الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 75

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 75


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي (قدس الله سره) الجزء الخامس والسبعون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍. 1983 م مؤسسة الوفاء - بيروت - لبنان - صرب: 1457 - هاتف: 386868

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم 49 - كتاب الغارات: (1) لابراهيم بن محمد الثقفي، عن أبي زكريا الجريري عن بعض أصحابه قال: خطبة لامير المؤمنين عليه السلام الحمد لله نحمده ونستعينه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده و رسوله انتجبه بالولاية، واختصه بالاكرام، وبعثه بالرسالة، أحب خلقه إليه. وأكرمهم عليه، فبلغ رسالات ربه، ونصح لامته، وقضى الذي عليه. اوصيكم بتقوى الله، فان تقوى الله خير ما تواصت به العباد، وأقربه من رضون الله، وخيره في عواقب الامور. فبتقوى الله امرتم، ولها خلقتم، فاخشوا الله خشية ليست بسمعة ولا تعذير (2) فانه لم يخلقكم عبثا، وليس بتارككم سدى (3) قد أحصى أعمالكم، وسمى آجالكم، وكتب آثاركم، فلا تغرنكم الدنيا فإنها غرارة،. مغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي. نسأل الله ربنا وربكم أن يرزقنا وإياكم خشية السعداء، ومنازل الشهداء ومرافقة الانبياء، فإنما نحن به وله.


(1) مخطوط. (2) عذر في الامر تعذيرا: قصر فيه بعد جهد. (3) أي لا يترككم مهملا باطلا.

[2]

50 - وبهذا الاسناد خطبة له عليه السلام: الحمد لله نحمدة تسبيحا، ونمجده تمجيدا نكبر عظمته لعز جلاله، ونهلله تهليلا، موحدا مخلصا، ونشكره في مصانعة الحسنى، أهل الحمد والثناء الاعلى، ونستغفره للحت من الخطايا، ونستعفيه من متح ذنوب البلايا (1) ونؤمن بالله يقينا في أمره، ونستهدي بالهدى العاصم المنقذ العازم بعزمات خير قدر (؟) موجب فضل عدل قضاء نافذ بفوز سابق بسعادة في كتاب كريم مكنون، ونعوذ بالله من مضيق مضائق السبل على أهلها بعد اتساع مناهج الحق لطمس آيات منير الهدى بلبس ثياب مضلات الفتن، ونشهد غير ارتياب، حال دون يقين مخلص بأن الله واحد موحد، وفي وعده، وثيق عقده، صادق قوله، لا شريك له في الامر، ولا ولي له من الذل، نكبره تكبيرا، لاإله إلا الله هو العزيز الحكيم. ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده بعيث الله لوحيه، ونبيه بعينه، ورسوله بنوره، مجيبا مذكرا مؤديا، مبقيا مصابيح شهب ضياء مبصر. وماحيا ماحقا مزهقا رسوم أباطيل خوض الخائضين، بدار اشتباك ظلمة كفر دامس، فجلا غواشي أظلام لجي راكد (2) بتفصيل آياته من بعد توصيل قوله وفصل فيه القول للذاكرين بمحكمات منه بينات، ومشتبهات يتبعها الزايغ قلبه ابتغاء التأويل تعرضا للفتن. والفتن محيطة بأهلها. والحق نهج مستنير، من يطع الرسول يطع الله ومن يطع الله يستحق الشكر من الله بحسن الجزاء، ومن يعص الله ورسوله يعاين عسر الحساب لدى اللقاء، قضاء بالعدل عند القصاص بالحق يوم إفضاء الخلق إلى الخالق. أما بعد فمنصت سامع لواعظ نفعه إنصاته وصامت ذولب شغل قلبه بالفكر في أمر الله حتى أبصر فعرف فضل طاعته على معصيته، وشرف نهج ثوابه على احتلال من عقابه، ومخبر النائل رضاه عند المستوجبين غضبه عند تزايل الحساب. وشتى بين الخصلتين وبعيد تقارب ما بينهما، اوصيكم بتقوى الله بارئ الازواح وفالق الاصباح.


(1) الحت بتشديد التاء السقوط، والمتح استقاء الماء بالدلو، والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو. (2) اللج: معظم الماء.

[3]

51 - من كتاب مطالب السؤول (1) لمحمد بن طلحة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم إن من صرحت (2) له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه التقوى عن تقحم الشبهات، ألا وإن الخطايا خيل شمس (3) حمل عليها أهلها وخلعت لجمها فتقحمت بهم في النار، ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها واعطوا أزمتها فأوردتهم الجنة. حق وباطل ولكل أهل، فلئن أمر الباطل (4) لقديما فعل، ولئن قل الحق فلربما ولعل ولقلما أدبر شئ فأقبل. لقد شغل من الجنة والنار أمامه. ساع سريع نجا، وطالب بطئ رجا، ومقصر في النار هوى، اليمين والشمال مضلة (5) والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب (6) وآثار النبوة، ومنها منفذ السنة، وإليها مصير العاقبة، هلك من ادعى، وخاب من افترى، وخسر من باع الاخرة بالاولى، ولكل نبأ مستقر وكل ما هو آت قريب. 52 - ومنه: (7) لقد جاهرتكم العبر، وزجرتم بما فيه مزدجر، وما يبلغ عن الله بعد رسل الله إلا البشر، ألا وإن الغاية أمامكم، وإن وراءكم الساعة، تحدوكم تخففوا تلحقوا، فانما ينتظر بأولكم آخركم (8).


(1) المصدر ص 28. (2) الزعيم: الضامن. والتصريح: كشف الامر وانكشافه. (3) الشموس: معرب چموش. (4) أمر يأمر - من باب تعب -: كثر. (5) أي طرفي الافراط والتفريط. (6) هو ما يبقى من أثر مشيه وموضع قدمه كانه مشى على الطريق الوسطى. وقيل باقى الكتاب هو ما لم ينسخ منه لكن الاول هو الصواب. (7) مطالب السؤول ص 33. (8) تحدوكم أي تسوقكم. وقوله " تخففوا تلحقوا " أي تخففوا بالقناعة وترك الحرص أو كناية عن عدم الركون الي الدنيا واتخاذها دار ممر لا دار مقر. والانتظار بالاول كناية - - -

[4]

53 - وقال عليه السلام يوما وقد أحدق الناس به: احذركم الدنيا فانها منزل قلعة وليست بدار نجعة (1) هانت على ربها فخلط خيرها بشرها، وحلوها بمرها، لم يضعها لاوليائه، ولا يضنن بها علي أعدائه، وهي دار ممر لا دار مستقر، والناس فيها رجلان رجل باع نفسه فأوبقها (2) ورجل ابتاع نفسه فأعتقها، إن اعذوذب منها جانب فحلا، أمر منها جانب فأوبى (3) أولها عناء، وآخرها فناء، من استغنى فيها فتن ومن اقتفر فيها حزن، من ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن أبصر فيها بصرته ومن أبصر إليها أعمته، فالانسان فيها غرض المنايا، مع كل جرعة شرق، ومع كل اكلة غصص، لا تنال منها نعمة إلا بفراق اخرى. 54 - وقال يوما في مسجد الكوفة وعنده وجوه الناس: أيها الناس إنا قد أصبحنا في دهر عنود، وزمن شديد، يعد فيه المحسن مسيئا، ويزداد الظالم فيه عتوا، لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عما جهلنا، ولا نتخوف قارعة حتى تحل بنا، والناس على أربعة أصناف منهم من لا يمنعه الفساد في الارض إلا مهانة نفسه وكلالة حده ونضيض وفره. ومنهم المصلت بسيفه، المعلن بشره (4) والمجلب بخيله ورجله، قد أهلك نفسه، وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مقنب يقوده، أو منبر يفرعه (5) ولبئس المتجر أن ترى - - - -


عن كونهم كمن سبق من الرفقة إلى بلدة لا يؤذن لهم في دخولها الا بالاجتماع ولحوق الاخرين أي لابد لكم من ترك هذه الدار ونزول دار القرار والاجتماع. (1) القلعة - بضم القاف - المال العارية أو ما لا يدوم. والنجعة - بالضم - طلب الكلاء وقوله " هانت " من المهانة. (2) أوبقها أي أهلكها وأذلها. (3) أي يبتلى بالوباء. (4) القارعة: الداهية. ونض الماء نضيضا: سال قليلا قليلا، واصلات السيف هو اعلان الشر والفساد. (5) الانتهاز: الانتظار. والمقنب: جماعة من الخيل تجتمع للغارة جمع مقانب. وفرع الجبل: صعده.

[5]

الدنيا لنفسك ثمنا، ومما لك عند الله عوضا. ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الاخرة ولا يطلب الاخرة بعمل الدنيا، قد طأمن من شخصه، وقارب من خطوه، وشمر من ثوبه (1) وزخرف من نفسه الامانة واتخذ سر الله تعالى ذريعة إلى المعصية. ومنهم من أقعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه (2) وانقطاع سببه، فقصرته الحال على حاله، فتحلى باسم القناعة، وتزين بلباس أهل الزهادة، وليس من ذلك في مراح، ولا مغدى (3) وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ناء، وخائف مقموع، وساكت مكعوم (4) وداع مخلص، وثكلان موجع قد أخملتهم التقية، وشملتهم الذلة فهم في بحر اجاج، أفواههم خامرة (5) وقلوبهم قرحة، قد وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا، فلتكن الدنيا عندكم أصغر من حثالة القرظ، وقراضة الجلم (6). واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم، وارفضوها ذميمة فانها رفضت من كان أشغف بها منكم، فياما أغر خداعها مرضعة، وياما أضر نكالها فاطمة. 55 - وقد نقل عنه عليه السلام أنه قال وقد اجتمع حوله خلق كثير: اتقوا الله فما


(1) طأمن مقلوب طمأن أي سكن، وطأمن منه أي سكنه، وشمر ثوبه أي رفعه عن ساقيه للتنزه والاحتراز من النجاسة والقذارة. (2) الضؤولة - بالضم -: الحقارة. ورجل ضئيل أي ضعيف نحيف. (3) المراح موضع يروح القوم منه أو إليه. والمغدى اسم مكان من الغدو. (4) المقموع: المقهور. والمكعوم: الملحم. (5) خمر - كضرب ونصر -: سكت ولم يتكلم. (6) الحثالة - بالضم - ما يسقط من قشر الشعير والارز. والقرظ - بالتحريك - ورق السلم يدبغ به الاديم. وقراضة الجلم يعنى ريزه دم قيچى.

[6]

خلق امرء عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الاخرة التي قبحها سوء ظنه عنده، وما المغرور بزخرفها الذي بناج من عذاب ربه عند مرده إليه. 56 - وقال عليه السلام: عليكم بالعلم فانه صلة بين الاخوان، ودال على المروة وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر، ومونس في الغربة، وإن الله تعالى يحب المؤمن العالم الفقيه، الزاهد الخاشع، الحيي العليم، الحسن الخلق، المقتصد المنصف. 57 - وقال عليه السلام: من تواضع للمتعلمين وذل للعلماء ساد بعلمه، فالعلم يرفع الوضيع، وتركه يضع الرفيع، ورأس العلم التواضع، وبصره البراءة من الحسد وسمعه الفهم، ولسانه الصدق، وقلبه حسن النية، وعقله معرفة أسباب الامور، و من ثمراته التقوى، واجتناب الهوى، واتباع الهدى، ومجانبة الذنوب، ومودة الاخوان والاستماع من العلماء، والقبول منهم، ومن ثمراته ترك الانتقام عند القدرة واستقباح مقارفة الباطل، واستحسان متابعة الحق. وقول الصدق، والتجافي عن سرور في غفلة، وعن فعل ما يعقب ندامة، والعلم يزيد العاقل عقلا، ويورث متعلمه صفات حمد، فيجعل الحليم أميرا، وذا المشورة وزيرا، ويقمع الحرص، ويخلع المكر، ويميت البخل، ويجعل مطلق الوحش مأسورا (1) وبعيد السداد قريبا. 58 - وقال عليه السلام (2) العقل عقلان عقل الطبع وعقل التجربة وكلاهما يؤدي إلى المنفعة، والموثوق به صاحب العقل والدين، ومن فاته العقل والمروة فرأس ماله المعصية، وصديق كل امرء عقله، وعدوه جهله، وليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل من يعرف خير الشرين، ومجالسة العقلاء تزيد في الشرف، والعقل الكامل قاهر الطبع السوء، وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين والرأي والاخلاق والادب فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب


(1) المأسور: الاسير. (2) مطالب السؤول ص 49.

[7]

ويعمل في إزالتها. 59 - وقال عليه السلام: الانسان (1) عقل وصورة فمن أخطأه العقل ولزمته الصورة لم يكن كاملا، وكان بمنزلة من لا روح فيه، ومن طلب العقل المتعارف فليعرف صورة الاصول والفضول، فإن كثيرا من الناس يطلبون الفضول ويضعون الاصول، فمن أحرز الاصل اكتفى به عن الفضل، وأصل الامور في الانفاق طلب الحلال لما ينفق والرفق في الطلب، وأصل الامور في الدين أن يعتمد على الصلوات ويجتنب الكبائر وألزم ذلك لزوم ما لا غنى عنه طرفة عين، وإن حرمته هلك، فان جاوزته إلى الفقه والعبادة فهو الحظ، وإن أصل العقل العفاف وثمرته البراءة من الاثام، وأصل العفاف القناعة وثمرتها قلة الاحزان. وأصل النجدة القوة وثمرتها الظفر، وأصل العقل (2) القدرة وثمرتها السرور، ولا يستعان على الدهر إلا بالعقل، ولا على الادب إلا بالبحث، ولا على الحسب إلا بالوفاء، ولا على الوقار إلا بالمهابة، ولا على السرور إلا باللين، ولا على اللب إلا بالسخاء، ولا على البذل إلا بالتماس المكافأة، ولا على التواضع إلا بسلامة الصدر، وكل نجدة يحتاج إلى العقل، وكل معونة تحتاج إلى التجارب، وكل رفعة يحتاج إلى حسن احدوثة، وكل سرور يحتاج إلى أمن، وكل قرابة يحتاج إلى مودة، وكل علم يحتاج إلى قدرة، وكل مقدرة تحتاج إلى بذل، ولا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك. فرب متكلم في غير موضعه قد أعطبه ذلك. 60 - وقال عليه السلام: لا تسترشد إلى الحزم بغير دليل العقل فتخطئ منهاج الرأي فان أفضل العقل معرفة الحق بنفسه، وأفضل العلم وقوف الرجل عند علمه، و أفضل المروة استبقاء الرجل ماء وجهه، وأفضل المال ما وقي به العرض، وقضيت به الحقوق. 61 - وعن عبد الله بن عباس قال: ما انتفعت بكلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كانتفاعي


(1) المصدر ص 49. (2) كذا وفي بعض النسخ " أصل الفعل ".

[8]

بكتاب كتبه إلي علي بن أبي طالب عليه السلام فإنه كتب إلي: أما بعد (1) فان المرء قد يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منه فلا تأس عليه جزعا، وليكن همك فيما بعد الموت. والسلام. 62 - وقال عليه السلام لجماعة: خذوا عني هذه الكلمات فلو ركبتم المطي حتى تنضوها ما صبتم مثلها (2): لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له، فاصبروا على ما كلفتموه رجاء ما وعدتموه. 63 - وقال عليه السلام: الشئ شيئان شئ قصر عني لم ارزقه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته ولو استعنت عليه بقوة أهل السماوات والارض، فما أعجب أمر هذا الانسان يسره درك ما لم يكن ليدركه، ولو أنه فكر لابصر ولعلم أنه مدبر، واقتصر على ما تيسر، ولم يتعرض لما تعسر، واستراح قلبه مما استوعر، فبأي هذين أفنى عمري، فكونوا أقل ما يكونون في الباطن أموالا، أحسن ما يكونون في الظاهر أحوالا، فان الله تعالى أدب عباده المؤمنين العارفين أدبا حسنا فقال: جل من قائل: " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا " (3). 64 - وقال عليه السلام: لا يكون غنيا حتى يكون عفيفا، ولا يكون زاهدا حتى يكون متواضعا، ولا يكون حليما حتى يكون وقورا، ولا يسلم لك قلبك حتى تحب للمؤمنين ما تحب لنفسك، وكفى بالمرء جهلا أن يرتكب ما نهي عنه، وكفى به عقلا


(1) المصدر ص 55. وفى النهج مثله. (2) أنضى البعير: هزله. (3) البقرة: 273.

[9]

أن يسلم عن شره، فأعرض عن الجهل وأهله، واكفف عن الناس ما تحب أن يكف عنك، وأكرم من صافاك وأحسن مجاورة من جاورك، وألن جانبك واكفف عن الاذى، واصفح عن سواء الاخلاق، ولتكن يدك العليا إن استطعت، ووطن نفسك على الصبر على ما أصابك، وألهم نفسك القنوع، واتهم الرجاء، وأكثر الدعاء تسلم من سورة الشيطان ولا تناقس على الدنيا، ولا تتبع الهوى، وتوسط في الهمة تسلم ممن يتبع عثراتك، ولا تك صادقا حتى تكتم بعض ما تعلم، احلم عن السفيه يكثر أنصارك عليه، عليك بالشيم العالية تقهر من يعاديك، قل الحق، وقرب المتقين، واهجر الفاسقين، وجانب المنافقين، ولا تصاحب الخائنين. 65 - وقال عليه السلام: قل عند كل شدة " لا حول ولا قوة إلا بالله " تكف بها وقل عند كل نعمة " الحمد لله " تزدد منها، وقل إذا أبطأت عليك الارزاق " أستغفر الله " يوسع عليك. عليك بالمحجة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج، و لا تردك عن منهج. الناس ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع. مفتاح. الجنة الصبر، مفتاح الشرف التواضع، مفتاح الغنى اليقين، مفتاح الكرم التقوى. من أراد أن يكون شريفا فيلزم التواضع، عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله، الطمأنينة قبل الحزم ضد الحزم، المغتبط من حسن يقينه. 66 - وقال عليه السلام: اللهو يسخط الرحمن ويرضي الشيطان وينسى القرآن، عليكم بالصدق فان الله مع الصادقين، المغبون من غبن دينه. جانبوا الكذب فانه مجانب الايمان، والصادق على سبيل نجاة وكرامة، والكاذب على شفا هلك وهون. قولوا الحق تعرفوا به، واعملوا الحق تكونوا من أهله، وأدوا الامانة إلى من ائتمنكم، ولا تخونوا من خانكم، وصلوا أرحام من قطعكم، وعودوا بالفضل على من حرمكم، أوفوا إذا عاهدتم، واعدلوا إذا حكمتم، لا تفاخروا بالاباء، و لا تنابزوا بالالقاب، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وافشوا السلام، و ردوا التحية بأحسن منها، وارحموا الارملة واليتيم، وأعينوا الضعيف والمظلوم وأطيبوا المكسب، وأجملوا في الطلب.

[10]

67 - وقال عليه السلام: لا راحة لحسود، ولا مودة لملول، ولا مروة لكذوب، ولا شرف لبخيل، ولا همة لمهين، ولا سلامة لمن أكثر مخالطة الناس، الوحدة راحة والعزلة عبادة، والقناعة غنية، والاقتصاد بلغة (1) وعدل السلطان خير من خصب الزمان، والعزيز بغير الله ذليل، والغني الشره فقير (2) لا يعرف الناس إلا بالاختبار، فاختبر أهلك وولدك في غيبتك، وصديقك في مصيبتك، وذا القرابة عند فاقتك، وذا التودد والملق عند عطلتك (3) لتعلم بذلك منزلتك عندهم، واحذر ممن إذا حدثته ملك، وإذا حدثك غمك، وإن سررته أو ضررته سلك فيه معك سبيلك، وإن فارقك ساءك مغيبه بذكر سوأتك، وإن مانعته بهتك وافترى، وإن وافقته حسدك واعتدى، وإن خالفته مقتك ومارى (4) يعجز عن مكافأة من أحسن إليه، ويفرط على من بغى عليه، يصبح صاحبه في أجر، ويصبح هو في وزر، لسانه عليه لاله، ولا يضبط قلبه قوله، يتعلم للمراء، ويتفقه للرياء، يبادر الدنيا، ويواكل التقوى، فهو بعيد من الايمان، قريب من النفاق، مجانب للرشد، موافق للغي فهو باغ غاو، لا يذكر المهتدين. 68 - وقال عليه السلام: (5) لا تحدث من غير ثقة فتكون كذابا، ولا تصاحب همازا فتعد مرتابا، ولا تخالط ذا فجور فترى متهما، ولا تجادل عن الخائنين فتصبح ملوما وقارن أهل الخير تكن منهم، وباين أهل الشرتبن عنهم، واعلم أن من الحزم العزم واحذر اللجاج تنج من كبوته (6) ولا تخن من ائتمنك وإن خانك في أمانته، ولا


(1) الغنية - بالضم - اليسار والكفاية. والبلغة - بالضم أيضا -: ما يكفى من العيش ولا يفضل. (2) الشره: الحريص. (3) العطلة - بالضم -: البقاء بلا عمل. والمراد الفقر. (4) المماراة: المنازعة والمجادلة (5) مطالب السؤول ص 56. (6) الكبوة السقوط على الوجه.

[11]

تذع سر من أذاع سرك، ولا تخاطر بشئ رجاء ما هو أكثر منه، وخذ الفضل، و أحسن البذل، وقل للناس حسنا، ولا تتخذ عدو صديقك صديقا فتعادي صديقك، وساعد أخاك وإن جفاك، وإن قطعته فاستبق له بقية من نفسك، ولا تضيعن حق أخيك فتعدم إخوته، ولا يكن أشقى الناس بك أهلك، ولا ترغبن فيمن زهد فيك وليس جزاء من سرك أن تسوءه، واعلم أن عاقبة الكذب الذم، وعاقبة الصدق النجاة. 69 - ونقل عنه عليه السلام: أنه رأى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وقد تنفس الصعداء (1) فقال عليه السلام: يا جبار على م تنفسك أعلى الدنيا ؟ فقال جابر: نعم فقال له: يا جابر ملاذ الدنيا سبعة: المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح و المركوب والمشموم والمسموع، فألذ المأكولات العسل وهو بصق من ذبابة، وأحلى المشروبات الماء، وكفى بإباحته وسباحته على وجه الارض، وأعلى الملبوسات الديباج وهو من لعاب دودة، وأعلى المنكوحات النساء وهو مبال في مبال، ومثال لمثال، وإنما يراد أحسن ما في المرأة لاقبح ما فيها، وأعلى المركوبات الخيل وهو قواتل، وأجل المشمومات المسك وهو دم من سرة دابة، وأجل المسموعات الغناء والترنم وهو إثم، فما هذه صفته لم يتنفس عليه عاقل. قال جابر بن عبد الله: فوالله ما خطرت الدنيا بعدها على قلبي. 70 - وقال عليه السلام: في الامثال: بالصبر يناضل (2) الحدثان، الجزع من أنواع الحرمان، العدل مألوف والهوى عسوف (3) والهجران عقوبة العشق، البخل جلباب المسكنة، لا تأمنن ملولا، إزالة الرواسي أسهل من تأليف القلوب المتنافرة، من اتبع الهوى ضل، الشجاعة صبر ساعة، خير الامور أوسطها، القلب بالتعلل رهين، من ومقك


(1) الصعداء - بضم الصاد وفتح العين المهملتين - التنفس الطويل من هم أو تعب. (2) ناضله مناضلة: باراه في رمى السهام وناضل عنه: حامى وجادل ودافع عنه. وحدثان الدهر - بكسر الحاء وفتحها - نوائبه ومصائبه. (3) العسوف - بفتح العين - الشديد العسف أي الجور. والظلم.

[12]

أعتبك (1) القلة ذلة، المجاعة مسكنة، خير أهلك من كفاك، ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة، من ولع بالحسد ولم به الشؤم، كم تلف من صلف، كم قرف من سرف (2) عدو عاقل خير من صديق أحمق، التوفيق من السعادة، والخذلان من الشقاوة، من بحث عن عيوب الناس فبنفسه بدأ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، من سلم من ألسنة الناس كان سعيدا، من صحب الملوك تشاغل بالدنيا، الفقر طرف من الكفر، من وقع في ألسنة الناس هلك، من تحفظ من سقط الكلام أفلح، كل معروف صدقة، كم من غريب خير من قريب، لو القيت الحكمة على الجبال لقلقلتها (3)، كم من غريق هلك في بحر الجهالة، وكم عالم قد أهلكته الدنيا، خير إخوانك من واساك، وخير منه من كفاك، خير مالك ما أعانك على حاجتك، خير من صبرت عليه من لابد لك منه، أحق من أطعت مرشد لا يعصيك، من أحب الدنيا جمع لغيره، المعروف فرض، والايام دول، عند تناهي البلاء يكون الفرج، من كان في النعمة جهل قدر البلية، من قل سروره كان في الموت راحته، قد ينمي القليل فيكثر، ويضمحل الكثير فيذهب. رب اكلة يمنع الاكلات، أفلج الناس حجة من شهد له خصمه بالفلج (4) السؤال مذلة، والعطاء محبة، من حفر لاخيه بئرا كان، بترديه فيها جديرا. أملك عليك لسانك، حسن التدبير مع الكفاف أكفى من الكثير مع الاسراف. الفاحشة كاسمها، مع كل جرعة شرقة، مع كل أكلة غصة، بحسب السرور يكون التنغيص، الهوى يهوي بصاحب الهوى، عدو العقل الهوى، الليل أخفى للويل صحبة الاشرار تورث سوء الظن بالاخيار، من أكثر من شئ عرف به، رب كثير هاجه صغير، رب ملوم لاذنب له، الحر حر ولو مسه الضر، ما ضل من


(1) ومقه: أحبه. (2) الصلف: التملق. والقرف: النكس من مرض. (3) القلقلة: التحريك. (4) الفلج: الظفر.

[13]

استرشد، ولا حار من استشار، الحازم لا يستبد برأيه، آمن من نفسك عندك من وثقت به على سرك، المودة بين الاباء قرابة بين الابناء. 71 - وقال عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخط عليه، ومن بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته، إنه ليس لانفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبارها، الولايات مضامير الرجال، ليس بلد أحق منك من بلد، وخير البلاد من حملك، إذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر أخواتها، الغيبة جهد العاجز، رب مفتون بحسن القول فيه، ما لابن آدم والفخر أوله نطفة، وآخره جيفة، لا يرزق نفسه، و لا يمنع حتفه، الدنيا تغر وتضر وتمر إن الله تعالى لم يرضها ثوابا بأوليائه ولا عقابا لاعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلوا إذ صاح سائقهم فارتحلوا، من صارع الحق صرعه، القلب مصحف البصر (1) التقى رئيس الاخلاق، ما أحسن تواضع الاغنياء للفقراء طلبا لما عند الله. وأحسن منه تيه الفقراء على الاغنياء إتكالا على الله. كل مقتصر عليه كاف (2) الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فان كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فلا تضجر، من طلب شيئا ناله أو بعضه، الركون إلى الدنيا مع ما يعاين منها جهل، والتقصير في حسن العمل مع الوثوق بالثواب عليه غبن والطمأنينة إلى كل أحد قبل الاختبار عجز، والبخل جامع لمساوي الاخلاق، نعم الله على العبد مجلبة لحوائج الناس إليه، فمن قام لله فيها بما يجب عرضها للدوام والبقاء، ومن لم يقم فيها بما يجب عرضها للزوال والفناء، الرغبة مفتاح النصب، والحسد مطية التعب. من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم حببها (3) لنفسه فذلك الاحمق بعينه، العفاف


(1) استعار لفظ المصحف للقلب باعتبار انتقاشه بصور ما ينبغى التكلم به في لوح الخيال وادراك الحس المشترك له من باطن فهو كالمصحف يقرأ منه. (2) أي كل ما يمكن الاقتصار عليه فهو كاف. (3) في بعض النسخ " ثم رضيها ". (*)

[14]

زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، رسولك ترجمان عقلك، وكتابك أبلغ ما ينطق عنك. الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه، الطمع ضامن غير وفي، و الاماني تعمى أعين البصائر، لا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كالثواب، ولا قائد كالتوفيق، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة، ولا قرين كحسن الخلق، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا عقل كالتدبير، ولا وحدة أوحش من العجب، ومن أطال الامل أساء العمل. 72 - وسمع عليه السلام (1) رجلا من الحرورية يقرأ ويتهجد فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك، إذا تم العقل نقص الكلام، قدر الرجل قدر همته قيمة كل امرء ما يحسنه، المال مادة الشهوات، الناس أعداء ما جهلوه، أنفاس المرء خطاه إلى أجله. 73 - وقال عليه السلام: احذركم الدنيا فإنها خضرة حلوة، حفت بالشهوات، و تحببت بالعاجلة (2) وعمرت بالامال، وتزينت بالغرور، ولا يؤمن فجعتها، ولا يدوم حبرتها (3) ضرارة غدارة غرارة زائلة بائدة أكالة عوالة، لا تعد و إذا تناهت إلى امنية أهل الرضا بها (4) والرغبة فيها أن يكون كما قال الله عز وجل " (5) " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح (6) على أن امرءا لم يكن فيها في حبرة إلا أعقبته بعدها عبرة ولم يلق


(1) مطالب السؤول ص 57. (2) أي صارت محبوبة للناس بكونها لذة عاجلة. والنفوس مولعة بحب العاجل. (3) الحبرة: النعمة والسرور. (4) باد أي هلك. وغاله: أهلكه. وعداه يعدوه: جاوزه. والامنية: ما يتمناه الانسان أي يريده ويأمله. (5) الكهف 45. (6) أي غاية موافقة الدنيا لاهلها لا يجاوز المثل المضروب لها في الكتاب الكريم والمراد بالماء المطر، واختلاط النبات به دخوله في خلل النبات عند النمو، والهشيم نبت يابس مكسر. وتذروه الرياح أي تطيره فيصير كأن لم يكن.

[15]

من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا (1) ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء (2) وحري إذا أصبحت له متنصرة أن تمسى له متنكرة، فإن جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى أمر عليه جانب فأوبي، وإن لقى امرء من غضارتها رغبا زودته من نوائبها تعبا، ولا يمسي امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في خوافي خوف (3) غرارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، من أقل منها استكثر مما يؤمنه (4) ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه، كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي خدع قد خدعته، وذي أبهة قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد صيرته خائفا فقيرا، وذي تاج قد أكبته لليدين و الفم. سلطانها دول، وعيشها رنق (5) وعذبها اجاج، وحلوها صبر، وغذائها سمام وأسبابها رمام (6) حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام عزيزها مغلوب، وملكها مسلوب، وضيفها مثلوب، وجارها محروب (7) ثم من وراء


(1) الحبرة بالفتح: النعمة. والعبرة: الدمعة. والسراء مصدر بمعنى المسرة و والضراء: الشدة. ويختص البطن بالسراء والظهر بالضراء لان الاقبال يكون بالاول كما أن الادبار بالثاني، أو لان الترس يكون بطنه اليك وظهره إلى عدوك. (2) الطل - بالفتح -: المطر الضعيف. والديمة - بالكسر -: مطر يدوم في سكون بلا رعد وبرق. وهتنت أي انصبت. والحرى: الجدير والخليق. (3) الخوافى: ريشات من الجناح إذا ضم الطائر جناحيه خفيت. وفى المثل " ليس القوادم كالخوافى ". (4) أي من أخذ القليل من متاعها أخذ الكثير مما يؤمنه. (5) الدولة - بالفتح - الانقلاب للزمان والجمع دول مثلثة. والرنق: الماء الكدر. (6) السمام - بالكسر - جمع سم بالضم والفتح. والسبب في اصل الحبل الذى يتوصل به إلى الماء، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى الشئ. والرمم - بالكسر - جمع رمة - بالضم - وهى قطعة جبل بالية. (7) المثلوب: الملوم، وثلبه أي عابه ولامه. والمحروب: المسلوب ماله

[16]

ذلك هول المطلع، وسكرات الموت والوقوف بين يدي الحكم العدل " ليجزي الذين أساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ". ألستم في منازل من كان أطول منكم أعمارا وآثارا، وأعد منكم عديدا، و أكثف جنودا (1) وأشد منكم عتودا، تعبدوا الدنيا أي تعبد، وآثروها أي إيثار ثم ظعنوا عنها بالصغار. فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم بفدية، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد أوهنتهم بالقوارع (2) وضعضعتهم بالنوائب، وعفرتهم للمناخر، و أعانت عليهم ريب المنون (3) فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وأخلد إليها، حتى ظعنوا عنها لفراق أمد إلى آخر المستند، هل أحلتهم إلا الضنك ؟ أو زودتهم إلا التعب ؟ أو نورت لهم إلا الظلم، أو أعقبتهم إلا النار، فهذه تؤثرون ؟ أم على هذه تحرصون ؟ إلى هذه تطمئنون ؟ يقول الله جل من قائل: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * اولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " (4). فبئست الدار لمن لا يتهمها وإن لم يكن فيها على وجل منها، إعلموا وأنتم لا تعلمون أنكم تاركواها لابد (5) فانما هي كما نعتها الله تعالى " لهو ولعب " واتعظوا * (الهامش) * (1) أي أكثر جنودا. (2) القوارع جمع القارعة وهى الداهية. (3) أي سلطته عليهم وريب المنون: صروف الدهر. (4) هود: 18 و 19. (5) لعل العلم المأمور به هو اليقين المستتبع وهو العمل أي أيقنوا بأنكم ستتركونها وترتحلون عنها وأنتم تعلمون ذلك لكن علما لا يترتب عليه الاثر. ويحتمل أن يكون المعنى اعلموا ذلك وأنتم من أهل العلم وشأنكم المعرفة وتمييز الخير من الشر. (6) أي يبنون بكل مكان مرتفع علما للمارة للعبث بمن يمر عليهم أو قصورا يفتخرون بها، والمصانع جمع المصنع: مأخذ الماء، وقيل قصور مشيدة وحصونا.

[17]

بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية تعبثون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون (1) و اتعظوا بالذين قالوا: " من أشد منا قوة " واتعظوا باخوانكم الذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا، قد جعل لهم من الضريح أكنانا ومن التراب أكفانا ومن الرفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما (2) قد بادت أضغانهم فهم كمن لم يكن وكما قال الله عزوجل " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " (3) استبدلوا بظهر الارض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالاهل غربة، جاؤوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الابد كما قال عز من قائل " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " (4). 74 - وقال (5) أيها الذام للدنيا أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك (6) فقال قائل من الحاضرين بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين فقال له: فلم ذممتها ؟ أليست دار صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها ؟ مسجد أحبائه، ومصلى أنبيائه، ومهبط الملائكة، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الطاعة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها ؟ وقد آذنت بانتهائها، ونادت بانقضائها وأنذرت ببلائها، فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى، وإن أعصرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى (7) ذمها رجال يوم الندامة، ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا، وذكرتهم فتذكروا. فيا أيها الذام لها، المغتر بغرورها متى غرتك ؟ أم متى استذمت إليك أبمصارع


(1) الريع: المكن المرتفع. و " آية " أي علما للمارة ببنهائها. (2) الضيم: الظلم والتعدى. والضغن: الحقد، الناحية، الحضن، الميل. (3) القصص: 58. (4) الانبياء: 104. (5) مطالب السؤول ص 51. (6) تجرم على فلان إذا ادعى على ذنبا لم أفعله. (7) أعصرت: دخلت في العصر. وأسفر الصبح أي أضاء وأشرق.

[18]

آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بيديك ومرضت ؟ وأذاقتك شهدا وصبرا ؟ فان ذممتها لصبرها فامدحها لشهدها وإلا فاطرحها لا مدح ولا ذم، فقد مثلت لك نفسك حين ما يغني عنك بكاؤك ولا يرحمك أحباؤك. 75 - وقال عليه السلام: إن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الاخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع (1) ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبقة الجنة والغاية النار. ألا وإنكم في أيام مهل، من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في أيام مهله قبل حلول أجله نفعه عمله ولم يضره أمله، ومن لم يعمل أيام مهله قبل حضور أجله ضره أمله ولم ينفعه عمله، ولو عاش أحدكم ألف عام كان الموت بالغه، ونحبه لاحقه (2) فلا تغرنكم الاماني. ولا يغرنكم بالله الغرور، وقد كان قبلكم لهذه الدنيا سكان، شيدوا فيها البنيان، ووطنوا الاوطان، أضحت أبدانهم (3) في قبورهم هامدة، وأنفسهم خامدة، فتلهف المفرط منهم على ما فرط يقول: يا ليتني نظرت لنفسي، ياليتني كنت أطعت ربي. 76 - وقال عليه السلام: إن الدنيا ليست بدار قرار، ولا محل إقامة، إنما أنتم فيها كركب عرسوا وارتاحوا (4) ثم استقلوا فغدوا وراحوا، دخلوها خفافا، و ارتحلوا عنها ثقالا، فلم يجدوا عنها نزوعا، ولا إلى ما تركوا بها رجوعا، جد بهم فجدوا، وركنوا إلى الدنيا فما استعدوا، حتى اخذ بكظمهم، ورحلوا إلى دار * (الهامش) * (1) آذنت أي أعلمت والايذان الاعلام. والاطلاع: الاشراف من مكان عال والمقبل على الانحدار أحرى بالوصول. والمضمار: مدة تضمير الفرس وموضعه أيضا وهو ان تعلفه حتى يسمن ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوما. والسباق المسابقة. (2) النحب: الموت والاجل. (3) في المصدر " أصبحت أبدانهم ". (4) عرس القوم تعريسا: نزلوا في السفر للاستراحة ثم ارتحلوا. وارتاحوا أي نشطوا وسروا واستراحوا، ولعل الصواب " فأناخوا ". واستقل القوم: ارتحلوا.

[19]

قوم لم يبق من أكثرهم خبر ولا أثر، قل في الدنيا لبثهم، وأعجل بهم إلى الاخرة بعثهم، وأصبحتم حلولا في ديارهم، وظاعنين على آثارهم، والمنايا بكم تسير سيرا ما فيه أين ولا بطوء، نهاركم بأنفسكم دؤوب (1) وليلكم بأرواحكم ذهوب، وأنتم تقتفون من أحوالهم حالا، وتحتذون من أفعالهم مثالا، فلا تغرنكم الحياة الدنيا فانما أنتم فيها سفر حلول، والموت بكم نزول، فتلتضل فيكم مناياه، وتمضي بكم مطاياه، إلى دار الثواب والعقاب، والجزاء والحساب، فرحم الله من راقب ربه، و خاف ذنبه، وجانب هواه، وعمل لاخرته، وأعرض عن زهرة الحياة الدنيا. 77 - وقال عليه السلام: كأن قد زالت عنكم الدنيا كما زالت عمن كان قبلكم فأكثروا عباد الله اجتهادكم فيها بالتزود من يومها القصير ليوم الاخرة الطويل. فإنها دار العمل، والدار الاخرة دار القرار والجزاء، فتجافوا عنها فان المغتر من اغتر بها، لن تعد الدنيا إذا تناهت إليها امنية أهل الرغبة فيها، المطمئنين إليها المغترين بها أن تكون كما قال الله تعالى: (2) " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام " ألا إنه لم يصب امرء منكم من هذه الدنيا حبرة إلا أعقبتها عبرة، ولا يصبح امرء في حياة إلا وهو خائف منها أن تؤول جائحة أو تغير نعمه أو زوال عافيته، والموت من وراء ذلكم، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحكم العدل لتجزى كل نفس بما كسبت ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. 78 - وقال عليه السلام: مالكم والدنيا فمتاعها إلى انقطاع، وفخرها إلى وبال، وزينتها إلى زوال، ونعيمها إلى بؤس، وصحتها إلى سقم أو هرم، ومآل ما فيها إلى نفاد وشيك (3) وفناء قريب، كل مدة فيها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى مقارنة البلى، أليس لكم في آثار الاولين وآبائكم الماضين عبرة وتبصرة إن كنتم تعقلون، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقين، منكم


(1) الاين: الحين، والتعب والمشقة والاعياء. والدؤوب: الجد والتعب. (2) يونس: 26. (3) الوشيك السريع.

[20]

لا يبقون، أو لستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى ميت يبكى وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعايد يعود، ودنف بنفسه يجود (1) وطالب للدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، على أثر الماضي يمضى الباقي وإلى الله عاقبة الامور. 79 - وقال عليه السلام: انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فإنها عن قليل تزيل الساكن وتفجع المترف (2) فلا تغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها، فرحم الله امرءا تفكر واعتبر، وأبصر إدبار ما قد أدبر، وحضور ما قد حضر فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كائن من الآخرة لم يزل وكل ما هو آت قريب، فكم من مومل مالا يدركه، وجامع مالا يأكله، ومانع مالا يتركه، ولعله من باطل جمعه، أو حق منعه، أصابه حراما، وورثه عدوانا، فاحتمل ما ضره، وباء بوزره (3) وقدم على ربه آسفالا لاهفا خسر الدنيا والاخرة وذلك هو الخسران المبين. 80 - وقال عليه السلام: الدنيا مثل الحية لين مسها، قاتل سمها فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وكن آنس ما يكون إليها أوحش ما تكون منها (4) فإن صاحبها كلما اطمئن منها، إلى سرور أشخصته إلى مكروه، فقد يسر المرء بما لم يكن ليفوته وليحزن لفوات ما لم يكن ليصيبه أبدا وإن جهد، فليكن سرورك بما قدمت من عمل أو قول، ولتكن أسفك على ما فرطت فيه من ذلك، ولا تكن


(1) الصريع: المطروح على الارض. والدنف: المريض. وجاد بنفسه أي سمح بها عند الموت فكأنه يدفعها كما يدفع الانسان ماله. (2) المترف - كمكرم -: المتروك بنعمته يصنع فيها ما يشاء ولا يمنع. (3) باء يبوء إليه: رجع وباء بالحق أو بالذنب: أقر. (4) آنس حال و " ما " مصدرية وخبر كان احذر أي كن حال انسك بها أحذر اكوانك منها. وقوله " فان صاحبها - الخ " أي ان سكون صاحبها الي اللذة بها مستلزم العذاب المكروه في الاخرة.

[21]

على ما فاتك من الدنيا حزينا، وما أصابك منها فلا تنعم به سرورا، واجعل همك لما بعد الموت فإن ما توعدون لات. 81 - وقال عليه السلام (1): انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها فانها والله عن قليل تشقي المترف، وتحرك الساكن، وتزيل الثاوي (2) صفوها مشوب بالكدر، وسرورها منسوج بالحزن، وآخر حياتها مقترن بالضعف، فلا يعجبنكم ما يغركم منها، فعن كثب تنقلون عنها (3) وكلما هو آت قريب، و " هناك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون " (4). 82 - وقال عليه السلام: احذركم الدنيا فإنها ليست بدار غبطة، قد تزينت بغرورها، وغرت بزينتها لمن كان ينظر إليها، فاعرفوها كنه معرفتها فإنها دار هانت على ربها، قد اختلط حلالها بحرامها، وحلوها بمرها، وخيرها بشرها، ولم يذكر الله شيئا اختصه منها لاحد من أوليائه ولا أنبيائه، ولم يصرفها من أعدائه، فخيرها زهيد، وشرها عتيد (5) وجمعها ينفد، وملكها يسلب، وعزها يبيد. فالمتمتعون من الدنيا تبكي قلوبهم وإن فرحوا، ويشتد مقتهم لانفسهم وإن اغتبطوا ببعض ما رزقوا، الدنيا فانية لا بقاء لها، والاخرة باقية لا فناء لها، الدنيا مقبلة، والاخرة ملجأ الدنيا، وليس للاخرة منتقل ولا منتهى، من كانت الدنيا همه اشتد لذلك غمه، ومن آثر الدنيا على الاخرة حلت به الفاقرة (6).


(1) مطالب السؤول ص 52. (2) الثاوى هو الذى قام في مكان. (3) الكثب: القرب، يقال: رماه من كثب أو عن كثب أي رماه إذ كان قريبا منه. (4) أي في ذلك المقام تختبر كل نفس ما قدمت من عمل. وقوله تعالى: " ردوا إلى الله " أي إلى جزائه، وقوله " ضل عنهم " أي بطل وهلك عنهم ما كانوا يدعونه افتراء على الله سبحانه. (5) العتيد: الحاضر المهيأ. (6) الفاقرة: الداهية الشديدة.

[22]

83 - وقال عليه السلام: إنما الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر، فمن فنائها أنك ترى الدهر موتر قوسه، مفوق نبله، يرمي الصحيح بالسقيم، والحي بالميت و البرئ بالمتهم، ومن عنائها أنك ترى المرء يجمع مالا يأكل، ويبني مالا يسكن ويأمل مالا يدرك، ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما، ليس بينهم إلا نعيم زال أو مثلة حلت أو موت نزل، ومن عبرها أن المرء يشرف عليه أمله حتى يختطفه دونه أجله. 84 - وقال عليه السلام: اجعل الدنيا شوكا وانظر أين تضع قدمك منها فإن من ركن إليها خذلته، ومن أنس فيها أوحشته، ومن يرغب فيها أوهنته، ومن انقطع إليها قتلته، ومن طلبها أرهقته، ومن فرح بها أترحته (1) ومن طمع فيها صرعته، ومن قدمها أخرته، ومن ألزمها هانته، ومن آثرها باعدته من الاخرة ومن بعد من الاخرة قرب إلي النار، فهي دار عقوبة وزوال وفناء وبلاء، نورها ظلمة وعيشها كدر، وغنيها فقير، وصحيحها سقيم، وعزيزها ذليل، فكل منعم برغدها شقي، وكل مغرور بزينتها مفتون، وعند كشف الغطاء يعظم الندم، ويحمد الصدر أو يذم. 85 - وقال عليه السلام يأتي على الناس زمان لا يعرف فيه إلا الماحل ولا يظرف فيه إلا الفاجر (2) ولا يؤتمن فيه إلا الخائن، ولا يخون إلا المؤتمن، يتخذون الفئ مغنما، والصدقة مغرما، وصلة الرحم منا، والعبادة استطالة على الناس وتعديا وذلك يكون عند سلطان النساء، ومشاورة الاماء، وإمارة الصبيان. 86 - وقال عليه السلام: احذروا الدنيا إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الامانات، واتبعوا الشهوات، واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشى وشيدوا البناء، واتبعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واستخفوا بالدماء وركنوا إلى الرياء، وتقاطعت الارحام، وكان الحلم ضعفا، والظلم فخرا


(1) الارهاق أن يحمل الانسان على ما لا يطيقه. وأترحه أي أحزنه. (2) الماحل: الساعي إلى السلطان. ولا يظرف أي لا ينسب إلى الظرافة.

[23]

والامراء فجرة، والوزراء كذبة، والامناء خونة، والاعوان ظلمة، و القراء فسقة، وظهر الجور، وكثر الطلاق وموت الفجأة، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنابر، ونقضت العهود، وخربت القلوب، و استحلوا المعازف، وشربت الخمور، وركبت الذكور، واشتغل النساء وشاركن أزواجهن في التجارة حرصا على الدنيا، وعلت الفروج السروج، ويشبهن بالرجال، فحينئذ عدوا أنفسكم في الموتى، ولا تغرنكم الحياة الدنيا فإن الناس اثنان بر تقي وآخر شقي، والدار داران لا ثالث لهما، والكتاب واحد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ألا وإن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وباب كل بلية ومجمع كل فتنة، وداعية كل ريبة، الويل لمن جمع الدنيا وأورثها من لا يحمده، وقدم على من لا يعذره، الدنيا دار المنافقين، وليست بدار المتقين، فلتكن حظك من الدنيا قوام صلبك، وإمساك نفسك، وتزود لمعادك. 87 - وقال عليه السلام: يا دنيا يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي تشوقت، هيهات هيهات غري غيري قد بتتك ثلاثة، لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وعيشك حقير وخطرك كبير، آه من قلة الزاد، ووحشة الطريق. 88 - وقال عليه السلام: احذروا الدنيا فإن في حلالها حساب وفي حرامها عقاب وأولها عناء وآخرها فناء، من صح فيها هرم، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن أتاها فاتته، ومن بعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن بصر بها بصرته، إن أقبلت غرت، وإن أدبرت ضرت. 89 - في وصفه المؤمنين (1) قال عليه السلام، المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكوت، وهيئتهم الخشوع، وسمتهم التواضع (2) خاشعين، غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، رافعين أسماعهم إلى العلم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء، لولا الاجال التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة


(1) مطالب السؤول ص 53. (2) الهدى - بالفتح -: الطريقة والسيرة. والسمت: هيئه أهل الخير.

[24]

عين، شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم كأنهم قد رأوا الجنة ونعيمها والنار وعذابها، فقلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم ضعيفة، ومعونتهم لاخوانهم عظيمة اتخذوا الارض بساطا، وماءها طيبا، ورفضوا الدنيا رفضا، وصبروا أياما قليلة فصارت عاقبتهم راحة طويلة، تجارتهم مربحة، يبشرهم بها رب كريم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فهربوا منها. أما الليل فأقدامهم مصطفة (1) يتلون القرآن يرتلونه ترتيلا، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت أنفسهم تشوقا (2) فيصيرونها نصيب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بقلوبهم وأبصارهم، فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم خوفا وفرقا (3) نحلت لها أبدانهم، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها وصلصلة حديدها في آذانهم، مكبين على وجوههم وأكفهم، تجري دموعهم على خدودهم. يجأرون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم. وأما النهار فعلماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح (4) إذا نظر إليهم الناظر يقول بهم مرض، وما بهم مرض، ويقول قد خولطوا وما خولطوا (5) إذا ذكروا عظمة الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم


(1) اصطف القوم: قاموا صفوفا. (2) التطلع إلى الشئ: الاستشراف له والانتظار لوروده. (3) الفرق - بالتحريك -: الخوف. ونحلت أي هزلت وضعفت. (4) برى السهم نحته. والقداح جمع قدح بالكسر فيهما وهو السهم قبل أن يراش وينصل وهو كناية عن نحافة البدن وضعف الجسد. (5) خولط فلان في عقله إذا اختل عقله وصار مجنونا. وخالطه إذا مازجه والمعنى كما قاله بعض شراح النهج يظن الناظر بهم الجنون وما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم وهو الخوف فتولهوا لاحله.

[25]

وطاشت حلومهم وذهلت عقولهم (1) فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بالاعمال الزاكية، لا يرضون بالقليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف الله وغايلة التزكية (2) قال: وأنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني كما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون. ومن علامات أحدهم أن يكون له حزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في تقوى، وفهم في فقه، وحلم في علم، وكيس في رفق، وقصد في غنى، وخشوع في عبادة وتحمل في فاقة، وصبر في شدة وإعطاء في حق، وطلب لحلال، ونشاط في هدى، وتحرج عن طمع، وتنزه عن طبع، وبر في استقامة، واعتصام بالله من متابعة الشهوات، واستعاذة به من الشيطان الرجيم، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وشغله الفكر (3) اولئك الامنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا تأثيم (4) 90 - وقال عليه السلام: المؤمنون هم الذين عرفوا أمامهم، فذبلت شفاههم وغشيت عيونهم، وشحبت ألوانهم (5) حتى عرفت في وجوههم غبرة الخاشعين. فهم عباد الله الذين مشوا على الارض هونا، واتخذوها بساطا، وترابها فراشا، فرفضوا الدنيا وأقبلوا على الاخرة على منهاج المسيح بن مريم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، صوام الهواجر، قوام الدياجر (6) * (الهامش) * (1) وجف الشئ اضطرب، والقلب: خفق. وطاش أي ذهب عقله. والحلوم جمع حلم وهو العقل. والذهول. النسيان والغيبة. (2) الغائلة الداهية والفساد والمهلكة. وغائلة التزكية عطف على " الله " يعنى خاف الله أولا وغائلة التزكية ثانيا. (3) في بعض النسخ " يمسى وهمته الشكر ويصبح وشغله الذكر ". (4) أثمه من باب التفعيل نسبه إلى الاثم. (5) شحبت لونه: تغير من جوع أو مرض ونحوهما. (6) الهواجر جمع الهاجرة وهى شدة حرارة النهار. والديجور: الظلام.

[26]

يضمحل عندهم كل فتنة، وينجلي عنهم كل شبهة، اولئك أصحابي فاطلبوهم في أطراف الارضين، فإن لقيتم منهم أحدا فاسألوه أن يستغفر لكم. - 91 وقال عليه السلام (1): شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا المتوازرون في أمرنا، الذين إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروه، سلم لمن خالطوه، اولئك هم السائحون الناحلون، الزابلون، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم (2) متغيرة ألوانهم، مصفرة وجوههم كثير بكاؤهم جارية دموعهم. يفرح الناس ويحزنون، وينام الناس ويسهرون، إذا شهدوا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا خطبوا الابكار لم يزوجوا، قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، ذبل الشفاه من العطش خمص البطون من الجوع، عمش العيون من السهر، الرهبانية عليهم لايحة، والخشية لهم لازمة، كلما ذهب منهم سلف خلف في موضعه خلف، اولئك الذين يردون القيامة وجوههم كالقمر ليلة البدر. تغبطهم الاولون والاخرون، ولا خوف عليهم ولا يحزنون. 92 - وقال عليه السلام: المؤمن يرغب فيما يبقى ويزهذ فيما يفنى، يمزج الحلم بالعلم، والعلم بالعمل، بعيد كسله، دائم نشاطه، قريب أمله، حي قلبه، ذاكر لسانه، لا يحدث بما لا يؤتمن عليه الاصدقاء، ولا يكتم شهادة الاعداء، لا يعمل شيئا من الخير رياء ولا يتركه حياء، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان في الذاكرين لم يكتب في الغافلين، وإن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويحسن إلى من أساء إليه، لا يعزب حلمه، ولا يعجل فيما يريبه، بعيد جهله، لين قوله، قريب معروفه، غائب منكره صادق كلامه، حسن فعله مقبل خيره، مدبر شره، في الزلازل وقور، وفي المكاره * (الهامش) * (1) مطالب السؤول ص 53. (2) نحل جسمه أي سقم، والناحل الرقيق الجسم من مرض أو تعب. وذبل النبات: قل ماؤه وذهبت نضارته. والذبل: اليابسة الشفه. والخميصة أي الضامرة.

[27]

صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد حقا عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، ولا يضيع ما استحفظ، ولا يرغب فيما لا تدعوه الضرورة إليه، لا يتنابز بالالقاب، ولا يبغي على أحد، ولا يهزء بمخلوق، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، مؤدب بأداء الامانات، مسارع إلى الطاعات، محافظ على الصلوات، بطئ في المنكرات. لا يدخل على الامور بجهل، ولا يخرج، عن الحق بعجز، إن صمت فلا يغمه الصمت، وإن نطق لا يقول الخطأ، وإن ضحك فلا تعلو صوته سمعه، ولا يجمح به الغضب (1) ولا تغلبه الهوى، ولا يقهره الشح، ولا تملكه الشهوة، يخالط الناس ليعلم، ويصمت ليسلم، ويسأل ليفهم، ينصت إلى الخير ليعمل به، ولا يتكلم به ليفخر على ما سواه، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، يتعب نفسه لاخرته ويعصي هواه لطاعة ربه، بعده عمن تباعد منه نزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس بعده بكبر، ولا قربه خديعة، مقتد بمن كان قبله من أهل الايمان، إمام لمن بعده من البررة المتقين. 93 - وقال عليه السلام: طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الاخرة، اولئك قوم اتخذوا أرض الله مهادا، وترابها وسادا، وماءها طيبا، وجعلوا الكتاب شعارا والدعاء دثارا، وإن الله أوحى إلى عبده المسيح عليه السلام أن قل لبني إسرائيل لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وأعلمهم أني لا اجيب لاحد منهم دعوة، ولاحد من خلقي قبله مظلمة. 94 - وقال عليه السلام: المؤمن وقور عند الهزاهز، ثبوت عند المكاره، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الاعداء، ولا يتحامل للاصدقاء (2)، الناس منه راحة ونفسه منه في تعب، العلم خليله، والعقل قرينه * (الهامش) * (1) جمح الفرس: تغلب على راكبه ولا ينقاد له. (2) أي لا يحتمل الوزر لاجلهم، أو يتحمل عنهم مالا يطيق الاتيان به من الامور المشاقة فيعجز عنها.

[28]

والحلم وزيره، والصبر أميره، والرفق أخوه، واللين والده. 95 - وقوله عليه السلام لنوف البكالي: أتدري يا نوف من شيعتي ؟ قال: لا والله، قال: شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، الذين تعرف الرهبانية في وجوههم، رهبان بالليل، أسد بالنهار، الذين إذا جنهم الليل ائتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم (1) وصفوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله في فكاك أعناقهم (2) وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار أتقياء، يا نوف شيعتي من لم يهر هرير الكلب، ولم يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس ولو مات جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه، وإن رأى فاسقأهجره، هؤلاء والله شيعتي. 96 - قال نوف: عرضت لي حاجة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن أخيه همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس المتعبدين فأقبلنا إليه فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر متدينين قد أفاضوا في الاحدوثات تفكها وهم يلهى بعضهم بعضا، فأسرعوا إليه قياما وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم ؟ فقالوا اناس من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال لهم: خيرا، ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا ؟ ! فأمسك القوم حياء، فأقبل عليه جندب والربيع فقالا له: ماسمة شيعتك يا أمير المؤمنين ؟ فسكت فقال همام - كان عابدا مجتهدا - أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتك ؟ فقال: لا تقسم فسأنبئكم جميعا ووضع يده على منكب همام وقال:


(1) أي يشدون المئزر على وسطهم احتياطا لستر العورة فانهم كانوا لا يلبسون السراويل أو المراد شد الوسط بالازار كالمنطقة ليجمع الثياب. وقيل هو كناية عن الاهتمام في العبادة. (قاله المؤلف) وقوله " وارتدوا على أطرافهم " أي يلبسون الرداءة أو يشدونها على أطرافهم ويشتملون بها. (2) جأر إلى الله: تضرع ورفع صوته بالبكاء. (*)

[29]

شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب مأكولهم القوت، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته (1) وخضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء، رضوا عن الله تعالى بالقضاء، فلولا الاجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من أليم العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون. وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون، صبروا أياما قليلة، فأعقبتهم راحة طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها، أما الليل فصافون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة يفترشون جباههم وأنفسهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم، هذا ليلهم، وأما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم (2) فهم كالقداح تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم، وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا اشتاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون. يرى لاحدهم قوة في دين، وحزما في لين (3) وإيمانا في يقين، وحرصا على


(1) بخع نفسه - بتقديم الباء على الخاء المعجمة المفتوحة -: أنهكها وكاد يهلكها من غم أو غضب. وبخع - بكسر الخاء - بالحق: أقر وأذعن. (2) أي نحتهم خوف ربهم، فانما يخشى الله من عباده العلماء. والقداح جمع القدح بالكسر فيهما: السهم. (3) الحزم في اللين أن يكون لينه حزما وفى موضعه، لا عن مهانة وذلة.

[30]

علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في قصد، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة في مجهود، وإعطاء في حق ورفقا في كسب، وطلبا من حلال وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع، ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل وهو من صالح عمله على وجل، يصبح وشغله الذكر ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا بما أصاب من الفضل والرحمة. وإن استصعب عليه نفسه فيما تكره لم يطعها سؤلها مما إليه تسره، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العلم بالعمل والعمل بالحلم، ويظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره، متينا صبره، كثيرا ذكره. لا يعمل شيئا من الخير رياء، ولا يتركه حياء. اولئك شيعتنا وأحبتنا ومنا ومعنا، آها وشوقا إليهم. فصاح همام صيحة ووقع مغشيا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا - رحمه الله تعالى - فغسل وصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام ونحن معه. فشيعته عليه السلام هذه صفتهم وهي صفة المؤمنين. وتقدم بعضها. 97 - وقال عليه السلام: الجنة التي أعدها الله تعالى للمؤمنين خطافة لابصار الناظرين فيها درجات متفاضلات، ومنازل متعاليات، لا يبيد نعيمها ولا يضمحل حبورها ولا ينقطع سرورها ولا يظعن مقيمها ولا يهرم خالدها ولا يبؤس ساكنها، آمن سكانها من الموت فلا يخافون، صفالهم العيش، ودامت لهم النعمة في أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم. على فرش موزونة وأزواج مطهرة وحور عين كأنهن اللؤلؤ المكنون، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة

[31]

" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ". أقول: قد مضى في كتاب الايمان والكفر في باب المؤمن وصفاته خبر همام وطلبه عنه عليه السلام ذكر صفات المؤمن وأنه عليه السلام قال الخطبة بمسجد الكوفة بعدة طرق من كتب عديدة ولكن بينها أنواع من الاختلافات، وكذلك بينها وبين هذا الخبر فلا تغفل، ثم قد سبق في ذلك الباب كلام ابن أبي الحديد من كون همام هذا هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة، والمذكور هنا ينافيه كما لا يخفى. 98 - جع، (1) جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: جئتك لاسأل عن أربعة مسائل، فقال عليه السلام: سل وإن كان أربعين. فقال: أخبرني ما الصعب وما الاصعب ؟ وما القريب وما الاقرب ؟ وما العجب وما الاعجب ؟ وما الواجب وما الاوجب ؟. فقال عليه السلام: الصعب المعصية، والاصعب فوت ثوابها، والقريب كل ما هو آت والاقرب هو الموت، والعجب هو الدنيا وغفلتنا فيها أعجب، والواجب هو التوبة، وترك الذنوب هو الاوجب. 99 - قيل: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: جئتك من سبعمائة فرسخ لاسألك عن سبع كلمات فقال عليه السلام: سل ما شئت، فقال الرجل: أي شئ أعظم من السماء ؟ وأي شئ أوسع من الارض ؟ وأي شئ أضعف من اليتيم ؟ وأي شئ أحر من النار ؟ وأي شئ أبرد من الزمهرير ؟ وأي شئ أغنى من البحر ؟ وأي شئ أقسى من الحجر ؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: البهتان على البرئ أعظم من السماء والحق أوسع من الارض، ونمائم الوشاة أضعف من اليتيم (2) والحرص أحر من النار، وحاجتك إلى البخيل أبرد من الزمهرير، والبدن القانع أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر. 100 - ختص (3) روى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: المفتخر بنفسه أشرف


(1) جامع الاخبار ص 161. الفصل السادس والتسعون. (2) الواشى هو النمام عند الامير أو الحاكم أو السلطان وجمعه الوشاة. (3) الاختصاص: 188.

[32]

من المفتخر بأبيه لاني أشرف من أبي والنبي صلى الله عليه وآله أشرف من أبيه وإبراهيم أشرف من تارخ. 101 - قيل: وبم الافتخار ؟ قال: بإحدى ثلاث: مال ظاهر، أو أدب بارع أو صناعة لا يستحي المرء منها. 102 - قيل: لامير المؤمنين عليه السلام: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين ؟ قال: أصبحت آكل وأنتظر أجلي. 103 - قيل له عليه السلام: فما تقول في الدنيا ؟ قال: فما أقول في دار أولها غم، وآخرها الموت، من استغنى فيها افتقر، ومن افتقر فيها حزن، في حلالها حساب وفي حرامها النار. 104 - قيل: فمن أغبط الناس ؟ قال: جسد تحت التراب قد أمن من العقاب ويرجو الثواب. 105 - وقال عليه السلام: من زار أخاه المسلم في الله ناداه الله أيها الزائر طبت وطابت لك الجنة. 106 - وقال عليه السلام: ما قضى مسلم لمسلم حاجة إلا ناداه الله علي ثوابك ولا أرضى لك بدون الجنة. 107 - وقال عليه السلام: ثلاثة يضحك الله إليهم يوم القيامة: رجل يكون على فراشه مع زوجته وهو يحبها فيتوضأ ويدخل المسجد فيصلي ويناجي ربه، ورجل أصابته جنابة ولم يصب ماء فقام إلى الثلج فكسره ثم دخل فيه واغتسل، ورجل لقى عدوا وهو مع أصحابه وجاءهم مقاتل فقاتل حتى قتل.108 - وقال عليه السلام: التعزية تورث الجنة. 109 - وقال عليه السلام: إذا حملت بجوانب سرير الميت خرجت من الذنوب كما ولدتك أمك. 110 - وقال عليه السلام: من اشترى لعياله لحما بدرهم كان كمن أعتق نسمة من ولد إسماعيل.

[33]

111 - وقال عليه السلام: من شرب من سؤر أخيه تبركا به خلق الله بينهما ملكا يستغفر لهما حتى تقوم الساعة. 112 - وقال عليه السلام: في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء. 113 - ختص: (1) محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن بعض رجاله عن أبي الجارود يرفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أوقف نفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، وكل حديث جاوز اثنين فشى، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا، وعليك بإخوان الصدق فكثر في اكتسابهم عدة عند الرخاء، وجندا عند البلاء، وشاور حديثك الذين يخافون الله، وأحبب الاخوان على قدر التقوى، واتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، إن أمرنكم بالمعروف فخالفوهن حتى لا يطمعن في المنكر. 114 - ما (2) عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن أيوب بن نوح، عن الشارب بن ذراع (3) عن أخيه يسار، عن حمران، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام، عن جابر بن عبد الله قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم إذ ذكروا الدنيا وتصرفها بأهلها فذمها رجل فذهب في ذمها كل مذهب فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الذام للدنيا، أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ فقال: بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين، قال: فبم تذمها ؟ أليست منزل صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عافية لمن فهم عنها، ومساجد أنبياء الله، ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، ورجوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها ؟ وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاءها، ونعت نفسها وأهلها


(1) المصدر ص 226 وفيه محمد بن الحسن. (2) الامالى ج 2 ص 207. (3) في المصدر " بشار بن ذراع ".

[34]

فمثلت ببلائها البلى، وشوقت بسرورها إلى السرور، تخويفا وترغيبا فابتكرت بعافية، وراحت بفجيعة، فذمها رجال فرطوا غداة الندامة، وحمدها آخرون اكتسبوا فيه الخير، فيا أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها ! متى استذمت إليك أو متى غرتك ؟ أم بمضاجع آبائك من البلى، أم بمصارع امهاتك تحت الثرى، كم مرضت بيديك، وعالجت بكفيك، تلتمس لهم الشفاء، وتستوصف لهم الاطباء، لم تنفعهم بشفاعتك، ولم تسعفهم في طلبتك، مثلت لك - ويحك - الدنيا بمصرعهم مصرعك، و بمضجعهم مضجعك، حين لا يغني بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك. ثم التفت إلى أهل المقابر فقال: يا أهل التربة، ويا أهل القربة أما المنازل فقد سكنت، وأما الاموال فقد قسمت، وأما الازواج فقد نكحت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: والله لو أذن لهم في الكلام لاخبروكم أن خير الزاد التقوى. 115 - ما (1) عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيد الله بن الحسين العلوي، عن محمد بن علي بن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الهيبة خيبة (2) والفرصة خلسته، والحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها. 116 - ما (3) عن أحمد بن محمد بن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد بن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد، عن أبيه علي ابن الحسين عليهما السلام قال: خطب علي بن أبي طالب عليه السلام بهذه الخطبة في يوم الجمعة فقال: الحمد لله المتوحد بالقدم والازلية الذي ليس له غاية في دوامه، ولا له أولية، أنشأ صنوف البرية لا عن اصول كانت بدية (4) وارتفع من مشاركة الانداد


(1) الامالى ج 2 ص 237 و 238. (2) يعنى من تهيب أمرا خاب من ادراكه. والخلسة - بضم الخاء -: الفرصة المناسبة وفى المثل " الخلسة سريعة الفوت بطيئة العود " ويأتى نظيره عن قريب. (3) الامالى ج 2 ص 315. (4) البدء والبديئة: اول الحال والنشأة.

[35]

وتعالى عن اتخاذ صاحبة وأولاد، هو الباقي بغير مدة، والمنشئ لا بأعوان، لا بآلة فطر، ولا بجوارح صرف ما خلق، لا يحتاج إلى محاولة التفكير، ولا مزاولة مثال ولا تقدير، أحدثهم على صنوف من التخطيط والتصوير، لا بروية ولا ضمير، سبق علمه في كل الامور، ونفذت مشيته في كل ما يريد في الازمنة والدهور، وانفرد بصنعة الاشياء فأتقنها بلطائف التدبير، سبحانه من لطيف خبير، ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. 117 - كتاب الغارات (1) لابراهيم بن محمد الثقفي، عن عبد الرحمن بن نعيم عن أشياخ من قومه إن عليا عليه السلام كان كثيرا ما يقول في خطبته: أيها الناس إن الدنيا قد أدبرت وآذنت أهلها بوداع، وإن الاخرة قد أقبلت وآذنت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم والسباق غدا، ألا وإن السبق الجنة، والغاية النار، ألا وإنكم في إيام مهل من ورائه أجل يحثه عجل، فمن عمل في أيام مهله قبل حضور أجله نفعه عمله، ولم يضره أمله، ألا وإن الامل يسهي القلب ويكذب الوعد ويكثر الغفلة ويورث الحسرة، فاعزبوا عن الدنيا (2) كاشد ما أنتم عن شئ تعزبون، فإنها من ورود صاحبها منها في غطاء معنى، وافزعوا إلى قوام دينكم بإقامة الصلاة لوقتها و أداء الزكاة لاهلها (3) والتضرع إلى الله والخشوع له، وصلة الرحم، وخوف المعاد وإعطاء السائل، وإكرام الضيف، وتعلموا القرآن واعملوا به، واصدقوا الحديث وآثروه، وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم وأدوا الامانة إذا ائتمنتم، وارغبوا في ثواب الله وخافوا عقابه فاني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، فتزودوا من الدنيا ما تحوزوا به أنفسكم غدا من النار، واعملوا بالخير تجزوا بالخير يوم يفوز أهل الخير بالخير.


(1) مخلوط. (2) عزب: بعد وغاب وخفى. (3) في بعض النسخ " أداء الزكاة لمحلها ".

[36]

16 - * (باب) * * " (ما جمع من جوامع كلم) " * أمير المؤمنين صلى الله عليه وعلى ذريته: وقد جمع الجاحظ من علماء العامة مائة كلمة من مفردات كلامه عليه السلام، وهي رسالة معروفة شايعة، وقد جمع بعض علمائنا أيضا كلماته عليه السلام في كتاب نثر اللالي، والسيد الرضي - رحمه الله - قد أورد كلماته عليه السلام في مطاوي نهج البلاغة، ولا سيما في أواخره، وكذا في كتاب خصائص الائمة عليهم السلام، ثم جمع بعده الامدي من أصحابنا أيضا كثيرا من ذلك في كتاب الغرر والدرر، وهو كتاب مشهور متداول. ثم قد أوردها مع كلمات النبي وسائر الائمة عليهم السلام جماعة اخرى من العامة والخاصة أيضا في مؤلفاتهم ومنهم الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول، والحسين بن محمد بن الحسن في كتاب النزهة الناظر، والشهيد في كتاب الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة، وكذا الشيخ علي بن محمد الليثي الواسطي في كتاب عيون الحكم والمواعظ وخيرة المتعظ والواعظ، الذي قد سمينا بكتاب العيون والمجاسن، وهو يشتمل على كثير من كلماته، وكلمات باقي الائمة عليهم السلام. وقد جمع الشيخ سعد بن عبد القاهر أيضا من علمائنا بين كلمات النبي صلى الله عليه وآله المذكور في كتاب الشهاب للقاضي القضاعي من العامة وبين كلماته عليه السلام المذكورة في النهج في كتاب مجمع البحرين ونحن قد أوردنا كل كلام له عليه السلام وله خبر في باب يناسبه في مطاوي هذا الكتاب أعني كتابنا بحار الانوار بقدر الامكان والان لنذكر شطرا صالحا من ذلك إن شاء الله تعالى. 1 - ف (1): قال عليه السلام: من كنوز الجنة البر وإخفاء العمل والصبر على


(1) التحف ص 200.

[37]

الرزايا (1) وكتمان المصائب. 2 - وقال عليه السلام: حسن الخلق خير قرين، وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه. 3 - وقال عليه السلام: الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره. 4 - وكتب عليه السلام: إلى عبد الله بن عباس (2): أما بعد فإن المرء يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلته من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها. ومانلته من الدنيا فلا تكثرن به فرحا، وما فاتك منها فلا تأسفن عليه حزنا، وليكن همك فيما بعد الموت. 5 - وقال عليه السلام: في ذم الدنيا: أولها عناء وآخرها فناء (3)، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب. من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، من ساعاها فاتته (4) ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصرته (5). 6 - وقال عليه السلام: احبب حبيبك هونا ما عسى أن يعصيك يوما ما (6) وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما. 7 - وقال عليه السلام: لاغنى مثل العقل، ولا فقر أشد من الجهل. 8 - وقال عليه السلام: قيمة كل امرء ما يحسن.


(1) الرزايا: جمع الرزية: المصيبة العظيمة. (2) منقول في النهج بادنى اختلاف. (3) العناء: النصب والتعب. (4) " ساعاها " أي غالبها في السعي، وفى كنز الفوائد " فاتنه ". (5) أي نظرها بعين الحقيقة نظر تأمل وتفكر. وفى كنز الفوائد " ومن نظر إليها ألهته ومن تهاون بها نصرته ". (6) الهون: الرفق، السهل، السكينة والمراد احببه حبا مقتصدا لا افراط فيه. وأبغضه بغضا مقتصدا.

[38]

9 - وقال عليه السلام: قرنت الهيبة بالخيبة (1). والحياء بالحرمان. والحكمة ضالة المؤمن فليطلبها ولو في أيدي أهل الشر. 10 - وقال عليه السلام: لو أن حملة العلم حملوه بحقه لاحبهم الله وملائكته وأهل طاعته من خلقه، ولكنهم حملوه لطلب الدنيا، فمقتهم الله وهانوا على الناس. 11 - وقال عليه السلام: أفضل العبادة الصبر، والصمت، وانتظار الفرج. 12 - وقال عليه السلام: إن للنكبات غايات لابد أن تنتهي إليها، فإذا حكم على أحدكم بها فليطأ طألها ويصبر حتى تجوز (2) فإن إعمال الحيلة فيها عند إقبالها زائد في مكروهها. 13 - وقال عليه السلام للاشتر: يا مالك احفظ عني هذا الكلام وعه. يا مالك بخس مروته من ضعف يقينه. وأزرى بنفسه من استشعر الطمع (3) ورضي [ب‍] الذل من كشف [عن] ضره. وهانت عليه نفسه من اطلع على سره. وأهلكها من أمر عليه لسانه (4). الشره جزار الخطر، من أهوى إلى متفاوت خذلته الرغبة (5) البخل عار، والجبن منقصة، والورع جنة، والشكر ثروة، والصبر شجاعة والمقل غريب في بلده (6)، والفقر يخرس الفطن عن حجته (7)، ونعم القرين


(1) الهيبة. المخافة. والخيبة: عدم الظفر بالمطلوب. وقد مر آنفا. (2) طأطأ: خفض وخضع. (3) أي احتقرها. يقال: أزرى به أي عابه ووضع من حقه. (4) أمر لسانه أي جعله أميرا على نفسه. (5) - الشره: اشد الحرص وطلب المال مع القناعة. والجزار: الذباح. والمتفاوت: المتباعد وفى كنز الفوائد " إلى متفاوت الامور " وفى النهج " من أومأ إلى متفاوت خذلته الحيل " أي من طلب تحصيل المتباعدات وضم بعضها إلى بعض لم ينجح فيها فخذلته الحيل والرغبة فيما يريد. (6) المقل: الفقير. وفى النهج " في بلدته ". (7) الفطن. - بفتح فكسر -: الفاطن أي صاحب الفطنة والحذاقة.

[39]

الرضى، الادب حلل جدد (1)، ومرتبة الرجل عقله، وصدره خزانة سره والتثبت حزم، والفكر مرآه صافية، والحلم سجية فاضلة، والصدقة دواء منجح (2)، وأعمال القوم في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم، والاعتبار تدبر صلح (3)، والبشاشة فخ المودة. 14 - وقال عليه السلام: الصبر من الايمان كمنزلة الرأس من الجسد، فمن لا صبر له لا إيمان له. 15 - وقال عليه السلام: أنتم في مهل، من ورائه أجل، ومعكم أمل يعترض دون العمل، فاغتنموا المهل، وبادروا الاجل، وكذبوا الامل، وتزودوا من العمل، هل من خلاص ؟ أو مناص ؟ أو فرار ؟ أو مجاز ؟ أو معاذ ؟ أو ملاذ ؟ أولا ؟ فأنى تؤفكون. 16 - وقال عليه السلام: اوصيكم بتقوى الله فإنها غبطة للطالب الراجي، وثقة للهارب اللاجي، استشعروا التقوى شعارا باطنا، واذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة، وتسلكوا به طرق النجاة، وانظروا إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق، فإنها تزيل الثاوي الساكن (4). وتفجع المترف الامن، لا يرجى منها ماولى فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فيستنظر وصل الرخاء منها بالبلاء، والبقاء منها إلى الفناء، سرورها مشوب بالحزن، والبقاء منها إلى الضعف والوهن. 17 - وقال عليه السلام: إن الخيلاء من التجبر، والتجبر من النخوة، والنخوة من التكبر، وإن الشيطان عدو حاضر يعدكم الباطل، إن المسلم أخ المسلم


(1) الحلل: جمع الحلة - بالضم -: كل ثوب جديد. والجدد: جمع جديد. (2) انجحت حاجته: قضيت، والرجل: فاز وظفر بها. (3) كذا والصحيح " والاعتبار منذر صالح " كما في النهج. والفخ. المصيدة أي آلة يصاد بها. وفى النهج " والبشاشة حبالة المودة " والحبالة - بالضم - شبكة الصيد. (4) الثاوى: القائم. يعنى أن الدنيا تزيل من اقام بها واتخذها وطنا.

[40]

فلا تخاذلوا ولا تنابزوا فإن شرايع الدين واحدة، وسبله قاصدة، فمن أخذ بها لحق، ومن فارقها محق، ومن تركها مرق (1). ليس المسلم بالكذوب إذا نطق ولا بالمخلف إذا وعد، ولا بالخائن إذا ائتمن. 18 - وقال عليه السلام: العقل خليل المؤمن، والحلم وزيره، والرفق والده، واللين أخوه. ولا بد للعاقل من ثلاث: أن ينظر في شأنه، ويحفظ لسانه، ويعرف زمانه، ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفافة مرض البدن وأشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب. 19 - وقال عليه السلام: إن للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه، و ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل. و ليس للعاقل أن يكون شاخصا إلا في ثلاث: مرمة لمعاشه (2) وخطوة لمعاده أو لذة في غير محرم. 20 - وقال عليه السلام: كم مستدرج بالاحسان إليه (3) وكم من مغرور بالستر عليه، وكم من مفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله عبدا بمثل الاملاء له (4). قال الله عزوجل: " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " (5). 21 - وقال عليه السلام: ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم يكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك (6) ويكون استغناؤك عنهم في


(1) محق: هلك. ومرق: خرج من الدين بضلالة أو بدعة. (2) رممت الشئ - بالتئقيل -: اصلحته. والمرمة: الاصلاح. (3) استدرجه الله من حيث لا يعلم بالانعام والاحسان إليه، وهو يعصى الله ولا يعلم أن ذلك بلاغا للحجة عليه واقامة للمعذرة في أخذه. (4) الاملاء: الامهال. (5) سورة آل عمران: 178. (6) البشر - بالكسر -: بشاشة الوجه. والنزاهة: العفة والبعد عن المكروه.

[41]

نزاهة عرضك وبقاء عزك. 22 - وقال عليه السلام: لا تغضبوا، ولا تعضبوا (1) افشوا السلام، وأطيبوا الكلام. 23 - وقال عليه السلام: الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسوا إذا ألطف. 24 - وقال عليه السلام ألا اخبركم بالفقيه حق الفقيه ؟ من لم يرخص الناس في معاصي الله، ولم يقنطهم من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه، ولا خير في عبادة ليس فيها نفقه، ولا خير في علم ليس فيه تفكر ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر. 25 - وقال عليه السلام: إن الله إذا جمع الناس نادى فيهم مناد أيها الناس إن أقربكم اليوم من الله أشدكم منه خوفا، وإن أحبكم إلى الله أحسنكم له عملا وإن أفضلكم عنده منصبا أعملكم (2) فيما عنده رغبة، وإن أكركم عليه أتقاكم. 26 - وقال عليه السلام: عجبت لاقوام يحتمون الطعام مخافة الاذى كيف لا يحتمون الذنوب مخافة النار ؟ (3) وعجبت ممن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الاحرار بمعروفه فيملكهم ؟ ثم قال: إن الخير والشر لا يعرفان إلا بالناس، فإذا أردت أن تعرف الخير (4) فاعمل الخير تعرف أهله، وإذا أردت أن تعرف الشر فاعمل الشر تعرف أهله. 27 - وقال عليه السلام: إنما أخشى عليكم اثنين: طول الامل، واتباع الهوى أما طول الامل فينسي الاخرة، وأما اتباع الهوى، فانه يصد عن الحق. 28 - وسأله رجل بالبصرة عن الاخوان فقال: الاخوان صنفان: إخوان الثقة وإخوان المكاشرة، فأما إخوان الثقة فهم الكهف والجناح (5) والاهل و


(1) في بعض النسخ " ولا تغضبوا " والصحيح كما في المتن " ولا تعضبوا " أي لا تقطعوا. (2) في بعض النسخ " أعلمكم ". (3) يحتمون أي يتقون. (4) في بعض النسخ " أن تعمل الخير ". (5) المكاشرة - مفاعلة من كشر كضرب - وكشر الرجل عن أسنانه أي أبدى وأظهر - - - -

[42]

المال، فإن كنت من أخيك على حد الثقة فابذل له مالك ويدك وصاف من صافاه (1) وعاد من عاداه، واكتم سره وعيبه، وأظهر منه الحسن إعلم أيها السائل أنهم أقل من الكبريب الاحمر، وأما إخوان المكاشرة فإنك تصيب منهم لذتك فلا تقطعن منهم لذتك، ولا تطلبن ما وراء ذلك من ضميرهم، وابذل لهم ما بذلوا لك من طلاقة الوجه وحلاوة اللسان. 29 - وقال عليه السلام: لا تتخذن عدو صديقك صديقا فتعدي صديقك. 30 - وقال عليه السلام: لا تصرم أخاك على ارتياب ولا تقطعه دون استعتاب (2). 31 - وقال عليه السلام: ينبغي للمسلم أن يجتنب مؤاخاة ثلاثة: الفاجر (3) والاحمق، والكذاب. فأما الفاجر فيزين لك فعله، ويحب أنك مثله، ولا يعينك على أمر دينك ومعادك، فمقارنته جفاء وقسوة، ومدخله عار عليك (4). وأما الاحمق فإنه لا يشير عليك بخير، ولا يرجه لصرف السوء عنك ولو جهد نفسه (5) وربما أراد نفعك فضرك، فموته خير من حياته، وسكوته خير من نطقه، و بعده خير من قربه. وأما الكذاب فإنه لا يهنئك معه عيش، ينقل حديثك و ينقل إليك الحديث، كلما أقنى أحدوثة مطاها باخرى مثلها (6) حتى أنه


- - - - ويكون في الضحك. والمكاشر: المتبسم في وجه. والكهف: الملجأ. ورواه الصدوق في الخصال وفيه " فهم الكف والجناح والاصل والاهل والمال " والجناح من الانسان: اليد: لانه بمنزلة جناح الطائر. (1) صافى فلانا: أخلص له الود. (2) لا تصرم أي لا تقطع. والاستعتاب: الاسترضاء. (3) رواه الكليني رحمه الله في الكافي ج 2 ص 639 وفيه " الماجن الفاجر ". (4) في الكافي " مقاربته جفاء ". و " مدخله " أي زيارته ومواجهته. (5) في الكافي " ولو أجهد نفسه ". (6) مطا يمطو، أسرع في سيره، ومطا بالقوم: مد بهم في السير، وفى الكافي " مطرها " وفى بعض نسخه " مطها ".

[43]

يحدث بالصدق فلا يصدق، يغري بين الناس بالعداوة (1) فيثبت الشحناء في الصدور. فاتقوا الله وانظروا لانفسكم. 32 - وقال عليه السلام: لا عليك (2) أن تصحب ذا العقل وإن لم تجمد كرمه (3) ولكن انتفع بعقله واحترس من سيئ أخلاقه، ولا تدعن صحبة الكريم وإن لم تنتفع بعقله، ولكن انتفع بكرمه بعقلك، وافرر الفرار كله من اللئيم الاحمق. 33 - وقال عليه السلام: الصبر ثلاثة: الصبر على المصيبة، والصبر على الطاعة والصبر عن المعصية. 34 - وقال عليه السلام: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبدا، قيل: وما هن ؟ قال: العجلة، واللجاجة، والعجب والتواني. 35 - وقال عليه السلام: الاعمال ثلاثة: فرائض وفضائل ومعاصي، فأما الفرائض فبأمر الله ومشيئته وبرضاه وبعلمه وقدره، يعملها العبد فينجو من الله بها. وأما الفضائل فليس بأمر الله لكن بمشيئته وبرضاه وبعلمه وبقدره، يعملها العبد فيثاب عليها. وأما المعاصي فليس بأمر الله ولا بمشيئته ولا برضاه، لكن بعلمه وبقدره يقدرها لوقتها فيفعلها العبد باختياره فيعاقبه الله عليها، لانه قد نهاه عنها فلم ينته. 36 - وقال عليه السلام: يا أيها الناس إن لله في كل نعمة حقا، فمن أداه زاده ومن قصر عنه خاطر بزوال النعمة وتعجل العقوبة، فليراكم الله من النعمة وجلين كما يراكم من الذنوب فرقين (4). 37 - وقال عليه السلام: من ضيق عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك حسن نظر


(1) يغرى أي القى بينهم العداوة والشحناء: العداوة والبغضاء امتلات منها النفس من شحن أي ملاء. وفى الكافي " يفرق بين الناس بالعداوة فينبت السخائم في الصدور ". (2) أي لا بأس بك ولا حرج. (3) جمدت يده: بخل. (4) " وجلين " أي خائفين. " فرفين " أي فزعين.

[44]

من الله [له] فقد ضيع مأمولا. ومن وسع عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك استدراج من الله فقد أمن مخوفا (1). 38 - وقال عليه السلام يا أيها الناس سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية فإن أجل النعم العافية، وخير مادام في القلب اليقين، والمغبون من غبن دينة والمغبوط من حسن يقينه. 39 - وقال عليه السلام: لا يجد رجل طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. 40 - وقال عليه السلام: ما ابتلي المؤمن بشئ هو أشد عليه من خصال ثلاث يحرمها، قيل: وماهن ؟ قال: المواساة في ذات يده، والانصاف من نفسه، وذكر الله كثيرا، أما إني لا أقول لكم: سبحان الله والحمد لله، ولكن ذكر الله عند ما أحل له، وذكر الله عند ما حرم عليه. 41 - وقال عليه السلام: من رضي من الدنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيه يكفيه، و من لم يرض من الدنيا بما يجزيه لم يكن فيها شئ يكفيه. 42 - وقال عليه السلام: المنية لا الدنية، والتجلد لا التبلد (2) والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فلا تحزن، فبكليهما ستختبر. 43 - وقال عليه السلام: أفضل على من شئت يكن أسيرك. 44 - وقال عليه السلام: ليس من أخلاق المؤمن الملق ولا الحسد إلا في طلب -


(1) ذات يده: ما يملكه. ومأمولا أي ما أمل ورجا. أي من كان في ضيق بحسب المال ولم يظن ان ذلك احسانا من الله وامتحانا منه فقد ضيع أجرا مأمولا، وهكذا إذا لم يظن أن نعمته استدرجا منه فقد أمن من مكر الله. (2) المنية: الموت أي يكون الموت ولا يكون ارتكاب الدنية. والتجلد: تكلف الجلد - محركة - والصبر عليه. والتبلد: ضد التجلد والتلهف. ونظير هذا الكلام منقول في النهج وفيه " والتقلل ولا التوسل ". (*)

[45]

العلم. 45 - وقال عليه السلام: أركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسخط والغضب. 46 - وقال عليه السلام: الصبر مفتاح الدرك. والنجح عقبى من صبر (1) ولكل طالب حاجة وقت يحركه القدر. 47 - وقال عليه السلام: اللسان معيار، أطاشة الجهل (2) وأرجحه العقل. 48 - وقال عليه السلام: من طلب شفا غيظ بغير حق أذاقه الله هوانا بحق. إن الله عدوا ماكره. 49 - من قال عليه السلام: ما حار من استخار، ولا ندم من استشار (3). 50 - وقال عليه السلام: عمرت البلدان بحب الاوطان. 51 - وقال عليه السلام: ثلاث من حافظ عليها سعد: إذا ظهرت عليك نعمة فأحمد الله، وإذا أبطأ عنك الرزق فاستغفر الله، وإذا أصابتك شدة فأكثر من قول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". 52 - وقال عليه السلام: العلم ثلاثة: الفقه للاديان، والطب لابدان، والنحو للسان. 53 - وقال عليه السلام: حق الله في العسر الرضى والصبر، وحقه في اليسر الحمد والشكر. 54 وقال عليه السلام: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وكم من شهوة ساعة قد أورثت حزنا طويلا. والموت فضح الدنيا، فلم يترك لذي لب فيها فرحا، ولا لعاقل لذة. 55 - وقال عليه السلام: العلم قائد، والعمل سائق، والنفس حرون (4). 56 - وقال عليه السلام: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجوا، فإن موسى عليه السلام


(1) النجح - بالضم -: الفوز والظفر. (2) أطاشه أي خفه. وبالفارسية " يعنى سبك ميكند اورا ". (3) الحور - بالفتح -: التحير والرجوع إلى النقصان. (4) الحرون من الخيل: الذى لا ينقاد لراكبه فإذا استدرجريه وقف.

[46]

خرج يقتبس لاهله نارا فكلمه الله ورجع نبيا. وخرت ملكة سبأ فأسلمت مع سليمان عليه السلام. وخرجت سحرة فرعون يطلبون العز لفرعون فرجعوا مؤمنين. 57 - وقال عليه السلام: الناس بامرائهم أشبه منهم بآبائهم. 58 - وقال عليه السلام: أيها الناس اعلموا أنه ليس بعاقل من انزعج (1) من قول الزور فيه، ولا بحكيم من رضي بثناء الجاهل عليه. الناس أبناء ما يحسنون، وقدر كل امرء ما يحسن، فتكلموا في العلم تبين أقداركم. 59 - وقال عليه السلام: رحم الله امرء راغب ربه (2) وتوكف ذنبه، وكابر هواه، وكذب مناه، زم نفسه من التقوى بزمام، وألجمها من خشية ربها بلجام، فقادها إلى الطاعة بزمامها، وقدعها عن المعصية بلجامها (3) رافعا إلى المعاد طرفه، متوقعا في كل أوان حتفه، دائم الفكر، طويل السهر، عزوفا عن الدنيا، كدوحا لاخرته (4)، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ودواء [داء] جواه (5)، فاعتبر وقاس، فوتر الدنيا والناس، يتعلم للتفقه والسداد، قد وقر قلبه ذكر المعاد، فطوى مهاده (6) وهجر وساده، قد عظمت فيما عند الله رغبته، واشتدت منه رهبته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفي بأقل مما يعلم، أولئك ودائع الله في بلاده المدفوع بهم عن عباده، لو أقسم أحدهم على الله لابره، آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.


(1) ازعجه فانزعج: أقلقه وقلعه من مكانه فقلق وانقلع. (2) في بعض النسخ " راقب دينه ". والتوكف: التجنب. والمكابرة: المعاندة والمغالبة. (3) قدع الفرس باللجام: كبحه أي جذبه به لتقف وتجرى. (4) سهر سهرا - كفرح - إذا لم ينم ليلا. عزفت نفسه عن الشئ: انصرفت وزهدت فيه. والكدح: السعي في مشقة وتعب. (5) الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن. (6) طوى نقيض نشر. والمهاد: الفراش. وهجره أي تركه وأعرض عنه.

[47]

60 - وقال عليه السلام: وكل الرزق بالحمق، ووكل الحرمان بالعقل، ووكل البلاء بالصبر. 61 - وقال عليه السلام: للاشعث (1) يعزيه بأخيه عبد الرحمن: إن جزعت فحق عبد الرحمن وفيت، وإن صبرت فحق الله أديت، على أنك إن صبرت جرى عليك القضاء وأنت محمود، وإن جزعت جرى عليك القضاء وأنت مذموم (2) فقال الاشعث: إنا لله وإنا إليه راجعون فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أتدري ما تأويلها ؟ فقال الاشعث: لانت غاية العلم ومنتهاه فقال عليه السلام: أما قولك: " إنا لله " فإقرار منك بالملك. وأما قولك " وإنا إليه راجعون " فإقرار منك بالهلك (3). 62 - وركب عليه السلام يوما فمشى معه قوم فقال عليه السلام لهم: أما علمتم أن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي، انصرفوا. 63 - وقال عليه السلام: الامور ثلاثة: أمر بان لك رشده فاتبعه (4) وأمر بان


(1) الظاهر هو اشعث بن قيس المكنى بأبى محمد ذكروه في جملة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان اسر بعد النبي " ص " في ردة أهل ياسر وعفا عنه أبو بكر وزوجه اخته ام فروة وكانت عوراء فولدت له محمد. وكان أشعث سكن الكوفة وهو عامل عثمان على آذربيجان، وكان أبا زوجة عمر بن عثمان وكتب أمير المؤمنين عليه السلام إليه بعد فتح البصرة فسار وقدم على على عليه السلام وحضر صفين، ثم صار خارجيا ملعونا. وقال ابن أبى الحديد كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وكل اضطراب فأصله الاشعث، و هو الذى شرك في دمه عليه السلم، وابنته جعدة سمت الحسن عليه السلام، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليه السلام. (2) في النهج عزاه عن ابن له قال: " يا اشعث ان تحزن على ابنك فقد استحقت منك ذلك الرحم. وان تصبر ففى الله من كل مصيبة خلف. يا أشعث ان صبرت جرى عليك القدر وانت مأجور، وان جزعت جرى عليك القدر وأنت مأزوريا أشعث ابنك سرك وهو بلاء وفتنة و حزنك وهو ثواب ورحمة ". (3) الهلك - بالضم -: الهلاك. (4) في بعض النسخ " فارتكبه ".

[48]

لك غيه فاجتنبه، وأمر أشكل عليك فرددته إلى عالمه (1). 64 - وقال له عليه السلام: جابر يوما: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام: وبنا من نعم الله ربنا مالا نحصيه مع كثرة ما نعصيه، فلا ندري ما نشكر، أجميل ما ينشر أم قبيح ما يستر. 65 - وعزى عبد الله بن عباس، عن مولود صغير مات له، فقال عليه السلام: لمصيبة في غيرك لك أجرها أحب إلي من مصيبة فيك لغيرك ثوابها، فكان لك الاجر لابك، وحسن لك العزاء لا عنك، وعوضك الله عنه مثل الذي عوضه منك. 66 - وقيل له: ما التوبة النصوح ؟ فقال عليه السلام: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، والقصد على أن لا يعود (2). 67 - وقال عليه السلام: إنكم مخلوقون اقتدارا، ومربوبون اقتسارا (3) ومضمنون أجداثا، وكائنون رفاتا، ومبعوثون أفرادا ومدينون حسابا، فرحم الله عبدا اقترب فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وعمر فاعتبر، وحذر فازدجر، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى (4)، فباحث طلبا، ونجا هربا، وأفاد ذخيرة وأطاب سريرة، وتأهب للمعاد، واستظهر بالزاد ليوم رحيله (5) ووجه سبيله، و حال حاجته، وموطن فاقته، فقدم أمامه لدار مقامه، فمهدوا لانفسكم، فهل ينتظر أهل غضارة الشباب إلا حواني الهرم ؟ وأهل بضاضة الصحة (6) إلا نوازل السقم، وأهل مدة البقاء إلا مفاجأة الفناء، واقتراف الفوت، ودنو الموت ؟ !.


(1) في بعض النسخ " فرده إلى عالمه ". (2) في بعض النسخ " العقد على أن لا يعود ". (3) في بعض النسخ [انتشارا]. والاقتسار: عدم الاختيار، أي رباهم الله من عند كونهم أجنة في بطون أمهاتهم إلى كبرهم من غير اختيار منهم. وفى بعض النسخ " ومضمون أحداثا. (4) الاحتذاء: الاقتداء أي أتى بكل ما للاقتداء من معنى. (5) استظهر بالزاد: استعان به. (6) الحوانى جمع حين. والبضاضة: رقة اللون وصفاؤه.

[49]

68 - وقال عليه السلام: اتقوا الله تقية من شمر تجريدا وجد تشميرا، وانكمش في مهل، وأشفق في وجل (1) ونظر في كثرة المال، وعاقبة الصبر، ومغبة المرجع (2) فكفى بالله منتقما ونصيرا، وكفى بالجنة ثوابا ونوالا (3) وكفى بالنار عقابا و نكالا، وكفى بكتاب الله حجيجا وخصيما (4). 69 - وسأله رجل عن السنة والبدعة والفرقة والجماعة. فقال عليه السلام: أما السنة فسنة رسول الله صلى الله عليه وآله. وأما البدعة فما خالفها (5) وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا، وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلوا. وقال صلى الله وعليه وآله (6): " لا يرجو العبد إلا ربه ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم (7) والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد. 70 - وقال له رجل: أوصني. فقال عليه السلام: اوصيك أن لا يكونن لعمل الخير عندك غاية في الكثرة، ولا لعمل الاثم عندك غاية في القلة. 71 - وقال له آخر: أوصني، فقال عليه السلام: لا تحدث نفسك بفقر ولا طول عمر. 72 - وقال عليه السلام: إن لاهل الدين غلامات يعرفون بها: صدق الحديث وأداء الامانة، ووفاء بالعهد، وصلة للارحام، ورحمة للضعفاء، وقلة مؤاتاة


(1) التشمير: السرعة والخفة. وانكمش أي أسرع وجد فيه. والمهل - بفتح فسكون وبالتحريك - مصدر بمعنى الرفق والامهال. (2) المغبة - بفتح الميم والغين وتشديد الباء -: العاقبة. (3) النوال: العطاء والنصيب. (4) الحجيج: المغالب باظهار الحجة. (5) في بعض النسخ " فمن خالفها ". (6) كذا في جميع النسخ. (7) في الكافي عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " للعالم إذا سئل عن شئ وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم وليس لغير العالم أن يقول ذلك. ج 1 ص 42.

[50]

للنساء (1) وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتباع العلم، وما يقرب من الله زلفى، وطوبى لهم وحسن مآب. 73 - وقال عليه السلام: ما أطال [ال‍] عبد الامل إلا أنسا [ه] العمل. 74 - وقال عليه السلام: ابن آدم أشبه شئ بالمعيار: إما ناقص بجهل، أو راجح بعلم. 75 - وقال عليه السلام: سباب المؤمن فسق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه. 76 - وقال عليه السلام: ابذل لاخيك دمك ومالك، ولعدوك عدلك، وإنصافك وللعامة بشرك وإحسانك، تسلم على الناس يسلموا عليك. 77 - وقال عليه السلام: سادة الناس في الدنيا الاسخياء، وفي الاخرة الاتقياء. 78 - وقال عليه السلام: الشئ شيئان: فشئ غيري لم أرزقه فيما مضى، ولا آمله فيما بقي، وشئ لا أناله دون وقته، ولو أجلبت عليه بقوة السماوات والارض فبأي هذين أفنى عمري. 79 - وقال عليه السلام: إن المؤمن إذا نظر اعتبر، وإذا سكت تفكر، وإذا تكلم ذكر، وإذا استغنى شكر، وإذا أصابته شدة صبر، فهو قريب الرضى، بعيد السخط يرضيه عن الله اليسير، ولا يسخطه الكثير، ولا يبلغ بنيته إرادته في الخير، ينوي كثيرا من الخير ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به (2). والمنافق إذا نظر لها، وإذا سكت سها، وإذا تكلم لغا (3) وإذا استغنى طغا، وإذا أصابته شدة ضغا (4) فهو قريب السخط بعيد الرضي، يسخط على الله اليسير، ولا


(1) المواتاة: المطاوعة. (2) تلهف أي حزن عليه وتحسر. (3) " لها " أي لعب. " سها " أي غفل ونسى وذهب قلبه إلى غيره. و " لغا " أي خطأ وتكلم من غير تفكر وروية. (4) " ضغا " أي تذلل وضعف.

[51]

يرضيه الكثير، ينوي كثيرا من الشر ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته من الشر كيف لم يعمل به. 80 - وقال عليه السلام: الدنيا والاخرة عدوان متعاديان، وسبيلان مختلفان، من أحب الدنيا ووالاها أبغض الاخرة وعاداها، مثلهما مثل المشرق والمغرب، والماشي بينهما لا يزداد من أحدهما قربا إلا ازداد من الاخر بعدا. 81 - وقال عليه السلام: من خاف الوعيد قرب عليه البعيد (1) ومن كان من قوت الدنيا لا يشبع لم يكفه منها ما يجمع. ومن سعى للدنيا فاتته، ومن قعد عنها أتته إنما الدنيا ظل ممدود إلى أجل معدود، رحم الله عبدا سمع حكما فوعى، ودعي إلى الرشاد فدنا، وأخذ بحجزة ناج هاد فنجا (2) قدم صالحا، وعمل صالحا، [قدم] مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا (3) [وقدم عوضا]، كابر هواه، وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عذة وفاته (4) لزم الطريقة الغراء والمحجة البيضاء، واغتنم المهل، وبادر الاجل، وتزود من العمل. 82 - وقال عليه السلام لرجل: كيف أنتم ؟ فقال: نرجو ونخاف، فقال عليه السلام: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه، ما أدري ما خوف رجل عرضت له شهوة فلم يدعها لما خاف منه، وما أدري ما رجاء رجل نزل به بلاء فلم يصبر عليه لما يرجو. 83 - وقال عليه السلام لعباية بن ربعي: (5) وقد سأله عن الاستطاعة التي تقوم


(1) الوعيد يستعمل في الشر كما أن الوعد يستعمل في الخير غالبا. (2) الحجزة - كغرفة -: معقد الازار، واستعير لهدى الهادى، ولزوم قصده والاقتداء به. (3) الغرض - بالتحريك -: الهدف الذى يرمى إليه. وكابر: عاند وغالب. (4) العدة - بالضم - الاستعداد وما أعددته. وفى الخبر " استعدوا للموت " أي اطلبوا العدة للموت وهى التقوى. والغراء: البيضاء. (5) هو عباية بن عمرو بن ربعى الاسدي من أصحاب أمير المؤمنين والحسن عليهما - السلام بل من خواصهما ومعتمد عليه في الحديث. (*)

[52]

ونقعد ونفعل: إنك سألت عن الاستطاعة فهل تملكها من دون الله أو مع الله، فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: إن قلت: تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت: تملكها دون الله قتلتك، [ف‍] قال عباية: فما أقول ؟ قال عليه السلام: تقول: إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملكك إياها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، فهو المالك لما ملكك، والقادر على ما عليه أقدرك (1). 84 - قال الاصبغ بن نباتة (2): سمعت أمير المؤمنين عليه السلام: يقول: أحدثكم بحديث ينبغي لكل مسلم أن يعيه، ثم أقبل علينا، فقال عليه السلام: ما عاقب الله عبدا مؤمنا في هذه الدنيا إلا كان أجود وأمجد من أن يعود في عقابه يوم القيامة، ولا ستر الله على عبد مؤمن في هذه الدنيا وعفا عنه إلا كان أمجد وأجود وأكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة، ثم قال عليه السلام: وقد يبتلي الله المؤمن بالبلية في بدنه أو ماله أو ولده أو أهله وتلا هذه الاية: " ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " (3) وضم يده ثلاث مرات ويقول: " ويعفو عن كثير ". 85 - وقال عليه السلام: أول القطيعة السجا، ولا تأس أحدا إذا كان ملولا (4)


(1) في بعض النسخ " والقادر لما عليه قدرك ". (2) اصبغ بن نباتة المجاشعى كان من خاصة أمير المؤمين عليه السلام وعمر بعده و روى عهده لمالك الاشتر الذى عهد إليه أمير المؤمنين عليه السلام لما ولاه مصر، وروى أيضا وصية أمير المؤمنين إلى ابنه محمد الحنفية وكان يوم صفين على شرطة الخميس وكان شيخا شريفا ناسكا عابدا وكان من ذخائر على عليه السلام ممن قد بايعه على الموت، وهو من فرسان أهل العراق وكان عند سلمان رضى الله عنه وقت وفاته وبكائه على أمير المؤمنين " ع " عند بابه لما ضربه ابن ملجم لعنه الله ودخوله عليه - وهو معصوب الرأس بعمامة صفراء وقد نزف الدم واصفر وجه - مشهور. (3) سورة الشورى: 30. (4) السجا: الستر، سجا الليل يسجو: ستر بظلمته. وفى النهج " ولا تأمنن ملولا "

[53]

أقبح المكافات المجازاة بالاساءة. 86 - وقال عليه السلام: أول إعجاب المرء بنفسه فساد عقله. من غلب لسانه أمنه من لم يصلح خلائقه كثرث بوائقه (1) من ساء خلقه مله أهله، رب كلمة سلبت نعمة، الشكر عصمة من الفتنة، الصيانة رأس المروة، شفيع المذنب خضوعه، أصل الحزم الوقوف عند الشبهة، في سعة الاخلاق كنوز الارزاق. 87 - وقال عليه السلام: المصائب بالسوية مقسومة بين البرية، لا ييأس لذنبك وباب التوبة مفتوح، الرشد في خلاف الشهوة، تأريخ المنى الموت، النظر إلى البخيل يقسي القلب، النظر إلى الاحمق يسخن العين (2)، السخاء فطنة، واللوم تغافل. 88 - وقال عليه السلام: الفقر الموت الاكبر، وقلة العيال أحد اليسارين وهو نصف العيش، والهم نصف الهرم، وما عال امر اقتصد (3)، وما عطب امرء استشار والصنيعة لا تصلح إلا عند ذي حسب أو دين، والسعيد من وعظ بغيره، والمغبون لا محمود ولا مأجور، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى. 89 - وقال عليه السلام: اصطنعوا المعروف (4) تكسبوا الحمد. واستشعروا الحمد يؤنس بكم [العقلاء]. ودعوا الفضول يجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس تعمر ناديكم (5)، وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا الناس من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الاخلاق فإنها رفعة، وإياكم والاخلاق الدنية فإنها تضع الشريف وتهدم المجد. 90 - وقال عليه السلام: اقنع تعز.


(1) الخلائق: جمع خليقة: الطبيعة. والبوائق جمع بائقة: الشر والغائلة والداهية (2) سخنت عينه: نقيض قرت. (3) أي ما افتقر امرء ان أخذ بالاقتصاد. وفى النهج " ما أعال ". وما عطب أي ما هلك. (4) اصطنعوا: اعطوا واحسنوا واكرموا. (5) النادى: المجلس جمعه أندية.

[54]

91 - وقال عليه السلام: الصبر جنة من الفاقة. والحرص علامة الفقر. والتجمل اجتناب المسكنة. والموعظة كهف لمن لجأ إليها. 92 - وقال عليه السلام: من كساه العلم ثوبه اختفى عن الناس عيبه. 93 - وقال عليه السلام: لا عيش لحسود. ولا مودة لملوك. ولا مروة لكذوب. 94 - وقال عليه السلام: تروح إلى بقاء عزك بالوحدة. 95 - وقال عليه السلام: كل عزيز داخل تحت القدرة فذليل. 96 - وقال عليه السلام: أهلك الناس اثنان: خوف الفقر وطلب الفخر. 97 - وقال عليه السلام: أيها الناس إياكم وحب الدنيا فإنها رأس كل خطيئة، وباب كل بلية، وقران كل فتنة، وداعي كل رزية (1). 98 - وقال عليه السلام: جمع الخير كله في ثلاث خصال: النظر والسكوت والكلام فكل نظر ليس فيه اعتبار فهو سهو، وكل سكوت ليس فيه فكرة فهو غفلة، وكل كلام ليس فيه ذكر فهو لغو، فطوبى لمن كان نظره عبرة، وسكوته فكرة، و كلامه ذكرا، وبكى على خطيئته، وأمن الناس من شره. 99 - وقال عليه السلام: ما أعجب هذا الانسان مسرور بدرك ما لم يكن ليفوته محزون على فوت ما لم يكن ليدركه ولو أنه فكر لابصر، وعلم أنه مدبر، وأن الرزق عليه مقدر، ولا قتصر على ما تيسر، ولم يتعرض لما تعسر (2). 100 - وقال عليه السلام إذا طاف في الاسواق ووعظهم قال: يا معشر التجار قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين (3) وتزينوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتخافوا عن الظلم (4) وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا " وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم


(1) الرزية: المصيبة. (2) في بعض النسخ " لا قتصر على ما يتيسر، ولم يتعرض لما يتعسر ". (3) أي تغاربوا بالمشترى وامضوا المعاملة. (4) في بعض النسخ " تجافوا ".

[55]

ولا تعثوا في الارض مفسدين ". 101 - وسئل أي شئ مما خلق الله أحسن ؟ فقال عليه السلام: الكلام. فقيل: أي شئ مما خلق الله أقبح ؟ قال: الكلام، ثم قال: بالكلام ابيضت الوجوه، وبالكلام اسودت الوجوه. 102 - وقال عليه السلام: قولوا الخير تعرفوا [به] واعملوا به تكونوا من أهله. 103 - وقال عليه السلام: إذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم، واعلموا أن الهالك من هلك دينه، و الحرب من سلب دينه (1)، ألا وإنه لافقر بعد الجنة، ولا غنى بعد النار. 104 - وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده (2). 105 - وقال عليه السلام: ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مؤاخاه الكذاب، إنه يكذب حتى يجيئ بالصدق فما يصدق. 106 - وقال عليه السلام: أعظم الخطايا اقتطاع مال امرء مسلم بغير حق (3). 107 - وقال عليه السلام: من خاف القصاص كف عن ظلم الناس. 108 - وقال عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد. 109 - وقال عليه السلام: العامل بالظلم، والمعين عليه، والراضي به شركاء ثلاثة. 110 - وقال عليه السلام: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن [جميل] و أحسن من ذلك الصبر عندما حرم الله عليك. والذكر ذكران: ذكر عند المصيبة حسن جميل وأفضل من ذلك ذكر الله عند ما حرم [الله] عليك فيكون ذلك حاجزا.


(1) الحرب الذى سلب ماله وترك بلا شئ. (2) الهزل في الكلام: ضد الجد أي المزح والهذى. (3) اقتطع مال فلان أي أخذه لنفسه.

[56]

111 - وقال عليه السلام: اللهم لا تجعل بي حاجة إلى أحد من شرار خلقك، وما جعلت بي من حاجة فاجعلها إلى أحسنهم وجها، وأسخاهم بها نفسا، وأطلقهم بها لسانا وأقلهم علي بها منا. 112 - وقال عليه السلام: طوبى لمن يألف الناس ويألفونه على طاعة الله. 113 - وقال عليه السلام: إن من حقيقة الايمان أن يؤئر العبد الصدق حتى نفر عن الكذب حيث ينفع. ولا يعد المرء بمقالته علمه. 114 - وقال عليه السلام: أدوا الامانة ولو إلى قاتل ولد الانبياء (1). 115 - وقال عليه السلام: التقوى سنخ الايمان. 116 - وقال عليه السلام: ألا إن الذل في طاعة الله أقرب إلى العز من التعاون بمعصية الله. 117 - وقال عليه السلام: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الاخرة وقد جمعها الله لاقوام. 118 - وقال عليه السلام: مكتوب في التوارة في صحيفتين، إحديهما: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح من المؤمنين يشكو مصيبة نزلت به إلى من يخالفه على دينه فإنما يشكو ربه إلى عدوه. ومن تواضع لغني طلبا لما عنده ذهب ثلثا دينه (2) ومن قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا. وقال: في الصحيفه الاخرى: من لم يستشر يندم، ومن يستأثر من الاموال يهلك (3) والفقر الموت الاكبر. 119 - وقال عليه السلام: الانسان لبه لسانه، وعقله دينه، ومروته حيث يجعل


(1) في كنز الفوائد " إلى قاتل الانبياء ". (2) لان الخضوع لغير الله اذاء عمل لغيره واستعظام المال ضعف في اليقين فلم يبق الا الاقرار باللسان. (3) استأثر بالمال: اختص نفسه به واختاره.

[57]

نفسه، والرزق مقسوم، والايام دول، والناس إلى آدم شرع سواء (1). 120 - وقال عليه السلام لكميل بن زياد: رويدك لا تشهر (2) واخف شخصك لا تذكر، تعلم تعلم. واصمت تسلم، لا عليك إذا عرفك دينه لا تعرف الناس ولا يعرفونك. 121 - وقال عليه السلام: ليس الحكيم من لم يدار من لا يجد بدا من مداراته. 122 - وقال عليه السلام: أربع لو ضربتم فيهن أكباد الابل (3) لكان ذلك يسيرا: لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي أن يقول: لا أعلم إذا هو لم يعلم، ولا يستكبر أن يتعلم إذا لم يعلم. 123 - وكتب إلى عبد الله بن العباس أما بعد فاطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك، فإن في ترك مالا يعنيك درك ما يعنيك، وإنما تقدم على ما أسلفت لا على ما خلفت. وابن ما تلقاه غدا على ما تلقاه. السلام. 124 - وقال عليه السلام: إن أحسن ما يألف به الناس قلوب أودائهم، ونفوا به الضغن عن قلوب أعدائهم: حسن البشر عند لقائهم، والتفقد في غيبتهم، والبشاشة بهم عند حضورهم. 125 - وقال عليه السلام: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. 126 - وقال عليه السلام: يا رب ما أشقى جد من لم يعظم في عينه وقلبه ما رأى من ملكك وسلطانك في جنب ما لم تر عينه وقلبه من ملكك وسلطانك. وأشقى منه من لم يصغر في عينه وقلبه ما رأى وما لم يرمن ملكك وسلطانك في جنب عظمتك وجلالك، لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. 127 - وقال عليه السلام: إنما الدنيا فناء وعناء وغير وعبر فمن فنائها أنك


(1) " دول " أي لا ثبات فيها ولا قرار. والشرع - بكسر فسكون وبفتحتين -: المثل. (2) رويدك - مصدر - أي امهل. (3) ضرب أكباد الابل في طلب الشئ كناية من أن يرحل إليه.

[58]

ترى الدهر موترا قوسه مفوقا نبله (1) لا تخطئ سهامه، ولا تشفي جراحه، يرمي الصحيح بالسقم، والحي بالموت، ومن عنائها أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله لا ما لا حمل ولا بناء نقل، ومن غيرها أنك ترى المغبوط مرحوما، والمرحوم مغبوطا، ليس بينهم إلا نعيم زال وبؤس نزل، ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيتخطفه أجله، فلا أمل مدروك، ولا مؤمل متروك فسبحان [الله] ما أعز سرورها وأظمأ ريها وأضحى فيئها، فكأن ما كان من الدنيا لم يكن وكأن ما هو كائن قد كان. [و] أن الدار الاخرة هي دار المقام ودار القرار وجنة ونار. صار أولياء الله إلى الاجر بالصبر وإلى الامل بالعمل. 128 - وقال عليه السلام: من أحب السبل إلى الله جرعتان: جرعة غيظ تردها بحلم وجرعة حزن تردها بصبر. ومن أحب السبل إلى الله قطرتان: قطرة دموع في جوف الليل، وقطرة دم في سبيل الله، ومن أحب السبل إلى الله خطوتان: خطوة امرء مسلم يشد بها صفا في سبيل الله، وخطوة في صلة الرحم [وهي] أفضل من خطوة يشد (2) بها صفا في سبيل الله. 129 - وقال عليه السلام: لا يكون الصديق لاخيه صديقا حتى يحفظه في نكبته وغيبته وبعد وفاته. 130 - وقال عليه السلام: إن قلوب الجهال تستفزها الاطماع، وترهنها المنى وتستعلقها الخدائع (3).


(1) موترا قوسه: مشد وترها. " مفوقا نبله " أي موضع فوقته في الوتر ليرمى به. والفوق: موضع الوتر من رأس السهم حيث يقع الوتر. (2) في بعض النسخ [يشهد] في الموضعين. (3) " تستفزها " أي تستخفها وتخرجها من مقرها و " ترهنها المنى " في الكافي " ترتهنها " وهى اراده مالا يتوقع حصوله، أو المراد بها ما يعرف للانسان من أحاديث النفس، وتسويل الشيطان. أي تأخذها وتجعلها مشغولة بها ولا تتركها الا بحصول ما تتمناه، كما أن الرهن لا ينفك الا بأداء المال وقوله: " تستعلقها " بالعين المهملة ثم القاف أي تصيدها وتربطها - - - -

[59]

131 - وقال عليه السلام: من استحكمت [لي] فيه خصلة من خصال الخير اغتفرت ما سواها ولا أغتفر فقد عقل ولا دين، مفارقة الدين مفارقة الامن، ولا حياة مع مخافة وفقد العقل فقد الحياة ولا يقاس [إلا] بالاموات (1). 132 - وقال عليه السلام: من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ومن كتم سره كانت الخيرة في يده (2). 133 - قال عليه السلام: إن الله يعذب ستة بستة: العرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل. 134 - وقال عليه السلام: أيها الناس اتقوا الله، فإن الصبر على التقوى أهون من الصبر على عذاب الله. 135 - وقال عليه السلام: الزهد في الدنيا قصر الامل وشكر كل نعمة والورع عن كل ما حرم الله. 136 - وقال عليه السلام: إن الاشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتج منهما الفقر (3).


- - - - بالحبال من قولهم: " علق الوحش بالحبالة " إذا تعوق وتشب فيها. وفى بعض النسخ بالقافين أي تجعلها الخدائع منزعجة منقلعة من مكانها. وفى بعضها بالغين المعجمة ثم القاف من قولهم: " استغلقني في بيعه " أي لم يجعل لى خيارا في رده. (قاله المؤلف) (1) كذا. وفى الكافي ج 1 ص 27 " عن امير المؤمنين عليه السلام من استحكمت لى فيه خصلة من خصال الخير احتملته عليها واعتفرت فقد ما سواها، ولا أغتقر فقد عقل ولا دين، لان مفارقة الدين مفارقة الامن فلا يتهنأ بحياة مع مخافة، وفقد العقل فقد الحياة ولا يقاس الا بالاموات ". واستحكمت أي أثبتت وصارت ملكة راسخة: واحتملته أي قبلته ورحمته على تلك الخصلة. وقوله " لا يقاس الا بالاموات " ذلك لعدم اطلاعه على وجوه مفاسده ومصالحه وعدم اهتدائه إلى دفع مضاره وجلب منافعه. (2) الخيرة: الخيار وذلك لان من أسر عزيمة فله الخيار بخلاف من أفشاها. (3) في بعض النسخ من المصدر " بينهما الفقر ".

[60]

137 - وقال عليه السلام: ألا إن الايام ثلاثة: يوم مضى لا ترجوه، ويوم بقي لا بد منه (1) ويوم يأتي لا تأمنه، فالامس موعظة، واليوم غنيمة، وغدا لا تدري من أهله، أمس شاهد مقبول، واليوم أمين مؤد، وغد يجعل بنفسك سريع الظعن (2) طويل الغيبة، أتاك ولم تأته. أيها الناس إن البقاء بعد الفناء، ولم تكن إلا وقد ورثنا من كان قبلنا، ولنا وارثون بعدنا، فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه واسلكوا سبل الخير، ولا تستوحشوا فيها لقلة أهلها، واذكروا حسن صحبة الله لكم فيها، ألا وإن العواري اليوم، والهبات غدا، وإنما نحن فروع لاصول قد مضت فما بقاء الفروع بعد اصولها، أيها الناس إنكم إن آثرتم الدنيا على الاخرة أسرعتم إجابتها إلى العرض الادنى، ورحلت مطايا آمالكم إلى الغاية القصوى، يورد مناهل عاقبتها الندم، وتذيقكم ما فعلت بالامم الخالية، والقرون الماضية، من تغير الحالات، وتكون المثلات. 138 - وقال عليه السلام: الصلاة قربان كل تقي، والحج جهاد كل ضعيف ولكل شئ زكاة وزكاة البدن الصيام، وأفضل عمل المرء انتظاره فرج الله، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، استنزلوا الرزق بالصدقة وحصنوا أموالكم بالزكاة، ما عال امرء اقتصد، والتقدير نصف العيش، والتودد نصف العقل، والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن حزن والديه عقهما ومن ضرب بيده على فخذه عند المصيبة حبط أجره، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، والله ينزل الرزق على قدر المصيبة، فمن قدر رزقه الله، ومن بذر حرمه الله، والامانة تجر الرزق، والخيانة تجر الفقر، ولو أراد الله بالنملة صلاحا ما أنبت [لها] جناحا. 139 - وقال عليه السلام: متاع الدنيا حطام وتراثها كباب، بلغتها أفضل من


(1) في بعض النسخ من المصدر " لا تدمنه " أي لا تدومه. (2) الطعن: الرحلة.

[61]

أثرتها، وقلعتها أركن من طمأنينتها (1) حكم بالفاقة على مكثرها، واعين بالراحة من رغب عنها، من راقه رواؤها (2) أعقبت ناظريه كمها (3) ومن استشعر شعفها ملات قلبه أشجانا، لهن رقص على سويداء قلبه كرقيص الزبدة على أعراض المدرجة (4) هم يحزنه، وهم يشغله (5) كذلك حتى يؤخذ بكظمه، ويقطع أبهراه، ويلقى هاما للقضاء، طريحا هينا على الله مداه (6) وعلى الابرار ملقاه (7) وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار ويقتات منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها باذن النفث (8).


(1) الحطام - كغراب -: ما تكسر من يبس النبات. والكباب - كغراب -: الكثير من الابل والغنم والتراب والطين اللازب وأمثالها. والبلغة: الكفاف. والاثرة - كقصبة -: الاختيار واختصاص المرء بالشئ دون غيره. والقلعة: الرحلة. (2) في بعض نسخ المصدر " من راقه زبرجها " وفى بعضها " من فاقه رواها ". وراقه الشى: أعجبه، والرواء - بضم الراء -: حسن المنظر، والزبرج: الزينة وكل شئ حسن والذهب. (3) الكمه. - محركة -: العمى. (4) في بعض النسخ " من استشعف برواها " والشعف - محركة -: الولوع وشدة التعلق وغلبة الحب. وفى بعض نسخ الحديث والنهج " ومن استشعر الشعف بها ". والاشجان: الاحزان، والرقص الغليان والاضطراب، واستعار عليه السلام لفظ الرقص لتعاقب الاحزان والهموم واضطرابهما في قلبه. والزبدة ما يستخرج من اللبن بالمخض. (5) في بعض نسخ المصدر " هم يعمره وهم يسفره ". (6) الكظم - بالضم والتحريك -: مخرج النفس. والابهران: العرقان اللذان يخرجان من القلب. والهامة: الجثة. والمدى: الغاية والمنتهى. وفى النهج " هينا على الله فناؤه وعلى الاخوان القاؤه " أي طرحه في قبره. (7) الملقى: الموضع. (8) " يقتات " في بعض النسخ " بقبات " وهو تصحيف من النساخ. وفى النهج " ويسمع فيها باذن المقت والابغاض ". ولعله هو الصحيح.

[62]

140 - وقال عليه السلام: تعلموا الحلم فإن الحلم خليل المؤمن ووزيره، والعلم دليله، والرفق أخوه، والعقل رفيقه، والصبر أمير جنوده. 141 - وقال عليه السلام لرجل تجاوز الحد في التقشف (1): يا هذا أما سمعت قول الله: " وأما بنعمة ربك فحدث (2) " فوالله لا بتذالك نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال. 142 - وقال لابنه الحسن عليهما السلام: اوصيك بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها وإيتاء الزكاة عند محلها، واوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم والحلم عند الجاهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الامر، والتعهد للقرآن، وحسن الجوار، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش كلها في كل ما عصى الله فيه. 143 - وقال عليه السلام: قوام الدنيا بأربعة: بعالم مستعمل لعلمه، وبغني باذل لمعروفه، وبجاهل لا يتكبر أن يتعلم، وبفقير لا يبيع آخرته بدنيا غيره، وإذا عطل العالم علمه، وأمسك الغني معروفه، وتكبر الجاهل أن يتعلم، وباع الفقير آخرته بدنيا غيره فعليهم الثبور. 144 - وقال عليه السلام: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مكروه أبدا، قيل: وماهن يا أمير المؤمنين ؟ قال: العجلة، واللجاجة والعجب، والتواني. 145 - وقال عليه السلام: اعلموا عباد الله أن التقوى حصن حصين، والفجور حصن ذليل، لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا (3) وبالصبر على طاعة الله ينال ثواب الله، وباليقين تدرك الغاية القصوى، عباد الله إن الله لم يحظر على أوليائه ما فيه نجاتهم (4) إذ دلهم عليه، ولم يقنطهم من رحمته


(1) تقشف الرجل في لباسه إذا لم يتعاهد النظافة. (2) سورة الضحى: 11. (3) الحمة: السم. وحمة البرد: شدته. (4) لم يحظر أي لم يمنع. وفى بعض نسخ المصدر " ما فيه تجارتهم ".

[63]

لعصيانهم إياه إن تابوا إليه. 146 - وقال: الصمت حكم، والسكوت سلامة، والكتمان طرف من السعادة. 147 - وقال عليه السلام: تذل الامور للمقدور حتى تصير الافة في التدبير (1). 148 - وقال عليه السلام: لا يتم مروة الرجل حتى يتفقه [في دينه] ويقتصد في معيشته، ويصبر على النائبة إذا نزلت به، ويستعذب مرارة إخوانه. 149 - وسئل عليه السلام ما المروة ؟ فقال: لا تفعل شيئا في السر تستحيي منه في العلانية. 150 - وقال عليه السلام: الاستغفار مع الاصرار ذنوب مجددة. 151 - وقال عليه السلام: سكنوا في أنفسكم معرفة ما تعبدون حتى ينفعكم ما تحركون من الجوارج بعبادة من تعرفون. 152 - وقال عليه السلام: المستأكل بدينه حظه من دينه ما يأكله. 153 - وقال عليه السلام: الايمان قول مقبول (2) وعمل معمول وعرفان بالعقول. 154 - وقال عليه السلام: الايمان على أربعة أركان التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لامر الله، والرضى بقضاء الله، وأركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والغضب والشهوة (3). 155 - وقال عليه السلام: من زهد في الدنيا، ولم يجزع من ذلها، ولم ينافس في عزها (4) هداه الله بغير هداية من مخلوق، وعلمه بغير تعليم، وأثبت الحكمة في


(1) وفى النهج " تذل الامور للمقادير حتى يكون الحتف في التدبير ". وأيضا في موضع آخر منه " يغلب المقدار على التقدير حتى تكون الافة في التدبير ". والتقدير: القياس. (2) وفى بعض النسخ " مقول ". (3) وفى الكافي ج 2 ص 47، 289 بتقديم وتأخير. (4) نافس فلانا في الامر: فاخره وباراه فيه.

[64]

صدره، وأجراها على لسانه. 156 - وقال عليه السلام: إن لله عبادا عاملوه بخالص من سره، فشكر لهم بخالص من شكره، فأولئك تمر صحفهم يوم القيامة فرغا (1) فإذا وقفوا بين يديه ملا هالهم من سر ما أسروا إليه. 157 - وقال عليه السلام: ذللوا أخلاقكم بالمحاسن وقودوها إلى المكارم، وعودوا أنفسكم الحلم، واصبروا على الايثار على أنفسكم فيما تحمدون عنه، ولا تداقوا الناس وزنا بوزن (2) وعظموا أقداركم بالتغافل عن الدني من الامور، وأمسكوا رمق الضعيف (3) بجاهكم وبالمعونة له إن عجزتم عما رجاه عندكم، ولا تكونوا بحاثين عما غاب عنكم (4) فيكثر عائبكم (5)، وتحفظوا من الكذب، فإنه من أدنى الاخلاق قدرا وهو نوع من الفحش، وضرب من الدناءة، وتكرموا بالتعامي عن الاستقصاء - وروي بالتعامس من الاستقصاء - (6). 158 - وقال عليه السلام: كفى بالاجل حرزا إنه ليس أحد من الناس إلا ومعه حفظة من الله يحفظونه أن لا يتردى في بئر، ولا يقع عليه حائط، ولا يصيبه سبع، فإذا جاء أجله خلوا بينه وبين أجله. أقول: وجدت في مناقب ابن الجوزي (7) فصلا في كلام أمير المؤمنين عليه السلام فأحببت إيراده قال: قال أبو نعيم في الحلية: 1 - حدثنا عمربن محمد، حدثنا الحسين بن محمد بن عفير، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا خلف بن تميم حدثنا عمر بن الرحال، عن العلاء بن المسيب، عن


(1) فرغا أي خاليا فارغا. (2) أي لا تحاسبهم بالدقة في الامور ولا تستقصهم فيها. (3) في بعض نسخ المصدر " من الضعيف ". والجاه: القدر والشرف. (4) في بعض نسخ المصدر " بحانين ". (5) في بعض النسخ " فيكبر غائبكم ". (6) تعامى فلان: اظهر من نفسه العمى والمراد التغافل عنه. والتعامس: التغافل. (7) المصدر ص 77 مع اختلاف كثير.

[65]

عبد خير قال: قال لي أمير المؤمنين عليه السلام: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك [وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فإن أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله]. ولا خير في الدنيا إلا لاحد رجلين: رجل أذنب ذنبا فهو يتدارك ذلك بتوبة، أو رجل يسارع في الخيرات. ولا يقل عمل في تقوى، وكيف يقل ما يتقبل. 2 - وقال أبو نعيم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: كتب إلي أحمد بن إبراهيم بن هشام الدمشقي حدثنا أبو صفوان القاسم بن يزيد بن عوانة، عن ابن حرث، عن ابن عجلان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: شيع أمير المؤمنين عليه السلام جنازة فلما وضعت في لحدها عج أهلها (1) وبكوا فقال: ما تبكون ؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لاذهلهم ذلك عن البكاء عليه أما والله إن له إليهم لعودة، ثم عودة، حتى لا يبقي منهم أحدا، ثم قام فيهم فقال: اوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الامثال، ووقت لكم الاجال، وجعل لكم أسماعا تعي ما عناها [وأبصارا لتجلوا عن غشاها] وأفئدة تفهم ما دهاها [في تركيب صورها وما أعمرها] فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا، بل أكرمكم بالنعم السوابغ [وأرفدكم بأوفر الروافغ، وأحاط بكم الاحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء]. فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل قبل [مقطع النهمات (2) و] هاذم اللذات (3) ومفرق الجماعات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل [وشبح فائل (4)]، وسناد مائل، ونعيم زائل.


(1) عج يعج عجا: صاح ورفع صوته. (2) النهمة: بلوغ الهمة والشهوة في الشئ، يقال " له في هذا الامر نهمة " أي شهوة و " قضى منه نهمته " أي شهوته. (3) الهاذم بالذال المعجمة بمعنى الهادى ويستعمل مع الموت. (4) الشبح: الشخص. وما ينظر بالعين من ابل وغنم وبناء. والفائل - فاعل عن فال يفيل رأيه: أخطأ وضعف. (*)

[66]

وجيد عاطل. فاتعظوا عباد الله بالعبر [واعتبروا بالايات والاثر] وازدجروا بالنذر [وانتفعوا بالمواعظ] فكأن قد علقتكم مخالب المنية [وأحاطت بكم البلية وضمكم بيت التراب] ودهمتكم مفظعات الامور بنفخة الصور، وبعثرة القبور وسياقة المحشر، وموقف الحساب في المنشر، وبرز الخلائق حفاة عراة، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، ونوقش الناس على القليل والكثير، والفتيل والنقير (1) وأشرقت الارض بنور ربها، ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون " فارتجت (2) لذلك اليوم البلاد، وخشع العباد وناد المناد من مكان قريب، وحشرت الوحوش، وزوجت النفوس [مكان مواطن الحشر، وبدت الاسرار، وهلكت الاشرار، وارتجت الافئدة، فنزلت بأهل النار من الله سطوة مجيحة، وعقوبة منيحة (3)] وبرزت الجحيم، لها كلب ولجب، وقصيف رعد (4) وتغيظ ووعيد، قد تأجج جحيمها (5) وغلا حميمها. فاتقوا الله عباد الله تقية [من كنع فخنع] (6) وجل و [رحل] وحذر فأبصر وازدجر، فاحتث طلبا (7) ونجا هربا، وقدم للمعاد، واستظهر من الزاد وكفى بالله منتقما، وبالكتاب خصيما [وحجيجا]، وبالجنة ثوابا [ونعيما] وبالنار وبالا وعقابا، وأستغفر الله لي ولكم.


(1) النقير. النكتة في ظهر النواة. وهو كناية عن القليل. (2) ارتج البحر: اضطراب. (3) المجيحة: المهلكة والمستأصلة - والمنيحة أي الشديدة المحرقة. (4) الكلب: الشدة، واللجب: صوت الهياج واضطراب الامواج. وقصيف الرعد: شدة صوته. (5) التأجج: التلهب والاضطرام. (6) كنع أي جبن وهرب. وخنع أي خضع وذل. وجل أي خرج من بلده. (7) احتث على الامر واحتثه: حضه ونشطه على فعله.

[67]

قلت (1): قد رفعت إلينا ألفاظا من هذا الكتاب يشتمل على فصل الخطاب حذفنا إسنادها طلبا للاختصار وخوفا للاكثار. 3 - قوله عليه السلام: الدنيا دار ممر، والاخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم، إن الجنازة إذا حملت قال الناس: ماذا ترك ؟ وقالت الملائكة ماذا قدم ؟ فقدموا بعضا يكن لكم ولا تؤخروا كلا يكن عليكم. 4 - وقال عليه السلام: إذا رأيتم الله تتابع نعمه عليكم وأنتم تعصونه فاحذروه. 5 - وقال عليه السلام: من كفارة الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفس عن المكروب. 6 - وقال عليه السلام: إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى. 7 - وقال عليه السلام: من أطال الامل أساء العمل، وسيئة تسوؤك خير من حسنة تسرك. 8 - وقال عليه السلام: الدهر يخلق الابدان (2) ويجدد الامال، ويقرب المنية ويباعد الامنية، من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. 9 - وقال عليه السلام: عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار. 10 - وقال عليه السلام: لكان في الارض أمانان فرفع أحدهما وهو رسول الله صلى الله عليه وآله فتمسكوا بالاخر وهو الاستغفار قال تعالى " وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم - الاية ". 11 - وقال عليه السلام: من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لاخرته كفاه الله أمر دنياه، ومن كان له في نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ. 12 - وقال عليه السلام: كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه ومفتون بحسن القول فيه، وشتان بين عملين عمل تذهب لذته ويبقى تبعته، وعمل


(1) القائل هو سبط ابن الجوزى قاله في المناقب ص 78. (2) خلق الثوب - بكسر اللام -: بلى.

[68]

تذهب مؤونته وتبقى أجره. 13 - وقال عليه السلام: استنزلوا الرزق بالصدقة، فمن أيقن بالخلف جاد بالعطاء. 14 - وقال عليه السلام: من اعطى أربعا لم يحرم أربعا: من اعطى الدعاء لم يحرم الاجابة، ومن اعطى التوبة لم يحرم القبول، ومن اعطى الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن اعطى الشكر لم يحرم الزيادة، وقال: مصداق ذلك في كتاب الله قال الله تعالى في الدعاء " ادعوني أستجب لكم " وقال في التوبة " إنما التوبة على الله للذين يعلمون السوء بجهالة - الاية " وقال في الاستغفار " ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله - الاية " وقال في الشكر " لئن شكرتم لازيدنكم ". 15 - وقال عليه السلام: الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معان: أولها الندم على الفعل، والثاني العزم على الترك وأن لا يعود، والثالث تأدية الحقوق ليلقى الله تعالى وليس عليه تبعة، والرابع أن يعمد إلى كل فريضة فيؤدي حقها والخامس أن يذيب اللحم الذي نبت منه السحت بالهموم والاحزان حتى يكتسي لحما آخر من الحلال، والسادس أن يذيق جسمه ألم الطاعة كما أذاقه لذة المعصية. 16 - وقال صلوات الله عليه: لا تكن ممن يريد الاخرة بعمل الدنيا أو بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول الامل، يقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، إن اعطى منها لم يشبع، وإن ملك الكثير لم يقنع، يأمر بالمعروف ولا يأتمر، وينهى ولا ينتهي، يحب الصالحين ولا يعمل بعملهم، ويبغض العاصين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه ويقيم على ما يكره الله منه، تعجبه نفسه إذا عوفي ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن، إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، يقدم المعصية ويسوف التوبة، يصف العبر ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتعظ، فهو من القول مكثر، ومن العمل مقل، يناقش فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى

[69]

المغنم مغرما، والمغرم مغنما، يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معاصي غيره ما يستقله من معاصي نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحتقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللغو مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء يرشد غيره ويغوي نفسه " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ". 17 - وقال عليه السلام: من أصبح على الدنيا حزينا أصبح لقضاء الله ساخطا ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به إلى مخلوق مثله فإنما يشكو ربه، ومن أتى غنيا يتواضع له لاجل دنياه ذهب ثلثا دينه. قالوا: ومعنى هذا أن المرء إنسان بجسده وقلبه ولسانه والتواضع يحتاج فيه إلى استعمال الجسد واللسان فإن أضاف إلى ذلك القلب ذهب جميع دينه. 18 - وقال عليه السلام: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوه شكرا فتلك عبادة الاحرار. 19 - وقال عليه السلام: احذروا نفار النعم فماكل شارد بمردود (1). 20 - وقال عليه السلام: أفضل الاعمال ما اكرهت عليه نفسك. 21 - وقال عليه السلام: لو لم يتواعد الله عباده على معصيته لكان الواجب ألا يعصى شكرا لنعمه، ومن ههنا أخذ القائل - وقيل إنها لامير المؤمنين عليه السلام: هب البعث لم تأتنا رسله * وجاحمة النار لم تضرم أليس من الواجب المستحق * حياء العباد من المنعم (2) 22 - وقال عليه السلام: ما أكثر العبر: وما أقل المعتبرين. 23 - وقال عليه السلام: أقل ما يلزمك لله تعالى ألا تستعينوا بنعمه على معاصيه. 24 - وقال عليه السلام: المدة وإن طالت قصيرة، والماضي للمقيم عبرة، والميت للحي عظة، وليس الامس عودة، ولا أنت من غد على ثقة، وكل لكل مفارق


(1) نفار النعم: النعم الزائلة. ونفورها بعدم أداء الحق منها. والشارد: النافر. (2) جحم النار: أوقدها، وجحمة النار توقدها، وضرمت النار: اشتعلت.

[70]

وبه لا حق، فاستعدوا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. واصبروا على عمل لا غنى لكم عن ثوابه، وارجعوا عن عمل لا صبر لكم على عقابه فإن الصبر على الطاعة أهون من الصبر على العذاب، وإنما أنتم نفس معدود، وأمل ممدود، وأجل محدود، ولابد للاجل أن يتناهى، وللنفس أن يحصى، وللعمل أن يطوى " وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ". 25 - وقال عليه السلام: اتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم. 26 - وقال عليه السلام: كم من مؤمل مالا يبلغه، وبان مالا يسكنه مما سوف يتركه ولعله من باطل جمعة، أصابه حراما، واحتمل منه آثاما، وربما استقبل الانسان يوما ولم يستدبره، ورب مغبوط في أول يومه قامت بواكيه في آخره، ومن ههنا أخذ القائل: يا راقد الليل مسرورا بأوله * إن الحوادث قد يطرقن أسحارا أفنى القرون التي كانت مسلطة * من الحوادث إقبالا وإدبارا يا من يكابد دنيا لا بقاء لها * يمسي ويصبح تحت الارض سيارا كم قد أبادت صروف الدهر من ملك * قد كان في الارض نفاعا وضرارا 27 - وقال عليه السلام: الزهد كله في كلمتين من القرآن قال الله تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " فمن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالاتي فهو الزاهد. 28 - وقال عليه السلام: أفضل الزهد إخفاؤه. 29 - وقال عليه السلام: أخذوا من الله ما حذركم من نفسه، واخشوه خشية يظهر أثرها عليكم، واعملوا بغير رياء ولا سمعة فان من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له. 30 - وقال عليه السلام: يوشك أن يفقد الناس ثلاثا: درهما حلالا، ولسانا صادقا، وأخا يستراح إليه. 31 - وقال عليه السلام: استعدوا للموت فقد أظلكم غمامه، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا وانتهوا فما بينكم وبين الجنة والنار سوى الموت، وإن غاية تنقصها اللحظة

[71]

وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإن غائبا يحدوه الجديدان لحري بسرعة الاوبة (1). فرحم الله عبدا سمع حكمة فوعى، ودعي إلى خلاص نفسه فدنا، واستقام على الطريقة فنجا، وأحب ربه، وخاف ذنبه، وقدم صالحا، وعمل خالصا، واكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، ورمى غرضا، وأحرز عوضا، وكابد هواه، وكذب مناه، وجعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة عند وفاته، ركب الطريق الغراء، ولزم المحجة البيضاء واغتنم المهل، وبادر الاجل، وتزود من العمل. 32 - وقال عليه السلام في صفة الدنيا: دار أولها عناء، وآخرها فناء، وحلالها فيه حساب، وحرامها فيه عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن سعى إليها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته. 33 - وقال عليه السلام: من لم يقنعه اليسير (2) لم ينفعه الكثير. 34 - وقال عليه السلام: عليك بمداراة الناس، وإكرام العلماء، والصفح عن زلات الاخوان فقد أدبك سيد الاولين والاخرين بقوله صلى الله عليه وآله " اعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأعط من حرمك ". 35 - وقال عليه السلام: وقد مر على المقابر قال: السلام عليكم يا أهل القبور أنتم لنا سلف، ونحن لكم خلف، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أما المساكن فسكنت وأما الازواج فنكحت، وأما الاموال فقسمت، هذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما خبر ما عندكم، ثم قال: أما إنهم إن نطقوا لقالوا: وجدنا التقوى خير زاد.


(1) " غاية تنقصها اللحظة " الغاية هي الاجل و " تنقصها " أي نتقص أمد الانتهاء إليها وكل لحظة تمر فهى تنقص في الامد بيننا وبين الاجل. والساعة تهدم ركنا من ذلك الامد وما كان كذلك فهو جدير بقصر المدة. والمراد بالغائب: الموت. ويحدوه أي يسوقه. والمراد بالجديدان: الليل والنهار. والاوبة: الرجوع. (2) في المصدر " من لم ينفعه اليسير ".

[72]

36 - وقال كميل بن زياد: سمع أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - قائلا ينشد أبيات الاسود بن يعفر: ماذا اؤمل بعد آل محرق * تركوا منازلهم وبعد إباد فقال: هلا قرأتم " كم تركوا من جنات وعيون - الاية " (1). [37 - وقال عليه السلام: العجب ممن يدعو ويستبطئ الاجابة وقد سد طريقها بالمعاصي]. 38 - وقال عليه السلام في وصف التائبين: غرسوا أشجار ذنوبهم نصب عيونهم وقلوبهم وسقوها بمياه الندم، فأثمرت لهم السلامة، وأعقبتهم الرضا والكرامة. 39 - وقال عليه السلام في صفة الاولياء: قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله محمد، حدثنا أبويحيى الرازي، حدثنا هناد، عن ابن الفضيل، عن الحسن البصري قال: قال أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - طوبى لمن عرف الناس ولم يعرفه الناس اولئك مصابيح الهدى، بهم يكشف الله عن هذه الامة كل فتنة مظلمة، اولئك سيدخلهم الله في رحمة منه وفضل. ليسوا بالمذاييع البذر (2) ولا الجفاة المرائين. المذياع الذي لا يكتم السر. 40 - وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا علي بن الجعدي، أخبرنا عمرو بن شمر عن السدي، عن أبي أراكة قال: صليت مع أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح أو رمحين (3) قلب يده وقال لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فما أرى اليوم شيئا يشبههم لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتو الله سجدا وقياما، يتلون كتاب الله، يراوحون بين جباههم


(1) الدخان: 25. (2) والبذر - ككتف -: الذى يفشى السر. (3) القيد - بفتح القاف -: القدر.

[73]

وأقدامهم (1) فإذا أصبحوا فذكروا الله مادوا كما تميد الشجر في يوم ريح عاصف وهملت عيونهم (2) حتى تبل ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض فما رئي مفترا حتى (3) ضربه اللعين ابن ملجم. 41 - وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام يومأ قد وصف المؤمن فقال: حزنة في قلبه وبشره في وجهه، وأوسع الناس صدرا، وأرفعهم قدرا، يكره الرفعة، ولا يحب السمعة، طويل غمه، بعيد همه، كثير صمته مشغول بما ينفعه، صبور شكور، قلبه بذكر الله معمور، سهل الخليقة لين العريكة. 42 - وفي رواية، عن أبي أراكة، وعن ابن عباس أيضا قالا: سمعنا أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - يقول: أما بعد فإن الله سبحانه خلق الخلائق حين خلقهم وهو غني عن طاعتهم، ولا يتضرر بمعصيتهم لانه سبحانه لا تضره معصية من عصاه، ولا ينفعه طاعة من أطاعه واتقاه، فالمتقون في هذه الدار هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، وعيشهم التواضع، غضوا أبصارهم عن المحارم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع، ولولا الرجاء لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى جزيل الثواب، وخوفا من وبيل العقاب (4) عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم في الجنة كمن قد رآها منعمون وفي النار كمن قد رآها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، أجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة صبروا اياما يسيرة فأعقبهم راحة طويلة. أما الليل فصافون أقدامهم تالين كلام ربهم يحبرونه تحبيرا (5) ويرتلونه


(1) المراوحة بين العملين أن يعمل هذا مرة، وهذا مرة، والمراوحة بين الرجلين أن يقوم على كل مرة. (2) ماديميد: - تحرك. والريح العاصف: الشديدة. وهملت عينه: فاضت دموعا. (3) فتر يفتر تفتيرا - سكن بعد حدة ولان بعد شدة. (4) الوبيل: الشديد. (5) حبر الكلام أو الخط أو الشعر: حسنه وزينه.

[74]

ترتيلا، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلعت نفوسهم إليها شوقا وهلعا (1) وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بمسامع قلوبهم، ومثلوا زفير جهنم في آذانهم، فهم مفترشون جباههم وركبهم وأطراف أقدامهم يجأرون إلى الله في فك رقابهم. وأما النهار فعلماء حلماء بررة أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فحسبهم مرضى وما بالقوم مرض، ويقول: قد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم لا يرضون في أعمالهم بالقليل، ولا يستكثرون الكثير، فهم لانفسهم متهون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكى أحدهم خاف أشد الخوف يقول: أنا أعلم بنفسي من غيري اللهم فلا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون، ومن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، وورعا في يقين، وحزما في علم، وعزما في حلم، وقصدا في غنا، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وطلبا للحلال، وتحرجا عن الطمع. يعمل الاعمال الصالحة على وجل ويجتهد في إصلاح ذات البين، يمسي وهمه الشكر، ويصبح وشغله الفكر، الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه وفي الزلازل صبور، وفي المكاره وقور، وفي الرضا شكور، لا ينابز بالالقاب [ولا يعرف العاب] ولا يؤذي الجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق إن بغي عليه صبر ليكون الله تعالى هو المنتقم له، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أتعب نفسه لاخراه وزهد في الفاني شوقا إلى مولاه. 43 - قال عليه السلام في صفة الفقيه قال أبو نعيم: حدثنا أبي، حدثنا أبو جعفر محمد ابن إبراهيم بن الحكم، عن يعقوب، عن إبراهيم الدورقي، عن شجاع بن الوليد عن زياد بن خيثمة، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - قال: ألا إن الفقيه كل الفقيه هو الذي لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى ولا يؤمنهم من عذابه. ولا يرخص لهم في معصيته، ولا يدع القرآن رغبة في غيره


(1) الهلع - بكسر اللام -: الحزين.

[75]

ولا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها. 44 - وسأله رجل عن المروة فقال عليه السلام: إطعام الطعام، وتعاهد الاخوان وكف الاذى عن الجيران، ثم قرأ " إن الله يأمر بالعدل والاحسان - الاية " (1). 45 - ومن وصاياه عليه السلام أخبرنا عبد الوهاب بن عبد الله المقري، أخبرنا محمد ابن ناصر، أخبرنا عبد القادر بن يوسف، أخبرنا أبو إسحاق البرمكي، حدثنا إسحاق بن سعد بن الحسن بن سفيان النسوي، حدثنا جدي الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن سفيان، عن السري بن إسماعيل، عن عامر الشعبي قال: قال أمير المؤمنين - كرم الله وجهه: يا أيها الناس خذوا عني هذه الكلمات فلو ركبتم المطي حتى تنضوها ما أصبتم مثلها لا يرجون عبد الا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، واعلم أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له. وقد بلغني أن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبيائه أنه ليس من أهل بيت ولا أهل دار ولا أهل قرية يكونون لي على ما احب فيتحولون إلى ما أكره إلا تحولت لهم مما يحبون إلى ما يكرهون، ليس من أهل دار ولا قرية يكونون لي على ما أكره فيتحولون إلى ما أحب إلا تحولت لهم مما يكرهون إلى ما يحبون. 46 - ذكر وصيته عليه السلام لكميل بن زياد: أخبرنا عبد الوهاب بن علي الصوفي أخبرنا علي بن محمد بن عمر، أخبرنا رزق الله بن عبد الوهاب التميمي، أخبرنا أحمد بن علي بن الباد، أخبرنا حبيب بن الحسن القزاز، حدثنا موسى بن إسحاق الانصاري، حدثنا ضرار بن ضمرة (2) حدثنا عاصم بن حميد، حدثنا أبو حمزة الثمالي، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كميل بن زياد قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين - كرم الله وجهه - فأخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحرنا جلس فتنفس الصعداء.


(1) النحل: 9. (2) في المصدر " ضرار بن صرد " وكذا في الحلية.

[76]

ثم قال: يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل: العلم خير من المال. العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الانفاق، والمال يزول، ومحبة العالم دين يدان به، وبه يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الاحدوثة بعد مماته، المال تنقصه النفقة، العلم حاكم، والمال محكوم عليه. يا كميل مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ثم قال: آه آه إن ههنا علما جما لو أصبت له حملة وأشار بيده إلى صدره ثم قال: أللهم بلى قد أصبت لقنا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر بنعم الله على عباده، وبحججه على كتابه، أو معاند لاهل الحق ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لاذا ولا ذاك، بل منهوما باللذات، سلس القياد للشهوات، مغري بجمع الاموال والادخار، ليس من الدين في شئ، أقرب شبها بالبهائم السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، أللهم بلى لن تخلو الارض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله على عباده اولئك هم الاقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا، بهم يحفظ الله دينه حتى يؤدونه إلى نظرائهم، ويزرعونه في قلوب أشباههم (وفي رواية بهم يحفظ الله حججه) هجم بهم العلم على حقيقة الامر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الاعلى، اولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه آه ثم آه واشوقاه إلى رؤيتهم، واستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم. 47 - وصيته لبنيه عليه وعليهم السلام، وبه قال أبو حمزة الثمالي حدثنا إبراهيم بن سعيد، عن الشعبي، عن ضرار بن ضمرة قال: أوصى أمير المؤمنين عليه السلام

[77]

بنيه فقال: يا بني عاشروا الناس بالمعروف معاشرة إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم، ثم قال: اريد بذاكم أن تهشوا لطلقتي * وأن تكثروا بعدي الدعاء على قبري وأن يمنحوني في المجالس ودهم * وإن كنت عنهم غائبا أحسنوا ذكري 48 - وقال ابن عباس: سأل رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أوصني فقال: لا تحدث نفسك بفقر، ولا بطول عمر. 49 - وقال عليه السلام وقد سئل عن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله من رواية الشعبي عن ضرار بن ضمرة وعبد خير قالا: قيل له: ما سبب اختلاف الناس في الحديث فقال الناس أربعة: منافق مظهر للاسلام، وقلبه يأبى الايمان، لا يتحرج عن الكذب كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا، فلو علم الناس حاله ما أخذوا عنه، ولكنهم قالوا: صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذوا بقوله، وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبر ووصفهم بما وصف ثم إنهم عاشوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلال والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الاعمال وجعلوهم على رقاب الناس، فأكلوا بهم الدنيا وإنما هم تبع للملوك إلا من عصمه الله تعالى ورجل سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قولا أو رآه يعمل عملا، ثم غاب عنه ونسخ ذلك القول والفعل، ولم يعلم، فلو علم أنه نسخ ما حدث به، ولو علم الناس أيضا أنه نسخ لما نقلوه عنه. ورجل سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول قولا فوهم فيه، ولو علم أنه وهم فيه لما حدث عنه ولا عمل به، ورجل لم يكذب ولم يغب حدث بما سمع وعمل به. فأما الاول فلا اعتبار بروايته، ولا يحل الاخذ عنه، وأما الباقون فينزعون إلى غاية ويرجعون إلى نهاية، ويسقون من قليب واحد وكلامهم أشرق بنور النبوة ضياؤه ومن الشجرة المباركة اقتبست ناره. وفي رواية إنه قال: في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله في عهده حتى قام خطيبا فقال: من كذب علي [متعمدا] فليتبوء مقعده

[78]

من النار، وإنما يأتيك الحديث أربعة رجال ليس لهم خامس. وذكرهم، قلت وقد روي عن رسول الله صلى الله وعليه وآله هذا الحديث وهو قوله " من كذب علي عامدا فليتبوء مقعده من النار " عدة من الصحابة منهم العشرة (1) فأما الطريق إلى أمير المؤمنين فأنبأ غير واحد عن عبد الاول الصوفي أنبأ ابن المظفر الداودي، أنبأ ابن أعين أنبأ السرخسي، أنبأ الفربري، أنبأ البخاري، أنبأ علي بن الجعد، أنبأ شعبة عن منصور، عن ربعي بن خراش قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: " من كذب علي " وذكر متفق عليه وقد أخرجه أحمد في المسند والجماعة. 50 - كشف (2): ذكر محمد بن طلحة أخبارا رواها الجواد عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال: بعثني النبي صلى الله عليه وآله إلى اليمن فقال لي وهو يوصيني: يا علي ما حار من استخار، ولا ندم من استشار، يا علي عليك بالدلجة (3) فإن الارض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، يا على اغد باسم الله فإن الله عزوجل بارك لامتي في بكورها. 51 - وقال عليه السلام: من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة. 52 - وعنه عليه السلام: وقد سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وآله " إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار " فقال خاص للحسن والحسين. 53 - وعنه، عن علي عليه السلام قال في كتاب علي بن أبي طالب عليه السلام: ابن آدم أشبه شئ بالمعيار، إما راجح بعلم - وقال مرة بعقل - أو ناقص بجهل. 54 - وعنه عن علي عليه السلام: قال لابي ذر - رضي الله عنه - إنما غضبت لله عزوجل فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، والله لو كانت السماوات والارضون رتقا على عبد ثم اتقى الله لجعل الله له منها مخرجا، لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشنك إلا الباطل.


(1) في المصدر " مائة وعشرون من الصحابة ذكرتهم في كتابي المترجم بحق اليقين ". (2) كشف الغمة ج 3 ص 135 في احوال الامام التاسع أبى جعفر الجواد عليه السلام. (3) الدلجة: السير في الليل.

[79]

55 - وعنه عن علي عليه السلام إنه قال لقيس بن سعد وقد قدم عليه من مصر: يا قيس إن للمحن غايات لابد أن تنتهي إليها فيجب على العاقل أن ينام لها إلى إدبارها، فإن مكابدتها بالحيلة عند إقبالها زيادة فيها. 56 - وعنه عليه السلام قال: من وثق بالله أراه السرور، ومن توكل عليه كفاه الامور، والثقة بالله حصن لا يتحصن فيه إلا مؤمن أمين، والتوكل على الله نجاة من كل سوء وحرز من كل عدو. والدين عز، والعلم كنز، والصمت نور، وغاية الزهد الورع، ولا هدم للدين مثل البدع، ولا أفسد للرجال من الطمع، وبالراعي تصلح الرعية، وبالدعاء تصرف البلية، ومن ركب مركب الصبر اهتدى إلى مضمار النصر، ومن عاب عيب، ومن شتم اجيب، ومن غرس أشجار التقى اجتنى ثمار المنى. 57 - وقال عليه السلام: أربع خصال تعين المرء على العمل: الصحة والغنى والعلم والتوفيق. 58 - وقال: إن لله عبادا يخصهم بالنعم ويقرها فيهم ما بذلوها فإذا منعوها نزعها عنهم وحو لها إلى غيرهم. 59 - وقال: ما عظمت نعمة الله على أحد إلا عظمت عليه مؤونة الناس، فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرض النعمة للزوال. 60 - وقال عليه السلام: أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجه إليه لان لهم أجره وفخره، وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فإنما يبدء فيه بنفسه فلا يطلبن شكر ما صنع إلى نفسه من غيره. 61 - وقال عليه السلام: من أمل إنسانا فقد هابه، ومن جهل شيئا عابه، والفرصة خلسة، ومن كثر همه سقم جسده، والمؤمن لا يشتفي غيظه، وعنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه. وقال في موضع آخر: عنوان صحيفة السعيد حسن الثناء عليه. 62 - وقال عليه السلام: من استغنى بالله افتقر الناس إليه، ومن اتقى الله أحبه الناس وإن كرهوا.

[80]

63 - وقال عليه السلام: عليكم بطلب العلم فإن طلبه فريضة، والبحث عنه نافلة وهو صلة بين الاخوان، ودليل على المروة، وتحفة في المجالس، وصاحب في السفر وانس في الغربة. 64 - وقال عليه السلام: العلم علمان: مطبوع ومسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع، ومن عرف الحكمة لم يصبر عن الازدياد منها، الجمال في اللسان والكمال في العقل. 65 - وقال عليه السلام: العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، والصبر زينة البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، والعدل زينة الايمان والسكينة زينة العبادة، والحفظ زينة الرواية، وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الادب زينة العقل، وبسط الوجه زينة الحلم، والايثار زينة الزهد، وبذل المجهود زينة النفس، وكثرة البكاء زينة الخوف، والتقلل زينة القناعة، وترك المن زينة المعروف، والخشوع زينة الصلاة. وترك ما لا يعني زينة الورع. 66 - وقال عليه السلام: حسب المرء من كمال المروة تركه مالا يجمل به. ومن حيائه أن لا يلقى أحدا بما يكره. ومن عقله حسن رفقه، ومن أدبه أن لا يترك مالا بد له منه. ومن عرفانه علمه بزمانه، ومن ورعه غض بصره وعفة بطنه، ومن حسن خلقه كفه أذاه، ومن سخائه بره بمن يجب حقه عليه، وإخراجه حق الله من ماله، ومن إسلامه تركه مالا يعنيه وتجنبه الجدال والمراء في دينه، ومن كرمه ايثاره على نفسه، ومن صبره قلة شكواه، ومن عقله إنصافه من نفسه، ومن حلمه تركه الغضب عند مخالفته، ومن إنصافه قبوله الحق إذا بان له، ومن نصحه نهيه عما لا يرضاه لنفسه، ومن حفظه جوارك تركه توبيخك عند إساءتك مع علمه بعيونك ومن رفقه تركه عذلك عند غضبك بحضرة من تكره (1) ومن حسن صحبته لك إسقاطه عنك مؤونة أذاك، ومن صداقته كثرة موافقته وقلة مخالفته، ومن صلاحه شدة خوفه من ذنوبه، ومن شكره معرفة إحسان من أحسن إليه، ومن تواضعه


(1) العذل - محركة -: الملامة.

[81]

معرفته بقدره، ومن حكمته علمه بنفسه، ومن سلامته قلة حفظه لعيوب غيره، وعنايته بإصلاح عيوبه. 67 - وقال عليه السلام: لن يستكمل العبد حقيقة الايمان حتى يؤثر دينه على شهوته ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه. 68 - وقال عليه السلام: الفضائل أربعة أجناس: أحدها الحكمة وقوامها في الفكرة والثاني العفة وقوامها في الشهوة، والثالث القوة وقوامها في الغضب. والرابع العدل وقوامه في اعتدال قوى النفس. 69 - وقال عليه السلام: العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء. 70 - وقال عليه السلام: يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم. 71 - وقال عليه السلام: أقصد العلماء للمحجة الممسك عند الشبهة، والجدل يورث الرياء (1) ومن أخطأ وجوه المطالب خذلته الحيل، والطامع في وثاق الذل، ومن أحب البقاء فليعد للمصائب قلبا صبورا. 72 - وقال عليه السلام: العلماء غرباء لكثرة الجهال بينهم. 73 - وقال عليه السلام: الصبر على المصيبة مصيبة على الشامت بها. 74 - وقال عليه السلام: التوبة على أربعة دعائم: ندم بالقلب، واستغفار باللسان وعمل بالجوارح، وعزم أن لا يعود، وثلاث من عمل الابرار إقامة الفرائض واجتناب المحارم واحتراس من الغفلة في الدين، وثلاث يبلغن بالعبد رضوان الله: كثرة الاستغفار وخفض الجانب وكثرة الصدقة، وأربع من كن فيه استكمل الايمان: من أعطى لله ومنع في الله وأحب لله وأبغض فيه، وثلاث من كن فيه لم يندم: ترك العجلة والمشورة والتوكل عند العزم على الله عزوجل. 75 - وقال عليه السلام: لو سكت الجاهل ما اختلف الناس. 76 - وقال عليه السلام: مقتل الرجل بين لحييه، والرأي مع الاناة، وبئس الظهير الرأي الفطير (2).


(1) في بعض نسخ المصدر " يورث الشك ". (2) الفطير: كل ما أعجل عن ادراكه يقال: " اياك والرأى الفطير " أي بديهى - - - -

[82]

77 - وقال عليه السلام: ثلاث خصال تجتلب بهن المحبة: الانصاف في المعاشرة والمواساة في الشدة والانطواع، والرجوع على قلب سليم (1). 78 - وقال عليه السلام: فساد الاخلاق بمعاشرة السفهاء وصلاح الاخلاق بمنافسة العقلاء، والخلق أشكال فكل يعمل على شاكلته، والناس إخوان، فمن كانت إخوته في غير ذات الله فإنها تحوز عداوة، وذلك قوله تعالى " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " (2). 79 - وقال عليه السلام: من استحسن قبيحا كان شريكا فيه. 80 - وقال عليه السلام: كفر النعمة داعية المقت، ومن جازاك بالشكر فقد أعطاك أكثر مما أخذ منك. 81 - وقال عليه السلام: لا يفسدك الظن على صديق وقد أصلحك اليقين له. ومن وعظ أخاه سرا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه، استصلاح الاخيار بإكرامهم والاشرار بتأديبهم، والمودة قرابة مستفادة، وكفى بالاجل حرزا، ولا يزال العقل والحمق يتغالبان على الرجل إلى ثمانية عشر سنة فإذا بلغها غلب عليه أكثرهما فيه وما أنعم الله عزوجل على عبد نعمة فعلم أنها من الله إلا كتب الله جل اسمه له شكرها قبل أن يحمده عليها، ولا أذنب ذنبا فعلم أن الله مطلع عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له إلا غفر الله له قبل أن يستغفره. 82 - وقال عليه السلام: الشريف كل الشريف من شرفه علمه، والسؤدد حق السؤدد (3) لمن اتقى الله ربه، والكريم (4) من أكرم عن ذل النار وجهه.


- - - - من غير روية. (1) الانطواع: الانقياد. والقياس الانطياع بالياء. (2) الزخرف: 67. (3) السؤدد: القدر الرفيع، كرم المنصب، السيادة. (4) كذا والظاهر سقط " كل الكريم " من قلم الناسخ.

[83]

83 - وقال عليه السلام: من أمل فاجرا كان أدنى عقوبته الحرمان. 84 - وقال عليه السلام: اثنان عليلان أبدا: صحيح محتم، وعليل مخلط (1). موت الانسان بالذنوب أكثر من موته بالاجل، وحياته بالبر أكثر من حياته بالعمر. 85 - وقال عليه السلام: لا تعاجلوا الامر قبل بلوغة فتندموا، ولا يطولن عليكم الامد فتقسوا قلوبكم، وارحموا ضعفاءكم، واطلبوا الرحمة من الله بالرحمة لهم. من كتاب مطالب السؤول (2). 86 - من كلامه عليه السلام غرك عزك، فصار قصار ذلك ذلك، فاخش فاحش فعلك فعلك بهذا تهدا. 87 - ومن كلامه عليه السلام: العالم حديقة سياحها الشريعة، والشريعة سلطان تجب له الطاعة، والطاعة سياسة يقوم بها الملك، والملك راع يعضده الجيش، والجيش أعوان يكفلهم المال، والمال رزق يجمعه الرعية، والرعية سواد يستعبدهم العدل والعدل أساس به قوام العالم. 88 - نهج (3): قال عليه السلام: الاقاويل محفوظة والسرائر مبلوة (4) وكل نفس بما كسبت رهينة، والناس منقوصون مدخولون إلا من عصم الله (5) سائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، يكاد أفضلهم رأيا يرده عن فضل رأيه الرضا والسخط، ويكاد أصلبهم عودا تنكؤه اللحظة، وتستحيله الكلمة الواحدة (6). معاشر الناس اتقوا الله


(1) احتمى المريض: امتنع ومنه اتقاه. وخلط المريض - من باب التفعيل -: أكل ما يضره. (2) المصدر ص 61. (3) المصدر أبواب الحكم تحت رقم 343. (4) بلاها الله واختبرها وعلمها. يريد أن ظاهر الاعمال وخفيها معلوم لله. (5) منقوصون: أي مغبونون. أو مأخوذون عن رشدهم وكمالهم. ومدخولون أي مغشوشون مصابون بالدخل - محركة - وهو مرض العقل والقلب. (6) أصلبهم: أي أثبتهم قدما في دينه. وتنكؤه - كتمنعه - أي تسيل جرحه وتأخذ بقلبه. واللحظة: النظرة إلى مشتهى. وتسحيلة: تحوله عما هو عليه، أراد اللحظة والكلمة ممن تستهويه الدنيا وتسحيله لغيره.

[84]

فكم من مؤمل ما لا يبلغه، وبان ما لا يسكنه وجامع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه. أصابه حراما واحتمل به آثاما، فباء بوزره، وقدم على ربه آسفا لاهفا، قد خسر الدنيا والاخرة، ذلك هو الخسران المبين. 89 - وقال عليه السلام: (1) المنية ولا الدنية ؟ والتقلل ولا التوسل (2) ومن لم يعط قاعدا لم يعط قائما، والدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر. 90 - وقال عليه السلام: (3) مسكين ابن آدم: مكتوم الاجل، مكنون العلل، محفوظ العمل، تؤلمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة (4). 91 - كنز الكراجكى: (5) وروي أن أمير المؤمنين عليه السلام مر على المدائن فلما رأى آثار كسرى وقرب خرابها قال رجل ممن معه: جرت الرياح على رسوم ديارهم * فكأنهم كانوا على ميعاد فقال أمير المؤمنين عليه السلام: أفلا قلتم " كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين " (6). 92 - من كتاب مطالب السؤول (7) لكمال الدين محمد بن طلحة: من


(1) النهج أبواب الحكم تحت رقم 396. (2) المنية: الموت. والدنية: التذلل والنفاق. والتقليل: الاكتفاء بالقليل. يعنى الشريف يرضى بالقليل ولا يتوسل إلى الناس أو الدنيا. (3) النهج أبواب الحكم تحت رقم 419. (4) البقة: حيوان عدسي مفرطح، خبيث الرائحة، لذاع. وشرق بريقه غص. والعرقة واحدة العرق. (5) المصدر ص 145. (6) الدخان: 25 إلى 29. (7) المصدر ص 61.

[85]

نظمه عليه السلام: دليلك أن الفقر خير من الغنى * وأن قليل المال خير من المثري (1) لقاؤك مخلوقا عصى الله بالغنى * ولم تر مخلوقا عصى الله بالفقر وقوله: لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الوفات قليل وإن افتقادي واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل وقوله: علل النفس بالكفاف وإلا * طلبت منك فوق ما يكفيها ما لما قد مضى ولا للذي لم * يأت من لذة لمستحليها إنما أنت طول مدة ما * عمرت كالساعة التي أنت فيها وقوله عليه السلام يرثى رسول الله صلى الله عليه وآله: أمن بعد تكفين النبي ودفنه * بأثوابه آسى على هالك ثوى رزينا رسول الله فينا فلن نرى * بذاك عديلا ما حيينا من الرزى وكان لنا كالحصن من دون أهله * لهم معقل فيها حصين من العدى وكنا بمرآه نرى النور والهدى * صباح مساء راح فينا أو اغتدى فقد غشيتنا ظلمة بعد موته * نهارا وقد زادت على ظلمة الدجى فياخير من ضم الجوانح والحشا * ويا خير ميت ضمه التراب والثرى كأن امور الناس بعدك ضمنت * سفينة موج البحر والبحر قدسما (2) وضاق فضاء الارض عنهم برحبه * لفقد رسول الله إذ قيل قد مضى فقد نزلت للمسلمين مصيبة * كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا فلن يستقل الناس تلك مصيبة * ولن يجبر العظم الذي منهم وهى وفي كل وقت للصلاة يهيجه * بلال ويدعو باسمه كل من دعا


(1) المثرى من الثروة وهو كثير المال. (2) في المصدر " والبحر قد طمى " وراجع في شرح مشكل هذه الاشعار أواخر ج 12.

[86]

ويطلب أقوام مواريث هالك * وفينا مواريث النبوة والهدى وقد نقلت (1) هذه المرثية عنه بزيادة اخرى فما رأيت إسقاطها فأثبتها على صورتها وهي هذه: أمن بعد تكفين النبي ودفنه * بأثوابه آسى على ميت ثوى لقد غاب في وقت الظلام لدفنه * عن الناس من هو خير من وطئ الحصا رزينا رسول الله فينا فلن نرى * لذاك عديلا ما حيينا من الرزى رزينا رسول الله فينا ووحيه * فخير خيار ما رزينا ولا سوى فمثل رسول الله إذ حان يومه * لفقدانه فليبك يا عيش من بكى وكان لنا كالحصن من دون أهله * لهم معقل منه حصين من العدى وكنا برؤياه نرى النور والهدى * صباح مساء راح فينا أو اغتدى فقد غشيتنا ظلمة بعد موته * نهارا فقد زادت على ظلمة الدجى وكنا به شم الانوف بنجوة * على موضع لا يستطاع ولا يرى فيا خير من ضم الجوانح والحشا * وياخير ميت ضمه التراب والثرى كأن امور الناس بعدك ضمنت * سفينة موج البحر والبحر قد طمى وهم كالاسارى من توقع هجمة * من الشر يرجو من رجاها على شفا وضاق فضاء الارض عنهم برحبه لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى فيالانقطاع الوحي عنا بنوره * إذا أمرنا أعشى لفقدك أو دجى لقد نزلت بالمسلمين مصيبة * كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا فيا حزننا إنا رزينا نبينا * على حين تم الدين واشتدت القوى فلن يستقل الناس تلك مصيبة * ولن يجبر العظم الذي منهم وهى كأنا لاولى شبهة سفر ليلة * أضلوا الهدى لا نجم فيها ولا ضوا فيامن لامر اعترانا بظلمة ؟ * وكنت له بالنور فينا إذا اعترى


(1) من كلام المؤلف أو أحد تلاميذه لان ما يأتي من المراثى إلى قوله " الاطرق الناعي " ليس في مطالب السؤول.

[87]

فتجلو العمى عنا فيصبح مسفرا * لنا الحق من بعد الرخا مسفر اللوا وتجلو بنور الله عنا ووحيه * عمى الشرك حتى يذهب الشك والعمى تطاول ليلى أنني لا أرى له * شبيها ولم يدرك له الخلق منتهى وفي كل وقت للصلاة يهيجه * بلال ويدعو باسمه كل من دعا يذكرني رؤيا الرسول بدعوة * ينوه فيها باسمه كل من دعا فولى أبا بكر إمام صلاتنا * وكان الرضا منا له حين يجتبى أبى الصبر إلا أن يقوم مقامه * وخاف بأن يقلب الصبر والعنا (1) وقوله عليه السلام يرثيه صلى الله عليه وآله (2): ألا طرق الناعي بليل فراعني * وأرقني لما استهل مناديا فقلت له لما رأيت الذي أتى * أغير رسول الله إذ كنت ناعيا فحقق ما أشفقت منه ولم يبل * وكان خليلي عزنا وجماليا فوالله ما أنساك أحمد ما مشت * بى العيس في أرض تجاوزن واديا وكنت متى أهبط من الارض تلعة * أرى أثرا منه جديدا وعافيا شديد جري الصدر نهد مصدر * هو الموت معذور عليه وعاديا ومما نقل عنه عليه السلام قوله - وقيل هما لغيره -: زعم المنجم والطبيب كلاهما * أن لا معاد فقلت ذاك إليكما إن صح قولكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالوبال عليكما ومما نقل عنه عليه السلام قوله: ولي فرس للخير بالخير ملجم * ولي فرس للشر بالشر مسرج فمن رام تقويمي فإني مقوم * ومن رام تعويجي فإني معوج ومما نقل عنه عليه السلام قوله: ولو أني اطعت حملت قومي * على ركن اليمامة والشأم


(1) كذا، وما أدرى من أي كتاب نقلها هنا من نقلها مع لحن الالفاظ وتكرارها و ما دس فيها من زيادة بعض الابيات. (2) مطالب السؤول ص 62. (*)

[88]

ولكني متى أبرمت أمرا * تتازعني أقاويل الطغام وقوله يرثي عمه حمزة لما قتل باحد: أتاني أن هندا حل صخر * دعت دركا وبشرت الهنودا فإن تفخر بحمزة يوم ولى * مع الشهداء محتسبا شهيدا فإنا قد قتلنا يوم بدر * أبا جهل وعتبة والوليدا وشيبة قد قتلنا يوم احد * علي أثوابه علقا جسيدا فبوء في جهنم شر دار * عليه لم يجد عنها محيدا فما سيان من هو في حميم * يكون شرابه فيها صديدا ومن هو في الجنان يدر فيها عليه الرزق مغتبطا حميدا وقوله: ألا أيها الموت الذي ليس تاركي * أرحني فقد أفنيت كل خليل أراك بصيرا بالذين أحبهم * كانك تسعى نحوهم بدليل وقوله أيضا فيه يرثيه: رأيت المشركين بغوا علينا * ولجو في الغواية والضلال وقالوا نحن أكثر إذ نفرنا * غداة الروع بالاسل النبال فان يبغوا ويفتخروا علينا * بحمزة فهو في غرف العوالي فقد أودى بعتبة يوم بدر * وقد أبلى وجاهد غير آل وقد غادرت كبشهم جهادا * بحمد الله طلحة في المجال فخر لوجهه ورفع عنه * رقيق الحد حودث بالصقال وحضر لديه إنسان فقال: يا أمير المؤمنين أسألك أن تخبرني عن واجب وأوجب وعجب وأعجب، وصعب وأصعب، وقريب وأقرب ؟ فما انبجس بيانه بكلماته ولاخنس لسانه في لهواته حتى أجابه عليه السلام بأبياته وقال: توب رب الورى واجب عليهم * وتركهم للذنوب أوجب والدهر في صرفه عجيب * وغفلة الناس فيه أعجب

[89]

والصبر في النائبات صعب * لكن فوت الثواب أصعب وكلما يرتجى قريب * والموت من كل ذاك أقرب فياما أوضح لذوي الهداية جوابه المتين، ويا ما أفصح عند اولى الدراية نظم خطابه المستبين، فلقد عبر اسلوبا من علم البيان مستوعرا عند المتأدبين، ومهد مطلوبا من حقيقه الايمان مستعذبا عند المقربين. وقال عليه السلام: إذا أقبلت الدنيا فأنفق منها فإنها لا بقى، وإذا ما أدبرت فأنفق منها فإنها لا تفنى وأنشد: لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة * فليس ينقصها التبذير والسرف وإن تولت فأحرى أن تجود بها * فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف وقوله عليه السلام: إذا جادت الدنيا عليك فجد بها * على الخلق طرا أنها تتقلب فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت * ولا البخل يبقيها إذا هي تذهب وقوله عليه السلام: أصم عن الكلم المحفظات * وأحلم والحلم بي أشبه وإني لا ترك بعض الكلام * لئلا اجاب بما أكره إذا ما اجتررت سفاه السفيه * علي فإني إذن أسفه فلا تغترر برواء الرجال * وإن زخرفوا لك أو موهوا فكم من فتى تعجب الناظرين * له ألسن وله أوجه وقوله عليه السلام: أتم الناس أعلمهم بنقصه * وأقمعهم لشهوته وحرصه فلا تستغل عافية بشئ * ولا تسترخصن داء لرخصه 93 - الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة: (1): قال أمير المؤمنين عليه السلام: العفو عن المقر لا عن المصر، وما أقبح الخشوع عند الحاجة، والجفاء عند الغناء


(1) مخطوط.

[90]

بلاء الانسان من اللسان، اللسان سبع إن خلى عنه عقر العافية، والعافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله، وواحد في ترك مجالسته السفهاء، والعاقل من رفض الباطل، عماد الدين الورع، وفساده الطمع. 94 - دعوات الراوندي (1): قال أمير المؤمنين عليه السلام: كيف يكون حال من يفنى ببقائه، ويسقم بصحته، ويؤتى ما منه يفر. وقال عليه السلام: في كل جرعة شرقة، ومع كل اكلة غصة، وقال: الناس في أجل منقصوص وعمل محفوظ. نهج (2): قال: عيبك مستور ما أسعدك جدك. 95 - كنز الكراجكى (3): قال أمير المؤمنين عليه السلام: من ضاق صدره لم يصبر على أداء حق، من كسل لم يؤد حق الله، من عظم أوامر الله أجاب سؤاله، من تنزه عن حرمات الله سارع إليه عفو الله، ومن تواضع قلبه لله لم يسأم بدنه من طاعة الله، الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، ليس مع قطيعة الرحم نماء، ولا مع الفجور غنى، عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، تصفية العمل خير من العمل، عند الخوف يحسن العمل، رأس الدين صحة اليقين، أفضل ما لقيت الله به نصيحة من قلب وتوبة من ذنب، إياكم والجدال فإنه يورث الشك في دين الله، بضاعة الاخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها، دخول الجنة رخيص، ودخول النار غال، التقي سابق إلى كل خير، من غرس أشجار التقى جنى ثمار الهدى، الكريم من أكرم عن ذل النار وجهه، ضاحك معترف بذنبه أفضل من باك مدل على ربه، من عرف عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، من نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن نظر في عيوب الناس ورضيها لنفسه فذاك الاحمق بعينه، كفاك أدبك لنفسك ما كرهته


(1) مخطوط. (2) المصدر باب الحكم والمواعظ تحت رقم 51. والجد - بالفتح -: الحظ أي ما دامت الدنيا مقبلة عليك. (3) المصدر ص 128.

[91]

لغيرك، اتعظ بغيرك ولا تكن متعظا بك، لا خير في لذة تعقب ندامة، تمام الاخلاص تجنب المعاصي، من أحب المكارم اجتناب المحارم، جهل المرء بعيوبه من أكبر ذنوبه، من أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك، من أساء استوحش، من عاب عيب ومن شتم اجيب، ادوا الامانة ولو إلى قاتل الانبياء، الرغبة مفتاح العطب، والتعب مطية النصب، والشر داع إلى التقحم في الذنوب، ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمدرجات النوائب، من لزم الاستقامة لزمته السلامة. 96 - وقال عليه السلام: (1) العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى، والصبر زينة البلاء، والتواضع زينة الحسب، والفصاحة زينة الكلام، والعدل زينة الامارة والسكينة زينة العبادة، والحفظ زينة الرواية، وخفض الجناح زينة العلم، وحسن الادب زينة العقل، وبسط الوجه زينة الحلم، والايثار زينة الزهد، وبذل المجهود زينة المعروف، والخشوع زينة الصلاة، ترك مالا يعني زينة الورع. 97 - ومن بديع كلامه عليه السلام (2): إن رجلا قطع عليه خطبته وقال له صف لنا الدنيا فقال: أولها عناء وآخرها بلاء، حلالها حساب، حرامها عقاب من صح فيها أمن، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فتن، ومن افتقره فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها ألهته، ومن تهاون بها نصرته، ثم عاود إلى مكانه من خطبته. 98 - كنز الكراجكى (3): عن أمير المؤمنين عليه السلام: الجواد من بذل ما يضن بنفسه. من كرم أصله حسن فعله. وقال عليه السلام (4): أزرى بنفسه من استشعر الطمع، من أهوى إلى متفاوت الامور خذلته الرغبة، أشرف الغنى ترك المنى، من ترك الشهوات كان حرا، الحرص مفتاح التعب وداع إلى التقحم في الذنوب، والشره جامع لمساوي العيوب الحرص علامة الفقر، من أطلق طرفه كثر أسفه، قل ما تصدقك الامنية، رب


(1) الكنز ص 138. (2) المصدر ص 160. (3) المصدر ص 163. (4) المصدر ص 163.

[92]

طمع كاذب، وأمل خائب، من لجأ إلى الرجاء سقطت كرامته، همة الزاهد مخالفة الهوى والسلو عن الشهوات، ما هدم الدين مثل البدع، ولا أفسد الرجل مثل الطمع، إياك والاماني فإنها بضائع النوكى (1) لن يكمل العبد حقيقة الايمان حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه، من تيقن أن الله سبحانه يراه وهو يعمل بمعاصيه فقد جعله أهون الناظرين. 99 - وقال عليه السلام: (2) إياكم وسقطات الاسترسال فإنها لا تستقال (3). 100 - وقال عليه السلام: (4) صديق كل إنسان عقله، وعدوه جهله، والعقول ذخائر، والاعمال كنوز، والنفوس أشكال فما تشاكل منها اتفق، والناس إلى أشكالهم أميل. 101 - وقال عليه السلام: (5) الفكرة مرآة صافية، والاعتبار منذر ناصح، من تفكر اعتبر، ومن اعتبر اعتزل، ومن اعتزل سلم، العجب ممن خاف العقاب فلم يكف ورجا الثواب فلم يعمل، الاعتبار يقود إلى الرشاد، كل قول ليس لله فيه ذكر فلغو، وكل صمت ليس فيه فكر فسهو، وكل نظر ليس فيه اعتبار فلهو. 102 - وتروى (6) هذه الابيات عن أمير المؤمنين عليه السلام: إذا كنت تعلم أن الفراق * فراق الحياة قريب قريب وأن المعد جهاز الرحيل * ليوم الرحيل مصيب مصيب وإن المقدم ما لا يفوت * على ما يفوت معيب معيب


(1) النوكى جمع أنوك وهو الاحمق. (2) الكنز ص 194. (3) الاسترسال في الكلام: الاتساع والانبساط. واستقاله عثرته: سأله أن ينهضه من سقوطه. (4) المصدر ص 194. (5) المصدر ص 255. (6) المصدر ص 271.

[93]

وأنت على ذاك لا ترعوي * فأمرك عندي عجيب عجيب 103 - قال أمير المؤمنين عليه السلام (1): مازالت نعمة عن قوم، ولا غضارة عيش إلا بذنوب اجترحوها، إن الله ليس بظلام للعبيد. 104 - وقال عليه السلام: (2) المرء حيث يجعل نفسه، من دخل مداخل السوءاتهم من عرض نفسه التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، من أكثر من شئ عرف به من مزح استخف به، من اقتحم البحر غرق، المزاح يورث العداوة، من عمل في السر عملا يستحيي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر، ما ضاع امرء عرف قدره اعرف الحق لمن عرفه لك رفيعا كان أم وضيعا، من تعدى الحق ضاق مذهبه، من جهل شيئا عاداه، أسوء الناس حالا من لم يثق بأحد لسوء ظنه، ولم يبق به أحد لسوء فعله، لا دليل أنصح من استماع الحق، من نظف ثوبه قل همه، الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا لوطف. حسن الاعتراف يهدم الاقتراف، أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته، أحسن إذا أحببت أن يحسن إليك، إذا جحد الاحسان حسن الامتنان، العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم، من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر عنها خصم، لا تظهر العداوة لمن لا سلطان لك عليه. 105 - وقال عليه السلام: الهم نصف الهرم، والسلامة نصف الغنيمة. 106 - أعلام الدين (3): قال أمير المؤمنين عليه السلام: أفضل رداء تردى به الحلم وإن لم تكن حليما فتحلم فإنه من تشبه بقوم أوشك أن يكون منهم. قال عليه السلام: الناس في الدنيا صنفان: عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلفه الفقر، ويأمنه على نفسه، فيفني عمره في منفعة غيره وآخر عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمله فأصبح ملكا لا يسأل الله تعالى شيئا فيمنعه.


(1) الكنز ص 271. (2) المصدر ص 283. (3) مخطوط.

[94]

107 - وقال عليه السلام: عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب وفاته الغنى الذي إياه طلب، يعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الاخرة حساب الاغنياء، وعجبت للمتكبر الذي كان بالامس نطفة وهو غدا جيفة، وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الاخرة وهو يرى النشأة الاولى، وعجبت لعامر الدنيا دار الفناء، وهو نازل دار البقاء. 108 - وقال عليه السلام: الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يؤمنهم من مكر الله، ولا يؤيسهم من روح الله، ولا يرخص لها في معاصي الله. 17. * (باب) * * " (ما صدر عن أمير المؤمنين عليه السلام في العدل) " * * " (في القسمة ووضع الاموال في مواضعها) " * 1 - ف (1): أما بعد أيها الناس فإنا نحمد ربنا وإلهنا وولي النعمة علينا ظاهرة وباطنة، بغير حول منا ولا قوة إلا امتنانا علينا وفضلا ليبلونا أنشكر أم نكفر فمن شكر زاده، ومن كفر عذبه. وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له أحدا صمدا. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه رحمة للعباد والبلاد والبهائم والانعام نعمة أنعم بها ومنا وفضلا صلى الله عليه وآله. فأفضل الناس - أيها الناس - عند الله منزلة وأعظمهم عند الله خطرا أطوعهم لامر الله وأعملهم بطاعة الله وأتبعهم لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وأحياهم لكتاب الله فليس لاحد من خلق الله عندنا فضل إلا بطاعة الله، وطاعة رسوله، واتباع كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله هذا كتاب الله بين أظهرنا، وعهد نبي الله وسيرته فينا، لا يجهلها إلا جاهل مخالف معاند عن الله عزو جل، يقول الله: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر


(1) التحف ص 183 ومنقول في النهج.

[95]

وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم (1) " فمن اتقى الله فهو الشريف المكرم المحب، وكذلك أهل طاعته وطاعة رسول الله، يقول الله في كتابه: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (2). وقال: " وأطيعوا الله واطيعوا الرسول فان توليتم فإن الله لا يحب الكافرين (3) ". ثم صاح بأعلى صوته: يا معاشر المهاجرين والانصار، ويا معاشر المسلمين أتمنون على الله وعلى رسوله بإسلامكم، ولله ولرسوله المن عليكم إن كنتم صادقين. ثم قال: ألا إنه من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله أجرينا عليه أحكام القرآن، وأقسام الاسلام، ليس لاحد على أحد فضل إلا بتقوى الله وطاعته، جعلنا الله وإياكم من المتقين، وأوليائه وأحبائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ثم قال: ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها وترغبون فيها، وأصبحت تعظكم وترميكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له، ولا الذي دعيتم إليه ألا وإنها ليست بباقية لكم ولا تبقون عليها. فلا يغرنكم عاجلها فقد حذرتموها ووصفت لكم وجربتموها، فأصبحتم لا تحمدون عاقبتها. فسابقوا - رحمكم الله - إلى منازلكم التي امرتم أن تعمروها فهي العامرة التي لا تخرب أبدا، والباقية التي لا تنفد رغبكم الله فيها ودعاكم إليها، وجعل لكم الثواب فيها. فانظروا يا معاشر المهاجرين والانصار، وأهل دين الله ما وصفتم به في كتاب الله ونزلتم به عند رسول الله صلى الله عليه وآله وجاهدتم عليه فيما فضلتم به أبالحسب والنسب ؟ أم بعمل وطاعة، فاستتموا نعمه عليكم - رحمكم الله - بالصبر لانفسكم والمحافظة على


(1) سورة الحجرات: 14. (2) سورة آل عمران: 31. (3) مضمون مأخوذ من الاية 32 سورة آل عمران.

[96]

من استحفظكم الله من كتابه. ألا وإنه لا يضركم تواضع شئ من دنياكم بعد حفظكم وصية الله والتقوى، ولا ينفعكم شئ حافظتم عليه من أمر دنياكم بعد تضييع ما امرتم به من التقوى، فعليكم عباد الله بالتسليم لامره والرضا بقضائه والصبر على بلائه. فأما هذا الفئ فليس لاحد فيه على أحد أثرة (1) قد فرغ الله عزوجل من قسمه فهو مال الله، وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله، به أقررنا، وعليه شهدنا وله أسلمنا، وعهد نبينا بين أظهرنا. فسلموا - رحمكم الله - فمن لم يرض بهذا فليتول كيف شاء، فإن العامل بطاعة الله، والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه " اولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، " اولئك هم المفلحون " ونسأل الله ربنا وإلهنا أن يجعلنا وإياكم من أهل طاعته، وأن يجعل رغبتنا ورغبتكم فيما عنده. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم. 2 - ف (2): لما رأت طائفة من أصحابه بصفين ما يفعله معاوية بمن انقطع إليه وبذله لهم الاموال - والناس أصحاب دنيا - قالوا لامير المؤمنين عليه السلام: أعط هذا المال، وفضل الاشراف ومن تخوف خلافه وفراقه. حتى إذا استتب (3) لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من العدل في الرعية والقسم بالسوية (4). فقال: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الاسلام والله لا أطور به ماسمر به سمير (5) وما أم نجم في السماء نجما (6) ولو كان مالهم


(1) الاثرة - محركة -: الاختيار واختصاص المرء باحسن شئ دون غيره. (2) التحف ص 185. (3) استتب: استقام واطرد واستمر. (4) رواه الشيخ أبو على ابن الشيخ في أماليه مع اختلاف يسير أشرنا إلى بعضها. (5) لا أطور به: لا أقاربه. والسمير: الدهر أي لا أقاربه مدى الدهر ولا أفعله أبدا. وفى الامالى (أتأمروني أن أطلب النصر بالجور والله لا افعلن ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم والله لو كان مالى لواسيت بينهم وكيف وانما هو أموالهم). (6) أم: قصد أي ما قصد نجم نجما.

[97]

مالي لسويت بينهم فكيف وإنما هي أموالهم. ثم أزم طويلا ساكتا (1)، ثم قال: من كان له مال فإياه والفساد، فإن إعطاءك المال في غير وجهه تبذير (2) وإسراف وهو يرفع ذكر صاحبه في الناس ويضعه عند الله (3). ولم يضع امرء ماله في غير حقه وعند غير أهله إلا حرمه شكرهم وكان خيره لغيره، فإن بقي معه منهم من يريه الود. ويظهر له الشكر، فإنما هو ملق وكذب (4) وإنما يقرب لينال من صاحبه مثل الذي كان يأتي إليه قبل، فان زلت بصاحبة النعل واحتاج إلى معونته ومكافأته فأشر خليل وآلم خدين (5) مقالة جهال مادام عليهم منعما، وهو عن ذات الله بخيل، فأي حظ أبور وأخس من هذا الحظ ؟ !. وأي معروف أضيع وأقل عائدة من هذا المعروف ؟ !. فمن أتاه مال فليصل به القرابة، وليحسن به الضيافة، وليفك به العاني (6) والاسير وليعن به الغارمين وابن السبيل والفقراء والمهاجرين، وليصبر نفسه على الثواب والحقوق، فإنه يحوز بهذه الخصال شرفا في الدنيا (7) ودرك فضائل الاخرة.


(1) أزم: امسك. (2) في بعض النسخ " في غيره تبذير " وفى الامالى " في غير حقه تبذير ". (3) في الامالى " وهو وان كان ذكرا لصاحبه في الدنيا والاخرة فهو يضيعه عند الله ". (4) ملق - بفتح فكسر ككذب مصدر -: التودد والتذلل والاظهار باللسان من الاكرام والود ما ليس في القلب. وفى الامالى " وكان لغيره ودهم فان بقى معه من يوده يظهر له الشكر - الخ ". (5) كذا ولعله ألام فصحف والخدين: الحبيب والصديق. (6) العانى: السائل. (7) في الامالى " فان النور بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ".

[98]

18. * (باب) * * " (ما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام عند وفاته) " * جا، ما (1): عن المفيد، عن عمر بن محمد المعروف بابن الزيات، عن محمد بن همام الاسكافي، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن أحمد بن سلامة الغنوي، عن محمد بن الحسن العامري، عن أبي معمر، عن أبي بكر بن عياش، عن الفجيع العقيلي قال: حدثني الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام قال: لما حضرت والدي الوفاة أقبل يوصي فقال: هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب أخو محمد رسول الله وابن عمه وصاحبه أول وصيتي أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسوله وخيرته، اختاره بعلمه، وارتضاه لخيرته، وأن الله باعث من في القبور، وسائل الناس عن أعمالهم، عالم بما في الصدور ثم إني اوصيك يا حسن وكفى بك وصيا بما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه وآله، فإذا كان ذلك يا بني ألزم بيتك، وابك على خطيئتك، ولا تكن الدنيا أكبر همك، واوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها، والزكاة في أهلها عند محلها، والصمت عند الشبهة، والاقتصاد والعدل في الرضا والغضب، وحسن الجوار، وإكرام الضيف، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء، وصلة الرحم، وحب المساكين ومجالستهم، والتواضع فإنه من أفضل العبادة، وقصر الامل، واذكر الموت، وازهد في الدنيا فإنك رهين موت، وغرض بلاء، وصريع سقم، واوصيك بخشية الله في سر أمرك وعلانيتك وأنهاك عن التسرع بالقول والفعل، وإذا اعرض شئ من أمر الاخرة فابدء به، وإذا عرض شئ من أمر الدنيا فتأن حتى تصيب رشدك فيه، وإياك ومواطن التهمة والمجلس المظنون به السوء، فإن قرين السوء يغير جليسه، وكن لله يا بني عاملا وعن الخنى زجورا (2) وبالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، وواخ الاخوان في الله


(1) مجالس المفيد ص 129 وامالي الطوسى ج 1 ص 6. (2) الخنى - مقصورا -: الفحش.

[99]

وأحب الصالح لصلاحه، ودار الفاسق عن دينك. وأبغضه بقلبك، وزايله بأعمالك كيلا تكون مثله، وإياك والجلوس في الطرقات، ودع الممارات ومجاراة من لا عقل له ولا علم، واقصد يا بني في معيشتك، واقتصد في عبادتك، وعليك فيها بالامر الدائم الذي تطيقه، وألزم الصمت تسلم، وقدم لنفسك تغنم، وتعلم الخير تعلم، وكن لله ذاكرا على كل حال، وارحم من أهلك الصغير، ووقر منهم الكبير، ولا تأكلن طعاما حتى تصدق منه قبل أكله، وعليك بالصوم فإنه زكاة البدن وجنة لاهله، وجاهد نفسك، واحذر جليسك، واجتنب عدوك، وعليك بمجالس الذكر وأكثر من الدعاء فاني لم آلك يا بني نصحا، وهذا فراق بيني وبينك. واوصيك بأخيك محمد خيرا فإنه شقيقك وابن أبيك وقد تعلم حبي له. وأما أخوك الحسين فهو ابن امك ولا اريد الوصاة بذلك (1)، والله الخليفة عليكم، وإياه أسأل أن يصلحكم وأن يكف الطغاة والبغاة عنكم، والصبر الصبر حتى ينزل الله الامر، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 2 - ف (2): وصيته عليه السلام عند الوفاة: هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب. أوصى المؤمنين بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله على محمد وسلم. ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك امرت وأنا أول المسلمين. ثم إني اوصيك يا حسن وجميع ولدي، وأهل بيتي، ومن بلغه كتابي من المؤمنين بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم " وإن المبيرة وهي الحالقة للدين (3) فساد ذات البين،


(1) في أمالى الطوسى " ولا ازيد الوطأة بذلك ". (2) التحف ص 197. وفى الكافي باب صدقات النبي " ص ". (3) في الكافي " من عامة الصلاة والصيام. وان المبيرة الحالقة للدين فساد ذات البين ".

[100]

ولا قوة إلا بالله. انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب. الله الله في الايتام (1) لا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله له بذلك الجنة كما أوجب لاكل مال اليتيم النار ". الله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العلم (2) به غيركم. الله الله في جيرانكم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم، ما زال يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم. الله الله في بيت ربكم فلا يخلو منكم ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا. وأدنى ما يرجع به من أمه أن يغفر له ما سلف (3). الله الله في الصلاة، فإنها خير العمل، إنها عماد دينكم. الله الله في الزكاة، فإنها تطفئ غضب ربكم. الله الله في صيام شهر رمضان، فإن صيامه جنة من النار. الله الله في الفقراء والمساكين، فشاركوهم في معائشكم. الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم، فإنما يجاهد رجلان إمام هدى أو مطيع له مقتد بهداه. الله الله في ذرية نبيكم، لا تظلمن بين أظهركم وأنتم تقدرون على المنع عنهم. الله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثا ولم يأووا محدثا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله أوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم، والمؤوي للمحدثين. الله الله في النساء وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به نبيكم أن قال: " اوصيكم بالضعيفين: النساء وما ملكت أيمانكم ". الصلاة، الصلاة، الصلاة، لا تخافوا في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم


(1) في الكافي " لا يغيروا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم ". (2) في الكافي " إلى العمل به ". (3) " من أمه " أي من قصده.

[101]

وبغي عليكم (1). قولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر فيولي الله أمركم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليهم. عليكم يا بني بالتواصل والتباذل والتبادر، وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، وحفظكم الله من أهل بيت وحفظ نبيكم فيكم (2) استودعكم الله وأقرأ عليكم السلام، ورحمة الله وبركاته. ثم لم يزل يقول: لا إله إلا الله حتى مضى. 19. * (باب) * * " (مواعظ الحسن بن على عليهما السلام) " * 1 - مع (3): الطالقاني، عن محمد بن سعيد بن يحيي، عن إبراهيم بن الهيثم، عن امية البلدي، عن أبيه، عن المعافى بن عمران، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح ابن هاني، عن أبيه شريح قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن ابنه الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يا بني ما العقل ؟ قال: حفظ قلبك ما استودعته، قال: فما الحزم ؟ قال: أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك، قال: فما المجد ؟ قال: حمل المغارم وابتناء المكارم، قال: فما السماحة ؟ قال: إجابة السائل وبذل النائل (4)، قال: فما الشح ؟ قال: أن ترى القليل سرفا، وما أنفقت تلفا، وقال: فما الرقة ؟ قال: طلب اليسير، ومنع الحقير، قال: فما الكلفة ؟ قال: التمسك بمن لا يؤمنك، والنظر فيما لا يعنيك، قال: فما الجهل ؟ قال: سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها


(1) في الكافي " يكفيكم الله من أذاكم وبغى عليكم ". (2) أي حفظ رعايته وامتثال أمره. وفى الكافي بتقديم " نبيكم " على " فيكم ". (3) معاني الاخبار ص 401. (4) النائل: ما ينال.

[102]

والامتناع عن الجواب، ونعم العون الصمت في مواطن كثيرة وإن كنت فصيحا. ثم أقبل على الحسين ابنه عليهما السلام فقال له: يا بني ما السؤدد ؟ قال: اصطناع - العشيرة واحتمال الجريرة، قال: فما الغنى ؟ قال: قلة أمانيك، والرضا بما يكفيك ؟ قال: فما الفقر ؟ قال: الطمع وشدة القنوط، قال: فما اللؤم ؟ قال: احراز المرء نفسه، وإسلامه عرسه، قال: فما الخرق ؟ قال: معاداتك أميرك، ومن يقدر على ضرك ونفعك. ثم التفت إلى الحارث الاعور فقال: يا حارث علموا هذه الحكم أولادكم فإنها زياده في العقل والحزم والرأي. 2 - ف (1): أجوبة الحسن بن علي عليهما السلام عن مسائل سأله عنها أمير المؤمنين عليه السلام أو غيره في معان مختلفة. قيل له عليه السلام: ما الزهد ؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا. قيل: فما الحلم ؟ قال: كظم الغيظ وملك النفس. قيل: ما السداد ؟ قال: دفع المنكر بالمعروف قيل: فما الشرف ؟ قال: إصطناع العشيرة وحمل الجريرة. قيل: فما النجدة ؟ (2) قال: الذب عن الجار والصبر في المواطن والاقدام عند الكريهة. قيل: فما المجد ؟ قال: أن تعطي في الغرم (3) وأن تعفو عن الجرم. قيل: فما المروة ؟ قال: حفظ الدين وإعزاز النفس ولين الكنف (4) وتعهد الصنيعة وأداء الحقوق، والتحبب إلى الناس. قيل فما الكرم ؟ قال: الابتداء بالعطية قبل


(1) التحف ص 225. (2) اصطناع العشيرة: الاحسان إليهم. والجريرة: الذنب والجناية. والنجدة: الشجاعة والشدة والبأس. (3) الغرم - بتقديم المعجمة المضمومة: ما يلزم اداؤه. (4) الكنف - محركة -: الجانب والناحية. وكنف الانسان: حضنه والعضدان والصدر. وقوله: " وتعهد الصنيعة " أي اصلاحها وانماؤها.

[103]

المسألة وإطعام الطعام في المحل (1) قيل: فما الدنيئة ؟ قال: النظر في اليسير ومنع الحقير. قيل: فما اللؤم ؟ قال: قلة الندى وأن ينطق بالخنى (2). قيل: فما السماح ؟ قال: البذل في السراء والضراء. قيل: فما الشح ؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفا وما أنفقته تلفا. قيل: فما الاخاء ؟ قال: الاخاء في الشدة والرخاء. قيل: فما الجبن ؟ قال: الجرأة على الصديق والنكول عن العدو. قيل: فما الغنى ؟ قال: رضى النفس بما قسم لها وإن قل. قيل: فما الفقر ؟ قال: شره النفس إلى كل شئ. قيل: فما الجود ؟ قال: بذل المجهود. قيل: فما الكرم ؟ قال: الحفاظ في الشدة والرخاء (3) قيل: فما الجرأة ؟ قال: مواقفة الاقران (4). قيل: فما المنعة ؟ قال: الشدة البأس ومنازعة أعز الناس (5). قيل: فما الذل ؟ قال: الفرق عند المصدوقة (6). قيل: فما الخرق ؟ قال: مناواتك أميرك ومن يقدر على ضرك (7). قيل: فما السناء ؟ قال: إتيان الجميل وترك القبيح (8). قيل: فما الحزم ؟ قال: طول الاناة والرفق بالولاة والاحتراس


(1) المحل - بالفتح -: الشدة والجدب. يقال: زمان ما حل أي مجدب. (2) اللؤم - مصدر من لؤم الرجل لؤما وملاءمة - كان دنى الاصل شحيح النفس فهو لئيم. والندى - كعمي -: الجود والفضل والخير. والخنى - مقصورا -: الفحش في الكلام. (3) الحفاظ - ككتاب -: الذب عن المحارم والمنع لها والمحافظة على العهد والوفاء والتمسك بالود. (4) في بعض النسخ " قيل: فما الجزاء ". والمواقفة - بتقديم القاف -: المحاربة، يقال: واقفه في الحرب أو الخصومة أي وقف كل منهما مع الاخر. (5) المنعة: العز والقوة. ولعل المراد بالبأس والمنازعة: الجهاد في الله أو الهيبة في أعين الناس. وبأعز الناس أقواهم. (6) الفرق - محركة -: الخوف والفزع. والمصدوقة: الصدق. (7) المناواة: المعاداة. (8) السناء - بالمهملة ممدودا -: الرفعة.

[104]

من جميع الناس (1). قيل: فما الشرف ؟ قال: موافقة الاخوان وحفظ الجيران. قيل: فما الحرمان ؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك. قيل: فما السفه ؟ قال: اتباع الدناة ومصاحبة الغواة. قيل: فما العي (2) ؟ قال: العبث باللحية وكثرة التنحنح عند المنطق. قيل: فما الشجاعة ؟ قال: مواقفة الاقران والصبر عند الطعان. قيل فما الكلفة ؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك. قيل: وما السفاه (3) ؟ قال: الاحمق في ماله المتهاون بعرضه. قيل: فما اللؤم ؟ قال: إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه (4). 3 - ف (5): ومن حكمه عليه السلام: أيها الناس إنه من نصح لله وأخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم، ووفقه الله للرشاد، وسدده للحسنى، فإن جار الله آمن محفوظ، وعدوه خائف مخذول، فاحترسوا من الله بكثرة الذكر، واخشوا الله بالتقوى، وتقربوا إلى الله بالطاعة فإنه قريب مجيب، قال الله تبارك وتعالى: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (6) " فاستجيبوا لله وآمنوا به، فإنه لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعاظم، فإن رفعة الذين يعلمون عظمة الله أن يتواضعوا و [عز] الذين يعرفون ما جلال الله أن يتذللوا [له] وسلامة الذين يعلمون ما قدرة الله أن يستسلموا له، ولا ينكروا أنفسهم


(1) الاناة: الوقار والحلم. وفى بعض النسخ " الاناة ". (2) العى: العجر في الكلام. (3) السفاه - بالكسر -: الجهل وأيضا جمع سفيه. (4) العرس - بالكسر -: حليلة الرجل ورحلها. (5) التحف ص 227 ومضمون هذا الخبر مروى في روضة الكافي عن أمير المؤمنين (ع) في خطبته التى خطبها بذى قار ولا عجب أن يشتبه الكلامان لان مستقاهما من قليب ومفرغهما من ذنوب كما قال المعصوم عليه السلام. (6) سورة البقرة 182.

[105]

بعد المعرفة، ولا يضلوا بعد الهدى (1). واعلموا علما يقينا أنكم لن تعرفوا التقى حتى تعرفوا صفة الهدى (2) ولن تمسكوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف، ورأيتم الفرية على الله والتحريف، ورأيتم كيف يهوي من يهوي. ولا يجهلنكم الذين لا يعلمون. والتمسوا ذلك عند أهله، فإنهم خاصة نور يستضاء بهم، وأئمة يقتدى بهم، بهم عيش العلم وموت الجهل، وهم الذين أخبركم حلمهم عن جهلهم (3) وحكم منطقهم عن صمتهم، وظاهرهم عن باطنهم، لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه. وقد خلت لهم من الله سنة (4) ومضى فيهم من الله حكم، إن في ذلك لذكرى للذاكرين، واعقلوه إذا سمعتموه عقل رعايته ولا تعقلوه عقل روايته، فإن رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل، والله المستعان. 4 - ف (5): وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني: 1 - قال عليه السلام: ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم. 2 - وقال عليه السلام: اللؤم أن لا تشكر النعمة. 3 - وقال عليه السلام لبعض ولده: يا بني لا تواخ أحدا حتى تعرف موارده


(1) في بعض النسخ " ولا ينكرن أنفسهم بعد المعرفة ولا يضلن بعد الهدى ". (2) في بعض النسخ " حتى تعرفوا بصبغة الهدى ". (3) كذا. ولعل الضمير في " جهلهم " راجع إلى المخالفين كما يظهر من السياق والمعنى أخبركم حلمهم عن جهل مخالفيهم. أو عن عدم جهلهم أوانه تصحيف " جهدهم ". وفى الروضة " هم عيش العلم وموت الجهل، يخبركم حكمهم عن علمهم وظاهرهم عن باطنهم الخ ". (4) في بعض النسخ " من الله سبقة ". (5) التحف 333.

[106]

ومصادره فإذا استنبطت الخبرة (1) ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة. 4 - وقال عليه السلام: لا تجاهد الطلب جهاد الغالب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم فإن ابتغاء الفضل من السنة، والاجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقا، ولا الحرص بجالب فضلا، فإن الرزق مقسوم، واستعمال الحرص استعمال المآثم. 5 - وقال عليه السلام: القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه، والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه، لا شئ أقرب من يد إلى جسد، وإن اليد تفل فتقطع وتحسم (2). 6 - وقال عليه السلام: من اتكل على حسن الاختيار من الله لم يتمن (3) أنه في غير الحال التي اختارها الله له. 7 - وقال عليه السلام: الخير الذي لا شر فيه: الشكر مع النعمة، والصبر على النازلة. 8 - وقال عليه السلام لرجل أبل من علة (4): إن الله قد ذكرك فاذكره، وأقالك فاشكره (5). 9 - وقال عليه السلام: العار أهون من النار. 10 - وقال عليه السلام عند صلحه لمعاوية: إنا والله ماثنانا عن أهل الشام بالسلامة


(1) الخبرة - مصدر -: الاختيار والعلم عن تجربة. والعشرة - بالكسر - المخالطة والصحبة. (2) تفل: تكسر وتثلم. و " تحسم " أصله القطع والمراد به تتابع بالمكواة حتى يبرد. (3) في بعض النسخ " يتميز ". (4) أبل من مرضه: برئ منه. (5) الاقالة: فسخ البيع وأقالك الله أي غفر لك وتجاوز عنك.

[107]

والصبر، فثبت السلامة (1) بالعداوة والصبر بالجزع، وكنتم في مبداكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم وقد أصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم. 11 - وقال عليه السلام: ما أعرف أحدا إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه. 12 - وقيل له: فيك عظمة فقال عليه السلام: بل في عزة قال الله: " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (2) ".


(1) فيه تصحيف والصحيح " فسلبت السلامة " كما في اسد الغابة ج 2 ص 13 وهذه الخطبة تكشف الغطاء عن سر صلح الامام المجتبى سبط المصطفى عليهما آلاف التحية والثناء. مختارها في هذا الكتاب وكتاب الملاحم والفتن للسيد بن طاووس رحمة الله وتمامها في كتاب اسد الغابة قد يعجبنى ذكرها بنصها: قال الجزرى: " أخبرنا أبو محمد القاسم بن على بن الحسن الدمشقي اجازة أخبرنا أبى أخبرنا أبو السعود، حدثنا أحمد بن محمد بن العجلى، أخبرنا محمد بن محمد ابن أحمد العكبرى، أخبرنا محمد بن أحمد بن خاقان، أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد الله عزوجل: انا والله ماثنانا عن أهل الشأم شك ولا ندم وانما كنا نقاتل أهل الشأم بالسلامة والصبر، فسلبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، فاصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وانا لكم كما كنا ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد اصبحتم، بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثاره، فاما الباقي فخاذل، وأما الباكى فثائر، ألا وان معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزولا نصفة، فان اردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عزوجل بظباء السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه واخذنا لكم الرضى ". فناداه القوم من كل جانب: البقية البقية فلما أفردوه امضى الصلح ". انتهى، وقوله: " البقية البقية " تحذير يعنى احفظ البقية. (2) المنافقون: 8. وفى نسخة " فيكم " مكان " فيك ". ورواه الساروى في المناقب وفيه: " فيك عظمة ".

[108]

13 - وقال عليه السلام في وصف أخ كان له صالح (1): كان من أعظم الناس في عيني، صغر الدنيا في عينه (2) كان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يمد يدا إلا على ثقة لمنفعة، كان لا يشتكي ولا يتسخط ولا يتبرم، كان أكثر دهره صامتا، فإذا قال بذ القائلين (3) كان ضعيفا مستضعفا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديا (4). كان إذا جامع العلماء على أن يستمع أحرص منه على أن يقول، كان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، كان لا يقول مالا يفعل، ويفعل مالا يقول، كان إذا عرض له أمر ان لا يدري أيهما أقرب إلى ربه نظر أقربهما من هواه فخالفه، كان لا يلوم أحدا على ما قد يقع العذر في مثله. 14 - وقال عليه السلام: من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب إحدى ثمان: آية محكمة، وأخا مستفادا، وعلما مستطرفا، ورحمة منتظرة، وكلمة تدله على الهدى، أو ترده عن ردى، وترك الذنوب حياء أو خشية.


(1) رواه الكليني (ره) في الكافي عن الحسن بن على عليهما السلام بنحو أبسط. وأورده الرضى (ره) في النهج عن أمير المؤمنين عليه السلام هكذا " وقال (ع) كان لى فيما مضى اخ في الله - الخ " قال ابن ميثم: ذكر هذا الفصل ابن المقفع في ادبه ونسبه إلى الحسن ابن على عليهما السلام والمشار إليه قيل: أبو ذر الغفاري وقيل: هو عثمان بن مظعون انتهى. وقيل: لا يبعد أن يكون المراد به أباه عليه السلام عبر عنه عليه السلام هكذا لمصلحة. (2) أي كان أعظم الصفات التى صارت سببا لعظمته في عينى هو أن صغر الدنيا في عينه، والصغر كعنب وقفل: خلاف الكبر وبمعنى الذل والهوان وهو خبر " كان " وفاعل " عظم " ضمير الاخ وضمير " به " عائد إلى الموصول والباء للسببية. (3) يتبرم أي لا يتسأم ولا يتضجر ولا يغتم. وبذ القائلين. أي غلبهم وسبقهم وفاقهم. (4) " كان ضعيفا مستضعفا " كناية عن تواضعه ولين كلامه وسجاحة أخلاقه. " فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا " الليث: الاسد وهو كناية عن التصلب في ذات الله وترك المداهنة في أمر الدين واظهار الحق وفى لفظ الجد بعد ذكر الضعف أشعار بذلك. ولعل المراد البسالة في الحرب والشجاعة.

[109]

15 - ورزق غلاما فأتته قريش تهنيه فقالوا: يهنيك الفارس، فقال عليه السلام: أي شئ هذا القول ؟ ولعله يكون راجلا، فقال له جابر: كيف نقول يا ابن رسول الله ؟ فقال عليه السلام: إذا ولد لاحدكم غلام ؟ فأتيتموه فقولوا له: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، بلغ الله به أشده (1) ورزقك بره. 16 - وسئل عن المروة ؟ فقال عليه السلام: شح الرجل على دينه، وإصلاحه ماله، وقيامه بالحقوق. 17 - وقال عليه السلام: إن أبصر الابصار ما نفذ في الخير مذهبه. وأسمع الاسماع ما وعى التذكير وانتفع به. أسلم القلوب ما طهر من الشبهات. 18 - وسأله رجل أن يخيله (2) قال عليه السلام: إياك أن تمدحني فأنا أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لمكذوب، أو تغتاب عندي أحدا. فقال له الرجل: ائذن لي في الانصراف، فقال عليه السلام: نعم إذا شئت. 19 - وقال عليه السلام: إن من طلب العبادة تزكى لها، إذا أضرت النوافل بالفريضة فارفضواها، اليقين معاذ للسلامة، من تذكر بعد السفر اعتد، ولا يغش العاقل من استنصحه، بينكم وبين الموعظة حجاب العزة، قطع العلم عذر المتعلمين (3)، كل معاجل يسأل النظرة (4)، وكل مؤجل يتعلل بالتسويف. 20 - وقال عليه السلام: اتقوا الله عباد الله وجدوا في الطلب وتجاه الهرب، وبادروا العمل قبل مقطعات النقمات (5) وهاذم اللذات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجيعها ولا تتوقى في مساويها، غرور حائل، وسناد مائل (6)، فاتعظوا


(1) وفى بعض النسخ " رشده ". ورواه الكليني في الكافي قسم الفروع. (2) في بعض النسخ " يعظه " مكان يخيله أي يغيره وهو أيضا كناية عن الموعظة. (3) كذا وفى كلام أبيه عليه السلام في النهج " المعللين ". (4) النظرة: الامهال والتأخير. (5) النقمات: جمع نقمة: اسم من الانتقام. (6) السناد - ككتاب -: النافة الشديدة القوية. ومن الشئ عماده.

[110]

عباد الله بالعبر، واعتبروا بالاثر، وازدجروا بالنعيم (1) وانتفعوا بالمواعظ، فكفى بالله معتصما ونصيرا، وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما (2) وكفى بالجنة ثوابا، وكفى بالنار عقابا ووبالا. 21 - وقال عليه السلام: إذا لقى أحدكم أخاه فليقبل موضع النور من جبهته. 22 - ومر عليه السلام في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون فوقف على رؤوسهم فقال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه (3) فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا، وقصر آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أن المحسن مشغول بإحسانه، والمسيئ مشغول بإساءته، ثم مضى. 5 - ف (4): موعظة منه عليه السلام: إعلموا أن الله لم يخلقكم عبثا، وليس بتارككم سدى، كتب آجالكم، وقسم بينكم معائشكم، ليعرف كل ذي لب منزلته، وأن ما قدر له أصابه، وما صرف عنه فلن يصيبه، قد كفاكم مؤونة الدنيا، وفرغكم لعبادته، وحثكم على الشكر، وافترض عليكم الذكر، وأوصاكم بالتقوى، وجعل التقوى منتهى رضاه، والتقوى باب كل توبة، ورأس كل حكمة، وشرف كل عمل، بالتقوى فاز من فاز من المتقين. قال الله تبارك وتعالى: " إن للمتقين مفازا (5) ". وقال: " وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (6) " فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنه من يتق الله يجعل له مخرجا من الفتن، ويسدده في


(1) كذا، والظاهر " بالنقم ". (2) الحجيج: المغالب باظهار الحجة. (3) المضمار: المدة والايام التى تضمر فيها للسباق. وموضع السباق أيضا. (4) التحف ص. 232 (5) سورة النبأ: 32. (6) سورة الزمر: 61.

[111]

أمره، ويهيئ له رشده، ويفلجه بحجته، ويبيض وجهه، ويعطيه رغبته مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا. 6 - كشف (1): عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: لا أدب لمن لا عقل له، ولا مروة لمن لا همة له، ولا حياء لمن لا دين له، ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل، وبالعقل تدرك الداران جميعا، ومن حرم من العقل حرمهما جميعا. وقال عليه السلام: علم الناس علمك وتعلم علم غيرك فتكون قد أتقنت علمك وعلمت ما لم تعلم. وسئل عليه السلام عن الصمت فقال: هو ستر العمى، وزين العرض، وفاعله في راحة وجليسه آمن. وقال عليه السلام: هلاك الناس في ثلاث: الكبر والحرص والحسد، فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس، والحرص عدو النفس وبه اخرج آدم من الجنة، والحسد رائد السوء ومنه قتل قابيل هابيل. وقال عليه السلام: لا تأت رجلا إلا أن ترجو نواله وتخاف يده، أو يستفيد من علمه، أو ترجو بركة دعائه، أو تصل رحما بينك وبينه. وقال عليه السلام: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وهو يجود بنفسه لما ضربه ابن ملجم فجزعت لذلك فقال لي: أتجزع فقلت: وكيف لا أجزع وأنا أراك على حالك هذه فقال عليه السلام: ألا اعلمك خصالا أربع إن أنت حفظتهن نلت بهن النجاة وإن أنت ضيعتهن فاتك الداران، يا بني لا غنى أكبر من العقل، ولا فقر مثل الجهل، ولا وحشة أشد من العجب، ولا عيش ألذ من حسن الخلق. [فهذه سمعت عن الحسن يرويها عن أبيه عليهما السلام فاروها إن شئت في مناقبه أو مناقب أبيه] (2). وقال عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد. وقال عليه السلام: اجعل ما طلبت من الدنيا فلن تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك، واعلم أن مروة القناعة والرضا أكثر من مروة الاعطاء، وتمام الصنيعة خير من ابتدائها


(1) كشف الغمة ج 2 ص 196. (2) بين القوسين كلام الاردبيلى في (كشف) ولا يناسب هذا الكتاب.

[112]

وسئل عن العقوق فقال: أن تحرمهما وتهجرهما (1). وروي أن أباه عليا عليه السلام قال له: قم فاخطب لاسمع كلامك، فقام فقال: الحمد لله الذي من تكلم سمع كلامه، ومن سكت علم ما في نفسه، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه معاده، أما بعد فإن القبور محلتنا، والقيامة موعدنا، والله عارضنا، إن عليا باب من دخله كان مؤمنا، ومن خرج عنه كان كافرا. فقام إليه علي عليه السلام فالتزمه فقال: بأبي أنت وامي " ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ". ومن كلامه عليه السلام: يا ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابدا، ومن ارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به تكن عدلا، إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا، أصبح جمعهم بوارا وعملهم غرورا، ومساكنهم قبورا، يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن امك فخذ مما في يديك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود، والكافر يتمتع، وكان عليه السلام يتلو بعد هذه الموعظة: " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ". ومن كلامه عليه السلام إن هذا القرآن فيه مصابيح النور وشفاء الصدور، فليجل جال بضوئه وليلجم الصفة فإن التلقين (2) حياة القلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور. 7 - د (3): قال عليه السلام: العقل حفظ قلبك ما استودعته، والحزم أن تنتظر فرصتك، وتعاجل ما أمكنك، والمجد حمل المغارم وابتناء المكارم، والسماحة إجابة السائل، وبذل النائل، والرقة طلب اليسير ومنع الحقير، والكلفة


(1) يعنى الوالدين. (2) كذا وفى المصدر " وليلجم الصفة قلبه فان التفكير حياة القلب البصير " والصواب كما في الكافي ج 2 ص 599 " فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره فان التفكر حياة قلب البصير ". (3) مخطوط.

[113]

التمسك لمن لا يؤاتيك، والنظر بما لا يعنيك، والجهل وإن كنت فصيحا. وقال عليه السلام: ما فتح الله عزوجل على أحد باب مسألة فخزن عنه باب الاجابة، ولا فتح الرجل باب عمل فخزن عنه باب القبول، ولا فتح لعبد باب شكر فخزن عنه باب المزيد. وقيل له عليه السلام: كيف أصبحت يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: أصبحت ولي رب فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي لا أجد ما احب، ولا أدفع ما أكره، والامور بيد غيري، فإن شاء عذبني وإن شاء عفا عني، فأي فقير أفقر مني ؟. وقال عليه السلام: المعروف ما لم يتقدمه مطل، ولا يتبعه من، والاعطاء قبل السؤال من أكبر السؤدد. وسئل عليه السلام عن البخل: فقال: هو أن يرى الرجل ما أنفقه تلفا وما أمسكه شرفا، وقال عليه السلام: من عدد نعمه محق كرمه. وقال عليه السلام: الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم. وقال عليه السلام: الوعد مرض في الجود، والانجاز دواؤه. وقال عليه السلام: الانجاز دواء الكرم. وقال عليه السلام: لا تعاجل الذنب بالعقوبة واجعل بينهما للاعتذار طريقا. وقال عليه السلام: المزاح يأكل الهيبة، وقد أكثر من الهيبة الصامت. وقال عليه السلام: المسؤول حر حتى يعد ومسترق المسؤول حتى ينجز (1). وقال عليه السلام: المصائب مفاتيح الاجر. وقال عليه السلام: النعمة محنة فإن شكرت كانت نعمة، فإن كفرت صارت نقمة. وقال عليه السلام: الفرصة سريعة الفوت بطيئة العود. وقال عليه السلام: لا يعرف الرأي إلا عند الغضب. وقال عليه السلام: من قل ذل، وخير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع.


(1) " يعد " مضارع من وعد، والمسترق هو السائل يعنى هو الذى يطلب الرق.

[114]

وقال عليه السلام: كفاك من لسانك ما أوضح لك سبيل رشدك من غيك. 8 - د: روي أن أمير المؤمنين عليه السلام قال للحسن عليه السلام: قم فاخطب لاسمع كلامك فقام وقال: الحمد لله الذي من تكلم سمع كلامه، ومن سكت علم ما في نفسه، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه معاده، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين وسلم. أما بعد فإن القبور محلتنا، والقيامة موعدنا، والله عارضنا، وإن عليا باب من دخله كان آمنا، ومن خرج منه كان كافرا، فقام إليه عليه السلام فالتزمه وقال: بأبي أنت وامي ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم. 9 - د: اعتل أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة فخرج الحسن عليه السلام يوم الجمعة فصلى الغداة بالناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وآله، ثم قال: إن الله لم يبعث نبيا إلا اختار له نفسا ورهطا وبيتا والذي بعث محمدا بالحق لا ينقص أحد من حقنا إلا نقصه الله من علمه، ولا يكون علينا دولة إلا كانت لنا عاقبة، ولتعلمن نبأه بعد حين. 10 - د: قال مولينا الحسن عليه السلام: إن الله عزوجل أدب نبيه أحسن الادب فقال: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (1) " فلما وعى الذي أمره قال تعالى: " ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا (2) " فقال لجبرئيل عليه السلام: وما العفو ؟ قال: أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، فلما فعل ذلك أوحى الله إليه " إنك لعلى خلق عظيم (3) ". وقال: السداد دفع المنكر بالمعروف، والشرف اصطناع العشيرة وحمل الجريرة، والمروة العفاف وإصلاح المرء ماله، والرقة النظر في اليسير ومنع الحقير، واللؤم إحراز المرء نفسه وبذله عرسه، السماحة البذل في العسر واليسر، الشح أن ترى ما في يديك شرفا، وما أنفقته تلفا، الاخاه الوفاء في الشدة


(1) الاعراف: 199. (2) الحشر: 7. (3) القلم: 4.

[115]

الرخاء، الجبن الجرأة على الصديق والنكول عن العدو، والغنيمة في التقوى والزهادة في الدنيا في الغنيمة البادرة، الحلم كظم الغيظ، وملك النفس الغنى بما قسم الله لها وإن قل فإنما الغنى غني النفس، الفقر شدة النفس في كل شئ، المنعة شدة البأس ومنازعة أشد الناس، الذل التضرع عند المصدوقة الجرأة مواقفة الاقران، الكلفة كلامك فيما لا يعنيك، والمجد أن تعطي في العدم وأن تعفو عن طول الاناة، والاقرار بالولاية، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم، السرور موافقة الاخوان وحفظ الجيران، السفه اتباع الدناة ومصاحبة الغواة، الغفلة تركك المسجد وطاعتك المفسد، الحرمان ترك حظك وقد عرض عليك، السفيه الاحمق في ماله، المتهاون في عرضه، يشتم فلا يجيب، المتحرم بأمر عشيرته هو السيد. 11 - الدرة الباهرة (1): قال الحسن بن علي عليهما السلام: المعروف ما لم يتقدمه مطل ولم يتعقبه من، والبخل أن يرى الرجل ما أنفقه تلفا وما أمسكه شرفا، من عدد نعمه محق كرمه، الانجاز دواء الكرم، لا تعاجل الذنب بالعقوبة واجعل بينهما للاعتذار طريقا، التفكر حياة قلب البصير، أوسع ما يكون الكريم بالمغفرة إذا صاقت بالمذنب المعذرة. 12 - اعلام الدين (2): قال الحسن بن علي عليهما السلام: المصائب مفاتيح الاجر. وقال عليه السلام: تجهل النعم ما أقامت فإذا ولت عرفت. وقال عليه السلام: عليكم بالفكر فإنه حياة قلب البصير ومفاتيح أبواب الحكمة. وقال عليه السلام: أوسع ما يكون الكريم بالمغفرة إذا ضاقت بالمذنب المعذرة. وقيل له عليه السلام: فيك عظمة قال: لا بل في عزة قال الله تعالى: " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين (3) ".


(1) مخطوط. (2) مخطوط. (3) المنافقون: 8.

[116]

وقال عليه السلام: صاحب الناس مثل ما تحب أن يصاحبوك به. وكان يقول عليه السلام: ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن امك، فخذ مما في يديك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود وإن الكافر يتمتع، وكان ينادي مع هذه الموعظة " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ". 20. * (باب) * * " (مواعظ الحسين بن أمير المؤمنين صلوات الله عليهما) " * 1 - لى (1): ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: سئل الحسين بن علي عليهما السلام فقيل له: كيف أصبحت يا ابن رسول الله ؟ قال: أصبحت ولي رب فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما احب، ولا أدفع ما أكره، والامور بيد غيري، فإن شاء عذبني وإن شاء عفا عني، فاي فقير أفقر مني ؟. 2 - ف (2): عن الحسين عليه السلام في قصار هذه المعاني: 1 - قال عليه السلام: في مسيره إلى كربلا (3): إن هذه الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها، فلم يبق منها إلا صبابة كصابة الاناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل (4)، ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا ينتهى


(1) المجالس: المجلس التاسع والثمانون ص 362. (2) التحف ص 245. (3) ذلك في موضع يقال: ذى حسم ونقل هذا الكلام الطبري في تاريخه " عن عقبة ابن أبى العيزار قال: قام الحسين عليه السلام بذى حسم فحمد الله واثنى عليه ثم قال: " أما بعد انه قد نزل من الامر ما قد ترون.. الخ " مع اختلاف يسير. (4) الصبابة - بالضم -: بقية الماء في الاناء. والمرعى: الكلاء. والوبيل: الوخيم.

[117]

عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا، فإني لا أرى الموت إلا الحياة، ولا الحياة مع الظالمين إلا برما. إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم (1) يحوطونه مادرت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء (2) قل الديانون 2 - وقال عليه السلام لرجل اغتاب عنده رجلا: يا هذا كف عن الغيبة فإنها إدام كلاب النار. 3 - وقال عنده رجل: إن المعروف إذا اسدي إلى غير أهله ضاع (3) فقال الحسين عليه السلام: ليس كذلك، ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البر والفاجر. 4 - وقال عليه السلام: ما أخذ الله طاقة أحد إلا وضع عنه طاعته، ولا أخذ قدرته إلا وضع عنه كلفته. 5 - وقال عليه السلام: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبداة الاحرار، وهي أفضل العبادة. 6 - وقال له رجل: ابتداء كيف أنت عافاك الله ؟ فقال عليه السلام له: السلام قبل الكلام عافاك الله، ثم قال عليه السلام: لا تأذنوا لاحد حتى يسلم. 7 - وقال عليه السلام: الاستدراج من الله سبحانه لعبده أن يسبغ عليه النعم ويسلبه الشكر. 8 - وكتب إلى عبد الله بن العباس حين سيره عبد الله بن الزبير (4) إلى


(1) في بعض النسخ " لغو على ألسنتهم ". (2) محص الله الرجل: اختبره. (3) اسدي إليه: أحسن إليه. والوابل: المطر الشديد. (4) انما وقع هذا التسيير بعد قتل المختار الناهض الوحيد لطلب ثار الامام السبط المفدى فالكتاب هذا لا يمكن أن يكون للحسين السبط عليه السلام ولعله لولده الطاهر على بن الحسين السجاد سلام الله عليهما فاشتبه على الراوى على بن الحسين بالحسين بن على صلوات الله عليهم.

[118]

اليمن: أما بعد بلغني أن ابن الزبير سيرك إلى الطائف فرفع الله لك بذلك ذكرا وحط به عنك وزرا وإنما يبتلى الصالحون. ولو لم توجر إلا فيما تحت لقل الاجر (1)، عزم الله لنا ولك بالصبر عند البلوى، والشكر عند النعمى (2) ولا أشمت بنا ولا بك عدوا حاسدا أبدا، والسلام. 9 - وأتاه رجل فسأله فقال عليه السلام: إن المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مقطعة (3)، فقال الرجل: ما جئت إلا في إحديهن، فأمر له بمائة دينار. 10 - وقال لابنه علي بن الحسين عليهما السلام: أي بني إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله عزوجل. 11 - وسأله رجل عن معنى قول الله: " وأما بنعمة ربك فحدث (4) " قال عليه السلام: أمره أن يحدث بما أنعم الله به عليه في دينه. 12 - وجاءه رجل من الانصار يريد أن يسأله حاجة فقال عليه السلام: يا أخا الانصار صن وجهك عن بذلة المسألة (5) وارفع حاجتك في رقعة، فإني آت فيها ما سارك إن شاء الله، فكتب: يا أبا عبد الله إن لفلان علي خمسمائة دينار وقد ألح بي فكلمه ينظرني إلى ميسرة، فلما قرأ الحسين عليه السلام الرقعة دخل إلى منزله فأخرج صرة (6) فيها ألف دينار، وقال عليه السلام له: أما خمسمائة فاقض بها دينك وأما خمسمائة فاستعن بها على دهرك، ولا ترفع حاجتك إلا إلى أحد ثلاثة: إلى


(1) في بعض النسخ " لقاء الاجر ". (2) والنعمى: الدعة والراحة وخفض العيش. (3) الغرم: أداء شئ لازم، وما يلزم أداؤه، والضرر والمشقة. والفادح: الصعب المثقل. والمدقع: الملصق بالتراب. والحمالة: الدية والغرامة والكفالة. (4) سورة الضحى: 11. (5) البذلة: ترك الصون. (6) الصرة - بالضم فالتشديد -: ما يصر فيه الدراهم والدينار.

[119]

ذي دين، أو مروة، أو حسب، فأما ذو الدين فيصون دينه، وأما ذوالمروة فإنه يستحيي لمروته، وأما ذو الحسب فيعلم أنك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردك بغير قضاء حاجتك. 13 - وقال عليه السلام: الاخوان أربعة: فأخ لك وله، وأخ لك، وأخ عليك وأخ لا لك ولا له. فسئل عن معنى ذلك ؟ فقال عليه السلام: الاخ الذي هو لك وله فهو الاخ الذي يطلب بإخائه بقاء الاخاء ولا يطلب بإخائه موت الاخاء، فهذا لك وله لانه إذا تم الاخاء طابت حياتهما جميعا، وإذا دخل الاخاء في حال التناقص بطل جميعا. والاخ الذي هو لك فهو الاخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة، فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الاخاء، فهذا موفر (1) عليك بكليته. والاخ الذي هو عليك فهو الاخ الذي يتربص بك الدوائر (2) ويغشي السرائر، ويكذب عليك بين العشائر، وينظر في وجهك نظر الحاسد، فعليه لعنة الواحد. والاخ الذي لا لك ولا له فهو الذي قد ملاه الله حمقا فأبعده سحقا (3) فتراه يؤثر نفسه عليك ويطلب شحا ما لديك. 14 - وقال عليه السلام: من دلائل علامات القبول: الجلوس إلى أهل العقول. ومن علامات أسباب الجهل المماراة لغير أهل الكفر (4) ومن دلائل العالم انتقاده لحديثه، وعلمه بحقائق فنون النظر. 15 - وقال عليه السلام: إن المؤمن اتخذ الله عصمته، وقوله مرآته. فمرة ينظر في نعت المؤمنين، وتارة ينظر في وصف المتجبرين، فهو منه في لطائف، ومن نفسه في تعارف، ومن فطنته في يقين، ومن قدسه على تمكين (5).


(1) في بعض النسخ " موفور عليك ". (2) الدوائر. النوائب، يقال: دارت الدوائر أي نزلت الدواهي والنوائب. (3) أي فابعده الله من رحمته بعدا. (4) الممارة: المجادلة والمنازعة. وفى بعض النسخ " لغير أهل الفكر ". (5) أي ومن طهارة نفسه على قدرة وسلطنة.

[120]

16 - وقال عليه السلام: إياك وما تعتذر منه، فإن المؤمن لا يسيئ ولا يعتذر والمنافق كل يوم يسيئ ويعتذر. 17 - وقال عليه السلام: للسلام سبعون حسنة، تسع وستون للمبتدئ وواحدة للراد. 18 - وقال عليه السلام: البخيل من بخل بالسلام. 19 - وقال عليه السلام: من حاول امرا (1) بمعصية الله كان أفوت لما يرجو، وأسرع لما يحذر (2). 3 - ف (3) موعظة منه عليه السلام: أوصيكم بتقوى الله واحذركم أيامه وأرفع لكم أعلامه، فكان المخوف قد أفد بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم (4) وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحة الاجسام في مدة الاعمار كأنكم ببغتات طوارقه (5) فتنقلكم من ظهر الارض إلى بطنها، ومن علوها إلى سفلها، ومن انسها إلى وحشتها، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها، حيث لا يزار حميم، ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ. أعاننا الله وإياكم على أهوال ذلك اليوم، ونجانا وإياكم من عقابه، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه. عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم ومدى مظعنكم (6) كان حسب العامل


(1) في بعض النسخ " من حاول أمرءا ". (2) في بعض النسخ " أسرع لمجئ ما يحذر ". (3) التحف ص 239. (4) أفد - كفرح -: عجل ودنا وأزف. والمهول: ذوالهول. وبشع: ضد حسن وطيب أي كريه الطعم والرائحة. والمهج - كغرف -: جمع مهجة - كغرفة -: الدم، أو دم القلب والمراد به الروح. (5) بغتات: جمع بغتة. والطوارق: جمع الطارقة: الداهية. (6) القصر: الجهد والغاية. والمرمى: مصدر ميمى أو مكان الرمى وزمانه. والمدى: الغاية والمنتهى. ويذهل: ينسى ويسلو - من الذهول -: الذهاب عن الامر - - - - -

[121]

شغلا يستفرغ عليه أحزانه، ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، قل انتظروا إنا منتظرون. اوصيكم بتقوى الله فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فإن الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله. 4 - كشف (1): خطب الحسين عليه السلام فقال: أيها الناس نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا، واكسبوا الحمد بالنجح، ولا تكتسبوا بالمطل ذما، فمهما يكن لاحد عند أحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافأته، فإنه أجزل عطاء وأعظم أجرا، واعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتحور نقما (2)، واعلموا أن المعروف مكسب حمدا، ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسنا جميلا تسر الناظرين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا (3) مشوها تنفر منه القلوب وتغض دونه الابصار. أيها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وإن أعفى الناس من عفا عن قدرة، وإن أوصل الناس من وصل من


- - - - بدهشة. أي لو كانت الدنيا آخر أمركم وليس وراءها شئ لجدير بأن الانسان يجد ويتعب ويسعى لطلب الخلاص من الموت وتبعاته ويشغل عن غيره. (1) كشف النعمة ج 2 ص 241. (2) حار يحور حورا: رجع. (3) السمج: القبيح.

[122]

قطعه، والاصول على مغارسها بفروعها تسموا، فمن تعجل لاخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا، ومن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومن نفس كربة مؤمن فرج الله عنه كرب الدنيا والاخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين. 5 - وخطب عليه السلام (1) فقال: إن الحلم زينة، والوفاء مروة، والصلة نعمة، والاستكبار صلف (2) والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلو ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شر، ومجالسة أهل الفسق ريبة. 6 - كشف (3): وأما شعر الحسين عليه السلام فقد ذكر الرواة له شعرا ووقع إلي شعره عليه السلام بخط الشيخ عبد الله بن أحمد بن الخشاب النحوي (ره) وفيه قال أبو مخنف لوط بن يحيى: أكثر ما يرويه الناس من شعر سيدنا أبي عبد الله الحسين عليهما السلام إنما هو ما تمثل به وقد أخذت شعره من مواضعه واستخرجته من مظانه وأماكنه، ورويته عن ثقات الرجال منهم عبد الرحمن بن نجبة الخزاعي وكان عارفا بأمر أهل البيت عليهم السلام ومنهم: المسيب بن رافع المخزومي وغيره رجال كثير ولقد أنشدني يوما رجل من ساكني سلع (4) هذه الابيات فقلت له اكتبنيها فقال لي: ما أحسن رداءك هذا، وكنت قد اشتريته يومي ذاك بعشرة دنانير فطرحته عليه فاكتبنيها وهي: قال أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى عليه السلام: ذهب الذين احبهم * وبقيت فيمن لا احبه في من أراه يسبني * ظهر المغيب ولا اسبه


(1) المصدر ج 2 ص 242. (2) الصلف مجاوزة القدر في الظرف والبراعة والادعاء فوق ذلك تكبرا. (3) المصدر ج 2 ص 245. (4) بفتح السين موضع بقرب المدينة.

[123]

يبغى فسادي ما استطاع * وأمره مما أربه حنقا يدب إلى الضراء * وذاك مما لا أدبه ويرى ذباب الشر من * حولي يطن ولا يذبه وإذا خبا وغر الصدور * فلا يزال به يشبه (1) أفلا يعيج بعقله * أفلا يتوب إليه لبه (2) أفلا يرى أن فعله * مما يسور إليه غبه حسبي بربي كافيا * ما أختشى والبغي حسبه ولقل من يبغى عليه * فما كفاه الله ربه (3) وقال عليه السلام: إذا ما عضك الدهر فلا تجنح إلى خلق * ولا تسأل سوى الله تعالى قاسم الرزق فلو عشت وطوفت من الغرب إلى الشرق * لما صادفت من يقدر أن يسعد أو يشقى وقال عليه السلام: الله يعلم أن ما يبدي يزيد لغيره * وبأنه لم يكتسبه بغيره وبميره (4) لو أنصف النفس الخؤن لقصرت من سيره * ولكان ذلك منه أدنى شره من خيره كذا بخط ابن الخشاب " شره " بالاضافة، وأظنه وهما منه لانه لا معنى له على الاضافة، والمعنى أنه لو أنصف نفسه أدنى الانصاف شره على المفعولية. من خيره أي صار ذا خير. قال عليه السلام: إذا استنصر المرء امرءا لا يدي له * فناصره والخاذلون سواء


(1) خبا أي سكن. ووغر الصدور: حرها. ويشبه أي يشعله ويوقده. (2) يعيج أي يقيم ويرجع. ويثوب أي يرجع، واللب: العقل. (3) في بعض النسخ " الا كفاه الله ربه ". (4) غار الرجل. وغار لهم. ومار لهم، ومار بهم وهى الغيرة والميرة.

[124]

أنا ابن الذي قد تعلمون مكانه * وليس على الحق المبين طخاء (1) أليس رسول الله جدي ووالدي * أنا البدران خلا النجوم خفاء ألم ينزل القرآن خلف بيوتنا * صباحا ومن بعد الصباح مساء ينازعني والله بيني وبينه * يزيد وليس الامر حيث يشاء فيا نصحاء الله أنتم ولاته * وأنتم على أديانه امناء بأي كتاب أم بأية سنة * تناولها عن أهلها البعداء وهي طويلة، وقال عليه السلام: (2) أنا الحسين بن علي بن أبي * طالب البدر بأرض العرب ألم تروا وتعلموا أن أبي * قاتل عمرو ومبير مرحب ولم يزل قبل كشوف الكرب * مجليا ذلك عن وجه النبي أليس من أعجب عجب العجب * أن يطلب الابعد ميراث النبي " والله قد أوصى بحفظ الاقرب " وقال عليه السلام: (3) ما يحفظ الله يصن * ما يضع الله يهن من يسعد الله يلن * له الزمان إن خشن أخي اعتبر لا تغترر * كيف ترى صرف الزمن يجزى بما اوتي من * فعل قبيح أو حسن أفلح عبد كشف * الغطاء عنه ففطن وقر عينا من رأى * إن البلاء في اللسن فماز من ألفاظه * في كل وقت ووزن


(1) الطخاء: السحاب المرتفع، وما في السماء طخية - بالضم - أي شئ من السحاب. والطخياء: الليلة المظلمة وظلام طاخ. (2) الكشف: ج 2 ص 248. (3) المصدر: ج 2 ص 248.

[125]

وخاف من لسانه * عزبا حديدا فخزن ومن يكن معتصما * بالله ذي العرش فلن يضره شئ ومن * يعدى على الله ومن من يأمن الله يخف * وخائف الله أمن وما لما يثمره الخوف من الله ثمن يا عالم السر كما * يعلم حقا ما علن صلى على جدي أبي القاسم ذي النور المنن أكرم من حي ومن * لفف ميتا في كفن وامنن علينا بالرضى * فأنت أهل للمنن وأعفنا في ديننا من * كل خسر وغبن ما خاب من خاب كمن * يوما إلى الدنيا ركن طوبى لعبد كشفت * عنه غبابات الوسن والموعد الله وما * يقض به الله يكن وهي طويلة، وقال عليه السلام (1): أبي علي وجدي خاتم الرسل * والمرتضون لدين الله من قبلي والله يعلم والقرآن ينطقه * إن الذي بيدي من ليس يملك لي ما يرتجى بامرء لا قائل عذلا * ولا يزيغ إلى قول ولا عمل ولا يرى خائفا في سره وجلا * ولا يحاذر من هفو ولا زلل يا ويح نفسي ممن ليس يرحمها * أما له في كتاب الله من مثل أماله في حديث الناس معتبر * من العمالقة العادية الاول يا أيها الرجل المغبون شيمته * إني ورثت رسول الله عن رسل أأنت أولى به من آله فبما * ترى اعتللت وما في الدين من علل وفيها أبيات اخر.


(1) الكشف: ج 2 ص 249.

[126]

وقال عليه السلام: يا نكبات الدهر دولي دولي * وأقصري إن شئت أو أطيلي (1) منها: رميتني رمية لا مقيل * بكل خطب فادح جليل وكل عبء أيد ثقيل * أول ما رزئت بالرسول وبعد بالطاهرة البتول * والوالد البر بنا الوصول وبالشقيق الحسن الجليل * والبيت ذي التأويل والتنزيل وزورنا المعروف من جبريل * فما له في الزرء من عديل ما لك عني اليوم من عدول * وحسبي الرحمن من منيل قال: تم شعر مولينا الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام وهو عزيز الوجود. 7 - جع (2): روي أن الحسين بن علي عليهما السلام جاءه رجل وقال: أنا رجل عاص ولا أصبر عن المعصية فعظني بموعظة فقال عليه السلام: افعل خمسة أشياء واذنب ما شئت، فأول ذلك: لا تأكل زرق الله واذنب ما شئت، والثاني: اخرج من ولاية الله واذنب ما شئت، والثالث: اطلب موضعا لا يراك الله واذنب ما شئت، والرابع: إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك واذنب ما شئت، والخامس: إذا أدخلك مالك في النار فلا تدخل في النار واذنب ما شئت. 8 - ختص (3): قال الصادق عليه السلام: حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام أن رجلا من أهل الكوفة كتب إلى الحسين بن علي عليهما السلام: يا سيدي أخبرني بخير الدنيا والاخرة فكتب عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإن من طلب رضى الله بسخط الناس كفاه الله امور الناس، ومن طلب رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس والسلام. 9 - الدرة الباهرة (4): قال الحسين بن علي عليهما السلام: إن حوائج الناس إليكم


(1) دال الايام: دارت. ودال الزمان: انقلب من حال إلى حال. (2) جامع الاخبار الفصل 89 وفيه عن علي بن الحسين. (3) الاختصاص ص 225. (4) مخطوط.

[127]

من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم. وقال عليه السلام: اللهم لا تستدرجني بالاحسان، ولا تؤدبني بالبلاء. وقال عليه السلام: من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم. وقال عليه السلام: مالك إن لم يكن لك كنت له، فلا تبق عليه فإنه لا يبقى عليك وكله قبل أن يأكلك. 10 - كنز الكراجكى (1): قال الحسين بن علي عليهما السلام يوما لابن عباس: لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإني أخاف عليك الوزر، ولا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعا، فرب متكلم قد تكلم بالحق فعيب، ولا تمارين حليما ولا سفيها، فان الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك، ولا تقولن في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلا ما تحب أن يقول فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل رجل يعلم أنه مأخوذ بالاجرام، مجزي بالاحسان، والسلام. وبلغه عليه السلام كلام نافع بن جبير (2) في معاوية وقوله: " إنه كان يسكته الحلم وينطقه العلم "، فقال: بل كان ينطقه البطر ويسكته الحصر. 11 - أعلام الدين (3) قال الحسين بن علي عليهما السلام: اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم فلا تملوا النعم فتتحول إلى غيركم، واعلموا أن المعروف مكسب حمدا ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنا جميلا يسر الناظرين، ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجا قبيحا مشوها تنفر منه القلوب وتغض دونه الابصار، ومن نفس كربة مؤمن فرج الله تعالى عنه كرب الدنيا والاخرة، من أحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين. وتذاكروا العقل عند معاوية فقال الحسين عليه السلام: لا يكمل العقل إلا باتباع الحق، فقال معاوية: ما في صدوركم إلا شئ واحد. وقال عليه السلام: لا تصفن لملك دواء فإن نفعه لم يحمدك وإن ضره اتهمك.


(1) المصدر: ص 194. (2) ابن مطعم يكنى أبا محمد أو أبا عبد الله مات سنة 99. (3) مخطوط.

[128]

وقال عليه السلام: رب ذنب أحسن من الاعتذار منه. وقال عليه السلام: مالك إن لم يكن لك كنت له منفقا، فلا تنفقه بعدك فيكن ذخيرة لغيرك وتكون أنت المطالب به المأخوذ بحسابه، اعلم. أنك لا تبقى له، ولا يبقى عليك، فكله قبل أن يأكلك. وكان عليه السلام يرتجز يوم قتل ويقول: الموت خير من ركوب العار * والعار خير من دخول النار والله من هذا وهذا جار وقال عليه السلام: دراسة العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل، والشرف التقوى، والقنوع راحة الابدان، ومن أحبك نهاك، ومن أبغضك أغراك. وقال عليه السلام: من أحجم عن الرأي وعييت به الحيل كان الرفق مفتاحه (1). 21. * (باب) * * " (وصايا على بن الحسين عليهما السلام ومواعظه وحكمه) " * 1 - ف (2): من كلامه عليه السلام في الزاهدين: إن علامة الزاهدين في الدنيا الراغبين في الاخرة تركهم كل خليط وخليل، ورفضهم كل صاحب لا يريد ما يريدون. ألا وإن العامل لثواب الاخرة هو الزاهد في عاجل زهرة الدنيا، الاخذ للموت أهبته (3) الحاث على العمل قبل فناء الاجل، ونزول ما لابد من لقائه، وتقديم الحذر قبل الحين (4) فإن الله عزوجل يقول: " حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا


(1) أحجم عن الشئ: كف أو نكص هيبة. (2) التحف ص 272. (3) الاهبة: العدة والاسباب. (4) الحين - بالفتح -: الهلاك.

[129]

فيما تركت (1) " فلينزلن أحدكم اليوم نفسه في هذه الدنيا كمنزلة المكرور إلى الدنيا، النادم على ما فرط فيها من العمل الصالح ليوم فاقته. واعلموا عباد الله ! أنه من خاف البيات تجافى عن الوساد، وامتنع من الرقاد (2) وأمسك عن بعض الطعام والشراب من خوف سلطان أهل الدنيا، فكيف - ويحك - يا ابن آدم من خوف بيات سلطان رب العزة ؟ وأخذه الاليم وبياته لاهل المعاصي والذنوب مع طوارق المنايا (3) بالليل والنهار، فذلك البيات الذي ليس منه منجى، ولا دونه ملتجأ، ولا منه مهرب. فخافوا الله أيها المؤمنون من البيات خوف أهل التقوى، فإن الله يقول: " ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (4) ". فاحذروا زهرة الحياة الدنيا وغرورها وشرورها، وتذكروا ضرر عاقبة الميل إليها، فإن زينتها فتنة وحبها خطيئة. واعلم - ويحك - يا ابن آدم أن قسوة البطنة، وفترة الميلة، وسكر الشبع، وغرة الملك (5) مما يثبط ويبطئ عن العمل وينسي الذكر، ويلهي عن اقتراب الاجل، حتى كأن المبتلى بحب الدنيا به خبل من سكر الشراب (6) وأن العاقل عن الله، الخائف منه، العامل له ليمرن نفسه ويعودها الجوع، حتى ما تشتاق إلى الشبع، وكذلك تضمر الخيل لسبق الرهان (7).


(1) المؤمنون: 100. (2) البيات: الهجوم على الاعداء ليلا. وتجافي: تنحى، والوسادة - بالتثليث: المخدة والمتكاء. والرقاد: النوم. (3) المنايا: جمع المنية أي الموت. وطوارق المنية: دواهي الموت. (4) سورة ابراهيم: 18. (5) البطنة - بالكسر -: الامتلاء الشديد من الاكل. وفى بعض النسخ " نشوة البطنة وفطرة الميلة " والميلة: الرغبة. وفى بعض النسخ " عزة الملك " والعزة: الحمية والغلبة. (6) الخبل - بالتحريك -: اصابة الجنون وفساد في العقل. (7) تضمير الفرس أن تعلفه حتى يسمن ثم ترده عن القوت وذلك في أربعين يوما.

[130]

فاتقوا الله عباد الله تقوى مؤمل ثوابه، وخاف عقابه (1)، فقد لله أنتم أعذرو أنذر وشوق وخوف، فلا أنتم إلى ما شوقكم إليه من كريم ثوابه تشتاقون فتعملون، ولا أنتم مما خوفكم به من شديد عقابه وأليم عذابه ترهبون فتنكلون (2) وقد نبأكم الله في كتابه أنه: " من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (3) ". ثم ضرب لكم الامثال في كتابه وصرف الايات لتحذروا عاجل زهرة الحياة الدنيا فقال: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (4) " فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا، فاتقوا الله واتعظوا بمواعظ الله. وما أعلم إلا كثيرا منكم قد نهكته (5) عواقب المعاصي فما حذرها، وأضرت بدينه فما مقتها. أما تسمعون النداء من الله بعيبها وتصغيرها حيث قال: " اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الاخرة عذاب شديد. ومغفرة من الله ورضوان وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور * سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (6) ". وقال: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسيهم أنفسهم اولئك هم الفاسقون (7) ".


(1) الخاف: الشديد الخوف. (2) تنكلون: تنكصون وتخافون. (3) سورة الانبياء: 94. (4) سورة التغابن: 15. (5) نهكه: بالغ في عقوبته. ونهك العمى فلانا: هزلته وأضنته. وفى بعض النسخ " لقد هلكته ". (6) سورة الحديد: 20 - 21. (7) سورة الحشر: 18 - 19.

[131]

فاتقوا الله عباد الله وتفكروا واعملوا لما خلقتم له، فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى، قد عرفكم نفسه، وبعث إليكم رسوله، وأنزل عليكم كتابه، فيه حلاله وحرامه، وحججه وأمثاله، فاتقوا الله فقد احتج عليكم ربكم فقال: ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين (1): فهذه حجة عليكم فاتقوا الله ما استطعتم فإنه لا قوة إلا بالله ولا تكلان إلا عليه وصلى الله على محمد [نبيه] وآله. 2 - ف (2): كتابه عليه السلام إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه (3).


(1) سورة البلد: 8 - 10. (2) التحف ص. 274 (3) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبد الله بن شهاب الزهري على ما يظهر من كتب التراجم من المنحرفين عن أمير المؤمنين وأبنائه عليهم السلام كان أبوه مسلم مع مصعب بن الزبير وجده عبيدالله مع المشركين يوم بدر، وكان هو أكثر عمره عاملا لبنى مروان ويتقلب في دنياهم، جعله هشام بن عبد الملك معلم أولاده وأمره أن يملى على أولاده أحاديث فأملى عليهم أربعمائة حديث. وأنت خبير بأن الذى خدم بنى امية منذ خمسين سنة ما مبلغ علمه وماذا حديثه ومعلوم أن كل ما أملى من هذه الاحاديث هو ما يروق هؤلاء ولا يكون فيه شئ من فضل على عليه السلام وولده. ومن هنا أطراه علماؤهم ورفعوه فوق منزلته بحيث تعجب ابن حجر من كثرة ما نشره من العلم. روى ابن أبى الحديد في شرح النهج على ما حكاه صاحب تنقيح - المقال (ره) - عن جرير بن عبد الحميد عن محمد بن شيبة قال: شهدت الزهري وعروة بن الزبير في مسجد النبي صلى الله عليه وآله جالسان يذكران عليا عليه السلام ونالا منه فبلغ ذلك على بن الحسين عليهما السلام فجاء حتى وقف عليهما فقال: أما أنت يا عروة فان أبي حاكم أباك إلى الله فحكم لابي على أبيك، وأما أنت يا زهرى فلو كنت بمكة لاريتك كرامتك. وفى رجال الشيخ الطوسى والعلامة وابن داود والتفرشى أنه عدو، وفى المحكى عن السيد بن طاووس في التحرير الطاووسي أن سفيان بن سعيد والزهرى عدوان متهمان. وبالتأمل في رسالة الامام عليه السلام يعلم صدق ما قلناه.

[132]

كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج الله بما حملك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وعرفك من سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله، فرض لك في كل نعمة أنعم بما عليك وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك، وأبدى فيه فضله عليك (1) فقال: " لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (2) ". فانظر أي رجل تكون غدا إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبن الله قابلا منك بالتعذير ولا راضيا منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: " لتبيننه للناس ولا تكتمونه (3) " واعلم أن أدنى ما كتمت وأخف ما احتملت أن آنست وحشة الظالم، وسهلت له طريق الغي بدنوك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دعيت، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غدا مع الخونة، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة، إنك أخذت ما ليس لك ممن أعطاك، ودنوت ممن لم يرد على أحد حقا، ولم ترد باطلا حين أدناك، وأحببت من حاد الله (4) أو ليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم، داعيا إلى غيهم، سالكا سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم،


(1) في بعض النسخ " فرضى لك في كل نعمة أنعم بها عليك وفى كل حجة أحتج بها عليك الفرض بما قضى الا ابتلى شكرك. الخ ". (2) سورة ابراهيم: 7. (3) سورة آل عمران: 187. (4) في بعض النسخ " وأجبت من حاد الله ".

[133]

واختلاف الخاصة والعامة إليهم. فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك، فيكف ما خربوا عليك. فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك وحاسبها حساب رجل مسؤول. وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا، فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا (1) " إنك لست في دار مقام. أنت في دار قد آذنت برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه. طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده. احذر فقد نبئت، وبادر فقد اجلت، إنك تعامل من لا يجهل، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد. ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك (2) لكني أردت أن ينعش الله ما [قد] فات من رأيك، ويرد إليك ما عزب من دينك (3) وذكرت قول الله تعالى في كتابه: " وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (4) ". أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب (5). أنظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه، أم هل تراهم


(1) سورة الاعراف: 168. (2) عنفه: لامه وعتب عليه ولم يرفق به. وينعش الله ما فات أي يجبر ويتدارك. (3) عزب - بالعين المهملة والزاى المعجمة -: بعد. (4) سورة الذاريات: 55. (5) الاعضب: المكسور القرن. ولعل المراد: بقيت كاحد قرنى الاعضب. والعضباء: الشاة المكسورة القرن.

[134]

ذكرت خيرا علموه (1) وعلمت شيئا جهلوه، بل حظيت (2) بما حل من حالك في صدور العامة وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك. إن أحللت أحلوا وإن حرمت حرموا، وليس ذلك عندك، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم، وحب الرئاسة وطلب الدنيا منك ومنهم. أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة، وما الناس فيه من البلاء والفتنة، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم (3) إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه، وفي بلاء لا يقدر قدره. فالله لنا ولك وهو المستعان. أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذين دفنوا في أسما لهم (4) لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه (5)، المدخول في عقله. إنا لله وإنا إليه راجعون. على من المعول ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثنا (6) وما نرى فيك، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك. فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا، وكيف إعظامك لمن


(1) في بعض النسخ " أم هل ترى ذكرت خيرا علموه وعملت شيئا جهلوه ". وفى بعضها " أم هل تراه ذكرا خيرا عملوه وعملت شيئا جهلوه ". (2) من الحظ. رجل حظى إذا كان ذا منزلة. (3) تافت: اشتافت. (4) الاسمال: جمع سمل - بالتحريك -: الثوب الخلق البالى. (5) المأفون: الذى ضعف رأيه. والمدخول في عقله: الذى دخل في عقله الفساد. (6) المعول: المعتمد والمستغاث. واستعتبه: استرضاه. والبث: الحال، الشتات، أشد الحزن. (*)

[135]

جعلك بدينه في الناس جميلا، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيرا، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا ذليلا. مالك لا تنتبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك، فتقول: والله ما قمت لله واحدا أحييت به له دينا أو أمت له فيه باطلا، فهذا شكرك من استحملك (1) ما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه: " أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (2) " استحملك كتابه، واستودعك علمه فأضعتها، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به، والسلام. 3 - ف (3): وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني: 1 - وقال عليه السلام: الرضى بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. 2 - وقال عليه السلام: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا. 3 - وقيل له: من أعظم الناس خطرا (4) ؟ فقال عليه السلام: من لم ير الدنيا خطرا لنفسه. 4 - وقال بحضرته رجل: اللهم أغنني عن خلقك (5). فقال عليه السلام: ليس هكذا: إنما الناس بالناس، ولكن قل: اللهم أغنني عن شرار خلقك. 5 - وقال عليه السلام: من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس (6). 6 - وقال عليه السلام: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل. 7 - وقال عليه السلام: اتقوا الكذب الصغير منه والكبير في كل جد وهزل،


(1) استحملك: سألك أن يحمل. وفى بعض النسخ " من استعملك ". أي سألك أن يعمل. (2) سورة مريم: 59. (3) التحف ص 278. (4) الخطر - بالتحريك -: الخطير أي ذو قدر ومقام. (5) في بعض النسخ " من خلقك ". (6) في بعض النسخ " كان " موضع " فهو ".

[136]

فان الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير (1). 8 - وقال عليه السلام: كفى بنصر الله لك أن ترى عدوك يعمل بمعاصي الله فيك. 9 - وقال عليه السلام: الخير كله صيانة الانسان نفسه. 10 - وقال عليه السلام لبعض بنيه: يا بني إن الله رضيني لك ولم يرضك لي، فأوصاك بي ولم يوصني بك، عليك بالبر تحفة يسيرة. 11 - وقال له رجل: ما الزهد ؟ فقال عليه السلام: الزهد عشرة أجزاء (2): فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضى. وإن الزهد في آية من كتاب الله: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم (3) ". 12 - وقال عليه السلام: طلب الحوائج إلى الناس مذلة للحياة، ومذهبة للحياء، واستخفاف بالوقار وهو الفقر الحاضر. وقلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى الحاضر. 13 - وقال عليه السلام: إن أحبكم إلى الله أحسنكم عملا، وإن أعظمكم عند الله عملا أعظمكم فيما عند الله رغبة، وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله، وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقا، وإن أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله (4)، وإن أكرمكم على الله أتقاكم لله.


(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 338 وفيه بعد قوله: " على الكبير ": " أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا ". (2) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 129 باسناده عن هاشم بن بريد عن أبيه أن رجلا سأل على بن الحسين عليهما السلام عن الزهد فقال: عشرة أشياء. الحديث. وفى ص 62: عنه عليه السلام أيضا وفيه عشرة أجزاء وهكذا رواه الصدوق في الخصال. (3) سورة الحديد: 23. (4) وكذا في الكافي والفقيه. وفى بعض النسخ " أسعاكم على عياله ".

[137]

14 - وقال عليه السلام لبعض بنيه: يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق، فقال: يا أبه من هم (1) ؟ قال عليه السلام: إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب يقرب لك البعيد، ويبعد لك القريب. وإياك ومصاحبة الفاسق فإنه بايعك باكلة (2) أو أقل من ذلك، وإياك ومصاحبة البخيل فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه. وإياك ومصاحبة الاحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه، فإني وجدته ملعونا في كتاب الله (3). 15 - وقال عليه السلام: إن المعرفة وكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه وقلة مرائه وحلمه وصبره وحسن خلقه (4). 16 - وقال عليه السلام ابن آدم ! إنك لا تزال بخير ما كان واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا، والحذر لك دثارا (5). ابن آدم ! إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عزوجل، فأعد له جوابا (6).


(1) في الكافي ج 2 ص 641 " يا أبه من هم عرفنيهم ". (2) الاكلة - بضم الهمزة -: اللقمة. (3) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 641 وفيه: فانى وجدته ملعونا في كتاب الله عزوجل في ثلاثة مواضع: قال الله عزوجل: " فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فاصمهم وأعمى أبصارهم ". وقال عزوجل: " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ". وقال في البقرة: " الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون ". (4) رواه الصدوق (ره) في الخصال والكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 240 وفيهما " ان المعرفة بكمال دين المسلم ". (5) ورواه المفيد (ره) في أماليه وفيه " والحزن دثارا ". وهكذا في أمالى الشيخ. (6) في الامالى " ابن آدم انك ميت ومبعوث بين يدى الله. الخ.

[138]

17 - وقال عليه السلام: لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بالتفقه. ألا وإن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله. 18 - وقال عليه السلام: المؤمن من دعائه على ثلاث: إما أن يدخر له، وإما إن يعجل له، وإما أن يدفع عنه بلاء يريد أن يصيبه. 19 - وقال عليه السلام: إن المنافق ينهى ولا ينتهي، ويأمر ولا يأتي، إذا قام إلى الصلاة اعترض، وإذا ركع ربض، وإذا سجد نقر (1) يمسي وهمه العشاء ولم يصم (2) ويصبح وهمه النوم ولم يسهر، والمؤمن خلط عمله بحمله، يجلس ليعلم (3) وينصت ليسلم، لا يحدث بالامانة الاصدقاء، ولا يكتم الشهادة للبعداء، ولا يعمل شيئا من الحق رئاء، ولا يتركه حياء. إن زكي خاف مما يقولون، ويستغفر الله لما لا يعلمون، ولا يضره جهل من جهله. 20 - ورأى عليه السلام عليلا قد برئ فقال عليه السلام له: يهنئك الطهور من الذنوب إن الله قد ذكرك فاذكره، وأقالك فاشكره.


(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 396 عن أبى حمزة عنه عليه السلام وفيه " يأمر بما لا يأتي وإذا قام إلى الصلاة اعترض، قلت: يا ابن رسول الله وما الاعتراض ؟ قال: الالتفات. وإذا ركع ربض - الخ ". والربوض استقرار الغنم وشبهه على الارض وكأن المراد انه يسقط نفسه على الارض من قبل أن يرفع رأسه من الركوع كاسقاط الغنم عند ربوضه. والنقر التقاط الطائر الحب بمنقاره. أي خف السجود. ورواه الصدوق رحمه الله في الامالى المجلس 74 بتقديم وتأخير مع زيادة. (2) العشاء - بالفتح: الطعام الذى يتعشى به. (3) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 231 وفيه " يصمت ليسلم وينطق ليغنم، لا يحدث أمانته الاصدقاء ولا يكتم شهادته من البعداء - إلى أن قال -: لا يغره قول من جهله ويخاف أحصاء ما عمله ".

[139]

21 - وقال عليه السلام: خمس لو رحلتم فيهن لانضيتموهن (1) وما قدرتم على مثلهن: لا يخاف عبد إلا ذنبه، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحي الجاهل إذا سئل عما لا يعلم أن يتعلم. والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له. 22 - وقال عليه السلام: يقول الله: يا ابن آدم ارض بما آتيتك تكن من أزهد الناس. ابن آدم ! إعمل بما افترضت عليك تكن من أعبد الناس. ابن آدم ! اجتنب مما حرمت عليك تكن من أورع الناس. 23 - وقال عليه السلام: كم من مفتون بحسن القول فيه، وكم من مغرور بحسن الستر عليه، وكم من مستدرج بالاحسان إليه. 24 - وقال عليه السلام: يا سوأتاه لمن غلبت إحداته عشراته. - يريد أن السيئة بواحدة، والحسنة بعشرة -. 25 - وقال عليه السلام: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة. وإن الاخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الاخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فكونوا من الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الاخرة، لان الزاهدين اتخذوا أرض الله بساطا، والتراب فراشا، والمدر وسادا، والماء طيبا، وقرضوا المعاش من الدنيا تقريضا. اعلموا أنه من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الحسنات وسلا عن الشهوات (2) ومن أشفق من النار بادر بالتوبة إلى الله من ذنوبه، وراجع عن المحارم. ومن زهد


(1) أنضت الدابة: هزلتها الاسفار. والظاهر أن الضمير راجع إلى المطية التى تفهم من فحوى الكلام، وقد مضى هذا الكلام أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام كرارا، وفى بعض النسخ " لو دخلتم فيهن لا بعتموهن ". ورواه الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام بدون قوله " لا نضيتموهن ". (2) سلا عن الشئ: نسيه وهجره. واشفق: خاف وحذر. ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 132 بادنى تفاوت.

[140]

في الدنيا هانت عليه مصائبها ولم يكرهها. وإن لله عزوجل لعبادا قلوبهم معلقة بالاخرة وثوابها، وهم كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين منعمين، وكمن رأى أهل النار في النار معذبين، فاولئك شرورهم وبوائقهم عن الناس مأمونة، وذلك أن قلوبهم عن الناس مشغولة بخوف الله فطرفهم عن الحرام مغضوض، وحوائجهم إلى الناس خفيفة، قبلوا اليسير من الله في المعاش وهو القوت، فصبروا أياما قصارى لطول الحسرة يوم القيامة. 26 - وقال له رجل: إني لاحبك في الله حبا شديدا، فنكس عليه السلام رأسه (1) ثم قال: اللهم إني أعوذ بك أن احب فيك وأنت لي مبغض. ثم قال له: احبك للذي تحبني فيه. 27 - وقال عليه السلام: إن الله ليبغض البخيل السائل الملحف. 28 - وقال عليه السلام: رب مغرور مفتون يصبح لاهيا ضاحكا، يأكل ويشرب وهو لا يدري لعله قد سبقت له من الله سخطة يصلى بها نار جهنم (2). 29 - وقال عليه السلام: إن من أخلاق المؤمن الانفاق على قدر الاقتار (3). والتوسع على قدر التوسع، وإنصاف الناس من نفسه، وابتداؤه إياهم بالسلام. 30 - وقال عليه السلام: ثلاث منجيات للمؤمن: كف لسانه عن الناس واغتيابهم، وإشغاله نفسه بما ينفعه لاخرته ودنياه، وطول البكاء على خطيئته. 31 - وقال عليه السلام: نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودة والمحبة له عبادة. 32 - وقال عليه السلام: ثلاث من كن فيه من المؤمنين كان في كنف الله (4) وأظله الله يوم القيامة في ظل عرشه، وآمنه من فزع اليوم الاكبر: من أعطى من نفسه


(1) نكس رأسه: طأطأه وخفضه. (2) في بعض النسخ " يصله بها في نار جهنم ". (3) الاقتار: القلة والتضيق في الرزق. (4) كنف الله - بالتحريك -: ظله وحضنه.

[141]

ما هو سائلهم لنفسه، ورجل لم يقدم يدا ولا رجلا حتى يعلم أنه في طاعة الله قدمها أو في معصيته. ورجل لم يعب أخاه بعيب حتى يترك ذلك العيب من نفسه، وكفى بالمرء شغلا بعيبه لنفسه عن عيوب الناس. 33 - وقال عليه السلام: ما من شئ أحب إلى الله بعد معرفته من عفة بطن وفرج، وما [من] شئ أحب إلى الله من أن يسأل. 34 - وقال لابنه محمد عليهما السلام: افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان أهله فقد أصبت موضعه، وإن لم يكن بأهل كنت أنت أهله، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل عذره (1). 35 - وقال عليه السلام: مجالس الصالحين داعية إلى الصلاح (2) وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة الامر تمام العز، واستنماء المال تمام المروة (3) وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الاذى من كمال العقل. وفيه راحة للبدن عاجلا وآجلا (4). 36 - وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا قرأ هذه الاية: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها (5) " يقول عليه السلام: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلا


(1) رواه الكليني في الروضة وفيها " وان لم يكن أهله كنت أنت أهله ". (2) في الكافي " مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح ". (3) في الكافي " طاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروة ". (4) قال الفيض - رحمه الله -: في كلامه عليه السلام ترغيب إلى المعاشرة مع الناس والمؤانسة بهم واستفادة كل فضيلة من أهلها وزجر عن الاعتزال والانقطاع اللذين هما منبت النفاق ومغرس الوسواس والحرمان عن المشرب الاتم المحمدى والمقام المحمود الجمعى، والموجب لترك كثير من الفضائل والخيرات وفوت السنن الشرعية وآداب الجمعة والجماعات وانسداد أبواب مكارم الاخلاق. (5) سورة ابراهيم: 37. أي لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلا من أفرادها فانها غير متناهية. قاله البيضاوى.

[142]

المعرفة بالتقصير عن معرفتها، كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه، فشكر عزوجل معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكرا، كما جعل علم العالمين أنهم لا يدركونه إيمانا، علما منه أنه قد [ر] وسع العباد فلا يجاوزون ذلك. 37 - وقال عليه السلام: سبحان من جعل الاعتراف بالنعمة له حمدا، سبحان من جعل الاعتراف بالعجز عن الشكر شكرا. 4 - ما (1): عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام وهو يقول: عجبا للمتكبر الفخور الذي كان بالامس نطفة وهو غدا جيفة، والعجب كل العجب لمن شك في الله وهو يرى الخلق، والعجب كل العجب لمن أنكر الموت وهو يموت في كل يوم وليلة، والعجب كل العجب لمن نكر النشأة - الاخرى، وهو يرى النشأة الاولى، والعجب كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك دار البقاء. 5 - الدرة الباهرة (2): قال علي بن الحسين عليهما السلام: خف الله تعالى لقدرته عليك، واستحي منه لقربه منك، ولا تعادين أحدا وإن ظننت أنه لا يضرك ولا تزهدن صداقة أحد، وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى ترجو صديقك، ولا تدري متى تخاف عدوك، ولا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره، وإن علمت أنه كاذب، وليقل عيب الناس على لسانك. وقال عليه السلام: من عتب على الزمان طالت معتبته. وقال عليه السلام: ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه، ومن اتكل على حسن اختيار الله عزوجل له لم يتمن أنه في غير الحال التي اختارها الله تعالى له.


(1) الامالى ج 2 ص 277. (2) مخطوط.

[143]

وقال عليه السلام: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بملكه. 6 - لى (1): عن أبيه، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يعظ الناس يزهدهم في الدنيا، ويرغبهم في أعمال الاخرة بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وحفظ عنه وكتب، وكان يقول: أيها الناس اتقول الله واعلموا أنكم إليه ترجعون " فتجد كل نفس ما عملت - في هذه الدنيا - من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه " ويحك ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنه، ابن آدم إن أجلك أسرع شئ إليك، قد أقبل نحوك حثيثا (2) يطلبك، ويوشك أن يدركك، وكأن قد أوفيت أجلك، وقبض الملك روحك، وصرت إلى منزل وحيدا فرد إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكاك منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تبعده، وعن نبيك الذي ارسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما أفنيته، ومالك من أين اكتسبته، وفيما أتلفته، فخذ حذرك وانظر لنفسك، وأعد للجواب قبل الامتحان، والمسألة والاختبار، فإن تك مؤمنا تقيا عارفا بدينك، متبعا للصادقين، مواليا لاولياء الله لقاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب، فبشرت بالجنة والرضوان من الله والخيرات الحسان واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودحضت حجتك، وعييت عن الجواب (3) وبشرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب، بنزل من حميم وتصلية جحيم (4).


(1) المجلس السادس والسبعون ص 301. (2) الحثيث: السريع. اقتحم المنزل: هجمه، والامر: رمى نفسه فيه بشدة ومشقة. (3) التلجلج: التردد في الكلام. والدحض: الابطال، والعى: العجز عن الكلام. (4) النزل - بضم النون: ما يعد للضيف. والحميم النار.

[144]

فاعلم ابن آدم إن من وراء هذا ما هو أعلم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة " ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود " ويجمع الله فيه الاولين والاخرين ذلك يوم ينفخ في الصور وتبعثر فيه القبور، ذلك يوم الازفة إذ القلوب لدى الجناجر كاظمين (1) ذلك يوم لا تقال فيه عثرة، ولا تؤخذ من أحد فيه فدية، ولا تقبل من أحد فيه معذرة، ولا لاحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات، والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده ومن كان عمل من المؤمنين في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده. فاحذروا أيها الناس من المعاصي والذنوب فقد نهاكم الله عنها وحذركموها في الكتاب الصادق والبيان الناطق ولا تأمنوا مكر الله وشدة أخذه عند ما يدعوكم إليه الشيطان اللعين من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا فإن الله يقول: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (2) " فاشعروا قلوبكم - لله أنتم - خوف الله، وتذكروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه، كما قد خوفكم من شديد العقاب، فإنه من خاف شيئا حذره، ومن حذر شيئا نكله، فلا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا فتكونوا من الذين مكروا السيئات، وقد قال الله تعالى " أفامن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرؤف رحيم (3) ". فاحذروا ما قد حذركم الله، واتعظوا بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب، تالله لقد وعظتم بغيركم، وإن السعيد من وعظ بغيره، ولقد أسمعكم الله في الكتاب ما فعل


(1) أزف الرحيل: قرب. وفى المصدر " لدى الحناجر كاظمة ". (2) الاعراف: 201. والطائف: الخيال أو الوسوسة ما يقال له بالفارسية " خيال " (3) النحل: 44 إلى 47. وتقلبهم أي إذا كانوا في اسفارهم أو مشغولين في تجاراتهم. وقوله " على تخوف " أي تنقص شيئا فشيئا حتى يهلك الجمبع.

[145]

بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: " وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين * فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (يعني يهربون) * لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (فلما آتيهم العذاب) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (1) " وأيم الله إن هذه لعظة لكم وتخويف إن اتعظتم وخفتم. ثم رجع إلى القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب. فقال: " ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (2) " فإن قلتم أيها الناس: إن الله إنما عنى بهذا أهل الشكر فكيف ذاك وهو يقول: " ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (3) " ؟. اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين، ولا تنشر لهم الدواوين وإنما تنشر الدواوين لاهل الاسلام، فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله لم يختر هذه الدنيا وعاجلها لاحد من أوليائه، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها، وظاهر بهجتها، وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم أيهم أحسن عملا لاخرته، وأيم الله لقد ضرب لكم فيها الامثال، وصرف الايات لقوم يعقلون، فكونوا أيها المؤمنون من القوم الذين يعقلون ولا قوة إلا بالله، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه من عاجل الحياة الدنيا فإن الله يقول وقوله الحق " إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض - الاية (4) " فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون، ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله قد قال لمحمد نبيه صلى الله عليه وآله ولاصحابه


(1) الانبياء: 12 إلى 15. وفى المصحف " وكم قصمنا " وقوله: " اترفتم " أي متعتم. وقوله " خامدين " أي ميتين كخمود النار إذا طفئت. (2) الانبياء: 46 وقوله: " نفحة " أي وقعة خفيفة. (3) الانبياء: 47. (4) يونس: 24.

[146]

" ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار (1) " ولا تركنوا إلى زهرة الحياة الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، فإنها دار قلعة وبلغة، ودار عمل، فتزودوا الاعمال الصالحة منها قبل أن تخرجوا منها، وقبل الاذن من الله في خرابها، فكأن قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها. وأسأل الله لنا ولكم العون على تزود التقوى، والزهد فيها، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا، والراغبين العاملين لاجل ثواب الاخرة فإنما نحن به وله. ف (2) مرسلا مثله. 7 - لى (3) عن عبد الله بن النصر التيمي، عن جعفر بن محمد المالكي، عن عبد الله بن محمد بن عمرو الاطروش، عن صالح بن زياد، عن عبد الله بن ميمون السكري، عن عبد الله بن معز الاودي، عن عمران بن سليم، عن سويد بن غفلة، عن طاووس اليماني قال: مررت بالحجر فإذا أنا بشخص راكع وساجد فتأملته فإذا هو علي بن الحسين عليهما السلام فقلت: يا نفس رجل صالح من أهل بيت النبوة والله لاغتمن دعاءه فجعلت أرقبه حتى فرغ من صلاته ورفع باطن كفيه إلى السماء وجعل يقول: " سيدي سيدي هذه يداي قد مددتهما إليك بالذنوب مملوءة، وعيناي بالرجاء ممدودة، وحق لمن دعاك بالندم تذللا أن تجيبه بالكرم تفضلا، سيدي أمن أهل الشقاء فاطيل بكائي ؟ أم من أهل السعادة خلقتني فابشر رجائي (4)، سيدي الضرب المقامع خلقت أعضائي ؟ أم لشرب الحميم خلقت أمعائي ؟ سيدي لو أن عبدا استطاع الهرب من مولاه لكنت أول الهاربين منك، لكني أعلم أني لا أفوتك، سيدي لو أن عذابي مما يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه، غير أني أعلم أنه


(1) هود: 113. ولا تركنوا أي لا تميلوا. (2) التحف: ص 249. (3) المجلس التاسع والثلاثون ص 132. (4) كذا.

[147]

لا يزيد في ملكك طاعة المطيعين، ولا ينقص منه معصية العاصين، سيدي ما أنا وما خطري ؟ هب لي بفضلك، وجللني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم وجهلك، إلهي وسيدي ارحمني مصروعا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وارحمني مطروحا على المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وارحمني محمولا قد تناول الاقرباء أطراف جنازتي، وارحم في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي ". قال طاووس: فبكيت حتى علا نحيبي فالتفت إلي فقال: ما يبكيك يا يماني أو ليس هذا مقام المذنبين ؟ فقلت: حبيبي حقيق على الله أن لا يردك، وجدك محمد صلى الله عليه وآله، قال: فبينا نحن كذلك إذ أقبل نفر من أصحابه فالتفت إليهم فقال: معاشر أصحابي اوصيكم بالاخرة، ولست اوصيكم بالدنيا، فإنكم بها مستوصون، وعليها حريصون. وبها مستمسكون، معاشر أصحابي إن الدنيا دار ممر، والاخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، أما رأيتم وسمعتم ما استدرج به من كان قبلكم من الامم السالفة والقرون الماضية، لم تروا كيف فضح مستورهم، وأمطر مواطر الهوان عليهم بتبديل سرورهم بعد خفض عيشهم، ولين رفاهيتهم، صاروا حصائد النقم، ومدارج المثلاث، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. 8 - ما (1): عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الثمالي قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ابن آدم لا يزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا، والحزن لك دثارا، ابن آدم إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عزوجل ومسؤول فأعد جوابا. 9 - ل (2): عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن


(1) الامالى ج 1 ص 114. (2) الخصال ج 1 ص 12.

[148]

محبوب، عن ابن عطية، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بتفقه، ألا وإن أبغض الناس إلى الله عزوجل من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله. 10 - ل (1): عن أبيه، عن سعد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات: الساعة التي يعاين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، ثم قال: إن نجوت يا ابن آدم عند الموت فأنت أنت، وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم حين توضع في قبرك فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم في مقام القيامة فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا آدم حين يحمل الناس على الصراط فأنت أنت وإلا هلكت، وإن نجوت يا ابن آدم حين يقوم الناس لرب العالمين فأنت أنت وإلا هلكت، ثم تلا: " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (2) " قال: هو القبر وإن لهم فيه لمعيشة ضنكا، والله إن القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ثم أقبل على رجل من جلسائه فقال له: قد علم ساكن السماء ساكن الجنة من ساكن النار، فأي الرجلين أنت وأي الدارين دارك. كتاب الغايات (3) لجعفر بن أحمد القمي (ره) مرسلا مثله. 11 - ف (4): موعظة وزهد وحكمة: كفانا الله وإياكم كيد الظالمين، وبغي الحاسدين، وبطش الجبارين،


(1) الخصال ج 1 ص 59. (2) المؤمنون: 100. (3) مخطوط. (4) التحف: ص 252. ورواه الكليني في الروضة والمفيد في المجالس.

[149]

أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في الدنيا، المائلون إليها، المفتونون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد، وهشيمها البائد غدا (1) واحذروا ما حذركم الله منها، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها، ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من أعدها دارا وقرارا، بالله إن لكم مما فيهما عليها دليلا (2) من زينتها، وتصريف أيامها، وتغيير انقلابها ومثلاتها، وتلاعبها بأهلها، إنها لترفع الخميل (3) وتضع الشريف، وتورد النار أقواما غدا، ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه (4). وإن الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن (5) وحوادث البدع، وسنن الجور، وبوائق الزمان، وهيبة السلطان، ووسوسة الشيطان لتدبير القلوب عن نيتها (6) وتذهلها عن موجود الهدى (7) ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله عزوجل فليس يعرف تصرف أيامها، وتقلب حالاتها، وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصمه الله، ونهج سبيل الرشد، وسلك طريق القصد. ثم استعان على ذلك بالزهد، فكرر الفكر، واتعظ بالعبر وازدجر، فزهد في عاجل بهجة الدنيا،


(1) الهامد: البالى المسود المتغير واليابس من النبات والشجر. والهشيم: اليابس متكسر من كل شجر وكلاء، أصله المكسور. والبائد: الهالك. (2) في الروضة وامالي المفيد " ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان " وفى الروضة " والله لكم مما فيها عليها لدليلا وتنبيها من تصريف أيامها ". (3) الخميل: الخامل وهو الساقط الذى لا نباهة له. (4) في بعض النسخ " لمتنبه ". (5) في بعض النسخ الروضة " ملمات الفتن " وفى الامالى " مضلات الفتن ". (6) في بعض النسخ " لمثبطة القلوب " وفى بعضها وفى الامالى " ليذر القلوب عن تنبيهها " وفى بعض النسخ " لتثبط القلوب عن نيتها " وفى الروضة " لتثبط القلوب عن تنبيهها ". (7) من اضاقة الصفة إلى الموصوف. وفى الامالى " عن وجود الهدى ".

[150]

وتجافى عن لذاتها، ورغب في دائم نعيم الاخرة، وسعى لها سعيها، وراقب الموت، وشنأ الحياة مع القوم الظالمين، فعند ذلك نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة النظر (1) وأبصر حوادث الفتن، وضلال البدع، وجور الملوك الظلمة، فقد لعمري استدبرتم من الامور الماضية في الايام الخالية من الفتن المتراكمة، والانهماك فيها ما تستدلون به [على] تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الارض بغير الحق. فاستعينوا بالله، وارجعوا إلي طاعته وطاعة من هو أولى بالطاعة من طاعة من اتبع واطيع. فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة، والقدوم على الله، والوقوف بين يديه. وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه، وما آثر قوم قط الدنيا على الاخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم. وما العلم بالله (2) والعمل بطاعته إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه، فحثه الخوف على العمل بطاعة الله، وإن أرباب العلم واتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله: " إنما يخشى الله من عباده العلمؤا (3) " فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله، واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله، واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله، فإن ذلك أقل للتبعة، وأدنى من العذر وأرجا للنجاة. فقدموا أمر الله وطاعته وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الامور كلها ولا تقدموا الامور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت، وفتنة زهرة الدنيا بين يدي أمر الله وطاعته وطاعة أولي الامر منكم، واعلموا أنكم عبيدالله ونحن معكم، يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا وهو موقفكم ومسائلكم، فاعدوا الجواب قبل الوقوف والمسألة والعرض على رب العالمين " يومئذ لا تكلم نفس إلا بإذنه ". واعلموا أن الله لا يصدق كاذبا، ولا يكذب صادقا، ولا يرد عذر مستحق،


(1) في بعض النسخ والروضة " بعين قرة ". (2) في بعض النسخ والامالي " وما العز بالله ". (3) سورة فاطر: 25.

[151]

ولا يعذر غير معذور، بل لله الحجة على خلقه بالرسل والاوصياء بعد الرسل. فاتقوا الله واستقبلوا من إصلاح أنفسكم (1) وطاعة الله وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما قد ندم على ما فد فرط بالامس في جنب الله، وضيع من حق الله (2) واستغفروا الله وتوبوا إليه، فإنه يقبل التوبة، ويعفوا عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، وإياكم وصحبة العاصين، ومعونة الظالمين، ومجاورة الفاسقين. احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم، واعلموا أنه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبد بأمره دون أمر ولي الله في نار تلتهب، تأكل أبدانا [قد غابت عنها أرواحها] غلبت عليها شقوتها [فهم موتى لا يجدون حر النار (3)] فاعتبروا يا اولى الابصار واحمدوا الله على ما هداكم. واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته وسيرى الله عملكم ثم إليه تحشرون فانتفعوا بالعظة وتأدبوا بآداب الصالحين. 12 - جا (4): عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف عن ابن مهزيار، عن ابن محبوب، عن ابن عطية، عن الثمالي قال: ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسين عليهما السلام إلا ما بلغني عن علي بن أبي طالب عليه السلام. ثم قال أبو حمزة: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تكلم في الزهد ووعظ أبكى من بحضرته، قال أبو حمزة: فقرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين عليهما السلام وكتبتها فيها وأتيته به فعرضته عليه فعرفه، وصححه وكان فيها بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين - إلى آخر الخبر.


(1) في الروضة " في اصلاح أنفسكم ". (2) في الروضة " من حقوق الله ". (3) ما بين القوسين في الموضعين كان في هامش بعض نسخ المصدر. وفى الروضة " فهم موتى لا يجدون حر النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض حر النار ". (4) مجالس المفيد ص 116.

[152]

13 - جا (1): عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن صفوان، عن ابن حازم، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من خطوة أحب إلى الله من خطوتين: خطوة يسد بها صفا في سبيل الله تعالى، وخطوة إلى ذي رحم قاطع يصلها، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعتين: جرعة غيظ يردها مؤمن بحلم، وجرعة جزع يردها مؤمن بصبر. وما من قطرة أحب إلى الله من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمع في سواد الليل من خشية الله. كتاب الغايات (2) عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: مامن خطوة - إلى آخر الحديث. 14 - جا (3): عن أحمد الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن أبي معروف، عن ابن مهزيار، عن ابن حديد، عن علي بن النعمان رفعه قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ويح من غلبت واحدته عشرته، وكان أبو عبد الله عليه السلام يقول: المغبون من غبن عمره ساعة بعد ساعة، وكان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: أظهر اليأس من الناس فإن ذلك من الغنى، وأقل طلب الحوائج إليهم فان ذلك فقر حاضر، وإياك وما يعتذر منه، وصل صلاة مودع، وإن استطعت أن تكون اليوم خيرا منك أمس وغدا خيرا منك اليوم فافعل. 15 - جا (4): بهذا الاسناد، عن ابن مهزيار، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن ابن فرقد، عن الزهري، عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: ويل لقوم لا يدينون الله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال: من قال: لا إله إلا الله فلن يلج ملكوت السماء حتى يتم قوله بعمل صالح، ولا دين لمن دان الله بطاعة الظالم، ثم قال: وكل القوم ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر.


(1) مجالس المفيد ص 5. (2) مخطوط. (3) المصدر ص 108. (4) المصدر ص 109.

[153]

16 - جا (1): بهذا الاسناد، عن ابن مهزيار، عن ابن محبوب، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس، ومن اجتنب ما حرم الله عليه فهو من أعبد الناس ومن أورع الناس، ومن قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس. 17 - عم (2): روي أن علي بن الحسين عليهما السلام رأى يوما الحسن البصري وهو يقص عند الحجر الاسود فقال له عليه السلام أترضى يا حسن نفسك للموت ؟ قال: لا، قال: فعملك للحساب ؟ قال: لا، قال: فثم دار للعمل غير هذه الدار ؟ قال: لا، قال: فلله في أرضه معاذ غير هذا البيت ؟ قال: لا، قال: فلم تشغل الناس عن الطواف. وقيل له: يوما إن الحسن البصري قال: ليس العجب ممن هلك كيف هلك ؟ وإنما العجب ممن نجا كيف نجا، فقال عليه السلام: أنا أقول: ليس العجب ممن نجا كيف نجا وأما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله. 18 - كشف (3): عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام إذا تلا هذه الاية " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (4) " يقول اللهم ارفعني في أعلى درجات هذه الندبة، وأعني بعزم الارادة، وهبني حسن المستعقب من نفسي، وخذني منها حتى تتجرد خواطر الدنيا عن قلبي من برد خشيتي منك، وارزقني قلبا ولسانا يتجاريان في ذم الدنيا وحسن التجافي منها حتى لا أقول إلا صدقا (5) وأرني مصاديق إجابتك بحسن توفيقك حتى أكون في كل حال حيث أردت.


(1) مجالس المفيد ص 109 (2) اعلام الورى ص 255. (3) كشف النعمة ج 2 ص 306. (4) التوبة: 119. (5) في المصدر " الا صدقت ".

[154]

فقد قرعت بي باب فضلك فاقة (1) * بحد سنان نال قلبي فتوقها وحتى متى أصف محن الدنيا ومقام الصديقين، وانتحل عزما من إرادة مقيم بمدرجة الخطايا أشتكى ذل ملكة الدنيا وسوء أحكامها علي وقد رأيت وسمعت لو كنت أسمع في أداة فهم أو أنظر بنور يقظه. وكلا الاقي نكبة وفجيعة * وكأس مرارات ذعافا أذوقها (2) وحتى متى أتعلل بالاماني وأسكن إلى الغرور واعبد نفسي للدنيا على غضاضة سوء الاعتداد من ملكاتها، وأنا أعرض لنكبات الدهر علي أتربص اشتمال البقاء، وقوارع الموت تختلف حكمي في نفسي ويعتدل حكم الدنيا. وهن المنايا أي واد سلكته * عليها طريقي أو علي طريقها وحتى متى تعدني الدنيا فتخلف، وأئتمنها فتخون، لا تحدث جدة إلا بخلوق جدة (3)، ولا تجمع شملا إلا بتفريق شمل حتى كأنها غيرى محجبة ضنا تغار علي الالفة، وتحسد أهل النعم. فقد آذنتني بانقطاع وفرقة * وأومض لي من كل افق بروقها (4) ومن أقطع عذرا من مغذ سيرا (5) يسكن إلى معرس غفلة بأدواء نبوة الدنيا (6) ومرارة العيش، وطيب نسيم الغرور، وقد أمرت تلك الحلاوة على القرون الخالية وحال ذلك النسيم هبوات (7) وحسرات، وكانت حركات فسكنت، وذهب كل عالم بما فيه.


(1) في بعض النسخ " قد فزعت إلى باب فضلك فاقة ". (2) الذعاف - كغراب: السم. (3) الجدة بتشديد الدال -: الخرقة. جدة الثوب: كونه جديدا. (4) أومض البرق: لمع خفيفا وظهر. (5) أغذ في السير: أسرع. (6) التعريس: النزول في السفر في موضع للاستراحة ثم الارتحال عنه والموضع معرس. والنبوة: ما ارتفع من الارض يقال هو يشكو نبوة الزمان وجفوته. (7) الهبوات: جمع الهبوة: الغبار.

[155]

فما عيشة إلا تزيد مرارة * ولا ضيقة إلا ويزداد ضيقها فكيف يرقا دمع لبيب أو يهدأ طرف متوسم (1) على سوء أحكام الدنيا وما تفجأ به أهلها من تصرف الحالات، وسكون الحركات، وكيف يسكن إليها من يعرفها وهي تفجع الاباء بالابناء، وتلهى الابناء عن الاباء، تعدمهم أشجان قلوبهم (2) وتسلبهم قرة عيونهم. وترمي قساوات القلوب بأسهم * وجمر فراق لا يبوخ حريقها (3) وما عسيت أن أصف عن محن الدنيا، وأبلغ من كشف الغطاء عما وكل به دور الفلك من علوم الغيوب ولست أذكر منها إلا قتيلا أفنته، أو مغيب ضريح تجافت عنه (4) فاعتبر أيها السامع بهلكات الامم، وزوال النقم، وفظاعة ما تسمع وترى من سوء آثارها في الديار الخالية، والرسوم الفانية، والربوع الصموت (5). وكم عاقل أفنت فلم تبك شجوه (6) * ولابد أن تفنى سريعا لحوقها فانظر بعين قلبك إلى مصارع أهل البذخ (7) وتأمل معاقل الملوك، ومصانع الجبارين (8)، وكيف عركتهم الدنيا بكلاكل الفناء (9) وجاهرتهم بالمنكرات


(1) رقأ الدمع: سكن وجف. وهدأ: سكن. (2) الاشجان جمع الشجن وهو الهم والحزن. (3) باخ النار أي سكن وخمد. (4) تجافى: أي تنحى ولم يلزم مكانه - وبالفارسية يعنى پهلو خالي كرد. (5) أي الدور الخاليات. (6) في المصدر " وكم عالم أفنت ". والشجو: الهم والحزن، والحاجة يقال " له عندي شجو " أي حاجة، والشوط من البكاء. (7) البذخ: الترفع والتكبر. (8) معاقل الملوك يحتمل أن يكون المراد كبراء الملوك وسادتهم ويحتمل أن يكون المراد القصور والحصون. ويحتمل كليهما. وقوله " مصانع الجبارين " معناه القصور والقرى والحصون والدور. (9) عركته الدنيا أي حنكه. والكلا كل جمع الكلكل: الصدر أو ما بين الترقوتين.

[156]

وسحبت عليهم أذيال البوار، وطحنتهم طحن الرحى للحب، واستودعتهم هوج الرياح (1) تسحب عليهم أذيالها فوق مصارعهم في فلوات الارض. فتلك مغانيهم وهذي قبورهم (2) * توارثها أعصارها وقبورها أيها المجتهد في آثار من مضى من قبلك من امم السالفة، توقف وتفهم، وانظر أي عز ملك أو نعيم انس أو بشاشة ألف إلا نغصت أهله قرة أعينهم، وفرقتهم أيدي المنون، فألحقتهم بتجافيف التراب فأضحوا في فجوات قبورهم يتقلبون وفي بطون الهلكات عظاما ورفاتا وصلصالا في الارض هامدون (3). وآليت لا تبقى الليالي بشاشة (4) * ولا جدة إلا سريعا خلوقها وفي مطالع أهل البرزخ، وخمود تلك الرقدة، وطول تلك الاقامة طفيت مصابيح النظر، واضمحلت غوامض الفكر، وذم الغفول أهل العقول، وكم بقيت متلذذا في طوامس هوامد تلك الغرفات فنوهت بأسماء الملوك، وهتفت بالجبارين (5) ودعوت الاطباء والحكماء، وناديت معادن الرسالة والانبياء، أتململ تململ السليم (6) وأبكي بكاء الحزين، انادي ولات حين مناص (7). سوى أنهم كانوا فبانوا وأنني * على جدد قصد سريعا لحوقها وتذكرت مراتب الفهم، وغضاضة فطن العقول، بتذكر قلب جريح،


(1) الهوج جمع الهوجاء وهى من الرياح التى لا تستوى في هبوبها وتقلع البيوت. (2) المغانى: المواضع والمنازل. (3) الهامد: البالى. (4) آليت أي حلفت. والبشاشة السرور والابتهاج. (5) طمس الشئ: درس وانمحى، ونوه الشئ من باب التفعيل - رفعه، أو دعاه برفع الصوت، أو رفع ذكره. وهتف الحمامة أي صاتت أو مدت صوتها. وهتفت الحمامة: ناحت. (6) تململ أي تقلب على فراشه مرضا أو غما. والسليم: اللديغ أو الجريح المشرف على الموت. (7) المناص: الخلاص الغضاضة: الذلة والمنقصة.

[157]

فصدعت الدنيا عما التذ بنواظر فكرها من سوء الغفلة، ومن عجب كيف يسكن إليها من يعرفها، وقد استذهلت عقله بسكونها، وتزين المعاذير وخسأت أبصارهم عن عيب التدبير، وكلما تراءت الايات ونشرها من طي الدهر، عن القرون الخالية الماضية، وحالهم ومآلهم، وكيف كانوا وما الدنيا وغرور الايام. وهل هي إلا لوعة من ورائها * جوى قاتل أو حتف نفس يسوقها (1) وقد أغرق في ذم الدنيا الادلاء على طرق النجاة من كل عالم، فبكت العيون شجن القلوب فيها دما، ثم درست تلك المعالم فتنكرت الاثار، وجعلت في برهة من محن الدنيا وتفرقت ورثة الحكمة، وبقيت فردا كقرن الاعضب (2) وحيدا أقول فلا أجد سميعا، وأتوجع فلا أجد مشتكى. وإن أبكهم أجرض وكيف تجلدي * وفي القلب مني لوعة لا اطيقها (3) وحتى متى أتذكر حلاوة مذاق الدنيا، وعذوبة مشارب أيامها، وأقتفي آثار المريدين، وأتنسم أرواح الماضين (4) مع سبقهم إلى الغل والفساد، وتخلفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعا من الاخلاء، فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى وخانني الصبر حتى كأنني أول ممتحن، أتذكر معارف الدنيا وفراق الاحبة. فلو رجعت تلك الليالي كعهدها * رأت أهلها في صورة لا تروقها فمن أخص بمعاتبتي ؟ ومن أرشد بندبتي، ومن أبكى، ومن أدع أشجو بهلكة الاموات، أم بسوء خلف الاحياء، وكل يبعث حزني ويستأثر بعبراتي ومن يسعدني فأبكي وقد سلبت القلوب لبها، ورق الدمع، وحق للداء أن يذوب على طول مجانبة الاطباء، وكيف بهم وقد خالفوا الامرين، وسبقهم زمان الهادين، ووكلوا إلى أنفسهم يتنسكون في الضلالات في دياجير الظلمات.


(1) الجوى. الحرقة وشدة الحزن وتطاول المرض. (2) الاعضب: الظبى الذى انكسر احد قرينه. (3) أجرض أي أهلك. واللوعة: الحرق وألمه. (4) في بعض النسخ " أرواح الصالحين ".

[158]

حيارى وليل القوم داج نجومه * طوامس لا تجري بطئ خفوقها (1) وقال عليه السلام: (2) من ضحك ضحكة مج من عقله مجة علم. وقال عليه السلام: إن الجسد إذا لم يمرض يأشر، ولا خير في جسد يأشر (3). وقال عليه السلام: فقد الاحبة غربة. وقال عليه السلام: من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس. 10 - كتاب نثر الدرر (4) لمنصور بن الحسن الابي: نظر علي بن الحسين عليهما السلام إلى سائل يبكي فقال: لو أن الدنيا كانت في كف هذا، ثم سقطت منه ما كان ينبغي له أن يبكي عليها. وسئل عليه السلام: - لم - اوتم النبي صلى الله عليه وآله من أبويه ؟ فقال: لئلا يوجب عليه حق المخلوق (5). وقال لابنه: يا بني إياك ومعاداة الرجال فإنه لن يعدمك (6) مكر حليم أو مفاجأة لئيم. وبغله عليه السلام قول نافع بن جبير (7) في معاوية حيث قال: كان يسكته الحلم وينطقه العلم، فقال: كذب بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر. وقيل له: من أعظم الناس خطرا قال: من لم ير للدنيا خطرا لنفسه. قال وروي لنا الصاحب (ره)، عن أبي محمد الجعفري، عن أبيه، عن عمه جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما أشد بغض


(1) خفق النجم: غاب. والليل: ذهب أكثره. والطائر: طار. الرجل في البلاد: ذهب. (2) كشف الغمة ج 2 ص 314. (3) أشر يأشر أي بطر ومرح. (4) مخطوط. (5) يعنى في وجوب الاطاعة. (6) في كتاب نزهة الناظر للحلواني ص 32 " فانك لن تعدم ". (7) نافع بن جبير بن مطعم النوفلي يكنى أبا محمد أو أبا عبد الله المدنى مات سنة تسع وتسعين.

[159]

قريش لابيك ؟ قال: لانه أورد أولهم النار وألزم آخرهم العار، قال ثم جرى ذكر المعاصي فقال: عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمضرته، ولا يحتمي من من الذنب لمعرته (1). وقيل له عليه السلام: كيف أصبحت قال: أصبحنا خائفين برسول الله وأصبح جميع أهل الاسلام آمنين به. وسمع عليه السلام رجلا كان يغشاه (2) يذكر رجلا بسوء، فقال: إياك والغيبة فإنه إدام كلاب النار. ومما أورد محمد بن الحسن بن حمدون في كتاب التذكرة من كلامه عليه السلام قال: لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله، وسعة رحمة الله عزوجل. خف الله عزوجل لقدرته عليك، واستحي منه لقربه منك، إذا صليت صل صلاة مودع، وإياك وما يعتذر منه، وخف الله خوفا ليس بالتعذير. وقال عليه السلام: إياك والابتهاج بالذنب فان الابتهاج به أعظم من ركوبه. وقال عليه السلام: هلك من ليس له حكيم يرشده، وذل من ليس له سفيه يعضده. 19 - ضه: (3): قال علي بن الحسين عليهما السلام: مليك عزيز لا يرد قضاؤه * عليم حكيم نافذ الامر قاهر عنا كل ذي عز لعزة وجهه * فكل عزيز للمهيمن صاغر (4) لقد خشعت واستسلمت وتضاءلت (5) * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر وفي دون ما عاينت من فجعاتها * إلى رفضها داع وبالزهد آمر


(1) المعرة: الاثم والمساءة، والاذى والجناية. (2) غشى يغشى غشيا. الامر فلانا: غطاه وحل به، والمكان: أتاه. (3) روضة الواعظين ص 523. (4) عنا يعنو له أي خضع وذل. (5) تضاءل أي صغر وضعف وتصاغر وتقاصر. وفى المصدر " تصغرت "

[160]

فجد ولا تغفل فعيشك زائل * وأنت إلى دار المنية صائر ولا تطلب الدنيا فإن طلابها * فإن نلت منها غبها لك ضائر 20 - ختص (1): قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام يشكو إليه حاله فقال: مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا، فأما المصيبة الاولى فاليوم الذي ينقص من عمره، قال: وإن ناله نقصان في ماله اغتم به، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده شئ، والثانية أنه يستوفى رزقه، فان كان حلالا حوسب عليه، وإن كان حراما عوقب عليه، قال: والثالثة أعظم من ذلك قيل: وما هي قال: مامن يوم يمسي إلا وقد دنى من الاخرة مرحلة لا يدري على الجنة أم على النار. وقال: أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من امه. قالت الحكماء: ما سبقه إلى هذا أحد. 21 - اعلام الدين (2) قال علي بن الحسين عليهما السلام: لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسعة رحمة الله. وقال عليه السلام: خف الله تعالى لقدرته عليك واستحي منه لقربه منك. وقال عليه السلام: لا تعادين أحدا وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك فإنه لا تدري متى تخاف عدوك، ومتى ترجو صديقك. وإذا صليت فصل صلاة مودع. وقال عليه السلام في جواب من قال: إن معاوية يسكته الحلم وينطقه العلم، فقال: بل كان يسكته الحصر وينطقه البطر. وقال عليه السلام: لكل شئ فاكهة وفاكهة السمع الكلام الحسن. وقال عليه السلام: من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه، ومن لم يعرف داءه


(1) الاختصاص ص 342. (2) مخطوط.

[161]

أفسده دواؤه. وقال عليه السلام لولده محمد الباقر عليه السلام: كف الاذى رفض البذاء (1)، واستعن على الكلام بالسكوت، فإن للقول حالات تضر، فاحذر الاحمق. وقال عليه السلام: لا تمتنع من ترك القبيح وإن كنت قد عرفت به ولا تزهد في مراجعة الجهل، وإن كنت قد شهرت بخلافه وإياك والرضا بالذنب فإنه أعظم من ركوبه، والشرف في التواضع، والغنى في القناعة. وقال عليه السلام: ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه. وقال عليه السلام: خير مفاتيح الامور الصدق، وخير خواتيمها الوفاء. وقال عليه السلام: كل عين ساهرة (2) يوم القيامة إلا ثلاث عيون: عين سهرت في سبيل الله، وعين غضت عن محارم الله، وعين فاضت من خشية الله. وقال عليه السلام: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بملكه. وقال عليه السلام: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب النار. وقال عليه السلام: من اتكل على حسن اختيار الله عزوجل لم يتمن أنه في حال غير حال التي اختارها الله له. قيل: تشاجر هو عليه السلام وبعض الناس في مسائل من الفقه فقال عليه السلام: يا هذا إنك لو صرت إلى منازلنا لاريناك آثار جبرئيل في رحالنا، أفيكون أحد أعلم بالسنة منا. وقال عليه السلام: إذا صلى تبرز إلى مكان خشن يتخفى ويصلى فيه، وكان كثير البكاء، قال: فخرج يوما في حر شديد إلى الجبال ليصلي فيه فتبعه مولى له، وهو ساجد على الحجارة وهي خشنة حارة وهو يبكي فجلس مولاه حتى فرغ فرفع رأسه فكأنه قد غمس رأسه ووجهه في الماء من كثرة الدموع فقال له مولاه: يا مولاي أما آن لحزنك أن ينقضي ؟ فقال: ويحك إن يعقوب نبي بن نبي كان له


(1) البذاء: الكلام القبيح والفحش. (2) العين الساهرة هي العين التى لم تنم ليلا.

[162]

اثنى عشر ولدا فغيب عنه واحد منهم فبكى حتى ذهب بصره واحد ودب ظهره وشاب رأسه من الغم، وكان ابنه حيا يرجو لقاءه، فإني رأيت أبي وأخي وأعمامي وبني عمي ثمانية عشر مقتلين صرعى تسفي عليهم الريح فكيف ينقضي حزني وترقأ عبرتي. 22. * (باب) * * " (وصايا الباقر عليه السلام) " * 1 - ف (1): وصيته عليه السلام لجابر بن يزيد الجعفي (2) روي عنه عليه السلام أنه قال له: يا جابر اغتنم من أهل زمانك خمسا: إن حضرت لم تعرف. وإن غبت لم تفتقد. وإن شهدت لم تشاور. وإن قلت لم يقبل قولك. وإن خطبت لم تزوج. واوصيك بخمس: إن ظلمت فلا تظلم، وإن خانوك فلا تخن. وإن كذبت فلا تغضب. وإن مدحت فلال تفرح. وإن ذممت فلا تجزع. وفكر فيما قيل فيك، فإن عرفت من نفسك ما قيل فيك فسقوطك من عين الله عزوجل عند غضبك من الحق أعظم عليك مصيبة مما خفت من سقوطك من أعين الناس. وإن كنت على خلاف على قيل فيك، فثواب اكتسبته من غير أن يتعب بدنك. واعلم بأنك لا تكون لنا وليا حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرك


(1) التحف ص 284. (2) الجعفي - على زنة الكرسي -: نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة بن مذحج أبى حى باليمن. وهو جابر بن يزيد بن الحرث بن عبد يغوث الجعفي من اصحاب الباقر والصادق عليها السلام وخدم الامام أبا جعفر عليه السلام سنينا متوالية مات رحمه الله في أيام الصادق عليه السلام سنة ثمان وعشرين ومائة.

[163]

ذلك ولكن أعرض نفسك على [ما في] كتاب الله، فإن كنت سالكا سبيله، زاهدا في تزهيده، راغبا في ترغيبه، خائفا من تخويفه فاثبت وأبشر، فإنه لا يضرك ما قيل فيك. وإن كنت مبائنا للقرآن فماذا الذي يغرك من نفسك. إن المؤمن معنى بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها فمرة يقيم أودها (1) ويخالف هواها في محبة الله، ومرة تصرعه نفسه فيتبع هواها فينعشه الله فينتعش (2) ويقيل الله عثرته فيتذكر، ويفزع إلى التوبة والمخافة فيزداد بصيرة ومعرفة لما زيد فيه من الخوف، وذلك بأن الله يقول: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (3) " يا جابر استكثر لنفسك من الله قليل الرزق تخلصا إلى الشكر، واستقلل من نفسك كثير الطاعة لله إزراء على النفس (4) وتعرضا للعفو، وادفع عن نفسك حاضر الشر بحاضر العلم، واستعمل حاضر العلم بخالص العمل، وتحرز في خالص العمل من عظيم الغفلة بشدة التيقظ، واستجلب شدة التيقظ بصدق الخوف، و احذر خفي التزين (5) بحاضر الحياة، وتوق مجازفة الهوى بدلالة العقل (6) وقف عند غلبة الهوى باسترشاد العلم، واستبق خالص الاعمال ليوم الجزاء، وانزل ساحة


(1) الاود - محركة -: العوج. وقد يأتي بمعنى القوة. (2) نعشه الله: رفعه وأقامه وتداركه من هلكة وسقطة. وينعش أي ينهض - وينشط. (3) سورة الاعراف: 200. والطائف فاعل من طاف يطوف أي الخيال والوسوسة. (4) أزرى على النفس: عابها وعاتبها. ويحتمل أن يكون: ازدراء - من باب الافتعال - أي احتقارا واستخفافا. (5) وفى بعض النسخ " خفى الرين " أي الدنس. (6) جازف في كلامه: تكلم بدون تبصر وبلا روية. وجازف في البيع: بايعه بلا كيل ولا وزن ولا عدد، وجازف بنفسه: خاطر بها.

[164]

القناعة باتقاء الحرص (1) وادفع عظيم الحرص بإيثار القناعة، واستجلب حلاوة الزهادة بقصر الامل، واقطع أسباب الطمع ببرد اليأس، وسد سبيل العجب بمعرفة النفس، وتخلص إلى راحة النفس بصحة التفويض، واطلب راحة البدن بإجمام القلب (2) وتخلص إلى إجمام القلب بقلة الخطأ، وتعرض لرقة القلب بكثرة الذكر في الخلوات، واستجلب نور القلب بدوام الحزن، وتحرز من إبليس بالخوف الصادق، وإياك والرجاء الكاذب، فإنه يوقعك في الخوف الصادق وتزين لله عزوجل بالصدق في الاعمال، وتحبب إليه بتعجيل الانتقال، و إياك والتسويف فإنه بحر يغرق فيه الهلكي، وإياك والغفلة ففيها تكون قساوة القلب، وإياك والتواني فيما لا عذر لك فيه، فإليه يلجأ النادمون، واسترجع سالف الذنوب بشدة الندم وكثرة الاستغفار، وتعرض للرحمة وعفو الله بحسن المراجعة، واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء والمناجات في الظلم، و تخلص إلى عظيم الشكر باستكثار قليل الرزق واستقلال كثير الطاعة، واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر، وتوسل إلى عظيم الشكر بخوف زوال النعم، واطلب بقاء العز بإماتة الطمع، وادفع ذل الطمع بعز اليأس، واستجلب عز اليأس ببعد الهمة، وتزود من الدنيا بقصر الامل، وبادر بإنتهاز البغية (3) عند إمكان الفرصة، ولا إمكان كالايام الخالية مع صحة الابدان، وإياك والثقة بغير المأمون فإن للشر ضراوة كضراوة الغذاء. (4) واعلم أنه لا علم كطلب السلامة، ولا سلامة كسلامة القلب، ولا عقل كمخالفة الهوى. ولا خوف كخوف حاجز، ولا رجاء كرجاء معين، ولا فقر


(1) في بعض النسخ " وانزل ساعة القناعة بانفاء الحرص ". (2) الجمام - بالفتح -: الراحة. وأجم نفسه أي أتركها. (3) البغية: مصدر بغى الشئ أي طلبه. وانتهاز البغية: اغتنامها والنهوض إليها مبادرا. (4) الضراوة: الاعتياد، مصدر ضرى بالشئ: أي اعتاده.

[165]

كفقر القلب، ولا غنى كغنى النفس، ولا قوة كغلبة الهوى، ولا نور كنور اليقين ولا يقين كاستصغارك الدنيا، ولا معرفة كمعرفتك بنفسك، ولا نعمة كالعافية، ولا عافية كمساعدة التوفيق، ولا شرف كبعد الهمة، ولا زهد كقصر الامل، ولا حرص كالمنافسة في الدرجات (1) ولا عدل كالانصاف، ولا تعدي كالجور، ولا جور كموافقة الهوى، ولا طاعة كأداء الفرائض، ولا خوف كالحزن، ولا مصيبة كعدم العقل، ولا عدم عقل كقلة اليقين، ولا قلة يقين كفقد الخوف، ولا فقد خوف كقلة الحزن على فقد الخوف، ولا مصيبة كاستهانتك بالذنب ورضاك بالحالة التي أنت عليها، ولا فضيلة كالجهاد، ولا جهاد كمجاهدة الهوى، ولا قوة كرد الغضب، ولا معصية كحب البقاء (2) ولاذل كذل الطمع، وإياك والتفريط عند إمكان الفرصة، فإنه ميدان يجري لاهله بالخسران. 2 - ف (3): ومن كلامه عليه السلام لجابر أيضا خرج يوما وهو يقول: أصبحت والله يا جابر محزونا مشغول القلب، فقلت: جعلت فداك ما حزنك وشغل قلبك كل هذا علي الدنيا ؟ فقال عليه السلام: لا يا جابر ولكن حزن هم الاخرة، يا جابر من دخل قلبه خالص حقيقة الايمان شغل عما في الدنيا من زينتها، إن زينة زهرة الدنيا إنما هو لعب ولهو، وإن الدار الاخرة لهي الحيوان. يا جابر إن المؤمن لا ينبغي له أن يركن ويطمئن إلى زهرة الحياة الدنيا. واعلم أن أبناء الدنيا هم أهل غفلة وغرور وجهالة، وأن أبناء الاخرة هم المؤمنون العاملون الزاهدون، أهل العلم والفقه، وأهل فكرة واعتبار واختبار، لا يملون من ذكر الله.


(1) المنافسة: المفاخرة والمباراة. (2) يعنى البقاء في هذه الدنيا الدنية لاستلزامه البعد عن جوار الرب تعالى. (3) التحف ص 286 ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 133 عن ابى عبد الله المؤمن عن جابر " قال: دخلت على ابى جعفر عليه السلام فقال: يا جابر والله انى لمحزون و انى لمشغول القلب... الخ " ورواه على بن عيسى الاربلي في كشف الغمة أيضا مع اختلاف.

[166]

واعلم يا جابر أن أهل التقوى هم الاغنياء، أغناهم القليل من الدنيا فمؤونتهم يسيرة، إن نسيت الخير ذكروك، وإن عملت به أعانوك. أخروا شهواتهم ولذاتهم خلفهم وقدموا طاعة ربهم أمامهم، ونظروا إلى سبيل الخير وإلى ولاية أحباء الله فأحبوهم، وتولوهم واتبعوهم. فأنزل نفسك من الدنيا كمثل منزل نزلته ساعة ثم ارتحلت عنه، أو كمثل مال استفدته في منامك ففرحت به وسررت ثم انتبهت (1) من رقدتك وليس في يدك شئ، وإني إنما ضربت لك مثلا (2) لتعقل وتعمل به إن وفقك الله له. فاحفظ يا جابر ما استودعك (3) من دين الله وحكمته: وانصح لنفسك، وانظر ما الله عندك في حياتك، فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك، وانظر فإن تكن الدنيا عندك على [غير] ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم (4)، فلرب حريص على أمر من امور الدنيا قد ناله، فلما ناله كان عليه وبالا وشقي به، ولرب كاره لامر من امور الاخرة قد ناله فسعد به. 3 - ف (5): ومن كلامه عليه السلام في أحكام السيوف سأله رجل من شيعته عن


(1) في بعض النسخ " استنبهت " وفى الكافي والكشف " استيقظت ". (2) في الكافي " هذا مثلا ". (3) في بعض النسخ " ما استودعتك " وفى الكافي والكشف " ما استرعاك ". (4) قال الفيض رحمه الله: أي ان تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعنى أن تكون في الدنيا ببدنك وفى الاخرة بروحك تسعى في فكاك رقبتك وتحصيل رضا بك حتى يأتيك الموت. وليست في - بعض النسخ لفظة " غير " وعلى هذا فلا حاجة إلى التكلف في معناه. والاستعتاب الاسترضاء. (5) التحف ص 288 ورواه الكليني (ره) في الكافي ج 5 ص 8 عن على بن ابراهيم عن أبيه عن القاسم بن محمد وعلى بن محمد القاسانى عن المنقرى عن حفص بن غياث عن أبى عبد الله عليه السلام قال: " سأل رجل عن حروب أمير المؤمنين عليه السلام وكان القائل من محبينا فقال: بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف - الخ ". ورواه شيخ الطائفة (ره) أيضا في التهذيب ص 46 من المجلد الثاني والصدوق (ره) في الخصال.

[167]

حروب أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال عليه السلام له: بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله بخمسة أسياف: ثلاثة منها شاهرة لا تغمد (1) حتى تضع الحرب أو زارها، ولن تضع الحرب أوزارها حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أمن الناس كلهم في ذلك اليوم، فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن أمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا (2). وسيف مكفوف (3) وسيف منها مغمود، سله إلى غيرنا وحكمه إلينا. فأما السيوف الثلاثة الشاهرة: فسيف على مشركي العرب قال الله عزوجل " اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد (4) ". " فإن تابوا (أي آمنوا) وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم في الدين (5) " هؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام وأموالهم فيئ، وزراريهم سبي على ماسن رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه سبي وعفا وقبل الفداء. والسيف الثاني على أهل الذمة قال الله سبحانه: " وقولوا للناس حسنا (6) " نزلت هذه الاية في أهل الذمة ونسخها قوله: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين


(1) الشاهرة: المجردة من الغمد. وقوله. " حتى تضع الحرب أوزارها " أي ينقضى. والاوزار: الآلات والاثقال. ولعل طلوع الشمس من مغربها كناية عن أشراط الساعة وقيام القيامة. كما قاله الفيض رحمه الله في الوافى. (2) قوله: " كسبت في ايمانها خيرا " أي لا ينفع يومئذ نفسا غير مقدمة ايمانها أو مقدمة ايمانها غير كاسبة في ايمانها خيرا. (3) في بعض النسخ " وسيف ملفوف " وكذا في تفسيره. ومغمود أي مستور في غلافه. وسله: اخراجه من غلافه. (4) سورة التوبة: 5. (5) سورة التوبة: 11. (6) سورة البقرة: 78.

[168]

اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (1) " فمن كان منهم في دار الاسلام فلن يقبل منهم إلا الجزية أو القتل وما لهم فيئ. وذراريهم سبي، فإذا قبلوا الجزية على أنفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم، وحلت لنا مناكحهم (2) ومن كان منهم في دار الحرب حل لنا سبيهم وأموالهم، ولم تحل لنا مناكحتهم، ولم يقبل منهم إلا دخول دار الاسلام (3) والجزية أو القتل. والسيف الثالث على مشركي العجم كالترك والديلم والخزر (4) قال الله عزوجل في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقص قصتهم ثم قال: " فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم (5) فشدوا الوثاق * فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها (6) " فأما قوله: " فإما منا بعد " يعني بعد السبي منهم " وإما فداء " يعني المفاداة بينهم وبين أهل الاسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام ولا يحل لنا نكاحهم (7) ماداموا في دار الحرب. وأما السيف المكفوف فسيف على أهل البغي والتأويل قال الله: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما (صلحا) فإن بغت إحديهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيئ إلى أمر الله (8) " فلما نزلت هذه الاية قال رسول


(1) سورة التوبة: 30. (2) في الكافي والتهذيب " مناكحتهم ". (3) فيهما " يعنى الترك والديلم والخزر - بالتحريك والخاء المعجمة والزاى ثم الراء -: جيل من الناس ضيقة العيون. (4) فيهما " الا الدخول في دار الاسلام ". (5) أي أكثرتم قتلهم واغلظتموهم. من الثخن. (6) سورة محمد: 4. (7) فيهما " مناكحتهم ". (8) سورة الحجرات: 9، وهذه الاية أصل في قتال المسلمين ودليل على وجوب قتال أهل البغى وعليها بنى أمير المؤمنين عليه السلام قتال الناكثين والقاسطين والمارقين واياها عنى رسول الله صلى الله عليه وآله حين قال لعمار بن ياسر: " تقتلك الفئة الباغية ".

[169]

الله صلى الله عليه وآله: إن منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل، فسئل النبي صلى الله عليه وآله من هو ؟ فقال: خاصف النعل، يعني أمير المؤمنين عليه السلام، و قال عمار بن ياسر: " قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا (1) وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر (2) لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل ". وكانت السيرة فيهم من أمير المؤمنين عليه السلام مثل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل مكة يوم فتحها فإنه لم يسب لهم ذرية وقال: من أغلق بابه فهو آمن، وكذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم البصرة نادى فيهم لا تسبوا لهم ذرية ولا تدففوا على جريح (3) ولا تتبعوا مدبرا ومن أغلق بابه، وألقى سلاحه فهو آمن. والسيف المغمود فالسيف الذي يقام به القصاص قال الله عزوجل: " النفس بالنفس والعين بالعين (4) " فسله إلى أولياء المقتول، وحكمه إلينا. فهذه السيوف التي بعث الله بها محمدا صلى الله عليه وآله فمن جحدها أو جحد واحدا منها أو شيئا من سيرها وأحكامها فقد كفر بما أنزل الله تبارك وتعالى على محمد نبيه صلى الله عليه وآله.


(1) يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين. (2) السعف - بالتحريك -: جريدة النخل أو ورقه قيل مادامت بالخوص فإذا زال عنها قيل: جريدة، وأكثر ما يقال إذا يبست وإذا كانت رطبة فهى شطبة. والهجر - بالتحريك -: بلدة باليمن. واسم لجميع أرض البحرين. وانما خص هجر لبعد المسافة أو لكثرة النخل بها. (3) دفف على الجريح: أجهزه عليه وأتم قتله، وفى بعض النسخ " ولا تذيعوا على جريح " وفى الكافي والتهذيب " لا تجهزوا على جريح " والاجهاز على الجريح: اتمام قتله والاسراع فيه. (4) سورة المائدة: 47.

[170]

4 - ف (1): موعظة: وحضره ذات يوم جماعة من الشيعة فوعظهم وحذرهم وهم ساهون لاهون، فأغاظه ذلك فأطرق مليا، ثم رفع رأسه إليهم، فقال: إن كلامي لو وقع طرف منه في قلب أحدكم لصار ميتا. ألا يا أشباحا بلا أرواح، و ذبابا بلا مصباح كأنكم خشب مسندة (2) وأصنام مريدة، ألا تأخذون الذهب من الحجر ؟ ألا تقتبسون الضياء من النور الازهر، ؟ ألا تأخذون اللؤلؤ من البحر ؟ خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها وإن لم يعمل بها، فإن الله يقول: " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله (3) ". ويحك يا مغرور ألا تحمد من تعطيه فانيا ويعطيك باقيا، درهم يفنى بعشرة تبقى إلى سبعمائة ضعف مضاعفة من جواد كريم، آتاك الله عند مكافأة (4)، هو مطعمك وساقيك وكاسيك ومعافيك وكافيك وساترك ممن يراعيك، من حفظك في - ليلك ونهارك، وأجابك عند اضطرارك، وعزم لك على الرشد في اختبارك. كأنك قد نسيت ليالي أوجاعك وخوفك دعوته فاستجاب لك، فاستوجب بجميل صنيعه الشكر، فنسيته فيمن ذكر، وخالفته فيما أمر. ويلك إنما أنت لص من لصوص الذنوب (5) كلما عرضت لك شهوة أو


(1) التحف ص 291. (2) شبههم عليه السلام في عدم الانتفاع بهم بالخشب المسندة إلى الحائط والاصنام المنحوتة من الخشب وان كانت هياكلهم معجبة وألسنتهم ذلقة. وفى بعض النسخ " و اصنام مربذة ". (3) سورة الزمر: 18. (4) اشارة إلى قوله تعالى في سورة البقرة: 261. " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم ". (5) اللص - بالكسر -: فعل الشئ في ستر - ومنه قيل للسارق: لص. وجمعه لصوص.

[171]

ارتكاب ذنب سارعت إليه وأقدمت بجهلك عليه، فارتكبته كأنك لست بعين الله، أو كأن الله ليس لك بالمرصاد، يا طالب الجنة ما أطول نومك وأكل مطيتك، وأوهى همتك (1) فلله أنت من طالب ومطلوب، ويا هاربا من النار ما أحث مطيتك إليها، وما أكسبك لما يوقعك فيها. انظروا إلي هذه القبور سطورا بأفناء الدور، تدانوا في خططهم (2) وقربوا في مزارهم، وبعدوا في لقائهم، عمروا فخربوا، وأنسوا فأوحشوا، وسكنوا فازعجوا، وقطنوا فرحلوا (3) فمن سمع بدان بعيد وشاحط قريب (4)، وعامر مخرب، وآنس موحش، وساكن مزعج، و قاطن مرحل غير أهل القبور ؟. يا ابن الايام الثلاث: يومك الذي ولدت فيه، ويومك الذي تنزل فيه قبرك ويومك الذي تخرج فيه إلى ربك، فياله من يوم عظيم. يا ذوي الهيئة المعجبة، والهيم المعطنة (5) مالي أرى أجسامكم عامرة وقلوبكم دامرة، أوما والله لو عاينتم ما أنتم ملاقوه، وما أنتم إليه صائرون لقلتم: " يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (6) " وقال جل من قائل: " بل بدالهم ما كانوا يخفون - ولوا ردوا لعادوا لمما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (7) ".


(1) أوهى فلانا: أضعفه وجعله واهيا. (2) الخطط: جمع خطة - بالكسر -: ما يخيطه الانسان من الارض ليعلم أنه قد أحتازها ليبنيها دارا. والارض التى تنزلها ولم ينزلها نازل قبلك - وبالضم -: الامر والخصلة. (3) القاطن: المقيم. (4) الشاحط: البعيد. (5) الهيم: الابل العطاش. العطن - بالنحريك -: وطن الابل ومبركها حول الماء. وأعطنت الابل: حبسها عند الماء فبركت بعد الورود. وعطنت الابل: رويت ثم بركت. (6) سورة الانعام: 27. (7) سورة الانعام. 28.

[172]

5 - ف (1): وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني. 1 - وقال عليه السلام: صانع المنافق بلسانك، وأخلص مودتك للمؤمن، وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته. 2 - وقال عليه السلام: ما شيب شئ بشئ أحسن من حلم بعلم (2). 3 - وقال عليه السلام: الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة. 4 وقال عليه السلام: والله المتكبر ينازع الله رداءه. 5 - وقال عليه السلام: يوما لمن حضره ما المروة ؟ فتكلموا، فقال: صلى الله عليه وآله: المروة أن لا تطمع فتذل، وتسأل فتقل (3) ولا تبخل فتشتم، ولا تجهل فتخصم، فقيل: ومن يقدر على ذلك ؟ فقال عليه السلام: من أحب أن يكون كالناظر في الحدقة (4) والمسك في الطيب، وكالخليفة في يومكم هذا في القدر. 6 - وقال يوما رجل عنده: اللهم أغننا عن جميع خلقك. فقال أبو جعفر عليه السلام: لا تقل هكذا، ولكن قل: اللهم أغننا عن شرار خلقك، فإن المؤمن لا يستغني عن أخيه. 7 - وقال عليه السلام: قم بالحق واعتزل مالا يعنيك، وتجنب عدوك، واحذر صديقك من الاقوام إلا الامين من خشي الله، ولا تصحب الفاجر، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمر الذين يخشون الله. 8 - وقال عليه السلام: صحبة عشرين سنة قرابة. 9 - وقال عليه السلام: إن استطعت أن لا تعامل أحدا إلا ولك الفضل عليه فافعل.


(1) التحف ص 292. (2) الشوب: الخلط. (3) يقل الرجل: قل ماله. (4) الناظر: سواد الاصغر الذى فيه انسان العين. والحدقة. سواد العين الاعظم.

[173]

10 - وقال عليه السلام: ثلاثة من مكارم الدنيا والاخرة: أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك. وتحلم إذا جهل عليك. 11 - وقال عليه السلام: الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه الله فالمدائنة بين العباد (1). 12 - وقال عليه السلام: ما من عبد يمتنع من معونة أخيه المسلم والسعي له في حاجته قضيت أولم تقض إلا ابتلي بالسعي في حاجة فيما يأثم عليه ولا يوجر، وما من عبد يبخل بنفقة ينفقها فيما يرضي الله إلا ابتلي بأن ينفق أضعافها فيما أسخط الله. 13 - وقال عليه السلام: في كل قضاء الله خير للمؤمن. 14 - وقال عليه السلام: إن الله كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة و أحب ذلك لنفسه. إن الله جل ذكره يحب أن يسأل ويطلب ما عنده. 15 - وقال عليه السلام: من لم يجعل له من نفسه واعظا، فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا. 16 - وقال عليه السلام: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه. 17 - وقال عليه السلام: كم من رجل قد لقى رجلا فقال له: كب الله عدوك (2) وماله من عدو إلا الله. 18 - وقال عليه السلام: ثلاثة لا يسلمون: الماشي إلى الجمعة، والماشي خلف جنازة وفي بيت الحمام. 19 - وقال عليه السلام: عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد. 20 - وقال عليه السلام: لا يكون العبد عالما حتى لا يكون حاسدا لمن فوقه ولا محقرا لمن دونه.


(1) المدائنة من الدين أي ظلم العباد عند المعاملة (2) كب فلانا: صرعه. وقلبه على رأسه.

[174]

21 - وقال عليه السلام: ما عرف الله من عصاه وأنشد: تعصي الاله وأنت تظهر حبه * هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لاطعته * إن المحب لمن أحب مطيع 22 - وقال عليه السلام: إنما مثل الحاجة إلى من أصاب ماله حديثا كمثل الدرهم في فم الافعي أنت إليه محوج (1) وأنت منها على خطر. 23 - وقال عليه السلام: ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهن: البغي. وقطيعة الرحم. واليمين الكاذبة يبارز الله بها، وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم وإن القوم ليكونون فجارا فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون (2) وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم ليذران الديار بلاقع من أهلها (3) 24 - وقال عليه السلام: لا يقبل عمل إلا بمعرفة. ولا معرفة إلا بعمل. ومن عرف دلته معرفته علي العمل. ومن لم يعرف فلا عمل له. 25 - وقال عليه السلام: إن الله جعل للمعروف أهلا من خلقه، حبب إليهم المعروف وحبب إليهم فعاله، ووجه لطلاب المعروف الطلب إليهم ويسر لهم قضاءه كما يسر الغيث للارض المجدبة ليحييها ويحيي أهلها (4) وإن الله جعل للمعروف أعداء من خلقه بغض إليهم المعروف وبغض إليهم فعاله. وحظر على طلاب المعروف التوجه إليهم وحظر عليهم قضاءه كما يحظر الغيث عن الارض المجدبة ليهلكها ويهلك أهلها وما يعفو الله عنه أكثر. 26 - وقال عليه السلام: اعرف المودة في قلب أخيك بما له في قلبك.


(1) أحوج إليه: افتقر. وأحوجه: جعله محتاجا. (2) " يثرون " أي يكثرون مالا. يقال: ثرا الرجل: كثر ماله. (3) " ليذران " أي ليدعان ويتركان من وذره أي ودعه. " بلاقع " جمع بلقع -: الارض القفر. (4) المجدبة: ذو جدب وهو ضد الخصب ويأتى ايضا بمعني الماحل.

[175]

27 - وقال عليه السلام: الايمان حب وبغض (1). 28 - وقال عليه السلام: والله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشع وأداء الامانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين وتعهد الجيران من الفقراء وذوي المسكنة والغارمين والايتام، و صدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الالسن عن الناس إلا من خير، وكانوا امناء عشائرهم في الاشياء. 29 - وقال: عليه السلام: أربع من كنوز البر: كتمان الحاجة، وكتمان الصدقة، وكتمان الوجع، وكتمان المصيبة. 30 - وقال عليه السلام: من صدق لسانه زكي عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره بأهله زيد في عمره. 31 - وقال عليه السلام: إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر، من كسل لم يؤد حقا، ومن ضجر لم يصبر على حق. 32 - وقال عليه السلام: من استفاد أخا في الله على إيمان بالله ووفاء بإخائه طلبا لمرضات الله فقد استفاد شعاعا من نور الله، وأمانا من عذاب الله، وحجة يفلج بها يوم القيامة (2) وعزا باقيا، وذكرا ناميا، لان المؤمن من الله عزوجل لا موصول ولا مفصول، قيل له عليه السلام: ما معني لا موصول ولا مفصول ؟ قال: لا موصول به إنه هو ولا مفصول منه إنه من غيره. 33 - وقال عليه السلام: كفى بالمرء غشا لنفسه أن يبصر من الناس ما يعمي عليه من أمر نفسه، أو يعيب غيره (3) بما لا يستطيع تركه أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه.


(1) المراد الحب في الله والبغض فيه كما جاء في الاحاديث. (2) يفلج أي يفوز ويظفر ويغلب بها. وفلج الحجة: أثبتها. وفلج الرجل: ظفر بما طلب، وعلى خصمه: غلبه. - وعلى القوم فاز. (3) في بعض النسخ " أو يعير غيره ".

[176]

34 - وقال عليه السلام: التواضع الرضا بالمجلس دون شرفه، وأن تسلم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقا. 35 - وقال عليه السلام: إن المؤمن أخ المؤمن لا يشتمه ولا يحرمه ولا يسئ به الظن. 36 - وقال عليه السلام: لابنه: اصبر نفسك على الحق، فإنه من منع شيئا في - حق اعطي في باطل مثليه. 37 - وقال عليه السلام: من قسم له الخرق حجب منه الايمان (1). 38 - وقال عليه السلام: إن الله يبغض الفاحش المتفحش. 39 - وقال عليه السلام: إن لله عقوبات في القلوب والابدان: ضنك في المعيشة ووهن في العبادة. وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب. 40 - وقال عليه السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الصابرون ؟ فيقوم فئام من الناس (2). ثم ينادي مناد أين المتصبرون ؟ فيقوم فئام من الناس. قلت: جعلت فداك ما الصابرون والمتصبرون ؟ فقال عليه السلام الصابرون على أداء الفرائض، والمتصبرون على ترك المحارم. 41 - وقال عليه السلام: يقول الله: ابن آدم ! اجتنب ما حرمت عليك تكن من أورع الناس. 42 - وقال عليه السلام: أفضل العبادة عفة البطن والفرج. 43 - وقال عليه السلام: البشر الحسن (3) وطلاقة الوجه مكسبة للمحبة، و قربة من الله. وعبوس الوجه وسوء البشر مكسبة للمقت وبعد من الله. 44 - وقال عليه السلام: ما تذرع إلي بذريعة، ولا توسل بوسيلة هي أقرب له


(1) الخرق: ضعف العقل والرأى، الجهل، الحمق، ضد الرفق. (2) الفئام - ككتاب -: الجماعة من الناس. وفسر في خطب أمير المؤمنين عليه السلام بمائة ألف. (3) البشر - بالكسر - طلاقة الوجه وبشاشته. والمقت: البغض.

[177]

مني إلى ما يحب من يد سالفة مني إليه أتبعتها اختها ليحسن حفظها وربها، لان منع الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل (1) وما سمحت لي نفسي برد بكر الحوائج. 45 - وقال عليه السلام: الحياء والايمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه. 46 - وقال عليه السلام: إن هذه الدنيا تعاطاها البر والفاجر، وإن هذا الدين لا يعطيه الله إلا أهل خاصته (2). 47 - وقال عليه السلام: الايمان إقرار وعمل. والاسلام إقرار بلا عمل. 48 - وقال عليه السلام: الايمان ما كان في القلب. والاسلام ما عليه التناكح والتوارث وحقنت به الدماء. والايمان يشرك الاسلام، والاسلام لا يشرك الايمان. 49 - وقال عليه السلام: من علم باب هدى فله مثل أجر من عمل به، ولا ينقص أولئك من أجورهم شيئا. ومن علم باب ضلال كان عليه مثل أوزار من عمل به، ولا ينقص أولئك من أوزارهم شيئا. 50 - وقال عليه السلام: ليس من أخلاق المؤمن الملق والحسد إلا في طلب العلم (3). 51 - وقال عليه السلام: للعالم إذا سئل عن شئ وهو لا يعلمه أن يقول: الله أعلم، وليس لغير العالم أن يقول ذلك، وفي خبر آخر يقول: لا أدري لئلا يوقع


(1) الظاهر أن المراد التتابع في الاحسان والعمل وفى حديث آخر عن الصادق عليه السلام " قال: ما من شئ أسر إلى من يد اتبعها الاخرى لان منع الاواخر يقطع لسان شكر الاوائل " ذكره الابى. (2) التعاطى: التناول. وتناول ما لا يحق. والتنازع في الاخذ والقيام به. وفى بعض النسخ " لا يعطيه الا أهل الله خاصة ". (3) الملق - بالتحريك -: التملق وهو الود واللطف وأن يعطى في اللسان ما ليس في القلب.

[178]

في قلب السائل شكا. 52 - وقال عليه السلام: أول من شق لسانه بالعربية إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان لسانه على لسان أبيه وأخيه، فهو أول من نطق بها وهو الذبيح. 53 - وقال عليه السلام: ألا أنبئكم بشئ إذا فعلتموه يبعد السلطان والشيطان منكم ؟ فقال أبو حمزة: بلى، أخبرنا به حتى نفعله، فقال عليه السلام: عليكم بالصدقة فبكروا بها، فإنها تسود وجه إبليس وتكسر شرة السلطان الظالم عنكم في يومكم ذلك (1). وعليكم بالحب في الله والتودد (2) والموازرة على العمل الصالح، فإنه يقطع دابرهما - يعني السلطان والشيطان -. وألحوا في الاستغفار، فإنه ممحاة للذنوب. 54 - وقال عليه السلام: إن هذا اللسان مفتاح كل خير وشر، فينبغي للمؤمن أن يختم على لسانه كما يختم علي ذهبه وفضته، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " رحم الله مؤمنا أمسك لسانه من كل شر، فإن ذلك صدقة منه على نفسه (3) " ثم قال عليه السلام: لا يسلم أحد من الذنوب حتى يخزن لسانه. 55 - وقال عليه السلام: من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه، فأما الامر الظاهر منه مثل الحدة والعجلة، فلا بأس أن تقوله. وإن البهتان أن تقول في أخيك ما ليس فيه (4).


(1) الشرة - بالكسر فالفتح مشددة -: الشر والغضب والحدة. (2) وفى بعض النسخ " المودة ". (3) في الكافي ج 2 ص 114 عن على بن ابراهيم باسناده عن الحلبي رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمسك لسانك فانها صدقة تصدق بها على نفسك ثم قال: ولا يعرف عبد حقيقة الايمان حتى يخزن من لسانه " أقول: قوله: " فانها " أي الامساك والتأنيث بتأويل الخصلة. (4) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 358 باسناده عن الصادق عليه السلام والصدوق في معاني الاخبار أيضا عنه عليه السلام. والحدة - بالكسر -: ما يعترى الانسان من الغضب والنزق. والعجلة - بالتحريك -. السرعة والمبادرة في الامور من غير تأمل.

[179]

56 - وقال عليه السلام: إن أشد الناس حسرة يوم القيامة عبد وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره (1). 57 - وقال عليه السلام: عليكم بالورع والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الامانة إلى من ائتمنكم عليها برا كان أو فاجرا، فلو أن قاتل علي بن أبي طالب عليه السلام ائتمنني على أمانة لاديتها إليه. 58 - وقال عليه السلام: صلة الارحام تزكي الاعمال، وتنمي الاموال، وتدفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئ في الاجل (2). 59 - وقال عليه السلام: أيها الناس إنكم في هذه الدار أغراض تنتضل فيكم المنايا، لن يستقبل أحد منكم يوما جديدا من عمره إلا بانقضاء آخر من أجله، فأية اكلة ليس فيها غصص ؟ أم أي شربة ليس فيها شرق ؟ (3) استصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه (4)، فان اليوم غنيمة، وغدا لا تدري لمن هو، أهل الدنيا سفر (5) يحلون عقد رحالهم في غيرها، قد خلت منا اصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد أصله، أين الذين كانوا أطول أعمارا منكم ؟ وأبعد آمالا ؟. أتاك يا ابن آدم مالا ترده، وذهب عنك مالا يعود، فلا تعدن عيشا منصرفا عيشا. مالك منه إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك ؟ ! (6) وتقربك من


(1) رواه الكليني (ره) في الكافي ج 2 ص 300 باسناده عن الصادق عليه السلام. (2) " تزكى الاعمال " أي تنميها في الثواب أو تطهرها أو تصيرها مقبولة. والنساء - بالفتح -: التأخير (3) غص غصصا بالطعام: اعترض في حلقه شئ منه فمنعه التنفس. وشرق بالماء أو بريقه: غص. (4) الظعن: الرحال والسير. (5) السفر - بالفتح فالسكون - جمع سافر، أي المسافرون. (6) الحمام - ككتاب -: قضاء الموت وقدره أي تقربك إلى موتك. واخترم: أهلك. والسواد المخترم: الشخص الذى مات. يقال: اخترمهم الدهر وتخرمهم أي افتطعهم واستأصلهم.

[180]

أجلك ؟ ! فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم. فعليك بذات نفسك ودع ما سواها واستعن بالله يعنك (1). 60 - وقال عليه السلام: من صنع مثل ما صنع إليه فقد كافأه، ومن أضعف كان شكورا ومن شكر كان كريما، ومن علم أنه ما صنع كان إلى نفسه لم يستبطئ الناس في شكرهم ولم يستزدهم في مودتهم، فلا تلتمس من غيرك شكر ما آتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك، واعلم أن طالب الحاجة لم يكرم وجهه عن مسألتك فأكرم وجهك عن رده. 61 - وقال عليه السلام: إن الله يتعهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعهد الغائب أهله بالهدية، ويحميه عن الدنيا كما يحمي الطيب المريض. 62 - وقال عليه السلام: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبعض. ولا يعطي دينه إلا من يحب. 63 - وقال عليه السلام: إنما شيعة علي عليه السلام المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون لاحياء أمرنا، الذين إذا غضبوا لم يظلموا، وإذا رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا. 64 - وقال عليه السلام: الكسل يضر بالدين والدنيا. 65 - وقال عليه السلام: لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا. ولو يعلم المسؤول ما في المنع ما منع أحد أحدا. 66 - وقال عليه السلام: إن لله عبادا ميامين مياسير، يعيشون ويعيش الناس في - أكنافهم، وهم في عباده مثل القطر. ولله عباد ملاعين مناكيد، لا يعيشون ولا يعيش الناس في أكنافهم وهم في عباده مثل الجراد لا يقعون على شئ إلا أتوا عليه (2).


(1) في بعض النسخ " يغنك ". (2) الميامين: جمع ميمون بمعنى ذو اليمن والبركة. والمياسير: جمع موسر بمعنى الغنى وذو اليسر. والمناكيد جمع نكد - بفتح الكاف وكسره وسكونه -: عسر، قليل الخير. وأتوا عليه أي أهلكوه وأفنوه.

[181]

67 - وقال عليه السلام: قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، الفاحش المتفحش، السائل الملحف، ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف (1). 68 - وقال عليه السلام: إن الله يحب إفشاء السلام. 6 - ل (2): عن الطالقاني، عن محمد بن جرير الطبري، عن أبي صالح الكناني، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن شريك، عن هشام بن معاذ قال: كنت جليسا لعمر بن عبد العزيز حيث دخل المدينة فأمر مناديه فنادى من كانت له مظلمة أو ظلامة فليأت الباب فأتى محمد بن علي عليهما السلام - يعني الباقر - عليه السلام فدخل إليه مولاه مزاحم فقال: إن محمد بن علي بالباب فقال له: أدخله يا مزاحم، قال: فدخل وعمر يمسح عينيه من الدموع فقال له محمد بن علي عليهما السلام: ما أبكاك يا عمر ؟ فقال هشام: أبكاه كذا وكذا يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال محمد بن علي عليهما السلام: يا عمر إنما الدنيا سوق من الاسواق منها خرج قوم بما ينفعهم ومنها خرجوا بما يضرهم، وكم من قوم قد ضرهم بمثل الذي أصبحنا فيه حتى أتاهم الموت، فاستوعبوا فخرجوا من الدنيا ملومين لما لم يأخذوا لما أحبوا من الاخرة عدة، ولا مما كرهوا جنة، قسم ما جمعوا من لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم فنحن والله محقون أن ننظر إلى تلك الاعمال التي كنا نغبطهم بها فنوافقهم، وننظر إلى تلك الاعمال التي كنا نتخوف عليهم منها، فنكف عنها فاتق الله، واجعل في قلبك اثنتين تنظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك، وتنظر الذي تكرهه أن يكون معك إذا قدمت على ربك فابتغ به البدل


(1) يقال: ألحف في المسألة الحافا إذا ألح فيها ولزمها، وهو موجب لبغض الرب حيث أعرض عن الغنى الكريم وسأل الفقير اللئيم. وأنشد بعضهم: الله يبغض ان تركت سؤاله * وبنو آدم حين يسأل يغضب (2) الخصال ج 1 ص 51.

[182]

ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت (1) على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك، واتق الله يا عمر، وافتح الابواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد المظالم (2). ثم قال: ثلاث من كن فيه استكمل الايمان بالله، فجثا عمر على ركبتيه وقال: إيه يا أهل بيت النبوة فقال: نعم يا عمر من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له، فدعا عمر بدواة في قرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما رد عمربن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي فدك. 7 - ما (3): عن المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي، عن أبيه، عن اليقطيني، عن يونس، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: دخلنا على أبي جعفر عليه السلام ونحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا فودعناه وقلنا له: أوصنا يا ابن رسول الله فقال: ليعن قويكم ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، ولينصح الرجل أخاه كنصحه لنفسه، واكتموا أسرارنا، ولا تحملوا الناس على أعناقنا، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا فردوه، وإن اشتبه الامر عليكم فقفوا عنده، وردوه إلينا حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا، فإذا كنتم كما اوصيناكم، لم تعدوا إلى غيره فمات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدا وإن أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين، ومن قتل بين يديه عدوا لنا كان له أجر عشرين شهيدا. 8 - ما (4): عن الفحام، عن عمه، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن المثنى، عن أبيه، عن عثمان بن زيد، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: خدمت سيد الانام أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام ثمانية عشرة سنة فلما أردت الخروج ودعته فقلت له:


(1) السلعة: المتاع. وبار السوق أو السلعة أي كسد. (2) في المصدر " الظالم ". (3) الامالى ج 1 ص 236. (4) المصدر: ج 1 ص 302

[183]

أفدني، فقال: بعد ثمانية عشر سنة يا جابر ؟ قلت: نعم إنكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره (1) قال: يا جابر بلغ شيعتي عني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا و بين الله عزوجل، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له، يا جابر من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا، ومن عصى الله لم ينفعه حبنا. يا جابر من هذا الذي سأل الله فلم يعطه ؟ أو توكل عليه فلم يكفه ؟ أو وثق به فلم ينجه ؟. يا جابر أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحول وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب. ولا أحد يعبأ بها، أو كثوب لبسته، أو كجارية وطئتها. يا جابر الدنيا عند ذوي الالباب كفيئ الظلال. لا إله إلا الله إعزاز لاهل دعوته، الصلاة بيت الاخلاص وتنزيه عن الكبر، والزكاة تزيد في الرزق، و الصيام والحج تسكين القلوب، القصاص والحدود حقن الدماء، وحبنا أهل البيت نظام الدين، وجعلنا الله وإياكم من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون. 9 - مع (2): عن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد بن خالد البرقي عن هارون بن الجهم، عن المفضل بن صالح، عن سعد الاسكاف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثلاث درجات وثلاث كفارات وثلاث موبقات (3) وثلاث منجيات فأما الدرجات فافشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، و أما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات والمحافظة على الصلوات، وأما الموبقات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فخوف الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى و


(1) لا ينزف أي لا يفنى ماؤها على كثرة الاستقاء. (2) معاني الاخبار: ص 314 ورواه في الخصال ج 1 ص 41 بسند آخر. (3) الموبقة: المهلكة، والموبقات المهلكات من المعاصي والذنوب.

[184]

الفقر، وكلمة العدل في الرضا والسخط. قال: مصنف هذا الكتاب (ره) (1) روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: الشح المطاع سوء الظن بالله عزوجل، وأما السبرات فجمع سبرة وهو شدة البرد، وبها سمي الرجل سبرة. 10 - سن (2): عن أبان، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي النعمان، عن أبي جعفر عليه السلام قال: العجب كل العجب للشاك في قدرة الله وهو يرى خلق الله، والعجب كل العجب للمكذب بالنشأة الاخرى وهو يرى النشأة الاولى، والعجب كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يعمل لدار الغرور، والعجب كل العجب للمختال الفخور، الذي خلق من نطفة ثم يصير جيفة، وهو فيما بين ذلك ولا يدري كيف يصنع به. 11 - جا (3): عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن ابن حديد، عن علي بن النعمان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي النعمان العجلي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا النعمان لا تحققن علينا كذبا فتسلب الحنيفية، يا أبا النعمان لا تستأكل بنا الناس فلا تزيدك الله بذلك إلا فقرا، يا أبا النعمان لا ترأس فتكون ذنبا، يا أبا النعمان إنك موقوف ومسؤول لا محالة، فإن صدقت صدقناك، وإن كذبت كذبناك، يا أبا النعمان لا يغرك الناس عن نفسك فإن الامر يصل إليك دونهم، ولا تقطعن نهارك بكذا وكذا فإن معك من يحفظ عليك، وأحسن فلم أر شيئا أسرع دركا ولا أشد طلبا من حسنة لذنب قديم. 12 - كشف (4): من كتاب الحافظ بن عبد العزيز عن الحجاج بن أرطاة


(1) يعنى الصدوق. (2) المحاسن ص 242 تحت رقم 230. (3) مجالس المفيد: ص 108، المجلس الثالث والعشرون. (4) كشف الغمة ج 2 ص 333 إلى 362.

[185]

قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا ابن أرطاة كيف تواسيكم ؟ قلت: صالح يا أبا جعفر، قال: يدخل أحدكم يده في كيس أخيه فيأخذ حاجته إذا احتاج إليه ؟ قلت: أما هذا فلا، فقال له: لو فعلتم ما احتجتم. 13 - عن أبي حمزة الثمالي قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: لا تصحبن خمسة ولا تحادثهم ولا تصاحبهم في طريق. وقد سبق ذكره في - أخبار أبيه عليهما السلام (1). 14 - وعن حسين بن حسن قال: كان محمد بن علي عليهما السلام يقول: سلاح اللئام قبيح الكلام. 15 - وعن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي عليهما السلام: يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب، قلت: وما حزنك وما شغل قلبك ؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن يكون، إن هو إلا مركب ركبته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها، يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا للبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الاخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا ثواب الابرار، وإن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة، وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله عزوجل، قوامين بأمر الله، وقطعوا محبتهم لمحبة ربهم، ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم، وتوحشوا من الدنيا بطاعة مليكهم، وعلموا أن ذلك منظور إليه من شأنهم، فأنزل الدنيا بمنزلة نزلت به وارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شئ، احفظ الله ما استرعاك من دينه وحكمته. 16 - وفى كتاب حلية الاولياء عن خلف بن حوشب، عن أبي جعفر محمد ابن علي عليهما السلام قال: الايمان ثابت في القلب، واليقين، خطرات، فيمر اليقين


(1) راجع ص 137 والكافي ج 2 ص 641

[186]

بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد، ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالبة. وعنه عليه السلام أنه قال: ما دخل قلب امرء شئ من الكبر إلا نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قل ذلك أو كثر. 17 - وعن سفيان الثوري قال: سمعت منصورا يقول: سمعت محمد بن علي ابن الحسين عليهم السلام يقول: الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أقطناه. 18 - وعن زيد بن خيثمة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الصواعق يصيب المؤمن وغير المؤمن، ولا تصيب الذاكر. 19 - وعن ثابت، عن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام في قوله تعالى " اولئك يجزون الغرفة بما صبروا " (1) قال: الغرفة: الجنة، بما صبروا على الفتن في الدار الدنيا. 20 - وعن أبي حمزة الثمالي، وعن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا " (2) قال: بما صبروا على الفقر ومصائب الدنيا. 21 - وعن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: شيعتنا من أطاع الله. 22 - وعن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: إياكم والخصومة فإنها تفسد القلب وتورث النفاق. 23 - وعن ابن المبارك قال: قال محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام: من أعطى الخلق والرفق فقد اعطي الخير والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرم الخلق والرفق كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية إلا من عصمه الله. 24 - وعن يوسف بن يعقوب، عن أخيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: شيعتنا ثلاثة أصناف صنف يأكلون الناس بنا، وصنف كالزجاج ينم (3) وصنف كالذهب الاحمر


(1) الفرقان: 76. (2) الدهر: 13. (3) يعنى لا يكتم السر وأذاع ما في باطنه من الاسرار.

[187]

كلما ادخل النار ازداد جودة. 25 - وعن الاصمعي قال محمد بن علي عليهما السلام لابنه: يا بني إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقا وإن ضجرت لم تصبر على حق. 26 - وعن حجاج، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أشد الاعمال ثلاثة: ذكر الله على كل حال، وإنصافك [الناس من نفسك] ومواساة الاخ في المال. 27 - قال الابي في كتاب نثر الدرر (1) قال عليه السلام لابنه جعفر عليه السلام: إن الله خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئا، فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا، فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرن أحدا فلعل الولي ذلك. 28 - واجتمع عنده ناس من بني هاشم وغيرهم فقال: اتقوا الله شيعة آل محمد، وكونوا النمرقة الوسطى، يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي، قالوا له: وما الغالي ؟ قال: الذي يقول فينا مالا نقوله في أنفسنا، قالوا: فما التالي ؟ قال: التالي الذي يطلب الخير فيزيد به خيرا، والله ما بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله من حجة، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعا لله يعمل بطاعته نفعته ولايتنا أهل البيت، ومن كان منكم عاصيا لله يعمل معاصيه لم تنفعه ولايتنا ويحكم لا تغتروا - ثلاثا -. (2) 29 - وقال عليه السلام: إن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار. 30 - وقال عليه السلام لابنه: يا بني إذا أنعم الله عليك بنعمة فقل: الحمد لله، وإذا حزنك أمر فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا أبطأ عنك رزق فقل: أستغفر الله. 31 - وقال ابن حمدون في تذكرته: قال محمد بن علي عليهما السلام: توقى الصرعة خير من سؤال الرجعة.


(1) راجع كشف الغمة ج 2 ص 360. (2) أي قالها ثلاث مرات.

[188]

32 - وقيل له: من أعظم الناس قدرا ؟ قال: من لم يرى الدنيا لنفسه قدرا. 33 - وقال أبو عثمان الجاحظ: جمع محمد صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في - كلمتين فقال: صلاح شأن المعاش والتعاشر ملء مكيال: ثلثان فطنة، وثلث تغافل. 34 - الدرة الباهرة (1): قال الباقر عليه السلام: إن الله خبأ ثلاثة في ثلاثة: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئا، فلعل رضاه فيه. وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا، فلعل سخطه فيه. وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرن أحدا، فلعله الولي. 35 - وقال عليه السلام: الغلبة بالخير فضيلة، وبالشر قبيحة. 36 - وقيل له عليه السلام: من أعظم الناس قدرا ؟ فقال: من لا يرى الدنيا لنفسه قدرا. 37 - وقال عليه السلام: ما يأخذ المظلوم من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من دنيا المظلوم. 38 - وقال عليه السلام: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه. 39 - اعلام الدين (2): قال: محمد بن علي الباقر عليهما السلام كن لما لا ترجو أرجا منك لما ترجو فإن موسى عليه السلام خرج ليقتبس نارا فرجع نبيا مرسلا. 40 - وقال لبعض شيعته: إنا لا نغني عنكم من الله شيئا إلا بالورع، وإن ولايتنا لا تدرك إلا بالعمل، وإن أشد الناس يوم القيامة حسرة من وصف عدلا وأتى جورا. 41 - وقال عليه السلام: إذا علم الله تعالى حسن نية من أحد اكتنفه بالعصمة. 42 - وقال عليه السلام: صانع المنافق بلسانك وأخلص ودك للمؤمنين، وإن جالسك يهودي فأحسن مجالسته.


(1) و (2) مخطوط.

[189]

43 - وقال عليه السلام: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة وتركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه، إن على كل حق نورا، وما خالف كتاب الله فدعوه، إن أسرع الخير ثوابا البر، وإن أسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن ينظر إلى ما يعمى عنه من نفسه، ويعير الناس بما لا ينفيه عن نفسه، أو يتكلم بكلام لا يعنيه. 44 - وقال عليه السلام: من عمل بما يعلم علمه الله ما لم يعلم. 45 - واجتمع عنده جماعة من بني هاشم وغيرهم فقال لهم: اتقوا الله شيعة آل محمد وكونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي، قالوا له: وما الغالي ؟ قال الذي يقول فينا مالا نقوله في أنفسنا، قالوا: وما التالي ؟ قال: الذي يطلب الخير فيزيد به خيرا، إنه والله ما بيننا وبين الله من قرابة، ولا لنا عليه حجة، ولا يتقرب إلى الله إلا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعا لله يعمل بطاعته نفعته ولايتنا أهل البيت، ومن كان منكم عاصيا لله يعمل بمعاصيه لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغتروا. 46 - وقال لبعض شيعته وقد أراد سفرا فقال له: أوصني فقال: لا تسيرن سيرا وأنت خاف، ولا تنزلن عن دابتك ليلا إلا ورجلاك في خف، ولا تبولن في نفق، ولا تذوقن بقلة ولا تشمها حتى تعلم ما هي، ولا تشرب من سقاء حتى تعرف ما فيه، ولا تسيرن إلا مع من تعرف، واحذر من لا تعرف. 47 - وقيل له عليه السلام: من أعظم الناس قدرا فقال: من لا يبالي في يد من كانت الدنيا. 48 - وقال عليه السلام تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعلمه صدقة، وبذله لاهله قربة، والعلم ثمار الجنة، وانس في الوحشة، وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السراء، وعون على الضراء، ودين عند الاخلاء، وسلاح عند الاعداء، يرفع الله به قوما فيجعلهم في الخير سادة، وللناس أئمة، يقتدى بفعالهم، ويقتص

[190]

آثارهم، ويصلي عليهم كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه. 23. * (باب) * * " (مواعظ الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ووصاياه) " * * " (وحكمه) " * 1 - لى (1): عن ابن ادريس، عن أبيه، عن محمد بن أبي الصهبان، عن محمد ابن زياد، عن أبان الاحمر، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه جاء إليه رجل فقال له: بأبي أنت وامي يا ابن رسول الله علمني موعظة. فقال له عليه السلام: إن كان الله تبارك وتعالى قد تكفل بالرزق فاهتمامك لماذا ؟ وإن كان الرزق مقسوما فالحرص لماذا، وإن كان الحساب حقا فالجمع لماذا، وإن كان الثواب عن الله حقا فالكسل لماذا، وإن كان الخلف من الله عزوجل حقا فالبخل لماذا، وإن كان العقوبة من الله عزوجل النار فالمعصية لماذا، وإن كان الموت حقا فالفرح لماذا، وإن كان العرض على الله حقا فالمكر لماذا، وإن كان الشيطان عدوا فالغفلة لماذا، وإن كان الممر على الصراط حقا فالعجب لماذا، وإن كان كل شئ بقضاء وقدر فالحزن لماذا، وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة إليها لماذا ؟ !. ل (2): عن ابن وليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبان مثله، وفيه بعد قوله " فالمعصية لماذا ": " وإن كان الموت حقا فالفرج لماذا " وليس فيه، " وإن كان الشيطان عدوا فالغفلة لماذا ". 2 - لى (3) عن العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن الجاموراني، عن ابن أبي عثمان، عن محمد بن أبي حمزة، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله -


(1) المجلس الثاني ص 5. (2) الخصال ج 2 ص 61. (3) المجلس الثالث والاربعون ص 148.

[191]

الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام قال: تبع حكيم حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات فلما لحق به قال له: يا هذا ما أرفع من السماء، وأوسع من الارض، وأغنى من البحر، وأقسى من الحجر، وأشد حرارة من النار، وأشد بردا من الزمهرير، وأثقل من الجبال الراسيات. فقال له: يا هذا الحق أرفع من السماء، والعدل أوسع من الارض، وغنى النفس أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والحريص الجشع أشد حرارة من النار، واليأس من روح الله عزوجل أشد بردا من الزمهرير والبهتان على البرئ أثقل من الجبال الراسيات. ل (1): عن ما جيلويه، عن محمد العطار مثله. كتاب الغايات (2) للشيخ جعفر بن أحمد القمي مرسلا مثله. 3 - لى (3) عن جعفر بن الحسن، عن محمد بن جعفر بن بطة، وعن البرقي عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: إن أحق الناس بأن يتمنى للناس الغنى البخلاء لان الناس إذا استغنوا كفوا عن أموالهم، وإن أحق الناس بأن يتمنى للناس الصلاح أهل العيوب لان الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم، وإن أحق الناس بأن يتمنى للناس الحلم أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفى، عن سفههم، فأصبح أهل البخل يتمنون فقر الناس، وأصبح أهل العيوب يتمنون معايب الناس، وأصبح أهل السفه يتمنون سفه الناس. وفي الفقر الحاجة إلى البخيل وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب، وفي السفة المكافأة بالذنوب. 4 - ب (4): عن ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كم من نعمة الله عزوجل على عبده في غير عمله، وكم من مؤمل أملا والخيار في غيره، وكم من ساع إلى حتفه وهو مبطئ عن حظه.


(1) الخصال ج 2 ص 5. (2) مخطوط. (3) المجلس الحادى والستون ص 233. (4) قرب الاسناد ص 19.

[192]

ما - (1): عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن مسكان، عن بكر بن محمد عن الصادق عليه السلام مثله. 5 - ل (2): عن ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن ابن معروف، عن أبي شعيب يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال، أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام، أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب. 6 - ل (3): عن القاسم بن محمد السراج، عن محمد بن أحمد الضبي، عن محمد ابن عبد العزيز الدينوري، عن عبيدالله بن موسى العبسي، عن سفيان الثوري قال: لقيت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله أوصني فقال لي: يا سفيان لا مروة لكذوب، ولا أخ لملوك، ولا راحة لحسود، ولا سؤدد لسيئ الخلق، فقلت: يا ابن رسول الله زدني، فقال لي: يا سفيان ثق بالله تكن مؤمنا، وارض بما قسم الله لك تكن غنيا، وأحسن مجاورة من جاورت تكن مسلما، ولا تصحب الفاجر فيعلمك من فجوره، وشاور في أمرك الذين يخشون الله عزوجل. قلت: يا ابن رسول الله زدني فقال: لي: يا سفيان من أراد عزا بلا عشيرة، وغنى بلا مال، و هيبة بلا سلطان فلينتقل عن ذل معصية الله إلى عز طاعته، قلت: زدني يا ابن رسول الله، فقال لي: يا سفيان أمرني والدي عليه السلام بثلاث ونهاني عن ثلاث فكان فيما قال لي: يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم ومن لا يملك لسانه يندم، ثم أنشدني: عود لسانك قول الخير تحظ به * إن اللسان لما عودت معتاد موكل بتقاضي ما سننت له * في الخير والشر كيف تعتاد


(1) الامالى ج 1 ص 132. (2) الخصال ج 1 ص 11. (3) المصدر ج 1 ص 8.

[193]

7 - فس (1) عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن حفص بن - غياث قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا حفص ما منزلة الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها، يا حفص: إن الله تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون، وإلى ماهم صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيئة، لعلمه السابق فيهم، فلا يغرنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت، ثم تلا قوله: تلك الدار الاخرة - الاية " (2) وجعل يبكي ويقول: ذهب والله الاماني عند هذه الاية. ثم قال فازوا والله الابرار، أتدري من هم ؟ هم الذين لا يؤذون الذر، كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا، يا حفص إنه يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد، ومن تعلم وعلم وعمل بما علم دعي في ملكوت السماوات عظيما، فقيل: تعلم لله، وعمل لله، وعلم لله. قلت: جعلت فداك فما حد الزهد في الدنيا ؟ فقال: فقد حد الله في كتابه فقال عزوجل " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " (3) إن أعلم الناس بالله أخوفهم لله، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهدهم فيها. فقال له رجل يا ابن رسول الله أوصني فقال: اتق الله حيث كنت فإنك لا تستوحش. 8 - ل (4): عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن يعقوب بن - يزيد، عن محمد بن جعفر (5) بإسناده قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس للبحر جار، ولا للملك صديق، ولا للعافية ثمن، وكم من منعم عليه وهو لا يعلم.


(1) تفسير على بن ابراهيم ص 493. (2) القصص: 83. وتمام الاية " نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ". (3) الحديد: 23. (4) الخصال ج 1 ص 106. (5) يعنى محمد بن جعفر الخزاز من أصحاب الرضا عليه السلام.

[194]

9 - ل (1): ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: خمس من خمسة محال: النصيحة من الحاسد محال، والشفقة من العدو محال، والحرمة من الفاسق محال، والوفاء من المرأة محال، والهيبة من الفقير محال. 10 - ل (2): عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن موسى بن عمر، عن أبي علي بن راشد، رفعه إلى الصادق عليه السلام أنه قال: خمس هن كما أقول: ليست لبخيل راحة، ولا لحسود لذة، ولا لملوك وفاء، ولا لكذاب مروة، ولا يسود سفيه. 11 - ل (3): عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن الجاموراني، عن درست، عن أبي خالد السجستاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خمس خصال من لم تكن فيه خصلة منها فليس فيه كثير مستمتع: أولها الوفاء، والثانية التدبير، والثالثة الحياء، والرابعة حسن الخلق، والخامسة - وهي تجمع هذه الخصال - الحرية. 12 - (4): وقال عليه السلام خمس خصال من فقد منهن واحدة لم يزل ناقص العيش، زائل العقل، مشغول القلب فأولها صحة البدن، والثانية الامن، والثالثة السعة في الرزق، والرابعة الانيس الموافق، قلت: وما الانيس الموافق ؟ قال: الزوجة الصالحة، والولد الصالح، والخليط الصالح، والخامسة - وهي تجمع هذه الخصال - الدعة. 13 - ل (5): عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن الجاموراني عن أبي عثمان، عن أحمد بن عمر الحلال، عن يحيى الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: سبعة يفسدون أعمالهم: الرجل الحليم ذو العلم الكثير لا يعرف


(1) الخصال ج 1 ص 129. (2) المصدر ج 1 ص 130. (3) و (4) المصدر ج 1 ص 136. (5) المصدر ج 2 ص 5.

[195]

بذلك ولا يذكر به، والحكيم الذي يدين ماله كل كاذب منكر لما يؤتى إليه، والرجل الذي يأمن ذا المكر والخيانة، والسيد الفظ الذي لا رحمة له، و الام التي لا تكتم عن الولد السر وتفشي عليه، والسريع إلى لائمة إخوانه، والذي يجادل أخاه مخاصما له. 14 - ل (1): عن العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن الجاموراني، عن ابن أبي عثمان، عن أحمد بن عمر، عن يحيى الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يطمعن ذوالكبر في الثناء الحسن، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السيئ الادب في الشرف، ولا البخيل في صلة الرحم، ولا المستهزئ بالناس في صدق المودة، ولا القليل الفقه في القضاء، ولا المغتاب في السلامة، ولا الحسود في راحة القلب، ولا المعاقب على الذنب الصغير في السؤدد، ولا القليل التجربة المعجب برأيه في رئاسة. 15 - ل (2): عن المفسر أحمد بن الحسن الحسيني، عن أبي محمد العسكري عن آبائه عليهم السلام قال: كتب الصادق عليه السلام إلى بعض الناس: إن أردت أن يختم بخير عملك حتى تقبض وأنت في أفضل الاعمال فعظم لله حقه أن تبذل نعمائه في معاصيه، وأن تغتر بحلمه عنك. وأكرم كل من وجدته يذكرنا أو ينتحل مودتنا ثم ليس عليك صادقا كان أو كذابا إنما لك نيتك وعليه كذبه. 16 - ما (3): عن المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن البرقي عن شريف بن سابق، عن الفضل بن عبد الملك، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول عنوان صحيفة المؤمن بعد موته ما يقول الناس فيه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، وأول تحفة المؤمن أن يغفر الله له ولمن تبع جنازته، ثم قال: يا فضل لا يأتي المسجد من كل قبيلة إلا وافدها، ومن كل أهل


(1) المصدر ج 2 ص 53. (2) لم أجده. (3) الامالى ج 1 ص 45.

[196]

بيت إلا نجيبها، يا فضل لا يرجع صاحب المسجد بأقل من إحدى ثلاث: إما دعاء يدعو به يدخل الله به الجنة، وإما دعاء يدعو به فيصرف الله عنه بلاء الدنيا، وإما أخ يستفيده في الله عزوجل. ثم قال: قال رسول الله: " ما استفاد امرء مسلم فائدة بعد فائدة الاسلام مثل أخ يستفيده في الله: ثم قال: يا فضل لا تزهدوا في فقراء شيعتنا فإن الفقير منهم ليشفع يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر، ثم قال: يا فضل إنما سمي المؤمن مؤمنا لانه يؤمن على الله فيجيز الله أمانه، ثم قال: أما سمعت الله تعالى يقول في أعدائكم إذا رأوا شفاعة الرجل منكم لصديقه يوم القيامة: " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم (1) ". 17 - ما (2): عن المفيد، عن حسن بن حمزة الحسني، عن علي بن إبراهيم في كتابه على يد أبي نوح الكاتب، عن أبيه، عن ابن بزيع، عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال لاصحابه: اسمعوا مني كلاما هو خير لكم من الدهم الموقفة (3) لا يتكلم أحدكم بما لا يعنيه، وليدع كثيرا من الكلام فيما يعنيه، حتى يجد له موضعا، فرب متكلم في غير موضعه جنى على نفسه بكلامه، ولا يمارين أحدكم سفيها ولا حليما فإنه من مارى حليما أقصاه، ومن مارى سفيها أرداه، واذكروا أخاكم إذا غاب عنكم بأحسن ما تحبون أن تذكروا به إذا غبتم عنه، واعملوا عمل من يعلم أنه مجازى بالاحسان مأخوذ بالاجترام. 18 - ما (4): عن المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن زياد، عن رفاعة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلامل يقول: أربع في التوراة وإلى جنبهن أربع: من أصبح على الدنيا


(1) الشعراء: 100. (2) الامالى ج 1 ص 229. (3) الدهم جمع أدهم: أجود الفرس. ودابة موقفة التى في قوائمها خطوط سود. (4) الامالى ج 1 ص 233 ورواه المفيد في المجالس ص 111.

[197]

حزينا فقد أصبح على ربه ساخطا، ومن أصبح يشكر مصيبة نزلت به فإنما يشكر ربه، ومن أتى غنيا فتضعضع له ليصيب من دنياه فقد ذهب ثلثا دينه، ومن دخل النار ممن قرأ القرآن فإنما هو ممن كان يتخذ آيات الله هزوا، والاربع التي إلى جنبهن كما تدين تدان، ومن ملك استأثر، ومن لم يستشر ندم، والفقر هو الموت الاكبر. 19 - ما (1): باسناد أبي قتادة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس لحاقن رأي، ولا لملوك صديق، ولا لحسود غنى، وليس بحازم من لم ينظر في العواقب والنظر في العواقب تلقيح للقلوب. 20 - ما (2)، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن هودة، عن إبراهيم ابن إسحاق، عن عبد الله بن حماد الانصاري، عن عبد العزيز بن محمد قال: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وأنا عنده فقال له جعفر: يا سفيان إنك رجل مطلوب وأنا رجل تسرع إلي الالسن، فسل عما بد الك، فقال: ما أتيتك يا ابن رسول الله إلا لاستفيد منك خيرا، قال: يا سفيان إني رأيت المعروف لايتم إلا بثلاث: تعجيله وستره وتصغيره، فإنك إذا عجلته هنأته وإذا سترته أتممته وإذا صغرته عظم عند من تسديه إليه، يا سفيان إذا أنعم الله على أحد منكم بنعمة فليحمد الله عزوجل، وإذا استبطئ الرزق فليستغفر الله، وإذا حزنه أمر قال لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا سفيان ثلاث أيما ثلاث: نعمت العطية الكلمة الصالحة يسمعها المؤمن فينطوي عليها حتى يهديها إلى أخيه المؤمن. وقال عليه السلام: المعروف كاسمه وليس شئ أعظم من المعروف إلا ثوابه، وليس كان من يحب أن يصنع المعروف يصنعه، ولا كل من يرغب فيه يقدر عليه، ولا كل من يقدر عليه يؤذن له فيه، فإذا اجتمعت الرغبة والقدرة والاذن فهنالك تمت السعادة للطالب والمطلوب إليه.


(1) الامالى ج 1 ص 307. (2) المصدر ج 2 ص 94.

[198]

21 - ع (1): عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن اليقطيني محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لحمران: يا حمران انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلي من هو فوتك في المقدرة، فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك. واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين. و اعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله والكف عن أذي المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل أضر من العجب. 22 - ع (2): عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن الفضل، عن خاله محمد بن سليمان عن رجل، عن محمد بن علي عليهما السلام أنه قال لمحمد بن مسلم: لا تغرنك الناس من نفسك فإن الامر يصل إليك دونهم، ولا تقطع النهار عنك كذا وكذا، فإن معك من يحصي عليك، ولا تستصغرن حسنة تعملها فإنك تراها حيث تسرك، ولا تستصغرن سيئة تعمل بها فإنك تراها حيث تسوؤك، وأحسن فإني لم أر شيئا قط أشد طلبا ولا أسرع دركا من حسنة محدثة لذنب قديم. جا (3) عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن فضالة، عن عبد الله بن زيد، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. وزاد في آخره: إن الله جل اسمه يقول: " إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (4) ".


(1) علل الشرائع الباب الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة ص 559. (2) المصدر الحديث التاسع والاربعون من الباب الاخر ص 599. وهذا اشتباه من جامع الكتاب حيث أورد حديث باقر عليه السلام في هذا الباب. (3) المجالس ص 108. (4) هود: 114.

[199]

23 - مع (1): عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن - سنان، عن المفضل، عن ابن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إعلم أن الصلاة حجزة الله في الارض فمن أحب أن يعلم ما يدرك من نفع صلاته فلينظر فإن كانت صلاته حجزته عن الفواحش والمنكر فإنما أدرك من نفعها بقدر ما احتجز، ومن أحب أن يعلم ماله عند الله فليعلم مالله عنده، ومن خلا بعمل فلينظر فيه فإن كان حسنا جميلا فليمض عليه، وإن كان سيئا قبيحا فليجتنبه فان الله عزوجل أولى بالوفاء والزيادة. من عمل سيئة في السر فليعمل حسنة في السر، ومن عمل سيئة في العلانية فليعمل حسنة في العلانية. 24 - سن (2): عن حماد بن عيسى، عن عبد الحميد الطائي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتب معي إلى عبد الله بن معاوية وهو بفارس: من اتقى الله وقاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه. 25 - سن (3): عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن أبي اسامة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليكم بتقوى الله، والورع، والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الامانة، وحسن الخلق، وحسن الجوار، وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، وعليكم بطول الجود والركوع فإن أحدكم إذا طال الركوع يهتف إبليس من خلفه، وقال: يا ويلتاه أطاعوا وعصيت وسجدوا وأبيت. 26 - ص (4): عن الصدوق رحمه الله بإسناده، عن ابن سنان، عن الصادق عليه السلام قال: لا تمزح فيذهب نورك، ولا تكذب فيذهب بهاؤك، وإياك وخصلتين: الضجر والكسل فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤد حقا، قال:


(1) معاني الاخبار: ص 236. (2) المحاسن للبرقي ص 3 تحت رقم 2. (3) المصدر: ص 18 تحت رقم 50. (4) قصص الانبياء مخطوط.

[200]

وكان المسيح عليه السلام يقول: من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذب نفسه، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه، ومن لاحى الرجال ذهب مروته. 27 - مص (1): قال الصادق عليه السلام أفضل الوصايا وألزمها أن لا تنسى ربك، وأن تذكره دائما، ولا تعصيه، وتعبده قاعدا وقائما، ولا تغتر بنعمته، واشكره أبدا، ولا تخرج من تحت أستار عظمته وجلاله فتضل، وتقع في ميدان الهلاك، وإن مسك البلاء والضر، وأحرقتك نيران المحن واعلم أن بلاياه محشوة بكراماته الابدية، ومحنه مورثة رضاه وقربه ولو بعد حين، فيالها من مغنم لمن علم ووفق لذلك. 28 - روى أن رجلالا استوصى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لا تغضب قط، فإن فيه منازعة ربك فقال: زدني، قال إياك وما يعتذر فيه فإن فيه الشرك الخفي فقال: زدني، فقال: صار صلاة مودع فإن فيها الوصلة والقربي، فقال: زدني، فقال عليه السلام استحي من الله استحياءك من صالحي جيرانك فإن فيها زيادة اليقين، وقد أجمع الله تعالى ما يتواصى به المتواصون من الاولين والاخرين في خصلة واحدة وهي التقوى، قال الله عزوجل: " ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله (2) " وفيه جماع كل عبادة صالحة، وصل من وصل إلى الدرجات العلى، والرتبة القصوى، وبه عاش من عاش مع الله بالحياة الطيبة، والانس الدائم، قال الله عزوجل: " إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر (3) ". 29 - كشف (4): قال محمد بن طلحة قال: مالك بن أنس قال: جعفر عليه السلام


(1) مصباح الشريعة ص 50 الباب الثالث والسبعون. (2) النساء: 131. (3) القمر: 54. (4) كشف الغمة ج 2 ص 368.

[201]

يوما لسفيان الثوري: يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها فأكثر من الحمد والشكر على الله قال الله عزوجل في كتابه العزيز: " لئن شكرتم لازيدنكم (1) " وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن الله عزوجل قال في كتابه " استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين (2) " يعني في الدنيا " ويجعل لكم جنات " يعني في الاخرة. يا سفيان إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من قول " لا حول ولا قوة إلا بالله " فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة. 30 - وقال ابن أبي حازم (3) كنت عند جعفر بن محمد عليهما السلام إذا جاء آذنه فقال: سفيان الثوري بالباب، فقال: ائذن له، فدخل فقال له جعفر: يا سفيان إنك رجل يطلبك السلطان وأنا أتقي السلطان قم فاخرج غير مطرود، فقال سفيان: حدثني حتى أسمع وأقوم، فقال جعفر: حدثني أبي عن جدي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من أنعم الله عليه نعمة فليحمد الله، ومن استبطأ الرزق فليستغفر الله، ومن حزنه أمر فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قام سفيان قال جعفر: خذها يا سفيان ثلاثا وأي ثلاث. 31 - وكان يقول عليه السلام: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله وتصغيره وستره. 32 - وسئل عليه السلام لم حرم الله الربا ؟ قال: لئلا يتمانع الناس المعروف. 33 - وذكر بعض أصحابه (4) قال: دخلت على جعفر عليه السلام وموسى ولده بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فكان مما حفظت منه أن قال: يا بني اقبل وصيتي


(1) ابراهيم: 7. (2) نوح: 10 إلى 12. (3) كشف الغمة ج 2 ص 358. (4) المصدر: ج 2 ص 369. (*)

[202]

واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا، يا بني إنه من قنع بما قسم الله له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم الله عزوجل اتهم الله تعالى في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زله نفسه، يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات نفسه، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لاخيه بئرا سقط فيها، ومن دخل مداخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم. يا بني قل الحق لك وعليك، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإن للجود معادن وللمعادن اصولا وللاصول فروعا وللفروع ثمرا، ولا يطيب ثمر إلا بفرع ولا فرع إلا بأصل، ولا أصل إلا بمعدن طيب. يا بني إذا زرت فزر الاخيار ولا تزر الفجار، فإنهم صخرة لا ينفجر ماؤها وشجرة لا يخضر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها. قال علي بن موسى عليه السلام: فما ترك أبي هذه الوصية إلى أن مات. 34 - ونقل أنه (1) كان رجل من أهل السواد يلزم جعفرا عليه السلام ففقده فسئل عنه فقال له رجل - يريد أن يستنقص به -: إنه نبطي فقال جعفر عليه السلام: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون، فاستحيا ذلك القائل. 35 - وقال سفيان الثوري: سمعت جعفر الصادق عليه السلام يقول: عزت السلامة حتى لقد خفي مطلبها، فإن يكن في شئ فيوشك أن يكون في الخمول فإن طلبت في خمول فلم توجد فيوشك أن تكون في الصمت، فإن طلبت في الصمت فلم توجد فيوشك أن تكون في التخلي، فإن طلبت في التخلي فلم توجد فيوشك أن تكون في كلام السلف -


(1) الكشف: ج 2 ص 370.

[203]

الصالح، والسعيد من وجد في نفسه خلوة يشغل بها. 36 - وقال الحافظ (1) عبد العزيز: وقال إبراهيم بن مسعود قال: كان رجل من التجار يختلف إلى جعفر بن محمد عليهما السلام يخاطبه ويعرفه بحسن حال فتغيرت حاله فجعل يشكو إلى جعفر عليه السلام فقال: فلا تجزع وإن اعسرت يوما * فقد أيسرت في زمن طويل ولا تيأس فأن اليأس كفر * لعل الله يغني عن قليل ولا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل 37 - (2) وعن عبد الله بن أبي يعفور، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: بني الانسان على خصال فمهما بني عليه فإنه لا يبنى على الخيانة والكذب. 38 - وقال الحافظ (3) عبد العزيز: روي عن جابر بن عون قال: قال رجل لجعفر بن محمد عليهما السلام: إنه وقع بيني وبين قوم منازعة في امور وإني اريد أن أتركه فيقال لي: إن تركك له ذل، فقال جعفر بن محمد عليهما السلام: إن الذليل هو الظالم. 39 - وعن إسماعيل بن جعفر بن محمد، عن جده عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه. 40 - وقال الحافظ (4) أبو نعيم: روي عن محمد بن بشير، عن جعفر بن محمد عليهما السلام أوحى الله تعالى إلى الدنيا أن اخدمي من خدمني وأتعبي من خدمك. 41 - (5) وعن الاصمعي قال: قال جعفر بن محمد عليهما السلام: الصلاة قربان كل تقي، والحج جهاد كل ضعيف، وزكاة البدن الصيام، والداعي بلا عمل


(1) الكشف: ج 2 ص 374. (2) المصدر: ج 2 ص 375. (3) المصدر: ج 2 ص 377. (4) المصدر ج 2 ص 395. (5) المصدر ج 2 ص 396.

[204]

كالرامي بلا وتر، واستنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتقدير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد - اليسارين، من حزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب بيده [على فخذه] عند المصيبة فقد حبط أجره، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، والله عزوجل ينزل الصبر على قدر المصيبة، وينزل الرزق على قدر المؤونة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذر معيشته حرمه الله. 42 - وعن بعض أصحاب جعفر عليه السلام قال: دخلت عليه وموسى عليه السلام بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية فكان مما حفظت منها أن قال: يا بني اقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيدا وتمت حميدا. يا بني من قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة غيره استعظم زله نفسه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره. يا بني من كشف حجاب غيره تكشف عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر لاخيه بئرا سقط فيها، ومن دخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم. يا بني إياك أن تزري بالرجال فيزرى بك، وإياك والدخول فيمالا يعنيك فتذل، يا بني قل الحق لك وعليك تستشار من بين أقرانك. يا بني كن لكتاب الله تاليا، وللاسلام فاشيا، وبالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا، ولمن قطعك واصلا، ولمن سكت عنك مبتدئا، ولمن سألك معطيا، وإياك والنميمة فانها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، وإياك والتعرض لعيوب الناس فمنزلة المعترض لعيوب الناس كمنزلة الهدف. يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه، فإن للجود معادن، وللمعادن اصولا، وللاصول فروعا، وللفروع ثمرا، ولا يطيب ثمر إلا بفرع، ولا فرع إلا بأصل، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب.

[205]

يا بني إذا زرت فز الاخيار ولا تزر الفجار فإنهم صخرة لا يتفجر ماؤها وشجرة لا يخضر ورقها وأرض لا يظهر عشبها. قال علي بن موسى عليه السلام: فما ترك أبي هذه الوصية إلى أن توفي. 43 - (1) وعن عنبسة الخثعمي وكان من الاخيار قال: سمعت جعفر بن - محمد عليهما السلام يقول: إياكم والخصومة في الدين فإنها تشغل القلب وتورث النفاق. 44 - وقال عليه السلام: إذا بلغك عن أخيك شئ يسوؤك فلا تغتم به فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عجلت وإن كانت على غير ما يقول: كانت حسنة لم تعلمها، قال: وقال موسى عليه السلام: يا رب أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير، قال: ما فعلت ذلك لنفسي. 45 - وقال الابي (2): سئل جعفر بن محمد عليهما السلام لما صار الناس يكلبون أيام الغلاء على الطعام ويزيد جوعهم على العادة في الرخص ؟ قال: لانهم بنو الارض فإذا قحطت قحطوا وإذا خصبت خصبوا. 46 - وشكى إليه عليه السلام رجل جاره فقال: اصبر عليه، فقال: ينسبني الناس إلى الذل فقال: إنما الذليل من ظلم. وقال عليه السلام: أربعة أشياء القليل منها كثير: النار والعداوة والفقر والمرض. 47 - (3) وقال عليه السلام إذا أقبلت الدنيا على المرء أعطته محاسن غيره، و إذا أعرضت عنه سلبته محاسن نفسه. 48 - (4) ومر به عليه السلام رجل وهو يتغدى فلم يسلم فدعاه إلى الطعام فقيل له: السنة أن يسلم ثم يدعى، وقد ترك السلام على عمد، فقال: هذا فقه عراقي فيه بخل.


(1) الكشف: ج 2 ص 398. (2) المصدر: ج 2 ص 414. والآبي: عز الدين ابن زينب الحسن بن أبى طالب اليوسفي تلميذ المحقق ومن أعلام القرن السابع. (3) المصدر: ج 2 ص 416. (4) المصدر: ج 2 ص 417.

[206]

49 - وقال عليه السلام: القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق. 50 - وقال عليه السلام: من أنصف من نفسه رضي حكما لغيره. 51 - وقال عليه السلام: (1) أكرموا الخبز فإن الله أنزل له كرامة، قيل: وما كرامته قال: أن لا يقطع، ولا يوطأ، وإذا حضر لم ينتظر به غيره (2). 52 - وقال عليه السلام: حفظ الرجل أخاه بعد وفاته في تركته كرم. 53 - وقال عليه السلام: ما من شئ أسر إلي من يد أتبعها الاخرى لان منع الاواخر بقطع لسان شكر الاوائل. 54 - وقال عليه السلام: إني لاملق أحيانا فاتاجر الله بالصدقة (3). 55 - وقال عليه السلام: لا يزال العز قلقا حتى يأتي دارا قد استشعر أهلها اليأس مما في أيدي الناس فيوطنها. 56 - وقال عليه السلام: إذا دخلت إلى منزل أخيك فاقبل الكرامة كلها ما خلا الجلوس في الصدور. 57 - وقال عليه السلام: كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان. 58 - واشتكى مرة فقال: اللهم اجعله أدبا لاغضبا. 59 - وقال عليه السلام: البنات حسنات والبنون نعم، والحسنات يثاب عليها والنعم مسؤول عنها. 60 - وقال عليه السلام: إياك وسقطة الاسترسال فانها لا تستقال. 61 - وقيل له عليه السلام: ما طعم الماء ؟ قال: طعم الحياة. 62 - وقال عليه السلام: من لم يستحى من العيب ويرعوى (4) عند الشيب ويخشى الله بظهر الغيب فلا خير فيه. 63 - وقال عليه السلام: وإن خير العباد من يجتمع فيه خمس خصال: إذا أحسن


(1) الكشف: ج 2 ص 417. (2) في المصدر " سواه ". (3) أملق الرجل أنفق ماله حتى قل. (4) ارعوى من الجهل: كف عنه.

[207]

استبشر، وإذا أساء استغفر، وإذا اعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، وإذا ظلم غفر. 64 - وقال عليه السلام: إياكم وملاحاة الشعراء (1) فانهم يضنون بالمدح ويجودون بالهجاء. وقال عليه السلام: إني لا سارع إلى حاجة عدوي خوفا أن أرده فيستغني عني. 65 - كان عليه السلام يقول: اللهم إنك بما أنت له أهل من العفو أولى مني بما أنا أهل له من العقوبة. 66 - وأتاه عليه السلام أعرابي وقيل: بل أتى أباه الباقر عليه السلام فقال: أرأيت الله حين عبدته فقال: ما كنت لاعبد شيئا لم أره، قال: كيف رأيته ؟ قال: لم تره الابصار بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقيقة الايمان، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس، معروف بالايات، منعوت بالعلامات، هو الله الذي لا إله إلا هو، فقال الاعرابي، الله أعلم حيث يجعل رسالته. 67 - وقال عليه السلام: يهلك الله ستا بست الامراء بالجور والعرب بالعصبية والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل، والفقهاء بالحسد. 68 - وقال عليه السلام: منع الموجود سوء ظن بالمعبود. 69 - وقال عليه السلام: صلة الارحام منسأة في الاعمار، وحسن الجوار عمارة للدنيا، وصدقة السر مثراة للمال. 70 - وقال له أبو جعفر (2): يا أبا عبد الله ألا تعذرني من عبد الله بن حسن وولده يبثون الدعاة ويريدون الفتنة، قال: قد عرفت الامر بيني وبينهم فإن أقنعتك مني آية من كتاب الله تعالى تلوتها عليك ؟ قال: هات، قال: " لئن اخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبار ثم لا ينصرون (3) "


(1) الملاحاة: المنازعة والمخاصمة. والضن: البخل. (2) يعنى الدوانيقي. (3) الحشر: 12.

[208]

وقال: كفاني وقبل بين عينيه. 71 - وقال: عليه السلام لرجل أحدث سفرا يحدث الله لك رزقا وألزم ما عودت منه الخير. 72 - قال عليه السلام: دعا الله الناس في الدنيا بآبائهم ليتعارفوا وفي الاخرة بأعمالهم ليجازوا، فقال: " يا أيها الذين آمنوا " " يا أيها الذين كفروا ". 73 - وقال عليه السلام: من أيقظ فتنة فهو اكلها. 74 - وقال عليه السلام: إن عيال المرء اسراؤه، فمن أنعم الله عليه نعمة فليوسع على اسرائه فإن لم يفعل أوشك أن تزول تلك النعمة. 75 - وكان عليه السلام يقول: السريرة إذا صلحت قويت العلانية. 76 - وقال عليه السلام: ما يصنع العبد أن يظهر حسنا ويسر سيئا، أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ليس كذلك، والله عزوجل يقول: " بل الانسان على نفسه بصيرة (7) ". 77 - وقال له أبو حنيفة: يا أبا عبد الله ما أصبرك على الصلاة فقال: ويحك يا نعمان أما علمت أن الصلاة قربان كل تقي: وأن الحج جهاد كل ضعيف، و لكل شئ زكاة وزكاة البدن الصيام، وأفضل الاعمال انتظار الفرج من الله، الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، فاحفظ هذه الكلمات يا نعمان: استنزلوا الرزق بالصدقة، وحصنوا المال بالزكاة، وما عال امرء اقتصد، والتقدير نصف العيش: والتودد نصف العقل، والهرم نصف الهم، وقلة العيال أحد اليسارين، من أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب يده على فخذه عند المصيبة حبط أجره، والصنيعة لا يكون صنيعة إلا عند ذي حسب ودين، والله ينزل الرزق على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، ولو أراد الله بالنمل خيرا ما أنبت لها جناحا.


(1) الاكل جمع اكلة وهى اللقمة. (4) القيامة: 14.

[209]

زاد ابن حمدون في روايته ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذر حرمه الله ولم يورد " ولو أراد الله بالنملة ". 78 - وقيل له عليه السلام: ما بلغ بك من حبك موسى ؟ قال: وددت أن ليس لي ولد غيره حتى لا يشركه في حبي له أحد. 79 - وقال: ثلاثة اقسم بالله أنها الحق: ما نقص مال من صدقه ولا زكاة، ولا ظلم أحد بظلامة فقدر أن يكافي بها فكظمها إلا أبدله الله مكانها عزا، ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح عليه باب فقر. 80 - وقال عليه السلام: ثلاثة لا يزيد الله بها المرء المسلم إلا عزا: الصفح عمن ظلمه والاعطاء لمن حرمه، والصلة لمن قطعه. 81 - وقال عليه السلام: من اليقين ألا ترضى الناس بما يسخط الله، ولا تذمهم على ما لم يؤتك الله، ولا تحمدهم على ما رزق الله، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يصرفه كره كاره، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه الرزق كما يدركه الموت. 82 - وقال عليه السلام: مروة الرجل في نفسه نسب لعقبه وقبيلته. 83 - وقال عليه السلام: من صدق لسانه زكي عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره بأهل بيته زيد في عمره. 84 - وقال عليه السلام: خذ من حسن الظن بطرف تروح به قلبك ويروح به أمرك (1). 85 - وقال عليه السلام: المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، والذي إذا قدر لم يأخذ أكثر مما له. 86 - ومن تذكرة ابن حمدون قال الصادق عليه السلام: تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والائتلاء (2) على الله عزوجل هلكة، والاصرار أمن، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.


(1) في الكشف: ج 2 ص 420 " ويرخ به أمرك ". (2) أي الحكم والحتم.

[210]

87 - وقال عليه السلام: ما كل من أراد شيئا قدر عليه، ولا كل من قدر على شئ وفق له، ولا كل من وفق أصاب له موضعا، فإذا اجتمع النية والقدرة والتوفيق والاصابة فهناك تجب السعادة. 88 - وقال عليه السلام: صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة قال الله تعالى " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (1) ". 89 - وقال عليه السلام (2) وقد قيل بحضرته: جاور ملكا أو بحرا، فقال هذا الكلام محال والصواب لا تجاور ملكا ولا بحرا لان الملك يؤذيك، والبحر لا يرويك. 90 - وسئل عليه السلام: عن فضيلة لامير المؤمنين عليه السلام لم يشركه فيها غيره، قال: فضل الاقربين بالسبق، وسبق الابعدين بالقرابة. 91 - وعنه عليه السلام قال: " بسم الله الرحمن الرحيم " تيجان العرب. 92 - وقال عليه السلام: صحبة عشرين يوما قرابة. 93 - كا من الروضة (3) علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن حفص المؤذن، عن أبي عبد الله عليه السلام، وعن محمد بن إسماعيل بن بزيع (4) عن محمد بن سنان عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها، وتعاهدها والعمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها. قال: وحدثني الحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن القاسم ابن الربيع الصحاف عن إسماعيل بن مخلد السراج عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرجت هذه الرسالة من أبي عبد الله عليه السلام إلى أصحابه: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاسألوا الله ربكم العافية، وعليكم بالدعة (5) والوقار والسكينة،


(1) الرعد: 21. (2) يعنى الآبى المترجم في ص 205. (3) المصدر الحديث الاول. (4) معطوف على ابن فضال لان ابراهيم بن هاشم أحد رواته. (5) الدعة: الخفض والطمأنينة.

[211]

وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم، وعليكم بمجاملة (1) أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم و بينهم، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر و لولا أن الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا (2) بكم وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة، وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم، غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق و بصركموه ولم يجعلهم من أهله فتحاملونهم وتصبرون عليهم ولا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ (3) وحيلهم ووسواس بعضهم إلى بعض فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق، يعصمكم الله من ذلك. فاتقوا الله وكفوا ألسنتكم إلا من خير وإياكم أن تذلقوا (4) ألسنتكم


(1) المجاملة: المعاملة بالجميل. والضيم: الظلم. والمماظة بالمعجمة -: شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم. وقوله " بالتقية " متعلق بدينوا. وما بينهما معترض. (2) السطو: القهر. أي وثبوا عليكم وقهروكم. (3) اعلم أن الحديث - كما قاله المؤلف - قد اختل نظمه وترتيبه بسبب تقديم بعض الورقات وتأخير بعضها. وفى بعض النسخ المصححة التى رآها المؤلف قوله " لا صبر لهم " متصل بقوله (في ص 221) " من اموركم " هكذا " ولا صبر لهم على شئ من اموركم تدفعون أنتم السيئة - الخ ". وهو الصواب. اه‍. هذا. وقد يخطر بالبال من اختلاط بعض فصوله واندماج بعض جمله واختلاف نسخه أن أصل الكتاب صدر من الامام عليه السلام لكن لم يخل عن تصرف بعض الرواة أو الناسخين الاولين بتفسير بعض الجمل وادخاله في المتن. (4) " تذلقوا " في أكثر نسخ المصدر " تزلقوا " بالزاى المعجمة.

[212]

بقول الزور والبهتان والاثم والعدوان، فإنكم إن كففتم ألسنتكم عما يكرهه الله مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم، من أن تذلقوا ألسنتكم به فإن ذلق اللسان فيما يكرهه الله وفيما ينهى عنه (1) مرداة للعبد عند الله ومقت من الله وصمم وبكم و عمي يورثه الله إياه يوم القيامة فتصيروا كما قال الله " صم بكم عمى فهم لا يعقلون (2) " يعني لا ينطقون " ولا يؤذن لهم فيعتذرون ". وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويأجركم عليه، وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه والرغبة فيما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد، فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التي تعقب أهلها خلودا في النار من مات عليها ولم يتب إلى الله ولم ينزع عنها، وعليكم بالدعاء فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة له، فارغبوا فيما رغبكم الله فيه وأجيبو الله إلى ما دعاكم إليه (3) لتفلحوا وتنجحوا من عذاب الله، وإياكم أن تشره أنفسكم إلى شئ مما حرم الله عليكم فإن من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الابدين. واعلموا أنه بئس الحظ الخطر لمن خاطر الله بترك طاعة الله وركوب معصيته، فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها، ويل لاولئك، ما أخيب حظهم وأخسر كرتهم، وأسوء حالهم عند ربهم يوم القيامة، استجيروا الله أن يجيركم في مثالهم أبدا، وأن


(1) في بعض النسخ " وما نهى عنه ". والمرادة بغير الهمزة مفعلة من الردى بمعنى الهلاك وفى بعضها " أن تزلقوا ألسنتكم " بالزاى. (2) البقرة: 167. (3) زاد في بعض النسخ " لتفلحوا وتنجحوا من عذاب الله ". والشره: غلبة الحرص.

[213]

يبتليكم بما ابتلاهم به، ولا قوة لنا ولكم إلا به. فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتم الله لكم ما أعطاكم به فإنه لا يتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم وأموالكم (1) وحتى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا بجنوبكم (2) وحتى يستذلوكم ويبغضوكم، وحتى يحملوا عليكم الضيم فتحملوه منهم، تلتمسون بذلك وجه الله والدار الاخرة، وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله عزوجل يجترمونه (3) إليكم، وحتى يكذبوكم بالحق، ويعادوكم فيه، ويبغضكم عليه، فتصبروا على ذلك منهم، ومصداق ذلك كله في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل عليه السلام على نبيكم، سمعتم قول الله عزوجل لنبيكم صلى الله عليه وآله: " فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم " (4) ثم قال: وإن يكذبوك " فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واذوا (5) " فقد كذب نبي الله والرسل من قبله واوذوا مع التكذيب بالحق، فإن سركم (6) أمر الله فيهم الذي خلقهم له في الاصل - أصل الخلق - من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الاصل، ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله " وجعلنا منهم


(1) قال المؤلف: لعل المراد: اتقوا الله ولا تتركوا التقوى عن الشرك والمعاصي عند ارادة اتمام ما أعطاكم من دين الحق، ثم بين عليه السلام الاتمام بانه انما يكون بالابتلاء والافتتان وتسليط من يؤذيكم عليكم. فالمراد الامر بالتقوى عند الابتلاء بالفتن وذكر فائدة الابتلاء بانه سبب لتمام الايمان فلذا يبتليكم. (2) يقال: عرك الاذى بجنبه أي احتمله. (3) في القاموس: اجترم عليهم واليهم جريمة: جنى جناية. (4) الاحقاف: 35. وفيها " ولقد ". (5) الانعام: 34. (6) في النسخة المصححة التى أومأ إليها المؤلف قوله " ان سركم " متصل بما سيأتي في آخر الرسالة " أن تكونوا مع نبى الله محمد صلى الله عليه وآله إلى آخر الرسالة.

[214]

أئمة يدعون إلى النار (1) " فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه، فانه من يجهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر الله به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه، فاستوجب سخط الله فأكبه الله على وجهه في النار. وقال: أيتها العصابة المرحومة المفلحة إن الله أتم لكم ما آتاكم من الخير، واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ورأي ولا مقائيس قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ، وجعل للقرآن ولتعلم القرآن أهلا لا يسع أهل القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى ولا رأى ولا مقائيس، أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم، وهم الذين من سألهم وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم أرشدوه وأعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه وإلى جميع سبل الحق وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة (2) فأولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم، واولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين، وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين، وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما، وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا، فذلك أصل ثمرة أهوائهم، وقد عهد إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله عزوجل رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه رأي الناس بعد ما قبض الله عزوجل رسوله صلى الله عليه وآله وبعد عهده الذي عهده إلينا وأمرنا به مخالفا لله ولرسوله صلى الله عليه وآله فما أحد أجر أعلى الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك، وزعم أن ذلك يسعه والله إن الله على خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد صلى الله عليه وآله


(1) القصص: 41 وفيها " وجعلناهم ائمة يدعون ". (2) أي عالم الارواح.

[215]

وبعد موته، هل يستطيع اولئك أعد الله أن يزعموا أن أحدا ممن أسلم مع محمد صلى الله عليه وآله أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه، فإن قال: نعم فقد كذب على الله وضل ضلالا بعيدا، وإن قال: لا لم يكن لاحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه فقد أقر بالحجة على نفسه وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال الله - وقوله الحق -: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (1) ". وذلك لتعلموا أن الله يطاع ويتبع أمره في حياة محمد صلى الله عليه وآله وبعد قبض الله محمدا صلى الله عليه وآله وكما لم يكن لاحد من الناس مع محمد صلى الله عليه وآله أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لامر محمد صلى الله عليه وآله فكذلك لم يكن لاحد من الناس بعد محمد صلى الله عليه وآله أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه. وقال: دعوا رفع أيديكم في الصلاة إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة (2) فإن الناس قد شهروكم بذلك. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: أكثروا من أن تدعوا الله فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه، وقد وعد [الله] عباده المؤمنين بالاستجابة، والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فإن الله أمر بكثرة الذكر له، والله ذاكر لمن ذكره من


(1) آل عمران: 144. (2) اعلم أن رفع اليدين في تكبير الافتتاح لا خلاف في أنه مطلوب للشارع بين العامة والخاصة. والمشهور بين الاصحاب الاستحباب وذهب السيد - ره - من علمائنا إلى الوجوب، وأما الرفع في سائر التكبيرات فالمشهور بين الفريقين أيضا استحبابه. وقال الثوري وأبو حنيفة والنخعي: لا رفع الا عند الافتتاح وذهب السيد - ره - إلى الوجوب في جميع التكبيرات. ولما كان في زمانه عليه السلام عدم استحباب الرفع أشهر بين العامة فلذا منع الشيعة عن ذلك لئلا يشهروا بذلك فيعرفونهم. (قاله المؤلف).

[216]

المؤمنين. واعلموا أن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير فأعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته فإن الله لا يدرك شئ من الخير عنده إلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله في ظاهر القرآن وباطنه فإن الله تبارك وتعالى قال في كتابه - وقوله الحق - " وذروا ظاهر الاثم وباطنه (1) " واعلموا أن ما أمر الله به أن تجتنبوه فقد حرمه، واتبعوا آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسنته، فخذوا بها، ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا فإن أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم " فإن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها " وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم، تجمعوا مع ذلك طاعة ربكم (2) وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا بغير علم، وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله كيف هو ؟ إنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب الله، ومن أظلم عند الله ممن استسب لله ولاوليائه، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم عليكم بآثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسنته وآثار الائمة الهداة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله من بعده وسنتهم، فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى، ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل، لانهم هم الذين أمر الله بطاعتهم وولايتهم، وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله: المداومة على العمل في اتباع الاثار والسنن وإن قل أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع


(1) الانعام: 120 (2) جواب للامر أي انكم إذا جاملتم الناس عشتم مع الامن وعدم حمل الناس على رقابكم بالعمل بطاعة ربكم فيما أمركم به من التقية. في بعض نسخ المصدر " تجمعون " فيكون حالا عن ضميري الخطاب أي ان أجمعوا طاعة الله مع المجاملة، لا بأن تتابعوهم في المعاصي وتشاركوهم في دينهم بل بالعمل بالتقية فيما أمركم الله فيه بالتقية (قاله المؤلف). (*)

[217]

واتباع الاهواء (1) ألا إن اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلالة بدعة وكل بدعة في النار، ولن ينال شئ من الخير عند الله إلا بطاعته والصبر والرضا لان الصبر والرضا من طاعة الله، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره، ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله وهو خير له مما أحب وكره. وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإياكم (2) وعليكم بحب المساكين المسلمين فإنه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله، والله له حاقر ماقت، وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين [منهم] " واعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس، والله له أشد مقتا، فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين فإن لهم عليكم حقا أن تحبوهم، فإن الله أمر رسوله صلى الله عليه وآله بحبهم فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله، ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين. وإياكم والعظمة والكبر فإن الكبر رداء الله عزوجل فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة. وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فانها ليست من خصال الصالحين فإنه من بغي صير الله بغيه على نفسه، وصارت نصرة الله لمن بغي عليه، ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله، وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا فإن الكفر أصله الحسد، وإياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعوا الله عليكم ويستجاب له فيكم، فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: " إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة " وليعن بعضكم بعضا، فإن أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: " إن معاونة المسلم


(1) هذا من قبيل المماشاة مع الخصم أي لو كان البدعة تنفع ويرضى الرحمن بها على فرض المحال كان اتباع السنة أنفع. (2) " اياكم " عطف على المؤمنين.

[218]

خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام " إياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين أن تعسروه (1) بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر، فإن أبانا رسول اله صلى الله عليه وآله كان يقول: " ليس للمسلم أن يعسر مسلما، ومن أنظر معسرا أظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله ". وإياكم أيتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم، وساعة بعد ساعة، فإنه من عجل حقوق الله قبله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والاجل، وإنه من أخر من حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير رزقه، ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه، فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب الله لكم بقيته، وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الاضعاف الكثيرة التي لا يعلم عددها ولاكنه فضله إلا الله رب العالمين. وقال: اتقوا الله أيتها العصابة وإن استطعتم ألا يكون منكم محرج الامام (2)


(1) عسر الغريم يعسره: طلب منع على عسرته. كأعسره. (القاموس) (2) " محرج الامام " في الصحاح: أحرجه إليه: ألجأه. وفيه: سعى به إلى الوالى إذا وشى به يعنى نمه وذمه عنده. وقال المؤلف: الظاهر أن المراد لا تكونوا محرج الامام أي بأن تجعلوه مضطرا إلى شئ لا يرضى به، ثم بين عليه السلام بان المحرج هو الذى يذم أهل الصلاح عند الامام ويشهد عليهم بفساد وهو كاذب في ذلك فيثبت ذلك بظاهر حكم الشريعة عند الامام فيلزم الامام أن يلعنهم فإذا لعنهم. وهم غير مستحقين لذلك تصير اللعنة عليهم رحمة وترجع اللعنة إلى الواشى الكاذب الذى ألجأ الامام إلى ذلك، أو المراد أنه ينسب الواشى إلى أهل الصلاح عند الامام شيئا بمحضر جماعة يتقى منهم الامام فيضطر الامام إلى أن يلعن من نسب إليه ذلك تقية، ويحتمل أن يكون المراد أن محرج الامام هو من يسعى بأهل الصلاح إلى أئمة الجور ويجعلهم معروفين عند أئمة الجور بالتشيع فيلزم أئمة الحق لرفع الضرر عن أنفسهم وعن أهل الصلاح أن يلعنوهم ويتبرؤوا منهم فيصير اللعنة إلى الساعين وأئمة الجور معا وعلى هذا المراد باعدء الله أئمة الجور. وقوله: " إذا - - -

[219]

فإن محرج الامام هو الذي يسعى بأهل الصلاح من أتباع الامام، المسلمين لفضله الصابرين على أداء حقه، العارفين بحرمته، واعلموا أنه من نزل بذلك المنزل عند الامام فهو محرج الامام فإذا فعل ذلك عند الامام أحرج الامام إلى أن يلعن أهل الصلاح من أتباعه من المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه، العارفين بحرمته فإذا لعنهم لاحراج أعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم وصارت اللعنة من الله ومن ملائكته ورسله على اولئك. واعلموا أيتها العصابة إن السنة من الله قد جرت في الصالحين قبل، وقال: من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا [حقا] فليتول الله ورسوله والذين آمنوا وليبرء إلى الله من عدوهم، ويسلم لما انتهى إليه من فضلهم لان فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك، ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل أتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون قال: " اولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا (1) " فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الائمة فكيف بهم وفضلهم، ومن سره أن يتم الله له إيمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فلم يبق شئ مما فسر مما حرم الله إلا وقد دخل في جملة قوله (2). فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين، وهو من


- - - - فعل ذلك عند الامام " يؤيد المعنى الاول. هذه من الوجوه التى خطر بالبال والله أعلم ومن صدر عنه صلوات الله عليه انتهى. (1) النساء: 69. (2) أي في الفواحش. فقوله " اجتناب الفواحش " يشمل اجتناب جميع المحرمات وقوله " فمن دان الله " أي عبد الله فيما بينه وبين ربه أي مختفيا. ولا ينظر إلى غيره، ولا يلتفت إلى من سواه.

[220]

المؤمنين حقا. وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن وبطنه وقد قال الله تعالى: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (1) " (إلى ههنا رواية قاسم بن - الربيع) (2) يعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه عرفوا أنهم قد عصوا في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله عزوجل: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ". واعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهي عما نهى عنه، فمن اتبع أمره فقد أطاعه وقد أدرك كل شئ من الخير عنده، ومن لم ينته عما نهى الله عنه فقد عصاه، فإن مات على معصيته أكبه الله على وجهه في النار. واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم إلا طاعتهم له، فاجتهدوا في طاعة الله إن سركم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا، ولا قوة إلا بالله. وقال عليه السلام: وعليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فإن الله ربكم. واعلموا أن الاسلام هو التسليم والتسليم هو الاسلام، فمن سلم فقد أسلم، ومن لم يسلم فلا إسلام له، ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الاحسان فليطع الله فانه من أطاع الله فقد أبلغ إلى نفسه في الاحسان، وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها فانه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الاساءة إلى نفسه وليس بين الاحسان والاساءة منزلة، فلاهل الاحسان عند ربهم الجنة، ولاهل الاساءة عند ربهم النار، فاعملوا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه، اعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئا، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك، فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه.


(1) آل عمران: 145. (2) أي ما يذكر بعده لم يكن في رواية القاسم بل كان في رواية حفص و اسماعيل.

[221]

واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضى الله إلا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد عليهم السلام ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكر لهم فضلا عظم أو صغر. واعلموا أن المنكرين هم المكذبون وأن المكذبين هم المنافقون وأن الله قال للمنافقين - وقوله الحق -: " إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (1) " ولا يفرقن (2) أحد منكم ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس أخرجه الله من صفة الحق، ولم يجعله من أهلها فإن من لم يجعله الله من أهل صفة الحق فاولئك هم شياطين الانس والجن وإن لشياطين الانس حيلة ومكرا وخدايع ووسوسة بعضهم إلى بعض يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من أهله إرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواء كما وصف الله تعالى في كتابه من قوله: " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء (3) " ثم نهى الله أهل النصر بالحق أن يتخذوا من أعداء الله وليا ولا نصيرا فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله به من حيلة شياطين الانس ومكرهم من اموركم تدفعون أنتم السيئة بالتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم تلتمسون بذلك وجه ربكم بطاعته وهم خير عندهم، لا يحل لكم أن تظهروهم على اصول دين الله فانهم إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه، ورفعوه عليكم، وجهدوا على هلاككم، واستقبلوكم بما تكرهون، ولم يكن لكم النصفة منهم في دول الفجار، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فانه لا ينبغي لاهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل لان الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل، ألم يعرفوا وجه قول الله في كتابه إذ يقول:


(1) النساء: 145. (2) الفرق - محركة -: الخوف وفى أكثر النسخ " لا يعرفن ". (3) النساء: 88.

[222]

" أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار (1) " أكرموا أنفسكم عن أهل الباطل ولا تجعلوا الله تبارك وتعالى - وله المثل الاعلى - وإمامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة (2) لاهل الباطل فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا. فمهلا مهلا يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمة، أحبوا في الله من وصف صفتكم، وأبغضوا في الله من خالفكم، وابذلوا مودتكم ونصيحتكم [لمن وصف صفتكم] ولا تبتذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغا [ل‍] كم الغوائل هذا أدبنا أدب الله فخذوا به وتفهموه واعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم، ما وافق هداكم أخذتم به وما وافق هواكم طرحتموه ولم تأخذوا به. وإياكم والتجبر على الله، واعلموا أن عبدا لم يبتل بالتجبر على الله إلا تجبر على دين الله، فاستقيموا لله ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله، ولا قوة لنا ولكم إلا بالله. وقال عليه السلام: إن العبد إذا كان خلقه الله في الاصل - أصل الخلق - مؤمنا لم يمت حتى يكره الله إليه الشر ويباعده عنه ومن كره الله إليه الشر وباعده عنه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبرية فلانت عريكته، وحسن خلقه، وطلق وجهه، وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه، وورع عن محارم الله، واجتنب مساخطه، ورزقه الله مودة الناس ومجاملتهم، وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ، وإن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل - أصل الخلق - كافرا (3) لم يمت حتى يحبب إليه الشر، ويقر به منه، فإذا حبب إليه


(1) ص: 28. (2) العرضة: الحيلة. (3) ظاهر هذا الكلام هو الجبر الباطل في مذهب أهل البيت عليهم السلام وسلب الاختيار ومخالف لصريح القرآن قوله تعالى: " فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " فيجب تأويله أو التوقف ورد علمه إلى أهله.

[223]

الشر وقربه منه ابتلى بالكبر والجبرية (1) فقسا قلبه وساء خلقه، وغلظ وجهه، وظهر فحشه وقل حياؤه، وكشف الله سره، وركب المحارم فلم ينزع عنها، وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر. سلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، صبروا النفس على البلاء في الدنيا فإن تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الاخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته فإن الله أمر بولاية الائمة الذين سماهم الله في كتابه في قوله: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا (2) " وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم، والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم وهم أئمة الضلالة الذين قضى الله أن يكون لهم دول في الدنيا على أولياء الله الائمة من آل محمد يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله ليحق عليهم كلمة العذاب، وليتم (3) أن تكونوا مع نبي الله محمد صلى الله عليه وآله والرسل من قبله، فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه مما ابتلى به أنبياءه وأتباعهم المؤمنين، ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي أعطاهم، وإياكم ومماظة أهل الباطل وعليكم بهدى الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته، فانكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم. واعلموا أن الله إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام فإذا أعطاه ذلك أنطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به، فإذا جمع الله له ذلك تم له إسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا، وإذا لم يرد الله تعالى بعبد


(1) الجبرية - بكسر الجيم والراء وسكون الباء. وبكسر الباء أيضا وبفتح الجيم وسكون الباء -: التكبر. والعريكة: الطبيعة. (2) الانبياء: 73. (3) هذا موضع آخر من مواضع الاختلاف في النسخ وفى النسخة التى أشرنا إليها هكذا " وليتم أمر الله فيهم الذى خلقهم له في الاصل " إلى آخر ما مر في ص 213. (*)

[224]

خيرا وكله إلى نفسه، وكان صدره صيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه، وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به، فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين، وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه، فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم، ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين. من سره أن يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، ألم يستمع قول الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذبوبكم (1) " والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا، ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله، ولا والله لا يدع أحد اتباعنا أبدا إلا أبغضنا، ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله، ومن مات عاصيا لله أخزاه الله وأكبه على وجهه في النار، والحمد لله رب العالمين. 94 - كا (2) عن علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد بن الحسين، وحميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي جميعا، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن رجل من أصحابه قال: قرأت جوابا من أبي عبد الله عليه السلام إلى رجل من أصحابه: أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإياك أن تكون ممن تخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه فإن الله عزوجل لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله. 95 - كا (3): عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن -


(1) آل عمران: 31. (2) الكافي ج 8 ص 49. تحت رقم 9. (3) المصدر: ج 8 ص 128 تحت رقم 98.

[225]

داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: قال: إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا، وما عليك إن لم يثن الناس عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند الله تبارك وتعالى، إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: " لا خير في الدنيا إلا لاجد رجلين: رجل يزداد فيها كل يوم إحسانا، ورجل يتدارك منيته بالتوبه، وأنى له بالتوبة، فوالله أن لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله عزوجل منه عملا إلا بولايتنا أهل البيت، ألا ومن عرف حقنا أو رجا الثواب بنا، ورضي بقوته نصف مد كل يوم، وما يستر به عورته، وما أكن به رأسه وهم مع ذلك والله خائفون وجلون ودوا أنه حظهم من الدنيا (1) وكذلك وصفهم الله عزوجل حيث يقول: " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة (2) " وما الذي أتوا به أتوا والله بالطاعة مع المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون ألا يقبل منهم، وليس والله خوفهم خوف شك فيما هم فيه من إصابة الدين، ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا. ثم قال: إن قدرت على أن لا تخرج من بيتك فافعل فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تصنع ولا تداهن. ثم قال، نعم صومعة المسلم بيته يكف فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه، إن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله عزوجل قبل أن يظهر شكرها على لسانه ومن ذهب يرى أن له على الاخر فضلا فهو من المستكبرين، فقلت له: إنما يرى أن له عليه فضلا بالعافية إذ رآه مرتكبا للمعاصي ؟ فقال: هيهات هيهات فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف تحاسب أما تلوت قصة سحرة موسى عليه السلام ؟. ثم قال: كم من مغرور بما قد أنعم الله عليه، وكم من مستدرج بستر الله عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه، ثم قال: إني لارجو النجاة


(1) أي هم راضون بما قدر لهم من التقية في الدنيا ولا يريدون أكثر من ذلك حذرا من أن يصير سببا لطغيانهم (منه رحمه الله). (2) المؤمنون: 60.

[226]

لمن عرف حقنا من هذه الامة إلا لاحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى، والفاسق المعلن. ثم قال: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " (1) ثم قال: يا حفص الحب أفضل من الخوف، ثم قال: والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالى غيرنا، ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله تبارك وتعالى. فبكى رجل فقال: أتبكي لو أن أهل السماوات والارض كلهم اجتمعوا يتضرعون إلى الله عزوجل أن ينجيك من النار ويدخلك الجنة لم يشفعوا فيك [ثم كان لك قلب حي لكنت أخوف الناس لله عزوجل في تلك الحال]. ثم قال: يا حفص كن ذنبا ولا تكن رأسا، يا حفص قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " من خاف الله كل لسانه ". ثم قال: بينا موسى بن عمران يعظ أصحابه إذ قام رجل فشق قميصة فأوحى الله عزوجل إليه يا موسى قل له: لا تشق قميصك ولكن اشرح لي عن قلبك. ثم قال: مر موسى بن عمران عليه السلام برجل من أصحابه وهو ساجد فانصرف من حاجته وهو ساجد على حاله، فقال له موسى عليه السلام: لو كانت حاجتك بيدي لقضيتها لك، فأوحى الله عزوجل إليه يا موسى لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبلته حتى يتحول عما أكره إلى ما احب. 96 - د (2): قال السفيان الثوري للصادق عليه السلام: لا أقوم حتى تحدثني فقال عليه السلام له: أما إني احدثك وما كثرة الحديث لك بخير، يا سفيان إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله عزوجل قال في كتابه " لئن شكرتم لازيدنكم " (3) فإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن الله تعالى قال: " استغفروا ربكم إنه كان غفارا. يرسل السماء عليكم مدارا. ويمددكم


(1) آل عمران: 31. (2) العدد القوية، مخطوط. (3) ابراهيم: 7.

[227]

بأموال وبنين (يعني في الدنيا) ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (1) " يعني في الاخرة، يا سفيان إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة، فعقد سفيان بيده وقال: ثلاثا وأي ثلاث، قال مولانا الصادق عليه السلام: عقلها والله ولينفعنه بها. 97 (ين (2): عن فضالة، عن أبي المغرا، عن زيد الشحام، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني لا ألقاك إلا في السنين فأوصني بشئ حتى آخذ به قال: اوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، وإياك أن تطمع إلى من فوقك، وكفى بما قال الله عزوجل لرسوله: " ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم (3) " وقال: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا (4) " فإن خفت شيئا من ذلك فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه وآله فإنما كان قوته من الشعير، وحلواؤه من التمرو وقيده من السعف إذا وجده (5) إذا أصبت بمصيبة في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصائبك برسول الله صلى الله عليه وآله فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط. 98 - ين: عن فضالة، عن الفضيل بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أوصني قال: اوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الامانة، وحسن الصحابة لمن صحبك، وإذا كان قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فعليك بالدعاء واجتهد ولا تمتنع من شئ تطله من ربك، ولا تقول هذا مالا أعطاه، وداع فإن الله يفعل ما يشاء. 99 - ين: عن فضالة، عن بشر الهذلي، عن عجلان أبي صالح قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أنصف الناس من نفسك. وواسهم من مالك، وارض لهم بما ترضى


(1) نوح: 10 - 12. (2) مخطوط. (3) التوبة: 87. (4) طه: 131. (5) الوقيد والوقاد والوقود كلها بمعنى، يعني ما توقد به النار.

[228]

لنفسك، واذكر الله كثيرا، وإياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤد إلى الله حقه، وإذا ضجرت لم تؤد إلى أحد حقه. 100 - من خط الشهيد رحمه الله قيل للصادق عليه السلام: على ما ذا بنيت أمرك ؟ فقال: على أربعة أشياء: علمت أن عملي لا يعمله غيري فاجتهدت، وعلمت أن الله عزوجل مطلع علي فاستحييت، وعلمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأننت، وعلمت أن آخر أمري الموت فاستعددت. 101 - وقال عليه السلام: إذا أراد الله بعبد خزيا أجرى فضيحته على لسانه. 102 - الدرة الباهرة: (1) قال الصادق عليه السلام: من كان الحزم حارسه، والصدق جليسه، عظمت بهجته، وتمت مروته، ومن كان الهوى مالكه، والعجز راحته، عاقاه عن السلامة، وأسلماه إلى الهلكة. 103 - وقال عليه السلام: جاهل سخي أفضل من ناسك بخيل. 104 - وقال عليه السلام: اللهم إنك بما أنت له أهل من العفو أولى بما أنا له أهل من العقوبة. 105 - وقال عليه السلام: من سئل فوق قدره استحق الحرمان، العز أن تذل للحق، إذا لزمك، من أمك فأكرمه، ومن استخف بك فأكرم نفسك عنه، أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم دونه، ولم يصفح عمن اعتذر إليه، حشمة الانقباض أبقى للعرض وانس التلافي (2)، الهوى يقظان والعقل نائم، لا تكونن أول مشير، وإياك والرأي الفطير، وتجتنب ارتجال الكلام مروة الرجل في نفسه نسب لعقبه وقبيلته. 106 - وقيل في مجلسه عليه السلام: جاور ملكا أو بحرا فقال: هذا كلام محال، والصواب لا تجاور ملكا ولا بحرا لان الملك يؤذيك، والبحر لا يرويك، إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق سألهم عما عهد إليهم ولم يسألهم عما قضى عليهم - قاله في القضاء والقدر -. من أمل رجلا هابه، ومن قصر عن شئ عابه.


(1) مخطوط. (2) كذا.

[229]

107 - ف (1) ومن كلامه عليه السلام سماه بعض الشيعة نثر الدرر: 1 - الاستقصاء فرقة الانتقاد عداوة، قلة الصبر فضيحة، إفشاء السر سقوط، السخاء فطنة، اللوم تغافل. 2 - ثلاثة من تمسك بهن نال من الدنيا والاخرة بغيته (2): من اعتصم بالله، ورضي بقضاء الله، وأحسن الظن بالله. 3 - ثلاثة من فرط فيهن كان محروما: استماحة جواد، ومصاحبة عالم، واستمالة سلطان. 4 - ثلاثة تورث المحبة: الدين، والتواضع، والبذل. 5 - من برئ من ثلاثة نال ثلاثة: من برئ من الشر نال العز، ومن برئ من الكبر نال الكرامة، ومن برئ من البخل نال الشرف. 6 - ثلاثة مكسبة للبغضاء: النفاق. والظلم. والعجب. 7 - ومن لم تكن فيه خصلة من ثلاثة لم يعد نبيلا (3): من لم يكن له عقل يزينه أو جدة تغنيه (4) أو عشيرة تعضده. 8 - ثلاثة تزري بالمرء (5): الحسد. والنميمة. والطيش. 9 - ثلاثة لا تعرف إلا في ثلاث مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب. ولا الشجاع إلا عند الحرب. ولا أخ إلا عند الحاجة. 10 - ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى: من إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا ائتمن خان. 11 - احذر من الناس ثلاثة: الخائن. والظلوم. والنمام، لان من خان


(1) التحف: 315. (2) البغية: ما يرغب فيه ويطلب أي المطلوب. (3) النبيل: ذوالنجابة. (4) الجدة - مصدر وجد يجد، كعدة -: الغنى والقدرة. (5) ازرى به: عابه ووضعه من حقه. والطيش: النزق والخفة.

[230]

لك خانك، ومن ظلم لك سيظلمك. ومن نم إليك سينم عليك. 12 - لا يكون الامين أمينا حتى يؤتمن على ثلاثة فيؤديها: على الاموال والاسرار والفروج. وإن حفظ اثنين وضيع واحدة فليس بأمين. 13 - لا تشاور أحمق، ولا تستعن بكذاب، ولا تثق بمودة ملوك، فان الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب، والاحمق يجهد لك نفسه ولا يبلغ ما تريد والملوك أوثق ما كنت به خذلك، وأوصل ما كنت له قطعك. 14 - أربعة لا تشبع من أربعة: أرض من مطر، وعين من نظر، وانثى من ذكر، وعالم من علم. 15 - أربعة تهرم قبل أوان الهرم: أكل القديد، والقعود على النداوة، والصعود في الدرج. ومجامعة العجوز (1). 16 - النساء ثلاث: فواحدة لك، وواحدة لك وعليك. وواحدة عليك لا لك، فأما التي هي لك فالمرأة العذراء، وأما التي هي لك وعليك فالثيب. وأما التي هي عليك لالك فهي المتبع التي لها ولد من غيرك. 17 - ثلاث من كن فيه كان سيدا: كظم الغيظ، والعفو عن المسيئ، والصلة بالنفس والمال. 18 - ثلاثة لا بد لهم من ثلاث: لابد للجواد من كبوة، وللسيف من نبوة، وللحليم من هفوة (2). 19 - ثلاثة فيهن البلاغة: التقرب من معنى البغية، والتبعد من حشو الكلام والدلالة بالقليل على الكثير. 20 - النجاة في ثلاث: تمسك عليك لسانك. ويسعك بيتك. وتندم على خطيئتك. 21 - الجهل في ثلاث: في تبدل الاخوان، والمنابذة بغير بيان (3) والتجسس


(1) القديد: اللحم المقدد. يقال: قدداللحم أي جعله قطعا وجففه. (2) الكبوة: السقطة، المرة من كبا يكبو كبوا لوجهه: انكب على وجهه. ونبا ينبو نبوة السيف: كل ولم يقطع. والهفوة: الزلة والسقطة. (3) المنابذة: المخالفة والمفارقة، يقال: نابذه أي خالفه وفارقه عن عداوة ولعل المراد: المخالفة بلا جهة وعلة.

[231]

عما لا يعني. 22 - ثلاث من كن فيه كن عليه: المكر. والنكث. والبغي. وذلك قول الله: " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله (1) ". " فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقومهم أجمعين (2) " وقال جل وعز: " ومن نكث فإنما ينكث على نفسه (3) ". وقال: " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيوة الدنيا (4). 23 - ثلاث يحجزن المرء عن طلب المعالي: قصر الهمة: وقلة الحيلة، و ضعف الرأي. 24 - الحزم في ثلاثة (5): الاستخدام للسلطان، والطاعة للوالد، والخضوع للمولى. 25 - الانس في ثلاث: في الزوجة الموافقة، والولد البار، والصديق المصافي (6). 26 - من رزق ثلاثا نال ثلاثا وهو الغنى الاكبر: القناعة بما اعطي، واليأس مما في أيدي الناس، وترك الفضول. 27 - لا يكون الجواد جوادا إلا بثلاثة: يكون سخيا بماله على حال اليسر والعسر، وأن يبذله للمستحق، ويرى أن الذي أخذه من شكر الذي اسدي إليه (7) أكثر مما أعطاه.


(1) فاطر: 41. لا يحيق أي لا يحيط. (2) النمل: 52. (3) الفتح: 10. (4) يونس: 24. (5) الحزم: ضبط الرجل أمره والحذر من فواته والاخذ فيه بالثقة. (6) صافى فلانا: أخلص له الود. (7) في بعض النسخ: يسدى إليه ".

[232]

28 - ثلاثة لا يعذر المرء فيها: مشاورة ناصح، ومداراة حاسد، والتحبب إلى الناس. 29 - لا يعد العاقل عاقلا حتى يستكمل ثلاثا: إعطاء الحق من نفسه على حال الرضا والغضب، وأن يرضى للناس ما يرضى لنفسه، واستعمال الحلم عند العثرة. (1) 30 - لا تدوم النعم إلا بعد ثلاث (2): معرفة بما يلزم الله سبحانه فيها، وأداء شكرها، ولا يعيب فيها. 31 - ثلاث من ابتلي بواحدة منهن تمنى الموت: فقر متتابع، وحرمة فاضحة، وعدو غالب. 32 - من لم يرغب في ثلاث ابتلي بثلاث: من لم يرغب في السلامة ابتلي بالخذلان، ومن لم يرغب في المعروف ابتلي بالندامة. ومن لم يرغب في الاستكثار من الاخوان ابتلي بالخسران. 33 - ثلاث يجب على كل إنسان تجنبها: مقارنة الاشرار، ومحادثة النساء، ومجالسة أهل البدع. 34 - ثلاثة تدل على كرم المرء: حسن الخلق، وكظم الغيظ، وغض الطرف. 35 - من وثق بثلاثة كان مغرورا: من صدق بما لا يكون، وركن إلى من لا يثق به، وطمع في ما لا يملك. 36 - ثلاثة من استعملها أفسد دينه ودنياه: من [أ] ساء ظنه، وأمكن من سمعه، وأعطى قياده حليلته (3). 37 - أفضل الملوك من اعطي ثلاث خصال: الرأفة، والجود والعدل.


(1) العثرة: الزلة. والسقطة. (2) في بعض النسخ " الا بثلاث ". (3) القياد: حبل يقاد به. والحليلة: الزوجة.

[233]

38 - وليس يحب للملوك أن يفرطوا في ثلاث (1): في حفظ الثغور، وتفقد المظالم، واختيار الصالحين لاعمالهم. 39 - ثلاث خلال (2) تجب للملوك على أصحابهم ورعيتهم: الطاعة لهم، والنصيحة لهم في المغيب والمشهد، والدعاء بالنصر والصلاح. 40 - ثلاثة تجب على السلطان للخاصة والعامة: مكافأة المحسن بالاحسان ليزدادوا رغبة فيه. وتغمد ذنوب المسيئ ليتوب ويرجع عن غيه (3) وتألفهم جميعا بالاحسان والانصاف. 41 - ثلاثة أشياء من احتقرها من الملوك وأهملها تفاقمت عليه: خامل قليل الفضل شذ عن الجماعة (4)، وداعية إلى بدعة جعل جنته الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهل بلد جعلوا لانفسهم رئيسا يمنع السلطان من إقامة الحكم فيهم. 42 - العاقل لا يستخف بأحد. وأحق من لا يستخف به ثلاثة: العلماء، والسلطان، والاخوان، لانه من استخف بالعلماء أفسد دينه، ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخف بالاخوان أفسد مروته. 43 - وجدنا بطانة السلطان ثلاث طبقات (5): طبقة موافقة للخير وهي بركة عليها وعلى السلطان وعلى الرعية. وطبقة غايتها المحاماة على ما في أيديها فتلك لا محمودة ولا مذمومة، بل هي إلى الدم أقرب. وطبقة موافقة للشر وهي مشؤومة مذمومة عليها وعلى السلطان.


(1) يفرطوا فيه: يقصروا وأظهروا العجز فيه. (2) الخلال - بالكسر -: جمع خلة. و - بالفتح -: الخصلة. (3) في بعض النسخ " عن عتبه ". (4) تفاقم الامر: عظم ولم يجر على استواء. والخامل: الساقط الذى لا نباهة له. وشذ عنهم أي انفرد واعتزل. (1) البطانة: الخاصة.

[234]

44 - ثلاثة أشياء يحتاج الناس طرا إليها: الامن والعدل والخصب (1). 45 - ثلاثة تكدر العيش: السلطان الجائر، والجار السوء والمرأة البذية (2). 46 - لا تطيب السكنى إلا بثلاث: الهواء الطيب، والماء الغزير العذب، والارض الخوارة (3). 47 - ثلاثة تعقب الندامة: المباهاة، والمفاخرة، والمعازة (4). 48 - ثلاثة مركبة في بني آدم: الحسد، والحرص، والشهوة. 49 - من كانت فيه خلة من ثلاثة انتظمت فيه ثلاثتها في تفخيمه وهيبته وجماله: من كان له ورع، أو سماحة، أو شجاعة. 50 - ثلاث خصال من رزقها كان كاملا: العقل، والجمال، والفصاحة. 51 - ثلاثة تقضى لهم بالسلامة إلى بلوغ غايتهم: المرأة إلى انقضاء حملها والملك إلى أن ينفد عمره، والغائب إلى حين إيابه. 52 - ثلاثة تورث الحرمان: الالحاح في المسألة، والغيبة، والهزء (5). 53 - ثلاثة تعقب مكروها: حملة البطل (6) في الحرب في غير قرصة وإن رزق الظفر، وشرب الدواء من غير علة وإن سلم منه، والتعرض للسلطان وإن ظفر الطالب بحاجته منه. 54 - ثلاث خلال يقول كل إنسان إنه على صواب منها: دينه الذي يعتقده، وهواه الذي يستعلى عليه، وتدبيره في اموره.


(1) الخصب - بالكسر -: كثرة العشب والخير. وفى بعض النسخ " والخضب " أي سفح الجبل وجانبه وصوت القوس. والاول أظهر. (2) البذية: السفيه والتى أفحش في منطقها. (3) الغزير: الكثير. وأرض خوارة: السهلة اللينة. (4) المعازة: المعارضة في العز. (5) الهزء - بالفتح والضم -: الاستهزاء والاستخفاف. (6) الحملة - بفتح فسكون -، الكرة في الحرب.

[235]

55 - الناس كلهم ثلاث طبقات: سادة مطاعون وأكفاء متكافون (1) واناس متعادون. 56 - قوام الدنيا بثلاثة أشياء: النار، والملح، الماء. 57 - من طلب ثلاثة بغير حق حرم ثلاثة بحق: من طلب الدنيا بغير حق حرم الاخرة بحق، ومن طلب الرئاسة بغير حق حرم الطاعة له بحق، ومن طلب المال بغير حق حرم بهاؤه له بحق. 58 - ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها: شرب السم للتجربة وإن نجا منه. وإفشاء السر إلى القرابة الحاسد وإن نجا منه. وركوب البحر وإن كان الغنى فيه. 59 - لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليه في أمر دنياهم وآخرتهم فإن عدموا ذلك كانوا همجا (2): فقيه عالم ورع. وأمير خير مطاع. وطبيب بصير ثقة. 60 - يمتحن الصديق بثلاث خصال، فإن كان مؤاتيا فيها (3) فهو الصديق المصافي وإلا كان صديق رخاء لا صديق شدة: تبتغي منه مالا، أو تأمنه على مال، أو تشاركه في مكروه. 61 - إن يسلم الناس من ثلاثة أشياء كانت سلامة شاملة: لسان السوء. ويد السوء. وفعل السوء. 62 - إذا لم تكن في المملوك خصلة من ثلاث فليس لمولاه في إمساكه راحة: دين يرشده. أو أدب يسوسه (4). أو خوف يردعه.


(1) المتكافون والمتكافئون: المتساوون. (2) الهمج - بالتحريك -: السفلة والحمقى والرعاع من الناس، يقال: قوم همج أي لا خير فيهم. (3) آتاه مؤاتاة: وافقه. والمصافي: المخلص لك الود. والرخاء: سعة العيش. (4) ساس يسوس سياسة الامر. قام به. - والقوم دبرهم وتولى أمرهم. - وفلان قد ساس أي أدب.

[236]

63 - إن المرء يحتاج في منزله وعياله إلى ثلاث خلال يتكلفها وإن لم يكن في طبعه ذلك: معاشرة جميلة، وسعة بتقدير. وغيرة بتحصن (1). 64 - كل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خلال يجتلب بها المكسب وهو: أن يكون حاذقا بعمله، مؤديا للامانة فيه، مستميلا لمن استعمله (2). 65 - ثلاث من ابتلي بواحدة منهن كان طائح العقل (3): نعمة مولية. وزوجة فاسدة (4). وفجيعة بحبيب. 66 - جبلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكل واحدة منهن فضيلة ليست للاخرى: السخاء بالنفس، والانفة من الذل (5)، وطلب الذكر، فإن تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يقام لسبيله، والموسوم بالاقدام في عصره. وإن تفاضلت فيه بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت فيه أكثر وأشد إقداما. 67 - ويجب للوالدين على الولد ثلاثة أشياء: شكرهما على كل حال. وطاعتهما فيما يأمرانه وينهيانه عنه في غير معصية الله. ونصيحتهما في السر والعلانية وتجب للولد على والده ثلاث خصال: إختياره لوالدته. وتحسين اسمه. والمبالغة في تأديبه (6). 68 - تحتاج الاخوة فيما بينهم إلى ثلاثة أشياء، فإن استعملوها وإلا تباينوا وتباغضوا وهي: التناصف. والتراحم. ونفي الحسد (7).


(1) في بعض النسخ " بحسن " أي تزين به أو صار حسنا. (2) أي عطوفا عليه. واستماله: أماله واستعطفه. (3) طاح يطوح وطاح يطيح: تاه وأشرف على الهلاك. (4) في بعض النسخ " مفسدة ". (5) الانفة: اسم من أنف - كتعب -: كرهه وترفع وتنزه عنه. (6) في بعض نسخ المصدر " وتجب للولد على والدته ثلاث خصال ". (7) يقال: تناصفوا أي أنصف بعضهم بعضا. وتراحموا: رحم بعضهم بعضا.

[237]

69 - إذا لم تجتمع القرابة على ثلاثة أشياء تعرضوا لدخول الوهن عليهم وشماتة الاعداء بهم وهي: ترك الحسد فيما بينهم، لئلا يتحزبوا فيتشتت أمرهم. والتواصل ليكون ذلك حاديا (1) لهم على الالفة، والتعاون لتشملهم العزة. 70 - لا غنى بالزوج عن ثلاثة أشياء فيما بينه وبين زوجته وهي الموافقة ليجتلب بها موافقتها ومحبتها وهواها، وحسن خلقة معها، واستعماله استمالة قلبها بالهيئة الحسنة في عينها، وتوسعته عليها. ولا غنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال وهن: صيانة نفسها عن كل دنس حتى يطمئن قلبه إلى الثقة بها في حال المحبوب والمكروه، وحياطته (2) ليكون ذلك عاطفا عليها عند زلة تكون منها، وإظهار العشق له بالخلابة (3) والهيئة الحسنة لها في عينه. 71 - لا يتم المعروف إلا بثلاث خلال: تعجيله، وتقليل كثيره، وترك الامتنان به. 72 - والسرور في ثلاث خلال: في الوفاء، ورعاية الحقوق، والنهوض في النوائب. 73 - ثلاثة يستدل بها على إصابة الرأي (4): حسن اللقاء، وحسن الاستماع، وحسن الجواب. 74 - الرجال ثلاثة: عاقل. وأحمق. وفاجر، فالعاقل إن كلم أجاب وإن نطق أصاب، وإن سمع وعى. الاحمق إن تكلم عجل، وإن حدث ذهل وإن حمل على القبيح فعل. والفاجر إن ائتمنته خانك وإن حدثته شأنك.


(1) أي يحدوهم ويسيرهم. ويحتمل أن يكون " هاديا ". وقد يقرء في بعض النسخ " حاويا ". (2) حاطه حياطة: حفظه وتعهده. (3) الخلابة - بكسر الخاء -: الحذيعة باللسان أو بالقول الطيب. (4) كذا. والظاهر " أصالة الرأى ". (*)

[238]

75 - الاخوان ثلاثة: فواحد كالغذاء الذي يحتاج إليه كل وقت فهو العاقل. والثاني في معنى الداء وهو الاحمق. والثالث في معنى الدواء فهو اللبيب. 76 - ثلاثة أشياء تدل على عقل فاعلها: الرسول على قدر من أرسله، والهدية على قدر مهديها، والكتاب على قدر [عقل] كاتبه. 77 - العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة عادلة، وسنة قائمة. 78 - الناس ثلاثة: جاهل يأبى أن يتعلم، وعالم قد شفه علمه، وعاقل يعمل لدنياه وآخرته (1). 79 - ثلاثة ليس معهن غربة: حسن الادب، وكف الاذى، ومجانبة الريب. 80 - الايام ثلاثة: فيوم مضى لا يدرك، ويوم الناس فيه، فينبغي أن يغتنموه. وغدا إنما في أيديهم أمله (2). 81 - من لم تكن فيه ثلاث خصال لم ينفعه الايمان: حلم يرد به جهل الجاهل. وورع يحجزه عن طلب المحارم. وخلق يداري به الناس. 82 - ثلاث من كن فيه استكمل الايمان، من إذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق. وإذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل. ومن إذا قدر عفا. 83 - ثلاث خصال يحتاج إليها صاحب الدنيا: الدعة من غير توان (3) والسعة مع قناعة. والشجاعة من غير كسلان. 84 - ثلاثة أشياء لا ينبغي للعاقل أن ينساهن على كل حال: فناء الدنيا وتصرف الاحوال. والافات التي لا أمان لها. 85 - ثلاثة أشياء لا ترى كاملة في واحد قط: الايمان. والعقل. والاجتهاد.


(1) في بعض النسخ " للدنيا والاخرة ". وشفه: هزله، رقه، أوهنه. (2) قال بعض الشعراء: ما فات مضى وما سيأتيك فأين * قم فاغتنم الفرصة بين العدمين (3) أي من غير فتور، والدعة: خفض العيش والراحة.

[239]

86 - الاخوان ثلاثة: مواس بنفسه. وآخر مواس بماله وهما الصادقان في الاخاء. وآخر يأخذ منك البلغة (1) ويريدك لبعض اللذة، فلا تعده من أهل الثقة. 87 - لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: الفقة في الدين، وحسن النقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا. ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. 108 - ف (2): وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني: 1 - قال صلوات الله عليه: من أنصف الناس من نفسه رضي به حكما لغيره. 2 - وقال عليه السلام: إذا كان الزمان زمان جوز وأهله أهل غدر فالطمأنينة إلى كل أحد عجز (3). 3 - وقال عليه السلام: إذا اضيف البلاء كان من البلاء عافية. 4 - وقال عليه السلام: إذا أردت أن تعلم صحة ما عند أخيك فاغضبه فإن ثبت لك على المودة فهو أخوك وإلا فلا. 5 - وقال عليه السلام: لا تعتد بمودة أحد حتى تغضبة ثلاث مرات. 6 - وقال عليه السلام: لا تثقن بأخيك كل الثقة، فإن صرعة الاسترسال لا تستقال (4). 7 - وقال عليه السلام: الاسلام درجة، والايمان على الاسلام درجة، واليقين


(1) أي ما يبلغه ويكفيه. (2) التحف ص 357. (3) في بعض النسخ " فلا طمأنينة إلى كل أحد ". (4) الصرعة - بالفتح: المرة من صرع. - وبالضم - المبالغ في الصرع أي من يصرعه الناس كثيرا. والاسترسال: الطمأنينة والاستيناس إلى الغير والثقة فيما يحدثه وأصل الاسترسال: السكون والثبات. وقد مضى نظير هذا الكلام فيما تقدم. وفى بعض نسخ الحديث " فان سرعة الاسترسال ".

[240]

على الايمان درجة (1). وما أوتي الناس أقل من اليقين. 8 - وقال عليه السلام: إزالة الجبال أهون من إزالة قلب عن موضعه. 9 - وقال عليه السلام: الايمان في القلب واليقين خطرات. 10 - وقال عليه السلام: الرغبة في الدنيا تورث الغم والحزن (2) والزهد في الدنيا راحة القلب والبدن. 11 - وقال عليه السلام: من العيش دار يكرى، خبز يشرى. 12 - وقال عليه السلام لرجلين تخاصما بحضرته: أما إنه لم يظفر بخير من ظفر بالظلم. ومن يفعل السوء بالناس فلا ينكر السوء إذا فعل به. 13 - وقال عليه السلام: التواصل بين الاخوان في الحضر التزاور، والتواصل في السفر المكاتبة. 14 - وقال عليه السلام: لا يصلح المؤمن إلا على ثلاث خصال: التفقه في الدين، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على النائبة. 15 - وقال عليه السلام: المؤمن لا يغلبه فرجه، ولا يفضحه بطنه. 16 - وقال عليه السلام: صحبة عشرين سنة قرابة. 17 - وقال عليه السلام: لا تصلح الصنيعة إلا عند ذي حسب أو دين، وما أقل من يشكر المعروف. 18 - وقال عليه السلام: إنما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتعظ، أو جاهل فيتعلم. فأما صاحب سوط وسيف فلا (3). 19 - وقال عليه السلام: إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عالم بما يأمر، عالم بما ينهى. عادل فيما يأمر، عادل فيما ينهى، رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى.


(1) كذا وفى الكافي " والتقوى على الايمان درجة واليقين على التقوى درجة ". (2) في بعض النسخ " تورث النقم والحزن ". (3) لانه لا يؤثر فيهما كثيرا لانهما صاحبا قدرة وسلطنة ومغروران بما في أيديهما.

[241]

20 - وقال عليه السلام: من تعرض لسلطان (1) جائر فأصابته منه بلية لم يؤجر عليها ولم يرزق الصبر عليها. 21 - وقال عليه السلام: إن الله أنعم على قوم بالمواهب فلم يشكروه فصارت عليهم وبالا، وابتلى قوما بالمصائب فصبروا فكانت عليهم نعمة. 22 - وقال عليه السلام: صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال (2) ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل. 23 - وقال عليه السلام: ما أقبح الانتقام بأهل الاقدار (3). 24 - وقيل له: ما المروة ؟ فقال عليه السلام: لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك. 25 - وقال عليه السلام: اشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا إزالة للنعم إذا شكرت، ولا إقامة لها إذا كفرت. والشكر زيادة في النعم. وأمان من الفقر. 26 - وقال عليه السلام: فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها، وأشد من المصيبة سوء الخلق منها. 27 - وسأله رجل: أن يعلمه ما ينال به خير الدنيا والاخرة ولا يطول عليه (4) ؟ فقال عليه السلام: لا تكذب. 28 - وقيل له: ما البلاغة ؟ فقال عليه السلام: من عرف شيئا قل كلامه فيه، وإنما سمي البليغ لانه يبلغ حاجته بأهون سعيه.


(1) أي تصدى لطلب فضله واحسانه. (2) في بعض النسخ " على مكيال " وتعايش القوم: عاشوا مجتمعين على الفة ومودة وتعاشر القوم: تخالطوا وتصاحبوا. (3) الظاهر أن المراد من يقدر عليهم الرزق والمعيشة أي الضعفاء: والاقدار: جمع قدر. (4) " ولا يطول " بالتخيف أي لا يجعله طويلا بل مختصرا موجزا.

[242]

29 - وقال عليه السلام: الدين غم بالليل، وذل بالنهار. 30 - وقال عليه السلام، إذا صلح أمر دنياك فاتهم دينك. 31 - وقال عليه السلام: بروا آبائكم يبركم أبناؤكم، وعفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم. 32 - وقال عليه السلام: من ائتمن خائنا على أمانة لم يكن له على الله ضمان (1). 33 - وقال عليه السلام: لحمران بن أعين: يا حمران انظر من هو دونك في المقدرة (2) ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإن ذلك أقنع لك بما قسم الله لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة منه عزوجل. واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله، والكف عن أذى المؤمنين واغتيابهم. ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القناعة باليسير المجزئ، ولا جهل أضر من العجب. 34 - وقال عليه السلام: الحياء على وجهين فمنه ضعف، ومنه قوة وإسلام وإيمان. 35 - وقال عليه السلام: ترك الحقوق مذلة، وإن الرجل يحتاج إلى أن يتعرض فيها للكذب. 36 - وقال عليه السلام: إذا سلم الرجل من الجماعة أجزأ عنهم. وإذا رد واحد من القوم أجزأ عنهم.


(1) الضمان - بالفتح -: ما يلتزم بالرد. (2) المقدرة - بتثليث الدال -: القوة والغنى. وحمران - كسكران - وقيل: - كسبحان - ابن أعين كاحمد - الشيباني الكوفى تابعي مشكور يكنى أبا الحسن وقيل: أبا حمزة من أصحاب الصادقين بل من حواريهما عليهما السلام ولقى على بن الحسين عليهما السلام وكان من أكابر مشايخ الشيعة المفضلين الذين لا يشك فيهم، وكان أحد حملة القرآن وقرأ على أبى جعفر الباقر عليه السلام وقيل: أن حمزة أحد القراء السبعة قرأ عليه وكان عالما بالنحو واللغة.

[243]

37 - وقال عليه السلام: السلام تطوع والرد فريضة (1). 38 - وقال عليه السلام: من بدأ بكلام قبل سلام فلا تجيبوه (2). 39 - وقال عليه السلام: إن تمام التحية للمقيم المصافحة، وتمام التسليم على المسافر المعانقة. 40 - وقال عليه السلام: تصافحوا، فانها تذهب بالسخيمة (3). 41 - وقال عليه السلام: اتق الله بعض التقى وإن قل، ودع بينك وبينه سترا وإن رق. 42 - وقال عليه السلام: من ملك نفسه إذا غضب وإذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى حرم الله جسده على النار. 43 - وقال عليه السلام: العافية نعمة خفية (4) إذا وجدت نسيت، وإذا عدمت ذكرت. 44 - وقال عليه السلام: لله في السراء نعمة التفضل، وفي الضراء نعمة التطهر (5). 45 - وقال عليه السلام: كم من نعمة لله على عبده في غير أمله، وكم من مؤمل أملا الخيار في غيره، وكم من ساع إلى حتفه وهو مبطئ عن حظه. 46 - وقال عليه السلام: قد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا، ولكل نعمة شكرا ولكل عسر يسرا. اصبر نفسك عند كل بلية ورزية في ولد أو في مال، فإن الله إنما يقبض عاريته وهبته ليبلو شكرك وصبرك. 47 - وقال عليه السلام: مامن شئ إلا وله حد. قيل: فما حد اليقين ؟ قال عليه السلام: أن لا تخاف شيئا.


(1) تطوع: تبرع، والمراد أن السلام تطوع ابتداء. (2) في الكافي " من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه ". (3) السخيمة: الضغينة والحقد في النفس. (4) وفى بعض النسخ: " خفيفة ". (5) التفضل: النيل من الفضل. والتطهر: التنزه عن الادناس أي المعاصي.

[244]

48 - وقال عليه السلام: ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز (1)، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الاعداء، ولا يتحمل الاصدقاء (2)، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة. 49 - وقال عليه السلام: إن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده. 50 - وقال أبو عبيدة (3): ادع الله لي أن لا يجعل رزقي على أيدي العباد. فقال عليه السلام: أبى الله عليك ذلك إلا أن يجعل أرزاق العباد بعضهم من بعض، ولكن أدع الله أن يجعل رزقك على أيدي خيار خلقه، فإنه من السعادة، ولا يجعله على أيدي شرار خلقه، فإنه من الشقاوة. 51 - وقال عليه السلام: العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق، فلا تزيده سرعة السير إلا بعدا. 52 - وقال عليه السلام في قول الله عزوجل: " اتقوا الله حق تقاته (4) " قال: يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. 53 - وقال عليه السلام: من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا (5). 54 - وقال عليه السلام: الخائف من لم تدع له الرهبة لسانا ينطق به.


(1) الوقور - للمذكر والمؤنث -: ذو وقار. الهزاهز: الفتن التى يهز الناس. و تطلق على الشدائد والحروب. (2) " يتحمل " أي ولا يحمل على الاصدقاء ولا يتكلف عليهم وفى الكافي ج 2 ص 232 " لا يتحامل للاصدقاء " أي ما يشق عليهم ويضر بحالهم. (3) الظاهر أنه أبو عبيدة الحذاء زياد بن عيسى الكوفى من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام ومات في زمان الصادق عليه السلام. (4) آل عمران: 97. (5) سخيت نفسي عنه أي تركته ولم تنازعني إليه نفسي. (*)

[245]

55 - وقيل له عليه السلام: قوم يعملون بالمعاصي ويقولون: نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت. فقال: هؤلاء قوم يترجحون في الاماني كذبوا ليس يرجون (1) إن من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شئ هرب منه. 56 - وقال عليه السلام: إنا لنحب من كان عاقلا عالما فهما فقيها حليما مداريا صبورا صدوقا وفيا (2)، إن الله خص الانبياء عليهم السلام بمكارم الاخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك ومن لم تكن فيه فليتضرع إلى الله وليسأله إياها وقيل له: وما هي ؟ قال عليه السلام: الورع والقناعة والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة وصدق الحديث والبر وأداء الامانة واليقين وحسن الخلق والمروة. 57 - وقال عليه السلام: من أوثق عرى الايمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله. 58 - وقال عليه السلام: لا يتبع الرجل بعد موته إلا ثلاث خلال: صدقة أجراها الله له في حياته فهي تجري له بعد موته، وسنة هدى يعمل بها، وولد صالح يدعو له. 59 - وقال عليه السلام: إن الكذبة لتنقض الوضوء إذا توضأ الرجل للصلاة، وتفطر الصيام فقيل له: إنا نكذب فقال عليه السلام: ليس هو باللغو ولكنه الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة صلوات الله عليهم، ثم قال: إن الصيام ليس من الطعام ولا من الشراب وحده، إن مريم عليها السلام قالت: " إني نذرت للرحمن صوما (3) " أي صمتا، فاحفظوا ألسنتكم وغضوا أبصاركم، ولا تحاسدوا ولا تنازعوا، فإن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.


(1) كذا وفى الكافي " كذبوا ليسوا براجين ". ترجح في القول: تميل فيه (2) الوفى: الكثير الوفاء. وأيضا الذى يعطى الحق ويأخذ الحق والجمع اوفياء كأصدقاء. (3) مريم: 27.

[246]

60 - وقال عليه السلام: من أعلم الله ما لم يعلم اهتز له عرشه (1). 61 - وقال عليه السلام: إن الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولولا ذلك ما ابتلى الله مؤمنا بذنب أبدا. 62 - وقال عليه السلام: من ساء خلقه عذب نفسه. 63 - وقال عليه السلام: المعروف كاسمه وليس شئ أفضل من المعروف إلا ثوابه، والمعروف هدية من الله إلى عبده، وليس كل من يحب أن يصنع المعروف إلى الناس يصنعه، ولا كل من رغب فيه يقدر عليه، ولا كل من يقدر عليه يؤذن له فيه، فإذا من الله على العبد جمع له الرغبة في المعروف والقدرة والاذن، فهناك تمت السعادة والكرامة للطالب والمطلوب إليه. 64 - وقال عليه السلام: لم يستزد في محبوب بمثل الشكر، ولم يستنقص من مكروه بمثل الصبر. 65 - وقال عليه السلام: ليس لابليس جند أشد من النساء والغضب. 66 - وقال عليه السلام: الدنيا سجن المؤمن والصبر حصنه، والجنة مأواه، والدنيا جنة الكافر، والقبر سجنه، والنار مأواه. 67 - وقال عليه السلام: ولم يخلق الله يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت. 68 - وقال عليه السلام: إذا رأيتم العبد يتفقد الذنوب من الناس (2) ناسيا لذنبه فاعلموا أنه قد مكر به. 69 - وقال عليه السلام: الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم المحتسب، والمعافي الشاكر له مثل أجر المبتلى الصابر. 70 - وقال عليه السلام: لا ينبغي لمن لم يكن عالما أن يعد سعيدا، ولا لمن لم يكن ودودا أن يعد حميدا، ولا لمن لم يكن صبورا أن يعد كاملا، ولا لمن لا يتقي


(1) في بعض النسخ " من اعلم الله ما لا يعلم اهتز عرشه ". (2) تفقده أي طلبه عند غيبته.

[247]

ملامة العلماء وذمهم أن يرجى له خير الدنيا والاخرة، وينبغي للعاقل أن يكون صدوقا ليؤمن على حديثه، وشكورا ليستوجب الزيادة. 71 - وقال عليه السلام: ليس لك أن تأتمن الخائن وقد جربته، وليس لك أن تتهم من ائتمنت. 72 - وقيل له: من أكرم الخلق على الله ؟ فقال عليه السلام: أكثرهم ذكرا لله وأعملهم بطاعة الله. قلت: فمن أبغض الخلق إلى الله ؟ قال عليه السلام: من يتهم الله. قلت: أحد يتهم الله ؟ قال عليه السلام: نعم من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فيسخط فذلك يتهم الله، قلت: ومن ؟ قال: يشكو الله ؟ قلت: واحد يشكوه ؟ قال عليه السلام: نعم، من إذا ابتلي شكى بأكثر مما أصابه. قلت: ومن ؟ قال: إذا اعطي لم يشكر وإذا ابتلي لم يصبر. قلت: فمن أكرم الخلق على الله ؟ قال عليه السلام: من إذا اعطي شكر، وإذا ابتلي صبر. 73 - وقال عليه السلام: ليس لملول (1) صديق، ولا لحسود غنى، وكثرة النظر في الحكمة تلقح العقل. 74 - وقال عليه السلام: كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار به جهلا. 75 - وقال عليه السلام: أفضل العبادة العلم بالله والتواضع له. 76 - وقال عليه السلام: عالم أفضل من ألف عابد وألف زاهد وألف مجتهد (2). 77 - وقال عليه السلام: إن لكل شئ زكاة، وزكاة العلم أن يعلمه أهله. 78 - وقال عليه السلام: القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة.


(1) الملول: ذو الملل، صفة بمعنى الفاعل. وقد يقرء " لملوك " كما مر كرارا وفى الخصال " للملك " وفى بعض نسخ أمالى الشيخ " للملوك ". (2) أي الذى يجتهد في العبادة.

[248]

79 - وسئل عن صفة العدل من الرجل ؟ فقال عليه السلام: إذا غض طرفه عن المحارم، ولسانه عن المآثم، وكفه عن المظالم. 80 - وقال عليه السلام: كلما حجب الله عن العباد فموضوع عنهم حتى يعرفهموه. 81 - وقال عليه السلام: لداود الرقي (1): تدخل يدك في فم التنين (2) إلى المرفق خير لك من طلب الحوائج إلى من لم يكن له وكان (3). 82 - وقال عليه السلام: قضاء الحوائج إلى الله، وأسبابها - بعد الله - العباد تجري على أيديهم، فما قضى الله من ذلك فاقبلوا من الله بالشكر، وما زوي عنكم (4) منها فاقبلوه عن الله بالرضا والتسليم والصبر فعسى أن يكون ذلك خيرا لكم، فإن الله أعلم بما يصلحكم وأنتم لا تعلمون. 83 - وقال عليه السلام: مسألة ابن آدم لابن آدم فتنة، إن أعطاه حمد من لم يعطه، وإن رده ذم من لم يمنعه.


(1) الرقى - بفتح الراء وقيل: بكسرها وتشديد القاف - نسبة إلى الرقة اسم لمواضع، بلدة بقوهستان وأخريان من بساتين بغداد صغرى وكبرى وبلدة اخرى في غربي بغداد وقرية كبيرة أسفل منها بفرسخ على الفرات غربي الانبار وهيت، كانت مصيف آل المنذر ملوك العراق ومنتزه الرشيد العباسي. قال علماء الرجال: " وهى التى ينصرف إليها اطلاق لفظ الرقة منها داود الرقى " وهو داود بن كثير بن أبى خالد الرقى مولى بنى أسد من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام ثقة وله أصل وكتاب، عاش إلى زمان الرضا عليه السلام. (2) التنين - كسكيت -: الحوت والحية العظيمة كنيته أبو مرداس. قيل: " انه شر من الكوسج وفى فمه أنياب مثل أسنة الرماح وهو طويل كالنخلة السحوق، أحمر العينين مثل الدم، واسع الفم والجوف، براق العينين، يبلع كثيرا من حيوان البر والبحر، إذا تحرك يموج البحر لقوته الشديدة ". (3) وفى بعض النسخ " فكان " وهو الاصوب. (4) زواه - من باب رمى -: نحاه ومنعه. وعنه طواه وصرفه. والشى: جمعه وقبضه.

[249]

84 - وقال عليه السلام: إن الله قد جعل كل خير في التزجية (1). 85 - وقال عليه السلام: إياك ومخالطة السفلة، فإن مخالطة السفلة لا تؤدي إلى خير (2). 86 - وقال عليه السلام: الرجل يجزع من الذل الصغير فيدخله ذلك في الذل الكبير. 87 - وقال عليه السلام: أنفع الاشياء للمرء سبقه الناس إلى عيب نفسه، وأشد شئ مؤونة إخفاء الفاقة. وأقل الاشياء غناء النصيحة لمن لا يقبلها ومجاورة الحريص، وأروح الروح اليأس من الناس، لا تكن ضجرا ولا غلقا، وذلل نفسك باحتمال من خالفك ممن هو فوقك ومن له الفضل عليك، فإنما أقررت له بفضله (3) لئلا تخالفه، ومن لا يعرف لاحد الفضل فهو المعجب برأيه، واعلم أنه لا عز لمن لا يتذلل لله، ولا رفعة لمن لا يتواضع لله. 88 - وقال عليه السلام: إن من السنة لبس الخاتم (4). 89 - وقال عليه السلام: أحب إخواني إلي من أهدى إلي عيوبي. 90 - وقال عليه السلام: لا تكون الصداقة إلا بحدودها فمن كانت فيه هذه الحدود أو شئ منه (5) وإلا فلا تنسبه إلى شئ من الصداقة: فأولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة، والثانية أن يرى زينك زينه وشينك شينه، والثالثة أن لا تغيره عليك ولاية ولامال. والرابعة لا يمنعك شيئا تناله مقدرته (6) والخامسة


(1) زجا يزجو زجوا وزجى تزجية وأزجى ازجاء، وازدجى فلانا: ساقه، دفعه برفق، يقال: " زجى فلان حاجتى " أي سهل تحصيلها. وفى بعض النسخ " في الترجية ". (2) في بعض نسخ الحديث " لا تؤول ألى خير ". (3) أي ذلل نفسك فلعل من خالفك كان له الفضل عليك. (4) وفى بعض النسخ " لباس الخاتم ". (5) كذا. (6) المقدرة - بتثليت الدال -: القوة والغنى.

[250]

- وهي تجمع هذه الخصال - أن لا يسلمك عند النكبات. 91 - وقال عليه السلام: مجاملة الناس ثلث العقل (1). 92 - وقال عليه السلام: ضحك المؤمن تبسم. 93 - وقال عليه السلام: ما ابالي إلى من ائتمنت خائنا أو مضيعا (2). 94 - وقال عليه السلام للمفضل (3): اوصيك بست خصال تبلغهن شيعتي، قلت: وما هن يا سيدي ؟ قال عليه السلام: أداء الامانة إلى من ائتمنك، وأن ترضى لاخيك ما ترضى لنفسك، واعلم أن للامور أواخر فاحذر العواقب. وأن للامور بغتات (4) فكن على حذر. وإياك ومرتقي جبل سهل إذا كان المنحدر وعرا (5) ولا تعدن أخاك وعدا ليس في يدك وفاؤه. 95 - وقال عليه السلام: ثلاث لم يجعل الله لاحد من الناس فيهن رخصة: بر الوالدين برين كانا أو فاجرين، ووفاء بالعهد للبر والفاجر، وأداء الامانة إلى البر والفاجر. 96 - وقال عليه السلام: إني لارحم ثلاثة وحق لهم أن يرحموا، عزيز أصابته مذلة بعد العز، وغني أصابته حاجة بعد الغنى. وعالم يستخف به أهله والجهلة. 97 - وقال عليه السلام: من تعلق قلبه بحب الدنيا تعلق من ضررها بثلاث خصال: هم لا يفنى. وأمل لا يدرك. ورجاء لا ينال.


(1) المجاملة: حسن الصنيعة مع الناس والمعاملة بالجميل. (2) أي لا فرق عندي بين الخائن والمضيع، أو المراد ان الرجل إذا ائتمن احدا فلا يبالى به إذا كان خائنا أو مضيعا. (3) هو أبو عبد الله مفضل بن عمر الجعفي الكوفى من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام. قيل: هو من شيوخ أصحاب الصادق عليه السلام وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين صاحب رسالة المعروف بتوحيد المفضل المروى عن الصادق عليه السلام. (4) البغتات - جمع بغتة - أي الفجأة. (5) المنحدر: مكان الانحدار أي الهبوط والنزول. والوعر: ضد السهل أي المكان الصلب وهو الذى مخيف الوحش.

[251]

98 - وقال عليه السلام: المؤمن لا يخلق على الكذب ولا على الخيانة، وخصلتان لا يجتمعان في المنافق: سمت حسن (1) وفقة في سنة. 99 - وقال عليه السلام: الناس سواء كأسنان المشط، والمرء كثير بأخيه (2) ولا خير في صحبة من لم ير لك مثل الذي يرى لنفسه. 100 - وقال عليه السلام: من زين الايمان الفقه، ومن زين الفقه الحلم، ومن زين الحلم الرفق، ومن زين الرفق اللين، ومن زين اللين السهولة. 101 - وقال عليه السلام: من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرات فلم يقل فيك مكروها فأعده لنفسك. 102 - وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان ليس فيه شئ أعز من أخ أنيس وكسب درهم حلال. 103 - وقال عليه السلام: من وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده (3) وكل حديث جاوز اثنين فاش (4) وضع أمر أخيك على أحسنه، ولا تطلبن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا. وعليك بإخوان الصدق، فإنهم عدة عند الرخاء (5) وجنة


(1) السمت: الطريق والمحجة. وأيضا. هيئة أهل الخير وهى المراد هنا أي السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة. يقال: فلان حسن - السمت أي حسن المذهب في الامور كلها. (2) أي ليس هو وحده بل هو كثير بأخيه. (3) الخيرة - بفتح فسكون أو بكسر ففتح -: الاختيار. (4) قال الشاعر: كل سر جاوز الاثنين شاع * كل علم ليس في القرطاس ضاع (5) العدة - بالضم -: الاستعداد وما أعددته أي هيأته للحوادث والنوائب و - بالفتح -: الجماعة.

[252]

عند البلاء، وشاور في حديثك الذين يخافون الله، وأحبب الاخوان على قدر التقوى، واتق شرار النساء وكن من خيارهن على حذر، وإن أمرنكم بالمعروف فخالفوهن حتى لا يطمعن منكم في المنكر. 104 - وقال عليه السلام: المنافق إذا حدث عن الله وعن رسوله كذب، وإذا وعد الله ورسوله أخلف. وإذا ملك خان الله ورسوله في ماله، وذلك قول الله عزوجل: " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (1) " وقوله: وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (2) ". 105 - وقال عليه السلام: كفى بالمرء خزيا أن يلبس ثوبا يشهره (3). أو يركب دابة مشهورة، قلت: وما الدابة المشهورة ؟ قال: البلقاء (4). 106 - وقال عليه السلام: لا يبلغ أحدكم حقيقة الايمان حتى يحب أبعد الخلق منه في الله، ويبغض أقرب الخلق منه في الله. 107 - وقال عليه السلام: من أنعم الله عليه نعمة فعرفها بقلبه وعلم أن المنعم عليه الله فقد أدى شكرها، وإن لم يحرك لسانه، ومن علم أن المعاقب على الذنوب الله فقد استغفر، وإن لم يحرك به لسانه، وقرأ: " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه - الاية - " (5). 108 - وقال عليه السلام: خصلتين مهلكتين (6): تفتي الناس برأيك أو تدين بما لا تعلم.


(1) التوبة: 78. (2) الانفال: 72. (3) في بعض النسخ " لشهرة ". (4) البلقاء: مؤنث الابلق - كحمراء وأحمر -: الذى كان في لونه سواد وبياض. (5) البقرة: 284. (6) كذا. تقدير الكلام: اتق خصلتين.

[253]

109 - وقال عليه السلام لابي بصير (1): يا أبا محمد لا تفتش الناس عن أديانهم فتبقى بلا صديق. 110 - وقال عليه السلام: الصفح الجميل أن لا تعاقب على الذنب، والصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى. 111 - قال عليه السلام: أربع من كن فيه كان مؤمنا وإن كان من قرنه إلى قدمه ذنوبا: الصدق والحياء: وحسن الخلق، والشكر. 112 - وقال عليه السلام: لا تكون مؤمنا حتى تكون خائفا راجيا، ولا تكون خائفا راجيا حتى تكون عاملا لما تخاف وترجو. 113 - وقال عليه السلام: ليس الايمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن الايمان ما خلص في القلوب وصدقته الاعمال. 114 - وقال عليه السلام: إذا زاد الرجل على على الثلاثين فهو كهل. وإذا زاد على الاربعين فهو شيخ. 115 - وقال عليه السلام: الناس في التوحيد على ثلاثة أوجه: مثبت وناف ومشبه، فالنافي مبطل والمثبت مؤمن. والمشبه مشرك. 116 - وقال عليه السلام: الايمان إقرار وعمل ونية. والاسلام إقرار وعمل (2). 117 - وقال عليه السلام لا تذهب الحشمة (3) بينك وبين أخيك وابق منها، فإن ذهاب الحشمة ذهاب الحياء، وبقاء الحشمة بقاء المودة.


(1) هو يحيى بن أبى القاسم اسحاق الاسدي الكوفى المكنى بابى بصير وأبى محمد المتوفى سنة 150 امامى ثقة عدل من أصحاب الاجماع ومن خواص أصحاب الباقرين عليهما السلام، وقد أفرد جماعة من العلماء رسالة في ترجمته واطال الكلام فيه صاحب تنقيح المقال وقيل: هو خال شعيب العقرقوفى. (2) المراد بالنية: الاخلاص والاقرار بالقلب. (3) الحشمة: الحياء. الانقباض. الغضب. واحتشم: غضب، انقبض، استحيا.

[254]

118 - وقال عليه السلام: من احتشم أخاه حرمت وصلته. ومن اغتمه سقطت حرمته. 119 - وقيل له: خلوت بالعقيق (1) وتعجلت الوحدة. فقال عليه السلام: لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت من نفسك. ثم قال عليه السلام: أقل ما يجد العبد في الوحدة من مداراة الناس (2). 120 - وقال عليه السلام: ما فتح الله على عبد بابا من الدنيا إلا فتح عليه من الحرص مثليه (3). 121 - وقال عليه السلام: المؤمن في الدنيا غريب، لا يجزع من ذلها، ولا يتنافس أهلها في عزها. 122 - وقيل له: أين طريق الراحة ؟ فقال عليه السلام: في خلاف الهوى، قيل: فمتى يجد الراحة ؟ فقال عليه السلام: عند أول يوم يصير في الجنة. 123 - وقال عليه السلام: لا يجمع الله لمنافق ولا فاسق حسن السمت والفقه وحسن الخلق أبدا. 124 - وقال عليه السلام: طعم الماء الحياة، وطعم الخبز القوة، وضعف البدن وقوته من شحم الكليتين (4). وموضع العقل الدماغ. والقسوة والرقة في القلب.


(1) خلا به يخلو خلوة وخلوا وخلاء: اجتمع معه على خلوة. وخلا الرجل بنفسه: انفرد. والعقيق: خرز أحمر والواحدة العقيقة. وفى بعض النسخ " العفيفة ". ولعل المراد بها امرأة الرجل وهى كناية عن الوحدة والانزواء. أي انك مقيم في بيتك ولم تخرج إلى الناس. (2) كذا. والظاهر سقطت كلمة " الراحة " قبل " من ". (3) حرص على حفظ ما ناله وحرص على الزيادة. (4) أي منوطة به. وفى الحديث " لا يستلقين أحدكم في الحمام فانه يذيب شحم الكليتين ". وفى حديث آخر " ادمانه كل يوم يذيب شحم الكليتين ". مكارم الاخلاق.

[255]

125 - وقال عليه السلام: الحسد حسدان: حسد: فتنة وحسد غفلة، فأما حسد الغفلة فكما قالت الملائكة حين قال الله: " إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيما من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك (1) " أي اجعل ذلك الخليفة منا ولم يقولوا، حسدا لادم من جهة الفتنة والرد والجحود. والحسد الثاني الذي يصير به العبد إلى الكفر والشرك فهو حسد إبليس في رده على الله وإبائه عن السجود لادم عليه السلام. 126 - وقال عليه السلام: الناس في القدرة على ثلاثة أوجه: رجل يزعم أن الامر مفوض إليه فقد وهن الله في سلطانه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله أجبر العباد على المعاصي وكلفهم ما لا يطيقون، فقد ظلم الله في حكمه فهو هالك. ورجل يزعم أن الله كلف العباد ما يطيقونه ولم يكلفهم مالا يطيقونه، فإذا أحسن حمد الله وإذا أساء استغفر الله فهذا مسلم بالغ. 127 - وقال عليه السلام: المشي المستعجل يذهب ببهاء المؤمن ويطفئ نوره. 128 - وقال عليه السلام: إن الله يبغض الغني الظلوم. 129 - وقال عليه السلام: الغضب ممحقة لقلب الحكيم، ومن لم يملك غضبه لم يملك عقله. 130 - وقال الفضيل بن العياض (2): قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أتدري من


(1) سورة البقرة: 28. (2) هو أبو على الفضل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي الفندينى الزاهد الصوفى المشهور أحد رجال الطريقة ولد بأبيورد من بلا خراسان وقيل: بسمرقند ونشأ بأبيورد من أصحاب الصادق عليه السلام ثقه عظيم المنزلة قيل: لكنه عامى. وحكى أنه كان في أول أمره شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو يرتقى الجدران إليها سمع تاليا يتلو: " ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ". فقال: يا رب قد آن، فرجع وأوى الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة فقال بعضهم: نرتحل وقال بعضهم حتى نصبح فان فضيلا على الطريق يقطع علينا فتاب الفضيل وآمنهم فصار من كبار - - - - -

[256]

الشحيح ؟ قلت: هو البخيل، فقال عليه السلام: الشح أشد من البخل، إن البخيل يبخل بما في يده والشحيح يشح على ما في أيدي الناس وعلى ما في يده، حتى لا يرى في أيدي الناس شيئا إلا تمنى أن يكون له بالحل والحرام، لا يشبع ولا يننفع بما رزقه الله. 131 - وقال عليه السلام: إن البخيل من كسب مالا من غير حله، وأنفقه في غير حقه. 132 - وقال عليه السلام لبعض شيعته: ما بال أخيك يشكوك ؟ فقال: يشكوني أن استقصيت عليه حقي. فجلس عليه السلام مغضبا ثم قال: كأنك إذا استقصيت عليه حقك لم تسئ، أرأيتك ما حكى الله عن قوم يخافون سوء الحساب، أخافوا أن يجور الله عليهم ؟ لا. ولكن خافوا الاستقصاء فسماه الله سوء الحساب. فمن استقصى فقد أساء. 133 - وقال عليه السلام: كثرة السحت يمحق الرزق (1). 134 - وقال عليه السلام سوء الخلق نكد (2).


- - - - السادات، قدم الكوفة وسمع الحدث بها، ثم انتقل إلى مكة وجاور بها إلى أن مات في المحرم سنة 187 وقبره بها. وله كلمات ومواعظ مشهورة وكان له ولدا يسعى بعلى الفضيل وهو أفضل من أبيه في الزهد والعبادة فكان شابا سربا من كبار الصالحين وهو معدود من الذين قتلهم محبة الله فلم يتمتع بحياته كثيرا وذلك انه كان يوما في المسجد الحرام واقعا بقرب ماء زمزم فسمع قارئا يقرأ: " وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الاصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار " فصعق ومات. (1) " السحت " - بالضم -: المال الحرام وكل ما لا يحل كسبه. وفى بعض النسخ " الصخب " وفى بعضها " السخب " والسخب والصخب - بالتحريك -: الصيحة واضطراب الاصوات. (2) نكد العيش - كعلم -: اشتد وعسر. - والرجل: ضاق خلقه، وضد يسر وسهل، فهو نكد - بسكون الكاف وفتحها وكسرها - أي شؤم عسر. - وبالضم -: قيل الخير والعطاء.

[257]

135 - وقال عليه السلام: إن الايمان فوق الاسلام بدرجة والتقوى فوق الايمان بدرجة وبعضه من بعض (1)، فقد يكون المؤمن في لسانه بعض الشئ الذي لم يعد الله عليه النار وقال الله: " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (2) " ويكون الاخر وهو الفهم لسانا (3) وهو أشد لقاء للذنوب وكلاهما مؤمن. واليقين فوق التقوى بدرجة. ولم يقسم (4) بين الناس شي أشد من اليقين. إن بعض الناس أشد يقينا من بعض وهم مؤمنون وبعضهم أصبر من بعض على المصيبة وعلى الفقر وعلى المرض وعلى الخوف وذلك من اليقين. 136 - وقال عليه السلام: إن الغنى والعز يجولان، فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطناه (5). 137 - وقال عليه السلام: حسن الخلق من الدين وهو يزيد في الرزق. 138 - وقال عليه السلام: الخلق خلقان أحدهما نية والاخر سجية. قيل: فأيهما أفضل ؟ قال عليه السلام: النية، لان صاحب السجية مجبول على أمر لا يستطيع غيره، وصاحب النية يتصبر على الطاعة تصبرا فهذا أفضل. 139 - وقال عليه السلام: إن سرعة ائتلاف قلوب الابرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم كسرعة اختلاط ماء السماء بماء الانهار. وإن بعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا وإن أظهرا التودد بألسنتهم كبعد البهائهم من التعاطف


(1) أي ان الايمان بعضه فوق بعض وبعضه أعلى درجة من بعض فالايمان ذو مراتب. (2) النساء 35. (3) الفهم - ككتف -: السريع الفهم ولعل المراد لممه فيكون الاخر أشد لما من غيره من جهة اللسان. (4) في بعض النسخ " ولم يقم ". وفى الكافي " وما قسم في الناس شئ أقل من اليقين ". (5) أوطناه أي اتخذاه وطنا وأقاما فيه.

[258]

وإن طال اعتلافها (1) على مذود واحد (2). 140 - وقال عليه السلام: السخي الكريم الذي ينفق ماله في حق الله. 141 - وقال عليه السلام: يا أهل الايمان ومحل الكتمان تفكروا وتذكروا عند غفلة الساهين. 142 - قال المفضل بن عمر (3)، سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحسب ؟ فقال عليه السلام: المال. قلت: فالكرم ؟ قال عليه السلام: التقوى. قلت: فالسؤدد (4) قال عليه السلام: السخاء ويحك أما رأيت حاتم طي (5) كيف ساد قومه وما كان بأجودهم موضعا (6). 143 - وقال عليه السلام: المروة مروتان: مروة الحضر ومروة السفر، فأما مروة الحضر فتلاوة القرآن، وحضور المساجد، وصحبة أهل الخير، والنظر في التفقه. وأما مروة السفر: فبذل الزاد، والمزاح في غير ما يسخط الله وقلة الخلاف على من صحبك وترك الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم. 144 - وقال عليه السلام: اعلم أن ضارب علي عليه السلام بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلت ذلك منه لاديت إليه الامانة. 145 - وقال سفيان: قلت لابي عبد الله عليه السلام: يجوز أن يزكي الرجل نفسه ؟ قال: نعم إذا اضطر إليه، أما سمعت قول يوسف: " اجعلني على خزائن الارض


(1) اعتلفت الدابة: أكلت. (2) المذود - كمنبر -: معتلف الدواب. (3) هو المفضل من عمر المعروف الذى تقدم ذكره ص 250. (4) السؤدد - أحد مصادر ساد يسود -: يعنى الشرف والمجد. (5) هو حاتم بن عبد الله الطائى كان جوادا يضرب به المثل في الجود وكان شجاعا شاعرا. وأخبار حاتم مذكورة في الاغانى وعقد الفريد والمستطرف وغيرها: وابنه عدى بن حاتم كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وخواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وترجمة حالاته وقصته وكلامه في محضر معاوية بعد فوت على عليه السلام مشهورة ومذكورة في السير والتواريخ. (6) أي لا يكون موضعه جيدا من جهة الحسب النسب.

[259]

إني حفيظ عليم (1) " وقول العبد الصالح: " أنا لكم ناصح أمين (2) ". 146 - وقال عليه السلام: أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود تريد واريد، فإن اكتفيت بما اريد مما تريد كفيتك ما تريد. وإن أبيت إلا ما تريد أتعبتك فيما تريد وكان ما اريد. 147 - قال محمد بن قيس (3) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الفئتين يلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح ؟ فقال عليه السلام، بعهما ما يكنهما الدرع والخفتان (4) والبيضة ونحو ذلك. 148 - وقال عليه السلام: أربع لا تجري في أربع: الخيانة والغلول والسرقة والرياء، لا تجري في حج ولا عمرة ولا جهاد ولا صدقة. 149 - وقال عليه السلام: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي الايمان إلا أهل صفوته من خلقه. 150 - وقال عليه السلام: من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال. 151 - قيل له: ما كان في وصية لقمان ؟ فقال عليه السلام: كان فيها الاعاجيب وكان من أعجب ما فيها أن قال لابنه: خف الله خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك


(1) يوسف: 55. والظاهر أن سفيان هو سفيان الثوري المعروف الذى تقدم آنفا. (2) الاعراف: 66. (3) محمد بن قيس في أصحاب الصادق عليه السلام مشترك بين محمد بن قيس البجلى الثقة صاحب كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام، ومحمد بن قيس الاسدي من فقهاء الصادقين عليهما السلام واعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاحكام - و هم أصحاب الاصول المدونة والمصنفات المشهورة - ومحمد بن قيس أبى نصر الاسدي الكوفى وجه من وجوه العرب بالكوفة وكان خصيصا بعمر بن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد الملك، و كان أحدهما أنفذه إلى بلد الروم في فداء المسلمين وله أيضا كتاب. (4) الخفتان - بالفتح -: ضرب من الثياب. دخيل.

[260]

وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من مؤمن إلا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا. 152 - قال أبو بصير: (1) سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الايمان ؟ فقال عليه السلام: الايمان بالله أن لا يعصي، قلت: فما الاسلام ؟ فقال عليه السلام: من نسك نسكنا وذبح ذبيحتنا. 153 - وقال عليه السلام: لا يتكلم أحد بكلمة هدى فيؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها. ولا يتكلم بكلمة ضلالة فيؤخذ بها إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها. 154 - وقيل له: إن النصارى يقولون: إن ليلة الميلاد في أربعة وعشرين من كانون فقال: كذبوا، بل في النصف من حزيران ويستوي الليل والنهار في النصف من أزار (2). 155 - وقال عليه السلام: كان إسماعيل أكبر من إسحاق بخمس سنين. وكان الذبيح إسماعيل عليه السلام أما سمع قول إبراهيم عليه السلام: " رب هب لي من الصالحين (3) " إنما سأل ربه أن يرزقه غلاما من الصالحين فقال في سورة الصافات: " فبشرناه بغلام حليم (4) " يعني إسماعيل، ثم قال: " وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين (5) ". فمن زعم أن إسحاق أكبر من إسماعيل فقد كذب بما أنزل الله من القرآن. 156 - وقال عليه السلام: أربعة من أخلاق الانبياء عليهم السلام: البر والسخاء والصبر على النائبة والقيام بحق المؤمن.


(1) هو يحيى بن أبى القاسم الذى مر ترجمته آنفا. (2) لاستاذنا العلامة الميرزا أبو الحسن الشعرانى هنا تحقيق راجع شرح اصول الكافي للمولى صالح المازندرانى ج 4 ص 351. (3) الصافات: 98. (4) الصافات: 99. (5) الصافات: 112.

[261]

157 - وقال عليه السلام: لا تعدن مصيبة اعطيت عليها الصبر واستوجبت عليها من الله ثوابا بمصيبة، إنما المصيبة أن يحرم صاحبها أجرها وثوابها إذا لم يصبر عند نزولها. 158 - وقال عليه السلام: إن لله عبادا من خلقه في أرضه يفزع إليهم في حوائج الدنيا والاخرة، اولئك هم المؤمنون حقا، آمنون يوم القيامة. ألا وإن أحب المؤمنين إلى الله من أعان المؤمن الفقير من الفقر في دنياه ومعاشه، ومن أعان ونفع ودفع المكروه عن المؤمنين. 159 - وقال عليه السلام: إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب، فصلوا إخوانكم وبروا إخوانكم، ولو بحسن السلام ورد الجواب. 160 - قال سفيان الثوري: دخلت على الصادق عليه السلام فقلت له: أوصني بوصية أحفظها من بعدك ؟ قال عليه السلام: وتحفظ يا سفيان ؟ قلت: أجل يا ابن بنت رسول الله، قال عليه السلام يا سفيان: لا مروة لكذوب، ولا راحة لحسود، ولا إخاء لملوك، ولا خلة لمختال. ولا سؤدد لسيئ الخلق (1) ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني ؟ فقال عليه السلام: يا سفيان ثق بالله تكن عارفا. وارض بما قسمه لك تكن غنيا. صاحب بمثل ما يصاحبونك به تزدد إيمانا. ولا تصاحب الفاجر فيعلمك من فجوره. وشاور في أمرك الذين يخشون الله عزوجل. ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني ؟ فقال عليه السلام: يا سفيان من أراد عزا بلا سلطان وكثرة بلا إخوان وهيبة بلا مال فلينتقل من ذل معاصي الله إلى عز طاعته. ثم أمسك عليه السلام فقلت: يا ابن بنت رسول الله زدني ؟ فقال عليه السلام: يا سفيان أدبني أبي عليه السلام بثلاث ونهاني عن ثلاث: فأما اللواتي أدبني بهن فانه قال لي: يا بني من يصحب صاحب السوء لا يسلم. ومن لا يقيد ألفاظه يندم، ومن يدخل مداخل السوء يتهم. قلت: يا ابن بنت رسول الله فما الثلاث اللواتي نهاك عنهن ؟ قال عليه السلام: نهاني أن اصحاب حاسد نعمة، وشامتا بمصيبة، أو حامل نميمة.


(1) وفى بعض النسخ " لختال ". والسودد والسؤدد: الشرف والمجد.

[262]

161 - وقال عليه السلام: ستة لا تكون في مؤمن: العسر. والنكد (1) والحسد واللجاجة، والكذب. والبغي. 162 - وقال عليه السلام: المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع الله فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلا خائفا، ولا يمسي إلا خائفا، ولا يصلحه إلا الخوف. 163 - وقال عليه السلام: من رضي بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته، وزكت مكتسبه، وخرج من حد العجز. 164 - وقال سفيان الثوري: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: كيف أصبحت يا ابن رسول الله ؟ فقال عليه السلام: والله إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب فقلت له: وما أحزنك ؟ وما شغل قلبك ؟ فقال عليه السلام لي: يا ثوري إنه من داخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه. يا ثوري ما الدنيا ؟ وما عسى أن تكون ؟ هل الدنيا إلا أكل أكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الاخرة. دار الدنيا دار زوال ودار الاخرة دار قرار أهل الدنيا أهل غفلة. إن أهل التقوى أخف أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكروك أعلموك، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته فارتحلت عنه، أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شئ منه. فكم من حريص على أمر قد شقى به حين أتاه. وكم من تارك لامر قد سعد به حين أتاه. 165 - وقيل له: ما الدليل على الواحد ؟ فقال عليه السلام: ما بالخلق من الحاجة. 166 - وقال عليه السلام: لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة.


(1) عسر الرجل: ضاق خلقه، وضد يسر وسهل. والنكد - بفتح وضم -: قليل الخير والعطاء. وقد مر.

[263]

167 - وقال عليه السلام: المال أربعة آلاف. واثنا عشر ألف درهم كنز. ولم يجتمع عشرون ألفا من حلال. وصاحب الثلاثين ألفا هالك. وليس من شيعتنا من يملك مائة ألف درهم. 168 - وقال عليه السلام: من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله. ولا يحمدهم على ما رزق الله. ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فإن رزقه (1) لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كره كاره. ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه قبل موته كما يدركه الموت. 169 - وقال عليه السلام: من شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولاشحنه اذنه (2) ولا يمتدح بنا معلنا (3). ولا يواصل لنا مغضبا. ولا يخاصم لنا وليا ولا يجالس لنا عائبا. قال له مهزم (4): فيكف أصنع بهؤلاء المتشيعة ؟ (5) قال عليه السلام: فيهم التمحيص وفيهم التمييز وفيهم التنزيل (6) تأتي عليهم سنون تفنيهم وطاعون يقتلهم واختلاف يبددهم. شيعتنا من لا يهر هرير الكلب (7) ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل وإن مات جوعا. قلت: فأين أطلب هؤلاء ؟ قال عليه السلام: اطلبهم في أطراف الارض


(1) مروى في الكافي ج 2 ص 57 وفيه " فان الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهية كاره ". (2) كذا. وفى الكافي " ولا شحناؤه بدنه ". (3) في بعض نسخ المصدر " ولا يمتدح بمعاملنا ". قوله: " ولا يواصل لنا مغضبا " أي لا يواصل عدونا. (4) هو مهزم بن أبى برزة الاسدي الكوفى كان من أصحاب الباقر والصادق والكاظم عليهما السلام. (5) في بعض نسخ المصدر " الشيعة ". (6) التمحيص: الاختبار والامتحان. وفيهم التنزيل أي نزول البلية والعذب، وفى الكافي " وفيهم التبديل " والسنون: جمع سنة أي القحط والجدب. (7) الهرير: صوت الكلب دون نباحه من قلة صبره على البرد.

[264]

اولئك الخفيض عيشهم (1) المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا وإن مرضوا لم يعادوا. وإن خطبوا لم يزوجوا. وإن رأوا منكرا أنكروا. وإن خاطبهم جاهل سلموا، وإن لجأ إليهم ذو الحاجة منهم رحموا. وعند الموت هم لا يحزنون. لم تختلف قلوبهم وإن رأيتهم اختلفت بهم البلدان. 170 - وقال عليه السلام: من أراد أن يطول الله عمره فليقم أمره. ومن أراد أن يحط وزره فليرخ ستره (2). ومن أراد أن يرفع ذكره فليخمل أمره (3). 171 - وقال عليه السلام: ثلاث خصال هن أشد ما عمل به العبد: إنصاف المؤمن من نفسه، ومواساة المرء لاخيه، وذكر الله على كل حال، قيل له: فما معنى ذكر الله على كل حال ؟ قال عليه السلام: يذكر الله عند كل معصية يهم بها فيحول بينه وبين المعصية. 172 - وقال عليه السلام، الهمز زيادة في القرآن (4).


(1) خفض العيش: دناءته، أي القليل المكفى. (2) أرخى الستر: أرسله وأسدله. والمراد بالستر الحياء والخوف. (3) أخمله: جعله خاملا أي خفيا، مستورا. وفى بعض نسخ المصدر " فليحمل " وفى بعضها " فليجمل " (4) في رجال النجاشي في ترجمة أبان بن تغلب عن محمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ قال: سمعت أبان بن تغلب - وما رأيت أحدا أقرأ منه - قد يقول: " انما الهمز رياضة " وذكر قراءته - إلى آخر كلامه. وذكر بعض العلماء في الهامش: قد فصل في كتب الصرف أن العرب قد اختلف في كيفية التكلم بالهمزة فالقريش وأكثر أهل الحجاز خففها لانها أدخل حروف الحلق ولها نبرة كريهة يجرى مجرى التهوع فثقلت بذلك على اللافظ، وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " ينزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأهل نبر - أي همز - ولولا أن جبرئيل نزل بالهمزة على النبي صلى الله عليه وآله ما همزنا " وأما باقى العرب كتميم وقيس حققها قياسا لها على سائر الحروف. وقول أبان هذا " انما الهمز رياضة " اختيار منه - ره - لغة قريش على غيرها يقول: انما الهمز أي التكلم بها والافصاح عنها مشقة ورياضة بلا ثمر فلابد فيها من التخفيف. انتهى.

[265]

173 - وقال عليه السلام: إياكم (1) والمزاح، فانه يجر السخيمة ويورث الضغينة وهو السب الاصعر. 174 - وقال الحسن بن راشد (2): قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف ولكن اذكرها لبعض إخوانك، فانك لن تعدم خصلة من أربع خصال: إما كفاية، وإما معونة بجاه، أو دعوة مستجابة: أو مشورة برأي. 175 - وقال عليه السلام: لا تكونن دوارا في الاسواق ولا تكن شراء دقائق الاشياء بنفسك، فإنه يكره للمرء ذي الحسب والدين أن يلي دقائق الاشياء بنفسه (3) إلا في ثلاثة أشياء: شراء العقار والرقيق والابل. 176 - وقال عليه السلام: لا تكلم بما لا يعنيك، ودع كثيرا من الكلام فيما يعنيك حتى تجد له موضعا. فرب متكلم تكلم بالحق بما يعنيه في غير موضعه فتعب، ولا تمارين سفيها ولا حليما، فان الحليم يغلبك والسفيه يرديك، واذكر أخاك إذا تغيب بأحسن ما تحب أن يذكرك به إذا تغيبت عنه، فان هذا هو العمل، واعمل عمل من يعلم أنه مجزي بالاحسان مأخوذ بالاجرام. 177 - وقال له يونس (4): لولائي لكم وما عرفني الله من حقكم أحب


(1) وفى بعض النسخ " اياك ". (2) هو الحسن بن راشد مولى بنى العباس بغدادي كوفى من أصحاب الصادق عليه السلام وأدرك الكاظم عليه السلام وروى عنه أيضا. ويمكن أن يكون هو حسن بن راشد الطفاوى من أصحاب الصادق عليه السلام يروى عن الضعفاء له، كتاب نوادر، كثير العلم. (3) دقائق الاشياء: محقراتها. والعقار: الضيعة، المتاع، وكل ما له أصل وقرار. والعقار في الاحاديث كل ملك ثابت له أصل كالارض والضياع والنخل. والرقيق: المملوك للذكر والانثى. (4) الظاهر أنه أبو على يونس بن يعقوب بن قيس البجلى الكوفى من أصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، ثقة معتمد عليه من أصحاب الاصول المدونة ومن أعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والاحكام والفتيا وله كتاب وكان يتوكل لابي الحسن عليه السلام - - - - (*)

[266]

إلي من الدنيا بحذافيرها. قال يونس: فتبينت الغضب فيه، ثم قال عليه السلام: يا يونس قستنا بغير قياس ما الدنيا وما فيها هل هي إلا سد فورة، أو ستر، عورة وأنت لك بمحبتنا الحياة الدائمة. 178 - وقال عليه السلام: يا شيعة آل محمد إنه ليس منا من لم يملك نفسه عند الغضب، ولم يحسن صحبة من صحبه، ومرافقة من رافقه، ومصالحة من صالحه، و مخالفة من خالفه. يا شيعة آل محمد اتقوا الله ما استطعتم ولا حول ولا قوة إلا بالله. 179 - وقال عبدالاعلي (1): كنت في حلقة بالمدينة فذكروا الجود فأكثروا فقال رجل منهم يكنى أبا دلين: إن جعفرا وإنه لولا أنه - ضم يده -. فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: تجالس أهل المدينة ؟ قلت: نعم، قال عليه السلام: فما حدثت بلغني فقصصت عليه الحديث، فقال عليه السلام: ويح أبي دلين إنما مثله مثل الريشة تمر بها الريح فتطيرها (2) ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل معروف صدقة وأفضل


- - - - امه منية بنت عمار بن أبى معاوية الدهنى اخت معاوية بن عمار - مات رحمه الله في أيام الرضا عليه السلام بالمدينة وبعث إليه أبو الحسن الرضا عليه السلام بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه. (1) هو عبد الاعلى مولى آل سام من أصحاب الصادق عليه السلام وأنه اذن له في الكلام لانه يقع ويطير، وقد تضمن عدة اخبار أنه عليه السلام دعاه إلى الاكل معه من طعامه المعتاد ومن طعام اهدى له. ويمكن أن يكون الراوى هو عبد الاعلى بن أعين العجلى مولاهم الكوفى من أصحاب الصادق عليه السلام. وقيل باتحادهما. (2) الريشة: واحدة الريش وهو للطائر بمنزلة الشعر لغيره. ولعل المراد أنه في خفته كالريشة تتبع كل ناعق وتميل مع كل ريح وهو لم يستضئ بنور العلم الحقيقي ولم يلجأ إلى ركن وثيق. وأبو دلين في بعض النسخ " أبا دكين " - بالتصغير - والصحيح ابن دكين وهو فضل بن دكين المكنى بأبى نعيم كان من أكابر محدثي قدماء الاسلام وروى عنه كلا الطائفتين ولد سنة 130 وقدم بغداد فنزل الرميلة وهى محلة بها فاجتمع - - - - -

[267]

الصدقة صدقة عن ظهر غنى (1) وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من السفلى. ولا يلوم الله على الكفاف، أتظنون أن الله بخيل وترون أن شيئا أجود من الله إن الجواد السيد من وضع حق الله موضعه. وليس الجواد من يأخذ المال من غير حله ويضع في غير حقه، أما والله إني لارجو أن ألقى الله ولم أتناول ما لا يحل بي وما ورد علي حق الله إلا أمضيته، وما بت ليلة قط ولله في مالي حق لم أرده. 180 - وقال عليه السلام: لارضاع بعد فطام (2) ولا وصال في صيام، ولا يتم بعد احتلام، ولاصمت يوم إلى الليل، ولا تعرب بعد الهجرة، (3) ولا هجرة بعد -


- - - - - الهجرة التارك لهذا الامر بعد معرفته ". فلا يعبد أن يراد بالكلام معنى عاما يشمل إليه أصحاب الحديث ونصبوا له كرسيا صعد عليه وأخذ يعظ الناس ويذكرهم ويروى لهم الاحاديث وتوفى بالكوفة سنة 210. (1) قال الجزرى: وفيه خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى أي ما كان عفوا قد فضل عن غنى، وقيل: أراد ما فضل عن العيال والظهر قد يزاد في مثل هذا اشباعا للكلام وتمكينا، كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوى من المال. انتهى. مثله: " خير الصدقة ما أبقيت غنى " أي أبقيت بعدها لك ولعيالك غنى والمراد نفس الغنى لكنه اضيف للايضاح والبيان كما قيل: ظهر الغيب والمراد نفس الغيب فالاضافة بيانية طلبا للتأكيد كما في حق اليقين ودار الاخرة. والمراد باليد العليا: المعطية المتعففة. واليد السفلى: المانعة أو السائلة. (2) أي كل طفل شرب اللبن بعد فصله عن الرضاع من امرأة اخرى لم ينشر ذلك الرضاع الحرمة، لانه رضاع بعد فطام. " ولا وصال في صيام " أي يحرم ذلك الصوم فلا يجوز. " ولا يتم بعد احتلام " أي لا يطلق اليتيم على الصبى الذى فقد أباه إذا احتلم وبلغ واليتم - بفتح وضم -: مصدر يتم ييتم فهو يتيم. " ولا صمت يوم إلى الليل " أي ليس صومه صوما ولا يكون مشروعا فلا فضيلة له وفى الحديث " صوم الصمت حرام ". (3) " لا تعرب بعد الهجرة " أي يحرم الالتحاق ببلاد الكفر والاقامة فيها من غير عذر، وفى الخبر " من الكفر التعرب بعد الهجرة ". وروى أيضا " أن المتعرب بعد - - - -

[268]

الفتح، ولا طلاق قبل النكاح، ولاعتق قبل ملك، ولا يمين لولد مع والده (1) ولا للمموك مع مولاه، ولا للمرأة مع زوجها، ولا نذر في معصية، ولا يمين في قطيعة. 181 - وقال عليه السلام: ليس من أحد - وإن ساعدته الامور - بمستخلص غضارة عيش (2) إلا من خلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء (3) سلبته الايام فرصته لان من شأن الايام السلب، وسبيل الزمن الفوت. 182 - وقال عليه السلام: المعروف زكاة النعم، والشفاعة زكاة الجاه، والعلل زكاة الابدان، والعفو زكاة الظفر، وما اديت زكاته فهو مأمون السلب. 183 - وكان عليه السلام يقول عند المصيبة: " الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني والحمد لله الذي لو شاء أن تكون مصيبتي أعظم مما كانت [كانت] والحمد لله على الامر الذي شاء أن يكون وكان ".


- - - - - كل مورد بحسب الزمان والمقام. ولذا قيل: " التعرب بعد الهجرة في زماننا هذا أن يشتغل الانسان بتحصيل العلم ثم يتركه ويصير منه غريبا ". ولعل المراد بالفتح فتح مكة أو مطلق الفتح فيراد به معنى عاما (1) لعل المراد به نفى الصحة فلا ينعقد من الاصل كما يمكن أن يراد بها نفى اللزوم فينعقد الا أنه لا يلزم (2) الغضارة - بالفتح -: طيب العيش يقال: انهم لفى غضارة من العيش أي في خير وخصب - من غضر غضارة -: أخصب، طاب عيشه، كثر ماله. " من خلال مكروه " بفتح الخاء أي المكروهات. وخلال الديار بالكسر: ما بين بيوتها أو ما حوالى حدودها. ولعل المراد ان النيل بغضارة العيش لكل احد لا تحصل الا بعد التعب والمشقة. (3) لعل المراد ان من وجد الفرصة ولم يستقدمها وينتظر زمنا حتى يستوفى من المطلوب بنحو أتم ذهبت هذه الفرصة أيضا ولم ينل بشئ من المطلوب أبدا.

[269]

184 - وقال عليه السلام: يقول الله: من استنقذ حيرانا من حيرته سميته حميدا وأسكنته جنتي (1). 185 - وقال عليه السلام: إذا أقبلت دنيا قوم كسوا محاسن غيرهم، وإذا أدبرت سلبوا محاسن أنفسهم. 186 - وقال عليه السلام: البنات حسنات والبنون نعم، فالحسنات تثاب عليهن والنعمة تسال عنها. 109 - ف (2): ومن حكمه عليه السلام لا يصلح من لا يعقل (3) ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من يفهم، ويظفر من يحلم، والعلم جنة، والصدق عز، والجهل ذل، و الفهم مجد (4) والجود نجح، وحسن الخلق مجلبة للمودة، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس (5) والحزم مشكاة الظن (6) والله ولي من عرفه وعدو من تكلفه والعاقل غفور والجاهل ختور (7)، وإن شئت أن تكرم فلن، وأن شئت أن تهان فاخشن، ومن كرم أصله لان قلبه، ومن خشن عنصره غلظ كبده (8) ومن فرط تورط (9) ومن خاف العاقبة تثبت فيها لا يعلم، ومن هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه (10)، ومن لم يعلم لم يفهم، ومن لم يفهم لم يسلم، ومن لم يسلم لم يكرم ومن لم يكرم تهضم، ومن تهضم كان ألوم (11) ومن كان كذلك كان أحرى أن


(1) في بعض نسخ المصدر " اسميه "، قوله: " حميدا ". وفى بعض النسخ: " جهيدا " ويمكن أن يقرأ " جهبذأ ". (2) التحف: 356. (3) رواها الكليني في الكافي ج 1 ص 26 وفيه " لا يفلح من لا يعقل ". (4) المجد: العز والرفعة. والنجح: الفوز والظفر. (5) اللبس - بالفتح -: الشبهة، أي لا تدخل عليه الشبهات. (6) المشكاة: كوة غير نافذة، وأيضا: ما يوضع فيها المصباح. وفى الكافي " والحزم مساءة الظن " والمساءة مصدر ميمى. (7) ختر - كضرب ونصر - ختورا: خبث وفسد. والختر: الغدر والخديعة. (8) العنصر: الاصل. " وغلظ كبده " أي قسا قلبه. (9) أي من قصر في طلب الحق وفعل الطاعات أوقع نفسه في ورطات المهالك. (10) أي ذل نفسه. (11) تهضم من باب التفعيل. وفى بعض النسخ " يهضم " في الموضعين أي يظلم ويغضب.

[270]

يندم، إن قدرت أن لا تعرف فافعل، وما عليك إذا لم يثن الناس عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا، إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: " لا خير في الحيادة إلا لاحد رجلين: رجل يزداد كل يوم فيها إحسانا ورجل يتدارك منيته بالتوبة (1) ". إن قدرت أن لا تخرج من بيتك فافعل وإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن. صومعة المسلم بيته، يحبس فيه نفسه وبصره ولسانه وفرجه. إن من عرف نعمة الله بقلبه استوجب المزيد من الله قبل أن يظهر شكرها على لسانه. ثم قال عليه السلام: كم من مغرور بما أنعم الله عليه، وكم من مستدرج بستر الله عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه. إني لاجور النجاة لمن عرف حقنا من هذه الامة إلا [ل‍] أحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى، والفاسق المعلن، الحب أفضل من الخوف، والله ما أحب الله من أحب الدنيا ووالي غيرنا ومن عرف حقنا وأحبنا فقد أحب الله، كن ذنبا ولا تكن رأسا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله " من خاف كل لسانه ". 110 - سر: (2) ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الجزري قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن خاف الله خاف منه كل شئ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ، ومن رضي من الله باليسير من المعاش رضي الله عنه باليسير من العمل، ومن لم يستحي من طلب الحلال وقنع به خفت مؤونته ونعم أهله، ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأنطق به لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام. 111 - سر: (3) من كتاب أبي القاسم بن قولويه، عن عنبسة العابد قال: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام: أوصني قال: أعد جهازك، وقدم زادك وكن وصي


(1) في بعض نسخ الكافي " سيئته بالتوبة ". (2) و (3) السرائر باب النوادر آخر أبواب الكتاب.

[271]

نفسك، لا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك. 112 - أقول: روى الشهيد الثاني - رحمه الله - (1) بإسناده عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله بن سليمان النوفلي قال: كنت عند جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: فإذا بمولى لعبدالله النجاشي قد ورد عليه فسلم وأوصل إليه كتابه ففضة وقرأه فإذا أول سطر فيه بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاء سيدي وجعلني من كل سوء فداءه ولا أراني فيه مكروها فانه ولي ذلك والقادر عليه، إعلم سيدي ومولاي إني بليت بولاية الاهواز فإن رأى سيدي أن يحد لي حدا أو يمثل لي مثلا لاستدل به على ما يقر بني إلى الله عزوجل وإلى رسوله ويلخص في كتابه ما يرى لي العمل به وفيما بذله وابتذله وأين أضع زكاتي وفيمن أصرفها وبمن آنس وإلى من أستريح ومن أثق وآمن وألجأ إليه في سري ؟ فعسى أن يخلصني الله بهدايتك ودلالتك، فانك حجة الله على خلقه، وأمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك. قال عبد الله بن سليمان فأجابه أبو عبد الله عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم جاملك الله بصنعه، ولطف بك بمنه، وكلاك برعايته، فانه ولي ذلك. أما بعد فقد جاء إلي رسولك بكتابك فقرأته، وفهمت جميع ما ذكرته، وسألت عنه، وزعمت أنك بليت بولاية الاهواز فسرني ذلك و ساءني، وساخبرك بما ساءني من ذلك، وما سرني إن شاء الله تعالى فأما سروري بولايتك فقلت: عسى أن يغيث الله بك ملهوفا خائفا من أولياء آل محمد صلى الله عليه وآله ويعز بك ذليلهم ويكسو بك عاريهم، ويقوي بك ضعيفهم، ويطفئ بك نار المخالفين عنهم، وأما الذي ساءني من ذلك فان أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بولي لنا فلا تشم حظيرة القدس، فاني ملخص لك جميع ما سألت عنه إن أنت عملت به، ولم تجاوزه


(1) كتاب الغيبة الملحق بكشف الفوائد ص 264 وقد مر بعضه في مواعظ النبي صلى الله عليه وآله ج 77 ص 189 مع اختلاف في بعض الموارد. والظاهر المنقول ههنا من نسخة وهنالك من نسخة اخرى وكان فيهما اختلاف.

[272]

رجوت أن تسلم إن شاء الله تعالى. أخبرني يا عبد الله أبي، عن آبائه، عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: " من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه الله لبه ". واعلم أني سأشير عليك برأي إن أنت عملت به تخلصت مما أنت متخوفه واعلم أن خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكف الاذى من أولياء الله والرفق بالرعية والتأني، وحسن المعاشرة مع لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، و مدارأة صاحبك ومن يرد عليك من رسله. وارتق فتق رعيتك (1) بأن توفقهم على ما وافق الحق والعدل إن شاء الله. إياك والسعاة وأهل النمايم فلا يلتزقن منهم بك أحد، ولا يراك الله يوما وليلة وأنت تقبل منهم صرفا ولا عدلا، فيسخط الله عليك ويهتك سترك، واحذر مكر خوز الاهواز (2) فان أبي أخبرني، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: " الايمان لا يثبت في قلب يهودي ولا خوزي أبدا " فأما من تأنس به تستريح إليه وتلجئ امورك إليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الامين الموافق لك على دينك، وميز أعوانك وجرب الفريقين (3) فان رأيت هنالك رشدا فشأنك وإياه. وإياك أن تعطي درهما، أو تخلع ثوبا، أو تحمل على دابة في غير ذات الله لشاعر أو مضحك أو متمزح إلا أعطيت مثله في ذات الله، ولتكن جوائزك و عطاياك وخلعك للقواد والرسل والاجناد (4) وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والاخماس، وما أردت أن تصرفه في وجوه البر والنجاح العتق والصدقة والحج و


(1) الرتق: ضد الفتق أي أصلح ذات بينهم. (2) الخوز بالمعجمتين وضم أولهما جيل من الناس واسم لجميع بلاد خوزستان. (3) أي اجعل لهم علامة يعرفون بها وعلى هذا فمعنى " جرب الفريقين أي جرب من تأنس وأعوانك، ويمكن أن يراد بتمييز الاعوان تشخيص العدو والصديق منهم فيكون التجربة متعلقة بهما. (4) كذا. وفى نسخة " الاخبار ". (*)

[273]

المشرب والكسوة التي تصلي فيها وتصل بها والهدية التي تهديها إلى الله تعالى عزوجل وإلى رسوله صلى الله عليه وآله من أطيب كسبك، يا عبد الله اجهد أن لا تكنز ذهبا ولا فضة فتكون من أهل هذه الاية التي قال الله عزوجل " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله (1) " ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية لتسكن بها غضب الله تبارك وتعالى. واعلم أني سمعت من أبي يحدث من آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول لاصحابه يوما: " ما آمن بالله واليوم الاخر من بات شبعان و جاره جائع " فقلنا: هلكنا يا رسول الله، فقال: من فضل طعامكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفئون بها غضب الرب (2) وسانبئك بهوان الدنيا وهوان شرفها على ما مضى من السلف والتابعين. فقد حدثني محمد بن علي بن الحسين قال عليه السلام: لما تجهز الحسين عليه السلام إلى الكوفة أتاه ابن عباس فنا شده الله والرحم أن يكون هو المقتول بالطف فقال: أنا أعروف بمصرعي منك وما وكدي من الدنيا إلا فراقها (3)، ألا اخبرك يا ابن عباس بحديث أمير المؤمنين عليه السلام والدنيا ؟ فقال له: بلى لعمري إني لاحب أن تحدثني بأمرها، فقال أبي: قال علي بن الحسين عليه السلام: سمعت أبا عبد الله الحسين عليه السلام يقول: حدثني أمير المؤمنين عليه السلام قال: إني كنت بفدك في بعض حيطانها، وقد صارت لفاطمة عليها السلام قال: فإذا أنا بامرأة قد هجمت علي وفي يدي مسحاة وأنا أعمل بها، فلما نظرت إليها طار قلبي مما تداخلني من جمالها فشبهتها ببثينة بنت عامر الجمحي وكانت من أجمل نساء قريش فقالت: يا ابن أبي طالب هل


(1) التوبة: 35. (2) قوله: " فقلنا هلكنا " أي هكنا بما قلت، أو نحن نشبع وجيراننا يبيتون جياعا وليس عندنا ما يشبعهم، فقال صلى الله عليه وآله: " من فضل طعامكم " أي انفقوا فضل طعامكم وفضل ثيابكم وان كان خلقا باليا خرقا، تسكن به غضب ربكم. (3) الوكد - كفلس -: المراد، والمقصد، والهم. و - كقفل -: السعي والجهد.

[274]

لك أن تتزوج بي فاغنيك عن هذه المسحاة وأدلك على خزائن الارض فيكون لك الملك ما بقيت ولعقبك من بعدك ؟ فقال لها: من أنت حتى أخطبك من أهلك فقالت: أنا الدنيا قال لها: فارجعي واطلبي زوجا غيري [فلست من شأني]. وأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول: لقد خاب من عزته دنيا دنية * وما هي إن غرت قرونا بنائل أتتنا على زي العزيز بثينة * وزينتها في مثل تلك الشمائل فقلت لها: غري سواي فإنني * عزوف عن الدنيا فلست بجاهل وما أنا والدنيا فان محمدا * أحل صريعا بين تلك الجنادل (1) وهبها أتتنا بالكنوز ودرها * وأموال قارون وملك القبائل أليس جميعا للفناء مصيرنا * ويطلب من خزانها بالطوائل (2) فغري سواي إنني غير راغب * بما فيك من ملك وعز ونائل فقد قنعت نفسي بما قد رزقته * فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل فاني أخاف الله يوم لقائه * وأخشى عذابا دائما غير زائل " فخرج من الدنيا وليس في عنقه تبعة لاحد حتى لقى الله محمودا غير ملوم ولا مذموم. ثم اقتدت به الائمة من بعده بما قد بلغكم لم يتلطخوا بشئ من بوائقها صلوات الله عليهم أجمعين وأحسن مثواهم. وقد وجهت إليك بمكارم الدنيا والاخرة، وعن الصادق المصدق رسول الله فان أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثم كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج البحار رجوت الله أن يتجافى عنك عزوجل بقدرته. يا عبد الله إياك أن تخيف مؤمنا فان أبي محمد بن علي حدثني، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يقول: " من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها


(1) الجنادل: الصخور. (2) الطوائل جمع طائلة وهى العداوة.

[275]

أخافه الله يوم لا ظل إلا ظله، وحشره في صورة الذر لحمه وجسده وجميع أعضائه حتى يورده مورده ". وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أغاث لهفانا من المؤمنين أغاثه الله يوم لا ظل إلا ظله، وآمنه يوم الفزع الاكبر، وآمنه عن سوء المنقلب، ومن قضى لاخيه المؤمن حاجة قضى الله له حوائج كثيرة إحديها الجنة، ومن كسا أخاه المؤمن من عرى كساه الله من سندس الجنة وإستبرقها و حريرها ولم يزل يخوض في رضوان الله مادام على المكسو منها سلك، ومن أطعم أخاه من جوع أطعمه الله من طيبات الجنة، ومن سقاه من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم رية، ومن أخدم أخاه أخدمه الله من الولدان المخلدين، وأسكنه مع أوليائه الطاهرين، ومن حمل أخاه المؤمن من رحله حمله الله على ناقة من نوق الجنة، وباهى به الملائكة المقربين يوم القيامة، ومن زوج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها ويشد عضده ويستريح إليها، زوجه الله من الحور العين، وآنسه بمن أحب من الصديقين من أهل بيت نبيه وإخوانه وآنسهم به، ومن أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه الله على إجازة الصراط عند زلزلة الاقدام، ومن زار أخاه المؤمن إلى منزله لا لحاجة منه إليه كتب من زوار الله، وكان حقيقا على الله أن يكرم زائره ". يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لاصحابه يوما: " معاشر الناس إنه ليس بمؤمن من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، فلا تتبعوا عثراة المؤمنين فانه من اتبع عثرة مؤمن اتبع الله عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته ". وحدثني أبي عن علي عليه السلام أنه قال: " أخذ الله ميثاق المؤمن أن لا يصدق في مقالته ولا ينتصف من عدوه، وعلى أن لا يشفي غيظه إلا بفضيحة نفسه، لان كل مؤمن ملجم، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة، أخذ الله ميثاق المؤمن على أشياء

[276]

أيسرها عليه مؤمن مثله يقول بمقالته، يبغيه ويحسده، والشيطان يغويه ويمقته، و السلطان يقفو أثره، ويتبع عثراته، وكافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دينا وإباحة حريمه غنما، فما بقاء المؤمن بعد هذا ". يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله يقرء عليك السلام ويقول: اشتققت للمؤمن اسما من أسمائي سميته مؤمنا فالمؤمن مني وأنا منه، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة ". يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال يوما: " يا علي لا تناظر رجلا حتى تنظر في سريرته، فان كانت سريرته حسنة فان الله عزوجل لم يكن ليخذل وليه وإن كانت سريرته ردية فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به أكثر مما عمله من معاصي الله عزوجل ما قدرت عليه ". يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: " أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها اولئك لاخلاق لهم (1) ". يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه قال: " من قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اذناه ما يشينه ويهدم مروته، فهو من الذين قال الله عزوجل: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم (2) ". يا عبد الله وحدثني أبي، عن آبائه، عن علي عليه السلام أنه قال: من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مروته وثلبه أو بقه الله بخطيئته (3) حتى يأتي


(1) أي لا نصيب لهم في الاخرة. (2) النور: 19. (3) ثلبه أي عابه ولامه واغتابه أو سبه. وأوبقه أي أهلكه وذلله. وفى بعض النسخ " بخطبه " والخطب الامر العظيم المكروه.

[277]

بمخرج مما قال، ولن يأتي بالمخرج منه أبدا، ومن أدخل على أخيه المؤمن سرورا فقد أدخل على أهل البيت عليهم السلام سرورا ومن أدخل على أهل البيت سرورا فقد أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله سرورا، ومن أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله سرورا فقد سر الله، ومن سر الله فحقيق عليه أن يدخله الجنة حينئذ ". ثم إني اوصيك بتقوى الله، وإيثار طاعته، والاعتصام بحبله فانه من اعتصم بحبل الله فقد هدي إلى صراط مستقيم، فاتق الله ولا تؤثر أحدا على رضاه وهواه فانه وصية الله عزوجل إلى خلقه لا يقبل منهم غيرها ولا يعظم سواها، واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشئ أعظم من التقوى، فانه وصيتنا أهل البيت، فان استطعت أن لا تنال من الدنيا شيئا تسأل عنه غدا فافعل. قال عبد الله بن سليمان: فلما وصل كتاب الصادق عليه السلام إلى النجاشي نظر فيه فقال: صدق والله الذي لا إله إلا هو مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إلا نجا، فلم يزل عبد الله يعمل به في أيام حياته. 113 - كتاب الاربعين (1) في قضاء حقوق المؤمنين وأعلام الدين: قال جعفر ابن محمد الصادق عليه السلام: المؤمن يداري ولا يماري. وقال عليه السلام: من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كان في غده شرا من يومه فهو مفتون، ومن لم يتفقد النقصان في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له، ومن أدب من غير عمد كان للعفو أهلا. وقال عليه السلام: اطلبوا العلم ولو بخوض اللجج وشق المهج. وقال عليه السلام لجاهل سخي خير من ناسك بخيل. وسئل عليه السلام عن التواضع فقال: هو أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلم على من لقيت، وأن تترك المراء وإن كنت محقا. وقال عليه السلام: إذا دق العرض استصعب جمعه. وقال عليه السلام: المؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه من حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل. والذي إذا قدر لم يأخذ أكثر من ماله.


(1) مخطوط.

[278]

وقال عليه السلام: كتاب الله عزوجل على أربعة أشياء: على العبارة والاشارة، واللطائف، والحقائق، فالعبارة للعوام، والاشارة للخواص، واللطائف للاولياء والحقائق للانبياء. وقال عليه السلام: من سأل فوق قدره استحق الحرمان. وقال عليه السلام: من أكرمك فأكرمه، ومن استخفك فأكرم نفسك عنه. وقال عليه السلام: من أخلاق الجاهل الاجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لا يعلم. وقال عليه السلام: سرك من دمك فلا تجريه في غير أوداجك. وقال عليه السلام: صدرك أوسع لسرك. وقال عليه السلام: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من دونه، ولم يصفح عمن اعتذر إليه، والقادر على الشئ سلطان. وقال عليه السلام: إن القلب يحيى ويموت فإذا حيي فأدبه بالتطوع، وإذا مات فاقصره على الفرائض. وقال عليه السلام: لا تحدث من تخاف أن يكذبك، ولا تسأل من تخاف أن يمنعك، ولا تثق إلى من تخاف أن يعذبك (1) ومن لم يواخ إلا من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بايثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب كثر تبعته. وقال عليه السلام: من عذب لسانه زكي عقله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ومن حسن بره بأهله زيد في عمره. وقال عليه السلام: إن الزهاد في الدنيا نور الجلال عليهم، وأثر الخدمة بين أعينهم، وكيف لا يكونون كذلك وإن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك الدنيا فيرى عليه أثره فكيف بمن ينقطع إلى الله تعالى لا يرى أثره عليه. وقال عليه السلام: صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة قال الله تعالي: " والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (2) ".


(1) كذا والظاهر " يغدر بك ". (2) الرعد: 22.

[279]

24. * (باب) * " (ما روى عن الصادق عليه السلام من وصاياه لاصحابه) " 1 - ف (1): وصيته عليه السلام لعبدالله بن جندب (2) روي أنه عليه السلام قال: يا عبد الله لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور فما يقصد فيها إلا أولياءنا، ولقد جلت الاخرة في أعينهم حتى ما يريدون بها بدلا، ثم قال: آه آه على قلوب حشيت نورا وإنما كانت الدنيا عندهم بمنزلة الشجاع الارقم (3) والعدو الاعجم (4) أنسوا بالله واستوحشوا مما به استأنس المترفون، أولئك أوليائي حقا، وبهم تكشف كل فتنة وترفع كل بلية. يا ابن جندب حق على كل مسلم يعرفنا أن يعرض عمله في كل يوم وليلة على نفسه فيكون محاسب نفسه، فان رأى حسنة استزاد منها. وإن رأى سيئة استغفر منها لئلا يخزي يوم القيامة. طوبى لعبد لم يغبط الخاطئين على ما أوتوا من -


(1) التحف ص 301. (2) بضم الكاف وسكون النون وفتح الدال. هو عبد الله بن جندب البجلى الكوفى ثقة جليل القدر من أصحاب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام وانه من المخبتين وكان وكيلا لابي ابراهيم وأبى الحسن عليهما السلام. كان عابدا رفيع المنزلة لديهما على ما ورد في الاخبار. ولما مات رحمه الله قام مقامه على بن مهزيار. (3) حشيت أي ملات. والشجاع - بالكسر والضم -: الحية العظيمة التى تواثب الفارس وربما قلعت رأس الفارس وتكون في الصحارى ويقوم على ذنبه. والارقم: الحية التى فيها سواد وبياض وهو أخبث الحيات، ويحتمل أن يكون " الشجاع الاقرع " وهو حية قد تمعط شعر رأسها لكثرة سمها. (4) الاعجم الدابة وسميت به لانها لا تتكلم. وكل من لا يقدر على الكلام أو لا يفهم الكلام فهو أعجم.

[280]

نعيم الدنيا وزهرتها، طوبى لعبد طلب الاخرة وسعى لها، طوبى لمن لم تلهه الاماني الكاذبة. ثم قال عليه السلام: رحم الله قوما كانوا سراجا ومنارا، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقتهم، ليس‍ [وا] كمن يذيع أسرارنا. يا ابن جندب إنما المؤمنون الذين يخافون الله، ويشفقون أن يسلبوا ما اعطوا من الهدى، فإذا ذكروا الله ونعماءه وجلوا وأشفقوا، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا مما أظهره من نفاذ قدرته، وعلى ربهم يتوكلون. يا ابن جندب قديما عمر الجهل وقوي أساسه وذلك لا تخاذهم دين الله لعبا حتى لقد كان المتقرب منهم إلى الله بعمله يريد سواه أولئك هم الظالمون. يا ابن جندب لو أن شيعتنا استقاموا لصافحتهم الملائكة، ولاظلهم الغمام، و لاشرقوا نهارا، ولاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولما سألوا الله شيئا إلا أعطاهم. يا ابن جندب لا تقل في المذنبين من أهل دعوتكم إلا خيرا، واستكينوا إلى الله في توفيقهم، وسلوا التوبة لهم، فكل من قصدنا وتولانا، ولم يوال عدونا وقال ما يعلم، وسكت عما لا يعلم أو أشكل عليه فهو في الجنة. يا ابن جندب يهلك المتكل على عمله، ولا ينجو المجترئ على الذنوب الواثق برحمة الله. قلت: فمن ينجو ؟ قال: الذين هم بين الرجاء والخوف، كأن قلوبهم في مخلب طائر شوقا إلى الثواب وخوفا من العذاب. يا ابن جندب من سره أن يزوجه الله الحور العين، ويتوجه بالنور فليدخل على أخيه المؤمن السرور. يا ابن جندب أقل النوم بالليل والكلام بالنهار، فما في الجسد شئ أقل شكرا من العين واللسان، فان ام سليمان قالت لسليمان عليه السلام: يا بني إياك و النوم، فإنه يفقرك يوم يحتاج الناس إلى أعمالهم. يا ابن جندب إن للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه (1) ومصائده


(1) فتحاموا شباكه: اجتنبوها وتوقوها. والشباك - جمع شبكة - بالتحريك -: شركة الصياد يعنى حبائل الصيد.

[281]

قلت: يا ابن رسول الله وما هي ؟ قال: أما مصائده فصد عن بر الاخوان، وأما شباكه فنوم عن قضاء الصلوات التي فرضها الله، أما إنه ما يعبد الله بمثل نقل الاقدام إلى بر الاخوان وزيارتهم، ويل للساهين عن الصلوات، النائمين في الخلوات، المستهزئين بالله وآياته في الفترات (1) " أولئك (الذين) لا خلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله [ولا ينظر إليهم] يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (2) ". يا ابن جندب من أصبح مهموما لسوى فكاك رقبته فقدهون عليه الجليل ورغب من ربه في الوتح الحقير (3) ومن غش أخاه وحقره وناواه (4) جعل الله النار مأواه، ومن حسد مؤمنا انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء. يا ابن جندب الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحط بدمه في سبيل الله يوم بدر واحد، وما عذب الله امة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم. يا ابن جندب بلغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب فوالله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا ومواساة الاخوان في الله. وليس من شيعتنا من يظلم الناس. يا ابن جندب إنما شيعتنا يعرفون بخصال شتى: بالسخاء والبذل للاخوان وبأن يصلوا الخمسين ليلا ونهارا، شيعتنا لا يهرون هرير الكلب، ولا يطمعون طمع الغراب، ولا يجاورون لنا عدوا، ولا يسألون لنا مبغضا، ولو ماتوا جوعا، شيعتنا لا يأكلون الجري (5) ولا يمسحون على الخفين، ويحافظون على الزوال، ولا


(1) الفترة: الضعف والانكسار، والمراد بها زمان ضعف الدين. (2) آل عمران: 77. (3) كذا في الوافى " الوتح الحقير " والوتح - بالتحريك وككتف -: القيل التافه مى الشئ. وفى أكثر نسخ المصدر " الربح ". (4) أي عاداه وأصله الهمزة من النوء. بمعنى النهوض والطلوع. (5) الجرى - كذمي -: سمك طويل أملس وليس عليه فصوص. وقيل: مارماهى.

[282]

يشربون مسكرا. قلت: جعلت فداك فأين أطلبهم ؟ قال عليه السلام: على رؤوس الجبال وأطراف المدن. وإذا دخلت مدينة فسل (1) عمن لا يجاورهم ولا يجاورونه فذلك مؤمن كما قال الله: " وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى (2) " والله لقد كان حبيب النجار وحده. يا ابن جندب كل الذنوب مغفورة سوى عقوق أهل دعوتك، وكل البر مقبول إلا ما كان رئاء. يا ابن جندب أحبب في الله وابغض في الله، واستمسك بالعروة الوثقى، واعتصم بالهدى يقبل عملك فإن الله يقول: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (3) " فلا يقبل إلا الايمان، ولا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بيقين، ولا يقين إلا بالخشوع وملاكها كلها الهدى، فمن اهتدى يقبل عمله وصعد إلى الملكوت متقبلا " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (4) ". يا ابن جندب إن أحببت أن تجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره فلتهن عليك الدنيا، واجعل الموت نصب عينك، ولا تدخر شيئا لغد، و اعلم أن لك ما قدمت وعليك ما أخرت. يا ابن جندب من حرم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره، ومن أطاع هواه فقد أطاع عدوه، من يثق بالله يكفه ما أهمه من أمر دنياه وآخرته ويحفظ له ما غاب عنه. وقد عجز من لم يعد لكل بلاء صبرا ولكل نعمة شكرا، ولكل عسر يسرا، صبر نفسك عند كل بلية في ولد أو مال، أو رزية (5) فانما يقبض عاريته ويأخذ


(1) الظاهر أن مراده عليه السلام في دولة الفسق وزمن الكفر. (2) يس: 19. (3) طه: 84. وفى المصدر: الا من آمن وعمل صالحا ثم اهتدى ". (4) البقرة: 210. (5) الرزية: المصيبة أصله من رزأ أي أصاب منه شيئا ونقض. وفى بعض النسخ " أو ذرية " وهى الصواب.

[283]

هبته ليبلو فيهما صبرك وشكرك، وارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته، وخفه خوفا لا يؤيسك من رحمته، ولا تغتر بقول الجاهل ولا بمدحه فتكبر وتجبر و تعجب بعملك، فان أفضل العمل العبادة والتواضع، فلا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما خلفته وراء ظهرك، واقنع بما قسمه الله لك، ولا تنظر إلا إلى ما عندك، ولا تتمن ما لست تناله، فان من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظك من آخرتك، ولا تكن بطرا في الغنى، ولا جزعا في الفقر، ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك، ولا تشار (1) من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الامر أهله، ولا تطع السفهاء، ولا تكن مهينا تحت كل أحد، ولا تتكلن على كفاية أحد، وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، واجعل قلبك قريبا تشاركه (2) واجعل علمك والدا تتبعه، واجعل نفسك عدوا تجاهده، وعارية تردها، فانك قد جعلت طبيب نفسك، وعرفت آية الصحة وبين لك الداء، ودللت على الدواء. فانظر قيامك على نفسك، وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المنن والذكر لها، و لكن اتبعها بأفضل منها، فان ذلك أجمل بك في أخلاقك، وأوجب للثواب في آخرتك، وعليك بالصمت تعد حليما - جاهلا كنت أو عالما - فإن الصمت زين لك عند العلماء، وستر لك عند الجهال. يا ابن جندب إن عيسى بن مريم عليه السلام قال لاصحابه: " أرأيتم لو أن أحدكم مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته أكان كاشفا عنها كلها أم يرد عليها ما انكشف منها ؟ قالوا: بل نرد عليها، قال: كلا، بل تكشفون عنها كلها - فعرفوا أنه مثل ضربه لهم - فقيل: يا روح الله وكيف ذلك ؟ قال: الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها. بحق أقول لكم إنكم لا تصيبون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون، ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون.


(1) ولا تشار أي ولا تخاصم. (2) في بعض النسخ " تتنازله " وفى بعضها " تشاوره ".

[284]

إياكم والنظرة فانها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة. طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عنيه لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب و انظروا في عيوبكم كهيئة العبيد. إنما الناس رجلان مبتلى ومعافي، فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافية ". يا ابن جندب صل من قطعك، واعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك وسلم على من سبك، وأنصف من خاصمك، واعف عمن ظلمك، كما أنك تحب أن يعفى عنك، فاعتبر بعفو الله عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الابرار و الفجار، وأن مطره ينزل على الصالحين والخاطئين. يا ابن جندب لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك، فانك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع عليها شمالك، فإن الذي تتصدق له سرا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا يطلع الناس على صدقتك. واخفض الصوت، إن ربك الذي يعلم ما تسرون وما تعلنون، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه، وإذا صمت فلا تغتب أحدا، ولا تلبسوا صيامكم بظلم، ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس، مغبرة وجوههم، شعثة رؤوسهم، يابسة أفواههم لكي يعلم الناس أنهم صيام. يا ابن جندب الخير كله أمامك، وإن الشر كله أمامك، ولن ترى الخير والشر إلا بعد الاخرة، لان الله عزوجل جعل الخير كله في الجنة والشر كله في النار، لانهما الباقيان، والواجب على من وهب الله له الهدى وأكرمه بالايمان وألهمه رشده، وركب فيه عقلا يتعرف به نعمه، وآتاه علما وحكما يدبر به أمر دينه ودنياه (1) أن يوجب على نفسه أن يشكر الله ولا يكفره، وأن يذكر الله ولا ينساه وأن يطيع الله ولا يعصيه، للقديم الذي تفرد له بحسن النظر، وللحديث الذي أنعم عليه بعد إذ أنشأه مخلوقا، وللجزيل الذي وعده، والفضل الذي لم يكلفه من طاعته فوق طاقته وما يعجز عن القيام به وضمن له العون على تيسير ما حمله من ذلك


(1) " الواجب " مبتدأ وخبره جملة " أن يوجب على نفسه الخ ".

[285]

وندبه إلى الاستعانة على قليل ما كلفه وهو معرض (1) عما أمره وعاجز عنه قد لبس ثوب الاستهانة فيما بينه وبين ربه، متقلدا لهواه، ماضيا في شهواته، مؤثرا لدنياه على آخرته، وهو في ذلك يتمنى جنان الفردوس، وما ينبغي لاحد أن يطمع أن ينزل بعمل الفجار منازل الابرار. أما إنه لو وقعت الواقعة، وقامت القيامة، وجاءت الطامة، ونصب الجبار الموازين لفصل القضاء، وبرز الخلائق ليوم الحساب أيقنت عند ذلك لمن تكون الرفعة والكرامة، وبمن تحل الحسرة والندامة، فاعمل اليوم في الدنيا بما ترجو به الفوز في الاخرة. يا ابن جندب قال الله حل وعز في بعض ما أوحي: " إنما اقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمتي، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي، ويقطع نهاره بذكري، ولا يتعظم على خلقي، ويطعم الجائع ويكسو العاري ويرحم المصاب ويؤوي الغريب (2) فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمة نورا وفي الجهالة حلما، أكلاه بعزتي (3) وأستحفظه ملائكتي، يدعوني فالبيه، ويسألني فاعطيه، فمثل ذلك العبد عندي كمثل جنات الفردوس لا يسبق أثمارها، ولا تتغير عن حالها. يا ابن جندب الاسلام عريان، فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس، وأساس الاسلام جبنا أهل البيت. يا ابن جندب إن الله تبارك وتعالى سورا من نور، محفوفا بالزبرجد و الحرير، منجدا بالسندس (4) والديباج، يضرب هذا السور بين أوليائنا وبين أعدائنا، فإذا على الدماغ وبلغت القلوب الحناجر ونضجت الاكباد من طول


(1) الضمير يرجع إلى " من وهب الله ". (2) في بعض النسخ " ويواسى الغريب " يقال: واسى الرجل أي آساه وعاونه. (3) كلا الله فلانا: حفظه وحرسه. (4) منجدأ أي مزينا.

[286]

الموقف ادخل في هذا السور أولياء الله، فكانوا في أمن الله وحرزه، لهم فيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين. وأعداء الله قد ألجمهم العرق، وقطعهم الفرق، وهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم، فيقولون: " ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار (1) " فينظر إليهم أولياء الله فيضحكون منهم، فذلك قوله عزوجل: " اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار (2) ". وقوله: " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الارائك ينظرون (3) " فلا يبقى أحد ممن أعان مؤمنا من أوليائنا بكلمة إلا أدخله الله الجنة بغير حساب. 2 - ف (4): وصيته عليه السلام لابي جعفر محمد بن النعمان الاحول (5)


(1) ص: 26 (2) ص: 63. (3) المطففين: 34، 35. (4) التحف ص 307. (5) هو أبو جعفر محمد بن على بن النعمان الكوفى المعروف عندنا بصاحب الطاق أو مؤمن الطاق والمخالفون يلقبونه شيطان الطاق، كان صيرفيا في طاق المحامل بالكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال: شيطان الطاق وهو من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام كان رحمه الله ثقة، متكلما، حاذقا، كثير العلم، حسن الخاطر، حاضر الجواب حكى عن أبى خالد الكابلي أنه قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة ازاره وهو دائب يجيبهم ويسألونه فدنوت منه وقلت: ان أبا عبد الله عليه السلام نهانا عن الكلام. فقال: وأمرك أن تقول لي ؟ فقلت: لا والله ولكنه أمرنى أن لا اكلم أحدا قال: فاذهب وأطعه فيما أمرك. فدخلت على أبى عبد الله عليه السلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق وما قلت له وقوله: اذهب وأطعه فيما أمرك. فتبسم أبو عبد الله عليه السلام وقال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلم الناس فيطير وينقض وأنت ان قصوك لن تطير اه‍. وله مع أبى حنيفة حكايات نقلها المؤرخون وأهل السير فمنها أنه لما مات الصادق عليه السلام رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق فقال له: مات امامك، قال: نعم أما امامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. وله كتب منها كتاب الامامة وكتاب المعرفة - - - -

[287]

قال أبو جعفر: قال لي الصادق عليه السلام: إن الله عزوجل عير أقواما في القرآن بالاذاعة فقلت له: جعلت فداك أين قال ؟ قال: قوله: " وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به (1) " ثم قال: المذيع علينا سرنا كالشاهر بسيفه علينا، رحم الله عبدا سمع بمكنون علمنا فدفنه تحت قدميه. والله إني لاعلم بشراركم من البيطار بالدواب، شراركم الذين لا يقرؤون القرآن إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، ولا يحفظون ألسنتهم (2). إعلم أن الحسن بن علي عليهما السلام لما طعن واختلف الناس عليه سلم الامر لمعاوية فسلمت عليه الشيعة " عليك السلام يا مذل المؤمنين "، فقال عليه السلام: " ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين، إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الامر لابقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لاصحابها وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم ". يا ابن النعمان إني لا حدث الرجل منكم بحديث فيتحدث به عني فأستحل بذلك لعنته ولا براءة منه. فان أبي كان يقول: " وأي شئ أقر للعين من التقية، إن التقية جنة المؤمن (3) ولولا التقية ما عبد الله ". وقال الله عزوجل: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقيه (4) ".


- - - - وكتاب الرد على المعتزلة في امامة المفضول وكتاب في اثبات الوصية وغير ذلك. وما قيل: ان الطاق حصن بطبرستان وبه سكن محمد بن النعمان المعروف سهو ولعل أصله منها والا كان رحمه الله يسكن الكوفة كما يظهر من مباحثاته مع أبى حنيفة وامثاله. (1) النساء: 82. (2) الهجر - بالضم -: الهذيان والقبيح من الكلام. والدبر - بضم فسكون أو بضمتين - من كل شئ مؤخره وعقبه. (3) لان بها يحفظ أساس الاسلام واصوله، ورواه الكليني في الكافي عن محمد بن عجلان. (4) آل عمران: 27.

[288]

يا ابن النعمان إياك والمراء، فانه يحبط عملك. وإياك والجدال، فانه يوبقك. وإياك وكثرة الخصومات، فانها تبعدك من الله. ثم قال: إن من كان قبلكم كانوا يتعلمون الصمت وأنتم تتعلمون الكلام، كان أحدهم إذا أراد التعبد يتعلم الصمت قبل ذلك بعشر سنين فإن كان يحسنه ويصبر عليه تعبد وإلا قال: ما أنا لما أروم بأهل (1)، إنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء وصبر في دولة الباطل على الاذى، اولئك النجباء الاصفياء الاولياء حقا وهم المؤمنون. إن أبغضكم إلي المتراسون (2) المشاؤون بالنمائم، الحسدة لاخوانهم، ليسوا مني ولا أنا منهم. إنما أوليائي الذين سلموا لامرنا واتبعوا آثارنا واقتدوا بنا في كل امورنا. ثم قال: والله لو قدم أحدكم ملء الارض ذهبا على الله، ثم حسد مؤمنا لكان ذلك الذهب مما يكوى به في النار. يا ابن النعمان إن المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا. يا ابن النعمان إنه من روى علينا حديثا (3) فهو ممن قتلنا عمدا ولم يقتلنا خطاء. يا ابن النعمان إذا كانت دولة الظلم فامش واستقبل من تتقيه بالتحية، فان المتعرض للدولة قاتل نفسه (4) وموبقها، إن الله يقول: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (5) ".


(1) رام الشئ يروم روما، أراده. (2) تراس القوم الخبر: تساروه. وارتس الخبر في الناس: فشا وانتشر. ويحتمل أن يكون كما في بعض نسخ الحديث " المترأسون " بالهمزة من ترأس أي صار رئيسا. (3) في بعض النسخ " حديثنا ". (4) كان ذلك إذا حفظ بها اصول الاسلام وأساس الدين وضرورياته والا فلا يجوز بل حرام فليس هذا بعمل التقية. (5) البقرة: 195.

[289]

يا ابن النعمان إنا أهل بيت لا يزال الشيطان يدخل فينا من ليس منا ولا من أهل ديننا، فإذا رفعه ونظر إليه الناس أمره الشيطان فيكذب علينا، وكلما ذهب واحد جاء آخر. يا ابن النعمان من سئل عن علم، فقال: لا أدري فقد ناصف العلم، والمؤمن يحقد ما دام في مجلسه، فإذا قام ذهب عنه الحقد. يا ابن النعمان إن العالم لا يقدر أن يخبرك بكل ما يعلم، لانه سر الله الذي أسره إلى جبرئيل عليه السلام وأسره جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وأسره محمد صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام، وأسره علي عليه السلام إلى الحسن عليه السلام، وأسره الحسن عليه السلام إلى الحسين عليه السلام، وأسره الحسين عليه السلام إلى علي عليه السلام، وأسره علي عليه السلام إلى محمد عليه السلام، وأسره محمد عليه السلام إلى من أسره، فلا تعجلوا فوالله لقد قرب هذا الامر ثلاث مرات فأذعتموه، فأخره الله، والله مالكم سر إلا وعدوكم أعلم به منكم. يا ابن النعمان ابق على نفسك فقد عصيتني. لا تذع سري، فان المغيرة بن سعيد (1) كذب على أبي وأذاع سره فأذاقه الله حر الحديد. وإن أبا الخطاب


(1) كان هو من الكذابين الغالين كبنان والحارث الشامي وعبد الله بن عمر بن الحرث وأبى الخطاب وحمزة بن عمارة البربري وصائد النهدي ومحمد بن فرات وأمثالهم ممن اعيروا الايمان فانسلخ منهم وانهم يدسون الاحاديث في كتب الحديث حتى أنهم عليهم السلام قالوا: لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا. ولا تقبلوا علينا الا ما وافق الكتاب والسنة. وفى المستدرك عن قاضى مصر نعمان بن محمد بن منصور المعروف بأبى حنيفة المغربي المتوفى 363 صاحب دعائم الاسلام أنه ذكر قصة الغلاة في عصر أمير المؤمنين عليه السلام واحراقه اياهم بالنار ثم قال: وكان في أعصار الائمة من ولده عليهم السلام من قبل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم كالمغيرة بن سعيد من أصحاب أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام ودعائه فاستزله الشيطان - إلى أن قال: - واستحل المغيرة وأصحابه المحارم كلها وأباحوها وعطلوا الشرائع وتركوها و انسلخوا من الاسلام جملة، وبانوا من جميع شيعة الحق واتباع الائمة، وأشهر - - - - -

[290]

كذب علي وأذاع سري فأذاقه الله حر الحديد، ومن كتم أمرنا زينه الله به في الدنيا والاخرة وأعطاه حظه، ووقاه حر الحديد وضيق المحابس، إن بني إسرائيل قحطوا حتى هلكت المواشي والنسل فدعا الله موسى بن عمران عليه السلام فقال: يا موسى إنهم أظهروا الزنى والربا وعمروا الكنائس وأضاعوا الزكاة، فقال: إلهي تحنن


- - - أبو جعفر عليه السلام لعنهم والبراءة منهم الخ. وقد تظافرت الروايات بكونه كذابا كان يكذب على أبى جعفر عليه السلام وفى رواية عن أبى عبد الله عليه السلام أنه يقول: " كان المغيرة بن سعيد تتعمد الكذب على أبى ويأخذ كتب أصحابه وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبى يأخذون الكتب من أصحاب أبى فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسدوها إلى أبى ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة فكل ما كان في كتب أصحاب أبى من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم " وفى رواية قال أبو جعفر عليه السلام: هل تدرى ما مثل المغيرة ؟ قال - الراوى -: قلت: لا. قال عليه السلام: مثله مثل بلعم بن باعور. قلت: ومن بلعم ؟ قال عليه السلام: الذى قال الله عزوجل: " الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان وكان من الغاوين ". وأما أبو الخطاب فهو محمد بن مقلاص أبى زينب الاسدي الكوفى البراد يكنى أبا ظبيان غال ملعون من أصحاب أبى عبد الله عليه السلام في أول أمره ثم أصابه ما أصاب المغيرة فانسلخ من الدين وكفر، وردت روايات كثيرة في ذمه ولعنه وحكى عن قاضى نعمان أنه ممن استحل المحارم كلها ورخص لاصحابه فيها وكانوا كلما ثقل عليهم أداء فرض أتوه فقالوا: يا أبا الخطاب خفف عنا، فيأمرهم بتركه حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور وقال: من عرف الامام حل له كل شئ كان حرم عليه، فبلغ أمره جعفر بن محمد عليهما السلام فلم يقدر عليه بأكثر من أن يلعنه ويتبرأ منه وجمع أصحابه فعرفهم ذلك وكتب إلى البلدان بالبراءة منه وباللعنة عليه وعظم أمره على أبى عبد الله عليه السلام واستفظعه واستهاله انتهى، ولعنه الصادق عليه السلام ودعا عليه باذاقة حر الحديد فاستجاب الله دعاءه فقتله عيسى بن موسى العباسي والى الكوفة. ولمزيد الاطلاع راجع الرجال لابي عمر والكشى - رحمه الله -.

[291]

برحمتك عليهم (1) فإنهم لا يعقلون. فأوحى الله إليه أني مرسل قطر السماء ومختبرهم بعد أربعين يوما. فأذاعوا ذلك وأفشوه، فحبس عنهم القطر أربعين سنة وأنتم قد قرب أمركم فأذعتموه في مجالسكم. يا أبا جعفر مالكم وللناس كفوا عن الناس، ولا تدعوا أحدا إلى هذا الامر (2)، فوالله لو أن أهل السماوات [والارض] اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا أن يضلوه. كفوا عن الناس ولا يقل: أحدكم أخي وعمي وجاري. فإن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه، فلا يسمع معروفا إلا عرفه، ولا منكرا إلا أنكره، ثم قذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره. يا ابن النعمان إن أردت أن يصفو لك ود أخيك فلا تمازحنه، ولا تمارينه، ولا تباهينه (3) ولا تشارنه، ولا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك، فإن الصديق قد يكون عدوك يوما. يا ابن النعمان لا يكون العبد مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث سنن: سنة من الله وسنة من رسوله وسنة من الامام، فأما السنة من الله عزوجل فهو أن


(1) تحنن عليه: ترحم عليه. (2) أي كفوا عن دعوتهم إلى دين الحق في زمن شدة التقية. قال عليه السلام هذا الكلام في زمان العسرة والشدة على المؤمنين في دولة العباسية، وحاصل الكلام أن من يريد الله هدايته لن يستطيع أحد أن يضله وهكذا من لم يرد الله أن يهديه لن يستطيع أحد أن يهديه. ورواه الكليني في الكافي ج 2 ص 213 عن ثابت بن سعيد وفيه " لا تدعو أحدا إلى أمركم فوالله لو أن أهل الارضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه ولو أن أهل السماوات وأهل الارضين اجتمعوا على أن يضلوا عبدا.. الخ ". (3) أي لا تفاخرنه. و " لا تشارنه " أي ولا تخاصمنه.

[292]

يكون كتوما للاسرار يقول الله جل ذكره: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (1) " وأما التي من رسول الله صلى الله عليه وآله فهو أن يداري الناس ويعاملهم بالاخلاق الحنيفية، وأما التي من الامام فالصبر في البأساء والضراء حتى يأتيه الله بالفرج. يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة. يا ابن النعمان من قعد إلى ساب أولياء الله فقد عصى الله. ومن كظم غيظا فينا لا يقدر على إمضائه كان معنا في السنام الاعلى (2). ومن استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط الله عليه حرالحديد وضيق المجالس. يا ابن النعمان لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به، ولا لتباهي [به]، ولا لتماري ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل، وزهادة في العلم: واستحياء من الناس، والعلم [ال‍] مصون كالسراج المطبق عليه. يا ابن النعمان إن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء، فجال القلب بطلب الحق. ثم هو إلى أمركم أسرع من الطير إلى وكره (3). يا ابن النعمان إن حبنا أهل البيت - ينزله الله من السماء من خزائن تحت العرش كخزائن الذهب والفضة ولا ينزله إلا بقدر، ولا يعطيه إلا خير الخلق، وإن له غمامة كغمامة القطر، فإذا أراد الله أن يخص به من أحب من خلقه أذن لتلك الغمامة فتهطلت كما تهطل السحاب (4) فتصيب الجنين في بطن امه.


(1) الجن: 26. (2) أي في الدرجة الرفيعة العالية. (3) الوكر: عش الطائر أي بيته وموضعه. (4) تهطل المطر: نزل متتابعا عظيم القطر.

[293]

3 - ف (1): رسالته عليهما السلام إلى جماعة شيعته وأصحابه (2) أما بعد فسلوا ربكم العافية. وعليكم بالدعة والوقار (3) والسكينة والحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون منكم. وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم، وإياكم ومماظتهم (4) دينوا فيما بينكم وبينهم - إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم و نازعتموهم الكلام، فانه لابد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم - بالتقية (5) التي أمركم الله بها، فإذا ابتليتم بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم ويعرفون في وجوهكم المنكر. ولو لا أن الله يدفعهم عنكم لسطوا بكم (6) وما في صدورهم من العداوة و البغضاء أكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة إن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل - أصل الخلق - مؤمنا لم يمت حتى يكره إليه الشر ويباعده منه ومن كره الله إليه الشر وباعده منه عافاه الله من الكبر أن يدخله والجبرية فلانت عريكته (7) وحسن خلقه وطلق وجهه، وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه، وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه، ورزقه الله مودة الناس و مجاملتهم، وترك مقاطعة الناس والخصومات، ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ. وإن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل - أصل الخلق - كافرا (8) لم يمت


(1) التحف ص 313. (2) هذ الرسالة مختارة من التى رواها الكليني (ره) في الروضة ونقله المؤلف في هذا الجزء ص 210. (3) الدعة: الخفض والطمأنينة. (4) المجاملة: المعاملة بالجميل. والضيم: الظلم. والمماظة - بالمعجمة -: شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم. (5) " بالتقية " متعلق بدينوا وما بينهما معترض. (6) السطو: القهر. أي وثبوا عليكم وقهروكم، وفى بعض النسخ " لبطشوا بكم ". (7) العريكة: الطيبعة والخلق والنفس. (8) مر كلام فيه ص 222.

[294]

حتى يحبب إليه الشر ويقر به منه، فإذا حبب إليه الشر وقر به منه ابتلي بالكبر والجبرية، فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها، فبعد ما بعد حال المؤمن والكافر، فسلوا الله العافية واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله. أكثروا من الدعاء، فان الله يحب من عباده الذين يدعونه، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة، والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة. وأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فان الله أمر بكثرة الذكر له، والله ذاكر من ذكره من المؤمنين، إن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير. وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين، كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم. وعليكم بحب المساكين المسلمين، فإن من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر ماقت (1) وقد قال أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله: " أمرني ربي بحب المساكين المسلمين منهم ". واعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس (2) أشد مقتا، فاتقوا الله في إخوانكم المسلمين المساكين، فان لهم عليكم حقا أن تحبوهم فان الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله بحبهم، فمن لم يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله و رسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات من الغاوين. إياكم والعظمة والكبر، فان الكبر رداء الله، فمن نازع الله رداءه قصمه الله وأذله يوم القيامة. إياكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خصال الصالحين، فانه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه. ومن نصره الله غلب


(1) حقره استصغره وهان قدره وصغر. ومقت فلانا: أبغضه. (2) المحقرة: الحقارة أي الذلة والهوان.

[295]

وأصاب الظفر من الله. إياكم أن يحسد بعضكم بعضا، فان الكفر أصله الحسد (1). إياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم، فان أبانا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة ". إياكم أن تشره نفوسكم (2) إلى شئ مما حرم الله عليكم، فانه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها و كرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الابدين. 4 - ما (3): عن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن الحسين علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمش، عن عمرو ابن سعيد بن هلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أوصني فقال: اوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لاورع فيه، وانظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك فكثيرا ما قال الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وآله: " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " (4) وقال عز ذكره: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا " (5) فان نازعتك نفسك إلى شئ من ذلك فاعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قوته الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف. وإذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه وآله فان الناس لم يصابوا بمثله أبدا ولن يصابوا بمثله أبدا.


(1) لان الشيطان أول من حسد فكفر وأخرجه الله من الجنة. (2) شره فلان - كفرح -: غلب حرصه واشتد ميله. (3) الامالى ج 2 ص 294. (4) التوبة: 55 و 85. المنافقون: 4 نظيرها. (5) طه: 131.

[296]

25. * (باب) * * " (مواعظ موسى بن جعفر وحكمه عليهما السلام) " * 1 - ف (1): وصيته عليه السلام لهشام وصفته للعقل: إن الله تبارك وتعالى (2) بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: " فبشر عباد الذين يستمعون القول


(1) التحف ص 383. (2) رواه الكليني في المجلد الاول من كتابه الكافي مع اختلاف نشير إليه. وهشام هو أبو محمد وقيل: أبو الحكم هشام بن الحكم البغدادي الكندى مولى بنى شيبان ممن اتفق الاصحاب على وثاقته وعظم قدره ورفعة منزلته عند الائمة عليهم السلام، وكانت له مباحث كثيرة مع المخالفين في الاصول وغيرها، صحب أبا عبد الله وبعده أبا الحسن موسى عليهما السلام وكان من أجلة أصحاب أبى عبد الله عليه السلام وبلغ من مرتبة علوه عنده أنه دخل عليه بمنى وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفى مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبى جعفر الاحول وغيرهم فرفعه على جماعتهم وليس فيهم الا من هو أكبر سنا منه، فلما رأى أبو عبد الله عليه السلام أن ذلك الفعل كبر على أصحابه قال: " هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده ". وكان له أصل وله كتب كثيرة، وان الاصحاب كانوا يأخذون عنه. مولده بالكوفة ومنشاؤه واسط وتجارته بغداد وكان بياع الكرابيس وينزل الكرخ من مدينة السلام بغداد في درب الجنب، ثم انتقل إلى الكوفة في أواخر عمره ونزل قصر وضاح وتوفى سنة 199 أو 179 في أيام الرشيد مستترا وكان لاستتاره قصة مشهورة في المناظرات، وترحم عليه الرضا عليه السلام وقيل في شأنه: " انه من متكلمي الشيعة وبطائنهم ومن دعى له الصادق عليه السلام فقال: أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان: لا تزل مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. وهو الذى فتق الكلام في الامامة وهذب المذهب وسهل طريق الحجاج فيه. وكان حاذقا بصناعة الكلام، حاضر الجواب. وكان أولا من أصحاب الجهم بن صفوان ثم انتقل إلى القول بالامامة بالدلائل والنظر وهو منقطعا إلى البرامكة ملازما ليحيى بن خالد وكان القيم بمجالس كلامه ونظره ثم تبع - - - -

[297]

فيتبعون أحسنه اولئك الذين هديهم الله وأولئك هم اولوا الالباب (1) ". يا هشام بن الحكم إن الله عزوجل أكمل للناس (2) الحجج بالعقول، و أفضى إليهم بالبيان، ودلهم على ربوبيته بالادلاء، فقال: " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (3) ". " إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار " - إلى قوله - لايات لقوم يعقلون (4) ". يا هشام قد جعل الله عز وجل ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبرا، فقال: " وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لايات لقوم يعقلون (5) ". وقال: " حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (6) " وقال: " ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الارض بعد موتها إن في ذلك لايات لقوم يعقلون (7) ". يا هشام ثم وعظ أهل العقل ورغبتهم في الاخرة، فقال: " وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (8) ". وقال:


- - - - الصادق عليه السلام فانقطع إليه وتوفى بعد نكبة البرامكة بمدة يسيره وقيل: بل في خلافة المأمون. وان العامة طعنوا فيه. وورد في الاخبار ذم له من جهة القول بالتجسم وان الاصحاب اخذوا في الذب عنه تنزيها لساحته عن ذلك، ووردت روايات في مدحه ودل على جلالته هذه الروايات المذكورة في المتن الجامعة لابواب الخير والفلاح. (1) الزمر: 19. (2) في بعض النسخ " أكمل الناس ". (3) البقرة: 162. (4) البقرة: 163. والمراد باختلافهما ذهابهما ومجيئهما. (5) النحل: 12. (6) الزخرف: 1، 2، 3. (7) الروم: 23. " خوفا " أي للمسافر. و " طمعا " للحاضر. (8) الانعام: 32.

[298]

" وما اوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (1) ". يا هشام ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه، فقال عزوجل: " ثم دمرنا الاخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون (2) ". يا هشام ثم بين أن العقل مع العلم، فقال: " وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (3) ". يا هشام ثم ذم الذين لا يعقلون. فقال: " وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " (4) وقال: " إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون " (5). وقال: " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل الحمدلله بل أكثرهم لا يعقلون (6) ". ثم ذم الكثرة، فقال: " وإن تطع أكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله (7) " وقال: " ولكن أكثرهم لا يعلمون (8) ". " وأكثرهم


(1) القصص: 60. (2) الصافات: 137، 138، 139. (3) العنكبوت: 43. (4) البقرة: 165. ألفينا أي وجدنا. (5) الانفال: 22. ومثلها قوله تعالى في سورة البقرة: 41، 166. وسورة يونس: 43، وسورة الفرقان: 46. وسورة الحشر: 14. (6) هذه الاية في سورة لقمان: 24 وفيه " بل أكثرهم لا يعلمون " كما في بعض نسخ الكافي ولعله سهو من الراوى أو اشتباه من النساخ. (7) الانعام: 116. (8) الانعام: 37. ونظيرها قوله تعالى: " بل أكثرهم لا يعلمون ". النحل: 77 وآية 103. وسورة الانبياء آية 24. وسورة النمل آية 62. وسورة لقمان: 24. - - - -

[299]

لا يشعرون (1) ". يا هشام ثم مدح القلة، فقال: " وقليل من عبادي الشكور (2) ". وقال: " وقليل ماهم (3) " وقال: " وما آمن معه إلا قليل (4) ". يا هشام ثم ذكر أولي الالباب بأحسن الذكر وحلاهم بأحسن الحلية، فقال: " يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الالباب (5) ": يا هشام إن الله يقول: " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب (6) " يعني العقل. وقال: " ولقد آتينا لقمن الحكمة (7) " قال: الفهم والعقل. يا هشام إن لقمان قال لابنه: " تواضع للحق تكن أعقل الناس (8). يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الايمان (9) وشراعها التوكل، وقيمها العقل، ودليلها العلم، وسكانها الصبر ".


- - وسورة الزمر: 30 وكذا قوله تعالى: " بل أكثرهم لا يعقلون " سورة العنكبوت: 63 وقوله تعالى: " وأكثرهم لا يعقلون " سورة المائدة: 102. (1) مضمون مأخوذ من آى القرآن. (2) سبأ: 13. (3) ص: 23. " ما " تأكيد القلة. (4) هود: 42. (5) البقرة: 272. ونظيرها في سورة آل عمران: 187. وسورة الرعد: 19 وسورة ص: 28، وسورة الزمر: 12. وسورة المؤمن: 56. (6) ق: 36. (7) لقمان: 11. إلى هنا كان في الكافي بتقديم وتأخير. (8) وزاد في الكافي: وان الكيس لدى الحق يسير ". (9) الحشو: ماحشى بن الشئ أي ملاء به والظاهر أن ضمير " فيها " يرجع إلى - - - -

[300]

يا هشام لكل شئ دليل، ودليل العاقل التفكر، ودليل التفكر الصمت. ولكل شئ مطية، ومطية العاقل التواضع (1) وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه. يا هشام لو كان في يدك جوزة وقال الناس: [في يدك] لؤلوة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة. يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله. وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلا، وأعقلهم (2) أرفعهم درجة في الدنيا والاخرة. يا هشام مامن عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله. يا هشام إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسول والانبياء. والائمة وأما الباطنة فالعقول. يا هشام إن العاقل، الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره. يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره (3) بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.


- - - الدنيا وضمير حشوها وما بعده يرجع إلى السفينة. وفى بعض النسخ " فلتكن سفينتك منها ". و " حشوها " في بعض النسخ " جسرها ". وشراع السفينة - بالكسر -: ما يرفع فوقها من ثوب وغيره ليدخل فيه الريح فتجريها. (1) في الكافي مكان العاقل " العقل " في الموضعين. (2) في الكافي " وأكملهم عقلا ". (3) في الكافي " من أظلم نور تفكره ".

[301]

يا هشام كيف يزكو عند الله عملك وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك، وأطعت هواك على غلبة عقلك. يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند ربه [وكان الله] آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه في غير عشيرة (1). يا هشام نصب الخلق لطاعة الله (2) ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم. والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد (3) ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العالم بالعقل. يا هشام قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود. يا هشام إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة. ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا، فلذلك ربحت تجارتهم. يا هشام إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك. وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شئ من الدنيا يغنيك. يا هشام إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض (4). يا هشام إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الاخرة، لانهم علموا أن


(1) العيلة: الفاقة. (2) نصب - من باب علم -: تعب وأعيا. وفى الكافي " ونصب الحق لطاعة الله ". (3) اعتقد الشئ: نقيض حله. وفى بعض النسخ " يعتقل " هو أيضا نقيض حل أي يمسك ويشد. (4) وزاد في الكافي " يا هشام ان العاقل نظر إلى الدنيا والى أهلها فعلم أنها لا تنال الا بالمشقة ونظر إلى الاخرة فعلم انها لا تنال الا بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما "

[302]

الدنيا طالبة ومطلوبة، والاخرة طالبة ومطلوبة (1) فمن طلب الاخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى منها رزقه ومن طلب الدنيا طلبته الاخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته. يا هشام من أراد الغنى بلا مال، وراحة القلب من الحسد، والسلامة في الدين فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، ومن قنع بما يكفيه استغنى، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا. يا هشام إن الله عزوجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (2) " حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورادها (3). إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لان الله لم يدل (4) على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه. يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما من شئ عبد الله به (5) أفضل من العقل وماتم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتى، الكفر والشر منه مأمونان (6). والرشد والخير منه مأمولان (7) وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، نصيبه


(1) في الكافي " أن الدنيا طالبة مطلوبة وأن الاخرة طالبة ومطلوبة. (2) آل عمران: 7. (3) الردى: الهلاك. (4) في بعض النسخ " لا يدل ". (5) في الكافي " ما عبد الله بشئ ". (6) الكفر في الاعتقاد، والشر في القول والعمل، والكل ينشأ من الجهل، وفى بعض النسخ " مأمون ". (7) الرشد في الاعتقاد والخير في القول والكل ناش من العقل. وفى بعض النسخ " مأمول ".

[303]

من الدنيا القوت، ولا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه. ويرى الناس كلهم خيرا منه وأنه شرهم في نفسه. وهو تمام الامر (1). يا هشام من صدق لسانه زكي عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمر. يا هشام لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها (2)، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. يا هشام كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا (3). يا هشام لا دين لمن لا مروة له، ولا مروة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا (4)، أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها (5).


(1) أي ملاك الامر وتمامه في أن يكون الانسان كاملا تام العقل هو كونه متصفا بمجموعة هذه الخصال. (2) لا تمنحوا الجهال أي لا تعطوهم ولا تعلموهم. والمنحة: العطاء. (3) في الكافي ههنا " يا هشام ان العاقل لا يكذب وان كان فيه هواه ". (4) أي قدرا ورفعة. والخطر: الحظ والنصيب والقدر والمنزلة. (5) ههنا كلام نقله صاحب الوافى عن استاذه - رحمهما الله - قال: ذلك لان الابدان في التناقص يوما فيوما لتوجه النفس منها إلى عالم آخر فان كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا وانقطاع حياته البدنية إلى الله سبحانه والى نعيم الجنة لكونه على منهج الهداية والاستقامة فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى ولهذا خلقه الله عزوجل وان كانت شقية كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران لكونه على طريق الضلالة فكأنه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية واللذات الحيوانية التى ستصير نيرانات محرقة مؤلمة وهى اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا وستبرز يوم القيامة " وبرزت الجحيم لمن يرى " معاملة مع الشيطان وخسر هنالك المبطلون.

[304]

يا هشام إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول (1): " لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه شئ منهن فجلس فهو أحمق ". وقال الحسن بن علي عليهما السلام: " إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها " قيل: يا ابن رسول الله ومن أهلها ؟ قال: " الذين قص الله في كتابه وذكرهم فقال: " إنما يتذكر أولو الالباب (2) " قال: هم أولو العقول ". وقال علي بن الحسين عليهما السلام: مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح. وأدب العلماء (3) زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال (4) تمام المروة، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة، وكف الاذى من كمال العقل وفيه راحة البدن عاجلا وآجلا ". يا هشام إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد مالا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه (5) ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه (6) وكان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه يقول: " أوصيكم بالخشية


(1) في الكافي " ان من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل وينطق إذا عجز القوم عن الكلام. ويشير بالرأى الذى يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ فهو أحمق، ان أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجلس في صدر المجلس الا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن - الخ ". (2) الزمر: 12. (3) في الكافي " وآداب العلماء ". (4) أي استنماؤه بالكسب والتجارة ". (5) التعنيف: اللؤم والتوبيخ والتقريع. والمراد ان العاقل لا يرجو فوق ما يستحقه وما لم يستعده. (6) في الكافي " ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه ". أي لا يبادر إلى فعل قبل أوانه خوفا من أن يفوته بالعجز عنه في وقته.

[305]

من الله في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والاكتساب في الفقر والغنى وأن تصلوا من قطعكم، وتعفوا عمن ظلمكم، وتعطوا (1) على من حرمكم، وليكن نظركم عبرا، وصمتكم فكرا، وقولكم ذكرا، وطبيعتكم السخاء (2) فإنه لا يدخل الجنة بخيل، ولا يدخل النار سخي ". يا هشام رحم الله من استحيا من الله حق الحياء، فحفظ الرأس وما حوى (3). والبطن وما وعى، وذكر الموت والبلى، وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره (4) والنار محفوفة بالشهوات. يا هشام من كف نفسه عن أعراض الناس أقاله الله عثرته يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس كف الله عنه غضبه يوم القيامة. يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه. يا هشام وجد في ذؤابة (5) سيف رسول الله صلى الله عليه وآله أن أعتى الناس على الله


(1) في بعض نسخ المصدر " وتعطفوا ". (2) في بعض نسخ المصدر " واياكم والبخل وعليكم بالسخاء ". (3) " وما حوى " أي ما حواه الرأس من الاوهام والافكار بأن يحفظها ولا يبديها ويمكن أن يكون المراد ما حواه الرأس من العين والاذن وسائر المشاعر بأن يحفظها عما يحرم عليه. وما وعى أي ما جمعه من الطعام والشراب بأن لا يكونا من حرام. والبلى - بالكسر -: الاندراس والاضمحلال. (4) المحفوفة: المحيطة. والمكاره: جمع مكرهة - بفتح الراء وضمها -: ما يكرهه الانسان ويشق عليه. والمراد أن الجنة محفوفة بما يكره النفس من الاقوال والافعال فتعمل بها، فمن عمل بها دخل الجنة، والنار محفوفة بلذات النفس وشهواتها، فمن اعطى نفسه لذتها وشهوتها دخل النار. (5) الذؤابة من كل شئ: أعلاه. ومن السيف: علاقته. ومن السوط: طرفه. ومن الشعر: ناصيته. وعتا يعتو عتوا، وعتى يعتى عتيا بمعنى واحد أي استكبر وتجاوز الحد، والعتو: الطغيان والتجاوز عن الحدود والتجبر.

[306]

من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله، ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله، ومن أحدث حدثا (1)، أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا. يا هشام أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله بعد المعرفة به: الصلاة، وبر الوالدين، وترك الحسد والعجب والفخر. يا هشام أصلح أيامك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو، وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول، وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويلة قصيرة فاعمل كانك ترى ثواب عملك لتكن أطمع في ذلك. واعقل عن الله وانظر (2) في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آت من الدنيا كما ولى منها، فاعتبر بها. وقال علي بن الحسين عليهما السلام: " إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الارض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيئ الظلال - ثم قال عليه السلام -: أولا حر يدع [هذه] اللماظة لاهلها (3) - يعني الدنيا - فليس لانفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس ". يا هشام إن كل الناس يبصر النجوم، ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة، ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها. يا هشام إن المسيح عليه السلام قال للحواريين: " يا عبيد السوء يهولكم طول النخلة (4) وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها، وتنسون طيب ثمرها


(1) الحدث: الامر الحادث الذى ليس بمعتاد ولا معروف في السنة. (2) " عقل عن الله ": عرف عنه وبلغ عقله إلى حد يأخذ العلم عن الله فكأنه أخذ العلم عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله. (3) اللماظة - بالضم - بقية الطعام في الفم. وأيضا بقية الشئ القليل. والمراد بها هنا الدنيا. (4) يهولكم أي يفزعكم وعظم عليكم.

[307]

ومرافقها (1). كذلك تذكرون مؤونة عمل الاخرة فيطول عليكم أمده. و تنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها (2) يا عبيد السوء نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله، كذلك فأخلصوا الايمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه (3)، بحق أقول لكم، لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران (4) في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه. كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه، ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها. يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم: لا تدركون شرف الاخرة إلا بترك ما تحبون، فلا تنظروا بالتوبة غدا، فان دون غد يوما وليلة وقضاء الله (5) فيهما يغدوا ويروح. بحق أقول لكم: إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هما ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هما عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب، وأن صغار الذنوب ومحقراتها (6) من مكائد إبليس، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم. بحق أقول لكم: إن الناس في الحكمة رجلان: فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله، ورجل أتقنها


(1) مؤونة المراقى: شدة الارتقاء. والمرافق: المنافع وهى جمع مرفق - بالفتح -: ما انتفع به. (2) الامد: الغاية ومنتهى الشئ، يقال: طال عليهم الامد أي الاجل. والنور - بالفتح -: الزهرة. (3) الغب - بالكسر -: العاقبة. وأيضا بمعنى البعد. (4) القطران - بفتح القاف وسكون الطاء وكسرها أو بكسر القاف وسكون الطاء -: سيال دهنى شبيه النفط، يتخذ من بعض الاشجار كالصنوبر والارز فيهنأ به الابل الجربى ويسرع فيه اشعال النار. وقوله: " نتنه " أي خبث رائحته. (5) كناية عن الموت فانه يأتي في الغداة والرواح. (6) في بعض النسخ " ومحقرتها ".

[308]

بقوله وضيعها بسوء فعله، فشتان بينهما، فطوبى للعلماء بالفعل وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجونا لاجسادكم وجباهكم، واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى، ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، إن أجزعكم عند البلاء لاشدكم حبا للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لازهدكم في الدنيا، يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة (1) ولا بالثعالب الخادعة ولا بالذئاب الغادرة، ولا بالاسد العاتية كما تفعل بالفراس (2) كذلك تفعلون بالناس، فريقا تخطفون وفريقا تخدعون وفريقا تغدرون بهم (3). بحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا، كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم. وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة. لا تكونوا كالمنخل (4) يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقي الغل في صدوركم، يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيئ للناس ويحرق نفسه، يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب (5)، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الارض الميتة بوابل المطر (6) ".


(1) الحداء - بالكسر -: جمع حدأة - كعنبة -: طائر من الجوارح وهو نوع من الغراب يخطف الاشياء، والخاطفة من خطف الشئ يخطف كعلم يعلم -: استلبه بسرعة والغادرة: الخائنة. والعاتى: الجبار. (2) الفريسة: ما يفترسه الاسد ونحوه. وفى بعض النسخ " بالفراش ". (3) في بعض النسخ " وفريقا تقدرون بهم ". (4) المنخل - بضم الميم والخاء أو بفتح الخاء -: ما ينخل به. والنخالة - بالضم -: ما بقى في المنخل من القشر ونحوه. (5) جثا يجثو. وجثى يجثى: جلس على ركبته أو قام على أطراف الاصابع. وفى بعض النسخ " حبوا " أي زحفا على الركب من حبا يحبو وحبى يحبى " إذا مشى على أربع. (6) الوابل: المطر الشديد الضخم القطر.

[309]

يا هشام مكتوب في الانجيل " طوبى للمتراحمين، اولئك هم المرحومون يوم القيامة، طوبى للمصلحين بين الناس، اولئك هم المقربون يوم القيامة، طوبى للمطهرة قلوبهم، اولئك هم المتقون يوم القيامة، طوبى للمتواضعين في الدنيا، اولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة ". يا هشام قله المنطق حكم عظيم، فعليكم بالصمت، فإنه دعة حسنة وقلة وزر وخفة من الذنوب. فحصنوا باب الحلم، فإن بابه الصبر، وإن الله عزوجل يبغض الضحاك من غير عجب، والمشاء إلى غير أرب (1) ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم، فاستحيوا من الله في سرائركم، كما تستحيون من الناس في علانيتكم، واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم. يا هشام تعلم من العلم ما جهلت، وعلم الجاهل مما علمت، عظم العالم لعلمه ودع منازعته، وصغر الجاهل لجهله، ولا تطرده، ولكن قربه وعلمه. يا هشام إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها، وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: " إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشية فأسكتتهم عن المنطق، وإنهم لفصحاء عقلاء، يستبقون إلى الله بالاعمال الزكية، لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل، يرون في أنفسهم أنهم أشرار وأنهم لاكياس وأبرار " (2). يا هشام الحياء من الايمان والايمان في الجنة، والبذاء من الجفاء (3) والجفاء في النار.


(1) المشاء: الكثير المشى. وأيضا النمام والمراد ههنا الاول. والارب - بفتحتين -: الحاجة. (2) الاكياس: جمع كيس - كسيد -: الفطن، الظريف، الحسن الفهم والادب. (3) البذاء: الفحش. والبذى - على فعيل -: السفيه والذى أفحش في منطقه.

[310]

يا هشام المتكلمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب (1) فأما الرابح فالذاكر لله. وأما السالم فالساكت. وأما الشاجب فالذي يخوض في البال، إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي، قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه، وكان أبو ذر - رضي الله عنه - يقول: " يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك ". يا هشام بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه إذا شاهده (2) ويأكله إذا غاب عنه، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله، إن أسرع الخير ثوابا البر. وأسرع الشر عقوبة البغي، وإن شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم. ومن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه. يا هشام لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا، ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو. يا هشام قال الله عزوجل: عزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت الغنى في نفسه، وهمه في آخرته، وكففت [عليه] ضيعته (3) وضمنت السماوات والارض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر (4). يا هشام الغضب مفتاح الشر. وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحدا منهم إلا من كانت يدك عليه العليا (5) فافعل.


(1) الشاجب: الهذاء المكثار أي كثير الهذيان وكثير الكلام. وأيضا الهالك. و هو الانسب. (2) أي يحسن الثناء وبالغ في مدحه إذا شاهده، ويعيبه بالسوء ويذمه إذا غاب. (3) الضيعة - بالفتح -: حرفة الرجل وصناعته وفى بعض النسخ " صنعته ". (4) أي مضافا على ربح تجارتهم. (5) اليد العلياء: المعطية المتعففة.

[311]

يا هشام عليك بالرفق. فإن الرفق يمن والخرق شؤم، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار، ويزيد في الرزق (1). يا هشام قول الله: " هل جزاء الاحسان إلا الاحسان (2) " جرت في المؤمن والكافر والبر والفاجر. من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به، وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى ترى فضلك، فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء (3). يا هشام إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل، يحذرها الرجال ذووا العقول، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم. يا هشام اصبر على طاعة الله، واصبر عن معاصي الله، فانما الدنيا ساعة، فما مضى منها فليس تجد له سرورا ولا حزنا، وما لم يأت منها فليس تعرفه، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت (4). يا هشام مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله. يا هشام إياك والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر. الكبر رداء الله، فمن نازعه رداءه أكبه الله في النار على وجهه. يا هشام ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنا استزاد منه وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه. يا هشام تمثلت الدنيا للمسيح عليه السلام في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوجت ؟ فقالت: كثيرا، قال: فكل طلقك ؟ قالت: لا بل كلا قتلت، قال المسيح عليه السلام: فويح لازواجك الباقين، كيف لا يعتبرون بالماضين.


(1) كذا. (2) الرحمن: 60. (3) أي له الفضيلة بسبب ابتدائه بالاحسان، فهو أفضل منك. (4) اغتبط: كان في مسرة وحسن حال. وفى بعض النسخ " قد احتبطت ".

[312]

يا هشام إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله. وإن ضوء الروح العقل، فإذا كان العبد عاقلا كان عالما بربع وإذا كان عالما بربه أبصر دينه. وإن كان جاهلا بربه لم يقم له دين، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل. يا هشام إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا (1) فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع، ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لان الله جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبر من آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف (2) برأسه شجه (3) ومن خفض رأسه استظل تحت وأكنه، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله. ومن تواضع لله رفعه. يا هشام ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح الخطيئة بعد النسك، وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته. يا هشام لا خير في العيش إلا لرجلين: لمستمع واع، وعالم ناطق. يا هشام ما قسم بين العباد أفضل من العقل، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ما بعث الله نبيا إلا عاقلا حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين. وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه (4). يا هشام قال رسول الله صلى الله عليه وآله. " إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه، فانه يلقى الحكمة. والمؤمن قليل الكلام كثير العمل والمنافق كثير الكلام قليل العمل ". يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام " قل لعبادي: لا تجعلوا بيني وبينهم


(1) الصفا: الحجر الصلد الضخم. (2) شمخ - من باب منع -: علا ورفع. (3) أي كسره وجرحه. (4) أي ما يؤدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عرف الله إلى حد التعقل، أو أخذ عنه.

[313]

عالما مفتونا بالدنيا فيصدهم عن ذكري، وعن طريق محبتي ومناجاتي، اولئك قطاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي (1) ومناجاتي من قلوبهم. يا هشام من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الارض، ومن تكبر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله (2) ومن ادعى ما ليس له فهو أعنى لغير رشده (3). يا هشام أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام " يا داود حذر، فأنذر (4) أصحابك عن حب الشهوات، فإن المعلقة قلوبهم شهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني ". يا هشام إياك والكبر على أوليائي والاستطالة بعلمك فيمقتك الله، فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك. وكن في الدنيا كساكن دار ليست له، إنما ينتظر الرحيل. يا هشام مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والاخرة، ومشاورة العاقل الناصح يمن وبركة ورشد وتوفيق من الله، فإذا أشار (5) عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب (6). يا هشام إياك ومخالطة الناس والانس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا فآنس به واهرب من سائرهم كهربك من السباع الضارية (7) وينبغي للعاقل إذا


(1) في بعض النسخ " عبادتي ". (2) استطال عليهم: أي تفضل عليهم. (3) أعنى اعناء - يائى - الرجل: أذاه وكلفه ما يشق عليه. وفى بعض النسخ " أعنى لغيره " أي يدخل غيره في العناء والتعب. (4) في بعض النسخ " وانذر " وفى بعضها " ونذر ". (5) في بعض النسخ " فإذا استشار ". (6) العطب: الهلاك. (7) الضارى: الحيوان السبع، من ضرى الكلب بالصيد يضرى: تعوده وأولع به وأيضا: تطعم بلحمه ودمه.

[314]

عمل عملا أن يستحيي من الله، وإذا تفرد له بالنعم أن يشارك في عمله أحدا غيره (1) وإذا خر بك (2) أمر ان لا تدري أيهما خير وأصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك، وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في الجهالة (3) قال هشام: فقلت له: فإن وجدت رجلا طالبا له غير أن عقله لا يتسع لضبط ما القي إليه ؟ قال عليه السلام: فتلطف له في النصيحة، فان ضاق قلبه [ف‍] لا تعرضن نفسك للفتنة، واحذر رد المتكبرين، فإن العلم يذل على أن يملى على من لا يفيق (4) قلت: فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها قال عليه السلام: فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد، واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم، ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده، ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده، ولم يفرج المحزونين (5) بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته. فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤذيه بأوليائه، فكيف بمن يؤذى فيه، وما ظنك بالتواب


(1) كذا. أي إذا اختص العاقل بنعمة ينبغى له أن يشارك غيره في هذه النعمة بأن يعطيه منها. وفى بعض النسخ " إذ تفرد له ". والظاهر سقطت لفظة " لا " من قوله " أن يشارك " والمعنى واضح. (2) في بعض النسخ " وإذا مر بك أمران " وخربه أمر أي نزل به وأهمه. (3) قال المؤلف - رحمه الله -: وفيه حذفا وايصالا أي تغلب على الحكمة أي يأخذها منك قهرا من لا يستحقها بأن يقرأ على صيغة المجهول أو على المعلوم أي تغلب على الحكمة فانها تأبى عمن لا يستحقها. ويحتمل أن يكون بالفاء والتاء من الافلات بمعنى الاطلاق فانهم يقولون: انفلت منى كلام أي صدر بغير روية. وفى بعض النسخ المنقولة من الكتاب " واياك أن تطلب الحكمة وتضعها في الجهال ". (4) الافاقة: الرجوع عن السكر والاغماء والغفلة إلى حال الاستقامة. وفى بعض النسخ " فان العلم يدل على أن يحمل على من لا يفيق " وفى بعضها " يجلى " مكان يملى. (5) في بعض النسخ " ولم يفرح المحزونين ".

[315]

الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضاه (1) ويختار عداوة الخلق فيه. يا هشام من أحب الدنيا ذهب خوف الاخرة من قلبه، وما اوتي عبد علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله بعدا، وازداد الله عليه غضبا. يا هشام إن العاقل اللبيب من ترك مالا طاقة له به، وأكثر الصواب في خلاف الهوى، ومن طال أمله ساء عمله. يا هشام لو رأيت مسير الاجل لالهاك عن الامل. يا هشام إياك والطمع، وعليك باليأس مما في أيدي الناس، وأمت الطمع من المخلوقين، فإن الطمع مفتاح للذل (2) واختلاس العقل واختلاق المروات (3). وتدنيس العرض، والذهاب بالعلم وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه. وجاهد نفسك لتردها عن هواها، فإنه واجب عليك كجهاد عدوك، قال هشام: فقلت له: فاي الاعداء أوجبهم مجاهدة قال عليه السلام: أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرهم بك وأعظمهم لك عداوة وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك، ومن يحرض (4) أعداءك عليك وهو إبليس الموكل بوسواس [من] القلوب فله فلتشتد عداوتك (5). ولا يكونن أصبر على مجاهدتك لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته، فإنه أضعف منك ركنا في قوته (6) وأقل منك ضررا في كثرة شره.


(1) يترضاه: أي يطلب رضاه. (2) في بعض النسخ " الذل ". (3) الاختلاق: الافتراء. وفى بعض النسخ " واخلاق " والظاهر أنه جمع خلق - بالتحريك - أي البالى. والعرض: النفس والخليقة المحمودة - وأيضا: ما يفتخر الانسان من حسب وشرف. (4) وفى بعض النسخ " ومن يحرص ". (5) في بعض النسخ " فلتشد ". (6) الركن: العز والمنعة. وأيضا: ما يقوى به. والامر العظيم. أي لا يكون صبره في المجاهدة قوى منأك فمع قوته وكثرة شره أضعف منك ركنا وأقل ضررا.

[316]

إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم. يا هشام من أكرمه الله بثلاث فقد لطف به: عقل يكفيه مؤونة هواه، وعلم يكفيه مؤونة جهله، وغنى يكفيه مخافة الفقر. يا هشام احذر هذه الدنيا واحذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة أصناف: رجل متردي معانق لهواه، ومتعلم مقري (1) كلما ازداد علما ازداد كبرا، يستعلى (2) بقراءته وعلمه على من هو دونه، وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته، يحب أن يعظم ويوقر، وذو بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به، فهو عاجز أو مغلوب ولا يقدر على القيام بما يعرف‍ [- ه] فهو محزون مغموم بذلك، فهو أمثل أهل زمانه (3) وأوجههم عقلا. يا هشام أعرف العقل وجنده، والجهل وجنده تكن من المهتدين، قال هشام: فقلت جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا ؟ فقال عليه السلام: يا هشام إن الله خلق العقل وهو أول خلق خلقه الله من الروحانيين عن يمين العرش من نوره (4) فقال له: أدبر فأدبر. ثم قال له: أقبل فأقبل. فقال الله عزوجل: خلقتك خلقا [عظيما] وكرمتك على جميع خلقي. ثم خلق الجهل من البحر الاجاج الظلماني، فقال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: أقبل، فلم يقبل. فقال له: استكبرت فلعنه. ثم جعل للعقل خمسة


(1) فاعل من قرأوفى بعض النسخ " متقرى ". (2) في بعض النسخ " يستعلن ". (3) الامثل: الافضل. (4) عن يمين العرش أي أقوى جانبيه وأشرفهما. و " من نوره " أي من نور ذاته. " فقال له الخ " مضى بيان ما فيه في أوائل ج 77 من كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله في حكمه مواعظه فليطلبه هنا. قوله عليه السلام: " فلا يكون خلفا أعظم منه " إذ به يقوم كل شئ فيكون أكرم من كل مخلوق. والجهل يكون منبع الشرور فله قابلية لكل شر.

[317]

وسبعين جندا، فلما رأى الجهل ما كرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة فقال الجهل: يا رب هذا خلق مثلي خلقته وكرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به أعطني من الجند مثل ما أعطيته ؟ فقال تبارك وتعالى: نعم، فإن عصيتني بعد ذلك أخرجتك وجندك من جواري ومن رحمتي، فقال: قد رضيت. فأعطاه الله خمسة وسبعين جندا، فكان مما أعطى العقل من الخمسة والسبعين جندا: (1) الخير، وهو وزير العقل. وجعل ضده الشر، وهو وزير الجهل. الايمان، الكفر. التصديق، التكذيب. الاخلاص، النفاق. الرجاء، القنوط. العدل، الجور. الرضى، السخط. الشكر، الكفران. اليأس، الطمع. التوكل، الحرص. الرأفة، الغلظة. العلم، الجهل. العفة، التهتك. الزهد، الرغبة. الرفق، الخرق. الرهبة، الجرأة. التواضع، الكبر. التؤدة (2)، العجلة. الحلم، السفه. الصمت، الهذر (3). الاستسلام، الاستكبار. التسليم، التجبر. العفو، الحقد. الرحمة، القسوة. اليقين، الشك. الصبر، الجزع. الصفح، الانتقام. الغنى، الفقر. التفكر، السهو. الحفظ، النسيان. التواصل، القطيعة. القناعة، الشره (4). المؤاساة، المنع. المودة، العداوة.


(1) المذكور هنا 71 جندا وفى الكافي ثمانية وسبعون لكنه تكرر بعض الجنود ولا يخفى أن الجنود أكثر لكن ذكر منها الاهم. (2) التؤدة - بالضم -: الرزانة والتأنى، يقال: توأد في الامر أي تأتى وتمهل. (3) الهذر - بالتحريك -: الهذيان والكلام الذى لا يعبأ به، يقال: هذر فلان في منطقه - من باب ضرب ونصر -. خلط وتكلم بما لا ينبغى. (4) الشره - بالتحريك - مصدر باب فرح -: الحرص يقال: شره إلى الطعام: اشتد ميله إليه. ويمكن أن يكون كما في بعض النسخ " الشرة " بالكسر فالتشديد أي الحدة والحرص.

[318]

الوفاء، الغدر. الطاعة، المعصية. الخضوع، التطاول (1). السلامة، البلاء. الفهم، الغباوة (2). المعرفة، الانكار. المداراة، المكاشفة. سلامة الغيب، المماكرة (3). الكتمان، الافشاء. البر، العقوق. الحقيقة، التسويف (4). المعروف، المنكر. التقية، الاذاعة. الانصاف، الظلم. التقى، الحسد (5). النظافة، القذر. الحياء، القحة (6). القصد، الاسراف. الراحة، التعب. السهولة، الصعوبة. العافية، البلوى. القوام، المكاثرة (7). الحكمة، الهوى. الوقار، الخفة. السعادة، الشقاء. التوبة، الاصرار. المحافظة، التهاون (8). الدعاء، الاستنكاف. النشاط، الكسل. الفرح، الحزن. الالفة، الفرقة. السخاء، البخل. الخشوع، العجب. صون الحديث، النميمة (9) الاستغفار، الاغترار. الكياسة، الحمق.


(1) التطاول: التكبر والترفع. (2) الغباوة: الغفلة وقلة الفطنة. (3) المماكرة: المخادعة. (4) التسويف: المطل والتأخير. (5) في بعض النسخ " النفى، الحسد " ولعله تصحيف. وفى بعضها " النقى ". (6) القح - بالضم - الجافي. ويمكن أن يكون قحة مصدر وقح: الوقاحة وقلة الحياء. وفى بعض النسخ " القيحة ". (7) القوام - بالفتح -: العدل والاعتدال. والمكاثرة: المفاخرة والمغالبة في الكثرة بالمال أو العدد. (8) في بعض النسخ " المخافة التهاون ". (9) في بعض النسخ " صدق الحديث، النميمة ".

[319]

يا هشام لا تجمع (1) هذه الخصال إلا لنبي أو وصي أو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان. وأما سائر ذلك من المؤمنين فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل ويتخلص من جنود الجهل. فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الانبياء والاوصيا عليهم السلام. وفقنا الله وإياكم لطاعته. 2 - لى: عن أبيه، عن محمد العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن سعيد بن عمرو، عن إسماعيل بن بشر بن عمار قال: كتب هارون الرشيد إلى أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام: عظني وأوجز، فكتب إليه: ما من شئ تراه عينيك إلا وفيه موعظة. 3 - ف (2): وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني. 1 - وقال عليه السلام: ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه (3) في رزقه ولا يتهمه في قضائه. 2 - وقال: سألته عن اليقين ؟ فقال عليه السلام: يتوكل على الله ويسلم الله ويرضى بقضاء الله ويفوض إلى الله. 3 - وقال عبد الله بن يحيى (4): كتبت إليه في دعاء " الحمد لله منتهى علمه " فكتب عليه السلام: لا تقولن منتهى علمه، فإنه ليس لعلمه منتهى. ولكن قل: منتهى رضاه. 4 - وسأله رجل عن الجواد ؟ فقال عليه السلام: إن لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوقين، فإن الجواد، الذي يؤدي ما افترض الله عليه، والبخيل من بخل بما افترض الله، وإن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى وهو الجواد إن منع، لانه إن أعطاك أعطاك ما ليس لك وإن منعك منعك ما ليس لك. 5 - وقال لبعض شيعته: أي فلان ! إتق الله وقل الحق وإن كان فيه هلاكك


(1) في بعض النسخ " لا تجتمع ". (2) التحف ص 408. (3) أي لا يجده بطيئا. (4) رواه الصدوق - رحمه الله - في التوحيد باب العلم باسناده عن الكاهلى عن موسى بن جعفر عليهما السلام. وعبد الله بن يحيى الكاهلى الاسدي الكوفى أخو اسحاق بن يحيى من وجوه أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام وله كتاب. (*)

[320]

فإن فيه نجاتك، أي فلان ! اتق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك، فإن فيه هلاكك. 6 - وقال له وكيله: والله ما خنتك. فقال عليه السلام له: خيانتك وتضييعك علي مالي سواء، والخيانة شرهما عليك. 7 - وقال عليه السلام، إياك أن تمنع في طاعة الله، فتنفق مثليه في معصية الله. 8 - وقال عليه السلام: المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه. 9 - وقال عليه السلام: عند قبر حضره (1) إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره. 10 - وقال عليه السلام: من تكلم في الله هلك، ومن طلب الرئاسة هلك، ومن دخله العجب هلك. 11 - وقال عليه السلام: اشتدت مؤونة الدنيا والدين: فأما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الاخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليه. 12 - وقال عليه السلام: أربعة من الوسواس: أكل الطين، وفت الطين، وتقليم الاظفار بالاسنان، وأكل اللحية. وثلاث يجلين البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء الجاري، والنظر إلى الوجه الحسن. 13 - وقال عليه السلام: ليس حسن الجوار كف الاذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الاذى. 14 - وقال عليه السلام: لا تذهب الحشمة بينك وبين أخيك (2) وابق منها، فإن ذهابها ذهاب الحياء. 15 - وقال عليه السلام لبعض ولده: يا بني إياك أن يراك الله في معصية نهاك عنها. وإياك أن يفقدك الله عند طاعة أمرك بها، وعليك بالجد، ولا تخرجن نفسك


(1) وفى بعض النسخ " حفره ". (2) الحشمة: الانقباض والاستحياء.

[321]

من التقصير في عبادة الله وطاعته، فإن الله لا يعبد حق عبادته، وإياك والمزاح، فإنه يذهب بنور إيمانك ويستخف مروتك، وإياك والضجر والكسل، فإنهما يمنعان حظك من الدنيا والاخرة. 16 - وقال عليه السلام: إذا كان الجور أغلب من الحق لم يحل لاحد أن يظن بأحد خيرا حتى يعرف ذلك منه. 17 - وقال عليه السلام: ليس القبلة على الفم إلا للزوجة والولد الصغير. 18 - وقال عليه السلام: اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجات الله، وساعة لامر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، و بهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات. لا تحدثوا أنفسكم بفقر ولا بطول عمر، فإنه من حدث نفسه بالفقر بخل، ومن حدثها بطول العمر يحرص، اجعلوا لانفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال ومالا يثلم المروة ومالا سرف فيه. واستعينوا بذلك على أمور الدين، فإنه روي " ليس منا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه ". 19 - وقال عليه السلام: تفقهوا في دين الله فإن الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا. وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب. ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملا. 20 - وقال عليه السلام لعلي بن يقطين (1): كفارة عمل السلطان الاحسان إلى الاخوان.


(1) هو على بن يقطين بن موسى مولى بنى أسد كوفى الاصل سكن بغداد من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام قال الشيخ في الفهرست: على بن يقطين - رحمه الله - ثقة جليل القدر له منزلة عظيمة عند أبى الحسن موسى عليه السلام، عظيم المكان في الطائفة. وكان يقطين من وجوه الدعاة. فطلبه مروان فهرب، وابنه على بن يقطين هذا - رحمه الله - ولد بالكوفة سنة 124 وهربت به امه وبأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة فلما ظهرت الدولة الهاشمية ظهر يقطين وعادت ام على بعلى وعبيد فلم يزل يقطين بخدمة السفاح وأبى جعفر - - - - -

[322]

21 - وقال عليه السلام: كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون. 22 - وقال عليه السلام: إذا كان الامام عادلا كان له الاجر وعليك الشكر. وإذا كان جائرا كان عليه الوزر وعليك الصبر. 23 - وقال أبو حنيفة (1) حججت في أيام أبي عبد الله الصادق عليه السلام فلما


- - - - - - المنصور ومع ذلك كان يتشيع ويقول بالامامة وكذلك ولده وكان - رحمه الله - يحمل الاموال إلى أبى عبد الله جعفر الصادق عليه السلام ونم خبره إلى المهدى فصرف الله عنه كيدهما وتوفى على بن يقطين بمدينة السلام ببغداد سنة 182 وسنه يومئذ 57 سنة وصلى عليه ولى العهد محمد بن الرشيد، وتوفى أبوه بعده سنة 185 ولعلى بن يقطين كتب منها كتاب ما سأل عن الصادق عليه السلام من الملاحم وكتاب مناظرة الشاك بحضرته. انتهى. وكان وفات على بن يقطين في أيام كان أبو الحسن عليه السلام محبوسا في سجن هارون ببغداد وبقى عليه السلام أربع سنين فيه بعد على بن يقطين. وله أيضا مسائل عن أبى الحسن عليه السلام واستأذنه في ترك عمل السلطان فلم يأذن له وقال عليه السلام: " لا تفعل فان لنا بك أنسا ولاخوانك لك عزا وعسى أن يجبر الله بك كسرا ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه يا على كفارة أعمالكم الاحسان إلى اخوانكم ". وضمن على بن يقطين لابي الحسن عليه السلام أن لا يأتيه ولى له الا أكرمه. فضمن أبو الحسن عليه السلام له ثلاث خصال: لا يظله سقف سجن أبدا ولا يناله حد سيف أبدا ولا يدخل الفقر فيه أبدا. (1) هو نعمان بن ثابت بن زوطى أحد الائمة الاربعة كان جده من الفرس من موالى تيم الله بن ثعلبة فمسه الرق فاعتق فكان أبو حنيفة من أبناء الفرس ولد سنة 80 بالكوفة وكان خزازا يبيع الخز، صاحب الرأى والقياس والفتاوى المعروفة في الفقه وقال هو بالقياس والاستحسان حتى أنه قاس في امور معاشه أيضا، وهو أول من قاس في الاسلام، وقيل: أجاز وضع الحديث على وفق مذهبه وعدوه أيضا من المرجئة الذين يقولون لا تضر مع الايمان معصية، رد على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة حديث أو أكثر فقال: لو أدركني - - - - -

[323]

أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه إذ خرج صبي يدرج (1)، فقلت: يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم ؟ قال: على رسلك (2). ثم جلس مستندا إلى الحائط. ثم قال: توق شطوط الانهار ومساقط الثمار وأفنية المساجد وقارعة الطريق (3). وتوار خلف جدار، وشل ثوبك (4) ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، وضع حيث شئت، فأعجبني ما سمعت من الصبي فقلت له، ما اسمك ؟ فقال: أنا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فقلت له: يا غلام ممن المعصية ؟ فقال عليه السلام إن السيئات لا تخلو من إحدى ثلاث: إما أن تكون من الله - وليست منه - فلا ينبغي للرب أن يعذب العبد على ما لا


- - - رسول الله لاخذ بكثير من قولى، ونقل الخطيب في تاريخ بغداد بعضها ويعاب عليه بقواعد العربية. مات سنة 150 واتفق أنه في يوم وفاته ولد الشافعي ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد وهى مشهورة معروفة عند العامة بالامام الاعظم وبنى شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور الخوارزمي مستوفى مملكة السلطان ملكشاه السلجوقي على قبره مشهدا وقبة وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية وقيل: ان الذى أمر ببناء هذه العمارة هو الب أرسلان محمد والد السلطان ملكشاه وكان الامير أبو سعد نائبا عليها. وفى الاخبار: ان أبا حنيفة: جاء يوما إلى الصادق عليه السلام ليسمع منه وخرج عليه السلام يتوكأ على عصا فقال له أبو حنيفة يا ابن رسول الله ما بلغت من السن ما يحتاج منه إلى العصا قال: هو كذلك ولكنها عصا رسول الله صلى الله عليه وآله اردت أتبرك بها فوثب أبو حنيفة إليها وقال له: اقبلها يا ابن رسول الله ؟ فحسر عليه السلام عن ذراعه وقال: والله لقد علمت أن هذا بشر رسول الله صلى الله عليه وآله وان هذا من شعره فما قبلته وتقبل عصاه. (1) درج الصبى: مشى قليلا في أول ما يمشى. (2) الرسل والرسلة: الرفق والتمهل. يقال: على رسلك يا رجل أي على مهلك. (3) قارعة الطريق: أعلاه ومعظمه وهى موضع قرع المارة. (4) أي ارفع ثوبك. - من شال يشول شولا الشئ أي رفعه.

[324]

يرتكب. وإما أن تكون منه ومن العبد - وليست كذلك - فلا ينبغي للشريك القوي أن يظلم الشريك الضعيف. وإما أن تكون من العبد - وهي منه - فإن عفا فبكرمه وجوده. وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته. قال أبو حنيفة: فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله عليه السلام واستغنيت بما سمعت. 24 - وقال له أبو أحمد الخراساني: الكفر أقدم أم الشرك (1) ؟ فقال عليه السلام له: مالك ولهذا ما عهدي بك تكلم الناس. قلت: أمرني هشام بن الحكم (2) أن أسألك. [ف‍] - قال: قل له: الكفر أقدم، أول من كفر إبليس " أبى واستكبر وكان من الكافرين (3) " والكفر شئ واحد والشرك يثبت واحدا ويشرك معه غيره. 25 - ورأى رجلان يتسابان فقال عليه السلام: البادي أظلم ووزره ووزر صاحبه عليه ما لم يعتد المظلوم. 26 - وقال عليه السلام: ينادي مناد يوم القيامة: ألا من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا من عفا، وأصلح فأجره على الله. 27 - وقال عليه السلام: السخي الحسن الخلق في كنف الله، لا يتخلى الله عنه حتى يدخله الجنة. وما بعث الله نبيا إلا سخيا. ومازال أبي يوصيني بالسخاء وحسن الخلق حتى مضى. 28 - وقال السندي بن شاهك - وكان الذي وكله الرشيد بحبس موسى عليه السلام - لما حضرته الوفاة: دعني اكفنك. فقال عليه السلام: إنا أهل بيت، حج صرورتنا (4) ومهور نسائنا وأكفاننا من طهور أموالنا.


(1) رواه الكليني في الكافي ج 2 ص 385 عن موسى بن بكر الواسطي والعياشي في تفسيره. عنه قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الكفر والشرك أيهما أقدم - إلى آخر الاية -. (2) وكذا في تفسير العياشي ولكن في الكافي " هشام بن سالم ". (3) البقرة: 32. (4) الصرور - بالصاد المهملة - الذى لم يتزوج أو لم يحج.

[325]

29 - وقال عليه السلام لفضل بن يونس: أبلغ خيرا وقل خيرا ولا تن إمعة (1) قلت: وما الامعة ؟ قال: لا تقل: أنا مع الناس، وأنا كواحد من الناس. إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير (2) ". 30 - وروي أنه مر برجل من أهل السواد دميم المنظر (3)، فسلم عليه و نزل عنده وحادثه طويلا. ثم عرض عليه السلام عليه نفسه في القيام بحاجة إن عرضت له، فقيل له: يا ابن رسول الله أتنزل إلى هذا ثم تسأله عن حوائجه، وهو إليك أحوج ؟ فقال عليه السلام: عبد من عبيدالله وأخ في كتاب الله وجار في بلاد الله، يجمعنا وإياه خير الاباء آدم عليه السلام وأفضل الاديان الاسلام ولعل الدهر يرد من حاجاتنا إليه،


(1) فضل بن يونس الكاتب البغدادي عده الشيخ من أصحاب الكاظم عليه السلام وقال: أصله كوفى تحول إلى بغداد مولى واقفى. انتهى. ووثقه النجاشي، وروى الكشى ما يدل على غاية اخلاصه للامام الكاظم عليه السلام قال: وجدت بخط محمد بن الحسن بن بندار القمى في كتابه حدثنى على بن ابراهيم عن محمد بن سالم قال: لما حمل سيدى موسى بن جعفر عليهما السلام إلى هارون جاء إليه هشام بن ابراهيم العباسي فقال له يا سيدى قد كتبت لى صك إلى الفضل ابن يونس فتسأله أن يروج أمرى فركب إليه أبو الحسن فدخل عليه حاجبه وقال: يا سيدى ! أبو الحسن موسى عليه السلام بالباب فقال: ان كنت صادقا فأنت حر ولك كذا وكذا، فخرج الفضل حافيا يعدو حتى وصل إليه فوقع على قدميه يقبلهما، ثم سأله أن يدخل فقال له: اقض حاجة هشام بن ابراهيم فقضاها، ثم قال: يا سيدى قد حضر الغذاء فتكرمني أن تتغذى عندي فقال: هات فجاء بالمائدة وعليها البوارد فأجال أبو الحسن عليه السلام يده في البارد ثم قال: البارتجال اليد فيه وجاؤوا بالحار فقال أبو الحسن عليه السلام: الحار حمى. (2) الا مع والامعة - بالكسر فالتشديد - قيل: أصله " انى معك ". (3) النجد: الطريق الواضح المرتفع. وقوله عليه السلام: " انما هما نجدان " فالظاهر اشارة إلى قوله في سورة البلد 10 " فهديناه النجدين ". (4) دميم المنظر أي قبيح المنظر من دم دمامة: كان حقيرا وقبح منظره.

[326]

فيرانا - بعد الزهو عليه (1) - متواضعين بين يديه، ثم قال عليه السلام: نواصل من لا يستحق وصالنا مخافة أن نبقى بغير صديق 31 - وقال عليه السلام: لا تصلح المسألة إلا في ثلاثة: في دم منقطع (2) أو غرم مثقل أو حاجة مدقعة. 32 - وقال عليه السلام: عونك للضعيف من أفضل الصدقة. 33 - وقال عليه السلام: تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل. 34 - وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان. 35 - وقال عليه السلام: يعرف شدة الجور من حكم به عليه. 4 - ف (3): روي عن موسى بن جعفر عليه السلام أنه قال: صلاة النوافل قربان إلى الله لكل مؤمن، والحج جهاد كل ضعيف، ولكل شئ زكاة وزكاة الجسد صيام النوافل، وأفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفرج، ومن دعا قبل الثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله كان كمن رمى بسهم بلا وتر، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية وإن امرء اقتصد، والتدبير نصف العيش، والتودد إلى الناس نصف العقل، وكثرة الهم يورث الهرم، والعجلة هي الخرق، وقله العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقهما، ومن ضرب بيده على فخذه، أو ضرب بيده الواحدة على الاخرى عند المصيبة فقد حبط أجره، والمصيبة لا تكون مصيبة يستوجب صاحبها أجرها إلا بالصبر والاسترجاع عند الصدمة، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي دين أو حسب،


(1) الزهو: الفخر والكبر. قال الشاعر: لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه (2) أي دم من ليس لقاتله مال حتى يؤدى ديته. والمدقعة: الشديدة يفضى صاحبه إلى الدقعاء أي التراب أو يفضى صاحبه إلى الدقع وهو سوء احتمال الفقر. والمدقع الملصق بالتراب والذى لا يكون عنده ما يتقى به التراب. (3) التحف ص 403.

[327]

والله ينزل المعونة على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن اقتصد وقنع بقيت عليه النعمة، ومن بذر وأسرف زالت عنه النعمة، وأداء الامانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق، وإذا أراد الله بالذرة (1) شرا أنبت لها جناحين فطارت فأكلها الطير، والصنيعة لا تتم صنيعة عند المؤمن لصاحبها إلا بثلاثة أشياء: تصغيرها وسترها وتعجيلها، فمن صغر الصنيعة عند المؤمن فقد عظم أخاه، ومن عظم الصنيعة عنده فقد صغر أخاه ومن كتم ما أولاه (2) من صنيعة فقد كرم فعاله، ومن عجل ما وعد فقد هنئ (3) العطية. 5 - كشف (4): قال الابي في كتاب نثر الدرر: سمع موسى عليه السلام رجلا يتمنى الموت فقال له: هل بينك وبين الله قرابة يحاميك لها ؟ قال: لا، قال: فهل لك حسنات قدمتها تزيد على سيئاتك ؟ قال: لا، قال: فأنت إذا تتمنى هلاك الابد. وقال عليه السلام: من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم يعرف الزيادة في نفسه فهو في نقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة. وروي عنه عليه السلام: أنه قال: اتخذوا القيان فإنه لهن فطنا وعقولا، ليست لكثير من النساء. كأنه أراد النجابة في أولادهن. قلت: القيان جمع قينة وهي الامة مغنية كانت أو غير مغنية. قال أبو عمر: وكل عبد هو عند العرب قين والامة قينة، وبعض الناس يظن القينة، المغنية خاصة وليس كذلك.


(1) في بعض النسخ " بالنملة ". (2) يقال: أولاه معروفا أي صنعه إليه. (3) هنى الطعام - من باب علم -: تهنأ به أي ساغ له الطعام ولذ. وفى بعض النسخ " هنوء " - من باب شرف -: صار هنيئا. وفى بعضها " فقد هنأ " من باب التفعيل. (4) كشف الغمة ج 3 ص 42.

[328]

وقال: ابن حمدون في تذكرته (1) قال موسى بن جعفر عليه السلام: وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك. معنى هذه الاربع: الاولى وجوب معرفة الله تعالى الذي هي اللطف، الثانية معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعين عليك لاجلها الشكر والعبادة، الثالثة أن تعرف ما أراده منك فيما أوجبه عليك وندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منك فتستحق بذلك الثواب، والرابعة أن تعرف الشئ الذي يخرجك عن طاعة الله فتجتنبه. 6 - كش (2)، عن حمدويه، عن الحسن بن موسى، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد السائي (3) قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس أسأله فيه عن حاله وعن جواب مسائل كتبت بها إليه فكتب بسم الله الرحمن الرحيم: الحمد الله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ابتغى إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة والاديان الشتى، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتدي، وسميع وأصم، وأعمى وبصير، وحيران، فالحمد لله الذي عرف وصف دينه بمحمد صلى الله عليه وآله. أما بعد فإنك امرء أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة مودة بما ألهمك من رشدك وبصرك من أمر دينك بفضلهم، ورد الامور إليهم والرضا بما قالوا - في كلام طويل - وقال: ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته ولا تحصر حصرنا (4)


(1) المصدر: ج 3 ص 45. (2) اختيار رجال الكشى ص 386. (3) السائى نسبة إلى ساية: اسم واد من حدود الحجاز. وقيل: قرية من قرى المدينة المشرفة، وقيل: انها قرية بمكة، وقيل واد بين الحرمين. وقال في منهج المقال قرية بالمدينة. (4) في بعض النسخ " ولا تحصن بحصن رياء ".

[329]

ووال آل محمد صلى الله عليه وآله، ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا: " هذا باطل " وإن كنت تعرف خلافه فإنك لا تدري لما قلناه وعلى أي وجه وصفناه، آمن بما أخبرتك، ولا تفش ما استكتمتك، أخبرك أن من أوجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا ينفعه لامر دنياه ولامر آخرته (1). 7 - كا (2): عن العدة، عن سهل، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور الخزاعي، عن علي بن سويد. ومحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، والحسن بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن إسماعيل بن مهران، عن محمد بن منصور، عن على بن سويد قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في الحبس كتابا أسأله عن حاله وعن مسائل كثيرة، فاحتبس الجواب علي أشهر ثم أجابني بجواب هذه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله العلي العظيم الذي بعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الارض إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة، والاديان المتضادة، فمصيب ومخطئ، وضال ومهتد، وسميع وأصم، وبصير وأعمى وحيران، فالحمد لله الذي عرف ووصف دينه محمد صلى الله عليه وآله (3). أما بعد فإنك امرء أنزلك الله من آل محمد بمنزلة خاصة وحفظ مودة ما


(1) في المصدر " لا من دنياه ولا من آخرته ". (2) في الكافي ج 8 ص 124. (3) " عرف ووصف " كذا في بعض النسخ، فقوله " عرف " بتخفيف الراء أي عرف محمد دينه ووصفه. وفى بعض النسخ " عز ووصف " أي عز هو تعالى ووصف الخلق دينه محمد وفى بعض النسخ " محمدا " بالنصب فعرف بتشديد الراء. والاول أظهر وأصوب.

[330]

استرعاك من دينه (1) وما ألهمك من رشدك، وبصرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم وبردك الامور إليهم كتبت تسألني عن امور كنت منها في تقية، ومن كتمانها في سعة، فلما انقضى سلطان الجبابرة وجاء سلطان ذي السلطان العظيم (2) بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها العتاة على خالقهم (3) رأيت أن افسر لك ما سألتني عنه مخافة أن يدخل الحيرة على ضعفاء شيعتنا من قبل جهالتهم، فاتق الله عز ذكره وخص بذلك الامر أهله، واحذر أن تكون سبب بلية على الاوصياء أو حارشا عليهم (4) بإفشاء ما استودعتك، وإظهار ما استكتمتك، ولن تفعل إن شاء الله، إن أول ما أنهى إليك أني أنعى إليك نفسي في ليالي هذه، غير جازع ولا نادم ولا شاك فيما هو كائن مما قد قضى الله عزوجل وحتم، فاستمسك بعروة الدين - آل محمد - والعروة الوثقى، الوصي بعد الوصي، والمسالمة لهم، والرضا بما قالوا، ولا تلتمس دين من ليس من شيعتك، ولا تحبن دينهم، فإنهم الخائنون الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أماناتهم، وتدري ما خانوا أماناتهم ائتمنوا على كتاب الله فحرفوه وبدلوه ودلوا على ولاة الامر منهم فانصرفوا عنهم، فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.


(1) " حفظ مودة " كانه معطوف على قوله " منزلة " أي جعلك تحفظ مودة امر استرعاك وهو دينه، ويمكن أن يقرء حفظ على صيغة الماضي ليكون معطوفا على قوله " أنزلك ". (2) أي كنت أتقى هذه الظلمة في أن أكتب جوابك لكن في تلك الايام دنا أجلى وانقضت أيامى ولا يلزمنى الآن التقية وجاء سلطان الله فلا أخاف من سلطانهم. (3) " المذمومة إلى أهلها " لعل المراد أنها مذمومة بما يصل منها إلى أهلها الذين ركنوا إليها كما يقال: استذم إليه أي فعل ما يذمه على فعله، يحتمل أن تكون إلى بمعنى اللام أو بمعنى عند أي انما هي لهم بئست الدار وأما للصالحين فنعمت الدار فان فيها يتزودون لدار القرار. (4) التحريش الاغراء على الضرر، والحرش: الصيد، ويطلق على الخديعة والمعنى الاول هنا أنسب.

[331]

وسألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل وفى سبيل الله فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته إلى منازلهما فلما أحرزاه توليا إنفاقه أيبلغان بذلك كفرا ولعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على الله عزوجل كلامه، وهزئا برسوله صلى الله عليه وآله وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، والله مادخل قلب أحد منهما شئ من الايمان منذ خروجهما من حاليتهما، وما ازداد إلا شكا كانا خداعين، مرتابين، منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب إلى محل الخزي في دار المقام. وسألت عمن حضر ذلك الرجل وهو يغصب ماله ويوضع على رقبته منهم عارف ومنكر فاولئك أهل الردة الاولى من هذه الامة فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وسألت عن مبلغ علمنا وهو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأما الماضي فمفسر، وأما الغابر فمزبور، أما الحادث فقذف في القلوب ونقر في الاسماع، وهو أفضل علمنا، ولا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وآله (1). وسألت عن امهات أولادهم وعن نكاحهم وعن طلاقهم، فأما أمهات أولادهم فهن عواهر إلى يوم القيامة (2) نكاح بغير ولي وطلاق بغير عدة (3) وأما من دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانه ضلاله ويقينه شكه. وسألت عن الزكاة فيهم، فما كان من الزكاة فأنتم أحق به لانا قد أحللنا


(1) أي لا يتوهم أن القاء الملك مستلزم للنبوة بل يكون للائمة عليهم السلام ولا نبوة بعد نبينا. (2) العواهر: الزوانى لان تلك السبايا لما سبين بغير اذن الامام فكلهن أو خمسهن للامام ولم يرخص الامام لغير الشيعة في وطيهن. (3) أي طلاقهم طلاق في غير الزمان الذى يمكن فيه انشاء العدة أي طهر غير المواقعة مع أنه تعالى قال " وطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة ".

[332]

ذلك لكم من كان منكم، وأين كان. وسألت عن الضعفاء فالضعيف من لم ترفع إليه حجة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف. وسألت عن الشهادت لهم، فأقم الشهادة لله عزوجل ولو على نفسك [أ] و الوالدين والاقربين فيما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيما (1) فلا، وادع إلى شرائط الله (2) عز ذكره بمعرفتنا من رجوت إجابته، ولا تحصن بحصن رياء (3)، ووال آل محمد عليهم السلام ولا تقل لما بلغك عنا ونسب إلينا: " هذا باطل " وإن كنت تعرف منا خلافه فإنك لا تدري لما قلناه، وعلى إي وجه وصفناه، آمن بما اخبرك، ولا تفش ما استكتمناك من خبرك، إن من واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لامر دنياه وآخرته، ولا تحقد عليه وإن أساء، وأجب دعوته إذا دعاك، ولا تخل بينه وبين عدوه من الناس وإن كان أقرب إليه منك، وعده في مرضه، ليس من أخلاق المؤمنين الغش ولا الاذى ولا الخيانة ولا الكبر ولا الخنا ولا الفحش ولا الامر به، فإذا رأيت المشوه الاعرابي في جحفل جرار فانتظر فرجك (4) ولشيعتك المؤمنين فإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء وانظر ما فعل الله عزوجل بالمجرمين، فقد فسرت لك جملا مجملا وصلى الله على محمد وآله الاخيار.


(1) الضيم: الظلم يعنى إذا كان يعلم مثلا أن المدعى عليه معسر ويعلم أنه مع شهادته يجبره الحاكم على أدائه فلا يلزم اقامة تلك الشهادة. (2) أي إلى الشرائط التى اشترطها الله على الناس بسبب معرفة الائمة من ولايتهم ومحبتهم وطاعتهم والتبرى من أعدائهم ومخالفيهم، ويحتمل أن يكون المراد بالشرائط الوعد والوعيد والتأكيد والتهديد الذى ورد في أصل المعرفة وتركها. (3) في بعض النسخ " ولا تحضر حصن زناء ". (4) الجحفل - كجعفر -: الجيش الكبير، ويقال: كتيبة جرارة أي ثقيلة السير لكثرتها.

[333]

8 - الدرة الباهرة (1): قال الكاظم عليه السلام: المعروف غل لا يفكه إلا مكافأة أو شكر، لو ظهرت الاجال افتضحت الامال، من ولده الفقر أبطره الغنى، من لم يجد للاساءة مضضا (2) لم يكن للاحسان عنده موقع، ما تساب اثنان إلا انحط الاعلى إلى مرتبة الاسفل. 9 - اعلام الدين (3): قال موسى بن جعفر عليهما السلام، أولى العلم بك مالا يصلح لك العمل إلا به، وأوجب العمل عليك ما أنت مسؤول عن العمل به، وألزم العلم لك ما دلك على صلاح قلبك، وأظهر لك فساده، وأحمد العلم عاقبة ما زاد في علمك العاجل، فلا تشتغلن بعلم مالا يضرك جهله، ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه. وقال عليه السلام: لو ظهرت الاجال افتضحت الامال. وقال عليه السلام: من أتى إلى أخيه مكروها فبنفسه بدأ. وقال عليه السلام: من لم يجد للاساءة مضضا لم يكن عنده للاحسان موقعا. وقال عبد المؤمن الانصاري: دخلت على الامام أبي الحسن موسى بن - جعفر عليهما السلام وعنده محمد بن عبد الله الجعفري، فتبسمت إليه فقال: أتحبه ؟ فقلت: نعم وما أحببته إلا لكم، فقال عليه السلام: هو أخوك والمؤمن أخو المؤمن لامه وأبيه وإن لم يلده أبوه، ملعون من اتهم أخاه، ملعون من غش أخاه، ملعون من لم ينصح أخاه، ملعون من اغتاب أخاه. وقال عليه السلام: ما تساب اثنان إلا انحط الاعلى إلى مرتبة الاسفل. وقدم على الرشيد رجل من الانصار يقال له: نفيع، وكان عارفا فحضر يوما باب الرشيد وتبعه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن -


(1) مخطوط. (2) المضض: وجع الالم. (3) مخطوط.

[334]

جعفر عليهما السلام على حمار له فتلقاه الحاجب بالاكرام والاجلال وأعظمه من كان هناك وعجل له الاذن فقال نفيع لعبد العزيز: من هذا الشيخ فقال له: أو ما تعرفه هذا شيخ آل أبي طالب هذا موسى بن جعفر عليه السلام فقال نفيع: ما رأيت أعجب من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل لو يقدر على زوالهم عن السرير لفعل أما إن خرج لاسوءنه فقال له عبد العزيز: لا تفعل فإن هؤلاء أهل بيت قلما تعرض لهم أحد بخطاب إلا وسموه في الجواب وسمة يبقى عارها عليه أبد الدهر، وخرج موسى عليه السلام فقام إليه نفيع فأخذ بلجام حماره ثم قال له: من أنت قال: يا هذا إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض عزوجل عليك وعلى المسلمين إن كنت منهم الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركي قومي مسلمي قومك أكفاء لهم حتى قالوا: يا محمد اخرج لنا أكفاءنا من قريش، خل عن الحمار فخلى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك. وقيل حج الرشيد فلقي موسى عليه السلام على بغلة له فقال للرشيد: من مثلك في حسبك ونسبك وتقدمك يلقاني على بغلة ؟ فقال: تطأطأت عن خيلاء الخيل، وارتفعت عن ذلة الحمير. 26. * (باب) * " (مواعظ الرضا عليه السلام) " - 1 ف (1): روي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني. 1 - قال الرضا عليه السلام: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه، وسنة من نبيه صلى الله عليه وآله، وسنة من وليه عليه السلام. فأما السنة من ربه فكتمان السر، وأما السنة من نبيه صلى الله عليه وآله فمدارأة الناس، وأما السنة من وليه


(1) التحف ص 442.

[335]

عليه السلام فالصبر في البأساء والضراء. 2 - وقال عليه السلام: صاحب النعمة يجب أن يوسع على عياله. 3 - وقال عليه السلام: ليس العبادة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله. 4 - وقال عليه السلام: من أخلاق الانبياء التنظف. 5 - وقال عليه السلام: ثلاث من سنن المرسلين: العطر، وإحفاء الشعر، وكثرة الطروقة (1). 6 - وقال عليه السلام: لم يخنك الامين، ولكن ائتمنت الخائن. 7 - وقال عليه السلام: إذا أراد الله أمرا سلب العباد عقولهم، فأنفذ أمره وتمت إرادته. فإذا أنفذ أمره رد إلى كل ذي عقل عقله، فيقول: كيف ذا ومن أين ذا. 8 - وقال عليه السلام: الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة، إنه دليل على كل خير. 9 - وقال عليه السلام: مامن شئ من الفضول إلا وهو يحتاج إلى الفضول من الكلام. 10 - وقال عليه السلام: الاخ الاكبر بمنزلة الاب. 11 - وسئل عليه السلام عن السفلة فقال: من كان له شئ يلهيه عن الله. 12 - وكان عليه السلام: يترب الكتاب (2) ويقول: لا بأس به، وكان إذا أراد أن يكتب تذكرات حوائجه كتب بسم الله الرحمن الرحيم أذكر إن شاء الله، ثم يكتب ما يريد. 13 - وقال عليه السلام: إذا ذكرت الرجل وهو حاضر فكنه، وإذا كان غائبا فسمه. 14 - وقال عليه السلام: صديق كل امرء عقله، وعدوه جهله. 15 - وقال عليه السلام: التودد إلى الناس نصف العقل. 16 - وقال عليه السلام: إن الله يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال.


(1) الاحفاء: القص. والطروقة: الجماع. وفى بعض النسخ " واخفاء السر ". (2) أي يجعل عليه التراب ليجفه. ترب وأترب الشئ: جعل عليه التراب.

[336]

17 - وقال عليه السلام: لايتم عقل امرء مسلم حتى تكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقل كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب الحوائج إليه، ولا يمل من طلب العلم طول دهره، الفقر في الله أحب إليه من الغنى، والذل في الله أحب إليه من العز في عدوه، والخمول أشهى إليه من الشهره، ثم قال عليه السلام: العاشرة وما العاشرة، قيل له: ماهي ؟ قال عليه السلام: لا يرى أحدا إلا قال: هو خير مني وأتقى. إنما الناس رجلان: رجل خير منه وأتقى، ورجل شر منه وأدنى، فإذا لقى الذي شر منه وأدنى قال: لعل خير هذا باطن وهو خير له، وخيري ظاهر وهو شر لي. وإذا رأى الذي هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده، وطاب خيره، و حسن ذكره، وساد أهل زمانه. 18 - وسأله رجل عن قول الله: " ومن يتوكل على الله فهو حسبه (1) " ؟ فقال عليه السلام: للتوكل درجات: منها أن تثق به في أمرك كله فيما فعل بك، فما فعل بك كنت راضيا وتعلم أنه لم يألك خيرا ونظرا (2). وتعلم أن الحكم في ذلك له، فتتوكل عليه بتفويض ذلك إليه. ومن ذلك الايمان بغيوب الله التي لم يحط علمك بها فوكلت علمها إليه وإلى امنائه عليها ووثقت به فيها وفي غيرها. 19 - وسأله أحمد بن نجم (3) عن العجب الذي يفسد العمل ؟ فقال عليه السلام: للعجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا. ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله (4) ولله المنة عليه فيه.


(1) الطلاق: 3. (2) ألا في الامر: قصر وأبطأ وترك الجهد ومنه يقال: " لم يأل جهدا ". (3) رواه الكليني - رحمه الله - في الكافي ج 2 ص 313 والصدوق - رضوان الله عليه - في معاني الاخبار باسناده عن على بن سويد المدينى عن أبى الحسن موسى عليه السلام. وأما أحمد ابن نجم هذا لم نجد الايعاز إليه في معاجم الرجال. (4) وفى بعض النسخ " فيمتن ".

[337]

20 - قال الفضل (1) قلت لابي الحسن الرضا عليه السلام: يونس بن عبد الرحمن يزعم أن المعرفة إنما هي اكتساب. قال عليه السلام: لاما أصاب، إن الله يعطي الايمان من يشاء فمنهم من يجعله مستقرا فيه ومنهم من يجعله مستودعا عنده، فأما المستقر فالذي لا يسلبه الله ذلك أبدا، وأما المستودع فالذي يعطاه الرجل ثم يسلبه إياه. 21 - وقال صفوان بن يحيى (2) سألت الرضا عليه السلام عن المعرفة هل للعباد


(1) الظاهر أنه الفضل بن سنان ولعله ابن سهل ذو الرياستين وزير المأمون وقد مضى ترجمته. ويونس بن عبد الرحمن هو أبو محمد مولى آل يقطين ثقة من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام، كان وجها في أصحابنا متقدما عظيم المنزلة قال ابن النديم: " يونس بن عبد الرحمن من أصحاب موسى بن جعفر عليهما السلام من موالى آل يقطين علامة زمانه كثير التصنيف والتأليف على مذاهب الشيعة " ثم عد كتبه. انتهى. وكان يونس من أصحاب الاجماع ولد في أيام هشام بن عبد الملك ورأى جعفر بن محمد عليهما السلام بين الصفا والمروة ولم يرو عنه وروى عن الكاظم والرضا عليهما السلام وكان الرضا عليه السلام يشير إليه في العلم والفتيا وكان ممن بذل على الوقف مالا جزيلا مات - رحمه الله - سنة 208. (2) هو أبو محمد صفوان بن يحيى البجلى الكوفى، بياع السابرى من أصحاب الامام السابع والثامن والتاسع عليهم السلام وأقروا له بالفقه والعلم، ثقة من أصحاب الاجماع وكان وكيل الرضا عليه السلام وصنف كتبا كثيرة وكان من الورع والعبادة ما لم يكن أحد في طبقته. وكان اوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث وأعبدهم، كان يصلى كل يوم خمسين ومائة ركعة ويصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويخرج زكاة ماله كل سنة ثلاث مرات وذاك أنه اشترك هو وعبد الله بن جندب وعلى بن النعمان في بيت الله الحرام فتعاقدوا جميعا ان مات واحد منهم يصلى من بقى بعده صلاته ويصوم عنه ويحج عنه ويزكى عنه مادام حيا فمات صاحباه وبقى صفوان بعدهما وكان يفى لهما بذلك وكان يصلى عنهما ويزكى عنهما ويصوم عنهما ويحج عنهما وكل شئ من البر والصلاح يفعل لنفسه كذلك يفعله عن صاحبيه. كما في جش وصه. وروى عن أربعين رجلا من أصحاب أبى عبد الله عليه السلام. وله كتب كثيرة مثل كتب الحسين بن سعيد وله مسائل عن أبى الحسن موسى عليه السلام وروايات. مات - رحمه الله - بالمدينة وبعث إليه أبو جعفر بحنوطه وكفنه وأمر اسماعيل بن موسى بالصلاة عليه.

[338]

فيها صنع ؟ قال عليه السلام: لا. قلت: لهم فيها أجر ؟ قال عليه السلام: نعم طول عليهم بالمعرفة، وتطول عليهم بالصواب (1). 22 - وقال الفضيل بن يسار (2) سألت الرضا عليه السلام عن أفاعيل العباد مخلوقة هي أم غير مخلوقة ؟ قال عليه السلام: هي والله مخلوقة - أراد خلق تقدير لا خلق تكوين -. ثم قال عليه السلام: إن الايمان أفضل من الاسلام بدرجة، والتقوى أفضل من الايمان بدرجة، واليقين أفضل من الايمان بدرجة، ولم يعط بنو آدم أفضل من اليقين. 23 - وسئل عن خيار العباد ؟ فقال عليه السلام: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤوا استغفروا، وإذا اعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا عفوا. 24 - وسئل عليه السلام عن حد التوكل ؟ فقال عليه السلام: أن لا تخاف أحدا إلا الله. 25 - وقال عليه السلام: من السنة إطعام الطعام عند التزويج. 26 - وقال عليه السلام: الايمان أربعة أركان: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لامر الله، والتفويض إلى الله، وقال العبد الصالح (3): " وأفوض أمري إلى الله فوقاه الله سيئات ما مكروا ". 27 - وقال عليه السلام: صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما توصل به الرحم كف الاذي عنها، وقال: في كتاب الله: " ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى (4) ". 28 - وقال عليه السلام: إن من علامات الفقه: الحلم والعلم، والصمت باب من أبواب الحكمة. إن الصمت يكسب المحبة، إنه دليل على كل خير. (5).


(1) كذا. وتطول عليه: امتن عليه. (2) الفضيل بن يسار من أصحاب الامام الصادق عليه السلام ومات في أيامه، ولعله كان قاسم بن الفضيل أو محمد بن الفضيل لانهما من أصحاب الرضا عليه السلام. (3) أراد عليه السلام بالعبد الصالح مؤمن آل فرعون والاية في سورة غافر: 44. (4) البقرة: 266. (5) وفى بعض النسخ " على كل حق ".

[339]

29 - وقال عليه السلام: إن الذي يطلب من فضل يكف به عياله أعظم أجرا من المجاهد في سبيل الله. 30 - وقيل له: كيف أصبحت ؟ فقال عليه السلام: أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا تدري ما يفعل بنا. 31 - وقال عليه السلام: خمس من لم تكن فيه فلا ترجوه لشئ من الدنيا والاخرة: من لم تعرف الوثاقة في أرومته (1). والكرم في طباعه، والرصانة في خلقه (2) والنبل في نفسه، والمخافة لربه. 32 - وقال عليه السلام: ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفوا. 33 - وقال عليه السلام: السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيل لا يأكل من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه. 34 - وقال عليه السلام: إنا أهل بيت نرى وعدنا علينا دينا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله. 35 - وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء: تسعة منها في اعتزال الناس وواحد في الصمت. 36 - وقال له معمر بن خلاد (3): عجل الله فرجك. فقال عليه السلام. يا معمر ذاك فرجكم أنتم، فأما أنا فوالله ما هو إلا مزود فيه كف سويق مختوم بخاتم. 37 - وقال عليه السلام: عونك للضعيف أفضل من الصدقة. 38 - وقال عليه السلام: لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث: التفقة في الدين. وحسن التقدير في المعيشة. والصبر على الرزايا.


(1) الارومة: الاصل. (2) رصن - كشرف - أي استحكم واشتد وثبت. والنبل - بالضم -: الفضل والنجابة. وفى بعض النسخ " والرزانة في خلقه ". (3) هو أبو خلاد معمر بن خلاد بن أبى خلاد بغدادي ثقة من أصحاب الرضا عليه السلام وله كتب.

[340]

39 - وقال عليه السلام لابي هاشم داود بن القاسم الجعفري (1): يا داود إن لنا عليكم حقا برسول الله صلى الله عليه وآله، وإن لكم علينا حقا. فمن عرف حقنا وجب حقه، ومن لم يعرف حقنا فلا حق له. 40 - وحضر عليه السلام: يوما مجلس المأمون وذو الرياستين حاضر، فتذاكروا الليل والنهار وأيهما خلق قبل صاحبه. فسأل ذو الرياستين الرضا عليه السلام عن ذلك ؟ فقال عليه السلام له: تحب أن اعطيك الجواب من كتاب الله أم حسابك ؟ فقال: أريده أولا من الحساب، فقال عليه السلام: أليس تقولون: إن طالع الدنيا السرطان، وإن الكواكب كانت في أشرافها ؟ قال: نعم. قال: فزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والمريخ في الجدي، والزهرة في الحوت، والقمر في الثور، والشمس في وسط السماء في الحمل، وهذا لا يكون إلا نهارا. قال: نعم. قال: فمن كتاب الله ؟ قال عليه السلام: قوله: " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار " أي أن النهار سبقه (2).


(1) هو أبو هاشم داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ثقة جليل القدر عظيم المنزلة عند الائمة، وقد شاهد جماعة منهم: الامام الثامن إلى الامام الثاني عشر عليهم السلام وله موقع جليل عندهم وكان منقطعا إليهم وروى عنهم وله منهم أخبار ورسائل وروايات من دلائل أبى الحسن الهادى عليه السلام وقال: ما دخلت على أبى الحسن وأبى محمد عليهما السلام الا رأيت منهما دلالة وبرهانا. وقال السيد ابن طاووس: " انه من وكلاء الناحية الذين لا تختلف الشيعة فيهم " كان أبو هاشم عالما اديبا ورعا زاهدا ناسكا ولم يكن في آل أبى طالب مثله في زمانه في علو النسب وكان مقدما عند السلطان توفى - رحمه الله - سنة 261. وكان أبو القاسم بن اسحاق أمير اليمن رجلا جليلا وهو ابن خالة مولانا الصادق عليه السلام لان ام حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبى بكراخت ام فرودة ام مولانا الصادق عليه السلام. (2) رواه الطبرسي - رحمه الله - في المجمع عند بيان الاية من تفسير العياشي عن الاشعث بن حاتم هكذا " قال: كنت بخراسان حيث اجتمع الرضا عليه السلام والفضل بن - - - -

[341]

41 - قال علي بن شعيب (1) دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فقال لي: يا علي من أحسن الناس معاشا ؟ قلت: يا سيدي أنت أعلم به مني. فقال عليه السلام: يا علي بن حسن معاش غيره في معاشه. يا علي بن أسوء الناس معاشا ؟ قلت: أنت أعلم، قال: من لم يعش غيره في معاشه. يا علي أحسنوا جوار النعم فإنها وحشية ما نأت عن قوم فعادت إليهم (2).


- - - - سهل والمأمون في ايوان الحبرى بمرو فوضعت المائدة فقال الرضا عليه السلام: ان رجلا من بنى اسرائيل سألني بالمدينة فقال: النهار خلق قبل أم الليل، فما عندكم ؟ قال: فأداروا الكلام فلم يكن عندهم في ذلك شئ، فقال الفضل للرضا عليه السلام: أخبرنا بها - أصلحك الله - قال: نعم من القرآن أم من الحساب ؟ قال له الفضل: من جهة الحساب فقال: قد علمت يا فضل أن طالع الدنيا السرطان والكواكب في مواضع شرفها ؟ فزحل في الميزان والمشترى في السرطان والشمس في الحمل والقمر في الثور فذلك يدل على كينونة الشمس في الحمل في العاشر في الطالع في وسط السماء فالنهار خلق قبل الليل. وفى قوله تعالى " لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار " أي قد سبقه النهار. انتهى. أقول: لما كان وجود الليل والنهار أمران منتزعان من الشمس وحركته فهما مولودان لدورتها. وتقدم الامر الانتزاعي على منشأ الانتزاع مما ريب فيه. وبعبارة اخرى لما كان وجود الليل والنهار فرع وجود الشمس فإذا كان الشمس كان النهار فإذا كان النهار كان الليل. فوجود الليل منتزع من النهار. فتأمل. وفى قوله عليه السلام: " أم حسابك " اشارة إلى أن الجواب على وفق مذهب السائل. والاية في سورة يس: 40. (1) قال صاحب تنقيح المقال - ره - لم اقف عليه بهذا العنوان في كتب الرجال وانما وقفنا فيها على على بن أبى شعيب المدائني وقال: له كتاب صغير والظاهر كونه اماميا. (2) الجوار - بالكسر - مصدر بمعنى المجاورة. ونأت عن قوم أي بعدت عنه. والمراد ان النعمة وحشية فيجب على من أصابها ونال منها ان أراد بقاءها ودوامها ان يعامل معها معاملة الحيوان الوحشى الذى إذا هرب لم يعد.

[342]

يا علي إن شر الناس من منع رفده، وأكل وحده، وجلد عبده. 42 - وقال له عليه السلام رجل في يوم الفطر: إني أفطرت اليوم على تمر وطين القبر. فقال عليه السلام: جمعت السنة والبركة. 43 - وقال عليه السلام لابي هاشم الجعفري: يا أبا هاشم العقل حباء من الله، والادب كلفة، فمن تكلف الادب قدر عليه، ومن تكلف العقل لم يزدد بذلك إلا جهلا (1). 44 - وقال أحمد بن عمر (2) والحسين بن يزيد: دخلنا على الرضا عليه السلام فقلنا: إنا كنا في سعة من الرزق وغضارة من العيش فتغيرت الحال بعض التغير فادع الله أن يرد ذلك إلينا ؟ فقال عليه السلام: أي شئ تريدون تكونون ملوكا ؟ أيسركم أن تكونوا مثل طاهر وهرثمة (3) وإنكم على خلاف ما أنتم عليه ؟ فقلت:


(1) الحباء - بالكسر -: العطية. والمراد ان العقل غريزة موهبة من الله فكان في فطرة الانسان وجبلته فليس للكسب فيه أثر فمن لم يكن فيه عقل ليس له صلاحية اكتساب العقل بخلاف الادب فان الادب هو السيرة والطريقة الحسنة في المحاورات والمعاشرات فيمكن للانسان تحصيله بأن يتجشمه ويتكلفه. وأبو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد الله ابن جعفر بن أبى طالب الذى تقدم شرح حاله في ص 340. (2) هو أحمد بن عمر بن أبى شعبة الحلبي ثقة من أصحاب الامام السابع والثامن عليهما السلام وله كتاب. وأما الحسين بن يزيد هو ابن عبد الملك النوفلي المتطبب من أصحاب الامام الثامن. كان أديبا شاعرا سكن الرى ومات بها - رحمه الله -. (3) الظاهر هو أبو الطيب أو أبو طلحة طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق بن ماهان الملقب بذو اليمينين والى خراسان كان من أكبر قواد المأمون والمجاهدين في تثبيت دولته، كان جده زريق بن ماهان أو باذان مجوسيا فأسلم على يد طلحة الطلحات الخزاعى المشهور بالكرم والى سجستان وكان مولاه، ولذلك اشتهر الطاهر بالخزاعى، وكان هو الذى سيره المأمون من خراسان إلى محاربة أخيه الامين محمد بن زبيدة ببغداد لما خلع المأمون بيعته وسير الامين على بن عيسى بن ماهان لدفعه فالتقيا بالرى وقتل - - - - >

[343]

لا والله ما سرني أن لي الدنيا بما فيها ذهبا وفضة وإني على خلاف ما أنا عليه. فقال عليه السلام: إن الله يقول: " اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (1) ". أحسن الظن بالله، فإن من حسن ظنه بالله كان الله عند ظنه (2) ومن رضي بالقليل من الرزق قبل منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته ونعم أهله، وبصره الله داء الدنيا ودواءها، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام.


- - - على بن عيسى وكسر جيش الامين وتقدم الطاهر إلى بغداد وأخذ ما في طريقه من البلاد وحاصر بغداد وقتل الامين سنة 198 وحمل برأسه إلى خراسان وعقد للمأمون على الخلافة فلما استقل المأمون بالملك كتب إليه وهو مقيم ببغداد وكان واليا عليها بأن يسلم إلى الحسن بن سهل جميع ما افتتحه من البلاد وهى العراق وبلا الجبل وفارس وأهواز والحجاز واليمن وأن يتوجه هو إلى الرقة، وولاه الموصل وبلاد الجزيرة والشأم والمغرب فكان فيها إلى أن قدم المأمون بغداد فجاء إليه وكان المأمون يرعاه لمناصحته وخدمته ولقبه ذو اليمينين وذلك لانه ضرب شخصا بيساره فقده نصفين في وقعته مع على بن عيسى بن ماهان حتى قال بعض الشعراء: " كلتا يديك يمين حين تضربه " فبعثه إلى خراسان فكان واليا عليها إلى أن توفى سنة 207 بمرو وهو الذى أسس دولة آل طاهر في خراسان وما والاها من 205 إلى 259 وكان طاهر من أصحاب الرضا عليه السلام كان متشيعا وينسب التشيع أيضا إلى بنى طاهر كما في مروج الذهب وغيره. ولد طاهر سنة 159 في توشنج من بلاد خراسان وله عهد إلى ابنه وهو من أحسن الرسائل. وهرثمة هو هرثمة بن أعين كان أيضا من قواد المأمون وفى خدمته وكان مشهورا معروفا بالتشيع محبا لاهل البيت من أصحاب الرضا عليه السلام بل من خواصه وأصحاب سره ويأخذ نفسه انه من شيعته وكان قائما بمصالحه وكانت له محبة تامة واخلاص كامل له، توفى بمرو سنة 200 في السجن. (1) سبأ: 12. (2) قيل: معناه أنه عزوجل عند ظن عبده في حسن عمله وسوء عمله لان من حسن عمله حسن ظنه ومن ساء عمله ساء ظنه.

[344]

45 - وقال له ابن السكيت (1): ما الحجة على الخلق اليوم ؟ فقال عليه السلام: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه، والكاذب على الله فيكذبه. فقال ابن السكيت: هذا والله هو الجواب.


(1) هو أبو يوسف يعقوب بن اسحاق الدورقى الاهوازي من رجال الفرس، المعروف بابن السكيت كان أحد أعلام اللغويين وجهابذة المتأدبين، حامل لواء علم العربية والادب والشعر واللغة ويتصرف في أنواع العلوم، ثقة جليل القدر عظيم المنزلة وكان من عظماء الشيعة ومن خواص أصحاب الامام التاسع والعاشر، وكان المتوكل الخليفة العباسي قد ألزمه تأديب أولاده وكان في أول أمره يؤدب مع أبيه بمدينة السلام في درب القنطرة صبيان العامة حتى احتاج إلى الكسب فجعل يتعلم النحو. وكان أبوه رجلا صالحا وأديبا عالما وكان من أصحاب الكسائي، حسن المعرفة بالعربية وحكى عنه أنه كان قد حج فطاف بالبيت وسعى وسأل الله تعالى أن يعلم ابنه العلم. كان لابن السكيت تصانيف جيدة مفيدة منها اصلاح المنطق في اللغة، ونقل عن ابن خلكان أنه قال بعد نقل كلام: " ولا شك أنه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة ولا يعرف في حجمه مثله في بابه وقد عنى به جماعة واختصره الوزير أبو القاسم الحسين بن على المعروف بابن المغربي. وهذبه الخطيب أبو زكريا التبريزي - إلى أن قال -: ولم يكن بعد ابن الاعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت الخ ". كان مولده - رحمه الله - في حوالى سنة 185 وعاش نحو ثمان وخمسين سنة وقتله المتوكل العباسي وسببه ان المتوكل قال له يوما: أيما أحب ابناى هذان أي المعتز والمؤيد أم الحسن والحسين - عليهما السلام - ؟ فقال ابن السكيت: والله ان قنبرا خادم على بن أبى طالب خير منك ومن أبنيك. فقال المتوكل للاتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات. وقيل: أثنى على الحسن والحسين (ع)، ولم يذكرا بنيه فأمر المتوكل فداسوا بطنه فحمل إلى داره فمات بعد غد ذلك اليوم - رحمة الله عليه. (*)

[345]

46 - وقال عليه السلام: لا يقبل الرجل يد الرجل فإن قبلة يده كالصلاة له (1). 47 - وقال عليه السلام: قبلة الام على الفم، وقبلة الاخت على الخد، وقبلة الامام بين عينيه. 48 - وقال عليه السلام: ليس لبخيل راحة، ولا لحسود لذة، ولا لملوك وفاء ولا لكذوب مروة. 2 - ما (2): عن جماعة، عن أبي المفضل، عن مسعر بن علي بن زياد، عن حريز بن سعد بن أحمد بن مالك، عن العباس بن المأمون، عن أبيه قال: قال لي علي بن موسى الرضا عليهما السلام ثلاثة موكل بها ثلاثة: تحامل الايام علي ذوي الادوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدم في صنعته، ومعاداة العوام على أهل المعرفة. أقول: قد مضى بعض حكمه عليه السلام في النظم في أبواب أحواله عليه السلام. 3 - ص (3): بإسناده إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن سيف، عن محمد بن عبيدة قال: دخلت على الرضا عليه السلام فبعث إلى صالح بن سعيد فحضرنا جميعا فوعظنا ثم قال: إن العابد من بني إسرائيل لم يكن عابدا حتى يصمت عشر سنين، فإذا صمت عشر سنين كان عابدا ثم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: كن خيرا لا شر معه، كن ورقا لا شوك معه، ولا تكن شوكا لا ورق معه، وشرا لا خير معه، ثم قال إن الله تعالى يبغض القيل والقال، وإيضاع المال، وكثرة السؤال، ثم قال: إن بني إسرائيل شددوا فشدد الله عليهم قال لهم موسى عليه السلام: اذبحوا بقرة، قالوا: ما لونها، فلم يزالوا شددوا حتى ذبحوا بقرة يملا جلدها ذهبا، ثم قال إن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إن الحكماء ضيعوا الحكمة لما وضعوا عند غير أهلها.


(1) في الكافي ج 2 ص 185 باسناده عن رفاعة بن موسى عن أبى عبد الله عليه السلام قال: لا يقبل رأس أحد ولا يده الا يد رسول الله أو من اريد به رسول الله صلى الله عليه وآله. (2) الامالى ج 2 ص 98. (3) مخطوط.

[346]

4 - ضا (1): سلوا ربكم العافية في الدنيا والاخرة، فإنه أروي عن العالم أنه " قال الملك الخفي: إذا حضرت (2) لم يؤبه لها، وإن غابت عرف فضلها " واجتهدوا أن يكون زمانكم أربع ساعات ساعة لله لمناجاته، وساعة لامر المعاش، وساعة لمعاشرة الاخوان الثقات، والذين يعرفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث الساعات، لا تحدثوا أنفسكم بالفقر، ولا بطول العمر، فإنه من حدث نفسه بالفقر بخل، ومن حدثها بطول العمر حرص، اجعلوا لانفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال، وما لم يثلم المروة ولا سرف فيه، واستعينوا بذلك على امور الدنيا فإنه نروي " ليس منا من ترك دنياه لدينه، ودينه لدنياه "، وتفقهوا في دين الله فإنه أروي " من لم يتفقه في دينه ما يحظئ أكثر مما يصيب، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة، وحاز المرء المرتبة الجليلة في الدين والدنيا، فضل الفقيه على العباد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يزك الله له عملا ". وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: " لو وجدت شابا من شبان الشيعة لا يتفقه لضربته ضربة بالسيف " وروي غيري عشرون سوطا، وأنه قال: " تفقهوا وإلا أنتم أعراب جهال ". وروي أنه قال: " منزلة الفقيه في هذا الوقت كمنزلة الانبياء في بني إسرائيل ". روي " أن الفقيه يستغفر له ملائكة السماء وأهل الارض والوحش والطير وحيتان البحر " وعليكم بالقصد في الغنى والفقر، والبر من القليل والكثير فإن الله تبارك وتعالى يعظم شقة التمرة حتى يأتي يوم القيامة كجبل احد. إياكم والحرص والحسد فإنهما أهلكا الامم السالفة، وإياكم والبخل فإنها عاهة لا تكون في حر ولا مؤمن، إنها خلاف الايمان.


(1) فقه الرضا عليه السلام باب حق النفوس من باب الديات. (2) أي إذا حضرت العافية لا يلتفت إليها وإذا غابت ظهر فضلها.

[347]

عليكم بالتقية، فإنه روي " من لا تقية له لا دين له "، وروي " تارك التقية كافر " وروي " اتق حيث لا يتقى، التقية دين منذ أول الدهر إلى آخره " وروي " أن أبا عبد الله عليه السلام كان يمضي يوما في أسواق المدينة وخلفه أبو الحسن موسى فجذب رجل ثوب أبي الحسن ثم قال له: من الشيخ فقال: لا أعرف (1). تزاوروا تحابوا وتصافحوا ولا تحاشموا فانه روي " المحتشم والمحتشم (2) في النار " لا تأكلوا الناس بآل محمد فإن التأكل بهم كفر، لا تستقلوا قليل الرزق فتحرموا كثيره، عليكم في اموركم بالكتمان في امور الدين والدنيا فإنه روي " أن الاذاعة كفر " وروي " المذيع والقاتل شريكان " وروي " ما تكتمه من عدوك فلا يقف عليه وليك " لا تغضبوا من الحق إذا صدعتم، ولا تغرنكم الدنيا فإنها لا تصلح لكم كما لا تصلح لمن كان قبلكم ممن اطمأن إليها، وروي " أن الدنيا سجن المؤمن، والقبر بيته، والجنة مأواه، والدنيا جنة الكافر، والقبر سجنه، والنار مأواه ". عليكم بالصدق وإياكم والكذب فإنه لا يصلح إلا لاهله، أكثروا من ذكر الموت فإنه أروي " أن ذكر الموت أفضل العبادة ". وأكثروا من الصلواة على محمد وآله عليهم السلام والدعاء للمؤمنين والمؤمنات في آناء الليل والنهار فإن الصلاة على محمد وآله أفضل أعمال البر، واحرصوا على قضاء حوائج المؤمنين وإدخال السرور عليهم ودفع المكروه عنهم، فإنه ليس شئ من الاعمال عند الله عزوجل بعد الفرائض أفضل من إدخال السرور على المؤمن. لا تدعوا العمل الصالح والاجتهاد في العبادة اتكالا على حب آل محمد عليهم السلام،


(1) سأل الرجل عن أبى الحسن من الرجل يعنى أبا عبد الله فقال أبو الحسن عليه السلام " انى لا أعرف " فقط بدون ذكر مفعول لا أعرف، وهذا من أحسن التورية. (2) حشمه: آذاه وأغضبه بتسميعه ما يكره. واحتشم منه وعنه غضب وانقبض واستحيا. وفى بعض النسخ " ولا تحاشموا " أي لا تغاضبوا فان المتغاضبان في النار.

[348]

لا تدعوا حب آل محمد عليهم السلام والتسليم لامرهم اتكالا على العبادة فإنه لا يقبل أحدهما دون الاخر. واعلموا أن رأس طاعة الله سبحانه التسليم لما عقلناه، وما لم نعقله، فان رأس المعاصي الرد عليهم، وإنما امتحن الله عزوجل الناس بطاعته لما عقلوه وما لم يعقلوه إيجابا للحجة وقطعا للشبهة، واتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن، ولا يفوتنكم خير الدنيا فإن الاخرة لا تلحق ولا تنال إلا بالدنيا. 5 - ضا (1): نروي " انظر إلى من هو دونك في المقدرة، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإن ذلك أقنع لك وأحرى أن تستوجب الزيادة، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين والبصيرة أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين والجهد، واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله، والكف عن أذى المؤمن، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوع، ولا جهل أضر من العجب، ولا تخاصم العلماء ولا تلاعبهم ولا تحاربهم ولا تواضعهم (2) " ونروي " من احتمل الجفا لم يشكر النعمة " " وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: " رحم الله عبدا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم، وأيم الله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا أعز ولما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشئ ". وأروي عن العالم أنه قال: " عليكم بتقوى الله والورع والاجتهاد وأداء الامانة وصدق الحديث، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله، صلوا في عشائركم، وصلوا أرحامكم، وعودوا مرضاكم، واحضروا جنائزكم، كونوا زينا ولا تكونوا شينا، حببونا إلى الناس، ولا تبغضونا، جر وإلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، وما قيل فينا من خير فنحن أهله، وما قيل فينا من شر فما نحن


(1) فقه الرضا عليه السلام أواخر باب مكارم الاخلاق. (2) كذا. وواضعه أي راهنه، وفى الامر: واقفه فيه، وواضعه البيع: تاركه، والرهان: أبطله.

[349]

كذلك، الحمدلله رب العالمين ". ويروى " أن رجلا قال للصادق السلام والرحمة عليه: يا ابن رسول الله فيم المروة فقال: ألا يراك [الله] حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك. 6 - كشف (1) قال الابي في نثر الدرر، سئل الرضا عليه السلام عن صفة الزاهد، فقال: متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته. وسئل عليه السلام عن القناعة فقال: القناعة تجتمع إلى صيانة النفس وعز القدر، وطرح مؤن الاستكثار (2)، والتعبد لاهل الدنيا، ولا يسلك الطريق القناعة إلا رجلان إما متعلل (3) يريد أجر الاخرة، أو كريم متنزه عن لئام الناس. وامتنع عنده رجل من غسل اليد قبل الطعام، فقال: اغسلها والغسلة الاولى لنا، وأما الثانية فلك، فإن شئت فاتركها. قال عليه السلام: (4) في قول الله تعالى: " فاصفح الصفح الجميل (5) " قال: عفو بغير عتاب. وفي قوله " خوفا وطمعا " (6) قال خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم. 7 - ومن تذكرة (7) ابن حمدون قال عليه السلام: من رضي من الله عزوجل بالقليل من الرزق رضي منه بالقليل من العمل، وقال: لا يعدم المرء دائرة السوء مع نكث الصفقة (8) ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادراء البغي، وقال: الناس ضربان بالغ لا يكتفي وطالب لا يجد.


(1) كشف الغمة ج 3 ص 96. (2) في بعض النسخ " مؤونة الاستكثار ". (3) في بعض النسخ " متعبد ". (4) المصدر ج 3 ص 99. (5) غافر: 84. (6) الرعد: 13. (7) كشف الغمة ج 3 ص 100. (8) نكث الصفقة أي نقض العهد. وبالفارسية " پيمان شكنى ".

[350]

8 - كش (1): عن حمدويه عن الحسن بن موسى، عن إسماعيل بن مهران (2) عن أحمد بن محمد قال: كتب الحسين بن مهران إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام كتابا قال فكان (يمشي) شاكا في وقوفه قال: فكتب إلى أبي الحسن يأمره وينهاه، فأجابه أبو الحسن بجواب وبعث به إلى أصحابه فنسخوه ورد [وا] إليه لئلا يستره حسين بن مهران وكذلك كان يفعل إذا سئل عن شئ فأحب ستر الكتاب فهذه نسخة الكتاب الذي أجابه به: بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإياك جائني كتابك تذكر فيه الرجل الذي عليه الجناية والعين (3) وتقول: أخذته وتذكر ما تلقاني به وتبعث إلي بغيره فاحتججت فيه فأكثرت وعميت (4) عليه أمرا وأردت الدخول في مثله تقول إنه عمل (5) في أمري بعقله وحيلته نظرا منه لنفسه وإرادة أن تميل إليه قلوب الناس ليكون مثله الامر بيده وليته (6) يعمل فيه برأيه ويزعم أني طاوعته فيما أشار به علي وهذا أنت تشير علي فيما يستقيم عندك في العقل والحيلة بعدك، لا يستقيم الامر إلا بأحد أمرين إما قبلت الامر على ما كان يكون عليه، وإما أعطيت القوم ما طلبوا وقطعت عليهم، وإلا فالامر عندنا معوج، والناس غير مسلمين ما في أيديهم من مال وذاهبون به، فالامر ليس بعقلك ولا بحيلتك يكون، ولا تفعل الذي نحلته بالراي والمشورة (7) ولكن الامر إلى الله عزوجل وحده لا شريك له يفعل في خلقه ما يشاء، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، ولن تجد له مرشدا، فقلت: واعمل في أمرهم واحتل فيه فكيف لك بالحيلة والله يقول: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا في التورية والانجيل - إلى قوله عزوجل - وليقترفوا ما هم مقترفون " (8) فلو تجيبهم فيما سألوا عنه استقاموا


(1) اختيار رجال الكشى ص 500. (2) في التحرير الطاووسي " اسماعيل ابن موسى ". (3) في المصدر " الخيانة والغبن ". (4) في المصدر " عممت ". (5) في بعض النسخ " بقول انه عمل في أمرى ". (6) في المصدر " الامر بيده واليه يعمل ". (7) في بعض النسخ " والشهرة ". (8) الانعام: 113.

[351]

وأسلموا وقد كان مني ما أنكرت (1) وأنكروا من بعدي ومدلي بقائي، وما كان ذلك إلا رجاء الاصلاح لقول أمير المؤمنين عليه السلام: " واقتربوا واقتربوا وسلوا وسلوا فان العليم يفيض فيضا وجعل يمسح بطنه ويقول: ما ملئ طعاما ولكن ملاته علما والله ما آية انزلت في بر ولا بحر ولا سهل ولا جبل إلا أني أعلمها وأعلم فيمن نزلت " وقول أبي عبد الله عليه السلام: إلى الله أشكو أهل المدينة إنما أنا فيهم كالشعر انتقل يريدونني ألا أقول الحق والله لا أزال أقول الحق حتى أموت فلما قلت: حقا اريد به حقن دمائكم وجمع أمركم على ما كنتم عليه أن يكون سركم مكتوما عندكم غير فاش في غيركم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله سرا أسره الله تعالى إلى جبرئيل، وأسره جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وآله، وأسره محمد صلى الله عليه وآله إلى علي، وأسره علي إلى من شاء، ثم قال قال أبو جعفر ثم أنتم تحدثون به في الطريق فأردت حيث مضى صاحبكم أن ألف أمركم عليكم لئلا تضعوه في غير موضعه ولا تسألوا عنه غير أهله فيكون في مسألتكم إياهم هلاككم، فلما دعا إلى نفسه (2) ولم يكن داخله "، ثم قلتم: لا بد إذا كان ذلك منه يثبت على ذلك ولا يتحول عنه إلى غيره قلت (3) لانه كان له من التقية والكف أولى، وأما إذا تكلم فقد لزمه الجواب فيما يسأل عنه وصار الذي كنتم تزعمون أنكم تذمون به فإن الامر مردود إلى غيركم وإن الفرض عليكم اتباعهم فيه إليكم فصبرتم (4) ما استقام في عقولكم وآرائكم وصح به القياس عندكم بذلك لازما لما زعمتم من أن لا يصح أمرنا زعمتم حتى يكون ذلك علي لكم فإن قلتم لم يكن كذلك لصاحبكم فصار الامر ان وقع إليكم نبذتم أمر ربكم وراء ظهوركم فلا أتبع أهواءكم قد ظلت إذا وما أنا من المهتدين، وما كان بد من أن تكونوا كما كان من قبلكم قد اخبرتم أنها السنن والامثال القذة بالقذة وما كان يكون ما طلبتم من الكف أولا ومن الجواب آخرا شفاء لصدوركم


(1) في المصدر " ما كان منى ما امرتك وأنكروا ". (2) في المصدر " فكم دعا إلى نفسه ". (3) في بعض النسخ " قلتم ". (4) في بعض النسخ " فصيرتم ".

[352]

ولاذهاب شككم وقد كان بد من أن يكون ما قد كان منكم ولا يذهب عن قلوبكم حتى يذهبه الله عنكم، ولو قدر الناس كلهم على أن يحبونا ويعرفوا حقنا ويسلموا لامرنا فعلوا، ولكن الله يفعل ما يشاء ويهدي إليه من أناب، فقد أجبتك في مسائل كثيرة فانظر أنت ومن أراد المسائل منها وتدبرها فإن لم يكن في المسائل شفاء فقد مضى إليكم مني ما فيه حجة ومعتبر وكثرة المسائل معتبة عندنا مكروهة إنما يريد أصحاب المسائل المحنة ليجدوا سبيلا إلى الشبهة والضلالة، ومن أراد لبسا لبس الله عليه ووكله إلى نفسه ولا ترى أنت وأصحابك إني أجبت بذلك وإن شئت صمت فذاك إلي لا ما تقوله أنت وأصحابك لا تدرون كذا وكذا، بل لابد من ذلك إذا نحن منه على يقين وأنتم منه في شك (1). 9 - د (2): من كتاب الذخيرة قال الرضا: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصرفهم، ومن فهم علم، وصديق الجاهل في تعب، وأفضل المال ما وقي به العرض، وأفضل العقل معرفة الانسان نفسه، والمؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر من حقه. وقال عليه السلام: الغوغاء قتلة الانبياء (3) والعامة اسم مشتق من العمى، ما رضي الله لهم أن شبههم بالانعام حتى قال: " بل هم أضل سبيلا " (4). وقال عليه السلام: قال لي المأمون: هل رويت شيئا من الشعر ؟ قلت: ورويت منه الكثير، فقال: أنشدني أحسن ما رويته في الحلم فأنشدته (5): إذا كان دوني من بليت بجهله * أبيت لنفسي أن اقابل بالجهل وإن كان مثلي في محلي من النهى * هربت لحلمي كي أجل عن المثل


(1) اعلم أن النسخ في هذا المكتوب مشوة لا يسعنا تصحيها. (2) العدد القوية: مخطوط. (3) كذا. (4) الفرقان: 47. (5) رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام ص 304.

[353]

وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى * عرفت له حق التقدم والفضل قال المأمون: من قائله ؟ قلت: بعض فتياننا قال: فأنشدني أحسن ما رويته في السكوت عن الجاهل، فقلت: إني ليهجرني الصديق تجنبا * فاريه أن الهجرة أسبابا وأراه إن عاتبته أغريته * فأرى له ترك العتاب عتابا وإذا ابتليت بجاهل متحلم * يجد المحال من الامور صوابا أوليته عني السكوت وربما * كان السكوت عن الجواب جوابا فقال: من قائله ؟ قلت بعض فتياننا. ومن كتاب النزهة قال: مولينا الرضا عليه السلام من رضي من الله عزوجل بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل، من كثرت محاسنه مدح بها واستغنى التمدح بذكرها (1) من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر به، من لم تتابع رأيك في صلاحه فلا تصغ إلى رأيه وانتظر به أن يصلحه شر، ومن طلب الامر من وجهه لم يزل، وإن زل لم تخذله الحيلة، لا يعدم المرء دائرة الشر مع نكث الصفقة، ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادراع البغي. الناس ضربان بالغ لا يكتفي وطالب لا يجد، طوبى لمن شغل قلبه بشكر النعمة، لا يختلط بالسلطان في أول اضطراب الامور يعني أول المخالطة (2) القناعة تجمع إلى صيانة النفس وعز القدرة وطرح مؤونة الاستكثار، والتعبد لاهل الدنيا، ولا يسلك طريق القناعة إلا رجلان إما متعبد يريد أجر الاخرة أو كريم يتنزه عن لئام الناس. كفاك من يريد نصحك بالنميمة ما يجد من سوء الحساب في العاقبة، الاسترسال بالانس يذهب المهابة. وقال عليه السلام للحسن بن سهل في تغريته: التهنية بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة. وقال عليه السلام: من صدق الناس كرهوه، المسكنة مفتاح البؤس، إن للقلوب


(1) و (2) كذا.

[354]

إقبالا وإدبارا ونشاطا وفتورا فإذا أقبلت بصرت وفهمت وإذا أدبرت كلت وملت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها واتركوها عند إدبارها وفتورها، لا خير في المعروف إذا رخص. وقال عليه السلام للصوفية لما قالوا له: إن المأمون قد رد هذا الامر إليك وإنك لاحق الناس به إلا أنه يحتاج من يتقدم منك بقدمك إلى لبس الصوف (1) وما يخشن لبسه: ويحكم إنما يراد من الامام قسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز، والخير معروف " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " وإن يوسف الصديق لبس الديباج المنسوج بالذهب وجلس على متكآت فرعون. قال عليه السلام في صفة الزاهد: متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته. وقال في تفسير " فاصفح الصفح الجميل " (2): عفو بغير عتاب. وقال للمأمون لما أراد قتل رجل: إن الله لا يزيدك بحسن العفو إلا عزا، فعفا عنه. وقال بعض أصحابه: روي لنا عن الصادق عليه السلام أنه قال: " لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين " فما معناه ؟ قال: من زعم أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى عباده فقد قال بالتفويض، قلت: يا ابن رسول الله والقائل به مشرك ؟ فقال: نعم، ومن قال بالجبر فقد ظلم الله تعالى، فقلت: يا ابن رسول الله فما أمر بين أمرين ؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما امروا به، وترك ما نهوا عنه. وقال وقد قال له رجل: إن الله تعالى فوض إلى العباد أفعالهم ؟ فقال: هم أضعف من ذلك وأقل، قال: فجبرهم ؟ قال: هو أعدل من ذلك وأجل، قال: فكيف تقول ؟ قال: نقول: إن الله أمرهم ونهاهم وأقدرهم على ما أمرهم به و نهاهم عنه. سأله عليه السلام الفضل بن الحسن بن سهل الخلق مجبورون ؟ قال: الله أعدل من أن يجبر ويعذب، قال: فمطلقون ؟ قال: الله أحكم أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه.


(1) كذا. (2). الحجر: 85.

[355]

اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالتحرز، والعامة بالبشر. الايمان فوق الاسلام بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة. ولم يقسم بين العباد شئ أقل من اليقين. وسئل عن المشية والارادة فقال: المشية الاهتمام بالشئ، والارادة إتمام ذلك الشئ، الاجل آفة الامل، والعرف ذخيرة الابد (1)، والبر غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة ذي القدرة، والبخل يمزق العرض، والحب داعي المكاره. وأجل الخلائق (2) وأكرمها اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وتحقيق أمل الامل، وتصديق مخيلة الراجي، والاستكثار من الاصدقاء في الحياة والباكين بعد الوفاة. من كتاب الدر (3) قال عليه السلام: اتقوا الله أيها الناس في نعم الله عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه، واعلموا أنكم لا تشكرون الله بشئ بعد الايمان بالله ورسوله، وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد عليهم السلام أحب إليكم من معاونتكم لاخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم إلى جنات ربهم فإن من فعل ذلك كان من خاصة الله. من حاسب نفسه ربح ومن غفل عنها خسرو من خاف أمن ومن اعتبر أبصر ومن أبصرفهم ومن فهم عقل. وصديق الجاهل في تعب وأفضل المال ما وقي به العرض وأفضل العقل معرفة الانسان نفسه، والمؤمن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا قدر لم يأخذ أكثر من حقه، الغوغاء قتلة الانبياء، والعامة اسم مشتق من العمى، ما رضي الله لهم أن شبههم بالانعام حتى قال " بلهم أضل سبيلا ". صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله، العقل حباء من الله عزوجل، والادب كلفة، فمن تكلف الادب قدر عليه، ومن تكلف العقل لم يزده إلا جهلا، التواضع درجات منها أن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم، لا يحب


(1) في بعض النسخ " والعزم ذخيرة الابد ". (2) جمع الخليقة. (3) كذا.

[356]

أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه، إن أتى إليه سيئة واراها بالحسنة، كاظم الغيظ، عاف عن الناس، والله يحب المحسنين. 10 - الدرة الباهرة (1): قال الرضا عليه السلام: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. وقال عليه السلام: من طلب الامر من وجهه لم يزل فإن زل لم تخذله الحيلة. وقال عليه السلام: لا يعدم المرء دائرة السوء مع نكث الصفقة، ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادراع البغي. وقال عليه السلام: الانس يذهب المهابة، والمسألة مفتاح في البؤس. وأراد المأمون قتل رجل فقال له عليه السلام: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال: إن الله لا يزيد بحسن العفو إلا عزا، فعفا عنه. وقال عليه السلام: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدو بالتحرز، والعامة بالبشر. وقال عليه السلام: المشية الاهتمام بالشئ، والارادة إتمام ذلك الشئ. 11 - كنز الكراجكى (2): عن محمد بن أحمد بن شاذان القمي، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن صالح، عن سعد بن عبد الله، عن أيوب بن نوح قال: قال الرضا عليه السلام: سبعة أشياء بغير سبعة أشياء من الاستهزاء: من استغفر بلسانه ولم يندم بقلبه فقد استهزء بنفسه، ومن سأل الله التوفيق ولم يجتهد فقد استهزء بنفسه. ومن استحزم ولم يحذر فقد استهزء بنفسه، ومن سأل الله الجنة ولم يصبر على الشدائد فقد استهزء بنفسه، ومن تعوذ بالله من النار ولم يترك شهوات الدنيا فقد استهزء بنفسه، ومن ذكر الله ولم يستبق إلى لقائه فقد استهزء بنفسه. 12 - اعلام الدين (3): قال الرضا عليه السلام: من رضي عن الله تعالى بالقليل من


(1) مخطوط. (2) المصدر: ص 150. (3) مخطوط.

[357]

الرزق رضي الله منه بالقليل من العمل. وقال عليه السلام: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. وقال عليه السلام: لا يسلك طريق القناعة إلا رجلان إما متعبد يريد أجر الاخرة أو كريم يتنزة من لئام الناس. وقال عليه السلام: الاسترسال بالانس يذهب المهابة. وقال عليه السلام: من صدق الناس كرهوه. وقال عليه السلام للحسن بن سهل: وقد عزاه بموت ولده: التهنية بآجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة. وقال عليه السلام: إن للقلوب إقبالا وإدبارا ونشاطا وفتورا، فإذا أقبلت بصرت وفهمت، وإذا أدبرت كلت وملت، فخذوها عند إقبالها ونشاطها، واتركوها عند إدبارها وفتورها. وقال عليه السلام للحسن بن سهل وقد سأله عن صفة الزاهد فقال عليه السلام: متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته. وقال عليه السلام في تفسير قوله تعالى: " فاصفح الصفح الجميل " فقال: عفوا من غير عقوبة ولا تعنيف ولا عتب. واتي المأمون برجل يريد أن يقتله والرضا عليه السلام جالس فقال: ما تقول يا أبا الحسن ؟ فقال: إن الله تعالى لا يزيدك بحسن العفو إلا عزا، فعفا عنه. وسئل عليه السلام عن المشية والارادة فقال: المشية الاهتمام بالشئ والارادة إتمام ذلك الشئ. وقال عليه السلام: الاجل آفة الامل، والعرف ذخيرة الابد، والبر غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة ذوي القدرة، والبخل يمزق، العرض، والحب داعي المكاره، وأجل الخلائق وأكرمها اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وتحقيق

[358]

أمل الامل، وتصديق مخيلة الراجي، والاستكثار من الاصدقاء في الحياة يكثر الباكين بعد الوفاء. 27. * (باب) * " (مواعظ أبى جعفر محمد بن على الجواد صلوات الله عليه) " 1 - ف (1): قال الجواد عليه السلام رجل، أوصني. قال: وتقبل ؟ قال: نعم، قال: توسد الصبر، واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم أنك لن تخلو من عين الله، فانظر كيف تكون. وقال عليه السلام: أوحى الله إلى بعض الانبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة، وأما انقطاعك إلي فيعززك بي ولكن هل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا. وكتب إلى بعض أوليائه أما هذه الدنيا فإنا فيها مغترفون ولكن من كان هواه هوى صاحبه ودان بدينه فهو معه حيث كان، والاخرة هي دار القرار. وقال عليه السلام: المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول ممن ينصحه. 2 - كا: من الروضة (2) عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن يزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، والحسين بن محمد الاشعري، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن يزيد بن عبد الله، عمن حدثه قال: كتب أبو جعفر عليه السلام إلى سعد الخير: بسم الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من


(1) التحف ص 455. (2) الكافي ج 8 ص 52 تحت رقم 16.

[359]

التلف، والغنيمة في المنقلب، إن الله عزوجل يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله (1) ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله، وبالتقوى نجى نوح ومن معه في السفينة وصالح ومن معه من الصاعقة، وبالتقوى فاز الصابرون ونجت تلك العصب (2) من المهالك ولهم إخوان على تلك الطريقة، يلتمسون تلك الفضيلة، نبذوا طغيانهم من الايراد بالشهوات لما بلغهم في الكتاب من المثلات، حمدوا ربهم على ما رزقهم وهو أهل الحمد، وذموا أنفسهم على ما فرطوا وهم أهل الذم، واعلموا أن الله تبارك وتعالى الحليم العليم إنما غضبه على من لم يقبل منه رضاه، وإنما يمنع من لم يقبل منه عطاه، وإنما يضل من لم يقبل منه هداه، ثم أمكن أهل السيئات من التوبة بتبديل الحسنات، دعا عباده في الكتاب إلى ذلك بصوت رفيع لم ينقطع ولم يمنع دعاء عباده، فلعن الله الذين يكتمون ما أنزل الله وكتب على نفسه الرحمة، فسبقت قبل الغضب فتمت صدقا وعدلا، فليس يبتدء العباد بالغضب قبل أن يغضبوه، وذلك من علم اليقين وعلم التقوى، وكل امة قد رفع الله عنهم علم الكتاب حين نبذوه وولاهم عدوهم حين تولوه. وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده، فهم يروونه ولا يرعونه، والجهال يعجبهم حفظهم للرواية، والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية، وكان من نبذهم الكتاب أن ولوه الذين لا يعلمون (3) فأوردوهم الهوى، وأصدروهم إلى الردى وغيروا عرى الدين، ثم ورثوه في السفه والصبا (4) فالامة يصدرون عن أمر


(1) عزب أي بعد، وفى بعض النسخ " نفى بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ". (2) العصب: جمع العصبة أو هي من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الاربعين. (3) أي جعلوا ولى الكتاب والقيم عليه والحاكم به الذين لا يعلمونه وجعلوهم رؤساء على أنفسهم يتبعونهم في الفتاوى وغيرها. (4) أي جعلوه ميراثا يرثه كل سفيه جاهل أو صبى غير عاقل. وقوله: " بعد أمر الله " أي صدوره أو الاطلاع عليه أو تركه، والورود والصدور كنايتان عن الاتيان للسؤال والاخذ والرجوع بالقبول. كما قال المؤلف.

[360]

الناس بعد أمر الله تبارك وتعالى وعليه يردون، بئس للظالمين بدلا ولاية الناس بعد ولاية الله (1) وثواب الناس بعد ثواب الله، ورضا الناس بعد رضا الله، فأصبحت الامة كذلك وفيهم المجتهدون في العبادة على تلك الضلالة، معجبون مفتونون فعبادتهم فتنة لهم ولمن اقتدى بهم، وقد كان في الرسل ذكرى للعابدين، إن نبيا من الانبياء كان يستكمل الطاعة (2) ثم يعصي الله تبارك وتعالى في الباب الواحد فيخرج به من الجنة (3) وينبذ به في بطن الحوت، ثم لا ينجيه إلا الاعتراف والتوبة. فاعرف أشباه الاحبار والرهبان الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، ثم اعرف أشباههم من هذه الامة الذين أقاموا حروف الكتاب وحرفوا حدوده (4) فهم مع السادة والكبرة فإذا تفرقت قادة الاهواء كانوا مع أكثرهم دنيا وذلك مبلغهم من العلم (5)، لا يزالون كذلك في


(1) " ولاية الناس " هو المخصوص بالذم. (2) اشار به إلى يونس عليه السلام. والمراد بعصيانه غضبه على قومه وهربه منهم بغير اذن ربه، روى أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله تعالى. واعلم أن العصيان هنا ترك الافضل والاولى وذلك لانه لم يكن هناك أمر من الله تعالى حتى عصاه بترك الاتيان به أو نهى منه حتى خالفه بارتكابه فاطلاق لفظ العصيان مجاز عن ترك الاولى والافضل وذلك بالنسبة إلى درجات كمالهم بمنزلة العصيان. (3) اطلاق الجنة على الدنيا لعل بالاضافة إلى بطن الحوت. كما في الوفى. (4) شبه هؤلاء العباد وعلماء العوام المفتونين بالحطام بالاحبار والرهبان لشرائهم الدنيا بالاخرة بكتمانهم العلم وتحريفهم الكلم عن مواضعها وأكل أموال الناس بالباطل وصدهم عن سبيل الله كما أنهم كانوا كذلك على ما وصفهم الله في القرآن في عدة مواضع، والمراد بالسادة والكبرة السلاطين والحكام وأعوانهم الظلمة. والكلام يدل على أن التحريف الواقع في القرآن كان في معناه لا في ألفاظه كما توهمه بعض من لا خبرة له بمعاريض الكلام. (5) اشارة إلى الاية 31 من سورة النجم " فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ". والطبع - بالتحريك -: الرين و - بالسكون - الختم.

[361]

طمع وطبع، ولا يزال يسمع صوت إبليس على ألسنتهم بباطل كثير، يصبر منهم العلماء على الاذى والتعنيف، ويعيبون على العلماء بالتكليف (1) والعلماء في أنفسهم خانة إكتموا النصيحة، إن رأوا تائها ضالا لا يهدونه، أو ميتا لا يحيونه، فبئس ما يصنعون لان الله تبارك وتعالى أخذ عليهم الميثاق في الكتاب أن يأمروا بالمعروف وبما امروا به وأن ينهوا عما نهوا عنه، وأن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الاثم والعدوان، فالعلماء من الجهال في جهد وجهاد إن وعظت قالوا: طغت وإن علموا الحق (2) الذي تركوا قالوا: خالفت، وإن اعتزلوهم قالوا: فارقت وإن قالوا: هاتوا برهانكم على ما تحدثون، قالوا: نافقت وإن أطاعوهم [قالوا:] عصت الله عزوجل (3) فهلك جهال فيما لا يعلمون، اميون فيما يتلون، يصدقون بالكتاب عند التعريف ويكذبون به عند التحريف، فلا ينكرون. اولئك أشباه الاحبار والرهبان، قادة في الهوى، سادة في الردى، وآخرون منهم جلوس بين الضلالة والهدى لا يعرفون إحدى الطائفتين من الاخرى، يقولون ما كان الناس يعرفون هذا، ولا يدرون ما هو وصدقوا، تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله على البيضاء (4) ليلها من نهارها لم يظهر فيهم بدعة ولم يبدل فيهم سنة لا خلاف عندهم ولا اختلاف، فلما غشى الناس ظلمة خطاياهم، صاروا إمامين داع إلى الله تبارك وتعالى، وداع إلى النار، فعند ذلك نطق الشيطان فعلى صوته على لسان أوليائه وكثر خيله ورجله (5) وشارك في المال والولد من أشركه، فعمل بالبدعة، وترك الكتاب والسنة، ونطق أولياء الله بالحجة وأخذوا بالكتاب والحكمة فتفرق من ذلك


(1) " منهم " أي من أشباه الاحبار والرهبان " العلماء " يعنى العلماء بالله الربانيين " بالتكليف " يعنى تكليفهم بالحق. (2) في بعض النسخ " عملوا الحق ". (3) ليس في بعض النسخ " قالوا ". (4) يعنى الشريعة، الواضح مجهولها عن معلومها وعالمها عن جاهلها. (5) الخيل: جماعة الفرسان والرجل: جماعة المشاة أي أعوانه القوية والضعيفة.

[362]

اليوم أهل الحق وأهل الباطل وتخاذل (1) وتهادن أهل الهدى وتعاون أهل الضلالة حتى كانت الجماعة مع فلان وأشباهه، فاعرف هذا الصنف وصنف آخر فأبصرهم رأي العين تحيا (2) وألزمهم حتى ترد أهلك، فان الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين. إلى ههنا رواية الحسين، وفي رواية محمد بن يحيى زيادة: " لهم علم بالطريق فإن كان دونهم بلاء فلا تنظر إليهم فإن كان دونهم (3) عسف من أهل العسف وخسف (4) ودونهم بلايا تنقضي ثم تصير إلى رخاء. ثم اعلم أن إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض ولولا أن تذهب بك الظنون عني (5) لجليت لك عن أشياء من الحق غطيتها ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها، ولكني أتقيك واستبقيك، وليس الحليم الذي لا يتقى أحدا في مكان التقوى، والحلم لباس العالم فلا تعرين ومنه والسلام ". 3 - كا (6): رسالة أيضا منه إليه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع قال: كتب أبو جعفر عليه السلام إلي سعد الخير:


(1) أي تركوا نصرة الحق. وفى بعض النسخ " تخادن " من الخدن وهو الصديق. وتهادن من المهادنة بمعنى المصالحة، وفى بعض النسخ " تهاون " أي عن نصرة الحق وهذا أنسب بالتخاذل كما أن التهادن أنسب بالتخادن. (2) في بعض نسخ المصدر " نجباء " وفى بعضها " نجيا ". (3) في بعض النسخ " إليه فان دونهم " وهو الصواب أي فلا ينظرون إلى البلاء لانها تنقضي ولا تبقى. (4) العسف: الجور والظلم وهو في الاصل أن يأخذ المسافر على غير طريق ولا جادة ولا علم. قيل: هو ركوب الامر من غير روية. والخسف: النقصان والهوان. وقوله: " تنقضي " جزاء الشرط. (5) أي يصير ظنك السيئ بى سببا لا نحرافك عنى وعدم اصغائك إلى بعد ذلك. (6) الكافي ج 8 ص 56 تحت رقم 17.

[363]

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد جائني كتابك تذكر فيه معرفة مالا ينبغي تركه. وطاعة من رضا الله رضاه، فقبلت من ذلك لنفسك ما كانت نفسك مرتهنة لو تركته تعجب (1) إن رضا الله وطاعته ونصيحته لا تقبل ولا توجد ولا تعرف إلا في عباد غرباء، أخلاء من الناس، قد اتخذهم الناس سخريا لما يرمونهم به من المنكرات، وكان يقال: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار (2) ولولا أن يصيبك من البلاء مثل الذي أصابنا فتجعل فتنة الناس كعذاب الله، واعيذك بالله وإيانا من ذلك لقربت على بعد منزلتك. واعلم رحمك الله أنا لا ننال محبة الله إلا ببغض كثير من الناس ولا ولايته إلا بمعاداتهم، وفوت ذلك قليل يسير لدرك ذلك من الله لقوم يعلمون. يا أخي إن الله عزوجل جعل في كل من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون معهم على الاذى، يجيبون داعي الله، ويدعون إلى الله فأبصرهم رحمك الله فإنهم في منزلة رفيعة وإن أصابتهم في الدنيا وضيعة، إنهم يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله من العمى، كم من قتيل لا بليس قد أحيوه، وكم من تائه ضال قد هدوه، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد، وما أحسن أثرهم على العباد وأقبح آثار العباد عليهم. 4 - الدرة الباهرة (3) قال أبو جعفر الجواد عليه السلام: كيف يضيع من اله كافله ؟


(1) في بعض النسخ " فعجب ". (2) المستفاد من قوله عليه السلام: " تذكر فيه - إلى آخره - " ان سعدا ذكر في كتابه أنه عرف كذا وأنه قبل منه لنفسه كذا وانه تعجب من كذا بأن يكون إلى قوله: " ومن جيفة الحمار " من كلام سعد ويحتمل أن يكون فعجب أو تعجب إلى اختلاف النسختين من كلام الامام عليه السلام. وقوله: " أخلاء ". جمع خلو - بالكسر - وهو الخالى عن الشئ ويكون بمعنى المنفرد ويقال: اخلاء إذا انفرد أي هم أخلاء عن أخلاق عامة الناس وأطوارهم الباطلة أو منفردون عن الناس معتزلون عن شرارهم. (المرآة) (3) مخطوط.

[364]

وكيف ينجو من الله طالبه ؟ ومن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالاعمال، من أطاع هواه أعلى عدوه مناه، من هجر المدارأة قاربه المكروه، و من لم يعرف الموارد أعيته المصادر، ومن انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة فقد عرض نفسه للهلكة وللعاقبة المتعبة، من عتب من غير ارتياب أعتب من غير استعتاب، راكب الشهوات لا تستقال له عثرة، اتئد تصب أوتكد (1) الثقة [بالله] ثمن لكل غال وسلم إلى كل عال، إياك ومصاحبة الشرير فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح أثره (2) إذا نزل القضاء ضاق الفضاء، كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة، غنى المؤمن غناه عن الناس، نعمة لا تشكر كسيئة لا تغفر، لا يضرك سخط من رضاه الجور، من لم يرض من أخيه بحسن النية لم يرض بالعطية. 5 - اعلام الدين (3): قال أبو جعفر محمد بن علي الجواد عليهما السلام: كيف يضيع من الله كافله ؟ وكيف ينجو من الله طالبه ؟ ومن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير علم ما أفسد أكثر مما يصلح. وقال عليه السلام: من أطاع هواه أعطى عدوه مناه. وقال عليه السلام: من هجر المدارأة قارنه المكروه، ومن لم يعرف الموارد أعيته المصادر، ومن انقاد إلى الطمأنينة قبل الخبرة فقد عرض نفسه للهلكة والمعاقبة المتعبة. وقال عليه السلام: قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعا لما تهواه. وقال عليه السلام: راكب الشهوات لا تقال عثرته. وقال عليه السلام: الثقة بالله تعالى ثمن لكل غال، وسلم إلى كل عال. وقال عليه السلام: إياك ومصاحبة الشرير فإنه كالسيف يحسن منظره ويقبح أثره.


(1) اتئد في أمرك - من باب الافتعال - أي تثبت. والتؤدة: الرزانة. وكاد يفعل وكيد أي قارب. (2) السيف المسلول هو الذى اخرج من غمده وبالفارسية شمشير كشيده شده. (3) مخطوط.

[365]

وقال عليه السلام: الحوائج تطلب بالرجاء وهي تنزل بالقضاء، والعافية أحسن عطاء. وقال عليه السلام: إذا نزل القضاء ضاق الفضاء. وقال عليه السلام: لا تعادي أحدا حتى تعرف الذي بينه وبين الله تعالى، فإن كان محسنا فإنه لا يسلمه إليك وإن كان مسيئا فان علمك به يكفيكه فلا تعاده. وقال عليه السلام: لا تكن وليا لله في العلانية، عدوا له في السر. وقال عليه السلام: التحفظ على قدر الخوف. وقال عليه السلام: عز المؤمن في غناه عن الناس. وقال عليه السلام: نعمة لا تشكر كسيئة لا تغفر. وقال عليه السلام: لا يضرك سخط من رضاه الجور. وقال عليه السلام: من لم يرض من أخيه بحسن النية لم يرض منه بالعطية. وقال عليه السلام: الايام تهتك لك الامر عن الاسرار الكامنة. وقال عليه السلام: تعرف عن الشئ إذا صنعته لقلة صحبته إذا أعطيته (1).28. * (باب) * * " (مواعظ ابى الحسن الثالث عليه السلام وحكمه) " * 1 - ف (2): قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: 1 - الشاكر أسعد بالشكر منه بالنعمة التي أو جبت الشكر، لان النعم متاع، والشكر نعم وعقبى. 2 - وقال عليه السلام: إن الله جعل الدنيا دار بلوى، والاخرة دار عقبى، وجعل بلوى الدنيا لثواب الاخرة سببا وثواب الاخرة من بلوى الدنيا عوضا. 3 - وقال عليه السلام: إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحمله، وإن المحق السفيه، يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه. 4 - وقال عليه السلام: من جمع لك وده ورأيه فاجمع له طاعتك. 5 - وقال عليه السلام: من هانت عليه نفسه فلا تأمن شره.


(1) كذا. وفى بعض النسخ " لا تعرف ". (2) التحف ص 483.

[366]

6 - وقال عليه السلام: الدنيا سوق ربح فيها قوم وخسر آخرون. 2 - كشف (1): من دلائل الحميري عن فتح بن يزيد الجرجاني قال: ضمني وأبا الحسن طريق منصر في من مكة إلى خراسان وهو سائر إلى العراق فسمعته وهو يقول: من اتقى الله يتقى، ومن أطاع الله يطاع، قال: فتلطفت إلى الوصول إليه، فسلمت عليه فرد علي السلام وأمرني بالجلوس وأول ما ابتدأني به أن قال: يا فتح من أطاع الخالق لم يبال بسخط المخلوق، ومن أسخط الخالق فأيقن أن يحل به الخالق سخط المخلوق، وإن الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنى يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه، والاوهام أن تناله، والخطرات أن تحده، والابصار عن الاحاطة به، جل عما يصفه الواصفون، وتعالى عما ينعته الناعتون، نأى في قربه، وقرب في نأيه، فهو في نأيه قريب، وفي قربه بعيد، كيف الكيف فلا يقال كيف، وأين الاين فلا يقال أين، إذ هو منقطع الكيفية والاينية، هو الواحد الاحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فجل جلاله، أم كيف يوصف بكنهه. محمد، وقد قرنه الجليل باسمه، وشركه في عطائه، وأوجب لمن أطاعه جزاء طاعته إذ يقول: " وما نقموا إلا أن أغنيهم الله ورسوله من فضله " (2) وقال يحكي قول من ترك طاعته وهو يعذبه بين أطباق نيرانها وسرابيل قطرانها: " يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا " (3) أم كيف يوصف بكنهه من قرن الجليل طاعتهم بطاعة رسوله حيث قال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " (4) وقال: " ولو ردوه إلى [الله وإلى] الرسول وإلى اولي الامر منهم " (5) وقال: " إن الله يأمركم أن تودوا الامانات إلى أهلها " (6) وقال: " فسئلوا أهل الذكر


(1) كشف الغمة ج 3 ص 176. (2) التوبة: 75. (3) الاحزاب: 66. (4) النساء: 59. (5) النساء: 83. بدون ما بين القوسين (6) النساء: 58.

[367]

إن كنتم لا تعلمون " (1). يا فتح كما لا يوصف الجليل جل جلاله والرسول والخليل وولد البتول فكذلك لا يوصف المؤمن المسلم لامرنا، فنبينا أفضل الانبياء، وخليلنا أفضل الاخلاء، و [وصيه] أكرم الاوصياء، اسمهما أفضل الاسماء، وكينتهما (2) أفضل الكنى وأحلاها، لو لم يجالسنا إلا كفو لم يجالسنا أحد، ولو لم يزوجنا إلا كفو لم يزوجنا احد، أشد الناس تواضعا، أعظمهم حلما، وأنداهم كفا، وأمنعهم كنفا، ورث عنهما أوصياؤهما علمهما، فاردد إليهما الامر وسلم إليهم، أماتك الله مماتهم، وأحياك حياتهم، إذا شئت رحمك الله. قال فتح: فخرجت فلما كان الغد تلطفت في الوصول إليه فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: يا ابن رسول الله أتأذن لي في مسألة اختلج في صدري أمر هاليلتي، قال: سل وإن شرحتها فلي، وإن أمسكتها فلي، فصحح نظرك وتثبت في مسألتك، واصغ إلى جوابها سمعك، ولا تسأل مسألة تعنت واعتن بما تعتني به، فإن العالم والمتعلم شريكان في الرشد، مأموران بالنصيحة، منهيان عن الغش، وأما الذي اختلج في صدرك ليلتك فإن شاء العالم أنبأك بإذن الله، إن الله لم يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فكل ما كان عند الرسول كان عند العالم، وكل ما اطلع عليه الرسول فقد اطلع أوصياؤه عليه، كيلا تخلو أرضه من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته، وجواز عدالته. يا فتح عسى الشيطان أراد اللبس عليك فأوهمك في بعض ما أودعتك وشككك في بعض ما أنبأتك حتى أراد إزالتك عن طريق الله وصراطه المستقيم، فقلت: من أيقنت أنهم كذا فهم أرباب ؟ معاذ الله إنهم مخلوقون مربوبون مطيعون لله، داخرون راغبون، فإذا جاءك الشيطان من قبل ما جاءك فاقمعه بما أنبأتك به، فقلت: جعلت فداك فرجت عني وكشفت ما لبس الملعون علي بشرحك فقد كان أوقع


(1) الانبياء: 7. (2) أي النبي والوصى.

[368]

بخلدي (1) أنكم أرباب، قال: فسجد أبو الحسن عليه السلام وهو يقول في سجوده: " راغما لك يا خالقي داخرا خاضعا " قال: فلم يزل كذلك حتى ذهب ليلي، ثم قال: يا فتح كدت أن تهلك وتهلك، وما ضر عيسى إذا هلك من هلك، فاذهب إذا شئت رحمك الله. قال: فخرجت وأنا فرح بما كشف الله عني من اللبس بأنهم هم، وحمدت الله على ما قدرت عليه، فلما كان في المنزل الاخر دخلت عليه وهو متك، وبين يديه حنطة مقلوة (2) يعبث بها وقد كان أوقع الشيطان في خلدي أنه لا ينبغي أن يأكلوا ويشربوا إذ كان ذلك آفة والامام غير مأوف ؟ فقال: اجلس يا فتح فإن لنا بالرسل اسوة كانوا يأكلون ويشربون ويمشون في الاسواق، وكل جسم مغذو بهذا إلا الخالق الرازق لانه جسم الاجسام وهو لم يجسم،، ولم يجزأ بتناه، ولم يتزايد، ولم يتناقص، مبرء من ذاته ما ركب في ذات من جسمه، الواحد الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، منشئ الاشياء مجسم الاجسام، وهو السميع العليم، اللطيف الخبير، الرؤف الرحيم، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، لو كان كما يوصف لم يعرف الرب من المربوب، ولا الخالق من المخلوق، ولا المنشئ من المنشأ ولكنه فرق بينه وبين من جسمه، وشيئ الاشياء إذ كان لا يشبهه شئ يرى، ولا يشبه شيئا. 3 - الدرة الباهرة (3): قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه، الغنى قلة تمنيك والرضا بما يكفيك، والفقر شرة النفس وشدة القنوط، والراكب الحرون أسير نفسه (4) والجاهل أسير لسانه، الناس في الدنيا بالاموال وفي الاخرة بالاعمال.


(1) الخلد - بالتحريك -: الضمير والباطن. (2) قلى اللحم وغيره: أنضجه في المقلى. شايد مراد گندم بريان باشد. (3) مخطوط. (4) الحرون الشموس معرب چموش.

[369]

وقال عليه السلام لشخص وقد أكثر من إفراط الثناء عليه: اقبل على ما شأنك فإن كثرة الملق يهجم على الظنة، وإذا حللت من أخيك في محل الثقة فاعدل عن الملق إلى حسن النية. المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان، العقوق ثكل من لم يثكل، الحسد ماحي الحسنات والدهر جالب المقت، والعجب صارف عن طلب العلم داع إلى الغمط (1) والجهل، والبخل أذم الاخلاق، والطمع سجية سيئة، والهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، والعقوق يعقب القلة وتؤدى إلى الذلة. 4 - اعلام الدين (2): قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. وقال عليه السلام: المقادير تريك ما لم يخطر ببالك. وقال عليه السلام: من أقبل مع... ولي مع انقضائه (3). وقال عليه السلام: راكب الحرون أسير نفسه، والجاهل أسير لسانه. وقال عليه السلام: الناس في الدنيا بالاموال وفي الاخرة بالاعمال. وقال عليه السلام: المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلل العقدة والوثيقة، وأقل ما فيه أن يكون فيه المغالبة، والمغالبة اس أسباب القطيعة. وقال عليه السلام: العتاب مفتاح الثقال، والعتاب خير من الحقد. وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان. وقال يحيى بن عبد الحميد: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول لرجل ذم إليه ولدا له فقال: العقوق ثكل من لم يثكل. وقال عليه السلام: الهزل فكاهة السفهاء، وصناعة الجهال. وقال عليه السلام في بعض مواعظه: السهر ألذ للمنام، والجوع يزيد في طيب الطعام. (يريد به الحث على قيام الليل وصيام النهار).


(1) الغمط: احتقار الناس. (2) مخطوط. (3) فيه سقط.

[370]

وقال عليه السلام: اذكر مصرعك بين يدي أهلك، ولا طبيب يمنعك، ولا حبيب ينفعك. وقال عليه السلام: اذكر حسرات التفريط بأخذ تقديم الحزم. وقال عليه السلام: الغضب على من تملك لؤم. وقال عليه السلام: الحكمة لا تنجع في الطباع الفاسدة. وقال عليه السلام: خير من الخير فاعله، وأجمل من الجميل قائله، وأرجح من العلم حامله، وشر من الشر جالبه، وأهول من الهول راكبه. وقال عليه السلام: إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يعمل في عدوك. وقال عليه السلام: إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجور فحرام أن يظن بأحد سوءا حتى يعلم ذلك منه، وإذا كان زمان الجور أغلب فيه من العدل فليس لاحد أن يظن بأحد خيرا ما لم يعلم ذلك منه. وقال عليه السلام للمتوكل في جواب كلام دار بينهما: لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه، ولا الوفاء لمن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك كقلبك له. وقال له وقد سأله عن العباس (1): ما تقول بنو أبيك فيه ؟ فقال: ما يقولون في رجل فرض الله طاعته على الخلق وفرض طاعة العباس عليه. وقال عليه السلام: القوا النعم بحسن مجاورتها والتمسوا الزيادة فيها بالشكر عليها، واعلموا أن النفس أقبل شئ لما أعطيت وأمنع شئ لما منعت. 29. * (باب) * * " (مواعظ أبى محمد العسكري عليهما السلام وكتبه إلى اصحابه) " * 1 - ف (2): قال عليه السلام: لا تمار فيذهب بهاؤك. ولا تمازح فيجترأ عليك.


(1) يعنى عباس بن عبد المطلب. (2) التحف ص 486.

[371]

2 - وقال عليه السلام: من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله وملائكته يصلون عليه حتى يقوم. 3 - وكتب عليه السلام إلى رجل سأله دليلا: من سأل آية أو برهانا فاعطي ما سأل، ثم رجع عمن طلب منه الاية عذب ضعف العذاب. ومن صبر اعطي التأييد من الله. والناس مجبولون على حيلة إيثار الكتب المنشرة، نسأل الله السداد (1) فإنما هو التسليم أو العطب ولله عاقبة الامور. 4 - وكتب إليه بعض شيعته يعرفه اختلاف الشيعة، فكتب عليه السلام: إنما خاطب الله العاقل. والناس في على طبقات: المستبصر على سبيل نجاة، متمسك بالحق، متعلق بفرع الاصل، غير شاك ولا مرتاب، لا يجد عني ملجأ. وطبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكب البحر يموج عند موجه ويسكن عند سكونه. وطبقة استحوذ عليهم الشيطان، شأنهم الرد على أهل الحق ودفع الحق بالباطل حسدا من عند أنفسهم. فدع من ذهب يمينا وشمالا، فإن الراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأهون سعي. وإياك والاذاعة وطلب الرئاسة، فإنهما يدعوان إلى الهلكة. [5 - وقال عليه السلام: من الذنوب التي لا تغفر: ليتني لا اؤاخذ إلا بهذا (2). ثم قال عليه السلام: الاشراك في الناس أخفى من دبيب النمل على المسح الاسود في الليلة المظلمة (3). 6 - وقال عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلى اسم الله الاعظم من سواد العين إلى بياضها.]


(1) أي من عادة الناس أن يكتبوا كتبا مزورة وينتشرونها. والعطب: الهلاك. (2) أي قول الرجل المذنب ذلك إذا قيل له: لا تعص. (3) المسح - بالكسر -: البلاس والتقيد بالاسود تأكيد في اخفائه وعدم رؤيته بخلاف ما إذا كان غير الاسود لانه ربما يمكن أن يراه إذا كان أبيضا.

[372]

7 - وخرج في بعض توقيعاته عليه السلام عند اختلاف قوم من شيعته في أمره: مامني أحد من آبائي بمثل مامنيت به من شك هذه العصابة في، فإن كان هذا الامر أمرا اعتقدتموه ودنتم به إلى وقت ثم ينقطع فللشك موضع. وإن كان متصلا ما اتصلت امور الله فما معنى هذا الشك ؟ ؟. 8 - وقال عليه السلام: حب الابرار للابرار ثواب للابرار. وحب الفجار للابرار فضيلة للابرار. وبغض الفجار للابرار زين للابرار، وبغض الابرار للفجار خزي على الفجار. 9 - وقال عليه السلام: من التواضع السلام على كل من تمر به، والجلوس دون شرف المجلس. 10 - وقال عليه السلام: من الجهل الضحك من غير عجب. 11 - وقال عليه السلام: من الفواقر التي تقصم الظهر (1) جار إن رأى حسنة أخفاها وإن رأى سيئة أفشاها. 12 - وقال عليه السلام لشيعته: أوصيكم بتقوى الله، والورع في دينكم، والاجتهاد لله، وصدق الحديث، وأداء الامانة إلى من ائتمنكم من بر أو فاجر، وطول السجود، وحسن الجوار، فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله، صلوا في عشائرهم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم (2) وأدوا حقوقهم، فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق في حديثه، وأدى الامانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا شيعي فيسرني ذلك. اتقوا الله وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، جروا إلينا كل مودة، وادفعوا عنا كل قبيح، فإنه ما قيل فينا من حسن فنحن أهله، وما قيل فينا من سوء فما نحن كذلك. لنا حق في كتاب الله، وقرابة من رسول الله، وتطهير من الله لا يدعيه أحد غيرنا إلا كذاب. أكثروا ذكر الله وذكر الموت وتلاوة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، فإن الصلاة على رسول الله عشر حسنات. احفظوا ما


(1) الفواقر: جمع فاقرة أي الداعية العظيمة فكأنها تكسر فقر الظهر. (2) الضمير يرجع إلى المخالفين أو مطلق الناس. وفى المصدر كلها بضمير الخطاب.

[373]

وصيتكم به، واستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام. 13 - وقال عليه السلام: ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة، وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله. 14 - وقال عليه السلام: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهدا (1) ويأكله غائبا، إن اعطي حسده، وإن ابتلي خانه (2) 15 - وقال عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر. 16 - [وقال عليه السلام: لشيعته في سنة ستين ومائتين: أمرناكم بالتختم في اليمين ونحن بين ظهرانيكم (3). والان نأمركم بالتختم في الشمال لغيبتنا عنكم إلى أن يظهر الله أمرنا وأمركم، فانه من أدل دليل عليكم في ولايتنا - أهل البيت -. فخلعوا خواتيمهم من أيمانهم بين يديه ولبسوها في شمائلهم. وقال عليه السلام لهم: حدثوا بهذا شبعتنا.] 17 - وقال عليه السلام: أقل الناس راحة الحقود (4). 18 - وقال عليه السلام: أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام على الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام، أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب. 19 - وقال عليه السلام: إنكم في آجال منقوصة، وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة، لكل زارع ما زرع، لا يسبق بطيئ بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من اعطي خيرا فالله أعطاه، ومن وقي شرا فالله وقاه.


(1) أطرا فلانا: أحسن الثناء عليه وبالغ في مدحه. (2) في بعض النسخ " خذله ". (3) أي بينكم وفى جماعتكم. (4) الحقود: الكثير الحقد.

[374]

20 - وقال عليه السلام: المؤمن بركة على المؤمن وحجة على الكافر. 21 - وقال عليه السلام: قلب الاحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه. 22 - وقال عليه السلام: لا يشغلك رزق مضمون من عمل مفروض. 23 - وقال عليه السلام: من تعدى في طهوره كان كناقضه. 24 - وقال عليه السلام: ما ترك الحق عزيز إلا ذل، ولا أخذه به ذليل إلا عز. 25 - وقال عليه السلام: صديق الجاهل تعب. 26 - وقال عليه السلام: خصلتان ليس فوقهما شئ: الايمان بالله ونفع الاخوان. 27 - وقال عليه السلام: جرأة الولد على والده في ضعره تدعو إلى العقوق في كبره. 28 - وقال عليه السلام: ليس من الادب إظهار الفرح عند المحزون. 29 - وقال عليه السلام: خير من الحياة ما إذا فقدته بغضت الحياة، وشر من الموت ما إذا نزل بك أحببت الموت. 30 - وقال عليه السلام: رياضة الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز. 31 - وقال عليه السلام: التواضع نعمة لا يحسد عليها. 32 - وقال عليه السلام: لا تكرم الرجل بما يشق عليه. 33 - وقال عليه السلام: من وعظ أخاه سرا فقد زانه. ومن وعظه علانية فقد شانه. 34 - وقال عليه السلام: ما من بلية إلا ولله فيها نعمة تحيط بها. 35 - وقال عليه السلام: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله. 2 - ف (1): كتابه عليه السلام إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري: سترنا الله (2) وإياك بستره وتولاك في جميع أمورك بصنعه، فهمت كتابك يرحمك الله ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على أوليائنا ونسر بتتابع إحسان الله إليهم وفضله لديهم و نعتد بكل نعمة ينعمها الله تبارك وتعالى عليهم، فأتم الله عليك يا إسحاق وعلى


(1) التحف ص 484. (2) هو ثقة من أصحاب أبى محمد العسكري عليه السلام وممن كانت ترد عليهم التوقيعات أيضا.

[375]

من كان مثلك - ممن قد رحمه الله وبصره بصيرتك - نعمته. وقدر تمام نعمته دخول الجنة وليس من نعمة وإن جل أمرها وعظم خطرها إلا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها مؤد شكرها، وأنا أقول (1) الحمد لله أفضل ما حمده حامده إلى أبد الابد بما من الله عليك من رحمته ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة. وأيم الله إنها (2) لعقبة كؤود، شديد أمرها، صعب مسلكها، عظيم بلاؤها، قديم في الزبر الاولى ذكرها. ولقد كانت منكم في أيام الماضي عليه السلام إلى أن مضى لسبيله وفي أيامي هذه امور كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ولا مسددي التوفيق. فاعلم يقينا إسحاق أنه من خرج من هذه الدنيا أعمى فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا. يا إسحاق (3) ليس تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، وذلك قول الله في محكم كتابه حكاية عن الظالم إذا يقول: " رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (4) ". وأى آية أعظم من حجة الله على خلقه وأمينه في بلاده وشهيده على عباده من بعد من سلف من آبائه الاولين النبيين وآبائه الاخرين الوصيين عليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته. فأين يتاه بكم (5) وأين تذهبون كالانعام على وجوهكم، عن الحق تصدفون، وبالباطل تؤمنون، وبنعمة الله تكفرون، أو تكونون ممن يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غيركم إلا خزي في الحياة الدنيا وطول عذاب في الاخرة الباقية، وذلك والله الخزي العظيم. إن الله بمنه ورحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم


(1) في بعض النسخ " فأنا أقول ". (2) في بعض النسخ " وانها أيم الله ". (3) في بعض النسخ " يا ابن اسماعيل ". (4) طه: 126. (5) تاه يتيه: ضل وذهب متحيرا. (*)

[376]

بل رحمة منه - لا إله إلا هو - عليكم ليميز الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم، لتسابقوا إلى رحمة الله ولتتفاضل منازلكم في جنته، ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والولاية وجعل لكم بابا تستفتحون به أبواب الفرائض ومفتاحا إلى سبيله، لولا محمد صلى الله عليه وآله والاوصياء من ولده لكنتم حيارى (1) كالبهائم لا تعرفون فرضا من الفرائض وهل تدخل مدينة (2) إلا من بابها، فلما من عليكم بإقامة الاولياء بعد نبيكم، قال الله في كتابه: " أليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (3) " ففرض عليكم لاوليائه حقوقا أمركم بأدائها ليحل لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومآكلكم ومشاربكم، قال الله: " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى (4) " واعلموا أن من يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء، لا إله إلا هو. ولقد طالت المخاطبة فيما هو لكم وعليكم. ولولا ما هو يحب الله من تمام النعمة من الله عليكم لما رأيتم لي خطا ولا سمعتم مني حرفا من بعد مضي الماضي عليه السلام وأنتم في غفلة مما إليه معادكم (5). ومن بعد إقامتي لكم إبراهيم بن عبده (6) وكتابي الذي حمله إليكم محمد بن موسى النيسابوري والله المستعان على كل حال. وإياكم أن تفرطوا في جنب الله فتكونوا من الخاسرين. فبعدا وسحقا لمن رغب عن طاعة الله ولم يقبل مواعظ أوليائه. فقد أمركم الله بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الامر، رحم الله ضعفكم وغفلتكم و


(1) الحيارى - بالفتح والضم -: جمع حيران. (2) في بعض النسخ " قرية ". (3) المائدة: 5. (4) الشورى، 23. (5) في بعض النسخ " معاذكم ". (6) ابراهيم بن عبده ومحمد بن موسى النيسابوري كانا من أصحاب الهادى والعسكري عليهما السلام وروى الكشى - ره - بعض توقيعات في حقهما.

[377]

صبركم على أمركم، فما أغر الانسان بربه الكريم، ولو فهمت الصم الصلاب بعض ما هو في هذا الكتاب لتصدعت (1) قلقا وخوفا من خشية الله، ورجوعا إلى طاعة الله، اعملوا ما شئتم " فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (2) " والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين. كش (3): حكى بعض الثقات بنيسابور أنه خرج لاسحاق بن إسماعيل من أبي محمد عليه السلام توقيع فوقع عليه السلام: يا إسحاق بن إسماعيل سترنا الله وإياك بستره إلى آخر الخبر مع تغيير وزيادات أوردتها في أبواب تاريخه عليه السلام. 3 - الدرة الباهرة (4): قال أبو محمد العسكري عليه السلام: إن للسخاء مقدارا فإن زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فإن زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقدارا، فإن زاد عليه فهو تهور. كفاك أدبا تجنبك ما تكره من غيرك، احذر كل ذكي ساكن الطرف، ولو عقل أهل الدنيا حزبت، خير إخوانك من نسي ذنبك إليه، أضعف الاعداء كيدا من أظهر عداوته، حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن، من أنس بالله استوحش من الناس، من لم يتق وجوه الناس لم يتق الله، جعلت الخباثت في بيت وجعل مفتاحه الكذب، إذا نشطت القلوب فأودعوها وإذا نفرت فودعوها. اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره، من أكثر المنام رأى الاحلام (الظاهر أنه عليه السلام يعني أن طلب الدنيا كالنوم وما يصير منها كالحلم). وقال عليه السلام: الجهل خصم والحلم حكم، ولم يعرف راحة القلب من لم يجرعه


(1) في بعض النسخ " لصدعت ". (2) اقتباس من الاية الواردة في سورة التوبة: 106. (3) مختار رجال الكشى ص 481. (4) مخطوط.

[378]

الحلم غصص الغيظ. إذا كان المقضي كائنا فالضراعة لماذا ؟ نائل الكريم يحببك إليه ونائل اللئيم يضعك لديه، من كان الورع سجيته، والافضال حليته انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه، وتحصن بالذكر الجميل من وصول نقص إليه. وقال بعض الثقات: وجدت بخطه عليه السلام مكتوبا على ظهر كتاب: قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية، ونورنا السبع الطرائق بأعلام الفتوة، فنحن ليوث الوغى، وغيوث الندى، وفينا السيف والقلم في العاجل، ولواء الحمد والعلم في الاجل، وأسباطنا خلفاء الدين وحلفاء اليقين، ومصابيح الامم، ومفاتيح الكرم، فالكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء، وروح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة (1) وشيعتنا الفئة الناجية، والفرقة الزاكية، صاروا لنا ردءا وصونا وعلى الظلمة إلبا وعونا، وسينفجر لهم ينابيع الحيوان بعد لظى النبران لتمام الطواوية والطواسين من السنين. أقول: هذه حكمة بالغة ونعمة سابغة تسمعها الاذان الصم وتقصر عليها الجبال الشم صلوات الله عليهم وسلامه. 4 - أعلام الدين (2): قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السلام: من مدح غير المستحق فقد قام مقام المتهم. وقال عليه السلام: لا يعرف النعمة إلا الشاكر، ولا يشكر النعمة إلا العارف. وقال عليه السلام: ادفع المسألة ما وجدت التحمل يمكنك فإن لكل يوم رزقا جديدا. واعلم أن الالحاح في المطالب يسلب البهاء ويورث التعب والعناء، فاصبر حتى يفتح الله لك بابا يسهل الدخول فيه فما أقرب الصنيع من الملهوف، والامن من الهارب المخوف، فربما كانت الغير نوع من أدب الله، والحظوظ مراتب،


(1) كذا. والصاقورة: السماء الثالثة. وباطن القحف المشرف على الدماغ والمراد الاول. والباكورة: أول ما يدرك من الفاكهة، وأول كل شئ. (2) مخطوط.

[379]

فلا تعجل على ثمرة لم تدرك، وإنما تنالها في أوانها، واعلم أن المدبر لك أعلم بالوقت الذي يصلح حالك فيه، فثق بخيرته في جميع امورك يصلح حالك، ولا تعجل بحوائجك قبل وقتها، فيضيق قلبك وصدرك ويخشاك القنوط، واعلم أن للسخاء مقدارا، فان زاد عليه فهو سرف، وأن للحزم مقدارا فإن زاد عليه فهو تهور، واحذر كل ذكي ساكن الطرف، ولو عقل أهل الدنيا خربت. وقال عليه السلام: خير إخوانك من نسي ذنبك وذكر إحسانك إليه. وقال عليه السلام: أضعف الاعداء كيدا من أظهر عداوته. وقال عليه السلام: حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن. وقال عليه السلام: أولى الناس بالمحبة منهم من أملوه. وقال عليه السلام: من آنس بالله استوحش الناس، وعلامة الانس بالله الوحشة من الناس. وقال عليه السلام: جعلت الخبائث في بيت والكذب مفاتيحها. وقال عليه السلام: إذا نشطت القلوب فأودعوها، وإذا نفرت فودعوها. وقال عليه السلام: اللحاق بمن ترجو خير من المقام مع من لا تأمن شره. وقال عليه السلام: الجهل خصم، والحلم حكم، ولم يعرف راحة القلوب من لم يجرعه الحلم غصص الصبر والغيظ. وقال عليه السلام: من ركب ظهر الباطل نزل به دار الندامة. وقال عليه السلام: المقادير الغالبة لا تدفع بالمغالبة، والارزاق المكتوبة لا تنال بالشره، ولا تدفع بالامساك عنها. وقال عليه السلام: نائل الكريم يحببك إليه ويقربك منه، ونائل اللئيم يباعدك منه ويبغضك إليه. وقال عليه السلام: من كان الورع سجيته، والكرم طبيعته، والحلم خلته كثر صديقه، والثناء عليه، وانتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه. وقال عليه السلام: السهر ألذ للمنام والجوع أزيد في طيب الطعام. (رغب به عليه السلام على صوم النهار وقيام الليل).

[380]

وقال عليه السلام: إن الوصول إلى الله عزوجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل. من لم يحسن ان يمنع لم يحسن ان يعطي. وقال عليه السلام للمتوكل: لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه فإنما قلب غيرك لك كقلبك له. 30. * (باب) * * " (مواعظ القائم عليه السلام وحكمه) " * 1 - الدرة الباهرة من الاصداف الطاهرة: مما كتبه عليه السلام جوابا لاسحاق بن يعقوب إلى العمري - رحمه الله - أما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون، وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله، وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكل فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد ابيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث، وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عزوجل قال: " يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم (1) " إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي، وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب، وإني أمان لاهل الارض كما أن النجوم أمان لاهل السماء. 31. * (باب) * (وصية المفضل بن عمر لجماعة الشيعة) 1 - ف (2): اوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له وشهادة أن لا إله إلا الله


(1) مائدة: 101. (2) التحف ص 513.

[381]

وأن محمدا عبده ورسوله. اتقوا الله وقولوا قولا معروفا. وابتغوا رضوان الله واخشوا سخطه. وحافظوا على سنة الله ولا تتعدوا حدود الله. وراقبوا الله في جميع اموركم. وارضوا بقضائه فيما لكم وعليكم. ألا وعليكم بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ألا ومن أحسن إليكم فزيدوه إحسانا واعفوا عمن أساء إليكم. وافعلوا بالناس ما تحبون أن يفعلوه بكم. ألا وخالطوهم بأحسن ما تقدرون عليه وإنكم أحرى أن لا تجعلوا عليكم سبيلا. عليكم بالفقه في دين الله والورع عن محارمه وحسن الصحابة لمن صحبكم برا كان أو فاجرا. ألا وعليكم بالورع الشديد، فإن ملاك الدين الورع. صلوا الصلوات لمواقيتها وأدوا الفرائض على حدودها. ألا ولا تقصروا فيما فرض الله عليكم وبما يرضى عنكم، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " تفقهوا في دين الله ولا تكونوا أعرابا، فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". وعليكم بالقصد في الغنى والفقر. واستعينوا ببعض الدنيا على الاخرة، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " استعينوا ببعض هذه على هذه ولا تكونوا كلا على الناس ". عليكم بالبر بجميع من خالطتموه وحسن الصنيع إليه. ألا وإياكم والبغي، فإن أبا عبد الله عليه السلام كان يقول: " إن أسرع الشر عقوبة البغي ". أدوا ما افترض الله عليكم من الصلاة والصوم وسائر فرائض الله وأدوا الزكاة المفروضة إلى أهلها فإن أبا عبد الله عليه السلام قال: " يا مفضل قل لاصحابك: يضعون الزكاة في أهلها وإني ضامن لما ذهب لهم ". عليكم بولاية آل محمد صلى الله عليه وآله. أصلحوا ذات بينكم ولا يغتب بعضكم بعضا. تزاوروا وتحابوا وليحسن بعضكم إلى بعض. وتلاقوا وتحدثوا ولا يبطنن بعضكم عن بعض (1) وإياكم والتصارم


(1) في بعض النسخ " ولا يبطئن " ولعل المراد ولا ينسأ بعضكم بعضا، يقال: بطا عليه وأبطا أي أخره. والتصارم التقاطع.

[382]

وإياكم والهجران فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " والله لا يفترق رجلان من شيعتنا على الهجران إلا برئت من أحدهما ولعنته وأكثر ما أفعل ذلك بكليهما، فقال له معتب (1): جعلت فداك هذا الظالم فما بال المظلوم ؟ قال: لانه لا يدعو أخاه إلى صلته، سمعت أبي وهو يقول: " إذا تنازع اثنان من شيعتنا ففارق أحدهما الاخر فليرجع المظلوم إلي صاحبه حتى يقول له: يا أخي أنا الظالم حتى ينقطع الهجران فيما بينهما، إن الله تبارك وتعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم ". لا تحقروا ولا تجفوا فقراء شيعة آل محمد عليهم السلام وألطفوهم وأعطوهم من الحق الذي جعله الله لهم في أموالكم وأحسنوا إليهم. لا تأكلوا الناس بآل محمد، فإني سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " افترق الناس فينا على ثلاث فرق: فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا، فقالوا وحفظوا كلامنا وقصروا عن فعلنا، فسيحشرهم الله إلى النار. وفرقة أحبونا وسمعوا كلامنا ولم يقصروا عن فعلنا، ليستأكلوا الناس بنا فيملا الله بطونهم نارا يسلط عليهم الجوع والعطش. وفرقة أحبونا وحفظوا قولنا وأطاعوا أمرنا ولم يخالفوا فعلنا فاولئك منا ونحن منهم " ولا تدعوا صلة آل محمد عليهم السلام من أموالكم: من كان غنيا فبقدر غناه ومن كان فقيرا فبقدر فقره، فمن أراد أن يقضي الله له أهم الحوائج إليه فليصل آل محمد وشيعتهم بأحوج ما يكون إليه من ماله. لا تغضبوا من الحق إذا قيل لكم. ولا تبغضوا أهل الحق إذا صدعوكم به، فإن المؤمن لا يغضب من الحق إذا صدع به. وقال أبو عبد الله عليه السلام مرة وأنا معه: يا مفضل كم أصحابك ؟ فقلت: وقليل، فلما انصرفت إلى الكوفة أقبلت علي الشيعة فمزقوني كل ممزق: يأكلون لحمي ويشتمون عرضي حتى أن بعضهم استقبلني فوثب في وجهي وبعضهم قعد لي في


(1) متعب - بضم الميم وفتح العين وتشديد التاء المكسورة - هو مولى أبى عبد الله عليه السلام بل من خواص أصحابه وأيضا من أصحاب الامام السابع عليه السلام، ثقه وقد روى عن أبى عبد الله عليه السلام انه قال: موالى عشرة خيرهم معتب.

[383]

سكك الكوفة يريد ضربي، ورموني بكل بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد الله عليه السلام، فلما رجعت إليه في السنة الثانية كان أول ما استقبلني به بعد تسليمه علي أن قال، يا مفضل ما هذا الذي بلغني أن هؤلاء يقولون لك وفيك ؟ قلت: وما علي من قولهم، قال: " أجل بل ذلك عليهم، أيغضبون بؤس لهم، إنك قلت: إن أصحابك قليل. لا والله ماهم لنا شيعة ولو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك وما اشمأزوا منه، لقد وصف الله شيعتنا بغير ماهم عليه، وما شيعة جعفر إلا من كف لسانه وعمل لخالقه ورجا سيده وخاف الله حق خيفته، ويحهم أفيهم من قد صار كالحنايا من كثرة الصلاة ؟ أو قد صار كالتائه من شدة الخوف، أو كالضرير من الخشوع، أو كالضني من الصيام، أو كالاخرس من طول الصمت والسكوت، أو هل فيهم من قد أدأب ليله من طول القيام وأدأب نهاره من الصيام، أو منع نفسه لذات الدنيا ونعيمها خوفا من الله وشوقا إلينا - أهل البيت - أنى يكونون لنا شيعة وإنهم ليخاصمون عدونا فينا حتى يزيدوهم عداوة وانهم ليهرون هرير الكلب ويطمعون طمع الغراب، أما إني لولا أنني أتخوف عليهم أن اغريهم بك لامرتك أن تدخل بيتك وتغلق بابك ثم لا تنظر إليهم ما بقيت ولكن إن جاؤوك فاقبل منهم، فإن الله قد جعلهم حجة على أنفسهم واحتج بهم على غيرهم ". لا تغرنكم الدنيا وما ترون فيها من نعيمها وزهرتها وبهجتها وملكها فإنها لا تصلح لكم، فوالله ما صلحت لاهلها. 32. * (باب) * * " (قصة بلوهر ويوذاسف) " * 1 - ك (1) عن أبي علي أحمد بن الحسن القطان عن الحسن بن علي العسكري (2) قال: حدثنا محمد بن زكريا أن ملكا من ملوك الهند كان كثير الجند، واسع المملكة،


(1) كمال الدين ص 317 مع اختلاف فيه. (2) هو أحد مشايخ أبى على القطان.

[384]

مهيبا في أنفس الناس، مظفرا علي الاعداء، وكان مع ذلك عظيم النهمه (1) في شهوات الدنيا ولذاتها وملاهيها، مؤثرا لهواه، مطيعا له، وكان أحب الناس إليه وأنصحهم له في نفسه من زين له حاله وحسن رأيه، وأبغض الناس إليه و أغشهم له في نفسه من أمره بغيرها وترك أمره فيها، وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنه وعنفوان شبابه وكان له رأي أصيل ولسان بليغ ومعرفة بتدبير الناس و ضبطهم، فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له، وخضع له كل صعب وذلول، واجتمع له سكر الشباب وسكر السلطان، والشهوة والعجب، ثم قوي ذلك ما أصاب من الظفر على من ناصبه والقهر لاهل مملكته، وانقياد الناس له، فاستطال على الناس واحتقرهم، ثم ازداد عجبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزينوا أمره عنده، فكان لا همة له إلا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية لا يريد منها شيئا إلا ناله، غير أنه كان مئناثا (2) لا يولد له ذكر، وقد كان الدين فشا في أرضه قبل ملكه وكثر أهله، فزين له الشيطان عداوة الدين وأهله وأضر بأهل الدين فأقصاهم مخافة على ملكه وقرب أهل الاوثان، وصنع لهم أصناما من ذهب وفضة، وفضلهم و شرفهم، وسجد لاصنامهم. فلما رأى الناس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الاوثان والاستخفاف بأهل الدين ثم إن الملك سأل يوما عن رجل من أهل بلاده كانت له منه منزلة حسنة ومكانة رفيعة وكان أراد أن يستعين به على بعض اموره ويحبوه ويكرمه، فقيل له أيها الملك إنه قد خلع الدنيا وخلي منها ولحق بالنساك فثقل ذلك على الملك، و شق عليه، ثم إنه أرسل إليه فاوتي به، فلما نظر إليه في زي النساك وتخشعهم


(1) النهمة - بفتح النون - بلوغ الهمة والشهوة في الشئ ويقال: لله في هذا الامر نهمة " أي شهوة. (2) المئناث: التى اعتادت أن تلد الاناث وكذلك الرجل لانهما يستويان في مفعال. ويقابله المذكار وهى التى تلد الذكور كثيرا.

[385]

زبره وشتمه (1) وقال له: بينا أنت من عبيدي وعيون أهل مملكتي ووجههم وأشرافهم إذ فضحت نفسك وضيعت أهلك ومالك واتبعت أهل البطالة والخسارة حتى صرت ضحكة ومثلا، وقد كنت أعددتك لمهم اموري، والاستعانة بك على ما ينوبني، فقال له: أيها الملك إن لم يكن لي عليك حق فلعقلك عليك حق، فاستمع قولي بغير غضب، ثم ائمر بما بدا لك بعد الفهم والتثبيت، فإن الغضب عدو العقل، ولذلك يحول ما بين صاحبه وبين الفهم، قال له الملك: قل ما بدا لك. قال الناسك: فإني أسألك أيها الملك أفي ذنبي على نفسي عتبت علي أم في ذنب مني إليك سالف ؟. قال الملك: إن ذنبك إلى نفسك أعظم الذنوب عندي، وليس كلما أراد رجل من رعيتي أن يهلك نفسه أخلي بينه وبين ذلك، ولكني أعد إهلاكه لنفسه كإهلاكه لغيره ممن أنا وليه والحاكم عليه وله، فأنا أحكم عليك لنفسك وآخذ لها منك إذ ضيعت أنت ذلك، فقال له الناسك: أراك أيها الملك لا تأخذني إلا بحجة ولا نفاذ لحجة إلا عند قاض، وليس عليك من الناس قاض، لكن عندك قضاة وأنت لاحكامهم منفذ، وأنا ببعضهم راض، ومن بعضهم مشفق. قال الملك: وما أولئك القضاة، قال: أما الذي أرضى قضاءه فعقلك، وأما الذي أنا مشفق منه فهواك، قال الملك: قل ما بدا لك وأصدقني خبرك ومتى كان هذا رأيك ؟ ومن أغواك ؟ قال: أما خبري فإني كنت سمعت كلمة في حداثة سني وقعت في قلبي فصارت كالحبة المزروعة ثم لم تزل تنمي حتى صارت شجرة إلى ما ترى، وذلك ؟ أني كنت قد سمعت قائلا يقول: يحسب الجاهل الامر الذي هو لا شئ شيئا والامر الذي هو الشئ لا شئ، ومن لم يرفض الامر الذي هو لا شئ لم ينل الامر الذي هو شئ، ومن لم يبصر الامر الذي هو الشئ لم تطب نفسه برفض الامر الذي هو لا شئ، والشئ هو الاخرة، ولا شئ هو الدنيا، فكان لهذه الكلمة عندي قرار لاني وجدت الدنيا حياتها موتا وغناها فقرا، وفرحها ترحا، وصحتها سقما، و


(1) النساك: العباد. وزبره أي زجره.

[386]

قوتها ضعفا، وعزها ذلا، وكيف لا تكون حياتها موتا، وإنما يحيى فيها صاحبها ليموت، وهو من الموت على يقين، ومن الحياة على قلعة، وكيف لا يكون غناؤها فقرا وليس اصيب أحد منها شيئا إلا احتاج لذلك الشئ إلى شئ آخر يصلحه و إلى أشياء لا بدله منها. ومثل ذلك أن الرجل ربما يحتاج إلى دابة فإذا أصابها احتاج إلى علفها وقيمها ومربطها (1) وأدواتها، ثم احتاج لكل شئ من ذلك إلى شئ آخر يصلحه، وإلى أشياء لا بدله منها، فمتى تنقضي حاجة من هو كذلك وفاقته ؟ وكيف لا يكون فرحها ترحا وهي مرصدة لكل من أصاب منها قرة أعين أن يرى من ذلك الامر بعينه أضعافه من الحزن، إن رأى سرورا في ولده فما ينتظر من الاحزان في موته وسقمه وجايحة إن أصابته أعظم من سروره به، وإن رأى السرور في مال فما يتخوف من التلف أن يدخل عليه أعظم من سروره بالمال، فإذا كان الامر كذلك فأحق الناس بأن لا يتلبس بشئ منها من عرف هذا منها، وكيف لا يكون صحتها سقما وإنما صحتها من أخلاطها وأصح أخلاطها وأقربها من الحياة الدم، وأظهر ما يكون الانسان دما أخلق ما يكون صاحبه بموت الفجأة، والذبحة والطاعون (2) والاكلة والبرسام، وكيف لا تكون قوتها ضعفا وإنما تجمع القوى فيها ما يضره ويوبقه، وكيف لا يكون عزها ذلا ولم ير فيها عز قط إلا أورث أهلها ذلا طويلا، غير أن أيام الغر قصيرة، وأيام الذل طويلة، فأحق الناس بذم الدنيا من بسطت له الدنيا فأصاب حاجته منها، فهو يتوقع كل يوم وليلة وساعة وطرفة عين أن يعدى على ماله فيحتاج، وعلى حميمه فيختطف، وعلى جمعه فينهب، وأن يؤتى بنيانه من القواعد فيهدم، وأن يدب الموت إلى جسده فيستأصل ويفجع بكل ما هو به ضنين.


(1) المربط - بفتح الباء وكسرها - موضع ربط الدواب. (2) الذبحة - بضم الذال وفتح الباء والعامة تسكن الباء - ورم حار في العضلات من جانب الحلقوم التى بها يكون البلع. وقال العلامة: وقد يطلق الذبحة على الاختناق. والشيخ لا يفرق بينهما، وقيل هي ورم اللوزتين (بحر الجواهر).

[387]

فأذم إليك أيها الملك الدنيا الاخذة ما تعطي، والمورثة بعد ذلك التبعة، السالبة لمن تكسو، والمورثة بعد ذلك العرى، المواضعة لمن ترفع، والمورثة بعد ذلك الجزع، التاركة لمن يعشقها، والمورثة بعد ذلك الشقوة، المغوية لمن أطاعها واغتر بها، الغدارة بمن ائتمنها وركن إليها، هي المركب القموص (1) والصاحب الخؤون، والطريق الزلق، والمهبط المهوي، هي المكرمة التي لا تكرم أحدا إلا أهانته، المحبوبة التي لا تحب أحدا، الملزومة التي لا تلزم أحدا، يوفى لها وتغدر، ويصدق لها وتكذب، وينجز لها وتخلف، هي المعوجة لمن استقام بها، المتلاعبة بمن استمكنت (2) منه، بينا هي تطعمه إذ حولته مأكولا، وبينا هي تخدمه إذ جعلته خادما، وبينا هي تضحكه إذ ضحكت منه، وبينا هي تشتمه إذ شتمت منه (3) وبينا هي تبكيه إذا بكت عليه، وبينا هي قد بسطت يده بالعطية إذ بسطتها بالمسألة، وبينا هو فيها عزيز إذ أذلته، وبينا هو فيها مكرم إذ أهانته، وبينا هو فيها معظم إذ صار محقورا، وبينا هو فيها رفيع إذ وضعته، وبينا هي له مطيعة إذ عصته، وبينا هو فيها مسرور إذ أخزنته، وبينا هو فيها شبعان إذ أجاعته، وبينا هو فيها حي إذ أماتته. فأف لها من دار إذ كان هذا فعالها، وهذه صفتها، تضع التاج على رأسه غدوة وتعفر خده بالتراب عشية، وتجعلها في الاغلال غدوة [تحلى الايدي بأسورة الذهب عشية، وتجعلها في الاغلال غدوة - خ ل] وتقعد الرجل على السرير غدوة، وترمي به في السجن عشية، تفرش له الديباج عشية، وتفرش له التراب غدوة، وتجمع له الملاهي والمعازف غدوة، وتجمع عليه النوائح والنوادب عشية تحبب إلى أهله قربه عشية وتحبب إليهم بعده غدوة، تطيب ريحه غدوة وتنتن ريحه عشية، فهو متوقع لسطواتها، غير ناج من فتنتها وبلائها، تمتع نفسه من


(1) القموص - على وزن چموش - وبمعناه. (2) في بعض النسخ " استمسكت ". (3) في بعض النسخ " وبينا هي تشمته إذا تشمت منه ".

[388]

أحاديثها وعينه من أعاجيبها، ويده مملؤة من جمعها، ثم تصبح الكف صفرا، والعين هامدة، ذهب ما ذهب، وهوى ما هوى، وبادماباد، وهلك ما هلك، تجد في كل من كل خلفا، وترضى بكل من كل بدلا، تسكن دار كل قرن قرنا، وتطعم سؤر كل قوم قوما، تقعد الاراذل مكان الافاضل، والعجزة مكان الحزمة (1) تنقل أقواما من الجدب إلى الخصب (2)، ومن الرجلة إلى المركب ومن البؤس إلى النعمة، ومن الشدة إلى الرخاء، ومن الشقاء إلى الخفض والدعة، حتى إذا غمستهم في ذلك انقلبت بهم فسلبتهم الخصب، ونزعت منهم القوة، فعادوا إلى أبأس البؤس، وأفقر الفقر، وأجدب الجدب. فأما قولك أيها الملك في إضاعة الاهل وتركهم فإني لم أضيعهم، ولم أتركهم، بل وصلتهم وانقطعت إليهم، ولكني كنت وأنا أنظر بعين مسحورة لا أعرف بها الاهل من الغرباء، ولا الاعداء من الاولياء، فلما انجلى عني السحر استبدلت بالعين المسحورة عينا صحيحة، واستنبت الاعداء من الاولياء، والاقرباء من الغرباء، فإذا الذين كنت أعدهم أهلين وأصدقاء وإخوانا وخلطاء إنما هم سباع ضارية (3) لا همة لهم إلا أن تأكلني وتأكل بي، غير أن اختلاف منازلهم في ذلك على قدر القوة، فمنهم كالاسد في شدة السورة (4) ومنهم كالذئب في الغارة والنهبة، ومنهم كالكلب في الهرير والبصبصة، ومنهم كالثعلب في الحيلة والسرقة، فالطرق واحدة والقلوب مختلفة. فلو أنك أيها الملك في عظيم ما أنت فيه من ملكك، وكثرة من تبعك من أهلك وجنودك وحاشيتك وأهل طاعتك، نظرت في أمرك عرفت أنك وحيد فريد، ليس معك أحد من جميع أهل الارض، وذلك أنك قد عرفت أن عامة الامم


(1) في بعض النسخ " الفجرة مكان البررة ". (2) الجدب: القحط، مقابل الخصب. (3) الضارى من الكلاب ما لهج بالصيد وتعود أكله. (4) السورة: الحدة.

[389]

عدو لك، وأن هذه الامة التي اوتيت الملك عليها كثيرة الحسد (1) من أهل العداوة والغش لك الذين هم أشد عداوة لك من السباع الضارية، وأشد حنقا عليك من كل الامم الغريبة، وإذا صرت إلى أهل طاعتك ومعرفتك وقرابتك وجدت لهم قوما يعملون عملا بأجر معلوم، يحرصون مع ذلك أن ينقصوك من العمل فيزدادوك من الاجر، وإذا صرت إلى أهل خاصتك وقرابتك صرت إلى قوم جعلت كدك وكدحك (2) ومهنأك وكسبك لهم، فأنت تؤدي إليهم كل يوم الضريبة، وليس كلهم وإن وزعت بينهم جميع كدك عنك براض فإن أنت حبست عنهم ذلك فليس منهم البتة براض، أفلا ترى أنك أيها الملك وحيد لا أهل لك ولا مال. فأما أنا فإن لي أهلا ومالا وإخوانا وأخواتا وأولياء، لا يأكلوني، ولا يأكلون بي، يحبوني واحبهم، فلا يفقد الحب بيننا، ينصحوني وأنصحهم فلا غش بيننا، ويصدقوني واصدقهم فلا تكاذب بيننا، ويوالوني واواليهم فلا عداوة بيننا، ينصروني وأنصرهم فلا تخاذل بيننا، يطلبون الخير الذي إن طلبته معهم لم يخافوا أن أغلبهم عليه أو أستأثر به دونهم، فلا فساد بيننا ولا تحاسد، يعملون لي وأعمل لهم باجور لا تنفد ولا يزال العمل قائما بيننا، هم هداتي إن ضللت، ونور بصري إن عميت، وحصني إن اتيت، ومجني أن رميت (3) وأعواني إذا فزعت، وقد تنزهنا عن البيوت والمخاني (4) فلا يزيدها وتركنا الذخاير والمكاسب لاهل الدنيا فلا تكاثر بيننا، ولا تباغى، ولا تباغض، ولا تفاسد، ولا تحاسد، ولا تقاطع، فهؤلاء أهلي أيها الملك وإخواني وأقربائي وأحبائي، أحببتهم وانقطعت إليهم، وتركت الذين كنت أنظر إليهم بالعين المسحورة لما عرفتهم، والتمست السلامة منهم.


(1) في بعض النسخ " الحشد " وهو الجماعة. (2) الكد: السعي والجد، والكدح في العمل: المجاهدة فيه. (3) المجن: الترس وكل ما وقى من السلاح. (4) لعله جمع خان وهو الحانوت والفندق. وفى بعض النسخ " المخابى ".

[390]

فهذه الدنيا أيها الملك التي أخبرتك أنها لا شئ فهذا نسبها وحسبها ومسيرها إلى ما قد سمعت، قد رفضتها لما عرفتها، وأبصرت الامر الذي هو الشئ فإن كنت تحب أيها الملك أن أصف لك ما أعرف عن أمر الاخرة التي هي الشئ فاستعد إلى السماع، تسمع غير ما كنت تسمع به من الاشياء. فلم يزده الملك عليه إلا أن قال له: كذبت لم تصب شيئا، ولم تظفر إلا بالشقاء والعناء، فاخرج ولا تقيمن في شئ من مملكتي، فإنك فاسد مفسد. وولد للملك في تلك الايام بعد إياسه من الذكور غلام لم ير الناس مولودا مثله قط حسنا وجمالا وضياء، فبلغ السرور من الملك مبلغا عظيما كاد يشرف منه على هلاك نفسه من الفرح، وزعم أن الاوثان التي كان يعبدها هي التي وهبت له الغلام، فقسم عامة ما كان في بيوت أمواله على بيوت أوثانه، وأمر الناس بالاكل والشرب سنة وسمى الغلام يوذاسف، وجمع العلماء والمنجمين لتقويم ميلاده، فرفع المنجمون إليه أنهم يجدون الغلام يبلغ من الشرف والمنزلة مالا يبلغه أحد قط في أرض الهند، واتفقوا على ذلك جميعا، غير أن رجلا قال: ما أظن الشرف والمنزلة والفضل الذي وجدناه يبلغه هذا الغلام إلا شرف الاخرة ولا أحسبه إلا أن يكون إماما في الدين والنسك وذا فضيلة في درجات الاخرة لاني أرى الشرف الذي تبلغه ليس يشبه شيئا من شرف الدنيا وهو شبيه بشرف الاخرة. فوقع ذلك القول من الملك موقعا كاد أن ينغصه سروره بالغلام، وكان المنجم الذي أخبره بذلك من أوثق المنجمين في نفسه وأعلمهم وأصدقهم عنده، وأمر الملك للغلام بمدينة فأخلاها وتخير له من الظؤرة (1) والخدم كل ثقة وتقدم إليهم أن لا يذكر فيما بينهم موت ولا آخرة ولا حزن ولا مرض ولا فناء حتى تعتاد ذلك ألسنتهم وتنساه قلوبهم، وأمرهم إذا بلغ الغلام أن لا ينطقوا عنده بذكر شئ مما يتخوفونه عليه خشية أن يقع في قلبه منه شئ فيكون ذلك داعية إلى اهتمامه


(1) جمع الظئر: المرضعة.

[391]

بالدين والنسك، وأن يتحفظوا ويتحرزوا من ذلك، ويتفقد بعضهم من بعض، وازداد الملك عند ذلك حنقا على النساك مخافة على ابنه. وكان لذلك الملك وزير قد كفل أمره وحمل عنه مؤونة سلطانه، وكان لا يخونه ولا يكذبه ولا يكتمه، ولا يؤثر عليه، ولا يتواني في شئ من علمه، ولا يضيعه، وكان الوزيز مع ذلك رجلا لطيفا طلقا معروفا بالخير يحبه الناس ويرضون به إلا أن أحباء الملك وأقربائه كانوا يحسدونه، ويبغون عليه، ويستثقلون بمكانه. ثم إن الملك خرج ذات يوم إلى الصيد ومعه ذلك الوزير فأتى به في شعب من الشعاب على رجل قد أصابته زمانة شديدة في رجليه، ملقى في أصل شجرة لا يستطيع براحا (1) فسأله الوزير عن شأنه فأخبره أن السباع أصابته، فرق له الوزير فقال له الرجل: ضمني إليك واحملني إلى منزلك فإنك تجد عندي منفعة فقال الوزير: إني لفاعل وإن لم أجد عندك منفعة، ولكن يا هذا ما المنفعة التي تعدينها، هل تعمل عملا أو تحسن شيئا ؟ فقال الرجل: نعم أنا أرتق الكلام (2) فقال، وكيف ترتق الكلام ؟ قال: إذا كان فيه فتق أرتقه حتى لا يجيئ من قبله فساد، فلم ير الوزير قوله شيئا، وأمر بحمله إلى منزله وأمر له بما يصلحه حتى إذ كان بعد ذلك احتال أحباء الملك للوزير وضربوا له الامور ظهرا وبطنا فاجمع رأيهم على أن دسوا رجلا منهم إلى الملك، فقال له: أيها الملك إن هذا الوزير يطمع في ملكك أن يغلب عليه عقبك من بعدك فهو يصانع الناس على ذلك، ويعمل عليه دائبا، فإن أردت أن تعلم صدق ذلك فأخبره أنه قد بدا لك أن ترفض الملك وتلحق بالنساك، فإنك سترى من فرحه بذلك ما تعرف به أمره، وكان القوم قد عرفوا من الوزير رقة عند ذكر فناء الدنيا والموت ولينا للنساك وحبا لهم فعملوا فيه من الوجه الذي ظنوا أنهم يظفرون بحاجتهم منه، فقال الملك: لئن


(1) أي لا يستطيع تحولا. (2) رتق الفتق: أصلحه. يقال هو راتق أي مصلح الامر.

[392]

هجمت منه على هذا لم أسأل عما سواه، فلما أن دخل عليه الوزير قال له الملك: إنك قد عرفت حرصي على الدنيا وطلب الملك وإني ذكرت ما مضى من ذلك فلم أجد معي منه طائلا، وقد عرفت أن الذى بقي منه كالذي مضى فإنه يوشك أن ينقضي ذلك كله بأجمعه فلا يصير في يدي منه شئ، وأنا اريد أن أعمل في حال الاخرة عملا قويا على قدر ما كان من عملي في الدنيا وقد بدالي أن الحق بالنساك واخلي هذا العمل لاهله فما رأيك ؟ قال: فرق الوزير لذلك رقة شديدة حتى عرف الملك ذلك منه، ثم قال: أيها الملك إن الباقي وإن كان عزيزا لاهل أن يطلب وإن الفاني وإن استمكنت منه لاهل أن يرفض ونعم الرأي رأيت، وإني لارجو أن يجمع الله لك مع الدنيا شرف الاخرة، قال: فكبر ذلك على الملك ووقع منه كل موقع ولم يبدله شيئا غير أن الوزير عرف الثقل في وجهه فانصرف إلى أهله كئيبا حزينا لا يدري من أين أتي ولا من دهاه (1) ولا يدري ما دواء الملك فيما استنكر عليه فسهر لذلك عامة الليل، ثم ذكر الرجل الذي زعم أنه يرتق الكلام فأرسل إليه فاتي به فقال له: إنك كنت ذكرت لي ذكرا من رتق الكلام فقال الرجل أجل فهل احتجت إلى شئ من ذلك ؟ فقال الوزير: نعم اخبرك أني صحبت هذا الملك قبل ملكه ومنذ صار ملكا فلم أستنكره فيما بيني وبينه قط لما يعرفه من نصيحتي وشفقتي وإيثاري إياه على نفسي وعلى جميع الناس، حتى إذا كان هذا اليوم استنكرته استنكارا شديدا لا أظن خيرا عنده بعده، فقال له الراتق: هل لذلك سبب أو علة، قال الوزير: نعم دعاني أمس وقال لي كذا وكذا فقلت له كذا وكذا، فقال: من ههنا جاء الفتق وأنا أرتقه إن شاء الله. إعلم أن الملك قد ظن أنك تحب أن ينجلي هو عن ملكه وتخلفه أنت فيه فإذا كان عند الصبح فاطرح عنك ثيابك وحليتك وألبس أوضع ما تجده من ذي النساك واشهره ثم احلق رأسك وامض على وجهك إلى باب الملك فإن الملك سيدعو بك ويسألك عن الذي صنعت فقل له: هذا الذي دعوتني إليه ولا


(1) في بعض النسخ " ما دهاه ".

[393]

ينبغي لاحد أن يشير على صاحبه بشئ إلا واساه فيه وصبر عليه، وما أظن الذي دعوتني إليه إلا خيرا مما نحن فيه، فقم إذا بدا لك، ففعل الوزير ذلك فتخلى عن نفس الملك ما كان فيها عليه. ثم أمر الملك بنفي النساك من جميع بلاده وتوعدهم بالقتل، فجدوا في الهرب والاستخفاء، ثم إن الملك خرج ذات يوم متصيدا فوقع بصره على شخصين من بعيد فأرسل إليهما فاتي بهما فإذا هما ناسكان فقال لهما: ما بالكما لن تخرجا من بلادي قالا: قد أتتنا رسلك ونحن على سبيل الخروج، قال: ولم خرجتما راجلين، قالا: لانا قوم ضعفاء ليس لنا دواب ولا زاد ولا نستطيع الخروج إلا بالتقصير، قال الملك: إن من خاف الموت أسرع بغير دابة، ولا زاد فقالا له: إنا لا نخاف الموت بل لا ننظر قرة عين في شئ من الاشياء إلا فيه. قال الملك: وكيف لا تخافان الموت وقد زعمتما أن رسلنا لما أتتكم وأنتم على سبيل الخروج أفليس هذا هو الهرب من الموت ؟ قالا: إن الهرب من الموت ليس من الفرق (1) فلا تظن أنا فرقناك ولكنا هربنا من أن يعينك على أنفسنا، فأسف الملك وأمر بهما أن يحرقا بالنار، وأذن في أهل مملكته بأخذ النساك وتحريقهم بالنار فتجرد رؤساء عبدة الاوثان في طلبهم وأخذوا منهم بشرا كثيرا وأحرقوهم بالنار، فمن ثم صار التحريق سنة باقية في أرض الهند، وبقي في جميع تلك الارض قوم قليل من النساك كرهوا الخروج من البلاد، واختاروا الغيبة والاستخفاء ليكونوا دعاة وهداة لمن وصلوا إلى كلامه. فنبت ابن الملك أحسن نبات في جمسه وعقله وعلمه ورأيه، ولكنه لم يؤخذ بشئ من الاداب إلا بما يحتاج إليه الملوك مما ليس فيه ذكر موت ولا زوال ولا فناء واوتى الغلام من العلم والحفظ شيئا كان عند الناس من العجائب، وكان أبوه لا يدري أيفرح بما اوتي ابنه من ذلك أو يحزن له لما يتخوف عليه أن يدعوه ذلك إلى ما قيل فيه. فلما فطن الغلام بحصرهم إياه في المدينة ومنعهم إياه من الخروج والنظر والاستماع وتحفظهم عليه ارتاب لذلك وسكت عنه وقال في نفسه هؤلاء أعلم بما


(1) الفرق - محركة -: الخوف.

[394]

يصلحني مني حتى إذا ازداد بالسن والتجربة علما قال: ما أرى لهؤلاء علي فضلا وما أنا بحقيق أن اقلدهم أمري، فأراد أن يكلم أباه إذا دخل عليه ويسأله عن سبب حصره إياه، ثم قال: ما هذا الامر إلا من قبله وما كان ليطلعني عليه ولكني حقيق أن ألتمس علم ذلك من حيث أرجو إدراكه، وكان في خدمه رجل كان ألطفهم به وأرأفهم به، وكان الغلام إليه مستأنسا فطمع الغلام في إصابة الخبر من قبل ذلك الرجل فازداد له ملاطفة وبه استيناسا، ثم إن الغلام واضعه الكلام في بعض الليل باللين وأخبره أنه بمنزلة والده وأولى الناس به، ثم أخذه بالترغيب والترهيب وقال له: إني لاظن هذا الملك سائر لي بعد والدي وأنت فيه سائر أحد رجلين إما أعظم الناس فيه منزلة وإما أسوء الناس حالا، قال له الحاضن (1) وبأي شئ أتخوف في ملكك سوء الحال قال: بأن تكتمني اليوم أمرا أفهمه غدا من غيرك، فأنتقم منك بأشد ما أقدر عليك، فعرف الحاضن منه الصدق وطمع منه في الوفاء فأفشى إليه خبره، والذي قال المنجمون لابيه، والذي حذر أبوه من ذلك، فشكر له الغلام ذلك وأطبق عليه حتى إذا دخل عليه أبوه. قال: يا أبه إني وإن كنت صبيا فقد رأيت في نفسي واختلاف حالي أذكر من ذلك ما أذكر وأعرف بمالا أذكر منه ما أعرف وأنا أعرف أني لم أكن على هذا المثال وأنك لم تكن على هذه الحال، ولا أنت كائن عليها إلى الابد وسيغيرك الدهر عن حالك هذه، فلئن كنت أردت أن تخفي عني أمر الزوال فما خفي علي ذلك، ولئن كنت حبستني عن الخروج وحلت بيني وبين الناس لكيلا تتوق نفسي إلى غير ما أنا فيه لقد تركتني بحصرك إياي، وإن نفسي لقلقة مما تحول بيني وبينه حتى مالي هم غيره، ولا أردت سواه، حتى لا يطمئن قلبي إلى شئ مما أنا فيه ولا أنتفع به ولا آلفه، فخل عني وأعلمني بما تكره من ذلك وتحذره حتى أجتنبه وأوثر موافقتك ورضاك على ما سواهما.


(1) الحاضن فاعل من حضنه أي جعله في حضنه والحضن ما دون الابط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما أي الحافظ والمؤدب.

[395]

فلما سمع الملك ذلك من ابنه على أنه قد علم ما الذي يكرهه وأنه من حبسه وحصره لا يزيده إلا إغراء وحرصا على ما يحال بينه وبينه، فقال: يا بني ما أردت بحصري إياك إلا أن انحي عنك الاذى، فلا ترى إلا ما يوافقك ولا تسمع إلا ما يسرك، فأما إذا كان هواك في غير ذلك فإن آثر الاشياء عندي ما رضيت وهويت. ثم أمر الملك أصحابه أن يركبوه في أحسن زينة وأن ينحوا عن طريقه كل منظر قبيح، وأن يعدوا له المعازف والملاهي ففعلوا ذلك، فجعل بعد ركبته تلك يكثر الركوب، فمر ذات يوم على طريق قد غفلوا عنه فأتى على رجلين من السؤال (1) أحدهما قد تورم وذهب لحمه، واصفر جلده، وذهب ماء وجهه، وسمج منظره، والاخر أعمى يقوده قائد، فلما رأى ذلك اقشعر منهما وسأل عنهما فقيل له: إن هذا المورم من سقم باطن، وهذا الاعمى من زمانة، فقال ابن الملك: وإن هذا البلاء ليصيب غير واحد ؟ قالوا: نعم فقال: هل يأمن أحد من نفسه أن يصيبه مثل هذا ؟ قالوا: لا، وانصرف يومئذ مهموما ثقيلا محزونا باكيا مستخفا بما هو فيه من ملكه وملك أبيه فلبث بذلك أياما. ثم ركب ركبة فأتى في مسيره على شيخ كبير قد انحنى من الكبر، وتبدل خلقه، وابيض شعره، واسود لونه، وتقلص جلده (2)، وقصر خطوه فعجب منه وسأل عنه، فقالوا: هذا الهرم، فقال: وفي كم يبلغ الرجل ما أرى ؟ قالوا: في مائة سنة أو نحو ذلك، وقال: فما وراء ذلك ؟ قالوا: الموت، قال: فما يخلى بين الرجل وبين ما يريد من المدة ؟ قالوا: لا وليصيرن إلى هذا في قليل من الايام، فقال: الشهر ثلاثون يوما والسنة اثنا عشر شهرا وانقضاء العمر مائة سنة فما أسرع اليوم في الشهر، وما أسرع الشهر في السنة، وما أسرع السنة في العمر فانصرف الغلام، وهذا كلامه يبديه ويعيده مكررا له.


(1) في بعض النسخ " فأتى عليه رجلان من السؤال ". (2) تقلص أي انضم وانزوى.

[396]

ثم سهر ليلته كلها وكان له قلب حي ذكي وعقل لا يستطيع معه نسيانا ولا غفلة، فعلاه الحزن والاهتمام فانصرف نفسه عن الدنيا وشهواتها وكان في ذلك يداري أباه ويتلطف عنده وهو مع ذلك قد أصغى بسمعه إلى كل متكلم بكلمة طمع أن يسمع شيئا يدله على غير ما هو فيه، وخلا بحاضنه الذي كان أفضى إليه بسره، فقال له: هل تعرف من الناس أحدا شأنه غير شأننا، قال: نعم قد كان قوم يقال لهم: النساك، رفضوا الدنيا وطلبوا الاخرة، ولهم كلام، وعلم لا يدرى ما هو، غير أن الناس عادوهم وأبغضوهم وحرقوهم ونفاهم الملك عن هذه الارض، فلا يعلم اليوم ببلادنا منهم أحد فإنهم قد غيبوا أشخاصهم ينتظرون الفرج، وهذه سنة في أولياء الله قديمة يتعاطونها في دول الباطل، فاغتص لذلك الخبر فؤاده، وطال به اهتمامه، وصار كالرجل الملتمس ضالته التي لا بدله منها، وذاع خبره في آفاق الارض وشهر بتفكره وجماله وكماله وفهمه وعقله وزهادته في الدنيا وهوانها عليه. فبلغ ذلك رجلا من النساك يقال له: بلوهر، بأرض يقال لها: سرانديب، وكان رجلا ناسكا حكيما فركب البحر حتى أتى أرض سولابط، ثم عمد إلى باب ابن الملك فلزمه وطرح عنه زي النساك ولبس زي التجار وتردد إلى باب ابن الملك حتى عرف الاهل والاحباء والداخلين إليه، فلما استبان له لطف الحاضن بابن الملك، وحسن منزلته منه أطاف به بلوهر حتى أصاب منه خلوة، فقال له: إني رجل من تجار سرانديب، قدمت منذ أيام، ومعي سلعة عظيمة نفيسة الثمن، عظيمة القدر، فأردت الثقة لنفسي فعليك وقع اختياري، وسلعتي خير من الكبريت الاحمر، وهي تبصر العميان، وتسمع الصم، وتداوي من الاسقام، وتقوي من الضعف، وتعصم من الجنون، وتنصر على العدو، ولم أر بهذا أحدا هو أحق بها من هذا الفتى فإن رأيت أن تذكر له ذلك ذكرته فان كان له فيها حاجة ادخلتني عليه، فإنه لم يخف عنه فضل سلعتي لو قد نظر إليها، قال الحاضن: للحكيم إنك لتقول شيئا ما سمعنا به من أحد قبلك ولا أرى بك بأسا وما مثلي يذكر مالا يدري به ما هو، فأعرض علي سلعتك أنظر إليها فإن رأيت شيئا ينبغي لي أن أذكره ذكرته، قال له

[397]

بلوهر: إني رجل طبيب وإني لارى في بصرك ضعفا فأخاف إن نظرت إلى سلعتي أن يلتمع بصرك، ولكن ابن الملك صحيح البصر حدث السن ولست أخاف عليه أن ينظر إلى سلعتي فإن رأى ما يعجبه كانت له مبذولة على ما يحب، وإن كان غير ذلك لم تدخل عليه مؤونة ولا منقصة، وهذا أمر عظيم لا يسعك أن تحرمه إياه أو تطويه دونه، فانطلق الحاضن إلى ابن الملك فأخبره خبر الرجل فحس قلب ابن الملك بأنه قد وجد حاجته، فقال: عجل إدخال الرجل علي ليلا وليكن ذلك في سر وكتمان، فإنه مثل هذا لا يتهاون به. فأمر الحاضن بلوهر بالتهيئ للدخول عليه، فحمل معه سفطا فيه كتب له، فقال الحاضن: ما هذا السفط ؟ قال بلوهر: في هذا السفط سلعتي فإذا شئت فأدخلني عليه فانطلق به حتى أدخله عليه فلما دخل عليه بلوهر سلم عليه وحياه وأحسن ابن الملك إجابته، وانصرف الحاضن، وقعد الحكيم عند الملك فأول ما قال له بلوهر: رأيتك يا ابن الملك زدتني في التحية على ما تصنع بغلمانك وأشراف أهل بلادك ؟ قال ابن الملك: ذلك لعظيم ما رجوت عندك، قال بلوهر: لئن فعلت ذلك بي فقد كان رجلا من الملوك في بعض الافاق يعرف بالخير ويرجى فبينا هو يسير يوما في موكبه إذ عرض له في مسيره رجلان ماشيان، لباسهما الخلقان، وعليهما أثر البؤس والضر، فلما نظر إليهما الملك لم يتمالك أن وقع على الارض فحياهما وصافحهما، فلما رأى ذلك وزراؤه اشتد جزعهم مما صنع الملك فأتوا أخا له وكان جريا عليه فقالوا: إن الملك أزرى بنفسه، وفضح أهل مملكته، وخر عن دابته لانسانين دنيين، فعاتبه على ذلك كيلا يعود، ولمه على ما صنع، ففعل ذلك أخ الملك فأجابه الملك بجواب لا يدري ما حاله فيه أساخط عليه الملك أم راض عنه، فانصرف إلى منزله حتى إذا كان بعد أيام أمر الملك مناديا وكان يسمى منادي الموت فنادى في فناء داره، وكانت تلك سنتهم فيمن أرادوا قتله، فقامت النوائح والنوادب في دار أخ الملك ولبس ثياب الموتى وانتهى إلى باب الملك وهو يبكي بكاء شديدا ونتف شعره، فلما بلغ ذلك الملك دعا به، فلما أذن له الملك دخل

[398]

عليه ووقع على الارض ونادى بالويل والثبور ورفع يده بالتضرع فقال له الملك: اقترب أيها السفيه أنت تجزع من مناد نادى من بابك بأمر مخلوق وليس بأمر خالق، وأنا أخوك وقد تعلم أنه ليس لك إلي ذنب أقتلك عليه، ثم أنتم تلومونني على وقوعي إلى الارض حين نظرت إلى منادي ربي إلي وأنا أعرف منكم بذنوني، فاذهب فإني قد علمت أنه إنما استغرك وزرائي وسيعلمون خطأهم. ثم أمر الملك بأربعه توابيت فصنعت له من خشب فطلا تابوتين منها بالذهب وتابوتين بالقار، فلما فرغ منها ملا تابوتي القار ذهبا وياقوتا وزبر جدا وملا تابوتي الذهب جيفا ودما وعذرة وشعرا، ثم جمع الوزراء والاشراف الذين ظن أنهم أنكروا صنيعه بالرجلين الضعيفين الناسكين فعرض عليهم التوابيت الاربعة وأمرهم بتقويمها، فقالوا: أما في ظاهر الامر وما رأينا ومبلغ علمنا فإن تابوتي الذهب لاثمن لهما لفضلهما وتابوتي القار لا ثمن لهما لرذالتهما، فقال الملك: أجل هذا لعلمكم بالاشياء ومبلغ رأيكم فيها، ثم أمر بتابوتي القار فنزعت عنهما صفايحهما فأضاء البيت بما فيها من الجواهر فقال: هذا مثل الرجلين الذين ازدريتم لباسهما وظاهرهما وهما مملو ان علما وحكمة وصدقا وبرا وسائر مناقب الخير الذي هو أفضل من الياقوت واللؤلؤ والجوهر والذهب. ثم أمر بتابوتي الذهب فنزع عنهما أبوابهما فاقشعر القوم من سوء منظرهما وتاذوا بريحهما ونتنهما، فقال الملك وهذان مثل القوم المتزينين بظاهر الكسوة واللباس وأجوافهما مملوة جهالة وعمى وكذبا وجورا وسائر أنواع الشر التي هي أفضع وأشنع وأقذر من الجيف. قال القوم: قد فقهنا واتعظنا أيها الملك. ثم قال بلوهر: هذا مثلك يا ابن الملك فيما تلقيتني به من التحية والبشر فانتصب يوذاسف ابن الملك وكان متكئا، ثم قال: زذني مثلا قال الحكيم: إن الزارع خرج ببذره الطيب ليبذره، فلما ملا كفه ونثره وقع بعضه على حافة الطريق فلم يلبثان أن التقطه الطير ووقع بعضه على صفاة قد أصابها ندى وطين،

[399]

فمكث حتى اهتز. فلما صارت عروقه إلى يبس الصفاة مات ويبس، ووقع بعضه بأرض ذات شوك فنبت حتى سنبل، وكاد أن يثمر فمنعه الشوك فأبطله، وأما ما كان منه وقع في الارض الطيبة وإن كان قليلا فإنه سلم وطاب وزكى، فالزارع حامل الحكمة، وأما البذر ففنون الكلام، وأما ما وقع منه على حافة الطريق فالتقطه الطير فمالا يجاوز السمع منه حتى يمر صفحا، وأما ما وقع على الصخرة في الندى فيبس حين بلغت عروقه الصفاة فما استحلاه صاحبه حتى سمعه بفراغ قلبه وعرفه بفهمه ولم يفقه بحصافة ولايته، وأما ما نبت منه وكاد أن يثمر فمنعه الشوك فأهلكه فما وعاه صاحبه حتى إذا كان عند العمل به حفته الشهوات فأهلكته، وأما ما زكي وطاب وسلم منه وانتفع به رآه البصر ووعاه الحفظ، وأنفذه العزم بقمع الشهوات وتطهير القلوب من دنسها. قال ابن الملك: إني أرجو أن يكون ما تبذره أيها الحكيم ما يزكو ويسلم ويطيب فاضرب لي مثل الدنيا وغرور أهلها بها. قال بلوهر: بلغنا أن رجلا حمل عليه فيل مغتلم (1) فانطلق موليا هاربا وأتبعه الفيل حتى غشيه فاضطره إلى بئر فتدلى فيها وتعلق بغصنين نابتين على شفير البئر ووقعت قدماه على رؤوس حيات، فلما تبين له الغصنين فإذا في أصلهما جرذان يقرضان الغصنين أحدهما أبيض والاخر أسود، فلما نظر إلى تحت قدميه، فإذا رؤس أربع أفاع قد طلعن من جحرهن، فلما نظر إلى قعر البئر إذا بتنين فاغرفاه (2) نحوه يريد التقامه، فلما رفع رأسه إلى أعلا الغصنين إذا عليهما شئ من عسل النحل فتطعم من ذلك العسل فألهاه ما طعم منه، وما نال من لذة العسل وحلاوته عن الفكر في أمر الافاعي اللواتي لا يدري متى يبادرنه وألهاه عن التنين الذي لا يدري كيف مصيره بعد وقوعه في لهواته. أما البئر فالدنيا مملوة آفات وبلايا وشرور، وأما الغصنان فالعمر، وأما


(1) أي شديد الشهوة يعنى فيل مست، اغتلم الشراب: اشتدت سورته. (2) الفاغر الفاتح فاه.

[400]

الجرذان فالليل والنهار يسرعان في الاجل، وأما الافاعي الاربعة فالاخلاط الاربعة التي هي السموم القاتلة من المرة والبلغم والريح والدم التي لا يدري صاحبها متى تهيج به، وأما التنين الفاغرفاه ليلتقمه فالموت الراصد الطالب، وأما العسل الذي اغتر به المغرور فما ينال الناس من لذة الدنيا وشهواتها ونعيمها ودعتها من لذة المطعم والمشرب والشم واللمس والسمع والبصر. قال ابن الملك: إن هذا المثل عجيب وأن هذا التشبيه حق، فزدني مثلا للدنيا وصاحبها المغرور بها المتهاون بما ينفعه فيها ؟ قال بلوهر، زعموا أن رجلا كان له ثلاثة قرناء، وكان قد آثر أحدهم على الناس جميعا، ويركب الاهوال والاخطار بسببه ويغرر بنفسه له، ويشغل ليله ونهاره في حاجته، وكان القرين الثاني دون الاول منزلة وهو على ذلك حبيب إليه مشفق عنده، ويكرمه ويلاطفه ويخدمه ويطيعه ويبذل له ولا يغفل عنه، وكان القرين الثالث محقورا مستثقلا، ليس له من وده وماله إلا أقله حتى إذا نزل بالرجل الامر الذي يحتاج فيه إلى قرنائه الثلاثة، فأتاه جلاوزة الملك ليذهبوا به ففزع إلى قرينه الاول فقال له: قد عرفت إيثاري إياك وبذل نفسي لك، وهذا اليوم يوم حاجتي إليك فماذا عندك ؟ قال: ما أنا لك بصاحب وإن لي أصحابا يشغلوني عنك، هم اليوم أولى بي منك ولكن لعلي ازودك ثوبين لتنتفع بهما. ثم فزع إلى قرينه الثاني ذي المحبة واللطف، فقال له: قد عرفت كرامتي إياك ولطفي بك وحرصي على مسرتك، وهذا يوم حاجتي إليك فماذا عندك ؟ فقال: إن أمر نفسي يشغلني عنك وعن أمرك، فاعمد لشأنك، واعلم أنه قد انقطع الذي بيني وبينك وأن طريقي غير طريقك إلا أني لعلي أخطو معك خطوات يسيرة لا تنتفع بها، ثم أنصرف إلى ما هو أهم إلي منك. ثم فزع إلى قرينه الثالث الذي كان يحقره ويعصيه ولا يلتفت إليه أيام رخائه فقال له: إني منك لمستح ولكن الحاجة اضطرتني إليك فماذا لي عندك ؟ قال:

[401]

لك عندي المواساة، والمحافظة عليك، وقلة الغفلة عنك، فابشر وقر عينا فإني صاحبك الذي لا يخذلك ولا يسلمك، فلا يهمك قلة ما أسلفتني واصطنعت إلي، فإني قد كنت أحفظ لك ذلك وأوفره عليك كله، ثم لم أرض لك بعد ذلك به حتى اتجرت لك به فربحت أرباحا كثيرة، فلك اليوم عندي من ذلك أضعاف ما وضعت عندي منه فأبشر، وإني أرجو أن يكون في ذلك رضي الملك عنك اليوم وفرجا مما أنت فيه. فقال الرجل عند ذلك: ما أدري على أي الامرين أنا أشد حسرة عليه على ما فرطت في القرين الصالح أم على ما اجتهدت فيه من المحبة لقرين السوء ؟. قال بلوهر: فالقرين الاول هو المال والقرين الثاني هو الاهل والولد، والقرين الثالث هو العمل الصالح. قال ابن الملك: إن هذا هو الحق المبين فزدني مثلا للدنيا وغرورها و صاحبها المغرور بها، المطمئن إليها. قال بلوهر: كان أهل مدينة يأتون الرجل الغريب الجاهل بأمرهم فيملكونه عليهم سنة فلا يشك أن ملكه دائم عليهم لجهالته بهم فإذا انقضت السنة أخرجوه من مدينتهم عريانا مجردا سليبا، فيقع في بلاء وشقاء لم يحدث به نفسه، فصار ما مضى عليه من ملكه وبالا وحزنا ومصيبة وأذى، ثم إن أهل المدينة أخذوا رجلا آخر فملكوه عليهم فلما رأى الرجل غربته فيهم لم يستأنس بهم وطلب رجلا من أهل أرضه خبيرا بأمرهم حتى وجده فأفضى إليه بسر القوم وأشار إليه أن ينظر إلى الاموال التي في يديه فيخرج منها ما استطاع الاول فالاول حتى يحرزه في المكان الذي يخرجونه إليه فإذا أخرجه القوم صار إلى الكفاية والسعة بما قدم وأحرز، ففعل ما قال له الرجل ولم يضيع وصيته. قال بلوهر: وإني لارجو أن تكون ذلك الرجل يا ابن الملك الذي لم يستأنس بالغرباء ولم يغتر بالسلطان، وأنا الرجل الذي طلبت ولك عندي الدلالة والمعرفة والمعونة. قال ابن الملك: صدقت أيها الحكيم أنا ذلك الرجل وأنت ذلك الرجل

[402]

وأنت طلبتي التي كنت طلبتها فصف لي أمر الاخرة تاما، فأما الدنيا فلعمري لقد صدقت ولقد رأيت منها ما يدلني على فنائها ويزهدني فيها، ولم يزل أمرها حقيرا عندي. قال بلوهر: إن الزهادة في الدنيا يا ابن الملك مفتاح الرغبة إلى الاخرة، ومن طلب الاخرة فأصاب بابها دخل ملكوتها وكيف لا تزهد في الدنيا وقد آتاك الله من العقل ما آتاك، وقد ترى أن الدنيا كلها وإن كثرت إنما يجمعها أهلها لهذه الاجساد الفانية، والجسد لاقوام له، ولا امتناع به، فالحر يذيبه، والبرد يجمده، والسموم يتخلله، والماء يغرقه، والشمس تحرقه، والهواء يسقمه، والسباع يفترسه، والطير تنقره، والحديد يقطعه، والصدم يحطمه، ثم هو معجون بطينة من ألوان الاسقام والاوجاع والامراض، فهو مرتهن بها، مترقب لها، وجل منها، غير طامع في السلامة منها، ثم هو مقارن الافات السبع التي لا يتخلص منها ذو جسد وهي الجوع والظمأ والحر والبرد والوجع والخوف والموت. فأما ما سألت منه من الامر الاخرة، فإني أرجو أن تجد ما تحسبه بعيدا قريبا، وما كنت تحسبه عسيرا يسيرا، وما كنت تحسبه قليلا كثيرا. قال ابن الملك: أيها الحكيم أرأيت القوم الذين كان والدي حرقهم بالنار ونفاهم أهم أصحابك ؟ فقال: نعم، قال: فإنه بلغني أن الناس اجتمعوا على عداوتهم وسوء الثناء عليهم، قال بلوهر: نعم قد كان ذلك، قال: فما سبب ذلك أيها الحكيم ؟ قال بلوهر: أما قولك يا ابن الملك في سوء الثناء عليهم فما عسى أن يقولون فيمن يصدق ولا يكذب، ويعلم ولا يجهل، ويكف ولا يؤذي، ويصلي ولا ينام، ويصوم ولا يفطر، ويبتلي فيصبر، ويتفكر فيعتبر، ويطيب نفسه عن الاموال والاهلين، ولا يخافهم الناس على أموالهم وأهليهم. قال ابن الملك: فكيف اتفق الناس على عداوتهم وهم فيما بينهم مختلفون ؟ قال بلوهر: مثلهم في ذلك مثل كلاب اجتمعوا على جيفة تنهشها ويهار بعضها بعضا، مختلفة الالوان والاجناس فبينا هي تقبل على الجيفة ازدنى رجل منهم فترك بعضهن بعضا وأقبلن على الرجل فيهرن عليه جميعا معاويات عليه وليس للرجل في جيفتهن حاجة

[403]

ولا أراد أن ينازعهن فيها، ولكن هن عرفن غربته منهن فاستوحشن منه واستأنس بعضهن ببعض وإن كن مختلفات متعاديات فيما بينهن من قبل أن يرد الرجل عليهن. قال بلوهر: فمثل الجيفة متاع الدنيا ومثل صنوف الكلاب ضروب الرجال الذين يقتتلون على الدنيا ويهرقون دماءهم وينفقون لها أموالهم، ومثل الرجل الذي اجتمعت عليه الكلاب ولا حاجة له في جيفهن كمثل صاحب الدين الذي رفض الدنيا وخرج منها، فليس ينازع فيها أهلها ولا يمنع ذلك الناس من أن يعادونه لغربته عندهم، فإن عجبت فاعجبت من الناس أنهم لا همة لهم إلا الدنيا وجمعها والتكاثر والتفاخر والتغالب عليها حتى إذا رأوا من قد تركها في أيديهم وتخلى عنها كانوا له أشد قتالا عليه وأشد حنقا منهم للذي يشاحهم عليها فأي حجة لله يا ابن الملك أدحض من تعاون المختلفين على من لا حجة لهم عليه ؟ قال ابن الملك أعمد لحاجتي، قال بلوهر: إن الطبيب الرفيق إذ رأى الجسد قد أهلكته الاخلاط الفاسدة فأراد أن يقويه ويسمنه لم يغذه بالطعام الذي يكون منه اللحم والدم والقوة لانه يعلم أنه متى أدخل الطعام على الاخلاط الفاسدة أضر بالجسد ولم ينفعه ولم يقوه، ولكن يبدأ بالادوية والحمية من الطعام، فإذا أذهب من جسده الاخلاط الفاسدة أقبل عليه بما يصلحه من الطعام فحينئذ يجد طعم الطعام ويسمن ويقوي ويحمل الثقل بمشية الله عزوجل. وقال ابن الملك أيها الحكيم: أخبرني ماذا تصيب من الطعام والشراب ؟ قال الحكيم: زعموا أن ملكا من الملوك كان عظيم الملك كثير الجند والاموال وأنه بداله أن يغزو ملكا آخر ليزداد ملكا إلى ملكه ومالا إلى ماله، فسار إليه بالجنود والعدد والعدة، والنساء والاولاد والاثقال، فأقبلوا نحوه فظهروا عليه واستباحوا عسكره فهرب وساق امرأته وأولاده صغارا فألجأه الطلب عند المساء إلى أجمة على شاطئ النهر فدخلها مع أهله وولده وسيب دوابه مخافة أن تدل عليه

[404]

بصهيلها فبأتوا في الاجمة وهم يسمعون وقع حوافر الخيل من كل جانب فأصبح الرجل لا يطيق براحا، وأما النهر فلا يستطيع عبوره، وأما الفضاء فلا يستطيع الخروج إليه لمكان العدو، فهم في مكان ضيق قد أذاهم البرد وأهجرهم الخوف وطواهم الجوع، وليس لهم طعام ولا معهم زاد ولا إدام، وأولاده ضعار جياع يبكون من الضر الذي قد أصابهم فمكث بذلك يومين، ثم إن أحد بنيه مات فألقوه في النهر فمكث بعد ذلك يوما آخر فقال الرجل لامرأته إنا مشرفون على الهلاك جميعا وإن بقي بعضنا وهلك بعضنا كان خيرا من أن نهلك جميعا وقد رأيت أن أعجل ذبح صبي من هؤلاء الصبيان فنجعله قوتا لنا ولاولادنا إلى أن يأتي الله عزوجل بالفرج فإن أخرنا ذلك هزل الصبيان حتى لا يشبع لحومهم وتضعف حتى لا نستطيع الحركة ان وجدنا إلى ذلك سبيلا، وطاوعته امرأته فذبح بعض أولاده ووضعوه بينهم ينهشونه، فما ظنك يا ابن الملك بذلك المضطر أأكل الكلب المستكثر يأكل ؟ أم أكل المضطر المستقل ؟ قال ابن الملك: بل أكل المستقل، قال الحكيم: كذلك أكلي وشربي يا ابن الملك في الدنيا. فقال له ابن الملك: أرأيت هذا الذي تدعوني إليه أيها الحكيم أهو شئ نظر الناس فيه بعقولهم وألبابهم حتى اختاروه على ما سواه لانفسهم أم دعاهم الله إليه فأجابوا، قال الحكيم: علا هذا الامر ولطف عن أن يكون من أهل الارض أو برأيهم دبروه، ولو كان من أهل الارض لدعوا إلى عملها وزينتها وحفظها ودعتها ونعيمها ولذتها ولهوها ولعبها وشهواتها، ولكنه أمر غريب ودعوة من الله عزوجل ساطعة، وهدى مستقيم ناقض على أهل الدنيا أعمالهم، مخالف لهم، عائب عليهم، وطاعن ناقل لهم عن أهوائهم، داع لهم إلى طاعة ربهم، وإن ذلك لبين لمن تنبه، مكتوم عنده عن غير أهله حتى يظهر الله الحق بعد خفائه ويجعل كلمته العليا وكلمة الذين جهلوا السفلى. قال ابن الملك صدقت أيها الحكيم. ثم قال الحكيم: إن من الناس من تفكر قبل مجيئ الرسل عليهم السلام فأصاب، ومنهم من دعته الرسل بعد مجيئها فأجاب وأنت يا ابن الملك ممن تفكر بعقله فأصاب.

[405]

قال ابن الملك: فهل تعلم أحدا من الناس يدعو إلي التزهيد في الدنيا غيركم ؟ قال الحكيم: أما في بلادكم هذه فلا وأما في سائر الامم ففيهم قوم ينتحلون الدين بألسنتهم ولم يستحقوه بأعمالهم، فاختلف سبيلنا وسبيلهم، قال ابن الملك: كيف صرتم أولى بالحق منهم وإنما أتاكم هذا الامر الغريب من حيث أتاهم ؟ قال الحكيم: الحق كله جاء من عند الله عزوجل وإنه تبارك وتعالى دعا العباد إليه فقبله قوم بحقه وشروطه حتى أدوه إلى أهله كما امروا، لم يظلموا ولم يخطئوا ولم يضيعوا، وقبله آخرون فلم يقوموا بحقه وشروطه، ولم يؤدوه إلى أهله، ولم يكن لهم فيه عزيمة، ولا على العمل به نية ضمير، فضيعوه واستثقلوه فالمضيع لا يكون مثل الحافظ، والمفسد لا يكون كالمصلح، والصابر لا يكون كالجازع، فمن ههنا كنا نحن أحق به منهم وأولى. ثم قال الحكيم: إنه ليس يجري على لسان أحد منهم من الدين والتزهيد والدعاء إلى الاخرة إلا وقد اخذ ذلك عن أصل الحق (1) الذي عنه أخذنا، ولكنه فرق بيننا وبينهم أحداثهم التي أحدثوا وابتغاؤهم الدنيا وإخلادهم إليها، وذلك أن هذه الدعوة لم تزل تأتي وتظهر في الارض مع أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم في القرون الماضية على ألسنة مختلفة متفرقة، وكان أهل دعوة الحق أمرهم مستقيم، وطريقهم واضح، ودعوتهم بينة، لا فرقة فيهم ولا اختلاف، فكانت الرسل عليهم السلام إذا بلغوا رسالات ربهم، واحتجوا لله تبارك وتعالى على عباده بحجة وإقامة معالم الدين وأحكامه، قبضهم الله عزوجل إليه عند انقضاء آجالهم ومنتهى مدتهم، ومكثت الامة من الامم بعد نبيها برهة من دهرها لا تغير ولا تبدل ثم صار الناس بعد ذلك يحدثون الاحداث ويبتغون الشهوات، ويضيعون العلم، فكان العالم البالغ المستبصر منهم يخفى شخصه ولا يظهر علمه، فيعرفونه باسمه ولا يهتدون إلى مكانه ولا يبقى منهم إلا الخسيس من أهل العلم، يستخف به أهل الجهل والباطل، فيخمل العلم ويظهر الجهل، وتتناس القرون فلا يعرفون إلا الجهل،


(1) في المصدر " أهل الحق ".

[406]

ويزداد الجهال استعلاء وكثرة، والعلماء خمولا وقلة، فحولوا معالم الله تبارك وتعالى عن وجوهها، وتركوا قصد سبيلها، وهم مع ذلك مقرون بتنزيله، متبعون شبهه ابتغاء تأويله، متعلقون بصفته، تاركون لحقيقته، نابذون لاحكامه، فكل صفة جاءت الرسل تدعوا إليها فنحن لهم موافقون في تلك الصفة، مخالفون لهم في أحكامهم وسيرتهم، ولسنا نخالفهم في شئ إلا ولنا عليهم الحجة الواضحة والبينة العادلة من نعت ما في أيديهم من الكتب المنزلة من الله عزوجل فكل متكلم منهم يتكلم بشئ من الحكمة فهي لنا وهي بيننا وبينهم تشهد لنا عليهم بأنها توافق صفتنا وسيرتنا وحكمنا وتشهد عليهم بأنها مخالفة لسنتهم وأعمالهم، فليسوا يعرفون من الكتاب إلا وصفه، ولا من الذكر إلا اسمه، فليسوا بأهل الكتاب حقيقة حتى يقيموه. قال ابن الملك: فما بال الانبياء والرسل عليهم السلام يأتون في زمان دون زمان ؟ قال الحكيم: إنما مثل ذلك كمثل ملك كانت له أرض موات لا عمران فيها، فلما أراد أن يقبل عليها بعمارته أرسل إليها رجلا جلدا أمينا ناصحا، ثم أمره أن يعمر تلك الارض وأن يغرس فيها صنوف الشجر وأنواع الزرع، ثم سمى له الملك ألوانا من الغرس معلومة، وأنواعا من الزرع معروفة، ثم أمره أن لا يعدو ما سمى له وأن لا يحدث فيها من قبله شيئا لم يكن أمره به سيده، وأمره أن يخرج لها نهرا ويسد عليها حائطا، ويمنعها من أن يفسدها مفسد، فجاء الرسول الذي أرسله الملك إلى تلك الارض فأحياها بعد موتها وعمرها بعد خرابها، وغرس فيها وزرع من الصنوف التي أمره بها، ثم ساق نهر الماء إليها حتى نبت الغرس واتصل الزرع، ثم لم يلبث قليلا حتى مات قيمها، وأقام بعده من يقوم مقامه وخلف من بعده خلف خالفوا من أقامه القيم بعده وغلبوه على أمره، فأخربوا العمران، وطموا الانهار، فيبس الغرس، وهلك الزرع، فلما بلغ الملك خلافهم على القيم بعد رسوله وخراب أرضه أرسل إليها رسولا آخر يحييها ويعيدها ويصلحها كما كانت في منزلتها الاولى، وكذلك الانبياء والرسل عليهم السلام يبعث الله عزوجل الواحد بعد الواحد فيصلح أمر الناس بعد فساده.

[407]

قال ابن الملك أيخص الانبياء والرسل عليهم إذا جاءت بما يبعث به أم تعم ؟. قال بلوهر: إن الانبياء والرسل إذا جاءت تدعوا عامة الناس فمن أطاعهم كان منهم، ومن عصاهم لم يكن منهم، وما تخلو الارض قط من أن يكون لله عزوجل فيها مطاع من أنبيائه ورسله ومن أوصيائه، وإنما مثل ذلك مثل طائر كان في ساحل البحر يقال له قدم (1) يبيض بيضا كثيرا وكان شديد الحب للفراخ وكثرتها، وكان يأتي عليه زمان يتعذر عليه فيه ما يريده من ذلك، فلا يجد بدا من اتخاذ أرض اخرى حتى يذهب ذلك الزمان فيأخذ بيضه مخافة عليه من أن يهلك من شفقته فيفرقه في أعشاش الطير فتحضن الطير بيضته مع بيضتها وتخرج فراخه مع فراخها، فإذا طال مكث فراخ قدم مع فراخ الطير ألفها بعض فراخ الطير واستأنس بها فإذا كان الزمان الذي ينصرف فيه قدم إلى مكانه مر بأعشاش الطير وأو كارها بالليل فأسمع فراخه وغيرها صوته فإذا سمعت فراخه صوته تبعته وتبع فراخه ما كان ألفها من فراخ سائر الطير ولم يجبه ما لم يكن من فراخ ولا ما لم يكن ألف فراخه وكان قد يضم إليه من أجابه من فراخه حبا للفراخ، و كذلك الانبياء إنما يستعرضون الناس جميعا بدعائهم فيجيبهم أهل الحكمة والعقل لمعرفتهم لفضل الحكمة، فمثل الطير الذي دعا بصوته مثل الانبياء والرسل التي تعم الناس بدعائهم، ومثل البيض المتفرق في أعشاش الطير مثل الحكمة، ومثل سائر فراخ الطير التي ألفت فراخ قدم مثل من أجاب الحكماء قبل مجيئ الرسل، لان الله عزوجل جعل لانبيائه ورسله من الفضل والرأي ما لم يجعل لغيرهم من الناس، وأعطاهم من الحجج والنور والضياء ما لم يعط غيرهم، وذلك لما يريد من بلوغ رسالته ومواقع حججه، وكانت الرسل إذا جاءت وأظهرت دعوتها أجابهم من الناس أيضا من لم يكن أجاب الحكماء وذلك لما جعل الله عزوجل على دعوتهم من الضياء والبرهان. قال ابن الملك: أفرأيت ما يأتي به الرسل والانبياء إذ زعمت أنه ليس


(1) في بعض النسخ " قرم " ولعل الصواب " قرلى ".

[408]

بكلام الناس وكلام الله عزوجل وهو كلام وكلام ملائكته كلام، قال الحكيم: أما رأيت الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقدمها وتأخرها وإقبالها وإدبارها لم يجدوا الدواب والطير يحتمل كلامهم الذي هو كلامهم، فوضعوا من النقر والصفير والرجز ما يبلغوا به حاجتهم وما عرفوا أنها تطيق حمله، وكذلك العباد يعجزوا أن يعلموا كلام الله عزوجل وكلام ملائكته على كنهه وكماله ولطفه وصفته قصار ما تراجع الناس بينهم من الاصوات التي سمعوا بها الحكمة شبيها بما وضع الناس للدواب، والطير ولم يمنع ذلك الصوت مكان الحكمة المخبرة في تلك الاصوات من أن تكون الحكمة واضحة بينهم، قوية منيرة شريفة عظيمة، ولم يمنعها من وقوع معانيها على مواقعها وبلوغ ما احتج به الله عزوجل على العباد فيها فكان الصوت للحكمة جسدا ومسكنا، وكانت الحكمة للصوت نفسا وروحا، ولا طاقة للناس أن ينفذوا غور كلام الحكمة، ولا يحيطوا به بعقولهم، فمن قبل ذلك تفاضلت العلماء في علمهم، فلا يزال عالم يأخذ علمه من عالم حتى يرجع العلم إلى الله عزوجل الذي جاء من عنده، وكذلك العلماء قد يصيبون من الحكمة والعلم ما ينجيهم من الجهل، ولكن لكل ذي فضل فضله، كما أن الناس ينالون من ضوء الشمس ما ينتفعون به في معائشهم وأبدانهم ولا يقدرون أن ينفذوها بأبصارهم فهي كالعين الغزيرة الظاهر مجراها المكنون عنصرها، فالناس قد يجيبون بما ظهر لهم من مائها، ولا يدركون غورها وهي كالنجوم الزاهرة التي يهتدى بها الناس، ولا يعلمون مساقطها، فالحكمة أشرف وأرفع وأعظم مما وصفناها به كله، هي مفتاح باب كل خير يرتجى، والنجاة من كل شر يتقى، وهي شراب الحياة التي من شرب منه لم يمت أبدا، والشفاء للسقم الذي من استشفى به لم يسقم أبدا، والطريق المستقيم الذي من سلكه لم يضل أبدا، هي حبل الله المتين الذي لا يخلقه طول التكرار، من تمسك به انجلى عنه العمى، ومن اعتصم به فاز واهتدى، وأخذ بالعروة الوثقى. قال، فما بال هذه الحكمة التي وصفت بما وصفت من الفضل والشرف

[409]

والارتفاع والقوة والمنفعة والكمال والبرهان لا ينتفع بها الناس كلهم جميعا ؟. قال الحكيم: إنما مثل الحكمة كمثل الشمس الطالعة على جميع الناس الابيض والاسود منهم، والصغير والكبير، فمن أراد الانتفاع بها لم تمنعه ولم يحل بينه وبينها من أقربهم وأبعدهم، ومن لم يرد الانتفاع بها فلا حجة له عليها، ولا تمنع الشمس على الناس جميعا، ولا يحول بين الناس وبين الانتفاع بها، وكذلك الحكمة وحالها بين الناس إلى يوم القيامة، والحكمة قد عمت الناس جميعا إلا أن الناس يتفاضلون في ذلك، والشمس ظاهرة إذ طلعت على الابصار الناظرة فرقت بين الناس على ثلاثة منازل فمنهم الصحيح البصر الذي ينفعه الضوء ويقوي على النظر، ومنهم الاعمى القريب من الضوء الذي لو طلعت عليه شمس أو شموس لم تغن عنه شيئا، ومنهم المريض البصر الذي لا يعد في العميان ولا في أصحاب البصر، كذلك الحكمة هي شمس القلوب إذا طلعت تفرق على ثلاث منازل: منزل لاهل البصر الذين يعقلون الحكمة فيكونون من أهلها، ويعملون بها، ومنزل لاهل العمى الذين تنبوا الحكمة عن قلوبهم لانكارهم الحكمة وتركهم قبولها كما ينبوضوء الشمس عن العميان، ومنزلة لاهل مرض القلوب الذين يقصر علمهم ويضعف عملهم ويستوي فيهم السيئ والحسن، والحق والباطل، وإن أكثر من تطلع عليه الشمس وهي الحكمة ممن يعمى عنها. قال ابن الملك: فهل يسع الرجل الحكمة فلا يجيب إليها حتى يلبث زمانا ناكبا عنها، ثم يجيب ويراجعها ؟ قال بلوهر: نعم هذا أكثر حالات الناس في الحكمة. قال ابن الملك: ترى والدي سمع شيئا من هذا الكلام قط ؟ قال بلوهر: لا أراه سمع سماعا صحيحا رسخ في قلبه ولا كلمه فيه ناصح شفيق. قال ابن الملك: وكيف ترك ذلك الحكماء منه طول دهرهم ؟ قال بلوهر: تركوه لعلمهم بمواضع كلامهم، فربما تركوا ذلك ممن هو أحسن إنصافا وألين عريكة، وأحسن استماعا من أبيك حتى أن الرجل ليعاش الرجل طول عمره بينهما الاستيناس والمودة والمفاوضة، ولا يفرق بينهما شئ إلا الدين والحكمة،

[410]

وهو متفجع عليه، متوجع له، ثم لا يفضي إليه أسرار الحكمة إذ لم يره لها موضعا. وقد بلغنا أن ملكا من الملوك كان عاقلا قريبا من الناس، مصلحا لامورهم، حسن النظر والنصاف لهم، وكان له وزير صدق صالح يعينه على الاصلاح ويكفيه مؤونته ويشاوره في اموره، وكان الوزير أديبا عاقلا، له دين وورع ونزاهة على الدنيا (1)، وكان قد لقي أهل الدين، وسمع كلامهم، وعرف فضلهم، فأجابهم وانقطع إليهم بإخائه ووده، وكانت له من الملك منزلة حسنة وخاصة، وكان الملك لا يكتمه شيئا من أمره، وكان الوزير له أيضا بتلك المنزلة، إلا أنه لم يكن ليطلعه على أمر الدين، ولا يفاوضه أسرار الحكمة، فعاشا بذلك زمانا طويلا، وكان الوزير كلما دخل على الملك سجد الاصنام وعظمها وأخذ شيئا في طريق الجهالة والضلالة تقية له فأشفق الوزير على الملك من ذلك واهتم به واستشار في ذلك أصحابه وإخوانه، فقالوا له: انظر لنفسك وأصحابك فإن رأيته موضعا للكلام فكلمه وفاوضه وإلا فإنك إنما تعينه على نفسك، وتهيجه على أهل دينك، فإن السلطان لا يغتر به، ولا تؤمن سطوته، فلم يزل الوزير على اهتمامه به مصافيا له، رفيقا به رجاء أن يجد فرصة فينصحه أو يجد للكلام موضعا فيفاوضه، وكان الملك مع ضلالته متواضعا سهلا قريبا، حسن السيرة في رعيته، حريصا على إصلاحهم، متفقدا لامورهم، فاصطحب الوزير الملك على هذا برهة من زمانه. ثم إن الملك قال للوزير ذات ليلة من الليالي بعدما هدأت العيون: هل لك أن تركب فنسير في المدينة فننظر إلى حال الناس وآثار الامطار التي أصابتهم في هذه الايام ؟ فقال الوزير: نعم فركبا جميعا يجولان في نواحي المدينة فمرا في بعض الطريق على مزبلة تشبه الجبل، فنظر الملك إلى ضوء النار تبدو في ناحية المزبلة، فقال للوزير: إن لهذه النار لقصة فأنزل بنا نمشي حتى ندنو منها فنعلم خبرها، ففعلا ذلك فلما انتهيا إلى مخرج الضوء وجدا نقبا شبيها بالغار، وفيه مسكين من المساكين ثم نظرا في الغار من حيث لا يراهما الرجل فإذا الرجل مشوه الخلق، عليه ثياب


(1) في المصدر " وزهاده عن الدنيا.

[411]

خلقان من خلقان المزبلة، متكئ على متكاء قد هيأه من الزبل، وبين يديه إبريق فخار، فيه شراب وفي يده طنبور، يضرب بيده وامرأته في مثل خلقه ولباسه قائمة بين يديه تسقيه إذا استسقى منها، وترقص له إذا ضرب، وتحييه بتحية الملوك، كلما شرب وهو يسميها سيدة النساء، وهما يصفان أنفسهما بالحسن والجمال وبينهما من السرور والضحك والطرب مالا يوصف، فقام الملك على رجليه مليا والوزير ينظر كذلك ويتعجبان من لذتهما وإعجابهما بما هما فيه، ثم انصرف الملك والوزير فقال الملك: ما أعلمني وإياك أصابنا الدهر من اللذة والسرور والفرح مثل ما أصاب هذين الليلة مع أني أظنهما يصنعان كل ليلة مثل هذا، فاغتنم الوزير ذلك منه، ووجد فرصة فقال له: أخاف أيها الملك أن يكون دنيانا هذه من الغرور، ويكون ملكك وما نحن فيه من البهجة والسرور في أعين من يعرف الملكوت الدائم مثل هذه المزبلة، ومثل هذين الشخصين اللذين رأيناهما، وتكون مساكننا وما شيدنا منها عند من يرجو مساكن السعادة وثواب الاخرة مثل هذا الغار في أعيننا، وتكون أجسادنا عند من يعرف الطهارة والنضارة والحسن والصحة مثل جسد هذه المشوه الخلق في أعيننا، ويكون تعجبهم عن إعجابنا بما نحن فيه كتعجبنا من إعجاب هذين الشخصين بما هما فيه. قال الملك وهل تعرف لهذه الصفة أهلا ؟ قال الوزير: نعم، قال الملك: من هم ؟ قال الوزير: أهل الدين الذين عرفوا ملك الاخرة ونعيمها فطلبوه، قال الملك: وما ملك الاخرة ؟ قال الوزير هو النعيم الذي لا بؤس بعده، والغنى الذي لا فقر بعده، والفرح الذي لا ترح بعده، والصحة التي لا سقم بعدها، والرضى الذي لا سخط بعده، والامن الذي لا خوف بعده، والحياة التي لا موت بعدها، والملك الذي لا زوال له، التي هي دار البقاء ودار الحيوان، التي لا انقطاع لها، ولا تغير فيها، رفع الله عزوجل عن ساكنيها فيها السقم والهرم والشقاء والنصب والمرض والجوع والظمأ والموت، فهذه صفة ملك الاخرة وخبرها أيها الملك.

[412]

قال الملك: وهل تدركون إلى هذه الدار مطلبا وإلى دخولها سبيلا ؟ قال الوزير: نعم هي مهيأة لمن طلبها من وجه مطلبها، ومن أتاها من بابها ظفر بها، قال الملك: ما منعك أن تخبرني بهذا قبل اليوم ؟ قال الوزير: منعني من ذلك إجلالك والهيبة لسلطانك، قال الملك: لئن كان هذا الامر الذي وصفت يقينا فلا ينبغي لنا أن نضيعه ولا نترك العمل به في إصابته، ولكنا نجتهد حتى يصح لنا خبره، قال الوزير: أفتأمرني أيها الملك أن اواظب عليك في ذكره والتكرير له ؟ قال الملك: بل آمرك أن لا تقطع عني ليلا ولا نهارا، ولا تريحني ولا تمسك عني ذكره فإن هذا أمر عجيب لا يتهاون به، ولا يغفل عن مثله، وكان سبيل ذلك الملك والوزير إلى النجاة. قال ابن الملك: ما أنا بشاغل نفسي بشئ من هذه الامور عن هذا السبيل ولقد حدثت نفسي بالهرب معك في جوف الليل حيث بدالك أن تذهب. قال بلوهر: وكيف تستطيع الذهاب معي والصبر على صحبتي وليس لي جحر يأويني، ولا دابة تحملني، ولا أملك ذهبا ولا فضة، ولا أدخر غذاء العشاء، ولا يكون عندي فضل ثوب، ولا أستقر ببلدة إلا قليلا حتى أتحول عنها ولا أتزود من أرض إلى أرض اخرى رغيفا أبدا. قال ابن الملك: إني أرجو أن يقويني الذي قواك، قال بلوهر: أما إنك إن أبيت إلا صحبتي كنت خليقا أن تكون كالفتى الذي صاهر الفقير. قال يوذاسف: وكيف كان ذلك ؟ قال بلوهر: زعموا أن فتى كان من أولاد الاغنياء فأراد أبوه أن يزوجه ابنة عم له ذات جمال ومال، فلم يوافق ذلك الفتى ولم يطلع أباه على كراهته حتى خرج من عنده متوجها إلى أرض اخرى، فمر في طريقه على جارية عليها ثياب خلقان لها، قائمة على باب بيت من بيوت المساكين فأعجبته الجارية، فقال لها: من أنت أيتها الجارية ؟ قالت: ابنة شيخ كبير في هذا البيت، فنادى الفتى الشيخ فخرج إليه فقال له: هل تزوجني ابنتك هذه ؟ قال: ما أنت بمتزوج لبنات الفقراء وأنت فتى من الاغنياء، قال: أعجبتني هذه الجارية ولقد خرجت هاربا من امرأة ذات حسب ومال أرادوا مني تزويجها، فكرهتها

[413]

فزوجني ابنتك فإنك واجد عندي خيرا إن شاء الله. قال الشيخ: كيف ازوجك ابنتي ونحن لا تطيب أنفسنا أن تنقلها عنا، ولا أحتسب مع ذلك أن أهلك يرضون أن تنقلها إليهم، قال الفتى: فنحن معكم في منزلكم هذا، قال الشيخ: إن صدقت فيما تقول فاطرح عنك زيك وحليتك هذه، قال: ففعل الفتى ذلك وأخذ أطمارا رثة من أطمارهم فلبسها وقعد معهم، فسأله الشيخ عن شأنه وعرض له بالحديث حتى فتش عقله فعرف أنه صحيح العقل وأنه لم يحمله على ما صنع السفه، فقال له الشيخ: أما إذا اخترتنا ورضيت بنا فقم معي إلى هذا السرب فأدخله فإذا خلف منزله بيوت ومساكن لم ير مثله قط سعة وحسنا، وله خزائن من كل ما يحتاج إليه، ثم دفع إليه مفاتيحه وقال: إن كل ما ههنا لك فاصنع به ما أحببت، فنعم الفتى أنت وأصاب الفتى ما كان يريده. قال يوذاسف: إني لارجو أن أكون أنا صاحب هذا المثل إن الشيخ فتش عقل هذا الغلام حتى وثق به، فلعلك تطول بي على تفتيش عقلي فأعلمني ما عندك في ذلك، قال الحكيم: لو كان هذا الامر إلي لا كتفيت منك بأدنى المشافهة ولكن فوق رأسي سنة قد سنها أئمة الهدى في بلوغ الغاية في التوفيق، وعلم ما في الصدور فإني أخاف إن خالفت السنة أن أكون قد أحدثت بدعة، وأنا منصرف عنك الليلة وحاضر بابك في كل ليلة، ففكر في نفسك بهذا واتعظ به، وليحضرك فهمك وتثبت ولا تعجل بالتصديق لما يورده عليك همك حتى تعلمه بعد التؤدة والاناة وعليك بالاحتراس في ذلك أن يغلبك الهوى والميل إلى الشبهة والعمى، واجتهد في المسائل التي تظن أن فيها شبهة، ثم كلمني فيها وأعلمني رأيك في الخروج إذا أردت، وافترقا على هذا تلك الليلة. ثم عاد الحكيم إليه فسلم عليه ودعا له، ثم جلس فكان من دعائه أن قال: أسأل الله الاول الذي لم يكن قبله شئ، والاخر الذي لا يبقى معه شئ، والباقي الذي لا فناء له، والعظيم الذي لا منتهى له، والواحد الفرد الصمد الذي ليس معه غيره، والقاهر الذي لا شريك له، البديع الذي لا خالق معه،

[414]

القادر الذي ليس له ضد، الصمد الذي ليس له ند، الملك الذي ليس معه أحد أن يجعلك ملكا عدلا، إماما في الهدى، قائدا إلى التقوى، ومبصرا من العمى، وزاهدا في الدنيا، ومحبا لذوي النهى، ومبغضا لاهل الردى، حتى يفضي بنا وبك إلى ما وعد الله أوليائه على ألسنة أنبيائه من جنته ورضوانه، فإن رغبتنا إلى الله في ذلك ساطعة، ورهبتنا منه باطنة، وأبصارنا إليه شاخصة (1) وأعناقنا له خاضعة، وامورنا إليه صائرة. فرق ابن الملك لذلك الدعاء رقة شديدة، وازداد في الخير رغبة، وقال متعجبا من قوله: أيها الحكيم أعلمني كم أتى لك من العمر ؟ فقال: اثنتا عشر سنة، فارتاع لذلك ابن الملك، وقال: ابن اثنتى عشرة سنة طفل وأنت مع ما أرى من التكهل كابن ستين سنة. قال الحكيم: أما المولد فقد راهق الستين سنة، ولكنك سألتني عن العمر وإنما العمر الحياة، ولا حياة إلا في الدين والعمل به، والتخلي من الدنيا ولم يكن ذلك لي إلا من اثنتى عشرة سنة، فأما قبل ذلك فإني كنت ميتا ولست أعتد في عمري بأيام الموت، قال ابن الملك: كيف تجعل الاكل والشارب والمتقلب ميتا ؟ قال الحكيم: لانه شارك الموتى في العمى والصم والبكم وضعف الحياة وقلة الغنى، فلما شاركهم في الصفة وافقهم في الاسم. قال ابن الملك: لئن كنت لا تعد حياتك تلك حياة ولا غبطة ما ينبغي لك أن تعد ما تتوقع من الموت موتا، ولا تراه مكروها، قال الحكيم: تغريري في الدخول عليك بنفسي يا ابن الملك مع علمي لسطوة أبيك على أهل ديني يدلك على أني لا أرى الموت موتا، ولا أرى هذه الحياة حياة، ولا ما أتوقع من الموت مكروها، فكيف يرغب في الحياة من قد ترك حظه منها ؟ أو يهرب من الموت من قد أمات نفسه بيده، أولا ترى يا ابن الملك أن صاحب الدين قد رفض الدنيا من أهله وماله وما لا يرغب فيها إلا له (2) واحتمل من نصب العبادة مالا يريحه منه إلا


(1) في بعض النسخ " وأبصارنا إليه خاشعة ". (2) كذا.

[415]

الموت، فما حاجة من لا يتمتع بلذة الحياة إلى الحياة ؟ أو يهرب من لا راحة له إلا في الموت من الموت. قال ابن الملك: صدقت أيها الحكيم فهل يسرك أن ينزل بك الموت من غد ؟ قال الحكيم: بل يسرني أن ينزل بي الليلة دون غد فإنه من عرف السيئ والحسن وعرف ثوابهما من الله عزوجل ترك السيئ مخافة عقابه، وعمل الحسن رجاء ثوابه، ومن كان موقنا بالله وحده مصدقا بوعده فإنه يحب الموت لما يرجو بعد الموت من الرخاء ويزهد في الحياة لما يخاف على نفسه من الشهوات الدنيا والمعصية لله فيها فهو يحب الموت مبادرة من ذلك، فقال ابن الملك: إن هذا لخليق أن يبادر الهلكة لما يرجو في ذلك من النجاة، فاضرب لي مثل امتنا هذه وعكوفها على أصنامها. قال الحكيم: إن رجلا كان له بستان يعمره ويحسن القيام عليه إذ رأى في بستانه ذات يوم عصفورا واقعا على شجرة من شجرة البستان يصيب من ثمرها فغاضه ذلك فنصب فخا فصاده، فلما هم بذبحه أنطقه الله عزوجل بقدرته، فقال لصاحب البستان: إنك تهتم بذبحي وليس في ما يشبعك من جوع ولا يقويك من ضعف فهل لك في خير عما هممت به ؟ قال الرجل: ما هو ؟ قال العصفور: تخلى سبيلي واعلمك ثلاث كلمات إن أنت حفظتهن كن خيرا لك من أهل ومال هو لك، قال: قد فعلت فأخبرني بهن، قال العصفور: احفظ عني ما أقول لك: لا تأس على ما فاتك ولا تصدقن بما لا يكون، ولا تطلبن مالا تطيق، فلما قضى الكلمات خلى سبيله، فطار فوقع على بعض الاشجار، ثم قال للرجل: لو تعلم ما فاتك مني لعلمت أنك قد فاتك مني عظيم جسيم من الامر، فقال الرجل وماذاك ؟ قال العصفور: لو كنت قضيت على ما هممت به من ذبحي لاستخرجت من حوصلتي درة كبيضة الاوزة فكان لك في ذلك غنى الدهر، فلما سمع الرجل منه ذلك أسر في نفسه ندما على ما فاته، وقال: دع منك ما مضى، وهلم أنطلق بك إلى منزلي فأحسن صحبتك وأكرم مثواك، فقال له العصفور: أيها الجاهل ما أراك حفظتني إذا ظفرت

[416]

بي، ولا انتفعت بالكلمات التي فتديت بها منك نفسي، ألم أعهد إليك ألا تأس على ما فاتك ولا تصدق مالا يكون، ولا تطلب مالا يدرك ؟ أما أنت متفجع على ما فاتك وتلتمس مني رجعتي إليك وتطلب مالا تدرك وتصدق أن في حوصلتي درة كبيضة الاوزة، وجميعي أصغر من بيضها، وقد كنت عهدت إليك أن لا تصدق بما لا يكون. وأن امتكم صنعوا أصنامهم بأيديهم ثم زعموا أنها هي التي خلقتهم وخفظوها من أن تسرق مخافة عليها وزعموا أنها هي التي تحفظهم، وأنفقوا عليها من مكاسبهم وأموالهم، وزعموا أنها هي التي ترزقهم فطلبوا من ذلك مالا يدرك وصدقوا بما لا يكون فلزمهم منه ما لزم صاحب البستان، قال ابن الملك: صدقت أما الاصنام فإني لم أزل عارفا بأمرها، زاهدا فيها، آيسا من خيرها، فأخبرني بالذي تدعوني إليه والذي ارتضيته لنفسك ما هو ؟ قال بلوهر: جماع الدين أمران أحدهما معرفة الله عزوجل والاخر العمل برضوانه، قال ابن الملك: وكيف معرفة الله عزوجل ؟ قال الحكيم: أدعوك إلى أن تعلم أن الله واحد ليس له شريك، لم يزل فردا ربا، وما سواه مربوب، وأنه خالق وما سواه مخلوق، وأنه قديم وما سواه محدث، وأنه صانع وما سواه مصنوع، وأنه مدبر وما سواه مدبر، وأنه باق وما سواه فان، وأنه عزيز وما سواه ذليل، وأنه لا ينام ولا يغفل ولا يأكل ولا يشرب ولا يضعف ولا يغلب ولا يعجز، ولا يعجزه شئ، لم تمتنع منه السماوات والارض والهواء والبر والبحر، وأنه كون الاشياء لا من شئ، وأنه لم يزل ولا يزال، ولا تحدث فيه الحوادث، ولا تغيره الاحوال، ولا تبدله الازمان ولا يتغير من حال إلى حال، ولا يخلو منه مكان، ولا يشتغل به مكان، ولا يكون من مكان أقرب منه إلى مكان، ولا يغيب عنه شئ، عالم لا يخفى عليه شئ، قدير لا يفوته شئ، وأن تعرفه بالرأفة والرحمة والعدل، وأن له ثوابا أعده لمن أطاعه، وعذابا أعده لمن عصاه، وأن تعمل لله برضاه، وتجتنب سخطه.

[417]

قال ابن الملك: فما يرضي الواحد الخالق من الاعمال ؟ قال الحكيم: يا ابن الملك أن تطيعه ولا تعصيه، وأن تأتي إلى غيرك ما تحب أن يؤتى إليك، وتكف عن غيرك ما تحب أن يكف عنك في مثله، فإن ذلك عدل وفي العدل رضاه، وفي اتباع آثار أنبياء الله ورسله بأن لا تعدو سنتهم. قال ابن الملك: زدني أيها الحكيم تزهيدا في الدنيا وأخبرني بحالها. قال الحكيم: إني لما رأيت الدنيا دار تصرف وزوال وتقلب من حال إلى حال، ورأيت أهلها فيها أغراضا للمصائب، ورهائن للمتالف، ورأيت صحة بعدها سقما، وشبابا بعده هرما، وغنى بعده فقرا، وفرحا بعده حزنا، وعزا بعده ذلا، ورخاء بعده شدة، وأمنا بعده خوفا، وحياة بعدها مماة، ورأيت أعمارا قصيرة، وحتوفا راصدة (1) وسهاما قاصدة، وأبدانا ضعيفة مستسلمة، غير ممتنعة ولا حصينة، عرفت أن الدنيا منقطعة بالية فانية، وعرفت بما ظهر لي منها ما غاب عني منها، وعرفت بظاهرها باطنها، وغامضها بواضحها، وسرها بعلانيتها، و صدورها بورودها، فحذرتها لما عرفتها، وفررت منها لما أبصرتها، بينا ترى المرء فيها مغتبطا محبورا (2) وملكا مسرورا (3) في خفض ودعة ونعمة وسعة في بهجة من شبابة، وحداثة من سنه، وغبطة من ملكه، وبهاء من سلطانه، وصحة من بدنه إذا انقلبت الدنيا به أسر ما كان فيها نفسا، وأقر ما كان فيها عينا، فأخرجته من ملكها وغبطتها وخفضها ودعتها وبهجتها، فأبدلته بالعز ذلا وبالفرح ترحا، وبالسرور حزنا، وبالنعمة بؤسا، وبالغني فقرا، وبالسعة ضيقا، وبالشباب هرما، وبالشرف ضعة، وبالحياة موتا، فدلته في حفرة ضيقة شديدة الوحشة، وحيدا فريدا غريبا، قد فارق الاحبة وفارقوه، خذله إخوانه فلم يجد عندهم دفعا، وصار عزه وملكه وأهله وماله نهبة من بعده، كأن لم يكن في الدنيا ولم يذكر فيها ساعة قط ولم


(1) الحتف الموت من غير قتل والجمع حتوف. والراصد: المراقب. (2) أي مسرورا والحبر - بفتح الحاء وكسرها - السرور والجمع حبور وأحبار. (3) في بعض النسخ " مشعوفا ".

[418]

يكن له فيها خطر، ولم يملك من الارض حظا قط فلا تتخذ فيها يا ابن الملك دارا، ولا تتخذن فيها عقدولا عقارا، فاف لها وتف. قال ابن الملك: اف لها ولمن يغتر بها إذ كان هذا حالها ورق ابن الملك وقال: زدني أيها الحكيم من حديثك فإنه شفاء لما في صدري. قال الحكيم: إن العمر قصير، والليل والنهار يسرعان فيه، والارتحال من الدنيا حثيث قريب، وإنه وإن طال العمر فيها فإن الموت نازل، والظاعن لا محالة راحل فيصير ما جمع فيها مفرقا، وما عمل فيها متبرا، وما شيد فيها خرابا، ويصير اسمه مجهولا، وذكره منسيا، وحسبه خاملا وجسده باليا، وشرفه وضيعا، ونعمته وبالا، وكسبه خسارا، ويورث سلطانه، ويستذل عقبه، ويستباح حريمه، وتنقض عهوده، وتخفر ذمته، وتدرس آثاره، ويوزع ماله، ويطوى رحله، ويفرح عدوه ويبيد ملكه، ويورث تاجه، ويخلف على سريره، ويخرج من مساكنه مسلوبا مخذولا فيذهب به إلى قبره فيدلى في حفرته في وحدة وغربة وظلمة ووحشة ومسكنة وذلة، قد فارق الاحبة، وأسلمته العصبة فلا تؤنس وحشته أبدا، ولا ترد غربته أبدا، واعلم أنها يحق على المرء اللبيب من سياسة نفسه خاصة كسياسة الامام العادل الحازم الذي يؤدب العامة، ويستصلح الرعية، ويأمرهم بما يصلحهم، وينهاهم عما يفسدهم، ثم يعاقب من عصاه منهم، ويكرم من أطاعه منهم، فكذلك للرجل اللبيب أن يؤدب نفسه في جميع أخلاقها وأهوائها وشهواتها وأن تحملها وإن كرهت على لزوم منافعها فيما أحبت وكرهت، وعلى اجتناب مضارها، وأن يجعل لنفسه عن نفسه ثوابا وعقابا من مكانها من السرور إذا أحسنت، ومن مكانها من الغم إذا أساءت، ومما يحق على ذي العقل فيما ورد عليه من اموره، والاخذ بصوابها، وينهى نفسه عن خطائها، وأن يحتقر عمله ونفسه في رأيه لكيلا يدخله عجب، فإن الله عزوجل قد مدح أهل العقل وذم أهل العجب، ومن لا عقل له، وبالعقل يدرك كل خير بإذن الله تبارك وتعالى، وبالجهل تهلك النفوس، وإن من أوثق

[419]

الثقات عند ذوي الالباب ما أدركته عقولهم، وبلغته تجاربهم، ونالته أبصارهم في الترك للاهواء والشهوات، وليس ذو العقل بجدير أن يرفض ما قوي على حفظه من العمل احتقارا له إذا لم يقدر على ما هو أكثر منه، وإنما هذا من أسلحة الشيطان الغامضة التي لا يبصرها إلا من تدبرها، ولا يسلم منها إلا من عصمه الله منها، ومن أسلحته سلاحان أحدهما إنكار العقل أن يوقع في قلب الانسان العاقل أنه لا عقل له ولا بصر ولا منفعة له في عقله وبصره، ويريد أن يصده عن محبة العلم وطلبه، ويزين له الاشتغال بغيره من ملاهي الدنيا، فإن أتبعه الانسان من هذا الوجه فهو ظفره، وإن عصاه وغلبه فرغ إلى السلاح الاخر وهو أن يجعل الانسان إذا عمل شيئا وأبصره عرض له بأشياء لا يبصرها ليغمزه ويضجره بما لا يعلم حتى يبغض إليه ما هو فيه بتضعيف عقله عنده، وبما يأتيه من الشبهة، ويقول: ألست ترى أنك لا تستكمل هذا الامر ولا تطيقه أبدا فبم تعني نفسك وتشقيها فيما لا طاقة لك به، فبهذا السلاح صرع كثيرا من الناس، فاحترس من أن تدع اكتساب علم ما تعلمه وأن تخدع عما اكتسبت منه، فإنك في دار قد استحوذ على أكثر أهلها الشيطان بألوان حيله ووجوه ضلالته، ومنهم من قد ضرب على سمعه وعقله وقلبه فتركه لا يعلم شيئا، ولا يسأل عن علم ما جهل منه كالبهيمة، وإن لعامتهم أديانا مختلفة فمنهم المجتهدون في الضلالة حتى أن بعضهم ليستحل دم بعض وأموالهم، ويموه ضلالتهم بأشياء من الحق ليلبس عليهم دينهم، ويزينه لضعيفهم، ويصدهم عن الدين القيم، فالشيطان وجنوده دائبون في إهلاك الناس، وتضليلهم لا يسأمون ولا يفترون ولا يحصى عددهم إلا الله، ولا يستطاع دفع مكائدهم إلا بعون من الله عزوجل والاعتصام بدينه، فنسأل الله توفيقا لطاعته ونصرا على عدونا، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله. قال ابن الملك: صف لي الله سبحانه وتعالى حتى كأني أراه قال: إن الله تقدس ذكره لا يوصف بالرؤية، ولا يبلغ بالعقول كنه صفته، ولا تبلغ الالسن كنه مدحته، ولا يحيط العباد من علمه إلا بما علمهم منه على ألسنة أنبيائه عليهم السلام

[420]

بما وصف به نفسه، ولا تدرك الاوهام عظم ربوبيته، هو أعلى من ذلك وأجل وأعز وأعظم وأمنع وألطف، فتاح للعباد من علمه بما أحب، وأظهرهم من صفته على ما أراد، وأدلهم على معرفته ومعرفة ربوبيته بإحداث ما لم يكن، وإعدام ما أحدث. قال ابن الملك: وما الحجة ؟ قال: إذا رأيت شيئا مصنوعا غاب منك صانعه علمت بعقلك أن له صانعا، فكذلك السماء والارض وما بينهما، فأي حجة أقوى من ذلك. قال ابن الملك: فأخبرني أيها الحكيم أبقدر من الله عزوجل يصيب الناس ما يصيبهم من الاسقام والاوجاع والفقر والمكاره أو بغير قدر. قال بلوهر: لا بل بقدر، قال: فأخبرني عن أعمالهم السيئة، قال: إن الله عزوجل من سيئ أعمالهم برئ ولكنه عزوجل أوجب الثواب العظيم لمن أطاعه والعقاب الشديد لمن عصاه. قال: فأخبرني من أعدل الناس ومن أجورهم، ومن أكيسم ومن أحمقهم، ومن أشقاهم ومن أسعدهم ؟ قال: أعدلهم أنصفهم من نفسه وأجورهم من كان جوره عنده عدلا وعدل أهل العدل عنده جورا، وأما أكيسهم فمن أخذ لاخرته اهبتها (1)، وأحمقهم من كانت الدنيا همه، والخطايا عمله، وأسعدهم من ختم عاقبة عمله بخير، وأشقاهم من ختم له بما يسخط الله عزوجل. ثم قال: من دان الناس بما إن دين بمثله هلك فذلك المسخط لله، المخالف لما يحب، ومن دانهم بما إن دين بمثله صلح فذلك المطيع لله الموافق لما يحب المجتنب لسخطه، ثم قال: لا تستقبحن الحسن وإن كان في الفجار، ولا تستحسنن القبيح وإن كان في الابرار. ثم قال له: أخبرني أي الناس أولى بالسعادة ؟ وأيهم أولى بالشقاوة ؟ قال بلوهر: أولاهم بالسعادة المطيع لله عزوجل في أمره، والمجتنب لنواهيه، وأولاهم بالشقاوة العامل بمعصية الله، التارك لطاعته، المؤثر لشهوته على رضى الله


(1) الاهبة: العدة، يقال أخذ للسفر أهبته أي أسبابه.

[421]

عزوجل، قال: فأي الناس أطوعهم لله عزوجل ؟ قال: أتبعهم لامره، وأقواهم في دينه، وأبعدهم من العمل بالسيئات، قال: فما الحسنات والسيئات ؟ قال: الحسنات صدق النية والعمل، والقول الطيب، والعمل الصالح، والسيئات سوء النية، و سوء العمل، والقول السيئ، قال: فما صدق النية ؟ قال: الاقتصاد في الهمة، قال: فما سوء القول ؟ قال: الكذب، قال: فما سوء العمل ؟ قال: معصية الله عزوجل قال: أخبرني كيف الاقتصاد في الهمة ؟ قال: التذكر لزوال الدنيا وانقطاع أمرها، والكف عن الامور التي فيها النقمة والتبعة في الاخرة. قال: فما السخاء ؟ قال: إعطاء المال في سبيل الله عزوجل، قال: فما الكرم ؟ قال: التقوى، قال: فما البخل ؟ قال: منع الحقوق عن أهلها وأخذها من غير وجهها، قال: فما الحرص ؟ قال: الاخلاد إلى الدنيا، والطماح إلى الامور التي فيها الفساد، وثمرتها عقوبة الاخرة، قال: فما الصدق ؟ قال: طريقة في الدين بأن لا يخادع المرء نفسه ولا يكذبها، قال: فما الحمق ؟ قال: الطمأنينة إلى الدنيا و ترك ما يدوم ويبقى، قال: فما الكذب ؟ قال: أن يكذب المرء نفسه فلا يزال بهواه شعفا ولدينه مسوفا، قال: أي الرجال أكملهم في الصلاح ؟ قال: أكملهم في العقل وأبصرهم بعواقب الامور، وأعملهم بخصومة، وأشدهم منهم احتراسا، قال: أخبرني ما تلك العاقبة وما اولئك الخصماء الذين يعرفهم العاقل فيحترس منهم ؟ قال: العاقبة الاخرة، والعناء الدنيا، قال: فما الخصماء ؟ قال: الحرص والغضب والحسد و الحمية والشهوة والرياء واللجاجة. قال: أي هؤلاء الذين عددت أقوى وأجدر أن لا يسلم منه ؟ قال: الحرص أقل رضا وأفحش غضبا، والغضب أجور سلطانا وأقل شكرا وأكسب للبغضاء، والحسد أسوء الخيبة للنية، وأخلف للظن، والحمية أشد لجاجة وأفضع معصية، والحقد أطول توقدا وأقل رحمة وأشد سطوة، والرياء أشد خديعة، وأخفى اكتنانا وأكذب، واللجاجة أعي حصومة، وأقطع معذرة.

[422]

قال: أي مكائد الشيطان للناس في هلاكهم أبلغ ؟ قال: تعميته عليهم البر والاثم والثواب والعقاب وعواقب الامور في ارتكاب الشهوات، قال: أخبرني بالقوة التي قوى الله عزوجل بها العباد في تغالب تلك الامور السيئة والاهواء المردية ؟ قال: العلم والعقل والعمل بهما، وصبر النفس عن شهواتها، والرجاء للثواب في الدين، وكثرة الذكر لفناء الدنيا، وقرب الاجل، والاحتفاظ من أن ينقض ما يبقى بما يفنى، واعتبار ماضي الامور بعاقبتها، والاحتفاظ بما لا يعرف إلا عند ذوي العقول، وكف النفس عن العادة السيئة وحملها على العادة الحسنة، والخلق المحمود، وأن يكون أمل المرء بقدر عيشه حتى يبلغ غايته، فإن ذلك هو القنوع وعمل الصبر والرضا بالكفاف واللزوم للقضاء والمعرفة بما فيه في الشدة من التعب وما في الافراط من الاغتراف، وحسن العزاء عمافات، وطيب النفس عنه وترك معالجة مالا يتم، والصبر بالامور التي إليها يرد، واختيار سبيل الرشد على سبيل الغي، وتوطين النفس على أنه إن عمل خيرا جزي به وإن عمل شرا جزي به، والمعرفة بالحقوق والحدود في التقوى، وعمل النصيحة، وكف النفس عن اتباع الهوى وركوب الشهوات، وحمل الامور على الرأي والاخذ بالحزم والقوة، فإن أتاه البلاء أتاه وهو معذور غير ملوم. قال ابن الملك: أي الاخلاق أكرم وأعز ؟ قال: التواضع ولين الكلمة للاخوان في الله عزوجل، قال: أي العبادة أحسن ؟ قال: الوقار والمودة قال: فاخبرني أي الشيم أفضل ؟ قال: حب الصالحين، قال: أي الذكر أفضل ؟ قال: ما كان في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: فأي الخصوم ألد ؟ قال: ترك الذنوب، قال ابن الملك: أخبرني أي الفضل أفضل ؟ قال: الرضا بالكفاف، قال: أخبرني أي الادب أحسن ؟ قال: أدب الدين، قال: أي الشئ أجفا ؟ قال السلطان العاتي، والقلب القاسي، قال: أي شئ أبعد غاية ؟ قال: عين الحريص التي لا يشبع من الدنيا، قال: أي الامور أخبث عاقبة ؟ قال: التماس رضى الناس في سخط الله عزوجل، قال: أي شئ أسرع تقلبا، قال: قلوب الملوك الذين يعملون للدنيا،

[423]

قال: فأخبرني أي الفجور أفحش ؟ قال: إعطاء عهد الله والغدر فيه، قال: فأي شئ أسرع انقطاعا، قال: مودة الفاسق، قال: فأي شئ أخون ؟ قال: لسان الكاذب، قال: فأي شئ أشد اكتتاما ؟ قال: شر المرائي المخادع، قال: فأي شئ أشبه بأحوال الدنيا ؟ قال: أحلام النائم، قال: أي الرجال أفضل رضى ؟ قال: أحسنهم ظنا بالله عزوجل وأتقاهم وأقلهم غفلة عن ذكر الله وذكر الموت وانقطاع المدة، قال: أي شئ من الدنيا أقر للعين ؟ قال: الولد الاديب والزوجة الموافقة المؤاتية المعينة على أمر الاخرة، قال: أي الداء ألزم في الدنيا ؟ قال: الولد السوء والزوجة السوء اللذين لا يجد منهما بدا، قال: أي الخفض أخفض ؟ قال: رضى المرء بحظه واستيناسه بالصالحين. ثم قال ابن الملك للحكيم: فرغ لي ذهنك فقد أردت مساءلتك عن أهم الاشياء إلي بعد إذ بصرني الله عزوجل من أمري ما كنت به جاهلا، ورزقني من الدين ما كنت منه آيسا. قال الحكيم: سل عما بدالك، قال ابن الملك: أرأيت من اوتي الملك طفلا ودينه عبادة الاوثان وقد غذي بلذات الدنيا واعتادها ونشأ فيها إلى أن كان رجلا وكهلا لا ينتقل من حالته تلك في جهالته بالله تعالى ذكره وإعطائه نفسه شهواتها متجردا لبلوغ الغاية فيما زين له من تلك الشهوات مشتغلا بها، مؤثرا لها، جريا عليها، لا يرى الرشد إلا فيها، ولا تزيده الايام إلا حبا لها واغترارا بها وعجبا وحبا لاهل ملته ورأيه وقد دعته بصيرته في ذلك إلى أن جهل أمر آخرته وأغفلها فاستخفها وسها عنها قساوة قلب وخبث نية وسوء رأي، واشتدت عداوته لمن خالفه من أهل الدين والاستخفاء بالحق والمغيبين لاشخاصهم انتطارا للفرج من ظلمه وعداوته هل يطمع له إن طال عمره في النزوع عما هو عليه ؟ والخروج منه إلى ما الفضل فيه بين والحجة فيه واضحة ؟ والحظ جزيل من لزوم ما أبصرت من الدين فيأتي ما يرجى له [بعد] مغفرة ما قد سلف من ذنوبه وحسن الثواب في مآبه. قال الحكيم: قد عرفت هذه الصفة، وما دعاك إلى هذه المسألة ؟.

[424]

قال ابن الملك: ما ذاك منك بمستنكر لفضل ما اوتيت من الفهم وخصصت به من العلم. قال الحكيم: أما صاحب هذه الصفة فالملك والذي دعاك إليه العناية بما سألت عنه، والاهتمام به من أمره، والشفقة عليه من عذاب ما أوعد الله عزوجل من كان على مثل رأيه وطبعه وهواه، مع ما نويت من ثواب الله تعالى ذكره في أداء حق ما أوجب الله عليك له، وأحسبك تريد بلوغ غاية العذر في التلطف لانفاذه و إخراجه عن عظيم الهول ودائم البلاء الذي لا انقطاع له من عذاب الله إلى السلامة وراحة الابد في ملكوت السماء. قال ابن الملك: لم تحرم حرفا عما أردت فأعلمني رأيك فيما عنوت من أمر الملك وحاله التي أتخوف أن يدركه الموت عليها فتصيبه الحسرة والندامة حين لا اغني عنه شيئا فاجعلني منه على يقين وفرج عني فأنا به مغموم شديد الاهتمام به فإني قليل الحيلة فيه. قال الحكيم: أما رأينا فإنا لا نبعد مخلوقا من رحمة الله خالقه عزوجل ولا نأيس له منها مادام فيه الروح، وإن كان عاتيا طاغيا ضالا لما قد وصف ربنا تبارك وتعالى به نفسه من التحنن والرأفة والرحمة ودل عليه من الايمان وما أمر به من الاستغفار والتوبة وفي هذا فضل الطمع لك في حاجتك إن شاء الله، وزعموا أنه كان في زمن من الازمان ملك عظيم الصوت في العلم، رفيق سايس يحب العدل في امته والاصلاح لرعيته، عاش بذلك زمانا بخير حال، ثم هلك فجزعت عليه امته وكان بامرأة له حمل فذكر المنجمون والكهنة أنه غلام وكان يدبر ملكهم من كان يلي ذلك في زمان ملكهم فاتفق الامر كما ذكره المنجمون والكهنة وولد من ذلك الحمل غلام فأقاموا عند ميلاده سنة بالمعازف والملاهي والاشربة والاطعمة، ثم إن أهل العلم منهم والفقه والربانيين قالوا لعامتهم: إن هذا المولود إنما هو هبة من الله تعالى وقد جعلتم الشكر لغيره وإن كان هبة من غير الله عزوجل فقد

[425]

أديتم الحق إلى من أعطاكموه واجتهدتم في الشكر لمن رزقكموه، فقال لهم العامة: ما وهبه لنا إلا الله تبارك وتعالى، ولا امتن به علينا غيره، قال العلماء: فإن كان الله عزوجل هو الذي وهبه لكم فقد أرضيتم غير الذي أعطاكم وأسخطتم الله الذي وهبه لكم فقالت لهم الرعية: فأشيروا لنا أيها الحكماء وأخبرونا أيها العلماء فنتبع قولكم ونتقبل نصيحتكم، ومرونا بأمركم. قالت العلماء: فإنا نرى لكم أن تعدلوا عن اتباع مرضات الشيطان بالمعازف والملاهي والمسكر إلى ابتغاء مرضات الله عزوجل وشكره على ما أنعم به عليكم أضعاف شكركم للشيطان حتى يغفر لكم ما كان منكم قالت الرعية: لا تحمل أجسادنا كل الذي قلتم وأمرتم به، قالت العلماء: يا أولى الجهل كيف أطعتم من لا حق له عليكم وتعصون من له الحق الواجب عليكم وكيف قويتم على مالا ينبغي وتضعفون عما ينبغي ؟ ! قالوا لهم: يا أئمة الحكماء عظمت فينا الشهوات وكثرت فينا اللذات فقوينا بما عظم فينا منها على العظيم من مشكلها و ضعفت منا النيات فعجزنا عن حمل المثقلات فارضوا منا في الرجوع عن ذلك يوما فيوما، ولا تكلفونا كل هذا الثقل. قالوا لهم: يا معشر السفهاء ألستم أبناء الجهل وإخوان الضلال حين خفت عليكم الشقوة وثقلت عليكم السعادة، قالوا لهم: أيها السادة الحكماء والقادة العلماء إنا نستجير من تعنيفكم إيانا بمغفرة الله عزوجل ونستتر من تعييركم لنا بعفوه فلا تؤنبونا (1) ولا تعيرونا بضعفنا ولا تعيبوا الجهالة علينا فإنا إن أطعنا الله مع عفوه وحلمه وتضعيفه الحسنات أو اجتهدنا في عبادته مثل الذي بذلنا لهوانا من الباطل بلغنا حاجتنا وبلغ الله عزوجل بنا غايتنا ورحمنا كما خلقنا، فلما قالوا ذلك أقرهم علماؤهم ورضوا قولهم فصلوا وصاموا وتعبدوا وأعظموا الصدقات سنة كاملة، فلما انقضى ذلك منهم قالت الكهنة إن الذي صنعت هذه الامة على هذا المولود يخبر أن هذا الملك يكون فاجرا ويكون بارا، ويكون متجبرا ويكون متواضعا ويكون مسيئا ويكون محسنا. وقال المنجمون مثل ذلك، فقيل لهم: كيف قلتم ذلك ؟ قال الكهنة: قلنا هذا من قبل اللهو والمعازف والباطل الذي صنع عليه، وما صنع عليه من ضده


(1) أنبه - بشد النون -: عنفه ولامه.

[426]

بعد ذلك، وقال المنجمون: قلنا ذلك من قبل استقامة الزهرة والمشتري، فنشأ الغلام بكبر لا يوصف عظمته، ومرح لا ينعت، وعدوان لا يطاق فعسف وجار وظلم في الحكم وغشم وكان أحب الناس إليه من وافقه على ذلك وأبغض الناس إليه من خالفه في شئ من ذلك، واغتر بالشباب والصحة والقدرة والظفر والنظر فامتلا سرورا وإعجابا بما هو فه ورأى كلما يحبه وسمع كلما اشتهى حتى بلغ اثنين و ثلاثين سنة، ثم جمع نساء من بنات الملوك وصبيانا والجواري والمخدرات وخيله المطهمات العناق (1) وألوان مراكبه الفاخرة ووصائفه وخدامه الذين يكونون في خدمته فأمرهم أن يلبسوا أجد ثيابهم ويتزينوا بأحسن زينتهم وأمر ببناء مجلس مقابل مطلع الشمس، صفائح أرضه الذهب مفضضا بأنواع الجواهر، طوله مائة وعشرون ذراعا وعرضه ستون ذراعا مزخر فاسقفه وحيطانه، قد زين بكرائم الحلي وصنوف الجوهر واللؤلؤ النظيم وفاخره، وأمر بضروب الاموال فاخرجت من الخزائن ونضدت سماطين (2) أمام مجلسه، وأمر جنوده وأصحابه وقواده وكتابه وحجابه وعظماء أهل بلاده وعلمائهم فحضروا في أحسن هيئتهم وأجمل جمالهم وتسلح فرسانه وركبت خيوله في عدتهم، ثم وقفوا على مراكزهم ومراتبهم صفوفا وكراديس، وإنما أراد بزعمه أن ينظر إلى منظر رفيع حسن تسر به نفسه وتقر به عينه، ثم خرج فصعد إلى مجلسه فأشرف على مملكته فخروا له سجدا، فقال لبعض غلمانه: قد نظرت في أهل مملكتي إلى منظر حسن وبقي أن أنظر إلى صورة وجهي فدعا بمرآة فنظر إلى وجهه فبينا هو يقلب طرفه فيها إذ لاحت له شعرة بيضاء من لحيته كغراب أبيض بين غربان سود، واشتد منها ذعره وفزعه (3) وتغير في عينه حاله وظهرت الكآبة والحزن في وجهه وتولى السرور منه. ثم قال في نفسه: هذا حين نعي إلى شبابي وبين لي أن ملكي في ذهاب واوذنت


(1) أي تام الحسن. (2) نضد المتاع - بشد الضاد وتخفيفها - رتبه وضم بعضه إلى بعض متسقا أو مركوما. والسماط: الشئ المصطف. وسماط الطريق جانباه. (3) الذعر: الخوف والفزع.

[427]

بالنزول عن سرير ملكي، ثم قال: هذه مقدمة الموت ورسول البلاء (1) لم يحجبه عني حاجب، ولم يمنعه عني حارس، فنعى إلى نفسي وأذن لي بزوال ملكي فما أسرع هذا في تبديل بهجتي وذهاب سروري، وهدم قوتي، لم يمنعه مني الحصون ولم تدفعه عني الجنود، هذا سالب الشباب والقوة، وما حق العز والثروة، ومفرق الشمل وقاسم التراث بين الاولياء والاعداء، مفسد المعاش، ومنغص اللذات ومخرب العمارات ومشتت الجمع، وواضع الرفيع، ومذل المنيع، قد أناخت بي أثقاله (2) ونصب لي حباله. ثم نزل عن مجلسه حافيا ماشيا، وقد صعد إليه محمولا، ثم جمع إليه جنوده ودعا إليه ثقاته فقال: أيها الملا ماذا صنعت فيكم وما أتيت إليكم منذ ملكتكم ووليت اموركم ؟ قالوا له: أيها الملك المحمود عظم بلاؤك عندنا وهذه أنفسنا مبذولة في طاعتك، فمرنا بأمرك، قال: طرقني عدو نحيف (3) لم تمنعوني منه حتى نزل بي وكنتم عدتي وثقاتي، قالوا: أيها الملك أين هذا العدو ؟ أيرى أم لا يرى ؟ قال: يرى بأثر ولا يرى عينه، قالوا: أيها الملك هذه عدتنا كما ترى وعندنا سكن وفينا ذووا الحجى والنهى، فأرناه نكفك ما مثله يكفى، قال: قد عظم الاغترار مني بكم ووضعت الثقة في غير موضعها حين اتخذتكم وجعلتكم لنفسي جنة، وإنما بذلت لكم الاموال ورفعت شرفكم وجعلتكم البطانة دون غيركم لتحفظوني من الاعداء وتحرسوني منهم، ثم أيدتكم على ذلك بتشييد البلدان وتحصين المدائن والثقة من الصلاح ونحيت عنكم الهموم (4) وفرغتكم للنجدة


(1) في بعض النسخ " رسول البلى ". (2) أناخ البلاء على فلان: أقام عليه، وأناخ به الحاجة: أنزلها به. أناخ الجمل: أبركه. (3) طرق القوم: أتاهم ليلا. (4) نحاه عنه أي أبعده عنه وأزاله - والنجدة: الشجاعة والشدة والبأس.

[428]

والاحتفاظ، ولم أكن أخشى أن اراع معكم ولا أتخوف المنون على بنياني وأنتم عكوف مطيفون به فطرقت وأنتم حولي واتيت وأنتم معي، فلئن كان هذا ضعف منكم فما أخذت أمري بثقة وإن كانت غفلة منكم فما أنتم بأهل النصيحة ولا علي بأهل الشفقة، قالوا: أيها الملك أما شئ نطيق دفعه بالخيل والقوة فليس بواصل إليك إن شاء الله ونحن أحياء، وأما ما لا يرى فقد غيب عنا علمه وعجزت قوتنا عنه. قال: أليس اتخذتكم لتمنعوني من عدوي، قالوا: بلي، قال: فمن أي عدو تحفظوني من الذي يضرني أو من الذي لا يضرني ؟ قالوا: من الذي يضرك ؟ قال: أفمن كل ضار لي أو من بعضهم ؟ قالوا: من كل ضار، قال: فإن رسول البلى قد أتاني ينعى إلى نفسي وملكي ويزعم أنه يريد خراب ما عمرت وهدم ما بنيت وتفريق ما جمعت. وفساد ما أصلحت وتبذير ما أحرزت وتبديل ما عملت وتوهين ما وثقت، وزعم أن معه الشماتة من الاعداء وقد قرت بي أعينهم فإنه يريد أن يعطيهم مني شفاء صدورهم وذكر أنه سيهزم جيشي ويوحش انسي ويذهب عزي ويؤتم ولدي ويفرق جموعي ويفجع بي إخواني وأهلي وقرابتي ويقطع أوصالي ويسكن مساكن أعدائي، قالوا: أيها الملك إنما نمنعك من الناس والسباع والهوام ودواب الارض، فأما البلاء فلا طاقة لنا به ولا قوة لنا عليه ولا امتناع لنا منه، فقال: فهل من حيلة في دفع ذلك مني ؟ قالوا: لا، قال: فشئ دون ذلك تطيقونه ؟ قالوا: وما هو ؟ قال: الاوجاع والاحزان والهموم، قالوا: أيها الملك إنما قد قدر هذه الاشياء قوي لطيف وذلك يثور من الجسم والنفس وهو يصل إليك إذا لم يوصل ولا يحجب عنك وإن حجب (1) قال: فأمر دون ذلك، قالوا: وما هو ؟ قال: ما قد سبق من القضاء. قالوا: أيها الملك ومن ذا غالب القضاء فلم يغلب ؟ ومن ذاكابره فلم يقهر ؟ قال: فماذا عندكم ؟ قالوا: ما نقدر على دفع القضاء، وقد أصبت التوفيق والتسديد فماذا الذي تريد، قال: اريد أصحابا يدوم عهدهم ويفوا لي وتبقى لي إخوتهم ولا


(1) في بعض النسخ " وان حجب لم يحجب ".

[429]

يحجبهم عني الموت ولا يمنعهم البلى عن صحبتي ولا يشتمل بهم الامتناع عن صحبتي (1) ولا يفردوني إن مت، ولا يسلموني إن عشت، ويدفعون عني ما عجزتم عنه من أمر الموت. قالوا: أيها الملك ومن هؤلاء الذين وصفت ؟ قال: هم الذين أفسدتهم باستصلاحكم، قالوا: أيها الملك أفلا تصطنع عندنا وعندهم معروفا فإن أخلاقك تامة ورأفتك عظيمة ؟ قال: إن في صحبتكم إياي السم القاتل، والصمم والعمى في طاعتكم، والبكم في موافقتكم، قالوا: كيف ذاك أيها الملك ؟ قال: صارت صحبتكم إياي في الاستكثار وموافقتكم على الجمع، وطاعتكم إياي في الاغتفال فبطأتموني عن المعاد، وزينتم لي الدنيا، ولو نصحتموني ذكرتموني الموت، ولو أشفقتم علي ذكرتموني البلاء، وجمعتم لي ما يبقى، ولم تستكثروا لي ما يفنى، فإن تلك المنفعة التي ادعيتموها ضرر، وتلك المودة عداوة، وقد رددتها عليكم لا حاجة لي فيها منكم. قالوا: أيها الملك الحكيم المحمود قد فهمنا مقالتك وفي أنفسنا إجابتك وليس لنا أن نحتج عليك فقد رأينا مكان الحجة، فسكوتنا عن حجتنا فساد لملكنا، وهلاك لدنيانا وشماتة لعدونا، وقد نزل بنا أمر عظيم بالذي تبدل من رأيك وأجمع عليه أمرك قال: قولوا: آمنين واذكروا ما بدالكم غير مرعوبين فإني كنت إلى اليوم مغلوبا بالحمية والانفة وأنا اليوم غالب لهما، وكنت إلى اليوم مقهورا لهما وأنا اليوم قاهر لهما، وكنت إلى اليوم ملكا عليكم فقد صرت عليكم مملوكا، وأنا اليوم عتيق وأنتم من مملكتي طلقاء، قالوا: أيها الملك ما الذي كنت مملوكا إذ كنت علينا ملكا، قال: كنت مملوكا لهواي مقهورا بالجهل مستعبدا لشهواتي فقد قطعت تلك الطاعة عني ونبذتها خلف ظهري، قالوا: فقل ما أجمعت أيها الملك ؟ قال: القنوع والتخلي لاخرتي وترك هذا الغرور ونبذ هذا الثقل عن ظهري والاستعداد للموت، والتأهب للبلاء، فإن رسوله عندي قد ذكر أنه قد أمر بملازمتي والاقامة معي


(1) في بعض النسخ " ولا يستحيل بهم الاطماع عن نصيحتي " وفى بعضها " لا يستميل ".

[430]

حتى يأتيني الموت، فقالوا: أيها الملك ومن هذا الرسول الذي قد أتاك ولم نره، وهو مقدمة الموت الذي لا نعرفه، قال: أما الرسول فهذا البياض يلوح بين السواد، وقد صاح في جميعه بالزوال فأجابوا وأذعنوا، وأما مقدمة الموت فالبلاء الذي هذا البياض طرقه. قالوا: أيها الملك أفتدع مملكتك وتهمل رعيتك وكيف لا تخاف الاثم في تعطيل امتك ألست تعلم أن أعظم الامر في استصلاح الناس وأن رأس الصلاح الطاعة للامة والجماعة، فكيف لا تخاف من الاثم، وفي هلاك العامة من الاثم فوق الذي ترجو من الاجر في صلاح الخاصة، ألست تعلم أن أفضل العبادة العمل وأن أشد العمل السياسة، فإنك أيها الملك ما في يديك عدل على رعيتك، مستصلح لها بتدبيرك، فإن لك من الاجر بقدر ما استصلحت، ألست أيها الملك إذا خليت ما في يديك من صلاح امتك فقد أردت فسادهم، وإذا أردت فسادهم فقد حملت من الاثم فيهم أعظم مما أنت تصيب من الاجر في خاصة يديك. ألست أيها الملك قد علمت أن العلماء قالوا: من أتلف نفسا فقد استوجب لنفسه الفساد، ومن أصلحها فقد استوجب الصلاح لبدنه، وأي فساد أعظم من رفض هذه الرعية التي أنت إمامها والاقامة في هذه الامة التي أنت نظامها حاشا لك أيها - الملك أن تخلع عنك لباس الملك الذي هو الوسيلة إلي شرف الدنيا والاخرة، قال: قد فهمت الذي ذكرتم وعقلت الذي وصفتم فإن كنت إنما أطلب الملك عليكم للعدل فيكم والاجر من الله تعالى ذكره في استصلاحكم بغير أعوان يرفدونني ووزراء يكفونني فما عسيت أن أبلغ بالوحدة فيكم ألستم جميعا نزعا إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها ولا آمن أن اخلد إلى الدنيا التي أرجو أن أدعها وأرفضها، فإن فعلت ذلك أتاني الموت على غرة، فأنزلني عن سرير ملكي إلى بطن الارض وكساني التراب بعد الديباج والمنسوج بالذهب ونفيس الجوهر، وضمني إلى الضيق بعد السعة، وألبسني الهوان بعد الكرامة، فأصبر فريدا بنفسي ليس معي أحد منكم في الوحدة، قد أخرجتموني من العمران، وأسلمتموني إلى الخراب،

[431]

وخليتم بين لحمي وسباع الطير وحشرات الارض فأكلت مني النملة فما فوقها من الهوام وصار جسدي دودا وجيفة قذرة، الذل لي حليف، والعز مني غريب أشدكم حبا إلي أسرعكم إلى دفني، والتخلية بيني وبين ما قدمت من عملي، أسلفت من ذنوبي، فيورثني ذلك الحسرة، ويعقبني الندامة، وقد كنتم وعدتموني أن تمنعوني من عدوي الضار فإذا أنتم لا منع عندكم ولا قوة على ذلك لكم ولا سبيل لكم، أيها الملا إني محتال لنفسي إذ جئتم بالخداع، ونصبتم لي شراك الغرور (1). فقالوا: أيها الملك المحمود لسنا الذي كنا كما أنك لست الذي كنت، وقد أبد لنا الذي أبد لك، وغيرنا الذي غيرك، فلا ترد علينا توبتنا وبذل نصيحتنا، قال: أنا مقيم فيكم ما فعلتم ذلك ومفارقكم إذا خالفتموه، فأقام ذلك الملك في ملكه وأخذ جنوده بسيرته واجتهدوا في العبادة فخصبت بلادهم وغلبوا عدوهم وازداد ملكهم حتى هلك ذلك الملك، وقد صار فيهم بهذه السيرة اثنين وثلاثين سنة فكان جميع ما عاش أربعا وستين سنة. قال يوذاسف: قد سررت بهذا الحديث جدا، فزدني من نحوه أزدد سرورا ولربي شكرا. قال الحكيم: زعموا أنه كان ملك من الملوك الصالحين وكان له جنود يخشون الله عزوجل ويعبدونه، وكان في ملك أبيه شدة من زمانهم والتفرق فيما بينهم وتنقص العدو من بلادهم، وكان يحثهم على تقوى الله عزوجل وخشيته والاستعانة به ومراقبته والفزع إليه، فلما ملك ذلك الملك قهر عدوه واستجمعت رعيته وصلحت بلاده وانتظم له الملك، فلما رأى ما فضل الله عزوجل به أترفه ذلك وأبطره وأطغاه حتى ترك عبادة الله عزوجل وكفر نعمه، وأسرع في قتل من عبد الله ودام ملكه وطالت مدته حتى ذهل الناس عما كانوا عليه من الحق قبل


(1) الشراك: آلة الصيد.

[432]

ملكه ونسوه وأطاعوه فيما أمرهم به وأسرعوا إلى الضلالة، فلم يزل على ذلك فنشاء فيه الاولاد وصار لا يعبد الله عزوجل فيهم ولا يذكر بينهم اسمه ولا يحسبون أن لهم إلها غير الملك، وكان ابن الملك قد عاهد الله عزوجل في حياة أبيه إن هو ملك يوما أن يعمل بطاعة الله عزوجل بأمر لم يكن من قبله من الملوك يعملون به ولا يستطيعونه، فلما ملك أنساه الملك رأيه الاول ونيته التي كان عليها، وسكر سكر صاحب الخمر، فلم يكن يصحو ويفيق (1). وكان من أهل لطف الملك رجل صالح أفضل أصحابه منزلة عنده، فتوجع له مما رأى من ضلالته في دينه ونسيانه ما عاهد الله عليه، وكان كلما أراد أن يعظه ذكر عتوه وجبروته ولم يكن بقي من تلك الامة غيره وغير رجل آخر في ناحية أرض الملك لا يعرف مكانه ولا يدعى باسمه. فدخل ذات يوم على الملك بجمجمة قد لفها في ثيابه، فلما جلس عن يمين الملك انتزعها عن ثيابه ثم وطئها برجله فلم يزل يفركها (2) بين يدي الملك وعلى بساطه حتى دنس مجلس الملك بما تحات من تلك الجمجمة، فلما رأى الملك ما صنع غضب من ذلك غضبا شديدا، وشخصت إليه أبصار جلسائه واستعدت الحرس بأسيافهم انتظارا لامره إياهم، بقتله والملك في ذلك مالك لغضبه، وقد كانت الملوك في ذلك الزمام مع جبروتهم وكفرهم ذوي أناة وتؤدة، استصلاحا للرعية على عمارة أرضهم ليكون ذلك أعون للجلب وأدى للخراج، فلم يزل الملك ساكتا على ذلك حتى قام من عنده، فلف تلك الجمجمة في ثوبه، ثم فعل ذلك في اليوم الثاني والثالث فلما رأى أن الملك لا يسأله عن تلك الجمجمة، ولا يستنطقه في شئ من شأنها أدخل مع تلك الجمجمة ميزانا وقليلا من تراب فلما صنع بالجمجمة ما كان يصنع أخذ الميزان وجعل في إحدى كفيته درهما وفي الاخرى بوزنه ترابا ثم جعل ذلك


(1) صحا السكران: ذهب سكره وأفاق. (2) فرك الثوب: دلكه، الشئ عن الثوب أزاله وحكه حتى تفتت.

[433]

التراب في عين تلك الجمجمة ثم أخذ قبضة من التراب فوضعها في موضع الفم من تلك الجمجمة. فلما رأى الملك ما صنع قل صبره وبلغ مجهوده، فقال لذلك الرجل: قد علمت أنك إنما اجترأت على ما صنعت لمكانك مني وإدلالك علي، وفضل منزلتك عندي، ولعلك تريد بما صنعت أمرا، فخر الرجل للملك ساجدا وقبل قدميه، وقال: أيها الملك أقبل علي بعقلك كله فإن مثل الكلمة كمثل السهم إذا رمى به في أرض لينة يثبت فيها وإذا رمى في الصفا لم يثبت ومثل الكلمة كمثل المطر إذا أصاب أرضا طيبة مزروعة ينبته فيها، وإذا أصاب السباخ لم ينبت، وإن أهواء الناس متفرقة، والعقل والهوى يصطرعان في القلب، فإن غلب هوى العقل عمل الرجل بالطيش والسفه، وإن كان الهوى هو المغلوب لم يوجد في أمر الرجل سقطة، فإني لم أزل منذ كنت غلاما احب العلم وأرغب فيه وأوثره على الامور كلها، فلم أدع علما إلا بلغت منه أفضل مبلغ، فبينا أنا ذات يوم أطوف بين القبور إذ قد بصرت بهذه الجمجمة بارزة من قبور الملوك، فغاظني موقعها وفراقها جسدها غضبا للملوك فضممتها إلي وحملتها إلى منزلي فألبستها الديباج ونضحتها بالماء الورد والطيب ووضعتها على الفرش وقلت إن كان من جماجم الملوك فسيؤثر فيها إكرامي إياها، وترجع إلى جمالها وبهائها، وإن كانت من جماجم المساكين فإن الكرامة لا تزيدها شيئا ففعلت ذلك بها أياما فلم أستنكر من هيئتها شيئا فلما رأيت ذلك دعوت عبدا هو أهون عبدي عندي فأهانها فإذا هي في حالة واحدة عند الاهانة والاكرام، فلما رأيت ذلك أتيت الحكماء فسألتهم عنها فلم أجد عندهم علما بها، ثم علمت أن الملك منتهى العلم ومأوى الحلم فأتيتك خائفا على نفسي فلم يكن لي أن أسألك عن شئ حتى تبدأني به واحب أن تخبرني أيها الملك أجمجمة ملك أم جمجمة مسكين فإنها لما أعياني أمرها تفكرت في أمرها وفي عينها التي كانت لا يملاؤها شئ حتى لو قدرت على ما دون السماء من شئ تطلعت إلى أن تتناول ما فوق السماء، فذهبت أنظر ما الذي يسدها ويملاها فإذا وزن درهم من تراب قد سدها وملاها، و

[434]

نظرت إلى فيها (1) الذي لم يكن يملاه شئ فملاءته قبضة من تراب، فإن أخبرتني أيها الملك أنها جمجمة مسكين احتججت عليك بأني قد وجدتها وسط قبور الملوك، ثم أجمع جماجم ملوك وجماجم مساكين فإن كان لجماجمكم عليها فضل، فهو كما قلت، وإن أخبرتني بأنها من جماجم الملوك أنبأتك أن ذلك الملك الذي كانت هذه جمجمته قد كان من بهاء الملك وجماله وعزته في مثل ما أنت فيه اليوم فحاشاك أيها الملك أن تصير إلى حال هذه الجمجمة فتوطأ بالاقدام وتخلط بالتراب ويأكلك الدود وتصبح بعد الكثرة قليلا وبعد العزة ذليلا، وتسعك حفرة طولها أدنى من أربعة أذرع، ويورث ملكك وينقطع خبرك ويفسد صنايعك ويهان من أكرمت ويكرم من أهنت ويستبشر أعداءك ويضل أعوانك ويحول التراب دونك، فإن دعوناك لم تسمع، وإن أكرمناك لم تقبل، وإن أهناك لم تغضب، فيصير بنوك يتامى ونساؤك أيامى (2) وأهلك يوشك أن يستبدلن أزواجا غيرك. فلما سمع الملك ذلك فزع قلبه وانسكبت عيناه يبكى ويقول ويدعو بالويل، فلما رأي الرجل ذلك علم أن قوله قد استمكن من الملك، وقوله قد أنجع فيه زاده ذلك جرأة عليه وتكريرا لما قال، فقال له الملك: جزاك الله عني خيرا وجزا من حولي من العظماء شرا، لعمري لقد علمت ما أردت بمقالتك هذه وقد أبصرت أمري فسمع الناس خبره فتوجهوا أهل الفضل إليه وختم له بالخير وبقي عليه إلى أن فارق الدنيا. قال ابن الملك: زدني من هذا المثل قال الحكيم: زعموا أن ملكا كان في أول الزمان وكان حريصا على أن يولد له وكان لا يدع شيئا مما يعالج به الناس أنفسهم إلا أتاه وصنعه، فلما طال ذلك عليه من أمره حملت امرأة له من نسائه فولدت له غلاما فلما نشأ وترعرع (3) خطا ذات يوم خطوة فقال: معادكم تجفون، ثم خطا اخرى فقال: تهرمون، ثم خطا الثالثة فقال: ثم تموتون، ثم عاد كهيئته


(1) يعنى فمها. (2) أي لا زوج لهن. (3) ترعرع الصبى نشأ وشب.

[435]

يفعل كما يفعل الصبي. فدعا الملك العلماء والمنجمين فقال: أخبروني خبر ابني هذا فنظروا في شأنه وأمره فأعياهم أمره، فلم يكن عندهم فيه علم، فلما رأى الملك أنه ليس عندهم فيه علم دفعه إلى المرضعات فأخذن في إرضاعه إلا أن منجما منهم قال: إنه سيكون إماما، وجعل عليه حراسا لا يفارقونه حتى إذا شب انسل يوما من عند مرضعيه والحرس فأتى السوق فإذا هو بجنازة فقال: ما هذا قالوا: إنسانا مات قال: ما أماته ؟ قالوا: كبر وفنيت أيامه ودنى أجله فمات، قال: وكان صحيحا حيا يمشي ويأكل ويشرب ؟ قالوا: نعم، ثم مضى فإذا هو برجل شيخ كبير فقام ينظر إليه متعجبا منه، فقال: ما هذا ؟ قالوا: رجل شيخ كبير قد فنى شبابه وكبر، قال: وكان صغيرا ثم شاب ؟ قالوا: نعم، ثم مضى فإذا هو برجل مريض مستلقى على ظهره، فقام ينظر إليه ويتعجب منه، فسألهم ما هذا ؟ قالوا: رجل مريض، فقال: أو كان هذا صحيحا ثم مرض ؟ قالوا: نعم قال: والله لئن كنتم صادقين فإن الناس لمجنونون. فافتقد الغلام عند ذلك فطلب فإذا هو بالسوق فأتوه فأخذوه وذهبوا به فأدخلوه البيت، فلما دخل البيت استلقى على قفاه ينظر إلى خشب سقف البيت و يقول: كيف كان هذا ؟ قالوا: كانت شجرة ثم صارت خشبا، ثم قطع، ثم بني هذا البيت، ثم جعل هذا الخشب عليه، فبينا هو في كلامه إذا رسل الملك إلى الموكلين به: انظروا هل يتكلم أو يقول شيئا ؟ قالوا: نعم وقد وقع في كلام ما نظنه إلا وسواسا، فلما رأى الملك ذلك وسمع جميع ما لفظ به الغلام، دعا العلماء فسألهم فلم يجد فيه عندهم علما إلا الرجل الاول فأنكر قوله فقال بعضهم: أيها الملك لو زوجته ذهب عنه الذي ترى، وأقبل وعقل وأبصر فبعث الملك في الارض يطلب ويلتمس له امرأة فوجدت له امرأة من أحسن الناس وأجملهم فزوجها منه، فلما أخذوا في وليمة عرسه أخذ اللاعبون يلعبون والزمارون يزمرون، فلما سمع الغلام جلبتهم (1)


(1) جلب القوم: ضجوا واختلطت اصواتهم. والجلاب والمجلب - بشد اللام -: المصوت.

[436]

وأصواتهم قال: ما هذا ؟ قالوا: هؤلاء لعابون وزمارون جمعوا لعرسك، فسكت الغلام، فلما فرغوا من العرس وأمسوا، دعا الملك امرأة ابنه فقال لها: إنه لم يكن لي ولد غير هذا الغلام، فلما دخلت عليه فألطفي به وأقربي منه وتحببي إليه، فلما دخلت المرأة عليه أخذت تدنو منه وتتقرب إليه، فقال الغلام على رسلك (1) فإن الليل طويل، بارك الله فيك، واصبري حتى نأكل ونشرب، فدعا بالطعام فجعل يأكل فلما فرغ جعلت المرأة تشرب فلما أخذ الشراب منها نامت. فقام الغلام فخرج من البيت، وانسل من الحرس والبوابين حتى خرج وتردد في المدينة، فلقيه غلام مثله من أهل المدينة فأتبعه وألقى ابن الملك عنه تلك الثياب التي كانت عليه ولبس ثياب الغلام، وتنكر جهده وخرجا جميعا من المدينة فسارا ليلتهما حتى إذا قرب الصبح خشيا الطلب فكمنا، فاتيت الجارية عند الصبح فوجدوها نائمة فسألوها أين زوجك ؟ قالت: كان عندي الساعة، فطلب الغلام فلم يقدر عليه، فلما أمسى الغلام وصاحبه سارا ثم جعلا يسيران الليل ويكمنان النهار حتى خرجا من سلطان أبيه، ووقعا في ملك سلطان آخر. وقد كان لذلك الملك الذي صارا إلى سلطانه ابنة قد جعل لها أن لا يزوجها أحدا إلا من هوته ورضيته، وبنى لها غرفة عالية مشرفة على الطريق فهي فيها جالسة تنظر إلى كل من أقبل وأدبر فبينما هي كذلك إذ نظرت إلى الغلام يطوف في السوق وصاحبه معه في خلقانه، فأرسلت إلى أبيها إني قد هويت رجلا فإن كنت مزوجي أحدا من الناس فزوجني منه واتيت ام الجارية فقيل لها: إن ابنتك قد هويت رجلا وهي تقول كذا وكذا، فأقبلت إليها فرحة حتى تنظر إلى الغلام فأروها إياه فنزلت امها مسرعة حتى دخلت على الملك، فقالت: إن ابنتك قد هويت غلاما فأقبل الملك ينظر إليه، ثم قال أرونيه فأروه من بعد فأمر أن يلبس ثيابا اخرى ونزل فسأله واستنطقه وقال: من أنت ومن أين أنت ؟ قال الغلام: وما سؤالك عني أنا رجل من مساكين الناس، فقال: إنك لغريب، وما يشبه لونك ألوان


(1) أي على مهلك يعنى امهل وتأن.

[437]

أهل هذه المدينة، فقال الغلام: ما أنا بغريب، فعالجه الملك أن يصدقه قصته فأبى، فأمر الملك اناسا أن يحرسوه وينظروا أين يأخذ، ولا يعلم بهم، ثم رجع الملك إلى أهله فقال: رأيت رجلا كأنه ابن الملك وماله حاجة فيما تراودونه عليه، فبعث إليه فقيل له: إن الملك يدعوك، فقال الغلام: وما أنا والملك يدعوني ومالي إليه حاجة وما يدري من أنا، فانطلق به على كره منه حتى دخل على الملك فأمر بكرسي فوضع له فجلس عليه ودعى الملك امرأته وابنته فأجلسهما من وراء الحجاب خلفه فقال له الملك: دعوتك لخير، إن لي ابنه قد رغبت فيك اريد أن ازوجها منك فإن كنت مسكينا أغنيناك ورفعناك وشرفناك، قال الغلام: مالي فيما تدعوني إليه حاجة، فإن شئت ضربت لك مثلا أيها الملك ؟ قال: فافعل. قال الغلام: زعموا أن ملكا من الملوك كان له ابن وكان لابنه أصدقاء صنعوا له طعاما ودعوه إليه فخرج معهم فأكلوا وشربوا حتى سكروا فناموا فاستيقظ ابن الملك في وسط الليل فذكر أهله فخرج عائدا إلى منزله، ولم يوقظ أحدا منه فبينا هو في مسيره إذ بلغ منه الشراب فبصر بقبر على الطريق فظن أنه مدخل بيته فدخله فإذا هو بريح الموتى فحسب ذلك لما كان به السكر أنه رياح طيبة فإذا هو بعظام لا يحسبها إلا فرشه الممهدة، فإذا هو بجسد قد مات حديثا وقد أروح فحسبه أهله فقام إلى جانبه فاعتنقه وقبله وجعل يعبث به عامة ليله فأفاق حين أفاق ونظر حين نظر فإذا هو على جسد ميت وريح منتنة، قد دنس ثيابه وجلده، ونظر إلى القبر وما فيه من الموتى، فخرج وبه من السوء ما يختفي به من الناس أن ينظروا إليه متوجها إلى باب المدينة، فوجده مفتوحا فدخله حتى أتى أهله فرأى أنه قد انعم عليه حيث لم يلقه أحد، فألقى عنه ثيابه تلك واغتسل ولبس لباسا اخرى وتطيب. عمرك الله أيها الملك أتراه راجعا إلى ما كان فيه وهو يستطيع ؟ قال: لا، قال: فإني أنا هو، فالتفت الملك إلى امرأته وابنته، وقال: قد أخبرتكم أنه ليس له فيما تدعونه رغبة، قالت امها: لقد قصرت في النعت لابنتي والوصف لها أيها الملك

[438]

ولكني خارجة إليه ومتكلمة، فقال الملك للغلام: إن امرأتي تريد أن تكلمك وتخرج إليك ولم تخرج إلى أحد قبلك، فقال الغلام: لتخرج إن أحبت، فخرجت وجلست فقالت للغلام: تعال إلى ما قد ساق الله إليك من الخير والرزق فأزوجك ابنتي فإنك لو قد رأيتها وما قسم الله عزوجل لها من الجمال والهيئة لاغتبطت، فنظر الغلام إلى الملك فقال: أفلا أضرب لك مثلا ؟ قال: بلى. قال: إن سراقا تواعدوا أن يدخلوا خزانة الملك ليسرقوا، فنقبوا حائط الخزانة فدخلوها فنظروا إلى متاع لم يروا مثله قط، وإذا هم بقلة من ذهب مختومة بالذهب فقالوا لا نجد شيئا أعلى من هذه القلة هي ذهب مختومة بالذهب والذي فيها أفضل من الذي رأينا فاحتملوها ومضو بها حتى دخلوا غيضة لا يأمن بعضهم بعضا عليها ففتحوها فإذا في وسطها أفاع، فوثبن في وجوههم فقتلنهم أجمعين. عمرك الله أيها الملك أفترى أحدا علم بما أصابهم ومالقوه يدخل يده في تلك القلة وفيها من الافاعي ؟ قال: لا، قال: فإني أنا هو، فقالت الجارية لابيها: ائذن لي فأخرج إليه بنفسي واكلمه فإنه لو قد نظر إلي وإلى جمالي وحسني وهيئتي وما قسم الله عزوجل لي من الجمال لم يتمالك أن يجيب، فقال الملك للغلام: إن ابنتي تريد أن تخرج إليك ولم تخرج إلى رجل قط، قال: لتخرج أن أجبت، فخرجت عليه وهي أحسن الناس وجها وقدا وطرفا وهيكلا، فسلمت على الغلام وقالت للغلام: هل رأيت مثلي قط أو أتم أو أجمل أو أكمل أو أحسن ؟ وقد هويتك وأحببتك، فنظر الغلام إلى الملك، فقال: أفلا أضرب لها مثلا ؟ قال: بلى. قال الغلام: زعموا أيها الملك إن ملكا له ابنان فأسر أحدهما ملك آخر فحبسه في بيت وأمر أن لا يمر عليه أحد إلا رماه بحجر، فمكث بذلك حينا، ثم إن أخاه قال لابيه: ائذن لي فأنطلق إلى أخي فافديه، وأحتال له، قال: فانطلق وخذ معك ما شئت من مال ومتاع ودواب، فاحتمل معه الزاد والراحلة وانطلق

[439]

معه المغنيات والنوائح فلما دنا من مدينة ذلك الملك أخبر الملك بقدومه فأمر الناس بالخروج إليه وأمر له بمنزل خارج من المدينة فنزل الغلام في ذلك المنزل فلما جلس فيه ونشر متاعه وأمر غلمانه أن يبيعوا الناس ويساهلوهم في بيعهم ويسامحوهم ففعلوا ذلك فلما رأى الناس قد شغلوا بالبيع انسل ودخل المدينة وقد علم أين سجن أخيه، ثم أتى السجن فأخذ حصاة فرمى بها لينظر ما بقي من نفس أخيه، فصاح حين أصابته الحصاة. وقال: قتلتني ففزع الحرس عند ذلك و خرجوا إليه وسألوه لم صحت وما شأنك وما بدالك وما رأيناك تكلمت ونحن نعذبك منذ حين ويضربك ويرميك كل من يمر بك بحجر، ورماك هذا الرجل بحصاة فصحت منها ؟ فقال: إن الناس كانوا من أمري على جهالة ورماني هذا على علم فانصرف أخوه راجعا إلى منزله ومتاعه، وقال للناس: إذا كان غدا فأتوني أنشر عليكم بزا ومتاعا لم تروا مثله قط فانصرفوا يومئذ حتى إذا كان من الغد غدوا عليه بأجمعهم فأمر بالبز فنشروا وأمر بالمغنيات والنايحات وكل صنف معه مما يلهى به الناس فأخذوا في شأنهم فاشتغل الناس فأتى أخاه فقطع عنه أغلاله، وقال: أنا اداويك فاختلسه وأخرجه من المدينة فجعل على جراحاته دواء كان معه حتى إذا وجد راحة أقامه على الطريق، ثم قال له: انطلق فإنك ستجد سفينة قد سيرت لك في البحر، فانطلق سائرا فوقع في جب فيه تنين وعلى الجب شجرة نابتة فنظر إلى الشجرة فإذا على رأسها اثنا عشر غولا وفي أسفلها اثنا عشر سيفا، وتلك السيوف مسلولة معلقة فلم يزل يتحمل ويحتال حتى أخذ بغصن من الشجرة فتعلق به وتخلص وسار حتى أتى البحر فوجد سفينة قد اعدت له إلى جانب الساحل فركب فيها حتى أتوا به أهله. عمرك الله أيها الملك أتراه عائد إلى ما قد عاين ولقى، قال: لا، قال: فإني أنا هو فيئسوا منه، فجاء الغلام الذي صحبه من المدينة وقال: اذكرني لها وأنكحنيها فقال الغلام للملك إن هذا يقول إني احب أن ينكحنيها الملك، فقال: لا أفعل قال: أفلا أضرب لك مثلا ؟ قال: بلى.

[440]

قال: إن رجلا كان في قوم فركبوا سفينة فساروا في البحر ليالي وأياما ثم انكسرت سفينتهم بقرب جزيرة في البحر فيها الغيلان فغرقوا كلهم سواه وألقاه البحر إلى الجزيرة، وكانت الغيلان يشرفن من الجزيرة إلى البحر فأتى غولا فهويها ونكحها حتى إذا كان من الصبح قتلته وقسمت أعضاءه بين صواحباتها واتفق مثل ذلك لرجل آخر فأخذته ابنة ملك الغيلان فانطلقت به فبات معها ينكحها وقد علم الرجل ما لقي من كان قبله فليس ينام حذرا حتى إذا كان مع الصبح قامت الغولة فانسل الرجل حتى أتى الساحل فإذا هو بسفينة فنادى أهلها واستغاث بهم فحملوه حتى أتوا به أهله فأصبحت الغيلان فأتوا الغولة التي باتت معه فقالوا لها أين الرجل الذي بات معك ؟ قالت: إنه قد فرمني فكذبوها وقالوا: أكلته واستأثرت به علينا فنقتلنك إن لم تأتنا به فمرت في الماء حتى أتته في منزله ورحله فدخلت عليه وجلست عنده وقالت له: ما لقيت في سفرك هذا، قال: لقيت بلاء خلصني الله منه وقص عليها ذلك فقالت وقد تخلصت ؟ قال: نعم فقالت أنا الغولة وجئت لاخذك فقال لها: أنشدك الله أن تهلكيني فإني أدلك على مكان رجل، قالت إني أرحمك فانطلقا حتى دخلا على الملك، قالت اسمع منا أصلح الله الملك إني تزوجت بهذا الرجل وهو من أحب الناس إلي، ثم إنه كرهني وكره صجتي فانظر في أمرنا فلما رآها الملك أعجبه جمالها فخلا بالرجل فساره وقال: إني قد أحببت أن تتركها فأتزوجها قال: نعم أصلح الله الملك ما تصلح إلا لك فتزوج بها الملك وبات معها حتى إذا كانت مع السحر ذبحته وقطعت أعضاءه وحملته إلى صواحباتها أفترى أيها الملك أحدا يعلم بهذا، ثم ينطلق إليه ؟ قال: لا، قال الخاطب للغلام فإني لا افارقك ولا حاجة لي فيما أردت. فخرجا من عند الملك يعبدان الله جل جلاله ويسيحان في الارض، فهدى الله عزوجل بهما اناسا كثيرا وبلغ شأن الغلام وارتفع ذكره في الافاق فذكر والده، وقال: لو بعثت إليه لاستنقذته مما هو فيه، فبعث إليه رسولا فأتاه فقال له: إن ابنك يقرئك السلام وقص عليه خبره وأمره فأتاه والده وأهله فاستنقذهم مما كانوا فيه.

[441]

ثم إن بلوهر رجع إلى منزله واختلف إلى يوذاسف أياما حتى عرف أنه فتح له الباب ودله على السبيل، ثم تحول من تلك البلاد إلى غيرها وبقي يوذاسف حزينا مغتما فمكث بذلك حتى بلغ وقت خروجه إلى النساك لينادي بالحق ويدعو إليه أرسل الله عزوجل ملكا من الملائكة فلما رأى منه خلوة ظهر له وقام بين يديه، ثم قال له: لك الخير والسلامة أنت إنسان بين البهائم الظالمين الفاسقين من الجهال أتيتك بالتحية من الحق وإله الخلق بعثني إليك لابشرك وأذكر لك ما غاب عنك من امور دنياك وآخرتك، فاقبل بشارتي ومشورتي ولا تغفل عن قولي، اخلع عنك الدنيا وانبذ عنك شهواتها وازهد في الملك الزائل، والسلطان الفاني الذي لا يدوم وعاقبته الندم والحسرة، واطلب الملك الذي لا يزول والفرح الذي لا ينقضي والراحة التي لا يتغير وكن صديقا مقسطا، فإنك تكون إمام الناس تدعوهم إلى الجنة. فلما سمع يوذاسف كلامه خر بين يدي الله عزوجل ساجدا، وقال: إني لامر الله تعالى مطيع وإلى وصيته منته، فمرني بأمرك فإني لك حامد ولمن بعثك إلي شاكر فإنه رحمني ورؤف بي ولم يرفضني بين الاعداء فإني كنت بالذي أتيت له مهتما، قال الملك: إني أرجع إليك بعد أيام ثم اخرجك فتهيأ للخروج ولا تغفل عنه، فوطن يوذاسف نفسه على الخروج وجعل همته كله فيه ولم يطلع على ذلك أحدا حتى إذا جاء وقت خروجه أتى الملك في جوف الليل والناس نيام، فقال له: قم فاخرج ولا تؤخر ذلك، فقام ولم يفش سره إلى أحد من الناس غير وزيره فبينا هو يريد الركوب إذ أتاه رجل شاب جميل كان قد ملكهم بلاده فسجد له. وقال أين تذهب: يا ابن الملك وقد أصابنا العسر أيها المصلح الحكيم الكامل: وتتركنا وتترك ملكك وبلادك، أقم عندنا فإنا كنا منذ ولدت في رخاء وكرامة ولم تنزل بنا عاهة ولا مكروه، فسكته يوذاسف وقال له: امكث أنت في بلادك ودار أهل مملكتك فأما أنا فذاهب حيث بعثت وعامل ما امرت به فإن أنت اعنتني

[442]

كان لك في عملي نصيبا، ثم ركب فسار ما قضى الله له أن يسير، ثم إنه نزل عن فرسه ووزيره يقود فرسه ويبكي أشد البكاء، ويقول ليوذاسف بأي وجه أستقبل أبويك ؟ وبما أجيبهما عنك وبأي عذاب أو موت يقتلاني، وأنت كيف تطيق العسر والاذى الذي لم تتعوده وكيف لا تستوحش وأنت لم تكن وحدك يوما قط ؟ وجسدك كيف تحمل الجوع والظمأ والتقلب على الارض والتراب، فسكته وعزاه ووهب له فرسه والمنطقة فجعل يقبل قدميه ويقول: لا تدعني وراءك يا سيدي اذهب بي معك حيث خرجت فإنه لا كرامة لي بعدك وإنك إن تركتني ولم تذهب بي معك خرجت في الصحراء ولم أدخل مسكنا فيه إنسان أبدا، فسكته أيضا وعزاه، وقال: لا تجعل في نفسك إلا خيرا فإني باعث إلى الملك وموصيه فيك أن يكرمك و يحسن إليك. ثم نزع عنه لباس الملك ودفعه إلى وزيره وقال له: البس ثيابي وأعطاه الياقوته التي كان يجعلها في رأسه، وقال: انطلق بها معك وفرسي وإذا أتيته فاسجد له وأعطه هذه الياقوتة وأقرئه السلام ثم الاشراف وقل لهم: إني لما نظرت فيما بين الباقي والزائل رغبت في الباقي وزهدت في الزائل ولما استبان لي أصلي و حسبي وفضلت بينهما وبين الاعداء والقرباء رفضت الاعداء والقرباء وانقطعت إلي أصلي وحسبي، فأما والدي فإنه إذا أبصر الياقوتة طابت نفسه، فإذا أبصر كسوتي عليك ذكرني وذكر حبي لك ومودتي إياك، فمنعه ذلك أن يأتي إليك مكروها. ثم رجع وزيره وتقدم يوذاسف أمامه يمشي حتى بلغ فضاء واسعا فرفع رأسه فرأى شجرة عظيمة على عين من ماء أحسن ما يكون من الشجر وأكثرها فرعا وغصنا وأحلاها ثمرا، وقد اجتمع إليها من الطير مالا يعد كثرة، فسر بذلك المنظر وفرح به، وتقدم إليه حتى دنامنه، وجعل يعبره في نفسه ويفسره فشبه الشجر بالبشرى التي دعا إليها وعين الماء بالحكمة والعلم، والطير بالناس الذين يجتمعون إليه ويقبلون منه الدين، فبينا هو قائم إذ أتاه أربعة من الملائكة

[443]

عليهم السلام يمشون بين يديه فأتبع آثارهم حتى رفعوه في جو السماء واوتي من العلم والحكمة ما عرف به الاولى والوسطى والاخرى، والذي هو كائن، ثم أنزلوه إلى الارض وقرنوا معه قرينا من الملائكة الاربعة فمكث في تلك البلاد حينا ثم إنه أتى أرض سولابط فلما بلغ والده قدومه خرج يسير هو والاشراف فأكرموه و قربوه، واجتمع إليه أهل بلده مع ذوي قرابته وحشمه وقعدوا بين يديه وسلموا عليه وكلمهم الكلام الكثير وفرش لهم الايناس وقال لهم: اسمعوا إلي بأسماعكم وفرغوا إلي قلوبكم لاستماع حكمة الله عزوجل التي هي نور الانفس وتقروا بالعلم الذي هو الدليل على سبيل الرشاد، وأيقظوا عقولكم وافهموا الفصل الذي بين الحق والباطل، والضلال والهدى. واعلموا أن هذا هو دين الحق الذي أنزله الله عزوجل على الانبياء والرسل عليهم السلام، والقرون الاولى، فخصنا الله عزوجل به في هذا القرن برحمته بنا ورأفته ورحمته وتحننه علينا وفيه خلاص من نار جهنم إلا أنه لا ينال الانسان ملكوت السماوات ولا يدخلها أحد إلا بالايمان وعمل الخير، فاجتهدوا فيه لتدركوا به الراحة الدائمة والحياة التي لا تنقطع أبدا ومن آمن منكم بالدين فلا يكونن إيمانه طمعا في الحياة ورجاء ملك الارض وطلب مواهب الدنيا، وليكن إيمانكم طمعا في ملكوت السماوات ورجاء الخلاص وطلب النجاة من الضلالة وبلوغ الراحة والفرج في الاخرة، فإن ملك الارض وسلطانها زائل، ولذاتها منقطعة، فمن اغتر بها هلك وافتضح، لو قد وقف على ديان الدين الذي لا يدين إلا بالحق، فإن الموت مقرون مع أجسادكم وهو يتراصد أرواحكم أن يكبكبها مع الاجساد. واعلموا أنه كما أن الطير لين يقدر على الحياة والنجاة من الاعداء من اليوم إلى غد هذه إلا بقوة من البصر والجناحين والرجلين، فكذلك الانسان لا يقدر على الحياة والنجاة إلا بالعمل والايمان وأعمال الخير الكاملة، فتفكر أيها الملك أنت والاشراف فيما تستمعون وافهموا واعتبروا، واعبروا البحر مادامت السفينة، واقطعوا المسافة مادام الدليل والظهر والزاد، واسلكوا سبيلكم مادام المصباح،

[444]

وأكثروا من كنوز البر مع النساك، وشاركوهم في الخير والعمل الصالح، وأصلحوا التبع وكونوا لهم أعوانا وأمروهم بأعمالكم لينزلوا معكم ملكوت النور، واقبلوا النور، واحتفظوا بفرائضكم، وإياكم أن تتوثقوا إلى أماني الدنيا وشرب الخمور وشهوة النساء من كل ذميمة وقبيحة مهلكة للروح والجسد واتقوا الحمية والغضب والعداوة والنميمة، وما لم ترضوه أن يؤتى إليكم فلا تأتوه إلى أحد، وكونوا طاهري القلوب، صادقي النيات لتكونوا على المنهاج إذا أتاكم الاجل. ثم انتقل من أرض سولابط وسار في بلاد ومدائن كثيرة حتى أتى أرضا تسمى قشمير فسار فيها وأحيا ميتها ومكث حتى أتاه الاجل الذي خلع الجسد، وارتفع إلى النور، ودعا قبل موته تلميذا له اسمه يابد الذي كان يخدمه ويقوم عليه، وكان رجلا كاملا في الامور كلها، وأوصى إليه وقال: إنه قد دنا ارتفاعي عن الدنيا، واحتفظوا بفرائضكم، ولا تزيغوا عن الحق، وخذوا بالنسك، ثم أمر يابد أن يبني له مكانا فبسطه هو رجليه وهيأ رأسه إلى المغرب ووجهه إلى المشرق ثم قضى نحبه. 33 - * (باب) * * " (نوادر المواعظ والحكم) " * 1 - ل، ن (1): عن تميم القرشي، عن أبيه، عن أحمد بن علي الانصاري، عن الهروي وقال: سمعت الرضا عؤيه السلام يقول: أوحى الله عزوجل إلى نبي من أنبيائه إذا أصبحت فأول شئ يستقبلك فكله والثاني فاكتمه والثالث فاقبله والرابع فلا تؤيسه والخامش فاهرب منه، قال: فلما أصبح مضى فاستقبله جبل أسود عظيم فوقف وقال: أمرني ربي عزوجل أن آكل هذا، وبقي متحيرا ثم رجع إلى نفسه، فقال إن ربي جل جلاله لا يأمرني إلا بما اطيق فمشى إليه ليأكله فلما


(1) الخصال ج 1 ص 128، والعيون ص 152. وقد مر بنصه في المجلد الاول ص 18.

[445]

دنا منه صغر حتي انتهى إليه فوجده لقمة فأكلها فوجدها أطيب شئ أكله، ثم مضى فوجد طستا من ذهب قال: أمرني ربي أن أكتم هذا فحفر له وجعله فيه وألقى عليه التراب، ثم مضى فالتفت فإذا الطست قد ظهر، فقال: قد فعلت ما أمرني ربي عزوجل، فمضى فإذا هو بطير وخلفه بازي وطاف الطير حوله فقال: أمرني ربي عزوجل أن أقبل هذا ففتح كمه فدخل الطير فيه، فقال له البازي: أخذت صيدي وأنا خلفه منذ أيام، فقال: إن ربي عزوجل أمرني أن لا اويس هذا، فقطع من فخذه قطعة فألقاها إليه، ثم مضى، فلما مضى فإذا هو بلحم ميتة منتن مدود، فقال: أمرني ربي أن أهرب من هذا فهرب منه، ورجع ورأى في المنام كأنه قد قيل له: إنك قد فعلت ما أمرت به فهل تدري ماذا كان ؟ قال: لا، قيل له: أما الجبل فهو الغضب إن العبد إذا غضب لم ير نفسه وجهل قدره من عظم الغضب، فإذا حفظ نفسه وعرف قدره وسكن غضبه كانت عاقبته كاللقمة الطيبة التي أكلتها وأما الطست فهو العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عزوجل إلا أن يظهره ليزينه به مع ما يدخر له من ثواب الاخرة. وأما الطير فهو الرجل الذي يأتيك بنصيحة فاقبله واقبل نصيحته. وأما البازي فهو الرجل الذي يأتيك في حاجة فلا تؤيسه. وأما اللحم المنتن فهو الغيبة فاهرب منها. 2 - لى (1): عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن التفليسي، عن السمندي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام: يقول: كان في بني إسرائيل مجاعة حتى نبشوا الموتى فأكلوهم، فنبشوا قبرا فوجدوا فيه لوحا مكتوبا: أنا فلان النبي نبش قبري حبشي: ما قدمناه وجدناه، وما أكلناه ربحناه، وما خلفناه خسرناه. 3 - ل (2): عن ما جيلويه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن صالح يرفعه


(1) المجلس الثامن والثمانون ص 361. (2) الخصال ج 1 ص 113.

[446]

بإسناده قال: أربعة القليل منها كثير، النار القليل منها كثير، والنوم القليل منه كثير، والمرض القليل منه كثير، والعداوة القليل منها كثير. 4 - ما (1): عن المفيد، عن الكاتب، عن عبد الصمد بن علي، عن محمد بن هارون، عن أبي طلحة الخزاعي، عن عمر بن عباد، عن أبي فرات (2) قال: قرأت في كتاب لوهب بن منبه، وإذا مكتوب في صدر الكتاب: هذا ما وضعت الحكماء في كتبها: الاجتهاد في عبادة الله أربح تجارة، ولا مال أعود من العقل، ولا فقر أشد من الجهل، وأدب تستفيده خير من ميراث، وحسن الخلق خير رفيق، والتوفيق خير قائد، ولا ظهر أوثق من المشاورة، ولا وحشة أوحش من العجب، ولا تطمعن صاحب الكبر في حسن الثناء عليه. 5 - ما (3): بالاسناد، عن أبي قتادة، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: وصية ورقة بن نوفل لخديجة بنت خويلد عليها السلام إذا دخل عليها يقول لها: يا بنت أخي لا تمار جاهلا ولا عالما فإنك متى ماريت جاهلا أذلك، ومتي ماريت عالما منعك علمه، وإنما يسعد بالعلماء من أطاعهم، أي بنية إياك وصحبة الاحمق الكذاب، فإنه يريد نفعك فيضرك، ويقرب منك البعيد، ويبعد عنك القريب، إن ائتمنته خانك، وإن ائتمنك أهانك، وإن حدثك كذبك، وإن حدثته كذبك وأنت منه بمنزلة السراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، واعلمي أن الشاب الحسن الخلق مفتاح للخير مغلاق للشر وأن الشاب الشحيح الخلق مغلاق للخير مفتاح للشر، واعملي أن الاجر إذا انكسر لم يشعب ولم يعد طينا. 6 - ما (4): عن ابن مخلد، عن جعفر بن محمد بن نصير، عن أحمد بن محمد بن


(1) الامالى ج 1 ص 185. (2) في المصدر " أبى تراب ". (3) الامالى ج 1 ص 308. (4) المصدر ج 2 ص 8.

[447]

مسروق قال: أنشدني بعض أصحابنا. اجعل تلادك في المهم من الامور إذا اقترب حسن التصبر ما استطعت فإنه نعم السبب لاتسه عن أدب الصغير وإن شكى ألم التعب ودع الكبير لشأنه كبر الكبير عن الادب لا تصحب النطف المريب فقر به إحدى الريب واعلم بأن ذنوبه تعدى كما يعدى الجرب 7 - ل، مع (1): عن العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن عثمان، عن محمد بن أبي حمزة، عن محمد بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: تبع حكيم حكيما سبعمائة فرسخ في سبع كلمات فلما لحق به قال له: يا هذا ما أرفع من السماء ؟ وأوسع من الارض ؟ وأغني من البحر ؟ وأقسى من الحجر ؟ وأشد حرارة من النار ؟ وأشد بردا من الزمهرير ؟ وأثقل من الجبال الراسيات ؟ فقال له: يا هذا إن الحق أرفع من السماء، والعدل أوسع من الارض، وغنى النفس أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والحريص الجشع أشد حرارة من النار، واليأس من روح الله عزوجل أشد بردا من الزمهرير، والبهتان على البرئ أثقل من الجبال الراسيات. 8 - لى (2): عن ابن البرقي، عن أبيه، عن جده، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ابن حميد، عن الثمالي قال: دعا حذيفة بن اليمان ابنه عنده موته فأوصى إليه وقال: يا بني أظهر اليأس مما في أيدي الناس فإن فيه الغنى، وإياك وطلب الحاجات إلى الناس فإنه فقر حاضر، وكن اليوم خيرا منك أمس، وإذا أنت صليت فصل صلاة مودع للدنيا، كأنك لا ترجع، وإياك وما يعتذر منه. 9 - ل (3): عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني،


(1) الخصال ج 2 ص 5. والمعاني ص 177. (2) المجلس الثاني والخمسون ص 194. (3) الخصال ج 1 ص 21.

[448]

عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قام أبو ذر - رحمه الله - عند الكعبة فقال: أنا جندب بن سكن، فاكتنفه الناس فقال: لو أن أحدكم أراد سفرا لا تخذ فيه من الزاد ما يصلحه، فسفر يوم القيامة أما تريدون فيه ما يصلحكم، فقام إليه رجل فقال: أرشدنا، فقال: صم يوما شديد الحر للنشور، وحج حجة لعظائم الامور وصل ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، وكلمة شر تسكت عنها، أو صدقة منك على مسكين لعلك تنجو بها، يا مسكين من يوم عسير، اجعل الدنيا درهمين درهما أنفقته على عيالك، ودرهما قدمته لاخرتك، والثالث يضر ولا ينفع فلا ترده، اجعل الدنيا كلمتين: كلمة في طلب الحلال، وكلمة للاخرة، والثالثة تضر ولا تنفع لا تردها، ثم قال: قتلني هم يوم لا أدركه. جا (1): عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن أحمد بن محمد بن الوليد (2) عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. 10 - جا، ما (3): عن المفيد، عن الكاتب، عن الزعفراني، عن الثقفي عن حبيب بن بصير (4) عن أحمد بن بشير، عن هشام بن محمد، عن أبيه محمد بن السائب، عن إبراهيم بن محمد اليماني، عن عكرمة قال: سمعت عبد الله بن العباس يقول لابنه علي بن عبد الله: ليكن كنزك الذي تدخره العلم، كن به أشد اغتباطا منك بكثرة الذهب الاحمر، فإني مودعك كلاما إن أنت وعيته اجتمع لك به خير أمر الدنيا والاخرة لا تكن ممن يرجو الاخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة الطول الامل، ويقول في الدنيا قول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الرغبين إن اعطي منها لم يشبع وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما اوتي ويبغي الزيادة فيما بقي ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض الفجار وهو أحدهم، ويقول: لم أعمل فأتعني ألا أجلس فأتمني، فهو يتمني المغفرة وقد دأب في المعصية قد عمر


(1) مجالس المفيد ص 125 و 126. (2) في المصدر محمد بن محمد بن الوليد. (3) مجالس المفيد 195، والامالي ج 1 ص 110. (4) في المجالس " حبيب بن نصر ".

[449]

ما يتذكر فيه من تذكر يقول فيما ذهب: لو كنت عملت ونصبت كان ذخرا لي ويعصي ربه تعالى فيما بقي غير مكترث، إن سقم ندم على العمل (1) وإن صح أمن واغتر وأخر العمل، معجبا بنفسه ما عوفي، وقانطا إذا ابتلي، إن رغب أشر، وإن بسط له هلك، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستيقن، لا يثق من الرزق بما قد ضمن له، ولا يقنع بما قسم له، لم يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب، إن استغنى بطر، وإن افتقر قنط، فهو يبتغي الزيادة وإن لم يشكر، ويضيع من نفسه ما هو أكبر، يكره الموت لا ساءته ولا يدع الاساءة في حياته، إن عرضت شهوته واقع الخطيئة ثم تمنى التوبة، وإن عرض له عمل الاخرة دافع، يبلغ في الرغبة حين يسأل، ويقصر في العمل حين يعمل، فهو بالطول مدل وفي العمل مقل، يبادر في الدنيا، يعبأ بمرض فإذا أفاق واقع الخطايا ولم يعرض، يخشى الموت ولا يخاف الفوت، يخاف على غيره بأقل من ذنبه، ويرجو لنفسه بدون عمله، وهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، يرجو الامانة ما رضي ويرى الخيانة إن سخط، إن عوفي ظن أنه قد تاب وإن ابتلي طمع في العافية وعاد، لا يبيت قائما، ولا يصبح صائما، يصبح وهمه الغذاء، ويمسي ونيته العشاء وهو مفطر، يتعوذ بالله من فوقه ولا ينجو بالعوذ منه من هو دونه، يهلك في بغضه إذا أبغض ولا يقصر في حبه إذا أحب، يغضب في اليسير، ويعصي على الكثير، فهو يطاع ويعصي الله، والله المستعان. 11 - ص (2): عن الصدوق، عن محمد العطار، عن الحسن بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، وعن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن منذر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما فارق موسى الخضر قال موسى أوصني، فقال الخضر: ألزم ما لا يضرك معه شئ كما لا ينفعك من غيره شئ، إياك واللجاجة والمشي إلى غير حاجة، والضحك في غير تعجب، يا ابن عمران لا تعيرن أحدا بخطيئته، وابك على خطيئتك. 12 - ك (3): عن الحسن بن عبد الله، عن علي بن الحسين بن إسماعيل،


(1) كذا والظاهر " على ترك العمل ". (2) مخطوط. (3) كمال الدين ص 101.

[450]

عن محمد بن زكريا، عن مهدي بن ساق، عن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: جمع قس بن ساعدة ولده فقال: إن المعا تكفيه البقلة وترويه المذقة، ومن عيرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه، متى عدلت على نفسك عدل عليك من فوقك، فإذا نهيت عن شئ فابدأ بنفسك، ولا تجمع ما لا تأكل، ولا تأكل مالا تحتاج إليه، وإذا ادخرت فلا تكونن كنزك إلا فعلك، وكن عف العيلة مشترك الغنى تسد قومك، ولا تشاورن مشغولا وإن كان حازما ولا جائعا وإن كان فهما، ولا مذعورا وإن كان ناصحا، ولا تضعن في عنقك طوقا لا يمكنك نزعه إلا بشق نفسك، وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاقتصد، ولا تستود عن أحدا دينك وإن قربت قرابته فإنك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلا، وكان المستودع بالخيار في الوفاء بالعهد، وكنت له عبدا ما بقيت، فإن جنى عليك كنت أولى بذلك، وإن وفى كان الممدوح دونك، عليك بالصدقة فانها تكفر الخطيئة وكان قس لا يستودع دينه أحدا وكان يتكلم بما يخفى معناه على العوام ولا يستدركه إلا الخواص. 13 - صح (1): عن الرضا عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: وجد لوح تحت حائط مدينة من المدائن مكتوب فيه أنا الله لا إله إلا أنا، ومحمد نبيي، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن اختبر الدنيا [كيف] يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يذنب. 14 - جا (2): عن علي بن محمد القرشي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن نصير، عن أبيه، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن محمد ابن علي بن الحنفية قال: سمعته يقول: ما لك من عيشك إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، ويقر بك إلى نومك، فأي اكلة ليس معها غصص ؟ أو شربة ليس معها شرق، فتأمل أمرك فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والخيال المخترم، أهل الدنيا أهل سفر لا يحلون عقد رحالهم إلا في غيرها.


(1) مجالس المفيد ص 10. (2) صحفية الرضا: ص 35.

[451]

15 - جا (1): عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن الاهوازي، عن النضر، وابن أبي نجران معا، عن عاصم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام إنه قال: إن أبا ذر - رحمة الله عليه - كان يقول: يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا عملا ينفع خيره ويضر شره إلا من رحمه الله، يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت من عندهم إلى غيرهم والدنيا والاخرة كمنزل نزلته ثم عدلت عنه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها، يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله فإنك مرتهن بعملك وكما تدين تدان، يا مبتغي العلم صل قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلي فيه، إنما مثل الصلاة لصاحبها بإذن الله كمثل رجل دخل على سلطان فأنصت له حتى فرغ من حاجته كذلك المرء المسلم مادام في صلاته لم يزل الله ينظر إليه حتى يفزع من صلاته، يا مبتغي العلم تصدق قبل أن لا تقدر أن تعطي شيئا ولا تمنع منه، إنما مثل الصدقة لصاحبها كمثل رجل طلبه القوم بدم، فقال: لا تقتلوني واضربوا لي أجلا لا سعى في مرضاتكم، كذلك المرء المسلم بإذن الله كلما تصدق بصدقة حل بها عقدة في رقبته، حتى يتوفى الله أقواما وقد رضي عنهم ومن رضي الله عنه فقد عتق من النار، يا مبتغي العلم إن قلبا ليس منه من الحق شئ كالبيت الخراب الذي لا عامر له، يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر فاختم على قلبك كما تختم على ذهبك وورقك، يا مبتغي العلم إن هذه الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون. ما - (2): عن جماعة من أبي المفضل، عن محمد بن القاسم بن زكريا، عن عباد بن يعقوب، عن عاصم بن حميد، عن يحيى بن القاسم يعني أبا بصير عنه عليه السلام مثله وفيه: يا باغي العلم في المواضع وفي بعض الفقرات تقديم وتأخير. 16 - ما (3) بإسناده عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام قال: بكى


(1) المصدر: ص 106. (2) الامالى ج 2 ص 157. (3) الامالى ج 2 ص 313.

[452]

أبو ذر من خشية الله تعالى حتى اشتكى بصره فقيل له: لو دعوت الله يشفي بصرك فقال: إني عن ذلك مشغول وما هو بأكبر همي قالوا: وما يشغلك عنه، قال: العظيمتان الجنة والنار. 17 - ما (1): بإسناده، عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام قال: سئل أبو ذر ما مالك ؟ قال: عملي، قيل له: إنما نسألك عن الذهب والفضة، فقال: ما اصبح فلا امسي وما امسى فلا اصبح، لنا كندوج نرفع فيه خير متاعنا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " كندوج المؤمن قبره ". 18 - ما (2): بإسناده، عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام قال: قال أبو ذر - ره -: جزى الله عني الدنيا مذمة بعد رغيفين من الشعير أتغذى بأحدهما وأتعشى بالاخر، وبعد شملتي الصوف أئتزر بإحديهما وأرتدي بالاخرى. 19 - الدرة الباهرة (3): أوصى آدم ابنه شيث عليه السلام بخمسة أشياء وقال له: اعمل بها وأوص بها بنيك من بعدك، أولها: لا تركنوا إلى الدنيا الفانية فإني ركنت إلى الجنة الباقية فما صحب لي واخرجت منها، الثانية لا تعملوا برأي نسائكم فإني عملت بهوى امرأتي وأصابتني الندامة، الثالثة إذا عزمتم على أمر فانظروا إلى عواقبه فإني لو نظرت في عاقبة أمري لم يصبني ما أصابني، الرابعة إذا نفرت قلوبكم من شئ فاجتنبوه فإني حين دنوت من الشجرة لا تناول منها نفر قلبي فلو كنت امتنعت من الاكل ما أصابني ما أصابني. نقل من خط الشهيد - قدس الله روحه - ينسب إلى محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه هانت عليه الدنيا. 20 - دعوات الراوندي (4): أوحى الله إلى عزير عليه السلام يا عزير إذا وقعت في معصية، فلا تنظر إلى صغرها ولكن انظر من عصيت، وإذا اوتيت رزقا مني فلا تنظر إلى قلته ولكن انظر إلى من أهداه، وإذا نزلت بك بلية فلا تشك إلى


(1) و (2) الامالى ح 2 ص 313. (3) و (4) مخطوط.

[453]

خلقي كما لا أشكوك إلى ملائكتي عند صعود مساويك وفضائحك. 21 - عدة الداعي (1): أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود إني وضعت خمسة في خمسة، والناس يطلبونها في خمسة غيرها فلا يجدونها: وضعت العلم في الجوع والجهد وهم يطلبونه في الشبع والراحة فلا يجدونه، وضعت العز في طاعتي وهم يطلبونه في خدمة السلطان فلا يجدونه، ووضعت الغنى في القناعة وهم يطلبونه في كثرة المال فلا يجدونه، ووضعت رضاي في سخط النفس وهم يطلبونه في رضا النفس فلا يجدونه، ووضعت الراحة في الجنة وهم يطلبونها في الدنيا فلا يجدونها. 22 - كتاب المسلسلات: حدثني أبو القاسم علي بن محمد بن علي العلوي قال: سمعت محمد بن أحمد السناني، سمعت محمد العلوي العريضي يقول: سمعت عبد العظيم بن عبد الله الحسني، يقول: سمعت أحمد بن عيسى العلوي يقول: سمعت أبا صادق يقول: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: تمثيل لابي ذرالغفاري - ره - أنت في غفلة وقلبك ساه * نفد العمر والذنوب كما هي جمة حصلت عليك جميعا * في كتاب وأنت عن ذاك ساهي لم تبادر بتوبة منك حتى * صرت شيخا وحبلك اليوم واهي عجبا منك كيف تضحك جهلا * وخطاياك قد بدت لالهى فتفكر في نفسك اليوم جهدا * واسل عن نفسك الكرى ياتاهي (2) 23 - كتاب الغايات (3): عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان أحد ما أوصى به الخضر موسى بن عمران أنه قال: لا تعيرن أحدا بذنب فإن أحب الامور إلى الله ثلاثة القصد في الجدة والعفو في المقدرة، والرفق لعباد الله، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله له يوم القيامة، ورأس الحكمة مخافة الله. 24 - ختص (4): عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: قال سلمان الفارسي:


(1) المصدر: ص 126. (2) الكرى: النعاس. (3) مخطوط. (4) الاختصاص ص 230. ورواه الصدوق في الخصال ج 1 ص 158.

[454]

عجبت بست، ثلاثة أضحكتني وثلاثة أبكتني، فأما التي أبكتني ففراق الاحبة محمد صلى الله عليه وآله وهول المطلع والوقوف بين يدي الله عزوجل، وأما التي أضحكتني فطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أرضي له أم سخط. 25 - ختص (1): عن سعد بن عبد الله رفعه قال: تبع حكيم حكيما تسع مائة فرسخ فلما لحقه قال: يا هذا ما أرفع من السماء ؟ وما أوسع من الارض ؟ وما أغنى من البحر ؟ وما أقسى من الحجر وما أشد حرارة من النار وما أشد بردا من الزمهرير، وما أثقل من الجبال الراسيات ؟ فقال: الحق أرفع من السماء، والعدل أوسع من الارض، وغنى النفس أغنى من البحر، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والحريص الجشع أشد حرارة من النار، واليأس من قريب أشد بردا الزمهرير، والبهتان عن البرئ أثقل من الجبال الراسيات. 26 - كنز الكراجكى (2): قيل لبعضهم: كيف حالك ؟ فقال: كيف حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه. وقيل لبعض حكماء العرب: من أنعم الناس عيشا ؟ قال: من تحلى بالعفاف ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف، وقيل: فمن أعلمهم ؟ قال: من صمت فادكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر. وروي أن الله تعالى يقول: يا ابن آدم في كل يوم يؤتى رزقك وأنت تحزن، وينقص عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك وعندك ما يكفيك. وقيل: أغبط الناس ؟ من اقتصد فقنع، ومن قنع فك رقبته من عبودية الدنيا وذل المطامع. وقيل: الفقير من طمع، والغني من قنع. وقيل: من كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ.


(1) المصدر: ص 247. (2) المصدر: ص 139.

[455]

وقيل: لا يزال العبد بخير مادام له واعظ من نفسه، وكانت محاسبته من همه، ووعظ رجل فقال: عباد الله الحذر الحذر فوالله لقد ستر حتى كأنه قد غفر، ولقد أمهل حتى كأنه قد أهمل. وقيل: العجب لمن يغفل وهو يعلم أنه لا يغفل عنه، ولمن يهنئه عيشه وهو لا يعلم إلى ماذا يصير أمره. وقيل: إن للباقي بالفاني معتبرا، وللاخر بالاول مزدجرا، فالسعيد لا يركن إلى الخدع، ولا يغتر بالطمع. وقال آخر: كيف أؤخر عملي ولست أدري متى يحل أجلي، أم كيف تشتد حاجتي إلى الدنيا وليست بداري، أم كيف أجمع وفي غيرها قراري، أم كيف لا امهد لرجعتي قبل انصراف مدتي. وقال عمر بن الخطاب لابي ذر - ره -: عظني: قال له: ارض بالقوت، وخف الفوت، واجعل صومك الدنيا وفطرك الموت. وقال آخر: عجبا لمن يكتحل عينه برقاد والموت ضجيعها على وساد. وقال آخر: نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله. وقال آخر: عجبا لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء، ولا يحتمي من الذنوب مخافة النار. وقيل: كيف يصفو عيش من هو مسؤول عما عليه، مأخوذ بما لديه، محاسب على ما وصل إليه. وقال آخر: عجبا لمن يحسر عن الواضحة (1) وقد يعمل بالفاضحة. وقيل: إذا فللت (2) فارجع، وإذا أذنبت فاقلع، وإذا أسأت فاندم، وإذا ائتمنت فاكتم. وقال المسيح عليه السلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون


(1) الواضحة مقدم الاضراس. (2) في المصدر: " إذا زللت ".

[456]

للاخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل. وقال عليه السلام: إذا عملت الحسنة فأله عنها فإنها عند من لا يضيعها، وإذا عملت السيئة فاجعلها نصب عينك. وقيل لحكيم: لم تدمن (1) إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض قال: لاعلم أني مسافر. وقيل: من أحسن عبادة الله في شيبته لقاه الله الحكمة في بلوغه أشده وذلك قوله سبحانه: " ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (2) " ولا بأس أن يعذل المقصر المقصر (3). وقال بعضهم: لا يمنعكم معاشر السامعين سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا. قال الخليل بن أحمد: اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ينفعك علمي ولا يضرك تقصيري، نعوذ بالله أن يكون ما علمنا حجة علينا لا لنا، انظر يا أخي إلى نفسك ولا تكن ممن جمع علم العلماء وطرائف الحكماء وجرى في العمل مجرى السفهاء. وروي أن (4) امرأة العزيز وقفت على الطريق فمرت بها المواكب حتى مر يوسف عليه السلام، فقالت: الحمدلله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، والحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بمعصيته. وذكروا أن المتمناة ابنة النعمان بن المنذر دخلت على بعض ملوك الوقت فقالت: إنا كنا ملوك هذه البلدة يجبى إلينا خراجها ويطيعنا أهلها فصاح بنا صائح الدهر فشق عصانا وفرق ملانا، وقد أتيتك في هذا اليوم أسألك ما أستعين به على صعوبة الوقت، فبكى الملك وأمر لها بجائزة حسنة فلما أخذتها أقبلت بوجهها


(1) ادمن الشئ: أدامه. (2) يوسف: 23. (3) العذل: اللوم. (4) الكنز: ص 145.

[457]

عليه فقالت: إني محييك بتحية كنا نحيى بها فأصغى إليها، فقالت: شكوتك يدا افتقرت بعد غنى، ولاطلتك (1) يدا استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، وقلدك المنن في أعناق الرجال، ولا أزال الله عن عبد نعمة إلا جعلك السبب لردها عليه والسلام. فقال اكتبوها في ديوان الحكمة. وعن محمد بن علي الازدي البصري (2) رفعه إلى أبي شهاب قال: قد بلغني أن عيسى بن مريم عليه السلام قال للدنيا: يا امرأة كم لك من زوج ؟ قالت: كثير، قال: فكلهم طلقك، قالت: لا، بل كلهم قتلت، قال: هؤلاء الباقون لا يعتبرون بإخوانهم الماضين كيف توردينهم المهالك واحدا واحدا فيكونوا منك على حذر ؟ قالت: لا. وبلغنا (3) أن كلام الله تعالى الذي أنزله على بني إسرائيل إني أنا الله لا إله إلا أنا ذوبكة مفقر الزناة، وتارك تاركي الصلاة عراة. وقال ابن عباس - ره - (4) خمس خصال تورث خمسة أشياء: ما فشت الفاحشة في قوم قط إلا أخذهم الله بالموت، وما طففت قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين، وما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما جار قوم في الحكم إلا كان القتل بينهم، وما منع قوم الزكاة إلا سلط الله عليهم عدوهم. وقال لقمان الحكيم لابنه في وصيته: يا بني أحثك على ست خصال، ليس منها خصلة إلا وهي تقربك إلى رضوان الله عزوجل، وتباعدك من سخطه: الاولى أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، والثانية الرضا بقدر الله فيما أحببت أو كرهت، والثالثة أن تحب في الله وتبغض في الله، والرابعة أن تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك، والخامسة تكظم الغيظ وتحسن إلى من أساء إليك، والسادسة ترك الهوى ومخالفة الردى.


(1) في المصدر " ولا ملكتك ". (2) الكنز: ص 159. (3) المصدر: ص 271. (4) المصدر: ص 272.

[458]

27 - أعلام الدين (1): وصية لقمان لولده قال: يا بني أقم الصلاة فإنما مثلها في دين الله كمثل عمود الفسطاط فإن العمود إن استقام استقام الاطناب والاوتاد والظلال، وإن لم يستقم لم ينفع وتد ولا طنب ولا ظلال، أي نبي صاحب العلماء وجالسهم وزرهم في بيوتهم لعلك أن تشبههم فتكون منهم. اعلم يا نبي إني قد ذقت الصبر وأنواع المر فلم أجد أمر من الفقر، فإذا افتقرت يوما فاجعل فقرك بينك وبين الله، ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم، ثم سل في الناس هل من أحد وثق بالله فلم ينجه، يا بني توكل على الله ثم سل في الناس من ذا الذي أحسن الظن بالله فلم يكن عند حسن ظنه به، يا بني من يرد رضوان الله يسخط نفسه كثيرا، ومن لا يسخط نفسه لا يرضى ربه، ومن لا يكظم غيظه يشمت عدوه، يا نبي تعلم الحكمة تشرف بها فإن الحكمة تدل على الدين، وتشرف العبد على الحر، وترفع المسكين على الغني، وتقدم الصغير على الكبير، وتجلس المسكين مجالس الملوك، وتزيد الشريف شرفا، والسيد سؤددا، والغني مجددا، وكيف يظن ابن آدم أن يتهيأ له أمر دينه ومعيشته بغير حكمة ولن يهيئ الله عزوجل أمر الدنيا والاخرة إلا بالحكمة، ومثل الحكمة بغير طاعة مثل الجسد بغير نفس ومثل الصعيد بغير ماء، ولا صلاح للجسد بغير نفس ولا للصعيد بغير ماء ولا للحكمة بغير طاعة. قدتم كتاب الروضة من كتاب بحار الانوار ويتلوه كتاب الطهارة والصلوة إن شاء الله تعالى والحمد لله وحده.


(1) مخطوط. إلى هنا تم المجلد السابع عشر وتم ما علقت عليه. وأرجو من المولى سبحانه القبول. وأشكر الاستاذ المعظم السيد جلال الدين المحدث الارموى أبقاه الله تعالى علما للحق حيث تفضل بارسال نسختين مخطوطتين من الكتاب حين وقوفه على طبعه وذلك بعد ما خرج من الطبع ما جاوز الثلث من الكتاب فالواجب علينا أن نسدى جمل الثناء إليه والشكر له. وأنا الاقل على أكبر الغفاري 1386 ه‍.

[459]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم على التوفيق، ونصلي على رسولك وآله هداة الطريق. أما بعد: فاني لمغتبط بهذه الفرصة التي اتيحت لي لتصحيح هذا الجزء الذي هو في أجزاء الكتاب كالكواكب الدري، وفي نظام هذا السلك المنضد كالدر - الوضئ. لما فيه من عقائل الادب، وكرائم الخطب، وينابيع الحكم، والمواعظ والزواجر والعبر، ومحاسن الكتب والاثر ما يشفي الغليل من غلته، ويبرئ

[459]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم على التوفيق، ونصلي على رسولك وآله هداة الطريق. أما بعد: فاني لمغتبط بهذه الفرصة التي اتيحت لي لتصحيح هذا الجزء الذي هو في أجزاء الكتاب كالكواكب الدري، وفي نظام هذا السلك المنضد كالدر - الوضئ. لما فيه من عقائل الادب، وكرائم الخطب، وينابيع الحكم، والمواعظ والزواجر والعبر، ومحاسن الكتب والاثر ما يشفي الغليل من غلته، ويبرئ عليل من علته، ويطهر النفوس عن درن الرذائل، ويرحض القلوب عن ظلمة - الآثام، فمن امتثل أوامره وائتمر، وانتهى عن نواهيه وازدجر، واتعظ بمواعظه واعتبر، فهو أفضل من تقمص وائتزر. والكتاب بما في غضونه من الدروس الراقية يغنينا عن سرد جمل الثناء عليه أو تسطير الكلم في إطرائه، غير أنه لم يخرج في زمان مؤلفه الفحل والبطل، وسارع إلى رحمة ربه الكريم ولم يمهله الاجل. فبقي مسودة دون تصحيح ألفاظه، وتفسير غرائبه ولغاته. فهو مع كونه جؤنة مشحونة بنفائس الاعلاق، ذوحظ وافر من الاسقاط والاغلاط، فقاسيت ما قاسيت في تصحيحه، ولم آل جهدا في تحقيقه، وتحملت المشاق في توضيحه، ولم أرم الاطناب في تعليقه. مع أن الباع قصير، والامر خطير. ولست بمستعظم عملي، ولا مستكثر جهدي، وما ابرء نفسي، وأنا معترف بأن الذي خلق من عجل قلما يسمل من الخطأ والزلل، فالمرجو من أساتذتي العظام أن يمروا على هفواتي مر الكرام، فان العصمة لله الملك العلام، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب. على اكبر الغفاري

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية