الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 69

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 69


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء التاسع والستون مؤسسة الوفاء بيروت - لبنان الطبعة الثانية المصححة 1403 ه‍ - 1983 م

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (94) * (باب) * * " (فضل الفقر والفقراء وحبهم ومجالستهم والرضا بالفقر) " * * " (وثواب اكرام الفقراء وعقاب من استهان بهم) " * الايات: الكهف: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا (1). الفرقان: تبارك الذي ان شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا (2). الزخرف: ولولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن * وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا والاخرة عند ربك للمتقين (3). الفجر: فاما الانسان إذا ما ابتليه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن وأما إذا ما ابتليه وقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن (4).


(1) الكهف: 28. (2) الفرقان: 10. (3) الزخرف: 33 - 35. (4) الفجر: 15 - 16. [*]

[2]

تفسير: " واصبر نفسك " أي احبسها وثبتها قال الطبرسي رحمه الله (1) في نزولها: انها نزلت في سلمان (2) وأبي ذر وصهيب وعمار وخباب وغيرهم من فقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وذلك أن المؤلفة قلوبهم جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله عيينة بن حصن والاقرع بن حابس وذووهم فقالوا يا رسول الله إن جلست في صدر المجلس ونحيت عنا هؤلاء وروائح صنانهم (3) وكانت عليهم جباب الصوف - جلسنا نحن اليك وأخذنا عنك، فما يمنعنا من الدخول عليك الا هؤلاء، فلما نزلت الاية قام النبي صلى الله عليه وآله فأصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من امتي، معكم المحيا ومعكم الممات. " مع الذين يدعون " الخ أي يداومون على الصلوات والدعاء عند الصباح والمساء لا شغل لهم غيره، فيستفتحون يومهم بالدعاء، ويختمونه بالدعاء " يريدون وجهه " أي رضوانه وقيل: يريدون تعظيمه والقربة إليه دون الرئاء والسمعة " ولا تعد عيناك عنهم " أي ولا تتجاوز عيناك عنهم بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا " تريد زينة الحيوة الدنيا " تريد في موضع الحال أي مريدا مجالسة أهل الشرف والغنا وكان النبي صلى الله عليه وآله حريصا على إيمان العظماء من المشركين طمعا في إيمان أتباعهم ولم يمل إلى الدنيا وزينتها قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الاحايين للرؤساء طمعا في إيمانهم، فعوتب بهذه الاية، وامر بالاقبال على فقراء المؤمنين


(1) مجمع البيان ج 6 ص 465. (2) ذكر سلمان والمؤلفة قلوبهم مما يوهن ذلك فان الايات مكية وسلمان والمؤلفة قلوبهم انما اسلموا بالمدينة والظاهر اختلاط أسامي الاصحاب على الرواة. (3) الصنان: بالضم دفر الابط وهو رائحة الابط المنتن، وفي الدر المنثور بدل الصنان - جبابهم، وهو الاصح فان الجباب جمع جبة وهو ثوب مقطوع الكم طويل يلبس فوق الثياب ولذلك يقول بعده " وكانت عليهم جباب الصوف " ولكن صحفت الكلمة في الاصل والمصدر بجبات. [*]

[3]

وأن لا يرفع بصره عنهم إلى مجالسة الاشراف. " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " قيل: فيه أقوال: أحدها أن معناه ولا تطع من جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا بتعريضه للغفلة، ولهذا قال: " واتبع هواه " ومثله " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " وثانيها: نسبنا قلبه إلى الغفلة كما يقال: أكفره إذا نسبه إلى الكفر، وثالثها صادفناه غافلا، ورابعها جعلناه غفلا لم نسمه بسمة قلوب المؤمنين، ولم نعلم فيه علامة لتعرفه الملائكة بتلك السمة، وخامسها تركنا قلبه وخذلناه، وخلينا بينه وبين الشيطان بتركه أمرنا " واتبع هواه " أي في شهواته وأفعاله " وكان أمره فرطا " أي سرفا وإفراطا وتجاوزا عن الحد أو ضياعا وهلاكا. وأقول: فيها مدح عظيم للفقراء، وحث على مصاحبتهم ومجالستهم، إذا كانوا زاهدين في الدنيا، مواظبين على ذكر الله والصلوات، ومنع عن مجالسة الاغنياء المتكبرين اللاهين عن الله. قوله تعالى: " تبارك " (1) أي تقدس " الذي إن شاء جعل لك " أي في الدنيا " خيرا من ذلك " أي مما قالوا " ويجعل لك قصورا " في الدنيا أو في الاخرة على القراءتين ومعلوم من السياق أن الاخرة خير من الدنيا، واختارها الله لاحب خلقه. " ولولا أن يكون الناس " (2) قد مر تفسيره مرارا. قوله سبحانه: " فأما الانسان إذا ما ابتليه ربه " (3) أي اختبره وامتحنه بالنعمة " فأكرمه " بالمال " ونعمه " بما وسع عليه من أنواع الافضال " فيقول ربي اكرمن " أي فيفرح بذلك ويسر. 1 - المؤمن: باسناده عن الاصبغ قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام قاعدا فجاء رجل فقال: يا امير المؤمنين والله إني لاحبك في الله، فقال: صدقت إن


(1) الفرقان: 10. (2) الزخرف: 33. (3) الفجر: 15. [*]

[4]

طينتنا مخزونة أخذ الله ميثاقها من صلب آدم عليه السلام فاتخذ للفقر جلبابا فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: والله يا علي إن الفقر لاسرع إلى محبيك من السيل إلى بطن الوادي (1). 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن أبان بن عبد الملك قال: حدثني بكر الارقط، عن أبي عبد الله عليه السلام أو عن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه دخل عليه واحد، فقال له، أصلحك الله إني رجل منقطع إليكم بمودتي وقد أصابتني حاجة شديدة، وقد تقربت بذلك إلى أهل بيتي وقومي، فلم يزدني بذلك منهم إلا بعدا قال: فما آتاك الله خير مما أخذ منك قال: جعلت فداك ادع الله أن يغنيني عن خلقه، قال: ان الله قسم رزق من شاء على يدي من شاء، ولكن اسأل الله أن يغنيك عن الحاجة التي تضطرك إلى لئام خلقه (2). بيان: " أصلحك الله " مشتمل على سوء أدب الا أن يكون المراد إصلاح أحوالهم في الدنيا، وتمكينهم في الارض ودفع أعدائهم، أو أنه جرى ذلك على لسانهم لالفهم به، فيما يجري بينهم من غير تحقيق لمعناه، ومورده " إني رجل منقطع إليكم " كأنه ضمن الانقطاع معنى التوجه أي منقطع عن الخلق متوجها إليكم بسبب مودتي لكم أو مودتي مختصة بكم " وقد تقربت بذلك " الاشارة إما إلى مصدر أصابتني أو إلى الحاجة والمستتر في قوله: " فلم يزدني " راجع إلى مصدر تقربت، ومرجع الاشارة ما تقدم، وقوله: " إلا بعدا " استثناء مفرغ، وهو مفعول لم يزدني أي لم يزدني التقرب منهم بسبب فقري شيئا إلا بعدا منهم.


(1) المؤمن مخطوط وروى الصدوق في المعاني ص 182 عن أحمد بن المبارك قال: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام: حديث يروي أن رجلا قال لامير المؤمنين عليه السلام اني احبك، فقال له: أعد للفقر جلبابا فقال: ليس هكذا قال، انما قال له: أعددت لفاقتك جلبابا، يعني يوم القيامة. (2) الكافي ج 2 ص 266. [*]

[5]

" فما آتاك الله " قيل: الفاء للتفريع على قوله: " إني رجل منقطع إليكم " فقوله: " ما آتاك الله " المودة، وقيل: هو الفقر والاول أظهر " مما أخذ منك " أي المال " إلى لئام خلقه " اللئام جمع اللئيم، وفي المصباح لؤم بضم الهمزة لؤما فهو لئيم يقال ذلك للشحيح والدني النفس والمهين ونحوهم، لان اللؤم ضد الكرم ويومي الحديث إلى أن الفقر المذموم ما يصير سببا لذلك، وغيره ممدوح وذمه لان اللئيم لا يقضي حاجة أحد وربما يلومه في رفع الحاجة إليه، وإذا قضاه لا يخلو من منة، ويمكن أن يشمل الظالم والفاسق المعلن بفسقه، وفي كثير من الادعية اللهم لا تجعل لظالم ولا فاسق على يدا ولا منة، وذلك لان القلب مجبول على حب من أحسن إليه، وفي حب الظالم معاصي كثيرة كما قال تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار " (1). 3 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الفقر الموت الاحمر، فقلت لابي عبد الله عليه السلام: الفقر من الدينار والدرهم ؟ فقال: لا، ولكن من الدين (2). بيان: قال في النهاية، وفيه: تعلمون ما في هذه الامة من الموت الاحمر يعنى القتل لما فيه من حمرة الدم أو لشدته يقال: موت أحمر أي شديد، ومنه حديث علي عليه السلام: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله (3) أي إذا اشتدت الحرب استقبلنا العدو به وجعلناه لنا وقاية، وقيل: أراد إذا اضطرمت نار الحرب وتسعرت كما يقال في الشر بين القوم اضطرمت نارهم تشبيها بجمرة النار، وكثيرا ما يطلقون الحمرة على الشدة. " ولكن من الدين " نظيره قول أمير المؤمنين عليه السلام: الفقر والغنى بعد العرض على الله (4) والمعنى أنهما يظهر ان بعد الحساب وهو ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) هود: 113. (2) الكافي ج 2 ص 266. (3) نهج البلاغة ج 2 ص 206. (4) نهج البلاغة ج 2 ص 250. [*]

[6]

بقوله: أتدرون ما المفلس ؟ فقيل: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع له، فقال: المفلس من امتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فان فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار، بل قد يقال: إن المفلس حقيقة هو هذا. ويحتمل أن يراد بقوله عليه السلام: " ولكن من الدين " الفقر القلبي وضده الغنى القلبي فالفقير على هذا من ليس له في الدين معرفة وعلم بأحكامه ولا تقوى ولا ورع وغيرها من الصفات الحسنة كذا قيل، وأقول يحتمل أن يكون المعنى الذي يضر بالدين ولا يصبر عليه ويتوسل بالظالمين والفاسقين كما مر. 4 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن سنان عن العلا، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فقراء المؤمنين يتقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم باربعين خريفا ثم قال: سأضرب لك مثل ذلك إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا فقال: أسربوها، ونظر في الاخرى فإذا هي موقرة فقال: احبسوها (1). بيان: في القاموس: تقلب في الامور تصرف كيف شاء، وقال في النهاية: فيه: فقراء امتي يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا: الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين سنة لان الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة انتهى. وروى في معاني الاخبار (2) بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن عبدا مكث في النار سبعين خريفا والخريف سبعون سنة إلى آخر الخبر، وفسره صاحب المعالم بأكثر من ذلك وفي بعض الروايات أنه ألف عام، والعام ألف سنة، وقيل:


(1) الكافي ج 2 ص 260. (2) معاني الاخبار ص 227. [*]

[7]

إن التفاوت بهذه المدة إذا كان الاغنياء من أهل الصلاح والسداد وأدوا الحقوق الواجبة، ولم يكتسبوا من وجه الحرام، فيكون حبسهم بمجرد خروجهم من عهدة الحساب والسؤال عن مكسب المال ومخرجه، وإلا فهم على خطر عظيم. " مر بهما " على بناء المجهول والباء للتعدية والظرف نائب الفاعل، والعاشر من يأخذ العشر على الطريق، في المصباح: عشرت المال عشرا من باب قتل وعشورا أخذت عشره، واسم الفاعل عاشر وعشار " فقال: أسربوها " على بناء الافعال أي أرسلوها وخلوها تذهب، والسارب الذاهب على وجهه في الارض " فإذا هي موقرة " بفتح القاف أو كسرها، في القاموس: الوقر بالكسر: الحمل الثقيل أو أعم وأوقر الدابة إيقارا وقرة ودابة وقرى: موقرة، ورجل موقر ذو وقر ونخلة موقرة وموقره وموقر وموقرة. " فقال احبسوها " بالامر من باب ضرب والتشبيه في غاية الحسن والكمال والحديث يدل على أن الفقر أفضل من الغنى، ومن الكفاف للصابر، وما وقع في بعض الروايات من استعاذتهم عليهم السلام من الفقر يمكن حمله على الاستعاذة من الفقر الذي لا يكون معه صبر، ولا ورع يحجزه عما لا يليق بأهل الدين أو على فقر القلب أو على فقر الاخرة، وقد صرح به بعض العلماء ودل عليه بعض الروايات. وللعامة في تفضيل الفقر على الغنى والكفاف أو العكس أربعة أقوال: ثالثها الكفاف أفضل ورابعها الوقف، ومعنى الكفاف ان لا يحتاج ولا يفضل، ولا ريب أن الفقر أسلم وأحسن بالنسبة إلى أكثر الناس، والغنى أحسن بالنسبة إلى بعضهم فينبغي أن يكون المؤمن راضيا بكل ما أعطاه الله وعلم صلاحه فيه وسؤال الفقر لم يرد في الادعية بل ورد في أكثرها الاستعاذة عن الفقر الذي يشقى به، وعن الغنى الذي يصير سببا لطغيانه. 5 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن سعدان قال: قال

[8]

أبو عبد الله عليه السلام: المصائب منح من الله، والفقر مخزون عند الله (1). بيان: " منح من الله " المنح بكسر الميم وفتح النون جمع منحة بالكسر وهي العطية، في القاموس: منحة كمنعه وضربه أعطاه، والاسم المنحة بالكسر وأقول: الخبر يحتمل وجهين. أحدهما أن ثواب المصائب منح وعطايا يبذلها الله في الدنيا، وثواب الفقر مخزون عند الله لا يعطيه إلا في الاخرة لعظمه وشرافته والدنيا لا يصلح أن يكون عوضا عنه. وثانيهما أن المصائب عطايا من الله عزوجل يعطيها من يشاء من عباده والفقر من جملتها مخزون عنده، عزيز لا يعطيه إلا من خصه بمزيد العناية، ولا يعترض أحد بكثرة الفقراء، وذلك لان الفقير هنا من لا يجد الا القوت من التعفف ولا يوجد من هذه صفته في ألف ألف واحد. أقول: أو المراد به الفقر الذي يصير سببا لشدة الافتقار إلى الله، ولا يتوسل معه إلى المخلوقين، ويكون معه أعلا مراتب الرضا، وفيه تنبيه على أنه ينبغي أن يفرح صاحب المصيبة بها كما يفرح صاحب العطية بها. 6 - كا: عن العدة، عن البرقي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن الله جعل الفقر أمانة عند خلقه فمن سره أعطاه الله مثل أجر الصائم القائم، ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله، أما إنه ما قتله بسيف ولا رمح ولكنه قتله بما نكى من قلبه (2). بيان: " فقد قتله " أي قتل المسؤل السائل، والعكس كما زعم بعيد جدا في المصباح نكأت القرحة انكأها مهموز بفتحتين قشرتها ونكيت في العدو نكأ من باب نفع أيضا لغة في نكيت فيه أنكى من باب رمى والاسم النكاية بالكسر أذا قتلت وأثخنت. 7 كا: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن داود الحذاء


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 260. [*]

[9]

عن محمد بن صغير، عن جده شعيب، عن مفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته. وبإسناده قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لولا الحاح المؤمنين على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى حال أضيق منها (1). بيان: الازدياد هنا لازم بمعنى الزيادة " وإيمانا وضيقا " تميزان وفي المصباح ازداد الشئ زاد وازددت مالا زدته لنفسي زيادة على ما كان، ويؤيده ما نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام: وكم من أديب عالم فطن * مستكمل العقل مقل عديم وكم من جهول يكثر ماله * ذاك تقدير العزيز العليم والسر ما مر من فوائد الابتلاء من المثوبات التي ليس لها انتهاء وأيضا الاكثار موجب للتكبر والخيلاء، واحتقار الفقراء، والخشونة والقسوة والجفاء والغفلة عن الله سبحانه، بسبب اشتغالهم بحفظ أموالهم وتنميتها، مع كثرة ما يجب عليهم من الحقوق التي قل من يؤديها، وبذلك يتعرضون لسخط الله تعالى والفقراء مبرؤن من ذلك، مع توسلهم بربهم وتضرعهم إليه وتوكلهم عليه، وقربهم عنده بذلك مع سائر الخلال الحميدة التي لا تنفك عن الفقر إذا صبر على الشدائد التي هي من قواصم الظهر. 8 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابه رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما اعطى عبد من الدنيا إلا اعتبارا، ولا زوي عنه إلا اختبارا (2). بيان: " إلا اعتبارا " مفعول له، وكذا " اختبارا " وكأن المعنى لا يعطيه إلا ليعتبر به غيره، فيعلم أنه لا خير فيه، لما يظهر للناس من مفاسده الدنيوية والاخروية أو ليعتبر بحال الفقراء، فيشكر الله على الغنا، ويعين الفقراء كما مر في حديث آدم عليه السلام حيث سأل عن سبب اختلاف ذريته فقال تعالى في سياق جوابه: وينظر الغني إلى الفقير فيحمدني ويشكرني وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 261. [*]

[10]

لكن الاول في هذا المقام أنسب. وقوله " إلا اختبارا " في بعض النسخ بالياء المثناة التحتانية أي لانه اختاره وفضله وأكرمه بذلك، وفي بعضها بالموحدة أي امتحانا فإذا صبر كان خيرا له والابتلاء والاختبار في حقه تعالى مجاز باعتبار أن فعل ذلك مع عباده ليترتب عليه الجزاء شبيه بفعل المختبر منا مع صاحبه والا فهو سبحانه عالم بما يصدر عن العباد قبل صدوره عنهم و " زوي " على بناء المجهول، في القاموس: زواه زيا وزويا نحاه فانزوى، وسيره عنه: طواه والشئ جمعه وقبضه وأقول نائب الفاعل ضمير الدنيا وقيل: هذا مخصوص بزمان دولة الباطل، لئلا ينافي ما سيأتي من الاخبار في كتاب المعيشة. 9 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الاشعري، عن بعض مشايخه، عن إدريس بن عبد الله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا علي الحاجة أمانة الله عند خلقه، فمن كتمها على نفسه أعطاه الله ثواب من صلى، ومن كشفها إلى من يقدر أن يفرج عنه ولم يفعل فقد قتله، أما إنه لم يقتله بسيف ولا سنان ولا سهم ولكن قتله بما نكا من قلبه (1). بيان: من صلى أي في الليل كله أو واظب عليها. 10 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن نوح بن شعيب وأبي إسحاق الخفاف عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس لمصاص شيعتنا في دولة الباطل إلا القوت شرقوا إن شئتم أو غربوا لم ترزقوا إلا القوت (2). بيان: قال الجوهري: المصاص خالص كل شئ، يقال: فلان مصاص قومه إذا كان أخلصهم نسبا يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمؤنث، وفي النهاية ومنه الحديث: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم وفي المصباح: القوت ما يؤكل ليمسك الرمق، قاله ابن فارس والازهري انتهى وقيل: هو البلغة يعني قدر ما يتبلغ به من العيش ويسمى ذلك أيضا كفافا لانه


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 261. [*]

[11]

قدر يكفه عن الناس ويغنيه عن سؤالهم ثم بالغ عليه السلام في أن نصيبهم القوت بقوله شرقوا - الخ وهو كناية عن الجد في الطلب والسير في أطراف الارض. 11 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن سعدان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إن الله عزوجل يلتفت يوم القيامة إلى فقراء المؤمنين شبيها بالمعتذر إليهم، فيقول: وعزتي وجلالي ما أفقرتكم في الدنيا من هوان بكم علي ولترون ما أصنع بكم اليوم فمن زود أحدا منكم في دار الدنيا معروفا فخذوا بيده فادخلوه الجنة، قال: فيقول رجل منهم: يا رب أهل الدنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء، ولبسوا الثياب اللينة، وأكلوا الطعام، وسكنوا الدور، وركبوا المشهور من الدواب، فأعطني مثل ما أعطيتهم فيقول تبارك وتعالى لك ولكل عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدنيا منذ كانت إلى أن انقضت الدنيا سبعون ضعفا (1). بيان: " ولترون " بسكون الواو وتخفيف النون أو بضم الواو وتشديد النون المؤكدة " ما أصنع " ما موصولة أو استفهامية " فمن زود " على بناء التفعيل أي أعطى الزاد للسفر، كما ذكره الاكثر أو مطلقا فيشمل الحضر في المصباح زاد المسافر: طعامه المتخذ لسفره وتزود لسفره وزودته أعطيته زادا، ونحوه قال الجوهري وغيره لكن قال الراغب: الزاد المدخر الزائد على ما يحتاج إليه في الوقت " منكم " أي أحدا منكم كما في بعض النسخ، وقيل: " من " هنا اسم بمعنى البعض، وقيل: معروفا صفة للمفعول المطلق المحذوف أي تزويدا معروفا وفي النهاية التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشئ والانفراد به وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه ونافست في الشئ منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه، ونفس بالضم نفاسة أي صار مرغوبا فيه ونفست به بالكسر أي بخلت ونفست عليه الشئ نفاسة إذا لم تره له أهلا. والمشهور من الدواب التي اشتهرت بالنفاسة والحسن، في القاموس المشهور


(1) الكافي ج 2 ص 261. [*]

[12]

المعروف المكان المذكور والنبيه وفي النهاية فيه: الضعف في المعاد أي مثلي الاجر يقال إن أعطيتني درهما فلك ضعفه أي درهمان، وربما قالوا تلك ضعفاه، وقيل: ضعف الشئ مثله، وضعفاه مثلاه وقال الازهري: الضعف في كلام العرب المثل فما زاد وليس بمقصور على مثلين فاقل الضعف محصور في الواحد وأكثره غير محصور. 12 - كا: عن العدة، عن سهل، عن إبراهيم بن عقبة، عن إسماعيل بن سهل وإسماعيل بن عباد جميعا، يرفعانه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ولا كافر إلا غنيا حتى جاء إبراهيم عليه السلام فقال: " ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا " (1) فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة (2). بيان: " ربنا لا تجعلنا " أقول هذا تتمة قول إبراهيم حيث قال في سورة الممتحنة " قد كان لكم اسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لابيه لاستغفرن لك وما أملك لك من الله من شئ ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم ". قال في مجمع البيان: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا ببلاء من عندك، فيقولوا لو كان هؤلاء على حق لما أصابهم هذا البلاء، وقيل: معناه لا تسلطهم علينا فيفتنونا عن دينك، وقيل: معناه الطف لنا حتى نصبر على أذاهم ولا نتبعهم فنصير فتنة لهم، وقيل: معناه اعصمنا من موالاة الكفار فانا إذا واليناهم ظنوا أنا صوبناهم وقيل: معناه لا تخذلنا إذا حاربناهم، فلو خذلتنا لقالوا لو كان هؤلاء على الحق لما خذلوا، انتهى (3).


(1) الممتحنة: 5. (2) الكافي ج 2 ص 262. (3) مجمع البيان ج 9 ص 271. [*]

[13]

وأقول: المعنى المستفاد من الخبر قريب من المعنى الاول لان الفقر أيضا بلاء يصير سببا لافتتان الكفار إما بأن يقولوا لو كان هؤلاء على الحق لما ابتلوا بعموم الفقر فيهم، أو بأن يفروا من الاسلام خوفا من الفقر في هؤلاء. " أموالا وحاجة " أي صار بعضهم ذوي مال وبعضهم محتاجين مفتاقين، ولا ينافي هذا كون الاموال في الكفار أو غير الخلص من المؤمنين أكثر، والفاقة في خلص المؤمنين أو كلهم أكثر وأشد. 13 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل موسر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله نقي الثوب فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء رجل معسر درن الثوب فجلس إلى جنب الموسر فقبض الموسر ثيابه من تحت فخذيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أخفت أن يمسك من فقره شئ ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يصيبه من غناك شئ ؟ قال: لا، قال: فخفت أن يوسخ ثيابك ؟ قال: لا ؟ قال: فما حملك على ما صنعت ؟ فقال: يا رسول الله إن لي قرينا يزين لي كل قبيح ويقبح لي كل حسن، وقد جعلت له نصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للمعسر: أتقبل ؟ قال: لا، فقال له الرجل: لم ؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخلك (1). بيان: " فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله " قال الشيخ البهائي قدس سره: " إلى " إما بمعنى " مع " كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: " من أنصاري إلى الله " (2) أو بمعنى عندكما في قول الشاعر: * أشهى إلي من الرحيق السلسل * ويجوز أن يضمن جلس معنى توجه أو نحوه " درن الثوب " بفتح الدال وكسر الراء صفة مشبهة من الدرن بفتحهما، وهو الوسخ، وأقول: في المصباح درن الثوب درنا فهو درن، مثل وسخ وسخا فهو وسخ وزنا ومعنى. " فقبض الوسر ثيابه " قيل: أي أطراف ثوبه " من تحت فخذيه " كأن الظاهر


(1) الكافي ج 2 ص 262. (2) الصف: 14. [*]

[14]

إرجاع ضمير فخذيه إلى المعسر، ولو كان راجعا إلى الموسر لما كان لجمع الطرف الاخر وجه إلا أن يكون لموافقة الطرف الاخر وفيه تكلفات اخر. وقال الشيخ المتقدم رحمه الله: ضمير " فخذيه " يعود إلى الموسر أي جمع الموسر ثيابه وضمها تحت فخذي نفسه لئلا تلاصق ثياب المعسر، ويحتمل عوده إلى المعسر، و " من " على الاول إما بمعنى " في " أو زائدة على القول بجواز زيادتها في الاثبات، وعلى الثاني لابتداء الغاية، والعود إلى الموسر أولى كما يرشد إليه قوله عليه السلام " فخفت أن يوسخ ثيابك " لان قوله عليه السلام: فخفت أن يوسخ ثيابك الغرض منه مجرد التقريع للموسر كما هو الغرض من التقريعين السابقين أعني قوله: " خفت أن يمسك من فقره شئ " " خفت أن يصيبه من غناك شئ " وهذه التفريعات الثلاث منخرطة في سلك واحد، ولو كان ثياب الموسر تحت فخذي المعسر، لا يمكن أن يكون قبضها من تحت فخذيه خوفا من أن يوسخها. أقول: ما ذكره قدس سره وان كان التقريع فيه أظهر وبالاولين أنسب لكن لا يصير هذا مجوزا لارتكاب بعض التكلفات إذ يمكن أن يكون التقريع لان سراية الوسخ في الملاصقة في المدة القليلة نادرة أو لان هذه مفسدة قليلة لا يحسن لاجلها ارتكاب إيذاء مؤمن. " إن لي قرينا يزين لي كل قبيح " قال رحمه الله: أي إن لي شيطانا يغويني ويجعل القبيح حسنا والحسن قبيحا، وهذا الفعل الشنيع الذي صدر مني من جملة إغوائه لي. أقول: ويمكن أيضا أن يراد بالقرين النفس الامارة التي طغت وبغت بالمال، أو المال أو الاعم كما قال تعالى: " إن الانسان ليطغى * أن رآه استغنى " (1) وقال في النهاية ومنه الحديث ما من أحد إلا وكل به قرينه أي مصاحبه من الملائكة أو الشياطين، وكل إنسان فان معه قرينا منهما فقرينه من الملائكة يأمره بالخير ويحثه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشر ويحثه عليه.


(1) العلق: 6 - 7. [*]

[15]

" وجعلت له نصف مالي " أي في مقابلة ما صدر مني إليه من كسر قلبه وزجرا للنفس عن العود إلى مثل هذه الزلة " قال أخاف أن يدخلني ما دخلك " أي مما ذكرت أو من الكبر والغرور والترفع على الناس واحتقارهم وسائر الاخلاق الذميمة التي هي من لوازم التمول والغنى. 14 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في مناجاة موسى عليه السلام: يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنا مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته (1). بيان: الشعار بالكسر ما ولي الجسد من الثياب لانه يلى شعره، ويستعار للصفات المختصة، وفي حديث الانصار: أنتم الشعار دون الدثار، والشعار أيضا علامة يتعارفون بها في الحرب، والفقر من خصائص الصالحين، ومرحبا أي لقيت رحبا وسعة، وقيل: معناه رحب الله بك مرحبا، والقول كناية عن غاية الرضا والتسليم. " ذنب عجلت عقوبته " أي أذنبت ذنبا صار سببا لان أخرجني الله من أوليائه واتصفت بصفات أعدائه أو ابتلاني بالمشقة التي ابتلا بها أصحاب الاموال كما قال تعالى: " إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا " (2) وما قيل من أن الذنب من الغنا فهو بعيد جدا. 15 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: طوبى للمساكين بالصبر، وهم الذين يرون ملكوت السماوات والارض (3).


(1) الكافي ج 2 ص 263. (2) براءة: 55. (3) الكافي ج 2 ص 263. [*]

[16]

بيان: قد مر تفسير طوبى (1) وقوله: " بالصبر " إما للسببية أي طوبى لهم بسبب الصبر أو للملابسة فيكون حالا عن المساكين، ولا يبعد أن يقرء المساكين بالتشديد للمبالغة أي المتمسكين كثيرا بالصبر. ورؤية ملكوت السماوات والارض للكمل منهم، وهم الانبياء والاوصياء ومن يقرب منهم من الاولياء، ويمكن أن يكون لرؤية ملكوت السماوات والارض مراتب يحصل لكل منهم مرتبة يليق بهم، فمنهم من يتفكر في خلق السماوات والارض ونظام العالم، فيعلم بذلك قدرته تعالى وحكمته، وأنه لم يخلقها عبثا بل خلقها لامر عظيم، وهو عبادة الله سبحانه ومعرفته، كما قال تعالى: " يتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا " (2). ومنهم من يتفكر في أن خالق السماوات والارض لا يكون عاجزا ولا بخيلا فلم يفقرهم ويحوجهم الا لمصلحة عظيمة فيصبر على بلاء الله ويرضى بقضائه


(1) روى الصدوق في المعاني ص 112 باسناده عن أبي بصير قال: قال الصادق عليه السلام: طوبى لمن تمسك بامرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية، فقلت له جعلت فداك وما طوبى ؟ قال: شجرة في الجنة أصلها في دار علي بن أبي طالب عليه السلام وليس مؤمن إلا وفي داره غصن من أغصانها، وذلك قول الله عزوجل " طوبى لهم وحسن مآب ". وروى العياشي في تفسيره ج 2 ص 213 عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في حديث: وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار رسول الله فليس من مؤمن الا وفي داره غصن من أغصانها لا ينوي في قلبه شيئا إلا آتاه ذلك الغصن، ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منها ولو أن غرابا طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتى يبياض هرما. وقال الشرتوني في الاقرب: الطوبى مصدر بمعنى الطيب أصله طيبي - بضم الطاء - قلبت الياء واوا لسكونها بعد ضمة وجمع الطيبة، هو من نوادر الجموع، وتأنيث الاطيب والغبطة والسعادة والحسنى والخير والخيرة وشجرة في الجنة أو الجنة بالهندية، ويقال لها طيبي - بكسر الطاء - أيضا. (2) آل عمران: 191. [*]

[17]

وكأن تفسير المساكين هنا بالانبياء والاوصياء عليهم السلام أظهر، وقد ورد في بعض الاخبار تفسيره بهم عليهم السلام فان المسكنة والخضوع والخشوع، والتوسل بجناب الحق سبحانه، والاعراض عن غيره، قال في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر المسكين والمساكين والمسكنة والتمسكن وكلها يدور معناها على الخضوع والذلة وقلة المال والحال السيئة، واستكان إذا خضع، والمسكنة فقر النفس وتمسكن إذا تشبه بالمساكين، وهو جمع المسكين، وهو الذي لا شئ له، وقيل: هو الذي له بعض الشئ، وقد تقع المسكنة على الضعف، ومنه حديث قيلة صدقت المسكنة أراد الضعف ولم يرد الفقر وفيه: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين: أراد به التواضع والاخبات وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين وفيه أنه قال للمصلي تبأس وتمسكن أي تذل وتخضع، وهو تمفعل من السكون. 16 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر المساكين طيبوا نفسا، وأعطوا الله الرضا من قلوبكم، يثبكم الله عزوجل على فقركم: فان لم تفعلوا فلا ثواب لكم (1). بيان: " نفسا " تميز، ويدل على أن الثواب إنما هو على الرضا بالفقر لا على أصل الفقر، وحمل على اصول المتكلمين وهي أن الثواب هو الجزاء الدائم في الاخرة، وهو لا يكون إلا على الفعل الاختياري، وأما ما يعطيه الله على الالام التي يوردها على العبد في الدنيا بغير اختياره، فانما هو الجزاء المنقطع في الدنيا أو في الاخرة أيضا، على قول بعضهم، حيث جوزوا أن يكون انقطاعها على وجه لا يشعر به، فلا يصير سببا لالمه، ومنهم من جوز كون العوض دائما في الاخرة. قال العلامة قدس الله روحه في الباب الحادي عشر: السادسة في أنه تعالى يجب عليه فعل عوض الالام الصادرة عنه، ومعنى العوض هو النفع المستحق الخالي


(1) الكافي ج 2 ص 263. [*]

[18]

عن التعظيم والاجلال، وإلا لكان ظالما تعالى الله عن ذلك، ويجب زيادته على الالام، والا لكان عبثا. وقال بعض الافاضل في شرحه: الالم الحاصل للحيوان إما أن يعلم فيه وجه من وجوه القبح، فذلك يصدر عنا خاصة، أو لا يعلم فيه ذلك فيكون حسنا وقد ذكر لحسن الالم وجوه: الاول كونه مستحقا، الثاني كونه مشتملا على النفع الزائد، الثالث كونه مشتملا على دفع الضرر الزائد عنه، الرابع كونه بمجرى العادة، الخامس، كونه متصلا على وجه الدفع، وذلك الحسن قد يكون صادرا عنه تعالى وقد يكون صادرا عنا. فأما ما كان صادرا عنه تعالى على وجه النفع فيجب فيه أمران: أحدهما العوض، وإلا لكان ظالما تعالى الله عنه، ويجب أن يكون زائدا على الالم إلى حد يرضى عنه كل عاقل لانه يقبح في الشاهد إيلام شخص لتعويضه ألمه من غير زيادة لاشتماله على العبث، وثانيهما اشتماله على اللطف إما للمتألم أو لغيره ليخرج عن العبث فاما ما كان صادرا عنا مما فيه وجه من وجوه القبح، فيجب عليه تعالى الانتصاف للمتألم من المؤلم لعدله، ولدلالة الادلة السمعية عليه ويكون العوض هنا مساويا للالم، وإلا لكان ظلما. وهنا فوائد: الاول العوض هو النفع المستحق الخالي عن تعظيم واجلال فبقيد المستحق خرج التفضل، وبقيد الخلو عن تعظيم خرج الثواب. الثاني لا يجب دوام العوض لانه يحسن في الشاهد ركوب الاهوال العظيمة لنفع منقطع قليل. الثالث العوض لا يجب حصوله في الدنيا لجواز أن يعلم الله تعالى المصلحة في تأخره، بل قد يكون حاصلا في الدنيا، وقد لا يكون. الرابع الذي يصل إليه عوض ألمه في الاخرة إما أن يكون من أهل الثواب أو من أهل العقاب ؟ فإن كان من أهل الثواب فكيفية إيصال أعواضه إليه بأن

[19]

يفرقها الله على الاوقات أو يتفضل الله عليه بمثلها، وإن كان من أهل العقاب أسقط بها جزءا من عقابه، بحيث لا يظهر له التخفيف بأن يفرق القدر على الاوقات. الخامس الالم الصادر عنا بأمره أو إباحته والصادر عن غير العاقل كالعجماوات وكذا ما يصدر عنه تعالى من تفويت المنفعة لمصلحة الغير وإنزال الغموم الحاصلة من غير فعل العبد عوض ذلك كله على الله تعالى لعدله وكرمه. وأقول: كون أعواض الالام الغير الاختيارية منقطعة مما لم يدل عليه برهان قاطع، وبعض الروايات تدل على خلافه كالروايات الدالة على أن حمى ليلة تعدل عبادة سنة، وأن من مات له ولد يدخله الله الجنة صبر أم لم يصبر جزع أم لم يجزع، وإن من سلب الله كريمته وجبت له الجنة، وأمثال ذلك كثيرة، وإن أمكن تأويل بعضها مع الحاجة إليه. وقيل: للفقير ثلاثة أحوال: أحدها الرضا بالفقر، والفرح به، وهو شأن الاصفياء، وثانيها الرضا به دون الفرح وله أيضا ثواب دون الاول، وثالثها عدم الرضا به والكراهة في القسمة، وهذا مما لا ثواب له أصلا. وهو كلام على التشهي لكن روى السيد الرضي رضي الله عنه في نهج البلاغة أنه قال أمير المؤمنين عليه السلام لبعض أصحابه في علة اعتلها: جعل الله ما كان من شكواك حطا لسيئاتك، فان المرض لا أجر فيه ولكنه يحط السيئات ويحتها حت الاوراق وإنما الاجر في القول باللسان، والعمل بالايدي والاقدام، وإن الله سبحانه يدخل بصدق النية والسريرة الصالحة من يشاء من عباده الجنة (1). ثم قال السيد رحمه الله: وأقول: صدق عليه السلام إن المرض لا أجر فيه لانه من قبيل ما يستحق عليه العوض، لان العوض يستحق على ما كان في مقابلة فعل الله تعالى بالعبد من الالام والامراض، وما يجري مجرى ذلك، والاجر والثواب يستحقان على ما كان في مقابلة فعل العبد فبينهما فرق قد بينه عليه السلام كما


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 153. [*]

[20]

يقضيه علمه الثاقب، ورأيه الصائب، انتهى. وقوله عليه السلام: اعتلها أي اعتل بها، والشكوى المرض، والحط الوضع والحدر من علو إلى سفل، وحت الورق كمد سقطت فانحتت وتحاتت، وحت فلان الشئ أي حطه يتعدى ولا يتعدى والسريرة ما يكتم كالسر ولو كانت الرواية صحيحة يؤيد مذهب القوم في الجملة. وقال قطب الدين الراوندي في شرحه على النهج: قول السيد: إن المرض لا أجر له ليس ذلك على الاطلاق، وذلك لان المريض إذا احتمل المشقة التي حملها الله عليه احتسابا كان له أجر الثواب على ذلك، والعوض على المرض، فعلى فعل العبد إذا كان مشروعا الثواب، وعلى فعل الله إذا كان ألما على سبيل الاختيار العوض. وقال ابن أبي الحديد (1) ينبغي أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الفصل على تأويل يطابق ما يدل عليه العقول وأن لا يحمل على ظاهره، وذلك لان المرض إذا استحق عليه الانسان العوض لم يجز أن يقال العوض يحط السيئات بنفسه لا على قول أصحابنا، ولا على قول الامامية. أما الامامية فانهم مرجئة لا يذهبون إلى التحابط، وأما أصحابنا فانهم لا تحابط عندهم إلا في الثواب والعقاب، فأما العقاب والعوض فلا تحابط بينهما لان التحابط بين الثواب والعقاب إنما كان باعتبار التنافي بينهما، من حيث كان أحدهما يتضمن الاجلال والاعظام، والاخر يتضمن الاستخفاف والاهانة، ومحال أن يكون الانسان الواحد مهانا معظما في حال واحد، ولما كان العوض لا يتضمن إجلالا وإعظاما، وإنما هو نفع خالص فقط، لم يكن منافيا للعقاب، وجاز أن يجتمع للانسان الواحد في الوقت الواحد كونه مستحقا للعقاب والعوض إما بأن يوفر العوض عليه في الدار الدنيا، وإما بأن يخفف عنه بعض عقابه، ويجعل ذلك بدلا من العوض الذي كان سبيله أن يوصل إليه.


(1) شرح النهج الحديدي ج 4 ص 262. [*]

[21]

وإذا ثبت ذلك وجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على تأويل صحيح وهو الذي أراده عليه السلام لانه كان أعرف الناس بهذه المعاني، ومنه تعلم المتكلمون علم الكلام، وهو أن المرض والالم يحط الله تعالى عن الانسان المبتلى به ما يستحقه من العقاب على معاصيه السالفة تفضلا منه سبحانه، فلما كان إسقاطه للعقاب متعقبا للمرض وواقعا بعده بلا فصل جاز أن يطلق اللفظ بأن المرض يحط السيئات ويحتها حت الورق، كما جاز أن يطلق اللفظ بأن الجماع يحبل المرأة وبأن سقي البذر الماء ينبته وإن كان الولد والزرع عند المتكلمين واقعا من الله تعالى على سبيل الاختيار لا على سبيل الايجاب، ولكنه أجرى العادة بأن يفعل ذلك عقيب الجماع وعقيب سقي البذر الماء. فان قلت: يجوز أن يقال: إن الله تعالى يمرض الانسان المستحق للعقاب ويكون إنما أمرضه ليسقط عنه العقاب لا غير ؟ قلت: لا، لانه قادر على أن يسقط عنه العقاب ابتداء، ولا يجوز إنزال الالم الا حيث لا يمكن اقتناص العوض المجزي به إليه، إلا بطريق الالم وإلا كان فعل الالم عبثا ألا ترى أنه لا يجوز أن يستحق زيد على عمرو ألف درهم فيضربه ويقول: إنما أضربه لاجعل ما يناله من ألم الضرب مسقطا لما أستحقه من الدراهم عليه، ويذمه العقلاء ويسفهونه ويقولون له فهلا وهبتها له وأسقطتها عنه من غير حاجة إلى أن تضربه ؟ وأيضا فان الالام قد تنزل بالانبياء وليسوا ذوي ذنوب ومعاص ليقال إنه يحطها عنهم. فأما قوله عليه السلام: " وإنما الاجر في القول " إلى آخر الفصل فانه عليه السلام قسم أسباب الثواب أقساما، فقال: لما كان المرض لا يقتضي الثواب لانه ليس من فعل المكلف، إنما يستحق المكلف الثواب على ما كان من فعله، وجب أن نبين ما الذي يستحق به المكلف الثواب. الذي يستحق المكلف به ذلك أن يفعل فعلا إما من أفعال الجوارح، وإما من أفعال القلوب، فأفعال الجوارح إما قول باللسان أو عمل ببعض الجوارح وعبر

[22]

عن سائر الجوارح عدا اللسان بالايدي والاقدام، لان أكثر ما يفعل بها، وإن كان قد يفعل بغيرها، نحو مجامعة الرجل زوجته إذا قصد به تحصينها وتحصينه عن الزنا ونحو أن ينحي حجرا ثقيلا برأسه عن صدر إنسان قد كاد يقتله، وغير ذلك. وأما أفعال القلوب فهي العزوم والارادات والنظر والعلوم والظنون والندم فعبر عليه السلام عن جميع ذلك بصدق النية والسريرة الصالحة، واكتفى بذلك عن تعديد هذه الاجناس. فان قلت: فان الانسان قد يستحق الثواب على أن لا يفعل القبيح، وهذا يخرم الحصر الذي حصره أمير المؤمنين عليه السلام. قلت: يجوز أن يكون يذهب مذهب أبي علي في أن القادر بقدرة لا يخلو عن الفعل والترك، انتهى. قال ابن ميثم (1) قدس سره: دعا عليه السلام لصاحبه بما هو ممكن وهو حط السيئات بسبب المرض، ولم يدع له بالاجر عليه معللا ذلك بقوله " فان المرض لا أجر فيه " والسر فيه أن الاجر والثواب إنما يستحق بالافعال المعدة له كما اشار إليه بقوله: " وإنما الاجر في القول - إلى قوله بالاقدام " وكنى بالاقدام عن القيام بالعبادة، وكذلك ما يكون كالفعل من عدمات الملكات كالصوم ونحوه، فأما المرض فليس هو بفعل العبد، ولا عدم فعل من شأنه أن يفعله. فأما حطه للسيئات فباعتبار أمرين: أحدهما أن المريض تنكسر شهوته وغضبه اللذين هما مبدءا الذنوب والمعاصي ومادتهما، الثاني أن من شأن المرض أن يرجع الانسان فيه إلى ربه بالتوبة والندم على المعصية والعزم على ترك مثلها، كما قال تعالى: " وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما " الآية (2). فما كان من السيئات حالات غير متمكنة من جوهر النفس فانه يسرع زوالها منها، وما صار ملكة فربما يزول على طول المرض ودوام الانابة إلى الله تعالى


(1) شرح النهج لابن ميثم ص 584. (2) يونس: 12. [*]

[23]

واستعار لزوالها لفظ الحت وشبهه في قوة الزوال والمفارقة بحت الاوراق. ثم نبه عليه السلام بقوله: " وإن الله " إلى آخره على أن العبد إذا احتسب المشقة في مرضه لله بصدق نيته مع صلاح سريرته، فقد يكون ذلك معدا لافاضة الاجر والثواب عليه، ودخوله الجنة، ويدخل ذلك في أعدام الملكات المقرونة بنية القربة إلى الله، وكلام السيد رحمه الله مقتضى مذهب المعتزلة. انتهى. وقال الكيدري نور الله ضريحه: المرض لا أجر فيه للمريض بمجرد الالم بل فيه العوض وإذا احتمل المريض ما حمل احتسابا اثيب على ذلك. انتهى. وأقول: إذا اطلعت على ما ذكره المخالف والمؤالف في هذا الباب فاعلم أنهم جروا في ذلك على ما نسجوه من قواعدهم الكلامية نسج العنكبوت ولا طائل في الخوض فيها، لكن لابد من الخوض في الايات والاخبار الواردة في ذلك والجمع بينهما. والذي يظهر منها أن الله تعالى بلطفه ورحمته يبتلي المؤمنين في الدنيا بأنواع البلايا على قدر إيمانهم، وسبب ذلك إما إصلاح نفوسهم، وردعها عن الشهوات أو تعريضهم بالصبر عليها لاجزل المثوبات، أو لحط ما صدر عنهم من السيئات إذا علم أن صلاحهم في العفو بعد الابتلاء، ليكون رادعا لهم عن ارتكاب مثلها ومع ذلك يعوضهم أو يثيبهم بأنواع الاعواض والمثوبات. ولو صح قولهم: إن العوض لا يكون دائما، يمكن أن يقال: دخولهم الجنة وتنعمهم بنعيمه الدائم إنما هو بالايمان والاعمال الصالحة، لكن لما كانت معاصيهم حائلة بينهم وبين دخولهم الجنة ابتداء، قد يبتليهم في الدنيا ليطهرهم من لوثها وقد يؤخرهم إلى سكرات الموت أو عذاب البرزخ أو في القيامة ليدخلوا الجنة مطهرين من لوث المعاصي، وكل ذلك بحسب ما علم من صلاحهم في ذلك. ثم إن جميع ذلك في غير الانبياء والاوصياء والاولياء عليهم السلام وأما فيهم عليهم السلام فليس إلا لرفع الدرجات، وتكثير المثوبات، كما عرفت مما سبق من الروايات

[24]

فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، ولا تصغ إلى شبهات المضلين، وقد سبق منا بعض القول فيه. 17 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نصر، عن عيسى الفراء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك وتعالى مناديا ينادي بين يديه: أين الفقراء ؟ فيقوم عنق من الناس كثير فيقول: عبادي ! فيقولون: لبيك ربنا، فيقول: إني لم افقركم لهوان بكم علي ولكن إنما اخترتكم لمثل هذا اليوم، تصفحوا وجوه الناسن فمن صنع اليكم معروفا لم يصنعه إلا في فكافوه عني بالجنة (1). بيان: كان تحتمل التامة والناقصة، كما مر " بين يديه " أي قدام عرشه وقيل: أي يصل نداؤه إلى كل أحد كما أنه حاضر عند كل أحد وفي النهاية فيه يخرج عنق من النار أي طائفة، وقال: عنق من الناس أي جماعة " لهوان بكم علي " أي لمذلة وهوان علي كان بكم " ولكن إنما اخترتكم " أي اصطفيتكم " لمثل هذا اليوم " أي لهذا اليوم فكلمة " مثل " زائدة نحو قولهم مثلك لا يبخل أو لهذا اليوم ومثله لاثيبكم قال في المصباح المثل يستعمل على ثلاثة أوجه: بمعنى التشبيه، وبمعنى نفس الشئ وزائدة، وقال: صفحت الكتاب قلبت صفحاته، وهي وجوه الاوراق وتصفحته كذلك وصفحت القوم صفحا رأيت صفحات وجوههم " لم يصنعه إلا في " الجملة جزاء الشرط أو صفة لقوله " معروفا " أي معروفا يكون خالصا والاول أظهر، ويومئ إليه قوله: " فكافوه عني ". 18 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن إبراهيم الحذاء، عن محمد بن صغير، عن جده شعيب، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لولا إلحاح هذه الشيعة على الله في طلب الرزق، لنقلهم من الحال التي هم فيها إلى ما هو أضيق (2). بيان: " هذه الشيعة " أي الامامية، فان الشيعة أعم منهم، أو إشارة


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 263. [*]

[25]

إلى غير الخلص منهم، فانهم لا يلحون، وكأن الاشارة على الاول لبيان الاختصاص، وعلى الثاني للتحقير. 19 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن فضال عن محمد بن الحسين بن كثير الخزاز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: أما تدخل السوق ؟ أما ترى الفاكهة تباع والشئ مما تشتهيه ؟ فقلت: بلى، فقال: أما إن لك بكل ما تراه فلا تقدر على شراه حسنة (1). بيان: " والشئ مما تشتهيه " أي من غير الفاكهة أعم من المأكول والملبوس وغيرهما، والظاهر من الحسنة المثوبة الاخروية، وحمل على العوض أو على أن الحسنة للصبر والرضا بالقضاء على الاصل المتقدم. 20 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان عن علي بن عثمان، عن مفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الاخ إلى أخيه، فيقول: وعزتي وجلالي ما أحوجتك في الدنيا من هوان كان بك علي فارفع هذا السجف فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا قال: فيرفع فيقول: ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني (2). بيان: " ليعتذر " كأنه مجاز كما يومئ إليه ما مر في التاسع (3) " شبيها بالمعتذر " والمحوج يحتمل كسر الواو وفتحها، في المصباح: أحوج وزان أكرم من الحاجة، ويستعمل أيضا متعديا يقال: أحوجه الله إلى كذا، وفي القاموس: السجف ويكسر وككتاب الستر " ما ضرني " ما نافية " ما منعتني " ما مصدرية " مع ما عوضتني " ما موصولة، وتحتمل المصدرية أيضا. 21 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة قام عنق من الناس حتى يأتوا باب الجنة


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 264. (3) يعني الخبر التاسع في كتاب الكافي وقد مر تحت الرقم 11. [*]

[26]

فيضربوا باب الجنة فيقال لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن الفقراء، فيقال لهم: أقبل الحساب ؟ فيقولون: ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه، فيقول الله عزوجل: صدقوا ادخلوا الجنة (1). بيان: " أقبل الحساب " أي أتدخلون الجنة قبل الحساب على التعجب أو الانكار " ما أعطيتمونا " أي ما أعطانا الله شيئا وإضافته إلى الملائكة لانهم مقربوا جنابه بمنزلة وكلائه " تحاسبونا " قيل: يجوز فيه تشديد النون كما قرئ في سورة الزمر " تأمروني " (2) بالتخفيف وبالتشديد وبالنونين والمخاطب في " صدقوا " الملائكة وفي " ادخلوا " الفقراء إذا قرئ على بناء المجرد كما هو الظاهر، وأمرهم بالدخول يستلزم أمر الملائكة بفتح الباب ويمكن أن يقرأ على بناء الافعال فالمخاطب الملائكة أيضا وقيل: هو من قبيل ذكر اللازم وارادة الملزوم، أي افتحوا الباب ولذا حذف المفعول بناء على أن فتح الباب سبب لدخول كل من يستحقه، وان كان الباعث الفقراء، وكان هذا مبني على ما سيأتي من أن الله تعالى لا يحاسب المؤمنين على ما أكلوا ولبسوا ونكحوا وأمثال ذلك إذا كان من حلال. 22 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن مبارك غلام شعيب قال: سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: أن الله عزوجل يقول: إني لم اغن الغني لكرامة به علي ولم افقر الفقير لهوان به علي، وهو مما ابتليت به الاغنياء بالفقراء ولولا الفقراء لم يستوجب الاغنياء الجنة (3). بيان: " وهو مما ابتليت به الاغنياء " كأن ضمير هو راجع إلى التفاوت المفهوم من الكلام السابق، أقول: إذا كان من للتبعيض يدل على أن ابتلاء الناس بعضهم ببعض يكون على وجوه شتى منها ابتلاؤهم بالفقر والغنا، ويحتمل أن يكون من للتعليل " ولولا الفقراء " كأن المعنى أن عمدة عبادة الاغنياء إعانة الفقراء أو أنه يلزم الغنا أحوال لا يمكن تداركها إلا برعاية الفقراء فتأمل.


(1) الكافي ج 2 ص 264. (2) الزمر: 64. (3) الكافي ج 2 ص 265. [*]

[27]

23 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن إسحاق بن عيسى، عن إسحاق بن عمار والمفضل بن عمر قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم، فاحفظونا فيهم يحفظكم الله (1). بيان: المياسير والمحاويج جمعا الموسر والمحوج، لكن على غير القياس لان القياس جمع مفعال على مفاعيل، قال الفيروز آبادي: أيسر إيسارا ويسرا صار ذا غنى فهو موسر، والجمع مياسير، وقال صاحب مصباح اللغة: أحوج وزان أكرم من الحاجة فهو محوج، وقياس جمعه، بالواو والنون لانه صفة عاقل والناس يقولون محاويج، مثل مفاطير ومفاليس، وبعضهم ينكره ويقول غير مسموع، انتهى. وأقول: وروده في الحديث يدل على مجيئه لكن قال بعضهم: إنهما جمعا ميسار ومحواج اسمى آلة استعملا في الموسر والمحوج للمبالغة. " امناؤنا على محاويجهم " كونهم امناءهم عليهم السلام إما مبنى على ما ذكره الكليني رحمه الله (2) في آخر كتاب الحجة أن الاموال كلها للامام، وإنما رخص لشيعتهم التصرف فيها فتصرفهم مشروط برعاية فقراء الشيعة وضعفائهم أو على أنهم خلفاء الله ويلزمهم أخذ حقوق الله من الاغنياء، وصرفها في مصارفها، ولما لم يمكنهم في أزمنة التقية والغيبة أخذها منهم وصرفها في مصارفها وأمروا الاغنياء بذلك فهم امناؤهم على ذلك، أو على أنه لما كان الخمس وسائر أموالهم من الفئ والانفال بايديهم، ولم يمكنهم إيصالها إليهم عليهم السلام فهم امناؤهم في إيصال ذلك إلى فقراء الشيعة: فيدل على وجوب صرف حصة الامام من الخمس وميراث من لا وارث له وغير ذلك من أموال الامام إلى فقراء الشيعة، ولا يخلو من قوة والاحوط صرفها إلى الفقيه المحدث العادل، ليصرفها في مصارفها نيابة عنهم عليهم السلام والله يعلم. " فاحفظونا فيهم " أي ارعوا حقنا فيهم لكونهم شيعتنا وبمنزلة عيالنا " يحفظكم الله " أي يحفظكم الله في أنفسكم وأموالكم في الدنيا ومن عذابه في الاخرة، ويحتمل


(1) الكافي ج 2 ص 265. (2) راجع اصول الكافي ج 1 ص 407 باب أن الارض كلها للامام عليه السلام وص 538 باب الفئ والانفال وتفسير الخمس وحدوده وما يجب فيه. [*]

[28]

أن تكون جملة دعائية، وقيل: يدل على أن الاغنياء إذا لم يراعوا الفقراء سلبت عنهم النعمة، لانه إذا ظهرت الخيانة من الامين يؤخذ ما في يده، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لله تعالى عبادا يخصهم بالنعم لمنافع العباد، فيقرها في أيديهم، ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، ثم حولها إلى غيرهم. 24 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الفقر أزين للمؤمنين من العذار على خد الفرس (1). بيان: " أزين للمؤمنين " اللام للتعدية، وفي النهاية: فيه الفقر أزين للمؤمن من عذار حسن على خد فرس، العذاران من الفرس كالعارضين من وجه الانسان، ثم سمى به السير الذي يكون عليه من اللجام عذارا باسم موضعه، انتهى. وأقول: يمكن أن يقال لتكميل التشبيه أن الفقر يمنع الانسان من الطغيان كما يمنع اللجام الفرس عن العصيان. وقال بعض شراح العامة: لان صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه، فطلبها شين والقلة زين. 25 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن غالب، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: سألت علي بن الحسين عليهما السلام عن قول الله عزوجل: " ولولا أن يكون الناس امة واحدة " (2) قال: عنى بذلك امة محمد صلى الله عليه وآله أن يكونوا على دين واحد كفارا كلهم " لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة " ولو فعل الله ذلك بامة محمد لحزن المؤمنون وغمهم ذلك، ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم (3). بيان: قد مر تفسير الاية، وأما تأويله عليه السلام فلعل المعنى أن المراد بالناس


(1) الكافي ج 2 ص 265. (2) الزخرف: 33. (3) الكافي: ج 2 ص 265. [*]

[29]

امة محمد صلى الله عليه وآله بعد وفاته بقرينة المضارع في " يكون " و " يكفر "، والمراد بمن يكفر بالرحمن: المخالفون المنكرون للامامة، والنص على الامام، ولذا عبر بالرحمن إشعارا بأن رحمانية الله يقتضي عدم إهمالهم في امور دينهم، أو المراد أن المنكر للامام كافر برحمانية الملك العلام. والحاصل أنه لولا أنه كان يصير سببا لكفر المؤمنين لحزنهم وغمهم وانكسار قلبهم، فيستولي عليهم الشيطان فيكفرون ويلحقون بالمخالفين إلا شاذ منهم لا يكفي وجودهم لنصرة الامام، أو يهلكون غما وحزنا، وأيضا لو كان جميع المخالفين بهذه الدرجة من الغنا والثروة، وجميع المؤمنين في غاية الفقر والمهانة والمذلة لم يناكحوهم أي المخالفون المؤمنين بأن يعطوهم بناتهم أو يأخذوا منهم بناتهم، فلم يكن يحصل فيهم نسب يصير سببا للتوارث فبذلك ينقطع نسل المؤمنين، ويصير سببا لانقراضهم، أو لمزيد غمهم الموجب لارتدادهم، وبتلك الاسباب يصير امة محمد صلى الله عليه وآله كلهم كفرة ومخالفين، فيكونوا امة واحدة كفرة إما مطلقا أو إلا من شذ منهم، ممن محض الايمان محضا، فعبر بالناس عن الاكثرين لقلة المؤمنين فكأنهم ليسوا منهم. فالمراد بالامة في قوله: " عنى بذلك امة محمد صلى الله عليه وآله " أعم من امة الدعوة والاجابة قاطبة، أو الاعم من المؤمنين والمنافقين والمخالفين وذلك إشارة إلى الناس، والمراد بالامة في قوله: " ولو فعل ذلك بامة محمد " المنافقون والمخالفون أو الاعم منهم ومن سائر الكفار، والاول أظهر بقرينة " ولم يناكحوهم " فان غيرهم من الكفار لا يناكحون الان أيضا، والضمير المرفوع راجع إلى المخالفين والمنصوب إلى المؤمنين، وكذا " ولم يوارثوهم ". 26 - لي: عن الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام قال: كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر (1)


(1) أمالي الصدوق: 177. [*]

[30]

ل: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكوني عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (1). كتاب الامامة والتبصرة: عن سهل بن أحمد، عن محمد بن محمد بن الاشعث عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله. توضيح: هذه الرواية من المشهورات بين الخاصة والعامة، وفيها ذم عظيم للفقر، ويعارضها الاخبار السابقة وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: " الفقر فخري وبه أفتخر " وقوله صلى الله عليه وآله: " أللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين " ويؤيد هذه الرواية ما رواه العامة عنه صلى الله عليه وآله: " الفقر سواد الوجه في الدارين " وقد قيل في الجمع بينها وجوه. قال الراغب في المفردات: الفقر يستعمل على أربعة أوجه: الاول وجود الحاجة الضرورية، وذلك عام للانسان ما دام في دار الدنيا بل عام للموجودات كلها، وعلى هذا قوله عزوجل: " يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد " (2) وإلى هذا الفقر أشار بقوله في وصف الانسان: " ما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام " (3). والثاني عدم المقتنيات وهو المذكور في قوله: " للفقراء الذين احصروا في سبيل الله - إلى قوله: يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف " (4) " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " (5). الثالث فقر النفس وهو الشره المعني بقوله صلى الله عليه وآله: كاد الفقر أن يكون كفرا


(1) الخصال ج 1 ص 9. (2) فاطر: 15. (3) الانبياء: 8. (4) البقرة: 273. (5) براءة: 60. [*]

[31]

وهو المقابل بقوله: الغنا غنى النفس، والمعنى بقولهم: من عدم القناعة لم يفده المال غنى. الرابع: الفقر إلى الله المشار إليه بقوله: اللهم أغنني بالافتقار إليك، ولا تفقرني بالاستغناء عنك، وإياه عنى تعالى بقوله: " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير " (1) وبهذا ألم الشاعر فقال: ويعجبني فقري إليك ولم يكن * ليعجبني لولا محبتك الفقر ويقال: افتقر فهو مفتقر وفقير، ولا يكاد يقال فقر وإن كان القياس يقتضيه وأصل الفقير هو المكسور الفقار. انتهى (2). وهذا أحسن ما قيل في هذا المقام، ومنهم من حمل سواد الوجه على المدح أي إنه كالخال الذي على وجه المحبوب فانه يزينه ولا يشينه، وقيل: المراد بالوجه ذات الممكن، ومن الفقر احتياجه في وجوده وسائر كمالاته إلى الغير، وكون ذلك الاحتياج بسواد وجهه عبارة عن لزومه لذاته، بحيث لا ينفك كما لا ينفك السواد عن محله، ولا يخفى بعدهما، والاظهر حمله مع صحته على الفقر المذموم كما مر. وقال الغزالي في شرح هذا الخبر: إذ الفقر مع الاضطرار إلى ما لابد منه قارب أن يوقع في الكفر، لانه يحمل على حسد الاغنياء، والحسد يأكل الحسنات وعلى التذلل لهم بما يدنس به عرضه، وينثلم به دينه، وعلى عدم الرضا بالقضاء وتسخط الرزق، وذلك إن لم يكن كفرا فهو جار إليه، ولذلك استعاذ المصطفى من الفقر. وقال بعضهم: لان أجمع عندي أربعين ألف دينار حتى أموت عنها أحب إلي من فقر يوم وذل في سؤال الناس، ووالله ما أدري ماذا يقع مني لو ابتليت ببلية من فقر أو مرض، فلعلي أكفر ولا أشعر، فلذلك قال: كاد الفقر أن يكون كفرا


(1) القصص: 24. (2) مفردات غريب القرآن 383. [*]

[32]

لانه يحمل المرء على كل صعب وذلول. وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله والتصرف في ملكه، والفقر نعمة من الله داع إلى الانابة والالتجاء إليه، والطلب منه، وهو حلية الانبياء وزينة الاولياء، وزي الصلحاء - ومن ثم ورد خبر: إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، فهو نعمة جليلة بيد أنه مولم شديد التحمل. قال الغزالي: هذا الحديث ثناء على المال، ولا تقف على وجه الجمع بين المدح والذم إلا بأن تعرف حكمة المال، ومقصوده وفوائده وغوائله حتى ينكشف لك أنه خير من وجه، شر من وجه، وليس بخير محض، ولا بشر محض بل هو سبب للامرين معا: يمدح مرة ويذم مرة، والبصير المميز يدرك أن الممدوح منه غير المذموم. وقال بعض أصحابنا: في الدعاء: نعوذ بك من الفقر والقلة، قيل: الفقر المستعاذ منه إنما هو فقر النفس الذي يفضي بصاحبه إلى كفران نعم الله ونسيان ذكره، ويدعوه إلى سد الخلة بما يتدنس به عرضه ويثلم به دينه، والقلة تحمل على قلة الصبر أو قلة العدد. وفي الخبر أنه صلى الله عليه وآله تعوذ من الفقر، وقال: الفقر فخري وبه أفتخر على سائر الانبياء، وقد جمع بين القولين بأن الفقر الذي تعوذ منه صلى الله عليه وآله الفقر إلى الناس، والذي دون الكفاف، والذي افتخر به الفقر إلى الله تعالى وإنما كان هذا فخرا له على سائر الانبياء مع مشاركتهم له فيه، لان توحيده واتصاله بالحضرة الالهية، وانقطاعه إليه: كان في الدرجة التي لم يكن لاحد مثلها في العلو ففقره إليه كان أتم وأكمل من فقر سائر الانبياء. وقال الكرماني في شرح البخاري في قوله صلى الله عليه وآله: أعوذ بك من الفقر: استدل به على تفضيل الغنا، وبقوله تعالى: " إن ترك خيرا " أي مالا وبأنه صلى الله عليه وآله توفي على أكمل حالاته، وهو موسر بما أفاء الله عليه وبأن الغنى وصف للحق وحديث: أكثر أهل الجنة الفقراء، إخبار عن الواقع كما يقال: أكثر أهل الدنيا الفقراء، وأما تركه الطيبات، فلانه لم يرض أن يستعجل من الطيبات.

[33]

وأجاب الاخرون بأنه إيماء إلى أن علة الدخول الفقر، وتركه الطيبات يدل على فضل الفقر، واستعاذته من الفقر معارض باستعاذته من الغنا، ولا نزاع في كون المال خيرا بل من الافضل، وكان عند وفاته صلى الله عليه وآله درعه مرهونا، وغنى الله تعالى بمعنى آخر انتهى. وذهب أكثرهم إلى أن الكفاف أفضل من الغنا والفقر فانه سالم من آفاتهما وليس ببعيد وقال بعضهم: هذا كله صحيح لكن لا يدفع أصل السؤال في أيهما أفضل الغنا أو الفقر ؟ لان النزاع إنما ورد في حق من اتصف بأحد الوصفين أيهما في حقه أفضل وقيل: إن السؤال أيهما أفضل لا يستقيم لاحتمال أن يكون لاحدهما من العمل الصالح ما ليس للاخر، فيكون أفضل، وإنما يقع السؤال عنهما إذا استويا بحيث يكون لكل منهما من العمل ما يقاوم به عمل الاخر، فتعلم أيهما أفضل عند الله، ولذا قيل صورة الاختلاف في فقير ليس بحريص، وغنى ليس بممسك إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني البخيل وأن الغني المنفق أفضل من الفقير الحريص قال وكل ما يراد لغيره ولا يراد لعينه ينبغي أن يضاف إلى مقصوده فيه، ليظهر فضله فالمال ليس محذورا لعينه، بل لكونه قد يعوق عن الله، وكذا العكس فكم من غني لم يشغله غناه عن الله، وكم من فقير شغله فقره عن الله. إلى أن قال: وإن أخذت بالاكثر فالفقير عن الخطر أبعد لان فتنة الغني أشد من فتنة الفقر، وقال بعضهم: كلام الناس في أصل المسألة يختلف، فمنهم من فضل الفقر، ومنهم من فضل الغنا، ومنهم من فضل الكفاف، وكل ذلك خارج عن محل الخلاف أي الحالين أفضل عند الله للعبد حتى يتكسب ذلك ويتخلق به، هل التقلل من المال أفضل ليتفرغ قلبه عن الشواغل، وينال لذة المناجاة ولا ينهمك في الاكتساب ليستريح من طول الحساب ؟ أو التشاغل باكتساب المال أفضل ليستكثر من القرب من البر والصلة لما في ذلك من النفع المتعدي. قال: وإذا كان الامر كذلك فالافضل ما اختاره النبي صلى الله عليه وآله وجمهور أصحابه من التقلل في الدنيا والبعد عن زهرتها ويبقى النظر فيمن حصل له شئ من الدنيا

[34]

بغير تكسب منه كالميراث وسهم الغنيمة هل الافضل أن يبادر إلى إخراجه في وجوه البر حتى لا يبقى منه شئ أو يتشاغل بتثميره ليستكثر من نفعه المتعدي. قال: وهو على القسمين الاولين، وقال ابن حجر: مقتضى ذلك أن يبذل إلى أن يبقى في حالة الكفاف، ولا يضر ما يتجدد من ذلك إذا سلك هذه الطريقة. ودعوى أن جمهور الصحابة كانوا على التقلل والزهد ممنوعة، فان المشهور من أحوالهم أنهم كانوا على قسمين بعد أن فتحت عليهم الفتوح فمنهم من أبقى ما بيده مع التقرب إلى ربه بالبر والصلة والمواساة مع الاتصاف بغنى النفس، ومنهم من استمر على ما كان عليه قبل ذلك، وكان لا يبقى شيئا مما فتح عليه، وهم قليل، والاخبار في ذلك متعارضة، ومن المواضع التي وقع فيها التردد من لا شئ له، فالاولى في حقه أن يستكسب للصون عن ذل السؤال، أو يترك وينتظر ما يفتح عليه بغير مسألة انتهى. وأقول: مقتضى الجمع بين اخبارنا أن الفقر والغنا كل منهما نعمة من نعم الله تعالى يعطي كلا منهما من شاء من عباده بحسب ما يعلم من مصالحه الكاملة وعلى العبد أن يصبر على الفقر بل يشكره ويشكر الغنا إن أعطاه، ويعمل بمقتضاه فمع عمل كل منهما بما تقتضيه حاله، فالغالب أن الفقير الصابر أكثر ثوابا من الغني الشاكر، لكن مراتب أحوالهما مختلفة غاية الاختلاف، ولا يمكن الحكم الكلي من أحد الطرفين، والظاهر أن الكفاف أسلم وأقل خطرا من الجانبين ولذا ورد في أكثر الادعية طلبه وسأله النبي صلى الله عليه وآله لاله وعترته، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب المكاسب ان شاء الله. وأما قوله صلى الله عليه وآله: " كاد الحسد أن يغلب القدر " فقد شرحناه في كتاب السماء والعالم، وحمله أكثر المحققين على تأثير العين فانه ينشأ غالبا من حسد العاين، وهذا هو الظاهر وهو مبالغة في تأثير العين بأنه يقرب أن يغلب قضاء الله وقدره. وهذا الحديث مروي في شهاب الاخبار عن أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وآله وقال

[35]

الراوندي في الضوء: المعنى أن للحسد تأثيرا قويا في النظر في إزالة النعمة من المحسود، أو التمني لذلك فانه ربما يحمله حسده على قتل المحسود، وإهلاك ماله وإبطال معاشه، فكأنه سعى في غلبة المقدور، لان الله تعالى قد قدر للمحسود الخير والنعمة، وهو يسعى في إزالة ذلك عنه، وقيل: الحسد يأكل الجسد انتهى. وقال بعض المخالفين: أي كاد الحسد في قلب الحاسد أن يغلب على العلم بالقدر، فلا يرى أن النعمة التي حسد عليها إنما صارت إليه بقدر الله وقضائه، فلا تزول إلا بقضائه وقدره، وغرض الحاسد زوال نعمة المحسود، ولو تحقق القدر لم يحسده، واستسلم وعلم أن الكل مقدر. 27 - لي: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن ابن هاشم، عن ابن محبوب عن ابن رئاب، عن موسى بن بكر، عن أبي الحسن الاول: عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تستخفوا بفقراء شيعة علي وعترته من بعده، فان الرجل منهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر (1). بيان: ربيعة ومضر (2) قبيلتان عظيمتان يضرب المثل بهما في الكثرة. 28 - لي: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن الحكم، عن داود بن النعمان، عن إسحاق بن عمار، عن الصادق جعفر ابن محمد عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من أهل الجنة: فقير في الدنيا وغني في الدنيا، فيقول الفقير: يا رب على ما اوقف ؟ فوعزتك إنك لتعلم أنك لم تولني ولاية فأعدل فيها أو أجور، ولم


(1) أمالي الصدوق ص 185. (2) ربيعة ومضر ابنا نزار قبيلتان عظيمتان وهو نزار بن معد بن عدنان، قال ابن عبد البر في الانباء ص 69 أن العرب وجميع أهل العلم بالنسب أجمعوا على أن اللباب والصريح من ولد اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام ربيعة، ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان، لا خلاف في ذلك. [*]

[36]

ترزقني مالا فاؤدي منه حقا أو أمنع ولا كان رزقي يأتيني منها إلا كفافا على ما علمت وقدرت لي، فيقول الله جل جلاله: صدق عبدي خلوا عنه يدخل الجنة ويبقى الاخر حتى يسيل منه من العرق ما لو شربه أربعون بعيرا لكفاها، ثم يدخل الجنة. فيقول له الفقير: ما حبسك ؟ فيقول: طول الحساب، ما زال الشئ يجيئني بعد الشئ يغفر لي ثم اسأل عن شئ آخر حتى تغمدني الله عزوجل منه برحمة وألحقني بالتائبين، فمن أنت ؟ فيقول: أنا الفقير الذي كنت معك آنفا فيقول: لقد غيرك النعيم بعدي (1). بيان: وقف على بناء المعلوم أو المجهول، فانه جاء لازما ومتعديا والثاني أظهر لما سيأتي ولعل تصديق الله تعالى العبد لسعة لطفه وكرمه، وإلا فنعمة الله على كل عبد أكثر من أن تحصى، بل نعمة الفقر أيضا من أعظم النعم عليه، أو التصديق معناه أنه صدق أني لا احاسب العبد على تلك النعم لسعة رحمتى، وفي القاموس " قال آنفا " كصاحب وكتف وقرئ بهما أي مذ ساعة أي في أول وقت يقرب منا انتهى (2) ولعل هذا نظرا إلى أيام الاخرة وساعاتها. 29 - لي: عن الحسن بن عبد الله بن سعيد، عن عبد الله بن محمد بن عبد الكريم عن محمد بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبي عمر الصنعاني، عن العلا ابن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: رب أشعث أغبر ذي طمرين مدقع بالابواب لو أقسم على الله لابره (3). توضيح: قال في النهاية: الشعث أي بالتحريك إنتشار الامر، ومنه قولهم:


(1) أمالي الصدوق ص 216. (2) القاموس ج 3 ص 119، والاية: " ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين اوتوا العلم ماذا قال آنفا " القتال: 16 قال في المجمع ج 9 ص 101 روي في بعض الروايات عن ابن كثير آنفا بالقصر، والقراءة المشهورة آنفا بالمد. (3) أمالي الصدوق ص 232. [*]

[37]

لم الله شعثه، ومنه حديث الدعاء أسئلك رحمة تلم بها شعثي أي تجمع بها ما تفرق من أمري، ومنه الحديث رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لابره، وقال: الطمر أي بالكسر الثوب الخلق، وقال: فيه قال للنساء: إنكن إذا جعتن دقعتن، الدقع الخضوع في طلب الحاجة، مأخوذ من الدقعاء وهو التراب أي لصقتن به، ومنه الحديث لا تحل المسألة إلا لذي فقر مدقع أي شديد يفضين بصاحبه إلى الدقعاء، وقيل هو سوء احتمال الفقر، وفي القاموس أبر اليمين أمضاها على الصدق. وأقول: يدل على جواز السؤال عند شدة الحاجة، وكأن المراد بالشعث تفرق الشعر وتداخله وعدم تسريحه واصلاحه، وكذا المراد بالغبرة عدم تنظيف الجسد وظهور آثار الفقر، وذلك إما لشدة الفقر أو كثرة الاشغال بالعبادة، وقد مر الكلام فيه. وأقول: روى هذا الحديث في المشكوة (1) عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله رب اشعث مدفوع بالابواب لو أقسم على الله لابره، وقال الطيبي في شرحه: قال البيضاوي: الاشعث هو المغبر الرأس المتفرق الشعور والصواب مدفوع بالدال اي يدفع عند الدخول على الاعيان والحضور في المحافل، ولا يترك أن يلج الباب فضلا عن أن يحضر معهم ويجلس فيما بينهم " لو أقسم على الله لابره " أي لو سأل الله شيئا وأقسم عليه أن يفعله لفعله، فشبه إجابة المبر المقسم على غيره بوفاء الحالف يمينه وبره فيها، وقيل: معناه لو حلف أن الله يفعله أو لا يفعله صدقه في يمينه وأبره فيها بما يوافقها. ثم قال الطيبي: ومما يؤيد الاول لفظة على الله لانه أراد به المسمى ولو اريد به اللفظ لقيل: بالله، وأما معنى الابرار فعلى ما ذهب إليه القاضي من باب الاستعارة، ويجوز أن يكون من باب المشاكلة المعنوية. 30 - لي: في مناهي النبي صلى الله عليه وآله قال صلى الله عليه وآله: ألا ومن استخف


(1) مشكاة المصابيح ص 446. [*]

[38]

بفقير مسلم فقد استخف بحق الله، والله يستخف به يوم القيامة، إلا أن يتوب وقال صلى الله عليه وآله: من أكرم فقيرا مسلما لقى الله يوم القيامة وهو عنه راض (1). 31 - لي: عن ابن إدريس، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد ابن أحمد المدايني، عن فضل بن كثير، عن الرضا عليه السلام قال: من لقى فقيرا مسلما فسلم عليه خلاف سلامه على الغني لقى الله عزوجل يوم القيامة وهو عليه غضبان (2). 32 - فس: " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين " (3) فأنه كان سبب نزولها أنه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمون أصحاب الصفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها. كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعاهدهم بنفسه وربما حمل إليهم ما يأكلون، وكانوا يختلفون إلى رسول الله فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم، وكان إذا جاء الاغنياء والمترفون من أصحابه ينكروا عليه ذلك ويقولوا له: اطردهم عنك. فجاء يوما رجل من الانصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل من أصحاب رسول الله من أصحاب الصفة قد لزق برسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله يحدثه فقعد الانصاري بالبعد منهما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: تقدم فلم يفعل، فقال له رسول الله: لعلك خفت أن يلزق فقره بك ؟ فقال الانصاري: اطرد هؤلاء عنك فأنزل الله " ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي " الاية ثم قال: " وكذلك فتنا بعضهم ببعض " أي اختبرنا الاغنياء بالغنى لننظر كيف مواساتهم للفقراء ؟ وكيف يخرجون ما فرض الله عليهم في أموالهم لهم ؟ واختبرنا الفقراء


(1) أمالي الصدوق ص 257. (2) أمالي الصدوق: 265. (3) الانعام: 52 - 53. [*]

[39]

لننظر كيف صبرهم على الفقر ؟ وعما في أيدي الاغنياء ؟ " ليقولوا " أي الفقراء " أهؤلاء " الاغنياء " من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين " (1). 33 - ل: الخليل بن أحمد، عن أبي العباس السراج، عن قتيبة، عن عبد العزيز، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: شيئان يكرههما ابن آدم: يكره الموت والموت راحة للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب (2). 34 - ل: محمد بن أحمد القضاعي، عن إسحاق بن العباس بن إسحاق بن موسى ابن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أهلك الناس اثنان: خوف الفقر وطلب الفخر (3). 35 - ل: فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام: يا علي أربعة من قواصم الظهر: إمام يعصي الله ويطاع أمره، وزوجة يحفظها زوجها وهي تخونه وفقر لا يجد صاحبه له مداويا، وجار سوء في دار مقام (4). 36 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن العقرقوفي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: شئ يروى عن أبي ذر رحمه الله أنه كان يقول: ثلاثة يبغضها الناس وأنا احبها: احب الموت واحب الفقر واحب البلاء، فقال: إن هذا ليس على ما تروون إنما عني: الموت في طاعة الله أحب إلي من الحياة في معصية الله، والفقر في طاعة الله أحب إلي من الغنا في معصية الله، والبلاء في طاعة الله احب الي من الصحة في معصية الله (5). جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن


(1) تفسير القمي ص 189. (2) الخصال ج 1 ص 37. (3) الخصال ج 1 ص 36. (4) الخصال ج 1 ص. 96. (5) معاني الاخبار ص 165. [*]

[40]

مهزيار، عن ابن فضال مثله (1). 37 - مع أبي، عن أحمد بن إدريس، ومحمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن الحسين، عن منصور، عن أحمد بن خالد، عن أحمد بن المبارك قال: قال رجل لابي عبد الله عليه السلام حديث يروى أن رجلا قال لامير المؤمنين عليه السلام: إني احبك فقال له: أعد للفقر جلبابا، فقال: ليس هكذا قال إنما قال له: أعددت لفاقتك جلبابا يعني يوم القيامة (2). 38 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن حارث بن الحسن الطحان، عن إبراهيم بن عبد الله، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يبلغ أحدكم حقيقة الايمان حتى يكون فيه ثلاث خصال: يكون الموت أحب إليه من الحياة، والفقر أحب إليه من الغنى، والمرض أحب إليه من الصحة قلنا: ومن يكون كذلك ؟ قال: كلكم، ثم قال: أيما أحب إلى أحدكم ؟ يموت في حبنا أو يعيش في بغضنا ؟ فقلت: نموت والله في حبكم أحب إلينا، قال: وكذلك الفقر والغنى والمرض والصحة، قلت: إي والله (3). 39 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن صفوان بن يحيى، عن ذريح المحاربي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الفقر الموت الاحمر، فقيل الفقر من الدنانير والدراهم ؟ قال: لا، ولكن من الدين (4). 40 - مع: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن محمد بن عبد - الحميد، عمن حدثه قال: مات رجل من آل أبي طالب لم يكن حضره أبو الحسن عليه السلام فجاءه قوم فلما جلس أمسك القوم كأن على رؤوسهم الطير فكانوا في ذكر الفقراء والموت، فلما جلس عليه السلام قال ابتداء منه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما بين


(1) مجالس المفيد ص 120. (2) معاني الاخبار ص 182 وفي ج 67 ص 247 شرح مبسوط له فراجع. (3) معاني الاخبار ص 189. (4) معاني الاخبار ص 259. [*]

[41]

الستين إلى السبعين معترك المنايا، ثم قال: الفقراء محسن الاسلام (1). 41 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن البرقي، عن التفليسي، عن البقباق، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا فضيل لا تزهدوا في فقراء شيعتنا فان الفقير منهم ليشفع يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر (2). أقول: سيأتي في وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله لابي ذر أنه قال: أوصاني رسول الله أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم (2) وفي خبر آخر عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: أحبب المساكين ومجالستهم (4) وفي خبر آخر عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: عليك بحب المساكين ومجالستهم. 42 - فس: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى " (5) قال أبو عبد الله صلوات الله عليه: لما نزلت هذه الاية استوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا ثم قال: من لم يعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات، ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس طال همه، ولم يشف غيظه ومن لم يعرف لله عليه نعمة إلا في مطعم ومشرب قصر أجله ودنا عذابه (6). 43 - ما: فيما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام عند وفاته، اوصيك بحب المساكين ومجالستهم (7).


(1) معاني الاخبار ص 402 وفيه: الفقر (اء) محن الاسلام. (2) أمالي الطوسي ج 1 ص 46. (3) تراه في ج 77 ص 73 نقلا عن الخصال ج 2 ص 3. (4) نقله في كتاب الروضة ج 77 ص 73 من هذه الطبعة نقلا عن معاني الاخبار ص 332 الخصال ج 2 ص 103 أمالي الطوسي ج 2 ص 138. (5) طه: 131. (6) تفسير القمي: 424. (7) أمالي الطوسي ج 1 ص 6. [*]

[42]

44 - ع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لحمران: يا حمران انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة فان ذلك أقنع لك بما قسم لك وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك الخبر (1). 45 - ل: الاربعمائة قال أمير المؤمنين: الفقر هو الموت الاكبر وقال عليه السلام: لا تحقروا ضعفاء إخوانكم فانه من احتقر مؤمنا لم يجمع الله عزوجل بينهما في الجنة إلا أن يتوب (2). 46 - ثو: ابن المتوكل، عن محمد بن يحيى، عن الاشعري رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه، أما تدخل السوق ؟ أما ترى الفاكهة تباع والشئ مما تشتهيه ؟ فقلت: بلى والله فقال: أما إن لك بكل ما تراه ولا تقدر على شرائه وتصبر عليه حسنة (3). 47 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة أمر الله عزوجل مناديا فينادي: أين الفقراء ؟ فيقوم عنق من الناس فيؤمر بهم إلى الجنة فيأتون باب الجنة فيقول لهم خزنة الجنة: قبل الحساب ؟ فيقولون: أعطيتمونا (4) شيئا فتحاسبونا عليه ؟ فيقول الله عزوجل: صدقوا عبادي ما أفقرتكم هوانا بكم، ولكن ادخرت هذا لكم لهذا اليوم، ثم يقول لهم: انظروا وتصفحوا وجوه الناس فمن آتى إليكم معروفا فخذوا بيده وأدخلوه الجنة (5).


(1) علل الشرائع ج 2 ص 246. (2) الخصال ج 2 ص 157. (3) ثواب الاعمال ص 164. (4) ما أعطونا خ ل. (5) ثواب الاعمال ص 166. [*]

[43]

جع: مثله (1). 48 - ثو: حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر المساكين طيبوا نفسا وأعطوا الرضا من قلوبكم يثبكم الله على فقركم، فان لم تفعلوا فلا ثواب لكم (2). (أقول): قد أوردنا بعض الاخبار في باب من أذل مؤمنا في كتاب العشرة (3). 49 - ص: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله تعالى لموسى: يا موسى لا لا تستذل الفقير ولا تغبط الغني بالشئ اليسير. 50 - ير: إبراهيم بن هاشم، عن أبي عبد الله البرقي، عن خلف بن حماد عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: إني لادين الله بولايتك، وإني لاحبك في السر كما احبك في العلانية، فقال له: صدقت طينتك من تلك الطينة، وعلى ولايتنا اخذ ميثاقك، وإن روحك من أرواح المؤمنين، فاتخذ للفقر جلبابا فوالذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ان الفقر إلى محبينا أسرع من السيل من أعلى الوادي إلى أسفله (4). ير: أحمد بن محمد، عن الاهوازي، عن الحسين بن علوان، عن سعد بن طريف، عن الاصبغ بن نباتة قال: كنت مع أمير المؤمنين عليه السلام وذكر مثله (5). 51 - ير: عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان الديلمي عن هارون بن الجهم، عن سعد الخفاف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا أمير المؤمنين


(1) جامع الاخبار ص 131. (2) ثواب الاعمال ص 167. (3) راجع ج 75 ص 142 - 147. (4) بصائر الدرجات ص 390. (5) بصائر الدرجات ص 391. [*]

[44]

عليه السلام يوما جالس في المسجد وأصحابه حوله، فأتاه رجل من شيعته فقال: يا أمير المؤمنين أن الله يعلم أني أدينه بحبك في السر كما أدينه بحبك في العلانية وأتولاك في السر كما أتولاك في العلانية، فقال أمير المؤمنين: صدقت أما فاتخذ للفقر جلبابا فان الفقر أسرع إلى شيعتنا من السيل إلى قرار الوادي (1). 52 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره أو قلة ذات يده شهره الله تعالى يوم القيامة ثم يفضحه (2). وبإسناده: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة مؤمن إلا وله جار يؤذيه (3). 53 - يج: روى سعيد بن عبد الله، عن محمد بن الحسن بن شمون قال: كتبت إليه عليه السلام (4) أشكو الفقر، ثم قلت في نفسي: أليس قال أبو عبد الله عليه السلام: الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا، والقتل معنا خير من الحياة مع غيرنا، فرجع الجواب أن الله محص أولياءه إذا تكاثفت ذنوبهم بالفقر، وقد يعفو عن كثير، وهو كما حدثت نفسك: الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا، ونحن كهف لمن التجى، ونور لمن استضاء بنا، وعصمة لمن اعتصم، من أحبنا كان معنا في السنام الاعلى، ومن انحرف عنا فإلى النار، قال أبو عبد الله عليه السلام: تشهدون على عدوكم بالنار، ولا تشهدون لوليكم بالجنة، ما يمنعكم من ذلك إلا


(1) بصائر الدرجات ص 391 في حديث. (2) صحيفة الرضا ص 32، وتراه في عيون أخبار الرضا ج 2 ص 33 وفي ط الحجري ص 209، وسيأتي. (3) صحيفة الرضا عليه السلام ص 32، ولا يوجد في بعض نسخ الصحيفة، عيون الاخبار ج 2 ص 33، والحديث لا يناسب الباب وانما نقل ههنا لتوهم أن هذا الحديث من تتمة الحديث السابق ففي الاصل وهكذا نسخة الكمباني هكذا: شهره الله يوم القيامة ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يفضحه ما كان ولا يكون الخ. (4) يعني أبا محمد العسكري عليه السلام. [*]

[45]

الضعف ؟ (1). كشف: من دلائل الحميري، عن محمد بن الحسن بن شمون مثله (2). كش: أحمد بن علي بن كثلوم، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن الحسن بن شمون مثله (3). 54 - شى: عمرو بن جميع رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: الفقر الموت الاكبر (4). 55 - جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن العلا، عن ابن أبي يعفور، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن فقراء المؤمنين ينقلبون في رياض الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، ثم قال: سأضرب لك مثال ذلك، إنما مثل ذلك مثل سفينتين مر بهما على عاشر فنظر في إحداهما فلم يجد فيها شيئا، فقال: أسربوها، ونظر في الاخرى فإذا هي موقرة، فقال: احبسوها (5). 56 - كش: خلف بن حماد، عن سهل، عن أحمد بن عمر الحلبي قال: دخلت على الرضا عليه السلام بمنى فقلت له: جعلت فداك كنا أهل بيت عطية وسرور ونعمة، وإن الله تعالى قد أذهب بذلك كله حتى احتجت إلى من كان يحتاج إلينا فقال لي: يا أحمد ما أحسن حالك يا أحمد بن عمر، فقلت له: جعلت فداك حالي ما أخبرتك ! فقال لي: يا أحمد أيسرك أنك على بعض ما عليه هؤلاء الجبارون ولك الدنيا مملوة ذهبا ؟ فقلت: لا والله يا ابن رسول الله فضحك ثم قال: ترجع من ههنا إلى خلف فمن أحسن حالا منك وبيدك صناعة لا تبيعها بملء الارض ذهبا


(1) لا يوجد في مختار الخرائج المطبوع. (2) كشف الغمة ج 3 ص 300. (3) رجال الكشي ص 448. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 120. (5) مجالس المفيد ص 91. [*]

[46]

ألا ابشرك ؟ قلت: نعم، فقد سرني الله بك وبآبائك. فقال لي أبو جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: " وكان تحته كنز لهما " (1) لوح من ذهب فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله محمد رسول الله عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ ومن يرى الدنيا وتغيرها بأهلها كيف يركن إليها وينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطي الله في رزقه، ولا يتهمه في قضائه، ثم قال: رضيت يا أحمد ؟ قال: قلت: عن الله تعالى وعنكم أهل البيت (2). 57 - ضه: قال أبو الحسن موسى عليه السلام: إن الانبياء وأولاد الانبياء وأتباع الانبياء خصوا بثلاث خصال: السقم في الابدان، وخوف السلطان، والفقر. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: الفقر يخرس الفطن عن حجته، والمقل غريب في بلده، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف. الغني في القربة وطن، والفقر في الوطن غربة، القناعة مال لا ينفد، الفقر الموت الاكبر، ما أحسن تواضع الاغنياء للفقراء طلبا لما عند الله، وأحسن منه تيه الفقراء على الاغنياء اتكالا على الله. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم يفضحه. وقال صلى الله عليه وآله: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. وقال صلى الله عليه وآله: إذا أحب الله عبدا في دار الدنيا يرجعه، قالوا: يا رسول الله وكيف يرجعه ؟ قال: في موضع الطعام الرخيص، والخير الكثير ولي الله لا يجد الطعام ما يملا به بطنه. وقال صلى الله عليه وآله: أبواب الجنة مفتحة على الفقراء، والرحمة نازلة على الرحماء، والله راض عن الاسخياء.


(1) الكهف: 82. (2) رجال الكشي ص 498. [*]

[47]

وقال صلى الله عليه وآله: الفقر فقران: فقر الدنيا وفقر الاخرة، ففقر الدنيا غنى الاخرة، وغنى الدنيا فقر الاخرة وذلك الهلاك. وقال صلى الله عليه وآله: ما اوحى إلي أن أجمع المال وكن من التاجرين ولكن اوحى إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تحقرن أحدا بخلقان ثيابه، فان ربك وربه واحد. 58 - جع: سئل عن النبي صلى الله عليه وآله ما الفقر ؟ فقال: خزانة من خزائن الله قيل - ثانيا - يارسول الله ما الفقر ؟ فقال: كرامة من الله، قيل: ثالثا: ما الفقر ؟ فقال عليه السلام: شئ لا يعطيه الله الا نبيا مرسلا أو مؤمنا كريما على الله تعالى. وقال النبي صلى الله عليه وآله: الفقر أشد من القتل. قال النبي صلى الله عليه وآله: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عليه السلام فقال: يا إبراهيم خلقتك وابتليتك بنار نمرود فلو ابتليتك بالفقر ورفعت عنك الصبر فما تصنع ؟ قال إبراهيم: يا رب الفقر إلي أشد من نار نمرود، قال الله: فبعزتي وجلالي ما خلقت في السماء والارض أشد من الفقر، قال: يا رب من أطعم جايعا فما جزاؤه ؟ قال: جزاؤه الغفران وإن كان ذنوبه يملا ما بين السماء والارض. وقال عليه السلام: لولا رحمة ربي على فقراء امتي كاد الفقر يكون كفرا فقام رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله فما جزاء مؤمن فقير يصبر على فقره ؟ قال: إن في الجنة غرفة من ياقوتة حمراء ينظر أهل الجنة إليها كما ينظر أهل الارض إلى نجوم السماء لا يدخل فيها إلا نبي فقير، أو شهيد فقير، أو مؤمن فقير. قال أمير المؤمنين عليه السلام للحسن عليه السلام: لا تلم إنسانا يطلب قوته، فمن عدم قوته كثر خطاياه، يا بني الفقير حقير لا يسمع كلامه، ولا يعرف مقامه، لو كان الفقير صادقا يسمونه كاذبا، ولو كان زاهدا يسمونه جاهلا، يا بني من ابتلى بالفقر

[48]

ابتلي بأربع خصال: بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقة في دينه، وقلة الحياء في وجهه، فنعوذ بالله من الفقر. وقال عليه السلام: الفقر مخزون عند الله بمنزلة الشهادة يؤتيه الله من يشاء. عن النبي صلى الله عليه وآله: من توفر حظه في الدنيا انتقص حظه في الاخرة، وإن كان كريما. وقال الفقراء لرسول الله: إن الاغنياء ذهبوا بالجنة يحجون، ويعتمرون ويتصدقون، ولا نقدر عليه، فقال عليه السلام: إن من صبر واحتسب منكم تكن له ثلاث خصال ليس للاغنياء أحدها أن في الجنة غرفا ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الارض إلى نجوم السماء لا يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير أو مؤمن فقير، وثانيها يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام، وثالثها إذا قال الغني: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وقال الفقير مثل ذلك لم يلحق الغني الفقير، وإن أنفق فيها عشرة آلاف درهم، وكذلك أعمال البر كلها فقالوا: رضينا. عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وآله: يقوم فقراء امتي يوم القيامة وثيابهم خضر، وشعورهم منسوجة بالدر والياقوت، وبأيديهم قضبان من نور، يخطبون على المنابر فيمر عليهم الانبياء فيقولون: هؤلاء من الملائكة، وتقول الملائكة: هؤلاء من الانبياء، فيقولون: نحن لا ملائكة ولا أنبياء، بل نفر من فقراء امة محمد صلى الله عليه وآله، فيقولون: بما نلتم هذه الكرامة ؟ فيقولون: لم يكن أعمالنا شديدا ولم نصم الدهر، ولم نقم الليل، ولكن أقمنا على الصلوات الخمس، وإذا سمعنا ذكر محمد صلى الله عليه وآله فاضت دموعنا على خدودنا. عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كلمني ربي فقال: يا محمد إذا أحببت عبدا أجعل معه ثلاثة أشياء: قلبه حزينا، وبدنه سقيما، ويده خالية عن حطام الدنيا وإذا أبغضت عبدا أجعل معه ثلاثة أشياء: قلبه مسرورا، وبدنه صحيحا، ويده مملؤة. من حطام الدنيا.

[49]

قال النبي صلى الله عليه وآله: من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفشاه إلى الله كان حقا على الله أن يرزقه رزق سنة من الحلال. وقال صلى الله عليه وآله: اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين. وقال عليه السلام: الفقراء ملوك أهل الجنة، والناس كلهم مشتاقون إلى الجنة والجنة مشتاقة إلى الفقراء. وقال صلى الله عليه وآله: الفقر فخري (1). قال النبي صلى الله عليه وآله: من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده، شهره الله يوم القيامة ثم يفضحه. قال أبو الحسن موسى عليه السلام: إن الانبياء وأولاد الانبياء وأتباع الانبياء خصوا بثلاث خصال: السقم في الابدان، وخوف السلطان، والفقر. روي أن أحدا من الصحابة شكى إلى النبي صلى الله عليه وآله عن الفقر والسقم، قال النبي صلى الله عليه وآله: فإذا أصبحت وأمسيت فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك قال: فوالله ما قلته إلا أياما حتى أذهب عني الفقر والسقم. وقال عليه السلام: الفقر شين عند الناس وزين عند الله يوم القيامة. عن عبيد البصري يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن الله جعل الفقر أمانة عند خلقه فمن ستره كان كالصائم القائم، ومن أفشاه إلى من يقدر على قضاء حاجته فلم يفعل فقد قتله، أما إنه ما قتله بسيف ولا رمح ولكن بما أنكا من قلبه (2). 59 - محص: عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كلما ازداد العبد إيمانا ازداد ضيقا في معيشته. 60 - محص: عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أكرم ما يكون


(1) في المصدر هنا تقديم وتأخير. (2) جامع الاخبار ص 128 - 130. [*]

[50]

العبد إلى الله أن يطلب درهما فلا يقدر عليه، قال عبد الله بن سنان: قال أبو عبد الله عليه السلام هذا الكلام وعندي مائة ألف وأنا اليوم ما أملك درهما. 61 - محص: عن عباد بن صهيب قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول: قال الله تعالى: لولا أنني أستحيي من عبدي المؤمن ما تركت له خرقة يتوارى بها إلا أن العبد إذا تكامل فيه الايمان ابتليته في قوته، فان جزع رددت عليه قوته، وإن صبر باهيت به ملائكتي فذاك الذي تشير إليه الملائكة بالاصابع. 62 - محص: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: وكل الرزق بالحمق، ووكل الحرمان بالعقل، ووكل البلاء بالصبر. 63 - محص: عن محمد بن سليمان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من استذل مؤمنا لقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق لا محالة. 64 - محص: عن ابن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المصائب منح من الله، والفقر عند الله مثل الشهادة، ولا يعطيه من عباده إلا من أحب. 65 - محص: عن علي بن عفان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله ليعتذر إلى عبده المؤمن المحتاج كان في الدنيا كما يعتذر الاخ إلى أخيه، فيقول: لا وعزتي ما أفقرتك لهوان بك علي، فارفع هذا الغطاء فانظر (ما عوضتك من الدنيا فيكشف فينظر) ما عوضه الله من الدنيا، ما يضرني ما منعتني مع ما عوضتني. 66 - محص: عن محمد بن خالد البرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: والله ما اعتذر إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا إلى فقراء شيعتنا، قيل له: وكيف يعتذر إليهم ؟ قال: ينادي مناد أين فقراء المؤمنين ؟ فيقوم عنق من الناس فيتجلى لهم الرب فيقول: وعزتي وجلالي وعلوي وآلائي وارتفاع مكاني ما حبست عنكم شهواتكم في دار الدنيا (هوانا بكم علي ولكن ذخرته لكم لهذا اليوم - أما ترى قوله: " ما حبست عنكم شهواتكم في دار الدنيا ") اعتذارا ؟ قوموا اليوم وتصفحوا وجوه خلائقي فمن وجدتم له عليكم منة بشربة من ماء فكافوه عني بالجنة. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قل لمصاص شيعتنا غربوا أو شرقوا لن ترزقوا

[51]

الا القوت (1). 67 - محص: عن مبارك، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله: إني لم اغني الغني لكرامة به علي ولم افقر الفقير لهوان به علي، وهو مما ابتليت به الاغنياء بالفقراء، ولولا الفقراء لم يستوجب الاغنياء الجنة. 68 - محص: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير، فإذا علم الله ذلك منه كتب له من الاجر مثل ما يكتبه لو عمله، إن الله واسع كريم. 69 - محص: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل: لولا عبدي المؤمن لعصبت رأس الكافر بعصابة من جوهر. 70 - محص: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من ضيق عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك حسن نظر من الله له، فقد ضيع مأمولا، ومن وسع عليه في ذات يده فلم يظن أن ذلك استدراج من الله فقد آمن مخوفا. 71 - محص: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنا نحب المال وأن لا نؤتى منه خير لنا، إن عليا أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: أنا يعسوب (المؤمنين) وأمير المؤمنين، وإن أكثر المال عدو للمؤمنين ويعسوب المنافقين. 72 - محص: عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا من الانصار أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله صاعا من رطب، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للخادم التي جائت به: ادخلي فانظري هل تجدين في البيت قصعة أو طبقا فتأتيني به ؟ فدخلت ثم خرجت إليه فقالت: ما أصبت قصعة ولا طبقا، فكنس رسول الله صلى الله عليه وآله بثوبه مكانا من الارض، ثم قال لها: ضعيه ههنا على الحضيض، ثم قال: والذي نفسي بيده لو كانت الدنيا تعدل عند الله مثقال جناح بعوضة ما أعطى كافرا ولا منافقا منها شيئا.


(1) المصاص: خالص كل شئ، يقال فلان مصاص قومه: إذا كان أخلصهم نسبا، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمؤنث والمذكر، ويقال: غرب فلان إذا امعن في سيره حتى بلغ المغرب كما يقال شرق إذا بلغ المشرق كذلك. [*]

[52]

73 - محص: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل: يا دنيا تمرري على عبدي المؤمن بأنواع البلاء، وضيقي عليه في المعيشة، ولا تحلولي فيركن إليك (1). 74 - محص: عن ابن أبي العلا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لولا كثرة الحاح المؤمن في الرزق لضيق عليه من الرزق أكثر مما هو فيه. 75 - محص: عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لولا الحاح هذه الشيعة على الله في طلب الرزق لنقلهم من الحال التي هم عليها إلى ما هو أضيق. 76 - محص: عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الفقر أزين على المؤمن من العذار على خد الفرس، وإن آخر الانبياء دخولا إلى الجنة سليمان، وذلك لما اعطى من الدنيا. 77 - محص: عن ابن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما سد الله على مؤمن باب رزق إلا فتح الله له خيرا منه، قال ابن أبي عمير، ليس يعني بخير منه أكثر منه، ولكن يعني إن كان أقل فهو خير له. 78 - محص: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من حقر مؤمنا مسكينا لم يزل الله له حاقرا ماقتا حتى يرجع عن محقرته إياه. 79 - محص: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله ليعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي الاخرة إلا من يحب، وإن المؤمن ليسأل ربه موضع سوط في الدنيا فلا يعطيه، ويسأله الاخرة فيعطيه ما شاء ويعطي الكافر في الدنيا قبل أن يسأله ما شاء، ويسأله موضع سوط في الاخرة فلا يعطيه شيئا. 80 - محص: عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن هذه الدنيا يعطاها البر والفاجر، وإن هذا الدين دين لا يعطيه الله إلا خاصته. 81 - محص: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الفقر مخزون عند الله لا يبتلى به إلا من أحب من المؤمنين، ثم قال: إن الله يعطى


(1) تمرري أي صيري مرة، ولا تحلولي: أي لا تصيري حلوة، من الاحليلاء. [*]

[53]

الدنيا من أحب ومن أبغض ولا يعطى دينه إلا من أحب. 82 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: لولا ثلاثة في ابن آدم ما طأطأ رأسه شئ: المرض، والموت، والفقر، وكلهن فيه وإنه لمعهن لوثاب. 83 - نهج: قال عليه السلام: الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة (1). وقال عليه السلام: الفقر يخرس الفطن عن حجته، والمقل غريب في بلدته (2). وقال عليه السلام: الفقر الموت الاكبر (3). وقال عليه السلام لابنه محمد: يا بني إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه فان الفقر منقصة للدين، ومدهشة للعقل، داعية للمقت (4). وقال عليه السلام: العفاف زينة الفقر والشكر زينة الغنا (5). وقال عليه السلام: ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن وأشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلب (6). وقال عليه السلام: الغنا والفقر بعد العرض على الله سبحانه (7). 84 - كنز الكراجكي: قال لقمان لابنه، اعلم أي بني إني قد ذقت الصبر وأنواع المر فلم ار أمر من الفقر، فان افتقرت يوما فاجعل فقرك بينك وبين الله


- (1) نهج البلاغة ج 2 ص 156. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 144. (3) نهج البلاغة ج 2 ص 184. (4) نهج البلاغة ج 2 ص 221. (5) نهج البلاغة ج 2 ص 156. (6) نهج البلاغة ج 2 ص 238. (7) نهج البلاغة ج 2 ص 250. [*]

[54]

ولا تحدث الناس بفقرك، فتهون عليهم، ثم سل في الناس هل من أحد دعا الله فلم يجبه ؟ أو سأله فلم يعطه (1). 85 - عدة الداعي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الفقر خير للمؤمن من حسد الجيران، وجور السلطان، وتملق الاخوان. وروى حسان بن يحيى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رجلا فقيرا أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وعنده رجل غني فكف ثيابه وتباعد عنه، فقال له رسول الله: ما حملك على ما صنعت ؟ أخشيت أن يلتصق فقره بك ؟ أو يلصق غناك به ؟ فقال يارسول الله أما إذا قلت هذا فله نصف مالي، قال النبي صلى الله عليه وآله للفقير: أتقبل منه، قال: لا، قال: ولم ؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخله. وعنه عليه السلام قال: في الانجيل إن عيسى عليه السلام قال: اللهم ارزقني غدوة رغيفا من شعير، وعشية رغيفا من شعير، ولا ترزقني فوق ذلك فأطغى (2). وعن الصادقين عليهم السلام: من كثر اشتباكه بالدنيا، كان أشد لحسرته عند فراقها. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: تخففوا تلحقوا، فانما ينتظر بأولكم آخركم. وتحسر سلمان الفارسي رضي الله عنه عند موته فقيل له: علام تأسفك يا أبا عبد الله ؟ قال: ليس تأسفي على الدنيا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله عهد الينا وقال: ليكن بلغة أحدكم كزاد الراكب، وأخاف أن نكون قد جاوزنا أمره وحولي هذه الاوساد وأشار إلى ما في بيته، وقال: هو دست وسيف وجفنة. وقال أبو ذر رحمة الله عليه: يا رسول الله الخائفون الخاشعون المتواضعون الذاكرون الله كثيرا يسبقون الناس إلى الجنة ؟ قال: لا، ولكن فقراء المؤمنين يأتون فيتخطون رقاب الناس، فيقول لهم خزنة الجنة: كما أنتم حتى تحاسبوا فيقولون: بم نحاسب ؟ فوالله ما ملكنا فنجور ونعدل، ولا افيض علينا فنقبض


(1) كنز الكراجكي ص 214. (2) عدة الداعي ص 83. [*]

[55]

ونبسط، ولكن عبدنا ربنا حتى أتانا اليقين (1). وفيما أوحى الله إلى موسى عليه السلام: إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنا مقبلا فقل ذنب عجلت عقوبته (2). وقال عيسى عليه السلام: خادمي يداي، ودابتي رجلاي، وفراشي الارض ووسادي الحجر، ودفئي في الشتاء مشارق الارض (3) وسراجي بالليل القمر وإدامي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الارض للوحوش والانعام، أبيت وليس لي شئ، وأصبح وليس لي شئ، وليس على وجه الارض أحد أغنى مني. وقال الصادق عليه السلام: إن الله عزوجل ليعتذر إلى عبده المحوج كان في الدنيا، كما يعتذر الاخ إلى أخيه، فيقول: وعزتي ما أفقرتك لهوان كان بك على فارفع هذا الغطاء فانظر ما عوضتك من الدنيا، فيكشف فينظر ما عوضه الله عزوجل من الدنيا، فيقول: ما ضرني يا رب ما زويت عني، مع ما عوضتني (4). وقال الله عزوجل لعيسى عليه السلام: إني وهبت لك المساكين ورحمتهم: تحبهم ويحبونك، يرضون بك إماما وقائدا وترضى بهم صحابة وتبعا، وهما خلقان، من لقيني بهما لقيني بازكى الاعمال واحبها إلي. وقال النبي صلى الله عليه وآله: الفقر فخري وبه أفتخر. وقال عيسى عليه السلام: بحق أقول لكم إن أكناف السماء لخالية من الاغنياء ولدخول جمل في سم الخياط أيسر من دخول غني الجنة. وعن النبي صلى الله عليه وآله: اطلعت على الجنة فوجدت أكثر أهلها الفقراء والمساكين


(1) عدة الداعي ص 84. (2) عدة الداعي ص 85. (3) يعني ما يدفع ويدفأ به سورة الشتاء وبرودته الرواح إلى مشارق الارض التي يكون شروق الارض عليها اكثر يعني البلاد الحارة. (4) عدة الداعي ص 86. [*]

[56]

وإذا ليس فيها أحد أقل من الاغنياء والنساء (1). 86 - كتاب الامامة والتبصرة: عن أحمد بن علي، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سائلوا العلماء وخاطبوا الحكماء، وجالسوا الفقراء. ومنه: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى للمساكين بالصبر، هم الذين يرون ملكوت السماوات. ومنه: عن محمد بن عبد الله، عن محمد بن محمد، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الفقر خير من الغنى، إلا من حمل في مغرم وأعطى في نائبة. وقال صلى الله عليه وآله: الفقر فقر القلب، وقال صلى الله عليه وآله: الفقر راحة. (95) (باب) * " (الغنا والكفاف) " * الايات: المؤمنون: أيحسبون أنما نمدهم من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (2). العلق: إن الانسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرجعى (3) التكاثر: ألهيكم التكاثر - إلى قوله: ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم.


(1) عدة الداعي ص 91. (2) المؤمنون: 55 و 56. (3) العلق: 6 - 8. [*]

[57]

تفسير: " أيحسبون " في المجمع معناه أيظن هؤلاء الكفار أن ما نعطيهم ونزيدهم في الاموال والاولاد إنما نعطيهم ثوابا مجازاة لهم على أعمالهم أو لرضانا عنهم ولكرامتهم علينا ؟ ليس الامر كما يظنون، بل ذلك إملاء لهم واستدراج لهوانهم علينا، وللابتلاء في التعذيب لهم. وروى السكوني، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى يقول: يحزن عبدي المؤمن إذا قترت عليه شيئا من هذه الدنيا وذلك أقرب له مني. ويفرح إذا بسطت له في الدنيا، وذلك أبعد له مني، ثم تلا هذه الاية إلى قوله: " بل لا يشعرون " ثم قال: إن ذلك فتنة لهم. ومعنى " نسارع " نسرع ونتعجل وتقديره نسارع لهم به في الخيرات والخيرات المنافع التي يعظم شأنها ونقيضها الشرور، وهي المضار التي يشتد أمرها والشعور والعلم الذي يدق معلومه وفهمه على صاحبه كدقة الشعر، وقيل: هو العلم من جهة المشاعر وهي الحواس ولهذا لا يوصف القديم سبحانه به (1). وقال البيضاوي: أي بل هم كالبهائم لا فطنة بهم ولا شعور لهم ليتأملوا فيعلموا ان ذلك الامداد استدراج لا مسارعة في الخير (2). 1 - كا: عن علي، عن أبيه، عن غير واحد، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبيدة الحذاء قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عزوجل: إن من أغبط أوليائي عندي رجل خفيف الحال، ذا حظ من صلاة أحسن عبادة ربه بالغيب، وكان غامضا في الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه عجلت منيته فقل تراثه وقلت بواكيه (3). بيان: الاغبط مأخوذ من الغبطة بالكسر وهي حسن الحال والمسرة " خفيف


(1) مجمع البيان ج 1 ص 109. (2) انوار التنزيل: 288. (3) الكافي ج 7 ص 140. [*]

[58]

الحال في بعض النسخ بالحاء المهملة وفي بعضها بالمعجمة (1) فعلى الثاني أي قليل المال والحظ من الدنيا والاول أيضا قريب منه، قال في النهاية: فيه إنه صلى الله عليه وآله لم يشبع من طعام إلا على حفف، الحفف الضيق وقلة المعيشة، يقال: أصابه حفف وحفوف وحفت الارض إذا يبس نباتها أي لم يشبع إلا والحال عنده خلاف الرخاء والخصب ومنه حديث قال له وفد العراق: إن أمير المؤمنين بلغ منا وهو حاف المطعم أي يابسه وقحله ومنه رأيت أبا عبيدة حفوقا أي ضيق عيش، ومنه إن عبد الله بن جعفر حفف وجهد أي قل ماله انتهى. " ذا حظ من صلاة " أي صاحب نصيب حسن وافر من الصلاة فرضا ونقلا كما وكيفا، ويحتمل أن يكون " من " للتعليل أي ذا حظ عظيم من القرب أو الثواب أو العفة وترك المحرمات أو الاعم بسبب الصلاة لانها تنهى عن الفحشاء والمنكر وهي قربان كل تقي. " أحسن عبادة ربه بالغيب " أي غائبا عن الناس والتخصيص لانه أخلص وأبعد من الرئاء أو بسبب إيمانه بموعود غائب عن حواسه، كما قال تعالى: " يؤمنون بالغيب " أو الباء للالة إي إحسان عبادتهم بالقلب لا بالجوارح الظاهرة فقط والاول أظهر. " وكان غامضا في الناس " في النهاية أي مغمورا غير مشهور وأقول: إما للتقية أو المعنى أنه ليس طالبا للشهرة ورفعة الذكر بين الناس " جعل " على بناء المفعول " رزقه كفافا " أي بقدر الحاجة، وبقدر ما يكفه عن السؤال، قال في النهاية: الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشئ ويكون بقدر الحاجة إليه، ومنه لا تلام على كفاف أي إذا لم يكن عندك كفاف لم تلم على أن لا تعطي أحدا وفي المصباح: قوته كفاف


(1) ولعل الصواب " خفيف الحاذ " وان كان الحاذ والحال بمعنى، قال الفيروز - آبادي: هما بحاذة واحدة، أي بحالة واحدة، وقال في التاج: الحاذ والحاذة: الحال والحالة، واللام أعلى من الذال، وقال الجوهري: وفي الحديث: مؤمن خفيف الحاذ " أي خفيف الظهر. [*]

[59]

بالفتح أي مقدار حاجته من غير زيادة ولا نقص، سمي بذلك لانه يكف عن سؤال الناس ويغني عنهم. " عجلت منيته " كأن ذكر تعجيل المنية لانه من المصائب التي ترد عليه وعلم الله صلاحه في ذلك لخلاصه من أيدي الظلمة، أو بذله نفسه لله بالشهادة وقيل: كأن المراد بعجلة منيته زهده في مشتهيات الدنيا وعدم افتقاره إلى شئ منها كأنه ميت، وقد ورد في الحديث المشهور موتوا قبل أن تموتوا، أو المراد أنه مهما قرب موته قل تراثه وقلت بواكيه، لانسلاله متدرجا عن أمواله وأولاده. وأقول: سيأتي نقلا عن مشكوة الانوار: مات فقل تراثه (1). وقال في الصحاح: التراث أصل التاء فيه واو، وقلة البواكي لقلة عياله وأولاده وغموضه وعدم اشتهاره، ولانه ليس له مال ينفق في تعزيته فيجتمع عليه الناس. 2 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافا (2). بيان: قال في النهاية: فيه فطوبى للغرباء، طوبى إسم الجنة، وقيل: هي شجرة فيها وأصلها فعلى من الطيب فلما ضمت التاء انقلبت الياء واوا (3) وفي القاموس العيش الحياة عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة بالكسر، والطعام وما يعاش به والخبز. 3 - كا: بالاسناد، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم ارزق محمدا وآل محمد ومن أحب محمدا وآل محمد العفاف والكفاف، وارزق من أبغض محمدا وآل محمد المال والولد (4). تبيان: العفاف بالفتح عفة البطن والفرج، أو التعفف عن السؤال من الخلق أو الاعم، ثم إن هذه الاخبار تدل على ذم كثرة الاموال والاولاد


(1) مشكاة الانوار: 22، ولم يخرجه. (2) الكافي ج 2 ص 140. (3) راجع ص 16 فيما سبق ففي الذيل شرح لذلك. (4) الكافي ج 2 ص 140. [*]

[60]

والاخبار في ذلك مختلفة، وورد في كثير من الادعية طلب الغنا وكثرة الاموال والاولاد، وورد في كثير منها ذم الفقر والاستعاذة منه، والجمع بينها لا يحلو من إشكال. ويمكن الجمع بينها بأن الغنا الممدوح ما يكون وسيلة إلى تحصيل الاخرة ولا يكون مانعا من الاشتغال بالطاعات، كما ورد نعم المال الصالح للعبد الصالح، وهو نادر، والفقر المذموم هو ما لا يصبر عليه ويكون سببا للمذلة والافتقار إلى الناس، وربما يحمل الفقر والغنا الممدوحان على الكفاف فانه غني بحسب الواقع ويعده أكثر الناس فقرا، ولا ريب في أن كثرة الاموال والاولاد والخدم ملهية غالبا عن ذكر الله والاخرة كما قال سبحانه: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " (1) وقال: " إن الانسان ليطغى، إن رآه استغنى " (2). وأما إذا لم تكن حصول هذه الاشياء مانعة عن تحصيل الاخرة، وكان الغرض فيها طاعة الله وكثرة العابدين لله، فهي من نعم الله على من علم الله صلاحه فيه، وكأن هذه الاخبار محمولة على الغالب، ومضمون هذا الحديث مروي في طرق العامة أيضا ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: اللهم اجعل رزق محمد قوتا، وعنه أيضا اللهم اجعل رزق محمد كفافا، وفي رواية اخرى اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. قال عياض: لا خلاف في فضيلة ذلك لقلة الحساب عليه، وإنما اختلف أيهما أفضل الفقر أو الغنا ؟ واحتج من فضل الفقر بدخول الفقراء الجنة قبل الاغنياء قال القرطبي: القوت ما يقوت الابدان ويكف عن الحاجة، وهذا الحديث حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل، لانه صلى الله عليه وآله إنما يدعو بالارجح وأيضا فان الكفاف حالة متوسطة بين الفقر والغنا، وخير الامور أوسطها، وأيضا فانه حالة يسلم معها من آفات الفقر وآفات الغنا.


(1) التغابن: 15. (2) العلق: 6 و 7. [*]

[61]

وقال الابي: في إكمال الاكمال: في المسألة خلاف والمتحصل فيها أربعة أقوال، قيل: الغنا أفضل، وقيل: الفقر أفضل، وقيل: الكفاف أفضل، وقيل: بالوقف، وقال: المراد بالرزق المذكور ما ينتفع به صلى الله عليه وآله في نفسه وفي أهل بيته وليس المراد به الكسب لانه كسب من خيبر وغيرها فوق القوت انتهى. 4 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن يعقوب بن يزيد، عن إبراهيم بن محمد النوفلي رفعه إلى علي بن الحسين صلوات الله عليهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله براعي إبل فبعث يستسقيه فقال: أما ما في ضروعها فصبوح الحي، وأما ما في آنيتها فغبوقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم أكثر ماله وولده. ثم مر براعي غنم فبعث إليه يستسقيه فحلب له ما في ضروعها وأكفأ ما في إنائه في إناء رسول الله صلى الله عليه وآله وبعث إليه بشاة وقال: هذا ما عندنا، وإن أحببت أن نزيدك زدناك قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم ارزقه الكفاف. فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله دعوت للذي ردك بدعاء عامتنا نحبه ودعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاء كلنا نكرهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، اللهم ارزق محمدا وآل محمد الكفاف (1). توضيح: الصبوح بالفتح شرب الغداة أو ما حلب أول النهار، والغبوق بالفتح أيضا الشرب بالعشي أو ما حلب آخر النهار، وفي القاموس كفأه كمنعه صرفه وكبه وقلبه كأكفأه وقال الجوهري: كفأت الاناء كببته وقلبته فهو مكفوء، وزعم ابن الاعرابي أن أكفأته لغة، وقال الكسائي: كفأت الاناء كببته وأكفأته أملته وقال: أسعفت الرجل بحاجته إذا قضيتها له. 5 - كا: عن العدة (2) عن أبيه، عن أبي البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل يقول: يحزن عبدي المؤمن إن قترت عليه، وذلك أقرب له مني، ويفرح عبدي المؤمن أن وسعت عليه وذلك أبعد له مني (3). بيان: الحزن بالضم الهم وحزن كفرح لازم، وحزن كنصر متعد، يقال:


(1) الكافي ج 2 ص 140 و 141. (2) في المصدر: عنه عن أبيه. (3) الكافي ج 2 ص 141. [*]

[62]

حزنه الامر حزنا وأحزنه، وهنا يحتمل الوجهين بأن يكون " يحزن " بفتح الزاي و " عبدي " فاعله، و " إن " بالكسر حرف شرط أو " يحزن " بالضم و " عبدي " مفعوله و " أن " بالفتح مصدرية في محل الفاعل، والتقتير التضييق وكذا قوله: " يفرح " يحتمل بناء المجرد ورفع " عبدي " وكسر " إن " أو بناء التفعيل ونصب " عبدي " وفتح " أن " واللام في " له " في الموضعين للتعدية. 6 - كا: عن الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد الازدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عزوجل: إن من أغبط أولياء عندي عبدا مؤمنا ذا حظ من صلاح، أحسن عبادة ربه، وعبد الله في السريرة، وكان غامضا في الناس، فلم يشر إليه بالاصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر عليه، فعجلت به المنية فقل تراثه وقلت بواكيه (1). بيان: السر والسريرة ما يكتم أي عبد الله خفية، فهو يؤيد الغيب (2) بالمعنى الاول أو في القلب عند حضور المخالفين فيؤيد الاخير، والاول أظهر " فلم يشر " على بناء المجهول كناية عن عدم الشهرة تأكيدا وتفريعا على الفقرة السابقة وقد مر مضمونه في الحديث الاول، ولله در من نظم الحديثين فقال: أخص الناس بالايمان عبد * خفيف الحال (3) مسكنه القفار له في الليل حظ من صلاة * ومن صوم إذا طلع النهار وقوت النفس يأتي من كفاف * وكان له على ذاك اصطبار وفيه عفة وبه خمول * إليه بالاصابع لا يشار وقل الباكيات عليه لما * قضى نحبا وليس له يسار فذاك قد نجى من كل شر * ولم تمسسه يوم البعث نار 7 - ل: عن علي بن عبد الله الاسواري، عن أحمد بن محمد بن قيس، عن أبي يعقوب، عن علي بن خشرم، عن عيسى، عن ابن عبيدة، عن محمد بن كعب


(1) الكافي ج 2 ص 141. (2) يعني في الحديث الاول. (3) وقد يروى " خفيف الحاذ ". [*]

[63]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما أتخوف على امتي من بعدي ثلاث خلال: أن يتأولوا القرآن على غير تأويله، أو يبتغوا زلة العالم، أو يظهر فيهم المال حتى يطغوا ويبطروا، وسأنبئكم المخرج من ذلك أما القرآن فاعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وأما العالم فانتظروا فيئته ولا تبتغوا زلته، وأما المال فان المخرج منه شكر النعمة وأداء حقه (1). 8 - فس: " من كان يريد حرث الاخرة نزد له في حرثه " يعني ثواب الاخرة " ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الاخرة من نصيب " (2) قال: حدثني أبي، عن بكر بن محمد الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المال والبنون [حرث الدنيا، والعمل الصالح] حرث الاخرة وقد يجمعهما الله لاقوام (3). 9 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن المقرئ الخراساني، عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه عليهم السلام قال: أوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام يا موسى لا تفرح بكثرة المال، ولا تدع ذكري على كل حال، فان كثرة المال تنسى الذنوب، وإن ترك ذكري يقسي القلوب (4). 10 - ع: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن إبراهيم الجازي، عن أبي بصير قال: ذكرنا عند أبي جعفر عليه السلام من الاغنياء من الشيعة فكأنه كره ما سمع منا فيهم، قال: يا با محمد إذا كان المؤمن غنيا رحيما وصولا له معروف إلى أصحابه، أعطاه الله أجر ما ينفق في البر أجره مرتين ضعفين، لان الله عزوجل يقول في كتابه: " وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، إلا من آمن وعمل صالحا فاولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في


(1) الخصال ج 1 ص 78. (2) الشورى: 20. (3) تفسير القمي ص 601. (4) علل الشرائع ج 1 ص 77 وفيه: عن العمركي الخراساني ظ. [*]

[64]

الغرفات آمنون " (1). 11 - ن: البيهقي، عن الصولي، عن القاسم بن إسماعيل، عن إبراهيم بن العباس قال: حدثني علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جعفر بن محمد أنه قال: إذا أقبلت الدنيا على إنسان أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه (2). 12 - لي: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن هاشم، عن ابن مرار، عن يونس عن عبد الله بن سنان، عن الصادق عليه السلام قال: خمس من لم تكن فيه لم يتهن بالعيش: الصحة والامن والغنا والقناعة والانيس الموافق (3). 13 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أتاني ملك فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول: إن شئت جعلت لك بطحاء مكة ذهبا قال: فرفع رأسه إلى السماء فقال: يا رب أشبع يوما فأحمدك وأجوع يوما فأسألك (4). 14 - ما: الفيد، عن محمد بن المظفر، عن محمد بن عبد ربه، عن عصام بن يوسف، عن أبي بكر بن عياش، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم من أحبني فارزقه الكفاف والعفاف، ومن أبغضني فأكثر ماله وولده (5). 15 - ما: حمويه، عن أبي خليفة، عن ابن مقبل، عن عبد الله بن شبيب، عن إسحاق بن محمد القروي، عن سعيد بن مسلم، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من رضى من الله بالقليل من الرزق رضي


(1) علل الشرائع ج 2 ص 291 والاية في سورة سبأ: 37. (2) عيون الاخبار ج 2 ص 130. (3) أمالي الصدوق ص 175. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 30. (5) أمالي الصدوق ج 1 ص 132. [*]

[65]

الله منه بالقليل من العمل (1). 16 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن عمر، عن أبيه عن النضر بن قابوس قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن معنى الحديث: من رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل، قال: يطيعه في بعض ويعصيه في بعض (2). 17 - ما: الغضايري، عن الصدوق، عن محمد بن أحمد بن علي الاسدي، عن عبد الله بن سليمان وعبد الله بن محمد الدهني وأحمد بن عمير، ومحمد بن أبي أيوب جميعا، عن عبد الله بن هاني بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمه إبراهيم بن ام الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أصبح معافا في جسده، آمنا في سربه عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا. يا ابن جعشم يكفيك منها ما سد جوعتك، ووارى عورتك، وان يكن بيت يكنك فذاك، وان يكن دابة تركبها فبخ بخ، وإلا فالخبز، وما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب (3). 18 - ب: ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أن من أغبط أوليائي عندي عبدا مؤمنا ذا حظ من صلاح أحسن عبادة ربه وعبد الله في السريرة وكان غامضا في الناس، فلم يشر إليه بالاصابع، وكان رزقه كفافا فصبر عليه تعجلت به المنية، فقل تراثه وقلت بواكيه ثلاثا (4). 19 - ل: حمزة العلوي، عن علي بن إبراهيم، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل يبغض الغني الظلوم، والشيخ الفاجر، والصعلوك المختال. ثم قال: أتدري ما الصعلوك


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 19. (2) معاني الاخبار ص 260. (3) أمالي الطوسي ج 2 ص 42. (4) قرب الاسناد ص 20. [*]

[66]

المختال ؟ قال: فقلنا: القليل المال ؟ قال: لا هو الذي لا يتقرب إلى الله عزوجل بشئ من ماله (1). 20 - ضا: أروي عن العالم عليه السلام أنه قال: يقول الله عزوجل: إن أغبط عبادي يوم القيامة عبد رزق حظا من صلاحه، قترت في رزقه فصبر حتى إذا حضرت وفاته قل تراثه وقل بواكيه. ونروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اللهم ارزق محمدا وآل محمدا ومن أحبهم العفاف والكفاف، وارزق من أبغض محمدا وآل محمدا المال والولد. وروي أن قيما كان لابي ذر الغفاري في غنمه فقال: قد كثر الغنم وولدت فقال: تبشرني بكثرتها ما قل وكفى منها أحب إلي مما كثر وألهى. وروي طوبى لمن آمن وكان عيشه كفافا. 21 - سر: من كتاب ابن تغلب، عن ابن الوليد، عن يونس بن يعقوب، عن عطية أخي أبي العرام (2) قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنا لنحب الدنيا ولا نؤتاها وهو خير لنا وما اوتي عبد منها شيئا إلا كان أنقص لحظه في الاخرة، وليس من شيعتنا من له مائة ألف ولا خمسون ألفا ولا أربعون ألفا ولو شئت أن أقول ثلاثون ألفا لقلت، وما جمع رجل قط عشرة آلاف من حلها. 22 - محص: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الفقر خير للمؤمن من الغنا إلا من حمل كلا وأعطى في نائبة، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أحد يوم القيامة غني ولا فقير إلا يود أنه لم يؤت منها إلا القوت. 23 - محص: عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أعطى الله عبدا ثلاثين ألفا وهو يريد به خيرا. وقال ما جمع رجل قط عشرة آلاف من حل وقد جمعهما الله لاقوام إذا أعطوا القريب، ورزقوا العمل الصالح، وقد جمع الله لقوم


(1) الخصال ج 1 ص 43. (2) كذا في الاصل، ولعله أخو أبي العوام، كما في التهذيب باب الذبائح والاطمعة وفي الكافي ج 6 ص 314 باب القديد من أبواب الاطعمة أخو أبي المغرا. [*]

[67]

الدنيا والاخرة. 24 - محص: عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المال أربعة آلاف واثنا عشر ألف كنز، ولم يجتمع عشرون ألفا من حلال، وصاحب الثلاثين ألفا هالك، وليس من شيعتنا من يملك مائة ألف. 25 - محص: عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أعطى في هذه الدنيا شيئا كثيرا ثم دخل الجنة كان أقل لحظه فيها. 26 - محص: عن الفضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يعطي المال البار والفاجر، ولا يعطي الايمان إلا من أحب. 27 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما قرب عبد من سلطان إلا تباعد من الله تعالى، ولا كثر ماله إلا اشتد حسابه، ولا كثر تبعه إلا كثر شياطينه (1). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافا وقوله سدادا (2). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم ارزق محمدا وآل محمد ومن أحب محمدا وآل محمد العفاف والكفاف، وارزق من أبغض محمدا وآل محمد كثرة المال والولد (3). 28 - نهج: قال عليه السلام: المال مادة الشهوات (4). وقال عليه السلام: العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنا (5).


(1) نوادر الراوندي ص 4. (2) المصدر نفسه، وفيه " وقواه سدادا " وفي أصل المؤلف " وقواه شدادا " والتصحيح من نسخة الامامة والتبصرة كما سيأتي. (3) نوادر الراوندي ص 16. (4) نهج البلاغة ج 2 ص 156، والمعنى أن المال يمد في الشهوات ويدعو إليها. (5) نهج البلاغة ج 2 ص 225. [*]

[68]

وقال عليه السلام: إذا كثرت المقدرة قلت الشهوة (1). وقال عليه السلام: لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين: العافية والغنا، بينا تراه معافا إذ سقم، وبينا تراه غنيا إذ افتقر (2). وقال عليه السلام: الدنيا دار مني لها الفناء ولاهلها منها الجلاء وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب، والتبست بقلب الناظر، فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد، ولا تسألوا فيها فوق الكفاف، ولا تطلبوا منها أكثر من البلاغ (3). 29 - كتاب الامامة والتبصرة: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن أسلم وكان عيشه كفافا وقوله سدادا. ومنه بهذا الاسناد قال: طوبى لمن رزق الكفاف ثم صبر عليه. ومنه عن أحمد بن علي، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن الحسن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الغنى في القلب والفقر في القلب. وقال صلى الله عليه وآله: الغنى عقوبة.


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 198. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 245. (3) نهج البلاغة ج 1 ص 104. [*]

[69]

(96) * (باب) * * " (ترك الراحة) " *. 1 - مص: قال الصادق عليه السلام: لا راحة لمؤمن على الحقيقة إلا عند لقاء الله وما سوى ذلك ففي أربعة أشياء: صمت تعرف به حال قلبك ونفسك فيما يكون بينك وبين باريك، وخلوة تنجو بها من آفات الزمان ظاهرا وباطنا، وجوع تميت به الشهوات والوسواس والوساوس، وسهر تنور به قلبك، وتنقي (1) به طبعك وتزكي به روحك. قال النبي صلى الله عليه وآله: من أصبح آمنا في سربه، معافا في بدنه، وعنده قوت يومه، فانما حيزت له الدنيا بحذافيرها. وقال وهب بن منبه: في كتب الاولين مكتوب يا قناعة العز والغنا معك قرب من قاربك. وقال أبو درداء: ما قسم الله لي لا يفوتني، ولو كان في جناح ريح. وقال أبو ذر: هتك ستر من لا يثق بربه، ولو كان محبوسا في الصم (2) الصلاخيد (3) فليس أحد أخسر وأخذل وأنزل ممن لا يصدق ربه فيما ضمن له وتكفل به، من قبل أن خلقه له، وهو مع ذلك يعتمد على قوته وتدبيره وسعيه وجهده ويتعدى حدود ربه بأسباب قد أغناه الله عنها (4).


(1) في المصدر المطبوع: وتصفى، وكلاهما بمعنى. (2) الصم جمع الاصم وحجر اصم صلب مصمت. (3) كذا في الاصل، والصلاخيد كأنه جمع صلخد - كجعفر - وهو القوي الشديد والصحيح كما في المصدر الصياخيد، وهو جمع صيخود وصخرة صيخود وصيخاد: شديدة الصلابة. (4) مصباح الشريعة ص 21. [*]

[70]

(97) * (باب الحزن) * 1 - مص: قال الصادق عليه السلام: الحزن من شعار العارفين، لكثرة واردات الغيب على سرائرهم، وطول مباهاتهم تحت ستر الكبرياء، والمحزون ظاهره قبض وباطنه بسط، يعيش مع الخلق عيش المرضاء (1) ومع الله عيش القرباء. والمحزون غير المتفكر لان المتفكر متكلف، والمحزون مطبوع، والحزن يبدو من الباطن والتفكر يبدو من رؤية المحدثات، وبينهما فرق قال الله عزوجل في قصة يعقوب عليه السلام " إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " (2) فبسبب ما تحت الحزن علم خص به من الله دون العالمين. وقيل لربيع بن خثيم: مالك مهتم ؟ قال: لاني مطلوب. ويمين الحزن الابتلاء (3)، وشماله الصمت، والحزن يختص به العارفون لله، والتفكر يشترك فيه الخاص والعام، ولو حجب الحزن عن قلوب العارفين ساعة لاستغاثوا، ولو وضع في قلوب غيرهم لاستنكروه. فالحزن أول ثانيه الامن والبشارة، والتفكر ثان أوله تصحيح الايمان بالله وثالثه الافتقار إلى الله عزوجل بطلب النجاة، والحزين متفكر، والمتفكر، معتبر


(1) أراد جمع المريض وليس بصحيح وجمع المريض مرضى، وفي المصدر المطبوع صححت الكلمة هكذا: " وعيش المرضى، ومع الله عيش القربى ". (3) يوسف: 86. (4) في المصدر: الانكسار. [*]

[71]

ولكل واحد منهما حال وعلم وطريق وعلم يشرق (1). 2 - جا: الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن ابن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم عليه السلام: يا عيسى هب لي من عينيك الدموع، ومن قلبك الخشوع، واكحل عينك بميل الحزن، إذا ضحك البطالون، وقم على قبور الاموات فنادهم بالصوت الرفيع لعلك تأخذ موعظتك منهم، وقل إني لاحق بهم في اللاحقين (2). 3 - محص: عن رفاعة، عن جعفر عليه السلام قال: قرأت في كتاب علي عليه السلام إن المؤمن يمسي ويصبح حزينا ولا يصلح له إلا ذلك (3).


(1) مصباح الشريعة ص 62، وفيه " وحلم وشرف ". (2) مجالس المفيد ص 147. (3) مشكوة الانوار نقلا من كتاب روضة الواعظين، قال النبي صلى الله عليه وآله إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من العمل ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها. وقال الصادق عليه السلام: من كثرت ذنوبه ولم يجد ما يكفرها به ابتلاه الله عزوجل بالحزن في الدنيا ليكفرها به فان فعل ذلك به، وإلا عذبه في قبره فيلقى الله عزوجل يوم يلقاه وليس شئ يشهد عليه لشئ من ذنوبه. ومن كتاب السيد ناصح الدين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الله يحب كل قلب حزين. [*]

[73]

الجزء الثالث من كتاب الايمان والكفر (أبواب) الكفر ومساوى الاخلاق

[74]

بسم الله الرحمن الرحيم (أبواب) الكفر ومساوى الاخلاق أقول: سيجئ في أبواب كتاب العشرة، وكتاب الاداب والسنن، والاوامر والنواهي، ما يتعلق بهذه الابواب من الاخبار فانتظره. (98) * (باب) * * " (الكفر ولوازمه وآثاره وأنواعه وأصناف الشرك) " * الايات: البقرة: إن الذين كفروا سواء عليهمء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (1). وقال تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (2). وقال تعالى: فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين *


(1) البقرة: 6 - 7. (2) البقرة: 39. [*]

[75]

بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين * وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما انزل علينا ويكفرون بما ورائه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين (1). وقال تعالى: وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر (2). وقال تعالى: إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار اولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون (3). وقال تعالى: ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فان الله شديد العقاب (4). وقال تعالى: والكافرون هم الظالمون (5). وقال تعالى: والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (6). وقال تعالى: والله لا يهدي القوم الكافرين (7). آل عمران: إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد (8). وقال تعالى: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا واولئك وقود النار * كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب (9). وقال تعالى: إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم * اولئك الذين


(1) البقرة: 89 - 91. (2) البقرة: 102. (3) البقرة: 161 - 162. (4) البقرة: 211. (5) البقرة: 254. (6) البقرة: 257. (7) البقرة: 264. (8) آل عمران: 4. (9) آل عمران: 10 - 11. [*]

[76]

حبطت أعمالهم في الدنيا والاخرة وما لهم من ناصرين (1). وقال تعالى: فأما الذين كفروا فاعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والاخرة وما لهم من ناصرين (2). وقال تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملئكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون (3). وقال تعالى: إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم واولئك هم الضالون * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملا الارض ذهبا ولو افتدى به اولئك لهم عذاب أليم ومالهم من ناصرين (4). وقال سبحانه: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جائهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم (5). وقال سبحانه: إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا واولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (6). وقال تعالى: وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (7). وقال تعالى: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأويهم النار وبئس مثوى الظالمين (8).


(1) آل عمران: 21 - 22. (2) آل عمران: 56. (3) آل عمران: 79 - 80. (4) آل عمران: 90 - 91. (5) آل عمران: 105. (6) آل عمران: 116 - 117. (7) آل عمران: 141. (8) آل عمران: 151. [*]

[77]

وقال تعالى: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الاخرة ولهم عذاب عظيم * إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم (1). النساء: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (2). وقال تعالى: إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (3). وقال تعالى: إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا (4). وقال تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا * إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا (5). وقال تعالى: ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا (6). وقال تعالى: إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * اولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (7). وقال تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا * إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا (8).


(1) آل عمران: 176 - 177. (2) النساء: 48. (3) النساء: 56. (4) النساء: 102. (5) النساء: 115 - 116. (6) النساء: 136. (7) النساء: 150 - 151. (8) النساء: 168 - 169. [*]

[78]

المائدة: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب الجحيم (1). وقال تعالى: إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الارض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم * يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم (2). وقال تعالى: إن الله لا يهدي القوم الكافرين (3). وقال تعالى: فلا تأس على القوم الكافرين (4). وقال تعالى: وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأويه النار وما للظالمين من أنصار (5). وقال تعالى: ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (6). وقال تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب الجحيم (7). وقال تعالى: قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث (8). الانعام: ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (9). وقال تعالى: ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (10). وقال تعالى: الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (11). وقال تعالى: وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون * ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون


(1) المائدة: 10. (2) المائدة: 36 - 37. (3) المائدة: 67. (4) المائدة: 68. (5) المائدة: 72. (6) المائدة: 73. (7) المائدة: 86. (8) المائدة: 100. (9) الانعام: 1. (10) الانعام: 10. (11) الانعام: 12. [*]

[79]

إلى قوله تعالى: قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (1). وقال تعالى: والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم (2). وقال تعالى: قل أرأيتكم إن أتيكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون - إلى قوله تعالى: والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون (3). وقال تعالى: وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع (4). وقال تعالى: ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (5). وقال تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون * وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون * وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون * وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (6). وقال تعالى: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا (7).


(1) الانعام: 26 - 31. (2) الانعام: 39. (3) الانعام: 47 - 49. (4) الانعام: 70. (5) الانعام: 88. (6) الانعام: 136 - 139. (7) الانعام: 151. [*]

[80]

وقال تعالى: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون (1). الاعراف: إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين * لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين إلى قوله تعالى: فأذن موذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة كافرون (2). وقال تعالى: وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين (3). وقال سبحانه: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا * ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الاخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (4). وقال تعالى: ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (5). وقال تعالى: والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * واملي لهم إن كيدي متين (6). الانفال: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب * فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (7). وقال سبحانه: ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين (8).


(1) الانعام: 159. (2) الاعراف: 40 - 45. (3) الاعراف: 72. (4) الاعراف: 146 - 147. (5) الاعراف: 177. (6) الاعراف: 182 - 183. (7) الانفال: 13 - 14. (8) الانفال: 18. [*]

[81]

وقال سبحانه: ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (1). وقال سبحانه: كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين * ان شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (2). التوبة: وأن الله مخزي الكافرين (3). وقال تعالى: وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (4). وقال تعالى: والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم - إلى قوله تعالى: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فان له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي العظيم (5). وقال تعالى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (6). يونس: والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (7). وقال تعالى: ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (8). هود: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (9).


(1) الانفال: 21 - 23. (2) الانفال: 54 - 56. (3) براءة: 2. (4) براءة: 3. (5) براءة: 61 - 63. (6) براءة: 80. (7) يونس: 4. (8) يونس: 95. (9) هود: 25 - 26. [*]

[82]

وقال تعالى حاكيا عن هود: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون - إلى قوله تعالى: وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * واتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (1). الرعد: وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الارض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فماله من هاد * لهم عذاب في الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة أشق وما لهم من الله من واق (2). وقال تعالى: وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (3). ابراهيم: وويل للكافرين من عذاب شديد (4). وقال تعالى: وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الارض جميعا فان الله لغني حميد (5). وقال تعالى: مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلال البعيد (6). الحجر: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (7). النحل: للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء ولله المثل الاعلى وهو العزيز الحكيم (8). وقال تعالى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب


(1) هود: 50 - 60. (2) الرعد: 33 - 34. (3) الرعد: 42. (4) ابراهيم: 2. (5) ابراهيم: 8. (6) ابراهيم: 18. (7) الحجر: 2. (8) النحل: 60. [*]

[83]

بما كانوا يفسدون (1). وقال تعالى: إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم * إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله واولئك هم الكاذبون (2). وقال تعالى: وإن الله لا يهدي القوم الكافرين (3). أسرى: وأن الذين لا يؤمنون بالاخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (4). الكهف: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا * قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * اولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (5). مريم: فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (6). طه: إنه من يأت ربه مجرما فان له نار جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (7). وقال تعالى: وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الاخرة أشد وأبقى (8). الانبياء: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (9). الحج: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس


(1) النحل: 88. (2) النحل: 104 - 105. (3) النحل: 107. (4) أسرى: 10. (5) الكهف: 102 - 106. (6) مريم: 37. (7) طه: 74. (8) طه: 127. (9) الانبياء: 29. [*]

[84]

والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شئ شهيد (1). وقال تعالى: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح من مكان سحيق (2). وقال تعالى: والذين سعوا في آياتنا معاجزين اولئك أصحاب الجحيم (3). وقال تعالى: ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (4). وقال تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فاولئك لهم عذاب مهين (5). المؤمنون: فبعدا لقوم لا يؤمنون (6). وقال تعالى: ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (7). النور: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جائه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب * أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور (8). وقال تعالى: لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض ومأويهم النار ولبئس المصير (9). الفرقان: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (10). وقال تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر


(1) الحج: 17. (2) الحج: 31. (3) الحج: 51. (4) الحج: 55. (5) الحج: 57. (6) المؤمنون: 44. (7) المؤمنون: 117. (8) النور: 39 - 40. (9) النور: 57. (10) الفرقان: 23. [*]

[85]

على ربه ظهيرا (1). وقال تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر (2). النمل: إن الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * اولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الاخرة هم الاخسرون (3). القصص: ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين * فعميت عليهم الانباء يومئذ فهم لا يتسائلون (4). العنكبوت: والذين كفروا بآيات الله ولقائه اولئك يئسوا من رحمتي واولئك لهم عذاب أليم (5). وقال تعالى: وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (6). وقال تعالى: وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (7). وقال تعالى: والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله اولئك هم الخاسرون إلى قوله تعالى: يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (8). الروم: وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الاخرة فاولئك في العذاب محضرون (9). لقمان: ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (10). التنزيل: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون - إلى قوله تعالى: وأما الذين فسقوا فمأويهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها اعيدوا فيها وقيل لهم


(1) الفرقان: 55. (2) الفرقان: 68. (3) النمل: 4 - 5. (4) القصص: 65 - 66. (5) العنكبوت: 23. (6) العنكبوت: 47. (7) العنكبوت: 49. (8) العنكبوت: 52 - 54. (9) الروم: 16. (10) لقمان: 23. [*]

[86]

ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (1). الاحزاب: ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما (2). سبا: والذين سعوا في آياتنا معاجزين اولئك لهم عذاب من رجز أليم - إلى قوله تعالى: بل الذين لا يؤمنون بالاخرة في العذاب والضلال البعيد (3). وقال تعالى: وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (4). فاطر: الذين كفروا لهم عذاب شديد (5). وقال تعالى: والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور - إلى قوله تعالى: هو الذي جعلكم خلائف في الارض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين إلا خسارا (6). ص: بل الذين كفروا في عزة وشقاق (7). وقال تعالى: فويل للذين كفروا من النار (8). الزمر: إن تكفروا فان الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر (9). وقال تعالى: والذين كفروا بآيات الله اولئك هم الخاسرون (10). وقال تعالى: وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا (11).


(1) التنزيل: 18 - 20. (2) الاحزاب: 73. (3) سبأ: 5 - 8. (4) سبأ: 33. (5) فاطر: 2. (6) فاطر: 36 - 39. (7) ص: 2. (8) ص: 27. (9) الزمر: 7. (10) الزمر: 63. (11) الزمر: 71. [*]

[87]

المؤمن: وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (1). وقال تعالى: إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون (2). السجدة: إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيمة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (3). حمعسق: والذين يحاجون في الله من بعدما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد - إلى قوله تعالى: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم (4). وقال تعالى: والكافرون لهم عذاب شديد (5). الزخرف: إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (6). الجاثية: هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (7). وقال تعالى: وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين * وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين * وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا بهم يستهزؤن * وقيل اليوم ننسيكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا


(1) المؤمن: 6. (2) المؤمن: 10. (3) السجدة: 40. (4) الشورى: 16 - 21. (5) الشورى: 26. (6) الزخرف: 74 - 75. (7) الجاثية: 11. [*]

[88]

ومأويكم النار ومالكم من ناصرين (1). محمد: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم - إلى قوله تعالى: ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل (2). وقال تعالى: والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم * ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم (3). وقال تعالى: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم (4). وقال تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (5). وقال تعالى: إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (6). الفتح: ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (7). [وقال تعالى]: ومن لم يؤمن بالله ورسوله فانا أعتدنا للكافرين سعيرا (8). الذاريات: فان للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (9). الحديد: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب الجحيم (10). التغابن: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك أصحاب النار خالدين


(1) الجاثية: 31 - 34. (2) القتال: 1 - 3. (3) القتال: 8 - 9. (4) القتال: 12. (5) القتال: 32. (6) القتال: 34. (7) الفتح: 6. (8) الفتح: 13. (9) الذاريات: 59. (10) الحديد: 19. [*]

[89]

فيها وبئس المصير (1). الملك: وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (2). المزمل: فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (3). المدثر: فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير (4). الانشقاق: فمالهم لا يؤمنون * وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون * بل الذين كفروا يكذبون * والله أعلم بما يوعون * فبشرهم بعذاب أليم (5). البروج: بل الذين كفروا في تكذيب (6). الغاشية: إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الاكبر (7). البينة: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها اولئك هم شر البرية (8). 1 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب وأحمد بن الحسن بن فضال معا، عن علي بن أسباط، عن الحسن بن زيد، عن محمد بن سالم، عن ابن طريف، عن ابن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الايمان على أربع دعائم (9) على الصبر واليقين والعدل والجهاد. والصبر على أربع شعب: على الشوق والاشفاق والزهد والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.


(1) التغابن: 10. (2) الملك: 6. (3) المزمل: 17. (4) المدثر: 8 - 10. (5) الاشتقاق: 20 - 24. (6) البروج: 19. (7) الغاشية: 23 - 24. (8) البينة: 6. (9) مر هذا الخبر بأسانيد مختلفة في الجزء 68 من هذه الطبعة باب دعائم الايمان والاسلام، وهناك شرح مستوفي لمعضلات الحديث فراجع وسيأتي في الباب الآتي. [*]

[90]

واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين، فمن تبصر في الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما عاش في الاولين. والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم، وغمرة العلم، وزهرة الحكمة وروضة الحلم، فمن فهم فسر جمل العلم، ومن علم شرع غرائب الحكم، ومن كان حكيما لم يفرط في أمر يليه في الناس (1). والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شنأ الفاسقين وغضب لله عزوجل غضب الله له، وذلك الايمان ودعائمه وشعبه. والكفر على أربع دعائم: على الفسق والعتو والشك والشبهة. والفسق على أربع شعب: على الجفاء والعمى والغفلة والعتو فمن جفا حقر الحق ومقت الفقهاء، وأصر على الحنث العظيم، ومن عمي نسي الذكر، واتبع الظن وألح عليه الشيطان، ومن غفل غرته الاماني وأخذته الحسرة إذا انكشف الغطاء وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب، ومن عتا عن أمر الله تعالى الله عليه، ثم أذله بسلطانه، وصغره لجلاله، كما فرط في جنبه وعتا عن أمر ربه الكريم. والعتو على أربع شعب: على التعمق والتنازع والزيغ والشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق ولم يزدد إلا غرقا في الغمرات فلم تحتبس عنه فتنة إلا غشيته أخرى وانخرق دينه فهو يهيم في أمر مريج، ومن نازع وخاصم قطع بينهم الفشل وذاق وبال أمره، وساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، ومن ساءت عليه الحسنة اعتورت عليه طرقه، واعترض عليه أمره، وضاق عليه مخرجه، وحري أن يرجع من دينه، ويتبع غير سبيل المؤمنين.


(1) في النهج ج 2 ص 150، والكافي ج 2 ص 49، تحف العقول ص 158 أمالى الطوسي ج 1 ص 36، هكذا: " لم يفرط في امره وعاش في الناس حميدا ". [*]

[91]

والشك على أربع شعب على الهول والريب والتردد والاستسلام، فبأي آلاء ربك يتمارى المتمارون، فمن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه، ومن تردد في الريب سبقه الاولون، وأدركه الاخرون، وقطعته سنابك الشياطين، ومن استسلم لهلكة الدنيا والاخرة هلك فيما بينهما، ومن نجا فباليقين. والشبهة على أربع شعب: على الاعجاب بالزينة وتسويل النفس، وتأول العوج وتلبيس الحق بالباطل، ذلك بأن الزينة تزيد على الشبهة وأن تسويل النفس يقحم على الشهوة، وأن العوج يميل ميلا عظيما وأن التلبيس ظلمات بعضها فوق بعض، فذلك الكفر ودعائمه وشعبه. والنفاق على أربع دعائم: على الهوى والهوينا والحفيظة والطمع. فالهوى على أربع شعب: على البغي والعدوان والشهوة والطغيان، فمن بغى كثرت غوائله وغلاته، ومن اعتدى لم يؤمن بوائقه، ولم يسلم قلبه، ومن لم يعزل نفسه عن الشهوات خاض في الخبيثات ومن طغى ضل على غير يقين ولا حجة له. وشعب الهوينا الهيبة والغرة والمماطلة والامل، وذلك لان الهيبة ترد على دين الحق وتفرط المماطلة في العمل حين يقدم الاجل، ولولا الامل علم الانسان حسب ما هو فيه، ولو علم حسب ما هو فيه مات من الهول والوجل. وشعب الحفيظة: الكبر والفخر والحمية والعصبية فمن استكبر أدبر، ومن فخر فجر، ومن حمي أصر، ومن أخذته العصبية جار، فبئس الامر أمر بين الاستكبار والادبار وفجور وجور. وشعب الطمع أربع: الفرح والمرح واللجاجة والتكاثر، والفرح مكروه عند الله عزوجل، والمرح خيلاء، واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حبائل الاثام، والتكاثر لهو وشغل، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فذلك النفاق ودعائمه وشعبه (1).


(1) الخصال ج 1 ص 110 - 111. [*]

[92]

2 - فس: أبي، عن بكر بن صالح، عن أبي عمر الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الكفر في كتاب الله على خمسة وجوه فمنه كفر الجحود وهو على وجهين جحود بعلم وجحود بغير علم، فأما الذين جحدوا بغير علم فهم الذين حكا الله عنهم في قوله: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون) (1) وقوله: (إن الذين كفروا سواء عليهمء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) (2) فهؤلاء كفروا وجحدوا بغير علم. وأما الذين كفروا وجحدوا بعلم فهم الذين قال الله تبارك وتعالى: (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جائهم ما عرفوا كفروا به " (3) فهؤلاء كفروا وجحدوا بعلم. وقال: وحدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت هذه الاية في اليهود والنصارى يقول الله تبارك وتعالى: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه " (4) يعني رسول الله صلى الله عليه وآله " كما يعرفون أبنائهم " لان الله عزوجل قد أنزل عليهم في التوراة والانجيل والزبور صفة محمد صلى الله عليه وآله وصفة أصحابه ومبعثه ومهاجره وهو قوله: " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التورية ومثلهم في الانجيل " (5) فهذه صفة رسول الله صلى الله عليه وآله في التوراة والانجيل وصفة أصحابه، فلما بعثه الله عزوجل عرفه أهل الكتاب كما قال جل جلاله: " فلما جائهم ما عرفوا كفروا به ".


(1) الجاثية: 24. (2) البقرة: 6. (3) البقرة: 89. (4) البقرة: 146. (5) الفتح: 29. [*]

[93]

وكانت اليهود يقولون للعرب قبل مجئ النبي: أيها العرب هذا أوان نبي يخرج بمكة ويكون مهاجره بالمدينة، وهو آخر الانبياء وأفضلهم، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، يلبس الشملة، يجتزئ بالكسرة والتميرات ويركب الحمار العرية وهو الضحوك، القتال يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الحف والحافر، لنقتلنكم به يا معشر العرب قتل عاد. فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة، حسدوه وكفروا به كما قال الله: " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جائهم ما عرفوا كفروا به ". ومنه كفر البراءة وهو قوله: " ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض " (1) أي يتبرأ بعضكم من بعض، ومنه كفر الترك لما أمرهم الله وهو قوله: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر " (2) أي ترك الحج وهو مستطيع فقد كفر، ومنه كفر النعم وهو قوله: " ليبلونئ أشكر أم أكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر " (3) أي ولم من يشكر نعمة الله فقد كفر، فهذه وجوه الكفر في كتاب الله (4). 3 - فس: أبي، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن قول النبي صلى الله عليه وآله: إن الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء، في ليلة ظلماء، قال: كان المؤمنون يسبون ما يعبد المشركون من دون الله، فكان المشركون يسبون ما يعبد المؤمنون، فنهى الله المؤمنين عن سب آلهتهم لكيلا يسب الكفار إله المؤمنين، فيكون المؤمنون قد أشركوا بالله من حيث لا يعلمون فقال: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله " (5) الاية (6).


(1) العنكبوت: 25. (2) آل عمران: 97. (3) النمل: 40. (4) تفسير القمي ص 28. (5) الانعام: 108. (6) تفسير القمي ص 200. [*]

[94]

4 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم) (1) أما المسيح فعصوه وعظموه في أنفسهم حين زعموا أنه إله، وأنه ابن الله، وطائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا: هو الله، وأما أحبارهم ورهبانهم فانهم أطاعوا وأخذوا بقولهم واتبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه فاتخذوهم أربابا بطاعتهم لهم، وتركهم أمر الله وكتبه ورسله، فنبذوه وراء ظهورهم وما أمرهم به الاحبار والرهبان اتبعوه وأطاعوهم وعصوا الله (2). 5 - فس: أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن موسى بن بكر، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (3) قال: شرك طاعة ليس شرك عبادة، والمعاصي التي يرتكبون فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا بالله في الطاعة لغيره، وليس باشراك عبادة أن يعبدوا غير الله (4). 6 - فس: جعفر بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا " (5) يوم القيامة أي يكون هؤلاء الذين اتخذوهم آلهة من دون الله عليهم ضدا يوم القيامة ويتبرؤون منهم ومن عبادتهم إلى يوم القيامة، ثم قال: ليس العبادة هي السجود ولا الركوع إنما هي طاعة الرجال، ومن أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده (6).


(1) براءة: 32. (2) تفسير القمي ص 264. (3) يوسف: 106. (4) تفسير القمي ص 334. (5) مريم: 81. (6) تفسير القمي ص 415. [*]

[95]

7 - فس: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " قال: على شك " فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة " (1) فانه حدثني أبي، عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن حماد، عن ابن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت هذه الاية في قوم وحدوا الله وخلعوا عبادة من دون الله، وخرجوا من الشرك، ولم يعرفوا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فهم يعبدون الله على شك في محمد، وما جاء به، فأتوا رسول الله فقالوا: ننظر فان كثرت أموالنا وعوفينا في أنفسنا وأولادنا علمنا أنه صادق وأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وإن كان غير ذلك نظرنا (2). فأنزل الله " فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين * يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه " انقلب مشركا يدعو غير الله ويعبد غيره. فمنهم من يعرف ويدخل الايمان قلبه، فهو مؤمن ويصدق ويزول عن منزلته من الشك إلى الايمان، ومنهم من يلبث على شكه، ومنهم من ينقلب إلى الشرك (3).


(1) الحج: 11. (2) قال البيضاوي في أنوار التنزيل ص 278: روى أنها نزلت في اعاريب قدموا إلى المدينة وكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهرا سريا وولدت امرأته غلاما سويا وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا الا خيرا واطمأن، وان كان الامر بخلافه قال: ما أصبت الا شرا وانقلب. قال: وعن أبي سعيد أن يهوديا أسلم فأصابته مصائب فتشأم بالاسلام فأتى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أقلني ! فقال: ان الاسلام لا يقال، فنزلت. وروى مثله الطبرسي في المجمع ج 7 ص 75 عن ابن عباس فراجع. (3) تفسير القمي ص 436، وروى مثله الكليني في الكافي ج 2 ص 413 عن علي ابن ابراهيم بسندين آخرين فراجع. [*]

[96]

8 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن الخشاب، عن يزيد بن إسحاق، عن العباس بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: إن هؤلاء العوام يزعمون أن الشرك أخفى من دبيب النمل في الليلة الظلماء على المسح الاسود (1) فقال: لا يكون العبد مشركا حتى يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يدعو لغير الله عزوجل (2). 9 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الحميد بن أبي العلا قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الشرك أخفى من دبيب النمل، وقال: منه تحويل الخاتم ليذكر الحاجة وشبه هذا (3). 10 - مع: أبي وابن الوليد معا، عن الحميري، عن ابن أبي الخطاب عن النضر بن شعيب، عن عبد الغفار الجازي قال: حدثني من سأله يعني الصادق عليه السلام هل يكون كفر لا يبلغ الشرك ؟ قال عليه السلام: إن الكفر هو الشرك ثم قام فدخل المسجد، فالتفت إلي وقال: نعم الرجل يحمل الحديث إلى صاحبه فلا يعرفه فيرده عليه فهي نعمة كفرها ولم يبلغ الشرك (4). 11 - ب: هارون، عن ابن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل عن الكفر والشرك أيهما أقدم ؟ قال: الكفر أقدم، وذلك أن إبليس أول من كفر وكان كفره غير شرك، لانه لم يدع إلى عبادة غير الله، وإنما دعا إلى ذلك بعد فأشرك (5).


(1) المسح - بالكسر - البلاس يقعد عليه، والكساء من شعر كثوب الرهبان، وفي نسخة الكمباني: " المسيح " والمناسب من معانيه هنا: المنديل الاخشن كما في أقرب الموارد. (2) الخصال ج 1 ص 67. (3) معاني الاخبار ص 379. (4) معاني الاخبار ص 137. (5) قرب الاسناد ص 23. [*]

[97]

12 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن صفوان عن ابن مسكان، عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: " عتل بعد ذلك زنيم " (1) قال: العتل العظيم الكفر، والزنيم المستهتر بكفره (2). 13 - ير: أحمد بن محمد بن عيسى، عن آدم بن إسحاق، عن هشام، عن الهيثم التميمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا هيثم التميمي إن قوما آمنوا بالظاهر وكفروا بالباطن، فلم ينفعهم شئ، وجاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن وكفروا بالظاهر، فلم ينفعهم ذلك شيئا، ولا إيمان بظاهر إلا بباطن، ولا بباطن إلا بظاهر (3). 14 - شى: عن موسى بن بكر الواسطي قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن الكفر والشرك أيهما أقدم ؟ فقال: ما عهدي بك تخاصم الناس ؟ قلت: أمرني هشام بن الحكم أن أسألك عن ذلك، فقال لي: الكفر أقدم، وهو الجحود، قال لابليس: " أبى واستكبر وكان من الكافرين " (4). 15 - شى: عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله " (5) قال: ترك العمل الذي أقر به، من ذلك أن يترك الصلاة من غير سقم ولا شغل، قال: قلت له: الكبائر أعظم الذنوب ؟ قال: فقال: نعم، قلت: هي أعظم من ترك الصلاة ؟ قال: إذا ترك الصلاة تركا ليس من أمره كان داخلا في واحدة من السبعة (6).


(1) القلم: 13. (2) معاني الاخبار ص 149، والمستهتر - بالفتح على بناء المفعول يقال: استهتر الرجل بكذا - على ما لم يسم فاعله - صار مستهترا به أي مولعا به لا يتحدث بغيره ولا يفعل غيره، وفي اللسان: يقال " استهتر فلان فهو مستهتر: إذا كان كثير الاباطيل، وفي نسخة الكمباني " المستهزئ بكفره ". (3) بصائر الدرجات ص 536. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 34، والاية في سورة البقرة: 34. (5) المائدة: 5. (6) تفسير العياشي ج 1 ص 296. [*]

[98]

16 - شى: عن أبان بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أدنى ما يخرج به الرجل من الاسلام أن يرى الرأي بخلاف الحق فيقيم عليه، قال: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله " وقال: الذي يكفر بالايمان: الذي لا يعمل بما أمر الله به ولا يرضى به (1). 17 - شى: عن محمد بن مسلم، عن أحدهما في قول الله: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله " قال: هو ترك العمل حتى يدعه أجمع قال: منه الذي يدع الصلاة متعمدا لا من شغل ولا من سكر يعني النوم (2). 18 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن تفسير هذه الاية " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله " [فقال:] يعني بولاية علي عليه السلام " وهو في الاخرة من الخاسرين " (3). 19 - شى: عن هارون بن خارجة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله " قال: فقال: من ذلك ما اشتق فيه (4). 20 - شى: عن زرارة قال: كتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام مع بعض أصحابنا فيما يروي الناس عن النبي عليه وآله السلام: إنه من أشرك بالله فقد وجبت له النار، ومن لم يشرك بالله فقد وجبت له الجنة، قال: أما من أشرك بالله فهذا الشرك المبين، وهو قول الله: " ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة " (5) وأما قوله: من لم يشرك بالله فقد وجبت له الجنة قال أبو عبد الله عليه السلام: ههنا النظر، هو من لم يعص الله (6). 21 - شى: عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (7) قال: من ذلك قول الرجل: لا وحياتك (8).


(1 - 4) تفسير العياشي ج 1 ص 297. (5) المائدة: 72. (6) تفسير العياشي ج 1 ص 335. (7) يوسف: 106. (8) تفسير العياشي ج 2 ص 199. [*]

[99]

22 - شى: عن يعقوب بن شعيب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " قال: كانوا يقولون: نمطر بنوء كذا وبنوء كذا (1) ومنها أنهم كانوا يأتون الكهان فيصدقونهم فيما يقولون (2). 23 - شى: عن محمد بن الفضيل، عن الرضا عليه السلام قال: شرك لا يبلغ به الكفر (3). 24 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: شرك طاعة قول الرجل لا والله وفلان، ولولا الله وفلان، والمعصية منه (4). 25 - شى: عن أبي بصير، عن أبي إسحاق قال: هو قول الرجل: لولا الله وأنت ما صرف عني كذا وكذا وأشباه ذلك (5). 26 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: شرك طاعة وليس بشرك عبادة، والمعاصي التي يركبون مما أوجب الله عليها النار شرك طاعة أطاعوا الشيطان وأشركوا بالله في طاعته، ولم يكن بشرك عبادة فيعبدون مع الله غيره (6). 27 - شى: عن مالك بن عطية، عن أبي عبد الله في قوله: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " قال: هو قول الرجل لولا فلان لهلكت، ولولا


(1) النوء بالفتح: النجم إذا مال للغروب وأصل النوء سقوط نجم بالغد في المغرب وطلوع نجم بحياله من ساعته في المشرق في كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوما وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة ما خلا الجبهة، فان لها أربعة عشر يوما. وانما يكون ذلك لنجوم الاخذ وهي منازل القمر وهي ثمانية وعشرون نجما، فلكل نجم رقيب، هذا هو الاصل، ثم سموا كل نجم منها باسم فعله، فقالوا: استقينا بنوء كذا واستمطرنا به قال أبو عبيد: ولم نسمع في النوء أنه السقوط الا في هذه المواضع، وكانت العرب تضيف الامطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقال الاصمعي: إلى الطالع منها في سلطانه فيقولون مطرنا بنوء كذا. راجع الصحاح ص 79، وسيأتي في ج 58 من البحار من هذه الطبعة ص 312 - 346 بحث في ذلك. (2 - 6) تفسير العياشي ج 2 ص 199. [*]

[100]

فلان لاصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي، ألا ترى أنه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه ؟ قال: فيقول: لولا أن الله من علي بفلان لهلكت، قال: نعم لا بأس بهذا (1). 28 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالوا: سألناهما فقالا: شرك النعم (2). 29 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: شرك طاعة ليس شرك عبادة في المعاصي التي يرتكبون، فهي شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشركوا بالله في الطاعة غيره، وليس باشراك عبادة أن يعبدوا غير الله (3). 30 - تفسير النعماني: بالاسناد الاتي في كتاب فضل القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: وأما الكفر المذكور في كتاب الله تعالى فخمسة وجوه منها كفر الجحود، ومنها كفر فقط، والجحود ينقسم على وجهين، ومنها كفر الترك لما أمر الله تعالى به، ومنها كفر البراءة، ومنها كفر النعم. فأما كفر الجحود فأحد الوجهين منه جحود الواحدانية، وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور وهؤلاء صنف من الزنادقة وصنف من الدهرية الذين يقولون: " ما يهلكنا إلا الدهر " وذلك رأي وضعوه لانفسهم استحسنوه بغير حجة فقال الله تعالى: " إن هم إلا يظنون " (4) وقال: " إن الذين كفروا سواء عليهمء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) (5) أي لا يؤمنون بتوحيد الله. والوجه الاخر من الجحود هو الجحود مع المعرفة بحقيقته قال تعالى: " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " (6) وقال سبحانه: " وكانوا من


(1 - 3) تفسير العياشي ج 2 ص 200. (4) البقرة: 78. (5) البقرة: 6. (6) النمل: 14. [*]

[101]

قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " (1) أي جحدوه بعد أن عرفوه. وأما الوجه الثالث من الكفر فهو كفر الترك لما أمر الله به وهو من المعاصي قال الله سبحانه: " وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون إلى قوله: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " (2) فكانوا كفارا لتركهم ما أمر الله تعالى به، فنسبهم إلى الايمان باقرارهم بألسنتهم على الظاهر دون الباطن، فلم ينفعهم ذلك لقوله تعالى: " فما جزاء من يفعل ذلك منهم إلا خزي في الحيوة الدنيا " إلى آخر الاية. وأما الوجه الرابع من الكفر فهو ما حكاه تعالى عن قول إبراهيم عليه السلام: " كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده " (3) فقوله: " كفرنا بكم ": أي تبرأنا منكم، وقال سبحانه في قصة إبليس وتبريه من أوليائه من الانس إلى يوم القيامة: " إني كفرت بما أشركتمون من قبل " (4) أي تبرأت منكم وقوله تعالى: " إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحيوة الدنيا " إلى قوله: " ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " (5) الاية. وأما الوجه الخامس من الكفر وهو كفر النعم قال الله تعالى عن قول سليمان عليه السلام: (هذا من فضل ربي ليبلوني أءشكر أم أكفر) (6) الاية وقوله عزوجل: " لئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) (7) وقال تعالى: " فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون " (8).


(1) البقرة: 89. (2) البقرة: 85 - 84. (3) الممتحنة: 4. (4) ابراهيم: 22. (5) العنكبوت: 25. (6) النمل: 40. (7) ابراهيم: 7. (8) البقرة: 152. [*]

[102]

فأما ما جاء من ذكر الشرك في كتاب الله تعالى فمن أربعة أوجه قوله تعالى: " لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأويه النار وما للظالمين من أنصار " (1) فهذا شرك القول والوصف. وأما الوجه الثاني من الشرك فهو شرك الاعمال قال الله تعالى: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (2) وقوله سبحانه: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " (3) ألا إنهم لم يصوموا لهم ولم يصلوا ولكنهم أمروهم ونهوهم فأطاعوهم، وقد حرموا عليهم حلالا وأحلوا لهم حراما فعبدوهم من حيث لا يعلمون، فهذا شرك الاعمال والطاعات. وأما الوجه الثالث من الشرك فهو شرك الزنا قال الله تعالى: " وشاركهم في الاموال والاولاد " (4) فمن أطاع ناطقا فقد عبده، فان كان الناطق ينطق عن الله تعالى، فقد عبد الله، وإن كان ينطق عن غير الله تعالى فقد عبد غير الله. وأما الوجه الرابع من الشرك فهو شرك الريا قال الله تعالى: " فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (5) فهؤلاء صاموا وصلوا واستعملوا أنفسهم بأعمال أهل الخير إلا أنهم يريدون به رئاء الناس فأشركوا لما أتوه من الرياء، فهذه جملة وجوه الشرك في كتاب الله تعالى. وأما ما ذكر من الظلم في كتابه فوجوه شتى فمنها ما حكاه الله تعالى عن قول لقمان لابنه: " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " (6) ومن الظلم مظالم الناس فيما بينهم من معاملات الدنيا وهو شتى قال الله تعالى: " ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون


(1) المائدة: 72. (2) يوسف: 106. (3) براءة: 31. (4) أسرى: 64. (5) الكهف: 110. (6) لقمان: 13. [*]

[103]

عذاب الهون بما كنتم تقولون) (1) الاية. فأما الرد على من أنكر زيادة الكفر فمن ذلك قول الله عزوجل في كتابه: " إنما النسئ زيادة في الكفر " (2) وقوله تعالى: " وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " (3) وقوله: " إن الذين آمنوا ثم كفروا [ثم آمنوا ثم كفروا] ثم ازدادوا كفرا " (4) الاية وغير ذلك في كتاب الله. 31 - مشكوة الانوار: نقلا من المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال في قول الله تبارك وتعالى: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (5) قال: يطيع الشيطان من حيث يشرك. 32 - كتاب الامامة والتبصرة: عن سهل بن أحمد، عن محمد بن محمد بن الاشعث، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الريب كفر.


(1) الانعام: 93. (2) براءة: 37. (3) براءة: 125. (4) النساء: 137. (5) يوسف: 106. [*]

[104]

(99) * (باب) * * " (اصول الكفر وأركانه) " * 1 - كا: الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن بكر بن محمد، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد فأما الحرص فان آدم عليه السلام حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها وأما الاستكبار فابليس حين امر بالسجود لادم استكبر، وأما الحسد فابنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه (1). بيان: كأن المراد باصول الكفر ما يصير سببا للكفر أحيانا لا دائما وللكفر أيضا معان كثيرة منها ما يتحقق بانكار الرب سبحانه والالحاد في صفاته ومنها ما يتضمن إنكار أنبيائه وحججه، أو ما أتوا به من امور المعاد وأمثالها ومنها ما يتحقق بمعصية الله ورسوله، ومنها ما يكون بكفران نعم الله تعالى إلى أن ينتهي إلى ترك الاولى. فالحرص يمكن أن يصير داعيا إلى ترك الاولى أو ارتكاب صغيرة أو كبيرة حتى ينتهي إلى جحود يوجب الشرك والخلود، فما في آدم عليه السلام كان من الاول ثم تكامل في أولاده حتى انتهى إلى الاخير، فصح أنه أصل الكفر وكذا ساير الصفات. وقيل: قد كان إباء إبليس من السجود عن حسد واستكبار، وإنما خص الاستكبار بالذكر لانه تمسك به حيث قال: " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " (2) أو لان الاستكبار أقبح من الحسد انتهى. وقوله: " فأما الحرص " فهو مبتدأ وقوله: " فان " إلى قوله " أكل منها "


(1) الكافي ج 2 ص 289. (2) الاعراف: 12، ص 76. [*]

[105]

خبر والعائد تكرار المبتدأ وضعا للظاهر موضع المضمر، مثل " الحاقة ما الحاقة " وقوله: " فابليس " بتقدير فمعصية إبليس، وكذا قوله: " فابنا آدم " بتقدير فمعصية ابني آدم أي معصية أحدهما كما قيل. 2 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسخط والغضب (1). بيان: أركان الكفر قريب من اصوله، ولعل المراد بالرغبة الرغبة في الدنيا والحرص عليها أو اتباع الشهوات النفسانية، وبالرهبة الخوف من فوات الدنيا واعتباراتها بمتابعة الحق، أو الخوف من القتل عند الجهاد، ومن الفقر عند أداء الزكاة، ومن لوم اللائمين عند ارتكاب الطاعات، وإجراء الاحكام. وقيل: الخوف من فوات الدنيا والهم من زوالها، وهو يوجب صرف العمر في حفظها والمنع من أداء حقوقها، وبالسخط عدم الرضا بقضاء الله وانقباض النفس في أحكامه وعدم الرضا بقسمه، وبالغضب ثوران النفس نحو الانتقام عند مشاهدة ما لا يلائمها من المكاره والالام. 3 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن نوح بن شعيب عن عبيدالله الدهقان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول ما عصي الله عزوجل به ست: حب الدنيا، وحب الرياسة، وحب الطعام، وحب النوم، وحب الراحة، وحب النساء (2). بيان: حب الدنيا أي مال الدنيا، والبقاء للذاتها وما لوفاتها لا للطاعة، وحب الرياسة بالجور والظلم والباطل أو في نفسها لا لاجراء أوامر الله وهداية عباده والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحب الطعام لمحض اللذة لا لقوة الطاعة، أو الافراط في حبه بحيث لا يبالي من حلال حصل أو من حرام وكذا حب النوم أي الافراط فيه بحيث يصير مانعا عن الطاعات الواجبة أو المندوبة، أو


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 289. [*]

[106]

في نفسه لا للتقوي على الطاعة، وكذا حب الاستراحة على الوجهين، وكذا حب النساء أي الافراط فيه بحيث ينتهي إلى ارتكاب الحرام أو ترك السنن والاشتغال عن ذكر الله بسبب كثرة معاشرتهن أو ما يوجب اطاعتهن في الباطل وإلا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اخترت من دنياكم الطيب والنساء. 4 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه السلام أن رجلا من خثعم (1) جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: أي الاعمال أبغض إلى الله عزوجل ؟ فقال: الشرك بالله، قال: ثم ماذا ؟ قال: قطيعة الرحم قال: ثم ماذا ؟ قال: الامر بالمنكر والنهي عن المعروف (2). بيان: المنكر ما حرمه الله أو ما علم بالشرع أو العقل قبحه، ويحتمل شموله للمكروه أيضا. وقال الشهيد الثاني قدس سره: المنكر المعصية قولا أو فعلا، وقال أيضا: هو الفعل القبيح الذي عرف فاعله قبحه أو دل عليه، والمعروف ما عرف حسنه عقلا أو شرعا، وقال الشهيد الثاني رحمه الله: هو الطاعة قولا أو فعلا وقال رحمه الله: يمكن بتكلف دخول المندوب في المعروف. 5 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حسن بن عطية عن يزيد الصائغ قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل على هذا الامر إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن ائتمن خان، ما منزلته ؟ قال: هي أدنى المنازل من الكفر وليس بكافر (3).


(1) خثعم بن أنمار: قبيلة من القحطانية تنتسب إلى خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وقال الجوهري في الصحاح ج 5 ص 1909 خثعم أبو قبيلة وهو خثعم بن أنمار ويقال لهم: من معد، وصاروا باليمن وقال النووي في تهذيب الاسماء واللغات ص 289، قيل: خثعم جبل سميت به لنزولها اياه وتعاقدها عليه، وقيل غير ذلك. راجع معجم قبائل العرب ج 1 ص 331. (2) الكافي ج 2 ص 289 و 290. (3) الكافي ج 2 ص 290. [*]

[107]

بيان: " على هذا الامر " صفة رجل، وجملة " إن حدث " خبر " أدنى المنازل " أي أقربها من الكفر أي الذي يوجب الخلود في النار " وليس بكافر " بهذا المعنى وان كان كافرا ببعض المعاني، ويشعر بكون خلف الوعد معصية بل كبيرة، والمشهور استحباب الوفاء به. 6 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من علامة الشقا جمود العين، وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الدنيا، والاصرار على الذنب (1). بيان: الشقا والشقوة والشقاوة سوء العاقبة بالعقاب في الاخرة ضد السعادة وهي حسن العاقبة باستحقاق دخول الجنة، وجمود العين كناية عن بخلها بالدموع وهو من توابع قسوة القلب، وهي غلظته وشدته وعدم تأثره من الوعيد بالعقاب والمواعظ، قال الله تعالى: " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله " (2) وكون تلك الامور من علامة الشقا ظاهر. وفيه تحريص على ترك تلك الخصال، وطلب أضدادها بكثرة ذكر الله، وذكر عقوباته على المعاصي، والتفكر في فناء الدنيا وعدم بقاء لذاتها، وفي عظمة الامور الاخروية ومثوباتها وعقوباتها وأمثال ذلك. 7 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن داود بن النعمان عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس فقال: ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا: بلى يارسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: الذي يمنع رفده، ويضرب عبده، ويتزود وحده، فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا ثم قال: ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك ؟ قالوا: بلى يارسول الله قال: الذي لا يرجى خيره ولا يؤمن شره. فظنوا أن الله لم يخلق خلقا هو شر من هذا ثم قال: ألا أخبركم بمن هو شر من ذلك ؟ قالوا: بلى يارسول الله قال: المتفحش اللعان الذي إذا ذكر عنده المؤمنون لعنهم وإذا ذكروه


(1) الكافي ج 2 ص 290. (2) الزمر: 22. [*]

[108]

لعنوه (1). بيان: (الذي يمنع رفده) الرفد بالكسر العطاء والصلة وهو اسم من رفده رفدا من باب ضرب: أعطاه وأعانه، والظاهر أنه أعم من منع الحقوق الواجبة والمستحبة (ويضرب عبده) أي دائما أو في أكثر الاوقات أو من غير ذنب أو زائدا على القدر المقرر أو مطلقا، فان العفو من أحسن الخصال " ويتزود وحده " أي يأكل زاده وحده، من غير رفيق مع الامكان، أو أنه لا يعطي من زاده غيره شيئا من عياله وغيرهم، وقيل: أي لا يأخذ نصيب غيره عند أخذ العطا وهو بعيد. ثم اعلم أنه لا يلزم حمل هذه الخصال على الامور المحرمة، فانه يمكن أن يكون الغرض عد مساوي الاخلاق لا المعاصي. والتفحش المبالغة في الفحش وسوء القول، واللعان المبالغة في اللعن وهو من الله الطرد والابعاد من الرحمة، ومن الخلق السب والدعاء على الغير وقريب منه ما في النهاية. 8 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن بعض أصحابنا، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث من كن فيه كان منافقا وان صام وصلى وزعم أنه مسلم، من إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، إن الله عزوجل قال في كتابه: " ان الله لا يحب الخائنين " (2) وقال: " أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين " (3) وفي قوله عزوجل: " واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا " (4). بيان: اعلم أنه كما يطلق المؤمن والمسلم على معان كما عرفت، فكذلك


(1) الكافي ج 2 ص 290. (2) الانفال: 58. (3) النور: 7. (4) الكافي ج 2 ص 290، والاية في مريم: 54. [*]

[109]

يطلق المنافق على معان منها أن يظهر الاسلام ويبطن الكفر، وهو المعنى المشهور ومنها الرياء، ومنها أن يظهر الحب ويكون في الباطن عدوا، أو يظهر الصلاح ويكون في الباطن فاسقا، وقد يطلق على من يدعي الايمان ولم يعمل بمقتضاه ولم يتصف بالصفات التي ينبغي أن يكون المؤمن عليها فكان باطنه مخالفا لظاهره وكأنه المراد هنا وسيأتي معاني النفاق في بابه إنشاء الله تعالى والمراد بالمسلم هنا المؤمن الكامل المسلم لاوامر الله ونواهيه، ولذا عبر بلفظ الزعم المشعر بأنه غير صادق في دعوى الاسلام. " من إذا ائتمن " أي على مال أو عرض أو سر " خان " صاحبه وقيل: المراد به من أصر على الخيانة كما يدل عليه قوله تعالى: " ان الله لا يحب الخائنين " حيث لم يقل إن الله لا يحب الخيانة ويدل على أنه كبيرة لا يقبل معها عمل، والا كان محبوبا في الجملة. وأما الاستدلال بآية اللعان فلانه علق اللعنة بمطلق الكذب وان كان مورده الكذب في القذف، ولو لم يكن مستحقا للعن لم يأمره الله بهذا القول وأما قوله عليه السلام: " وفي قوله عزوجل " فلعله عليه السلام إنما غير الاسلوب لعدم صراحة الاية في ذمه، بل إنما يدل على مدح ضده وبتوسطه يشعر بقبحه، وإنما لم يذكر عليه السلام الاية التي هي أدل على ذلك حيث قال: " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون " (1) وسيأتي الاستدلال به في خبر آخر، إما لظهوره واشتهاره أو لاحتمال معنى آخر كما سيأتي وقيل: كلمة " في " في " في قوله " بمعنى " مع " أي قال في سورة الصف ما هو مشهور في ذلك مع قوله في سورة مريم: " واذكر " لدلالته على مدح ضده. 9 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا اخبركم بأبعدكم مني شبها ؟


(1) الصف: 2 و 3. [*]

[110]

قالوا: بلى يارسول الله قال: الفاحش المتفحش البذي البخيل المختال الحقود الحسود القاسي القلب البعيد من كل خير يرجى غير المأمون من كل شر يتقى (1). بيان: الفحش القول السيئ والكلام الردي وكل شئ جاوز الحد فهو فاحش ومنه غبن فاحش والتفحش كذلك مع زيادة تكلف وتصنع، وقيل: المراد بالمتفحش الذي يقبل الفحش من غيره، فالفاحش المتفحش الذي لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، والاول أظهر وبعد من كان كذلك من مشابهة الرسول صلى الله عليه وآله ظاهر لانه صلى الله عليه وآله كان في غاية الحياء، وكان يحترز عن الفحش في القول حتى أنه كان يعبر عن الوقاع والبول والتغوط بالكنايات، بل بأبعدها، تأسيا بالرب سبحانه في القرآن. قال في النهاية فيه إن الله يبغض الفاحش المتفحش: الفاحش ذو الفحش في كلامه وفعاله والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده، وقد تكرر ذكر الفاحش والفاحشة والفواحش في الحديث وهو كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي وكثيرا ما ترد الفاحشة بمعنى الزنا وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الاقوال والافعال وقال: البذاء بالمد الفحش في القول. وفلان بذي اللسان. وفي المصباح بذا على القوم يبذ وبذاء بالفتح والمد سفه وأفحش في منطقه وإن كان كلامه صدقا فهو بذي على فعيل، وفي النهاية فيه من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه: الخيلاء بالضم والكسر الكبر والعجب، يقال اختال فهو مختال، وفيه خيلاء ومخيلة، أي كبر وتقييد الخبر والشر بكونه مرجوا أو يتقى منه إما للتوضيح أو للاحتراز والاول كأنه أظهر. 10 - كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن منصور بن العباس، عن علي بن أسباط رفعه إلى سلمان قال: إذا أراد الله عزوجل هلاك عبد نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا خائنا مخونا، فان كان خائنا مخونا نزع منه الامانة، فإذا نزعت منه الامانة لم تلقه إلا فظا غليظا، فإذا كان فظا غليظا


(1) الكافي ج 2 ص 291. [*]

[111]

نزعت منه ربقة الايمان، فإذا نزعت منه ربقة الايمان، لم تلقه إلا شيطانا ملعونا (1). بيان: " إذا أراد الله هلاك عبد " لعله كناية عن علمه سبحانه بسوء سريرته وعدم استحقاقه اللطف " نزع منه الحياء " أي سلب التوفيق منه حتى يخلع لباس الحياء وهو خلق يمنع من القبايح والتقصير في حقوق الخلق والخالق، " فإذا نزع منه الحياء " المانع من ارتكاب القبايح " لم تلقه إلا خائنا مخونا " وقد مر معنى الخائن وذمه. وأما المخون فيحتمل أن يكون بفتح الميم وضم الخاء أي يخونه الناس فذمه باعتبار أنه السبب فيه، أو المراد أنه يخون نفسه أيضا ويجعله مستحقا للعقاب فهو خائن لغيره ولنفسه، وبهذا الاعتبار مخون، ففي كل خيانة خيانتان أو يكون بضم الميم وفتح الخاء وفتح الواو المشددة منسوبا إلى الخيانة مشهورا به، أو بكسر الواو المشددة أي ينسب الناس إلى الخيانة مع كونه خائنا. في القاموس: الخون أن يؤتمن الانسان فلا ينصح، خانه خونا وخيانة واختانه فهو خائن وقد خانه العهد والامانة وخونه تخوينا نسبه إلى الخيانة ونقضه " نزعت منه الامانة " لانها ضد الخيانة. فان قيل: كان هذا معلوما لا يحتاج إلى البيان، قلت: يحتمل أن يكون المراد أنه إذا لم يبال من الخيانة يصير بالاخرة إلى أنه يسلب منه الامانة بالكلية أو المعنى أنه يصير بحيث لا يأتمنه الناس على شئ. " لم تلقه إلا فظا غليظا " في القاموس الفظ الغليظ السيئ الخلق القاسي الخشن الكلام انتهى. والغلظة ضد الرقة، والمراد هنا قساوة القلب وغلظته، كما قال تعالى: " ولو كنت فظا غليظ القلب " (2) وتفرع هذا على نزع الامانة ظاهر لان الخائن لا سيما من يعلمه الناس كذلك لابد من أن يعارض الناس ويجادلهم فيصير


(1) الكافي ج 2 ص 291. (2) آل عمران: 159. [*]

[112]

سيئ الخلق الخشن ولا يرحم الناس لذهابه بحقهم فيقسو قلبه وأيضا إصراره على ذلك دليل على عدم تأثير المواعظ في قلبه، فإذا كان كذلك نزع منه ربقة الايمان لسلب أكثر لوازمه وصفاته عنه كما مر في صفات المؤمن، والمراد كمال الايمان أو أحد المعاني التي مضت منه، ولا أقل أنه ينزع منه الحياء، وهو رأس الايمان " لم تلقه إلا شيطانا " أي شبيها به في الصفات أو بعيدا من الله وهدايته وتوفيقه " ملعونا " يلعنه الله والملائكة والناس أو بعيدا من رحمة الله تعالى. 11 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن زياد الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث ملعونات: ملعون من فعلهن: المتغوط في ظل النزال، والمانع الماء المنتاب، والساد الطريق المقربة (1). بيان: " ثلاث " مبتدأ وقد يجوز كون المبتدأ نكرة محضة لاسيما في العدد " وملعون من فعلهن " استيناف بياني والمعنى أن اللعن لا يتعلق بالعمل حقيقة بل بفاعله وقرء بعض الافاضل باضافة ثلاث إلى ملعونات، فالجملة خبر، وقوله " المتغوط " خبر مبتدأ محذوف بتقدير مضاف أيضا والتقدير: هن صفة المتغوط والضمير لثلاث، ويمكن عدم تقدير المضاف فالتقدير: هو المتغوط، والضمير لمن فعلهن. وفي المصباح الغائط: المطمئن الواسع من الارض ثم اطلق الغائط على الخارج المستقذر من الانسان كراهة لتسميته باسمه الخاص لانهم كانوا يقضون حوائجهم في المواضع المطمئنة فهو من مجاز المجاورة ثم توسعوا فيه حتى اشتقوا منه وقالوا تغوط الانسان انتهى. وكأن نسبة اللعن إلى الفعل مجاز في الاسناد أو كناية عن قبحه ونهي الشارع عنه. والمراد بظل النزال تحت سقف أو شجرة ينزلها المسافرون، وقد يعم بحيث يشمل المواضع المعدة لنزولهم وإن لم يكن فيه ظل لاشتراك العلة أو بحمله على


(1) الكافي ج 2 ص 292، وفيه " الطريق المعربة ". [*]

[113]

الاعم والتعبير بالظل لكونه غالبا كذلك، والظاهر اختصاص الحكم بالغائط لكونه أشد ضررا وربما يعم ليشمل البول والمشهور بين الاصحاب كراهة ذلك وظاهر الخبر التحريم، إذ فاعل المكروه لا يستحق اللعن، وقد يقال: اللعن البعد من رحمة الله وهو يحصل بفعل المكروه أيضا في الجملة. ولا يبعد القول بالحرمة إن لم يكن إجماع على خلافه للضرر العظيم فيه على المسلمين، لاسيما إذا كان وقفا فانه تصرف مناف لغرض الواقف ومصلحة الوقف، ولا يبعد القول بهذا التفصيل أيضا، ويمكن حمل الخبر على أن الناس يلعنونه ويشتمونه، لكن يقل فائدة الخبر إلا أن يقال: الغرض بيان علة النهي عن الفعل. قال في النهاية: فيه اتقوا الملاعن الثلاث هي جمع ملعنة، وهي الفعلة التي يلعن بها فاعلها كأنها مظنة للعن ومحصل له، وهو أن يتغوط الانسان على قارعة الطريق أو ظل الشجرة أو جانب النهر فإذا مر بها الناس لعنوا فاعلها ومنه الحديث اتقوا اللاعنين أي الامرين الجالبين للعن الباعثين للناس عليه، فانه سبب للعن من فعله في هذه المواضع، وليس كل ظل، وإنما هو الظل الذي يستظل به الناس ويتخذونه مقيلا ومناخا وأصل اللعن الطرد والابعاد من الله تعالى، ومن الخلق السب والدعاء انتهى. " والمانع الماء المنتاب " الماء مفعول أول للمانع إما مجرور بالاضافة من باب الضارب الرجل أو منصوب على المفعولية، والمنتاب اسم فاعل بمعنى صاحب النوبة، فهو مفعول ثان، وهو من الانتياب افتعال من النوبة ويحتمل أن يكون اسم مفعول صفة للماء من انتاب فلان القوم أي أتاهم مرة بعد أخرى. والماء المنتاب هو الماء الذي يرد عليه الناس متناوبة ومتبادلة لعدم اختصاصه بأحدهم كالماء المملوك المشترك بين جماعة، فلعن المانع لاحدهم في نوبته والماء المباح الذي ليس ملكا لاحدهم كالغدران والابار في البوادي فإذا ورد عليه الواردون كانوا فيه سواء فيحرم لاحدهم منع الغير من التصرف فيه، على قدر الحاجة، لان في المنع

[114]

تعريض مسلم للتلف فلو منع حل قتاله قال الجوهري: انتابه انتيابا أتاه مرة بعد اخرى، وفي النهايه نابه ينوبه نوبا وانتابه إذا قصده مرة بعد أخرى، ومنه حديث الدعا: يا أرحم من انتابه المسترحمون، وفي حديث صلاة الجمعة كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم. " والساد الطريق المعربة " بالعين المهملة على بناء المفعول أي الواضحة التي ظهر فيها أثر الاستطراق، في النهاية: الاعراب الابانة والافصاح، وفي أكثر النسخ المقربة بالقاف، فيمكن أن يكون بكسر الراء المشددة أي الطريق المقربة إلى المطلوب: بأن يكون هناك طريق آخر أبعد منه، فان لم يكن طريق آخر فبطريق أولى. وهذه النسخة موافقة لروايات العامة لكنهم فسروه على وجه آخر قال في النهاية: فيه من غير المطربة والمقربة فعليه لعنة الله المطربة واحدة المطارب وهي طرق صغار تنفذ إلى الطرق الكبار، وقيل: هي الطرق الضيقة المتفرقة يقال: طربت عن الطريق أي عدلت عنه، والمقربة طريق صغير ينفذ إلى طريق كبير وجمعها المقارب وقيل: هو من القرب وهو السير [بالليل وقيل: السير] إلى الماء، ومنه الحديث ثلاث لعينات: رجل عور طريق المقربة، وقال في القاموس: المقرب والمقربة الطريق المختصر وقال: القرب بالتحريك سير الليل لورد الغد، والبئر القريبة الماء وطلب الماء ليلا وفي الفائق: المقربة المنزل أصلها من القرب وهو السير إلى الماء. 12 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث ملعونات من فعلهن: المتغوط في ظل النزال، والمانع للماء المنتاب، والساد الطريق المسلوك (1). بيان: تذكير ضمير الطريق هنا وتأنيثه في ما تقدم باعتبار أن الطريق يذكر ويؤنث. 13 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه


(1) الكافي ج 2 ص 292. [*]

[115]

جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي حمزة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا اخبركم بشرار رجالكم ؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: إن من شرار رجالكم البهات الجرئ الفحاش، الاكل وحده، والمانع رفده، والضارب عبده، والملجئ عياله إلى غيره (1). بيان: البهات مبالغة من البهتان، وهو أن يقول في الناس ما ليس فيهم قال الجوهري: بهته بهتا أخذه بغتة، قال الله تعالى: " بل تأتيهم بغتة فتبهتهم " (2). وتقول أيضا: بهته بهتا وبهتا وبهتانا فهو بهات أي قال عليه ما لم يفعله فهو مبهوت انتهى (3) والجري بالياء المشددة وبالهمزة أيضا على فعيل، وهو المقدام على القبيح من غير توقف والاسم الجرأة والفحاش ذوا الفحش وهو كلما يشتد قبحه من الاقوال والافعال وكثيرا ما يراد به الزنا، وقد مر الكلام فيه. " الاكل وحده " أقول: لعل النكتة في ايراد العاطف في الاخيرات وتركها في الاول الاشعار بأن البهت والجرأة والفحش صارت لازمة له كالذاتيات، فصرن كالذات التي اجريت عليها الصفات فناسب إيراد العاطف بين الصفات لتغايرها ويحتمل أن تكون العلة الفصل بالمعمول أي وحده ورفده وعبده بين الفقرات الاخيرة وعدمها في الاول فتأمل، " والمانع رفده " قد مر الكلام فيه وعدم حرمة هذه الخصلة لا ينافي كون المتصف بجميع تلك الصفات من شرار الناس، فانه الظاهر من الخبر، لا كون المتصف بكل منها من شرار الناس، وقيل: يفهم منه ومما سبقه أن ترك المندوبات وما هو خلاف المروة شر، فالمراد بشرار الرجال فاقد الكمال سواء كان فقده موجبا للعقوبة أم لا انتهى " والملجئ عياله إلى غيره " أي لا ينفق عليهم ولا يقوم بحوائجهم. 14 - كا: علي بن إيراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ميسر، عن


(1) الكافي ج 2 ص 292. (2) الانبياء: 40. (3) الصحاح ج 20 ص 244. [*]

[116]

أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمسة لعنتهم - وكل نبي مجاب - الزائد في كتاب الله، والتارك لسنتي، والمكذب بقدر الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمستأثر بالفئ المستحل له (1). بيان: (كل نبي مجاب) أقول: يحتمل أن يكون عطفا على فاعل لعنتهم وترك التأكيد بالمنفصل للفصل بالضمير المنصوب، مع أنه قد جوزه الكوفيون مطلقا وقيل: (كل) منصوب على أنه مفعول معه، فقوله: مجاب صفة للنبي أي لعنهم كل نبي أجابه قومه أو لابد من أن يجيبه قومه، أو أجاب الله دعوته فالصفة موضحة، ويحتمل أن يكون (كل) مبتدأ (ومجاب) خبرا والجملة حالية أي والحال أن كل نبي مستجاب الدعوة، فلعني يؤثر فيهم لا محالة ويحتمل العطف أيضا. ويؤيد الاول ما في مجالس الصدوق وغيره من الكتب ولعنهم كل نبي. " والتارك لسنتي " أي مغير طريقته والمبتدع في دينه " والمكذب بقدر الله " أي المفوضة الذين يقولون: ليس لله في أعمال العباد مدخل أصلا كالمعتزلة وقد مر تحقيقه " والمستحل من عترتي ما حرم الله " المراد بعترته أهل بيته والائمة من ذريته باستحلال قتلهم أو ضربهم أو شتمهم أو إهانتهم أو ترك مودتهم أو غصب حقهم أو عدم القول بامامتهم أو ترك تعظيمهم. " والمستأثر بالفئ المستحل له " في النهاية: الاستيثار الانفراد بالشئ وقال: الفئ ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد انتهى. وأقول: الفئ يطلق على الغنيمة والخمس والانفال وكل ذلك يتعلق بالامام كلا أو بعضا كما حقق في محله. 15 - كا: عن علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن عمر بن اذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي


(1) الكافي ج 2 ص 293. [*]

[117]

عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: بني الكفر (1) على أربع دعائم: الفسق، والغلو


(1) هذا الحديث جزء من خطبة خطبها علي عليه الصلاة والسلام في داره أو في القصر وأصحابه مجتمعون حوله، ثم أمر عليه السلام فكتب في كتاب وقرئ على الناس، وقد يقال أن عبد الله بن الكواء سأله صلوات الله عليه عن صفة الاسلام والايمان والكفر والنفاق فخطبها، والخطبة مروية بطرق مختلفة رواها أرباب الجوامع الحديثية صدرها في بيان شرف الاسلام والايمان وخصائصهما وبعده بيان دعائم الايمان والكفر والنفاق وشرح شعب كل واحد منها. فبعضهم رواها مفصلا من أوله إلى آخره في فصل واحد كما تراه في تحف العقول ص 158 - 163 (ط - اسلامية) وهكذا رواها بأجمعها إبراهيم بن محمد الثقفي في كتاب الغارات على ما أخرجه المؤلف العلامة في ج 68 ص 385 من طبعتنا هذه، كما مر فصوله الاخيرة عن خصال الصدوق ص 89 من هذا المجلد. وبعضهم جزءها في فصول متعددة وروى في كل فصل ما يناسب عنوانه كما فعله ثقة الاسلام الكليني في الكافي فروى صدرها في باب صفة الاسلام ج 2 ص 49، وبعده في باب صفة الايمان ص 50 (وقد نقلهما المؤلف العلامة مشروحا في ج 68 في باب واحد الباب 27 باب دعائم الايمان والاسلام). ثم ما بعده في باب دعائم الكفر وشعبه ج 2 ص 391 وآخره في باب صفة النفاق والمنافق ص 393 وقد جمع المؤلف العلامة بينهما في هذا الباب كما تراه وقد أراد أن يشرح فقراتها نقلا عن شرحه على الكافي (مرآت العقول) فعاقه عن ذلك الاجل - رضوان الله عليه -. قال في ج 68 ص 374: أقول: فرق الكليني قدس الله روحه الخبر على أربعة أبواب فجمعنا ما أورده في بابي الاسلام والايمان هنا، وسنورد ما أورده في بابي الكفر والنفاق في بابيهما مع شرح تتمة ما أورده السيد (يعني الرضي في نهج البلاغة) وصاحب التحف وغيرهما (كمجالس المفيد ص 170 ومجالس الشيخ ج 1 ص 35). ولكن كما ترى القارئ الكريم ما يتعلق بباب الكفر والنفاق منقول في هذا الباب تماما من دون شرح فمن أراد شرح ذلك فليراجع مرآت العقول ج 2 ص 379 - 387 ولما كان الشرح طويلا لم ننقله ههنا حذرا من التطويل، وانما ننقل منه ما لا بد منه في فهم المراد والله المستعان. [*]

[118]

والشك والشبهة (1). والفسق على أربع شعب: على الجفاء والعمى والغفلة والعتو، فمن جفا احتقر الحق، ومقت الفقهاء وأصر على الحنث العظيم، ومن عمى نسي الذكر واتبع الظن وبارز خالقه، وألح عليه الشيطان، وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة ولا غفلة (2). ومن غفل جنى على نفسه وانقلب على ظهره وحسب غيه رشدا وغرته الاماني وأخذته الحسرة والندامة إذا قضي الامر وانكشف عنه الغطاء، وبدا له ما لم يكن يحتسب، ومن عتا عن أمر الله شك ومن شك تعالى الله عليه فأذله بسلطانه وصغره بجلاله كما اغتر بربه الكريم وفرط في أمره. والغلو على أربع شعب: على التعمق بالرأي (3) والتنازع فيه والزيغ والشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق ولم يزدد إلا غرقا في الغمرات، ولم


(1) قال الراغب في المفردات ص 433: الكفر ستر الشئ ووصف الليل بالكافر لستره الاشخاص، والزراع لستره البذر في الارض، وليس ذلك باسم لهما وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، قال تعالى: " فلا كفران لسعيه " وأعظم الكفر جحود الوحدانية أو الشريعة أو النبوة والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعا. وقال ابن ميثم في شرح النهج 583: وأما الكفر: فرسمه أنه جحد الصانع أو انكار أحد رسله عليهم السلام أو ما علم مجيئهم به بالضرورة، وله أصل، وهو ما ذكرناه وكمالات ومتممات هي الرذائل الاربع التي جعلها دعائم له. (2) قوله: " ولا غفلة " أي غفلة عن الذنوب وشبهة عرضت له فيها، ويحتمل أن يكون تصحيف: " نقلة " أي انتقال عن الذنوب وتركها. (3) أي التعمق والغور في الامور بالاراء والمقاييس الباطلة يقال تعمق في الامر: اي بالغ في النظر فيه، والمراد به المبالغة المفضية إلى حد الافراط وبعد ظهور الحق كمن وصل في البئر إلى الماء وقضى الوطر، ثم غاص في البئر فغرق - منه ره. [*]

[119]

تنحسر عنه فتنة إلا غشيته اخرى وانخرق دينه فهو يهوي في أمر مريج (1) ومن نازع في الرأي وخاصم شهر بالعثل (2) من طول اللجاج، ومن زاغ قبحت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، ومن شاق أعورت عليه طرقه، واعترض عليه أمره، فضاق مخرجه إذا لم يتبع سبيل المؤمنين. والشك على أربع شعب: على المرية والهوى والتردد والاستسلام، وهو قول الله عزوجل: " فبأي آلاء ربك تتمارى " (3). وفي رواية أخرى: على المرية والهول من الحق والتردد والاستسلام للجهل وأهله فمن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه، ومن امترى في الدين تردد في الريب وسبقه الاولون من المؤمنين، وأدركه الاخرون، ووطئته سنابك الشيطان (4) ومن استسلم لهلكة الدنيا والاخرة، هلك فيما بينهما، ومن نجا من ذلك فمن فضل اليقين، ولم يخلق الله خلقا أقل من اليقين. والشبهة على أربع شعب: إعجاب بالزينة وتسويل النفس وتأول العوج (5)


(1) أي أمر مختلط بالاباطيل المختلفة أو بالحق والباطل. (2) في بعض النسخ بالعين المهملة والثاء المثلثة أي الحمق وقد يقرء بالتاء المثناة ومعناه الاسراع إلى الباطل، وفي أكثر النسخ " بالفشل " وهو الضعف والجبن، قيل: وإنما شهر بالفشل لان خصمه المبطل لا ينقاد للحق، بل لا يزال يجادل بالباطل ليدحض به الحق فيظهر ضعف هذا الحق فيشهر به، منه ره. (3) النجم: 55، والتمارى: المجادلة لاظهار قوة الجدل، وقد يكون الممارى شاكا في نفسه أو يعتقد خلافه، ومعذلك يتمارى مع الخصم ليغلب عليه. (4) السنابك جمع سنبك كقنفذ، وهو طرف الحافر، كناية عن استيلاء الشيطان وجنوده عليه، منه ره. (5) أي تأول الامر المعوج والباطل بما يظن أنه حق ومستقيم، وقيل يعني التأويل الغير المستقيم، منه ره. [*]

[120]

ولبس الحق بالباطل، وذلك بأن الزينة تصدف عن البينة (1) وأن تسويل النفس تقحم على الشهوة وأن العوج يميل بصاحبه ميلا عظيما وأن اللبس ظلمات بعضها فوق بعض، فذلك الكفر ودعائمه وشعبه. وقال: والنفاق على أربع دعائم: على الهوى والهوينا والحفيظة والطمع. فالهوى على أربع شعب: على البغي والعدوان والشهوة والطغيان، فمن بغى كثرت غوائله، ونخلي منه نصر عليه، ومن اعتدى لم يؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه، ولم يملك نفسه عن الشهوات، ومن لم يعذل نفسه في الشهوات خاض في الخبيثات، ومن طغى ظل على العمل بلا حجة (2). والهوينا (3) على أربع شعب: على الغرة والامل والهيبة والمماطلة، وذلك لان الهيبة ترد عن الحق، والمماطلة تفرط في العمل، حتى يقدم عليه الاجل ولولا الامل علم الانسان حسب ما هو فيه ولو علم حسب ما هو فيه مات خفاتا (4) من الهول والوجل، والغرة تقصر بالمرء عن العمل. والحفيظة على أربع شعب: على الكبر والفخر والحمية والعصبية، فمن استكبر أدبر عن الحق ومن فخر فجر، ومن حمي أصر على الذنوب، ومن أخذته العصبية جار، فبئس الامر أمر بين إدبار وفجور، وإصرار وجور على الصراط. والطمع على أربع شعب: الفرح والمرح واللجاجة والتكاثر، فالفرح مكروه عند الله، والمرح خيلاء، واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حمل الاثام


(1) يعني أن زينة الباطل يمنع النظر ويصدفه عن الدليل الذي يبين الحق من الباطل وهذا هو المراد بقوله " اعجاب بالزينة ". (2) في بعض النسخ " على عمد بلا حجة " كما في المصدر المطبوع. (3) الهوينا: التؤدة والرفق، وهي تصغير الهونى والهونى تأنيث الاهون ويجوز أن تكون الهونى فعلى اسما من الهينة أي السكينة والوقار، ولعل المراد هنا السكينة والهوينا التي تراها على الفراعنة والجبارين، وهي المناسبة للغرة والامل والهيبة والمماطلة. (4) اي مات فجاءة. [*]

[121]

والتكاثر لهو ولعب وشغل واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فذلك النفاق ودعائمه وشعبه. والله قاهر فوق عباده، تعالى ذكره وجل وجهه وأحسن كل شئ خلقه وانبسطت يداه، ووسعت كل شئ رحمته، فظهر أمره وأشرق نوره، وفاضت بركته، واستضاءت حكمته، وهيمن كتابه، وفلجت حجته، وخلص دينه، و استظهر سلطانه، وحقت كلمته، وأقسطت موازينه، وبلغت رسله، فجعل السيئة ذنبا والذنب فتنة، والفتنة دنسا، وجعل الحسنى عتبى، والعتبى توبة، والتوبة طهورا. فمن تاب اهتدى، ومن افتتن غوى، ما لم يتب إلى الله ويعترف بذنبه، ولا يهلك على الله إلا هالك. الله الله فما أوسع ما لديه من التوبة والرحمة والبشرى والحلم العظيم، وما أنكل ما عنده من الانكال والجحيم والبطش الشديد، فمن ظفر بطاعته اجتلب كرامته ومن دخل في معصيته ذاق وبال نقمته، وعما قليل ليصبحن نادمين. 16 - ل (1) لى: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن بكر بن محمد الازدي، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد، فأما الحرص فان آدم عليه السلام حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها، وأما الاستكبار فابليس حين امر بالسجود لادم استكبر وأما الحسد فابنا آدم حين قتل أحدهما صاحبه حسدا (2). 17 - لى: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أركان الكفر أربعة: الرغبة والرهبة والسخط والغضب (3). 18 - ل: في ما أوصى به النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام: يا علي كفر بالله العظيم


(1) الخصال ج 1 ص 45. (2) أمالي الصدوق ص 251. (3) المصدر نفسه، وألفاظ هذه الاحاديث هي التي مرت عن الكافي مشروحا فراجع. [*]

[122]

من هذه الامة عشرة: القتات، والساحر، والديوث، وناكح المرأة حراما في دبرها وناكح البهيمة، ومن نكح ذات محرم منه، والساعي في الفتنة، وبايع السلاح من أهل الحرب، ومانع الزكاة، ومن وجد سعة فمات ولم يحج (1). 19 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب وأحمد بن الحسن بن فضال معا، عن ابن أسباط، عن الحسن بن يزيد، عن محمد بن سالم، عن ابن طريف، عن ابن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الكفر على أربع دعائم: على الفسق والعتو (2) والشك والشبهة. والفسق على أربع شعب: على الجفاء والعمى والغفلة والعتو، فمن جفا حقر الحق ومقت الفقهاء وأصر على الحنث العظيم، ومن عمي نسي الذكر واتبع الظن وألح عليه الشيطان، ومن غفل غرته الاماني وأخذته الحسرة إذا انكشف الغطاء وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب، ومن عتا عن أمر الله تعالى الله عليه ثم أذله بسلطانه وصغره بجلاله كما فرط في جنبه وعتا عن أمر ربه الكريم. والعتو (3) على أربع شعب: على التعمق والتنازع والزيغ والشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق، ولم يزدد إلا غرقا في الغمرات، فلم تحتبس منه فتنة إلا غشيته اخرى وانخرق دينه فهو يهيم في أمر مريج، ومن نازع وخاصم قطع بينهم الفشل، وذاقوا وبال أمرهم وسائت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة، ومن سائت عليه الحسنة اعتورت عليه طرقه، واعترض عليه أمره، وضاق عليه مخرجه، وحري أن يرجع من دينه، ويتبع غير سبيل المؤمنين. والشك على أربع شعب: على الهول والريب والتردد والاستسلام " فبأي آلاء ربك تتمارى ": المتمارون، فمن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه ومن تردد في الريب سبقه الاولون وأدركه الاخرون، وقطعته سنابك الشياطين ومن استسلم لهلكة الدنيا والاخرة هلك فيما بينهما، ومن نجا فباليقين. والشبهة على أربع شعب: على الاعجاب بالزينة، وتسويل النفس وتأول العوج


(1) الخصال ج 2 ص 61. (2 و 3) الغلوظ. [*]

[123]

وتلبس الحق بالباطل. وذلك بأن الزينة تزيد على الشبهة وأن تسويل النفس يقحم على الشهوة وأن العوج يميل ميلا عظيما، وأن التلبس ظلمات بعضها فوق بعض فذلك الكفر ودعائمه وشعبه (1). 20 - سر: عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا دين لمن دان بطاعة من يعصي الله، ولا دين لمن دان بفرية باطل على الله، ولا دين لمن دان بجحود شئ من آيات الله. (100) * (باب) * * " الشك في الدين، والوسوسة، وحديث النفس، وانتحال الايمان " * الايات: البقرة: وان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير (2). الانعام: ثم أنتم تمترون (3). الحج: ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين (4). سبا: إنهم كانوا في شك مريب (5). المؤمن: ولقد جائكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (6). السجدة: وإنهم لفي شك منه مريب (7).


(1) الخصال ج 1 ص 111، وقد مر في ص 90 و 91 فيما سبق. (2) البقرة: 284. (3) الانعام: 2. (4) الحج: 11. (5) سبأ: 54. (6) المؤمن: 34. (7) السجدة: 45. [*]

[124]

حمعسق: وإن الذين اورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب (1). الدخان: بل هم في شك يلعبون (2). الحجرات: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا (3). النجم: فبأي آلاء ربك تتمارى (4). 1 - ضا: نروي من شك في الله بعد ما ولد على الفطرة لم يتب أبدا. وأروي أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في كلام له: إن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، وأشد من مرض البدن مرض القلب. وأروي لا ينفع من الشك والجحود عمل. وأروي من شك أو ظن فأقام على إحداهما أحبط عمله. وأروي في قول الله عزوجل: (وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) (5) قال: نزلت في الشكاك. وأروي في قوله: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " (6) قال: الشك، الشاك في الاخرة مثل الشاك في الاولى. نسأل الثبات وحسن اليقين. وأروي أنه سئل عن رجل يقول بالحق ويسرف على نفسه بشرب الخمر ويأتي الكبائر، وعن رجل دونه في اليقين وهو لا يأتي ما يأتيه فقال صلى الله عليه وآله: أحسنهما يقينا كنائم على المحجة إذا انبته ركبها والادون الذي يدخله الشك كالنائم على غير طريق لا يدري إذا انبته أيهما المحجة. 2 - مص: قال الصادق عليه السلام: لا يتمكن الشيطان بالوسوسة من العبد إلا وقد أعرض عن ذكر الله، واستهان بأمره، وسكن إلى نهيه، ونسي اطلاعه على سره. فالوسوسة ما يكون من خارج البدن باشارة معرفة العقل، ومجاورة الطبع


(1) الشورى: 14. (2) الدخان: 9. (3) الحجرات: 15. (4) النجم: 55. (5) الاعراف: 102. (6) الانعام: 82. [*]

[125]

وأما إذا تمكن في القلب فذلك غي وضلالة وكفر، والله عزوجل دعا عباده باللطف دعوة، وعرفهم عداوته، فقال عز من قائل " إن الشيطان لكم عدو مبين " (1) وقال: " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا " (2) الاية. فكن معه كالغريب مع كلب الراعي يفزع إلى صاحبه في صرفه عنه، وكذلك إذا أتاك الشيطان موسوسا ليصدك عن سبيل الحق، وينسيك ذكر الله فاستعذ بربك وربه منه، فانه يؤيد الحق على الباطل، وينصر المظلوم لقوله عزوجل " إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون " (3) ولن تقدر على هذا ومعرفة إتيانه ومذهب وسوسته إلا بدوام المراقبة، والاستقامة على بساط الخدمة وهيبة المطلع، وكثرة الذكر، وأما المهمل لاوقاته فهو صيد الشيطان لا محالة. واعتبر بما فعل بنفسه من الاغراء والاستكبار من حيث غره وأعجبه عمله وعبادته وبصيرته ورأيه، قد أورثه عمله ومعرفته واستدلاله بمعقوله عليه اللعنة إلى الابد، فما ظنك بنصيحته ودعوته غيره، فاعتصم بحبل الله الاوثق، وهو الالتجاء والاضطرار بصحة الافتقار إلى الله في كل نفس، ولا يغرنك تزيينه الطاعات عليك، فانه يفتح لك تسعة وتسعين بابا من الخير ليظفر بك عند تمام المائة فقابله بالخلاف والصد عن سبيله، والمضادة باستهزائه (4). 3 - شى: قال الحسين بن الحكم الواسطي: كتبت إلى بعض الصالحين أشكو الشك فقال: إنما الشك فيما لا يعرف، فإذا جاء اليقين فلا شك يقول الله " وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) (5) نزلت في الشكاك (6).


(1) لفظ الايات " انه لكم عدو مبين ". (2) فاطر: 6. (3) النحل: 99. (4) مصباح الشريعة ص 26. (5) الاعراف: 102. (6) تفسير العياشي ج 2 ص 23. [*]

[126]

شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام " وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم) (1) يقول: شكا إلى شكهم (2). 5 - جا: علي بن أحمد الكاتب، عن محمد بن همام، عن الحميري، عن البرقي عن القاسم، عن جده، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اعلموا أن الله يبغض من خلقه المتلون، فلا تزولوا عن الحق وأهله، فان من استبد بالباطل وأهله هلك، وفاتته الدنيا، وخرج منها [صاغرا] ظ (3). 6 - ب: ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الشك والمعصية في النار، ليسا منا ولا الينا، وإن قلوب المؤمنين لمطوية بالايمان طيا فإذا أراد الله انارة ما فيها فتحها بالوحي فزرع فيها الحكمة زارعها وحاصدها (4). 7 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن علي بن معبد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ في كل يوم من ست: من الشك والشرك والحمية والغضب والبغي والحسد (5). 8 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل الاعمال عند الله عزوجل إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور، وأول من يدخل الجنة شهيد، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، ورجل عفيف متعفف ذو عبادة وأول من يدخل النار أمير متسلط لم يعدل، وذو ثروة من المال لم يعط المال حقه


(1) براءة: 125. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 118. (3) مجالس المفيد ص 88. (4) قرب الاسناد ص 17. (5) الخصال ج 1 ص 160. [*]

[127]

وفقير فخور (1). 9 - لى: أبي، عن علي، عن أبيه، عن صفوان، عن الكناني، عن الصادق عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: الريب كفر (2). 10 - ثو: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن بكر بن محمد الازدي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الشك والمعصية في النار ليسا منا ولا إلينا (3). سن: أبي، عن بكر بن محمد مثله (4). 11 - سن: ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من شك في الله وفي رسوله فهو كافر (5). 12 - سن: علي بن عبد الله، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن القاسم، عن المفضل، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: إن الله عزوجل جعل عليا علما بينه وبين خلقه، ليس بينه وبينهم علم غيره فمن تبعه كان مؤمنا، ومن جحده كان كافرا، ومن شك فيه كان مشركا (6). 13 - ضا: أروي أنه سئل العالم عليه السلام عن حديث النفس فقال: من يطيق ألا تحدث نفسه، وسألت العالم عليه السلام عن الوسوسة إن كثرت، قال: لا شئ فيها يقول: لا إله إلا الله. وأروي أن رجلا قال للعالم: يقع في نفسي أمر عظيم، فقال: قل: لا إله إلا الله، وفي خبر آخر: لا حول ولا قوة إلا بالله.


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 28. (2) أمالي الصدوق ص 292. (3) ثواب الاعمال ص 231. (4) المحاسن ص 249. (5) المحاسن ص 89. (6) المصدر نفسه. [*]

[128]

ونروي أن الله تبارك وتعالى عفا لامتي عن وساوس الصدر ونروي عنه أن الله تجاوز لامتي عما تحدث به أنفسها الا ما كان يعقد عليه. وأروي إذا خطر ببالك في عظمته وجبروته أو بعض صفاته شئ من الاشياء فقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلي أمير المؤمنين، إذا قلت ذلك عدت إلى محض الايمان. وأروي أن الله تبارك وتعالى أسقط عن المؤمن ما لا يعلم، وما لا يعتمد والنسيان، والسهو، والغلط، وما استكره عليه، وما اتقي فيه، وما لا يطيق. 14 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون " (1) قال: هو الشك (2). 15 - كا: عن علي بن إابراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه واخوته كيف هو وبما يثبت وبما يبطل ؟ فقال: إن الايمان قد يتخذ على وجهين أما أحدهما فهو الذي يظهر لك من صاحبك، فإذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به أنت، حقت ولايته واخوته، إلا أن يجئ منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك. فان جاء منه ما تستدل به على نقض الذي ظهر لك، خرج عندك مما وصف لك وظهر، وكان لما أظهر لك ناقضا، إلا أن يدعي أنه إنما عمل ذلك تقية، ومع ذلك ينظر فيه، فان كانت ليس مما يمكن أن يكون التقية في مثله لم يقبل منه ذلك، لان للتقية مواضع من أزالها عن مواضعها لم تستقم له. وتفسير ما يتقي مثل [أن يكون] قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله، فكل شئ يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فانه جائز (3).


(1) الانعام: 125. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 377. (3) الكافي ج 2 ص 168. [*]

[129]

بيان: (وسئل) الواو للحال بتقدير " قد " واثبات الالف في قوله: " بم " في الموضعين مع دخول حرف الجر شاذ وقوله: " فقال " تكرير وتأكيد لقوله: " يقول " قوله: " قد يتخذ " " قد " هنا للتحقيق. وإنما اكتفى بذكر أحد وجهي الايمان مع التصريح بالوجهين وكلمة " أما " التفصيلية المقتضية للتكرار لظهور القسم الاخر من ذكر هذا القسم، والقسم الاخر هو ما يعرف بالصحبة المتأكدة والمعاشرة المتكررة الموجبة للظن القوي بل اليقين، وإن كان نادرا، فان الايمان أمر قلبي لا يظهر للغير إلا بآثاره من القول والعمل المخبرين عنه كما مر تحقيقه، أو القسم الاخر ما كان معلوما بالبرهان القطعي كالحجج عليهم السلام وخواص أصحابهم الذين أخبروا بصحة إيمانهم وكماله كسلمان وأبي ذر والمقداد وأضرابهم رضي الله عنهم. ونظير هذا في ترك معادل " أما " قوله تعالى: " وأنزلنا اليكم نورا مبينا * فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل " (1) إذ ظاهر أن معادله: وأما الذين كفروا بالله ولم يعتصموا به فسيدخلهم جهنم. " حقت " بفتح الحاء وضمها، لانه لازم ومتعد " ولايته " أي محبته " واخوته " أي في الدين " ومع ذلك ينظر فيه " أي فيه تفصيل " فان كان " اسمه الضمير الراجع إلى (ما تستدل به) وجملة " ليس " الخ خبره، و " ذلك " إشارة إلى الدعوى المذكور في ضمن " الا أن يدعي " و " تفسير " مبتدأ و " يتقى " على بناء المجهول بتقدير " يتقى فيه " و " مثل " خبره. و " قوم " مضاف إلى السوء بالفتح و " ظاهر " صفة السوء، وجملة " حكمهم " الخ صفة للقوم، أو ظاهر صفة القوم لكونه بحسب اللفظ مفردا، أي قوم غالبين " وحكمهم " الخ جملة اخرى كما مر، أو " حكمهم " فاعل " ظاهر " أي قوم سوء كون حكمهم وفعلهم على غير الحق ظاهر، أو " ظاهر " مرفوع مضاف إلى " حكمهم " وهو مبتدأ و " على غير " خبره، والجملة صفة القوم.


(1) النساء: 174 و 175. [*]

[130]

وبالجملة يظهر منه أن التقية إنما تكون لدفع ضرر لا لجلب نفع بأن يكون السوء بمعنى الضرر، أو الظاهر بمعنى الغالب، ويشترط فيه عدم التأدي إلى الفساد في الدين، كقتل نبي أو إمام أو اضمحلال الدين بالكلية، كما أن الحسين عليه السلام لم يتق للعلم بأن تقيته يؤدي إلى بطلان الدين بالكلية. فالتقية إنما تكون فيما لم يصر تقيته سببا لفساد الدين وبطلانه، كما أن تقيتنا في غسل الرجلين أو بعض أحكام الصلاة وغيرها لا تصير سببا لخفاء هذا الحكم وذهابه من بين المسلمين، لكن لم أر أحدا صرح بهذا التفصيل، وربما يدخل في هذا التقية في الدماء وفيه خفاء. ويمكن أن يراد بالاداء إلى الفساد في الدين أن يسري إلى العقائد القلبية، أو يعمل التقية في غير موضع التقية. ثم اعلم أنه يستفاد من ظاهر هذا الخبر وجوب المواخاة وأداء الحقوق بمجرد ثبوت التشيع، قيل: وهو على إطلاقه مشكل كيف ولو كان ذلك كذلك للزم الحرج وصعوبة المخرج، إلا أن يخصص التشيع بما ورد من الشروط في أخبار صفات المؤمن وعلاماته. وأقول: يمكن أن يكون الاستثناء الوارد في الخبر بقوله: " إلا أن يجئ منه نقض " شاملا لكبائر المعاصي بل الاعم.

[131]

(101) (باب) * " (كفر المخالفين والنصاب وما يناسب ذلك) " * أقول: قد مضى الاخبار في كتاب الامامة باب أن مبغضهم كافر حلال الدم (1). 1 - فس: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: " ان الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا " (2) قال: فارق القوم والله دينهم (3). 2 - ل: أبي، عن سعد، عن علي بن إسماعيل الاشعري، عن محمد بن سنان، عن أبي مالك الجهني قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ادعى إماما ليست إمامته من الله، ومن جحد إماما إمامته من عند الله عزوجل، ومن زعم أن لهما في الاسلام نصيبا (4). 3 - ع: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لانك لا تجد رجلا يقول: أنا ابغض محمدا وآل محمد ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا (5).


(1) راجع كتاب الامامة الباب 130 باب ذم مبغضيهم وأنه كافر حلال الدم وثواب اللعن على أعدائهم. (2) الانعام: 159. (3) تفسير القمي ص 210. (4) الخصال ج 1 ص 52. (5) علل الشرائع ج 2 ص 289. [*]

[132]

ثو: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري مثله (1). 4 - ع: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي عن علي بن سليمان بن رشيد باسناده رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: يحشر المرجئة عميانا إمامهم أعمى، فيقول بعض من يراهم من غير امتنا: ما تكون امة محمد إلا عميانا، فأقول لهم: ليسوا من امة محمد، لانهم بدلوا فبدل ما بهم وغيروا فغير ما بهم (2). ثو: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري مثله (3). 5 - ع: عن محمد بن عيسى، عن الفضل بن كثير المدايني، عن سعيد بن سعيد البلخي قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: إن لله عزوجل في وقت كل صلاة يصليها هذا الخلق لعنة. قال: قلت: جعلت فداك ولم ذاك ؟ قال: بجحودهم حقنا وتكذيبهم إيانا (4). ثو: أبي، عن سعد، عن محمد بن عيسى مثله (5). 6 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حمزة ومحمد ابني حمران قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام لحمران: التر تر حمران مد المطمر بينك وبين العالم (6) قلت: يا سيدي وما المطمر ؟ فقال: أنتم تسمونه خيط البناء، فمن خالفك على هذا الامر فهو زنديق، فقال حمران: وإن كان علويا


(1) ثواب الاعمال ص 187. (2) علل الشرائع ج 2 ص 289. (3) ثواب الاعمال ص 188. (4) علل الشرائع ج 2 ص 289. (5) ثواب الاعمال ص 188. (6) إنما قال عليه السلام ذلك لحمران بعد ما أقر بالعقائد الحقة وشهده عنده عليه السلام بالامامة والرسالة. [*]

[133]

فاطميا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: وإن كان محمديا علويا فاطميا (1). 7 - مع: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس بينكم وبين من خالفكم إلا المطمر، قلت: وأي شئ المطمر ؟ قال: الذي تسمونه التر، فمن خالفكم وجازه فابرؤا منه، وإن كان علويا فاطميا (2). 8 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن علي بن عبد الله، عن موسى ابن سعيد، عن عبد الله بن القاسم، عن المفضل بن عمر، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام قال: إن الله تبارك وتعالى جعل عليا عليه السلام علما بينه وبين خلقه ليس بينهم وبينه علم غيره، فمن تبعه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا، ومن شك فيه كان مشركا (3). 9 - ثو: عن أبيه، عن سعد. عن البرقي، عن محمد بن حسان، عن محمد بن جعفر، عن أبيه عليه السلام قال: علي عليه السلام باب هدى من خالفه كان كافرا ومن أنكره دخل النار (4). سن: عن محمد بن حسان مثله (5). 10 - ثو: بالاسناد المتقدم عنه عليه السلام قال: نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد السلام يقرئك السلام ويقول: خلقت السماوات السبع وما فيهن والارضين السبع ومن عليهن وما خلقت موضعا أعظم من الركن والمقام، ولو أن عبدا دعاني منذ خلقت السماوات والارض ثم لقيني جاحدا لولاية علي صلوات الله عليه لاكببته في سقر (6).


(1) معاني الاخبار ص 213. (2) المصدر نفسه. (3 - 4) ثواب الاعمال ص 189. (5) المحاسن ص 89. (6) ثواب الاعمال ص 189. [*]

[134]

سن: عن محمد بن حسان مثله (1). 11 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبي عمران الارمني، عن ابن البطائني، عن أبيه، عن ابن أبي العلا قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو جحد أمير المؤمنين عليه السلام جميع من في الارض لعذبهم الله جميعا وأدخلهم النار (2). سن: عن أبي عمران مثله (3). 12 - سن: في رواية أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: التاركون ولاية علي عليه السلام المنكرون لفضله المظاهرون أعداءه خارجون عن الاسلام، من مات منهم على ذلك (4). 13 - سن: عن محمد بن علي، عن المفضل بن صالح، عن محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديا قيل: يارسول الله وإن شهد الشهادتين ؟ قال: نعم إنما احتجب بهاتين الكلمتين عند سفك دمه أو يؤدي إلي الجزية وهو صاغر، ثم قال: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهوديا قيل: وكيف يارسول الله ؟ قال: إن أدرك الدجال آمن به (5). 14 - سن: (6) عن أبيه وابن الوليد وابن المتوكل جميعا، عن سعد والحميري معا، عن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي سعيد المكاري عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية كفر وشرك وضلالة.


(1) المحاسن ص 90. (2) ثواب الاعمال: 189. (3) المحاسن: 89. (4) المحاسن: 89. (5) المحاسن: 90 وترى مثله في ثواب الاعمال ص 184. (6) كذا، والطريق للصدوق. [*]

[135]

15 - سن: (1) علي بن أحمد، عن حمزة العلوي، عن الحسن بن محمد الفارسي عن عبد الله بن قدامة الترمذي، عن أبي الحسن عليه السلام قال: من شك في أربعة فقد كفر بجميع ما أنزل الله عزوجل أحدها معرفة الامام في كل زمان وأوان بشخصه ونعته. أقول: أوردنا كثيرا منها في باب وجوب معرفة الامام (2). 16 - شى: عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أعداء علي هم المخلدون في النار، قال الله: " وما هم بخارجين منها " (3). 17 - شى: عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: " وما هم بخارجين من النار " قال: أعداء علي هم المخلدون في النار أبد الابدين ودهر الداهرين (4). 18 - سر: من كتاب المسائل من مسائل محمد بن علي بن عيسى حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن زياد وموسى بن محمد بن علي قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد إمامتهما ؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب. 19 - شى: عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني اخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الامانة ولا الوفاء ولا الصدق قال: فاستوى أبو عبد الله عليه السلام جالسا وأقبل علي كالغضبان ثم قال: لا دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عدل من الله. قال: قلت: لا دين لاولئك ولا عتب على هؤلاء ؟ فقال: نعم لا دين لاولئك ولا عتب على هؤلاء، ثم قال: أما تسمع لقول الله: " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " يخرجهم من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة


(1) كذا، والطريق للصدوق مثل السابق. (2) راجع ج 23 ص 76 - 95. (3 - 4) تفسير العياشي ج 1 ص 317 والاية في المائدة: 37 والبقرة: 163. [*]

[136]

لولايتهم كل إمام عادل من الله، قال الله: " والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ". قال: قلت: أليس الله عنى بها الكفار حين قال: " والذين كفروا " قال: فقال: وأي نور للكافر وهو كافر فاخرج منه إلى الظلمات ؟ إنما عنى الله بهذا أنهم كانوا على نور الاسلام فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله خرجوا بولايتهم إياهم من نور الاسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب لهم النار مع الكفار فقال: (اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (1). 20 - شى: عن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من طعن في دينكم هذا فقد كفر، قال الله: " وطعنوا في دينكم " إلى قوله: " ينتهون " (2). 21 - ختص: عن عبد العزيز القراطيسي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الائمة بعد نبينا صلى الله عليه وآله إثنا عشر نجيبا مفهمون. من نقص منهم واحدا أو زاد فيهم واحدا خرج من دين الله، ولم يكن من ولايتنا على شئ (3). 22 - ختص: عبد الله بن محمد السائي، عن الحسن بن موسى، عن عبد الله بن محمد النهيكي، عن محمد بن سابق بن طلحة الانصاري قال: كان مما قال هارون لابي الحسن حين ادخل عليه: ما هذه الدار ؟ فقال: هذه دار الفاسقين (4) قال: " سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا " (5) الاية. فقال له هارون: فدار من هي ؟ قال: هي لشيعتنا فترة ولغيرهم فتنة قال: فما بال صاحب الدار لا يأخذها ؟ فقال: اخذت منه عامرة ولا يأخذها


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 138، والاية في سورة البقرة، 257. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 79، في آية التوبة: 12. (3) الاختصاص: 233. (4) يعني قوله " سأريكم دار الفاسقين ". (5) الاعراف: 146. [*]

[137]

إلا معمورة، قال: فأين شيعتك ؟ فقرأ أبو الحسن عليه السلام " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة " (1) قال: فقال له: فنحن كفار ؟ قال: لا، ولكن كما قال الله: " الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار " (2) فغضب عند ذلك وغلظ عليه (3). 23 - ختص: عمرو بن ثابت قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: " ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله " (4) قال: فقال: هم والله أولياء فلان وفلان وفلان اتخذوهم أئمة دون الامام الذي جعله الله للناس إماما فذلك قول الله: " ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار " (5) ثم قال أبو جعفر عليه السلام: هم والله يا جابر أئمة الظلمة وأشياعهم (6). 24 - ختص: قال الصادق عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى جعلنا حججه على خلقه، وامناءه على علمه، فمن جحدنا كان بمنزلة إبليس في تعنته على الله، حين أمره بالسجود لادم، ومن عرفنا واتبعنا كان بمنزلة الملائكة الذين أمرهم الله بالسجود لادم فأطاعوه (7). 25 - تقريب المعارف لابي الصلاح الحلبي: عن أبي علي الخراساني عن مولى لعلي بن الحسين عليهما السلام قال: كنت معه عليه السلام في بعض خلواته فقلت: إن لي عليك حقا ألا تخبرني عن هذين الرجلين: عن أبي بكر وعمر ؟


(1) البينة: 1. (2) إبراهيم: 28. (3) الاختصاص: 262 ومثله في العياشي ج 2 ص 29. (4) البقرة: 160. (5) البقرة: 161 - 163. (6 - 7) الاختصاص: 334. [*]

[138]

فقال: كافران كافر من أحبهما. وعن أبي حمزة الثمالي أنه سئل علي بن الحسين عليهما السلام عنهما فقال: كافران كافر من تولاهما. قال: وتناصر الخبر عن علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام من طرق مختلفة أنهم قالوا: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من زعم أنه إمام وليس بامام، ومن جحد إمامة إمام من الله، ومن زعم أن لهما في الاسلام نصيبا ومن طرق آخر أن للاولين ومن آخر للاعرابيين في الاسلام نصيبا ثم قال رحمه الله: إلى غير ذلك من الروايات عمن ذكرناه وعن أبنائهم عليهم السلام مقترنا بالمعلوم من دينهم، لكل متأمل حالهم أنهم يرون في المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام ومن دان بدينهم أنهم كفار، وذلك كاف عن إيراد رواية، وأورد أخبارا اخر أوردناها في كتاب الفتن. 26 - نهج: قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام رجل فقال: أخبرنا عن الفتنة وهل سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فقال عليه السلام: لما أنزل الله سبحانه قوله: " الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " (1) علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى الله عليه وآله بين أظهرنا، فقلت: يارسول الله صلى الله عليه وآله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال: يا علي إن امتي سيفتنون من بعدي، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله أو ليس قد قلت لي يوم احد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي: أبشر فان الشهادة من ورائك فقال لي: إن ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذا ؟ فقلت: يارسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر. وقال: يا علي إن القوم سيفتنون بأموالهم، ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته، ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة، والاهواء الساهية، فيستحلون الخمر بالنبيذ، والسحت بالهدية، والربا بالبيع، فقلت:


(1) العنكبوت: 12. [*]

[139]

يارسول الله فبأي المنازل انزلهم عند ذلك ؟ أبمنزلة ردة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال: بمنزلة فتنة (1). 27 - كتاب البرهان: أخبرنا محمد بن الحسن قال: حدثني الحسن بن خضير قال: حدثني إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد البصري وحدثنا محمد بن يحيى وموسى بن محمد الانصاري قالا: حدثنا اسماعيل بن إسحاق بن اسمعيل القاضي قال: حدثني أبي إسماعيل بن إسحاق بن حماد واللفظ له قال: بعث إلي وإلى عدة من المشايخ يحيى بن أكثم القاضي فأحضرنا وقال: إن أمير المؤمنين يعني المأمون أمرني أن احضر غدا مع الفجر أربعين رجلا كلهم فقيه، يفهم ويحسن الجواب فسموا من تعرفون ؟ فسمينا له قوما فأحضرهم وأمرنا بالبكور. فغدونا عليه قبل طلوع الشمس، فركب وركبنا معه، فدخل إلى المأمون وأمرنا أن نصلي فلم نستتم الصلاة حتى خرج الاذن فقال: ادخلوا فدخلنا وإذا أمير المؤمنين جالس على فراشه، وعلى سواده، والعمامة الطويلة، فلما سلمنا رد السلام ثم حدر عن عرشه ونزع عمامته وسواده وأقبل علينا وقال: إن أمير المؤمنين أحب مناظرتكم على مذهبه الذي هو عليه ودينه الذي يدين الله به، قلنا: ليقل أمير المؤمنين أيده الله، فقال: إني أدين الله عزوجل بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خير خلق الله بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وأولى الناس بمقام رسول الله وأحقهم بالخلافة من بعده، فأطرقنا جميعا، فقال يحيى: أجيبوا أمير المؤمنين. فلما رأيت سكوت القوم جثوت على ركبتي ثم قلت: يا أمير المؤمنين إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين من أمر علي، وقد دعا للمناظرة، ونحن مناظروه على ما ذكر، فقال: يا إسحاق إن شئت سألتك وإن شئت فاسألني، فاغتنمتها منه وقلت: بل أسأل، فقال: سل. قلت: من أين قال أمير المؤمنين: إن علي بن أبي طالب عليه السلام أفضل


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 301، الرقم 154 من الخطب. [*]

[140]

الناس من بعد رسول الله، وأحقهم بالخلافة من بعده ؟ قال: أخبرني عن الناس بماذا يتفاضلون ؟ قلت: بالاعمال الصالحة قال: فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول الله ثم إن المفضول عمل بعد وفات رسول الله صلى الله عليه وآله بأكثر من عمل الفاضل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أيلحق به ؟ قلت: لا يلحق المفضول على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بالفاضل أبدا. قال: فانظر ما رواه أصحابك - ممن أخذت دينك عنهم، وجعلتهم قدوة لك - من فضائل علي عليه السلام فقس إليها ما انزل به من فضائل أبي بكر فان وجدت فضائل أبي بكر تشاكل فضائل علي فقل: إنه أفضل، لا والله ولكن قس فضائله إلى ما روى لك من فضائل أبي بكر وعمر، فان وجدت لهما من المفاضيل مثل الذي لعلي وحده فقل إنهما أفضل لا بل فقس فضائله إلى فضائل العشرة الذين شهد لهم بالجنة فان وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهما أفضل منه. يا إسحاق أي الاعمال كانت أفضل يوم بعث الله عزوجل رسوله ؟ قلت: الاخلاص بالشهادة والسبق إلى الاسلام، قال: صدقت، إن ذلك في كتاب الله عز وجل " السابقون السابقون * اولئك المقربون * في جنات النعيم " (1) إنما عنى السابق إلى الاسلام، فهل علمت أحد سبق عليا إلى الاسلام ؟ قلت: يا أمير المؤمنين أسلم علي وهو حدث صغير السن لا يجوز عليه الحكم، وأسلم أبو بكر وقد تكامل عقله وجاز عليه الحكم. قال أجبني: أيهما أسلم قبل صاحبه ؟ حتى اناظرك من بعد في الحداثة قلت: علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة قال: فأخبرني حين أسلم أيخلو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله دعاه فأجاب أو يكون الهاما من الله لعلي ؟ فأطرقت مفكرا وقلت: إن قلت: إلهاما قدمته على رسول الله، لان رسول الله لم يعرف الاسلام حتى جاء به جبرئيل عن الله عزوجل، فقلت: بل دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فيخلو النبي أن يكون دعا عليا بأمر الله أو تكلف ذلك من قبل نفسه ؟ قلت:


(1) الواقعة: 10 - 12. [*]

[141]

لا أنسب النبي صلى الله عليه وآله إلى التكلف لان الله عزوجل يقول: " وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا باذن الله " (1) ولكن دعاه بأمر الله. قال: يا إسحاق فمن صفة الجبار أن يكلف رسله ما لا طاقة لهم به ؟ قلت: أعوذ بالله قال: أو لا ترى أن الله عزوجل في قولك " أسلم علي وهو صغير لا يجوز عليه الحكم " قد كلف رسول الله صلى الله عليه وآله من دعاء الصبيان ما لا يطيق وشغله بصبي لا يجوز عليه الحكم، فهو يدعوه الساعة ويرتد بعد ساعة ثم يعاود ويعاود الصبي الارتداد، فلا حكم يجوز عليه ولا النبي صلى الله عليه وآله يفرغ منه لدعاء غيره أرأيت هذا جايزا عندك أن تنسبه إلى ربنا سبحانه ؟ قلت: أعوذ بالله قال: فأراك إنما قصدت فضيلة فضل الله بها عليا عليه السلام على هذا الخلق جميعا، أتاها له ليعرف بها مكانه وفضله، بان لم يشرك به ساعة قط فجعلتها نقصا عليه، ولو كان الله عزوجل أمر نبيه ان يدعو الصبيان ألم يكن دعاهم كما دعا عليا عليه السلام قلت: بلى، قال: فهل بلغك أن النبي صلى الله عليه وآله دعا أحدا من صبيان الجاهلية وقرابته بدأ بهم لئلا يقال: هذا ابن عمه أو من ساير الناس كما فعل بعلي ؟ قلت: لا. قال: ثم أي الافعال كانت أفضل بعد السبق إلى الاسلام ؟ قلت: الجهاد في سبيل الله، قال: صدقت فهل تجد لاحد في الجهاد إلا دون ما تجد لعلي ؟ قلت: في أي وقت يا أمير المؤمنين ؟ قال: في أي الاوقات شئت قلت: في يوم بدر، قال: نعم لا أزيدك عليها، كم قتلى بدر يوم بدر ؟ قلت: نيف وستون رجلا من الكفار قال: كم قتلى علي وحده منهم ؟ قلت: نيف وعشرون رجلا وأربعون لساير الناس قال: فأي الناس أفضل جهادا ؟ قلت: إن أبا بكر كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في عريشه، قال يصنع ماذا ؟ قلت: يدبر الامر. قال: ويلك دون رسول الله أو شريكا مع رسول الله أو إفتقارا من رسول الله إلى أبي بكر ؟ قلت: أعوذ بالله من أن يدبر أبو بكر دون رسول الله، أو يكون


(1) الرعد: 38. [*]

[142]

شريكا مع رسول الله صلى الله عليه وآله أو يكون رسول الله صلى الله عليه وآله فقيرا إليه، قال: فما الفضيلة في العريش إن كان الامر على ما وصفت ؟ أليس من ضرب بسيفه أفضل ممن جلس ؟ قلت: كل الجيش كان مجاهدا قال: صدقت إلا أن الضارب بالسيف المحامي عن رسول الله وعن الجيش كان أفضل من الجيش، أما قرأت كتاب الله عزوجل " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة وكان الله غفورا رحيما " (1). قلت: أفكان أبو بكر وعمر مجاهدين أم لا، قال: بلى، ولكن أخبرني هل كان لابي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد ؟ قلت: نعم، قال: فكذلك يسبق الباذل نفسه على أبي بكر وعمر قلت: أجل قال: يا إسحاق أتقرأ القرآن ؟ قلت: نعم قال: إقرأ " هل أتى على الانسان حين من الدهر " فقرأت إلى قوله: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " إلى قوله: " وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا " قال: على رسلك ! فيمن أنزل هذا ؟ قلت: في علي. قال: هل بلغك أن عليا حين أطعم المسكين واليتيم والاسير قال: إنما نطعمكم لوجه الله على ما سمعت الله يقول في كتابه ؟ قلت: لا، قال: صدقت إن الله جل ثناؤه عرف سريرة علي ونيته، فاظهر ذلك في كتابه تعريفا منه لخلقه حال علي ومذهبه وسريرته، فهل علمت أن الله عزوجل وصف شيئا مما وصف في الجنة غير هذه السورة " قوارير من فضة " قلت: لا قال: أجل وهذه فضيلة اخرى إن الله وصف له في الجنة ما لم يصفه لغيره، أو تدري ما معنى " قوارير من فضة " ؟ قلت لا، قال: آنية من فضة ينظر الناظر ما في داخلها كما يرى في القوارير. يا إسحاق ألست ممن يشهد إن العشرة في الجنة ؟ قلت: بلى، قال: أرأيت لو أن رجلا قال: ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا، وما أدري لعل رسول الله


(1) النساء: 95 و 96. [*]

[143]

صلى الله عليه وآله قاله أم لم يقله، أكان عندك كافرا ؟ قلت: أعوذ بالله قال: فلو أن رجلا قال: والله ما أدري هذه السورة من القرآن أم لا، أكان عندك كافرا ؟ قلت: نعم، قال: يا إسحاق أرى أثرهم ها هنا متأكدا، القرآن يشهد لهذا، والاخبار تشهد لهؤلاء. ثم قال: أتروي يا إسحاق حديث الطائر ؟ قلت: نعم، قال: حدثني به فحدثته به، قال: أتؤمن أن هذا الحديث صحيح ؟ قلت: رواه من لا يمكنني بأن أرد حديثه، ولا أشك في صدقه، قال: أفرأيت من أيقن أن هذا الحديث صحيح ثم زعم أن أحدا أفضل من علي أيخلو من أن يقول: دعاء النبي صلى الله عليه وآله مردود أو أن الله عرف الفاضل من خلقه فكان المفضول أحب إليه منه، أو يقول: أن الله عزوجل لم يعرف الفاضل من المفضول ؟ فأي الثلاثة أحب إليك أن تقول ؟ فانك إن قلت منها شيئا استبذيت، فان كان عندك في الحديث تأويل غير هذه الثلاثة أوجه فقل. قلت: لا أعلم، وإن لابي بكر فضلا، قال: أجل لولا أن لابي بكر فضلا لم أقل علي أفضل منه، فما فضله الذي قصدت به الساعة ؟ قلت: قول الله عزوجل: " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " (1) فنسبه الله عزوجل إلى صحبة النبي صلى الله عليه وآله قال: يا إسحاق أما أني لا أحملك على الوعر من طريقك، فاني وجدت الله جل ثناؤه نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافرا فقال: " إذ يقول لصاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة، ثم سويك رجلا " (2) قلت: إن ذلك كان كافرا وأبو بكر كان مؤمنا قال: فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافرا جاز أن ينسب إلى صحبة نبيه مؤمنا وليس بأفضل المؤمنين، ولا بالثاني، ولا بالثالث. قلت: إن الله جل وعلا يقول: " ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه


(1) براءة: 40. (2) الكهف: 37. [*]

[144]

لا تحزن إن الله معنا " فأنزل الله سكينته عليه، قال: يا إسحاق إنك تأبى إلا أن اخرجك إلى الاستقصاء عليك أخبرني عن حزن أبي بكر أكان لله رضا أو كان معصية ؟ قلت: إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله خوفا عليه من أن يصل إليه شئ من المكروه، قال: فحزنه كان لله رضا أو معصية ؟ قلت: بل لله رضا قال: فكان بعث إليه رسولا ينهاه عن طلب رضاه وعن طاعته ؟ قلت: أعوذ بالله قال: ألم تزعم أن حزن أبي بكر رضى ؟ قلت: بلى، قال: أو لم تجد أن القرآن يشهد أن النبي صلى الله عليه وآله يقول: لا تحزن نهيا له عن الحزن، والحزن لله رضى أفلا تراه قد نهى عن طلب رضى الله إن كان الامر على ما وصفت، وأعوذ بالله أن يكون كذلك فانقطعت عن جوابه. قال: يا إسحاق إن مذهبي الرفق بك، لعل الله أن يردك، فأخبرني عن قول الله جل ثناؤه: " وأنزل الله سكينته عليه " من عنى بذلك: رسول الله صلى الله عليه وآله أو أبا بكر ؟ قلت: بل رسول الله قال: صدقت فأخبرني عن قول الله: " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين " (1) أتعلم المؤمنين الذين أرادهم الله في هذا الموضع ؟ قلت: لا، قال: إن الناس انهزموا يوم حنين فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلا سبعة من بني هاشم: علي يضرب بسيفه، والعباس آخذ بلجام بغلته، والباقون يحدقون برسول الله صلى الله عليه وآله خوفا أن يناله من سلاح القوم شئ حتى أعطى الله رسوله النصر. فالمؤمنون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني هاشم، وقد قيل: إن سلمان الفارسي وعمارا كانا فيهم، فمن أفضل يا إسحاق ؟ من كان مع النبي صلى الله عليه وآله فنزلت السكينة على النبي صلى الله عليه وآله وعليه ؟ أم من كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله ونزلت السكينة على النبي صلى الله عليه وآله ولم يره موضعا لتنزيلها عليه معه ؟ قلت: بل من انزلت السكينة عليه مع النبي صلى الله عليه وآله.


(1) براءة: 9. [*]

[145]

قال: فمن أفضل عندك من كان معه في الغار أم من نام على فراشه، ووقاه بنفسه ؟ أن الله عزوجل أمر النبي صلى الله عليه وآله أن يأمر عليا عليه السلام بالنوم على فراشه وأن يقي النبي صلى الله عليه وآله بنفسه فأمره بذلك، فبكى علي فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا علي قال: الخوف عليك أفتسلم يا رسول الله ؟ قال: نعم، فاستبشر علي عليه السلام وقال: سمعا وطاعة لربي طابت نفسي بالفداء لك يا رسول الله، ثم أتى علي مضجعه فاضطجع وتسجى بثوبه وجاء المشركون من قريش فاحدقوا به ولا يشكون أن النبي صلى الله عليه وآله حاصل في أيديهم قد أجمعوا أن يضربه كل بطن من قريش بالسيف لئلا يطلب بنو هاشم بطنا من بطون قريش بدمه، وهو يسمع ما القوم فيه من تلف نفسه، فلم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع صاحبه في الغار، ولم يزل صابرا محتسبا، وبعث الله إليه ملائكة تمنعه من مشركي قريش حتى أصبح فلما أصبح قام فنظر القوم إليه فقالوا: أين محمد ؟ قال: لا أعلم أين هو ؟ قالوا: لا نراك إلا كنت تغرنا منذ الليلة، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وآله فلم يزل علي أفضل لما بدا منه يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله إليه. يا إسحاق أتروي حديث الولاية ؟ قلت: نعم قال: اروه فرويته، فقال: أليس هذا الحديث قد أوجب لعلي على أبي بكر وعمر ما لم يجب لهما عليه ؟ قلت: نعم إلا أن الناس لا يقولون بذلك وقالوا بأن: هذا الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشئ جرى بينه وبين علي فأنكر ولاء علي فقال النبي صلى الله عليه وآله هذا القول عند ذلك، قال: يا سبحان الله لهذه العقول ! متى قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: من كنت مولاه فعلي مولاه وفي أي موضع ؟ قلت: بغدير خم عند منصرفه من حجة الوداع قال: أجل، فمتى قتل زيد بن حارثة ؟ قال: موضع بموتة قال: فكم كان بين قتل زيد وبين غدير خم ؟ قلت: سبع سنين أو ثماني سنين (1) قال: ويحك كيف رضيت لنفسك بهذا وقد علمت أن خطابه للمسلمين كافة ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى يارسول الله قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاده. ويلكم لا تجعلوا فقهاءكم أربابكم إن الله عزوجل


(1) بل سنتان فان غزوة مؤتة كانت سنة ثمان للهجرة. [*]

[146]

يقول: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " (1) ولم يصلوا لهم ولم يصوموا ولا زعموا أنهم آلهة ولكنهم أمروهم فأطاعوهم أفتوا بغير حق فضلوا وأضلوا أتروي يا إسحاق حديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى ؟ قلت: نعم، قال اروه فرويته قال: فهل يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وآله فرح بهذا القول ؟ قلت: أعوذ بالله قال: أفما تعلم أن هارون من موسى أخوه لابيه وامه ؟ قلت: بلى، قال: فعلي أخو رسول الله صلى الله عليه وآله لابيه وامه، قلت: لا، قال: أو ليس هارون نبيا قلت: نعم، قال: وعلي غير نبي ؟ قلت: بلى، قال: فهذان معدومان في علي من الحال التي كانت في هارون فما معنى قوله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، قلت له: انما أراد أن يطيب نفس علي لما قال المنافقون استخلفه استثقالا له قال: فأراد أن يطيب قلب علي بقول لا معنى له ؟ فسكت. فقال: إن له معنى في كتاب الله جل ثناؤه ظاهرا بينا قلت: وما هو ؟ قال غلبت عليكم الاهواء والعماية، هو قول الله عزوجل يخبر عن موسى حيث يقول " اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " (2) قلت: إن موسى استخلف هارون في قومه وهو حي ومضى إلى ربه، وإن النبي صلى الله عليه وآله استخلف عليا عليه السلام حين خرج إلى غزوته قال: كلا ليس كما قلت: أخبرني عن موسى حين استخلف هارون هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو من بني إسرائيل ؟ قلت: لا، قال: أو ليس استخلفه على جماعتهم ؟ قلت: نعم، قال: فأخبرني عن النبي صلى الله عليه وآله حين خرج إلى غزوته هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان فأنى يكون هذا مثل ذلك، وما معنى الاستخلاف ههنا، وعلى أن النبي صلى الله عليه وآله قد بين ذلك بقوله: إلا أنه لا نبي بعدي، فقد كشف ذلك بأنه استخلفه من بعده على كل حال إلا على النبوة، إذ كان خاتم النبيين صلى الله عليه وآله ولم يكن قول النبي صلى الله عليه وآله ليبطل أبدا. أتروي يا إسحاق حديث المباهلة ؟ قلت: نعم، قال: أتروي حديث الكساء ؟


(1) براءة: 31. (2) الاعراف: 142. [*]

[147]

قلت: نعم: قال ففكر في هذا أو هذا، واعلم أي شئ فيهما ؟ ثم قال: من ذا الذي تصدق وهو راكع ؟ قلت: علي تصدق بخاتمه، قال: أتعرف غيره ؟ قلت: لا، قال: فما قرأت " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون " (1) قلت: نعم. قال: أفما في هذه الاية نص الله على علي بقوله: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون " قلت: يا أمير المؤمنين قد جمع بقوله: " الذين آمنوا " قال: القرآن عربي ونزل بلغات العرب، والعرب تخاطب الواحد بخطاب الجمع ويقول الواحد: فعلنا وصنعنا، وهو من كلام الملك والعالم والفاضل وكذلك قال الله " خلقنا السموات " (2) وبنينا فوقكم سبعا (3) " وهو الله الواحد، وقال: جل ثناؤه حكاية من خطابه سبحانه قال: " رب ارجعون " (4) ولم يقل ارجعني لهذه العلة. ثم قال: يا إسحاق أوما علمت أن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله لما أشاد بذكر علي وبفضله، وطوق أعناقهم ولايته وإمامته، وبين لهم أنه خيرهم من بعده، وأنه لا يتم لهم طاعة الله إلا بطاعته، وكان في جميع ما فضله به نص على أنه ولي الامر بعده، قالوا إنما ينطق النبي صلى الله عليه وآله عن هواه، وقد أضله حبه ابن عمه وأغواه، وأطنبوا في القول سرا فانزل الله المطلع على السراير " والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ". ثم قال: يا إسحاق إن الناس لا يريدون الدين إنما أرادوا الرياسة وطلب ذلك أقوام فلم يقدروا عليه بالدنيا، فطلبوا ذلك بالدين، ولا حرص لهم


(1) المائدة 55. (2) في آيات عديدة. (3) النبأ: 12. (4) المؤمنون: 99. [*]

[148]

عليه، ولا رغبة لهم فيه. أما تروي أن النبي صلى الله عليه وآله: يذاد قوم من أصحابي عن الحوض فأقول: يا رب أصحابي أصحابي فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، رجعوا القهقري، قلت: نعم، قال: ففكر في هذا. فقال الناس ما أرادوا وطال المجلس وعلت الاصوات وارتفع الكلام. فقال يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين قد أوضحت لمن أراد الله به الخير وبينت والله ما لا يقدر على أحد على دفعه، فأقبل علينا فقال: ما تقولون ؟ قلنا: كلنا يقول بقول أمير المؤمنين وفقه الله، قال: والله لولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قبل القول من الناس لم أكن لاقبله منكم، اللهم إني قد نصحت اللهم إني قد أرشدت، اللهم إني قد أخرجت الامر من عنقي اللهم إني أدين لك وأتقرب إليك بحب علي وولايته، فنهضنا من عنده، وكان هذا آخر مجلسنا منه (1). 28 - كتاب البرهان: أخبرنا محمد بن الحسن قال: حدثنا الحسن بن خضر عن أبيه، عن عثمان بن سهيل أن الرشيد أمر يحيى بن خالد أن يجمع المتكلمين في داره وأن يكون من وراء الستر من حيث يسمع كلامهم ولا يعلمهم بمكانه، ففعل ذلك فسأل بيان الحروري هشام بن الحكم فقال: أخبرني أصحاب علي وقت حكم الحكمين أي شئ كانوا ؟ مؤمنين أم كافرين، قال: كانوا ثلاثة أصناف: صنف مؤمنون وصنف مشركون، وصنف ضلال، فأما المؤمنون فالذين عرفوا إمامة علي عليه السلام من كتاب الله عزوجل، ونص رسول الله صلى الله عليه وآله وقليلا ما كانوا، وأما المشركون فقوم مالوا إلى إمامة معاوية بصلح فأشركوا إذ جعلوا معاوية مع علي، وأما الضلال فمن خرج على سبيل العصبية والحمية للقبايل والعشاير، لا للدين. قال: فما كان أصحاب معاوية ؟ قال: ثلاثة أصناف صنف: كافرون، وصنف مشركون، وصنف ضلال، فأما الكافرون فقوم قالوا: معاوية إمام وعلي لا يصلح فكفروا وجحدوا إماما من الله عزوجل ذكره، ونصبوا إماما من غير الله، وأما المشركون فقوم قالوا: معاوية إمام وعلي يصلح لولا قتل عثمان، وأما الضلال


(1) روي المناظرة الصدوق في العيون ج 2 ص 184 بغير هذه الالفاظ وهكذا ابن عبد ربه في العقد فراجع. [*]

[149]

فقوم خرجوا على سبيل العصبية والحمية للقبايل والعشاير لا للدين. قال: فانبرى له ضرار بن عمرو الضبي وكان من المعتزلة ممن يزعم أن عقد الامام ليس بفرض ولا واجب، وإنما هي ندبة حسنة إن فعلوها جاز، وإن لم يفعلوها جاز، فقال: أسألك يا هشام قال: إذا تكون ظالما في السؤال، قال: ولم ؟ قال: لانكم مجمعون على رفع إمامة صاحبي، وخلافي في الاصل، وقد سألتم مسألة فيجب أن أسألكم قال له: سل قال: أخبرني عن الله عزوجل لو كلف الاعمى قراءة الكتب والنظر في المصاحف، وكلف المقعد المشئ إلى المساجد والجهاد في سبيل الله، وكلف ذوي الزمانات ما لا يوجد في وسعهم أكان جابرا أم عادلا ؟ قال: لم يكن ليفعل ذلك، قال: قد علمت أن الله عزوجل لا يفعل ذلك، ولكني سألتك على طريق الجدل والخصومة لو فعل ذلك كان جابرا أم عادلا، قال: بل جابرا قال: أصبت فخبرني الان هل كلف الله العباد من أمر الدين أمرا واحدا يسألهم عنه يوم القيامة لا اختلاف فيه ؟ قال: نعم، قال: فجعل لهم على إصابة ذلك دليلا فيكون داخلا في باب العدل ؟ أم لا فيكون داخلا في باب الجور ؟ فأطرق ضرار ساعة ثم رفع رأسه وقال: لابد من دليل، وليس بصاحبك، فتبسم هشام وقال: صرت إلى الحق ضرورة ولا خلاف بيني وبينك، إلا في التسمية، قال: فاني أرجع سائلا قال هشام: سل. قال ضرار: كيف تعقد الامامة ؟ قال: كما عقد الله عزوجل النبوة، قال ضرار: فهو إذا نبي قال هشام: لا إن النبوة يعقدها بالملائكة والامامة بالانبياء، فعقد النبوة إلى جبرئيل، وعقد الامامة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكل من عقد الله، قال ضرار: فما الدليل على ذلك الرجل بعينه إذا كان الامر إلى الله ورسوله. قال: ثمانية أدلة أربعة في نعت نفسه، وأربعة في نعت نسبه، فأما التي في نعت نسبه فهو أن يكون مشهور الجنس، مشهور النسب، مشهور القبيلة، مشهور البيت، وأما التي في نعت نفسه فأن يكون أعلم الناس بدقيق الاشياء وجليلها، معصوما من الذنوب صغيرها وكبيرها، أسخى أهل زمانه، وأشجع أهل زمانه.

[150]

فلما اضطر الامر إلى هذا لم نجد جنسا في هذا الخلق أشهر جنسا من العرب الذي منه صاحب الملة والدعوة المنادي باسمه على الصوامع في كل يوم خمس مرات فتصل دعوته إلى كل بر وفاجر، وعالم وجاهل، مقر ومنكر في شرق الارض وغربها، ولو جاز أن يكون في غير هذا الجنس من الحبش والبربر والروم والخزر والترك والديلم لاتى على الطالب المرتاد دهر من عمره ولا يجد إلى وجوده سبيلا فلما لم يجب أن يكون إلا في هذا الجنس لهذه العلة وجب أن لا يكون من هذا الجنس إلا في هذا النسب، ومن هذا النسب إلا في هذه القبيلة، ومن هذه القبيلة إلا في هذا البيت، وأن يكون من النبي صلى الله عليه وآله إشارة إليه وإلا ادعاها جميع أهل هذا البيت وأما التي في نعت نفسه فهو كما وصفناه. قال له عبد الله بن زيد الاباضي: لم زعمت أن الامام لا يكون إلا معصوما ؟ قال: ان لم يكن معصوما لم يؤمن عليه أن يدخل في الذنوب والشهوات، فيحتاج إلى من يقيم عليه الحدود، كما يقيمها هو على ساير الناس، وإذا استوت حاجة الامام وحاجة الرعية لم يكونوا بأحوج إليه منه إليهم، وإذا دخل في الذنوب والشهوات لم يؤمن عليه أن يكتمها على حميمه وقرابته ونفسه، فلا يكون فيه سد حاجة. قال: فلم زعمت أنه أعلم الناس بدقيق الاشياء وجليلها ؟ قال: لانه إذا لم يكن كذلك لم يؤمن عليه أن يقلب الاحكام والسنن، فمن وجب عليه الحد قطعه، ومن وجب عليه القطع حده، ومن وجب عليه الادب أطلقه، ومن وجب عليه الاطلاق حبسه، فيكون فسادا بلا صلاح. قال: فلم زعمت أنه أسخى الناس ؟ قال: لانه خازن المسلمين الذي يجتمع عنده أموال الشرق والغرب، فان لم تهن عليه الدنيا بما فيها شح على أموالهم فأخذها. قال: فلم قلت: أنه أشجع الناس ؟ قال: لانه فئة المسلمين الذين يرجعون إليه والله تبارك وتعالى يقول: " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو

[151]

متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله " (1) فلا يجوز أن يجبن الامام كما تجبن الامة، فيبوء بغضب من الله، وقد قلت: إنه معصوم، ولابد في كل زمان من واحد بهذه الصفة. فقال الرشيد لبعض الخدم: اخرج إليه فقل له: من في هذا الزمان بهذه الصفة ؟ قال: أمير المؤمنين صاحب القصر يعني الرشيد، فقال الرشيد: والله لقد أعطاني من جراب فارغ، وإني لاعلم إني لست بهذه الصفة، فقال جعفر بن يحيى وكان معه داخل الستر، إنما يعني موسى بن جعفر قال: ما عداها وقام يحيى بن خالد فدخل الستر فقال له الرشيد: ويحك يا يحيى من هذا الرجل ؟ قال: من المتكلمين، قال: ويحك مثل هذا باق ويبقى لي ملكي ؟ والله للسان هذا أبلغ في قلوب العامة من مائة ألف سيف، ما زال مكررا صفة صاحبه ونعته حتى هممت أن أخرج إليه، فقال: تكفى يا أمير المؤمنين. وكان يحيى محبا لهشام مكرما له، وعلم أن هشاما قد غلط على نفسه فخرج إليه فغمزه فقام هشام وترك رداءه ونهض كأنه يقضي حاجة وتهيأ له الخلاص فخرج من وقته إلى الكوفة، فمات بها رحمه الله (2). 29 - كتاب البرهان: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدثنا محمد بن الفضل بن ربيعة الاشعري قال: حدثنا علي بن حسان قال: حدثنا عبد الرحمن ابن كثير، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن الحسين عليهم السلام قال: لما أجمع الحسن بن علي على صلح معاوية خرج حتى لقيه فلما اجتمعا قام معاوية خطيبا فصعد المنبر وأمر الحسن أن يقوم أسفل منه بدرجة، ثم تكلم معاوية، فقال: هذا الحسن بن علي رآني للخلافة أهلا ولم ير نفسه لها أهلا وقد أتانا ليبايع، ثم قال: قم يا حسن، فقام الحسن عليه السلام فخطب فقال: الحمد لله المستحمد بالالاء، وتتابع النعماء، وصارفات الشدايد والبلاء، عند الفهماء وغير الفهماء المذعنين من عباده لامتناعه بجلاله وكبريائه وعلوه عن لحوق الاوهام ببقائه المرتفع عن كنه طيات


(1) الانفال: 16. (2) البرهان مخطوط، وترى المناظرة في كمال الدين ج 2 ص 31. [*]

[152]

المخلوقين من أن تحيط بمكنون غيبه رويات عقول الرائين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته، ووجوده وحدانيته، صمدا لا شريك له فردا لا وتر معه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اصطفاه وانتجبه وارتضاه، فبعثه داعيا إلى الحق سراجا منيرا، وللعباد مما يخافون نذيرا، ولما يأملون بشيرا فنصح للامة، وصدع بالرسالة، وأبان لهم درجات العمالة شهادة عليها أموت وأحشر، وبها في الاجلة اقرب واحبر. وأقول معشر الملاء فاستمعوا ولكم أفئدة وأسماع فعوا، إنا أهل بيت أكرمنا الله بالاسلام، واختارنا واصطفانا واجتبانا، فأذهب عنا الرجس وطهرنا تطهيرا والرجس هو الشك فلا نشك في الحق أبدا وطهرنا وأولادنا من كل [أفن وغية] مخلصين إلى آدم لم يفترق الناس فرقتين إلا جعلنا في خيرهما، حتى بعث الله عزوجل محمدا صلى الله عليه وآله بالنبوة، واختاره للرسالة، وأنزل عليه كتابه. ثم أمره بالدعاء إلى الله عزوجل، فكان أبي رضوان الله عليه أول من استجاب لله ولرسوله، وقد قال الله جل ثناؤه في كتابه المنزل على نبيه المرسل " أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه " (1) فرسول الله صلى الله عليه وآله بينة من ربه وأبي الذي يتلوه شاهد منه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله حين أمره أن يسير إلى أهل مكة ببرائة: سر بها يا علي فاني امرت أن لا يسير بها إلا أنا أو رجل مني فعلي من رسول الله ورسول الله منه، وقال له حين قضى بينه وبين جعفر وبين زيد بن حارثة في ابنة حمزة وأما أنت يا علي فرجل مني وأنا منك، وأنت ولي كل مؤمن بعدي فصدق [أبي] رسول الله صلى الله عليه وآله ووقاه بنفسه، في كل موطن يقدمه رسول الله وفي كل شديدة ثقة منه وطمأنينة إليه، لعلمه بنصيحته لله ولرسوله. وأنه أقرب المقربين من الله، ورسوله، وقد قال الله عزوجل " السابقون


(1) هود: 17. [*]

[153]

السابقون اولئك المقربون " (1) وكان أبي سابق السابقين إلى الله ورسوله و أقرب الاقربين وقد قال الله عزوجل " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة " (2) فأبي كان أولهم إسلاما، وأقدمهم هجرة وأولهم نفقة. وقال: " والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم " (3) فالناس من بعده من جميع الامم يستغفرون له بسبقهم إياهم إلى الايمان بنبيه صلى الله عليه وآله ولم يسبقه إلى الايمان أحد وقد قال الله عزوجل: " السابقون الاولون من المهاجرين والانصار الذين إتبعوهم باحسان " (4) لجميع السابقين وهو سابقهم وكما أن الله عزوجل (فضل السابقين) على المتخلفين، فكذلك فضل سابق السابقين على السابقين. وقال تعالى " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله ورسوله وجاهد في سبيل الله لا يستون عند الله " (5) فكان أبي المؤمن بالله واليوم الاخر والمجاهد في سبيل الله وفيه نزلت هذه الاية، واستجاب رسول الله عمه حمزة وابن عمه جعفر [فقتلا شهيدين في قتلى] كثيرة معهما فجعل الله حمزة سيد الشهداء من بينهم، وجعل جناحين لجعفر يطير بهما مع [الملائكة] في الجنان كيف يشاء وذلك لمكانهما من رسول الله صلى الله عليه وآله ولمنزلتهما هذه ولقرابتهما منه، وصلى رسول الله صلى الله عليه وآله على حمزة سبعين صلاة من بين [الشهداء الذين استشهدوا] معه. وجعل لنساء النبي أجرين [للمحسنة منهن وللمسيئة منهن وزرين


(1) الواقعة: 10 - 11. (2) الحديد: 10. (3) الحشر: 10. (4) براءة: 100. (5) براءة: 19. [*]

[154]

ضعفين (1) لمكانهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل الصلاة في مسجد رسول الله بألف صلاة في سائر] المساجد إلا مسجد خليله إبراهيم عليه السلام بمكة لمكان رسول الله من ربه و لفضيلته وعلم رسول الله المؤمنين الصلاة على محمد وعلى آل [محمد، فأخذ] من كل مسلم أن يصلي علينا مع الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله فريضة واجبة، وأحل الله عزوجل الغنيمة لرسوله وأحلها لنا معه. وحرم عليه الصدقة وحرم علينا معه، كرامة أكرمنا الله بها، وفضيلة فضلنا بها على ساير العباد. وقال تبارك وتعالى لمحمد صلى الله عليه وآله حيث جحده أهل الكتاب: " قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " (2) فأخرج رسول الله من الانفس هو وأبي، ومن البنين أنا وأخي ومن النساء أمي فاطمة، فنحن أهله، ونحن منه وهو منا، وقد قال تبارك وتعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (3) فلما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله أنا وأخي وامي وأبي فجللنا وجلل نفسه في كساء لام سلمة خيبري في يومها فقال: " اللهم هؤلاء أهل بيتي وعترتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فقالت ام سلمة: أدخلني معهم يا رسول الله، فقال لها: أنت على خير ولكنها خاصة لي ولهم. ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وآله بقية عمره حتى قبضه الله إليه يأتينا في كل يوم عند طلوع الفجر، فيقول: الصلاة يرحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بسد الابواب التي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله غير بابنا، فكلموه فقال: أما إني لم اسد بابكم ولم أفتح بابه ولكن الله أمر بسدها وفتح بابه، ولم يكن أحد تصيبه جنابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ويولد له الاولاد غير رسول الله وأبي علي بن أبي طالب


(1) راجع الاحزاب: 13 و 32. (2) آل عمران: 61. (3) الاحزاب: 33. [*]

[155]

تكرمة من الله لنا وفضيلة اختصنا بها على جميع الناس، وقد رأيتم مكان أبي من رسول الله صلى الله عليه وآله ومنزلنا من منازل رسول الله، أمره الله أن يبني المسجد فابتنى فيه عشرة أبيات تسعة لنبيه ولابي العاشر، وهو متوسطها، والبيت هو المسجد وهو البيت الذي قال الله عزوجل: " أهل البيت " فنحن أهل البيت، ونحن [الذين] أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا. أيها الناس إني لو قمت سنة أذكر الذي أعطاه الله وخصنا به من الفضل في كتابه، وعلى لسان نبيه لم أحصه كله، وإن معاوية زعم إني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي لها أهلا وكذب دعواه وإني أولى الناس بالناس في كتاب الله على لسان رسوله غير أنا لم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فالله بيننا وبين من ظلمنا حقنا، ونزل على رقابنا، وحمل الناس على أكتافنا، ومنعنا سهمنا في كتاب الله عزوجل من الفئ والمغانم، ومنع امنا فاطمة عليها السلام ميراثها من أبيها. إنا لا نسمي أحدا ولكن اقسم بالله لو أن الناس منعوا أبي وحموه وسمعوا وأطاعوا لاعطتهم السماء قطرها، والارض بركتها، ولما طمعت فيها يا معاوية ولكنها لما خرجت من معدنها تنازعتها قريش، وطمعت أنت فيها يا معاوية وأصحابك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما ولت أمه أمرها رجلا قط، وفيهم من هو أعلم منه إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا حتى يرجعوا إلى ما تركوا، وقد تركت بنوا إسرائيل هارون، وعكفوا على العجل، وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم، وقد تركت الامة أبي وتابعت غيره، وقد سمعوا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وقد رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله حيث نصبه بغدير خم ونادى له بالولاية على المؤمنين ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب وقد هرب رسول الله صلى الله عليه وآله من قومه إلى الغار، وهو يدعوهم، فلما لم يجد عليهم أعوانا هرب، وقد كف أبي يده وناشدهم واستغاث فلم يغث، ولم يجد أعوانا عليهم، ولو وجد أعوانا عليهم ما أجابهم، وقد جعل في سعة كما جعل النبي صلى الله عليه وآله

[156]

في سعة حين هرب إلى الغار، إذ لم يجد أعوانا. وقد خذلتني الامة. فبايعتك، ولو وجدت عليك أعوانا ما بايعتك، وقد جعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وعادوه، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله عزوجل حين تركتنا الامة، وبايعت غيرنا، ولم نجد أعوانا، وإنما هي السنن والامثال يتبع بعضها بعضا. أيها الناس لو التمستم بين المشرق والمغرب أن تجدوا رجلا أبوه وصي رسول الله صلى الله عليه وآله، وجده نبي الله غيري وغير أخي لم تجدوا، فاتقوا الله ولا تضلوا بعد البيان، وإني قد بايعت هذا ولا أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين. أيها الناس أنه لا يعاب إحد بترك حقه، وإنما يعاب من يأخذ ما ليس له وكل صواب نافع، وكل خطأ غير ضار، وقد انتهت القضية إلى داود ففهمها سليمان، فنفعت سليمان ولم تضر داود، وأما القرابة فقد نفعت المشرك وهي للمؤمن أنفع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب في الموت قل: لا إله إلا الله أشفع لك بها يوم القيامة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له، إلا ما يكون منه على يقين، وليس ذلك لاحد من الناس لقول الله عزوجل: " وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الان ولا الذين يموتون وهم كفار اولئك أعتدنا لهم عذابا أليما " (1). أيها الناس اسمعوا وعوا، واتقوا الله وارجعوا، وهيهات منكم الرجعة إلى الحق وقد خامركم الطغيان والجحود، والسلام على من اتبع الهدى (2).


(1) النساء: 18. (2) البرهان مخطوط وترى الحديث في أمالي الشيخ ج 2 ص 174 مع اختلاف، واعلم أنه قال الشهيد الثاني رحمه الله في رسالة حقائق الايمان: اعلم أن جمعا من علماء الامامية حكموا بكفر أهل الخلاف: والاكثر على الحكم باسلامهم، فان أرادوا بذلك كونهم كافرين في نفس الامر، لا في الظاهر، فالظاهر أن النزاع لفظي، إذ القائلون باسلامهم يريدون ما ذكرناه من الحكم بصحة جريان أكثر أحكام المسلمين عليهم في الظاهر لا أنهم مسلمون في نفس الامر فلذا نقلوا الاجماع على دخولهم في النار، وان أرادوا بذلك [*]

[157]

(102) * (باب) * * " (المستضعفين والمرجون لامر الله) " * الايات: النساء: إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (1). التوبة: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم. إلى قوله تعالى: وآخرون مرجون لامر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (2) الاية. 1 - فس: عن يحيى بن أبي عمران، عن يونس، عن حماد، عن ابن الطيار عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن المستضعف فقال: هو الذي لا يستطيع حيلة الكفر فيكفر، ولا يهتدي سبيلا إلى الايمان [فيؤمن] لا يستطيع أن يؤمن ولا يستطيع أن يكفر، فهم الصبيان ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان ومن رفع عنه القلم (3). 2 - فس: بهذا الاسناد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المرجون لامر الله قوم كانوا مشركين قتلوا حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين ثم دخلوا بعده في الاسلام، فوحدوا الله وتركوا الشرك، ولم يعرفوا الايمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين فتجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيجب لهم النار، فهم على


(1) كونهم كافرين باطنا وظاهرا فهو ممنوع، ولا دليل عليه، بل الدليل قائم على اسلامهم ظاهرا كقوله صلى الله عليه وآله: " أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. " (1) النساء: 98 - 99. (2) براءة: 102 - 106. (3) تفسير القمي ص 137. [*]

[158]

تلك الحالة مرجون لامر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم (1). 3 - فس: أبي، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك ما حال الموحدين المقرين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله من المسلمين المذنبين الذين يموتون وليس لهم إمام، ولا يعرفون ولايتكم ؟ فقال: أما هؤلاء فإنهم في حفرهم لا يخرجون منها فمن كان له عمل صالح ولم يظهر منه عداوة فانه يخد له خدا إلى الجنة التي خلقها الله بالمغرب فيدخل عليه الروح في حفرته إلى يوم القيامة حتى يلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته فإما إلى الجنة، وإما إلى النار، فهؤلاء الموقوفون لامر الله. قال عليه السلام: وكذلك يفعل بالمستضعفين والبله والاطفال وأولاد المسلمين، الذين لم يبلغوا الحلم. وأما النصاب من أهل القبلة فانهم يخد لهم خدا إلى النار التي خلقها الله في المشرق، فيدخل عليهم اللهب والشرر والدخان، وفورة الحميم " ثم " بعد ذلك مصيرهم إلى الجحيم " في النار يسجرون * ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله " (2) أي أين إمامكم الذي اتخذتموه دون الامام الذي جعله الله للناس إماما (3). 4 - ل: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الناس على ست فرق: مستضعف، ومؤلف، ومرجئ، ومعترف بذنبه، وناصب ومؤمن (4). 5 - ل: القطان: عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن محمد بن عبد الله، عن


(1) تفسير القمي ص 588. (2) المؤمن: 73. (3) تفسير القمي ص 588. (4) الخصال ج 1 ص 162. [*]

[159]

علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن محمد بن الفضيل الزرقي، عن أبي عبد الله عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: إن للجنة ثمانيه أبواب باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منه شيعتنا ومحبونا، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت. الخبر (1). 6 - ل: في خبر الاعمش، عن الصادق عليه السلام: أصحاب الحدود فساق لا مؤمنون ولا كافرون، ولا يخلدون في النار، ويخرجون منها يوما ما، والشفاعة لهم جايزة وللمستضعفين إذا ارتضى الله دينهم (2). ن: فيما كتب الرضا عليه السلام للمأمون مثله (3). 7 - مع: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة، عن عمر بن أبان، عن الصباح بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل ليحبكم وما يدري ما تقولون، فيدخله الله الجنة، وإن الرجل ليبغضكم وما يدري ما تقولون، فيدخله الله النار الخبر (4). 8 - مع: أبي وابن الوليد معا، عن الحميري، عن ابن أبي الخطاب عن نضر بن شعيب، عن عبد الغفار الجازي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المستضعفين ضروب يخالف بعضهم بعضا، ومن لم يكن من أهل القبله ناصبا فهو مستضعف (5). 9 - مع: ابن الوليد، عن أبن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر وفضالة معا، عن موسى بن بكر، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته


(1) الخصال ج 2 ص 39. (2) الخصال ج 2 ص 154. (3) عيون الاخبار ج 2 ص 125. (4) معاني الاخبار ص 392. (5) معاني الاخبار ص 200. [*]

[160]

عن قول الله عزوجل: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان " (1) فقال: هو الذي لا يستطيع الكفر فيكفر، ولا يهتدي سبيل الايمان فيؤمن والصبيان ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان مرفوع عنهم القلم (2). 10 - مع: أبي وابن الوليد معا، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشا عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قي قوله عزوجل: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " فقال: لا يستطيعون حيلة إلى النصب فينصبون، ولا يهتدون سبيل أهل الحق فيدخلون فيه، وهؤلاء يدخلون الجنة باعمال حسنة، وباجتناب المحارم التي نهى الله عزوجل عنها، ولا ينالون منازل الابرار (3). 11 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السمط قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول في المستضعفين ؟ فقال لي شبها بالمفزع: وتركتم أحدا يكون مستضعفا ؟ وأين المستضعفون ؟ فوالله لقد مشى بأمركم هذا العواتق [إلى العواتق] في خدورهن وتحدث به السقايات بطرق المدينة (4). 12 - مع: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق (عن عمرو بن إسحاق) قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام ما حد المستضعف الذي ذكره الله عزوجل ؟ قال: من لا يحسن سورة من القرآن، وقد خلقه الله عزوجل خلقة ما ينبغي له أن لا يحسن (6). 13 - مع: ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن صفوان ابن يحيى، عن حجر بن زايدة، عن حمران، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول


(1) النساء: 98. (2 - 4) معاني الاخبار ص 201. (5) ما بين العلامتين زيادة من المصدر. (6) معاني الاخبار ص 202. [*]

[161]

الله عزوجل: " الا المستضعفين " قال: هم أهل الولاية، قلت: وأي ولاية فقال: أما انها ليست بولاية في الدين، ولكنها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفار، وهم المرجون لامر الله عزوجل (1). شي: عن حمران مثله (2). 14 - مع: عن المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن علي بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن عبد الكريم بن عمرو، عن سليمان ابن خالد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان " الاية قال: يا سليمان في هؤلاء المستضعفين من هو أثخن رقبة منك، المستضعفون قوم يصومون ويصلون تعف بطونهم وفروجهم لا يرون أن الحق في غيرها (3) آخذين بأغصان الشجرة " فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم " إذ كانوا آخذين بالاغصان وإن لم يعرفوا اولئك، فان عفى عنهم فبرحمته وإن عذبهم فبضلالتهم عما عرفهم (4). شي: عن سليمان بن خالد مثله (5). 15 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن موسى ابن بكر، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن المستضعفين فقال: البلهاء في خدرها والخادم تقول لها: صلي فتصلي لا تدري إلا ما قلت لها، والجليب (6) الذي لا يدري إلا ما قلت له، والكبير الفاني والصبي الصغير


(1) معاني الاخبار ص 202. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 270، والاية في النساء: 98. (3) في المصدر والعياشي: غيرنا. (4) معاني الاخبار ص 202. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 270. (6) الجليب: المجلوب، وهو الخادم يساق من موضع إلى آخر ومن بلد إلى بلد للتجارة، يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما لا يدري إلا ما قلت له، فانه لا يعرف في البلد إلا مالكه، ولا يتبع أحدا ولا يطمئن إلا إليه. [*]

[162]

هؤلاء المستضعفون فأما رجل شديد العنق جدل خصم يتولى الشراء والبيع، لا تستطيع أن تغبنه في شئ تقول: هذا مستضعف ؟ لا ولا كرامة (1). شي: عن سليمان مثله (2). 16 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف ابن عميرة، عن أبي الصباح، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في المستضعفين الذين لا يجدون حيلة ولا يهتدون سبيلا: لا يستطيعون حيلة فيدخلوا في الكفر ولا يهتدون فيدخلوا في الايمان، فليس هم من الكفر والايمان في شئ (3). 17 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي المغرا، عن أبي حنيفة رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من عرف الاختلاف فليس بمستضعف (4). 18 - مع: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من عرف اختلاف الناس فليس بمستضعف (5). 19 - سن: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن زرارة، قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا جالس عن قول الله: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (6) يجري لهؤلاء ممن لا يعرف منهم هذا الامر ؟ فقال: لا إنما هذه للمؤمنين خاصة، قلت له: أصلحك الله، أرايت من صام وصلى واجتنب المحارم وحسن ورعه ممن لا يعرف ولا ينصب، فقال: إن الله يدخل اولئك الجنة


(1) معاني الاخبار ص 203. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 270. (3) معاني الاخبار ص 203. (4) معاني الاخبار ص 200. (5) معاني الاخبار ص 201. (6) الانعام: 160. [*]

[163]

برحمته (1). 20 - غط: عن الفزاري، عن محمد بن جعفر بن عبد الله، عن أبي نعيم محمد بن أحمد الانصاري قال: وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد عليه السلام قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت على سيدي أبي محمد نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الاخوان، وينهانا عن لبس مثله، فقال متبسما: يا كامل وحسر ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: هذا لله وهذا لكم. فسلمت وجلست إلى باب عليه ستر مرخى فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بصبي كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها، فقال لي: يا كامل بن إبراهيم فاقشعررت من ذلك والهمت أن قلت: لبيك يا سيدي، فقال: جئت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك، وقال بمقالتك ؟ فقلت: إي والله قال: إذن والله يقل داخلها، والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم: الحقية، قلت: يا سيدي ومن هم ؟ قال: قوم من حبهم لعلي يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله تمام الخبر (2). 21 - شي: عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المستضعفين قال: هم أهل الولاية، قلت: أي ولاية تعني ؟ قال: ليست ولاية [في الدين] ولكنها في المناكحة والمواريث والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا الكفار، ومنهم المرجون لامر الله، فأما قوله: " والمستضعفين [من الرجال والنساء والولدان] الذين يقولون ربنا أخرجنا - إلى - نصيرا " (3) فاولئك نحن (4).


(1) المحاسن ص 158. (2) غيبة الشيخ الطوسي ص 159. (3) النساء: 75. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 257. [*]

[164]

22 - شى: عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " المستضعفين من الرجال والنساء لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " قال: لا يستطيعون سبيل أهل الحق فيدخلون فيه، ولا يستطيعون حيلة أهل النصب فينصبون، قال: هؤلاء يدخلون الجنة بأعمال حسنة، وباجتناب المحارم التي نهى الله عنها، ولا ينالون منازل الابرار (1). 23 - شى: عن زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: وأنا اكلمه في المستضعفين أين أصحاب الاعراف ؟ أين المرجون لامر الله ؟ أين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ؟ أين المؤلفة قلوبهم ؟ أين أهل تبيان الله ؟ أين المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا (2). 24 - شى: عن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أتزوج المرجئة أو الحرورية أو القدرية ؟ قال: لا عليك بالبله من النساء، قال زرارة: فقلت: ما هو إلا مؤمنة أو كافرة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فأين أهل استثناء الله، قول الله أصدق من قولك، " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان - إلى قوله - سبيلا " (3). 25 - شى: عن أبي الصباح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما تقول: في رجل دعى إلى هذا الامر فعرفه، وهو في أرض منقطعة إذ جاءه موت الامام، فبينا هو ينتظر إذ جاءه الموت، فقال: هو والله بمنزلة من هاجر إلى الله ورسوله فمات فقد وقع أجره على الله (4). 26 - شى: عن زرارة قال: دخلت أنا وحمران على أبي جعفر عليه السلام فقلنا: إنا نمد المطمر، فقال: وما المطمر ؟ قلنا: الذي من وافقنا من علوي أو غيره توليناه، ومن خالفنا برئنا منه من علوي أو غيره، قال: يا زرارة قول الله أصدق من قولك، فأين الذين قال الله: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء


(1 - 3) تفسير العياشي ج 1 ص 269. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 270. [*]

[165]

والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " أين المرجون لامر الله ؟ أين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ؟ أين أصحاب الاعراف ؟ أين المؤلفة قلوبهم ؟ فقال زرارة: ارتفع صوت أبي جعفر وصوتي حتى كان يسمعه من على باب الدار، فلما كثر الكلام بيني وبينه قال لي: يا زرارة حقا على الله أن يدخلك الجنة (1). 27 - شى: عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " وآخرون مرجون لامر الله " (2) قال: هم قوم من المشركين أصابوا دما من المسلمين ثم أسلموا فهم المرجون لامر الله (3). 28 - شى: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: المرجون هم قوم قاتلوا يوم بدر واحد ويوم حنين، وسلوا (4) عن المشركين ثم أسلموا بعد تأخره فاما يعذبهم وإما يتوب عليهم (5). 29 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " وآخرون مرجون لامر الله " قال: هم قوم مشركون فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين ثم إنهم دخلوا في الاسلام فوحدوا، وتركوا الشرك، ولم يؤمنوا فيكونوا من المؤمنين، فيجب لهم الجنة، ولم يكفروا فيجب لهم النار، فهم على تلك الحال مرجون لامر الله. قال حمران: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المستضعفين قال: إنهم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكافرين، وهم المرجون لامر الله (6). 30 - شى: عن ابن الطيار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الناس على ست فرق يؤتون إلى ثلاث فرق: الايمان، والكفر، والضلال، وهم أهل الوعد من الذين وعد الله الجنة والنار، وهم المؤمنون والكافرون والمستضعفون والمرجون لامر الله


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 93. (2) براءة: 102. (4) أي هجروا المشركين، وفي المصدر: سلموا. (3 و 5 و 6) تفسير العياشي ج 2 ص 110. [*]

[166]

إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، والمعترفون بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأهل الاعراف (1). 31 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: المرجون لامر الله قوم كانوا مشركين، فقتلوا مثل قتل حمزة وجعفر وأشباههما، ثم دخلوا بعد في الاسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك، ولم يعرفوا الايمان بقلوبهم، فيكونوا من المؤمنين فيجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فيجب لهم النار، فهم على تلك الحال إما يعذبهم وإما يتوب عليهم. قال أبو عبد الله عليه السلام: يرى فيهم رأيه قال: قلت: جعلت فداك من أين يرزقون ؟ قال: من حيث شاء الله، وقال أبو إبراهيم عليه السلام: هؤلاء قوم وقفهم حتى يرى فيهم رأيه (2). 32 - شى: عن الحارث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته بين الايمان والكفر منزلة ؟ فقال: نعم، ومنازل، لو يجحد شيئا منها أكبه الله في النار: بينهما " آخرون مرجون لامر الله " وبينهما " المستضعفون " وبينهما " آخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " وبينهما قوله: " على الاعراف رجال " (3). 33 - شى: عن داود بن فرقد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: المرجون قوم ذكر لهم فضل علي فقالوا: ما ندري لعله كذلك وما ندري لعله ليس كذلك ؟ قال: أرجه قال تعالى: " وآخرون مرجون لامر الله " (4) الاية. 34 - كش: محمد بن قولويه، عن سعد، عن أحمد بن هلال، عن ابن محبوب عن ابن رئاب قال: دخل زرارة على أبي عبد الله عليه السلام فقال: يا زرارة متأهل أنت ؟ قال: لا، قال: وما يمنعك عن ذلك ؟ قال: لاني لا أعلم تطيب مناكحة هؤلاء أم لا ؟ قال: فكيف تصبر وأنت شاب ؟ قال: أشتري الاماء، قال: ومن أين طابت لك نكاح الاماء ؟ قال: إن الامة إن رابني من أمرها شئ بعتها، قال: لم أسألك عن هذا ولكن سألتك من أين طاب لك فرجها ؟ قال له: فتأمرني أن أتزوج قال له: ذاك اليك.


(1 - 2) تفسير العياشي ج 2 ص 111. [*]

[167]

قال: فقال له زرارة: هذا الكلام يتصرف على ضربين إما أن لا تبالي أن أعصي الله إذ لم تأمرني بذلك، والوجه الاخر أن يكون مطلقا لي، قال: فقال: عليك بالبلهاء، قال: فقلت: مثل التي يكون على رأي الحكم بن عتيبة، وسالم ابن أبي حفصة ؟ قال: لا، التي لا تعرف ما أنتم عليه ولا تنصب، قد زوج رسول الله صلى الله عليه وآله أبا العاص بن الربيع وعثمان بن عفان وتزوج عائشة وحفصة وغيرهما. فقال: لست أنا بمنزلة النبي صلى الله عليه وآله الذي كان يجري عليه حكمه، وما هو إلا مؤمن أو كافر، قال الله عزوجل: " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " (1) فقال له أبو عبد الله عليه السلام: فأين أصحاب الاعراف ؟ وأين المؤلفة قلوبهم ؟ وأين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ؟ وأين الذين لم يدخلوها وهم يطمعون ؟. قال زرارة: أيدخل النار مؤمن ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا يدخلها إلا أن يشاء الله، قال زرارة: فيدخل الكافر الجنة ؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: لا، فقال زرارة: هل يخلو أن يكون مؤمنا أو كافرا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: قول الله أصدق من قولك


(1) التغابن: 2، استدل زرارة بهذه الاية على أن الناس صنفان: مؤمن وكافر، وقال على ما في رواية الكافي: " لا والله لا يكون أحد من الناس ليس بمؤمن ولا كافر " وهو سهو ظاهر، فان الله عزوجل يقول: فمنكم كافر ومنكم مؤمن، و " من " للتعبيض وليس ظاهرها الترديد بين الكفر والايمان ولذلك لو قال بعده " ومنكم مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " أو قال " ومنكم المستضعف الذي لا يعرف الايمان والكفر " كالمجانين وغيرهم لصح الكلام. وهذا الحديث مروي بطرق مختلفة وعبارات متفاوتة، فقد مر شطر منه عن تفسير العياشي مرسلا وفي الكافي باب الضلال تحت الرقم 2 حديث طويل في ذلك وله شرح ضاف في المرآت ج 2 ص 391 - 393 من أراد الاطلاع فليراجع. وليعلم أن أحاديث كتاب الكافي التي تناسب هذا الباب لم يخرجها المؤلف العلامة ههنا، فليراجع. [*]

[168]

يا زرارة بقول الله أقول: يقول الله تعالى، " لم يدخلوها وهم يطمعون " (1) لو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنة، ولو كانوا كافرين لدخلوا النار. قال: فماذا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: أرجئهم حيث أرجأهم الله أما إنك لو بقيت لرجعت عن هذا الكلام، وتحللت عنك عقدك. قال: فأصحاب زرارة يقولون: لرجعت عن هذا الكلام وتحللت عنك عقد الايمان (2).


(1) الاعراف: 26. (2) قال في القاموس: تحلل في يمينه: استثنى، وحل العقدة: نقضها فانحلت وقال: عقد الحبل والبيع والعهد يعقده: شده، والعقد، الضمان والعهد، والعقد - بالكسر - القلادة، والعقدة - بالضم - الولاية على البلد، والجمع كصرد - إلى أن قال: وتحللت عقده: سكن غضبه، فإذا عرفت هذا فهذا الكلام يحتمل وجوها: الاول: أن يكون العقد بضم العين وفتح القاف جمع العقدة بالضم، والمراد انك ان كبر سنك رجعت عن هذا المذهب الباطل الذي استقر في نفسك، وانحلت عنك العقد التي في قلبك من الشكوك والشبهات في ذلك: استعار العقد للشبهات وهي شايعة في المحاورات بين الناس وهذا أظهر الوجوه، و من قرء " تحللت " بصيغة المتكلم فهو تصحيف، إذ لم أجده في اللغة متعديا. الثاني أن يكون المراد بتحلل العقد سكون غضبه على المخالفين كما مر عن القاموس. الثالث هذا الذي ذكره الكشي حيث قال: وأصحاب زرارة يقولون الخ ولعل المراد بأصحاب زرارة القائلون بهذا القول الذي كان زرارة عليه، أولا، فانهم لما لم يرجعوا عن هذا القول ظنوا أن الامام عليه السلام كان يصوب رأي زرارة باطنا ويتكلم معه ظاهرا للتقية، فأخبر بأنه يرجع بعد كبره عن هذا القول، ويرجع بذلك عن الايمان، أو يضعف ايمانه، ولا يخفى ركاكة هذا التأويل، الا أن يكون مرادهم تحلل العقد في مسألة الايمان، فيرجع إلى ما ذكرنا أولا. الرابع ما قيل: ان المعنى رجعت عن هذا القول الباطل وتحللت عنك هذه القلادة = [*]

[169]

فكل من أدرك زرارة بن أعين فقد أدرك أبا عبد الله فانه مات بعد أبي عبد الله عليه السلام بشهرين أو أقل، وتوفى أبو عبد الله عليه السلام وزرارة مريض مات في


= أو هذا الرأي. الخامس: أي رجعت عن دين الحق وتحللت عنك هذا العهد والبيعة. وأقول: لا يخفى اشتمال هذا الخبر على قدح عظيم لزرارة، ولم يجعله وأمثاله الاصحاب قادحة فيه، لاجماع العصابة على عدالته وجلالته وفضله وثقته، وورد الاخبار الكثيرة في فضله وعلو شأنه. والحق أن علو شأن هؤلاء الاجلاء، وكثرة حاسديهم صار سببا للقدح فيهم وأيضا قدحوا في هذه الرواية (يعني رواية الكافي عن علي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن رجل، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: بالارسال وبمحمد بن عيسى اليقطيني وان كان له مدح وتوثيق من بعض الاصحاب فانه جزم السيد الجليل ابن طاوس بضعفه والصدوق محمد بن بابويه وشيخه ابن الوليد. وقال الشهيد الثاني قده: قد ظهر اشتراك جميع الاخبار القادحة في استنادها إلى محمد بن عيسى وهو قرينة عظيمة على ميل وانحراف منه عن زرارة، مضافا إلى ضعفه في نفسه، منه رحمه الله في شرح الكافي. وأقول: هذه الرواية من الكشي وان لم يكن في طريقه محمد بن عيسى اليقطيني ولكنه ضعيف بأحمد بن هلال، ولكن الحديث له طريق آخر في الكافي باب أصحاب الاعراف وهو محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، فالحديث موثق بهذا السند كما اعترف به العلامة المؤلف في شرح الكافي ج 2 ص 396 حيث قال: موثق كالصحيح. فالحق أن يقال: هذه المباحثة والمجادلة كان من زرارة في شبابه كما قال عليه السلام " فكيف تصبر وأنت شاب " وليس بلازم أن نقول بجلالة قدره ومعرفته الكاملة في شبابه، بل هو كلما طعن في السن صارت معرفته كاملة حتى بلغ ما بلغ. [*]

[170]

مرضه ذلك (1). 35 - فس: عن سعيد بن الحسن بن مالك، عن بكار، عن الحسن بن الحسين عن منصور بن مهاجر، عن سعد، عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تريهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا " (2) فقال: مثل إجراء الله في شيعتنا كما يجري لهم في الاصلاب، ثم يزرعهم في الارحام، ويخرجهم للغاية التي أخذ عليها ميثاقهم في الخلق، منهم أتقياء وشهداء، ومنهم الممتحنة قلوبهم، ومنهم العلماء ومنهم النجباء، ومنهم النجداء، ومنهم أهل التقى، ومنهم أهل التقوى، ومنهم أهل التسليم، فازوا بهذه الاشياء سبقت لهم من الله، وفضلوا الناس بما فضلوا وجرت للناس بعدهم في المواثيق حالهم -. أسماؤهم: حد " المستضعفين " وحد " المرجون لامر الله إما أن يتوب عليهم " وحد " عسى أن يتوب عليهم " وحد " لابثين فيها أحقابا " وحد " خالدين فيها مادامت السموات والارض " ثم حد الاستثناء من الله من الفريقين منازل الناس في الخير والشر خلقان من خلق الله فيهما المشية فمن ساير من خلقه في قسمة ما قسم له تحويل عن حال، زيادة في الارزاق أو نقص منها، أو تقصير في الاجال وزيادة فيها أو نزول البلاء أو دفعه، ثم أسكن الابدان على ما شاء الله من ذلك، فجعل منه مستقرا في القلوب ثابتا لاصله، وعواري بين القلوب والصدور إلى أجل له وقت، فإذا بلغ وقتهم انتزع ذلك منهم فمن ألهمه الله الخير وأسكنه في قلبه، بلغ منه غايته التي أخذ عليها ميثاقه في الخلق الاول (3). 36 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس فيما جرى بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين الاشعث بن قيس لعنه الله أن الاشعث قال له عليه السلام: والله لئن كان الامر


(1) رجال الكشي ص 128 مع اختلاف في الذيل، وما في المتن اختيار القهباني راجع قاموس الرجال ج 4 ص 178. (2) الفتح: 29. (3) لم نجده في تفسير القمي. [*]

[171]

كما تقول لقد هلكت الامه غيرك، وغير شيعتك، قال: فان الحق والله معي يا ابن قيس كما أقول، وما هلك من الامة إلا الناصبين والمكابرين والجاحدين والمعاندين، فأما من تمسك بالتوحيد، والاقرار بمحمد والاسلام، ولم يخرج من الملة، ولم يظاهر علينا الظلمة، ولم ينصب لنا العداوة، وشك في الخلافة ولم يعرف أهلها وولاتها، ولم يعرف لنا ولاية، ولم ينصب لنا عداوة، فان ذلك مسلم مستضعف يرجى له رحمة الله ويتخوف عليه ذنوبه. 37 - كتاب المسائل: لعلي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام قال: سألته عن نبي الله هل كان يقول على الله شيئا قط أو ينطق عن الهوى أو يتكلف ؟ فقال: لا، فقلت: أرأيتك قوله لعلي عليه السلام " من كنت مولاه فعلي مولاه " الله أمره به ؟ قال نعم، قلت: فأبرأ إلى الله ممن أنكر ذلك منذ يوم أمر به رسول الله ؟ قال: نعم قلت: هل يسلم الناس حتى يعرفوا ذلك ؟ قال: لا " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " (1) قلت: من هم قال: أرأيتم خدمكم ونساؤكم ممن لا يعرف ذلك أتقتلون خدمكم وهم مقرون لكم ؟ وقال: من عرض عليه ذلك فأنكره فأبعده الله واسحقه لا خير فيه (2).


(1) النساء: 89. (2) كتاب المسائل أخرجه بتمامه في ج 10 ص 249 - 291 من هذه الطبعة الحديثة ترى موضع النص في ص 266 فراجع.

[172]

(103) * (باب النفاق) * الايات: البقرة: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون * وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون * إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون * اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين * مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون * أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير (1). آل عمران: وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (2). وقال تعالى: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (3).


(1) البقرة: 8 - 20. (2) آل عمران: 167. (3) آل عمران: 188. [*]

[173]

النساء: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (1). وقال: فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (2). وقال: بشر المنافقين بأن لهم عذاب أليما - إلى قوله - إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا * الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا * إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلوة قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا - إلى قوله تعالى - إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (3). التوبة: يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن * لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين * المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون * وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نارا جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم - إلى قوله تعالى: يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين - إلى قوله تعالى: وممن حولكم من الاعراب منافقون


(1) النساء: 61. (2) النساء: 88. (3) النساء: 138 - 146. [*]

[174]

ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (1). وقال سبحانه: وإذا ما انزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (2). العنكبوت: ومن الناس من يقول آمنا فإذا اوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين * وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (3). الاحزاب: وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا إلى قوله تعالى: ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (4). وقال تعالى: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلا (5). محمد: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم واملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الامر والله يعلم أسرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم * أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لاريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم (6).


(1) براءة: 101 - 64. (2) براءة: 127. (3) العنكبوت: 10 - 11. (4) الاحزاب: 12 - 24. (5) الاحزاب: 61 - 60. (6) القتال: 25 - 30. [*]

[175]

الفتح: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (1). الحديد: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الاماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأويكم النار هي موليكم وبئس المصير (2). المجادلة: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون * أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم ساء ما كانوا يعملون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين * لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا اولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شئ ألا إنهم هم الكاذبون * استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله اولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (3). المنافقون: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون - إلى آخر السورة. 1 - ير. شى: عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: كتبت إليه أسأله عن مسألة فكتب إلي إن الله يقول " إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم إلى قوله سبيلا " (4) ليسوا من عترة رسول الله، وليسوا من المؤمنين، وليسوا من المسلمين، يظهرون الايمان ويسرون الكفر والتكذيب لعنهم الله (5).


(1) الفتح: 11. (2) الحديد: 13 - 15. (3) المجادلة: 14 - 19. (4) النساء: 142. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 282. [*]

[176]

2 - جا: المراغي، عن علي بن الحسن، عن جعفر بن محمد بن مروان، عن أبيه، عن أحمد بن عيسى، عن محمد بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلتان لا تجتمعان في منافق: فقه في الاسلام، وحسن سمت في الوجه (1). 3 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (2). 4 - ختص: قال الصادق عليه السلام: أربع من علامات النفاق: قساوة القلب، وجمود العين، والاصرار على الذنب، والحرص على الدنيا (3). 5 - محص: عن عباد بن صهيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يجمع الله لمنافق ولا فاسق حسن السمت والفقر، وحسن الخلق أبدا. 6 - نهج: من خطبة له عليه السلام يصف فيها المنافقين: نحمده على ما وفق له من الطاعة، وزاد عنه من المعصية، ونسأله لمنته تماما وبحبله اعتصاما، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، خاض إلى رضوان الله كل غمرة، وتجرع فيه كل غصة، وقد تلون له الادنون (4) وتألب عليه الاقصون وخعلت إليه العرب أعنتها، وضربت إليه في محاربته بطون رواحلها، حتى أنزلت


(1) مجالس المفيد ص 168. (2) نوادر الراوندي ص 18. (3) الاختصاص: 228. (4) تلون الرجل: اختلفت اخلاقه، يعني أن أدنى قرابته تلون عليه، وانقلب من محبته إلى البغضة والشنآن، وخذله بعد ما كان يذب عنه كابي لهب ويقال: تألبوا عليه: أي اجتمعوا وتضافروا ليستأصلوه، والاقصون الاباعد من قريش وغيرهم، والمراد بخلع الاعنة - وهي جمع عنان - الاسراع إلى محاربته، فكما أن الخيل إذا خلعت أعنتها وخرجت عن طاعة ركابها كانت أسرع جريا وأشد بطشا وطيشا، وهكذا قبائل الاعراب خلعوا عنان المروة وحبائل القومية وأسرعوا إلى محاربته، ضاربين بطون رواحلهم لتسرع. [*]

[177]

بساحته عداوتها، من أبعد الدار، وأسحق المزار. اوصيكم عباد الله بتقوى الله واحذركم أهل النفاق، فانهم الضالون المضلون، والزالون المزلون، يتلونون الوانا، ويفتنون افتنانا، ويعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد، قلوبهم دوية، وصفاحهم نقية (1) يمشون الخفاء، ويدبون الضراء (2) وصفهم دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء، حسدة الرخاء، ومؤكدوا البلاء، ومقنطوا الرجاء. لهم بكل طريق صريع، وإلى كل قلب شفيع، ولكل شجو دموع يتقارضون الثناء، ويتراقبون الجزاء، إن سألوا ألحفوا، وإن عذلوا كشفوا، وإن حكموا أسرفوا. قد أعدوا لكل حق باطلا، ولكل قائم مائلا، ولكل حي قاتلا، ولكل باب مفتاحا، ولكل ليل مصباحا، يتوصلون إلى الطمع باليأس ليقيموا به أسواقهم وينفقوا به أعلاقهم، يقولون فيشبهون، ويصفون فيموهون، قد هينوا الطريق وأضلعوا المضيق، فهم لمة الشيطان، وحمة النيران، اولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون (3).


(1) يعني أن قلوبهم مريضة بالشك والريب والنفاق، وأما ظاهر وجوههم وبشرهم نقية من الامراض، ذو طلاقة وبشر حسن. (2) الضراء - كسحاب - المشي الخفي ختلا ومكرا، يقال للرجل إذا ختل صاحبه: هو يدب له الضراء، ويمشي له الخمر - يعني في ظل الشجر الملتف ليواري شخصه وشبحه من أعين الناس. (3) نهج البلاغة ج 1 ص 525، الرقم 192 من الخطب. [*]

[178]

(104) * (باب) * * " (المرجئة والزيدية والبترية والواقفية) " * * (" وساير فرق أهل الضلال وما يناسب ذلك) " * 1 - كش: سعد بن جناح، عن علي بن محمد بن يزيد، عن ابن عيسى، عن الاهوازي، عن فضالة، عن الحسين بن عثمان، عن سدير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ومعي سلمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحداد وسالم بن أبي حفصة وكثير النوا وجماعة معهم، وعند أبي جعفر عليه السلام أخوه زيد بن علي عليه السلام، فقالوا لابي جعفر عليه السلام: نتولى عليا وحسنا وحسينا ونتبرأ من أعدائهم، قال: نعم، قالوا: نتولى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم، قال: فالتفت إليهم زيد بن علي وقال لهم: أتتبرؤن من فاطمة ؟ بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذ سموا البترية (1). 2 - كش: عمر بن رباح قيل: إنه كان أولا يقول بامامة أبي جعفر عليه السلام ثم إنه فارق هذا القول وخالف أصحابه مع عدة يسيرة تابعوه على ضلالته، فانه زعم أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن مسألة فأجابه فيها بجواب ثم عاد إليه في عام آخر وزعم أنه سأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الاول، فقال لابي جعفر عليه السلام: هذا بخلاف ما أجبتني في هذه المسألة عامك الماضي، فذكر أنه قال له: إن جوابنا خرج على وجه التقية. فشك في أمره وإمامته، فلقى رجلا من أصحاب أبي جعفر عليه السلام يقال له: محمد بن قيس فقال: إني سألت أبا جعفر عليه السلام عن مسئلتي فأجابني فيها بجواب ثم سألت عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف الجواب الاول فقلت له: لم فعلت ذلك ؟ قال: فعلته للتقية، وقد علم الله أنني ما سألته إلا وإني صحيح العزم على التدين بما يفتيني فيه، وقبوله والعمل به، ولا وجه لاتقائه إياي، وهذه حاله.


(1) رجال الكشي ص 205. [*]

[179]

فقال له محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه ؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحد من المجالس غيري. لا، ولكن كان جوابيه جميعا على وجه التخيب ولم يحفظ ما أجاب به في العام الماضي فيجيب بمثله، فرجع عن إمامته، وقال: لا يكون إمام يفتي بالباطل على شئ من الوجوه، ولا في حال من الاحوال، ولا يكون إماما يفتي بتقية من غير ما يجب عند الله، ولا هو مرخ ستره، ويغلق بابه، ولا يسع الامام إلا الخروج، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فمال إلى سنته بقول البترية ومال معه نفر يسير (1). أقول: قد أوردنا كثيرا من أخبار أحوال الزيدية في كتاب الامامة بعد باب النصوص على الائمة الاثني عشر عليهم السلام (2) وأوردنا أيضا أخبارا كثيرة في شأن الواقفية وأمثالهم في مطاوي أبواب أحوالهم عليهم السلام أيضا. 3 - شى: عن موسى بن بكر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أشهد أن المرجئة على دين الذين قالوا: " أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين " (3). 4 - كش: حمدويه: عن ابن يزيد، عن محمد بن عمر، عن ابن عذافر، عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصدقة على الناصب وعلى الزيدية فقال: لا تصدق عليهم بشئ، ولا تسقهم من الماء، إن استطعت، وقال لي: الزيدية هم النصاب (4). 5 - كش: محمد بن الحسن، عن أبي علي الفارسي قال: حكى منصور عن الصادق علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام أن الزيدية والواقفية والنصاب بمنزلة عنده سواء (5).


(1) رجال الكشي ص 206. (2) راجع ج 37 ص 1 - 34. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 24، والاية في الاعراف: 111، والمراد من الذين قالوا: أرجه وأخاه الخ ملاء فرعون الجبار. (4 - 5) رجال الكشي 199. [*]

[180]

5 - كش: محمد بن الحسن، عن أبي علي، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير عمن حدثه قال: سألت محمد بن علي الرضا عليهما السلام عن هذه الاية " وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة " (1) قال: نزلت في النصاب والزيدية، والواقفية من النصاب (2). 6 - كش: حمدويه: عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أحد أجهل منهم يعني العجلية، إن في المرجئة فتيا وعلما، وفي الخوارج فتيا وعلما، وما أحد أجهل منهم (3). 7 - كش: محمد بن مسعود، عن عبد الله بن محمد بن خالد، عن الحسن بن علي الخزاز، عن علي بن عقبة، عن داود بن فرقد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: عرضت لي إلى ربي تعالى حاجة فهجرت فيها إلى المسجد، وكذلك كنت أفعل أذا عرضت لي الحاجة، فبينا أنا اصلي في الروضة إذا رجل على رأسي فقلت: ممن الرجل ؟ قال: من أهل الكوفة، قال: فقلت: ممن الرجل ؟ فقال: من أسلم، قال: قلت: ممن الرجل ؟ قال: من الزيدية، قلت: يا أخا أسلم من تعرف منهم ؟ قال: أعرف خيرهم وسيدهم وأفضلهم هارون بن سعد، قال: قلت: يا أخا أسلم رأس العجلية أما سمعت الله عزوجل يقول: " ان الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا " (4) وإنما الزيدي حقا محمد بن سالم بياع القصب (5). 8 - كش: سعد بن صباح، عن على بن محمد، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع عن محمد بن فضيل، عن سعد الجلاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أن البترية صف واحد ما بين المشرق والمغرب ما أعز الله بهم دينا.


(1) الغاشية 2 - 3. (2 - 3) رجال الكشي 199. (4) الاعراف: 152. (5) رجال الكشي: ص 200، وفيه وهم واختلال فراجع. [*]

[181]

والبترية هم أصحاب كثير النوا والحسن بن صالح بن حي وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحداد، وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، ويثبتون لهما أمامتهما، ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب عليه السلام يذهبون في ذلك إلى الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ويثبتون لكل من خرج من ولد علي بن أبي طالب عليه السلام عند خروجه الامامة (1). 9 - دلائل الامامة للطبري الامامي: عن حسن بن معاذ الرضوي، عن لوط بن يحيى الازدي، عن عمارة بن زيد الواقدي قال: حج هشام بن عبد الملك ابن مروان سنة من السنين، وكان قد حج في تلك السنة محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر بن محمد عليهم السلام فقال جعفر بن محمد في بعض كلامه: الحمد لله الذي بعث محمدا بالحق نبيا، وأكرمنا به، فنحن صفوة الله على خلقه، وخيرته من عباده، فالسعيد من اتبعنا، والشقي من عادانا وخالفنا ومن الناس من يقول: إنه يتولانا وهو يوالي أعداءنا، ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم أعداؤنا فهو لم يسمع كلام ربنا ولم يعمل به. قال أبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فاخبر مسيلمة (بن عبد الملك) أخاه بما سمع، فلم يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق، وانصرفنا إلى المدينة، فانفذ بريدا إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه، فأشخصنا فلما وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ثم أذن لنا في اليوم الرابع، فدخلنا وإذا هو قد قعد على سرير الملك وجنده وخاصته وقوف على أرجلهم سماطين متسلحين، وقد نصب البرجاس (2) حذاه وأشياخ قومه يرمون.


(1) رجال الكشي ص 202. (2) البرجاس: بالضم: غرض في الهواء يرمي به وأظنه مولدا قاله الجوهري وقال في برهان قاطع: البرجاس بضم الباء وسكون الجيم والالف الممدودة: الغرض مطلقا كان في الهواء، أو منصوبا في الارض، والعرب تخصه بالاول ويسمى الثاني هدفا. [*]

[182]

فلما دخلنا وأبي أمامي يقدمني عليه بدأه وأنا خلفه على يد أبي (1) حتى حاذيناه فنادى أبي: يا محمد ارم مع أشياخ قومك الغرض وإنما أراد أن يهتك بأبي وظن أنه يقصر ويخطئ، ولا يصيب إذا رمى، فيشتفي منه بذلك، فقال له أبي: قد كبرت عن الرمي فان رأيت إن تعفيني فقال: وحق من أعزنا بدينه ونبيه محمد صلى الله عليه وآله لا اعفيك ثم أومى إلى شيخ من بني امية أن أعطه قوسك. فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ ثم تناول منه سهما فوضعه في كبد القوس ثم انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثم رمى فيه الثانية فشق فواق سهمه إلى نصله، ثم تابع الرمي حتى شق تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، وهشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك أن قال: أجدت يا با جعفر ! وأنت أرمى العرب والعجم كلا زعمت أنك قد كبرت عن الرمي، ثم أدركته ندامة على ما قال، وكان هشام لم يكن أحدا قبل أبي ولا بعده في خلافته، فهم به وأطرق إطراقة يرتوي فيه رأيا، وأبي واقف بحذاه. مواجها له، وأنا وراء أبي. فلما طال وقوفنا بين يديه غضب أبي فهم به، وكان أبي عليه وعلى آبائه السلام إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يتبين للناظر الغضب في وجهه، فلما نظر هشام إلى ذلك من أبي قال له: يا محمد اصعد ! فصعد أبي إلى سريره وأنا أتبعه فلما دنى من هشام قام إليه فاعتنقه وأقعده عن يمينه، ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي، ثم أقبل على أبي بوجهه فقال له: يا محمد لا تزال العرب والعجم تسودها قريش مادام فيهم مثلك، لله درك من علمك هذا الرمي، وفي كم تعلمته ؟ فقال له أبي: قد علمت أن أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته فلما أراد أمير المؤمنين مني ذلك عدت فيه. فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت، وما ظننت إن في الارض


(1) في المصدر المطبوع: ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه وجلسنا قليلا فقال لابي: يا أبا جعفر لو رميت مع أشياخ قومك الغرض وإنما أراد أن يضحك بأبي ظنا منه الخ. وهكذا بين النسختين اختلافات. [*]

[183]

أحدا يرمي مثل هذا الرمي، أين رمي جعفر من رميك ؟ فقال: إنا نحن نتوارث الكمال والتمام والدين إذ أنزل الله على نبيه في قوله: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " (1) والارض لا تخلو ممن يكمل هذه الامور التي يقصر عنها غيرنا. قال: فلما سمع ذلك من أبى انقلبت عينه اليمنى فأحولت واحمر وجهه وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثم أطرق هنيئة ثم رفع رأسه فقال لابي: ألسنا بني عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد ؟ فقال أبي: نحن كذلك. ولكن الله جل ثناؤه اختصنا من مكنون سره وخالص علمه بما لم يخص به أحدا غيرنا، فقال: اليس الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وآله من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ؟ من أين ورثتم ما ليس لغيركم ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة وذلك قول الله تبارك وتعالى: " وما من غائبة في السماء والارض " إلى آخر الاية (2) فمن أين ورثتم هذا العلم ؟ وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء ؟ فقال: من قوله تعالى لنبيه: " لا تحرك به لسانك لتعجل به " (3) [فالذي أبداه فهو للناس كافة و] الذي لم يحرك به لسانه أمر الله أن يخصنا به من دون غيرنا، فلذلك كان يناجى أخاه عليا من دون أصحابه، وأنزل الله بذلك قرآنا في قوله: " وتعيها اذن واعية " (4) فقال رسول الله صلى عليه عليه وآله لاصحابه: سألت الله أن يجعلها اذنك يا علي فلذلك قال علي بن أبي طالب عليه السلام بالكوفة: علمني رسول الله صلى الله عليه وآله ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب، خصه به رسول الله صلى الله عليه وآله من مكنون سره فكما خص الله أكرم الخلق عليه كذلك خص نبيه أخاه عليا من مكنون سره وعلمه بما لم يخص به أحدا من قومه، حتى صار إلينا، فتوارثنا من دون أهلها. فقال هشام بن عبد الملك: إن عليا كان يدعي علم الغيب، والله لم يطلع


(1) المائدة: 3. (2) النمل: 75، والمصدر خال من ذكر الاية وسيأتي. (3) القيامة: 16. (4) الحاقة: 12. [*]

[184]

على غيبه أحدا فمن أين ادعى ذلك ؟ فقال أبي: إن الله جل ذكره أنزل على نبيه كتابا بين فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله: " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " (1) " وهدى وموعظة للمتقين " وفي قوله: " كل شئ أحصيناه في إمام مبين " (2) وفي قوله: " وما فرطنا في الكتاب من شئ " (3) وفي قوله: " وما من غائبة في السماء والارض إلا في كتاب مبين " (4) وأوحى الله إلى نبيه عليه السلام أن لا يبقي في غيبه وسره ومكنون علمه شئ إلا يناجي به عليا، فأمره أن يؤلف القرآن من بعده، ويتولى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه، وقال لاصحابه: حرام على أصحابي وأهلي أن ينظروا إلى عورتي غير أخي علي فانه مني وأنا منه، له مالي وعليه ما علي، وهو قاضي ديني ومنجز موعدي. ثم قال صلى الله عليه وآله لاصحابه: علي بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، ولم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله وتمامه إلا عند علي عليه السلام ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه: أقضاكم علي. أي هو قاضيكم وقال عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر، يشهد له عمر ويجحد غيره. فأطرق هشام طويلا ثم رفع رأسه فقال: سل حاجتك، فقال: خلفت أهلي وعيالي مستوحشين لخروجي، فقال: قد آمن الله وحشتهم برجوعك إليهم، ولا تقم أكثر من يومك، فاعتنقه أبي ودعا له وودعه، وفعلت أنا كفعل أبي، ثم نهض ونهضت معه، وخرجنا إلى بابه، وإذا ميدان ببابه، وفي آخر الميدان اناس قعود عدد كثير.


(1) النحل: 89، وذيلها: " وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " وفي سورة آل عمران: " هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين " ولعله سقط ذيل الاولى و صدر الثانية. (2) يس: 12. (3) الانعام: 38. (4) النمل: 75. [*]

[185]

قال أبي: من هؤلاء ؟ قال الحجاب: هؤلاء القسيسون والرهبان، وهذا عالم لهم يقعد إليهم في كل سنة يوما واحدا يستفتونه فيفتيهم، فلف أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه، وفعلت أنا فعل أبي، فاقبل نحوهم حتى قعد نحوهم، وقعدت وراء أبي، ورفع ذلك في الخبر إلى هشام فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي. فاقبل وأقبل عدد من المسلمين فأحاطوا بنا، وأقبل عالم النصارى وقد شد حاجبيه بحريرة صفراء حتى توسطنا فقام إليه جميع القسيسين والرهبان مسلمين عليه فجاء إلى صدر المجلس، فقعد فيه وأحاط به أصحابه وأبي وأنا بينهم فأدار نظره ثم قال لابي: أمنا أم من هذه الامة المرحومة ؟ فقال أبي: بل من هذه الامة المرحومة فقال: من أين أنت من علمائها أم من جهالها ؟ فقال له أبي: لست من جهالها فاضطرب اضطرابا شديدا ثم قال له: أسالك ؟ فقال له أبي: سل، فقال: من أين ادعيتم أن أهل الجنة يطعمون ويشربون ولا يحدثون ولا يبولون ؟ وما الدليل فيما تدعونه من شاهد لا يجهل ؟ فقال له أبي: دليل ما ندعي من شاهد لا يجهل الجنين في بطن امه، يطعم ولا يحدث، قال: فاضطرب النصراني اضطرابا شديدا ثم قال: كلا زعمت إنك ليست من علمائها، فقال له أبي: ولا من جهالها (1) وأصحاب هشام يسمعون ذلك ؟ فقال لابي: أسألك عن مسألة اخرى ؟ فقال له أبي: سل، فقال: من أين ادعيتم أن فاكهة الجنة أبدا غضة طرية موجودة غير معدومة، عند جميع أهل الجنة، لا تنقطع، وما الدليل فيما تدعونه من شاهد لا يجهل ؟ فقال له أبي: دليل ما ندعي أن قرآننا (2) أبدا غض طري موجود غير معدوم عند جميع المسلمين لا ينقطع، فاضطرب اضطرابا شديدا ثم قال: كلا زعمت إنك لست من علمائها فقال له أبي: ولا من جهالها. فقال: أسألك عن مسألة ؟ فقال له: سل قال: أخبرني عن ساعة من ساعات


(1) في المصدر: فقال أبي: قلت لست من جهالها: وهكذا فيما ياتي. (2) في المصدر: الفرات. [*]

[186]

الدنيا ليست من ساعات الليل ولا من ساعات النهار، فقال له أبي: هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يهدأ فيها المبتلى، ويرقد فيها الساهر، ويفيق المغمي عليه، جعلها الله في الدنيا رغبة للراغبين، وفي الاخرة للعاملين لها، ودليلا واضحا وحجابا بالغا على الجاحدين المنكرين التاركين لها. قال: فصاح النصراني صيحة ثم قال: بقيت مسألة واحدة، والله لاسألنك عن مسألة لا تهتدي إلى الجواب عنها أبدا فأسألك ؟ فقال له أبي: سل فانك حانث في يمينك، فقال: أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد، عمر أحدهما خمسون ومائة سنة، والاخر خمسون سنة في دار الدنيا. فقال له أبي: ذلك عزير وعزرة ولدا في يوم واحد، فلما بلغا مبلغ الرجال خمسة وعشرين عاما مر عزير على حماره راكبا على قرية بأنطاكية، وهي خاوية على عروشها، فقال: أنى يحيى الله هذه بعد موتها، وقد كان اصطفاه وهداه فلما قال ذلك القول، غضب الله عليه فأماته الله مائة عام سخطا عليه بما قال، ثم بعثه على حماره بعينه وطعامه وشرابه. فعاد إلى داره. وعزرة أخوه لا يعرفه، فاستضافه فاضافه، وبعث إلى ولد عزرة وولد ولده وقد شاخوا وعزير شاب في سن ابن خمس وعشرين سنة، فلم يزل عزير يذكر أخاه وولده وقد شاخوا وهم يذكرون ما يذكرهم، ويقولون ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون والشهور، ويقول له عزرة وهو شيخ ابن مائة وخمس وعشرين سنة ما رأيت شابا في سن خمس وعشرين سنه أعلم بما كان بيني وبين أخي عزيز أيام شبابي منك، فمن أهل السماء أنت أم من أهل الارض ؟ فقال عزير لاخيه عزرة: أنا عزير سخط الله علي بقول قلته بعد أن اصطفاني وهداني، فاماتني مائة سنة، ثم بعثني ليزدادوا بذلك يقينا إن الله على كل شئ قدير، وها هو هذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده الله لي كما كان يعيدها فأيقنوا، فأعاشه الله بينهم خمسا وعشرين سنة ثم قبضه الله وأخاه في يوم واحد.

[187]

فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما وقام النصارى على أرجلهم فقال لهم عالمهم: جئتموني بأعلم مني وأقعدتموه معكم حتى يهتكني ويفضحني ويعلم المسلمون أن لهم من أحاط بعلومنا وعنده ما ليس عندنا، لا والله لا كلمتكم من رأسي كلمة ولا قعدت لكم أن عشت سنة. فتفرقوا وأبي قاعد مكانه، وأنا معه، ورفع ذلك الخبر إلى هشام بن عبد الملك فلما تفرق الناس نهض أبي وانصرف إلى المنزل الذي كنا فيه فوافانا رسول هشام بالجايزة، وأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا، ولا نحتبس لان الناس ماجوا وخاضوا فيما جرى بين أبي وبين عالم النصارى. فركبنا دوابنا منصرفين، وقد سبقنا بريد من عند هشام إلى عامل مدين على طريقنا إلى المدينة أن ابني أبي تراب الساحرين محمد بن علي وجعفر بن محمد الكذابين - بل هو الكذاب لعنه الله - فيما يظهران من الاسلام وردا علي فلما صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسيسين والرهبان من كفار النصارى وتقربا إليهم بالنصرانية فكرهت أن انكل بهما لقرابتهما، فإذا قرأت كتابي هذا فناد في الناس: برئت الذمة ممن يشاريهم أو يبايعهم أو يصافحهم أو يسلم عليهم، فانهما قد ارتدا عن الاسلام، ورأى أمير المؤمنين أن يقتلهما ودوابهما وغلمانهما ومن معهما أشر قتلة. قال: فورد البريد إلى مدينة مدين، فلما شارفنا مدينة مدين قدم أبي غلمانه ليرتادوا له منزلا، ويشتروا لدوابنا علفا، ولنا طعاما، فلما قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في وجوهنا، وشتمونا وذكروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقالوا: لا نزول لكم عندنا، ولا شري ولا بيع، يا كفار ! يا مشركين يا مرتدين يا كذابين يا شر الخلائق أجمعين. فوقف غلماننا على الباب حتى انتهينا إليهم فكلمهم أبي، ولين لهم القول، وقال لهم اتقوا الله ولا تغلطون، فلسنا كما بلغكم، ولا نحن كما تقولون، فاسمعونا (1).


(1) أي شتمونا. [*]

[188]

فقال أبي: فهبنا كما تقولون، افتحوا لنا الباب، وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى والمجوس، فقالوا: أنتم أشر من اليهود والنصارى والمجوس، لان هؤلاء يؤدون الجزية، وأنتم ما تؤدون، فقال لهم أبي: افتحوا لنا الباب وأنزلونا، وخذوا منا الجزية كما تأخذون منهم، فقالوا: لا نفتح ولا كرامة لكم حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعا مياعا (1) وتموت دوابكم تحتكم. فوعظهم أبي فازدادوا عتوا ونشوزا قال: فثنى أبي برجله عن سرجه وقال لي: مكانك يا جعفر لا تبرح، ثم صعد الجبل المطل على مدينة مدين، وأهل مدين ينظرون إليه ما يصنع ؟ فلما صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وحده ثم وضع أصبعيه في اذنيه، ثم نادى باعلا صوته: " وإلى مدين أخاهم شعيبا " إلى قوله: " بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين " (2) نحن والله بقية الله في أرضه. فأمر الله ريحا سوداء مظلمة فهبت واحتملت صوت أبي فطرحته في أسماع الرجال والنساء والصبيان، فما بقي أحد من الرجال والنساء والصبيان إلا صعد السطوح وأبي مشرف عليهم، وصعد فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السن، فنظر إلى أبي على الجبل، فنادى باعلا صوته: اتقوا الله يا أهل مدين، فانه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب عليه السلام حين دعى على قومه فان أنتم لم تفتحوا الباب ولم تنزلوه، جائكم من العذاب وأتى عليكم، وقد أعذر من أنذر. ففزعوا وفتحوا الباب وأنزلونا وكتب العامل بجميع ذلك إلى هشام، فارتحلنا في اليوم الثاني فكتب هشام إلى عامل مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيطموه (3) فاخذوه


(1) لعله اتباع كما يقال: كثير بثير، وشزر مزر، وأكثر ما يكون بلا واو. (2) هود: 84 - 86.. (3) يعني أن يأخذوه ويدفنوه في حفيرة حيا، كما هو نص المصدر. [*]

[189]

فطموه رحمة الله عليه وصلواته، وكتب إلى عامل المدينة الرسول أن يحتال في سم أبي في طعام أو شراب فمضى هشام ولم يتهيأ له في أبي شئ من ذلك (1). (105) * (باب) * * " (جوامع مساوي الاخلاق) " * الايات: المائدة: وترى كثيرا منهم يسارعون في الاثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (2). الانفال: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (4). الرعد: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (4). الكهف: ومن أظلم ممن ذكر بايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (5). ق: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير معتد مريب * الذي جعل مع الله إلها آخر فالقياه في العذاب الشديد (6). 1 - ل: العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن أحمد بن عمر، عن يحيى الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام


(1) دلائل الامامة ص 104 - 108 ط النجف. (2) المائدة: 62. (3) الانفال: 47. (4) الرعد: 25. (5) الكهف: 57. (6) ق: 24 - 26. [*]

[190]

يقول: لا يطمعن ذو الكبر في الثناء الحسن، والخب في كثرة الصديق، ولا السيئ الادب في الشرف، ولا البخيل في صلة الرحم، ولا المستهزئ بالناس في صدق المودة، ولا القليل الفقه في القضاء، ولا المغتاب في السلامة، ولا الحسود في راحة القلب، ولا المعاقب على الذنب الصغير في السؤدد، ولا القليل التجربة المعجب برأيه في رئاسة (1). 2 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن أسلم الجبلي باسناده يرفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن الله عزوجل يعذب ستة بست: العرب بالعصبية، والدهاقة بالكبر، والامراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجار بالخيانة، واهل الرستاق بالجهل (2). سن: أبي، عن داود النهدي، عن ابن أسباط، عن الحلبي رفعه إلى أمير - المؤمنين عليه السلام مثله (3). ختص: عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله (4). 3 - ل: أبي وابن الوليد معا، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا، عن الاشعري، عن جعفر بن محمد بن عبيدالله، عن أبي يحيى الواسطي عمن ذكره أنه قال لابي عبد الله عليه السلام: أترى هذا الخلق كله من الناس ؟ فقال: ألق منهم التارك المسواك. والمتربع في موضع الضيق، والداخل فيما لا يعنيه، والمماري فيما لا علم له به، والمتمرض من غير علة، والمتشعث من غير مصيبة، والمخالف على أصحابه في الحق، وقد اتفقوا عليه، والمفتخر يفتخر بآبائه وهو خلو من صالح أعمالهم فهو بمنزلة الخليج (5) يقشر لحاء عن لحاء حتى يوصل إلى جوهريته


(1) الخصال ج 2 ص 53. (2) الخصال: ج 1 ص 158. (3) المحاسن: ص 10. (4) الاختصاص: 234. (5) شجر كالطرفاء حبه كالخردل. [*]

[191]

وهو كما قال الله عزوجل: " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا " (1). سن: أبي، عن أبي الحسن الواسطي عمن ذكره مثله (2). 4 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري. عن موسى بن جعفر عن ابن معبد، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ في كل يوم من ست: من الشك والشرك والحمية والغضب والبغي والحسد (4). 5 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أخبرني جبرئيل عليه السلام إن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام، ما يجدها عاق ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جار إزاره خيلاء (4)، ولا فتان، ولا منان ولا جعظري، قال: قلت: فما الجعظري ؟ قال: الذي لا يشبع من الدنيا وفي حديث آخر: ولا حيوف وهو النباش، ولا زنوف وهو المخنث، ولا جواض ولا جعظري وهو الذي لا يشبع من الدنيا (5). 6 - ل: أبي، عن علي، عن أبيه، عن الفارسي، عن الجعفري، عن عبد الله بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عزوجل لما خلق الجنة خلقها من لبنتين: لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل حيطانها الياقوت، وسقفها الزبرجد، وحصباؤها اللؤلؤ


(1) الخصال ج 2 ص 39. (2) المحاسن ص 11. (3) الخصال ج 1 ص 160. (4) الازار: حلة واسعة كانوا يعقدونها على أوساطهم سترا للفرج والفخذ، وربما لبسوا حلة طويلة من دون ان يقطعوها حلتين (ازارا ورداء) ويجرون الزائد منها على الارض تكبرا وتعظما وخيلاء. (5) معاني الاخبار ص 330. [*]

[192]

وترابها الزعفران، والمسك الاذفر، فقال لها: تكلمي ! فقالت: لا إله إلا أنت الحي القيوم، قد سعد من يدخلني فقال الله عزوجل: بعزتي وعظمتي وجلالي وارتفاعي لا يدخلها مدمن خمر ولا سكير ولا قتات وهو النمام، ولا ديوث وهو القلطبان، ولا قلاع وهو الشرطي، ولا زنوق وهو الخنثى، ولا خيوف وهو النباش، ولا عشار، ولا قاطع رحم، ولا قدري (1). 7 - ل: أبي وابن الوليد معا، عن أحمد بن إدريس ومحمد العطار معا عن الاشعري، عن محمد بن الحسين رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا سكير ولا عاق ولا شديد السواد ولا ديوث ولا قلاح وهو الشرطي ولا زنوق وهو الخنثى، ولا خيوف وهو النباش ولا عشار ولا قاطع رحم ولا قدري. قال الصدوق رضي الله عنه: يعني الشديد الذي لا يبيض شئ من شعر راسه ولا من شعر لحيته من كبر السن ويسمى الغربيب (2). 8 - لي: عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن الدهقان، عن درست، عن ابن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تمزح فيذهب نورك. ولا تكذب فيذهب بهاؤك، وإياك وخصلتين: الضجر والكسل، فانك إن ضجرت لم تصبر على حق وإن كسلت لم تؤد حقا، قال عليه السلام: وكان المسيح عليه السلام يقول: من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذب نفسه، ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه، ومن لاحا الرجال ذهبت مروته (3). 9 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا، عن سهل، عن محمد بن الحسن بن زيد، عن عمرو بن عثمان، عن ثابت بن دينار، عن ابن ظريف عن ابن نباتة قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: الصدق أمانة، والكذب خيانة والادب رياسة، والحزم كياسة، والسرف مثواة، والقصد مثراة، والحرص مفقرة


(1 - 2) الخصال ج 2 ص 54. (3) أمالي الصدوق ص 324. [*]

[193]

والدناءة محقرة، والسخاء قربة، واللوم غربة، والدقة استكانة، والعجز مهانة والهوى ميل، والوفاء كيل، والعجب هلاك والصبر ملاك (1). 10 - لى: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن عمه، عن الصادق عليه السلام قال: ثلاث من لم يكن فيه فلا يرجى خيره ابدا: من لم يخش الله في الغيب، ولم يرعو عند الشيب، ولم يستحي من العيب (2). 11 - ل: ابن الوليد، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن سنان، عن العلا ابن فضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث إذا كن في الرجل فلا تجرح إن تقول إنها في جهنم: الجفاء والجبن والبخل، وثلاث إذا كن في المرأة فلا تجرح أن تقول انها في جهنم: البذاء والخيلاء والفجر (3). 12 - ل: عن العطار، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير عن أبان بن عثمان، عن الحارث بن المغيرة النضري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ستة لا تكون في المؤمن: العسر والنكر واللجاجة والكذب والحسد والبغي (4). 13 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن موسى بن عمر، عن أبي علي بن راشد رفعه إلى الصادق عليه السلام إنه قال: خمس هن كما أقول: ليست لبخيل راحة، ولا لحسود لذة، ولا لملوك وفاء، ولا لكذاب مروة، ولا يسود سفيه (5). 14 - مع: عن الطالقاني، عن البزوفري، عن إبراهيم بن هيثم، عن أبيه عن جده، عن المعافا بن عمران، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح بن هاني


(1) الخصال ج 2 ص 94. (2) أمالي الصدوق: 247. (3) الخصال ج 1 ص 76. (4) الخصال ج 1 ص 158. (5) الخصال ج 1 ص 130. [*]

[194]

عن أبي السرد (1) قال: سأل أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن بن علي فقال: يا بني ما العقل ؟ قال: حفظ قلبك ما استودعه، قال: فما الحزم ؟ قال: أن تنتظر فرصتك وتعاجل ما أمكنك، قال: فما المجد ؟ قال: حمل الغارم وابتناء المكارم قال: فما السماحة قال: إجابة السائل وبذل النائل، قال: فما الشح قال: أن ترى القليل سرفا وما أنفقت تلفا، قال: فما السرقة ؟ قال: طلب اليسير ومنع الحقير، قال: فما الكلفة ؟ قال: التمسك بمن لا يؤمنك، والنظر فيما لا يعنيك، قال: فما الجهل ؟ قال: سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها، والامتناع عن الجواب ونعم العوان الصمت في مواطن كثيرة وإن كنت فصيحا. ثم أقبل على الحسين ابنه عليه السلام فقال له: يا بني ما السؤدد ؟ قال: احشاش العشيرة (2) واحتمال الجريرة، قال: فما الغنى ؟ قال: قلة أمانيك والرضا بما يكفيك، قال: فما الفقر ؟ قال: الطمع وشدة القنوط، قال: فما اللؤم ؟ قال: احراز المرء نفسه واسلامه عرسه، قال: فما الخرق ؟ قال: معاداتك أميرك ومن يقدر على ضرك ونفعك. ثم التفت إلى الحارث الاعور فقال: يا حارث علموا هذه الحكم أولادكم فانها زيادة في العقل والحزم والرأي (3). 15 - ل: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي. عن ابن أبي عثمان، عن أحمد بن عمر، عن يحيى الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول سبعة يفسدون أعمالهم: الرجل الحليم ذو العلم الكثير لا يعرف بذلك ولا يذكر به، والحكيم الذي يدبر ماله كل كاذب منكر لما يؤتي إليه والرجل الذي يأمن ذا المكر والخيانة، والسيد الفظ الذي لا رحمة له، والام


(1) في المصدر عن أبيه شريح. (2) يقال: أحش فلانا: أعانه على جمع الحشيش، وعن حاجته: أعجله عنها، و في المصدر المطبوع: اصطناع العشيرة، ومعناه اسداء المعروف إليهم. (3) معاني الاخبار ص 401. [*]

[195]

التي لا تكتم عن الولد السر وتفشي عليه (1) والسريع إلى لائمة إخوانه، والذي يجادل أخاه مخاصما له (2). 16 - ص: بالاسناد، عن الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن مصعب بن يزيد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء نوح عليه السلام إلى الحمار ليدخل السفينة فامتنع عليه، قال: وكان إبليس بين أرجل الحمار فقال: يا شيطان ادخل فدخل الحمار ودخل الشيطان، فقال إبليس: اعلمك خصلتين ؟ فقال نوح: لا حاجة لي في كلامك فقال إبليس: إياك والحرص فانه أخرج آدم من الجنة، وإياك والحسد، فانه اخرجني من الجنة فأوحى الله إليه [اقبلهما] وإن كان ملعونا. 17 - ص: بالاسناد عن الصدوق، عن ابن موسى، عن الاسدي، عن سهل عن عبد العظيم الحسني، عن علي بن محمد العسكري عليه السلام قال: جاء إبليس إلى نوح فقال: إن لك عندي يدا عظيمة فانتصحني فاني لا أخونك، فتأثم نوح بكلامه ومساءلته، فأوحى الله إليه أن كلمه وسله فاني سانطقه بحجة عليه، فقال نوح: تكلم، فقال إبليس: إذا وجدنا ابن آدم شحيحا أو حريصا أو حسودا أو جبارا أو عجولا تلقفناه تلقف الكرة، فان اجتمعت لنا هذه الاخلاق سميناه شيطانا مريدا فقال نوح صلوات الله عليه: ما اليد العظيمة التي صنعت ؟ قال: إنك دعوت الله على أهل الارض فالحقتهم في ساعة بالنار، فصرت فارغا ولولا دعوتك لشغلت بهم دهرا طويلا. 18 - ثو: عن أبيه، عن علي بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن بكر بن صالح، عن ابن فضال، عن عبد الله بن إبراهيم، عن الحسين بن زيد، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أسرع الخير ثوابا البر وإن أسرع الشر عقابا البغي، وكفى بالمرء عيبا أن ينظر من الناس إلى ما يعمى عنه من نفسه


(1) يعني بالسر: النكاح، كما في قوله تعالى " ولكن لا تواعدوهن سرا " على ما قيل. (2) الخصال ج 2 ص 5. [*]

[196]

أو يعير الناس بما لا يستطيع تركه، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه (1). 19 - سن: عن أبيه، عن نوح بن شعيب النيسابوري، عن الدهقان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أول ما عصي الله به ست: حب الدنيا، وحب الرئاسة، وحب الطعام، وحب النساء، وحب النوم، وحب الراحة (2). 20 - سن: عن أبيه، عن ابن المغيرة ومحمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رجلا من خثعم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أي الاعمال أبغض ألى الله ؟ فقال: الشرك بالله ؟ فقال: ثم ماذا ؟ قال: قطيعة الرحم، قال: ثم ماذا، قال: الامر بالمنكر والنهي عن المعروف (3). 21 - شى: عن عمرو بن جميع رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: مكتوب في التوراة: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فقد أصبح يشكو الله، ومن أتى غنيا فتواضع لغنائه ذهب الله بثلثي دينه ومن قرء القرآن من هذه الامة ثم دخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزؤا ومن لم يستشر يندم، والفقر الموت الاكبر (4). 22 - جا: عن عمر بن محمد الصيرفي، عن علي بن مهرويه، عن داود بن سليمان عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاثة أخافهن على امتي الضلالة بعد المعرفة، ومضلات الفتن، وشهوة البطن والفرج (5). 23 - جا: ابن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني عن يونس، عن سعدان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بينما موسى ابن عمران عليه السلام جالس إذ أقبل إبليس وعليه برنس ذو الوان، فلما دنى من


(1) ثواب الاعمال ص 151. (2 و 3) المحاسن: ص 295. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 120 في آية البقرة: 131. (5) مجالس المفيد ص 72. [*]

[197]

موسى عليه السلام خلع البرنس وأقبل عليه فسلم عليه، فقال له موسى: من أنت ؟ قال: أنا إبليس قال موسى: فلا قرب الله دارك فيم جئت ؟ فقال: إنما جئت لاسلم عليك لمكانك من الله عزوجل. فقال له موسى: فما هذا البرنس ؟ قال: أختطف به قلوب بني آدم قال موسى: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ؟ فقال: إذا أعجبته نفسه واستكثر عمله، وصغر في عينيه ذنبه، ثم قال له: اوصيك بثلاث خصال: يا موسى لا تخل بامرأة ولا تخل بك فانه لا يخلو رجل بامرأة ولا تخلو به إلا كنت صاحبه دون أصحابي وإياك أن تعاهد الله عهدا فانه ما عاهد الله أحد إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء به، وإذا هممت بصدقة فامضها فانه إذا هم العبد بصدقة كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبينها، ثم ولى إبليس وهو يقول: يا ويله ويا عوله علمت موسى ما يعلمه بني آدم (1). 24 - جا: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف عن ابن مهزيار، عن فضالة، عن عبد الله بن زيد، عن ابن أبي يعفور، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: قال لي لا يغرنك الناس عن نفسك، فان الامر يصل إليك دونهم، ولا تقطع عنك النهار بكذا وكذا فان معك من يحفظ عليك، ولا تستقل قليل الخير فانك تراه غدا حيث يسرك ولا تستقل قليل الشر فانك تراه غدا حيث يسوؤك، وأحسن فاني لم أر شيئا أشد طلبا ولا أسرع دركا من حسنة لذنب قديم، إن الله جل اسمه يقول: " إن الحسنات يذهبن بالسيئات ذلك ذكرى للذاكرين " (2). 25 - ختص: الصدوق، عن أبيه، عن الحسين بن محمد بن عامر، عن عمه عبد الله، عن محمد بن زياد، عن ابن أبي عمير قال: قال الصادق عليه السلام: من لم يبال بما قال وما قيل له فهو شرك الشيطان، ومن شغف بمحبة الحرام وشهوة الزنا فهو


(1) مجالس المفيد ص 101. (2) مجالس المفيد ص 116، ومثله في ص 50. [*]

[198]

شرك الشيطان، ثم قال عليه السلام: إن لولد الزنا علامات أحدها بغضنا أهل البيت وثانيها أنه يحن إلى الحرام الذي خلق منه، وثالثها الاستخفاف بالدين ورابعها سوء المحضر للناس، ولا يسئ محضر إخوانه إلا من ولد على غير فراش أبيه أو من حملت به امه في حيضها (1). 26 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ولا صلاة لمن لا يتم ركوعها وسجودها (2). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه لا ينبغي لاولياء الله تعالى من أهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم [أن يكونوا أولياء الشيطان من أهل دار الغرور الذين كان لهم سعيهم وفيها رغبتهم] (3) ثم قال: بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يقذفون الامرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بئس القوم قوم لا يقومون لله تعالى بالقسط، بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط في الناس (4) بئس القوم قوم جعلوا طاعة إمامهم دون طاعة الله، بئس القوم قوم يختارون الدنيا على الدين، بئس القوم قوم يستحلون المحارم والشهوات بالشبهات. قيل: يا رسول الله فأي المؤمنين أكيس ؟ قال صلى الله عليه وآله: أكثرهم في الموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا، اولئك هم الاكياس (5). 27 - الدرة الباهرة: قال الصادق عليه السلام: يهلك الله ستا بست: الامراء بالجور والعرب بالعصبية، والدهاقين بالكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرساتيق


(1) الاختصاص: 219، وترى مثله في معاني الاخبار ص 113. (2) نوادر الراوندي ص 5. (3) ما بين العلامتين أضفناه من المصدر. (4) زاد في المصدر: بئس القوم قوم يكون الطلاق عندهم أوثق من عهد الله تعالى. (5) نوادر الراوندي ص 29. [*]

[199]

بالجهالة، والفقهاء بالحسد. وقال أبو الحسن الثالث عليه السلام: الحسد ماحق الحسنات، والزهو جالب المقت، والعجب صارف عن طلب العلم داع إلى الغمط (1) والجهل، والبخل أذم الاخلاق، والطمع سجية سيئة. 28 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب ويفوته الغنى الذي اياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الاخرة حساب الاغنياء، وعجبت للمتكبر الذي كان بالامس نطفة، ويكون غدا جيفة، وعجبت لمن شك في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسى الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الاخرى وهو يرى النشأة الاولى وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء (2). 29 - عده الداعي: روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: إياكم وفضول المطعم فانه يسم القلب بالفضلة، ويبطئ بالجوارح عن الطاعة، ويصم الهمم عن سماع الموعظة، وإياكم وفضول النظر فانه يبذر الهوى، ويولد الغفلة، وإياكم واستشعار الطمع، فانه يشوب القلب بشدة الحرص، ويختم على القلب بطابع حب الدنيا، وهو مفتاح كل معصية، ورأس كل خطيئة، وسبب إحباط كل حسنة (3). 30 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام لرجل سأله أن يعظه: لا تكن ممن يرجو الاخرة بغير العمل، ويرجئ التوبة بطول الامل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن اعطى منها لم يشبع، وإن منع منها لم


(1) يقال: غمط الناس - من بابي ضرب وعلم - استحقرهم وازدرى بهم والعافية: لم يشكرها والنعمة: بطرها وحقرها ؟ وغمط الحق - من باب علم - جحده، ومنه قولهم: " شر ما استقبلت به الايادي الغمط، وخير ما شيعت به البسط. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 272، الرقم 126 من الحكم. (3) عدة الداعي ص 236. [*]

[200]

يقنع، يعجز عن شكر ما اوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهي ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له (1). إن سقم ظل نادما، وإن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلى، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترا، تغلبه نفسه على ما يظن ولا يغلبها على ما يستقين، يخاف على غيره بادنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوف التوبة وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملة، يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في المواعظ ولا يتعظ، فهو بالقول مدل، ومن العمل مقل، ينافس فيما يفني ويسامح فيما يبقى، يرى الغنم مغرما، والغرم مغنما. يخشى الموت، ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقل أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن، اللغو مع الاغنياء أحب إليه من الذكر مع الفقراء يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره، ويغوي نفسه، فهو يطاع ويعصى، ويستوفي ولا يوفى، ويخشى الخلق في غير ربه، ولا يخشى ربه في خلقه. قال السيد - رضي الله عنه -: ولو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الكلام لكفى به موعظة ناجعة، وحكمة بالغة، وبصيرة لمبصر، وعبرة لناظر مفكر (2). 31 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام


(1) يعني أنه يكره الموت لكثرة ذنوبه لئلا يدركه الموت على تلك الحال وعلى أحد الذنوب فتكون له عقبى السوء، لكنه مع ذلك يقيم على تلك الذنوب ويداوم عليها ولا يرعوي عنها. (2) نهج البلاغة الرقم 150 من الحكم. [*]

[201]

قال: قال علي عليه السلام: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أيها الناس الموتة الموتة الوحية الوحية (1) لا ردة، سعادة أو شقاوة، جاء الموت بما فيه: بالروح والراحة، لاهل دار الحيوان، الذين كان لها سعيهم، وفيها رغبتهم، جاء الموت بما فيه: بالويل والكرة الخاسرة لاهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم. بئس العبد عبد له وجهان: يقبل بوجه ويدبر بوجه إن اوتى أخوه المسلم خيرا حسده، وإن ابتلى خذله، بئس العبد عبد أوله نطفة، ثم يعود جيفة، ثم لا يدري ما يفعل به فيما بين ذلك، بئس العبد عبد خلق للعبادة، فألهته العاجلة عن الاجلة (2)، وشقي بالعاقبة، بئس العبد عبد تجبر واختال، ونسى الكبير المتعال، بئس العبد عبد عتا وبغى، ونسي الجبار الاعلى، بئس العبد عبد له هوى يضله، ونفس تذله، بئس العبد عبد له طمع يقوده إلى طبع (3).


(1) الموتة: الموت، وهي أخص منه و " الموتة " الثانية تكرار للاول تأكيدا ونصبهما بتقدير " اتقوا " ونحوه، وهكذا في " الوحية الوحية " وهما صفتان للموتة، يقال: موت وحي: أي سريع. وقوله " لا ردة " أي لا رجعة بعدها حتى يستدرك الشقي السعادة ويستزيد السعيد من السعادة، بل أذا جاء الموت فبعده إما سعادة أو شقاوة، وقوله بعد ذلك " جاء الموت بما فيه بالروح والراحة الخ تفصيل بيان السعادة وقوله بعد ذلك " جاء الموت بما فيه: بالويل والكرة الخاسرة " الخ تفصيل بيان الشقاوة وقوله " بالكرة الخاسرة " إشارة إلى الحشر الذي يخسر فيه المبطلون، كما في قوله تعالى " تلك إذا كرة خاسرة " النازعات: 12. (2) زاد في المصدر: فاز بالرغبة العاجلة. (3) نوادر الراوندي ص 22، وقوله " طبع " بالتحريك: الدنس ومنه قولهم " رب طمع يهدى إلى طبع "، وقيل: الوسخ الشديد من الصداء والشين والعيب والرين، والوصف منه على كتف، يقال: " هو طبع طمع " أي دنس لا يستحي من سوءة. [*]

[202]

(106) * (باب) * * " (شرار الناس، وصفات المنافق والمرائي والكسلان) " * * " (والظالم ومن يستحق اللعن) " * الايات: الاعراف: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم أضل اولئك هم الغافلون (1). الحج: إن الله لا يحب كل خوان كفور (2). السجدة: وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالاخرة هم كافرون (3). الجاثية: ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم * وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين * من ورائهم جهنم ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (4). القلم: ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين (5). الحاقة: وأما من اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم اوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانية * خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه *


(1) الاعراف: 179. (2) الحج: 38. (3) السجدة: 7. (4) الجاثية: 7 - 10. (5) القلم: 10 - 15. [*]

[203]

إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين * فليس له اليوم ههنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون (1). المعارج: كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * تدعو من أدبر وتولى * وجمع فأوعى * إن الانسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا (2). المدثر: يتسائلون * عن المجرمين ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين (3). القيمة: فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى (4). الماعون: أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين * فويل للمصلين * الذينهم عن صلوتهم ساهون * الذينهم يراعون ويمنعون الماعون. 1 - مع (5) لي: الوراق، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه عن الحارث بن محمد بن النعمان، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أتقى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله عزوجل أوثق منه بما في يده. ثم قال صلى الله عليه وآله: ألا أنبئكم بشر الناس ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: من أبغض الناس وأبغضه الناس، ثم قال: ألا أنبئكم بشر من هذا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الذي لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ولا


(1) الحاقة: 25 - 37. (2) المعارج: 15 - 21. (3) المدثر: 40 - 47. (4) القيامة: 31 - 35. (5) معاني الاخبار ص 196. [*]

[204]

يغفر ذنبا، ثم قال: ألا انبئكم بشر من هذا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: من لا يؤمن شره، ولا يرجى خيره. إن عيسى بن مريم عليه السلام قام في بني إسرائيل فقال: يا بني إسرائيل لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم، ولا تعينوا الظالم على ظلمه فيبطل فضلكم. الامور ثلاثة: أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف فيه فرده إلى الله عزوجل (1). 2 - ل: حمزة العلوي، عن أحمد الهمداني، عن يحيى بن الحسن، عن محمد بن ميمون الخزاز، عن القداح، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ستة لعنهم الله وكل نبي مجاب (2) الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله، ويعز من أذله الله، والمستأثر بفئ المسلمين المستحل له (3). 3 - ل: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أحمد بن محمد، عن أبي القاسم الكوفي، عن عبد المؤمن الانصاري، عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) أمالي الصدوق ص 183. (2) قد مر في الباب 99 ص 115 هذا الحديث وكان لفظه " سبعة لعنتهم - وكل نبي مجاب " والمعنى أن هذه السبعة لعنتهم أنا والحال أن كل نبي مجاب الدعوة يتحقق دعاؤه على الناس ولهم باذن الله تعالى، فكيف دعائي وأنا أفضل النبيين وأوجههم عند الله عزوجل. وأما على ما في هذا الحديث وما يأتي بعده فالمعنى إن هذه السبعة ملعونون على لسان الله ولسان أنبيائه قبلي، لكنه لا يناسب الاوصاف السبعة المذكورة، فانها من خصائص شرعه ودينه صلى الله عليه وآله، خصوصا قوله " والمستحل من عترتي ما حرم الله " وهكذا قوله " المستأثر بفئ المسلمين " والمغانم إنما أحل في هذه الشريعة. والظاهر عندي أن تغيير العبارة من الرواة توهما منهم أن هذا هو الصحيح. (3) الخصال ج 1 ص 164. [*]

[205]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني لعنت سبعة لعنهم الله وكل نبي مجاب قبلي، فقيل: ومن هم يا رسول الله ؟ فقال: الزايد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمخالف لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله، والمتسلط بالجبرية ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله، المستأثر على المسلمين بفيئهم مستحلا له، والمحرم ما أحل الله عزوجل (1). سن: أبي، عن عبد الرحمن بن حماد، عمن ذكره، عن عبد المؤمن الانصاري مثله (2). 4 - ل: الحافظ، عن محمد بن الحسين الخثعمي، عن ثابت بن عامر، عن عبد الملك بن الوليد، عن عمرو بن عبد الجبار، عن عبد الله بن زياد، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: سبعة لعنهم الله وكل نبي مجاب المغير لكتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمبدل سنة رسول الله، والمستحل من عترتي ما حرم الله عزوجل، والمتسلط في سلطانه ليعز من أذل الله، ويذل من أعز الله، والمستحل لحرم الله، والمتكبر على عباد الله عزوجل (3). 5 - لي: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن محبوب، عن مالك ابن عطية، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام، قال: المنافق ينهي ولا ينتهي ويأمر بما لا يأتي، إذا قام في الصلاة اعترض، إذا ركع ربض، وإذا سجد نقر وإذا جلس شغر، يمسي وهمه الطعام وهو مفطر، ويصبح وهمه النوم ولم يسهر إن حدثك كذبك، وإن وعدك أخلفك، وإن ائتمنته خانك، وإن خالفته اغتابك (4). 6 - ب عن هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام إن النبي صلى الله عليه وآله


(1) الخصال ج 2 ص 6. (2) المحاسن: 11. (3) الخصال ج 2 ص 6. (4) أمالي الصدوق ص 295. [*]

[206]

قال: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده. وينشط إذا كان عنده أحد ويحب أن يحمد في جميع اموره، وللظالم ثلاث علامات: يقهر من فوقه بالمعصية ومن هو دونه بالغلبة، ويظاهر الظلمة، وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم. وللمنافق ثلاث علامات إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان (1). 7 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حماد بن عيسى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: يا بني لكل شئ علامة يعرف بها ويشهد عليها، وان للدين ثلاث علامات العلم، والايمان، والعمل به، وللايمان ثلاث علامات: الايمان بالله وكتبه ورسله، وللعالم ثلاث علامات: العلم بالله وبما يحب وما يكره، وللعامل ثلاث علامات: الصلاة والصيام والزكاة. وللمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويقول ما لا يعلم، ويتعاطا ما لا ينال وللظالم ثلاث علامات: يظلم من فوقه بالمعصية، ومن دونه بالغلبة، ويعين الظلمة وللمنافق ثلاث علامات: يخالف لسانه قلبه، وقلبه فعله، وعلانيته سريرته، وللاثم ثلاث علامات: يخون، ويكذب، ويخالف ما يقول، وللمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده وينشط إذا كان للناس عنده، ويتعرض في كل أمر للمحمدة، وللحاسد ثلاث علامات يغتاب إذا غاب، ويتملق إذا شهد، ويشمت بالمعصية، وللمسرف ثلاث علامات يشتري ما ليس له، ويلبس ما ليس له، ويأكل ما ليس له، وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يفرط، ويفرط حتى يضيع، ويضيع حتى يأثم، وللغافل ثلاث علامات: السهو اللهو والنسيان. قال حماد بن عيسى: قال أبو عبد الله عليه السلام: ولكل واحدة من هذه العلامات شعب يبلغ العلم بها اكثر من ألف باب، وألف باب وألف باب، فكن يا حماد طالبا للعلم في آناء الليل والنهار، وإن أردت أن تقر عينك، وتنال خير الدنيا والاخرة فاقطع الطمع مما في أيدي الناس، وعد نفسك في الموتى، ولا تحدثن نفسك


(1) قرب الاسناد ص 22 ط النجف. [*]

[207]

أنك فوق أحد من الناس، واخزن لسانك كما تخزن مالك (1). أقول: قد مضى مثله في أبواب العقل. 8 - مص: قال الصادق عليه السلام: المنافق قد رضي ببعده من رحمة الله تعالى لانه يأتي بأعماله الظاهرة شبيها بالشريعة، وهو لاغ باغ لاه بالقلب عن حقها مستهزئ فيها، وعلامة النفاق قلة المبالاة بالكذب والخيانة والوقاحة، والدعوى بلا معنى، وسخنة العين (2) والسفه والغلط، وقلة الحياء واستصغار المعاصي واستضياع أرباب الدين، واستخفاف المصايب في الدين، والكبر، وحب المدح والحسد، وإيثار الدنيا على الاخرة والشر على الخير، والحث على النميمة، وحب اللهو، ومعونة أهل الفسق والبغي والتخلف عن الخيرات، وتنقص أهلها واستحسان ما يفعله من سوء واستقباح ما يفعله غيره من حسن، وأمثال ذلك كثيرة. وقد وصف الله تعالى المنافقين في غير موضع فقال عز من قائل: " ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين " (3) وقال عزوجل في صفتهم " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين [يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا] " (4). وقال النبي صلى الله عليه وآله: المنافق من إذا وعد أخلف، وإذا فعل افشى (5) وإذا قال كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا رزق طاش، وإذا منع عاش. وقال النبي صلى الله عليه وآله: من خالفت سريرته علانيته فهو منافق، كائنا من كان


(1) الخصال: ج 1 ص 60. (2) السخنة بالضم - الحرارة، وهي كناية عن الحزن والبكاء لان دموع الحزن تكون سخنة ودموع السرور تكون باردة قارة، ولذلك يقال فيمن يدعى عليه: " أسخن الله عينه، ولمن يدعى له: " أقر الله عينه ". (3) الحج: 11. (4) البقرة: 9 - 8. (5) في المصدر: أساء. [*]

[208]

وحيث كان، وفي أي أرض كان، وعلى أي رتبة كان (1). 9 - ين: النضر:، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا أحب الشيخ الجاهل، ولا الغني الظلوم، ولا الفقير المختال. 10 - نوادر الراوندي: باسناده عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسيئة المؤمن ولا يقتدي بحسنته. (107) (باب) * " (لعن من لا يستحق اللعن، وتكفير من لا يستحقه) " * 1 - ب عن هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: إن اللعنة إذا خرجت من صاحبها ترددت بينه وبين الذي يلعن، فان وجدت مساغا وإلا عادت إلى صاحبها، وكان أحق بها، فاحذروا أن تلعنوا مؤمنا فيحل بكم (2). 2 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن البطائني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن اللعنة إذا خرجت من في صاحبها ترددت، فان وجدت مساغا وإلا رجعت على صاحبها (3). 3 - ثو: عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد ابن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما شهد رجل على رجل بكفر قط إلا باء به أحدهما: إن كان شهد على كافر صدق، وإن كان


(1) مصباح الشريعة ص 25. (2) قرب الاسناد ص 8. (3) ثواب الاعمال ص 240. [*]

[209]

مؤمنا رجع الكفر عليه، وإياكم والطعن على المؤمنين (1). 4 - كنز الكراجكي: عن أحمد بن محمد بن شاذان، عن أبيه، عن ابن الوليد عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ملعون ملعون من رمى مؤمنا بكفر، ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله. 5 - م: إن الاثنين إذا ضجر بعضهما على بعض وتلاعنا ارتفعت اللعنتان فاستأذنتا ربهما في الوقوع بمن لعنا إليه، فقال الله لملائكته: انظروا فان كان اللاعن أهلا للعن وليس المقصود به أهلا فأنزلوهما جميعا باللاعن، وإن كان المشار إليه أهلا وليس اللاعن أهلا فوجهوهما إليه، وإن كانا جميعا لها أهلا فوجهوا لعن هذا إلى ذاك. ووجهوا لعن ذاك إلى هذا، وإن لم يكن واحد منهما لها أهلا لايمانهما، وإن الضجر أحوجهما إلى ذلك فوجهوا اللعنتين إلى اليهود الكاتمين نعت محمد وصفته صلى الله عليه وآله وذكر على عليه السلام وحليته، وإلى النواصب الكاتمين لفضل علي والدافعين لفضله (2). (108) * (باب) * * " (الخصال التى لا تكون في المؤمن) " * أقول: سيأتي بعض الاخبار في باب اللواط. 1 - سر: من جامع البزنطي، عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ستة لا تكون في المؤمن: الحسر والنكد واللجاجة والكذب والحسد والبغي. 2 - ل: أبي: عن سعد، عن البرقي، عن عدة من أصحابنا، عن ابن أسباط


(1) ثواب الاعمال ص 242. (2) تفسير الامام ص 260 و 261 في قوله تعالى: اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون البقرة: 159. [*]

[210]

عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما ابتلى الله به شيعتنا فلن يبتليهم بأربع: بأن يكونوا لغير رشدة، وأن يسألوا بأكفهم، وإن يؤتوا في أدبارهم، وإن يكون فيهم أخضر أزرق (1). 3 - ل: ابن الوليد، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن ابن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أربع خصال لا تكون في مؤمن: لا يكون مجنونا، ولا يسأل عن أبواب الناس، ولا يولد من الزنا، ولا ينكح في دبره (2). 4 - ل: القطان وابن موسى معا، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبي معاوية، عن الاعمش، عن الصادق عليه السلام وابن حبيب، عن عبد الله بن محمد بن باطويه، عن علي بن عبد المؤمن الزعفراني، عن مسلم بن خالد الزنجي، عن الصادق عليه السلام عن أبيه، عن جده عليهم السلام وابن حبيب، عن الحسن بن شيبان، عن أبيه، عن محمد بن خالد، عن مسلم بن خالد، عن جعفر بن محمد قالوا كلهم: ثلاثة عشر وقال تميم: ستة عشر صنفا من امة جدي لا يحبونا ولا يحببونا إلى الناس، ويبغضونا ولا يتولونا، ويخذلونا ويخذلون الناس عنا، فهم أعداؤنا حقا لهم نار جهنم ولهم عذاب الحريق. قال: قلت: بينهم لي يا أبه وقاك الله شرهم، قال: الزايد في خلقه فلا ترى أحدا من الناس في خلقه زيادة إلا وجدته مناصبا ولم تجده لنا مواليا (3)


(1) الخصال ج 1 ص 107. (2) الخصال ج 1 ص 109. (3) قد مر في ج 67 باب شدة ابتلاء المؤمن ص 196 - 259 روايات كثيرة تخالف هذا الحديث المزور، وفيها ما يدل على أن المؤمن يبتلى في جسده بالجذام والبرص. روى الكليني في الكافي ج 2 ص 254 عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن صفوان، عن معاوية بن عمار، عن ناجية قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إن المغيرة يقول: إن المؤمن لا يبتلى بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا وكذا، فقال عليه السلام: إن [*]

[211]

والناقص الخلق من الرجال فلا ترى لله عزوجل خلقا ناقص الخلقة إلا وجدت في قلبه علينا غلا، والاعور باليمين للولادة، فلا ترى لله خلقا ولد أعور اليمين إلا كان لنا محاربا ولا عدائنا مسالما، والغربيب من الرجال فلا ترى لله عزوجل خلقا غربيبا - وهو الذي قد طال عمره فلم يبيض شعره وترى لحيته مثل حنك الغراب - إلا كان علينا مؤلبا ولاعدائنا مكاثرا. والحلكوك (1) من الرجال فلا ترى منهم أحدا إلا كان لنا شتاما ولاعدائنا مداحا، والاقرع من الرجال فلا ترى رجلا به قرع إلا وجدته همازا لمازا مشاء بالنميمة علينا، والمفضض بالخضرة من الرجال فلا ترى منهم أحدا وهم كثيرون إلا وجدته يلقانا بوجه ويستدبرنا بآخر، يبتغي لنا الغوائل، والمنبوذ (2) من الرجال فلا تلقي منهم أحدا إلا وجدته لنا عدوا مضلا مبينا، والابرص من الرجال


كان لغافلا عن صاحب ياسين إنه كان مكنعا - ثم رد أصابعه - فقال كاني أنظر إلى تكنيعه أتاهم فأنذرهم ثم عاد إليهم من الغد فقتلوه، ثم قال عليه السلام: إن المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة إلا أنه لا يقتل نفسه. أقول: روى الكشي في رجاله ص 194 في المغيرة بن سعيد أنه كان يدس الاحاديث وروى أن هشام بن الحكم سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تقبلوا علينا حديثا إلا ما وافق القرآن والسنة، أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة فان المغيره بن سعيد لعنه الله دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها أبي، الحديث. ولعل هذا الحديث الذي يوافق مذهبه ومسلكه في عدم ابتلاء المؤمن بالعاهات من مدسوساته لعنه الله في روايات أصحابنا رضوان الله عليهم، وكيف كان لما كان هذا الحديث مخالفا لسائر أحاديثهم عليهم السلام لابد من طرحه. (1) الحلكوك كعصفور وقربوس - الشديد السواد، ولعله أراد مثل جون غلام أبي ذر أو بلال بن رباح الحبشي ! ؟ نعوذ بالله من الضلال. (2) المنبوذ: الصبي تلقيه امه في الطريق، وولد الزناء، ولعله أراد المعنى الاخير وإلا فما ذنب الصبي المنبوذ. [*]

[212]

فلا تلقي منهم أحدا إلا وجدته يرصد لنا المراصد، ويقعد لنا ولشيعتنا مقعدا ليضلنا بزعمه عن سواء السبيل، والمجذوم وهم حصب جهنم هم لها واردون والمنكوح فلا ترى منهم أحدا إلا وجدته يتغنى بهجائنا ويؤلب علينا. وأهل مدينة تدعى سجستان (1) هم لنا أهل عداوة ونصب وهم شر الخلق والخليقة، عليهم من العذاب ما على فرعون وهامان وقارون، وأهل مدينة تدعى الري هم أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وآله وأعداء أهل بيته يرون حرب أهل بيت رسول الله جهادا ومالهم مغنما، ولهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا والاخرة ولهم عذاب مقيم، وأهل مدينة تدعى الموصل شر من على وجه الارض، وأهل مدينة تسمى الزوراء تبنى في آخر الزمان يستشفون بدمائنا ويتقربون ببغضنا يوالون في عداوتنا ويرون حربنا فرضا وقتالنا حتما ؟ يا بني فاحذر هؤلاء ثم احذرهم، فانه لا يخلو اثنان منهم باحد من اهلك الا هموا بقتله. واللفظ لتميم من أول الحديث إلى آخره (2).


(1) كان أهل سجستان والري والموصل وبغداد ان كان هو الزوراء معاديا لاهل البيت في سابق الازمان، فانهم كانوا من أهل الجماعة وبعضهم كان خارجيا واسماعيليا واما الان فكلهم شيعة أهل البيت، وقال العلامة المؤلف في ج 60 ص 206 بعد نقل هذا الخبر: الزوراء يطلق على دجلة بغداد وعلى بغداد، لان أبوابها الداخلة جعلت مزورة عن الخارجة، ويمكن أن تتبدل أحوال هذه البلاد باختلاف الازمنة ويكون ما ذكر في الخبر حالهم في ذلك الزمان. أقول: معذلك يبقى الكلام في بغداد ومن محلاتها الكرخ أعظم محلة منها كانت تسكنها الشيعة وبها نشئ أعاظم الاصحاب، مع قوله عليه السلام في الزوراء إنها مدينة تبنى في آخر الزمان، وبغداد بنيت في زمن المنصور العباسي وكان معاصرا لابي عبد الله عليه السلام. (2) الخصال ج 2 ص 94 - 95، وتميم هو ابن بهلول. [*]

[213]

(109) * (باب) * * " (من استولى عليهم الشيطان من أصحاب البدع) " * * " (وما ينسبون إلى أنفسهم) " * * " (من الاكاذيب وأنها من الشيطان) " * 1 - كش: عن سعد، عن عبد الله بن علي بن عامر باسناده، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال ترائا والله إبليس لابي الخطاب على سور المدينة والمسجد وكأني أنظر إليه وهو يقول: أيها تظفر الان ايها تظفر الان (1). 2 - كش: عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه ويعقوب بن يزيد والحسين ابن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن حفص بن عمرو النخعي، قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له رجل: جعلت فداك إن أبا منصور حدثني إنه رفع إلى ربه ومسح على رأسه، فقال له بالفارسية: " بايست " فقال له أبو عبد الله عليه السلام: حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن ابليس اتخذ عرشا في ما بين السماء والارض، واتخذ زبانية كعدد الملائكة فإذا دعى رجلا فأجابه ووطئ عقبه وتخطت إليه الاقدام، ترائا له إبليس ورفع إليه، وإن أبا منصور كان رسول إبليس، لعن الله أبا منصور، لعن الله ابا منصور ثلاثا (2). 3 - كش: سعد، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن بنانا والسري وبزيعا لعنهم الله ترائا لهم الشيطان في أحسن ما يكون في صورة آدمي من قرنه إلى سرته، قال: فقلت: إن بنانا يتأول هذه الاية " وهو الذي في السماء إله وفي


(1 - 2) رجال الكشي ص 256. [*]

[214]

الارض إله " (1) أن الذي في الارض غير إله السماء، وإله السماء غير إله الارض وأن إله السماء أعظم من إله الارض، وإن أهل الارض يعرفون فضل إله السماء ويعظمونه فقال عليه السلام: والله ما هو إلا الله وحده لا شريك له، إله في السماوات وإله في الارضين كذب بنان، عليه لعنة الله، لقد صغر الله جل جلاله وصغر عظمته (2). 4 - كش: وجدت بخط جبرئيل بن أحمد حدثني محمد بن عيسى، عن علي ابن الحكم، عن حماد بن عثمان، عن زرارة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أخبرني عن حمزة أيزعم إن أبي ياتيه ؟ قلت: نعم، قال: كذب والله ما يأتيه إلا المتكون إن إبليس سلط شيطانا يقال له: المتكون يأتي الناس في أي صورة شاء إن شاء في صورة صغيرة وإن شاء في صورة كبيرة، ولا والله ما يستطيع أن يجيئ في صورة أبي عليه السلام (3). 5 - كش: سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه والحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، ومحمد بن عيسى، عن يونس وابن أبي عمير، عن محمد بن عمر بن اذينة عن بريد بن معاوية العجلي قال: كان حمزة بن عمارة البربري لعنه الله يقول لاصحابه: إن أبا جعفر عليه السلام يأتيني في كل ليلة، ولا يزال إنسان يزعم أنه قد أراه إياه، فقدر لي أني لقيت أبا جعفر عليه السلام فحدثته بما يقول حمزة، فقال: كذب، عليه لعنة الله ما يقدر الشيطان أن يتمثل في صورة نبي ولا وصي نبي (4). 6 - كش: محمد بن مسعود، عن علي بن محمد بن يزيد، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسلمت وجلست، فقال لي: كان في مجلسك هذا أبو الخطاب ومعه سبعون رجلا كلهم إليه


(1) الزخرف: 84. (2) رجال الكشي ص 257. (3) رجال الكشي ص 254. (4) رجال الكشي ص 257. [*]

[215]

ينالهم منه شئ فرحمتهم فقلت لهم: ألا اخبركم بفضائل المسلم فلا أحسب أصغرهم إلا قال: بلى جعلت فداك قلت: من فضائل المسلم أن يقال له: فلان قارئ لكتاب الله عزوجل وفلان ذو حظ من ورع، وفلان يجتهد في عبادته لربه فهذه فضائل المسلم مالكم وللرياسات ؟ إنما للمسلمين رأس واحد إياكم والرجال، فان الرجال مهلكة، فاني سمعت أبي يقول: إن شيطانا يقال له: المذهب يأتي في كل صورة إلا أنه لا يأتي في صورة نبي ولا وصي نبي، ولا أحسبه إلا وقد ترائا لصاحبكم فاحذروه، فبلغني أنهم قتلوا معه، فأبعدهم الله وأسحقهم، إنه لا يهلك على الله إلا هالك (1). 7 - كش: محمد بن قولويه، عن سعد، عن محمد بن عيسى، عن يونس قال: سمعت رجلا من الطيارة يحدث أبا الحسن الرضا عليه السلام عن يونس بن ظبيان أنه قال: كنت في بعض الليالي وأنا في الطواف، فإذا نداء من فوق رأسي يا يونس " إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري " فرفعت رأسي فإذا ح [كذا]. فغضب أبو الحسن غضبا لم يملك نفسه ثم قال للرجل: اخرج عني لعنك الله ولعن الله من حدثك، ولعن يونس بن ظبيان ألف لعنة تتبعها ألف لعنة كل لعنة منها تبلغك إلى قعر جهنم وأشهد ما ناداه إلا شيطان أما إن يونس مع أبي الخطاب في أشد العذاب مقرونان، وأصحابهما إلى ذلك الشيطان مع فرعون وآل فرعون في أشد العذاب، سمعت ذلك من أبي عبد الله عليه السلام. فقال يونس: فقال الرجل من عنده فلما بلغ الباب إلا عشرة خطاء حتى صرع مغشيا عليه قد قاء رجيعه وحمل ميتا فقال أبو الحسن عليه السلام: أتاه ملك بيده عمود فضربه على هامته ضربة قلب فيها مثانته حتى قاء رجيعه وعجل الله بروحه إلى الهاوية وألحقه بصاحبه الذي حدثه يونس بن ظبيان، ورأى الشيطان الذى كان ترائا له (2).


(1) رجال الكشي ص 248 و 249. (2) رجال الكشي ص 309. [*]

[216]

8 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن حعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عمل في بدعة خلاه الشيطان والعبادة. وألقى عليه الخشوع والبكاء. وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبى الله لصاحب البدعة بالتوبة وأبى الله لصاحب الخلق السئ بالتوبة، فقيل: يا رسول الله وكيف ذلك ؟ قال: أما صاحب البدعة فقد اشرب قلبه حبها، وأما صاحب الخلق السئ فانه إذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم من الذنب الذي تاب منه (1). (110) * (باب) * * (" عقاب من أحدث دينا أو أضل الناس ") * * (" وأنه لا يحمل أحد الوزر عمن يستحقه " * الايات: النساء: ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل * والله أعلم باعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (2). وقال تعالى: ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * اولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا (3). الاعراف: ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن


(1) نوادر الراوندي ص 18. (2) النساء: 44 - 45. (3) النساء: 51 - 52. [*]

[217]

به وتبغونها عوجا (1). هود: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا اولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالاخرة هم كافرون * اولئك لم يكونوا معجزين في الارض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون * اولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون * لا جرم أنهم في الاخرة هم الاخسرون (2). إبراهيم: ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا اولئك في ضلال بعيد (3). وقال تعالى: وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فان مصيركم إلى النار (4). النحل: ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (5). الشعراء: وبرزت الجحيم للغاوين - إلى قوله تعالى - وما أضلنا إلا المجرمون (6). القصص: وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين (7). العنكبوت: وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون * وليحملن أثقالهم


(1) الاعراف: 86. (2) هود: 18 - 22. (3) إبراهيم: 3. (4) إبراهيم: 30. (5) النحل: 25. (6) الشعراء: 91 - 99. (7) القصص: 41 - 42. [*]

[218]

وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيمة عما كانوا يفترون (1). سبا: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جائكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا (2). الصافات: وأقبل بعضهم على بعض يتسائلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين * فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين (3). ص: هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا من النار (4). المؤمن: واذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (5). النجم: أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر اخرى * وأن ليس للانسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزيه الجزاء الاوفى (6).


(1) العنكبوت: 12 - 13. (2) سبأ: 31 - 33. (3) الصافات: 27 - 32. (4) ص: 59 - 61. (5) المؤمن: 47 - 48. (6) النجم: 36 - 41. [*]

[219]

1 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله غافر كل ذنب إلا من أحدث دينا أو اغتصب أجيرا أجره أو رجلا باع حرا (1). 2 - ع: عن أبيه، عن سعد، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رجل في الزمن الاول طلب الدنيا من حلال فلم يقدر عليها، وطلبها من حرام فلم يقدر عليها. فأتاه الشيطان فقال له: يا هذا إنك قد طلبت الدنيا من حلال فلم تقدر عليها وطلبتها من حرام فلم تقدر عليها أفلا أدلك على شئ تكثر به دنياك ويكثر به تبعك ؟ قال: بلى قال: تبتدع دينا وتدعو إليه الناس. ففعل فاستجاب له الناس وأطاعوه وأصاب من الدنيا ثم أنه فكر فقال: ما صنعت ؟ ابتدعت دينا ودعوت الناس ما أرى لي توبة إلا أن آتي من دعوته إليه فارده عنه، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه فيقول لهم: إن الذي دعوتكم إليه باطل، وإنما ابتدعته، فجعلوا يقولون: كذبت وهو الحق ولكنك شككت في دينك. فرجعت عنه، فلما رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتد لها وتدا ثم جعلها في عنقه، وقال: لا احلها حتى يتوب الله عزوجل علي. فأوحى الله عزوجل إلى نبي من الانبياء قل لفلان: وعزتي لو دعوتني حتى تنقطع أوصالك، ما استجبت لك، حتى ترد من مات إلى ما دعوته إليه فيرجع عنه (2). ثو: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام وعن محمد بن حمران، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان رجل إلى اخر ما مر (3).


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 32. (2) علل الشرائع ج 2 ص 178. (3) ثواب الاعمال ص 230. [*]

[220]

3 - مع: عن ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن النهيكي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج من الاسلام فقيل له: هلك إذا كثير من الناس ؟ فقال: ليس حيث ذهبتم إنما عنيت بقولي من مثل مثالا من نصب دينا غير دين الله، ودعا الناس إليه، وبقولي من اقتنى كلبا مبغضا لنا أهل البيت اقتناه فأطعمه وسقاه، ومن فعل ذلك فقد خرج من الاسلام (1). 4 - مع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن معروف عن حماد، عن حريز، عن ابن مسكان، عن أبي الربيع قال: قلت: ما أدنى ما يخرج به الرجل من الايمان ؟ قال: الرأي يراه مخالفا للحق فيقيم عليه (2). 5 - مع: بالاسناد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما أدنى ما يكون به العبد كافرا ؟ قال: أن يبتدع شيئا فيتولى عليه ويبرأ ممن خالفه (3). 6 - مع: بالاسناد، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن بريد العجلي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ما أدنى ما يصير به العبد كافرا ؟ قال: فأخذ حصاة من الارض فقال: أن يقول لهذه الحصاة: إنها نواة، ويبرء ممن خالفه على ذلك، ويدين الله بالبراءة ممن قال بغير قوله، فهذا ناصب قد أشرك بالله وكفر من حيث لا يعلم (4). 7 - ج: بالاسناد إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن علي بن الحسين عليهم السلام في تفسير قوله تعالى: " ولكم في القصاص حيوة " (5) الاية ولكم يا امة محمد في القصاص حياة لان من هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكف لذلك عن القتل كان حياة للذي كان هم بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل


(1) معاني الاخبار ص 181. (2 - 4) معاني الاخبار ص 393، وقد مر بعض هذه الاخبار ج 69 ص 16 و 17 باب أدنى ما يكون به العبد مؤمنا وأدنى ما يخرجه عنه. (5) البقرة: 179. [*]

[221]

وحياة لغيرهما من الناس، إذا علموا أن القصاص واجب لا يجسرون على القتل مخافة القصاص " يا اولي الالباب " اولى العقول " لعلكم تتقون ". ثم قال عليه السلام: عباد الله هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا وتفنون روحه ألا انبئكم باعظم من هذا القتل وما يوجبه الله على قاتله مما هو أعظم من هذا القصاص ؟ قالوا: بلى يا ابن رسول الله قال: أعظم من هذا القتل أن يقتله قتلا لا ينجبر ولا يحيى بعده أبدا، قالوا: ما هو ؟ قال: أن يضله عن نبوة محمد وعن ولاية علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما، ويسلك به غير سبيل الله ويغريه باتباع طرائق أعداء علي عليه السلام والقول بامامتهم، ودفع علي عن حقه وجحد فضله وألا يبالي باعطائه واجب تعظيمه فهذا هو القتل الذي هو تخليد المقتول في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا فجزاء هذا القتل مثل ذلك الخلود في نار جهنم (1). 8 - ل: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن عيسى، عن محمد ابن إبراهيم النوفلي، عن الحسين بن المختار باسناده يرفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ملعون ملعون من كمه أعمى، ملعون ملعون من عبد الدينار والدرهم، ملعون ملعون من نكح بهيمة (2). مع: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن ابن يزيد، عن محمد بن إبراهيم النوفلي مثله. ثم قال الصدوق: قوله: " من كمه أعمى " يعني من أرشد متحيرا في دينه إلى الكفر وقرره في نفسه حتى اعتقده، وقوله: " من عبد الدينار والدرهم " يعني به من يمنع زكاة ماله ويبخل بمواساة إخوانه، فيكون قد آثر عبادة الدينار والدرهم على عبادة خالقه (3). أقول: قد مضت أخبار كثيرة في باب البدع والمقاييس في ذلك.


(1) الاحتجاج ص 174. (2) الخصال: ج 1 ص 64. (3) معاني الاخبار ص 402. [*]

[222]

9 - سن: عدة من أصحابنا، عن ابن أسباط، عن عمه يعقوب، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من اجترأ على الله في المعصية وارتكاب الكبائر فهو كافر، ومن نصب دينا غير دين الله فهو مشرك (1). 10 - شى: عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة " (2) يعني ليستكملوا الكفر يوم القيامة " ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم " يعني كفر الذين يتولونهم قال الله: " ألا ساء ما يزرون " (3). (111) * (باب) * * " (من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره) " * الايات: البقرة: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (4). تفسير: " أتأمرون الناس بالبر " في تفسير الامام عليه السلام أي بالصدقات وأداء الامانات " وتنسون أنفسكم " أي تتركونها " وأنتم تتلون الكتاب " أي التوراة الامرة لكم بالخيرات الناهية عن المنكرات " أفلا تعقلون " ما عليكم من العقاب في أمركم بما به لا تأخذون، وفي نهيكم عما أنتم فيه منهمكون. نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم المردة المنافقين المحتجنين أموال الفقراء المستأكلين للاغنياء، الذين كانوا يأمرون بالخير ويتركونه، وينهون عن الشر ويرتكبونه (5).


(1) المحاسن ص 209. (2) النحل: 25. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 257. (4) البقرة: 44. (5) تفسير الامام ص 113. [*]

[223]

أقول: في القاموس احتجن المال ضمه واحتواه. وقال علي بن إبراهيم: نزلت في الخطباء والقصاص وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام: وعلى كل منبر خطيب مصقع يكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه (1). وفي المجمع عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مررت ليلة اسري بي على اناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل ؟ فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم (2). وفي مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام قال: من لم ينسلخ من هواجسه، ولم يتخلص من آفات نفسه وشهواتها، ولم يهزم الشيطان، ولم يدخل في كنف الله وأمان عصمته، لا يصلح للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، لانه إذا لم يكن بهذه الصفة فكلما أظهر يكون حجة عليه، ولا ينتفع الناس به، قال الله تعالى: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم " ويقال له: يا خائن أتطالب خلقي بما خنت به نفسك، وأرخيت عنه عنانك (3). 1 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يوسف البزاز، عن المعلى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم عمل بغيره (4). بيان: " من وصف عدلا " أي بين للناس أمرا حقا موافقا لقانون العدل أو أمرا وسطا غير مائل إلى إفراط أو تفريط ولم يعمل به، أو وصف دينا حقا ولم يعمل بمقتضاه كما إذا إدعى القول بامامة الائمة عليهم السلام ولم يتابعهم قولا وفعلا ويؤيد الاول قوله عليه السلام: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم "


(1) تفسير القمي ص 38. (2) مجمع البيان ج 1 ص 98. (3) مصباح الشريعة ص 42. (4) الكافي ج 2 ص 299. [*]

[224]

وقوله سبحانه: " لم تقولون ما لا تفعلون " (1) وما ورى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: مررت ليلة اسري بي بقوم تقرض شفاههم بمقارض من نار، فقلت: من أنتم ؟ قالوا: كنا نأمر بالخير ولا نأتيه، وننهي عن الشر ونأتيه، ومثله كثير. 2 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن ابن عيسى، عن ابن سنان، عن قتيبة الاعشى، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: من أشد الناس عذابا يوم القيامة من وصف عدلا وعمل بغيره (2). 3 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا وخالفه إلى غيره (3). بيان: وإنما كانت حسرته أشد لوقوعه في الهلكة مع العلم، وهو أشد من الوقوع فيها بدونه، ولمشاهدته نجاة الغير بقوله، وعدم نجاته به، وكان أشدية العذاب والحسرة بالنسبة إلى من لم يعلم ولم يعمل ولم يأمر، لا بالنسبة إلى من علم ولم يفعل ولم يأمر، لان الهداية وبيان الاحكام وتعليم الجهال والامر بالمعروف والنهي عن المنكر كلها واجبة كما أن العمل واجب، فإذا تركهما ترك واجبين، وإذا ترك أحدهما ترك واجبا واحدا. لكن الظاهر من أكثر الاخبار بل الايات اشتراط الوعظ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعمل، ويشكل التوفيق بينها وبين سائر الايات والاخبار الدالة على وجوب الهداية والتعليم، والنهي عن كتمان العلم، وعلى أي حال الظاهر أنها لا تشمل ما إذا كان له مانع من الاتيان بالنوافل مثلا، ويبين للناس فضلها وأمثال ذلك. 4 - كا: عن محمد بن يحيى، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، عن


(1) الصف: 2. (2) الكافي ج 2 ص 300. [*]

[225]

عبد الله بن يحيى، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في قول الله عزوجل: " فكبكبوا فيها هم والغاوون " (1) قال: يا بابصير هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه إلى غيره (2). بيان: " فكبكبوا " أقول: قبلها في الشعراء " وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون " وفسر المفسرون " ما كنتم تعبدون " بآلهتهم " فكبكبوا فيها هم والغاوون " قالوا: أي الالهة وعبدتهم، والكبكبة تكرير الكب لتكرير معناه كأن من القى في النار ينكب مرة بعد اخرى حتى يستقر في قعرها. قوله عليه السلام: هم قوم أي ضمير " هم " المذكور في الاية راجع إلى قوم أو " هم " ضمير راجع إلى مدلول هم في الاية، والمعنى إن المراد بالمعبودين في بطن الاية المطاعون في الباطل، كقوله تعالى: " ان لا تعبدوا الشيطان " (3) وهم قوم وصفوا الاسلام، ولم يعملوا بمقتضاه، كالغاصبين للخلافة حيث ادعوا الاسلام، وخالفوا الله ورسوله في نصب الوصي، وتبعهم جماعة، وهم الغاوون، أو وصفوا الايمان وادعوا اتصافهم به، وخالفوا الائمة الذين ادعوا الايمان بهم، وغيروا دين الله، وأظهروا البدع فيه، وتبعهم الغاوون. ويحتمل أن يكون " هم " راجعا إلى الغاوين، فهم في الاية راجع إلى عبدة الاوثان أو معبوديهم أيضا لكنه بعيد عن سياق الايات السابقة، وقال علي بن إبراهيم بعد نقل هذه الرواية مرسلا عن الصادق عليه السلام: وفي خبر آخر: قال: هم بنو امية " والغاوون " بنو فلان أي بنو العباس (4). 5 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن علي


(1) الشعراء: 94. (2) الكافي ج 2 ص 300، ومثله في المحاسن ص 120. (3) يس: 60. (4) تفسير القمي ص 473. [*]

[226]

ابن عطية، عن خيثمة قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: أبلغ شيعتنا أنه لن ينال ما عند الله إلا بعمل، وأبلغ شيعتنا أن أعظم الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم يخالفه إلى غيره (1). بيان: ما عند الله أي من المثوبات والدرجات والقربات. (112) * (باب) * * " (الاستخفاف بالدين، والتهاون بأمر الله) " * الايات: الكهف: ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما انذروا هزوا (2). طه: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما (3). الروم: ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن (4). الصافات: بل عجبت ويسخرون * وإذا ذكروا لا يذكرون * وإذا رأوا آية يستسخرون * وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (5). ص: وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار (6). الزخرف: فلما جائهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون (7). الجاثية: وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين (8).


(1) الكافي ج 2 ص 300. (2) الكهف: 56. (3) طه: 115. (4) الروم: 10. (5) الصافات: 12 - 15. (6) ص: 62 - 63. (7) الزخرف: 47. (8) الجاثية: 9. [*]

[227]

وقال تعالى: وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن إلى قوله تعالى: ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحيوة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (1). النجم: أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون (2). 1 - ل: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن محمد بن زياد، عن ابن عميرة، عن الصادق عليه السلام قال: إن لولد الزنا علامات أحدها بغضنا أهل البيت وثانيها أنه يحن إلى الحرام الذي خلق منه، وثالثها الاستخفاف بالدين، ورابعها سوء المحضر للناس، ولا يسئ محضر إخوانه إلا من ولد على غير فراش أبيه إو حملت به امه في حيضها (3). 2 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إني أخاف عليكم استخفافا بالدين وبيع الحكم ؟ وقطيعة الرحم، وأن تتخذوا القرآن مزامير، تقدمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدين (4). 3 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن جعفر بن محمد بن عبيدالله، عن عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إياكم والغفلة، فانه من غفل فانما يغفل عن نفسه، وإياكم والتهاون بأمر الله عزوجل، فانه من تهاون بأمر الله أهانه الله يوم القيامة (5).


(1) الجاثية: 33 - 35. (2) النجم: 59 - 61. (3) الخصال ج 1 ص 102. (4) عيون الاخبار ج 2 ص 42. (5) ثواب الاعمال ص 184. [*]

[228]

سن: جعفر بن محمد الاشعري، عن القداح مثله (1). 4 - سن: النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله ليبغض المؤمن الضعيف الذي لا دين له. (113) (باب) * " (الاعراض عن الحق والتكذيب به) " * الايات: البقرة: فان تولوا فانما هم في شقاق (2). آل عمران: ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (3). وقال: فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين (4). وقال: فان تولوا فان الله عليم بالمفسدين (5). وقال: فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (6). الانعام: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين * فقد كذبوا بالحق فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (7). وقال تعالى: انظر كيف نصرف الايات ثم هم يصدفون (8). وقال تعالى: فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون (9). التوبة: وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والاخرة ومالهم


(1) المحاسن ص 96. (2) البقرة: 137. (3) آل عمران: 23. (4) آل عمران: 32. (5 و 6) آل عمران: 63 و 64. (7) الانعام: 4 و 5. (8) الانعام: 46. (9) الانعام: 157. [*]

[229]

من ناصرين (1). هود: وإن تولوا فاني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (2). الحجر: وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (3). طه: إنا قد اوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى إلى قوله تعالى: ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (4). وقال تعالى: من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيمة وزرا (5). الانبياء: بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (6). الحج: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفانبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (7). المؤمنون: قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامرا تهجرون - إلى قوله تعالى: بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (8). الفرقان: فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (9). الشعراء: وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين * فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن (10). وقال تعالى: فكذبوه فاهلكناهم إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (11).


(1) براءة: 74. (2) هود: 3. (3) الحجر: 81. (4) طه: 48 - 56. (5) طه: 100. (6) الانبياء: 24. (7) الحج: 72. (8) المؤمنون: 66 - 71. (9) الفرقان: 77. (10) الشعراء: 5 و 6. (11) الشعراء: 8. [*]

[230]

وقال تعالى: فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة (1). النمل: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين (2). العنكبوت: وإن تكذبوا فقد كذب امم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (3). لقمان: وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا فبشره بعذاب اليم (4). وقال تعالى: وما يجحد باياتنا إلا كل ختار كفور (5). فاطر: وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جائتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ثم اخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (6). وقال تعالى: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جائهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم فلما جائهم نذير ما زادهم إلا نفورا (7). يس: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (8). ص: قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون (9). المؤمن: كذلك يؤفك الذين كانوا بايات الله يجحدون إلى قوله تعالى: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون * الذين كذبوا بالكتاب ربما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (10).


(1) الشعراء: 189. (2) النمل: 14. (3) العنكبوت: 18. (4) لقمان: 7. (5) لقمان: 32. (6) فاطر: 25 - 26. (7) فاطر: 42. (8) يس: 46. (9) ص: 67 - 68. (10) المؤمن: 63 - 70. [*]

[231]

الجاثية: ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (1). محمد: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملي لهم (2). ق: بل كذبوا بالحق لما جائهم فهم في أمر مريج (3). الطور: فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم في خوض يلعبون (4). الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان (5). نوح: رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (6). الجن: ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (7). المدثر: وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين - إلى قوله تعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة (8). المرسلات: ويل يومئذ للمكذبين (9). العلق: أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية (10). 1 - قس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى:


(1) الجاثية: 7 - 8. (2) القتال: 25. (3) ق: 5. (4) الطور: 11 - 12. (5) في آيات عديدة. (6) نوح: 5 - 7. (7) الجن: 17. (8) المدثر: 45 - 51. (9) في آيات عديدة. (10) العلق: 13 - 18. [*]

[232]

" وخاب كل جبار عنيد " (1) قال: العنيد المعرض عن الحق (2). 2 - جا: بالاسناد إلى أبي قتادة، عن الصادق عليه السلام قال: إن الحق منيف فاعملوا به، ومن سره طول العافية فليتق الله (3). 3 - ف: عن أبي محمد عليه السلام قال: ما ترك الحق عزيز إلا ذل، ولا أخذ به ذليل إلا عز (4). (114) * (باب) * * " (الكذب وروايته وسماعه) " * الايات: المائدة: ومن الذين هادوا سماعون للكذب - إلى قوله تعالى: يحرفون الكلم من بعد مواضعه - إلى قوله تعالى: سماعون للكذب (5). التوبة: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (6). النحل: وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (7). الكهف: إن يقولون إلا كذبا (8). الحج: واجتنبوا قول الزور (9). الاحزاب: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في


(1) إبراهيم: 15. (2) تفسير القمي: 344. (3) مجالس المفيد: (4) تحف العقول: 489 في ط. (5) المائدة: 41 - 42. (6) براءة: 77. (7) النحل: 62. (8) الكهف: 5. (9) الحج: 30. [*]

[233]

المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (1). الزمر: إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (2). المؤمن: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (3). الجاثية: ويل لكل أفاك أثيم (4). 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن إسحاق بن عمار، عن أبي النعمان قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا با النعمان لا تكذب علينا كذبة فتسلب الحنيفية، ولا تطلبن أن تكون رأسا فتكون ذنبا، ولا تستأكل الناس بنا فتفتقر، فانك موقوف لا محالة ومسؤل، فان صدقت صدقناك وإن كذبت كذبناك (5). بيان: " كذبة " أي كذبة واحدة فكيف الاكثر، والكذب الاخبار عن الشئ بخلاف ما هو عليه، سواء طابق الاعتقاد أم لا، على المشهور، وقيل: الصدق مطابقة الاعتقاد، والكذب خلافه وقيل: الصدق مطابقة الواقع والاعتقاد معا والكذب خلافه، والكلام فيه يطول، ولا ريب في أن الكذب من أعظم المعاصي وأعظم أفراده وأشنعها الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام. " فتسلب الحنيفية " الحنيفية مفعول ثان لتسلب أي الملة المحمدية المائلة عن الضلالة إلى الاستقامة، أو من الشدة إلى السهولة، أي خرج عن كمال الملة والدين ولم يعمل بشرايطها لا أنه يخرج من الملة حقيقة، وقد مر نظائره، أو هو محمول على ما إذا تعمد ذلك، لاحداث بدعة في الدين، أو للطعن على الائمة الهادين.


(1) الاحزاب: 60. (2) الزمر: 3. (3) المؤمن: 28. (4) الجاثية: 7. (5) الكافي: ج 2 ص 338. [*]

[234]

وفي النهاية الحنيف المائل إلى الاسلام، الثابت عليه، والحنيفية عند العرب من كان على دين إبراهيم وأصل الحنف الميل، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة انتهى. والكذب يصدق على العمد والخطا، لكن الظاهر أن الاتم يتبع العمد والكذب عليهم يشمل افتراء الحديث عليهم، وصرف حديثهم إلى غير مرادهم والجزم به، ونسبة فعل إليهم لا يرضون به، أو ادعاء مرتبة لهم لم يدعوها كالربوبية وخلق العالم، وعلم الغيب، أو فضلهم على الرسول صلى الله عليه وآله وأمثال ذلك أو نسبة ما يوجب النقص إليهم كفعل ينافي العصمة وأشباهه. " ولا تطلبن أن تكون راسا فتكون ذنبا " الفاء متفرع على الطلب وهو يحتمل وجوها: الاول: أن يكون الذنب كناية عن الذل والهوان عند الله وعند الصالحين من عباده. الثاني: أن يكون المراد به التأخر في الاخرة عمن طلب الرياسة عليهم وقد نبه على ذلك بتشبيه حسن وهو أن الركبان المترتبين الذاهبين في طريق إذا بدا لهم الرجوع أو اضطروا إليه يقع لضيق الطريق لا محالة المتأخر متقدما والمتقدم متأخرا، وكذا القطيع من الغنم وغيره إذا رجعوا ينعكس الترتيب. الثالث: أن يكون المعنى تكون ذنبا وذليلا ولا يتحصل مرادك في الدنيا أيضا فان الطالب لكل مرتبة من مراتب الدنيا يصير محروما منها غالبا، والهارب من شئ منها تدركه. الرابع: أن يكون المعنى أن الرياسة في الدنيا لاوساط الناس، لا يكون إلا بالتوسل برئيس أعلى منه إما في الحق أو في الباطل، ولما كان في غير دولة الحق لا يمكن التوسل بأهل الحق في ذلك، فلابد من التوسل بأهل الباطل فيكون ذنبا وتابعا لهم ومن أعوانهم وأنصارهم، محشورا في الاخرة معهم، لقوله تعالى: " احشروا الذين ظلموا وازواجهم " (1) إلا أن يكون مأذونا من قبل إمام الحق خصوصا أو عموما، ويفعل


(1) الصافات: 22. [*]

[235]

ذلك بنيابتهم على الوجه الذي أمروا به، وهذا في غاية الندرة، وأكثر الوجوه مما خطر بالبال، والله أعلم بحقيقة الحال. وربما يقرء " ذئبا " بالهمزة بدل النون أي آكلا للناس أموالهم، وهو مخالف للنسخ المضبوطة. " ولا تستأكل الناس بنا " أي لا تطلب أكل أموال الناس بوضع الاخبار الكاذبة فينا، أو بافتراء الاحكام ونسبتها إلينا " فتفتقر " أي في الدنيا والاخرة والاخير أنسب بما هنا، لكن كان في ما مضى " ولا تقل فينا مالا نقول في أنفسنا فإنك موقوف ". 2 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عمن حدثه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول لولده: اتقوا الكذب الصغير منه والكبير، في كل جد وهزل، فان الرجل إذا كذب في الصغير اجترئ على الكبير، أما علمتم أن رسول الله قال: ما يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله صديقا، وما يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كذابا (1). بيان: في المصباح جد في الامر يجد جدا من باب ضرب وقتل اجتهد فيه والاسم الجد بالكسر، ومنه يقال فلان محسن جدا أي نهاية ومبالغة وجد في الكلام جدا من باب ضرب هزل، والاسم منه الجد بالكسر أيضا، والاول هو المراد هنا للمقابلة، وهزل في كلامه هزلا من باب ضرب مزح ولعب والفاعل هازل وهزال مبالغة، والظاهر أن كل واحد من الجد والهزل متعلق بالصغير والكبير وتخصيص الاول بالصغير، والثاني بالكبير بعيد. وظاهره حرمة الكذب في الهزل أيضا ويؤيده عمومات النهي عن الكذب مطلقا ولم أذكر تصريحا من الاصحاب في ذلك، وروي من طريق العامة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك فويل له ثم ويل له، وروى أنه صلى الله عليه وآله كان يمزح ولا يقول إلا حقا ولا يؤذي قلبا ولا يفرط فيه.


(1) الكافي ج 2 ص 338. [*]

[236]

فالمزاح على حد الاعتدال مع عدم الكذب والاذى لا حرج فيه بل هو من خصال الايمان ولا ريب أن ترك الكذب في المزاح إذا لم يكن من المعاريض المجوزة التي يكون مقصود القائل فيها حقا كما سيأتي أولى وأحوط، لكن الحكم بالتحريم بمجرد هذه الاخبار مشكل، لا سيما إذا لم يترتب عليه مفسدة ويظهر خلافه قريبا، وإنما المقصود محض المطايبة فان أكثر هذه الاخبار مسوقة لبيان مكارم الاخلاق والزجر عن مساويها أعم من أن تكون واجبة أو مندوبة محرمة أو مكروهة، والمراد بالكبير إما الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام كما سيأتي أنها من الكبائر أو الاعم منها ومما تعظم مفسدته وضرره على المسلمين وقوله " اجترئ على الكبير " أي على الكبير من الكذب بأحد المعنيين أو الكبير من المعاصي أعم من الكذب وغيره، فان الكذب كثيرا ما يؤدي إلى ذنوب غيره كما أن الصدق يؤدي إلى البر والعمل الصالح حتى يكتب صديقا. ويخطر بالبال وجه آخر: وهو أن يكون المراد بالكبير الرب العليم القدير أي لا تجتر على الكذب الصغير بأنه صغير فانه معصية الله، ومعصية الكبير كبيرة وما سيأتي بالاول أنسب قال الراغب الصديق من كثر منه الصدق، وقيل بل يقال ذلك: لمن لم يكذب قط، وقيل بل لمن لا يأتي منه الكذب لتعوده الصدق وقيل من صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، والصديقون هم قوم دون الانبياء في الفضيلة، وقيل: لعل معنى يكتب على ظاهره، فانه يكتب في اللوح المحفوظ أو في دفتر الاعمال أو في غيرهما أن فلانا صديق وفلانا كذاب ليعرفهما الناظرون إليه بهذين الوصفين، أو معناه يحكم لهما بذلك أو يوجب لهما استحقاق الوصف بصفة الصديقين وثوابهم، وصفة الكذابين وعقابهم، أو معناه أنه يلقي ذلك في قلوب المخلوقين ويشهره بين المقربين. 3 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل جعل للشر

[237]

أقفالا وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب، والكذب شر من الشراب (1). بيان: الشر في الاول صفة مشبهة وفي الثاني أفعل التفضيل، والمراد بالشراب جميع الاشربة المسكرة، وكان المراد بالاقفال الامور المانعة من ارتكاب الشرور من العقل وما يتبعه ويستلزمه من الحياء من الله ومن الخلق والتفكر في قبحها وعقوباتها ومفاسدها الدنيوية والاخروية، والشراب يزيل العقل، وبزوالها ترتفع جميع تلك الموانع، فتفتح جميع الاقفال، وكأن المراد بالكذب الذي هو شر من الشراب، الكذب على الله وعلى حججه عليهم السلام فانه تالى الكفر وتحليل الاشربة المحرمة ثمرة من ثمرات هذا الكذب فان المخالفين بمثل ذلك حللوها. وقيل: الوجه فيه أن الشرور التابعة للشراب تصدر بلا شعور، بخلاف الشرور التابعة للكذب وقد يقال: الشر في الثاني أيضا صفة مشبهة و " من " تعليلة والمعنى أن الكذب أيضا شر ينشأ من الشراب، لئلا ينافي ما سيأتي في كتاب الاشربة أن شرب الخمر أكبر الكبائر. 3 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان، عن الحسن الصيقل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا قد روينا عن أبي جعفر عليه السلام في قول يوسف عليه السلام: " أيتها العير إنكم لسارقون " (2) فقال: والله ما سرقوا وما كذب، وقال إبراهيم " بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون " (3) فقال: والله ما فعلوا وما كذب. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما عندكم فيها يا صيقل ؟ قال: قلت: ما عندنا فيها إلا التسليم، قال: فقال: إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين أحب الخطر فيما بين الصفين وأحب الكذب في الاصلاح، وأبغض الخطر في الطرقات، وأبغض الكذب


(1) الكافي ج 2 ص 338. (2) يوسف: 70. (3) الانبياء: 63. [*]

[238]

في غير الاصلاح، إن إبراهيم عليه السلام إنما قال: " بل فعله كبيرهم هذا " إرادة الاصلاح ودلالة على أنهم لا يعقلون، وقال يوسف عليه السلام: إرادة الاصلاح (1). بيان: " في قول يوسف عليه السلام " هذا لم يكن قول يوسف عليه السلام وإنما كان قول مناديه، ونسب إليه لوقوعه بأمره، والعير بالكسر الابل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة، " وقال إبراهيم عليه السلام " عطف على الجملة السابقة بتقدير روينا وقيل: قال: هنا مصدر فان القال والقيل مصدران كالقول فهو عطف على " قول يوسف ". " بل فعله كبيرهم " اريد بالكبير الكبير في الخلقة أو التعظيم، قيل كانت لهم سبعون صنما مصطفة، وكان ثمة صنم عظيم مستقبل الباب من ذهب في عينيه جوهرتان تضيئان بالليل، ولعل إرجاع الضمير المذكر العاقل إلى الاصنام من باب التهكم أو باعتبار أنها تعقل وتفهم وتجيب بزعم عبادها. وأما ضمير الجمع في قوله " والله ما فعلوا " فراجع إلى الكبير، باعتبار إرادة الجنس الشامل للتعدد ولو فرضا، أو إلى الاصنام للتنبيه على اشتراك الجميع في عدم صلاحية صدور ذلك الفعل منه، وقيل: إنما أتى بالجمع لمناسبة ما سرقوا أو مبنى على أن الفعل الصادر عن أحد من الجماعة قد ينسب إلى الجميع نحو قوله تعالى: " فنادته الملائكة " (2) بناء على أن المنادي جبرئيل فقط، وقيل: ويمكن أن يكون إرجاع ضمير " فاسئلوهم " أيضا من هذا القبيل إذ لو كان المقصود نطق كل واحد في الزمان المستقبل، تكون زيادة " كانوا " في المضارع لغوا، وإن كان العرض النطق في الزمان الماضي لا يترتب عليه صحة السؤال، إذ لا يلزم من جواز نطقهم قبل الكسر جواز ذلك بعده. " أحب الخطر في ما بين الصفين " في النهاية يقال خطر البعير بذنبه يخطر أذا رفعه وحطه إنما يفعل ذلك عند الشبع والسمن ومنه حديث مرحب فخرج يخطر بسيفه يهزه معجبا بنفسه متعرضا للمبارزة، أو أنه كان يخطر في


(1) الكافي ج 2 ص 341. (2) آل عمران: 39. [*]

[239]

مشيته أي يتمايل ويمشي مشية المعجب، وسيفه في يده أي كان يخطر سيفه معه. " إرادة الاصلاح " لعل المراد إرادة إصلاح حال قومه برجوعهم عن عبادة الاصنام، وجه الدلالة أن العاقل إذا تفكر في نسبة الكسر إليها وعلم أنه لا يصح ذلك إلا من ذي شعور عاقل قادر وعلم أن هذه الاوصاف منتفية منها وعلم أنها لا تقدر على دفع الاستخفاف والضرر من أنفسها علم أنها ليست بمستحقة للالوهية والعبادة، ويكون ذلك داعيا إلى الرجوع عنها ورفض العبادة لها. وللعلماء فيه وجوه اخرى: الاول: أنه من المعاريض التي يقصد بها الحق وإلزام الخصم وتبكيته فلم يكن قصده عليه السلام أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الصنم وإنما قصد أن يقرره لنفسه على اسلوب تعريضي مع الاستهزاء والتبكيت كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق: أنت كتبت ؟ فقلت: بل كتبته أنت، كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته لصاحبك الامي والتعريض مما يجوز عقلا ونقلا لمصلحة جلب نفع أو دفع ضرر أو استهزاء في موضعه ونحوها. الثاني: أنه عليه السلام غاظته الاصنام حين رآها مصطفة مزينة، وكان غيظ كبيرها أشد لما رأى من زياده تعظيمهم وتوقيرهم له، فأسند الفعل إليه، لانه هو السبب في استهانته وكسره لها والفعل كما يسند إلى المباشر يسند إلى السبب أيضا. الثالث: أن ذلك حكاية لما يقود إليه مذهبهم كأنه قال: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم فان من حق من يعبد ويدعي إليه أن يقدر على أمثال هذه الافعال لا سيما الكبير الذي يستنكف أن يعبد معه هذه الصغار. الرابع: ما وري عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله: " بل فعله " ثم يبتدئ " كبيرهم هذا " أي فعله من فعله وهذا من باب التورية إذ له ظاهر وباطن، وباطنه ما ذكر، وظاهره إسناد الفعل إلى الكبير، وفهمهم تعلق به ومراده عليه السلام

[240]

هو الباطن. الخامس: ما روي عن بعضهم أنه كان يقف عند قوله: " كبيرهم " ثم يبتدئ بقول: " هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون " وأراد بالكبير نفسه، لان الانسان أكبر من كل صنم، وهذا أيضا من باب التورية وقيل: إنه يتم بدون الوقف أيضا بأن يكون هذا إشارة إلى نفسه المقدسة، والمغايرة بين المشير والمشار إليه كاف بحسب الاعتبار. السادس: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، والتقدير بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون فاسئلوهم فيكون إضافة الفعل إلى كبيرهم مشروطا بكونهم ناطقين، فلما لم يكونوا ناطقين لم يكونوا فاعلين، والغرض منه تسفيه القوم وتقريعهم وتوبيخهم لعبادة من لا يسمع ولا ينطق ولا يقدر أن يخبر من نفسه بشئ. ويؤيده ما روي في كتاب الاحتجاج أنه سئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزوجل في قصة إبراهيم: " قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون " قال: ما فعله كبيرهم، وما كذب إبراهيم، قيل: وكيف ذلك فقال: إنما قال: إبراهيم فاسئلوهم إن كانوا ينطقون ان نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب إبراهيم (1). وقال البيضاوي: وما روي أن لابراهيم عليه السلام ثلاث كذبات تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته. " وقال يوسف عليه السلام إرادة الاصلاح " كأن المراد الاصلاح بينه وبين إخوته في حبس أخيه بنيامين عنده، وإلزامهم ذلك بحيث لا يكون لهم محل منازعة ولم يتيسر له ذلك إلا بأمرين: أحدهما نسبة السرقة وثانيهما التمسك بحكم آل يعقوب في السارق، وهو استرقاق السارق سنة، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق ويغرم ما سرق، فلم يتمكن من أخذ أخيه في دين الملك، فلذلك أمر فتيانه بأن يدسوا الصاع في رحل أخيه وأن ينسبوا السرقة إليه وأن يستفتوا في


(1) الاحتجاج ص 194. [*]

[241]

جزاء السارق منهم " فقالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه " أي أخذ السارق نفسه هو جزاؤه لا غير. فلما فتشوا وجدوا الصاع في رحل أخيه، فأخذوا برقبته، وحكموا برقيته، ولم يبق لاخوته محل منازعة في حبسه، إلا أن قالوا على سبيل التضرع والالتماس: " فخذ أحدنا مكانه إنا نريك من المحسنين " (1) فردهم بقوله: " معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون " قيل: أراد أنا إذا أخذنا غيره لظالمون في مذهبكم لان استعباد غير من وجد الصاع في رحله ظلم عندكم، أو أراد أن الله أمرني وأوحى إلى أن آخذ بنيامين فلو أخذت غيره كنت عاملا بخلاف الوحي، وللعلماء أيضا وجوه اخرى: الاول أن ذلك النداء لم يكن بأمره بل نادوا من عند أنفسهم لانهم لما لم يجدوا الصاع غلب على ظنهم أنهم أخذوه. الثاني: أنهم لم ينادوا أنكم سرقتم الصاع فلعل المراد أنكم سرقتم يوسف من أبيه، يدل عليه ما رواه الصدوق في العلل باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في تفسير هذه الاية: إنهم سرقوا يوسف من أبيه الا ترى أنهم حين قالوا: ماذا تفقدون ؟ قالوا: نفقد صواع الملك، ولم يقولوا: سرقتم صاع الملك (2). الثالث: لعل المراد من قولهم: إنكم لسارقون الاستفهام كما في قوله حكاية عن إبراهيم: " هذا ربي " (3) وإن كان ظاهره الخبر وايد ذلك بأن في مصحف ابن مسعود " ءإنكم " بالهمزتين. وقال بعض الافاضل: حاصل الجواب أن لكل من الصدق والكذب معنيين أحدهما لغوي والاخر عرفي، فالاول هو الموافق للواقع، والمخالف للواقع والثاني الموافق للحق، والمخالف للحق، والمراد بالحق رضا الله تعالى فكما


(1) يوسف: 78. (2) علل الشرائع ج 1 ص 49. (3) الانعام: 76. [*]

[242]

يمكن أن لا يكون الصادق اللغوي، صادقا عرفيا كما قال تعالى: " فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون " (1) فكذلك يمكن أن لا يكون الكاذب اللغوي كاذبا عرفيا كما ذكره عليه السلام في هذا الخبر. 5 - كا: عن علي، عن أبيه، عن صفوان، عن أبي مخلد السراج، عن عيسى بن حسان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كل كذب مسؤل عنه صاحبه يوما إلا كذبا في ثلاثة: رجل كائد في حربه فهو موضوع عنه، أو رجل أصلح بين اثنين يلقى هذا بغير ما يلقى به هذا، يريد بذلك الاصلاح ما بينهما، أو رجل وعد أهله شيئا وهو لا يريد أن يتم لهم (2). بيان: يوما لعل الابهام لاحتمال أن يكون السؤال في القبر أو في القيامة ويحتمل الدنيا أيضا فان للناس أن يعيروه بذلك " إلا كذبا " المراد به الكذب اللغوي فهو موضوع عنه أي إثمه مرفوع عنه لا يأثم عليه. " يلقى هذا بغير ما يلقي به هذا " كأن يقول لكل منهما: التقصير منك وهو غير مقصر في حقك أو يلقي كلا منهما بكلام غير الكلام الذي سمع من الاخر فيه من الشتم وإظهار العداوة وهذا أنسب معنى، والاول لفظا. و " ما " في قوله: " ما بينهما " موصولة وهو مفعول الاصلاح " أو رجل وعد أهله " فيه أن الوعد من قبيل الانشاء والصدق والكذب إنما يكونان في الخبر ولعله باعتبار أنه يلزم إذا لم يف به أن يعتذر بما يتضمن الكذب، كأن يقول: نسيت أو لم يمكنني وأمثال ذلك، باعتبار ما يستلزمه من الاخبار ضمنا بارادة الوفاء، هذا بحسب ما هو أظهر عندي في الوعد لكن ظاهر أكثر العلماء أنه من قبيل الخبر وسيأتي الكلام فيه في باب خلف الوعد. قال الراغب: الصدق والكذب أصلهما في القول ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الاول إلا في القول، ولا يكونان من القول


(1) النور: 13. (2) الكافي ج 2 ص 342. [*]

[243]

إلا في الخبر دون غيره من أصناف الكلام (الاستفهام والامر والدعاء) ولذلك قال: " ومن أصدق من الله قيلا " (1) " ومن أصدق من الله حديثا " (2) " واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد " (3) وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كالاستفهام والامر والدعاء، وذلك نحو قول القائل: أزيد في الدار فان في ضمنه إخبارا بكونه جاهلا بحال زيد، وكذا إذا قال: واسني في ضمنه أنه محتاج إلى المواساة، وإذا قال: لا تؤذني ففي ضمنه أنه يؤذيه انتهى (4). ثم اعلم أن مضمون الحديث متفق عليه بن الخاصة والعامة، فروى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب في الاصطلاح بين الناس، وفي صحيح مسلم قال ابن شهاب وهو أحد رواته: لم أسمع يرخص في شئ مما يقول الناس كذبا إلا في ثلاث الحرب والاصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته، وحديث المرءة زوجها. قال عياض: لا خلاف في جوازه في الثلاث وإنما يجوز في صورة ما يجوز منه فيها، فأجاز قوم فيها صريح الكذب، وأن يقول ما لم يكن لما فيه من المصالح ويندفع فيها الفساد، قالوا: وقد يجب لنجاة مسلم من القتل، وقال بعضهم: لا يجوز فيها التصريح بالكذب، وإنما يجوز فيها التورية بالمعاريض، وهي شئ يخلص من المكروه والحرام إلى الجايز إما لقصد الاصلاح بين الناس أو لدفع ما يضر أو لغير ذلك، وتأول المروي على ذلك وقال: مثل أن يعد زوجته أن يفعل لها ويحسن إليها، ونيته إن قدر الله تعالى، أو يأتيها فهذا بلفظ محتمل وكلمة مشتركة تفهم من ذلك ما يطيب قلبها وكذلك في الاصلاح بين الناس ينقل لهؤلاء من هؤلاء الكلام المحتمل، وكذلك في الحرب مثل أن يقول لعدوه: انحل حزام سرجك ويريد فيما مضى، ويقول لجيش عدوه: مات أميركم، ليذعر قلوبهم


(1) النساء: 122. (2) النساء: 87. (3) مريم: 54. (4) مفردات غريب القرآن: 277. [*]

[244]

ويعني النوم أو يقول لهم غدا يأتينا مدد، وقد أعد قوما من عسكره ليأتوا في صورة المدد، أو يعني بالمدد الطعام، فهذا نوع من الخدع الجايزة والمعاريض المباحة. وقال القرطبي: لعل ما استند في منعه التصريح بقاعدة حرمة الكذب وتأويله الاحاديث بحملها على المعاريض ما يعضده دليل، وأما الكذب ليمنع مظلوما من الظلم عليه فلم يختلف فيه أحد من الامم لا عرب ولا عجم ومن الكذب الذي يجوز بين الزوجين الاخبار بالمحبة والاغتباط، وان كان كذبا لما فيه من الاصلاح ودوام الالفة. 6 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، عن محمد بن مالك، عن عبد الاعلى مولى آل سام قال: حدثني أبو عبد الله عليه السلام بحديث فقلت له: جعلت فداك أليس زعمت لي الساعة كذا وكذا ؟ فقال: لا، فعظم ذلك علي فقلت: بلى والله زعمت، فقال: لا والله ما زعمته، قال: فعظم علي فقلت: بلى والله قد قلته، قال: نعم قد قلته أما عملت أن كل زعم في القرآن كذب (1). بيان: في القاموس الزعم مثلثة القول الحق والباطل والكذب ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه والزعمى الكذاب والصادق، وزعمتني كذا ظننتني والتزعم التكذب وأمر مزعم كمقعد، لا يوثق به، وفي النهاية فيه أنه ذكر أيوب عليه السلام فقال: إذا كان مر برجلين يتزاعمان وقال الزمخشري: معناه أنهما يتحادثان بالزعمات وهي ما لا يوثق به من الاحاديث، ومنه الحديث بئس مطية الرجل زعموا، معناه ان الرجل إذا أراد المسير إلى بلد والظعن في حاجة ركب مطية حتى يقضي إربه، فشبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه ويتوصل به إلى غرضه من قوله: زعموا كذا وكذا، بالمطية التي يتوسل بها إلى الحاجة، وإنما يقال: زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنما يحكي عن الالسن على البلاغ فذم من الحديث ما هذا سبيله، والزعم بالضم والفتح قريب من الظن.


(1) الكافي ج 2 ص 342. [*]

[245]

وقال في المصباح: زعم زعما من باب قتل وفي الزعم ثلاث لغات فتح الزاي للحجاز، وضمها لاسد، وكسرها لبعض قيس، ويطلق بمعنى القول، ومنه زعمت الحنيفية، وزعم سيبويه أي قال، وعليه قوله تعالى: " أو تسقط السماء كما زعمت " (1) أي كما أخبرت، ويطلق على الظن يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد ومنه قوله تعالى: " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا " (2) قال الازهري: وأكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه، ولا يتحقق، وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقي: أكثر ما يستعمل في ما كان باطلا وفيه ارتياب وقال ابن القوطية: زعم زعما قال خبرا لا يدري احق هو أو باطل، قال الخطابي: ولذا قيل: زعم مطية الكذب، وزعم من غير مزعم، قال غير مقول صالح وادعى ما لا يمكن انتهى. أقول: وإذا علمت ذلك، ظهر لك أن الزعم إما حقيقة لغوية أو عرفية أو شرعية في الكذب، أو ما قيل بالظن أو بالوهم من غير علم وبصيرة، فاسناده إلى من لا يكون قوله إلا عن حقيقة ويقين، ليس من دأب أصحاب اليقين، وإن كان مراده مطلق القول أو القول عن علم فغرضه عليه السلام تأديبه وتعليمه آداب الخطاب مع ائمة الهدى وساير اولي الالباب، واما الحكم بكون ذلك كذبا وحراما فهو مشكل إذ غاية الامر أن يكون مجازا ولا حجر فيه. وأما يمينه عليه السلام على عدم الزعم فهو صحيح لانه قصد به الحقيقة أو المجاز الشايع وكأنه من التورية والمعاريض لمصلحة التاديب أو تعليم جواز مثل ذلك للمصلحة فان المعبر في ذلك قصد المحق في المتخاصمين كما ذكره الاصحاب، وكأنه لذلك ذكر المصنف رحمه الله (3) الخبر في هذا الباب وإن كان مع قطع النظر عن ذلك له مناسبة خفية له فتأمل. قوله عليه السلام: " إن كل زعم في القرآن كذب " أي أطلق في مقام


(1) الاسراء: 92. (2) التغابن: 7. (3) يعني الكليني في الكافي باب الكذب. [*]

[246]

إظهار كذب المخبر به، فلا ينافي ذلك قوله تعالى حاكيا عن المشركين: " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " فانهم أشاروا بقوله: زعمت إلى قوله تعالى: " إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء " (1) فان ما أشاروا إليه بقوله: زعمت، حق لكنهم أوردوه في مقام التكذيب، ويمكن ايضا تخصيصه بما ذكره الله من قبل نفسه سبحانه غير حاك من غيره كما قال تعالى: " زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا " وقال سبحانه: " بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا " (2) وقال: " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " (3) وقال: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه " (4). 7 - كا: العدة. عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن أبي إسحاق الخراساني، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إياكم والكذب فان كل راج طالب، وكل خائف هارب (5). بيان: فيه إما إرسال أو إضمار بأن يكون ضمير قال راجعا إلى الصادق عليه السلام أو الرضا عليه السلام " إياكم والكذب " أراد عليه السلام لا تكذبوا في ادعائكم الرجاء والخوف من الله سبحانه، وذلك لان كل راج طالب لما يرجو ساع في أسبابه وأنتم لستم كذلك، وكل خائف هارب مما يخاف منه مجتنب مما يقربه منه، وأنتم لستم كذلك. وهذا مثل قوله عليه السلام الذي رواه في نهج البلاغة أنه عليه السلام قال بعد كلام طويل لمدع كاذب انه يرجو الله: يدعي بزعمه انه يرجو الله كذب والعظيم، ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله. وكل من رجا عرف رجاؤه في عمله، إلا رجاء الله فانه مدخول، وكل خوف محقق إلا خوف الله فانه معلول، يرجو الله في الكبير، ويرجو العباد في الصغير، فيعطي العبد ما لا يعطي الرب، فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده، أتخاف أن تكون


(1) سبأ: 9. (2) الكهف: 48. (3) الانعام: 22. (4) اسرى: 56. (5) الكافي: ج 2 ص 343. [*]

[247]

في رجائك له كاذبا أو تكون لا تراه للرجاء موضعا ؟ وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه لا يعطي ربه، فجعل خوفه من العباد نقدا، وخوفه من خالقه ضمارا ووعدا (1). وقال بعضهم: حذر من الكذب على الله وعلى رسوله وعلى غيرهما في ادعاء الدين مع ترك العمل به، ورغب في الصدق بأن الكذب ينافي الايمان، وذلك لان الكاذب لم يطلب الثواب، وكل من لم يطلب الثواب فهو ليس براج بحكم المقدمة الاولى، ولم يهرب من العقاب وكل من لم يهرب من العقاب فهو ليس بخائف بحكم المقدمة الثانية، ومن انتفى عنه الخوف والرجاء فهو ليس بمؤمن كما هو المقرر عند اهل الايمان انتهى، وارتكب انواع التكلف لقلة التتبع والمقصود ما ذكرنا. 8 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه. عمن ذكره، عن محمد بن عبد الرحمان ابن أبي ليلى، عن أبيه. عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الكذب هو خراب الايمان (2). بيان: الحمل على المبالغة أي هو سبب خراب الايمان وقد يقرء بتشديد الراء بصيغة المبالغة. 9 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن أبان الاحمر، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أول من يكذب الكذاب الله عزوجل، ثم الملكان اللذان معه، ثم هو يعلم أنه كاذب (3). بيان: لفظة ثم إما للترتيب الرتبي ويحتمل الزماني أيضا إذ علم الله مقدم على إرادته أيضا ثم بالهام الله يعلم الملكان المقربان أو عند الارادة تظهر منه رائحة خبيثة. يعلم الملكان قبحه وكذبه كما يظهر من بعض الاخبار، ويمكن أن يكون


(1) نهج البلاغة الرقم 158 من الخطب. (2 - 3) الكافي ج 2 ص 339. [*]

[248]

علم الملكين لمصاحبتهما له وعلمهما بأحواله، بناء على عدم تبدلهما في كل يوم كما هو ظاهر أكثر الاخبار، وأما تأخر علمه فلانه ما لم يتم الكلام لا يعلم يقينا صدور الكذب منه. 10 - كا: عن علي بن الحكم (عن أبان) عن عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الكذاب يهلك بالبينات ويهلك أتباعه بالشبهات (1). بيان: اريد بالكذاب في هذا الحديث إما مدعي الرياسة بغير حق، وسبب هلاكه بالبينات إفتاؤه بغير علم مع علمه بجهله، وسبب إهلاك أتباعه بالشبهات تجويز كونه عالما وعدم قطعهم بجهله، فهم في شبهة من أمره أو من يضع الحديث ويبتدع في الدين فهو يهلك نفسه بأمر يعلم كذبه، وأتباعه يهلكون بالشبهة والجهالة لحسن ظنهم به، واحتمالهم صدقه، والوجهان متقاربان. 11 - كا: عن محمد بن يحيى. عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نجران عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن آية الكذاب بأن يخبرك خبر السماء والارض والمشرق والمغرب، فإذا سألته عن حرام الله وحلاله لم يكن عنده شئ (2). بيان: " بأن يخبرك " كأن الباء زائدة أو التقدير تعلم بأن يخبرك وإنما كان هذا آية الكذاب لانه لو كان علمه بالوحي والالهام لكان أحرى بأن يعلم الحلال والحرام، لان الحكيم العلام يفيض على الانام ما هم أحوج إليه من الحقائق والاحكام، وكذا لو كان بالوراثة عن الانبياء والاوصياء عليهم السلام ولو كان بالكشف فعلى تقدير إمكان حصوله لغير الحجج عليهم السلام فالعلم بحقائق الاشياء على ما هي عليه لا يحصل لاحد إلا بالتقوى وتهذيب السر من رذائل الاخلاق. قال الله تعالى: " واتقوا الله ويعلمكم الله " (3) ولا يحصل التقوى إلا بالاقتصار على الحلال


(1) الكافي: ج 2 ص 339 والسند معلق على سابقه. (2) الكافي ج 2 ص 340. (3) البقرة: 282. [*]

[249]

والاجتناب عن الحرام. ولا يتيسر ذلك إلا بالعلم بالحلال والحرام، فمن أخبر عن شئ من حقائق الاشياء ولم يكن عنده معرفة بالحلال والحرام، فهو لا محالة كذاب يدعى ما ليس له. 12 - كا: عن علي، عن أبيه. عن ابن أبي عمير. عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الكذبة لتفطر الصائم، قلت: وأينا لا يكون ذلك منه ؟ قال: ليس حيث ذهبت إنما ذلك الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام (1). بيان: يدل على إن الكذب على الله وعلى رسوله وعلى الائمة عليهم السلام يفسد الصوم كما ذهب إليه جماعة من الاصحاب، وهم اختلفوا فقيل: يجب به القضاء والكفارة. وقيل: القضاء خاصة، والمشهور انه لا يفسد، وان نقص به ثوابه وفضله، وتضاعف به العذاب والعقاب. 13 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن بعض أصحابه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكر الحائك لابي عبد الله عليه السلام أنه ملعون فقال: إنما ذلك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله (2). بيان: قوله: " أنه ملعون " بفتح الهمزة بدل اشتمال للحائك، ويحتمل أن يكون للحديث عنده عليه السلام موضوعا ولم يمكنه إظهاره ذلك تقية، فذكر له تأويلا يوافق الحق ومثل ذلك في الاخبار كثير يعرف ذلك من اطلع على اسرار أخبارهم عليهم السلام واستعارة الحياكة لوضع الحديث شايعة بين العرب والعجم. 14 - كا: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن القاسم بن عروة، عن عبد الحميد الطائي، عن الاصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجده (3) بيان: وجدان طعم الايمان كناية عن كماله، وترتب الثمرات العظيمة عليه


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 340. [*]

[250]

ولا يكون ذلك إلا بوصوله درجة اليقين، وصاحب اليقين المشاهد لمثوبات الاخرة وعقوباتها دائما، لا يجترئ على شئ من المعاصي، لا سيما الكذب الذى هو من كبائرها. 15 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الكذاب هو الذي يكذب في الشئ ؟ قال: لا، ما من أحد إلا يكون ذاك منه، ولكن المطبوع على الكذب (1). بيان: " المطبوع على الكذب " المجبول عليه، بحيث صار عادة له ولا يتحرز عنه ولا يبالي به ولا يندم عليه، ومن لا يكون كذلك لا يصدق عليه الكذاب مطلقا فانه صيغة مبالغة أو المراد الكذاب الذي يكتبه الله كذابا كما مر أو الكذاب الذي ينبغي أن يجتنب مواخاته كما سيأتي وفيه إيماء إلى أن الكذب مطلقا ليس من الكبائر وفي القاموس طبع على الشئ بالضم جبل. 16 - كا: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن الحسين بن طريف عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: من كثر كذبه ذهب بهاؤه (2). بيان: ذهب بهاؤه أي حسنه وجماله ووقره عند الله سبحانه وعند الخلق، فان الخلق وإن لم يكونوا من أهل الملة يكرهون الكذب ويقبحونه ويتنفرون من أهله. 17 - كا: [عنه] عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن سالم رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام، ينبغي للرجل المسلم أن يجتنب مواخاة الكذاب فانه يكذب حتى يجئ بالصدق فلا يصدق (3). بيان: " حتى يجئ بالصدق فلا يصدق " الظاهر إنه على بناء المفعول من التفعيل أي لكثرة ما ظهر لك من كذبه لا يمكنك تصديقه فيما يأتي به من الصدق


(1) الكافي ج 2 ص 340. (2 - 3) الكافي ج 2 ص 341. [*]

[251]

أيضا، فلا تنتفع بمواخاته ومصاحبته، مع أنه جذاب لطبع الجليس إلى طبعه. ويخطر بالبال أنه يحتمل أن يكون المراد به أن هذا الرجل المواخي يكذب نقلا عن الاخ الكذاب لاعتماده عليه، ثم يظهر كذب ما أخبر به حتى لا يعتمد الناس على صدقه أيضا كما ورد في الخبر كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع، وما سيأتي في البابين يؤيد المعنى الاول، وربما يقرء " يصدق " على بناء المجرد أي إذا أخبر بصدق يغيره ويدخل فيه شيئا يصير كذبا. 18 - كا: عنه عن ابن فضال، عن إبراهيم بن محمد الاشعري، عن عبيد ابن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن مما أعان الله [به] على الكذابين النسيان (1). بيان: " إن مما أعان الله على الكذابين " أي أضرهم به وفضحهم فان كثيرا ما يكذبون في خبر ثم ينسون ويخبرون بما ينافيه ويكذبه فيفتضحون بذلك عند الخاصة والعامة، قال الجوهري: في الدعاء رب أعني ولا تعن علي. 19 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الكلام ثلاثة: صدق وكذب وإصلاح بين الناس، قال: قيل له: جعلت فداك ما الاصلاح بين الناس ؟ قال: تسمع من الرجل كلاما يبلغه فتخبث نفسه فتقول: سمعت من فلان قال فيك من الخير كذا وكذا خلاف ما سمعت منه (2). بيان: " تسمع من الرجل كلاما " كأن " من " بمعنى " في " كما في قوله تعالى: " إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة " (3) أي فيه وكذا قالوا في قوله سبحانه: " أروني ماذا خلقوا من الارض " (4) أي في الارض، ويحتمل أن يكون تقدير الكلام تسمع من رجل كلاما في حق رجل آخر يذمه به فيبلغ الرجل الثاني ذلك


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 341. (3) الجمعة: 9. (4) فاطر: 40. [*]

[252]

الكلام فتخبث نفسه على الاول أي يتغير عليه ويبغضه، فتلقى الرجل الثاني فتقول سمعت من الرجل الاول فيك كذا وكذا من مدحه خلاف ما سمعت منه من ذمه والتكلف فيه من جهة إرجاع ضمير يبلغه إلى الرجل الثاني وهو غير مذكور في الكلام، لكنه معلوم بقرينة المقام. وهذا القول وإن كان كذبا لغة وعرفا جايز لقصد الاصلاح بين الناس، وكأنه لا خلاف فيه عند أهل الاسلام والظاهر أنه لا تورية ولا تعريض فيه وإن أمكن أن يقصد تورية بعيدة كأن ينوي أنه كان حقه أن يقول كذا ولو صافيته لقال فيك كذا لكنه بعيد، وقد اتفقت الامة على أنه لو جاء ظالم ليقتل رجلا مختفيا ليقتله ظلما أو يطلب وديعة مؤمن ليأخذها غصبا وجب الاخفاء على من علم ذلك، فلو أنكرها فطولب باليمين ظلما يجب عليه أن يحلف. لكن قالوا: إذا عرف التورية بما يخرج به عن الكذب وجبت التورية، كأن يقصد ليس عندي مال يجب علي أداؤه إليك، أو لا أعلم علما يلزمني الاخبار به وأمثال ذلك. وقالوا: إذا لم يعرفها وجب الحلف والكذب بغير تورية أيضا فإنه وإن كان قبيحا إلا أن إذهاب حق الادمي أشد قبحا من حق الله تعالى في الكذب أو اليمين الكاذبة، فيجب ارتكاب اخف الضررين، ولان اليمين الكاذب عند الضرورة مأذون فيه شرعا كمطلق الكذب النافع بخلاف مال الغير، فانه لا يباح إذهابه بغير إذنه مع إمكان حفظه، فأمثال هذا الكذب ليست بمذمومة في نفس الامر، بل إما واجبة أو مندوبة ويدل الحديث على أن الكذب شرعا إنما يطلق على ما كان مذموما، فغير المذموم قسم ثالث من الكلام يسمى إصلاحا فهو واسطة بين الصدق والكذب. 20 - كا: عن الاشعري: عن محمد بن عبد الجبار، عن الحجال، عن ثعلبة، عن معمر بن عمرو، عن عطا، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كذب على مصلح ثم تلا " أيتها العير إنكم لسارقون " (1) ثم قال: والله ما سرقوا وما كذب


(1) يوسف: 70. [*]

[253]

ثم تلا " بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون " (1) ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب (2). تكملة: قال بعض المحققين: اعلم أن الكذب ليس حراما لعينه، بل لما فيه من الضرر على المخاطب، أو على غيره، فان أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشئ على خلاف ما هو به، فيكون جاهلا، وقد يتعلق به ضرر غيره، ورب جهل فيه منفعة ومصلحة. فالكذب تحصيل لذلك الجهل، فيكون مأذونا فيه وربما كان واجبا كما لو كان في الصدق قتل نفس بغير حق. فنقول: الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب، جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح، إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا كما إن عصمة دم المسلم واجبة. فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتم مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب، فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز عنه ما يمكن، لانه إذا فتح على نفسه باب الكذب فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغني عنه، وإلى ما لم يقتصر فيه على حد الواجب ومقدار الضرورة، فكان الكذب حراما في الاصل إلا لضرورة. والذي يدل على الاستثناء ما روي عن ام كلثوم قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يرخص في شئ من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول يريد الاصلاح والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها. وقالت أيضا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس بكذاب من أصلح بين اثنين


(1) الانبياء: 63. (2) الكافي ج 2 ص 343. وقوله " ثم تلا " كلام الراوي، والضمير راجع إلى الصادق عليه السلام، أو كلام الامام والضمير راجع إلى الرسول صلى الله عليه وآله والاول أظهر وقد مر مثله تحت الرقم 4 في حديث الصيقل، منه رحمه الله. [*]

[254]

فقال خيرا أو نما خيرا. وقالت أسماء بنت يزيد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما. وروى عن أبي كاهل قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله كلام حتى تصادما فلقيت أحدهما فقلت: مالك ولفلان فقد سمعته يحسن الثناء عليك، ولقيت الاخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت: أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين، فاخبرت النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا كاهل أصلح بين الناس ولو بالكذب. وقال عطاء بن يسار: قال رجل للنبي: أكذب أهلي ؟ قال: لا خير في الكذب قال: أعدها وأقول لها ؟ قال: لا جناح عليك. وعن النواس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار ؟ كل الكذب مكتوب كذبا لا محالة إلا أن يكذب الرجل في الحرب فان الحرب خدعة أو يكون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها. وقال علي عليه السلام: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله فلان أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة. فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره، أما ماله فمثل أن ياخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكر أو يأخذ السلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله ارتكبها فله أن ينكرها، ويقول ما زنيت ولا شربت، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، وذلك لان إظهار الفاحشة فاحشة اخرى. فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلما وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا. وأما عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين [اثنين وأن يصلح بين] الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه، أو كانت امرأته

[255]

لا نطيعه إلا بوعد ما لا يقدر عليه فيعدها الحال تطييبا لقلبها أو يعتذر إلى انسان بالكذب وكان لا يطيب قلبه إلا بانكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به. ولكن الحد فيه أن الكذب محذور. ولكن لو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالاخر، ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعا في الشرع من الكذب، فله الكذب وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق، وقد يتقابل الامران بحيث يتردد فيهما، وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى، لان الكذب مباح بضرورة أو حاجة مهمة فإذا شك في كون الحاجة مهمة فالاصل التحريم فيرجع إليه. ولاجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الانسان من الكذب ما أمكنه، وكذلك مهما كانت الحاجة له، فيستحب أن يترك أغراضه ويهجر الكذب، فأما إذا تعلق بغرض غيره. فلا يجوز المسامحة بحق الغير والاضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم، ثم هو لزيادات المال والجاه ولامور ليس فواتها محذورا حتى أن المرأة ليحكي من زوجها ما تتفاخر به وتكذب لاجل مراغمة الضرات وذلك حرام. قالت أسماء: سمعت امرءة تسأل رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: إن لي ضرة وأنا أتكثر من زوجي بما لا يفعل اضارها بذلك فهل لي فيه شئ ؟ فقال: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، وقال النبي صلى الله عليه وآله: من تطعم بما لم يطعم، وقال لي وليس له، واعطيت ولم يعط، كان كلابس ثوبي زور يوم القيامة، ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحققه، ورواية الحديث الذي ليس يثبت فيه، إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه، فهو لذلك يستنكف من أن يقول: لا أدري وهذا حرام ومما يلتحق بالنساء الصبيان فان الصبي إذا كان لا رغبة له في المكتب إلا بوعد ووعيد وتخويف، كان ذلك مباحا. نعم، روينا في الاخبار أن ذلك يكتب كذبة، ولكن الكذب المباح أيضا

[256]

يكتب ويحاسب عليه، ويطالب لتصحيح قصده فيه، ثم يعفى عنه، لانه إنما ابيح بقصد الاصلاح، ويتطرق إليه غرور كثيرة، فانه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه، وإنما يتعلل ظاهرا بالاصلاح، فلهذا يكتب. وكل من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب له هل هو أهم في الشرع من الصدق أو لا، وذلك غامض جدا، فالحزم في تركه إلا أن يصير واجبا لا يجوز تركه كما يؤدي إلى سفك دم أو ارتكاب معصية، كيف كان. وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الاخبار في فضائل الاعمال وفي التشديد في المعاصي، وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطاء محض إذ قال صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، وهذا لا يترك إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا. إذ في الصدق مندوحة عن الكذب، ففيما ورد من الايات والاخبار كفاية عن غيرها. وقول القائل: إن ذلك قد تكرر على الاسماع وسقط وقعها، وما هو جديد على الاسماع فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الاغراض التي تقاوم محذور الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الله تعالى، ويؤدي فتح بابه إلى امور تشوش الشريعة [فلا يقاوم خير هذا بشره أصلا، فالكذب على رسول الله صلى الله عليه واله من الكبائر التي لا يقاومها شئ. ثم قال:] (1) قد نقل عن السلف أن في المعاريض لمندوحة عن الكذب وعن ابن عباس وغيره أما في المعاريض ما يغني الرجل عن الكذب، وإنما أرادوا من ذلك إذا أضطر الانسان إلى الكذب، فأما إذا لم يكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا، ولكن التعريض أهون. ومثال المعاريض ما روي أن مطرفا دخل على زياد فاستبطاه فتعلل بمرض فقال: ما رفعت جنبي منذ فارقت الامير إلا ما رفعني الله، وقال إبراهيم: إذا بلغ الرجل عنك


(1) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 329. [*]

[257]

شئ فكرهت أن تكذب فقل إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شئ، فيكون قوله " ما " حرف النفي عند المستمع وعنده للابهام. وكان النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكرا بل يقول أرايت لو اشتريت سكرا فانه ربما لا يتفق وكان إبراهيم إذا طلبه في الدار من يكرهه قال للجارية: قولي له اطلبه في المسجد، وكان لا يقول ليس ههنا لئلا يكون كاذبا، وكان الشعبي إذا طلب في البيت وهو يكرهه فيخط دائرة ويقول للجارية ضع الاصبع فيها وقولي ليس ههنا. وهذا كله في موضع الحاجة فأما مع عدم الحاجة فلا، لان هذا تفهيم للكذب، وإن لم يكن اللفظ كذبا، وهو مكروه على الجملة، كما روي عن عبد الله ابن عتبة قال: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز فخرجت وعلي ثوب فجعل الناس يقولون: هذا كساء أمير المؤمنين ! فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيرا، فقال لي يا بني اتق الكذب إياك والكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لان فيه تقريرا لهم على ظن كاذب لاجل غرض المفاخرة. وهو غرض باطل، فلا فائدة فيه. نعم المعاريض مباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلى الله عليه وآله لا تدخل الجنة عجوز، وفي عين زوجك بياض، ونحملك على ولد البعير. وأما الكذب الصريح فكما يعتاده الناس من مداعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك، فان كان فيه ضرر يؤديه إلى إيذاء قلب فهو حرام، وإن لم يكن إلا مطايبة فلا يوصف صاحبها بالفسق، ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يستكمل المرء الايمان حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه. وأما قوله صلى الله عليه وآله إن الرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها الناس يهوي بها أبعد من الثريا أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب، دون محض المزاح. ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق ما جرت به العادة في المبالغة كقوله قلت

[258]

لك كذا مائة مرة، وطلبتك مائة مرة، فانه لا يراد بها تفهيم المرات بعددها، بل تفهيم المبالغة، فان لم يكن طلب إلا مرة واحدة كان كاذبا وإن طلب مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة، فلا يأثم، وإن لم يبلغ مائة، وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب. وربما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أن يقال كل الطعام لاحد فيقول: لا أشتهيه وذلك منهي عنه، وهو حرام، إن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد: قالت أسماء بنت عميس: كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وآله ومعي نسوة قال: فوالله ما وجدنا عنده قوتا إلا قدحا من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت: فاستحييت الجارية فقلت: لا تردين يد رسول الله خذي منه، قالت: فأخذته على حياء فشربت منه ثم قال: ناولي صواحبك فقلن: لا نشتهيه، فقال: لا تجمعن جوعا وكذبا قالت: فقلت: يا رسول الله إن قالت أحدنا لشئ يشتهيه: لا نشتهيه أيعد ذلك كذبا ؟ قال: إن الكذب ليكتب حتى يكتب الكذيبة كذيبة. وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب، قال الليث ابن سعد: كانت ترمص عينا سعيد بن المسيب حتى يبلغ الرمص خارج عينيه فيقال له: لو مسحت هذا الرمص فيقول: فاين قول الطبيب وهو يقول لي: لا تمس عينيك فأقول: لا أفعل، وهذه من مراقبة أهل الورع، ومن تركه انسل لسانه عن اختياره فيكذب ولا يشعر. وعن خوات التيمي قال: قد جاءت اخت الربيع بن خثيم عائدة إلى بني لي فانكبت عليه فقالت: كيف أنت يا بني، فجلس الربيع فقال: أرضعته ؟ فقالت لا، قال: ما عليك لو قلت يا ابن أخي فصدقت. ومن العادة أن يقول " يعلم الله " فيما لا يعلمه قال عيسى: إن من أعظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله يعلم لما لا يعلم، وربما يكذب في حكاية المنام والاثم فيه عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن من أعظم الفري أن يدعي الرجل إلى غير أبيه أو يرى عينيه في المنام ما لم تريا أو يقول علي ما لم أقل، وقال صلى الله عليه وآله: من

[259]

كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعرتين. 21 - لي: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقل الناس مروة من كان كاذبا (1). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب جوامع المكارم، وبعضها في باب العدالة. 22 - لي: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن محمد بن سنان، عن طلحة بن زيد، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله كثرة المزاح تذهب بماء الوجه، وكثرة الضحك يمحو الايمان، وكثرة الكذب تذهب بالبهاء (2). 23 - لي: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا سوء أسوء من الكذب (3). 24 - لي: العطار: عن أبيه، عن ابن يزيد، عن القندي، عن أبي وكيع، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث الاعور، عن علي عليه السلام قال: لا يصلح من الكذب جد ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيته ثم لا يفي له، إن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال أحدكم يكذب حتى يقال كذب وفجر، وما يزال أحدكم يكذب حتى لا يبقى في قلبه موضع أبرة صدق، فيسمى عند الله كذابا (4). 25 - لي: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شر الرواية رواية الكذب (5). 26 - لي: عن أبيه، عن سعد، عن أبي هاشم، عن الدهقان، عن درست، عن


(1) أمالي الصدوق ص 14. (2) أمالي الصدق: 163. (3) أمالي الصدوق ص 193. (4) أمالي الصدوق ص 252. (5) أمالي الصدوق ص 292. [*]

[260]

عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تمزح فيذهب نورك، ولا تكذب فيذهب بهاؤك، وإياك وخصلتين الضجر والكسل، فانك إن ضجرت لم تصبر على حق وإن كسلت لم تؤد حقا. قال: وكان المسيح عليه السلام يقول: من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذب نفسه. ومن كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه، ومن لاحا الرجال ذهبت مروته (1). 27 - ع (2) ما: عن أمير المؤمنين عليه السلام ألا فاصدقوا فان الله مع الصادقين وجانبوا الكذب فان الكذب مجانب الايمان، ألا وإن الصادق على شفا منجاة و كرامة ألا وإن الكاذب على شفا مخزاة وهلكة (3). 28 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن همام، عن أحمد بن إدريس عن ابن عيسى، عن الحسن بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فيمن ينتحل هذا الامر لمن يكذب حتى يحتاج الشيطان إلى كذبه (4). 29 - ع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن هارون بن مسلم، عن علي بن الحكم، عن حسين بن الحسن الكندي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل، فإذا حرم صلاة الليل حرم بها الرزق (5). 30 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لابليس كحلا ولعوقا وسعوطا فكحله النعاس، ولعوقه الكذب، وسعوطه الكبر (6).


(1) أمالي الصدوق ص 324 والملاحاة: المشاجرة. (2) علل الشرائع ج 1 ص 235. (3) أمالي الطوسي ج 1 ص 220. (4) أمالي الطوسي ج 2 ص 29. (5) علل الشرايع ج 2 ص 51. (6) معاني الاخبار ص 138. [*]

[261]

31 - ل: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام الحسد والحرص والكذب (1). 32 - ل: عن الخليل: عن أبي العباس السراج، عن قتيبة، عن قرعة، عن إسماعيل بن أسيد، عن جبلة الافريقي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلا الجنة، لمن ترك المراء وإن كان محقا ولمن ترك الكذب وإن كان هازلا، ولمن حسن خلقه (2). 33 - ل: عن سفيان الثوري قال: قال الصادق عليه السلام: يا سفيان لا مروة لكذوب. ولا أخ لملوك، ولا راحة لحسود، ولا سؤدد لسيئ الخلق (3). 34 - ل: عن العسكري، عن محمد بن موسى بن وليد، عن يحيى بن حاتم، عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن الاعمش، عن عبد الله بن مرة. عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أربع من كن فيه فهو منافق، وإن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر (4) 35 - ل: عن الصادق عليه السلام قال: ليس لكذاب مروة (5). 36 - ل: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إعتياد الكذب يورث الفقر (6). 37 - ل: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: الصدق أمانة، والكذب خيانة (7). 38 - ثو: عن جعفر، عن أبيه علي [عن الحسين]، عن أبيه الحسن بن المغيرة، عن


(1) الخصال ج 1 ص 62. (2) الخصال ج 1 ص 70. (3) الخصال ج 1 ص 80، ولا اخاء لمملوك خ. (4) الخصال ج 2 ص 121. (5) الخصال ج 1 ص 8. (6 - 7) الخصال ج 2 ص 94. [*]

[262]

عثمان ابن عيسى، عن ابن مسكان، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن الله عز وجل جعل للشر أقفالا، وجعل مفاتيح تلك الاقفال الشراب وأشر من الشراب الكذب (1). 39 - س: في رواية أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن العبد ليكذب حتى يكتب من الكذابين وإذا كذب قال الله: كذب وفجر (2). 40 - سن: عن معمر بن خلاد، عن الرضا عليه السلام، قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله يكون المؤمن جبانا ؟ قال: نعم، قيل: ويكون بخيلا ؟ قال: نعم، قيل: ويكون كذابا ؟ قال: لا (3). 41 - سن: في رواية الاصبغ بن نباتة قال: قال علي عليه السلام: لا يجد عبد حقيقة الايمان حتى يدع الكذب جده وهزله (4). 42 - سن: في رواية الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أول من يكذب الكاذب الله عزوجل: ثم الملكان اللذان معه. ثم هو يعلم أنه كاذب (5). 43 - ضا: روي أن رجلا أتى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله علمني خلقا يجمع لي خير الدنيا والاخرة، فقال: لا تكذب، فقال الرجل: فكنت على حالة يكرهها الله فتركتها خوفا من أن يسألني سائل عملت كذا وكذا فأفتضح أو أكذب فأكون قد خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله فيما حملني عليه. 44 - شى: عن العباس بن هلال، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه ذكر رجلا كذابا ثم قال: قال الله: " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون " (6). 45 - ختص: قال النبي صلى الله عليه وآله: لا يكذب الكاذب إلا من مهانة نفسه وأصل السخرية الطمأنينة إلى أهل الكذب (7).


(1) ثواب الاعمال ص 218. (2 - 5) المحاسن ص 118. (6) تفسير العياشي ج 2 ص 271، والاية في سورة النحل: 105. (7) الاختصاص: 232. [*]

[263]

46 - الدرة الباهرة: عن أبي محمد العسكري عليه السلام قال: جعلت الخبائث في بيت وجعل مفتاحه الكذب. 47 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: أربا الربا الكذب، وقال رجل له صلى الله عليه وآله: المؤمن يزني ؟ قال: قد يكون ذلك، قال: المؤمن يسرق ؟ قال صلى الله عليه وآله: قد يكون ذلك ؟ قال: يا رسول الله المؤمن يكذب ؟ قال: لا، قال الله تعالى: " إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون " (1). 48 - جع: قال عليه السلام: إياكم والكذب، فان الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار. عن عبد الرزاق، عن نعمان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المؤمن إذا كذب من غير عذر لعنه سبعون ألف ملك وخرج من قلبه نتن حتى يبلغ العرش ويلعنه حملة العرش وكتب الله عليه لتلك الكذبة سبعين زنية أهونها كمن يزني مع امه. وقال الصادق عليه السلام: الكذب مذموم إلا في أمرين: دفع شر الظلمة، وإصلاح ذات البين. قال موسى عليه السلام: يا رب أي عبادك خير عملا ؟ قال: من لم يكذب لسانه ولا يفجر قلبه. ولا يزني فرجه. وقال الامام الزكي العسكري عليه السلام: جعلت الخبائث كلها في بيت وجعل مفتاحها الكذب (2).


(1) النحل: 105. (2) جامع الاخبار ص 173. [*]

[264]

(115) * (باب) * * " (استماع اللغو والكذب والباطل والقصة) " * الايات: المائدة: ومن الذين هادوا سماعون للكذب (1). مريم: لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما (2). المؤمنون: والذينهم عن اللغو معرضون (3). الفرقان: والذين لا يشهدون الزور * وإذا مروا باللغو مروا كراما (4). القصص: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (5). لقمان: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا اولئك لهم عذاب مهين (6). المدثر: وكنا نخوض مع الخائضين (7). النبأ: لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (8). 1 - عد: ذكر القصاصون عند الصادق عليه السلام فقال: لعنهم الله إنهم يشيعون علينا وسئل الصادق عليه السلام عن القصاص أيحل الاستماع لهم ؟ فقال: لا، وقال عليه السلام: من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق عن الله فقد عبد الله وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس. وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون " (9)


(1) المائدة: 41. (2) مريم: 62. (3) المؤمنون: 3. (4) الفرقان: 72. (5) القصص: 55. (6) لقمان: 6. (7) المدثر: 45. (8) النبأ: 35. (9) الشعراء: 224.

[265]

قال: هم القصاص. وقال النبي صلى الله عليه وآله: من أتى ذا بدعة فوقره فقد سعى في هدم الاسلام (1). أقول: ويلوح من سوق كلام الصدوق في كتاب عقايده المشار إليه أنه قد حمل الخبر الاخير على معنى يشمل حكاية حال القصاصين أيضا ولكن لا دلالة في هذا الخبر عليه، فتأمل. 2 - ذكر القصاصون وساق الحديث إلى قوله: قال: هم القصاص (2). 3 - كا: عن علي، عن أبيه. عن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام رأى قاصا في المسجد فضربه [بالدرة] وطرده (3). التهذيب: باسناده عن علي بن إبراهيم مثله (4). (116) * (باب الرياء) * الايات: البقرة: كالذي ينفق ماله رئاء الناس (5). النساء: والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس (6). وقال تعالى في وصف المنافقين: يراؤن الناس (7). وقال تعالى: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (8). الماعون: الذينهم يرائون ويمنعون الماعون (9).


(1) العقائد: 115، وترى الحديث الاخير في الفقيه ج 3 ص 375. (2). (3) الكافي ج 7 ص 263. (4) التهذيب ج 2 ص 486. (5) البقرة: 264. (6) النساء: 38. (7) النساء: 142. (8) الانفال: 47. (9) الماعون: 6 - 7. [*]

[266]

1 - كا: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الاشعري عن ابن القداح، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لعباد بن كثير البصري في المسجد: ويلك يا عباد إياك والرياء فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل له (1). بيان: " وكله الله إلى من عمل له " أي في الاخرة كما سيأتي أو الاعم منها ومن الدنيا وقيل: وكل ذلك العمل إلى الغير ولا يقبله أصلا وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر. قيل: وما الشرك الاصغر يا رسول الله ؟ قال: الرياء، قال: يقول الله عزوجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: إذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا، هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم. وقال بعض المحققين: علم أن الرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتق من السماع، وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس باراءتهم خصال الخير، إلا أن الجاه والمنزلة يطلب في القلب بأعمال سوى العبادات ويطلب بالعبادات، واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها فحد الرياء هو إرادة المنزلة بطاعة الله تعالى فالمرائي هو العابد، والمرائي هو الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم والمرائي به هو الخصال التي قصد المرائي إظهارها، والرياء هو قصد إظهار ذلك، والمرائي به كثيرة ويجمعها خمسة أقسام وهي مجامع ما يتزين العبد به للناس. وهو البدن والزي والقول والعمل والاتباع والاشياء الخارجة. ولذلك أهل الدنيا يراؤن بهذه الاسباب الخمسة إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات. و [الاول] الرياء في الدين من جهة البدن، وذلك باظهار النحول والصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد، وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة خوف الاخرة، وليدل


(1) الكافي ج 2 ص 293. [*]

[267]

بالنحول على قلة الاكل، وبالصفار على سهر الليل وكثرة الارق في الدين وكذلك يرائي بتشعث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين، وعدم التفرغ لتسريح الشعر، ويقرب من هذا خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين فهذه مرائاة أهل الدين في البدن. وأما أهل الدنيا فيراؤن باظهار السمن وصفاء اللون واعتدال القامة وحسن الوجه ونظافة البدن وقوة الاعضاء. وثانيها الرئاء بالزي والهيئة، أما الهيئة فتشعث شعر الرأس، وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدو في الحركة، وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب ولبس الصوف وتشميرها إلى قريب من نصف الساق، وتقصير الاكمام، وترك تنظيف الثوب وتركه مخرقا كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه يتبع السنة فيه ومقتد فيه بعباد الله الصالحين. وأما أهل الدنيا فمرائاتهم بالثياب النفيسة، والمراكب الرفيعة، وأنواع التوسع والتجمل. الثالث: الرياء بالقول ورياء أهل الدين بالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الاخبار والآثار لاجل الاستعمال في المحاورة إظهارا لغزارة العلم، ولدلالته على شدة العناية بأقوال السلف الصالحين، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات وإظهار الاسف على مقارفة الناس بالمعاصي وتضعيف الصوت في الكلام. وأما أهل الدنيا فمرائاتهم بالقول بحفظ الامثال والاشعار والتفاصح في العبارات، وحفظ النحو الغريب للاغراب على أهل الفضل وإظهار التودد إلى الناس لاستمالة القلوب. الرابع: الرياء في العمل كمراءات المصلي بطول القيام ومده وتطويل الركوع والسجود وإطراق الرأس وترك الالتفات وإظهار الهدو والسكون، وتسوية القدمين واليدين، وكذلك بالصوم وبالحج وبالصدقة وباطعام الطعام وبالاخبات

[268]

بالشئ عند اللقاء كارخاء الجفون وتنكيس الرأس والوقار في الكلام حتى أن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه واحد من أهل الدين رجع إلى الوقار وإطراق الرأس خوفا من أن ينسبه إلى العجلة وقلة الوقار، فان غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا رآه عاد إلى خشوعه، ومنهم من يستحيي أن يخالف مشيته في الخلوة لمشيته بمرئي من الناس، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة، حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير ويظن أنه تخلص به من الرياء وقد تضاعف به رياؤه فانه صار في خلواته أيضا مرائيا. وأما أهل الدنيا فمرائاتهم بالتبختر والاختيال، وتحريك اليدين، وتقريب الخطا، والاخذ باطراف الذيل وادارة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه والحشمة. الخامس: المراءاة بالاصحاب والزائرين والمخالطين كالذي يتكلف أن يزور عالما من العلماء ليقال إن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد لذلك أو ملكا من الملوك وأشباهه ليقال إنهم يتبركون به، وكالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه لقي شيوخا كثيرا واستفاد منهم فيباهي بشيوخه ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه، ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام وكسب مال ولو من الاوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك. وأما حكم الرياء فهل هو حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل فأقول: فيه تفصيل، فان الرياء هو طلب الجاه. وهو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات، فان كان بغير العبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث أنه طلب منزلة في قلوب العباد، ولكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات وأسباب محظورة، فكذلك الجاه وكما أن كسب قليل من المال وهو ما يحتاج إليه الانسان محمود فكسب قليل من الجاه وهو ما يسلم به عن الافات محمود وهو الذي طلبه يوسف عليه السلام حيث قال: " إني حفيظ عليم " (1) وكما أن المال فيه سم ناقع وترياق نافع، فكذلك الجاه.


(1) يوسف: 55. [*]

[269]

وأما إنصراف الهم إلى سعة الجاه فهو مبدأ الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال، ولا يقدر محب الجاه والمال على ترك معاصي القلب واللسان وغيرها. وأما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه، ومن غير اهتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه، فلا جاه أوسع من جاه رسول الله صلى الله عليه وآله ومن بعده من علماء الدين ولكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين، ولا يوصف بالتحريم. وبالجملة المراءات بما ليس هو من العبادات قد يكون مباحا وقد يكون طاعة. وقد يكون مذموما، وذلك بحسب الغرض المطلوب به، وأما العبادات كالصدقة والصلاة والغزو والحج، فللمرائي فيه حالتان إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الاجر، وهذا يبطل عبادته لان الاعمال بالنيات وهذا ليس يقصد العبادة، ثم لا يقتصر على إحباط عبادته، حتى يقال: صار كما كان قبل العبادة، بل يعصي بذلك ويأثم، لما دلت عليه الاخبار والايات. والمعنى فيه أمران أحدهما يتعلق بالعبادة، وهو التلبيس والمكر لانه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله، وأنه من أهل الدين وليس كذلك، والتلبيس في أمر الدنيا أيضا حرام حتى لو قضى دين جماعة وخيل إلى الناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم بذلك، لما فيه من التلبيس وتملك القلوب بالخداع والمكر. والثاني يتعلق بالله وهو أنه مهما قصد بعبادة الله خلق الله فهو مستهزئ بالله، فهذا من كبائر المهلكات، ولهذا سماه رسول الله صلى الله عليه وآله الشرك الاصغر فلو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد ويركع لغير الله، لكان فيه كفاية، فانه إذا لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله، لعمري لو قصد غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا إلا أن الرياء هو الكفر الخفي. واعلم أن بعض أبواب الرياء أشد وأغلظ من بعض، واختلافه باختلاف أركانه وتفاوت الدرجات فيه، وأركانه ثلاثة: المرائا به والمرائا [له]، ونفس قصد الرياء. الركن الاول: نفس قصد الرياء، وذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا

[270]

دون إرادة الله والثواب، وإما أن يكون مع إرادة الثواب فان كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون إرادة الثواب أقوى وأغلب أو أضعف أو مساويا لاراءة العباد، فيكون الدرجات أربعا. الاولى: وهي أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلي، فهذه الدرجة العليا من الرياء. الثانية أن يكون له قصد الثواب أيضا ولكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله ولا يحمله ذلك القصد على العمل. ولو لم يكن الثواب لكان قصد الرياء يحمله على العمل. فهذا قريب مما قبله. الثالثة أن يكون قصد الرياء وقصد الثواب متساويين بحيث لو كان كل واحد خاليا عن الاخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة فكان كل واحد لو انفرد لا يستقل بحمله على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له ولا عليه، أو يكون له من الثواب مثل ما عليه من العقاب، وظواهر الاخبار تدل على أنه لا يسلم. الرابعة أن يكون اطلاع الناس مرجحا ومقويا لنشاطه، ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة، ولو كان قصد الرياء وحده لما أقدم والذي نظنه والعلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب ولكنه ينقص منه أو يعاقب على مقدار قصد الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب. وأما قوله تعالى: أنا أغنى الاغنياء عن الشرك، فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان قصد الرياء أرجح. الركن الثاني: المرائا به، وهي الطاعات وذلك ينقسم إلى الرياء باصول العبادات وإلى الرياء بأوصافها. القسم الاول: وهو الاغلظ الرياء بالاصول وهو على ثلاث درجات: الاولى الرياء بأصل الايمان وهو أغلظ أبواب الرياء، وصاحبه مخلد في النار، وهو الذي يظهر كلمتي الشهادة وباطنه مشحون بالتكذيب، ولكنه يرائي بظاهر الاسلام، وهم المنافقون الذين ذمهم الله سبحانه في مواضع كثيرة، وقد قال:

[271]

" يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " (1). وكان النفاق في ابتداء الاسلام ممن يدخل في ظاهر الاسلام ابتداء لغرض وذلك مما يقل في زماننا ولكن يكثر نفاق من ينسل من الدين باطنا فيجحد الجنة والنار والدار الاخرة، ميلا إلى قول الملحدة أو يعتقد طي بساط الشرع والاحكام، ميلا إلى أهل الاباحة، ويعتقد كفرا أو بدعة وهو يظهر خلافه فهؤلاء من المرائين المنافقين المخلدين في النار، وحال هؤلاء أشد من حال الكفار المجاهرين لانهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر. الثانية الرياء باصول العبادات مع التصديق بأصل الدين وهذا أيضا عظيم عند الله، ولكنه دون الاول بكثير، ومثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره باخراج الزكاة خوفا من ذمه، والله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها أو يدخل وقت الصلاة وهو في جمع فيصلي معهم وعادته ترك الصلاة في الخلوة وكذا ساير العبادات، فهو مراء معه أصل الايمان بالله يعتقد أنه لا معبود سواه، ولو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغير الله لم يفعل، ولكنه يترك العبادات للكسل وينشط عند اطلاع الناس فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق، وخوفه من مذمة الناس أعظم من خوفة من عقاب الله، ورغبته في محمدتهم أشد من رغبته في ثواب الله، وهذا غاية الجهل، وما أجدر صاحبه بالمقت، وإن كان غير منسل عن أصل الايمان من حيث الاعتقاد. الثالثة: أن لا يرائي بالايمان ولا بالفرائض، ولكن يرائي بالنوافل والسنن التي لو تركها لا يعصي، ولكن يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها، ولا يثار لذة الكسل على ما يرجى من الثواب، ثم يبعثه الرياء على فعله، وذلك كحضور الجماعة في الصلاة، وعيادة المريض، واتباع الجنايز، وكالتهجد بالليل وصيام السنة والتطوع ونحو ذلك، فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدة، ويعلم الله تعالى منه لو خلى بنفسه لما زاد على أداء الفرائض، فهذا أيضا


(1) النساء: 142. [*]

[272]

عظيم، ولكن دون ما قبله، وكأنه على الشطر من الاول وعقابه نصف عقابه. القسم الثاني: الرياء بأوصاف العبادات لا باصولها وهي أيضا على ثلاث درجات. الاولى أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة، كالذي غرضه أن يخفف الركوع والسجود ولا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع، وترك الالتفات، وتمم القعود بين السجدتين، وقد قال ابن مسعود: من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه. فهذا أيضا من الرياء المحظور لكنه دون الرياء باصول التطوعات، فان قال المرائي: إنما فعلت ذلك صيانة لالسنتهم عن الغيبة، فانهم إذا رأوا تخفيف الركوع والسجود وكثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم والغيبة، فانما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية، فيقال له: هذه مكيدة للشيطان وتلبيس، وليس الامر كذلك، فان ضررك من نقصان صلاتك وهي خدمة منك لمولاك، أعظم من ضررك من غيبة غيرك. فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر. نعم للمرائي فيه حالتان إحداهما أن يطلب بذلك المنزلة والمحمدة عند الناس، وذلك حرام قطعا، والثانيه أن يقول: ليس يحضرني الاخلاص في تحسين الركوع والسجود، ولو خففت كان صلاتي عند الله ناقصة، وآذاني الناس بذمهم وغيبتهم، وأستفيد بتحسين الهيئة دفع مذمتهم ولا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفوت الثواب، وتحصل المذمة، فهذا فيه أدنى نظر فالصحيح أن الواجب عليه أن يحسن ويخلص، فان لم يحضره النية فينبغي أن يستمر على عبادته في الخلوة وليس له أن يدفع الذم بالمراءات بطاعة الله فان ذلك استهزاء. الثانية أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه، ولكن فعله في حكم التكملة والتتمة لعبادته، كالتطويل في الركوع والسجود، ومد القيام وتحسين الهيئة في رفع اليدين، والزيادة في القراءة على السورة المعتادة، وأمثال ذلك، وكل

[273]

ذلك مما لو خلي ونفسه لكان لا يقدم عليه. الثالثة أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل، كحضوره الجماعة قبل القوم، وقصده الصف الاول، وتوجهه إلى يمين الامام، وما يجري مجراه، وكل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو حلي بنفسه لكان لا يبالي من أين وقف ومتى يحرم بالصلاة، فهذه درجات الرياء بالنسبة إلى ما يرائي به وبعضه أشد من بعض، والكل مذموم. الركن الثالث المرايا لاجله فان للمرائي مقصودا لا محالة، فانما يرائي لادراك مال أو جاه أو غرض من الاغراض لا محالة وله أيضا ثلاث درجات: الاولى وهي أشدها وأعظمها أن يكون مقصده التمكن من معصيته كالذي يرائي بعباداته ليعرف بالامانة فيولى القضاء أو الاوقاف أو أمول الايتام، فيحكم بغير الحق ويتصرف في الاموال بالباطل، وأمثال ذلك كثيرة. الثانية أن يكون غرضه نيل حظ مباح من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة. فهذا رياء محظور لانه طلب بطاعة الله متاع الدنيا ولكنه دون الاول. الثالثة أن لا يقصد نيل حظ وإدراك مال أو شبهه، ولكن يظهر عبادته خيفة من أن ينظر إليه بعين النقص، ولا يعد من الخاصة والزهاد، كأن يسبق إلى الضحك أو يبدر منه المزاح، فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار، فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء، وإظهار الحزن، ويقول: ما أعظم غفلة الانسان عن نفسه، والله يعلم منه أنه لو كان في الخلوة لما كان يثقل عليه ذلك. فهذه درجات الرياء ومراتب أصناف المرائين، وجميعهم تحت مقت الله وغضبه وهي من أشد المهلكات. وأما ما يحبط العمل من الرياء الخفي والجلي وما لا يحبط فنقول: إذا عقد العبد العبادة على الاخلاص ثم ورد وارد الرياء، فلا يخلو إما أن ورد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ، فان ورد بعد الفراغ سرور من غير إظهار فلا يحبط العمل، إذ العمل قد تم على نعت الاخلاص سالما من الرياء، فما يطرء بعده فنرجو

[274]

أن لا ينعطف عليه أثره لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره والتحدث به، ولم يتمن ذكره وإظهاره، ولكن اتفق ظهوره باظهار الله إياه، ولم يكن منه إلا ما دخل من السرور والارتياح على قبله، ويدل على هذا ما سيأتي، وقد روي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله اسر العمل لا أحب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية. وقال الغزالي: نعم لو تم العمل على الاخلاص من غير عقد رياء، ولكن ظهرت له بعده رغبة في الاظهار فتحدث به وأظهره فهذا مخوف، وفي الاخبار والاثار ما يدل على أنه محبط، ويمكن حملها على أن هذا دليل على أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء وقصده، لما أن ظهر منه التحدث به، إذ يبعد أن يكون ما يطرء بعد العمل مبطلا للثواب بل الاقيس أن يقال إنه مثاب على عمله الذي مضى ومعاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها، بخلاف ما لو تغير عقده إلى الرياء قبل الفراغ فانه مبطل. ثم قال المحقق المذكور: وأما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من الصلاة مثلا وكان قد عقد على الاخلاص ولكن ورد في أثنائها وارد الرياء، فلا يخلو إما أن يكون مجرد سرور لا يؤثر في العمل فهو لا يبطله وإما أن يكون رياء باعثا على العمل فختم وختم به العمل فإذا كان كذلك حبط أجره. ومثاله أن يكون في تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من الملوك وهو يشتهي أن ينظر إليه، أو يذكر شيئا نسيه من ماله، وهو يريد أن يطلبه، ولولا الناس لقطع الصلاة فاستتمها خوفا من مذمة الناس فقد حبط أجره، وعليه الاعادة إن كان في فريضة وقد قال صلى الله عليه وآله: العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب أوله أي النظر إلى خاتمته، وروي من رائا بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله، وهو منزل على الصلاة في هذه الصورة، لا على الصدقة، ولا على القراءة، فان كان جزء منها منفرد فما يطرء يفسد الباقي دون الماضي والصوم والحج من قبيل الصلاة. فأما إذا كان وارد الرياء بحيث لا يمنعه من قصد الاستتمام لاجل الثواب

[275]

كما لو حضر جماعة في أثناء صلاته ففرح بحضورهم واعتقد الرياء، وقصد تحسين الصلاة لاجل نظرهم، وكان لولا حضورهم لكان يتمها أيضا، فهذا رياء قد أثر في العمل وانتهض باعثا على الحركات، فان غلب حتى انمحق معه الاحساس بقصد العبادة والثواب وصار قصد العبادة مغمورا، فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ركن من أركانها على هذا الوجه، لانا نكتفي بالنية السابقة عند الاحرام بشرط أن لا يطرء ما يغلبها ويغمرها. ويحتمل أن يقال لا تفسد العبادة نظرا إلى حالة العقد وإلى بقاء أصل قصد الثواب، وإن ضعف بهجوم قصد هو أغلب منه، والاقيس أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل، بل بقي العمل صادرا عن باعث لدين وإنما انضاف إليه سرور بالاطلاع فلا يفسد العمل لانه لا ينعدم به أصل نيته، وبقيت تلك النية باعثة على العمل، وحاملة على الاتمام، وروي في الكافي، عن أبي جعفر عليه السلام ما يدل عليه وأما الاخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلا الخلق، وأما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويا لقصد الثواب أو أغلب منه، أما إذا كان ضعيفا بالاضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة وساير الاعمال وينبغي أن يفسد الصلاة ولا يبعد أيضا أن يقال إن الذي اوجب عليه صلاة خالصة لوجه الله، والخالصة ما لا يشوبه شئ فلا يكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب والعلم عند الله فيه، فهذا حكم الرياء الطاري بعد عقد العبادة إما قبل الفراغ أو بعده. القسم الثالث الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ في الصلاة على قصد الرياء فان تم عليه حتى يسلم فلا خلاف في أنه يعصي ولا يعتد بصلوته، وإن ندم عليه في أثناء ذلك واستغفر ورجع قبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه: قالت فرقة: لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف. وقالت فرقة: تلزمه إعادة الافعال كالركوع والسجود، وتفسد أعماله دون تحريمة الصلاة، لان التحريم عقد والرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا. [*]

[276]

وقالت فرقة: لا تلزمه إعادة شئ بل يستغفر الله بقلبه ويتم العبادة على الاخلاص والنظر إلى خاتمة العبادة كما لو ابتداها بالاخلاص وختم بالرياء، لكان يفسد عمله، وشبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة فإذا ازيل العارض عاد إلى الاصل فقالوا: إن الصلاة والركوع والسجود لا يكون إلا لله ولو سجد لغير الله لكان كافرا ولكن قد اقترن به عارض الرياء ثم إن زال بالندم والتوبة وصار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس وذمهم فتصح صلاته. ومذهب الفريقين الاخرين خارج عن قياس الفقه جدا خصوصا من قال يلزمه إعادة الركوع والسجود دون الافتتاح، لان الركوع والسجود إن لم يصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة فتبطل الصلاة، وكذلك قول من يقول لو ختم بالاخلاص صح نظرا إلى الخاتمة فهو أيضا ضعيف لان الرياء يقدح بالنية، وأولى الاوقات بمراعات الاحكام النية حالة الافتتاح. فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب وامتثال الامر لم ينعقد افتتاحه، ولم يصح ما بعده وذلك من إذا خلا بنفسه لم يصل ولما رآه الناس يحرم بالصلاة، وكان بحيث لو كان ثوبه أيضا نجسا كان يصلي لاجل الناس، فهذه صلاة لا نية فيها إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين، وههنا لا باعث ولا إجابة. فأما إذا كان بحيث لولا الناس. أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهرت له الرغبة في المحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقه أو قراءة وما ليس فيه تحريم وتحليل أو في عقد صلاة وحج، فان كان في صدقة فقد عصى باجابة باعث الرياء وأطاع باجابة باعث الثواب " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (1) وله ثواب بقدر قصده الصحيح وعقاب بقدر قصده الفاسد ولا يحبط أحدهما الاخر. وإن كان في صلاة يقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية، فلا يخلو إما أن


(1) الزلزلة: 7 - 8. [*]

[277]

يكون نفلا أو فرضا فان كان نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة، فقد عصى من وجه وأطاع من وجه إذا اجتمع في قلبه الباعثان، وأما إذا كان في فرض واجتمع الباعثان وكان كل واحد منهما لا يستقل وإنما يحصل الانبعاث بمجموعهما فهذا لا يسقط الواجب عنه لان الايجاب لم ينتهض باعثا في حقه بمجرده واستقلاله وإن كان كل باعث مستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لادى الفرض، ولو لم يكن باعث الفرض لانشأ صلاة تطوعا لاجل الرياء، فهذا في محل النظر وهو محتمل جدا. فيحتمل أن يقال: إن الواجب صلاة خالصة لوجه الله، ولم يؤد الواجب الخالص، ويحتمل أن يقال: إن الواجب امتثال الامر الواجب بواجب مستقل بنفسه وقد وجد، فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنه، كما لو صلى في دار مغصوبة فانه وإن كان عاصيا بايقاع الصلاة في الدار المغصوبة، فانه مطيع بأصل الصلاة، ومسقط للفرض عن نفسه، وتعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة، أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة، مثل من بادر في الصلاة في أول الوقت لحضور جماعة. ولو خلا لاخرها إلى وسط الوقت ولولا الفرض لكان لا يبتدي صلاة لاجل الرياء، فهذا مما يقطع بصحة صلاته وسقوط الفرض به، لان باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضها غيره، بل من حيث تعيين الوقت فهذا أبعد من القدح في النية. هذا في رياء يكون باعثا على العمل وحاملا عليه فأما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أثره حيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة، فهذا ما نراه لائقا بقانون الفقه، والمسألة غامضة من حيث إن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه، والذين خاضوا فيه وتصرفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه، ومقتضى فتاوى العلماء في صحة الصلاة وفسادها، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب وطلب الاخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر، وما ذكرناه هو الاقصد فيما نواه والعلم عند الله تعالى انتهى كلامه.

[278]

وقال الشهيد قدس الله روحه في قواعده: النية يعتبر فيها القربة، ودل عليها الكتاب والسنة، قال تعالى: " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " (1) والاخلاص فعل الطاعة خالصة لله وحده وهنا غايات ثمان الاول الرياء ولا ريب في أنه مخل بالاخلاص فيتحقق الرياء بقصد مدح الرائي أو الانتفاع به أو دفع ضرره. فان قلت فما تقول: في العبادة المشوبة بالتقية ؟ قلت: أصل العبادة واقع على وجه الاخلاص، وما فعل منها تقية فان له اعتبارين بالنظر إلى أصله وهو قربة وبالنظر إلى ما طرء من استدفاع الضرر، وهو لازم لذلك، فلا يقدح في اعتباره أما لو فرض إحداث صلاة مثلا تقية فانها من باب الرياء، الثاني قصد الثواب أو الخلاص من العقاب أو قصدهما معا الثالث فعلها شكرا لنعم الله تعالى واستجلابا لمزيده، الرابع فعلها حياء من الله تعالى الخامس فعلها حبا لله تعالى السادس فعلها تعظيما لله تعالى ومهابة وانقيادا وإجابة السابع فعلها موافقة لارادته وطاعة لامره الثامن فعلها لكونه أهلا للعبادة. وهذه الغاية مجمع كل كون العبادة تقع بها معتبرة وهي أكمل مراتب الاخلاص وإليه أشار الامام الحق أمير المؤمنين عليه السلام ما عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. وأما غاية الثواب والعقاب فقد قطع الاصحاب بكون العبادة فاسدة (2) بقصدها وكذلك ينبغي أن يكون غاية الحياء والشكر، وباقي الغايات الظاهر أن قصدها مجزء لان الغرض بها الله في الجملة، ولا يقدح كون تلك الغايات باعثة على العبادة أعني الطمع والرجاء والشكر والحياء لان الكتاب والسنة مشتملة على المرهبات من الحدود، والتعزيرات والذم والايعاد بالعقوبات، وعلى المرغبات من المدح والثناء في العاجل، والجنة ونعيمها في الاجل، وأما الحياء فغرض


(1) البينة: 5. (2) في شرح الكافي ج 2 ص 273: " لا يفسد " لكنه سهو، وقد مر في ج 70 ص 236 باب الاخلاص ما يحقق ذلك. [*]

[279]

مقصود، وقد جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله استحيوا من الله حق الحياء، ا عبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك، فانه إذا تخيل الرؤية انبعث على الحياء والتعظيم والمهابة. وعن أمير المؤمنين عليه السلام وقد قال له ذعلب اليماني - بالذال المعجمة المكسورة والعين المهملة الساكنة واللام المكسورة: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام: أفأعبد ما لا أرى، فقال: وكيف تراه ؟ فقال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقايق الايمان، قريب من الاشياء غير ملامس، بعيد منها غير مبائن، متكلم بلا روية، مريد بلا همة، صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء، بعيد لا يوصف بالجفاء، بصير لا يوصف بالحاسة رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، وتوجل القلوب من مخافته (1). وقد اشتمل هذا الكلام الشريف على اصول صفات الجلال والاكرام التي عليها مدار علم الكلام، وأفاد أن العبادة تابعة للرؤية، ويفسر معنى الرؤية وأفاد الاشارة إلى أن قصد التعظيم بالعباد حسن وإن لم يكن تمام الغاية، وكذلك الخوف منه تعالى. ثم لما كان الركن الاعظم في النية هو الاخلاص، وكان انضمام تلك الاربعة غير قادح فيه فخليق أن يذكر ضمائم اخر، وهي أقسام: الاول: ما يكون منافية له كضم الرياء ويوصف بسببه العبادة بالبطلان بمعنى عدم استحقاق الثواب، وهل يقع مجزيا بمعنى سقوط التعبد به والخلاص من العقاب ؟ الاصح أنه لا يقع مجزيا ولم أعلم فيه خلافا إلا من السيد الامام المرتضى قدس الله لطيفه فان ظاهره الحكم بالاجزاء في العبادة المنوي بها الرياء. الثاني من الضمائم ما يكون لازما للفعل كضم التبرد والتسخن أو التنظيف


(1) تراه في النهج تحت الرقم 177 من الخطب، وفيه " تجب القلوب من مخافته ". [*]

[280]

إلى نية القربة، وفيه وجهان ينظران إلى عدم تحقق معنى الاخلاص، فلا يكون الفعل مجزيا وإلى أنه حاصل لا محالة فنيته كتحصيل الحاصل الذي لا فائدة فيه وهذا الوجه ظاهر أكثر الاصحاب والاول أشبه ولا يلزم من حصوله نية حصوله ويحتمل أن يقال [إن كان الباعث الاصلي هو القربة، ثم طرء التبرد عند الابتداء في الفعل لم يضر، وإن] (1) كان الباعث الاصلي هو التبرد فلما اراده ضم القربة لم يجزئ، وكذا إذا كان الباعث مجموع الامرين، لانه لا أولوية فتدافعا فتساقطا فكأنه غير ناو، ومن هذا الباب ضم نية الحمية إلى القربة في الصوم، وضم ملازمة الغريم إلى القربة في الطواف والسعي والوقوف بالمشعرين. الثالث ضم ما ليس بمناف ولا لازم، كما لو ضم إرادة دخول السوق مع نية التقرب في الطهارة أو أراد الاكل ولم يرد بذلك الكون على طهارة في هذه الاشياء فانه لو أراد الكون على طهارة كان مؤكدا غير مناف، وهذه الاشياء وإن لم يستحب لها الطهارة بخصوصياتها إلا أنها داخلة فيما يستحب لعمومه وفي هذه الضميمة وجهان مرتبان على القسم الثاني، وأولى بالبطلان، لان ذلك تشاغل عما يحتاج إليه بما لا يحتاج إليه. ثم قال - ره - يجب التحرز من الرياء فانه يلحق العمل بالمعاصي وهو قسمان جلي وخفي، فالجلي ظاهر والخفي إنما يطلع عليه اولوا المكاشفة والمعاينة لله كما يروي عن بعضهم أنه طلب الغزو فتاقت نفسه إليه، فتفقدها فإذا هو يحب المدح بقولهم فلان غاز، فتركه فتاقت نفسه إليه فأقبل يعرض على ذلك الرياء، حتى أزاله، ولم يزل يتفقدها شيئا بعد شئ حتى وجد الاخلاص بعد بقاء الانبعاث فاتهم نفسه وتفقد أحوالها فإذا هي يحب أن يقال: مات فلان شهيدا لتحسن سمعته في الناس بعد موته. وقد يكون في ابتداء النية إخلاصا وفي الاثناء يحصل الرياء فيجب التحرز منه فانه مفسد للعمل نعم لا يتكلف بضبط هواجس النفس وخواطرها بعد إيقاع


(1) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 274. [*]

[281]

النية في الابتداء خالصة، فان ذلك معفو عنه كما جاء في الحديث إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها. 2 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس، فانه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى الله (1). بيان: " اجعلوا أمركم هذا " أي التشيع " لله " أي خالصا له " ولا تجعلوه للناس " لا بالانفراد ولا بالاشتراك " فانه ما كان لله " أي خالصا له " فهو لله " أي يصعد إليه ويقبله وعليه أجره " وما كان للناس " ولو بالشركة " فلا يصعد إلى الله " أي لا يرفعه الملائكة ولا يثبتونه في ديوان الابرار، كما قال تعالى: " إن كتاب الابرار لفي عليين " (2) والصعود إليه كناية عن القبول. 3 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغرا عن يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كل رياء شرك إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله (3). بيان: " كل رياء شرك " هذا هو الشرك الخفي فانه لما أشرك في قصد العبادة غيره تعالى فهو بمنزلة من أثبت معبودا غيره سبحانه كالصنم " كان ثوابه على الناس " أي لو كان ثوابه لازما على أحد كان لازما عليهم، فانه تعالى قد شرط في الثواب الاخلاص، فهو لا يستحق منه تعالى شيئا أو أنه تعالى يحيله يوم القيامة على الناس. 4 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدايني، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا


(1) الكافي ج 2 ص 293. (2) المطففين: 18. (3) الكافي ج 2 ص 293. [*]

[282]

ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (1) قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه، ثم قال: ما من عبد أسر خيرا فذهبت الايام أبدا حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد يسر شرا فذهبت الايام حتى يظهر الله له شرا (2). بيان: " فمن كان يرجو لقاء ربه " قال الطبرسي رحمه الله: أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله، ويقر بالبعث إليه، والوقوف بين يديه، وقيل: معناه فمن كان يخشى لقاء عقاب ربه، وقيل: إن الرجاء يشتمل على كلا المعنيين الخوف والامل " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر، وقيل: معناه لا يرائي عبادته أحدا عن ابن جبير. وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله، فيذكر ذلك مني وأحمد عليه، فيسرني ذلك واعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئا فنزلت الاية قال عطا عن ابن عباس إن الله تعالى قال: ولا يشرك به لانه أراد العمل الذي يعمل الله، ويحب أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصل بها. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: قال الله عزوجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، فهو للذي أشرك، أو رده مسلم في الصحيح، وروي عن عبادة بن الصامت وشداد بن الاوس قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به، فقد أشرك ثم قرء هذه الاية. وروي أن أبا الحسن الرضا عليه السلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال: لا تشرك بعبادة ربك أحدا، فصرف


(1) الكهف: 110. (2) الكافي ج 2 ص 293. [*]

[283]

المأمون الغلام، وتولى إتمام وضوئه بنفسه (1) انتهى. وأقول: الرواية الاخيرة تدل على أن المراد بالشرك هنا الاستعانة في العبادة، وهو مخالف لسائر الاخبار، ويمكن الجمع بحملها على الاعم منها فان الاخلاص التام هو أن لا يشرك لا في القصد ولا في العمل غيره سبحانه. " تزكية الناس " أي مدحهم " أن يسمع به " على بناء الافعال " ما من عبد أسر خيرا " أي عملا صالحا بأن أخفاه عن الناس لئلا يشوب بالرياء أو أخفى في قلبه نية حسنة خالصة " فذهبت الايام أبدا " قوله: " أبدا " متعلق بالنفي في قوله: " ما من عبد " حتى يظهر الله له خيرا " " حتى " للاستثناء أي يظهر الله ذلك العمل الخفي للناس أو تلك النية الحسنة، وصرف قلوبهم إليه ليمدحوه ويوقروه فيحصل له مع ثناء الله ثناء الناس. وعلى الاحتمال الاول يدل على أن إسرار الخير أحسن من إظهاره، ولكل فايدة أما فائدة الاسرار فالتحرز من الرياء، وأما فائدة الاظهار فترغيب الناس في الاقتداء به وتحريكهم إلى فعل الخير، وقد مدح الله كليهما، وفضل الاسرار في قوله سبحانه: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم " (2). ويظهر من بعض الاخبار أن الاخفاء في النافلة أفضل، والابداء في الفريضة أحسن، ويمكن القول باختلاف ذلك بحسب اختلاف أحوال الناس، فمن كان آمنا من الرياء، فالاظهار منه أفضل، ومن لم يكن آمنا فالاخفاء أفضل، والاول أظهر لتاييده بالخبر. قال المحقق الاردبيلي رحمه الله: المشهور بين الاصحاب أن الاظهار في الفريضة أولى سيما في المال الظاهر، ولمن هو محل التهمة لرفع تهمة عدم الدفع وبعده عن الرياء، ولان يتبعه الناس في ذلك، والاخفاء في غيرها ليسلم من الرياء


(1) مجمع البيان ج 6 ص 498. (2) البقرة: 271. [*]

[284]

والمروي عن ابن عباس أن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل، وأما المفروضة فلا يدخلها الرياء، ويلحقها تهمة المنع باخفائها فاظهارها أفضل، وما رواه في مجمع البيان عن علي بن إبراهيم باسناده إلى الصادق عليه السلام قال الزكاة المفروضة تخرج علانية، وتدفع علانية، وغير الزكاة إن دفعها سرا فهو أفضل، فان ثبت صحته أو صحة مثله، فتخصص الاية وتفصل به، وإلا فهي على عمومها، ومعلوم دخول الرياء في الزكاة المفروضة كما في ساير العبادات المفروضة، ولهذا اشترط في النية عدمه، ولو تمت التهمة لكانت مختصة بمن يتهم انتهى (1). " وما من عبد يسر شرا " أي عملا قبيحا أو رياء في الاعمال الصالحة فان الله يفضحه بهذا العمل القبيح، إن داوم عليه ولم يتب، عند الناس، وكذا الرياء الذي أصر عليه، فيترتب على إخفائه نقيض مقصود على الوجهين. 5 - كا: علي ابن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن محمد بن عرفة قال: قال لي الرضا عليه السلام: ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء ولا سمعة، فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى من عمل، ويحك ما عمل أحد عملا إلا رداه الله به إن خيرا فخير، وإن شرا فشر (2). بيان: في النهاية ويح كلمة ترحم وتوجع، يقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف انتهى والسمعة بالضم، وقد يفتح يكون على وجهين أحدهما أن يعمل عملا ويكون غرضه عند العمل سماع الناس له، كما أن الرياء هو أن يعمل ليراه الناس فهو قريب من الرياء، بل نوع منه، وثانيهما أن يسمع عمله الناس بعد الفعل، والمشهور أنه لا يبطل عمله، بل ينقص ثوابه أو يزيله كما سيأتي وكأن المراد هنا الاول. في القاموس: وما فعله رياء ولا سمعة، ويضم ويحرك وهي ما نوه


(1) زبدة البيان ص 192 الطبعة الحديثة. (2) الكافي ج 2 ص 294. [*]

[285]

بذكره ليرى ويسمع انتهى (1). " إلى من عمل " أي إلى من عمل له، وفي بعض النسخ إلى ما عمل أي إلى عمله أي لا ثواب له إلا أصل عمله، وما قصده به، إذ ليس له إلا التعب " إلا رداه الله به " رداه تردية ألبسه الرداء أي يلبسه الله رداء بسبب ذلك العمل، فشبه عليه السلام الاثر الظاهر على الانسان بسب العمل بالرداء فانه يلبس فوق الثياب ولا يكون مستورا بثوب آخر (2). " إن خيرا فخيرا " أي إن كان العمل خيرا كان الرداء خيرا وإن كان العمل شرا كان الرداء شرا والحاصل أن من عمل شرا إما بكونه في نفسه أو بكونه مشوبا بالرياء يظهر الله أثر ذلك عليه ويفضحه بين الناس وكذا إذا عمل عملا خيرا وجعله لله خالصا ألبسه الله أثر ذلك العمل وأظهر حسنه للناس كما مر في الخبر السابق وقيل: شبه العمل بالرداء في الاحاطة والشمول إن خيرا فخيرا أي إن كان عمله خيرا فكان جزاؤه خيرا، وكذا الشرور، وربما يقرء ردأه بالتخفيف والهمزة يقال: ردأه به أي جعله له رداءا وقوة وعمادا، ولا يخفى ما فيهما من الخبط والتصحيف وسيأتي ما يأبى عنهما. 6 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: إني لاتعشى عند أبي عبد الله عليه السلام إذ تلا هذه الاية " بل الانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره " (3) يا باحفص ما يصنع الانسان أن يتقرب


(1) القاموس ج 3 ص 40. (2) الرداء - وهو الذي يطلق في مقابل الازار - كان حلة يلبسونها فوق الكتف يسترون بها الردء، وهو الظهر، وهو أحد ثوبي الاحرام، ولم يكونوا ليلبسوا تحتها ثوبا آخر إلا إذا كانوا يلبسون القميص أو الدرع أو الجوشن، فكانوا يلبسون تحته الشعار وأما اليوم فالرداء يطلق على غير ما وضع له أولا، يطلق على كساء واسع كالجبة يلبس فوق الثياب كما ذكره العلامة المؤلف قدس سره. والمعنى على ما ذكرناه، أن من عمل عملا أو أسر سريرة أظهره الله وألقا أثره على ظهره ملتصقا به، كالخلعة التي يخلع بها على الناس، إن شرا فشر وإن خيرا فخير. (3) القيامة: 14 و 15. [*]

[286]

إلى الله عزوجل بخلاف ما يعلم الله، إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: من أسر سريرة رداه الله رداءها إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا (1). بيان: التعشي أكل الطعام آخر النهار أو أول الليل في القاموس العشي والعشية آخر النهار، والعشاء كسماء طعام العشي، وتعشى: أكله. " بل الانسان على نفسه بصيرة " قال البيضاوي: أي حجة بينة على أعمالها لانه شاهد بها، وصفها بالبصارة على سبيل المجاز، أو عين بصيرة بها فلا يحتاج إلى الانباء " ولو ألقى معاذيره " أي ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به، جمع معذار وهو العذر أو جمع معذرة، على غير قياس كالمناكير في المنكر، فان قياسه معاذر انتهى (2) والتوجيه الاول لبصيرة لاكثر المفسرين والثاني نقله النيسابوري، عن الاخفش فانه جعل الانسان بصيرة. كما يقال: فلان كرم لانه يعلم بالضرورة متى رجع إلى عقله أن طاعة خالقه واجبة. وعصيانه منكر، فهو حجة على نفسه، بعقله السليم، ونقل عن أبي عبيدة أن التاء للمبالغة كعلامة، وقال في قوله تعالى: " ولو ألقى معاذيره " هذا تأكيد أي ولو جاء بكل معذرة يحاج بها عن نفسه فانها لا تنفعه، لانها لا تخفي شيئا من أفعاله، فان نفسه وأعضاءه تشهد عليه قال: قال الواحدي والزمخشري: المعاذير اسم جمع للمعذرة كالمناكير للمنكر ولو كان جمعا لكان معاذر بغير ياء، ونقل عن الضحاك والسدي أن المعاذير جمع المعذار، وهو الستر والمعنى أنه وإن أسبل الستور أن يخفى شئ من عمله قال الزمخشري: إن صح هذا النقل في التسمية أن الستر يمنع رؤية المحتجب، كما يمنع المعذرة عقوبة المذنب انتهى. " يا با حفص " أي قال ذلك " ما يصنع الانسان " استفهام على الانكار، والغرض التنبيه على أنه لا ينفعه في آخرته ولا في دنياه أيضا لما سيأتي " أن يتقرب إلى الله " أي يفعل ما يفعله المتقرب ويأتي بما يتقرب به، وإن كان ينوي به أمرا آخر


(1) الكافي ج 2 ص 294. (2) أنوار التنزيل ص 449. [*]

[287]

" بخلاف ما يعلم الله " أي من باطنه، فانه يظهر ظاهرا أنه يعمل العمل لله، ويعلم الله من باطنه أنه يفعله لغير الله أو أنه ليس خالصا لله، وقيل: المعنى أن التقرب بهذا العمل المشترك إلى الله تعالى تقرب بخلاف ما يعلم الله أنه موجب للتقرب. والسريرة ما يكتم: " رداه الله رداءها " كأنه جرد التردية عن معنى الرداء واستعمل بمعنى الالباس، وسيأتي " ألبسه الله ". وقد مر أنه استعير الرداء للحالة التي تظهر على الانسان، وتكون علامة لصلاحه أو فساده. 7 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الملك ليصعد بعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته يقول الله عزوجل اجعلوها في سجين إنه ليس إياي أراد به (1). بيان: الابتهاج السرور، والباء في قوله: " بعمل " و " بحسناته " للملابسة ويحتمل التعدية، وقوله " ليصعد " أي يشرع في الصعود وقوله " فإذا صعد " أي تم صعوده، ووصل إلى موضع يعرض فيه الاعمال على الله تعالى، وقوله: " بحسناته " من قبيل وضع المظهر موضع المضمر تصريحا بأن العمل من جنس الحسنات، أو هو منها بزعمه أي اثبتوا تلك الاعمال التي تزعمون أنها حسنات في ديوان الفجار الذي هو في سجين كما قال تعالى " إن كتاب الفجار لفي سجين " (2). وفي القاموس سجين كسكين موضع فيه كتاب الفجار وواد في جهنم أعاذنا الله منها، أو حجر في الارض السابعة، وقال البيضاوي " إن كتاب الفجار " ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم " لفي سجين " كتاب جامع لاعمال الفجرة من الثقلين كما قال تعالى: " وما أدريك ما سجين * كتاب مرقوم " أي مسطور بين الكتابة ثم قال: وقيل هو اسم المكان والتقدير ما كتاب السجين أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف (3).


(1) الكافي ج 2 ص 294. (2) المطففين: 7. (3) أنوار التنزيل: 457. [*]

[288]

" اجعلوها " الخطاب إلى الملائكة الصاعدين، فالمراد بالملك أولا الجنس أو إلى ملائكة الرد والقبول، والضمير المنصوب للحساب " ليس إياي أراد " تقديم الضمير للحصر أي لم يكن مراده أنا فقط بل أشرك معي غيري. 8 - كا: باسناده قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ثلاث علامات للمرائي، ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع اموره (1). بيان: في القاموس نشط كسمع نشاطا بالفتح: طابت نفسه للعمل وغيره وقال: الكسل محركة التثاقل عن الشئ والفتور فيه كسل كفرح انتهى والنشاط يكون قبل العمل وباعثا للشروع فيه، ويكون بعده وسببا لتطويله وتجويده، " في جميع اموره " أي في جميع طاعاته وتركه للمنهيات أو الاعم منهما ومن امور الدنيا. 9 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى عن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله عزوجل: أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عمل عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصا (2). بيان: " أنا خير شريك " لانه سبحانه غني لا يحتاج إلى الشركة، وإنما يقبل الشركة من لم يكن غنيا بالذات، فلا يقبل العمل المخلوط لرفعته وغناه أو المراد أني محسن إلى الشركاء أدع إليهم ما كان مشتركا بيني وبينهم ولا أقبله وقيل: إن هذا الكلام مبني على التشبيه، والاستثناء في قوله: " إلا ما كان " منقطع. 10 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن داود، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أظهر للناس ما يحب الله، وبارز الله بما كرهه، لقى الله وهو ماقت له (3). بيان: " بارز الله " كأن المراد به أبرز وأظهر الله بما كرهه الله من المعاصي


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 295. [*]

[289]

فان ما يفعله في الخلوة يراه الله ويعلمه، والمستفاد من اللغة أنه من المبارزة في الحرب، فان من يعصى الله سبحانه بمرئى منه ومسمع فكأنه يبارزه ويقاتله، في القاموس: بارز القرآن مبارزة وبرازا: برز إليه. 11 - كا: أبو علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن فضل أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا ويسر سيئا أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك، والله عزوجل يقول: " بل الانسان على نفسه بصيرة " إن السريرة إذا صحت قويت العلانية (1). كا: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة عن معاوية، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). بيان: " ويسر سيئا " أي نية سيئة ورئاء أو أعمالا قبيحة، والاول أظهر " فيعلم أن ذلك ليس كذلك " أي يعلم أن عمله ليس بمقبول لسوء سريرته، وعدم صحة نيته " إن السريرة إذا صحت " أي إن النية إذا صحت قويت الجوارح على العمل، كما ورد: لا يضعف بدن عما قويت عليه النية، وروى أن في ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، إلا وهي القلب، لكن هذا المعنى لا يناسب هذا المقام كما لا يخفى، ويمكن أن يكون المراد بالقوة القوة المعنوية أي صحة العمل، وكمالها، وقيل: المراد بالعلانية الرداء المذكور سابقا أي أثر العمل. وأقول: يحتمل أن يكون المعنى قوة العلانية على العمل دائما لا بمحضر الناس فقط. 12 - كا: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما من عبد يسر خيرا إلا لم تذهب الايام حتى يظهر الله تعالى له خيرا، وما من عبد يسر شرا إلا لم تذهب الايام حتى يظهر له شرا (3).


(1 - 2) الكافي: ج 2 ص 295. (3) الكافي: ج 2 ص 296. [*]

[290]

13 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن يحيى بن بشير، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: من أراد الله عزوجل بالقليل من عمله، أظهر [ه] الله له أكثر مما أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، وسهر من ليله، أبى الله عزوجل إلا أن يقلله في عين من سمعه (1). بيان: " أظهر الله له " في بعض النسخ: " أظهره الله له " فالضمير للقليل أو للعمل، و " أكثر " صفة للمفعول المطلق المحذوف " مما أراد " أي مما أراد الله به، والمراد إظهاره على الناس، ونسبة السهر إلى الليل على المجاز فضمير " يقلله " للكثير أو العمل، وقد يقال: الضمير للموصول، فالتقليل كناية عن التحقير كما وري أن رجلا من بني إسرائيل قال: لاعبدن الله عبادة اذكر بها فمكث مدة مبالغا في الطاعات وجعل لا يمر بملاء من الناس إلا قالوا: متصنع مراء، فأقبل على نفسه. وقال: قد أتعبت نفسك، وضيعت عمرك في لا شئ فينبغي أن تعمل لله سبحانه، فغير نيته، وأخلص عمله لله، فجعل لا يمر بملاء من الناس إلا قالوا: ورع تقي. 14 - كا: على بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيأتي على الناس زمان تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم، طمعا في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم يكون دينهم، رياء لا يخالطهم خوف، يعمهم الله بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجيب لهم (2). بيان: " سيأتي " السين للتأكيد أو للاستقبال القريب " تخبث " كتحسن " سرائرهم " بالمعاصي أو بالنيات الخبيثة الريائية " طمعا " مفعول له لتحسن " لا يريدون به " الضمير لحسن العلانية أو للعمل المعلوم بقرينة المقام " يكون دينهم " أي عباداتهم الدينية أو أصل إظهار الدين " رياء " لطلب المنزلة في قلوب الناس والباء في قوله: " بعقاب " للتعدية " دعاء الغريق " أي كدعاء من أشرف على الغرق


(1 - 2) الكافي: ج 2 ص 296. [*]

[291]

فان الاخلاص والخضوع فيه أخلص من سائر الادعية لانقطاع الرجاء عن غيره سبحانه، وما قيل: من أن المعنى من غرق في ماء دموعه فلا يخفى بعده، وعدم الاجابة لعدم عملهم بشرائطها وعدم وفائهم بعهوده تعالى كما قال تعالى: " أوفوا بعهدي اوف بعهدكم " (1) وسيأتي الكلام فيه في كتاب الدعاء إنشاء الله تعالى ولا يبعد أن يكون العقاب إشارة إلى غيبة الامام عليه السلام. 15 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن يزيد قال: إني لاتعشى مع أبي عبد الله عليه السلام إذ تلا هذه الاية " بل الانسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره " (2) يا باحفص ما يصنع الانسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أسر سريرة ألبسه الله رداءها إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا (3). بيان: قد مر بعينه سندا ومتنا ولا اختلاف إلا في قوله: " أن يعتذر إلى الناس " وقوله: ألبسه الله " وكأنه أعاده لاختلاف النسخ في ذلك وهو بعيد ولعله كان على السهو، وما هنا كأنه أظهر في الموضعين، والاعتذار إظهار العذر وطلب قبوله، وقيل: لعل المراد به هو الحث على التسوية بين السريرة والعلانية بحيث لا يفعل سر اما لو ظهر لاحتاج إلى العذر، ومن البين أن الخير لا يحتاج إلى العذر، وإنما المحتاج إليه هو الشر، ففيه ردع عن تعلق السر بالشر مخالفا للظاهر، وهذا كما قيل لبعضهم: عليك بعمل العلانية، قال: وما عمل العلانية ؟ قال: ما إذا اطلع الناس عليك لم تستحي منه، وهذا مأخوذ من كلام أمير المؤمنين عليه السلام على ما ذكره صاحب العدة حيث يقول عليه السلام: إياك وما تعتذر منه فانه لا تعتذر من خير، وإياك وكل عمل في السر تستحيي منه في العلانية، وإياك


(1) البقرة: 40. (2) القيامة: 14 و 15. (3) الكافي: ج 2 ص 296. [*]

[292]

وكل عمل إذا ذكر لصاحبه أنكره (1). 16 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي ابن أسباط، عن بعض أصحابه، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: الابقاء على العمل أشد من العمل قال: وما الابقاء على العمل، قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له، فتكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى فتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى وتكتب له رياء (2). بيان: " الابقاء على العمل " أي حفظه ورعايته والشفقة عليه من ضياعه، في النهاية يقال: أبقيت عليه ابقي إبقاء إذا رحمته وأشفقت عليه، والاسم البقيا، وفي الصحاح أبقيت على فلان إذا رعيت عليه ورحمته، قوله صلى الله عليه وآله: " يصل " هو بيان لترك الابقاء ليعرف الابقاء فان الاشياء تعرف باضدادها، " فتكتب " على بناء المجهول، والضمير المستتر راجع إلى كل من الصلة والنفقة، وسرا وعلانية، ورياء كل منها منصوب ومفعول ثان لتكتب، وقوله: " فتمحى " على بناء المفعول من باب الافعال، ويمكن أن يقرء على بناء المعلوم من باب الافتعال بقلب التاء ميما. " فتكتب له علانية " أي يصير ثوابه أخف وأقل " وتكتب له رياء " أي يبطل ثوابه، بل يعاقب عليه، وقيل: كما يتحقق الرياء في أول العبادة ووسطها كذلك يتحقق بعد الفراغ منها، فيجعل ما فعل لله خالصا في حكم ما فعل لغيره فيبطلها كالاولين عند علمائنا، بل يوجب الاستحقاق للعقوبة أيضا عند الجميع وقال الغزالي، لا يبطلها لان ما وقع صحيحا فهو صحيح لا ينتقل من الصحة إلى


(1) أخرجه الرضي رضوان الله عليه في نهج البلاغة الرقم 33 من قسم الكتب والرسائل فيما كتبه إلى قثم بن العباس: " وإياك وما يعتذر منه " والرقم 69 فيما كتبه إلى الحارث الهمداني: واحذر كل عمل يعمل به في السر، ويستحيي منه في العلانية، واحذر كل عمل إذا سئل عنه صاحبه أنكره أو اعتذر منه ". (2) الكافي: ج 2 ص 296. [*]

[293]

الفساد، نعم الرياء بعده حرام يوجب استحقاق العقوبة، وقد مر بسط القول فيه. 17 - كا: عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الاشعري عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: اخشوا الله خشية ليست بتعذير واعملوا لله في غير رياء ولا سمعة، فان من عمل لغير الله وكله الله إلى عمله (1). بيان: " خشية ليست بتعذير " أقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها: الاول: ما ذكره المحدث الاسترآبادي حيث قال: إذا فعل أحد فعلا من باب الخوف ولم يرض به، فخشيته خشية تعذير وخشية كراهية، وإن رضي به فخشيته خشية رضي وخشية محبة. الثاني أن يكون التعذير بمعنى التقصير بحذف المضاف أي ذات تعذير أي لم تكونوا مقصرين في الخشية، أو الباء للملابسة وبمعنى مع، قال في النهاية: التعذير التقصير، ومنه حديث بني إسرائيل كانوا إذا عمل فيهم بالمعاصي نهوهم تعذير أي قصروا فيه ولم يبالغوا، وضع المصدر موضع اسم الفاعل حالا كقولهم جاء مشيا ومنه حديث الدعاء وتعاطي ما نهيت عنه تعذيرا. الثالث ان يكون التعذير بمعنى التقصير أيضا ويكون المعنى لا تكون خشيتكم بسبب التقصيرات الكبيرة. بل يكون مع بذل الجهد في الاعمال كما ورد في صفات المؤمن يعمل ويخشى. الرابع أن يكون المعنى تكون خشيتكم خشية واقعية لا إظهار خشية في مقام الاعتذار إلى الناس، والعمل بخلاف ما تقتضيه كما مر في قوله عليه السلام: " ما يصنع الانسان أن يعتذر إلى الناس " الخ قال الجوهوي: المعذر بالتشديد هو المظهر للعذر من غير حقيقة له في العذر (2). الخامس ما ذكره بعض مشايخنا أن المعنى اخشوا الله خشية لا تحتاجون معها في القيامة إلى إبداء العذر وكأن الثالث أظهر الوجوه.


(1) الكافي ج 2 ص 297. (2) نقله عن ابن عباس راجع ص 741. [*]

[294]

" وكله الله إلى عمله " أي يرد عمله إليه، فكأنه وكله إليه أو بحذف المضاف أي مقصود عمله أو شريك عمله أي ليس له إلا العناء والتعب كما مر. 18 - كا: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يعمل الشئ من الخير فيراه إنسان فيسره ذلك، قال: لا بأس ما من أحد إلا وهو يحب أن يظهر له في الناس الخير، إذا لم يكن صنع ذلك لذلك (1). بيان: " ما من أحد " أي الانسان مجبول على ذلك لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه، فلو كلف به لكان تكليفا بما لا يطاق " إذا لم يكن صنع ذلك لذلك " أي لم يكن باعثه على أصل الفعل أو على إيقاعه على الوجه الخاص ظهوره في الناس وقد ورد نظير ذلك من طريق العامة عن أبي ذر أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: أرايت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن، يعني البشرى المعجلة له في الدنيا والبشرى الاخرى قوله سبحانه " بشريكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهار " (2). قيل: وهذا ينافي ما روي من طريقنا: ما بلغ عبد حقيقة الاخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شئ من عمل لله وما روي من طريقهم عن ابن جبير في سبب نزول قوله تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه " (3) إلى آخره وقد مر. وقد جمع بينهما صاحب العدة - ره - بأنه إن كان سروره باعتبار أنه تعالى أظهر جميله عليهم أو باعتبار أنه استدل باظهار جميله في الدنيا على إظهار جميله في الاخرة على رؤس الاشهاد، أو باعتبار أن الرائي قد يميل قلبه بذلك إلى طاعة الله تعالى أو باعتبار أنه يسلب ذلك اعتقادهم بصفة ذميمة له، فليس ذلك السرور رياء وسمعة وإن كان سروره باعتبار رفع المنزلة أو توقع التعظيم والتوقير بأنه عابد زاهد


(1) الكافي ج 2 ص 297. (2) الحديد: 12. (3) الكهف: 110. [*]

[295]

وتزكيتهم له، إلى غير ذلك من التدليسات النفسية والتلبيسات الشيطانية، فهو رياء ناقل للعمل من كفة الحسنات إلى كفة السيئات انتهى. وأقول: يمكن أن يكون ذلك باعتبار اختلاف درجات الناس ومراتبهم فان تكليف مثل ذلك بالنظر إلى أكثر الخلق تكليف بما لا يطاق، ولا ريب في اختلاف التكاليف بالنسبة إلى اختلاف أصناف الخلق، بحسب اختلاف استعداداتهم وقابلياتهم. 19 - لى: عن الفامي، عن محمد الحميري، عن أبيه، عن هارون، عن ابن زياد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل في ما النجاة غدا ؟ فقال: إنما النجاه في أن لا تخادعوا الله فيخدعكم، فانه من يخادع الله يخدعه ويخلع منه الايمان، ونفسه يخدع لو يشعر، فقيل له: وكيف يخادع الله ؟ قال: يعمل بما أمر الله به ثم يريد به غيره، فاتقوا الله واجتنبوا الرياء، فانه شرك بالله إن المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر ! يا فاجر ! يا غادر ! يا خاسر ! حبط عملك، وبطل أجرك، ولا خلاق لك اليوم فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له (1). مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن هارون [مثله] (2). ثو: أبي، عن الحميري، عن هارون [مثله] (3). شى: عن ابن زياد مثله (4). 20 - ب: هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا أتى الشيطان أحدكم وهو في صلاته فقال: إنك مرائي فليطل صلاته ما بدا له ما لم يفته وقت الفريضة، وإذا كان على شئ من أمر


(1) أمالي الصدوق ص 346. (2) معاني الاخبار ص 340. (3) ثواب الاعمال: 228. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 282 في آية النساء: 142. [*]

[296]

الاخرة، فليتمكث ما بدا له، وإذا كان على شئ من أمر الدنيا فليبرح وإذا دعيتم إلى العرسات فأبطؤوا فانها تذكر الدنيا، وإذا دعيتم إلى الجنائز فاسرعوا فانها تذكر الاخرة (1). 21 - ع: عن العطار، عن أبيه، عن العمركي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يؤمر برجال إلى النار فيقول الله جل جلاله لمالك: قل للنار لا تحرق لهم أقداما فقد كانوا يمشون إلى المساجد، ولا تحرق لهم وجها فقد كانوا يسبغون الوضوء، ولا تحرق لهم أيديا فقد كانوا يرفعونها بالدعاء، ولا تحرق لهم ألسنا فقد كانوا يكثرون تلاوة القرآن قال: فيقول لهم خازن النار: يا أشقياء ! ما كان حالكم ؟ قالوا: كنا نعمل لغير الله عزوجل، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممن عملتم له (2). ثو: عن أبيه، عن محمد العطار، عن العمركي مثله (3). 32 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لقمان لابنه: للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان الناس عنده، ويتعرض في كل أمر للمحمدة (4). 23 - ع: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن النعمان، عن يزيد بن خليفة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما على أحدكم لو كان على قلة جبل حتى ينتهي إليه أجله أتريدون تراؤون الناس ؟ إن من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله، إن كل رياء شرك (5).


(1) قرب الاسناد ص 42 وفي ط ص 57. (2) علل الشرايع ج 2 ص 151. (3) ثواب الاعمال: 201. (4) الخصال ج 1 ص 60. (5) علل الشرايع ج 2 ص 247. [*]

[297]

24 - فس: عن جعفر بن أحمد، عن عبيدالله بن موسى، عن ابن البطائني عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (1) قال: هذا الشرك شرك رياء. 25 - وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن تفسير قول الله: " فمن كان يرجو لقاء ربه " الاية فقال: من صلى مرائاة الناس فهو مشرك، ومن زكى مرائاة الناس فهو مشرك، ومن صام مرائاة الناس فهو مشرك، ومن حج مرائاة الناس فهو مشرك، ومن عمل عملا مما أمر الله به مرائاة الناس فهو مشرك، ولا يقبل الله عمل مراء (2). 42 - مع (3) لى: عن أمير المؤمنين عليه السلام سئل أي عمل أنجح ؟ قال: طلب ما عند الله (4). 27 - مع (5) لي: النسائي، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن الصادق عليه السلام قال: الاشتهار بالعبادة ريبة الخبر (6). 28 - ثو: عن أبيه، عن محمد بن أبي القاسم، عن الكوفي، عن المفضل بن صالح، عن محمد بن علي الحلبي، عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله عزوجل والدار الاخرة، فادخل فيه رضى أحد من الناس، كان مشركا.


(1) الكهف: 110. (2) تفسير القمي ص 407. (3) معاني الاخبار ص 198. (4) أمالي الصدوق ص 237. (5) معاني الاخبار ص 115. (6) أمالي الصدوق ص 14. [*]

[298]

وقال أبو عبد الله عليه السلام: من عمل للناس كان ثوابه على الناس، إن كل رياء شرك، وقال أبو عبد الله عليه السلام: قال الله عزوجل: من عمل لي ولغيري هو لمن عمل له (1). سن: عن محمد بن علي، عن المفضل بن صالح مثله (2). 29 - ثو: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيأتي على امتي زمان تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم طمعا في الدنيا، لا يريدون به ما عند الله عزوجل يكون أمرهم رياء لا يخالطه خوف، يعمهم الله منه بعقاب فيدعونه دعاء الغريق فلا يستجاب لهم (3). 30 - ثو: عن أبيه، عن الحميري، عن هارون، عن ابن زياد، عن الصادق عن أبيه عليهما السلام أن الله عزوجل أنزل كتابا من كتبه على نبي من الانبياء، وفيه أن: يكون خلق من خلقي يلحسون الدنيا بالدين، يلبسون مسوك الضأن على قلوب كقلوب الذئاب، أشد مرارة من الصبر، وألسنتهم أحلى من العسل، وأعمالهم الباطنة أنتن من الجيف، فبي يغترون ؟ أم إياي يخادعون ؟ أم علي يجترؤن فبعزتي حلفت لابعثن عليهم فتنة تطأ في خطامها حتى تبلغ أطراف الارض تترك الحكيم منها حيرانا يبطل فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم، والبسهم شيعا واذيق بعضهم بأس بعض، أنتقم من أعدائي بأعدائي، فلا ابالي بما اعذبهم جميعا ولا ابالي (4). 31 - ف: عن أبي محمد عليه السلام قال: الشرك في الناس أخفى من دبيب النمل


(1) ثواب الاعمال ص 217. (2) المحاسن: ص 122. (3) ثواب الاعمال: 226. (4) ثواب الاعمال ص 228. [*]

[299]

على المسح الاسود في الليلة المظلمة (1). 32 - سن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يقول الله عزوجل: أنا خير شريك فمن عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له غيري (2). 33 - سن: عن بعض أصحابنا بلغ به أبا جعفر عليه السلام قال: ما بين الحق والباطل إلا قلة العقل: قيل: وكيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ قال: إن العبد يعمل العمل الذي هو لله رضى، فيريد به غير الله، فلو أنه أخلص لله لجاءه الذي يريد في أسرع من ذلك (3). 34 - سن: عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح، عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام قال: قال علي عليه السلام: اخشوا الله خشية ليست بتعذير واعملوا لله في غير رئاء، ولا سمعة، فانه من عمل لغير الله وكله الله إلى عمله يوم القيامة (4). 35 - سن: عن عدة من أصحابنا، عن ابن أسباط، عن يحيى بن بشير النبال عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أراد الله بالقليل من عمله أظهر الله له أكثر مما أراده به، من أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه وسهر في ليله، أبى الله إلا أن يقلله في عين من سمعه (5). 36 - ضا: أروي عن العالم عليه السلام أنه قال: يقول الله تبارك وتعالى: أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عملي لم أقبل إلا ما كان لي خالصا. ونروي أن الله عزوجل يقول: أنا خير شريك ما شوركت في شئ إلا تركته. ونروي في قول الله: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا


(1) تحف العقول ص 517. (2) المحاسن: 252. (3 - 4) المحاسن: 254. (5) المحاسن ص 255. [*]

[300]

يشرك بعبادة ربه أحدا " (1) قال: ليس من رجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس إلا أشرك بعبادة ربه في ذلك العمل فيبطله الرياء، وقد سماه الله الشرك. ونروي من عمل لله كان ثوابه على الله، ومن عمل للناس كان ثوابه على الناس إن كل رياء شرك. ونروي ما من عبد أسر خيرا فتذهب الايام حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد أسر شرا فتذهب الايام حتى يظهر الله له شرا. 37 - مص: قال الصادق عليه السلام: لا تراء بعملك من لا يحيي ولا يميت، ولا يغني عنك شيئا، والرياء شجرة لا تثمر إلا الشرك الخفي، وأصلها النفاق يقال للمرائي عند الميزان، خذ ثوابك ممن عملت له ممن أشركته معي، فانظر من تدعو، ومن ترجو، ومن تخاف ؟ واعلم أنك لا تقدر على إخفاء شئ من باطنك عليه، وتصير مخدوعا قال الله عزوجل: " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون " (2). وأكثر ما يقع الرياء في النظر والكلام والاكل والمشي والمجالسة واللباس والضحك والصلاة والحج والجهاد وقراءة القرآن وسائر العبادات الظاهرة، ومن أخلص باطنه لله وخشع له بقلبه ورأى نفسه مقصرا بعد بذل كل مجهود، وجد الشكر عليه حاصلا فيكون ممن يرجى له الخلاص من الرياء والنفاق إذا استقام على ذلك على كل حال (3). 38 - سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن عظيم الشقاق قال: رجل ترك الدنيا للدنيا ففاتته الدنيا وخسر الاخرة، ورجل تعبد واجتهد وصام رئاء الناس، فذلك الذي حرم لذات الدنيا، ولحقه التعب الذي لو كان به مخلصا لاستحق ثوابه، فورد الاخرة


(1) الكهف: 110. (2) البقرة: 10. (3) مصباح الشريعة ص 33. [*]

[301]

وهو يظن أنه قد عمل ما يثقل به ميزانه، فيجده هباء منثورا. 39 - سر: عبد الله بن بكير، عن عبيد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يدخل في الصلاة فيجود صلاته، ويحسنها، رجاء أن يستجر بعض من يراه إلى هواه قال: ليس هو من الرياء. 40 - شى: عن العلاء بن فضيل: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن تفسير هذه الاية " من كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (1) قال: من صلى أو صام أو أعتق أو حج يريد محمدة الناس فقد أشرك في عمله وهو شرك مغفور (2). 41 - شى: عن جراح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من كان يرجو - إلى - عبادة ربه أحدا " أنه ليس من رجل يعمل شيئا من البر ولا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس فذاك الذي أشرك بعبادة ربه أحدا (3). 42 - شى: عن علي بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: أنا خير شريك، من أشرك بي في عمله لم أقبله إلا ما كان لي خالصا. وفي رواية اخرى عنه عليه السلام قال: إن الله يقول: أنا خير شريك من عمل لي ولغيري فهو لمن عمل له دوني (4). 43 - شى: عن زرارة وحمران، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: لو أن عبدا عمل عملا يطلب به وجه الله والدار الاخرة، ثم أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا (5). 44 - ين: عن الجوهري، عن البطائني، عن أبي بصير قال: سمعت أبا - عبد الله عليه السلام قال: يجاء بعبد يوم القيامة قد صلى فيقول: يا رب صليت ابتغاء وجهك، فيقال له: بل صليت ليقال ما أحسن صلاة فلان ؟ اذهبوا به إلى النار


(1) الكهف: 110. (2 - 3) تفسير العياشي ج 2 ص 352 وجراح هو المدائني كما مر وسيأتي. (4 - 5) تفسير العياشي ج 2 ص 353. [*]

[302]

ويجاء بعبد قد تعلم القرآن فيقول: يا رب تعلمت القرآن ابتغاء وجهك، فيقال له: بل تعلمت ليقال ما أحسن صوت فلان ؟ اذهبوا به إلى النار، ويجاء بعبد قد قاتل فيقول: يا رب قاتلت ابتغاء وجهك، فيقال له: بل قاتلت ليقال ما أشجع فلانا ؟ اذهبوا به إلى النار، ويجاء بعبد قد أنفق ماله فيقول: يا رب أنفقت مالي ابتغاء وجهك فيقال له: بل أنفقته ليقال: ما أسخى فلانا ؟ اذهبوا به إلى النار. 45 - ين: عن محمد بن سنان، عن يزيد بن خليفة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من عمل لله كان ثوابه على الله، ومن عمل للناس كان ثوابه على الناس إن كل رياء شرك. 46 - ين: ابن أبي البلاد، عن سعد الاسكاف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان في بني إسرائيل عابد فأعجب به داود عليه السلام فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: لا يعجبنك شئ من أمره، فانه مراء. قال: فمات الرجل فاتى داود عليه السلام فقيل له: مات الرجل، فقال: ادفنوا صاحبكم قال: فأنكرت ذلك بنو إسرائيل وقالوا: كيف لم يحضره. قال: فلما غسل قام خمسون رجلا فشهدوا بالله ما يعلمون إلا خيرا فلما صلوا عليه قام خمسون رجلا فشهدوا بالله ما يعلمون إلا خيرا فأوحى الله عزوجل إلى داود عليه السلام ما منعك أن تشهد فلانا قال: الذي اطلعتني عليه من أمره، قال: إن كان لكذلك، ولكن شهده قوم من الاحبار والرهبان فشهدوا بي: ما يعلمون إلا خيرا فأجزت شهادتهم عليه وغفرت له مع علمي فيه. 47 - ين: عن النضر، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " قال: هو العبد يعمل شيئا من الطاعات لا يطلب به وجه الله إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به فهذا الذي أشرك بعبادة ربه، وقال: ما من عبد أسر خيرا فتذهب الايام حتى يظهر الله له خيرا، وما من عبد أسر شرا فتذهب الايام حتى يظهر الله له شرا.

[303]

48 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله الرجل منا يصوم ويصلي فيأتيه الشيطان فيقول إنك مراء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فليقل أحدكم عند ذلك أعوذ بك أن اشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم. 49 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: واعملوا في غير رياء ولا سمعة، فانه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له (1). 50 - منية المريد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر، قالوا: وما الشرك الاصغر يا رسول الله ؟ قال: هو الرياء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء ؟ وقال صلى الله عليه وآله: استعيذوا بالله من جب الخزي قيل: وما هو يارسول الله ؟ قال: واد في جهنم اعد للمرائين. وقال صلى الله عليه وآله: إن المرائي نيادي يوم القيامة: يا فاجر ! يا غادر ! يا مرائي ! ضل عملك، وبطل أجرك، اذهب فخذ أجرك ممن كنت تعمل له. وروى جراح المدائني عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " فمن كان يرجو لقاء ربه " الاية قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه الله وإنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربه أحدا. وعنه عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الملك يصعد بعمل العبد مبتهجا به فإذا صعد بحسناته يقول الله عزوجل: اجعلوها في سجين إنه ليس إياى أراد به. وعن أمير المؤمنين عليه السلام: ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في جميع اموره.


(1) نهج البلاغة الرقم 23 من الخطب. [*]

[304]

51 - عدة الداعي: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يقول الله سبحانه، أنا خير شريك من أشرك معي شريكا في عمله فهو لشريكي دوني، لاني لا أقبل إلا ما أخلص لي. وفي حديث آخر: إني أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا ثم أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك فيه دوني. وقال النبي صلى الله عليه وآله: إن لكل حق حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الاخلاص حتى لا يحب أن يحمد على شئ من عمل لله. وقال صلى الله عليه وآله: يا باذر ! لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس أمثال الاباعر، فلا يحفل بوجودهم، ولا يغيره ذلك كما لا يغيره وجود بعير عنده، ثم يرجع هو إلى نفسه فيكون أعظم حاقر لها. وقال صلى الله عليه وآله: وقد سئل فيم النجاة ؟ قال: أن لا يعمل العبد بطاعة الله يريد بها الناس. وقال صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى لا يقبل عملا فيه مثقال ذرة من رئاء. وقال صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الاصغر قالوا: وما الشرك الاصغر يارسول الله ؟ قال: الرئاء يقول الله عزوجل إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذي كنتم تراؤن في الدنيا، هل تجدون ثواب أعمالكم. وروي أن رجلا من بني إسرائيل قال: لاعبدن الله عبادة اذكر بها، فمكث مدة مبالغا في الطاعات، وجعل لا يمر بملا من الناس إلا قالوا: متصنع مراء فأقبل على نفسه وقال: قد أتعبت نفسك، وضيعت عمرك في لا شئ، فينبغي أن تعمل لله سبحانه، فغير نيته، وأخلص عمله لله، فجعل لا يمر بملا من الناس إلا قالوا: ورع تقي. وقال رسول صلى الله عليه وآله: من آثر محامد الله على محامد الناس كفاه الله

[305]

مؤنة الناس. وقال صلى الله عليه وآله: من أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس (1). 53 - أسرار الصلاة: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الجنة تكلمت وقالت: إني حرام على كل بخيل ومراء. وعنه صلى الله عليه وآله قال: إن النار وأهلها يعجون من أهل الرئاء فقيل: يا رسول الله كيف تعج النار ؟ قال: من حر النار التي يعذبون بها. وعنه صلى الله عليه وآله: إن أول من يدعي يوم القيامة رجل جمع القرآن ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله عزوجل للقاري: ألم اعلمك ما أنزلت على رسولي ؟ فيقول: بلى يا رب فيقول: ما عملت فيما عملت فيقول: يا رب قمت في آناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: إنما أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال فيقول الله تعالى: ألم اوسع عليك المال حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد ؟ فيقول: بلى يا رب فيقول: فما عملت بما آتيتك ؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله سبحانه: بل أردت أن يقال: فلان جواد، وقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله: ما فعلت ؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت [ويقول الله سبحانه] بل أدرت أن يقال: فلان شجاع جرئ فقد قيل ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اولئك خلق الله تسعر بهم نار جهنم.


(1) عدة الداعي ص 156. [*]

[306]

(117) * (باب) * * " (استكثار الطاعة والعجب بالاعمال) " * الايات: النساء: ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا (1). النجم: هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة في بطون امهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (2). 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن أسباط عن رجل من أصحابنا من أهل خراسان من ولد إبراهيم بن يسار يرفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ولولا ذلك لما ابتلى مؤمن بذنب أبدا (3). بيان: العجب استعظام العمل الصالح واستكثاره، والابتهاج له، والادلال به وأن يرى نفسه خارجا عن حد التقصير وأما السرور به مع التواضع له تعالى والشكر له على التوفيق لذلك، وطلب الاستزادة منه، فهو حسن ممدوح. قال الشيخ البهائي قدس الله روحه: لا ريب أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الايام، وقيام الليالي، وأمثال ذلك، يحصل لنفسه ابتهاج، فان كان من حيث كونها عطية من الله له، ونعمة منه تعالى عليه، وكان مع ذلك خائفا من نقصها شفيقا من زوالها، طالبا من الله الازدياد منها، لم يكن ذلك الابتهاج عجبا وإن كان من حيث كونها صفته وقائمة به ومضافة إليه، فاستعظمها وركن إليها ورأى نفسه خارجا عن حد التقصير، وصار كأنه يمن على الله سبحانه بسببها


(1) النساء: 49. (2) النجم: 32. (3) الكافي ج 2 ص 313. [*]

[307]

فذلك هو العجب انتهى. والخبر يدل على أن العجب أشد من الذنب، أي من ذنوب الجوارح، فان العجب ذنب القلب، وذلك أن الذنب يزول بالتوبة، ويكفر بالطاعات، والعجب صفة نفسانية يشكل إزالتها، ويفسد الطاعات ويهبطها عن درجة القبول، وللعجب آفات كثيرة، فانه يدعو إلى الكبر كما عرفت، ومفاسد الكبر ما عرفت بعضها وأيضا العجب يدعو إلى نيسان الذنوب، وإهمالها، فبعض ذنوبه لا يذكرها، ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها، وما يتذكر منها فيستصغرها، فلا يجتهد في تداركها، وأما العبادات والاعمال فانه يستعظمها ويتبجح بها، ويمن على الله بفعلها، وينسى نعمة الله عليه، بالتوفيق والتمكين منها. ثم إذا أعجب بها عمي عن آفاتها، ومن لم يتفقد آفات الاعمال كان أكثر سعيه ضائعا فان الاعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب، قلما ينفع وإنما يتفقد من يغلب عنه الاشفاق والخوف، دون العجب، والمعجب يغتر بنفسه وبربه، ويأمن مكر الله وعذابه، ويظن أنه عند الله بمكان، وأن له على الله منة، وحقا بأعماله التي هي نعمة من نعمه، وعطية من عطاياه، ثم إن إعجابه بنفسه ورأيه وعمله وعقله، يمنعه من الاستفادة والاستشارة والسؤال، فيستنكف من سؤال من هو أعلم منه، وربما يعجب بالرأي الخطاء الذي خطر له فيصر عليه وآفات العجب أكثر من أن تحصى. 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن نضر ابن قرواش، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى عالم عابدا فقال له: كيف صلاتك ؟ فقال: مثلي يسأل عن عبادته ؟ وأنا أ عبد الله منذ كذا وكذا فقال: كيف بكاؤك ؟ قال: أبكي حتى تجري دموعي، فقال له العالم: فان ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل، وإن المدل لا يصعد من عمله شئ (1).


(1) الكافي ج 2 ص 313. [*]

[308]

بيان: القرواش بالكسر [الطفيلي أو عظيم الرأس، والمدل على بناء الفاعل من الافعال المنبسط المسرور الذي لا خوف له من التقصير في العمل، في النهاية: فيه: يمشي على الصراط] (1) مدلا: أي منبسطا لا خوف عليه، وهو من الا دلال والدالة على من لك عنده منزلة وفي القاموس: دل المرءة ودلالها تدللها على زوجها تريه [جرأة في تغنج وتشكل كأنها تخالفه وما بها خلاف، وأدل عليه انبسط كتدلل وأوثق بمحبته فأفرط عليه، والدالة ما تدل به على حميمك] (2) انتهى. والضحك مع الخوف هو الضحك الظاهري مع الخوف القلبي كما مر في صفات المؤمن: بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، والحاصل أن المدار على القلب ولا يصلح المرء إلا باصلاح قلبه، وإخراج العجب والكبر والرياء منه، وتذليله بالخوف والخشية والتفكر في أهوال الاخرة وشرائط الاعمال، وكثرة نعم الله عليه وأمثال ذلك، ويدل الخبر على أن العالم أفضل من العابد، وأن العبادة بدون العلم الحقيقي لا تنفع. قال بعض المحققين: اعلم أن العجب إنما يكون بوصف هو كمال لا محالة وللعالم بكمال نفسه في علم وعمل ومال وغيره حالتان: أحداهما أن يكون خائفا على زواله مشفقا على تكدره أو سلبه من أصله، فهذا ليس بمعجب والاخرى أن لا يكون خائفا من زواله، لكن يكون فرحا من حيث إنه نعمة من الله تعالى عليه، لا من حيث إضافته إلى نفسه، وهذا أيضا ليس بمعجب، وله حالة ثالثة هي العجب، وهو أن يكون غير خائف عليه، بل يكون فرحا به مطمئنا إليه ويكون فرحه من حيث إنه كمال ونعمة ورفعة وخير، لا من حيث إنه عطية من الله تعالى ونعمة منه، فيكون فرحه به من حيث إنه صفته ومنسوب إليه بأنه له، لا من حيث إنه منسوب إلى الله بأنه منه، فمهما غلب على قلبه أنه نعمة من الله مهما شاء سلبها زال العجب بذلك عن نفسه. فإذا العجب هو إعظام النعمة والركون إليها،، مع نسيان إضافتها إلى المنعم


(1 - 2) ما بين العلامتين أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 301. [*]

[309]

فان انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه أن له عند الله حقا وأنه منه بمكان حتى توقع بعلمه كرامة له في الدنيا واستبعد أن يجري عليه مكروه استبعادا يزيد على استبعاده فيما يجري على الفساق سمي هذا إدلالا بالعمل فكأنه يرى لنفسه على الله دالة. وكذلك قد يعطي غيره شيئا فيستعظمه ويمن عليه فيكون معجبا فان استخدمه أو اقترح عليه الاقتراحات أو استبعد تخلفه عن قضاء حقوقه كان مدلا عليه قال قتادة في قوله تعالى: " ولا تمنن تستكثر (1) " أي لا تدل بعملك وفي الخبر أن صلاة المدل لا ترتفع فوق رأسه " ولان تضحك وأنت معترف بذنبك خير من أن تبكي وأنت تدل بعملك والادلال وراء العجب فلا مدل إلا وهو معجب، ورب معجب لا يدل إذ العجب يحصل بالاستعظام ونسيان النعمة، دون توقع جزاء عليه، والادلال لا يتم إلا مع توقع جزاء، فان توقع إجابة دعوته واستنكر ردها بباطنه وتعجب كان مدلا بعمله، فانه لا يتعجب من رد دعاء الفساق، ويتعجب من رد دعاء نفسه لذلك، فهذا هو العجب والادلال، وهو من مقدمات الكبر وأسبابه. 3 - كا: عن محمد بن يحيى، عن سعيد بن جناح، عن أخيه أبي عامر، عن رجل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من دخله العجب هلك (2). بيان: المراد بالهلاك استحقاق العقاب، والبعد من رحمة الله تعالى، وقيل العجب يدخل الانسان بالعبادة وتركه الذنوب، والصورة والنسب والافعال العادية مثل الاحسان إلى الغير، وغيره، وهو من أعظم المهلكات وأشد الحجب بين القلب والرب، ويتضمن الشرك بالله وسلب الاحسان والافضال والتوفيق عنه تعالى، وادعاء الاستقلال لنفسه، ويبطل به الاعمال والاحسان وأجرهما كما قال تعالى: " ولا


(1) المدثر: 6. (2) الكافي ج 2 ص 313. [*]

[310]

تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " (1) وليس المن بالعطاء وأذى الفقير باظهار الفضل والتعيير عليه، إلا من عجبه بعطيته وعماه عن منة ربه وتوفيقه. 4 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن أحمد بن عمر الحلال، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن العجب الذي يفسد العمل فقال: العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله عزوجل ولله عليه فيه المن (2). بيان: " العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا " إشارة إلى قوله تعالى: " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا (3) " فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا " إشارة إلى قوله تعالى: " قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (4) وأكثر الجهلة على هذه الصفة، فانهم يفعلون أعمالا قبيحة عقلا ونقلا ويواظبون عليها حتى تصير تلك الاعمال بتسويل أنفسهم وتزيين قرينهم من صفات الكمال عندهم فيذكرونها ويتفاخرون بها، ويقولون: إنا فعلنا كذا وكذا إعجابا بشأنهم وإظهارا لكمالهم. " ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله ولله عليه فيه المن " إشارة إلى قوله تعالى: " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم إن هديكم للايمان إن كنتم صادقين " (5).


(1) البقرة: 264. (2) الكافي ج 2 ص 313. (3) فاطر: 8. (4) الكهف: 103 - 104. (5) الحجرات: 17. [*]

[311]

5 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك، فيتراخى عن حاله تلك، فلان يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه (1). بيان: " فيندم عليه " ندامته مقام عجز واعتراف بالتقصير وهو مقام التائبين وهو محبوب لله تعالى في تلك الحالة لانه قال سبحانه: " إن الله يحب التوابين " (2) " ويعمل العمل فيسره ذلك " المراد بالسرور هنا الا دلال بالعمل، واستعظامه وإخراج نفسه عن حد التقصير كما مر " فيتراخى عن حاله تلك " أي تصير حاله بسبب هذا السرور والعجب أدون وأخص من حاله وقت الندامة، مع كونها مقرونة بالمعصية في القاموس تراخى تقاعس أي تأخر وراخاه باعده، وتراخى السماء أبطأ المطر، ويدل على أن العجب يبطل فضل الاعمال السابقة. " فلان يكون على حاله تلك خير مما دخل فيه " ضمير " دخل " راجع إلى الرجل، وضمير " فيه " إلى الموصول، ويحتمل العكس والفاء للتفريع " وخير " خبر لان يكون، أي يكون على حالة الندامة مع كونها مقرونة بالذنب خير مما دخل فيه من العجب وإن كان مقرونا بالحسنة، أو ذلك الذنب لكونه مقرونا بالندامة أفضل من تلك الحسنة المقرونة بالعجب، أو هاتان الحالتان معا خير من تينك الحالتين. 6 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن أبي داود، عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السلام قال: دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والاخر فاسق، فخرجا من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق، وذلك أنه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها فتكون فكرته في ذلك وتكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه، ويستغفر الله مما صنع من الذنوب (3).


(1) الكافي ج 2 ص 313. (2) البقرة: 222. (3) الكافي ج 2 ص 314. [*]

[312]

بيان: " والفاسق صديق " أي مؤمن صادق في إيمانه كثير الصدق والتصديق قولا وفعلا، قال الراغب: الصديق من كثر منه الصدق وقيل: بل يقال ذلك لمن لم يكذب قط، وقيل: بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله (1). 7 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الرحمن ابن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يعمل العمل وهو خائف مشفق ثم يعمل شيئا من البر فيدخله شبه العجب به، فقال: هو في حاله الاولى وهو خائف أحسن حالا منه في حال عجبه (2). بيان: " يعمل العمل " أي معصية أو مكروها أو لغوا وحمله على الطاعة بأن يكون خوفه للتقصير في الشرائط كما قيل بعيد لقلة فائدة الخبر حينئذ وإنما قال: " شبه العجب " لبيان أنه يدخله قليل من العجب يخرج به عن الخوف السابق، فأشار في الجواب إلى أن هذا أيضا عجب. 8 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بينما موسى عليه السلام جالسا إذ أقبل عليه إبليس وعليه برنس ذو ألوان فلما دنا من موسى خلع البرنس وقام إلى موسى فسلم عليه، فقال له موسى: من أنت ؟ فقال: أنا إبليس، قال: أنت فلا قرب الله دارك قال: إني إنما جئت لاسلم عليك لمكانك من الله قال: فقال له موسى: فما هذا البرنس ؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم، فقال موسى: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ؟ قال: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، وصغر في عينيه ذنبه. وقال: قال الله تعالى لداود عليه السلام: يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال: كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟ قال: يا داود بشر المذنبين أني


(1) مفردات غريب القرآن 277. (2) الكافي ج 2 ص 314. [*]

[313]

أقبل التوبة، وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين ألا يعجبوا باعمالهم، فانه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك (1). بيان: البرنس بالضم وفي النهاية هو كل ثوب رأسه ملتزق به من دراعة أو جبة أو ممطر أو غيره، قال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الاسلام، وهو من البرس بكسر الباء القطن، والنون زائدة، وقيل: أنه غير عربي، " قال أنت " أي أنت إبليس، وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي المسلم أنت وعلى التقديرين استفهام تعجبي. " فلا قرب الله دارك " أي لاقربك الله منا أو من أحد، وقيل: أي حيرك الله، وقيل: لا تكون دارك قريبة من المعمورة كناية عن تخريب داره " إنما جئت لاسلم عليك " أي لم أجئ لاضلالك فتبعدني، لانه لاطمع لي فيك لقربك من الله، أو سلامي عليك للمنزلة التي لك عند الله. " به أختطف " يقال: خطفه من باب علم وضرب واختطفه إذا استلبه وأخذه بسرعة، وكأن الالوان في البرنس كانت صورة شهوات الدنيا وزينتها أو الاديان المختلفة والاراء المبتدعة أو الاعم، واستحواذ الشيطان على العبد غلبته عليه واستمالته إلى ما يريده منه. " أن لا يعجبوا " قيل: أن ناصبة ولا نافية أو أن مفسرة ولا ناهية، ويعجبوا من باب الافعال على بناء المجهول أو على بناء المعلوم، نحو أغد البعير، وأقول: الاول أظهر. " أنصبه " [كأضربه: أي اقيمه، وكونه على بناء الافعال بمعنى الاتعاب بعيد، " الا هلك " أي استحق العذاب، إذ جميع الطاعات لا تفي بشكر نعمة واحدة من نعمه سبحانه، ومع قطع النظر عن المناقشة في شرائط العبادة في غالب الناس المقاصة بالمعاصي] (2).


(1) الكافي: ج 2 ص 314. (2) تتمة البيان أضفناه من شرح الكافي ج 2 ص 302، ونسخة الكمباني هناك سقيم جدا. [*]

[314]

9:..... لولا ذلك ما ابتلى الله مؤمنا بذنب (1). 10 - لي: عن الصادق عليه السلام إن كان الممر على الصراط فالعجب لماذا (2). 11 - لي: في مناهى النبي صلى الله عليه وآله: لا تحقروا شيئا من الشر وإن صغر في أعينكم، ولا تستكثروا الخير وإن كثر في أعينكم، فانه لا كبير مع الاستغفار ولا صغير مع الاصرار (3). 12 - لي: عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من دخله العجب هلك (4). 13 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي جميلة، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثلاث موبقات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه (5). وفي خبر آخر عن النبي صلى الله عليه وآله: ثلاث مهلكات وذكر مثله وكذا في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام (6). 14 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن عبد الحميد، عن عامر بن رياح، عن عمرو بن الوليد، عن سعد الاسكاف، عن ابي جعفر عليه السلام قال: ثلاث هن قاصمات الظهر: رجل استكثر عمله، ونسى ذنوبه، وأعجب برأيه (7).


(1) كذا، وهذا ذيل حديث مر مثله عن الكافي الرقم 1. (2) أمالي الصدوق ص 6. (3) أمالي الصدوق ص 260. (4) أمالي الصدوق ص 268. (5) الخصال ج 1 ص 41. (6) الخصال ج 1 ص 42، في حديثين. (7) الخصال ج 1 ص 55. [*]

[315]

مع: عن أبيه، عن سعد، عن محمد بن عبد الحميد مثله (1). 15 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال إبليس لعنه الله لجنوده: إذا استمكنت من ابن آدم في ثلاث لم ابال ما عمل فانه غير مقبول منه، إذا استكثر عمله، ونسى ذنبه، ودخله العجب (2). 16 - ل: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن حماد، عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: إياك والعجب، وسوء الخلق، وقلة الصبر، فانه لا يستقيم لك على هذه الخصال الثلاث صاحب، ولا يزال لك عليها من الناس مجانب، الخبر (3). 17 - ل: عن ابن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: العجب هلاك، والصبر ملاك (4). 18 - ما: في وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام: لا وحدة ولا وحشة أوحش من العجب. 19 - ع: قال: عن الصادق عليه السلام لا جهل أضر من العجب (5). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب جوامع المكارم (6). 20 - ع: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن ابن أسباط، عن رجل من أصحابنا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: علم الله عزوجل


(1) معاني الاخبار ص 343. (2) الخصال ج 1 ص 55. (3) الخصال ج 1 ص 72. (4) الخصال ج 2 ص 94. (5) علل الشرائع ج " ص 246. (6) راجع ج 69 ص 332 - 414. [*]

[316]

أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ولولا ذلك ما ابتلاه بذنب أبدا (1). 21 - ع: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أحمد بن محمد رفعه قال: قال الصادق عليه السلام: يدخل رجلان المسجد أحدهما عابد والاخر فاسق فيخرجان من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق، وذلك أنه يدخل العابد المسجد وهو مدل بعبادته ويكون فكره في ذلك ويكون فكرة الفاسق في التندم على فسقه فيستغفر الله من ذنوبه (2). 22 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشا، عن علي بن ميسرة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياكم أن تكونوا منانين، قلت: جعلت فداك وكيف ذلك ؟ قال: يمشي أحدكم ثم يستلقي ويرفع رجليه على الميل، ثم يقول: اللهم إني إنما أردت وجهك (3). 23 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: من لا يعرف لاحد الفضل فهو المعجب برأيه (4). 24 - الدرة الباهرة: قال أبو الحسن الثالث عليه السلام: من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. 25 - نهج: قال عليه السلام: سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك (5). وقال عليه السلام: أوحش الوحشة العجب (6). وقال عليه السلام: الاعجاب يمنع من الازدياد (7).


(1) علل الشرائع ج 2 ص 266. (2) علل الشرائع ج 2 ص 43. (3) معاني الاخبار ص 140، وقوله: " يمشي أحدكم " أي يمشي في قضاء حوائج الاخوان وسائر وجوه البر والخير. (4) معاني الاخبار ص 244. (5) نهج البلاغة الرقم 46 من الحكم. (6) نهج البلاغة الرقم 38 من الحكم. (7) نهج البلاغة الرقم 184 من الحكم. [*]

[317]

وقال عليه السلام: عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله (1). 26 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط عن أحمد بن عمر الحلال، عن علي بن سويد المدايني، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا، فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا، ومنها أن يؤمن العبد بربه فيمن على الله تبارك وتعالى، ولله تعالى عليه فيه المن (2). 27 - ثو: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن محمد بن سنان، عن أبي العلاء، عن أبي خالد الصيقل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل فوض الامر إلى ملك من الملائكة فخلق سبع سماوات وسبع أرضين وأشياء، فلما رأى الاشياء قد انقادت له قال: من مثلي فأرسل الله عزوجل نويرة من نار، قلت: وما نويرة من نار ؟ قال: نار بمثل أنملة، قال: فاستقبلها بجميع ما خلق، فتحللت لذلك حتى وصلت إليه، لما أن دخله العجب (3). 28 - ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد عمن ذكره، عن درست، عمن ذكره عنهم عليهم السلام قال: بينما موسى جالس إذ أقبل إبليس فقال له موسى، أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ؟ قال: ذلك إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله، وصغر في نفسه ذنبه، تمام الخبر. 29 - ص: عن الصدوق، عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد ابن سنان، عن النضر بن قرواش، عن إسحاق بن عمار، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يحدث قال: مر عالم بعابد وهو يصلي قال: يا هذا كيف صلاتك ؟ قال: مثلي يسأل عن هذا ؟ قال: بلى ثم قال: [وكيف بكاؤك ؟ فقال: إني لابكي حتى تجري دموعي فقال له العالم:] تضحك وأنت خائف من ربك، أفضل من بكائك وأنت مدل بعملك، إن المدل بعمله ما يصعد منه شئ.


(1) نهج البلاغة الرقم 212 من الحكم. (2) معاني الاخبار ص 243. (3) ثواب الاعمال ص 224، وتراه في المحاسن ص 123. [*]

[318]

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج (1). 30 - ضا: روي أن أيوب عليه السلام لما جهده البلاء قال: لاقعدن مقعد الخصم، فأوحى الله إليه تكلم، فجثى على الرماد فقال: يا رب إنك تعلم أنه ما عرض لي أمران قط كلاهما لك رضا إلا اخترت أشدهما على بدني، فنودي من غمامة بيضاء بستة آلاف ألف لغة، فلمن المن ؟ فوضع الرماد على رأسه وخر ساجدا ينادي لك المن سيدي ومولاي فكشف الله ضره. 31 - ضا: نروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أنه قال الله تبارك وتعالى: أنا أعلم بما يصلح عليه دين عبادي المؤمنين إن من عبادي لمن يجتهد في عبادتي ويقوم من نومه ولذة وسادته فيجتهد لي، فأضربه بالنعاس الليلة [والليلتين] نظرا مني له وإبقاء عليه فينام حتى يصبح فيقوم وهو ماقت لنفسه، ولو خليت بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب، فيصيره العجب إلى الفتنة فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه، ألا فلا يتكل العاملون على أعمالهم، فانهم لو اجتهدوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين كنه عبادتي فيما يطلبونه عندي، ولكن برحمتي فليثقوا، وبفضلي فليفرحوا، وإلى حسن الظن [بي] فليطمئنوا فإن رحمتي


(1) هذا حديث رواه العامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وباستناد هذا الحديث المزعوم رووا الاسرائيليات من كتبهم وأساطيرهم فشوهوا وجه الكتاب والسنة، وحذا حذوهم بعض المتقدمين من الشيعة فنقلها في كتب أصحابنا كما نراها في تفاسيرهم ومجاميعهم الحديثية. والحديث - وامثاله غير يسير كما سمعت من المؤلف العلامة في حديث لعن الحائك - مما أوله الصادق أبو عبد الله عليه السلام، لما لم يمكنه رده على رؤس الاشهاد روى الصدوق في المعاني ص 158 باسناده عن عبد الاعلى بن أعين قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك حديث يرويه الناس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: " حدث عن بني إسرائيل ولا حرج " قال: نعم قلت: فنحدث عن بني إسرائيل بما سمعناه ولا حرج علينا ؟ قال: أما سمعت ما قال صلى الله عليه وآله: " وكفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع " فقلت: فكيف هذا ؟ قال: ما كان في الكتاب أنه كان في بني إسرائيل، فحدث أنه كائن في هذه الامة، ولا حرج. [*]

[319]

عند ذلك تدركهم، فاني أنا الله الرحمن الرحيم، وبذلك تسميت. ونروي أن عالما أتى عابدا فقال له: كيف صلاتك ؟ فقال: تسألني عن صلاتي وأنا أ عبد الله منذ كذا وكذا، فقال: كيف بكاؤك، فقال: إني لابكي حتى تجري دموعي، فقال له العالم: فان ضحكك وأنت خائف من الله أفضل من بكائك، وأنت مدل على الله إن المدل لا يصعد من عمله شئ. 32 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبيدالله بن الحسين بن إبراهيم، عن علي بن عبد الله بن الحسين الحسيني، عن علي بن القاسم بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن جده، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لولا أن الذنب خير للمؤمن من العجب، ما خلى الله بين عبده المؤمن وبين ذنب أبدا (1). عدة الداعي: مثله (2). 33 - مص: قال الصادق عليه السلام: المغرور في الدنيا مسكين، وفي الاخرة مغبون، لانه باع الافضل بالادنى، ولا تعجب من نفسك، حيث ربما اغتررت بمالك وصحة جسمك أن لعلك تبقى، وربما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك لعلك تنجو بهم، وربما اغتررت بحالك ومنيتك، وإصابتك مأمولك وهواك، وظننت أنك صادق ومصيب، وربما اغتررت إلى الخلق أو شكوت من تقصيرك في العبادة ولعل الله يعلم من قلبك بخلاف ذلك، وربما أقمت نفسك على العبادة متكلفا والله يريد الاخلاص، وربما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل عن مضمرات ما في غيب الله، وربما توهمت أنك تدعو الله وأنت تدعو سواه، وربما حسبت أنك ناصح للخلق، وأنت تريدهم لنفسك أن يميلوا إليك، وربما ذممت نفسك، وأنت تمدحها على الحقيقة. واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني إلا بصدق الانابة إلى الله، والاخبات له، ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا يوافق العقل والعلم


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 184. (2) عدة الداعي: 173. [*]

[320]

ولا يتحمله الدين والشريعة، وسنن النبوة وأئمة الهدى، وإن كنت راضيا بما أنت فيه، فما أحد أشقى بعمله منك وأضيع عمرا، فأورثت حسرة يوم القيامة (1). 34 - مص: قال الصادق عليه السلام: العجب كل العجب ممن يعجب بعمله، ولا يدري بما يختم له، فمن أعجب بنفسه وفعله فقد ضل عن منهج الرشد، وادعى ما ليس له، والمدعي من غير حق كاذب، وإن خفي دعواه، وطال دهره، وإن أول ما يفعل بالمعجب نزع ما اعجب به، ليعلم أنه عاجز حقير، ويشهد على نفسه ليكون الحجة عليه أوكد، كما فعل بابليس. والعجب نبات حبها الكفر، وأرضها النفاق، وماؤها البغي، وأغصانها الجهل وورقها الضلالة، وثمرها اللعنة والخلود في النار، فمن اختار العجب فقد بذر الكفر وزرع النفاق، ولابد له من أن يثمر (2). 35 - ختص: عن الصدوق: عن ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن البزنظي، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي الربيع الشامي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أعجب بنفسه هلك، ومن أعجب برأيه هلك، وإن عيسى بن مريم قال: داويت المرضى فشفيتهم باذن الله وأبرأت الاكمة والابرص باذن الله وعالجت الموتى فاحييتهم باذن الله، وعالجت الاحمق فلم أقدر على إصلاحه فقيل: يا روح الله وما الاحمق ؟ قال: المعجب برأيه ونفسه، الذي يرى الفضل كله له لا عليه، ويوجب الحق كله لنفسه ولا يوجب عليها حقا، فذاك الاحمق الذي لا حيلة في مداواته (3). 36 - ما: عن الحسين بن إبراهيم القزويني، عن محمد بن وهبان، عن أحمد ابن إبراهيم، عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي


(1) مصباح الشريعة: 24. (2) مصباح الشريعة: 27. (3) الاختصاص 221. [*]

[321]

عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أيوب النبي عليه السلام حين دعا ربه: يا رب كيف ابتليتني بهذا البلاء الذي لم تبتل به أحدا ؟ فوعزتك إنك تعلم أنه ما عرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا عملت بأشدهما على بدني، قال: فنودي: ومن فعل ذلك بك يا أيوب ؟ قال: فأخذ التراب فوضعه على رأسه، ثم قال: أنت يا رب (1). 37 - عدة الداعي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث مهلكات: شح مطاع وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وهو محبط للعمل، وهو داعية المقت من الله سبحانه (2). وقال أمير المؤمنين عليه السلام: سيئة تسوؤك خير من حسنة تعجبك. وعن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود بشر المذنبين، وانذر الصديقين، قال: كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟ قال: يا داود بشر المذنبين بأني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين أن يعجبوا بأعمالهم فانه ليس عبد يعجب بالحسنات إلا هلك وفي رواية اخرى فانه ليس عبد ناقشته الحسنات إلا هلك. وعن أبي جعفر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قال الله تعالى: أنا أعلم بما يصلح به أمر عبادي وإن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادته فيقوم من رقاده ولذيد وساده، فيجتهد ويتعب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين نظرا مني له، وإبقاء عليه، فينام حتى يصبح، فيقوم ماقتا لنفسه زاريا عليها، ولو اخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب باعماله فيأتيه ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله، ورضاه عن نفسه، حتى يظن أنه قد فاق العابدين، وجاز في عبادته حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك، وهو يظن أنه تقرب إلي. ومن طريق آخر رواه صاحب الجواهر بزيادة على هذا الكلام تتمة له:


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 275. (2) عدة الداعي: 172. [*]

[322]

فلا يتكل للعاملون على أعمالهم التي يعملونها، فانهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين ما يطلبون من كرامتي، والنعيم في جناتي ورفيع درجاتي في جواري، ولكن رحمتي فليبغوا، والفضل مني فليرجوا وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا، فان رحمتي عند ذلك تداركهم، وهي تبلغهم رضواني ومغفرتي، والبسهم عفوي فاني أنا الله الرحمن الرحيم، بذلك تسميت وعن الباقر عليه السلام قال: قال الله سبحانه: إن من عبادي المؤمنين لمن يسألني الشئ من طاعتي فاصرفه عنه مخافة الاعجاب (1). وقال المسيح عليه السلام: يا معشر الحواريين كم من سراج أطفأته الريح، وكم من عابد أفسده العجب. روى سعد بن أبي خلف، عن الصادق عليه السلام قال: عليك بالجد، ولا تخرجن نفسك من حد التقصير في عبادة الله تعالى وطاعته، فان الله تعالى لا يعبد حق عبادته (3). 38 - أسرار الصلاة: روى محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام قال: لا بأس أن تحدث أخاك إذا رجوت أن تنفعه وتحثه، وإذا سالك هل قمت الليلة أو صمت فحدثه بذلك، إن كنت فعلته، فقل: رزق الله تعالى ذلك، ولا تقول: لا، فان ذلك كذب.


(1) عدة الداعي: 173. (2) عدة الداعي: 174. [*]

[323]

(118) * (باب) * * " (ذم السمعة والاغترار بمدح الناس) " * أقول: قد سبق معنى السمعة في باب الرئاء (1). 1 - لي: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن صفوان، عن الكناني عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من يتبع السمعة يسمع الله به (2). 3 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسني، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن الفضل، عن خاله محمد بن سليمان، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال لمحمد بن مسلم: لا تغرنك الناس من نفسك فان الامر يصل إليك دونهم، الخبر (3). 3 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى " (4) قال: قول الانسان صليت البارحة، وصمت أمس، ونحو هذا، ثم قال عليه السلام، إن قوما كانوا يصبحون فيقولون: صلينا البارحة


(1) السمعة في الاصل ما يسمع من صيت أو ذكر حسن - وهي فعلة بمعنى مفعولة وفي عرف المحدثين والمتشرعة ما يفعل من العبادات ليسمعه الناس أي يذكرونه بالخير والجميل قيل: والفرق بينها وبين الرئاء، أن الرياء هو التظاهر بما يخالف الباطن والسمعة هي إظهار ما يوافق الباطن بقصد الشهرة. (2) أمالي الصدوق: 292 وقوله يسمع الله به من باب التفعيل يقال: سمع بالرجل: أذاع عنه عيبا وندد به وشهره وفضحه. (3) علل الشرائع ج 2 ص 286. (4) النجم: 33. [*]

[324]

وصمنا أمس، فقال علي عليه السلام، لكني أنام الليل والنهار، ولو أجد بينهما شيئا لنمته (1). ين: ابن أبي عمير وفضالة، عن جميل مثله. 4 - دعوات الراوندي: روي أن عابدا في بني إسرائيل سأل الله تبارك وتعالى فقال: يا رب ما حالي عندك ؟ أخير فأزداد في خيري أو شر فاستعتبك قبل الموت ؟ قال: فأتاه آت فقال له: ليس لك عند الله خير، قال: يا رب وأين عملي ؟ قال: كنت إذا عملت خيرا أخبرت الناس به، فليس لك منه إلا الذي رضيت به لنفسك، تمام الخبر. 5 - عدة الداعي: روى المفسرون عن ابن جبير قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني أتصدق وأصل الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر مني وأحمد عليه، فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئا فنزل قوله تعالى: " قل إنما أنا بشر مثلكم " إلى قوله: " أحدا " (2). وعن الصادق عليه السلام قال: من عمل حسنة سرا كتبت له سرا فإذا أقر بها محيت وكتبت جهرا، فإذا أقر بها ثانيا محيت وكتبت رئاء (3).


(1) معاني الاخبار: 243. (2) الكهف: 110. (3) عدة الداعي: 162. [*]

[325]

(119) * (باب) * * " (ذم الشكاية من الله، وعدم الرضا) " * * " (بقسم الله، والتأسف بما فات) " * الايات: النساء: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما (1). يوسف: وقال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (2). 1 - ب: هارون، عن ابن صدقة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من شكى إلى أخيه فقد شكى إلى الله، ومن شكا إلى غير أخيه فقد شكا الله (3). 4 - مع: أبي، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أحب السبحة إلى الله عزوجل سبحة الحديث وأبغض الكلام إلى الله عزوجل التحريف، قيل: يا رسول الله ما سبحة الحديث ؟ قال: الرجل يسمع حرص الدنيا وباطلها فيغتم عند ذلك فيذكر الله عزوجل، وأما التحريف فكقول الرجل: إني مجهود ومالي وما عندي ؟ (4). 3 - مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن القاسم بن محمد الجوهري، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي معاوية الاشتر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من شكى إلى مؤمن فقد شكا إلى الله عزوجل، ومن شكا إلى مخالف فقد شكا


(1) النساء: 32. (2) يوسف: 86. (3) قرب الاسناد: 52. (4) معاني الاخبار: 258. [*]

[326]

الله عزوجل (1). 4 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن النعمان بن أحمد القاضي، عن محمد بن شعبة، عن حفص بن عمر بن ميمون، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن الباقر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذب نفسه، ومن لاحى الرجال سقطت مروته وذهبت كرامته، ثم قال صلى الله عليه وآله: لم يزل جبرئيل ينهاني عن ملاحاة الرجال كما ينهاني عن شرب الخمر وعبادة الاوثان (2). 5 - ل: الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا ضاق المسلم فلا يشكون ربه عزوجل، وليشك إلى ربه الذي بيده مقاليد الامور وتدبيرها (3). 6 - لي: في خبر مناهي النبي صلى الله عليه وآله قال: من لم يرض بما قسم الله له من الرزق، وبث شكواه، ولم يصبر ولم يحتسب، لم ترفع له حسنة، ويلقى الله وهو عليه غضبان إلا أن يتوب (4). 7 - لي: عن ابن إدريس، عن أبيه، عن محمد بن أحمد العلوي، عن أحمد بن القاسم عن أبي هاشم الجعفري قال: أصابتني ضيقة شديدة فصرت إلى أبي الحسن علي ابن محمد عليهما السلام فأذن لي، فلما جلست قال: يا هاشم أي نعم الله عزوجل عليك تريد أن تؤدي شكرها ؟ قال أبو هاشم: فوجمت (5) ولم أدر ما اقول له، فابتدأ عليه السلام فقال: رزقك الايمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فأعانك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل، يا باهاشم إنما ابتدأتك بهذا لاني ظننت أنك تريد أن تشكو إلى من فعل بك هذا، وقد أمرت لك بمائة


(1) معاني الاخبار: 407. (2) أمالي الطوسي ج 2 ص 125. (3) الخصال ج 2 ص 162. (4) أمالي الصدوق: 256. (5) وجم الرجل وجوما: سكت وعجز عن التكلم من كثرة الغم والخوف. [*]

[327]

دينار فخذها (1). 8 - لي: عن ابن الوليد، عن ابن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن الحسن ابن علي الخزاز، عن الرضا عليه السلام قال: قال عيسى بن مريم للحواريين: يا بني إسرائيل لا تأسوا على ما فاتكم من دنياكم إذا سلم دينكم، كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا سلمت دنياهم (2). 9 - ن: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط عن سليم مولى طربال، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: الدنيا دول فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك أتاك ولم تمتنع منه بقوة، ثم أتبع هذا الكلام بأن قال: من يئس مما فات أراح بدنه، ومن قنع بما اوتي قرت عينه (3). 10 - محص: عن يونس بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام قال: أيما مؤمن شكا حاجته وضره إلى كافر أو من يخالفه على دينه، فانما شكا الله إلى عدو من أعداء الله، وأيما مؤمن شكا حاجته وضره وحاله إلى مؤمن مثله كانت شكواه إلى الله عزوجل. 10 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من شكا الحاجة إلى مؤمن فكأنما شكاها إلى الله. ومن شكاها إلى كافر فكأنما شكا الله (4). 11 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن داود الرقي عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عزوجل: إن من عبادي المؤمنين عبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالغنا والسعة والصحة في البدن فأبلوهم بالغنا والسعة وصحة البدن فيصلح عليهم أمر دينهم، وإن من عبادي المؤمنين لعبادا لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم في


(1) أمالي الصدوق: 248. (3) أمالي الصدوق: 297. (4) لم نجده في العيون، وروى مثله الشيخ في أماليه ج 1 ص 229 بسند آخر. (5) نهج البلاغة الرقم 427 من الحكم. [*]

[328]

أبدانهم فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم في أبدانهم فيصلح عليهم أمر دينهم، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر دين عبادي المؤمنين. وإن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيجتهد لي الليالي فيتعب نفسه في عبادتي فأضربه بالنعاس الليلة والليلتين، نظرا مني إليه وإبقاء عليه، فينام حتى يصبح، فيقوم وهو ماقت لنفسه زار عليها، ولو اخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك، فيصيره العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه حتى يظن انه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حد التقصير، فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن أنه يتقرب إلي. فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فانهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم وأعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون عندي من كرامتي، والنعيم في جناتي، ورفيع درجات العلى في جواري ولكن فبرحمتي فليثقوا، وبفضلي فليفرحوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا فان رحمتي عند ذلك تداركهم، ومني يبلغهم رضواني، ومغفرتي تلبسهم عفوي فاني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تسميت (1). توضيح: الغنا بالكسر والقصر وبالفتح والمد ضد الفقر، والسعة بالفتح والكسر مصدر وسعه الشئ بالكسر يسعه سعة وهي تأكيد للغنا أو المراد بها كثرة الغنا، وقد مر تأويل الاختبار مرارا فظهر أن اختلاف أحوالهم مبني على اختبارهم فيختبر بعضهم بالغنا ليظهر شكره أو كفرانه، ولعلمه بأنه أصلح لدينه، وبعضهم بالفقر ليظهر شكره أو شكايته، ولعلمه بأنه أصلح لدينه، وهكذا، وبالجملة يختبر كلا منهم بما هو أصلح لدينه ودنياه. والرقاد بالضم النوم أو هو خاص بالليل، والوساد بالفتح المتكأ والمخدة كالوسادة مثلثة، وإضافة اللذيذ إليه إضافة الصفة إلى الموصوف، والاجتهاد السعي والجد في العبادة، والليالي منصوب بالظرفية " فأضربه بالنعاس " كأنه على الاستعارة


(1) الكافي ج 2 ص 60. [*]

[329]

أي اسلطه عليه أو هو نظير قوله تعالى " فضربنا على آذانهم " (1) قال الراغب: الضرب إيقاع شئ على شئ، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها كضرب الشئ باليد والعصا وضرب الارض بالمطر وضرب الدراهم اعتبارا بضربه بالمطرقة، والضرب في الارض الذهاب فيه لضربها بالارجل، وضرب الخيمة لضرب أوتادها وقال " ضربت عليهم الذلة " (2) أي التحفتهم الذلة التحاف الخيمة لو ضربت عليه ومنه استعير " فضربنا على آذانهم " وضرب اللبن بعضه ببعض بالخلط (3). وفي القاموس نظر لهم رثى لهم وأعانهم، وفي النهاية أبقيت عليه أبقي إبقاء إذا رحمته وأشفقت عليه والاسم البقيا، وقال: المقت أشد البغض وقال: زريت عليه زراية إذا عتبته. والعجب ابتهاج الانسان وسروره بتصور الكمال في نفسه وإعجابه بأعماله بظن كمالها وخلوصها، وهذا من أقبح الادواء النفسانية وأعظم الافات للاعمال الحسنة حتى روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب، ولا ينشأ ذلك إلا من الجهل بآفات النفس وأدوائها، وبشرائط الاعمال ومفسداتها، وعظمة المعبود وجلاله، وغنائه عن طاعة المخلوقين " فيصيره العحب إلى الفتنة بأعماله أي إلى أن يفتتن بها ويحبها ويراها كاملة فائقة على أعمال غيره أو إلى الضلالة أو الاثم بسبب أعماله والاول أظهر. قال في القاموس: الفتنة بالكسر إعجابك بالشئ، والضلال، والاثم، والكفر والفضيحة، والعذاب، والمحنة. " فلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي " لانها وإن كانت كاملة فهي في جنب عظمة المعبود ناقصة، وفي جنب الثواب الذي يرجونه قاصرة وكأن في العبارة إشعارا بذلك، وأيضا قد عرفت أن شرائط الاعمال وآفاتها كثيرة يخفى أكثرها على الانسان، وفى دلالة على جواز العمل بقصد الثواب كما


(1) الكهف: 11. (2) البقرة: 61، آل عمران 112. (3) المفردات: 295. [*]

[330]

مر تحقيقه. " فيما يطلبون " أي في جنب ما يطلبونه " عندي " وهي كرامتهم علي في الدنيا والاخرة، وقربهم عندي " في جواري " مجاورة رحمتي أو مجاورة أوليائي أو في أماني " ولكن فبرحمتي " وفي مجالس الشيخ (1) " برحمتي فليثقوا وفضلي فليرجوا " وفي غيره " ومن فضلي فليرجوا " وما في الكتاب أنسب بقوله تعالى: " قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا " (2) والباء متعلقة بفعل يفسره ما بعده، والفاء لمعنى الشرط، كأنه قيل إن وثقوا بشئ فبرحمتي فليثقوا. " وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا " أي ينبغي أن يروا أعمالهم قاصرة، ويظنوا بسعة رحمته وعفوه قبولها " فان رحمتي عند ذلك تداركهم " أي تتلافاهم بحذف إحدى التائين وفي المجالس وغيره " تدركهم " قال الجوهري: الادراك اللحوق واستدركت ما فات وتداركته بمعنى وتدارك القوم أي تلاحقوا " ومني " بالفتح أي نعمتي " يبلغهم رضواني " أي يوصلهم إليه، وفي المجالس " وبمني ابلغهم رضواني والبسهم عفوي " وفي فقه الرضا عليه السلام " ومنتي تبلغهم ورضواني ومغفرتي تلبسهم " (3). 13 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن عمرو بن نهيك بياع الهروي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام قال الله عزوجل: عبدي المؤمن لا أصرفه في شئ إلا جعلته خيرا له فليرض بقضائي، وليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، أكتبه يا محمد من الصديقين عندي (4).


(1) راجع أمالي الطوسي ج 1 ص 168 و 215. (2) يونس: 58. (3) اخرجه المؤلف العلامة تارة في ج 70 ص 389 وتارة في ج 71 ص 146 فراجع. (4) الكافي ج 2 ص 61. [*]

[331]

بيان: " بياع الهروي " أي بياع الثوب المعمول في هراة بخراسان " لا أصرفه في شئ " بالتخفيف وكأن " في " بمعنى " إلى " كقوله تعالى: " وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن " (1) أو على بناء التفعيل، يقال: صرفته في الامر تصريفا فتصرف قلبته فتقلب، والصديق الكثير الصدق في الاقوال والافعال بحيث يكون فعله لقوله موافقا، أو الكثير التصديق للانبياء المتقدم في ذلك على غيره. 14 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن فيما أوحى الله عزوجل إلى موسى ابن عمران عليه السلام: يا موسى بن عمران ما خلقت خلقا أحب إلي من عبدي المؤمن فاني إنما أبتليه لما هو خير له واعافيه لما هو خير له وازوي عنه لما هو خير له وأنا أعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي أكتبه في الصديقين عندي إذا عمل برضاي وأطاع أمري (2). بيان: البلاء يكون في الخير والشر والاول هنا أظهر قال في النهاية: قال القتيبي: يقال من الخير أبليته ابليه إبلاء، ومن الشر بلوته أبلوه بلاء والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معا من غير فرق بين فعليهما ومنه قوله تعالى " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " (3) وقال في حديث الدعاء: وما زويت عني مما أحب أي صرفته عني وقبضته انتهى. 15 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن فضيل بن عثمان، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: عجبت للمرء المسلم لا يقضي الله عزوجل له قضاء إلا كان خيرا له، وإن قرض بالمقاريض كان خيرا له، وإن ملك مشارق الارض ومغاربها كان خيرا له (4).


(1) الاحقاف: 29. (2) الكافي ج 2 ص 61. (3) الانبياء: 35. (4) الكافي ج 2 ص 62. [*]

[332]

بيان: " للمرء المسلم " كأن المراد بالمسلم المعنى الاخص أي المؤمن المنقاد لله وربما يقرأ بالتشديد من التسليم " وإن قرض " على بناء المجهول من باب ضرب أو على بناء التفعيل للتكثير والمبالغة، في المصباح قرضت الشئ قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين، والمقراض أيضا بكسر الميم، والجمع مقاريض ولا يقال: إذا جمع بينهما مقراض كما تقوله العامة، وإنما يقال عند اجتماعهما: قرضته قرضا من باب ضرب قطعته بالمقراضين، وفي الواحد قطعته بالمقراض انتهى. " وإن ملك " على بناء المجرد المعلوم من باب ضرب، أو على بناء المفعول من التفعيل، وربما يحمل التعجب هنا على المجاز إظهارا لغرابة الامر وعظمه فانه محل التعجب، وأما التعجب حقيقة فلا يكون إلا عند خفاء الاسباب، وهي لم تكن مخفية عليه عليه السلام. 16 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن سنان، عن صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أحق خلق الله أن يسلم لما قضى الله عزوجل من عرف الله عزوجل، ومن رضي بالقضاء أتى عليه القضاء وعظم الله أجره، ومن سخط القضاء مضى عليه القضاء وأحبط الله أجره (1). بيان: " أن يسلم " بفتح الهمزة بتقدير الباء أي بان يسلم على بناء التفعيل ويحتمل الافعال، " بما قضى الله " أي من البلايا والمصائب وتقتير الرزق، وأمثال ذلك مما ليس فيه اختيار، " وعظم الله أجره " الضمير راجع إلى القضاء، فالمراد بالاجر العوض على طريقة المتكلمين لا الثواب الدائم، ويحتمل رجوع الضمير إلى " من " فالاجر يشملهما أي ثواب الرضا وأجر القضاء أو الاعم منهما أيضا فان الصفات الكمالية تصير سببا لتضاعف أجر سائر الطاعات أيضا. وكذا قوله عليه السلام: " أحبط الله أجره " يحتمل الوجوه وقيل: يحتمل أن يكون المراد به إحباط ثواب الرضا وإحباط أجر القضاء أيضا، ويؤيد الاول ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثواب المؤمن من ولده إذا مات الجنة صبر


(1) الكافي ج 2 ص 62. [*]

[333]

أو لم يصبر. 17 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الايمان أربعة أركان، الرضا بقضاء الله والتوكل على الله، وتفويض الامر إلى الله، والتسليم لامر الله (1). بيان: " الايمان أربعة أركان " أي مركب منها أوله هذه الاربعة، وعليها بناؤه واستقراره فكأنه عينها. 18 - كا: عن علي: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن صالح، عن بعض أشياخ بني النجاشي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأس (2) طاعة الله الصبر، والرضا عن الله فيما أحب العبد أو كره، ولا يرضى عبد عن الله فيما أحب أو كره إلا كان خيرا له فيما أحب أو كره (3). بيان: " رأس طاعة الله " أي أشرفها أو ما به بقاؤها، فشبه الطاعة بانسان وأثبت له الرأس، في القاموس: الرأس معروف وأعلا كل شئ وسيد القوم، وفي بعض الروايات " كل طاعة الله ". " فيما أحب " أي العبد مثل الصحة والسعة والامن " أو كره " كالسقم والضيق " إلا كان " أي ما قضاه الله بقرينة المقام فان الرضا عن الله هو الرضا بقضائه وإرجاعه إلى الرضا بعيد والرضا به لا ينافي الفرار عنه والدعاء لدفعه لانهما أيضا بأمره وقضائه سبحانه. 19 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن حماد، عن ابن مسكان عن ليث المرادي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أعلم الناس بالله أرضاهم بقضاء الله عزوجل (4). توضيح: يدل على أن الرضا بالقضاء تابع للعلم والمعرفة، وأنه قابل للشدة والضعف مثلهما، وذلك لان الرضا مبني على العلم بأنه سبحانه قادر


(1) الكافي ج 2 ص. 47 (2) وفي بعض النسخ: كل طاعة الله. (3 - 4) الكافي ج 2 ص 60. [*]

[334]

قاهر عدل حكيم لطيف بعباده لا يفعل بهم إلا الاصلح، وأنه المدبر للعالم، وبيده نظامه، فكلما كان العلم بتلك الامور أتم، كان الرضا بقضائه أكمل وأعظم. وأيضا الرضا من ثمرات المحبة، والمحبة تابعة للمعرفة، فبعد حصول المحبة لا يأتي من محبوبه إليه شئ إلا كان أحلى من كل شئ. 20 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن يحيى بن إبراهيم، عن عاصم بن حميد، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: الصبر والرضا عن الله رأس طاعة الله، ومن صبر ورضى عن الله فيما قضى عليه فما أحب أو كره لم يقض الله عزوجل له فيما أحب أو كره إلا ما هو خير له (1). بيان: مضمونه موافق لحديث بعض الاشياخ، فان قوله عليه السلام: " ومن صبر ورضى " الخ المراد به أن الصبر والرضا وقعا موقعهما فان المقضي عليه لا محالة خير له، لا أنه إذا لم يصبر ولم يرض لم يكن خيرا له، ولو حمل على هذا الوجه واعتبر المفهوم يحتمل أن يكون الرضا سببا لمزيد الخيرية، ولو لم يكن إلا الاجر المترتب على الصبر والرضا لكفى في ذلك مع أنه قد جرب أن الراضي بالسوء من القضاء تتبدل حاله سريعا من الشدة إلى الرخاء. وقيل: لابد من القول بأن المفهوم غير معتبر، أو القول بان ما قضاه الله شر له لفقده أجر الصبر والرضا، أو في نظره، بخلاف الصابر والراضي، فانه خير في نظرهما وفي الواقع. 21 - كا: عن العدة: عن سهل، عن البزنظي، عن صفوان الجمال، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: ينبغي لمن عقل عن الله أن لا يستبطئه في رزقه، ولا يتهمه في قضائه (2). 22 - كا: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه، قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: الزهد عشرة أجزاء


(1) الكافي ج 2 ص 60. (2) الكافي ج 2 ص 61. [*]

[335]

أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا (1). بيان: يدل على أن للزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الورع، أي ترك المحرمات والشبهات، وله أيضا مراتب تنتهي أعلاها إلى أدنى درجات الرضا بقضاء الله، فهو أعلى درجات القرب والكمال. 23 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لقى الحسن بن علي عليهما السلام عبد الله بن جعفر فقال: يا عبد الله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه ويحقر منزلته والحاكم عليه الله، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيستجاب له (2). توضيح: " كيف " للانكار " مؤمنا " أي كاملا في الايمان مستحقا لهذا الاسم " وهو " ا الواو للحال " يسخط قسمه " القسم بالكسر وهو النصيب أو بالفتح مصدر قسمه كضربه أو بكسر القاف وفتح السين جمع قسمة بالكسر مصدرا أيضا وعلى الاول الضمير البارز راجع إلى المؤمن وعلى الاخيرين إما راجع إليه أيضا بالاضافة إلى المفعول، أو إلى الله. " ويحقر منزلته " الضمير راجع إلى المؤمن أيضا أي يحقر منزلته التي أعطاه الله إياها بين الناس، في المال والعزة وغيرهما، وقيل: أي منزلته عند الله لانه تعالى جعل ذلك قسما له لرفع منزلته، فتحقير القسم السبب لها تحقير لها وما ذكرنا أظهر، ويمكن إرجاعه إلى القسم أو إلى الله بالاضافة إلى الفاعل " والحاكم عليه الله " الواو للحال، وضمير عليه للمؤمن أو للقسم، وقيل: " الحاكم " عطف على " منزلته " و " الله " بدل عن الحاكم أي ويحقر الحاكم عليه، وهو الله لان تحقير حكم الحاكم تحقير له، ولا يخفى بعده. وفي القاموس: هجس الشئ في صدره يهجس خطر بباله أو هو أن يحدث نفسه في صدره مثل الوسواس ويدل


(1 - 2) الكافي ج " ص 62. [*]

[336]

على أن الرضا بالقضا موجب لاستجابة الدعاء. 24 - كا: عن العدة: عن البرقي، عن أبيه، عن ابن سنان، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: بأي شئ يعلم المؤمن بأنه مؤمن ؟ قال: بالتسليم لله، والرضا فيما ورد عليه من سرور أو سخط (1). بيان: بأنه مؤمن أي متصف بكمال الايمان " بالتسليم " أي في أحكامه وأوامره ونواهيه " فيما ورد عليه " أي من قضاياه وتقديراته. (120) * (باب) * * " (اليأس من روح الله، والامن من مكر الله) " * الايات: الاعراف: أفأمنوا مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (2). هود: ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه أنه ليؤس كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات اولئك لهم مغفرة وأجر كبير (3). يوسف: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون (4). الحجر: قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (5).


(1) الكافي ج 2 ص 62. (2) الاعراف: 99. (3) هود 10 - 11. (4) يوسف: 87. (5) الحجر: 55 و 56. [*]

[337]

أسرى: وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونآى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤسا (1). الشعراء: إن هذا إلا خلق الاولين * وما نحن بمعذبين (2). وقال تعالى: أتتزكون فيما ههنا آمنين (3). وقال: فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (4). العنكبوت: والذين كفروا بآيات الله ولقائه اولئك يئسوا من رحمتي (5). وقال تعالى: فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (6). الروم: وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (7). وقال تعالى: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (8). المؤمن: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الارض إلى قوله تعالى: وقال الذين آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب إلى قوله: يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم (9). السجدة: وإن مسه الشر فيؤس قنوط (10). الطور: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (11). تفسير: " رحمة " أي نعمة " ثم نزعناه " أي سلبناه منه " إنه ليؤس " شديد


(1) أسرى: 83. (2) الشعراء: 138 و 139. (3) الشعراء: 146. (4) الشعراء: 187. (5) العنكبوت: 23. (6) العنكبوت: 29. (7) الروم: 36. (8) الروم: 49. (9) المؤمن: 29 - 33. (10) السجدة: 49. (11) الطور: 44. [*]

[338]

اليأس قنوط من أن تعود إليه تلك النعمة المنزوعة، قاطع رجاءه من سعة فضل الله " كفور " عظيم الكفران لنعمه " ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته " كصحة بعد سقم، وغنى بعد عدم، وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى " ليقولن ذهب السيئات عني " أي المصائب التي ساءتني واحزنتني " إنه لفرح " أشر بطر مغتر بها " فخور " على الناس بما أنعم الله عليه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر والقيام بحقها. 1 - مع: عن الصادق عليه السلام ناقلا عن حكيم: اليأس من روح الله أشد بردا من الزمهرير (1). 2 - ما: عن الحسين بن علي بن محمد، عن أحمد بن محمد المقري، عن يعقوب بن إسحاق، عن عمر بن عاصم، عن معمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، عن جندب الغفاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن رجلا قال يوما: والله لا يغفر الله لفلان، قال الله عزوجل: من ذا الذي تألى علي أن لا أغفر لفلان، فاني قد غفرت لفلان وأحبطت عمل المتألي بقوله: لا يغفر الله لفلان (2). 3 نوادر الراوندي: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يبعث الله المقنطين يوم القيامة مغلبة وجوههم، يعني غلبة السواد على البياض، فيقال لهم: هؤلاء المقنطون من رحمة الله تعالى (3).


(1) معاني الاخبار: 177. (2) أمالي الطوسي ج 1 ص 57. (3) نوادر الراوندي ص 18. [*]

[339]

(121) (باب) * (كفران النعم) * الايات: يونس: وإذا مس الانسان الضر دعا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (1). وقال سبحانه: وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون * هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجائهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم احيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجيهم إذا هم يبغون في الارض بغير الحق، يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحيوة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (2). هود: ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤس كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات اولئك لهم مغفرة وأجر كبير (3). إبراهيم: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار (4). وقال تعالى: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار (5). النحل: وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون *


(1) يونس 12. (2) يونس: 21 - 23. (3) هود: 9 - 11. (4) إبراهيم: 28 و 29. (5) إبراهيم: 34. [*]

[340]

ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (1). وقال تعالى: والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون إلى قوله تعالى: أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون (2). وقال تعالى: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (3). وقال تعالى: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (4). أسرى: وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجيكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا * أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا * أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة اخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (5). الكهف: واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت اكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا * وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما اظن أن تبيد هذه أبدا * وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لاجدن خيرا منها منقلبا * قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكنا هو الله ربي ولا اشرك بربي أحدا * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربي أن يؤتين


(1) النحل: 53 - 55. (2) النحل: 71 - 72. (3) النحل: 83. (4) النحل: 112. (5) أسرى: 67 - 69. [*]

[341]

خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا * أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا * واحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول ياليتني لم اشرك بربي أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا * هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (1). الحج: وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان لكفور (2). العنكبوت: فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون * ليكفروا بما آيتناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون إلى قوله تعالى: أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (3). الروم: وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون * ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (4). وقال تعالى: ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (5). لقمان: ألم تر إلى الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لايات لكل صبار شكور * وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجيهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بايآتنا إلا كل ختار كفور (6). سبا: لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فارسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل * ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين القرى


(1) الكهف: 32 - 44. (2) الحج: 66. (3) العنكبوت: 65 - 67. (4) الروم: 33 - 34. (5) الروم: 51. (6) لقمان: 31 - 32. [*]

[342]

التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لايات لكل صبار شكور (1). الزمر: إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (2). وقال تعالى: وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (3). السجدة: لا يسأم الانسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط * ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ * وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونآى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (4). حمعسق: وانا إذا أذقنا الانسان رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فان الانسان كفور (5). الدهر: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا * إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (6). عبس: قتل الانسان ما أكفره * من أي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شاء أنشره * كلا لما يقض ما أمره (7). العاديات: إن الانسان لربه لكنود (8).


(1) سبأ: 15 - 19. (2) الزمر: 3. (3) الزمر: 8. (4) السجدة: 49 - 51. (5) الشورى: 48. (6) الدهر: 40. (7) عبس: 17 - 23. (8) العاديات: 6 وهذا الباب لم يخرج أحاديثه. [*]

[343]

كلمة الناشر: بسمه تعالى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين. وبعد: فقد من الله العزيز علينا - بفضله وأنعامه - حيث اختارنا للقيام بنشر تراث أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ومنها هذه الموسوعة الكبيرة الفذة التي لم ينسج على منوالها ولم يعمل على شاكلتها، نسأل الله العزيز أن يوفقنا لهذه الخدمة المرضية إنه ولي التوفيق. ولقد يسر الله إنجاز عدتنا بانتشار أجزاء البحار متواليا فخرج بعون الله وله الشكر - حتى الان - أحد وعشرون جزءا من غرر أجزاء البحار وسينتشر سائر أجزائها غير المطبوعة على هذا النمط والله ولي التوفيق. مدير المكتبة الاسلامية. الحاج السيد إسماعيل الكتابچي واخوانه. [*]

[344]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله - والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله امناء الله. وبعد: فقد تفضل الله علينا - وله الفضل والمن - حيث اختارنا لخدمة الدين وأهله، وقيضنا لتصحيح هذه الموسوعة الكبرى وهي الباحثة عن المعارف الاسلامية الدائرة بين المسلمين: أعني بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار عليهم الصلوات والسلام.

[344]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله - والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله امناء الله. وبعد: فقد تفضل الله علينا - وله الفضل والمن - حيث اختارنا لخدمة الدين وأهله، وقيضنا لتصحيح هذه الموسوعة الكبرى وهي الباحثة عن المعارف الاسلامية الدائرة بين المسلمين: أعني بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار عليهم الصلوات والسلام. وهذا الجزء الذي نخرجه إلى القراء الكرام هو الجزء السادس من المجلد الخامس عشر، وقد اعتمدنا في تصحيح الاحاديث وتحقيقها على النسخة المصححة المشهورة بكمباني، بعد تخريجها من المصادر وتعيين موضع النص من المصدر، وقابلنا معذلك تتمة الجزء الثاني على النسخة الوحيدة من نسخة الاصل لخزانة كتب الحبر الفاضل حجة الاسلام الحاج الشيخ حسن المصطفوي دام إفضاله، وقد قدمنا في مقدمة الجزءين السابقين - 67 و 68 - شطرا مما يتعلق بمعرفة هذه النسخة، ويرى القارئ - بين يديه - صورة فتوغرافية منها وهي الصفحة التي يبتدء بها هذا المجلد. نسأل الله العزيز أن يوفقنا لادامة هذه الخدمة المرضية بفضله ومنه. محمد الباقر البهبودي.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية