الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 70

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 70


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء السبعون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم - 122 - * (باب) * * " (حب الدنيا وذمها، وبيان فنائها وغدرها بأهلها) " * * " (وختل الدنيا بالدين) " * الايات: البقرة: أولئك الذين اشتروا الحيوة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون (1). وقال: زين للذين كفروا الحيوة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير حساب (2). آل عمران: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل ءأنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد (3). وقال: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة (4). وقال: وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور (5). الانعام: وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين


(1) البقرة: 86. (2) البقرة: 212. (3) آل عمران: 14 - 15. (4) آل عمران: 152. (5) آل عمران: 185.

[2]

يتقون أفلا تعلقون (1). وقال تعالى: وغرتهم الحيوة الدنيا (2). الاعراف: فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون افلا تعقلون (3). التوبه: أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل (4). وقال تعالى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (5). وقال تعالى: كالذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلهم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون * ألم يأتهم نبؤ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم واصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (6). يونس: إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذينهم عن آياتنا غافلون * أولئك مأويهم النار بما كانوا يكسبون (7). وقال تعالى: إنما مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الارض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتيها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن


(1) الانعام: 32. (2) الانعام: 70. (3) الاعراف: 169. (4) براءة: 38. (5) براءة: 55. (6) براءة: 69 - 70. (7) يونس: 7 - 8.

[3]

بالامس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (1). وقال تعالى: قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (2). وقال تعالى: متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (3). وقال سبحانه: وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحيوة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك (4). هود: من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (5). الرعد: وفرحوا بالحيوة الدنيا وما الحيوة الدنيا في الآخرة إلا متاع (6). ابراهيم: الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (7). الحجر: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم (8). النحل: ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (9). وقال تعالى: ذلك بأنهم استحبوا الحيوة الدنيا على الاخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرون (10). اسرى: وأمددناكم بأموال وبنين (11).


يونس: 24. (2) يونس: 58. (3) يونس: 70. (4) يونس: 88. (5) هود: 15 - 16. (6) الرعد: 26. (7) ابراهيم: 3. (8) الحجر: 88. (9) النحل: 96. (10) النحل: 107. (11) أسرى: 6 (*).

[4]

وقال تعالى: من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (1). الكهف: تريد زينة الحيوة الدنيا (2). وقال تعالى: واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا * المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (3). طه: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (4). القصص: وما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى افلا تعقلون * أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحيوة الدنيا ثم هو يوم القيمة من المحضرين (5). وقال تعالى: فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون (6). العنكبوت: ما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (7).


(1) أسرى: 18 - 21. (2) الكهف: 28. (3) الكهف: 45 - 46. (4) طه: 131. (5) القصص: 60 - 61. (6) القصص: 79 - 80. (7) العنكبوت: 64.

[5]

الروم: يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (1) لقمان: يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (2). فاطر: يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (3). ص: فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (4). الزمر: فإذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانو يكسبون * فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وماهم بمعجزين * أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (5). المؤمن: وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (6). حمعسق: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب (7). وقال تعالى: فما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (8). الزخرف: وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات


(1) الروم: 7. (2) لقمان: 33. (3) فاطر: 5. (4) ص: 32. (5) الزمر: 49 - 52. (6) المؤمن: 38 - 39. (7) الشورى: 20. (8) الشورى: 36.

[6]

ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون * ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (1). الجاثية: ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحيوة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (2). محمد: إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم (3). النجم: فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم (4). الحديد: واعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتريه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور (5). المجادلة: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك اصحاب النار هم فيها خالدون (6). المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لا تهلكم أموالكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (7).


(1) الزخرف: 31 - 35. (2) الجاثية: 35. (3) القتال: 36. (4) النجم: 29 - 30. (5) الحديد: 20. (6) المجادلة: 17. (7) المنافقون: 9.

[7]

التغابن: إنما أموالكم وأولادكم فتنه والله عنده أجر عظيم (1). القيمة: كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الاخرة (2). الدهر: إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورائهم يوما ثقيلا (3). النازعات: فأما من طغى * وآثر الحيوة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى (4). الاعلى: بل تؤثرون الحيوة الدنيا * والاخرة خير وأبقى * إن هذا لفي الصحف الاولى * صحف إبراهيم وموسى (5). الضحى: وللاخرة خير لك من الاولى (6) 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن درست بن أبي منصور، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام وهشام عن أبي عبد الله عليه السلام قال: راس كل خطيئة حب الدنيا (7). بيان: " رأس كل خطيئة حب الدنيا " لان خصال الشر مطوية في حب الدنيا وكل ذمائم القوة الشهوية والغضبية مندرجة في الميل إليها ولذا قال الله عزوجل " من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب " (8) ولا يمكن التخلص من حبها إلا بالعلم بمقابحها ومنافع الاخرة وتصفية النفس وتعديل القوتين. 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أبي أسامة زيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه


(1) التغابن: 15. (2) القيامة: 20 - 21. (3) الدهر: 27. (4) النازعات: 37 - 41. (5) الاعلى: 16 - 19. (6) الضحى: 4. (7) الكافي ج 2 ص 315. (8) الشورى: 20.

[8]

ومن لم ير لله عزوجل عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصر عمله ودنا عذابه (1). بيان: " من لم يتعز بعزاء الله " قال في النهاية: فيه ومن لم يتعز بعزاء الله فليس منا اي من لم يدع بدعوى الاسلام فيقول يا للاسلام ويا للمسلمين ويا لله، وقيل أراد بالتعزي التسلي والتصبر عند المصيبة وأن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون كما أمر الله تعالى ومعنى قوله بعزاء الله اي بتعزية الله تعالى إياه فأقام الاسم مقام المصدر انتهى وقيل: العزاء مصدر بمعنى الصبر أو اسم للتعزية وكلاهما مناسب وعلى الاول إسناده إلى الله تعالى لانه السبب له والباء إما للالية المجازية كما قيل في قوله تعالى: " فتقبلها ربها بقبول حسن " (2) أو للسببية والحاصل أنه من لم يصبر على ما فاته من الدنيا وعلى البلايا التي تصيبه فيها بما سلاه الله في قوله " وبشر الصابرون * الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون " (3) وساير الايات الواردة في ذم الدنيا وفنائها ومدح الرضا بقضائه تعالى تقطعت نفسه للحسرات على المصائب وعلى ما فاته من الدنيا وربما يحمل الحسرات على ما يحصل له عند الموت من مفارقتها أو الاعم منها ومما يحصل له في الدنيا وجمعية الحسرات مع كونها مصدرا لارادة الانواع. " ومن أتبع نظره ما في أيدي الناس " اي نظر إلى من هو فوقه من أهل الدنيا وما في أيديهم من نعيمها وزبرجها نظر رغبة وتحسر وتمن " كثر همه " لعدم تيسرها له، فيغتاظ لذلك ويحسدهم عليها، ولا يمكنه شفاء غيظه إلا بأن يحصل له مما في أيديهم أو يسلب الله عنهم جميع ذلك ولا يتيسر له شئ من الامرين فلا يشفى غيظه أبدا ولا يتهنأ له العيش ما رأى في نعمة أحدا ولا يتفكر في أنه إنما منعه الله تعالى ذلك لانه علم أنه سبب هلاكه فهو يتمنى حالهم ولا يعلم حقيقه مآلهم كما حكى الله


(1) الكافي ج 2 ص 315. (2) آل عمران: 37. (3) البقرة: 156.

[9]

سبحانه عن قوم تمنوا حال قارون حيث قالوا " يا ليت مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون * فلما خسف الله به وبداره الارض اصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون " (1) وانتفاء الخسف الظاهري بأهل الاموال والتجبر من هذه الامة لا يوجب انتهاء الخسف في دركات الشهوات النفسانية ومهاوي التعلقات الجسمانية، والحرمان عن درجات القرب والكمال، وخسفهم في الآخرة في عظيم النكال وشديد الوبال، أعاذنا الله وساير المؤمنين من جميع ذلك وسهل لنا الوصول في الدارين إلى أحسن الاحوال. " ومن لم ير أن لله عليه نعمة إلا في مطعم " اي من توهم أن نعمة الله عليه منحصرة في هذه النعم الظاهرة كالمطعم والمشرب والمسكن وأمثالها، فإذا فقدها أو شيئا منها ظن أنه ليس لله عليه نعمة، فلا ينشط في طاعة الله، وإن عمل شيئا مع هذه العقيدة الفاسدة وعدم معرفة منعمه لا ينفعه ولا يتقبل منه، فيكون عمله قاصرا وعذابه دانيا، لان هذه النعم الظاهرة حقيرة في جنب نعم الله العظيمة عليه من الايمان والهداية والتوفيق والعقل والقوى الظاهرة والباطنة والصحة ودفع شر الاعادي وغيرها بما لا يحصى، بل هذا الفقر أيضا من أعظم نعم الله عليه " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (2). وقال بعض المحققين: معنى الحديث أن من لم يصبر ولم يسل أو لم يحسن الصبر والسلوة على ما رزقه الله من الدنيا، بل أراد الزيادة في المال أو الجاه مما لم يرزقه الله إياه تقطعت نفسه متحسرا حسرة بعد حسرة، على ما يراه في يدي غيره ممن فاق عليه في العيش، فهو لم يزل يتبع بصره ما في أيدي الناس ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه، فهو لم ير أن لله عليه


(1) العنكبوت: 79 - 82. (2) ابراهيم: 34.

[10]

نعمة إلا نعم الدنيا، وإنما يكون كذلك من لا يوقن بالآخرة ومن لم يوقن بالآخرة قصر عمله، وإذ ليس له من الدنيا إلا قليل بزعمه مع شدة طعمه في الدنيا وزينتها فقد دنى عذابه، نعوذ بالله من ذلك، ومنشأ ذلك كله الجهل وضعف الايمان وأيضا لما كان عمل أكثر الناس على قدر ما يرون من نعم الله عليه عاجلا وآجلا لا جرم من لم ير من النعم عليه إلا القليل، فلا يصدر عنه من العمل إلا قليل وهذا يوجب قصور العمل ودنو العذاب. 3 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن منصور بن العباس عن سعيد بن جناح، عن عثمان بن سعيد، عن عبد الحميد بن علي الكوفي، عن مهاجر الاسدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مر عيسى بن مريم عليه السلام على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابها فقال: أما إنهم لم يموتوا إلا بسخطة، ولو ماتوا متفرقين لتدافنوا فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها. فدعا عيسى عليه السلام ربه فنودي من الجو أن نادهم، فقام عيسى عليه السلام بالليل على شرف من الارض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب لبيك يا روح وكلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم ؟ قال: عبادة الطاغوت وحب الدنيا، مع خوف قليل، وأمل بعيد، في غفلة ولهو ولعب، فقال: كيف كان حبكم للدنيا ؟ قال: كحب الصبي لامه، إذا أقبلت علينا فرحنا وسررنا، وإذا ادبرت عنا بكينا وحزنا، قال: كيف كانت عبادتكم للطاغوت ؟ قال: الطاعة لاهل المعاصي، قال: كيف كانت عاقبة أمركم ؟ قال: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في الهاوية، فقال: وما الهاوية ؟ قال: سجين، قال: وما سجين ؟ قال: جبال من جمر توقد علينا إلى يوم القيامة قال: فما قلتم وما قيل لكم ؟ قال: قلنا ردنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل لنا: كذبتم قال: ويحك كيف لم يكلمني غيرك من بينهم ؟ قال: يا روح الله وكلمته إنهم ملجمون بلجام من نار، بأيدي ملائكة غلاظ شداد، وإني كنت فيهم ولم أكن عنهم، فلما نزل العذاب عمني معهم، فأنا معلق بشعرة على شفير جهنم، لا ادري أكبكب فيها

[11]

أم أنجو منها. فالتفت عيسى عليه السلام إلى الحواريين فقال: يا أولياء الله أكل الخبز اليابس بالملح الجريش، والنوم على المزابل، خير كثير مع عافية الدنيا والآخرة (1). بيان: " أما إنهم " قال الشيخ البهائي قدس الله روحه: أما بالتخفيف حرف استفتاح وتنبيه، يدخل على الجمل لتنبيه المخاطب، وطلب إصغائه إلى ما يلقى إليه وقد يحذف ألفها نحو أم والله زيد قائم " إلا بسخطة " السخط بالتحريك وبضم أوله وسكون ثانيه الغضب " لتدافنوا " الظاهر أن التفاعل هنا بمعنى فعل كتواني ويمكن إبقاؤه على أصل المشاركة بتكلف " فقال الحواريون " هم خواص عيسى عليه السلام قيل: سموا حواريين لانهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يقصرونها وينقونها من الاوساخ ويبيضونها، مشتق من الحور، وهو البياض الخالص. أقول: وقد قيل إنهم إنما سموا حواريين لنقاء ثيابهم، وقيل: لنقاء قلوبهم وقيل: الحواري بمعنى الناصر وقد كان الحواريون أنصار عيسى عليه السلام وقيل: لانهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها، وقيل: إنهم اتبعوا عيسى عليه السلام فكانوا إذا جاعوا قالوا يا روح الله جعنا، فيضرب عليه السلام بيده الارض سهلا كان أو جبلا ويخرج لكل منهم رغيفين وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا، فيضرب بيده الارض فيخرج ماء ويشربون، فقالوا: يا روح الله من أفضل منا ؟ إذا شئنا أطعمنا وإذا شئنا سقينا، وقد آمنا بك واتبعناك ؟ فقال عيسى عليه السلام: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكرى بعد ذلك، ويأكلون من أجرته، وسيأتي في مطاوي شرح حديث الكافي في أواسط هذا الباب كلام أيضا في معنى الحواريين فانتظره. وقال بعض العلماء: إنهم لم يكونوا قصارين على الحقيقة، وإنما أطلق هذا الاسم عليهم رمزا إلى أنهم كانوا ينقون نفوس الخلائق من الاوساخ والاوصاف الذميمة والكدورات، ويرفعونها إلى عالم النور من عالم الظلمات.


(1) الكافي ج 2 ص 318.

[12]

" يا روح الله " أقول: في تسميته روحا أقوال أحدها أنه إنما سماه روحا لانه حدث عن نفخة جبرئيل عليه السلام في درع مريم بأمر الله تعالى، وإنما نسبه إليه لانه كان بأمره، وقيل إنما أضافه إليه تفخيما لشأنه كما قال: الصوم لي وأنا أجزي به وقد يسمى النفخ روحا، والثاني أن المراد به يحيى به الناس في دينهم كما يحيون بالارواح، والثالث أن معناه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع ونطفة كما جرت العادة بذلك، الرابع أن معناه: ورحمة منه، والخامس أن معناه روح من الله خلقها فصورها ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها فصيرها الله سبحانه عيسى عليه السلام، السادس سماه روحا لانه كان يحيي الموتى كما أن الروح يصير سببا للحياة. وكذا اختلفوا في تسميته كلمة في قوله سبحانه " إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم " (1) وقوله تعالى " إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقيها إلى مريم وروح منه " (2) على أقوال أحدها أنه إنما سمي بذلك لانه حصل بكلمة من الله من غير والد، وهو قوله " كن " كما قال سبحانه " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (3). والثاني أنه سمي بذلك لان الله تعالى بشر به في الكتب السالفة أو بشرت بها مريم على لسان الملائكة. والثالث أنه يهتدي به الخلق كما اهتدوا بكلام الله ووحيه. " فنودي من الجو " الجو بالفتح والتشديد: ما بين السماء والارض " على شرف " قال الشيخ البهائي قدس سره: الشرف المكان العالي قيل: ومنه سمي الشريف شريفا تشبيها للعلو المعنوي بالعلو المكاني " فقال ويحك " ويح اسم فعل بمعنى الترحم


(1) آل عمران: 45. (2) النساء: 171. (3) آل عمران، 59.

[13]

كما أن ويل كلمة عذاب وبعض اللغويين يستعمل كلا منهما مكان الاخرى والطاغوت فلعوت من الطغيان، وهو تجاوز الحد، وأصله طغيوت فقدموا لامه على عينه، على خلاف القياس، ثم قلبوا الياء ألفا فصار طاغوت، وهو يطلق على الكاهن والشيطان والاصنام، وعلى كل رئيس في الضلالة، وعلى كل ما يصد عن عبادة الله تعالى، وعلى ما عبد من دون الله، ويجئ مفردا لقوله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به " (1) وجمعا كقوله تعالى: " والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات " (2). وقال قدس سره: لعلك تظن أن ما تضمنه هذا الحديث من أن الطاعة لاهل المعاصي عبادة لهم، جار على ضرب من التجوز لا الحقيقة، وليس كذلك بل هو حقيقة، فان العبادة ليست إلا الخضوع والتذلل والطاعة والانقياد، ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد إليه عبادة للهوى، فقال: " أرأيت من اتخذ إلهه هويه " (3) وجعل طاعة الشيطان عبادة له، فقال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " (4). ثم نقل أخبارا كثيرة في ذلك فقال بعد ذلك: وإذا كان اتباع الغير والانقياد إليه عبادة له فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية وشهواتهم البهيمية والسبعية على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون، والانداد التي هم لها من دون الله عابدون، وهذا هو الشرك الخفي نسال الله سبحانه أن يعصمنا عنه ويطهر نفوسنا عنه بمنه وكرمه. " وغفلة " عطف على " خوف " وعطفه على عبادة الطاغوت بعيد " في لهو "


(1) النساء: 60. (2) البقرة: 257. (3) الفرقان: 43. (4) يس: 60.

[14]

قال الشيخ البهائي رحمه الله: لفظة " في " هنا إما للظرفية المجازية كما في نحو النجاة في الصدق، أو بمعنى " مع " كما في قوله تعالى: " ادخلوا في أمم " (1) وللسببية كقوله تعالى: " فذلكن الذي لمتنني فيه " (2). " إذا أقبلت علينا " قال قدس سره: الشرطيتان واقعتان موقع اي المفسرة لحب الصبي لامه. " قال الطاعة لاهل المعاصي " قال رحمه الله: ما ذكره هذا الرجل المتكلم لعيسى على نبينا وآله وعليه السلام في وصف اصحاب تلك القرية، وما كانوا عليه من الخوف القليل، والامل البعيد، والغفلة واللهو واللعب، والفرح باقبال الدنيا والخوف بادبارها، هو بعينه حالنا وحال أهل زماننا، بل أكثرهم خال عن ذلك الخوف القليل أيضا. نعوذ بالله من الغفلة، وسوء المنقلب. " قال جبال من جمر " في القاموس الجمرة النار المتقدة، والجمع جمر، قال الشيخ المتقدم ذكره رحمه الله: هذا صريح في وقوع العذاب في مدة البرزخ أعني ما بين الموت والبعث، وقد انعقد عليه الاجماع، ونطقت به الاخبار، ودل عليه القرآن العزيز، وقال به أكثر أهل الملل، وإن وقع الاختلاف في تفاصيله والذي يجب علينا هو التصديق المجمل بعذاب واقع بعد الموت وقبل الحشر، في الجملة، وأما كيفياتها وتفاصيله فلم نكلف بمعرفتها على التفصيل، وأكثرها مما لا تسعه عقولنا فينبغي ترك البحث والفحص عن تلك التفاصيل، وصرف الوقت فيما هو أهم منها أعني فيما يصرف ذلك العذاب ويدفعه عنا كيف ما كان، وعلى أي نوع حصل، وهو المواظبة على الطاعات واجتناب المنهيات لئلا يكون حالنا في الفحص عن ذلك والاشتغال به عن الفكر فيما يدفعه وينجي منه كحال شخص أخذه السلطان وحبسه ليقطع في غد يده، ويجذع أنفه، فترك الفكر في الحيل المؤدية إلى خلاصه، وبقي طول ليله متفكرا في أنه هل يقطع بالسكين أو بالسيف ؟ وهل


(1) الاعراف: 38. (2) يوسف: 32.

[15]

القاطع زيد أو عمرو ؟. " قيل لنا كذبتم " دل على أنهم " لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " (1) كما نطقت به الآية أو كذبتم فيما عليه قولكم هذا أنه يمكنكم العود، وربما يقرء بالتشديد اي كذبتم الرسل، فلا محيص عن عذابكم. " قال يا روح الله " في بعض النسخ " يا روح الله وكلمته بقدس الله " فقوله: بقدس الله متعلق بروح الله وكلمته يعني أيها الذي صار روح الله وكلمته بقدس الله كما قيل، ويحتمل أن يكون الباء بمعنى " مع " أي مع تقدسه عن أن يكون له روح وكلمة حقيقة. ثم قال الشيخ البهائي رحمه الله: ثم لا يخفى أن ما قاله هذا الرجل من أنه كان فيهم ولم يكن منهم، فلما نزل العذاب عمه معهم، يشعر بأنه ينبغي المهاجرة عن أهل المعاصي والاعتزال لهم، وأن المقيم معهم شريك لهم في العذاب، ومحترق بنارهم، وإن لم يشاركهم في أفعالهم وأقوالهم، وقد يستأنس لذلك بعموم قوله تعالى: " إن الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وسائت مصيرا " (2) ولو لم يكن في الاعتزال عن الناس فائدة سوى ذلك لكفى، وفيه من الفوائد ما لا يعد ولا يحصى، نسأل الله سبحانه أن يوفقنا لذلك بمنه وكرمه. " فأنا معلق " هذا كناية عن أنه مشرف على الوقوع فيها، ولا يبعد أن يراد به معناه الصريح أيضا، والشفير حافة الوادي وجانبه " أكبكب فيها " على البناء للمفعول اي أطرح فيها على وجهي، وفي القاموس جرش الشئ لم ينعم دقه فهو جريش، وفي الصحاح ملح جريش لم يطيب " مع عافية الدنيا " اي إذا كان مع عافية الدنيا من الخطايا " والآخرة " من النار، أو فيه عافية الدنيا من تشويش


(1) الانعام: 128. (2) النساء: 97.

[16]

البال ومشقة تحصيل الاموال، وعافية الآخرة من العذاب والسؤال. 4 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما فتح الله على عبد بابا من أمر الدنيا إلا فتح الله عليه من الحرص مثله (1). بيان: يدل على زيادة الحرص بزيادة المال وغيره من مطلوبات الدنيا كما هو المجرب. 5 - كا: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملون للآخرة، وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ويلكم علماء سوء (2) الاجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يقبل عمله، ويوشك أن تخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر، كيف يكون من أهل العلم من هو في مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه، وما يضره أحب إليه مما ينفعه (3). بيان: " وأنتم ترزقون فيها بغير عمل " أي كد شديد كما قال تعالى " وما من دابة إلا على الله رزقها " (4) " وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل " كما قال تعالى " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (5) " علماء سوء " بفتح السين قال الجوهري ساءه يسوؤه سوءا بالفتح نقيض سره والاسم السوء بالضم، وقرئ قوله " عليهم دائرة السوء " (6) يعني الهزيمة والشر، ومن فتح فهو من المساءة، وتقول هذا رجل سوء بالاضافة ثم تدخل عليه الالف واللام فتقول هذا رجل السوء قال الاخفش ولا يقال: الرجل


(1 و 3) الكافي ج 2 ص 319. (2) ويلكم عملاء سوء ظ. (4) هود: 6. (5) النجم: 39. (6) براءة: 98.

[17]

السوء لان السوء ليس بالرجل، قال: ولايقال: هذا رجل السوء بالضم انتهى (1). " الاجر تأخذون " بحذف حرف الاستفهام، وهو على الانكار، ويحتمل أن يكون المراد أجر الدنيا اي نعم الله سبحانه وعلى هذا يحتمل أن يكون توبيخا لا استفهاما وأن يكون المراد أجر الاخرة فالاستفهام متعين فالواو في قوله " والعمل " للحالية أي كيف تستحقون أخذ الاجرة والحال أنكم تضيعون العمل. " أن يقبل عمله " أي يتوجه إلى أخذ عمله، وهو لا يأخذ ولا يقبل إلا العمل الخالص، فهو كناية عن الطلب ويؤيده أن في مجالس الشيخ " أن يطلب عمله " أو هو من الاقبال على الحذف والايصال، أي يقبل على عمله. وقال بعض الافاضل: أريد برب العمل العابد الذي يقلد أهل العلم في عبادته أعني يعمل بما يأخذ عنهم، وفيه توبيخ لاهل العلم الغير العامل، وقرء بعضهم يقيل بالياء المثناة من الاقالة أي يرد عمله فان المقيل يرد المتاع. 6 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبداالله عليه السلام قال: من اصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله تعالى الفقر بين عينيه، وشتت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله تعالى الغنى في قلبه وجمع له أمره (2). بيان: " أكبر همه " أي قصده أو حزنه " جعل الله الفقر بين عينيه " لانه كلما يحصل له من الدنيا يزيد حرصه بقدر ذلك فيزيد احتياجه وفقره، أو لضعف توكله على الله يسد الله عليه بعض أبواب رزقه، وقيل فهو فقير في الآخرة لتقصيره فيما ينفعه فيها، وفي الدنيا لانه يطلبها شديدا والغني من لا يحتاج إلى الطلب ولان مطلوبه كثيرا ما يفوت عنه، والفقر عبارة عن فوات المطلوب، وأيضا يبخل عن نفسه وعياله خوفا من فوات الدنيا وهو فقر حاضر.


(1) الصحاح ص 56. (2) الكافي ج 2 ص 319.

[18]

" وشتت أمره " التشتيت التفريق لانه لعدم توكله على ربه لا ينظر إلا إلى الاسباب ويتوسل بكل سبب ووسيلة، فيتحير في أمره ولا يدري وجه رزقه ولا ينتظم أحواله أو لشدة حرصه لا يقنع بما حصل له ويطلب الزيادة ولا يتيسر له فهو دائما في السعي والطلب ولا ينتفع بشئ، وحمله على تفرق أمر الآخرة بعيد. " ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له " يدل على أن الرزق مقسوم، ولا يزيد بكثرة السعي، كما قال تعالى " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " (1) ولذلك منع الصوفية من طلب الرزق، والحق أن الطلب حسن، وقد يكون واجبا وتقديره لا ينافي اشتراطه بالسعي والطلب، ولزومه على الله بدون سعي غير معلوم وقيل قدر سد الرمق واجب على الله، ويحتمل أن يكون التقدير مختلفا في صورتي الطلب وتركه بأن قدر الله تعالى قدرا من الرزق بدون الطلب، لكن مع التوكل التام عليه، وقدرا مع الطلب، لكن شدة الحرص وكثرة السعي لا يزيده، وبه يمكن الجمع بين أخبار هذا الباب وسيأتي القول فيه في كتاب التجارة إنشاء الله تعالى. وقيل: المراد بقوله " لم ينل من الدنيا إلا ما قسم له " أنه لا ينتفع إلا بما قسم له، وإن زاد بالسعي فانه يبقى للوارث، وهو حظه، وقيل: فيه إشارة إلى أن ذا المال الكثير قد لا ينتفع به بسبب مرض أو غيره، وذا المال القليل ينتفع به أكثر منه، ولا يخفى ما فيه. " جعل الله الغنا في قلبه " اي بالتوكل على ربه والاعتماد عليه، وإخراج الحرص وحب الدنيا من قلبه لا بكثرة المال وغيره، ولذا نسبه إلى القلب. " وجمع له أمره " اي جعل أحواله منتظمة وباله فارغا عن حب الدنيا وتشعب الفكر في طلبها. 7 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن عمر - فيما أعلم - عن ابي علي الحذاء، عن حريز، عن زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أبعد ما يكون


(1) الزخرف: 32.

[19]

العبد من الله عزوجل إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه (1). بيان: " إذا لم يهمه إلا بطنه وفرجه " اي لا يكون اهتمامه وعزمه و سعيه وغمه وحزنه إلا في مشتهيات البطن والفرج، في القاموس الهم الحزن وما هم به في نفسه، وهمه الامر حزنه كأهمه فاهتم انتهى فالمراد الافراط فيهما وقصر همته عليهما، وإلا فللبطن والفرج نصيب عقلا وشرعا وهو ما يحتاج إليه لقوام البدن واكتساب العلم والعمل وبقاء النوع. 8 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن سنان عن حفص بن قرط، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من كثر اشتباكه بالدنيا كان أشد لحسرته عند فراقها (2). بيان: " من كثر اشتباكه بالدنيا " اي اشتغاله وتعلق قلبه بها، يقال اشتبكت النجوم إذا كثرت وانضمت وكل متداخلين مشتبكان، ومنه تشبيك الاصابع لدخول بعضها في بعض، والغرض الترغيب في رفض الدنيا وترك محبتها لئلا يشتد الحزن والحسرة في مفارقتها. 9 - كا: عن علي، عن أبيه وعلي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان المنقري، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن الزهري محمد ابن مسلم بن عبيدالله قال: سئل علي بن الحسين عليهما السلام: اي الاعمال أفضل عند الله ؟ قال: ما من عمل بعد معرفة الله عزوجل ومعرفة رسوله صلى الله عليه وآله أفضل من بغض الدنيا، فان لذلك لشعبا كثيرة، وللمعاصي شعب، فأول ما عصى الله به الكبر معصية إبليس حين " أبى واستكبر وكان من الكافرين " (3) ثم الحرص وهي معصية آدم وحوا عليهما السلام حين قال الله عزوجل لهما " كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " (4) فأخذا ما لا حاجة بهما إليه، فدخل ذلك على


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 319. (3) البقرة: 34. (4) الاعراف: 19 (*).

[20]

ذريتهما إلى يوم القيامة، وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه. ثم الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو والثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهم في حب الدنيا فقالت الانبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والدنيا دنياء ان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة (1). بيان: قد مر هذا الخبر بعينه في باب ذم الدنيا " ما من عمل بعد معرفة الله " يدل على أن المعرفة أفضل لانها أصل جميع الاخلاق والاعمال، ويدخل في معرفة الرسول معرفة الامام " فان لذلك " كأنه تعليل لكون بغض الدنيا بعد المعرفة أفضل وفيما مضى " وإن " كما في بعض النسخ هنا (2) وهو اظهر، و " ذلك " إشارة إلى بغض الدنيا أو إلى الدنيا وقيل: المشار إليه العمل يعني أن للاعمال الصالحة لشعبا يرجع كلها إلى بغض الدنيا وللمعاصي شعبا يرجع كلها إلى حب الدنيا، ثم اكتفى ببيان أحدهما عن الآخر وكأن ما ذكرنا اظهر. والمراد بالشعب الاولى أنواع الاخلاق والاعمال الفاضلة، والثانية أنواع المعاصي، والاولى مندرجة تحت بغض الدنيا، والثانية تحت حبها، فبغضها أفضل الاعمال لاشتماله على محاسن كثيرة كالتواضع المقابل للكبر والقنوع المقابل للحرص وهكذا وبحكم المقابلة حب الدنيا اقبح الاعمال لاشتماله على رذايل كثيرة وهي الكبر إلى آخر ما ذكر. " وذلك أن " وفي بعض النسخ " فلذلك " أي لدخول الحرص على ذريتهما وإنما قال " أكثر " لان طلب المحتاج إليه وهو القدر الضروري من الطعام واللباس والمسكن ونحوها ليس بمذموم بل ممدوح لانه لا يمكن بدونه تكميل النفس بالعلم والعمل. " حيث حسد أخاه " قيل حسده في قبول قربانه، وقيل: في حب النساء وقيل:


(1) الكافي ج 2 ص 316. (2) رواه الكليني في ص 130 باب ذم الدنيا والزهد فيها ايضا (*).

[21]

في حب الدنيا لئلا يكون له نسل يعيرون أولاده في رد قربانه وكأن المراد بحب الدنيا أولا حب المال أو حب البقاء في الدنيا وكراهة الموت، وبه ثانيا حب كل ما لا حاجة به في تحصيل الآخرة وقيل: يمكن أن يكون المراد بالسبع الكبر والحرص وحب النساء وحب الرياسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة وهما شعبة واحدة بقرينة عدم ذكر الحب في المعطوف وأما الحسد فقد اكتفى عنه بذكر شعبه وأنواعه " دنيا بلاغ " اي كفاف وكفاية أو تبلغ بها إلى الآخرة. 10 - كا: وبهذا الاسناد عن المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في مناجاة موسى عليه السلام: يا موسى إن الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عليه السلام عند خطيئته، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي، يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من أحد عظمها فقرت عينه فيها ولا يحقرها أحد إلا انتفع بها (1). بيان: " جعلتها ملعونة " اللعن الطرد والابعاد والسب، وكأن المراد بلعنها لعن أهلها، أو كراهتها والمنع عن حبها وكل ما نهى الله تعالى عنها فقد لعنها وطردها وقيل: العرب تقول لكل شئ ضار ملعون، والشجرة الملعونة عندهم هي كل من ذاقها كرهها ولعنها وكذلك حال الدنيا فان كل من ذاق شهواتها لعنها إذا أحس بضررها. " ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لي " أقول: هذا معيار كامل للدنيا المعلونة وغيرها، فكل ما كان في الدنيا ويوجب القرب إلى الله تعالى من المعارف والعلوم الحقة والطاعات وما يتوصل به إليها من المعيشة بقدر الضرورة والكفاف فهي من الآخرة، وليست من الدنيا، وكلما يصير سببا للبعد عن الله والاشتغال عن ذكره ويلهي عن درجات الآخرة وكمالاتها، وليس الغرض فيه القرب منه تعالى والوصول إلى رضاه، فهي الدنيا الملعونة. قيل: ما يقع في الدنيا من الاعمال أربعة أقسام: الاول ما يكون ظاهره


(1) الكافي ج 2 ص 317.

[22]

وباطنه لله كالطاعات والخيرات الخالصة، الثاني ما يكون ظاهره وباطنه للدنيا كالمعاصي وكثير من المباحات أيضا لانها مبدء البطر والغفلة، الثالث ما يكون ظاهره لله وباطنه للدنيا كالاعمال الريائية، الرابع عكس الثالث كطلب الكفاف لحفظ بقاء البدن والقوة على العبادة وتكميل النفس بالعلم والعمل. " بقدر علمهم " أي بعيوبها وفنائها ومضرتها " مامن أحد عظمها فقرت عينه فيها " أي من عظمها وتعلق قلبه بها تصير سببا لبعده عن الله ولا تبقى الدنيا له فيخسر الدنيا والآخرة، ومن حقرها تركها ولم يأخذ منها إلا ما يصير سببا لتحصيل الآخرة فينتفع بها في الدارين. 11 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الشيطان يدبر ابن آدم في كل شئ فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته (1). بيان: في القاموس جثم الانسان والطائر والنعام والخشف واليربوع يجثم ويجثم جثما وجثوما لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبد بالارض انتهى والحاصل أن الشيطان يدبر ابن آدم في كل شئ أي يبعثه على ارتكاب كل ضلالة ومعصية، أو يكون معه ويلازمه عند عروض كل شبهة أو شهوة لعله يضله أو يزله " فإذا أعياه " المستتر راجع إلى ابن آدم، والبارز إلى الشيطان، أي لم يقبل منه ولم يطعه حتى أعياه، ترصد له واختفى عند المال فإذا أتى المال أخذ برقبته فأوقعه فيه بالحرام والشبهة. والحاصل أن [المال اعظم مصائد الشيطان، إذ قل من لم يفتتن به عند تيسره له، وكأنه محمول على الغالب، إذ قد يكون لا يفتتن بالمال ويفتتن بحب الجاه وبعض] (2) الشهوات الغالبة وقيل فإذا أعياه أي أعجزه عن كل شهوة ولذة وذلك بأن يشيب كما ورد في حديث آخر: يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان الحرص وطول الامل.


(1) الكافي ج 2 ص 315 وفيه " ان الشيطان يدير ". (2) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 303

[23]

12 - كا: عن العدة، عن أحمد بن ابي عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن أبي وكيع، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الاعور، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم (1). بيان: " إن الدينار والدرهم " أي حبهما وصرف العمر في تحصيلهما وتحصيل ما يتوقف عليهما " أهلكا من كان قبلكم " لان حبهما يمنع من حبه تعالى وصرف العمر فيهما يمنع من صرف العمر في طاعته تعالى والتمكن منهما يورث التمكن من كثير من المعاصي، ويبعثان على الاخلاق الدنية، والاعمال السيئة كالظلم والحسد والحقد والعداوة والفخر والكبر والبخل، ومنع الحقوق، إلى غير ذلك مما لا يحصى، ومفارقتهما عند الموت تورث الحسرة والندامة وحبهما يمنع من حب لقاء الله تعالى وتركهما يوجب الراحة في الدنيا وخفة الحساب في العقبى. 13 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الازدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت من القز عل ينفسها لفا كان أبعد لها من الخروج، حتى تموت غما، وقال أبو عبد الله عليه السلام: أغنى الغنا من لم يكن للحرص اسيرا وقال: لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات، فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت (2). بيان: كمثل دودة القز " هذا من أحسن التمثيلات للدنيا، وقد أنشد بعضهم فيه: ألم تر أن المرء طول حياته * حريص على ما لا يزال يناسجه كدود كدود القز ينسج دائما * فيهلك غما وسط ما هو ناسجه


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 316 (*).

[24]

قوله عليه السلام: " أغنى الغنا " أي ليس الغنا وعدم الحاجة بكثرة المال بل بترك الحرص، فان الحريص كلما ازداد ماله اشتد حرصه، فيكون أفقر وأحوج ممن لا مال له " لا تشعروا قلوبكم " أي لا تلزموه إياها ولا تجعلوه شعارها، في القاموس اشعره الامر وبه أعلمه، والشعار ككتاب ما تحت الدثار من اللباس، وهو يلي شعر الجسد، واستشعره لبسه، وأشعره غيره البسه إياه وأشعر الهم قلبي لزق به: وكلما ألزقته بشئ اشعرته به " الاشتغال بما قد فات " أي من أمور الدنيا، سواء لم يحصل أو حصل وفات، فان اشتغال القلب به يوجب غفلته عن ذكر الله تعالى وحبه، فانه لا يجتمع حبان متضادان في قلب واحد. 14 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن حماد بن بشير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والثروة في دين المسلم (1). بيان: " بأفسد " هنا بمعنى أشد إفسادا وإن كان نادرا. 15 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما ذئبان ضاريان في غانم ليس لها راع هذا في أولها وهذا في آخرها بأسرع فيها من حب المال والشرف في دين المؤمن (2). بيان: بأسرع اي في القتل والافناء. 16 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق قلبه بثلاث خصال: هم لا يغني، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال (3). بيان: " لا يغني " لانه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه وأمله في الدنيا


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 315 " حب الدنيا والشرف " خ ل. (3) الكافي ج 2 ص 320.

[25]

ولا يمكنه الاحتراز عن آفاتها ومصائبها، فهو في الدنيا دائما في الغم لما فات والهم لما لم يحصل، فإذا فات فهو في أحزان وحسرات من مفارقتها، ولم يقدم منها شيئا ينفعه، فهمه لا يغني أبدا، والفرق بين الامل والرجاء أن متعلق الامل العمر والبقاء في الدنيا، ومتعلق الرجاء ما سواه، أو متعلق الامل بعيد الحصول ومتعلق الرجاء قريب الوصول، ومعلوم أن محب الدنيا وطالبها يأمل منها ما لا مطمع في حصوله، لكن لشدة حرصه يطلبه ويأمله ويرجو الانتفاع بها، فيحول الاجل بينه وبينها، أو يرجو الآخرة وجمعها مع الدنيا، مع أنه لا يسعى لتحصيل الآخرة ويقصر همه على تحصيل الدنيا ونعم ما قيل: يا طالب الرزق.. مجتهدا * أقصر عناك فان الرزق مقسوم لا تحرصن على ما لست تدركه * إن الحريص على الآمال محروم تتمة مهمة: قال بعض المحققين: اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة، ما هي ؟ وما الذي ينبغي أن يجتنب وما الذي لا يجتنب ؟ فلا بد أن نبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها، لكونها عدوة قاطعة لطريق الله، ما هي ؟ فنقول: دنياك وآخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك والقريب الداني منهما يسمى دنيا، وهي كل ما قبل الموت، والمتراخي المتأخر يسمى آخرة، وهي ما بعد الموت، فكل مالك فيه حظ وغرض ونصيب وشهوة ولذة في عاجل الحال قبل الوفاة، فهي الدنيا في حقك إلا أن جميع مالك إليه ميل وفيه نصيب وحظ فليس بمذموم، بل هي تنقسم إلى ثلاثة اقسام: الاول ما يصحبك في الدنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت، وهو شيئان: العلم والعمل، فقط، وأعني بالعلم العلم بالله وصفاته وافعاله وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت أرضه وسمائه، والعلم بشريعة نبيه، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله، وقد يأنس العالم بالعلم حتى يصير ذلك ألذ الاشياء عنده فيهجر النوم والمنكح والمشرب والمطعم في لذته، لانه أشهى عنده من جميعها، فقد

[26]

صار حظا عاجلا في الدنيا، ولكنا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعد هذا من الدنيا اصلا، بل قلنا إنه من الآخرة وكذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذها بحيث لو منعت عنه لكان ذلك أعظم العقوبات عليه، وهذا أيضا ليس من الدنيا المذمومة. الثاني وهو المقابل للقسم الاول على الطرف الاقصى كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة اصلا، كالتلذذ بالمعاصي، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات والحاجات الداخلة في جملة الرفاهية والرعونات كالتنعم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث والغلمان والجواري والخيول والمواشي والقصور، والدور المشيدة ورفيع الثياب ولذائذ الاطعمة، فحظ العبد من هذه كلها هي الدنيا المذمومة، وفيما يعد فضولا وفي محل الحاجة نظر طويل. الثالث وهو متوسط بين الطرفين كل حظ في العاجل معين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام والقميص الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتى للانسان البقاء والصحة التي بها يتوصل إلى العلم والعمل، وهذا ليس من الدنيا كالقسم الاول لانه معين على القسم الاول، ووسيلة إليه، فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة على العلم والعمل، لم يكن به متناولا للدنيا ولم يصربه من أبنائها، وإن كان باعثه الحظ العاجل، دون الاستعانة على التقوى، التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا. ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا ثلاث: صفاء القلب، وأنسه بذكر الله وحبه لله، وصفاء القلب لا يحصل إلا بالكف عن شهوات الدنيا. والانس لا يحصل إلا بكثرة ذكر الله، والحب لا يحصل إلا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر. فهذه الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت، وهي الباقيات الصالحات، أما طهارة القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات، إذ تكون جنة بين العبد وبين عذاب الله وأما الانس والحب فهما من المسعدات، وهما موصلان العبد إلى لذة

[27]

اللقاء والمشاهدة، وهذه السعادة تتعجل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنة، فيصير القبر روضة من رياض الجنة. وكيف لا يكون كذلك، ولم يكن له إلا محبوب واحد، وكانت العوائق تعوقه عن الانس بدوام ذكره ومطالعة جماله، فارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلي بينه وبين محبوبه، فقدم عليه مسرورا آمنا من العوائق آمنا من الفرق. وكيف لا يكون محب الدنيا عند الموت معذبا ولم يكن له محبوب إلا الدنيا وقد غصب منه، وحيل بينه وبينه، وسدت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه، وليس الموت عدما إنما هو فراق لمحاب الدنيا، وقدوم على الله تعالى. فاذن سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث، وهي الذكر والفكر والعمل الذي يحفظه من شهوات الدنيا، ويبغض إليه ملاذها ويقطعه عنها وكل ذلك لا يمكن إلا بصحة البدن، وصحة البدن لا تنال إلا بالقوت والملبس والمسكن، ويحتاج كل واحد إلى أسباب. فالقدر الذي لا بد منه من هذه الثلاثة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة، وإن أخذ ذلك على قصد التنعم ولحظ النفس صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها، إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ويسمى ذلك حراما وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى، ويعرضه لطول الحساب، ويسمى ذلك حلالا. والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لاجل المحاسبة أيضا عذاب، فمن نوقش في الحساب عذب، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلالها حساب وحرامها عقاب وقد قال أيضا: حلالها عذاب. إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة، وما يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها، وهو أيضا عذاب، فالدنيا قليلها وكثيرها حلالها وحرامها ملعونة إلا ما أعان على تقوى

[28]

الله فان ذلك القدر ليس من الدنيا. وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن، كان حذره من نعيم الدنيا أشد ولهذا روى الله تعالى الدنيا عن نبينا صلى الله عليه وآله فكان يطوي أياما، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع، ولهذا سلط الله البلاء والمحن على الانبياء والاولياء ثم الامثل فالامثل كل ذلك نظرا لهم، وامتنانا عليهم، ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه، ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له، لا بخلا به عليه، وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس لله فهو للدنيا وما هو لله فليس من الدنيا. فان قلت: فما الذي هو لله ؟ فأقول: الاشياء ثلاثة أقسام: منها ما لا يتصور أن يكون لله، وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات، وهي الدنيا المحضة المذمومة، فهي الدنيا صورة ومعنى. ومنها ما صورتها لله، ويمكن أن يجعل لغير الله، وهي ثلاثة: الفكر والذكر والكف عن الشهوات، فهذه الثلاث إذا جرت سرا ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر فهي لله، وليست من الدنيا، وإن كان الغرض من النظر طلب العلم للشرف، وطلب القبول بين الخلق باظهار المعرفة، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى، وإن كان يظن بصورتها أنها لله. ومنها ما صورتها لحظ النفس، ويمكن أن يجعل معناه لله، وذلك كالاكل والنكاح وكل ما لا يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده، فان كان القصد حظ النفس فهو من الدنيا، ولن كان القصد الاستعانة على التقوى فهو لله بمعناه، وإن كان صورته صورة الدنيا، قال صلى الله عليه وآله: من طلب من الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله وهو عليه غضبان، ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر.

[29]

انظر كيف اختلف ذلك بالقصد، فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لامر الاخرة، ويعبر عنه بالهوى، وإليه أشار قوله تعالى: " ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى " (1). واعلم أن مجامع الهوى خمسة أمور، وهي ما جمعه الله عزوجل في قوله: " إنما الحيوة الدنيا لهو ولعب وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " (2) والاعيان التي تحصل منها هذه الامور سبعة يجمعها قوله تعالى: " زين للناس حب الشهواة من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب " (3) فقد عرفت أن كل ما هو لله فليس من الدنيا، وقدر ضرورة القوت وما لا بد منه من مسكن وملبس فهو لله إن قصد منه وجه الله، والاستكثار منه تنعم وهو لغير الله، وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة، ولها طرفان وواسطة، طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر، فان الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن، وطرف تتاخم جانب التنعم ويقرب منه وينبغي أن يحذر، وبينهما وسائط متشابهة، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، والحزم في الحذر والتقوى، والتقرب من حد الضرورة ما أمكن اقتداء بالانبياء والاولياء. ثم قال: اعلم أن الدنيا عبارة من أعيان موجودة، وللانسان فيها حظ وله في إصلاحها شغل، فهذه ثلاثة أمور قد يظن أن الدنيا عبارة عن آحادها، وليس كذلك أما الاعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الارض وما عليها قال الله تعالى: " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " (4) فالارض فراش للادميين ومهاد ومسكن ومستقر وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح.


(1) النازعات: 40 - 41. (2) الحديد: 20. (3) آل عمران: 14. (4) الكهف: 7.

[30]

ويجمع ما على الارض ثلاثة أقسام المعادن والنبات والحيوان. أما المعادن فيطلبها الادمي للالات والاواني كالنحاس والرصاص أو للنقد كالذهب والفضة ولغير ذلك من المقاصد، وأما النبات فيطلبها الادمي للاقتات والتداوي، وأما الحيوان فينقسم إلى الانسان والبهائم أما البهائم فيطلب لحومها للمأكل وظهورها للمركب والزينة، وأما الانسان فقد يطلب الادمي أن يملك أبدان الناس ليستخدمهم و يستسخرهم كالغلمان أو ليتمتع بهم كالجواري والنسوان ويطلب قلوب الناس ليملكها فيغرس فيها التعظيم والاكرام، وهو الذي يعبر عنه بالجاه، إذ معنى الجاه ملك قلوب الآدميين. فهذه هي الاعيان التي يعبر عنها بالدنيا وقد جمعها الله تعالى في قوله " زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين " وهذا من الانس " والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة " وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللئالي واليواقيت " والخيل المسمومة والانعام " وهي البهائم والحيوانات " والحرث " وهو النبات والزرع. فهذه هي أعيان الدنيا، إلا أن لها من العبد علاقتين: علاقة مع القلب وهو حبه لها وحظه منها، وانصراف قلبه إليها حتى تصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلقة بالدنيا كالكبر والغل والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة، وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر، فهذه هي الدنيا الباطنة، وأما الظاهرة فهي الاعيان التي ذكرناها، والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله باصلاح هذه الاعيان ليصلح لحظوظه وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآلهم ومنقلبهم لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل، ولو عرف ربه وعرف نفسه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الاعيان التي سميتها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي تسير بها إلى الله تعالى وأعني بالدابة البدن، فانه لا يبقى إلا بمطعم وملبس ومسكن

[31]

كما لا يبقى الابل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال. ومثال العبد في نسانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق، ولا يزال يعلف الدابة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب و يحمل إليها أنواع الحشيش، ويبرد لها الماء بالثلج، حتى تفوته القافلة، وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة، وعن بقائه في البادية فريسة للسياع هو وناقته والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج، وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلا بالضرورة، كما لا يدخل بيت الماء إلا للضرورة، ولا فرق بين إدخال الطعام في البدن وبين إخراجه من البطن. وأكثر ما شغل الناس عن الله البدن فان القوت ضروري وأمر الملبس والمسكن أهون، ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الامور، واقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا، فانما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ولكنهم جهلوا وغفلوا، وتتابعت أشغال الدنيا واتصلت بعضها ببعض، وتداعت إلى غير نهاية محدودة، فتاهوا في كثرة الاشغال، ونسوا مقصودها. وأما تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وانجرار بعضها إلى بعض فمما يطول ذكرها وخارج عن مقصود كتابنا. وإذا تأملت فيها علمت أن الانسان لاضطراره إلى القوت والمسكن والملبس يحتاج إلى خمس صناعات: وهي الفلاحة لتحصيل النبات، والرعاية لحفظ الحيوانات واستنتاجها، والاقتناص لتحصيل ما خلق الله من صيد أو معدن أو حشيش أو حطب، والحياكة للباس، والبناء للمسكن، ثم يحتاج بسبب ذلك إلى التجارة والحدادة والخرز أي إصلاح جلود الحيوانات وأجزائها، ثم لبقاء النوع إلى المنكح، ثم إلى حفظ الولد وتربيته، ثم لاجتماعهم إلى قرية يجتمعون فيها ثم إلى قاض وحاكم يتحاكمون إليه، ثم إلى جند يحرسهم عن الاعادي، ثم إلى خراج يعان به الجند، ثم إلى عمال وخزان لذلك، ثم إلى ملك يدبرهم

[32]

وأمير مطاع وقائد على كل طائفة منهم، فانظر كيف ابتدأ الامر من حاجة القوت والمسكن والملبس وإلى ماذا انتهى ؟. وهكذا أمور الدنيا لا يفتح منها باب إلا وينفتح منها بسببه عشرة أبواب أخر، وهكذا يتناهى إلى حد غير محصور، وكأنها هاوية لا نهاية لعمقها، ومن وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى وهكذا على التوالي. فهذه هي الحرف والصناعات، ويتفرع عليها أيضا بناء الحوانيت والخانات للمتحرفة والتجار وجماعة يتجرون ويحملون الامتعة من بلد إلى بلد، ويتفرع عليها الكراية والاجارة، ثم يحدث بسبب البيوع والاجارات وأمثالها الحاجة إلى النقدين لنقع المعاملة بهما، فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير، فحدثت الحاجة إلى دار الضرب وإلى الصيارفة. فهذه أشغال الخلق وهي معايشهم، وشئ من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء، وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى عاجزا إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره، فتحدث منه حرفتان خسيستان: اللصوصية والكدية، وللصوص أنواع ولهم حيل شتى في ذلك وأما التكدي فله اسباب مختلفة، فمنهم من يطلب ذلك بالتمسخر والمحاكاة الشعبذة والافعال المضحكة، وقد يكون بالاشعار مع النغمة أو غيرها في المدح أو التعشق أو غيرهما، أو تسليم ما يشبه العوض وليس بعوض كبيع التعويذات والطلسمات وكأصحاب القرعة والفال والزجر من المنجمين، ويدخل في هذا الجنس الوعاظ المتكدون على رؤوس المنابر. فهذه هي اشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرهم إلى ذكل كله الحاجة إلى القوت والكسوه، ولكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآلهم فضلوا وتاهوا، وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أإن كدرها زحمة اشغال الدنيا خيالات فاسدة، وانقسمت مذاهبهم، واختلفت آراؤهم على عدة أوجه.

[33]

فطائفة غلب عليهم والغفلة، فلم ينفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم فقالوا: المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجهد حتى نكسب القوت، ثم نأكل حتى نقوى على الكسب، ثم نكتسب حتى نأكل، فيأكلون ليكسبوا، ويكسبون ليأكلوا فهذه مذاهب الملاحين والمتحرفين، ومن ليس لهم تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين. وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا للامر وهو أن ليس المقصود أن يشقى الانسان ولا يتنعم في الدنيا بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات الدنيا، وهي شهوة البطن والفرج، فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم، وصرفوا همهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الاطعمة يأكلون كما تأكل الانعام، ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد ادركوا غايات السعادات فيشغلهم ذلك عن الله واليوم الآخر. وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكنز الكنوز، فأسهروا ليلهم ونهارهم في الجمع فهم يتعبون في الاسفار طول الليل والنهار، ويترددون في الاعمال الشاقة ويكسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص، وهذه لذتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يأتيهم الموت فيبقى تحت الارض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات، فيكون للجامع تعبها ووبالها، وللاكل لذتها وحسابها، ثم إن الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في اشباههم وأمثالهم فلا يعتبرون. وطائفة زعموا أن السعادة في حسن الاسم وانطلاق الالسن بالثناء والمدح بالتجمل والمروة، فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش ويضيقون على أنفسهم في المطعم والمشرب، ويصرفون جميع ما لهم إلى الملابس الحسنة والدواب النفيسة، ويزخرفون أبواب الدور، وما يقع عليه ابصار الناس، حتى يقال إنه غني وأنه ذو ثروة ويظنون أن ذلك هو السعادة، فهمتهم في ليلهم ونهارهم في تعهد موقع نظر الناس. وطائفة أخرى ظنوا أن السعادة في الجاه والكرامة بين الناس، وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير، فصرفوا همتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولاية

[34]

وتقلد الاعمال عمال السلطانية، لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم، وانقادت لهم رعاياهم، فقد سعدوا سعادة عظيمة، وأن ذلك غاية المطلب، وهذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس فهؤلاء شغلهم حب تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته، وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم. ووراء هذا طوائف يطول حصرها تزيد على نيف وسبعين فرقة كلهم ضلوا واضلوا عن سواء السبيل، وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن، فنسوا ما يراد له هذه الامور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها، وانجرت بهم أوايل اسبابها إلى أواخرها، وتداعت لهم إلى مبادي لم يمكنهم الترقي منها. فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الاسباب والاشغال، وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده، وعالم بحظه ونصيبه منه وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوة والكسوة حتى لا يهلك، وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الاشغال، وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة، وانصرفت الهمة إلى الاستعداد له، وإن تعدى به قدر الضرورة، كثرت الاشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية، فتشعب به الهموم ومن تشعب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في اي واد أهلكه. فهذا شان المنهمكين في أشغال الدنيا وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان، فلم يتركهم واضلهم في الاعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوايف فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة، وأن الاخرة دار سعادة لكل من وصل إليها سواء تعبد في الدنيا أو لم يتعبد فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا وإليه ذهب طوائف من عباد الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالاحراق، ويظنون أن ذلك خخلاص منهم من سجن الدنيا. وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أولا من إماتة الصفات البشرية وقلعها عن النفس بالكلية، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب، ثم أقبلوا على المجاهدة فشدوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة، وبعضهم فسد

[35]

عقله وجن، وبعضهم مرض واسندت عليه طرق العبادة. وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا اصل له، فوقع في الالحاد والزندقة، وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله لله وأن الله مستغن عن عبادة العباد،، لا ينقصه عصيان عاص، ولا يزيده عبادة عابد، فعادوا إلى الشهوات، وسلكوا مسلك الاباحة، فطووا بساط الشرع والاحكام وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم، حيث اعتقدوا ان الله مستغن عن عبادة العباد. وظن طائفة أخرى أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل، وبعد الوصال يستغني عن الوسيلة والحيلة فتركوا السعي والعبادة، وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة الله سبحانه [عن] أن يمتحنوا بالتكاليف وإنما التكليف على عوام الخلق. ووراء هذا مذاهب باطلة وضلالة هائلة وخيالات فاسدة، يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيفا وسبعين فرقة، وإنما الناجي منها فرقة واحدة، وهي السالكة ما كان عليها رسول الله صلى الله عليه وآله واصحابه، وهو أن لا يتركوا الدنيا بالكلية، ولا يقمع في الشهوات بالكلية. أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل، فلا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة، بل يتبع العدل ولا يترك كل شئ من الدنيا، ولا يطلب كل شئ من الدنيا، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده، فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة، ومن المسكن ما يحفظ به من اللصوص، والحر والبرد، ومن الكسوة كذلك، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن، أقبل على الله بكنه همه، واشتغل بالذكر والفكر طول العمر، وبقي ملازما لسياسة الشهوات، ومراقبا لها حتى لا تجاوز حدود الورع والتقوى، ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية صحت عقايدهم واتبعوا الرسول وأئمة الهدى صلوات الله عليهم في أقوالهم وأفعالهم، فإنهم ما كانوا

[36]

يأخذون الدنيا للدنيا، بل للدين، وما كانوا يترهبون ويهجرون الدنيا بالكلية وما كان لهم في الامور تفريط ولا إفراط، بل كانوا بين ذلك قواما، وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين، وهو أحب الامور إلى الله تعالى والله المستعان. 17 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي عبد الله المؤمن، عن جابر قال: دخلت على ابي جعفر عليه السلام فقال: يا جابر والله إني لمحزون وإني لمشغول القلب، قلت: جعلت فداك، وما شغلك وما حزن قلبك ؟ فقال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله، شغل قلبه عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا ؟ هل هي إلا طعام أكلته أو ثوب لبسته أو امرأة اصبتها ؟. يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ولم يأمنوا قدومهم الاخرة، يا جابر الاخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، وكأن المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة لم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم، ولم يعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة، ففازوا بثواب الاخرة كما فازوا بذلك العلم. واعلم يا جابر أن أهل التقوى ايسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة تذكر فيعينونك، وإن نسيت ذكروك، قوالون بأمر الله، قوامون على أمر الله قطعوا محبتهم بمحبة ربهم، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم، ونظروا إلى الله تعالى وإلى محبته بقلوبهم، وعلموا أن ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه، فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك واستيقظت، وليس معك منه شئ. إني إنما ضربت لك هذا مثلا لانها عند أهل اللب والعلم بالله كفيئ الظلال، يا جابر فاحفظ ما استرعاك الله من دينه وحكمته، ولا تسألن عما لك عنده إلا ما له عند نفسك، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك، فتحول إلى دار المستعتب، فلعمري لرب حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، ولرب كاره

[37]

لامر قد سعد به حين أتاه، وذلك قول الله تعالى: " وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين " (1). بيان: قوله عليه السلام: " صافي خالص دين الله " كأن إضافة الصافي إلى الخالص للبيان تأكيدا، ويحتمل اللامية، أي المحبة الصافية لله الحاصلة من خالص دينه، وفي تحف العقول: من دخل خالص حقيقة الايمان (2) و " أكلته " وأختاها على صيغة الخطاب، ويحتمل التكلم، والغرض أن هذه لذات قليلة فانية، ولا يختارها العاقل على النعم الجليلة الباقية. " لم يطمئنوا " اي لم يلههم الامل الطويل عن العمل " ولم يأمنوا " اي في كل حين " قدومهم الاخرة " بالموت أو عذاب الاخرة " أهل فكرة " خبر مبتدأ محذوف استينافا بيانيا وكذا قوله " لم يصمهم " استيناف بياني للاستيناف " ما سمعوا بأذانهم " من وصف ملاذ الدنيا وزهراتها، وحكومة أهلها وبسطة أيديهم فيها، والقصص الملهية الباطلة. " ولم يعمهم عن ذكر الله " الحاصل بالعبرة من أحوال الدنيا وفنائها " ففازوا " لترك الدنيا " بثواب الاخرة، كما فازوا بذلك العلم " وهو العلم اليقيني بدناءة الدنيا وفنائها، ورفعة الاخرة وبقائها، وتمييز الخير من الشر، والهدى من الضلالة وأهل الدنيا من أهل الاخرة، والمحقين من المبطلين، ومن يجب اتباعه من أهل الاخرة وأئمة الحق، وم يجب التبري عنه من أهل الدنيا واصحابها، وأئمة الضلالة فهذه هي الحكمة الحاصلة من الزهد في الدنيا، فلما فازوا بهذا العلم فازوا بنعيم الاخرة. " ايسر أهل الدنيا مؤنة " المؤنة بالفتح القوت والثقل، وذلك لانهم يكتفون بقدر الكفاية بل الضرورة والمعونة مصدر بمعنى الاعانة " تذكر " اي حاجتك لهم " فيعينونك " فيها، وإذا كنت متذكرا لما يوجب صلاح أمر دنياك وآخرتك


(1) الكافي ج 2 ص 132، والاية في آل عمران: 141. (2) تحف العقول ص 295 في ط وص 286 في ط آخر.

[38]

أعانوك على فعله، وإن كنت ناسيا له ذكروك، وأرشدونك إليه، ثم يعينونك مع الحاجة إلى الاعانة. " قوالون بأمر الله " أي بما أمر الله به أو بكل أمر يرضى الله به موعظة وإرشادا وتذكيرا وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر " قوامون على أمر الله " بحفظ دين الله وشرايعه واصول الدين وفروعه، وبمنع أهل الباطل وأرباب البدع من التغيير والتحريف في دين الله. " قطعوا محبتهم " أي عن كل شئ أو عمالا يرضى الله " بمحبة ربهم " اي بسببها أو جعلوا محبتهم تابعين لمحبة الله، ولا يحبون شيئا إلا لحب الله له كقوله تعالى " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " (1). " وحشوا الدنيا " الوحشة ضد الانس اي لم يستأنسوا بالدنيا " لطاعة مليكهم " أي مالكهم وسيدهم، أو ذي الملك والسلطنة عليهم إما لامره بالزهد في الدنيا أو لان طاعة الله مطلقا والاخلاص فيها لا تجتمع مع حب الدنيا " نظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم " الظرف في قوله " بقلوبهم " متعلق بنظروا أي لم ينظروا بعين قلوبهم إلا إلى الله اي رضاه أو معرفته ومراقبته وذكره، وعدم الالتفات إلى غيره وإلى محبته أي تحصيل حبهم لله أو حب الله لهم أو الاعم كما قال تعالى " يحبهم ويحبونه " (2) أو ما يحبه الله من الاخلاق والاعمال والاقوال. " وعلموا أن ذلك " اي المذكور وهو الله ومحبته والاشارة للتعظيم " هو المنظور إليه " اي هو الذي ينبغي أن ينظر إليه لا غيره لعظمة شأنه وحقارة ما سواه بالنسبة إليه " فأنزل الدنيا " اي اجعلها عند نفسك " كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه " بل هذه الدنيا بالنسبة إلى الآخرة اقصر بالمراتب الغير المتناهية عن نسبة مدة نزول المنزل بالنسبة إلى مدة عمر الدنيا لان الاولى نسبة المتناهى إلى غير المتناهي، والثانية نسبة المتناهي إلى المتناهي، والغرض العمدة من التشبيه أنها لم تخلق للتوطن، بل للعبور


(1) الانسان: 30، التكوير: 29. (2) المائدة: 54 (*).

[39]

كما أن منازل المسافر إنما تبنى لذلك، وقد قال بعض الشعراء في هذا المعنى: نزلنا ههنا ثم ارتحلنا * كذا الدنيا نزول وارتحال أردنا أن نقيل بها ولكن * مقيل المرء في الدنيا محال وهذا مثل للمبتدين، ثم ذكر مثلا كاملا للكاملين، وهو " أو كمال وجدته في منامك " إلى آخره فان أكثر الناس في الدنيا كالنائمين لغفلتهم عن الآخرة وعما يراد بهم، فإذا ماتوا لم يجدوا معهم شيئا مما اكتسبوا في الدنيا للدنيا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. ثم ذكر عليه السلام تمثيلا ثالثا وهو أنها كفئ الظلال في سرعة الزوال، والظلال بالكسر جميع الظل وهو والفئ بمعنى واحد عند كثير الناس، وقال ابن قتيبة الظل يكون غدوة وعشية، والفئ لا يكون إلا بعد الزوال، لانه ظل فاء عن جانب المغرب إلى جانب المشرق والفئ الرجوع وقال ابن السكيت: الظل من الطلوع إلى الزوال والفئ من الزوال إلى المغرب وقال تغلب: الظل للشجرة وغيرها للغداة والفئ للعشاء وقال رؤبة: كلما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو ظل وفئ وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، ومن هنا قيل الشمس تنسخ الظل والفئ ينسخ الشمس، والمراد هنا بالفئ إما المصدر أي كرجوع الظلال اي كما تظل في ظل شجرة مثلا فتنتفع به ساعة، فترجع عنك فتكون في الشمس، أو المراد بالفئ الظل وبالظلال ما أظلك من شجر وجدار ونحوهما، أو المراد بالظلال قطعات السحاب التي تواري الشمس قليلا ثم تذهب وهذا أنسب قال في القاموس: الظل من كل شئ شخصه ومن السحاب وما وارى الشمس منه والظلالة بالكسر السحابة تراها وحدها وترى ظلها على الارض وكسحاب ما اظلك، وقال: راعيته لاحظته محسنا إليه، والامر نظرت إلى م يصير ؟ وأمره حفظه كرعاه واسترعاه إياهم استحفظه انتهى وفي تحف العقول " فاحفظ يا جابر ما أستودعك من دين الله وحكمته ". قوله عليه السلام " ولا تسألن " أقول: يحتمل وجوها الاول أن يكون المعنى لا تبالغ في الدعاء والسؤال من الله عما لك عنده من الرزق وغيره، مما ضمن لك، ولكن

[40]

سله التوفيق عما له عندك من الطاعات، والاستثناء ظاهره الانقطاع، ويحتمل الاتصال ايضا لان التوفيق والاعانة أيضا مما للعبد عند الله. الثاني أن يكون المراد لا تسأل أحدا عما لك عند الله من الاجر والرزق وأمثالهما فانها بيد الله وعلمها عنده ولا ينفعك السؤال عنها، بل سل العلماء عما لله عندك من الطاعات، لتعلم شرائطها وكيفياتها. الثالث أن يكون المعنى أنك لا تحتاج إلى السؤال عما لك عند الله من الثواب فانه بقدر ما لله عندك من عملك، فيمكنك معرفته بالرجوع إلى نفسك وعملك فعلى هذا يحتمل أن يكون التقدير لا تسأل عما لك عند الله من أحد إلا مما له عندك فيكون ماله عنده مسؤلا والاستثناء متصلا لكن في السؤال تجوز، ويؤيد الاخير على الوجهين ما روي في المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أن يعلم ما له عند الله، فليعلم ما لله عنده. وفي تحف العقول في هذا الخبر مكان هذه الفقرة هكذا " وانظر ما لله عندك في حياتك فكذلك يكون لك العهد عنده في مرجعك ". قوله عليه السلام " فان تكن الدنيا " أقول: هذه الفقره ايضا تحتمل وجوها الاول ما ذكره بعض المحققين أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ما وصفت لك فتكون تطمئن إليها فعليك أن تتحول فيها إلى دار ترضى فيها ربك يعني أن تكون في الدنيا ببدنك، وفي الاخرة بروحك، تسعى في فكاك رقبتك، وتحصيل رضا ربك عنك حتى يأتيك الموت. الثاني ما ذكره بعض الافاضل أن المعنى إن تكن الدنيا عندك على غير ذلك فانتقل إلى مقام التوبة والاستعتاب والاسترضاء، فان هذه عقيدة سيئة. الثالث ما خطر بالبال أن المعنى إن لم تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتوجه إلى الدنيا وانظر بعين البصيرة فيها، تفكر في أحوالها من فنائها وتقلبها بأهلها ليتحقق لك حقيقة ما ذكرت، وإنما عبر عليه السلام عن ذلك بالتحول إشعارا بأن من أنكر ذلك فكأنه لغفلته وغروره ليس في الدنيا فليتحول إليها

[41]

ليعرف ذلك. الرابع أنه أراد أنه لا بد لكل مكلف من دار استرضاء حتى يرضى فيها ربه بالاعمال الصالحة، فإذا لم تكن الدنيا عندك كما وصفتها لك، بل تكون منهمكا في لذاتها حريصا عليها، فلتطلب دار استرضاء أخرى غير التي أنت فيها فانه مما لا بد منه. الخامس أن يقرء " تحول " بصيغة المضارع المخاطب، بحذف إحدى التائين فالمعنى أنه لا يخفى على ذي عقل قبح الدنيا وفنائها، فان زعمت أنه ليس كذلك فلعلك تقول ذلك لاجل أنها دار يمكن فيها تحصيل رضا الله، وهذا لا ينافي ما ذكرت لك من ذم الركون إلى لذاتها وشهواتها، كما عرفت سابقا. السادس أن يكون المراد بدار المستعتب دار الاخرة لان الكفار يطلبون فيها الرجوع إلى الدنيا عند مشاهدة عذابها، كما قال تعالى " وإن يستعتبوا فماهم من المعتبين " (1) فالمراد به إن لم تصدق بهذه الاوصاف لهذه الدار، فاصبر حتى ترد دار القرار، فانه حينئذ يظهر لك حقيقة هذا الكلام، وعلى هذا الوجه يمكن أن يقرء على اسم الفاعل أيضا. السابع ما ذكره بعض المدعين للفضل أن المستعتب لعله اسم رجل ذي جاه ومال اصابه الذل، وذهب جميع ما كان له، فقال عليه السلام: تحول إلى داره لتعتبر به. وإنما ذكرناه لغرابته. واقول: في تحف العقول ليس لفظ " غير " بل هو هكذا " فان تكن الدنيا عندك على ما وصفت لك فتحول عنها إلى دار المستعتب اليوم " فيؤيد المعنى الاول اي إذا عرفت أن الدنيا كذلك، وصدقت بما قلت، فتحول عنها اي انتقل إلى الاخرة بقلبك، واقطع تعلقك عن الدنيا اليوم اختيارا، قبل أن تقلع عنها عند الموت اضطرارا، أو إلى مقام الاسترضاء كما مر. والظاهر أن المستعتب على أكثر الاحتمالات مصدر ميمي قال في القاموس


(1) فصلت: 24 (*).

[42]

العتبى بالضم الرضا، واستعتبه: أعطاه العتبى كأعتبه، وطلب إليه العتبى ضد " وإن تستعتبوا فماهم من المعتبين " اي إن يستقيلوا ربهم لم يقلهم أي لم يردهم إلى الدنيا، وفي النهاية: المعتبة الغضب وأعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي واستعتب طلب أن يرضى عنه، كما يقول: استرضيته فأرضاني والمعتب المرضى ومنه الحديث " لا يتمنين أحدكم الموت، أما محسنا فلعله يزداد، وأما مسيئا فلعله يستعتب " اي يرجع عن الاساءة ويطلب الرضا ومنه الحديث " ولا بعد الموت من مستعتب " أي ليس بعد الموت من استرضاء، لان الاعمال بطلت وانقضى زمانها وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل، انتهى. وقوله عليه السلام: " فلعمري " أي أقسم بحياتي، وفي القسم مفتوح غالبا " لرب حريص على أمر " من أمور الدنيا " قد شقي به حين أتاه " أي تعب به في الدنيا أو صار سببا لشقاوته في الاخرة ويطلق غالبا على سوء العاقبة، والسعادة ضد الشقاوة، وتطلق غالبا على حسن العاقبة وراحة الاخرة. في القاموس: الشقاء الشدة والعسر، ويمد، شقي كرضي شقاوة ويكسر وشقا وشقاء وشقوة ويكسر، وقال: السعادة خلاف الشقاوة، وقد سعد كعلم وعني فهو سعيد ومسعود. وقال الراغب: السعد والسعادة معاونة الامور الالهية للانسان على نيل الخير، ويضاد الشقاوة، وقال: الشقاوة خلاف السعادة، وكما أن السعادة في الاصل ضربان: سعادة أخروية وسعادة دنيوية، ثم السعادة الدنيوية ثلاثة أضرب: سعادة نفسية وبدنية وخارجية، كذلك الشقاوة على هذه الاضرب. وقال بعضهم: قد يوضع الشقاء موضع التعب نحو شقيت في كذا وكل شقاوة تعب وليس كل تعب شقاوة فالتعب أعم من الشقاوة (1). وفي التحف: " فلرب حريص على أمر من أمور الدنيا قد ناله فلما ناله كان عليه وبالا وشقي به ولرب كاره لامر من أمور الاخرة قد ناله فسعد به " وإلى هنا انتهى الخبر فيه


(1) مفردات غريب القرآن 232 و 264 (*).

[43]

قوله: " وليمحص الله " الاية في آل عمران عند ذكر غزوة أحد حيث قال تعالى: " وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * ولمحص الله الذين آمنوا " قال الطبرسي رحمه الله: بين وجه المصلحة في مداولة الايام بين الناس اي وليبتلي الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ينقصهم أو ليخلص الله ذنوب المؤمنين أو ينجي الله الذين آمنوا من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء (1). وأقول: هذا الوجه الاخير أنسب بالخبر، ليكون استشهدا للجزئين معا فان الكافرين كانوا حرصاء في الغلبة على المؤمنين، فنالوها فصارت سببا لشقاوتهم ومزيد عذابهم والمؤمنين كانوا كارهين للمغلوبية، فصارت سببا لمزيد سعادتهم وتمحيص ذنوبهم. قال الراغب: أصل المحص تخليص الشئ مما فيه من عيب، يقال: محصت الذهب ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث قال تعالى: " وليمحص الله الذين آمنوا " فالتمحيص هنا كالتزكية والتطهير (2). 18 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن أبان، عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الاخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون. فكونوا من أبناء الاخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا [ألا] وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الاخرة، الا إن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الارض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا، وقرضوا من الدنيا تقريضا، ألا ومن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن اشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب. ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة مخلدين، وكمن رأى أهل


(1) مجمع البيان ج 2 ص 510. (2) المفردات: 464 (*).

[44]

النار في النار معذبين، شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، أنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما قليلة، فصاروا بعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم، وهم يجأرون إلى ربهم، يسعون في فكاك رقابهم. وأما النهار فحكماء علماء، بررة، أتقياء، كأنهم القداح، قد براهم الخوف من العبادة، ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض، أم خولطوا فقد خالط القوم أمر عظيم، من ذكر النار وما فيها (1). توضيح: " إن الدنيا قد ارتحلت " يقال رحل وارتحل اي شخص وسار " مدبرة " المراد بادبار الدنيا تقضيها وانصرامها وباقبال الاخرة قرب الموت وما يكون بعدها من نعيم أو عذاب، فشبه الدنيا وحياتها براكب حمل على مراكبها أثقالها وهي لذات الدنيا وشهواتها وأموالها، وساير ما يتعلق الانسان بها والموت براكب آخر حمل على مراكبه نعيمه وعذابه، وساير ما يكون بعده فالراكب الاول يوما فيوما وساعة فساعة في التقضي والفناء، فهو يبعد عن الانسان، والراكب الثاني يسير إلى الانسان ويقرب منه فعن قريب يصل إليه فلا بد من الاستعداد لوصوله وتلقيه بالعقائد الحقة والاعمال الصالحة. " ولكل واحدة منهما بنون " استعار عليه السلام لفظ البنين للعباد بالنسبة إلى الدنيا والاخرة فشبههم لميل كل منهم إلى إحداهما ميل الولد إلى ولده، وركون الفصيل إلى أمه، وتوقع كل منهم توقع النفع من إحداهما، ومشابهته بها وكونه مخلوقة لاجلها وشبه كلا منهما بالاب أو بالام لتأنيثهما أو الآخرة بالاب والدنيا بالام لنقصها ولمناسبة الاباء العلوية بالاولى والامهات السفلية بالثانية، فكأن أبناء الدنيا بمنزلة أولاد الزنا لا اب لهم. " فكونوا من أبناء الاخرة " لبقائها وخلوص لذاتها ولكونها صادقة في وعدها " ولا تكونوا من أبناء الدنيا " لفنائها وكذبها وغرورها، وكون لذاتها مشوبة بأنواع الالام، ثم اشار عليه السلام إلى أن المقصود ليس مجرد رفض الدنيا، وترك العمل


(1) الكافي ج 2 ص 132.

[45]

لها، بل مع إزاله حبها من القلب بقوله " وكونوا من الزاهدين الخ ". والبساط فعال بمعنى المفعول أي اكتفوا بالارض عوضا عن الفرش المبسوطة في البيوت مع عدم تيسر البساط إلا من الحرام أو الشبهة أو مطلقا والاول أنسب بالجمع بين الاخبار وكذا في البواقي، وفي الصحاح البساط ما يبسط، وبالفتح الارض الواسعة " والتراب فراشا " بمعنى المفروش اي عوضا عن الثياب الناعمة المحشوة بالقطن وغيره للنوم عليها، فان التراب ألين من سائر أجزاء الارض " والماء طيبا " فان الطيب عمدة منفعته دفع الروايح الكريهة، وهو يتحقق بالغسل بالماء، وما قيل من أن المراد التلذذ بشرب الماء بدلا من الاشربة اللذيذة لان اصل الطيب اللذة كما في القاموس فهو بعيد. " وقرضوا من الدنيا تقريضا " على بناء المفعول [من التفعيل] من القرض بمعنى القطع، وبناء التفعيل للمبالغة، وقيل: بمعنى التجاوز من قرضت الوادي لذا جزته، أو بمعنى العدول من قرضت المكان إذا عدلت عنه، وفي النهج " ثم قرضوا الدنيا قرضا " (1). قوله عليه السلام " سلا عن الشهوات " اي نسيها وتركها وفي القاموس: سلاه وعنه كدعاه ورضيه سلوا وسلوا وسلوا وسلوانا وسليا: نسيه، وأسلاه عنه فتسلى، " عن المحرمات " وفي بعض النسخ " عن المحرمات " جمع الحرمة كالغرفات جمع الغرفة " هانت عليه المصائب " لانها راجعة إلى فوات الامور الدنيوية، ومن زهد فيها سهل عنده فواتها. قوله عليه السلام: " كمن رأى " أي صاروا من اليقين بمنزلة المعاينة كما مر في باب اليقين " مخلدين " اي كأنه يرى خلودهم أو يراهم مع علمه بخلودهم، ومن الافاضل من قرء مخلدين على بناء الفاعل من الافعال كقولهم أخلد إليه أي مال ولا يخفى بعده. " وقلوبهم محزونة " لهم الاخرة وخوف التقصير وعدم العلم بالعاقبة " أنفسهم


(1) نهج البلاغة - تحت الرقم 104 من قسم الحكم (*).

[46]

عفيفة " عن المحرمات والشبهات " وحوائجهم خفيفة " لاقتصارهم في الدنيا على القدر الضروري منها " صبروا أياما قليلة " اي أيام عمرهم، فانها قليلة في جنب أيام الاخرة صبروا فيها على الفقر والضر ومشقة فعل الطاعات، وترك المحرمات وإيذاء الظلمة والمخالفين، فصاروا بعقبى راحة طويلة، في القاموس: العقبى جزاء الامر،، وقال الراغب: العقب والعقبى يختصان بالثواب نحو " خير ثوابا وخير عقبا " (1) وقال " أولئك لهم عقبى الدار " (2) " فنعم عقبى الدار " (3) والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو " والعاقبة للمتقين " (4) وبالاضافة قد تستعمل في العقوبة نحو " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوآى " (5) انتهى. وأقول: العقبى غالبه أنه يستعمل في الثواب، وقد يستعمل في العقاب أيضا كقوله تعالى " تلك عقبى الذين اتقوا وعقى الكافرين النار " (6) وقوله سبحانه " ولا يخاف عقبيها " (7) وقال البيضاوي: (8) في قوله تعالى " أولئك لهم عقبى الدار " اي عاقبة الدنيا، وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة. وفي قوله سبحانه: " تلك عقبى الذين اتقوا " اي الجنة الموصوفة مآلهم ومنتهى أمرهم، وفي قوله " وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار " (9) اللام يدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة انتهى. والباء في قوله " بعقبى " إما بمعنى إلى أو بمعنى " مع " وإضافة العقبى إلى الراحة للبيان ويحتمل غيره أيضا، وفي فقه الرضا: فصارت لهم العقبى راحة طويلة. " وأما الليل " ظاهره النصب على الظرفية، وقيل: يحتمل الرفع على الابتداء، والتخصيص به لان العبادة فيه أشق وأقرب إلى القربة، وحضور القلب


(1) الكهف: 44. (2) الرعد: 22. (3) الرعد: 24. (4) الاعراف: 128. (5) الروم: 10، راجع مفردات غريب القرآن ص 340. (6) الرعد: 35. (7) الشمس: 15. (8) أنوار التنزيل: 213. (9) الرعد: 42، راجع أنوار التنزيل: 215 (*).

[47]

فيه أكثر، كما قال تعالى: " إن ناشئة الليل هي اشد وطأ وأقوم قيلا " (1) " فصافون أقدامهم " اي للصلاة، ويدل على استحباب صف القدمين في الصلاة بحيث لا يكون أحدهما أقرب من القبلة من الاخرى. أو تكون الفاصلة بينهما من الاصابع إلى العقبين مساوية والاول أظهر وعلى استحباب التضرع والبكاء في صلاة الليل. وفي القاموس: جأر كمنع جأرا وجؤارا رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث قوله " في فكاك رقابهم " أي من النار " كأنهم القداح " في القاموس القدح بالكسر السهم قبل أن يراش وينصل، والجمع قداح وأقداح وأقاديح، انتهى. وأشار عليه السلام إلى وجه التشبيه بالقداح بقوله " قد براهم الخوف " أي نحلهم وذبلهم كما يبرى السهم في القاموس: برى السهم يبريه بريا وابتراه نحته وبرأه السفر يبريه بريا هزله، وقوله " من العبادة " إما متعلق بقوله " براهم " أي نحتهم الخوف بآلة العبادة أي بحمله إياهم عليها وعلى كثرتها أو بقوله " كأنهم القداح " فيرجع إلى الاول. وعلى التقديرين " من " للسببية والعلية، أو متعلق بالخوف أي من قلة العبادة، والاول اظهر. " فيقول مرضى " اي يظن أنهم مرضى لصفرة وجوههم، ونحافة بدنهم فخطأ عليه السلام ظنه، وقال: " وما بالقوم من مرض " بل هم من الاصحاء من الادواء النفسانية، والامراض القلبية " أم خولطوا " أي أو يقول خولطوا، ويحتمل أن يكون مرضى على الاستفهام، وقوله أم خولطوا معادلا له من كلام الناظر، فاعترض جوابه عليه السلام بين أجزاء كلامه. والحاصل أنهم لما كانوا لشدة اشتغالهم بحب الله وعبادته، واعتزالهم عن عامة الخلق، ومباينة أطوارهم لاطوارهم، وأقوالهم لاقوالهم، ويسمعون منهم ما هو فوق إدراكهم وعقولهم، فتارة ينسبونهم إلى المرض الجسماني، وتارة إلى المرض الروحاني، وهو الجنون واختلاط العقل بما يفسده، فأجاب عليه السلام عن الاول بالنفي المطلق، وعن الثاني بأن المخالطة متحققة، لكن لا بما يفسد


(1) المزمل: 6 (*).

[48]

العقل، بل بما يكمله من خوف النار وحب الملك الغفار. 19 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الحريري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه من الدنيا سالما إلى دار السلام (1). بيان: قال في المغرب: زهد في الشئ وعن الشئ زهدا وزهادة إذا رغب عنه ولم يرده، ومن فرق بين زهد فيه وعنه فقد أخطأ وقال في عدة الداعي: روي أن النبي صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عليه السلام عن تفسير الزهد فقال جبرئيل عليه السلام: الزاهد يحب من يحب خالقه، ويبغض من يبغض خالقه، ويتحرج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها، فان حلالها حساب وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه، ويتحرج من الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرج من الحرام، ويتحرج من كثرة الاكل كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ويتحرج من حطام الدنيا وزينتها كما يجتنب النار أن يغشاها، وأن يقصر أمله وكان بين عينيه أجله. و " الحكمة " العلوم الحقة المقرونة بالعمل أو العلوم الربانية الفائضة من الله تعالى بعد العمل بطاعته، وقد مر تحقيقها في كتاب العقل وغيره. قال الراغب: الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الاشياء وإيجادها على غاية الاحكام، ومن الانسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله تعالى: " ولقد آتينا لقمان الحكمة " (2) ونبه على جملتها بما وصفه بها انتهى (3). قوله عليه السلام: " داءها ودواءها " كأنه بدل اشتمال للعيوب، اي المراد بتبصير العيوب أن يعرفه أدواء الدنيا من ارتكاب المحرمات، والصفات الذميمة المتفرعة


(1) الكافي ج 2 ص 128. (2) لقمان: 12. (3) المفردات: 127 (*).

[49]

على حب الدنيا، ويعرفه ما يعالج به تلك الادواء من التفكرات الصحيحة والمواعظ الحسنة، وفعل الطاعات، والرياضات، ومجاهدة النفس في ترك الشهوات، كأن يقال: الطب [حد] معرفة الامراض، بأن يعرف ما تحصل منه وأصل المرض وكيفية علاجه، أو يقال: الدنيا دنياءان: دنيا بلاغ يصير سببا لتحصيل الاخرة، ودنيا ملعونة، فلما ذكر عيوب الدنيا فصلها وبين أن منها ما هو داء، ومنها ما هو دواء. ويحتمل حينئذ ارتكاب استخدام بأن يكون المراد بالدنيا أولا الدنيا المذمومة، وبالضمير الاعم، ويحتمل أن يكون داؤها تأكيدا لعيوب الدنيا ودواؤها عطفا على العيوب. وقيل: داؤها ودواؤها مجروران بدلا بعض للدنيا، فالمراد بعيوب دواء الدنيا شدتها على النفس وصعوبتها، وربما يقرء دواها بالقصر بمعنى الاحمق اي المبتلى بحب الدنيا، ولا يخفى بعده " وأخرجه من الدنيا سالما " من العيوب والمعاصي " إلى دار السلام " اي الجنة التي من دخلها سلم من جميع المكاره والالام. 20 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن ابيه وعلي بن محمد القاساني جميعا، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يجد الرجل حلاوة الايمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا، ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الايمان حتى تزهد في الدنيا (1). بيان: " جعل الخير كله " الخ لما كان الزهد في الدنيا سببا لحصول جميع السعادات العلمية والعملية، شبه تلك الكمالات بالامتعة المخزونة في بيت والزهد بمفتاح ذلك البيت " لا يجد الرجل " الخ شبه صلى الله عليه وآله الايمان بشئ حلو في


(1) الكافي ج 2 ص 128 (*).

[50]

ميل الطبع السليم إليه، وأثبت له الحلاوة على الاستعارة المكنية والتخييلية أو استعار لفظ الحلاوة لاثارة الايمان التي تلتذ الروح بها " حتى لا يبالي من أكل الدنيا " يحتمل أن يكون " من " اسم موصول، " وأكل " فعلا ماضيا، وأن يكون " من " حرف جر " وأكل " مصدرا، فعلى الاول المعنى أنه لا يعتني بشأن الدنيا بحيث لا يحسد أحدا عليها، ولو كانت كلها لقمة في فم كلب لم يغتم لذلك ولم ير ذلك له كثيرا وعلى الثاني ايضا يرجع إلى ذلك أو المعنى لا يعتني بأكل الدنيا والتصرف فيها. 21 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي أيوب الخزاز، عن ابي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن من أعون الاخلاق على الدين الزهد في الدنيا (1). بيان: " إن من أعون الاخلاق " الخ وذلك لان الاشتغال بالدنيا وصرف الفكر في طرق تحصيلها، ووجه ضبطها، ورفع موانعها، مانع عظيم من تفرغ القلب للامور الدينية وتفكره فيها، بل حبها لا يجتمع مع حب الله تعالى وطاعته وطلب الاخرة، كما روي أن الدنيا والاخرة ضرتان إذ الميل بأحدهما يضر بالاخر. 22 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه وعلى بن محمد، عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري، عن علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه أن رجلا سأل علي بن الحسين عليهما السلام عن الزهد فقال: عشرة اشياء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع ادنى درجة اليقين، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا وإن الزهد في آية من من كتاب الله عزوجل " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " (2).


(1) الكافي ج 2 ص 128. (2) الكافي ج 2 ص 128، والاية في سورة الحديد: 23 (*).

[51]

بيان: قد مر صدر هذا الخبر في باب الرضا بالقضا (1) إلى قوله: " إلا أن الزهد " وكان فيه: " الزهد عشرة أجزاء " ومنهم من جعل الاجزاء العشرة باعتبار ترك حب عشرة اشياء: المال، والاولاد، واللباس، والطعام، والزوجة والدار، والمركوب، والانتقام من العدو، والحكومة، وحب الشهرة بالخير وهو تكلف مستغنى عنه، والايات في الحديد هكذا " اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " إلى قوله سبحانه: " وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور " ثم قال تعالى بعد آية: " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا... ". قال المفسرون: اي كتبنا ذلك في كتاب لكيلا تأسوا اي تحزنوا على ما فاتكم من نعم الدنيا ولا تفرحوا بما آتيكم اي ما أعطاكم منها، وقال الطبرسي رحمه الله: والذي يوجب نفي الاسى والفرح من هذا أن الانسان إذا علم أن ما فات منها ضمن الله تعالى العوض عليه في الاخرة فلا ينبغي أن يحزن لذلك، وإذا علم أن ما ناله منها كلف الشكر عليه، والحقوق الواجبة فيه، فلا ينبغي أن يفرح به، وأيضا فإذا علم أن شيئا منها لا يبقى فلا ينبغي أن يهتم له، بل يجب أن يهتم لامر الاخرة التي تدوم ولا تبيد انتهى (2). ولا يخفى أن هذين الوجهين لا ينطبقان على التعليل المذكور في الاية إلا أن يقال: إن هذه الامور أيضا من الامور المكتوبة، ولذا قال غيره: إن العلة في ذلك أن من علم أن الكل مقدر، هان عليه الامر. وقال بعض الافاضل: هو تعليل لقوله قبل ذلك بثلاث آيات: " اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو " وهذا وجه حسن بحسب المعنى، ولا تكلف في التعليل حينئذ، لكنه بحسب اللفظ بعيد، وإن كانت الايات متصلة بحسب المعنى


(1) يعني باب الرضا بالقضاء من الكافي ص 62. (2) مجمع البيان ج 9 ص 240 (*).

[52]

مسوقة لامر واحد وقد مر وجه آخر في تأويل الاية في كتاب الامامة، وأنها نازلة في أهل البيت عليهم السلام وقد بيناه هناك. وقال البيضاوي: المراد منه نفي الاسى المانع لامر الله والفرح الموجب للبطر والاختيال، والله لا يحب كل مختال فخور، إذ قل من يثبت نفسه حالي السراء والضراء انتهى (1). وروي في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: الزهد كله بين كلمتين في القرآن قال الله سبحانه: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " فمن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالاتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه (2). 23 - كا: بالاسناد المتقدم، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط، وإنما أرادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للاخرة (3). 24 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن العلا بن رزين، عن محمد ابن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين: إن علامة الراغب في ثواب الاخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا، أما إن زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما قسم الله له عزوجل فيها، وإن زهد، وإن حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها، وإن حرص، فالمغبون من حرم حظه من الاخرة (4). بيان: " إن علامة الراغب " إشارة إلى ما عرفت من أن الدنيا والاخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب، فالراغب في أحدهما زاهد في الاخر، لا محالة و إنما ادخل العاجل لانه السبب لاختيار الناس الدنيا غالبا على ثواب الاخرة آجلا أو لدلالته على عدم الثبات وقيل: لان زهرة الدنيا المتعلقة بالاجلة والاخرة كقدر ما يحتاج إليه الانسان لتحصيل ما ينفع في الاخرة لا ينافي الرغبة في ثوابها


(1) انوار التنزيل: 423. (2) نهج البلاغة الرقم 439 من الحكم. (4 - 3) الكافي ج 2 ص 129 (*).

[53]

بل معين لحصوله والمراد بزهرة الدنيا بهجتها أو نضارتها أو متاعها تشبيها له بزهرة النبات، لكونها أقل الريا حين ثباتا، وهو إشارة إلى قوله تعالى: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى " (1). قال في القاموس: الزهرة ويحرك النبات ونوره أو الاصفر منه، ومن الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها انتهى، قوله عليه السلام: " في هذه الدنيا " الاشارة للتحقير " وإن زهد " اي بالغ في الزهد، وكذا قوله: " وإن حرص " أو المراد بقوله: " وإن زهد " وإن سعى في صرفها عن نفسه، وبقوله: " وإن حرص " أي بالغ في تحصيلها، فالمراد بالزهد والحرص الاولين القلبيان، وبالاخرين الجسمانيان. والحاصل أن الرزق لكل أحد مقدر، وإن كان وصولها إليه مشروطا بقدر من السعي على ما أمره الشارع من غير إفراط يمنعه عن الطاعات، ولا تقصير كثير بترك السعي مطلقا، ولا مدخل لكثرة السعي في كثرة الرزق، فمن ترك الطاعات وارتكب المحرمات في ذلك، حرم ثواب الاخرة، ولا يزيد رزقه في الدنيا فهو مغبون، وهذا على القول بأن مقدار الرزق معين مقدر، ولا يزيد بالسعي، ولا ينقص بتركه، وعلى القول بأن الرزق المقدر الواجب على الله تعالى هو القدر الضروري ويزيد بالكسب بالسعي، فيحتاج الخبر إلى تأويل بعيد، وسيأتي الكلام فيه في محله إنشاء الله تعالى. 25 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى الخثعمي عن طلحة بن زيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وآله شئ من الدنيا إلا أن يكون فيها جائعا خائفا (2). بيان: " إلا أن يكون فيها " كأن الاستثناء منقطع، ويحتمل الاتصال


(1) طه: 131. (2) الكافي ج 2 ص 129.

[54]

" جائعا " أي بسبب الصوم أو الايثار على الغير أو لان الجوع موجب للقرب من الله تعالى، بخلاف الشبع، فانه موجب للبعد، مع أن في الجوع الاضطراري والصبر عليه والرضا بقضائه سبحانه لذة للمقربين " خائفا " أي من عذاب الاخرة أو من العدو في الجهاد ايضا أو لان الضراء في الدنيا مطلقا موجب للسراء في الاخرة وقد اشبعنا الكلام في جوعه وقناعه وتواضعه صلى الله عليه وآله في المأكل والملبس والمجلس وسائر أحواله في المجلد السادس. 26 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن ابن راشد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله وهو محزون فأتاه ملك ومعه مفاتيح خزائن الارض، فقال: يا محمد هذه مفاتيح خزائن الدنيا، يقول لك ربك: افتح وخذ منها ما شئت من غير أن تنقص شيئا عندي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال الملك: والذي بعثك بالحق لقد سمعت هذا الكلام من ملك يقول في السماء الرابعة حين أعطيت المفاتيح (1). بيان: " خرج النبي " أي من البيت أو إلى بعض الغزوات، وهو " محزون " لعل حزنه صلى الله عليه وآله كان لضعف المسلمين، وعدم رواج الدين، وقوة المشركين وقلة أسباب الجهاد، " من غير أن تنقص " على بناء المجهول، قال الجوهري: نقص الشئ ونقصته أنا يتعدى ولا يتعدى انتهى ويمكن أن يقرء على بناء المعلوم فالمستتر راجع إلى المفاتيح، وفي بعض النسخ على الغيبة أي ينقص أخذك شيئا من المنزلة والدرجة التي لك عندي " من لا دار له " اي في الاخرة، فالمعنى أن الذي يهتم لتحصيل الدنيا وتعميرها ليست له دار في الاخرة أو يختار الدنيا من لا يؤمن بأن له دار في الاخرة أو من لا دار له اصلا فان دار الاخرة قد فوتها ودار الدنيا لا تبقى له " ولها " اي للدنيا والعيش فيها " يجمع " الاموال والاسباب " من لا عقل له " لان العاقل لا يختار الفاني على الباقي، وربما يقرء " يجمع " على بناء


(1) الكافي ج 2 ص 129 (*).

[55]

الافعال من العزم والاهتمام، في القاموس الاجماع الاتفاق وصر أخلاف الناقة جمع، وجعل الامر جميعا بعد تفرقه والاعداد والايباس وسوق الابل جميعا والعزم على الامر أجمعت الامر وعليه والامر مجمع انتهى (1) ويناسب هذا أكثر المعاني لكن الاول اظهر. 27 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بجدي أسك ملقى على مزبلة ميتا فقال لاصحابه: كم يساوي هذا ؟ فقالوا: لعله لو كان حيا لم يساو درهما فقال النبي صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله (2). بيان: قال في النهاية: فيه أنه مر بجدي أسك اي مصطلم الاذنين مقطوعهما وفي القاموس السكك محركة الصمم، وصغر الاذن، ولزوقها بالرأس، وقلة إشرافها أو صغر قوب الاذن وضيق الصماخ يكون في الناس وغيرهم، سككت يا جدي وهي أسك وهي سكا. وأقول: روى مسلم في صحيحه هذا الحديث باسناده عن جابر بن عبد الله الانصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر بالسوق فمر بجدي اسك ميت فتناوله فأخذ باذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم ؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشئ وما نصنع به ؟ قال: تحبون أنه لكم ؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه لانه أسك فكيف وهو ميت ؟ فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم. والمزبلة بفتح الباء والضم لغة: موضع يلقى فيه الزبل بالكسر وهو السرقين. 28 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عمن ذكره عن عبد الله بن القاسم، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا، وفقهه في الدين، وبصره عيوبها، ومن أوتيهن فقد أوتي خير الدنيا


(1) القاموس ج 3 ص 15. (2) الكافي ج 2 ص 129 (*).

[56]

والاخرة، وقال: لم يطلب أحد الحق بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضد لما طلب أعداء الحق. قلت: جعلت فداك مماذا ؟ قال: من الرغبة فيها، وقال: ألا من صبار كريم، وإنما هي أيام قلائل ؟ الا إنه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمان حتى تزهدوا في الدنيا. قال: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا تخلى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حب الله، وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط وإنما خالط القوم حلاوة حب الله، فلم يشتغلوا بغيره. قال: وسمعته يقول: إن القلب إذا صفا ضاقت به الارض حتى يسمو (1) بيان: " وبصره عيوبها " اي الدنيا " ومن أوتيهن " أي تلك الخصال الثلاث وفيه إشعار بأنها لا تتيسر إلا بتوفيق الله تعالى " فقد أوتي " كأنه إشارة إلى قوله تعالى: " ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا " (2) فالحكمة العلم بالدين أصوله وفروعه، وبعيوب الدنيا والزهد فيها " لم يطلب احد الحق " أي الدين " بباب " أي بسبب ووسيلة افضل من ترك الدنيا فإنه، ليس الباعث لاختيار الباطل مع وضوح الحق وظهوره إلا حب الدنيا فانها غالبا مع أهل الباطل. ويمكن تعميم الحق في كل حكم ومسألة، فان الاغراض الدنيوية تعمي القلب عن الحق، أو المراد بالحق الرب تعالى أي قربه ووصاله " وهو " اي الزهد " ضد لما طلب أعداء الحق " وقوله " مماذا " طلب لبيان ما طلبه اعداء الحق فبين عليه السلام بقوله: " من الرغبة فيها " والرغبة وإن كانت عين الطلب، لكن جعلها مطلوبهم مبالغة، ويحتمل أن يكون " ما " في قوله: " لما طلب " مصدرية، فلا يكون " مما " للبيان بل للتعليل كما سيأتي. ويحتمل أن يكون ضمير هو راجعا إلى الحق أي الحق ضد لمطلوب أعداء


(1) الكافي ج 2 ص 130. (2) البقرة: 269 (*).

[57]

الحق، فمن في قوله: " مما " للتعليل، و " ماذا " للاستفهام أي لاي علة صار ضد الحق مطلوبهم، قال: لرغبتهم في الدنيا، وقيل: أي مماذا طلب أعداء الحق مطلوبهم. والهمزة في " ألا " للاستفهام و " لا " للنفي و " من " زائدة لعموم النفي والمعنى الا يوجد صبار كريم النفس، يصبر على الدنيا، وعلى فقرها وشدتها، ويزهد فيها وقد يقرء " صبار " بكسر الصاد وتخفيف الباء، مصدر باب المفاعلة مضافا إلى كريم، وقرء بعضهم ألا بالتشديد استثناء من الرغبة فيها أي إلا أن تكون الرغبة فيها من صبار كريم يطلبها من طرق الحلال، ويصبر على الحرام وعلى إخراج الحقوق المالية وإعانة الفقراء فان الرغبة في هذه الدنيا إنما هي للآخرة وأول الوجوه أظهرها. ثم رغب عليه السلام في الزهد وسهل تحصيله بقوله: " فانما هي " اي الدنيا " أيام قلائل " وهي أيام العمر فالصبر على ترك الشهوات وتحمل الملاذ (1) فيها سهل يسير سيما إذا كان مستلزما للراحة الطويلة الدائمة " الا إنه " الا حرف تنبيه وشبه حصول الايمان الكامل في القلب بحيث يظهر أثره في الجوارح بادراك طعم شئ لذيذ مع أن اللذات الروحانية أعظم من اللذات الجسمانية. قوله: " إذا تخلى المؤمن من الدنيا " أي جعل نفسه خالية من حب الدنيا وقطع تعلقه بها أو تفرغ للعبادة مجتنبا من الدنيا ومعرضا عنها قال في النهاية: فيه: أن تقول أسلمت وجهي إلى الله وتخليت، التخلي التفرع، يقال تخلى للعبادة وهو تفعل من الخلو والمراد التبرؤ من الشرك وعقد القلب على الايمان، وقال: السمو العلو يقال سما يسمو سموا فهو سام، ويقال: فلان يسمو إلى المعالي إذا تطاول إليها انتهى اي ارتفع من حضيض النقص إلى أوج الكمال أو مال وارتفع إلى عالم الملكوت وارتفعت همته عن التدنس بما في عالم الناسوت. " كأنه قد خولط " قال في القاموس: خالطه مخالطة وخلاطا مازجه، والخلاط


(1) كذا في النسخ، والظاهر تحمل المشاق، أو تجنب الملاذ (*).

[58]

بالكسر أن يخالط الرجل في عقله وقد خولط، وفي النهاية فيه ظن الناس أن قد خولطوا وما خولطوا، ولكن خالط قلبهم هم عظيم، يقال: خولط فلان في قلبه إذا اختل عقله، فقوله: خولط بهذا المعنى وخالط بمعنى الممازجة، وهذا أعلا درجات المحبين، حيث استقر حب الله تعالى في قلوبهم، وأخرج حب كل شئ غيره منها، فلا يلتفتون إلى غيره تعالى، ويتركون معاشرة عامة الخلق لمباينة طوره اطوارهم، فهم يعدونه سفيها مخالطا كما نسبوا الانبياء عليهم السلام إلى الجنون لذلك. " إن القلب إذا صفا " اي أن القلب اي الروح الانساني لما كان من عالم الملكوت، ولنما اهبط إلى هذا العالم الادنى أو ابتلي بالتعلق بالبدن لتحصيل الكمالات، وحيازة السعادات - كما أن الثوب قد يلوث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل اشد بياضا وأصفى مما كان - فإذا اختار الشقاوة وتشبث بهذه العلايق الجسمانية والشهوات الظلمانية، لحق بالانعام، بل هو أضل سبيلا، وإن تمسك بعروة الشريعة الحقة، وعمل بالنواميس الالهية، والرياضات البدنية، حتى انفتح له عين اليقين، فنظر إلى الدنيا ولذاتها بتلك العين الصحيحة، رآها ضيقة مظلمة فانية موحشة غدارة غرارة ملوثة بأنواع النجاسات المعنوية، والصفات الدنية استوحش منها وتذكر عالمه الاصلي فرغب إليها، وتعلق بها فجانب المتعلقين بهذا العالم، وآنس بالمتعلقين بالملاء الاعلى، فلحق بهم، وضاقت به الارض، وصارت همته رفيعة عالية، فلم يرض إلا بالصعود إلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى، فهم مع كونهم بين الخلق أرواحهم معلقة بالملاء الاعلى، ويستسعدون بقرب المولى. أو يقال: لما كانت الارض أعظم اجزاء الانسان، وكانت قواه الظاهرة والباطنة مائلة إليها بالطبع، لكمال النسبة بينهما كانت الدواعي إلى زهراتها حاضرة والبواعث إلى لذاتها ظاهرة، فربما اشتغل بها واكتسب الاخلاق والاعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد، حتى تصير النفس تابعة لها، راضية بأثرها، مشعوفة بعملها متكدرة بالشهوات، منغمسة في اللذات، فتحجب الاستقرار في الارض، وتركن

[59]

إليها، وأما إذا منعت تلك القوى عن مقتضاها، وصرفتها عن هواها، وروضتها بمقامع الشريعة، وأدبتها بآداب الطريقة، حتى غلبت عليها، وصفت عن كدوراتها وطهرت عن خبائث لذاتها، وتحلت بالاخلاق الفاضلة، والاعمال الصالحة والاداب السنية، والاطوار الرضية، ضاقت بها الارض حتى تسمو إلى عالم النور، فتشاهد العالم الاعلى بالعيان، وتنظر إلى الحق بعين العرفان، ويزداد لها نور الايمان والايقان، فتعاف جملة الدنيا، والاستقرار في الارض، فبدنها في هذه الدنيا، وهي في العالم الاعلى، فيصير كما قال عليه السلام: لولا الاجال التي كتبت عليهم لم يستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين، ولذا قال مولى المؤمنين عند الشهادة: فزت ورب الكعبة. 29 - كا: عن علي [عن أبيه] عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب قال: سئل علي بن الحسين عليه السلام أي الاعمال افضل عند الله عزوجل، فقال: ما من عمل بعد معرفة الله عزوجل ومعرفة رسوله صلى الله عليه وآله افضل من بغض الدنيا، وإن لذلك لشعبا كثيرة، وللمعاصي شعبا: فأول ما عصي الله به الكبر وهي معصية إبليس حين " أبى واستكبر و كان من الكافرين " (1) والحرص وهي معصية آدم وحوا حين قال الله عزوجل لهما: " كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " (2) فأخذا ما لا حاجة بهما إليه فدخل ذلك على ذريتهما إلى يوم القيمة وذلك أن أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه، ثم الحسد وهي معصيه ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله. فتشعب من ذلك حب النساء، وحب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الراحة، وحب الكلام، وحب العلو و [حب] الثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا، فقال الانبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا


(1) البقرة: 34. (2) الاعراف: 19 (*).

[60]

رأس كل خطيئة، والدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة (1). بيان: " وإن لذلك " أي لبغض الدنيا " لشعبا " اي من الصفات الحسنة والاعمال الصالحة وهي ضد شعب المعاصي، كالتواضع مع الكبر، والقنوع مع الحرص، والرضا بما آتاه الله مع الحسد، وقد مر ذكر الاضداد كلها في باب جنود العقل والجهل، وإنما ذكر هنا معظمها " وهي معصية آدم " هي عند الامامية مجاز، والنهي عندهم نهي تنزيه " فدخل ذلك " أي الحرص أو أخذ ما لا حاجة به إليه " وذلك أن أكثر ما يطلب " إنما قال: أكثر لان قدر الكفاف لا بد منه " فتشعب من ذلك " أي من ذلك المذكور، وهو الكبر والحرص والحسد والتخصيص بالحسد بعيد معنى. " حب النساء " أي لمحض الشهوة لا لاتباع السنة، أو إذا انتهى إلى الحرام والشبهة " وحب الدنيا " اي حياة الدنيا وكراهة الموت، لئلا ينافي اجتماعهن في حب الدنيا، وإن احتمل أن يكون المراد اجتماع الخمسة أو الظرفية المجازية " وحب الرياسة " أي بغير استحقاق أو الباطلة أو لمحض الاستيلاء والغلبة " وحب الراحة " كأن النوم ايضا داخل فيها " وحب الكلام " اي بغير فائدة أو للفخر والمراء " وحب العلو " أي في المجالس أو الاعم " وحب الثروة " أي الكثرة في الاموال أو الاعم منها ومن الاولاد والعشاير والاتباع، وروى في المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ان أول ما عصى الله به ست: حب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الطعام، وحب النساء وحب النوم، وحب الراحة. قوله عليه السلام: " والعلماء " أي الاوصياء أو الاعم وقولهم إما بالوحي أو بعلومهم الكاملة، ثم لما كان هنا مظنة أن ارتكاب كل ما في الدنيا مذموم قسم عليه السلام الدنيا إلى دنيا بلاغ أي تبلغ به إلى الاخرة ويحصل بها مرضاة الرب تعالى، أو دنيا تكون بقدر الضرورة والكفاف، فالزائد عليها ملعونة، اي ملعون


(1) الكافي ج 2 ص 130 وقد مر مثله تحت الرقم 9 (*).

[61]

صاحبها، فالاسناد على المجاز أو هي ملعونة أي بعيدة من الله والخير والسعادة قال في النهاية: البلاغ ما يتبلغ ويتوصل به إلى الشئ المطلوب، وفي المصباح البلغة ما يتبلغ به من العيش ولا يفضل، يقال: تبلغ به إذا اكتفى به، وفي هذا بلاغ وبلغة وتبلغ أي كفاية. 30 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في طلب الدنيا إضرارا بالاخرة وفي طلب الاخرة إضرارا بالدنيا، فأضروا بالدنيا فانها أحق بالاضرار (1). بيان: يؤمى إلى أن المذموم من الدنيا ما يضر بأمر الاخرة، فأماما لا يضر به كقدر الحاجة في البقاء والتعيش فليس بمذموم ولنذكر معنى الدنيا وما هو مذموم منها، فان ذلك قد اشتبه على أكثر الخلق، فكثير منهم يسمون أمرا حقا بالدنيا ويذمونه، ويختارون شيئا هو عين الدنيا المذمومة، ويسمونه زهدا ويشبهون ذلك على الجاهلين. اعلم أن الدنيا تطلق على معان الاول حياة الدنيا وهي ليست بمذمومة على الاطلاق، وليست مما يجب بغضه وتركه، بل المذموم منها أن يحب البقاء في الدنيا للمعاصي والامور الباطلة، أو يطول الامل فيها ويعتمد عليها، فبذلك يسوف التوبة والطاعات، وينسى الموت، ويبادر بالمعاصي والملاهي، اعتمادا على أنه يتوب في آخر عمره عند مشيبه، ولذلك يجمع الاموال الكثيرة، ويبنى الابنية الرفيعة، ويكره الموت لتعلقه بالاموال، وحبه للازواج والاولاد، ويكره الجهاد والقتل في سبيل الله، لحبه للبقاء، أو يترك الصوم وقيام الليل وأمثال ذلك لئلا يصير سببا لنقص عمره. والحاصل أن من يحب العيش والبقاء والعمر للاغراض الباطلة، فهو مذموم ومن يحبه للطاعات وكسب الكمالات وتحصيل السعادات فهو ممدوح، وهو عين الاخرة فلذا طلب الانبياء والاوصياء عليهم السلام طول العمر والبقاء في الدنيا، وقد قال


(1) الكافي ج 2 ص 131 (*).

[62]

سيد الساجدين: عمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك فإذا كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني إليك. ولو لم يكن الكون في الدنيا صلاحا للعباد، لتحصيل الذخاير للمعاد، لما أسكن الله الارواح المقدسة في تلك الابدان الكثيفة، وسيأتي خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك، وسنتكلم عليها إنشاء الله تعالى. الثاني: الدينار والدرهم وأموال الدنيا وأمتعتها، وهذه ايضا ليست مذمومة بأسرها بل المذموم منها ما كان من حرام أو شبهة أو وسيلة إليها وما يلهي عن ذكر الله ويمنع عبادة الله، أو يحبها حبا لا يبذلها في الحقوق الواجبة والمستحبة، وفي سبل طاعة الله كما مدح الله تعالى جماعة حيث قال " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة " (1). وبالجملة المذموم من ذلك الحرص عليها وحبها، وشغل القلب بها، والبخل بها في طاعة الله وجعلها وسيلة لما يبعد عن الله، وأما تحصيلها لصرفها في مرضاة الله وتحصيل الاخرة بها فهي من افضل العبادات وموجبة لتحصيل السعادات. وقد روي في الصحيح عن ابن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا لنحب الدنيا فقال لي: تصنع بها ماذا ؟ قلت: أتزوج منها وأحج وأنفق على عيالي، وأنيل إخواني واتصدق، قال لي: ليس هذا من الدنيا، هذا من الاخرة. وقد روي نعم المال الصالح للعبد الصالح ونعم العون الدنيا على الاخرة وسيأتي بعض الاخبار في ذلك في أبواب المكاسب إنشاء الله تعالى. الثالث: التمتع بملاذ الدنيا من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمركوبات والمساكن الواسعة وأشباه ذلك، وقد وردت أخبار كثيرة في استحباب التلذذ بكثير من ذلك، ما لم يكن مشتملا على حرام أو شبهة أو إسراف وتبذير وفي ذم تركها والرهبانية، وقد قال تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (2).


(1) النور: 37. (2) الاعراف: 32 (*).

[63]

فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي يظهر من مجموع الايات والاخبار على ما نفهمه أن الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور يمنع الانسان من طاعة الله وحبه، وتحصيل الاخرة، فالدنيا والاخرة ضرتان متقابلتان، فكلما يوجب رضى الله سبحانه وقربه فهو من الاخرة، وإن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال، لامره تعالى به وصرفها في وجوه البر، وإعانة المحتاجين والصدقات، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك، فان هذه كلها من أعمال الاخرة، وإن كان عامة الخلق يعدونها من الدنيا. والرياضات المبتدعة، والاعمال الريائية، وإن كان مع الترهب وأنواع المشقة فانها من الدنيا لانها مما يبعد عن الله ولا يوجب القرب إليه، كأعمال الكفار والمخالفين، فرب مترهب متقشف يعتزل الناس ويعبد الله ليلا ونهارا، وهو أحب الناس للدنيا، وإنما يفعل ذلك ليخدع الناس ويشتهر بالزهد والورع وليس في قلبه إلا جلب قلوب الناس، ويحب المال والجاه والعزة، وجميع الامور الباطلة أكثر من ساير الخلق، وجعل ترك الدنيا ظاهرا مصيدة لتحصيلها، ورب تاجر طالب للاجر لا يعده الناس شيئا وهو من الطالبين للاخرة لصحة نيته وعدم حبه للدنيا. وجملة القول في ذلك أن المعيار في العلم بحسن الاشياء وقبحها وما يجب فعلها وتركها الشريعة المقدسة، وما صدر في ذلك عن اهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، فما علم من الايات والاخبار أن الله سبحانه أمر به وطلبه من عباده، سواء كان صلاة أو صوما أو حجا أو تجارة أو زراعة أو صناعة أو معاشرة للخلق أو عزلة أو غيرها وعملها بشرائطها وآدابها بنية خالصة فهي من الاخرة وما لم يكن كذلك فهو من الدنيا المذمومة المبعدة عن الله وعن الاخرة. وهي على انواع فمنها ما هو حرام، وهو ما يستحق به العقاب، سواء كان عبادة مبتدعة أو رياء وسمعة أو معاشرة الظلمة أو ارتكاب المناصب المحرمة أو تحصيل

[64]

الاموال من الحرام أو للحرام وغير ذلك مما يستحق به العقاب. ومنها ما هو مكروه كارتكاب الافعال والاعمال والمكاسب المكروهة وكتحصيل الزوائد من الاموال والمساكن والمراكب وغيرها مما لم يكن وسيلة لتحصيل الاخرة، وتمنع من تحصيل السعادات الاخروية. ومنها ما هو مباح كارتكاب الاعمال التي لم يأمر الشارع بها، ولم ينه عنها إذا لم تصر مانعة عن تحصيل الاخرة، وإن كانت نادرة، ويمكن إيقاع كثير من المباحات على وجه تصير عبادة كالاكل والنوم للقوة على العبادة، وأمثال ذلك وربما كان ترك المباحات بظن أنها عبادة بدعة موجبة لدخول النار، كما يصنعه كثير من أرباب البدع. 31 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن ابي ايوب الخزاز، عن أبي عبيدة الحذاء قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: حدثني بما انتفع به، فقال: يابا عبيدة أكثر ذكر الموت، فانه لم يكثر إنسان ذكر الموت إلا زهد في الدنيا (1). بيان: كأن المراد بذكر الموت تذكر ما بعده من الاهوال والشدائد والحسرات ايضا، ولن كان تذكر الموت وفناء الدنيا كافيا لزهد العاقل. 32 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحكم بن أيمن، عن داود الابزاري قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ملك ينادي كل يوم: ابن آدم لد للموت، واجمع للفناء، وابن للخراب (2). بيان: " لد للموت " اللام لام العاقبة، كما في قوله تعالى: " فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا " (3) والامر ليس على حقيقته بل الغرض اعلموا ان ولادتكم عاقبتها الموت. 33 كا: بالاسناد المتقدم، عن علي بن الحكم، عن موسى بكر، عن ابي -


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 131. (3) القصص: 8 (*).

[65]

إبراهيم عليه السلام قال: قال أبو ذر رحمه الله: جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير أتغدى بأحدهما وأتعشى بالاخر، وبعد شملتي الصوف أتزر بإحداهما وأرتدي بالاخرى (1). بيان: " جزى الله الدنيا عني مذمة " قوله: " مذمة " مفعول ثان لجزى اي يوفقني لان أجزيه، وقيل: أحال الذم إلى الله نيابة عنه للدلالة على كمال ذمه، فان كل فعل من الفاعل القوي قوي وفي النهاية: الشملة كساء يتغطى به ويتلفف فيه انتهى ويدل على جواز لبس الصوف بل استحبابه، وما ورد بالنهي والذم فمحمول على المداومة عليه أو على ما إذا لم يكن للقناعة، بل لاظهار الزهد والفضل، كما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر رضي الله عنه: يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم، يرون أن لهم بذلك الفضل على غيرهم، وسيأتي الكلام فيه في أبواب التجمل إنشاء الله تعالى. 34 - كا: بالاسناد المتقدم، عن علي بن الحكم، عن المثنى، عن ابي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يقول في خطبته: يا مبتغي العلم كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره، ويضر شره، إلا من رحم الله، يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، والدنيا والاخرة كمنزل تحولت منه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها، ثم استيقظت منها، يا مبتغي العلم قدم لمقامك بين يدي الله عزوجل، فانك مثاب بعملك كما تدين تدان يا مبتغى العلم (2). بيان: " يا مبتغي العلم " اي يا طالبه " كأن شيئا من الدنيا " هذا يحتمل وجوها الاول أن يكون إلا في قوله: " إلا ما ينفع " كلمة استثناء، وما موصولة فالمعنى أنما يتصور في هذه الدنيا إما شئ ينفع خيره أو شئ يضر شره كل أحد " إلا من رحم الله " فيغفر له إما بالتوبة أو بدونها.


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 134 (*).

[66]

الثاني أن يكون مثل السابق إلا أنه يكون المعنى أن كل شئ في الدنيا له جهة نفع وجهة ضر لكل الناس إلا من رحم الله فيوفقه للاحتراز عن جهة شره. الثالث أن يكون كلمة " ما " مصدرية، والاستثناء من مفعول " يضر " اي ليس شئ من الدنيا شيئا إلا نفع خيره وإضرار شره لكل احد إلا من رحم الله. الرابع ما قيل: أن " ألا " بالتخفيف حرف تنبيه، و " ما " نافية والضميران للشئ ومعنى الاستثناء أن المرحوم ينتفع بخيره، ولا يتضرر من شره، وقيل في بيان هذا الوجه يعني أن شيئا من الدنيا ليس شيئا يعتد به، ويركن إليه العاقل، لانه إما خير أو شر، وخيره لا ينفع لانه في معرض الفناء والزوال، وشره يضر إلا مع رحمة الله، وهو الذي عصمه من الشر. الخامس أن كلمة " ما " مصدرية وضمير " خيره " راجعا إلى " شيئا من الدنيا " والاضافة من قبيل إضافة الجزء إلى الكل والاستثناء من مفعول " يضر " اي كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا نفع الطاعة فيه، أو إضرار المعصية فيه كل أحد إلا من رحم الله بتوفيق التوبة، وهذا يرجع إلى المعنى الثالث، وعلى جميع التقادير الاستثناء الثاني مفرغ. " عن نفسك " أي عن تحصيل ما ينفعها في يوم لا ينفع مال ولا بنون وقد قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " (1) والمراد بالاهل هنا أعم من الزوجة والاولاد، وساير من في بيته، بل يشمل الاقارب ايضا قال الراغب: أهل الرجل من جمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد وضيعة فأهل الرجل في الاصل من جمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم نسب، وعبر بأهل الرجل عن امرأته وأهل الاسلام الذين يجمعهم. قوله: " كمنزل " أي كمنزلين تحولت من إحداهما إلى الاخر، والتصريح


(1) المنافقون: 9 (*).

[67]

بتشبيه الدنيا للاشارة إلى أن الاهتمام هنا ببيان حاله أشد وأكثر، والضمير في " نمتها " راجع إلى النومة، فهو بمنزلة مفعول مطلق، وهذا بالنسبة إلى المستضعفين وكأن التخصيص بذكرهم لان المتقين بعد الموت في النعيم والجنة، والكفار في العذاب والنار، فليس بين الدنيا والاخرة لهما فاصلة، فيتحولون من الدنيا إلى الاخرة، كما روي: من مات فقد قامت قيامته. وأما المستضعفون فلما كانوا ملهى عنهم، استدرك ذلك بأن حالهم في البرزخ كنوم ليلة، فلا فاصلة بين دنياهم وآخرتهم حقيقة، ويحتمل أن يكون الغرض بيان قلة نعيم البرزخ وجحيمها بالنسبة إلى نعيم الاخرة وحميمها، فكأنهم نائمون أو لان جل عذابهم بعد السؤال والضغطة وأمثالهما لما كان روحانيا شبه تلك الحالة بالنومة، ولم يتعرض أحد لتحقيق هذه الفقرة، مع إشكالها ومخالفتها ظاهرا للايات والاخبار الكثيرة. قوله رحمه الله: " قدم " اي العمل الصالح " لمقامك بين يدي الله عزوجل " أي للحساب " كما تدين تدان " اي كما تفعل تجازى، فهو على المشاكلة ولا يضر تقدمه، أو كما تجازي الرب تجازى، ولا تخلو من بعد، أو كما تجازي العباد تجازي، فيكون تأسيسا، قال الجوهري: دانه دينا اي جازاه، كما يقال: كما تدين تدان، اي كما تجازي تجازى بفعلك وبحسب ما عملت، وقوله تعالى " إنا لمدينون " (1) اي مجزيون. " يا مبتغي العلم " قيل هذا افتتاح كلام آخر تركه المصنف وإنما ذكر ليعلم أن ما ذكره ليس جميع الخطبة كما مر بعضه في باب الصمت حيث قال رضي الله عنه: يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير الخ (2). 35 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن


(1) الصافات: 53. (2) راجع الكافي ج 2 ص 114، وقد أخرجه المؤلف العلامة رضوان الله عليه في ج 71 ص 301

[68]

ابن راشد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالي والدنيا ؟ [وما أنا والدنيا ؟] إنما مثلي ومثلها كمثل راكب رفعت له شجرة في يوم صائف فقال تحتها ثم راح وتركها (1). بيان: " مالي وللدنيا " أي اي شغل لي مع الدنيا وقيل " ما " نافية أي ما لي محبة مع الدنيا، أو للاستفهام اي أي محبة لي معها حتى ارغب فيها ذكره الطيبي في شرح بعض رواياتهم " وما أنا والدنيا ؟ " اي اي مناسبة بيني وبين الدنيا، ومن طريق العامة روي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله نام على حصير فقام وقد اثر في جسده، فقالوا: لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل، فقال: مالي وللدنيا ؟ وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح أو تركها. أقول: وجه الشبه سرعة الرحيل، وقلة المكث، وعدم الرضا به وطنا، وقال الكرماني في شرح البخاري فيه فرفعت لنا صخرة اي ظهرت لابصارنا، وفيه أيضا فرفع إلى البيت المعمور اي قرب وكشف وعرض. وقال الجوهري: يوم صائف اي حار وليلة صائفة، وربما قالوا يوم صاف بمعنى صائف كما قالوا يوم راح، وقال: القائلة الظهيرة، يقال: أتانا عند القائلة، وقد يكون بمعنى القيلولة أيضا وهي النوم في الظهيرة تقول: قال يقيل قيلولة وقيلا ومقيلا وهو شاذ فهو قائل. وفي المصباح راح يروح رواحا وتروح مثله، يكون بمعنى الغدو وبمعنى الرجوع، وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار، وقال ابن فارس: الرواح رواح العشي وهو من الزوال إلى الليل. 36 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عقبة الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفا كان ابعد لها من الخروج، حتى تموت غما.


(1) الكافي ج 2 ص 134 (*).

[69]

قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: وكان فيما وعظ به لقمان ابنه: يا بني إن الناس قد جمعوا قبلك لاولادهم، فلم يبق ما جمعوا، ولم يبق من جمعوا له، وإنما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل ووعدت عليه أجرا، فأوف عملك، واستوف أجرك، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر، فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها، وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر، أخربها ولا تعمرها، فانك لم تؤمر بعمارتها. واعلم أنك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي الله عزوجل عن اربع: شبابك فيما أبليته، وعمرك فيما افنيته، ومالك مما اكتسبته، وفيما أنفقته، فتأهب لذلك وأعد له جوابا، ولا تأس على ما فاتك من الدنيا، فان قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه، وكثيرها لا يؤمن بلاؤه، فخذ حذرك، وجد في أمرك، واكشف الغطاء عن وجهك، وتعرض لمعروف ربك، وجدد التوبة في قلبك، واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك، ويقضى قضاؤك، ويحال بينك وبين ما تريد (1). بيان: قال في المصباح: القز معرب قال الليث: هو ما يعمل منه الابريسم ولهذا قال بعضهم: القز والابريسم مثل الحنطة والدقيق انتهى، و " لفا " تميز عن نسبة " ازدادت " و " غما " مفعول له، أو حال. " فلم يبق ما جمعوا " في بعض النسخ " ما جمعوا له " وكأنه زيد " له " من النساخ، وعلى تقديره كأن المعنى لم يبق الاغراض والمطالب الباطلة التي جمعوا لها الدنيا، كالجاه والعزة والغلبة والفخر وأمثالها. " فكان حتفها " اي هلاكها المعنوي فان التمتع بالمستلذات الجسمانية موجبة لقوة القوى الشهوانية وطغيانها، وهذا استعاره تمثيلية، شبه توسع الانسان في لذات الدنيا وشهواتها، وعدم مبالاته بحرامها وشبهاتها، وابتلائه بعد الموت بعقوباتها، بشاة وقعت في زرع اخضر فأكلت منها حيث شاءت وكيف شاءت بلا مانع، حتى إذا سمنت قتلها صاحبها لسمنها.


(1) الكافي ج 2 ص 134 (*).

[70]

" آخر الدهر " اي إلى آخر الزمان اي أبدا " أخربها " اي دعها خرابا بترك ما لا تحتاج إليه من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن والاقتصار على القدر الضرروي في كل منها " ستسأل " قيل: السين لمحض التأكيد " فيما أبليته " كلمة ما في المواضع الاربعة استفهامية، وإثبات الالف مع حرف الجر فيها شاذ، والثوب البالي هو الذي استعمل حتى أشرف على الاندراس. ثم إن العمر لا يستلزم القوة والشباب فكل منهما نعمة يسأل عنها، ومع الاستلزام أيضا تكفي المغايرة للسؤال عن كل منهما. وأما السؤال عن المال إما لغير المؤمنين أو لغير الكاملين منهم لما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام فيما كتب إلى أهل مصر: من عمل لله أعطاه الله أجره في الدنيا والاخرة، وكفاه المهم فيهما وقد قال الله " يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (1) فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الاخرة، قال الله تعالى: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " (2) والحسنى هي الجنة، والزيادة هي الدنيا (3). وروى البرقي في الصحيح، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهن: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن بها فرجه (4) وقد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى: " ولتسئلن يومئذ عن النعيم " (5) أن النعيم ولاية أهل البيت عليهم السلام (6) وقد روى العياشي وغيره أنه سأل أبو حنيفة أبا عبد الله عليه السلام عن هذه الاية فقال له: ما النعيم عندك يا نعمان ؟ قال: القوت من الطعام، والماء البارد، فقال: لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك


(1) الزمر. 10. (2) يونس: 26. (3) راجع أمالي الطوسي ج 1 ص 25. (4) راجع المحاسن ص 399. (5) التكاثر: 8. (6) راجع ج 24 ص 48 - 66 من هذه الطبعة الحديثة (*).

[71]

بين يديه، قال: فما النعيم جعلت فداك ؟ قال: نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، الخبر (1). ويمكن أن يقال: السؤال عن مال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال أو حرام لا ينافي عدم محاسبتهم على ما أنفقوه في الحلال، من مأكلهم ومسكنهم وملبسهم، ونحو ذلك، أو المراد بتلك الاخبار أنهم لا يعاتبون بذلك، ولا يقاص من حسناتهم بها، فلا ينافي أصل المحاسبة كما روى الشيخ في مجالسه باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: يوقف العبد بين يدي الله فيقول: قيسوا بين نعمي عليه وبين عمله، فتستغرق النعم العمل، فيقولون: قد استغرق النعم العمل، فيقول هبوا له نعمي وقيسوا بين الخير والشر منه، فان استوى العملان أذهب الله الشر بالخير، وأدخله الجنة، وإن كان له فضل أعطاه الله بفضله، وإن كان عليه فضل وهو من أهل التقوى لم يشرك بالله تعالى واتقى الشرك به، فهو من أهل المغفرة، يغفر الله له برحمته إن شاء ويتفضل عليه بعفوه (2). وقال الجوهري: تأهب استعد واهبة الحرب عدتها، وقال: الاسى بالياء مفتوح مقصور: الحزن وأسى على مصيبته بالكسر يأسى أسى اي حزن " لا يدوم بقاؤه " والعاقل لا يتأسف بفوت قليل لابقاء له " لا يؤمن بلاؤه " أي في الدنيا والاخرة والعاقل لا يتأسف بفوت ما يتوقع منه الضرر والبلية، مع أن الرب الذي فوتهما عليه أعلم بمصلحته أو المعنى لا تحزن على ما لم يصل إليك من الدنيا فإن الصبر على قليل الدنيا وقلته سهل، فانه لا يدوم، وينقضي قريبا بالموت والكثرة محل الافات. " فخذ حذرك " بالكسر أي ما تحذر به من مكائد النفس والشيطان في الدنيا


(1) تراه في مجمع البيان ج 10 ص 534 و 535 في حديث طويل، ويوجد في دعوات الراوندي أيضا. (2) أمالي الطوسي ص 132، من طبعته الحجرية (*).

[72]

والعذاب في الاخرة، قال الراغب في قوله تعالى: " خذوا حذركم " (1) اي ما فيه الحذر من السلاح وغيره " وجد في أمرك " أي في تهيئة سفر الاخرة، والاستعداد للقاء الله، من العقايد الحسنة، والاعمال الصالحة، والاخلاق المرضية، فان من أراد سفرا يأخذ الاسلحة لدفع ضرر الطريق، ويجهز ويهيئ ما يحتاج إليه في ذلك السفر. " واكشف الغطاء عن وجهك " أي أرفع غطاء الغفلة عن وجه قلبك، لتميز بين الحق والباطل، والفاني والباقي، أو عن الجهة التي تتوجه إليه والطريق الذي تسلكه، لئلا يشتبه عليك، فتسلك طريقا يؤديك إلى النار وأنت لا تعلم " وتعرض لمعروف ربك " بما به يستحق إحسانه وتفضله عليك، من صالح النيات والاعمال " وجدد التوبة في قلبك " اي كلما ذكرت معاصيك، وفي النسبة إلى القلب إشعار بأن التوبة أمر قلبي وهي الندامة على ما مضى، والعزم على عدم الاتيان بمثله فيما سيأتي، وفيه دلالة على حسن تكرار التوبة، وإن كانت عن معصية واحدة، " واكمش " أي اسرع وعجل، في الصحاح الكمش الرجل السريع الماضي، وقد كمش بالضم كماشة فهو كمش وكميش وكمشته تكميشا اعجلته، وانكمش وتكمش أسرع انتهى. " في فراغك " أي في أن تفرغ من الامور التي تحتاج إليه في الاخرة أو في فراغك من الدنيا، وجعلك نفسك فارغة منها للاخرة، أو في قصدك إلى الاخرة أو أسرع في العمل في أيام فراغك قبل أن تشتغل أو تبتلى بشئ يمنعك عنه، فان الفراغ خلاف الشغل قال في المصباح: فرغ من الشغل فروغا من باب قعد ومن باب تعب لغة لبني تميم، والاسم الفراغ، وفرغت للشئ وإليه قصدت. أقول: ويؤيد المعنى الاخير ما روي في مجالس الشيخ عن ابن عمر خذ من حياتك لموتك، وخذ من صحتك لسقمك، وخذ من فراغك لشغلك، فانك يا عبد الله ما تدري


(1) النساء: 71، 102 (*).

[73]

ما اسمك غدا (1) وما رواه الصدوق في مجالسه عن الكاظم، عن آبائه، عن علي عليهم السلام في قول الله عزوجل " ولا تنس نصيبك " قال: لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الاخرة (2) " قبل أن يقصد " على بناء المجهول " قصدك " أي نحوك، كناية عن توجه ملك الموت إليه لقبض روحه أو توجه الامراض والبلايا من الله إليه " ويقضى قضاؤك " اي يقدر ويحتم موتك، " ويحال " بالموت أو الاعم " بينك وبين ما تريد " من التوبة والاعمال الصالحة ولا ينفعه تمني الحياة والرجعة حيث يقول " رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت " فيقال " كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " (3) أعاذنا الله وسائر المؤمنين من ندامة تلك الساعة وأهوال هذا اليوم. 37 - كا: علي، عن ابيه، عن ابن محبوب، عن بعض اصحابه، عن ابن ابي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: في ما ناجى الله عزوجل به موسى عليه السلام يا موسى لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين، وركون من اتخدها أبا وأما، يا موسى لو وكلتك إلى نفسك لتنظر إليها إذا لغلب عليك حب الدنيا وزهرتها، يا موسى نافس في الخير واسبقهم إليه، فان الخير كاسمه، واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه، ولا تنظر عينك إلى كل مفتون بها، وموكل إلى نفسه، واعلم أن كل فتنة بدوها حب الدنيا، ولا تغبط أحدا بكثرة المال، فان مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق، ولا تغبطن أحدا برضى الناس عنه، حتى تعلم أن الله راض عنه، ولا تغبطن أحدا (4) بطاعة الناس له، فان طاعة الناس له واتباعهم إياه على غير الحق هلاك له ولمن اتبعه (5). بيان: يقال ركن إليه كنصروعلم ومنع: مال ويطلق غالبا على الميل القلبي


(1) أمالي الطوسى ج 1 ص 391. (2) أمالي الصدوق 138، وتراه في معاني الاخبار: 325. (3) المؤمنون: 99 - 100. (4) مخلوقا خ ل. (5) الكافي ج 2 ص 135.

[74]

" لو وكلتك " يدل على أن الزهد في الدنيا لا يحصل بدون توفيقه تعالى، وفي القاموس نظر لهم: رثى لهم وأعانهم، وقال: النظر محركة الفكر في الشئ تقدره وتقيسه والحكم بين القوم، والاعانة، والفعل كنصر، وفي النهاية: المنافسة الرغبة في الشئ والانفراد به، وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه، ونافست في الشئ منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه. قوله عليه السلام: " فان الخير كاسمه " لعل المعنى أن الخير لما دل بحسب اصل معناه في اللغة على الافضلية، وما يطلق عليه في العرف والشرع من الاعمال الحسنة أو إيصال النفع إلى الغير هي خير الاعمال، فالخير كاسمه أي إطلاق هذا الاسم على تلك الامور بالاستحقاق، والمعنى المصطلح مطابق للمدلول اللغوي أو المراد به أن الخير لما كان كل من سمعه يستحسنه فهو حسن واقعا وحسنه حسن واقعي والحاصل ان ما يحكم به عقول عامة الخلق في ذلك مطابق للواقع، أو المراد باسمه ذكره بين الناس يعني أن الخير ينفع في الاخرة كما يصير سببا لرفعة الذكر في الدنيا. " ما بك الغنا عنه " اي ما لم يحتج إليه بل لم تضطر إليه " ولا تنظر " على بناء المجرد " عينك " بالرفع أو النصب بنزع الخافض اي بعينك وربما يقرء " تنظر " على بناء الافعال اي لا تجعلها ناظرة " إلى كل مفتون بها " اي مبتلى مخدوع بها والمراد النظر إلى كل من لقيه منهم فانه لا يمكن النظر إلى كلهم أو كناية عن أن النظر إلى واحد منهم بالاعجاب به وبما معه من زينتها بمنزلة النظر إلى جميعهم لاشتراك العلة. " وموكل إلى نفسه " المتبادر أنه على بناء المفعول، لكن الظاهر حينئذ وموكول إذ لم يأت أو كله في ما عندنا من كتب اللغة لكن كثير من الابنية المتداولة كذلك، ويمكن أن يقرء على بناء الفاعل من الايكال بمعنى الاعتماد في القاموس وكل بالله يكل وتوكل عليه وأوكل واتكل: استسلم إليه ووكل إليه الامر وكلا ووكولا سلمه وتركه. " أن كل فتنة " أي ضلالة أو بلية أو امتحان أو إثم في القاموس: الفتنة بالكسر

[75]

الخبرة وإعجابك بالشئ، والضلال، والاثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والاضلال، والجنون، والمحنة، والمال والاولاد، واختلاف الناس في الاراء واقول يناسب هنا أكثر المعاني، " ولا تغبط أحدا " بأن تتمنى حاله " تكثر الذنوب " بصيغة المضارع من باب حسن أو مصدر باب التفعل " لواجب الحقوق " أي للتقصير في أداء الحقوق الواجبة غالبا " بطاعة الناس له " اي في الباطل. 38 - كا: عن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن في كتاب علي صلوات الله عليه: إنما مثل الدنيا كمثل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع، يحذرها الرجل العاقل ويهوى إليها الصبي الجاهل (1). بيان: قال في النهاية: السم الناقع أي القاتل وقد نقعت فلانا إذا قتلته، وقيل الناقع الثابت المجتمع من نقع الماء انتهى، وما أحسن هذا التشبيه وأتمه وأكمله. 39 - كا: عن علي، عن ابن عيسى، عن يونس، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى بعض اصحابه يعظه: أوصيك ونفسي بتقوى من لا تحل معصيته ولا يرجى غيره ولا الغنى إلا به، فان من اتقى الله عزو قوي وشبع وروي ورفع عقله عن أهل الدنيا فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة فأطفأ بضوء قلبه ما بصرت عيناه من حب الدنيا فقذر حرامها، وجانب شبهاتها، وأضر والله بالحلال الصافي إلا ما لا بد منه من كسرة يشد بها صلبه، وثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه، ولم يكن له في ما لا بد منه ثقة ولا رجاء فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الاشياء فجد واجتهد وأتعب بدنه حتى بدت الاضلاع، وغارت العينان، فأبدل الله له من ذلك قوة في بدنه، وشدة في عقله، وما ذخر له في الآخرة أكثر. فارفض الدنيا فان حب الدنيا يعمي ويصم ويبكم ويذل الرقاب، فتدارك ما بقي من عمرك، ولا تقل غدا وبعد غد، فانما هلك من كان قبلك باقامتهم على الاماني


(1) الكافي ج 2 ص 136 (*).

[76]

والتسويف، حتى أتاهم أمر الله بغتة وهم غافلون، فنقلوا على أعوادهم إلى قبورهم المظلمة الضيقة، وقد أسلمهم الاولاد والاهلون. فانقطع إلى الله بقلب منيب: من رفض الدنيا، وعزم ليس فيه انكسار، ولا انخزال، أعاننا الله وإياك على طاعته، ووفقنا الله وإياك لمرضاته (1). بيان: قال الراغب: الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والعظة والموعظة الاسم، وقال: الوصية التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ، من قولهم ارض واصية متصلة النبات، ويقال: أوصاه ووصاه " فان من اتقى الله " علة للوصية " عز " اي بعزة واقعية ربانية لا تزول باذلال الناس كما قال تعالى " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " (2) " وقوي " بقوة معنوية إلهية لا تشبه القوى الدنية، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية، بل بقوة ربانية " وشبع وروي " من غير اكتساب لقوله تعالى " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (3) أو شبع بالعلوم الدينية، وارتوى بزلال الحكمة الالهية. " ورفع عقله " على بناء المجهول " عن أهل الدنيا " أي صار عقله أرفع من عقولهم أو ارفع من أن ينظر إلى الدنيا وأهلها، ويلتفت إليهم ويعنتني بشأنهم إلا لهدايتهم وإرشادهم " فبدنه مع أهل الدنيا " لكونه من جنس أبدانهم في الصورة الجسدانية " وقلبه وعقله " لشدة يقينه " معاين الآخرة " لتخليته عن العلائق الجسمانية. " من حب الدنيا " من للبيان أو للتبعيض وإسناد الابصار إلى الحب على المجاز أو المصدر بمعنى المفعول، أو هو بالكسر قال في القاموس: الحب بالكسر المحبوب، شبه عليه السلام ما أبصره أو أحبه بالنار في الاهلاك، استعارة مكنية، ونسبة الاطفاء إليه تخييلية.


(1) الكافي ج 2 ص 136. (2) المنافقون: 8. (3) الطلاق: 3 (*).

[77]

" فقذر حرامها " اي عده قذرا نجسا يجب اجتنابه، أو كرهه، في الصحاح القذر ضد النظافة، وشئ قذر بين القذارة، وقذرت الشئ بالكسر وتقذرته واستقذرته إذا كرهته " وجانب شبهاتها " وهي المشتبهات بالحرام، مع عدم العلم بكونها حراما كأموال الظلمة، فيكون مكروها على المشهور أو الذي اشتبه عليه الحكم فيه، فاجتنا به مستحب على المشهور، وكأنه عليه السلام لذلك غير التعبير فعبر هنا بالاجتناب، وفي الحرام بالحكم بالقذارة. " واضر " على بناء المعلوم كناية عن تركه، وعدم الاعتناء به، وترك الالتفات إليه أو على بناء المجهول أي يعد نفسه متضررة به أو يتضرر به، لعلو حاله " بالحلال الصافي " من الشبهة فكيف بالحرام والشبهة، وفي المصباح الكسرة القطعة من الشئ المكسور، ومنه الكسرة من الخبز، وفي القاموس: الكسرة بالكسر القطعة من الشئ المكسور والجمع كسر، انتهى. " يشد بها صلبه " أي يقوى بها على العبادة " من أغلظ ما يجد " ظاهره استحباب الاكتفاء بالثياب الخشنة، وإن ان قادرا على الناعمة، وهو مخالف لاخبار كثيرة إلا أن يحمل على أن المراد به من الاغلظ الذي يجده أي إذا لم يجد غيره أو على ما إذا لم يجد غيره إلا بارتكاب الحرام أو الشبهة أو بصرف جل أوقاته في تحصيله، بحيث يمنعه عن النوافل وفواضل الطاعات أو على ما إذا علم أنه يصير سببا لطغيانه، وأن علاج كبره وصفاته الذميمة منحصر في ذلك. " ثقة ولا رجاء " أي بغيره سبحانه، كما بينه في الفقرة الآتية، وفي المصباح الجد بالكسر الاجتهاد، وهو مصدر يقال منه جد يجد من بابي ضرب وقتل والاسم الجد بالكسر " وأتعب بدنه " أي بالعبادات الشرعية لا الاعمال المبتدعة. " فأبدل الله له " لانه تعالى قال " لئن شكرتم لازيدنكم " (1) فمن بذل ما أعطاه الله من الاموال الفانية عوضه الله من الاموال الباقية اضعافها، ومن بذل قوته البدنية في طاعة الله أبدله الله قوة روحانية لا يفنى في الدنيا والآخرة، فتبدو منه


(1) ابراهيم: 7 (*).

[78]

المعجزات، وخوارق العادات والكرامات، وما لا يقدر عليه بالقوى الجسمانية ومن بذل علمه في الله وعمل به ورثه الله علما لدنيا يزيد في كل ساعة، ومن بذل عزه الفاني الدنيوي في [رضى الله تعالى أعطاه الله عزا حقيقيا لا يتبدل بالذل ابدا كما أن الانبياء والاوصياء عليهم السلام لما بذلوا عزهم الدنيوي في] (1) سبيل الله أعطاهم الله عزة في الدارين لا يشبه عز غيرهم، فيلوذ الناس بقبورهم وضرايحهم المقدسة والملوك يعفرون وجوههم على أعتباهم، ويتبركون بذكرهم. ومن بذل حياته البدنية في الجهاد في سبيله عوضه الله حياة أبدية يتصرفون بعد موتهم في عوالم الملك والملكوت، ولذا قال تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " (2) ومن بذل نور بصره وسمعه في الطاعة أعطاه الله نورا منه به ينظر في ملكوت السماوات والارض، وبه يسمع كلام الملائكة المقربين، ووحي رب العالمين، كما ورد: المؤمن ينظر بنور الله وورد: بي يسمع وبي يبصر، وإذا تخلى من إرادته وجعلها تابعة لارادة الله، جعله بحيث لا يشاء إلا أن يشآء الله، وكان الله هو الذي يدبر في بدنه وقلبه وعقله وروحه والكلام هنا دقيق لا تفي به العبارة والبيان، وفي هذا المقام تزل الاقدام. والرفض الترك " يعمى " اي بصر القلب عن رؤية الحق كما قال تعالى " إنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " (3) " ويصم " القلب أيضا عن سماع الحق وقبوله، ويمكن أن يراد بهما عمى البصر الظاهر لعدم انتفاعه بما يرى فكأنه أعمى وصمم السمع الظاهر لانه لا ينتفع بما يسمع، فكأنه أصم كما قال سبحانه " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " (4) والبكم نسبته إلى الظاهر أظهر، فانه لما لم يتكلم بالحق وبما ينفعه، فكأنه أبكم، وإن أمكن حمله أيضا على لسان القلب، فان لسان الرأس معبر عنه حقيقة. " ويذل الرقاب " لانه موجب للتذلل عند أهل الدنيا لتحصيله أو يذلها


(1) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 143. (2) آل عمران: 169. (3) الحج: 46. (4) البقرة: 7 (*).

[79]

لقبول الباطل من أهله من الذل بالكسر، وهو ضد الصعوبة " فتدارك ما بقي " التدارك ليس هنا بمعنى التلافي، ولا بمعنى التلاحق، بل بمعنى الادراك اي ادركه ولا تفوته كقوله تعالى: " لولا أن تداركه نعمة من ربه " (1) اي أدركته باجابة دعائه كما قاله الطبرسي، ويحتمل أن يكون ما بقي ظرفا والمفعول مقدرا اي تلاف ما فات منك فيما بقي من عمرك لكنه بعيد " ولا تقل غدا " أي أتوب أو أعمل غدا " حتى أتاهم أمر الله " أي بالموت أو بالعذاب " بغتة " بالفتح وقد تحرك أي فجاءة " وهم غافلون " من إتيانه " على أعوادهم " أي كائنين على السرر والتوابيت المعمولة من الاعواد " إلى قبورهم المظلمة الضيقة " فانها على الاشقياء كذلك وإن كانت للاصفياء روضة من رياض الجنة " فانقطع " اي عن الدنيا وأهلها " بقلب " أي مع قلب " منيب " اي تائب راجع عن الذنوب إشارة إلى قوله تعالى: " من خشى الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب " (2) قال الطبرسي: أي وافى الآخرة بقلب مقبل على طاعة الله راجع إلى الله بضمائره " من رفض الدنيا " " من " تعليل للانابة أو للانقطاع " وعزم " عطف على " قلب "، " ليس فيه انكسار " اي وهن " ولا انخزال " اي تثاقل أو انقطاع في القاموس: الانخزال مشية في تثاقل والانخزال الانفراد، والحذف، والاقتطاع، وانخزل عن جوابي لم يعبأ به، وفي كلامه انقطع " لمرضاته " اي لما يوجب رضاه عنا. 40 - كا: عن علي، عن أبيه، عن عبد الگه بن المغيرة وغيره، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله (3). بيان: " كمثل ماء البحر " اي المالح، وهذا من أحسن التمثيلات للدنيا وهو مجرب، فان الحريص على جمع الدنيا كلما ازداد منها ازداد حرصه عليها وأيضا كلما حصل منها لا بد له لحفظه ونموه وسائر ما يليق به ويناسبه من


(1) القلم: 49. (2) ق: 33. (3) الكافي ج 2 ص 137 (*).

[80]

أشياء أخرى ولا ينتهي إلى حد، فيصرف جميع عمره في تحصيلها حتى يموت ويبقى له حسراتها وعقوباتها أعاذنا الله منها. 41 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه للحواريين: يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا اصابوا دنياهم (1). بيان: قال في النهاية: " فيه حواري من أمتي " اي خاصتي من أصحابي وناصري، ومنه الحواريون اصحاب عيسى عليه السلام اي خلصاؤه وأنصاره وأصله وأصله من التحوير: التبييض، قيل: إنهم كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها، ومنه الخبز الحوارى الذي نخل مرة بعد مرة قال الازهري: الحواريون: خلصان الانبياء وتأويله الذين أخلصوا ونقوا من كل عيب، وقال الراغب: الحواريون أنصار عيسى عليه السلام قيل: كانوا قصارين، وقيل: كانوا صيادين. وقال بعض العلماء: إنما سموا حواريين لانهم كانوا يطهرون نفوس الناس - بافادتهم الدين والعلم - المشار إليه بقوله: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (2) قال: وإنما قيل: كانوا قصارين على التمثيل والتشبيه وتصور منه من لم يتخصص بمعرفة الحقائق المهنة المتداولة بين العامة، قال: وإنما قال: كانوا صيادين لاصطيادهم نفوس الناس من الحيرة وقودهم إلى الحق انتهى. اقول: وقد سبق كلام طويل الذيل في أوايل هذا الباب في أثناء شرح حديث من الكافي (3) أيضا في تحقيق معنى الحواريين، فلا تغفل. والاسى الحزن على فوت الفائت، والغرض لا يكون أهل الدنيا على باطلهم


(1) الكافي ج 2 ص 137. (2) الاحزاب: 33 (3) راجع الرقم:

[81]

أشد حرصا منكم على الحق. 42 - نهج: الحمد لله غير مقنوط من رحمته، ولا مخلو من نعمته، ولا مأيوس من مغفرته، ولا مستنكف عن عبادته، الذي لا تبرح منه رحمة، ولا تفقد منه نعمة، والدنيا دار مني لها الفنا، ولاهلها منها الجلا، وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب، والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا منها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد، ولا تسألوا [فيها] فوق الكفاف، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ (1). 43 - كنز الكراجكى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب دنياه أضر بآخرته. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا دول فاطلب حظك منها بأجمل الطلب. وقال صلى الله عليه وآله: من أمن الزمان خانه، ومن غالبه أهانه، وقال: الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك، فان كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فاصبر، فكلاهما عنك سينحسر. وقال عليه السلام: من أصبح حزينا على الدنيا فقد أصبح ساخطا على ربه تعالى ومن كانت الدنيا أكبر همه، طال شقاؤه وغمه، الدنيا لمن تركها، والاخرة لمن طلبها، الزاهد في الدنيا كلما ازدادت له تحليا ازداد عنها تخليا. وقال عليه السلام: إذا طلبت شيئا من الدنيا فزوى عنك، فاذكر ما خصك الله به من دينك، وصرفه عن غيرك، فان ذلك أحرى أن تستحق نفسك بما فاتك. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا زعيم بثلاث لمن أكب على الدنيا: بفقر لا غناء له وبشغل لا فراغ له، وبهم وحزن لا انقطاع له. وقال صلى الله عليه وآله: كونوا في الدنيا اضيافا، واتخذوا المساجد بيوتا، وعودوا قلوبكم الرقة، وأكثروا التفكر والبكاء، ولا تختلفن بكم الاهواء، تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون. 44 - عدة الداعي: قال الصادق عليه السلام: إنا لنحب الدنيا وأن لا نؤتاها خير لنا من أن نؤتاها، وما أوتي ابن آدم منها شيئا إلا نقص حظه من الاخرة.


(1) نهج البلاغة الرقم 45 من الخطب، وقوله " منى لها الفناء " أي قدر لها.

[82]

45 - نهج: من خطبة له عليه السلام: دار بالبلاء محفوفة، وبالغدر معروفة لا تدوم أحوالها ولا يسلم نزالها، أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم والامان منها معدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها (2). واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ممن كان أطول منكم أعمارا وأعمر ديارا وأبعد آثارا، أصبحت اصواتهم هامدة ورياحهم راكدة (3) وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية، واستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق الممهدة الصخور والاحجار المسندة والقبور اللاطئة الملحدة، التي قد بنى للخراب فناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلها مقترب وساكنها مغترب، بين أهل محلة موحشين، وأهل فراغ متشاغلين، لا يستأنسون بالاوطان ولا يتواصلون تواصل الجيران، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار وكيف يكون بينهم تزاور، وقد طحنهم بكلكله البلى (4) وأكلتهم الجنادل والثرى. وكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو تناهت بكم الامور، وبعثرت القبور " هناك تبلوا كل نفس ما أسفلت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون " (5).


(1) عدة الداعي: 80. (2) النزال كتجار جمع نازل، والحمام بالكسر: الموت. (3) لما كانت الرياح الهابة ذات قوة وشوكة وقدرة هدامة، كنى بها عن ذلك يقال الريح لال فلان: اي تجرى الدولة لهم على أعدائهم، ومنه قوله تعالى: " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " وركود الرياح كناية عن عدم القدرة والشوكة. (4) الكلكل في الاصل صدر البعير وهو إذا ظفر بعدوه برك بكلكله عليه وداسه وطحنه بحيث لا يبقى عليه، وكذلك البلى إذا ناء بكلكله على الاموات وطحنهم عفا على لحومهم وعظامهم بحيث لا يبقى منها الا التراب. (5) نهج البلاغة الرقم 224 من الخطب والاية في يونس: 30 (*).

[83]

46 - نهج: من خطبة له عليه السلام: فان تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب وتنال الرغائب. فاعملوا والعمل يرفع، والتوبة تنفع، والدعاء يسمع، والحال هادئة والاقلام جارية، وبادروا بالاعمال عمرانا كسا أو مرضا حابسا أو موتا خالسا، فان الموت هادم لذاتكم، ومكدر شهواتكم، ومباعد طياتكم (1) زائر غير محبوب وقرن غير مغلوب، وواتر غير مطلوب، قد أعلقتكم حبائله، وتكنفتكم غوائله وأقصدتكم معابله (2) وعظمت فيكم سطوته، وتتابعت عليكم عدوته، وقلت عنكم نبوته. فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله، واحتدام علله، وحنادس غمراته، وغواشي سكراته، وأليم إزهاقه وودجو أطباقه، وجشوبة مذاقه، فكأن قد أتاكم بغتة فأسكت نجيكم، وفرق نديكم، وعفى آثاركم، وعطل دياركم، وبعث وراثكم يقتسمون تراثكم بين حميم خاص لم ينفع، وقريب محزون لم يمنع، وآخر شامت لم يجزع. فعليكم بالجد والاجتهاد، والتأهب والاستعداد، والتزود في منزل الزاد، ولا تغرنكم الدنيا كما غرت من كان قبلكم من الامم الماضية، والقرون الخالية الذين احتلبوا درتها، واصابوا غرتها، وأفنوا عدتها، وأخلقوا جدتها، اصبحت مساكنهم أجداثا، وأموالهم ميراثا، لا يعرفون من أتاهم، ولا يحلفون من بكاهم ولا يجيبون من دعاهم، فاحذروا الدنيا فانها غدارة غرارة، خدوع، معطية منوع ملبسة نزوع، لا يدوم رخاؤها، ولا ينقضي عناؤها، ولا يركد بلاؤها (3). 47 - نهج الكيدري: عند شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام لهمام في وصف


(1) الطيات - جمع طية بالكسر - النية والعزم، اي الموت يبعدكم عن مقاصدكم وأهوائكم. (2) المعابل: جمع معبلة - بالكسر - النصل الطويل العريض. (3) نهج البلاغة الرقم 228 من الخطب (*).

[84]

المتقين " أرادتهم الدنيا ولم يريدوها " قال: من مكاشفات أمير المؤمنين عليه السلام ما رواه الصادق، عن آبائه عليهم السلام أنه قال: إني كنت بفدك في بعض حيطانها، وقد صارت لفاطمة عليها السلام إذا أنا بامرأة قد هجمت علي وفي يدي مسحاة وأنا أعمل بها فلما نظرت إليها طار قلبي مما تداخلني من جمالها، فشبهتها ببثينة (1) بنت عامر الجمحي، وكانت من أجمل نساء قريش فقالت لي: يا ابن ابي طالب هل لك أن تزوجني وأغنيك عن هذه المسحاة ؟ وأدلك على خزائن الارض، ويكون لك الملك ما بقيت ؟. فقلت لها: من أنت حتى أخطبك من أهلك ؟ فقالت: أنا الدنيا، فقلت لها: ارجعي فاطلبي زوجا غيري، فلست من شأني، وأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول: (2). لقد خاب من غرته دنيا دنية * وما هي إن غرت قرونا بطايل أتتنا على زي العزيز بثينة * وزينتها في مثل تلك الشمايل فقلت لها غري سواي فانني * عزوف عن الدنيا ولست بجاهل وما أنا والدنيا فان محمدا * رهين بقفر بين تلك الجنادل وهبها أتتنا بالكنوز ودرها * وأموال قارون وملك القبايل أليس جميعا للفناء مصيرها * ويطلب من خزانها بالطوايل فغري سواي إنني غير راغب * لما فيك من عز وملك ونائل وقد قنعت نفسي بما قد رزقته * فشانك يا دنيا وأهل الغوايل فاني أخاف الله يوم لقائه * وأخشى عتابا دائما غير زايل


(1) مصغرة على وزن جهينة، كأنها كانت مشهورة بالحسن والجمال عند نساء العرب وعامر الجمحي لعله ابن مسعود بن أمية بن خلف القرشى الجمحي. (2) رواه الكيدري ايضا في أنوار العقول في قافية اللام مرسلا، وذكره الشهيد الثاني في حديث طويل عن الصادق عليه السلام في كتاب الغيبة ص 264 المطبوع مع كشف الفوائد، وسيأتي في ج 75 ص 363، ج 77 ص 195، ج 78 ص 274 (*).

[85]

وقال أيضا: دنيا تخادعني كأني * لست أعرف حالها مدت إلي يمينها * فرددتها وشمالها ورأيتها محتاجة * فوهبت جملتها لها فهذا معنى قوله عليه السلام: " أرادتهم الدنيا ولم يريدوها ". 48 - عدة الداعي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلا ونفسه ظنون عنده، فلا يزال زاريا عليها، ومستزيدا لها فكونوا كالسابقين قبلكم، والماضين أمامكم، قوضوا من الدنيا تقويض الراحل وطووها طي المنازل (1). 49 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن يونس بن ظبيان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل يقول: ويل للذين يختلون الدنيا بالدين، وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقية، أبي يغترون ؟ أم علي يجترؤن ؟ فبي حلفت لاتيحن لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران (2). بيان: " ويل للذين يختلون الدنيا بالدنى " اي العذاب والهلاك للذين يطلبون الدنيا بعمل الاخرة بالخديعة والمكر، قال في النهاية: الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وقال: فيه من اشراط الساعة أن تعطل سيوف الجهاد وأن تختل الدنيا بالدين، اي تطلب الدنيا بعمل الآخرة، يقال: ختله يختله إذا خدعه وراوغه، وختل الذئب الصيد إذا تخفى له، والختل الخداع، وفي القاموس: ختله يختله ويختله ختلا وختلانا خدعه، والذئب الصيد تخفى له وخاتله خادعه وتخاتلوا تخادعوا، واختتل تسمع لسر القوم انتهى (3).


(1) عدة الداعي: 175، والتقويض: الرحيل ينزع الاطناب والاعواد من الخيام والخباء. (2) الكافي ج 2 ص 299. (3) القاموس ج 3 ص 366 (*).

[86]

وبناء الافتعال كما هو المذكور في عنوان باب الكافي (1) لم أره بهذا المعنى في كتب اللغة، وفي بعض النسخ اختيال بالياء وهو تصحيف " الذين يأمرون بالقسط " اي بالعدل، وهم الائمة عليهم السلام وخواص اصحابهم " يسير المؤمن " اي يعيش ويعمل مجازا " ابي يغترون " اي بسبب إمهالي ونعمتي يغفلون عن بطشي وعذابي من الاغترار بمعنى الغفلة، ويحتمل أن يكون من الاغترار بمعنى الوقوع في الغرر والهلاك. وقال تعالى: " ما غرك بربك الكريم " (2) قال البيضاوي: اي شئ خدعك وجرأك على عصيانه " يجترؤن " بالهمز أو بدونه بقلب الهمزة ياء، ثم إسقاط ضمها ثم حذفها لالتقاء الساكنين " لاتيحن " قال في النهاية: فيه فبي حلفت لاتيحنهم فتنة تدع الحليم منهم حيران، يقال: أتاح الله لفلان كذا أي قدره له وأنزله به وتاح له الشئ، والحليم ذو الحلم والاناة والتثبت في الامور أو ذو العقل، وتنوين حيرانا للتناسب وانما خص بالذكر لانه بكلي معنييه أبعد من الحيرة، وذلك لانه اصبر على الفتن والزلازل، والحاصل أنه لا يجد العقلاء وذوو التثبت والتدبر في الامور المخرج من تلك الفتنة. 50 - لي: الحسن بن محمد بن سعيد الهاشمي: عن جعفر بن محمد العلوي عن محمد بن علي بن خلف، عن حسن بن صالح، عن ابي معشر، عن محمد بن قيس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة عليها السلام فدخل عليها فأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر فصنعت فاطمة مسكتين (3) من ورق وقلادة وقرطين وسترا لباب البيت، لقدوم أبيها وزوجها عليهما السلام، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله دخل


(1) يعنى باب اختتال الدنيا بالدين. (2) الانفطار: 60. (3) المسكة - محركة - السوار والخلخال إذا كان من قرن أو عاج، ولذلك قيدها بالورق، وهو الفضة، اي كان سوارها من فضة لا من غيرها، والقلادة معروف والقرط ما يعلق على شحمة الاذن من درة ونحوها (*).

[87]

عليها فوقف اصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون لطول مكثه عندها. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس عند المنبر فظنت فاطمة عليها السلام أنه إنما فعل ذلك رسول الله لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والستر، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها، ونزعت الستر، فبعثت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقالت للرسول: قل له: تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول: اجعل هذا في سبيل الله، فلما أتاه قال: فعلت فداها أبوها، ثلاث مرات ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى فيها كافرا شربة ماء، ثم قام فدخل عليها (1). 51 - لي: ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله جل جلاله أوحى إلى الدنيا أن أتعبي من خدمك، وأخدمي من رفضك. ثم قال عليه السلام: عليكم بالورع والاجتهاد والعبادة، وازهدوا في هذه الدنيا الزاهدة فيكم، فانها غرارة، دار فناء وزوال، كم من مغتر فيها قد أهلكته وكم من واثق بها قد خانته، وكم من معتمد علهيا قد خدعته، وأسلمته (2). اقول: قد أثبتنا الخبر بتمامه في باب مواعظ النبي صلى الله عليه وآله (3). 52 - لى: عن العطار، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص عن الصادق عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله موسى بن عمران: يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، إن الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم عليه السلام عند خطيئته وجعلتها ملعونة ملعونا ما فيها، إلا ما كان فيها لي. يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم بي وسائرهم من خلقي


(1) أمالي الصدوق: 141. (2) أمالي الصدوق 168. (3) لم نجده في باب مواعظه، صلى الله عليه وآله (*).

[88]

رغبوا فيها بقدر جهلهم بي، وما من أحد من خلقي عظمها فقرت عينه، ولم يحقرها أحد إلا انتفع بها، الخبر (1). 53 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل قال في مناجاته لموسى عليه السلام: يا موسى إن الدنيا دار عقوبة إلى آخر الخبر (2). 54 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: إن كانت الدنيا فانية فالمطأنينة إليها لماذا (3). 55 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أغفل الناس من لم يتعظ بتغير الدنيا من حال إلى حال، وأعظم الناس في الدنيا خطرا من لم يجعل للدنيا عنده خطرا (4). 56 - ن (5) لى: الاسترآبادي، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن ابي محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كم من غافل ينسج ثوبا ليلبسه وإنما هو كفنه، ويبنى بيتا ليسكنه، وإنما هو موضع قبره. وقال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: أيها الناس إن الدنيا دار فناء والاخرة دار بقاء، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا استاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ففي الدنيا حييتم، وللاخرة خلقتم، وإنما الدنيا كالسم يأكله من لا يعرفه، إن العبد إذا مات قالت الملائكة ما قدم ؟ وقال الناس ما أخر ؟ فقدموا فضلا يكن لكم، ولا تؤخروا كلا يكن عليكم، فان المحروم من حرم خير ماله، والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه، وأحسن في الجنة بها مهاده، وطيب على


(1) أمالي الصدوق 396 في حديث. (2) ثواب الاعمال: 198. (3) أمالي الصدوق ص 6. (4) أمالي الصدوق: 14. (5) عيون الاخبار ج 1 ص 297 و 298.

[89]

الصراط بها مسلكه (1). أقول: قد أثبتنا كثيرا من الاخبار في باب مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام. 57 - لى: في خبر الشامي الذي أتى أمير المؤمنين عليه السلام قال عليه السلام: يا شيخ إن الدنيا خضرة حلوة، ولها أهل و، إن الاخرة لها أهل، ظلفت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا لا يتنافسون في الدنيا، ولا يفرحون بغضارتها، ولا يحزنون لبؤسها، يا شيخ من خاف البيات قل نومه ما أسرع الليالي والايام في عمر العبد فاخزن لسانك، وعد كلامك، يقل كلامك إلا بخير، يا شيخ ارض للناس ما ترضى لنفسك، وآت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك. ثم أقبل على أصحابه فقال: أيها الناس أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: فبين صريع يتلوى، وبين عائد ومعود، وآخر بنفسه يجود وآخر لا يرجى، وآخر مسجى، وطالب الدنيا والموت يطلبه. وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي يصير الباقي (2). 58 - فس: محمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن سيار، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما نزلت هذه الاية: " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين " (3) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن رمى ببصره إلى ما في يدي غيره كثر همه، ولم يشف غيظه، ومن لم يعلم أن لله عليه نعمة إلا في مطعم أو ملبس فقد قصر عمله، ودنا عذابه، ومن أصبح على الدنيا حزينا أصبح على الله ساخطا، ومن شكى مصيبة نزلت به، فانما يشكو ربه، ومن دخل النار من هذه الامة ممن قرأ القرآن فهو ممن يتخذ آيات الله هزوا، ومن أتى ذا ميسرة فتخشع له طلب ما في يديه، ذهب ثلثا دينه.


(1) أمالى الصدوق: 67 و 68. (2) أمالى الصدوق: 237، وتراه في المعاني: 198. (3) الحجر: 88 (*).

[90]

ثم قال: ولا تعجل وليس يكون الرجل ينال من الرجل المرفق فيبجله ويوقره فقد يجب ذلك له عليه، ولكن تراه أنه يريد بتخشعه ما عند الله، ويريد أن يختله عما في يديه (1). 59 - فس: ابي، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص قال: قال أبو عبد الله عليه السلام يا حفص ما أنزلت الدنيا من نفسي إلا بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلت منها، الخبر، وسيأتي في أبواب المواعظ (2). 60 - ب: عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: والله ما أخر الله عن المؤمن من هذه الدنيا خير له مما يعجل منها، ثم صغر الدنيا إلي فقال: اي شئ هي ؟ ثم قال: إن صاحب النعمة على خطر إنه يجب علي حقوق لله منها، والله إنه ليكون علي النعم من الله فما أزال منها على وجل وحرك يديه حتى أخرج من الحقوق التي تجب لله تبارك وتعالى علي فيها (3). 61 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن محبوب، عن ابن رباط رفعه قال: شكى رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام الحاجة فقال: اعلم أن كل شئ تصيبه من الدنيا فوق قوتك، فانما أنت فيه خازن لغيرك (4). 62 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن درست عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حب الدنيا راس كل خطيئة (5). 63 - ل: عن محمد بن أحمد الاسدي، عن محمد بن ابي عمران، عن أحمد بن ابي بكر، عن علي بن أبي علي اللهبي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله


(1) تفسير القمى: 356. (2) تفسير القمى 493، في آية القصص: 83، وترى تمام الحديث في ج 78 ص 193 فراجع. (3) قرب الاسناد ص 228 و 229 ط النجف. (4) الخصال ج 1 ص 11. (5) الخصال ج 1 ص 15 (*).

[91]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الامل أما الهوى فانه يصد عن الحق، وأما طول الامل فينسي الاخرة، وهذه الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وهذه الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون فان استطعتم أن تكونوا من أبناء الاخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فافعلوا، فانكم اليوم في دار عمل ولا حساب، وأنتم غدا في دار حساب ولا عمل (1). 64 - ل: عن ابن بندار، عن أحمد بن إسحاق، عن عمر بن الحسن بن نصر، عن مؤمل بن إهاب، عن عبد الله بن المغيرة المصري، عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الليل والنهار مطيتان (2) 65 - ل: عن محمد بن أحمد الاسدي، عن أحمد بن محمد العامري، عن إبراهيم بن عيسى بن عبيد، عن سليمان بن عمرو، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن، والزهد في الدنيا يريح القلب والبدن (3). 66 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن عبد العزيز العبدي، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق منها بثلاث خصال: هم لا يفنى، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال (4). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب السكينة والوقار (5). 67 - ل: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: الدنيا سجن المؤمن، والقبر حصنه، والجنة مأواه، والدنيا جنة الكافر، والقبر سجنه، والنار


(1) الخصال ج 1 ص 27. (2) الخصال ج 1 ص 35. (3) الخصال ج 1 ص 37. (4) الخصال ج 1 ص 44. (5) راجع ج 71 ص 337. من هذه الطبعة.

[92]

مأواه (1). 68 - ل: عن العسكري، عن أحمد بن محمد بن أسيد، عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي غسان، عن مسعود بن سعد، عن يزيد بن ابي زياد، عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أشد ما يتخوف على أمتي ثلاثة: زلة عالم، أو جدال منافق بالقرآن، أو دنيا تقطع رقابكم، فاتهموها على أنفسكم (2) 6 ل: عن أبيه، عن سعد: عن الاصبهاني، عن المنقري، عن ابن عيينة. عن الزهري قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، والله ما الدنيا والآخرة إلا ككفتي الميزان، فأيهما رجح ذهب بالآخر، ثم تلا قوله عزوجل " إذا وقعت الواقعة " (3) يعني القيامة " ليس لوقعتها كاذبة * خافضة " خفضت والله بأعداء الله إلى النار " رافعة " رفعت والله أولياء الله إلى الجنة. ثم أقبل على رجل من جلسائه فقال له: اتق الله وأجمل في الطلب، ولا تطلب ما لم يخلق، فان من طلب ما لم يخلق تقطعت نفسه حسرات ولم ينل ما طلب ثم قال: وكيف ينال ما لم يخلق ؟ فقال الرجل: وكيف يطلب ما لم يخلق ؟ فقال: من طلب الغنى والاموال والسعة في الدنيا فانما يطلب ذلك للراحة والراحة لم تخلق في الدنيا ولا لاهل الدنيا، إنما خلقت الراحة في الجنة، ولاهل الجنة، والتعب والنصب خلقا في الدنيا ولاهل الدنيا، وما أعطي أحد منها حفنة (4) إلا أعطي من الحرص مثليها، ومن اصاب من الدنيا أكثر كان فيها اشد فقرا، لانه يفتقر إلى الناس في حفظ أمواله، ويفتقر إلى كل آلة من آلات الدنيا، فليبس في غنى الدنيا راحة، ولكن الشيطان يوسوس إلى ابن آدم أن له في جمع ذلك راحة، وإنما يسوقه إلى التعب في الدنيا


(1) الخصال ج 1 ص 53. (2) الخصال ج 1 ص 78. (3) الواقعة: 2 - 3. (4) الحفنة: ملء الكف (*).

[93]

والحساب عليه في الاخرة، ثم قال عليه السلام: كلا ما تعب أولياء الله في الدنيا للدنيا بل تعبوا في الدنيا للاخرة. ثم قال: ألا ومن اهتم لرزقه كتب عليه خطيئة، كذلك قال المسيح عليه السلام للحواريين، إنما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها (1). 70 - مع (2) ع (3) ل: عن القطان، عن السكري، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه قال: قال الصادق عليه السلام: مطلوبات الناس في الدنيا الفانية اربعة: الغنى، والدعة، وقلة الاهتمام، والعز، فأما الغنى فموجود في القناعة فمن طلبه في كثرة المال لم يجده، وأما الدعة فموجود في خفة المحمل فمن طلبها في ثقله لم يجدها، وأما قلة الاهتمام فموجودة في قلة الشغل فمن طلبها مع كثرته لم يجدها، وأما العز فموجود في خدمة الخالق فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده (5). 71 - ل: عن الفامي، عن محمد بن جعفر، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن الحسن بن أبي الحسين الفارسي، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من سلم من أمتي من اربع خصال فله الجنة: من الدخول في الدنيا، واتباع الهوى، وشهوة البطن، وشهوة الفرج. الخبر (6). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب الحياء (7). 72 - ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن سليم مولى طربال، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول:


(1) الخصال ج 1 ص 33. (2) معاني الاخبار ص 230. (3) علل الشرائع ج 2 ص 154. (4) الخصال ج 1 ص 93. (5) الخصال ج 1 ص 106. (6) راجع ج 71 ص 329 - 337 (*).

[94]

الدنيا دول فما كان لك فيها أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك أتاك ولم تمتنع منه بقوة. ثم أتبع هذا الكلام بأن قال: من يئس مما فات أراح بدنه، ومن قنع بما أوتي قرت عينه (1). ما: عن المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر، عن ابن عقدة، عن محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن موسى بن جعفر، عن الحسن بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله (2). 73 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن اللؤلوئي، عن إسحاق الضحاك، عن منذر الجوان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال سلمان رحمة الله عليه: عجبت لست: ثلاث اضحكتني، وثلاث أبكتني فأما الذي أبكتني ففراق الاحبة محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله عزوجل، وأما الذي اضحكتني فطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أرضى الله أم سخط (3). 74 - مع: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن معبد، عن عبد الله بن القاسم، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول ما عصى الله تبارك وتعالى بست خصال: حب الدنيا، وحب الرياسة، وحب النساء وحب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة (4). 75 - ل: في خبر أبي ذر: عجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها لم يطئمن إليها (5).


(1) الخصال ج 1 ص 124 وقد مر في ج 72 ص 327، حديث بهذا السند والمتن وكان رمز المصدر ن، وقلنا في الذيل أنا لم نجده في العيون، فالظاهر أن الصحيح من رمز المصدر ل فليصحح. (2) أمالي الطوسى ج 1 ص 229. (3) الخصال ج 1 ص 158. (4) تراه في الخصال ج 1 ص 106. (5) الخصال ج ص

[95]

76 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام أنه قال: وجد لوح تحت حائط مدينة من المدائن فيه مكتوب، أنا الله لا إله إلا أنا ومحمد نبيي، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ؟ وعجبت لمن اختبر الدنيا كيف يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف يذنب (1). 77 - ن: عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن ابن المغيرة قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: إنك في دار لها مدة * يقبل فيها عمل العامل الا ترى الموت محيطا بها * يكذب فيها أمل الآمل تعجل الذنب لما تشتهي * وتأمل التوبة في قابل والموت يأتي أهله بغتة * ما ذاك فعل الحازم العامل (2) 78 - ن: البيهقي، عن الصولي، عن محمد بن يحيى بن ابي عباد، عن عمه قال: سمعت الرضا عليه السلام يوما ينشد شعرا: كلنا نأمل مدا في الاجل * والمنايا هن آفات الامل لا يغرنك أباطيل المنى * والزم القصد ودع عنك العلل إنما الدنيا كظل زائل * حل فيه راكب ثم رحل (3) 79 - جا (4) ما: المفيد، عن عمر بن محمد المعروف بابن الزيات، عن ابن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لو رأى العبد أجله وسرعته إليه، أبغض الامل، وترك طلب الدنيا (5).


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 44. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 176. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 177. (4) مجالس المفيد: 190. (5) أمالى الطوسى ج 1 ص 76 (*).

[96]

80 - جا (1) ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن محمد بن الوليد، عن عنبر ابن محمد، عن شعبة، عن سلمة، عن أبي الطفيل قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن أخوف ما أخاف عليكم طول الامل واتباع الهوى، فأما طول الامل فينسى الاخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، الا وإن الدنيا قد تولت مدبرة والاخرة قد أقبلت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الاخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فان اليوم عمل ولا حساب، والاخرة حساب ولا عمل (2). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب الزهد (3). ما: المفيد، عن عمر بن محمد الصيرفي، عن محمد بن مخلد، عن محمد بن الوليد، عن حيدر بن محمد، عن سعيد، عن سلمة بن كهيل، عن ابي الطفيل قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له وذكر مثله (4). 81 - ما: قال: أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس أصبحتم أغراضا تنتضل فيكم المنايا وأموالكم نهب للمصائب، ما طعمتم في الدنيا من طعام فلكم فيه غصص، وما شربتموه من شراب فلكم فيه شرق واشهد بالله ما تنالون في الدنيا نعمة تفرحون بها إلا بفراق أخرى تكرهونها، ايها الناس إنا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء، ولكنكم من دار تنقلون، فتزودوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه والسلام (5). 82 - ف: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إني أحذركم الدنيا، فانها حلوة خضرة حفت بالشهوات، وتحببت بالعاجلة، وعمرت بالامال، وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا تؤمن فجعتها، غرارة ضرارة، زائلة نافدة، أكالة غوالة، لا تعدو إذا


(1) مجالس المفيد: 212. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 117. (3) راجع ج 70 ص 309 - 322. (4) أمالي الطوسى ج 1 ص 236 وفيه غندر بن محمد. (5) أمالى الطوسى ج 1 ص 320 (*).

[97]

هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضى بها أن تكون كما قال الله سبحانه " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا " (1). مع أن امرء لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته عبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم تظله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء، إذا هي اصبحت منتصرة [لم تأمن] أن تمسي له متنكرة، وإن جانب منها اعذوذب لا مرئ واحلولا امر عليه جانب منها فأوبى (2) وما امسى امرؤ منها في جناح أمن إلا اصبح في أخوف خوف، غرارة غرور ما فيها، فانية فان من عليها، لا خير في شئ من زادها إلا التقوى، من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه. كم من واثق بها قد فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته، وذي حذر قد خدعته، وكم ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة قد ردته خائفا فقيرا، وكم ذي تاج قد أكبته لليدين والفم، سلطانها ذل، وعيشها رنق، وعذبها أجاج وحلوها صبر، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام وملكها مسلوب، وعزيزها مغلوب، وأمنها منكوب، وجارها محروب، ومن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الحاكم العدل ليجزي الذين اساؤا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. الستم في مساكن من كان اطول منكم أعمارا، وأبين آثارا، وأعد منكم عديدا، وأكثف منكم جنودا، واشد منكم عنودا تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها اي إيثار، ثم ظعنوا عنها بالصغار أبهذه تؤثرون ؟ أم على هذه تحرصون ؟ أم إليها تطمئنون ؟ يقول الله: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا


(1) الكهف: 45. (2) هتنت: صبت، وأوبى: صار ذا وباء، وسيأتي شرح مشكلاتها وغريبها عند نقلها من النهج (*).

[98]

فيها وباطل ما كانوا يعملون " (1) فبئست الدار لمن لم يتهيئها، ولم يكن فيها على وجل. واعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها، لا بد وإنما هي كما نعت الله " لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " (2). فاتعظوا فيها بالذين كانوا [يبنون] بكل ريع آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، وبالذين قالوا من أشد منا قوة، واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم، ولا يدعون ركبانا، وأنزلوا ولا يدعون ضيفانا وجعل لهم من الضريح أكنانا، ومن التراب أكفانا، ومن الرفات جيرانا فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما، لا يزورون ولا يزارون حلماء قد بادت اضغانهم جهلاء قد ذهبت أحقادهم، لا تخشى فجعتهم، ولا يرجى دفعهم، وهم كمن لم يكن وكما قال الله سبحانه " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " (3). استبدلوا بظهر الارض بطنا، وبالسعة ضيقا، وبالاهل غربة، وبالنور ظلمه جاؤها كما فارقوها، حفاة عراة، قد ظعنوا منها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود أبد، يقول الله تبارك وتعالى " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " (4). 82 ما: الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه عليهم السلام قال: قال الصادق عليه السلام: من صفت له دنياه فاتهمه في دينه (5). 83 - ما: الفحام، عن عمه، عن محمد بن جعفر، عن محمد بن المثنى، عن أبيه


(1) هود: 15. (2) الحديد: 20. (3) القصص: 58. (4) تحف العقول: 180 في ط و 176 في ط الاسلامية. (5) أمالي الطوسى ج 1 ص 286.

[99]

عن عثمان بن زيد، عن جابر الجعفي، عن الباقر عليه السلام قال: يا جابر أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحول عنه، وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب، ولا أحد يعبأ بها، أو كثوب لبسته أو كجارية وطئتها. يا جابر ! الدنيا عند ذوي الالباب كفئ الظلال (1). 84 - ما: عن ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن القاسم بن جعفر، عن عباد بن أحمد القزويني، قال: حدثني عمي، عن أبيه، عن موسى الجهني، عن زيد بن وهب، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: سمعت سلمان الفارسي وقد أكره على طعام فقال: حسبي، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا في الآخرة، يا سلمان إنما الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر (2). 85 - ما: عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كن في الدنيا كأنك غريب أو كأنك عابر سبيل، وعد نفسك في اصحاب القبور. قال مجاهد: وقال لعبدالله بن عمر: وأنت يا عبد الله إذا أمسيت فلا تحدث نفسك أن تصبح، وإذا اصبحت فلا تحدث نفسك أن تمسي، وخذ من حياتك لموتك ومن صحتك لسقمك، فانك لا تدري ما اسمك غدا (3). 86 - ما: عن الغضائري، عن التلعكبري، عن ابن عقدة، عن الحسن بن علي ابن إبراهيم العلوي، عن الوشا، عن ثعلبة، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إنما الدنيا فناء وعناء وعبر وغير، فمن فنائها أن الدهر موتر قوسه مفوق نبله، يرمي الصحيح بالسقم، والحي بالموت، ومن عنائها أن المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ومن عبرها أنك ترى المغبوط مرحوما والمرحوم مغبوطا، ليس منها إلا نعيم زال، وبؤس نزل (4) ومن غيرها أن المرء يشرف على أمله فيختطفه من دونه أجله.


(1) أمالي الطوسى ج 1 ص 302. (2) امالي الطوسى ج 1 ص 356. (3) أمالي الطوسى ج 1 ص 391. (4) في المصدر: نعيم زائل وبؤس نازل.

[100]

قال أبو عبد الله عليه السلام: وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: كم من مستدرج بالاحسان إليه، مغرور بالستر عليه، مفتون بحسن القول فيه، وما أبلى الله عبدا بمثل الاملاء له (1). ما: عن جماعة، عن ابي المفضل، عن عبد الله بن ابي داود، عن إبراهيم بن الحسن المقسمي، عن بشر بن زاذان، عن عمر بن صبيح، عن الصادق عليه السلام مثله بتغيير ما وقد اثبتناهما في باب المواعظ (2). 87 - ف: قال جابر بن عبد الله الانصاري: كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة فلما فرغ من قتال من قتله، أشرف علينا من آخر الليل، فقال: ما أنتم فيه ؟ فقلنا: في ذم الدنيا، فقال: علام تذم الدنيا يا جابر ؟ ثم حمد الله وأثنى عليه، وقال: أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا ؟ انتحلوا الزهد فيها ؟ الدنيا منزل صدق لمن صدقها، ومسكن عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، فيها [مسجد] أنبياء الله ومهبط وحيه، ومصلى ملائكته، ومسكن أحبائه، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا منها الجنة. فمن ذا يذم الدنيا يا جابر وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاعها، ونعت نفسها بالزوال، ومثلت ببلائها البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، راحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية، ترهيبا وترغيبا، يذمها قوم عند الندامة، ويحمدها آخرون عند السلامة، خدمتهم جميعا فصدقتهم، وذكرتهم فذكروا، ووعظتهم فاتعظوا وخوفتهم فخافوا، وشوقتهم فاشتاقوا. فأيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، متى استذمت إليك ؟ بل متى غرتك بنفسها ؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك من الثرى، كم مرضت بيديك وعللت بكفيك ؟ تستوصف لهم الدواء، وتطلب لهم الاطباء، لم تدرك فيه طلبتك ولم تسعف فيه بحاجتك.


(1) امالي الطوسى ج 2 ص 58. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 107. راجع كتاب الروضة الباب 15 باب مواعظ أمير المؤمنين وحكمه عليه السلام ص 404 (*).

[101]

بل مثلت الدنيا به نفسك، وبحاله حالك، غداة لا ينفعك أحباؤك، ولا يغني عنك نداؤك، حين يشتد من الموت أعالين المرض (1) وأليم لوعات المضض، حين لا ينفع الاليل، ولا يدفع العويل، يحفز بها الحيزوم، ويعض بها الحلقوم، لا يسمعه النداء، ولا يروعه الدعاء، فيا طول الحزن، عند انقطاع الاجل. ثم يراح به على شرجع تقله أكف اربع، فيضجع في قبره، في محل لبث وضيق جدث، فذهبت الجدة، وانقطعت المدة، ورفضته العطفة، وقطعته اللطفة لا يقاربه الاخلاء، ولا يلم به الزوار، ولا اتسقت به الدار، انقطع دونه الاثر واستعجم دونه الخبر، وبكرت ورثته، فقسمت تركته، ولحقه الحوب، وأحاطت به الذنوب، فان يكن قدم خيرا طاب مكسبه، وإن يكن قدم شرا تب منقلبه، وكيف ينفع نفسا قرارها، والموت قصارها، والقبر مزارها، فكفى بهذا واعظا، كفى يا جابر امض معي. فمضيت معه حتى أتينا القبور، فقال: يا أهل التربة ويا أهل الغربة ! أما المنازل فقد سكنت، وأما المواريث فقد قسمت، وأما الازواج فقد نكحن، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟. ثم أمسك عني مليا ثم رفع رأسه فقال: والذي أقل السماء فعلت، وسطح الارض فدحت، لو أذن للقوم في الكلام لقالوا: إنا وجدنا خير الزاد التقوى ثم قال: يا جابر إذا شئت فارجع (2). 88 - ع: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن محمد بن عمرو، عن صالح بن


(1) كذا في نسخة الكمباني وهكذا المصدر ولعله مصحف " أعاليل " قيل: هي جمع أعلال، جمع علل، جمع علة: لما يتعلل به من مرض وغيره. أو هي جمع أعلولة أو هي جمع لا واحد له من لفظه، والمضض: بلوغ الحزن إلى القلب بحيث يحرقه واللوعة: المرة اي حرقة الحزن والهوى. والاليل: الانين من شدة المرض، أو هو بمعنى الجؤار والتضرع في الدعاء والاستغاثة والضجة. (2) تحف العقول: 183 ط الاسلامية (*).

[102]

سعيد، عن اخيه سهل الحلواني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بينا عيسى في سياحته إذ مر بقرية فوجد أهلها موتى في الطرق والدور، قال: فقال: إن هؤلاء ماتوا بسخطة ولو ماتوا بغيرها تدافنوا، قال فقال أصحابه: وددنا أنا عرفنا قصتهم فقيل له نادهم يا روح الله قال: فقال: يا أهل القرية ! فأجابه مجيب منهم: لبيك يا روح الله قال ما حالكم وما قصتكم ؟ قال: اصبحنا في عافية وبتنافي الهاوية، قال فقال: ما الهاوية ؟ قال بحار من نار، فيها جبال من نار، قال: وما بلغ بكم ما أرى ؟ قال: حب الدنيا وعبادة الطاغوت. قال: وما بلغ من حبكم الدنيا ؟ قال: كحب الصبي لامه إذا أقبلت فرح وإذا ادبرت حزن، قال: وما بلغ من عبادتكم الطاغوت ؟ قال: كانوا إذا أمروا أطعناهم قال: فكيف أجبتني أنت من بينهم ؟ قال: لانهم ملجمون بلجم من نار، عليهم ملائكة غلاظ شداد، وإني كنت فيهم ولم أكن منهم، فلما اصابهم العذاب، أصابني معهم، فأنا معلق بشجرة أخاف أن أكبكب في النار، قال: فقال عيسى عليه السلام: النوم على المزابل وأكل خبز الشعير كثير مع سلامة الدين (1). ثو (2) مع: عن ابيه، عن محمد العطار، عن ابن يزيد مثله (3). 89 - مع: عن ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن الحسن بن علي رفعه إلى عمرو بن جميع رفعه إلى علي عليه السلام في قول الله عزوجل: " وكان تحته كنز لهما " (4) قال: كان ذلك الكنز لوحا من ذهب فيه مكتوب: " بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله، عجبت لمن يعلم أن الموت حق كيف يفرح ؟ عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ؟ عجبت لمن يذكر النار كيف يضحك ؟ عجبت لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف


(1) علل الشرايع ج 2 ص 152. (2) ثواب الاعمال: 227. (3) معاني الاخبار: 341. (4) الكهف: 81 (*).

[103]

يطمئن إليها ؟ (1). 90 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني جبرئيل عليه السلام أن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ما يجدها عاق ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء، ولا فنان (2) ولا منان ولا جعظري، قال: قلت: فما الجعظري ؟ قال: الذي لا يشبع من الدنيا. وفي حديث آخر: ولا حيوف وهو النباش، ولا زنوف، وهو المخنث ولا جواض ولا جعظري، وهو الذي لا يشبع من الدنيا (3). 91 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص قال: سمعت موسى بن جعفر عليه السلام عند قبر وهو يقول: إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وان شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره (4). 92 - لى: في خبر المناهي قال النبي صلى الله عليه وآله: ألا ومن عرضت له دنيا وآخرة فاختار الدنيا على الآخرة، لقى الله يوم القيامة، وليست له حسنة يتقي بها النار ؟ ومن اختار الآخرة على الدنيا رضي الله عنه وغفر له مساوي عمله (5). 93 ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن عبد العزيز العبدي، عن ابن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق منها بثلاث خصال: هم لا يفنى، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال (6). 94 - ب: عن ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال:


(1) معاني الاخبار: 200. (2) أي ذو فنون من الخدع وفي المصدر: فتان، وقرئ قتات. (3) معاني الاخبار. 330. (4) معاني الاخبار: 343. (5) أمالي الصدوق: 257. (6) الخصال ج 1 ص 44 (*).

[104]

قال علي عليه السلام: ما ملئ بيت قط خيره إلا أوشك أن يملا غيره، ولا ملئ بيت قط غيره إلا يوشك أن يملا خيره (1). 95 - ل: الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: من عبد الدنيا وآثرها على الآخرة، استوخم العاقبة. وقال عليه السلام: أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة. وقال عليه السلام: ما بال من خالفكم أشد بصيرة في ضلالتهم، وابذل لما في أيديهم منكم ؟ ما ذاك إلا أنكم ركنتم إلى الدنيا فرضيتم بالضيم، وشححتم على الحطام وفرطتم فيها فيه عزكم وسعادتكم، وقوتكم على من بغى عليكم، لا من ربكم تستحيون فيما أمركم، ولا لانفسكم تنظرون، وأنتم في كل يوم تضامون، ولا تنتبهون من رقدتكم، ولا ينقضي فتوركم (2). 96 - ثو: عن ابيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان وعبد العزيز معا، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من اصبح وأمسى والاخرة أكبر همه، جعل الله الغنا في قلبه، وجمع له أمره، ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، ومن اصبح وامسي والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له (3). 97 - ص: بالاسناد إلى الصدوق. عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن ابي الخطاب، عن ابن أسباط، عن خلف بن حماد، عن قتيبة الاعشى قال: قال ابو جعفر عليه السلام: إن فيما ناجى الله به موسى عليه السلام أن قال: إن الدنيا ليست بثواب للمؤمن بعمله، ولا نقمة الفاجر بقدر ذنبه، هي دار الظالمين، إلا العامل فيها بالخير، فانها له نعمت الدار.


(1) قرب الاسناد ص 57 في ط وص 76 في ط. (2) راجع الخصال ج 2 ص 155. (3) ثواب الاعمال: 153 (*).

[105]

98 - ص: عن الصدوق، عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن رجل، عن ابن ابي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله تعالى به موسى: لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين، وركون من اتخذها أما وابا، يا موسى لو وكلتك إلى نفسك تنظرها لغلب عليك حب الدنيا وزهرتها يا موسى ! نافس في الخير أهله، واسبقهم إليه فان الخير كاسمه، واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه، ولا تنظر عيناك إلى كل مفتون فيها، موكول إلى نفسه. واعلم أن كل فتنة بذرها حب الدنيا ولا تغبطن أحدا برضا الناس عنه حتى تعلم أن الله عزوجل عنه راض، ولا تغبطن أحدا بطاعة الناس له واتباعهم إياه على غير الحق، فهو هلاك له ولمن اتبعه. 99 - سن: عن أبيه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المسجون من سجنته دنياه عن آخرته (1). 100 - مص: قال الصادق عليه السلام: الدنيا بمنزلة صورة راسها الكبر، وعينها الحرص، واذنها الطمع، ولسانها الريا، ويدها الشهوة، ورجلها العجب وقلبها الغفلة، وكونها الفنا، وحاصلها الزوال، فمن أحبها أورثته الكبر ومن استحسنها أورثته الحرص، ومن طلبها أوردته إلى الطمع، ومن مدحها أكبته الرياء، ومن ارادها مكنته من العجب، ومن اطمأن إليها ركبته الغفلة ومن أعجبه متاعها فتنته فيما يبقى، ومن جمعها وبخل بها ردته إلى مستقرها وهي النار (2). 101 - شا: عن أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فانما مثل الدنيا مثل الحية لين مسها، شديد نهشها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وكن اسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فان صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه منها إلى مكروه والسلام (3).


(1) المحاسن ص 299. (2) مصباح الشريعة ص 23. (3) ارشاد المفيد ص 112 (*).

[106]

102 - شا: روى العلماء بالاخبار ونقلة السير والاثار أن أمير المؤمنين عليه السلام كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم، بصوت يسمعه كافة من في المسجد (1) ومن جاوره من الناس. تزودوا رحمكم الله ! فقد نودي فيكم بالرحيل، واقلوا العرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما يحضركم (2) من الزاد، فان أمامكم عقبة كؤدا، ومنازل مهولة لا بد من الممر بها، والوقوف عليها، إما برحمة من الله نجوتم من فضاعتها وإما هلكة ليس بعدها انجبار، يا لها حسرة على ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، وتؤديه أيامه إلى شقوة، جعلنا الله وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تحل به بعد الموت نقمة، فانما نحن به وله، وبيده الخير، وهو علي كل شئ قدير (3). 103 - شا: أيها الناس ! اصبحتم أغراضا تنتضل فيكم المنايا، وأموالكم نهب للمصائب ما طعمتم في الدنيا من طعام فلكم فيه غصص، وما شربتم من شراب فلكم فيه شرق، وأشهد بالله ما تنالون من الدنيا نعمة تفرحون بها إلا بفراق أخرى تكرهونها أيها الناس إنا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفنا، لكن من دار إلى دار تنقلون فتزودوا لما أنتم صائرون إليه، وخالدون فيه، والسلام (4). 104 - سر: عن أبان بن تغلب، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن ابن ابي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابن أبي يعفور قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا لنحب الدنيا، فقال لي: تصنع بها ماذا ؟ قلت: أتزوج منها وأحج وانفق على عيالي وانيل اخواني وأتصدق. قال لي: ليس هذا من الدنيا هذا من الاخرة.


(1) في المصدر " كافة أهل المسجد ". (2) في المصدر: " بحضرتكم " وهو مطابق لنسخة النهج، راجع قسم الخطب الرقم 45 و 202. (3) ارشاد المفيد: 113. (4) ارشاد المفيد: 114 (*).

[107]

105 - سر: عن كتاب أبان بن تغلب، عن ابن أسباط وابن ابي نجران والوشاء، عن محمد بن حمران، عن أبي عبد الله أو عن زرارة، عن ابي عبد الله عليه السلام: قال: آخر نبي يدخل الجنة سليمان بن داود عليه السلام، وذلك لما اعطي في الدنيا. 106 - شى: عن ابن مسكان، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ولنعم دار المتقين " قال: الدنيا (1). 107 - جا: عن الصدوق، عن أبيه، عن الحميري، عن أيوب بن نوح، عن ابن ابي عمير، عن جميل بن دراج، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام: أنه قال يوما لاصحابه: إخواني ! أوصيكم بدار الآخرة، ولا أوصيكم بدار الدنيا فانكم عليها حريصون، وبها متمسكون، أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم عليه السلام للحواريين ؟ قال لهم: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال: ايكم يبنى على موج البحر دارا، تلكم الدار الدنيا، فلا تتخذوها قرارا (2). 108 - جا: عن المرزباني، عن أحمد بن محمد المكي، عن ابي العينا، عن محمد بن الحكم، عن لوط بن يحيى، عن الحارث بن كعب، عن مجاهد قال: قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام: ازهدوا في هذه الدنيا التي لم يتمتع بها أحد كان قبلكم، ولا تبقى لاحد من بعدكم، سبيلكم فيها سبيل الماضين. قد تصرمت وآذنت بقضاء، وتنكر معروفها، فهي تخبر أهلها بالفناء وسكانها بالموت، وقد أمر منها ماكان حلوا، وكدر منها ماكان صفوا،، فلم تبق منها إلا سملة (3) كسملة الاداوة، أو جرعة كجرعة الاناء (4)


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 258، والاية في سورة النحل: 30. (2) مجالس المفيد: 34. (3) السملة - بالضم والتحريك - ما بقى في الاناء من الماء القليل بعد استخراجه والاداوة: المطهرة، واناء صغير من جلد يشرب منه. (4) في النهج: وجرعة كجرعة المقلة، والمقلة الحصاة كانوا إذا أعوزهم الماء في الاسفار يضعونها في الاناء ثم يصبون عليها الماء إلى أن يغمرها، يقدرون بذلك ويقتسمون الماء بينهم ليشربوا من أولهم إلى آخرهم (*).

[108]

لو تمززها العطشان (1) لم ينقع بها. فآذنوا بالرحيل من هذه الدار المقدر على أهلها الزوال، الممنوع أهلها من الحياة، المذللة فيها أنفسهم بالموت، فلا حي يطمع في البقاء، ولا نفس إلا مذعنة بالمنون، فلا يعللكم الامل، ولا يطول عليكم الامد، ولا تغتروا منها بالامال ولو حننتم حنين الوله العجال (2) ودعوتم مثل حنين الحمام (3) وجأرتم جأر متبتلي الرهبان (4) وخرجتم إلى الله تعالى من الاموال والاولاد، التماس القربة إليه في ارتفاع الدرجة عنده، أو غفران سيئة أحصتها كتبته، وحفظتها ملائكته، لكان قليلا فيما أرجو لكم من ثوابه، وأتخوف عليكم من عقابه، جعلنا وإياكم من التائبين العابدين (5). 109 - من كتاب عيون الحكم والمواعظ: لعلي بن محمد الواسطي كتبناه من اصل قديم عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: احذروا هذه الدنيا الخداعة الغدارة، التي قد تزينت بحليها، وفتنت بغرورها، وغرت بآمالها، وتشوفت لخطابها (6) فاصبحت كالعروس المجلوة، والعيون إليها ناظرة، والنفوس بها مشغوفة، والقلوب إليها تائقة، وهي لازواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بسوء أثرها


(1) التمزز: تمصص الشراب قليلا قليلا كأنه يتذوقه ولا يريد أن يشربه والنقع سكون العطش والرى من الماء. (2) الوله جمع الوالهة، يطلق على الناقة إذا اشتد وجدها على ولدها، والعجال جمع عجلى: الناقة السريعة كأنها تسرع حيارى لتفقد ولدها ولا تجده. (3) الحمام: طائر معروف، والحنين: الانين، وفي نسخة نهج " دعوتم بهديل الحمام " والهديل صوت الحمام في بكائه لفقد الفه. (4) الجؤار والجأر: التضرع والاستغاثة بصوت عال كما يفعله الرهبان المتبتلون المنقطعون للعبادة المتضرعون إليه. (5) مجالس المفيد: 103. (6) أي تزينت وتطاولت وتعرضت (*).

[109]

على الاول مزدجر، ولا اللبيب فيها بالتجارب منتفع. أبت القلوب لها إلا حبا، والنفوس إلا صبا (1) والناس لها طالبان طالب ظفر بها فاغتر فيها، ونسي التزود منها للظعن، فقل فيها لبثه حتى خلت منها يده وزلت عنها قدمه، وجائته اسر ما كان بها منيته، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته وجلت مصيبته، فاجتمعت عليه سكرات الموت، فغير موصوف ما نزل به. وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته، ففارقها بغرته وأسفه، ولم يدرك ما طلب منها، ولم يظفر بما رجا فيها، فارتحلا جميعا من الدنيا بغير زاد، وقدما على غير مهاد. فاحذروا الدنيا الحذر كله، وضعوا عنكم ثقل همومها لما تيقنتم لو شك زوالها وكونوا أسر ما تكونون فيها أحذر ما تكونون لها، فان طالبها كلما اطمأن منها إلى سرور اشخصه عنها مكروه، وكلما اغتبط منها باقبال نغصه عنها إدبار، وكلما ثبتت عليه منها رجلا طوت عنه كشحا، فالسار فيها غار، والنافع فيها ضار، وصل رخاؤها بالبلاء، وجعل بقاؤها إلى الفناء، فرحها مشوب بالحزن، وآخر همومها إلى الوهن. فانظر إليها بعين الزاهد المفارق، ولا تنظر بعين الصاحب الوامق. اعلم يا هذا أنها تشخص الوادع الساكن، وتفجع المغتبط الامن، لا يرجع منها ما تولى فأدبر، ولا يدري ما هو آت فيحذر، أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة صفوها كدر، وابن آدم فيها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما معظمة جائحة (2) وإما منية قاضية، فلقد كدرت عليه العيشة إن عقل، وأخبرته عن نفسها إن وعى. ولو كان خالقها عزوجل لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر بالزهد فيها، والرغبة عنها، لكانت وقايعها وفجايعها قد أنبهت النائم، ووعظت الظالم، وبصرت العالم، وكيف وقد جاء عنها من الله تعالى زاجر، وأتت منه


(1) الصب: الشوق في رقة وحرارة كالصبابة. (2) المعظمة: النازلة الشديدة، والجائحة: المهلكة (*).

[110]

فيها البينات والبصاير، فما لها عند الله عزوجل قدر ولا وزن، ولا خلق فيما بلغنا خلقا أبغض إليه منها، ولا نظر إليها مذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وآله بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك من حظه من الاخرة فأبى أن يقبلها، لعلمه أن الله عزوجل أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره، وأن لا يرفع ما وضعه الله جل ثناؤه وأن لا يكثر ما اقله الله عزوجل ولو لم يخبرك عن صغرها عند الله، إلا أن الله عزوجل صغرها عن أن يجعل خيرها ثوابا للمطيعين، وأن يجعل عقوبتها عقابا للعاصين [لكفى] ظ. ومما يدلك على دناءة الدنيا أن الله جل ثناؤه زواها عن أوليائه وأحبائه نظرا واختيارا، وبسطها لاعدائه فتنة واختبارا، فأكرم عنها محمدا نبيه صلى الله عليه وآله حين عصب على بطنه من الجوع، وحماها موسى نجيه المكلم، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال، وما سأل الله عزوجل يوم أوي إلى الظل إلا طعاما يأكله لما جهده من الجوع ولقد جاءت الرواية أنه قال: أوحى الله إليه: إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين. وصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم عليه السلام إذ قال: إدامي الجوع وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلاي، وسراجي بالليل القمر وصلاي في الشتاء مشارق الشمس، وفاكهتي ما أنبتت الارض للانعام، أبيتت وليس لي شئ، وليس أحد أغنى مني. وسليمان بن داود وما أوتي من الملك إذ كان يأكل خبز الشهير، ويطعم أمه الحنطة، وإذا جنه الليل لبس المسوح، وغل يده إلى عنقه، وبات باكيا حتى يصبح، ويكثر أن يقول: رب إني ظلمت نفسي، فان لم تغفر لي وترحمني لاكونن من الخاسرين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فهؤلاء أنبياء الله وأصفياؤه، تنزهوا عن الدنيا، وزهدوا فيما زهدهم الله جل ثناؤه فيه منها، وأبغضوا ما أبغض، وصغروا ما صغر، ثم اقتص الصالحون آثارهم

[111]

وسلكوا منهاجهم، وألطفوا الفكر، وانتفعوا بالعبر، وصبروا في هذا العمر القصير من متاع الغرور الذي يعود إلى الفناء، ويصير إلى الحساب. نظروا بعقولهم إلى آخر الدنيا، ولم ينتظروا إلى أولها، وإلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، وفكروا في مرارة عاقبتها، فلم يستمرئهم (1) حلاوة عاجلها ثم الزموا أنفسهم الصبر، وأنزلوا الدنيا من أنفسهم كالميتة التي لا يحل لاحد أن يشبع منها إلا في حال الضرورة إليها، وأكلوا منها بقدر ما أبقى لهم النفس وأمسك الروح، وجعلوها بمنزلة الجيفة التي اشتد نتنها، فكل من مر بها أمسك على فيه، فهم يتبلغون بأدنى البلاغ، ولا ينتهون إلى الشبع من النتن، ويتعجبون من الممتلي منها شبعا، والراضي بها نصيبا. اخواني ! والله لهي في العاجلة والاجلة - لمن ناصح نفسه في النظر، وأخلص لها الفكر - وأنتن من الجيفة، وأكره من الميتة، غير أن الذي نشأ في دباغ الاهاب لا يجد نتنه، ولا تؤذيه رائحته، ما تؤذي المار به، والجالس عنده، وقد يكفي العاقل من معرفتها علمه بأن من مات وخلف سلطانا عظيما، سره أنه عاش فيها سوقة خاملا، أو كان فيها معافا سليما سره أنه كان فيها مبتلى ضريرا، فكفى بهذا على عورتها والرغبة عنها دليلا. والله لو أن الدنيا كانت من اراد منها شيئا وجده حيث تنال يده من غير طلب ولا تعب ولا مؤنة ولا نصب، ولا ظعن ولا داب، غير أن ما أخذ منها من شئ لزمه حق الله فيه، والشكر عليه، وكان مسؤلا عنه محاسبا به، لكان يحق على العاقل أن لا يتناول منها إلا قوته وبلغة يومه، حذرا من السؤال، وخوفا من الحساب وإشفاقا من العجز عن الشكر، فكيف بمن تجشم في طلبها من خضوع رقبته، ووضع خده، وفرط عنائه، والاغتراب عن أحبابه، وعظيم أخطاره، ثم لا يدري ما آخر ذلك ؟ الظفر أم الحنيبة ؟. إنما الدنيا ثلاثة ايام: يوم مضى بما فيه فليس بعائد، ويوم أنت فيه فحق عليك اغتنامه، ويوم لا تدري أنت من أهله، ولعلك راحل فيه، أما اليوم الماضي


(1) استمرء الطعام: استطيبه وعده ووجده مريئا (*).

[112]

فحكيم مؤدب، وأما اليوم الذي أنت فيه فصديق مودع، وأما غدا فانما في يديك منه الامل، فان يكن امس سبقك بنفسه فقد ابقى في يديك حكمته، وإن يكن يومك هذا آنسك بمقدمه عليك، فقد كان طويل الغيبة عنك، وهو سريع الرحلة فترود منه وأحسن وداعه. خذ بالثقة من العمل، وإياك والاغترار بالامل، ولا تدخل عليك اليوم هم غد، يكفي اليوم همه، وغدا داخل عليك بشغله، إنك إن حملت على اليوم هم غد زدت في حزنك وتعبك، وتكلفت أن تجمع في يومك ما يكفيك أياما فعظم الحزن وزاد الشغل، واشتد التعب، وضعف العمل للامل ولو أخليت قلبك من الامل لجددت في العمل، والامل الممثل في اليوم غدا اضرك في وجهين: سوفت به العمل وزدت به في الهم والحزن. أولا ترى أن الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة مضت، وساعة بقيت، وساعة أنت فيها، فأما الماضية والباقية فلست تجد لرخائهما لذة ولا لشدتهما ألما فأنزل الساعة الماضية، والساعة التي أنت فيها منزلة الضيفين نزلا بك، فظعن الراحل عنك بذمه إياك، وحل النازل بك بالتجربة لك، فاحسانك إلى الثاوي يمحو إساءتك إلى الماضي، فأدرك ما أضعت به عتابك مما استقبلت، واحذر أن تجمع عليك شهادتهما فيوبقاك. ولو أن مقبورا من الاموات قيل له: هذه الدنيا أولها إلى آخرها تخلفها لولدك الذي لم يكن لك هم غيره، أو يوم نرده إليك فتعمل فيه لنفسك ؟ لاختار يوما يستعتب فيه من سيئ ما اسلف على جميع الدنيا به يورثها ولدا خلفه، فما يمنعك أيها المغتر المضطر المسوف أن تعمل على مهل، قبل حلول الاجل، وما يجعل المقبور أشد تعظيما لما في يديك منك، الا تسعى في تحرير رقبتك، وفكاك رقك ووقاء نفسك من النار التي عليها ملائكة غلاظ شداد. وقال عليه السلام: أوصيكم عباد الله بتقوى الله عزوجل واغتنام ما استطعتم عملا به من طاعة الله عزوجل في هذه الايم الخالية، بجليل ما يشقى عليكم به الفوت

[113]

بعد الموت، وبالرفض لهذه [الدنيا] التاركة لكم، وإن لم تكونوا تحبون تركها والمبلية لكم وإن كنتم تحبون تجديدها، فانما مثلكم ومثلها كركب سلكوا سبيلا فكأنهم قد قطعوه، وأموا علما، فكأن قد بلغوه، وكم عسى من المجري إلى الغاية أن يجري حتى يبلغها، فكم عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، ومن ورائه طالب حثيث يحدوه في الدنيا حتى يفارقها. فلا تتنافسوا في [عز] الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فان عز الدنيا وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ونعيمها إلى زوال، وإن ضراءها وبؤسها إلى نفاد، وكل مدة فيها إلى منتهى، وكل حي فيها إلى فناء. أو ليس لكم في آثار الاولين [مزدجر] وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون، ألم تروا إلى الماضين منكم لا يرجعون، وإلى الخلف الباقي منكم لا يبقون ؟ قال الله عز وعلا " وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون " (1) الاية والتي بعدها، وقال عزوجل " كل نفس ذائقة الموت وإنما يوفون أجورهم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور " (2). ألستم ترون أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتى: ميت يبلى، وآخر يعزى، وصريع مبتلى، وعائد معود، وآخر بنفسه يجود، وطالب والموت يطلبه، وغافل وليس بمغفول عنه، وعلى اثر الماضي منا يمضي الباقي، فلله الحمد رب السموات السبع ورب العرش العظيم، الذي يبقى ويفنى ما سواه، وإليه موئل الخلق ومرجع الامور (3). وقال عليه السلام: أما بعد فاني أحذركم الدنيا، فانها حلوة خضرة، حفت


(1) الانبياء: 95. (2) آل عمران. 185. (3) روى هذا الاخير في النهج مع اختلاف تحت الرقم 93 من قسم الخطب (*).

[114]

بالشهوات، وراقت بالقليل، وتحببت بالعاجلة، وعمرت بالامال، وتزينت بالغرور فلا تدوم نعمتها، ولا تفنى فجايعها، غدارة ضرارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة أكالة غوالة، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها كما قال الله عزوجل: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا " (1). مع أن امرءا لم يكن منها في حبرة إلا أعقبته منها بعد بعبرة، ولم يلق من سرائها بطنا إلا أعطته من ضرائها ظهرا، ولم يطله فيها ديمة رخاء، إلا هتنت (2) عليه منها مزنة بلاء، وحري إذا أصبحت لك متحبرة، أن تمسي لك متنكرة (3) وان جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى، أمر عليه جانب فأوبى، وإن آنس إنسان من غضارتها رغبا، أرهقته من بوائقها تعبا، غرارة غرور ما فيها، فان من عليها، ولم يمس امرء منها في جناح أمن إلا أصبح في جوف خوف (4) لا خير في شئ من زادها إلا التقوى، من اقل منها استكثر مما يوبقه، ومن استكثر منها لم تدم له وزالت عنه. كم واثق بها فجعته، وذي طمأنينة إليها صرعته، وذي خدع فيها خدعته وكم من ذي أبهة فيها قد صيرته حقيرا، وذي نخوة فيها قد ردته خائفا فقيرا وكم من ذي تاج قد أكبته لليدين والفم، سلطانها دول، وعيشها رنق، وعذبها أجاج، وحلوها صبر، وغذاؤها سمام، واسبابها رمام، وقطافها سلع، حيها بعرض موت، وصحيحها بعرض سقم، ومنيعها بعرض اهتضام، وملكها مسلوب


(1) الكهف: 45. (2) الطل: المطر الخفيف الضعيف، وقيل الندى، وقيل فوقه، وكأنه بمعنى الادامة والاشراف، فان الديمة أيضا هو المطر إذا نزل بلا رعد وبرق مع سكون، وهتنت أي انصبت وجرت، والمزنة: القطعة من المزن، أو هي المطرة نفسها. (3) المتحبرة: المتزينة المتعرضة بحسنها، وفي بعض النسخ نقلا عن كتاب مطالب السؤل " متنصرة " راجع ج 78 ص 15 من هذه الطبعة. (4) خوافى خوف ظ (*).

[115]

وعزيزها مغلوب، وضيفها منكوب، وجارها محروم، مع أن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته، وهول المطلع، والوقوف بين يدي إلهكم الحكم ليجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ألستم في مساكن من كان قبلكم ؟ كانوا أطول منكم أعمارا، وأبقى منكم آثارا، وأعد منكم عديدا، وأكثف منكم جنودا، وأشد منكم عنودا، تعبدوا للدنيا اي تعبد، وآثروها أي إيثار، ثم ظعنوا عنها بالصغار، وهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفسا بفدية، أو عدت عنهم فيما أهلكتهم به بخطب، بل أوهنتهم بالقوارع، وضعضعتهم بالنوائب، وعقرتهم بالمناخر، وأعانها عليهم ريب المنون. فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها، وآثرها أو أخلد إليها، حين ظعنوا عنها لفراق أبد أو إلى آخر زوال، هل زودتهم إلا السغب ؟ أو أحلتهم إلا إلى الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة ؟ أو أعقبتهم إلا النار ؟ ألهذه تؤثرون ؟ أم عليها تربصون ؟ أم إليها تطمئنون، يقول الله عزوجل: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " (1). فبئست الدار لمن لم يتهمها، ولم يكن فيها على وجل منها، اذكروا عند تصرفها بكم سرعة انقضائها عنكم، ووشك زوالها، وضعف مجالها، ألم تجدكم على مثال من كان قبلكم، ووجدت من كان قبلكم على مثال من كان قبلهم، جيل بعد جيل، وأمة بعد أمة، وقرن بعد قرن، وخلف بعد خلف، فلا هي تستحي من العار، وما لا ينبغي من المبديات، ولا تخجل من الغدر. اعلموا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بد وإنما هي كما نعت الله عزوجل " لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " (2). فاتعظوا فيها بالذين كانوا يبنون، بكل ريع آية يعبثون * ويتخذون مصانع


(1) هود: 15 و 16. (2) الحديد: 20 (*).

[116]

لعلهم يخلدون، (1) وبالذين قالوا: " من أشد منا قوة " (2) واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا، وأنزلوا لا يدعون ضيفانا (3) وجعل لهم من الضريح أجنانا (4) ومن التراب أكفانا، ومن الرفات جيرانا. وهم جيرة لا يجيبون داعيا، ولا يمنعون ضيما، ولا يبالون مندبة، ولا يعرفون نسبا ولا حسبا، ولا يشهدون زورا، إن جيدوا لم يفرحوا (5) وإن قحطوا لم يقنطوا، جميع وهم آحاد، وجيرة وهم أبعاد، ومتدانون لا يتزاورون، ولا يزورون حلماء قد بادت اضغانهم، جهلاء قد ذهبت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، ولا يرجى دفعهم، وهم كمن لم يكن، وكما قال جل ثناؤه: " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " (6). إن الدنيا وهن مطلبها، رنق مشربها، ردغ مشرعها (7) غرور ماحل (8) وسم قاتل، وسناد مائل، تريق مطرفها، وتردى مستزيدها، وتصرع مستفيدها


(1) اشارة إلى قوم عاد كما في سورة الشعراء: 128. (2) اشارة إلى قوم عاد أيضا كما في سورة السجدة: 15. (3) يعني أنهم وان حملوا على أكتاف الناس ويمشون لا بأنفسهم، معذلك لا يقال انهم ركبان، وانهم وان انزلوا في الجدث مع التكريم والاحترام معذلك لا يقال: انهم ضيفان انزلوا بالتكريم والحبور. (4) الاجنان جمع جنن، وهو الجدث والقبر وفي نسخة مطالب السؤل ص 58 وهكذا تحف العقول ص 178 " اكنانا " بدل اجنان واكنان جمع كن: المختفى والستر، وقد يقال للبيت: الكن. (5) من الجود: وهو المطر. (6) القصص: 58. (7) الرنق: الكدر، والردغ: كثير الطين والوحل. (8) الماحل: الساعي في الفتنة والكائد إلى السلاطين بالسعاية (*).

[117]

بانفاد لذتها، وموبقات شهواتها، وأسر نافرها، قنصت بأحبلها، وقصدت بأسهمها مائلا لهناتها، وتعلل بهباتها ليالي عمره، وايام حياته، قد علقته أوهاق المنية فأردته بمرائرها (1) قائدة له بحتوفها، إلى ضنك المضجع، ووحشة المرجع، ومجاورة الاموات، ومعاينة المحل، وثواب العمل ثم ضرب على أدناهم سبات الدهور، وهم لا يرجعون، قد ارتهنت الرقاب بسالف الاكتساب، واحصيت الاثار لفصل الخطاب وقد خاب من حمل ظلما. وقال عليه السلام في ذم الدنيا في خطبة خطبها: الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ارسله بالحق ودين الهدى ليزيح به علتكم، وليوقظ به غفلتكم، واعلموا أنكم ميتون، ومبعوثون من بعد الموت، وموقوفون على أعمالكم، ومجزون بها فلا تغرنكم الحياة الدنيا، فانها دار بالبلاء محفوفة، وبالعناء معروفة، وبالغدر موصوفة، وكل ما فيها إلى زوال، وهي بين أهلها دول وسجال، لا تدوم أحوالها ولا يسلم من شرها، بينا أهلها منها في رخاء وسرور، إذ هم منها في بلاء وغرور أحوال مختلفة، وتارات متصرفة، العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها، وتقصمهم بحمامها، وكل حتفه فيها مقدور، وحظه منها موفور. واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم باعا، وأشد منكم بطشا، وأعمر ديارا، وأبعد آثارا فأصبحت اصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تغلبها، وأجسادهم بالية وديارهم خالية وآثارهم عافية، فاستبدلوا بالقصور المشيدة، والستور والنمارق الممهدة، الصخور والاحجار المسندة، في القبور التي قد بني للخراب فناؤها، فمحلها مقترب


(1) الاوهاق: جمع وهق، وهو حبال الموت أو هو بالدال المهملة، وهو خشبتان يغمز بهما ساق المجرمين، يقال: عنقه في وهق ورجله في دهق. والمرائر جمع مريرة: وهي طاقة الحبل أو الحبل الشديد الفتل وقيل: الحببل الدقيق الطويل.

[118]

وساكنها [مغترب] بين أهل عمارة موحشين، وأهل محلة متشاغلين، لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والاخوان، على ما بينهم من قرب الجوار، ودنو الدار. وكيف يكون بينهم تواصل ؟ وقد طحنهم بكلكه البلى، وأكلتهم الجنادل والثرى، فاصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد غضارة العيش رفاتا، فجع بهم الاحباب وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب، هيهات هيهات، إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون. فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى، والوحدة في المثوى، وارتهنتم في ذلك المضجع، وضمكم ذلك المستودع، فكيف بكم لو قد تناهت الامور، وبعثرت القبور، وحصل ما في الصدور، ووقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل، فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب، وهتكت عنكم الحجب والاستار، وظهرت منكم العيوب والاسرار، هنالك تجزى كل نفس بما كسبت. إن الله عزوجل يقول: " ليجزي الذين آمنوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " (1) وقال: " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " (1). جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه، متبعين لاوليائه، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد. وقال عليه السلام: أنظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها، فانها والله عن قليل تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الامن، لا يرجع ما تولى عنها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها إلى الضعف والوهن، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها.


(1) النجم: 31. (2) الكهف: 46 (*).

[119]

رحم الله عبدا تفكر واعتبر، فأبصر إدبار ما قد أدبر، وحضور ما قد حضر وكأن ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وكأن ما هو كائن من الاخرة لم يزل، وكل ما هو آت قريب، ألا وإن الدنيا لا يسلم منها إلا فيها، ولا ينجى بشئ كان لها، ابتلى الناس بها فتنة، فما أخذوه منها لها أخرجوا منه وحوسبوا عليه، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه، واقاموا فيه، وإنها لذوي العقول كفئ الظل، بينا تراه سابغا حتى قلص، وزائدا حتى نقص. 110 - ضه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالي والدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب مر للقيلولة في ظل شجرة في يوم صيف، ثم راح وتركها. وقال صلى الله عليه وآله: ما الدنيا في الاخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم اصبعه في اليم فلينظر بم يرجع ؟ قال أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا دار مني لها الفناء، ولاهلها منها الجلاء وهي حلوة خضرة، قد عجلت للطالب، والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد، ولا تسألوا فيها فوق الكفاف، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ. وقال عليه السلام: ألا وإن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها ولا ينجى بشئ كان لها، ابتلى الناس بها فتنة فما أخذوه منها لها أخرجوا منه، وحوسبوا عليه، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه، وأقاموا فيه، وإنها عند ذوي العقول كفئ الظل بينا تراه سابغا حتى قلص، وزايدا حتى نقص. وقال عليه السلام: حلاوة الدنيا مرارة الاخرة، ومرارة الاخرة حلاوة الدنيا. وقال عليه السلام: الدنيا تغر وتضر وتمر إن الله تعالى لم يرضها ثوابا لاوليائه ولا عقابا لاعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلول إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا. قال الصادق عليه السلام: حب الدنيا رأس كل خطيئة. وقال المسيح عليه السلام للحواريين: إنما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.

[120]

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن، والزهد في الدنيا يريح القلب والبدن. قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما أصف دارا أولها عناء، وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها آتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن ابصر إليها أعمته. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله جل جلاله أوحى إلى الدنيا أن أتعبى من خدمك وأخدمي من رفضك، وإن العبد إذا تخلى بسيده في جوف الليل المظلم، وناجاه اثبت الله النور في قلبه، فإذا قال: يا رب يا رب، ناداه الجليل جل جلاله لبيك عبدي سلني أعطك، وتوكل علي أكفك، ثم يقول جل جلاله لملائكته: يا ملائكتي انظروا إلى عبدي، قد تخلى في جوف هذا الليل المظلم، والبطالون لاهون والغافلون نيام، اشهدوا أني قد غفرت له. ثم قال عليه السلام: عليكم بالورع، والاجتهاد، والعبادة، وازهدوا في هذه الدنيا الزاهدة فيكم، فانها غرارة، دار فناء وزوال، كم من مغتر بها قد أهلكته وكم من واثقبها قد خانته، وكم من معتمد عليها قد خدعته وأسلمته، واعلموا أن أمامكم طريقا بعيدا، وسفرا مهولا، وممرا على الصراط، ولا بد للمسافر من زاد، ومن لم يتزود وسافر عطب وهلك، وخير الزاد التقوى، إلى آخر الخبر. قال الصادق عليه السلام: كان عيسى بن مريم عليه السلام يقول لاصحابه: يا بني آدم اهربوا من الدنيا إلى الله، وأخرجوا قلوبكم عنها، فانكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم، ولا تبقون لها ولا تبقى لكم، هي الخداعة الفجاعة، المغرور من اغتر بها، المفتون من اطمأن إليها، الهالك من أحبها وأرادها، فتوبوا إلى الله بارئكم واتقوا ربكم، واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا.

[121]

أين آباؤكم وأمهاتكم ؟ أين إخوانكم ؟ أين أخواتكم ؟ أين أولادكم دعوا فأجابوا، واستودعوا الثرى، وجاوروا الموتى، وصاروا في الهلكى، وخرجوا عن الدنيا وفارقوا الاحبة، واحتاجوا إلى ما قدموا، واستغنوا عما خلفوا، كم توعظون ؟ وكم تزجرون ؟ وأنتم لاهون ساهون ؟ مثلكم في الدنيا مثل البهايم أهمتكم بطونكم وفروجكم، أما تستحيون ممن خلقكم، قد وعد من عصاه النار ولستم ممن يقوى على النار، ووعد من اطاعه الجنة ومجاورته في الفردوس الاعلى، فتنافسوا وكونوا من أهله، وانصفوا من أنفسكم، وتعطفوا على ضعفائكم وأهل الحاجة منكم، وتوبوا إلى الله توبة نصوحا، وكونوا عبيدا ابرارا، ولا تكونوا ملوكا جبابرة، ولا من الفراعنة المتمردين على الله، قهرهم بالموت جبار الجبابرة، رب السماوات ورب الارض، وإله الاولين والاخرين، مالك يوم الدين، شديد العقاب، الاليم العذاب، لا ينجو منه ظالم، ولا يفوته شئ ولا يتوارى منه شئ، أحصى كل شئ علمه، وأنزله منزله، في جنة أو نار. ابن آدم الضعيف ! أين تهرب ممن يطلبك في سواد ليلك، وبياض نهارك ؟ وفي كل حال من حالاتك ؟ فقد أبلغ من وعظ، وافلح من اتعظ. قال الله تعالى: يا موسى إن الدنيا دار عقوبة، وجعلتها ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ما كان لي، يا موسى إن عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم وسائرهم من خلقي رغبوا فيها بقدر جهلهم، وما من خلقي أحد عظمها فقرت عينه ولم يحقرها احد إلا انتفع بها. ثم قال الصادق عليه السلام: إن قدرتم الا تعرفوا فافعلوا، وما عليك إن لم يثن عليك الناس، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا إن عليا عليه السلام كان يقول: لا خير في الدنيا، إلا لاحد رجلين: رجل يزداد كل يوم إحسانا، ورجل يتدارك سيئة بالتوبة، وأنى له بالتوبة، والله لو سجد حتى ينقطع عنقه، ما قبل الله منه إلا بولايتنا.

[122]

وقال المسيح عليه السلام: مثل الدنيا والاخرة كمثل رجل له ضرتان: إن ارضى إحداهما أسخطت الاخرى. وقيل للنبي صلى الله عليه وآله: كيف يكون الرجل في الدنيا ؟ قال: كما تمر القافلة قيل: فكم القرار فيها ؟ قال: كقدر المتخلف عن القافلة، قال: فكم ما بين الدنيا والاخرة ؟ قال: غمضة عين، قال الله عزوجل " كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار " (1) الاية. قال النبي صلى الله عليه وآله: الدنيا حلم المنام، أهلها عليها مجازون معاقبون. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله مر على سخلة منبوذة على ظهر الطريق، فقال: أترون هذه هينة على أهلها، فوالله الدنيا أهون على الله من هذه على أهلها. وقال صلى الله عليه وآله: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وشهواتها يطلب من لا فهم له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ " أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه " (2) فقال: إن النور إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح، قالوا: يا رسول الله فهل لذلك علامة يعرف بها ؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والانابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت، قبل نزول الموت. قال صلى الله عليه وآله لابن عمر: كن كأنك غريب أو عابر سبيل، واعدد نفسك مع الموتى. 111 - نبه (3): كان الحسن بن علي عليهما السلام كثيرا ما يتمثل: يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها * إن اغترارا بظل زائل حمق وقال النبي صلى الله عليه وآله: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، ويطلب شهواتها من لافهم له، وعليها يعادي من لا علم له


(1) الاحقاف: 35. (2) الزمر: 22. (3) تنبيه الخواطر: 69 و 70 و 77، متفرقا (*).

[123]

وعليها يحسد من لافقه له، ولها يسعى من لايقين له. وعن علي عليه السلام: الدنيا قد نعت إليك نفسها، وتكشفت لك عن مساويها وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهلا إليها، وتكالبهم عليها، فانهم كلاب عاوية، وسباع ضارية، يهر بعضها على بعض، يأكل عزيزها ذليلها، ويقهر كبيرها صغيرها، نعم معقلة، وأخرى مهملة، قد أضلت عقولها، وركبت مجهولها. 112 - نبه: قال أمير المؤمنين عليه السلام: وأحذركم الدنيا فانها دار قلعة وليست بدار نجعة، دار هانت على ربها، فخلط خيرها بشرها، وحلوها بمرها لم يرضها لاوليائه، ولم يضن بها على أعدائه، رب فعل يصاب به وقته، فيكون سنة، ويخطأ به وقته فيكون سبة. دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال: يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر منه (1) فقال: مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها. قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: واعلموا رحمكم الله أنكم في زمان القائل فيه بالحق قليل، واللسان عن الصدق كليل، واللازم للحق ذليل، أهله معتكفون في العصيان، يصطلحون على الادهان، فتاهم عارم (2) وشائبهم آثم، وعالمهم منافق وقاريهم مماذق (3) ولا يعظم صغيرهم كبيرهم، ولا يعول غنيهم فقيرهم (4). بعضم: إياك وهم الغد [ارض للغد] برب الغد.


(1) الوثير من البساط ما لان وسهل ووطئ يقال: ما أوثر فراشك ؟ اي ما ألينه. (2) العارم: السئ الخلق الشرس، والشائب: الذي ابيض شعره من الهرم، وفي نسخة الكمبانى " شابهم " وهو تصحيف، والتصحيح من نسخة النهج. (3) المماذق المنافق الذي يشوب عمله بالرياء - غير المخلص، وفي نسخة النهج " قارنهم مماذق ". (4) نقله في النهج تحت الرقم 231 من قسم الخطب (*).

[124]

أبو ذر رحمه الله: يومك جملك إذا أخذت برأسه أتاك ذنبه يعني إذا كنت من أول النهار في خير لم تزل فيه إلى آخره. لقمان قال لابنه: يا بني لا تدخل في الدنيا دخولا يضر بآخرتك، ولا تتركها تركا تكون كلا على الناس. علي عليه السلام قلما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته: ايها الناس اتقوا الله فما خلق امرء عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الاخرة التي قبحها سوء النظر عنده، وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته كالاخر الذي ظفر من الاخر بأدنى سهمته (1). 113 - ختص: قال الصادق عليه السلام: من ازداد في الله علما، وازداد للدنيا حبا، ازداد من الله بعدا، وازداد الله عليه غضبا (2). 114 - ختص: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو عدلت الدنيا عند الله عزوجل جناح بعوضة لما سقى الكافر منها شربة (3). 115 - ين: محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إن مثل الدنيا مثل الحية، مسها لين، وفي جوفها السم القاتل، يحذرها الرجل العاقل، ويهوى إليها الصبيان بأيديهم. 116 - ين: فضالة: عن داود بن فرقد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما يسرني بحبكم الدنيا وما فيها، فقال: أف للدنيا وما فيها، وما هي يا داود ؟ هل هي إلا ثوبان وملء بطنك. 117 - ين: النضر، عن درست، عن سلمة، عن ابن أبي يعفور، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إنا لنحب الدنيا ولان لا نؤتاها خير من أن نؤتاها، وما من عبد بسط الله له من دنياه إلا نقص من حظه في آخرته. 118 - ين: عن النضر، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن إسحاق بن غالب


(1) تنبيه الخواطر: 77 و 78 و 79، متفرقا. (2 - 3) الاختصاص: 243 (*).

[125]

قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا إسحاق كم ترى اصحاب هذه الاية " إن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون " (1) ثم قال لي: هم أكثر من ثلثي الناس. وبهذا الاسناد قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول في هذه الاية: " ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون " (2) قال: لو فعل لكفر الناس جميعا. 119 - ين: عن ابن علوان، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام فجاء إليه رجل فشكا إليه الدنيا وذمها، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الدنيا منزل صدق لمن صدقها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار عاقبة لمن فهم عنها، مسجد أحباء الله، ومهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الجنة، وربحوا فيها الرحمة، فلماذا تذمها ؟ وقد آذنت ببينها، ونادت بانقطاعها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت ببلائها إلى البلاء، وشوقت بسرورها إلى السرور، راحت بفجيعة، وابتكرت بعافية، تحذيرا، وترغيبا وتخويفا، فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون [يوم القيامة]. ذكرتهم فذكروا، وحدثتهم فصدقوا: فيا أيها الذام للدنيا، المعتل بتغريرها، متى استذمت إليك الدنيا وغرتك ؟ أبمنازل آبائك من الثرى، أم بمضاجع أمهاتك من البلى، كم مرضت بكفيك، وكم عللت بيديك، تبتغي له الشفاء، وتستوصف له الاطباء، لم ينفعه إشفاقك، ولم تعقه طلبتك، مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك، فجدير بك أن لا يفنى به بكاؤك، وقد علمت أنه لا ينفعك أحباؤك (3). 120 - ين: عن ابن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن ابي عبد الله عليه السلام قال:


(1) براءة: 58. (2) الزخرف: 33. (3) كتاب المؤمن مخطوط، وتراه في النهج تحت الرقم 131 من قسم الحكم (*).

[126]

تمثلت الدنيا لعيسى عليه السلام في صورة امرأة زرقاء، فقال لها: كم تزوجت ؟ قالت: كثيرا قال: فكل طلقك ؟ قالت: بل كلا قتلت، قال: فويح أزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين ؟ قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: مثل الدنيا كمثل البحر المالح، كلما شرب العطشان منه ازداد عطشا حتى يقتله. 121 - ين: فضالة، عن أبان بن عثمان، عن سلمة بن ابي حفص، عن أبي عبد الله، عن ابيه عليهما السلام عن جابر قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بالسوق وأقبل يريد العالية والناس يكتنفه، فمر بجدي أسك على مزبلة ملقى وهو ميت فأخذ باذنه فقال: أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم ؟ قالوا: ما نحب أنه لنا بشئ، وما نصنع به ؟ قال: أفتحبون أنه لكم ؟ قالوا: لا، حتى قال ذلك ثلاث مرات فقالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فكيف وهو ميت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الدنيا على الله أهون من هذا عليكم. 122 - ين: عن فضالة، عن ابان، عن زياد بن ابي رجا، عن ابي هاشم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أصبح والدنيا أكبر همه شتت [الله] عليه أمره، وكان فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن كانت الاخرة أكبر همه كشف الله عنه ضيقه، وجمع له أمره، وأتته الدنيا وهي راغمة. 123 - ين: عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن إسماعيل بن أبي حمزة، عن جابر قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا جابر أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته ثم أردت التحرك منه من يومك ذلك، أو كمال اكتسبته في منامك واستيقظت فليس في يدك منه شئ، وإذا كنت في جنازة فكن كأنك أنت المحمول وكأنك سألت ربك الرجعة إلى الدنيا لتعمل عمل من عاش، فان الدنيا عند العلماء مثل الظل. 124 - ين: عن النضر، عن ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: دخل على النبي صلى الله عليه وآله رجل وهو على حصير قد أثر في جسمه ووسادة ليف قد أثرت في خده، فجعل يمسح ويقول: ما رضي بهذا كسرى ولا قيصر، إنهم ينامون

[127]

على الحرير والديباج، وأنت على هذا الحصير ؟ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لانا خير منهما والله، لانا أكرم منهما والله، ما أنا والدنيا ؟ إنما مثل الدنيا كمثل رجل راكب مر على شجرة ولها فئ فاستظل تحتها، فلما أن مال الظل عنها ارتحل فذهب وتركها. 125 - ين: عن النضر، عن ابي سيار، عن مروان، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال لي علي بن الحسين عليهما السلام: ما عرض لي قط أمران أحدهما للدنيا والاخر للاخرة فآثرت الدنيا، إلا رأيت ما أكره قبل أن امسي ثم قال أبو عبد الله عليه السلام لبني أمية: إنهم يؤثرون الدنيا على الاخرة منذ ثمانين سنة وليس يرون شيئا يكرهونه 126 - ين: ابن أبي عمير، عن الاحمسي، عمن أخبره، عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول: نعم العون الدنيا على الاخرة. 127 ين: الحسن بن علي، عن أبي الحسن عليه السلام قال: قال عيسى عليه السلام للحواريين: يا بني آدم لا تأسوا على ما فاتكم من دنياكم كما لا ياسى أهل الدنيا على ما فاتهم من آخرتهم إذا أصابوا دنياهم. 128 - محص: ابن ابي عمير، عن هشام بن سالم، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: عجبا كل العجب لمن عمل لدار الفناء، وترك دار البقاء. 129 - محص: عن مالك بن أعين قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: يا مالك إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي دينه إلا من يحب. 130 - ما: عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد ابن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: راس كل خطيئة حب الدنيا. وبهذا الاسناد، عن هشام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنا لنحب الدنيا، وأن لا نعطاها خير لنا، وما أعطي أحد منها شيئا إلا نقص حظه في

[128]

الاخرة، قال: فقال له رجل: والله إنا لنطلب الدنيا فقال له أبو عبد الله عليه السلام: تصنع بها ماذا ؟ قال: أعود بها على نفسي، وعلى عيالي، وأتصدق منها، واصل منها، وأحج منها، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس هذا طلب الدنيا هذا طلب الاخرة (1). 131 - نهج: [قال عليه السلام] أهل الدنيا كركب يسار بهم، وهم نيام (2). وقال عليه السلام: إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما اسرع الملتقى (3). وقال عليه السلام: الدهر يخلق الابدان، ويجدد الامال، ويقرب المنية ويباعد الامنية، من ظفر به نصب، ومن فاته تعب (4). وقال عليه السلام: نفس المرء خطاه إلى أجله (5). وقال عليه السلام: كل معدود منقض، وكل متوقع آت (6). 132 - نهج: ومن خبر ضرار بن ضمرة الضبابي عند دخوله على معاوية ومسألته عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم ويبكى بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا يا دنيا إليك عني أبي تعرضت أم إلي تشوقت، لا حان حينك، هيهات غري غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه من قلة الزاد وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد، وخشونة المضجع (7).


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 275 و 276. (2) نهج البلاغة الرقم 64 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 28 من الحكم. (4) نهج البلاغة الرقم 72 من الحكم. (5) نهج البلاغة الرقم 74 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 75 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 77 من الحكم (*).

[129]

133 - نهج: قال عليه السلام: إن الدنيا والاخرة عدوان متفاوتان، وسبيلان مختلفان، فمن أحب الدنيا وتولاها ابغض الاخرة وعاداها، وهما بمنزلة المشرق والمغرب، وماش بينهما، كلما قرب من واحد بعد من الاخر، وهما بعد ضرتان (1). 134 - نهج: قال عليه السلام: مثل الدنيا كمثل الحية: لين مسها، والسم الناقع في جوفها، يهوى إليها الغر الجاهل، ويحذرها ذواللب العاقل (2). 135 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام وقد سمع رجلا يذم الدنيا: أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، المنخدع بأباطيلها، أتغتر بالدنيا ثم تذمها ؟ أنت المتجرم عليها أم هي المتجرمة عليك ؟ متى استهوتك ؟ أم متى غرتك ؟ أبمصارع آبائك من البلى ؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم عللت بكفيك وكم مرضت بيديك، تبغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الاطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك، ولم تدفع عنهم بقوتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك. إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة فمن ذا يذمها ؟ وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت لهم ببلائها البلاء، وشوقتهم بسرورها إلى السرور، راحت بعافية، وابتكرت بفجيعة، ترغيبا وترهيبا، وتخويفا وتحذيرا، فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا (3).


(1) نهج البلاغة الرقم 103 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 119 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 131 من الحكم (*).

[130]

وقال عليه السلام: الدنيا دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها (1). وقال عليه السلام: لكل مقبل إدبار وما ادبر كأن لم يكن (2). وقال عليه السلام: الامر قريب والاصطحاب قليل (3). وقال عليه السلام: الرحيل وشيك (4). وقال عليه السلام: إنما المرؤ في الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا، ونهب تبادره المصائب، ومع كل جرعة شرق، وفي كل أكلة غصص، ولا ينال العبد نعمة إلا [بفراق أخرى، ولا يستقبل يوما من عمره إلا] (5) بفراق آخر من أجله فنحن أعوان المنون، وأنفسنا نصب الحتوف، فمن أين نرجو البقاء، وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شئ شرفا إلا اسرعا الكرة في هدم ما بنيا، وتفريق ما جمعا (6). وقال عليه السلام: من لهج قلبه بحب الدنيا التاط منها بثلاث: هم لا يغبه، وحرص لا يتركه، وأمل لا يدركه (7). وقال عليه السلام: والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم (8).


(1) نهج البلاغة الرقم 133 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 152 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 168 من الحكم. (4) نهج البلاغة الرقم 187 من الحكم. (5) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمباني. (6) نهج البلاغة الرقم 191 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 228 من الحكم. (8) نهج البلاغة الرقم 236 من الحكم، والعراق - بالضم - العظم أكل لحمه أو بالكسر - وهو من الحشا ما فوق السرة معترضا بالبطن، كانه يريد به الكرش، وعلى الوجهين ما أقذره إذا كان بيد مجذوم (*).

[131]

قال عليه السلام: مرارة الدنيا حلاوة الاخرة، وحلاوة الدنيا مرارة الاخرة (1). وقال عليه السلام: الناس في الدنيا عاملان: عامل في الدنيا للدنيا، قد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلف الفقر، ويأمنه على نفسه، فيفنى عمره في منفعة غيره، وعامل عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عمل فأحرز الحظين معا، وملك الدارين جميعا، فاصبح وجيها عند الله لا يسأل الله شيئا فيمنعه (2). وقال عليه السلام: الناس أبناء الدنيا، ولا يلام الرجل على حب أمه (3). وقال عليه السلام: يا أيها الناس متاع الدنيا حطام موبئ (4) فتجنبوا مرعاه قلعتها أحظى من طمأنينتها، وبلغتها أزكى من ثروتها، حكم على مكثريها بالفاقة وأعين من غنى عنها بالراحة، من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها (5) ومن استشعر الشغف بها ملات ضميره أشجانا، لهن رقص على سويداء قلبه، هم يشغله، وهم يحزنه، كذلك حتى يؤخذ بكظمه (6) فيلقى بالفضاء منقطعا أبهراه، هينا على الله فناؤه، وعلى الاخوان إلقاؤه، وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار


(1) نهج البلاغة الرقم 251 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 269 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 303 من الحكم. (4) الموبئ الكثير الوباء - ومرعى وبئ: أي مرتع إذا سرح فيه الدواب أصابها الوباء والطاعون. وقوله " قلعتها أحظى من طمأنينتها " القلعة: النزوع والعزلة أي الكف منها اسعد وأحظى من أن تطمئن وتركن إليها. (5) - الكمه - محركة - العمى، فان حب زبرجها وزينتها يعمى البصر عن رؤية عاقبتها. (6) - الكظم - محركة - الحلقوم، أو مخرج النفس، والاخذ بالكظم كناية عن الخنق والابهر: عرق مستبطن الصلب إذا انقطع لم يبق صاحبه، وفي الصحاح: وهما أبهران يخرجان من القلب ثم يتشعب منهما سائر الشرائين، وقيل: هما الوريدان (*).

[132]

ويقتات منها ببطن الاضطرار، ويسمع فيها باذن المقت والابغاض، إن قيل: أثرى، قيل: أكدى (1) وإن فرح له بالبقاء حزن له بالفناء، هذا ولم يأتهم يوم فيه يبلسون (2). 136 - نهج: روى أنه عليه السلام قلما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته: أيها الناس اتقوا الله فما خلق امرؤ عببثا فيلهو، ولا ترك سدى فليغو، وما دنياه التي تحسنت له بخلف من الاخرة التي قبحها سوء النظر عنده، وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلا همته، كالاخر الذي ظفر من الاخرة بأدنى سهمته (3). وقال عليه السلام: رب مستقبل يوما ليس بمستدبره، ومغبوط في أول ليله قامت بواكيه في آخره (4). وقال عليه السلام: الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل (5). وقال: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها ولا ينال ما عنده إلا بتركها (6). وقال عليه السلام في صفة الدنيا: إن الدنيا تغر وتضر وتمر، إن الله تعالى لم يرضها ثوابا لاوليائه، ولا عقابا لاعدائه، وإن أهل الدنيا كركب بينا هم حلوا إذ صاح بهم سائقهم فارتحلوا (7). وقال عليه السلام: الا حر يدع هذه اللماظة لاهلها ؟ إنه ليس لانفسكم ثمن إلا


(1) أثرى: أي صار ذا ثروة وغناء، وأكدى: أي صادف الكدية، فلا يظفر بحاجته ورجع القهقرى إلى حالته الاولى من الفقر. (2) نهج البلاغة الرقم 367 من قسم الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 370 من الحكم. (4) نهج البلاغة الرقم 380 من الحكم. (5) نهج البلاغة الرقم 384 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 385 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 415 من الحكم.

[133]

الجنة فلا تبيعوها إلا بها (1). وقال عليه السلام: منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا (2). وقال عليه السلام: الدنيا خلقت لغيرها، ولم تخلق لنفسها (3). ومن خطبة له عليه السلام: ألا وإن الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها، ولا ينجى بشئ كان لها، ابتلى الناس بها فتنة، فما أخذوه منها لها أخرجوا منه، وحوسبوا عليه، وما أخذوه منها لغيرها قدموا عليه، واقاموا فيه، فانها عند ذوي العقول كفئ الظل، بينا تراه سابغا حتى قلص، وزائدا حتى نقص (4). وقال عليه السلام: ما اصف من دار أولها عناء، وآخرها فناء. في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته ومن قعد عنها واتته، ومن أبصر بها بصرته، ومن ابصر إليها أعمته (5). 137 - نهج: من خطبة له عليه السلام: بعثه حين لا علم قائم، ولا منار ساطع ولا منهج واضح، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم الدنيا فانها دار شخوص ومحلة تنغيص، ساكنها ظاعن، وقاطنها بائن، تميد بأهلها ميدان السفينة، تعصفها العواصف في لجج البحار، فمنهم الغرق الوبق (6)، ومنهم الناجي على متون


(1) نهج البلاغة الرقم 456 واللماظة - بالضم: ما بقى من الطعام في الفم: عبر عن الدنيا الفانية التي أدبرت وآذنت بوداع باللماظة الباقية في الفم بعد أكل الطعام وقبل المضمضة والاستياك، كما شبهها في غير مورد بصبابة الاناء وسملة الحوض. (2) نهج البلاغة الرقم 457 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 463 من الحكم. (4) نهج البلاغة الرقم 61 من الخطب. (5) نهج البلاغة الرقم 80 من الخطب. (6) الوبق - ككتف - الهالك والحفز الدفع. والمعنى أن الذي غرق في البحر حين تكسر به السفينة فلا يستدرك، ولا يمكن خلاصه، وأما من حمل على متن الامواج، ولاقى شدة المحن والاهوال حين يلقيه موج إلى موج، تارة يعلو على الماء ومرة يعلو الماء =

[134]

الامواج، تحفزه الرياح بأذيالها، وتحمله على أهوالها، فما غرق منها فليس بمستدرك، وما نجا منها فالى مهلك. عباد الله الان فاعملوا والالسن مطلقة، والابدان صحيحة، والاعضاء لدنة والمتقلب فسيح، والمجال عريض، قبل إرهاق الفوت، وحلول الموت، فحققوا عليكم نزوله، ولا تنتظروا قدومه (1). 138 - نهج: من كلام له عليه السلام: أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز والاخرة دار قرار، فخذوا من ممركم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم، عند من يعلم أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم، من قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم، إن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك ؟ وقالت الملائكة ما قدم ؟ لله آباؤكم فقدموا بعضا يكن لكم قرضا، ولا تخلفوا كلا فيكون عليكم كلا (2). ومن كلام له عليه السلام كثيرا ما ينادي به أصحابه: تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل، وأقلوا العرجة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فان أمامكم عقبة كؤودا، ومنازل مخوفة مهولة، لا بد من الورود عليها، والوقوف عندها. واعلموا أن ملاحظ المنية نحوكم دانية، وكأنكم بمخالبها وقد نشبت فيكم، وقد دهمتكم منها مفظعات الامور، ومعضلات المحذور، فقطعوا علائق الدنيا، واستظهروا بزاد التقوى (3). 139 - نهج: الحمد لله غير مقنوط من رحمته، ولا مخلو من نعمته، ولا


= عليه، فهو وان نجا من هذه المهلكة في البحر، تترقبه مهلكة أخرى في البر ليفنيها فهو أيضا ليس بناج. (1) نهج البلاغة الرقم 194 من الخطب. (2) نهج البلاغة الرقم 201 من الخطب وفيه: فرضا عليكم. (3) نهج البلاغة الرقم 202 من الخطب (*).

[135]

مأيوس من مغفرته، ولا مستنكف من عبادته، الذي لا تبرح منه رحمة، ولا تفقد له نعمة، والدنيا دار مني لها الفناء، ولاهلها منها الجلاء، وهي حلوة خضرة، قد عجلت للطالب، والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد، ولا تسألوا فوق الكفاف، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ (1). 140 - كنز الكراجكي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب دنياه اضر بآخرته. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا دول، فاطلب حظك منها بأجمل الطلب. وقال صلى الله عليه وآله: من أمن الزمان خافه، ومن غالبه أهانه. وقال صلى الله عليه وآله: الدهر يومان: يوم لك، ويوم عليك، فان كان لك فلا تبطر وإن كان عليك فاصبر، فكلاهما غائب سيحضر. - 123 - (باب) * " (حب المال وجمع الدينار والدرهم وكنزهما) " * الايات: الانفال: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (2). التوبة: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (3). الكهف: المال والبنون زينة الحيوة الدنيا (4).


(1) نهج البلاغة الرقم 45 من الخطب. (2) الانفال: 28. (3) براءة: 34 - 35. (4) الكهف: 45 (*).

[136]

القصص: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين * قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون * فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون * فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه مندون الله وما كان من المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لو لا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (1). المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (2). التغابن: إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم (3). المعارج: تدعو من أدبر وتولى * وجمع فأوعى (4). الفجر: فأما الانسان إذا ما ابتليه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتليه وقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما * كلا إذا دكت الارض دكا دكا * وجاء ربك والملك صفا صفا *


(1) القصص: 76 - 82. (2) المنافقون: 9. (3) التغابن: 15. (4) المعارج: 17 - 18 (*).

[137]

وجئ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الانسان وأنى له الذكرى * يقول يا ليتني قدمت لحيوتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد (1). العاديات: وإن الانسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه لحب الخير لشديد * افلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذ لخبير (2). الهمزة: ويل لكل همزة لمزة * الذي جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * كلا لينبذن في الحطمة * وما أدريك ما الحطمة * نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة * إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة. 1 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: إن كان الحساب حقا فالجمع لماذا (3). 2 - لى: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن التفليسي، عن السمندي، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان في بني إسرائيل مجاعة حتى نبشوا الموتى فأكلوهم. فنبشوا قبرا فوجدوا فيه لوحا فيه مكتوب: أنا فلان النبي ينبش قبري حبشي، ما قدمنا وجدناه، وما أكلنا ربحناه، وما خلفنا خسرناه (4). 3 - لى: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن أول درهم ودينار ضربا في الارض نظر إليهما إبليس فلما عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه، ثم ضمهما إلى صدره، ثم صرخ صرخة ثم ضمهما إلى صدره ثم قال: أنتما قرة عيني، وثمرة فؤادي، ما أبالي من بني آدم إذا أحبو كما أن لا يعبدوا وثنا، حسبي من بني آدم أن يحبوكما (5).


(1) الفجر: 15 - 16. (2) العاديات: 6 - 11. (3) امالي الصدوق: 6. (4) أمالي الصدوق: 361. (5) أمالى الصدوق: 121 (*).

[138]

4 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " (1) فان الله حرم كنز الذهب والفضة، وأمر بانفاقه في سبيل الله، وقوله: " يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " قال: كان أبو ذر الغفاري يغدو كل يوم وهو بالشام فينادي بأعلا صوته: بشر أهل الكنوز بكى في الجباه، وكي بالجنوب، وكي بالظهور أبدا حتى يتردد الحر [ق] في أجوافهم (2). 5 - ل (3) ن: الفامي، عن ابن بطة، عن محمد بن علي بن محبوب، عن اليقطيني، عن ابن بزيع قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: لا يجتمع المال إلا بخصال خمس: ببخل شديد، وأمل طويل، وحرص غالب، وقطيعة الرحم، وإيثار الدنيا على الاخرة (4). 6 - ما: باسناد المجاشعي، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله ؟ قالوا: ما فينا أحد يحب ذلك يا نبي الله، قال: بل كلكم يحب ذلك، ثم قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما عدا ذلك فهو مال الوارث (5). 7 - ما: بهذا الاسناد، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام أنه سئل عن الدنانير والدراهم، وما على الناس فيها ؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: هي خواتيم الله في أرضه جعلها الله مصحة لخلقه، وبها يستقيم شؤونهم ومطالبهم، فمن أكثر له منها فقام


(1) براءة: 34 و 35. (2) تفسير القمى: 265. (3) الخصال ج 1 ص 136. (4) عيون الاخبار ج 1 ص 276. (5) أمالي الطوسى ج 2 ص 133.

[139]

بحق الله تعالى فيها، وادى زكاتها فذاك الذي طابت وخلصت له، ومن أكثر له منها فبخل بها، ولم يؤد حق الله فيها، واتخذ منها الانية، فذاك الذي حق عليه وعيد الله عزوجل في كتابه، يقول الله تعالى: " يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " (1). 8 - ما: بهذا الاسناد قال: لما نزلت هذه الاية: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم " قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مال يؤدى زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع ارضين، وكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان فوق الارض (2). 9 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن محمد بن سنان، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما بلى الله العباد بشئ أشد عليهم من إخراج الدراهم (3). اقول: قد مضى بعض الاخبار في باب الغنى (4). 10 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن زياد بن مروان، عن أبي وكيع، عن أبي إسحاق، عن الحارث قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم (5). 11 - ل: عن ابيه: عن محمد بن العطار، عن الاشعري رفعه قال: الذهب والفضة حجران ممسوخان، فمن أحبهما كان معهما. قال الصدوق رحمه الله: يعني من أحبهما حبا يمنع حق الله منهما (6). 12 - ل: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 133 والاية في براءة: 34. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 133. (3) الخصال ج 1 ص 8. (4) راجع ج 72 ص 56 - 68. (5 و 6) الخصال ج 1 ص 23.

[140]

محمد بن سنان، عن أبي الجارود، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الفتن ثلاث: حب النساء، وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر، وهو فخ الشيطان، وحب الدينار والدرهم، وهو سهم الشيطان، فمن أحب النساء لم ينتفع بعيشه، ومن أحب الاشربة حرمت عليه الجنة، ومن أحب الدينار والدرهم فهو عبد الدنيا. وقال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: الدينار داء الدين، والعالم طبيب الدين، فإذا رأيتم الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاتهموه، واعلموا أنه غير ناصح لغيره (1). 13 - ل: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن اليقطيني، عن محمد بن إبراهيم النوفلي، عن الحسين بن المختار رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون ملعون من كمه أعمى، ملعون ملعون من عبد الدينار والدرهم، ملعون ملعون من نكح بهيمة (2). مع: عن ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن ابن يزيد، عن محمد ابن إبراهيم النوفلي مثله. قال الصدوق رحمه الله: قوله عليه السلام: ملعون من عبد الدينار والدرهم، يعني به من يمنع زكاة ماله، ويبخل بمواساة إخوانه، فيكون قد آثر عبادة الدينار والدرهم على عبادة خالقه (3). 14 - ع: عن علي بن أحمد بن محمد، عن الكليني، عن علي بن محمد رفعه قال أتى يهودي أمير المؤمنين عليه السلام فسأله عن مسائل فكان فيما سأله: لم سمي الدرهم درهما، والدينار دينارا ؟ فقال عليه السلام: إنما سمي الدرهم درهما لانه دارهم من جمعه ولم ينفقه في طاعة الله، أورثه النار، وإنما سمي الدينار دينارا لانه دار


(1) الخصال ج 1 ص 56. (2) الخصال ج 1 ص 64. (3) معاني الاخبار: 403 (*).

[141]

النار من جمعه ولم ينفقه في طاعه الله أورثه النار، فقال اليهودي صدقت: يا أمير المؤمنين (1). 15 - مع: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن علي بن إسماعيل عن صفوان، عن ابن الحجاج عمن سمعه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الزكاة ما يأخذ منها الرجل ؟ وقلت له: إنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أيما رجل ترك دينارين فهما كي بين عينيه، قال: فقال: أولئك قوم كانوا اضيافا على رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا أمسى قال: يا فلان اذهب فعش هذا، وإذا اصبح قال: يا فلان اذهب فغد هذا، فلم يكونوا يخافون أن يصبحوا بغير غداء، ولا بغير عشاء فجمع الرجل منهم دينارين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله فيه هذه المقالة وإن الناس إنما يعطون من السنة إلى السنة، فللرجل أن يأخذ ما يكفيه، ويكفي عياله من السنة إلى السنة (2). 16 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن فضالة، عن أبان قال: ذكر بعضهم عند أبي الحسن عليه السلام فقال: بلغنا أن رجلا هلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وترك دينارين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ترك كثيرا، قال: إن ذاك كان رجلا يأتي أهل الصفة فيسألهم فمات، وترك دينارين (3). 17 - مع: الحسن بن حمزة العلوي، عن محمد بن أوميدوار، عن الصفار عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لعن الله الذهب والفضة، لا يحبهما إلا من كان من جنسهما، قلت: جعلت فداك الذهب والفضة ؟ قال: ليس حيث تذهب إليه إنما الذهب الذي ذهب بالدين والفضة الذي أفاض الكفر. قال الصدوق رحمه الله: هذا حديث لم أسمعه إلا من الحسن بن حمزة العلوي ولم


(1) علل الشرايع ج 1 ص 4. (2) معاني الاخبار: 152. (3) معاني الاخبار: 153 (*).

[142]

أروه عن شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ولكنه صحيح عندي يؤيده الخبر المنقول عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الظلمة والمال لا يدوس إنما يداس به، فهو كناية عمن ذهب بالدين وأفاض الكفر، وإنما وقعت الكناية بهما لانهما أثمان كل شئ كما أن الذين كنى عنهم اصول كل كفر وظلم (1). 18 - ل (2) مع: الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: السكر اربع سكرات: سكر الشراب، وسكر المال، وسكر النوم، وسكر الملك (3). 19 - ص: بالاسناد إلى الصدوق عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الاهوازي، عن فضالة، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام لا تفرح بكثرة المال، ولا تدع ذكري على حال، فان كثرة المال تنسي الذنوب، وترك ذكري يقسي القلوب. 20 - شى: عن عثمان بن عيسى، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " (4) قال: هو الرجل يدع المال لا ينفقه في طاعة الله بخلا، ثم يموت فيدعه لمن يعمل به في طاعة الله أو في معصيته فان عمل به في طاعة الله رآه في ميزان غيره فزاده حسرة، وقد كان المال له أو عمل به في معصية الله [فهو] قواه بذلك المال حتى عمل به في معاصي الله (5). 21 - م: سئل أمير المؤمنين عليه السلام من أعظم الناس حسرة ؟ قال: من رأى ماله في ميزان غيره، وادخله الله به النار، وأدخل وارثه به الجنة. 22 - شى: عن سعدان، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله " الذين يكنزون الذهب


(1) معاني الاخبار: 313 و 314. (2) الخصال ج 1 ص 170. (3) معاني الاخبار: 365. (4) البقرة: 167. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 72 (*).

[143]

والفضة " إنما عنى بذلك ما جاوز ألفي درهم (1). 23 - شى: عن معاذ بن كثير صاحب الاكسية قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال: موسع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كل ذي كنز كنزه، حتى يأتيه فيستعين به على عدوه، وذلك قول الله " الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " (2). 24 - شى: عن الحسين بن علوان، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن إذا كان عنده من ذلك شئ ينفقه على عياله ما شاء، ثم إذا قام القائم فيحمل إليه ما عنده، وما بقي من ذلك يستعين به على أمره، فقد ادى ما يجب عليه (3). 25 - جا: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن القاسم بن عروة، عن رجل، عن أحدهما عليه السلام في معنى قوله عز وجل: " كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " (4) قال: الرجل يكسب مالا فيحرم أن يعمل خيرا فيموت، فيرثه غيره، فيعمل عملا صالحا، فيرى الرجل ما كسب حسنات في ميزان غيره (5). 26 - ضه: قال الصادق عليه السلام: إن عيسى بن مريم توجه في بعض حوائجه ومعه ثلاثة نفر من أصحابه، فمر بلبنات من ذهب على ظهر الطريق، فقال عليه السلام لاصحابه: إن هذا يقتل الناس ثم مضى، فقال أحدهم: إن لي حاجة فانصرف ثم قال الاخر: لي حاجة فانصرف، ثم قال الاخر: لي حاجة فانصرف، فوافوا عند الذهب ثلاثتهم فقال اثنان لواحد: اشتر لنا طعاما فذهب يشتري لهما طعاما فجعل فيه سما ليقتلهما، كيلا يشاركاه في الذهب، وقال الاثنان: إذا جاء قتلناه كيلا يشاركنا، فلما جاء قاما إليه فقتلاه، ثم تغديا فماتا.


(1 - 3) تفسير العياشي ج 2 ص 87، والاية في براءة: 34. (4) البقرة: 167. (5) مجالس المفيد: 127 (*).

[144]

فرجع إليهم عيسى عليه السلام وهم موتى حوله، فأحياهم باذن الله عزوجل وقال: ألم اقل لكم أن هذا يقتل الناس ؟. 27 - ين: فضالة عن ابن عميرة، عن علي بن المغيرة، عن أخ له قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ذئبان جائعان في غنم قد فرقها راعيها أحدهما في أولها والاخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المرء المسلم. 28 - نهج: قال عليه السلام: يا ابن آدم ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك (1). وقال عليه السلام وقد مر بقذر على مزبلة: هذا ما بخل به الباخلون، وروي أنه قال: هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالامس (2). وقال عليه السلام: لم يذهب من مالك ما وعظك (3). وقال عليه السلام: لكل امرئ في ماله شريكان: الوارث والحوادث (4). وقال عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: يا بني لا تخلفن وراءك شيئا من الدنيا فانك تخلفه لاحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله فسعد بما شقيت به، وإما رجل عمل فيه بمعصية الله فكنت عونا له على معصيته، وليس أحد هذين حقيقا أن تؤثره على نفسك. ويروي هذا الكلام على وجه آخر وهو: أما بعد فان الذي في يديك من الدنيا قد كان له أهل قبلك، وهو صائر إلى أهل بعدك، وإنما أنت جامع لاحد رجلين: رجل عمل فيما جمعته بطاعة الله فسعد بما شقيت به، أو رجل عمل


(1) نهج البلاغة الرقم 192 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 195 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 196 من الحكم. (4) نهج البلاغة الرقم 335 من الحكم (*).

[145]

فيه بمعصية الله، فشقي بما جمعت له، وليس أحد هذين أهلا أن تؤثره على نفسك، وتحمل له على ظهرك، فارج لمن مضى رحمة الله، ولمن بقي رزق الله عزوجل (1). - 124 - (باب) " (حب الرياسة) " الايات: القصص: تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (2). 1 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن عليه السلام أنه ذكر رجلا فقال إنه يحب الرياسة، فقال: ما ذئبان ضاريان في غنم قد تفرق رعاؤها بأضر في دين المسلم من طلب الرياسة (3). بيان: " إنه ذكر رجلا " ضماير " إنه " و " ذكر " و " فقال " أولا، راجعة إلى معمر، ويحتمل رجوعها إلى الامام عليه السلام، والرياسة الشرف والعلو على الناس من رأس الرجل يراس مهموزا بفتحتين رياسة شرف وعلا قدره، فهو رئيس والجمع رؤساء مثل شريف وشرفاء، والضاري السبع الذي اعتاد بالصيد وإهلاكه، والرعاء بالكسر والمد جمع راع اسم فاعل وبالضم اسم جمع صرح بالاول صاحب المصباح وبالثاني القاضي، وتفرق الرعاء لبيان شدة الضرر، فان الراعي إذا كالن حاضرا يمنع الذئب عن الضرر ويحمي القطيع. والظاهر أن قوله: " في دين المسلم " صلة للضرر المقدر أي ليس ضرر الذئبين في الغنم بأشد من ضرر الرياسة في دين المسلم، ففي الكلام تقديم وتأخير.


(1) نهج البلاغة الرقم 416 من الحكم. (2) القصص: 83. (3) الكافي ج 2 ص 297 (*).

[146]

ويؤيده ما سيأتي في باب حب الدنيا مثله (1) هكذا " بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم ". وقيل: في دين المسلم حال عن الرياسة قدم عليه، ولا يخفى ما فيه، وفيه تحذير عن طلب الرياسة، وللرياسة أنواع شتى، منها ممدوحة، ومنها مذمومة، فالممدوحة منها الرياسة التي أعطاها الله تعالى خواص خلقه من الانبياء والاوصياء عليهم السلام لهداية الخلق وإرشادهم، ودفع الفساد عنهم، ولما كانوا معصومين مؤيدين بالعنايات الربانية، فهم مأمونون من أن يكون غرضهم من ذلك تحصيل الاغراض الدنية والاغراض الدنيوية، فإذا طلبوا ذلك ليس غرضهم إلا الشفقة على خلق الله وإنقاذهم من المهالك الدنيوية والاخروية، كما قال يوسف عليه السلام: " اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم " (2). وأما ساير الخلق فلهم رياسات حقة، ورياسات باطلة، وهي مشتبهة بحسب نياتهم، واختلاف حالاتهم، فمنها القضاء والحكم بين الناس وهذا أمر خطير وللشيطان فيه تسويلات، ولذا وقع التحذير عنه في كثير من الاخبار وأما من يأمن ذلك من نفسه، ويظن أنه لا ينخدع من الشيطان، فإذا كان في زمان حضور الامام عليه السلام وبسط يده عليه السلام وكلفه ذلك يجب عليه قبوله، وأما في زمان الغيبة فالمشهور أنه يجب على الفقيه الجامع لشرايط الحكم والفتوى ارتكاب ذلك، إما عينا وإما كفاية. فان كان غرضه من ارتكاب ذلك إطاعة امامه والشفقة على عباد الله، وإحقاق حقوقهم، وحفظ فروجهم وأموالهم وأعراضهم عن التلف، ولم يكن غرضه الترفع على الناس، والتسلط عليهم، ولا جلب قلوبهم، وكسب المحمدة منهم، فليست رياسته رياسة باطلة، بل رياسة حقة أطاع الله تعالى فيها ونصح إمامه.


(1) يعني باب حب الدنيا من الكافي ج 2 ص 315، وقد مر في الباب 122 تحت الرقم: 14. (2) يوسف: 55 (*).

[147]

وإن كان غرضه كسب المال الحرام، وجلب قلوب الخواص والعوام وأمثال ذلك فهي الرياسة الباطلة التي حذر عنها، وأشد منها من ادعى ما ليس له بحق كالامامة والخلافة، ومعارضة ائمة الحق فانه على حد الشرك بالله وقريب منه ما فعله الكذابون المتصنعون [الذين كانوا في أعصار الائمة عليهم السلام وكانوا يصدون الناس عن الرجوع إليهم كالحسن البصري وسفيان الثوري] (1) وأبي حنيفة وأضرابهم. ومن الرياسات المنقسمة إلى الحق والباطل ارتكاب الفتوى والتدريس والوعظ فمن كان أهلا لتلك الامور، عالما بما يقول: متبعا للكتاب والسنة، وكان غرضه هداية الخلق، وتعليمهم مسائل دينهم، فهو من الرياسة الحقة، ويحتمل وجوبه إما عينا أو كفاية، ومن لم يكن أهلا لذلك، ويفسر الايات برأيه، والاخبار مع عدم فهمها، ويفتي الناس بغير علم فهو ممن قال الله سبحانه فيهم " قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (2). وكذلك من هو أهل لتلك الامور من جهة العلم، لكنه مراء متصنع، يحرف الكلم عن مواضعه ويفتي الناس بخلاف ما يعلم، أو كان غرضه محض الشهرة، وجلب القلوب أو تحصيل الاموال والمناصب فهو ايضا من الهالكين ومنها أيضا إمامة الجمعة والجماعة، فهذا أيضا إن كان أهله وصحت نيته فهو من الرياسات الحقة وإلا فهو ايضا من أهل الفساد. والحاصل أن الرياسة إن كانت بجهة شرعية ولغرض صحيح، فهي ممدوحة وإن كانت على غير الجهات الشرعية أو مقرونة بالاغراض الفاسدة، فهي مذمومة فهذه الاخبار محمولة على أحد هذه الوجوه الباطلة، أو على ما إذا كان المقصود نفس الرياسة والتسلط.


(1) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 277. (2) الكهف: 103 و 104 (*).

[148]

قال بعض المحققين: معنى الجاه ملك القلوب، والقدرة عليها، فحكمها حكم ملك الاموال، فانه غرض من أغراض الحياة الدنيا، وينقطع بالموت كالمال، والدنيا مزرعة الاخرة، فكلما خلق الله في الدنيا فيمكن أن يتزود منه إلى الاخرة، وكما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم والملبس، فلا بد من أدنى جاه، لضرورة المعيشة مع الخلق، والانسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام والمال الذي يبتاع به الطعام، فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه، ورفيق يعينه، واستاد يعلمه، وسلطان يحرسه، ويدفع عنه ظلم الاشرار. فحبه أن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم، وحبه لان يكون في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم، وحبه لان يكون في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ليس بمذموم، وحبه لان يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحثه ذلك على دفع الشر عنه ليس بمذموم، فان الجاه وسيلة إلى الاغراض كالمال. فلا فرق بينهما إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن يكون المال والجاه في أعيانهما محبوبين، بل ينزل ذلك منزلة حب الانسان أن يكون في داره بيت ماء لانه يضطر إليه لقضاء حاجته وبوده لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء، وهذا على التحقيق ليس بحب لبيت الماء، فكل ما يراد به التوصل إلى محبوب، فالمحبوب هو المقصود المتوصل إليه. وتدرك التفرقة بمثال، وهو أن الرجل قد يحب زوجته من حيث إنه يدفع بها فضلة الشهوة، كما يدفع ببيت الماء فضلة الطعام، ولو كفي مؤنة الشهوة لكان يهجر زوجته، كما لو كفي قضاء الحاجة لكان لا يدخل بيت الماء، ولا يدور به، وقد يحب زوجته لذاتها حب العشاق، ولو كفي الشهوة لبقي مستصحبا لنكاحها.

[149]

فهذا هو الحب دون الاول، فكذلك الجاه والمال قد يحب كل واحد منهما من هذين الوجهين، فحبهما لاجل التوسل إلى مهمات البدن غير مذموم، وحبهما لاعيانهما فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم، ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان، ما لم يحمله الحب على مباشرة معصية، وما لم يتوصل إلى اكتسابه بعبادة فان التوصل إلى المال والجاه بالعبادة خيانة على الدين، وهو حرام، وإليه يرجع معنى الرياء المحظور كما مر. فان قلت: طلب الجاه والمنزلة في قلب استاذه وخادمه ورفيقه وسلطانه ومن يرتبط به أمره مباح على الاطلاق، كيف ما كان ؟ أو مباح إلى حد مخصوص أو على وجه مخصوص ؟ فأقول: يطلب ذلك على ثلاثة أوجه: وجهان منها مباح ووجه منها محظور. أما المحظور، فهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوبهم باعتقادهم فيه صفة هو منفك عنها، مثل العلم والورع والنسب، فيظهر لهم أنه علوي أو عالم أو ورع، ولا يكون كذلك، فهذا حرام لانه تلبيس وكذب، إما بالقول وإما بالفعل. وأما المباح فهو أن يطلب المنزلة بصفة وهو متصف بها كقول يوسف عليه السلام: " اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم " (1) فانه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظا عليما، وكان محتاجا إليه، وكان صادقا فيه. والثاني أن يطلب إخفاء عيب من عيوبه، ومعصية من معاصيه، حتى لا يعلمه فلا تزول منزلته به، فهذا أيضا مباح لان حفظ الستر على القبايح جايز، ولا يجوز هتك الستر، وإظهار القبح، فهذا ليس فيه تلبيس، بل هو سد لطريق العلم بما لا فائدة في العلم به، كالذي يخفي عن السلطان أنه يشرب الخمر، ولا يلقى إليه أنه ورع، فان قوله: " إني ورع " تلبيس، وعدم إقراره بالشرب لا يوجب اعتقاده الورع، بل يمنع العلم بالشرب. ومن جملة المحظورات تحسين الصلاة بين يديه لان تحسن فيه اعتقاده، فان


(1) يوسف: 55 (*).

[150]

ذلك رياء وهو ملبس، إذ يخيل إليه أنه من المخلصين الخاشعين لله وهو مراء بما يفعله، فكيف يكون مخلصا، فطلب الجاه بهذا الطريق حرام، وكذا بكل معصية، وذلك يجري مجرى اكتساب المال من غير فرق، وكما لا يجوز له أن يتملك مال غيره بتلبيس في عوض أو غيره، فلا يجوز له أن يتملك قلبه بتزوير وخداع، فان ملك القلوب أعظم من ملك الاموال. 2 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن سعيد بن جناح، عن أخيه أبي عامر، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من طلب الرياسة هلك (1). 3 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن مسكان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إياكم وهؤلاء الرؤساء الذين يتراءسون، فوالله ما خفقت النعال خلف رجل إلا هلك وأهلك (2). بيان: قال الجوهري: رأس فلان القوم يرأس بالفتح رياسة، وهو رئيسهم وراسته أنا ترئيسا فترأس هو، وارتأس عليهم، وقال: خفق الارض بنعله، وكل ضرب بشئ [عريض خفق، أقول: وهذا أيضا محمول على الجماعة الذين كانوا في أعصار الائمة عليهم السلام ويدعون الرياسة] (3) من غير استحقاق أو تحذير عن تسويل النفس وتكبر واستعلائها باتباع العوام ورجوعهم إليه، فيهلك بذلك ويهلكهم باضلالهم، وإفتائهم بغير علم، مع أن زلات علماء الجور مسرية إلى غيرهم، لان كل ما يرون منهم يزعمون أنه حسن فيتبعونهم في ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وآله: أخاف على أمتي زلة عالم. 4 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن ابن أيوب: عن أبي عقيلة الصيرفي قال: حدثنا كرام، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياك والرياسة، وإياك أن تطأ أعقاب الرجال، [قال: قلت: جعلت فداك


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 297. (3) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 278 (*).

[151]

أما الرئاسة فقد عرفتها، وأما أن أطأ أعقاب الرجال] (1) فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال فقال لي: ليس حيث تذهب إياك أن تنصب رجلا دون الحجة، فتصدقه في كل ما قال (2). بيان: في بعض النسخ أبي عقيل، وفي بعضها أبي عقيلة، والظاهر أنه كان أيوب بن ابي عقيلة، لان الشيخ ذكر في الفهرست الحسن بن ايوب بن ابي عقيلة (3) وقال النجاشي: له كتاب أصل، وكون كتابه أصلا عندي مدح عظيم " إلا مما وطئت أعقاب الرجال " أي مشيت خلفهم لاخذ الرواية عنهم فأجاب عليه السلام بأنه ليس الغرض النهي عن ذلك، بل الغرض النهي عن جعل غير الامام المنصوب من قبل الله تعالى، بحيث تصدقه في كل ما يقول، وقيل: وطء العقب كناية عن الاتباع في الفعال وتصديق المقال واكتفى في تفسيره بأحدهما لاستلزامه الاخر غالبا. 5 - كا: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع وغيره رفعوه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ملعون من ترأس، ملعون من هم بها، ملعون كل من حدث بها نفسه (4) بيان: من تراس اي ادعا الرياسة بغير حق، فان التفعل غالبا يكون للتكلف. 6 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الربيع الشامي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: ويحك يا أبا الربيع لا تطلبن الرياسة، ولا تكن ذنبا، ولا تأكل بنا الناس فيفقرك الله، ولا تقل فينا ما لا نقول في أنفسنا فانك موقوف ومسؤل لا محالة، فان كنت صادقا صدقناك، وإن كنت كاذبا كذبناك (5).


(1) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمباني، أضفناه من المصدر. (2) الكافي ج 2 ص 297. (3) وهو الصحيح قطعا كما سيأتي تحت الرقم 10 من معاني الاخبار للصدوق. (4 - 5) الكافي ج 2 ص 298 (*).

[152]

بيان: " ولا تكن ذنبا " أي تابعا للجهال والمترئسين وعلماء السوء قال في النهاية: الاذناب الاتباع، جمع ذنب، كأنهم في مقابل الرؤوس، وهم المقدمون وفي بعض النسخ ذئبا بالهمزة فيكون تأكيدا للفقرة السابقة، فان رؤساء الباطل ذئاب يفترسون الناس، ويهلكونهم من حيث لا يعلمون " ولا تأكل بنا الناس " اي لا تجعل انتسابك إلينا بالتشيع أو العلم أو النسب مثلا وسيلة لاخذ أموال الناس أو إضرارهم، أو لا تجعل وضع الاخبار فينا وسيلة لاخذ أموال الشيعة " فيفقرك الله " على خلاف مقصودك. " ما لا نقول في أنفسنا " كالربوبية والحلول والاتحاد ونسبة خلق العالم إليهم أو كونهم أفضل من نبينا صلى الله عليه وآله أو الاعم منها ومن التقصير في حقهم " فانك موقوف " أي يوم القيامة، " ومسؤل " عما قلت فينا، لقوله تعالى: " وقفوهم إنهم مسؤلون " (1) وفي القاموس: لا محالة منه بالفتح لا بد. 7 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عن ابن مياح، عن ابيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أراد الرياسة هلك (2). 8 - كا: عن علي، عن ممد بن عيسى، عن يونس، عن العلا، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أتراني لا أعرف خياركم من شراركم ؟ بلى والله وإن شراركم من أحب أن يوطأ عقبه، إنه لا بد من كذاب أو عاجز الرأي (3). بيان: " أترى " على المعلوم أو المجهول استفهام إنكار " إنه لا بد " قيل الضمير اسم إن وراجع إلى أن يوطأ " ولا بد " جملة معترضة و " من كذاب " خبر " إن " و " من " للابتداء أو الضمير للشأن و " من كذاب " ظرف لغو


(1) الصافات: 24. (2) الكافي ج 2 ص 298. (3) الكافي ج 2 ص 299.

[153]

متعلق بلا بد تقديره لا بد لنا من كذاب وقيل أي لا بد في الارض من كذاب يطلب الرياسة، ومن عاجز الرأي يتبعه. أقول: ويحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى الموصول والتقدير لا بد من أن يكون كذابا أو عاجز الرأي الناس يرجعون إليه في المسائل والامور المشكلة، فان أجابهم كان كذابا غالبا وإن لم يجبهم كان ضعيف العقل عندهم أو واقفا لانه لا يتم ما أراد بذلك. 9 - ل: عن ابيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن معبد، عن عبد الله بن القاسم عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول ما عصي الله تبارك وتعالى بست خصال: حب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الطعام، وحب النساء، وحب النوم، وحب الراحة (1). 10 - مع: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن حسن بن أيوب ابن أبي عقيلة، عن كرام الخثعمي، عن الثمالي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياك والرياسة وإياك أن تطأ أعقاب الرجال، فقلت: جعلت فداك أما الرياسة فقد عرفتها وأما أن أطأ أعقاب الرجال فما ثلثا ما في يدي إلا مما وطئت أعقاب الرجال فقال: ليس حيث تذهب، إياك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال (2). 11 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن خالد، عن أخيه سفيان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياك والرياسة، فما طلبها أحد إلا هلك، فقلت له: جعلت فداك قد هلكنا إذا ليس أحد منا إلا وهو يحب أن يذكر ويقصد ويؤخذ عنه، فقال: ليس حيث تذهب إليه إنما ذلك أن تنصب رجلا دون الحجة فتصدقه في كل ما قال، وتدعو الناس إلى قوله (3).


(1) الخصال ج 1 ص 106. (2) معاني الاخبار: 169. (3) معاني الاخبار: 180 (*).

[154]

12 - ضا: نروي: من طلب الرياسة لنفسه هلك، فان الرياسة لا تصلح إلا لاهلها. 13 - كش: عن ابن قولويه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الاهوازي عن معمر بن خلاد قال: قال أبو الحسن عليه السلام: ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها بأضر في دين المسلم من حب الرياسة، ثم قال: لكن صفوان لا يحب الرياسة (1). - 125 - (باب) * " (الغفلة، واللهو، وكثرة الفرح، والاتراف بالنعم) " * الايات: الاعراف: ولا تكن من الغافلين (2). يونس: والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأويهم النار بما كانوا يكسبون (3). وقال تعالى: وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (4). هود: واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (5). أسرى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (6). مريم: وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (7). الانبياء: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون * ما يأتيهم من


(1) رجال الكشي: 424. (2) الاعراف: 205. (3) يونس: 7 - 8. (4) يونس: 92. (5) هود: 116. (6) أسرى: 16. (7) مريم: 39 (*).

[155]

ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم (1). وقال تعالى: لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (2). وقال: يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (3). المؤمنون: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون * لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (4). القصص: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (5). وقال تعالى: إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا (6). الروم: وإذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها (7). سبا: وما ارسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين - إلى قوله تعالى: وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (8). المؤمن: ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (9). حمعسق: وإنا إذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة


(1) الانبياء: 1 - 2. (2) الانبياء: 13 - 14. (3) الانبياء: 97. (4) المؤمنون: 64 - 65. (5) القصص: 58. (6) القصص: 76 - 77. (7) الروم: 36. (8) سبأ: 34 - 35. (9) المؤمن: 75.

[156]

بما قدمت أيديهم الانسان كفور (1). الزخرف: وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون (2). وقال تعالى: ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (3). وقال تعالى: فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (4). الذاريات: قتل الخراصون * الذينهم في غمرة ساهون (5). الواقعة: إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (6). الحديد: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (7). المجادلة: استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان الا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (8). الحشر: ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم القاسقون (9). المنافقون: يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (10). المزمل: وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11).


(1) الشورى: 48. (2) الزخرف: 23. (3) الزخرف: 36 - 39. (4) الزخرف: 83. (5) الذاريات: 10 - 11. (6) الواقعة: 45. (7) الحديد: 23. (8) المجادلة: 19. (9) الحشر: 19. (10) المنافقون: 9. (11) المزمل: 11 (*).

[157]

1 - ل (1) لى: قال الصادق عليه السلام: إن كان الشيطان عدوا فالغفلة لماذا ؟ وإن كان الموت حقا فالفرح لماذا ؟ (2). 2 - ما: عن ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن علي بن محمد بن علي الحسني عن جعفر بن محمد بن عيسى، عن عبد الله بن علي، عن الرضا عليه السلام عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: كلما ألهى عن ذكر الله فهو من الميسر (3). 3 - دعوات الراوندي: عن النبي صلى الله عليه واله إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها صلاة ولا صدقة، قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله فما يكفرها ؟ قال: الهموم في طلب المعيشة. وروي أن داود عليه السلام قال: إلهي أمرتني أن أطهر وجهي وبدني ورجلي بالماء، فبماذا أطهر لك قلبي ؟ قال: بالهموم والغموم. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: انه ليأتي على الرجل منكم زمان لا يكتب عليه سيئة، وذلك أنه مبتلى بهم المعاش، وقال: إن الله يحب كل قلب حزين. وسئل أين الله ؟ فقال: عند المنكسرة قلوبهم. وقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الهم ليذهب بذنوب المسلم. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ما اكتحل أحد بمثل مكحول الحزن. وقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا كثرت ذنوب المؤمن، ولم يكن له من العمل ما يكفرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها به عنه. 4 - نهج: [قال عليه السلام:] بينكم وبين الموعظة حجاب من الغرة (4). [وقال عليه السلام:] جاهلكم مزداد، وعالمكم مسوف (5).


(1) الخصال ج 2 ص 61. (2) أمالى الصدوق: 6. (3) أمالي الطوسى ج 1 ص 346. (4 و 5) نهج البلاغة الرقم 282 من الحكم (*).

[158]

[وقال عليه السلام:] قطع العلم عذر المتعللين (1). [وقال عليه السلام:] كل معاجل يسأل الانظار، وكل مؤجل يتعلل بالتسويف (2). - 126 - (باب) * " (ذم العشق وعلته) " * 1 - لى: عن ابن الوليد، عن الحسن بن متيل، عن ابن أبي الخطاب عن محمد بن سنان، عن المفضل قال: سالت أبا عبد الله عليه السلام عن العشق قال: قلوب خلت عن ذكر الله، فأذاقها الله حب غيره (3). ع: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان مثله (4). 2 - ن: باسناد التميمي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: تعوذوا بالله من حب الحزن (5). 3 - نوادر الراوندي: باسناده، عنموسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أتخوف على امتي من بعدي هذه المكاسب المحرمة، والشهوة الخفية، والربا (6).


(1 و 2) نهج البلاغة الرقم 284 و 285 من الحكم. (3) أمالي الصدوق: 396. (4) علل الشرايع ج 1 ص 133. (5) عيون الاخبار ج 2 ص 61. (6) نوادر الراوندي: 17 (*).

[159]

- 127 - * (باب) * * " (الكسل، والضجر، والعجز، وطلب ما لا يدرك) " * 1 - ل (1) لى: قال الصادق عليه السلام: إن كان الثواب من الله فالكسل لماذا ؟ (2). 2 - لى: عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن الدهقان، عن درست، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إياك وخصلتين: الضجر والكسل، فانك إن ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤد حقا (3). 3 - ل: أبي، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: للكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم (4). 4 - ل: الاربعمائة قال امير المؤمنين عليه السلام: إياكم والكسل، فانه من كسل لم يؤد حق الله عزوجل (5). 5 - ل: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: العجز مهانة (6). 6 - ل: عن العطار، عن أبيه وسعد معا، عن البرقي، عن ابن أبي عثمان، عن موسى بن بكر، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عشرة يفتنون أنفسهم إلى أن قال: والذي يطلب ما لا يدرك (7).


(1) الخصال ج 2 ص 61، وقد سقط عن المطبوعة. (2) أمالي الصدوق: 6. (3) أمالي الصدوق: 324. (4) الخصال ج 1 ص 60. (5) الخصال ج 2 ص 160. (6) الخصال ج 2 ص 94. (7) الخصال ج 2 ص 54 (*).

[160]

7 - نهج: قال عليه السلام: العجز آفة، والصبر شجاعة (1). وقال عليه السلام: من أطاع التواني ضيع الحقوق، ومن اطاع الواشي ضيع الصديق (2). وقال عليه السلام: في وصيته للحسن عليه السلام: وإياك والاتكال على المنى، فانها بضايع النوكى (3). - 128 - * (باب) * * " (الحرص، وطول الامل) " * الايات: المعارج: إن الانسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا (4). القيمة: بل يريد الانسان ليفجر أمامه * يسأل أيان يوم القيمة (5). 1 - ل (6) لى: عن الصادق عليه السلام إن كان الرزق مقسموما فالحرص لماذا ؟ (7). 2 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: أغنى الناس من لم يكن للحرص أسيرا (8). 3 - ل (9) لى: عن الصادق عليه السلام ناقلا عن حكيم: الحريص الجشع اشد


(1) نهج البلاغة الرقم 3 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 239 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 31 من الحكم. (4) المعارج: 19 و 20. (5) القيامة: 5 و 6. (6) الخصال ج 2 ص 61. (7) أمالى الصدوق: 6. (8) أمالي الصدوق: 14. (9) الخصال ج 2 ص 5 (*).

[161]

حرارة من النار (1). كتاب الغايات: مرسلا مثله. 4 - لى: في خبر الشيخ الشامي: سئل أمير المؤمنين عليه السلام اي ذل اذل ؟ قال: الحرص على الدنيا (2). كتاب الغايات: مرسلا مثله. 5 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن عدة من اصحابه رفعوه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: منهومان لا يشبعان: منهوم علم ومنهوم مال (3). 6 - ل: عن الفامي، عن ابن بطة، عن البرقي، عن ابيه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: حرم الحريص خصلتين ولزمته خصلتان حرم القناعة فافتقد الراحة، وحرم الرضا فافتقد اليقين (4). 7 - ل: ابن بندار، عن سعيد بن أحمد، عن يحيى بن الفضل، عن قتيبة ابن سعيد، عن ابي عوانة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يهرم ابن آدم ويشب منه اثنان: الحرص على المال، والحرص على العمر (5) 8 - ل: عن الخليل، عن محمد بن معاذ، عن الحسين بن الحسن، عن عبد الله ابن المبارك، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: يهلك أو قال: يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان: الحرص والامل (6). 9 - ل: ابن الوليد: عن الصفار، عن ابن ابي الخطاب، عن النضر بن شعيب، عن الجازي، عن ابي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: لا يؤمن رجل فيه الشح والحسد والجبن


(1) أمالي الصدوق: 148. (2) أمالي الصدوق: 237. (3) الخصال ج 1 ص 28. (4) الخصال ج 1 ص 36. (5 - 6) الخصال ج 1 ص 37 (*).

[162]

ولا يكون المؤمن جبانا ولا حريصا ولا شحيحا (1). 10 - ل: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس رفعه إلى ابي عبد الله عليه السلام قال: كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام: يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد والحرص والكذب (2). ل: في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام بسند آخر مثله (3). 11 - ل: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن النوفلي عن السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من علامات الشقاء جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الرزق، و الاصرار على الذنب (4). 12 - ل: عن سعيد بن علاقة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إظهار الحرص يورث الفقر (5). 13 - ل: عن ابن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الحرص مفقرة (6). 14 - ع: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن آدم، عن أبيه رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اعلم يا علي أن الجبن والبخل والحرص غريزة واحدة يجمعها سوء الظن (7). 15 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي رفعه إلى ابن طريف، عن ابن نباتة، عن الحارث الاعور قال: كان فيما سال عنه أمير المؤمنين ابنه الحسن عليهما السلام


(1) الخصال ج 1 ص 41. (2) الخصال ج 1 ص 62. (3) الخصال ج 1 ص 27. (4) الخصال ج 1 ص 115. (5 - 6) الخصال ج 2 ص 94. (7) علل الشرايع ج 2 ص 246 (*).

[163]

أنه قال له: ما الفقر ؟ قال: الحرص والشره (1). 16 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن حماد ابن عيسى، عن ابن أذينة، عن أبان بن ابي عياش، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الا إن أخوف ما أخاف عليكم خصلتان: اتباع الهوى و طول الامل، أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الامل فينسي الاخرة (2). ل: عن ابن بندار، عن أبي العباس الحمادي، عن أحمد بن محمد الشافعي عن عمه إبراهيم بن محمد، عن علي بن أبي علي اللهبي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (3). أقول: قد مر في باب ذم الدنيا وباب ترك الاهواء. 17 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي، عن عمر عن أبان، عن ابن سيابة، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: لما هبط نوح عليه السلام من السفينة أتاه إبليس فقال له: ما في الارض رجل أعظم منة علي منك، دعوت الله على هؤلاء الفساق فأرحتني منهم ألا أعلمك خصلتين ؟ إياك والحسد، فهو الذي عمل بي ما عمل، وإياك والحرص فهو الذي عمل بآدم ما عمل (4). 18 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن عبد العزيز العبدي، عن ابن ابي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من تعلق قلبه بالدنيا تعلق منها بثلاث خصال: هم لا يفنى، وأمل لا يدرك، ورجاء لا ينال (5). 19 - ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن إسماعيل بن همام، عن ابن غزوان، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه، عن علي عليهم السلام:


(1) معاني الاخبار: 244. (2 - 4) الخصال ج 1 ص 27. (5) الخصال ج 1 ص 44 (*).

[164]

قال: من اطال أمله ساء عمله (1). 20 - ل: (2) لى: عن محمد بن أحمد الاسدي، عن أحمد بن محمد العامري عن إبراهيم بن عيسى السدوسي، عن سليمان بن عمرو، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن صلاح أول هذه الامة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالشح والامل (3). 21 - ل: في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي: يا علي أربع خصال من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وبعد الامل، وحب البقاء (4). 22 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام: قال لو رأى العبد أجله وسرعته إليه، لأبغض الامل، وترك طلب الدنيا (5). 23 - جا (6) ما: عن المفيد، عن عمر بن محمد، عن ابن مهرويه، عن داود ابن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام مثله (7). صح: عن الرضا عن آبائه عليهم السلام مثله (8). 24 - ما: فيما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام عند وفاته قصر الامل، واذكر الموت وازهد في الدنيا، فانك رهن موت، وغرض بلاء، وصريع سقم (9). 25 - ع: عن الحسن بن أحمد، عن أبيه، عن الاشعري عن محمد بن عبد الحميد


(1) الخصال ج 1 ص 11. (2) الخصال ج 1 ص 40. (3) أمالى الصدوق 137. (4) الخصال: 115. (5) عيون الاخبار ج 2 ص 39. (6) مجالس المفيد: 190. (7) أمالي الطوسى ج 1 ص 76. (8) صحيفة الرضا عليه السلام: 14. (9) أمالي الطوسى ج 1 ص 6 (*).

[165]

عن إبراهيم بن مهزم قال: وجد في زمن وهب بن منبه حجر فيه كتاب بغير العربية فطلب من يقرأه فلم يوجد، حتى أتى به ابن منبه وكان صاحب كتب فقرأه فإذا فيه: يا ابن آدم لو رأيت قصر ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولقل حرصك وطلبك، ورغبت في الزيادة في عملك، فانك إنما تلقى يومك لو قد زلت قدمك، فلا أنت إلى أهلك براجع، ولا في عملك بزائد، فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة (1). 26 - مص: قال الصادق عليه السلام: لا تحرص على شئ لو تركته لوصل إليك وكنت عند الله مستريحا محمودا بتركه، ومذموما باستعجالك في طلبه، وترك التوكل عليه، والرضا بالقسم، فان الدنيا خلقها الله تعالى بمنزلة ظلك: إن طلبته أتعبك ولا تلحقه أبدا، وإن تركته تبعك، وانت مستريح. وقال النبي صلى الله عليه وآله: الحريص محروم، وهو مع حرمانه مذموم، في أي شئ كان، وكيف لا يكون محروما وقد فر من وثاق الله، وخالف قول الله عز وجل، حيث يقول الله: " الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم " (2) والحريص بين سبع آفات صعبة: فكر يضر بدنه ولا ينفعه، وهم لا يتم له أقصاه وتعب لا يستريح منه إلا عند الموت، ويكون عند الراحة أشد تعبا، وخوف لا يورثه إلا الوقوع فيه، وحزن قد كدر عليه عيشه بلا فائدة، وحساب لا يخصله من عذاب الله إلا أن يعفو الله عنه، وعقاب لا مفر له منه ولا حيلة، والمتوكل على الله يمسي ويصبح في كنفه، وهو منه في عافية، وقد عجل له كفايته، وهيئ له من الدرجات ما الله به عليم. والحرص ما يجري في منافذ غضب الله، وما لم يحرم العبد اليقين لا يكون


(1) علل الشرايع ج 2 ص 151. (2) الروم: 40 (*).

[166]

حريصا، واليقين ارض الاسلام وسماء الايمان (1). 27 - ضه: روي أن أسامة بن زيد اشترى وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: لا تعجبون من أسامة المشتري إلى شهر ؟ إن أسامة لطويل الامل، والذي نفس محمد بيده ما طرفت عيناي إلا ظننت أن شفري لا يلتقيان حتى يقبض الله روحي، ولا رفعت طرفي وظننت أني خافضه، حتى أقبض، ولا تلقمت لقمة إلا ظننت أني لا اسيغها حتى أغص بها (2) من الموت ثم قال: يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده، إن ما توعدون لات، وما أنتم بمعجزين (3). 28 - ين: عن فضالة، عن السكوني، عن ابي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: ما أنزل الموت حق منزلته من عد غدا من أجله. وقال علي عليه السلام: ما أطال عبد الامل إلا اساء العمل، وكان عليه السلام يقول: لو رأى العبد أجله وسرعته إليه لابغض الامل وطلب الدنيا. 29 - نهج: قال عليه السلام: من جرى في عنان أمله عثر بأجله (4). وقال عليه السلام: أشرف الغنا ترك المنى (5). وقال عليه السلام: من اطال الامل أساء العمل (6). وقال عليه السلام: كم من أكلة تمنع أكلات (7).


(1) مصباح الشريعة: 22. (2) اساغ الطعام أو الشراب: سهل له دخوله في الجوف، والغصص اعتراض شئ منه في الحلق يمنعه التنفس بالخناق. (3) وتراه في تنبيه الخاطر ج 1 ص 271. (4) نهج البلاغة الرقم 18 من الحكم. (5) نهج البلاغة الرقم 34 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 36 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 171 من الحكم (*).

[167]

وقال عليه السلام: لو رأى العبد الاجل ومسيره لابغض الامل وغروره (1). 30 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي رفعه، عن يحيى بن سعيد عن أبيه قال: خطب علي عليه السلام فقال: إنما أهلك الناس خصلتان، هما اهلكتا من كان قبلكم وهما مهلكتان من يكون بعدكم: أمل ينسى الاخرة، وهوى يضل عن السبيل ثم نزل. 31 - كنز الكراجكى: قال الله تعالى: يا ابن آدم في كل يوم تؤتى برزقك وأنت تحزن، وينقص من عمرك وأنت لا تحزن، تطلب ما يطغيك، وعندك ما يكفيك. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان يأمل أن يعيش غدا فانه يأمل أن يعيش ابدا. وعن المفيد، عن ابن قولويه، عن جعفر بن محمد بن مسعود، عن أبيه، عن الحسين ابن خالد، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أيقن أنه يفارق الاحباب، ويسكن التراب، ويواجه الحساب، ويستغني عما خلف، ويفتقر إلى ما قدم، وكان حريا بقصر الامل، وطول العمل. وروي أنه سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الحرص ما هو ؟ قال هو طلب القليل باضاعة الكثير.


(1) نهج البلاغة الرقم 334 من الحكم (*).

[168]

- 129 - * (باب) * * " (الطمع، والتذلل لاهل الدنيا طلبا لما) " * * " (في أيديهم، وفضل القناعة) " * 1 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: أفقر الناس الطمع (1). 2 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن علي بن سليمان بن رشيد، عن موسى بن سلام، عن أبان بن سويد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: ما الذي يثبت الايمان في العبد ؟ قال: الذي يثبته فيه الورع والذي يخرجه منه الطمع (2). أقول: قد مضى في باب صفات شرار العباد. 3 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أردت أن تقر عينك وتنال خير الدنيا والاخرة، فاقطع الطمع عما في أيدي الناس، وعد نفسك في الموتى، ولا تحدثن نفسك أنك فوق أحد من الناس، واخزن لسانك كما تخزن مالك (3). 4 - ما: عن جماعة، عن ابي المفضل، عن الحسن بن علي بن سهل، عن موسى بن عمر بن يزيد، عن معمر بن خلاد، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: جاء أيوب خالد بن زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله أوصني واقلل لعلي أن أحفظ قال: أوصيك بخمس: باليأس عما في أيدي الناس فانه الغنى، وإياك والطمع فانه الفقر الحاضر، وصل صلاة مودع، وإياك وما يعتذر منه، وأحب لاخيك ما تحب لنفسك (4).


(1) أمالى الصدوق: 14، والطمع: ككتف ذو الطماعية. (2) الخصال ج 1 ص 8. (3) الخصال ج 1 ص 60. (4) امالي الطوسى ج 2 ص 122 (*).

[169]

5 - فس: عن محمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن سيار عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أتى ذا ميسرة فتخشع له طلب ما في يديه، ذهب ثلثا دينه ثم قال: ولا تعجل وليس يكون الرجل ينال من الرجل المرفق فيجله ويوقره فقد يجب ذلك له عليه، ولكن تراه أنه يريد بتخشعه ما عند الله، أو يريد أن يختله عما في يديه (1). 6 - مص: قال الصادق عليه السلام: بلغني أنه سئل كعب الاحبار: ما الاصلح في الدين ؟ وما الافسد ؟ فقال: الاصلح الورع، والافسد الطمع، فقال له السائل: صدقت يا كعب الاحبار. والطمع خمر الشيطان، يستقي بيده لخواصه، فمن سكر منه لا يصحو إلا في [أليم] عذاب الله أو مجاورة ساقيه، ولو لم يكن في الطمع إلا مشاراة الدين بالدنيا كان عظيما قال الله عزوجل: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما اصبرهم على النار " (2). وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: تفضل على من شئت فأنت أميره، واستغن عمن شئت فأنت نظيره، وافتقر إلى من شئت فأنت اسيره. والطمع منزوع عنه الايمان، وهو لا يشعر، لان الايمان يحجب بين العبد وبين الطمع من الخلق، ويقول: يا صاحبي خزائن الله مملوة من الكرامات، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا، وما في أيدي الناس فانه مشوب بالعلل، ويرده إلى التوكل والقناعة، وقصر الامل، ولزوم الطاعة، واليأس من الخلق، فان فعل ذلك لزمه، وان لم يفعل ذلك تركه مع شؤم الطمع وفارقه (3). 7 - نهج: قال عليه السلام: أزرى بنفسه من استشعر الطمع، ورضي بالذل من


(1) تفسير القمى: 356 في حديث. وقد مر ص 90 فيما سبق مع اختلاف. (2) البقرة، 175. (3) مصباح الشريعة: 34 (*).

[170]

كشف عن ضره (1). وقال عليه السلام: والطمع رق مؤبد (2). وقال عليه السلام: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع (3). وقال عليه السلام: الطامع في وثاق الذل (4). وقال عليه السلام: من أتى غنيا فتواضع لغناه ذهب ثلثا دينه (5). وقال عليه السلام: إن الطمع مورد غير مصدر، وضامن غير وفي، وربما شرق شارب الماء قبل ريه، فكلما عظم قدر الشئ المتنافس فيه عظمت الرزية لفقده، والاماني تعمي أعين البصائر، والحظ يأتي من لا يأتيه (6). وقال عليه السلام في وصيته للحسن عليه السلام: اليأس خير من الطلب إلى الناس ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والجفاء عند الغناء (7). 8 - صفات الشيعة للصدوق: باسناده، عن حبيب الواسطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله (8). 9 - كا: عن العدة، عن أحمد، عن أبيه، عمن ذكره بلغ به أبا جعفر عليه السلام قال: بئس العبد عبد له طمع يقوده، وبئس العبد عبد له رغبة تذله (9).


(1) نهج البلاغة الرقم 2 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 180 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 219 من الحكم. (4) نهج البلاغة الرقم 226 من الحكم. (5) نهج البلاغة الرقم 228 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 275 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 31 من الحكم. (8) صفات الشيعة تحت الرقم 45، وفيه حباب الواسطي. (9) الكافي ج 2 ص 320 (*).

[171]

بيان: لعل المراد بالطمع ما في القلب من حب ما في أيدي الناس وأمله وبالرغبة إظهار ذلك والسؤال والطلب عن المخلوق، والقود يناسب الاول كما أن الذلة تناسب الثاني. 10 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس (1). بيان: " رأيت الخير كله " اي الرفاهية وخير الدنيا وسعادة الاخرة لان الطمع يورث الذل والحقارة والحسد والحقد والعداوة والغيبة والوقيعة وظهور الفضائح والظلم والمداهنة والنفاق والرياء والصبر على باطل الخلق، والاعانة عليه وعدم التوكل على الله والتضرع إليه والرضا بقسمه والتسليم لامره إلى غير ذلك من المفاسد التي لا تحصى، وقطع الطمع يورث أضداد هذه الامور التي كلها خيرات. 11 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن حسان، عمن حدثه (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله (3). بيان: " ما أقبح " صيغة تعجب و " أن تكون " مفعوله، والمراد الرغبة إلى الناس بالسؤال عنهم وهي التي تصير سببا للمذلة، وأما الرغبة إلى الله فهي عين العزة. والصفة تحتمل الكاشفة والموضحة. 12 - كا: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابه، عن علي بن سليمان بن رشيد، عن موسى بن سلام، عن سعدان، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الذي يثبت الايمان في العبد ؟ قال: الورع، والذي يخرجه منه ؟ قال: الطمع (4). بيان: الورع اجتناب المحرمات والشبهات، وفي المقابلة إشعار بأن الطمع يستلزم ارتكابهما.


(1 و 3 و 4) الكافي ج 2 ص 320. (2) الراوى حباب أو حبيب الواسطي كما مر عن صفات الشيعة (*).

[172]

13 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن عمار ابن مروان، عن زيد الشحام، عن عمرو بن هلال قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إياك أن تطمح بصرك إلى من هو فوقك، فكفى بما قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " (1) وقال: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا " (2) فان دخلك من ذلك شئ فاذكر عيش رسول الله صلى الله عليه وآله فانما كان قوته الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف إذا وجده (3). تبيين: " أن تطمح بصرك " الظاهر أنه على بناء الافعال، ونصب البصر ويحتمل أن يكون على بناء المجرد ورفع البصر، أي لا ترفع بصرك بأن تنظر إلى من هو فوقك في الدنيا، فتتمنى حاله، ولا ترضى بما أعطاك الله، وإذا نظرت إلى من هو دونك في الدنيا ترضى بما أوتيت، وتشكر الله عليه، وتقنع به، قال في القاموس: طمح بصره إليه كمنع ارتفع فهي طامح، وأطمح بصره رفعه انتهى. " فكفى بما قال الله " الباء زائدة أي كفاك للاتعاظ ولقبول ما ذكرت ما قال الله لنبيه، وإن كان المقصود بالخطاب غيره " ولا تعجبك " كذا في النسخ التي عندنا، والظاهر " فلا " إذ الاية في سورة التوبة في موضعين أحدهما " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " والاخرى " ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون " وما ذكر هنا لا يوافق شيئا منهما، وإن احتمل أن يكون نقلا بالمعنى إشارة إلى الايتين معا. وقال البيضاوي في الاولى: " فلا تعجبك " الخ فان ذلك استدراج ووبال لهم، كما قال: " إنما يريد الله ليعذبهم بها " بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها


(1) براءة: 56 و 85. (2) طه: 131. (3) الكافي ج 2 ص 137 (*).

[173]

من المتاعب، وما يرون فيها من الشدائد والمصائب " وتزهق أنفسهم " اي فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة، فيكون ذلك استدراجا لهم (1). وقال في الاخرى: تكرير للتأكيد والامر حقيق به فان الابصار طامحة إلى الاموال والاولاد، والنفوس مغتبطة عليها، ويجوز أن يكون هذه في فريق غير الاول (2). " ولا تمدن عينيك " قال في الكشاف: اي نظر عينيك ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحسانا للمنظور إليه، وتمنيا أن يكون له مثله، وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك مثل نظر من باده الشئ بالنظر ثم غض الطرف وقد شدد العلماء من أهل التقوى في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة، وعدد الفسقة في اللباس والمراكب وغير ذلك، لانهم إنما اتخذوا هذه الاشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم، وكالمغري لهم على اتخاذها. " أزواجا منهم " قال البيضاوي: أصنافا من الكفرة ويجوز أن يكون حالا من الضمير في " به "، والمفعول " منهم " اي إلى الذي متعنا به، وهو أصناف بعضهم وناسا منهم " زهرة الحيوة الدنيا " منصوب بمحذوف دل عليه " متعنا " أو به على تضمينه معنى أعطينا، أو بالبدل من محل " به " أو من " أزواجا " بتقدير مضاف ودونه، أو بالضم وهي الزينة والبهجة " لنفتنهم فيه " لنبلوهم ونختبرهم فيه أو لنعذبهم في الاخرة بسببه " ورزق ربك " وما ادخره لك في الاخرة أو ما رزقك من الهدى والنبوة " خير " مما منحهم في الدنيا " وأبقى " فانه لا ينقطع (3). وإنما ذكرنا تتمة الايتين لانهما مرادتان، وتركتا اختصارا " فان دخلك من ذلك " أي من إطماع البصر أو من جملته " شئ " أو بسببه شئ من الرغبة في الدنيا " فاذكر " لعلاج ذلك وإخراجه عن نفسك " عيش رسول الله صلى الله عليه وآله " أي


(1) أنوار التنزيل: 175. (2) انوار التنزيل: 178. (3) انوار التنزيل: 270.

[174]

طريق تعيشه في الدنيا، لتسهل عليك مشاق الدنيا والقناعة فيها، فانه إذا كان أشرف المكونات هكذا تعيشه، فكيف لا يرضى من دونه به ؟ وإن كن شريفا رفيعا عند الناس ؟ مع أن التأسي به صلى الله عليه وآله لازم. " فانما كان قوته الشعير " اي خبزه غالبا " وحلواه التمر " قال: في المصباح الحلوا التي تؤكل تمد وتقصر، وجمع الممدود حلاوي مثل صحراء وصحاري بالتشديد وجمع المقصور حلاوى بفتح الواو، وقال الازهري: الحلوا اسم لما يؤكل من الطعام إذا كان معالجا بحلاوة " ووقوده السعف " الوقود بالفتح الحطب وما يوقد به، والسعف أغصان النخل ما دامت بالخوص، فان زال الخوص عنها قيل: جريدة، الواحدة سعفة، ذكره في المصباح وفي القاموس السعف محركة جريد النخل أو ورقه، وأكثر ما يقال إذا يبست، والضمير في " إن وجده " راجع إلى كل من الامور المذكورة، أو إلى السعف وحده، وفسر بعضهم السعف بالورق وقال: الضمير راجع إليه، والمعنى أنه كان يكتفي في خبز الخبز ونحوه بورق النخل، فإذا انتهى ذلك ولم يجده كان يطبخ بالجريد، بخلاف المسرفين فانهم يطرحون الورق ويستعملون الجريد ابتداء. وأقول: كأنه رحمه الله تكلف ذلك لانه لا فرق بين جريد النخل وغيره في الايقاد، فأي قناعة فيه ؟ وليس كذلك لان الجريد أرذل الاحطاب للايقاد لنتنه وكثرة دخانه وعدم اتقاد جمره، وهذا بين لمن جربه. 14 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى وعلي بن محمد، عن صالح بن ابي حماد جميعا، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سالنا أعطيناه، ومن استغنى أغناه الله (1). بيان: " من استغنى " اي عن الناس وترك الطلب " أغناه الله " عنه باعطاء ما يحتاج إليه.


(1) الكافي ج 2 ص 138 (*).

[175]

15 - كا: عن محمد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من رضي من الله باليسير من المعاش، رضي الله عنه باليسير من العمل (1). بيان: " رضي الله عنه " قيل: لان كثرة النعمة توجب مزيد الشكر، فكلما كانت النعمة أقل كان الشكر أسهل، وبعبارة أخرى يسقط عنه كثير من العبادات المالية كالزكاة والحج وبر الوالدين وصلة الارحام، وإعانة الفقراء، وأشباه ذلك، والظاهر أن المراد به أكثر من ذلك من المسامحة والعفو، وسيأتي برواية الصدوق رحمه الله (2) عن أبي عبد الله عليه السلام حين سئل عن معنى هذا الحديث قال: يطيعه في بعض ويعصيه في بعض. وقد ورد في طريق العامة عن النبي صلى الله عليه وآله: أخلص قلبك يكفك القليل من العمل. وقال بعضهم: لان من زهد في الدنيا وطهر ظاهره وباطنه من الاعمال والاخلاق القيحة، التي تقتضيها الدنيا، وفرغ من المجاهدات التي يحتاج إليها السالك المبتدي، وجعلها وراء ظهره، فلم يبق عليه إلا فعل ما ينبغي فعله وهذا يسير بالنسبة إلى تلك المجاهدات انتهى. وأقول: يحتمل: إجراء مثله في هذا الخبر لان من رضي بالقليل، فقد زهد في الدنيا وأخلص قلبه من حبها. 16 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مكتوب في التوراة: ابن آدم كن كيف شئت، كما تدين تدان، من رضي من الله بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤنته، وزكت مكسبته، وخرج من حد الفجور (3).


(1) الكافي ج 2 ص 138. (2) معاني الاخبار: 260. (3) الكافي ج 2 ص 138.

[176]

بيان: " كن كيف شئت " الظاهر أنه أمر على التهديد نحو قوله تعالى: " اعملوا ما شئتم " وقيل: كن كما شئت أن يعمل معك وتتوقعه، لقوله: " كما تدين تدان " وقد مر معناه " خفت مؤنته " اي مشقته في طلب المال وحفظه " وزكت " أي طهرت من الحرام " مكسبته " لان ترك الحرام والشبهة في القليل اسهل، أو نمت وحصلت فيه بركة مع قلته. " وخرج من حد الفجور " اي من قرب الفجور والاشراف على الوقوع في الحرام، فان بين المال القليل والوقوع في الفجور فاصلة كثيرة، لقلة الدواعي وصاحب المال الكثير لكثرة دواعي الشرور والفجور فيه كأنه على حد هو منتهى الحلال وبأدنى شئ يخرج منه إلى الفجور، إما بالتقصير في الحقوق الواجبة فيه، أو بالطغيان اللازم له، أو بالقدرة على المحرمات التي تدعو النفس إليها، أو بالحرص الحاصل منه، فلا يكتفي بالحلال ويتجاوز إلى الحرام، واشباه ذلك ويحتمل أن يكون المعنى خرج من حد الفجور، الذي تستلزمه كثرة المال إلى الخير والصلاح اللازم لقلة المال والاول أبلغ وأتم. 17 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن عرفة، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: من لم يقنعه من الرزق إلا الكثير لم يكفه من العمل إلا الكثير، ومن كفاه من الرزق القليل، فانه يكفيه من العمل القليل (1). 18 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ابن آدم ! إن كنت تريد من الدنيا ما يكفيك، فان أيسر ما فيها يكفيك، وان كنت انما تريد ما لا يكفيك فان كل ما فيها لا يكفيك (2). بيان: " ما يكفيك " اي ما تكتفي وتقنع به اي بقدر الكفاف والضرورة وقوله: " فان ايسر " من قبيل وضع الدليل موضع المدلول أي فيحصل مرادك لان ايسر ما في الدنيا يمكن أن يكتفي به " وإن كنت تريد ما لا يكفيك " أي


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 138 (*).

[177]

ما لا تكتفي به وتريد أزيد منه، فلا تصل إلى مقصودك، ولا تنتهي إلى حد، فانه إن حصل لك جميع الدنيا تريد أزيد منها لما مر أن كثرة المال يصير سببا لكثرة الحرص وسيأتي أوضح من ذلك. 19 - كا: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن محمد الاسدي، عن سالم بن مكرم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اشتدت حال رجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فقالت له امرأته: لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله فسألته، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله قال: من سألنا أعطيناه، ومن استغنى أغناه الله فقال الرجل: ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها، فقالت: إن رسول الله بشر فأعلمه فأتاه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله، حتى فعل الرجل ذلك ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل فصعده فقطع حطبا ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فرجع به فأكله، ثم ذهب من الغد فجاء بأكثر من ذلك فباعه فلم يزل يعمل ويجمع حتى اشترى معولا ثم جمع حتى اشترى بكرين وغلاما ثم اثرى حتى ايسر فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فأعلمه كيف جاء يسأله وكيف سمع النبي صلى الله عليه وآله فقال النبي صلى الله عليه وآله: قلت لك: من سألنا أعطيناه ومن استغنى أغناه الله (1). بيان: " لو أتيت " لو للتمني " إن رسول الله صلى الله عليه وآله بشر " أي لا يعلم الغيب إلا الله، وهو بشر لا يعلم الغيب اي لم يكن هذا الكلام معك لانه لا يعلم ما في ضميرك، أو لا يعلم كنه شدة حالنا وإنما عرف حاجتك في الجملة، وفي الصحاح المعول الفأس العظيمة التي ينقر بها الصخر " من الغد " " من " بمعنى " في " والبكر بالفتح الفتى من الابل، ويقال: أثرى الرجل: إذا كثرت أمواله، وأيسر الرجل أي استغنى كل ذلك ذكره الجوهري. 20 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن الفرات، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله


(1) الكافي ج 2 ص 139 (*).

[178]

صلى الله عليه وآله: من اراد أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يد غيره (1). بيان: " فليكن بما في يد الله " اي في قدرة الله وقضائه وقدره " أوثق منه بما في يد غيره " ولو نفسه فانه لا يصل إليه الاول، ولا ينتفع بالثاني، إلا بقضاء الله وقدره، والحاصل أن الغنا عن الخلق لا يحصل إلا بالوثوق بالله سبحانه والتوكل عليه، وعدم الاعتماد على غيره، والعلم بأن الضار النافع هو الله، ويفعل بالعباد ما علم صلاحهم فيه، ويمنعهم ما علم أنه لا يصلح لهم. 21 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن فضال، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن ابي جعفر [أ] وأبي عبد الله عليهما السلام قال: من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس (2). بيان: " فهو من أغنى الناس " لان الغنا عدم الحاجة إلى الغير، والقانع بما رزقه الله لا يحتاج إلى السؤال عن غيره تعالى. 22 - كا: بالاسناد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حمزة بن حمران قال: شكى رجل إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه يطلب فيصيب ولا يقنع، وتنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال: علمني شيئا انتفع به، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن كان ما يكفيك يغنيك، فأدنى ما فيها يغنيك، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك، فكل ما فيها لا يغنيك (3). 23 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن عدة من اصحابه، عن حنان بن سدير رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من رضي من الدنيا بما يجزيه، كان ايسر ما فيها يكفيه، ومن لم يرض من الدنيا بما يجزيه، لم يكن شئ منها يكفيه (4). بيان: أجزء مهموز، وقد يخفف اي أغنى وكفى، قال في المصباح: قال الازهري: والفقهاء يقولون فيه: أجزى من غير همز، ولم أجده لاحد من أئمة


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 139. (4) الكافي ج 2 ص 140 (*).

[179]

اللغة، ولكن إن همز أجزأ فهو بمعنى كفى، وفيه نظر لانه إن أراد امتناع التسهيل فقد توقف في غير موضع التوقف، فان تسهيل همزة الطرف في الفعل المزيد وتسهيل الهمزة الساكنة قياسي فيقال: أرجأت الامر وأرجيته، وأنسأت وأنسيت وأخطأت وأخطيت. - 130 - * (باب الكبر) * الايات البقرة: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم (1). وقال تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (2). النساء: لن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (3). المائدة: ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (4). الاعراف: فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (5). وقال تعالى: والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النارهم فيها خالدون [إلى قوله تعالى:] إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (6). وقال سبحانه: ونادى اصحاب الاعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (7).


(1) البقرة: 87. (2) البقرة: 206. (3) النساء: 34. (4) المائدة: 82. (5) الاعراف: 13. (6) الاعراف: 36 - 40. (7) الاعراف: 48 (*).

[180]

وقال: قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما ارسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون (1). وقال تعالى: قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب (2). وقال: فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (3). وقال تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق (4). يونس: فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (5). هود: حاكيا عن قوم نوح: فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نريك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين - إلى قوله -: وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أريكم قوما تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون * ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (6). وقال حاكيا عن قوم شعيب: قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنريك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز * قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط (7). ابراهيم: واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (8).


(1) الاعراف: 75 - 76. (2) الاعراف: 88. (3) الاعراف: 133. (4) الاعراف: 146. (5) يونس: 75. (6) هود: 27 - 31. (7) هود: 91 - 92. (8) ابراهيم: 15 (*).

[181]

وقال تعالى: وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدينا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (1). النحل: فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون * لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (2). وقال تعالى: فلبئس مثوى المتكبرين (3). وقال تعالى: وهم لا يستكبرون (4). اسرى: ولا تمش في الارض مرحا * إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا (5). المؤمنون: ثم ارسلنا موسى وأخاه هرون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (6). الفرقان: لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (7). الشعراء: وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (8). القصص: واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (9). لقمان: ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (10).


(1) ابراهيم: 21. (2) النحل: 22 - 23. (3) النحل: 29. (4) النحل: 49. (5) أسرى: 37 - 38. (6) المؤمنون: 45 - 47. (7) الفرقان: 21. (8) الشعراء: 186. (9) القصص: 39. (10) لقمان: 18 (*).

[182]

التنزيل: وهم لا يستكبرون (1). فاطر: استكبارا في الارض (2). الصافات: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (3). ص: إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين - إلى قوله تعالى: استكبرت أم كنت من العالمين * قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (4). الزمر: بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين إلى قوله تعالى: أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (5). المؤمن: وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (6). وقال تعالى: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (7). وقال تعالى: وإذا يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (8). وقال تعالى: إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (9). وقال تعالى: إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (10). وقال تعالى: فبئس مثوى المتكبرين (11). السجدة: فأما عاد فاستكبروا في الارض وقالوا من أشد منا قوة أو لم


(1) التنزيل: 15. (2) فاطر: 43. (3) الصافات: 35. (4) ص: 74 - 76. (5) الزمر: 59 - 60. (6) المؤمن: 27. (7) المؤمن: 35. (8) المؤمن: 47 و 48. (9) المؤمن: 56. (10) المؤمن: 60. (11) المؤمن: 76 (*).

[183]

يروا أن الله الذي خلقهم هو اشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (1). نوح: واصروا واستكبروا استكبارا (2). المدثر: ثم ادبر واستكبر * فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (3). تفسير: " أفكلما جائكم " (4) الخطاب لليهود " رسول بما لا تهوى أنفسكم " في تفسير الامام عليه السلام اي أخذ عهودكم ومواثيقكم بما لا تحبون من اتباع النبي صلى الله عليه وآله وبذل الطاعة لاولياء الله " استكبرتم " عن الايمان والاتباع " ففريقا كذبتم " كموسى وعيسى " وفريقا تقتلون " اي قتل أسلافكم كزكريا ويحيى، وأنتم رمتم قتل محمد وعلي فخيب الله سعيكم (5). " وإذا قيل له اتق الله " (6) ودع سوء صنيعك " أخذته العزة بالاثم " اي حملته الانفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقائه، وألزمته ارتكابه لجاجا، من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه، وألزمته إياه، فيزداد إلى شره شرا، ويضيف إلى ظلمه ظلما " فحسبه جهنم " أي كفاه جزاء وعذابا على سوء فعله " ولبئس المهاد " أي الفراش يمهدها ويكون دائما فيها، كذا في تفسير الامام عليه السلام (7). " من كان مختالا " (8) اي متكبرا يأنف عن أقاربه وجيرانه واصحابه ولا يكتنف إليهم " فخورا " يتفاخر عليهم. " وأنهم لا يستكبرون " (9) أي عن قبول الحق إذا فهموه، ويتواضعون. " فما يكون لك " (10) أي فما يصح لك " أن تتكبر فيها " وتعصي، فانها


(1) السجدة: 15. (2) نوح: 7. (3) المدثر: 23 - 24. (4) البقرة، 87. (5) تفسير الامام: 172. (6) البقرة: 206. (7) تفسير الامام: 283. (8) النساء: 34. (9) المائدة: 82. (10) الاعراف: 13 (*).

[184]

مكان الخاشع المطيع، قيل: فيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة، وأنه تعالى إنما طرده وأهبطه للتكبر لا بمجرد عصيانه " إنك من الصاغرين " أي ممن أهانه الله تعالى لكبره. " واستكبروا عنها " (1) أي عن الايمان بها " لا تفتح لهم أبواب السماء " لادعيتهم وأعمالهم، ولنزول البركة عليهم، ولصعود أرواحهم إذا ماتوا. وفي المجمع (2) عن الباقر عليه السلام: أما المؤمنون فترفع أعمالهم وأرواحهم إلى السماء فتفتح لهم أبوابها، وأما الكافر فيصعد بعمله وروحه حتى إذا بلغ إلى السماء نادى مناد: اهبطوا به إلى سجين، وهو واد بحضرموت، يقال له: برهوت " ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط " أي لا يدخلون الجنة حتى يكون ما لا يكون ابدا. " الذين استكبروا " (3) اي أنفوا من اتباعه " للذين استضعفوا " اي للذين استضعفوهم وأذلوهم " لمن آمن منهم " بدل الذين " أتعلمون " قالوه على سبيل الاستهزاء. " فاستكبروا " (4) اي من الايمان " سأصرف عن آياتي " (5) أي المنصوبة في الافاق والانفس، أو معجزات الانبياء، وفي المجمع (6) ذكر في معناه وجوه أحدها أنه اراد سأصرف عن نيل الكرامة المتعلقة بآياتي والاعتزاز بها، كما يناله المؤمنون في الدنيا والاخرة المستكبرين، وثانيها أن معناه سأصرفهم عن زيادة المعجزات التي أظهرها على الانبياء بعد قيام الحجة بما تقدم من المعجزات، وثالثها أن معناه سأمنع من الكذابين والمتكبرين آياتي ومعجزاتي وأصرفهم عنها، وأخص بها الانبياء ورابعها أن يكون الصرف معناه المنع من إبطال الايات والحجج، والقدح فيها


(1) الاعراف: 40. (2) مجمع البيان ج 4 ص 418. (3) الاعراف: 75، 76. (4) الاعراف: 133. (5) الاعراف: 146 (6) مجمع البيان ج 4 ص 477.

[185]

وخامسها أن المراد سأصرف عن إبطال آياتي والمنع من تبليغها هؤلاء المتكبرين. " فاستكبروا " (1) اي عن اتباعها " وكانوا قوما مجرمين " اي معتادين الاجرام، فلذلك تهاونوا في رسالة ربهم، واجترؤا على ردها. " ما نريك إلا بشرا مثلنا " (2) اي لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة " إلا الذين هم أراذلنا " اي أخساؤنا (3) وقال علي بن إبراهيم: (4) يعني المساكين والفقراء " بادي الرأي " اي ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو أو أول الرأي من البدء، وإنما استرذلوهم لفقرهم، فانهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا كان الاحظ بها أشرف عندهم، والمحروم أرذل " وما نرى لكم " أي لك ولمتبعيك " علينا من فضل " يؤهلكم للنبوة، واستحقاق المتابعة " بل نظنكم كاذبين " أنت في دعوى النبوة وإياهم في دعوى العلم بصدقك. " وما أنا بطارد الذين آمنوا " (5) يعني الفقراء، وهو جواب لهم حين سألوا طردهم " إنهم ملاقوا ربهم " يلاقونه ويفوزون بقربه فيخاصمون طاردهم فكيف أطردهم " ولكني اريكم قوما تجهلون " الحق وأهله، وتتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل " من ينصرني من الله " يدفع انتقامه " إن طردتهم " وهم بتلك المثابة، " أفلا تذكرون " لتعرفوا أن التماس طردهم وتوفيق الايمان عليه ليس بصواب. " ولا اقول لكم عندي خزائن الله " (6) اي خزائن رزقه حتى جحدتم فضلي " ولا أعلم الغيب " أي ولا أقول: أنا أعلم الغيب، حتى تكذبوني استبعادا أو


(1) يونس: 75. (2) هود: 27. (3) مجمع البيان ج 5 ص 154. انوار التنزيل: 193. (4) تفسير القمي: 301. (5) هود: 29. (6) هود: 31 (*).

[186]

حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب " ولا أقول إني ملك " حتى تقولوا: ما أنت إلا بشر مثلنا " ولا أقول للذين تزدري أعينكم " اي ولا اقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم من زرى عليه إذا عابه، وإسناده إلى الاعين للمبالغة، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرأي من غير رؤية " لن يؤتيهم الله خيرا " فان ما أعد الله لهم في الاخرة خير مما آتاكم في الدنيا " إني إذا لمن الظالمين " إن قلت: شيئا من ذلك. " ما نفقه " (1) اي ما نفهم " ضعيفا " اي لا قوة لك ولا عز وقال علي بن إبراهيم: (2) قد كان ضعف بصره " ولولا رهطك " أي قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا " لرجمناك " أي لقتلناك شر قتلة " وما أنت علينا بعزيز " فتمنعنا عزتك عن القتل، بل رهطك هم الاعزة علينا " واتخذتموه ورائكم ظهريا " وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به. " واستفتحوا " (3) اي سألوا من الله الفتح على أعدائهم، أو القضاء بينهم وبين أعاديهم، من الفتاحة بمعنى الحكومة " وخاب كل جبار عنيد " في التوحيد عن النبي صلى الله عليه وآله من أبي أن يقول: لا إله إلا الله، وروى علي بن إبراهيم (4) عن الباقر عليه السلام قال: العنيد المعرض عن الحق " وبرزوا لله جميعا " (5) يعني يبرزون يوم القيامة " فقال الضعفاء " اي ضعفاء الرأي وهم الاتباع " للذين استكبروا " اي لرؤسائهم، وفي المتهجد في خطبة الغدير لامير المؤمنين عليه السلام بعد تلاوته لها افتدرون الاستكبار ما هو ؟ هو ترك الطاعة لمن أمروا بطاعته، والترفع على من


(1) هود: 91 - 92. (2) تفسير القمي: 314. (3) ابراهيم: 15. (4) تفسير القمي: 344. (5) ابراهيم: 21.

[187]

ندبوا إلى متابعته " إنا كنا لكم تبعا " في تكذيب الرسل، والاعراض عن نصائحهم " فهل أنتم مغنون عنا " اي دافعون عنا " من عذاب الله من شئ قالوا لو هدينا الله " للايمان والنجاة من العذاب، وقال علي بن إبراهيم: (1) الهدى هنا الثواب " من محيص " اي منجى ومهرب من العذاب. " قلوبهم منكرة " (2) في المجمع (3) أي جاحدة للحق يستبعد ما يرد عليها من المواعظ " وهم مستكبرون " عن الانقياد للحق دافعون له من غير حجة والاستكبار طلب الترفع بترك الاذعان للحق " إنه لا يحب المستكبرين " أي المتعظمين الذين يأنفون أن يكونوا أتباعا للانبياء، أي لا يريد ثوابهم وتعظيمهم. واقول: روى العياشي (4) أنه مر الحسين بن علي عليه السلام على مساكين قد بسطوا كساءهم والقوا كسرا، فقالوا: هلم يا ابن رسول الله ! فثنى وركه فأكل معهم ثم تلا " إن الله لا يحب المستكبرين ". " فلبئس مثوى المتكبرين " أي جهنم " وهم لا يستكبرون " اي عن عبادته (5) " مرحا " (6) أي ذا مرح، وفي المجمع (7) معناه لا تمش على وجه الاشر والبطر والخيلاء والتكبر قال الزجاج: معناه لا تمش في الارض مختالا فخورا وقيل: المرح شدة الفرح بالباطل " إنك لن تخرق " الخ هذا مثل ضربه الله قال: إنك ايها الانسان لن تشق الارض من تحت قدمك بكبرك، ولن تبلغ الجبال بتطاولك، والمعنى أنك لن تبلغ مما تريد كثير مبلغ، كما لا يمكنك أن تبلغ هذا، فما وجه المثابرة على ما هذا سبيله ؟ مع أن الحكمة زاجرة عنه، وإنما


(1) تفسير القمى: 445. (2) النحل: 22 و 23. (3) مجمع البيان ج 6 ص 355. (4) تفسر العياشي ج 2 ص 257. (5) النحل، 29 و 49. (6) أسرى: 37. (7) مجمع البيان ج 6 ص 416 (*).

[188]

قال ذلك، لان من الناس من يمشي في الارض بطرا يدق قدميه عليها، ليري بذلك قدرته وقوته، ويرفع رأسه وعنقه، فبين الله سبحانه أنه ضعيف مهين، لا يقدر أن يخرق الارض بدق قدميه عليها، حتى ينتهي إلى آخرها، وأن طوله لا يبلغ الجبال، وإن كان طويلا، علم سبحانه عباده التواضع والمروءة والوقار. " فاستكبروا " (1) أي عن الايمان والمتابعة " وكانوا قوما عالين " أي متكبرين " وقومهما لنا عابدون " يعني أن بني إسرائيل لنا خادمون منقادون. " لقد استكبروا في أنفسهم " (2) اي في شأنهم " وعتوا " أي تجاوزوا الحد في الظلم " عتوا كبيرا " بالغا أقصى مراتبه، حيث عاينوا المعجزات القاهرة، فأعرضوا عنها، واقترحوا لانفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية. " بغير الحق " (3) اي بغير الاستحقاق، فان الكبرياء رداء الله " لا يرجعون " اي بالنشور. " ولا تصعر خدك للناس " (4) قيل: اي لا تمله عنهم، ولا تولهم صفحة خدك كما يفعله المتكبرون، من الصعر وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه، وفي المجمع (5) أي ولا تمل وجهك من الناس تكبرا ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا به، وهذا معنى قول ابن عباس وأبي عبد الله عليه السلام، وقيل: هو أن يسلم عليك فتلوي عنقك تكبرا " ولا تمش في الارض مرحا " أي بطرا وخيلاء " إن الله لا يحب كل مختال " أي كل متكبر " فخور " على الناس، وقال علي بن إبراهيم (6) " ولا تصعر خدك " أي لا تذل للناس طمعا فيما عندهم " ولا تمش في الارض مرحا " أي فرحا وفي رواية ابي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام اي بالعظمة.


(1) المؤمنون: 45، (2) الفرقان، 21. (3) القصص: 39. (4) لقمان: 18. (5) مجمع البيان ج 8 ص 319. (6) تفسير القمي: 508 (*).

[189]

" وهم يستكبرون " (1) قيل أي عن الايمان والطاعة. " يستكبرون " (3) أي عن كلمة التوحيد أو على من يدعوهم إليه. " استكبر " (3) قيل اي تعظم وصار من الكافرين باستنكاره أمر الله تعالى واستكباره عن المطاوعة " استكبرت أم كنت من العالين " قيل اي تكبرت من غير استحقاق، أو كنت ممن علا واستحق التفوق ؟ وقيل: استكبرت الان أم لم تزل كنت من المستكبرين. واقول في بعض الروايات أن المراد بالعالين أنوار الحجج عليهم السلام. " بلى قد جائتك آياتي " (4) قال علي بن إبراهيم (5): المراد بالايات الائمة عليهم السلام " مثوى للمتكبرين " أي عن الايمان والطاعة، وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال: إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر، شكى إلى الله تعالى شدة حره وسأله أن يتنفس فأذن له فتنفس فأحرق جهنم (6) " إن في صدورهم إلا كبر " (7) قال البيضاوي اي إلا تكبر عن الحق، وتعظم عن التفكر والتعلم أو إرادة الرياسة، أو أن النبوة والملك لا يكون إلا لهم " ما هم ببالغيه " اي ببالغي دفع الايات أو المراد، " فاستعذ بالله " اي فالتجئ إليه " إنه هو السميع البصير " لاقوالكم وافعالكم. " عن عبادتي " (8) فسرت في الاخبار بالدعاء " داخرين " اي صاغرين وفي الكافي (9) عن الباقر عليه السلام: في هذه الاية قال: هو الدعاء وافضل العبادة الدعاء والاخبار في ذلك كثيرة سيأتي في كتاب الدعاء إنشاء الله، وفي الصحيفة السجادية (10)


(1) التنزيل: 15. (2) الصافات: 35. (3) ص: 74 - 76. (4) الزمر: 59. (5) تفسير القمى: 579. (6) تفسير القمى: 579. (7) المؤمن: 56. (8) المؤمن: 60. (9) الكافي ج 2 ص 467. (10) الدعاء: 45 في وداع شهر رمضان (*).

[190]

بعد ذكر هذه الاية: فسميت دعاءك عبادة، وتركه استكبارا، وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين. " فبئس مثوى المتكبرين " (1). " فاستكبروا " (2) اي فتعظموا فيها على أهلها بغير استحقاق، واغتروا بقوتهم وشوكتهم " هو اشد نهم قوة " أي قدرة " وكانوا بآياتنا يجحدون " اي يعرفون أنها حق وينكرونها. " ثم ادبر " (3) [أي] عن الحق " واستكبر " عن اتباعه و " يؤثر " أي يروى ويتعلم. 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن ابيه، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبان، عن حكيم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أدنى الالحاد، قال: إن الكبر أدناه (4). بيان: قال الراغب: ألحد فلان مال عن الحق، والالحاد ضربان: إلحاد إلى الشرك بالله، وإلحاد إلى الشرك بالاسباب، فالاول ينافي الايمان ويبطله والثاني يوهن عراه ولا يبطله، ومن هذا النحو قوله عزوجل " ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " (5). وقال: الكبر الحالة التي يتخصص بها الانسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى الانسان نفسه أكبر من غيره، وأعظم التكبر التكبر على الله عزوجل بالامتناع من قبول الحق، والاذعان له بالعبادة، والاستكبار يقال على وجهين: أحدهما أن يتحرى الانسان ويطلب أن يصير كبيرا وذلك متى كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الوقت الذي يجب فمحمود، والثاني أن يتشبع فيظهر من نفسه ما ليس له، وهذا


(1) المؤمن: 76 ولم يسطر له تفسير. (2) السجدة: 15. (3) المدثر: 23 و 24. (4) الكافي ج 2 ص 309. (5) مفردات غريب القرآن 448، والاية في الحج: 25 (*).

[191]

هو المذموم. وعلى هذا ما ورد في القرآن وهو ما قال تعالى: " ابى واستكبر، أفكلما جائكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم، وأصروا واستكبروا استكبارا " (1) وقال تعالى: " فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين " (2) وقال تعالى: " الذين يستكبرون في الارض بغير الحق " (3) وقال تعالى: " إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء - قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون " (4). وقوله تعالى: " فيقول الضعفاء للذين استكبروا " قابل المستكبرين بالضعفاء تنبيها على أن استكبارهم كان بما لهم من القوة في البدن والمال، وقال تعالى: " قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا " (5) فقابل بالمستكبرين المستضعفين، وقال عزوجل: " ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين " (6). نبه تعالى بقوله: " فاستكبروا " على تكبرهم وإعجابهم بأنفسهم وتعظمهم عن الاصغاء إليه، ونبه بقوله " وكانوا قوما مجرمين " على أن الذي حملهم على ذلك هو ما تقدم من جرمهم، فان ذلك لم يكن شيئا حدث منهم، بل كان ذلك دأبهم. قال: " فالذين لا يؤمنون بالاخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون " وقال بعده " إنه لا يحب المستكبرين " (7).


(1) البقرة: 34، و 78، نوح: 7. (2) العنكبوت: 35. (3) كذا في نسخة الكمباني، وهكذا المصدر وفي المصحف: فاستكبروا في الارض بغير الحق. (4) الاعراف: 40 و 48. (5) الاعراف: 75. (6) يونس: 75. (7) النحل: 22 - 23 (*).

[192]

والتكبر يقال على وجهين: أحدهما أن تكون الافعال الحسنة كثيرة في الحقيقة، وزائدة على محاسن غيره، وعلى هذا وصف الله تعالى بالمتكبر وقال تعالى: " العزيز الجبار المتكبر " (1) الثاني أن يكون متكلفا لذلك متشبعا وذلك في وصف عامة الناس نحو قوله عزوجل: " فبئس مثوى المتكبرين " (2) وقوله تعالى: " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " (3) ومن وصف بالتكبر على الوجه الاول فمحمود، ومن وصف به على الوجه الثاني فمذموم. ويدل على أنه قد يصح أن يوصف الانسان بذلك، ولا يكون مذموما قوله تعالى: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق " (4) فجعل المتكبرين بغير الحق مصروفا. والكبرياء هي الترفع عن الانقياد، وذلك لا يستحقه غير الله قال تعالى " وله الكبرياء في السموات والارض وهو العزيز الحكيم " (5) ولما قلنا روي عنه عليه السلام يقول عن الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني في شئ منهما قصمته " قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آبائنا وتكون لكما الكبرياء في الارض، وما نحن لكما بمؤمنين " (6) انتهى (7). واقول: الايات والاخبار في ذم الكبر ومدح التواضع، أكثر من أن تحصى قال الشهيد قدس الله روحه: الكبر معصية والاخبار كثيرة في ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر. فقالوا: يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا فقال: إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس. بطر الحق رده على قائله، والغمص بالصاد المهملة الاحتقار والحديث مؤول بما يؤدي إلى الكفر، أو يراد أنه لا يدخل الجنة مع دخول غير المتكبر بل بعده


(1) الحشر: 23 (2) الزمر: 72. (3) غافر: 35. (4) الاعراف: 146. (5) الجاثية: 37. (6) يونس: 78. (7) مفردات غريب القرآن 421 و 422 (*).

[193]

وبعد العذاب في النار، وقد علم منه أن التجمل ليس من التكبر في شئ انتهى. وقيل: الكبر ينقسم إلى باطن وظاهر، والباطن هو خلق في النفس والظاهر هو أعمال تصدر من الجوارح، واسم الكبر بالخلق الباطن أحق وأما الاعمال فانها ثمرات لذلك الخلق، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال له تكبر وإذا لم يظهر يقال له: في نفسه كبر، فالاصل هو الخلق الذي في النفس وهو الاسترواح إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فان الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به، وبه ينفصل الكبر عن العجب، فان العجب لا يستدعي غير المعجب. بل لو لم يخلق الانسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا، ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره، وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال بأن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر لا أن هذه الرؤية هي الكبر، بل هذه الرؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه، فيحصل في قلبه اغترار، وهزة وفرح، وركون إلى ما اعتقده، وعز في نفسه بسبب ذلك، فتلك العزة والهزة والركون إلى المعتقد هو خلق الكبر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: أعوذ بك من نفخة الكبرياء. فالكبر عبارة عن الحالة الحاصلة في النفس من هذه الاعتقادات ويسمى أيضا عزا وتعظما، ولذلك قال ابن عباس في قوله تعالى " إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه " (1) فقال: عظمة لا يبلغوها، ثم هذه العزة تقتضي أعمالا في الظاهر والباطن وهي ثمراته، ويسمى ذلك تكبرا، فانه مهما عظم عنده قدر نفسه بالاضافة إلى غيره، حقر من دونه وازدراه، وأقصاه من نفسه وأبعده، وترفع عن مجالسته ومواكلته، ورأى أن حقه أن يقوم ماثلا بين يديه إن اشتد كبره. فان كان كبره أشد من ذلك، استنكف عن استخدامه، ولم يجعله أهلا للقيام بين يديه، فان كان دون ذلك، يأنف عن مواساته ويتقدم عليه في مضايق الطرق، وارتفع عليه في المحافل وانتظر أن يبدأه بالسلام، وإن حاج أو ناظر


(1) غافر: 55 (*).

[194]

استنكف أن يرد عليه، وإن وعظ أنف من القبول، وإن وعظ عنف في النصح وإن رد عليه شئ من قوله غضب، وإن علم لم يرفق بالمتعلمين واستذلهم وانتهرهم وامتن عليهم واستخدمهم وينظر إلى العامة كما ينظر إلى الحمير استجهالا لهم، واستحقارا. والاعمال الصادرة من الكبر أكثر من أن تحصى، فهذا هو الكبر وآفته عظيمة، وفيه يهلك الخواص والعوام وكيف لا تعظم آفته، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. وإنما صار حجابا عن الجنة لانه يحول بين المرء وبين أخلاق المؤمنين كلها، وتلك الاخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعز النفس تغلق تلك الابواب كلها لانه مع تلك الحالة لا يقدر على حبه للمؤمنين ما يحب لنفسه، ولا على التواضع وهو رأس أخلاق المتقين، ولا على كظم الغيظ، ولا على ترك الحقد ولا على الصدق ولا على ترك الحسد والغضب، ولا على النصح اللطيف، ولا على قبوله ولا يسلم من الازراء بالناس واغتيابهم، فما من خلق ذميم إلا وصاحب الكبر والعز مضطر إليه ليحفظ به عزه، وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه، خوفا من أن يفوته عزه، فعن هذا لم يدخل الجنة. وشر أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم وقبول الحق والانقياد له وفيه وردت الايات التي فيها ذم المتكبرين كقوله سبحانه: " وكنتم عن آياته تستكبرون " (1) وأمثالها كثيرة، ولذلك ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله جحود الحق في حد الكبر، والكشف عن حقيقته وقال: من سفه الحق وغمص الناس. ثم اعلم أن المتكبر عليه هو الله أو رسله أو ساير الخلق، فهو بهذه الجهة ثلاثة أقسام الاول التكبر على الله، وهو أفحش أنواعه ولا مثار له إلا الجهل المحض والطغيان، مثل ما كان لنمرود وفرعون. الثاني التكبر على الرسل والاوصياء عليهم السلام كقولهم: " أنومن لبشرين


(1) الانعام: 93 (*).

[195]

مثلنا " (1) " ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون " (2) " وقالوا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا " (3) وهذا قريب من التكبر على الله عزوجل، وإن كان دونه، ولكنه تكبر عن قبول امر الله. الثالث التكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه، ويستحقر غيره فتأبى نفسه عن الانقياد لهم، وتدعوه إلى الترفع عليهم، فيزدريهم ويستصغرهم ويأنف عن مساواتهم، وهذا وإن كان دون الاول والثاني فهو أيضا عظيم من وجهين: أحدهما أن الكبر [والعزة والعظمة لا يليق إلا بالمالك القادر فأما العبد الضعيف الذليل المملوك العاجز الذي لا يقدر على شئ، فمن أين يليق به الكبر] (4) فمهما تكبر العبد فقد نازع الله تعالى في صفة لا تليق إلا بجلاله، وإلى هذا المعنى الاشارة بقوله تعالى " العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني فيهما قصمته " اي أنه خاص صفتي ولا يليق إلا بي، والمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي، فإذا كان التكبر على عباده لا يليق إلا به، فمن تكبر على عباده فقد جنى عليه، إذ الذي استرذل خواص غلمان الملك، ويستخدمهم ويترفع عليهم، ويستأثر بما حق الملك أن يستاثر به منهم، فهو منازع له في بعض أمره وإن لم يبلغ درجته درجة من أراد الجلوس على سريره، والاستبداد بملكه، كمدعي الربوبية. والوجه الثاني أنه يدعو إلى مخالفة الله تعالى في أوامره، لان المتكبر إذا سمع الحق من عبد من عباد الله، استنكف عن قبوله، ويتشمر بجحده، و لذلك ترى المناظرين في مسائل الدين يزعمون أنهم يتباحثون عن اسرار الدين


(1) المؤمنون: 47. (2) المؤمنون: 34. (3) الفرقان: 21. (4) ما بين العلامتين اضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 293 (*).

[196]

ثم إنهم يتجاحدون تجاحد المتكبرين، ومهما اتضح الحق على لسان أحدهم أنف الاخر من قبوله، ويتشمر بجحده، ويحتال لدفعه، بما يقدر عليه من التلبيس، وذلك من أخلاق الكافرين والمنافقين، إذ وصفهم الله تعالى فقال: " وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون " (1) وكذلك يحمل ذلك على الانفة من قبول الوعظ كما قال تعالى: " و إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم " (2) وتكبر إبليس من ذلك. فهذه آفة من آفات الكبر عظيمة، ولذلك شرح رسول الله صلى الله عليه وآله الكبر بهاتين الافتين إذ سأله ثابت بن قيس فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إني امرؤ حبب إلي من الجمال ما ترى أفمن الكبر هو ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس، وفي حديث آخر من سفه الحق، وقوله: " غمص الناس " أي ازدراهم واستحقرهم، وهم عباد الله أمثاله، وخير منه، وهذه الافة الاولى، وقوله سفه الحق هو رده به وهذه الافة الثانية. ثم اعلم أنه لا يتكبر إلا من استعظم نفسه، ولا يستعظمها إلا وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال، ومجامع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي والديني هو العلم والعمل، والدنيوي هو النسب والجمال والقوة والمال وكثرة الانصار. فهذه سبعة. الاول: العلم وما اسرع الكبر إلى العلماء، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: آفة العلم الخيلاء فهو يتعزز بعز العلم، ويستعظم نفسه، ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهايم، ويتوقع منهم الاكرام والابتداء بالسلام، ويستخدمهم ولا يعتني بشأنهم، هذا فيما يتعلق بالدنيا وأما في الاخرة، فبأن يرى نفسه عند الله أعلى وأفضل منهم، فيخاف عليهم أكثر مما يخافه على نفسه، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم، وهذا بأن يسمى جاهلا أولى من أن يسمى عالما، بل العلم الحقيقي


(1) فصلت: 26. (2) البقرة: 206.

[197]

هو الذي يعرف الانسان به نفسه وربه، وخطر الخاتمة، وحجة الله على العلماء وعظم خطر العمل (1) فيه، وهذه العلوم تزيد خوفا وتواضعا وتخشعا ويقتضي أن يرى أن كل الناس خير منه، لعظم حجة الله عليه بالعلم، وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم. فان قلت: فما بالبعض الناس يزداد بالعلم كبرا وأمنا. فاعلم أن له سببين أحدهما أن يكون اشتغاله بما يسمى علما وليس بعلم حقيقي، وإنما العلم الحقيقي ما يعرف العبد به نفسه وربه، وخطر أمره في لقاء الله، والحجاب عنه، وهذا يورث الخشية والتواضع دون الكبر والامن، قال الله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (2) فأما ما وراء ذلك كعلم الطب والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات فإذا تجرد الانسان لها حتى امتلاء بها امتلا كبرا ونفاقا، وهذه بأن تسمى صناعات أولى بأن تسمى علوما، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية، وطريق العبادة، وهذا يورث التواضع غالبا. السبب الثاني أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدخلة، ردي النفس سيئ الاخلاق، فلم يشتغل أولا بتهذيب نفسه وتزكية قلبه، بأنواع المجاهدات ولم يرض نفسه في عبادة ربه، فبقي خبيث الجوهر، فإذا خاض في العلم أي علم كان، صادف العلم من قلبه منزلا خبيثا فلم يطب ثمره، ولم يظهر في الخير أثره. وقد ضرب وهب لهذا مثلا، فقال: العلم كالغيث ينزل من السماء حلوا صافيا فتشربه الاشجار بعروقها، فتحوله على قدر طعومها، فيزداد المر مرارة والحلو حلاوة، وكذلك العلم يحفظه الرجال، فيحوله على قدر هممهم وأهوائهم فيزيد المتكبر تكبرا والمتواضع تواضعا، وهذا لان من كانت همته الكبر وهو جاهل، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به فازداد كبرا، وإذا كان الرجل خائفا مع جهله، فإذا ازداد علما علم أن الحجة قد أكدت عليه، فيزداد خوفا وإشفاقا وتواضعا، فالعلم من اعظم ما به يتكبر.


(1) في شرح الكافي ج 2 ص 294 " خطر العلم ". (2) فاطر: 28 (*).

[198]

الثاني: العمل والعبادة، وليس يخلو عن رذيلة العز والكبر، واستمالة قلوب الناس الزهاد والعباد ويترشح الكبر منهم في الدنيا والدين أما الدنيا فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيادة غيرهم، ويتوقعون قيام الناس بحوائجهم وتوقيرهم والتوسيع لهم في المجالس، وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى غير ذلك مما مر في حق العلماء وكأنهم يرون عبادتهم منة على الخلق. وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين، ويرى نفسه ناجيا وهو الهالك تحقيقا مهما رأى ذلك، قال النبي صلى الله عليه وآله: إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم، وروي أن رجلا في بني إسرائيل يقال له: خليع بني إسرائيل لكثرة فساده، مر برجل يقال له: عابد بني إسرائيل، وكانت على راس العابد غمامة تظله لما مر الخليع به فقال الخليع في نفسه: أنا خليع بني إسرائيل كيف أجلس بجنبه وقال العابد: هو خليع بني إسرائيل كيف يجلس إلي، فأنف منه وقال له: قم عني فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان: مرهما فليستأنفا العمل، فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد، وفي حديث آخر فتحولت الغمامة إلى رأس الخليع. وهذه آفة لا ينفك عنها أحد من العباد إلا من عصمه الله، لكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات: الدرجة الاولى أن يكون الكبر مستقرا في قلبه، يرى نفسه خيرا من غيره إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا من نفسه وهذا قد رسخت في قلبه شجرة الكبر، ولكنه قطع أغصانها بالكلية. الثانية أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على الاقران وإظهار الانكار على من يقصر في حقه، وأدنى ذلك في العالم أن يصعر خده للناس كأنه معرض عنهم، وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنه متنزه عن الناس، مستقذر لهم أو غضبان عليهم، وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة حتى يقبطها ولا في الوجه حتى يعبس، ولا في الخد حتى يصعر، ولا

[199]

في الرقبة حتى يطأطي، ولا في الذيل حتى يضم، إنما الورع في القلوب قال صلى الله عليه وآله: التقوى ههنا، واشار إلى صدره. وهؤلاء أخف حالا ممن هو في المرتبة الثالثة وهو الذي يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس أما العابد فانه يقول في معرض التفاخر لغيره من العباد: من هو ؟ وما عمله ؟ ومن أين زهده ؟ فيطيل اللسان فيهم بالتنقص ثم يثني على نفسه ويقول: إني لم أفطر منذ كذا وكذا ولا أنام بالليل، وفلان ليس كذلك، وقد يزكي نفسه ضمنا فيقول: قصدني فلان فهلك ولده وأخذ ماله أو مرض، وما يجري مجراه هذا يدعي الكرامة لنفسه. وأما العالم فانه يتفاخر ويقول: أنا متفنن في العلوم، ومطلع على الحقائق رأيت من الشيوخ فلانا وفلانا، ومن أنت ؟ وما فضلك ؟ ومن لقيته ؟ ومن ذا الذي سمعت من الحديث ؟ كل ذلك ليصغره ويعظم نفسه، فهذا كله اخلاق الكبر، وآثاره التي يثمرها التعزز بالعلم والعمل، وأين من يخلو عن جميع ذلك أو عن بعضه ؟ يا ليت شعري من عرف هذه الاخلاق من نفسه وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، كيف يستعظم نفسه، ويتكبر على غيره، وهو بقول رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل النار، و إنما العظيم من خلا عن هذا، ومن خلا عنه لم يكن فيه تعظم وتكبر. الثالث التكبر بالنسب والحسب، فالذي له نسب شريف، يستحقر من ليس له ذلك النسب، وإن كان ارفع منه عملا وعلما، وثمرته على اللسان التفاخر به، وذلك عرق رقيق في النفس لا ينفك عنه نسيب وإن كان صالحا أو عاقلا إلا أنه قد لا يترشح منه عند اعتدال الاحوال، فان غلب غضب اطفأ ذلك نور بصيرته وترشح منه. الرابع التفاخر بالجمال وذلك يجري أكثره بين النساء ويدعو ذلك إلى التنقص والتسبب والغيبة وذكر عيوب الناس. الخامس الكبر بالمال، وذلك يجري بين الملوك في الخزائن وبين التجار

[200]

في بضائعهم، وبين الدهاقين في أراضيهم، وبين المتجملين في لباسهم وخيولهم ومراكبهم، فيستحقر الغني الفقير ويتكبر عليه، ومن ذلك تكبر قارون. السادس الكبر بالقوة وشدة البطش والتكبر به على أهل الضعف. السابع التكبر بالاتباع والانصار والتلاميذ والغلمان والعشيرة والاقارب والبنين، ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة في الجنود، وبين العلماء بالمكاثرة بالمستفيدين، وبالجملة فكل ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالا وإن لم يكن في نفسه كمالا أمكن أن يتكبر به، حتى أن المخنث ليتكبر على أقرانه بزيادة قدرته ومعرفته في صفة المخنثين لانه يرى ذلك كمالا فيفتخر به، وإن لم يكن فعله إلا نكالا. وأما بيان البواعث على التكبر، فاعلم أن الكبر خلق باطن، وأما ما يظهر من الاخلاق والاعمال، فهو ثمرتها ونتيجتها، وينبغي أن يسمى تكبرا و يخص اسم الكبر بالمعنى الباطن الذي هو استعظام النفس ورؤية قدر لها فوق قدر الغير، وهذا الباب [الباطن] له موجب واحد، وهو العجب، فانه إذا أعجب بنفسه وبعلمه وعمله أو بشئ من اسبابه، استعظم نفسه وتكبر، وأما الكبر الظاهر فأسبابه ثلاثة، سبب في المتكبر وسبب في المتكبر عليه، وسبب يتعلق بغيرهما، أما السبب الذي في المتكبر فهو العجب، والذي يتعلق بالمتكبر عليه فهو الحقد والحسد، والذي يتعلق بغيرهما هو الرياء، فالاسباب بهذا الاعتبار اربعة العجب والحقد والحسد والرياء. أما العجب فقد ذكرنا أنه يورث الكبر الباطن، والكبر الباطن يثمر التكبر الظاهر، في الاعمال والاقوال والافعال. وأما الحقد فانه قد يحمل على التكبر من غير عجب، ويحمله ذلك على رد الحق إذا جاء من جهته، وعلى الانفة من قبول نصحه، وعلى ان يجتهد في التقدم عليه، وإن علم أنه لا يستحق ذلك. وأما الحسد فانه يوجب البغض للمحسود، وإن لم يكن من جهته إيذاء

[201]

وسبب يقتضي الغضب والحقد، ويدعو الحسد ايضا إلى جحد الحق حتى يمتنع من قبول النصح، وتعلم العلم، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في الجهل لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده وأقاربه حسدا وبغيا عليه. وأما الرياء فهو ايضا يدعو إلى أخلاق المتكبرين حتى أن الرجل ليناظر من يعلم أنه افضل منه، وليس بينه وبينه معرفة ولا محاسدة ولا حقد. ولكن يمتنع من قبول الحق منه خيفة من أن يقول الناس: إنه افضل منه. وأما معالجة الكبر واكتساب التواضع فهو علمي وعملي أما العلمي فهو أن يعرف نفسه وربه، ويكفيه ذلك في إزالته، فانه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه اذل من كل ذليل، واقل من كل قليل بذاته، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهانة، وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا بالله. أما معرفة ربه وعظمته ومجده، فالقول فيه يطول، وهو منتهى علم الصديقين، وأما معرفة نفسه فكذلك أيضا يطول، ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة من كتاب الله تعالى فانه في القرآن علم الاولين والاخرين لمن فتحت بصيرته، وقد قال تعالى: " قتل الانسان ما أكفره * من اي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره " (1) فقد أشار الاية إلى أول خلق الانسان، وإلى آخر أمره، وإلى وسطه، فلينظر الانسان ذلك ليفهم معنى هذه الاية، أما أول الانسان فهو أنه لم يكن شيئا مذكورا، وقد كان ذلك في كتم العدم، دهورا، بل لم يكن لعدمه أول فأي شئ أخس وأقل من المحو والعدم وقد كان كذلك في القدم، ثم خلقه الله تعالى من اذل الاشياء ثم من أقذرها إذ خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظاما، ثم كسى العظام لحما. فقد كان هذا بداية وجوده، حيث صار شيئا مذكورا، فما صار مذكورا إلا


(1) عبس: 17 - 22 (*).

[202]

وهو على أخس الاوصاف والنعوت، إذ لم يخلق في ابتدائه كاملا، بل خلقه جمادا ميتا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك، ولا ينطق ولا يبطش، ولا يدرك ولا يعلم، فبدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، وبجهله قبل علمه، وبعماه قبل بصره، وبصممه قبل سمعه، وببكمه قبل نطقه، وبضلالته قبل هداه، بفقره قبل غناه، وبعجزه قبل قدرته. فهذا معنى قوله تعالى: " هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه " كذلك خلقه أولا ثم أمتن عليه فقال: " ثم السبيل يسره " وهذه إشارة إلى ما تيسر له في مدة حياته إلى الموت، ولذلك قال: " من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل " ومعناه أنه أحياه بعد أن كان جمادا ميتا ترابا أولا، ونطفة ثانيا وأبصره بعد ما كان فاقد البصر، وقواه بعد الضعف، وعلمه بعد الجهل، وخلق له الاعضاء بما فيها من العجائب والايات بعد الفقد لها، وأغناه بعد الفقر، واشبعه بعد الجوع، وكساه بعد العرى، وهداه بعد الضلال. فانظر كيف دبره وصوره، وإلى السبيل كيف يسره، وإلى طغيان الانسان ما أكفره، وإلى جهل الانسان كيف أظهره ؟ فقال تعالى: " أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين " (1) " ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون " (2) فانظر إلى نعمة الله عليه، كيف نقله من تلك القلة والذلة والخسة والقذارة، إلى هذه الرفعة والكرامة، فصار موجودا بعد العدم، وحيا بعد الموت، وناطقا بعد البكم، وبصيرا بعد العمى، وقويا بعد الضعف، وعالما بعد الجهل، ومهديا بعد الضلالة، وقادرا بعد العجز وغنيا بعد الفقر فكان في ذاته لا شئ - وأي شئ اخس من لا شئ ؟ وأي قلة اقل من العدم المحض - ثم صار بالله شيئا، وإنما خلقه من التراب الذليل والنطفة القذرة بعد العدم المحض، ليعرفه خسة ذاته، فيعرف به نفسه، وإنما أكمل


(1) يس: 77. (2) الروم: 20.

[203]

النعمة عليه ليعرف بها ربه، ويعلم بها عظمته وجلاله، وأنه لا يليق الكبرياء إلا به عزوجل. فلذلك امتن عليه، فقال تعالى: ألم نجعل له عينين * ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين " (1) وعرف خسته أولا فقال: ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة " (2) ثم ذكر مننه فقال: فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والانثى " ليدوم وجوده بالتناسل كما حصل وجوده ابتداء بالاختراع فمن كان هذا بدؤه، وهذا أحواله، فمن أين له البطر والكبرياء ؟ والفخر والخيلاء ؟ وهو على التحقيق أخس الاخساء، وأضعف الضعفاء. نعم لو أكمله وفوض إليه أمره، وادام له الوجود باختياره، لجاز أن يطغى وينسى المبدء والمنتهى، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الامراض الهائلة، والاسقام العظيمة، والافات المختلفة، والطبايع المتضادة: من المرة، والبلغم، والريح والدم، ليهدم البعض من أجزائه البعض، شاء أم ابى، رضي أم سخط، فيجوع كرها، ويعطش كرها، ويمرض كرها، ويموت كرها، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا خيرا ولا شرا، يريد أن يعلم الشئ فيجهله، ويريد أن يذكر الشئ فينساه ويريد أن ينسى الشئ فيغفل عنه فابغفل، ويريد أن يصرف قلبه إلى ما يهمه فيجول في أودية الوسواس والافكار بالاضطرار، فلا يملك قلبه قلبه، ولا نفسه نفسه. يشتهي الشئ، وربما يكون هلاكه فيه، ويكره الشئ، ويكون حياته فيه، يستلذ الاطعمة فتهلكه وترديه، ويستبشع الادوية وهي تنفعه وتحييه، لا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته، وتفلج أعضاؤه ويختلس عقله، ويختطف روحه، ويسلب جميع ما يهواه في دنياه، وهو مضطر ذليل، إن ترك ما بقي، وإن اختطف فني، عبد مملوك لا يقدر علي شئ من نفسه ولا من غيره، فاي شئ أذل منه لو عرف نفسه ؟ وأنى يليق الكبر به لولا جهله ؟


(1) البلد: 8 - 10. (2) القيامة: 37 (*).

[204]

فهذا أوسط أحواله فليتأمله، وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى: " ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء انشره " (1) ومعناه أنه يسلب روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحسه وإدراكه وحركته، فيعود جمادا كما كان أول مرة لا تبقى إلا شبه اعضائه ولا صورته لا حس فيها ولا حركة، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة كما كان في الاول نطفة قذرة، ثم تبلى أعضاؤه وصورته، وتفتت أجزاؤه، وتنخر عظامه، فتصير رميما ورفاتا، فتأكل الدود أجزاءه فيبتدئ بحدقتيه فيقلعهما، وبخديه فيقطعهما، وبساير أجزائه فتصير روثا في أجواف الديدان، وتكون جيفة تهرب منه الحيوان، ويستقذره كل إنسان ويهرب منه لشدة الانتان. وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان، أو يعمر به البنيان، ويصير مفقودا بعد ما كان موجودا، وصار كأن لم يغن بالامس حصيدا كما كان أول مرة أمدا مديدا. وليته بقي كذلك، فما أحسنه لو ترك ترابا، لا بل يحييه بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء، فيخرج من قبره عد جمع أجزائه المتفرقة، ويخرج إلى أهوال القيامة، فينظر إلى قيامة قائمة، وسماء ممزقة مشققة، وأرض مبدلة وجبال مسيرة ونجوم منكدرة، وشمس منكسفة، وأحوال مظلمة، وملائكة غلاظ شداد، وجحيم تزفر، وجنة ينظر إليها المجرم فتيحسر. ويرى صحائف منشورة، فيقال له: " اقرء كتابك " فيقول: وما هو ؟ فيقال: كان قد وكل بك في حياتك التي كنت تفرح بها، وتتكبر بنعيمها، وتفتخر بأسبابها، ملكان رقيبان، يكتبان عليك ما تنطق به أو تعمله، من قليل وكثير، ونقير وقطمير، وأكل وشرب، وقيام وقعود، وقد نسيت ذلك وأحصاه الله فهلم إلى الحساب واستعد للجواب، أو يساق إلى دار العذاب، فينقطع قلبه هول هذا الخطاب، من قبل أن ينشر الصحف، ويشاهد ما فيها من مخازيه، فإذا شاهدها قال: " يا ويلتنا ما لهذا


(1) عبس: 21 - 22 (*).

[205]

الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ". فهذا آخر أمره وهو معنى قوله عزوجل: " ثم إذا شاء أنشره " فما لمن هذا حاله والتكبر ؟ بل ماله وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر ؟ فقد ظهر له أول حاله ووسطه، ولو ظهر آخره والعياذ بالله ربما اختار أن يكون كلبا وخنزيرا ليصير مع البهائم ترابا، ولا يكون إنسانا يسمع خطابا ويلقى عذابا، وإن كان عند الله مستحقا للنار فالخنزير أشرف منه واطيب وأرفع إذ أوله التراب وآخره التراب، وهو بمعزل عن الحساب والعذاب، والكلب والخنزير لا يهرب منه الخلق. ولو رأى أهل الدنيا العبد المذنب في النار لصعقوا من وحشة خلقته، وقبح صورته، ولو وجدوا ريحه لماتوا من نتنه، ولو وقعت قطرة من شرابه الذي يسقاه في بحار الدنيا لصارت أنتن من الجيف، فمن هذا حاله في العاقبة - إلا أن يعفى عنه، وهو على شك من العفو - فكيف يتكبر ؟ وكيف يرى نفسه شيئا حتى يعتقد لها فضلا ؟ وأي عبد لم يذنب ذنبا استحق به العقوبة، إلا أن يعفو الكريم بفضله. أرأيت من جنى على بعض الملوك بما استحق به ألف سوط، فحبس في السجن وهو منتظر أن يخرج إلى العرض، ويقام عليه العقوبة، على ملا من الخلق وليس يدري أيعفى عنه أم لا ؟ فكيف يكون ذله في السجن ؟ وما من عبد مذنب إلا والدنيا سجنه، وقد استحق العقوبة من الله تعالى، ولا يدري كيف يكون أمره فيكفيه ذلك حزنا وخوفا وإشفاقا ومهانة وذلا. فهذا هو العلاج العلمي القاطع لاصل الكبر، وأما العلاج العملي فهو التواضع بالفعل لله تعالى ولسائر الخلق، بالمواظبة على أخلاق المتواضعين، وما وصل إليه من أحوال الصالحين، ومن أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أنه كان يأكل على الارض، ويقول: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد. وقيل لسلمان: لم لا تلبس ثوبا جيدا ؟ فقال: إنما أنا عبد، فإذا اعتقت يوما لبست، أشار به إلى العتق في الاخرة.

[206]

ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل، فمن عرف نفسه فلينظر إلى كل ما بتقاضاه الكبر من الافعال، فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقا، وقد ورد في الاخبار الكثيرة علاج الكبر بالاعمال، وبيان اخلاق المتواضعين. قيل: اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه، ونظره شزرا وإطراقه رأسه، وجلوسه متربعا ومتكئا وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصفته في الايراد، ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه في حركاته وسكناته وفي تعاطيه لافعاله وساير تقلباته في أقواله وافعاله وأعماله. فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله، ومنهم من يتكبر في بعض، فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له، أوبين يديه، وقد قال علي صلوات الله عليه: ومن أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام، وقال أنس: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا إذا رأوه لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك. ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه: قال أبو الدرداء: لا يزال العبد يزداد من الله بعدا مامشى خلفه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الاوقات يمشي مع الاصحاب فيأمرهم بالتقدم، ويمشي في غمارهم، ومنها أن لا يزور غيره. وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين، وهو ضد التواضع. ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه قال أنس: كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ينزع منها يده، حتى تذهب به حيث شاءت. ومنها أن يتوقى مجالسة المرضى والمعلولين، ويتحاشى عنهم، وهو كبر: دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه جدري قد يقشر وعنده اصحابه يأكلون فما جلس عند أحد إلا قام من جنبه، فأجلسه النبي صلى الله عليه وآله بجنبه. ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته، والتواضع خلافه، ومنها أن لا يأخذ

[207]

متاعا ويحمله إلى بيته، وهذا خلاف عادة المتواضعين، كان رسول الله يفعل ذلك وقال علي عليه السلام: لا ينقص الرجل من كماله ما حمل من شئ إلى عياله، وقال بعضهم: رأيت عليا اشترى لحما بدرهم فحمله في ملحفته، فقال: أحمل عنك يا أمير المؤمنين، قال: لا أبو العيال أحق أن يحمل. ومنها اللباس إذ يظهر به التكبر والتواضع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البذاذة من الايمان، قيل: هي الدون من الثياب، وعوتب علي عليه السلام في إزار مرقوع، فقال: يقتدي به المؤمن، ويخشع له القلب. وقال عيسى عليه السلام: جودة الثياب خيلاء القلب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ترك زينة لله ووضع ثيابا حسنة تواضعا لله وابتغاء وجهه، كان حقا على الله أن يدخله عبقري الجنة. فان قلت: فقد قال عيسى عليه السلام: جودة الثياب خيلاء القلب، وقد سئل نبينا صلى الله عليه وآله من الجمال في الثياب هل هو من الكبر ؟ فقال: لا، ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس، فكيف طريق الجمع بينهما ؟. فاعلم أن الثوب الجيد ليس من ضرورته أن يكون من التكبر في حق كل احد في كل حال، وهو الذي اشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الذي عرفه رسول الله صلى الله عليه وآله من حال ثابت بن قيس إذ قال: إني امرؤ حبب إلي الجمال ما ترى ؟ فعرفه أن ميله إلى النظافة وجودة الثياب لا ليتكبر على غيره، فانه ليس من ضرورته أن يكون من الكبر، وقد يكون ذلك من الكبر كما أن الرضا بالثوب الدون قد يكون من التواضع، فإذا انقسمت الاحوال نزل قول عيسى عليه السلام على بعض الاحوال، على أن قوله: خيلاء القلب، يعني قد يورث خيلاء في القلب، وقول نبينا: أنه ليس من الكبر، يعني أن الكبر لا يوجبه ويجوز أن لا يوجبه الكبر، ثم يكون هو مورثا للكبر. وبالجملة فالاحوال تختلف في مثل هذا، والمحمود الوسط من اللباس الذي لا يوجب شهرة بالجودة، ولا بالرذالة، وقد قال صلى الله عليه وآله: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير سرف ولا بخل، إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

[208]

وقال بكر بن عبد الله المزني: البسوا ثياب الملوك، وأميتوا قلوبكم بالخشية وإنما خاطب بهذا قوما يطلبون التكبر بثياب أهل الصلاح وقال عيسى عليه السلام: مالكم تأتوني وعليكم ثياب الرهبان ؟ وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري ؟ البسوا ثياب الملوك وألينوا قلوبكم بالخشية. ومنها أن يتواضع بالاحتمال، إذا سب وأوذي وأخذ حقه، فذلك هو الافضل. وبالجملة فمجامع حسن الاخلاق والتواضع سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله: فبه ينبغي أن يقتدى، ومنه ينبغي أن يتعلم، وقد قال ابن ابي سلمة: قلت لابي سعيد الخدري: ما ترى في ما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم ؟ فقال: يا ابن أخي كل لله، واشرب لله، وكل شئ من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف. وعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعالج في بيته: كان يعلف الناضح، ويعقل البعير، ويقم البيت، ويحلب الشاة، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويطحن عنه إذا أعيى، ويشتري الشئ من السوق ولا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده أو يجعله في طرف ثوبه، فينقلب إلى أهله، يصافح الغني والفقير، والصغير والكبير، ويسلم مبتدئا على كل من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حر أو عبد، من أهل الصلاة. ليس له حلة لمدخله، وحلة لمخرجه، لا يستحيي من أن يجيب إذا دعي وإن كان اشعث أغبر، ولا يحقر ما دعي إليه، وإن لم يجد إلا حشف الدقل (1) لا يرفع غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، هين المقولة، لين الخلقة، كريم الطبيعة جميل المعاشرة، طلق الوجه، بساما من غير ضحك، محزونا من غير عبوس شديدا من غير عنف، متواضعا من غير مذلة، جوادا من غير سرف، رحيما بكل


(1) في نسخة الكمباني وشرح الكافي " خشف الزقل " وهو تصحيف، والحشف: اليابس الفاسد البالى، والدقل: أردء التمر.

[209]

ذي قربى، قريبا من كل ذمي ومسلم، رقيق القلب، دائم الاطراق، لم يبشم قط من شبع، ولا يمد يده إلى طمع. قال أبو سلمة: فدخلت على عائشة فحدثتها كل هذا من أبي سعيد، فقالت: ما اخطأ فيه حرفا، ولقد قصر، إذ ما أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمتلئ قط شبعا، ولم يبث إلى أحد شكوى، وإن كانت الفاقة احب إليه من اليسار والغنى وإن كان ليظل جائعا يتلوى ليلته حتى يصبح، فما يمنعه ذلك عن صيام يومه ولو شاء أن يسأل ربه فيؤتى كنوز الارض وثمارها، ورغد عيشها من مشارقها ومغاربها، لفعل. وربما بكيت رحمة له مما أوتي من الجوع فأمسح بطنه بيدي، فأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك، ويمنعك من الجوع، فيقول يا عايشه إخواني من أولي العزم من الرسل قد صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مآبهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني استحيي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم، فاصبر أياما يسيرة احب إلي من أن ينقص حظي غدا في الاخرة، وما من شئ أحب إلي من اللحوق باخواني وأخلائي فقالت عايشة: فوالله ما استكمل بعد ذلك جمعة حتى قبضه الله تعالى. فما نقل من أخلاقه صلى الله عليه وآله يجمع جملة أخلاق المتواضعين فمن طلب التواضع فليقتد به، ومن رأى نفسه فوق محله صلى الله عليه وآله ولم يرض لنفسه بما رضي هو به، فما اشد جهله، فلقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أعظم خلق الله تعالى منصبا في الدين والدنيا، فلا عزة ولا رفعة إلا في الاقتداء به، ولذلك لما عوتب بعض الصحابة في بذاذة هيئته، قال: إنا قوم أعزنا الله تعالى بالاسلام، فلا نطلب العز في غيره. 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلا، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: الكبر قد يكون

[210]

في شرار الناس من كل جنس والكبر رداء الله، فمن نازع الله عزوجل رداءه لم يزده الله إلا سفالا، إن رسول الله صلى الله عليه وآله مر في بعض طرق المدينة، وسوداء تلقط السرقين فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت: إن الطريق لمعرض، فهم بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: دعوها فانها جبارة (1). بيان: قوله عليه السلام " قد يكون " اقول: يحتمل أن يكون " قد " للتحقيق وإن كان في المضارع قليلا كما قيل في قوله تعالى: " قد يعلم ما أنتم عليه " (2) قال الزمخشري: دخل " قد " لتوكيد العلم، ويرجع ذلك إلى توكيد الوعيد وقيل: هو للتقليل باعتبار قيد " من كل جنس " وقوله: " من كل جنس " أي من كل صنف من اصناف الناس، وإن كان دنيا، أو من كل جنس من أجناس سبب التكبر من الاسباب التي اشرنا إليها سابقا والاول اظهر كما يومئ إليه قصة السوداء. " والكبر رداء الله " قال في النهاية: في الحديث قال الله تبارك وتعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، ضرب الازار والرداء مثلا ف انفراده بصفة العظمة والكبرياء أي ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها الخلق مجازا، كالرحمة والكرم وغيرهما وشبههما بالازار والرداء لان المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء [والازار] الانسان و لانه لا يشاركه في ردائه وإزاره أحد، فكذلك الله لا ينبغي أن يشركه فيهما احد، ومثله الحديث الاخر تأزر بالعظمة، وتردى بالكبرياء، وتسربل بالعز انتهى. قال بعض شراح صحيح مسلم: الازار الثوب الذي يشد على الوسط والرداء الذي يمد على الكتفين، وقال محيي الدين: وهما لباس، واللباس من خواص الاجسام، وهو سبحانه ليس بجسم، فهما استعارة للصفة التي هي العظمة والعزة، ووجه الاستعارة أن هذين الثوبين لما كانا مختصين بالناس، ولا


(1) الكافي ج 2 ص 309. (2) النور: 64 (*).

[211]

يستغني عنهما، ولا يقبلان الشركة، وهما جمال، عبر عن العز بالرداء، وعن الكبر بالازار، على وجه الاستعارة المعروفة عند العرب، كما يقال: فلان شعاره الزهد ودثاره التقوى، لا يريدون الثوب الذي هو شعار ودثار، بل صفة الزهد، كما يقولون [فلان] غمر الرداء واسع العطية، فاستعاروا لفظ الرداء للعطية انتهى. " لم يزده الله إلا سفالا " اي في أعين الخلق مطلقا غالبا على خلاف مقصوده كما سيأتي، أوفي أعين العارفين والصالحين أو في القيامة كما سيأتي أنهم يجعلون في صورة الذر " تلقط " كتنصر أو على بناء التفعل بحذف إحدى التائين، في القاموس لقطه أخذه من الارض كالتقطه وتلقطه التقطه من ههنا وههنا، وقال: السرقين والسرجين بكسرهما الزبل معربا سرگين بالفتح. " فقيل لها تنحي " بالتاء والنون والحاء المشددة كلها مفتوحة، والياء الساكنة أمر الحاضرة من باب التفعيل، اي ابعدي. " لمعرض " على بناء المفعول من الافعال أو التفعيل، وقد يقرء على بناء الفاعل من الافعال فعلى الاولين من قولهم أعرضت الشئ وعرضته أي جعلته عريضا، وعلى الثالث من قولهم عرضت الشئ اي اظهرته فأعرض اي ظهر، وهو من النوادر. " فهم بها " أي قصدها " أن يتناولها " اي يأخذها فينحيها قسرا عن طريقه صلى الله عليه وآله أو يشتمها من قولهم نال من عرضه اي شتمه، والاول اظهر " فانها جبارة " أي متكبرة، وذلك خلقها لا يمكنها تركه، أو إذا قهرتموها يظهر منها أكثر من ذلك من البذا والفحش. قال في النهاية: فيه أنه أمرا مرأة فتأبت فقال: دعوها فانها جبارة اي متكبرة عاتية، وقال الراغب أصل الجبر إصلاح الشئ بضرب من القهر، وتجبر يقال إما لتصور معنى الاجتهاد، أو للمبالغة أو لمعنى التكلف، والجبار في صفة الانسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم كقوله تعالى: " وخاب كل جبار عنيد " " ولم يجعلني جبار شقيا " (1)


(1) ابراهيم: 15، مريم: 32 (*).

[212]

" إن فيها قوما جبارين " (1) " كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار " (2) اي متعال عن قبول الحق والاذعان له، وإما في وصفه تعالى نحو: " العزيز الجبار المتكبر " (3) فقد قيل: سمي بذلك من قولهم جبرت الفقير، لانه هو الذي يجبر الناس [بفائض نعمه (4) وقيل: لانه يجبر الناس أي يقهرهم على ما يريده. ودفع بعض أهل اللغة ذلك من حيث اللفظ فقال: لا يقال من أفعلت: فعال فجبار لا يبنى من أجبرت، فأجيب عنه بأن ذلك من لفظ الجبر المروي في قوله " لا جبر ولا تفويض " لا من الاجبار. وأنكر جماعة من المعتزلة ذلك من حيث المعنى فقالوا تعالى الله عن ذلك وليس ذلك بمنكر، فان الله تعالى قد أجبر الناس على اشياء لا انفكاك لهم منها حسب ما تقتضيه الحكمة الالهية، لا على ما تتوهمه الغواة الجهلة، وذلك لاكراههم على المرض والموت والبعث وسخر كلا منهم بصناعة يتعاطاها وطريقة من الاخلاق والاعمال يتحراها وجعله مجبرا في صورة مخير، فاما راض بصنعته لا يريد عنها حولا، وإما كاره لها يكابدها مع كراهية لها، كأنه لا يجد عنها بدلا، قال: " فتقطعوا أمرهم بينهم [زبرا] كل حزب بما لديهم فرحون " (5) وقال تعالى: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " (6) وعلى هذا الحد وصف بالقاهر وهو لا يقهر إلا على ما تقتضي الحكمة أن يقهر عليه (7).


(1) المائدة: 22. (2) غافر: 35. (3) الحشر: 23. (4) في طبعة الكمباني ههنا بياض وهو الصفحة 119 من الجزء الثالث وقد اضفنا ما سقط منها من شرح الكافي ج 2 ص 298، وجعلنا ما سقط بين المعقوفتين. (5) المؤمنون: 53. (6) الزخرف: 32. (7) مفردات غريب القرآن 85 و 86.

[213]

3 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: العز رداء الله، والكبر إزاره، فمن تناول شيئا منه أكبه الله في جهنم (1). بيان: قيل في علة تشبيه العز بالرداء والكبر بالازار: إن العزة امر إضافي كما قيل هي الامتناع من أن ينال، وقيل: هي الصفة التي تقتضي عدم وجود مثل الموصوف بها، وقيل: هي الغلبة على الغير، والامر الاضافي أمر ظاهر والرداء من الاثواب الظاهرة فبينهما مناسبة من جهة الظهور، والكبر بمعنى العظمة وهي صفة حقيقية إذا العظيم قد يتعاظم في نفسه من غير ملاحظة الغير، فهي أخفى من العزة، والازار ثوب خفي لانه يستر غالبا بغيره، فبينهما مناسبة من هذه الجهة. أقول: ويحتمل أن يراد بالعز إظهار العظمة، وبالكبر نفسها، أو بالعز ما يصل إليه عقول الخلق من كبريائه، وبالكبر ما عجز الخلق عن إدراكه، أو بالعز ما كان بسبب صفاته العلية وبالكبر ما كان بحسب ذاته المقدسة والمناسبة على كل من الوجوه ظاهرة (2). " فمن تناول " اي تصرف وأخذ " شيئا منه " الضمير راجع إلى كل من


(1) الكافي ج 2 ص 309. (2) أقول: وللسيد الشريف الرضى رضوان الله عليه في كتابه المجازات النبوية ص 282 في معنى هذا الحديث مسلك آخر قال قدس سره: ومن ذلك قوله عليه السلام في تعيير أقوام ذمهم: ورجل ينازع الله رداءه فان رداءه الكبرياء وازاره العظمة. وهذا القول مجاز، والمراد بذلك أن الكبرياء والعظمة رداؤه تعالى وازاره اللذان يكسوهما خليقته، ويلبسهما بريته، ولا يقدر غيره تعالى على ان ينزع منهما ما البسه، أو يلبس منهما ما نزعه، والمراد بذلك العظمة والكبرياء على حقيقتهما، دون ما يعتقده الجهال أنه عظمة وكبرياء وليس بهما، وذلك مثل ما نشأ هذه من تعظم الجبارين وتكبر المتملكين، فان ذلك ليس بتعظيم من الله سبحانه لهم ولا بافاضة من ملابس كبريائه=

[214]

العز والكبر، والغالب في أكب مطاوع كب يقال كبه فأكب وقد يستعمل أكب أيضا متعديا، في القاموس كبه: قلبه وصرعه كأكبه وكبكبه فأكب، وهو لازم متعد، وفي المصباح كببت زيدا كبا: القيته على وجهه فأكب هو، وهو من النوادر التي تعدى ثلاثيها وقصر رباعيها، وفي التنزيل: " فكبت وجوههم في النار " (1) " أفمن يمشي مكبا على وجهه " (2). 4 - كا: عن الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن معمر بن عمر بن عطا (3)، عن ابي جعفر عليه السلام قال: الكبر رداء الله والمتكبر ينازع الله رداءه (4). بيان: قال بعض المحققين: الانسان مركب من جوهرين أحدهما أعظم من الاخر، وهو الروح التي من أمر الرب، وبينها وبين الرب قرب تام، لولا عنان العبودية لقال كل أحد " أنا ربكم الاعلى " فكل أحد يحب الربوبية ولكن يدفعها عن نفسه بالاقرار بالعبودية، ويطلب باعتبار الجوهر الاخر


= عليهم، وانما العظمة والكبرياء في الحقيقة هما الكرامة التي يلقيها الله سبحانه على رسله وأنبيائه والقائمين بالقسط من عباده، فيعظمون بها في العيون، ويحلون في الصدور والقلوب، وان كانت هيئاتهم ذميمة، وظواهرهم ورقابهم خاضعة، وبطونهم جائعة. فإذا ثبت ما قلنا بأن تسمية الكبرياء والعظمة رداء الله وازاره ليس لانه يكتسبهما ولكن لانه يكسوهما، وذلك كما يقول القائل وقد رأى على بعض الناس ثوبا افاضه عليه عظيم من العظماء أو كريم من الكرماء: هذا ثوب فلان ولم يرد أنه ملبسه، فأضافه إليه من حيث كساه لا من حيث اكتساه الخ. (1) النمل: 27. (2) الملك: 22. (3) الظاهر انه: عن معمر بن عمر، عن عطا، كما يظهر من كتب الرجال، منه رحمه الله. (4) الكافي ج 2 ص 309 (*).

[215]

المركوز فيه القوة الشهوية والغضبية آثار الربوبية وخواصها، وهي أن يكون فوق كل شئ وأعلا رتبة منه ويغفل عن أن هذا في الحقيقة دعوى الربوبية، وكذلك كل صفة من الصفات الرذيلة تتولد من ادعاء آثار الربوبية كالغضب والحسد والحقد والرياء والعجب، فان الغضب من جهة الاستيلاء اللازم للربوبية والحسد من جهة أنه يكره أن يكون أحد أفضل منه في الدين والدنيا وهو أيضا من لوازمها والحقد يتولد من احتقان الغضب في الباطن والرياء من جهة أنه يريد ثناء الخلق والعجب من جهة أنه يرى ذاته كاملة وكل ذلك من آثار الربوبية، وقس عليه سائر الرذائل، فانك إن فتشتها وجدتها مبنية على ادعاء الربوبية والترفع. 5 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن أبي جميلة عن ليث المرادي، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الكبر رداء الله، فمن نازع الله شيئا من ذلك أكبه الله في النار (1). بيان: " شيئا من ذلك " اي في شئ من الكبر. 6 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن القاسم بن عروة، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن ابي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر (2). بيان: الذر: النمل الاحمر الصغير، واحدتها ذرة، وسئل تغلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة، والذرة واحدة منها، وقيل: الذرة ليس لها وزن ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة. وقال: فيه: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر يعني كبر الكفر والشرك كقوله تعالى: " إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين " (3)، ألا ترى أنه قابله في نقيضه بالايمان فقال: ولا يدخل النار


(1) الكافي ج 2 ص 309. (2) الكافي ج 2 ص 310. (3) غافر: 60.

[216]

من في قلبه مثل ذلك من الايمان، أراد دخول تأبيد، وقيل: أراد إذا دخل الجنة نزع ما في قلبه من الكبر كقوله تعالى: " ونزعنا ما في صدورهم من غل " (1) انتهى. واقول: التأويل الاول حسن وموافق لما في الخبر الاتي، وأما الثاني فلا يخفى بعده، لان المقصود ذم التكبر وتحذيره لا تبشيره برفع الاثم عنه ولذا حمله بعضهم على المستحل، أو عدم الدخول ابتداء، بل بعد المجازاة، وما في الخبر أصوب. 7 - كا: عن علي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر، قال: فاسترجعت، فقال: مالك تسترجع ؟ قلت: لما سمعت منك فقال: ليس حيث تذهب] (2) إنما أعني الجحود، إنما هو الجحود (3). بيان: " فاسترجعت " يقال: أرجع فرجع، واسترجع في المصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما في القاموس وإنما قال ذلك لانه استشعر بالهلاك واستحقاق دخول النار، بحمل الكلام على ظاهره، لانه كان متصفا ببعض الكبر " إنما هو الجحود " اي المراد بالكبر إنكار الله سبحانه أو إنكار أنبيائه أو حججه عليهم السلام والاستكبار عن إطاعتهم، وقبول أوامرهم ونواهيهم، مثل تكبر إبليس لعنه الله فانه لما كان مقرونا بالجحود والاباء عن طاعة الله، والاستصغار لامره كما دل عليه قوله: " لم أكن لاسجد لبشر خلقته من صلصال " (4) وقوله: " ءأسجد لمن خلقت طينا " (5) كان سببا لكفره، والكفر يوجب الحرمان من الجنة أبدا، وهذا


(1) الاعراف: 43، الحجر: 47. (2) إلى هنا انتهى ما أثبتناه من شرح الكافي ومتنه في محل بياض الصفحة 119 من الجزء الثالث من نسخة الكمباني فراجع. (3) الكافي ج 2 ص 310. (4) الحجر: 33. (5) أسرى: 61.

[217]

أحد التأويلات للروايات الدالة على ان صاحب الكبر لا يدخل الجنة كما عرفت و كأن المقصود أن هذا الوعيد مختص بكبر الجحود لا أن غيره لا يتعلق به الوعيد مطلقا، والتكرير للتأكيد. 8 - كا: عن الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن علي ابن عقبة، عن أيوب بن الحر، عن عبد الاعلى، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الكبر أن تغمص الناس وتسفه الحق (1). بيان: " أن تغمص الناس " أي تحقرهم، والمراد إما مطلق الناس أو الحجج والائمة عليهم السلام كما ورد في الاخبار أنهم الناس كما قال تعالى: " ثم افيضوا من حيث افاض الناس " (2) في القاموس غمصه كضرب وسمع احتقره كاغتمصه وعابه وتهاون بحقه، والنعمة لم يشكرها، وقال: سفه نفسه ورأيه مثلثة حمله على السفه أو نسبه إليه أو أهلكه، وسفه كفرح وكرم علينا جهل وسفه تسفيها جعله سفيها كسفهه كعلمه، أو نسبه إليه وسفه صاحبه كنصر غلبه في المسافهة. وفي النهاية: فيه: إنما ذلك من سفه الحق وغمص الناس، اي احتقرهم ولم يرهم شيئا تقول منه غمص الناس يغمصهم غمصا، وقال فيه: إنما البغي من سفه الحق اي من جهله، وقيل: جهل نفسه ولم يفكر فيها، ورواه الزمخشري من سفه الحق على أنه اسم مضاف إلى الحق قال: وفيه وجهان أحدهما أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل، كأن الاصل سفه على الحق، والثاني أن يضمن معنى فعل متعد كجهل، والمعنى الاستخفاف بالحق، وأن لا يراه على ما هو عليه من الرجحان والرزانة، وقال ايضا فيه: ولكن الكبر من بطر الحق اي ذو الكبر أي كبر من بطر كقوله تعالى: " ولكن البر من اتقى " (3) وهو


(1) الكافي ج 2 ص 310. (2) البقرة: 199. (3) البقرة: 189 (*).

[218]

أن يجعل ما جعله حقا من توحيده وعبادته باطلا، وقيل: وهو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقا وقيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. 9 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى. عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة، عن عبد الاعلى بن أعين قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق، قال: قلت: وما غمص الخلق وسفه الحق ؟ قال: يجهل الحق ويطعن على أهله، فمن فعل ذلك فقد نازع الله عزوجل رداءه (1). بيان: " قال يجهل الحق " النشر على خلاف ترتيب اللف، وكأن المراد بالخلق هنا أيضا أهل الحق وائمة الدين، كالناس في الخبر السابق، والجملتان متلازمتان، فان جهل الحق أي عدم الاذعان به وإنكاره تكبرا يستلزم الطعن على أهله وتحقيرهم، وهما لازمتان للجحود، فالتفاسير كلها يرجع إلى واحد. " فمن فعل ذلك فقد نازع الله " قيل: فان قلت: الغمص والسفه بالتفسير المذكور ليسا من صفات الله تعالى وردائه، فكيف نازعه في ذلك ؟ قلت: الغمص والسفه أثران من آثار الكبر، ففاعل ذلك ينازع الله من حيث الملزوم، على أنه لا يبعد أن يراد بهما الملزوم مجازا، وهو الكبر البالغ إلى هذه المرتبة. واقول: يحتمل أن يكون المنازعة من حيث إنه إذا لم يقبل إمامة أئمة الحق ونصب غيرهم لذلك، فقد نازع الله في نصب الامامة، وبيان الحق، وهما مختصان به كما اطلق لفظ المشرك في كثير من الاخبار على من فعل ذلك. 10 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن ابي عمير، عن ابن بكير، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إن في جهنم لواديا للمتكبرين، يقال له: سقر، شكى إلى الله عزوجل شدة حره، وسأله أن يأذن له أن يتنفس، فتنفس فأحرق جهنم (2). بيان: في القاموس الوادي مفرج بين جبال أو تلال أو آكام، وأقول: ذلك إشارة إلى قوله تعالى: " ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 310 (*).

[219]

في جهنم مثوى للمتكبرين " (1) وقال [بعد ذكر المشركين " فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين " (2) وقال:] سبحانه بعد ذكر الكفار و دخولهم النار: " فبئس مثوى المتكبرين " في موضعين (3) وإلى قوله عزوجل: " ما سلككم في سقر " إلى قوله: " كنا نكذب بيوم الدين " (4) وإلى قوله بعد ذكر المكذبين بالنبي صلى الله عليه وآله وبالقرآن: " سأصليه سقر * وما أدريك ما سقر * لا تبقي ولا تذر * لواحة للبشر " (5). وفي النهاية: سقر اسم أعجمي لنار الاخرة، ولا ينصرف للعجمة والتعريف وقيل: هو من قولهم سقرته الشمس أذابته فلا ينصرف للتأنيث والتعريف. وأقول: يظهر من الايات أن المراد بالمتكبرين في الخبر من تكبر على الله، ولم يؤمن به وبأنبيائه وحججه عليهم السلام، والشكاية والسؤال إما بلسان الحال أو المقال منه بايجاد الله الروح فيه، أو من الملائكة الموكلين به، والاسناد على المجاز، وكأن المراد بتنفسه خروج لهب منه، وباحراق جهنم تسخينها أشد مما كان لها أو إعدامها، أو جعلها رمادا فاعادها الله تعالى كما كانت. 11 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن سنان، عن داود بن فرقد، عن أخيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن المتكبرين يجعلون في صور الذر يتوطأهم الناس حتى يفرغ الله من الحساب (6). بيان: يدل على أنه يمكن أن يخلق الانسان يوم القيامة أصغر مما كان مع بقاء الاجزاء الاصلية أو بعضها فيه، ثم يضاف إليه سائر الاجزاء، فيكبر إذ يبعد التكاثف إلى هذا الحد، ويمكن أن يكون المراد أنهم يخلقون كبارا


(1) الزمر: 60. (2) النحل: 29، وما بين العلامتين ساقط من الكمباني. (3) غافر: 76، الزمر: 72. (4) المدثر: 42. (5) المدثر: 26 - 28. (6) الكافي ج 2 ص 311 (*).

[220]

بهذه الصور، فانها أحقر الصور في الدنيا، معاملة معهم بنقيض مقصودهم، أو يكون المراد بالصورة الصفة اي يطأهم الناس كما يطؤن الذر في الدنيا. وفي بعض أخبار العامة: يحشر المتكبرون أمثال الذر في صورة الرجال وقال بعض شراحهم: اي يحشرهم اذلاء يطأهم الناس بأرجلهم، بدليل أن الاجساد تعاد على ما كانت عليه من الاجزاء غرلا يعاد منهم ما انفصل عنهم من الغلفة (1) وقرينة المجاز قوله: " في صورة الرجال ". وقال بعضهم: يعني أن صورهم صور الانسان، وجثثهم كجثث الذر في الصغر وهذا أنسب بالسياق، لانهم شبهوا بالذر، ووجه الشبه إما صغر الجثة أو الحقارة، وقوله: " في صورة الرجال " بيان للوجه، وحديث " الاجساد تعاد على ما كانت عليه " لا ينافيه، لانه قادر على إعادة تلك الاجزاء الاصلية في مثل الذر. 12 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن غير واحد، عن علي ابن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، عن عبد الاعلى، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما الكبر ؟ فقال: أعظم الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس، قلت: وما تسفه الحق ؟ قال: تجهل الحق وتطعن على أهله (2). بيان: " فقال ما تسفه الحق " اي ما معنى هذه الجملة، ويمكن أن يقرء بصيغة المصدر من باب التفعل، وكأنه سئل عن الجملتين معا واكتفى بذكر إحداهما، أي إلى آخر الكلام بقرينة الجواب، أو كان غرضه السؤال عن الاولى، فذكر عليه السلام الثانية أيضا لتلازمهما أو لعلمه بعدم فهم الثانية أيضا. 13 - كا: عن العدة، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن عمر بن يزيد، عن أبيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنني آكل الطعام الطيب، وأشم الريح الطيبة


(1) الغلفة: جليدة يقطعها الخاتن ويقال لها: القلفة بالقاف ايضا والغرلة، والجمع غلف، وغرلا أي غير مختونين جمع اغرل، والانثى غرلاء. (2) الكافي ج 2 ص 311 (*).

[221]

وأركب الدابة الفارهة، ويتبعني الغلام، فترى في هذا شيئا من التجبر فلا أفعله ؟ فأطرق أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: إنما الجبار الملعون من غمص الناس وجهل الحق قال عمر: قلت: أما الحق فلا أجهله والغمص لا أدري ما هو ؟ قال: من حقر الناس وتجبر عليهم فذلك الجبار (1). بيان: في النهاية دابة فارهة أي نشيطة حادة قوية انتهى، وكأن السائل إنما سأل عن هذه الاشياء لانها سيرة المتكبرين، لتفرعها على الكبر، وكون الكبر سبب ارتكابها غالبا فأجاب عليه السلام ببيان معنى التكبر ليعلم أنها إن كانت مستلزمة للتكبر فلا بد من تركها، وإلا فلا، كيف وسيأتي أن الله جميل يحب الجمال، وإطراقه وسكوته عليه السلام للاشعار بأنها في محل الخطر ومستلزمة للتكبر ببعض معانيه والتجبر التكبر والجبار العاتي. 14 - كا: عن محمد بن جعفر، عن محمد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد عن ابي حمزة، عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك جبار ومقل مختال (2). بيان: " لا يكلمهم الله " إشارة إلى قوله تعالى: " إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " (3) والمعنى لا يكلمهم كلام رضا بل كلام سخط مثل " اخسؤا فيها ولا تكلمون " (4). وقيل: لا يكلمهم بلا واسطة، بل الملائكة يتعرضون لحسابهم وعتابهم وقيل: هو كناية عن الاعراض والغضب، فان من غضب على أحد قطع كلامه وقيل: اي لا ينتفعون بكلام الله وآياته، ومعنى لا ينظر إليهم أنه لا ينظر إليهم


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 311. (3) آل عمران: 77. (4) المؤمنون: 108 (*).

[222]

نظر الكرامة والعطف والبر والرحمة والاحسان، لضعفهم وحقارتهم عنده، أو كناية عن شدة الغضب، لان من اشتد غضبه على أحد استهان به وأعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغير يقاوله ويكثر النظر إليه. وقيل: في قوله: " يوم القيمة " إشعار بأن المعاصي المذكورة بل غيرها أيضا لا تمنع من إيصال الخير والنعمة إليهم في الدنيا، لان إفضاله فيها يعم الابرار والفجار، تأكيدا للحجة عليهم. " ولا يزكيهم " اي لا يطهرهم من ذنوبهم، أو لا يقبل عملهم، أو لا يثني عليهم، وتخصيص الثلاثة بالذكر ليس لاجل أن غيرهم معذور، بل لان عقوبتهم اعظم واشد، لان المعصية مع وجود الصارف عنها، وعدم الداعي القوي عليها أقبح وأشنع: وذلك في الشيخ لانكسار قوته وانطفاء شهوته، وطول اعذاره ومدته وقرب الانتقال إلى الله، فهو حري بأن بأن يتدارك ما فات، ويستعد لما هو آت فإذا ارتكب الزنا أشعر ذلك بأنه غير مقر بالدين، ومستخف بنهي رب العالمين فلذا استحق العذاب المهين، وفيه إشعار بأن الشيخ في أكثر المعاصي بل [جميعها أشد عقوبة من الشاب، وعلى أن الشاب بالعفة أمدح من الشيخ والصارف للملك عن كونه جبارا مشاهدة كمال نعمه تعالى عليه] (1) حيث سلطه على عباده وبلاده، وجعلهم تحت يده وقدرته، فاقتضى ذلك أن يشكر منعمه، ويعدل بين خلق الله، ويرتدع عن الظلم والفساد، ويشاهد ضعفه بين يدي الملك المنان فإذا قابل كل ذلك بالكفران، استحق عذاب النيران. والصارف للمقل الفقير عن الاختيال والاستكبار فقره، لان الاختيال إنما هو بالدنيا، وليست عنده، فاختياله عناد، ومن عاند ربه العظيم صار محروما


(1) أضفنا ما بين العلامتين من شرح الكافي ج 2 ص 300 (*).

[223]

من رحمته، وله عذاب أليم. وأقول: يحتمل أن لا يكون تخصيص الملك لكون الصارف فيه أكثر، بل لكونه أقوى على الظلم وأقدر. وفي الصحاح أقل افتقر، وقال الراغب: الخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للانسان من نفسه، ومنها يتأول لفظ الخيل، لما قيل: إنه لا يركب أحد فرسا إلا وجد في نفسه نخوة (1)، وفي النهاية: فيه من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه، الخيلاء بالضم والكسر الكبر والعجب، يقال: اختال فهو مختال وفيه خيلاء ومخيلة أي كبر. 15 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن مروك بن عبيد، عمن حدثه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن يوسف عليه السلام لما قدم عليه الشيخ يعقوب عليه السلام دخله عز الملك فلم ينزل إليه، فهبط عليه جبرئيل فقال: يا يوسف ابسط راحتك فخرج منها نور ساطع، فصار في جو السماء، فقال يوسف عليه السلام: ما هذا النور الذي خرج من راحتي ؟ فقال: نزعت النبوة عن عقبك، عقوبة لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب، فلا يكون من عقبك نبي (2). بيان: الملك بضم الميم وسكون اللام السلطنة، وبفتح الميم وكسر اللام السلطان، وبكسر الميم وسكون اللام ما يملك وإضافة العز إليه لامية، والنزول إما عن الدابة أو عن السرير، وكلاهما مرويان، وينبغي حمله على أن ما دخله لم يكن تكبرا أو تحقيرا لوالده، لكون الانبياء منزهين عن أمثال ذلك، بل راعى فيه المصلحة لحفظ عزته عند عامة الناس، لتمكنه من سياسة الخلق، وترويج الدين، إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجبا لذلة، وكان رعاية الادب للاب مع نبوته ومقاساة الشدايد لحبه أهم وأولى من رعاية تلك المصلحة، فكان هذا منه عليه السلام تركا للاولى، فلذا عوتب عليه، وخرج نور النبوة من صلبه، لانهم لرفعة شأنهم وعلو درجتهم يعاتبون بأدنى شئ، فهذا كان شبيها بالتكبر، ولم


(1) مفردات غريب القرآن 162. (2) الكافي ج 2 ص 311.

[224]

يكن تكبرا " فصار في جو السماء " أي استقر هناك أو ارتفع إلى السماء. 16 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض اصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من عبد إلا وفي رأسه حكمة، وملك يمسكها، فإذا تكبر قال له: اتضع وضعك الله، فلا يزال أعظم الناس في نفسه، واصغر الناس في أعين الناس، وإذا تواضع رفعها الله عزوجل، ثم قال له: انتعش نعشك الله فلا يزال أصغر الناس في نفسه، وارفع الناس في أعين الناس (1). بيان: قال الجوهري: حكمة اللجام ما أحاط بالحنك، وقال في النهاية: يقال: أحكمت فلانا اي منعته، ومنه سمي الحاكم لانه يمنع الظالم، وقيل: هو من حكمت الفرس وأحكمته إذا قدعته وكففته، ومنه الحديث ما من آدمي إلا وفي رأسه حكمة، وفي رواية: في رأس كل عبد حكمة، إذا هم بسيئة فان شاء الله أن يقدعه بها قدعه، الحكمة حديدة في اللجام تكونن على أنف الفرس وحنكه، تمنعه عن مخالفة راكبه، ولما كانت الحكمة تأخذ بفم الدابة وكان الحنك متصلا بالراس، جعلها تمنع من هي في رأسه كما تمنع الحكمة الدابه ومنه الحديث إن العبد إذا تواضع رفع الله حكمته أي قدره ومنزلته، يقال: له عندنا حكمة أي قدر، وفلان عالي الحكمة، وقيل: الحكمة من الانسان أسفل وجهه، مستعار من موضع حكمة اللجام، ورفعها كناية عن الاعزاز، لان في صفة الذليل تنكيل رأسه انتهى. وقيل: المراد بالحكمة هنا الحالة المقتضية لسلوك سبيل الهداية، على سبيل الاستعارة، وبامساك الملك إياها إرشاده إلى ذلك السبيل ونهيه عن العدول عنه. " اتضع " أمر تكويني أو شرعي، " وضعك الله " دعاء عليه، ودعاء الملك مستجاب أو إخبار بأن الله أمر بوضعك، وقدر مذلتك " رفعها الله " اي الحكمة وإنما غير الاسلوب ولم ينسبها إلى الملك، لان نسبة الخير واللطف إلى الله


(1) الكافي ج 2 ص 312 (*).

[225]

تعالى أنسب، وإن كان الكل بأمره تعالى، وقيل: هو التنبيه على أن الرفع مترتب على التواضع من غير حاجة إلى دعاء الملك، بخلاف الوضع، فانه غير مترتب على التكبر ما لم يدعو الملك عليه بالوضع، وما ذكرنا أنسب. " ثم قال له " اي الرب تعالى أو الملك " انتعش " يحتمل الوجهين المتقدمين يقال: نعشه الله كمنعه وأنعشه اي أقامه ورفعه، ونعشه فانتعش اي رفعه فارتفع " نعشك الله " ايضا إما إخبار بما وقع من الرفع أو دعاء له بالثبات والاستمرار. وأقول: هذا الخبر في طرق العامة هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله: ما من أحد إلا وله ملكان، وعليه حكمة يمسكانه بها، فانهو رفع نفسه جيذاها ثم قالا: اللهم ضعه، فان وضع نفسه قالا: اللهم ارفعه. 17 - كا: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابه، عن النهدي، عن يزيد بن إسحاق شعر، عن عبد الله بن المنذر، عن عبد الله بن بكير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من أحد يتيه إلا من ذلة يجدها في نفسه. وفي حديث آخر عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما من رجل تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها في نفسه (1). بيان: في النهاية فيه إنك امرء تائه أي متكبر أو ضال متحير، وقد تاه يتيه تيها إذا تحير وضل وإذا تكبر انتهى. " أو تجبر " يمكنان يكون الترديد من الراوي وإن كان منه عليه السلام فيدل على فرق بينهما في المعنى كما يومئ إليه قوله تعالى: " الجبار المتكبر " وفي الخبر إيماء على أن التكبر أقوى من التجبر، ويمكن أن يقال في الفرق بينهما أن التجبر يدل على جبر الغير وقهره على ما أراد، بخلاف التكبر فانه جعل نفسه أكبر وأعظم من غيره، وإن كانا متلازمين غالبا. ثم اعلم ان الخبرين يحتملان وجوها: الاول أن يكون المراد أن التكبر ينشأ من دناءة النفس وخستها ورداءتها، الثاني أن يكون المعنى أن التكبر إنما


(1) الكافي ج 2 ص 312 (*).

[226]

يكون فيمن كان ذليلا فعز وأما من نشأ في العزة لا يتكبر غالبا بل شأنه التواضع الثالث أن التكبر إنما يكون فيمن لم يكن له كمال واقعي فيتكبر لاظهار الكمال الرابع أن يكون المراد المذلة عند الله اي من كان عزيزا ذا قدر ومنزلة عند الله لا يتكبر، الخامس ما قيل: إن اللام لام العاقبة أي يصير ذليلا بسبب التكبر. 18 - كا: عن علي، عن ابيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عليه السلام: ومن ذهب أن له على الاخر فضلا فهو من المستكبرين، فقلت: إنما يرى أن له عليه فضلا بالعافية إذا رآه مرتكبا للمعاصي، فقال: هيهات هيهات فلعله أن يكون غفر له ما أتى وأنت موقوف محاسب، أما تلوت قصة سحرة موسى عليه السلام الحديث (1). 19 - كا: عن علي، عن ابيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أنا فلان ابن فلان حتى عد تسعة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما إنك عاشرهم في النار (2). بيان: " أما إنك عاشرهم في النار " أي إن آباءك كانوا كفارا وهم في النار فما معنى افتخارك بهم وأنت ايضا مثلهم في الكفر باطنا إن كان منافقا أو ظاهرا ايضا إن كان كافرا، فلا وجه لافتخارك اصلا، والحاصل أن عمدة أسباب الفخر بل أشيعها وأكثرها الفخر بالاباء، وهو باطل لان الاباء إن كانوا ظلمة أو كفرة فهم من أهل النار، فينبغي أن يتبرء منهم لا أن يفتخر بهم، وإن كانوا باعتبار أن لهم مالا فليعلم أن المال ليس بكمال يقع به الافتخار، بل ورد في ذمه كثير من الاخبار ولو كان كمالا كان لهم لا له، والعاقل لا يفتخر بكمال غيره [وإن كان باعتبار أنه كان خيرا أو فاضلا أو عالما فهذا جهل من حيث إنه تعزز بكمال غيره] (3) ولذلك قيل: لئن فخرت بآباء ذوي شرف * لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا فالمتكبر بالنسب إن كان خسيسا في صفات ذاته فمن أن يجبر خسته كمال غيره، وايضا ينبغي أن يعرف نسبه الحقيقي فيعرف أباه وجده، فان أباه نطفة


(1) الكافي ج 8 ص 128 في حديث طويل. (2) الكافي ج 2 ص 329. (3) راجع شرح الكافي ج 2 ص 316 (*).

[227]

قذرة، وجده البعيد تراب ذليل، وقد عرفه الله نسبه فقال: " الذي أحسن كل شئ خلقه نوبدء خلق الانسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين " (1) فمن أصله من التراب المهين الذي يداس بالاقدام، ثم خمر طينه، حتى صار حمأ مسنونا كيف يتكبر ؟ وأخس الاشياء ما إليه نسبه، فان قال: افتخرت بالاب فالنطفة والمضغة أقرب إليه من لاب فليحتقر نفسه بهما. والسبب الثاني الحسن والجمال فان افتخر به فليعلم أنه قد يزول بأدنى الامراض والاسقام، وما هو في عرضة الزوال ليس بكمال يفتخر به، ولينظر ايضا إلى أصله وما خلق منه كما مر، وإلى ما يصير إليه في القبر من جيفة منتنة وإلى ما في بطنه من الخبائث، مثل الاقذار التي في جميع اعضائه والرجيع الذي في أمعائه، والبول الذي في مثانته، والمخاط الذي في أنفه، والوسخ الذي في أذنيه والدم الذي في عروقه، والصديد الذي تحت بشرته، إلى غير ذلك من المقابح والفضائح، فإذا عرف ذلك لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن. الثالث القوة والشجاعة، فمن افتخر بهما فليعلم أن الذي خلقه هو أشد منه قوة، وأن الاسد والفيل أقوى منه، وأن ادنى العلل والامراض يجعله أعجز من كل عاجز، وأذل من كل ذليل، وان البعوضة لو دخلت في أنفه أهكلته ولم يقدر على دفعها. الرابع الغنا والثروة والخامس كثرة الانصار والاتباع والعشيرة وقرب السلاطين، والاقتدار من جهتهم، والكبر والفخر لهذين السببين اقبح لانه أمر خارج عن ذات الانسان وصفاته، فلو تلف ماله أو غصب أو نهب أو تغير عليه السلطان وعزله، لبقي ذليلا عاجزا، وإن من فرق الكفار من هو أكثر منه مالا وجاها، فالمتكبر بهما في غاية الجهل. السادس العلم، وهو أعظم الاسباب وأقواها، فانه كمال نفساني عظيم عند الله تعالى وعند الخلايق، وصاحبه معظم عند جميع المخلوقات، فإذا تكبر


(1) السجدة: 7 و 8 (*).

[228]

العالم وافتخر، فليعلم أن خطر أهل العلم أكثر من خطر أهل الجهل، وأن الله تعالى يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالم، وأن العصيان مع العلم أفحش من العصيان مع الجهل، وأن عذاب [العالم أشد من عذاب الجاهل وأنه تعالى شبه العالم الغير العامل تارة بالحمار، وتارة بالكلب، وأن الجاهل] (1) أقرب إلى السلامة من العالم لكثرة آفاته، وأن الشياطين أكثرهم على العالم، وأن سوء العاقبة وحسنها أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه فلعل الجاهل يكون أحسن عاقبة من العالم. السابع العبادة والورع والزهادة، والفخر فيها ايضا فتنة عظيمة، والتخلص منها صعب، فإذا غلب عليه فليتفكر أن العالم أفضل منه، فلا ينبغي أن يفتخر عليه ولا ينبغي أيضا ان يفتخر على من تأخر عنه في العمل ايضا إذ لعل قليل عمله يكون مقبولا وكثير عمله مردودا، ولا على الجاهل والفاسق، إذ قد يكون لهما خصلة خفية، وصفة قلبية موجبة لقرب الرب سبحانه ورحمته، ولو فرض خلوهما عن جميع ذلك بالفعل، فلعل الاحوال في العاقبة تنعكس، وقد وقع مثل ذلك كثيرا ولو فرض عدم ذلك فليتصور أن تكبره في نفسه شرك فيحبط عمله، فيصير هو في الاخرة مثلهم، بل اقبح منهم، والله المستعان. 20 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: آفة الحسب الافتخار والعجب (2). بيان: الحسب الشرف والمجد الحاصل من جهة الاباء، وقد يطلق على الشرافة الحاصلة من الافعال الحسنة، والاخلاق الكريمة، وإن لم تكن من جهة الاباء، في القاموس الحسب ما تعده من مفاخر آبائك أو المال أو الدين أو الكرم أو الشرف في الفعل أو الفعال الصالح أو الشرف الثابت في الاباء أو البال أو الحسب والكرم قد يكونان لمن لا آباء له شرفاء والشرف والمجد لا يكونان


(1) ما بين العلامتين اضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 316. (2) الكافي ج 2 ص 328 ومثله في ص 329 (*).

[229]

إلا بهم. وأقول: الخبر يحتمل وجوها الاول أن لكل شئ آفة تضيعه، وآفة الشرافة من جهة الاباء الافتخار والعجب الحاصلان منها، فانه يبطل بهما هذا الشرف الحاصل له بتوسط الغير عند الله وعند الناس، الثاني أن المراد بالحسب الاخلاق الحسنة، والافعال الصالحة، وتضييعها الافتخار بهما، وذكرهما والاعجاب بهما كما مر، الثالث أن يكون المراد به أن الحسب يستتبع آفة الافتخار ويوجبها لان آفة الافتخار بالحسب تضييعه كما قيل، والاول اظهر الوجوه. 21 - كا: عن الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن حنان، عن عقبة بن بشير الاسدي قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أنا عقبة بن بشير الاسدي وأنا في الحسب الضخم من قومي، قال: فقال: ما تمن علينا بحسبك إن الله تعالى رفع بالايمان من كان الناس يسمونه وضيعا إذا كان مؤمنا، ووضع بالكفر من كان الناس يسمونه شريفا إذا كان كافرا، فليس لاحد فضل على أحد إلا بالتقوى (1). بيان: في القاموس الضخم بالفتح والتحريك العظيم من كل شئ " ما تمن " " ما " للاستفهام الانكاري أو نافية " فليس لاحد " إشارة إلى قوله تعالى: " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقيكم " (2) وكفى بهذه الاية واعظا وزاجرا عن الكبر والفخر. 22 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن عيسى، عن ابن الضحاك قال: قال أبو جعفر عليه السلام: عجبا للمختال الفخور، وإنما خلق من نطفة، ثم يعود جيفة، وهو فيما بين ذلك لا يدري ما يصنع به (3). بيان: " عجبا " بالتحريك مصدر باب علم وهو إما بتقدير حرف النداء


(1) الكافي ج 2 ص 328. (2) الحجرات: 13. (3) الكافي ج 2 ص 329 ومثله في ص 328 وفيه " عجبا للمتكبر الفخور " وعليه يبتنى شرح المؤلف (*).

[230]

أو مفعول مطلق لفعل محذوف، اي أعجب عجبا فعلى الاول " للمتكبر " (1) صفة لقوله " عجبا " وعلى الثاني خبر مبتدأ محذوف بتقدير هو للمتكبر، والضمير المحذوف راجع إلى عجبا. وقال النحويون لا يمكن أن يكون صفة لعجبا لان الفعل كما لا يكون موصوفا فكذلك النائب الوجوبي له لا يكون موصوفا، وحذف الفعل وإقامة المصدر مقامه في تلك المواضع واجب. وأقول: هذا الخبر وأمثاله نسخ أدوية من الحكماء الربانية، لمعالجة أعظم الادواء الروحانية، وهو الفخر المترتب على الكبر، وحاصلها أن في الانسان كثير من صفات النقصان، وإن كان فيه كمال فمن رب الانس والجان، فلا يليق به أن يفتخر على غيره من الاخوان، وفيها إشعار بأن دفع هذا المرض باختياره، وعلاجة مركب من أجزاء علمية وعملية. فأما العلمية فبأن يعرف الله سبحانه بجلاله، ويوحده في ذاته وصفاته وأفعاله وأن يعلم أن كل موجود سواه مقهور مغلوب عاجز لا وجود له إلا بفيض جوده ورحمته، وأن الانسان مخلوق عن أكثف الاشياء وأخسها وهو التراب، ثم النطفة النجسة القذرة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم الجنين الذي غذاؤه دم الحيض، ثم يصير في القبر جيفة منتنة يهرب منه اقرب الناس إليه. وهو فيما بين ذلك ينقلب من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، من مرض إلى صحة، ومن صحة إلى مرض، إلى غير ذلك من اأحوال المتبادلة، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا حياة ولا نشورا، وإلى هذا أشار عليه السلام بقوله: " وهو فيما بين ذلك ما يدري ما يصنع به " ثم لا يعلم ما يأتي عليه في البرزخ والقيامة، كما ذكرنا سابقا في باب الكبر (1). وأنه يعلم أن استكمال كل شئ سواء كان طبيعيا أو إراديا لا يتحقق إلا بالانكسار والضعف، فان العناصر ما لم ينكسر صورة كيفياتها الصرفة، لم تقبل صورة كمالية معدنية أو نباتية أو حيوانية، أو إنسانية، والبذر ما لم يقع في


(1) يريد باب الكبر من الكافي، وقد مر في صدر الباب (*).

[231]

التراب ولم يقرب من التعفن والفساد، لم يقبل صورة نباتية، ولم تخرج منه سنبلة ولا ثمرة، وماء الظهر ما لم يصر منيا منتنا لم تفض عليها صورة إنسانية قابلة للخلافة الربانية، فمن تفكر في أمثال هذه الحكم والمعارف أمكنه التحرز من الكبر والفخر بفضله تعالى. وأما العملية فهي المداومة على التواضع لكل عالم وجاهل وصغير وكبير والاقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وآله والائمة الطاهرين صلوات الله عليهم، وتتبع سيرهم وأخلاقهم، وحسن معاشرتهم لجميع الخلق. [23 - لى:] عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أمقت الناس المتكبر (1). وعنه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من يستكبر يضعه الله. 24 - لى: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري، عن الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: وقع بين سلمان الفارسي رحمه الله وبين رجل كلام وخصومة فقال له الرجل: من أنت يا سلمان ؟ فقال سلمان: أما أولاي وأولاك فنطفة قذرة، وأما أخراي وأخراك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة، ووضعت الموازين، فمن ثقل ميزانه فهو الكريم، ومن خفت ميزانه فهو اللئيم (2). ع: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان، عن المفضل عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (3) وقد مر في باب أحوال سلمان (4). 25 - ب: عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة مجلسا أحسنكم خلقا


(1) أمالي الصدوق: 14 ورمز المصدر ساقط عن نسخة الكمباني. (2) أمالي الصدوق: 363. (3) علل الشرائع ج 1 ص 261. (4) راجع ج 22 ص 380 من هذه الطبعة (*).

[232]

وأشدكم تواضعا، وإن أبعدكم يوم القيامة مني الثرثارون، وهم المستكبرون (1). 26 - مع: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن معبد، عن ابن خالد عن الرضا، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى ليبغض البيت اللحم، واللحم السمين، قال له بعض اصحابه: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله إنا لنحب اللحم، وما تخلو بيوتنا منه، فكيف ذاك ؟ فقال: ليس حيث تذهب إنما البيت اللحم الذي يؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة، وأما اللحم السمين فهو المتكبر المتبختر المختال في مشيه (2). ن: عن الهمداني، عن علي، عن أبيه مثله (3). 27 - فس: في رواية أبي الجارود، عن ابي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: " ولا تمش في الارض مرحا " (4) يقول: بالعظمة (5). 28 - فس: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له: سقر، شكى إلى الله شدة حره وسأله أن يتنفس، فاذن له فتنفس فأحرق جهنم (6). ثو: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن ابي عمير مثله (7). سن: باسناده إلى ابن بكير مثله (8). 29 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الفرح


(1) قرب الاسناد: 22. (2) معاني الاخبار: 388. (3) عيون الاخبار ج 1 ص 314. (4) لقمان: 18. (5) تفسير القمي 509. (6) تفسير القمي: 579، في آية الزمر: 60. (7) ثواب الاعمال: 200. (8) المحاسن: 123 (*).

[233]

والمرح والخيلاء كل ذلك في الشرك والعمل في الارض بالمعصية (1). 30 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي نجران رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: من رقع جيبه، وخصف نعله، وحمل سلعته، فقد أمن من الكبر (2). ثو: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن ابن يزيد مثله (3). 31 - ل: في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام: يا علي أنهاك عن ثلاث خصال [عظام]: الحسد والحرص والكبر (4). 32 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن الفارسي، عن الجعفري عن محمد بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله على جماعة فقال: على ما اجتمعتم ؟ فقالوا: يا رسول الله هذا مجنون يصرع فاجتمعنا عليه، فقال: ليس هذا بمجنون، ولكنه المبتلى، ثم قال: ألا أخبركم بالمجنون حق المجنون ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: المتبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرك جنبيه بمنكبيه، يتمنى على الله جنته وهو يعصيه، الذي لا يؤمن شره، ولا يرجى خيره، فذلك المجنون، وهذا المبتلى (5). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب الحسد (6) وأن الله يعذب الدهاقنة بالكبر، وفي باب جوامع مساوي الاخلاق عن أبي عبد الله عليه السلام لا يطمعن ذوالكبر


(1) تفسير القمي 588 في آية المؤمن: 77. (2) الخصال ج 1 ص 54. (3) ثواب الاعمال: 162. (4) الخصال ج 1 ص 62. (5) الخصال ج 1 ص 161. (6) باب الحسد هو الباب الذي يتلو تحت الرقم 131، والحديث المومى إليه يأتي فيه عن الخصال أن الله يعذب ستة بستة، راجعه، وهكذا مر في باب جوامع مساوى الاخلاق ج 72 ص 190 و 198 (*).

[234]

في الثناء الحسن (1). 33 - ع: عن أبيه، عن سعد، عن أيوب بن نوح، عن ابن ابي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عجبت لابن آدم أوله نطفة، وآخره جيفة، وهو قائم بينهما وعاء للغائط، ثم يتكبر (2). 34 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لابليس كحلا ولعوقا وسعوطا فكحله النعاس، ولعوقه الكذب، وسعوطه الفخر (3). 35 - مع: عن الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو ابن جميع، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا مشت أمتي المطيطا، وخدمتهم فارس والروم، كان بأسهم بينهم (4). والمطيطا التبختر ومد اليدين في المشي. 36 - مع: الطالقاني، عن الجلودي، عن الجوهري، عن ابن عمارة، عن أبيه، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر، عن جابر الانصاري قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله برجل مصروع وقد اجتمع عليه الناس ينظرون إليه فقال صلى الله عليه وآله: على ما اجتمع هؤلاء ؟ فقيل له: على مجنون يصرع، فنظر إليه فقال: ما هذا بمجنون ألا أخبركم بالمجنون حق المجنون ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: إن المجنون حق المجنون المتبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرك جنبيه بمنكبيه، فذاك المجنون وهذا المبتلى (5). 37 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن علي الكوفي، عن


(1) مر في باب جوامع المساوى تحت الرقم 1 عن الخصال ج 2 ص 53. (2) علل الشرائع ج 1 ص 216. (3) معاني الاخبار: 138، وفيه سعوطه الكبر. (4) معاني الاخبار: 301. (5) معاني الاخبار: 237 (*).

[235]

علي بن النعمان، عن عبد الله بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار عبد في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، قلت: جعلت فداك إن الرجل ليلبس الثوب، أو يركب الدابة، فيكاد يعرف منه الكبر، قال: ليس بذاك، إنما الكبر إنكار الحق والايمان الاقرار بالحق (1). مع: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي مثله. 38 - مع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن ابن مرار، عن يونس، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، قال: قلت: إنا نلبس الثوب الحسن، فيدخلنا العجب، فقال: إنما ذاك فيما بينه وبين الله عزوجل (2). 39 - مع: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن ابن فضال، عن ابن مسكان، عن يزيد بن فرقد، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، قال: فاسترجعت فقال: مالك تسترجع ؟ فقلت: لما اسمع منك، فقال: ليس حيث تذهب إنما أعني الجحود إنما هو الجحود (3). 40 - مع: بهذا الاسناد،، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أيوب ابن الحر، عن عبد الاعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الكبر ان يغمص الناس ويسفه الحق (4). 41 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف، عن عبد الاعلى، عن ابي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أعظم الكبر غمص الخلق، وسفه الحق، قلت: وما غمص الخلق وسفه الحق ؟ قال: يجهل الحق ويطعن على أهله، ومن فعل ذلك فقد نازع الله عزوجل في


(1 - 4) معاني الاخبار: 241 (*).

[236]

ردائه (1). 42 - مع: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن ابن بقاح، عن ابن عميرة، عن عبد الاعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من دخل مكة مبرءا من الكبر غفر ذنبه، قلت: وما الكبر ؟ قال: غمص الخلق، وسفه الحق، قلت: وكيف ذاك ؟ قال: يجهل الحق ويطعن على أهله. قال الصدوق رضي الله عنه: في كتاب الخليل بن أحمد: تقول: فلان غمص الناس وغمص النعمة، إذا تهاون بها وبحقوقهم، ويقال: إنه لمغموص عليه في دينه، اي مطعون عليه، وقد غمص النعمة والعافية إذا لم يشكرها وقال أبو عبيدة في قوله عليه السلام: سفه الاحق هو أن يرى الحق سفها وجهلا، وقال الله تبارك وتعالى: " ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه " (2) وقال بعض المفسرين: إلا من سفه نفسه يقول: سفهها وأما قوله: غمص الناس فانه الاحتقار لهم، والازدراء بهم، وما أشبه ذلك، قال: وفيه لغة أخرى في غير هذا الحديث وغمص بالصاد غير معجمة وهو بمعنى غمط، والغمص في عبر العين، والقطعة منه غمصة، والغميصاء كوكب، والمغمص في المعا غلظة وتقطيع ووجع (3). 43 - سن: عن أبيه، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله ناقة لا تسبق، فسابق أعرابي بناقته فسبقتها فاكتأب لذلك المسلمون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنها ترفعت فحق على الله أن لا يرتفع شئ إلا وضعه الله (4). 44 - سن: عن أبيه باسناده رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المتكبرين


(1) معاني الاخبار ص 241. (2) البقرة: 130. (3) معاني الاخبار: 242 و 243. (4) المحاسن: 122 والظاهر: أن لا يترفع (*).

[237]

يجعلون في صور الذر فيطأهم الناس حتى يفرغوا من الحساب (1). سن: في رواية معاوية بن عمار، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تجبر وضعاه (2). 45 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: [أخبرني (3) جبرئيل عليه السلام أن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام ما يجدها عاق ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء، ولا فتان، ولا منان، ولا جعظري، قال: قلت: فما الجعظري ؟ قال: الذي لا يشبع من الدنيا (4). - 131 - [باب الحسد (5)] 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر وإن الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب (6). بيان: في القاموس: البادرة ما يبدر من حدتك في الغضب من قول أو فعل وفي النهاية: البادرة من الكلام الذي يسبق من الانسان في الغضب، وإذا عرفت هذا فهذه الفقرة تحتمل وجوها: الاول: أن يكون المعنى أن عدم منع النفس عن البوادر وعدم إزالة مواد


(1 - 2) المحاسن: 123. (3) من هنا يبتدء بالصفحة 126 من الجزء الثالث من نسخة الكمباني وكلها بياض. (4) معاني الاخبار: 330، وقد كان سقط ذيل الحديث وانما أخرجناه بقرينة السند. (5) اضفنا عنوان الباب طبقا لفهرس طبعة الكمباني. (6) الكافي ج 2 ص 306 تحت الرقم 1 من باب الحسد (*).

[238]

الغضب عن النفس، وإرخاء عنان النفس فيها، ينجر إلى الكفر أحيانا، أو غالبا كما نرى من كثير من الناس يصدر منهم عند الغضب التلفظ بما يوجب الكفر من سب الله سبحانه وسب الانبياء والائمة عليهم السلام أو ارتكاب أعمال يوجب الارتداد كوطي المصحف الكريم بالرجل ورميه. الثاني أن يراد به الحث على ترك البوادر مطلقا، فان كل بادرة تصير سببا لنوع من أنواع الكفر المقابل للايمان الكامل. الثالث: أن يقرء " فتكفر " على بناء المجهول من باب التفعيل، اي البوادر عند الغضب مكفرة غالبا لعذر الانسان فيه في الجملة، لا سيما إذا تعقبها ندامة وقلما لم تتعقبها، بخلاف الحسد فانها صفة راسخة في النفس تأكل الايمان، ويمكن حملها حينئذ على ما إذا غلب عليه الغضب بحيث ارتفع عنه القصد] (1). ويمكن أن يقرء بالياء كما في النسخ على هذا البناء أيضا اي ينسب إلى الكفر، وإن كان معذورا عند الله، لرفع الاختيار، فيكون ذكرا لبعض مفاسد البادرة. وفي النهاية: الحسد ان يرى الرجل لاخيه نعمة فيتمنى زوالها عنه، وتكون له دونه، والغبطة أن يتمنى أن يكون له مثلها، ولا يتمنى زوالها عنه انتهى. واعلم أنه لا حسد إلا على نعمة، فإذا أنعم الله على أخيك بنعمة فلك فيها حالتان إحداهما أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها، سواء أردت وصولها إليك أم لا، فهذه الحالة تسمى حسدا والثانية أن لا تحب زوالها، ولا تكره وجودها ودوامها، ولكنك تستهي لنفسك مثلها، وهذه يسمى غبطة، وقد يخص باسم المنافسة فأما الاول فهو حرام مطلقا كما هو المشهور، أو إظهاره كما يظهر من بعض الاخبار، إلا نعمة اصابها كافر أو فاجر، وهو يستعين على تهييج الفتنة، وإفساد ذات البين، وإيذاء الخلق فلا يضرك كراهتك لها، ومحبتك لزوالها، فانك لا تحب


(1) هنا ينتهى ما اضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 286 بالقرينة وما بعده مسطور في نسخة الكمباني ص 127 (*).

[239]

زوالها من حيث إنها نعمة، بل من حيث هي آلة الفساد، ولو أمنت فساده لم تغمك تنعمه. ويظهر من كلام الشيخ كون الحسد من جملة المكروهات لا من المحرمات قال العلامة في كتاب صوم المختلف: مسألة جعل الشيخ رحمه الله التحاسد من باب ما الاولى تركه والامساك عنه، وقال ابن إدريس: إنه واجب وهو الاقرب، لعموم النهي عن الحسد، والنهي يقتضي التحريم انتهى. أقول: نظر الشيخ بها إلى ما أومأنا إليه آنفا أن بعض الاخبار يدل على أن الحسد المحرم إنما هو إظهاره، لا مع عدم الاظهار، وأما أصل الحسد فهو مكروه، ولذلك قد يصدر عن بعض الانبياء أيضا كما نطق به الاثار والاخبار فتأمل. وبالجملة الحسد المذموم لا شك أنه مع قطع النظر عن الايات الكثيرة والاخبار المتواترة الواردة في ذمه والنهي عنه، صريح العقل أيضا يحكم بقبحه فانه سخط لقضاء الله في تفضيل بعض عباده على بعض، واي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم من غير أن يكون لك فيها مضرة، وسيأتي ذكر بعض مفاسدها. وأما المنافسة فليست بحرام بل هي إما واجبة أو مندوبة كما قال الله تعالى: " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " (1) وقال سبحانه " سابقوا إلى مغفرة من ربكم " (2). فأما الواجبة فهي ما إذا كانت في نعمة وبنية واجبة، كالايمان والصلاة والزكاة، فانه إن لم يحب أن يكون له مثل ذلك يكون راضيا بالمعصية وهو حرام والمندوبة فيما إذا كانت لغيره نعمة مباحة يتنعم فيها على وجه مباح، فيتمنى أن يكون له مثلها يتنعم بها، من غير أن يريد زوالها عنه في الجميع.


(1) المطففين: 26. (2) الحديد: 21 (*).

[240]

وأقول: يمكن أن يفرض فيها فرد حرام كأن يتمنى منصبا حراما أو مالا حلالا ليصرفه في الحرام، بل مكروه أيضا كأن يتمنى مال شبهة أو مالا حلالا ليصرفها في المصارف المكروهة. وقيل: للحسد اسباب كثيرة يحصر جملتها سبعة: العداوة، والتعزز، والكبر والتعجب، والخوف من فوت المقاصد المحبوبة، وحب الرياسة، وخبث النفس وبخلها فانه إنما يكره النعمة عليها إما لانه عدوه، فلا يريد له الخير، وإما أن يكون من حيث يعلم أنه يستكبر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه، وهو المراد بالتعزز، وإما أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته، وهو المراد بالتكبر. وإما أن يكون النعمة عظيمة والمنصب كبيرا فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة كما أخبر الله تعالى عن الامم الماضية إذ قالوا: " ما أنتم إلا بشر مثلنا " (1) " وقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا " (2) وأمثال، ذلك كثيرة فتعجبوا من أن يفوز برتبة الرسالة والوحي والقرب، مع أنهم بشر مثلهم فحسدوهم وهو المراد بالتعجب. وإما أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمة بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه وإما أن يكون بحب الرياسة التي يبتني على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها، وإما أن لا يكون بسبب من هذه الاسباب، بل لخبث النفس وشحها بالخير لعباد الله. فهذه اسباب الحسد وقد يجتمع بعض هذه الاسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد، فيعظم الحسد لذلك، ويقوى قوة لا يقدر معها على الاخفاء والمجاملة بل يهتك حجاب المجاملة، ويظهر العداوة بالمكاشفة، وأكثر المحاسدات يجتمع فيها جملة من هذه الاسباب.


(1) يس: 15. (2) المؤمنون: 48 (*).

[241]

واعلم أن الحسد من الامراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، والعلم النافع لمرض الحسد هو أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر به على المسحود في الدين والدنيا، بل ينتفع بها في الدنيا والدين، ومهما عرفت هذا عن بصيرة، ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك، فارقت الحسد لا محالة. أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وكرهت نعمته التي قسمها لعباده، وعدله الذي أقامه في ملكه بخفي حكمته واستنكرت ذلك واستبشعته، وهذا جناية على حدقة التوحيد، وقذى في عين الايمان وناهيك بها جناية على الدين وقد انضاف إليه أنك غششت رجلا من المؤمنين وتركت نصيحته، وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباد الله، وشاركت إبليس وساير الكفار في حبهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب والايمان فيه. والحاصل أن الحسد مع كونه في نفسه صفة منافية للايمان، يستلزم عقائد فاسدة كلها منافية لكمال الايمان، وايضا لاشتغال النفس بالنفكر في أمر المحسود والتدبير لدفعه يمنعها عن تحصيل الكمالات، والتوجه إلى العبادات، وحضور القلب فيها، وتولد في النفس صفاتا ذميمة كلها توجب نقص الايمان، وأيضا يوجب عللا في البدن وضعفا فيها يمنع الاتيان بالطاعات على وجهها، فينقص بل يفسد الايمان على أي معنى كان ولذا قال عليه السلام: يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب. وأما كونه ضررا في الدنيا عليك فهو أنه تتألم بحسدك وتتعذب به، ولا تزال في كدر وغم إذ أعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفيضها عليهم، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها عليهم، وتتأذى وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم، فتبقى مغموما محزونا متشعب القلب، ضيق النفس، كما تشتهيه لاعدائك، وكما يشتهي أعداؤك لك، فقد كنت تريد المحنة لعدوك، فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا كما قال امير المؤمنين عليه السلام: لله در الحسد حيث بدأ بصاحبه فقتله.

[242]

ولا تزول النعمة عن المحسود بحسدك ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب لكان مقتضى الفطنة لن كنت عاقلا أن تحذر من الحسد، لما فيه من ألم القلب ومساءته مع عدم النفع فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الاخرة. وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لان النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد من أن يدوم إلى أجل قدره الله، فلا حيلة في دفعه، بل كل شئ عنده بمقدار، ولكل أجل كتاب. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح، أما منفعته في الدين، فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك السحد إلى القول والفعل بالغيبة، والقدح فيه، وهتك ستره، وذكر مساويه، فهذه هدايا تهديها إليه أعني أنك بذلك تهدي إليه حسناتك حتى تلقاه يوم القيامة مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة، فأضعفت له نعمة إلى نعمة، ولنفسك شقاوة إلى شقاوتك. وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الاعداء وغمهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين، ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد وغاية أماني أعدائك أن يكونوا في نعمة، وأن تكون في غم وحسرة بسببهم وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم. ثم اعلم أن الموذي ممقوت بالطبع، ومن آذاك لا يمكنك أن لا تبغضه غالبا، وإذا تيسرت له نعمة فلا يمكنك أن لا تكرهها له، حتى يستوي عندك حسن حال عدوك، وسوء حاله، بل لا تزال تدرك في النفس بينهما فرقا، ولا يزال الشيطان ينازعك في الحسد له، ولكن إن قوي ذلك فيك حتى يبعثك على إظهار الحسد بقول أو فعل، بحيث يعرف ذلك من ظاهرك بأفعالك الاختيارية فأنت إذا حسود عاص بحسدك، وإن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة، وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة، فأنت ايضا حسود عاص لان الحسد صفة القلب لا صفة الفعل.

[243]

قال الله تعالى: " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا " (1) وقال: " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " (2) وقال: " إن تمسسكم حسنة تسوءهم " (3) أما بالفعل فهو غيبة وكذب، وهو عمل صادر عن الحسد وليس هو عين الحسد، بل محل الحسد القلب دون الجوارح. نعم هذا الحسد ليست مظلمة يجب الاستحلال منها، بل هو معصية بينك وبين الله وإنما تجب الاستحلال من الاسباب الظاهرة على الجوارح، وأما إدا كففت ظاهرك، وألزمت مع ذلك قلبك كراهية ما يترشح منه بالطبع من حب زوال النعمة، حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها، فتكون تلك الكراهية من جهة العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع، فقد أديت الواجب عليك، ولا مدخل تحت اختيارك في أغلب الاحوال أكثر من هذا. فأما تغيير الطبع ليستوي عنده الموذي والمحسن، فيكون فرحة أو غمه بما تيسر لهما من نعمة وتصب عليهما من بلية، سواء، فهذا مما لا يطاوع الطبع عليه، ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى مثل السكران الواله، فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين واحدة، وهو عين الرحمة، ويرى الكل عباد الله، وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم، ويرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه، ويعود العدو إلى منازعته أعني الشيطان، فانه ينازع بالوسوسة، فمهما قابل ذلك بكراهة ألزم قلبه، فقد ادى ما كلفه. وذهب الذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه وروي مرفوعا أنه ثلاثة في المؤمن له منهن مخرج ومخرجه من الحسد أن لا يبغى، والاولى أن يحمل هذا على ما ذكرنا، من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل


(1) الحشر: 9. (2) النساء: 89. (3) آل عمران: 120 (*).

[244]

في مقابلة حب الطبع لزوال النعمة عن العدو، وتلك الكراهة تمنعه من البغي ومن الايذاء، فان جميع ما ورد في الاخبار في ذم الحسد يدل ظاهرها على أن كل حاسد آثم، والحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الافعال فكل محب لمساءة المسلمين فهو حاسد، فأما كونه حاسدا بمجرد حسد القلب من غير فعل فهو في محل النظر والاشكال. وقد عرفت من هذا أن لك في أعدائك ثلاثة أحوال: أحدها أن تحب مساءتهم بطبعك، وتكره حبك لذلك وميل قلبك إليه بعقلك، وتمقت نفسك عليه، وتود لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك وهذا معفو عنه قطعا لانه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه. الثانية أن تحب ذلك وتظهر الفرح بمساءته إما بلسانك أو بجوارحك فهذا هو الحسد المحظور قطعا. الثالثة وهي بين الطرفين أن تحسد بالقلب من غير مقتك لنفسك على حسدك ومن غير إنكار منك على قلبك، ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاها وهذا محل الخلاف، وقيل: إنه لا يخلو عن إثم بقدر قوة ذلك الحب وضعفه. 2 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدايني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب (1). 3 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابن محبوب، عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اتقوا الله، ولا يحسد بعضكم بعضا إن عيسى بن مريم كان من شرايعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير، وكان كثير اللزوم لعيسى بن مريم فلما انتهى عيسى إلى البحر قال: بسم الله، بصحة يقين منه، فمشى [على ظهر الماء، فقال الرجل القصير


(1) الكافي ج 2 ص 306 (*).

[245]

حين نظر إلى عيسى عليه السلام جازه: بسم الله، بصحه يقين منه فمشى] (1) على الماء ولحق بعيسى عليه السلام. فدخله العجب بنفسه، فقال: هذا عيسى روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء، فما فضله علي ؟ قال: فرمس في الماء فاستغاث بعيسى فتناوله من الماء فأخرجه ثم قال له: ما قلت يا قصير ؟ قال: قلت: هذا روح الله يمشي على الماء وانا أمشي فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى: لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه، فمقتك الله على ما قلت، فتب إلى الله عزوجل مما قلت قال: فتاب الرجل وعاد إلى المرتبة التي وضعه الله فيها، فاتقوا الله ولا يحسدن بعضكم بعضا (2). بيان: في القاموس ساح الماء يسيح سيحا وسيحانا جرى على وجه الارض والسياحة بالكسر والسيح الذهاب في الارض للعبادة ومنه المسيح انتهى. وأقول: كان من شرايع عيسى عليه السلام: السياحة في الارض للاطلاع على عجائب قدرة الله وهداية عباد الله، والفرار من أعدائه، وملاقاة أوليائه، فنسخ ذلك في شرعنا وقد روي لا سياحة في الاسلام، وسياحة هذه الامة الصيام. " فدخله العجب " فإن قيل: هذا إما عجب كما صرح به أو غبطة حيث تمنى منزلة عيسى عليه السلام لكنه تجاوز عن حد نفسه حيث لم يكن له أن يتمنى تلك الدرجة الرفيعة التي لا يمكن حصولها له، فكيف فرعه عليه السلام على النهي عن الحسد ؟ قلت الظاهر أنه كان الحامل له على الجرأة على هذا التمني الحسد بمنزلة عيسى واختصاصه بالنبوة حيث قال: فما فضله علي ؟ أو أنه لما رأى مساواته لعيسى عليه السلام في فضيلة واحدة، حسد عيسى عليه السلام على نبوته وأنكر فضله عليه، كما قال بعض الكفار " أنؤمن لبشرين مثلنا " (3).


(1) ما بين العلامتين أضفناه من المصدر. (2) الكافي ج 2 ص 306. (3) المؤمنون: 48 (*).

[246]

" فرمس في الماء " أي غمس فيه على بناء المجهول فيهما، لا يقال: سيأتي عدم المؤاخذة بالخطورات القلبية [وقصد المعصية، وهنا أخذ بها، لان الظاهر أن قوله " فقال " المراد به الكلام النفسي، لانا نقول: الافعال القلبية] (1) التي لا مؤاخذة بها هي التي تتعلق بارادة المعاصي أو كان محض خطور من غير أن يصير سببا لشكه في العقايد الايمانية، أو حدث خلل فيها، وههنا ليس كذلك، مع أنه لا يدل ما سيأتي إلا على أنه لا يعاقب بها، وهو لا ينافي حط منزلته عن صدر مثل هذه الغرائب منه. وقوله عليه السلام: يا قصير ! دل على جواز مخاطبة الانسان ببعض أوصافه المشهورة لا على وجه الاستهزاء والظاهر أن ذلك كان تأديبا له، قوله عليه السلام " وعاد " أي في نفسه واعتقاده " إلى مرتبته " أي الاقرار بحط نفسه عن الارتقاء إلى درجة النبوة وسلم لعيسى عليه السلام فضله ونبوته، وترك الحسد له. 4 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر (2). بيان: قوله: كاد الفقر أن يكون كفرا أقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها الاول ما خطر بالبال أن المراد به الفقر إلى الناس، وهذا هو الفقر المذموم فان سؤال الخلق، وعدم التوجه إلى خالقه، ومن ضمن رزقه، في طلب الرزق وسائر الحوائج نوع من الكفر والشرك، لعدم الاعتماد على الله سبحانه وضمانه، وظنه أن المخلوق العاجز قادر على إنجاح حوائجه وسوق الرزق إليه، بدون تقديره وتيسيره وتسبيبه، فبعضها يقرب من الكفر، وبعضها من الشرك. الثاني أن المراد به الفقر القاطع لعنان الاصطبار، وقد وقعت الاستعاذة منه. وأما الفقر الممدوح، فهو المقرون بالصبر، قال الغزالي: سبب ذلك أن


(1) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 288. (2) الكافي ج 2 ص 307 (*).

[247]

الفقير إذا نظر إلى شدة حاجته، وحاجة عياله، ورأى نعمة جزيلة مع الظلمة والفسقة وغيرهم، ربما يقول: ما هذا الانصاف من الله، وما هذه القسمة التي لم تقع على العدل، فان لم يعلم شدة حاجتي ففي علمه نقص، وإن علم ومنع مع القدرة على الاعطاء ففي جوده نقص، وإن منع لثواب الاخرة، فان قدر على إعطاء الثواب بدون هذه المشقة الشديدة فلم منع ؟ وإن لم يقدر ففي قدرته نقص. ومع هذا يضعف اعتقاده بكونه عدلا جوادا كريما مالكا لخزائن السماوات والارض، وحينئذ يتسلط عليه الشيطان، ويذكر له شبهات حتى يسب الفلك والدهر وغيرهما، وكل ذلك كفر أو قريب منه، وإنما يتخلص من هذه الامور من امتحن الله قلبه للايمان، ورضي عن الله سبحانه في المنع والاعطاء، وعلم أن كل ما فعله بالنسبة إليه فهو خير له، وقليل ما هم. الثالث ما ذكره الراوندي قدس سره في كتاب شرح الشهاب كما سيأتي حيث قال: معنى الحديث والله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المآكل الدنية والمطاعم الوبية، وإذا وجد أولاده يتضورون من الجوع والعرى، ورأى نفسه لا يقدر على تقويم أودهم، وإصلاح حالهم، والتنفيس عنهم، كان بالحري أن يسرق ويخون، ويغصب وينهب، ويستحل أموال الناس، ويقطع الطريق ويقتل المسلم، أو يخدم بعض الظلمة، فيأكل مما يغصبه ويظلمه، وهذا كله من افعال من لا يحاسب نفسه ولا يؤمن بيوم الحساب، فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا وفي الاثر: عجبت لمن له عيال وليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف انتهى. وأقول: المعاني متقاربة، والمال واحد، وأما قوله عليه السلام: " وكاد الحسد أن يغلب القدر " فيه ايضا وجوه: الاول ما ذكره الراوندي ره في الكتاب المذكور على ما سيجئ أيضا حيث قال: المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود، أو التمني لذلك، فانه ربما يحمله حسده على قتل المسحود وإهلاك ماله، وإبطال معاشه، فكأنه سعى في غلبة المقدور، لان الله تعالى

[248]

قد قدر للمحسود الخير والنعمة، وهو يسعى في إزالة ذلك عنه وقيل: الحسد منصف لانه يبدء بصاحبه، وقيل الحسود لا يسود. وقيل: الحسد يأكل الجسد. و " كاد " يعطي أنه قرب الفعل ولم يكن، ويفيد في الحديث شدة تأثير الفقر والحسد وإن لم يكونا يغلبان القدر، ويقال: إن " كاد " إذا أوجب به الفعل دل على النفي وإذا نفي دل على الوقوع انتهى. وقريب منه ما قيل: فيه مبالغة في تأثير الحسد في فساد النظام المقدر للعالم فانه كثيرا ما يبعث صاحبه على قتل النفوس، ونهب الاموال، وسبي الاولاد وإزالة النعم، حتى أنه غير راض بقضاء الله وقدره، ويطلب الغلبة عليهما، وهو في حد الشرك بالله. الثاني ما قيل: إن المعنى أن الحسد قد يغلب القدر، بأن يزيد في المحسود ما قدر له من النعمة. الثالث أن يكون المراد غلبة القدر بتغيير نعمة الحاسد، وزوال ما قدر له من الخير. الرابع أن يكون المراد كاد أن يغلب الحسد في الوزر والاثم القول بالقدر مع شدة عذاب القدرية. الخامس أن يكون إشارة إلى تأثير العين، فان الباعث عليه الحسد كما فسر جماعة من المفسرين قوله تعالى: " ومن شر حاسد إذا حسد " بإصابة العين (1). 5 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن معاوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: آفة الدين الحسد والعجب والفخر (2). بيان: الحسد والعجب من معاصي القلب والفخر من معاصي اللسان، وهو


(1) وفي شرح الكافي ج 2 ص 288 و 289 تتمة وافية لهذا الكلام تبحث عن اصابة العين وأنها حق، راجعه. (2) الكافي ج 2 ص 307 (*).

[249]

التفاخر بالاباء والاجداد والانساب الشريفة، وبالعلم والزهد والعبادة والاموال والمساكن والقبايل وأمثال ذلك، فبعض تلك كذب، وبعضها رياء، وبعضها عجب وبعضها تكبر وتعزز وتعظم، وكل ذلك من ذمائم الاخلاق. ومن صفات الشيطان، حيث تعزز بأصله، فاستكبر عن طاعة ربه. قال الراغب: الفخر المباهات في الاشياء الخارجة عن الانسان كالمال والجاه ويقال له: الفخر، ورجل فاخر وفخور وفخير على التكثير قال تعالى: " إن الله لا يحب كل مختال فخور " (1) وقال في النهاية: الفخر ادعاء العظم والكبر والشرف، وفي المصباح فخرت به فخرا من باب نفع، وافتخرت مثله، والاسم الفخار بالفتح وهو المباهاة بالمكارم والمناقب من حسب ونسب وغير ذلك إما في المتكلم أو في آبائه. 6 - كا: عن يونس، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عزوجل لموسى بن عمران، يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدن عينيك إلى ذلك، ولا تتبعه نفسك، فان الحاسد ساخط لنعمي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس مني (2). بيان: " لا تحسدن الناس " إشارة إلى قوله تعالى: " أم يحسدون الناس على ما آتيهم الله من فضله " (3) " ولا تمدن " إشارة إلى قوله سبحانه: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وابقى " (4). قال البيضاوي: (5) اي لا تمدن نظر عينيك إلى ما متعنا به استحسانا له


(1) مفردات غريب القرآن 374 والاية في لقمان: 18. (2) الكافي ج 2 ص 307 والسند معلق على سابقه. (3) النساء: 54. (4) طه: 131. (5) انوار التنزيل: 270 (*).

[250]

وتمنيا أن يكون لك مثله وقال الطبرسي رحمه الله: (1) اي لا ترفعن عينيك من هؤلاء الكفار إلى ما متعناهم وأنعمنا عليهم به أمثالا في النعم من الاولاد والاموال وغير ذلك. وقيل: لا تنظرن إلى ما في أيديهم من النعم، وقيل: ولا تنظرن ولا يعظمن في عينيك ولا تمدهما إلى ما متعنا به اصنافا من المشركين نهى الله رسوله عن الرغبة في الدنيا، فحظر عليه أن يمد عينيه إليها وكان عليه السلام لا ينظر إلى ما يستحسن من الدنيا. 7 - كا: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن الفضيل ابن عياض، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط (2). بيان: هو بحسب الظاهر إخبار بأن الحاسد منافق كما مر، وبحسب المعنى أمر بطلب الغبطة وترك الحسد، وقد مر معناهما. لا يقال: المغتبط يتمنى فوق مرتبته، والافضل من نعمته، فهو ساخط بالنعمة، غير راض بالقسمة، كالحاسد وإلا فما الفرق ؟ لانا نقول: الفرق أن الحاسد غير راض بالقسمة، حيث تمنى أن يكون قسمته ونصيبه للغير، ونصيب الغير له، فهو راد للقسمة قطعا، وأما المغتبط فقد رضي أن يكون مثل نصيب الغير له، ورضي ايضا بنصيبه إلا أنه لما جوز أن يكون له ايضا مثل نصيب ذلك الغير، وكان ذلك ممكنا في نفسه، ولم يعلم امتناعه بحسب التقدير الازلي، ولم يدل عدم حصوله على امتناعه، لجواز أن يكون حصوله مشروطا بشرط كالتمنى والدعاء ونحوهما، وهذا مثل من وجد درجة من الكمال يسأل الله تعالى ويطلب منه التوفيق لما فوقها. 8 - مع (3) لى: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقل الناس لذة الحسود (4).


(1) مجمع البيان ج 6 ص 345 في آية الحجر: 88. (2) الكافي ج 2 ص 307. (3) معاني الاخبار: 195. (4) أمالي الصدوق: 14، وفي نسخة الكمباني بعد ذلك بياض نحو سطر

[251]

9 - لى: عن الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار عن ابن ابي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام قال: كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر (1). ل: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني عن جعفر، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليهم مثله (2). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب الحرص، وبعضها في باب البخل وبعضها في باب أصول الكفر، وبعضها في باب ما أعطى الله أمة نبينا صلى الله عليه وآله. 10 - ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن ابي الخطاب، عن النضر عن الجازي، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يؤمن رجل فيه الشح والحسد والجبن، الخبر (3). 11 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: للحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب، ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمصيبة (4). أقول: أثبتنا في باب وصايا النبي صلى الله عليه وآله إلى علي بأسانيد كثيرة أنه قال: يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد والحرص والكذب (5).


(1) أمالي الصدوق: 177. (2) الخصال ج 1 ص 9، وقد أخرجه المؤلف العلامة في ج 72 باب فضل الفقر والفقراء ص 29، وزاد عليه سندا آخر من كتاب الامامة والتبصرة، ثم شرحها شرحا ضافيا من 30 - إلى 35، راجعه ان شئت وقد سبق في هذا الباب ايضا شرح له نقلا عن الكافي تحت الرقم 4. (3) الخصال ج 1 ص 41. (4) الخصال ج 1 ص 60 (5) راجع ج 77 ص 44 و 52 وقد مر فيما سبق في باب الحرص تارة وفي باب الكذب وروايته تارة اخرى نقلا عن الخصال ج 1 ص 62 (*).

[252]

12 - ل: فيما أوصى به الصادق عليه السلام: لا راحة لحسود (1). أقول: قد مضى في باب الكذب وغيره عن الصادق عليه السلام: ليست لبخيل راحة ولا لحسود لذة (2). 13 - ل: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن الله عزوجل يعذب ستة بست: العرب بالعصبية، والدهاقنة بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل (3). 14 - ل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن ابن معبد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ في كل يوم من ست: من الشك، والشرك والحمية، و الغضب، والبغي، والحسد (4). 15 - ل: عن الصادق عليه السلام: لا يطمعن الحسود في راحة القلب (5). 16 - مع (6) ن: عن ابن الوليد، عن الحسن بن محمد بن إسماعيل العريشي عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دب إليكم داء الامم قبلكم: البغضاء والحسد (7). 17 - ن: عن محمد بن أحمد بن الحسين، عن علي بن محمد بن عنبسة، عن الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: قال رسول صلى الله عليه وآله:


(1) الخصال ج 1 ص 80 في حديث طويل. (2) راجع باب جوامع مساوى الاخلاق ج 72 ص 190 وهكذا ص 193 نقلا عن الخصال ج 1 ص 130. (3) الخصال ج 1 ص 158. (4) الخصال ج 1 ص 160. (5) الخصال ج 1 ص 53. (6) معاني الاخبار ص 367. (7) عيون الاخبار ج 1 ص 313 (*).

[253]

كاد الحسد أن يسبق القدر (1). 18 - مع: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن ابن يزيد عن ابن أبي عمير رفعه في قول الله عزوجل: " ومن شر حاسد إذا حسد " قال: أما رأيته إذا فتح عينيه وهو ينظر إليك هو ذاك (2). 19 - مع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن الحسد فقال: لحم ودم يدور في الناس حتى إذا انتهى إلينا يئس وهو الشيطان (3). 20 - جا (4) ما: عن المفيد، عن أبي نصر محمد بن الحسين، عن علي بن أحمد بن سيابة، عن عمر بن عبد الجبار، عن أبيه، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لاصحابه: ألا إنه قد دب إليكم داء الامم من قبلكم، وهو الحسد ليس بحالق الشعر، لكنه حالق الدين (5) وينجى منه أن يكف الانسان يده، ويخزن لسانه، ولا يكون ذاغمز


(1) عيون الاخبار ج 1 ص 132. (2) معاني الاخبار ص 227. (3) معاني الاخبار ص 244. (4) مجالس المفيد ص 211. (5) قال السيد الشريف رضوان الله عليه في المجازات النبوية ص 112: ومن ذلك قوله عليه السلام: دب اليكم داء الامم من قبلكم: الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر. وهذه استعارة، والمراد بالحالقة ههنا المبيرة المهلكة، اي هذه الخلة المذمومة تهلك الدين وتسأصله كما تسأصل الموسى الشعر، والمقراض الوبر، وعلى هذا قول الشاعر: ارسل عليهم سنة قاشورة * تحتلق الناس احتلاق النورة اي تبير الناس فتأتى على نفوسهم، أو تأتى على أموالهم من الابل والشياة، فتكون كأنها قد أتت على نفوسهم باتيانها على ما هو قوام نفوسهم. =

[254]

على أخيه المؤمن (1). 21 - ل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا، عن الاشعري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث لم يعر منها نبي فمن دونه: الطيرة، والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق. قال الصدوق رحمه الله: معنى الطيرة في هذا الموضع هو أن يتطير منهم قومهم، فأما هم عليه السلام فلا يتطيرون، وذلك كما قال الله عزوجل عن قوم صالح: " قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله " (2) وكما قال آخرون لانبيائهم: " إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم " (3) الاية، وأما الحسد في هذا الموضع هو أن يحسدوا، لا أنهم يحسدن غيرهم، وذلك كما قال الله عزوجل " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " (4) وأما التفكر في الوسوسة في الخلق، فهو بلواهم عليهم السلام بأهل الوسوسة لا غير ذلك، وذلك كما حكى الله عنهم عن الوليد بن المغيرة المخزومي " أنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر " (5) يعني قال للقرآن " إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر " (6). 22 - ب: عن هارون، عن ابن زياد، عن الصادق، عن ابيه عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تتحاسدوا، فان الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار


= وانما جعل عليه السلام البغضاء حالقة للدين لانها سبب التفاني والتهالك والايقاع في المعاطب والمهالك، والداعى إلى سفك الدم الحرام واحتمال أعباء الاثام. (1) أمالي الطوسي ج 1 ص 117. (2) النمل: 47. (3) يس: 18. (4) النساء: 54. (5) المدثر: 18 و 19 - وبعده 24 و 25. (6) الخصال ج 1 ص 44.

[255]

الحطب اليابس " (1). 23 - مص: قال الصادق عليه السلام: الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود كابليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ولادم عليه السلام الاجتباء والهدى والرفع إلى محل حقائق العهد والاصطفاء، فكن محسودا، ولا تكن حاسدا، فانميزان الحاسد ابدا خفيف بثقل ميزان المحسود، والرزق مقسوم فماذا ينفع حسد الحاسد، فما يضر المحسود الحسد. والحسد أصله من عمى القلب، وجحود فضل الله تعالى، وهما جناحان للكفر، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الابد، وهلك مهلكا لا ينجو منه ابدا ولا توبة للحاسد لانه مصر عليه، معتقد به، مطبوع فيه، يبدو بلا معارض له ولا سبب، والطبع لا يتغير عن الاصل وإن عولج (2). 24 - شى: عن ابن ابي نجران، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض " (3) قال: لا يتمني الرجل امرأة الرجل ولا ابنته، ولكن يتمنى مثلهما (4). 25 - شى: عن ابن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: بينما موسى بن عمران يناجي ربه ويكلمه إذ رأى رجلا تحت ظل عرش الله فقال: يا رب من هذا الذي قد اظله عرشك ؟ فقال: يا موسى هذا ممن لم يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله (5). 26 - جع: قال النبي صلى الله عليه وآله: إياكم والحسد، فان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.


(1) قرب الاسناد: 22. (2) مصباح الشريعة: 33. (3) النساء: 32. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 239. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 248.

[256]

وقال صلى الله عليه وآله: إن لنعم الله أعداء، قيل: وما أعداء نعم الله ؟ يا رسول الله قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. وقال صلى الله عليه وآله: عليكم بانجاح الحوائج بكتمانها، فان كل ذي نعمة محسود. وقال أمير المؤمنين عليه السلام لابنه في وصيته: إن من شر مفاضح المرء الحسد. وقال عليه السلام: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له (1). 27 - ين: عن ابن أبي البلاد، عن أبيه، رفعه قال: رأى موسى بن عمران رجلا تحت ظل العرش فقال: يا رب من هذا الذي أدنيته حتى جعلته تحت ظل العرش ؟ فقال الله تعالى: يا موسى هذا لم يكن يعق والديه، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. 28 - نهج: قال عليه السلام: العجب لغفلة الحساد عن سلامة الاجساد (2). وقال عليه السلام: صحة الجسد من قلة الحسد (3). 29 - كنز الكراجى: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم. وقال عليه السلام: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له إليه، بخيل بما لا يملكه. وقال عليه السلام: الحسد آفة الدين، وحسب الحاسد ما يلقى. وقال عليه السلام: لا مروة لكذوب، ولا راحة لحسود. وقال عليه السلام: يكفيك من الحاسد أنه يغتم في وقت سرورك. وقال عليه السلام: الحسد لا يجلب إلا مضرة وغيظا يوهن قلبك، ويمرض جسمك، وشر ما استشعر قلب المرء الحسد. وقال عليه السلام: الحسود سريع الوثبة، بطئ العطفة. وقال عليه السلام: الحسود مغموم، واللئيم مذموم.


(1) جامع الاخبار ص 186. (2) نهج البلاغة الرقم 225 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 256 من الحكم (*).

[257]

وقال عليه السلام: لا غنى مع فجور، ولا راحة لحسود، ولا مودة لملوك. وقال لقمان لابنه: إياك والحسد، فانه يتبين فيك، ولا يتبين فيمن تحسده. 30 - المجازات النبوية: قال صلى الله عليه وآله: الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. بيان: قال السيد رضي الله عنه في شرح هذا الخبر: هذه استعارة والمراد أن الحسد مخرج لصاحبه إلى الاقدام على المعاصي، والارتكاس في المهاوي، فيقع في الدماء الحرام، ويحتطب في حمائل الاثام، ويشرع في نقل النعم من أماكنها وإزعاجها عن مواطنها، فيكون عقاب هذه المحظورات محبطا لحسناته، ومسقطا لثواب طاعاته، على المذهب الذي أشرنا إليه فيما تقدم، فيصير الحسد الذي هو السبب في استحقاق العقاب، وإحباط الثواب، كأنه يأكل تلك الحسنات، لانه يذهبها ويفنيها، ويسقط أعيانها ويعفيها. وإنما شبه عليه السلام في أكله الحسنات بالنار التي تأكل الحطب لان الحسد يجري في قلب الانسان مجرى النار، لاهتياجه واتقاده وإرماضه وإحراقه، ومن هناك قال بعضهم: ما رأيت ظالما اشبه بمظلوم من الحاسد نفس يتضور، وزفير يتردد، وحزن يتجدد (1). 31 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر. الضوء: كاد وعسى كلاهما من أفعال المقاربة، وكاد مشبه بعسى، وعسى مشبه بلعل، فلذلك لم يتصرف لانه مشبه بحرف، والحرف لا يتصرف، وكاد اشد مقاربة من عسى، وإنما لم يأت من عسى الفعل المضارع، لان فيه معنى الطمع، والطمع لا يصح إلا في المستقبل فلو بني منه المضارع لصلح للحال والاستقبال معا، والطمع لا يصح في الحال، فلذلك اقتصر فيه على الماضي، وعسى ترفع الاسم وتنصب الخبر، إلا أن خبره لا يكون إلا فعلا مضارعا يدخله " أن "


(1) المجازات النبوية ص 140، وفيه: نفس يتصعد.

[258]

وكذلك كاد ترفع الاسم وتنصب الخبر، ومن شروط كاد أن لايدخل على خبره " أن " كقولك كاد زيد، وقال تعالى: " وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم " (1) " وكادوا يكونون عليه لبدا " (2) وهذا إذا كان للحال، وإن كان للاستقبال شبه بعسى، فادخل على خبره " أن " كما قال (3): قد كاد من طول البلى أن يمصحا فهذا ما علقناه على شيخنا أبي الحسن النحوي رحمه الله ومعنى الحديث والله أعلم أنه إشارة إلى أن الفقير يسف إلى المآكل الدنيئة والمطاعم الوبيئة، وإذا وجد أولاده يتضورون من الجوع والعرى، ورأى نفسه لا يقدر على تقويم أودهم وإصلاح حالهم، والتنفيس عنهم، كان بالحري أن يسرق ويخون، ويغصب وينهب ويستحل أموال الناس، ويقطع الطريق، ويقتل المسلم، أو يخدم بعض الظلمة فيأكل مما يغصبه ويظلمه، وهذا كله من أفعال من لا يحاسب نفسه، ولا يؤمن بيوم الحساب، فهو قريب إلى أن يكون كافرا بحتا، وفي الاثر: عجبت لمن له عيال وليس له مال كيف لا يخرج على الناس بالسيف ؟. وقوله عليه السلام: " كاد الحسد أن يغلب القدر " المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة عن المحسود، أو التنى لذلك، فانه ربما يحمله حسده على قتل المحسود، وإهلاك ماله، وإبطال معاشه، فكأنه سعى في غلبة المقدور لان الله تعالى قد قدر للمحسود الخير والنعمة، وهو يسعى في إزالة ذلك عنه، وقيل: الحسد منصف لانه يبدأ بصاحبه، وقيل: الحسود لا يسود، وقيل: الحسد يأكل الجسد، وقال الشاعر: اصبر على حسد الحسود فان صبرك قاتله النار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله " وكاد " تعطي أنه قرب الفعل ولم يكن، وتفيد في الحديث شدة تأثير


(1) القلم: 51. (2) الجن: 19. (3) يعنى رؤبة: ربع عفاه الدهر طولا فانمحى قد كاد الخ (*).

[259]

الفقر والحسد، وإن لم يكونا يغلبان القدر، ويقال: إن كاد إذا أوجب به الفعل دل على النفي، وإذا نفي دل على الوقوع، وقال شاعرهم: أنحوي هذا الدهر ما هي لفظة * جرت بلساني جرهم وثمود إذا نفيت والله أعلم أوجبت * وإن أوجبت قامت مقام جحود وهذا كما قال عزوجل: " كادوا يكونون عليه لبدا " والمعنى أنهم لم يكونوا، وقال تعالى: " وما كادوا يفعلون " (1) وقد ذبحوا. وهذه من أعجب القصص في السحد وهي من أعاجيب الدنيا، كان أيام موسى الهادي ببغداد رجل من أهل النعمة، وكان له جار في دون حاله، وكان يحسده ويسعى بكل مكروه يمكنه، ولا يقدر عليه، قال: فلما طال عليه أمره وجعلت الايام لا تزيده فيه إلا غيظا، اشترى غلاما صغيرا فرباه وأحسن إليه فلما شب الغلام واشتدت وقوي غضبه، قال له مولاه: يا بني إني أريدك لامر من الامور جسيم، فليت شعري كيف لي أنت عند ذلك ؟ قال: كيف يكون العبد لمولاه، والمنعم عليه المحسن إليه، والله يا مولاي لو علمت أن رضاك في أن أتقحم النار لرميت بنفسي فيها، ولو علمت أن رضاك في أن أغرق نفسي في لجة البحر لفعلت ذاك وعدد عليه اشياء، فسر بذلك من قوله، وضمه إلى صدره وأكب عليه يترشفه ويقبله، وقال: أرجو أن تكون ممن يصلح لما أريد، قال: يا مولاي إن رأيت أن تمن على عبدك فتخبره بعزمك هذا ليعرفه ويضم عليه جوانحه، قال: لم يأن لذلك بعد، وإذا كان ذلك فأنت موضع سري ومستودع أمانتي. فتركه سنة فدعاه فقال: أي بني قد أردتك للامر الذي كنت أرشحك له قال له: يا مولاي مرني بما شئت، فوالله لا تزيدني الايام إلا طاعة لك، قال: إن جاري فلانا قد بلغ مني مبلغا أحب قتله، قال: فأنا افتك به الساعة، قال: لا أريد هذا، وأخاف ألا يمكنك، وإن أمكنك أحالوا ذلك علي، ولكني دبرت أن تقتلني أنت وتطرحني على سطحه، فيؤخذ ويقتل بي.


(1) البقرة: 71 (*).

[260]

فقال له الغلام: أتطيب نفسك بنفسك ؟ وما في ذلك تشف من عدوك وأيضا فهل تطيب نفسي بقتلك، وأنت أبر من الوالد الحدب، والام الرفيقة ؟ قال: دع عنك هذا، فانما كنت أربيك لهذا، فلا تنقض علي أمري فانه لا راحة لي إلا في هذا، قال: الله الله في نفسك يا مولاي، وأن تتلفها للامر الذي لا يدرى أيكون أم لا يكون، فان كان لم تر منه ما أملت وأنت ميت، قال: أراك لي عاصيا، وما أرضى حتى تفعل ما أهوى. قال: أما إذا صح عزمك على ذلك فشأنك وما هويت لاصير إليه بالكره لا بالرضى، فشكره على ذلك، وعمد إلى سكين فشحذها ودفعها إليه، وأشهد على نفسه أنه دبره ودفع إليه من صلب ماله ثلاثة آلاف درهم، وقال: إذا فعلت ذلك فخذ في اي بلاد الله شئت، فعزم الغلام على طاعة المولى بعد التمنع والالتواء. فلما كان في آخر ليلة من عمره، قال له: تأهب لما أمرتك به، فاني موقظك في آخر الليل، فلما كان في وجه السحر، قام وأيقظ الغلام، فقام مذعورا وأعطاه المدية، فجاء حتى تسور حائط جاره برفق فاضطجع على سطحه، فاستقبل القبلة ببدنه، وقال للغلام: ها وعجل، فترك السكين على حلقه، وفرى أوداجه، ورجع إلى مضجعه وخلاه يتشحط في دمه. فلما أصبح أهله خفي عليهم خبره، فلما كان في آخر النهار أصابوه على سطح جاره مقتولا فأخذ جاره، وأحضروا وجوه المحلة لينظروا إلى الصورة ورفعوه وحبسوه، وكتبوا بخبره إلى الهادي، فأحضره فأنكر أن يكون له علم بذلك وكان الرجل من أهل الصلاح، فأمر بحبسه، ومضى الغلام إلى إصبهان. وكان هناك رجل من أولياء المحبوس وقرابته، وكان يتولى العطاء للجند باصفهان، فرأى الغلام وكان عارفا به فسأله عن أمر مولاه، وقد كان وقع الخبر إليه، فأخبره الغلام حرفا حرفا، فأشهد على مقالته جماعة، وحمله إلى مدينة السلام وبلغ الخبر الهادي فأحضر الغلام فقص أمره كله عليه، فتعجب الهادي من ذلك وأمر باطلاق الرجل المحبوس، وإطلاق الغلام أيضا.

[261]

فايدة الحديث إعلام أن الفقر من أصعب الاشياء، ومكابرته من أهول الامور، وأن الحسد أمره شديد، والحديث متضمن للنهي عنه. 32 - الشهاب: إن الحسد ليأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. الضوء: الحسد تمني زوال نعمة غيرك، يقول صلى الله عليه وآله: الحسد يفسد الحسنات وهي الافعال الحسنة، ويلطخها ويغيرها ويغطي عليها ويسوؤها، ويجعلها بحيث لا يعتد بها كما تأكل النار الحطب، حيث تجعله رمادا أو فحما، وذلك أن الحسود ولو حصلت منه الافعال الصالحة، لكانت مشينة لمكان الحسد، ثم إن الحاسد يعارض ربه فيما يفعل، لان النعمة على المحسود من قبله، وهو يتمنى زواله وكأنه يخطئ الله تعالى فيما أولاه تعالى وتقدس. وروي عن سفيان [قال:] بلغني أن الله تعالى يقول: الحاسد عدو نعمتي، غير راض بقسمتي التي قسمت بين عبادي، وقال منصور الفقيه: ألا قل لمن كان بي حاسدا * أتدري على من أسأت الادب أسأت على الله في فعله * إذا أنت لم ترض لي ما وهب جزاؤك منه الزيادات لي * وأن لا تنال الذي تطلب وقيل: الحاسد بارز ربه من ستة أوجه: أبغض كل نعمة تظهر على غيره وسخط القسمة، وضاد قضاء الله، وكابر مقدوره، وخذل وليه، وأعان عدوه وقيل: الحاسد جاحد لانه لم يرض بحكم الواحد، وقيل في قوله تعالى: " إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن " (1) يعني الحسد، وقيل: الحسد منصف لانه يؤثر في الحاسد، ولا يؤثر في المحسود. وقال: اصبر على حسد الحسود فان صبرك قاتله فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله (2)


(1) الاعراف: 33. (2) قد مر بعض هذا آنفا (*).

[262]

وقال: إني لارحم حاسدي لحر ما * ضمنت صدورهم من الاسعار نظروا صنيع الله لي فعيونهم * في جنة وقلوبهم في نار وقيل: الحسود لا يسود، وروي أن في السماء الخامسة ملكا يمر به عمل عبد له ضوء كضوء الشمس، فيقول: قف فأنا ملك الحسد، اضرب به وجه صاحبه فانه حاسد، ويقال: لا يوجد ظالم وهو مظلوم إلا الحاسد وأنشد: قل للحسود إذا تنفس حسرة * يا ظالما وكأنه مظلوم وفائدة الحديث النهي عن الحسد والامر بتجنبه. - 132 - * (باب) * * " (ذم الغضب، ومدح التنمر في ذات الله) " * الايات: طه: قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي (1). الشعراء: وإذا بطشتم بطشتم جبارين (2). 1 - ن (3) لى: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه عليهما السلام قال: دخل موسى بن جعفر عليه السلام على هارون الرشيد وقد استخفه الغضب على رجل، فقال له: إنما تغضب لله عزوجل، فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه (4). 2 - لى: عن أمير المؤمنين عليه السلام: لا نسب أوضع من الغضب (5).


(1) ط: 94. (2) الشعراء: 130. (3) عيون الخبار ج 1 ص 292. (4) أمالي الصدوق: 14. (5) أمالي الصدوق: 193 (*).

[263]

أقول: قد مضى الاخبار في باب الحلم وكظم الغيظ (1). 3 - لى: سئل أمير المؤمنين عليه السلام من أحلم الناس ؟ قال: الذي لا يغضب (2). 4 - ل: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الغضب مفتاح كل شر (3). 5 - ل: أبي، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن البرقي، عن أبيه عن يونس، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الحواريون لعيسى بن مريم: يا معلم الخير أعلمنا أي الاشياء اشد ؟ فقال: أشد الاشياء غضب الله عز وجل، قالوا: فبم يتقى غضب الله، قال: بأن لا تغضبوا، قالوا: وما بدؤ الغضب ؟ قال: الكبر والتجبر ومحقرة الناس (4). كتاب الغايات: عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر نحوه. 6 - ل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن موسى بن جعفر، عن ابن معبد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ في كل يوم من ست: من الشك، والشرك والحمية، والغضب، والبغي، والحسد (5). 7 - ن: عن محمد بن أحمد بن الحسين البغدادي، عن علي بن محمد بن عنبسة عن بكر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، عن فاطمة بنت الرضا، عن أبيها، عن أبيه عن جعفر بن محمد، عن أبيه وعمه زيد، عن أبيهما علي بن الحسين، عن أبيه وعمه، عن علي بن ابي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن حسن خلقه بلغه الله درجة الصائم القائم (6).


(1) راجع ج 71 ص 397 - 428. (2) أمالي الصدوق: 237. (3 - 4) الخصال ج 1 ص 7. (5) الخصال ج 1 ص 160. (6) عيون الاخبار ج 2 ص 71 (*).

[264]

8 - ما: جماعة، عن ابي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن عيسى القيسي، عن محمد بن الفضيل، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله علمني عملا لا يحال بينه وبين الجنة، قال: لا تغضب ولا تسأل الناس شيئا، وارض للناس ما ترضى لنفسك، الخبر (1). 9 - لى: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أنه ذكر عنده الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرى أبدا، ويدخل بذلك النار، فأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس، فانه سيذهب عنه رجز الشيطان، وإن كان جالسا فليقم وأيما رجل غضب على ذي رحمه فليقم إليه، وليدن منه وليمسه، فان الرحم إذا مست الرحم سكنت (2). 10 - ما: عن الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث عن آبائه، عن الكاظم عليهم السلام قال: من لم يغضب في الجفوة، لم يشكر في النعمة (3). 11 - ثو: عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن البرقي عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: من كف غضبه ستر الله عورته (4). 12 - ثو: عن ابيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سيف عن أخيه، عن أبيه، عن عاصم، عن الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من كف نفسه عن أعراض الناس كف الله عنه عذاب يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس أقاله الله نفسه يوم القيامة (5).


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 121. (2) أمالي الصدوق: 205. (3) أمالي الطوسي ج 1 ص 290. (4 - 5) ثواب الاعمال: 120 (*).

[265]

ختص: عن الباقر عليه السلام مثله (1). 13 - ضا: أروي أن رجلا سأل العالم أن يعلمه ما ينال به خير الدنيا والاخرة ولا يطول عليه، فقال: لا تغضب. 14 - شى: عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار، فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه، فان الرحم إذا مستها الرحم استقرت، وإنها متعلقة بالعرش ينتقضه انتقاض الحديد، فينادي اللهم صل من وصلني، واقطع من قطعني، وذلك قول الله في كتابه: " واتقوا الله الذي تسائلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا " (2) وأيما رجل غضب وهو قائم فليلزم الارض من فوره، فانه يذهب رجز الشيطان (3). 15 - جع: قال النبي صلى الله عليه وآله: الغضب جمرة من الشيطان وقال صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الصبر العسل وكما يفسد الخل العسل. وقال إبليس عليه اللعنة: الغضب وهقي (4) ومصيادي، وبه أصد خيار الخلق عن الجنة وطريقها. وعن جعفر بن محمد عليه السلام قال: من لم يغتب فله الجنة، ومن لم يغضب فله الجنة، ومن لم يحسد فله الجنة (5). 16 - ختص: قال الصادق عليه السلام: كان ابي محمد عليه السلام يقول: أي شئ أشر من الغضب ؟ إن الرجل إذا غضب يقتل النفس، ويقذف المحصنة (6). 17 - ين: فضالة، عن ابن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء أعرابي


(1) الاختصاص: 229. (2) الاية الاولى من سورة النساء. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 217. (4) الوهق محركة وتسكن الهاء: حبل في طرفيه انشوطة يطرح في عنق الدابة والانسان حتى تؤخذ، قيل هو معرب وهك. (5) جامع الاخبار: 186. (6) الاختصاص: 243 (*).

[266]

إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله علمني شيئا واحدا فاني رجل اسافر فأكون في البادية، فقال له رسول الله: لا تغضب، فاستيسرها الاعرابي فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله علمني شيئا واحدا فاني أسافر فأكون في البادية فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لا تغضب فاستيسرها الاعرابي فرجع فأعاد السؤال فأجابه رسول الله فرجع الرجل إلى نفسه وقال: لا أسأل عن شئ بعد هذا إني وجدته قد نصحني وحذرني لئلا أفتري حين أغضب، ولئلا أقتل حين اغضب. وقال أبو عبد الله عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر، وقال: إن إبليس كان مع الملائكة وكانت الملائكة تحسب أنه منهم، وكان في علم الله أنه ليس منهم، فلما أمر بالسجود لادم، حمي وغضب، فأخرج الله ما كان في نفسه بالحمية والغضب. 18 - ين: عن النضر، عن القاسم بن سليمان، عن الصباح، عن زيد بن علي قال: أوحى الله عزوجل إلى نبيه داود عليه السلام: إذا ذكرني عبدي حين يغضب ذكرته يوم القيامة في جميع خلقي ولا أمحقه فيمن أمحق. 19 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل، أو كما يفسد الصبر العسل (1). كتاب الامامة والتبصرة: عن أحمد بن علي، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه مثله. 20 - نهج: قال عليه السلام: الحدة ضرب من الجنون، لان صاحبها يندم فان لم يندم فجنونه مستحكم (2). 21 - منية المريد: سئل النبي صلى الله عليه وآله: ما يبعد من غضب الله تعالى ؟ قال لا تغضب. وعنه صلى الله عليه وآله: من كف غضبه ستر الله عورته.


(1) نوادر الراوندي: 17. (2) نهج البلاغة الرقم 255 من الحكم (*).

[267]

وقال أبو الدرداء: قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال: لا تغضب. وقال صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الصبر العسل. وقال صلى الله عليه وآله: ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم. وذكر الغضب عند ابي جعفر الباقر عليه السلام فقال: إن الرجل ليغضب فما يرضى ابدا حتى يدخل النار. وعنه عليه السلام قال: مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عزوجل به موسى عليه السلام: يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه، أكف عنك غضبي. وعن ابي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان تتوقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه، وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه. 22 - كا: عن علي، عن ابيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخل العسل (1). بيان: " كما يفسد الخل العسل " اي إذا ادخل الخل العسل، ذهبت حلاوته وخاصيته، وصار المجموع شيئا آخر، فكذا الايمان إذا دخله الغضب فسد ولم يبق على صرافته، وتغيرت آثاره، فلا يسمى إيمانا حقيقة، أو المعنى أنه إذا كان طعم العسل في الذائقة، فشرب الخل ذهبت تلك الحلاوة بالكلية، فلا يجد طعم العسل فكذا الغضب إذا ورد على صاحب الايمان لم يجد حلاوته، وذهبت فوائده. قال بعض المحققين: الغضب شعلة نار اقتسبت من نار الله الموقدة إلا أنها لا تطلع على الافئدة، وإنها لمستكنة في طي الفؤاد، استكنان الجمر تحت الرماد ويستخرجها الكبر الدفين من قلب كل جبار عنيد، كما يستخرج الحجر النار من الحديد، وقد انكشف للناظرين بنور اليقين، أن الانسان ينزع منه عرق إلى


(1) الكافي ج 2 ص 302 (*).

[268]

الشيطان اللعين، فمن اسعرته نار الغضب، فقد قويت فيه قرابة الشيطان، حيث قال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " (1) فمن شأن الطين السكون والوقار، وشأن النار التلظي والاستعار، والحركة والاضطراب والاصطهار، ومنه قوله تعالى: " يصهر به ما في بطونهم والجلود " (2) ومن نتائج الغضب الحقد والحسد، وبهما هلك من هلك، وفسد من فسد. ثم قال: اعلم أن الله تعالى لما خلق الانسان معرضا للفساد والموتان، بأسباب في داخل بدنه، واسباب خارجة منه، أنعم عليه بما يحميه الفساد، ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم، سماه في كتابه. أما السبب الداخل فانه ركبه من الرطوبة، والحرارة، وجعل بين الرطوبة والحرارة عداوة ومضادة، فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة، وتجففها وتبخرها حتى يتفشى أجزاؤها بخارا يتصاعد منها، فلو لم يتصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان، فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان، وخلق للحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم، ليكون حافظا له من الهلاك، بهذه الاسباب. وأما الاسباب الخارجة التي يتعرض لها الانسان فكالسيف والسنان، وسائر المهلكات التي يقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه، فيدفع المهلكات عنه فخلق الله الغضب من النار، وغرزه في الانسان، وعجنه بطينته، فمهما قصد في غرض من أغراضه، ومقصود من مقاصده، اشتعلت نار الغضب، وثارت ثورانا يغلى به دم القلب، وينتشر في العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يغلى في القدر. ولذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين، والبشرة بصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم، كما تحكي الزجاجة لون ما فيها، وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه، واستشعر القدرة عليه، فان صدر الغضب على من هو فوقه


(1) الاعراف: 12 ص 76. (2) الحج: 20 (*).

[269]

وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللون، وان كان الغضب على نظير يشك فيه تولد منه تردد بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر، ويضطرب. وبالجملة فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب، لطلب الانتقام وانما يتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع الموذيات، قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها، وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به. ثم الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في اول الفطرة وبحسب ما يطرأ عليها من الامور الخارجة من التفريط والافراط والاعتدال، اما التفريط فبفقد هذه القوة أو ضعفها بان لا يستعملها فيما هو محمود عقلا وشرعا مثل دفع الضرر عن نفسه على وجه سائغ، والجهاد مع أعدائه والبطش عليهم، واقامة الحدود على الوجه المعتبر، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فتحصل فيه ملكة الجبن بل ينتهي إلى عدم الغيرة على حرمه وأشباه ذلك. وهذا مذموم معدود من الرذايل النفسانية، وقد وصف الله تعالى الصحابة بالشدة والحمية، فقال (أشداء على الكفار) (1) وقال تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) (2) وانما الغلظة والشة من آثار قوة الحمية وهو الغضب، واما الافراط فهو الاقدام على ما ليس بالجميل، واستعمالها فيما هو مذموم عقلا وشرعا مثل الضرب والبطش والشتم والنهب والقتل والقذف وأمثال ذلك مما لا يجوزه العقل والشرع. واما الاعتدال فهو غضب ينتظر اشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفي حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله تعالى به عباده، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله حيث قال:


(1) الفتح: 29 (2) التحريم: 9

[270]

خير الامور أوساطها، فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه ضعف الغيرة وخسة النفس واحتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ومن ماله غضبه إلى الافراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه ليسكن من سورة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، فهو الصراط المستقيم، وهو ادق من الشعر، وأحد من السيف فينبغي أن يسعى في ذلك بحسب جهده، ويتوسل إلى الله تعالى في أن يوفقه لذلك. 23 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن ميسر قال: ذكر الغضب عند ابي جعفر عليه السلام فقال: إن الرجل ليغضب فما يرضى ابدا حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قوم وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فانه سيذهب عنه رجز الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه، فليمسه، فان الرحم إذا مست سكنت (1). بيان: فما يرضى أبدا فيه تنبيه على أنه ينبغي أن لا يغضب وإن غضب لا يستمر عليه، بل يعالجة قريبا بالسعي في الرضا عنه، إذ لو استمر عليه اشتد غضبه آنا فآنا وشيئا فشيئا إلى أن يصدر عنه ما يوجب دخوله النار، كالقتل والجرح وأمثالهما، أو يصير الغضب له عادة وخلقا، فلا يمكنه تركه، حتى يدخل بسببه النار. واعلم أن علاج الغضب أمران: علمي وفعلي أما العلمي فبأن يتفكر في الايات والروايات التي وردت في ذم الغضب، ومدح كظم الغيظ والعفو والحلم ويتفكر في توقعه عفو الله عن ذنبه، وكف غضبه عنه، وأما الفعلي فذكر عليه السلام هنا أمران: الاول قوله: " فأيما رجل " " ما " زائدة " من فوره " كأن " من " بمعنى " في " وقال الراغب: الفور شدة الغليان، ويقال ذلك في النار نفسها إذا هاجت، وفي القدر وفي الغضب، ويقال: فعلت كذا من فوري أي في غليان


(1) الكافي ج 2 ص 302 (*).

[271]

الحال، وقبل سكون الامر (1). وقال البيضاوي في قوله تعالى: " ويأتوكم من فورهم هذا " (2) أي من ساعتهم هذه، وهو في الاصل مصدر فارت القدر إذا غلت، فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي، والمعنى أن يأتوكم في الحال (3) وقال في المصباح: فار الماء يفور فورا نبع وجرى، وفارت القدر فورا وفورانا، وقولهم الشفعة على الفور من هذا أي على الوقت الحاضر الذي لا تأخير فيه، ثم استعمل في الحالة التي لا بطء فيها، يقال: جاء فلان في حاجته، ثم رجع من فوره اي من حركته التي وصل فيها، ولم يسكن بعدها، وحقيقته أن يصل ما بعد المجئ بما قبله من غير لبث انتهى. وضمير " فوره " للرجل وقيل: للغضب: والاول أنسب بالاية، و " ذلك " صفة فوره " فانه سيذهب " كيمنع والرجز فاعله أو علي بناء الافعال، والضمير المستتر فاعله، وراجع إلى مصدر " فليجلس " و " الرجز " مفعوله، وفي النهاية الرجز بكسر الراء العذاب والاثم والذنب ورجز الشيطان وساوسه انتهى. وذهاب ذلك بالجلوس مجرب كما أن من جلس عند حملة الكلب وجده ساكنا لا يحوم حوله، وفيه سر لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، وربما يقال: السر فيه هو الاشعار بأنه من التراب، وعبد ذليل لا يليق به الغضب، أو التوسل بسكون الارض وثبوتها. وأقول: كأنه لقلة دواعيه إلى المشي للقتل والضرب وأشباههما، أو للانتقال من حال إلى حال أخرى، والاشتغال بأمر آخر فانهما مما يذهل عن الغضب في الجملة، ولذا ألحق بعض العلماء الاضطجاع والقيام إذا كان جالسا، والوضوء بالماء البارد وشربه بالجلوس في ذهاب الرجز.


(1) مفردات غريب القرآن 387. (2) آل عمران: 125. (3) أنوار التنزيل: 81 (*).

[272]

وأقول: يؤيده ما رواه الصدوق في مجالسه عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة [عن أبيه]، عن أبي بصير، عن ابي عبد الله، عن ابيه عليهما السلام أنه ذكر عنده الغضب فقال: إن الرجل ليغضب حتى ما يرضى ابدا، ويدخل بذلك النار، وأيما رجل غضب وهو قائم فليجلس فانه سيذهب عنه رجز الشيطان، وإن كان جالسا فليقم، وأيما رجل غضب على ذي رحمه فليقم إليه وليدن منه، وليمسه، فان الرحم إذا مست الرحم سكنت (1). وما رواه العامة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا غضب وهو قائم جلس، وإذا غضب وهو جالس اضطجع، فيذهب غيظه. وقال بعضهم: علاج الغضب أن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقال عند الغيظ، وكان صلى الله عليه وآله إذا غضبت عائشة أخذ بأنفها، وقال: يا عويش قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن، ويستحب أن تقول ذلك، وإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائما، واضطجع إن كنت جالسا، واقرب من الارض التي منها خلقت لتعرف بذلك، واطلب بالجلوس والاضطجاع السكون، فان سبب الغضب الحرارة، وسبب الحرارة الحركة إذ قال صلى الله عليه وآله إن الغضب جمرة تتوقد ألم تر إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه ؟. فان وجد أحدكم من ذلك شيئا فان كان قائما فليجلس، وإن كان جالسا فلينم، فان لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد، وليغتسل، فان النار لا يطفئها إلا الماء، وقد قال صلى الله عليه وآله: إذا غضب أحدكم فليتوضأ وليغتسل، فان الغضب من النار، وفي رواية: إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما يطفي النار الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ. وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا غضبت فاسكت، وقال أبو سعيد الخدري: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم الا ترون إلى حمرة


(1) أمالي الصدوق: 205 وقد مر تحت الرقم 9 (*).

[273]

عينيه وانتفاخ أوداجه ؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليلصق خده بالارض وكأن هذا إشارة إلى السجود، وهو تمكين أعز الاعضاء من أذل المواضع، وهو التراب لتستشعر به النفس الذل، وتزايل به العزة والزهو الذي هو سبب الغضب. وأما العلاج الثاني فهو خاص بذي الرحم، حيث قال: " وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه " أي الغاضب من ذي رحمه " إذا مست " على بناء المجهول أي بمثلها، ويحتمل المعلوم أي مثلها، وما في رواية المجالس المتقدم ذكره اظهر ويظهر منها أنه سقط من رواية الكتاب بعض الفقرات متنا وسندا فتفطن إذ هي عين هذه الرواية، والظاهر أن " سكنت " على بناء المعلوم المجرد، ويحتمل المجهول من بناء التفعيل. وقيل: ضمير " فليدن " راجع إلى ذي الرحم، وضمير " منه " إلى الرجل وهو بعيد هنا، وإن كان له شواهد من بعض الاخبار منها ما رواه الصدوق رحمه الله في عيون أخبار الرضا باسناده عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: لما دخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتين يجبى إليهما الخراج ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت أنه قد كب علينا منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بما علم ذلك عندك فان رأيت بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه، عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت فناولني يدك جعلني الله فداك، فقال: ادن فدنوت منه فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا ثم تركني، وقال: اجلس يا موسى، فليس عليك بأس فنظرت إليه فإذا إنه قد دمعت عيناه، فرجعت إلي نفسي، فقال: صدقت وصدق جدك لقد تحرك دمي واضطربت عروقي حتى غلبت علي الرقة، وفاضت عيناي إلى آخر الخبر (1). وأقول هذا لا يعين حمل خبر المتن على دنو الغاضب، فانه يدنو كل من


(1) عيون الاخبار ج 1 ص 81 (*).

[274]

يريد تسكين الغضب، فانه إذا أراد الغاضب تسكين غضبه يدنو من المغضوب [عليه] وإذا اراد المغضوب [عليه] تسكين غضب الغاضب يدنو منه. 24 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الغضب مفتاح كل شر (1). بيان: " مفتاح كل شر " إذ يتولد منه الحقد والحسد والشماتة والتحقير والاقوال الفاحشة، وهتك الاستار، والسخرية والطرد والضرب والقتل والنهب ومنع الحقوق إلى غير ذلك مما لا يحصى. 25 - كا: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن ابيه، عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله رجل بدوي فقال: إني أسكن البادية فعلمني جوامع الكلام فقال: آمرك أن لا تغضب فأعاد عليه الاعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع الرجل إلى نفسه فقال: لا أسأل عن شئ بعد هذا، ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بالخير قال: وكان أبي يقول: اي شئ أشد من الغضب ؟ إن الرجل يغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة (2). بيان: قال في النهاية: فيه أوتيت جوامع الكلم، يعني القرآن جمع الله بلطفه في الالفاظ اليسيرة منه معاني كثيرة، واحدها جامعة أي كلمة جامعة، ومنه الحديث في صفته إنه كان يتكلم بجوامع الكلم أي إنه كان كثير المعاني قليل الالفاظ. " فأعاد عليه الاعرابي المسألة ثلاث مرات " كأن أصل السؤال كان ثلاث مرات، فالاعادة مرتان اطلقت على الثلاث تغليبا، والمعنى أنه صلى الله عليه وآله في كل ذلك يجيبه بمثل الجواب الاول " حتى رجع الرجل " أي تفكر في أن تكرار السؤال بعد اكتفائه صلى الله عليه وآله بجواب واحد غير مستحسن، فأمسك وعلم أنه صلى الله عليه وآله لم يجبه بما أجابه إلا لعلمه بفوائد هذه النصيحة، وأنها تكفيه، أو تفكر في مفاسد الغضب فعلم أن تخصيصه صلى الله عليه وآله الغضب بالذكر لتلك الامور.


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 303 (*).

[275]

" فيقتل النفس " أي إحدى ثمرات الغضب قتل النفس مثلا وهو يوجب القصاص في الدنيا، والعذاب الشديد في الاخرة، والاخرى قذف المحصنة، وهي العفيفة وهو يوجب الحد في الدنيا والعقاب العظيم في الاخرة. 26 - كا: عنه، عن ابن فضال، عن إبراهيم بن محمد الاشعري، عن عبد الاعلى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: علمني عظة أتعظ بها، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاه رجل فقال له: يا رسول الله علمني عظة أتعظ بها فقال له: انطلق فلا تغضب ثم عاد إليه فقال له: انطلق فلا تغضب ثلاث مرات (1). بيان: قال في المصباح: وعظه يعظه عظة أمره بالطاعة ووصاه بها، فاتعظ اي ائتمر وكف نفسه، وقال بعض المتقدمين: الوعظ تذكير مشتمل على زجر وتخويف وحمل على طاعة الله بلفظ يرق له القلب والاسم الموعظة. 27 - كا: عنه، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: من كف غضبه ستر الله عورته (2). بيان: " ستر الله عورته " اي عيوبه وذنوبه في الدنيا، فلا يفضحه بها، أو في الاخرة فيكون كفارة عنها أو الاعم منهما وقيل: لانه إذا لم يغضب لا يقول فيه الناس ما يفضحه، واختلفوا في أن من كان شديد الغضب وكف غضبه ومن لا يغضب أصلا لكونه حليما بحسب الخلقة أيهما افضل ؟ فقيل الاول لان الاجر على قدر المشقة، وفيه جهاد النفس، وهو أفضل من جهاد العدو. وغضب النبي صلى الله عليه وآله مشهور إلا أن غضبه لم يكن من مس الشيطان ورجزه وإنما كان من بواعث الدين، وقيل: الثاني لان الاخلاق الحسنة من الفضائل النفسانية، وصاحب الخلق الحسن بمنزلة الصائم القائم. 28 - كا: عنه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني عن أبي جعفر عليه السلام قال: مكتوب في التوراة فيما ناجى الله عزوجل به موسى: يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه أكف عنك غضبي (3).


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 303 (*).

[276]

بيان: يقال: ناجيته اي ساررته " عمن ملكتك عليه " أي من العبيد والاماء أو الرعية أو الاعم، وهو أولى، وغضب الخلق ثوران النفس وحركتها بسبب تصور المؤذي والضار إلى الانتقام والمدافعة، وغضب الخالق عقابه التابع لعلمه بمخالفة أوامره ونواهيه وغيرهما، وفيه إشارة إلى نوع من معالجة الغضب وهو أن يذكر الانسان عند غضبه على الغير غضبه تعالى عليه، فان ذلك يبعثه على الرضا والعفو طلبا لرضاه سبحانه وعفوه لنفسه. 29 - كا: عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عبد الحميد، عن يحيى بن عمرو، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أوحى الله عزوجل إلى بعض أنبيائه: يا ابن آدم اذكرني في غضبك اذكرك في غضبي، لا أمحقك فيمن أمحق، وارض بي منتصرا فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك (1). بيان: المراد بذكره له تعالى ذكر قدرته سبحانه عليه وعقابه وبذكر الله له ذكر عفوه عن أخيه، فيعفو عن زلاته ومعاصيه، جزاء بما صنع وقوله: " لا أمحقك " بالجزم بدل من أذكرك والمحق هنا إبطال عمله وتعذيبه، ومحو ذكره أو لحراقه، في القاموس محقه كمنعه أبطله ومحاه كمحقه فتمحق وامتحق وامحق كافتعل والله الشئ ذهب ببركته والحر الشئ أحرقه، وفي النهاية المحق النقص والمحو والابطال، والانتصار الانتقام، ولما كان الغرض من إمضاء الغضب غالبا هو الانتقام من الظالم، رغب سبحانه في تركه بأني منتقم من الظالم لك وانتقامي خير من انتقامك، والخيرية من وجوه شتى: الاول أن انتقامه على قدر قدرته وانتقامه سبحانه أشد وأبقى، الثاني أن انتقامه يفوت ثوابه، وانتقامه تعالى لا يفوته، الثالث أن انتقامه يمكن أن يتعدى إلى مالا يستحقه فيعاقب عليه، الرابع أن انتقامه يؤدي غالبا إلى المفاسد الكلية والجزئية بانتهاض الخصم للمعادات بخلاف انتقامه تعالى. 30 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال، عن


(3) الكافي ج 2 ص 303 (*).

[277]

علي بن عقبة، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وزاد فيه: وإذا ظلمت بمظلة فارض بانتصاري لك، فان انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك (1). بيان: في هذا الخبر وقع قوله: " وإذا ظلمت بمظلة فارض بانتصاري لك " مكان قوله في الخبر السابق: " وارض بي منتصرا " ومفادهما واحد، ولما كان هذا في اللفظ أطول أطلق عليه لفظ الزيادة، وإنما ذكر ما بعدها مع كونه مشتركا بينهما للعلم بموضع الزيادة، وفي المصباح الظلم اسم من ظلمه ظلما من باب ضرب ومظلمة بفتح الميم وكسر اللام، ويجعل المظلمة اسما لما يطلبه عند الظالم، كالظلامة بالضم. 31 - كا: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، وعلي بن محمد، عن صالح ابن أبي حماد جميعا، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن معلى بن خنيس، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله علمني قال: اذهب ولا تغضب، فقال الرجل: قد اكتفيت بذلك، فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا ولبسوا السلاح، فلما رأى ذلك لبس سلاحه ثم قام معهم، ثم ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تغضب، فرمى السلاح ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه، فقال: يا هؤلاء ما كانت لكم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه اثر فعلي في مالي أنا أوفيكموه، فقال القوم: فما كان فهو لكم، نحن أولى بذلك منكم، قال: فاصطلح القوم، وذهب الغضب (2). بيان: " ليس فيه اثر " اي علامة، جراحة لتصح مقابلته للجراحة والاثر بالتحريك بقية الشئ وعلامته وبالضم وبضمتين أثر الجراح، يبقى بعد البرء " فعلي في مالي " اي لا ابسطه على القبيلة ليكون فيه مضايقة أو تأخير و " أنا " إما تأكيد للضمير المجرور، لانهم جوزوا تأكيده بالمرفوع المنفصل، او مبتدأ خبره " أوفيكموه " على بناء الافعال أو التفعيل، والضمير راجع إلى الموصول اي على دية ما ذكر، والايفاء والتوفية إعطاء الحق تماما.


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 304.

[278]

32 - كا: عن عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ابي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان، توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدكم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه، ودخل الشيطان فيه، فإذا خاف أحدكم ذلك من نفسه فليلزم الارض، فان رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلك (1). بيان: الجمرة القطعة الملتهبة من النار، شبه بها الغضب في الاحراق والاهلاك ونسبها إلى الشيطان لان بنفخ نزغاته ووساوسه تحدث وتشتد، وتوقد في قلب ابن آدم، وتلتهب التهابا عظيما، ويغلى بها دم القلب غليانا شديدا كغلي الحميم فيحدث منه دخان بتحليل الرطوبات، وينتشر في العروق، ويرتفع إلى أعالي البدن والدماغ والوجه، كما يرتفع الماء والدخان في القدر، فلذلك تحمر العين والوجه والبشرة، وتنتفخ الاوداج والعروق وحينئذ يتسلط عليه الشيطان كمال التسلط ويدخل فيه ويحمله على ما يريد، فيصدر منه أفعال شبيهة بأفعال المجانين، ولزوم الارض يشمل الجلوس والاضطجاع والسجود كما عرفت. 33 - كا: عدة من اصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض اصحابه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الغضب ممحقة لقلب الحكيم، وقال: من لم يملك غضبه لم يملك عقله (2). بيان: الممحقة مفعلة من المحق، وهو النقص والمحو والابطال اي مظنة له، وإنما خص قلب الحكيم بالذكر لان المحق الذي هو إزالة النور إنما يتعلق بقلب له نور، وقلب غير الحكيم يعلم بالاولوية، وإذا عرفت أن الغضب يمحق قلب الحكيم يعني عقله، ظهر لك حقيقة قوله: " من لم يملك غضبه لم يملك عقله ". قال بعض المحققين: مهما اشتدت نار الغضب وقوي اضطرامها. أعمى صاحبه وأصمه عن كل موعظة، فإذا وعظ لم يسمع بل تزيده الموعظة غيظا، وإن


(1) الكافي ج 2 ص 304. (2) الكافي ج 2 ص 305 (*).

[279]

أراد أن يستضئ بنور عقله، وراجع نفسه، لم يقدر على ذلك، إذ ينفئ نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب، فان معدن الفكر الدماغ، ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم مستول على معادن الفكر. وربما يتعدى إلى معادن الحس، فيظلم عينه، حتى لا يرى بعينه، ويسود عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه على مثال كهف اضرمت فيه نار فاسود جوه وحمي مستقره، وامتلا بالدخان جوانبه، وكان فيه سراج ضعيف فانطفى وانمحى نوره، فلا يثبت فيه قدم، ولا يسمع فيه كلام، ولا ترى فيه صورة، ولا يقدر على إطفائه لا من داخل ولا من خارج، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق، فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ، وربما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظا، كما تقوى النار في الكهف فيتشقق وتنهد أعاليه على أسافله، وذلك لابطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لاجزائه، فهكذا حال القلب مع الغضب. ومن آثار هذا الغضب في الظاهر تغير اللون وشدة الرعدة في الاطراف وخروج الافعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام حتى يظهر الزبد على الاشداق، وتحمر الاحداق، وتنقلب المناخر، وتستحيل الخلقة ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فان الظاهر عنوان الباطن وإنما قبحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا. فهذا أثره في الجسد وأما اثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش، وقبيح الكلام الذي يستحيي منه ذووالعقول، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم، واضطراب اللفظ، وأما أثره على الاعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالات، فان هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي، رجع الغضب على صاحبه، فيمزق ثوب نفسه ويلطم وجهه، وقد يضرب يده على الارض، ويعدو عدو الواله السكران، والمدهوش

[280]

المتحير، وربما سقط صريعا لا يطيق العدو والنهوض لشدة الغضب، ويعتريه مثل الغشية، وربما يضرب الجمادات والحيوانات، فيضرب القصعة على الارض - وقد تكسر وتراق المائدة - إذا غضب عليها، وقد يتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجماد، ويخاطبه ويقول: إلى متى منك كذا، ويا: كيت وكيت، كأنه يخاطب عاقلا حتى ربما رفسته دابة فيرفسها ويقابلها به. وأما أثره في القلب مع المغضوب عليه، فالحقد والحسد، وإظهار السوء والشماتة بالمساءة، والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر و هتك الاستار والاستهزاء، وغير ذلك من القبايح. فهذه ثمرة الغضب المفرط وقد أشير إليها في تلك الاخبار. 34 - كا: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن عاصم بن حميد، عن ابي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كف نفسه عن أعراض الناس أقال الله نفسه يوم القيامة، ومن كف غضبه عن الناس كف الله تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة (1). بيان: الاعراض جمع العرض بالكسر، وفي القاموس العرض بالكسر الجسد وكل موضع يعرق منه ورائحته [رائحة] طيبة كانت أو خبيثة، والنفس وجانب الرجل [الذي] يصونه من نفسه وحسبه أن يتنقص ويثلب، أو سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره، أو موضع المدح والذم منه، أو ما يفتخر به من حسب وشرف (2) وقال: النفس الروح والدم والجسد والعظمة والعزة والهمة والانفة والعيب والعقوبة. وقوله عليه السلام: " من كف نفسه عن أعراض الناس " اي عن هتك عرضهم بالغيبة والبهتان والشتم وكشف عيوبهم وأمثال ذلك " اقال الله نفسه " قيل: المراد بالنفس هنا العيب.


(1) الكافي ج 2 ص 305. (2) القاموس ج 2 ص 334 (*).

[281]

وأقول: يمكن أن يكون المراد بالنفس هنا ايضا المعنى الشائع لان الاقالة وإن كان الغالب نسبتها إلى العثرات والذنوب، لكن يمكن نسبتها إلى النفس ايضا فان الاقالة في الاصل هو أن يشتري الرجل متاعا فيندم فيأتي البايع فيقول له: أقلني ! أي اترك ما جرى بيني وبينك، ورد علي ثمني، وخذ متاعك، واستعمل في غفران الذنوب لانه بمنزلة معاوضة بينه وبين الرب تعالى فكأنه أعطى الذنب وأخذ العقوبة، والنفس مرهونة في تلك المعاملة يقتص منها، فكما يمكن نسبة الاقالة إلى الذنب يمكن نسبتها إلى النفس أيضا بل هو أنسب، لانه يريد أن يفك نفسه عن العقوبة كما قال تعالى: " كل امرئ بما كسب رهين " (1) وقال سبحانه: " كل نفس بما كسبت رهينة " (2) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الا إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، مع أنه يمكن تقدير مضاف اي عثرة نفسه. - 133 - (باب) * " (العصبية والفخر والتكاثر في الاموال) " * * " (والاولاد وغيرها) " * الايات: الانعام: وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا اليس الله بأعلم بالشاكرين (3). الكهف: فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (4). مريم: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرية هم أحسن أثاثا


(1) الطور: 21. (2) المدثر: 38. (3) الانعام: 53. (4) الكهف: 34 (*).

[282]

ورئيا * قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا * حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا إلى قوله تعالى: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (1). المؤمنون: وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة وأترفناهم في الحيوة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (2). الشعراء: قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين (3). الزخرف: أم أنا خير من هذا الذي هو مهين * ولا يكاد يبين * فلولا القي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملئكة مقترنين (4). الدخان: ذق إنك أنت العزيز الكريم (5). الفتح: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية (6). الحجرات: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (7). الحديد: اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد (8). وقال تعالى: والله لا يحب كل مختال فخور (9).


(1) مريم: 73 - 80. (2) المؤمنون: 33 - 34. (3) الشعراء: 111 - 114. (4) الزخرف: 52 - 53. (5) الدخان: 49. (6) الفتح: 26. (7) الحجرات: 13. (8) الحديد 20. (9) الحديد: 23 (*).

[283]

العلق: فليدع ناديه * سندع الزبانية (1). التكاثر: ألهيكم التكاثر حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون (2). 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن داود بن النعمان، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من تعصب أو تعصب له، فقد خلع ربقة الايمان من عنقه (3). بيان: قال في النهاية: فيه العصبي من يعين قومه على الظلم، العصبي هو الذي يغضب لعصبته، ويحامي عنهم، والعصبة الاقارب من جهة الاب لانهم يعصبونه، ويعتصب بهم، أي يحيطون به ويشتد بهم، ومنه الحديث ليس منا من دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية، والتعصب المحامات والمدافعة. وقال في قوله صلى الله عليه وآله: فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه: الربقة في الاصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها، فاستعارها للاسلام، يعني ما يشد المسلم به نفسه من عرى الاسلام، أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه وتجمع الربقة على ربق مثل كسرة وكسر ويقال للحبل الذي تكون فيه الربقة ربق، ويجمع على رباق وأرباق انتهى. والتعصب المذموم في الاخبار هو أن يحمي قومه أو عشيرته أو أصحابه في الظلم والباطل، أو يلج في مذهب باطل أو ملة باطلة، لكونه دينه أو دين آبائه أو عشيرته، ولا يكون طالبا للحق بل ينصر ما لا يعلم أنه حق أو باطل، للغلبة على الخصوم، أو لاظهار تدربه في العلوم، أو اختار مذهبا ثم ظهر له خطاؤه فلا يرجع عنه لئلا ينسب إلى الجهل أو الضلال. فهذه كلها عصبية باطلة مهلكة، توجب خلع ربقة الايمان، وقريب منه


(1) العلق: 17 - 18. (2) التكاثر: 1 - 4. (3) الكافي ج 2 ص 307.

[284]

الحمية قال سبحانه: " إذ جعل في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية " (1) قال الطبرسي رحمه الله: الحمية الانفة والانكار، يقال فلان: ذو حمية منكرة، إذا كان ذا غضب وأنفة اي حميت قلوبهم بالغضب كعادة آبائهم في الجاهلية أن لا يذعنوا لاحد ولا ينقادوا له (2) وقال الراغب: عبر عن القوة الغضبية إذا ثارت بالحمية فقيل: حميت على فلان أي غضبت انتهى وأما التعصب في دين الحق والرسوخ فيه، والحماية عنه، وكذا في المسائل اليقينية والاعمال الدينية أو حماية أهله أو عشيرته بدفع الظلم عنهم، فليس من الحمية والعصبية المذمومة، بل بعضها واجب. ثم إن [هذا الذم والوعيد في المتعصب ظاهر، وأما المتعصب له، فلا بد من تقييده بما إذا كان هو الباعث له، والراضي به، وإلا فلا إثم عليه و] (3) خلع الايمان إما كناية عن خروجه من الايمان رأسا للمبالغة، أو عن إطاعة الايمان، للاخلال بشريعة عظيمة من شرايعه، أو المعنى خلع ربقة من ربق الايمان التي لزمها الايمان عليه من عنقه. كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم ودرست بن أبي منصور، عن ابي عبد الله عليه السلام مثله (4). 2 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية (5). بيان: في النهاية الاعراب ساكنوا البادية من العرب الذين لا يقيمون في الامصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة، وقال: الجاهلية الحال التي كانت عليها العرب قبل الاسلام، من الجهل بالله وبرسوله وشرايع الدين، والمفاخرة بالانساب والكبر والتجبر وغير ذلك انتهى وكأنه محمول على التعصب في الدين الباطل. 3 - كا: عن الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن خضر، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من تعصب عصبه الله بعصابة


(1) الفتح: 26. (2) مجمع البيان ج 9 ص 125 - 126. (3 - 4) راجع شرح الكافي ج 2 ص 290. (5) الكافي ج 2 ص 308.

[285]

من نار (1). بيان: قال الجوهري: العصب الطي الشديد، وتقول: عصب رأسه بالعصابة تعصيبا، والعصب العمامة، وكل ما يعصب به الرأس، وقال الفيروز آبادي: العصابة بالكسر ما عصب به، والعمامة وتصب: شد العمامة وأتى بالعصبية. 4 - كا: عن العدة، عن ابن خالد، عن ابن أبي نصر، عن ابن مهران، عن عامر بن السمط، عن حبيب بن أبي ثابت، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: لم تدخل الجنة حمية غير حمية حمزة بن عبد المطلب، وذلك حين أسلم غضبا للنبي صلى الله عليه وآله في حديث السلا الذي ألقي على النبي صلى الله عليه وآله (2). بيان: " لم تدخل الجنة " على بناء الافعال والحمية الانفة والغيرة، وفي القاموس الحمي من لا يحتمل الضيم وحمي من الشئ كرضي حمية أنف، وفي النهاية فيه إن المشركين جاؤا بسلا جزور فطرحوه علي النبي صلى الله عليه وآله وهو يصلي السلا الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه، وقيل: هو في الماشية السلا، وفي الناس المشيمة والاول أشبه، لان المشيمة تخرج بعد الولد ولا يكون الولد فيها حين يخرج. أقول: قد مرت قصة السلا وإسلام حمزة في مواضعها، واختلفوا في سبب إسلامه، قال علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي: ومما وقع له صلى الله عليه وآله من الاذية ما كان سببا لاسلام عمه حمزة رضي الله عنه وهو ما حدث به ابن إسحاق عن رجل من أسلم أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وآله عند الصفا، وقيل: عند الحجون، فآذاه وشتمه، ونال منه ما نكرهه، وقيل: إنه صب التراب على رأسه، وقيل: القى عليه فرثا ووطئ برجله على عاتقه، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وآله ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك وتبصره، ثم انصرف رسول الله إلى نادي قريش فجلس معهم. فلم يلبث حمزة أن أقبل متوشحا بسيفه راجعا من قنصه أي من صيده، وكان


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 308 (*).

[286]

من عادته إذا رجع من قنصه لا يدخل إلى أهله بعد أن يطوف بالبيت، فمر على تلك المولاة فأخبرته الخبر، وقيل: أخبرته مولاة أخته صفية قالت له: إنه صب التراب على رأسه، وألقى عليه فرثا، ووطئ برجله على عاتقه، وعلى إلقاء الفرث عليه اقتصر أبو حيان، فقال لها حمزة: أنت رأيت هذا الذي تقولين ؟ قالت: نعم. فاحتمل حمزة الغضب ودخل المسجد فرأى أبا جهل جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى قام على رأسه ورفع القوس فضربه فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه، أقول ما يقول ؟ فرد علي ذلك إن استطعت، وفي لفظ: إن حمزة لما قام على راس أبي جهل بالقوس صار أبو جهل يتضرع إليه ويقول: سفه عقولنا، وسب آلهتنا، وخالف آباءنا، فقال: ومن أسفه منكم ؟ تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقالوا: ما نراك إلا قد صبأت، فقال حمزة: ما يمنعني وقد استبان لي منه، أنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقوله حق، والله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين، فقال لهم أبو جهل: دعوا أبا يعلى فاني والله قد اسمعت ابن أخيه شيئا قبيحا. وتم حمزة على إسلامه، فقال لنفسه لما رجع إلى بيته: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابي وتركت دين آبائك ؟ الموت خير لك مما صنعت ؟ ثم قال: اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى اصبح. فغدا إلى رسول الله فقال: يا ابن اخي إني وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على مالا أدري أرشد هو أم غي شديد، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فذكره ووعظه وخوفه وبشره فألقى الله في قلبه الايمان بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: أشهد أنك لصادق، فأظهر يا ابن اخي دينك، وقد قال ابن عباس: في ذلك نزل " أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في

[287]

الناس " (1) يعني حمزة " كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " يعني أبا جهل وسر رسول الله صلى الله عليه وآله باسلامه سرورا كثيرا لانه كان أعز فتى في قريش، وأشدهم شكيمة، ومن لما عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد عز كفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه وأقبلوا على بعض اصحابه بالاذية سيما المستضعفين منهم الذين لا جوار لهم انتهى. 5 - كا: عنه، عن أبيه، عن فضالة، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الملائكة كانوا يحسبون أن إبليس منهم، وكان في علم الله أنه ليس منهم فاستخرج ما في نفسه بالحمية والغضب فقال: " خلقتني من نار وخلقته من طين " (2). بيان: " كانوا يحسبون أن إبليس منهم " أي في طاعة الله، وعدم العصيان لمواظبته على عبادة الله تعالى في أزمنة متطاولة، ولم يكونوا يجوزون أنه يعصي الله ويخالفه في أمره، لبعد عدم علم الملائكة بأنه ليس منهم بعد أن أسروه من بين الجن ورفعوه [إلى السماء، فهو من قبيل قولهم عليهم السلام: " سلمان منا أهل البيت " ويمكن أن يكون المراد كونه من جنسهم، ويكون ذلك الحسبان لمشاهدتهم تباين أخلاقه ظاهرا] (3) للجن، وتكريم الله تعالى له وجعله بينهم بل رئيسا على بعضهم كما قيل فظنوا أنه كان منهم وقع بين الجن أو يقال كان الظان جمع من الملائكة لم يطلعوا على بدو أمره. " فاستخرج ما في نفسه " أي اظهر إبليس ما في نفسه اي أخذته الحمية والانفة والعصبية، وافتخر وتكبر على آدم بأن أصل آدم من طين، وأصله من نار، والنار أشرف من الطين، وأخطأ في ذلك بجهات شتى: منها أنه إنما نظر إلى جسد آدم ولم ينظر إلى روحه المقدسة التي أودع الله فيها غرائب الشؤون، وقد ورد ذلك في الاخبار، ومنها أن ما ادعاه من شرافة النار وكونه أعلى من الطين في محل المنع، فان الطين لتذلله منبع لجميع الخيرات ومنشأ لجميع الحبوب والرياحين والثمرات، والنار لرفعتها واشتعالها يحصل منها جميع


(1) الانعام: 122. (2) الكافي ج 2 ص 308. (3) راجع شرح الكافي ج 2 ص 291.

[288]

الشرور، والصفات الذميمة، والاخلاق السيئة، فثمرتها الفساد، وآخرها الرماد. ثم اعلم أن هذا الخبر مما يدل على أن إبليس لم يكن من الملائكة وقد اختلف اصحابنا والمخالفون في ذلك، فالذي ذهب إليه أكثر المتكلمين من أصحابنا وغيرهم أنه لم يكن من الملائكة، قال الشيخ المفيد برد الله مضجعه في كتاب المقالات: إن إبليس من الجن خاصة وإنه ليس من الملائكة، ولا كان منها قال الله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " (1) وجاءت الاخبار متواترة عن الائمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله بذلك، وهو مذهب الامامية كلها، وكثير من المعتزلة وأصحاب الحديث انتهى. وذهب طائفة من المتكلمين إلى أنه من الملائكة واختاره من أصحابنا شيخ الطائفة روح الله روحه في التبيان وقال: وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام، والظاهر في تفاسيرنا، ثم قال رحمه الله: ثم اختلف من قال كان منهم، فمنهم من قال إنه كان خازنا للجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الارض، ومنهم من قال: إنه كان يسوس ما بين السماء والارض (2). 6 - كا: عن علي، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: سئل علي بن الحسين عليه السلام عن العصبية فقال: العصبية التي يأثم عليها صاحبها أن يرى الرجل شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين، وليس من العصبية أن يحب الرجل قومه ولكن من العصبية أن يعين قومه على الظلم (3). بيان " أن يرى " على بناء المجرد أو الافعال " أن يحب الرجل قومه "


(1) الكهف: 50. (2) قال المؤلف العلامة في ج 11 ص 144 من هذه الطبعة باب سجود الملائكة بعد مثل هذا الكلام، والحق ما اختاره المفيد رحمه الله وسنورد الاخبار في ذلك في كتاب السماء والعالم. (3) الكافي ج 2 ص 308.

[289]

إما محض المحبة فانه من الجبلة الانسانية أن يحب الرجل قومه وعشيرته وأقاربه أكثر من غيرهم، وقلما ينفك عنه أحد، والظاهر أنه ليس من الصفات الذميمة أو بالافعال أيضا بأن يسعى في حوائجهم أكثر من السعي في حوائج غيرهم، ويبذل لهم المال أكثر من غيرهم والظاهر أن هذا ايضا غير مذموم شرعا بل ممدوح، فان أكثره من صلة الرحم وبعضه من رعاية الاخلاء والاخوان والاصحاب، وقد مر عن أمير المؤمنين عليه السلام في صلة الرحم الحث على جميع ذلك وعن غيره عليه السلام فظهر أن العصبية المذمومة إما إعانة قومه على الظلم، أو إثبات ما ليس فيهم لهم، أو التفاخر بالامور الباطلة التي توجب المنقصة، أو تفضيلهم على غيرهم من غير فضل وغير ذلك. 7 - لى: عن ابن المغيرة، عن جده، عن جده، عن السكوني، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من عصبية، بعثه الله عزوجل يوم القيامة مع أعراب الجاهلية (1). ثو: عن ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني مثله (2). 8 - ل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن موسى بن جعفر عن ابن معبد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ في كل يوم من ست: من الشك، والشرك، والحمية والغضب، والبغي، والحسد (3). 9 - ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن ابي الخطاب، عن محمد بن أسلم الجبلي باسناده يرفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن الله عزوجل يعذب ستة بست: العرب بالعصبية، والدهاقنة بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل (4).


(1) أمالى الصدوق 361. (2) ثواب الاعمال ص 241. (3) الخصال ج 1 ص 160. (4) الخصال ج 1 ص 158 (*).

[290]

10 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول من يدخل النار أمير متسلط لم يعدل، وذو ثروة من المال لم يعط المال حقه، وفقير فخور (1). 11 - ما: عن ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن جعفر بن أحمد، عن عباد عن عمه، عن أبيه، عن مطرف، عن الشعبي، عن صعصعة بن صوحان قال: عادني أمير المؤمنين عليه السلام في مرض ثم قال: انظر فلا تجعلن عبادتي إياك فخرا على قومك، وإذا رأيتهم في أمر فلا تخرج منه، فانه ليس بالرجل غنا عن قومه، إذا خلع منهم يدا واحدة يخلعون منه ايدي كثيرة، فإذا رأيتهم في خير فأعنهم عليه وإذا رأيتهم في شر فلا تخذلنهم، فليكن تعاونكم على طاعة الله، فانكم لن تزالوا بخير ما تعاونتم على طاعة الله تعالى وتناهيتم عن معاصيه (2). 12 - ل: عن محمد بن أحمد القضاعي، عن إسحاق بن العباس بن إسحاق ابن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام: قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أهلك الناس اثنان: خوف الفقر، وطلب الفخر (3). 13 - ل: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن الفارسي، عن الجعفري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة لا تزال في أمتي إلى يوم القيامة: الفخر بالاحساب، و الطعن في الانساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وإن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب عليه السلام (4). 14 - ل: عن أبيه وابن الوليد معا، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا عن الاشعري، عن جعفر بن محمد بن عبد الله، عن أبي يحيى الواسطي، عمن ذكره


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 28. (2) أمالي الطوسي ج 1 ص 357. (3) الخصال ج 1 ص 36. (4) الخصال ج 1 ص 107 (*).

[291]

أنه قال لابي عبد الله عليه السلام: أترى هذا الخلق كله من الناس ؟ فقال: ألق منهم النارك للسواك، والمتربع في موضع الضيق، والداخل فيما لا يعنيه، والمماري فيما لا علم له به، والمتمرض من غير علة، والمتشعث من غير مصيبة، والمخالف على أصحابه في الحق - وقد اتفقوا عليه، والمفتخر يفتخر بآبائه وهو خلو من صالح أعمالهم، فهو بمنزلة الخلنج (1) يقشر لحا عن لحا حتى يوصل إلى جوهريته، وهو كما قال الله عزوجل: " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا (2) 15 - مع: عن الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثلاثة من عمل الجاهلية: الفخر بالانساب والطعن في الاحساب، والاستسقاء بالانواء (3) 16 - ثو: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم ودرست بن أبي منصور، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من تعصب أو تعصب له فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه (4) 17 - ثو: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن صفوان، عن عبد الله بن الوليد، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من تعصب أو تعصب له خلع ربقة الايمان من عنقه (5). 18 - ثو: بهذا الاسناد، عن صفوان، عن حضر، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من تعصب عصبه الله عزوجل بعصابة من نار (6) 19 - ثو: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن العمي رفعه


(1) شجر كالطرفاء وله زهر أحمر وأصفر وحبه كالخردل وخشبه متين يصنع منه القصاع لصلابته. (2) الخصال ج 2 ص 39 والاية في سورة الفرقان: 44. (3) معاني الاخبار ص 326. (4 - 6) ثواب الاعمال ص 241 (*).

[292]

قال: من تعصب حشره يوم القيامة مع أعراب الجاهلية (1). 20 - ثو: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن محمد بن إبراهيم النوفلي، عن الحسين بن المختار رفعه إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: من صنع شيئا للمفاخرة حشره الله يوم القيامة أسود (2). 21 - سن: قال أبو عبد الله عليه السلام: ثلاث إذا كن في المرء فلا تتحرج أن تقول إنه في جهنم: البذاء والخيلاء والفخر (3). 22 - كش: ودت بخط جبرئيل بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن مهران عن البزنطي قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام - أنا وصفوان بن يحيى ومحمد بن سنان واظنه قال: وعبد الله بن المغيرة أو عبد الله بن جندب - وهو بصريا (4) قال: فجلسنا عنده ساعة ثم قمنا فقال: أما أنت يا أحمد فاجلس فجلست فأقبل يحدثني وأسأله ويجيبني حتى ذهب عامة الليل، فلما أردت الانصراف قال لي: يا أحمد تنصرف أو تبيت ؟ فقلت: جعلت فداك ذاك الليل إن أمرت بالانصراف انصرفت وإن أمرت بالمقام أقمت قال: أقم فهذا الحرس وقد هدأ الناس وباتوا فقام وانصراف. فلما ظننت أنه قد دخل خررت لله ساجدا فقلت: الحمد لله، حجة الله ووارث علم النبيين آنس بي من بين إخواني وحببني فأنا في سجدتي وشكري فما علمت إلا وقد رفسني برجله، ثم قمت فأخذ بيدي فغمزها ثم قال: يا أحمد إن أمير المؤمنين عليه السلام عاد صعصعة بن صوحان في مرضه، فلما قام من عنده قال: يا صعصعة لا تفتخرن على إخوانك بعيادتي إياك واتق الله، ثم انصرف عني (5).


(1) ثواب الاعمال ص 241. (2) ثواب الاعمال ص 228. (3) المحاسن ص 124. (4) صريا: قرية أسسها موسى بن جعفر عليه السلام على ثلاثة أميال من المدينة وقد كثر ذكرها في الحديث ولم نجد ذكرها في المعاجم، راجع المناقب ج 4 ص 382. (5) رجال الكشي ص 491 (*).

[293]

23 - كش: محمد بن الحسن البراني (1) وعثمان بن حامد الكشيان، عن محمد بن يزداد والحسن بن علي بن النعمان، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: كنت عند الرضا عليه السلام فأمسيت عنده قال: فقلت: أنصرف ؟ فقال لي: لا تنصرف فقد أمسيت قال: فأقمت عنده قال: فقال لجاريته: هاتي مضربتي ووسادتي فافرش لاحمد في ذلك البيت. قال: فلما صرت في البيت دخلني شئ فجعل يخطر ببالي: من مثلي في بيت ولي الله، وعلى مهاده، فناداني: يا أحمد إن أمير المؤمنين عليه السلام عاد صعصعة بن صوحان فقال: يا صعصعة بن صوحان لا تجعل عيادتي إياك فخرا على قومك، و تواضع لله يرفعك (2). 24 - ين: ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما كان يوم فتح مكة قام رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب ! إن الله تبارك وتعالى قد أذهب عنكم بالاسلام نخوة الجاهلية، والتفاخر بآبائها وعشائرها، أيها الناس إنكم من آدم وآدم من طين، الا وإن خيركم عند الله وأكرمكم عليه اليوم أتقاكم وأطوعكم له. ألا وإن العربية ليست بأب والد، ولكنها لسان ناطق، فمن قصر به عمله لم يبلغه رضوان الله حسبه، الا وإن كل دم أو مظلمة أو إحنة كانت في الجاهلية فهي تطل، تحت قدمي إلى يوم القيامة. 25 - ين: عن النضر، عن الحسن بن موسى وابن رئاب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: أصل المرء دينه، وحسبه خلقه، وكرمه تقواه، وإن الناس من آدم شرع سواء. 26 - ين: عن النضر، عن ابن رئاب، عن زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام الناس يروون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أشرفكم في الجاهلية اشرفكم في الاسلام فقال عليه السلام: صدقوا وليس حيث تذهبون كان أشرفهم في الجاهلية أسخاهم نفسا


(1) البرياني ح. (2) رجال الكشى ص 491 (*).

[294]

وأحسنهم خلقا، وأحسنهم جوارا، وأكفهم أذى، فذلك الذي إذا أسلم لم يزده إسلامه إلا خيرا. 27 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أوصي أمتي بخمس: بالسمع والطاعة والهجرة والجهاد والجماعة ومن دعا بدعاء إلحاح الجاهلية فله حثوة من حثى جهنم (1). 28 - نهج: قال عليه السلام: ما لابن آدم والفخر، أوله نطفة، وآخره جيفة لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه (2). - 134 - (باب) * (النهي عن المدح والرضا به) * 1 - لى: في مناهي النبي صلى الله عليه وآله: أنه نهى عن المدح وقال: احثوا في وجوه المداحين التراب (3). 2 - فس: روي في تفسير قوله تعالى: " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " (4) أنه إن جاءك رجل وقال فيك ما ليس فيك من الخير والثناء والعمل الصالح، فلا تقبله منه، وكذبه به فقد ظلمك (5). 3 - مص: قال الصادق عليه السلام: لا يصير العبد عبدا خالصا لله عزوجل حتى يصير المدح والذم عنده سواء، لان الممدوح عند الله عزوجل لا يصير مذموما بذمهم، وكذلك المذموم، فلا تفرح بمدح أحد، فانه لا يزيد في منزلتك


(1) نوادر الراوندي ص 21. (2) نهج البلاغة الرقم 454 من الحكم. (3) أمالي الصدوق ص 256. (4) النساء: 148. (5) تفسير القمي: 145 (*).

[295]

عند الله، ولا يغنيك عن المحكوم لك، والمقدور عليك. ولا تحزن ايضا بذم أحد فانه لا ينقص عنك به ذرة، ولا يحط عن درجة خيرك شيئا، واكتف بشهادة الله تعالى لك وعليك قال الله عزوجل " وكفى بالله شهيدا " (1) ومن لا يقدر على صرف الذم عن نفسه، ولا يستطيع على تحقيق المدح له، كيف يرجى مدحه أو يخشى ذمه، واجعل وجه مدحك وذمك واحدا وقف في مقام تغتنم به مدح الله عزوجل لك ورضاه، فان الخلق خلقوا من العجين من ماء مهين، فليس لهم إلا ما سعوا قال الله عزوجل " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (2) وقال عزوجل " ولا يملكون لانفسهم نفعا ولا ضرا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (3). 4 - الدرة الباهرة: قال أبو الحسن الثالث عليه السلام لرجل وقد أكثر من إفراط الثناء عليه: أقبل على شأنك، فان كثرة الملق يهجم علي الظنة، وإذا حللت من أخيك في محل الثقة، فاعدل عن الملق إلى حسن النية. 5 - نهج: مدح أمير المؤمنين عليه السلام قوم في وجهه فقال: اللهم إنك أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلنا خيرا مما يظنون، واغفر لنا ما لا يعلمون (4). وقال عليه السلام: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد (5). وقال عليه السلام: رب مفتون بحسن القول فيه (6).


(1) النساء: 79. (2) النجم: 39. (3) مصباح الشريعة ص 31، والاية في الفرقان: 3. (4) نهج البلاغة الرقم 100 من الحكم. (5) نهج البلاغة الرقم 347 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 462 من الحكم (*).

[296]

- 135 - * (باب سوء الخلق) * الايات: آل عمران: ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك (1). القلم: عتل بعد ذلك زنيم (2). 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن ابي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل (3). بيان: سوء الخلق وصف للنفس يوجب فسادها وانقباضها وتغيرها على أهل الخلطة والمعاشرة وإيذائهم. 2 - لى: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن عبد الله بن عثمان، عن الحسين بن مهران، عن إسحاق بن غالب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أساء خلقه عذب نفسه (4). 3 - لى: عن ماجيلويه، عن علي، عن أبيه، عن ابن معبد، عن ابن خالد عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن جبرئيل الروح الامين نزل علي من عند رب العالمين فقال: يا محمد عليك بحسن الخلق فانه ذهب بخير الدنيا والاخرة، ألا وإن أشبهكم بي أحسنم خلقا (5). 4 - ب: عن هارون، عن ابن صدقة، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: قال علي عليه السلام لابي ايوب الانصاري: يا أبا أيوب ما بلغ من كرم أخلاقك ؟ قال:


(1) آل عمران: 159. (2) القلم: 13. (3) الكافي ج 2 ص 321 باب سوء الخلق وفيه خمس روايات لم يخرج غير هذا الحديث. (4) أمالى الصدوق ص 124، ومثله في الكافي. (5) أمالي الصدوق ص 163 (*).

[297]

لا أوذي جارا فمن دونه، ولا أمنعه معروفا أقدر عليه، ثم قال عليه السلام: ما من ذنب إلا وله توبة، وما من تائب إلا وقد تسلم له توبته، ما خلا سيئ الخلق، لا يكاد يتوب من ذنب إلا وقع في غيره أشر منه (1). 5 - ل: عن الخليل، عن ابن صاعد، عن العباس بن محمد، عن عون بن عمارة، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن عبد الله بن غالب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خصلتان لا تجتمعان في مسلم: البخل وسوء الخلق (2). 6 - ل: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن حماد، عمن ذكره، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: إياك والعجب وسوء الخلق وقلة الصبر، فانه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب، ولا يزال لك عليها من الناس مجانب، والزم نفسك التودد، الخبر (3). 7 - ل: قال الصادق عليه السلام للثوري: يا سفيان لا مروة لكذوب، ولا أخ لملول، ولا راحة لحسود، ولا سؤدد لسيئ الخلق (4). 8 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخلق السيئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل (5). صح: عنه عليه السلام مثله (6). 9 - ما: جماعة، عن ابي المفضل، عن النعمان بن أحمد بن نعيم، عن محمد


(1) قرب الاسناد ص 22 في ط و 31 في ط. (2) الخصال ج 1 ص 38. (3) الخصال ج 1 ص 72. (4) الخصال ج 1 ص 80. (5) عيون الاخبار ج 2 ص 37. (6) صحيفة الرضا ص 19 (*).

[298]

ابن شعبة، عن حفص بن عمر، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن ابي طالب عن الباقر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ساء خلقه عذب نفسه (1). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب حسن الخلق (2). 10 - ع: عن أبيه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن يونس، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أبى الله عزوجل لصاحب الخلق السيئ بالتوبة، قيل: وكيف ذاك ؟ قال: لانه لا يخرج من ذنب حتى يقع فيما هو أعظم منه (3). 11 - ع: عن علي بن الحسين بن سفيان بن يعقوب، عن جعفر بن أحمد بن يوسف، عن علي بن نوح الحناط، عن عمرو بن الحسن، عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له: إن سعد بن معاذ قد مات فقام رسول الله وقام اصحابه فحمل فأمر بغسل سعد وهو قائم على عضادة الباب فلما أنحنط وكفن وحمل على سريره، تبعه رسول الله صلى الله عليه وآله بلا حذاء ولا رداء، ثم كان يأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة حتى انتهى به إلى القبر فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لحده وسوى عليه اللبن، وجعل يقول: ناولني حجرا، ناولني ترابا رطبا، يسد به ما بين اللبن. فلما أن فرغ وحثا التراب عليه وسوى قبره قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لاعلم أنه سبيلى ويصل إليه البلى، ولكن الله عزوجل يحب عبدا إذا عمل عملا فأحكمه، فلما أن سوى التربة عليه قالت أم سعد من جانب: هنيئا لك الجنة فقال رسول الله: يا أم سعد مه ! لا تجزمي على ربك، فان سعدا قد أصابته ضمة. قال: فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله ورجع الناس فقالوا: يا رسول الله لقد رأيناك صنعت على سعد ما لم تصنعه على أحد إنك تبعت جنازته بلا رداء ولا حذاء ! فقال


(1) أمالي الطوسى ج 2 ص 125. (2) راجع ج 71 ص 372 - 396. (3) علل الشرائع ج 2 ص 178 (*).

[299]

صلى الله عليه وآله: إن الملائكة كانت بلا حذاء ولا رداء، فتأسيت بها، قالوا: وكيف تأخذ يمنة السرير مرة ويسرة السرير مرة، قال: كانت يدي في يد جبرئيل آخذ حيث ما أخذ، فقالوا: أمرت بغسله وصليت على جنازته، ولحدته، ثم قلت: إن سعدا اصابته ضمة، فقال عليه السلام: نعم إنه كان في خلقه مع أهله سوء (1). ما: الغضائري، عن الصدوق مثله (2). 12 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبى الله لصاحب الخلق السيئ بالتوبة، فقيل: يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال: لانه إذا تاب من ذنب وقع في أعظم من الذنب الذي تاب منه (3). - 136 - * (باب البخل) * الايات: النساء: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (4). وقال تعالى: أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (5). اسرى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لامسكتم خشية الانفاق وكان الانسان قتورا (6). محمد: وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم * إن يسالكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم * ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا


(1) علل الشرائع ج 1 ص 292 ورواه في أماليه ص 231 مع اختلاف يسير. (2) أمالي الطوسى ج 2 ص 41. (3) نوادر الراوندي ص 18. (4) النساء: 37. (5) النساء: 53. (6) أسرى: 100 (*).

[300]

في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فانما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (1). الحديد: الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فان الله هو الغني الحميد (2). القلم: مناع للخير معتد أثيم (3). 1 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: إن كان الخلف من الله عزوجل حقا فالبخل لماذا (4). 2 - لى: عن الصادق عليه السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقل الناس راحة البخيل، وأبخل الناس من بخل بما افترض الله عليه (5). 3 - لى: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن الازدي، عن مالك بن أنس قال: قال الصادق عليه السلام: عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه. أو يبخل بها وهي مدبرة عنه، فلا الانفاق مع الاقبال يضره، ولا الامساك مع الادبار ينفعه (6). 4 - ل (7) لى: عن محمد بن أحمد الاسدي، عن أحمد بن محمد العامري عن إبراهيم بن عيسى السدوسي، عن سليمان بن عمرو، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن صلاح أول هذه الامة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالشح والامل (8). 5 - لى: عن جعفر بن الحسين، عن ابن بطة، عن البرقي، عن أبيه، عن


(1) القتال: 36 - 38. (2) الحديد: 24. (3) القلم: 12. (4) أمالي الصدوق ص 6. (5) أمالى الصدوق ص 14. (6) أمالى الصدوق ص 102. (7) الخصال ج 1 ص 40. (8) أمالى الصدوق ص 137 (*).

[301]

محمد بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أحق الناس بأن يتمنى للناس الغنى البخلاء، لان الناس إذا استغنوا كفوا عن أموالهم، وإن أحق الناس بأن يتمنى للناس الصلاح أهل العيوب لان الناس إذا صلحوا كفوا عن تتبع عيوبهم، وإن أحق الناس بأن يتمنى للناس الحلم أهل السفه الذين يحتاجون أن يعفى عن سفههم، فاصبح أهل البخل يتمنون فقر الناس، وأصبح أهل العيوب يتمنون معايب الناس، واصبح أهل السفه يتمنون سفه الناس، وفي الفقر الحاجة إلى البخيل، وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب، وفي السفه المكافات بالذنوب (1). ل: عن ابيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه مثله (2). 6 - لى: في خبر مناهي النبي صلى الله عليه وآله قال: قال الله عزوجل: حرمت الجنة على المنان والبخيل والقتات (3). 7 - فس: أبي، عن الفضل بن ابي قرة قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يطوف من أول الليل إلى الصباح، وهو يقول: اللهم قني شح نفسي، فقلت: جعلت فداك ما سمعتك تدعو بغير هذا الدعاء، قال: وأي شئ اشد من شح النفس إن الله يقول: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون " (4). 8 - ل: عن ابن الوليد، عن الحميري، عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن ابيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما محق الايمان محق الشح شئ، ثم قال: إن لهذا الشح دبيبا كدبيب النمل، وشعبا كشعب الشرك (5). اقول: قد مضى بعض الاخبار في باب الجود والسخاء. 9 - ل: عن الخليل، عن ابن صاعد، عن العباس بن محمد، عن عون


(1) امالي الصدوق ص 233. (2) الخصال ج 1 ص 74. (3) أمالى الصدوق ص 259. (4) تفسير القمى: 685، والاية في سورة التغابن: 16. (5) الخصال ج 1 ص 15 (*).

[302]

ابن عمارة، عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار، عن عبد الله بن غالب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خصلتان لا تجتمعان في مسلم: البخل وسوء الخلق (1). 10 - ل: عن الخليل، عن ابن صاعد، عن إسحاق بن شاهين، عن خالد ابن عبد الله، عن يوسف بن موسى، عن حريز بن سهيل، عن صفوان، عن أبي يزيد، عن القعقاع بن اللجلاج، عن ابي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا يجتمع الشح والايمان في قلب عبد ابدا (2). 11 - ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن هارون ابن الجهم، عن ثوير بن أبي فاختة، عن المفضل بن صالح، عن سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه السلام قال: الموبقات ثلاث: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه (3). أقول: وقد مضى بسند آخر عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله: المهلكات ثلاث وكذا في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام. قال الصدوق رحمه الله: روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: الشح المطاع سوء الظن بالله عزوجل (4). 12 - ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن النضر ابن شعيب، عن الجازي، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: لا يؤمن رجل فيه الشح والحسد والجبن، ولا يكون المؤمن جبانا ولا حريصا ولا شحيحا (5). 13 - ب: عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام سمع رجلا يقول: الشحيح أعذر من الظالم، فقال: كذبت إن الظالم يتوب ويستغفر الله ويرد الظلامة على أهلها، والشحيح إذا شح منع الزكاة


(1 - 2) الخصال ج 1 ص 38. (3) الخصال ج 1 ص 42. (4) راجع معاني الاخبار ص 314 وتراه في الخصال ج 1 ص 42 بأسانيد مختلفة. (5) الخصال ج 1 ص 41 (*).

[303]

والصدقة، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، والنفقة في سبيل الله، وأبواب البر وحرام على الجنة أن يدخلها شحيح (1). 14 - ب: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: السخاء شجرة في الجنة اغصانها في الدنيا من تعلق بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى الجنة، والبخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن منها قاده ذلك الغصن إلى النار (2). 15 - ل: عن الخليل بن أحمد، عن ابن صاعد، عن الحسن بن عرفة، عن عمر بن عبد الرحمن، عن محمد بن حجارة، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عبد الله ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إياكم والشح فانما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالكذب فكذبوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا (3). 16 - ل: عن الخليل بن أحمد، عن أبي العباس السراج، عن قتيبة، عن بكر بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن ابي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إياكم والفحش فان الله عزوجل لا يحب الفاحش المتفحش، وإياكم والظلم فان الظلم عند الله هو الظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح، فانه دعا الذين من قبلكم حتى سفكوا دمائهم، ودعاهم حتى قطعوا أرحامهم، ودعاهم حتى انتهكوا واستحلوا محارمهم (4). 17 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن موسى بن عمر عن أبي علي بن راشد رفعه إلى الصادق عليه السلام أنه قال: خمس هن كما أقول: ليست لبخيل راحة، ولا لحسود لذة، ولا لملوك وفاء، (5) ولا لكذاب مروة، ولا يسود سفيه (6).


(1) قرب الاسناد ص 48 ط النجف. (2) قرب الاسناد ص 74 ط النجف. (3 - 4) الخصال ج 1 ص 83. (5) لملول خ للملوك خ. (6) الخصال ج 1 ص 130 (*).

[304]

18 - ل: عن العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن أحمد بن عمر، عن يحيى الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يطمعن ذو الكبر في الثناء الحسن، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السيئ الادب في الشرف، ولا البخيل في صلة الرحم، الخبر (1). 19 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام فقال: سيأتي على الناس زمان عضوض يعض المؤمن على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: " ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله كان بما تعملون بصيرا " (2) وسيأتي زمان يقدم فيه الاشرار وينسئ فيه الاخيار، ويبايع المضطر - وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن بيع المضطر وعن بيع الغرر - فاتقوا الله يا أيها الناس واصلحوا ذات بينكم، واحفظوني في أهلي (3). 20 - ن: عن الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي، عن الهيثم بن عبد الله الرماني، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: خلقت الخلائق في قدرة * فمنهم سخي ومنهم بخيل فأما السخي ففي راحة * وأما البخيل فشوم طويل (4) 21 - ع: عن أبيه عن محمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن آدم، عن أبيه رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لا تشاور جبانا فانه يضيق عليك المخرج ولا تشاور البخيل فانه يقصر بك غايتك، ولا تشاور حريصا فانه يزين لك شرها، واعلم يا علي أن الجبن والبخل والحرص غريزة واحدة يجمعها


(1) الخصال ج 2 ص 53. (2) البقرة: 237. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 45. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 176 (*).

[305]

سوء الظن (1). 22 - مع: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن النضر، عن عبد الاعلى الارجاني، عن عبد الاعلى بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن البخيل من كسب مالا من غير حله، وأنفقه في غير حقه (2). 23 - مع: عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن بعض اصحابه بلغ به ابن طريف، عن ابن نباتة، عن الحارث الاعور قال: فيما سأل علي عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام أن قال له: ما الشح ؟ قال: أن ترى ما في يديك شرفا وما أنفقت تلفا (3). 24 - مع: عن الطالقاني، عن محمد بن سعيد، عن إبراهيم بن الهيثم، عن أبيه، عن أبيه، عن المعافا بن عمران، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه مثله وفيه أن ترى القليل سرفا (4). 25 - مع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول: إنما الشحيح من منع حق الله وأنفق في غير حق الله عزوجل (5). 26 - مع: بالاسناد، عن أحمد، عن أبيه، عن أبي جهم، عن موسى بن بكر، عن أحمد بن سليمان، عن موسى بن جعفر عليه السلام قال: البخيل من بخل بما افترض الله عليه (6). 27 - مع: ابي، عن علي، عن أبيه، عن ابن فضال، عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله عليه السلام قال: البخيل من بخل بالسلام (7).


(1) علل الشرائع ج 2 ص 246. (2) معاني الاخبار ص 245. (3) معاني الاخبار ص 245. (4) معاني الاخبار ص 401. (5 - 7) معاني الاخبار ص 246 (*).

[306]

28 - مع: عن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المقري، عن علي بن الحسين ابن بندار التميمي، عن محمد بن الحجاج، عن أحمد بن العلا، عن أبي زكريا، عن سليمان بن بلال، عن عمارة بن عرفة، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن ابيه عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: البخيل حقا من ذكرت عنده فلم يصل علي (1). 29 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن الفضيل ابن عياض قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أتدري من الشحيح ؟ فقلت: هو البخيل، فقال: الشحيح اشد من البخيل، إن البخيل يبخل بما في يديه، وإن الشحيح يشح بما في أيدي الناس، وعلى ما في يديه، حتى لا يرى في أيدي الناس شيئا إلا تمنى أن يكون له بالحل والحرام، ولا يشبع ولا يقنع بما رزقه الله تعالى (2). 30 - مع: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن أبي جميلة، عن جابر، عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس البيخل من يؤدي أو الذي يؤدي الزكاة المفروضة من ماله، ويعطي النائبة في قومه، وإنما البخيل حق البخيل الذي يمنع الزكاة المفروضة في ماله، ويمنع النائبة في قومه، وهو فيما سوى ذلك يبذر (3). 31 - ل: عن ابن الوليد، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن العلا بن فضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث إذا كن في الرجل فلا تحرج أن تقول إنه في جهنم: الجفاء، والجبن، والبخل، وثلاث إذا كن في المرأة فلا تحرج أن تقول إنها في جهنم: البذاء والخيلاء والفخر (4). 32 - ل: عن ابن الوليد، عن سعد، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن


(1) معاني الاخبار ص 246. (2 و 3) معاني الاخبار ص 245. (4) الخصال ج 1 ص 76.

[307]

ابن أسباط، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان في شيعتنا فلا يكون فيهم ثلاثة أشياء، لا يكون فيهم من يسأل بكفه، ولا يكون فيهم بخيل، ولا يكون فيهم منم يؤتى في دبره (1). 33 - دجا: عن أبي غالب الزراري، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بريد، عن أبي جعفر، عن أبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله تعالى: المعروف هدية مني إلى عبدي المؤمن، فان قبلها مني فبرحمتي ومني، وإن ردها علي فبذنبه حرمها، ومنه لا مني، وأيما عبد خلقته فهديته إلى الايمان وحسنت خلقه ولم أبتله بالبخل فاني اريد به خيرا (2). 34 - مكا: عن الصادق عليه السلام قال: خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم ومن خالص الايمان البر بالاخوان، والسعي في حوائجهم. وعنه عليه السلام قال: شاب سخي مرهق في الذنوب أحب إلى الله عزوجل من شيخ عابد بخيل. وقال النبي صلى الله عليه وآله: من أدى ما افترض الله عليه فهو أسخى الناس. وقال عليه السلام: ما محق الاسلام محق الشح شئ، ثم قال: إن لهذا الشح دبيبا كدبيب النمل، وشعبا كشعب الشرك (3). 35 - ختص: قال الصادق عليه السلام: حسب البخيل من بخله سوء الظن بربه من أيقن بالخلف جاد بالعطية (4). 36 - نهج: [قال عليه السلام:] البخل عار، والجبن منقصة (5). وقال عليه السلام: البخل جامع لمساوي العيوب، وهو زمام يقاد به


(1) الخصال ج 1 ص 65. (2) مجالس المفيد ص 159. (3) مكارم الاخلاق ص (4) الاختصاص: 234. (5) نهج البلاغة الرقم 3 من الحكم (*).

[308]

إلى كل سوء (1). 37 - كتاب الامامة والتبصرة: عن أحمد بن علي، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار. - 137 - (باب) * " (الذنوب وآثارها والنهي عن استصغارها) " * الايات: البقرة: فأنزل على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (2). وقال تعالى: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (3). وقال تعالى: بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (4). النساء: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم (5). وقال: ومن يكسب إثما فانما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (6). المائدة: مخاطبا لموسى عليه السلام: فلا تأس على القوم الفاسقين (7). وقال: فان تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا


(1) نهج البلاغة الرقم 378 من الحكم. (2) البقرة: 59. (3) البقرة: 61. (4) البقرة: 81. (5) النساء: 64. (6) النساء: 111. (7) المائدة: 26 (*).

[309]

من الناس لفاسقون (1). وقال: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (2). وقال تعالى: ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (3). وقال تعالى: وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين (4). وقال تعالى: والله لا يهدي القوم الفاسقين (5). الانعام: أو لم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الارض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الانهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (6). وقال تعالى: وذروا ظاهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون (7). وقال تعالى: ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين (8). وقال تعالى: ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن (9). الاعراف: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (10). وقال: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (11). وقال سبحانه: فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا


(1) المائدة: 49. (2) المائدة: 78 - 79. (3) المائدة: 87. (4) المائدة: 107. (5) المائدة: 108. (6) الانعام: 6. (7) الانعام: 120. (8) الانعام: 147. (9) الانعام: 151. (10) الاعراف: 96. (11) الاعراف: 160 (*).

[310]

عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (1). وقال تعالى في قصة اصحاب السبت: كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون إلى قوله تعالى: فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون * فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين (2). الانفال: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب * ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الله سميع عليم (3). التوبة: والله لا يهدي القوم الفاسقين (4). هود: فمن ينصرني من الله إن عصيته (5). وقال تعالى حاكيا عن شعيب عليه السلام: ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب (6). الرعد: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (7). النحل: وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (8). أسرى: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا * وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (9). الكهف: وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (10).


(1) الاعراف: 162. (2) الاعراف: 163 - 166. (3) الانفال: 52 - 53. (4) براءة: 24. (5) هود: 63. (6) هود: 96 (7) الرعد: 11. (8) النحل: 90. (9) اسرى: 16 - 17. (10) الكهف: 59 (*).

[311]

النور: يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر (1). وقال تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (2). الفرقان: وكفى به بذنوب عباده خبيرا (3). الشعراء: فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأورثناها بني إسرائيل (4). النمل: فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لاية لقوم يعلمون (5). وقال تعالى: ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (6). العنكبوت: أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (7). فاطر: والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (8). الزمر: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (9). حمعسق: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير إلى قوله تعالى: أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (10). الحجرات: بئس الاسم الفسوق بعد الايمان (11). الحشر: وليجزي الفاسقين (12).


(1) النور: 21. (2) النور: 63. (3) الفرقان: 58. (4) الشعراء: 57 - 59. (5) النمل: 52. (6) النمل: 90. (7) العنكبوت: 4. (8) فاطر: 10. (9) الزمر: 13. (10) الشورى: 30 - 34. (11) الحجرات: 11. (12) الحشر: 5 (*).

[312]

الصف: والله لا يهدي القوم الفاسقين (1). المعارج: يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الارض جميعا ثم ينجيه (2). نوح: مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (3). الجن: ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا (4). الشمس: فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسويها * ولا يخاف عقبيها (5). 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان ابي يقول: ما من شئ أفسد للقلب من خطيئته، إن القلب ليواقع الخطيئة فلا تزال به حتى تغلب عليه فيصير أعلاه اسفله (6). بيان: " افسد للقلب من خطيئته " فان قلت: ما يفسد القلب فهو خطيئة فما معنى التفضيل ؟ قلت: لا نسلم ذلك، فان كثيرا من المباحات تفسد القلب، بل بعض الامراض والالام والاحزان والهموم والوساوس أيضا تفسدها، وإن لم تكن مما يستحق عليه العذاب وهي أعم من الخطايا الظاهرة إذ للظاهر تأثير في الباطن بل عند المتكلمين الواجبات البدنية لطف في الطاعات القلبية، ومن الخطايا القلبية كالعقائد الفاسدة والهم بالمعصية، والصفات الذميمة، كالحقد والحسد والعجب وأمثالها. " ليواقع الخطيئة " اي يباشرها ويخالطها ويرتكبها خطيئة بعد خطيئة أو يقابل ويدافع الخطيئة الواحدة أو جنس الخطيئة، " فلا تزال به " هو من الافعال الناقصة


(1) الصف: 5. (2) المعارج: 11 - 14. (3) نوح: 25. (4) الجن 23. (5) الشمس: 14 - 15. (6) الكافي ج 2 ص 268 (*).

[313]

واسمه الضمير الراجع إلى الخطيئة و " به " خبره اي ملتبسا به وقيل: متعلق بفعل محذوف أي تفعل به والمراد إما جنس الخطيئة أو الخطيئة المخصوصة التي ارتكبها ولم يتب منها فتؤثر في القلب بحلاوتها، حتى تغلب على القلب بالرين والطبع أو يدافعها ويحاربها فتغلب عليه حتى يرتكبها لعدم قلع مراد الشهوات عن قلبه على الاحتمال الثاني. " فيصير أعلاه اسفله " أي يصير منكوسا كالاناء المقلوب المكبوب لا يستقر فيه شئ من الحق ولا يؤثر فيه شئ من [المواعظ كما روي: القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعي شيئا من الخير وهو قلب الكافر، الخبر (1) والحاصل أن الخطيئة تلتبس بالقلب وتؤثر فيه حتى تصيره مقلوبا لا يستقر فيه شئ من] (2) الخير بمنزلة الكافر، فان الاصرار على المعاصي طريق إلى الكفر كما قال سبحانه: " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءى أن كذبوا بآيات الله " (3) وهذا اظهر الوجوه المذكورة في تلك الاية، وهذا الذي خطر بالبال اظهر الاقوال من جهة الاخبار، وقيل فيه وجوه أخر: الاول ما ذكره بعض المحققين يعني فما تزال تفعل تلك الخطيئة بالقلب و تؤثر فيه بحلاوتها حتى يجعل وجهه الذي إلى جانب الحق والاخرة، إلى جانب الباطل والدنيا الثاني أن المعنى ما تزال تفعل وتؤثر بالقلب بميله إلى أمثالها من المعاصي حتى تنقلب احواله، ويتزلزل وترتفع نظامه، وحاصله يرجع إلى ما ذكرنا لكن الفرق بين. الثالث ما قيل: فلا تزال به حتى تغلب عليه، فان لم ترتفع بالتوبة الخالصة فتصير أعلاه أسفله اي تكدره وتسوده، لان الاعلى صاف، والاسفل ردي من باب التمثيل. 2 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن عيسى، عن ابن مسكان، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " فما اصبرهم على النار ". فقال: ما اصبرهم على فعل ما يعلمون أنه يصيرهم إلى النار (4).


(1) راجع الكافي ج 2 ص 423. (2) راجع شرح الكافي ج 2 ص 242. (3) الروم: 10. (4) الكافي ج 2 ص 268 (*).

[314]

بيان: الاية في سورة البقرة هكذا " إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما اصبرهم على النار " (1). وذكر البيضاوي قريبا مما ورد في الخبر قال: تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النار من غير مبالاة و " ما " تامة مرفوعة بالابتدا، وتخصيصها كتخصيص شر أهر ذا ناب، أو استفهامية وما بعدها الخبر أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف (2). وأقول: يعضده قوله تعالى في الاية السابقة: " ما يأكلون في بطونهم إلا النار " وقال البيضاوي فيه: إما في الحال لانهم أكلوا ما يلتبس بالنار، لكونها عقوبة عليه، فكأنهم أكلوا النار، أو في المآل أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار انتهى. وأقول: مثله قوله صلى الله عليه وآله: قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فاطفئوها بصلاتكم. وقال الطبرسي رحمه الله: فيه أقوال: أحدها أن معناه ما أجرأهم على النار ذهب إليه الحسن وقتادة ورواه علي بن إبراهيم (3) باسناده عن ابي عبد الله عليه السلام والثاني ما أعملهم بأعمال أهل النار، عن مجاهد وهو المروي عن ابي عبد الله عليه السلام والثالث ما أبقاهم على النار [كما يقال: ما أصبر فلانا على الحبس، عن الزجاج والرابع ما أدومهم على النار اي ما أدومهم على عمل أهل النار] (4) كما يقال: ما أشبه سخاءك بحاتم أي بسخاء حاتم وعلى هذا الوجه، فظاهر الكلام التعجب، والتعجب لا يجوز على القديم سبحانه، لانه عالم بجميع الاشياء لا يخفى عليه شئ، والتعجب إنما يكون


(1) الاية: 174 - 175. (2) انوار التنزيل: 47، وفيه " في الالتباث " بدل " في الالتباس ". (3) تفسير القمى ص 55. (4) راجع شرح الكافي ج 2 ص 243.

[315]

مما لا يعرف سببه وإذا ثبت ذلك فالغرض أن يدلنا على أن الكفار حلوا محل من يتعجب منه، فهو تعجب لنا منهم والخامس ما روي عن ابن عباس أن المراد أي شئ اصبرهم على النار اي حبسهم عليها، فتكون للاستفهام. ويجوز حمل الوجوه الثلاثة المتقدمة [على الاستفهام أيضا فيكون المعنى اي شئ أجرأهم على النار وأعملهم بأعمال أهل النار وأبقاهم على النار، وقال الكسائي: هو] (1) استفهام على وجه التعجب وقال المبرد: هذا حسن لانه كالتوبيخ لهم، والتعجب لنا كما يقال لمن وقع في ورطة: ما اضطرك إلى هذا إذا كان غنيا عن التعرض للوقوع في مثلها، والمراد به الانكار والتقريع على اكتساب سبب الهلاك وتعجب الغير منه، ومن قال: معناه ما أجرأهم على النار، فانه عنده من الصبر الذي هو الحبس أيضا لان بالجرأة يصبر على الشدة (2). 3 - كا: عنه، عن أبيه، عن النضر بن سويد، عن هشام بن سالم، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: أما إنه ليس من عرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلا بذنب، وذلك قول الله عزوجل في كتابه: " وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير " (3) قال: ثم قال: وما يعفو الله أكثر مما يؤاخذ به (4). بيان: النكبة وقوع الرجل على الحجارة عند المشي أو المصيبة، والاول اظهر كما مر، وقد وقع التصريح في بعض الاخبار التي وردت في هذا المعنى بنكبة قدم (5) والمخاطب في هذه الاية من يقع منهم الخطايا والذنوب، لا المعصومون من الانبياء والاوصياء عليهم السلام كأنهم فيهم لرفع درجاتهم، كما روي عن الصادق عليه السلام أنه لما دخل علي بن الحسين عليه السلام على يزيد نظر إليه ثم قال: يا علي " ما أصابكم


(1) ما بين العلامتين اضفناه من المصدر. (2) مجمع البيان ج 1 ص 259. (3) الشورى: 30. (4) الكافي ج 2 ص 269. (5) سيأتي في الصفحة التالية.

[316]

من مصيبة فبما كسبت أيديكم " فقال عليه السلام: كلا ما هذه فينا، إنما نزل فينا " ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ان ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " (1) فنحن الذين لا ناس على ما فاتنا، ولا نفرح بما أوتينا. وروى الحميري في قرب الاسناد عن ابن بكير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول عزوجل: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم " فقال هو: " ويعفو عن كثير " قال: قلت: ما أصاب عليا وأشياعه من أهل بيته من ذلك ؟ قال: فقال: [إن] رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتوب إلى الله عزوجل كل يوم سبعين مرة من غير ذنب (2). وقال الطبرسي رحمه الله: " وما أصابكم " معاشر الخلق " من مصيبة " من بلوى في نفس أو مال " فبما كسبت ايديكم " من المعاصي " ويعفو عن كثير " منها فلا يعاقب بها قال الحسن: الاية خاصة بالحدود التي تستحق على وجه العقوبة وقال قتادة: هي عامة، وروي عن علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير آية في كتاب الله هذه الاية يا علي ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلا بذنب وما عفى الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده، وقال أهل التحقيق: إن ذلك خاص وإن خرج مخرج العموم، لما يلحق من مصائب الاطفال والمجانين، ومن لا ذنب له من المؤمنين، ولان الانبياء والائمة يمتحنون بالمصائب، وإن كانوا معصومين من الذنوب، لما يحصل لهم في الصبر عليها من الثواب انتهى (3). وقيل: الذنوب متفاوتة بالذات، وبالنسبة إلى الاشخاص، وترك الاولى ذنب بالنسبة إليهم، فلذلك قيل: حسنات الابرار سيئات المقربين، ويؤيده ما


(1) الحديد: 22 - 23. (2) قرب الاسناد ص 103، ط النجف. (3) مجمع البيان ج 9 ص 31 (*).

[317]

أصاب آدم ويونس وغيرهما بسبب تركهم ما هو أولى بهم، ولئن سلم فقد يصاب البري بذنب الجري، وما ذكرنا اظهر وأصوب، ومؤيد بالاخبار. 4 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا تبدين عن واضحة، وقد عملت الاعمال الفاضحة، ولا يأمن البيات من عمل السيئات (1). بيان: " لا تبدين عن واضحة " الابداء الاظهار وتعديته بعن لتضمين معنى الكشف، وفي الصحاح والقاموس والمصباح الواضحة الاسنان تبدو عند الضحك وفي القاموس فضحه كمنعه كشف مساويه، اي لا تضحك ضحكا يبدو به أسنانك ويكشف عن سرور قلبك، وقد عملت أعمالا قبيحة افتضحت بها عند الله، وعند ملائكته، وعند الرسول والائمة عليهم السلام، ولا تدري أغفر الله لك أم يعذبك عليها ؟ ولذا كان من علامة المؤمنين أن ضحكهم التبسم ويؤيده ما روي عنه عليه السلام لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، لكن البشر في الجملة مطلوب كما مر أن بشره في وجهه وحزنه في في قلبه، وقوله: " وقد عملت " جملة حالية " ولا يأمن البيات " بكسر النون ليكون نهيا والكسرة لالتقاء الساكنين أو بالرفع خبرا بمعنى النهي، وما قيل: إنه معطوف على الجملة الحالية بعيد، والمراد بالبيات نزول الحوادث عليه ليلا، أو غفلة وإن كان بالنهار، في المصباح: البيات بالفتح الاغارة ليلا وهو اسم من بيته تبييتا وبيت الامر دبره ليلا. 5 - كا: عن العدة، عن أحمد بن ابي عبد الله، عن أبيه، عن سليمان الجعفري عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: الذنوب كلها شديدة وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم، لانه إما مرحوم أو معذب والجنة لا يدخلها إلا طيب (2). بيان: " كلها شديدة " لان معصية الجليل جليلة أو استيجاب غضب الله


(1) الكافي ج 2 ص 269. (2) الكافي ج 2 ص 270 (*).

[318]

وعقوبته مع عدم العلم بالعفو عظيم أو لان التوبة المقبولة نادرة مشكلة وشرائطها كثيرة، والتوفيق لها عزيزة " وأشدها ما نبت عليه اللحم والدم " كأن المراد به ماله دخل في قوام البدن من المأكول والمشروب الحرامين، ويحتمل أن يكون المراد به ذنبا اصر وداوم عليه مدة نبت فيه اللحم والعظم، وإطلاق هذه العبارة في الدوام والاستمرار شائع في عرف العرب والعجم، بل أخبار الرضاع ايضا ظاهرة في ذلك. " لانه إما مرحوم وإما معذب " اي آخرا أو في الجنة والنار، لكن لا بد أن يعذب في البرزخ أو المحشر قدر ما يطيب جسمه الذي نبت على الذنوب، لان الجنة لا يدخلها إلا الطيب ويؤيده ما رويناه من النهج (1) وقيل: المرحوم من كفرت ذنوبه بالتوبة أو البلايا أو العفو، والمعذب من لم تكفر ذنوبه بأحد هذه الوجوه. وأقول: هذا الخبر ينافي ظاهرا عموم الشفاعة وعفو الله وتكفير السيئات بالحسنات على القول به، وأجيب بوجوه الاول أن يقال: يعني أن صاحب الذنب الذي نبت عليه اللحم والدم أمره في مشية الله، لانه ليس بطيب، ولا يدخل الجنة قطعا وحتما إلا طيب، الثاني أن يخص هذا بغير تلك الصور اي لا يدخلها بدون الشفاعة والعفو والتكفير، الثالث ما قيل: إنه تعالى ينزع عنهم الذنوب فيدخلونها وهم طيبون من الذنوب، ويؤيده قوله تعالى: " ونزعنا ما في صدورهم من غل " الاية (2) وهو بعيد. 6 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن ابان، عن الفضيل بن يسار، عن ابي جعفر عليه السلام قال: إن العبد ليذنب الذنب فيزوى عنه الرزق (3). بيان: " فيزوى عنه الرزق " اي يقبض أو يصرف وينحى عنه، اي قد يكون تقتير الرزق بسبب الذنب عقوبة أو لتكفير ذنبه، وليس هذا كليا بل هو


(1) راجع النهج الرقم 417 من الحكم. (2) الاعراف: 43. (3) الكافي ج 2 ص 270.

[319]

بالنسبة إلى غير المستدرجين فان كثيرا من أصحاب الكبائر يوسع عليهم الرزق وفي النهاية زويت الارض أي جمعت، وفي حديث الدعاء: وما زويت عني مما أحب اي صرفته عني وقبضته. 7 - كا: عن علي بن محمد، عن صالح بن أبي حماد، عن محمد بن إبراهيم النوفلي، عن الحسين بن مختار، عن رجل، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون ملعون من عبد الدينار والدرهم، ملعون ملعون من كمه أعمى ملعون ملعون من نكح بهيمة (1). بيان: قال الصدوق رضي الله عنه في كتاب معاني الاخبار: بعد إيراد هذه الرواية قال مصنف هذا الكتاب: معنى قوله: ملعون من كمه أعمى يعني من أرشد متحيرا في دينه إلى الكفر وقرره في نفسه حتى اعتقده وقوله: من عبد الدينار والدرهم يعني به من يمنع زكاة ماله، ويبخل بمواساة إخوانه، فيكون قد آثر عبادة الدينار والدرهم على عبادة الله، وأما نكاح البهيمة فمعلوم انتهى (2). وأقول: اللعن الطرد والابعاد عن الخير من الله تعالى [ومن الخلق السب والدعاء وطلب البعد من الخير، وكل من أطاع من يأمره الله بطاعته فقد عبده كما قال تعالى:] (3) " أن لا تعبدوا الشيطان " (4) وقال سبحانه: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " (5) وكذا من آثر حب شئ على رضا الله وطاعته فقد عبده كعبادة الدينار والدرهم. قال الراغب: العبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لانها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الافضال وهو الله تعالى، والعبد على أربعة أضرب الاول عبد بحكم الشرع وهو الانسان الذي يصح بيعه وابتياعه، والثاني عبد


(1) الكافي ج 2 ص 270. (2) معاني الاخبار ص 403 وقد مر ص 140 فيما سبق من هذا المجلد. (3) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 244. (4) يس: 60. (5) براءة: 31 (*).

[320]

بالايجاد وذلك ليس إلا لله تعالى وإياه قصد بقوله: " إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا " (1) الثالث عبد بالعبادة والخدمة، والناس في هذا ضربان عبد لله مخلصا وهو المقصود بقوله عزوجل " واذكر عبدنا أيوب " (2) وأمثاله وعبد للدنيا وأعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وآله بقوله: تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، وعلى هذا النحو يصح أن يقال: ليس كل إنسان عبدا لله، فان العبد على هذا المعنى العابد لكن العبد أبلغ من العابد انتهى (3). وأما قوله " من كمه أعمى " ففي القاموس الكمه محركة العمى يولد به الانسان أو عام كمه كفرح عمي وصار أعشى وبصره اعترته ظلمة تطمس عليه، والمكمه العينين كمعظم من لم تنفتح عيناه، والكامه من يركب رأسه ولا يدري أين يتوجه كالمتكمه وقال الجوهري: الاكمه الذي يولد أعمى وقد كمه بالكسر كمها واستعاره سويد فجعله عارضا بقوله: كمهت عيناه حتى ابيضتا (4) وأبو سعيد: الكامه الذي يركب رأسه لا يدري أين يتوجه، يقال: خرج يتكمه في الارض انتهى. وقال الراغب: العمى يقال في افتقاد البصر، وافتقاد البصيرة، ويقال في الاول أعمى وفي الثاني أعمى وعم. وإذا عرفت هذا فاعلم أن هذه الفقرة تحتمل وجوها: الاول ما مر من الصدوق رحمه الله وكأنه أظهرها الثاني أن يكون المعنى أضل أعمى البصر عن الطريق وحيره أولا يهديه إليها، الثالث أن يقول للاعمى يا أعمي أو يا أكمه معيرا له بذلك، الرابع أن يكون المعنى من يذهب طريقا ويختار مذهبا لا يدري هو أحق أم لا كأكثر الناس. فيكون كمه بكسر الميم المخففة مأخوذا من الكامه الذي ذكره الجوهري


مريم: 93. (2) ص: 41، 17. (3) مفردات غرييب القرآن، 319. (4) بعده: فهو يلحى نفسه لما نزع، راجع الصحاح 2247 (*).

[321]

والفيروز آبادي، فيكون أعمى حالا عن المستتر في كمه أي أعمى القلب، وهذا وجه وجيه مما خطر بالبال إن كان فعل المجرد استعمل بهذا المعنى، كما هو الظاهر. ولقد أعجب بعض من كان في عصرنا حيث نقل عبارة القاموس من يركب فرسه، فقال: ويحتمل كمه بالتخفيف والمعنى من ركب أعمى فهو كناية عمن لم يسلك الطريق الواضح، الخامس أن يقرء بالتخفيف أيضا ويكون المعنى من كان أعمى مولودا على العمى لم يهتد إلى الخير سبيلا قط بخلاف من يكون لواما يتنبه أحيانا ويغفل أحيانا، السادس أن يقرء بضم الكاف وتشديد الميم اسما، ويكون عمى الكم كناية عن البخل. وأقول: الاظهر على هذا الوجه أن يكون كناية عن أنه لا يبالي أن يأخذ المال من حرام أو شبهة أو حلال، أو يعطي المال كيف ما اتفق ويبذر، ولا يعلم مصارفه الشرعية. وأما نكاح البهيمة فالظاهر أن المراد به الوطي كما فهمه الصدوق رحمه الله وغيره وربما يحتمل العقد فيكون المراد بالبهيمة المرءة المخالفة أو تزويج البنت للمخالف كما مر أن الناس كلهم بهائم إلا قليلا من المؤمنين، وكما قيل في قولهم عليهم السلام: لا تنزى حمارا على عتيقة، وربما يقرء نكح بالتشديد على بعض الوجوه ولا يخفى ما في الجميع من التكلف. 8 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشا، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: اتقوا المحقرات من الذنوب فان لها طالبا، يقول أحدكم أذنب وأستغفر الله إن الله عزوجل يقول: " سنكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " (1) وقال عزوجل " إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الارض يأت بها الله إن الله لطيف خبير " (2).


(1) يس: 12. (2) الكافي ج 2 ص 270، والاية في سورة لقمان: 16 (*).

[322]

بيان: " المحقرات " على بناء المفعول من الافعال أو التفعيل عدها حقيرة في القاموس الحقر الذلة كالحقرية بالضم والحقارة مثلثة والمحقرة والفعل كضرب وكرم والاذلال كالتحقير والاحتقار والاستحقار والفعل كضرب، وحقر الكلام تحقيرا صغره، والمحقرات الصغاير وتحاقر: تصاغر، وفي المصباح حقر الشئ بالضم حقارة هان قدره فلا يعبأ به، فهو حقير، ويعدى بالحركة فيقال: حقرته من باب ضرب وأحقرته وقال: الذنب الاثم والجمع ذنوب وأذنب صار ذا ذنب بمعنى تحمله. " فإن لها طالبا " اي إن للذنوب طالبا يعلمها ويكتبها وقرر عليها عقابا وإذا حقرها فهو يصر عليها وتصير كبيرة، فيمكن أن لا يعفو عنها، مع أنه قد ورد أنها لا تغفر، ولا ينبغي الاتكال على التوبة والاستغفار، فانه يمكن أن لا يوفق لها وتدركه المنية، فيذهب بلا توبة. وقيل: يستفاد من الحديث أن الجرأة على الذنب اتكالا على الاستغفار بعده تحقير له، وهو كذلك، كيف لا ؟ وهذا محقق معجل نقد، وذاك موهوم مؤجل نسيئة " إن الله عزوجل يقول " بيان لقوله: " إن لها طالبا " والاية في سورة يس هكذا " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا " وكأنه من النساخ أو الرواة وقيل هذا نقل للاية بالمعنى لبيان أن هذه الكتابة، تكون بعد إحياء الموتى على أجسادهم لفضيحتهم. وقال في مجمع البيان: " ونكتب ما قدموا " من طاعاتهم ومعاصيهم في دار الدنيا، وقيل نكتب ما قدموه من عمل ليس له اثر " وآثارهم " أي ما يكون له اثر، وقيل يعني بآثارهم أعمالهم التي صارت سنة بعدهم، يقتدى فيها بهم حسنة كانت أم قبيحة، وقيل: معناه ونكتب خطاهم إلى المساجد، وسبب ذلك ما رواه الخدري أن بني سلمة كانوا في ناحية المدينة فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعد منازلهم من المسجد والصلاة معه، فنزلت الاية. " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " اي وأحصينا وعددنا كل شئ من

[323]

الحوادث في كتاب ظاهر وهو اللوح المحفوظ، والوجه في إحصاء ذلك فيه اعتبار الملائكة به، إذا قابلوا به ما يحدث من الامور، ويكون فيه دلالة على معلومات الله سبحانه على التفصيل وقيل: أراد به صحائف الاعمال، وسمى ذلك مبينا لانه لا يدرس اثره انتهى (1). وقد ورد في كثير من الاخبار أن الامام المبين أمير المؤمنين عليه السلام وقيل: اراد بالاثار الاعمال وبما قدموا النيات المقدمة عليها. وقال رحمه الله، في قوله تعالى: " يا بنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل " معناه أن ما فعله الانسان من خير أو شر إن كانت مقدار حبة من خردل في الوزن، ويجوز أن يكون الها في " إنها " ضمير القصة " فتكن في صخرة " أي فتكن تلك الحبة في جبل اي في حجرة عظيمة لان الحبة فيها أخفى وأبعد من الاستخراج " أو في السماوات أو في الارض " ذكر السماوات والارض بعد ذكر الصخرة وإن كان لا بد أن تكون الصخرة في الارض على وجه التأكيد. وقال السدي: هذه الصخرة ليست في السماوات ولا في الارض وهي تحت سبع أرضين، وهذا قول مرغوب عنه " يأت بها الله " اي يحضرها الله يوم القيامة ويجازي عليها، أي يأت بجزاء ما وازنها منه خير أو شر، وقيل: معناه يعلمها الله فيأتي بها إذا شاء كذلك قليل العمل من خير أو شر يعلمه الله فيجازي عليه فهو مثل قوله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (2) " إن الله لطيف " باستخراجها " خبير " بمستقرها انتهى (3). وقال بعض المحققين: خفاء الشئ إما لغاية صغره. وإما لاحتجابه وإما لكونه بعيدا وإما لكونه في ظلمة، فأشار إلى الاول بقوله: " مثقال حبة " وإلى الثاني بقوله: " فتكن في صخرة " وإلى الثالث بقوله: " أو في السموات " وإلى


(1) مجمع البيان ج 8 ص 418. (2) الزلزال: 7 - 8. (3) مجمع البيان ج 8 ص 319 (*).

[324]

الرابع بقوله: " أو في الارض ". وأقول: قد ورد في بعض الاخبار أن المراد بالصخرة هي التي تحت الارضين والاستشهاد بالايتين، لان يعلم أن الله سبحانه عالم بجميع أعمال العباد وأحصاها وكتبها وأوعد عليها العقاب، فلا ينبغي تحقير المعاصي، لان الوعيد معلوم، والموعد عالم قادر، والعفو غير معلوم. 9 - كا: عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرزق وتلا هذه الاية " إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون " (1). بيان: في القاموس درأه كجعله درأ ودرأة: دفعه والفعل هنا على بناء المجهول ويحتمل المعلوم بارجاع المستتر إلى الذنب واللام في الذنب للعهد الذهني اي أي ذنب كان، بل يمكن شموله للمكروهات وترك المستحبات كما تشعر به الاية وإن أمكن حملها على أنهم لم يؤدوا الزكاة الواجبة أو كانالزكاة عندهم حق الجداد والصرام، أو كان هذا ايضا واجبا في شرعهم كما قيل بوجوبه في شرعنا ايضا. قال الطبرسي قدس سره في جامع الجوامع: " إنا بلوناهم " اي أهل مكة بالجوع والقحط بدعاء الرسول صلى الله عليه وآله " كما بلونا اصحاب الجنة " وهم إخوة كانت لابيهم هذه الجنة دون صنعاء اليمن بفرسخين، فكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل وما في اسفل الاكداس وما أخطأه القطاف من العنب وما بعد من البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شئ كثير. فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الامر، ونحن أولوا عيال، فحلفوا " ليصرمنها مصبحين " داخلين في وقت الصباح خفية عن المساكين


(1) الكافي ج 2 ص 271، والاية في سورة القلم: 17 - 19 (*).

[325]

" ولا يستثنون " اي لم يقولوا إنشاء الله في يمينهم، فأحرق الله جنتهم. وقال البيضاوي: " ولا يستثنون ": ولا يقولون إنشاء الله، وإنما سماه استثناء لما فيه من الاخراج غير أن المخرج به خلاف المذكور، والمخرج بالاستثناء عينه، أو لان معنى لاخرج إنشاء الله ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد أو لا يستثنون حصة المساكين، كما كان يخرج أبوهم. " فطاف عليها " على الجنة " طائف " بلاء طائف " من ربك " مبتدء منه (1). وقال في المجمع: اي أحاطت بها النار فاحترقت، أو طرقها طارق من أمر الله " وهم نائمون " قال مقاتل: بعث الله نارا بالليل إلى جنتهم فأحرقتها حتى صارت مسودة فذلك قوله: " فأصبحت كالصريم " أي كالليل المظلم، والصريمان الليل والنهار، لانصرام أحدهما عن الاخر، وقيل: كالمصروم ثماره اي المقطوع وقيل: اي الذي صرم عنه الخير، فليس فيه شئ منه، وقيل: أي كالرملة انصرمت من معظم الرمل، وقيل: كالرماد الاسود " فتنادوا مصبحين " اي نادى بعضهم بعضا وقت الصباح " أن اغدوا " اي بأن اغدوا " على حرثكم " الحرث الزرع والاعناب " إن كنتم صارمين " أي قاطعين النخل. " فانطلقوا " أي مضوا إليها " وهم يتخافتون " يستارون بينهم " أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين " هذا ما كانوا يتخافتون به " وغدوا على حرد " أي على قصد منع الفقراء " قادرين " عند أنفسهم وفي اعتقادهم على منعهم وإحراز ما في جنتهم وقيل: على حرد أي على جد وجهد من أمرهم وقيل: اي خنق وغضب من الفقراء، وقيل: قادرين مقدرين موافاتهم الجنة في الوقت الذي قدروا إصرامها فيه، وهو وقت الصبح. " فلما رأوها " أي رأوا الجنة على تلك الصفة " قالوا إنا لضالون " ضللنا عن الطريق، فليس هذا بستاننا، أو لضالون عن الحق في أمرنا، فلذلك عوقبنا بذلك، ثم استدركوا فقالوا: " بل نحن محرومون " اي هذه جنتنا ولكن حرمنا


(1) أنوار التنزيل: 439 (*).

[326]

نفعها وخيرها، لمنعنا حقوق المساكين وتركنا الاستثناء " قال أوسطهم " أي أعدلهم قولا وأفضلهم وأعقلهم أو أوسطهم في السن " ألم أقل لكم لولا أن تسبحون " كأنه كانحذرهم سوء فعالهم فقال: لولا تستثنون، لان في الاستثناء التوكل على الله والتعظيم لله، والاقرار على أنه لا يقدر أحد على فعل شئ إلا بمشيئة الله فلذلك سماه تسبيحا، وقيل: معناه هلا تعظمون الله بعبادته واتباع أمره أو هلا تذكرون نعم الله عليكم فتؤدوا شكرها بان تخرجوا حق الفقراء من أموالكم أو هلا نزهتم الله عن الظلم واعترفتم بأنه لا يظلم ولا يرضى منكم بالظلم، وقيل: أي لم لا تصلون. ثم حكى عنهم أنهم قالوا " سبحان ربنا إنا كنا ظالمين " في عزمنا على حرمان المساكين منحصتهم عند الصرام أو أنه تعالى منزه عن الظلم، فلم يفعل بنا ما فعله ظلما وإنما الظلم وقع منا حيث منعنا الحق " فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون " أي يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم " قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين " قد علونا في الظلم وتجاوزنا الحد فيه، والويل غلظ المكروه الشاق على النفس " عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها " اي لما تابوا ورجعوا إلى الله قالوا: لعل الله يخلف علينا ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت " إنا إلى ربنا راغبون " [أي نرغب إلى الله ونسأله ذلك ونتوب إليه مما فعلناه " كذلك العذاب " في الدنيا للعاصين " ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون "] (1). وروي عن ابن مسعود أنه قال: بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا وقال ابو خالد اليمامي: رايت الجنة ورأيت كل عنقود كالرجل الاسود القائم (2).


(1) ما بين العلامتين ساقط عن نسخة الكمباني. اضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 246 طبقا للمصدر. (2) مجمع البيان ج 10 ص 336 - 337 (*).

[327]

10 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن ابي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء فان تاب انمحت وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبدا (1). بيان: " خرج في قلبه نكتة " النكتة النقطة، وكل نقطة في شئ بخلاف لونه فهو نكتة، وقيل: إن الله خلق قلب المؤمن نورانيا قابلا للصفات النورانية فان أذنب خرج فيه نقطة سوداء، فان تاب زالت تلك النقطة وعاد محلها إلى نورانيته، وإن زاد في الذنب سواء كان من نوع ذلك الذنب أم من غيره، زادت نقطة أخرى سوداء، وهكذا حتى تغلب النقاط السود على جميع قلبه " فلا يفلح بعدها أبدا " لان القلب حينئذ لا يقبل شيئا من الصفات النورانية، والظاهر أنه إن تاب من ذنب ثم عاد لم تبطل التوبة الاولى، وأنه إن تاب من بعض الذنوب دون بعض فهي صحيحة على أحد القولين فيها. أقول: وقال بعض المحققين بعد أن حقق أن القلب هو اللطيفة الربانية الروحانية التي لها تعلق بالقلب الصنوبري كما مر ذكره: القلب في حكم مرآة قد اكتنفته هذه الامور المؤثرة فيه، وهذه الاثار على التوالي واصلة إلى القلب، أما الاثار المحمودة فانها تزيد مرآة القلب جلاء وإشراقا ونورا وضياء حتى يتلالؤ فيه جلية الحق، وتنكشف فيه حقيقة الامر المطلوب في الدين، وإلى مثل هذا القلب اشار بقوله صلى الله عليه وآله: " إذا اراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من قلبه " وبقوله صلى الله عليه وآله: " من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ " وهذا القلب هو الذي يستقر فيه الذكر قال الله تعالى: " الا بذكر الله تطمئن القلوب " (2). وأما الاثار المذمومة فانها مثل دخان مظلم يتصاعد إلى مرآة القلب، ولا يزال يتراكم عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم، ويصير بالكلية محجوبا


(1) الكافي ج 2 ص 271. (2) الرعد: 28 (*).

[328]

عن الله تعالى وهو الطبع والرين، قال الله تعالى: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " (1) وقال الله: " أن لو نشاء لاصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون " (2) فربط عدم السماع والطبع بالذنوب كما ربط السماع بالتقوى حيث قال: " واتقوا الله واسمعوا " (3) " واتقوا الله ويعلمكم الله " (4). ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلب، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق، وصلاح الدين، ويستهين بالاخرة، ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصورا لهم عليه، فإذا قرع سمعه امر الاخرة، وما فيها من الاخطار، دخل من اذن وخرج من الاخرى، ولم يستقر في القلب، ولم يحركه إلى التوبة والتدارك " أولئك الذين يئسوا من الاخرة كما يئس الكفار من اصحاب القبور " (5). وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة، قال بعضهم: روي عن النبي صلى الله عليه وآله: قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر وقلب الكافر أسود منكوس، فطاعة الله تعالى بمخالفة الشهوات مصقلات للقلب، ومعصيته مسودات له فمن اقبل على المعاصي اسود قلبه، ومن اتبع السيئة الحسنة ومحى اثرها لم يظلم قلبه، ولكن ينقص نوره، كالمرآة التي يتنفس فيها ثم يمسح، ثم يتنفس ثم يمسح، فانها لم تخلو عن كدورة، قال الله تعالى " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " (6). فأخبر أن جلاء القلب وإيضاءه يحصل بالذكر، وأنه لا يتمكن منه إلا الذين اتقوا، فالتقوى باب الذكر، والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الاكبر


(1) المطففين: 14. (2) الاعراف:. 100 (3) المائدة: 108. (4) البقرة: 282. (5) الممتحنة: 13. (6) الاعراف: 201 (*).

[329]

وهو الفوز بلقاء الله تعالى. اقول: هذا من تحقيقات بعض الصوفية أوردناه استطرادا، وفيه حق وباطل والله الملهم للخير والصواب. 11 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن ابي ايوب، عن محمد بن مسلم، عن ابي جعفر عليه السلام قال: إن العبد يسأل الله الحاجة فيكون من شأنه قضاؤها إلى أجل قريب أو إلى وقت بطيئ فيذنب العبد ذنبا فيقول الله تبارك وتعالى للملك: لا تقض حاجته واحرمه إياها، فانه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني (1). بيان: " فيكون من شأنه " ضمير شأنه راجع إلى الله تعالى، ويحتمل رجوعه إلى مصدر يسأل أو العبد، ومآل الجميع واحد، اي له قابلية قضاء الحاجة، قيل لا يقال هذا ينافي ما في بعض الروايات من أن العاصي إذا دعاه أجابه بسرعة كراهة سماع صوته، لانا نقول: لا منافاة بينهما، لان هناك شيئين أحدهما المعصية، وهي تناسب عدم الاجابة والثاني كراهة سماع صوته وهي تناسب سرعة الاجابة، فربما ينظر إلى الاول فلا يجيبه، وربما ينظر إلى الثاني فيجيبه، وليس في الاخبار ما يدل على أن العاصي يجاب دائما، ولو سلم لامكن حمل هذا الخبر على ان المؤمن الصالح إن أذنب وتعرض لسخط ربه، استوجب الحرمان، ولا يقضي الله حاجته تأديبا له، لينزجر عما يفعله. 12 - كا: عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول إنه ما من سنة أقل مطرا من سنة، ولكن الله يضعه حيث يشاء، إن الله عزوجل إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم، وإلى الفيافي والبحار والجبال، وإن الله ليعذب الجعل في جحرها فيحبس المطر عن الارض التي هي بمحلها بخطايا من بحضرتها وقد جعل الله لها السبيل في مسلك سوى محلة أهل المعاصي قال: ثم قال أبو جعفر عليه السلام: فاعتبروا يا أولي الابصار (2).


(1) الكافي ج 2 ص 271. (2) الكافي ج 2 ص 272 والسند معلق على سابقه (*).

[330]

بيان: " إلى غيرهم " اي من المطيعين إن كانوا مستحقين للمطر، وإلا فإلى الفيافي، وفي النهاية الفيافي البراري الواسعة جمع فيفاء وفي القاموس الفيف المكان المستوي أو المفازة لا ماء فيها كالفيفاة والفيفاء ويقصر، وقال: الجعل كصرد دويبة وفي المصباح الجعل وزان عمر الحرباء، وهو ذكر أم حبين وقال المحل بفتح الحاء والكسر لغة موضع الحلول، والمحلة بالفتح المكان الذي ينزله القوم " عن الارض التي هي بمحلها " الظاهر أن الضمير في قوله " بمحلها " راجع إلى الجعل اي الارض التي هي متلبسة بمحل الجعل أي مشتملة عليه، أو ضمير " هي " راجع إلى الجعل، وضمير " محلها " إلى الارض فيكون إضافة المحل إلى الضمير من إضافة الجزء إلى الكل، والاول اظهر، وضمير " بحضرتها " للجعل. " فاعتبروا يا أولي الابصار " الاعتبار الاتعاظ والتفكر في العواقب وقبول النصيحة وأولوا الابصار اصحاب البصائر والعقول، اي تفكروا في أنه إذا كان حال الحيوان الغير المكلف القليل الشعور أو عديمه هكذا في التضرر بمجاورة أهل المعاصي، فكيف تكون حالك في المعصية ومجاورة أهلها ؟ وهذا الخبر مما يدل على أن للحيوانات شعورا وعلما ببعض التكاليف الشرعية، وافعال العباد وأعمالهم، وأن لهم نوعا من التكليف خلافا لاكثر الحكماء والمتكلمين، ويؤيده قصة الهدهد وسائر الاخبار التي أوردتها في المجلد الرابع عشر، وربما يأول الجعل بأن المراد بها ضعفاء بني آدم، ولا يخفى بعده، ثم إن الخبر يدل على وجوب المهاجرة عن بلاد أهل المعاصي إذا لم يمكن نهيهم عن المنكر. 13 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال عن ابن بكير، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، وإن العمل السيئ اسرع في صاحبه من السكين في اللحم (1). بيان: " الذنب " منصوب مفعول مطلق واللام للعهد الذهني " اسرع " اي نفوذا أو تأثيرا في صاحبه وكما أن كثرة نفوذ السكين في المرء يوجب هلاكه البدني


(1) الكافي ج 2 ص 272 (*).

[331]

فكذا كثرة الخطايا يوجب هلاكه الروحاني. 14 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من هم بسيئة فلا يعملها، فانه ربما يعمل العبد السيئة فيراه الرب تبارك وتعالى فيقول: وعزتي وجلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا (1). بيان: " السيئة " أي نوعا من السيئة تكون مع تحقيرها والاستهانة بها أوغير ذلك، والعزة القدرة والغلبة، والجلال الكبرياء والعظمة " لا أغفر لك " أي يستحق لمنع اللطف وعدم التوفيق للتوبة، ولا يستحق المغفرة، وفيه تحذير عن جميع السيئات، فان كل سيئة يمكن أن تكون هذه السيئة. 15 - كا: عن الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن عمرو بن عثمان، عن رجل، عن أبي الحسن عليه السلام قال: حق على الله أن لا يعصى في دار إلا أضحاها للشمس، حتى تطهرها (2). بيان: " حق على الله " أي جعلها الله سبحانه واجبا لازما على نفسه " أن لا يعصى " كأن المراد كثرة وقوع المعاصي فيها " إلا اضحاها " اي خربها واظهر أرضها للشمس " حتى " تشرق عليها و " تطهرها " من النجاسة المعنوية، وهي كناية عن أن المعاصي تخرب الديار، وفيه إشعار بأن الشمس تطهر الارض وفي القاموس أضحى الشئ اظهره وضحا ضحوا برز للشمس وكسعى ورضي أصابته الشمس، وارض مضحاة لا تكاد تغيب عنها الشمس، وضحى الطريق ضحوا بدا وظهر. 16 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون عن عبد الله بن عبد الرحمن الاصم، عن مسمع بن عبد الملك، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، وإنه لينظر إلى أزواجه في الجنة يتنعمن (3). بيان: قد روي عن أمير المؤمنين أنه قال: لا تتكلوا بشفاعتنا، فان شفاعتنا


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 272 (*).

[332]

قد لا تلحق بأحدكم إلا بعد ثلاث مائة سنة، وفي الخبر دلالة على أن الذنب يمنع من دخول الجنة في تلك المدة، ولا دلالة فيه على أنه في تلك المدة في النار، أو في شدائد القيامة، وفي المصباح النعمة بالفتح اسم من التنعم والتمتع وهو النعيم ونعم عيشه كتعب اتسع ولان، ونعمه الله تنعيما جعله ذا رفاهية. 17 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن عيسى بن ايوب، عن علي بن مهزيار عن القاسم بن عروة، عن ابن بكير، عن زرارة، عن ابي جعفر عليه السلام قال: ما من عبد إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء، فان تاب ذهب تلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خيرا أبدا، وهو قول الله عز وجل: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " (1). بيان: روي مثله عن أمير المؤمنين عليه السلام في النهج (2) وقال ابن ميثم: توضيح الكلام أن بأصل الايمان تظهر نكتة بيضاء في قلب من آمن أول مرة، ثم إذا أقر باللسان ازدادت تلك النكتة، وإذا عمل بالجوارح عملا صالحا ازدادت حتى يصير قلبه نورانيا كالنير الاعظم، ويعكس ذلك في العمل السيئ. وتحقيق الكلام في هذا المقام أن المقصود بالقصد الاول [الاعمال الظاهرة والامر بمحاسنها والنهي عن مقابحها، هو ما تكتسب النفس منها من الاخلاق الفاضلة] (3) والصفات الفاسدة فمن عمل عملا صالحا اثر في نفسه، وبازدياد العمل يزداد الضياء والصفاء، حتى تصير كمرآة مجلوة صافية، ومن اذنب ذنبا


(1) الكافي ج 2 ص 273، والاية في سورة المطففين: 14 وقد مر مثله. (2) حيث قال: ان الايمان يبدو لمظة في القلب، كلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة وقال السيد الرضى - رضوان الله عليه - واللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض، ومنه قيل: فرس ألمظ: إذا كان بجحفلته شئ من البياض، راجع نهج البلاغة تحت الرقم 5 من غرائب الحكم، شرح الكافي ج 2 ص 247، شرح النهج لابن ميثم: 612. (3) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمباني (*).

[333]

اثر ذلك ايضا وأورث لها كدورة، فان تحقق عنده قبحه وتاب عنه، زال الاثر وصارت النفس مصقولة صافية، وإن أصر عليه زاد الاثر الميشوم، وفشا في النفس واستمر عليها، وصار من أهل الطبع، ولم يرجع إلى خير ابدا إذ دواء هذا الداء هو الانكسار، وهضم النفس، والاعتراف بالتقصير، والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، والانقلاع عن المعاصي، ولا محل لشئ من ذلك إلى هذا القلب المظلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم اشار إلى أن ذلك هو الرين المذكور في الاية الكريمة بقوله: " وهو قول الله عزوجل: " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " قيل: أي غلب على قلوبهم ما كانوا يكسبون حتى قبلت الطبع والختم على وجه لا يدخل فيها شئ من الحق. والمراد بما كانوا يكسبون الاعمال الظاهرة القبيحة والاخلاق الباطنة الخبيثة فان ذلك سبب لرين القلب وصداه، وموجب لظلمته وعماه، فلا يقدر أن ينظر إلى وجوه الخيرات، ولا يستطيع أن يشاهد صور المعقولات، كما أن المرآت إذا ألقيت في مواضع الندى ركبها الصدا، وأذهب صفاءها وأبطل جلاءها، فلا يتنقش فيها صور المحسوسات. وبالجملة يشبه القلب في قسوته وغلظته وذهاب نوره، بما يعلوه من الذنوب والهوى، وما يكسوه من الغفلة والردى، بالمرآة المنكدرة من الندى، وكما أن هذه المرآة يمكن إزالة ظلمتها بالعمل المعلوم كذلك هذا القلب يمكن تصفيته من ظلمات الذنوب، وكدورات الاخلاق، بدوام الذكر، والتوبة الخالصة والاعمال الصالحة، والاخلاق الفاضلة، حتى ينظر إلى عالم الغيب بنور الايمان ويشاهده مشاهدة العيان إلى أن يبلغ إلى أعلى درجات الاحسان، فيعبد الله كأنه يراه، ويرى الجنة وما أعد الله فيها لاوليائه ويرى النار وما أعد الله فيها لاعدائه. وقال البيضاوي عند قوله تعالى: " وما يكذب به إلا كل معتد أثيم * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا

[334]

يكسبون " (1) رد لما قالوه، وبيان لما ادى بهم إلى هذا القول، بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيه، حتى صار ذلك صداء على قلوبهم، فعمي عليهم معرفة الحق والباطل، فان كثرة الافعال سبب لحصول الملكات، كما قال صلى الله عليه وآله: إن العبد كلما اذنب ذنبا حصل في قلبه نكتة سوداء، حتى يسود قلبه، والرين الصداء (2). 18 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن علي بن اسباط، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تبدين عن واضحة وقد عملت الاعمال الفاضحة، ولا تأمن البيات وقد عملت السيئات (3). 19 - كا: عن محمد بن يحيى وأبي علي الاشعري، عن الحسين بن إسحاق عن علي بن مهزيار، عن حماد بن عيسى، عن ابي عمرو المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن الله قضا قضاء حتما: لا ينعم على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتى يحدث العبد ذنبا يستحق بذلك النقمة (4). بيان: " لا ينعم " استيناف بياني [أو منصوب بتقدير " أن " وقوله: " فيسلبها " معطوف على النفي لا على المنفي و " حتى " للاستثناء، والمشار إليه في قوله: " بذلك " إما مصدر] (5) يحدث أو الذنب والمال واحد، وفي القاموس النقمة بالكسر والفتح وكفرحه المكافاة بالعقوبة، وفيه تلميح إلى قوله سبحانه: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (6). 20 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " قالوا


(1) المطففين: 12 - 14. (2) أنوار التنزيل: 457. (3 - 4) الكافي ج 2 ص 273. (5) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 247. (6) الرعد: 11

[335]

ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم " الاية (1) فقال: هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وأنهار جارية، وأموال ظاهرة، فكفروا نعم الله عزوجل وغيروا ما بأنفسهم من عافية الله، فغير الله ما بهم من نعمة، و " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فأرسل الله عليهم سيل العرم فغرق قراهم وخرب ديارهم، وذهب بأموالهم، وأبدلهم مكان " جنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل " ثم قال: " ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور " (2). بيان: الايات في سورة سبأ هكذا " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية " وقرء أكثر القراء في مساكنهم، قال الطبرسي قدس سره: ثم أخبر سبحانه عن قصة سبأ بما دل على حسن عاقبة الشكور، وسوء عاقبة الكفور، فقال: " لقد كان لسبأ " وهو أبو عرب اليمن كلها، وقد تسمى بها القبيلة، وفي الحديث عن فروة ابن مسيك أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن سبأ أرجل هو أم امرأة ؟ فقال: هو رجل من العرب، ولد له عشرة تيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا: فالازد وكندة ومذحج والاشعرون والانمار وحمير، فقال رجل من القوم: ما أنمار ؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة وأما الذين تشاءموا: فعاملة وجذام ولحم وغسان فالمراد بسبأ ههنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشحب بن يعرب ابن قطحان. " في مسكنهم " أي في بلدهم " آية " أي حجة على وحدانية الله سبحانه وكمال قدرته، وعلامة على سبوغ نعمه، ثم فسر سبحانه الاية فقال: " جنتان عن يمين وشمال " اي بستانان عن يمين من آتاهما وشماله، وقيل عن يمين البلد وشماله وقيل إنه لم يرد جنتين اثنتين والمراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم وشمالهم


(1) سبأ: 19. (2) الكافي ج 2 ص 274 (*).

[336]

متصلة بعضها ببعض، وكان من كثرة النعم أن المرءة كانت تمشي والمكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه، من غير أن تمس بيدها شيئا. وقيل: الاية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل ودواب ماتت عن ابن زيد، وقيل: إن المراد بالاية خروج الازهار والثمار من الاشجار على اختلاف ألوانها وطعومها. وقيل: إنما كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه يقولون لهم " كلوا من رزق ربكم واشكروا له " اي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنان، واشكروا له يزدكم من نعمه، واستغفروه يغفر لكم. " بلدة طيبة " أي هذه بلدة مخصبة نزهة ارضها عذبة، تخرج النبات وليست بسبخة، وليس فيها شئ من الهوام المؤذية، وقيل: أراد به صحة هوائها، وعذوبة مائها، وسلامة تربتها، وأنه ليس فيها حر يؤذي، في القيظ، ولا برد يؤذي في الشتاء. " ورب غفور " أي كثير المغفرة للذنوب، " فأعرضوا " عن الحق ولم يشكروا الله سبحانه ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه " فارسلنا عليهم سيل العرم " وذلك أن الماء كان يأتي ارض سبأ من أودية اليمن، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما، فسدوا ما بين الجبلين، فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة، فكانوا يسقون زرعهم وبساتينهم فلما كذبوا رسلهم وتركوا أمر الله، بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم وفاض الماء عليهم، فأغرقهم (1). والعرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة، أخذ من عرامة الماء، وهو ذهابه كل مذهب، وقيل: العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى وقيل: العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر (2) عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد


(1) مجمع البيان ج 8 ص 386. (2) السكر - بالكسر - اسم من سكر النهر: أي سده، ويطلق على ما سد به النهر =

[337]

وقيل: العرم المطر الشديد (1). وقال ابن الاعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق " وبدلناهم بجنتيهم " اللتين فيهما أنواع الفواكه والخيرات " جنتين " أخراوين، سماهما جنتين لازدواج الكلام، كما قال تعالى: " ومكروا ومكر الله " (2) " ذواتي أكل خمط واثل " أي صاحبي أكل وهو اسم لثمر كل شجرة وثمر الخمط هو الاراك، وقيل هو شجر الغضا، وقيل: هو شجر له شوك، والاثل الطرفا عن ابن عباس، وقيل: ضرب من الخشب، وقيل: هو السمر " وشئ من سدر قليل " يعني أن الخمط والاثل كانا أكثر فيهما من السدر وهو النبق، قال قتادة: كان شجرهم خير شجر، فصيره الله شر شجرة بسوء أعمالهم. " ذلك " اي ما فعلنا بهم " جزيناهم بما كفروا " اي بكفرهم " وهل نجازي " بهذا الجزاء " إلا الكفور " الذي يكفر نعم الله، وقيل معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر، لان المؤمن قد كان يكفر عنه بعض سيئاته، وقيل: إن المجازاة من التجازي وهو التقاضي اي لا يقتضى ولا يرتجع ما أعطي إلا الكافر فانهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن ابي مسلم. " وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها [قرى ظاهرة " أي وقد


= وكأن المراد بالسكر هنا الثقب التي كانوا يفتحونها واحدا بعد واحد بقدر الحاجة، وذلك لان الفارة لا تتمكن أن تأتي على السد العظيم الذي بنى بالحجارة والنهر مملوء ماء، وانما أتت على ما سد به الثقبة السافلة الموازية لسطح النهر، ففار النهر بشدة من ذلك الثقبة وجرى السيل العظيم، حتى خرق الثقبة وخرب السد وأباد القرية بأشجارها وزروعها وعمارتها ونفوسها. والخلد بالضم - يطلق على الفارة العمياء، وقيل دابة تحت الارض يضرب بها المثل في شدة السمع. (1) مجمع البيان ج 8 ص 385. (2) آل عمران: 54 (*).

[338]

كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم وبين قرى الشام التي باركنا فيها] (1) بالماء والشجر قرى متواصلة، وكان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى، حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام، ومعنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الاولى لقربها منها " وقدرنا فيها السير " أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم، وقلنا لهم " سيروا فيها " اي في تلك القرى " ليالي وأياما " اي ليلا شئتم المصير أو نهارا " آمنين " من الجوع والعطش والتعب، ومن السباع وكل المخاوف. وفي هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر، كما أنه كذلك في الحضر. ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا وبغوا " فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا " اي اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب إليها الرواحل، ونقطع المنازل، وهذا كما قالت بنوا إسرائيل لما ملوا النعمة: " أخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها وقثائها " (2) بدلا من المن والسلوى " وظلموا أنفسهم " بارتكاب الكفر والمعاصي " فجعلناهم أحاديث " لمن بعدهم يتحدثون أمرهم وشأنهم، ويضربون بهم المثل، فيقولون: تفرقوا أيادي سبأ إذا تشتتوا اعظم التشتت " ومزقناهم كل ممزق " أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق، " إن في ذلك لايات لكل صبار شكور " على الشدايد شكور على النعماء، وقيل لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم بالطاعات. ثم نقل عن الكلبي، عن ابي صالح قال: ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء وكانت قد رأيت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب، وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين، فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة، فأقاموا بها وما حولها، فاصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى ؟ فدعوا طريفة وشكوا إليها الذي اصابهم فقالت


(1) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي طبقا للمصدر. (2) البقرة: 61 (*).

[339]

لهم: قد أصابني الذي تشتكون، وهو مفرق بيننا. قالوا: فماذا تأمرين ؟ قالت: من كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بقصر عمان المشيد، فكانت أزد عمان، ثم قالت [من كان منكم ذا جلد وقسر، وصبر على ما أزمأت الدهر، فعليه بالاراك من بطن مر فكانت خزاعة، ثم قالت:] (1) من كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الاوس والخزرج، ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير، والملك والتأمير، وملابس التاج والحرير، فليلحق ببصرى وغوير، وهما من ارض الشام، فكان الذين سكنوها آل جفنة بن غسان، ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق، والخيل العتاق، وكنوز الارزاق، والدم المهراق، فليلحق بارض العراق، فكان الذين يسكنونها آل جزيمة الابرش، ومن كان بالحيرة وآل محرق (2). 21 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما أنعم الله على عبد نعمة فسلبها إياه حتى يذنب ذنبا يستحق بذلك السلب (3). 22 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد. وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد الجزري قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عزوجل بعث نبيا من أنبيائه إلى قومه، وأوحى إليه أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سراء فتحولوا عما أحب إلى ما أكره، إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضراء فتحولوا عما أكره إلى ما أحب إلا تحولت لهم [عما يكرهون إلى ما يحبون، وقل


(1) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمبانى. (2) مجمع البيان ج 8 ص 386 و 387. (3) الكافي ج 2 ص 274.

[340]

لهم: إن رحمتي سبقت غضبي، فلا تقنطوا من رحمتي فانه لا يتعاظم عندي ذنب عبد أغفره وقل لهم: لا يتعرضوا معاندين] (1) لسخطي ولا يستخفوا بأوليائي، فان لي سطوات عند غضبي لا يقوم لها شئ من خلقي (2). بيان: " ولا أناس " هم أقل من أهل القرية كأهل بيت كما قال في الشق الثاني مكانه " ولا أهل بيت " وفي القاموس السراء المسرة، والضراء الزمانة والشدة والنقص في الاموال و الانفس، وفي المصباح سره أفرحه والمسرة منه وهو ما يسر به الانسان والسراء الخير والفضل والضراء نقيض السراء. " إن رحمتي سبقت غضبي " هذا يحتمل وجوها الاول أن يكون المراد بالسبق الغلبة اي رحمتي غالبة على غضبي، وزائدة عليه، فانه إذا اشتد سبب الغضب، وكان هناك سبب ضعيف للرحمة يتعلق الرحمة بفضله تعالى. الثاني أن يكون المراد به السبق المعنوي ايضا على وجه آخر، فان أسباب الرحمة من إقامة دلائل الربوبية في الافاق والانفس، وبعثة الانبياء والاوصياء، وإنزال الكتب، وخلق الملائكة، وبعثهم لهداية الخلق، وإرشادهم ودفع وساوس الشياطين، وغير ذلك من اسباب التوفيق، أكثر من اسباب الضلالة من القوى الشهوانية والغضبية، وخلق الشياطين، وعدم دفع ائمة الضلالة، وأشباه ذلك من اسباب الخذلان. الثالث أن يراد به السبق الزماني فان تقدير وجود الانسان وإيجاده وإعطاء الجوارح والسمع والبصر، وسائر القوى، ونصب الدلائل والحجج، وغير ذلك، كلها قبل التكليف، والتكليف مقدم على الغضب والعقاب، ويمكن إرادة الجميع بل هو الأظهر. " لا يتعرضوا معاندين " اي مصرين على المعاصي فان من أذنب لغلبة شهوة أو غضب ثم تاب عن قريب لا يكون معاندا، والاستخفاف بالاؤلياء شامل لقتلهم


(1) ما بين العلامتين اضفناه من المصدر. (2) الكافي ج 2 ص 274 (*).

[341]

وضربهم وشتمهم وإهانتهم، وعدم متابعتهم، والاعراض عن مواعظهم، ونواهيهم وأوامرهم. والسطوة القهر والبطش بشدة " لا يقوم لها شئ " اي لا يطيقها أو لا يتعرض لدفعها. 23 - كا: عن علي بن إبراهيم الهاشمي، عن جده محمد بن الحسن بن محمد بن عبيدالله، عن سليمان الجعفري، عن الرضا عليه السلام قال: أوحى الله عزوجل إلى نبي من الانبياء إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الوراء (1). بيان: " باركت " أي زدت نعمتي عليهم في الدنيا والاخرة " وليس لبركمتي نهاية " لا في الشدة ولا في المدة " لعنت " اي ابعدتهم من رحمتي " ولعنتي " أي أثرها " تبلغ السابع من الوراء " في الصحاح والقاموس الوراء ولد الولد ويستشكل بأنه أي تقصير لاولاد الاولاد، حتى تبلغ اللعنة إليهم إلى البطن السابع ؟ فمنهممن حمله على أنه قد يبلغهم وهو إذا رضوا بفعل آبائهم كما ورد أن القائم عليه السلام يقتل أولاد قتلة الحسين عليه السلام لرضاهم بفعل آبائهم. وأقول: يمكن أن يكون المراد به الاثار الدنيوية كالفقر والفاقة والبلايا والامراض، والحبس والمظلومية، كما نشاهد أكثر ذلك في أولاد الظلمة وذلك عقوبة لابائهم، فان الناس يرتدعون عن الظلم بذلك لحبهم لاولادهم ويعوض الله الاولاد في الاخرة كما قال تعالى " وليخش الذين لو تركوا ذرية ضعافا خافوا عليهم " (2) الاية، وهذا جائز على مذهب العدلية، بناء على أنه يمكن إيلام شخص لمصلحة الغير، مع التعويض بأكثر منه، بحيث يرضى من وصل إليه الالم، مع أن في هذه الامور مصالح للاولاد ايضا فان أولاد المترفين بالنعم، إذا كانوا مثل آبائهم، يصير ذلك سببا لبغيهم وطغيانهم أكثر من غيرهم.


(1) الكافي ج 275 2. (2) النساء: 9.

[342]

44 - كا: عن محمد بن يحيى، عن علي بن الحسن بن علي، عن محمد بن الوليد عن يونس بن يعقوب، عن ابي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن أحدكم ليكثر به الخوف من السلطان، وما ذلك إلا بالذنوب، فتوقوها ما استطعتم، ولا تمادوا فيها (1). بيان: " وما ذلك إلا بالذنوب " اي الذنوب تصير سببا لتسلط السلاطين والخوف منهم، وما قيل: إن المراد بالذنوب مخالفة السلاطين اي كما أن من خالف بعض السلاطين يخاف بطشه وعقوبته، فلا بد أن يكون خوفه من السلطان الاكبر أعظم وأكثر، فلا يخفى بعده، ثم أمر عليه السلام بالوقاية من الذنوب بقدر الاستطاعة، ونهى عن الاصرار عليها والتمادي فيها، على تقدير الوقوع، وفي المصباح تمادى فلان في الامر إذا لج وداوم على فعله. 25 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب، ولا خوف أشد من الموت، وكفى بما سلف تفكرا، وكفى بالموت واعظا (2). بيان: " لا وجع أوجع للقلوب من الذنوب " اي الذنوب تصير سببا لهم القلب وحزنه أزيد من غيرها من المخوفات، لان الذنوب تصير سببا للخوف من عقاب الله الذي هو أعظم المفاسد وأشدها، فالمراد به من الهم الحاصل من الذنوب أو المعنى أن الاوجاع والامراض الصورية والمعنوية والجسمانية والروحانية العارضة للانسان ليس شئ منها أشد تأثيرا في القلب من الذنوب التي هي من الامراض الروحانية والاوجاع المعنوية. أو المعنى أن للقلب أمراضا وأوجاعا مختلفة بعضها روحانية، وبعضها جسمانية، وليس شئ منها اشد وأوجع وأشر من الذنوب، فانها بنفسها أمراض للقلب، كالحقد والحسد، وضعف التوكل وأمثالها، أو سبب لامراضها فان الذنوب اسباب لضعف الايمان واليقين كما قال سبحانه: " في قلوبهم مرض


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 275 (*).

[343]

فزادهم الله مرضا " (1). " ولا خوف أشد من الموت " اي من خوف الموت، إذ كل شئ يخاف وقوعه غير متيقن بخلاف الموت، ولان الخوف إنما هو من ألم والموت ألم شديد، مع ما يعقبه من الالام التي لا يعلم النجاة منها، ويحتمل أن يراد بالخوف المخوف، فلا حاجة إلى تقدير. " وكفى بما سلف تفكرا " الباء بعد " كفى " في الموضعين زائدة، وتفكرا تميز والحاصل أنه كفى التفكر في ما سلف من أحوال نفسه وأحوال غيره، وعدم بقاء لذات الذنوب، وبقاء تبعاتها، وفناء الدنيا، وذهاب من ذهب قبل بلوغ آماله، وحسن عواقب الصالحين والمحسنين، وسوء عاقبة الظالمين والفاسقين وأمثال ذلك. " وكفى بالموت واعظا " تميز كقولهم لله دره فارسا اي يكفي الموت والتفكر فيه، وفيما يتعقبه من الاحوال والاهوال للاتعاظ به، وعدم الاغترار بالدنيا ولذاتها، فانه هادم اللذات، ومهون المصيبات، كما قالوا عليهم السلام: فضح الموت الدنيا. 26 - كا: عن أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن الميثمي، عن العباس ابن هلال الشامي مولى لابي الحسن موسى عليه السلام قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون (2). بيان: " ما لم يكونوا يعملون " اي من البدع التي أحدثوها أو الذنب الذي لم يصدر منهم قبل ذلك وإن صدر عن غيرهم " ما لم يكونوا يعرفون " أي لم يروا مثله أو لم يبتلوا بمثله. 27 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عباد بن صهيب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول الله عزوجل: إذا عصاني من عرفني


(1) البقرة: 10. (2) الكافي ج 2 ص 275 (*).

[344]

سلطت عليه من لا يعرفني (1). بيان: " من عرفني " اي أقر بربوبيتي وبالانبياء والاوصياء وكان على دين الحق أو كان ممن يعرف الله حق المعرفة ولا ينافي صدور الذنب منه نادرا " من لا يعرفني " من الكفار والمخالفين أو الاعم منهم ومن سائر الظلمة، ويمكن شموله للشياطين ايضا. 28 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن علي بن اسباط، عن ابن عرفة عن ابي الحسن عليه السلام قال: إن الله عزوجل في كل يوم وليلة مناديا ينادي مهلا مهلا عباد الله عن معاصي الله، فلولا بهائم رتع، وصبية رضع، وشيوخ ركع لصب عليكم العذاب صبا، ترضون [به رضا (2). بيان: " مهلا " اسم فعل بمعنى أمهل، وقيل: مصدر والنصب على الاغراء أي الزموا مهلا، والمهل بالتسكين والتحريك الرفق والتأني] (3) والتأخر اي تأن في المعاصي ولا تعجل أو تأخر عنها ولا تقربها قال في النهاية: في حديث علي عليه السلام: إذا سرتم إلى العدو فمهلا مهلا فإذا وقعت العين على العين فمهلا مهلا، الساكن الرفق والمتحرك المتقدم أي إذا سرتم فتأنوا وإذا لقيتم فاحملوا، كذا قال الازهري وغيره. وقال الجوهري: المهل بالتحريك التؤدة، والتباطائ والاسم المهلة، وفلان ذو مهل بالتحريك أي ذو تقدم في الخير، ولا يقال في الشر، يقال: مهلته وأمهلته أي سكنته وأخرته، ويقال: مهلا للواحد والاثنين والجمع والمؤنث، بلفظ واحد بمعنى أمهل (4). والرتع والرضع والركع بالضم والتشديد في الجميع جمع راتع وراضع وراكع، في القاموس رتع كمنع رتعا ورتوعا ورتاعا بالكسر أكل وشرب ما شاء


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 276. (3) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمبانى. (4) المنقول لا يوافق صحاح الجوهرى ولعله منقول من المصباح (*).

[345]

في خصب وسعة، أو هو الاكل والشرب رغدا في الريف، أو بشره وجمل راتع من إبل رتاع كنائم ونيام، ورتع كركع، ورتع بضمتين، وقال: رضع أمه كسمع وضرب، فهو راضع، والجمع رضع كركع، ورضع ككتف ورضع رضاعة فهو راضع ورضيع من رضع كركع، وقال: ركع انحنى كبرا أو كبا على وجهه وافتقر بعد غنى وانحطت حاله، وكل شئ يخفض رأسه فهو راكع، وقال: الصبي من لم يفطم بعد والجمع صبية ويضم، وفي الصحاح الصبي الغلام والجمع صبية وصبيان، وهو من الواو، وفي النهاية الرض الدق الجريش، ومنه الحديث لصب عليكم العذاب صبا ثم لرض رضا هكذا جاء في رواية، والصحيح بالصاد المهملة، وقال في المهملة: فيه تراضوا في الصفوف اي تلاصقوا حتى لا يكون بينكم فرج، واصله تراصصوا من رص البناء يرصه رصا إذا لصق بعضه ببعض فادغم ومنه الحديث لصب عليكم العذاب صبا ثم لرص رصا انتهى ولا يخفى أن ما في روايتنا أبلغ واظهر، والظاهر أن المراد بالعذاب الدنيوي وكفى بنا عجزا وذلا بسوء فعالنا أن يرحمنا ربنا الكريم ببركة بهائمنا واطفالنا. 29 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن ابيه ومحمد بن اسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن ابي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي أسامة زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر قلت: وما المحقرات ؟ قال: الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك (1). بيان: " اتقوا المحقرات " لان التحقير يوجب الاصرار وترك الندامة الموجبين للبعد عن المغفرة " غير ذلك " اي غير ذلك الذنب، واقول: مثل هذا الكلام يمكن ان يذكر في مقامين: أحدهما بيان كثرة معاصيه وعظمتها، وأن له معاصي أعظم من ذلك، وثانيهما بيان حقارة هذا الذنب، وعدم الاعتناء به، وكأنه محمول على الوجه الاخير.


(1) الكافي ج 2 ص 287 (*).

[346]

30 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: لا تستكثروا كثير الخير، ولا تستقلوا قليل الذنوب، فان قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيرا. وخافوا الله في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف (1). بيان: " في السر " أي في الخلوة أو في القلب وعلى الاول التخصيص لان الاخلاص فيه أكثر، ولاستلزامه الخوف في العلانية ايضا " حتى تعطوا " أي حتى يبلغ خوفكم درجة تصير سببا لاعطاء الانصاف والعدل من انفسكم للناس، ولا ترضون لهم ما لا ترضون لانفسكم أو حتى تعطوا الانصاف من أنفسكم أنكم تخافون الله وليس عملكم لرئاء الناس وكأن الاول اظهر. 31 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال والحجال جميعا، عن ثعلبة، عن زياد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء فقال لاصحابه: ائتونا بحطب، فقالوا: يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال: فليأت كل إنسان بما قدر عليه، فجاؤا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال: إياكم والمحقرات من الذنوب، فان لكل شئ طالبا، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (2). بيان: " بأرض قرعاء " أي لا نبات ولا شجر فيها، تشبيها بالرأس الاقرع وفي القاموس: قرع كفرح ذهب شعر رأسه وهو اقرع، وهي قرعاء، والجمع قرع وقرعان بضمهما ورياض قرع بالضم بلا كلأ، وفي النهاية: القرع بالتحريك هو أن يكون في الارض ذات الكلاء موضع لا نبات فيها كالقرع في الرأس " حتى رموا بين يديه " اي كثر وارتفع، والطالب للذنوب هو الله سبحانه وملائكته " ما قدموا "


(1) الكافي ج 2 ص 287. (2) الكافي ج 2 ص 288 (*).

[347]

أي أسلفوا في حياتهم " وآثارهم " ما بقي عنهم بعد مماتهم يصل إليهم ثمرته إما حسنة كعلم علموه أو حبيس وقفوه، أو سيئة كاشاعة باطل وتأسيس ظلم أو نحو ذلك. والامام المبين اللوح المحفوظ، وقيل: القرآن وقيل: كتاب الاعمال، وفي كثير من الاخبار أنه أمير المؤمنين عليه السلام وكأنه من بطون الاية، وأما قوله: " أحصيناه " فيحتمل أن يكون في الاصل أحصاه فصحف النساخ موافقا للآية، أو هو على سبيل الحكاية، وقرأ بعض الافاضل نكتب بالنون موافقا للآية فيكون لفظ الاية خبرا أي طالبها هذه الاية على الاسناد المجازي وله وجه، لكنه مخالف للمضبوط في النسخ. 32 - لى: قال الصادق عليه السلام: إن كانت العقوبة من الله عزوجل النار فالمعصية لماذا ؟ (1). 33 - مع (2) لى: عن الصادق عليه السلام عن آبائه، عن النبي صلى الله عليهم قال: أزهد الناس من اجتنب الحرام، وأشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب (3). 34 - لى: ابن المغيرة، عن جده، عن جده، عن السكوني، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار ؟ (4). 35 - لى: الطالقاني والعسكري معا، عن الجلودي، عن الجوهري، عن علي بن حكيم، عن الربيع بن عبد الله، عن عبد الله بن الحسن، عن زيد بن علي عن أبيه عليه السلام قال: يقول الله عزوجل: إذا عصاني من خلقي من يعرفني، سلطت عليه من لا يعرفني (5).


(1) أمالى الصدوق ص 6. (2) معاني الاخبار ص 195. (3) أمالى الصدوق ص 14. (4) أمالى الصدوق ص 109. (5) أمالى الصدوق ص 138 (*).

[348]

36 - لى: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاذ الجوهري، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل قال: قال الله جل جلاله: من أذنب ذنبا صغيرا أو كبيرا وهو لا يعلم أن لي أن أعذبه أو أعفو عنه لا غفرت له ذلك الذنب أبدا، ومن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا وهو يعلم أن لي أن أعذبه أو أعفو عنه عفوت عنه (1). 37 - لى: عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن المغيرة ومحمد بن سنان معا، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي يقول: ما شئ أفسد للقلب من الخطيئة إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أسفله أعلاه وأعلاه أسفله (2). ما: عن الغضائري، عن الصدوق مثله (3). 38 - لى: عن الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، وإنه لينظر إلى أزواجه وإخوانه في الجنة (4). 39 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من يطع الشيطان يعص الله، ومن يعص الله يعذبه الله (5). 40 - فس: " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس " (6) قال: في البر فساد الحيوان إذا لم يمطروا، وكذلك هلاك دواب البحر بذلك


(1) امالي الصدوق ص 172. (2) أمالى الصدوق ص 239. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 53. (4) امالي الصدوق ص 247. (5) امالي الصدوق ص 293. (6) الروم: 41.

[349]

وقال الصادق عليه السلام: حياة دواب البحر بالمطر، فإذا كفت المطر ظهر الفساد في البر والبحر وذلك إذا كثرت الذنوب والمعاصي (1). 41 - ب: عن ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الدعاء يرد القضاء، وإن المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق (2). 42 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن ابن معروف، عن ابي شعيب رفعه إلى ابي عبد الله عليه السلام قال: أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام، أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب (3). 43 - مع (4) ل: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن الله أخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه وأنت لا تعلم (5). 44 - ل: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من علامات الشقاء جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الرزق والاصرار على الذنب (6). 45 - ل: عن ابن الوليد، عن الحميري، عن ابن صدقة، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع يمتن القلب: الذنب على الذنب وكثرة مناقشة النساء يعني محادثتهن، ومماراة الاحمق تقول ويقول ولا يرجع إلى خير، ومجالسة الموتى، فقيل له: يا رسول الله وما الموتى ؟ قال: كل


(1) تفسير القمى: 504. (2) قرب الاسناد ص 24، ط النجف. (3) الخصال ج 1 ص 11. (4) معاني الاخبار ص 112. (5) الخصال ج 1 ص 99. (6) الخصال ج 1 ص 115 (*).

[350]

غني مترف (1). 46 - ثو (2) ل: عن أبيه، عن سعد، عن الحسن بن علي الكوفي، عن ابن معروف، عن رجل، عن مندل ابن علي العنزي، عن محمد بن مطرف، عن مسمع عن أصبغ بن نباتة، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا غضب الله عزوجل على أمة ولم ينزل بها العذاب، غلت اسعارها، وقصرت أعمارها، ولم تربح تجارها، ولم تزك ثمارها، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، و سلط عليها شرارها (3). 47 - ل: الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: توقوا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب حتى الخدش والكبوة والمصيبة، قال الله عزوجل: " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " (4). وقال عليه السلام: باب باب التوبة مفتوح لمن أرادها " فتوبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم " وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم فما زالت نعمة ولا نضارة عيش إلا بذنوب اجترحوا إن الله ليس بظلام للعبيد، ولو أنهم استقبلوا ذلك بالدعاء والانابة، لم تنزل، ولو أنهم إذا نزلت بهم النقم وزالت عنهم النعم فزعوا إلى الله عزوجل بصدق من نياتهم ولم يهنوا نولم يسرفوا لاصلح الله لهم كل فاسد ولرد عليهم كل صالح (5). وقال عليه السلام: ما من الشيعة عبد يقارف أمرا نهيناه عنه فيموت حتى يبتلي ببلية تمحص بها ذنوبه، إما في مال وإما في ولد وإما في نفسه حتى يلقى الله عزوجل وماله ذنب، وإنه ليبقى عليه الشئ من ذنوبه، فيشدد به عليه


(1) الخصال ج 1 ص 108. (2) ثواب الاعمال ص 229. (3) الخصال ج 2 ص 12. (4) الخصال ج 2 ص 158، والاية في سورة الشورى: 30. (5) الخصال ج 2 ص 163 (*).

[351]

عند موته (1). وقال عليه السلام: لا تستصغروا قليل الاثام، فان الصغير يحصى ويرجع إلى الكبير (2). وقال عليه السلام: احذروا الذنوب فان العبد ليذنب فيحبس عنه الرزق (3). 48 - لى: أبي، عن الحميري، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن علي ابن معبد، عن علي بن سليمان، عن فطر بن خليفة، عن الصادق عليه السلام قال: لما نزلت هذه الاية " والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم " (4) صعد إبليس جبلا بمكة يقال له ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه، فقالوا يا سيدنا لم دعوتنا ؟ قال: نزلت هذه الاية فمن لها ؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، قال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذلك فقال: لست لها فقال الوسواس الخناس أنا لها، قال: بماذا ؟ قال: أعدهم وأمنيهم حتى يواقعوا الخطيئة فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار فقال: أنت لها، فوكله بها إلى يوم القيامة (5). 49 - ن: عن المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي العسكري، عن آبائه عليهم السلام قال: كتب الصادق عليه السلام إلى بعض الناس: إن اردت أن يختم بخير عملك حتى تقبض وأنت في أفضل الاعمال، فعظم لله حقه: أن تبذل نعماءه في معاصيه، وأن تغتر بحلمه عنك، وأكرم كل من وجدته يذكرنا أو ينتحل مودتنا، ثم ليس عليك، صادقا كان أو كاذبا، إنما لك نيتك وعليه كذبه (6).


(1) الخصال ج 2 ص 169. (2) الخصال ج 2 ص 158. (3) الخصال ج 2 ص 161. (4) آل عمران: 135. (5) أمالى الصدوق: 278، وأخرجه في كتاب السماء والعالم ص 615 ط الكمبانى. (6) عيون الاخبار ج 2 ص 4.

[352]

50 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم ما تنصفني: أتحبب إليك بالنعم، وتتمقت إلي بالمعاصي، خيري عليك منزل، وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح، يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم من الموصوف، لسارعت إلى مقته (1). صح عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام مثله (2). ما: المفيد، عن عمر بن محمد الزيات، عن علي بن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام: مثله (3). ما: جماعة، عن أبي المفضل،، عنابن مهرويه مثله (4). 51 - ما: عن الفحام، عن المنصوري، عن عمر بن أبي موسى، عن عيسى بن أحمد عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام: مثله وزاد في آخره: ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ولا أمحقك فيمن أمحق (5). 52 - ن: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا تزال أمتي بخير ما تحابوا وتهادوا، وأدوا الامانة، واجتنبوا الحرام، وقروا الضيف، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين (6). 53 - ن: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي من كرامة المؤمن على الله أنه لم يجعل لاجله وقتا حتى يهم ببائقة، فإذا هم ببائقة قبضه إليه.


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 28. (2) صحيفة الرضا ص 2. (3) امالي الطوسى ج 1 ص 125 و 126. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 183. (5) أمالى الطوسى ج 1 ص 285. (6) عيون الاخبار ج 2 ص 29 (*).

[353]

قال: وقال جعفر بن محمد عليه السلام: تجنبوا البوائق يمد لكم الاعمار (1). صح: عنه عليه السلام مثله (2). 54 - ن: بهذا الاسناد قال: قال الحسين بن علي عليه السلام: إن أعمال هذه الامة ما من صباح إلا وتعرض على الله عزوجل (3). صح: عنه عليه السلام مثله (ط). 55 - ن: من كلام الرضا عليه السلام المشهور قوله: الصغائر من الذنوب طرق إلى الكبائر، ومن لم يخف الله في القليل لم يخفه في الكثير، ولو لم يخوف الله الناس بجنة ونار لكان الواجب عليهم أن يطيعوه ولا يعصوه، لتفضله عليهم، وإحسانه إليهم وما بدأهم به من إنعامه الذي ما استحقوه (5). 56 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد قال: أبو عبد الله عليه السلام: إن الدعاء ليرد القضاء، وإن المؤمن ليذنب فيحرم به الرزق (6). 57 - ما: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن إبراهيم بن زياد، عن الصادق عليه السلام قال: إن الله تعالى إذا غضب على أمة ثم لم ينزل بها العذاب، أغلى أسعارها، وقصر أعمارها ولم تربح تجارها، ولم تغزر أنهارها، ولم تزك ثمارها، وسلط عليها شرارها وحبس عليها أمطارها (7).


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 36. (2) صحيفة الرضا ص 12. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 44. (4) صحيفة الرضا ص 35. (5) عيون الاخبار ج 2 ص 180. (6) أمالى الطوسى ج 1 ص 135. (7) أمالى الطوسى ج 1 ص 204 (*).

[354]

58 - ما: عن المفيد، عن عبد الله بن علي الموصلي، عن علي بن حاتم عن أحمد بن محمد الموصلي العاصمي، عن علي بن الحسين، عن العباس بن علي الشامي قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون أحدث لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون (1). ع: عن علي بن حاتم، عن أحمد بن محمد العاصمي وعلي بن محمد بن يعقوب العجلي، عن علي بن الحسين عليه السلام مثله (2). 59 - ما: عن الغضائري، عن التلعكبري، عن محمد بن همام، عن علي ابن الحسين الهمداني، عن محمد البرقي، عن محمد بن سنان، عن المفضل ابن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تعالى لم يجعل للمؤمن أجلا في الموت: يبقيه ما أحب البقاء، فإذا علم منه أنه سيأتي ما فيه بوار دينه قبضه إليه مكرما (3). قال أبو علي: فذكرت هذا الحديث لاحمد بن علي بن حمزة مولى الطالبيين وكان راوية للحديث فحدثني عن الحسين بن راشد الطفاوي، عن محمد بن القاسم ابن الفضيل بن يسار، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالاجال، ومن يعيش بالاحسان أكثر ممن يعيش بالاعمار (4) 60 - ع: عن القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن ابيه، عن مروان بن مسلم، عن الثمالي، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب (5). 61 - ع: عن ابن الوليد، عن الصغار، عن ابن معروف، عن الاصم، عن


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 333. (2) علل الشرائع ج 2 ص 210. (3) مكرها ظ كما يأتي. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 311. (5) علل الشرائع ج 1 ص 77 (*).

[355]

ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما من عبد إلا وعليه أربعون جنة، حتى يعمل أربعين كبيرة، فإذا عمل أربعين كبيرة انكشفت عنه الجنن فتقول الملائكة من الحفظة الذين معه: يا ربنا هذا عبدك قد انكشفت عنه الجنن فيوحي الله عزوجل إليهم أن استروا عبدي بأجنحتكم، فتستره الملائكة بأجنحتها فما يدع شيئا من القبيح إلا قارفه حتى يتمدح إلى الناس بفعله القبيح، فتقول الملائكة: يا رب هذا عبدك ما يدع شيئا إلا ركبه، وإنا لنستحيي مما يصنع فيوحي الله إليهم أن ارفعوا أجنحتكم عنه، فإذا [فعل ذلك] أخذ في بغضنا أهل البيت فعند ذلك يهتك الله ستره في السماء ويستره في الارض فتقول الملائكة: هذا عبدك قد بقي مهتوك الستر فيوحي الله إليهم: لو كان لي فيه حاجة ما أمرتكم أن ترفعوا أجنحتكم عنه (1). 62 - لى: في مناهي النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا تحقروا شيئا من الشر، وإن صغر في أعينكم، ولا تستكثروا الخير وإن كثر في أعينكم، فانه لا كبير مع الاستغفار ولا صغير مع الاصرار (2). 63 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن ابي عمير، عن أخي الفضيل، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: يا ليتني لا أواخذ إلا بهذا (3). 64 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إني لارجو النجاة لهذه الامة لمن عرف حقنا منهم إلا لاحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى، والفاسق المعلن (4). 65 - ع: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم


(1) علل الشرائع ج 2 ص 219. (2) أمالى الصدوق ص 260. (3) الخصال ج 1 ص 14. (4) الخصال ج 1 ص 59 (*).

[356]

الحسني، عن ابن ابي عمير، عن عبد الله بن الفضل، عن خاله محمد بن سليمان عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال لمحمد بن مسلم: يا محمد بن مسلم لا تغرنك الناس من نفسك، فان الامر يصل إليك دونهم، ولا تقطع النهار عنك بكذا وكذا. فان معك من يحصي عليك، ولا تستصغرن حسنة تعملها فانك تراها حيث تسرك، ولا تستصغرن سيئة تعمل بها فانك تراها حيث تسوؤك، وأحسن فاني لم ار شيئا قط أشد طلبا ولا اسرع دركا من حسنة محدثة لذنب قديم (1). 66 - ل: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن أبي عمير، عن ابن عميرة، عن الصادق عليه السلام قال: من لم يبال ما قال وما قيل فيه فهو شرك شيطان، ومن لم يبال أن يراه الناس مسيئا فهو شرك شيطان، ومن أغتاب أخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شرك شيطان، ومن شعف بمحبة الحرام وشهوة الزنا فهو شرك شيطان. ثم قال عليه السلام: إن لولد الزنا علامات أحدها بغضنا أهل البيت، وثانيها أنه يحن إلى الحرام الذي خلق منه، وثالثها الاستخفاف بالدين، ورابعها سوء المحضر للناس، ولا يسئ محضر إخوانه إلا من ولد على غير فراش أبيه، أو حملت به أمه في حيضها (2). 67 - ثو: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن عباس بن هلال، عن الرضا عليه السلام قال: المستتر بالحسنة تعدل سبعين حسنة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بالسيئة مغفور له (3). 68 - ثو: عن أبيه، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن إبراهيم، عن جعفر الجعفري، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أذنب ذنبا وهو ضاحك، دخل


(1) علل الشرائع ج 2 ص 280. (2) الخصال ج 1 ص 102 وتراه في المعاني ص 400. (3) ثواب الاعمال ص 162 (*).

[357]

النار وهو باك (1). 69 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من هم بالسيئة فلا يعملها فانه ربما عمل العبد السيئة فيراه الرب عزوجل فيقول: وعزتي وجلالي لا أغفر له أبدا (2). سن: أبي، عن ابن فضال مثله (3). 70 - ثو: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان، عن حماد بن عثمان، عن خلف بن حماد، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: إذا أخذ القوم في معصية الله عزوجل فان كانوا ركبانا كانوا من خيل إبليس، وإن كانوا رجالة كانوا من رجالته (4). سن: عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان مثله (5). 71 - ثو: عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الهيثم بن واقد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عزوجل بعث نبيا إلى قومه فأوحى الله إليه قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على طاعتي فأصابهم شر فانتقلوا عما أحب إلى ما أكره، إلا تحولت لهم عما يحبون إلى ما يكرهون (6). سن: عن ابن محبوب مثله (7).


(1) ثواب الاعمال ص 201. (2) ثواب الاعمال ص 216. (3) المحاسن ص 117. (4) ثواب الاعمال ص 226. (5) المحاسن ص 116. (6) ثواب الاعمال ص 226. (7) المحاسن ص 117 (*).

[358]

72 - ثو: عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الشك والمعصية في النار، ليسا منا ولا إلينا (1). 73 - ف: عن أبي محمد عليه السلام قال: من الذنوب التي لا تغفر [قول الرجل] (2): ليتني لم أواخذ إلا بهذا، ثم قال عليه السلام: الاشراك في الناس أخفى من دبيب النمل على المسح الاسود في الليلة المظلمة (3). 74 - سن: عن محمد بن علي، عن ابن فضال، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم صلاة الليل، وإن عمل الشر أسرع في صاحبه من السكين في اللحم (4). 75 - سن: (5) في رواية الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيدرأ عنه الرزق، وتلا هذه الاية: " إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون " (6). 76 - سن: في رواية بكر بن محمد الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن لينوي الذنب فيحرم الرزق (7). 77 - سن: عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: ما من سنة أقل مطرا من سنة ولكن الله عزوجل يضعه حيث يشاء إن الله إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدره لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم، وإلى الفيافي والبحار والجبال


(1) ثواب الاعمال ص 231. (2) زيادة أضفناها طبقا لما مر تحت الرقم 63 وما يأتي عن نسخة الغيبة للشيخ الطوسى. (3) تحف العقول ص 487، ط الاسلامية 517. (4 - 5) المحاسن ص 115. (6) القلم: 19. (7) المحاسن ص 116 (*).

[359]

وإن الله ليعذب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الارض التي هي بمحلتها لخطايا من بحضرتها، وقد جعل الله له السبيل إلى مسلك سوى محلة أهل المعاصي، قال: ثم قال أبو جعفر عليه السلام: فاعتبروا يا أولي الابصار (1). 78 - غط: عن سعد، عن ابي هاشم الجعفري قال: سمعت أبا محمد عليه السلام يقول: من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل: ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا، فقلت في نفسي: إن هذا لهو الدقيق، ينبغي للرجل أن يتفقد من أمره ومن نفسه كل شئ، فأقبل علي أبو محمد عليه السلام فقال: يا أبا هاشم صدقت فالزم ما حدثت به نفسك فان الاشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، ومن دبيب الذر على المسح الاسود (2). 79 - سن: عن عدة من أصحابنا، عن ابن اسباط، عن عمه يعقوب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من اجترأ على الله في المعصية، وارتكاب الكباير فهو كافر، ومن نصب دينا غير دين الله فهو مشرك (3). 80 - سن: عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي هاشم، عن عنبسة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يحب العبد أن يطلب إليه في الجرم العظيم ويبغض العبد أن يستخف بالجرم اليسير (4). 81 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم لا يغرنك ذنب الناس عن ذنبك، ولا نعمة الناس عن نعمة الله عليك، ولا تقنط الناس من رحمة الله تعالى وأنت ترجوها لنفسك (5).


(1) المحاسن ص 116. (2) غيبة الشيخ الطوسى ص 133. (3) المحاسن ص 209. (4) المحاسن ص 293. (5) صحيفة الرضا ص 4 (*).

[360]

82 - شى: عن أبي بصير قال: سمعته يقول: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا " (1) من زعم أن الخمر حرام ثم شربها، ومن زعم أن الزنا حرام ثم زنى، ومن زعم أن الزكاة حق ولم يؤدها (2). 83 - م: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عباد الله احذروا الانهماك في المعاصي والتهاون بها فان المعاصي تستولي الخذلان على صاحبها، حتى توقعه في رد ولاية وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ودفع نبوة نبي الله، ولا تزال ايضا بذلك حتى توقعه في دفع توحيد الله والالحاد في دين الله. 84 - جا: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف عن ابن مهزيار، عن النضر، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال: احذروا سطوات الله بالليل والنهار، فقلت: وما سطوات الله ؟ قال: أخذه على المعاصي (3). ين: النضر مثله. 85 - جا: بهذا الاسناد، عن ابن مهزيار، عن ابن فضال، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سمعته يقول: ما لكم تسوؤن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رجل: جعلت فداك وكيف نسوؤه ؟ قال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية الله ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله صلى الله عليه وآله وسروه (4). ين: عثمان بن عيسى مثله. 86 - ختص: قال الباقر عليه السلام: إن العبد ليسأل الحاجة من حوائج الدنيا فيكون من شأن الله قضاؤها إلى أجل قريب، أو وقت بطيئ، فيذنب العبد عند


(1) النساء: 137. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 281. (3) أمالى المفيد ص 117. (4) أمالى المفيد ص 123.

[361]

ذلك ذنبا فيقول الله للملك الموكل بحاجته: لا تنجز له حاجته واحرمه إياها فانه تعرض لسخطي واستوجب الحرمان مني (1). 87 - ختص: عن الصدوق، عن أبيه، عن ابن عامر، عن عمه، عن محمد بن زياد، عن ابن عميرة قال: قال الصادق عليه السلام: إن لله تبارك وتعالى على عبده المؤمن أربعين جنة، فمتى اذنب ذنبا [كبيرا] رفع عنه جنة، فإذا عاب أخاه المؤمن بشئ يعلمه منه انكشفت تلك الجنن عنه، ويبقى مهتوك الستر، فيفتضح في السماء على ألسنة الملائكة، وفي الارض على ألسنة الناس، ولا يرتكب ذنبا إلا ذكروه، ويقول الملائكة الموكلون به: يا ربنا قد بقي عبدك مهتوك الستر، وقد أمرتنا بحفظه فيقول عزوجل: ملائكتي لو اردت بهذا العبد خيرا ما فضحته، فارفعوا أجنحتكم عنه، فوعزتي لا يؤل بعدها إلى خير أبدا (2). 88 - ختص: عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نكتة بيضاء، فان اذنب وثنى خرج من تلك النكتة سواد، فان تمادي في الذنوب اتسع ذلك السواد حتى يغطي البياض فإذا غطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا وهو قول الله " كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " (3). 89 - ين: عن بعض أصحابنا، عن حنان بن سدير، عن رجل يقال له روزبه وكان من الزيدية، عن الثمالي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ما من عبد يعمل عملا لا يرضاه الهل إلا ستره الله عليه أولا، فإذا ثنى ستره الله عليه، فإذا ثلث أهبط الله ملكا في صورة آدمي يقول للناس: فعل كذا وكذا. 90 - ين: عن ابن محبوب، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود النبي عليه السلام أن ائت عبدي دانيال فقل له: إنك عصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، فان أنت


(1) الاختصاص: 31. (2) الاختصاص: 220. (3) الاختصاص: 243 والاية في سورة المطففين: 14 (*).

[362]

عصيتني الرابعة لم أغفر لك، قال: فأتاه داود عليه السلام فقال له: يا دانيال إني رسول الله إليك، وهو يقول لك: إنك عصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، وعصيتني فغفرت لك، فانأنت عصيتني الرابعة لم أغفر لك، فقال له دانيال: قد بلغت يا نبي الله. قال: فلما كان في السحر قام دانيال وناجي ربه فقال: يا رب إن داود نبيك أخبرني عنك أني قد عصيتك فغفرت لي، وعصيتك فغفرت لي، وعصيتك فغفرت لي وأخبرني عنك أني إن عصيتك الرابعة لم تغفر لي، فوعزتك لاعصينك ثم لاعصينك ثم لاعصينك إن لم تعصمني. 91 - محص: عن معاوية بن عمار قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وقد كانت الريح حملت العمامة عن رأسي في البدو، فقال: يا معاوية ! فقلت: لبيك جعلت فداك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: حملت الريح العمامة عن رأسك ؟ قلت: نعم قال: هذا جزاء من أطعم الاعراب. 92 - محص: عن ابي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام توقوا الذنوب، فما من بلية ولا نقص رزق إلا بذنب حتى الخدش والنكبة والمصيبة، فان الله يقول: " ومن أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " (1). 93 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرجل ليجلس على باب الجنة مقدار عام بذنب واحد وإنه لينظر إلى أكوابه وأزواجه (2). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: للمؤمن اثنان وسبعون سترا فإذا أذنب ذنبا انهتكت عنه ستر، فان تاب رده الله إليه وسبعة معه، وإن أبى إلا قدما قدما في المعاصي تهتكت عنه أستاره، فان تاب ردها الله إليه ومع كل ستر منها سبعة فان أبى إلا قدما قدما في المعاصي تهتكت أستاره وبقي بلا ستر وأوحى الله تعالى إلى


(1) الشورى: 30. (2) نوادر الراوندي ص 4 (*).

[363]

ملائكته أن استروا عبدي بأجنحتكم فان بني آدم يغيرون ولا يغيرون، وأنا أغير ولا أغير، فان ابى إلا قدما في المعاصي شكت الملائكة إلى ربها ورفعت أجنحتها وقالت: يا رب إن عبدك هذا قد أقذرنا مما يأتي من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، قال: فيقول الله تعالى لهم: كفوا عنه أجنحتكم، فلو عمل الخطيئة في سواد الليل أو في ضوء النهار أو في مفازة أو قعر بحر لاجراها الله تعالى على ألسنة الناس فاسألوا الله تعالى أن لا يهتك أستاركم (1). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن إبليس رضي منكم بالمحقرات والذنب الذي لا يغفر قول الرجل: لا أواخذ بهذا الذنب استصغارا له (2). 94 - ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن علي بن الحسين بن حمزة العلوي، عن عمه علي بن حمزة، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما اختلج عرق ولا عثرت قدم إلا بما قدمت ايديكم وما يعفو الله عنه أكثر (3). 95 - ما: عن الغضايري، عن التلعكبري، عن محمد بن همام، عن محمد بن علي بن الحسين الهمداني، عن محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تعالى لم يجعل للمؤمن أجلا في الموت يبقيه ما أحب البقاء، فإذا علم أنه سيأتي بما فيه بوار دينه قبضه إليه مكرها. قال محمد بن همام: فذكرت هذا الحديث لاحمد بن علي بن حمزة مولى الطالبيين وكان راوية للحديث، فحدثني عن الحسين بن أسد الطفاوي، عن محمد ابن القاسم بن فضيل بن يسار، عن رجل، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالاجال، ومن يعيش بالاحسان أكثر ممن يعيش


(1) نوادر الراوندي ص 6. (2) نوادر الراوندي ص 17. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 183 (*).

[364]

بالاعمار (1). 96 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لو لم يتوعد الله على معصيته لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمه (2). وقال عليه السلام: ترك الذنب أهون من طلب التوبة (3). وقال عليه السلام: اتقوا معاصي الله في الخلوات، فان الشاهد هو الحاكم (4). وقال عليه السلام: أقل ما يلزمكم لله ألا تستعينوا بنعمه على معاصيه (5). وقال عليه السلام: من العصمة تعذر المعاصي (6). وقال عليه السلام: اذكروا انقطاع اللذات، وبقاء التبعات (7). وقال عليه السلام: أشد الذنوب ما استخف به صاحبه (8). وقال عليه السلام: أيها الناس إن الدنيا تغر المؤمل لها، والمخلد إليها، ولا تنفس بمن نافس فيها، وتغلب من غلب عليها، وأيم الله ما كان قوم قط في غض نعمة من عيش فزال عنهم إلا بذنوب اجترحوها، لان الله تعالى ليس بظلام للعبيد ولو أن الناس حين تنزل بهم النقم، وتزول عنهم النعم، فزعوا إلى ربهم بصدق من نياتهم، ووله من قلوبهم، لرد عليهم كل شارد، وأصلح لهم كل فاسد (9). وقال عليه السلام: إن الله سبحانه لا يخفى عليه ما العباد مقترفون في ليلهم


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 311، وقد مر في ص 354 ايضا. (2) نهج البلاغة الرقم 290 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 170 من الحكم. (4) نهج البلاغة الرقم 324 من الحكم. (5) نهج البلاغة الرقم 330 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 345 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 433 من الحكم. (8) نهج البلاغة الرقم 477 من الحكم. (9) نهج البلاغة الرقم 176 من الخطب (*).

[365]

ونهارهم، لطف به خبرا، وأحاط به علما، أعضاؤكم شهوده، وجوارحكم جنوده وضمائركم عيونه، وخلواتكم عيانه (1). 97 - كنز الكراجكى: عن المفيد، عن عمر بن محمد المعروف بابن الزيات عن علي بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل: يا ابن آدم ما تنصفني أتحبب إليك بالنعم، وتتبغض إلي بالمعاصي، خيري إليك نازل، وشرك إلي صاعد، أفي كل يوم يأتيني عنك ملك كريم بعمل غير صالح، يا ابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك، وأنت لا تدري من الموصوف لسارعت إلى مقته (2). ومنه: قال الصادق عليه السلام: تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة والاعتلال على الله هلكة، والاصرار على الذنب أمن لمكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. 98 - عدة الداعي: روي في زبور داود عليه السلام: يقول الله تعالى: يا ابن آدم تسألني وأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلح علي بالمسألة فأعطيك ما سألت، فتستعين به على معصيتي، فأهم بهتك سترك فتدعوني فاستر عليك، فكم من جميل أصنع معك، وكم من قبيح تصنع معي، يوشك أن أغضب عليك غضبة لا ارضى بعدها أبدا. وفيما أوحى الله إلى عيسى عليه السلام لا يغرنك المتمرد علي بالعصيان، يأكل رزقي، ويعبد غيري، ثم يدعوني عند الكرب فأجيبه، ثم يرجع إلى ما كان عليه فعلي يتمرد ؟ أم لسخطي يتعرض ؟ فبي حلفت لاخذنه أخذة ليس له منها منجا، ولا دوني ملجأ، أين يهرب من سمائي وأرضي (3).


(1) نهج البلاغة الرقم 197 من الخطب. (2) تراه في أمالي الطوسى ج 1 ص 126. (3) عدة الداعي ص 152 (*).

[366]

- 138 - (باب) * " (علل المصايب والمحن والامراض والذنوب التي توجب) " * * " (غضب الله وسرعة العقوبة) " * الايات: آل عمران: أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند انفسكم إن الله على كل شئ قدير * وما اصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا (1). الاعراف: ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (2). وقال: وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون (3). التوبة: أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (4). الرعد: ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (5). الكهف: أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا * وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما (6). الانبياء: ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (7).


(1) آل عمران: 165 - 166. (2) الاعراف: 130. (3) الاعراف: 168. (4) براءة: 126. (5) الرعد: 31. (6) الكهف: 79 - 80. (7) الانبياء: 35 (*).

[367]

وقال تعالى: أفلا يرون أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (1). الروم: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (2). وقال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (3). التنزيل: ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الادنى دون العذاب الاكبر لعلهم يرجعون (4). حمعسق: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير * وما أنتم بمعجزين في الارض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (5). وقال: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان الانسان كفور (6). 1 - دعائم الاسلام: روينا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نزل في بعض أسفاره بأرض لا نبات بها فقال: اطلبوا لنا حطبا قالوا: يا رسول الله نحن كما ترى بأرض قرعاء، فقال: افترقوا واطلبوا على ذلك، فافترق الناس فجعل الرجل يأتي بالعودين والثلاثة وأكثر من ذلك كالخلال ونحوه مما تسفيه الريح حتى صار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك كوم عظيم، فقال: أردت أن أضرب لكم بهذا مثلا: هكذا تجتمع الحسنات وهكذا تجتمع السيئات فرحم الله امرءا نظر لنفسه. 2 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعن العدة، عن أحمد بن محمد جميعا، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبان، عن رجل، عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس إن أدركتموهن فتعوذوا بالله منهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، ولولا


(1) الانبياء: 44. (2) الروم: 36. (3) الروم: 41. (4) التنزيل: 21. (5) الشورى: 30 - 31. (6) الشورى: 48 (*).

[368]

البهايم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم وأخذوا بعض ما في أيديهم، ولم يحكموا بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم (1). بيان: " خمس " مبتدأ مع تنكيره مثل كوكب انقض الساعة، والجملة الشرطية خبره أو خمس فاعل فعل محذوف أي تكون خمس، والفاحشة الزنا، وفي القاموس السنة الجدب والقحط والارض المجدبة، والجمع سنون، وفي النهاية السنة الجدب، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا وأقحطوا، والمؤنة القوت، وشدة المؤنة ضيقها، وعسر تحصيلها. وقيل: يترتب على كل واحد منها عقوبة تناسبه، فان الاول لما كان فيه تضييع آلة النسل، ناسبه الطاعون الموجب لانقطاعه، والثاني لما كان القصد فيه زيادة المعيشة ناسبه القحط وشدة المؤنة وجور السلطان بأخذ المال وغيره، والثالث لما كان فيه منع ما أعطاه الله بتوسط الماء ناسبه منع نزول المطر من السماء، والرابع لما كان فيه ترك العدل والحاكم العادل ناسبه تسلط العدو وأخذ الاموال، والخامس لما كان فيه رفض الشريعة وترك القوانين العدلية ناسبه وقوع الظلم بينهم وغلبة بعضهم على بعض. وأقول: يمكن أن يقال: لما كان في الاول مظنة تكثير النسل، عاملهم الله بخلافه، وفي الثالث لما كان غرضهم توفير المال منع الله القطر ليضيق عليهم، واشار بقوله: " ولولا البهائم لم يمطروا " إلى أن البهايم لعدم صدور المعصية منهم وعدم تكليفهم استحقاقهم للرحمة أكثر من الكفرة، وأرباب الذنوب والمعاصي، كما دلت عليه قصة النملة، واستسقاؤها وقولها: اللهم لا تؤاخذنا بذنوب بني آدم، ويؤمي إليه قوله تعالى: " بل هم أضل سبيلا " (2). والمراد بنقض عهد الله وعهد رسوله نقض الامان والذمة التي أمر الله برعايتها والوفاء بها، وإذا خفرت الذمة أديل لاهل الشرك من أهل الاسلام، وهو الظاهر


(1) الكافي ج 2 ص 373. (2) الفرقان: 44 (*).

[369]

من الخبر الاتي أيضا، وقيل: هو نقض العهد بنصرة الامام الحق واتباعه في جميع الامور، والاول أظهر. ولما كان هذا الغدر للغلبة على الخصم بالحيلة والمكر يعاملهم الله بما يخالف غرضهم، فيجعل بأسهم بينهم، في القاموس البأس العذاب والشدة في الحرب، أي جعل عذابهم وحربهم بينهم يتسلط بعضهم على بعض، ويتغالبون ويتحاربون، ولا ينتصف بعضهم من بعض، وترتب هذا على الجور في الحكم ظاهر، ويحتمل أن يكون السبب أنهم إذا جاروا في الحكم وحكموا للظالم على المظلوم يسلط الله على الظالم ظالما آخر يغلبه، فيصير بأسهم وحربهم بينهم، وهذا ايضا مجرب. 3 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، والعدة، عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة، وإذا طفف المكيال والميزان أخذهم الله بالسنين والنقص، وإذا منعوا الزكاة منعت الارض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها، وإذا جاروا في الاحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد سلط الله عليهم عدوهم، وإذا قطعوا الارحام جعلت الاموال في أيدي الاشرار، وإذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، ولم يتبعوا الاخيار من أهل بيتي، سلط الله عليهم شرارهم، فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم (1). بيان: " في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله " صدر هذا الحديث في كتاب نكاح الكافي (2) وفيه " في كتاب علي عليه السلام " وهو اظهر، ولا تنافي بينهما لان مملي الكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله والكاتب علي عليه السلام، فيجوز نسبته إلى كل منهما، وعلى تقدير المغايرة يمكن وجدانه فيهما، وفي المصباح فجأت الرجل أفجاؤه مهموز من باب تعب وفي لغة بفتحتين جئته بغتة والاسم الفجاءة بالضم والمدو في لغة وزان تمرة وفجأه


(1) الكافي ج 2 ص 374. (2) الكافي ج 5 ص 541 وسيأتي ما يؤيده تحت الرقم 6 (*).

[370]

الامر مهموز من بابي تعب ونفع ايضا وفاجأه مفاجأة أي عاجله، وقال: الطفيف مثل القليل وزنا ومعنى، ومنه قيل تطفيف المكيال والميزان، وقد طففه، وهو مطفف، إذا كال أو وزن ولم يوف انتهى. وأقول: قال تعالى: " ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون " قال البيضاوي: التطفيف البخس في الكيل والوزن لان ما يبخس طفيف، أي حقير، وفي الحديث خمس بخمس: ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهر فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر، وقال: " على الناس " أي منهم " يستوفون " أي يأخذون حقوقهم وافية " وإذا كالوهم أو وزنوهم " أي كالوا للناس ووزنوا لهم (1). والمراد بالنقص نقص ريع الارض من الثمرات والحبوب كما قال سبحانه: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون " (2) " منعت الارض " على بناء المعلوم، فيكون المفعول الاول محذوفا أي منعت الارض الناس بركتها، أو المجهول، فيكون الفاعل هو الله تعالى والجور نقيض العدل وهذه الفقرة تحتمل وجهين: الاول أن الجور في الحكم وترك العدل هو معاونة للظالم على المظلوم فلا يكون على سياق سائر الفقرات، وكأن النكتة فيه أن سوء اثره وهو الاختلال في نظام العالم لما كان ظاهرا اكتفى بتوضيح أصل الفعل، وإظهار قبحه. الثاني أن يكون المراد أنه تعالى بسبب هذا الفعل يمنع اللطف عنهم فيتعاونون على الظلم والعدوان، حتى يصل ضرره إلى الحاكم والظالم ايضا كما قال عليه السلام في الخبر السابق: " جعل الله بأسهم بينهم " والظاهر أن المراد بالعهد


(1) أنوار التنزيل: 457. (2) الاعراف: 130 (*).

[371]

المعاهدة مع الكفار كما عرفت، ويحتمل التعميم، وكون قطع الارحام سببا لجعل الاموال في أيدي الاشرار مجرب وله أسباب باطنة وظاهرة، فعمدة الباطنة قطع لطف الله تعالى عنهم، ومن الظاهرة أنهم لا يتعاونون في دفع الظلم، فيتسلط عليهم الاشرار، ويأخذون الاموال منهم، ومنها أنهم يدلون بأموالهم إلى الحكام الجائرين لغلبة بعضهم على بعض، فينتقل أموالهم إليهم. " وإذا لم يأمروا بالمعروف " قيل: يحتمل ترتب التسليط على ترك كل واحد منهما أو تركهما معا، وأقول: الثاني اظهر مع أن كلا منهما يستلزم الاخر فان ترك كل معروف منكر، وترك كل منكر معروف، والمراد بالخيار الفاعلون للمعروف الامرون به، والتاركون للمنكر الناهون عنه، وعدم استجابة دعائهم لاستحكام الغضب وبلوغه حد الحتم والابرام، ألا يرى أنه لم تقبل شفاعة خليل الرحمن عليه السلام لقوم لوط ؟ ويحتمل أن يكون المراد بالخيار الذين لم يتركوا المعروف ولم يرتكبوا المنكر لكنهم لم يأمروا ولم ينهوا. فعدم استجابة دعائهم لذلك كأصحاب السبت فان العذاب نزل على المعتدين والذين لم ينهوا معا، وعدم استجابة دعاء المؤمنين لظهور القائم عليه السلام يحتمل الوجهين. واعلم أن عمدة ترك النهي عن المنكر في هذه الامة ما صدر عنهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله في مداهنة خلفاء الجور، وعدم اتباع أئمة الحق عليهم فتسلط عليهم خلفاء الجور من التيمي والعدوي وبني أميه وبني العباس، وسائر الملوك الجائرين، فكانوا يدعون ويتضرعون فلا يستجاب لهم، وربما يخص الخبر بذلك لقوله: " ولم يتبعوا الاخيار من أهل بيتي " والتعميم أولى. 4 - ب: عن هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أنزل كتابا من كتبه على نبي من أنبيائه، وفيه أنه سيكون خلق من خلقي يلحسون الدنيا بالدين، يلبسون مسوك الضأن على قلوب كقلوب الذئاب أشد مرارة من الصبر، ألسنتهم أحلا من العسل، وأعمالهم الباطنة أنتن من الجيف أفبي يغترون ؟ أم إياي يخدعون ؟ أم علي يتجبرون ؟ فبعزتي حلفت لابتعثن

[372]

لهم الفتنة تطأ في خطامها حتى تبلغ أطراف الارض يترك الحكيم فيها حيران (1). 5 - لى: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك ابن عطية، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أما إنه ليس من سنة أقل مطرا من سنة، ولكن الله يضعه حيث يشاء، إن الله جل جلاله إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم، وإلى الفيافي والبحار والجبال، وإن الله ليعذب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الارض التي هي بمحلتها لخطايا من بحضرتها وقد جعل الله لها السبيل إلى مسلك سوى محلة أهل المعاصي قال: ثم قال أبو جعفر عليه السلام: فاعتبروا يا أولي الابصار. ثم قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا ظهر الزنا كثر موت الفجأة، وإذا طفف المكيال أخذهم الله بالسنين والنقص، وإذا منعوا الزكاة منعت الارض بركتها من الزرع والثمار والمعادن كلها، وإذا جاروا في الاحكام تعاونوا على الظلم والعدوان، وإذا نقضوا العهد سلط الله عليهم عدوهم وإذا قطعوا الارحام جعلت الاموال في أيدي الاشرار، وإذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر ولم يتبعوا الاخيار من أهل بيتي سلط الله عليهم شرارهم فيدعو عند ذلك خيارهم فلا يستجاب لهم (2). 6 - ما: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن ابيه، عن الصفار، عن محمد ابن عيسى، عن ابن أبي عمير عن ابن عطية، عن الثمالي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: وجدت في كتاب علي بن ابي طالب عليه السلام إلى آخر ما مر (3) ع: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن ابن محبور عن ابن عطية، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام من قوله: وجدنا في كتاب علي


(1) قرب الاسناد: 22. (2) أمالى الصدوق: 185. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 214 (*).

[373]

عليه السلام إلى آخر الخبر (1). ثو: عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب مثله (2). 7 - جا (3) ما: المفيد: عن عمر بن محمد الزيات، عن عبد الله بن جعفر عن مسعر بن يحيى، عن شريك بن عبيدالله، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبيه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة من الذنوب تعجل عقوبتها ولا تؤخر إلى الاخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الاحسان (4). 8 - جا (5) ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن ياسر، عن الرضا عليه السلام قال: إذا كذب الولاة حبس المطر، وإذا جار السلطان هانت الدولة، وإذا حبست الزكاة ماتت المواشي (6). 9 - ما: عن حمويه، عن أبي الحسين، عن أبي خليفة، عن أبي الوليد وأبي كثير معا، عن شعبة، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم، عن ابن عباس قال: ما ظهر البغي قط في قوم إلا ظهر فيهم الموتان، ولا ظهر البخس في الميزان [إلا وظهر فيهم الخسران] والفقر - قال أبو خليفة: عن ابي كثير إلا ابتلوا بالسنة - ولا ظهر نقض العهد في قوم إلا اديل عليهم عدوهم (7). 10 - ل: عن العطار، عن سعد، عن أحمد بن الحسين بن سعيد، عن الحسن ابن الحصين، عن موسى بن القاسم، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الله بن بكير


(1) علل الشرائع ج 2 ص 271. (2) ثواب الاعمال: 225. (3) مجالس المفيد: 148. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 13. (5) مجالس المفيد: 191. (6) أمالى الطوسى ج 1 ص 77. (7) أمالى الطوسى ج 2 ص 17 (*).

[374]

عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أربعة أسرع شئ عقوبة: رجل أحسنت إليه ويكافيك بالاحسان إليه إساءة، ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك، ورجل عاهدته على أمر فمن أمرك الوفاء له ومن أمره الغدر بك، ورجل يصل قرابته ويقطعونه (1). جا: عن الجعابي، عن الحسن بن عمر بن الحسن، عن جعفر بن محمد بن مروان، عن محمد بن إسماعيل الهاشمي، عن عبد المؤمن، عن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام عن جابر الانصاري، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله وفيه: ورجل تصل قرابته فيقطعك (2). كتاب الغايات: عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: أربع هن أسرع الاشياء عقوبة وذكر مثله مع ادنى تغيير في بعض الفاظه. ل: في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام مثله وزاد في آخره ثم قال صلى الله عليه وآله: يا علي من استولى عليه الضجر رحلت عنه الراحة (3). 11 - ع: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن المعلى، عن العباس بن العلا عن مجاهد، عن أبيه، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: الذنوب التي تغير النعم البغي والذنوب التي تورث الندم القتل، والتي تنزل النقم الظلم، والتي تهتك الستور شرب الخمر، والتي تحبس الرزق الزنا، والتي تعجل الفناء قطيعة الرحم، والتي ترد الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين (4). مع: عن أبيه، عن سعد، عن المعلى مثله (5).


(1) الخصال ج 1 ص 109. (2) مجالس المفيد: 106. (3) الخصال ج 1 ص 110. (4) علل الشرايع ج 2 ص 271. (5) معاني الاخبار: 269 (*).

[375]

ختص: عنه عليه السلام مثله (1). 12 - مع: عن القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول عن أبيه، عن عبد الله بن الفضل، عن أبيه، عن ابي خالد الكابلي قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول: الذنوب التي تغير النعم البغي على الناس، والزوال عن العادة في الخير واصطناع المعروف، وكفران النعم، وترك الشكر، قال الله عزوجل " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " (2) والذنوب التي تورث الندم قتل النفس التي حرم الله قال الله تعالى (3) في قصة قابيل حين قتل أخاه هابيل فعجز عن دفنه " فأصبح من النادمين " (4) وترك صلة القرابة حتى يستغنوا، وترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وترك الوصية، ورد المظالم، ومنع الزكاة، حتى يحضر الموت، وينغلق اللسان. والذنوب التي تنزل النقم عصيان العارف بالبغي، والتطاول على الناس والاستهزاء بهم، والسخرية منهم، والذنوب التي تدفع القسم إظهار الافتقار، والنوم عن العتمة، وعن صلاة الغداة، واستحقار النعم، وشكوى المعبود عزوجل. والذنوب التي تهتك العصم شرب الخمر، واللعب بالقمار، وتعاطي ما يضحك الناس من اللغو والمزاح، وذكر عيوب الناس، ومجالسة أهل الريب، والذنوب التي تنزل البلاء ترك إغاثة الملهوف، وترك معاونة المظلوم،، وتضييع الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والذنوب التي تديل الاعداء المجاهرة بالظلم وإعلان الفجور، وإباحة المحظور، وعصيان الاخيار، والانطباع (5) للاشرار. والذنوب التي تعجل الفناء، قطيعة الرحم، واليمين الفاجرة، والاقوال الكاذبة، والزنا، وسد طريق المسلمين، وادعاء الامامة بغير حق، والذنوب التي


(1) الاختصاص: 238. (2) الرعد: 12. (3) زاد في المصدر: قال الله تعالى: " ولا تقتلوا النفس التى حرم الله ". (4) المائدة: 34. (5) يعنى الانقياد (*).

[376]

تقطع الرجاء اليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والثقة بغير الله والتكذيب بوعد الله عزوجل. والذنوب التي تظلم الهوا السحر والكهانة، والايمان بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وعقوق الوالدين، والذنوب التي تكشف الغطاء الاستدانة بغير نية الاداء والاسراف في النفقة على الباطل، والبخل على الاهل والولد وذوي الارحام، وسوء الخلق، وقلة الصبر، واستعمال الضجر والكسل، والاستهانة بأهل الدين. والذنوب التي ترد الدعاء سوء النية، وخبث السريرة، والنفاق مع الاخوان وترك التصديق بالاجابة، وتأخير الصلوات المفروضات حتى تذهب أوقاتها، وترك التقرب إلى الله عزوجل بالبر والصدقة، واستعمال البذاء والفحش في القول والذنوب التي تحبس غيث السماء جور الحكام في القضا، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، ومنع الزكاة والقرض والماعون، وقساوة القلب على أهل الفقر والفاقة وظلم اليتيم والارملة، وانتهار السائل ورده بالليل (1). 13 - ثو: ابي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان الاحمر عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس إذا أدركتموها فتعوذوا بالله عزوجل منهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله عزوجل وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، ولم يحكموا بغير ما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم (2). 14 دعوات الراوندي: سمع ابن الكوا أمير المؤمنين عليه السلام يقول: أعوذ بالله من الذنوب التي تعجل الفناء، فقال: أيكون ذنب يعجل الفناء ؟ فقال: نعم


(1) معاني الاخبار: 270. (2) ثواب الاعمال: 226 (*).

[377]

قطعية الرحم، إن أهل بيت يكونون أتقياء، فيقطع بعضهم بعضا فيحرمهم الله وإن أهل بيت يكونون فجرة فيتواسون فيرزقهم الله. وقال النبي صلى الله عليه وآله: خمس إن أدركتموها فتعوذوا بالله منهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوها إلا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذنى مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكاة إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، ولم يحكموا بغير ما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم. 14 - عدة الداعي: روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله: أنه قال: اتقوا الذنوب فانها ممحقة للخيرات، إن العبد ليذنب الذنب فينسى به العلم الذي كان قد علمه، وإن العبد ليذنب الذنب فيمنع به من قيام الليل، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به الرزق، وقد كان هنيئا له، ثم تلا " إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة " إلى آخر الايات (1). - 139 - * (باب) * * " (الاملاء والامهال على الكفار والفجار، والاستدراج والافتتان) " * * " (زائدا على ما مر في كتاب العدل ومن يرحم الله *) " " (بهم على أهل المعاصي) " الايات: آل عمران: ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين * وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب (2).


(1) عدة الداعي: 151، والايات في سورة القلم: 17 - 19. (2) آل عمران: 178 - 179 (*).

[378]

وقال سبحانه: لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأويهم جهنم وبئس المهاد (1). المائدة: وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (2). الانعام: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (3). الاعراف: وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون * ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آبائنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون (4). التوبة: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (5). يونس: ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقائنا في طغيانهم يعمهون (6). وقال تعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (7). هود: وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (8). الرعد: ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (9). الحجر: ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون (10). النحل: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن


(1) آل عمران: 196 - 197. (2) المائدة: 71. (3) الانعام: 44. (4) الاعراف: 94 - 95. (5) براءة: 85. (6) يونس: 11. (7) يونس: 19. (8) هود: 48. (9) الرعد: 32. (10) الحجر: 3 (*).

[379]

يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (1). الكهف: وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (2). مريم: فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (3). طه: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (4). الانبياء: بل متعنا هؤلاء وآبائهم حتى طال عليهم العمر (5). وقال تعالى: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (6). الحج: فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير - إلى قوله تعالى: وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (7). المؤمنون: فذرهم في غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (8). الفرقان: ولكن متعتهم وآبائهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (9). الشعراء: أتتركون فيما هيهنا آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله وأطيعون (10). وقال تعالى: أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جائهم ما كانوا يوعدون * ما أعنى عنهم ما كانوا يمتعون (11). العنكبوت: ولولا أجل مسمى لجائهم العذاب، وليأتينهم بغتة وهم


(1) النحل: 61. (2) الكهف: 58. (3) مريم: 84. (4) طه: 129. (5) الانبياء: 44. (6) الانبياء: 111. (7) الحج: 44 - 48. (8) المؤمنون: 54 - 55. (9) الفرقان: 18. (10) الشعراء: 146 - 150. (11) الشعراء: 207 - 205 (*).

[380]

لا يشعرون (1). لقمان نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (2). فاطر: ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فان الله كان بعباده بصيرا (3). يس: وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون * إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (4). المؤمن: فلا يغررك تقلبهم في البلاد * كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5). السجدة: ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم (6). حمعسق: ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم (7). الزخرف: بل متعت هؤلاء وآبائهم حتى جائهم الحق ورسول مبين (8). الفتح: لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (9). الذاريات: وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين * فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (10). القلم: فذرني ومن يكذب بهذا الحديث * سنستدرجم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين (11). المدثر: ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين


(1) العنكبوت: 53. (2) لقمان: 24. (3) فاطر: 45. (4) يس: 43 - 44. (5) المؤمن: 4 - 5. (6) السجدة: 45. (7) الشورى: 21. (8) الزخرف: 29. (9) الفتح: 25. (10) الذاريات: 44 - 43. (11) القلم: 44 - 45 (*).

[381]

شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لاياتنا عنيدا (1). المرسلات: كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (2). الطارق: إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (3). 1 - لى: عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان عن إبراهيم بن زياد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أهبط ملكا إلى الارض فلبث فيها دهرا طويلا ثم عرج إلى السماء فقيل له: ما رأيت ؟ قال: رأيت عجايب كثيرة، وأعجب ما رأيت أني رأيت عبدا متقلبا في نعمتك، يأكل رزقك، ويدعي الربوبية، فعجبت من جرئته عليك ومن حلمك عنه، فقال الله جل جلاله: فمن حلمي عجبت ؟ قال: نعم، قال: قد أمهلته أربعمائة سنة لا يضرب عليه عرق، ولا يريد من الدنيا شيئا إلا ناله، ولا يتغير عليه فيها مطعم ولا مشرب (4). 2 - ل: عن ابن الوليد، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا، عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن مصعب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن لله عز وجل في كل يوم وليلة ملكا ينادي: مهلا مهلا عباد الله عن معاصي الله فلولا بهائم رتع، وصبية، رضع، وشيوخ ركع، لصب عليكم العذاب صبا ترضون به رضا (5). 3 - ع: الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن هارون، عن ابن صدقة عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله عزوجل إذا رأى أهل قرية قد أسرفوا في المعاصي، وفيها ثلاث نفر من المؤمنين ناداهم جل جلاله


(1) المدثر: 11 - 16. (2) المرسلات: 46. (3) الطارق: 15 - 17. (4) لا يوجد في الامالى. (5) الخصال ج 1 ص 64 (*).

[382]

وتقدست أسماؤه: يا أهل معصيتي لولا ما فيكم من المؤمنين المتحابين بجلالي العامرين بصلاتهم ارضي ومساجدي، المستغفرين بالاسحار خوفا مني، لانزلت بكم عذابي ثم لا أبالي (1). ع: عن أبيه، عن الحميري مثله (2). 4 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن العمركي. عن علي بن جعفر عن أخيه، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: إن الله عزوجل إذا أراد أن يصيب أهل الارض بعذاب قال: لولا الذين يتحابون بجلالي، ويعمرون مساجدي ويستغفرون بالاسحار لانزلت عذابي (3). ثو: عن أبيه، عن علي بن الحسن الكوفي، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام مثله (4). 5 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن علي بن الحكم عن ابن عميرة، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: إن الله عزوجل ليهم بعذاب أهل الارض جميعا حتى لا يريد أن يحاشى منهم أحدا إذا عملوا بالمعاصي، واجترحوا السيئات، فإذا نظر إلى الشيب ناقلي أقدامهم إلى الصلوات والولدان يتعلمون القرآن رحمهم وأخر عنهم ذلك (5). 6 - شى: عن يونس بن ظبيان، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا عمن لا يصلي من شيعتنا، ولو أجمعوا على ترك الصلاة لهلكوا وإن الله يدفع بمن يصوم منهم عمن لا يصوم من شيعتنا، ولو أجمعوا على ترك الصيام لهلكوا، وإن الله يدفع بمن يزكي من شيعتنا عمن لا يزكي منهم، ولو اجتمعوا


(1) علل الشرائع ج 1 ص 234. (2) علل الشرائع ج 2 ص 209. (3) علل الشرائع ج 1 ص 208. (4) ثواب الاعمال: 161. (5) علل الشرائع ج 2 ص 208 (*).

[383]

على ترك الزكاة لهلكوا، وإن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا عمن لا يحج منهم ولو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا، وهو قول الله تعالى: " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ولكن الله ذو فضل على العالمين " (1) فوالله ما أنزلت إلا فيكم، ولا عني بها غيركم (2). 7 - ختص: عن ربعي، عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما عذب الله قرية فيها سبعة من المؤمنين (3). 8 - نهج: قال عليه السلام: يا ابن آدم إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره (4). وقال عليه السلام: في كلام له: الحذر الحذر فوالله لقد ستر حتى كأنه غفر (5). وقال عليه السلام: كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله أحدا بمثل الاملاء له (6). وقال عليه السلام: أيها الناس ليراكم الله من النعمة وجلين كما يراكم من النقمة فرقين، إنه من وسع عليه في ذات يده، فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك اختبارا فقد ضيع مأمولا (7).


(1) البقرة: 251. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 135. (3) الاختصاص: 30. (4) نهج البلاغة الرقم 24 من الحكم. (5) نهج البلاغة الرقم 29 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 116 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 358 من الحكم (*).

[384]

- 140 - (باب) * " (النهى عن التعيير بالذنب أو العيب، والامر بالهجرة) " * * " (عن بلاد أهل المعاصي) " * الايات: النساء: إن الذين توفيهم الملئكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالواكنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها (1). العنكبوت: يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فاياي فاعبدون (2). الزمر: أرض الله واسعة (3). 1 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسين بن عثمان عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أنب مؤمنا أنبه الله في الدنيا والاخرة (4) بيان: قال الجوهري: أنبه تأنيبا عنفه ولامه، وتأنيبه عزوجل إما على الحقيقة ففي الاخر ظاهر، وفي الدنيا وإن لم يستمع لكن يفتضح عند الملاء الاعلى، ويعلمه باخبار المخبر الصادق وأمثال ذلك من نداء الله تعالى مع عدم سماعه كثيرة، والكل محمول على ذلك. وإما المراد به إفشاء عيوبه وابتلاؤه بمثله في الدنيا وعقابه على التأنيب في الاخرة على المشاكلة، أو تسمية المسبب باسم السبب. 2 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إسماعيل بن عمار، عن إسحاق عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أذاع فاحشة كان كمبتدئها، ومن عير مؤمنا بشئ لم يمت حتى يركبه (5). بيان: الفاحشة كل ما نهى الله عزوجل عنه، وربما يخص بما يشتد قبحه من الذنوب " كان كمبتدئها " أي فاعلها، وإنما عبر عنه بالمبتدئ لان المذيع كالفاعل، فهو بالنسبة إليه مبتدئ، ويحتمل أن يكون المراد بالفاحشة


(1) النساء: 97. (2) العنكبوت: 56. (3) الزمر: 10. (4 - 5) الكافي ج 2 ص 356 (*).

[385]

البدعة القبيحة، والمعنى من عمل بها وأفشاها بين الناس كان عليه كوزر من ابتدعها أولا، وهذا بالنظر إلى الابتداء أظهر، كالاول بالنسبة إلى الاذاعة. في القاموس بدأ به - كمنع - ابتدء، والشئ فعله ابتداء كأبداه وابتداه. وقد يقال: هذا الوعيد إنما هو في ذوي الهيئات الحسنة، وفيمن لم يعرف بأذية ولا فساد في الارض، وأما المولعبن بذلك، الذين ستروا غير مرة فلم يكفوا فلا يبعد القول بكشفهم، لان الستر عليهم من المعاونة على المعاصي وستر من يندب إلى ستره، إنما هو في معصية مضت، وأما في معصية هو متلبس بها، فلا يبعد القول بوجوب المبادرة إلى إنكارها، والمنع منها لمن قدر عليه، فان لم يقدر رفع إلى والي الامر، ما لم يؤد إلى مفسدة أشد. وأما جرح الشاهد والراوي والامناء على الاوقاف والصدقات وأموال الايتام فيجب الجرح عند الحاجة إليه، لانه تترتب عليه أحكام شرعية، ولو رفع إلى الامام مايندب الستر فيه لم يأثم، إذا كانت نيته رفع معصية الله لا كشف ستره وجرح الشاهد إنما هو عند طلب ذلك منه، أو يرى حاكما يحكم بشهادته، وقد علم منه ما يبطلها، فلا يبعد القول بحسن رفعه. 3 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن فضال، عن حسين بن عمر بن سليمان، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من لقي أخاه بما يؤنبه أنبه الله في الدنيا والاخرة (1). بيان: " بما يؤنبه " كأن كلمة " ما " مصدرية فالمستتر في " يؤنبه " راجع إلى " من " ويحتمل أن تكون موصولة فيحتمل إرجاع المستتر إلى " من " أيضا بتقدير العائد اي بما يؤنبه به، أو إلى ما نفي، والاسناد تجوز 4 - ما: المفيد، عن ابي غالب الزراري، عن جده محمد بن سليمان، عن محمد بن خالد، عن ابن حميد، عن الحذاء، عن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من


(1) الكافي ج 2 ص 356.

[386]

نفسه، وأن يعير الناس بما لا يستطيع تركه، وأن يوذي جليسه بما لا يعنيه (1). ل - العطار، عن سعد، عن البرقي، عن بكر بن صالح، عن ابن فضال عن عبد الله بن إبراهيم، عن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (2). 5 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة " (3) يقول: لا تطيعوا أهل الفسق من الملوك فان خفتموهم أن يفتنوكم على دينكم فان أرضي واسعة، وهو يقول: " فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض " فقال " ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها " (4). 6 - ل: عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن ابن عيينة، عن الزهري عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان آخر ما أوصى به الخضر موسى بن عمران عليهما السلام أن قال له: لا تعيرن أحدا بذنب، وإن أحب الامور إلى الله عزوجل ثلاثة: القصد في الجدة، والعفو في المقدرة، والرفق بعباد الله، وما رفق أحد بأحد في الدنيا إلا رفق الله عزوجل به يوم القيامة، ورأس الحكم مخافة الله تبارك وتعالى (5). أقول: قد مضى في باب جوامع مساوي الاخلاق، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: سبعة يفسدون أعمالهم، وذكر منهم السريع إلى لائمة إخوانه (6). 7 - ص: عن الصدوق، عن محمد العطار، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، وعن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن سدير عن ابي جعفر عليه السلام قال: لما فارق موسى الخضر عليه السلام قال موسى: أوصني ! فقال


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 105. (2) الخصال ج 1 ص 54. (3) العنكبوت: 56. (4) تفسير القمى: 497 والاية في النساء: 97. (5) الخصال ج 1 ص 54. (6) راجع ج 72 ص 195، نقله عن الخصال ج 2 ص 5 (*).

[387]

الخضر: الزم مالا يضرك معه شئ، كما لا ينفعك من غيره شئ، إياك واللجاجة والمشي إلى غير حاجة، والضحك في غير تعجب، يا ابن عمران ! لا تعيرن أحدا بخطيئة، وابك على خطيئتك. 8 - نهج: ليس بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك (1). - 141 - (باب) * " (وقت ما يغلظ على العبد في المعاصي) " * " (واستدراج الله تعالى) " الايات: فاطر: وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجائكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (2). أقول: قد مضى بعض أخبار الاستدراج في باب الاملاء والامهال على الكفار والفجار والاستدراج فلا تغفل. 1 - ع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السمط قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أراد الله عزوجل بعبد خيرا فأذنب تبعه بنقمة ويذكره الاستغفار، وإذا أراد الله بعبد شرا فأذنب ذنبا تبعه بنعمة لينسيه الاستغفار، ويتمادى به، وهو قول الله عزوجل " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " (3) بالنعم عند المعاصي (4).


(1) نهج البلاغة الرقم 442، من الحكم. (2) فاطر: 37. (3) الاعراف: 182. (4) علل الشرائع ج 2 ص 248، وفي الكافي ج 2 ص 452، باب الاستدراج مثل ذلك وشرحه في مرآت العقول ج 2 ص 423 (*).

[388]

2 - ل: أبي، عن سعد، عن البرقي رفعه إلى ابي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر " (1) قال: توبيخ لابن ثمان عشرة سنة (2). 3 - ثو (3) ل: أبي، عن سعد، عن سلمة بن الخطاب، عن أحمد بن عبد الرحمان عن إسماعيل بن عبد الخالق، عن محمد بن طلحة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله ليكرم ابن السبعين ويستحيي من ابن الثمانين (4). 4 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن هاشم، عن محمد بن علي المنقري، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن ابي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عمر أربعين سنة سلم من الادواء الثلاثة: من الجنون، والجذام، والبرص، ومن عمر خمسين سنة رزقه الله الانابة إليه، ومن عمر ستين سنة هون الله حسابه يوم القيامة، ومن عمر سبعين سنة كتبت حسناته ولم تكتب سيئاته، ومن عمر ثمانين سنة غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومشى على الارض مغفورا له، وشفع في أهل بيته (5). 5 - لى: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن داود بن النعمان، عن سيف التمار، عن أبي بصير قال: قال الصادق عليه السلام: إن العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة، فإذا بلغ أربعين سنة أوحى الله عزوجل إلى ملكيه: إني قد عمرت عبدي عمرا فغلظا وشددا وتحفظا، واكتبا عليه قليل عمله وكثيره، وصغيره وكبيره (6). ل: عن ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن محمد بن السندي، عن علي بن الحكم مثله (7).


(1) فاطر: 37. (2) الخصال ج 2 ص 96. (3) ثواب الاعمال: 171. (4) الخصال ج 2 ص 115. (5) الخصال ج 2 ص 114. (6) أمالى الصدوق: 23. (7) الخصال ج 2 ص 115 (*).

[389]

6 - ل: بهذا الاسناد، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا بلغ العبد ثلاثا وثلاثين سنة، فقد بلغ اشده، وإذا بلغ أربعين سنة فقد بلغ منتهاه فإذا طعن في إحدى وأربعين فهو في النقصان وينبغي لصاحب الخمسين أن يكون كمن كان في النزع (1). 7 - ل: بهذا الاسناد، عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إذا أتت على العبد أربعون سنة قيل له: خذ حذرك، فانك غير معذور، وليس ابن أربعين سنة أحق بالعذر من ابن عشرين سنة، فان الذي يطلبهما واحد، وليس عنهما براقد فاعمل لما أمامك من الهول، ودع عنك فضول القول (2). 8 - ل: عن أبيه، عن العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن ابن معروف عن ابن أبي نجران، عن محمد بن القاسم، عن علي بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا بلغ المرء أربعين سنة آمنه الله عزوجل من الادواء الثلاثة الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين خفف الله حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الانابة إليه، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين أمر الله باثبات حسناته وإلقاء سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكتب اسير الله في ارضه (3). ثو: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف مثله (4). 9 - ل: وفي حديث آخر فإذا بلغ المائة فذلك أرذل العمر، وروي أن أرذل العمر أن يكون عقله عقل ابن سبع سنين (5). 10 - ل: عن محمد بن الفضل، عن محمد بن إسحاق المذكر، عن محمد بن يعقوب الاصم، عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن المهاجر، عن ابن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من معمر يعمر


(1 - 3) الخصال ج 2 ص 115. (4) ثواب الاعمال: 171. (5) الخصال ج 1 ص 115 (*).

[390]

أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين لين الله عليه حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله الانابة إليه بما يحب ويرضى، فإذا بلغ السبعين أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وسمي أسير الله في أرضه، وشفع في أهل بيته (1). ل: عن ابن بندار، عن أبي العباس الحمادي، عن محمد بن علي الصائغ عن إبراهيم بن المنذر، عن عبد الله بن محمد بن حسين، عن محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (2). 11 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن سلمة بن الخطاب، عن علي بن الحسين عن أحمد بن محمد المؤدب، عن عاصم بن حميد، عن خالد القلانسي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يستحيي من أبناء الثمانين أن يعذبهم. وقال عليه السلام: يؤتى بشيخ يوم القيامة فيدفع إليه كتابه ظاهره مما يلي الناس لا يرى إلا مساوي فيطول ذلك عليه، فيقول: يا رب أتأمر بي إلى النار فيقول الجبار جل جلاله: يا شيخ إني أستحيي أن أعذبك وقد كنت تصلي لي في دار الدنيا، اذهبوا بعبدي إلى الجنة (3). 12 - جع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى ينظر في وجه الشيخ المؤمن صباحا ومساء فيقول: يا عبدي كبر سنك، ودق عظمك، ورق جلدك، وقرب أجلك وحان قدومك علي فاستح مني فأنا أستحي من شيبتك أن أعذبك بالنار. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله جل جلاله: الشيبة نوري فلا أحرق نوري بناري. وعن حازم بن حبيب الجعفي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا بلغت ستين


(1 و 2) الخصال ج 2 ص 116. (3) الخصال ج 2 ص 115. (4) جامع الاخبار: 107 (*).

[391]

سنة فاحسب نفسك في الموتى. قال النبي صلى الله عليه وآله: أبناء الاربعين زرع قد دنى حصاده، أبناء الخمسين ماذا قدمتم وماذا أخرتم ؟ أبناء الستين هلموا إلى الحساب لا عذر لكم، أبناء السبعين عدوا أنفسكم من الموتى. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله ليكرم أبناء السبعين، ويستحيي من أبناء الثمانين أن يعذبهم (1). - 142 - * (باب) * * " (من أطاع المخلوق في معصية الخالق) " * 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من طلب رضى الناس بسخط الله جعل الله حامده من الناس ذاما (2). بيان: " من طلب رضى الناس بسخط الله " هذا النوع في الخلق كثير، بل أكثرهم كذلك كالذين تركوا متابعة أئمة الحق لرضا ائمة الجور وطلب ما عندهم، وكأعوان السلاطين الجائرين وعمالهم والمتقربين إليهم بالباطل، والمادحين لهم على قبائح أعمالهم، وكالذين يتعصبون للاهل والعشائر بالباطل، وكشاهد الزور والحاكم بالجور بين المتخاصمين طلبا لرضا أهل العزة والغلبة، والذين يساعدون المغتابين ولا ينزجرون عنها طلبا لرضاهم، ولئلا يتنفروا من صحيته وأمثال ذلك كثيرة. " وجعل حامده من الناس ذاما " اي بعد ذلك الحمد أو يحمدونه بحضرته ويذمونه في غيبته أو يكون المراد بالحامد من يتوقع منهم المدح.


(1) جامع الاخبار ص 140. (2) الكافي ج 2 ص 372 (*).

[392]

2 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن إسماعيل بن مهران عن يوسف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله كان حامده من الناس ذاما، ومن آثر طاعة الله بغضب الناس كفاه الله عداوة كل عدو، وحسد كل حاسد، وبغي كل باغ، وكان الله عزوجل له ناصرا وظهيرا (1). بيان: المرضاة مصدر ميمي " ومن آثر طاعة الله " اي في موضع غير التقية فانها طاعة الله في هذا الموضع، والظهير المعين. 3 - كا: عنه، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن ابي قرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كتب رجل إلى الحسين صلوات الله عليه: عظني بحرفين ؟ فكتب إليه: من حاول أمرا بمعصية الله كان أفوت لما يرجو، واسرع لمجئ ما يحذر (2). بيان: " بحرفين " اي بجملتين، وما ذكره عليه السلام مع العطف في حكم جملتين ويحتمل أن يكون الحرفان كناية عن الاختصار في الكلام، " من حاول " اي رام وقصد واللام في قوله: " لما يرجو " و " لمجئ " للتعدية. 4 - كا: عن ابي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن العلاء، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لا دين لمن دان بطاعة من عصى الله، ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله، ولا دين لمن دان بجحود شئ من آيات الله (3). بيان: " لادين " اي لا إيمان أو لا عبادة " لمن دان " أي عبد الله " بطاعة من عصى الله " اي غير المعصوم، فانه لا يجوز طاعة غير المعصوم في جميع الامور وقيل: من عصى الله من يكون حكمه معصية ولم يكن أهلا للفتوى " لمن دان " اي اعتقد، اي عبد الله بافتراء الباطل على الله، اي جعل هذا الافتراء عبادة أو جعل عبادته مبنية على الافتراء.


(1) الكافي ج 2 ص 372. (2 - 3) الكافي ج 2 ص 373 (*).

[393]

" بجحود شئ من آيات الله " اي أنكر شيئا من محكمات القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بالايات الائمة عليهم السلام. 5 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام عن جابر بن عبد الله [الانصاري] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أرضى سلطانا جائرا بسخط الله خرج من دين الله (1). بيان: يمكن حمله على من ارضى خلفاء الجور بانكار ائمة الحق أو شئ من ضروريات الدين. 6 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال امير المؤمنين عليه السلام: لا دين لمن دان بطاعة المخلوق في معصية الخالق (2). صح: عنه عليه السلام مثله (3). 7 - ن: بالاسناد إلى دارم، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أرضى سلطانا بما يسخط الله خرج من دين الله عزوجل (4). 8 - ل: عن العطار، عن أبيه، عن عبد الله بن محمد بن عيسى، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من طلب رضى الناس بسخط الله جعل الله حامده من الناس ذاما (5). 9 - ما: عن المفيد، عن ابي غالب الزراري، عن عمه علي بن سليمان عن الطيالسي، عن العلا، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا دين لمن دان بطاعة من عصى الله، ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله، ولا دين لمن دان


(1) الكافي ج 2 ص 373. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 43. (3) صحيفة الرضا عليه السلام: 34. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 69. (5) الخصال ج 1 ص 5 (*).

[394]

بجحود شئ من آيات الله (1). 10 - لى: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن صفوان، عن الكناني، عن الصادق عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: لا تسخطوا الله برضا أحد من خلقه، ولا تتقربوا إلى أحد من الخلق بتباعد من الله عزوجل، فان الله ليس بينه وبين أحد من الخلق شئ يعطيه به خيرا أو يصرف به عنه سوءا، إلا بطاعته وابتغاء مرضاته إن طاعة الله نجاح كل خير يبتغى، ونجاة من كل شر يتقى، وإن الله يعصم من أطاعه ولا يعتصم منه من عصاه، ولا يجد الهارب من الله مهربا فان أمر الله نازل باذلاله، ولو كره الخلائق، وكل ما هو آت قريب، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن (2). - 143 - (باب) * " (التكلف والدعوى) " * الايات: ص: وما أنا من المتكلفين (3). 1 - مص: قال الصادق عليه السلام: المتكلف مخطئ وإن أصاب، والمتطوع مصيب وإن أخطأ، والمتكلف لا يستجلب في عاقبة أمره إلا الهوان، وفي الوقت إلا التعب والعنا والشقاء، والمتكلف ظاهره رياء، وباطنه نفاق، فهما جناحان يطير بهما المتكلف. وليس في الجملة من أخلاق الصالحين ولا من شعار المتقين التكلف في أي باب كان، قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله: " قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين " وقال عليه السلام: نحن معاشر الانبياء والاولياء براء من التكلف.


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 76. (2) أمالى الصدوق: 293. (3) سورة ص: 86 (*).

[395]

فاتق الله واستقم نفسك يغنك عن التكلف، ويطبعك بطباع الايمان، ولا تشتغل بطعام آخره الخلا، ولباس آخره البلا، ودار آخرها الخراب، ومال آخره الميراث، وإخوان آخرهم الفراق، وعز آخره الذل، ووقار آخره الجفا وعيش آخره الحسرة (1). 2 - مص: قال الصادق عليه السلام: الدعوى بالحقيقة للانبياء والائمة والصديقين والائمة عليهم السلام وأما المدعي بغير واجب فهو كابليس اللعين، ادعى النسك وهو على الحقيقة منازع لربه، مخالف لامره، فمن ادعى أظهر الكذب، والكاذب لا يكون أمينا، ومن ادعى فيما لا يحل له فتح عليه ابواب البلوى، والمدعي يطالب بالبينة لا محالة، وهو مفلس فيفتضح، والصادق لا يقال له: لم. قال أمير المؤمنين عليه السلام: الصادق لا يراه أحد إلا هابه (2). 3 - نهج: من كابد الامور عطب ومن اقتحم اللجج غرق (3). - 144 - (باب الفساد) * 1 - مص: قال الصادق عليه السلام: فساد الظاهر من فساد الباطن، ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته، ومن خاف الله في السر لم يهتك ستره في العلانية وأعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن الله، وهذا الفساد يتولد من طول الامل والحرص والكبر كما أخبر الله عزوجل في قصة قارون في قوله: " ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين " (4) وكانت هذه الخصال من صنع قارون واعتقاده. وأصلها من حب الدنيا وجمعها، ومتابعة النفس وهواها، وإقامة


(1) مصباح الشريعة: 24. (2) مصباح الشريعة: 63. (3) نهج البلاغة الرقم 349 من الحكم. (4) القصص، 77 (*).

[396]

شهواتها، وحب المحمدة، وموافقة الشيطان، واتباع خطواته، وكل ذلك يجتمع بحسب الغفلة عن الله ونسيان مننه. وعلاج ذلك الفرار من الناس، ورفض الدنيا، وطلاق الراحة والانقطاع عن العادات، وقلع عروق منابت الشهوات، بدوام الذكر لله، ولزوم الطاعة له واحتمال جفاء الخلق. وملازمة القربى، وشماتة العدو من الاهل والقرابة فإذا فعلت ذلك فقد فتحت عليك باب عطف الله، وحسن نظره إليك بالمغفرة والرحمة وخرجت من جملة الغافلين، وفككت قلبك من أسر الشيطان، وقدمت باب الله في معشر الواردين إليه، وسلكت مسلكا رجوت الاذن بالدخول على الكريم، الجواد الملك الرحيم، واستيطاء بساطه على شرط الادب، ولا تحرم سلامته وكرامته لانه الملك الكريم الجواد الرحيم (1). - 145 - * (باب) * * " (القسوة والخرق والمراء والخصومة والعداوة) " * أقول: قد مر كثير من أخبار هذا الباب في مطاوي أبواب الكفر ومساوي الاخلاق كما لا يخفى. 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن حفص، عن إسماعيل ابن دبيس (2) عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا خلق الله العبد في أصل الخلقة كافرا لم يمت حتى يحبب الله إليه الشر فيقرب منه، فابتلاه بالكبر والجبرية فقسا قلبه، وساء خلقه، وغلظ وجهه، وظهر فحشه، وقل حياؤه وكشف الله ستره، وركب المحارم، فلم ينزع عنها، ثم ركب معاصي الله وأبغض طاعته، ووثب على الناس لا يشبع من الخصومات، فاسألوا الله العافية واطلبوها منه (3).


(1) مصباح الشريعة: 56. (2) خنيس خ ل. (3) الكافي ج 2 ص 330 (*).

[397]

بيان: قيل: قوله " كافرا " حال عن العبد، فلا يلزم أن يكون كفره مخلوقا لله تعالى. أقول: كأنه على المجاز، فانه تعالى لما خلقه عالما بأنه سيكفر فكأنه خلقه كافرا، أو الخلق بمعنى التقدير، والمعاصي يتعلق بها التقدير ببعض المعاني كما مر تحقيقه، وكذا تحبيب الشر إليه مجاز فانه لما سلب عنه التوفيق لسوء أعماله وخلى بينه وبين نفسه وبين الشيطان، فأحب الشر، فكأن الله حببه إليه قال سبحانه " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان " (1) وإن كان الظاهر أن الخطاب لخلص المؤمنين. " فيقرب منه " اي العبد من الشر أو الشر من العبد وعلى التقديرين كأنه كناية عن ارتكابه، وقال الجوهري: يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة مثال فروجه أي كبر (2) وغلظ الوجه كناية عن العبوس أو الخشونة وقلة الحياء " وكشف الله ستره " كناية عن ظهور عيوبه للناس، وقيل: المراد كشف ستره الحاجز بينه وبين القبايح، وهو الحياء، فيكون تأكيدا لما قبله، واقول: الاول اظهر كما ورد في الخبر. " وركب المحارم " اي الصغائر مصرا عليها لقوله " فلم ينزع عنها " أي لم يتركها " ثم ركب معاصي الله " أي الكبائر، وقيل: المراد بالاول الذنوب مطلقا، وبالثاني حبها أو استحلالها بقرينة قوله " وأبغض طاعته " لان بغض الطاعة يستلزم حب المعصية، أو المراد بها ذنوبه بالنسبة إلى الخلق، والوثوب على الناس كناية عن المجادلات والمعارضات. 2 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لمتان: لمة من الشيطان، ولمة من الملك


(1) الحجرات: 7. (2) الصحاح ص 608 (*).

[398]

فلمة الملك الرقة والفهم، ولمة الشيطان السهو والقسوة (1). بيان: قال الجزري: في حديث ابن مسعود لابن آدم لمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان: اللمة الهمة والخطرة تقع في القلب اراد إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان انتهى. " فلمة الملك الرقة والفهم " أي هما ثمرتها أو علامتها، والحمل على المجاز لان لمة الملك إلقاء الخير، والتصديق بالحق في القلب، وثمرتها رقة القلب وصفاؤها وميله إلى الخير، وكذا لمة الشيطان إلقاء الوساوس والشكوك والميل إلى الشهوات في القلب، وثمرتها السهو عن الحق والغفلة عن ذكر الله وقساوة القلب. 3 - كا: عن العدة عن أحمد بن محمد، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى رفعه قال: فيما ناجى الله عزوجل به موسى صلوات الله عليه: يا موسى لا تطول في الدنيا أملك، فيقسو قلبك، والقاسي القلب مني بعيد (2). بيان: " لا تطول في الدنيا أملك " تطويل الامل هو أن ينسى الموت، ويجعله بعيدا ويظن طول عمره أو يأمل أموالا كثيرة لا تحصل إلا في عمر طويل، وذلك يوجب قساوة القلب، وصلابته وشدته، أي عدم خشوعه وتأثره من المخاوف وعدم قبوله للمواعظ كما أن تذكر الموت يوجب رقة القلب ووجله عند ذكر الله، والموت والآخرة، قال الجوهري: قسا قلبه قسوة وقساوة وقساء وهو غلظ القلب وشدته وأقساه الذنب ويقال: الذنب مقساة القلب. 4 - كا: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن ابيه، عمن حدثه عن محمد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من قسم له الخرق يحجب عنه الايمان (3).


(1) الكافي ج 2 ص 330. (2) الكافي ج 2 ص 329. (3) الكافي ج 2 ص 321 (*).

[399]

بيان: الظاهر أن الخرق عدم الرفق في القول والفعل، في القاموس الخرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق وأن لا يحسن الرجل العمل، والتصرف في الامور والحمق، وفي النهاية: فيه الرفق يمن والخرق شؤم، الخرق بالضم الجهل والحمق انتهى وإنما كان الخرق مجانبا للايمان لانه يؤذي المؤمنين، والمؤمن من أمن المسلمون من يده ولسانه، ولانه لا يتهيأ له طلب العلم الذي به كمال الايمان وهو مجانب لكثير من صفات المؤمنين كما مر، ثم إنه إنما يكون مذموما إذا أمكن الرفق، ولم ينته إلى حد المداهنة في الدين، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: وارفق ما كان الرفق ارفق، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك - أي الرفق - إلا الشدة (1). 5 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إياكم والمراء والخصومة فانهما يمرضان القلوب على الاخوان، وينبت عليهما النفاق. وبإسناده قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ثلاث من لقي الله عزوجل بهن دخل الجنة من أي باب شاء: من حسن خلقه، وخشي الله في المغيب والمحضر، وترك المراء وإن كان محقا (2). وبإسناده قال: من نصب الله غرضا للخصومات، أوشك أن يكثر الانتقال (3). بيان: المراء بالكسر مصدر باب المفاعلة، وقيل: هو الجدال والاعتراض على كلام الغير، من غير غرض ديني، وفي مفردات الراغب: الامتراء والممارات المحاجة فيما فيه مرية، وهي التردد في الامر، وفي النهاية فيه لا تماروا في القرآن فان المراء فيه كفر، المراء الجدال والتماري والمماراة المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقا للمناظرة مماراة لان كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه


(1) نهج البلاغة الرقم 41 من الرسائل. (2) الكافي ج 2 ص 300. (3) الكافي ج 2 ص 301 (*).

[400]

ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع، قال أبو عبيد: ليس وجه الحديث عندنا على الاختلاف في التأويل، ولكنه على الاختلاف في اللفظ، وهو أن يقرأ الرجل على حرف فيقول الاخر ليس هو هكذا، ولكنه على خلافه، وكلاهما منزل مقروء بهما، فإذا جحد كل واحد منهما قراءة صاحبه لم يؤمن أن يكون يخرجه ذلك إلى الكفر، لانه نفى حرفا أنزله الله على نبيه. وقيل: إنما جاء هذا في الجدال والمراء في الآيات التي فيها ذكر القدر ونحوه من المعاني، على مذهب أهل الكلام، وأحصاب الاهواء والآراء، دون ما تضمنت من الاحكام، وأبواب الحلال والحرام، لان ذلك قد جرى بين الصحابة ومن بعدهم من العلماء، وذلك فيما يكون الغرض والباعث عليه ظهور الحق ليتبع دون الغلبة والتعجيز، والله أعلم. وقال: فيه ما أوتي الجدل قوم إلا ضلوا، الجدل مقابلة الحجة بالحجة والمجادلة المناظرة والمخاصمة، والمراد به في الحديث الجدل على الباطل وطلب المغالبة به فأما المجادلة لاظهار الحق فان ذلك محمود لقوله تعالى: " وجادلهم بالتي هي أحسن " 1). وقال الراغب: الخصم مصدر خصمته اي نازعته خصما يقال خصمته وخاصمته مخاصمة وخصاما، وأصل المخاصمة أن يتعلق كل واحد بخصم الاخر أي جانبه وأن يجذب كل واحد خصم الجوالق من جانب (2). وأقول: هذه الالفاظ الثلاثة متقاربة المعنى، وقد ورد النهي عن الجميع في اايات والاخبار، وأكثر ما يستعمل المراء والجدال في المسائل العلمية والمخاصمة في الامور الدنيوية، وقد يخص المراء بما إذا كان الغرض إظهار الفضل والكمال، والجدال بما إذا كان الغرض تعجيز الخصم وذلته. وقيل: الجدل في المسائل العلمية والمراء أعم، وقيل: لا يكون المراء إلا


(1) النحل: 125. (2) مفردات غريب القرآن ص 149 (*).

[401]

اعتراضا بخلاف الجدال، فانه يكون ابتداء واعتراضا، والجدل أخص من الخصومة يقال: جدل الرجل من باب علم فهو جدل إذا اشتدت خصومته، وجادل مجادلة وجدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق، ووضوح الصواب، والخصومة لا تعتبر فيها الشدة ولا الشغل. وقال الغزالي: يندرج في المراء كل ما يخالف قول صاحبه، مثل أن يقول هذا حلو فيقول هذا مر أو يقول من كذا إلى كذا فرسخ فيقول ليس بفرسخ أو يقول شيئا فيقول أنت أحمق، أو أنت كاذب، ويندرج في الخصومة كل ما يوجب تأذي خاطر الاخر، وترداد القول بينهما، وإذا اجتمعا يمكن تخصيص المراء بالامور الدينية والخصومة بغيرها، أو بالعكس. " فانهما يمرضان القلوب على الاخوان " أي يغيرانها بالعداوة والغيظ وإنما عبر عنها بالمرض لانها توجب شغل القلب وتوزع البال وكثرة التفكر وهي من أشد المحن والامراض، وأيضا توجب شغل القلب عن ذكر الله، وعن حضور القلب في الصلاة وعن التفكر في المعارف الالهية، وخلوها عن الصفات الحسنة وتلوثها بالصفات الذميمة، وهي من أشد الامراض النفسانية والادواء الروحانية كما قال تعالى: " في قلوبهم مرض " (1). " وينبت عليهما النفاق " أي التفاوت بين ظاهر كل واحد منهما وباطنه بالنسبة إلى صاحبه، وهذا نفاق أو النفاق مع الرب تعالى أيضا إذا كان في المسائل الدينية، فانهما يوجبان حدوث الشكوك والشبهات في النفس، والتصلب في الباطل للغلبة على الخصم، بل في الامور الدنيوية ايضا بالاصرار على مخالفة الله تعالى وكل ذلك من دواعي النفاق. فان قيل: هذا ينافي ما ورد في الاخبار والايات من الامر بهداية الخلق والذب عن الحق، ودفع الشبهات عن الدين، وقطع حجج المبطلين، وقد قال تعالى


(1) البقرة: 9 (*).

[402]

" وجادلهم بالتي هي أحسن " (1) وقال: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " (2). قلت: هذه الاخبار محمولة على ما إذا كان الغرض محض إظهار الفضل، أو الغلبة على الخصم، أو التعصب وترويج الباطل، أو على ما إذا كان مع عدم القدرة على الغلبة، وإظهار الحق وكشفه، فيصير سببا لمزيد رسوخ الخصم في الباطل، أو على ما إذا أراد إبطال الباطل بباطل، آخر، أو مع إمكان الهداية باللين واللطف يتعدى إلى الغلظة والخشونة المثيرتين للفتن، أو يترك التقية في زمنها، وأما مع عدم التقية والقدرة على تبيين الحق فالسعي في إظهار الحق وإحيائه وإماتة الباطل بأوضح الدلايل وبالتي هي أحسن مع تصحيح النية في ذلك من غير رئاء ولا مراء من أعظم الطاعات، لكن للنفس والشيطان في ذلك طرق خفية ينبغي التحرز عنها والسعي في الاخلاص فيه أهم من ساير العبادات. ويدل على ما ذكرنا ما ذكره الامام أبو محمد العسكري عليه السلام في تفسيره قال: ذكر عند الصادق عليه السلام: الجدال في الدين وأن رسول الله صلى الله عليه وآله والائمة المعصومين عليهم السلام قد نهوا عنه، فقال الصادق عليه السلام: لم ينه عنه مطلقا لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن أما تسمعون الله يقول: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن " وقوله تعالى: " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين والجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه الله تعالى على شيعتنا، وكيف يحرم الله الجدال جملة وهو يقول: " وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " قال الله تعالى: " تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " (3). فجعل علم الصدق والايمان بالبرهان، وهل يؤتى بالبرهان إلا في الجدال بالتي


(1) النحل: 125. (2) العنكبوت: 46. (3) البقرة: 111 (*).

[403]

هي أحسن. قيل: يا ابن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن، والتي ليست بأحسن ؟ قال: أما الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها الله تعالى ولكن تجحد قوله، أو تجحد حقا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة، لانك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم، وعلى المبطلين، أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته وضعف ما في يده حجة له على باطله، وأما الضعفاء منكم فتعمى (1) قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل. وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياءه له، فقال الله حاكيا عنه: " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم " (2) فقال الله في الرد عليهم: " قل " يا محمد " يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " فأراد الله من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال: كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم، فقال الله تعالى: " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " أفيعجز من ابتدى به لا من شئ أن يعيده بعد أن يبلى بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته، ثم قال: " الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا " اي إذا كمن النار الحارة في الشجر الاخضر الرطب ويستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلى أقدر، ثم قال: " أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم " اي إذا كان خلق السماوات والارض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي، فكيف جوزتم من الله خلق هذا الاعجب عندكم، والاصعب لديكم، ولم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي ؟ قال الصادق عليه السلام: فهذا الجدال بالتي هي


(1) فتغم خ ل. (2) يس: 78 (*).

[404]

أحسن، لان فيها قطع عذر الكافرين، وإزالة شبههم. وأما الجدال بغير التي هي أحسن بأن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه وبين باطل من تجادله، وإنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق فهذا هو المحرم لانك مثله: جحد هو حقا وجحدت أنت حقا آخر. قال: فقام إليه رجل فقال: يا ابن رسول الله أفجادل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال الصادق عليه السلام: مهما ظننت برسول الله صلى الله عليه وآله: مهما ظننت برسول الله صلى الله عليه وآله من شئ فلا تظن به مخالفة الله أو ليس الله تعالى قال: " وجادلهم بالتي هي أحسن " وقال: " قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " لمن ضرب الله مثلا، أفتظن أن رسول الله صلى الله عليه وآله خالف ما أمره الله به، فلم يجادل بما أمره الله، ولم يخبر عن الله بما أمره أن يخبر به (1). وروى أبو عمرو الكشي باسناده عن عبد الاعلى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن الناس يعيبون علي بالكلام وأنا أكلم الناس، فقال: أما مثلك من يقع ثم يطير فنعم، وأما من يقع ثم لا يطير، فلا (2). وروى أيضا باسناده عن الطيار قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: بلغني أنك كرهت مناظرة الناس، فقال: أما مثلك فلا يكره من إذا طار يحسن أن يقع، وإن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه (3). وباسناده أيضا عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما فعل ابن الطيار ؟ قال: قلت: مات، قال: رحمه الله، ولقاه نضرة وسرورا، فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت (4). وباسناده ايضا عن أبي جعفر الاحول عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ما فعل ابن الطيار ؟ فقلت: توفي، فقال: رحمه الله. ادخل الله عليه الرحمة والنضرة، فانه كان يخاصم عنا أهل البيت (5).


(1) تفسير الامام العسكري ص 242 و 243. (2) رجال الكشى ص 271. (3 - 5) رجال الكشى ص 298 (*).

[405]

وباسناده أيضا عن نصر بن الصباح قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يقول لعبد الرحمن بن الحجاج: يا عبد الرحمن كلم أهل المدينة فاني أحب أن يرى في رجال الشيعة مثلك (1). وباسناده ايضا عن محمد بن حكيم قال: ذكر لابي الحسن عليه السلام اصحاب الكلام فقال: أما ابن حكيم فدعوه (2). فهذه الاخبار كلها مع كون أكثرها من الصحاح تدل على تجويز الجدال والخصومة في الدين على بعض الوجوه، ولبعض العلماء، وتؤيد بعض الوجوه التي ذكرناها في الجمع. " من لقي الله بهن " (3) أي كن معه إلى الموت أو في الحشر " دخل الجنة من أي باب شاء " كأنه مبالغة في إباحة الجنة له، وعدم منعه منها بوجه " في المغيب والمحضر " أي يظهر فيه آثار خشية الله بترك المعاصي في حال حضور الناس وغيبتهم وقيل: أي عدم ذكر الناس بالشر في الحضور والغيبة، والاول اظهر. " وإن كان محقا " قد مر أنه لا ينافي وجوب إظهار الحق في الدين، ولا ينافي أيضا جواز المخاصمة لاخذ الحق الدنيوي، لكن بدون التعصب وطلب الغلبة وترك المداراة، بل يكتفي بأقل ما ينفع في المقامين، بدون إضرار وإهانة وإلقاء باطل، كما عرفت. " من نصب الله " (4) النصب الاقامة، والغرض بالتحريك الهدف، قال في المصباح: الغرض الهدف الذي يرمي إليه، والجمع أغراض، وقولهم: غرضه كذا على التشبيه بذلك، اي مرماه الذي يقصده انتهى، وهنا كناية عن كثرة المخاصمة في ذات الله سبحانه وصفاته فان العقول قاصرة عن إدراكها، ولذا نهي عن التفكر


(1) رجال الكشي ص 374. (2) رجال الكشى ص 380. (3) شروع في شرح الحديث الثاني. (4) شروع في شرح الحديث الثالث (*).

[406]

فيها كما مر في كتاب التوحيد، وكثرة التفكر والخصومة فيها يقرب الانسان من كثرة الانتقال من رأي إلى رأي لحيرة العقول فيها، وعجزها عن إدراكها، كما ترى من الحكماء والمتكلمين المتصدين لذلك، فانهم سلكوا مسالك شتى، والاكتفاء بما ورد في الكتاب والسنة، وترك الخوض فيها أحوط وأولى. ويحتمل أن يكون المراد الانتقال من الحق إلى الباطل، ومن الايمان إلى الكفر، فان الجدال في الله والخوض في ذاته وكنه صفاته يورثان الشكوك والشبهة، قال الله تعالى: " ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير " (1) وقال جل شأنه: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنك إذا مثلهم " (2) إلى غير ذلك من الآيات في ذلك. و " أولئك " من أفعال المقاربة بمعنى القرب والدنو، ومنهم من ذهب هنا إلى ما يترتب على مطلق الخصومة مع الخلق، وقال: الانتقال التحول من حال إلى حال، كالتحول من الخير إلى الشر، ومن حسن الافعال إلى قبح الاعمال المقتضية لفساد النظام، وزوال الالفة والالتيام، وقيل: المراد كثرة الحلف بالله في الدعاوي والخصومات فانه أو شك أن ينتقل مما حلف عليه إلى ضده خوفا من العقاب، فيفتضح بذلك، ولا يخفى ما فيهما. 8 - كا: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عمار بن مروان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تمارين حليما ولا سفيها، فان الحليم يقليك (3) والسفيه يؤذيك (4). بيان: الحليم المعنيين المتقدمين اي العاقل والمتثبت المتأني في الامور والسفيه يحتمل مقابليهما، والمعنيان متلازمان غالبا، وكذا مقابلاهما، والحاصل


(1) الحج: 8. (2) الانعام: 68. (3) يغلبك خ ل. (4) الكافي ج 2 ص 301 (*).

[407]

أن العاقل الحازم المتأني في الامور لا يتصدى للمعارضة، ويصير ذلك سببا لان يبطن في قلبه العداوة، والاحمق المتهتك يعارض ويؤذي، في القاموس قلاه كرماه ورضيه قلي وقلاء ومقلية أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه أو قلاه في الهجر وقليه في البغض. 9 - كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن عطية، عن عمر ابن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كاد جبرئيل يأتيني إلا قال: يا محمد اتق شحناء الرجال وعداوتهم (1). بيان: " ما كاد " في القاموس كاد يفعل كذا قارب وهم، وفي بعض النسخ " ما كان " وفي الاول المبالغة أكثر اي لم يقرب إتيانه إلا قال، والشحناء بالفتح البغضاء والعداوة، والاضافة إلى المفعول أي العداوة مع الرجال، ويحتمل الفاعل أيضا أي العداوة الشايعة بين الرجال، والاول أظهر " وعداوتهم " تأكيد أو المراد بالاول فعل ما يوجب العداوة أو إظهارها قال في المصباح: الشحناء العداوة والبغضاء وشحنت عليه شحنا من باب العداوة أو إظهارها قال في المصباح: الشحناء العداوة والبغضاء وشحنت عليه شحنا من باب تعب حقدت وأظهرت العداوة ومن باب نفع لغة. 10 - كا: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسن بن الحسين الكندي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال جبرئيل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله: إياك وملاحاة الرجال (2). بيان: قال في النهاية فيه: نهيت عن ملاحاة الرجال، أي مقاولتهم ومخاصمتهم يقال: لحيت الرجل ألحاه إذا لمته وعذلته، ولاحيته ملاحاة ولحاء إذا نازعته. 11 - كا: عنه، عن عثمان بن عيس، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إياكم والمشارة فانها تورث المعرة، وتظهر العورة (3). بيان: في النهاية فيه: لا تشار أخاك، هو تفاعل من الشر اي لا تفعل به شرا يحوجه إلى أن يفعل بك مثله، ويروى بالتخفيف وفي الصحاح المشارة المخاصمة " فانها تورث المعرة " قال في القاموس: المعرة الاثم والاذى والغرم والدية والخيانة


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 301 (*).

[408]

" وتظهر العورة " أي العيوب المستورة. وقال الجوهري: العورة سوءة الانسان وكل ما يستحيى منه، وفي بعض النسخ المعورة اسم فاعل من أعور الشئ إذا صار ذا عوار أو ذا عورة، وهي العيب والقبيح وكل شئ يستره الانسان أنفة أو حياء فهو عورة، والمراد بها هنا القبيح من الاخلاق والافعال، وعلى النسختين المراد ظهور قبايحه وعيوبه إما من نفسه فانه عند المشاجرة والغضب لا يملكها فيبدو منه ما كان يخفيه، أو من خصمه فان الخصومة سبب لاظهار الخصم قبح خصمه، لينتقص منه، ويضع قدره بين الناس. 12 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن عنبسة العابد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إياكم والخصومة، فانها تشغل القلب وتورث النفاق، وتكسب الضغاين (1). بيان: " فانها تشغل القلب " عن ذكر الله وبالتفكر في الشبه والشكوك والحيل لدفع الخصم وبالغم والهم أيضا، والضغاين جمع الضغينة وهي الحقد وتضاغنوا انطووا على الاحقاد. 13 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن مهران عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أتاني جبرئيل قط إلا وعظني فآخر قوله لي: إياك ومشارة الناس فانها تكشف العورة، وتذهب بالعز (2). بيان: روى الشيخ في مجالسه عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إياكم ومشارة الناس فانها تدفن العرة، وتظهر الغرة. العرة الاولى بالعين المهملة والثانية بالمعجمة، وكلاهما مضمومتان، وروت العامة أيضا من طرقهم هكذا قال في النهاية: فيه إياكم ومشارة الناس فانها تدفن العرة وتظهر الغرة، الغرة ههنا الحسن والعمل الصالح شبهه بغرة الفرس، وكل


(1) الكافي ج 2 ص 301. (2) الكافي ج 2 ص 302 (*).

[409]

شئ ترفع قيمته فهو غرة، والعرة هي القذر وعذرة الناس، فاستعير للمساوي والمثالب. 14 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن الوليد بن صبيح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما عهد إلي جبرئيل في شئ ما عهد إلي في معاداة الرجال (1). بيان: كلمة " ما " في الاولى نافية، وفي الثانية مصدرية، والمصدر مفعول مطلق للنوع، والمراد هنا المداراة مع المنافقين من أصحابه كما فعل صلى الله عليه وآله أو مع الكفار ايضا قبل الامر بالجهاد، أو الغرض بيان ذلك للناس. 15 - كا: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن بعض أصحابه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من زرع العداوة حصد ما بذر (2). بيان: " حصد ما بذر " في الصحاح بذرت البذر زرعته، أي العداوة مع الناس كالبذر يحصد منه مثله، وهو عداوة الناس له.


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 302 (*).

[410]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله - والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله أمناء الله. وبعد: فقد تفضل الله علينا - وله الفضل والمن - حيث اختارنا لخدمة الدين وأهله، وقيضنا لتصحيح هذه الموسوعة الكبرى وهي الباحثة عن المعارف الاسلامية الدائرة بين المسلمين: أعني بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار عليهم الصلوات والسلام. وهذا الجزء الذي نخرجه إلى القراء الكرام هو الجزء السابع من المجلد الخامس عشر، وقد اعتمدنا في تصحيح الاحاديث وتحقيقها على النسخة المصححة المشهورة بكمباني، بعد تخريجها من المصادر وتعيين موضع النص من المصدر، وقد سددنا ما كان في طبعة الكمباني من خلل وبياض مع جهد شديد بقدر الامكان. نسأل الله العزيز أن يوفقنا لادامة هذه الخدمة المرضية بفضله ومنه. محمد الباقر البهبودي

[411]

بسمه تعالى إلى هنا انتهى الجزء السابع من المجلد الخامس عشر، وكان آخر أجزائه، وهو الجزء السبعون حسب تجزئتنا يحتوي على أربعة وعشرين بابا من أبواب مساوي الاخلاق. ولقد بذلنا جهدنا في تصحيحه ومقابلته وعرضه على المصادر فخرج بعون الله ومشيئته نقيا من الاغلاط إلا نزار زهيدا زاغ عنه البصر، أو كل عنه النظر، ومن الله العصمة والتوفيق. السيد ابراهيم الميانجى - محمد الباقر البهبودي

[412]

استدراك واعتذار وقع في هامش الصفحة 156 من ج 77 ذيل قول النبي صلى الله عليه وآله (لكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت) أغلاط مطبعية قد يخل بالمعنى، ويفهم منها أن المراد تعميم شمول آية التطهير لغير أهل البيت المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وليس كذلك، كيف وهو باطل باجماع المسلمين، بل المراد أن المحبة التي هي أساس الاسلام وهي التي يعبر عنها، بالتولي لا يبعد أن تعم غير أهل البيت عليهم السلام أيضا لقول ابراهيم عليه السلام (ومن تبعني فانه مني) وقول رسول الله صلى الله عليه وآله (سلمان منا أهل البيت) وهذه الشبهة انما نشأت من تصحيف كلمة واحدة لدى الطباعة وهي كلمة (شمول) في السطر 22، والصحيح (وجوبها) يعني وجوب تلك المحبة. هذا ! وقد وقع في ذيل الصفحة 200 من ج 77 أيضا السطر 20 جملة اخرى طغى بها القلم نعتذر بذلك إلى القراء الكرام، والله ولي ولقد بذلنا جهدنا في تصحيحه ومقابلته وعرضه على المصادر فخرج بعون الله ومشيئته نقيا من الاغلاط إلا نزار زهيدا زاغ عنه البصر، أو كل عنه النظر، ومن الله العصمة والتوفيق. السيد ابراهيم الميانجى - محمد الباقر البهبودي

[412]

استدراك واعتذار وقع في هامش الصفحة 156 من ج 77 ذيل قول النبي صلى الله عليه وآله (لكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت) أغلاط مطبعية قد يخل بالمعنى، ويفهم منها أن المراد تعميم شمول آية التطهير لغير أهل البيت المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وليس كذلك، كيف وهو باطل باجماع المسلمين، بل المراد أن المحبة التي هي أساس الاسلام وهي التي يعبر عنها، بالتولي لا يبعد أن تعم غير أهل البيت عليهم السلام أيضا لقول ابراهيم عليه السلام (ومن تبعني فانه مني) وقول رسول الله صلى الله عليه وآله (سلمان منا أهل البيت) وهذه الشبهة انما نشأت من تصحيف كلمة واحدة لدى الطباعة وهي كلمة (شمول) في السطر 22، والصحيح (وجوبها) يعني وجوب تلك المحبة. هذا ! وقد وقع في ذيل الصفحة 200 من ج 77 أيضا السطر 20 جملة اخرى طغى بها القلم نعتذر بذلك إلى القراء الكرام، والله ولي العصمة والتوفيق. علي اكبر الغفاري

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية