل إن ربكم رحيم يشكر القليل، إن الرجل ليصلي الركعتين تطوعا يريد بهما وجه الله عزوجل، فيدخله الله بهما الجنة، وإنه ليتصدق بالدرهم تطوعا يريد به وجه الله عزوجل فيدخله الله به الجنة، وإنه ليصوم اليوم تطوعا يريد به وجه الله فيدخله الله به الجنة (2). 32 - ومنه: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح عن بريد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة الفريضة متعمدا أو يتهاون بها فلا يصليها (3). المحاسن: عن محمد بن علي، عن ابن محبوب مثله (4). بيان: لعل المعنى أن الانسان يكفر بشئ يسير كترك الصلاة أي ليس بين الاسلام والكفر فاصلة كثيرة يلزم تحقق امور كثيرة حتى يكفر، بل يحصل بترك


(1) الهداية ص 29 ط الاسلامية. (2) ثواب الاعمال ص 36. (3) ثواب الاعمال ص 207. (4) المحاسن ص 80.

[217]

الصلاة أيضا، أو المعنى أن المرتبة المتوسطة بين الايمان والكفر هي ترك الصلاة أي تارك الصلاة ليس بمؤمن، لاشتراط الاعمال فيه، ولا كافر يستحق القتل والخلود، بل هو في درجة متوسطة، وعلى التقديرين لعل ذكر الصلاة على المثال والاحتمالان جاريان في الخبر الآتي. ويؤيد الثاني ما رواه في الكافي في الصحيح (1) عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت هل يخرجه ذلك من الاسلام ؟ وإن عذب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدة وانقطاع ؟ فقال: من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الاسلام، وعذب أشد العذاب، وإن كان معترفا أنه أذنب ومات عليه، أخرجه من الايمان ولم يخرجه من الاسلام، وكان عذابه أهون من عذاب الاول. ويؤيد الاول ما سيأتي برواية عبيد بن زرارة وقد مر وجه الجمع بينهما في كتاب الايمان والكفر (2). 33 - ثواب الاعمال: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله عليه السلام عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بين الكفر والايمان إلا ترك الصلاة (3). 34 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن أبي عبد الله البرقي، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن محمد بن هارون، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من ترك صلاة العصر غير ناس لها حتى تفوته وتره الله أهله وماله يوم القيامة (4). بيان: قال في النهاية فيه: من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله أي نقص يقال: وترته إذا نقصته، فكأنك جعلته وترا بعد أن كان كثيرا، وقيل: هو


(1) الكافي ج 2 ص 285. (2) راجع ج 68 ص 299 - 309. (3) ثواب الاعمال ص 207. (4) ثواب الاعمال ص 207 و 209.

[218]

من الوتر الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من نهب أو سبي، فشبه ما يلحق من فاتته صلاة العصر بمن قتل حميمه أو سلب أهله وماله، ويروى بنصب الاهل ورفعه فمن نصب جعله مفعولا ثانيا لوتر فأضمر فيها مفعولا لم يسم فاعله، عائدا إلى الذي فاتته الصلاة، ومن رفع لم يضمر، وأقام الاهل مقام ما لم يسم فاعله، لانهم المصابون المأخوذون، فمن رد النقص إلى الرجل نصبهما ومن رده إلى الاهل والمال رفعهما انتهى والظاهر أن المراد فوتها مطلقا ويحتمل فوت وقت الفضيلة، وسيأتي ما يؤيده في باب وقت الظهرين. 35 - المحاسن: عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاته، وكف غضبه، وسجن لسانه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لاهل بيت نبيه فقد استكمل حقائق الايمان وأبواب الجنه مفتحة له (1). 36 - ومنه: عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الصلاة عمود الدين، مثلها كمثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود ثبتت الاوتاد والاطناب، وإذا مال العمود وانكسر لم يثبت وتد ولا طنب (2). توضيح: رواه الشيخ بسند (3) فيه جهالة، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الاطناب والاوتاد والغشاء، وإذا انكسر لم ينفع طنب ولاوتد ولا غشاء وقال الفيروز آبادي: الطنب بضمتين حبل طويل يشد به سرادق البيت أو الوتد والغشاء الغطاء، والظاهر أنه عليه السلام شبه الايمان بالخيمة، والصلاة بعمودها، وسائر الاعمال بسائر ما تحتاج إليها لبيان اشتراط الايمان بالاعمال، ومزيد اشتراطه بالصلاة، أو أنه


(1) المحاسن ص 11، ومثله في الامالى للصدوق ص 200 بسند آخر. (2) المحاسن ص 44. (3) التهذيب ج 1 ص 203، وتراه في الكافي ج 3 ص 266.

[219]

عليه السلام شبه مجموع الاعمال بالخيمة مع جميع ما تحتاج إليها، والصلاة بالعمود لبيان أنها العمدة من بينها. 37 - المحاسن: فرواية جابر، عن محمد بن علي قال: إذا استقبل المصلي القبلة استقبل الرحمان بوجهه لا إله غيره (1). 38 - ومنه: عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله " (2) قال: ترك الصلاة الذي أقربه، قلت: فما موضع ترك العمل حتى يدعه أجمع ؟ قال: منه الذي يدع الصلاة متعمدا لا من سكر ولا من علة (3). أقول: رواه في الكافي بهذا السند (4) وبسند آخر أيضا إلى قوله " من ذلك أن يترك الصلاة من غير سقم ولا شغل ". 39 - العياشي: عن حسين بن أحمد، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن طاعة الله خدمته في الارض فليس شئ من خدمته يعدل الصلاة فمن ثم نادت الملائكة زكريا وهو قائم يصلي في المحراب (5). 40 - تفسير الامام عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله من صلى الخمس كفر الله عنه من الذنوب ما بين كل صلاتين، وكان كمن على بابه نهر جار يغتسل فيه خمس مرات، لا تبقى عليه من الذنوب شيئا إلا الموبقات التي هي جحد النبوة أو الامامة، أو ظلم إخوانه المؤمنين، أو ترك التقية حتى يضر بنفسه وإخوانه المؤمنين (6).


(1) المحاسن ص 50. (2) المائدة: 5. (3) المحاسن ص 79. (4) الكافي ج 2 ص 384. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 173. (6) التفسير المنسوب إلى الامام العسكري عليه السلام ص 112.

[220]

41 - غوالى اللئالى ومجمع البيان (1) والعياشي: عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أحدهما عليهما السلام يقول: إن عليا عليه السلام أقبل على الناس فقال: أية آية في كتاب الله أرجى عندكم ؟ فقال بعضهم: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (2) قال: حسنة وليست إياها، وقال بعضهم: " ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه " (3) الآية قال: حسنة وليست إياها، فقال بعضهم: " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " (4) قال: حسنة وليست إياها، وقال بعضهم: " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " (5) قال: حسنه وليست إياها. قال: ثم أحجم الناس فقال: ما لكم يا معشر المسلمين ؟ قالوا: لا والله ما عندنا شئ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أرجى آية في كتاب الله " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل " (6) وقرأ الآية كلها، وقال: يا علي والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا إن أحدكم ليقوم إلى وضوئه فتساقط عن جوارحه الذنوب، فإذا استقبل الله بوجهه وقلبه لم ينفتل عن صلاته وعليه من ذنوبه شئ كما ولدته امه. فان أصاب شيئا بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتى عد الصلوات الخمس ثم قال: يا علي إنما منزلة الصلوات الخمس لامتي كنهرجار على باب أحدكم، فما ظن أحدكم لو كان في جسده درن ثم اغتسل في ذلك النهر خمس مرات في اليوم أكان يبقى في جسده درن ؟ فكذلك والله الصلوات الخمس لامتي (7).


(1) مجمع البيان ج 5 ص 201. (2) النساء: 48، و 116. (3) النساء: 110. (4) الزمر: 53. (5) آل عمران: 135. (6) هود: 114. (7) تفسير العياشي ج 2 ص 161.

[221]

42 - تفسير الامام: قال عليه السلام: إذا توجه المؤمن إلى مصلاه ليصلي قال الله عزوجل لملائكته: يا ملائكتي ألا ترون إلى عبدي هذا قد انقطع عن جميع الخلائق إلي وأمل رحمتي وجودي ورأفتي ؟ اشهدكم أني أخصه برحمتي و كراماتي، فإذا رفع يديه وقال: " الله أكبر " وأثنى على الله، قال الله تعالى لملائكته: يا عبادي أما ترونه كيف كبرني وعظمني ونزهني عن أن يكون لي شريك أو شبيه أو نظير، ورفع يده وتبرء عما يقوله أعدائي من الاشراك بي ؟ اشهدكم أني ساكبره وأعظمه في دار جلالي وانزهه في متنزهات دار كرامتي، وابرئه من آثامه ومن ذنوبه، ومن عذاب جهنم ومن نيرانها. وإذا قال " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " فقرأ فاتحة الكتاب وسورة، قال الله تعالى لملائكته: أما ترون عبدي هذا كيف تلذذ بقراءة كلامي ؟ اشهدكم يا ملائكتي لاقولن له يوم القيمة اقرأ في جناني وارق في درجاتي فلا يزال يقرء ويرقى بعدد كل حرف درجة من ذهب، ودرجة من فضة، ودرجة من لؤلؤ، ودرجة من جوهر، ودرجة من زبرجد أخضر، ودرجة من زمرد أخضر ودرجة من نور رب العزة. فإذا ركع قال الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي أما ترون كيف تواضع لجلال عظمتي ؟ اشهدكم لا عظمنه في دار كبريائي وجلالي، فإذا رفع رأسه من الركوع، قال الله تعالى لملائكته: أما ترون يا ملائكتي كيف يقول: أرتفع عن أعدائك كما أتواضع لاوليائك، وأنتصب لخدمتك ؟ اشهدكم يا ملائكتي لاجعلن جميل العاقبة له، ولا صيرنه إلى جناني. فإذا سجد قال الله تعالى لملائكته: يا ملائكتي أما ترون كيف تواضع بعد ارتفاعه ؟ وقال لي: وإن كنت جليلا مكينا في دنياك، فأنا ذليل عند الحق إذا ظهر لي ؟ سوف أرفعه بالحق وأدفع به الباطل، فإذا رفع رأسه من السجدة الاولى قال الله تعالى: يا ملائكتي أما ترونه كيف قال: وإني وإن تواضعت لك فسوف أخلط الانتصاب في طاعتك بالذل بين يديك، فإذا سجد ثانية، قال الله تعالى

[222]

لملائكته أما ترون عبدي هذا كيف عاد إلى التواضع لي ؟ لاعيدن إليه رحمتي، فإذا رفع رأسه قائما قال الله تعالى: يا ملائكتي لارفعنه بتواضعه، كما ارتفع إلى صلاته. ثم لا يزال يقول الله لملائكته هكذا في كل ركعة، حتى إذا قعد للتشهد الاول والتشهد الثاني، قال الله تعالى: يا ملائكتي قد قضى خدمتي وعبادتي، وقعد يثني على ويصلي على محمد نبيي لاثنين عليه في ملكوت السماوات والارض، و لاصلين على روحه في الارواح، فإذا صلى على أمير المؤمنين عليه السلام في صلاته، قال الله له: يا عبدي لاصلين عليك كما صليت عليه، ولاجعلنه شفيعك كما استشفعت به، فإذا سلم من صلاته سلم الله عليه وسلم عليه ملائكته (1). أقول: مضى صدر الخبر في باب الادعية المستحبة عند الوضوء (2). 43 - العياشي: عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قوله " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " (3) قال: إنما عنى بها الصلاة (4). 44 - ومنه: عن إدريس القمي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن " الباقيات الصالحات " فقال: هي الصلاة فحافظوا عليها (5). 45 - مجالس المفيد: عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن علي بن مهزيار، عن إسماعيل بن عباد، عن الحسن بن محمد، عن سليمان بن سابق، عن أحمد بن محمد عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: خطبنا


(1) تفسير الامام ص 239 - 240. (2) راجع ج 80 ص 316 - 317. (3) الكهف: 28. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 326. (5) تفسير العياشي ج 2: 327، والاية في سورة الكهف: 46. (*)

[223]

رسول الله صلى الله عليه واله فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس - بعد كلام تكلم به - عليكم بالصلاة عليكم بالصلاة فانها عمود دينكم كابدوا الليل بالصلاة واذكروا الله كثيرا يكفر سيئاتكم. إنما مثل هذه الصلوات الخمس مثل نهر جار بين يدي باب أحدكم يغتسل منه في اليوم خمس اغتسالات، فكما ينقى بدنه من الدرن بتواتر الغسل فكذا ينقى من الذنوب مع مداومته الصلاة، فلا يبقى من ذنوبه شئ. أيها الناس ما من عبد إلا وهو يضرب عليه بحزائم معقودة، فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ثلثه أتاه ملك فقال له: قم فاذكر الله، فقد دنا الصبح، قال: فان هو تحرك وذكر الله انحلت عنه عقدة، وإن هو قام فتوضأ ودخل في الصلاة انحلت عنه العقد كلهن فيصبح حين يصبح قرير العين (1). ايضاح: قال الجوهري: كابدت الامر إذا قاسيت شدته قوله بحزائم في بعض النسخ بالحاء المهملة والزاي، وفي بعضها بالخاء المعجمة، وفي بعضها بالجيم والراء المهملة، وقال في القاموس: حزمه يحزمه شد حزامه والحزمة بالضم ما حزم، وقال: خزم البعير جعل في جانب منخره الخزامة ككتابة وخزامة النعل بالكسر سير دقيق يخزم بن الشراكين، وفي الصحاح الخزم بالتحريك شجر يتخذ من لحائه الحبال الواحدة خزمة، وقال الجريمة الذنب: انتهى. فالمعنى يحمل على ظهره خزم الخطايا التي اكتسبها أو الجرائم التي اكتسبها أو يعقد في أنفه خزامة الآثام وما يلزمه منها، وكل ذلك كناية عما يستحقه ويلزم عليه من العقوبات بسبب ارتكاب السيئات. 46 - فلاح السائل: من تاريخ الخطيب عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه واله قال: تحترقون، فإذا صليتم الفجر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون


(1) أمالى المفيد: 119 - 120.

[224]

فلا يكتب عليكم حتى تغتسلوا (1). من كتاب حلية الاولياء باسناده عن زر بن حبيش أنه حدثه، عن عبد الله ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: سمعت مناديا عند حضرة كل صلاة فيقول: يا بني آدم قوموا فأطفئوا عنكم ما أوقدتموه على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون فتسقط خطاياهم من أعينهم ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، ثم توقدون فيما بين ذلك، فإذا كان عند صلاة الاولى نادى يا بني آدم قوموا فأطفئوا ما أو قدتم على أنفسكم، فيقومون فيتطهرون ويصلون فيغفر لهم ما بينهما، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك فإذا حضرت المغرب فمثل ذلك فإذا حضرت العتمة فمثل ذلك فينامون وقد غفر لهم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: فمدلج في خير [و] مدلج في شر (2). بيان: قال الجزري في حديث المظاهر: احترقت أي هلكت والاحراق الاهلاك، وهو من إحراق النار، ومنه الحديث أوحى إلى أن أحرق قريشا أي أهلكهم انتهى، قوله صلى الله عليه واله " فمدلج في خير " الادلاج السير بالليل أي فبعد ذلك فمنهم من يسير إلى طرق الخير بكسب الحسناب بالليل، ومنهم من يرتكب السيئات فيسلك مسلك الاشقياء في ليله. 47 - المقنع: قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ليس مني من استخف بصلاته لا يرد على الحوض لا والله (3). 48 - نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في كلام يوصي أصحابه: تعاهدوا أمر الصلاة وحافظوا عليها، واستكثروا منها، وتقربوا بها، فانها كانت على المومنين كتابا موقوتا، ألا تسمعون إلى جواب أهل النارحين سئلوا " ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين " (4) وإنها لتحت الذنوب حت الورق


(1 - 2) لم نجده في فلاح السائل القسم المطبوع منه. (3) المقنع ص 23 ط الاسلامية. (4) المدثر: 42.

[225]

وتطلقها إطلاق الربق، وشبهها رسول الله صلى الله عليه واله بالحمة تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم والليلة خمس مرات، فما عسى أن يبقى عليه من الدرن. وقد عرف حقها رجال من المؤمنين الذين لا يشغلهم عنها زينة متاع، ولا قرة عين من ولد، ولا مال، يقول الله سبحانه " رجال لا تلهيهم تجاره ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكوة " (1) وكان رسول الله صلى الله عليه واله نصبا بالصلاة بعد التباشر له بالجنة لقول الله سبحانه " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها " (2) فكان يأمر بها أهله ويصبر عليها نفسه (3). توضيح: الحت نثر الورق من الغصن، والربق جمع الربقة وهي في الاصل عروة في حبل يجعل في عنق البهيمة ويدها يمسكها ذكره الجزري، أي تطلق الصلاة الذنوب كما تطلق الحبال المعقدة، وقال في العين الحمة عين ماء حار، وقيل التاء في إقامة عوض عن العين الساقطة للاعلال، فان أصله إقوام مصدر أقوم، كقولك أعرض إعراضا فلما اضيف اقيمت الاضافة مقام حرف التعويض فاسقطت التاء قوله عليه السلام: " ويصبر عليها نفسه " أي يحبس، قال تعالى: " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم " (4). 49 - مجالس الشيخ: باسناده عن زريق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له أي الاعمال أفضل بعد المعرفة ؟ قال: ما من شئ بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة ولا بعد المعرفة والصلاة شئ يعدل الزكاة، ولا بعد ذلك شئ يعدل الصوم، ولا بعد ذلك شئ يعدل الحج وفاتحة ذلك كله معرفتنا، وخاتمته معرفتنا، الخبر (5). 50 - دعوات الراوندي: سأل معاوية بن وهب أبا عبد الله عليه السلام عن أفضل


(1) النور: 37. (2) طه: 132. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 197 من قسم الخطب. (4) الكهف: 28. (5) أمالى الطوسى ج 2 ص 305.

[226]

ما يتقرب به العباد إلى ربهم، فقال: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أن العبد الصالح عيسى بن مريم قال: " وأوصاني بالصلاة " (1). وسئل النبي صلى الله عليه واله عن أفضل الاعمال قال: الصلاة لاول وقتها. بيان " بعد المعرفة " أي معرفة الله أو معرفة الامام، فانها المتبادر منها في عرفهم عليهم السلام، أو الاعم منهما ومن سائر المعارف الدينية، والاول يستلزم الاخيرين غالبا ولذا يطلقونها في الاكثر، والاخير هنا أظهر والعبارة تحتمل معنيين أحدهما أن المعرفة أفضل الاعمال، وبعدها في المرتبة ليس شئ أفضل من الصلاة، والحاصل أنها أفضل العبادات البدنية، والثاني أن الاعمال التي يأتي بها العبد بعد تحصيل المعارف الخمس صلوات أفضل منها، إذ لا فضل للعمل بدون المعرفة حتى يكون للصلاة، أو تكون أفضل من غيرها مع أنه يقتضي أن يكون لغيرها فضل أيضا. وقال الشيخ البهائي زاد الله في بهائه: ما قصده عليه السلام من أفضلية الصلاة على غيرها من الاعمال، وإن لم يدل عليها منطوق الكلام إلا أن المفهوم منه بحسب العرف ذلك، كما يفهم من قولنا ليس بين أهل البلد أفضل من زيد أفضليته عليهم وإن كان منطوقة نفي أفضليتهم عليه، وهو لا يمنع المساواة. هذا وفي جعله عليه السلام قول عيسى على نبينا وآله وعليه السلام " وأوصاني بالصلاة " الآية مؤيدا لافضلية الصلاة بعد المعرفة على غيرها من الاعمال نوع خفاء، ولعل وجهه ما يستفاده من تقديمه عليه السلام ما هو من قبيل الاعتقادات في مفتتح كلامه، ثم إردافه ذلك بالاعمال البدنية والمالية، وتصديره لها بالصلاة مقدما لها على الزكاة. ولا يبعد أن يكون التأييد لمجرد تفضيل الصلاة على غيرها من الاعمال من غير ملاحظة تفضيل المعرفة عليها، ويؤيده عدم إيراده عليه السلام صدر الآية في صدر التأييد، والآية هكذا: " قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني


(1) مريم: 31.

[227]

مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا ". 51 - كنز الكراجكى: قال لقمان لابنه: " يا بني أقم الصلاة " فانما مثلها في دين الله كمثل عمود فسطاط فان العمود إذا استقام نفعت الاطناب والاوتاد والظلال، وإن لم يستقم لم ينفع وتد ولا طنب ولا ظلال. 52 - عدة الداعي ودعائم الاسلام: عن الباقر عليه السلام: يا باغي العلم صل قبل أن لا تقدر على ليل ولانهار تصلي فيه، إنما مثل الصلاة لصاحبها كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت له حتى فرغ من حاجته، وكذلك المرء المسلم باذن الله عزوجل مادام في الصلاة لم يزل الله عزوجل ينظر إليه حتى يفرغ من صلاته (1). 53 - غوالى اللئالى: قال النبي صلى الله عليه واله: أول ما ينظر في عمل العبد في يوم القيامة في صلاته، فان قبلت نظر في غيرها، وإن لم تقبل لم ينظر في عمله بشئ. وقال الصادق عليه السلام: شفاعتنا لا تنال مستخفا بصلاته. 54 - المعتبر: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا يزال الشيطان ذعرا من أمر المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس، فإذا ضيعهن اجترأ عليه. وعن على عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن عمود الدين الصلاة، و هي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، فان صحت نظر في عمله، وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله. وقال عليه السلام: لكل شئ وجه ووجه دينكم الصلاة. 55 - الكافي والفقيه والتهذيب: بأسانيدهم عن الصادق عليه السلام قال: صلاة فريضة خير من عشرين حجة وحجة خير من بيت مملو ذهبا يتصدق منه حتى يفني أو حتى لا يبقي منه شئ (2).


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 134. (2) الكافي ج 3 ص 265 ط الاخوندى وج 1 ص 73 من الفروع الطبعة الحجرية والتهذيب ج 1 ص 203 ط حجر ج 2 ص 236 ط نجف، الفقيه ج 1 ص 134 ط نجف.

[228]

تبيين: اورد عليه إشكالان: الاول أنه وردت أخبار دالة على فضل الحج على الصلاة فما وجه التوفيق بينهما ؟ الثاني أن الحج مشتمل على الصلاة أيضا والحج وإن كان مندوبا فالصلاة فيه فرض، فما معنى تفضيل الصلاة الفريضة على عشرين حجة ؟. ويمكن الجواب عن الاول بوجوه: الاول: حمل الثواب في الصلاة على التفضلي وفي الحج على الاستحقاقي أي يتفضل الله سبحانه على المصلي بأزيد مما يستحقه المؤمن بعشرين حجة، فلا ينافي كون ما يتفضل به على الحاج أضعاف ما يعطي المصلي. فان قيل: قد مر ما يدل على أن الانسان لا يستحق شيئا بعمله، وإنما يتفضل الله تعالى بالثواب عليه ؟ قلنا يمكن أن يكون للتفضل أيضا مراتب إحداها ما يتوقعه الانسان في عمله وإن كان على سبيل التفضل، أو ما يظنه الناس أنه يتفضل به عليه. ثم بحسب كرم الكريم وسعة جوده للتفضل مراتب لا تحصى، فيمكن أن يسمى الاولى استحقاقيا كما إذا مدح شاعر كريما فهو لا يستحق شيئا عقلا ولا شرعا، لكن الناس يتوقعون له بحسب ما يعرفونه من كرم الكريم أنه يعطيه مائة درهم، فإذا أعطاه ألفا يقولون أعطاه عشرة أضعاف استحقاقه. الثاني: أن تحمل الفريضة على الصلوات الخمس اليومية كما هو المتبادر في أكثر الموارد، والصلاة التي فضل عليها الحج، على غيرها بقرينة أن الاذان والاقامة المشتملين على حى على خير العمل مختصان بها، فيكون الغرض الحث على الصلوات اليومية والمحافظة عليها والاتيان بشرايطها وحدودها وآدابها وحفظ مواقيتها، فان كثيرا من الحاج يضيعون فرائضهم اليومية في طريقهم إلى الحج إما بتفويت أوقاتها أو بأدائها على المركب أو في المحمل أو بالتيمم أو مع عدم طهارة الثوب أو البدن إلى غير ذلك. فان قيل: فما وجه الجمع بين هذا الخبر على هذا الوجه، وبين الخبر المشهور

[229]

بين الخاصة والعامة أن أفضل الاعمال أحمزها ؟ قلنا: على تقدير تسليم صحته المراد به أن أفضل كل نوع من العمل أحمز ذلك النوع كالوضوء في البرد والحر والحج ماشيا وراكبا، والصوم في الصيف والشتاء، وأمثال ذلك. الثالث: أن تحمل الفريضة على عمومها، والحج في المفضل عليه على المندوب وفي المفضل على الفرض. الرابع: أن يراد بالصلاة في هذا الخبر مطلق الفرض وبها في الاخبار التي فضل الحج عليها النافلة. الخامس: أن يراد بالحج في هذا الخبر حج غير هذه الامة من الامم السابقة أي صلاة تلك الامة أفضل من عشرين حجة أوقعتها الامم الماضية. السادس: ما قيل إن المراد أنه لو صرف زمان الحج والعمرة في الصلاة كان أفضل منهما، ولا يخفى أن هذا الوجه إنما يجري في الخبر الذي تضمن أن خير أعمالكم الصلاة، وأشباهه مما سبق، مع أنه بعيد فيها أيضا. السابع: أن يقال: إنه يختلف بحسب الاحوال والاشخاص كما نقل أن النبي صلى الله عليه وآله سئل أي الاعمال أفضل ؟ فقال: الصلاه لاول وقتها، وسئل أيضا أي الاعمال أفضل ؟ فقال: بر الوالدين، وسئل أي الاعمال أفضل فقال حج مبرور، فخص كل سائل بما يليق بحاله من الاعمال، فيقال كان السائل الاول عاجزا عن الحج ولم يكن له والدان، فكان الافضل بحسب حاله الصلاة، والثاني كان له والدان محتاجان إلى بره فكان الافضل له ذلك، وكذا الثالث. الثامن: ما خطر بالبال زايدا على ما تقدم من أكثر الوجوه بأن يقال: لما كان لكل من الاعمال مدخل في الايمان، وتأثير في نفس الانسان ليس لغيره كما أن لكل من الاغذية تأثيرا في بدن الانسان ومدخلا في صلاحه، ليس ذلك لغيره، كالخبز مثلا. فان له تأثيرا في البدن ليس ذلك للحم، وكذا اللحم له أثر

[230]

في البدن ليس للخبز، وليس شئ منهما يغني عن الماء، وهكذا. ثم تلك الاغذية تختلف بحسب شدة حاجة البدن إليها وضعفها، فأن منها مالا تبقى الحياة بدونها، ومنها ما يضعف البدن بدونها، لكن يبقى الحياة مع تركها فكما أن لبدن الانسان أعضاء رئيسة وغير رئيسة، منها ما لا يبقى الشخص بدونها كالرأس والقلب والكبد والدماغ، ومنها ما يبقى مع فقدها لكن لا ينتفع بالحياة بدونها، كالعين والسمع واللسان واليد والرجل، ومنها ما ينتفع بدونها بالحياة لكنه ناقص عن درجة الكمال كما إذا فقد بعض الاصابع أو الاذن أو الاسنان وكذلك له أغذية لا تبقى حياته بدونها كالماء والخبز واللحم، وأغذية يبقى بدونها مع ضعف كالسمن والارز، وأغذية يتروح بها كالفواكه والحلاوات، وتعرض له أمراض مهلكة وغير مهلكة وخلق الله له أدوية يتداوى بها إذا لم تكن مهلكة، وكذا له أثواب يتزين بها، ودواب يتقوى بها، وخدم يستعين بهم، و أصدقاء يتزين بمجالستهم. فكذا الايمان بمنزلة شخص له جميع هذه الاشياء فأعضاؤه الرئيسة هي عقايده التي إذا فقد شيئا منها يزول رأسا كالاصول الخمسة، والاعضاء الغير الرئيسة هي العقايد والعلوم التي بها يقوى الايمان، ويترتب عليه الاثار على اختلاف مراتبها في ذلك، فمنها ما يجب الاعتقاد بها، ومنها ما يحسن ويتزين الايمان بها وكذا له أغذية من الاعمال الصالحة، فمنها ما لا يبقى بدونها وهي الفرائض كالصلاة والصوم والحج والزكاة، ومنها ما يبقى بدونها مع ضعف شديد يزول ثمرته معه وهي ساير الواجبات وأما النوافل فهي كالفواكه والاشربة والادوية المقوية، ومنها ما هي بمنزلة الالبسة والحلي، وله مراكب من الاخلاق الحسنة يتقوى بها، وأصدقاء من مرافقة العلماء والصلحاء بهم يحتزر عن كيد الشياطين، والذنوب بمنزلة الامراض المهلكة وغير المهلكة، فالمهلكة منها هي الكبائر وغير المهلكة الصغاير، والتوبة والتضرع والخشوع أدوية لها إذا لم يصل إلى حد لا ينفع فيه الدواء، والعيوب التي لا تؤثر في زواله لكن تحطه

[231]

عن درجة كماله. فإذا عرفت ذلك أمكنك فهم دقايق الاخبار، والتوفيق بين الروايات المأثورة في ذلك عن الائمة الابرار، فنعرف معنى قولهم الشئ الفلاني رأس الايمان، وآخر قلب الايمان، وآخر بصر الايمان، والصلاة عمود، و أشباه ذلك. فنقول: على هذا التحقيق يمكن أن يقال مثلا: الصلاة بمنزلة الماء، والحج بمنزلة الخبز في قوام الايمان، فيمكن أن يقال: الصلاة أفضل من حجج كثيرة، والحج أفضل من صلوات كثيرة، إذ لكل منهما أثر في قوام الايمان ليس للآخر ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، كما يمكن أن يقال: رغيف خبز أفضل من روايا من الماء، وشربة ماء خير من أرغفة كثيرة، والحاصل أنه يرجع إلى اختلاف الاعتبارات والجهات والحيثيات، فبجهة الصلاة خير من الحج، وبجهة الحج خير من الصلاة وأفضل منها، وهذا التحقيق ينفعك في كثير من المواضع ويعينك على التوفيق بين كثير من الآيات والاخبار. وأما الاشكال الثاني فينحل بكثير من الوجوه السابقة، واجيب عنه أيضا بأن المراد بالحج بلا صلاة، واعترض عليه بأن الحج بلا صلاة باطل، فلا فضل له حتى يفضل عليه الصلاة، ويمكن الجواب بأن المراد به الحج مع قطع النظر عن فضل الصلاة إذا كان معها، لا الحج الذي تركت فيه الصلاة. وإنما بسطنا الكلام في ذلك لكثرة الحاجة إليه في حل الاخبار، وقد مر بعض القول في كتاب الايمان والكفر. 56 - الخصال: عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن أحمد بن محمد ابن سعيد، عن المنذر بن محمد، عن جيفر، عن أبان الاحمر، عن الحسين ابن علوان، عن عمر بن ثابت، عن أبيه، عن ضمرة بن حبيب قال: سئل النبي صلى الله عليه وآله عن الصلاة، فقال صلى الله عليه واله: الصلاة من شرايع الدين، وفيها مرضاة الرب عزوجل، فهي منهاج الانبياء.

[232]

وللمصلي حب الملائكة، وهدى، وإيمان، ونور المعرفة، وبركة في الرزق، وراحة للبدن، وكراهة للشيطان، وسلاح على الكفار، وإجابة للدعاء وقبول للاعمال، وزاد للمؤمن من الدنيا إلى الآخرة، وشفيع بينه وبين ملك الموت، وأنيس في قبره، وفراش تحت جنبه، وجواب لمنكر ونكير. وتكون صلاة العبد عند المحشر تاجا على رأسه، ونورا على وجهه، و لباسا على بدنه، وسترا بينه وبين النار، وحجة بينه وبين الرب جل جلاله، ونجاة لبدنه من النار، وجوازا على الصراط، ومفتاحا للجنة، ومهورا للحور العين، وثمنا للجنة. بالصلاة يبلغ العبد إلى الدرجة العليا، لان الصلاة تسبيح وتهليل وتحميد وتكبير وتمجيد وتقديس وقول ودعوة (1). 57 - دعائم الاسلام: عن علي عليه السلام قال: اوصيكم بالصلاة التي هي عمود الدين، وقوام الاسلام، فلا تغفوا عنها (2). وعن أبي جعفر عليه السلام قال لبعض شيعته: بلغ موالينا عنا السلام، وقل لهم: لا اغني عنكم من الله شيئا إلا بورع، فاحفظوا ألسنتكم، وكفوا أيديكم وعليكم بالصبر والصلاة، فان الله مع الصابرين (3). وعن جعفر بن محمد عليه السلام (4) قال: لاحظ في الاسلام لمن ترك الصلاة (5). وعنه عليه السلام قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله ادع الله


(1) الخصال ج 2 ص 103. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 133. (4) في المصدر المطبوع: وعن جعفر بن محمد صلوات الله عليه أنه قال: لا أعرف شيئا بعد المعرفة بالله أفضل من الصلاة، وعن على عليه السلام أنه قال: الصلاة عمود الدين وهى أول ما ينظر الله فيه من عمل ابن آدم، فان صحت نظر في باقى عمله، وان لم تصح لم ينظر له في عمل، ولا حظ في الاسلام لمن ترك الصلاة. (5) دعائم الاسلام ج 1 ص 133.

[233]

لي أن يدخلني الجنة، فقال له: أعني عليه بكثرة السجود (1). وعن علي عليه السلام قال: الصلوات الخمس كفارة لما بينهن ما اجتنب من الكباير، وهي التي قال الله: " إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " (2). وعنه عليه السلام قال: أحب الاعمال إلى الله الصلاة، فما شئ أحسن من أن يغتسل الرجل أو يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يبرز حيث لا يراه أحد، فيشرف الله عليه وهو راكع وساجد، إن العبد إذا سجد نادى إبليس: يا ويله أطاع و عصيت، وسجد وأبيت. وأقرب ما يكون العبد من الله إذا سجد (3). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا أحرم العبد المسلم في صلاته أقبل الله إليه بوجهه، ووكل به ملكا يلتقط القرآن من فيه التقاطا. فإذا أعرض أعرض الله عنه، ووكله إلى الملك (4). 58 - مجالس الشيخ: عن جماعة من أصحابه، عن أبي المفضل، عن رجاء ابن يحيى العبرتائي، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمن الاصم، عن الفضيل بن يسار، عن وهب بن عبد الله، عن أبي حرب بن أبي الاسود الدئلي، عن أبيه، عن أبي ذر - رحمه الله - قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: فيما أوصى إليه يا أبا ذر إن الله جعل قرة عيني في الصلاة، وحببها إلى كما حبب إلى الجائع الطعام، وإلى الظمآن الماء، وإن الجايع إذا أكل الطعام شبع، والظمآن إذا شرب الماء روي، وأنا لا أشبع من الصلاة (5). يا أبا ذر إن الله بعث عيسى بن مريم عليه السلام بالرهبانية، وبعثت بالحنيفية السمحة، وحبب إلى النساء والطيب، وجعلت في الصلاة قرة عيني (6) يا أبا ذر ما دمت في الصلاة فانك تقرع باب الملك، ومن يكثر قرع باب


(1 - 2) دعائم الاسلام ج 1 ص 135 والاية في سورة هود: 114. (3 - 4) دعائم الاسلام ج 1 ص 138. (5 - 6) أمالى الطوسى ج 2 ص 141.

[234]

الملك يفتح له (1). يا أبا ذر ما من مؤمن يقوم إلى الصلاة إلا تناثر عليه البر ما بينه وبين العرش، ووكل به ملك ينادي: يا ابن آدم ! لو تعلم مالك في صلاتك ؟ ومن تناجي ما سئمت وما التفت (2). يا أبا ذر ما من رجل يجعل جبهته في بقعة من بقاع الارض إلا شهدت له بها يوم القيامة (3). يا أبا ذر ما من صباح ولا رواح إلا وبقاع الارض ينادي بعضها بعضا: يا جاره هل مر بك اليوم ذاكر لله عزوجل ؟ أو عبد وضع جبهته عليك ساجدا لله ؟ فمن قائلة لا، ومن قائلة نعم، فإذا قال: نعم، اهتزت وانشرحت، وترى أن لها الفضل على جارتها (4). 59 - المحاسن: عن عبد الله بن الصلت، عن حماد بن عيسى، عن حريز ابن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية. قال زرارة: فأي ذلك أفضل ؟ قال: الولاية أفضل لانها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن، قلت: ثم الذي يلي ذلك في الفضل ؟ قال: الصلاة إن رسول الله صلى الله عليه واله قال: " الصلاة عمود دينكم " قال: قلت: ثم الذي يليه في الفضل ؟ قال: الزكاة لانه قرنها بها، وبدأ بالصلاة قبلها، وقال رسول الله صلى الله عليه واله: الزكاة تذهب بالذنوب قلت: فالذي يليه في الفضل ؟ قال: الحج وساق الحديث إلى أن قال: قلت: ثم ما ذايتبعه ؟ قال: الصوم قلت: وما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع ؟ قال: أفضل الاشياء ما إذا أنت فاتك لم يكن منه توبة دون أن ترجع


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 114. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 142. (3 - 4) أمالى الطوسى ج 2 ص 147.

[235]

إليه فتؤديه بعينه إن الصلاة والزكاة والحج والولاية ليس شئ يقع مكانها دون أدائها، وإن الصوم إذا فاتك أو قصرت وسافرت فيه أديت مكانه أياما غيرها، وجبرت ذلك الذنب بصدقة، ولا قضاء عليك، وليس من تلك الاربعة شئ يجزيك مكانه غيره (1). أقول: الخبر مختصر، وقد مر في كتاب الايمان والكفر مشروحا (2) وقد مر كثير من الاخبار في فضل الصلاة في أبواب هذا الكتاب، لم نعدها مخافة الاطناب. 60 - الهداية للصدوق: الدعائم التي بني عليها الاسلام ست: الصلاة والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والولاية، وهي أفضلهن، ومن ترك واحدة من هذه الخمس عمدا متعمدا فهو كافر، ولا صلاة إلا بوضوء، والصلاة تتم بالنوافل، والوضوء بغسل يوم الجمعة (3). 61 - المجازات النبوية: عن النبي صلى الله عليه واله: قال: إن المسلم إذا توضأ و صلى الخمس تحاتت خطاياه كما تتحات الورق. قال السيد: هذه استعارة والمراد أن الله يكفر خطاياه بسرعة فتسقط عنه آصارها وتنحط أوزارها كما تتساقط الاوراق عن أغصانها إذا هزهزتها الراح أو زعزعتها الرياح (4). 62 - كتاب الامامة والتبصرة: لعلي بن بابويه، عن الحسن بن حمزة العلوي، عن علي بن محمد بن أبي القاسم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن صدقة، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الصلاة ميزان من وفى استوفى. 63 - كتاب المثنى بن الوليد الحناط: عن أبي بصير قال: دخلت


(1) المحاسن ص 287. (2) راجع ج 68 ص 332 - 337 من هذه الطبعة النفيسة وقد أخرجه من الكافي ج 2 ص 18، تفسير العياشي ج 1 ص 191. (3) الهداية ص 12 ط الاسلامية. (4) المجازات النبوية ص 202.

[236]

على حميدة اعزيها بأبي عبد الله عليه السلام فبكت ثم قالت: يابا محمد لو شهدته حين حضره الموت، وقد قبض إحدى عينيه، ثم قال: ادعوا لي قرابتي ومن لطف لي فلما اجتمعوا حوله، قال: إن شفاعتنا لن تنال مستخفا بالصلاة 64 - كتاب الحسين بن عثمان: عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أول ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإذا قبلت قبل سائر عمله، وإذا ردت عليه رد عليه سائر عمله. 65 - كتاب عاصم بن حميد: عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كان أبو ذر يقول في عظته: يا مبتغي العلم صل قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلي فيه. إنما مثل الصلاة لصاحبها كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت له حتى يخرج من حاجته كذلك المرء المسلم باذن الله تعالى مادام في صلاته لم يزل الله تعالى ينظر إليه حتى يفرغ من صلاته. 66 - كتاب جعفر بن محمد بن شريح: عن حميد بن شعيب، عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لو كان على باب أحدكم نهر فاغتسل منه كل يوم خمس مرات هل كان يبقى على جسده من الدرن شئ ؟ إنما مثل الصلاة مثل النهر الذي ينقي كلما صلى صلاة كان كفارة لذنوبه إلا ذنب أخرجه من الايمان مقيم عليه.

[237]

2. * { باب } * * { علل الصلاة ونوافلها وسننها } * 1 - العلل: عن أبيه ومحمد بن الحسن بن الوليد معا، عن سعد بن عبد الله عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن ابن أبي عمير ومحمد بن سنان معا، عن الصباح المزني وسدير الصيرفي ومحمد بن النعمان وابن اذينة جميعا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وحدثنا ابن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار وسعد معا، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب ويعقوب بن يزيد واليقطيني، جميعا، عن عبد الله بن جبلة، عن المزني وسدير ومحمد بن النعمان وابن اذينة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنهم حضروه فقال: يا عمر بن اذينة ما ترى (1) هذه الناصبة في أذانهم وصلاتهم ؟ فقلت: جعلت فداك إنهم يقولون إن ابي بن كعب الانصاري رآه في النوم فقال عليه السلام: كذبوا والله إن دين الله تبارك وتعالى أعز من أن يرى في النوم. فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله العزيز الجبار عرج بنبيه إلى سمائه سبعا (2) أما اولاهن فبارك عليه صلوات الله عليه، والثانية علمه فيها فرضه، والثالثة أنزل الله (3) العزيز الجبار عليه محملا من نور فيه أربعون نوعا من أنواع


(1) في الكافي: ما تروى. (2) يعنى عليه السلام أن الله العزيز الجبار عرج بنبيه صلى الله عليه وآله إلى السماء سبع مرات في المرة الاولى بارك عليه، وفى المرة الثانية علمه فيها ما فرض عليه وفى المرة الثالثة أنزل الله عليه محملا.. وعرج به إلى السماء الدنيا الخ، وقد اشتبه ذلك على بعضهم كالمؤلف العلامة وجعل الاولى والثانية والثالثة بمعنى السماء الاولى والسماء الثانية والسماء الثالثة فاعترض أنه كيف قال عليه السلام أنه أنزل عليه في السماء الثالثة محملا وعرج به إلى السماء الدنيا وليست هي الا السماء الاولى ؟ (3) وفى الكافي: والثانية علمه فرضه فأنزل الله محملا من نور الخ.

[238]

النور كانت محدقة حول العرش عرشه تبارك وتعالى تغشى أبصار الناظرين أما واحد منها فأصفر، فمن أجل ذلك اصفرت الصفرة، وواحد منها أحمر فمن أجل ذلك احمرت الحمرة، وواحد منها أبيض فمن أجل ذلك ابيض البياض، والباقي على عدد سائر ما خلق الله من الانوار والالوان، في ذلك المحمل حلق وسلاسل من فضة فجلس فيه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء ثم خرت سجدا فقالت: سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا. فقال جبرئيل عليه السلام: الله أكبر الله أكبر. فسكت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، واجتمعت الملائكة ثم جاءت فسلمت على النبي صلى الله عليه واله أفواجا، ثم قالت: يا محمد كيف أخوك ؟ قال: بخير، قالت: فان أدركته فأقرئه منا السلام، فقال النبي صلى الله عليه واله: أتعرفونه ؟ فقالوا: كيف لم نعرفه وقد أخذ الله عزوجل ميثاقك و ميثاقه منا، وإنا لنصلي عليك وعليه. ثم زاده أربعين نوعا من أنواع النور لا يشبه شئ منه ذلك النور الاول وزاده في محمله حلقا وسلاسل، ثم عرج به إلى السماء الثانية، فلما قرب من باب السماء تنافرت الملائكة إلى أطراف السماء وخرت سجدا وقالت: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ما أشبه هذا النور بنور ربنا، فقال جبرئيل عليه السلام أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله فاجتمعت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، وقالت: يا جبرئيل: من هذا معك ؟ فقال: هذا محمد صلى الله عليه واله، قالوا: و قد بعث ؟ قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه واله: فخرجوا إلى شبه المعانيق فسلموا وقالوا أقرئ أخاك السلام، فقلت: هل تعرفونه ؟ قالوا: نعم، وكيف لا نعرفه ؟ وقد أخذ الله ميثاقك وميثاقه وميثاق شيعته إلى يوم القيامة علينا، وإنا لنتصفح وجوه شيعته في كل يوم خمسا يعنون في وقت كل صلاة. قال رسول الله صلى الله عليه واله: ثم زادني ربي عزوجل أربعين نوعا من أنواع النور

[239]

لا تشبه الانوار الاولى، وزادني حلقا وسلاسل، ثم عرج بى إلى السماء الثالثة، فنفرت الملائكة إلى أطراف السماء، وخرت سجدا وقالت: سبوح فدوس رب الملائكة والروح، ما هذا النور الذي يشبه نور ربنا، فقال جبرئيل عليه السلام: أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله. فاجتمعت الملائكة، وفتحت أبواب السماء، وقالت مرحبا بالاول، و مرحبا بالآخر، ومرحبا بالحاشر، ومرحبا بالناشر، محمد خاتم النبيين، وعلى خير الوصيين، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: سلموا على وسألوني عن علي أخي، فقلت هو في الارض خليفتي أو تعرفونه ؟ فقالوا: نعم، وكيف لا نعرفه وقد نحج البيت المعمور في كل سنة مرة، وعليه رق أبيض فيه اسم محمد وعلي والحسن والحسين والائمة وشيعتهم إلى يوم القيامة، وإنا لنبارك على رؤسهم بأيدينا. ثم زادني ربي عزوجل أربعين نوعا من أنواع النور لا تشبه شيئا من تلك الانوار الاول، وزادني حلقا وسلاسل ثم عرج بي إلى السماء الرابعة، فلم تقل الملائكة شيئا وسمعت دويا كأنه في الصدور، واجتمعت الملائكة ففتحت أبواب السماء، وخرجت إلى معانيق (1). فقال جبرئيل عليه السلام: حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، فقالت الملائكة صوتين مقرونين بمحمد تقوم الصلاة، وبعلى الفلاح فقال جبرئيل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فقالت الملائكة هي لشيعته أقاموها إلى يوم القيامة. ثم اجتمعت الملائكة فقالوا للنبي صلى الله عليه واله: أين تركت أخاك وكيف هو ؟ فقال لهم: أتعرفونه ؟ فقالوا نعم، نعرفه وشيعته، وهو نور حول عرش الله وإن في البيت المعمور لرقا من نور، فيه كتاب من نور، فيه اسم محمد وعلي والحسن و الحسين، والائمة وشيعتهم، لا يزيد فيهم رجل، ولا ينقص منهم رجل، إنه لميثاقنا الذي اخذ علينا، وإنه ليقرء علينا في كل يوم جمعة.


(1) في شبه معانيق خ ل.

[240]

فسجدت لله شكرا فقال: يا محمد ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أطناب السماء قد خرقت، والحجب قد رفعت، ثم قال: لي طأطئ رأسك، وانظر ما ترى فطأطأت رأسي، فنظرت إلى بيتكم هذا وإلى حرمكم هذا، فإذا هو مثل حرم ذلك البيت يتقابل، لو ألقيت شيئا من يدي لم يقع إلا عليه، فقال لي: يا محمد هذا الحرم، و أنت الحرام، ولكل مثل مثال. ثم قال ربي عزوجل: يا محمد مد يدك (1) فيتلقاك ماء يسيل من ساق عرشي الايمن، فنزل الماء فتلقيته باليمين، فمن أجل ذلك أول الوضوء باليمنى، ثم قال: يا محمد ! خذ ذلك فاغسل به وجهك - وعلمه غسل الوجه فانك تريد أن تنظر إلى عظمتي وأنت طاهر، ثم اغسل ذراعيك اليمين واليسار - و علمه ذلك - فانك تريد أن تتلقا بيديك كلامي وامسح بفضل ما في يديك من الماء رأسك ورجليك إلى كعبيك - وعلمه المسح برأسه ورجليه - وقال إني اريد أن أمسح رأسك وابارك عليك، فأما المسح على رجليك فاني اريد أن اوطئك موطئا لم يطأه أحد قبلك، ولا يطأه أحد غيرك، فهذا علة الوضوء والاذان. ثم قال: يا محمد استقبل الحجر الاسود، وهو بحيالي، وكبرني بعدد حجبي فمن أجل ذلك صار التكبير سبعا، لان الحجب سبعة، وافتتح القراءة عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنة، والحجب مطابقة ثلاثا بعدد (2) النور


(1) في الكافي، ثم أوحى الله إلى: يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك، فدنى رسول الله صلى الله عليه وآله من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الايمن فتلقى رسول الله صلى الله عليه وآله الماء بيده اليمنى الخ. (2) في الكافي: والحجب متطابقة بينهن بحار النور، وذلك النور الذى أنزله الله على محمد صلى الله عليه وآله فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرات لافتتاح الحجب ثلاث مرات انتهى. والمعنى أن الافتتاح بالتكبير يكون ثلاث مرات: مرة بثلاث تكبيرات متواليات ثم يفصل بالدعاء ومرة أخرى بتكبيرتين ثم يفصل بالدعاء، ومرة ثالثة بتكبيرتين أخراوين - > (*)

[241]

الذي نزل على محمد صلى الله عليه واله ثلاث مرات. فلذلك كان الافتتاح ثلاث مرات، فمن أجل ذلك كان التكبير سبعا، والافتتاح ثلاثا. فلما فرغ من التكبير والافتتاح قال الله عزوجل: الان وصلت إلى فسم باسمي، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم في أول السور، ثم قال له: احمدني فقال الحمد لله رب العالمين، وقال النبي صلى الله عليه واله في نفسه شكرا فقال الله: يا محمد أقطعت حمدي فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل في الحمد الرحمن الرحيم مرتين، فلما بلغ ولا الضالين، قال النبي صلى الله عليه واله الحمد لله رب العالمين شكرا، فقال الله العزيز الجبار قطعت ذكري فسم باسمي فمن أجل ذلك جعل بسم الله الرحمن الرحيم بعد الحمد في استقبال السورة الاخرى فقال له: اقرأ قل هو الله أحد كما أنزلت فانها نسبتي ونعتي، ثم طأطئ يديك، و اجعلهما على ركبتيك، فانظر إلى عرشي. قال رسول الله صلى الله عليه واله: فنظرت إلى عظمة ذهبت لها نفسي وغشي علي، فالهمت أن قلت: سبحان ربي العظيم وبحمده. لعظم ما رأيت، فلما قلت ذلك تجلى الغشي عني حتى قلتها سبعا الهم ذلك، فرجعت إلى نفسي كما كانت فمن أجل ذلك صار في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، فقال: ارفع رأسك فرفعت رأسي فنظرت إلى شئ ذهب منه عقلي، فاستقبلت الارض بوجهي، ويدي، فالهمت أن قلت: " سبحان ربي الاعلى وبحمده " لعلو ما رأيت فقلتها سبعا فرجعت إلى نفسي كلما قلت واحدة فيها تجلى عني الغشي فقعدت فصار السجود فيه " سبحان ربي الاعلى وبحمده " وصارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشي و علوما رأيت فألهمني ربي عزوجل، وطالبتني نفسي أن أرفع رأسي، فرفعت فنظرت إلى ذلك العلو فغشي علي فخررت لوجهي واستقبلت الارض بوجهي ويدي وقلت سبحان ربي الاعلى وبحمده، فقلتها سبعا ثم رفعت رأسي، فقعدت قبل القيام لاثني


< - ثم يشرع بالدعاء والاستعاذة ثم القراءة، فيكون الافتتاح ثلاث مرات بتكبيرات سبعة.

[242]

النظر في العلو، فمن أجل ذلك صارت سجدتين وركعة، ومن أجل ذلك صار القعود قبل القيام قعدة خفيفة. ثم قمت فقال يا محمد ! اقرأ الحمد، فقرأتها مثل ما قرأتها أولا ثم قال لي: اقرء إنا أنزلناه فانها نسبتك ونسبة أهل بيتك إلى يوم القيامة، ثم ركعت فقلت في الركوع والسجود مثل ما قلت أولا وذهبت أن أقوم، فقال: يا محمد اذكر ما أنعمت عليك وسم باسمي، فألهمني الله أن قلت: " بسم الله وبالله، ولا إله إلا الله، والاسماء الحسنى كلها لله. فقال لى يا محمد صل عليك وعلى أهل بيتك فقلت: " صلى الله علي وعلى أهل بيتي وقد فعل ". ثم التفت فإذا أنا بصفوف من الملائكة والنبيين والمرسلين فقال لي: يا محمد سلم فقلت: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " فقال: يا محمد إني أنا السلام، والتحية والرحمة والبركات، أنت وذريتك. ثم أمرني ربي العزيز الجبار أن لا ألتفت يسارا وأول سوره سمعتها بعد قل هو الله أحد " إنا أنزلناه في ليلة القدر " فمن أجل ذلك كان السلام مرة واحدة تجاه القبلة ومن أجل ذلك صار التسبيح في السجود والركوع شكرا. وقوله سمع الله لمن حمده، لان النبي صلى الله عليه واله قال: سمعت ضجة الملائكة فقلت: " سمع الله لمن حمده بالتسبيح والتهليل " فمن أجل ذلك جعلت الركعتان الاولتان كلما أحدث فيها حدث كان على صاحبها إعادتها، وهي الفرض الاول وهي أول ما فرضت عند الزوال، يعني صلاة الظهر (1). توضيح: قوله: " إن ابي بن كعب " لا خلاف بين علمائنا في أن شرعية الاذان كان بالوحي لا بالنوم، قال: في المعتبر والمنتهى: الاذان عند أهل البيت عليهم السلام وحي على لسان جبرئيل عليه السلام، علمه رسول الله صلى الله عليه واله وعليا عليه السلام وأطبق الجمهور على خلافه، ورووا أنه برؤيا عبد الله بن زيد وعمر، ورواية رؤيا ابي غير مشتهر الآن بينهم، وتدل على أن بالنوم لا تثبت الاحكام، ويمكن أن يخص بابتداء


(1) علل الشرايع ج 2 ص 2 - 6 ورواه في الكافي ج 3 ص 482 - 486.

[243]

شرعيتها. ورأيت في بعض أجوبة العلامة - رحمه الله - عما سئل عنه: تجويز العلم بما سمع في المنام عن النبي والائمة عليهم السلام إذا لم يكن مخالفا للاجماع، لما روي من أن الشيطان لا يتمثل بصورتهم، وفيه إشكال. قوله عليه السلام: " أنزل الله " وفي بعض النسخ " والثالثة أنزل " والظاهر أنها زيدت من المصلحين (1) فأفسدوا الكلام، بل هذا تفصيل لما أجمل سابقا، وعود إلى أول الكلام كما سيظهر مما سيأتي، والانوار تحتمل الصورية والمعنوية أو الاعم منهما. وأما نفرة الملائكة، فلغلبة النور على أنوارهم، وعجزهم عن إدراك الكمالات التي أعطاها الله نبينا صلى الله عليه واله كما قال صلى الله عليه واله: لي مع الله وقت لا يسعني ملك مقرب، ولا نبي مرسل الخبر، ويؤيد المعنوية قول الملائكة: ما أشبه هذا النور بنور ربنا ؟ وعلى تقدير أن يكون المراد الصورية، فالمعنى ما أشبه هذا النور بنور خلقه الله في العرش، وعلى التقديرين: لما كان كلامهم وفعلهم موهما لنوع من التشبيه، قال جبرئيل: الله أكبر تنزيها له عن تلك المشابهة أي أكبر من أن يشبه أحد أو يعرفه، وقد مر تفسير الانوار في كتاب التوحيد، والتكرير للتأكيد أو الاول لنفي المشابهة، والثاني لنفي الادراك. وقال الجزري: سبوح قدوس يرويان بالضم، والفتح أقيس، والضم أكثر استعمالا وهو من أبية المبالغة والمراد بهما التنزيه، وقال: فيه: فانطلقنا معانيق أي مسرعين، وفي القاموس المعناق الفرس الجيد العنق، والجمع معانيق، والعنق بالتحريك ضرب من سير الدابة، والتشبيه في الاسراع.


(1) قد عرفت أن المراد بالثالثة ليس هي السماء الثالثة، مع أن الاشكال لا يرتفع باسقاط لفظ الثالثة كما في نسخة الكافي، حيث ان العروج من السماء الثانية إلى السماء الدنيا وهى السماء الاولى أيضا غير معقول.

[244]

وتثنية التكبير يمكن أن يكون اختصارا من الراوي، أو يكون الزيادة بوحي آخر كما ورد في تعليم جبرئيل أمير المؤمنين عليه السلام، أو يكون من النبي صلى الله عليه واله كزيادة الركعات بالتفويض، أو يكون التكبيران الاولان خارجين عن الاذان، كما يومي إليه حديث العلل، وبه يجمع بين الاخبار، والاظهر أن الغرض في هذا الخبر بيان الاقامة، وأطلق عليها الاذان مجازا. ويمكن أن يكون سؤالهم عن البعثة لزيادة الاطمينان كما في سؤال إبراهيم إذ تصفح وجوه شيعة أخيه في وقت كل صلاة موقوف على العلم بالبعثة، ويمكن أن يكون قولهم " وإنا لنتصفح " إخبارا عما امروا به أن يفعلوا بعد ذلك، ويؤيده عدم وجوب الصلاة قبل ذلك، كما هو الظاهر وإن أمكن أن يكون هذا في معراج تحقق بعد وجوب الصلاة لكنه بعيد عن سياق الخبر. ويحتمل أيضا أن يكونوا عرفوه صلى الله عليه واله وعرفوا وصيه وشيعة وصيه بأنهم يكونون كذلك ولذا كانوا يتصفحون وجوه شيعته في أوقات الصلوات، ليعرفوا هل وجبت عليهم صلاة أم لا ؟ فلا ينافي عدم علمهم بالبعثة، وفيه أيضا بعد. ويحتمل أن يكون التصفح كناية عن رواية أسمائهم في رق بيت المعمور، كما سيأتي، أو عن رؤية أشباحهم وأمثلتهم حول العرش، كما يومي إليه قولهم وهم نور حول العرش، وقريب منه ما ذكره بعض الافاضل أن علمهم به وبأخيه وشيعته وأحوالهم في عالم فوق عالم الحس، وهو العالم الذي اخذ عليهم فيه الميثاق، والعلم فيه لا يتغير، وهذا لا ينافي جهلهم ببعثه في عالم الحس الذي يتغير العلم فيه. أقول: هذا موقوف على مقدمات مباينة لطريقة العقل. قوله " مرحبا بالاول " أي خلقا ورتبة " ومرحبا بالآخر " أي ظهورا وبعثة " ومرحبا بالحاشر " أي بمن يتصل زمان امته بالحشر " ومرحبا بالناشر " أي بمن ينشر قبل الخلق وإليه الجمع والحساب، وقد مر شرح الكل في مواضعها " والرق " بالفتح ويكسر جلد رقيق يكتب فيه والصحيفة البيضاء، ودوى الريح والطائر والنحل صوتها.

[245]

" صوتين مقرونين " أي نسمع صوتين، وفي الكافي صوتان مقرونان معروفان وكونهما مقرونين، لان الصلاة مستلزمة للفلاح وسبب له، ويحتمل أن تكون الفقرتان اللتان بعدهما مفسرتين لهما، والغرض بيان اشتراط قبول الصلاة وصحتها بولايتهما. ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الاخبار من تفسير الصلاة و العبادات بهم، أي الصلاة رسول الله صلى الله عليه واله والفلاح أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهما متحدان من نور واحد مقرونان قولا وفعلا، وبما فسر في هذا الخبر يظهر سر تلك الاخبار ومعناها والضمير في قوله " لشيعته " راجع إلى الرسول أو إلى على صلوات الله عليهما، والاخير أظهر، وترك " حى على خير العمل " الظاهر أنه من الامام عليه السلام أو من الرواة تقية، ويحتمل أن يكون قرر بعد ذلك كما مر و يؤيده عدم ذكر بقية فصول الاذان. وأطناب السماء لعله كناية عن الاطباق والجوانب قال الجزري: فيه ما بين طنبي المدينة أحوج مني إليها، أي ما بين طرفيها، والطنب أحد أطناب الخيمة فاستعاره للطرف والناحية انتهى وفي الكافي أطباق السماء وهو أظهر. ثم إنه يحتمل أن يكون خرق الاطباق والحجب من تحته أو من فوقه أو منهما معا وأيضا يحتمل أن يكون هذا في السماء الرابعة أو بعد عروجه إلى السابعة والاخير أوفق بما بعده، فعلى الاول إنما خرقت الحجب من تحته لينظر إلى الكعبة، وإلى البيت المعمور، فلما نظر إليهما وجدهما متحاذيين متطابقين متماثلين، ولذا قال: " ولكل مثل مثال " أي كل شئ في الارض له مثال في السماء، فعلى الثاني يحتمل أن تكون الصلاة تحت العرش محاذيا للبيت المعمور أوفي البيت المعمور بعد النزول، وعلى التقديرين استقبال الحجر مجاز، أي استقبل ما يحاذيه أو ما يشاكله ويشبهه. قوله " وأنت الحرام " أي المحترم المكرم، ولعله إشارة إلى أن حرمة البيت إنما هي لحرمتك كما ورد في غيره، ويدل على استحباب أخذ ماء الوضوء

[246]

أولا باليمنى، وفي الكافي " صار الوضوء باليمنى " فيمكن أو يفهم منه استحباب الادارة. قوله تعالى: " بعدد حجبي " الظاهر أن المراد بالحجب هنا غير السماوات، كما يظهر من سائر الاخبار، وأن ثلاثة منها ملتصقة، ثم تفصل بينها بحار النور ثم اثنان منها ملتصقان، فلذا استحب التوالي بين ثلاث من التكبيرات، ثم الفصل بالدعاء ثم بين اثنتين ثم الفصل بالدعاء، ثم يأتي باثنتين متصلتين، فكل شروع في التكبير ابتداء افتتاح، وفي الكافي هكذا والحجب متطابقة بينهن بحار النور وذلك النور الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه واله فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرات لافتتاح الحجب ثلاث مرات فصار التكبير سبعا والافتتاح ثلاثا ". وحمل الوالد العلامة الافتتاح ثلاثا على تكبيرة الاحرام التي هي افتتاح القراءة، وتكبير افتتاح الركوع، وتكبير افتتاح السجود، ولعل ما ذكرناه أظهر. وقوله " شكرا " يحتمل أن يكون كلام الامام عليه السلام أي قال النبي صلى الله عليه واله: على وجه الشكر " الحمد لله رب العالمين " والظاهر أنه من تتمة التحميد، ويؤيد الاول أنه ورد تحميد المأموم في هذا المقام بدون هذه التتمة، ويؤيد الثاني أنه صلى الله عليه واله أضمر شكرا عند قوله " الحمد لله رب العالمين " أولا ويدل على استحباب التحميد في هذا المقام للامام والمنفرد أيضا ولعله خص بعد ذلك للمأموم. قوله تعالى: " قطعت ذكري " لعله لما كانت سورة الفاتحة بالوحي، وانقطع الوحي بتمامها، وحمد الله من قبل نفسه، قال الله تعالى: لما قطعت القرآن بالحمد فاستأنف البسملة، فالمراد بالذكر القرآن، وقوله عليه السلام: " كما أنزلت " يدل على تغيير في سورة التوحيد، وفي الكافي هكذا: ثم أوحى الله عز وجل إليه اقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك وتعالى " قل هو الله أحد، الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ثم أمسك عنه الوحي، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: الله الواحد الاحد

[247]

الصمد، فأوحى الله إليه: لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، كذلك الله ربنا كذلك الله ربنا. قوله تعالى: " فانظر إلى عرشي " أي بالقلب أو بمؤخر العين أو ارفع رأسك في تلك الحالة فانظر إليه. وفي الكافي: فلما قال ذلك، أوحى الله إليه اركع لربك يا محمد، فركع فأوحى الله إليه وهو راكع قل " سبحان ربي العظيم وبحمده " ففعل ذلك ثلاثا ثم أوحى الله إليه ارفع رأسك يا محمد، ففعل رسول الله صلى الله عليه واله فقام منتصبا فأوحى الله عز وجل إليه أن اسجد لربك يا محمد فخر رسول الله ساجدا فأوحى الله إليه قل " سبحان ربي الاعلى وبحمده " ففعل صلى الله عليه واله ذلك ثلاثا ثم أوحى الله إليه استوجالسا يا محمد، ففعل فلما رفع رأسه عن سجوده واستوى جالسا، نظر إلى عظمة تجلت له فخر ساجدا من تلقاء نفسه، لا لامر امر به فسبح أيضا ثلاثا، فأوحى الله إليه انتصب قائما ففعل، فلم ير ما كان رأى من العظمة، فمن أجل ذلك صارت الصلاة ركعة وسجدتين. قوله " وعلو ما رأيت " أي استراحة من شدة ودهشة عرضت لي بسببه أو طلبا لهذا الامر العالي، وإعادة النظر إليه، فيكون منصوبا بنزع الخافض. وقوله تعالى: " فانها نسبتك " أي مبينة شرفك وكرامتك وكرامة أهل بيتك، أو مشتملة على نسبتك ونسبتهم إلى الناس، وجهة احتياج الناس إليك و إليهم، فان نزول الملائكة والروح بجميع الامور التي يحتاج الناس إليها إذا كان إليك وإليهم، فبهذه الجهة هم محتاجون إليك وإليهم. قوله تعالى: " إني أنا السلام والتحية " لعل التحية معطوفة على السلام تفسيرا وتأكيدا، وقوله " والرحمة " مبتدأ أي أنت المراد بالرحمة وذريتك بالبركات، أو المراد أن كلا منهم رحمة وبركة ويحتمل أن يكون قوله " والتحية " مبتدأ وعلى التقادير حاصل المعنى: سلام الله وتحيته، أو رحمته وشفاعته محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم ودعاؤهم وهدايتهم وإعانتهم عليكم أي لكم.

[248]

قوله تعالى: " تجاه القبلة " أي من غير التفات إلى اليسار أو إلى اليمين أيضا كثيرا بأن يحتمل ما فعله صلى الله عليه واله على الالتفات القليل، ويؤيده قوله عليه السلام " أن لا ألتفت يسارا " وما قيل من أنه رأى الملائكة والنبيين تجاه القبلة فسلم عليهم، لانهم المقربون ليسوا من أصحاب اليمين، ولا من أصحاب الشمال، فلا يخفى ما فيه، لان الظاهر أنهم كانوا مؤتمين به صلى الله عليه واله. قوله تعالى: " صار التسبيح في السجود " في الكافي " كان التكبير في السجود شكرا " فلعل المعنى أنه صلى الله عليه واله لما كان هوته إلى السجود لمشاهدة عظمة تجلت له كبر قبل سجوده شكرا لتلك النعمة، كما قال تعالى " ولتكبروا الله على ما هديكم ولعلكم تشكرون " (1) أي على ما هدى، وما هنا أظهر كما لا يخفى. قوله عليه السلام " عند الزوال " لعل المعنى أن هذه الصلاة التي فرضت وعلمها الله نبيه في السماء إنما فرضت أو وقعت أولا في الارض عند الزوال فلا يلزم أن يكون إيقاعها في السماء عند الزوال، مع أنه يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه واله في ذلك الوقت محاذيا لموضع يكون في الارض وقت الزوال لكنه بعيد، إذا لظاهر من الخبر أنها وقعت في موضع كان محاذيا لمكة، ولما كان الظاهر من الاخبار تعدد المعراج فيمكن حمل هذا الخبر على معراج وقع في اليوم، وبهذا الوجه يمكن التوفيق بين أكثر الاخبار المختلفة الواردة في كيفية المعراج. ثم إنه يظهر من هذا الخبر أن الصلاة لما كانت معراج المؤمن فكما أن النبي صلى الله عليه واله نفض عن ذيله الاطهر علائق الدنيا الدنية، وتوجه إلى عرش القرب والوصال، ومكالمة الكبير المتعال، وكلما خرق حجابا من الحجب الجسمانية كبر الرب تعالى وكشف بسببه حجابا من الحجب العقلانية، حتى وصل إلى عرض العظمة والجلال ودخل مجلس الانس والوصال، فبعد رفع الحجب المعنوية بينه وبين مولاه كلمه وناجاه، فاستحق لان يتجلى له نور من أنوار الجبروت، فركع وخضع لذلك النور، فاستحق أن يتجلى عليه نور أعلى منه، فرفع رأسه وشاهده وخر


(1) البقرة: 185.

[249]

ساجدا لعظمته. ثم بعد طي تلك المقامات، والوصول إلى درجة الشهود، والاتصال بالرب الودود، رفع له الاستار من البين، وقربه إلى مقام قاب قوسين، فأكرمه بأن يقرن اسمه باسمه في الشهادتين، ثم حباه بالصلاة عليه وعلى أهل بيته المصطفين، فلما لم يكن بعد الوصول إلا السلام، أكرمه بهذا الانعام، أو أمره بأن يسلم على مقربي جنابه الذين فازوا قبله بمثل هذا المقام، تشريفا له بانعامه، وتأليفا بين مقربي جنابه، أو أنه لما أذنه بالرجوع عن مقام " لي مع الله " الذي لا يرحمه فيه سواه، ولم يخطر بباله غير مولاه، التفت إليه فسلم عليهم، كما يومي إليه هذا الخبر. فكذا ينبغي للمؤمن إذا أراد أن يتوجه إلى جنابه تعالى بعد تشبثه بالعلائق الدنية، وتوغله في العلائق الدنيوية، أن يدفع عنه الانجاس الظاهرة والباطنة ويتحلى بما يستر عورته الجسمانية والروحانية، ويتعطر بروايح الاخلاق الحسنة ويتطهر من دنس الذنوب والاخلاق الذميمة، ويخرج من بيته الاصنام والكلاب والصور والخمور الصورية، وعن قلبه صور الاغيار، وكلب النفس الامارة، وسكر الملك والمال والعزة، وأصنام حب الذهب والفضة والاموال والاولاد والنساء وسائر الشهوات الدنيوية. ثم يتذكر بالاذان والاقامة، ما نسيه بسبب الاشتغال بالشبهات والاعمال من عظمة الله وجلاله ولطفه وقهره وفضل الصلاة وسائر العبادات مرة بعد اخرى، ويتذكر امور الآخرة وأهوالها وسعاداتها وشقاواتها عند الاستنجاء والوضوء والغسل وأدعيتها إذا علم أسرارها، ثم يتوجه إلى المساجد التي هي بيوت الله في الارض ويخطر بباله عظمة صاحب البيت وجلاله، إذا وصل إلى أبوابها، فلا يكون عنده أقل عظمة من أبواب الملوك الظاهرة التي إذا وصل إليها دهش وتحير وارتعد وخضع واستكان. فإذا دخل المسجد، وقرب المحراب الذي هو محل مجاذبة النفس والشيطان

[250]

استعاذ بالكريم الرحمن، من شرورهما وغرورهما، وتوجه بصورته إلى بيت الله، وبقلبه إلى الله وأعرض عن كل شئ سواه، ثم يستفتح صلاته بتكبير الله و تعظيمه، ليضمحل في نظره من عداه، ويخرق بكل تكبير حجابا من الحجب الظلمانية الراجعة إلى نقصه، والنورانية الراجعة إلى كمال معبوده، فيقبل بعد تلك المعرفة والانقياد والتسليم بشراشره إلى العليم الحكيم، واستعان في اموره باسم المعبود الرحمن الرحيم، ويحمده على نعمائه ويقر بأنه رب العالمين و أخرجه من كتم العدم إلى أن أوصله إلى مقام العابدين. ثم بأنه الرحمن الرحيم، وبأنه مالك يوم الدين، يجزى المطيعين و العاصين، وإذا عرفه بهذا الوجه استحق لان يرجع من مقام الغيبة إلى الخطاب، مستعينا بالكريم الوهاب، ويطلب منه الصراط المستقيم، وصراط المقربين، والانبياء والائمة المكرمين، مقرا بأنهم على الحق واليقين، وأن أعداءهم ممن غضب الله عليهم ولعنهم ومن الضالين، ويتبرء منهم ومن طريقتهم تبرء الموقنين. ثم يصفه سبحانه بتلاوة التوحيد بالوحدانية، والتنزيه عما لا يلبق بذاته وصفاته، فإذا عبد ربه بتلك الشرايط، وعرفه بتلك الصفات، يتجلى له نور من أنوار الجلال، فيخضع لذلك بالركوع والخضوع، ويقر بأني أعبدك وإن ضربت عنقي، ثم بعد هذا الخضوع والانقياد يستحق معرفة أقوى، ويناسبه خضوع أدنى، فيقر بأنك خلقتني من التراب، والمخلوق منه خليق بالتذلل عند رب الارباب، ثم بأنك تعيدني بعد الموت إلى التراب، فيناسب تلك الحالة خضوع آخر. فإذا عبد الله بتلك الآداب، إلى آخر الصلاة، وخاض في خلال ذلك بحار جبروته، واكتسب أنوار فيضه ومعرفته، وصل إلى مقام القرب والشهود، فيقر بوحدانية معبوده، ويثني على مقربي جنابه، ثم يسلم عليهم بعد الحضور والشهود وفي هذا المقام لطائف ودقايق لا يسع المقام ذكرها، وأوردنا شذرا منها في بعض

[251]

مؤلفاتنا، وإنما أومأنا ههنا إلى بعضها لمناسبة شرح الرواية، والله ولي التوفيق والهداية. 2 - العلل ومجالس الصدوق والتوحيد: عن محمد بن محمد بن عصام، عن الكليني، عن علي بن محمد علان، عن محمد بن سليمان، عن إسماعيل بن إبراهيم عن جعفر بن محمد التميمي، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد ابن علي عليه السلام قال: سألت أبي سيد العابدين عليه السلام فقلت له: يا أبه أخبرني عن جدنا رسول الله صلى الله عليه واله لما عرج به إلى السماء وأمره ربه عزوجل بخمسين صلاة كيف لم يسأله التخفيف عن امته حتى قال له موسى بن عمران عليه السلام ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فان امتك لا تطيق ذلك ؟ فقال: يا بني إن رسول الله صلى الله عليه واله لا يقترح على ربه عزوجل، ولا يراجعه في شئ يأمره به، فلما سأله موسى عليه السلام ذلك، وصار شفيعا لامته إليه، لم يجز له رد شفاعة أخيه موسى عليه السلام فرجع إلى ربه عزوجل فسأله التخفيف إلى أن ردها إلى خمس صلوات. قال: فقلت: فلم لم يرجع إلى ربه عزوجل ولم يسئله التخفيف بعد خمس صلوات ؟ فقال: يا بني أراد عليه السلام أن يحصل لامته التخفيف، مع أجر خمسين صلاة لقول الله عزوجل " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (1) ألا ترى أنه عليه السلام لما هبط إلى الارض، نزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد ! إن ربك يقرئك السلام، ويقول: إنها خمس بخمسين، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (2). بيان: المراد بأجر خمسين ثوابها الاستحقاقي لا التفضلي، كما مر تحقيقه قوله: ما يبدل القول لدي لعل المعنى أنه كان قصدي بالخمسين أن اعطيهم ثوابها


(1) الانعام: 160. (2) علل الشرايع ج 1 ص 126. أمالى الصدوق ص 274 و 275، كتاب التوحيد ص 176 ط مكتبة الصدوق.

[252]

أو أنه تعالى لما قررلهم خمسين صلاة فلو بدلها ولم يعطهم ثوابها كان ظلما في جنب عظمته وقدرته وسعته وافتقار خلقه إليه وعجزههم، وقيل: هو تأكيد لما قبله من الكلام أي ما وعدت من ثواب خمسين، لا يبدل فاني لا اخلف الوعد ولا أظلم العباد به، والتعبير بصيغة المبالغة على سائر الوجوه للاشعار بأن مثل هذا ظلم عظيم، أو الظلم القليل من القادر الحكيم الغني بالذات ظلم عظيم، أو أنه لو كان الظلم من صفاته لكان صفة كمال، فكان يتصف بكاملها، أو أن كل صفة من العظيم لابد أن يكون عظيما، وقد مر الخبر بتمامه مشروحا مع تحقيقات اخرى تركناها ههنا حذرا من التكرار في باب المعراج (1). 3 - مجالس الصدوق: عن الحسن بن محمد بن سعيد، عن فرات بن إبراهيم عن محمد بن أحمد الهمداني، عن الحسن بن علي الشامي، عن أبيه، عن أبي جرير عن عطاء الخراساني رفعه عن عبد الصمد بن غنم قال: لما اسرى بالنبي صلى الله عليه واله وانتهى حيث انتهى، فرضت عليه الصلاة خمسون صلاة قال: فأقبل فمر على موسى عليه السلام فقال: يا محمد كم فرض على امتك ؟ قال: خمسون صلاة قال ارجع إلى ربك فاسئله أن يخفف عن امتك، قال: فرجع ثم مر على موسى فقال: كم فرض على امتك ؟ قال: كذا وكذا قال: فان امتك أضعف الامم، ارجع إلى ربك فاسئله أن يخفف عن امتك، فاني كنت في بني إسرائيل فلم يكونوا يطيقون إلا دون هذا، فلم يزل يرجع إلى ربه عزوجل حتى جعلها خمس صلوات: قال: ثم مر على موسى عليه السلام فقال: كم فرض على امتك قال: خمس صلوات قال: ارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عن امتك، قال: قد استحييت من ربي مما أرجع إليه (2). 4 - ومنه (3) ومن العلل: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه، عن


(1) راجع ج 18 ص 348 - 350. من هذه الطبعة الحديثة. (2) أمالى الصدوق ص 271 في حديث. (3) أمالى الصدوق ص 114 في حديث.

[253]

أحمد بن محمد البرقي، عن علي بن الحسين الرقي، عن عبد الله بن جبلة عن معاوية ابن عمار، عن الحسن بن عبد الله، عن أبيه، عن جده الحسن بن علي عليه السلام قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه واله فسأله أعلمهم عن مسائل، فكان فيما سأله أخبرني عن الله لاي شئ وقت هذه الخمس الصلوات في خمس مواقيت على امتك في ساعات الليل والنهار ؟ قال النبي صلى الله عليه واله إن الشمس إذا طلعت عند الزوال لها حلقة تدخل فيها فإذا دخلت فيها زالت الشمس، فيسبح كل شئ دون العرش لوجه ربي، وهي الساعة التي يصلي علي فيها ربي، ففرض الله عز وجل على وعلى امتي فيها الصلاة وقال " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (1) وهي الساعة التي يؤتى فيها بجهنم يوم القيامة، فما من مؤمن يوفق تلك الساعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلا حرم الله عزوجل جسده على النار. وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة، فأخرجه الله من الجنة، فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لامتي فهي من أحب الصلوات إلى الله عزوجل، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات. وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم، وكان بين ما أكل من الشجرة، وبين ما تاب الله عليه ثلاث مائة سنة من أيام الدنيا، وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة: من وقت صلاة العصر إلى العشاء، فصلى آدم ثلاث ركعات ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حواء وركعة لتوبته، فافترض الله عزوجل هذه الثلاث الركعات على امتي، وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، فوعدني ربي أن يستجيب لمن دعاه فيها، وهذه الصلاة التي أمرني بها ربي عزوجل فقال: " سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " (2). وأما صلاة العشاء الآخرة، فان للقبر ظلمة وليوم القيامة ظلمة أمرني الله وامتي بهذه الصلاة في ذلك الوقت، لتنورلهم القبور، وليعطوا النور على الصراط


(1) أسرى: 78. (2) الروم: 17.

[254]

وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلا حرم الله جسدها على النار، وهي الصلاة التي اختاره الله للمرسلين قبلي. وأما صلاة الفجر، فان الشمس إذا طلعت تطلع على قرني الشيطان، فأمرني الله عزوجل أن اصلي صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وقبل أن يسجد لها الكافر فتسجد امتي لله، وسرعتها أحب إلى الله، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، قال: صدقت يا محمد (1). ايضاح: يحتمل أن يكون المراد بالحلقة دايرة نصف النهار المارة بقطبي الافق وبقطبي معدل النهار، وإنما يكون زوال الشمس بمجاوزتها عنها وصيرورتها إلى جانب المغرب منها، ولا ريب أنها مختلفة بالنسبة إلى البقاع والبلاد، وتختلف أوقات صلوات أهلها، فالمراد بقوله عليه السلام: " فيسبح كل شئ " تسبيح أهل كل بقعة عند بلوغها إلى نصف نهارها، ويكون ابتداء التسبيح عند بلوغ نصف نهار أول بلد من المعمورة. وأما صلاة الله على النبي صلى الله عليه واله في تلك الساعة فاما أن يعتبر فيها نصف نهار بلده أو يقال بتكررها من ابتداء نصف النهار من أول المعمورة إلى أن يخرج من جميع أنصاف النهار لها. وأما الاتيان بجهنم في تلك الساعة فالمراد بلوغ نصف نهار المحشر تقديرا إذ ليس للشمس في القيامة حركة أو يقال: جميع ذلك اليوم لمحاذاة الشمس بسمت رأسهم بمنزلة الزوال، فالمعنى أنه لما كانت الشمس يوم القيامة مسامته لرؤوس أهلها لاتزول، فينبغي في الدنيا إذا صارت بتلك الهيئة أن يذكروا أهوالها وشدائدها التي من جملتها إحضار جهنم فيها. والمراد بكل شئ دون العرش، عنده أو تحته أو العرش وما دونه، كما قيل في قول أمير المؤمنين عليه السلام: سلوني عما دون العرش، أو كل شئ عند عرش علمه تعالى أي جميع المكونات.


(1) علل الشرائع ج 2 ص 26، ورواه البرقى في المحاسن: 322.

[255]

قيل: وإنما يسبح لله كل شئ دون العرش عند الزوال خاصة مع تسبيحه إياه في كل وقت على الدوام، لظهور النقص بالزوال والانحطاط والهبوط للشمس التي هي رئيس السماء وواهب الضياء بأمر الله سبحانه وطاعته، وهي مما يعبد من دون الله، وهى أعظم كوكب في السماء جسما ونورا، فيسبح الله عند ذلك عما يوجب النقص والافول: قال الخليل عليه السلام لما أفلت " إني لا احب الافلين إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين " (1). وإنما يصلي الله على نبيه صلى الله عليه واله في تلك الساعة لتسبيحه صلى الله عليه واله إياه في تلك الساعة زيادة على غيرها من الساعات وليشار بذلك إلى أنه ليس لارتفاع منزلته صلى الله عليه واله انحطاط، ولا لصعوده إلى جنابه سبحانه هبوط، وعلة فرض الصلاة في تلك الساعة هي علة التسبيح. ثم إن الخبر يدل على أن صلاة العصر هي الوسطى وسيأتي تحقيقها. قوله صلى الله عليه واله: " من وقت صلاة العصر " وفي الفقيه (2) ما بين العصر، و المراد بالعشاء هو المغرب، والجملة بيان لقوله ثلاث مائة أو خبر بعد خبر لكان وقوله: " في أيام الآخرة " جملة معترضة لبيان أن الثلاث مائة من أيام الدنيا لا الآخرة، فان أيام الآخرة كل منها كألف سنة من أيام الدنيا، ولذا كان ما بين عصره إلى المغرب الذي هو قريب من ثلث اليوم ثلاث مائة سنة. التي تقرب من ثلث الالف، ويفهم منه أن وقت العصر يدخل بعد مضى سبعة أعشار من اليوم، وهو قريب من مضى مثل القامة من الظل. قوله صلى الله عليه واله: " إلى صلاة العتمة " أي إلى الجماعة بها أو إلى المسجد لا يقاعها أو الاعم والعتمة وقت صلاة العشاء، ويدل على عدم كراهة تسمية العشاء بالعتمة ولا الصبح بالفجر خلافا للشيخ - ره - قال: في المنتهى قال الشيخ: " يكره تسمية


(1) الانعام: 79. (2) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 137 - 138. (*)

[256]

العشاء بالعتمة " وكأنه نظر إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه واله لا يغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم، فانها العشاء، وإنهم يعتمون بالابل، ولكن هذا الحديث لم يرد من طرق الاصحاب، قال: وكذا يكره تسمية الصبح بالفجر انتهى. وقال في النهاية: في الحديث لا يغلبنكم الاعراب على اسم صلاتكم العشاء فان اسمها في كتاب الله العشاء، وإنما يعتم بحلاب الابل، قال الازهري أرباب النعم في البادية يريحون الابل ثم ينيخونها في مراحها حتى يعتموا أي يدخلوا في عتمة الليل، وهي ظلمته، وكانت الاعراب يسمون صلاة العشاء صلاة العتمة، تسمية بالوقت، فنهاهم عن الاقتداء بهم، واستحب لهم التمسك بالاسم الناطق به لسان الشريعة، وقيل أراد لا يغرنكم فعلهم هذا فتؤخروا صلاتكم، ولكن صلوا إذا حان وقتها انتهى. أقول الحكم بالكراهة لهذا الخبر العامي مع ورود هذه اللفظة في الاخبار الكثيرة المعتبرة، واحتمال الخبر معنى آخر لا يخلو عن غرابة، وأغرب وأعجب منه الحكم الثاني مع ورود الفجر بهذا المعنى في التنزيل الحكيم في مواضع عديدة ولا ندري ما العلة فيه إلا أن يريد كراهة إطلاقه على الصلاة، وهو أيضا ضعيف لتفسير جماعة من المفسرين الفجر بها، وعدم ظهور روايه بالمنع، ولعلها وصلت إليه، وليست حجة علينا، وكون العلة فيه إشعاره بالفجور بعيد. قوله صلى الله عليه واله " جسدها " أي الجسد المحمول عليها، ويفهم منه حكم القدم بالطريق الاولى: أو كل الجسد الذي منه القدم وسيأتي تفسير الآيات قريبا. 5 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما اسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى، سمعت الاذان فإذا ملك يؤذن لم ير في السماء قبل تلك الليلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، فقال الله عزوجل صدق عبدي أنا أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال الله: صدق عبدي أنا الله

[257]

الذي لا إله غيري، فقال: أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله. فقال الله: صدق عبدي إن محمدا عبدي ورسولي أنا بعثته وانتجبته، فقال حي على الصلاة حي على الصلاة، فقال الله صدق عبدي ودعا إلى فريضتي، فمن مشى إليها راغبا فيها محتسبا كانت له كفارة لما مضى من ذنوبه، فقال: حي على الفلاح حي على الفلاح فقال الله هي الصلاح والنجاح والفلاح، ثم أممت الملائكة في السماء كما أممت الانبياء في بيت المقدس. قال: ثم غشيتني صبابة فخررت ساجدا فناداني ربي إني قد فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك و على امتك، فقم بها أنت في امتك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله فانحدرت حتى مررت على إبراهيم فلم يسألني عن شئ حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما صنعت يا محمد صلى الله عليه واله فقلت: قال ربي فرضت على كل نبي كان قبلك خمسين صلاة، وفرضتها عليك وعلى امتك، فقال موسى: يا محمد إن امتك آخر الامم وأضعفها، وإن ربك لا يرده شئ، وإن امتك لا يستطيع أن تقوم بها، فارجع إلى ربك فاسئله التخفيف لامتك. فرجعت إلى ربي حتى انتهيت إلى سدرة المنتهى فخررت ساجدا ثم قلت: فرضت على وعلى امتي خمسين صلاة ولا اطيق ذلك ولا امتي فخففت عني، فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال ارجع لا تطيق، فرجعت إلى ربي فوضع عني عشرا فرجعت إلى موسى فأخبرته. فقال: ارجع، وفي كل رجعة أرجع إليه أخر ساجدا حتى رجع إلى عشر صلوات فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال: لا تطيق، فرجعت إلى ربي فوضع عني خمسا فرجعت إلى موسى وأخبرته فقال: لا تطيق، فقلت: قد استحييت من ربي، ولكن أصبر عليها. فناداني مناد: كما صبرت عليها فهذه الخمس بخمسين: كل صلاة بعشر، و من هم من امتك بحسنة يعملها فعملها كتب له عشرا، وإن لم يعمل كتبت له واحدة، ومن هم من امتك بسيئة فعملها كتبت عليه واحدة، وإن لم يعلمها لم أكتب

[258]

عليه شيئا، فقال الصادق عليه السلام: جزى الله موسى عن هذه الامة خيرا (1). بيان: قال الجوهري الصبابة رقة الشوق وحرارته، قوله عليه السلام لا يرده شئ بالتخفيف أي لا يرد عليه نفع شئ من عبادة وغيرها، وفي بعض النسخ لا يزيده شئ أي لا يزيد في ملكه طاعة مطيع وقد مر تمام الخبر بطوله في باب المعراج (2). 6 - الخصال عن محمد بن جعفر بن بندار، عن سعيد بن أحمد، عن يحيى بن الفضل، عن يحيى بن موسى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري عن أنس قال: فرضت على النبي صلى الله عليه واله ليلة اسري به الصلاة خمسين، ثم نقصت فجعلت خمسا نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدي إن لك بهذه الخمس خمسين (3). 7 - ومنه: عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر الحميرى، عن معاوية بن حكيم عن ابن أبي عمير، عن أبي الحسن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما خفف الله عزوجل عن النبي صلى الله عليه واله حتى صارت خمس صلوات أوحى الله إليه: يا محمد إنها خمس بخمسين (4). 8 - العلل والخصال: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أبي هاشم الخادم قال: قلت لابي الحسن الماضي عليه السلام لم جعلت صلاة الفريضة والسنة خمسين ركعة، لا يزاد فيها ولا ينقص منها ؟ قال: إن ساعات الليل اثنتي عشرة ساعة، وفيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة، وساعات النهار اثنتي عشرة ساعة، فجعل لكل ساعة ركعتين وما بين غروب الشمس إلى سقوط الشفق


(1) تفسير على بن ابراهيم ص 375. (2) راجع ج 18 ص 319 - 332 من هذه الطبعة الحديثة. (3 - 4) الخصال ج 1 ص 129.

[259]

غسق، فجعل للغسق ركعة (1). بيان: هذا اصطلاح شرعي للساعات، وهي مختلفة باختلاف الاصطلاحات فمنها مستوية ومنها معوجة إلى غير ذلك، والركعة التي جعلت للغسق لعلها ركعتا الوتيرة فانهما تعدان بركعة، وفي الخصال ليس قوله فجعل للغسق ركعة وفيه مكان الشفق القرص، فالمراد سقوطه بالكلية بذهاب الحمرة المشرقية، وما في العلل في الموضعين أظهر وأصح، وفي الكافي (2) أيضا كذلك. وقال السيد الداماد - رحمه الله - كون كل من الليل والنهار اثنتي عشرة ساعة إما بحسب الساعات المعوجة أو بحسب الساعات المستوية في خط الاستواء أو وفي الافاق المائلة أيضا عند تساوي الليل والنهار، وذلك إذا كان مدار اليومي للشمس معدل النهار، وأما إخراج ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس من الليل والنهار واعتبار زمانه على حياله ساعة برأسها فقد ورد به بعض الاخبار عنهم صلوات الله عليهم. ومن ذلك ما رواه جماعة من مشيخة علمائنا رضوان الله عليهم عن مولانا الصادق عليه السلام أن مطران النصارى سأل أباه الباقر عليه السلام (3) عن مسائل عديدة عويصة منها الساعة التي ليست هي من ساعات الليل ولا من ساعات النهار أية ساعة هي ؟ فقال عليه السلام: هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فاستشكل ذلك من باعه في تتبع العلوم وتعرف المذاهب قاصر زاعما أن هذا أمر لم ينعقد عليه اصطلاح، ولم يذهب إليه ذاهب أصلا. ولعل مزجاة من بضاعة المتمهر حسبك لازاحة هذه المرية، أليس هذا


(1) علل الشرايع ج 2 ص 17، الخصال ج 2 ص 85. (2) الكافي ج 3 ص 478. (3) راجع في ذلك ج 10 ص 149 - 151 من هذه الطبعة الحديثة للبحار كتاب الاحتجاج، أخرجه عن تفسير القمى: 89 وغير ذلك وتراه في كتاب الروضة ص 122 أيضا.

[260]

الاصطلاح منقولا في كتب أعاظم علماء الهيئة عن حكماء الهند، وأليس الاستاد أبو ريحان البيروني في القانون المسعودي ذكر أن براهمة الهند ذهبوا إلى أن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وكذلك ما بين غروب الشمس وغروب الشفق غير داخل في شئ من الليل والنهار، بل أن ذلك بمنزلة الفصل المشترك بينهما وأورد ذلك الفاضل البرجندي في شرح زيج الجديد، وفي شرح التذكرة. ثم إن ما في أكثر رواياتنا عن ائمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين وما عليه العمل عند أصحابنا رضي الله تعالى عنهم إجماعا هو أن زمان ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من النهار ومعدود من ساعاته وكذلك زمان غروب الشمس إلى ذهاب الحمرة من جانب المشرق، فان ذلك غروبها في افق الغرب، فالنهار الشرعي في باب الصلاة والصوم وفي ساير الابواب من طلوع الفجر المستطير إلى ذهاب الحمرة المشرقية، وهذا هو المعتبر والمعول عليه عند أساطين الالهيين والرياضيين من حكماء يونان. وثاوذ وسيوس بنى أساس الاصطلاح في كتاب المساكن عليه وحكم أن مبدء النهار عند ظهور الضياء واختفاء الكواكب الثابتة ومنتهاه حين اختفاء الضياء و اشتباك النجوم. والعلامة الشيرازي قطب فلك التحصيل والتحقيق، شارح حكمة الاشراق وكليات القانون أظهر في كتبه نهاية الادراك والتحفة والاختيارات المظفرية أن أول الليل في اصطلاح الشرع وعند علماء الدين مجاوزة الشمس افق المغرب حيث تذهب الحمرة المشرقية وتستبين الظلمة في جانب المشرق، وما ذكره إن هو إلا مذهب الامامية. وأما أصحاب الاحكام من المنجمين فالنهار عندهم محدود في طرفي المبدء والمنتهى بطلوع مركز الشمس من افق المشرق، وغروبه في افق المغرب و زمان ظهور جرم الشمس إلى طلوع مركزها محسوب عندهم من الليل، وزمان غروب المركز إلى اختفاء الجرم أيضا كذلك فليتعرف.

[261]

9 - العلل: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن عمر بن عبد العزيز، عن هشام ابن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علة الصلاة فان فيها مشغلة للناس عن حوائجهم، ومتعبة لهم في أبدانهم، قال: فيها علل، وذلك أن الناس لو تركوا بغير تنبيه ولا تذكير للنبي صلى الله عليه واله بأكثر من الخبر الاول، وبقاء الكتاب في أيديهم فقط، لكانوا على ما كان عليه الاولون. فانهم قد كانوا اتخذوا دينا ووضعوا كتبا ودعوا اناسا إلى ما هم عليه، وقتلوهم على ذلك، فدرس أمرهم، وذهب حين ذهبوا، وأراد الله تبارك وتعالى أن لا ينسيهم أمر محمد صلى الله عليه واله، ففرض عليهم الصلاة يذكرونه في كل يوم خمس مرات، ينادون باسمه، وتعبدوا بالصلاة، وذكروا الله لكيلا يغفلوا عنه، فينسوه فيندرس ذكره (1). بيان: درس الرسم يدرس دروسا عفا، ودرسته الريح يتعدى ولا يتعدى، ذكره الجوهري، وقال التعبد التنسك. أقول: لعل ذكر النبي صلى الله عليه واله على سبيل المثال، أو الغرض تذكر ربهم بصفاته الجميلة، ونبيهم وأئمتهم والحشر والجنة والنار، وساير ما يمكنهم الغفلة عنه بسبب الاشغال الدنيوية، واللذات الدنية، كما مرت الاشارة إليه. 10 - العلل والعيون: عن علي بن أحمد بن محمد، عن محمد بن يعقوب عن محمد بن أبي عبد الله، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن العباس، عن القاسم بن الربيع الصحاف، عن محمد بن سنان فيما كتب الرضا عليه السلام عن جواب مسائله: قال: علة الصلاة أنها إقرار بالربوبية لله عزوجل، وخلع الانداد، وقيام بين يدى الجبار جل جلاله بالذل والمسكنة والخضوع والاعتراف، والطلب للاقالة من سالف الذنوب، ووضع الوجه على الارض كل يوم خمس مرات إعظاما لله عزوجل، وأن يكون ذاكرا غير ناس ولا بطر، ويكون


(1) علل الشرائع ج 2 ص 6 و 7.

[262]

خاشعا متذللا راغبا طالبا للزيادة في الدين والدنيا، مع ما فيه من الانزجار و المداومة على ذكر الله عزوجل بالليل والنهار، لئلا ينسى العبد سيده ومدبره وخالقه فيبطر ويطغى، ويكون في ذكره لربه وقيامه بين يديه زاجرا له من المعاصي ومانعا أنواع الفساد (1). توضيح: قوله عليه السلام: " إقرار بالربوبية " قال الوالد قدس سره: إما لاشتمالها على الاقرار بالربوبية والتوحيد والاخلاص، أو لان أصل عبادته تعالى دون غيره خلع للانداد وإقرار بالربوبية، وكذا طلب الاقالة وطلب الزيادة يحتملانهما، والند بالكسر المثل والنظير والظاهر عطف الاعتراف ووضع الوجه على الذل وربما يتوهم عطفهما على الاقرار، والبطر: الاشر وشدة المرح والنشاط. قوله " من الانزجار " أي عن المعاصي فان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وفي أكثر نسخ الفقيه (2) من الايجاب أي مجرد إيجاب الله تعالى على العبد أو إيجاب العبد على نفسه عبادته تعالى كماله أو سبب كماله، وقيل أي إيجاب الذكر إذ لو لم يوجب لنسي ولم يؤت به، وفي بعض نسخه الانجاب بالنون أي يصير به نجيبا حسن الاخلاق، من قولهم أنجب أي صار نجيبا، وأنجب أي ولد نجيبا وما هنا أظهر. 11 - العلل: عن أحمد بن محمد العطار، عن أبيه، عن أبي محمد العلوي الدينوري باسناده رفع الحديث إلى الصادق عليه السلام قال: قلت له: لم صارت المغرب ثلاث ركعات وأربعا بعدها، ليس فيها تقصير في حضر ولا سفر ؟ فقال: إن الله عزوجل أنزل على نبيه صلى الله عليه واله لكل صلاة ركعتين في الحضر، فأضاف إليها رسول الله صلى الله عليه واله لكل صلاة ركعتين في الحضر، وقصر فيها في السفر إلا المغرب، فلما


(1) علل الشرائع ج 1 ص 244، عيون الاخبار ج 2 ص 103 و 104 (2) الفقيه ج 1 ص 139.

[263]

صلى المغرب بلغه مولد فاطمة عليها السلام (1) فاضاف إليها ركعة شكرا لله عزوجل، فلما أن ولد الحسن عليه السلام أضاف إليها ركعتين شكرا لله عزوجل، فلما أن ولد الحسين عليه السلام أضاف إليها ركعتين شكرا لله عزوجل فقال: " للذكر مثل حظ الانثيين " (2) فتركها على حالها في الحضر والسفر (3). بيان: " فتركها " أي مجموع الخمس ركعات (4) لانها زيدت لشكر نعم لا تذهب على حال من الاحوال، فينبغي أن لا يسقط شكرها أيضا في وقت من الاوقات. 12 - العلل: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثمالي، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين عليه السلام فقلت له: متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم اليوم علي ه ؟ قال: فقال بالمدينة، حين ظهرت الدعوة، وقوي الاسلام وكتب الله عزوجل على المسلمين الجهاد، زاد رسول الله صلى الله عليه واله في الصلاة سبع ركعات، في الظهر ركعتين، وفي العصر ركعتين وفي المغرب ركعة، وفي العشاء الآخرة ركعتين، وأقر الفجر على ما فرضت بمكة لتعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء، ولتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الارض، فكان ملائكة الليل و ملائكة النهار يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه واله صلاة الفجر، فلذلك قال الله عزوجل " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " (5) يشهده المسلمون ويشهده ملائكة النهار وملائكة الليل (6).


(1) وينافيه الحديث الاتى وسائر الاحاديث المشابهة لها بل واجماع المسلمين ان الركعات السبع زيدت في المدينة، وقد كان مولدها صلى الله عليه وآله بمكة بعد المبعث بخمسة أعوام. (2) النساء: 11. (3) علل الشرايع ج 2 ص 13. (4) بل المراد صلاة المغرب فان السؤال كان عنها. (5) أسرى: 78. (6) علل الشرايع ج 2 ص 14.

[264]

العياشي: عن ابن المسيب مثله (1). تبيين: التعليل بتعجيل عروج ملائكة الليل ظاهر إما من حيث إنه سبب لتعجيلهم أو مسبب عنه، وأما التعليل بتعجيل نزول ملائكة النهار فلا يخلو من خفاء، ويمكن توجيهه بوجوه: الاول أن يكون قصر الصلاة معللا بتعجيل العروج فقط، ويكون تعجيل النزول علة لما بعده أعني شهود ملائكة الليل والنهار معا، وأما أن مدخول الفاء لا يعمل فيما قبله فأمره هين لوقوعه في القرآن المجيد وكلام الفصحاء كثيرا كقوله تعالى " وربك فكبر وثيابك فطهر " والتأويل مشترك وهذا إنما يستقيم فيه هذا التوجيه. الثاني أن يقال إذا كانت صلاة الفجر قصيرة يتعجلون في النزول ليدركوها بخلاف ما إذا كانت طويلة لامكان تأخيرهم النزول إلى الركعة الثالثة أو الرابعة وهذا إنما يتوجه لو لم يلزم شهودهم من أول الصلاة والظاهر من الخبر خلافه. الثالث أن يقال إرادة الله تعالى متعلقة بعدم اجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في الارض كثيرا، لمصلحة من المصالح، فيكون تعجيل عروج ملائكة الليل أمرا مطلوبا في نفسه، ومعللا أيضا بتعجيل نزول ملائكة النهار. الرابع أن يكون شهود ملائكة النهار لصلاة الفجر في الهواء ويكون المراد بنزولهم نزولهم إلى الارض. 13 - العلل: عن علي بن حاتم، عن القاسم بن محمد، عن حمدان بن الحسين عن الحسين بن الوليد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت لاي علة أوجب رسول الله صلى الله عليه واله صلاة الزوال ثمان قبل الظهر وثمان قبل العصر، ولاي علة رغب في وضوء المغرب كل الرغبة، ولاي علة أوجب الاربع الركعات من بعد المغرب، ولاي علة كان يصلي صلاة الليل في آخر الليل، ولا يصلي في أول الليل ؟. قال: لتأكيد الفرائض لان الناس - لو لم يكن إلا أربع ركعات الظهر -


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 309 و 310.

[265]

لكانوا مستخفين بها، حتى كاد يفوتهم الوقت، فلما كان شيئا غير الفريضة أسرعوا إلى ذلك لكثرته، وكذلك التي من قبل العصر ليسرعوا إلى ذلك لكثرته، و ذلك لانهم يقولون إن سوفنا ونريد أن نصلي الزوال يفوتنا الوقت وكذلك الوضوء في المغرب يقولون حتى نتوضأ يفوتنا الوقت فيسرعوا إلى القيام وكذلك الاربعة ركعات التي من بعد المغرب وكذلك صلاة الليل في آخر الليل ليسرعوا إلى القيام إلى صلاة الفجر، فلتلك العلة وجب هذه هكذا (1). بيان: حمل الوجوب على الاستحباب المؤكد وهو شائع في الاخبار، فان مراتب الطاعات مختلفة، فأولها الفرائض وهي التي ثبت وجوبها بالقرآن، ثم الواجبات التي ثبت وجوبها بالسنة ثم السنن التي كان رسول الله صلى الله عليه واله يواظب عليها في أواخر عمره، وهي تالية للواجبات وقد يعبر عنها بالواجب، ثم التطوعات وهي المستحبات التي لم يكن النبي صلى الله عليه واله يواظب عليها في آخره عمره للتوسعة على الامة وكذا النواهي أولها الكبائر، ثم الصغائر، ثم المكروهات الشديدة التي قد يعبر عنها بالحرمة ثم المكروهات الخفيفة. وحاصل هذا التعليل أن الانسان بسبب كثرة أشغاله وكسله يؤخر الامر الذي يلزم عليه إلى آخر أوقات إمكان الفعل، وقد يخطأ في تقدير الوقت فيقع بعضها خارجا عن الوقت، فضمت النوافل إلى الفرائض لتكون وقاية لها فإذا قدر وقت اثنتي عشرة ركعة للظهر مثلا وأخطأ يقع النقص في النافلة، وتقع الفريضة في وقتها، بخلاف ما إذا قدر وقت الاربع الركعات وأخطأ يقع بعض الفريضة خارج الوقت، فظهر أن النوافل كما أنها مكملة كذلك هي وقاية لها. 14 - العلل: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن علي بن الحسين السعد آبادي عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن فضالة، عن الحسين بن أبي العلا عن أبي عبد الله قال: لما هبط آدم من الجنة، ظهرت فيه شامة سوداء في وجهه من قرنه إلى قدمه فطال حزنه وبكاؤه على ما ظهر به، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له:


(1) علل الشرايع ج 2 ص 18.

[266]

ما يبكيك يا آدم، قال: لهذه الشامة التي ظهرت بي، قال: قم فصل فهذا وقت الصلاة الاولى. فقام فصلى فانحطت الشامة إلى عنقه فجاءه في وقت الصلاة الثانية، فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الثانية، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى سرته فجاءه في الصلاة الثالثة فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الثالثة فقام فصلى فانحطت الشامة إلى ركبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الرابعة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى رجليه فجاءه في الصلاة الخامسة فقال يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الخامسة، فقام فصلى فخرج منها فحمد الله وأثنى عليه فقال جبرئيل: يا آدم مثل ولدك في هذه الصلاة كمثلك في هذه الشامة، من صلى من ولدك في كل يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة (1). المحاسن: عن أبيه، عن فضالة مثله (2). بيان: الشامة بغير همز الخال، وقال الوالد قدس سره: يمكن أن يكون ظهور الشامة لردع أولاده عن الخطايا واعتبارهم، أو لانه كلما كان الصفاء أكثر، كان تأثير المخالفات أشد، ويحتمل على بعد أن تكون الشامة كناية عن حط رتبته وحطها عن رفعها، ويكون ذكر العنق والسرة والركبة من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس، أو يكون كناية عن ذهاب أثر الخطأ عن تلك الاعضاء، ويدل الخبر على أن الصلاة مكفرة لجميع الذنوب للجمع المضاف. 15 - العلل: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي الكوفي، عن صباح الحذاء، عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام كيف صارت الصلاة ركعة وسجدتين، وكيف إذا صارت سجدتين لم تكن ركعتين ؟ فقال: إذا سألت عن شئ ففرغ قلبك لتفهم


(1) علل الشرائع ج 2 ص 27 - 28. (2) المحاسن ص 321.

[267]

إن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه واله إنما صلاها في السماء بين يدي الله تبارك وتعالى قدام عرشه جل جلاله، وذلك أنه لما اسري به وصار عند عرشه تبارك وتعالى قال: يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها، وصل لربك فدنا رسول الله صلى الله عليه واله إلى حيث أمر الله تعالى فتوضأ فأسبغ وضوءه ثم استقبل الجبار تبارك وتعالى قائما فأمره بافتتاح الصلاة ففعل. فقال: يا محمد اقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين " إلى آخرها ففعل ذلك، ثم أمره أن يقرأ نسبة ربه تبارك وتعالى " بسم الله الرحمن الرحيم قل هو الله أحد الله الصمد " ثم أمسك عنه القول فقال رسول الله صلى الله عليه واله: " قل هو الله أحد الله الصمد " فقال: قل " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " فأمسك عنه القول، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: كذلك الله ربي كذلك الله ربي كذلك الله ربي. فلما قال ذلك قال: اركع يا محمد لربك فركع رسول الله صلى الله عليه واله فقال له وهو راكع: قل " سبحان ربي العظيم وبحمده " ففعل ذلك ثلاثا، ثم قال: ارفع رأسك يا محمد ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه واله، فقام منتصبا بين يدي الله فقال: اسجد يا محمد لربك، فخر رسول الله صلى الله عليه واله ساجدا فقال: " قل سبحان ربي الاعلى و بحمده " ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه واله ثلاثا فقال له: استو جالسا يا محمد، ففعل فلما استوى جالسا ذكر جلال ربه جل جلاله، فخر رسول الله صلى الله عليه واله ساجدا من تلقاء نفسه لا لامر أمره ربه عزوجل فسبح أيضا ثلاثا فقال: انتصب قائما، ففعل فلم ير ما كان رأى من عظمة ربه جل جلاله. فقال له اقرء يا محمد، وافعل كما فعلت في الركعة الاولى، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ثم سجد سجدة واحدة، فلما رفع رأسه ذكر جلالة ربه تبارك وتعالى الثانية فخر رسول الله صلى الله عليه واله ساجدا من تلقاء نفسه لا لامر أمره ربه عزوجل فسبح أيضا، ثم قال له: ارفع رأسك ثبتك الله واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.

[268]

اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم [على] محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم تقبل شفاعته في امته وارفع درجته، ففعل، فقال: يا محمد سلم ! فاستقبل رسول الله صلى الله عليه واله ربه تبارك وتعالى وجهه مطرقا فقال: السلام عليك فأجابه الجبار جل جلاله، فقال: وعليك السلام يا محمد بنعمتي قويتك على طاعتي، وبعصمتي إياك اتخذتك نبيا وحبيبا. ثم قال أبو الحسن عليه السلام: وإنما كانت الصلاة التي أمر بها ركعتين وسجدتين وهو صلى الله عليه واله إنما سجد سجدتين في كل ركعة عما أخبرتك من تذكره لعظمة ربه تبارك وتعالى، فجعله الله عزوجل فرضا. قلت: جعلت فداك وما صاد الذي امر أن يغتسل منه ؟ فقال: عين ينفجر من ركن من أركان العرش، يقال له: ماء الحياة، وهو ما قال الله عزوجل: " ص والقرآن ذي الذكر " إنما أمره أن يتوضأ ويقرأ ويصلي (1). 16 - ومنه: عن علي بن أحمد، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمد بن إسماعيل البرمكي، عن علي بن العباس، عن عكرمة بن عبد العرش، عن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علة الصلاة كيف صارت ركعتين وأربع سجدات ؟ ألا كانت ركعتين وسجدتين ؟ فذكر نحو حديث إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن عليه السلام يزيد اللفظ وينقص (2). بيان: يظهر من هذا الخبر سر كون السجدتين معا ركنا وعدم بطلان الصلاة بزيادة واحدة منهما ونقصانها سهوا، لان ما كان بأمره تعالى كان واحدة منهما، والثانية كانت من قبله صلى الله عليه واله بالتفويض، أو بالالهام، فلم يكن لها حكم الفرائض والاركان، فإذا تركتا معا تركت الفريضة والركن، وتبطل الصلاة وكذا إذا زيدتا معا بأن يأتي بأربع فتكرر الفريضة بخلاف ما إذا أتى بثلاث فانه يحتمل أن يكون المكرر ما زيد من قبله صلى الله عليه واله فلا يزيد الركن.


(1) علل الشرايع ج 2 ص 23. (2) علل الشرايع ج 2 ص 24.

[269]

وربما يقال: الركن هو السجدة الاولى وبه يندفع الاشكال المورد ههنا بأنه إن كان الركن السجدتين يلزم الاخلال به بترك واحدة وإن كان الواحدة أو الطبيعة يلزم الزيادة بالاتيان بسجدتين، وأكثر، ويرد عليه أنه لا ينفع في دفع الاشكال، إذ لا يعقل حينئذ زيادة الركن أصلا لان السجدة الاولى لا تتكرر إلا أن يفرض أنه سهى عن الاولى وسجد اخرى بقصد الاولى، فعلي تقدير تسليم أنه يصدق عليه تكرر الاولى يلزم زيادة الركن بسجدتين أيضا، ويلزم أنه إذا سجد ألف سجدات بغير هذا الوجه لم يكن زاد ركنا، على أنه لو اعتبرت النية في ذلك يلزم بطلان صلاة من ظن أنه سجد سجدة الاولى وسجد بنية الاخيرة، فظهر له بعد تجاوز المحل ترك الاولى، ولعله لم يقل به أحد. وقيل في دفع أصل الاشكال أن الركن هو أحد الامرين من إحداهما وكلتيهما وهو أيضا غير نافع إذ يرد الاشكال فيما إذا سجد ثلاث سجدات إذ حينئذ يلزم زيادة الركن إن اخذا لا بشرط شئ، وإن اخذا بشرط لا، يلزم عدم تحقيق الركن فيما إذا سجدت ثلاث سجدات. وتفصى بعضهم بوجه آخر وقال الركن المفهوم المردد بين السجدة الواحدة بشرط لا، والسجدتين بشرط لا وثلاث سجدات بشرط لا، فيندفع الاشكال، إذ ترك الركن حينئذ إنما يكون بترك السجدة مطلقا أو الاتيان بأربع فما زاد، وهذا وجه متين لكن يرد عليه أن القوم إنما جعلوا بطلان الاربع فما زاد لزيادة الركن لا لتركه. ويخطر بالبال وجه آخر، وهو أن يقال الركن أحد الامرين من سجدة واحدة، بشرط لا، أو سجدتين لا بشرط شئ، فإذا سجد سجدة واحدة سهوا فقد أتى بفرد من الركن، وكذا إذا أتى بهما، ولا ينتفي الركن إلا بانتفاء الفردين بأن لا يسجد أصلا، وإذا سجد ثلاث سجدات لم يأت إلا بفرد واحد من الركن، و هو الاثنتان، وأما الواحدة الزائدة فليست فردا له، لكونها مع اخرى وما كان فردا له كان بشرط لا، وإذا أتى بأربع فما زاد أتى بفردين من الاثنتين، وهذا وجه

[270]

وجيه لم أر أحدا سبقني إليه، ومع ذلك لا يخلو من تكلف. والاظهر في الجواب أن غرضهم إما إيراد الاشكال على الاخبار فلا إشكال فيها، لخلوها عن ذكر الركن، وتلك القواعد الكلية ورد فيها حكم كل ركن من الاركان بوجه مخصوص، وورد حكم السجود هكذا، ولا يلزم توافق أجزاء الصلاة في الاحكام، وأما على كلام الاصحاب رضوان الله عليهم، فلا يرد عليه أيضا لانه بعد تصريحهم بحكم السجود صارت قاعدتهم الكلية مخصوصة بغير السجود ومثل هذا في كلامهم كثير، وأمثال تلك المناقشات بعد وضوح المقصود لا طائل تحتها. 17 - العلل: عن علي بن أحمد، عن محمد بن جعفر الاسدي، عن موسى بن عمران النخعي، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة البطائني، عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لم صارت الصلاة ركعتين وأربع سجدات ؟ قال: لان ركعة من قيام بركعتين من جلوس (1). بيان: لعل الغرض أن العلة في الحكمين واحدة، لان علة كون الركعتين من جلوس بركعة من قيام، كون الصلاة من جلوس أخف على المصلي وأسهل، وهذه العلة بعينها متحققة في الركوع والسجود. 18 - العلل: عن علي بن حاتم، عن إبراهيم بن علي، عن أحمد بن محمد الانصاري، عن الحسن بن علي العلوي، عن أبي حكيم الزاهد، عن أحمد بن عبد الله قال: بينما أمير المؤمنين عليه السلام مار بفناء بيت الله الحرام، إذا نظر إلى رجل يصلي، فاستحسن صلاته، فقال: يا هذا الرجل أتعرف تأويل صلاتك ؟ قال الرجل: يا ابن عم خير خلق الله، وهل للصلاة تأويل غير التعبد ؟ قال علي عليه السلام اعلم يا هذا الرجل أن الله تبارك وتعالى ما بعث نبيه صلى الله عليه واله بأمر من الامور إلا وله متشابه، وتأويل وتنزيل، وكل ذلك على التعبد، فمن لم يعرف تأويل صلاته فصلاته كلها خداج، ناقصة غير تامة. فقال الرجل: يا ابن عم خير خلق الله، ما معنى رفع يديك في التكبيرة


(1) علل الشرائع ج 2 ص 25.

[271]

الاولى ؟ فقال عليه السلام: الله الواحد الاحد الذي ليس كمثله شئ، لا يقاس بشئ، ولا يلمس بالاخماس، ولا يدرك بالحواس، قال الرجل: ما معنى مد عنقك في الركوع، قال: تأويله آمنت بوحدانيتك، ولو ضربت عنقي، قال الرجل ما معنى السجدة الاولى ؟ فقال: تأويلها اللهم إنك منها خلقتني يعني من الارض ورفع رأسك ومنها أخرجتنا، والسجدة الثانية وإليها تعيدنا ورفع رأسك من الثانية ومنها تخرجنا تارة اخرى، قال الرجل: ما معنى رفع رجلك اليمني وطرحك اليسرى في التشهد ؟ قال: تأويله اللهم أمت الباطل وأقم الحق (1). بيان: قال في النهاية، فيه كل صلاة ليست فيها قراءة فهي خداج، الخداج النقصان يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوانه، وإن كان تام الخلق، و أخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل وإنما قال: فهي خداج والخداج مصدر على حذف المضاف، أي ذات خداج، أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه مبالغة كقوله: " فانما هي إقبال وإدبار ". 19 - العلل والعيون: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد ابن قتيبة في علل الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام فان قال: فلم امروا بالصلاة ؟ قيل: لان في الصلاة الاقرار بالربوبية، وهو صلاح عام لان فيه خلع الانداد، والقيام بين يدي الجبار بالذل والاستكانة والخضوع والاعتراف، وطلب الاقالة من سالف الذنوب، ووضع الجبهة على الارض كل يوم وليلة ليكون العبد ذاكرا لله تعالى غير ناس له، ويكون خاشعا وجلا متذللا طالبا راغبا في الزيادة للدين والدنيا مع ما فيه من الانزجار عن الفساد، وصار ذلك عليه في كل يوم وليلة، لئلا ينسى العبد مدبره وخالقه، فيبطر ويطغى، وليكون في ذكر خالقه، والقيام بين يدي ربه، زاجرا له عن المعاصي، وعاجزا ومانعا عن أنواع الفساد (2). فان قال: فلم جعل أصل الصلاة ركعتين، ولم زيد على بعضها ركعة وعلى


(1) علل الشرايع ج 2 ص 10 و 25 متفرقا. (2) علل الشرائع ج 1 ص 244. عيون الاخبار ج 2 ص 103 و 104. (*)

[272]

بعضها ركعتين ؟ ولم يزد على بعضها شئ ؟ قيل: لان أصل الصلاة إنما هي ركعة واحدة، لان أصل العدد واحد، فإذا نقصت من واحد فليست هي صلاة، فعلم الله عزوجل أن العباد لا يؤدون تلك الركعة الواحدة التي لا صلاة أقل منها بكمالها وتمامها والاقبال عليها، فقرن إليها ركعة، ليتم بالثانية ما نقص من الاولى، ففرض الله عزوجل أصل الصلاة ركعتين. ثم علم رسول الله صلى الله عليه واله أن العباد لا يؤدون هاتين الركعتين بتمام ما أمروا به وكماله، فضم إلى الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتين ركعتين، ليكون فيهما تمام الركعتين الاوليين ثم علم أن صلاة المغرب يكون شغل الناس في وقتها أكثر للانصراف إلى الاوطان، والاكل والوضوء والتهيئة للمبيت، فزاد فيها ركعة واحدة، ليكون أخف عليهم، ولان تصير ركعات الصلاة في اليوم والليلة فردا. ثم ترك الغداة على حالها، لان الاشتغال في وقتها أكثر، والمبادرة إلى الحوائج فيها أعم، ولان القلوب فيها أخلى من الفكر، لقلة معاملات الناس بالليل، ولقلة الاخذ والاعطاء، فالانسان فيها أقبل على صلاته منه في غيرها من الصلوات، لان الفكر قد تقدم العمل من الليل. فان قال: فلم جعل ركعة وسجدتين ؟ قيل لان الركوع من فعل القيام، والسجود من فعل القعود، وصلاة القاعد على النصف من صلاة القيام فضوعف السجود ليستوي بالركوع، فلا يكون بينهما تفاوت، لان الصلاة إنما هي ركوع وسجود (1). بيان: الاقرار بالربوبية لان الصلاة مشتملة على الاقرار بما ذكر، أو لان أصل عبادته تعالى دون غيره خلع للانداد، وإقرار بالربوبية كما مر، و كذا الطلب في الاقالة والطلب للدين والدنيا، قوله: " وهو صلاح " الضمير راجع إلى الاقرار، والقيام عطف على الاقرار، والبطر الطغيان بالنعمة وكراهة الشئ من غير أن يستحق الكراهة.


(1) علل الشرايع ج 1 ص 248، عيون الاخبار ج 2 ص 107 و 108.

[273]

20 - المحاسن: عن أبيه، عن فضالة، عن الحسين بن أبي العلا قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن أصحاب الدهر يقولون: كيف صارت الصلاة ركعة و سجدتين، ولم تكن ركعتين وسجدتين ؟ فقال: إذا سألت عن شئ ففرغ قلبك لفهمه إن الناس يزعمون أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه واله في الارض أتاه جبرئيل بها، وكذبوا. إن أول صلاة صلاها في السماء بين يدي الله تبارك و تعالى مقابل عرشه جل جلاله. وأوحى إليه وأمره أن يدنو من صاد فيتوضأ وقال أسبغ وضوءك وطهر مساجدك وصل لربك. قلت له: وما الصاد ؟ قال: عين تحت ركن من أركان العرش اعدت لمحمد صلى الله عليه واله ثم قرأ أبو عبد الله عليه السلام " ص والقرآن ذي الذكر " فتوضأ منها وأسبغ وضوءه ثم استقبل عرش الرحمن فقام قائما فأوحى الله إليه بافتتاح الصلاة ففعل، ثم أوحى الله إليه بفاتحة الكتاب. وأمره أن يقرأها ثم أوحي إليه أن اقرء يا محمد نسبة ربك، فقرأ " قل هو الله أحد الله الصمد " ثم أمسك تبارك وتعالى عنه القول، فقرأ رسول الله صلى الله عليه واله من تلقاء نفسه الله أحد الله الصمد الله الواحد الاحد الصمد ثم أوحى الله إليه تبارك وتعالى أن اقرأ " لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " فقرأ، وأمسك الله عنه القول، فقرأ رسول الله صلى الله عليه واله من تلقاء نفسه كذلك الله ربنا. فلما قال ذلك، أوحى الله إليه أن اركع لربك يا محمد، وانحر، (1) فاستوى ونصب نفسه بين يدي الله فأوحى الله إليه أن اسجد لربك فخر ساجدا فأوحى الله إليه أن استو جالسا يا محمد، ففعل، فلما رفع رأسه من أول السجدة تجلى له تبارك وتعالى فخر ساجدا من تلقاء نفسه، لا لامر أمره ربه، فجرى ذلك الفضل من الله وسنة من رسول الله صلى الله عليه واله (2). بيان: قوله " وانحر " أي رافعا يدك إلى نحرك أوسو بعد الركوع بين نحرك وصدرك، واستو قائما أوسو في الركوع بين نحرك وصدرك، وسيأتي تمام


(1) قد سقط عن الحديث ذكر الركوع والامر بالاستواء. (2) المحاسن ص 323 - 324.

[274]

القول فيه. 21 - أقول:: قال السيد بن طاوس في كتاب سعد السعود: وجدت في صحف إدريس عليه السلام عند ذكر قصة آدم عليه السلام أنه كان إقامة آدم عليه السلام في الجنة وأكله من الشجرة خمس ساعات من نهار ذلك اليوم، قال: ثم نادى الله تعالى آدم أن أفضل أوقات العبادة الوقت الذي أدخلتك وزوجتك الجنة عند زوال الشمس فسبحتماني فيها فكتبتها صلاة وسميتها لذلك الاولى. وكانت في أفضل الايام يوم الجمعة، ثم أهبطتكما إلى الارض وقت العصر، فسبحتماني فيها فكتبتها لكما أيضا صلاة وسميتها لذلك بصلاة العصر، ثم غابت الشمس فصليت لي فيها فسميتها صلاة المغرب، ثم جلست لي حين غاب الشفق فسميتها صلاة العشاء ثم قال: وقد فرضت عليك وعلى نسلك في كل يوم وليلة خمسين ركعة فيها مائة سجدة فصلها يا آدم، أكتب لك ولمن صلاها من نسلك ألفين وخمس مائة صلاة (1). 22 - ارشاد القلوب: عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله ليلة اسري به كانت الامم السالفة مفروضا عليهم صلاتها في كبد الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدايد التي كانت وقد رفعتها عن امتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار في أوقات نشاطهم، وكانت الامم السالفة مفروضا عليهم خمسون صلاة في خمسين وقت، وهي من الاصار التي كانت عليهم، وقد رفعتها عن امتك. ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام في بيان فضل امة نبينا صلى الله عليه واله أن الله عزوجل فرض عليهم في الليل والنهار خمس صلوات في خمسة أوقات اثنتان بالليل، وثلاث بالنهار، ثم جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلاة، وجعلها كفارة خطاياهم فقال عزوجل: " إن الحسنات يذهبن السيئات " يقول صلاة الخمس تكفر الذنوب، ما اجتنب العبد الكبائر. ثم قال عليه السلام: إن النبي صلى الله عليه واله رأى في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة


(1) سعد السعود ص 36.

[275]

قياما وركوعا منذ خلقوا، فقال: يا جبرئيل، هذه هي العبادة ؟ فقال جبرئيل: يا محمد فاسئل ربك أن يعطي امتك القنوت والركوع والسجود في صلاتهم فأعطاهم الله ذلك، فامة محمد صلى الله عليه واله يقتدون بالملائكة الذين في السماء الخبر (1). 23 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام في ذم التكبر: ومن ذلك ما حرض الله عباده المؤمنين بالصلاة والزكاة، ومجاهدة الصيام في الايام المفروضات، تسكينا لاطرافهم، وتخشعا لابصارهم، وتذليلا لنفوسهم، وتخفيضا لقلوبهم، وإذهابا للخيلاء عنهم، ولما في ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتراب تواضعا، وإلصاق كرائم الجوارح بالارض تصاغرا، ولحوق البطون بالمتون من الصيام تذللا إلى آخر ما مر مشروحا في آخر المجلد الخامس ؟ ! (2). 24 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: العلة في الصلاة الاستعباد والاقرار بربوبيته، وخلع الانداد مكررا ذلك عليهم، في كل يوم وليلة خمس مرات، ولئلا ينسوا خالقهم ورازقهم، ولا يغفلوا عن طاعته، ويكونوا ذاكرين حامدين شاكرين لنعمه وتفضله عليهم. وعلة اخرى ليذل فيها كل جبار عنيد ومتكبر ويعترف ويخشع و يخضع ويسجد له، ويعلم أن له خالقا ورازقا ومحييا ومميتا، وحتى تكون له في قيامه بين يديه زاجرا عن معاصي الله، ففي الصلاة علة الاستعباد، وعلة نجاة نفسه، وعلة شكر نعمه، وعلة ذل كل جبار عنيد ومتكبر، وخشوعه وخضوعه. وعلة نوافل الصلاة لتمام ما ينقص من الفرائض، مما يقع فيها من السهو والتقصير والتخفيف، وحديث النفس والسهو عن الوقت. قال: وسئل أبو عبد الله عليه السلام عن علة مواقيت الصلاة، ولم فرضت في خمسة


(1) ارشاد القلوب ج 2 ص 22، وتمام الخبر في ج 16 ص 341 - 352. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 190 من قسم الخطب، ص 367 ط سيد الاهل.

[276]

أوقات مختلفة، ولم لم تفرض في وقت واحد ؟ فقال: فرض الله صلاة الغداة لاول ساعة من النهار، وهي سعد، وفرض الظهر لست ساعات من النهار وهي سعد، و فرض العصر لسبع ساعات من النهار وهي سعد، وفرض المغرب لاول ساعة من الليل وهي سعد، وفرض العشاء الآخرة لثلاث ساعات من الليل وهي سعد، فهذه إحدى العلل لمواقيت الصلاة، ولا يجوز أن تؤخر الصلاة من هذه الاوقات السعد فتصير في أوقات النحوس.

[277]

3. * { باب } * * { انواع الصلاة والمفروض والمسنون منها } * * { ومعنى الصلاة الوسطى } * الايات: البقرة: حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وقوموا لله قانتين " (1). تفسير: المحافظة عليها بأدائها في أوقاتها، والمواظبة عليها بجميع شروطها وحدودها، وإتمام أركانها، ويدل - بناء على كون الامر مطلقا أو خصوص أمر القرآن للوجوب - على وجوب المحافظة على جميع الصلوات، إلا ما أخرجها الدليل


(1) البقرة: 238، والذى عندي رغم الاختلاف الذى وقع بين الامة في معنا هذه الكريمة الشريفة أن المراد بالصلوات - بصيغة الجمع - الصلوات الخمس - فانها هي التى تعرض لذكرها القرآن الكريم بلفظ الصلاة، فتكون الاية ناظرة إليها، وأما النوافل وغيرها من ركعات السنة التى جعلت داخل الفرض فالتعبير عنها في القرآن العزيز انما هو بلفظ السبحة والتسبيح وامثال ذلك. والمراد بالحفظ هو ضبط الشئ في النفس ثم يشبه به ضبطه بالمنع من الذهاب، وهو خلاف النسيان كما قاله في المجمع. فحفظ الصلاة إذا عنى به ضبطها في النفس لا يكون الا من حيث عدد الركعات وهى الركعتان الاولتان من كل صلاة لانهما الفرض المذكور في القرآن، والركعات الثلاث في صلاة المغرب، فانها هي الوسطى من حيث عدد الركعات التى كان الكلام في حفظها. فعلى هذا حفظ عدد الركعات المذكورة فرض، فيكون ركنا تبطل الصلاة بالاخلال به، بمعنى أنه إذا سها المصلى في عدد هذه الركعات المذكورة ولم يتذكر بعد التروي فصلاته باطل، كما أن سائر أركان الصلاة انما صارت ركنا لكونها مفروضة في القرآن - >

[278]

وربما يستدل بها على وجوب صلاة الجمعة والعيدين والآيات، لكن في بعض الروايات أن المراد بها الصلوات الخمس، وعلى تقدير العموم يمكن تعميمها بحيث يشمل النوافل والتطوعات أيضا، فلا يكون الامر على الوجوب، ويشمل رعاية السنن في الصلاه الواجبة أيضا كما يفهم من بعض الاخبار، وعلى الوجوب أيضا يمكن أن تعم النوافل أيضا بمعنى رعاية ما يوجب صحتها، وعدم تطرق بدعة إليها، فيؤل إلى أنه إذا أتيتم بالنافلة فأتوا بها على ما امرتم برعاية شرائطها ولوازمها وفيه مجال نظر. وخص الصلاة الوسطى بذلك بعد التعميم، لشدة الاهتمام بها لمزيد فضلها أو لكونها معرضة للضياع من بينها، فهي الوسطى بين الصلوات وقتا أو عددا أو


< - العزيز، وسيجئ الكلام فيه. وأما القنوت - فعلى ما يظهر من موارد ذكره وتصاريفه في القرآن العزيز - هو اظهار المطاوعة والانقياد بالتذلل والاخلاص والرغبة، ولا يكون الا من قبل المصلى وانشائه كيف ما أمكن، بأن يثنى على الله عزوجل بما هو أهله ويمدحه ويهلله ثم يتضرع إليه بالتذلل والاخلاص ويظهر العبودية والانقياد والتسليم لا وامره ونواهيه، وأنه عبدلا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا وأنه فقير محتاج إلى رحمة الله في الدنيا والاخرة والله هو الغنى ذو الرحمة، ولما كان مقيدا بكون القنوت عن قيام، لا ينطبق الا على القنوت الاصطلاحي، وأما رفع اليدين ففيه تمثيل معنى العبودية والتذلل واظهارها عملا ليتوافق الظاهر و الباطن. وما قيل ان القنوت هو حسن الطاعة أودوامها أو هو الخشوع في الصلاة فليس بشئ فان القنوت قد قيد في هذه الاية بكونه عن قيام، وهكذا قيد في قوله تعالى، " أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما " بحال دون حال، فيدل على كونه صفة وحالة تظهر في وقت، ولا تظهر في وقت آخر، وأما الخشوع وحسن الطاعة ودوامها فكلها مطلوب في تمام الصلاة، لا حال القيام. (*)

[279]

الفضلى من قولهم للافضل الاوسط، وقد قال بتعيين كل من الصلوات الخمس قوم إلا أن أصحابنا لم يقولوا بغير الظهر والعصر كما يظهر من المنتهى وغيره. فقال الشيخ في الخلاف: إنها الظهر، وتبعه جماعة من أصحابنا، وبه قال زيد بن ثابت وعائشة وعبد الله بن شداد، لانها بين صلاتين بالنهار، ولانها في وسط النهار، ولانها تقع في شدة الحر والهاجرة، وقت شدة تنازع الانسان إلى النوم والراحة، فكانت أشق، وأفضل العبادات أحمزها، وأيضا الامر بمحافظة ما كان أشق أنسب وأهم ولانها أول صلاة فرضت، ولانها في الساعة التي يفتح فيها أبواب السماء، فلا تغلق حتى تصلى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء قيل: ولانها بين البردين صلاة الصبح وصلاة العصر، وقيل: لانها بين نافلتين متساويتين، كما نقل عن ابن الجنيد أنه علل به. وروى الجمهور من زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه واله منها، فنزلت الآية، رواه أبو داود. وروى الترمذي وأبو داود عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قرأ " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر " قال في المنتهى: والعطف يقتضي المغايرة لا يقال: الواو زائدة كما في قوله تعالى " ولكن رسول الله وخاتم النبيين " لانا نقول الزيادة منافية للاصل، فلا يصار إليها إلا لموجب. والمثال الذي ذكروه نمنع زيادة الواو فيه، بل هي للعطف على بابها، وقال في مجمع البيان (1): كونها الظهر هو المروي عن الباقر والصادق عليهما السلام وعن بعض أئمة الزيدية أنها الجمعة في يومها، والظهر في غيرها. كما سيأتي في بعض أخبارنا. وقال السيد المرتضى - ره - هي صلاة العصر، وتبعه جماعة من أصحابنا وبه قال أبو هريرة وأبو أيوب وأبو سعيد عبيدة السلمانى، والحسن والضحاك وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد، ونقله الجمهور عن علي عليه السلام قالوا: لانها بين


(1) مجمع البيان ج 2 ص 343.

[280]

صلاتي ليل وصلاتي نهار، واحتج السيد باجماع الشيعة، والمخالفون بما رووا عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال يوم الاحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملا الله بيوتهم وقبورهم نارا، وروى في الكشاف عن صفية أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه فلا تكتبها حتى املئها عليك كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه واله يقرأ فأملت عليه " والصلاة الوسطى صلاة العصر " وبأنها تقع في حال اشتغال الناس بمعاشهم، فيكون الاشتغال بها أشق. وقال بعض المخالفين: هي المغرب لانها تأتي بين بياض النهار وسواد الليل ولانها متوسطة في العدد بين الرباعية والثنائية، ولانها لا تتغير في السفر و الحضر مع زيادتها على الركعتين، فيناسب التأكيد، ولان الظهر هي الاولى إذ قد وجبت أولا فتكون المغرب هي الوسطى. وقال بعضهم: هي العشاء لانها متوسطة بين صلاتين لا تقصران، أو بين ليلية ونهارية، ولانها أثقل صلاة على المنافقين كما روي، وقال بعضهم هي الصبح لتوسطها بين صلاتي الليل وصلاتي النهار، وبين الظلام والضياء، ولانها لاتجمع مع اخرى، فهي منفردة بين مجتمعتين ولمزيد فضلها لشهود ملائكة الليل وملائكة النهار، وعندها، ولانها تأتي في وقت مشقة من برد في الشتاء، وطيب النوم في الصيف، وفتور الاعضاء، وكثرة النعاس، وغفلة الناس، واستراحتهم فكانت معرضة للضياع، فخصت لذلك بشدة المحافظة، وبه قال: مالك والشافعي وقال: ولذا عقبه بالقنوت، فانه لا يشرع عنده في فريضة إلا الصبح إلا عند نازلة فيعم. وقيل: هي مخفية مثل ليلة القدر وساعة الاجابة، واسم الله الاعظم لئلا يتطرق التساهل إلى غيرها بل يهتم غاية الاهتمام بكل منها، فيدرك كمال الفضل في الكل. والظاهر أنها الجمعة والظهر، وإنما ابهم الابهام لتلك الفائدة و غيرها مما قيل في إخفاء أمثالها، وسيتضح لك ذلك في تضاعيف ما يقرع سمعك

[281]

من الاخبار. 1 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: فرض الله عزوجل الصلاة و سن رسول الله صلى الله عليه واله الصلاة على عشرة أوجه: صلاة الحضر، وصلاة السفر، وصلاة الخوف، على ثلاثة أوجه، وصلاة الكسوف للشمس والقمر، وصلاة العيدين و صلاة الاستسقاء والصلاة على الميت (1). الهداية: مرسلا عنه عليه السلام مثله (2). بيان: وسن أي شرع وقرر وبين أعم من الوجوب والاستحباب لدخول الاستسقاء والعيدين مع فقد الشرائط فيها، وأما عدها عشرة مع كونها إحدى عشرة، فلعد العيدين واحدة، لاتحاد سببهما، وهو كونه عيدا. أوعد الكسوفين واحدة لتشابه سببهما أو يقال: المقصود عد الصلوات الواجبة غالبا، فيكون ذكر الاستسقاء استطرادا، أو عد الصلوات الحقيقية، ويكون ذكر صلاة الميت استطرادا أو بعطفها على العشرة وإفرازها عنها لتلك العلة، وعلى الوجوه الآخر يدل على كونها صلاة حقيقة. فان قيل: بعض تلك الصلوات ظهر من القرآن كصلاة السفر والخوف، قلنا: لعل المعنى أن أكثرها ظهر من السنة أو آدابها وشرائطها وتفاصيلها، وأما أنواع صلاة الخوف فهي الصلاة المقصورة والمطاردة وشدة الخوف أو ذات الرقاع وعسفان وبطن النخل، والاول أظهر، وأنها ترجع إلى القسم الاول وصلاة الجمعة داخلة في صلاة الحضر، ولا يضر خروج الصلاة الملتزمة، لان المقصود عد ما وجب بالاصالة، وأما صلاة الطواف فيمكن عدها في صلاة السفر إذ الغالب وقوعها فيه أو يقال: إنها داخلة في أفعال الحج، والمقصود عد ما لم يكن كذلك، أو يقال: الغرض عد الصلوات المتكررة الكثيرة الوقوع.


(1) الخصال ج 2 ص 58. (2) الهداية: 28.

[282]

2 - الخصال: عن أحمد بن محمد العجلي وأحمد بن الحسن القطان ومحمد بن أحمد السناني وغيرهم من مشايخه، عن أحمد بن يحيى بن زكريا، عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش قال: قال الصادق عليه السلام: صلاة الفريضة الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع ركعات، والفجر ركعتان، فجملة الصلاة المفروضة سبع عشرة ركعة، والسنة أربع وثلاثون ركعة منها أربع ركعات بعد المغرب، لا تقصير فيها في سفر ولا حضر، وركعتان من جلوس بعد العشاء الآخرة، تعدان بركعة، وثمان ركعات في السحر، وهي صلاة الليل، والشفع ركعتان، والوتر ركعة، وركعتا الفجر بعد الوتر، وثمان ركعات قبل الظهر، وثمان ركعات قبل العصر (1). العيون: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون مثله (2). تحف العقول: مرسلا مثله (3). 3 - معاني الاخبار: عن محمد بن الحسين بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي نجران والحسين بن سعيد معا، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عما فرض الله جل جلاله من الصلوات، فقال: خمس صلوات في الليل والنهار قلت: هل سماهن الله تعالى وبينهن في كتابه ؟ فقال: نعم قال الله عزوجل لنبيه: " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (4) ودلوكها زوالها، ففيما بين دلوك


(1) الخصال ج 2 ص 151. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 123. (3) تحف العقول ص 439 ط الاسلامية. (4) أسرى: 78.

[283]

الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات سماهن وبينهن ووقتهن، وغسق الليل انتصافه، ثم قال: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " فهذه الخامسة وقال تبارك وتعالى في ذلك " أقم الصلاة طرفي النهار " (1) وطرفاه صلاة المغرب والغداة " وزلفا من الليل " فهي صلاة العشاء الآخرة، وقال عزوجل " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " (2) وهي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه واله وهي وسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر، " وقوموا لله قانتين " في صلاة الوسطى (3). دعائم الاسلام: عنه عليه السلام مثله إلا أنه قال: والصلاة الوسطى وهي صلاة الجمعة، والظهر في سائر الايام (4). العلل: عن أبيه عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن حديد وابن أبي نجران معا عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: سئل أبو جعفر عليه السلام عما فرض الله عزوجل من الصلاة، وساق الحديث مثل ما مر إلى قوله: وهي وسط صلاتين بالنهار صلاة الغداة وصلاة العصر. وقال: في بعض القرائة " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر و قوموالله قانتين " في صلاة العصر، قال: وانزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله في سفر فقنت فيها فتركها على حالها، وأضاف للمقيم ركعتين وإنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما رسول الله صلى الله عليه واله يوم الجمعة لمكان الخطبتين


(1) هود: 116. (2) البقرة: 238. (3) معاني الاخبار ص 332 والحديث يوافق مذهب أبى حنيفة من حيث التفسير وفيه أن الصلوة الخمس فرضت على الامة على ما هو اليوم في المدينة مع أن سورة الاسراء ثم هود نزلتا بمكة، وسيأتى في باب أوقات الصلوات أن آية الاسراء تشمل صلاة المغرب والصبح فقط، وأن أول الصلوات المفروضات هي صلاة المغرب مع الصبح بآية الاسراء. (4) دعائم الاسلام ج 1 ص 131.

[284]

فمن صلاها وحده فليصلها أربعا كصلاة الظهر في سائر الايام قال: ووقت العصر يوم الجمعة في وقت الظهر في سائر الايام (1). تبيين: قوله: " من الصلاة " قال الشيخ البهائي قدس سره: لعل تعريف الصلاة للعهد الخارجي، والمراد الصلاة التي يلزم الاتيان بها في كل يوم وليلة أو السؤال عما فرض الله سبحانه في الكتاب العزيز، دون ما ثبت بالسنة، وعلى الوجهين لا إشكال في الحصر في الخمس، كما يستفاد من سوق الكلام بخروج صلاة الآيات والاموات والطواف مثلا. فان قلت: في الحمل على الوجه الاول يشكل صلاة الجمعة، فانه مما لا يلزم الاتيان به كل يوم وما يلزم الاتيان به كذلك أقل من خمس، والحمل على الوجه الثاني أيضا مشكل، فان الجمعة والعيد مما فرضه الله سبحانه في الكتاب قال: جل وعلا " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة " الآية قال: " فصل لربك وانحر " (2) وقد قال جماعة من المفسرين إن المراد صلاة العيد بقرينه قوله تعالى: " وانحر " أي انحر الهدى، وروي أنه كان ينحر ثم يصلي، فامر أن يصلي ثم ينحر. قلت: الجمعة مندرجة تحت الظهر، ومنخرطة في سلكها، فالاتيان بالظهر في قوة الاتيان بالجمعة، وتفسير الصلاة في الآية الثانية بصلاة العيد والنحر بنحر الهدي وإن قال به جماعة من المفسرين، إلا أن المروي عن أئمتنا أن المراد رفع اليدين إلى النحر حال التكبير في الصلاة انتهى. قوله عليه السلام: " سماهن " قيل المراد بالتسمية المعنى اللغوي، وقيل:


(1) علل الشرايع ج 2 ص 43 و 44. (2) سورة الكوثر: 2، وسيأتى في محله أن ذلك صلاة الشكر لمولد فاطمة الزهراء المسمى في القرآن العزيز بالكوثر لانتشار نسل رسول الله صلى الله عليه وآله منها، وأن المراد بالنحر العقيقة، لا الهدى مع أن السورة مكية نزلت في اوائل البعثة وصلاة العيد شرعت بمكة بعد تشريع صلاة الجمعة.

[285]

المراد بها وبالتبيين الاجماليان وقيل على لسان النبي صلى الله عليه واله أو بفعله ووقتهن إذ يعلم من الآية أن هذا الوقت وقت لمجموع هذه الصلوات الاربع، وليس بين الاوقات فصل كما قال به بعضهم. قوله عليه السلام: " في ذلك " أي في بيان الصلوات، قوله: " وقال في بعض القرائة " الظاهر أنه كلام الامام عليه السلام، ويحتمل أن يكون من كلام الراوي بقرينة أن الصدوق أسقطه في معاني الاخبار، ثم إن النسخ مختلفة ههنا ففي التهذيب (1) وصلاة العصر كما في العلل، وفي الفقيه والكافي (2) بدون الواو، وقد قرئ في الشواذ. بهما، قال في الكشاف: في قرائة ابن عباس و عائشة مع الواو، وفي قرائة حفصة بدونها. فمع الواو أورده عليه السلام تأييدا وبدونها تبهيما للتقية أو هو من الراوي كما أو مأنا إليه. قوله: " في صلاة العصر " أقول في الكافي والفقيه والتهذيب وغيرها في صلاة الوسطى، فالظاهر أنه كلام الامام عليه السلام ذكره تفسيرا للآية، وقد تمت القرائة عند قوله: " وصلاة العصر " وعلى ما في العلل يحتمل أن يكون تتمة للقراءة أو تفسيرا بناء على هذه القرائة، والظاهر أنه من تصحيف النساخ، وما في الكتب المشهورة أصح وأصوب، ويدل على وجوب القنوت أو تأكده في صلاة الجمعة ولذا كرر فيه القنوت " وتركها على حالها " أي لم يضف إليها ركعتين اخريين كما أضاف للمقيم في الظهر والعصر والعشاء، وفي الكافي وغيره في السفر والحضر. وقال السيد الداماد قدس سره: فالفرايض اليومية الحضرية يوم الجمعة خمس عشرة ركعة، وفي ساير الايام سبع عشرة ركعة (3)، وهي في


(1) التهذيب ج 1 ص 304. (2) الفقيه ج 1 ص 125، الكافي ج 3 ص 271. (3) قد أشرنا قبل ذلك أن الركعات المفروضة في الصلوات الخمس هي عشر ركعات فقط، والخمسة الاخرى في يوم الجمعة، والسبعة في سائر الايام سنة في فريضة، وسيأتى مزيد توضيح لذلك انشاء الله.

[286]

السفر إحدى عشرة ركعة، فهي من حيث صلاة الجمعة متوسطة بحسب العدد بين السفرية والحضرية في غير يوم الجمعة، فهذا وجه ثالث ليكون صلاة الجمعة هي الصلاة الوسطى، وقوله عليه السلام: " وقوموا لله قانتين في صلاة الوسطى " أيضا يؤكد هذا القول، لمزيد اختصاص الجمعة بالقنوت، لان فيها قنوتين فليتعرف انتهى. " وإنما وضعت الركعتان " أي وضع الله الركعتين ورفعهما عن المقيم الذي يصلي جماعة لاجل الخطبتين، فانهما مكان الركعتين، ويحتمل أن يكون المراد إنما قررت الركعتان المزيدتان للمقيم الذي يصلي منفردا عوضا عن الخطبتين. وقال الشيخ البهائي قدس الله روحه: المراد بالمقيم في قوله عليه السلام: " وأضاف للمقيم " ما يشمل من كان مقيما في غير يوم الجمعة، ومن كان مقيما فيه غير مكلف بصلاة الجمعة والمراد بالمقيم المذكور ثانيا إما الاول على أن يكون لامه للعهد الذكرى فالجار متعلق بقوله أضافهما، وإما من فرضه الجمعة فالجار متعلق بقوله وضعت أي سقطت لاجله، وأما الظرف أعني قوله: " يوم الجمعة " فمتعلق بقوله: " وضعت " على التقديرين انتهى. أقول: في الكافي وغيرها " وتركها على حالها في السفر والحضر، وأضاف للمقيم ركعتين، وإنما وضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي صلى الله عليه واله يوم الجمعة للمقيم " ولو كان هذا مراده بأضافهما لكان في غاية البعد والركاكة، ويدل الخبر على أن وقت صلاة الجمعة وقت النافلة سائر الايام، وسيأتي القول فيه وتفسير سائر الآيات في الابواب الآتية. 4 - تفسير على بن ابراهيم: عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قرأ " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " قال: إقبال الرجل على صلاته ومحافظته حتى لا يلهيه و

[287]

لا يشغله عنها شئ (1). 5 - معاني الاخبار: عن علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزويني معا عن سعد بن عبد الله بن أبي خلف عن سعد بن داود، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة زوجة النبي صلى الله عليه واله قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية، فاكتب " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " ثم قالت عائشة: سمعتها والله من رسول الله صلى الله عليه واله (2) 6 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن سعد، عن أحمد بن الصباح، عن محمد بن عاصم، عن الفضل بن دكين، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي يونس قال: كتبت لعايشة مصحفا فقالت: إذا مررت بآية الصلاة فلا تكتبها حتى املئها عليك، فلما مررت بها أملتها علي " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) (3). 7 - ومنه: بالاسناد المتقدم عن سعد بن داود، عن أبي زهر، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن نافع قال: كنت أكتب مصحفا لحفصة زوجة النبي صلى الله عليه واله فقالت: إذا بلغت هذه الآية فاكتب " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وصلوة العصر ". قال الصدوق - ره -: هذه الاخبار حجة لنا على المخالفين، وصلاة الوسطى صلاة الظهر (4). 8 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلاة الوسطى صلاة الظهر، وهي أول صلاة أنزل الله على نبيه صلى الله عليه واله (5).


(1) تفسير القمى ص 69. (2 - 5) معاني الاخبار ص 331.

[288]

أقول: قد سبق في باب علل الصلاة خبر نفر من اليهود سألوا النبي صلى الله عليه واله وفيه ما يدل على أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. 9 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن المفيد، عن أحمد بن محمد بن الحسن ابن الوليد، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عائذ الاحمسي قال: دخلت على سيدي أبي عبد الله عليه السلام فقلت: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال: وعليك السلام: والله إنا لولده وما نحن بذوي قرابته، ثم قال لي: يا عائذ إذا لقيت الله عزوجل بالصلوات الخمس المفروضات لم يسألك الله عما سوى ذلك، قال: فقال له أصحابنا: أي شئ كانت مسئلتك حتى أجابك بهذا ؟ قال: ما بدأت بسؤال، ولكني رجل لا يمكنني قيام الليل، و كنت خائفا أن اؤخذ بذلك فأهلك، فأبتدأني عليه السلام بجواب ما كنت اريد أن أسأله عنه (1). بيان: " عما سوى ذلك " أي من النوافل أو مطلقا تفضلا، والاول أظهر كما يشعر به آخر الخبر. 10 - مجمع البيان: عن علي عليه السلام قال: الصلاة الوسطى صلاة الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الايام (2). 11 - فقه الرضا عليه السلام: قال العالم عليه السلام: صلاة الوسطى العصر (3). 12 - تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: " الصلوة الوسطى " فقال: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين " والوسطى هي الظهر، وكذلك كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه واله (4). 13 - ومنه: عن زرارة ومحمد بن مسلم أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 232. (2) مجمع البيان ج 2 ص 343. (3) فقه الرضا ص. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 127.

[289]

عن قول الله " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى " قال: صلاة الظهر، وفيها فرض الله الجمعة (1). 14 - ومنه: عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصلاة الوسطى الظهر (2). 15 - ومنه: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة الوسطى هي الوسطى من صلاة النهار وهي الظهر، وإنما يحافظ أصحابنا على الزوال من أجلها (3). 16 - ومنه: عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أقم الصلاة طرفي النهار " وطرفاه المغرب والغداة " وزلفا من الليل " هي صلاة العشاء الآخرة (4). 17 - فلاح السائل: الذي نعتقد أنه أقرب إلى الصحة والصواب أن أول صلاة فرضت على العباد صلاة الظهر، وأنها هي الصلاة الوسطى، وكانت ركعتين والاخبار في أنها أول صلاة فرضت وأنها كانت ركعتين كثيرة، فلا حاجة إلى ذكرها لظهورها عند القدوة من المصطفين (5). وأما أنها الوسطى، فانني رويت من كتاب عمرو بن اذينة في ما رواه عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا: سمعنا أبا جعفر عليه السلام وسألاه عن قول الله " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى " فقال: هي صلاة الظهر، وفيها فرض الله الجمعة، وفيها الساعة التي لا يسأل الله فيها عبد مسلم خيرا إلا أعطاه إياه (6). ورويت عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كتبت امرأة الحسن بن علي مصحفا فقال الحسن للكاتب: لما بلغ هذه الآية اكتب: " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وصلوة العصر وقوموا لله قانتين " (7).


(1 - 2) تفسير العياشي ج 1 ص 127. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 128. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 161. (5 - 7) فلاح السائل ص 93.

[290]

ورويت من كتاب إبراهيم الخزاز، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وصلوة العصر وقوموا لله قانتين " (1). ورواه أيضا الحاكم النيسابوري في الجزء الثاني من تاريخ نيسابور من طريقهم في ترجمة أحمد بن يوسف السلمي باسناده إلى ابن عمر، قال: أمرت حفصة بنت عمر أن يكتب لها مصحف فقال للكاتب: إذا أتيت على آية الصلاة فأرني حتى آمرك أن تكتبها كما سمعته من رسول الله صلى الله عليه واله، فلما آذنها أمرته أن يكتبها " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وصلوة العصر " (2). روى أبو جعفر بن بابويه في كتاب معاني الاخبار في باب معنى الصلاة الوسطى مثل هذا الحديث عن عائشة، وذكر عبد الله بن سليمان بن الاشعث السجستاني في الجزء الاول من كتاب جميع المصاحف ستة أحاديث أن ذك كان في مصحفها، و ثماني أحاديث أنه كان كذلك في مصحف حفصة، وروى حديثين أن ذلك كان كذلك في مصحف ام سلمة (3). أقول: فقد صار تعيين أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر مرويا من الطريقين وذكر الشيخ المعظم محمد بن علي الكراجكي في رسالته إلى ولده في فضل صلاة الظهر من يوم الجمعة ما هذا لفظه: لصلاة الظهر يا بني من هذا اليوم شرف عظيم، وهي أول صلاة فرضت على سيدنا رسول الله صلى الله عليه واله، وروي أنها الصلاة الوسطى التي ميزها الله تعالى في الامر بالمحافظة على الصلوات، فقال جل من قائل " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى ". وروى الكراجكي ما قدمناه من حديث زرارة ومحمد بن مسلم (4). أقول: ووجدت في كتاب من الاصول عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة الوسطى صلاة الظهر، وهي أول صلاة أنزلها الله على نبيه صلى الله عليه واله (5). ورأيت في كتاب تفسير القرآن عن الصادقين عليهم السلام من نسخة عتيقة مليحة عندنا


(1 - 2) فلاح السائل ص 93. (3 - 5) فلاح السائل ص 94.

[291]

الآن أربعة أحاديث بعدة طرق عن الباقر والصادق عليهما السلام أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وأن رسول الله صلى الله عليه واله كان قرأ " حافظوا على الصلوات والصلوة الوسطى وصلاة العصر " وفيه حديثان آخران بعد ذكر أحاديث. قلت أنا: وذهب أبو جعفر محمد بن بابويه في كتاب معاني الاخبار إلى أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وأورد في ذلك أخبارا من الطريقين، وروى أيضا في كتاب مدينة العلم عن أبي عبد الله عليه السلام أن الصلاة الوسطى صلاة الظهر، وهي أول صلاة فرضها الله على نبيه صلى الله عليه واله. أقول: لعل المراد بالوسطى أي العظمى كما قال تعالى " وكذلك جعلناكم امة وسطا " (1) ويمكن أن يكون لانها بين الصلاتين في نهار واحد، وأنها عند وسط النهار. وقد تعجبت كيف خفي تعظيم صلاة الظهر، وأنها هي الصلاة الوسطى مع الاتفاق على أنها أول صلاة فرضت وأن الجمعة المفروضة تقع فيها، وأن الساعة المتضمنة بالاجابة فيها، وأنها وقت فتح أبواب السماء، وأنها وقت صلاة الاوابين مع الرواية بأن صلاة العصر معطوفة عليها غيرها (2). 18 - المحاسن: عن محمد بن إسماعيل رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: اوصيك يا علي في نفسك بخصال فاحفظها إلى أن قال: والسادسة الاخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي فأما الصلاة فالخمسون ركعة في الليل والنهار إلى أن قال: وعليك بصلاة الليل يكررها أربعا، وعليك بصلاة الزوال، وعليك برفع يديك إلى ربك وكثرة تقلبها الحديث (3). 19 - كتاب صفات الشيعة: عن محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن يحيى عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن سالم، عن


(1) البقرة: 143. (2) فلاح السائل ص 95. (3) المحاسن ص 17.

[292]

أبيه، عن أبي بصير قال: قال الصادق عليه السلام: شيعتنا أهل الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والامانة، وأهل الزهد والعبادة، وأصحاب الاحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكون أموالهم، ويحجون البيت ويجتنبون كل محرم (1). 20 - مجمع البيان: عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام في قوله الله تعالى: " والذينهم على صلوتهم يحافظون " (2) قال: اولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا (3). بيان: اطلقت الصلاة على الركعة مجازا. 21 - المصباح للشيخ: عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام قال: علامات المؤمن خمس، وعد منها صلاة الاحدى وخمسين (4). 22 - اختيار الرجال للكشي: عن محمد بن قولويه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى وعلي بن إسماعيل بن عيسى، عن محمد بن عمرو بن سعيد الزيات، عن يحيى بن أبي حبيب قال: سألت الرضا عليه السلام عن أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله من صلاته، فقال: ست وأربعون ركعة فرايضه ونوافله، فقلت: هذه رواية زرارة ! (5) فقال: أترى أحدا كان أصدع بحق من زرارة ؟ (6).


(1) صفات الشيعة 163 تحت الرقم 1. (2) المعارج: 34. (3) مجمع البيان ج 10 ص 357. (4) المصباح ص 551. (5) رواية زرارة هي التى تضمنت أن صلاة الزوال ثمان ركعات، قبل الظهر، ثم ركعتان بعدها، ثم ركعتان قبل العصر، وركعتان بعد المغرب وثلاث عشرة ركعة من آخر الليل تصير سبعة وعشرين ركعة، وأن هذا جميع ما جرت به السنة. رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 135 بسندين. (6) رجال الكشى ص 130 تحت الرقم 62، والحديث رواه الشيخ أيضا في - >

[293]

بيان: أصدع بحق أي أنطق به وأشد إظهارا له، قال الجوهري يقال: صدعت بالحق إذا تكلمت به جهارا. 23 - الاختيار: عن حمدويه بن نصير، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس بن عبد الرحمان، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، وعن محمد بن قولويه، و الحسين بن الحسن بن البندار، عن سعد بن عبد الله، عن هارون بن الحسن بن محبوب، عن محمد بن عبد الله بن زرارة وابنيه الحسن والحسين، عن عبد الله بن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال في حديث طويل: وعليك بالصلاة الستة والاربعين (1) وعليك بالحج أن تهل بالافراد، وتنوي الفسخ إذا قدمت مكة ثم قال: والذي أتاك به أبو بصير من صلاة إحدى وخمسين، والاهلال بالتمتع بالعمرة إلى الحج وما أمرناه به من أن يهل بالتمتع فلذلك عندنا معان وتصاريف لذلك، ما يسعنا ويسعكم، ولا يخالف شئ منه الحق ولا يضاده (2). 24 - مجالس الشيخ: عن الحسين بن عبيد الله الغضايري، عن علي بن محمد العلوي، عن محمد بن أحمد المكتب، عن أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن


< - التهذيب ج 1 ص 135، الاستبصار ج 1 ص 111، ووجه الحديث أنه كان من سنة النبي صلى الله عليه واله أن يصلى من النوافل ضعفى الفريضة، فالعامة حسبوا الصلوات اليومية السبعة عشر كلها فريضة فحكموا أن النوافل التى يصليها النبي صلى الله عليه وآله كانت أربعة وثلاثين فيكون المجموع احدى وخمسين ركعة. ولكن ذهب عليهم ان المفروض من الصلوات اليومية هي عشر ركعات والسبعة الاخرى سنة في فريضة، فالحساب الصحيح أن نضعف العشرة فتصير عشرين، والسبعة الاخرى التى هي سنة - لكنها جعلت في الفريضة - انما يجعل بازائها سبعة اخرى خارج الفريضة فتصير النوافل سبعة وعشرين والصلوات اليومية سبعة عشر والمجموع أربع وأربعون ركعة فمن زاد عليه من النوافل فهو خارج عن السنة. (1) المراد بالركعتين الزائدتين على أربع وأربعين ركعتا العشاء وتسمى بالوتيرة. (2) رجال الكشى ص 127، في حديث طويل.

[294]

ابن فضال، عن أبيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إن الله عزوجل إنما فرض على الناس في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة، من أتى بها لم يسأله الله عز وجل عما سواها، وإنما أضاف رسول الله صلى الله عليه واله إليها مثليها ليتم بالنوافل ما يقع فيها من النقصان، وإن الله عزوجل لا يعذب على كثرة الصلاة والصوم (1)، ولكنه يعذب على خلاف السنة (2). بيان: على خلاف السنة أي تبديلها بأن يزيد عليها أو ينقص منها، معتقدا أن العمل بهذه الكيفية وهذا العدد في تلك الاوقات مطلوبة بخصوصه، كصلاة الضحى وأمثالها من البدع، وإلا فالصلاة خير موضوع، وفي التهذيب (3) في رواية اخرى ولكن يعذب على ترك السنة، والمراد به أيضا ما ذكرنا، وما قيل إن المراد ترك جميع السنن فهو بعيد، ومستلزم للقول بوجوب كل سنة بالوجوب التخييري، وتخصيص التخيير بما إذا كان بين أشياء محصورة. أو القول بأنه إنما يعاقب لما يستلزمه من الاستخفاف والاستهانة بها فلا يخلو كل منهما من تكلف كما لا يخفى. 25 - مجالس الشيخ: عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير عن ابن فضال، عن محمد بن خالد الاصم، عن ثعلبة بن ميمون، عن معمر بن يحيى أنه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول: لا يسأل الله عبدا عن صلاة بعد الفريضة، ولا عن صدقة بعد الزكاة، ولا عن صوم بعد شهر رمضان (4). تحقيق وتفصيل اعلم أن الروايات مختلفة في أعداد الصلوات اختلافا كثيرا، فمنها أربع


(1) لعله أراد عليه السلام بكثرة الصلاة ما يصليها الناس من صلاة احدى وخمسين توهما منهم أن مثلى الفريضة هو ثلاثة وأربعون كما عرفت وليس كذلك. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 263 و 264. (3) التهذيب ج 1 ص 134. (4) لم نجده في المطبوع من الامالى.

[295]

وثلاثون بعد ركعتي الوتيرة ركعة، وهذا مما لا خلاف بين الاصحاب كما ذكره الاكثر ونقل الشيخ عليه الاجماع، وفي بعض الاخبار أنها تسع وعشرون باسقاط الوتيرة وأربع ركعات من نافلة العصر، وهي رواية زرارة، وفي بعضها أنها سبع و عشرون باسقاط الركعتين من نافلة المغرب أيضا، والوجه في الجمع بين تلك الروايات أن يحمل ما تضمن الاقل على شدة الاستحباب، والامر بالاقل لا يوجب نفي استحباب الاكثر، وما ورد في بعض أخبار الاقل أن هذا جميع ما جرت به السنة (1) لعله محمول على السنة الاكيدة. وقال الشيخ في التهذيب: يجوز أن يكون قد سوغ لزرارة الاقتصار على هذه الصلوات لعذر كان في زرارة، ولا بأس به، وما ذكرناه أولى. ثم المشهور بين الاصحاب أن نافلة الظهر ثمان ركعات قبلها، وكذا نافلة العصر، ونقل القطب الراوندي، عن بعض أصحابنا أنه جعل الست عشرة للظهر وقال الشيخ البهائي: والظاهر أن مراده بالظهر وقته لاصلاته، كما يلوح من رواية حنان عن الصادق عليه السلام أنه قال: كان النبي صلى الله عليه واله يصلي ثمان ركعات الزوال، وأربعا الاولى، وثماني بعدها (2) الخبر، فانه بظاهره يعطي أن هذه النافلة للزوال لا لصلاة الظهر، ونقل عن ابن الجنيد أنه قال: يصلي قبل الظهر ثمان ركعات، وثمان ركعات بعدها، منها ركعتان نافلة العصر، لرواية سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلاة النافلة ثمان ركعات حين تزول الشمس قبل الظهر، وست ركعات بعد الظهر، وركعتان قبل العصر (3).


(1) المراد من السنة عمل رسول الله صلى الله عليه وآله ودوامه عليه، لا الاستحباب فان السنة بمعنى الاستحباب من اصطلاحات الفقهاء، يدل على ذلك غير واحد من الروايات منها قوله عليه السلام في أجزاء الصلاة: التكبير سنة، والقراءة سنة، والتشهد سنة، وقوله عليه السلام أن الركعات المفروضات عشر فزاد النبي صلى الله عليه وآله سبع ركعات وهى سنة ليس فيها قراءة، راجع الكافي ج 3 ص 273. (2) راجع الكافي ج 3 ص 443. (3) تراه في التهذيب ج 1 ص 134 ط حجر.

[296]

وقال في الذكرى: ومعظم الاخبار والمصنفات خالية من التعيين للعصر وغيرها، والحق أنه لا صراحة في شئ من الروايات بالتعيين، بل ظاهرها ذلك وفي رواية البزنطي أنه يصلي أربعا بعد الظهر وأربعا قبل العصر (1) وفي رواية أبي بصير وبعد الظهر ركعتان، وقبل العصر ركعتان، وبعد المغرب ركعتان، وقبل العتمة ركعتان (2) فالاولى الاقتصار في النية على امتثال ما ندب إليه في هذا الوقت من غير إضافة إلى صلاة. وقد يقال: تظهر فائدة الخلاف في اعتبار إيقاع الست قبل القدمين أو المثل إن جعلناها للظهر، وفيما إذا نذر نافلة العصر، قيل: ويمكن المناقشة في الموضعين أما الاول فبأن مقتضى النصوص اعتبار إيقاع الثمان التي قبل الظهر قبل القدمين أو المثل، والثمان التي بعدها قبل الاربعة أو المثلين، سواء جعلنا الست منها للظهر أو العصر، وأما الثاني فلان النذر يتبع قصد الناذر، فان قصد الثماني أو الركعتين وجب، وإن قصد ما وظفه الشارع للعصر أمكن التوقف في صحة النذر، لعدم ثبوت الاختصاص. فائدة: قال الصدوق - ره - (3) أفضل هذه الرواتب ركعتا الفجر، ثم ركعة الوتر، ثم ركعتا الزوال، ثم نافلة المغرب، ثم تمام صلاة الليل، ثم تمام نوافل النهار وقال ابن أبي عقيل لما عد النوافل: وثماني عشرة ركعة بالليل منها نافلة المغرب والعشاء، ثم قال: بعضها أوكدها الصلوات التي تكون بالليل لا رخصة في تركها في سفر ولا حضر، كذا نقل عنه وفي الخلاف ركعتا الفجر أفضل من الوتر باجماعنا. وقال في المعتبر: ركعتا الفجر أفضل من الوتر، ثم نافلة المغرب، ثم صلاة الليل، وذكر روايات تدل على فضل تلك الصلوات، وقال في الذكرى بعد نقلها، ونعم ما قال: هذه التمسكات غايتها الفضيلة أما الافضلية فلا دلالة فيها


(1 و 2) التهذيب ج 1 ص 135. (3) راجع الفقيه ج 1 ص 314.

[297]

عليها انتهى، نعم يمكن أن يقال: الترغيب في صلاة الليل أكثر من غيرها، لكن ينبغي للمتدين المتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وآله أن لا يترك شيئا منها إلا لعذر مبين والله الموفق والمعين. 26 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: فرض الله الصلاة ففرضها خمسين صلاة في اليوم والليلة، ثم رحم الله خلقه ولطف بهم فردها إلى خمس صلوات، وكان سبب ذلك أن الله عزوجل لما أسرى بنبيه محمد صلى الله عليه واله مر على النبيين فلم يسأله أحد حتى انتهى إلى موسى عليه السلام فسأله فأخبره فقال له: ارجع إلى ربك فاطلب إليه أن يخفف عن امتك، فاني لم أزل أعرف من بني إسرائيل الطاعة حتى نزلت الفرائض، فأنكرتهم. فرجع النبي صلى الله عليه وآله فسأل ربه فحط عنه خمس صلوات، فلما انتهى إلى موسى أخبره فقال: ارجع، فرجع فحط عنه خمسا، فلم يزل يرده موسى ويحط عنه خمسا بعد خمس حتى انتهى إلى خمس، فاستحيى رسول الله صلى الله عليه واله أن يعاود ربه ثم قال أبو عبد الله عليه السلام جزى الله موسى عن هذه الامة خيرا (1). وعنه عليه السلام أنه ذكر الفريضة سبع عشرة ركعة في اليوم والليلة، ثم قال: والسنة ضعفا ذلك، جعلت وفاء للفريضة، ما نقص العبد أو غفل أو سهل عنه من الفريضة أتمها بالسنة (2). وعنه عليه السلام أن سائلا سأله عن صلاة السنة فقال للسائل: لعلك تزعم أنها فريضة ؟ قال: جعلت فداك ما أقول فيها إلا بقولك، فقال: هذه صلاة كان علي ابن الحسين عليه السلام يأخذ نفسه بقضاء ما فات منها، في ليل أو نهار، وهي مثلا الفريضة (3). وعنه عليه السلام أنه بلغه عن عمار الساباطى أنه روى عنه أن السنة من الصلاة مفروضة، فأنكر ذلك، وقال: أين ذهب ؟ ليس هكذا حدثته إنما قلت:


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 132. (2 - 3) دعائم الاسلام ج 1 ص 208.

[298]

إنه من صلي فأقبل على صلاته ولم يحدث نفسه، فما أقبل عليها أقبل الله عليه فربما رفع من الصلاة ربعها ونصفها وخمسها وثلثها، وإنما امر بالسنة ليكمل بها ما ذهب من المكتوبة (1). وعنه عليه السلام قال: ما احب أن أقصر عن تمام إحدى وخمسن ركعة في كل يوم وليلة، قيل: وكيف ذلك ؟ قال: ثمان ركعات قبل صلاة الظهر، وهي صلاة الزوال وصلاة الاوابين، حين تزول الشمس قبل الفريضة، وأربع بعد الفريضة، وأربع قبل صلاة العصر، ثم صلاة الفريضة، ولا صلاة بعد ذلك حتى تغرب الشمس ويبدأ في صلاة المغرب بالفريضة ثم يصلي بعدها صلاة السنة أربع ركعات، وبعد العشاء ركعتان من جلوس تعدان بركعة، لان صلاة الجالس (2) لغير علة على النصف من صلاة القائم، ثم صلاة الليل ثمان ركعات، والوتر ثلاث ركعات، و ركعتا الفجر قبل صلاة الفجر، فلذلك أربع وثلاثون ركعة، مثلا الفريضة، والفريضة سبع عشر ركعة، فصار الجميع إحدى وخمسين ركعة في كل يوم وليلة (3). 27 - مجالس الشيخ: في وصية النبي صلى الله عليه واله إلى أبي ذر بسنده المتقدم في باب فضل الصلاة: يا أبا ذر أيما رجل تطوع في يوم باثنتي عشرة ركعة سوى المكتوبة، كان له حقا واجبا بيت في الجنة (4). بيان: يحتمل أن يكون المراد بعض النوافل اليومية أو غيرها من التطوعات. 28 - كتاب العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم قال: الذي انتهى إلينا


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 208. (2) في المصدر المطبوع، لانا روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: صلاة الجالس [القاعد] على النصف من صلاة القائم. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 209. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 141.

[299]

من علم علمائنا الذين فرض الله طاعتهم، وأوجب ولايتهم، من وجوه الصلاة سبعة عشر وجها، فأول وجه الصلاة قوله عزوجل: " فإذا قضيتم الصلاة " (1) يعني إذا وجبت الصلاة " فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم " فقال الصادق عليه السلام الصحيح يصلي قائما بركوع وسجود تام، فهذا أول وجه الصلاة، والوجه الثاني قوله: " وقعودا " قال: وهو المريض يصلي جالسا، والوجه الثالث " وعلى جنوبكم " وهو الذي لا يقدر أن يصلي جالسا، يصلي مضطجعا بالايماء، فهذه ثلاثة أوجه. وصلاة الخوف على ثلاثة أوجه قال الله عزوجل: " وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم " (2) فقال الصادق عليه السلام يقوم الامام بطائفة من قومه، وطائفة بازاء العدو، فيصلي بالطائفة التي معه ركعة و يقوم في الثانية فيقومون معه، ويصلون لانفسهم الركعة الثانية، والامام قائم، ويجلسون ويتشهدون، ويسلم بعضهم على بعض ثم ينصرفون فيقومون مقام أصحابهم وتجئ الطائفة الذين لم يصلوا فيقومون خلف الامام فيصلي بهم الامام الركعة الثانية له، وهي لهم الاولى، ويقعد ويقومون هم فيصلون لانفسهم الركعة الثانية ويسلم الامام عليهم. والوجه الثاني من صلاة الخوف هو الذي يخاف اللصوص والسباع، وهو في السفر، فانه يتوجه إلى القبلة ويستفتح الصلاة ويمر في وجهه الذي هو فيه فإذا فرغ من القراءة وأراد الركوع والسجود ولى وجهه إلى القبلة إن قدر عليه إذا كان راجلا، وإن لم يقدر ركع وسجد حيثما توجه وإن كان راكبا يومي إيماء برأسه. وصلاة المجادلة وهي المضاربة في الحرب: إذا لم يقدر أن ينزل ويصلي كبر


(1) النساء: 131. (2) النساء: 102.

[300]

لكل ركعة تكبيرة حيثما توجه فهذه وجوه صلاة الخوف. وصلاة الحيرة على ثلاثة أوجه فوجه منها هو الرجل يكون في مفازة ولا يعرف القبلة يصلي إلى أربع جوانب، والوجه الثاني من فاتته صلاة ولم يعلم أي صلاة هي فانه يجب أن يصلي ثلاث ركعات، وأربع ركعات، وركعتين، فان كانت التي فاتته العشاء فقد قضاها، وإن كانت الظهر فقد قضاها، وإن كانت العصر فقد قضاها، وإن كانت الفجر فقد قضاها وكذا المغرب، ومن كان عليه ثوبان فأصاب أحدهما بول أو قذر أو جنابة ولم يدر أي الثوبين أصاب القذر فانه يصلي في هذا وهذا فإذا وجد الماء غسلهما جميعا. وصلاة الكسوف عشر ركعات بأربع سجدات، وصلاة العيدين ركعتان وصلاة الاستسقاء، وصلاة من يخوض الماء وتحضره الصلاة ولا يقدر أن يخرج من الماء يومي إيماء، وصلاة العريان يقعد منقبضا ويومي بالركوع والسجود، وإنما يكون سجوده أخفض من ركوعه، وصلاة الجنايز. بيان: لعله عد الكسوفين والعيدين كلا منهما اثنتين، وفي بعض النسخ تسعة عشر، فعد الكسوف أربعا باضاف الزلزلة والآيات. 29 - الهداية: الصلاة في اليوم والليلة إحدى وخمسون ركعة الفريضة منها سبعة عشر ركعة، وما سوى ذلك سنة ونافلة، فأما الفريضة فالظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع ركعات، والغداة ركعتان وأما السنة والنافلة فأربع وثلاثون ركعة منها نافلة الظهر ستة عشر ركعة ثمان قبل الظهر، وثمان بعدها قبل العصر، ونافلة المغرب أربع ركعات وبعد العشاء الآخرة ركعتان من جلوس تعدان بركعة، فان حدث بالرجل حدث قبل أن يبلغ آخر الليل فيصلي الوتر يكون قد مضى على الوتر، وصلاة الليل ثمان ركعات، والشفع ركعتان، والوتر ركعة، وركعتا الفجر فهذه أربع و

[301]

ثلاثون ركعة (1). 30 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلم يرحمك الله أن الفريضة والنافلة في اليوم والليلة إحدى وخمسون ركعة، الفرض منها سبع عشرة ركعة فريضة، وأربع وثلاثون ركعة سنة، الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات، و المغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع ركعات، والغداة ركعتان، فهذه فريضة الحضر (2). وصلاة السفر الفريضة إحدى عشرة ركعة: الظهر ركعتان، والعصر ركعتان والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة ركعتان، والغداة ركعتان (3). والنوافل في الحضر مثلا الفريضة، لان رسول الله صلى الله عليه واله قال: فرض علي ربي سبع عشرة ركعة، ففرضت على نفسي وأهل بيتي وشيعتي بازاء كل ركعة ركعتين لتتم بذلك الفرائض ما يلحقه من التقصير والثلم، منها ثمان ركعات قبل زوال الشمس (4) وهي صلاة الاوابين، وثمان بعد الظهر وهي صلاة الخاشعين وأربع ركعات بين المغرب والعشاء الآخرة وهي صلاة الذاكرين، وركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس تحسب ركعة من قيام وهي صلاة الشاكرين، وثمان ركعات صلاة الليل وهي صلاة الخائفين، وثلاث ركعات الوتر وهي صلاة الراغبين وركعتان عند الفجر وهي صلاة الحامدين (5). والنوافل في السفر أربع ركعات بعد المغرب وركعتان بعد العشاء الآخرة من جلوس وثلاث عشرة ركعة صلاة الليل مع ركعتي الفجر، وإن لم يقدر بالليل قضاها بالنهار، أو من قابله في وقت صلاة الليل أو من أول الليل (6).


(1) الهداية: 30. (2 و 3) فقه الرضا: 6. (4) بعد زوال الشمس ظ. (5 - 6) فقه الرضا: 6.

[302]

31 - كتاب عبد الله بن يحيى الكاهلى: عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: رب سائل يسأل عن صلاة رسول الله صلى الله عليه واله وصيامه فأخبره بها فيقول: إن الله يعذب على الزيادة ! كأنه يظن أنه أفضل من رسول الله صلى الله عليه واله. بيان: لعله محمول على ما إذا وقع الزيادة بقصد كونها من السنة أو ليزيد فعله على فعله صلى الله عليه واله واستحقارا لعمله.

[303]

4. * { باب } * * { أن للصلاة أربعة آلاف باب، وأنها قربان } * * { كل تقى، وخير موضوع وفضل اكثارها } * 1 - العيون والعلل: عن أبيه، عن محمد بن يحيى العطار وأحمد بن إدريس معا، عن محمد بن أحمد الاشعري، عن الحسين بن عبيد الله، عن آدم بن عبد الله، عن زكريا بن آدم، عن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: الصلاة لها أربعة آلاف باب (1). 2 - المناقب: لابن شهر اشوب، عن حماد بن عيسى، عن الصادق عليه السلام قال: للصلاة أربعة آلاف حدود، وفي رواية أربعة آلاف باب (2). بيان: فسر الشهيد رفع الله درجته الابواب والحدود بواجبات الصلاة و مندوباتها، وجعل الواجبات ألفا تقريبا وصنف لها الالفية، والمندوبات ثلاثة آلاف وألف لها النفلية. وقال الوالد قدس الله روحه: لعل المراد بالابواب والحدود المسائل المتعلقة بها، وهي تبلغ أربعة آلاف بلا تكلف. أو أسباب الربط إلى جناب قدسه تعالى فانه لا يخفى على العارف أنه من حين توجهه إليه تعالى وشروعه في مقدمات الصلاة إلى أن يفرغ منها يفتح له من أبواب المعارف ما لا يحصيه إلا الله سبحانه أو المراد بالحدود المسائل، وبالابواب أبواب الفيض والفضل، فان الصلاة معراج المؤمن انتهى. وربما يقال: المراد بالابواب أبواب السماء التي ترفع منها إليها الصلاة.


(1) عيون الاخبار ج 1 ص 255، علل الشرايع ج ص (2) مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 249.

[304]

من كل باب، أو الابواب على التعاقب، فكل صلاة تمر على كل الابواب أو يراد بالابواب مقدماتها التي تتوقف صحة الصلاة عليها من المعارف الضرورية وغيرها. وقال السيد الداماد قدس سره في حل هذا الخبر وإن هنالك مما أوعى البال، ووسع المجال الآن ذكره وجوها عديدة منها أن الباب استعير ههنا لما يناط به افتتاح صحة الصلاة وكمالها من الوظايف والآداب كما قال في المغرب الابواب في المزارعة مفاتح الماء جمع باب على الاستعارة، وأصل الحد في اللغة المنع والفصل بين الشيئين، والحد أيضا الحاجز بين الموضعين تسمية بالمصدر، و منها حدود الحرم، ونهايات الجسم، وحدود الشرع أحكامه، لانها فاصلة بين الحلال والحرام، والفرض والنفل، والمندوب والمكروه، ومانعة من التخطي إلى ما وراءها، وإذ في مالا محيد عن مراعاته من أبواب الصلاة وحدودها من المفروضات والمسنونات، والمصححات والمتممات مقدمات ومقارنات ومنافيات تبلغ من مراتب العدد أربعة آلاف قد أحصاها شيخنا الشهيد قدس الله تعالى لطيفه في رسالتيه، وقال: أحصيت ذلك ابتغاء للعدد المذكور في الخبرين تقريبا، وإن كان المعدود لم يقع في الخلد تحقيقا. ومنها أن أقل المراتب من المفروض ألف ومن المسنون ألف ويتبع الاول ألف حرام، والاخير ألف مكروه على ما ذكره غير واحد من المحققين أن كل واجب ضده العام حرام، وكل مندوب ضده العام مكروه، فيكمل نصاب العدد. ومنها أن واجبات الصلوات وأحكامها المبحوث عنها في كتب الفقه تبلغ مبلغ النصاب المذكور فضلا عن مستحباتها. ومنها أن مسائل أبواب العبادات من الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وفروعها في المدونات من الكتب والرسائل تبلغ ذلك المبلغ وتتجاوزه على التضاعف، وجميع العبادات

[305]

قد نيط بها قبول الصلاة، كما في الحديث أن تارك الزكاة لا تقبل صلاته، وأن النبي صلى الله عليه واله قد أخرج من المسجد من لم يؤد الزكاة فقد رجع جميع ذلك إلى حدود الصلاة، وكانت الغاية القصوى منها جميعا الصلاة، كما الغاية القصوى من الصلاة أيضا استتمام المعرفة، واستكمال نصاب الاستعداد التام للمعارف الربوبية، فمن الذائعات المستبينة المتقررة في مقرها أن السمعيات ألطاف في العقليات، و الواجبات السمعية مقربة للمكلف من الواجبات العقلية، والمندوبات السمعية من المندوبات العقلية. ومنها أن الصلاة في حد أنفسها لها حكم الزكاة الاتم، ومنزلة الصوم الاعظم، والحج الابر والجهاد الاكبر، والامر الاخص بالمعروف، و النهي الاعم عن المنكر، على ما قد استبان في مظان بيان أسرار الصلاة، وروح الصلاة صلاة القلب السليم. وفي الخبر عن مولانا الصادق عليه السلام أن القلب السليم الذي يلقى ربه و ليس فيه أحد غيره، وعنه عليه السلام أن من الصلاة لما يقبل نصفها وثلثها وربعها إلى العشر، وإن منها لما تلف كما يلف الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها، وأن المقبول منها ما كان القلب فيها منصرفا عن ملاحظة ما سوى الجناب الحق على الاطلاق. فاذن حقيقة الصلاة الحقيقية التي هي صلاة القلب، وهي روح صلاة الجسد والجهاد الاكبر مع النفس، والصوم الحق عما عدا بارئها، وقطع منازل درجات العرفان، والاستقرار في الدرجة الاخيرة التي هي عزل اللحظ عن لحاظ شئ غيره واستشعار موجود سواه مطلقا، حتى لحاظ هذه الدرجة. فالصلاة منزلتها منزلة جملة العبادات وأحكام سائر العبادات راجعة إلى أحكامها ووظائفها إلى وظائفها، ولتحقيق ذلك بيان تفصيلي موكول إلى حيزه ومقامه. ومنها أن أبواب الصلاة هي أبواب عروجها وطرق صعود الملائكة الموكلة عليها بها، وهي السموات إلى السماء الرابعة، والملائكة السماوية في كل

[306]

سماء سماء بوابون، وموكلون على الرد والقبول، وهم كثيرون لا يحصيهم كثرة إلا الله سبحانه، كما في التنزيل الكريم " وما يعلم جنود ربك إلا هو " وعن النبي صلى الله عليه واله أطت السماء وحق لها أن تئط فما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد، فالتعبير عن ملائكة كل سماء وهم أبواب نقد الصلاة الصاعدة إليهم، والتفتيش عنها روم لبيان التكثير، لا تعيين للمرتبة العددية بخصوصها. ومنها أن الصلاة يصعد بها إلى سماء سماء إلى السماء السابعة التي هي أقصى أفلاك الكواكب السبعة السيارة، ثم منها إلى الكرسي، وهو فلك الثوابت، ثم مستودعها العرش وهو الفلك الاقصى، فالافلاك الثمانية بملائكتها من العقول والنفوس السمائية أبواب رفع الصلاة، وطرق الصعود بها، وحدود نقدها و ردها وقبولها، على ما تكرر ذكره في الاحاديث عنهم صلوات الله عليهم، ولا لا يحيط بطبقات الخلق والامر علما وخبرا، ولا يحصيها عددا وقدرا، إلا بارئها القيوم القيام، العليم العلام. تعالى شأنه، وتعاظم سلطانه. وغاية ما يسر للبشر من عباده سبيلا إلى معرفته، إثبات الملائكة القاهرة والمدبرة هنالك، بعدد الكرات السماوية، وبعدد الدرجات الفلكية، ومحيط كل فلك ثلثمائة وستون درجة، وإنما المرصود من الكواكب سبعة سيارة، وألف وتسعة وعشرون من الثوابت، والافلاك الكلية لها بحسب حركاتها المرصودة بادئ النظر السموات السبع والفلك الثامن الذي هو الكرسي وتنحل عند تفصيل الحركات وحل ما اعضل من الاشكالات إلى ثمانين كرة تقريبا، فاذن يستتم نصاب أربعة آلاف من العدد في إزاء عدد الدرجات، وعدد الكرات والكواكب، كما يستبين بالحساب، فهي بأسرها أبواب الصلاة وحدودها، وذلك أقل ما ليس عن إثباته بد على ما هو المنصرح لدي البصيرة النافذة، وأما في جانب الكثرة فلا سبيل لنا إلى العلم والمعرفة، فهذه سبعة من وجوه التفسير لهذين الحديثين الشريفين فلنقتصر الآن عليها، والله سبحانه أعلم، وهو ولي العلم والحكمة، وبه الاعتصام ومنه العصمة انتهى. أقول: وإن كان قدس سره بلغ الدرجة القصوى في التدقيق عند إبداء

[307]

تلك الوجوه الكثيرة، لكن ما سوى الوجوه التي أشرنا إليها أولا، بعضها في غاية البعد عن الاذهان المستقيمة، وبعضها مخالفة للاصول المبينة في الملة القويمة، و الله أعلم بالحق والصواب في جميع الابواب. 3 - معاني الاخبار والخصال: عن علي بن عبد الله الاسواري، عن أحمد بن محمد بن قيس، عن عمرو بن حفص، عن عبد الله بن محمد بن أسد، عن الحسين ابن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد البصري، عن ابن جريح، عن عطاء عن قتيبة بن عمير، عن أبي ذر - ره - قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه واله وهو في المسجد جالس وحده فقال لي يا أبا ذر ! للمسجد تحية، قلت: وما تحيته ؟ قال: ركعتان تركعهما فقلت: يا رسول الله ! إنك أمرتني بالصلاة، فما الصلاة ؟ قال: خير موضوع فمن شاء أقل ومن شاء أكثر (1). أعلام الدين ومجالس الشيخ: عن أبي ذر مثله (2). 4 - العيون: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن الفضيل، عن الرضا عليه السلام قال: الصلاة قربان كل تقي (3). 5 - الخصال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عيسى اليقطيني عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله (4). كتاب الامامة والتبصرة: لعلي بن بابويه، عن الحسن بن حمزة العلوي، عن علي بن محمد بن أبي القاسم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وذكر مثله.


(1) معاني الاخبار ص 333، الخصال ج 2 ص 104، في حديث. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 153. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 7. (4) الخصال ج 2 ص 161 في حديث الاربعمائة.

[308]

بيان: قال في النهاية: القربان مصدر من قرب يقرب، ومنه الحديث الصلاة قربان كل تقى أي أن الاتقياء من الناس يتقربون بها إلى الله تعالى أي يطلبون القرب منه بها انتهى. أقول: بل الاظهر أن المراد أن الصلاة تصير سببا لقرب المتقين لا لغيرهم، كما قال تعالى: " إنما يتقبل الله من المتقين " (1) واستدل به على شرعية الصلاة في كل وقت وعلى كل حال إلاما أخرجه الدليل. 6 - ثواب الاعمال: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن الواسطي النخاس، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن عليه السلام قال: صلوات النوافل قربات كل مؤمن (2). 7 - ومنه: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى الاشعري، عن محمد بن حسان، عن أبي محمد الرازي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه أن النبي صلى الله عليه واله قال: من صلى ما بين الجمعتين خمسمائة ركعة، فله عند الله ما يتمنى من خير (3). 8 - البصاير: عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن عنبسة العابد قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام وذكر عنده الصلاة، فقال: إن في كتاب على الذي أملا رسول الله صلى الله عليه واله أن الله تبارك وتعالى لا يعذب على كثرة الصلاة والصيام، ولكن يزيده جزاء خيرا (4). 9 - كتاب الامامة والتبصرة: عن الحسن بن حمزة العلوي، عن علي ابن محمد بن أبي القاسم، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الصلاة خير موضوع


(1) المائدة: 27. (2) ثواب الاعمال ص 27. (3) ثواب الاعمال ص 41. (4) بصائر الدرجات ص 45 ط حجر ص 165 ط تبريز.

[309]

فمن شاء استقل ومن شاء استكثر. 10 - ارشاد المفيد: عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة (1). بيان: " تميله " أي لنحافته وضعفه أو لشدة توجهه إلى جانب الحق كأنه جسد بلا روح. 11 - العيون: عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، عن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا عليه السلام بسرخس وقد قيد واستأذنت عليه السجان، فقال: لا سبيل لك عليه، قلت: ولم ؟ قال: لانه ربما صلى في يومه وليلته ألف ركعة الحديث (2). 12 - العلل: عن المظفر بن جعفر بن مظفر، عن جعفر بن محمد بن مسعود العياشي، عن أبيه، عن محمد بن حاتم، عن إسماعيل بن إبراهيم بن معمر، عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: سمعت أبا حازم يقول: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين عليه السلام وكان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة حتى خرج بجبهته وآثار سجوده مثل كركرة البعير (3). بيان: في النهاية الكركرة بالكسر زور البعير أي وسط صدره الذي إذا برك أصاب الارض، وهي ناتئة من جسمه كالقرصة. 13 - الخصال: عن المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن عبد الله ابن محمد الطيالسي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة كما كان يفعل أمير المؤمنين عليه السلام كانت له خمس مائة نخلة، وكان يصلي عند


(1) ارشاد المفيد: 239. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 183. (3) علل الشرايع ج 1 ص 221 و 222. (*)

[310]

كل نخلة ركعتين الحديث (1). 14 - نهج البلاغة: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الصلاة قربان كل تقى (2). وقال عليه السلام: تعاهدوا أمر الصلاة، وحافظوا عليها، واستكثروا منها وتقربوا بها، فانها " كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " إلى آخر ما مر (3). 15 - دعائم الاسلام: عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: الصلاة قربان كل تقى (4). وقال: لكل شئ وجه ووجه دينكم الصلاة (5). وروينا عن علي بن الحسين عليه السلام أنه كان يتطوع في كل يوم وليلة بألف ركعة (6). 16 - مجالس ابن للشيخ: عن أبيه، عن الحفار، عن إسماعيل بن علي أخي دعبل، عن الرضا عليه السلام أنه خلع على دعبل قميصا من خز وقال له: احتفظ بهذا القميص فقد صليت فيه ألف ليلة كل ليلة ألف ركعة، وختمت فيه القرآن ألف ختمة، الخبر (7). 17 - مجمع البيان: عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: والله إن كان علي عليه السلام ليأكل أكلة العبد إلى أن قال: وكان يصلي في اليوم و


(1) الخصال ج 3 ص 100. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 36 من قسم الحكم. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 197 من قسم الخطب ص 392، والاية في سورة النساء الاية 103. (4 - 5) دعائم الاسلام ج 1 ص 133. (6) دعائم الاسلام ج 1 ص 208. (7) أمالى الطوسى ج 1 ص 370.

[311]

الليلة ألف ركعة (1). 18 - كتاب الملهوف: للسيد ابن طاوس نقلا من الجزء الرابع من كتاب العقد لابن عبد ربه قال: قيل لعلي بن الحسين عليه السلام ما أقل ولد أبيك ؟ قال: أتعجب كيف ولدت له ؟ كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة (2) فمتى كان يتفرغ للنساء (3).


(1) مجمع البيان ج 9 ص 88. (2) الظاهر أن المراد بألف ركعة المبالغة الشديدة في الكثرة وإلا فساعات الفراغ من الاكل والنوم والطهارة لا يسع لصلاة ألف ركعة. (3) كتاب الملهوف ص 75.

[312]

5. * { باب } * * { أوقات الصلوات } * الايات: آل عمران - مخاطبا لزكريا عليه السلام: وسبح بالعشي والابكار (1). النساء: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (2). هود: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين، واصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين (3) اسرى: أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (4). مريم: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (5). طه: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (6). الانبياء: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات (7) الروم: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون (8). الاحزاب: وسبحوه بكرة وأصيلا (9). المؤمن: وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار (10).


(1) آل عمران: 41. (2) النساء: 103. (3) هود: 114. (4) أسرى: 78. (5) مريم: 11. (6) طه: 130. (7) الانبياء: 90. (8) الروم: 17. (9) الاحزاب: 42. (10) المؤمن: 55.

[313]

الفتح: وتسبحوه بكرة وأصيلا (1). ق: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود (2). الطور: وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم (3) الدهر: واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (4). تفسير: " وسبح " (5) قال الطبرسي - ره - أي نزه الله سبحانه، وأراد التسبيح المعروف، وقيل: معناه صل يقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي " بالعشي والابكار " في آخر النهار وأوله، وقال: العشي من حين زوال الشمس إلى غروبها، والعشاء من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل، والابكار من حين طلوع الشمس إلى وقت الضحى (6). " إن الصلاة كانت " (7) أي صارت (8).


(1) الفتح: 9. (2) ق: 39. (3) الطور: 48. (4) الدهر: 26. (5) آل عمران: 41. (6) مجمع البيان ج 2 ص 439 و 440. (7) النساء: 103. (8) " كان " في هذه الموارد، هو الذى يستعمل للشأن، كما قلنا في امثال قوله تعالى: " ما كان لله أن يتخذ من ولد " (راجع ج 79 ص 180 - 181) والمعنى أن الصلاة من شأنها أن يكون كتابا موقوتا على المؤمنين، سواء كان في هذه الامة أو في غيرها، لان الصلاة هو التوجه والخضوع إلى الله والتضرع إليه بأن يهديه ويوفقه للصراط المستقيم ويحفظه من الافراط والتفريط وهذا التوجه يجب عليه حينا بعد حين في اليوم مرات. وأما الصوم الذى يستوعب اليوم تمامه، فشأنه في الشهر يوم أو ثلاثة أيام وفى العام شهر أو ثلاثة شهور، والزكاة فشأنه بلوغ حد النصاب وهكذا الحج فشأنه بعد الاستطاعة - >

[314]

أو تكون " كان " زائدة في تلك المواضع، كما في قوله تعالى عزوجل: " وكان الله عليما


< - لان شأنه الوفود إلى الله مرة أو أزيد. وانما تعرضت الاية لهذا الشأن تعليلا لحكم صدر الاية، وصدر الاية في هذا البحث قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الارض) أي سافرتم (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ان خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، ان الكافرين كانوا) أي شأنهم أن يكونوا لكم (عدوا مبينا). ثم تتعرض الاية لبيان هذه الصلاة - صلاة الخوف وكيفية تخفيفها، فقال: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) إلى آخر الاية التى نبحث عنها في موضعها. ثم قال: (فإذا قضيتم الصلاة) أي إذا أردتم أن تقضوا وتؤدوا هذه الصلاة صلاة الخوف بأنفسكم فرادى من دون جماعة - وهو ما إذا كنتم في حال لا يمكنكم الاجتماع والتؤدة - (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) أي فلا يجب عليكم أن تأتوا بالصلاة على الكيفية المخصوصة ولا أن تنزلوا عن مراكبكم، بل اذكروا الله وتوجهوا إليه على أي حالة مع حالات الخوف كنتم قائمين في مقابلهم، أو قاعدين للرصد أو الاستراحة، أو مضطجعين مختفين، فاذكروا الله وحده من دون ركوع وسجود فان ذكركم هذه يتقبل عوضا عن صلاتكم المعهودة بل هو الوظيفة في هذا الظرف (فإذا اطمأننتم) أي حتى إذا اطمأننتم من العدو، وارتفع حالة الخوف من الافتتان (فأقيموا الصلاة) كما علمكم الله فوزان هذه الاية وزان قوله تعالى في آية البقرة: 239 " فان خفتم فرجا لا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ". كل هذا لان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا أي مكتوبا عليهم كالدين في أوقاتها كلما حل وقت يجب أداء ما افترض وكتب، لا يسقط في حال من الاحوال، حتى في حال الخوف من العدو أن يفتنكم، لكنها مقتصرة، ولو مضى وقت أدائها وجب قضاؤها خارج الوقت - ولو انقضى أجلكم وجب على وليكم الذى يقضى ديونكم من أموالكم أن يقضى هذا الدين عنكم، فانها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا.

[315]

حكيما (1) وأمثاله، أو المعنى كانت على الامم السالفة كذلك، وما سيأتي من أخبار صلاة سليمان عليه السلام يؤيد الثاني " على المؤمنين " تخصيص المؤمنين لتحريصهم وترغيبهم على حفظها وحفظ أوقاتها، حالتي الامن والخوف، ومراعاة جميع حدودها في حال الامن، وإيماء بأن ذلك من مقتضى الايمان وشعار أهله، فلا يجوز أن يفوتهم، وأن التساهل فيها يخل بالايمان، وأنهم هم المنتفعون بها لعدم صحتها من غيرهم. " كتابا موقوتا " قال الطبرسي رحمه الله: (2) اختلف في تأويله، فقيل: معناه واجبة مفروضة، عن ابن عباس، وهو المروي عن الباقر والصادق عليهما السلام وقيل: معناه فرضا موقتا أي منجما يؤدونها في أنجمها عن ابن مسعود وقتادة، وفي الكافي (3) عن الصادق عليه السلام موقوتا أي ثابتا، وليس إن عجلت قليلا وأخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضع تلك الاضاعة، فان الله عزوجل يقوم لقوم " أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا " (4). " أقم الصلوة " (5) قيل: معنى إقامة الصلاة تعديل أركانها، وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود (6) إذا قومة أو المداومة


(1) النساء: 104 و 170 و 92 وغير ذلك. (2) مجمع البيان ج 4 ص 104. (3) الكافي ج 3 ص 271. (4) مريم: 60. (5) هود: 114. (6) المراد باقامة الصلاة أداؤها، ولا يؤدى الصلاة الا بفرائضها وسننها الداخلة فيها وانما عبر عن الاداء بالاقامة، لانه شبه الدين بالخيمة المضروبة، والصلاة بعمودها، فكما لا يستفاد من الخيمة ولا يفيد الاطناب والظلال والاوتاد الا بعد اقامة العمود، فكذلك لا يفيد الصوم والصلاة والحج الا بعد أداء الصلاة ولذلك قالوا عليهم السلام " الصلاة عمود الدين الحديث ". - >

[316]

والمحافظة عليها من قامت السوق إذا نفقت لانها إذا حوفظ عليها كانت كالشئ النافق الذي يتوجه إليه أهل الرغبة ويتنافسون فيه، وإذا عطلت واضيعت كانت كالشئ الكاسد الذي لا يرغب فيه، أو التجلد والتشمر لادائها، وأن لا يكون في مؤديها فتور ولا توان، من قولهم قام بالامر وقامت الحرب على ساق، أو أداؤها فعبر عن الاداء بالاقامة، لان القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت و بالركوع وبالسجود. أقول: ويظهر من بعض ما سبق من الاخبار أنه شبه الصلاة من بين أجزاء الايمان بعمود الفسطاط ؟ فنسب إليها الاقامة لكونها من لوازمه وملائماته. " طرفي النهار " أي غدوة وعشية وانتصابه على الظرف، لانه مضاف إليه " وزلفا من الليل " أي وساعات منه قريبة من النهار، فانه من أزلفه إذا قربه، و هو جمع زلفة، فهو معطوف على طرفي النهار، ويمكن عطفه على الصلاة أي أقم قربة أي ذا قربة في الليل، والاول أظهر، وقيل صلاة أحد الطرفين الفجر، والآخر الظهر والعصر، لان ما بعد الزوال عشي، وصلاة الزلف المغرب والعشاء، وعن ابن عباس وغيره أن طرفي النهار وقت صلاة الفجر والمغرب، والزلف وقت صلاة العشاء


< - ويستفاد من قوله تعالى: " أقم الصلاة " وجوب اقامة الظهر فيها، فان من معاني الصلاة وسط الظهر وما انحدر من الوركين، وذلك على مبنى تقدم أن الالفاظ المشتركة من حيث الصيغة أو المادة إذا اطلقت في القرآن العزيز ولم يكن في المقام قرينة تخصه بأحد المعنيين أو المعاني، وجب حملها على كلها ولذلك قالوا عليهم السلام: " لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة ". وانما قلنا بجواز ذلك في القرآن الكريم مع عدم جوازه في كلام الادميين، لان الله العزيز الجبار لا يشغله شأن عن شأن، وأما غيره تعالى من البشر فلا يمكنه حين الخطاب والتكلم أن يتوجه الا إلى احد معاني اللفظ، طبعا، اللهم الا أن يكون في مقام الكتابة أو يريد الالغاز والتورية، فيمهد قبل ذلك لفظا مشتركا ويريد به كلا المعنيين أو يريد به خلاف ظاهره، لكنه خارج عن مورد الخطاب وظاهر وضع الكلام، فلا يحمل عليه مطردا.

[317]

الآخرة. وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام في حديث زرارة كما مر. وهذا مما يوهم كون أول النهار من طلوع الشمس ليكون طرفاه معا خارجين ويمكن الجواب بأن المتبادر من الطرف أن يكون داخلا، فإذا ارتكب التجوز في أحد الطرفين لا يلزم ارتكابه في الآخر، مع أنه يمكن أن تكون النكتة فيه الحث على المبادرة إلى إيقاع المغرب قريبا من اليوم، ومن قال بدخول وقت المغرب بغيبوبة القرص يمكنه أن يقول بامتداد النهار إلى ذهاب الحمرة، فيستقيم في الجملة، وقيل بناء هذا القول ظاهرا على أن النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشفق، ولعله لم يقل به أحد. وقال في مجمع البيان: وترك ذكر الظهر والعصر (1) لاحد أمرين:


(1) قد توهم بعض متقدمي المفسرين أن الاية ناظرة إلى حكم الصلوات الخمس جميعها - كتوهمهم في آية سورة الاسراء " أقم الصلاة لدلوك الشمس " فتمحلوا لادخال صلاة الظهرين في الاية، والاية خالية عن ذكرهما رغم أنفم، وتوهمهم ذلك ألجأهم إلى أن يتقولوا رأيا آخر، وهو أن هذه الاية منفردة نزلت بالمدينة مع أن السورة مكية بالاجماع، كما تقولوا بأن آية سورة الاسراء أيضا كذلك نزلت منفردة بالمدينة مع أن سورة الاسراء أيضا مكية بالاتفاق، وانما قالوا بذلك ليتوافق نزول الايات مع ما اتفق عليه الكل وهو أن الصلوات الخمس فرضت على المؤمنين بالمدينة. ولكن الحق الظاهر أن سورة الاسراء وهكذا سورة هود كلتيهما مكية، والايتان انما تخاطبان النبي صلى الله عليه وآله لاعموم المسلمين، فتكون الصلوة التى تحكمان بها فريضة على النبي صلى الله عليه وآله بمكة وسنة لامته بالمتابعة. ولما كان أول سورة نزلت فيها الصلاة فريضة سورة الاسراء بآيتها " أقم الصلاة لدلوك الشمس " كان النبي صلى الله عليه وآله يصلى صلاتين على ما سيجئ شرحها - صلاة بالمغرب: ثلاث ركعات على الظاهر وركعتين بالغلس مقارن الفجر، تمامها خمس ركعات، لا يصلى غيرهما فرضا، وانما يصلى النوافل متهجدا لقوله تعالى بعد الاية " ومن الليل فتهجد به نافلة لك ". - >

[318]

إما لظهورهما في أنهما صلاة النهار، فكأنه قال: وأقم الصلاة طرفي النهار، مع المعروفة من صلاة النهار، أو لانهما مذكوران على التبع للطرف الاخر، لانهما بعد الزوال، فهما أقرب إليه، وقيل صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر وصلاة الزلف المغرب والعشاء، قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه واله: المغرب والعشاء زلفتا الليل، وقيل: أراد بطرفي النهار صلوة الفجر وصلاة العصر (1). وقيل: على تقدير كون المراد بقوله " وزلفا من الليل " أقم صلوات ليقرب بها إلى الله عزوجل في بعض الليل، يحتمل أن يكون إشارة إلى صلاة الليل المشهورة وحينئذ ينبغي إدخال العشائين في صلاة طرفي النهار. أقول: على الوجه الاخر أيضا يحتمل أن يكون المراد صلاة الليل بأن يكون المراد بالزلف الساعات القريبة من الصبح. " إن الحسنات يذهبن السيئات " قال الطبرسي قيل: معناه أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها بأن تكون اللام للعهد، عن ابن عباس وأكثر المفسرين وقد مر في باب فضل الصلاة خبر الثمالي (2) وهو يدل على ذلك.


< - وقد كان (ص) يصلى هاتين الصلاتين بمكة جهارا حتى آذوه، فصلاهما في بيته، فأنزل الله في آخر سورة الاسراء " لا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا " فصلى في دار الارقم، والمؤمنون يقتدون بصلاته متابعة له وأسوة به. ثم مضى برهة من الزمان ونزلت سورة يونس ثم نزلت سورة هود حتى بلغت هذه الاية المبحوث عنها " أقم الصلاة طرفي النهار " فصلى رسول الله فريضة صلاة الغداة - طرف النهار الاول - ركعتين، وصلاة المغرب - طرف النهار الثاني - ثلاث ركعات، وصلاة العشاء بعدها بقليل ركعتين، تمامها سبع ركعات. كل هذه فريضة عليه لظاهر الخطاب والمؤمنون يقتدون به أسوة، ولا يذهب عليك أن صلاة المغرب عند ذلك صارت صلاة وسطى لتوسطه بين صلاة الصبح والعشاء. (1) مجمع البيان ج 5 ص 200. (2) راجع ص 220 فيما سبق تحت الرقم 41.

[319]

وروى الواحدي باسناده عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا منها فهزه حتى تحاتت ورقه، ثم قال: ألا تسألني لم أفعل هذا قلت: ولم تفعله ؟ قال: هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه واله وأنا معه تحت شجرة، فأخذ منه غصنا يابسا فهزه حتى تحاتت ورقه، ثم قال: ألا تسألني يا سلمان لم أفعل هذا ؟ قلت: ولم فعلته ؟ قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلاة الخمس تحاتت خطاياه كما تحاتت هذه الورق، ثم قرأ هذه الاية " وأقم الصلاة طرفي النهار " إلى آخرها. وباسناده عن الحارث، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه واله في المسجد ننتظر الصلاة، فقام رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت ذنبا، فأعرض عنه، فلما قضى النبي صلى الله عليه واله الصلاة، قام الرجل فأعاد القول، فقال النبي صلى الله عليه واله: أليس قد صليت معنا هذه الصلاة وأحسنت لها الطهور ؟ قال: بلى، قال: فانها كفارة ذنبك (1). وفي الحديث النبوي المشهور أن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما، ما اجتنب الكبائر، وفي مجالس الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام أن الله يكفر بكل حسنة سيئة، ثم تلى الاية، وفي الكافي (2) وغيره عن الصادق عليه السلام في تفسير هذه الاية: إن صلاة المؤمن بالليل يذهب بما عمل من ذهب بالنهار، وهذا مما يؤيد كون صلاة الليل داخلة في عداد الصلوات الماضية، إذ ظاهر سياق الخبر نافلة الليل، وقيل: معناه أن المداومة على فعل الحسنات تدعو إلى ترك السيئات فكأنها تذهب بها، وقيل: المراد بالحسنات التوبة، ولا يخفى بعده. " ذلك " أي ما مر من تكفير السيئات أو الاعم " ذكرى للذاكرين " تذكار وموعظة لمن تذكر به وفكر فيه " واصبر " على الصلاة، أو مطلق الطاعات أو تبليغ الرسالات " فان الله لا يضيع أجر المحسنين " أي المصلين أو الاعم و


(1) مجمع البيان ج 5 ص 201. (2) الكافي ج 3 ص 266.

[320]

هو أظهر. " لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (1) اللام للتوقيت مثلها في قولهم لثلاث خلون، وفي مجمع البيان قال قوم: دلوك الشمس زوالها، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وقال قوم: هو غروبها، والقول الاول هو الاوجه، لتكون الاية جامعة للصلوات الخمس (2) فصلاتا دلوك الشمس الظهر والعصر، وصلاتا غسق الليل هما المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر، وغسق الليل هو أول بدو الليل، وقيل هو غروب الشمس، وقيل سواد الليل وظلمته، وقيل هو انتصاف الليل، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، واستدل قوم من أصحابنا بالاية على أن وقت صلاة الظهر والعصر موسع إلى آخر النهار لانه سبحانه أوجب إقامة الصلاة من وقت دلوكها إلى غسق الليل، وذلك يقتضي أن ما بينهما وقت. والحاصل أنه تعالى جعل من دلوك الشمس الذي هو الزوال إلى غسق الليل وقتا للصلوات الاربع إلا أن الظهر والعصر اشتركا في الوقت من الزوال


(1) أسرى: 78. (2) قد عرفت وهن هذا الوجه، والرواية عن الصادقين عليهم السلام ان صحت - ولا تصح - يوافق مذهب أبى حنيفة والجمهور واشتياقهم في أن يجعلوا الاية مدنية شاملة لجميع الصلوات الخمس، وليس دليل يظهر من الاية الشريفة وقرائن النزول الاعلى خلافهم. وأصل الدلوك هو الغروب كما في غير واحد من معاجم اللغة وأصل الدلوك المسح يقال ذلك الشئ بيده دلكا: مسحه وفركه وغمزه، والمراد بدلوك الشمس مسحها وغمزها بالافق كأنها تفرك به، ولعل من فسره بالزوال، أراد زوال الشمس من الافق، والا فالزوال بمعنى ميل الشمس عن سمت الرأس المختبر ذلك بزوال فيئ الشاخص، فهو اصطلاح خاص من عرف خاص، لم يكن ليعرفه العامة: ولالهم مع الزوال بهذا المعنى شأن وحاجة حتى يتداولوه بينهم ويلهجوا به، فلا وجه لحمل الاية على هذا المعنى أبدا.

[321]

إلى الغروب، والمغرب والعشاء الآخرة اشتركا في الوقت من الغروب إلى الغسق وأفرد صلاة الفجر بالذكر في قوله: " وقرآن الفجر " ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس وبيان أوقاتها (1). أقول: ويدل عليه صحيحة زرارة المتقدمة ورواية عبيد بن زرارة الآتية وغيرهما، ويدل على أن آخر وقت العشائين نصف الليل، ويمكن حمله على المختار للاخبار الكثيرة الدالة على أن وقتها للمضطر ممتد إلى الفجر، و سيأتي القول فيه. " وقرآن الفجر " عطف على الصلاة أي وأقم قرآن الفجر (2) وأهل البصرة على أن النصب على الاغراء أي عليك بصلاة الفجر، والاول أظهر، وإطلاق قرآن الفجر على صلاته من قبيل تسمية الكل باسم الجزء كما مر، و لعل الوجه في تخصيص هذه الصلاة من بينها بهذا الاسم لان القراءة مع الجهر بها


(1) مجمع البيان ج 6 ص 434. (2) ويظهر من معاجم اللغة أن مادة قرء مشترك بين مفهوم القراءة والتلاوة، ومعنى حلول الوقت وحينونته، وقد صرح كلهم بأن القرء بمعنى الوقت أيضا واستدلوا بقول الهذلى: كرهت العقر عقربنى شليل * إذا هبت لقارئها الرياح أي لوقتها، وبقول الشاعر: إذا ما السماء لم تغم ثم أخلفت * قروء الثريا أن يكون لها قطر يريد وقت نوئها الذى يمطر فيه الناس. فيكون معنى الاية: أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل مرة، وحين حيلولة الفجر تارة اخرى ولذلك كان النبي صلى الله عليه وآله يصلى صلاة الصبح بغلس قبل تعريض البياض. وان جعلنا لفظ " قران " مصدر باب المفاعلة من مادة قرن، تبعا لقوله صلى الله عليه وآله " القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه " كان له وجه، ويكون المعنى: أقم الصلاة مقارن الفجر، فان هذا الوقت مشهود لملائكة الليل والنهار.

[322]

مستغرقة لجميع ركعاتها، دون باقي الصلاة، أو لان القراءة فيها أهم مرغب فيها أكثر منها في غيرها، ولذلك كانت أطول الصلاة قراءة، فكأنها تغلب باقي أجزائها، فغلب في الاسم، وكرر التعبير عنها به تنبيها عليه وترغيبا فيه. وهذا أظهر، ففيها دلالة على استحباب قراءة السور الطوال فيها كما ورد في الاخبار أيضا. " إن قرآن الفجر كان مشهودا " أي تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار كما مر في الخبر، أو من حقه أن يشهده الجم الغفير كما قيل، أو يشهده الكثير من المصلين في العادة أو هو المشهود بشواهد القدرة، وبدايع الصنع، ولطايف التدبير من تبدل الظلمة بالضياء، والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه الذي هو ارتجاع الحياة، وحدوث الضوء المستطيل على الاستقامة في طول الفلك، واستعقاب غلس الظلام، ثم انتشار الضياء المستطير المعترض في عرض الافق كما قيل، وما في الخبر هو المؤثر. " فأوحى إليهم " (1) قال الطبرسي أي أشار إليهم وقيل: كتب لهم في الارض " أن سبحوا بكرة وعشيا " أي صلوا فيهما، وتسمى الصلاة سبحة وتسبيحا لما فيها من التسبيح، وقيل أراد التسبيح بعينه (2). " وسبح " (3) المراد بالتسبيح إما ظاهره فيراد المداومة على التسبيح و


(1) مريم: 11. (2) مجمع البيان ج 6 ص 505. (3) طه: 130، يعنى قوله تعالى: " واصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس " الخ، لكن خطاب الاية الشريفة متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله فلا يكون الافرضا عليه، الا أن السورة مكية نزلت قبل سورة الاسراء بسور أربعة أو خمسة، فالمراد من التسبيح هو ذكر التسبيح - على ما نشير إليه - في هذه الاوقات كالورد حتى نزلت فريضة الصلاة عليه، فجعلها صلى الله عليه وآله في ركوع الصلوات وسجودها حيثما أمكن، وما لم يوافق وقته وقت الصلاة جعله في صلاة التطوع، تأويلا للمتشابهات، ولعل الله يوفقنا لشرح ذلك في - >

[323]

التحميد في عموم الاوقات، أو الاوقات المعينة، أو الصلاة كما هو المشهور بين المفسرين، ويؤيد الاول ما رواه في الخصال (1) عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية، فقال: فريضة على كل مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس وقبل غروبها عشر مرات " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وعلى كل شئ قدير ". ويؤيد الثاني ما رواه في الكافي عن الباقر عليه السلام (2) في قوله: " وأطراف النهار " قال: يعني تطوع بالنهار. " بحمد ربك " في موضع الحال أي وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، أو على أعم من ذلك " قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " الاشهر أن التسبيح قبل الطلوع صلاة الصبح، وقبل الغروب الظهر والعصر " ومن آناء الليل فسبح أي وتعمد من ساعاته جمع إنى بالكسر والقصر وأناء بالفتح والمد يعني المغرب والعشاء على المشهور. " وأطراف النهار " تكرير لصلاتي الصبح والمغرب على إرادة الاختصاص (3)


< - فرصة مناسبة وأما اصرار المفسرين على أن يتأولوا الاية بالصلوات الخمس، فهو غفلة منهم عن أن السورة مكية والصلوات الخمس نزلت بالمدينة. كاصرارهم في سائر الايات الماضية. (1) الخصال ج 2 ص 62، لكن الحديث ضعيف الاسناد، مخالف لظاهر القرآن بل والاجماع من المسلمين أنه ليس فريضة عليهم. (2) راجع الكافي ج 3 ص 444. (3) لا تكرار في الاية الشريفة: فان التسبيح الاول كان مأمورا به بمصاحبة الحمد وصورته " سبحان الله وبحمده " وامثال ذلك، ووقته قبل طلوع الشمس بين الطلوعين و العصر قبل غروبها، والتسبيح الثاني مجرد وصورته سبحان الله سبحان الله، ووقته منتخب من آناء الليل وطرفي النهار وهو بين المطلعين وبين المغربين.

[324]

كما في قوله: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " (1) ومجيئه بلفظ الجمع لامن الالتباس كقوله: " صغت قلوبكما " (2) ففيها دلالة على وجوب الصلوات الخمس وسعة أوقاتها في الجملة، قيل: ويدل على اشتراك الصلاتين في جميع الوقت وعلى أن وقت العشائين جميع الليل إلا أن يراد بمن آناء الليل بعض معين منه حملا للاضافة على العهد. وقيل: أطراف النهار إشارة إلى العصر تخصيصا لها، لانها الصلاة الوسطى والجمع باعتبار أن كل جزء من أوقاتها كأنه طرف، وقد يؤيد بقراءة " و أطراف النهار " بالكسر عطفا على " آناء الليل " فان الظاهر أن من للتبعيض، وقبل غروبها صلاة العصر، وأطراف النهار هو الظهر، لان وقته الزوال، وهو آخر النصف الاول من النهار وأول النصف الثاني. وقيل: المراد بآناء الليل صلاة العشاء وأطراف النهار صلاة الظهر والمغرب لان الظهر في آخر الطرف الاول من النهار، وأول الطرف الآخر، فهو طرفان منه، والطرف الثالث غروب الشمس فيه صلاة المغرب، ولا يخفى وهنه. ويفهم من الكشاف قول آخر: وهو أن يكون آناء الليل العشاء، و أطراف النهار المغرب والصبح أيضا على طريق الاختصاص، وقد احتمل أن يكون أطراف النهار باعتبار التطوع في أجزائه آنا فآنا، من دون فريضة أو معها، كما نقل الطبرسي - ره - (3) عن ابن عباس في آناء الليل أنها صلاة الليل كله، و يحمل الامر على معنييه أو الرجحان المطلق أو الاستحباب باعتبار جواز الترك بالاقتصار على الفريضة أو باختصاص الامر بالنوافل، فان إطلاق السبحة وإرادة النافلة في رواياتنا شايعة، وفي الخبر المتقدم عن الباقر عليه السلام دلالة عليه، وربما احتمل ذلك في قوله: " قبل طلوع الشمس وقبل الغروب " أيضا.


(1) البقرة: 238. (2) التحريم: 5. (3) مجمع البيان ج 7 ص 35.

[325]

وقيل: يحتمل وجوه اخرى منها أن يكون معنى " ومن آناء الليل، وتعمد بعض آناء الليل مختصا لها بسبحتها بقرينة التكرار ويكون " فسبح " عطفا على سبح أي فسبح من آناء الليل وأطراف النهار، فيكون الفاء حرف عطف لا جواب الامر، ويكون الكلام تضمن تكرار التسبيح في هذه الاوقات إما على تكرارها كل يوم، أو الاول للفرائض، والثانى للنوافل، وعلى الاول يحتمل شمولها لهما بل للتعقيب ونحوه. ومنها أن يكون الاغراء مجابا بقوله: " فسبح " ويكون " أطراف النهار " إشارة إلى الصبح والعصر، أو الصلوات النهارية جميعا على طريق الاختصاص لكثرة عروض الموانع في النهار، هذا مع الاختصاص بالفرائض، أو شمول النوافل أيضا، وربما احتمل حينئذ أن يكون " وأطراف النهار " إشارة إلى أوقات الخمس لكنه بعيد جدا. ومنها أن يكون " قبل طلوع الشمس " شاملا للمغرب والعشاء أيضا " وقبل غروبها " للظهر والعصر " ومن آناء الليل " الخ للصلوات الخمس جميعا مرة اخرى، فان اريد بالاخير النوافل أمكن التأكيد بالاغراء، لكونها في معرض التهاون لعدم الوجوب انتهى، ولا يخفى ما في الاكثر من التكلف و التعسف، مع عدم الاستناد إلى حجة ورواية، نعم التعميم بشمول الفرايض والنوافل والصلوات والتسبيحات وساير الاذكار وجه جمع بين الاخبار، والله يعلم تأويل الآيات وحججه الاخيار. " لعلك ترضى " أي بالشفاعة والدرجة الرفيعة، وقيل بجميع ما وعدك الله به من النصر، وإعزاز الدين في الدنيا، والشفاعة والجنة في الآخرة. " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات " (1) أي الانبياء الذين تقدم ذكرهم كانوا يبادرون إلى الطاعات والعبادات، وقال الطبرسي - ره - (2) فيها دلالة


(1) الانبياء: 90. (2) مجمع البيان ج 7 ص 61.

[326]

على أن المسارعة إلى كل طاعة مرغب فيها، وعلى أن الصلاة في أول الوقت أفضل. " فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون " (1) قال البيضاوي: إخبار في معنى الامر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الاوقات، أو دلالة على أن ما يحدث فيها من الشواهد ناطقة بتنزيهه واستحقاقه للحمد ممن له تميز من أهل السماوات والارض، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لان آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر وتخصيص الحمد بالعشاء الذي هو آخر النهار من عشي العين إذا نقص نورها، و الظهيرة التي هي وسطه، لان تجدد النعم فيهما أكثر، ويجوز أن يكون " عشيا " معطوفا على " حين تمسون " وقوله: " وله الحمد في السموات والارض " اعتراضا، و عن ابن عباس أن الآية جامعة (2) للصلوات الخمس " تمسون " صلاتا المغرب والعشاء " وتصبحون " صلاة الفجر " وعشيا " صلاة العصر و " تظهرون " صلاة الظهر انتهى. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بتسبيح المساء المغرب، وبعشيا العشاء وبتظهرون الظهرين، وأن يراد بعشيا المغرب والعشاء، وبتمسون العصر، وبتظهرون الظهر، وقد يقال: معنى أمسى دخل في المساء، وأصبح دخل في الصباح، فتقييد ذلك بحين يقتضي نوع اختصاص بأول الوقت فلا يبعد حمل الطلب فيه على الاستحباب، وقال الطبرسي - ره -: (3) وإنما خص تعالى هذه الاوقات بالذكر لانها أوقات تذكر


(1) الروم: 17. (2) لكن سورة الروم مكية، والصلوات الخمس نزلت بالمدينة، والعجب من حرصهم أن يتأولوا كل آية فيه صباح ومساء بالصوات الخمس. (3) مجمع البيان ج 8 ص 299، وفيه: انما خص تعالى هذه الاوقات بالذكر بالحمد وان كان حمده واجبا في جميع الاوقات، لانها أوقات الخ، وعندي أن المراد بقوله تعالى " وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون " الاشارة إلى أن التسبيح في وقت العصر والظهر، الاحسن أن يكون بمصاحبة الحمد كقولنا " سبحان الله وبحمده " وأما بين المطلعين حين يصبحون وبين المغربين حين يمسون يقولون " سبحان الله " فوزان هذه الاية وزان قوله تعالى قبل " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس " الخ راجعه.

[327]

باحسان الله، وذلك لان انقضاء إحسان أول إلى إحسان ثان، يقتضي الحمد عند تمام الاحسان الاول، والاخذ في الآخر، كما أخبر سبحانه عن حمد أهل الجنة بقوله " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين " (1) لان ذلك حال الانتقال من نعيم الدنيا إلى الجنة. وإنما خص صلاة الليل باسم التسبيح، وصلاة النهار باسم الحمد، لان الانسان في النهار متقلب في أحوال توجب الحمد لله عليها، وفي الليل على أحوال توجب تنزيه الله تعالى من الاسواء فيها، فلذلك صار الحمد بالنهار أخص، فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل. " وسبحوه بكرة وأصيلا " (2) قال الطبرسي - ره - (3): أي نزهوه سبحانه عن جميع ما لا يليق به بالغداة والعشي والاصيل العشي، وقيل: يعني به صلاة الصبح وصلاة العصر، وقيل صلاة الصبح وصلاة العشاء الآخرة، خصهما بالذكر لان لهما مزية على غيرهما، وقال الكلبي: أما بكرة فصلاة الفجر، وأما أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وسمى الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح والتنزيه. " وسبح بحمد ربك بالعشي والابكار " (4) قال في المعالم: قال الحسن: يعنى صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عباس الصلوات الخمس، وقيل: كان الواجب بمكة ركعتان بكرة وركعتان عشية. وقال الطبرسي - ره -: في قوله تعالى: " وتسبحوه بكرة وأصيلا " أي وتصلوا لله بالغداة والعشي (5) " وسبح بحمد ربك " (6) التسبيح كما مر إما محمول على ظاهره


(1) يونس: 10. (2) الاحزاب: 42. (3) مجمع البيان ج 8 ص 362. (4) المؤمن: 55. (5) مجمع البيان ج 9 ص 112 في آية الفتح: 9. (6) ق: 39.

[328]

أو على الصلاة أو عليهما والصلاة " قبل طلوع الشمس " الفجر " وقبل الغروب " الظهران وقيل العصر " ومن الليل " العشاءان وقيل التهجد " وأدبار السجود " التسبيح في أعقاب الصلوات والسجود والركوع يعبر بهما من الصلاة، وقيل النوافل بعد المكتوبات، والادبار جمع دبر وقرء بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت، ومعناه وقت انقطاع السجود. وقال في مجمع البيان: (1) روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن قوله " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب " فقال: تقول حين تصبح و حين تمسي عشر مرات " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو على كل شئ قدير " وقال: في أدبار السجود أقوال: أحدها أن المراد به الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر عن علي بن أبي طالب والحسن بن على عليهما السلام وعن ابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه واله وثانيها أنه التسبيح بعد كل صلاة عن ابن عباس ومجاهد، وثالثها أنه النوافل بعد المفروضات، ورابعها أنه الوتر من آخر الليل، وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. " حين تقوم " (2) قال علي بن إبراهيم: لصلاة الليل (3) وقال الطبرسي ره (4): من نومك، وقيل: حين تقوم إلى الصلاة المفروضة، فقل " سبحانك اللهم وبحمده " وقيل: معناه وصل بأمر ربك حين تقوم من منامك، وقيل الركعتان قبل صلاة الفجر عن ابن عباس، وقيل حين تقوم من نوم القائلة وهي صلاة الظهر، وقيل معناه اذكر الله بلسانك حين تقوم إلى الصلاة إلى أن تدخل في الصلاة، وقيل حين تقوم من المجلس، فقل " سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت اغفر لي وتب على " وقد روي مرفوعا أنه


(1) مجمع البيان ج 9 ص 148. (2) الطور: 48. (3) تفسير القمى: 650. (4) مجمع البيان ج 9 ص 169.

[329]

كفارة المجلس انتهى. أقول: وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الاوفى، فليكن آخر كلامه من مجلسه " سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " (1). " ومن الليل فسبحه " قال علي بن إبراهيم: يعني صلاة الليل، وقال الطبرسي - ره -: روى زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في هذه الآية قالا: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان يقوم من الليل ثلاث مرات، فينظر في آفاق السماء فيقرء خمس آيات من آل عمران " إن في خلق السموات والارض - إلى - إنك لا تخلف الميعاد " ثم يفتتح صلاة الليل الخبر، وقيل معناه صل المغرب والعشاء الآخرة. " وإدبار النجوم " يعني الركعتين قبل صلاة الفجر عن ابن عباس، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح، و قيل يعني صلاة الفجر المفروضة، وقيل: إن المعنى لا تغفل عن ذكر ربك صباحا ومساء، ونزهه في جميع أحوالك ليلا ونهارا، فانه لا يغفل عنك وعن حفظك، وقيل فيها وجوه اخرى لم تستند إلى خبر ولا أثر، فلذا لم نتعرض لها. " واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا " (2) يمكن حمله على صلوات طرفي النهار " ومن الليل فاسجد له " على فرائض الليل " وسبحه ليلا طويلا " على التهجد، قال الطبرسي - ره -: روي عن الرضا عليه السلام أنه سأله أحمد بن محمد عن هذه الآية وقال: ما ذلك التسبيح ؟ قال: صلاة الليل (3). 1 - قرب الاسناد: للحميري، عن عبد الله بن الحسن العلوي، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر قال: سألته عن رجل نسي المغرب حتى


(1) راجع ج 75 ص 468 من البحار هذه الطبعة الحديثة. (2) الدهر: 26. (3) مجمع البيان ج 10 ص 413.

[330]

دخل وقت العشاء الآخرة قال: يصلي العشاء ثم المغرب (1). بيان: " حتى دخل وقت العشاء " أي وقته المختص من آخر الوقت، بحيث لم يبق مقدار خمس ركعات، فإنه إذا كان بقي مقدار خمس ركعات يأتي بهما


(1) قرب الاسناد ص 91 ط حجر، ص 119 ط نجف، وأما وجه الحديث فقد عرفت في تفسير قوله تعالى " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " أن صلاة المغرب وقتها من غروب الشمس المحرز غيبوبتها بذهاب الحمرة المشرقية عن قمة الرأس إلى غروب الشفق، وعرفت في تفسير قوله تعالى " أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل " أن صلاة العشاء وقتها آنات أو ساعات من الليل، الا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ابتدر بالامتثال في الطائفة الاولى وصلاها بعد الشفق، ثم قال: " لو لا أن أشق على أمتى لاخرت الصلاة إلى ثلث الليل " يعنى أنه إذا اتخذ ايقاعها في آخر ثلث الليل كان أقرب وأوجه، باعتبار تقسيم الليل أثلاثا، وان كان ايقاعها إلى انتصاف الليل - باعتبار تقسيم الليل نصفين والبدار إلى الامتثال في القسم الاول منه - أيضا، بل وحتى أواخر الليل جائزا، فان الليل بأسرها موسع لصلاة العشاء. فصلاة المغرب وقتها محدود مختص بالفرض وهو بين المغربين ووقت صلاة العشاء يشترك مع صلاة المغرب ثم يمتد إلى ثلث الليل على ما استصلحه رسول الله صلى الله عليه وآله لنفسه ولامته اختيارا، أو نصف الليل باعتبار آخر حتى إلى آخر الليل. فإذا نسى الرجل صلاة المغرب حتى خرج وقتها ودخل الوقت المسنون للعشاء الاخرة، فان كان تذكر في أول وقت العشاء، فالاولى أن يصلى العشاء ليدرك وقتها المفروض والمسنون معا ثم يصلى المغرب، وان تذكر بعد مضى الوقت المسنون كان عليه أن يبدء بصلاة المغرب ثم العشاء الاخرة، ليحصل الترتيب، كما ورد بذلك روايات. ولما كان وقت العشاء من حيث فرضه في القرآن العزيز، مبتدئا من أول الليل كان للمصلى حين السفر والعذر أن يصلى المغرب ثم العشاء من دون فصل، فيفوت عليه الوقت المسنون للعشاء فقط لعذر كما سيأتي في الاخبار.

[331]

جميعا، وإلا يأتي بالعشاء ويقضي المغرب على المشهور بين الاصحاب، من القول بالاختصاص، إذ ذهب معظم الاصحاب إلى اختصاص الظهر من أول الوقت بمقدار أدائها تامة الافعال والشروط بأقل واجباتها بحسب حال المكلف، باعتبار كونه مقيما ومسافرا خائفا وغير خائف، صحيحا ومريضا، سريع الحركات والقراءة وبطيئها، مستجمعا بعد دخول الوقت لشرايط الصلاة وفاقدا لها، فان المعتبر مضي مقدار أدائها، وتحصيل شرائطها المفقودة بحسب حال المكلف، وهذا مما يختلف اختلافا فاحشا، وكذا اختصاص العصر من آخر الوقت بمقدار أدائها على الوجه المذكور، والمنقول عن الصدوق اشتراك الوقت بين الظهرين من أوله إلى آخره وكذا الشهرة والخلاف في وقت العشائين. وتظهر الفائدة على ما ذكره القوم في امور: الاول: من صلى العصر في الوقت المختص بالظهر ساهيا أو صلى الظهرين ظانا دخول الوقت، ثم اتفق العصر في الوقت المختص، فعلى القول بالاشتراك يصح العصر، وعلى القول بالاختصاص يبطل، وربما يناقش في هذه الفائدة. الثاني من ظن ضيق الوقت إلا عن أداء العصر، فانه يتعين عليه الاتيان بالعصر، فإذا صلى ثم تبين الخطأ، ولم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة مثلا فحينئذ يجب عليه الاتيان بالظهر أداء على القول بالاشتراك حسب. الثالث من أدرك من آخر وقت العشاء مقدار أدائها فانه يجب الاتيان بالعشائين على القول بالاشتراك، ويتعين العشاء على القول الآخر. الرابع من صلى الظهر ظانا سعة الوقت ثم تبين الخطأ ووقوعها في الوقت المختص بالعصر، فحينئذ يجب قضاؤهما على القول بالاختصاص حسب ويتفرع عليه أحكام اخرى في الحلف والنذر، وتعليق الظهار وأمثالها. لا جدوى كثيرا في إيرادها. 2 - قرب الاسناد: عن أحمد وعبد الله ابني محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب قال: سمعت عبيد بن زرارة يقول لابي عبد الله عليه السلام: يكون

[332]

أصحابنا مجتمعين في منزل الرجل منا، فيقوم بعضنا يصلي الظهر، وبعضنا يصلي العصر، وذلك كله في وقت الظهر، قال: لا بأس، الامر واسع بحمد الله ونعمته (1). 3 - ومنه: عن محمد بن عيسى اليقطيني، عن عبد الله بن ميمون القداح، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه عليه السلام أنه كان يأمر الصبيان يجمعون بين


(1) قرب الاسناد ص 77 ط حجر، ص 101 ط نجف، وأما وجه الحديث: فقد عرفت في تفسير قوله تعالى " ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " أن الصلاة مكتوبة على المؤمنين في أوقات معينة يصلونها فيها كالدين وأنجم أدائه، ولما كان الدين فطريا، جعل الله عزوجل أوقات الصلاة أوقاتا طبيعية من طلوع الفجر وطلوع الشمس وغروبها وغروب الشفق، فصلاة الغداة وقتها بين الطلوعين وصلاة المغرب وقتها بين المغربين وصلاة العشاء آنات أو ساعات من الليل على حسب اختيار المكلف وفراغه على ما عرفت. فلما لم يبق في الافق حد آخر يوقت لصلاة الظهر والعصر، جعل النهار نصفين أوله لكسب المعاش ومرمته، والاخر لصلاة الظهر والعصر ونوافلهما موسعا على المكلف، وهكذا فعل في آناء الليل فنصفه وجعل أوله للنوم والسبات وآخر لصلاة الليل. الا أن رسول الله صلى الله عليه وآله سن باشارة القرآن العزيز أوقاتا محدودة معينة لهذه الصلوات لمصالح يعرفها الله ورسوله، فجعل لنوافل الظهر وقت الزوال المختبر بزوال الظل، ثم جعل صلاة الظهر عند ما زاد في ظل الشاخص مثله، وصلاة العصر عندما زاد في ظل الشاخص مثلاه، وهكذا جعل انتصاف الليل لاربعة ركعات من صلاة الليل، ثم صلى أربعة أخرى بعد نومة، ثم صلى الثلاث الوتر أيضا بعد نومة اخرى وفواصلها كفواصل الزوال والظهر والعصر. وسيأتى الاشارة إلى ذلك مبينا مشروحا من آيات الله البينات ان شاء الله تعالى. فلما كان وقت الظهرين تحديده بالسنة، كان وجوب متابعته في حال الاختيار فقط وأما في حال الاضطرار على ما سيجئ شرحه فلا يصدق على المتخلف أنه رغب عن سنته صلى الله عليه وآله.

[333]

الصلاتين الاولى والعصر، والمغرب والعشاء، يقول: ما داموا على وضوء قبل أن يشتغلوا (1). 4 - ومنه: عن الحسن بن طريف، عن الحسين بن علوان، عن الصادق عليه السلام قال: رأيت أبي وجدي القاسم بن محمد (2) يجمعان مع الائمة المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يصليان بينهما شيئا (3). 5 - ومنه: بهذا الاسناد، عن الصادق عليه السلام عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، فعل ذلك مرارا (4). 6 - الخصال: عن محمد بن علي ما جيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن محمد بن علي القرشي، عن محمد بن زياد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمن المدايني عن أبي حمزة الثمالي، عن ثور، عن أبيه سعيد بن علاقة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق (5). 7 - مجالس ابن الشيخ: عن أبيه، عن محمد بن محمد بن مخلد، عن عثمان ابن أحمد بن عبد الله، عن الحسن بن مكرم، عن عثمان بن عمر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه واله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء عام تبوك (6).


(1) قرب الاسناد ص 12 ط حجر ص 18 ط نجف. (2) هو جد الصادق عليه السلام من قبل الام، فلا تغفل، كذا في هامش طبعة الكمبانى. (3 - 4) قرب الاسناد ص 54 ط حجر ص 73 ط نجف، وفى هامش طبعة الكمبانى زيادة استدراك أوجب تكرار الحديث الخامس - مع اختلاط - راجعه ص 26 السطر 18 و 19 من كتاب الصلاة. (5) الخصال ج 2 ص 94 لكن الحديث ضعيف الاسناد. (6) أمالى الطوسى ج 1 ص 396.

[334]

8 - العلل: عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله صلى الظهر والعصر مكانه من غير علة ولا سبب، فقال له عمر وكان أجرء القوم عليه: أحدث في الصلاة شئ ؟ قال: لا، ولكن أردت أن اوسع على امتي (1). 9 - ومنه: عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عبد الملك القمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: أجمع بين الصلاتين من غير علة، قال: قد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه واله، أراد التخفيف عن امته (2). 10 - ومنه: عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: صلى رسول الله صلى الله عليه واله بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة، و صلى بهم المغرب والعشاء الآخرة بعد سقوط الشفق من غير علة في جماعة، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه واله ليتسع الوقت على امته (3). 11 - ومنه: عن علي بن عبد الله الوراق وعلي بن محمد بن الحسن بن مقبرة معا، عن سعد بن عبد الله، عن العباس بن سعيد الازرق، عن زهير بن حرب، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بين الظهر والعصر من غير خوف ولا سفر، فقال: أراد أن يحرج أحد من امته (4). 12 - ومنه: بهذا الاسناد، عن العباس، عن ابن عون بن سلام، عن وهب بن معاوية عن أبي الزبير، عن ابن جبير، عن ابن عباس مثله (5). 13 - ومنه: بهذا الاسناد عن العباس، عن سويد بن سعيد، عن محمد بن عثمان


(1 - 2) علل الشرايع ج 2 ص 10. (3 - 5) علل الشرايع ج 2 ص 11.

[335]

الجمحي، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس وعن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه واله صلى بالمدينة مقيما غير مسافر جميعا وتماما جمعا (1). 14 - ومنه: عن الوراق وابن مقبرة معا، عن سعد، عن محمد بن عبد الله بن أبي خلف، عن أبي يعلى بن الليث، عن أخيه محمد بن الليث، عن عون بن جعفر المخزومي، عن داود بن قيس الفراء، عن صالح، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير مطر ولا سفر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد به ؟ قال: أراد التوسع لامته (2). 15 - ومنه: عن الوراق، عن ابن خثيمة زهير بن حرب، عن إسماعيل بن علية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه واله جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في السفر والحضر (3). تبيين: ولنتكلم في تلك الاخبار وما يتلخص منها: قوله " أن لا يحرج " كيعلم أي لا يضيق، قوله " جميعا " أي جماعة. ثم اعلم أن الذي يستفاد من الاخبار أن التفريق بين الظهر والعصر و بين المغرب والعشاء أفضل من الجمع بينهما (4) وإنما جمع رسول الله صلى الله عليه واله


(1 - 3) علل الشرائع ج 2 ص 11. (4) وذلك لان سنة رسول الله صلى الله عليه وآله التى كان يداوم عليها الا نادرا، تفريق الصلاة في مواضعها التى أشار الله عزوجل إليها كما سيأتي، وكان يواظب عليها امتثالا لوحى الله عزوجل في حال الاختيار، مع ما رأى فيه من المصالح التى لا يخفى على المتأمل فعلينا الاسوة به صلى الله عليه واله لقوله عزوجل " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا " وقوله تعالى " ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " ولقوله صلى الله عليه وآله " صلوا كما رأيتموني أصلى " ولكن شأن السنة أنها إذا تركت لعذر فطرى كالمطر والسفر وغير ذلك فهو موجه فطرة كما فعله رسول الله كثيرا، وكأن هذه السيرة أيضا سنة ثانية له صلى الله عليه وآله، وأما إذا تركت لا لعذر فطرى قهرى من مشية الله عزوجل، فان كان لرغبة عن السنة فهو الذى - >

[336]

أحيانا لبيان الجواز والتوسعة على الامة، وقد جوز للصبيان وأشباههم من أصحاب العلل والحوائج، لكن التفريق يتحق بفعل النافلة بينهما، ولا يلزم أكثر من ذلك، ويجوز أن يأتي في أول الوقت بالنافلة ثم بالظهر ثم بنافلة العصر ثم بها، ولا يلزمه تأخير الفرضين ولا نوافلهما إلى وقت آخر، بل إنما جعل الذراع والذراعان لئلا يزاحم النافلة الفريضة، ولا يوجب تأخيرها عن وقت فضيلتها، وأما التقديم فلا حرج فيه، بل يستفاد من بعضها أنه أفضل (1) وقد ورد في خبر رجاء بن أبي الضحاك أن الرضا عليه السلام كان لا يفرق بين الصلاتين الظهر والعصر بغير النافلة والتعقيب، ولكنه كان يؤخر العشاء إلى قريب من ثلث الليل (2) وما ورد من أنه سبب لزيادة الرزق لعله محمول على هذا النوع من الجمع بأن يأتي بالفرضين والنوافل في مكان واحد ثم يذهب إلى السوق لئلا يصير سببا لتفرق حرفائه، أو جوزوا ذلك لمن كان حاله كذلك للعذر فجوزوا له ترك النافلة، لما رواه الكليني عن عباس الناقد بسند فيه جهالة قال: تفرق ما كان بيدي وتفرق عني حرفائي، فشكوت ذلك إلى أبي محمد عليه السلام فقال لي اجمع بين الصلاتين الظهر


< - قال صلى الله عليه وآله في حقه " ومن رغب عن سنتى فليس منى " فلا يجوز التخلف عنها في حال الاختيار، لانه موجب للتهاون به صلى الله عليه وآله. وان لم يكن لرغبة عنها بل لاجل عذر شخصي فقد أجاز رسول الله صلى الله عليه وآله له ذلك حيث جمع بين الصلاتين لغير عذر ظاهر، أحيانا توسعة لامته، لكن أخذ هذه سيرة يدام عليها فلا أدرى ما وجهه. (1) وجه هذه الاحاديث المشار إليها أنهم صلوات الله عليهم رخصوا لشيعتهم أن يصلوا في منازلهم ويأتوا بالنوافل والفرائض متتاليا، فرارا من الاقتداء بأئمة المخالفين و الحضور معهم في مساجدهم المظللة بالسقوف فانها عمرت على خلاف سنته صلى الله عليه وآله " عريش كعريش موسى " والا " فمن خالف كتاب الله وسنة محمد (ص) فقد كفر وان أفضل الاعمال عند الله ما عمل بالسنة وان قل " راجع الكافي ج 1 ص 70، البحار ج 2 ص 261 - 268 من الطبعة الحديثة. (2) راجع عيون الاخبار ج 2 ص 236، لكن الخبر ضعيف.

[337]

والعصر، ترى ما تحب (1). وبسند فيه جهالة عن محمد بن حكيم، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع، فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع (2). وبسند فيه ضعف عن محمد بن حكيم، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا جمعت بين الصلاتين فلا تطوع بينهما (3). وقال في المنتهى: لا يستحب تأخير العصر لما قدمناه من استحباب التعجيل وهو قول عمرو بن مسعود وعايشة وابن المبارك وأهل المدينة والاوزاعي و الشافعي وإسحاق وأحمد، وروي عن ابن شبرمة وأبي قلابة أن تأخيرها أفضل وهو قول أصحاب الرأي، ثم نقل الاخبار وقال: وفي الصحيح عن زرارة (4) قال: قلت لابي جعفر عليه السلام بين الظهر والعصر حد معروف ؟ فقال: لا، وإذا لم يكن بينهما حد معين كان وقت العصر حين الفراغ من الظهر، فيكون فعلها فيه أولى. وقال في الذكري: لا خلاف عندنا في جواز الجمع بين الظهر والعصر حضرا وسفرا للمختار وغيره، ورواه العامة عن علي عليه السلام وابن عباس وابن عمر وابن موسى وجابر وسعد بن أبي وقاص وعايشة، ثم نقل نحوا من ما مر من الاخبار من صحاحهم ثم قال: نعم الاقرب استحباب تأخير العصر إلى أن يخرج وقت فضيلة الظهر، إما المقدر بالنافلتين والظهر وإما المقدر بما سلف من المثل والاقدام وغيرهما، لانه معلوم من حال النبي صلى الله عليه واله حتى أن رواية الجمع بين الصلاتين تشهد بذلك، وقد صرح بذلك المفيد - رحمه الله - في باب غسل الجمعة قال: والفرق بين الصلاتين في سائر الايام مع الاختيار وعدم العوارض أفضل،


(1 - 3) الكافي ج 3 ص 287. (4) التهذيب ج 1 ص 208.

[338]

وثبتت السنة به إلا في يوم الجمعة، وظهري عرفة، وعشائي المزدلفة، وابن الجنيد حيث قال: لا يختار أن يأتي الحاضر بالعصر عقيب الظهر التي صلاها مع الزوال إلا مسافرا أو عليلا أو خائفا ما يقطعه عنها بل الاستحباب للحاضر أن يقدم بعد الزوال وقبل فريضة الظهر شيئا من التطوع إلى أن تزول الشمس قدمين أو ذراعا من وقت زوالها، ثم يأتي بالظهر ويعقبها بالتطوع من التسبيح أو الصلاة إلى أن يصير الفئ أربعة أقدام أو ذراعين، ثم يصلي العصر، ولمن أراد الجمع بينهما من غير صلاة أن يفصل بينهما بمائة تسبيحة. والاصحاب في المعنى قائلون باستحباب التأخير، وإنما لم يصرح بعضهم به اعتمادا عن صلاة النافلة بين الفريضتين وقد رووا ذلك في أحاديثهم كثيرا مثل حديث إتيان جبرئيل بمواقيت الصلوات، رواها معاوية بن وهب ومعاوية بن ميسرة وأبو خديجة والمفضل بن عمر وذريح، عن أبي عبد الله عليه السلام وعن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله يصلي الظهر على ذراع والعصر على نحو ذلك. ثم أورد الروايات في ذلك إلى أن أورد رواية عبد الله بن سنان الاتية من كتابه، وقال: هذا نص في الباب، ولم أقف على ما ينافي استحباب التفريق من رواية الاصحاب، سوى ما رواه عباس الناقد، وهو إن صح أمكن تأويله بجمع لا يقتضي طول التفريق، لامتناع أن يكون ترك النافلة بينهما مستحبا أو يحمل على ظهر الجمعة، وأما باقي الاخبار فمقصورة على جواز الجمع، وهو لا ينافي استحباب التفريق. وقال الشيخ: كل خبر دل على أفضلية أول الوقت، محمول على الوقت الذي يلي وقت النافلة. وبالجملة كما علم من مذهب الامامية جواز الجمع بين الصلاتين مطلقا (1) علم منه استحباب التفريق بينهما بشهادة النصوص والمصنفات بذلك.


(1) لكن هذا الجواز صدر في زمن التقية وتسلط مخالفى مذهبهم من أهل السنة عليهم فاستدامت الشيعة على ذلك حتى بعد ما ظهرت للشيعة دولة من عهد الصفوية حيث خفى - >

[339]

وأورد على المحقق نجم الدين تلميذه جمال الدين بن يوسف بن حاتم الشامي المشغري وكان أيضا تلميذ السيدين ابني طاووس أن النبي صلى الله عليه واله إن كان يجمع بين الصلاتين فلا حاجة إلى الاذان الثانية إذ هو للاعلام، وللخبر المتضمن لان عند الجمع بين الصلاتين يسقط الاذان وإن كان يفرق فلم ندبتم إلى الجمع وجعلتموه أفضل ؟ فأجابه المحقق أن النبي صلى الله عليه واله كان يجمع تارة ويفرق اخرى ثم ذكر الروايات كما ذكرنا، وقال: إنما استحب فيها الجمع في الوقت الواحد إذا أتى بالنوافل والفريضتين فيه، لانه مبادرة إلى تفريغ الذمة من الفرض، حيث ثبت دخول وقت الصلاتين، ثم ذكر خبر عمرو بن حريث، عن الصادق عليه السلام وسأله عن صلاة رسول الله صلى الله عليه واله فقال: كان النبي صلى الله عليه واله يصلي ثماني ركعات الزوال ثم يصلي الاربع الاولى، وثماني بعدها، وأربعا العصر وثلاثا المغرب وأربعا بعدها، والعشاء أربعا وثماني الليل وثلاثا الوتر، وركعتي الفجر والغداة ركعتين. ثم قال: معظم العامة على عدم جواز الجمع بين الصلاتين، لغير عذر، ثم رد عليهم بما روي في صحاحهم من أخبار الجمع إلى أن قال: وروى مالك أن النبي صلى الله عليه واله جمع بين الصلاتين في السفر، وهو دليل الجواز، ولا يحمل على أنه صلى الاولى آخر وقتها والثانية أوله، لان ذلك لا يسمى جمعا (1) وابن المنذر


< - السر على فقهائهم، فأفتوا بجواز الجمع مطلقا مع أن أخذ هذا سيرة والادامة عليها خلاف لسنة رسول الله القطعية ومن رغب عن سنته فليس من رسول الله في شئ. (1) هذا في محل المنع، فان الجمع بين الصلاتين أعم من أن يكون في أول الوقت أو آخره، وأما أنه صلى الله عليه وآله كان يصلى الاولى آخر وقتها، فهو صحيح لكنه مخصوص بعشائي المزدلفة ولكن الظاهر من حديث جمعه صلى الله عليه وآله من دون عذر من مطر أو غيم أنه صلى الله عليه وآله جمع بين صلاة الظهر والعصر حيث أذن المؤذن لصلاة الظهر، والمسنون منه الاذان عند ما صار الظل مثله، فصلى صلى الله عليه وآله الظهر لوقتها المسنون له، ثم صلى العصر بعدها باقامة أقامها نفسه، وهكذا فعل صلى الله عليه وآله في صلاة المغرب والعشاء حيث صلى المغرب لوقتها بعد الاذان - >

[340]

من أئمة العامة لما صح عنده أحاديث الجمع ذهب إلى جوازه، انتهى كلامه المتين حشره الله مع الشهداء الاولين، وينبغي أن يحمل عليه كلامه العلامة قدس الله روحه. 16 - تفسير على بن ابراهيم: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (1) قال: دلوكها زوالها، وغسق الليل انتصافه، وقرآن الفجر صلاة الغداة " إن قرآن الفجر كان مشهودا " قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار. ثم قال: " ومن الليل فتهجد به نافلة لك " قال: صلاة الليل، وقال: سبب النور في القيامة الصلاة في جوف الليل (2). 17 - العلل: عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن موسى بن بكر، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " (3) قال: موجبا، إنما يعني بذلك وجوبها على المؤمنين، ولو كانت كما يقولون لهلك سليمان بن داود حين أخر الصلاة حتى توارت بالحجاب، لانه لو صلاها قبل أن تغيب كان وقتا وليس صلاة أطول وقتا من العصر (4).


< - ثم صلى العشاء باقامة مقدما على وقتها المسنون كما عرفت سابقا. فعمل الاصحاب من حيث كيفية الجمع يخالف سنته صلى الله عليه وآله تارة وهو في الظهرين حيث يجمعون بينهما أول الزوال، ويوافقها اخرى وهو في العشائين حيث يصلونهما بعد ذهاب الحمرة متتاليتين، وأما الاذان بين الصلاتين، فلا وجه له لا من حيث السنة، ولا من حيث الاعتبار. (1) أسرى: 78. (2) تفسير القمى ص 386. (3) النساء: 103. (4) علل الشرائع ج 2 ص 293.

[341]

توضيح وتأييد: قال الصدوق رضي الله عنه في الفقيه (1) بعد إيراد مثل هذه الرواية: إن الجهال من أهل الخلاف يزعمون أن سليمان عليه السلام اشتغل ذات يوم بعرض الخيل حتى توارت الشمس بالحجاب، ثم أمر برد الخيل، وأمر بضرب سوقها وأعناقها، وقال: إنها شغلتني عن ذكر ربي، وليس كما يقولون جل نبي الله سليمان عليه السلام عن مثل هذا الفعل، لانه لم يكن للخيل ذنب فيضرب سوقها وأعناقها لانها لم تعرض نفسها عليه، ولم تشغله، وإنما عرضت عليه وهي بهائم غير مكلفة. والصحيح في ذلك ما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن سليمان بن داود عليه السلام عرض عليه ذات يوم بالعشى الخيل، فاشتغل بالنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب، فقال للملائكة: ردوا الشمس على حتى أصلي صلاتي في وقتها فردوها، فقام فطفق فمسح ساقيه وعنقه، وأمر أصحابه الذين فاتتهم الصلاة معه بمثل ذلك، وكان ذلك وضوءهم للصلاة، ثم قام فصلى، فلما فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم، وذلك قول الله عزوجل: " ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب * إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * ردوها علي فطفق مسحا بالسوق و الاعناق " (2). وقد أخرجت هذا الحديث مسندا في كتاب الفوائد. أقول: قد أوردت في أبواب قصص سليمان عليه السلام تأويل هذه الآية، وتفصيل تلك القصة، فلا نعيدها ههنا (3). وقوله موجبا الظاهر أنه تفسير لقوله: " موقوتا " فيكون تأكيدا لقوله: " كتابا " ويحتمل على بعد أن يكون تفسيرا لقوله: " كتابا " ويكون قوله:


(1) الفقيه ج 1 ص 129. (2) سورة ص: 30 - 33 ويستفاد من الايات أن العشى هو وقت العصر. (3) راجع ج 14 ص 98 - 108 من هذه الطبعة الحديثة.

[342]

" ولو كانت كما يقولون " نفيا لما فهمه المخالفون من تضييق الاوقات، ولعله عليه السلام حمل التواري بالحجاب على أنها توارت خلف الجدران، وخرج وقت الفضيلة، فاستردها لادراك الفضيلة، فقوله عليه السلام لانه لو صلاها بيان لانه لم يكن خرج وقت الاداء، ولو أرأد أن يصلي في تلك الحال كانت أداء لكن إنما طلب ردها لادراك الفضل. ويحتمل أن يكون المراد لو صلاها المصلي، ويمكن حمل التواري على الغروب، ويكون قوله " لانه لو صلاها " علة لترتب الهلاك على قولهم، أي بناء على قولهم لا يكون للصلاة وقتا إلا قبل الغروب، فيكون سليمان تاركا للصلاة بالكلية بتأخيرها عن الغروب على قولهم (1)، وأما إذا قلنا إن الوقت وقت للعامد ولمن لا يكون له عذر، ويجوز القضاء بعد الوقت لا يرد هذا، لكن تحمل تأخيره عليه السلام الصلاة لهذا العذر مشكل، وتجويز النسيان أشكل، وما ذكرنا أولا بالاصول أوفق. قوله: " وليس صلاة أطول وقتا من العصر " أي وقت الفضيلة، فيكون بيانا لخطاء آخر منهم، فانهم ضيقوا وقت الفضيلة أيضا أو وقت الاداء، فالمراد بعدم كونه أطول إما معناه الحقيقي، فكون الظهر مساوية لها في الوقت لا ينافي ذلك، أو معناه المجازي المتبادر من تلك العبارة، وهو كونها أطول الصلوات وقتا، فيكون الحصر إضافيا. وعلى التقديرين يفهم منه عدم امتداد وقت الاجزاء للعشائين إلى الفجر،


(1) لكنه هو الظاهر من حديث الفقيه: " قال زرارة وفضيل: قلنا لابي جعفر (ع) أرأيت قول الله عزوجل: " ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " قال: يعنى كتابا مفروضا وليس يعنى وقت فوتها ان جاز ذلك الوقت ثم صلاها لم تكن صلاة مؤداة، لو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود عليه السلام حين صلاها بغير وقتها. وأورده الكليني - رحمه الله - في باب من نام عن الصلاة أو سهى عنها تحت الرقم 10 ص 294 ج 3 من طبعة الاخوندى ص 89 ج 1 ط حجر.

[343]

لكن لا ينافي ما اخترناه، لانا لا نجوز التأخير عن نصف الليل في حال الاختيار، لكن يرد عليه أن العشاء على عدم القول بالاختصاص وقتها نصف الليل، والعصر وقتها نصف النهار، فلا يكون وقت العصر أطول، وعلى القول بالاختصاص يكون وقت العشاء أطول بمقدار ركعة، ووقت المغرب على التقديرين مساو لوقت العصر. فان قيل: نصف الليل الشرعي أقصر من نصف النهار، إذ ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مع كونه داخلا في حساب الليل محسوب شرعا من النهار، وكذا ما بين الغروب إلى ذهاب الحمرة. قلنا: الوقتان المضافان إلى النهار غير ملحوظين في اعتبار النصف، فان الزوال نصف ما بين الطلوع إلى الغروب، بل الجواب أن الوقتين وإن لم يحسبا في أخذ النصف من النهار لكنهما خارجان من حساب الليل، فيكون نصف الليل أقصر، فان في أول الحمل مثلا عند تساوي الليل والنهار، اليوم الذي يعتبر نصفه وقت العصر اثنتا عشرة ساعة، والليل الشرعي على المشهور عشر ساعات، وعلى مذهب من يكتفي بغيبوبة القرص يزيد نصف ساعة تقريبا، فعلى التقديرين يزيد نصف النهار على نصف الليل وعلى مذهب ذهاب الحمرة ينقص ما بينه وبين غيبوبة القرص من الليل ويزيد في نصف الثاني من النهار ويزيد به وقت العصر. فهذا الخبر مما يدل على أن ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس داخل في النهار، كما هو مختار العلماء الاخيار، وسيأتي القول فيه. على أنه يمكن أن يكون الحصر بالاضافة إلى غير العشاء أيضا لكنه بعيد، ويحتمل أيضا أن يكون الكلام مبنيا على العادة، فان الوقت الذي يمكن للناس الاتيان بالعشائين فيه غالبا قليل لاشتغالهم بالاكل والنوم، بخلاف العصر، فانه وقت فراغهم منهما ومن أمثالهما، فيكون أطول بتلك الجهة، فيظهر منه وجه ترجيحها على الظهر أيضا لان أكثر وقتها مصروف في القيلولة والاستراحة، هذا ما حضر لنا من الكلام في هذا الخبر الصادر عن معدن الوحي والالهام، وفي المقام خبايا تركناها لاولي الافهام

[344]

والله أعلم بالمرام، وحججه الكرام عليهم الصلاة والسلام. 18 - قرب الاسناد: عن عبد الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر قال: سألته عن رجل صلى الفجر في يوم غيم أو في بيت وأذن المؤذن وقعد فأطال الجلوس حتى شك فلم يدر هل طلع الفجر أم لا ؟ فظن أن المؤذن لا يؤذن حتى يطلع الفجر قال أجزأه أذانهم (1). بيان: اختلف الاصحاب في أنه هل يجوز التعويل على الظن عند التمكن من العلم ؟ المشهور عدم الجواز، بل قيل لا يعلم فيه مخالف وظاهر العلامة في بعض كتبه والشيخ الجواز، والاول أقوى، وإن كان هذا الخبر يدل على الجواز لمعارضته بما رواه الشهيد - ره - في الذكرى (2) قال: روى ابن أبي قرة باسناده إلى علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام في الرجل يسمع الاذان فيصلي الفجر ولا يدري أطلع الفجر أم لا ؟ غير أنه يظن لمكان الاذان أنه طلع، قال: لا يجزيه حتى يعلم أنه طلع، لكن إطلاق بعض الاخبار الواردة بالاكتفاء بوقوع جزء من الصلاة في الوقت - إذا صلى ظانا دخوله - شامل لهذا الفرد، وأما إذا لم يتمكن من العلم فالمشهور بين الاصحاب (3) جواز التعويل على الامارات المفيدة للظن، وعدم وجوب الصبر إلى حصول اليقين، بل نقل بعضهم الاجماع عليه، وقال ابن الجنيد: ليس للشاك يوم الغيم ولاغيره أن يصلي إلا عند يقينه بالوقت، وصلاته في آخر الوقت مع اليقين خير من صلاته مع الشك وقال السيد المرتضى


(1) قرب الاسناد ص 58 ط حجر ص 111 ط نجف. (2) الذكرى: 129. (3) يظهر من هوامش طبعة الكمبانى أن نسخ الكتاب كانت مختلفة هناك، ففى بعضها ما سيأتي في المتن كان ههنا ولفظه: " والمشهور لا يخلو من قوة، وان كان الاحتياط في الصبر إلى أن يتيقن الوقت فلو صلى بالظن وانكشف وقوع جميع الصلاة قبل الوقت، أعاد اجماعا، ولو دخل وهو متلبس بالصلاة ولو بالتشهد أجزء على المشهور والاقوى ".

[345]

لا تصح الصلاة سواء كان جهلا أو سهوا، ولابد من أن يكون جميع الصلاة واقعة في الوقت المضروب لها، فان صادف شئ من أجزائها ما هو خارج الوقت، لم تكن مجزية، وبهذا يفتى محصلوا أصحابنا ومحققوهم، فقد وردت روايات به، و إن كان في كتب بعض أصحابنا ما يخالف ذلك من الرواية. وقال ابن أبي عقيل (1): من صلى صلاة فرض أو سنة قبل دخول وقتها فعليه الاعادة، ساهيا كان أو متعمدا في أي وقت كان إلا سنن الليل في السفر. والمشهور لا يخلو من قوة وإن كان الاحتياط في الصبر إلى أن يتيقن دخول الوقت فلو صلى بالظن وانكشف وقوع جميع الصلاة قبل الوقت أعاد إجماعا، وإن دخل وهو متلبس بالصلاة ولو بالتشهد أجزء على المشهور والاقوى، وقد عرفت قول السيد والابنين بوجوب الاعادة، وهو أحوط. ولو صلى قبل الوقت عامدا أو ناسيا أو جاهلا ودخل الوقت وهو متلبس فلا ريب في العامد أنه يجب عليه الاعادة، وإن كان قول الشيخ في النهاية موهما للصحة، وأما الناسي أي ناسي مراعات الوقت فالمشهور البطلان، وظاهر كلام الشيخ وأبي الصلاح وابن البراج الصحة وهو أقوى والاعادة أحوط. وأما الجاهل بالوقت أو بوجوب المراعاة فالمشهور البطلان كما هو الاقوى ونقل عن أبي الصلاح الصحة ولو وقع جميع صلاته في الوقت فالاحوط الاعادة أيضا كما اختاره جماعة. 19 - الذكرى: قال: روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: من أدرك ركعة من


(1) في هامش طبعة الكمبانى: وقال ابن الجنيد: ومن صلى أول صلاته أو جميعها قبل الوقت ثم أيقن ذلك استأنفها، انتهى، واطلاق كلام هؤلاء يقتضى اعادة الظان أيضا وان صادف جزء منها الوقت، ولعله أحوط ل خ ".

[346]

الصلاة فقد أدرك الصلاة (1). قال: وعن علي عليه السلام من أدرك ركعة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (2). بيان: ما دل عليه الخبران من إدراك الصلاة بادراك ركعة منها في الوقت مع الشرايط المفقودة، بمعنى وجوب الاتيان بها مجمع عليه بين الاصحاب، بل قال في المنتهى: إنه لا خلاف فيه بين أهل العلم، لكن اختلفوا في كونها أداء أو قضاء، فذهب الشيخ في الخلاف إلى أنها أداء بأجمعها، ونقل فيه الاجماع، و تبعه المحقق وجماعة، واختار السيد المرتضى على ما نقل عنه أن جميعها قضاء، وذهب جماعة إلى أن ما وقع في الوقت أداء وما وقع في خارجه قضاء. وتظهر فائدة الخلاف في النية وأمرها هين، وقال في الذكرى إنها تظهر أيضا في الترتب على الفائتة السابقة، فعلى القضاء تترتب دون الاداء وهو في غاية الوهن، إذ الظاهر أن الاجماع منعقد على وجوب تقديم الصلاة التي قد أدرك من وقتها مقدار ركعة، مع الشرايط على غيرها من الفوائت. 20 - دعائم الاسلام: عن أمير المؤمنين وأبي جعفر وأبي عبد الله صلوات الله عليهم أنهم قالوا: من صلى صلاة قبل وقتها لم تجزه وعليه الاعادة، كما أن رجلا لو صام شعبان لم يجزه من رمضان (3). وروينا عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه رخص في الجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، في السفر، وفي مساجد الجماعة في الحضر، إذا


(1 - 2) الذكرى: 121، ووجه الحديث أن المفروض من كل صلاة الركعتان الاولتان، فإذا أتى المكلف بركعة فقد أتى بنصف المأمور به، والله عزوجل يقبل ذلك ويكتب أداء، ومثله في الصوم إذا جاز نصف اليوم ثم سافر، أو قرء سورة فبلغ النصف وهكذا. (3) دعائم الاسلام ج 1 ص 141.

[347]

كان عذر من مطر أو ظلمة، يجمع بين الصلاتين بأذان واحد وإقامتين: يؤخر و يصلي الاولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، وإن صلاهما جميعا في وقت الاولى منهما أوفي وقت الآخرة منهما أجزأه ذلك إذا جمعهما (1). 21 - أربعين الشهيد: باسناده عن الصدوق، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله عن الحسين بن سعيد، عن حماد، عن معاوية بن وهب أو معاوية بن عمار، عن الصادق عليه السلام قال: أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه واله بمواقيت الصلاة فأتاه حين زالت الشمس فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد الظل قامة فأمره فصلى العصر ثم أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب، ثم أتاه حين سقط الشفق فأمره فصلى العشاء، ثم أتاه حين طلع الفجر فأمره فصلى الصبح، ثم أتاه الغداة حين زاد الظل قامة فأمره فصلى الظهر، ثم أتاه حين زاد الظل قامتين فأمره فصلى العصر، ثم أتاه حين غربت الشمس فأمره فصلى المغرب ثم أتاه حين ذهب ثلث الليل فأمره فصلى العشاء، ثم أتاه حين نور الصبح فأمره فصلى الصبح ثم قال: ما بينهما وقت (2). 22 - العلل والعيون: عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان فيما رواه من العلل عن الرضا عليه السلام. فان قال: فلم جعلت الصلوات في هذه الاوقات ولم تقدم ولم توخر ؟ قيل لان الاوقات المشهورة المعلومة التي تعم أهل الارض فيعرفها الجاهل والعالم أربعة: غروب الشمس معروف تجب عنده المغرب وسقوط الشفق مشهور تجب عنده العشاء الآخرة، وطلوع الفجر مشهور معلوم تجب عنده الغداة، وزوال الشمس مشهور معلوم تجب عنده الظهر، ولم يكن للعصر وقت معلوم مشهور مثل هذه الاوقات الاربعة، فجعل وقتها عند الفراغ من الصلاة التي قبلها (3).


(1) دعائم الاسلام ج 1 ص 140 بتفاوت. (2) ورواه في التهذيب ج 1 ص 208 و 207 بسندين. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 109، علل الشرايع ج 1 ص 250. (*)

[348]

وعلة اخرى أن الله عزوجل أحب أن يبدأ الناس في كل عمل أولا بطاعته وعبادته، فأمرهم أول النهار أن يبدؤا بعبادته، ثم ينتشروا فيما أحبوا من مرمة دنياهم فأوجب صلاة الغداة عليهم، فإذا كان نصف النهار وتركوا ما كانوا فيه من الشغل، وهو وقت يضع الناس فيه ثيابهم، ويستريحون ويشتغلون بطعامهم وقيلولتهم، فأمرهم أن يبدؤا أولا بذكره وعبادته، فأوجب عليهم الظهر، ثم يتفرغوا لما أحبوا من ذلك. فإذا قضوا وطرهم وأرادوا الانتشار في العمل لآخر النهار بدؤا أيضا بعبادته ثم صاروا إلى ما أحبوا من ذلك فأوجب عليهم العصر، ثم ينتشرون فيما شاؤا من مرمة دنياهم فإذا جاء الليل ووضعوا زينتهم وعادوا إلى أوطانهم ابتدؤا أولا بعبادة ربهم ثم يتفرغون لما أحبوا من ذلك، فأوجب عليهم المغرب. فإذا جاء وقت النوم، وفرغوا مما كانوا به مشتغلين أحب أن يبدؤا أولا بعبادته وطاعته، ثم يصيرون إلى ما شاؤوا أن يصيروا إليه من ذلك، فيكونوا قد بدؤا في كل عمل بطاعته وعبادته، فأوجب عليهم العتمة، فإذا فعلوا ذلك لم ينسوه ولم يغفلوا عنه، ولم تقس قلوبهم، ولم تقل رغبتهم. فان قيل: فلم إذا لم يكن للعصر وقت مشهور مثل تلك الاوقات أوجبها بين الظهر والمغرب، ولم يوجبها بين العتمة والغداة، أو بين الغداة والظهر ؟ قيل: لانه ليس وقت على الناس أخف ولا أيسر ولا أحرى أن يعم فيه الضعيف والقوي بهذه الصلاة من هذا الوقت، وذلك أن الناس عامتهم يشتغلون في أول النهار بالتجارات والمعاملات، والذهاب في الحوائج، وإقامة الاسواق فأراد أن لا يشغلهم عن طلب معاشهم، ومصلحة دنياهم، وليس يقدر الخلق كلهم على قيام الليل، ولا يشعرون به، ولا ينتبهون لوقته، لو كان واجبا، ولا يمكنهم ذلك فخفف الله تعالى عنهم، ولم يجعلها في أشد الاوقات عليهم، ولكن جعلها في أخف الاوقات عليهم، كما قال الله عزوجل: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد

[349]

بكم العسر " (1). بيان: يدل على أن أول وقت العشاء سقوط الشفق المغربي، وحمل على أول وقت الفضيلة كما سيأتي، وعلى أن وقت العصر بعد الفراغ من الظهر، فيدل على اختصاص أول الوقت بالظهر، ولو حمل على الفضل فلعله محمول على غير المتنفل أو المراد العصر ونافلتها على الترتيب وفي العلل بعد ذلك " إلى أن يصير الظل من كل شئ أربعة أضعافه " وهو غريب (2) مخالف لساير الاخبار، ولذا أسقطه في العيون، ولعله كان أربعة أسباعه مع أنه أيضا لا يستقيم كثيرا. ويمكن أن يكون المراد به الظل الذي يحدث بعد الزوال إلى أن يفرغ من الفرضين، أو من الظهر ونافلتها، وغالبا يكون بقدر قدم، فإذا ضوعف ثلاث مرات يكون مع الاصل أربعا يكون ثمانية أقدام أو أربع مرات حقيقة، فيقرب من المثلين، أو يكون المراد ما يحدث من الظل بعد الفراغ من الظهر ونوافلها، فيكون قدمين تقريبا فإذا حملت الاضعاف على الامثال يستقيم من غير تكلف، و بناء جميع الوجوه على إرجاع ضمير أضعافه إلى الظل لا الشئ. ويدل الخبر أيضا على أن أول النهار من طلوع الفجر، وعلى أن وقت القيلولة بين الظهرين، وعلى استحباب التفريق بين الصلاتين، في الظهرين والعشائين. 23 - فقه الرضا: قال عليه السلام: اعلم أن لكل صلاة وقتين أول وآخر فأول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله (3). ونروى أن لكل صلاة ثلاثة أوقات أول وأوسط وآخر، فأول الوقت


(1) علل الشرايع ج 1 ص 250 و 251، عيون الاخبار ج 2 ص 110. (2) بل لاغرابة فيه وسيجئ وجه الحديث في الذيل. (3) فقه الرضا ص 2 باب مواقيت الصلاة.

[350]

رضوان الله، وأوسطه عفو الله، وآخره غفران الله، وأول الوقت أفضله، وليس لاحد أن يتخذ آخر الوقت وقتا، وإنما جعل آخر الوقت للمريض والمعتل وللمسافر (1). وقال: إن الرجل قد يصلي في وقت وما فاته من الوقت خير له من أهله وماله (2). وقال: إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء فلا احب أن يسبقني أحد بالعمل، لاني احب أن تكون صحيفتي أول صحيفة يرفع فيها العمل الصالح (3). وقال: ما يأمن أحدكم الحدثان في ترك الصلاة، وقد دخل وقتها وهو فارغ، وقال الله عزوجل " الذينهم على صلاتهم يحافظون " (4) قال: يحافظون على المواقيت، وقال " الذينهم على صلوتهم دائمون " قال: يدومون على أداء الفرائض والنوافل، فان فاتهم بالليل قضوا بالنهار، وإن فاتهم بالنهار قضوا بالليل (5). وقال: أنتم رعاة الشمس والنجوم، وما أحد يصلي صلاتين ولا يؤجر أجرين غيركم: لكم أجر في السر وأجر في العلانية (6). بيان: أجمع علماؤنا على أنه لا يجوز تقديم الصلاة على الوقت المقدر لها شرعا، ولا تأخيرها عنه، وذهب الاكثر إلى أنها تجب بأول الوقت وجوبا موسعا، ويظهر من كلام المفيد التضييق حيث قال: ولا ينبغي لاحد أن يؤخر الصلاة عن أول وقتها وهو ذاكر لها غير ممنوع فيها وإن أخرها ثم اخترم في الوقت، قبل أن يؤديها كان مضيعا لها، وإن بقي حتى يؤديها في آخر الوقت أوفي ما بين الاول والآخر عفي عن ذنبه في تأخيرها، والاخبار المستفيضة تنفيه


(1 - 3) فقه الرضا ص 2 باب مواقيت الصلاة، وترى الاخير في التهذيب ج 1 ص 145 عن الصادق (ع). (4) المعارج: 34. (5 - 6) فقه الرضا ص 2.

[351]

ولعل مراد المفيد أيضا تأكد الاستحباب كما أول الشيخ كلامه به. وقد استدل في الذكرى له بما رواه الصدوق - رحمه الله - عن أبي عبد الله عليه السلام " أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله " قال: والعفو لا يكون إلا عن ذنب (1) قال: وجوابه بجواز توجه العفو بترك الاولى، مثل " عفى الله عنك " وربما يؤول بغفران سائر الذنوب. قوله عليه السلام: " أنتم رعاة الشمس والنجوم " من الرعاية أو الرعى فانهم لمحافظتهم على رعاية النجوم لمعرفة أوقات الصلوات فكأنهم رعاتها، كما روي عن بعض الصحابة أنه قال: صرنا رعاه الشمس والقمر، بعدما كنا رعاة الابل


(1) الفقيه ج 1 ص 140، ومثل ذلك من الاحاديث مضمونا في حد الاستفاضة و لكن الحديث صدر على الاوقات المسنونة من قبل النبي صلى الله عليه وآله فيكون لكل صلاة وقت اول ووقت آخر الوقت الاول هو الموافق للسنة والفرض والوقت الثاني داخل في الفرض خارج عن السنة فان كان ذلك عن رغبة فقد كفر لقوله صلى الله عليه وآله " ومن رغب عن سنتى فليس منى "، ولما كان هذه السنة في فريضة كان تركها خطأ وذنبا " لقوله صلى الله عليه وآله: السنة سنتان: سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار " الحديث. وأما أن لكل صلاة وقتين، فصلاة الظهر أول وقتها حيث صار ظل الشاخص مثله وآخر وقتها حيث يدخل وقت صلاة العصر، وصلاة العصر اول وقتها حيث صار الظل مثلاه وآخره غروب الشمس وصلاة المغرب أول وقتها ذهاب الحمرة وآخره ذهاب الشفق أول الغسق وصلاة العشاء أول وقتها الغسق إلى ثلث الليل وآخر وقتها من ثلث الليل إلى النصف ثم إلى آخر الليل على ما عرفت. وهكذا أول الوقت لصلاة الغداة الغلس لمن يعرف الحساب، وطلوع الفجر بياضا معترضا في الافق لعامة الناس، وآخر وقتها طلوع الحمرة المشرقية فان مجئ هذه الحمرة علامة طلوع الشمس كما أن ذهابها في المغرب علامة غروبها، والفرق بأكثر من عشر دقائق، وسيأتى مفاد ذلك في الاخبار المندرجة في هذا الباب وقد مر بعضها كما من أربعين الشهيد.

[352]

والغنم، والبقر. " وما أحد يصلي صلاتين " أي صلاة تحسب صلاتين، فتكون الجملة الثانية مؤكدة وموضحة بها، أو المراد الصلاة مع المخالفين تقية والصلاة في البيت بآدابها (1) أو المراد نوعان من الصلاة أي قد يصلون بطريقة المخالفين تقية، وقد يصلون بغير تقية، فله النوعان من الصلاة، وكذا قوله عليه السلام " لكم أجر في السر وأجر في العلانية " أي في الاعمال التي تأتون بها سرأ، والاعمال التي تأتون بها علانية، أو ما تأتون به ظاهرا من موافقتهم، وما تسرون من مخالفتهم، وعدم الاعتناء بصلاتهم وأعمالهم. 24 - العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام قال في صلاة المغرب في السفر: لا يضرك أن تؤخر ساعة ثم تصليها إن أحببت أن تصلي العشاء الآخرة وإن شئت مشيت ساعة إلى أن تغيب الشفق إن رسول الله صلى الله عليه واله صلى صلاة الهاجرة والعصر جميعا، والمغرب والعشاء الآخرة جميعا، وكان يقدم ويؤخر، إن الله تعالى قال: " إن الصلوة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " (2) إنما عنى وجوبها على المؤمنين، لم يعن غيره. إنه لو كان كما يقولون لم يصلى رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا وكان أعلم وأخبر، ولو كان خيرا لامر به محمد رسول الله


(1) بل قد عرفت أن هذا هو المراد بعد ما رخصوا لشيعتهم الجمع بين الصلاتين و الاتيان بنوافلها مجتمعا، ولذلك قال بعده: " لكم أجر في السرو أجر في العلانية ". (2) النساء: 103، وقد عرفت معنى الاية في صدر الباب وغيره وأن معنى كون الصلاة كتابا موقوتا، أنها تؤدى حين تؤدى بالامر الاول لكونه مكتوبا، فان أدى في أول الوقت كان أداء، كما كان يصلى رسول الله المغرب عند ذهاب الحمرة، وان أداها في آخر الوقت قرب الغسق كان أداء كما صلى رسول الله بعرفة وجمع بين العشائين، حتى لو صلاها خارج الوقت المفروض أو المسنون كان أداء كما فعله رسول الله في صلاة الصبح في سفر وصلاة العصر في غزوة بنى قريظة على ما روى وصلى سليمان بن داود بعد توارى الشمس بالحجاب على ما مر تحت الرقم 16 وسيأتي عن قريب.

[353]

وقد فات الناس مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، فأمرهم علي أمير المؤمنين عليه السلام فكبروا وهللوا و سبحوا رجالا وركبانا لقول الله " فان خفتم (1) فرجالا أو ركبانا " فأمرهم علي فصنعوا ذلك (2). 25 - ومنه: عن زرارة قال قلت لابي جعفر عليه السلام: قول الله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " قال: يعني كتابا مفروضا وليس يعني وقتا وقتها إن جاز ذلك الوقت ثم صلاها لم يكن صلاته مؤداة. لو كان ذلك كذلك، لهلك سليمان بن داود حين صلاها لغير وقتها، ولكنه متى ما ذكرها صلاها (3). بيان: قوله: " إن جاز ذلك الوقت " بيان وتفسير للتوقيت، وفي الفقيه (4) " ليس يعني وقت فوتها إن جاز " الخ. قوله عليه السلام " لم تكن صلاة مؤداة " أي صحيحا مثابا عليها، وإن كان قضاء، فلا تكون الصحة مخصوصة بالوقت المعين، ويحتمل أن يكون وقت المنفي تعينه وقت الفضيلة والاختيار كما مرت الاشارة إليه، فهو بيان لتوسعة الوقت، وحينئذ يكون لفظ المؤداة بالمعنى الاصطلاحي ويحتمل الاعم منهما. 26 - العياشي: عن منصور بن حازم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " قال: لو كانت موقوتا كما يقولون (5) لهلك الناس ولكان الامر ضيقا، ولكنها كانت على المؤمنين


(1) البقرة: 239، وقد عرفت في ص 314 أن الصلاة لما كانت كتابا موقوتا على المؤمنين، لا يخرج المؤمن عن عهدته الا بأدائها، وأداؤها في حال الامن وحصول الطمأنينة بالركوع والسجود، وفى حال الخوف وفتنة العدو بالذكر فقط رجالا أو ركبانا. (2 - 3) تفسير العياشي ج 1: 273. (4) الفقيه ج 1 ص 129. (5) يعنى كما يقولون ان الصلاة قد فاتته وصارت قضاء ومات الامر الاول بفوات - >

[354]

كتابا موجوبا (1). 27 - ومنه: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الآية " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " فقال: إن للصلاة وقتا، والامر فيه واسع، يقدم مرة ويؤخر مرة إلا الجمعة، فانما هو وقت واحد، وإنما عنى الله " كتابا موقوتا " أي واجبا، يعني بها أنها الفريضة (2). 28 - ومنه: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " قال: لو عنى إنها في وقت لا تقبل إلا فيه ؟ كانت مصيبة ولكن متى أديتها فقد أديتها (3) 29 - وفي رواية اخرى عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول في قول الله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " قال: إنما يعني وجوبها على المؤمنين، ولو كان كما يقولون إذا لهلك سليمان بن داود عليه السلام حين قال " حتى توارت بالحجاب " (4) لانه لو صلاها قبل ذلك، كانت في وقت، وليس صلاة أطول وقتا من صلاة العصر (5). 30 - وفي رواية اخرى، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " فقال: يعني بذلك وجوبها على المؤمنين، وليس لها وقت من تركه أفرط الصلاة، ولكن لها تضييع (6). 31 - ومنه: عن عبد الحميد بن عواض، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله قال " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " قال: إنما عنى وجوبها على المؤمنين، ولم يعن غيره (7).


< - المأمور به، وان القضاء بأمر جديد امتثله. (1) تفسير العياشي ج 1 ص 273. (2 - 3) تفسير العياشي ج 1 ص 274. (4) سورة ص: 33. (6 - 7) تفسير العياشي ج 1 ص 274.

[355]

32 - ومنه: عن عبيد، عن أبي جعفر عليه السلام أو أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " قال: كتاب واجب. أما إنه ليس مثل وقت الحج ولا رمضان، إذا فاتك فقد فاتك، وإن الصلاة إذا صليت فقد صليت (1). 33 - ومنه: عن جعفر بن محمد، عن أحمد، عن العمركي، عن العبيدي عن يونس، عن علي بن جعفر، عن أبي إبراهيم عليه السلام قال: لكل صلاة وقتان ووقت يوم الجمعة زوال الشمس، ثم تلاهذه الآية " الحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " قال: يعدلون بين الظلمات والنور، وبين الجور والعدل (2). بيان: لعله على هذا التأويل قوله: " بربهم " متعلق بقوله: " كفروا " ومناسبة الآية للمقام لعلها من جهة أن المخالفين يعدلون بين أجزاء النور وأجزاء الظلمة، ولا يفرقون بين الجمعة وغيرها، ولا بين وقت الفضيلة ووقت الاجزاء وللظلمات والنور تأويل وهو الجور والعدل، وهم يعدلون بينهما أيضا ويقولون بخلافة العادل والجائر. 34 السرائر: من كتاب حريز قال: أبو جعفر عليه السلام: اعلم أن أول الوقت أبدا أفضل، فعجل الخير ما استطعت. وأحب الاعمال إلى الله تعالى ذكره مادام عليه العبد وإن قل (3). 35 - العياشي: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عما فرض الله من الصلوات، قال: خمس صلوات في الليل والنهار، قلت: سماهن الله وبينهن في كتابه ؟ قال: نعم، قال الله لنبيه صلى الله عليه واله " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " ودلوكها زوالها فيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 274. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 354، والاية في أول سورة الانعام. (3) السرائر ص 472. (*)

[356]

صلوات سماهن وبينهن ووقتهن، وغسق الليل انتصافه، وقال: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " هذه الخامسة (1). 36 - ومنه: عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الآية " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " قال: دلوك الشمس زوالها عند كبد السماء " إلى غسق الليل " إلى انتصاف الليل، فرض الله فيما بينهما أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء، " وقرآن الفجر " يعني القراءة " إن قرآن الفجر كان مشهودا " قال: يجتمع في صلاة الغداة حرس الليل والنهار من الملائكة، قال: وإذا زالت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين، ليس نفل إلا السبحة التي جرت بها السنة أمامها " وقرآن الفجر " قال: ركعتان الفجر وضعهن رسول الله صلى الله عليه واله ووقتهن للناس (2). 37 - ومنه: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " قال: زوالها " إلى غسق الليل " إلى نصف الليل ذلك أربع صلوات وضعهن رسول الله صلى الله عليه واله ووقتهن للناس " وقرآن الفجر " صلاة الغداة. وقال محمد الحلبي، عن أحدهما وغسق الليل نصفها بل زوالها، وقال: أفرد الغداة وقال: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " فركعتا الفجر يحضرهما الملائكة ملائكة الليل وملائكة النهار (3). 38 - ومنه: عن سعيد الاعرج قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو مغضب، وعنده نفر من أصحابنا وهو يقول: تصلون قبل أن تزول الشمس ؟ قال: وهم سكوت، قال: فقلت أصلحك الله ما نصلي حتى يؤذن مؤذن مكة قال: فلا بأس أما إنه إذا أذن فقد زالت الشمس، ثم قال إن الله يقول " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " فقد دخلت أربع صلوات فيما بين هذين الوقتين، وأفرد صلاة الفجر فقال: " وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " فمن صلى قبل أن تزول


(1 - 2) تفسير العياشي ج 2 ص 308، والاية في سورة الاسراء: 78. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 309.

[357]

الشمس فلا صلاة له (1). بيان: يدل على جواز الاعتماد على المؤذنين في دخول الوقت وإن كانوا مخالفين، بل ربما يستدل به على العمل بخبر الموثق (2) وقد يحمل على ما إذا حصل العلم باتفاق جماعة من المؤذنين على الاذان بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب وهو بعيد وظاهر المعتبر أنه يجوز التعويل على أذان الثقة الذي يعرف منه الاستظهار عند التمكن من العلم لقول النبي صلى الله عليه واله: المؤذنون امناء. وروى الشيخ (3) عن ذريح قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام صل الجمعة بأذان هؤلاء، فانهم أشد شئ مواظبة على الوقت، وعن محمد بن خالد القسري قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخاف أن نكون نصلي الجمعة قبل أن تزول الشمس، قال: إنما ذاك على المؤذنين (4) ويعارضها خبر علي بن جعفر المتقدم ويمكن حمله على الكراهة جمعا، أو حمل تلك الاخبار على حصول العلم والثاني أحوط. وأما الاعتماد على شهادة العدلين فظاهر الاكثر الجواز وفي العدل الواحد عدم الجواز، وظاهر المبسوط عدم جواز التعويل على الغير، مع عدم المانع مطلقا وهو أحوط. 39 - العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام عن قوله: " وأقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " قال: جمعت الصلاة كلهن، ودلوك الشمس زوالها وغسق الليل انتصافه، وقال: إنه ينادي مناد من السماء كل ليلة إذا انتصف الليل: من رقد عن صلاة العشاء إلى هذه الساعة فلا نامت عيناه " وقرآن الفجر " قال: صلاة الصبح، وأما قوله: " كان مشهودا "


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 309. (2) وفيه أن أذان الموذن مستظهر بعدم انكار عامة المسلمين عليه، فعدم انكارهم عليه دليل تأييدهم للوقت بخلاف خبر الثقة، فانه خبر واحد. (3) راجع التهذيب ج 1 ص 317. (4) راجع التهذيب ج 1 ص 323، باب العمل في ليلة الجمعة ويومها.

[358]

قال: تحضره ملائكة الليل والنهار (1). 40 - ومنه: عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " قال: إن الله افترض أربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس إلي انتصاف الليل منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها، إلا أن هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أول وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلا أن هذه قبل هذه (2). بيان: هذا الخبر وأمثاله مما استدل به للصدوق - رحمه الله - على اشتراك الوقت بين الصلاتين من أوله إلى آخره من غير اختصاص كما مر، وربما يأول بأن المراد بدخول الوقتين دخولهما موزعين على الصلاتين كما يشعر به قولهم عليهم السلام في بعض الاخبار إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر جميعا إلا أن هذه قبل هذه وقال المحقق - رحمه الله - في المعتبر بعد إيراد تلك الروايات: ويمكن أن يتأول ذلك من وجوه: أحدها أن الحديث تضمن " إلا أن هذه قبل هذه " وذلك يدل على أن المراد بالاشتراك ما بعد الاختصاص. الثاني أنه لم يكن للظهر وقت مقدر بل أي وقت فرض وقوعها فيه أمكن وقوعها فيما هو أقل منه، حتى لو كانت الظهر تسبيحة كصلاة شدة الخوف كانت العصر بعدها، ولانه لو ظن الزوال وصلى ثم دخل الوقت قبل إكمالها بلحظة أمكن وقوع العصر في أول الوقت، إلا ذلك القدر، فلقلة الوقت وعدم ضبطه كان التعبير عنه بما ذكر في الرواية ألخص العبارات وأحسنها. الثالث أن هذا الاطلاق مقيد في رواية ابن فرقد عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإذا مضى قدر أربع ركعات دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي أربع ركعات،


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 309. (2) تفسير العياشي: ج 2 ص 310.

[359]

فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر، وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس (1) وأخبار الائمة عليهم السلام وإن تعددت في حكم الخبر الواحد انتهى. ولا يخفى قوة ما اختاره، وإن أمكن المناقشة في بعض ما ذكره قدس سره والمسألة لا تخلو من إشكال. 41 - العياشي: عن أبي هاشم الخادم عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: ما بين غروب الشمس إلى سقوط القرص غسق (2). 42 - اختيار الرجال للكشي: عن حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة قال: كنت قاعدا عند أبي عبد الله عليه السلام أنا وحمران، فقال له حمران: ما تقول فيما يقول زرارة فقد خالفته فيه، قال: فما هو ؟ قال: يزعم أن مواقيت الصلاة مفوضة إلى رسول الله صلى الله عليه واله وهو الذي وضعها، قال: فما تقول أنت ؟ قال: قلت: إن جبرئيل عليه السلام أتاه في اليوم الاول بالوقت الاول، وفي اليوم الثاني بالوقت الاخير ثم قال جبرئيل: يا محمد ما بينهما وقت: فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا حمران ! زرارة يقول: إنما جاء جبرئيل عليه السلام مشيرا على محمد صلى الله عليه واله وصدق زرارة جعل الله ذلك إلى محمد صلى الله عليه واله فوضعه وأشار جبرئيل عليه (3). 43 - فلاح السائل: من كتاب مدينة العلم باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فضل الوقت الاول على الاخير كفضل الآخرة على الدنيا (4). وبالاسناد عنه عليه السلام قال: لفضل الوقت الاول على الآخر خير للمؤمن من ماله وولده (5). 44 - تفسير النعماني: باسناده عن الصادق عليه السلام عن آبائه، عن أمير المؤمنين


(1) رواه في التهذيب ج 1 ص 140، لكنه مرسل. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 310. (3) رجال الكشى ص 130 تحت الرقم 62. (4 - 5) فلاح السائل ص 155.

[360]

عليه السلام في حديث طويل: إن الله تعالى إذا حجب عن عباده عين الشمس التي جعلها دليلا على أوقات الصلوات فموسع عليهم تأخير الصلوات ليتبين لهم الوقت بظهورها، ويستيقنوا أنها قد زالت (1). 45 - الاختصاص: للمفيد، عن محمد بن أحمد العلوي، عن أحمد بن زياد عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله " ألم تر أن الله يسجد له من في السموات و الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب " (2) الآية فقال إن للشمس أربع سجدات كل يوم وليلة فأول سجدة إذا صارت (3) في طول السماء قبل أن يطلع الفجر، قلت بلى جعلت فداك قال: ذاك الفجر الكاذب لان الشمس تخرج ساجدة وهي في طرف الارض فإذا ارتفعت من سجودها طلع الفجر، ودخل وقت الصلاة، وأما السجدة الثانية فانها إذا صارت في وسط القبة، وارتفع النهار ركدت قبل الزوال فإذا صارت بحذاء العرش ركدت وسجدت، فإذا ارتفعت من سجودها زالت عن وسط القبة، فيدخل وقت صلاة الزوال، وأما السجدة الثالثة فانها إذا غابت من الافق خرت ساجدة، فإذا ارتفعت من سجودها زال الليل كما أنها حين زالت وسط السماء دخل وقت الزوال: زوال النهار (4). بيان: الظاهر أن السجدة في تلك الآية كناية عن تذلل تلك الاشياء عند قدرته، وعدم تأبيها عن تدبيره، وكونها مسخرة لامره، أو دلالتها بذلها على عظمة مدبرها، فان السجود في اللغة تذلل مع تطأ من قال الشاعر:


(1) راجع بحار الانوار ج 93 ص 14 الطبعة الحديثة هذه، وأخرجه الحر العاملي في الوسائل عن رسالة المحكم والمتشابه ص 21. (2) الحج: 18. (3) زاد ههنا في المصدر المطبوع عن بعض النسخ [في طرف الافق حين يخرج الفلك من الارض إذا رأيت البياض المضئ]. (4) الاختصاص ص 213 و 214.

[361]

* ترى الاكم فيها سجدا للحوافر، * فلعل تخصيص تلك الاوقات بسجود الشمس لكون أثر الذل والتسخير فيها عندها أظهر من ساير الاوقات، والدلالة على المدبر والصانع فيها أبين. أما الصبح فلانه أول ظهور انقيادها بعد غفلة الناس عنها بالغروب، وبدو ظهور أثر النعمة بها، ولان الظهور بعد الخفاء، والوجود بعد العدم، والكمال بعد النقص، من لوازم الامكان. وأما عند الزوال فلانها تأخذ في الهبوط بعد الصعود، وفي النقص بعد القوة وهو دليل العجز والامكان والتسخير، وأيضا في تلك الحالة تتم النعمة بوجودها لوصولها إلى الكمال، فدلت على كمال قدرة مدبرها ورحمته. وكذا عند الغروب والافول سجدت وأقرت لمدبرها بالقدرة، ولنفسها بالعجز والتسخير، فناسب تلك الحالة أن يتذكر الناس مدبرها ويعبدوه ويعلموا أن لابقاء لشئ من الممكنات، فينبغي قطع التعلق عنها والتوجه إلى من لا يعتريه نقص ولاعجز ولا زوال، وأيضا أبدل نعمة اليوم بنعمة اخرى هي الليل، فناسب أن يعبدوه ويشكروه والارتفاع من السجود عند زوال الليل، لانها تأخذ في الارتفاع بعد الانحطاط، فكأنها رفعت رأسها من السجدة (1) ولعل فيه إيماء بأن نصف الليل إنما هو عند تجاوزها من دائرة نصف النهار تحت الارض، فيناسب رأي من جعل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل، وسيأتي القول فيه. والركود السكون والثبات، وأول ههنا بعدم ظهور حركتها بقدر يعتد بها عند الزوال وعدم ظهور زيادة الظل حينئذ (2) إذ لو قيل بالركود حقيقة عند زوال


(1) وللمولف قدس سره بيان آخر للحديث حيث أخرجه في كتاب السماء والعالم، راجع ج 58 ص 164 - 165. من هذه الطبعة (2) إذا اعتبرنا الظل، فالامر واضح، فان ركود الظل حين رجوع الفيئ قطعي بحسب الواقع قليلا وبحسب الحس أكثر.

[362]

الشمس في كل بلد، يلزم سكونها دائما، إذ كل نقطة من مدار الشمس محاذية لسمت رأس افق من الآفاق، وتخصيص الركود بافق خاص كمكة أو المدينة مع بعده يستلزم سكونها في البلاد الاخرى بحسبها في أوقات اخرى فان ظهر مكة يقع في وقت الضحى في بلد آخر، فيلزم ركودها في ضحى ذلك البلد، وهو في غاية البعد وقد مر القول فيه، والسكوت عن تلك الاخبار البعيدة عن ظواهر العقول والتسليم إجمالا لما قصد المعصوم بها على تقدير ثبوتها أحوط وأولى. ثم اعلم أنه سقطت من النسخ إحدى السجدات والظاهر أنه كان كذا " فإذا ارتفعت من سجودها دخل وقت المغرب وأما السجدة الرابعة فإذا صارت في وسط القبة تحت الارض فإذا ارتفعت من سجودها زال الليل ". 46 - السرائر: نقلا من كتاب عبد الله بن بكير، عن أبيه قال: صليت يوما بالمدينة الظهر، والسماء مغيمة، وانصرفت وطلعت الشمس، فإذا هي حين زالت، فأتيت أبا عبد الله عليه السلام فسألته فقال: لا تعد ولا تعودن (1). بيان: قال الجوهري: الغيم السحاب، وقد غامت السماء وأغامت واغيمت وتغيمت كله بمعنى، وقال في التهذيب (2) بعد إيراد تلك الرواية: فالموجه في هذا الخبر أنه إنما نهاه عن المعاودة إلى مثله لان ذلك فعل من لا يصلي النوافل ولا ينبغي الاستمرار على ترك النوافل، وإنما يسوغ ذلك عند العوارض والعلل انتهى. والاظهر أنه لما صلى بالظن فظهر أنه كان صلاته في الوقت حكم عليه السلام بصحة صلاته ونهى [نهاه] عن أن يصلي بعد ذلك قبل حصول اليقين بالوقت تنزيها على المشهور لعدم إمكان تحصيل العلم للغيم، وتحريما على قول ابن الجنيد وجماعة فيدل على مختارهم، على أنه لو خالف وأوقع صلاته قبل العلم، وظهر وقوعها في الوقت تكون صحيحة، وإن كان فعل محرما، ومع العلم بالمسألة مشكل والظاهر


(1) السرائر ص 483. (2) التهذيب ج 1 ص 206.

[363]

هنا الجهل، ويحتمل أن يكون المراد بقوله حين زالت وقوع الزوال في أثناء صلاته وهو احتمال قريب، فيدل على المشهور في ذلك كما عرفت. 47 - السرائر: من كتاب محمد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن يعقوب الهاشمي، عن مروان بن مسلم، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يفوت الصلاة من أراد الصلاة، لا تفوت صلاة النهار حتى تغيب الشمس، ولا صلاة الليل حتى يطلع الفجر، ولا صلاة الفجر حتى تطلع الشمس (1). 48 - الذكرى: نقلا من كتاب عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه واله كان في السفر يجمع بين المغرب والعشاء، والظهر والعصر، وإنما يفعل ذلك إذا كان مستعجلا، قال: وقال عليه السلام وتفريقهما أفضل (2). 49 - كتاب المسائل: باسناده، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليهما السلام في الرجل يسمع الاذان فيصلي الفجر ولا يدري طلع أم لا، غير أنه يظن لمكان الاذان أنه طلع ؟ قال: لا يجزيه حتى يعلم أنه قد طلع (3). 50 - العيون: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن أحمد ابن عبد الله الغروي (4) عن أبيه قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح، فقال لي: ادن مني، فدنوت منه حتى حاذيته، ثم قال لي: أشرف إلى البيت في الدار، فأشرفت، فقال لي: ما ترى ؟ قلت: ثوبا مطروحا، فقال: انظر حسنا، فتأملته ونظرت فتيقنت، فقلت: رجل ساجد، إلى أن قال: فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام إني أتفقده الليل والنهار، فلم


(1) السرائر ص 475. (2) الذكرى ص 118. (3) كتاب المسائل المطبوع في البحار ج 10 ص 273 و 274، وقد تقدم عن الذكرى. (4) القزويني خ، القروى خ.

[364]

أجده في وقت من الاوقات إلا على الحالة التي اخبرك بها إنه يصلي الفجر فيعقب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، وقد وكل من يترصد له الزوال، فلست أدري متى يقول له الغلام: قد زالت الشمس إذ يثب فيبتدئ الصلاة من غير أن يحدث وضوء فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفا فلا يزال إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجدا إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلى المغرب من غير أن يحدث حدثا، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلي العتمة فإذا صلى العتمة أفطر على شوى (1) يؤتى به، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدد الوضوء ثم يقوم فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام إن الفجر قد طلع إذ وثب هو لصلاة الفجر، فهذا دأبه منذ حول إلى، الحديث (2). بيان: في القاموس غفا غفوا وغفوا نام أو نعس كأغفى، وقال: تصغير شئ شيئ لا شوي أو لغية عن إدريس بن موسى النحوي انتهى. أقول: المتعارف عند العرب الآن شوى بقلب الهمزة ياء، وفي بعض النسخ شواء وهو بالكسر اللحم المشوي والاول أكثر وأظهر، ويدل ظاهرا على جواز الاتكال على قول الغير في دخول الوقت، وإن كان واحدا، لكن الظاهر أنه عليه السلام كان عارفا بالوقت بما يخصه من العلم وإنما وكل الغلام لمعرفة ذلك تقية، ومع ذلك لا يخلو عن تأييد لسائر الاخبار. 51 - نوادر الراوندي: باسناده، عن الكاظم، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: كان أبي علي بن الحسين عليهما السلام يأمر الصبيان أن يصلوا المغرب والعشاء جميعا فقيل له: يصلون الصلاة في غير وقتها ؟ قال: هو خير من أن يناموا عنها (3).


(1) مشوى خ ل. وفى نسخة الوسائل شواء. (2) عيون الاخبار ج 1 ص 106 و 107. (3) نوادر الراوندي:.

[365]

52 - نهج البلاغة: من كتابه عليه السلام إلى امرائه في الصلاة: أما بعد ! فصلوا بالناس الظهر حين تفئ الشمس مثل مربض العنز، وصلوا بهم العصر والشمس بيضاء حية في عضو من النهار، حين يسار فيها فرسخان، وصلوا بهم المغرب حين يفطر الصائم، ويدفع الحاج، وصلوا بهم العشاء حين يتوارى الشفق إلى ثلث الليل وصلوا بهم الغداة والرجل يعرف وجه صاحبه وصلوا بهم صلاة أضعفهم ولا تكونوا فتانين (1). بيان: مربض العنز بكسر الباء وقد يفتح محل بروكها، فان اريد عرضه فهو قريب من الذراع والقدمين، وإن اريد الطول فهو قريب من خمسة أقدام، والاول أوفق بسائر الاخبار، والثاني بتتمة الخبر، إذ فيه شوب تقية، وفي النهاية فيه أنه كان يصلي العصر والشمس حية أي صافية اللون لم يدخلها التغيير بدنو المغيب كأنه جعل مغيبها لها موتا وأراد تقديم وقتها، وقال الجوهري: العضو والعضو واحد الاعضاء وعضيت الشاء تعضيت إذا جزيتها أعضاء. وفي النهاية فيه أنه دفع من عرفات أي ابتدأ السير ودفع نفسه منها ونحاها أو دفع ناقته وحملها على السير " ولا تكونوا فتانين " أي تفتنون الناس وتضلونهم بترك الجماعة، بسبب إطالة الصلاة، فانها مستلزمة لتخلف الضعفاء والعاجزين والمضطرين، رووا عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: يا معاذ إياك أن تكون فتانا للمسلمين وفي اخرى أفتان أنت يا معاذ ؟ 53 - الخصال: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن الحسن بن إسحاق التميمي، عن الحسن ابن أخي الضبي، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: تزول الشمس في النصف من حزيران على نصف قدم، وفي النصف من تموز على قدم ونصف، وفي النصف من آب على قدمين ونصف، وفي النصف من إيلول على ثلاثة أقدام ونصف، وفي النصف من تشرين الاول على خمسة ونصف، وفي


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 52 من قسم الرسائل ص 516.

[366]

النصف من تشرين الآخر على سبعة ونصف، وفي النصف من كانون الاول على تسعة ونصف، وفي النصف من كانون الآخر على سبعة ونصف، وفي النصف من شباط على خمسة أقدام ونصف، وفي النصف من آذار على ثلاثة ونصف وفي النصف من نيسان على قدمين ونصف وفي النصف من أيار على قدم ونصف وفي النصف من حزيران على نصف قدم (1). المناقب: لابن شهر آشوب: عن عبد الله بن سنان مثله (2). تبيين: قوله عليه السلام " على نصف قدم ": أي تزول الشمس بعد ما بقي من الظلل نصف قدم، والقدم على المشهور سبع الشاخص فان الاكثر يقسمون كل شاخص بسبعة أقسام، ويسمون كل قسم قدما، بناء على أن قامة الانسان المستوي الخلقة تساوي سبعة أضعاف قدمه، قال في المنتهى: اعلم أن المقياس قد يقسم مرة باثني عشر قسما، ومرة بسبعة أقسام، أو بستة ونصف، أو بستين قسما فان قسم باثني عشر قسما سميت الاقسام أسابع فظله ظل الا سابع، وإن قسم بسبعة أقسام أو بستة و نصف سميت أقداما وإن قسم بستين قسما سميت أجزاء ثم قال - ره -: الظاهر أن هذه الرواية مختصة بالعراق والشام وما قاربهما. وقال الشيخ البهائي قدس الله روحه: الظاهر أن هذا الحديث مختص بالعراق وما قاربها، كما قاله بعض علمائنا رضوان الله عليهم، لان عرض البلاد العراقية يناسب ذلك، ولان الراوي لهذا الحديث وهو عبد الله بن سنان عراقي فالظاهر أنه عليه السلام بين علامة الزوال في بلاده انتهى. ولنفصل الكلام بعض التفصيل ليتضح اشتباه بعض الاعلام في هذا المقام ويندفع ما يرد على هذا الخبر بعد التأمل، وفي بادي النظر. فأما ما يرد عليه في بادئ الرأي، فهو أنه لا يريب أحد في أن العروض المختلفة في الافاق المائلة لا يكاد يصح اتفاقها في هذا التقدير، والجواب أنه


(1) الخصال ج 2 ص 67. (2) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 256.

[367]

لافساد في ذلك، إذ لا يلزم أن تكون القاعدة المنقولة عنهم عليهم السلام في تلك الامور عامة شاملة لجميع البلاد والعروض والآفاق، بل يمكن أن يكون الغرض بيان حكم بلد الخطاب، أو بلد المخاطب أو غيرهما، مما كان معهودا بين الامام عليه السلام وبين راويه، من البلاد التي كان عرضها أكثر من الميل الكلي، إذما كان عرضه متساويا للميل ينعدم فيه الظل يوما واحدا حقيقة، وبحسب الحس أياما، وما كان عرضه أقل ينعدم فيه الظل يومين حقيقة وأياما حسا. وأما ما يرد عليه بعد التأمل وإمعان النظر فامور: الاول: أن انقسام السنة الشمسية عند الروم إلى هذه الشهور الاثني عشر التي بعضها كشباط ثمانية وعشرون يوما في غير الكبيسة، وفيها تسعة وعشرون يوما وبعضها كحزيران وإيلول وتشرين الآخر ونيسان ثلاثون يوما وبعضها كباقي الشهور أحد وثلاثون يوما إنما هو محض اصطلاح منهم لم يذكر أحد من المحصلين وجها أو نكتة لهذا الاختلاف، وما توهم بعضهم من أنه مبني على اختلاف مدة قطع الشمس كلا من البروج الاثني عشر ظاهر البطلان، وغير خفي على من تذكر مدة مكث الشمس في تلك البروج أن الامر فيه ليس على طبقه، كيف وكانون الاول الذي اعتبروه أحدا وثلاثين هو بين القوس والجدي، وكل منهما تسعة وعشرون. إذا عرفت هذا فقد ظهر لك أن انتقاص الظل أو ازدياده المبنيين على ارتفاع الشمس وانخفاضها في البروج وأجزاؤها، لا يطابق الشهور الرومية تحقيقا ألا ترى أن انتقال الشمس من أول الحمل إلى أول الميزان الذي يعود فيه الظل إلى مثل ما كان في أول الحمل إنما يكون في قريب من مائة وسبعة وثمانين يوما ومن نصف آذار إلى نصف إيلول الذي جعل في الرواية موافقا للوقتين، إنما يكون في أقل من مائة وأربعة وثمانين يوما وعلى هذا القياس. الثاني: أن ظل الزوال يزداد من أول السرطان إلى أول الجدي ثم ينتقص إلى أول السرطان يوما فيوما وشهرا فشهرا على سبيل التزايد والتناقص والمعنى أن ازدياده وانتقاصه في اليوم الثاني والشهر الثاني أزيد من ازدياده وانتقاصه في اليوم الاول

[368]

والشهر الاول وهكذا في الثالث بالنسبة إلى الثاني وفي الرابع بالنسبة إلى الثالث حتى ينتهى إلى غاية الزيادة أو النقصان التي هي بداية الآخر ومن هذا القبيل مآل ازدياد الساعات وانتقاصها في أيام الشهر ولياليها، ووجه الجميع ظاهر على الناقد الخبير، فكون ازدياد الظل في ثلاثة أشهر قدما قدما، وفي الثلاثة الاخرى قدمين قدمين كما في الرواية خلاف ما تحكم به الدراية. الثالث: أن كون نهاية انتقاص الظل إلى نصف قدم، وغاية ازديادة إلى تسعة أقدام ونصف، كما يظهر من الرواية إنما يستقيم إذا كان تفاوت ارتفاعي الشمس في الوقتين بقدر ضعف الميل الكلي، فان الاول إنما يكون في أول السرطان والثاني في أول الجدي وبعد كل منهما من المعدل بقدر الميل الكلي وليس الحال كذلك فان ارتفاع الشمس حين كون الظل نصف قدم يقرب من ست وثمانين درجة، وحين كونه تسعة أقدام ونصفا يقرب من ست وثلاثين درجه، فالتفاوت خمسون، وهو زائد على ضعف الميل الكلي بقريب من ثلاث درجات. الرابع: أن يكون الظل نصف قدم في أول السرطان أو كونه تسعة أقدام ونصف في أول الجدي ليس موافقا لافق من آفاق البلدان المشهورة فضلا عما ينبغي أن يكون موافقا له كالمدينة المشرفة التي هي بلد الخطاب أو الكوفة التي هي بلد المخاطب، فان عرض المدينة خمس وعشرون درجة، وعرض الكوفة إحدى وثلاثون درجة، ونصف درجة، فارتفاع أول السرطان في المدينة قريب من ثمان وثمانين درجة ونصف درجة، والظل حينئذ أنقص من خمس قدم، وفي الكوفة قريب من اثنتين وثمانين درجة، والظل حينئذ أزيد من قدم وخمس قدم وارتفاع الجدي في المدينة قريب من إحدى وأربعين درجة ونصف درجة، والظل حينئذ أنقص من ثمانية أقدام، وفي الكوفة قريب من خمس وثلاثين درجة، والظل حينئذ عشرة أقدام على ما استخرجه بعض الافاضل في زماننا. وبالجملة ما في الرواية من قدر الظلين زائد على الواقع بالنسبة إلى المدينة، وناقص بالنسبة إلى الكوفة، وهكذا حال أكثر ما في المراتب بل كلها

[369]

عند التحقيق كما يظهر من الرجوع إلى العروض والارتفاعات والاظلال في مدونات هذا الفن. ووجه التقصى من تلك الاشكالات: أن بناء هذه الامور الحسابية في المحاورات على التقريب والتخمين، لا التحقيق واليقين، فانه لا ينفع بيان الامور التحقيقية في تلك الامور، إذ السامع العامل بالحكم، لابد له من أن يبني أمره على التقريب، لانه إما أن يتبين ذلك بقامته وقدمه، كما هو الغالب، ولا يمكن تحقيق حقيقة الامر فيه بوجه، أو بالسطوح المستوية والشواخص القائمة عليها وهذا مما يتعسر تحصيله على أكثر الناس، ومع إمكانه فالامر فيه أيضا لا محالة على التقريب لكنه أقرب إلى التحقيق من الاول. ويمكن إيراد نكتة لهذا أيضا وهي أن فائدة معرفة الزوال إما معرفة أول وقت فضيلة الظهر ونوافلها وما يتعلق بها المنوطة بأصل الزوال، وإما معرفة آخره أو الاول والآخر من وقت فضيلة العصر، وبعض نوافلها المنوطة بمعرفة الفئ الزايد على ظل الزاول، فالمقصود من التفصيل المذكور في الرواية لا ينبغي أن يكون هو الفائدة الاولى، لان العلامات العامة المعروفة كزيادة الظل بعد نقصانه أو ميله عن الجنوب إلى المشرق مغنية عنها دون العكس. فانا إذا رأينا الظل في نصف حزيران مثلا زايدا على نصف قدم أو في نصف تموز زايدا على قدم ونصف، لم يتميز به عدم دخول الوقت عن مضيه إلا بضم ما هو مغن عنه من العلامات المعروفة، فيكون المقصود بها الفائدة الثانية، وهي المحتاج إليها كثيرا، ولا تفي بها العلامات المذكورة. لانا بعد معرفة الزوال وزيادة الظل نحتاج لمعرفة تلك الاوقات إلى معرفة قدر الفئ الزائد على ظل الزوال، بحسب الاقدام، والتميز بينهما، ولا يتيسر ذلك لاختلافه بحسب الازمان إلا بمعرفة التفصيل المذكور إذ به يعرف حينئذ أن الفئ الزائد هل زاد على قدمين ؟ ففات وقت نافلة الظهر ؟ أو على أربعة أقدام ففات وقت فضيلة فريضة الظهر على قول ؟ أو على سبعة أقدام ففات وقت فضيلة الظهر

[370]

أو دخل وقت فضيلة العصر على قول آخر ؟ فعلى هذا إن حملنا الرواية على بيان حال المدينة المشرفة، ينبغي أن توجه المساهلة التي فيها باعتبار الزيادة على الواقع بالنسبة إليها، بحملها على رعاية الاحتياط بالنسبة إلى أوائل الاوقات المذكورة وإن حملناها على بيان حال الكوفة ينبغي أن توجه المساهلة التي بالنسبة إليها باعتبار النقصان بحملها على رعاية الاحتياط بالنسبة إلى أواخرها، و إن حملناها على معرفة أول الزوال كما فهمه الاكثر فحملها على المدينة أولى بل هو متعين، إذ مع هذا المقدار من الزيادة يحصل العلم بدخول الوقت، بخلاف ما إذا حملنا على الكوفة فانه مخالف للاحتياط على هذا التقدير. ونظير هذا الاحتياط وقع في بعض الروايات نحو ما رواه الشيخ (1) في التهذيب عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله لا يصلي من النهار شيئا حتى تزول الشمس، فإذا زال النهار قدر أصبع صلى ثماني ركعات، الخبر. فان الظاهر أن اعتبار زيادة الاصبع طولا أو عرضا على الاحتمالين للاحتياط في دخول الوقت. فائدة قال السيد الداماد قدس سره: الشمس في زماننا هذا درجة تقويمها في النصف من حزيران بحسب التقريب الثالثة من سرطان، وفي النصف من تموز الثانية من الاسد، وفي النصف من آب الاولى من السنبلة، وفي النصف من إيلول الثانية من الميزان، وفي النصف من تشرين الاول الاولى من العقرب، وفي النصف من تشرين الآخر الثالثة من القوس، وفي النصف من كانون الاول الثالثة من الجدي وفي النصف من كانون الآخر الخامسة من الدلو، وفي النصف من شباط الخامسة من الحوت، وفي النصف من الآذار الرابعة من الحمل، وفي النصف من نيسان الرابعة من الثور، وفي النصف من أيار الرابعة من الجوزاء، وهذا الامر التقريبي أيضا متغير على مر الدهور تغييرا يسيرا.


(1) التهذيب ج 1 ص 210. (*)

[371]

وقال بعض أفاضل الازكياء: إن حساب السنة الشمسية عند الروم كما مر مبني على مقتضى رصد أبرخس في كون الكسر الزائد على ثلاث مائة وخمسة و ستين يوما هو الربع التام وعند المتأخرين على الارصاد المقتضية لكونه أقل من الربع بعدة دقايق، فيدور كل جزء من إحدى السنتين في الاخرى بمر الدهور فإذا كان نصف حزيران مطابقا لاول السرطان مثلا في زمان كما يظهر من الرواية أنه كان في زمن الصادق عليه السلام كذلك يصير في هذه الازمان على حساب المتأخرين موافقا تقريبا للدرجة الثالثة من السرطان، على رصد بطلميوس، والتاسعة منه على رصد التباني، وما بينهما على ساير الارصاد وعلى هذا القياس. فان كان حساب الروم حقا مطابقا للواقع، فلا يختلف حال الاظلال المذكورة في الرواية بحسب الازمان، فيكون الحكم فيها عاما، وإن كان حساب بعض المتأخرين حقا فلابد من أن يكون حكمها خاصا ببعض الازمنة، ولا بأس بذلك كما لا بأس بكون حكمها مختصا ببعض البلاد دون بعض كما عرفت. وهكذا حال كل ما يتعلق ببعض هذه الشهور في زمن النبي صلى الله عليه واله والائمة صلوات الله عليهم، مثل ماروي عنهم من استحباب اتخاذ ماء المطر في نيسان بآداب مفصلة في الاستشفاء، فان الظاهر أن نيسان الذي مبدؤه في زماننا مطابق للثالث والعشرين من فروردين الجلالي إذا خرج بمرور الايام عن فصل الربيع أو أوايله مطلقا وانقطع فيه نزول المطر، انتهى زمان الحكم المنوط به، فلا يبعد على ذلك احتمال الرجوع في العمل المذكور إلى أوائل الربيع التي كانت مطابقة في زمنهم عليهم السلام لنيسان، والعلم عند الله وأهله. قواعد مهمة ولنذكر هنا مقدار ظل الزوال في بلدتنا هذه إصبهان وما وافقها أو قاربها في العرض أعني يكون عرضها اثنتين وثلاثين درجة أو قريبا من ذلك، ثم لنشر إلى ساعات الاقدام لينتفع بها المحافظ على الصلوات، المواظب على النوافل في معرفة الاوقات، فنقول:

[372]

ظل الزوال هناك في أول السرطان قدم وعشر قدم، وفي وسطة قدم وخمس قدم، وفي أول الاسد قدم ونصف تقريبا، وفي وسطه قدمان، وفي أول السنبلة قدمان وتسعة أعشار قدم تقريبا، وفي نصفه ثلاثة أقدام ونصف، وفي أول الميزان أربعة أقدام ونصف تقريبا، وفي وسطه خمسة أقدام ونصف تقريبا، وفي أول العقرب ستة أقدام وثلاثة أرباع قدم، وفي وسطه ثمانية أقدام، وفي أول القوس تسعة أقدام وسدس قدم، وفي وسطه عشرة أقدام تقريبا، وفي أول الجدي عشرة أقدام وثلث، وفي وسطه عشرة تقريبا، وفي أول الدلو تسعة أقدام وعشر، وفي وسطه ثمانية أقدام، وفي أول الحوت ستة أقدام وثلثا قدم، وفي وسطه خمسة أقدام ونصف تقريبا، وفي أول الحمل أربعة أقدام ونصف تقريبا، وفي وسطه ثلاثة أقدام ونصف، وفي أول الثور قدمان وثلثا قدم، وفي وسطه قدمان، وفي أول الجوزاء قدم ونصف تقريبا وفي وسطه قدم وخمس. وأما ساعات الاقدام في العرض المذكور ففي أول الحمل يذهب القدمان في ساعتين تقريبا، والاربعة الاقدام في ساعتين وأربع وأربعين دقيقة، والستة أقدام في ثلاث ساعات وست عشرة دقيقة، والسبعة أعني مثل القامة في ثلاث ساعات وثمان وعشرين دقيقة، والثمانية في ثلاث ساعات وثمان وثلاثين دقيقة تقريبا، والقامتان في أربع ساعات وثلث ساعة تقريبا. وفي أول الثور يزيد الفئ قدمين في ساعتين ودقيقتين، وأربعة أقدام في ساعتين وثمان وخمسين دقيقة، وسته أقدام في ثلاث ساعات وقامة في ثلاث ساعات وثلثي ساعة تقريبا وثمانية أقدام في ثلاث ساعات وخمسين دقيقة تقريبا وقامتين في أربع ساعات وأربعين دقيقة. وفي أول الجوزا يزيد الفئ قدمين في ساعة وست وأربعين دقيقة، وأربعة أقدام في ساعتين وخمس وأربعين دقيقة، وستة أقدام في ثلاث ساعات وخمس وعشرين دقيقة، وقامة في ثلاث ساعات وإحدي وأربعين دقيقة، وثمانية أقدام في أربع ساعات تقريبا، وقامتين في خمس ساعات تقريبا.

[373]

وفي أول السرطان يزيد الفئ قدمين في ساعة وعشر دقايق تقريبا وأربعة أقدام في ساعتين وثلث ساعة، وستة أقدام في ثلاث ساعات ونصف تقريبا، وقامة في ثلاث ساعات وثلثي ساعة تقريبا، وثمانية أقدام في أربع ساعات تقريبا، و قامتين في خمس ساعات تقريبا. والاسد كالجوزاء في جميع التقادير والمقادير، والسنبلة مثل الثور، والميزان مثل الحمل. وفي أول العقرب يزيد الفئ قدمين في قريب من ساعتين وأربعة أقدام في ساعتين ونصف تقريبا وستة أقدام في ثلاث ساعات وثلث ساعة تقريبا وقامة في ثلاث ساعات وتسع دقائق، وثمانية أقدام في ثلاث ساعات وثمان عشرة دقيقة وقامتين في أربع ساعات وفي أول القوس يزيد الفئ قدمين في ساعة وأربعين دقيقة وأربعة أقدام في ساعتين وثلث تقريبا، وستة أقدام في ساعتين وثلثي ساعة تقريبا وقامة في ساعتين وخمسين دقيقة، وثمانية أقدام في ثلاث ساعات تقريبا، وقامتين في ثلاث ساعات وثلاث وثلاثين دقيقة. وفي أول الجدي يزيد قدمين في ساعة وثمان وعشرين دقيقة، وأربعة أقدام في ساعتين وثمان دقايق، وستة أقدام في ساعتين واثنتين وثلاثين دقيقة، وقامة في ساعتين وثلثي ساعة، وثمانية أقدام في ساعتين وثمان وأربعين دقيقة، وقامتين في ثلاث ساعات واثنتين وأربعين دقيقة، والدلو مثل القوس، والحوت مثل العقرب، ويمكن تحصيل ما بين التقديرين بما ذكرنا بالتقريب والتخمين، والله موفق الصالحين ومؤيد العابدين.

[374]

1 - صورة فتو غرافية من النسخة المخطوطة تراها في ص 9 من هذا الجزء

[375]

2 - صورة فتو غرافية من آخر النسخة المخطوطة وفيها تاريخ تحريرها

[377]

بسمه تعالى انتهى الجزء الثالث من المجلد الثامن عشر من كتاب بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار - صلوات الله وسلامه عليهم مادام الليل والنهار - وهو الجزء الثاني والثمانون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة النفيسة الرائقة. وقد بذلنا جهدنا في تصحيحه ومقابلته، فخرج بحمد الله ومشيته نقيا من الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر وكل عنه النظر، لا يكاد يخفى على القارئ الكريم، ومن الله نسأل العصمة، وهو ولي التوفيق. السيد ابراهيم الميانجى * محمد الباقر البهبودى

[379]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله محمد وعترته الطاهرين. وبعد: فهذا هو الجزء الثالث من المجلد الثامن عشر وقد انتهى رقمه حسب تجزئتنا إلى الثاني والثمانين، حوى في طيه عشرة أبواب تتمة كتاب الطهارة، و خمسة أبواب من كتاب الصلاة. وقد قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب، وهكذا على نص المصادر التي اخرجت الاحاديث منها ثم من أول الجزء إلى تمام أبواب كتاب الطهارة على نسخة ثمينة كتبت بخط أحد كتاب المؤلف العلامة وأحد أعوانه في تسويد هذه الموسوعة الكبيرة (حيث إن أكثر أجزاء البحار التي وصلت إلينا - ورأيته - كان بخطه تمامه أو أكثره، وكان يكتب لنفسه نسخة اخرى كهذه النسخة وكما مر في مقدمة الجزء المتمم للثمانين تعريف نسخة مع صورتها بخط هذا الكاتب وكان في هامش نسخته خط المؤلف العلامة ومثل ما مر في آخر أجزاء المزار ج 102 ص 306 - 308 صورة نسخة اخرى مصححة بخط هذا الكاتب وفي هامشها خط المؤلف العلامة وتحشيته). وفيما يلي صورتان فتوغرافيتان من خطه، وترى في ثانيها أن كتابة هذه النسخة كانت أثناء تسويد المؤلف العلامة لنسخته الاصل أو بعده بقليل حيث كان تاريخ فراغ المؤلف العلامة من تسويده الرابع عشر من شهر صفر سنة 1094 وتاريخ فراغ التحرير من هذه النسخة: الحادي عشر من شهر ربيع الاول من هذه السنة.

[380]

وهذه النسخة قد قوبلت على أصل المؤلف العلامة، وفي هامشها خط أحد كتابه يشبه خط المؤلف العلامة إلا في ميزة يعرفها أهل الفن، استدرك حين مقابلة هذه النسخة مع أصل المؤلف ما كان سقط عنها كما تراها في الصورة الفتو غرافية الاولى. نص المصادر التي اخرجت الاحاديث منها ثم من أول الجزء إلى تمام أبواب كتاب الطهارة على نسخة ثمينة كتبت بخط أحد كتاب المؤلف العلامة وأحد أعوانه في تسويد هذه الموسوعة الكبيرة (حيث إن أكثر أجزاء البحار التي وصلت إلينا - ورأيته - كان بخطه تمامه أو أكثره، وكان يكتب لنفسه نسخة اخرى كهذه النسخة وكما مر في مقدمة الجزء المتمم للثمانين تعريف نسخة مع صورتها بخط هذا الكاتب وكان في هامش نسخته خط المؤلف العلامة ومثل ما مر في آخر أجزاء المزار ج 102 ص 306 - 308 صورة نسخة اخرى مصححة بخط هذا الكاتب وفي هامشها خط المؤلف العلامة وتحشيته). وفيما يلي صورتان فتوغرافيتان من خطه، وترى في ثانيها أن كتابة هذه النسخة كانت أثناء تسويد المؤلف العلامة لنسخته الاصل أو بعده بقليل حيث كان تاريخ فراغ المؤلف العلامة من تسويده الرابع عشر من شهر صفر سنة 1094 وتاريخ فراغ التحرير من هذه النسخة: الحادي عشر من شهر ربيع الاول من هذه السنة.

[380]

وهذه النسخة قد قوبلت على أصل المؤلف العلامة، وفي هامشها خط أحد كتابه يشبه خط المؤلف العلامة إلا في ميزة يعرفها أهل الفن، استدرك حين مقابلة هذه النسخة مع أصل المؤلف ما كان سقط عنها كما تراها في الصورة الفتو غرافية الاولى. والنسخة (كما مرت الاشارة إليه في مقدمة الجزء 81) لخزانة كتب الفاضل البحاث الوجيه الموفق المرزا فخر الدين النصيري الاميني زاده الله توفيقا لحفظ كتب سلفنا الصالحين، أودعها سماحته للعرض والمقابلة، خدمة للدين و أهله، فجزاه الله عنا وعن المسلمين أهل العلم خير جزاء المحسنين. محمد الباقر البهبودى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية