الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 67

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 67


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء السابع والستون دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم (39) * (باب) * * " (العدالة والخصال التى من كانت فيه) " * * " (ظهرت عدالته، ووجبت اخوته، وحرمت غيبته) " * 1 - ل: أحمد بن إبراهيم بن بكر عن زيد بن محمد البغدادي، عن عبد الله ابن أحمد بن عامر، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروته، وظهرت عدالته، ووجبت اخوته، و حرمت غيبته (1). ن: بالاسانيد الثلاثة مثله (2). صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام مثله (3). 2 - ل: أبي، عن الكمنداني، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث من كن فيه أو جبن له أربعا على الناس: من إذا حدثهم لم يكذبهم، وإذا خالطهم لم يظلمهم، وإذا وعدهم لم يخلفهم


(1) الخصال ج 1 ص 97. (2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 30. (3) صحيفة الرضا عليه السلام ص 7.

[2]

وجب أن يظهر في الناس عدالته، ويظهر فيهم مروته، وأن تحرم عليهم غيبته، وأن تجب عليهم اخوته (1). 3 - لى: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن الازدي، عن إبراهيم ابن زياد الكرخي، عن الصادق عليه السلام قال: من صلى خمس صلوات في اليوم والليلة في جماعة فظنوا به خيرا، وأجيزوا شهادته (2). 4 - لى: أبي، عن ابن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح، عن علقمة قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: وقد قلت له: يابن رسول الله أخبرني عمن تقبل شهادته، ومن لا تقبل فقال: يا علقمة كل من كان على فطرة الاسلام جازت شهادته، قال: فقلت له: تقبل شهادة مقترف بالذنوب ؟ فقال: يا علقمة لو لم يقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادات الانبياء والاوصياء صلوات الله عليهم، لانهم هم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنبا ومن اغتابه بما فيه فهو خارج عن ولاية الله عزوجل داخل في ولاية الشيطان، ولقد حدثني أبي، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من اغتاب مؤمنا بما فيه، لم يجمع الله بينهما في الجنة أبدا، ومن اغتاب مؤمنا بما ليس فيه انقطعت العصمة بينهما وكان المغتاب في النار خالدا فيها وبئس المصير. قال علقمة: فقلت للصادق عليه السلام: يا ابن رسول الله إن الناس ينسبوننا إلى عظائم الامور، وقد ضاقت بذلك صدورنا، فقال عليه السلام: يا علقمة إن رضا الناس لا يملك، وألسنتهم لا تضبط، وكيف تسلمون مما لم يسلم منه أنبياء الله ورسله وحجج الله عليهم السلام ألم ينسبوا يوسف عليه السلام إلى أنه هم بالزنا ؟ ألم ينسبوا أيوب عليه السلام إلى أنه ابتلى بذنوبه ؟ ألم ينسبوا داود عليه السلام إلى أنه تبع الطير حتى


(1) الخصال: ج 1 ص 98. (2) أمالى الصدوق ص 204.

[3]

نظر إلى امرأة اوريا فهويها، وأنه قدم زوجها أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها ؟ ألم ينسبوا موسى عليه السلام إلى أنه عنين وآذوه حتى برأه الله مما قالوا ؟ وكان عند الله وجيها، ألم ينسبوا جميع أنبياء الله إلى أنهم سحرة طلبة الدنيا ؟ ألم ينسبوا مريم بنت عمران عليهما السلام إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجار اسمه يوسف ؟ ألم ينسبوا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله إلى أنه شاعر مجنون ؟ ألم ينسبوه إلى أنه هوي امرأة زيد بن حارثة فلم يزل بها حتى استخلصها لنفسه ؟ ألم ينسبوه يوم بدر، إلى أنه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء حتى أظهره الله عزوجل على القطيفة وبرء نبيه عليه السلام من الخيانة وأنزل بذلك في كتابه " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة " (1) ألم ينسبوه إلى أنه عليه السلام ينطق عن الهوى في ابن عمه علي عليه السلام حتى كذبهم الله عزوجل فقال سبحانه: " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى " (2) ألم ينسبوه إلى الكذب في قوله أنه رسول من الله إليهم حتى أنزل الله عزوجل عليه " ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا حتى أتيهم نصرنا " (3) ولقد قال يوما: عرج بي البارحة إلى السماء، فقيل: والله ما فارق فراشه طول ليلته. وما قالوا في الاوصياء أكثر من ذلك، ألم ينسبوا سيد الاوصياء عليه السلام إلى أنه كان يطلب الدنيا والملك ؟ وأنه كان يوثر الفتنة على السكون ؟ وأنه يسفك دماء المسلمين بغير حلها ؟ وأنه لو كان فيه خير ما امر خالد بن الوليد بضرب عنقه ؟ ألم ينسبوه إلى أنه عليه السلام أراد أن يتزوج ابنة أبي جهل على فاطمة عليها السلام وأن رسول الله صلى الله عليه وآله شكاه على المنبر إلى المسلمين فقال: إن عليا يريد أن يتزوج ابنة عدو الله على ابنة نبي الله ! ألا إن فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ومن سرها فقد سرني، ومن غاظها فقد غاظني.


(1) آل عمران: 161. (2) النجم: 3. (3) الانعام: 34.

[4]

ثم قال الصادق عليه السلام: يا علقمة ما أعجب أقاويل الناس في علي عليه السلام ؟ كم بين من يقول: إنه رب معبود، وبين من يقول: إنه عبد عاص للمعبود، ولقد كان قول من ينسبه إلى العصيان أهون عليه من قول من ينسبه إلى الربوبية يا علقمة ألم يقولوا [في] الله عزوجل: إنه ثالث ثلاثة ؟ ألم يشبهوه بخلقه ؟ ألم يقولوا: إنه الدهر ؟ ألم يقولوا: إنه الفلك ؟ ألم يقولوا: إنه جسم ؟ ألم يقولوا: إنه صورة ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. يا علقمة إن الالسنة التي يتناول ذات الله تعالى ذكره بما لا يليق بذاته، كيف تحبس عن تناولكم بما تكرهونه " فاستعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين " فان بني إسرائيل قالوا لموسى: " اوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا " فقال الله عزوجل: قل لهم يا موسى: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون (1). 40 * (باب) * * " (ما به كمال الانسان، ومعنى المروة والفتوة) " * 1 - مع، ل: أحمد بن إبراهيم بن الوليد، عن محمد بن أحمد الكاتب رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: كمال الرجل بست خصال: بأصغريه، وأكبريه وهيئتيه، فأما أصغراه فقلبه ولسانه، إن قاتل قاتل بجنان، وإن تكلم تكلم بلسان وأما أكبراه فعقله وهمته، وأما هيئتاه فماله وجماله (2). 2 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: قدر الرجل على قدر همته، وصدقه على قدر مروته، وشجاعته على قدر أنفته، وعفته على قدر غيرته (3).


(1) أمالى الصدوق: 63 و 64، والايات في الاعراف: 128 و 129. (2) معاني الاخبار ص 150، الخصال ج 1 ص 164، وفيه " هيبتيه " بدل " هيئتيه ". (3) نهج البلاغة تحت الرقم 47 من الحكم.

[5]

3 - مع: عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن خالد البرقي عن أبي قتادة القمي رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: تذاكرنا أمر الفتوة عنده فقال: أتظنون أن الفتوة بالفسق والفجور ؟ إنما الفتوة طعام موضوع، ونائل مبذول، وبشر معروف، وأذى مكفوف، فأما تلك فشطارة وفسق، ثم قال: ما المروة ؟ قلنا: لا نعلم، قال: المروة والله أن يضع الرجل خوانه في فناء داره (1). 41 * (باب) * * " (المنجيات والمهلكات) " * 1 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن هارون بن الجهم، عن ثوير بن أبي فاختة، عن المفضل بن صالح، عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال: ثلاث درجات، وثلاث كفارات، وثلاث موبقات، وثلاث منجيات، فأما الدرجات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام، والكفارات إسباغ الوضوء في السبرات، والمشي بالليل والنهار إلى الصلوات، والمحافظة على الجماعات، وأما الثلاث الموبقات فشح مطاع وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فخوف الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر، وكلمة العدل في الرضا والسخط (2). سن: أبي، عن هارون مثله (3). مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن محمد البرقي، عن هارون ابن الجهم مثله إلا أن فيه: والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات، والمحافظة


(1) معاني الاخبار ص 119 وفيه " بر معروف ". (2) الخصال ج 1 ص 41. (3) المحاسن ص 4، وتراه في أمالي الصدوق 329.

[6]

على الصلوات (1). 2 - ل: الخليل بن أحمد، عن ابن صاعد، عن يوسف بن موسى القطان وأحمد بن منصور بن سيار معا، عن أحمد بن يونس، عن أيوب بن عتبة، عن المفضل بن بكير، عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فالمنجيات خشية الله عزوجل في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الرضا والغضب، والثلاث المهلكات شح مطاع، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، وقد روي في حديث آخر عن الصادق عليه السلام أنه قال: الشح المطاع سوء الظن بالله عزوجل (2). مع: السبرات جمع سبرة وهو شدة البرد وبها سمي الرجل سبرة (3). 3 - ل: محمد بن علي بن الشاه، عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن أحمد بن خالد الخالدي، عن محمد بن أحمد بن صالح، عن أبيه، عن أنس بن محمد، عن أبيه عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصيته له: يا علي ثلاث درجات، وثلاث كفارات، وثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، فأما الدرجات فاسباغ الوضوء في السبرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات، وأما الكفارات فإفشاء السلام وإطعام الطعام، والتهجد بالليل والناس نيام، وأما المهلكات فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فخوف الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة العدل في الرضا والسخط (4). وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه لما سئل في المعراج: فيما اختصم الملا الاعلى ؟ قال: في الدرجات والكفارات قال: فنوديت وما الدرجات، فقلت:


(1) معاني الاخبار ص 314. (2) الخصال ج 1 ص 42. (3) معاني الاخبار ص 314. (4) الخصال ج 1 ص 42.

[7]

إسباغ الوضوء في السبرات، والمشي إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة وولايتي وولاية أهل بيتي حتى الممات. 4 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن هارون، عن ابن زياد، عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ثلاث موبقات: نكث الصفقة، وترك السنة وفراق الجماعة، وثلاث منجيات: تكف لسانك، وتبكي على خطيئتك، وتلزم بيتك (1). 5 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن بزرج، عن الثمالي، عن أبي عبد الله أو علي بن الحسين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث منجيات وثلاث مهلكات قالوا: يارسول الله ما المنجيات ؟ قال: خوف الله في السر كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنا والفقر، قالوا: يا رسول الله فما المهلكات ؟ قال: هوى متبع، وشح مطاع، وإعجاب المرء بنفسه (2). ين: ابن أبي عمير، بهذا الاسناد، عن علي بن الحسين عليه السلام مثله. 6 - سن: أبي، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: ثلاث منجيات: تكف لسانك، وتبكي على خطيئتك، ويسعك بيتك، وقال عليه السلام: طوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعة ربه، وبكى على خطيئته (3). 7 - سن: محمد بن علي، عن الحسن بن علي بن يوسف، عن سيف بن عميرة عن فيض بن المختار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المنجيات: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام (4).


(1) الخصال ج 1 ص 42. (2) المحاسن ص 3. (3) المحاسن ص 4. (4) المحاسن ص 378.

[8]

(42) * (باب) * * " (اصناف الناس، ومدح حسان الوجوه) " * * " (ومدح البله) " * 1 - يد، لى: ابن موسى والقطان والسناني جميعا، عن ابن زكريا القطان عن محمد بن العباس، عن محمد بن أبي السري، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن ابن طريف، عن ابن نباته قال: لما جلس علي عليه السلام بالخلافة، وبايعه الناس صعد المنبر وقال: سلوني قبل أن تفقدوني ! فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكئا على عكازة فلم يزل يتخطا الناس حتى دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنين دلني على عمل إذا أنا عملته نجاني الله من النار، فقال له: اسمع يا هذا ثم افهم ثم استيقن قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغني لا يبخل بماله على أهل دين الله عزوجل، وبفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني، ولم يصبر الفقير، فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون لله أن الدار قد رجعت إلى بدئها أي إلى الكفر بعد الايمان، أيها السائل فلا تغترن بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة، وقلوبهم شتى. أيها الناس إنما الناس ثلاثة: زاهد وراغب وصابر فأما الزاهد فلا يفرح بشئ من الدنيا أتاه، ولا يحزن على شئ منها فاته، وأما الصابر فيتمناها بقلبه فان أدرك منها شيئا صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأما الراغب فلا يبالي من حل أصابها أم من حرام، قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان ؟ قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حق فيتولاه، وينظر إلى ما خالفه فيتبرأ منه، وإن كان حبيبا قريبا، قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين ! ثم غاب الرجل فلم نره، فطلبه الناس فلم يجدوه، فتبسم علي عليه السلام على المنبر ثم قال: ما لكم هذا

[9]

أخي الخضر عليه السلام (1). 2 - مع: أبي، عن الحميري، عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله، قال: قلت: ما الابله ؟ فقال: العاقل في الخير، والغافل عن الشر، الذي يصوم في كل شهر ثلاثة أيام (2). 3 - ب: هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن النبي صلى الله عليه آله قال: دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله، يعني بالبله المتغافل عن الشر، العاقل في الخير، والذين يصومون ثلاثة أيام في كل شهر (3). 4 - ما: ابن المخلد، عن جعفر بن محمد بن نصير الخالدي، عن القاسم بن محمد ابن حماد، عن جندل بن والق، عن أبي مالك الانصاري، عن أبي عبد الرحمن السدي، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اطلبوا الخير عند حسان الوجوه (4). 5 - ل: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الرجال ثلاثة: رجل بماله، ورجل بجاهه ورجل بلسانه، وهو أفضل الثلاثة (5). 6 - ل: وبهذا الاسناد قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الرجال ثلاثة: عاقل وأحمق وفاجر، فالعاقل: الدين شريعته، والحلم طبيعته، والرأي سجيته، إن سئل أجاب، وإن تكلم أصاب، وإن سمع وعى، وإن حدث صدق، وإن أطمأن إليه أحد وفى، والاحمق إن استنبه بجميل غفل، وإن استنزل عن حسن ترك


(1) أمالى الصدوق ص 206 في حديث. (2) معاني الاخبار ص 203. (3) قرب الاسناد ص 50 و 51. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 8. (5) الخصال ج 1 ص 57. (*)

[10]

وإن حمل على جهل جهل، وإن حدث كذب، لا يفقه، وإن فقه لم يفقه، والفاجر إن ائتمنته خانك، وإن صاحبته شأنك، وإن وثقت به لم ينصحك (1). 7 - ل: أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المقرئ، عن محمد بن جعفر الجرجاني عن محمد بن الحسن الموصلي، عن محمد بن عاصم الطريفي، عن عياش بن زيد بن الحسن، عن يزيد بن الحسن، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: الناس على أربعة أصناف: جاهل متردي معانق لهواه، وعابد متغوى كلما ازداد عبادة ازداد كبرا، وعالم يريد أن يوطأ عقباه، ويحب محمدة الناس، وعارف على طريق الحق يحب القيام به فهو عاجز أو مغلوب، فهذا أمثل أهل زمانك وأرجحهم عقلا (2). 8 - ل: أبي وابن الوليد معا، عن سعد، عن النهدي رفعه إلى الحسن بن علي عليه السلام قال: الناس أربعة فمنهم من له خلق ولا خلاق [له، ومنهم من له خلاق ولا خلق له، قد ذهب الرابع وهو الذي لا خلاق ولا خلق له، وذلك شر الناس ومنهم من له خلق وخلاق] فذلك خير الناس (3). 9 - ل: ابن مسرور، عن ابن بطة، عن البرقي، عن أبيعه رفعه إلى زرارة ابن أوفى قال: دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام فقال: يا زرارة الناس في زماننا على ست طبقات: أسد، وذئب، وثعلب، وكلب، وخنزير، وشاة: فأما الاسد فملوك الدنيا يحب كل واحد منهم أن يغلب ولا يغلب، وأما الذئب فتجاركم يذموا إذا اشتروا، ويمدحوا إذا باعوا، وأما الثعلب فهؤلاء الذين يأكلون بأديانهم ولا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم، وأما الكلب يهر على الناس بلسانه ويكرهه الناس من شره لسانه، وأما الخنزير فهؤلاء المخنثون وأشباههم لا يدعون إلى فاحشة إلا أجابوا، وأما الشاة فالذين تجز شعورهم، ويؤكل لحومهم


(1) الخصال ج 1 ص 57. (2) الخصال ج 1 ص 125. (3) الخصال ج 1 ص 112، وما بين المعقوفتين ساقط من نسخة الكمبانى وهكذا من النسخة المخطوطة.

[11]

ويكسر عظيم، فكيف تصنع الشاة بين أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير ؟ (1). 10 - ل: أبي وابن الوليد معا عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا عن الاشعري، عن جعفر بن محمد بن عبد الله، عن ابن أبي يحيى الواسطي، عمن ذكره أنه قال لابي عبد الله عليه السلام: أترى هذا الخلق كله من الناس ؟ فقال: الق منهم التارك للسواك، والمتربع في موضع الضيق، والداخل فيما لا يعنيه، والمماري فيما لا علم له به، والمتمرض من غير علة، والمتشعث من غير مصيبة، والمخالف على أصحابه في الحق وقد اتفقوا عليه، والمفتخر يفتخر بآبائه وهو خلو من صالح أعمالهم فهو بمنزلة الخلنج (2) يقشر لحا عن لحا حتى يوصل إلى جوهريته، وهو كما قال الله عزوجل " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا (3). 11 - ين: بعض أصحابنا عن حنان بن سدير عن محمد بن طلحة عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: أيما عبد كان له صورة حسنة مع موضع لا يشينه ثم تواضع لله كان من خالصة الله قال: قلت: ما موضع لا يشينه ؟ قال: لا يكون ضرب فيه سفاح. 12 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عبيد، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: سمعته بسر من رأى يقول: الغوغاء قتلة الانبياء والعامة اسم مشتق من العمى ما رضي الله أن شبههم بالانعام حتى قال " بل هم أضل " (4). 13 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في صفة الغوغاء: هم الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا، وقيل: بل قال: إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرقوا نفعوا، فقيل: قد علمنا مضرة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم ؟ فقال: يرجع المهن


(1) الخصال ج 1 ص 165. (2) الخلنج - كسمند - شجر كالطرفاء، زهره أحمر وأصفر وأبيض، وحبه كالخردل وخشبه تصنع منها القصاع أصله فارسي معرب. (3) الخصال ج 2 ص 39، والاية في الفرقان: 44. (4) أمالي الطوسى ج 2 ص 226.

[12]

إلى مهنهم، فينتفع الناس بهم كرجوع البناء إلى بنائه والنساج إلى منسجه، و الخباز إلى مخبزه (1). وقال عليه السلام: وقد اتي بجان ومعه غوغاء فقال: لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا عند كل سوءة (2). 14 - نهج: من كلام له عليه السلام: شغل من الجنة والنار أمامه، ساع سريع نجا، وطالب بطيئ رجا، ومقصر في النار هوى، اليمين والشمال مضلة، والطريق الوسطى هي الجادة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوة، ومنها منقذ السنة، وإليها مصير العاقبة، هلك من ادعى، وخاب من افترى، من أبدى صفحته للحق هلك عند جهلة الناس، وكفى بالمرء جهلا أن لايعرف قدره، لا يهلك على التقوى سنخ أصل، ولا يظمأ عليها زرع قوم، فاستتروا ببيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم، فلا يحمد حامد إلا ربه، ولا يلم لائم إلا نفسه (3). 15 - كتاب الامامة والتبصرة: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رآى من رأني وطوبى لمن رآى من رآى من رأني، إلى السابع ثم سكت (4).


(1) نهج البلاغة الرقم 199 من الحكم. (2) المصدر الرقم 200 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 16 من الخطب. (4) رواه الصدوق في الامالى 241.

[13]

(43) (باب) حب الله تعالى الايات: البقرة: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله (1). آل عمران: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (2). المائدة: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم الاية (3). وقال تعالى: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه (4). التوبة: قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (5). الشعراء: فانهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (6). الجمعة: قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون


(1) البقرة: 165. (2) آل عمران: 31. (3) المائدة: 20. (4) المائدة: 57. (5) براءة: 25. (6) الشعراء: 77 - 81.

[14]

الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (1). 1 - لى: الصائغ، عن محمد بن أيوب، عن إبراهيم بن موسى، عن هشام ابن يوسف عن عبد الله بن سليمان، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، و أحبوني لحب الله عزوجل، وأحبوا أهل بيتي لحبي (2). ع: محمد بن الفضل، عن محمد بن إسحاق المذكر، عن أحمد بن العباس، عن أحمد بن يحيى الكوفي، عن يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف مثله (3). ما: الفحام، عن المنصوري، عن عمر بن أبي موسى، عن عيسى بن أحمد عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله (4). بشا: أبو البركات عمر بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن أحمد، عن على ابن عمر السكري، عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، عن يحيى بن معين مثله (5). 2 - لى: أبي، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله عزوجل به موسى بن عمران عليه السلام [أن قال له: يا ابن عمران ! كذب من زعم أنه يحبني فإذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ؟ ها أنا ذا يا ابن عمران] (6) مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل حولت أبصارهم من قلوبهم، ومثلت عقوبتي


(1) الجمعة: 6، وفي النسخة المخطوطة بعد ذلك بياض نحو صفحة، وذلك لاجل كتابة التفسير ولم يكتب. (2) أمالى الصدوق ص 219. (3) علل الشرائع ج 1 ص 113. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 285. (5) بشارة المصطفى ص 161. (6) ما بين العلامتين ساقط عن النسخة المخطوطة ونسخة الكمبانى ج 67 التصحيح بالعرض على المصدر.

[15]

بين أعينهم، يخاطبوني عن المشاهدة ويكلموني عن الحضور، يابن عمران هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينك الدموع في ظلم الليل، وادعني فانك تجدني قريبا مجيبا (1). 3 - لى: ابن المتوكل، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما أحب الله عزوجل من عصاه ثم تمثل فقال: تعصي الاله وأنت تظهر حبه * هذا محال في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لاطعته * إن المحب لمن يحب مطيع (2). 4 - ثو، ل: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن إبراهيم بن داود اليعقوبي، عن أخيه سليمان باسناده رفعه قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله: يارسول الله علمني شيئا إذا أنا فعلته أحبني الله من السماء وأحبني الناس من الارض فقال له: ارغب فيما عند الله عزوجل يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس (3). 5 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن عبيد الله بن عبد الله بن عروة، عن شعيب، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خمسة لا ينامون: الهام بدم يسفكه (4) وذو مال كثير لا أمين له، والقائل في الناس الزور والبهتان عن عرض من الدنيا يناله، والمأخوذ بالمال


(1) أمالى الصدوق ص 215. (2) أمالى الصدوق ص 293. (3) الخصال ج 1 ص 32. (4) الهام جمع هامة وهى من طير الليل يألف المقابر وهو الصدى وكانت العرب تزعم أن روح القتيل الذى لا يدرك بثأره تصير هامة وقيل: يخلق من رأسه فتزقو عند قبره تقول: اسقوني اسقوني فإذا ادرك بثاره طارت، وهذا المعنى أراد جرير بقوله: ومنا الذى أبكى صدى ابن مالك * ونفر طيرا عن جعادة وقعا يقول قتل قاتله فنفرت الطير عن قبره.

[16]

الكثير ولا مال له، والمحب حبيبا يتوقع فراقه (1). 6 - ما: المفيد، عن التمار، عن محمد بن القاسم الانباري، عن أبيه، عن الحسين بن سليمان، عن أبي جعفر الطائي، عن وهب بن منبه قال: قرأت في الزبور: يا داود اسمع مني ما أقول - والحق أقول -: من أتاني وهو يحبني أدخلته الجنة، الخبر (2). 7 - ع: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عبد العظيم الحسنى، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن الفضل، عن شيخ من أهل الكوفة، عن جده من قبل امه واسمه سليمان بن عبد الله الهاشمي قال: سمعت محمد بن علي عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله للناس وهم مجتمعون عنده: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة، وأحبوني لله عزوجل [وأحبوا] قرابتي لي (3). 8 - ع: طاهر بن محمد بن إدريس، عن محمد بن عثمان الهروي، عن الحسن بن مهاجر، عن هشام بن خالد، عن الحسن بن يحيى، عن صدقة بن عبد الله، عن هشام عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل قال: قال الله تبارك وتعالى: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت في شئ أنا فاعله ما ترددت في قبض نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما يتقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يبتهل إلي حتى احبه ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا وموئلا، إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته، وإن من عبادي المؤمن لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب ويفسده، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالسقم، ولو صححت


(1) الخصال ج 1 ص 142. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 105. (3) علل الشرائع ج 2 ص 287 وفي نسخة الاصل رمز أمالى الصدوق وهو سهو.

[17]

جسمه لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالصحة ولو أسقمته لافسده ذلك أني إدبر عبادي بعلمي بقلوبهم فاني عليم خيبر (1). بيان: قال الشهيد طاب ثراه في قواعده في حديث القدسي: " ما ترددت في شئ أنا فاعله ".. فان التردد على الله محال غير أنه لما جرت العادة أن يتردد من يعظم الشخص ويكرمه في مساءته نحو الوالدين والصديق وأن لا يتردد في مساءة من لا يكرمه ولا يعظمه كالعدو والحية والعقرب بل إذا خطر بالبال مساءته أوقعها من غير تردد، فصار التردد لا يقع إلا في موضع التعظيم والاهتمام وعدمه لا يقع إلا في موضع الاحتقار وعدم المبالاة فحينئذ دل الحديث على تعظيم الله للمؤمن وشرف منزلته عنده فعبر باللفظ المركب عما يلزمه، وليس مذكورا في اللفظ وإنما هو بالارادة والقصد فكان معنى الحديث حينئذ " منزلة عبدي المؤمن عظيمة ومرتبته " رفيعة فدل على تصرف النية في ذلك كله. وقد أجاب بعض من عاصرناه عن هذا الحديث بأن التردد إنما هو في الاسباب بمعنى أن الله يظهر للمؤمن أسبابا يغلب على ظنه دنو الوفاة بها ليصير على الاستعداد التام للاخرة ثم يظهر له أسبابا تبسط في أمله فيرجع إلى عمارة دنياه بما لابد منه، ولما كانت هذه بصورة التردد [أطلق عليها ذلك استعارة، وإذ كان العبد المتعلق بتلك الاسباب بصورة المتردد] أسند التردد إليه تعالى من حيث أنه فاعل للتردد في العبد، وقيل: إنه تعالى لا يزال يورد على المؤمن سبب الموت حالا بعد حال ليؤثر المؤمن الموت فيقبضه مريدا له، وإيراد تلك الاحوال المراد بها غاياتها من غير تعجيل بالغايات، من القادر على التعجيل يكون ترددا بالنسبة إلى القادر من المخلوقين فهو بصورة المتردد وإن لم يكن ثم ترددا ويؤيده الخبر المروي عن إبراهيم عليه السلام لما أتاه ملك الموت ليقبض روحه وكره ذلك أخره الله إلى أن رأى شيخا هما يأكل ولعابه يسيل على لحيته فاستفظع ذلك وأحب الموت وكذلك موسى عليه السلام (2). 9 - ع: السناني، عن محمد بن هارون، عن عبيد الله بن موسى الحبال، عن محمد


(1) علل الشرائع ج 1 ص 12. (2) قد كانت النسخة مصحفة جدا صححناها بالعرض على المصدر ص 272.

[18]

ابن الحسين الخشاب، عن محمد بن الحسن، عن يونس بن ظبيان قال: قال الصادق عليه السلام: إن الناس يعبدون الله عزوجل على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة إلى ثوابه فتلك عبادة الحرصاء، وهو الطمع، وآخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي الرهبة، ولكني أعبده حبا له فتلك عبادة الكرام، وهو الامن لقوله تعالى: " وهم من فزع يومئذ آمنون " (1) " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " (2) فمن أحب الله عزوجل أحبه الله ومن أحبه الله عزوجل كان من الامنين (3). 10 - مع: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن محمد بن سنان، عن المفضل عن ابن ظبيان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب أن يعلم ماله عند الله فليعلم ما لله عنده الخبر (4). 11 - ل: الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أراد منكم أن يعلم كيف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله منه عند الذنوب كذلك منزلته عند الله تبارك وتعالى (5). 12 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن جعفر الرزاز، عن أيوب ابن نوح بن دراج، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أوحى الله عزوجل إلى نجيه موسى: احببني وحببني إلى خلقي ! قال: يا رب هذا احبك فكيف احببك إلى خلقك ؟ قال: اذكر لهم نعماي عليهم، وبلاي عندهم، فانهم لا يذكرون أو لا يعرفون مني إلا كل الخير (1).


(1) النمل: 89. (2) آل عمران: 31. (3) علل الشرائع ج 1 ص 12. (4) معاني الاخبار ص 236. (5) الخصال ج 2 ص 159. (6) أمالى الطوسى ج 2 ص 98.

[19]

13 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن زكريا المؤمن، عن علي بن أبي نعيم، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: ابن آدم تطولت عليك بثلاثة: سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك وأوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدم خيرا، وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدم خيرا (1). 14 - ما: ابن مخلد، عن محمد بن عمرو بن البختري، عن محمد بن يونس، عن عون بن عمارة، عن سليمان بن عمران، عن أبي حازم المدني، عن ابن عباس في قوله تعالى: " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " قال: الظاهر الاسلام والباطنة ستر الذنوب (2). 15 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن الحسن بن آدم، عن الفضل بن يونس، عن محمد بن عكاشة، عن عمرو بن هاشم، عن جويبر بن سعيد، عن الضحاك ابن مزاحم، عن علي عليه السلام والضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنه قالا في قول الله تعالى: " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " قال: أما الظاهرة فالاسلام وما أفضل عليكم في الرزق، وأما الباطنة فما ستره عليك من مساوي عملك (3). 16 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن علي بن إسماعيل بن يونس، عن إبراهيم بن جابر، عن عبد الرحيم الكرخي، عن هشام بن حسان، عن همام بن عروة، عن أبيه، عن عايشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لم يعلم فضل نعم الله عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قصر علمه ودنا عذابه (4).


(1) الخصال ج 1 ص 67. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 6 والاية في لقمان: 20. (3) امالي الطوسى ج 2 ص 104. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 105.

[20]

17 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن الحسين العلوي، عن جده إبراهيم بن علي، عن أبيه علي بن عبيد الله قال: حدثني شيخان بران من أهلنا سيدان، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جده أبي جعفر، عن أبيه عليهم السلام وحدثنيه الحسين بن زيد بن علي ذو الدمعة، عن عمه عمر بن علي، عن أخيه عن أبيه، عن جده الحسين صلى الله عليهم. وقال أبو جعفر عليه السلام: حدثني عبد الله بن العباس وجابر بن عبد الله الانصاري وكان بدريا احديا شجريا (1) وممن يحظ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في مودة أمير المؤمنين عليه السلام قالوا: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجده في رهط من أصحابه فيهم أبو بكر وأبو عبيدة وعمر وعثمان وعبد الرحمن ورجلان من قراء الصحابة من المهاجرين عبد الله بن ام عبد ومن الانصار ابي بن كعب وكانا بدريين فقرأ عبد الله من السورة التي يذكر فيها لقمان حتى أتى على هذه الاية " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " (2) الاية وقرأ ابي من السورة التي يذكر فيها إبراهيم عليه السلام " وذكرهم بأيام الله أن في ذلك لايات لكل صبار شكور " (3) قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: آيام الله نعماؤه وبلاؤه ومثلاته سبحانه ثم أقبل صلى الله عليه وآله على من شهده من أصحابه فقال: إني لاتخولكم بالموعظة تخولا مخافة السأمة عليكم، وقد أوحى إلي ربي جل وتعالى أن اذكركم بأنعمه، وانذركم بما أفيض (4) عليكم من كتابه، وتلا " وأسبغ عليكم نعمه " الاية ثم قال لهم: قولوا الان قولكم ما أول نعمة رغبكم الله فيها وبلاكم بها ؟


(1) نسبة إلى الشجرة، شجرة السمرة التى بايعهم رسول الله صلى الله عليه وآله على أن لا يفروا في غزوة الحديبية، فسميت بيعة الرضوان لقوله تعالى فيه: " لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ". (2) لقمان: 20. (3) ابراهيم: 5. (4) في المصدر: أقتص.

[21]

فخاض القوم جميعا فذكروا نعم الله التي أنعم عليهم وأحسن إليهم بها من المعاش والرياش والذرية والازواج إلى ساير ما بلاهم الله عزوجل به من أنعمه الظاهرة، فلما أمسك القوم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على علي عليه السلام فقال: يا أبا الحسن قل ! فقد قال أصحابك، فقال: وكيف لي بالقول فداك أبي وامي ؟ وإنما هدانا الله بك ؟ قال: ومع ذلك فهات قل ! ما أول نعمة بلاك الله عزوجل وأنعم عليك بها ؟ قال: أن خلقني جل ثناؤه ولم أك شيئا مذكورا قال: صدقت فما الثانية ؟ قال: أن أحسن بي إذ خلقني فجعلني حيا لا مواتا، قال: صدقت فما الثالثة ؟ قال: أن أنشأني فله الحمد في أحسن صورة وأعدل تركيب قال: صدقت فما الرابعة ؟ قال: أن جعلني متفكرا واعيا لا بلها ساهيا قال: صدقت فما الخامسة ؟ قال: أن جعل لي شواعر أدرك ما ابتغيت بها وجعل لي سراجا منيرا، قال: صدقت فما السادسة ؟ قال: أن هداني لدينه ولم يضلني عن سبيله، قال: صدقت فما السابعة ؟ قال: أن جعل لي مردا في حياة لا انقطاع لها، قال: صدقت فما الثامنة ؟ قال: أن جعلني ملكا مالكا لا مملوكا قال: صدقت فما التاسعة ؟ قال: أن سخر لي سماءه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه، قال: صدقت فما العاشرة ؟ قال: أن جعلنا سبحانه ذكرانا قواما على حلائلنا لا إناثا، قال: صدقت فما بعد هذا ؟ قال: كثرت نعم الله يا نبى الله فطابت، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: لتهنك الحكمة ليهنك العلم يابا الحسن فأنت وارث علمي والمبين لامتي ما اختلفت فيه من بعدي، من أحبك لدينك وأخذ بسبيلك فهو ممن هدي إلى صراط مستقيم ومن رغب عن هداك وأبغضك وتخلاك لقي الله يوم القيامة لا خلاق له (1). 18 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن عمرو بن


(1) أمالى الطوسي ج 2 ص 105 و 106.

[22]

عثمان، عن أبي جميلة، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: احببني وحببني إلى خلقي قال موسى: يا رب إنك لتعلم أنه ليس أحد أحب إلي منك فكيف لي بقلوب العباد ؟ فأوحى الله إليه فذكرهم نعمتي وآلائي فانهم لا يذكرون مني إلا خيرا. 19 - ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد ابن النضر، عن إسرائيل رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قال الله عزوجل لداود عليه السلام: أحببني وحببني إلى خلقي ! قال: يا رب نعم أنا احبك فكيف احببك إلى خلقك ؟ قال: اذكر أيادي عندهم، فانك إذا ذكرت ذلك لهم أحبوني. 20 - سن: أبي رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أراد أن يعلم ما له عند الله فلينظر ما لله عنده (1). سن: النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه، عن النبي صلوات الله عليهم مثله (2). 21 - سن: عبد الرحمان بن حماد، عن حنان بن سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله: ما تحبب إلي عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه، وإنه ليتحبب إلي بالنافلة حتى احبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، إذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته، وما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في موت المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته (3). 22 - مص: قال الصادق عليه السلام: نجوى العارفين تدور على ثلاثة اصول: الخوف والرجاء والحب، فالخوف فرع العلم، والرجاء فرع اليقين، والحب فرع المعرفة، فدليل الخوف الهرب، ودليل الرجاء الطلب، ودليل الحب إيثار المحبوب على ما سواه، فإذا تحقق العلم في الصدر خاف [فإذا كثر المرء في المعرفة خاف]


(1 و 2) المحاسن ص 252. (3) المحاسن 291.

[23]

وإذا صح الخوف هرب، وإذا هرب نجا، وإذا أشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل، وإذا تمكن من رؤية الفضل رجا، وإذا وجد حلاوة الرجاء طلب، وإذا وفق للطلب وجد، وإذا تجلى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة، وإذا هاج ريح المحبة استأنس ظلال المحبوب، وآثر المحبوب على ما سواه، وباشر أوامره [وأجتنب نواهيه واختارهما على كل شئ غيرهما، وإذا استقام على بساط الانس بالمحبوب مع أداء أوامره واجتناب نواهيه] (1) وصل إلى روح المناجاة والقرب ومثال هذه الاصول الثلاثة كالحرم والمسجد والكعبة، فمن دخل الحرم أمن من الخلق، ومن دخل المسجد أمنت جوارحه أن يستعملها في المعصية، ومن دخل الكعبة أمن قلبه من أن يشغله بغير ذكر الله. فانظر أيها المؤمن فان كانت حالتك حالة ترضاها لحلول الموت، فاشكر الله على توفيقه وعصمته، وإن تكن الاخرى فانتقل عنها بصحة العزيمة، واندم على ما سلف من عمرك في الغفلة، واستعن بالله على تطهير الظاهر من الذنوب، وتنظيف الباطن من العيوب، واقطع زيادة الغفلة عن نفسك، واطف نار الشهوة من نفسك (2). 23 - مص: قال الصادق عليه السلام: حب الله إذا أضاء على سر عبد أخلاه عن كل شاغل وكل ذكر سوى الله عند ظلمة، والمحب أخلص الناس سر الله، وأصدقهم قولا، وأوفاهم عهدا، وأزكاهم عملا، وأصفاهم ذكرا، وأعبدهم نفسا تتباهى الملائكة عند مناجاته وتفتخر برؤيته، وبه يعمر الله تعالى بلاده، وبكرامته يكرم عباده، يعطيهم إذا سألوه بحقه، ويدفع عنهم البلايا برحمته، فلو علم الخلق ما محله عند الله ومنزلته لديه ما تقربوا إلى الله إلا بتراب قدميه. قال أمير المؤمنين عليه السلام: حب الله نار لا يمر على شئ إلا احترق ونور الله لا يطلع على شئ إلا أضاء، وسحاب (3) الله ما يظهر من تحته شئ إلا غطاه وريح الله ما تهب في شئ إلا حركته، وماء الله يحيى به كل شئ، وأرض الله


(1) ما بين العلامتين ساقط من نسخة الكمبانى. (2) مصباح الشريعة ص 2 و 3. (3) سماء الله خ.

[24]

ينبت منها كل شئ، فمن أحب الله أعطاه كل شئ من المال والملك. قال النبي صلى الله عليه وآله: إذا أحب الله عبدا من امتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته وسكان عرشه محبته ليحبوه فذلك المحب حقا، طوبى له ثم طوبى له، وله عند الله شفاعة يوم القيامة (1). 24 - مص: قال الصادق عليه السلام: المشتاق لا يشتهي طعاما، ولا يلتذ بشراب ولا يستطيب رقادا، ولا يأنس حميما، ولا يأوي دارا، ولا يسكن عمرانا، ولا يلبس لينا، ولا يقر قرارا، ويعبد الله ليلا ونهارا، راجيا أن يصير إلى ما اشتاق إليه، ويناجيه بلسان شوقه معبرا عما في سريرته، كما أخبر الله عزوجل عن موسى عليه السلام في ميعاد ربه بقوله: " وعجلت إليك رب لترضى " (2) وفسر النبي صلى الله عليه وآله عن حاله أنه لا أكل ولا شرب ولا نام ولا اشتهى شيئا من ذلك في ذهابه ومجيئه أربعين يوما، شوقا إلى الله عزوجل، فإذا دخلت ميدان الشوق فكبر على نفسك ومرادك من الدنيا، وودع جميع المألوفات، وأحرم (3) عن سوى معشوقك، قد ولت بين حياتك وموتك (4) لبيك اللهم لبيك، أعظم الله أجرك، ومثل المشتاق مثل الغريق ليس له همة إلا خلاصه وقد نسي كل شئ دونه (5). 25 - تم: روى الحسين بن سيف صاحب الصادق عليه السلام في كتاب أصله الذي


(1) مصباح الشريعة ص 64. (2) طه: 84. (3) في المصدر: واصرفه عن سوى مشوقك، وهو تصحيف. (4) كذا في نسخة الكمبانى والنسخة المخطوطة، وفي المصدر " ولب بين حياتك وموتك " من التلبية، ولا وجه له، ولعل الصحيح " فدولب " من الدولاب، أي طوفوا بين الحياة والموت كما تطوف بين الصفا والمروة، أو الصحيح " هرولت " من الهرولة وهى السعي بين الصفا والمروة. (5) المصدر ص 65.

[25]

أسنده إليه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يمحض رجل الايمان بالله حتى يكون الله أحب إليه من نفسه وأبيه وامه وولده وأهله وماله ومن الناس كلهم. 26 - نص: علي بن الحسين، عن هارون بن موسى، عن محمد بن همام، عن الحميري، عن عمر بن علي العبدي، عن داود الرقي، عن ابن ظبيان، عن الصادق عليه السلام قال: إن اولي الالباب الذين عملوا بالفكرة، حتى ورثوا منه حب الله، فان حب الله إذا ورثه القلب واستضاء به أسرع إليه اللطف، فإذا نزل اللطف صار من أهل الفوائد، فإذا صار من أهل الفوائد تكلم بالحكمة [وإذا تكلم بالحكمة] صار صاحب فطنة، فإذا نزل منزلة الفطنة عمل في القدرة، فإذا عمل في القدرة عرف الاطباق السبعة، فإذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلب في فكر بلطف وحكمة وبيان، فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبته في خالقه، فإذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبرى فعاين ربه في قلبه، وورث الحكمة بغير ما ورثه الحكماء وورث العلم بغير ما ورثه العلماء، وورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون. إن الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت، وإن العلماء ورثوا العلم بالطلب وإن الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة، فمن أخذه بهذه المسيرة إما أن يسفل وإما أن يرفع وأكثرهم الذي يسفل ولا يرفع، إذا لم يرع حق الله ولم يعمل بما أمر به، فهذه صفة من لم يعرف الله حق معرفته ولم يحبه حق محبته، فلا يغرنك صلاتهم وصيامهم ورواياتهم وعلومهم فانهم حمر مسنفرة. أقول: تمامه في أبواب النصوص على الائمة عليهم السلام. 27 - جع: قال علي عليه السلام: من أحب أن يعلم كيف منزلته عند الله ؟ فلينظر كيف منزلة الله عنده فان كل من خير له أمران: أمر الدنيا وأمر الاخرة فاختار أمر الآخرة على الدنيا، فذلك الذي يحب الله، ومن اختار أمر الدنيا فذلك الذي لا منزلة لله عنده. وقال الصادق عليه السلام: القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله (1).


(1) جامع الاخبار ص 28.

[26]

28 - مسكن الفؤاد: للشهيد الثاني رفع الله مقامه: في أخبار داود عليه السلام يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب من أحبني، وجليس من جالسني، ومونس لمن أنس بذكري، وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني أحد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسي، وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق وجدني ومن طلب غيري لم يجدني فارفضوا يا أهل الارض ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي، وآنسوني اؤنسكم، واسارع إلى محبتكم. وأوحى الله إلى بعض الصديقين أن لي عبادا من عبيدي يحبوني واحبهم ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم، فان أخذت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك. قال: يا رب وما علامتهم ؟ قال: يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الشفيق غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها عند الغروب، فإذا جنهم الليل، واختلط الظلام، وفرشت الفرش، ونصبت الاسرة، وخلا كل حبيب بحبيبه، نصبوا إلى أقدامهم، وافترشوا إلي وجوههم، وناجوني بكلامي وتملقوني بأنعامي، مابين صارخ وباك، وبين متأوه وشاك، وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد، بعيني ما يتحملوني من أجلي، وبسمعي ما يشكون من حبي. أول ما اعطيهم ثلاثا: الاول أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عني كما اخبر عنهم، والثاني لو كانت السماوات والارضون وما فيهما من مواريثهم لاستقللتها لهم، والثالث أقبل بوجهي عليهم، أفترى من أقبلت عليه بوجهي يعلم أحد ما اريد أن اعطيه ؟ 29 - اعلام الدين للديلمي: روي أن موسى عليه السلام قال: يا رب أخبرني عن آية رضاك عن عبدك، فأوحى الله تعالى إليه: إذا رأيتني اهيئ عبدي لطاعتي وأصرفه عن معصيتي، فذلك آية رضاي.

[27]

وفي رواية اخرى: إذا رأيت نفسك تحب المساكين، وتبغض الجبارين فذلك آية رضاي. 44 (باب) * " (القلب وصلاحه وفساده، ومعنى السمع والبصر) " * * " (والنطق والحياة الحقيقيات) " * الايات، البقرة: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة (1) وقال تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (2) وقال تعال: صم بكم عمى فهم لا يرجعون (3) وقال تعالى: صم بكم عمي فهم لا يعقلون (4) ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهى كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون (5) وقال تعالى: واشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم (6) وقال: تشابهت قلوبهم (7). آل عمران: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه (8) وقال تعالى: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا (9). المائدة: وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (10) وقال تعالى: وجعلنا قلوبهم قاسية (11) وقال تعالى: اولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم (12).


(1) البقرة: 6. (2 - 6) البقرة: 10 و 18 و 171 و 73 و 93 و 119 على الترتيب. (7 - 9) آل عمران: 7 و 8. (10 - 12) المائدة: 71، 13، 41. (*)

[28]

الانعام: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (1) وقال تعالى: والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات (2) وقال تعالى: وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا (3) وقال: ولكن قست قلوبهم (4) وقال: قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به (5) وقال تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (6). الاعراف: ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (7) وقال: كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (8) وقال تعالى: لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولم آذان لا يسمعون بها اولئك كالانعام بل هم أضل اولئك هم الغافلون (9). الانفال: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه (10) وقال: إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم (11). التوبة: وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (12) وقال تعالى: وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (13) وقال سبحانه: وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (14) وقال تعالى: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (15). يونس: ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون * ومنه من يظنر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (16) وقال: إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (17) وقال تعالى: كذلك نطبع على قلوب المعتدين (18).


(1 - 6) الانعام: 36، 38، 25، 43، 46، 125. (7 - 9) الاعراف: 99، 100، 178. (10 - 11) الانفال: 24، 50. (12 - 15) براءة: 88، 94، 125، 128. (16 - 18) يونس: 42، 67، 74.

[29]

هود: ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (1) وقال تعالى: مثل الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (2). الرعد: قل هل يستوي الاعمى والبصير أم هل يستوي الظلمات والنور إلى قوله تعالى: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض كذلك يضرب الله الامثال إلى قوله سبحانه: أفمن يعلم أنما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر اولوا الالباب (3) وقال تعالى: الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (4). النحل: أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (5) وقال تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (6) وقال تعالى: من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوة طيبة (7). أسرى: ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (8). الكهف: وربطنا على قلوبهم (9) وقال تعالى: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (10). الانبياء: لاهية قلوبهم (11) وقال تعالى: قل إنما انذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (12). الحج: وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (13) وقال


(1 - 2) هود: 20 و 24. (3 و 4) الرعد: 16 - 28. (5 - 7) النحل: 21، 65، 97. (8) أسرى: 72. (9 - 10) الكهف: 14، 28. (11 - 12) الانبياء: 3، 45. (13) الحج: 24 و 35.

[30]

تعالى: أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (1) وقال تعالى: ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم (2). الفرقان: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون * إن هم إلا كالانعام بلهم أضل سبيلا (3) وقال تعالى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (4). الشعراء: يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم (5) وقال تعالى: قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (6) وقال تعالى: نزل به الروح الامين على قلبك (7) وقال تعالى: كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم (8). النمل: إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (9). [الروم: فانك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولود مدبرين وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون] (10) إلى قوله تعالى: كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. لقمان: وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه


(1 - 2) الحج: 46، 53. (3 - 4) الفرقان: 44، 73. (5 - 8) الشعراء: 89، 136، 193، 200. (9) النمل: 80 و 81. (10) ما بين العلامتين موجود في نسخة الاصل مضروبا عليه بالخط الاحمر، وفيها بدل " الروم ": " إلى قوله تعالى " فاستظهرنا أن مصحح النسخة قد اشتبه عليه الاتيان في سورة الروم 52 و 53 والنمل، فضرب على آيتى الروم زعما منه بأنهما مكررتان، وقوله تعالى: " كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون " في سورة الروم 58، لا في النمل.

[31]

وقرا (1). التنزيل: إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (2). الاحزاب: ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه (3) وقال تعالى: وبلغت القلوب الحناجر (4) وقال تعالى: وإذ تقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (5) وقال تعالى: وقذف في قلوبهم الرعب (6) وقال تعالى: والله يعلم ما في قلوبكم (7) وقال تعالى: ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن (8) وقال: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض (9). فاطر: وما يستوي الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الاحياء ولا الاموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (10). يس: وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (11) وقال تعالى: لينذر من كان حيا (12). الصافات: وإن من شيعته لابراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم (13). الزمر: أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله اولئك في ضلال مبين * الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله (14).


(1) لقمان: 7. (2) التنزيل: 26. (3 - 9) الاحزاب: 4، 10، 12، 26، 51، 53، 60. (10) فاطر: 19 - 22. (11 و 12) يس: 9 و 70. (13) الصافات: 83 و 84. (14) الزمر: 21 - 22.

[32]

المؤمن: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (1) وقال تعالى: وما يستوي الاعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ قليلا ما تتذكرون (2). السجدة: فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعوننا وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (3) وقال: والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى اولئك ينادون من مكان بعيد (4). الزخرف: أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (5). الجاثية: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (6). محمد: ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين اوتوا العلم ماذا قال آنفا اولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوائهم (7) وقال تعالى: اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم * أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (8). الفتح: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم (9). الحجرات: اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى (10).


(1 و 2) المؤمن: 35، 58. (3 و 4) السجدة: 4 و 5، 44. (5) الزخرف: 40. (6) الجاثية: 23. (7 و 8) القتال: 16، 23. (9) الفتح: 4. (10) الحجرات: 3.

[33]

ق: وجاء بقلب منيب (1) وقال تعالى: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (2). الحديد: ألم يأن للذين آمنوا آن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (3). المجادلة: اولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه (4). الصف: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم (5). المنافقين: فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون إلى قوله تعالى: كأنهم خشب مسندة (6). التغابن: ومن يؤمن بالله يهد قلبه (7). الملك: وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ماكنا في أصحاب السعير (8) و قال تعالى: أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (9). الم نشرح: ألم نشرح لك صدرك. 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: مامن قلب إلا وله اذنان على إحداهما ملك مرشد، وعلى الاخرى شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره: الشيطان يأمره بالمعاصي والملك يزجره عنها


(1 و 2) ق: 33، 37. (3) الحديد: 16. (4) المجادلة: 21. (5) الصف: 5. (6) المنافقون: 3 - 4. (7) التغابن: 11. (8 و 9) الملك: 11، 22.

[34]

وهو قول الله عزوجل " عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (1). تبيين: اعلم أن معرفة القلب وحقيقته وصفاته مما خفي على أكثر الخلق ولم يبين أئمتنا عليهم السلام ذلك إلا بكنايات وإشارات، والاحوط لنا أن نكتفي من ذلك بما بينوه لنا من صلاحه وفساده، وآفاته ودرجاته، ونسعى في تكميل هذه - الخلقة العجيبة واللطيفة الربانية، وتهذيبها عن الصفات الذميمة الشيطانية، وتحليتها بالاخلاق الملكية الروحانية، لنستعد بذلك للعروج إلى أعلى مدارج الكمال وإفاضة المعارف من حضرة ذي الجلال، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقة القلب ابتداء فانه لو كان متوقفا على ذلك لاوضح موالينا وأئمتنا عليهم السلام لنا ذلك بأوضح البيان، وحيث لم يبينوا ذلك لنا فالاحوط بنا أن نسكت عما سكت عنه الكريم المنان، لكن نذكر هنا بعض ما قيل في هذا المقام، ونكتفي بذلك والله المستعان. فاعلم أن المشهور بين الحكماء ومن يسلك مسلكهم أن المراد بالقلب النفس الناطقة، وهي جوهر روحاني متسوط بين العالم الروحاني الصرف، والعالم - الجسماني، يفعل فيما دونه، وينفعل عما فوقه، وإثبات الاذن له على الاستعارة والتشبيه. قال بعض المحققين: القلب شرف الانسان وفضيلته التي بها فاق جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة الله سبحانه، التي في الدنيا جماله وكماله وفخره وفي الآخرة عدته وذخره، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب هو العالم بالله، وهو العامل لله، وهو الساعي إلى الله، وهو المتقرب إليه وإنما الجوارح أتباع له وخدم، وآلات يستخدمها القلب، ويستعملها استعمال الملك للعبيد، واستخدام الراعي للرعية، والصانع للآلة. والقلب هو المقبول عند الله إذا سلم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا صار مستغرقا بغير الله، وهو المطالب والمخاطب، وهو المثاب والمعاقب، وهو الذي


(1) الكافي ج 2 ص 266، والاية في سورة ق: 18.

[35]

يستسعد بالقرب من الله تعالى فيفلح إذا زكاه، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه. وهو المطيع لله بالحقيقة به، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره، وهو العاصي المتمرد على الله، وإنما الساري على الاعضاء من الفواحش آثاره، وباظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه إذ كل إناء يترشح بما فيه. وهو الذي إذا عرفه الانسان فقد عرف نفسه، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه وهو الذي إذا جهله الانسان فقد جهل نفسه، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ومن جهل بقلبه فهو بغيره أجهل، وأكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم، فان الله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته بأن لا يوفقه لمشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين، ويتخفض إلى افق الشياطين، وكيف يرتفع اخرى إلى أعلى عليين، ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين. ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه، ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه، فهو ممن قال الله تعالى فيه: " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم اولئك هم الفاسقون " (1) فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن النفس والروح والقلب والعقل ألفاظ متقاربة المعاني فالقلب يطلق لمعنيين أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الايسر من الصدر، وهو لحم مخصوص، وفي باطنه تجويف، وفي ذلك التجويف دم أسود وهو منبع الروح ومعدنه، وهذا القلب موجود للبهائم، بل هو موجود للميت. والمعنى الثاني هو لطيفة ربانية روحانية، لها بهذا القلب الجسماني تعلق وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فان تعلقها به يضاهي تعلق


(1) الحشر: 19.

[36]

الاعراض بالاجسام، والاوصاف بالموصوفات، أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة أو تعلق المتمكن بالمكان، وتحقيقه يقتضي إفشاء سر الروح، ولم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله فليس لغيره أن يتكلم فيه. والروح أيضا يطلق على معنيين أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني، وينتشر بواسطة العروق الضوارب إلى ساير أجزاء البدن، وجريانها في البدن، وفيضان أنوار الحياة والحس والسمع والبصر والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا الدار، فانه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلا ويستنير به. فالحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، والروح مثالها السراج، وسريان الروح وحركتها في الباطن مثاله مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه، والاطباء إذا أطلقوا اسم الروح أرادوا به هذا المعنى، وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب. والمعنى الثاني هو اللطيفة الربانية العالمة المدركة من الانسان وهو الذي شرحناه في أحد معنيي القلب، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله: " يسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي " (1) وهو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والافهام عن درك كنه حقيقته. والنفس أيضا مشترك بين معاني ويتعلق بغرضنا منه معنيان أحدهما أن يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الانسان، وهذا الاستعمال هو الغالب على الصوفية، لانهم يريدون بالنفس الاصل الجامع للصفات المذمومة من الانسان فيقولون لابد من مجاهدة النفس وكسرها، وإليه الاشارة بقوله صلى الله عليه وآله: أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. المعنى الثاني هو اللطيفة التي ذكرناها، التي هو الانسان في الحقيقة، وهي نفس الانسان وذاته، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب أحوالها، فإذا سكنت


(1) أسرى: 85.

[37]

تحت الامر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات، سميت النفس المطمئنة قال تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية " (1) فالنفس بالمعنى الاول لا يتصور رجوعها إلى الله، فانها مبعدة عن الله تعالى، وهو من حزب الشيطان، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها، سميت النفس اللوامة، لانها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاها، قال الله تعالى: " فلا اقسم بالنفس اللوامة " (2) وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان، سميت النفس الامارة بالسوء قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: " وما ابرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء " (3) وقد يجوز أن يقال: الامارة بالسوء هي النفس بالمعنى الاول فاذن النفس بالمعنى الاول مذمومة غاية الذم، وبالمعنى الثاني محمودة لانها نفس الانسان أي ذاته وحقيقته العالمة بالله تعالى وبسائر المعلومات. والعقل أيضا مشتركة لمعان مختلفة والمناسب هنا معنيان أحدهما العلم بحقائق الامور أي صفته العلم الذي محله القلب، والثاني أنه قد يطلق ويراد به المدرك المعلوم، فيكون هو القلب أعني تلك اللطيفة. فاذن قد انكشف لك أن معاني هذه الاسامي موجودة وهو القلب الجسماني والروح الجسماني والنفس الشهوانية والعقل العلمي وهذه أربعة معان يطلق عليها الالفاظ الاربعة، ومعنى خامس وهي اللطيفة العالمة المدركة من الانسان والالفاظ الاربعة بجملتها يتوارد عليها، فالمعاني خمسة والالفاظ أربعة وكل لفظ اطلق لمعنيين. وأكثر العلماء قد التبس عليهم اختلاف هذه الالفاظ وتواردها، فتراهم يتكلمون في الخواطر، ويقولون هذا خاطر العقل، وهذا خاطر الروح، وهذا


(1) الفجر: 28. (2) القيامة: 2. (3) يوسف: 52.

[38]

خاطر النفس، وهذا خاطر القلب، وليس يدري الناظر اختلاف معاني هذه الاسماء. وحيث ورد في الكتاب والسنة لفظ القلب، فالمراد به المعنى الذي يفقه من الانسان ويعرف حقيقة الاشياء وقد يكنى عنه بالقلب الذي في الصدر لان بين تلك اللطيفة وبين جسم القلب علاقة خاصة، فانها وإن كانت متعلقة بسائر البدن ومستعملة له ولكنها تتعلق به بواسطة القلب، فتعلقها الاول بالقلب فكأنه محلها ومملكتها وعالمها ومطيتها، ولذا شبه القلب بالعرش، والصدر بالكرسي. ثم قال في بيان تسلط الشيطان على القلب: اعلم أن القلب مثال قبة لها أبواب تنصب إليها الاحوال من كل باب ومثاله أيضا مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب أو هو مثال مرآة منصوبة يجتاز عليها أنواع الصور المختلفة، فيتراءى فيها صورة بعد صورة، ولا يخلو عنها، أو مثال حوض ينصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه، وإنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال اما من الظاهر، فالحواس الخمس، وإما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والاخلاق المركبة في مزاج الانسان، فانه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب، وإن كف عن الاحساس والخيالات الحاصلة في النفس، تبقى وينتقل الخيال من شئ إلى شئ، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال. والمقصود أن القلب في التقلب والتأثر دائما من هذه الآثار وأخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر، وأعني بالخواطر ما يعرض فيه من الافكار والاذكار وأعني به إدراكاته علوما إما على سبيل التجدد، وإما على سبيل التذكر، فانها تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها، والخواطر هي المحركات للارادات، فان النية والعزم والارادة إنما تكون بعد خطور المنوي بالبال، لا محالة، فمبدأ الافعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة، والرغبة تحرك العزم، ويحرك العزم النية والنية تحرك الاعضاء. والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العاقبة، وإلى ما يدعو إلى الخير أعني ما ينفع في الآخرة، فهما خاطران مختلفان

[39]

فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما، والخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواسا. ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة، وكل حادث لابد له من سبب ومهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الاسباب، هذا ما عرف من سنة الله عز وجل في ترتيب المسببات على الاسباب فمهما استنار حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، كذلك لانوار القلب وظلماته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا فان المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة. والملك عبارة عن خلق خلقه الله، شأنه إفاضة الخير، وإفادة العلم، وكشف الحق، والوعد بالمعروف، وقد خلقه الله وسخره لذلك، والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك، وهو الوعد بالشر، والامر بالفحشاء، والتخويف عند الهم بالخير بالفقر. والوسوسة في مقابلة الالهام، والشيطان في مقابلة الملك، والتوفيق في مقابلة الخذلان، وإليه الاشارة بقوله تعالى: " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " (1) فان الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى، فانه لا مقابل له، بل هو الواحد الحق الخالق للازواج كلها. والقلب متجاذب بين الشيطان والملك، فقد قال صلى الله عليه وآله: للقلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليتعوذ من الشيطان ثم تلا " الشيطان يعدكم الفقر " (2) الآية. ولتجاذب القلب بين هاتين اللمتين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قلب المؤمن بين


(1) الذاريات: 49. (2) البقرة: 268.

[40]

أصبعين من أصابع الرحمان، والله سبحانه منزه عن يكون له أصبع مركبة من دم ولحم وعظم ينقسم بالانامل، ولكن روح الاصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير، فانك لا تريد أصبعك لشخصها بل لفعلها في التقليب والترديد، وكما أنك تتعاطى الافعال بأصابعك، فالله تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب، كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الاجسام مثلا. والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار [الملائكة و] الشياطين صلاحا متساويا ليس يترجح أحدهما على الآخر، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى، والاكباب على الشهوات أو الاعراض عنها ومخالفتها، فان اتبع الانسان مقتضى الشهوة والغضب ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى، وصار القلب عش الشيطان ومعدنه، لان الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه، وتشبه بأخلاق الملائكة، صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم. ولما كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى، لاجرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مامنكم من أحد إلا وله شيطان قالوا: ولا أنت يارسول الله ؟ قال: ولا أنا، إلا أن الله عزوجل أعانني عليه فأسلم، فلم يأمرني إلا بخير. وإنما كان هذا لان الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة فمن أعانه الله على شهوته حتى صار لا ينبسط إلا حيث ينبغي، وإلى الحد الذي ينبغي، فشهوته لا تدعوه إلى الشر، فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير، ومهما غلب على القلب ذكر الدنيا ومقتضيات الهوى، وجد الشيطان مجالا فوسوس، ومهما انصرف القلب إلى ذكر الله تعالى ارتحل الشيطان، وضاق مجاله، وأقبل الملك وألهم. فالتطارد بين جندي الملائكة والشياطين في معركة القلب دائم إلى أن ينفتح القلب لاحدهما فيسكن ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا وأكثر القلوب

[41]

قد فتحها جنود الشيطان وملكوها، فامتلات بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة وإطراح الآخرة، ومبدأ استيلائها اتباع الهوى، ولا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان وهو الهوى والشهوات، وعمارته بذكر الله، إذ هو مطرح أثر الملائكة، ولذلك قال الله تعالى: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " (1) وكل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد الله فلذلك تسلط عليه الشيطان، وقال تعالى: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " (2) إشارة إلى أن الهوى إلهه ومعبوده، فهو عبد الهوى لا عبد الله. ولا يمحو وسوسة الشيطان عن القلب إلا ذكر شئ سوى ما يوسوس به لانه إذا حضر في القلب ذكر شئ انعدم عنه ما كان فيه من قبل، ولكن كل شئ سوى ذكر الله، وسوى ما يتعلق به، فيجوز أن يكون أيضا مجالا للشيطان فذكر الله سبحانه هو الذي يؤمن جانبه، ويعلم أنه ليس للشيطان فيه مجال. ولا يعالج الشيطان إلا بضده، وضد جميع وساوس الشيطان ذكر الله تعالى والاستعاذة به، والتبري عن الحول والقوة، وهو معنى قولك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وذلك لا يقدر عليه إلا المتقون الذين الغالب عليهم ذكر الله، وإنما الشيطان يطوف بقلوبهم في أوقات الفلتات على سبيل الخلسة قال الله تعالى: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " (3). وقال مجاهد في قوله: " من شر الوسواس الخناس " قال: هو منبسط على قلب الانسان، فإذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض، وإذا غفل انبسط على قلبه. فالتطارد بين ذكر الله ووسوسة الشيطان، كالتطارد بين النور والظلام، وبين الليل والنهار، ولتطاردهما قال الله تعالى: " استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم


(1) الحجر: 42. (2) الجاثية: 23. (3) الاعراف: 201.

[42]

ذكر الله " (1) وفي الحديث إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإن نسي الله التقم قلبه. وكما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي ودمه، فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه ودمه، ومحيطة بالقلب من جوانبه، ولذا قال صلى الله عليه وآله: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالجوع، وذلك لان الجوع يكسر الشهوة، ومجرى الشيطان الشهوات، ولاجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخبارا عن إبليس: " لاقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم " (2). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه، فقعد له بطريق الاسلام، فقال له: أتسلم وتترك دينك ودين آبائك ؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك ونساءك ؟ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال: أتجاهد وهو تلف النفس والمال ؟ فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك وتقسم مالك ؟ فعصاه فجاهد، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فمن فعل ذلك فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة، فقد ذكر صلى الله عليه وآله معنى الوسوسة، فاذن الوسواس معلوم بالمشاهدة. وكل خاطر فله سبب، ويفتقر إلى اسم تعرفه، فاسم سببه الشيطان، ولا يتصور أن ينفك عنه آدمي، وإنما يختلفون بعصيانه ومتابعته، ولذا قال صلى الله عليه وآله: مامن أحد إلا وله شيطان. وقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والالهام، والملك والشيطان، والتوفيق والخذلان، فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان وأنه جسم لطيف أو ليس بجسم، وإن كان جسما فكيف يدخل في بدن الانسان ما هو جسم ؟ فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة، بل مثال الباحث عن هذا كمثال


(1) المجادلة: 19. (2) الاعراف: 16 و 17.

[43]

من دخل في ثوبه حية وهو محتاج إلى دفع ضراوتها (1) فاشتغل بالبحث عن لونها وطولها وعرضها، وذلك عين الجهل لمصادفة الخواطر الباعثة على الشرور، وقد علمت، ودل ذلك على أنه عن سبب لا محالة، وعلم أن الداعي إلى الشر المحذور المستقبل عدو فقد عرف العدو فينبغي أن يشتغل بمجاهدته. وقد عرف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به ويحترز عنه فقال تعالى: " إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير " (2) وقال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين " (3) فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله ونسبه ومسكنه. نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه، وسلاح الشيطان الهوى والشهوات، وذلك كاف للعالمين فأما معرفة صفة ذاته وحقيقة الملائكة، فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات، ولايحتاج في المعاملة إلى معرفته إلى آخر ما حققه في هذا المقام. وأقول: ما ذكره أن دفع الشيطان لا يتوقف على معرفته حق لكن تأويل الملك والشيطان بما أومأ عليه في هذا المقام، وصرح به في غيره مع تصريح الكتاب بخلافه جرأة على الله تعالى وعلى رسوله، كما حققناه في المجلد الرابع عشر والتوكل على الله العليم الخبير، وإنما بسطنا الكلام في هذا المقام، ليسهل عليك فهم الاخبار الماضية والآتية. " وشيطان مفتن " بكسر التاء المشددة أو المخففة أي مضل في القاموس الفتنة بالكسر الخبرة، وإعجابك بالشئ، فتنه يفتنه فتنا وفتونا وأفتنه، والضلال والاثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والاضلال، والجنون


(1) يعنى لهجها وولعها بالنهش. (2) فاطر: 6. (3) يس: 60.

[44]

والمحنة واختلاف الناس في الآراء وفتنه يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه وأفتنه (1) قال سبحانه: " إذ يتلقى المتلقيان " (2) قال البيضاوي: ؟ باذكر، أو متعلق بأقرب يعني في قوله: " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " أي هو أعلم بحاله من كل قريب " حين يتلقى " أي يتلقى الحفيظان ما يتلفظ به " عن اليمين وعن الشمال قعيد " أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، أي مقاعد كالجليس، فحذف الاول لدلالة الثاني عليه، كقوله: " فاني وقيار بها لغريب " وقيل يطلق الفعيل للواحد والمتعدد كقوله: " والملائكة بعد ذلك ظهير " (3). " ما يلفظ من قول " ما يرمى به من فيه " إلا لديه رقيب " ملك يرقب عمله " عتيد " معد حاضر، ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب انتهى. وأقول: ظاهر أكثر الاخبار الواردة من طريق الخاص والعام أن المتلقيين والرقيب العتيد هما الملكان الكاتبان للاعمال، فصاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وظاهر هذا الخبر أن الرقيب والعتيد الملك والشيطان، بل المتلقيين أيضا، ويحتمل أن يكون هذا بطن الآية، أو يكون الرقيب العتيد صاحب اليمين، ويكون الزاجر والكاتب متحدا. 2 - كا: عن الحسين بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقلب اذنين فإذا هم العبد بذنب قال له روح الايمان: لا تفعل ! وقال له الشيطان: افعل ! وإذا كان على بطنها نزع منه روح الايمان (4). بيان: " فإذا هم العبد " للنفس طريق إلى الخير وطريق إلى الشر، وللخير مشقة حاضرة زائلة، ولذة غائبة دائمة، وللشر لذة حاضرة فانية، ومشقة غائبة باقية، والنفس يطلب اللذة، ويهرب عن المشقة، فهو دائما متردد بين الخير


(1) القاموس ج 4 ص 254. (2) ق: 17. (3) التحريم: 4. (4) الكافي ج 2 ص 267.

[45]

والشر، فروح الايمان يأمره بالخير، وينهاه عن الشر، والشيطان بالعكس، وهنا يحتمل وجوها: الاول أن يكون المراد به الملك كما صرح به في بعض الاخبار وسمي بروح الايمان لانه مؤيد له، وسبب لبقائه، فكأنه روحه وبه حياته. الثاني أن يراد به العقل، فانه أيضا كذلك، ومتى لم يغلب الهوى والشهوات النفسانية العقل، لم يرتكب الخطيئة، فكأن العقل يفارقه في تلك الحالة. الثالث أن يراد به الروح الانساني من حيث اتصافه بالايمان، فانها من هذه الجهة روح الايمان، فإذا غلبها الهوى ولم يعمل بمقتضاها فكأنها فارقته. الرابع أن يراد به قوة الايمان وكماله ونوره، فان كمال الايمان باليقين واليقين بالله واليوم الآخر لا يجتمع مع ارتكاب الكبائر والذنوب الموبقة، فمفارقته كناية عن ضعفه، فإذا ندم بعد انكسار الشهوة مما فعل، وتفكر في الآخرة وبقائها وشدة عقوباتها، وخلوص لذاتها، يقوى يقينه فكأنه يعود إليه. الخامس أن يراد به نفس الايمان، وتكون الاضافة للبيان فان الايمان الحقيقي ينافي ارتكاب موبقات المعاصي، كما اشير إليه بقولهم عليهم السلام: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فان من آمن وأيقن بوجود النار وإيعاد الله تعالى على الزنا أشد العذاب فيها، كيف يجترئ على الزنا وأمثالها، إذ لو أوعده بعض الملوك على فعل من الافعال ضربا شديدا أو قتلا بل ضربا خفيفا أو إهانة وعلم أن الملك سيطلع عليه لا يرتكب هذا الفعل، وكذا لو كان صبي من غلمانه أو ضعيف من بعض خدمه - فكيف الاجانب - حاضرا لا يفعل الامور القبيحة، فكيف يجتمع الايمان بأن الملك القادر القاهر الناهي الآمر مطلع على السراير، ولا يخفى عليه الضماير، مع ارتكاب الكبائر بحضرته، وهل هذا إلا من ضعف الايمان، ولذا قيل: الفاسق إما كافر أو مجنون. السادس أن يقال: في الكافر ثلاثة أرواح هي موجودة في الحيوانات، وهي الروح الحيوانية، والقوة البدنية، والقوة الشهوانية، فانهم ضيعوا الروح

[46]

التي بها يمتاز الانسان عن سائر الحيوان وجعلوها تابعة للشهوات النفسانية، والقوى البهيمية، فإما أن تفارقهم بالكلية كما قيل أو لما صارت باطلة معطلة فكأنها فارقتهم ولذا قال تعالى: " إن هم إلا كالانعام بلهم أضل سبيلا " (1). وفي المؤمنين أربعة أرواح، فانه يتعلق بهم روح يصيرون به أحياء بالحياة المعنوية الابدية، فهي مع الارواح البدنية تصير أربعا، وفي الانبياء والاوصياء عليهم السلام روح خامس: هو روح القدس، وهذا على بعض الوجوه قريب من الوجه الثالث. والحاصل أن الانسان في بدو الامر عند كونه نطفة جماد، ولها صورة جمادية ثم يترقى إلى درجة النباتات، فتتعلق به نفس نباتية، ثم يترقى إلى أن تتعلق به نفس حيوانية هي مبدء للحس والحركة، ثم يترقى إلى أن تتعلق به روح آخر هو مبدأ الايمان، ومنشأ سائر الكمالات، ثم يترقى إلى أن يتعلق به روح القدس فيحيط بجميع العوالم، ويصير محلا للالهامات الربانية، والافاضات السبحانية. وقال بعضهم بناء على القول بالحركة في الجوهر: أن الصورة النوعية الجمادية المنوية تترقى وتتحرك إلى أن تصير نفسا نباتية ثم تترقى إلى أن تصير نفسا حيوانية، وروحا حيوانيا ثم تترقى إلى أن تصير نفسا مجردا على زعمه مدركة للكليات، ثم تترقى إلى أن تصير نفسا قدسيا، وروح القدس وعلى زعمه يتحد بالعقل. هذا ما حضرني مما يمكن أن يقال في حل هذه الاخبار، باختلاف مسالك العلماء، ومذاهبهم في تلك الامور، والاول أظهر على قواعد متكلمي الامامية وظواهر الاخبار، والله المطلع على غوامض الاسرار، وحججه صلوات الله عليهم ما تعاقب الليل والنهار. وأقول: البارز في قوله عليه السلام: " على بطنها " راجع إلى المرأة المزني بها في الزنا، ذكره على سبيل المثال.


(1) الفرقان: 44.

[47]

3 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم عن سيف بن عميرة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا ولقلبه اذنان في جوفه: اذن ينفث فيها الوسواس الخناس، واذن ينفث فيها الملك، فيؤيد الله المؤمن بالملك، وذلك قوله: " وأيدهم بروح منه " (1). بيان: " في جوفه " تأكيد لئلا يتوهم أن المراد بهما الاذنان اللتان في الرأس، لان لهما أيضا طريقا إلى القلب، وقال البيضاوي: " من شر الوسواس " أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فبالكسر كالزلزال، والمراد به الموسوس سمي به مبالغة " الخناس " الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الانسان ربه " الذي يوسوس في صدور الناس " إذا غفلوا عن ذكر ربهم، وذلك كالقوة الوهمية، فانها تساعد العقل في المقدمات، فإذا آل الامر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه " من الجنة والناس " بيان للوسواس أو للذي أو متعلق بيوسوس أي يوسوس في صدروهم من جهة الجنة والناس، وقيل: بيان للناس، على أن المراد به ما يعم القبيلين، وفيه تعسف، إلا أن يراد به الناسي كقوله: " يوم يدع الداع " (2) فان نسيان حق الله يعم الثقلين (3). وقال الطبرسي قدس سره: فيه أقوال: أحدها أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة، والوسواس حديث النفس بما هو كالصوت الخفي، وأصله الصوت الخفي، والوسوسة كالهمهمة، ومنه قولهم: فلان موسوس إذا غلب عليه ما يعتريه من المرة، يقال: وسوس يوسوس وسواسا ووسوسة وتوسوس، والخنوس الاختفاء بعد الظهور خنس يخنس. وثانيها أن معناه من شر ذي الوسواس، وهو الشيطان كما جاء في الاثر أنه يوسوس فإذا ذكر ربه خنس، ثم وصفه الله تعالى بقوله: " الذي يوسوس في


(1) الكافي ج 2 ص 267، والاية في المجادلة 22. (2) القمر: 6. (3) انتهى كلام البيضاوي.

[48]

صدور الناس " أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع، ثم ذكر أنه " من الجنة " وهو الشياطين " والناس " عطف على الوسواس. وثالثها أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس ثم فسره بقوله: " من الجنة والناس " فوسواس الجنة هو وسواس الشيطان، وفي وسواس الانس وجهان: أحدهما أنه وسوسة الانسان من نفسه، والثاني إغواء من يغويه من الناس، ويدل عليه " شياطين الانس والجن " (1) فشيطان الجن يوسوس، وشيطان الانس يأتي علانية ويري أنه ينصح وقصده الشر. قال مجاهد: الخناس الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس وانقبض، وإذا لم يذكر الله انبسط على القلب، ويؤيده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله سبحانه خنس وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس، وقيل: الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور، وهو المستتر المختفي عن أعين الناس، لانه يوسوس من حيث لا يرى بالعين، وقيل: إن المعنى يلقي الشغل في قلوبهم بوسواسه، والمراد أن له رفقا، به يوصل الوسواس إلى الصدر وهو أغرب من خلوصه بنفسه إلى الصدر. وروى العياشي عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره اذنان: اذن ينفث فيها الملك، واذن ينفث فيها الوسواس الخناس، فيؤيد الله المؤمن بالملك، وهو قوله سبحانه: " وأيدهم بروح منه " (2). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " اولئك كتب في قلوبهم الايمان " أي ثبت في قلوبهم الايمان بما فعل بهم من الالطاف، فصار كالمكتوب، وقيل: كتب في قلوبهم علامة الايمان، ومعنى ذلك أنها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون " وأيديهم بروح منه " أي قواهم بنور الايمان، ويدل عليه قوله: " وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ماكنت تدري ما الكتاب ولا الايمان " (3).


(1) الانعام: 112. (2) انتهى كلام الطبرسي. (3) الشورى: 52.

[49]

وقيل: معناه قواهم بنور الحجج والبرهان حتى اهتدوا للحق وعملوا به، وقيل: قواهم بالقرآن الذي هو حياة القلوب من الجهل، وقيل: أيدهم بجبرئيل في كثير من المواطن ينصرهم ويدفع عنهم (1). وقال البيضاوي: " بروح منه " أي من عند الله، وهو نور القلب أو القرآن أو النصر على العدو، وقيل: الضمير للايمان فانه سبب لحياة القلب انتهى (2) وروي عن طريق العامة أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (3). قال الازهري: معناه أنه لا يفارق ابن آدم ما دام حيا كما لا يفارقه دمه وقال: هذا على طريق ضرب المثل، وجمهورهم حملوه على ظاهره، وقالوا: إن الشيطان جعل له هذا القدر من التطرق إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته فيجري في العروق التي هي مجاري الدم إلى أن يصل إلى قلبه، فيوسوسه على حسب ضعف إيمان العبد وقلة ذكره وكثرة غفلته، ويبعد عنه ويقل تسلطه وسلوكه إلى باطنه بمقدار قوته ويقظته ودوام ذكره وإخلاص توحيده. ونقل عن ابن عباس أنه تعالى جعله بحيث يجري من بني آدم مجرى الدم وصدور بني آدم مسكن له كما قال: " من شر الوسواس " الخ والجنة الشياطين وكما قال النبي صلى الله عليه وآله: إن الشيطان ليجثم على قلب بني آدم له خرطوم كخرطوم الكلب إذا ذكر العبد [ا] الله عزوجل خنس أي رجع على عقبيه، وإذا غفل عن ذكر الله وسوس (4) فاشتق له اسمان من فعليه: الوسواس من وسوسته عند غفلة العبد والخناس من خنوسه عند ذكر العبد. قيل: والناس عطف على الجنة، والانس لا يصل في وسوسته بذاته إلى باطن


(1) مجمع البيان ج 10 ص 255. (2) انوار التنزيل ص 426. (3) مجمع البيان ج 4 ص 409 في قوله تعالى " انه يراكم هو وقبيله " الاعراف: 27. (4) أخرجه السيوطي في الدر المنثور عن مجاميع حديثية. (*)

[50]

الآدمي فكذا الجنة في وسوسته، واجيب بأن الانس ليس له ما للجن من اللطافة فعدم وصول الانس إلى الجوف لا يستلزم عدم وصول الجن إليه. ثم إن الله تعالى بلطفه جعل للانسان حفظة من الملائكة، وأعطاهم قوى الالهام والالمام بهم في بواطن الانسان، في مقابلة لمة الشيطان كما روي أن للملك لمة بابن آدم، وللشيطان لمة: لمة الملك إيعاد بالخير، وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليحمد الله، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق، فمن وجد من ذلك شيئا فليستعذ بالله من الشيطان. وفي النهاية في حديث ابن مسعود: لابن آدم لمتان لمة من الملك ولمة من الشيطان: اللمة الهمة والخطرة تقع في القلب أراد إلمام الملك أو الشيطان به، والقرب منه فما كان من خطرات الخير فهو من الملك، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان. 4 - ل: الخليل بن أحمد، عن محمد بن إبراهيم الدبيلي، عن أبي عبد الله عليه السلام عن سفيان، عن مجاهد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الانسان مضغة إذا هي سلمت وصحت سلم بها سائر الجسد، فإذا سقمت سقم لها سائر الجسد وفسد وهي القلب (1). 5 - شى: في حديث إسحاق بن عمار في قول الله " خذوا ما آتيناكم بقوة " (2) أقوه في الابدان أم قوة في القلوب ؟ قال: فيهما جميعا (3). 6 - ل: الخليل، عن أبي العباس السراج، عن قتيبة، عن رشيد بن سعد البصري، عن شراحيل بن يزيد، عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا طاب قلب المرء طاب جسده، وإذا خبث القلب


(1) الخصال ج 1 ص 18. (2) الاعراف: 171. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 37.

[51]

خبث الجسد (1). 7 - لى: عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شر العمى عمى القلب (2). 8 - ما: فيما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام ابنه: يا بنى إن من البلاء الفاقة وأشد من ذلك مرض البدن، وأشد من ذلك مرض القلب، وإن من النعم سعة المال، وأفضل من ذلك صحة البدن، وأفضل من ذلك تقوى القلوب (3). 9 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: القلوب ثلاثة: قلب منكوس لا يعثر (4) على شئ من الخير وهو قلب الكافر، وقلب فيه نكتة سوداء فالخير والشر فيه يعتلجان، فما كان منه أقوى غلب عليه، وقلب مفتوح فيه مصباح يزهر فلا يطفأ نوره إلى يوم القيامة وهو قلب المؤمن (5). 10 - مع: العطار عن أبيه، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن محمد بن خالد، عن هارون، عن المفضل، عن سعد الخفاف، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: القلوب أربعة: قلب فيه نفاق وإيمان، وقلب منكوس، وقلب مطبوع، وقلب أزهر أنور، قلت: ما الازهر، قال فيه كهيئة السراج، فأما المطبوع فقلب المنافق، وأما الازهر فقلب المؤمن إن أعطاه الله عزوجل شكر، وإن ابتلاه صبر، وأما المنكوس فقلب المشرك، ثم قرأ هذه الآية " أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم " (6) وأما القلب الذي فيه


(1) الخصال ج 1 ص 18. (2) أمالي الصدوق ص 292. (3) أمالي الطوسي ج 1 ص 146. (4) في المصدر: لا يعي، والعثور: الاطلاع، والوعى: الحفظ والاحتواء. (5) معاني الاخبار 395. (6) الملك: 23.

[52]

إيمان ونفاق، فهم قوم كانوا بالطائف فان أدرك أحدهم أجله على نفاقه هلك، وإن أدرك على إيمانه نجا (1). 11 - ل: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من علامات الشقاء جمود العين وقسوة القلب، وشدة الحرص في طلب الرزق، والاصرار على الذنب (2). 12 - ل: في وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام: يا علي أربع خصال من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وبعد الامل، وحب البقاء (3). 13 - ع: محمد بن موسى البرقي، عن علي بن محمد ماجيلويه، عن البرقي عن أبيه، عن محمد بن سنان رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: أعجب ما في الانسان قلبه وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فان سنح له الرجاء أذله الطمع وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب، اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامن استلبته الغرة (4) وإن جددت له النعمة أخذته العزة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن استفاد مالا أطغاه الغنى وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط به مفسد (5). شا: مرسلا مثله (6). 14 - ع: بهذا الاسناد، عن محمد بن سنان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) معاني الاخبار 395. (2) الخصال ج 1 ص 115. (3) الخصال ج 1 ص 115 و 116. (4) استلبه: اختلسه، والغرة: الغفلة. (5) علل الشرايع ج 1 ص 103. وسيأتي مثله عن النهج. (6) الارشاد ص 142 و 143.

[53]

قال: سمعته يقول لرجل: اعلم يا فلان إن منزلة القلب من الجسد بمنزلة الامام من الناس، الواجب الطاعة عليهم، ألا ترى أن جميع جوارح الجسد شرط للقلب وتراجمة له مؤدية عنه: الاذنان والعينان والانف والفم واليدان والرجلان والفرج فان القلب إذا هم بالنظر فتح الرجل عينيه، وإذا هم بالاستماع حرك اذنيه وفتح مسامعه فسمع، وإذا هم القلب بالشم استنشق بأنفه فأدى تلك الرائحة إلى القلب، وإذا هم بالنطق تكلم باللسان، وإذا هم بالحركة سعت الرجلان، وإذا هم بالشهوة تحرك الذكر، فهذه كلها مودية عن القلب بالتحريك، وكذلك ينبغي للامام أن يطاع للامر منه (1). أقول: قد مضى (2) في باب الاغضاء عن عيوب الناس، عن الباقر عليه السلام أنه قال: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء ساعة كذا، وساعة كذا. 15 - ل: عن الصادق عليه السلام، عن حكيم أنه قال: قلب الكافر أقسى من الحجر (3). 16 - ل (4): أبي، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث طويل يقول فيه: ألا إن للعبد أربع أعين: عينان يبصر بهما أمر دينه ودنياه، وعينان يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح له العينين اللتين في قلبه، فأبصر بهما الغيب وأمر آخرته، وإذا أراد به غير ذلك ترك القلب بما فيه. 17 - ب: ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقلب اذنين: روح الايمان يساره بالخير، والشيطان يساره بالشر فأيهما ظهر على صاحبه غلبه (5).


(1) علل الشرائع ج 1 ص 103. (2) بل سيأتي في ج 75 ص 48 من أجزاء المجلد السادس عشر كتاب العشرة تحت الرقم 9 من باب الاغضاء عن عيوب الناس. (3) الخصال ج 2 ص 5، وتراه في المعاني 177، الامالي: 146. (4) الخصال ج 1 ص 114 وفي النسخة زيادة رمز ين وهو سهو. (5) قرب الاسناد 24.

[54]

18 - فس: سعيد بن محمد، عن بكر بن سهل، عن عبد الغني بن سعيد الثقفي عن موسى بن عبد الرحمن، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس في قوله: " من شر الوسواس الخناس " يريد الشيطان على قلب ابن آدم له خرطوم مثل خرطوم الخنزير يوسوس ابن آدم إذا أقبل على الدنيا وما لا يحب الله، فإذا ذكر الله عزوجل خنس يريد رجع (1). 19 - فس: " إلا من أتى الله بقلب سليم " قال: القلب السليم الذي يلقى الله وليس فيه أحد سواه (2). 20 - ن، لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن سهل، عن الحسن بن علي بن النعمان، عن ابن أسباط، عن ابن الجهم قال: قلت للرضا عليه السلام: جعلت فداك أشتهي أن أعلم كيف أنا عندك ؟ فقال: انظر كيف أنا عندك (3). 21 - ب: ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن الشك والمعصية في النار، ليسا منا ولا إلينا، وإن قلوب المؤمنين لمطوية بالايمان طيا، فإذا أراد الله إنارة ما فيها فتحها بالوحي فزرع فيها الحكمة زارعها وحاصدها (4). 22 - لى: ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن المغيرة ومحمد بن سنان معا، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أبي عليه السلام يقول: ما شئ أفسد للقلب من الخطيئة، إن القلب ليواقع الخطيئة فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير أسفله أعلاه وأعلاه أسفله (5). ما: الغضايري، عن الصدوق مثله (6).


(1) تفسير القمي ذيل سورة الناس ص 744. (2) تفسير القمي ص 473. (3) عيون الاخبار ج 1 ص 145، أمالي الصدوق 145. (4) قرب الاسناد ص 25. (5) أمالي الصدوق 239. (6) أمالي الطوسي ج 2 ص 53.

[55]

23 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن المقرئ الخراساني، عن علي بن جعفر، عن أخيه، عن أبيه عليهم السلام قال: أوحى الله عزوجل إلى موسى عليه السلام يا موسى لاتفرح بكثرة المال، ولا تدع ذكري على كل حال، فان كثرة المال تنسئ الذنوب وإن ترك ذكري يقسي القلوب (1). 24 - ع: القطان، عن أحمد الهمداني، عن علي بن الحسن بن فضال عن أبيه، عن مروان بن مسلم، عن الثمالي، عن ابن طريف، عن ابن نباته قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب، وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب (2). 25 - مص: قال الصادق عليه السلام: إعراب القلوب على أربعة أنواع: رفع وفتح وخفض ووقف، فرفع القلب في ذكر الله، وفتح القلب في الرضا عن الله، وخفض القلب في الاشتغال بغير الله، ووقف القلب في الغفلة عن الله، ألا ترى أن العبد إذا ذكر الله بالتعظيم خالصا ارتفع كل حجاب كان بينه وبين الله من قبل ذلك، وإذا انقاد القلب لمورد قضاء الله بشرط الرضا عنه كيف ينفتح القلب بالسرور والروح والراحة، وإذا اشتغل قلبه بشئ من أسباب الدنيا كيف تجده إذا ذكر الله بعد ذلك وآياته منخفضا [مظلما] كبيت خراب خاويا، وليس فيه العمارة ولا مونس، وإذا غفل عن ذكر الله كيف تراه بعد ذلك موقوفا محجوبا قد قسي وأظلم منذ فارق نور التعظيم. فعلامة الرفع ثلاثة أشياء: وجود الموافقة، وفقد المخالفة، ودوام الشوق وعلامة الفتح ثلاثة أشياء: التوكل والصدق واليقين، وعلامة الخفض ثلاثة أشياء العجب والرياء والحرص، وعلامة الوقف ثلاثة أشياء زوال حلاوة الطاعة، وعدم مرارة المعصية، والتباس العلم الحلال بالحرام (3).


(1 و 2) علل الشرائع ج 1 ص 77. ط النجف الحروفية ص 81. (3) مصباح الشريعة ص 3.

[56]

26 - ضا: روي أن لله في عباده آنية وهو القلب، فأحبها إليه أصفاها وأصلبها وأرقها: أصلبها في دين الله، وأصفاها من الذنوب، وأرقها على الاخوان. 27 - شى: عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني أفرح من غير فرح أراه في نفسي، ولا في مالي ولا في صديقي، وأحزن من غير حزن أراه في نفسي ولا في مالي ولا في صديقي ؟ قال: نعم إن الشيطان يلم بالقلب فيقول: لو كان لك عند الله خير ما أدال عليك عدوك، ولا جعل بك إليه حاجة، هل تنتظر إلا مثل الذي انتظر الذين من قبلك ؟ فهل قالوا شيئا، فذاك الذي يحزن من غير حزن، وأما الفرح فان الملك يلم بالقلب فيقول: إن كان الله أدال عليك عدوك، وجعل بك إليه حاجة، فانما هي أيام قلائل أبشر بمغفرة من الله وفضل وهو قول الله: " الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا " (1). 28 - شى: عن سلام قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فدخل عليه حمران بن أعين فسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لابي جعفر عليه السلام: اخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك أنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى يرق قلوبنا وتسلو أنفسنا عن الدنيا، ويهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الاموال ثم نخرج من عندك فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا ؟ قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: إنما هي القلوب مرة يصعب عليها الامر ومرة يسهل. ثم قال أبو جعفر عليه السلام: أما إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: يارسول الله نخاف علينا النفاق، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك ؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا، روعنا ووجلنا ونسينا الدنيا وزهدنا فيها حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار، ونحن عندك، وإذا دخلنا هذه البيوت وشممنا الاولاد ورأينا العيال والاهل والمال يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شئ ؟ أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق ؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: كلا هذا


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 150، والاية في البقرة 268.

[57]

من خطوات الشيطان ليرغبكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها وأنتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون فتستغفرون الله لخلق الله خلقا لكي يذنبوا ثم يستغفروا، فيغفر لهم إن المؤمن مفتن تواب أما تسمع لقوله: إن الله يحب التوابين (1) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه (2). 29 - شى: عن أبي جميلة، عن عبد الله بن جعفر، عن أخيه قال: إن للقلب تلجلجا في الخوف يطلب الحق فإذا أصابه اطمأن به وقرأ " ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء (3). [30 - شى:]: عن سليمان بن خالد قال: قد سمعت أبا عبد الله عليه السلام أن الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء، وفتح مسامع قلبه، ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد بعبد سوء نكت في قلبه نكتة سوداء وشد عليه مسامع قلبه، ووكل به شيطانا يضله ثم تلا هذه الآية " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره " الآية. ورواه سليمان بن خالد عنه: " نكتة من نور " ولم يقل بيضاء (4). [31 - شى]: عن أبي بصير، عن خيثمة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن القلب ينقلب من لدن موضعه إلى حنجرته ما لم يصب الحق فإذا أصاب الحق قر ثم ضم أصابعه ثم قرأ هذه الآية " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام لموسى ابن أشيم: أتدري ما الحرج ؟ قال: قلت: لا، فقال بيده وضم أصابعه كالشئ


(1) البقرة: 222. (2) هود: 90 تفسير العياشي ج 1 ص 109. وترى مثله في الكافي ج 2 ص 423. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 376، والاية في الانعام: 125. (4) المصدر ج 1 ص 376 و 377.

[58]

المصمت لا يدخل فيه شئ ولا يخرج منه شئ (1). 32 - شى: عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " يحول بين المرء وقلبه " قال: هو أن يشتهي الشئ بسمعه وبصره ولسانه ويده أما إن هو غشي شيئا بما يشتهي فانه لا يأتيه إلا وقلبه منكر لا يقبل الذي يأتي، يعرف أن الحق ليس فيه، وفي خبر هشام عنه عليه السلام قال: يحول بينه وبين أن يعلم أن الباطل حق (2). 33 - شى: عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " قال: هو أن يشتهي الشئ بسمعه وبصره ولسانه ويده أما إنه لا يغشى شيئا منها وإن كان يشتهيه فانه لا يأتيه إلا وقلبه منكر لا يقبل الذي يأتي، يعرف أن الحق ليس فيه (3). 34 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: هذا الشئ يشتهيه الرجل بقلبه وسمعه وبصره، لا يتوق نفسه إلى غير ذلك، فقد حيل بينه وبين قلبه، إلا ذلك الشئ (4). وفي خبر يونس بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يستيقن القلب أن الحق باطل أبدا، ولا يستيقن أن الباطل حق أبدا (5). 35 - شى: عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما شيعتنا أصحاب الاربعة الاعين: عين في الرأس، وعين في القلب، ألا والخلايق كلهم كذلك، ألا وإن الله فتح أبصاركم وأعمى أبصارهم. 36 - جا: أبو غالب الزراري، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن الاهوازي عن محمد بن سنان، عن صالح بن يزيد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تبحروا قلوبكم فان أنقاها من حركة الواحش لسخط شئ من صنع الله فإذا وجدتموها كذلك فاسئلوه ما شئتم (6).


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 377. (2 - 4) تفسير العياشي ج 2 ص 52. (5) المصدر ج 2 ص 53. (6) أمالي المفيد: 42، ولفظ الحديث مصحف في كل النسخ لم نتمكن من أصلاحه.

[59]

37 - غو: روي أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ناجى داود ربه فقال: إلهي لكل ملك خزانة فأين خزانتك ؟ قال جل جلاله: لي خزانة أعظم من العرش، وأوسع من الكرسي، وأطيب من الجنة، وأزين من الملكوت: أرضها المعرفة، وسماؤها الايمان، وشمسها الشوق، وقمرها المحبة، ونجومها الخواطر وسحابها العقل، ومطرها الرحمة، وأثمارها الطاعة، وثمرها الحكمة، ولها أربعة أبواب: العلم، والحلم، والصبر، والرضا، ألا وهي القلب. 38 - كا: علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن صباح الحذاء، عن أبي اسامة قال: زاملت أبا عبد الله عليه السلام قال: فقال لي: اقرأ فافتتحت سورة من القرآن فقرأتها فرق وبكى، ثم قال: يا أبا اسامة ارعوا قلوبكم بذكر الله عزوجل واحذروا النكت فانه يأتي على القلب تاراة أو ساعات - الشك من صباح - ليس فيه إيمان ولا كفر، شبه الخرقة البالية، أو العظم النخر يا أبا اسامة أليس ربما تفقدت قلبك فلا تذكر به خيرا ولا شرا، ولا تدري أين هو ؟ قال: قلت له: بلى إنه ليصيبني وأراه يصيب الناس، قال: أجل ليس يعرى منه أحد قال: فإذا كان ذلك فاذكروا الله عزوجل، واحذروا النكت، فانه إذا أراد بعبد خيرا نكت إيمانا، وإذا أراد به غير ذلك نكت غير ذلك، قال: قلت: ما غير ذلك ؟ جعلت فداك ما هو ؟ قال: إذا أرد كفرا نكت كفرا (1). 39 - اسرار الصلاة: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: قلب المؤمن أجرد، فيه سراج يزهر، وقلب الكافر أسود منكوس. وعن سفيان بن عيينة قال: سألت [الصادق] عن قول الله عزوجل " إلا من أتى الله بقلب سليم " قال: السليم الذي يلقى ربه، وليس فيه أحد سواه، وقال: وكل قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط، وإنما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة. وقال النبي صلى الله عليه وآله: لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت.


(1) الكافي ج 8 ص 167.

[60]

40 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: القلوب أربعة: قلب فيه إيمان وليس فيه قرآن، وقلب فيه إيمان وقرآن، وقلب فيه قرآن وليس فيه إيمان، وقلب لا إيمان فيه ولا قرآن فأما الاول كالتمرة طيب طعمها ولا طيب لها، والثاني كجراب المسك طيب إن فتح وطيب إن وعاه، والثالث كالآس طيب ريحها وخبيث طعمها، والرابع كالحنظل خبيث ريحها وطعمها (1). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لله آنية في الارض فأحبها إلى الله ما صفا منها ورق وصلب، وهي القلوب فأما ما رق منها فالرقة على الاخوان وأما ما صلب منها فقول [الرجل في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، وأما ما صفا ما صفت من الذنوب] (2). القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالاعمال. وقال الحسن بن علي العسكري عليهما السلام: إذا نشطت القلوب فأودعوها وإذا نفرت فودعوها. 41 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد علق بنياط هذا الانسان بضعة وهي أعجب ما فيه، وذلك القلب، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فان سنح له الرجا أذله الطمع وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، و ؟ له الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامن [استلبته الغرة، وإن جددت له النعمة أخذته العزة] (3) وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وإن


(1) نوادر الراوندي 4. (2) مابين العلامتين أضفناه من الصمدر ص 7، وقد مر مرسلا عن كتاب التكليف لابن أبى العزاقر الشلمغانى المعروف بفقه الرضا عليه السلام تحت الرقم 26 وأما قوله " القصد إلى الله " الخ فقد تفحصنا نوادر الراوندي فلم نجده، ولم نعرف أنه من أي مصدر نقل كما لا يدرى مقدار السقط الذي وقع من البين. (3) مابين العلامتين ساقط عن النسخة، صححناه بالعرض على المصدر.

[61]

عضته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد (1). وقال عليه السلام: أن للقلوب شهوة وإقبالا وإدبارا فأتوها من قبل شهوتها وإقبالها، فان القلب إذا اكره عمي (2). وقال عليه السلام: إن القلوب تمل كما تمل الابدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة (3). وقال عليه السلام: ألا وإن من البلاء الفاقة، وأشد من الفاقة مرض البدن، و أشد من مرض البدن مرض القلب، ألا وإن من النعم سعة المال، وأفضل من سعة المال صحة البدن، وأفضل من صحة البدن تقوى القلوب (4). 42 - عدة الداعي: روي عن النبي صلى الله عليه وآله: على كل قلب جاثم من الشيطان فإذا ذكر اسم الله خنس وذاب، وإذا ترك ذكر الله التقمه الشيطان فجذبه وأغواه واستزله وأطغاه.


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 108 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 193 من الحكم. (3) المصدر الرقم 91 من الحكم. (4) المصدر الرقم 388 من الحكم.

[62]

(45) * (باب) * * " (مراتب النفس، وعدم الاعتماد عليها، وما زينتها وزين لها) " * * " (ومعنى الجهاد الاكبر، ومحاسبة النفس ومجاهدتها) " * * " (والنهى عن ترك الملاذ والمطاعم) " * الايات: البقرة: زين للذين كفروا الحيوة الدنيا (1). آل عمران: زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحيوة الدنيا والله عنده حسن المآب (2). الانعام: كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون (3). التوبة: زين لهم سوء أعمالهم (4). يونس: كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (5). يوسف: وما ابرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (6). الرعد: بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (7).


(1) البقرة: 212. (2) آل عمران: 14. (3) الانعام: 122. (4) براءة: 38. (5) يونس: 12. (6) يوسف: 53. (7) الرعد: 35.

[63]

ابراهيم: وقال الشيطان لما قضي الامر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل (1). طه: وكذلك سولت لي نفسي (2). الحج: وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم (3). العنكبوت: ومن جاهد فانما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين وقال تعالى: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (4). فاطر: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا (5). المؤمن: وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (6). محمد: أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوائهم (7). الحشر: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8). القيمة: ولا اقسم بالنفس اللوامة (9).


(1) ابراهيم: 21. (2) طه: 96. (3) الحج: 78. (4) العنكبوت: 6 و 69. (5) فاطر: 8. (6) المؤمن: 37. (7) القتال: 14. (8) الحشر: 18. (9) القيامة: 2.

[64]

الفجر: يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي وادخلي جنتي (1). الشمس: ونفس وما سويها * فألهمها فجورها وتقويها * قد أفلح من زكيها * وقد خاب من دسيها (2). 1 - عدة الداعي: قال النبي صلى الله عليه وآله أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. 2 - مع، ل: في وصية أبي ذر قال النبي صلى الله عليه وآله: على العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر فيما صنع الله عزوجل إليه (3). 3 - لى، مع: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من لم يتعاهد النقص من نفسه، غلب عليه الهوى، ومن كان في نقص فالموت خير له (4). 4 - جا، ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن القاشاني عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ألا فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا فان في القيامة خمسين موقفا كل موقف مقام ألف سنة، ثم تلا هذه الآية " في يوم كان مقداره ألف سنة " الخبر (5). 5 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن الثمالي قال: قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام: يقول: ابن آدم لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا، والحزن لك دثارا، ابن آدم إنك ميت ومبعوث، وموقوف


(1) الفجر: 27 - 30. (2) الشمس: 7 - 10. (3) معاني الاخبار 334، ولا يوجد في الخصال وانما تراه في أمالي الطوسي ج 2 ص 153. (4) أمالي الصدوق 237، معاني الاخبار 198. (5) أمالي المفيد 169، أمالي الطوسي ج 1 ص 34، والاية في السجدة: 5.

[65]

بين يدي الله عزوجل، ومسؤول فأعد جوابا (1). سر: ابن محبوب مثله. جا: أحمد بن الوليد مثله (2). 6 - ما: فيما أوصى به أمير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن صلوات الله عليهما: يا بني للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه ولذتها فيما يحل ويحمد، وليس للمؤمن بد من أن يكون شاخصا في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة لمعاد، أو لذة في غير محرم (3). 7 - مع، لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن موسى بن إسماعيل، عن أبيه، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهما السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث سرية فلما رجعوا قال: مرحبا بقوم قضوا الجهاد الاصغر وبقي عليهم الجهاد الاكبر، قيل: يارسول الله وما الجهاد الاكبر ؟ قال: جهاد النفس ثم قال صلى الله عليه وآله: أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه (4). ختص: عنه عليه السلام مثله (5). 8 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهما السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله مثله إلى قوله: جهاد النفس (6). 9 - فس: " ومن جاهد " قال: نفسه عن الشهوات واللذات والمعاصي " فانما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين " (7).


(1) أمالي الطوسي ج 1 ص 114. (2) مجالس المفيد 207. (3) أمالي الطوسى ج 1 ص 146. (4) معاني الاخبار 160، أمالي الصدوق 279. (5) الاختصاص 240. (6) نوادر الراوندي ص 21. (7) تفسير القمي 495 والاية في سورة العنكبوت: 6.

[66]

10 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " (1) فأما الحسنى فالجنة، وأما الزيادة فالدنيا ما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، ويجمع لهم ثواب الدنيا والآخرة ويثيبهم بأحسن أعمالهم في الدنيا والآخرة، يقول الله: " ولا يرهق وجوههم قتر ولاذلة اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " (2). 11 - ما: فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أهل مصر مع محمد بن أبي بكر: " عليكم بتقوى الله فانها تجمع الخير ولا خير غيرها، ويدرك بها من الخير ما لا يدرك بغيرها من خير الدنيا والآخرة، قال الله عزوجل: " وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين " (3). اعلموا يا عباد الله أن المؤمن من يعمل لثلاث من الثواب إما لخير فان الله يثيبه بعمله في دنياه وقال الله سبحانه لابراهيم: " وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين " (4) فمن عمل الله تعالى أعطاه أجره في الدنيا والآخرة، وكفاه المهم فيهما، وقد قال الله تعالى " يا عبادي الذين آمنوا - اتقوا ربكم - للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " والحسنى هي الجنة والزيادة هي الدنيا، وإن الله تعالى يكفر بكل حسنة سيئة قال الله عزوجل: " إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " (5) حتى إذا كان يوم القيامة حسبت لهم حسناتهم ثم أعطاهم بكل واحدة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله عزوجل: " جزاء من ربك عطاء


(1) يونس: 26. (2) تفسير القمي 287. (3) النحل: 30. (4) العنكبوت: 27. (5) هود: 114. (*)

[67]

حسابا " (1) وقال: " اولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون " (2). فارغبوا في هذا رحمكم الله، واعملوا له، وتحاضوا عليه، واعلموا يا عباد الله أن المتقين حازوا عاجل الخير وآجله، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، أباحهم الله في الدنيا ما كفاهم به، وقال عز اسمه: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيمة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون " (3). سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما اكلت، شاركوا أهل الدنيا في دنياهم، فأكلوا معهم من طيبات ما يأكلون، وشربوا من طيبات ما يشربون ولبسوا من أفضل ما يلبسون، وسكنوا من أفضل ما يسكنون، وتزوجوا من أفضل ما يتزوجون، وركبوا من أفضل ما يركبون، أصابوا لذة الدنيا مع أهل الدنيا، وهم غدا جيران الله يتمنون عليه فيعطيهم ما يتمنون، لا يرد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من اللذة، فإلى هذا يا عباد الله يشتاق إليه من كان له عقل ويعمل له تقوى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله (4). 12 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن جعفر بن محمد بن أعين، عن زكريا بن يحيى بن صبيح، عن خلف بن خليفة، عن سعيد بن عبيد، عن علي ابن ربيعة الوالبي، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها، وفرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وسن لكم سننا فاتبعوها، وحرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها، وعفي لكم عن أشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تكلفوها (5).


(1) النبأ: 36. (2) سبأ: 37. (3) الاعراف: 31. (4) أمالي الطوسي ج 2 ص 25. (5) أمالي الطوسي ج 2 ص 124.

[68]

جا: عبد الله بن جعفر مثله (1). 13 - ضا: نروي أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله رأى بعض أصحابه منصرفا من بعث كان بعثه، وقد انصرف بشعثه وغبار سفره، وسلاحه عليه، يريد منزله، فقال صلى الله عليه وآله: انصرفت من الجهاد الاصغر إلى الجهاد الاكبر، فقيل له: أو جهاد فوق الجهاد بالسيف ؟ قال: نعم، جهاد المرء نفسه. ونروي في قول الله تبارك وتعالى: اعبروا يا اولي الابصار قبل أن يعتبر بكم وأروي أن الهم في الدين يذهب بذنوب المؤمن، ونروي أن الهموم ساعات الكفارات وسألني رجل عما يجمع خير الدنيا والآخرة، فقلت: خالف نفسك. 14 - مص: قال الصادق عليه السلام: من رعى قلبه عن الغفلة، ونفسه عن الشهوة وعقله عن الجهل، فقد دخل في ديوان المتنبهين ثم من رعى عمله عن الهوى، ودينه عن البدعة، وماله عن الحرام، فهو من جملة الصالحين. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وهو علم الانفس، فيجب أن يكون نفس المؤمن على كل حال في شكر أو عذر، على معنى إن قبل ففضل، وإن رد فعدل، ويطالع الحركات في الطاعات بالتوفيق، ويطالع السكون عن المعاصي بالعصمة، وقوام ذلك كله بالافتقار إلى الله، والاضطرار إليه والخشوع والخضوع، ومفتاحها الانابة إلى الله، مع قصر الامل بدوام ذكر الموت وعيان الموقف بين يدي الجبار، لان في ذلك راحة من الحبس، ونجاة من العدو وسلامة النفس، والاخلاص في الطاعة بالتوفيق وأصل ذلك أن يرد العمر إلى يوم واحد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، وباب ذلك كله ملازمة الخلوة بمداومة الفكرة، وسبب الخلوة القناعة، وترك الفضول من المعاش، وسبب الفكرة الفراغ، وعماد الفراغ الزهد، وتمام الزهد التقوى، وباب التقوى الخشية ودليل الخشية التعظيم لله، والتمسك بتخليص طاعته وأوامره، والخوف والحذر والوقوف عن محارمه، ودليلها العلم قال الله عزوجل: " إنما يخشى الله من


(1) أمالي المفيد ص 102.

[69]

عباده العلماء " (1). 15 - مص: قال الصادق عليه السلام: طوبى لعبد جاهد لله نفسه وهواه، ومن هزم جند هواه ظفر برضا الله، ومن جاور عقله [نفسه] الامارة بالسوء بالجهد والاستكانة والخضوع على بساط خدمة الله تعالى فقد فاز فوزا عظيما، ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين الرب من النفس والهوى، وليس لقتلهما في قطعهما سلاح وآلة، مثل الافتقار إلى الله والخشوع والجوع، والظمأ بالنهار، والسهر بالليل، فان مات صاحبه مات شهيدا، وإن عاش واستقام أداه عاقبته إلى الرضوان الاكبر قال الله عزوجل: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " (2). وإذا رأيت مجتهدا أبلغ منك في الاجتهاد، فوبخ نفسك ولمها وعيرها وحثها على الازدياد عليه، واجعل لها زماما من الامر، وعنانا من النهي وسقها كالرائض للفاره الذي لا يذهب عليها خطوة منها إلا وقد صحح أولها وآخرها وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يصلي حتى يتروم قدماه، ويقول: أفلا أكون عبدا شكورا أراد أن يعتبر به امته، فلا تغفلوا عن الاجتهاد، والتعبد والرياضة بحال، ألا وإنك لو وجدت حلاوة عبادة الله، ورأيت بركاتها، واستضأت بنورها، لم تصبر عنها ساعة واحدة، ولو قطعت إربا إربا. فما أعرض من أعرض عنها إلا بحرمان فوائد السبق من العصمة والتوفيق. قيل لربيع بن خثيم: مالك لا تنام بالليل ؟ قال: لاني أخاف البيات، من خاف البيات لا ينام (3). 16 - م: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا انبئكم بأكيس الكيسين وأحمق الحمقاء ؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: أكيس الكيسين من حاسب نفسه، وعمل


(1) مصباح الشريعة ص 4، والاية في فاطر: 28. (2) العنكبوت: 69. (3) مصباح الشريعة 55.

[70]

لما بعد الموت، وأحمق الحمقا من اتبع نفسه هواه وتمنى عل الله الاماني فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكيف يحاسب الرجل نفسه ؟ قال: إذا أصبح ثم أمسى رجع إلى نفسه وقال: يانفس إن هذا يوم مضى عليك لا يعود إليك أبدا والله سائلك عنه فيما أفنيته، فما الذي عملت فيه ؟ أذكرت الله أم حمدتيه ؟ أقضيت حق أخ مؤمن ؟ أنفست عنه كربته ؟ أحفظتيه بظهر الغيب في أهله وولده ؟ أحفظتيه بعد الموت في مخلفيه ؟ أكففت عن غيبة أخ مؤمن بفضل جاهك ؟ أأعنت مسلما ؟ ما الذي صنعت فيه ؟ فيذكر ماكان منه، فان ذكر أنه جرى منه خير حمد الله عزوجل وكبره على توفيقه، وإن ذكر معصية أو تقصيرا استغفر الله عزوجل وعزم على ترك معاودته ومحا ذلك عن نفسه بتجديد الصلاة على محمد وآله الطيبين وعرض بيعة أمير المؤمنين على نفسه وقبولها، وإعادة لعن شانئيه وأعدائه، ودافعيه عن حقوقه، فإذا فعل ذلك قال الله عزوجل: لست اناقشك في شئ من الذنوب مع موالاتك أوليائي ومعاداتك أعدائي (1). 17 - جا: الجعابي، عن ابن عقدة، عن محمد بن سالم الازدي، عن موسى ابن القاسم، عن محمد بن عمران البجلي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من لم يجعل له من نفسه واعظا فان مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا (2). 18 - جا: علي بن بلال، عن عبد الله بن راشد، عن الثقفي، عن أحمد بن شمر، عن عبد الله بن ميمون المكي، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام اتي بخبيص (3) فأبى أن يأكله فقالوا له: أتحرم ؟ قال: لا، ولكني أخشى أن تتوق إليه نفسي فأطلبه، ثم تلا هذه الآية " أذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا واستمتعتم بها " (4).


(1) تفسير الامام 13. (2) مجالس المفيد ص 25. (3) الخبيص: الحلواء، معروف. (4) أمالي المفيد ص 87، والاية في الاحقاف: 20.

[71]

19 - جا: ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن أسباط عن عمه يعقوب، عن أبي الحسن العبدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان عبد ليحبس نفسه على الله إلا أدخله الله الجنة (1). 20 - ضه: قال العيص بن القاسم: قلت للصادق عليه السلام: حديث يروى عن أبيك عليه السلام أنه قال: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله من خبز بر قط أهو صحيح ؟ فقال: لا ما أكل رسول الله صلى الله عليه وآله خبز بر قط، ولا شبع من خبز شعير قط، قالت عائشة: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله من خبز الشعير حتى مات وقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم اجعل رزق محمد قوتا، وقالت عايشة: مازالت الدنيا علينا عسيرة كدرة حتى قبض النبي صلى الله عليه وآله فلما قبض النبي صبت علينا صبا وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يأكل على خوان حتى مات ولم يأكل خبزا مرققا حتى مات. وروي علي بن أبي طالب عليه السلام عن أبي جحيفة قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أتجشا فقال: يابا جحيفة اخفض جشاك (2) فان أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نور الحكمة الجوع، والتباعد من الله الشبع، والقربة إلى الله حب المساكين والدنو منهم، لا تشبعوا فيطفئ نور المعرفة من قلوبكم، ومن بات يصلي في خفة من الطعام بات وحور العين حوله، وقال صلى الله عليه وآله: لاتميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، وإن القلوب تموت كالزروع إذا كثر عليه الماء. 21 - جع: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رجعنا من الجهاد الاصغر إلى الجهاد الاكبر، وقال: من غلب علمه هواه، فهو علم نافع، ومن جعل شهوته تحت قدميه فر الشيطان من ظله، وقال صلى الله عليه وآله: يقول الله تعالى: أيما عبد أطاعني لم أكله إلى غيري وأيما عبد عصاني وكلته إلى نفسه، ثم لم ابال في أي واد هلك (3).


(1) أمالي المفيد ص 215. (2) التجشأ: تكلف الجشأ، وهو صوت يخرج من الفم مع ريح عند الشبع. (3) جامع الاخبار 118.

[72]

فلاح السائل ومحاسبة النفس للشهيد الثاني (1) مثله. 22 - تم: روي يحيى بن الحسين بن هارون الحسني في كتاب أماليه باسناده إلى الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يكون العبد مؤمنا حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، والسيد عبده. 23 - غو: روي في بعض الاخبار أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله رجل اسمه مجاشع فقال: يارسول الله كيف الطريق إلى معرفة الحق ؟ فقال صلى الله عليه وآله: معرفة النفس، فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى موافقة الحق، قال: مخالفة النفس فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى رضا الحق ؟ قال: سخط النفس، فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى وصل الحق، قال: هجر النفس، فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى طاعة الحق ؟ قال: عصيان النفس، فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى ذكر الحق ؟ قال: نسيان النفس، فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى قرب الحق ؟ قال: التباعد من النفس، فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى انس الحق ؟ قال: الوحشة من النفس، فقال: يارسول الله فكيف الطريق إلى ذلك قال: الاستعانة بالحق على النفس. 24 - ختص: عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فان عمل خيرا استزاد الله منه، وحمد الله عليه، وإن عمل شرا استغفر الله منه وتاب إليه (2). ين: حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر عنه عليه السلام مثله. كا: علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى مثله (3). 25 - ين: فضالة، عن الفضل بن عثمان، عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إني لابغض (4) رجلا يرضي ربه بشئ لا يكون فيه أفضل


(1) للسيد أبن طاوس خ ل ظ. (2) الاختصاص: 243. (3) الكافي ج 2 ص 453. (4) لاقتص ظ.

[73]

منه، فان رأيته يطيل الركوع قلت: يانفس وإن رأيته يطيل السجود قلت: يانفس. 26 - محاسبة النفس: عن النبي صلى الله عليه وآله حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوها قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الاكبر. 27 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم (1). وقال عليه السلام: يا أسرى الرغبة اقصروا، فان المعرج على الدنيا لا يروعه منها إلا صريف أنياب الحدثان، أيها الناس تولوا من أنفسكم تأديبها، واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها (2). وقال عليه السلام: كفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه من غيرك (3). 46. * (باب) * * " (ترك الشهوات والاهواء) " * الايات: النساء: والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (4). الكهف: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (5). مريم: فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف


(1) نهج البلاغة الرقم 208 من الحكم. (2) نهج البلاغة الرقم 359 من الحكم. (3) نهج البلاغة الرقم 412 من الحكم. (4) النساء: 77. (5) الكهف: 28.

[74]

يلقون غيا (1). طه: فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى (2). الفرقان: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (3). القصص: فان لم تستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (4). الروم: بل اتبع الذين ظلموا أهوائهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين (5). ص: ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله (6). الجاثية: أفرأيت من اتخذ إلهه هواه (7). محمد: اولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوائهم (8). القمر: وكذبوا واتبعوا أهوائهم وكل أمر مستقر (9). النازعات: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى (10). 1 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة عن السكوني، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود لم يره (11).


(1) مريم: 59. (2) طه: 16. (3) الفرقان: 43. (4) القصص: 5. (5) الروم: 29. (6) ص: 26. (7) الجاثية: 23. (8) القتال: 16. (9) القمر: 3. (10) النازعات: 40 - 41. (11) الخصال ج 1 ص 5.

[75]

كتاب الامامة والتبصرة: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله مثله. ثو: ابن المغيرة باسناده، عن السكوني مثله (1). جا: الصدوق، عن أبيه، عن محمد العطار، عن ابن عبد الجبار، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن الصادق عليه السلام مثله. 2 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل يقول: بجلالي وجمالي وبهائي وعلائي وارتفاعي لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت غناه في نفسه، وهمه في آخرته، وكففت عنه ضيعته، وضمنت السماوات والارض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر (2). سن: أبي، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام مثله (3). ين: النضر، عن ابن سنان، عن الثمالي، عنه عليه السلام قال: قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي لا يؤثر عبد وذكر مثله. 3 - ل: محمد بن أحمد الاسدي، عن محمد بن أبي عمران، عن أحمد بن أبي بكر، عن علي بن أبي علي اللهبي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أخوف ما أخاف على امتي الهوى وطول الامل أما الهوى فانه يصد عن الحق، وأما طول الامل فينسي الآخرة (4).


(1) ثواب الاعمال 161. (2) الخصال ج 1 ص 5. (3) المحاسن 28. (4) الخصال ج 1 ص 27، وفي ذيل الحديث مثل ما سيأتي عن أمالي الطوسي والمفيد.

[76]

ل: أبي، عن محمد العطار، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن حماد بن عيسى عن عمر بن اذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله (1). ل: ابن بندار، عن أبي العباس الحمادي، عن أحمد بن محمد الشافعي، عن عمه إبراهيم بن محمد، عن علي بن أبي علي اللهبي إلى آخر ما مضى (2). أقول: وقد أثبتنا تلك الاخبار تماما في كتاب الروضة في باب مواعظ النبي صلى الله عليه وآله، وبعض الاخبار في باب المنجيات والمهلكات، وبعضها في باب العفاف من هذا المجلد الخامس عشر. 4 - ل: أبي، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص، عن الصادق عليه السلام قال: إني لارجو النجاة لهذه الامة لمن عرف حقنا منهم، إلا لاحد ثلاثة: صاحب سلطان جائر، وصاحب هوى، والفاسق المعلن (3). 5 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير عن ابن عميرة، عن الثمالي، عن الصادق عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أشجع الناس من غلب هواه (4). لى: السناني، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن ابن ظبيان، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام مثله (5). 6 - لى، مع: في خبر الشيح الشامي قال زيد بن صوحان: يا أمير المؤمنين أي سلطان أغلب وأقوى ؟ قال: الهوى (6).


(1 و 2) الخصال ج 1 ص 27. (3) الخصال ج 1 ص 59. (4) معاني الاخبار ص 195. (5) أمالي الصدوق ص 14. (6) أمالي الصدوق 237، معاني الاخبار ص 198.

[77]

7 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن محمد بن الوليد، عن عنبر بن محمد، عن شعبة، عن سلمة بن جميل، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الكناني رحمه الله قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن أخوف ما أخاف عليكم طول الامل واتباع الهوى، فأما طول الامل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ألا وإن الدنيا قد تولت مدبرة والآخرة قد أقبلت مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب والآخرة حساب ولا عمل (1). جا: الجعابي، عن الفضل بن الحباب، عن مسلم بن عبد الله، عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمان، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حبة العرني عنه عليه السلام مثله (2). 8 - ثو: العطار، عن أبيه، عن الحسين بن إسحاق، عن ابن مهزيار، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن الله عزوجل يقول: وعزتي وعظمتي وجلالي وبهائي وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا جعلت همه في آخرته، وغناه في قلبه، وكففت عليه ضيعته، وضمنت السماوات والارض رزقه، وأتته الدنيا وهي راغمة (3). مشكوة الانوار: مثله (4). 9 - سن: محمد بن عبد الحميد العطار، عن عاصم بن حميد، عن الثمالي، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إني أخاف عليكم اثنين اتباع الهوى وطول الامل، فأما اتباع الهوى فانه يرد عن الحق، وأما طول الامل


(1) أمالي الطوسي ج 1 ص 117. (2) أمالي المفيد: 63، وفيه ألا وان الدنيا قد ترحلت مدبرة، والاخرة قد جاءت مقبلة. (3) ثواب الاعمال ص 152. (4) مشكوة الانوار ص 16.

[78]

فينسي الآخرة (1). 10 - محص: عن يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أكل ما يشتهي لم ينظر الله إليه حتى ينزع أو يترك. 11 - الدرة الباهرة: قال الجواد عليه السلام: من أطاع هواه أعطى عدوه مناه وقال عليه السلام: راكب الشهوات لاتستقال له عثرة. 12 - نهج: قال عليه السلام: من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته (2). وقال عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يقول: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، واعلموا أنه مامن طاعة الله شئ إلا يأتي في شهوة فرحم الله رجلا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه، فان هذه النفس أبعد شئ منزعا، وإنها لا تزال تنزع إلى معصية في هوى، واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يمسي ولا يصبح إلا ونفسه ظنون عنده، فلا يزال زاريا عليها، ومستزيدا لها، فكونوا كالسابقين قبلكم، والماضين أمامكم، قوضوا من الدنيا تقويض الراحل، وطووها طي المنازل إلى آخر الخطبة (3). 13 - كنز الكراجكى: قال لقمان لابنه: يا بني من يرد رضوان الله يسخط نفسه كثيرا، ومن لا يسخط نفسه لا يرضى به، ومن لا يكظم غيظه يشمت عدوه. 14 - عدة الداعي: عن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت أمره، ولبست عليه دنياه وشغلت قلبه بها ولم اوته منها إلا ما قدرت له، وعزتي وجلالي وعظمتي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والارض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا


(1) المحاسن ص 211. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 449 من الحكم. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 174 من الخطب.

[79]

وهي راغمة. مشكوة الانوار: نقلا من المحاسن مثله (1). 15 - كا: عن الحسين بن محمد الاشعري، عن المعلى، عن الحسن بن علي الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل يقول: وعزتي وجلالي وعظمتي وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هوى نفسه إلا كففت عليه ضيعته، وضمنت السماوات والارض رزقه وكنت له من وراء تجارة كل تاجر (2). بيان: قوله تعالى: " وعزتي " العزة القوة والشدة والغلبة وقيل: عزته عبارة عن كونه منزها عن سمات الامكان، وذل النقصان، ورجوع كل شئ إليه وخضوعه بين يديه " والعظمة " في صفة الاجسام كبر الطول والعرض والعمق، وفي وصفه تعالى عبارة عن تجاوز قدره عن حدود العقول والاوهام حتى لا تتصور الاحاطة بكنه حقيقته عند ذوي الافهام، وعلوه علو عقلي على الاطلاق بمعنى أنه لا رتبة أعلى من رتبته، وذلك لان أعلى مراتب الكمال العقلي هو مرتبة العلية، ولما كانت ذاته المقدسة مبدأ كل موجود حسي وعقلي لاجرم كانت مرتبته أعلى المراتب العقلية مطلقا، وله العلو المطلق في الوجود العاري عن الاضافة إلى شئ وعن إمكان أن يكون فوقه ما هو أعلى منه، وهذا معنى قول أمير المؤمنين عليه السلام: سبق في العلو فلا أعلى منه. وارتفاع مكانه كناية عن عدم إمكان الاشارة إليه بالقول والحواس. " لا يؤثر عبد هواي على هوس نفسه " المراد بهوى النفس ميلها إلى ما هو مقتضى طباعها من اللذات الحاضرة الدنيوية، والخروج عن الحدود الشرعية وبايثار هواه سبحانه إعراضها عن هذا الميل ورجوعها إلى ما يوجب قرب الحق تعالى ورضاه، وقد قال تعالى مخاطبا لداود عليه السلام: " يا داود إنا جعلناك خليفة


(1) مشكوة الانوار ص 17. (2) الكافي ج 2 ص 137.

[80]

في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " (1) فبين سبحانه أن متابعة الهوى - أي ما تهوى الانفس مخالفة - لاتباع سبيل الله وسلوك طريق الحق، ثم بين أن متابعة الهوى متفرع على نسيان يوم الحساب فان من تذكر الآخرة ونعيمها وعذابها، لا يتبع الاهواء النفسانية، والدواعي الشهوانية. وقال سبحانه: " فأما من طغى وآثر الحيوة الدنيا فان الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى " (2). فأشار إلى أن إيثار الحياة الدنيا مقابل لنهي النفس عن الهوى، واتباع الهوى إيثار الحياة الدنيا ولذاتها على الآخرة، وقال سبحانه: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا " (3) وقال عز من قائل: " فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " (4) ومثله في الكتاب العزيز غير عزيز. قوله عليه السلام: " إلا كففت عليه ضيعته " قال في النهاية فيه: امرت أن لا أكف شعرا ولا ثوبا، يعني في الصلاة يحتمل أن يكون بمعنى المنع، أي لا أمنعهما من الاسترسال حال السجود ليقعا على الارض، ويحتمل أن يكون بمعنى الجمع أي لا يجمعهما ويضمهما ومنه الحديث: المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته، أي يجمع عليه معيشته ويضمها إليه، وقال في حديث سعد: إني أخاف على الاعقاب الضيعة أي أنها تضيع وتتلف، والضيعة في الاصل المرة من الضياع، وضيعة الرجل في غير هذا ما يكون منه معاشه كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك، ومنه الحديث: أفشى الله


(1) سورة ص: 26. (2) النازعات: 38 - 41. (3) الجاثية: 23. (4) القصص: 50.

[81]

عليه ضيعته أي أكثر عليه معاشه (1) انتهى. وأقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها: الاول ما ذكره في النهاية أي جمعت عليه ضيعته ومعيشته، والتعدية بعلى لتضمين معنى البركة أو الشفقة ونحوهما، أو على بمعنى إلى كما أومأ إليه في النهاية فيحتاج أيضا إلى تضمين. الثاني أن يكون الكف بمعنى المنع، وعلى بمعنى عن، والضيعة بمعنى الضياع أي أمنع عنه ضياع نفسه وماله وولده وسائر ما يتعلق به، ويؤيده ما سيأتي في رواية الصدوق رحمه الله: وكففت عنه ضيعته. الثالث ما ذكره بعض المحققين وتبعه غيره أنه من الكفاف وهو ما يفي بمعيشته مباركا عليه كفافا له، ولا يخفى بعده لفظا إذ لا تساعده اللغة. قوله تعالى: " وضمنت " على صيغة المتكلم من باب التفعيل أي جعلت السماوات والارض ضامنتين لرزقه كناية عن تسبيب الاسباب السماوية والارضية له وربما يقرأ بصيغة الغايب على بناء المجرد، ورفع السماوات والارض، وهو بعيد " وكنت له من وراء تجارة كل تاجر " الوراء فعال، ولامه همزة عند سيبويه وأبي علي الفارسي وياء عند العامة وهو من ظروف المكان بمعنى قدام، وخلف، والتجارة مصدر بمعنى البيع والشراء، للنفع، وقد يراد بها ما يتجر فيه من الامتعة ونحوها على تسمية المفعول باسم لمصدر، وهذه الفقرة أيضا تحتمل وجوها: الاول أن يكون المعنى كنت له عقب تجارة كل تاجر أسوقها إليه أي القي محبته في قلوب التجار ليتجروا له ويكفوا مهماته. الثاني أن يكون المعنى كنت له عوضا من تجارة كل تاجر فان كل تاجر يتجر لمنفعة دنيوية أو اخروية ولما أعرض عن جميع ذلك كفلت أنا ربح تجارته، وهذا معنى دقيق خطر بالبال لكن لا يناسب إلا من


(1) قال في اللسان: أفشى الله ضيعته: أي كثر عليه معاشه ليشغله عن الاخرة، وروى أفسد بالسين والمعروف المروى أفشى، أقول والظاهر من الاستعمال أنه دعاء عليه، قال في الاساس: فشت عليه ضيعته: إذا انتشرت عليه أموره لا يدرى بأيها يبدأ. (*)

[82]

بلغ في درجات المحبة أقصى مراتب الكمال. الثالث الجمع بين المعنيين أي كنت له بعد حصول تجارة كل تاجر له. الرابع ما قيل: إن كل تاجر في الدنيا للآخرة يجد نفع تجارته فيها من الحسنة ونعيمها والله سبحانه بذاته المقدسة والتجليات اللائقة وراء هذا لهذا العبد، ففيه دلالة على أن للزاهدين في الجنة نعمة روحانية أيضا وهو قريب من الثالث. الخامس أن يكون الوراء بمعنى القدام أي كنت له أنيسا ومعينا ومحبا ومحبوبا قبل وصوله إلى نعيم الآخرة الذي هو غاية مقصود التاجرين لها. السادس ما قيل: أي أنا أتجر له فأربح له مثل ربح جميع التجار، لو اتجروا له ولا يخفى بعده. 16 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن ابن محبوب، عن العلا، عن ابن سنان عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله عزوجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وبهائي وعلو ارتفاعي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شئ من أمر الدنيا إلا جعلت غناه في نفسه، وهمته في آخرته، وضمنت السماوات والارض رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر (1). بيان: البهاء الحسن، والمراد الحسن المعنوي وهو الاتصاف بجميع الصفات الكمالية " إلا جعلت غناه في نفسه " أي أجعل نفسه غنية قانعة بما رزقته لا بالمال فان الغني بالمال الحريص في الدنيا أحوج الناس وإنما الغنى غنى النفس فكلمة " في " للتعليل، ويحتمل الظريفة أيضا بتكلف " وهمته " أي عزمه وقصده في آخرته ففي للتعليل أيضا، أو المعنى أنها مقصورة في آخرته ولا يوجه همته إلى تحصيل الدنيا أصلا. 17 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب عن أبي محمد الوابشي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم فليس شئ أعدى للرجال من اتباع أهوائهم، وحصائد


(1) الكافي ج 2 ص 137.

[83]

ألسنتهم (1). بيان: " احذروا أهواءكم " الاهواء جمع الهوى وهو مصدر هويه كرضيه إذا أحبه واشتهاه، ثم سمي به المهوي المشتهى، محمودا كان أو مذموما، ثم غلب على المذموم، قال الجوهري: كل خال هواء وقوله تعالى: " وأفئدتهم هواء " يقال: إنه لا عقول فيها، والهوى مقصورا هوى النفس والجمع الاهواء وهوي بالكسر يهوى هوى أي أحب. الاصمعي هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل (2) وقال الراغب: الهوى ميل النفس إلى الشهوة ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة وقيل: سمي بذلك لانه يهوى بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية وفي الآخرة إلى الهاوية، وقد عظم الله ذم اتباع الهوى، فقال: " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه " وقال: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " (3) " واتبع هواه وكان أمره فرطا " (4) وقوله: " ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جائك من العلم " (5) فانما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد لا يتناهى فاذن اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة قال: " ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون " (6) وقال: " كالذي استهوته الشياطين في الارض " (7) " ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل " (8) وقال: " قل لا أتبع أهوائكم قد ضللت إذا " (9) " ولا تتبع أهوائهم وقل آمنت بما أنزل الله


(1) الكافي ج 2 ص 335. (2) الصحاح ج 6 ص 2537. (3) سورة ص: 26. (4) الكهف: 28. (5) البقرة: 120. (6) الجاثية: 18. (7) الانعام: 71. (8) المائدة: 77. (9) الانعام: 56.

[84]

من كتاب " (1) " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " (2) انتهى. وأقول: ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما وما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا، بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا (3) وهو أن كل ما يرتكبه الانسان لمحض الشهوة النفسانية واللذة الجسمانية والمقاصد الفانية الدنيوية، ولم يكن الله مقصودا له في ذلك، فهو من الهوى المذموم، ويتبع فيه النفس الامارة بالسوء، وإن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيد المأكل والمطعم والملبس، ويقاسي الجوع والصوم والسهر للاشتهار بالعبادة، وجلب قلوب الجهال، وما يرتكبه الانسان لاطاعة أمره سبحانه وتحصيل رضاه وإن كان مما تشتهيه نفسه وتهواه، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل ويشرب لامره تعالى بهما أو لتحصيل القوة على العبادة وكمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به، أو لتحصيل الاولاد الصالحين، أو لعدم ابتلائه بالحرام. فهؤلاء وإن حصل لهم الالتذاذ بهذه الامور لكن ليس مقصودهم محض اللذة بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم ولم تكن تلك من التسويلات النفسانية، والتخييلات الشيطانية، ولو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الامور، فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات والمكروهات، ثم إلى المحرمات، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه. فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه، فان كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم، وكثيرا من العباد يأنسون بالعبادات بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها، وليس كل ما لا تشتهيه النفس


(1) الشورى: 15. (2) القصص: 50، راجع مفردات غريب القرآن 548. (3) يعنى باب ذم الدنيا والزهد فيها من الكافي.

[85]

يحسن ارتكابه، كأكل القاذورات والزنا بالجارية القبيحة، ويطلق أيضا الهوى على اختيار ملة أو طريقة أو رأي لم يستند إلى برهان قطعي أو دليل من الكتاب والسنة كمذاهب المخالفين، وآرائهم وبدعهم، فانها من شهوات أنفسهم ومن أوهامهم المعارضة للحق الصريح، كما دلت عليه أكثر الآيات المتقدمة. فذم الهوى مطلقا إما مبني على أن الغالب فيما تشتهيه الانفس أنها مخالفة لما ترتضيه العقل أو على أن المراد بالنفس النفس المعتادة بالشر، الداعية إلى السوء والفساد، ويعبر عنها بالنفس الامارة كما قال تعالى: " إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربي " (1) أو صار الهوى حقيقة شرعية في المعاصي والامور القبيحة التي تدعو النفس إليها، والآراء والملل والمذاهب الباطلة التي تدعو إليها الشهوات الباطلة، والاوهام الفاسدة، لا البراهين الحقة. " فليس شئ أعدى للرجال " لان ضرر العدو على فرض وقوعه راجع إلى الدنيا الزائلة، ومنافعها الفانية، وضرر الهوى راجع إلى الآخرة الباقية. " وحصائد ألسنتهم " قال في النهاية: فيه وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم أي ما يقطعونه من الكلام الذي لاخير فيه، واحدتها حصيدة، تشبيها بما يحصد من الزرع، وتشبيها للسان وما يقتطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به، وقال الطيبي: أي كلامهم القبيح كالكفر والقذف والغيبة وقال الجوهري: حصدت الزرع وغيره أحصده وأحصده حصدا والزرع محصود وحصيد وحصيدة، وحصائد ألسنتهم الذي في الحديث هو ما قيل في الناس باللسان وقطع به عليهم. 18 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل: وعزتي وجلالي وكبريائي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت عليه أمره ولبست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها، ولم اوته


(1) يوسف: 53.

[86]

منها إلا ما قدرت، وعزتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي وكفلت السماوات والارضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة (1). بيان: " وعزتي " أقسم سبحانه تأكيدا لتحقيق مضمون الخطاب، وتثبيته في قلوب السامعين، أولا بعزته وهي القوة والغلبة وخلاف الذلة وعدم المثل والنظير، وثانيا بجلاله وهو التنزه من النقائص أو عن أن يصل إليه عقول الخلق أو القدرة التي تصغر لديها قدرة كل ذي قدرة، وثالثا بعظمته وهي تنصرف إلى عظمة الشأن والقدر الذي يذل عندها شأن كل ذي شأن أو هو أعظم من أن يصل إلى كنه صفاته احد، ورابعا بكبريائه وهو كون جميع الخلائق مقهورا له منقادا لارادته، وخامسا بنوره وهو هدايته التي بها يهتدي أهل السماوات والارضين إليه وإلى مصالحهم ومراشدهم كما يهتدى بالنور، وسادسا بعلوه أي كونه أرفع من أن يصل إليه العقول والافهام أو كونه فوق الممكنات بالعلية أو تعاليه عن الاتصاف بصفات المخلوقين، وسابعا بارتفاع مكانه وهو كونه أرفع من أن يصل إليه وصف الواصفين أو يبلغه نعت الناعتين، وكان بعضها تأكيد لبعض. " لا يؤثر " أي لا يختار " عبد هواه " أي ما يحبه ويهواه " على هواي " أي على ما أرضاه وأمرت به " إلا شتت عليه أمره " على بناء المجرد أو التفعيل، في القاموس شت يشت شتا وشتاتا وشتيتا فرق وافترق كانشت وتشتت وشتته الله وأشته (2) وأقول: تشتت أمره إما كناية عن تحيره في أمر دينه، فان الذين يتبعون الاهواء الباطلة في سبل الضلالة يتيهون، وفي طرق الغواية يهيمون، أو كناية عن عدم انتظام امور دنياهم، فان من اتبع الشهوات لا ينظر في العواقب فيختل عليه امور معاشه، ويسلب الله البركة عما في يده أو الاعم منهما وعلى الثاني الفقرة الثانية تأكيد، وعلى الثالث تخصيص بعد التعميم " ولبست عليه


(1) الكافي ج 2 ص 335. (2) القاموس ج 1 ص 151.

[87]

دنياه " أي خلطتها أو أشكلتها وضيقت عليه المخرج منهما، قال: في المصباح لبست الامر لبسا من باب ضرب خلطته، وفي التنزيل " وللبسنا عليهم ما يلبسون " (1) والتشديد مبالغة وفي الامر لبس بالضم ولبسة أيضا إشكال والتبس الامر أشكل ولابسته بمعنى خالطته. وقال الراغب: أصل اللبس ستر الشئ، ويقال: ذلك في المعاني يقال لبست عليه أمره قال تعالى: " وللبسنا عليهم ما يلبسون - ولا تلبسوا الحق بالباطل " (2) " لم تلبسون الحق بالباطل " (3) " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " (4) و يقال في الامر لبسة أي التباس ولابست فلانا: خالطته (5). " وشغلت قلبه بها " أي هو دائما في ذكرها وفكرها غافلا عن الآخرة و تحصيلها ولا يصل من الدنيا غاية مناه فيخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين " إلا استحفظته ملائكتي " أي أمرتهم بحفظه من الضياع والهلاك في الدين والدنيا " وكفلت السماوات والارضين رزقه " وقد مر " وضمنت " أي جعلتهما ضامنين وكفيلين لرزقه، كناية عن تسبيب الاسباب السماوية والارضية لوصول رزقه المقدر إليه. " وكنت له من وراء تجارة كل تاجر " أقول: قد مر أنه يحتمل وجوها الاول أن يكون المعنى كنت من وراء تجارة التاجرين أي عقبها أسوقها إليه أي اسخر له قلوبهم له، والقي فيها أن يدفعوا قسطا من أرباح تجاراتهم إليه الثاني أني أتجر له عوضا عن تجارة كل تاجر له، لو كانوا اتجروا له الثالث أن المعنى أنا أي قربي وحبي له عوضا عن المنافع الزائلة الفانية التي


(1) الانعام: 9. (2) البقرة: 42. (3) آل عمران: 71. (4) الانعام: 82. (5) مفردات غريب القرآن 447.

[88]

تحصل للتجار في تجارتهم وبعبارة اخرى أنا مقصوده في تجارته المعنوية بدلا عما يقصده التجار من أرباحهم الدنيوية " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " الرابع أن المعنى كنت له بعد أن أسوق إليه أرباح التاجرين فتجتمع له الدنيا و - الآخرة، وهي التجارة الرابحة. " وأتته الدنيا وهي راغمة " أي ذليلة منقادة كناية عن تيسر حصولها بلا مشقة ولا ذلة أو مع هوانها عليه وليست لها عنده منزلة لزهده فيها، أو مع كرهها كناية عن بعد حصولها له بحسب الاسباب الظاهرة، لعدم توسله بأسباب حصولها وهذا معنى لطيف وإن كان بعيدا وفي القاموس الرغم الكره ويثلث كالمرغمة رغمه كعلمه ومنعه كرهه والتراب كالرغام ورغم أنفي لله مثلثة ذل عن كره وأرغمه الله أسخطه ورغمته فعلت شيئا على رغمه، وفي النهاية أرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام، وهو التراب، هذا هو الاصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره. 19 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة، عن يحيى بن عقيل قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنما أخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى وطول الامل، أما اتباع الهوى فانه يصد عن الحق وأما طول الامل فينسي الآخرة (1). بيان: " أما اتباع الهوى فانه يصد عن الحق " لان حب الدنيا وشهواتها يعمي القلب عن رؤية الحق وتمنع النفس عن متابعته، فان الحق والباطل متقابلان والآخرة والدنيا ضرتان متنافرتان والدنيا مع أهل الباطل، فاتباع الهوى إما يصير سببا لاشتباه الحق بالباطل في نظره، أو يصير باعثا على إنكار الحق مع العلم به والاول كعوام أهل الباطل، والثاني كعلمائهم. " وطول الامل " أي ظن البقاء في الدنيا وتوقع حصول المشتهيات فيها بالاماني الكاذبة الشيطانية ينسي الموت والآخرة وأهوالهما، فلا يتوجه إلى تحصيل


(1) الكافي ج 2 ص 336. (*)

[89]

الآخرة وما ينفعه فيها ويخلصه من شدائدها، وإنما نسب الخوف منهما إلى نفسه القدسية، لانه هو مولى المؤمنين والمتولي لاصلاحهم والراعي لهم في معاشهم والداعي لهم إلى صلاح معادهم. 20 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن عبد الرحمان الاصم، عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: اتق المرقى السهل إذا كان منحدره وعرا، وقال: كان أبو عبد الله عليه السلام يقول: لا تدع النفس وهواها، فان هواها في رداها، وترك النفس وما تهوى أذاها وكف النفس عما تهوى دواها (1). بيان: " اتق المرقى السهل " الخ المرقى والمرتقى والمرقاة موضع الرقى والصعود من رقيت السلم والسطح والجبل علوته، والمنحدر الموضع الذي ينحدر منه أي ينزل من الانحدار وهو النزول، الوعر ضد السهل، قال الجوهري: جبل وعر بالتسكين ومطلب وعر قال الاصمعي: ولا تقل وعر، أقول: ولعل المراد به النهي عن طلب الجاه والرياسة وسائر شهوات الدنيا ومرتفعاتها فانها وإن كانت مؤاتية على اليسر والخفض، إلا أن عاقبتها عاقبة سوء، والتخلص من غوائلها وتبعاتها في غاية الصعوبة. والحاصل أن متابعة النفس في أهوائها والترقي من بعضها إلى بعض، وإن كانت كل واحدة منها في نظره حقيرة، وتحصل له بسهولة، لكن عند الموت يصعب عليه ترك جميعها، والمحاسبة عليها، فهو كمن صعد جبلا بحيل شتى فإذا انتهى إلى ذروته تحير في تدبير النزول عنها وأيضا تلك المنازل الدنية تحصل له في الدنيا بالتدريج وعند الموت لابد من تركها دفعة ولذا تشق عليها سكرات الموت بقطع تلك العلائق، فهو كمن صعد سلما درجة درجة، ثم سقط في آخر درجة منه دفعة فكلما كانت الدرجات في الصعود أكثر كان السقوط منها أشد ضررا وأعظم خطرا فلابد للعاقل أن يتفكر عند الصعود على درجات الدنيا في شدة النزول عنها فلا يرقى


(1) الكافي ج 2 ص 336.

[90]

كثيرا ويكتفي بقدر الضرورة والحاجة، فهذا التشبيه البليغ على كل من الوجهين من أبلغ الاستعارات وأحسن التشبيهات. وفي بعض النسخ " اتقي " بالياء وكأنه من تصحيف النساخ ولذا قرأ بعض الشارحين أتقى بصيغة التفضيل [والمرقى ظ] على البناء للمفعول وقرأ السهل مرفوعا ليكون خبرا للمبتدأ وهو أتقى، أو يكون أتقي بتشديد التاء بصيغة المتكلم من باب الافتعال فالسهل منصوب صفة للمرقى، وكل منهما لا يخلو من بعد. " لا تدع النفس وهواها " أي لا تتركها مع هواها، وما تهواه وتحبه من الشهوات المردية " فان هواها في رداها " أي هلاكها في الآخرة بالهلاك المعنوي في القاموس: ردى في البئر سقط كتردى وأرداه غيره ورداه وردى كرضي ردى هلك وأرداه ورجل رد هالك قوله عليه السلام " أذاها " الاذى ما يؤذي الانسان من مرض أو مكروه والشئ القذر وفي بعض داؤها أي مرضها وهو أنسب بقوله " دواؤها " لفظا ومعنى وفي القاموس الدواء مثلثة ما داويت به وبالقصر المرض.

[91]

(47) * (باب) * * " (طاعة الله ورسوله وحججه عليهم السلام والتسليم لهم) " * * " (والنهى عن معصيتهم، والاعراض عن قولهم وايذائهم) " * الايات: البقرة: قالوا سمعنا وأطعنا (1). آل عمران: قل أطيعوا الله والرسول فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين (2). وقال تعالى: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (3). النساء: ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين (4). وقال تعالى: ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم (5). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا (6). وقال تعالى: ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من


(1) البقرة: 285. (2) آل عمران: 32. (3) آل عمران: 131. (4) النساء: 13 و 14. (5) النساء: 46. (6) النساء: 59.

[92]

النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا (1). المائدة: إذ قلتم سمعنا وأطعنا (2). وقال تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فان توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين (3). الانفال: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (4). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون * ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (5). التوبة: ويطيعون الله ورسوله اولئك سيرحمهم الله (6). النور: ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما اولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل اولئك هم الظالمون * إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا واولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون * وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون * قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان تولوا فانما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين - إلى قوله تعالى -: وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (7).


(1) النساء: 69. (2) المائدة: 7. (3) المائدة: 92. (4) الانفال: 1. (5) الانفال: 20 و 12. (6) براءة: 72. (7) النور: 47 - 56.

[93]

لقمان: واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون (1). الاحزاب: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (2). وقال تعالى: وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله - إلى قوله تعالى -: إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (3). وقال تعالى: إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إننا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا * يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها - إلى قوله سبحانه -: ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (4). الزخرف: واتبعون هذا صراط مستقيم (5). وقال تعالى: فاتقوا الله وأطيعون (6). محمد: فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الامر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم * اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم - إلى قوله تعالى -: ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم (7).


(1) لقمان: 15. (2) الاحزاب: 36. (3) الاحزاب: 53 - 57. (4) الاحزاب: 64 - 71. (5) الزخرف: 61. (6) الزخرف: 63. (7) القتال: 21 - 28.

[94]

وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (1). الفتح: ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما (2). الحجرات: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (3). وقال تعالى: وإن تطيعوا الله ورسوله لايلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم (4). المجادلة: إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين * يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد (5). وقال تعالى: وأطيعوا الله ورسوله - إلى قوله تعالى - " أن الذين يحادون الله ورسوله اولئك في الاذلين كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (6). الحشر: ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فان الله شديد العقاب (7). وقال تعالى: وما آتيكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (8).


(1) القتال: 33. (2) الفتح: 17. (3) الحجرات: 1. (4) الحجرات: 14. (5) المجادلة: 5 - 6. (6) المجادلة: 13 - 21. (7) الحشر: 4. (8) الحشر: 7.

[95]

الصف: وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين (1). التغابن: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان توليتم فانما على رسولنا البلاغ المبين (2). وقال تعالى: واسمعوا وأطيعوا (3). الطلاق: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه (4). نوح: قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (5). أقول: أكثر أخبار هذا الباب مذكورة في مطاوي الابواب السابقة واللاحقة ولا سيما في باب الطاعة والتقوى. 1 - نهج: عليكم بطاعة من لا تعذرون بجهالته (6). 2 - كا: عن علي، عن أبيه، عن البزنطي، عن محمد أخي غرام، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لا يذهب بكم المذاهب، فوالله ماشيعتنا إلا من أطاع الله عزوجل (8). بيان: " لا يذهب بكم المذاهب " على بناء المعلوم، والباء للتعدية، وإسناد الا ذهاب إلى المذاهب على المجاز، فان فاعله النفس أو الشيطان أي لا يذهبكم المذاهب الباطلة إلى الضلال والوبال أو على بناء المجهول أي لا يذهب بكم الشيطان في المذاهب


(1) الصف: 5. (2) التغابن: 13. (3) التغابن: 16. (4) الطلاق: 1. (5) نوح: 21. (6) نهج البلاغة ج 2 ص 183، الرقم 156 من الحكم. (7) الكافي ج 2 ص 73.

[96]

الباطلة من الاماني الكاذبة، والعقائد الفاسدة، بأن تجترؤا على المعاصي اتكالا على دعوى التشيع والمحبة والولاية من غير حقية، فانه ليس شيعتهم إلا من شايعهم في الاقوال والافعال، لا من ادعى التشيع بمحض المقال. 3 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع فقال: يا أيها الناس والله ما من شئ يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا وقد أمرتكم به، وما من شئ يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، ألا وإن الروح الامين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحمل أحدكم استبطاء شئ من الرزق أن يطلبه بغير حله، فانه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته (1). بيان: الروح الامين جبرئيل عليه السلام لانه سبب لحياة النفوس بالعلم وأمين على وحي الله إلى الرسل، وفي النهاية فيه أن روح القدس نفث في روعي يعني جبرئيل أي أوحى وألقى من النفث بالفم وهو شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل لان التفل لا يكون إلا ومعه شئ من الريق " في روعي " أي في نفسي وخلدي انتهى " حتى تستكمل رزقها " أي تأخذ رزقها المقدر على وجه الكمال " فاتقوا الله " أي في خصوص طلب الرزق أو مطلقا " وأجملوا في الطلب " أي اطلبوا طلبا جميلا ولا يكون كدكم كدا فاحشا، وفي المصباح أجملت في الطلب رفقت. قال الشيخ البهائي قدس سره: يحتمل معنيين الاول أن يكون المراد [اتقوا الله في هذا الكد الفاحش أي لا تقيموا عليه كما تقول: اتق الله في فعل كذا أي لا تفعله، والثاني أن يكون المراد] (2) أنكم إذا اتقيتموه لا تحتاجون إلى هذا الكد والتعب ويكون إشارة إلى قوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (3).


(1) الكافي ج 2 ص 74. (2) مابين العلامتين ساقط من الكمبانى. (3) الطلاق: 2 و 3.

[97]

" ولا يحصل أحدكم " أي لا يبعثه ويحدوه، والمصدر المسبوك من " أن " المصدرية ومعمولها منصوب بنزع الخافض، أي لا يبعثكم استبطاء الرزق على طلبه من غير حله، وسيأتي في خبر آخر ولا يحملنكم استبطاء شئ من الرزق أن تطلبوه بشئ من معصية الله فان الله تعالى قسم الارزاق بين خلقه حلالا ولم يقسمها حراما ومن اتقى الله وصبر أتاه رزقه من حله، ومن هتك حجاب ستر الله عزوجل وأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال وحوسب عليه يوم القيامة. وأقول: هذه الجمل كالتفسير لقوله عليه السلام: " فانه لا يدرك ما عند الله " أي من الثواب الجزيل والرزق الحلال " إلا بطاعته " في الاوامر والنواهي، والحاصل أن قوله: " ما عند الله " يحتمل الرزق الحلال والدرجات الاخروية والاعم والاول أوفق بالتعليل، وكذا الثالث، وإن كان الثاني أظهر في نفسه. واعلم أن الرزق عند المعتزلة كل ماصح الانتفاع به بالتغدي وغيره، وليس لاحد منعه منه، وليس الحرام عندهم رزقا، والحديث يدل عليه. وعند الاشاعرة كل ما ينتفع به ذو حياة بالتغذي وغيره، وإن كان حراما، وخص بعضهم بالاغذية والاشربة وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب المكاسب إنشاء الله تعالى. 4 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن سالم، وأحمد بن أبي عبد الله عن أبيه جميعا، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت ؟ فوالله ماشيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والامانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة، والغارمين، والايتام وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الالسن عن الناس، إلا من خير، وكانوا امناء عشائرهم في الاشياء. قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة، فقال عليه السلام: يا جابر لا تذهبن بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول: احب

[98]

عليا وأتولاه، ثم لا يكون مع ذلك فعالا ؟ فلو قال: إني احب رسول الله صلى الله عليه وآله فرسول الله صلى الله عليه وآله خير من علي عليه السلام ثم لايتبع سيرته، ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة أحب العباد إلى الله عزوجل [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم بطاعته. يا جابر فوالله ما يتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لاحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، ولا تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع (1). لى: عن ابن الوليد، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر مثله (2). ما: عن المفيد، عن ابن أبي حميد، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن يونس بن عبد الرحمان، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن جابر الجعفي مثله (3). مشكوة الانوار: مرسلا مثله (4). تبيان: " من ينتحل التشيع " أي يدعيه من غير أن يتصف به، وفي غير كا " انتحل " في القاموس انتحله وتنحله ادعاه لنفسه وهو لغيره " وما كانوا يعرفون " على بناء المجهول والضمير راجع إلى الشيعة أو إلى خيار العباد أي كان في زمن النبي وأمير المؤمنين وسائر الائمة الماضين صلوات الله عليهم يعرفون الشيعة بتلك الصفات فمن لم يكن فيه تلك الخلال لم يكونوا يعدونهم من الشيعة، أو كانوا موصوفين معروفين باتصافهم بها، " إلا بالتواضع " أي بالتذلل لله عند أوامره ونواهيه ولائمة الدين بتعظيمهم وإطاعتهم، وللمؤمنين بتكريمهم وإظهار حبهم، وعدم التكبر عليهم، وحسن العشرة معهم.


(1) الكافي ج 2 ص 74. (2) أمالي الصدوق ص 371. (3) أمالي الطوسي ج 2 ص 365. (4) مشكاة الانوار: 59.

[99]

والتخشع إظهار الخشوع، وهو التذلل لله مع الخوف منه، واستعمال الجوارح فيما أمر الله به، وينسب إلى القلب وإلى الجوارح معا، والامانة ضد الخيانة أي أداء حقوق الله والخلق، وعهودهم، وترك الغدر والخيانة فيها، وفي. ما والانابة أي التوبة والرجوع إلى الله، وكثرة ذكر الله، باللسان والقلب والصوم عطف على الذكر، وفي ما " وبر الوالدين ". " والتعهد للجيران " أي رعاية أحوالهم وترك إيذائهم، وتحمل الاذى عنهم وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم وعدم منع الماعون عنهم، وسيأتي الخلاف في كون الفقير أسوء حالا أو المسكين والتخصيص بهما لكون رعايتهما أهم، وإلا يلزم رعاية الجيران مطلقا، وفي ما " وتعاهد الجيران ". " والغارمين " إما عطف على الفقراء أو على الجيران " وكانوا امناء عشائرهم " أي يأتمنونهم ويعتمدون عليهم في جميع الاشياء من الاموال والفروج وحفظ الاسرار " والعشاير " جمع العشيرة وهي القبيلة، وفي لى وغيره " فقال جابر يا ابن رسول الله لست أعرف أحدا بهذه الصفة ". قوله عليه السلام: " لا تذهبن بك المذاهب " أي إلى الباطل والاغترار وترك العمل " حسب الرجل أن يقول " التركيب مثل حسبك درهم أي كافيك، وحرف الاستفهام مقدر وهو على الانكار أي لا يكفيه ذلك " فعالا " أي كثير الفعل لما يقتضيه اعتقاده في متابعة الائمة عليهم السلام في جميع الامور، وليست هذه الفقرة في لى، قوله: " فرسول الله " الظاهر أنها جملة معترضة، وفي لي وبعض الكتب " ورسول الله " وهو أظهر، فتكون جملة حالية، ويحتمل أن يكون على النسختين عطفا على احب ويكون داخلا في مقول القول أي لو قال المخالف: إني احب رسول الله وهو أفضل من علي فكما أنكم تتكلون على حب علي أنا أتكل على حب رسول الله صلى الله عليه وآله لم يمكنكم إلزامه بالجواب، لانكم إذا قلتم لا ينفعكم حب محمد مع مخالفته في القول بأوصيائه يمكنه أن يقول: فكذا لا ينفعكم حب علي مع مخالفتكم له في الافعال والاقوال، وفي لى غيره " لا يعمل بعمله ولا يتبع سنته

[100]

ما نفعه ". قوله عليه السلام: " ليس بين الله وبين أحد قرابة " أي ليس بين الله وبين الشيعة قرابة حتى يسامحهم ولا يسامح مخالفيهم، مع كونهم مشتركين معهم في مخالفته تعالى، أو ليس بينه وبين علي قرابة حتى يسامح شيعة علي ولا يسامح شيعة الرسول، والحاصل أن جهة القرب بين العبد وبين الله إنما هي الطاعة والتقوى ولذا صار أئمتكم أحب الخلق إلى الله، فلو لم تكن هذه الجهة فيكم لم ينفعكم شئ وفي لى " إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم بطاعته والله ما يتقرب إلى الله جل ثناؤه إلا بالطاعة ما معنا ". " وما معنا براءة من النار " أي ليس معنا صك (1) وحكم ببرائتنا وبراءة شيعتنا من النار وإن عملوا بعمل الفجار " ولا على الله لاحد من حجة " أي ليس لاحد على الله حجة إذا لم يغفر له بأن يقول: كنت من شيعة علي عليه السلام فلم لم تغفر لي ؟ لان الله تعالى لم يحتم بغفران من ادعى التشيع بلا عمل، أو المعنى ليس لنا على الله حجة في إنقاذ من ادعى التشيع من العذاب ويؤيده أن في ما " وما لنا على الله حجة ". " من كان لله مطيعا " كأنه جواب عما يتوهم في هذا المقام أنهم عليهم السلام حكموا بأن شيعتهم وأولياءهم لا يدخولن النار فأجاب عليه السلام بأن العاصي لله ليس بولي لنا ولا تدرك ولايتنا إلا بالعمل بالطاعات، والورع عن المعاصي. قيل: للورع أربع درجات: الاولى ورع التائبين، وهو مايخرج به الانسان من الفسق وهو المصحح لقبول الشهادة، الثانية ورع الصالحين وهو الاجتناب عن الشبهات خوفا منها، ومن الوقوع في المحرمات، الثالثة ورع المتقين وهو ترك الحلال خوفا من أن ينجر إلى الحرام، مثل ترك التحدث بأحوال الناس مخافة أن ينجر إلى الغيبة، الرابعة ورع السالكين وهو الاعراض عما سواه تعالى خوفا من صرف ساعة من العمر فيما لا يفيد زيادة القرب منه تعالى وإن علم أنه لا ينجر


(1) الصك معرب چك، كتاب الحوالة.

[101]

إلى الحرام. قوله عليه السلام: " إلا بالعمل " في لى وغيره إلا بالورع والعمل. 5 - كا: عن علي، عن أبيه ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل جميعا، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة تقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة فيضربونه فيقال لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، فيقال لهم: على ما صبرتم ؟ فيقولون: كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله، فيقول الله عزوجل: صدقوا أدخلوهم الجنة، وهو قول الله عزوجل: " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (1). ايضاح: في النهاية عنق أي جماعة من الناس، وفي القاموس العنق بالضم وبضمتين الجماعة من الناس والرؤساء " أجرهم بغير حساب " قيل: أي أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب ويظهر من الخبر أن المعنى أنهم لا يوقفون في موقف الحساب، بل يذهب بهم إلى الجنة بغير حساب قال الطبرسي رحمه الله: لكثرته لا يمكن عده وحسابه وروى العياشي بالاسناد. عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا نشرت الدواوين، ونصبت الموازين لم ينصب لاهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان، ثم تلا هذه الآية " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (2). 6 - كا: عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن بعض أصحابه عن أبان، عن عمر بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا معشر الشيعة شيعة آل محمد كونوا النمرقة الوسطى: يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي، فقال له رجل من الانصار، يقال له سعد: جعلت فداك ما الغالي ؟ قال: قوم يقولون فينا مالا نقوله في أنفسنا، فليس اولئك منا ولسنا منهم، قال: فما التالي ؟ قال: المرتاد يريد الخير يبلغه الخير يؤجر عليه.


(1) الكافي ج 2 ص 75، والاية في الزمر: 10. (2) مجمع البيان ج 8 ص 492.

[102]

ثم أقبل علينا فقال: والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة ولا لنا على الله حجة، ولا يتقرب (1) إلى الله إلا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعا لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصيا لله لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغتروا ويحكم لا تغتروا (2). بيان: قال الجوهري: النمرقة وسادة صغيرة، وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة عن أبي عبيد (3) وفي القاموس النمرق والنمرقة مثلثة الوسادة الصغيرة أو الميثرة أو الطنفسة فوق الرحل، والنمرقة بالكسر من السحاب ماكان بينه فتوق انتهى (4) وكأن التشبيه بالنمرقة باعتبار أنها محل الاعتماد، والتقييد بالوسطى لكونهم واسطة بين الافراد والتفريط، أو التشبيه بالنمرقة الوسطى باعتبار أنها في المجالس صدر ومكان لصاحبه يلحق به ويتوجه إليه من على الجانبين. وقيل: المراد كونوا أهل النمرقة الوسطى، وقيل: المراد إنه كما كانت الوسادة التي يتوسد عليها الرحل إذا كانت رفيعة جدا أو خفيفة جدا لا تصلح للتوسد، بل لابد لها من حد من الارتفاع والانخفاض حتى يصلح لذلك، كذلك أنتم في دينكم وأئمتكم لا تكونوا غالين تجاوزون بهم عن مرتبتهم التي أقامهم الله عليها أو جعلهم أهلا لها، وهي الامامة والوصاية النازلتان عن الالوهية والنبوة كالنصارى الغالين في المسيح المعتقدين فيه الالوهية أو البنوة للاله، ولا تكونوا أيضا مقصرين فيهم تنزلونهم عن مرتبتهم، وتجعلونهم كسائر الناس أو أنزل، كالمقصرين من اليهود في المسيح المنزلين له عن مرتبته، بل كونوا كالنمرقة الوسطى وهي المقتصدة للتوسد يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي.


(1) نتقرب خ ل. (2) الكافي ج 2 ص 75. (3) الصحاح ج 4 ص 1561. (4) القاموس ج 3 ص 286.

[103]

قوله عليه السلام: " ما لا نقوله في أنفسنا " كالالوهية، وكونهم خالقين للاشياء والنبوة " المرتاد يريد الخير يبلغه الخير " كأنه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر أي يريد الاعمال الصالحة التي تبلغه أن يعملها، ولكن لا يعمل بها يوجر عليه بمحض هذه النية، أو المعنى أنه المرتاد الطالب لدين الحق وكماله وقوله: " يبلغه الخير " جملة اخرى لبيان أن طالب الخير سيجده ويوفقه الله لذلك كما قال تعالى: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " (1) وقوله: " يؤجر عليه " لبيان أنه بمحض الطلب مأجور. وقيل: المرتاد الطالب للاهتداء الذي لايعرف الامام ومراسم الدين بعد يريد التعلم ونيل الحق، " يبلغه الخير " بدل من " الخير " يعني يريد أن يبلغه الخير ليؤجر عليه، وقيل: المرتاد أي الطالب من ارتاد الرجل الشئ إذا طلبه والمطلوب أعم من الخير والشر، فقوله: " يريد الخير " تخصيص وبيان للمعنى المراد ههنا " يبلغه الخير " من الابلاغ أو التبليغ وفاعله معلوم بقرينة المقام، أي من يوصله إلى الخير المطلوب، ثم يؤجر عليه لهدايته وإرشاده. وأقول: على هذا يمكن أن يكون فاعله الضمير الراجع إلى النمرقة لما فهم سابقا أنه يلحق التالي بنفسه، وقيل جملة: " يريد الخير " صفة المرتاد، إذ اللام للعهد الذهني، وهو في حكم النكرة وجملة " يبلغه " إما على المجرد من باب نصر أو على بناء الافعال أو التفعيل استيناف بياني وعلى الاول الخير مرفوع بالفاعلية إشارة إلى أن الدين الحق لوضوح براهينه كأنه يطلبه ويصل إليه، وعلى الثاني والثالث الضمير راجع إلى مصدر " يريد " " والخير " منصوب و " يؤجر عليه " استيناف للاستيناف الاول لدفع توهم أن لا يؤجر لشدة وضوح الامر فكأنه اضطر إليه وأكثر الوجوه لا تخلو من تكلف وكأن فيه تصحيفا وتحريفا. " ولا لنا على الله حجة " أي بمحض قرابة الرسول صلى الله عليه وآله من غير عمل لانفسنا، ولا لتخليص شيعتنا، " ولا نتقرب " بصيغة المتكلم والغائب


(1) العنكبوت: 69.

[104]

المجهول " ويحكم لا تغتروا " في القاموس ويح لزيد وويحا له كلمة رحمة، ورفعه على الابتداء، ونصبه باضمار فعل، وويح زيد وويحه نصبهما به أيضا أو أصله وي فوصلت بحاء مرة وبلام مرة وبباء مرة وبسين مرة (1) وفي النهاية ويح كلمة ترحم وتوجع، يقال: لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال: بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع، وتضاف ولا تضاف، يقال: ويح زيد، وويحا له، وويح له. 7 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن عيسى، عن مفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فذكرنا الاعمال، فقلت أنا: ما أضعف عملي ؟ فقال: مه استغفر الله، ثم قال لي: إن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى قلت: كيف يكون كثير بلا تقوى ؟ قال: نعم مثل الرجل يطعم طعامه، ويرفق جيرانه، ويوطئ رحله، فإذا ارتفع له الباب من الحرام دخل فيه، فهذا العمل بلا تقوى، ويكون الآخر ليس عنده فإذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه (2). بيان: " فذكرنا الاعمال " أي قلتها وكثرتها، أو مدخليتها في الايمان " ما أضعف عملي " صيغة تعجب كما هو الظاهر أو ما نافية واضعف بصيغة المتكلم أي ما أعد عملي ضعيفا، وعلى الاول يتوهم في نهيه عليه السلام وأمره بالاستغفار منافاة لما مر في الاخبار من ترك العجب والاعتراف بالتقصير، ويمكن الجواب عنه بوجوه: الاول ما قيل: إن النهي للفتوى بغير علم، لا للاعتراف بالتقصير. الثاني أنه كان ذلك لاستشمامه منه رائحة الاتكال على العمل، مع أن العمل


(1) القاموس ج 1 ص 256، وقال في ص 138: ويب كويل، تقول: ويبك وويب لك وويب لزيد وويبا له.. ومعنى الكل ألزمه الله ويلا، وقال في ج 2 ص 258: ويس كلمة تستعمل في موضع رأفة واستملاح للصبى، والويس: الفقر، وما يريده الانسان، ضد. (2) الكافي ج 2 ص 76.

[105]

هين جدا في جنب التقوى لاشتراط قبوله بها ولذا نبهه على ذلك، والحاصل أنه لما كان كلامه مبنيا على أن المدار على قلة العمل وكثرته نهاه عن ذلك. الثالث ما قيل: إن الاقوال والافعال يختلف حكمها باختلاف النيات والقصود، وهو لم يقصد بهذا القول أن عمله ضعيف قليل بالنظر إلى عظمة الحق وما يستحقه من العبادة، وإنما قصد به ضعفه وقلته لذاته، وبينهما فرق ظاهر والاول هو الاعتراف بالتقصير دون الثاني. الرابع أنه عليه السلام لما علم أن المفضل يعتد بعمله ويعده كثيرا، وإنما يقول ذلك تواضعا وإخفاء للعمل نهاه عن ذلك. وفي القاموس رفق فلانا نفعه كأرفقه، ووطئ الرحل كناية عن كثرة الضيافة قال في القاموس: رجل موطأ الاكناف كمعظم سهل دمث كريم مضياف، أو يتمكن في ناحيته صاحبه، غير مؤذى ولا ناب به موضعه (1) وفي النهاية في قوله صلى الله عليه وآله: أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهو التمهيد والتذليل، وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم، والاكناف الجوانب، أراد الذين جوانبهم وطئة يتمكن فيها من يصاحبهم ولا يتأذى، انتهى وقيل: توطئة الرحل كناية عن التواضع والتذلل. " فإذا ارتفع له الباب من الحرام " أي ظهر له ما يدخله في الحرام من مال حرام أو فرج حرام وغير ذلك " ليس عنده " أي العمل الكثير الذي كان عند صاحبه. 8 - كتاب الامامة والتبصرة: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الطاعة قرة العين.


(1) القاموس ج 1 ص 32.

[106]

(48) (باب) * " (ايثار الحق على الباطل، والامر بقول الحق وان كان مرا) " * الايات: أسرى: قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا (1). سبا: قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب * قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (2). حمعسق: ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور (3). الزخرف: لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (4). 1 - لى (5) مع: سئل أمير المؤمنين عليه السلام: أي الناس أكيس ؟ قال: من أبصر رشده من غيه، فمال إلى رشده (6). 2 - ل: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن علي بن حسان رفعه إلى زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من حقيقة الايمان أن تؤثر الحق وإن ضرك، على الباطل وإن نفعك، وأن لا يجوز. منطقك علمك (7). 3 - ل: الحسن بن علي [بن محمد] العطار، عن محمد بن محمود، عن محمد ابن منصور وإسماعيل المكي وحمدان جميعا، عن المكي بن إبراهيم، عن


(1) أسرى: 81. (2) سبأ: 48 و 49. (3) الشورى: 24. (4) الزخرف: 78. (5) أمالي الصدوق ص 237. (6) معاني الاخبار ص 199. (7) الخصال ج 1 ص 28.

[107]

هشام بن حسان والحسن بن دينار، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رحمه الله قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله بأن أقول الحق وإن كان مرا (1). وتمام الخبر في أبواب المواعظ (2) وفي خبر آخر عن أبي ذر قال له النبي صلى الله عليه وآله: قل الحق وإن كان مرا (3). 4 - نبه: ابن أبي سمال، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه استفتاه رجل من أهل الجبل فأفتاه بخلاف ما يحب فرأى أبو عبد الله الكراهة فيه، فقال: يا هذا اصبر على الحق فانه لم يصبر أحد قط لحق إلا عوضه الله ما هو خير له. 5 - نهج: قال عليه السلام: لا يترك الناس شيئا من أمر دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضر منه (4). وقال عليه السلام: من أبدى صفحته للحق هلك (5). وقال عليه السلام: إن الحق ثقيل مرئ، وإن الباطل خفيف وبئ (6). وقال عليه السلام: إن أفضل الناس عند الله من كان العمل بالحق أحب إليه وإن نقصه وكثره. من الباطل وإن جر فائدة وزاده (7). وقال عليه السلام: أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فان الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير، وجوعها طويل، وساق الكلام إلى قوله


(1) الخصال ج 2 ص 3. (2) راجع ج 77 ص 73. (3) راجع معاني الاخبار ص 332، الخصال ج 2 ص 104، أمالي الطوسي ج 2 ص 138. (4) نهج البلاغة ج 2 ص 166. (5) نهج البلاغة ج 2 ص 187. (6) نهج البلاغة ج 2 ص 235. (7) نهج البلاغة ج 1 ص 258.

[108]

عليه السلام: أيها الناس من سلك الطريق الواضح ورد الماء، ومن خالف وقع في التيه (1). 49 * (باب) * * " (العزلة عن شرار الخلق، والانس بالله) " * الايات: الكهف: وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (2). مريم: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب (3). العنكبوت: فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (4). الصافات: قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (5). 1 - لى: الدقاق، عن الصوفي، عن عبيد الله بن موسى الحبال، عن محمد بن الحسين الخشاب، عن محمد بن محصن، عن يونس بن ظبيان قال: قال الصادق عليه السلام: إن الله وجل وعز أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل إن أحببت أن تلقاني غدا في حظيرة القدس فكن في الدنيا وحيدا غريبا مهموما محزونا مستوحشا من الناس، بمنزلة الطير الواحد، الذي يطير في أرض القفار، ويأكل من رؤوس الاشجار


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 199. (2) الكهف: 16. (3) مريم: 48 و 49. (4) العنكبوت: 26. (5) الصافات: 99.

[109]

ويشرب من ماء العيون، فإذا كان الليل أوى وحده، ولم يأو مع الطيور استأنس بربه، واستوحش من الطيور (1). 2 - لى: العطار، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص، عن الصادق عليه السلام قال: إن قدرتم أن لا تعرفوا فافعلوا، وما عليك إن لم يثن عليك الناس ؟ وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا (2). 3 - ب: ابن سعد، عن الازدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن من أغبط أوليائي عندي عبدا مؤمنا إذا حظ من صلاح أحسن عبادة ربه، و عبد الله في السريرة وكان غامضا في الناس، فلم يشر إليه بالاصابع، وكان رزقه كفافا فصبر عليه تعجلت به المنية فقل تراثه، وقلت بواكيه - ثلاثا (3). 4 - فس: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيها الناس طوبى لمن لزم بيته، وأكل كسرته، وبكى على خطيئته، وكان من نفسه في تعب، والناس منه في راحة. 5 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن هارون، عن ابن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله ثلاث منجيات: تكف لسانك، وتبكي على خطيئتك، وتلزم بيتك (4). 6 - ل: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن هشام، عن القداح، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال عيسى بن مريم: طوبى لمن كان صمته فكرا ونظره عبرا، ووسعه بيته وبكى على خطيئته، وسلم الناس من يده ولسانه (5). 7 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن علي بن مهزيار


(1) أمالي الصدوق ص 119. (2) أمالي الصدوق ص 396. (3) قرب الاسناد ص 28. (4) الخصال ج 1 ص 42. (5) الخصال ج 1 ص 142.

[110]

رفعه قال: يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء تسعة منها في اعتزال الناس، وواحدة في الصمت (1). 8 - ثو: ابن الوليد، عن محمد بن يحيى، عن الاشعري، عن ابن معروف مثله (2). [9 - مص:] قال الصادق عليه السلام: صاحب العزلة متحصن بحصن الله ومحترس بحراسته، فيا طوبى لمن تفرد به سرا وعلانية، وهو يحتاج إلى عشرة خصال: علم الحق والباطل، وتحبب الفقر، واختيار الشدة والزهد، واغتنام الخلوة، والنظر في العواقب، ورؤية التقصير في العبادة، مع بذل المجهود، وترك العجب، وكثرة الذكر بلا غفلة، فان الغفلة مصطاد الشيطان، ورأس كل بلية وسبب كل حجاب، وخلوة البيت عما لا يحتاج إليه في الوقت. قال عيسى بن مريم عليهما السلام: اخزن لسانك لعمارة قلبك، وليسعك بيتك وفر من الرياء وفضول معاشك، وابك على خطيئتك، وفر من الناس فرارك من الاسد والافعى، فانهم كانوا دواء فصاروا اليوم داء، ثم الق الله متى شئت. قال ربيع بن خثيم: إن استطعت أن تكون في موضع لا تعرف ولا تعرف فافعل. وفي العزلة صيانة الجوارح، وفراغ القلب، وسلامة العيش، وكسر سلاح الشيطان، والمجانبة به من كل سوء، وراحة الوقت، وما من نبي ولا وصي إلا واختار العزلة في زمانه، إما في ابتدائه وإما في انتهائه (3). 10 - ين: الجوهري، عن صفوان الجمال، عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: طوبى لعبد نوومة عرف الناس قبل معرفتهم به. 11 - الدرة الباهرة وعدة الداعي: قال أبو محمد عليه السلام: من آنس بالله استوحش من الناس.


(1) الخصال ج 2 ص 54. (2) ثواب الاعمال ص 162. (3) مصباح الشريعة 18 و 19.

[111]

12 - دعوات الراوندي: قال الباقر عليه السلام: وجد رجل صحيفة فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وآله فنادى: الصلاة جامعة، فما تخلف أحد ذكر ولا انثى، فرقى المنبر فقرأها فإذا كتاب من يوشع بن نون وصي موسى، وإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم إن ربكم بكم لرؤوف رحيم، ألا إن خير عباد الله التقي النقي الخفي وإن شر عباد الله المشار إليه بالاصابع الخبر. مهج: باسنادنا إلى سعد بن عبد الله من كتابه رفعه قال: قال أبو الحسن الرضا عليه السلام: وذكر نحوه (1). 13 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: طوبى لمن لزم بيته وأكل قوته واشتغل بطاعة ربه، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة (2). 14 - عدة الداعي: روى عبيد بن زرارة، عن الصادق عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا وقد جعل الله له من إيمانه انسا يسكن إليه حتى لو كان على قلة جبل لم يستوحش. وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خالط الناس تخبرهم ومتى تخبرهم تقلهم (3). وعن أبي محمد العسكري عليه السلام قال: الوحشة من الناس على قدر الفطنة بهم. وعن الباقر عليه السلام قال: لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كلهم إليه، فحينئذ يقول: هذا خالص لي فيقبله بكرمه. وقال الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم: يا هشام الصبر على الوحدة علامة على


(1) مهج الدعوات: 385. (2) نهج البلاغة ج 1 ص 348. (3) يشبه هذا كلام أمير المؤمنين عليه السلام كما في النهج ج 2 ص 247 " اخبر تقله " وقد مر في ج 74 ص 164 والمعنى خالط الناس وعاشرهم في جلواتهم وخلواتهم فإذا فعلت ذلك تخبرهم وتعرفهم حقيقة المعرفة ومتى تخبرهم وتعرفهم تقليهم وتبغضهم.

[112]

قوة العقل، فمن عقل عن الله اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند الله، وكان الله أنيسه في الوحشة، وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزه من غير عشيرة، يا هشام قليل العمل مع العلم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الجهل مردود. وعن الهادي عليه السلام: لو سلك الناس واديا وسيعا لسلكت وادي رجل عبد الله وحده خالصا. 50 * (باب) * * " (أن الغشية التى يظهرها الناس عند قراءة القرآن) " * * " (والذكر من الشيطان) " * 1 - لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن أبي عمران الارمني، عن عبد الله بن الحكم، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: قلت له: إن قوما إذا ذكروا بشئ من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم حتى يرى أنه لو قطعت يداه ورجلاه لم يشعر بذلك، فقال: سبحان الله ذاك من الشيطان، ما بهذا امروا إنما هو اللين والرقة والدمعة والوجل (1). أقول: سيجئ بعض أخبار هذا الباب في باب آداب القراءة وأوقاتها وذم من يظهر الغشية عندها من كتاب القرآن والذكر والدعاء (2).


(1) أمالي الصدوق ص 154. (2) ومن ذلك ما رواه الكليني رحمه الله في باب من يظهر الغشية عند قراءة القرآن ج 2 ص 666، عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن يعقوب بن اسحاق الضبى عن أبي عمران الارمني مثله وفيه بدل " ما بهذا امروا: " ما بهذا نعتوا ". والمعنى أن الله عزوجل لم يوصف المؤمنين في كتابه العزيز بتلك الاوصاف وانما وصفهم باللين والرقة والوجل حيث قال: " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين - - -

[113]

(51) * (باب) * * " (النهى عن الرهبانية والسياحة، وساير ما يأمر به) " * * " (أهل البدع والاهواء) " * الايات: التوبة: العابدون السائحون (1). الاحقاف: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (2). الحديد: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون (3).


- - - جلودهم وقلوبهم لذكر الله " وقال: " ترى أعينهم تفيض من الدمع " وقال: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " وقال: " وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ". وقال العلامة المؤلف رضوان الله عليه: المراد انهم يكذبون في ادعائهم عدم الشعور وان مباديه بايديهم، لان الرقة والدمعة تدفعه. (1) براءة: 113. (2) الاحقاف: 20. (3) الحديد: 27، وقوله تعالى " ورهبانية " منصوب بفعل مضمر يفسره قوله ابتدعوها، والتقدير: ابتدعوا رهبانية ابتدعوها، وقوله ما كتبناها عليهم في محل النصب لانه صفة لرهبانية، وابتغاء رضوان الله نصب لانه بدل من " ها " في " كتبناها " والتقدير: كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله أي اتباع أوامره ولم نكتب عليهم الرهبانية قاله الطبرسي في المجمع ج 9 ص 242. - - -

[114]

التحريم: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك (1). 1 - لى: ابن المتوكل، عن الاسدي، عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن وهب البصري، عن ثوابة بن مسعود، عن أنس قال: توفي ابن لعثمان بن مظعون رضي الله عنه فاشتد حزنه عليه، حتى اتخذ من داره مسجدا يتعبد فيه، فبلغ


- - - أقول والظاهر أن " رهبانية " عطف على ما قبله: " رأفة ورحمة " والمعنى أنا جعلنا في قلوب الحواريين الذين اتبعوا عيسى عليه السلام رأفة ورحمة من لدنا بحيث صارتا كالطبيعة الثانية لهم ليتحنوا على ارشاد الجهال وهداية الضلال، وألهمنا الى قلوبهم بعد ما رفعنا عيسى الينا أن يترهبوا في الصوامع والغيران ويتعبدوا فيها فرارا من جبابرة بنى اسرائيل كما في قصة أصحاب الكهف. لكنهم ابتدعوا في كيفيتها بما لم نكتب عليهم، فانا انما نكتب على المتعبدين ابتغاء رضوان الله، وهو متيسر بالاعمال اليسيرة الخالصة لوجهه، ولا يستلزم الاعمال الشاقة من رفض النساء، والعزلة، وخشونة المطعم والملبس، وهم مع ما فرضوا تلك الخصلة على أنفسهم، ونذروها لله لم يرعوها حق رعايتها. قال ابن مسعود: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار فقال: يا ابن ام عبد ! هل تدرى من اين أحدثت بنو اسرائيل الرهبانية ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي الله فقاتلهم أهل الايمان ثلاث مرات فلم يبق منهم الا القليل فقالوا ان ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه فتعالوا نتفرق في الارض الى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام فتفرقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانية الخبر. راجع مجمع البيان ج 9 ص 243 الدر المنثور ج 6 ص 177. (2) التحريم: 1، روى علي بن ابراهيم باسناده عن ابن سيار عن أبي عبد الله عليه السلام في هذه الاية قال: اطلعت عائشة وحفصة على النبي صلى الله عليه وآله وهو مع مارية فقال النبي: والله لا أقربها، فأمره الله أن يكفر عن يمينه، راجع تفسير القمي ص 686. وقد روى في ذلك روايات اخرى راجع البحار ج 22 ص 227 - 246.

[115]

ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له: يا عثمان إن الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية، إنما رهبانية امتي الجهاد في سبيل الله. يا عثمان بن مظعون للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي بابا منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك آخذا بحجزتك، يشفع لك إلى ربك ؟ قال، بلى، فقال المسلمون: ولنا يارسول الله في فرطنا (1) ما لعثمان ؟ قال: نعم، لمن صبر منكم واحتسب. ثم قال: يا عثمان من صلى صلاة الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس، كان له في الفردوس سبعون درجة بعد ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد المضمر (2) سبعين سنة، ومن صلى الظهر في جماعة كان له في جنات عدن خمسون درجة، ما بين كل درجتين كحضر الفرس الجواد خمسين سنة، ومن صلى العصر في جماعة كان له كأجر ثمانية من ولد إسماعيل كل منهم رب بيت يعتقهم، ومن صلى المغرب في جماعة كان له كحجة مبرورة وعمرة متقبلة، ومن صلى العشاء في جماعة كان له كقيام ليلة القدر (3). 2 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن أبي الجوزا، عن ابن علوان، عن عمر بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس في امتي رهبانية ولا سياحة ولازم يعني سكوت (4).


(1) الفرط - بالتحريك - المتقدم القوم الى الماء ليهيئ لهم الدلاء والرشاء ويدير الحياض ويستقى لهم، وهو فعل بمعنى فاعل ومنه الحديث أنا فرطكم على الحوض ويطلق على ما لم يدرك من الولد لانه كالفرط يقدم على باب الجنة يمهد لابويه أسباب الدخول في الجنة. (2) الحضر - كقفل - ارتفاع الفرس في عدوه ووثوبه، والمضمر من الفرس ما روض على العدو والوثوب حتى صار ضامرا قليل اللحم، فهو أقدر على الوثبة والارتفاع. (3) أمالي الصدوق ص 40. (4) الخصال ج 1 ص 68.

[116]

مع: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن أبي الجوزاء مثله (1). 3 - ما: ابن مخلد، عن محمد بن جعفر بن نصير، عن أحمد بن محمد بن مسروق عن يحيى الجلا قال: سمعت بشرا يقول لجلسائه: سيحوا فان الماء إذا صاح طاب وإذا وقف تغير واصفر (2). 4 - فس: " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " (3) فانه حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون فأما أمير المؤمنين عليه السلام فحلف أن لاينام في الليل أبدا، وأما بلال فانه حلف أن لا يفطر بالنهار أبدا، وأما عثمان بن مظعون فانه حلف لا ينكح أبدا، فدخلت امرأة عثمان على عائشة وكانت امرأة جميلة فقالت عائشة: مالي أراك متعطلة ؟ فقالت: ولمن أتزين ؟ فوالله ما قربني زوجي منذ كذا وكذا، فانه قد ترهب ولبس المسوح وزهد في الدنيا، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله أخبرته عائشة بذلك فخرج فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يحرمون على أنفسهم الطيبات ؟ ألا إني أنام الليل وأنكح، وأفطر بالنهار فمن رغب عن سنتي فليس مني، فقام هؤلاء فقالوا: يارسول الله فقد حلفنا على ذلك، فأنزل الله " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم "


(1) معاني الاخبار ص 174 والزم - بالفتح - الخطم والشد، يعنى خطم الشفة وشدها بالسكوت وفي المصدر المطبوع " رم " بالمهملة، وهكذا في عنوان الحديث " باب معنى الرم " وأظنه تصحيفا. (2) أمالي الطوسي ج 2 ص 3. (3) المائدة: 87.

[117]

الآية (1). 5 - غط: الفزاري، عن محمد بن جعفر بن عبد الله، عن محمد بن أحمد الانصاري قال: وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد عليه السلام قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله لايدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت على سيدي أبي محمد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: ولي الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الاخوان، وينهانا عن لبس مثله، فقال متبسما: يا كامل وحسر ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده، فقال: هذا لله وهذا لكم تمام الخبر (2). 6 - كش: (3) محمد بن مسعود قال كتب إلى الفضل بن شاذان يذكر عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: حججت وسكين النخعي فتبعد وترك النساء والطيب والثياب والطعام الطيب، وكان لا يرفع رأسه داخل المسجد إلى السماء، فلما قدم المدينة دنا عن أبي إسحاق فصلى إلى جانبه فقال: جعلت فداك إني اريد أن أسألك من مسائل، قال: اذهب فاكتبها وأرسل بها إلى فكتب جعلت فداك رجل دخله الخوف من الله عزوجل حتى ترك النساء والطعام الطيب ولا يقدر أن يرفع رأسه إلى السماء، وأما الثياب فشك فيها، فكتب أما قولك في ترك النساء فقد علمت ما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله من النساء، وأما قولك في ترك الطعام الطيب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأكل اللحم والعسل وأما قولك إنه دخله الخوف حتى لايستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء فأكثر من تلاوة هذه الآيات " الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار " (4).


(1) تفسير القمي ص 166، والاية الاخيرة في المائدة: 89. (2) غيبة الشيخ الطوسي ص 159. (3) رجال الكشي 316. (4) آل عمران: 17.

[118]

7 - الدرة الباهرة: قال له الصوفية (1) إن المأمون قد رد هذا الامر إليك وأنت أحق الناس به إلا أنه تحتاج أن يتقدم منك تقدمك إلى لبس الصوف وما يحسن لبسه، فقال: ويحكم، إنما يراد من الامام قسطه وعدله، إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذ وعد أنجز " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (2) إن يوسف عليه السلام لبس الديباج المنسوج بالذهب، و جلس على متكآت آل فرعون. 8 - نهج: من كلام له عليه السلام بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي (3) يعوده وهو من أصحابه فلما رأى سعة داره قال ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ؟ أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الاخرة تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الاخرة. فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وما له ؟ قال لبس العباء (4) وتخلى من الدنيا قال: على به، فلما جاء قال يا عدى نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك، أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها ؟ أنت أهون على الله من ذلك، قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك، قال: ويحك إني لست كأنت إن الله تعالى فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره (5).


(1) يعنى الرضا عليه السلام، كما سيجئ وقد أخرجه المؤلف في كتاب الاحتجاج راجع ج 10 ص 351 من هذه الطبعة وفيه سقط، وأخرج مثله الاربلي في كشف الغمة ج 3 ص 147. (2) الاعراف: 32. (3) كذا في جميع نسخ النهج، وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 3 ص 11 وفي ط ص 17: أن الصحيح هو الربيع بن زياد الحارثى فراجع. (4) يعنى الخشن من أثواب الصوف لا الكساء الذى يلبس اليوم فوق الثياب. (5) نهج البلاغة ج 1 ص 448، تحت الرقم 207 من الخطب.

[119]

9 - كتاب الغارات: لابراهيم بن محمد الثقفي رفعه عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: اتي علي عليه السلام بخبيص فأبى أن يأكله، قالوا: أتحرمه ؟ قال: لا، ولكني أخشى أن تتوق إليه نفسي، ثم تلا " أذهبتم طيباتكم في حيوتكم الدنيا ". وعنه عليه السلام قال: أعتق علي عليه السلام ألف مملوك مما عملت يداه، وإن كان عندكم إنما حلواه التمر واللبن، وثيابه الكرابيس. وتزوج عليه السلام ليلى فجعل له حجلة فهتكها وقال: احب أهلي على ما هم فيه. 10 - كتاب المسايل: باسناده، عن علي بن جعفر قال: سألت أخي موسى عليه السلام عن الرجل المسلم هل يصلح أن يسيح في الارض أو يترهب في بيت لا يخرج منه ؟ قال عليه السلام: لا (1). قال الكراجكى قدس الله روحه في كنز الفوائد: لقد اضطررت يوما إلى الحضور مع قوم من المتصوفين، فلما ضمنهم المجلس أخذوا فيما جرت به عادتهم من الغناء والرقص، فاعتزلتهم إلى إحدى الجهات، وانضاف إلي رجل من أهل الفضل والديانات، فتحادثنا ذم الصوفية على ما يصنعون، وفساد أغراضهم فيما يتناولون، وقبح ما يفعلون من الحركة والقيام، وما يدخلون على أنفسهم في الرقص من الآلام، فكان الرجل لقولي مصوبا، وللقوم في فعلهم مخطئا. ولم نزل كذلك إلى أن غنى مغني القوم هذه الابيات: وما ام مكحول المدامع ترتعي * ترى الانس وحشا وهي تأنس بالوحش غدت فارتعت ثم انتشت لرضاعه * فلم تلف شيئا من قوائمه الخمش فطافت بذاك القاع ولها فصادمت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش بأوجع مني يوم ظلت أنامل * تودعني بالدر من شبك النقش


(1) أخرجه في كتاب الاحتجاج، راجع ج 10 ص 255 من هذه الطبعة الحديثة.

[120]

فلما سمع صاحبي ذلك نهض مسرعا مبادرا ففعل من القفز (1) والرقص والبكاء واللطم ما يزيد على ما فعله من قبله ممن كان يخطئه ويستجهله، وأخذ يستعيد من الشعر ما لا يحسن استعادته، ولا جرت عادتهم بالطرب على مثله، وهو قوله: فطافت بذاك القاع ولها فصادفت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش ويفعل بنفسه ما حكيت ولا يستعيد غير هذا البيت حتى بلغ من نفسه المجهود، ووقع كالمغشي عليه من الموت، فحيرني ما رأيت من حاله، وأخذت افكر في أفعاله المضادة، لما سمعت من أقواله، فلما أفاق من غشيته لم أملك الصبر دون سؤاله عن أمره، وسبب ما صنعه بنفسه مع تجهيله من قبل لفاعله، وعن وجه استعادته من الشعر ما لم تجر عادتهم باستعادة مثله، فقال لي: لست أجهل ما ذكرت، ولي عذر واضح فيما صنعت، اعلمك أن أبي كان كاتبا، وكان بي برا وعلي شفيقا، فسخط السلطان عليه فقتله، فخرجت إلى الصحراء لشدة ما لحقني من الحزن عليه، فوجدته ملقى والكلاب ينهشون لحمه، فلما سمعت المغني يقول: فطافت بذاك القاع ولها فصادفت * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش ذكرت مالحق أبي، وتصور شخصه بين عيني، وتجدد حزنه علي، ففعلت الذي رأيت بنفسي. فندمت حينئذ على سوء ظني به، وتغممت له غما لحقه واتعظت بقصته. 11 - وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (2): روي أن قوما من المتصوفة دخلوا بخراسان على علي بن موسى عليهما السلام فقالوا له: إن أمير المؤمنين عليه السلام فكر فيما ولاه الله من الامور، فرأكم أهل البيت أولى الناس أن تؤموا الناس، ونظر فيكم أهل البيت فرآك أولى الناس بالناس، فرآى أن يرد هذا الامر إليك، والامامة تحتاج إلى من يأكل الجشب، ويلبس الخشن، ويركب الحمار، ويعود المريض.


(1) القفز: الوثوب وأصله للظبى. (2) شرح النهج ج 3 ص 12. وفي ط 17.

[121]

فقال لهم: إن يوسف كان نبيا يلبس أقبية الديباج المزردة بالذهب، ويجلس على متكآت آل فرعون ويحكم، إنما يراد من الامام قسطه وعدله: إذا قال صدق، وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز، إن الله لم يحرم لبوسا ولا مطعما ثم قرأ: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " الآية (1). 12 - ثم قال ابن أبي الحديد: رويت عن الشيوخ ورأيت بخط عبد الله بن أحمد الخشاب رحمه الله أن الربيع بن زياد الحارثي أصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام، فأتاه علي عليه السلام عائدا فقال: كيف تجدك أبا عبد الرحمن ؟ قال: أجدني يا أمير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بي إلا بذهاب بصري لتمنيت ذهابه، قال: وما قيمة بصرك عندك ؟ قال: لو كانت لي الدنيا لفديته بها، قال: لاجرم ليعطينك الله على قدر ذلك، إن الله يعطي على قدر الالم والمصيبة، وعنده تضعيف كثير. قال الربيع: يا أمير المؤمنين ألا أشكو إليك عاصم بن زياد أخي ؟ قال: ماله ؟ قال: لبس العباء وترك الملاء، وغم أهله وحزن ولده، فقال عليه السلام: ادعوا لي عاصما، فلما أتاه عبس في وجهه وقال: ويحكم يا عاصم أترى الله أباح لك اللذات، وهو يكره ما أخذت منها ؟ لانت أهون على الله من ذلك، أو ما سمعته يقول: " مرج البحرين يلتقيان " ثم قال: " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " (2) وقال: " ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها " (3) أما والله لابتذال نعم الله بالفعال أحب إليه من ابتذالها بالمقال، وقد سمعتم الله يقول: " وأما بنعمة ربك فحدث " (4) وقوله: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ".


(1) الاعراف: 32. (2) الرحمن 22 - 19. (3) فاطر: 35. (4) الضحى: 11.

[122]

إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال: " يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم " (1) وقال: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " (2) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض نسائه: مالي أراك شعثاء مرهاء سلتاء (3) ؟ قال عاصم: فلم اقتصرت يا أمير المؤمنين على لبس الخشن، وأكل الجشب ؟ قال: إن الله تعالى افترض على أئمة العدل أن يقدروا لانفسهم بالقوم كيلا يتبيغ بالفقير فقره، فما قام علي عليه السلام حتى نزع عاصم العباءة ولبس ملاءة (4). 13 - ف: دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله عليه السلام فرأى عليه ثياب بياض كأنها غرقئ البيض (5) فقال له: إن هذا [اللباس] ليس من لباسك، فقال له: اسمع مني وع ما أقول لك، فانه خير لك عاجلا وآجلا، إن كنت أنت مت على السنة والحق، ولم تمت على بدعة. اخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان في زمان مقفر جشب (6) فإذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها، ومؤمنها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها فما أنكرت يا ثوري ؟ فوالله إني لمع ما ترى ما أتى علي مذ عقلت صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته.


(1) المائدة: 87. (2) المؤمنون: 51. (3) الشعثاء: التى اغبر رأسها وتلبد شعرها وانتشر لقلة تعهده بالدهن، والمرهاء: التى تركت الاكتحال حتى تبيض بواطن أجفانها وفي بعض النسخ " المرتاء " وهى التي أزالت الشعر من حاجبيها، أو لا تختضبهما والسلتاء: هي التي لا تختضب. (4) يعنى أنه ترك الثوب الخشن ولبس ثوبا واسعا ناعما أبيض. (5) الغرقئ - كزبرج - القشرة الملتزقة ببياض البيض، شبهه بها للطافتها وشفوفها ونعومتها وبياضها. (6) في الكافي: مقفر جدب، يعنى عام الضيق والقحط.

[123]

فقال: ثم أتاه قومه ممن يظهر التزهد، ويدعون الناس أن يكونوا معهم مثل الذي هم عليه من التقشف (1) فقالوا: إن صاحبنا حصر عن كلامك، ولم تحضره حجة، فقال لهم: هاتوا حججكم، فقالوا: إن حججنا من كتاب الله قال لهم: فأدلوا بها (2) فانها أحق ما اتبع وعمل به. فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى يخبر عن قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون " (3) فمدح فعلهم، وقال في موضع آخر: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " (4) فنحن نكتفي بهذا، فقال رجل من الجلساء: إنا ما رأيناكم (5) تزهدون في الاطعمة الطيبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تتمتعوا أنتم منها ؟ فقال [له]: أبو عبد الله عليه السلام دعوا عنكم ما لا ينتفع به، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه، الذي في مثله ضل من ضل، وهلك من هلك من هذه الامة ؟ فقالوا له: أو بعضه، فأما كله فلا، فقال لهم: من ههنا اتيتم (6) وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله. فأما ما ذكرتم من إخبار الله إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن


(1) المتقشف: المتبلغ بقوت ومرقع، ومن لا يبالى بما تلطخ جسده. يقال: قشف قشافة: قذر جلده ولم يتعهد النظافة، وان كان مع ذلك يطهر نفسه بالماء والاغتسال وقشف فلان: رثت هيئة وساءت حاله وضاق عيشه كما هو سيرة المتصوفين. (2) يقال أدلى بحجته: إذا أحضرها واحتج بها. (3) الحشر: 9. (4) الدهر: 8. (5) في الكافي: انا رأيناكم، وهو الظاهر. (6) اتى فلان - كعنى -، وهى وتغير عليه حسه، فتوهم ما ليس بصحيح صحيحا نقله الشرتوني عن التاج.

[124]

فعالهم، فقد كان مباحا جائزا، ولم يكونوا نهوا عنه، وثوابهم منه على الله، وذلك أن الله جل وتقدس أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخا لفعلهم، وكان نهي الله تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين، ونظرا، لكي لا يضروا بأنفسهم وعيالاتهم منهم الضعفة الصغار، والولدان، والشيخ الفان، والعجوز الكبيرة، الذين لا يصبرون على الجوع، فان تصدقت برغيفي ولا رغيف لي غيره، ضاعوا وهلكوا جوعا. فمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها فأفضلها ما أنفقه الانسان على والديه، ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة القرابة وإخوانه المؤمنين، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسها أجرا. وقال النبي صلى الله عليه وآله للانصاري حيث أعتق عند موته خمسة أو ستة من الرقيق، ولم يكن يملك غيرهم، وله أولاد صغار: لو أعلمتموني أمره ما تركتكم تدفنونه مع المسلمين، ترك صبية صغارا يتكففون الناس ثم قال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ابدأ بمن تعول الادنى فالادنى. ثم هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم ونهيا عنه، مفروض من الله العزيز الحكيم، قال: " الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " (1) أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم تدعون [الناس إليه من الاثرة على أنفسهم، وسمى من فعل ما تدعون] (2) إليه مسرفا ؟ وفي غير آية من كتاب الله يقول: " إنه لا يحب المسرفين " (3) فنهاهم عن الاسراف، ونهاهم عن التقتير لكن أمر بين أمرين: لا يعطي جميع ما عنده، ثم يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وآله. " إن أصنافا من امتي لا يستجاب لهم دعاؤهم: رجل يدعو على والديه


(1) الفرقان: 67. (2) مابين العلامتين ساقط من نسخة التحف والكمبانى، أضفناه من نسخة الكافي. (3) الانعام: 141، الاعراف: 31.

[125]

ورجل يدعو على غريم ذهب له بمال ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل الله تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في البيت يقول: يا رب ارزقني ولا يخرج يطلب الرزق، فيقول الله جل وعز: عبدي ! أولم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الارض بجوارح صحيحة ؟ فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري، ولكيلا تكون كلا على أهلك فان شئت رزقتك، وإن شئت قترت عليك، وأنت معذور عندي، ورجل رزقه الله مالا كثيرا فأنفقه ثم أقبل يدعو يا رب ارزقني، فيقول الله: ألم أرزقك رزقا واسعا ؟ أفلا اقتصدت فيه كما أمرتك، ولم تسرف كما نهيتك، ورجل يدعو في قطيعة رحم ". ثم علم الله نبيه كيف ينفق، وذلك أنه كان عنده أوقية من ذهب، فكره أن تبيت عنده فصدق وأصبح ليس عنده شئ، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السايل واغتم هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيما رفيقا فأدب الله نبيه بأمره إياه فقال: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " (1) يقول: إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك كنت قد حسرت من المال. فهذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله يصدقها الكتاب والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين، وقال أبو بكر عند موته: اوصي بالخمس والخمس كثير فان الله قد رضي بالخمس فأوصى بالخمس، وقد جعل الله له الثلث عند موته، ولو علم أن الثلث خير [أ] له أوصى به. ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سليمان وأبو ذر، فأما سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته، حتى يحضره عطاؤه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا ؟ وإنك لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا، وكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علي الفناء، أو ما علمتم يا


(1) أسرى: 29.

[126]

جهلة أن النفس قد تلتاث (1) على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت. فأما أبو ذر فكانت له نويقات وشويهات (2) يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رآى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشاء على قدر ما يذهب عنهم قرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما قال، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة، كما تأمرون الناس بالقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم. واعلموا أيها النفر أني سمعت أبي يروي عن آبائه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يوما: ما عجبت من شئ كعجبي من المؤمن، إنه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض، كان خيرا له، وإن ملك مابين مشارق الارض ومغاربها كان خيرا له فكل ما يصنع الله به فهو خير له، فليت شعري هل يحيق (3) فيكم اليوم ما قد شرحت لكم أم أزيدكم ؟ أو ما علمتم أن الله جل اسمه فرض على المؤمنين في أول الامر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولي وجهه عنهم، ومن ولاهم يومئذ دبره فقد تبوء مقعده من النار، ثم حولهم من حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل الرجلين من المشركين تخفيفا من الله عن المؤمنين فنسخ الرجلان العشرة.


(1) يعنى تلتف بصاحبها وتوسوسه بسوء الظن بالله. (2) نويقات جمع نويقة وهى مصغر ناقة، وهكذا شويهات وشويهة وشاة، وقوله " بقرم اللحم " محركة، القرم: الشهوة والميل المفرط بأكل اللحم. (3) يقال حاق القول في القلب حيقا وحيقانا: أخذ، وأصله من حاق فيه السيف: إذا أثر وعمل، وحاق الشفرة: أي قطعت، فشبه حججه التي ألقاها - في المضي وفصل الخصومة - بالسيف القاطع.

[127]

وأخبروني أيضا عن القضاة أجور منهم (1) حيث يفرضون على الرجل منكم نفقة امرأته إذا قال: أنا زاهد وإنه لا شئ لي، فان قلتم جور ظلمتم أهل الاسلام (2) وإن قلتم بل عدل خصمتم أنفسكم، وحيث يردون صدقة من تصدق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث. أخبروني لو كان الناس كلهم كما تريدون زهادا لا حاجة لهم في متاع غيرهم فعلى من كان يتصدق بكفارات الايمان والنذور، والصدقات من فرض الزكاة من الابل والغنم والبقر، وغير ذلك من الذهب والفضة والنخل والزبيب وسائر ما قد وجبت فيه الزكاة، إذا كان الامر على ما تقولون لا ينبغي لاحد أن يحبس شيئا من عرض الدنيا إلا قدمه، وإن كان به خصاصة، فبئس ما ذهبتم إليه، وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله وسنة نبيه وأحاديثه التي يصدقها الكتاب المنزل، وردكم إياها بجهالتكم وترككم النظر في غرائب القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ، والمحكم والمتشابه والامر والنهي. وأخبروني أنتم عن سليمان بن داود عليه السلام حيث سأل الله ملكا لا ينبغي لاحد من بعده، فأعطاه الله ذلك، وكان يقول الحق ويعمل به، ثم لم نجد الله عاب ذلك عليه، ولا أحدا من المؤمنين، وداود قبله في ملكه وشدة سلطانه. ثم يوسف النبي حيث قال لملك مصر " اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم " (3) فكان من أمره الذي كان [أن] اختار مملكة الملك، وما حولها إلى اليمن، فكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم، وكان يقول الحق


(1) في الكافي: " أجورة هم " وهى جمع جائر نحو جهلة جمع جاهل. (2) في نسخة الكافي: " فان قلتم جورة ظلمكم أهل الاسلام وان قلتم بل عدول " والمعنى ان قلتم أن القضاة جورة في ذلك ظلمكم أي نسبكم أهل الاسلام الى الظلم في هذا القول، وعلى نسخة التحف: نسبتم أهل الاسلام وهم القضاة الحكام الى الظلم، فظلم من باب التفعيل للنسبة، ويحتمل التخفيف. (3) يوسف: 56.

[128]

ويعمل به، فلم نجد أحدا عاب ذلك عليه. ثم ذو القرنين عبد أحب الله فأحبه، طوى له الاسباب وملكه مشارق الارض ومغاربها وكان يقول بالحق، ويعمل به ثم لم نجد أحدا عاب ذلك عليه. فتأدبوا أيها النفر بآداب الله للمؤمنين، واقتصروا على أمر الله ونهيه، و دعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به، وردوا العلم إلى أهله تؤجروا، و تعذروا عند الله، وكونوا في طلب علم الناسخ من القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وما أحل الله فيه مما حرم، فانه أقرب لكم من الله وأبعد لكم من الجهل، ودعوا الجهالة لاهلها، فان أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل وقد قال الله " فوق كل ذي علم عليم " (1). 14 - نبه: قيل إن سلمان رضي الله عنه جاء زائرا لابي الدرداء فوجد ام الدرداء مبتذلة، فقال: ما شأنك ؟ قالت: إن أخاك ليست له حاجة في شئ من أمر الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء رحب لسلمان وقرب إليه طعاما فقال لسلمان اطعم، فقال: إني صائم، قال: أقسمت عليك إلا ما طعمت، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، قال: وبات عنده، فلما جاء الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان قال: يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقا وإن لجسدك عليك حقا ولاهلك عليك حقا فصم وأفطر، وصل ونم، وأعط كل ذي حق حقه، فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وآله فأخبره بما قال سلمان، فقال له مثل قول سلمان (2). 15 - نوادر الراوندي: باسناده، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي أهل الصفة وكانوا ضيفان رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا هاجروا من أهاليهم وأموالهم إلى المدينة، فأسكنهم رسول الله صلى الله عليه وآله صفة المسجد وهم


(1) يوسف: 76، راجع نص الحديث في التحف ص 363 - 369 الكافي ج 5 ص 65 - 70، وأخرجه المؤلف رضوان الله عليه في تاريخ الامام جعفر الصادق عليه السلام ج 47 ص 232 - 237 من هذه الطبعة. (2) تنبيه الخاطر ج 1 ص 2.

[129]

أربعمائة رجل، فكان يسلم عليهم بالغداة والعشي فأتاهم ذات يوم فمنهم من يخصف نعله، ومنهم من يرقع ثوبه، ومنهم من يتفلى (1) وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرزقهم مدا مدا من تمر في كل يوم. فقام رجل منهم فقال: يارسول الله التمر الذي ترزقنا قد أحرق بطوننا فقال رسول الله: أما إني لو استطعت أن اطعمكم الدنيا لاطعمتكم، ولكن من عاش منكم من بعدي يغدى عليه بالجفان ويراح عليه بالجفان، ويغدو أحدكم في قميصة و يروح في اخرى، وتنجدون بيوتكم كما تنجد الكعبة (2) فقام رجل فقال: يا رسول الله أنا إلى ذلك الزمان بالاشواق فمتى هو ؟ قال صلى الله عليه وآله: زمانكم هذا خير من ذلك الزمان، إنكم إن ملاتم بطونكم من الحلال، توشكون أن تملاؤها من الحرام. فقام سعد بن أشج فقال: يارسول الله ما يفعل بنا بعد الموت ؟ قال الحساب والقبر، ثم ضيقه بعد ذلك أو سعته، فقال: يارسول الله هل تخاف أنت ذلك ؟ فقال: لا ولكن أستحيي من النعم المتظاهرة التي لا اجازيها ولا جزءا من سبعة، فقال سعد بن أشج إني اشهد الله واشهد رسوله ومن حضرني أن نوم الليل علي حرام [والاكل بالنهار علي حرام، ولباس الليل علي حرام، ومخالطة الناس علي حرام وإتيان النساء علي حرام] (3) فقال رسول الله: يا سعد لم تصنع شيئا كيف تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، إذا لم تخالط الناس، وسكون البرية بعد الحضر كفر للنعمة. نم بالليل، وكل بالنهار، والبس ما لم يكن ذهبا أو حريرا أو معصفرا، وآت النساء. يا سعد اذهب إلى بني المصطلق فانهم قد ردوا رسولي فذهب إليهم فجاء بصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف رأيتهم ؟ قال: خير قوم ما رأيت قوما قط أحسن أخلاقا فيما بينهم من قوم بعثتني إليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه لا ينبغي لاولياء الله تعالى من أهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم أن يكونوا أولياء


(1) تفلى: أي نقى رأسه وثيابه من القمل ونحوه. (2) نجد البيت - من باب التفعيل - زينه وعبارة اللسان: نجدت البيت: بسطته بثياب موشبة. (3) زيادة من المصدر.

[130]

الشيطان من أهل دار الغرور الذين [كان] لها سعيهم، وفيها رغبتهم. ثم قال: بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، بئس القوم قوم يقذفون الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، بئس القوم قوم لا يقومون لله تعالى بالقسط، بئس القوم قوم يقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط في الناس، بئس القوم قوم يكون الطلاق عندهم أوثق من عهد الله تعالى، بئس القوم قوم جعلوا طاعة إمامهم دون طاعة الله، بئس القوم قوم يختارون الدنيا على الدين، بئس القوم قوم يستحلون المحارم والشهوات والشبهات. قيل: يارسول الله فأي المؤمنين أكيس ؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم له استعدادا اولئك هم الاكياس (1). 52. * (باب) * * " اليقين والصبر على الشدايد في الدين " * الايات: البقرة: وبالآخرة هم يوقنون (2). وقال تعالى: قد بينا الآيات لقوم يوقنون (3) وقال تعالى مخاطبا لابراهيم عليه السلام: أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي (4). الانعام: وليكون من الموقنين (5). الرعد: يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (6). طه: فالقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلاقطعن أيديكم وأرجلكم


(1) نوادر الراوندي ص 25 و 26. (2 - 4) البقرة: 4، 118، 260. (5) الانعام: 75. (6) الرعد: 2.

[131]

من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى * قالوا لن نؤثرك على ما جائنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (1). الشعراء: قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين: إلى قوله تعالى: قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (2). النمل: وهم بالآخرة هم يوقنون (3). العنكبوت: ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا اوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين (4). لقمان: وهم بالآخرة هم يوقنون (5). التنزيل: وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (6). الجاثية: وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (7) وقال تعالى: وهدى ورحمة لقوم يوقنون (8). الذاريات: وفي الارض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون (9).


(1) طه: 70 - 73. (2) الشعراء: 24 - 51. (3) النمل: 3. (4) العنكبوت: 10. (5) لقمان: 4. (6) السجدة: 24. (7 و 8) الجاثية: 3، 19. (9) الذاريات: 20 و 21.

[132]

الطور: بل لا يوقنون (1). الواقعة: إن هذا لهو حق اليقين (2). الحاقة: وإنه لحق اليقين (3). التكاثر: كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين (4). تفسير: " وبالآخرة هم يوقنون " أي يوقنون إيقانا زال معه الشك، قال البيضاوي: اليقين إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال، ولذلك لا يوصف به علم الباري تعالى ولا العلوم الضرورية (5). " ولكن ليطمئن قلبي " قال الطبرسي رحمه الله: أي بلى أنا مؤمن، ولكن سألت ذاك لازداد يقينا إلى يقيني، عن الحسن وقتادة ومجاهد وابن جبير، وقيل لاعاين ذلك ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الاستدلال، وقيل: ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي واتخذتني خليلا كما وعدتني (6). " وليكون من الموقنين " (7) قال: أي من المتيقنين بأن الله سبحانه هو خالق ذلك والمالك له. " يفصل الآيات " (8) أي يأتي بآية في أثر آية فصلا فصلا مميزا بعضها عن بعض، ليكون أمكن للاعتبار والتفكر، وقيل: معناه يبين الدلائل بما يحدثه في السماوات والارض " لعلكم بلقاء ربكم توقنون " أي لكي توقنوا بالبعث والنشور


(1) الطور: 36. (2) الواقعة: 95. (3) الحاقة: 51. (4) التكاثر: 5 - 7. (5) أنوار التنزيل ص 10 مع اختلاف. (6) مجمع البيان ج 2 ص 373. (7) الانعام: 75. (8) الرعد: 2. (*)

[133]

وتعلموا أن القادر على هذه الاشياء قادر على البعث بعد الموت، وفي هذا دلالة على وجوب النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، وعلى بطلان التقليد، ولولا ذلك لم يكن لتفصيل الآيات معنى. " إن كنتم موقنين " (1) أي بأن الرب بهذه الصفة أو بأن هذه الاشياء محدثة، وليست من فعلكم، والمحدث لابد له من محدث " لا ضير " أي لاضرر علينا فيما تفعله " إنا إلى ربنا منقلبون " أي إلى ثواب ربنا راجعون " خطايانا " أي من السحر وغيره، " أن كنا أول المؤمنين " أي لان كنا أول من صدق بموسى عند تلك الآية أو مطلقا. " ومن الناس من يقول آمنا بالله " (2) بلسانه " فإذا اوذي في الله " أي في دين الله أو في ذات الله " جعل فتنة الناس كعذاب الله " أي إذا اوذي بسبب دين الله رجع عن الدين مخافة عذاب الناس كما ينبغي أن يترك الكافر دينه مخافة عذاب الله فيسوى بين عذاب فان منقطع، وبين عذاب دائم غير منقطع أبدا لقلة تمييزه، وسمى أذية الناس فتنة لما في احتمالها من المشقة وقال علي بن إبراهيم (3): قال: إذا آذاه إنسان أو أصابه ضر أو فاقة أو خوف من الظالمين، دخل معهم في دينهم، فرأى أن ما يفعلونه هو مثل عذاب الله الذي لا ينقطع، " ولئن جاء نصر من ربك " أي فتح وغنيمة، وقال علي بن إبراهيم (4): يعني القائم عليه السلام " ليقولن إنا كنا معكم " في الدين، فأشركونا: " بما في صدور العالمين " من الاخلاص والنفاق. " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا " قال علي بن إبراهيم: كان في علم الله أنهم يصبرون على ما يصيبهم، فجعلهم أئمة (5) " وكانوا بآياتنا يوقنون " أي لا يشكون فيها.


(1) الشعراء: 24. (2) العنكبوت: 10. (3 - 4) تفسير القمى ص 495. (5) تفسير القمي 513، والاية في سورة السجدة: 24.

[134]

" وفي خلقكم وما يبث من دابة " (1) أي في خلقه إياكم بما فيكم من بدائع الصنعة، وما يتعاقب عليكم من غرائب الاحوال، من مبتدأ خلقكم إلى انقضاء الآجال، وفي خلق ما تفرق على وجه الارض من الحيوانات على اختلاف أجناسها ومنافعها، دلالات واضحات على ما ذكرنا " لقوم يوقنون " أي يطلبون علم اليقين بالتفكر والتدبر. " لقوم يوقنون " لانهم به (2) ينتفعون. " وفي الارض آيات للموقنين " (3) أي دلائل تدل على عظمة الله وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته " وفي أنفسكم " أي وفي أنفسكم آيات إذ ما في العالم شئ إلا وفي الانسان له نظير يدل دلالته مع ما انفرد به من الهيآت النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة، والتمكن من الافعال الغريبة، واستنباط الصنائع المختلفة، واستجماع الكمالات المتنوعة، وفي المجمع وتفسير علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام: يعني أنه خلقك سميعا بصيرا تغضب وترضى، وتجوع وتشبع، وذلك كله من آيات الله (4) " أفلا تبصرون " أي تنظرون نظر من يعتبر. " إن هذا لهو حق اليقين " قال في المجمع: أضاف الحق إلى اليقين، وهما واحد للتأكيد، أي هذا الذي أخبرتك به من منازل هؤلاء الاصناف الثلاثة هو الحق الذي لاشك فيه، اليقين الذي لاشبهة فيه، وقيل: تقديره حق الامر اليقين (5). " كلا لو تعلمون علم اليقين " قال الطبرسي قدس سره: أي لو تعلمون الامر علما يقينا لشغلكم ما تعلمون من التفاخر والتباهي بالعز والكثرة، وعلم اليقين هو


(1) الجاثية: 3. (2) أي بالقرآن، والاية هكذا: هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون الجاثية: 19. (3) الذاريات: 20 و 21. (4) مجمع البيان ج 9 ص 156، تفسير القمي 448. (5) مجمع البيان ج 9 ص 228.

[135]

العلم الذي يثلج به الصدر بعد اضطراب الشك فيه، ولهذا لا يوصف الله تعالى بأنه متيقن " لترون الجحيم " يعني حين تبرز الجحيم في القيامة قبل دخولهم إليها " ثم لترونها " يعني بعد الدخول إليها " عين اليقين " كما يقال: حق اليقين، ومحض اليقين، ومعناه ثم لترونها بالمشاهدة إذا دخلتموها وعذبتم بها انتهى (1). أقول: وجعل بعض المحققين لليقين ثلاث درجات: الاولى علم اليقين وهو العلم الذي حصل بالدليل كمن علم وجود النار برؤية الدخان، والثانية عين اليقين، وهو إذا وصل إلى حد المشاهدة كمن رأى النار، والثالثة حق اليقين وهو كمن دخل النار واتصف بصفاتها، وسيأتي بعض القول فيها. 1 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أخا جعف إن الايمان أفضل من الاسلام، وإن اليقين أفضل من الايمان، وما من شئ أعز من اليقين (2). بيان: " يا أخا جعف " أي يا جعفي وهم قبيلة من اليمن (3) وفي المصباح: هو أخو تميم: أي واحد منهم، وفضل الايمان على الاسلام إما باعتبار الولاية في الاول أو الاذغان القلبي فيه مع الاعمال أو بدونها كما مر جميع ذلك، وعلى أي معنى أخذت يعتبر في الايمان ما لا يعتبر في الاسلام، فهو أخص وأفضل، وكذا اليقين يعتبر فيه أعلا مراتب الجزم، بحيث يترتب عليه الآثار، ويوجب فعل الطاعات وترك المناهي، ولا يعتبر ذلك في الايمان أي في حقيقته، حتى يكون جميع أفراده، فهو أخص وأفضل أفراد الايمان، أو يعتبر في اليقين عدم احتمال النقيض ولا يعتبر ذلك في الايمان مطلقا كما مر، والاظهر أن التصديق الذي لا


(1) مجمع البيان ج 10 ص 534. (2) الكافي ج 2 ص 51. (3) جعفى بن سعد العشيرة: بطن من سعد العشيرة (من مذحج، من القحطانية) ابن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب، والنسبة إليه كذلك جعفى.

[136]

يحتمل النقيض تختلف مراتبه حتى يصل إلى مرتبة اليقين كما أومأنا إليه سابقا. " وما من شئ أعز من اليقين " أي أقل وجودا في الناس منه أو أشرف منه والاول أظهر إذ اليقين لا يجتمع مع المعصية، لاسيما مع الاصرار عليها، وتارك ذلك نادر قليل، بل يمكن أن يدعى أن إيمان أكثر الخلق ليس إلا تقليدا وظنا يزول بأدنى وسوسة من النفس والشيطان، ألا ترى أن الطبيب إذا أخبر أحدهم بأن الطعام الفلاني يضره أو يوجب زيادة مرضه أو بطؤبرئه يحتمي من ذلك الطعام بمحض قول هذا الطبيب، حفظا لنفسه من الضرر الضعيف المتوهم ولا يترك المعصية الكبيرة مع إخبار الله ورسوله وأئمة الهدى عليهم السلام بأنها مهلكة وموجبة للعذاب الشديد، وليس ذلك إلا لضعف الايمان وعدم اليقين. 2 - كا: عن العدة، عن سهل، والحسين بن محمد، عن المعلى جميعا، عن الوشاء عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: الايمان فوق الاسلام بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، وما قسم في الناس شئ أقل من اليقين (1). بيان: يدل على أن التقوى أفضل من الايمان، والتقوى من الوقاية وهي في اللغة فرط الصيانة، وفي العرف صيانة النفس عما يضرها في الآخرة، وقصرها على ما ينفعها فيها، ولها ثلاث مراتب: الاولى وقاية النفس عن العذاب المخلد بتصحيح العقائد الايمانية، والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك وهو المعروف عند أهل الشرع، والثالثة التوقي عن كل ما يشغل القلب عن الحق وهذه درجة الخواص بل خاص الخاص، والمراد هنا أحد المعنيين الاخيرين وكونه فوق الايمان بالمعنى الثالث ظاهر على أكثر معاني الايمان التي سبق ذكرها وإن اريد المعنى الثاني فالمراد بالايمان إما محض العقائد الحقة أو مع فعل الفرائض وترك الكبائر، بأن يعتبر ترك الصغائر أيضا في المعنى الثاني، وقيل: باعتبار أن الملكة معتبرة فيها لا فيه، ولا يخفى ما فيه.


(1) الكافي ج 2 ص 51.

[137]

وكون اليقين فوق التقوى كأنه يعين حملها على المعنى الثاني، وإلا فيشكل الفرق، لكن درجات المرتبة الاخيرة أيضا كثيرة، فيمكن حمل اليقين على أعالي درجاتها، وما قيل: في الفرق أن التقوى قد يوجد بدون اليقين كما في بعض المقلدين فهو ظاهر الفساد إذ لا توجد هذه الدرجة الكاملة من التقوى لمن كان بناء إيمانه على الظن والتخمين، وقوله عليه السلام: " وما قسم للناس " يدل على أن للاستعدادات الذاتية والعنايات الالهية مدخلا في مراتب الايمان واليقين، كما مرت الاشارة إليه. 3 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن هارون بن الجهم أو غيره عن عمر ابن أبان الكلبي، عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي بصير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام يابا محمد الاسلام درجة ؟ قلت: نعم، قال: والايمان على الاسلام درجة ؟ قلت: نعم، قال: والتقوى على الايمان درجة ؟ قال: قلت: نعم، قال: واليقين على التقوى درجة ؟ قلت: نعم، قال: فما اوتي الناس أقل من اليقين وإنما تمسكتم بأدنى الاسلام فاياكم أن ينفلت من أيديكم (1). بيان: " الاسلام درجة " أي درجة من الدرجات أو أول درجة، وهو استفهام أو خبر، ونعم يقع في جوابهما " على الاسلام " أي مشرفا أو زايدا عليه " ما اوتي الناس أقل من اليقين " أي الايمان أقل من سائر ما اعطي الناس من الكمالات، أو عزيز نادر فيهم كما مر، وقيل: المعنى ما اعطي الناس شيئا قليلا من اليقين، ولا يخفى بعده، وكأنه حمله على ذلك ما سيأتي: قوله عليه السلام: " بأدنى الاسلام " كأن المراد بالاسلام هنا مجموع العقايد الحقة، بل مع قدر من الاعمال كما مر من اختلاف معاني الاسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالخطاب غير المخاطب من ضعفاء الشيعة وقيل: المراد بأدنى الاسلام أدنى الدرجات إلى الاسلام، وهو الايمان من قبيل يوسف أحسن إخوته. " أن ينفلت من أيديكم " أي يخرج من قلوبكم فجاءه فيدل على أن من لم يكن في درجة كاملة من الايمان، فهو على خطر من زواله، فلا يغتر من


(1) الكافي ج 2 ص 52.

[138]

لم يتق المعاصي بحصول العقائد له، فانه يمكن زواله عنه بحيث لم يعلم، فان الاعمال الصالحة والاخلاق الحسنة حصون للايمان تحفظه من سراق شياطين الانس والجان، قال الجوهري: يقال: كان ذلك الامر فلتة أي فجاءة إذا لم يكن عن تدبر ولا تردد، وأفلت الشئ وتفلت وانفلت بمعنى وأفلته غيره. 4 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الايمان والاسلام فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنما هو الاسلام، والايمان فوقه بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين الناس شئ أقل من اليقين، قال: قلت: فأي شئ اليقين ؟ قال: التوكل على الله، والتسليم لله، والرضا بقضاء الله، والتفويض إلى الله قلت: فما تفسير ذلك ؟ قال: هكذا قال أبو جعفر عليه السلام (1). بيان: " إنما هو الاسلام " كأن الضمير راجع إلى الدين، لقوله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " (2) أو ليس أول الدخول في الدين إلا درجة الاسلام قوله عليه السلام: " التوكل على الله " تفسير اليقين بما ذكر من باب تعريف الشئ بلوازمه وآثاره، فانه إذا حصل اليقين في النفس بالله سبحانه ووحدانيته وعلمه وقدرته وحكمته، وتقديره للاشياء، وتدبيره فيها، ورأفته بالعباد ورحمته يلزمه التوكل عليه في اموره، والاعتماد عليه والوثوق به، وإن توسل بالاسباب تعبدا، والتسليم له في جميع أحكامه، ولخلفائه فيما يصدر عنهم، والرضا بكل ما يقضي عليه على حسب المصالح من النعمة والبلاء والفقر والغنا والعز والذل وغيرها وتفويض الامر إليه في دفع شر الاعادي الظاهرة والباطنة، أورد الامر بالكلية إليه في جميع الامور، بحيث يرى قدرته مضمحلة في جنب قدرته، وإرادته معدومة عند إرادته، كما قال تعالى: " وما تشاؤن إلا أن يشاء الله " (3) ويعبر عن هذه المرتبة بالفناء في الله.


(1) الكافي ج 2 ص 52. (2) آل عمران: 19. (3) الانسان: 30، التكوير: 29.

[139]

قوله عليه السلام: " هكذا " الخ لما كان السائل قاصرا عن فهم حقائق هذه الصفات، لم يجبه عليه السلام بالتفسير، بل أكد حقيته بالرواية عن والده عليه السلام وقيل: استبعد الراوي كون هذه الامور تفسيرا لليقين، فأجاب عليه السلام بأن الباقر عليه السلام كذا فسره. 5 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: الايمان فوق الاسلام بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين العباد شئ أقل من اليقين (1). بيان: قال بعض المحققين: اعلم أن العلم والعبادة جوهران لاجلهما كان كلما ترى وتسمع، من تصنيف المصنفين، وتعليم المعلمين، ووعظ الواعظين ونظر الناظرين، بل لاجلهما انزلت الكتب، وارسلت الرسل، بل لاجلهما خلقت السماوات والارض، وما فيهما من الخلق، وناهيك لشرف العلم قول الله عزوجل: " الله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما " (2) ولشرف العبادة قوله سبحانه: " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " (3) فحق للعبد أن لا يشتغل إلا بهما ولا يتعب إلا لهما، وأشرف الجوهرين العلم كما ورد " فضل العالم على ال‍ ؟ كفضلي على أدناكم ". والمراد بالعلم الدين أعني معرفة الله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر قال الله عزوجل: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله " (4) وقال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي أنزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل، ومن يكفر


(1) الكافي ج 2 ص 52. (2) الطلاق: 12. (3) الذاريات: 56. (4) البقرة: 285.

[140]

بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا " (1). ومرجع الايمان إلى العلم، وذلك لان الايمان هو التصديق بالشئ على ما هو عليه ولا محالة هو مستلزم لتصور ذلك الشئ كذلك بحسب الطاقة، وهما معنى العلم، والكفر ما يقابله، وهو بمعنى الستر والغطاء ومرجعه إلى الجهل وقد خص الايمان في الشرع بالتصديق بهذه الخمسة ولو إجمالا فالعلم بها لابد منه وإليه الاشارة بقوله صلى الله عليه وآله: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة " ولكن لكل إنسان بحسب طاقته ووسعه " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (2) فان للعلم والايمان درجات مترتبة في القوة والضعف، والزيادة والنقصان، بعضها فوق بعض، كما دلت عليه الاخبار الكثيرة. وذلك لان الايمان إنما يكون بقدر العلم الذي به حياة القلب، وهو نور يحصل في القلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الله جل جلاله " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " (3) " أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها " (4) وليس العلم بكثرة التعلم إنما هو نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه. وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الانوار " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " (5) " وقل رب زدني علما " (6) كلما ارتفع حجاب ازداد نور، فيقوى الايمان ويتكامل إلى أن ينبسط نور فينشرح صدره، ويطلع على حقائق الاشياء، وتجلى له الغيوب، ويعرف كل شئ في موضعه، فيظهر له


(1) النساء: 136. (2) البقرة: 286. (3) البقرة: 257. (4) الانعام: 122. (5) الانفال: 2. (6) طه: 114.

[141]

صدق الانبياء عليهم السلام في جميع ما أخبروا عنه إجمالا وتفصيلا على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فيضاف إلى نور معرفته أنوار الاخلاق الفاضلة والملكات الحميدة " نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم " (1) " نور على نور " (2). وكل عبادة تقع على وجهها تورث في القلب صفاء يجعله مستعدا لحصول نور فيه، وانشراح ومعرفة ويقين، ثم ذلك النور والمعرفة واليقين تحمله على عبادة اخرى وإخلاص آخر فيها، يوجب نورا آخر وانشراحا أتم، ومعرفة اخرى ويقينا أقوى، وهكذا إلى ما شاء الله جل جلاله، وعلى كل من ذلك شواهد من الكتاب والسنة. ثم اعلم أن أوائل درجات الايمان تصديقات مشوبة بالشكوك والشبه، على اختلاف مراتبها، ويمكن معها الشرك " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (3) وعنها يعبر بالاسلام في الاكثر " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " (4) وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة " الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " (5) وأكثر إطلاق الايمان عليها خاصة " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " (6) وأواخرها تصديقات كذلك مع كشف وشهود وذوق وعيان ومحبة كاملة لله سبحانه، وشوق تام إلى حضرته المقدسة " يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين


(1) التحريم: 8. (2) النور: 35. (3) يوسف: 106. (4) الحجرات: 14. (5) الحجرات: 15. (6) الانفال: 2.

[142]

[يجاهدون في سبيل الله و] لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء " (1). وعنها العبارة تارة بالاحسان " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه " واخرى بالايقان " وبالآخرة هم يوقنون " (2). وإلى المراتب الثلاث الاشارة بقوله عزوجل: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طمعوا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " (3) وإلى مقابلاته التي هي مراتب الكفر، الاشارة بقوله جل وعز: " إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا " (4) فنسبة الاحسان واليقين إلى الايمان، كنسبة الايمان إلى الاسلام. ولليقين ثلاث مراتب: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين " كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين " (5) " إن هذا لهو حق اليقين " (6) والفرق بينها إنما ينكشف بمثال، فعلم اليقين بالنار مثلا هو مشاهدة المرئيات بتوسط نورها، وعين اليقين بها هو معاينة جرمها، وحق اليقين بها الاحتراق فيها، وانمحاء الهوية بها، والصيرورة نارا صرفا، وليس وراء هذا غاية ولا هو قابل للزيادة، لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. 6 - كا: عن الحسين بن محمد، عن معلى، عن الوشاء، عن المثنى بن الوليد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس شئ إلا وله حد، قال: قلت: جعلت فداك فما حد التوكل ؟ قال: اليقين، قلت: فما حد اليقين ؟ قال: أن لا


(1) المائدة: 54. (2) البقرة: 4. (3) المائدة: 93. (4) النساء: 137. (5) التكاثر: 5 - 8. (6) الواقعة: 95.

[143]

تخاف مع الله شيئا (1). بيان: قال المحقق الطوسي رحمه الله في أوصاف الاشراف: اليقين اعتقاد جازم مطابق ثابت، لا يمكن زواله، وهو في الحقيقة مؤلف من علمين، العلم بالمعلوم والعلم بأن خلاف ذلك العلم محال، وله مراتب: علم اليقين، وعين اليقين وحق اليقين. والمراد بالحد هنا إما علامته أو تعريفه أو نهايته فعلى الاول المعنى أن علامة التوكل اليقين، وعلى الثاني تعريف له بلازمه، وعلى الثالث المعنى أن التوكل ينتهي إلى اليقين، فانه إذا تمرن على التوكل وعرف آثاره، حصل له اليقين بأن الله مدبر أمره، وأنه الضار النافع، وكذا الفقرة الثانية، تحتمل الوجوه المذكورة. وعدم الخوف من غير سبحانه لا ينافي التقية وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة إطاعة لامره تعالى، فان صاحب اليقين يفعلهما خوفا منه تعالى كما أن التوكل لا ينافي التوسل بالوسائل والاسباب، تعبدا، مع كون الاعتماد على الله تعالى في جميع الامور. 7 - كا: عن الحسين، عن المعلى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي ولاد الحناط وعبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من صحة يقين المرء المسلم أن لا يرضي الناس بسخط الله، ولا يلومهم على ما لم يؤته الله، فان الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه رزقه، كما يدركه الموت، ثم قال: إن الله بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط (2). بيان: " من صحة يقين المرء المسلم " أي من علامات كون يقينه بالله، وبكونه


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 57.

[144]

مالكا لنفعه وضره، وقاسما لرزقه على ما علم صلاح دنياه وآخرته فيه، وأن الله مقلب القلوب، وهي بيده يصرفها كيف يشاء، وأن الآخرة الباقية خير من الدنيا الفانية صحيحا غير معلول، ولا مشوب بشك وشبهة، وأنه واقع ليس محض الدعوى. " أن لا يرضي الناس بسخط الله " بأن يوافقهم في معاصيه تعالى طلبا لما عندهم من الزخارف الدنيوية أو المناصب الباطلة، ويفتيهم بما يوافق رضاهم من غير خوف أو تقية، ولا يأمرهم بالمعروف، ولا ينهاهم عن المنكر، من غير خوف ضرر أو عدم تجويز تأثير، بل لمحض رعاية رضاهم وطلب التقرب عندهم، أو يأتي أبواب الظالمين ويتذلل عندهم لا لتقية تجوزه، ولا لمصلحة جلب نفع لمؤمن، أو لدفع ضرر عنه، بل لطلب ما في أيديهم لسوء يقينه بالله وبرازقيته، مع أنه يترتب عليه خلاف ما أمله، كما روي: من أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. قوله عليه السلام: " ولا يلومهم على ما لم يؤته الله " أي لا يذمهم ولا يشكوهم على ترك صلتهم إياه بالمال وغيره، فانه يعلم صاحب اليقين أن ذلك شئ لم يقدره الله له ولا يرزقه إياه، لعدم كون صلاحه فيه مطلقا أو في كونه بيد هذا الرجل وبتوسطه، بل يوصله إليه من حيث لا يحتسب، فلا يلوم أحدا بذلك، لانه ينظر إلى مسبب الاسباب ولا ينظر إليها، ولا يعترض على الله فيما فعل به وهذا اللوم يتضمن نوعا من الشرك، حيث جعلهم الرازق والمعطي مع الله، وسخطا لقضاء الله والموقن برئ منهما، فضمير " يؤته " راجع إلى المرء المسلم، وعائد ما محذوف بتقدير إياه. وقيل: يحتمل أن يكون المراد أنه لا يلومهم على ما لم يؤته الله إياهم فان الله خلق كل أحد على ما هو عليه وكل ميسر لما خلق له فيكون كقوله عليه السلام لو علم الناس كيف خلق الله هذا الخلق لم يلم أحد أحدا، ولا يخفى بعده لاسيما بالنظر إلى التعليل بقوله " فان الرزق لا يسوقه حرص حريص " أي الرزق الذي

[145]

قدره الله للانسان لا يحتاج في وصوله إلى حرص، بل يأتيه بأدنى سعي أمر الله به ولا يرد هذا الرزق كراهة كاره لرزق نفسه لقلته أو للزهد أو كاره لرزق غيره حسدا ويؤكد الاول " ولو أن أحدكم " الخ. وهذا يدل على أن الرزق مقدر من الله تعالى ويصل إلى العبد البتة وفيه مقامان: الاول: أن الرزق هل يشمل الحرام أم لا ؟ فالمشهور بين الامامية والمعتزلة الثاني، وبين الاشاعرة الاول. قال الرازي في تفسير قوله تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون " (1) الرزق في كلام العرب الحظ، وقال بعضهم: كل شئ يؤكل أو يستعمل، وقال آخرون الرزق هو ما يملك، وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسن البصري الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشئ، والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا رزقنا الله الاموال فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها والمعتزلة لما فسسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا، وقال أصحابنا: قد يكون رزقا. حجة الاصحاب من وجهين الاول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظا ونصيبا له فوجب أن يكون رزقا له، الثاني أنه تعالى قال: " وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها " (2) وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا. وأما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى، أما الكتاب فوجوه أحدها قوله تعالى: " ومما رزقناهم ينفقون " مدحهم على الانفاق مما رزقهم الله تعالى فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك


(1) البقرة: 3. (2) هود: 6.

[146]

باطل بالاتفاق، وثانيها لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه لقوله تعالى: " وأنفقوا مما رزقناكم " (1) وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق منه، بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقا، وثالثها قوله تعالى: " قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم " (2) فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقا. وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب الغرر باسناده عن صفوان بن امية قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ جاء عمرو بن مرة فقال: يارسول الله إن الله كتب علي الشقوة فلا أراني ارزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال عليه السلام: لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه، مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه النوبة شيئا ضربتك ضربا وجيعا. وأما المعنى فهو أن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع به، وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به، ومن منع من أخذ الشئ والانتفاع به، لا يقال: إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه. الثاني: أن الرزق هل يجب على الله إيصاله من غير سعي وكسب أم لابد من الكسب والسعي فيه، ظاهر هذا الخبر وغيره الاول، وقد روى في النهج عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قيل له عليه السلام: لو سد على رجل باب بيت وترك فيه من أين كان يأتيه رزقه ؟ فقال عليه السلام: من حيث يأتيه أجله، وظاهر كثير من الاخبار الثاني، وسيأتي تمام الكلام فيه، في كتاب المكاسب إنشاء الله تعالى. قوله عليه السلام: " وقسطه " العطف للتفسير والتأكيد، وكذا الراحة أو الروح راحة القلب وسكونه عن الاضطراب، والراحة فراغ البدن، وعدم المبالغة


(1) البقرة: 254. (2) يونس: 59.

[147]

في الاكتساب في اليقين برازقيته سبحانه ولطفه وسعة كرمه، وأنه لا يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم، وأنه لا يصل إلى العباد إلا ما قدر لهم " والرضا " بما يصل من الله إليه وهو ثمرة اليقين " والحزن " بالضم والتحريك أيضا إما عطف تفسير للهم أو الهم اضطراب النفس عند تحصيله، والحزن جزعها واغتمامها بعد فواته " في الشك " أي عدم اطمينان النفس بما ذكر في اليقين " والسخط " وعدم الرضا بقضاء الله المترتب على الشك، ونعم ما قيل: ما العيش إلا في الرضا * والصبر في حكم القضا ما بات من عدم الرضا * إلا على جمر الغضا (1) 8 - كا: بالاسناد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين (2). توضيح: يدل على أن لكمال اليقين وقوة العقائد مدخلا عظيما في قبول الاعمال وفضلها، بل لا يحصل الاخلاص الذي هو روح العبادة وملاكها إلا بها وكأن قيد الدوام معتبر في الثاني أيضا، ليظهر مزيد فضل اليقين، ويحتمل أن يكون حذف قيد الدوام في الثاني للاشعار بأن إحدى ثمرات اليقين دوام العمل فان اليقين الذي هو سببه لا يزول، بخلاف العمل الكثير على غير يقين، فانه غالبا يكون متفرعا على غرض من الاغراض تتبدل سريعا، أو إيمان ناقص هو بمعرض الضعف والزوال على نهج قول أمير المؤمنين عليه السلام: قليل مدوم عليه خير من كثير مملول منه. 9 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان، عن زرارة


(1) الغضا: شجر عظيم من الاثل، واحدته غضاة، وخشبه من أصلب الخشب، ولهذا يكون في فحمه صلابة، وهو حسن النار، وجمره يبقى زمانا طويلا لا ينطفئ. (2) الكافي ج 2 ص 57. (*)

[148]

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر: لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (1). تبيين: قوله عليه السلام: " طعم الايمان " قيل: إن فيه مكنية وتخييلية حيث شبه الايمان بالطعام في أنه غذاء للروح به ينمو ويبلغ حد الكمال، كما أن الطعام غداء للبدن، قوله عليه السلام: " لم يكن ليخطئه " يحتمل أن يكون من المعتل أي يتجاوزه، أو من المهموز أي لا يصيبه كما يخطئ السهم الرمية، قال الراغب: الخطأ العدول عن الجهة، وذلك أضرب أحدها: أن يريد غير ما يحسن إرادته فيفعله، والثاني أن يريد ما يحسن فعله ولكن يقع منه خلاف ما يريد، وهذا قد أصاب في الارادة، وأخطأ في الفعل، والثالث أن يريد ما لا يحسن فعله، ويتفق منه خلافه، وهذا مخطئ في الارادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده، وغير محمود على فعله، وجمله الامر أن من أراد شيئا واتفق منه غيره، يقال: أخطأ وإن وقع منه كما أراده يقال: أصاب، وقد يقال لمن فعل فعلا لا يحسن أو أراد إرادة لاتجمل: أنه أخطأ (2). وقال الجوهري: في المعتل قولهم في الدعاء إذا دعو للانسان خطى عنه السوء أي دفع عنه السوء تخطيته إذا تجاوزته وتخطيت رقاب الناس وتخطيت إلى كذا ولا تقل تخطأت (3). وفي المصباح الخطأ مهموزا ضد الصواب يقصر ويمد، وهو اسم من أخطأ فهو مخطئ قال أبو عبيدة: خطئ خطأ من باب علم وأخطأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد، وقال غيره: خطأ في الدين وأخطأ في كل شئ عامدا كان أو غير عامد وأخطأ الحق بعد عنه وأخطأه السهم تجاوزه ولم يصبه، وتخفيف الرباعي جائز، وقال الزمخشري: في الاساس في المهموز: ومن المجاز لن يخطئك ما


(1) الكافي ج 2 ص 57. (2) مفردات غريب القرآن: 151. (3) الصحاح ص 2329 ج 6.

[149]

كتب لك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك وقال في المعتل: ومن المجاز تخطاه المكروه انتهى. وأقول: فظهر أن الهمز أظهر، وحاصل المعنى أن ما أصابه في الدنيا كان يجب أن يصيبه، ولم يكن بحيث يتجاوزه إذا لم يبالغ السعي فيه، وما لم يصبه في الدنيا لم يكن يصيبه إذا بالغ في السعي، أو المعنى أن ما أصابه في التقدير الازلي لا يتجاوزه، وإن قصر في السعي وكذا العكس، وهذا الخبر بظاهره مما يوهم الجبر، ولذا اول وخص بما لم يكلف العبد به، فعلا وتركا أو بما يصل إليه بغير اختياره من النعم والبلايا والصحة والمرض وأشباهها، وقد مضى الكلام في أمثاله في كتاب العدل. 10 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام جلس إلى حائط مائل يقضي بين الناس فقال بعضهم: لا تقعد تحت هذا الحائط فانه معور، فقال أمير المؤمنين عليه السلام حرس امرءا أجله، فلما قام أمير المؤمنين سقط الحائط، قال: وكان أمير المؤمنين مما يفعل هذا وأشباهه، وهذا اليقين (1). توضيح: " فانه معور " على بناء الفاعل من باب الافعال أي ذو شق وخلل يخاف منه، أو على بناء المفعول من التفعيل أو الافعال أي ذو عيب قال في النهاية: العوار بالفتح العيب، وقد يضم والعورة كل ما يستحيى منه إذا ظهر، وفيه رأيته وقد طلع في طريق معورة أي ذات عورة يخاف فيها الضلال والانقطاع، وكل عيب وخلل في شي فهو عورة، وفي الاساس مكان معور: ذو عورة. قوله عليه السلام: " حرس امرءا أجله " امرءا مفعول حرس " وأجله " فاعله وهذا مما استعمل فيه النكرة في سياق الاثبات للعموم، أي حرس كل امرئ أجله كقوله أنجز حر ما وعد (2) ويؤيده ما في النهج أنه قال عليه السلام: كفى


(1) الكافي ج 2 ص 58. (2) من الامثال السائرة: يقال: نجز الوعد ينجز، وقال الازهرى: نجز الوعد - - -

[150]

بالاجل حارسا (1). ومن العجب ما ذكره بعض الشارحين أن امرأ مرفوع على الفاعلية وأجله منصوب على المفعولية، والعكس محتمل، والمقصود الانكار لان أجل المرء ليس بيده حتى يحرسه انتهى. ويشكل هذا بأنه يدل على جواز إلقاء النفس إلى التهلكة، وعدم وجوب الفرار عما يظن عنده الهلاك، والمشهور عند الاصحاب [خلافه] ويمكن أن يجاب عنه بوجوه: الاول أنه يمكن أن يكون هذا الجدار مما يظن عدم انهدامه في ذلك الوقت، ولكن الناس كانوا يحترزون عن ذلك بالاحتمال البعيد لشدة تعلقهم بالحياة فأجاب عليه السلام بأن الاجل حارس، ولا يحسن الحذر عند الاحتمالات البعيدة لذلك، وإنما نحترز عند الظن بالهلاك تعبدا، وهذا ليس من ذلك [لكن] قوله عليه السلام: " فلما قام " الخ مما يبعد هذا الوجه ويقعده، وإن أمكن توجيهه. الثاني: أن يقال: هذا كان من خصائصه عليه السلام وأضرابه، حيث كان يعلم وقت أجله باخبار النبي صلى الله عليه وآله وغيره، فكان يعلم أن هذا الحائط لا يسقط في ذلك الوقت وإن كان مشرفا على الانهدام، لعدم الكذب في إخباره، وأما من لم يعلم ذلك فهو مكلف بالاحتراز، وكون هذا من اليقين لكونه متفرعا على اليقين بخبر


- - - وانجزته أنا وكذلك نجزت به، وانما قال حر ولم يقل الحر، لانه حذر أن يسمى نفسه حرا، فكان ذلك تمدحا، قال المفضل: أول من قال ذلك الحارث بن عمرو آكل المرار الكندى لصخر بن نهشل بن دارم، وذلك أن الحارث قال لصخر: هل أدلك على غنيمة على أن لى خمسها ؟ فقال صخر: نعم، فدله على ناس من اليمن فأغار عليهم بقومه، فظفروا وغنموا، فلما انصرفوا قال له الحارث: أنجز حر ما وعد، فأرسلها مثلا راجع مجمع الامثال ج 2 ص 332 تحت الرقم 4191. (1) راجع نهج البلاغة الرقم 306 من الحكم.

[151]

النبي صلى الله عليه وآله. الثالث أن يقال: إنه من خصائصه عليه السلام على وجه آخر، وهو أنه عليه السلام كان يعلم أن هذا الحائط لا ينهدم في هذا الوقت، فلما علم أنه حان وقت سقوطه قام فسقط، ويؤيده ما رواه الصدوق في التوحيد (1) باسناده عن الاصبغ ابن نباتة أن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله ؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله، ولعل المعنى أني لما علمت أنه ينهدم وأعلم أن الله قدر لي أجلا متأخرا عن هذا الوقت، فأفر من هذا إلى أن يحصل لي القدر الذي قدره الله لي، أو المراد بقدر الله أمره وحكمه أي إنما أفر من هذا القضاء بأمره تعالى [أو المعنى أن الفرار أيضا من تقديره تعالى] فلا ينافي كون الاشياء بقضاء الله تعالى الفرار من البلايا والسعي لتحصيل ما يجب السعي له، فان كل ذلك داخل في علمه وقضائه، ولا ينافي شئ من ذلك اختيار العبد، كما حققناه في محله. ويؤيد الوجوه كلها ماروي في الخصال باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خمسة لا يستجاب لهم أحدهم رجل مر بحايط مايل وهو يقبل إليه ولم يسرع المشي حتى سقط عليه الخبر (2). الرابع ما قال بعضهم: التكليف بالفرار مختص بغير الموقن لان الموقن يتوكل على الله، ويفوض أمره إليه، فيقيه عن كل مكروه، كما قال عزوجل: " أليس الله بكاف عبده " (3) وكما قال مؤمن آل فرعون: " وافوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا " (4) وسر ذلك أن المؤمن الموقن المنتهي إلى حد الكمال لا ينظر إلى الاسباب والوسايط في النفع والضر


(1) التوحيد ص 377. (2) الخصال ج 1 ص 143. (3) الزمر: 36. (4) غافر: 44.

[152]

وإنما نظره إلى مسببها، وأما من لم يبلغ ذلك الحد من اليقين، فانه يخاطب بالفرار قضاء لحق الوسائط. " وهذا اليقين " أي من ثمرات اليقين بقضاء الله وقدره وقدرته وحكمته ولطفه ورأفته وصدق أنبيائه ورسله. 11 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن البزنطي، عن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما " (1) فقال: أما إنه ما كان ذهبا ولا فضة، وإنما كان أربع كلمات: لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم يضحك سنه، ومن أيقن بالحساب لم يفرح قلبه، ومن أيقن بالقدر [ة] لم يخش إلا الله (2). بيان: قوله تعالى: " أما الجدار " أقول: هذا في قصة موسى والخضر عليهما السلام كما مر تفسير الآيات، وشرح القصة في كتاب النبوة (3) " وكان تحته كنز لهما " قال الطبرسي رحمه الله: الكنز هو كل مال مذخور من ذهب أو فضة وغير ذلك واختلف في هذا الكنز فقيل: كانت صحف علم مدفونة تحته عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد، قال ابن عباس: ما كان ذلك الكنز إلا علما وقيل: كان كنزا من الذهب والفضة رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وقيل: كان لوحا من الذهب، وفيه مكتوب: عجبا لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ؟ عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب ؟ عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ؟ عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله عن ابن عباس والحسن وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام. وفي بعض الروايات زيادة ونقصان، وهذا القول يجمع القولين الاولين لانه يتضمن أن الكنز كان مالا كتب فيه علم فهو مال وعلم " وكان أبوهما صالحا "


(1) الكهف: 82. (2) الكافي ج 2 ص 58. (3) راجع ج 13 ص 285 وما بعده من هذه الطبعة.

[153]

بين سبحانه أنه حفظ الغلامين بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا عن ابن عباس وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان بينهما وبين ذلك الاب الصالح سبعة آباء وقال عليه السلام: إن الله ليصلح بصلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله (1). " فأراد ربك أن يبلغا أشدهما " قال البيضاوي: أي الحلم وكمال الرأي " ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك " أي مرحومين من ربك، ويجوز أن يكون علة أو مصدرا لاراد، فان إرادة الخير رحمة، وقيل: يتعلق بمحذوف تقديره فعلت ما فعلت رحمة من ربك انتهى. (2). قوله عليه السلام: " ماكان ذهبا ولا فضة " أقول: يدل على أن الاخبار الواردة بأنه كان من ذهب محمولة على التقية، ويمكن أن يحمل هذا الخبر على أنه لم يكن كونه كنزا وادخاره وحفظ الخضر عليه السلام له لكونه ذهبا بل للعلم الذي كان فيه، وإنما اقتصر على هذه الاربع لان الاولى مشتملة على توحيد الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به سبحانه، والثانية على تذكر الموت والاستعداد لما بعده، والثالثة على تذكر أحوال القيامة وأهوالها الموجب لعدم الفرح بلذات الدنيا والرغبة في زخارفها، والرابعة على اليقين بالقضاء والقدر المتضمن لعدم الخشية من غير الله، وهي من أعظم أركان الايمان ومن امهات الصفات الكمالية. " لم يضحك سنه " إنما نسب الضحك إلى السن لاخراج التبسم فانه ممدوح وكان ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله تبسما وقراءته بالنصب بأن يكون المراد بالسن العمر بعيد، وظاهر أن تذكر الموت والاهوال التي بعده يصير الانسان مغموما مهموما متهيئا لرفع تلك الاهوال، فلا يدع في قلبه فرحا من اللذات يصير سببا لضحكه، وكذا اليقين بالحساب لا يدع فرحا في قلب اولي الالباب، وكذا من أيقن بأن جميع الامور بقضاء الله وقدره علم أنه الضار النافع في الدنيا والآخرة


(1) مجمع البيان ج 6 ص 488. (2) أنوار التنزيل ص 252.

[154]

فلا يخشى ولا يرجو غيره سبحانه. 12 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن علي بن الحكم، عن صفوان الجمال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: لا يجد عبد طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الضار النافع هو الله عزوجل (1). بيان: " والله هو الضار النافع " لان كل نفع وضرر بتقديره تعالى وإن كان بتوسط الغير، وأن النفع والضرر الحقيقيان منه تعالى وأما الضرر اليسير من الغير مع الجزاء الكثير في الآخرة، فليس بضرر حقيقة وكذا المنافع الفانية الدنيوية إذا كانت مع العقوبات الاخروية فهو عين الضرر، وبالجملة كل نفع وضرر يعتد بهما فهو من عنده تعالى وأيضا كل نفع أو ضرر من غيره فهو بتوفيقه أو خذلانه سبحانه. 13 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان، عن أبي حمزة، عن سعيد بن قيس الهمداني قال: نظرت يوما في الحرب إلى رجل عليه ثوبان فحركت فرسي فإذا هو أمير المؤمنين عليه السلام فقلت: يا أمير المؤمنين في مثل هذا الموضع ؟ فقال: نعم يا سعيد بن قيس، إنه ليس من عبد إلا وله من الله عزوجل حافظ وواقية، معه ملكان يحفظانه من أن يسقط من رأس جبل أو يقع في بئر فإذا نزل القضاء خليا بينه وبين كل شئ (2). بيان: " في مثل هذا الموضع " فيه تقدير أي تكتفي بلبس القميص والازار من غير درع وجنة في مثل هذا الموضع ؟ " حافظ " أي ملك حافظ لاعماله " و " ملائكة " واقية " له من البلايا دافعة لها عنه، كما قال تعالى: " له معقبات من بين يديه ومن خلقه يحفظونه من أمر الله " (3) وروى علي بن إبراهيم في تفسيرها عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام " من أمر الله " يقول: بأمر الله من أن يقع في ركي


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 58. (3) الرعد: 11.

[155]

أو يقع عليه حائط أو يصيبه شئ حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، يدفعونه إلى المقادير، وهما ملكان يحفظانه بالليل وملكان يحفظانه بالنهار يتعاقبانه وروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إنما نزلت " له معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله " (1). وقال الطبرسي رحمه الله في سياق الوجوه المذكورة في تفسيرها: والثاني أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير فيحولون بينه وبين المقادير، عن علي عليه السلام، وقيل: هم عشرة أملاك على كل آدمي يحفظونه من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله أي يطوفون به كما يطوف الموكل بالحفظ وقيل: يحفظون ما تقدم من عمله وما تأخر إلى أن يموت فيكتبونه، وقيل: يحفظونه من وجوه المهالك والمعاطب، ومن الجن والانس والهوام، وقال ابن عباس: يحفظونه مما لم يقدر نزوله فإذا جاء المقدر بطل الحفظ، وقيل: من أمر الله أي بأمر الله، وقيل: يحفظونه عن خلق الله فمن بمعنى عن، قال كعب: لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجن انتهى (2). وروى الصدوق - ره - في التوحيد باسناده عن أبي حيان التيمي، عن أبيه و كان مع علي عليه السلام يوم صفين [وفيما بعد ذلك قال: بينما علي بن أبي طالب يعبئ الكتائب يوم صفين] (3) ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكل تحته تأكلا (4) وعلي عليه السلام على فرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز، وبيده حربة رسول الله، وهو متقلد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه: احترس يا أمير المؤمنين فانا نخشى


(1) تفسير القمي: 337. (2) مجمع البيان ج 6 ص 281. (3) مابين العلامتين ساقط من نسخة الكمبانى وهكذا نسخة المرآت المطبوعة ج 2 ص 84، أضفناه من المصدر، وقد أخرجه المؤلف في ج 41 ص 1 من هذه الطبعة تماما. (4) أي يتوهج ويحترق غضبا على راكبه كيف يمنعه عن العدو في هذا الميدان.

[156]

أن يغتالك هذا الملعون، فقال عليه السلام: لئن قلت ذاك إنه غير مأمون على دينه، و إنه لاشقى القاسطين وألعن الخارجين على الائمة المهتدين، ولكن كفى بالاجل حارسا ليس أحد من الناس إلا ومعه ملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى في بئر أو يقع على حائط أو يصيبه سوء، فإذا حان أجله خلوا بينه وبين ما يصيبه وكذلك أنا إذا حان أجلي انبعث أشقاها فخضب هذه من هذا - وأشار إلى لحيته ورأسه - عهدا معهودا ووعدا غير مكذوب (1). وقيل: التاء في قوله " واقية " للنقل إلى الاسمية، إذا المراد الواقية من خصوص الموت، وقيل: واقية أي جنة واقية كأنها من الصفات الغالبة، أو التاء فيها للمبالغة عطف تفسيري للحافظ انتهى. 14 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن علي بن أسباط قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: كان في الكنز الذي قال الله عزوجل " وكان تحته كنز لهما " (2) كان فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ؟ وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ؟ وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها ؟ وينبغي لمن عقل عن الله أن لايتهم الله في قضائه، ولا يستبطئه في رزقه، فقلت له: جعلت فداك اريد أكتبه، قال: فضرب والله يده إلى الدواة ليضعها بين يدي، فتناولت يده فقبلتها وأخذت الدواة فكتبته (3). بيان: قوله: " كان فيه " تأكيد لقوله: " كان في الكنز " واختلاف الاخبار في المكتوب في اللوح لاضير فيه لان الجميع كان فيه، واختلاف العبارات للنقل بالمعنى مع أن الظاهر أنها لم تكن عربية، وفي النقل من لغة إلى لغة كثيرا ما تقع تلك الاختلافات. فان قلت: الحصر في بعض الاخبار (4) بإنما ينافي تجويز الزيادة على الاربع


(1) التوحيد: 367. (2) الكهف: 82. (3) الكافي ج 2 ص 59. (4) في المرآت: في الحديث 6، والمراد الحديث المرقم 11.

[157]

قلت: الظاهر أن الحصر بالاضافة إلى الذهب والفضة مع أن المضامين قريبة وإنما التفاوت بالاجمال والتفصيل، ونسبة التعجب إلى الله تعالى مجاز والغرض الاخبار عن ندرة الوقوع أو عدمه. وقال بعض المحققين: إنما اختلفت ألفاظ الروايتين مع أنهما إخبار عن أمر واحد لانهما إنها تخبران عن المعنى دون اللفظ، فلعل اللفظ كان غير عربي وأما ما يتراآى فيهما من الاختلاف في المعنى، فيمكن إرجاع إحداهما إلى الاخرى وذلك لان التوحيد والتسمية مشتركان في الثناء، ولعلهما كانا مجتمعين فاكتفى في كل من الروايتين بذكر أحدهما. ومن أيقن بالقدر، علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فلم يحزن على ما فاته، ولم يخش إلا الله ومن أيقن بالحساب نظر إلى الدنيا بعين العبرة، ورأى تقلبها بأهلها، فلم يركن إليها، فلم يفرح بما آتاه فهذه خصال متلازمة اكتفى في إحدى الروايتين ببعضها وفي الاخرى بآخر. وأما قوله " ينبغي " إلى آخره فلعله من كلام الرضا عليه السلام دون أن يكون من جملة ما في الكنز، وعلى تقدير أن يكون من جملة ذلك، فذكره في إحدى الروايتين لا ينافي السكوت عنه في الاخرى انتهى. " لمن عقل عن الله " أي حصل له معرفة ذاته وصفاته المقدسة من علمه وحكمته ولطفه ورحمته، أو أعطاه الله عقلا كاملا، أو علم الامور بعلم ينتهي إلى الله بأن أخذه عن أنبيائه وحججه عليهم السلام إما بلا واسطة أو بواسطة، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر أو تفكر فيما أجرى الله على لسان الانبياء والاوصياء، وفيما أراه من آياته في الآفاق والانفس، وتقلب أحوال الدنيا وأمثالها، والثاني أظهر لقول الكاظم عليه السلام لهشام: يا هشام ما بعث الله أنبياءه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، وقال أيضا: إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها، ويجد حقيقتها في قلبه (1).


(1) راجع الكافي ج 1 ص 16 و 18.

[158]

" أن لا يتهم الله في قضائه " بأن يظن أن ما لم يقدره الله له خير مما قدر له أو يفعل من السعي والجزع ما يوهم ذلك " ولا يستبطئه " أي لا يعده بطيئا في رزقه إن تأخر بأن يعترض عليه في الابطاء بلسان الحال أو القال، ويدل على رجحان كتابة الحديث، وعدم الاتكال على الحفظ. 15 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الرحمن العرزمي، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان قنبر غلام علي يحب عليا عليه السلام حبا شديدا، فإذا خرج علي خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر مالك ؟ فقال: جئت لامشي خلفك يا أمير المؤمنين، قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أو من أهل الارض ؟ فقال: لا، بل من أهل الارض، فقال: إن أهل الارض لا يستطيعون لي شيئا إلا باذن الله من السماء فارجع فرجع (1). بيان: قنبر كان من موالي أمير المؤمنين عليه السلام ومن خواصه وقتله الحجاج لعنه الله على حبه عليه السلام، قوله عليه السلام: " فإذا خرج " روي أنه عليه السلام كان يخرج في أكثر الليالي إلى ظهر الكوفة فيعبد الله هناك. " إلا باذن الله من السماء " إنما نسب إلى السماء لان التقديرات فيها، والاذن التخلية كما مر. 16 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عمن ذكره قال: قيل للرضا عليه السلام: إنك تتكلم بهذا الكلام والسيف يقطر دما ؟ فقال: إن لله واديا من ذهب حماه بأضعف خلقه النمل، فلو رامت البخاتي لم تصل إليه (2). بيان: " بهذا الكلام " أي بدعوى الامامة " والسيف " أي سيف هارون " يقطر " على بناء المعلوم من باب نصر، و " دما " تمييز وكونه من باب الافعال ودما مفعولا بعيد، وفي القاموس البخت بالضم الابل الخراسانية كالبختية والجمع بخاتي وبخاتي وبخات انتهى، وذكر بعض المؤرخين أن عسكر بعض الخلفاء وصلوا إلى موضع فنظروا عن جانب الطريق إلى واد يلوح منها ذهب كثير، فلما توجهوا


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 59.

[159]

إليها خرج إليهم نمل كثير كالبغال فقتلت أكثرهم. 17 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن أبي محمد الوابشي وإبراهيم بن مهزم، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس الصبح فنظر إلى شاب في المسجد وهو يخفق ويهوي برأسه مصفرا لونه، قد نحف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف أصبحت يا فلان ؟ قال: أصبحت يارسول الله موقنا، فعجب رسول الله من قوله وقال له: إن لكل يقين حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ فقال: إن يقيني يارسول الله هو الذي أحزنني، وأسهر ليلي وأظمأ هواجرى، فغزفت نفسي عن الدنيا وما فيها حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب، وحشر الخلايق لذلك، وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون في الجنة ويتعارفون على الارائك متكئون، وكأني أنظر إلى أهل النار وهم فيها معذبون مصطرخون، وكأني الآن أسمع زفير النار يدور في مسامعي. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا عبد نور الله قلبه بالايمان، ثم قال له: الزم ما أنت عليه، فقال الشاب: ادع الله لي يارسول الله أن ارزق الشهادة معك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر (1). بيان: " وهو يخفق ويهوي برأسه " أي ينعس، فينحط رأسه للنعاس بكثرة العبادة في الليل، في القاموس خفقت الراية تخفق وتخفق خفقا وخفقانا محركة اضطربت وتحركت وفلان حرك رأسه إذا نعس كأخفق، وقال: هوى هويا سقط من علو إلى سفل انتهى، فقوله ويهوي برأسه كالتفسير لقوله: " يخفق " أو مبالغة في الخفق إذ يكفي فيه الحركة القليلة، ونحف كتعب وقرب نحافة هزل " كيف أصبحت " أي على أي حال دخلت في الصباح ؟ أو كيف صرت ؟.


(1) الكافي ج 2 ص 53.

[160]

" فعجب رسول الله " كتعب أي تعجب منه لندرة مثل ذلك أو أعجبه وسر به قال الراغب: العجب والتعجب حالة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشئ ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه، ولهذا قيل: لا يصح على الله التعجب إذ هو علام الغيوب، ويقال لما لا يعهد مثله: عجب قال تعالى: " أكان للناس عجبا أن أوحينا " (1) " كانوا من آياتنا عجبا " (2) " إنا سمعنا قرآنا عجبا " (3) أي لم نعهد مثله ولم نعرف سببه ويستعار تارة للمونق فيقال: أعجبني كذا أي راقني، وقال تعالى: " ومن الناس من يعجبك " (4). قوله: " إن لكل يقين " أي فرد من أفراده أو صنف من أصنافه " حقيقة فما حقيقة يقينك " من أي نوع أو صنف ؟ أو لكل يقين علامة تدل عليه فما علامة يقينك كما مر " هو الذي أحزنني " أي في أمر الآخرة " وأسهر ليلي " لحزن الآخرة أو للاستعداد لها أو لحب عبادة الله ومناجاته " عجبا للمحب كيف ينام " والاسناد مجازي أي أسهرني في ليلي، وكذا في قوله: " وأظمأ هواجري " مجاز عقلي أي أظمأني عند الهاجرة وشدة الحر للصوم في الصيف، وإنما خصه لانه أشق وأفضل، في القاموس الهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر، لان الناس يستكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا شدة الحر، وقال: عزفت نفسي عنه تعزف عزوفا زهدت فيه وانصرفت عنه أو ملته. " حتى كأني أنظر " أي شدة اليقين بأحوال الآخرة صيرني إلى حالة المشاهدة، والاصطراخ الاستغاثة، وزفير النار صوت توقدها، في القاموس زفر يزفر زفرا وزفيرا أخرج نفسه بعد مده إياه، والنار سمع لتوقدها صوت، وقال: المسمع كمنبر الاذن كالسامعة، والجمع مسامع انتهى وقيل: المسامع جمع جمع


(1) يونس: 2. (2) الكهف: 9. (3) الجن: 1. (4) البقرة: 204، راجع مفردات غريب القرآن 322.

[161]

على غير قياس كمشابه وملامح جمع شبه ولمحة. وقال بعض المحققين: هذا التنوير الذي اشير به في الحديث إنما يحصل بزيادة الايمان وشدة اليقين فانهما ينتهيان بصاحبهما إلى أن يطلع على حقائق الاشياء محسوساتها ومعقولاتها، فتنكشف له حجيها وأستارها، فيعرفها بعين اليقين على ماهي عليه، من غير وصمة ريب أو شائبة شك، فيطمئن لها قلبه، ويستريح بها روحه، وهذه هي الحكمة الحقيقية التي من اوتيها فقد اوتي خيرا كثيرا وإليه أشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: " هجم بهم العلم على حقائق الامور، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملاء الاعلى " (1). أراد عليه السلام بما استوعره المترفون يعني المتنعمون رفض الشهوات البدنية وقطع التعلقات الدنيوية وملازمة الصمت والسهر والجوع والمراقبة والاحتراز عما لا يعني ونحو ذلك، وإنما يتيسر ذلك بالتجافي عن دار الغرور، والترقي إلى عالم النور، والانس بالله، والوحشة عما سواه، وصيرورة الهموم جميعا هما واحدا، وذلك لان القلب مستعد لان يتجلى فيه حقيقة الحق في الاشياء كلها من اللوح المحفوظ الذي هو منقوش بجميع ما قضى الله تعالى به إلى يوم القيامة وإنما حيل بينه وبينها حجب كنقصان في جوهره أو كدورة تراكمت عليه من كثرة الشهوات، أو عدول به عن جهة الحقيقة المطلوبة، أو اعتقاد سبق إليه ورسخ فيه على سبيل التقليد، والقبول بحسن الظن، أو جهل بالجهة التي منها يقع العثور على المطلوب وإلى بعض هذه الحجب اشير في الحديث النبوي لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء. [18 - م: قوله عزوجل: " ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد


(1) راجع نهج البلاغة تحت الرقم 147 من الحكم، تحف العقول ص 164، ولا يذهب عليك أن كلامه عليه السلام هذا في صفات حجج الله عزوجل وصدره: اللهم بلى لا يخلو الارض من قائم لله بحجة اما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا الخ.

[162]

قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون " (1) قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل: " ثم قست "] (2) قلوبكم عست (3) وجفت ويبست من الخير والرحمة " قلوبكم " معاشر اليهود " من بعد ذلك " من بعد ما بينت من الآيات الباهرات في زمان موسى عليه السلام ومن الآيات المعجزات التي شاهدتموها من محمد " فهي كالحجارة " اليابسة لاترشح برطوبة، ولا ينتفض منها ما ينتفع به أي إنكم لا حق الله تؤدون ولا من أموالكم ولا من حواشيها تتصدقون، ولا بالمعروف تتكرمون وتجودون


(1) البقرة: 74. (2) ما جعلناه بين المعقوفتين، أضفناه من المصدر (تفسير الامام) بقرينة المقام، وأما نسخة الكمبانى ونسخة الاصل فكما عرفت في المقدمة متحدة الا أن نسخة الاصل تنتهى صحيفتها (اليمنى) عند قوله " ملكوت السماء " وبعده بياض نصف صفحة، ثم يبتدئ صدر صحيفتها (اليسرى) بقوله: " قلوبكم عست " الخ وقد خط بالحمرة على لفظ " قلوبكم " دلالة على أنه لفظ القرآن الكريم، كما خط على سائر ألفاظ الاية، وأما في نسخة الكمبانى ص 64 من الجزء الثاني للمجلد الخامس عشر فقد كتب الجملتان متصلا من دون فصل، قائلا في هامشها: " كذا وجد في نسخة الاصل وفي النسخة الاصل بعد ملكوت السماء بياض ". أقول: أما الجملة الاولى " ملكوت السماء " فهى آخر بيان الحديث كما في شرح الكافي ج 2 ص 77 من مرآت العقول، وأما الجملة الثانية " قلوبكم عست " مع ما سقط من صدرها وترى بعدها من الذيل فانما يناسب باب القلب وصلاحه وفساده، لا هذا الباب وهذا الاشتباه من سوء تلفيق الجزوات بعد فوت المؤلف رحمه الله، وسيمر عليكم في اواسط باب الخوف والرجاء وحسن الظن بالله شطر من الاحاديث وهى من باب جوامع المكارم. (3) قال الفيروزآبادي: عسى النبات عساء وعسوا غلظ ويبس، والليل اشتدت ظلمته، وقال الطبرسي في المجمع عند قوله تعالى: وقد بلغت من الكبر عتيا: العتى والعسى بمعنى يقال عتا يعتو عتوا وعتيا وعسى يعسو عسوا وعسيا فهو عات وعاس إذا غيره طول الزمان الى حال اليبس والجفاف، وفي حرف ابى: " وقد بلغت من الكبر عسيا ".

[163]

ولا الضيف تقرون، ولا مكروبا تغيثون، ولا بشئ من الانسانية تعاشرون وتعاملون. " أو أشد قسوة " إنما هي في قساوة الاحجار أو أشد قسوة، أبهم على السامعين ولم يبين لهم كما يقول القائل: أكلت خبزا أو لحما وهو لا يريد به أني لاأدري ما أكلت، بل يريد أن يبهم على السامع حتى لا يعلم ماذا أكل، وإن كان يعلم أنه قد أكل، وليس معناه بل أشد قسوة لان هذا استدراك غلط، وهو عزوجل يرتفع أن يغلط في خبر ثم يستدرك على نفسه الغلط، لانه العالم بما كان وبما يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وإنما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص، ولا يريد به أيضا فهي كالحجارة أو أشد أي وأشد قسوة، لان هذا تكذيب الاول بالثاني، لانه قال: " فهي كالحجارة " في الشدة لا أشد منها ولا ألين، فإذا قال بعد ذلك: " أو أشد " فقد رجع عن قوله الاول: أنها ليس بأشد، وهذا مثل لمن يقول: لا يجئ من قلوبكم خير لا قليل ولا كثير. فأبهم عزوجل في الاول حيث قال: أو أشد وبين في الثاني أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة، لا بقوله: أو أشد قسوة، ولكن بقوله: " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار " أي فهي في القساوة بحيث لا يجئ منها الخير وفي الحجارة ما يتفجر منه الانهار، فيجئ بالخير والغياث لبني آدم " وإن منها " من الحجارة " لما يشقق فيخرج منه الماء " وهو ما يقطر منها الماء فهو خير منها دون الانهار التي يتفجر من بعضها، وقلوبهم لا يتفجر منها الخيرات ولا يشقق فيخرج منها قليل من الخيرات، وإن لم يكن كثيرا. ثم قال عزوجل: " وإن منها " يعني من الحجارة " لما يهبط من خشية الله " إذا اقسم عليها باسم الله وبأسماء أوليائه محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والطيبين من آلهم صلى الله عليهم وليس في قلوبكم شئ من هذه الخيرات " وما الله بغافل عما تعملون " بل عالم به يجازيكم عنه بما هو عادل عليكم وليس بظالم لكم، يشدد حسابكم ويؤلم عقابكم.

[164]

وهذا الذي وصف الله تعالى به قلوبهم ههنا نحو ما قال في سورة النساء: " أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا " (1) وما وصف به الاحجار ههنا نحو ما وصف في قوله تعالى: " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله " (2). وهذا التقريع من الله تعالى لليهود والناصب واليهود جمعوا الامرين واقترفوا الخطيئتين، فغلظ على اليهود ما وبخهم به رسول الله صلى الله عليه وآله فقال جماعة من رؤسائهم وذوي الالسن والبيان منهم: يا محمد إنك تهجونا وتدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه إن فيها خيرا كثيرا نصوم ونتصدق ونواسي الفقراء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما الخير ما اريد به وجه الله تعالى وعمل على ما أمر الله تعالى به، فأما ما اريد به الرياء والسمعة ومعاندة رسول الله صلى الله عليه وآله وأظهار العناد له والتمالك والشرف عليه فليس بخير، بل هو الشر الخالص، وبال على صاحبه يعذبه الله به أشد العذاب. فقالوا له: يا محمد أنت تقول هذا ونحن نقول: بل ما تنفقه إلا لابطال أمرك، ودفع رياستك، ولتفريق أصحابك عنك، وهو الجهاد الاعظم نأمل به من الله الثواب الاجل الاجسم وأقل أحوالنا أنا تساوينا في الدعوى معك فأي فضل لك علينا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا إخوة اليهود إن الدعاوي يتساوى فيها المحقون والمبطلون، ولكن حجج الله ودلائله تفرق بينهم، فتكشف عن تمويه المبطلين، وتبين عن حقائق المحقين، ورسول الله محمد لا يغتنم جهلكم، ولا يكلفكم التسليم له بغير حجة، ولكن يقيم عليكم حجة الله التي لا يمكنكم دفاعها، ولا تطيقون الامتناع من موجبها، ولو ذهب محمد يريكم آية من عنده لشككتم وقلتم إنه متكلف مصنوع محتال فيه، معمول أو متواطأ عليه، وإذا اقترحتم أنتم فاريكم ما تقترحون، لم يكن لكم أن تقولوا معمول أو متواطأ عليه، أو متأتى بحيلة


(1) النساء: 52. (2) الحشر: 21.

[165]

ومقدمات، فما الذي تقترحون ؟ فهذا رب العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم ويزيد في بصائر المؤمنين منكم. قالوا: قد أنصفتنا يا محمد فان وفيت بما وعدت من نفسك من الانصاف وإلا فأنت أول راجع من دعواك النبوة، وداخل في غمار الامة ومسلم لحكم التوراة ليعجزك عما نقترحه عليك، وظهور باطل دعواك فيما ترومه من جهتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد (1) اقترحوا ما أنتم تقترحون ليقطع معاذيركم فيما تسألون. فقالوا له: يا محمد زعمت أنه ما في قلوبنا شئ من مواساة الفقراء، ومعاونة الضعفاء، والنفقة في إبطال الباطل وإحقاق الحق، وأن الاحجار ألين من قلوبنا وأطوع لله منا، وهذه الجبال بحضرتنا فهلم بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك وتكذيبنا، فان نطق بتصديقك فأنت المحق، يلزمنا اتباعك، وإن نطق بتكذيبك أو صمت فلم يرد جوابك، فاعلم أنك المبطل في دعواك، المعاند لهواك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نعم هلموا بنا إلى أيها شئتم فأستشهده ليشهد لي عليكم فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه، فقالوا: يا محمد هذا الجبل فاستشهده، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للجبل: إني أسألك بجاه محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة، بعد أن لم يقدروا على تحريكه وهم خلق كثير لايعرف عددهم إلا الله عزوجل، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم، وغفر خطيئته، وأعاده إلى مرتبته، وبحق محمد وآله الطيبين الذين بذكر أسمائهم وسؤال الله بهم رفع إدريس في الجنة مكانا عليا لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود، في ذكر قساوة


(1) مثل سائر، يعنى أن الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون التهديد. قال أبو عبيدة: هو ينبى غير مهموز، ويقال: أصله الهمز من الانباء، أي ان الفعل يخبر عنك لا القول، راجع الصحاح ج 6 ص 2500، وفي مجمع الامثال ج 1 ص 398 يقول: انما ينبئ عدوك عنك أن تصدقه في المحاربة وغيرها، لا أن توعده ولا تنفد لما توعد به.

[166]

قلوبهم، وتكذيبهم في جحدهم، لقول محمد رسول الله صلى الله عليه وآله. فتحرك الجبل وتزلزل وفاض عنه الماء، ونادى: يا محمد أشهد أنك رسول رب العالمين، وسيد الخلايق أجمعين، وأشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة، لا يخرج منها خير كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا وتفجرا وأشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقذفونك من الفرية على رب العالمين (1). أقول: تمامه في أبواب معجزات النبي صلى الله عليه وآله (2). قوله تعالى: " أفتطمعون أن يؤمنوا لكم " الآية (3) قال الامام عليه السلام: فلما بهر رسول الله صلى الله عليه وآله هؤلاء اليهود بمعجزاته، وقطع معاذيرهم بواضح دلالته، لم يمكنهم مراجعته في حجته، ولا إدخال التلبيس عليه في معجزاته، قالوا: يا محمد قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي وأن عليا أخوك هو الوصي والولي، وكانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون لهم: إن إظهارنا له الايمان به أمكن لنا من مكروهه، وأعون لنا على اصطلامه واصطلام أصحابه، لانهم عند اعتقادهم أننا معهم يقفوننا على أسرارهم ولا يكتموننا شيئا، فنطلع عليهم أعداءهم، فيقصدون أذاهم بمعاونتنا ومظاهرتنا في أوقات اشتغالهم واضطرابهم، وفي أحوال تعذر المدافعة والامتناع من الاعداء عليهم. وكانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود الاخبار للناس عما كانوا يشاهدونه من آياته، ويعاينون من معجزاته، فأظهر الله محمدا رسوله على قبح اعتقادهم وسوء دخيلاتهم، وعلى إنكارهم على من اعترف بما شاهده من آيات محمد وواضح بيناته وباهرات معجزاته، فقال عزوجل: " أفتطمعون " أنت وأصحابك من علي وآله الطيبين " أن يؤمنوا لكم " هؤلاء اليهود الذين هم بحجج الله قد بهرتموهم، وبآيات


(1) تفسير الامام ص 131 - 132، وفي طبعة اخرى ص 115 و 116. (2) راجع ج 17 ص 336 من هذه الطبعة الحديثة. (3) البقرة: 75 و 76.

[167]

الله ودلائله الواضحة قد قهرتموهم " أن يؤمنوا لكم " ويصدقوكم بقلوبهم ويبدوا في الخلوات لشياطينهم شريف أحوالكم " وقد كان فريق منهم " يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل " يسمعون كلام الله " في أصل جبل طور سيناء وأوامره ونواهيه " ثم يحرفونه " عما سمعوه إذا أدوه إلى من وراءهم من ساير بني إسرائيل " من بعد ما عقلوه " وعلموا أنهم فيما يقولونه كاذبون " وهم يعلمون " أنهم في قيلهم كاذبون (1). ثم أظهر الله على نفاقهم الآخر فقال: " وإذا لقوا الذين آمنوا " كانوا إذا لقوا سلمان والمقداد وأبا ذر وعمارا " قالوا آمنا " كايمانكم إيمانا بنبوة محمد مقرونا بالايمان بامامة أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام وبأنه أخوه الهادي، ووزيره المؤاتي وخليفته على امته، ومنجز عدته، والوافي بذمته، والناهض بأعباء سياسته، وقيم الخلق الذائد لهم عن سخط الرحمن الموجب لهم إن أطاعوه رضى الرحمن، وأن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة، والاقمار النيرة، والشمس المضيئة الباهرة وأن أولياءهم أولياء الله، وأن أعداءهم أعداء الله، ويقول بعضهم: نشهد أن محمدا صاحب المعجزات، ومقيم الدلالات الواضحات (2). وساق الحديث كما سيأتي في أبواب معجزات الرسول صلى الله عليه وآله (3) وباب غزوة بدر إلى قوله: فلما أفضى بعض هؤلاء اليهود إلى بعض قالوا: أي شئ صنعتم ؟ أخبرتموهم " بما فتح الله عليكم " من الدلالات على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وإمامة أخيه علي بن أبي طالب عليه السلام " ليحاجوكم به عند ربكم " بأنكم كنتم قد علمتم هذا وشاهدتموه، فلم تؤمنوا به ولم تطيعوه، وقد روا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم تكن له عليهم حجة في غيرها، ثم قال عزوجل: " أفلا تعقلون "


(1) تفسير الامام ص 135. (2) تفسير الامام ص 136. (3) راجع ج 17 ص 341 - 345.

[168]

أن هذا الذي يخبرونهم به مما فتح الله عليكم من دلائل نبوة محمد حجة عليكم عند ربكم قال الله عزوجل: " أو لا يعلمون " يعني أو لا يعلم هؤلاء القائلون لاخوانهم " أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ": " أن الله يعلم ما يسرون " من عداوة محمد صلى الله عليه وآله ويضمرون من أن إظهارهم الايمان به أمكن لهم من اصطلامه وإبادة أصحابه " وما يعلنون " من الايمان ظاهرا ليونسوهم ويقفوا به على أسرارهم فيذيعونها بحضرة من يضرهم، وأن الله لما علم ذلك دبر لمحمد صلى الله عليه وآله تمام أمره ببلوغ غاية ما أراده الله ببعثه، وأنه قيم أمره، وأن نفاقهم وكيدهم لا يضره (1). قوله تعالى: " ومنهم اميون " (2) الآية قال الامام عليه السلام: ثم قال الله: يا محمد ! ومن هؤلاء اليهود اميون لا يقرؤن ولا يكتبون كالامي منسوب إلى الام أي هو كما خرج من بطن امه لايقرأ ولا يكتب " لا يعلمون الكتاب " المنزل من السماء، ولا المتكذب به، ولا يميزون بينهما " إلا أماني " (3) أي إلا أن يقرأ عليهم، ويقال لهم: إن هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف ما فيه " وإن هم إلا يظنون " أي ما يقول لهم: رؤساؤهم من تكذيب محمد في نبوته، وإمامة علي سيد عترته عليهم السلام يقلدونهم مع أنهم محرم عليهم تقليدهم (4). ثم قال عزوجل: " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم " (5) الآية قال


(1) تفسير الامام ص 138 و 139، وفي ط اخرى ص 120. (2) البقرة: 76. (3) الاماني جمع الامنية ولها معنيان أحدهما أن معناها التلاوة، يقال تمنى كتاب الله أي قرأ وتلا، أي هم يتلون التوراة ولا يدرونها عن الكسائي والفراء، والثاني أن معناها البغية وما يتمنى ويقدر، أي هم يتمنون على الله ما ليس لهم مثل قولهم لن تمسنا النار الا أياما معدودة وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه. (4) تفسير الامام ص 139. (5) البقرة: 78.

[169]

الامام: قال الله عزوجل: - لقوم من هؤلاء اليهود كتبوا صفة زعموا أنها صفة النبي صلى الله عليه وآله وهو خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان، إنه طويل، عظيم البدن والبطن، أصهب الشعر، ومحمد بخلافه وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة، وإنما أرادوا بذلك لتبقى لهم على ضعفائهم رياستهم، وتدوم لهم منهم إصاباتهم ويكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله وخدمة علي عليه السلام وأهل خاصته - فقال الله عزوجل: " فويل لهم مما كتبت أيديهم " من هذه الصفات المحرفات المخالفات لصفة محمد وعلي عليهما السلام الشدة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنم " وويل لهم " الشدة لهم من العذاب ثابتة مضافة إلى الاولى مما يكسبونه من الاموال التي يأخذونها إذا أثبتوا عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله والجحد لوصية أخيه علي ولي الله. " وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " الآية (1) قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل: " وقالوا ": يعني اليهود المصرين المظهرين للايمان المسرين للنفاق المدبرين على رسول الله وذويه بما يظنون أن فيه عطبهم " لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " وذلك أنه كان لهم أصهار وإخوة رضاع من المسلمين يسرون كفرهم عن محمد وصحبه وإن كانوا به عارفين صيانة لهم لارحامهم وأصهارهم، قال لهم هؤلاء: لم تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنكم به عند الله مسخوط عليكم معذبون، أجابهم ذلك اليهود بأن مدة ذلك العذاب الذي نعذب به لهذه الذنوب أيام معدودة تنقضي ثم نصير بعد في النعمة في الجنان، فلا نتعجل المكروه في الدنيا للعذاب الذي هو بقدر أيام ذنوبنا، فانها تفنى وتنقضي ونكون قد حصلنا لذات الحرية من الخدمة ولذات نعمة الدنيا ثم لا نبالي بما يصيبنا بعد، فانه إذا لم يكن دائما فكأنه قد فنى فقال الله عزوجل: " قل " يا محمد " اتخذتم عند الله عهدا " أن عذابكم على كفركم بمحمد ودفعكم لآياته في نفسه وفي علي وساير خلفائه وأوليائه منقطع غير دائم بل ما هو إلا عذاب دائم لانفاد له، فلا تجترؤا على الآثام والقبايح، من الكفر بالله وبرسوله وبوليه المنصوب بعده على امته، ليسوسهم ويرعاهم سياسة الوالد


(1) البقرة: 80.

[170]

الشفيق الرحيم الكريم لولده، ورعاية الحدب المشفق على خاصته " فلن يخلف الله عهده " فلذلك أنتم بما تدعون من فناء عذاب ذنوبكم هذه في حرز " أم تقولون على الله مالا تعلمون " اتخذتم عهدا أم تقولون، بل أنتم في أيهما ادعيتم كاذبون (1). توضيح: عسا الشئ يبس وصلب، قوله: " الصدق بيني وبينكم " أي يجب أن نصدق فيما نقول ونأتي به ولا نكتفي بالوعد والوعيد وفي بعض النسخ ينبئ عنكم وهو أظهر. 19 - م: " ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل " (2) الآية قال الامام عليه السلام: قال الله عزوجل وهو يخاطب هؤلاء اليهود الذين أظهر محمد صلى الله عليه وآله الطيبين المعجزات لهم عند تلك الجبال ويوبخهم " ولقد آتينا موسى الكتاب " التوراة المشتمل على أحكامنا وعلى ذكر فضل محمد وآله الطيبين وإمامة علي بن أبي طالب عليه السلام وخلفائه بعده، وشرف أحوال المسلمين له، وسوء أحوال المخالفين عليه " وقفينا من بعده بالرسل " وجعلنا رسولا في أثر رسول " وآتينا " أعطينا " عيسى بن مريم البينات " الآيات الواضحات إحياء الموتى وإبراء الاكمه والابرص والانباء بما يأكلون وبما يدخرون في بيوتهم " وأيدناه بروح القدس " وهو جبرئيل وذلك حين رفعه من روزنة بيته إلى السماء وألقى شبهه على من رام قتله، فقتل بدلا منه وقيل هو المسيح (3). 20 - م: قوله عزوجل " وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون " (4) قال الامام عليه السلام: قال الله تعالى: " وقالوا " يعني اليهود الذين أراهم رسول الله صلى الله عليه وآله المعجزات المذكورات عند قوله " فهي كالحجارة " الآية " قلوبنا غلف " أوعية للخير والعلوم، قد أحاطت بها واشتملت عليها، ثم هي مع


(1) تفسير الامام ص 141 - 142. (2) البقرة: 87. (3) تفسير الامام 169. (4) البقرة: 88.

[171]

ذلك لا تعرف لك يا محمد فضلا مذكورا في شئ من كتب الله، ولا على لسان أحد من أنبياء الله، فقال الله ردا عليهم، " بل " ليس كما يقولون أوعية للعلوم، ولكن قد " لعنهم الله " أبعدهم الله من الخير " فقليلا ما يؤمنون " قليل إيمانهم، يؤمنون ببعض ما أنزل الله ويكفرون ببعض فإذا كذبوا محمدا في سائر ما يقول فقد صار ما كذبوا به أكثر، وما صدقوا به أقل، وإذا قرئ غلف فانهم قالوا " قلوبنا غلف " في غطاء فلا نفهم كلامك وحديثك، كما قال الله تعالى: " وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب " (1) وكلا القراءتين حق وقد قالوا بهذه وبهذا جميعا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: معاشر اليهود أتعاندون رسول رب العالمين، و تأبون الاعتراف بأنكم كنتم بذنوبكم من الجاهلين، أن الله لا يعذب بها أحدا ولا يزيل عن فاعل هذا عذابه أبدا إن آدم عليه السلام لم يقترح على ربه المغفرة لذنبه إلا بالتوبة، فكيف تقترحونها أنتم مع عنادكم (2). توضيح: قال الطبرسي رحمه الله القراءة المشهورة غلف بسكون اللام وروي في الشواذ غلف بضم اللام عن أبي عمرو فمن قرأ بتسكين اللام فهو جمع الاغلف يقال للسيف إذا كان في غلاف أغلف، ومن قرأ بضم اللام فهو جمع غلاف، فمعناه أن قلوبنا أوعية العلم فما بالها (لا) تفهم (3). 21 - ب: ابن عيسى عن البزنطي عن الرضا عليه السلام قال: الايمان أفضل من الاسلام بدرجة، والتقوى أفضل من الايمان بدرجة، واليقين أفضل من التقوى بدرجة، ولم يقسم بين بني آدم شيئا أقل من اليقين (4). 22 - جا (5) ما: محمد بن الحسين المقري، عن علي بن محمد، عن أبي العباس


(1) فصلت: 5. (2) تفسير الامام ص 177. (3) مجمع البيان ج 1 ص 156. (4) أفضل من اليقين خ ل، راجع قرب الاسناد ص 208. (5) مجالس المفيد ص 174.

[172]

الاحوص، عن محمد بن الحسين بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من اليقين أن لا ترضوا الناس بسخط الله، ولا تلوموهم على ما لم يؤتكم الله من فضله، فان الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كره كاره، ولو أن أحدكم فر من رزقه كما يفر من الموت لادركه كما يدركه الموت (1). 23 - يد: القطان، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن علي بن زياد عن مروان بن معاوية، عن الاعمش، عن أبي حيان التيمي، عن أبيه وكان مع علي بن أبي طالب عليه السلام يوم صفين وفيما بعد ذلك قال: بينما علي بن أبي طالب عليه السلام يعبئ الكتائب يوم صفين ومعاوية مستقبله على فرس له يتأكل تحته تأكلا و علي عليه السلام على فرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز، وبيده حربة رسول الله صلى الله عليه وآله، و هو متقلد سيفه ذا الفقار، فقال رجل من أصحابه: احترس يا أمير المؤمنين فانا نخشى أن يغتالك هذا الملعون، فقال عليه السلام: لئن قلت ذاك إنه غير مأمون على دينه (2) وإنه لاشقى القاسطين، وألعن الخارجين على الائمة المهتدين، ولكن كفى بالاجل حارسا، ليس أحد من الناس إلا ومعه لملائكة حفظة يحفظونه من أن يتردى في بئر أو يقع عليه حائط أو يصيبه سوء، فإذا حان أجله خلوا بينه [وبين ما يصيبه فكذلك إنا إذا حان أجلي انبعث أشقاها فخضب هذه من هذا - وأشار إلى لحيته و رأسه - عهدا معهودا] (3) ووعدا غير مكذوب (4).


(1) أمالي الطوسى ج 1 ص 60. (2) انما يقول عليه السلام ذلك، فان الحرب في دين الاسلام انما هو تحاكم إلى الله بانزال النصر على المحقين واهلاك المبطلين، خصوصا إذا كان بين فئتين مؤمنتين وأما الاغتيال فهو خارج عن حقيقة هذا التحاكم، منهى عنه بقوله صلى الله عليه وآله: الايمان قيد الفتك. لكنه - يعنى معاوية - لا يراعى الدين ولا يحارب تحاكما إلى الله لانه يعلم أنه مبطل ولما كان غير مأمون على دينه لا يستبعد منه أن يغتال عدوه. (3) مابين العلامتين ساقط من الاصل وهكذا نسخة الكمبانى. (4) توحيد الصدوق 376، وقد مر الايعاز إليه في شرح الحديث المرقم 13.

[173]

24 - لى: محمد بن أحمد الاسدي، عن أحمد بن محمد بن الحسن العامري عن إبراهيم بن عيسى السدوسي، عن سليمان بن عمرو، عن عبد الله بن الحسن عن امه فاطمة بنت الحسين، عن أبيها عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن صلاح أول هذه الامة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالشح والامل (1). 25 - لى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير ما القي في قلب اليقين (2). 26 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يقسم بين العباد أقل من خمس اليقين، والقنوع، والصبر، والشكر، والذي يكمل به هذا كله العقل (3). 27 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي عن أبيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: قلت لجبرئيل: ما تفسير اليقين ؟ قال: المؤمن يعمل لله كأنه يراه فان لم يكن يرى الله فان الله يراه، وأن يعلم يقينا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه الخبر (4). 28 - ع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن محمد بن علي، عن ابن محبوب عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لحمران بن أعين: يا حمران انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة، فان ذلك أقنع لك بما قسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين، واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله، والكف عن أذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنا من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزئ، ولا جهل أضر من


(1) أمالي الصدوق ص 137. (2) أمالي الصدوق ص 292. (3) الخصال ج 1 ص 137. (4) معاني الاخبار ص 261.

[174]

العجب (1). 29 - سن: أبي، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: استقبل رسول الله صلى الله عليه وآله حارثة بن مالك بن النعمان فقال له: كيف أنت يا حارثة ؟ فقال: يارسول الله صلى الله عليه وآله أصبحت مؤمنا حقا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا حارثة لكل شئ حقيقة فما حقيقة يقينك ؟ قال: يارسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت ليلي، وأظمأت هواجري، وكأني أنظر إلى عرش ربي وقد وضع للحساب، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون وكأني أسمع عواء أهل النار في النار (2). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: عبد نور الله قلبه للايمان، فاثبت، فقال: يارسول الله ادع الله لي أن يرزقني الشهادة، فقال: اللهم ارزق حارثة الشهادة، فلم يلبث إلا أياما حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله سرية فبعثه فيها، فقاتل فقتل سبعة أو ثمانية ثم قتل (3). 30 - سن: ابن محبوب، عن أبي محمد الوابشي وإبراهيم بن مهزم، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى بالناس الصبح، فنظر إلى شاب من الانصار وهو في المسجد يخفق ويهوي رأسه، مصفر لونه نحيف جسمه، وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف أصبحت يا فلان ؟ فقال: أصبحت يارسول الله صلى الله عليه وآله موقنا، فقال: فعجب رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: وقال له: إن لكل شئ حقيقة فما حقيقة يقينك ؟


(1) علل الشرائع ج 2 ص 246. (2) يقال: تزاوروا: أي زار بعضهم بعضا، وقال في النهاية: في حديث حارثة كأنى أسمع عواء أهل النار أي صياحهم والعواء صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص، وفي القاموس عوى يعوى عيا وعواء بالضم: لوى خطمه ثم صوت ومد صوته ولم يفصح منه رحمه الله. (3) المحاسن ص 246.

[175]

قال: إن يقيني يارسول الله هو أحزنني وأسهر ليلي وأظمأ هواجري، فعزفت نفسي عن الدنيا وما فيها، حتى كأني أنظر إلى عرش ربي وقد نصب للحساب وحشر الخلائق لذلك وأنا فيهم، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتنعمون فيها ويتعارفون على الارائك متكئين، وكأني أنظر إلى أهل النار فيها معذبون يصطرخون، وكأني أسمع الآن زفير النار يعزفون في مسامعي، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه: هذا عبد نور الله قلبه للايمان، ثم قال: الزم ما أنت عليه، قال: فقال له الشاب: يارسول الله ادع لي أن ارزق الشهادة معك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك، فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر (1).


(1) المحاسن ص 250، قال العلامة المؤلف قدس سره في المرآت ج 2 ص 77: اعلم ان هاتين الروايتين تدلان على أن حارثة استشهد في زمن الرسول صلى الله عليه وآله، وقال بعضهم: وينافيه ما ذكره الشيخ في رجاله حيث قال: حارثة بن نعمان الانصاري كنيته أبو عبد الله شهد بدرا واحدا وما بعدهما من المشاهد وشهد مع أمير المؤمنين عليه السلام القتال: وتوفي في زمن معاوية. قال: وهو خطأ لان المذكور في الخبر حارثة بن مالك وجده النعمان وما ذكره الشيخ حارثة بن النعمان وهو غيره، والعجب أن هذا الحديث مذكور في كتب العامة أيضا كما يظهر من النهاية، وهذا الرجل غير مذكور في رجالهم، وكانه لعدم الرواية عنه، كما أن أصحابنا لم يذكروه لذلك. أقول: عنون ابن حجر في الاصابة تحت الرقم 1532 حارثة بن مالك بن نفيع وذكر نسبه الى مالك بن النجار الانصاري وهو الذى عنونه الشيخ في رجاله، وذكر ما ذكره على التفصيل، وعنون تحت الرقم 1478 الحارث بن مالك الانصاري وأخرج حديثه هذا عن عدة من الجوامع الحديثية بألفاظ مختلفة، وذكر أنه معضل وأنهم لا يعولون على حديثه هذا لانه ضعيف أو لا يثبت موصولا. وأقول: الظاهر أن هذا الحديث من سفاسف المتصوفة المتزهدة خصوصا بملاحظة - - -

[176]

31 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " لو تعلمون علم اليقين " قال: المعاينة (1). 32 - سن: أبي، عمن ذكره، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كفى باليقين غنى وبالعبادة شغلا (2). محص: عن ابن سنان مثله. 33 - سن: أبي رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: أيها الناس سلوا الله اليقين، وارغبوا إليه في العافية، فان أجل النعمة العافية، وخير مادام في القلب اليقين، والمغبون من غبن دينه، والمغبوط من غبط يقينه، قال: وكان علي بن الحسين يطيل القعود بعد المغرب يسأل الله اليقين (3). محص: عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله إلى قوله: والمغبوط من حسن يقينه. 34 - سن: محمد بن عبد الحميد، عن صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قول الله لابراهيم: " أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " (4). - - - -


ما في بعضها انه كان في المسجد يخفق ويهوى برأسه، فانه من شعار المتصوفة. وهكذا ما روى في الكافي انه بينا رسول الله في بعض اسفاره إذ لقيه ركب فقالوا: السلام عليك يارسول الله: فقال: ما أنتم ؟ فقالوا: نحن مؤمنون يارسول الله. قال: فما حقيقة ايمانكم ؟ قالوا: الرضا بقضاء الله، والتفويض الى الله، والتسليم لامر الله، فقال رسول الله: علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء الحديث. فلا ندرى أن هذه العصابة التى كادوا أن يكونوا انبياء، من كانوا وعند من تعلموا الحكمة والعلم النافع حتى ارتقوا هذه الدرجة العليا ؟ فان كانوا أصحابه فلم لم يعرفهم رسول الله وسأل من أنتم ؟ أو ما أنتم ؟ ولم لم يعرفوا في الصحابة ولم يشهروا، وان لم يكونوا من أصحابه، فعمن أخذوا الحكمة ؟ ومنبعها وعاصمتها مدينة الرسول " صلى الله عليه واله ". (1) المحاسن: 247، والاية في سورة التكاثر: 4. (2 و 3) المحاسن: 247. (4) البقرة: 260.

[177]

أكان في قلبه شك ؟ قال: لا، كان على يقين ولكنه أراد من الله الزيادة في يقينه (1). 35 - سن: ابن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون " (2) قال: يعملون ما عملوا من عمل وهم يعلمون أنهم يثابون عليه. وروى عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يعملون ويعلمون أنهم سيثابون عليه (3). 36 - سن: أبي، عن فضالة، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى أعرابي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يارسول الله بايعني على الاسلام، فقال: على أن تقتل أباك، فكف الاعرابي يده وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على القوم يحدثهم فقال الاعرابي: يارسول الله بايعني على الاسلام، فقال: على أن تقتل أباك، قال: نعم، فبايعه رسول الله ثم قال رسول الله: الآن لم تتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، إني لا آمرك بعقوق الوالدين، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفا (4). 37 - سن: ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن اناسا أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما أسلموا فقالوا: يا رسول الله أيؤخذ الرجل منا بما عمل في الجاهلية بعد إسلامه ؟ فقال: من حسن إسلامه وصح يقين إيمانه لم يأخذه الله بما عمل في الجاهلية، ومن سخف إسلامه ولم يصح يقين إيمانه أخذه الله بالاول والآخر (5).


(1) المحاسن: 247. (2) المؤمنون: 60. (3) المحاسن: 247. (4) المحاسن: 248، وفي هذا الباب من المحاسن احاديث اخر لم يخرجه المؤلف رحمه الله. (5) المحاسن: 250.

[178]

38 - سن: ابن يزيد وعبد الرحمن بن حماد معا، عن العبدي، عن عبد الله ابن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الايمان في القلب واليقين خطرات (1). 39 - سن: أبي، عن ابن سنان، عن محمد بن حكيم، عمن حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال علي عليه السلام: اعلموا أنه لا يصغر ماضر يوم القيامة، ولا يصغر ما ينفع يوم القيامة، فكونوا فيما أخبركم الله كمن عاين (2). 40 - سن: الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: سلوا ربكم العفو والعافية فانكم لستم من رجال البلاء فانه من كان قبلكم من بني إسرائيل شقوا بالمناشير على أن يعطوا الكفر فلم يعطوه (3). 41 - سن: ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن عبد الاعلى قال: قال لي رجل من قريش: عندي تمرة من نخلة رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: إنها ليست إلا لمن عرفها (4). 42 - سن: ابن بزيع، عن أبي إسماعيل السراج، عن خضرو بن عمرو قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن المؤمن أشد من زبر الحديد، إن الحديد إذا دخل النار لان وإن المؤمن لو قتل ونشر ثم قتل لم يتغير قلبه (5). 43 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن إسحاق بن عمار ويونس قالا: سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " خذوا ما آتيناكم بقوة " أقوة الابدان أو قوة في القلب ؟ قال: فيهما جميعا (6). 44 - ضا: روي: كفى باليقين غنى وبالعبادة شغلا، وإن الايمان بالقلب


(1 - 2) المحاسن ص 249. (3) المحاسن ص 250. (4) المحاسن ص 249. (5) المحاسن ص 251. (6) المحاسن ص 261، والاية في البقرة: 63 و 93.

[179]

واليقين خطرات. وأروي ما قسم بين الناس أقل من اليقين، وروي أن الله يبغض من عباده المائلين، فلا تزلوا عن الحق فمن استبدل بالحق هلك وفاتته الدنيا وخرج منها ساخطا. 45 - مص: قال الصادق عليه السلام: اليقين يوصل العبد إلى كل حال سني ومقام عجيب، كذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده أن عيسى ابن مريم كان يمشي على الماء، فقال: لو زاد يقينه لمشى في الهواء، يدل بهذا أن الانبياء مع جلالة محلهم من الله كانت تتفاضل على حقيقة اليقين لا غير، ولا نهاية بزيادة اليقين على الابد، والمؤمنون أيضا متفاوتون في قوة اليقين وضعفه، فمن قوي منهم يقينه فعلامته التبري من الحول والقوة إلا بالله، والاستقامة على أمر الله وعبادته ظاهرا وباطنا، قد استوت عنده حالة العدم والوجود [والزيادة والنقصان والمدح والذم والعز والذل لانه يرى كلها من عين واحدة، ومن ضعف يقينه تعلق] (1) بالاسباب ورخص لنفسه بذلك واتبع العادات، وأقاويل الناس بغير حقيقة، وسعى في امور الدنيا وجمعها وإمساكها: مقر باللسان أنه لا مانع ولا معطي إلا الله وأن العبد لا يصيب إلا ما رزق وقسم له، والجهد لا يزيد الرزق، وينكر ذلك بفعله وقلبه، قال الله عزوجل: " يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون " (2). وإنما عطف الله تعالى بعباده حيث أذن لهم في الكسب والحركات في باب العيش ما لم يتعدوا حدوده، ولا يتركوا فرائضه وسنن نبيه عليه السلام في جميع حركاتهم ولا يعدلوا عن محجة التوكل، ولا يقفوا في ميدان الحرص، فأما إذا نسوا ذلك وارتبطوا بخلاف ماحد لهم، كانوا من الهالكين الذين ليس لهم في الحاصل إلا الدعاوي الكاذبة، وكل مكتسب لا يكون متوكلا فلا يستجلب من كسبه إلى نفسه إلا حراما وشبهة، وعلامته أن يؤثر ما يحصل من كسبه ويجوع، ولا ينفق في


(1) مابين العلامتين ساقط عن الاصل. (2) آل عمران: 167.

[180]

سبيل الدين ويمسك، والمأذون بالكسب من كان بنفسه مكتسبا، وبقلبه متوكلا وإن كثر المال عنده قام فيه كالامين عالما بأن كون ذلك المال وفوته سواء، وإن أمسك أمسك لله، وإن أنفق أنفق فيما أمره الله عزوجل، ويكون منعه وعطاؤه في الله (1). 46 - محص: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من شئ إلا وله حد قلت: فما حد اليقين ؟ قال: أن لا تخاف [مع الله] شيئا. 47 - محص: عن جابر الجعفي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا يجد رجل طعم الايمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. مشكوة الانوار: عن علي عليه السلام مثله (2). 48 - محص: عن يونس قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الايمان والاسلام فقال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنما هو الاسلام والايمان فوقه بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، ولم يقسم بين الناس شئ أقل من اليقين، قال: قلت: فأي شئ اليقين ؟ قال: التوكل على الله، والتسليم لله والرضا بقضاء الله، والتوفيض إلى الله قلت: ما تفسير ذلك ؟ قال: هكذا قال أبو جعفر عليه السلام. 49 - محص: عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الايمان في القلب واليقين خطرات. 50 - كتاب الصفين: لنصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال: إن أهل الشام دنوا من علي عليه السلام يوم صفين فوالله ما يزيده قربهم منه إلا سرعة في مشيه فقال له الحسن: ما ضرك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء الذين صبروا بعدك من أصحابك ؟ قال: يا بنى إن لابيك يوما لن يعدوه ولا يبطئ به عند السعي، ولا يعجل به، إلى المشي إن أباك والله لا يبالي وقع


(1) مصباح الشريعة: 59. (2) مشكاة الانوار ص 12.

[181]

على الموت أو وقع الموت عليه. وعن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي إسحاق قال: خرج علي عليه السلام يوم صفين وبيده عنيزة فمر على سعيد بن قيس الهمداني فقال له سعيد: أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يغتالك أحد وأنت قرب عدوك ؟ فقال له علي عليه السلام: إنه ليس من أحد إلا عليه من الله حفظة يحفظونه من أن يتردى في قليب أو يخر عليه حائط أو تصيبه آفة، فإذا جاء القدر خلوا بينه وبينه. 51 - نهج: سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلا من الحرورية يتهجد ويقرأ فقال: نوم على يقين خير من صلاة في شك (1). ومن خطبة له عليه السلام: إنما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق وأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى، وأما أعداء الله فدعاؤهم فيها الضلال، ودليلهم العمى، فما ينجو من الموت من خافه ولا يعطى البقاء من أحبه (2). ومن كلام له عليه السلام لما خوف من الغيلة: وإن علي من الله جنة حصينة، فإذا جاء يومي انفرجت عني وأسلمتني فحينئذ يطيش السهم ولا يبرأ الكلم (3). وقال في وصيته لابنه الحسن عليهما السلام: اطرح عنك واردات الامور بعزائم الصبر وحسن اليقين (4). 52 - مشكوة الانوار: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي عليه السلام في خطبة له طويلة: الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والتوحيد. ومنه نقلا من المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام إن الايمان أفضل من الاسلام


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 163، الرقم 97 من الحكم. (2) نهج البلاغة ج 1 ص 98، الرقم 38 من الخطب. (3) نهج البلاغة ج 1 ص 117، الرقم 60 من الخطب. (4) نهج البلاغة ج 2 ص 38 الرقم 31 من الحكم.

[182]

وإن اليقين أفضل من الايمان، وما من شئ أعز من اليقين (1). وعن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما " فقال: أما إنه ماكان ذهبا ولا فضة إنما كان أربع كلمات: أنا الله لا إله إلا أنا من أيقن بالموت لم يضحك سنه، ومن أيقن بالحساب لم يفرح قلبه، ومن أيقن بالقدر لم يخش إلا الله (2). وقال أبو عبد الله عليه السلام: الصبر من اليقين، وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان قنبر غلام علي عليه السلام يحب عليا حبا شديدا فإذا خرج علي عليه السلام خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر مالك ؟ فقال: جئت لامشي خلفك يا أمير المؤمنين، فقال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أو من أهل الارض ؟ قال: لا بل من أهل الارض، فقال: إن أهل الارض لا يستطيعون لو شاؤا إلا باذن الله من السماء، فارجع قال: فرجع. وعنه عليه السلام: ليس شئ إلا له حد قال: قلت: جعلت فداك فما حد التوكل ؟ قال: اليقين، قلت: فما حد اليقين ؟ قال: لا تخاف [مع الله] شيئا. وقال: إن محمد بن الحنفية كان رجلا رابط الجأش، وكان الحجاج يلقاه فيقول له: لقد هممت أن أضرب الذي فيه عيناك، فيقول: كلا إن لله في كل يوم ثلاثمائة وستين لحظة فأرجو أن يكفيك باحداهن (3). وسأل أمير المؤمنين الحسن والحسين عليهما السلام فقال لهما: مابين الايمان واليقين ؟ فسكتا فقال للحسن عليه السلام: أجب يا أبا محمد قال: بينهما شبر، قال: وكيف ذاك ؟ قال: لان الايمان ما سمعناه بآذاننا وصدقناه بقلوبنا، واليقين ما أبصرناه بأعيننا واستدللنا به على ما غاب عنا (4).


(1) مشكاة الانوار ص 11. (2) مشكاة الانوار ص 12. (3) مشكاة الانوار ص 13. (4) مشكاة الانوار ص 15.

[183]

ومنه عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يأتي على الناس زمان لا ينال فيه الملك إلا بالقتل والتجبر، ولا الغنى إلا بالغصب والبخل، ولا المحبة إلا باستخراج الدين واتباع الهوى، فمن أدرك ذلك الزمان فصبر على البغضة وهو يقدر على المحبة، وصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر على الذل وهو يقدر على العز، آتاه الله ثواب خمسين صديقا ممن صدق به (1). ومنه عن عبد الله بن العباس قال: اهدي إلى الرسول صلى الله عليه وآله بغلة أهداها كسرى له أو قيصر، فركبها النبي صلى الله عليه وآله فأخذ من شعرها وأردفني خلفه، ثم قال: يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله عزوجل في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الناس أن ينفعوك بأمر لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فان استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، وإن لم تستطع فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، واعلم أن الصبر مع النصر، وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا (2). ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الصبر رأس الايمان، وعنه عليه السلام قال: الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الايمان. ومنه: عن حفض بن غياث قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا حفض إن من صبر صبرا قليلا، وإن من جزع جزعا قليلا ثم قال: عليك بالصبر في جميع امورك، فان الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله فأمره بالصبر والرفق فقال: " اصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا * وذرني والمكذبين " (3) وقال الله تبارك وتعالى: " ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة


(1) مشكاة الانوار ص 19. (2) مشكاة الانوار ص 20. (3) المزمل: 10. (*)

[184]

كأنه ولي حميم * وما يلقيها إلا الذين صبروا وما يلقيها إلا ذو حظ عظيم " (1) فصبر حتى نالوه بالعظائم ورموه بها تمام الحديث. ومنه: قال أمير المؤمنين عليه السلام: وكل الرزق بالحمق، ووكل الحرمان بالعقل، ووكل البلاء باليقين والصبر. ومنه: عن مهران قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام أشكو إليه الدين وتغير الحال، فكتب لي: اصبر تؤجر فانك إن لم تصبر لم تؤجر، ولم ترد قضاء الله عزوجل (2). ومنه: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن من ذلك الصبر عند ما حرم الله عليك الخبر. وقال الباقر عليه السلام: لما حضرت أبي علي بن الحسين عليه السلام الوفاة ضمني إلى صدره ثم قال: أي بني اوصيك بما أوصاني أبي حين حضرته الوفاة وبما ذكر أن أباه عليه السلام أوصاه به [أي بني ! اصبر على الحق وإن كان مرا. عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عجبا للمؤمن إن الله عزوجل لا يقضي له قضاء] (3) إلا كان له خيرا إن ابتلي صبر، وإن اعطي شكر. وقيل لابي عبد الله عليه السلام: من أكرم الخلق على الله ؟ قال: من إذا اعطي شكر، وإذا ابتلي صبر (4).


(1) فصلت: 34. (2) مشكاة الانوار ص 21. (3) مابين العلامتين ساقط من نسخة الكمبانى. (4) مشكاة الانوار ص 22.

[185]

(53) * (باب) * * " (النية وشرائطها ومراتبها وكمالها وثوابها) " * * " (وأن قبول العمل نادر) " * 1 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: لا عمل إلا بنية (1). تبيين: " لا عمل إلا بنية " أي لا عمل صحيحة كما فهمه الاكثر إلا بنية وخص بالعبادات لانه لو كان المراد مطلق تصور الفعل وتصور فائدته والتصديق بترتب الغاية عليه وانبعاث العزم من النفس إليه فهذا لازم لكل فعل اختياري ومعلوم أنه ليس غرض الشارع بيان هذا المعنى، بل لابد أن يكون المراد بها نية خاصة خالصة بها يضير العمل كاملا أو صحيحا، والصحة أقرب إلى نفي الحقيقة الذي هو الحقيقة في هذا التركيب، فلابد من تخصيصها بالعبادات، لعدم القول باشتراط نية القربة وأمثالها في غيرها، ولذا استدلوا به وبأمثاله على وجوب النية وتفصيله في كتب الفروع. وقال المحقق الطوسي قدس سره في بعض رسائله: النية هي القصد إلى الفعل، وهي واسطة بين العلم والعمل، إذ ما لم يعلم الشئ لم يمكن قصده، وما لم يقصده لم يصدر عنه، ثم لما كان غرض السالك العامل الوصول إلى مقصد معين كامل على الاطلاق وهو الله تعالى لابد من اشتماله على قصد التقرب به. وقال بعض المحققين: يعني لا عمل يحسب من عبادة الله تعالى ويعد من طاعته بحيث يصح أن يترتب عليه الاجر في الآخرة، إلا ما يراد به التقرب إلى الله تعالى، والدار الآخرة، أعني يقصد به وجه الله سبحانه أو التوصل إلى ثوابه أو الخلاص من عقابه، وبالجملة امتثال أمر الله تعالى فيما ندب عباده إليه ووعدهم


(1) الكافي ج 2 ص 84.

[186]

الاجر عليه وإنما يأجرهم على حسب أقدارهم ومنازلهم ونياتهم، فمن عرف الله بجماله وجلاله ولطف فعاله فأحبه واشتاق إليه وأخلص عبادته له لكونه أهلا للعبادة ولمحبته له، أحبه الله، وأخلصه واجتباه، وقربه إلى نفسه وأدناه قربا معنويا ودنوا رواحانيا كما قال في حق بعض من هذه صفته: " وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب " (1). وقال أمير المؤمنين وسيد الموحدين صلوات الله عليه: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، ومن لم يعرف من الله سوى كونه إلها صانعا للعالم، قادرا قاهرا عالما وأن له جنة ينعم بها المطيعين، ونارا يعذب بها العاصين، فعبده ليفوز بجنته أو يكون له النجاة من ناره أدخله الله تعالى بعبادته وطاعته الجنة، وأنجاه من النار لا محالة، كما أخبر عنه في غير موضع في كتابه. فانما لكل امرئ ما نوى. فلا تصغ إلى قول من ذهب إلى بطلان العبادة، إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب أو الخلاص من العقاب، زعما منه أن هذا القصد مناف للاخلاص الذي هو إرادة وجه الله سبحانه وحده، وأن من قصد ذلك فانما قصد جلب النفع إلى نفسه ودفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه، فان هذا قول من لا معرفة له بحقائق التكاليف ومراتب الناس فيها، فان أكثر الناس يتعذر منهم العبادة ابتغاء وجه الله بهذا المعنى لانهم لا يعرفون من الله إلا المرجو والمخوف، فغايتهم أن يتذكروا النار ويحذروا أنفسهم عقابها، ويتذكروا الجنة ويرغبوا أنفسهم ثوابها، وخصوصا من كان الغالب على قلبه الميل إلى الدنيا، فانه قلما ينبعث له داعية إلى فعل الخيرات لينال بها ثواب الآخرة، فضلا عن عبادته على نية إجلال الله عزوجل لاستحقاقه الطاعة والعبودية، فانه قل من يفهمها فضلا عمن يتعاطاها. والناس في نياتهم في العبادات على أقسام أدناهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف، فانه يتقي النار، ومنهم من يعمل إجابة لباعث الرجاء، فانه يرغب


(1) سورة ص: 4.

[187]

في الجنة وكل من القصدين وإن كان نازلا بالاضافة إلى قصد طاعة الله، وتعظيمه لذاته ولجلاله، لا لامر سواه، إلا أنه من جملة النيات الصحيحة لانه ميل إلى الموعود في الآخرة وإن كان من جنس المألوف في الدنيا. وأما قول القائل إنه ينافي الاخلاص، فجوابه أنك ما تريد بالاخلاص ؟ إن أردت به أن يكون خالصا للآخرة لا يكون مشوبا بشوائب الدنيا والحظوظ العاجلة للنفس، كمدح الناس، والخلاص من النفقة بعتق العبد، ونحو ذلك، فظاهر أن إرادة الجنة والخلاص من النار لا ينافيان الاخلاص بهذا المعنى، وإن أردت بالاخلاص أن لا يراد بالعمل سوى جمال الله وجلاله من غير شوب من حظوظ النفس وإن كان حظا اخرويا فاشتراطه في صحة العبادة متوقف على دليل شرعي وأنى لك به، بل الدلائل على خلافه أكثر من أن تذكر، مع أنه تكليف بما لا يطاق بالنسبة إلى أكثر الخلايق، لانهم لا يعرفون الله بجماله وجلاله، ولا تتأتى منهم العبادة إلا من خوف النار، أو للطمع في الجنة. وأيضا فان الله سبحانه قد قال " ادعوه خوفا وطمعا " (1) " ويدعوننا رغبا و رهبا " (2) فرغب ورهب، ووعد وأوعد، فلو كان مثل هذه النيات مفسدا للعبادات لكان الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد عبثا بل مخلا بالمقصود. وأيضا فان أولياء الله قد يعملون بعض الاعمال للجنة، وصرف النار لان حبيبهم يحب ذلك أو لتعليم الناس إخلاص العمل للآخرة، إذا كانوا أئمة يقتدى بهم، هذا أمير المؤمنين سيد الاولياء قد كتب كتابا لبعض ما وقفه من أمواله فصدر كتابه بعد التسمية بهذا: " هذا ما أوصى به وقضى به في ماله عبد الله علي ابتغاء وجه الله ليولجني به الجنة، ويصرفني به عن النار، ويصرف النار عني يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ".


(1) السجدة: 16. (2) الانبياء: 90.

[188]

فان لم تكن العبادة بهذه النية صحيح لم يصح له أن يفعل ذلك، ويلقن به غيره، ويظهره في كلامه. إن قيل: إن جنة الاولياء لقاء الله وقربه، ونارهم فراقه وبعده، فيجوز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام أراد ذلك، قلنا إرادة ذلك ترجع إلى طلب القرب المعنوي والدنو الروحاني، ومثل هذه النية مختص بأولياء الله كما اعترف به فغيرهم لماذا يعبدون وليس في الآخرة إلا الله، والجنة والنار، فمن لم يكن من أهل الله وأوليائه لا يمكن له أن يطلب إلا الجنة أو يهرب إلا من النار المعهودتين، إذ لايعرف غير ذلك وكل يعمل على شاكلته، ولما يحبه ويهواه غير هذا لا يكون أبدا. ولعل هذا القائل لم يعرف معنى النية وحقيقتها، وأن النية ليست مجرد قولك عند الصلاة أو الصوم أو التدريس اصلي أو أصوم أو ادرس قربة إلى الله تعالى ملاحظا معاني هذه الالفاظ بخاطرك، ومتصورا لها بقلبك، هيهات إنما هذا تحريك لسان وحديث نفس، وإنما النية المعتبرة انبعاث النفس وميلها و توجهها إلى ما فيه غرضها ومطلبها، إما عاجلا وإما آجلا. وهذا الانبعات والميل إذا لم يكن حاصلا لها لا يمكنها اختراعه واكتسابه بمجرد النطق بتلك الالفاظ، وتصور تلك المعاني، وما ذلك إلا كقول الشبعان أشتهي الطعام وأميل إليه، قاصدا حصول الميل والاشتهاء، وكقول الفارغ أعشق فلانا واحبه وأنقاد إليه واطيعه، بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشئ وميله إليه وإقباله عليه، إلا بتحصيل الاسباب الموجبة لذلك الميل والانبعاث واجتناب الامور المنافية لذلك المضادة له، فان النفس إنما تنبعث إلى الفعل وتقصده، وتميل إليه تحصيلا للغرض الملايم لها، بحسب ما يغلب عليها من الصفات. فإذا غلب على قلب المدرس مثلا حب الشهرة، وإظهار الفضيلة، وإقبال الطلبة إليه، فلا يتمكن من التدريس بنية التقرب إلى الله سبحانه بنشر العلم

[189]

وإرشاد الجاهلين، بل لا يكون تدريسه إلا لتحصيل تلك المقاصد الواهية، و الاغراض الفاسدة، وإن قال بلسانه ادرس قربة إلى الله، وتصور ذلك بقلبه و أثبته في ضميره، وما دام لم يقلع تلك الصفات الذميمة من قلبه لا عبرة بنيته أصلا. وكذلك إذا كان قلبك عند نية الصلاة منهمكا في امور الدنيا، والتهالك عليها، والانبعاث في طلبها، فلا يتيسر لك توجيهه بكليته، وتحصيل الميل الصادق إليها، والاقبال الحقيقي عليها، بل يكون دخولك فيها دخول متكلف لها متبرم بها ويكون قولك اصلي قربة إلى الله كقول الشبعان أشتهي الطعام، وقول الفارغ أعشق فلانا مثلا. والحاصل أنه لا يحصل لك النية الكاملة المعتد بها في العبادات، من دون ذلك الميل والاقبال، وقمع ما يضاده من الصوارف والاشغال، وهو لا يتيسر الا إذا صرفت قلبك عن الامور الدنيوية، وطهرت نفسك عن الصفات الذميمة الدنية، وقطعت نظرك عن حظوظك العاجلة بالكلية. وأقول: أمر النية قد اشتبه على كثير من علمائنا رضوان الله عليهم لاشتباهه على المخالفين، ولم يحققوا ذلك على الحق واليقين، وقد حقق شيخنا البهائي قدس الله روحه شيئا من ذلك في شرح الاربعين، وحققنا كثيرا من غوامض أسرارها في كتاب عين الحيوة، ورسالة العقائد، فمن أراد تحقيق ذلك فليرجع إليهما. 2 - كا: عن على، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله، وكل عامل يعمل على نيته (1). بيان: هذا الحديث من الاخبار المشهورة بين الخاصة والعامة، وقد قيل فيه وجوه: الاول أن المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق ولا ريب أنه خير من أعماله


(1) الكافي ج 2 ص 84.

[190]

إذ ثمرته الخلود في الجنة، وعدمه يوجب الخلود في النار، بخلاف العمل. الثاني أن المراد أن النية بدون العمل خير من العمل بدون النية، ورد بأن العمل بدون نية لا خير فيه أصلا، وحقيقة التفضيل تقتضي المشاركة، ولو في الجملة. الثالث ما نقل عن ابن دريد وهو أن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا يساعده الزمان على عملها، فكان الثواب المترتب على نياته أكثر من الثواب المترتب على أعماله. الرابع ما ذكره بعض المحققين وهو أن المؤمن ينوي أن يوقع عباداته على أحسن الوجوه لان إيمانه يقتضي ذلك، ثم إذا كان يشتغل بها لا يتيسر له ذلك، ولا يتأتى كما يريد، فلا يأتي بها كما ينبغي، فالذي ينوي دائما خير من الذى يعمل في كل عبادة، وهذا قريب من المعنى الاول ويمكن الجمع بينهما ويؤيدهما الخبر الثالث والخامس (1) وما رواه الصدوق - ره - في علل الشرائع بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول نية المؤمن خير من عمله، وذلك لانه ينوي من الخير مالا يدركه، ونية الكافر شر من عمله، وذلك لان الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه، وباسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال له زيد الشحام: إني سمعتك تقول: نية المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النية خيرا من العمل ؟ قال: لان العمل إنما كان رئاء المخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي عزوجل على النية ما لا يعطي على العمل، قال أبو عبد الله عليه السلام: إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل، فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله له صلاته ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه صدقة (2). الخامس أن طبيعة النية خير من طبيعة العمل، لانه لا يترتب عليها عقاب أصلا بل إن كانت خيرا اثيب عليها، وإن كان شرا كان وجودها كعدمها


(1) يعنى الحديث الثالث والخامس في باب نية الكافي، وهو كذلك في ما نحن فيه. (2) علل الشرايع ج 2 ص 211، وسيجئ تحت الرقم 18 و 19.

[191]

بخلاف العمل فان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فصح أن النية بهذا الاعتبار خير من العمل. وأقول: يمكن أن يقال هذا في الشر أيضا بناء على أن الكافر يعاقب على نيات الشر، وإنما العفو عن المؤمنين. السادس أن النية من أعمال القلب، وهو أفضل من الجوارح، فعمله أفضل من عملها، ألا ترى إلى قوله تعالى " أقم الصلوة لذكري " (1) جعل سبحانه الصلاة وسيلة إلى الذكر، والمقصود أشرف من الوسيلة، وأيضا فأعمال القلب مستورة عن الخلق، لا يتطرق إليها الرئاء وغيره، بخلاف أعمال الجوارح. السابع أن المراد أن نية بعض الاعمال الشاقة كالحج والجهاد خير من بعض الاعمال الخفية (2) كتلاوة آية من القرآن والصدقة بدرهم مثلا. الثامن ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في الغرر أن لفظة خير ليست اسم تفضيل، بل المراد أن نية المؤمن عمل خير من جملة أعماله ومن تبعيضية وبه دفع التنافي بين هذا الحديث، وبين ما يروى عنه صلى الله عليه وآله أفضل الاعمال أحمزها، ويجري هذا الوجه في قوله: ونية الكافر شر من عمله، فان المعنى فيه أيضا ليس معنى التفضيل، بل المعنى شر من جملة عمله. فان قيل: كيف يصح هذا مع ما ورد في الحديث من أن ابن آدم إذا هم بالحسنة كتبت له حسنة، وإذا هم بالسيئة لم يكتب عليه شئ، حتى يعمل ؟ قلنا قد ذكرنا سابقا أن ظاهر بعض الاخبار أن ذلك مخصوص بالمؤمنين. التاسع أن المراد بالنية تأثر القلب عند العمل، وانقياده إلى الطاعة، وإقباله على الآخرة، وانصرافه عن الدنيا، وذلك يشتد بشغل الجوارح في الطاعات وكفها عن المعاصي، فان بين الجوارح والقلب علاقة شديدة يتأثر كل منهما بالآخر، كما إذا حصل للاعضاء آفة سرى أثرها إلى القلب فاضطرب وإذا تألم القلب بخوف مثلا سرى أثره إلى الجوارح فارتعدت، والقلب هو الامير المتبوع


(1) طه: 14. (2) الخفيفة ظ.

[192]

والجوارح كالرعايا والاتباع، والمقصود من أعمالها حصول ثمرة القلب. فلا تظن أن في وضع الجبهة على الارض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والارض، بل من حيث إنه بحكم العادة يؤكد صفة التواضع في القلب، فان من يجد في نفسه تواضعا فإذا استعان بأعضائه وصورها بصورة التواضع، تأكد بذلك تواضعه، وأما من يسجد غافلا عن التواضع، وهو مشغول القلب بأغراض الدنيا فلا يصل من وضع جبهته على الارض أثر على قلبه، بل سجوده كعدمه نظرا إلى الغرض المطلوب منه، فكانت النية روح العمل وثمرته، والمقصد الاصلي من التكليف به، فكانت أفضل. وهذا الوجه قريب مما ذكره الغزالي في إحيائه، وهو أن كل طاعة تنتظم بنية وعمل، وكل منهما من جملة الخيرات إلا أن النية من الطاعتين خير من العمل، لان أثر النية في المقصود أكثر من أثر العمل، لان صلاح القلب هو المقصود من التكليف، والاعضاء آلات موصلة إلى المقصود، والغرض من حركات الجوارح أن يعتاد القلب إرادة الخير، ويؤكد الميل إليه، ليتفرغ عن شهوات الدنيا، ويقبل على الذكر والفكر، فبالضرورة يكون خيرا بالاضافة إلى الغرض قال الله تعالى: " لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم " (1) والتقوى صفة القلب وفي الحديث إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد. العاشر أن نية المؤمن هي الباعثة له على عمل الخير، فهي أصل العمل وعلته والعمل فرعها، لانه لا يحصل العمل ولا يوجد إلا بتصور المقصود الحقيقي والتصديق بحصوله، وانبعاث النفس إليه، حتى يشتد العزم، ويوجد الفعل فبهذه الجهة هي أشرف، وكذا نية الكافر سبب لعمله الخبيث فهي شر منه. الحادي عشر أن النية روح العمل، والعمل بمثابة البدن لها، فخيريته وشريته تابعتان لخيرية النية وشريتها، كما أن شرافة البدن وخباثته تابعتان


(1) الحج: 37.

[193]

لشرافة الروح وخباثته، فبهذا الاعتبار نية المؤمن خير من عمله، ونية الكافر شر من عمله. الثاني عشر أن نية المؤمن وقصده أولا هو الله، وثانيا العمل، لانه يوصل إليه، ونية الكافر وقصده غيره تعالى، وعمله يوصله إليه، وبهذا الاعتبار صح ما ذكر. وهذا الوجه وما تقدمه مستفادان من كلام المحقق الطوسي قدس سره والوجوه المذكورة ربما يرجع بعضها إلى بعض، وبعد ما أحطت خبرا بما ذكرناه نذكر ما هو أقوى عندنا بعد الاعراض عن الفضول، وهو الحق الحقيق بالقبول. فاعلم أن الاشكالات الناشئة من هذا الخبر إنما هو لعدم تحقيق معنى النية وتوهم أنها تصور الغرض والغاية، وإخطارها بالبال، وإذا حققتها كما أومأنا إليه سابقا، عرفت أن تصحيح النية من أشق الاعمال وأحمزها، وأنها تابعة للحالة التي النفس متصفة بها، وكمال الاعمال وقبولها و فضلها منطو بها، ولا يتيسر تصحيحها إلا باخراج حب الدنيا، وفخرها وعزها من القلب، برياضات شاقة، وتفكرات صحيحة، ومجاهدات كثيرة، فان القلب سلطان البدن، وكلما استولى عليه يتبعه سائر الجوارح، بل هو الحصن الذي كل حب استولى عليه وتصرف فيه، يستخدم سائر الجوارح والقوى، ويحكم عليها، ولا تستقر فيه محبتان غالبتان، كما قال الله عزوجل: يا عيسى لا يصلح لسانان في فم واحد ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الاذهان (1) وقال سبحانه: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " (2). فالدنيا والآخرة ضرتان لا يجتمع حبهما في قلب، فمن استولى على قلبه حب المال لا يذهب فكره وخياله وقواه وجوارحه إلا إليه، ولا يعمل عملا إلا ومقصوده الحقيقي فيه تحصيله، وإن ادعى غيره، كان كاذبا، ولذا يطلب


(1) راجع الكافي ج 2 ص 343، ثواب الاعمال ص 240. (2) الاحزاب: 4.

[194]

الاعمال التي وعد فيها كثرة المال ولا يتوجه إلى الطاعات التي وعد فيها قرب ذي الجلال، وكذا من استولى عليه حب الجاه ليس مقصوده في أعماله إلا ما يوجب حصوله، وكذا سائر الاغراض الباطلة الدنيوية، فلا يخلص العمل لله سبحانه وللآخرة إلا باخراج حب هذه الامور من القلب، وتصفيته عما يوجب البعد عن الحق. فللناس في نياتهم مراتب شتى بل غير متناهية بحسب حالاتهم، فمنها ما يوجب فساد العمل وبطلانه، ومنها ما يوجب صحته، ومنها ما يوجب كماله، ومراتب كماله أيضا كثيرة فأما ما يوجب بطلانه فلا ريب في أنه إذا قصد الرئاء المحض أو الغالب، بحيث لو لم يكن رؤية الغير له لا يعمل هذا العمل، إنه باطل لا يستحق الثواب عليه، بل يستحق العقاب، كما دلت عليه الآيات والاخبار الكثيرة، وأما إذا ضم إلى القربة غيرها بحيث كان الغالب القربة، ولو لم تكن الضميمة يأتي بها ففيه إشكال، ولا تبعد الصحة، ولو تعلق الرئاء ببعض صفاته المندوبة كاسباغ الوضوء، وتطويل الصلاة، فأشد إشكالا. ولو ضم إليها غير الرئاء كالتبريد ففيه أقوال ثالثها التفصيل بالصحة، مع كون القربة مقصودة بالذات والبطلان مع العكس، قال في الذكرى: لو ضم إلى النية منافيا فالاقرب البطلان، كالرئاء، والندب في الواجب لان تنافي المرادات يستلزم تنافي الارادات، وظاهر المرتضى الصحة بمعنى عدم الاعادة، لا بمعنى حصول الثواب، ذكر ذلك في الصلاة المنوي بها الرئاء، وهو يستلزم الصحة فيها وفي غيرها مع ضم الرئاء إلى التقرب، ولو ضم اللازم كالتبرد قطع الشيخ وصاحب المعتبر بالصحة، لانه فعل الواجب وزيادة غير منافية، ويمكن البطلان لعدم الاخلاص الذي هو شرط الصحة، وكذا التسخن والنظافة انتهى. وأقول: لو ضم إلى القربة بعض المطالب المباحة الدنيوية فهل تبطل عبادته ؟ ظاهر جماعة من الاصحاب البطلان، ويشكل بأن صلوات الحاجة والاستخارة وتلاوة القرآن والاذكار والدعوات المأثورة للمقاصد الدنيوية عبادات بلا ريب، مع أن

[195]

تكليف خلو القصد عنها تكليف بالمحال والجمع بين الضدين، كأن يقول أحد: ائت الموضع الفلاني لرؤية الاسد من غير أن يكون غرضك رؤيته، أو اذهب إلى السوق واشتر المتاع من غير أن تقصد شراء المتاع، وقد ورد في الاخبار الكثيرة منافع دنيوية للطاعات ككون صلاة الليل سببا لوسعة الرزق، وكون الحج موجبا للغنا وأمثال ذلك كثيرة، فلو كانت هذه مخلة بالقربة لكان ذكرها إغراء بالقبيح، إذ بعد السماع ربما يمتنع تخلية القصد عنها. نعم يمكن أن تؤل هذه القصود بالاخرة إلى القربة، كأن يكون غرض طالب الرزق صرفه في وجوه البر والتقوي به على الطاعة، ومن يكون مقصوده من طول العمر تحصيل رضا الرب تعالى لكن هذا القصد لا يتحقق واقعا وحقيقة إلا لآحاد المقربين، ولا يتيسر لاكثر الناس هذه النية وهذا الغرض، إلا بالانتحال والدعاوي الكاذبة، وتوهم أن الاخطار بالبال نية واقعية، وبينهما بعد المشرقين. فالظاهر أنه يكفي لكونه طاعة وقربة كونه بأمره سبحانه وموافقا لرضاه ومتضمنا لذكره والتوسل إليه وإن كان المقصود تحصيل بعض الامور المباحة لنيل اللذات المحللة وأما النيات الكاملة والاغراض العرية عن المطالب الدنية الدنيوية فهي تختلف بحسب الاشخاص والاحوال، ولكل منهم نية تابعة لشاكلته وطريقته وحالته بل لكل شخص في كل حالة نية تتبع تلك الحالة ولنذكر بعض منازلها ودرجاتها. فالاولى نية من تنبه وتفكر في شديد عذاب الله وأليم عقابه، فصار ذلك موجبا لحط الدنيا ولذاتها عن نظره، فهو يعمل كل ما أراد من الاعمال الحسنة ويترك ما ينتهي عنه من الاعمال السيئة، خوفا من عذابه. الثانية نية من غلب عليه الشوق إلى ما أعد الله للمحسنين في الجنة، من نعيمها وحورها وقصورها، فهو يعبد الله لتحصيل تلك الامور، وهاتان نيتان صحيحتان على الاظهر، وإن توهم الاكثر بطلان العبادة بهما لغفلتم عن معنى النية كما عرفت، والعجب أن العلامة رحمه الله ادعى اتفاق العدلية على أن من

[196]

فعل فعلا لطلب الثواب أو خوف العقاب، فانه لا يستحق بذلك ثوابا. وأقول: لهاتين النيتين أيضا مراتب شتى بحسب اختلاف أحوال الناس فان من الناس من يطلب الجنة لحصول مشتهياته الجسمانية فيه، ومنهم من يطلبها لكونها دار كرامة الله ومحل قرب الله، وكذا منهم من يهرب من النار لالمها ومنهم من يهرب منها لكونها دار البعد والهجران والحرمان ومحل سخط الله كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء الذي علمه كميل بن زياد النخعي: " فلئن صيرتني في العقوبات مع أعدائك، وجمعت بيني وبين أهل بلائك، وفرقت بيني وبين أحبائك وأوليائك، فهبني ياإلهي وسيدي صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك ؟ وهبني صبرت على حر نارك، فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك " ؟ إلى آخر ما ذكر في هذا الدعاء المشتمل على جميع منازل المحبين، ودرجات العارفين، فظهر أن هاتين الغايتين وطلبهما لا تنافيان درجات المقربين. الثالثة نية من يعبد الله تعالى شكرا له، فانه يتفكر في نعم الله التي لا تحصى عليه فيحكم عقله بأن شكر المنعم واجب، فيعبده لذلك كما هو طريقة المتكلمين وقد قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار (1). الرابعة نية من يعبده حياء فانه يحكم عقله بحسن الحسنات وقبح السيئات ويتذكر أن الرب الجليل مطلع عليه في جميع أحواله، فيعبده ويترك معاصيه لذلك، وإليه يشير قول النبي صلى الله عليه وآله الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك (2).


(1) راجع نهج البلاغة ج 2 ص 197 تحت الرقم 237 من الحكم. (2) راجع الدر المنثور ج 1 ص 93 في حديث ابن عباس قال جلس رسول الله صلى الله عليه وآله مجلسا فأتاه جبرئيل فجلس بين يدى رسول الله واضعا كفيه على ركبتي رسول الله فقال: حدثنى عن الاسلام - إلى أن قال: قال يارسول الله حدثنى ما الاحسان ؟ قال: الاحسان أن تعمل لله [أن تعبد الله] كانك تراه الحديث.

[197]

الخامسة نية من يعبده تقربا إليه تعالى تشبيها للقرب المعنوي بالقرب المكاني، وهذا هو الذي ذكره أكثر الفقهاء، ولم أر في كلامهم تحقيق القرب المعنوي، فالمراد إما القرب بحسب الدرجة والكمال، إذ العبد لامكانه في غاية النقص، عار عن جميع الكمالات، والرب سبحانه متصف بجميع الصفات الكمالية فبينهما غاية البعد، فكلما رفع عن نفسه شيئا من النقائص، واتصف بشئ من الكمالات، حصل له قرب ما بذلك الجناب، أو القرب بحسب التذكر والمصاحبة المعنوية، فان من كان دائما في ذكر أحد ومشغولا بخدماته فكأنه معه، وإن كان بينهما غاية البعد بحسب المكان، وفي قوة هذه النية إيقاع الفعل امتثالا لامره تعالى أو موافقة لارادته أو انقيادا وإجابة لدعوته أو ابتغاء لمرضاته. فهذه النيات التي ذكرها أكثر الاصحاب وقالوا: لو قصد لله مجردا عن جميع ذلك كان مجزيا، فانه تعالى غاية كل مقصد، وإن كان يرجع إلى بعض الامور السالفة. السادسة نية من عبد الله لكونه أهلا للعبادة، وهذه النية الصديقين، كما قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك، ولا تسمع هذه الدعوى من غيرهم، وإنما يقبل ممن يعلم منه أنه لو لم يكن لله جنة ولا نار، بل لو كان على الفرض المحال يدخل العاصي الجنة والمطيع النار، لاختار العبادة لكونه أهلا لها، كما أنهم في الدنيا اختاروا النار لذلك، فجعلها الله عليهم بردا وسلاما، وعقوبة الاشرار فجعلها الله عندهم لذة وراحة ونعيما. السابعة نية من عبد الله حبا له ودرجة المحبة أعلى درجات المقربين، والمحب يختار رضا محبوبه، ولا ينظر إلى ثواب ولا يحذر من عقاب، وحبه تعالى إذا استولى على القلب يطهره عن حب ما سواه، ولا يختار في شئ من الامور إلا رضا مولاه. كما روى الصدوق - رحمه الله - باسناده عن الصادق عليه السلام أنه قال: إن الناس

[198]

يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني أعبده حبا له عزوجل، فتلك عبادة الكرام وهو الامن، لقوله عزوجل " وهم من فزغ يومئذ آمنون " (1) ولقوله عزوجل " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " (2) فمن أحب الله أحبه الله، ومن أحبه الله عزوجل كان من الآمنين (3). وفي تفسير الامام عليه السلام قال علي بن الحسين عليه السلام: إني أكره أن أ عبد الله لاغراض لي ولثوابه فأكون كالعبد الطمع المطيع، إن طمع عمل، وإلا لم يعمل وأكره أن أعبده لخوف عباده، فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل، قيل: فلم تعبده ؟ قال: لما هو أهله بأياديه علي وإنعامه، وقال محمد بن علي الباقر عليه السلام: لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه فحينئذ يقول: هذا خالص لي فيتقبله بكرمه، وقال جعفر بن محمد عليهما السلام: ما أنعم الله عزوجل على عبد أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره، وقال موسى بن جعفر عليه السلام أشرف الاعمال التقرب بعبادة الله عزوجل، وقال علي الرضا عليه السلام: " إليه يصعد الكلم الطيب " قول لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وخليفة محمد رسول الله حقا وخلفاؤه خلفاء الله " والعمل الصالح يرفعه " علمه في قلبه بأن هذا صحيح كما قلته بلساني (4). وأقول: لكل من النيات الفاسدة والصحيحة أفراد اخرى يعلم بالمقايسة مما ذكرنا، وهي تابعة لاحواله وصفاته، وملكاته الراسخة منبعثة عنها، ومن هذا يظهر سر أن أهل الجنة يخلدون فيها بنياتهم، لان النية الحسنة تستلزم طينة


(1) النمل: 89. (2) آل عمران: 31. (3) راجع علل الشرائع ج 1 ص 12. (4) تفسير الامام ص 152. وسيجئ مستقلا تحت الرقم: 33.

[199]

طيبة، وصفات حسنة وملكات جميلة، تستحق الخلود بذلك، إذ لم يكن مانع العمل من قبله فهو بتلك الحالة مهيئ للاعمال الحسنة، والافعال الجميلة، والكافر مهيئ لضد ذلك وبتلك الصفات الخبيئة المستلزمة لتلك النية الردية استحق الخلود في النار. وبما ذكرنا ظهر معنى قوله عليه السلام " وكل عامل يعمل على نيته " أي عمل كل عامل يقع على وفق نيته في النقص والكمال، والرد والقبول، والمدار عليها كما عرفت، وعلى بعض الاحتمالات المعنى أن النية سبب للفعل، وباعث عليه، ولا يتأتى العمل إلا بها كما مر. 3 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن علي بن أسباط، عن محمد بن إسحاق بن الحسين بن عمرو، عن حسن بن أبان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن حد العبادة التي إذا فعلها فاعلها كان مؤديا ؟ فقال: حسن النية بالطاعة (1). بيان: قد مضى الكلام فيه والحاصل أنه حد العبادة الصحيحة المقبولة بالنية الحسنة غير المشوبة مع طاعة الامام، لانهما العمدة في الصحة والقبول فالحمل على المبالغة، أو المراد بالطاعة الاتيان بالوجوه التي يطاع الله منها مطلقا. 4 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب أرزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه الخير، فإذا علم الله عزوجل ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الاجر مثل ما يكتب له لو عمله، إن الله واسع كريم (2). تبيان: " ليقول " أي بلسانه أو بقلبه أو الاعم منهما " فإذا علم الله عزوجل ذلك " أي علم أنه إن رزقه يفي بما يعده من الخير، فان كثيرا من المتمنيات و المواعيد كاذبة لا يفي الانسان به " إن الله واسع " أي واسع القدرة أو واسع العطاء


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 85. (*)

[200]

" كريم " بالذات فالاثابة على نية الخير من سعة جوده وكرمه، لا من استحقاقهم ذلك. قال الشيخ البهائي قدس سره: هذا الحديث يمكن أن يجعل تفسيرا لقوله عليه السلام: " نية المؤمن خير من عمله " فان المؤمن ينوي كثيرا من هذه النيات فيثاب عليها، ولا يتيسر العمل إلا قليلا انتهى. وأقول: النية تطلق على النية المقارنة للفعل، وعلى العزم المتقدم عليه سواء تيسر العمل أم لا، وعلى التمني للفعل، وإن علم عدم تمكنه منه، والمراد هنا أحد المعنيين الاخيرين، ويمكن أن يقال: إن النية لما كانت من الافعال الاختيارية القلبية، فلا محالة يترتب عليها ثواب، وإذا فعل الفعل المنوي يترتب عليه ثواب آخر، ولا ينافي اشتراط العمل بها تعدد الثواب كما أن الصلاة صحتها مشروطة بالوضوء، ويترتب على كل منهما ثواب إذا اقترنا. فإذا لم يتيسر الفعل لعدم دخوله تحت قدرته، أو لمانع عرض له، يثاب على العزم، وترتب الثواب عليه غير مشروط بحصول الفعل، بل بعدم تقصيره فيه فالثواب الوارد في الخبر يحتمل أن يكون هذا الثواب فله مع الفعل ثوابان، وبدونه ثواب واحد، فلا يلزم كون العمل لغوا، ولا كون ثواب النية والعمل معا، كثوابها فقط، ويحتمل أن يكون ثواب النية كثوابها مع العمل بلا مضاعفة، ومع العمل يضاعف عشر أمثالها أو أكثر. ويؤيده ما سيأتي أن الله جعل لآدم أن من هم من ذريته بسيئة لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت عليه سيئة، ومن هم منهم بحسنة فان لم يعملها كتبت له حسنة، فان هو عملها كتبت له عشرا، وإن أمكن حمله على ما إذا لم يعملها مع القدرة عليها. وعلى ما حققنا أن النية تابعة للشاكلة والحالة وأن كمالها لا يحصل إلا بكمال النفس واتصافها بالاخلاق الرضية الواقعية فلا استبعاد في تساوي ثواب من عزم على فعل على وجه خاص من الكمال، ولم يتيسر له، ومن فعله على هذا

[201]

الوجه. وقيل: إثابة المؤمن بنية أمر خير متفق عليه بين الامة ورواه الخاصة والعامة روى مسلم باسناده عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من طلب الشهادة صادقا اعطيها ولو لم تصبه، وباسناد آخر عنه صلى الله عليه وآله قال: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه، قال الماذري: وفيهما دلالة على أن من نوى شيئا من أعمال البر ولم يفعله لعذر كان بمنزلة من عمله، وعلى استحباب طلب الشهادة، ونية الخير. وقد صرح بذلك جماعة من علمائهم حتى قال الآبي: لو لم ينوه كان حاله حال المنافق لا يفعل الخير ولا ينويه. 5 - كا: عن علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن أحمد بن يونس، عن أبي هاشم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما خلد أهل النار في النار لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: " قل كل يعمل على شاكلته " (1) قال: على نيته (2). بيان: كأن الاستشهاد بالآية مبني على ما حققنا سابقا أن المدار في الاعمال على النية التابعة للحالة التي اتصفت النفس بها من العقائد والاخلاق الحسنة والسيئة فإذا كانت النفس على العقائد الثابتة والاخلاق الحسنة الراسخة التي لا يتخلف عنها الاعمال الصالحة الكاملة لو بقي في الدنيا أبدا فبتلك الشاكلة والحالة استحق الخلود في الجنة، وإذا كانت على العقائد الباطلة والاخلاق الردية التي علم الله تعالى أنه لو بقي في الدنيا أبدا لعصى الله تعالى دائما، فبتلك الشاكلة استحق الخلود في النار، لا بالاعمال التي لم يعملها، فلا يرد أنه ينافي الاخبار الواردة في أنه إذا أراد السيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، مع أنه يمكن حمله على ما إذا لم تصر


(1) أسرى ص 84. (2) الكافي ج 2 ص 85.

[202]

شاكلة له، ولم تكن بحيث علم الله أنه لو بقي لاتى بها، أو يحمل عدم كتابة السيئة على المؤمنين، وهذا إنما هو في الكفار، وقد يستدل بهذا الخبر على أن كل كافر يمكن في حقه التوبة والايمان لا يموت على الكفر. أقول: ويمكن أن يستدل به على أن بالعزم على المعصية، يستحق العقاب وإن عفى الله عن المؤمنين تفضلا، وما ذكره المحقق الطوسي قدس سره في التجريد في مسألة خلق الاعمال حيث قال: وإرادة القبيح قبيحة، يدل على أنه يعد إرادة العباد للحرام فعلا قبيحا محرما، وهو الظاهر من كلام أكثر الاصحاب سواء كان تاما مستتبعا للقبيح أو عزما ناقصا غير مستتبع، لكن قد تقرر عندهم أن إرادة القبيح إذا كانت غير مقارنة لفعل قبيح يتعلق بها العفو كما دلت عليه الروايات وسيأتي بعضها، وأما إذا كانت مقارنة فلعله أيضا كذلك، وادعى بعضهم الاجماع على أن فعل المعصية لا يتعلق به إلا إثم واحد، ومن البعيد أن يتعلق به إثمان أحدهما بارادته والآخر بايقاعه. فيندفع حينئذ التدافع بين ما ذكره المحقق رحمه الله من قبح إرادة القبيح وبين ما هو المشهور من أن الله تعالى لا يعاقب بارادة الحرام، وإنما يعاقب بفعله وما أوله به بعضهم من أن المراد أنه لا يعاقب العقوبة الخاصة بفعل المعصية بمجرد إرادتها، ويثيب الثواب الخاص بفعل الطاعة بمجرد إرادتها، ففيه أن شيئا من ذلك غير صحيح، فان الظاهر من النصوص أنه تعالى لا يعاقب ولا يؤاخذ على إرادة المعصية أصلا، وأن الاجماع قائم على أن ثواب الطاعة لا يترتب على إرادتها، بل المترتب عليها نوع آخر من الثواب يختلف باختلاف الاحوال المقارنة لها من خلوص النية وشدة الجد فيها والاستمرار عليها، إلى غير ذلك، ولامانع من أن تصير في بعض الاحوال أعظم من ثواب نفس الفعل الذي لم يكن لصاحبه تلك الارادة البالغة الجامعة لهذه الخصوصيات، وكأن تتبع الآثار المأثورة يغني عن الاطالة في هذا الباب. وأقول: قد عرفت بعض ما حققنا في ذلك وسيأتي إنشاء الله تمام الكلام

[203]

عند شرح بعض الاخبار في أواخر هذا المجلد. 6 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن أبي الحسن علي بن يحيى، عن أيوب بن أعين، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال له: احتج، فيقول: يا رب خلقتني وهديتني فأوسعت علي فلم أزل اوسع على خلقك وايسر عليهم لكي تنشر هذا اليوم رحمتك وتيسره، فيقول الرب جل ثناؤه وتعالى ذكره: صدق عبدي أدخلوه الجنة (1). 7 - كا: عن علي، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى قال: إن موسى ناجاه الله تبارك وتعالى فقال في مناجاته وذكر حديثا قدسيا طويلا إلى أن قال: فاعمل كأنك ترى ثواب عملك، لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة (2). 8 - نهج: هذا ما أمر به عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين في ماله ابتغاء وجه الله، ليولجني به الجنة، ويعطيني الامنة (3). وفيه: وليس رجل - فاعلم - أحرص على جماعة امة محمد والفتها مني أبتغي بذلك حسن الثواب وكريم المآ (4). 9 - لى: باسناده إلى النبي صلى الله عليه وآله قال: من صام يوما تطوعا ابتغاء ثواب الله وجبت له المغفرة (5). بيان: في هذه الاخبار كلها دلالة على أن طلب الثواب والحذر من العقاب لا ينافي صحة العمل وكماله والقربة فيه.


(1) الكافي ج 4 ص 40. (2) الكافي ج 8 ص 46. (3) نهج البلاغة ج 2 ص 22، تحت الرقم 24 من باب الكتب والرسائل. (4) المصدر ج 2 ص 141، الرقم 78 من باب الكتب. (5) أمالي الصدوق ص 329.

[204]

10 - فس: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون " (1) قال: من عمل الخير على أن يعطيه الله ثوابه في الدنيا أعطاه ثوابه في الدنيا وكان له في الآخرة النار (2). 11 - ل: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب عن مالك ابن عطية، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: لا حسب لقرشي ولا عربي إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بتفقه، ألا وإن أبغض الناس إلى الله عزوجل من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله (3). 12 - فس: " قل كل يعمل على شاكلته " أي على نيته " فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا " (4) فانه حدثني أبي، عن جعفر بن إبراهيم، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة اوقف المؤمن بين يديه، فيكون هو الذي يلي حسابه، فيعرض عليه عمله، فينظر في صحيفته فأول ما يرى سيأته فيتغير لذلك لونه، وترتعش فرائصه، وتفزع نفسه، ثم يرى حسناته فتقر عينه، وتسر نفسه، وتفرح روحه، ثم ينظر إلى ما أعطاه الله من الثواب فيشتد فرحه، ثم يقول الله للملائكة: هلموا الصحف التي فيها الاعمال التي لم يعملوها، قال: فيقرؤنها فيقولون: وعزتك إنك لتعلم أنا لم نعمل منها شيئا فيقول: صدقتم نويتموها فكتبناها لكم ثم يثابون عليها (5). 13 - ع، ل (6) لى: السناني، عن محمد بن هارون، عن عبيد الله بن موسى الطبري، عن محمد بن الحسين الخشاب، عن محمد بن محصن، عن يونس بن ظبيان


(1) هود: 15. (2) تفسير القمى ص 300. (3) الخصال ج 1 ص 12. (4) أسرى: 84. (5) تفسير القمى ص 387. (6) علل الشرائع ج 1 ص 12 الخصال ج 1 ص 88.

[205]

قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: إن الناس يعبدون الله عزوجل على ثلاثة أوجه فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه، فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه فرقا من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكني أعبده حبا له عزوجل فتلك عبادة الكرام، وهو الامن لقوله عزوجل " وهم من فزع يومئذ آمنون " (1) ولقوله عزوجل " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " (2) فمن أحب الله أحبه الله، ومن أحبه الله عز وجل كان من الآمنين (3). 14 - لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن الفضيل قال: قال الصادق عليه السلام: ما ضعف بدن عما قويت عليه النية (4). 15 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني عن يونس، عن أبي الوليد، عن الحسن بن زياد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من صدق لسانه زكى عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن بره بأهل بيته زيد في عمره (5). 16 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن عبد الله بن محمد الرازي، عن بكر بن صالح، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وفيه " زاد الله " مكان " زيد " في الموضعين (6). 17 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن


(1) النمل: 89. (2) آل عمران: 31. (3) أمالى الصدوق ص 24. (4) أمالي الصدوق ص 198. (5) أمالي الطوسى ج 1 ص 250. (6) الخصال ج 1 ص 44.

[206]

سنان قال: كنا جلوسا عند أبي عبد الله عليه السلام إذ قال له رجل من الجلساء: جعلت فداك يا ابن رسول الله أتخاف علي أن أكون منافقا ؟ قال فقال له إذا خلوت في بيتك نهارا أو ليلا أليس تصلي ؟ فقال: بلى، قال: فلمن تصلي ؟ فقال: لله عزوجل قال: فكيف تكون منافقا وأنت تصلي لله عزوجل لا لغيره (1). 18 - ع: أبي، عن حبيب بن الحسين الكوفي، عن ابن أبي الخطاب، عن أحمد بن صبيح، عن زيد الشحام قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني سمعتك تقول: نية المؤمن خير من عمله، فكيف تكون النية خيرا من العمل ؟ قال: لان العمل ربما كان رياء المخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي عزوجل على النية مالا يعطي على العمل. قال أبو عبد الله عليه السلام: إن العبد لينوي من نهاره أن يصلي بالليل فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله له صلاته، ويكتب نفسه تسبيحا ويجعل نومه عليه صدقة (2). 19 - ع: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن عمران بن موسى عن الحسن بن علي بن النعمان، عن الحسن بن الحسين الانصاري، عن بعض رجاله، عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول: نية المؤمن أفضل من عمله، وذلك لانه ينوي من الخير مالا يدركه، ونية الكافر شر من عمله، وذلك لان الكافر ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه (3). 20 - ب: هارون، عن ابن صدقة قال: سئل جعفر بن محمد عليهما السلام عما قد يجوز وعما لا يجوز من النية على الاضمار في اليمين، فقال: إن النيات قد تجوز في موضع ولا تجوز في آخر، فأما ما تجوز فيه فإذا كان مظلوما فما حلف به ونوى اليمين فعلى نيته، وأما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم، ثم قال: ولو كانت النيات من أهل الفسق يؤخذ بها أهلها، إذا لاخذ كل من نوى الزنا بالزنا، وكل من نوى السرقة بالسرقة، وكل من نوى القتل بالقتل، ولكن الله عدل كريم [حكيم]


(1) معاني الاخبار ص 142. (2 و 3) علل الشرائع ج 2 ص 211. (*)

[207]

ليس الجور من شأنه، ولكنه يثيب على نيات الخير أهلها وإضمارهم عليها، ولا يؤاخذ أهل الفسوق حتى يفعلوا (1). أقول: روى هذا الخبر في موضع آخر من هذا الكتاب بهذا السند وزاد في آخره زيادة هي هذه: وذلك أنك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذلك الاخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم المحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح ولو ذهب العالم المتكلم الفصيح حتى يدع ما قد علم أنه يلزمه، وينبغي له أن يقوم به حتى يكون ذلك منه بالنبطية والفارسية، فحيل بينه وبين ذلك بالادب، حتى يعود إلى ما قد علمه وعقله، قال: ولو ذهب من لم يكن في مثل حال الاعجمي المحرم ففعل فعال الاعجمي والاخرس على ما قد وصفنا إذا لم يكن أحد فاعلا لشئ من الخير، ولا يعرف الجاهل من العالم (2). 21 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن المنذر بن محمد، عن أحمد بن يحيى الضبي، عن موسى بن القاسم، عن أبي الصلت، عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاقول إلا بعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا باصابة السنة (3). 22 - ما: ابن مخلد، عن أبي عمرو، عن محمد بن هشام المروزي، عن يحيى ابن عثمان، عن بقية، عن إسماعيل البصري يعني ابن علية، عن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا باصابة السنة (4). 23 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن علي بن أحمد بن سيابة، عن


(1) قرب الاسناد ص 8. ط النجف. (2) قرب الاسناد ص 33 و 34. (3) أمالي الطوسى ج 1 ص 347. (4) أمالي الطوسي ج 1 ص 396.

[208]

عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، عن حماد بن عيسى، عن ابن اذينة، عن الفضيل قال: سمعت الصادق والباقر عليهما السلام يحدثان عن آبائهما، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نية المؤمن أبلغ من عمله، وكذلك الفاجر (1). 24 - ير: أحمد بن محمد، عن محمد البرقي، عن إبراهيم بن إسحاق، عن أبي عثمان العبدي، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا عمل ولا نية إلا باصابة السنة (2). 25 - سن: عن ابن فضال، عن محمد، عن الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو نظر الناس إلى مردود الاعمال من السماء، لقالوا: ما يقبل الله من أحد عملا (3). 26 - سن: النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله وكل عامل يعمل بنيته (4). 27 - سن: الوشاء، عن ابن فضال، عن المثنى الحناط، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من حسنت نيته زاد الله في رزقه (5). 28 - سن: بعض أصحابنا بلغ به خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي قال: سأل عيسى بن عبد الله القمي أبا عبد الله عليه السلام وأنا حاضر فقال: ما العبادة ؟ فقال: حسن النية بالطاعة من الوجه الذي يطاع الله منه. وفي حديث آخر قال: حسن النية بالطاعة عن الوجه الذي امر به (6).


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 69. (2) بصائر الدرجات: 11. (3) لم نجده في مظانه. (4) المحاسن ص 260. (5 - 6) المحاسن ص 261.

[209]

29 - سن: علي بن الحكم، عن أبي عروة السلمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة (1). 30 - سن: القاساني، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن أحمد بن يونس عن أبي هاشم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخلود في الجنة والنار فقال: إنما خلد أهل النار في النار، لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، وإنما خلد أهل الجنة في الجنة لان نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا الله أبدا، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله: " قل كل يعمل على شاكلته " (2) أي على نيته (3). شى: عن أبي هاشم مثله (4). 31 - ضا: أروي عن العالم عليه السلام أنه قال: نية المؤمن خير من عمله لانه ينوي خيرا من عمله، ونية الفاجر شر من عمله وكل عامل يعمل على نيته، ونروى نية المؤمن خير من عمله، لانه ينوي من الخير ما لا يطيقه ولا يقدر عليه، وروي من حسنت نيته زاد الله في رزقه. وسألت العالم عليه السلام عن قول الله: " خذوا ما آتيناكم بقوة " (5) قوة الابدان أم قوة القلوب ؟ فقال: جميعا، وقال: لا قول إلا بعمل، ولا عمل إلا بنية، ولا نية إلا باصابة السنة، ونروي حسن الخلق سجية ونية، وصاحب النية أفضل، ونروي ما ضعفت نية عن نية. وأروي عنه: نية المؤمن خير من عمله فسألته عن معنى ذلك، فقال: العمل يدخله الرياء والنية لا يدخلها الرياء.


(1) المحاسن ص 262. (2) أسرى: 84. (3) المحاسن ص 262. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 316. (5) البقرة: 63 و 93.

[210]

وسألت العالم عليه السلام عن تفسير نية المؤمن خير، قال: إنه ربما انتهت بالانسان حالة من مرض أو خوف فتفارقه الاعمال، ومعه نيته، فلذلك الوقت نية المؤمن خير من عمله. وفي وجه آخر أنها لا يفارقه عقله أو نفسه والاعمال قد يفارقه قبل مفارقة العقل والنفس. 32 - مص: قال الصادق عليه السلام: صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم لان سلامة القلب من هواجس المحذورات بتخليص النية لله في الامور كلها قال الله عزوجل " يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم " (1) وقال النبي صلى الله عليه وآله نية المؤمن خير من عمله، وقال عليه السلام: إنما الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى ولابد للعبد من خالص النية في كل حركة وسكون، لانه إذا لم يكن هذا المعنى يكون غافلا، والغافلون قد وصفهم الله تعالى فقال " اولئك كالانعام بل هم أضل سبيلا " (2) وقال: " اولئك هم الغافلون " (3). ثم النية تبدو من القلب علفي قدر صفاء المعرفة، ويختلف على حسب اختلاف الاوقات في معنى قوته وضعفه، وصاحب النية الخالصة نفسه وهواه مقهورتان تحت سلطان تعظيم الله والحياء منه، وهو من طبعه وشهوته ومنيته، نفسه منه في تعب والناس منه في راحة (4). 33 - [م:] قال علي بن الحسين عليهما السلام: إني أكره أن أ عبد الله ولا غرض لي إلا ثوابه، فأكون كالعبد الطمع المطمع: إن طمع عمل، وإلا لم يعمل، وأكره أن [لا] أعبده إلا لخوف عقابه فأكون كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل، قيل فلم تعبده ؟ قال: لما هو أهله بأياديه علي وإنعامه.


(1) الشعراء: 88 و 89. (2 - 3) الاعراف: 179. (4) مصباح الشريعة ص 4 و 5.

[211]

وقال محمد بن علي الباقر عليه السلام: لا يكون العبد عابدا لله حق عبادته حتى ينقطع عن الخلق كله إليه، فحينئذ يقول: هذا خالص لي فيتقبله بكرمه. وقال جعفر بن محمد عليه السلام: ما أنعم الله عزوجل على عبد أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله غيره. وقال موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: أشرف الاعمال التقرب بعبادة الله عزوجل. وقال علي الرضا عليه السلام " إليه يصعد الكلم الطيب " قول لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وخليفة محمد رسول الله حقا وخلفاؤه خلفاء الله " والعمل الصالح يرفعه " علمه في قلبه بأن هذا صحيح كما قلته بلساني (1). 34 - جا: أبو غالب أحمد بن محمد، عن جده محمد بن سليمان، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن حمزة بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنما قدر الله عون العباد على قدر نياتهم فمن صحت نيته تم عون الله له، ومن قصرت نيته قصر عنه العون بقدر الذي قصر (2). 35 - غو: عن النبي صلى الله عليه وآله إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (3). 36 - كتاب قضاء الحقوق للصوري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: نية المؤمن خير من عمله. 37 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن حنظلة بن زكريا، عن محمد بن علي بن حمزة، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاحسب إلا بالتواضع، ولا كرم إلا بالتقوى، ولا عمل إلا بالنية (4).


(1) تفسير الامام ص 152، وقد مر في شرح الخبر الثاني من مرآت العقول ص 198. (2) مجالس المفيد ص 48 و 49. (3) حديث متفق عليه راجع صحيح البخاري كتاب الايمان ص 23 في ط. (4) أمالي الطوسي ج 2 ص 203.

[212]

38 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن إسحاق الموسوي، عن أبيه إسحاق بن العباس، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر، عن علي بن جعفر وعلي بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله أغزى عليا في سرية وأمر المسلمين أن ينتدبوا معه في سريته فقال رجل من الانصار لاخ له: اغز بنا في سرية علي لعلنا نصيب خادما أو دابة أو شيئا نتبلغ به، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله قوله: فقال: إنما الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن غزا ابتغاء ما عند الله عزوجل فقد وقع أجره على الله عزوجل، ومن غزا يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلا ما نوى (1). 39 - نهج: قال عليه السلام: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار (2). 40 - الهداية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما الاعمال بالنيات، وروي أن نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله، وروي أن بالنيات خلد أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقال عزوجل: " قل كل يعمل على شاكلته " (3) يعني على نيته، ولا يجب على الانسان أن يجدد لكل عمل نية، وكل عمل من الطاعات إذا عمله العبد لم يرد به إلا الله عزوجل فهو عمل بنية، وكل عمل عمله العبد من الطاعات يريد به غير الله فهو عمل بغير نية وهو غير مقبول.


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 231. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 197 تحت الرقم 237 من الحكم. (3) أسرى: 84.

[213]

(54) * (باب) * * " (الاخلاص ومعنى قربه تعالى) " * الايات: الفاتحة: إياك نعبد وإياك نستعين. البقرة: بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (1). وقال تعالى: ونحن له مخلصون (2) وقال: وأتموا الحج والعمرة لله (3) وقال: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤف بالعباد (4) وقال تعالى: وقوموا لله قانتين (5) وقال تعالى: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله الآية (6). آل عمران: فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن (7). وقال تعالى: ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين (8). النساء: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا (9) وقال: ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (10) وقال: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا (11) وقال: إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين (12).


(1) البقرة: 112. (2) البقرة: 139. (3) البقرة: 196. (4) البقرة: 207. (5) البقرة: 238. (6) البقرة: 265. (7) آل عمران: 20. (8) آل عمران: 145. (9) النساء: 35. (10) النساء: 113. (11) النساء: 124. (12) النساء: 145.

[214]

الانعام: إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين (1) وقال تعالى: قل إن صلوتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك امرت وأنا أول المسلمين (2) وقال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (3). الاعراف: وادعوه مخلصين له الدين (4). يوسف: إنه من عبادنا المخلصين (5). اسرى: وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه (6). الكهف: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه (7) وقال تعالى: فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (8). مريم: واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا إلى قوله تعالى: وقربناه نجيا (9). الحج: حنفاء لله غير مشركين به (10). الروم: فلت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله واولئك هم المفلحون (11). لقمان: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور (12). الصافات: إلا عباد الله المخلصين * اولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم


(1) الانعام: 79. (2) الانعام: 163. (3) الانعام: 52. (4) الاعراف: 28. (5) يوسف: 24. (6) أسرى: 23. (7) الكهف: 28. (8) الكهف: 111. (9) مريم: 51. (10) الحج: 31. (11) الروم: 38. (12) لقمان: 22.

[215]

مكرمون * في جنات النعيم إلى قوله تعالى: لمثل هذا فليعمل العاملون (1). ص: وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (2). الزمر: فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص (3). وقال تعالى: قل إني امرت أن أ عبد الله مخلصا له الدين وامرت لان أكون أول المسلمين إلى قوله تعالى: قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه (4). وقال: ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (5). المؤمن: فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (6). حمعسق: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب (7). الجن: وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا إلى قوله تعالى: قل إنما أدعوا ربي ولا اشرك به أحدا (8). الدهر: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (9). الليل: وسيجنبها الاتقى الذي يؤتي ماله يتزكى * وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى (10). البينة: وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء (11).


(1) الصافات: 40 - 61. (2) ص: 40. (3) الزمر: 2 - 3. (4) الزمر: 12 - 14. (5) الزمر: 29. (6) المؤمن: 14. (7) الشورى: 20. (8) الجن: 18 - 20. (9) الدهر: 9. (10) الليل: 17. (11) البينة: 5.

[216]

تفسير: " إياك نعبد وإياك نستعين " أي نخصك بالعبادة والاستعانة والمراد طلب المعونة في المهمات كلها أو في أداء العبادات والضمير المستكن في الفعلين للقاري ومن معه من الحفظة وحاضري صلاة الجماعة أوله ولسائر الموحدين أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة، وقدم المفعول للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على الحصر وقيل: لما نسب العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحا واعتدادا منه بما يصدر عنه فعقبه بقوله " وإياك نستعين " ليدل على أن العبادة أيضا مما لا تتم ولا تستتب له إلا بمعونة منه وتوفيق، وقيل: الواو للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك. وفي تفسير الامام عليه السلام في تفسيرها قال الله تعالى: قولوا أيها الخلق المنعم عليهم " إياك نعبد " إيها المنعم علينا نطيعك مخلصين مع التذلل والخضوع بلا رئاء ولا سمعة " وإياك نستعين " منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤديها كما أمرت، و نتقي من دنيانا ما عنه نهيت، ونعتصم من الشيطان ومن سائر مردة الانس من المضلين ومن المؤذين الظالمين بعصمتك (1) " بلى من أسلم وجهه لله " قيل أي نفسه أو قصده فيدل على الاخلاص، وقال الطبرسي: (2) قيل: معناه من أخلص نفسه لله بأن سلك طريق مرضاته عن ابن عباس، وقيل: وجه وجهه لطاعة الله وقيل: فوض أمره إلى الله وقيل: استسلم لامر الله وخضع وتواضع لله " وهو محسن " في عمله وقيل: وهو مؤمن، وقيل مخلص: " فله أجره عند ربه " أي فله جزاء عمله عند الله تعالى. وفي تفسير الامام عليه السلام " بلى من أسلم وجهه لله " كما فعل الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله لما سمعوا براهينه وحججه " وهو محسن " في عمله لله " فله أجره " أي ثوابه عند ربه يوم فصل القضاء " ولا خوف عليهم " حين يخاف الكافرون ما يشاهدونه من العذاب " ولا هم يحزنون " عند الموت لان البشاره بالجنان تأتيهم انتهى (3).


(1) تفسير الامام ص 18. (2) مجمع البيان ج 1 ص 187، في آية البقرة: 112. (3) تفسير الامام ص 249.

[217]

" ونحن له مخلصون " (1) أي في الايمان والطاعة لانشرك به شركا جليا ولا خفيا. " لله " (2) أي لوجه الله خالصا ويدل على وجوب نية القربة فيهما " من يشري " (3) أي يبيع " نفسه " ببذلها " ابتغاء مرضاة الله " أي طلبا لرضاه سبحانه، ويدل على أن طلب الرضا أيضا أحد وجوه القربة وروت العامة والخاصة (4) بأسانيد جمة أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وفي تفسير الامام عليه السلام " ومن الناس من يشري نفسه " يبعيها " ابتغاء مرضات الله " فيعمل بطاعته ويأمر الناس بها، ويصبر على ما يلحقه من الاذى فيها يكون كمن باع نفسه وسلمها وتسلم مرضاة الله عوضا منها فلا يبالي ماحل بها بعد أن يحصل لها رضا ربها " والله رؤف بالعباد " كلهم أما الطالبون لرضا ربهم فيبلغهم أقصى أمانيهم، ويزيدهم عليها ما لم تبلغه آمالهم، وأما الفاجرون في دينه فيتأناهم ويرفق بهم يدعوهم إلى طاعته ولا يقطع ممن علم أنه سيتوب عن ذنبه التوبة الموجبة له عظيم كرامته (5). " وقوموا لله " (6) يدل على وجوب نية القربة في القيام للصلاة بل فيها. " مثل الذين ينفقون " (7) أي يخرجون " أموالهم " في وجوه البر " ابتغاء مرضاة الله " أي لطلب رضاه فيدل [على] ظ اشتراط ترتب الثواب على الصدقات وسائر الخيرات بالقربة. " فقل أسلمت وجهى لله " (8) أي أخلصت نفسي وجملتي له لا اشرك فيها غيره، قيل: عبر عن النفس بالوجه لانه أشرف الاعضاء الظاهرة، ومظهر القوى


(1) البقرة: 139. (2) يعنى الحج والعمرة في قوله تعالى: " وأتموا الحج والعمرة لله ". (3) البقرة: 207. (4) راجع ج 19 ص 55 باب الهجرة ومباديها، وهكذا ج 36 ص 40 - 51. (5) تفسير الامام ص 284. (6) البقرة: 238. (7) البقرة: 265. (8) آل عمران: 20.

[218]

والحواس " ومن اتبعن " أي وأسلم من اتبعنى. " ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها " (1) قال في المجمع: قيل في معناه أقوال: أحدها أن المراد من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة عن أبي إسحاق أي فلا تغتر بحاله في الدنيا، وثانيها من أراد بجهاده ثواب الدنيا وهو النصيب من الغنيمة نؤته منها، فبين أن حصول الدنيا للانسان ليس بموضع غبطة لانها مبذولة للبر والفاجر عن أبي علي الجبائي، وثالثها من تعرض لثواب الدنيا بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا دون الآخرة لاحباط عمله بفسقه، وهذا على مذهب من يقول بالاحباط. " ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها " أي من يرد بالجهاد وأعماله ثواب الآخرة نؤته منها، فلا ينبغي لاحد أن يطلب بطاعاته غير ثواب الله تعالى ومثله قوله تعالى: " من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه " (2) الآية، وقريب منه قول النبي صلى الله عليه وآله: من طلب الدنيا بعمل الآخرة فماله في الآخرة من نصيب " وسنجزي الشاكرين " أي نعطيهم جزاء الشكر، وقيل: معناه سنجزي الشاكرين من الرزق في الدنيا لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما يعطى الكافر من نعيم الدنيا انتهى (3). وأقول: الآية على أظهر الوجوه تدل على اشتراط ثواب الآخرة بقصد القربة، وأما على بطلان العمل ففيه إشكال إلا أن يظهر التلازم بين الصحة واستحقاق الثواب الاخروي، ويدل على أن قصد الثواب لا ينافي القربة كما زعمه جماعة وعلى أن الثواب الدنيوي قد يترتب على العبادات الفاسدة كعبادة إبليس وبعض الكفار. " ولا تشركوا به شيئا " (4) أي لا تشركوا في عبادته غيره، وهو يشمل الشرك


(1) آل عمران: 145. (2) الشورى: 20. (3) مجمع البيان ج 2 ص 515. (4) النساء: 35.

[219]

الجلي والخفي. " ومن يفعل ذلك " (1) أي الصدقة أو المعروف أو الاصلاح بين الناس أو الامر بها، ويدل على اشتراط القربة في ترتب الثواب عليه. " ومن أحسن دينا " (2) قال الطبرسي رحمه الله: هو في صورة الاستفهام والمراد به التقرير، ومعناه من أصوب طريقة وأهدى سبيلا أي لا أحد أصدق اعتقادا ممن أسلم وجهه لله أي استسلم، والمراد بوجهه هنا ذاته ونفسه كما قال سبحانه: " كل شئ هالك إلا وجهه " (3) والمعنى انقاد لله بالطاعة ولنبيه صلى الله عليه وآله بالتصديق وقيل: معنى أسلم وجهه لله قصده سبحانه بالعبادة وحده، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض " (4) وقيل: معناه أخلص أعماله لله أي أتى بها مخلصا لله " وهو محسن " أي فاعل للفعل الحسن الذي أمره الله سبحانه، وقيل: وهو محسن في جميع أقواله وأفعاله وقيل: إن المحسن هو الموحد وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن الاحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك " واتبع ملة إبراهيم " أي اقتدى بدينه وسيرته وطريقته، يعني ما كان عليه إبراهيم عليه السلام وأمر به بنيه من بعده، وأوصاهم به من الاقرار بتوحيده وعدله وتنزيهه عما لا يليق به ومن ذلك الصلاة إلى الكعبة، والطواف حولها، وسائر المناسك " حنيفا " أي مستقيما على منهاجه وطريقه (5). قوله تعالى: " إلا الذين تابوا " (6) أي من النفاق " وأصلحوا " ما أفسدوا


(1) النساء: 113. (2) النساء: 124. (3) القصص: 88. (4) الانعام: 79. (5) مجمع البيان ج 3 ص 116. (6) النساء: 145.

[220]

من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق " واعتصموا بالله " وثقوا به وتمسكوا بدينه " وأخلصوا دينهم لله " لا يريدون بطاعته إلا وجهه " فاولئك مع المؤمنين " ومن عدادهم في الدارين. " وجهت وجهي " (1) أي نفسي أو وجه قلبي أو قصدي " حنيفا " أي مخلصا مائلا عن الشرك إلى الاخلاص " وما أنا من المشركين " لا بالشرك الجلي ولا بالشرك الخفي. " قل إن صلوتي " (2) الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله " ونسكي " قال في المجمع: قيل: أي ديني وقيل: عبادتي وقيل: ذبيحتي للحج والعمرة " ومحياى ومماتي " أي حياتي وموتي " لله رب العالمين " وإنما جمع بين صلاته وحياته وأحدهما من فعله والآخر من فعل الله، فانهما جميعا بتدبير الله تعالى، وقيل: معناه صلاتي ونسكي له عبادة وحياتي ومماتي له ملكا وقدرة، وقيل: إن عبادتي له لانها بهدايته ولطفه، ومحياي ومماتي له، لانهما بتدبيره وخلقه، وقيل: معنى قوله: " محياي ومماتي لله " أن الاعمال الصالحة التي تتعلق بالحياة في فنون الطاعات وما يتعلق بالممات من الوصية والختم بالخيرات لله، وفيه تنبيه على أنه لا ينبغي أن يكون الانسان حياته لشهوته ومماته لورثته " لا شريك له " أي لا ثاني له في الالهية، وقيل: لا شريك له في العبادة، وفي الاحياء والاماتة " وبذلك امرت " أي وبهذا أمرني ربي " وأنا أول المسلمين " من هذه الامة انتهى (3). وأقول: يمكن أن يكون المراد بقوله: " محياي ومماتي لله " أني جعلت إرادتي ومحبتي موافقتين لارادة الله ومحبته في جميع الامور، حتى في الحياة والممات، فان أراد الله حياتي لاأطلب الموت، وإذا أراد موتي لاأكرهها ولا أشتهي الحياة. " يريدون وجهه " (4) قال الطبرسي رحمه الله: يعني يطلبون ثواب الله


(1) الانعام: 79. (2) الانعام: 163. (3) مجمع البيان ج 4 ص 391. (4) الانعام: 52.

[221]

ويعملون ابتغاء مرضاته، لا يعدلون بالله شيئا عن عطا، قال الزجاج: شهد الله لهم بصدق النيات وأنهم مخلصون في ذلك له، أي يقصدون الطريق الذي أمرهم بقصده، فكأنه ذهب في معنى الوجه إلى الجهة والطريق (1). وقال في قوله تعالى: " وادعوه مخلصين له الدين ": هذا أمر بالدعاء والتضرع إليه سبحانه على وجه الاخلاص أي ارغبوا إليه في الدعاء بعد إخلاصكم له الدين، وقيل: معناه واعبدوه مخلصين له الايمان (2). " من عبادنا المخلصين " (3) قرئ بفتح اللام أي المصطفين المختارين للنبوة وبكسرها أي المخلصين في العبادة والتوحيد، أي من عبادنا الذين أخلصوا الطاعة لله وأخلصوا أنفسهم لله. " أن لا تعبدوا إلا إياه " (4) كأنه شامل للشرك الخفي أيضا. " يريدون وجهه " في المجمع: أي رضوانه وقيل: تعظيمه والقربة إليه دون الرئاء والسمعة (5). " فمن كان يرجو لقاء ربه " (6) قال رحمه الله: أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربه ويأمله ويقر بالبعث إليه والوقوف بين يديه، وقيل: معناه فمن كان يخشى لقاء عقاب ربه، وقيل: إن الرجاء يشتمل على كلام المعنيين الخوف والامل " فليعمل عملا صالحا " أي خالصا لله تعالى يتقرب به إليه " ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر عن الحسن، وقيل: معناه لا يرائي عبادته أحدا وقال مجاهد: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني أتصدق وأصل


(1) مجمع البيان ج 4 ص 306. (2) مجمع البيان ج 4 ص 411 في آية الاعراف: 28. (3) يوسف: 24. (4) أسرى: 23. (5) مجمع البيان ج 6 ص 465 في آية الكهف: 28. (6) الكهف: 111. (*)

[222]

الرحم ولا أصنع ذلك إلا لله فيذكر ذلك مني واحمد عليه فيسرني ذلك وأعجب به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقل شيئا فنزلت الآية، قال عطا: عن ابن عباس إن الله تعالى قال: ولا يشرك [بعبادة ربه أحدا ولم يقل ولا يشرك] به لانه أراد العمل الذي يعمل لله، ويحب أن يحمد عليه، قال: ولذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصله بها. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: قال الله عزوجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، فهو للذي أشرك، أورده مسلم في الصحيح وروي عن عبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام صوما يرائي به، فقد أشرك، ثم قرأ هذه الآية، وروي أن أبا الحسن الرضا عليه السلام دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء، فقال: لا تشرك بعبادة ربك أحدا، فصرف المأمون الغلام، وتولى إتمام وضوئه بنفسه وقيل: إن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن انتهى (1). وأقول: الرواية الاخيرة تدل على أن المراد بالشرك هنا الاستعانة في العبادة، وهو مخالف لسائر الاخبار، ويمكن الجمع بحملها على الاعم منها فان الاخلاص التام هو أن لا يشرك في القصد ولا في العمل غيره سبحانه. " إنه كان مخلصا " (2) في المجمع أخلص العبادة لله أو أخلص نفسه لاداء الرسالة " وقربناه نجيا " أي مناجيا كليما قال ابن عباس: قربه الله وكلمه، ومعنى هذا التقريب أنه أسمعه كلامه وقيل: قربه حتى سمع صرير القلم الذي كتبت به التوراة، وقيل: وقربناه أي ورفعنا منزلته وأعلينا محله حتى صار محله منا في الكرامة والمنزلة محل من قربه مولاه في مجلس كرامته، فهو تقريب كرامة واصطفاء لا تقريب مسافة وإدناء، إذ هو سبحانه لا يوصف بالحلول في مكان فيقرب


(1) مجمع البيان ج 6 ص 499 وما بين العلامتين أضفناه من المصدر. (2) مريم: 51.

[223]

عن بعد أو يبعد عن قرب، أو يكون أحد أقرب إليه من غيره (1). " حنفاء لله " أي مستقيمي الطريقة على ما أمر الله، مائلين عن سائر الاديان " غير مشركين به " أي حجاجا مخلصين، وهم مسلمون موحدون كذا في المجمع (2) وفي التفسير عن الصادق عليه السلام غير مشركين به في التوحيد، عن الباقر عليه السلام أنه سئل عنه وعن الحنيفية فقال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها " لا تبديل لخلق الله " قال: فطرهم الله على المعرفة (3). " للذين يريدون وجه الله " (4) أي الذين يقصدون بمعروفهم إياه خالصا من دون رئاء وسمعة " واولئك هم المفلحون " أي الفائزون بثواب الله. " ومن يسلم وجهه إلى الله " في المجمع: أي ومن يخلص دينه لله ويقصد في أفعاله التقرب إلى الله " وهو محسن " فيها فيفعلها على موجب العلم ومقتضى الشرع، وقيل: إسلام الوجه إلى الله تعالى هو الانقياد إليه في أوامره ونواهيه وذلك يتضمن العلم والعمل " فقد استمسك " أي فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي لا يخشى انفصامها " وإلى الله عاقبة الامور " أي وعند الله ثواب ما صنع والمعنى وإلى الله يرجع أواخر الامور، على وجه لا يكون لاحد التصرف فيها بالامر والنهي انتهى (5). " إلا عباد الله المخلصين " (6) بالكسر أي الذين تنبهوا بانذارهم فأخلصوا دينهم لله، وبالفتح أي الذين أخلصهم الله لدينه، وعلى التقديرين الاستثناء منقطع وعن الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله " لهم رزق معلوم " قال يعلمه الخدام فيأتون به


(1) مجمع البيان ج 6 ص 518. (2) مجمع البيان ج 7 ص 82 والاية في سورة الحج: 31. (3) راجع الكافي ج 2 ص 12 و 13. (4) الروم: 38. (5) مجمع البيان ج 8 ص 321، في آية لقمان: 22. (6) الصافات: 40.

[224]

أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه وأما قوله " فواكه وهم مكرمون " قال: فانهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا اكرموا به. " مخلصين له الدين " (1) من الشرك الجلي بل الخفي أيضا. " فا عبد الله مخلصا له الدين " (2) في المجمع من شرك الاوثان والاصنام والاخلاص أن يقصد العبد بنيته وعمله إلى خالقه لا يجعل ذلك لغرض الدنيا " ألا لله الدين الخالص " والخالص هو ما لا يشوبه الرئاء والسمعة، ولا وجه من وجوه الدنيا، وقيل معناه ألا لله الطاعة بالعبادة التي يستحق بها الجزاء، فهذا لله وحده، لا يجوز أن يكون لغيره، وقيل: هو الاعتقاد الواجب في التوحيد والعدل والنبوة والاقرار بها والعمل بموجبها والبراءة، من كل دين سواها (3). وقال في قوله تعالى: " مخلصا له الدين " أي موحدا له لا أعبد معه سواه والعبادة الخالصة هي التي لا يشوبها شئ من المعاصي " وامرت " أيضا " لان أكون أول المسلمين " فيكون لي فضل السبق. " مخلصا له ديني " وطاعتي انتهى (4) " فاعبدوا ما شئتم من دونه " تهديد وخذلان. " ضرب الله مثلا " (5) أي للمشرك والموحد " متشاكسون " أي متنازعون مختلفون " ورجلا سلما لرجل " أي خالصا لواحد ليس لغيره عليه سبيل، قيل: مثل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته ويتنازعون فيه، بعبد يتشارك فيه جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهامهم المختلفة، في تحيره وتوزع قلبه: والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل. وأقول: قد مرت الاخبار الكثيرة في أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وغاصبي


(1) المؤمن: 14، لكنه مؤخر عن سورة الزمر. (2) الزمر: 2 و 3. (3) مجمع البيان ج 8 ص 488. (4) مجمع البيان ج 8 ص 493، في آية الزمر: 12 - 14. (5) الزمر: 29.

[225]

حقه (1) وعلى التقادير يشعر بذم الشرك الخفي فان من أشركه في عبادته له نصيب فيها ولذا يقول الله له يوم القيامة أنا أغنى الشركاء خذ ثواب عبادتك ممن أشركته معي. " من كان يريد حرث الآخرة " (2) أي ثوابها، شبهه بالزرع من حيث إنه فائدة تحصل بعمل الدنيا، ولذلك قيل: " الدنيا مزرعة الآخرة " " نزد له في حرثه " فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعمائة فما فوقها " ومن كان يريد حرث الدنيا " أي بعمله نفع الدنيا " نؤته منها " أي شيئا منها على ما قسمنا له، ويحتمل أن يصير سببا لزيادة المنافع الدنيوية " وما له في الآخرة من نصيب " لبطلانه وإنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى وفي التفسير عن الصادق عليه السلام المال والبنون حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله لاقوام. وفي الكافي عنه عليه السلام من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب، ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله خير الدنيا والآخرة (3). وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله: من كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل الفقر بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ماكتب له، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة (4). وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: " من كان يريد حرث الآخرة ". قال: معرفة أمير المؤمنين عليه السلام والائمة عليهم السلام، قيل: " نزد له في حرثه " قال: نزيده منها يستوفي نصيبه من دولتهم " ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب " قال: ليس له في دولة الحق مع الامام نصيب (5).


(1) راجع ج 24 ص 160 و 161. (2) الشورى: 20. (3) الكافي ج 1 ص 46، باب المستأكل بعلمه. (4) مجمع البيان ج 9 ص 27. (5) الكافي ج 1 ص 436.

[226]

" وأن المساجد لله " (1) في الاخبار الكثيرة أنها المساجد التي يسجد عليها، وقيل: المساجد المعروفة، وقيل: كل الارض " فلا تدعوا مع الله أحدا " أي لا تشركوا في دعائه وعبادته غيره. " إنما نطعمكم لوجه الله " (2) أي لطلب رضاه خالصا له مخلصا من الرئاء وطلب الجزاء " لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " روى الصدوق رحمه الله في مجالسه باسناده عن الصادق عليه السلام في حديث طويل يذكر فيه سبب نزول سورة هل أتى في أصحاب الكساء عليهم السلام " ويطعمون الطعام على حبه " يقول: على شهوتهم للطعام وإيثارهم له " مسكينا " من مساكين المسلمين " ويتيما " من يتامى المسلمين " واسيرا " من اسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم " انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " قال: والله ما قالوا هذا لهم، ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله بأضمارهم، يقولون: لا نريد جزاء تكافؤننا به ولا شكورا تثنون علينا به، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه انتهى (3). " إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا " أي تعبس فيه الوجوه " قمطريرا " أي شديد العبوس. " يؤتي ماله " (4) في المجمع أي ينفقه في سبيل الله " يتزكى " يطلب أن يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رئاء ولا سمعة " وما لاحد عنده من نعمة تجزى " أي ولم يفعل الاتقى ما فعله من إيتاء المال وإنفاقه في سبيل الله ليد اسديت إليه يكافئ عليها ولا ليد يتخذها عند أحد من الخلق " إلا ابتغاء وجه ربه الاعلى " أي ولكنه فعل ما فعل يبتغي به وجه الله ورضاه وثوابه " ولسوف يرضى " أي ولسوف يعطيه الله من الجزاء والثواب ما يرضى به فانه يعطيه كل ما تمنى، وما


(1) الجن 18 - 20. (2) الدهر: 9. (3) أمالى الصدوق ص 155 - 157. (4) الليل: 17.

[227]

لم يخطر بباله فيرضى به لا محالة انتهى (1). " مخلصين له الدين " (2) أي لا يشركون به شيئا " حنفاء " مائلين عن العقائد الزائغة. 1 - سن: عن أبيه، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " حنيفا مسلما " قال: خالصا مخلصا لا يشوبه شئ (3). 2 - كا: علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس مثله إلا أن فيه ليس فيه شئ من عبادة الاوثان (4). بيان: الحنيف المائل إلى الدين الحق وهو الدين الخالص، والمسلم المنقاد لله في جميع أوامره ونواهيه، ولما قال سبحانه: " ماكان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين " (5) وجعل الحنيف المسلم في مقابلة المشرك، فلذا فسر عليه السلام الحنيف أو الحنيف المسلم بمن كان خالصا لله، مخلصا عمله من الشرك الجلي والخفي، فالاوثان أعم من الاوثان الحقيقية والمجازية، فتشمل عبادة الشياطين في إغوائها، وعبادة النفس في أهوائها كما قال تعالى: " ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان " (6) وقال سبحانه: " أرأيت من اتخذ إلهه هواه " (7) وقال عزوجل: " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " (8) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: معلون من عبد الدينار والدرهم.


(1) مجمع البيان ج 10 ص 502. (2) البينة: 5. (3) المحاسن ص 251. (4) الكافي ج 2 ص 15. (5) آل عمران: 67. (6) يس: 60. (7) الفرقان: 43. (8) براءة: 31.

[228]

3 - سن: عن أبيه عمن رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها الناس إنما هو الله والشيطان، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشد والغي، والعاجلة والعاقبة، والحسنات والسيئات، فما كان من حسنات فلله، وما كان من سيئات فللشيطان (1). 4 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه مثله إلا أن فيه والضلالة والعاجلة والآجلة والعاقبة (2). بيان: " إنما هو الله " الضمير راجع إلى المقصود في العبادة أو الاعم منه ومن الباعث عليها، أو الموجود في الدنيا والمقصود فيها، والغرض أن الحق والهدى والرشد والرعاية الآجلة والحسنات منسوب إلى الله، وأضدادها منسوبة إلى الشيطان، فما كان خالصا لله فهو من الحسنات، وما كان للشيطان فيه مدخل فهو من السيئات، ففي الكلام شبه قلب، أو المعنى أن الرب تعالى والحق والهدى والرشد والآجلة والحسنات في جانب وأضدادها في جانب آخر فالحسنات ما يكون موافقا للحق ومعلوما بهداية الله، ويكون سببا للرشد والمنظور فيه الدرجات الاخروية دون اللذات الدنيوية وقربه تعالى، فهو منسوب إلى الله، وإلا فهو من خطوات الشيطان ووساوسه. والرشد ما يوصل إلى السعادة الابدية والغي ما يؤدي إلى الشقاوة السرمدية والعاقبة عطف تفسير للآجلة على رواية الكافي، وكان المناسب لترتيب سائر الفقرات تقديم الآجلة على العاجلة، ولعله عليه السلام إنما غير الاسلوب لان الآجلة بعد العاجلة. قال بعض المحققين: اريد بالحسنات والسيئات الاعمال الصالحة والسيئة المترتبتان على الامور الثمانية الناشئتان منها، فما كان من حسنات يعني مانشأ من الحق والهدى والرشد ورعاية العاقبة من الاعمال الصالحة، وما كان من سيئات


(1) المحاسن ص 251. (2) الكافي ج 2 ص 15.

[229]

يعني مانشأ من الباطل والضلالة والغي ورعاية العاجلة من الاعمال السيئة، فكل من عمل عملا من الخير طاعة لله آتيا فيه بالحق على هدى من ربه، ورشدة من أمره، ولعاقبة أمره، فهو حسنة يتقبله الله بقبول حسن، ومن عمل عملا من الخير والشر طاعة للشيطان، آتيا فيه بالباطل، على ضلالة من نفسه، وغي من أمره ولعاجلة أمره، فهو سيئة مردود إلى من عمل له، ومن عمل عملا مركبا من أجزاء بعضها لله، وبعضها للشيطان، فما كان لله فهو لله، وما كان للشيطان فهو للشيطان، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فان أشرك بالله الشيطان في عمله أو في جزء من عمله، فهو مردود إليه لان الله لا يقبل الشريك كما يأتي بيانه في باب الرئاء إنشاء الله. وربما يقال: إن كان الباعث الالهي مساويا للباعث الشيطاني تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان أحدهما غالبا على الآخر بأن يكون أصلا وسببا مستقلا، ويكون الآخر تبعا غير مستقل، فالحكم للغالب إلا أن ذلك مما يشتبه على الانسان في غالب الامر، فربما يظن أن الباعث الاقوى قصد التقرب ويكون الاغلب على سره الحظ النفساني، فلا يحصل الامن إلا بالاخلاص وقلما يستيقن الاخلاص من النفس، فينبغي أن يكون العبد دائما مترددا بين الرد والقبول، خائفا من الشوائب، والله الموفق للخير والسداد. 5 - كا: عن العدة عن سهل، عن علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان يقول: طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع اذناه، ولم يحزن صدره بما اعطي غيره (1). بيان: " طوبى " أي الجنة، أو طيبها، أو شجرة فيها كما ورد في الخبر أو العيش الطيب، أو الخير " لمن أخلص لله العبادة والدعاء "، أي لم يعبد ولم يدع غيره تعالى، أو كان غرضه من العبادة والدعاء رضي الله سبحانه من غير رئاء.


(1) الكافي ج 2 ص 16.

[230]

" بما ترى عيناه " أي من زخارف الدنيا ومشتهياتها والرفعة والملك فيها " ولم ينس ذكر الله " بالقلب واللسان " وبما تسمع اذناه " من الغنا وأصوات الملاهي وذكر لذات الدنيا والشهوات والشبهات المضلة والآراء المبتدعة، والغيبة والبهتان، وكل ما يلهي عن الله " ولم يحزن صدره بما اعطي غيره " من أسباب العيش وحرمها والاتصاف بهذه الصفات العلية إنما يتيسر لمن قطع عن نفسه العلائق الدنية، وفي الخبر إشعار بأن الاخلاص في العبادة لا يحصل إلا لمن قطع عروق حب الدنيا من قلبه، كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله. 6 - كا: علي، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " (1) قال: ليس يعني أكثركم عملا، ولكن أصوبكم عملا، وإنما الاصابة خشية الله والنية الصادقة والخشية (2) ثم قال: الابقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل. والعمل الخالص: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزوجل، والنية أفضل من العمل ألا وإن النية هي العمل ثم تلا قوله عزوجل: " قل كل يعمل على شاكلته " (3) يعني على نيته (4). تبيين: قوله: " ليبلوكم " إشارة إلى قوله تعالى: " تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير * الذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " " تبارك " أي تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير أو تزايد عن كل شئ وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، فان البركة تتضمن معنى الزيادة " الذي بيده الملك " أي بقبضة قدرته التصرف في الامور كلها " الذي خلق الموت والحيوة " أي قدرهما أو أوجدهما وفيه دلالة على أن الموت أمر وجودي، والمراد بالموت


(1) الملك: 2. (2) والحسنة خ ل. (3) أسرى: 84. (4) الكافي ج 2 ص 16.

[231]

الموت الطارئ على الحياة، أو العدم الاصلي فانه قد يسمى موتا أيضا كما قال تعالى: " كنتم أمواتا فأحياكم " (1) وتقديمه على الاول لانه أدعى إلى حسن العمل وأقوى في ترك الدنيا ولذاتها، وعلى الثاني ظاهر لتقدمه " ليبلوكم " أي ليعاملكم معاملة المختبر " أيكم " مفعول ثان لفعل البلوى باعتبار تضمينه معنى العلم. ووجه التعليل أن الموت داع إلى حسن العمل، لكمال الاحتياج إليه بعده وموجب لعدم الوثوق بالدنيا ولذاتها الفانية، والحياة نعمة تقتضي الشكر ويقتدر بها على الاعمال الصالحة. وإن اريد به العدم الاصلي فالمعنى أنه نقلكم منه وألبسكم لباس الحياة لذلك الاختبار، ولما كان اتصافنا بحسن العمل يتحقق بكثرة العمل تارة وباصابته وشدة رعاية شرائطه اخرى نفى الاول بقوله " ليس يعني أكثركم عملا " لان مجرد العمل من غير خلوصه وجودته ليس أمرا يعتد به بل هو تضييع للعمر، وأثبت الثاني بقوله " ولكن أصوبكم عملا " لان صواب العمل وجودته وخلوصه من الشوائب، ويوجب القرب منه تعالى، وله درجات متفاوتة يتفاوت القرب بحسبها. واسم ليس في قوله " ليس يعني " ضمير عائد إلى الله عزوجل أو ضمير شأن وجملة " يعني " خبرها. ثم بين الاصابة وحصرها في أمرين بقوله " إنما الاصابة خشية الله والنية الصادقة " وذكر الخشية ثانيا لعله من الرواة أو النساخ، فليست في بعض النسخ ولو صحت يكون معناه خشية أن لا يقبل كما سيأتي في الخبر وهو غير خشية الله، أو يقال: النية الصادقة مبتدأ والخشية معطوف عليه والخبر محذوف أي مقرونتان أو الخشية منصوب ليكون مفعولا معه فيكون الحاصل أن مدار الاصابة على الخشية وتلزمها النية الصادقة وفي بعض النسخ " والحسنة " أي كونه موافقا لامره تعالى ولا يكون فيه بدعة وفي أسرار الصلاة للشهيد الثاني رحمه الله والنية الصادقة الحسنة وهو أصوب.


(1) البقرة: 28.

[232]

والحاصل أن العمدة في قبول العمل بعد رعاية أجزاء العبادة وشرائطها المختصة، النية الخالصة والاجتناب عن المعاصي كما قال تعالى: " فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (1) وقال سبحانه: " إنما يتقبل الله من المتقين " (2). قال الشيخ البهائي قدس سره: المراد بالنية الصادقة انبعاث القلب نحو الطاعة، غير ملحوظ فيه شئ سوى وجه الله سبحانه، لا كمن يعتق عبده مثلا ملاحظا مع القربة الخلاص من مؤنته أو سوء خلقه أو يتصدق بحضور الناس لغرض الثواب والثناء معا، بحيث لو كان منفردا لم يبعثه مجرد الثواب على الصدقة، وإن كان يعلم من نفسه أنه لولا الرغبة في الثواب لم يبعثه مجرد الرئاء على الاعطاء. ولا كمن له ورد في الصلاة وعادة في الصدقات، واتفق أن حضر في وقتها جماعة فصار الفعل أخف عليه وحصل له نشاط ما بسبب مشاهدتهم، وإن كان يعلم من نفسه أنهم لو لم يحضروا أيضا لم يكن يترك العمل أو يفتر عنه البتة. فأمثال هذه الامور مما يخل بصدق النية، وبالجملة فكل عمل قصدت به القربة وانضاف إليه حظ من حظوظ الدنيا بحيث تركب الباعث عليه من ديني ونفسي فنيتك فيه غير صادقة، سواء كان الباعث الديني أقوى من الباعث النفسي أو أضعف أو مساويا. قال في مجمع البيان: " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " أي ليعاملكم معاملة المختبر بالامر والنهي فيجازي كل عامل بقدر عمله، وقيل: ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا وأحسن له استعدادا وأحسن صبرا على موته وموت غيره وأيكم أكثر امتثالا للاوامر واجتنابا من النواهي في حال حياته، قال أبو قتادة:


(1) الكهف: 111. (2) المائدة: 27.

[233]

سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله تعالى: " أيكم أحسن عملا " ما عنى به ؟ فقال: يقول: أيكم أحسن عقلا، ثم قال صلى الله عليه وآله: أتمكم عقلا وأشدكم لله خوفا وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه نظرا، وإن كان أقلكم تطوعا. وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه تلا قوله: " تبارك الذي بيده الملك " إلى قوله: " أيكم أحسن عملا " ثم قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله، وعن الحسن أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها انتهى (1). وفي القاموس الصواب ضد الخطا كالاصابة، وقال: الاصابة الاتيان بالصواب وإرادته. والابقاء على العمل محافظته والاشفاق عليه وحفظ عن الفساد، قال: الجوهري أبقيت على فلان إذا أرعيت عليه [ورحمته]، يقال: لا أبقى الله عليك إن أبقيت على، والاسم منه البقيا انتهى. والحاصل أن رعاية العمل وحفظه عند الشروع وبعده إلى الفراغ منه، وبعد الفراغ إلى الخروج من الدنيا حتى يخلص عن الشوائب الموجبة لنقصه أو فساده أشد من العمل نفسه، كما سيأتي في باب الرئاء عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: الابقاء على العمل أشد من العمل، قال: وما الابقاء على العمل ؟ قال: يصل الرجل بصلة وينفق نفقة لله وحده لا شريك له فتكتب له سرا ثم يذكرها فتمحى وتكتب له علانية ثم يذكرها فتمحى فتكتب له رئاء، ومن عرف معنى النية وخلوصها علم أن إخلاص النية أشد من جميع الاعمال كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله. ثم بين عليه السلام معنى العمل الخالص بأنه هو العمل الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزوجل، لا عند الفعل، ولا بعده، أي يكون خالصا عن أنواع الرئاء والسمعة وقد يقال: لو كان سروره باعتبار أن الله تعالى قبل عمله حيث أظهر جميله كما روي في الحديث القدسي عملك الصالح عليك ستره وعلي أظهاره أو باعتبار أنه استدل باظهار جميله في الدنيا على إظهار جميله في الآخرة أو باعتبار رغبتهم إلى طاعة الله وميل قلوبهم إليها، لم يقدح ذلك في الخلوص


(1) مجمع البيان ج 10 ص 322.

[234]

وإنما يقدح فيه إن كان لرفع منزلته عند الناس، وتعظيمهم واستجلاب الفوائد منهم فانه بذلك يصير مرائيا مشركا بالشرك الخفي وبه يحبط عمله، وهذا الكلام له جهة صدق لكن قلما تصدق النفس في ذلك، فان لها حيلا وتسويلات لاينجو منها إلا المقربون. وقال الشيخ البهائي روح الله روحه: الخالص في اللغة كلما صفا وتخلص ولم يمتزج بغيره، سواء كان ذلك الغير أدون منه أولا، فمن تصدق لمحض الرياء فصدقته خالصة لغة كمن تصدق لمحض الثواب، وقد خص العمل الخالص في العرف بما تجرد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب وهذا التجريد يسمى إخلاصا وقد عرفه أصحاب القلوب بتعريفات اخر، فقيل هو تنزيه العمل عن أن يكون لغير الله فيه نصيب، وقيل: إخراج الخلق عن معاملة الحق وقيل: هو ستر العمل عن الخلايق وتصفيته عن العلايق، وقيل: أن لا يريد عامله عليه عوضا في الدارين، وهذه درجة علية عزيزة المنال قد أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. وقال رحمه الله: ذهب كثير من علماء الخاصة والعامة إلى بطلان العبادة إذا قصد بفعلها تحصيل الثواب، أو الخلاص من العقاب، وقالوا: إن هذا القصد مناف للاخلاص، الذي هو إرادة وجه الله وحده، وأن من قصد ذلك فانه قصد جلب النفع إلى نفسه، ودفع الضرر عنها لا وجه الله سبحانه، كما أن من عظم شخصا أو أثنى عليه طمعا في ماله أو خوفا من إهانته لا يعد مخلصا في ذلك التعظيم والثناء. وممن بالغ في ذلك السيد الجليل صاحب المقامات والكرامات رضي الدين علي بن طاوس قدس الله روحه، ويستفاد من كلام شيخنا الشهيد في قواعده أنه مذهب أكثر أصحابنا رضوان الله عليهم. ونقل الفخر الرازي في التفسير الكبير اتفاق المتكلمين على أن من عبد الله لاجل الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب لم تصح عبادته، أورده عند تفسير قوله تعالى " ادعوا ربكم تضرعا وخفية " (1) وجزم في أوائل تفسير الفاتحة


(1) الاعراف: 55.

[235]

بأنه لو قال اصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته، ومن قال بأن ذلك القصد غير مفسد للعبادة، منع خروجها به عن درجة الاخلاص، وقال إن إرادة الفوز بثواب الله والسلامة من سخطه ليس أمرا مخالفا لارادة وجه الله سبحانه، وقد قال تعالى في مقام مدح أصفيائه " كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا و رهبا " (1) أي للرغبة في الثواب والرهبة من العقاب، وقال سبحانه " وادعوه خوفا وطمعا " (2) وقال تعالى " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " (3) أي حال كونهم راجين للفلاح أو لكي تفلحوا والفلاح هو الفوز بالثواب، نص عليه الشيخ أبو علي الطبرسي رحمه الله. هذا ما وصل إلينا من كلام هؤلاء وللمناقشة فيه مجال أما قولهم إن تلك الارادة ليست مخالفة لارادة وجه الله تعالى فكلام ظاهري قشري إذا لبون البعيد بين إطاعة المحبوب والانقياد إليه لمحض حبه وتحصيل رضاه، وبين إطاعته لاغراض اخر أظهر من الشمس في رابعة النهار، والثانية ساقطة بالكلية عن درجة الاعتبار عند اولي الابصار. وأما الاعتضاد بالآيتين الاوليين ففيه أن كثيرا من المفسرين ذكروا أن المعنى راغبين في الاجابة راهبين من الرد والخيبة وأما الآية الثالثة فقد ذكر الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان أن معنى لعلكم تفلحون: لكي تسعدوا، ولا ريب أن تحصيل رضاه سبحانه هو السعادة العظمى، وفسر، رحمه الله الفلاح في قوله تعالى " اولئك هم المفلحون " بالنجاح والفوز، وقال شيخ الطائفة في التبيان: المفلحون هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم، وفي تفسير البيضاوي المفلح الفائز بالمطلوب، ومثله في الكشاف نعم فسر الطبرسي رحمه الله الفلاح في قوله: " قد أفلح المؤمنون " بالفوز بالثواب، لكن مجيئه في هذه الآية بهذا المعنى لا يوجب


(1) الانبياء: 90. (2) الاعراف: 56. (3) الحج: 77.

[236]

حمله في غيرها أيضا عليه، وعلى تقدير حمله على هذا المعنى إنما يتم التقريب لو جعلت جملة الترجي حالية ولو جعلت تعليلية كما جعله الطبرسي فلا دلالة فيها على ذلك المدعى أصلا كما لا يخفى. هذا والاولى أن يستدل بما رواه الكليني بطريق حسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العباد ثلاثة: قوم عبدوا الله عزوجل خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلبا للثواب فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله حبا له فتلك عبادة الاحرار، وهي أفضل العبادة (1) فان قوله عليه السلام: " وهي أفضل العبادة " يعطي أن العبادة على الوجهين السابقين لا يخلو من فضل أيضا فتكون صحيحة وهو المطلوب. ثم قال رحمه الله: المانعون في نية العبادة من قصد تحصيل الثواب أو دفع العقاب جعلوا هذا القصد مفسدا لها وإن انضم إليه قصد وجه الله تعالى على ما يفهم من كلامهم أما بقية الضمائم اللازمة الحصول مع العبادة نويت أو لم تنو كالخلاص من النفقة بعتق العبد في الكفارة والحمية في الصوم والتبرد في الوضوء وإعلام المأموم الدخول في الصلاة بالتكبير، ومماطلة الغريم بالتشاغل في الصلاة، وملازمته بالطواف والسعي، وحفظه المتاع بالقيام لصلاة الليل وأمثال ذلك فالظاهر أن قصدها عندهم مفسد أيضا بالطريق الاولى. وأما الذين لا يجعلون قصد الثواب مفسدا فقد اختلفوا في الافساد بأمثال هذه الضمائم فأكثرهم على عدمه، وبه قطع الشيخ في المبسوط، والمحقق في المعتبر، والعلامة في التحرير والمنتهى، لانها تحصل لا محالة فلا يضر قصدها وفيه أن لزوم حصولها لا يستلزم صحة قصد حصولها والمتأخرون من أصحابنا حكموا بفساد العباد بقصدها، وهو مذهب العلامة في النهاية والقواعد وولده فخر المحققين في الشرح وشيخنا الشهيد في البيان لفوت الاخلاص وهو الاصح. واحتمل شيخنا الشهيد في قواعده التفصيل بأن القربة إن كانت هي المقصود


(1) الكافي ج 2 ص 84.

[237]

بالذات، والضميمة مقصودة تبعا صحت العبادة، وإن انعكس الامر أو تساويا بطلت، هذا. واعلم أن الضميمة إن كانت راجحة، ولاحظ القاصد رجحانها وجوبا أو ندبا كالحمية في الصوم لوجوب حفظ البدن والاعلام بالدخول في الصلاة للتعاون على البر فينبغي أن لا تكون مضرة إذ هي حينئذ مؤكدة، وإنما الكلام في الضمائم غير الملحوظة الرجحان، فصوم من ضم قصد الحمية مطلقا صحيح مستحبا كان الصوم أو واجبا، معينا كان الواجب أو غير معين، ولكن في النفس من صحة غير المعين شئ، وعدمها محتمل، والله أعلم. قوله عليه السلام: " والنية أفضل من العمل " أي النية الخالصة أو إخلاص النية أفضل من العمل، والنية تطلق على إرادة إيقاع الفعل، وعلى الغرض الباعث على الفعل، وعلى العزم على الفعل، والاولتان مقارنتان للفعل دون الثالثة، والاولى لا تنفك فعل الفاعل المختار عنها، والثانية الاخلاص فيها من أشق الامور وأصعبها وبه تتفاضل عبادات المكلفين، وهي روح العبادة، وبدونها لا تصح، وكلما كانت أخلص عن الشوائب والاغراض الفاسدة، كان العمل أكمل، ولذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله. ولا ينافي قوله صلى الله عليه وآله: أفضل الاعمال أحمزها إذ تصحيح النية أصعب من تصحيح العمل بمراتب شتى إذ ليس المراد بالنية ما يتكلم به الانسان عند الفعل، أو يتصوره ويخطره بباله، بل هو الباعث الاصلي والغرض الواقعي الداعي للانسان على الفعل، وهو تابع للحالة التي عليها الانسان، والطريقة التي يسلكها، فمن غلب عليه حب الدنيا وشهواتها لا يمكنه قصد القربة وإخلاص النية عن دواعيها، فان نفسه متوجهة إلى الدنيا، وهمته مقصورة عليها، فما لم يقلع عن قلبه عروق حب الدنيا ولم يستقر فيه طلب النشأة الاخرى، وحب الرب الاعلى، لم يمكنه إخلاص النية واقعا عن تلك الاغراض الدنية، وذلك متوقف على مجاهدات عظيمة، ورياضات طويلة، وتفكرات صحيحة، واعتزال

[238]

عن شرار الخلق، فلذا ورد أن نية المؤمن خير من عمله، ومن عرف ذلك لم يحتج إلى تأويل الخبر بما ستسمع من الوجوه (1) مع ركاكة أكثرها وبعدها عن نظم الكلام فلذا قال: " النية أفضل من العمل " والسعي في تصحيحها أهم. فان قيل: العمل بلا نية باطل، ومعها النية داخلة فيه فكيف يفضل النية على العمل، فانه يوجب تفضيل الجزء على الكل قلنا المراد به أن العمل المقرون بالنية نيته خير من سائر أجزائه، سواء جعلنا النية جزءا من العمل أو شرطا فيه وقوله عليه السلام: ألا وإن النية هي العمل مبالغة في اشتراط العمل بها وأنه لا اعتداد بالعمل بدونها، فكأنها عينه، ولذا أكد بحرف التأكيد وحرف التنبيه واسمية الجملة، وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر، وضمير الفصل المؤكد له. وقيل: إشارة إلى دفع ما يتوهم من أن المفضل عليه لابد أن يكون من جنس المفضل، والنية ليست من جنس العمل، فأجاب عليه السلام بأن النية أيضا عمل من أعمال القلب، ولا يخفى ضعفه. والاستشهاد بالآية الكريمة لبيان أن مدار العمل على النية صحة وفسادا ونقصا وكمالا، حيث قال: " قل كل يعمل على شاكلته " يعني على نيته. وكأنه عليه السلام فسر الشاكلة التي تطلق غالبا على الحالة والطريقة بالنية إيذانا بأن النية تابعة لحالة الانسان وطريقته، كما أومأنا إليه، وإن ورد بمعنى النية أيضا قال الفيروزآبادي: الشاكلة الشكل، والناحية والنية والطريقة، وقال في مجمع البيان: أي كل واحد من المؤمن والكافر يعمل على طبيعته وخليقته التي تخلق بها عن ابن عباس، وقيل: على طريقته وسنته التي اعتادها، وقيل: ما هو أشكل بالصواب وأولى بالحق عنده عن الجبائي، قال: ولهذا قال: " فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا " (2) أي أنه يعلم أي الفريقين على الهدى ؟ وأيهما على الضلال ؟ وقيل: معناه أنه أعلم بمن هو أصوب دينا وأحسن طريقة، وقال بعض أرباب اللسان: إن هذه الآية أرجا آية في كتاب الله، لان الاليق بكرمه


(1) بل مر في ص 189 - 193. (2) أسرى: 84.

[239]

سبحانه وجوده العفو عن عباده، فهو يعمل به انتهى. ويمكن حمل النية هنا على المعنى الثالث كما سيأتي في الخبر لكنه بعيد عن سياق هذا الخبر، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في باب النية وباب الرئاء (1). 7 - كا: بالاسناد المتقدم، عن ابن عيينة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " إلا من أتى الله بقلب سليم " (2) قال: القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه أحد سواه، وقال: وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط، وإنما أرادوا الزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة (3). بيان: قوله تعالى: " إلا من أتى الله " قال سبحانه في سورة الشعراء حكاية عن إبراهيم عليه السلام حيث قال: " ولا تخزني يوم يبعثون " قال الطبرسي قدس سره: أي لا تفضحني ولا تعيرني بذنب يوم يحشر الخلائق وهذا الدعاء كان منه عليه السلام على وجه الانقطاع إلى الله تعالى لما بينا أن القبيح لا يجوز وقوعه من الانبياء عليهم السلام، ثم فسر ذلك اليوم بأن قال: " يوم لا ينفع مال ولا بنون " أي لا ينفع المال والبنون أحدا إذ لا يتهيأ لذي مال أن يفتدي من شدائد ذلك اليوم به، ولا يتحمل من صاحب البنين بنوه شيئا من معاصيه " إلا من أتى الله بقلب سليم " من الشرك والشك عن الحسن ومجاهد، وقيل: سليم من الفساد والمعاصي وإنما خص القلب بالسلامة لانه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح من الفساد من حيث إن الفساد بالجارحة لا يكون إلا عن قصد بالقلب الفاسد وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: هو القلب الذي سلم من حب الدنيا، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وآله: حب الدنيا رأس كل خطيئة انتهى (4). قوله عليه السلام: " وليس فيه أحد سواه " أي أخرج عن قلبه حب ما سوى


(1) أراد باب النية وباب الرئاء من الكافي، أما في هذا الكتاب فباب الرئاء سيجئ في أبواب الكفر، وباب النية فقد مر ص 185. (2) الشعراء: 89. (3) الكافي ج 2 ص 16. (4) مجمع البيان ج 7 ص 194.

[240]

الله، والاشتغال بغيره سبحانه، أو لم يختر في قلبه على رضا الله رضا غيره، أو كانت أعماله ونياته كلها خالصة لله، لم يشرك فيها غيره. " وكل قلب فيه شرك " أعم من الشرك الجلي والخفي " أو شك " وهو ما يقابل اليقين الذي يظهر أثره على الجوارح، فان كل معصية أو توسل بغيره سبحانه يستلزم ضعفا في اليقين فالشك يشمله " فهو ساقط " أي عن درجة الاعتبار أو بعيد عن الرب تعالى. " وإنما أرادوا " أي الانبياء والاوصياء " الزهد " وفي بعض النسخ: أراد بالزهد أي أراد الله والباء زائدة يعني أن الزهد في الدنيا ليس مقصودا لذاته، وإنما امر الناس به، لتكون قلوبهم فارغة عن محبة الدنيا، صالحة لحب الله تعالى خالصة له عزوجل، لا شركة فيها لما سوى الله، ولا شك ناشئا من شدة محبتها لغير الله. 8 - كا: بالاسناد المتقدم أيضا، عن ابن عيينة، عن السندي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما أخلص عبد الايمان بالله أربعين يوما أو قال: ما أجمل عبد ذكر الله أربعين يوما إلا زهده الله في الدنيا، وبصره داءها ودواءها، وأثبت الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، ثم تلا " إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحيوة الدنيا وكذلك نجزي المفترين " (1) فلا ترى صاحب بدعة [إلا ذليلا] أو مفتريا على الله عزوجل وعلى رسوله وأهل بيته صلى الله عليه وآله إلا ذليلا (2). بيان: إخلاص الايمان مما يشوبه من الشرك والرئاء والمعاصي، وأن يكون جميع أعماله خالصة لله تعالى ولعل خصوص الاربعين لان الله تعالى جعل انتقال الانسان في أصل الخلقة من حال إلى حال في أربعين يوما كالانتقال من النطفة إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة، ومن المضغة إلى العظام، ومنها إلى اكتساء


(1) الاعراف: 151. (2) الكافي ج 2 ص 16.

[241]

اللحم، ولذا يوقف قبول توبة شارب الخمر إلى أربعين يوما كما ورد في الخبر والزهد في الشئ تركه وعدم الرغبة فيه. وداء الدنيا المعاصي والصفات الذميمة، وما يوجب البعد عن الله تعالى، و دواؤها ما يوجب تركها واجتنابها من الرياضات والمجاهدات والتفكرات الصحيحة وأمثالها، أو المراد بدائها الامراض القلبية الحاصلة من محبة الدنيا، ودواؤها ملازمة ما يوجب تركها، وقيل: أي قدر الضرورة منها والزائد عليه، أو ميل القلب إليها وصرفه عنها أو الضار والنافع منها في الآخرة أعني الطاعة والمعصية والحكمة العلوم الحقة الواقعية وأصلها ومنبعها معرفة الامام، ولذا فسرت بها كما مر. وفي مناسبة ذكر الآية لما تقدم إشكال ويمكن أن يقال في توجيهه وجوه. الاول ما خطر بالبال، وهو أنه لما ذكر فوائد إخلاص الاربعين وقد أبدع جماعة من الصوفية فيها ما ليس في الدين دفع عليه السلام توهم شموله لذلك بالاستشهاد بالآية، وأنها تدل على أن كل مبتدع في الاحكام ومفتر على الله ورسوله في - حكم من الاحكام ذليل في الدنيا والآخرة لقوله تعالى " وكذلك نجزي المفترين " وقوله أو مفتريا أي لا ترى مفتريا وبعبارة اخرى لما كان صحة العبادة وكمالها مشترطة بأمرين الاول كونها على وفق السنة، والثاني كونها خالصة لوجه الله تعالى فأشار أولا إلى الثاني وثانيا إلى الاول فتأمل. الثاني ما قيل إن الوجه في تلاوته عليه السلام الآية التنبيه على أن من كانت عبادته لله عزوجل واجتهاده فيها على وفق السنة بصره الله عيوب الدنيا فزهده فيها فصار بسبب زهده فيها عزيزا لان المذلة في الدنيا إنما تكون بسبب الرغبة فيها ومن كانت عبادته على وفق الهوى أعمى الله قلبه عن عيوب الدنيا، فصار بسبب رغبته فيها ذليلا فأصحاب البدع لا يزالون أذلاء صغارا، ومن هنا قال الله في متخذي العجل ما قال. الثالث ما قيل أيضا أن الغرض من تلاوتها هو التنبيه على أن غير المخلص

[242]

مندرج فيها والوعيد متوجه إليه أيضا لانك قد عرفت أن قلبه ساقط لكونه ذا شرك أو شك، وهما بدعة وافتراء على الله ورسوله والآية على تقدير نزولها في قوم مخصوصين لا يقتضي تخصيص الوعيد بهم. الرابع ما خطر بالبال أيضا وهو أن الاخلاص المذكور في صدر الخبر يشمل الاخلاص عن الرئاء والبدعة وكل ما ينافي قبول العمل، فاستشهد لاحد أجزائه بالآية. 8 - ل: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن البزنطي، عن حماد بن عثمان عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بمنى في حجة الوداع في مسجد الخيف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لايغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لائمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فان دعوتهم محيطة من ورائهم المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم (1). 9 - لى: الوراق، عن علي بن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الدنيا كلها جهل إلا مواضع العلم والعلم كله حجة إلا ما عمل به (2) والعمل كله رياء إلا ما كان مخلصا، والاخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يختم له (3). يد: محمد بن عمرو بن علي، عن علي بن الحسن المثنى، عن علي بن مهرويه مثله. 10 - ن: بالاسناد إلى دارم، عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أخلص عبد الله عزوجل أربعين صباحا إلا جرت ينابيع الحكمة


(1) الخصال ج 1 ص 72. (2) يعنى أنه حجة عليه. (3) لم نجده في المصدر.

[243]

من قلبه على لسانه (1). 11 - سن: أبي، عن محمد بن سنان، عن خضر، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث من كن فيه أو واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لها، ورجل لم يقدم رجلا حتى يعلم أن ذلك لله رضا أو يحبس، ورجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه، فانه لا ينتفي عنه عيب إلا بداله عيب، وكفى بالمرء شغلا بنفسه عن الناس (2). 12 - سن: ابن محبوب، عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أصبح من امتي وهمه غير الله فليس من الله (3). 13 - سن: أبي، عمن رفعه إلى أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أيها الناس إنما هو الله والشيطان، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشد والغي، والعاجلة والعاقبة، والحسنات والسيئات، فما كان من حسنات فمن الله وما كان من سيئات فللشيطان (4). 14 - سن: أبي، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " حنيفا مسلما " قال: خالصا مخلصا لا يشوبه شئ (5). 15 - ين، سن: عثمان بن عيسى، عن علي بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله عزوجل: أنا خير شريك من أشرك معي غيري في عمله، لم أقبله إلا ما كان خالصا (6).


(1) عيون الاخبار ج 2 ص 69. (2) المحاسن ص 5. (3) المحاسن ص 204. (4 و 5) المحاسن ص 251. (6) المحاسن ص 252.

[244]

16 - سن: أبي، عن ابن أبي عمير، عن ابن اذينة، عن إسماعيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن ربكم لرحيم، يشكر القليل، إن العبد ليصلي الركعتين يريد بها وجه الله فيدخله الله به الجنة (1). 17 - سن: ابن أبي نجران، عن المفضل بن صالح، عن أبي جميلة، عن جابر الجعفي رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خرج ثلاث نفر يسيحون في الارض فبينا هم يعبدون الله في كهف في قلة جبل حتى بدت صخرة من أعلى الجبل حتى التقمت باب الكهف. فقال بعضهم لبعض: عباد الله والله ما ينجيكم مما وقعتم إلا إن تصدقوا الله فهلم ما عملتم لله خالصا فانما ابتليتم بالذنوب، فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أني طلبت امرأة لحسنها وجمالها، فأعطيت فيها مالا ضخما حتى إذا قدرت عليها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة، ذكرت النار فقمت عنها فرقا منك، اللهم فادفع عنا هذه الصخرة، فانصدعت حتى نظروا إلى الصدع. ثم قال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استاجرت قوما يحرثون كل رجل منهم بنصف درهم، فلما فرغوا أعطيتهم اجورهم، فقال أحدهم: قد عملت عمل اثنين والله لا آخذ إلا درهما واحدا، وترك ماله عندي، فبذرت بذلك النصف الدرهم في الارض فأخرج الله من ذلك رزقا وجاء صاحب النصف الدرهم فأراده فدفعت إليه ثمان عشرة آلاف فان كنت تعلم أنما فعلته مخافة منك فادفع عنا هذه الصخرة قال: فانفجرت عنهم حتى نظر بعضهم إلى بعض. ثم إن الآخر قال: اللهم إن كنت تعلم أن أبي وامي كانا نائمين فأتيتهما بقعب من لبن فخفت - أن أضعه - أن تمج فيه هامة وكرهت أن اوقظهما من نومهما فيشق ذلك عليهما، فلم أزل كذلك حتى استيقظا وشربا اللهم إن كنت تعلم أني كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فادفع عنا هذه الصخرة، فانفرجت لهم طريقهم، ثم قال


(1) المحاسن ص 253.

[245]

النبي صلى الله عليه وآله: من صدق الله نجا (1). 18 - مص: قال الصادق عليه السلام: الاخلاص يجمع حواصل الاعمال، وهو معنى مفتاحه القبول، وتوقيعه الرضا، فمن تقبل الله منهى ورضي عنه فهو المخلص وإن قل عمله، ومن لا يتقبل الله منه فليس بمخلص وإن كثر عمله، اعتبارا بآدم عليه السلام وإبليس وعلامة القبول وجود الاستقامة ببذل كل المحاب مع إصابة علم كل حركة وسكون. فالمخلص ذائب روحه بازل مهجته، في تقويم ما به العلم والاعمال، والعامل والمعمول بالعمل، لانه إذا أدرك ذلك فقد ادرك الكل، وإذا فاته ذلك فاته الكل وهو تصفية معاني التنزيه في التوحيد كما قال الاول: هلك العاملون إلا العابدون وهلك العابدون إلا العالمون، وهلك العالمون إلا الصادقون، وهلك الصادقون إلا المخلصون، وهلك المخلصون إلا المتقون، وهلك المتقون إلا الموقنون وإن الموقنين لعلى خطر عظيم قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " (2). وأدنى حد الاخلاص بذل العبد طاقته ثم لا يجعل لعمله عند الله قدرا فيوجب به على ربه مكافاة بعمله، لعلمه أنه لو طالبه بوفاء حق العبودية لعجز، وأدنى مقام المخلص في الدنيا السلامة من جميع الآثام، وفي الآخرة النجاة من النار والفوز بالجنة (3). 19 - م: وقال محمد بن علي الرضا عليه السلام: أفضل العبادة الاخلاص، وقال علي بن محمد عليه السلام لو: سلك الناس واديا شعبا لسلكت وادي رجل عبد الله وحده خالصا وقال الحسن بن علي الزكي عليه السلام: لو جعلت الدنيا كلها لقمة واحدة ولقمتها من يعبد الله خالصا لرأيت أني مقصر في حقه، ولو منعت الكافر منها حتى يموت


(1) المحاسن ص 253. (2) الحجر: 99. (3) مصباح الشريعة ص 52 و 53.

[246]

جوعا وعطشا ثم أذقته شربة من الماء لرأيت أني قد أسرفت (1). 20 - تم: باسنادنا إلى هارون بن موسى التلعكبري، عن ابن عقدة، عن محمد بن سالم بن جبهان، عن عبد العزيز، عن الحسن بن علي، عن سنان، عن عبد الواحد، عن رجل، عن معاذ بن جبل قال: قلت: حدثني بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله حفظته وذكرته في كل يوم من دقة ما حدثك به، قال: نعم وبكى معاذ فقلت: اسكت فسكت ثم نادى: بأبي وامي حدثني وأنا رديفه قال: فبينا نسير إذ يرفع بصره إلى السماء فقال: الحمد لله الذي يقضي في خلقه ما أحب قال: يا معاذ قلت: لبيك يارسول الله إمام الخير ونبي الرحمة، فقال: احدثك ما حدث نبي امته، إن حفظته نفعك عيشك، وإن سمعته ولم تحفظه انقطعت حجتك عند الله. ثم قال: إن الله خلق سبعة أملاك قبل أن يخلق السماوات، فجعل في كل سماء ملكا قد جللها بعظمته، وجعل على كل باب منها ملكا بوابا، فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح إلى حين يمسي، ثم يرتفع الحفظة بعمله، له نور كنور الشمس حتى إذا بلغ سماء الدنيا، فيزكيه ويكثره فيقول له: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه أنا ملك الغيبة فمن اغتاب لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري أمرني بذلك ربي. قال: ثم يجيئ من الغد ومعه عمل صالح فيمر به ويزكيه ويكثره حتى يبلغ السماء الثانية فيقول الملك الذي في السماء الثانية: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه، إنما أراد بهذا العمل غرض الدنيا أنا صاحب الدنيا لاأدع عمله يتجاوزني إلى غيري. قال: ثم يصعد بعمل العبد مبتهجا بصدقة وصلاة فتعجب الحفظة ويجاوزه إلى السماء الثالثة فيقول الملك: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وظهره، أنا ملك صاحب الكبر، فيقول: إنه عمل وتكبر فيه على الناس في مجالسهم، أمرني


(1) تفسير الامام ص 152 ط 1268، وفي نسخة الكمبانى كما في الاصل رمز تفسير العياشي وهو سهو ظاهر.

[247]

ربي أن لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدرى في السماء له دوي بالتسبيح والصوم والحج فيمر به إلى ملك السماء الرابعة فيقول له: قف فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه، أنا ملك العجب فانه كان يعجب بنفسه وإنه عمل وأدخل نفسه العجب أمرني ربي لا أدع عمله يتجاوزني إلى غيري وأضرب به وجه صاحبه. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة إلى أهلها فيمر به إلى ملك السماء الخامسة بالجهاد والصلاة مابين الصلاتين، ولذلك رنين كرنين الابل عليه ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك: قف أنا ملك الحسد، فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وتحمله على عاتقه [إنه كان يحسد من يتعلم ويعمل لله بطاعته، فإذا رأي لاحد فضلا في العمل والعبادة حسده ووقع فيه فيحمله على عاتقه] ويلعنه عمله. قال: وتصعد الحفظة فيمر بهم إلى ملك السماء السادسة فيقول الملك: قف أنا صاحب الرحمة، اضرب بهذا العمل وجه صاحبه، واطمس عينيه لان صاحبه لم يرحم شيئا إذا أصاب عبدا من عباد الله ذنبا للآخرة أو ضرا في الدنيا يشمت به أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري. وقال: وتصعد الحفظة بعمل العبد أعمالا بفقه واجتهاد وورع، له صوت كالرعد وضوء كضوء البرق، ومعه ثلاثة آلاف ملك فيمر بهم إلى ملك السماء السابعة فيقول الملك: قف واضرب بهذا العمل وجه صاحبه، أنا ملك الحجاب أحجب كل عمل ليس لله، إنه أراد رفعة عند القواد، وذكرا في المجالس وصوتا في المدائن، أمرني ربي أن لا أدع عمله يجاوزني إلى غيري ما لم يكن خالصا. قال: وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجا به من خلق حسن، وصمت وذكر كثير، تشيعه ملائكة السماوات السبعة بجماعتهم، فيطؤون الحجب كلها حتى يقوموا بين يديه فيشهدوا له بعمل صالح ودعاء، فيقول الله: أنتم حفظة، عمل عبدي وأنا رقيب على ما نفسه عليه، لم يردني بهذا العمل، عليه لعنتي، فيقول

[248]

الملائكة: عليه لعنتك ولعنتنا. قال: ثم بكى معاذ وقال: قلت: يارسول الله ما أعمل ؟ قال: اقتد بنبيك يا معاذ في اليقين، قال: قلت: إنك أنت رسول الله وأنا معاذ بن جبل قال: وإن كان في عملك تقصير يا معاذ فاقطع لسانك عن إخوانك، وعن حملة القرآن، ولتكن ذنوبك عليك لا تحملها على إخوانك، ولا تزك نفسك بتذميم إخوانك، ولا ترفع نفسك بوضع إخوانك، ولا تراء بعملك، ولا تدخل من الدنيا في الآخرة، ولا تفحش في مجلسك لكي يحذروك بسوء خلقك، ولاتناج مع رجل وعندك آخر، ولا تتعظم على الناس فيقطع عنك خيرات الدنيا، ولا تمزق الناس فتمزقك كلاب أهل النار قال الله: " والناشطات نشطا " (1) أتدري ما الناشطات ؟ كلاب أهل النار، تنشط اللحم والعظم، قلت: من يطيق هذه الخصال ؟ قال: يا معاذ أما إنه يسير على من يسر الله عليه قال: وما رأيت معاذا يكثر تلاوة القرآن كما يكثر تلاوة هذا الحديث. العدة: روى أبو محمد جعفر بن أحمد القمي في كتابه المنبي عن زهد النبي صلى الله عليه وآله: عن عبد الواحد عمن حدثه، عن معاذ بن جبل مثله. 21 - جع: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن ليخشع له كل شئ ويهابه كل شئ ثم قال: إذا كان مخلصا لله أخاف الله منه كل شئ حتى هوام الارض وسباعها وطير السماء. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم (2). 22 - سن: ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فهو ممكن يكمل إيمانه. وعنه عليه السلام قال: من أوثق عرى الايمان أن تحب لله، وتبغض لله، وتعطى في الله، وتمنع في الله (3).


(1) النازعات: 2. (2) جامع الاخبار ص 117. (3) المحاسن: 263.

[249]

23 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام في قوله تعالى: " وأن المساجد لله " الآية ما سجدت به من جوارحك لله تعالى فلا تدعوا مع الله أحدا (1). 24 - منية المريد: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن أولى الناس أن يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فاتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال، جرئ فقد قيل ذلك ثم امر به فسحب على وجهه حتى القي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فاتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها ؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ القرآن، فقد قيل، ثم امر به فسحب على وجهه حتى القي في النار. وقال صلى الله عليه وآله: إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى أمر دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه. وقال صلى الله عليه وآله: نية المؤمن خير من عمله، وفي لفظ آخر أبلغ من عمله، وقال صلى الله عليه وآله: إنما يبعث الناس على نياتهم وقال صلى الله عليه وآله مخبرا عن جبرئيل عن الله عزوجل أنه قال: الاخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي. 25 - عدة الداعي: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من أخلص لله أربعين يوما فجر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه. وعن أبي جعفر الجواد عليه السلام قال: أفضل العبادة الاخلاص. وعن الصادق عليه السلام قال: ما أنعم الله عزوجل على عبد أجل من أن لا يكون في قلبه مع الله عزوجل غيره. وعن سيدة النساء صلوات الله عليها قالت: من أصعد إلى الله خالص عبادته


(1) نوادر الراوندي ص 30.

[250]

أهبط الله عزوجل إليه أفضل مصلحته. وعن العسكري عليه السلام قال: لو جعلت الدنيا كلها لقمة واحدة ثم لقمتها من يعبد الله خالصا لرأيت أني مقصر في حقه، ولو منعت الكافر منها حتى يموت جوعا وعطشا ثم أذقته شربة من الماء لرأيت أني قد أسرفت. وكان عيسى عليه السلام يقول للحواريين: إذا كان صوم أحدكم فليدهن رأسه ولحيته، ويمسح شفتيه بالزيت لئلا يرى الناس أنه صائم، وإذا أعطى بيمينه فليخف عن شماله، وإذا صلى فليرخ ستر بابه فان الله يقسم الثناء كما يقسم الرزق (1). 26 - أسرار الصلاة: عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عزوجل: " ليبلوكم أيكم أحسن عملا " قال: ليس يعني أكثركم عملا، ولكن أصوبكم عملا وإنما الاصابة خشية الله تعالى، والنية الصادقة الحسنة، ثم قال: الابقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، والعمل الخالص: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزوجل، والنية أفضل من العمل، ألا وإن النية هي العمل، ثم تلا قوله عزوجل: " قل كل يعمل على شاكلته " يعني على نيته. 27 - مشكوة الانوار: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " حنيفا مسلما " قال: خالصا مخلصا لا يشوبه شئ (2).


(1) عدة الداعي ص 123، ط هند. (2) مشكاة الانوار ص 10.

[251]

(55) * (باب) * * " (العبادة والاختفاء فيها وذم الشهرة بها) " * 1 - ب: السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أعظم العبادة أجرا أخفاها (1). أقول: سيأتي في باب نوادر المواعظ ما أوحى الله إلى نبي من أنبيائه، و أن العمل الصالح إذا كتمه العبد وأخفاه أبى الله عزوجل إلا أن يظهره ليزينه به مع ما يدخره له من ثواب الآخرة (2). 2 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن عباس بن هلال قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: المستتر بالحسنة تعدل سبعين حسنة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بالسيئة مغفور له (3). 3 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام من كنوز الجنة إخفاء العمل، والصبر على الرزايا، وكتمان المصائب (4). محص: عن جابر، عن علي عليه السلام مثله. 4 - ختص: عن العالم عليه السلام قال: المستتر بالحسنة له سبعون ضعفا، والمذيع له واحد، والمستتر بالسيئة مغفور له، والمذيع له مخذول (5). 5 - ما: الحسين بن عبيد الله، عن علي بن محمد العلوي، عن محمد بن أحمد المكتب، عن أحمد بن محمد الكوفي، عن علي بن الحسن بن فضال، عن أبيه


(1) قرب الاسناد ص 84. (2) وقد مر فيما مضى أيضا، راجع عيون اخبار الرضا ص 152 - 153 ط الحجرية. (3) ثواب الاعمال ص 162. (4) صحيفة الرضا عليه السلام 21، وتراه في عيون الاخبار ص 204 ط الحجرية. (5) الاختصاص: 142.

[252]

عن الرضا عليه السلام قال: من شهر نفسه بالعبادة فاتهموه على دينه فان الله عزوجل يبغض شهرة العبادة وشهرة اللباس. ثم قال: إن الله عزوجل إنما فرض على الناس في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة، من أتى بها لم يسأله الله عزوجل عما سواها، وإنما أضاف رسول الله صلى الله عليه وآله إليها مثليها: ليتم بالنوافل ما يقع فيها من النقصان، وإن الله عزوجل لا يعذب على كثرة الصلاة والصوم ولكنه يعذب على خلاف السنة (1). 6 - عدة الداعي: روي عنهم عليهم السلام أن فضل عمل السر على عمل الجهر سبعون ضعفا. 7 - ارشاد القلوب: روي عن المفضل بن صالح قال: قال لي مولاي الصادق عليه السلام يا مفضل إن لله تعالى عبادا عاملوه بخالص من سره، فقابلهم بخالص من بره، فهم الذين تمر صحفهم يوم القيامة فارغا فإذا وقفوا بين يديه ملاها لهم من سر ما أسروا إليه، فقلت: وكيف ذاك يا مولاي ؟ فقال: أجلهم أن تطلع الحفظة على ما بينه وبينهم. 8 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: في التوراة مكتوب يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملا قلبك غنى ولا أكلك إلى طلبك، وعلي أن أسد فاقتك، وأملا قلبك خوفا مني، وإن لا تفرغ لعبادتي أملا قلبك شغلا بالدنيا ثم لا أسد فاقتك وأكلك إلى طلبك (2). بيان: في القاموس تفرغ تخلى من الشغل أي أجعل نفسك وقلبك فارغا عن أشغال الدنيا، وشهواتها وعلائقها، واللام للتعليل أو للظرفية " أملا قلبك غنى " أي عن الناس " وعلي " بتشديد الياء، والجملة حالية وربما يقرأ بالتخفيف عطفا على " أملا " بحسب المعنى لانه في قوة على أن أملا، والاول أظهر " وإن لا تفرغ " إن للشرط ولا نافية وأكلك بالجزم.


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 263. (2) الكافي ج 2 ص 83.

[253]

9 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: قال الله تبارك وتعالى: يا عبادي الصديقين تنعموا بعبادتي في الدنيا فانكم تتنعمون بها في الآخرة (1). ايضاح: " تنعموا بعبادتي " الظاهر أن الباء صلة، فان الصديقين والمقربين يلتذون بعبادة ربهم، ويتقوون بها، وهي عندهم أعظم اللذات الروحانية، وقيل الباء سببية، فان العبادة سبب الرزق كما قال تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " (2) وهو بعيد. " فانكم تتنعمون بها " أي بأصل العبادة فانها أشهى عندهم من اللذات الجسمانية، فهم يعبدون للذة لا للتكليف كما أن الملائكة طعامهم التسبيح، وشرابهم التقديس، أو بسببها أو بقدرها أو بعوضها والاول أظهر. 10 - كا: عن علي، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها وأحبها بقلبه، وباشرها بجسده وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر ؟ (3). بيان: عشق من باب تعب والاسم العشق، وهو الافراط في المحبة أي أحبها حبا مفرطا من حيث كونه وسيلة إلى القرب الذي هو المطلوب الحقيقي، وربما يتوهم أن العشق مخصوص بمحبة الامور الباطلة، فلا يستعمل في حبه سبحانه وما يتعلق به، وهذا يدل على خلافه وإن كان الاحوط عدم إطلاق الاسماء المشتقة منه على الله تعالى بل الفعل المشتق منه أيضا بناء على التوقيف. قيل: ذكرت الحكماء في كتبهم الطبية أن العشق ضرب من الماليخوليا والجنون والامراض السوداوية، وقرروا في كتبهم الالهية أنه من أعظم الكمالات


(1) الكافي ج 2 ص 83. (2) الطلاق: 3. (3) الكافي ج 2 ص 83.

[254]

والسعادات، وربما يظن أن بين الكلامين تخالفا، وهو من واهي الظنون، فان المذموم هو العشق الجسماني الحيواني الشهواني، والممدوح هو الروحاني الانساني النفساني، والاول يزول ويفنى بمجرد الوصال والاتصال، والثاني يبقى ويستمر أبد الآباد وعلى كل حال. " على ما أصبح " أي على أي حال دخل في الصباح أو صار " أم على يسر " فيه دلالة على أن اليسر والمال لا ينافي حبه تعالى وحب عبادته، وتفريغ القلب عن غيرها لاجلها، وإنما المنافي له تعلق القلب به. 11 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن شاذان بن الخليل قال: وكتبت من كتابه باسناد له يرفعه إلى عيسى بن عبد الله [قال: قال عيسى بن عبد الله] لابي عبد الله عليه السلام جعلت فداك ما العبادة ؟ قال: حسن النية بالطاعة من الوجوه التي يطاع الله منها أما إنك يا عيسى لا تكون مؤمنا حتى تعرف الناسخ من المنسوخ، قال: قلت: جعلت فداك وما معرفة الناسخ من المنسوخ ؟ قال: فقال: أليس تكون مع الامام موطنا نفسك على حسن النية في طاعته، فيمضي ذلك الامام ويأتي إمام آخر فتوطن نفسك على حسن النية في طاعته ؟ قال: قلت: نعم، قال: هذا معرفة الناسخ من المنسوخ (1). بيان: " حسن النية بالطاعة " كأن المعنى أن العبادة الصحيحة المقبولة هي ما يكون مع النية الحسنة، الخالصة من شوائب الرئاء والسمعة، وغيرها، مع طاعة أئمة الحق عليهم السلام، وتكون تلك العبادة مأخوذة " من الوجوه التي يطاع الله منها " أي لا تكون مبتدعة، بل تكون مأخوذة عن الدلائل الحقة والآثار الصحيحة، أو تكون تلك الطاعة مستندة إلى البراهين الواضحة، ليخرج منها طاعة أئمة الضلالة، أو المعنى شدة العزم في طاعة من تجب طاعته، حال كون تلك الطاعة من الوجوه التي يطاع الله منها، أي لم تكن مخلوطة ببدعة ولا رئاء ولا سمعة وهذا أنسب بما بعده وقيل: يعني أن يكون له في طاعة من يعبده نية حسنة، فان


(1) الكافي ج 2 ص 83.

[255]

تيسر له الاتيان بما وافق نيته، وإلا فقد أدى ما عليه من العبادة بحسن نيته. " أليس تكون " هذا المعنى للناسخ والمنسوخ موافق ومؤيد لما ورد في الاخبار في تفسير قوله تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " (1) أن المراد به ذهاب إمام ونصب إمام بعده، فهو خير منه أو مثله، وقيل: لعل المراد بهذه الوجوه الائمة عليهم السلام واحد بعد واحد، لانهم الوجوه التي يطاع الله منها لارشادهم وهدايتهم، وبالطاعة: الطاعة المعلومة بتعليمهم وإطاعتهم والانقياد لهم وبحسن النية: تعلق القلب بها من صميمه بلا منازعة ولا مخاطرة ويحتمل أن يراد بالوجوه وجوه العبادات وأنواعها وبحسن النية تخليصها عن شوائب النقص. 12 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن جميل، عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العباد [ة] ثلاثة قوم عبدوا الله عزوجل خوفا فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الاجراء، وقوم عبدوا الله عزوجل حبا له فتلك عبادة الاحرار: وهي أفضل العبادة (2). ايضاح: " العباد ثلاثة " في بعض النسخ هكذا فلا يحتاج إلى تقدير، وفي بعضها " العبادة " فيحتاج إلى تقدير إما في العبادة أي ذوو العبادة أو في الاقوام أي عبادة قوم، وحاصل المعنى أن العبادة الصحيحة المرتبة عليها الثواب والكرامة في الجملة ثلاثة أقسام، وأما غيرها كعبادة المرائين ونحوها، فليست بعبادة ولا داخلة في المقسم. " فتلك عبادة العبيد " إذ العابد فيها شبيه بالعبيد في أنه يطيع السيد خوفا منه وتحرزا من عقوبته. " فتلك عبادة الاجراء " فانهم يعبدون للثواب كما أن الاجير يعمل للاجر


(1) البقرة: 106. (2) الكافي ج 2 ص 84.

[256]

" حبا له " أي لكونه محبا له والمحب يطلب رضا المحبوب، أو يعبده ليصل إلى درجة المحبين، ويفوز بمحبة رب العالمين، والاول أظهر. " فتلك عبادة الاحرار " أي الذين تحرروا من رق الشهوات، وخلعوا من رقابهم طوق طاعة النفس الامارة بالسوء، الطالبة للذات والشهوات، فهم لا يقصدون في عبادتهم شيئا سوى رضا عالم الاسرار، وتحصيل قرب الكريم الغفار، ولا ينظرون إلى الجنة والنار، وكونها أفضل العبادة لا يخفى على اولي الابصار، وفي صيغة التفضيل دلالة على أن كلا من الوجهين السابقين أيضا عبادة صحيحة، ولها فضل في الجملة، فهو حجة على من قال ببطلان عبادة من قصد التحرز عن العقاب أو الفوز بالثواب. 13 - كا: عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أقبح الفقر بعد الغنى، وأقبح الخطيئة بعد المسكنة، وأقبح من ذلك العابد لله ثم يدع عبادته (1). بيان: " ما أقبح الفقر بعد الغنا " لعل المعنى قبحه عند الناس، وإن كان ممدوحا عند الله، أو يكون محمولا على من فعل ذلك باختياره بالاسراف والتبذير أو ترك الكسب وأشباهه، أو يكون المراد التعيش بعيش الفقراء بعد حصول الغنا على سياق قوله عليه السلام: " وأقبح الخطيئة بعد المسكنة " فان الظاهر أن المراد به بيان قبح ارتكاب الخطايا بعد حصول الفقر والمسكنة، لضعف الدواعي وقلة الآلات والادوات، وإن احتمل أن يكون الغرض بيان قبح الذنوب بعد كونه مبتلى بالفقر والمسكنة، فأغناه الله فارتكب بعد ذلك الخطايا لتضمنه كفران النعمة، ونسيان الحالة السابقة ويحتمل أن يكون المراد بالمسكنة التذلل لله بترك المعصية، فيكون نسب بما قبله وبعده. " وأقبح " مبتدأ أو خبر فالعابد أيضا يحتملهما و " ثم يدع " عطف على العابد إذ اللام في اسم الفاعل بمعنى الذي فهو بتقدير الذي يعبد الله ثم يدع.


(1) الكافي ج 2 ص 84.

[257]

14 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عاصم بن حميد عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: من عمل بما افترض الله فهو من أعبد الناس (1). (56) * (باب) * * " (الطاعة والتقوى والورع ومدح المتقين) " * * " (وصفاتهم وعلاماتهم) " * * وان الكرم به، وقبول العمل مشروط به * أقول: قد مضى ما يناسب الباب في باب طاعة الله ورسوله وحججه فلا تغفل. الايات: البقرة: الم ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون (2). وقال تعالى: وإياى فاتقون (3) وقال تعالى: واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (4) وقال تعالى: وموعظة للمتقين (5). وقال تعالى: ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون (6). وقال تعالى: واولئك هم المتقون (7) وقال تعالى: حقا على المتقين (8).


(1) الكافي ج 2 ص 84. (2) البقرة: 1 - 5. (3 - 5) البقرة: 41، 63، 66. (6) البقرة: 103. (7 - 8) البقرة: 177، 180.

[258]

وقال تعالى: ولكن البر من اتقى (1) وقال سبحانه: واتقوا الله لعلكم تفلحون (2). وقال تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين (3). وقال تعالى: واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب (4). وقال تعالى: تزودوا فان خير الزاد التقوى واتقون يا اولي الالباب (5). وقال سبحانه: واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون (6). وقال تعالى: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (7). وقال سبحانه: واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير (8). وقال تعالى: وأن تعفوا أقرب للتقوى (9). وقال تعالى: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (10). آل عمران حاكيا عن عيسى عليه السلام: فاتقوا الله وأطيعون (11). وقال تعالى: بلى من أوفى بعهده واتقى فان الله يحب المتقين (12). وقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (13).


(1 - 2) البقرة: 189. (3 - 5) البقرة: 194، 196، 197. (6) البقرة: 203. (7) البقرة: 206. (8 - 9) البقرة: 233، 237. (10) البقرة: 281. (11) آل عمران: 50. (12) آل عمران: 76. (13) آل عمران: 102.

[259]

وقال تعالى: والله عليم بالمتقين (1) وقال تعالى: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا (2) وقال تعالى: فاتقوا الله لعلكم تشكرون (3). وقال تعالى: واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي اعدت للكافرين وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (4). وقال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين (5) وقال تعالى: وموعظة للمتقين (6) وقال: للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (7). وقال: لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للابرار (8). وقال: واتقوا الله لعلكم تفلحون (9). النساء: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة - إلى قوله - واتقوا الله الذي تسائلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا (10). وقال: ولقد وصينا الذين اوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فان لله ما في السموات وما في الارض وكان الله غنيا حميدا (11). المائدة: واتقوا الله إن الله شديد العقاب (12) وقال جل وعلا: واتقوا الله إن الله سريع الحساب (13) وقال تعالى: واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (14) وقال تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير


(1 - 3) آل عمران: 115، 120، 123. (4 - 5) آل عمران: 130 - 133. (6 - 7) آل عمران: 138، 172. (8 - 9) آل عمران: 198، 200. (10) النساء: 1. (11) النساء: 131. (12 - 14) المائدة: 2، 4، 7.

[260]

بما تعملون (1) وقال سبحانه: واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (2). وقال تعالى حاكيا عن ابن آدم: قال: إنما يتقبل الله من المتقين (3). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة جاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (4) وقال: وهدى وموعظة للمتقين (5) وقال: واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (6). وقال تعالى: ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولادخلناهم جنات النعيم (7) وقال: واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (8). وقال تعالى: واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) وقال: فاتقوا الله يا اولى الالباب لعلكم تفلحون (10) وقال تعالى: قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (11). الانعام: ولدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (12). وقال سبحانه: وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون (13) وقال جل وعلا: واتقوه وهو الذي إليه تحشرون (14) وقال تعالى: ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون (15) وقال تعالى: واتقوا لعلكم ترحمون (16). الاعراف: ولباس التقوى ذلك خير (17). وقال سبحانه: ولتتقوا ولعلكم ترحمون (18). وقال تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (19).


(1 - 2) المائدة: 8، 11. (3) المائدة: 27. (4 - 11) المائدة: 35، 46، 57، 65، 91، 99، 103، 112. (12) الانعام: 32. (13) الانعام: 69. (14 - 16) الانعام: 72، 153، 155. (17 - 18) الاعراف: 26، 63. (19) الاعراف: 95.

[261]

وقال تعالى: والعاقبة للمتقين (1). وقال تعالى: والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (2). وقال تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (3). وقال: إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (4). الانفال: فاتقوا الله (5) وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (6). وقال تعالى: واتقوا الله إن الله غفور رحيم (7). التوبة: إن الله يحب المتقين (8) وقال: واعلموا أن الله مع المتقين (9). وقال تعالى: لمسجد اسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه إلى قوله سبحانه: أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم (10). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (11). وقال: واعلموا أن الله مع المتقين (12). يونس: إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والارض لآيات لقوم يتقون (13) وقال تعالى: فقل أفلا تتقون (14). وقال تعالى: الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحيوة الدنيا


(1) الاعراف: 127. (2) الاعراف: 168. (3) الاعراف: 170. (4) الاعراف: 200. (5 - 7) الانفال: 1، 29، 69. (8 - 9) براءة: 4، 37. (10) براءة: 108 - 109. (11 - 12) براءة: 119، 124. (13 - 14) يونس: 6، 31. (*)

[262]

وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (1). هود: فاصبر إن العاقبة للمتقين (2). يوسف: ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (3). وقال: إنه من يتق ويصبر فان الله لا يضيع أجر المحسنين (4). وقال تعالى: ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (5). الرعد: مثل الجنة التي وعد المتقون * تجري من تحتها الانهار اكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (6). الحجر: إن المتقين في جنات وعيون (7). النحل: أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (8). وقال: وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين * جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الانهار لهم فيها ما يشاؤن كذلك يجزي الله المتقين (9). وقال سبحانه: إن الله مع الذين اتقوا والذينهم محسنون (10). مريم: وكان تقيا (11) وقال تعالى: قالت أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (12) وقال سبحانه: تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (13) وقال تعالى: ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (14) وقال تعالى: يوم


(1) يونس: 63. (2) هود: 57. (3) يوسف: 57. (4) يوسف: 90. (5) يوسف: 109. (6) الرعد: 37. (7) الحجر: 45. (8) النحل: 2. (9) النحل: 30 - 31. (10) النحل: 128. (11) مريم: 12. (12) مريم: 17. (13) مريم: 63. (14) مريم: 72.

[263]

نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (1). طه: وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (2). وقال تعالى: والعاقبة للتقوى (3). الحج: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم (4). وقال تعالى: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم (5). المؤمنون: أفلا تتقون (6). النور: وموعظة للمتقين (7). الفرقان: قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا * لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسئولا (8). وقال تعالى: واجعلنا للمتقين اماما (9). الشعراء: ألا يتقون (10) وقال تعالى: وازلفت الجنة للمتقين (11). وقال تعالى: إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون (12). وقال تعالى: واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (13). وقال تعالى: واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الاولين (14). النمل: وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (15).


(1) مريم: 86. (2 - 3) طه: 113، 132. (4 - 5) الحج: 1، 37. (6) المؤمنون: 23. (7) النور: 34. (8) الفرقان: 15 و 16. (9) الفرقان: 74. (10 - 11) الشعراء: 11، 90. (12) الشعراء: 106 - 108. (13) الشعراء: 132 - 135. (14) الشعراء: 184. (15) النمل: 13.

[264]

القصص: والعاقبة للمتقين (1). الروم: واتقوه (2). الاحزاب: لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. وقال تعالى: واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا (3). يس: وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (4). ص: أم نجعل المتقين كالفجار (5) وقال تعالى: وإن للمتقين لحسن مآب * جنات عدن مفتحة لهم الابواب (6). الزمر: قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم (7) وقال تعالى: يا عباد فاتقون (8). وقال تعالى: لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الانهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (9). وقال تعالى: والذي جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون (10) وقال تعالى: وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (11) وقال تعالى: وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة - زمرا (12). السجدة: ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (13). الزخرف: والآخرة عند ربك للمتقين، وقال تعالى: الاخلاء بعضهم لبعض يومئذ عدو إلا المتقين * يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (14). الدخان: إن المتقين في مقام أمين * في جنات وعيون (15).


(1) القصص: 83. (2) الروم: 31. (3) الاحزاب: 32، 55. (4) يس: 45. (5 - 6) ص: 28، 49، 50. (7 - 8) الزمر: 10، 16. (9) الزمر: 20. (10) الزمر: 33. (11 - 12) الزمر: 61، 73. (13) السجدة: 18. (14) الزخرف: 35 و 36. (15) الدخان: 51.

[265]

الجاثية: والله ولي المتقين (1). محمد: مثل الجنة التي وعد المتقون * فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين * وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعائهم إلى قوله تعالى: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتيهم تقويهم (2). الحجرات: واتقوا الله إن الله سميع عليم (3) وقال: واتقوا الله لعلكم ترحمون (4) وقال تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم (5). ق: وازلفت الجنة للمتقين غير بعيد (6). الذاريات: إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالاسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (7). الطور: إن المتقين في جنات وعيون * فاكهين بما آتيهم ربهم ووقيهم ربهم عذاب الجحيم (8). القمر: إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك مقتدر (9). الحشر: واتقوا الله إن الله شديد العقاب (10). الممتحنة: واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون (11). التغابن: فاتقوا الله ما استطعتم (12).


(1) الجاثية: 18. (2) القتال: 15، 17. (3 - 5) الحجرات: 1، 10، 13. (6) ق: 31. (7) الذاريات: 15 - 19. (8) الطور: 17 - 18. (9) القمر: 54 و 55. (10) الحشر: 7. (11) الممتحنة: 11. (12) التغابن: 16.

[266]

الطلاق: واتقوا الله ربكم (1) وقال تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب (2). وقال تعالى: ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (3) وقال تعالى: ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا (4) وقال سبحانه: فاتقوا الله يا اولي الالباب (5). القلم: إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (6). النبأ: إن للمتقين مفازا * حدائق وأعنابا * وكواعب أترابا * وكأسا دهاقا (7). الليل: وسيجنبها الاتقى الذي يؤتي ماله يتزكى (8). العلق: أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى (9). تفسير: " الم " سيأتي الكلام في الفواتح في كتاب القرآن إنشاء الله " ذلك الكتاب " في تفسير الامام عليه السلام يعني القرآن الذي افتتح بالم، هو ذلك الكتاب الذي أخبرت به موسى ومن بعده من الانبياء، وهم أخبروا بني إسرائيل أني سأنزله عليك يا محمد " لاريب فيه " لا شك فيه لظهوره عندهم " هدى " بيان من الضلالة " للمتقين " الذين يتقون الموبقات، ويتقون تسليط السفه على أنفسهم، حتى إذا علموا ما يجب عليهم عملوا بما يوجب لهم رضا ربهم (10) وقيل: إنما خص المتقين بالاهتداء به لانهم المنتفعون به، وذلك لان التقوى شرط في تحصيل المعرفة الحقة. " الذين يؤمنون بالغيب " أي بما غاب عن حواسهم من توحيد الله، ونبوة


(1) الطلاق: 1 و 2. (2 و 3) الطلاق: 4 و 5. (5) الطلاق: 10. (6) القلم: 34. (7) النبأ: 31 - 33. (8) الليل: 17. (9) العلق: 12. (10) تفسير الامام: 29.

[267]

الانبياء، وقيام القائم، والرجعة والبعث والحساب والجنة والنار، وسائر الامور التي يلزمهم الايمان بها، مما لا يعرف بالمشاهدة، وإنما يعرف بدلائل نصبها الله عزوجل عليه " ويقيمون الصلوة " باتمام ركوعها وسجودها، وحفظ مواقيتها وحدودها وصيانتها مما يفسدها أو ينقصها " ومما رزقناهم " من الاموال والقوى والابدان والجاه والعلم " ينفقون " أي يتصدقون يحتملون الكل، ويؤدون الحقوق لاهاليها، ويقرضون ويسعفون الحاجات ويأخذون بأيدي الضعفاء: يقودون الضرائر، وينجونهم من المهالك، ويحملون عنهم المتاع، ويحملون الراجلين على دوابهم، ويؤثرون من هو أفضل منهم في الايمان على أنفسهم بالمال والنفس، ويساوون من كان في درجتهم فيه بهما، ويعلمون العلم لاهله ويروون فضائل أهل البيت عليهم السلام لمحبيهم ولمن يرجون هدايته، وعن الصادق عليه السلام ومما علمناهم يبثون. " والذين يؤمنون بما انزل إليك " من القرآن أو الشريعة " وما انزل من قبلك " من التوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة " وبالآخرة " أي الدار التي بعد هذه الدنيا فيها جزاء الاعمال الصالحة بأفضل ما عملوه، وعقاب الاعمال السيئة بمثل ما كسبوه " هم يوقنون " لا يشكون. " اولئك على هدى من ربهم " على بيان وصواب وعلم بما أمرهم به " واولئك هم المفلحون " الناجون مما منه يوجلون، الفائزون بما يؤملون. " وإياى فاتقون " لا غيري، وقال الامام: في كتمان أمر محمد وأمر وصيه (1). " واذكروا ما فيه " أي ما في التوراة من جزيل ثوابنا على قيامكم به، وشديد عقابنا على إبائكم له، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام واذكروا ما في تركه في العقوبة (2) " لعلكم تتقون " أي لتتقوا المخالفة الموجبة للعقاب: فتستحقوا بذلك الثواب.


(1) تفسير الامام ص 111، والاية في سورة البقرة: 41. (2) مجمع البيان ج 1 ص 128، والاية في البقرة: 63.

[268]

" ولو أنهم " (1) أي الذين تعلموا السحر " واولئك هم المتقون " (2). حكم بحصر المتقين في الموصوفين بالصفات السابقة في قوله: " ولكن البر من آمن بالله " الخ. " ولكن البر من اتقى " (3) أي ما حرم الله كما روي عن الصادق عليه السلام " واتقوا الله " أي في تغيير أحكامه " لعلكم تفلحون " أي لكي تظفروا بالهدى والبر. " واتقوا الله " (4) أي في الانتقام فلا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم " واعلموا أن الله مع المتقين " فيحرسهم ويصلح شأنهم. " واتقوا الله " (5) أي في المحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصا في الحج " واعلموا أن الله شديد العقاب " لمن لم يتقه، وخالف أمره، وتعدى حدوده. " وتزودوا " (6) أي لمعادكم التقوى، وقيل: كانوا يحجون من غير زاد فيكونون كلا على الناس فامروا أن يتزودوا ويتقوا الابرام والتثقيل على الناس " واتقون يا اولي الالباب " فان مقتضى اللب خشية الله عقب الحث على التقوى بأن يكون المقصود بها هو الله سبحانه والتبري عما سواه. " واتقوا الله " (7) أي في مجامع اموركم وفي تفسير الامام عليه السلام واتقوا الله أيها الحاج المغفور لهم سالف ذنوبهم بحجهم، المقرون بتوبتهم فلا تعاودوا الموبقات فتعود إليكم أثقالها ويثقلكم احتمالها، فلا تغفر لكم إلا بتوبة بعدها (8) " واعلموا أنكم إليه تحشرون " فيجازيكم بما تعملون. " وإذا قيل له اتق الله " (9) ودع سوء صنيعك " أخذته العزة بالاثم " أي


(1) البقرة: 103. (2) البقرة: 177. (3) البقرة: 189. (4) البقرة: 194. (5) البقرة: 196. (6) البقرة: 197. (7) البقرة: 203. (8) تفسير الامام ص 282. (9) البقرة: 206.

[269]

حملته الانفة وحمية الجاهلية على الاثم الذي يؤمر باتقائه وألزمته ارتكابه لجاجا من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه، فيزداد إلى شره شرا ويضيف إلى ظلمه ظلما " فحسبه جهنم " أي كفته جزاء وعذابا على سوء فعله " ولبئس المهاد " أي الفراش يمهدها ويكون دائما فيها. " واتقوا يوما " (1) أي تأهبوا لمصيركم إليه " ثم توفى كل نفس ما كسبت " من خير أو شر " وهم لا يظلمون " بنقص ثواب أو تضعيف عقاب. " فاتقوا الله " (2) أي في المخالفة " وأطيعون " أي فيما أدعوكم إليه. " ومن أوفى بعهده " (3) أي كل من أوفى بما عاهد عليه أي عهد كان " واتقى " الله في ترك الخيانة والغدر فان الله يحبه، وفي وضع الظاهر موضع المضمر إشعار بأن التقوى ملاك الامر. " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته " (4) أي حق تقواه، وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالمواجب والاجتناب عن المحارم وسيأتي الاخبار في تفسيرها، وروي أنها نسخت بقوله سبحانه: " اتقوا الله ما استطعتم " (5) " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " أي ولا تكونن على حال سوى حال الاسلام، إذا أدرككم الموت، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام وأنتم مسلمون بالتشديد ومعناه مستسلمون لما أتى النبي صلى الله عليه وآله منقادون له (6). وروى العياشي عن الكاظم عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه: كيف تقرأ هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته [ولا تموتن إلا وأنتم " ماذا ؟ قال: " مسلمون "] فقال: سبحان الله يوقع عليهم الايمان فيسميهم مؤمنين ثم يسألهم


(1) البقرة: 281. (2) آل عمران: 50. (3) آل عمران: 76. (4) آل عمران: 102. (5) التغابن: 16. (6) مجمع البيان ج 2 ص 482.

[270]

الاسلام، والايمان فوق الاسلام ؟ قال: هكذا يقرأ في قراءة زيد، قال عليه السلام: إنما هي في قراءة علي عليه السلام وهو التنزيل الذي نزل به جبرئيل على محمد صلى الله عليه وآله " إلا وأنتم مسلمون " لرسول الله صلى الله عليه وآله ثم للامام من بعده (1). " والله عليم بالمتقين " (2) بشارة لفاعلي الخير وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل. " وإن تصبروا " (3) أي على عداوتهم " وتتقوا " موالاتهم ومخالطتهم " لا يضركم كيدهم شيئا " لما وعد الله الصابرين والمتقين من الحفظ. " لعلكم تشكرون " (4) ما أنعم به عليكم. " واتقوا الله " (5) أي فيما نهيتم عنه " لعلكم تفلحون " أي رجاء فلاحكم " واتقوا النار " الخ أي بالتجنب عن مثل أفعالهم " لعلكم ترحمون " أي بطاعتهما ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إليها " وسارعوا " أي وبادروا " إلى مغفرة من ربكم " أي إلى أسباب المغفرة وعن أمير المؤمنين عليه السلام إلى أداء الفرائض (6) " وجنة عرضها السموات والارض " عن الصادق عليه السلام إذا وضعوهما كذا وبسط يديه إحداهما مع الاخرى " اعدت للمتقين " عن أمير المؤمنين عليه السلام فانكم لن تنالوها إلا بالتقوى. " نزلا من عند الله " (7) النزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة " وما عند الله " لكثرته ودوامه " خير للابرار " مما يتقلب فيه الفجار لقلته وسرعة


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 193 و 194. (2) آل عمران: 115. (3) آل عمران: 120. (4) آل عمران: 123. (5) آل عمران: 130 - 133. (6) راجع مجمع البيان ج 2 ص 502. (7) آل عمران: 172.

[271]

زواله وامتزاجه بالآلام. " واتقوا الله لعلكم تفلحون " (1) عن الصادق عليه السلام يعني فيما أمركم به وافترض عليكم. " من نفس واحدة " (2) يعني آدم على نبينا وآله وعليه السلام " كان عليكم رقيبا " أي حفيظا. " فان لله ما في السموات وما في الارض " (3) أي مالك الملك كله لا يتضرر بكفرانكم وعصيانكم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته " وكان الله غنيا " عن الخلق وعبادتهم " حميدا " في ذاته حمد أو لم يحمد. " شديد العقاب " (4) فانتقامه أشد " واتقوا الله " (5) أي فيما حرم عليكم " إن الله سريع الحساب " فيؤاخذكم بما جل ودق " عليم بذات الصدور " (6). أي بخفياتها فضلا عن جليات أعمالكم. " وابتغوا إليه الوسيلة " (7) أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي بعد معرفة الامام واتباعه من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه وقال علي بن إبراهيم: تقربوا إليه بالامام (8) " وجاهدوا في سبيله " بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة " لعلكم تفلحون " بالوصول إلى الله والفوز إلى كرامته. " وموعظة للمتقين " (9) إنما خصهم بالذكر مع عموم الموعظة، لانهم اختصوا بالانتفاع به. " آمنوا " (10) أي بمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء به " سيئاتهم " أي التي فعلوها -


(1) آل عمران: 200. (2) النساء: 1. (3) النساء: 131. (4) المائدة: 2. (5 - 6) المائدة: 4 و 7. (7) المائدة: 35. (8) تفسير القمي ص 156. (9) المائدة: 46. (10) المائدة: 65.

[272]

قبل " ولادخلناهم " فان الاسلام يجب ما قبله وإن جل. " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " (1) استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه. " خير للذين يتقون " (2) لدوامها وخلوص لذاتها ومنافعها " أفلا تعقلون " أي الامرين خير ؟ " من حسابهم " (3) أي من حساب الذين يخوضون في آياتنا " ولكن ذكرى " أي عليهم أن يذكروهم " لعلهم يتقون " أي يجتنبون ذلك. " لعلكم تتقون " (4) أي الضلال والتفرق عن الحق. " لعلكم ترحمون " (5) أي باتباع الكتاب والعمل بما فيه. " ولباس التقوى " (6) قيل أي خشية الله. " ولتتقوا " (7) بسبب الانذار " ولعلكم ترحمون " بالتقوى. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا " (8) الشرك والمعاصي " لفتحنا عليهم " أي لوسعنا عليهم الخيرات، ويسرناها لهم من كل جانب، بانزال المطر، وإخراج النبات وغير ذلك. " طائف من الشيطان " (9) أي لمة منه كأنها طافت بهم ودارت حولهم ولم تقدر أن تؤثر فيهم " تذكروا " ما أمر الله به ونهي عنه " فإذا هم مبصرون " مواقع الخطاء، ومكائد الشيطان، فيتحرزون عنها وفي الكافي (10) والعياشي (11) عن


(1) المائدة: 91. (2) الانعام: 32. (3) الانعام: 69. (4 و 5) الانعام: 153 و 155. (6 و 7) الاعراف: 26، 63. (8) الاعراف: 95. (9) الاعراف: 200. (10) الكافي ج 2 ص 434. (11) تفسير العياشي ج 2 ص 43 و 44 في أحاديث، تحت الرقم 128 - 130.

[273]

الصادق عليه السلام هو العبد يهم بالذنب ثم يتذكر فيمسك، وفي التفسير إذا ذكرهم الشيطان المعاصي وحملهم عليها يذكرون اسم الله فإذا هم مبصرون. " يجعل لكم فرقانا " (1) أي هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل وفي التفسير يعني العلم الذي تفرقون به بين الحق والباطل " ويكفر عنكم سيئاتكم " قيل أي يسترها " ويغفر لكم " بالتجاوز والعفو عنها. " واعلموا أن الله مع المتقين " (2) بالهداية والنصرة والمعونة. " لمسجد اسس على التقوى " (3) يعني مسجد قبا أسسه رسول الله صلى الله عليه وآله وصلى فيه أيام مقامه بقبا، أولى بأن تصلي فيه من مسجد النفاق " أفمن أسس بنيانه " أي بنيان دينه " على تقوى من الله ورضوان " قيل: أي على قاعدة محكمة هي الحق الذي هو التقوى من الله، وطلب مرضاته بالطاعة " على شفا جرف هار " أي على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل، والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات، والشفا الشفير وجرف الوادي جانبه الذي ينحفر أصله بالماء، وتجرفته السيول، والهار الهائر الذي أشفى على السقوط والهدم " فانهار به في نار جهنم " لما جعل الجرف الهار مجازا عن الباطل، قيل: " فانهار به " أي فهوي به الباطل " في نار جهنم " فكان المبطل أسس بنيانا على شفير جهنم فطاح به إلى قعرها. " وكونوا مع الصادقين (4) في روايات كثيرة أنهم الائمة عليهم السلام (5). " لقوم يتقون " (6) العواقب " أفلا تتقون " (7) عقابه في عبادة غيره.


(1) الانفال: 29. (2) براءة: 37. (3) براءة: 108 و 109. (4) براءة: 119. (5) راجع ج 24 ص 30 - 40 من هذه الطبعة الحديثة. (6 - 7) يونس: 6، 31.

[274]

" الذين آمنوا وكانوا يتقون " (1) بيان لاولياء الله أو استيناف خبره ما بعده " لهم البشرى في الحيوة الدنيا " وهي الرؤيا الحسنة " وفي الآخرة " بشارة المؤمن عند الموت كما ورد في الاخبار " لا تبديل لكلمات الله " لا تغيير لاقواله، ولا خلف لمواعيده، وهو اعتراض " ذلك " إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين. " فاصبر " (2) على مشاق الرسالة " إن العاقبة " في الدنيا بالظفر وفي الآخرة بالفوز " للمتقين " عن الشرك والمعاصي. " وكانوا يتقون " (3) أي الشرك والفواحش " إنه من يتق " الله (4) " ويصبر " على البليات وعن المعاصي. " مثل الجنة " (5) أي صفتها التي هي مثل في الغرابة " اكلها دائم " لا مقطوعة ولا ممنوعة " وظلها " كذلك. " أن أنذروا " (6) أي بأن أعلموا، من أنذرت بكذا إذا علمته " قالوا خيرا " (7) أطبقوا الجواب على السؤال معترفين بالانزال، بخلاف الجاحدين إذ قالوا أساطير الاولين، وليس من الانزال في شئ " حسنة " مكافاة في الدنيا " ولدار الآخرة خير " أي ولثوابهم في الآخرة خير منها، وهو عدة " للذين اتقوا " ويحتمل أن يكون بما بعده من تتمة كلامهم بدلا وتفسيرا لخيرا، وفي العياشي (8) عن الباقر عليه السلام ولنعم دار المتقين الدنيا " لهم فيها ما يشاؤن " من أنواع المشتهيات. " مع الذين اتقوا " (9) أي الشرك والمعاصي " والذينهم محسنون " في أعمالهم.


(1) يونس: 63. (2) هود: 49. (3 - 4) يوسف: 57، 90. (5) الرعد: 37. (6) النحل: 2. (7) النحل: 30. (8) تفسير العياشي ج 2 ص 258. (9) النحل: 128.

[275]

" إن كنت تقيا " (1) أي تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، أو متعلق بأعوذ فيكون مبالغة. " من كان تقيا " (2) في أدعية نوافل شهر رمضان " سبحان من خلق الجنة لمحمد وآل محمد، سبحان من يورثها محمدا وآل محمد وشيعتهم " ثم ننجي الذين اتقوا " (3) فيساقون إلى الجنة " ونذر الظالمين فيها جثيا " على هيئاتهم كما كانوا " يوم نحشر المتقين " (4) أي نجمعهم " إلى الرحمن " إلى ربهم الذي غمرهم برحمته " وفدا " وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم. " لعلهم يتقون " (5) المعاصي فيصير التقوى لهم ملكة " أو يحدث لهم ذكرا " أي عظة واعتبارا حين يسمعونها فيثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم والاحداث إلى القرآن " والعاقبة (6) أي المحمودة " للتقوى " أي لذي التقوى. " اتقوا ربكم " (7) في الاحتجاج عن النبي صلى الله عليه وآله معاشر الناس التقوى التقوى احذروا الساعة كما قال الله: إن زلزلة الساعة شئ عظيم، وفي التفسير قال: مخاطبة للناس عامة. " لن ينال الله " (8) أي لن يصيب رضاه ولا يقع منه موقع القبول " لحومها " المتصدق بها " ولا دماؤها " المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء " ولكن يناله التقوى منكم " أي ولكنه يصيبه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى أمر الله وتعظيمه، والتقرب إليه والاخلاص له، وفي الجوامع روي أن الجاهلية كانوا إذا نحروا لطخوا البيت بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل


(1) مريم: 17. (2) مريم: 63. (3) مريم: 72. (4) مريم: 86. (5) طه: 113. (6) طه: 132. (7) الحج: 1. (8) الحج: 37.

[276]

ذلك فنزلت (1) وفي العلل عن الصادق عليه السلام أنه سئل ما علة الاضحية قال: إنه يغفر لصاحبها عند أول قطرة تقطر من دمها إلى الارض، وليعلم الله من يتقيه بالغيب قال الله تعالى: " لن ينال الله لحومها " الآية ثم قال: انظر كيف قبل الله قربان هابيل ورد قربان قابيل (2). " أفلا تتقون " (3) قيل: أي أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه. " وموعظة للمتقين " (4) خصهم بها لانهم المنتفعون. " واجعلنا للمتقين إماما " (5) في الجوامع عن الصادق عليه السلام إيانا عنى وفي رواية هي فينا، وعنه عليه السلام إنما أنزل الله " واجعل لنا من المتقين إماما " وقد مرت الاخبار الكثيرة في ذلك (6). " ألا يتقون " (7) تعجيب من إفراطهم في الظلم واجترائهم. " وازلفت الجنة " (8) أي قربت بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها. " ألا تتقون " (9) الله فتتركوا عبادة غيره " والجبلة الاولين " (10) قيل: أي وذوي الجبلة الاولين، يعني من تقدمهم من الخلائق وفي التفسير الخلق الاولين. " وكانوا يتقون " (11) أي الكفر والمعاصي.


(1) راجع الدر المنثور ج 4 ص 363. (2) علل الشرائع ج 2 ص 122، الباب 178. (3) المؤمنون: 23. (4) النور: 34. (5) الفرقان: 74. (6) راجع ج 24 ص 132 - 136 من هذه الطبعة الحديثة. (7) الشعراء: 11. (8) الشعراء: 90. (9 - 10) الشعراء: 106، 184. (11) النمل: 53.

[277]

" والعاقبة للمتقين " (1) أي لمن اتقى مالا يرضاه الله. " وإذا قيل لهم اتقوا " (2) في المجمع عن الصادق عليه السلام معناه اتقوا " ما بين أيديكم " من الذنوب " وما خلفكم " من العقوبة " لعلكم ترحمون " أي لتكونوا راجين رحمة الله، وجواب إذا محذوف دل عليه ما بعده كأنه قيل: أعرضوا (3) " لحسن مآب " (4) أي مرجع " اتقوا ربكم " (5) أي بلزوم طاعته " فاتقون " (6) ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، " لهم غرف " (7) قيل: أي علالي بعضها فوق بعض " مبنية " بنيت بناء المنازل على الارض " والذي جاء بالصدق " (8) في التفسير محمد صلى الله عليه وآله " وصدق به " أمير المؤمنين عليه السلام " بمفازتهم " (9) بفلاحهم " وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة " (10) إسراعا بهم إلى دار الكرامة ويساقون راكبين " زمرا " أفواجا متفرقة على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة. " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو " (11) في التفسير يعني الاصدقاء يعادي بعضهم بعضا، وقال الصادق عليه السلام: ألا كل خلة كانت في الدنيا في غير الله عزوجل فانها تصير عداوة يوم القيامة " إلا المتقين " فان خلتهم لما كانت في الله تبقى نافعة أبد الآباد، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه قرأ هذه الآية فقال: والله ما أراد بهذا غيركم، " يا عباد " حكاية لما ينادي به المتقون المتحابون في الله يومئذ. " في مقام " (12) أي موضع إقامة " أمين " يأمن صاحبه عن الآفة والانتقال.


(1) القصص: 83. (2) يس: 45. (3) مجمع البيان ج 8 ص 426. (4) ص: 49. (5) الزمر: 10. (6) الزمر: 16. (7) الزمر: 20. (8) الزمر: 33. (9) الزمر: 61. (10) الزمر: 73. (11) الزخرف: 67. (12) الدخان: 5.

[278]

" والله ولي المتقين " (1) فوال الله بالتقى واتباع الشريعة، وفي التفسير هذا تأديب لرسول الله صلى الله عليه وآله والمعنى لامته. " مثل الجنة " (2) أي أمثل الجنة " غير آسن " أي غير متغير الطعم والريح " لذة للشاربين " أي لذيذة لا تكون فيها كراهة غائلة، وريح، ولا غائلة سكر وخمار " من عسل مصفى " أي لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرهما " كمن هو خالد " أي كمثل من هو خالد " فقطع أمعائهم " من فرط الحرارة وفي التفسير قال: ليس من هو في هذه الجنة الموصوفة كمن هو في هذه النار كما أن ليس عدو الله كوليه. " واتقوا الله " (3) أي في التقديم بين يدي الله ورسوله " إن الله سميع " لاقوالكم " عليم " بأفعالكم " واتقوا الله " (4) أي في مخالفة حكمه والاهمال فيه " لعلكم ترحمون " على تقواكم. " إن أكرمكم عند الله أتقيكم " (5) فان بالتقوى تكمل النفوس، وتتفاضل الاشخاص، فمن أراد شرفا فليلتمس منها، وفي التفسير هو رد على من يفتخر بالاحساب والانساب، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح مكة: يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، إن العربية ليست بأب والد وإنما هو لسان ناطق فمن تكلم به فهو عربي أما إنكم من آدم، وآدم من التراب، وإن أكرمكم عند الله أتقيكم (6). وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله يقول الله تعالى يوم القيامة: أمرتكم فضيعتم ما عهدت إليكم فيه، ورفعتم أنسابكم، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم أين


(1) الجاثية: 18. (2) القتال: 15 - 17. (3) الحجرات: 1. (4) الحجرات: 10. (5) الحجرات: 13. (6) راجع مثله في الكافي ج 8 ص 246.

[279]

المتقون إن أكرمكم عند الله أتقيكم (1) وعن الصادق عليه السلام أتقيكم أعملكم بالتقية (2). " وازلفت الجنة للمتقين " (3) أي قربت لهم " غير بعيد " أي مكانا غير بعيد وفي التفسير أي زينت غير بعيد، قال: بسرعة. " آخذين ما آتيهم ربهم " (4) أي قابلين لما أعطاهم راضين به ومعناه أن كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول " إنهم كانوا قبل ذلك محسنين " قد أحسنوا أعمالهم، وهو تعليل لاستحقاقهم ذلك " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون " أي ينامون، تفسير لاحسانهم، عن الصادق عليه السلام كانوا أقل الليالي يفوتهم لا يقومون فيها (5) وعن الباقر عليه السلام كان القوم ينامون ولكن كلما انقلب أحدهم قال: الحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " وبالاسحار هم يستغفرون " في التهذيب والمجمع عن الصادق عليه السلام كانوا يستغفرون في الوتر في آخر الليل سبعين مرة (6) " وفي أموالهم حق " نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله وإشفاقا على الناس " للسائل والمحروم " في الكافي عن الصادق عليه السلام قال: المحروم المحارف الذي قد حرم كد يده في الشراء والبيع (7). " فاكهين " (8) ناعمين متلذذين. " ونهر " (9) قيل: أي أنهار واكتفى باسم الجنس أو سعة أو ضياء من النهار


(1) مجمع البيان ج 9 ص 138. (2) راجع أمالي الطوسي ج 2 ص 274. (3) ق: 31. (4) الذاريات: 15 - 19. (5) الكافي ج 3 ص 446. (6) مجمع البيان ج 9 ص 155. (7) الكافي ج 3 ص 500. (8) الطور: 18. (9) القمر: 54.

[280]

" في مقعد صدق " أي في مكان مرضي " عند مليك مقتدر " أي مقربين عند من تعالى أمره في الملك والاقتدار، بحيث أبهمه ذوو الافهام. " واتقوا الله " (1) في مخالفة الرسول " إن الله شديد العقاب " لمن خالف وعن أمير المؤمنين عليه السلام: واتقوا الله في ظلم آل محمد إن الله شديد العقاب لمن ظلمهم. " واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون " (2) فان الايمان به مما يقتضي التقوى منه. " فاتقوا الله ما استطعتم " (3) أي فابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم وفي المجمع الاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو إليه الهوى ولا تنافي بين هذا وبين قوله: " اتقوا الله حق تقاته " لان كل واحد منهما إلزام لترك جميع المعاصي، فمن فعل ذلك فقد اتقى عقاب الله، لان من لم يفعل قبيحا ولا أخل بواجب فلا عقاب عليه، إلا أن في أحد الكلامين تنبيها [على] أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق، وكل أمر أمر الله به فلابد أن يكون مشروطا بالاستطاعة. وقال قتادة: قوله: " فاتقوا الله ما استطعتم " ناسخ لقوله: " اتقوا الله حق تقاته " وكأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية، وما جرى مجراها مما تعظم فيه المشقة، وإن كانت القدرة حاصلة معه، وقال غيره: ليس هذا بناسخ وإنما هو مبين لامكان العمل بهما جميعا وهو الصحيح (4). " واتقوا الله ربكم " (5) أي في تطويل العدة والاضرار بهن " ومن يتق الله " فيما أمره به ونهاه عنه " يجعل له مخرجا " من كل كرب في الدنيا والآخرة " ويرزقه من حيث لا يحتسب " أي من وجه لم يخطر بباله وفي التفسير عن الصادق عليه السلام في دنياه (6).


(1) الحشر: 7. (2) الممتحنة: 11. (3) التغابن: 16. (4) مجمع البيان ج 10 ص 301. (5) الطلاق: 1 و 2. (6) تفسير القمي ص 686.

[281]

وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قرأها فقال: مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، وشدائد يوم القيامة (1) وعنه صلى الله عليه وآله إني لاعلم آية لو أخذ بها الناس لكفتهم " ومن يتق الله " الآية فما زال يقولها ويعيدها (2) وفي النهج مخرجا من الفتن ونورا من الظلم (3) وفي المجمع عن الصادق عليه السلام " ويرزقه من حيث لا يحتسب " أي يبارك له فيما آتاه (4). وفي الفقيه عنه عن آبائه عن علي عليهم السلام من أتاه الله برزق لم يخط إليه برجله ولم يمده إليه يده، ولم يتكلم فيه بلسانه، ولم يشد إليه ثيابه، ولم يتعرض له كان ممن ذكر الله عزوجل في كتابه " ومن يتق الله " الآية (5) وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن قوما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية أغلقوا الابواب وأقبلوا على العبادة وقالوا: كفينا فبلغ ذلك النبي فأرسل إليهم فقال: ما حملكم على ما صنعتم ؟ فقالوا: يارسول الله تكفل لنا بأرزاقنا، فأقبلنا على العبادة فقال: إنه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب (6). وعنه عليه السلام: هؤلاء قوم من شيعتنا ضعفاء ليس عندهم ما يتحملون به إلينا، فيسمعون حديثنا، ويقتبسون من علمنا، فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتى يدخلوا علينا، فيسمعوا حديثنا فينقلوه إليهم، فيعيه هؤلاء ويضيعه هؤلاء فاولئك الذين يجعل الله عز ذكره لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون (7).


(1) مجمع البيان ج 10 ص 306. (2) أنوار التنزيل ص 433. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 181 من الخطب. (4) مجمع البيان ج 10 ص 306. (5) الفقيه ج 3 ص 101. (6) الكافي ج 5 ص 84. (7) الكافي ج 8 ص 178.

[282]

" ومن يتق الله " (1) في أحكامه فيراعي حقوقها " يجعل له من أمره يسرا " أي يسهل عليه أمره ويوفقه للخير " ومن يتق الله " (2) في أمره " يكفر عنه سيئاته " فان الحسنات يذهبن السيئات " ويعظم له أجرا " بالمضاعفة. " جنات النعيم " (3) أي جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص. " مفازا " (4) في التفسير قال: يفوزون، وعن الباقر عليه السلام هي الكرامات " حدائق وأعنابا " أي بساتين فيها أنواع الاشجار المثمرة " وكواعب " نساء فلكت ثديهن " أترابا " لدات عن سن واحد، وفي التفسير عن الباقر عليه السلام " وكواعب أترابا " أي الفتيات الناهدات " وكأسا دهاقا " أي ممتلية. 1 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن أبي داود المسترق، عن محسن الميثمي، عن يعقوب بن شعيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما نقل الله عزوجل عبدا من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه من غير مال، وأعزه من غير عشيرة، وآنسه من غير بشر (5). بيان: " من غير بشر " أي من غير أنيس من البشر، بل الله مونسه كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: اللهم إنك آنس الآنسين بأوليائك. 2 - ضه، شى: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن لاهل التقوى علامات يعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الامانة، ووفاء بالعهد، وقلة العجز والبخل، وصلة الارحام، ورحمة الضعفاء وقلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف، وحسن الخلق، وسعة الحلم، واتباع العلم، فيما يقرب إلى الله، طوبى لهم وحسن مآب. وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار رسول الله، فليس من مؤمن إلا وفي


(1 - 2) الطلاق: 4 و 5. (3) القلم: 34. (4) النبأ: 31 - 33. (5) الكافي ج 2 ص 76.

[283]

داره غصن من أغصانها لا ينوي في قلبه شيئا إلا آتاه ذلك الغصن، ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منها، ولو أن غرابا طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتى يبياض هرما إلا ففي هذا فارغبوا، إن للمؤمن في نفسه شغلا والناس منه في راحة إذا جن عليه الليل فرش وجهه وسجد لله بمكارم بدنه، يناجى الذي خلقه في فكاك رقبته ألا فهكذا فكونوا (1). 3 - تفسير النعماني: بالاسناد المسطور في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: نسخ قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته " (2) قوله تعالى: " فاتقوا الله ما استطعتم " (3). 4 - كتاب صفات الشيعة للصدوق: باسناده، عن علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا علي بن عبد العزيز لا يغرنك بكاؤهم فان التقوى في القلب (4). 5 - دعوات الراوندي: قال النبي صلى الله عليه وآله: من اتقى الله عاش قويا وسار في بلاد عدوه آمنا. 6 - نهج: قال عليه السلام: كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ وكم من قائم ليس له من قيامه إلا العناء، حبذا نوم الاكياس وإفطارهم (5). وقال عليه السلام: اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم وبادروا الموت الذي إن هربتم أدرككم، وإن أقمتم أخذكم، وإن نسيتموه ذكركم (6).


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 213. (2) آل عمران: 102. (3) التغابن: 16. (4) صفات الشيعة ص 176. (5) نهج البلاغة ج 2 ص 177. (6) نهج البلاغة ج 2 ص 190.

[284]

وقال عليه السلام: اتقوا الله تقية من شمر تجريدا، وجد تشميرا وانكمش في مهل، وبادر عن وجل، ونظر في كرة الموئل، وعاقبة المصدر ومغبة المرجع (1). وقال عليه السلام: اتقوا الله بعض التقى، وإن قل، واجعل بينك وبين الله سترا وإن رق (2). وقال عليه السلام: التقى رئيس الاخلاق (3). وقال عليه السلام: أما بعد فاني اوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم وإليه يكون معادكم، وبه نجاح طلبتكم، وإليه منتهى رغبتكم، ونحوه قصد سبيلكم، وإليه مرامي مفزعكم، فان تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم وجلاء غشاء أبصاركم، وأمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم. فاجعلوا طاعة الله شعارا دون دثاركم، ودخيلا دون شعاركم، ولطيفا بين أضلاعكم، وأميرا فوق اموركم، ومنهلا لحين وردكم، وشفيعا لدرك طلبتكم وجنة ليوم فزعكم، ومصابيح لبطون قبوركم، وسكنا لطول وحشتكم، ونفسا لكرب مواطنكم، فان طاعة الله حرز من متالف مكتنفة، ومخاوف متوقعة واوار نيران موقدة، فمن أخذ بالتقوى عزبت عنه الشدائد بعد دنوها، واحلولت له الامور بعد مرارتها، وانفرجت عنه الامواج بعد تراكمها، وأسهلت له الصعاب بعد انصبابها، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها، وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها، ووبلت عليه البركة بعد ارذادها. فاتقوا الله الذي نفعكم بموعظته، ووعظكم برسالته، وامتن عليكم بنعمته


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 191. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 198. (3) نهج البلاغة ج 2 ص 241.

[285]

فعبدوا أنفسكم لعبادته، واخرجوا إليه من حق طاعته، إلى آخر الخطبة (1). 8 - كنز الكراجكى: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: خصلة من لزمها أطاعته الدنيا والآخرة وربح الفوز بالجنة قيل: وما هي يارسول الله ؟ قال: التقوى من أراد أن يكون أعز الناس فليتق الله عزوجل، ثم تلا " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (2). 8 - عدة الداعي: روى أحمد بن الحسين الميثمي عن رجل من أصحابه قال: قرأت جوابا من أبي عبد الله عليه السلام إلى رجل من أصحابه أما بعد فاني اوصيك بتقوى الله عزوجل، فان الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، و يرزقه من حيث لا يحتسب، إن الله عزوجل لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده إلا بطاعته إنشاء الله تعالى. وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أيما مؤمن أقبل قبل ما يحب الله، أقبل الله عليه قبل كل ما يحب، ومن اعتصم بالله بتقواه عصمه الله، ومن أقبل الله عليه وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الارض، وإن نزلت نازلة على أهل الارض فشملهم بلية كان في حرز الله بالتقوى من كل بلية، أليس الله تعالى يقول: " إن المتقين في مقام أمين " (3). مشكوة الانوار: عنه عليه السلام مثله (4). وقال النبي صلى الله عليه وآله: لو أن السموات والارض كانتا رتقا على عبد ثم اتقى الله لجعل الله له منهما فرجا ومخرجا. وسئل الصادق عليه السلام عن تفسير التقوى فقال: أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك.


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 155، تحت الرقم 81 من الخطب. (2) الطلاق: 3 و 4. (3) الدخان: 51. (4) مشكاة الانوار ص 18.

[286]

وقال النبي صلى الله عليه وآله: أصل الدين الورع، كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن بالعمل بالتقوى أشد اهتماما منك بالعمل بغيره، فانه لا يقل عمل بالتقوى، وكيف يقل عمل يتقبل لقول الله عزوجل " إنما يتقبل الله من المتقين " وفي الوحي القديم: العمل مع أكل الحرام كناقل الماء في المنخل. وعنهم عليهم السلام: جدوا واجتهدوا، وإن لم تعملوا فلا تعصوا، فان من يبني ولا يهدم يرتفع بناؤه، وإن كان يسيرا وإن [من يبني ويهدم يوشك أن لا يرتفع بناؤه. وروى محمد بن يعقوب يرفعه إلى أبي حمزة قال: كنت عند علي بن الحسين عليهما السلام فجاءه رجل فقال له] يا أبا محمد إني مبتلى بالنساء فأزني يوما وأصوم يوما أفيكون ذا كفارة لذا ؟ فقال له عليه السلام: إنه ليس شئ أحب إلى الله عزوجل من أن يطاع فلا يعصى فلا تزن ولا تصم، فاجتذبه أبو جعفر عليه السلام إليه فأخذه بيده و قال له: تعمل عمل أهل النار، وترجو أن تدخل الجنة (1). وعن النبي صلى الله عليه وآله قال: ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم من الحسنات كجبال تهامة، فيؤمر بهم إلى النار، فقيل: يا نبي الله أمصلون ؟ قال: كانوا يصلون ويصومون ويأخذون وهنا من الليل لكنهم كانوا إذا لاح لهم شئ من الدنيا وثبوا عليه. 9 - مشكوة الانوار: نقلا من المحاسن قال أمير المؤمنين عليه السلام: التقوى سنخ الايمان وقيل لامير المؤمنين عليه السلام: صف لنا الدنيا فقال: وما أصف لكم منها ؟ لحلالها حساب، ولحرامها عذاب، لو رأيتم الاجل ومسيره للهيتم عن الامل وغروره، ثم قال: من اتقى الله حق تقاته أعطاه الله انسا بلا أنيس، وغناء بلا مال، وعزا بلا سلطان. وقال أبو عبد الله عليه السلام: القيامة [عرس المتقين. وقال أبو عبد الله عليه السلام: لا يغرنك] بكاؤهم إنما التقوى في القلب. وقال أبو عبد الله عليه السلام: في قوله جل ثناؤه: " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " (2) قال: أنا أهل أن يتقيني عبدى، فان لم يفعل فأنا أهل أن


(1) راجع الكافي ج 5 ص 542. (2) المدثر: 56.

[287]

أغفر له (1). ومنه: روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله دخل البيت عام الفتح ومعه الفضل بن عباس واسامة بن زيد ثم خرج فأخذ بحلقة الباب ثم قال: الحمد لله الذي صدق عبده، وأنجز وعده، وغلب الاحزاب وحده، إن الله أذهب نخوة العرب وتكبرها بآبائها وكلكم من آدم، وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقيكم (2). 11 - ومنه: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العلماء امناء، والاتقياء حصون والعمال سادة. 12 - شى: عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله: " اتقوا الله حق تقاته " (3) قال: منسوخة، قلت: وما نسختها ؟ قال: قول الله: " اتقوا الله ما استطعتم " (4). 13 - شى: عن زيد بن أبي اسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله: " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " (5) قال: هو الذنب يهم به العبد فيتذكر فيدعه (6). 14 - شى: عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا " ما ذلك الطائف ؟ قال: هو السيئ يهم العبد به، ثم يذكر الله فيبصر ويقصر. أبو بصير عنه عليه السلام قال: هو الرجل يهم بالذنب ثم يتذكر فيدعه (7).


(1) مشكاة الانوار: ص 44. (2) مشكاة الانوار ص 59. (3) آل عمران: 102. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 194، والاية في التغابن: 16. (5) الاعراف: 201. (6) تفسير العياشي ج 2 ص 43. (7) تفسير العياشي ج 2 ص 44.

[288]

15 - صح، لى: عن أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتقى الناس من قال الحق فيما له وعليه (1). 16 - لى: عن أمير المؤمنين عليه السلام لاكرم أعز من التقوى، وسئل عليه السلام أي عمل أفضل ؟ قال: التقوى (2). أقول: قد أثبتناها وأمثالها بأسانيدها في أبواب المواعظ وباب مكارم الاخلاق. 17 - فس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس إن العربية ليست بأب والد، و إنما هو لسان ناطق، فمن تكلم به فهو عربي ألا إنكم ولد آدم، وآدم من تراب وأكرمكم عند الله أتقاكم (3). 18 - ل: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن القاشاني عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القيامة عرس المتقين (4). 19 - ل: عن علي بن الحسين عليه السلام لا حسب لقرشي ولا عربي إلا بتواضع ولا كرم إلا بتقوى (5). 20 - ل: الخليل بن أحمد، عن معاذ، عن الحسين المروزي، عن محمد بن عبيد، عن داود الاودي، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: أول ما يدخل النار من امتي الاجوفان قالوا: وما الاجوفان ؟ قال: الفرج والفم، وأكثر ما يدخل به الجنة تقوى الله وحسن الخلق (6).


(1) أمالي الصدوق ص 14. (2) أمالي الصدوق ص 193. (3) تفسير القمي 642. (4) الخصال ج 1 ص 10. (5) الخصال ج 1 ص 12. (6) الخصال ج 1 ص 39.

[289]

21 - ما: في وصية النبي صلى الله عليه وآله لابي ذر: عليك بتقوى الله فانه رأس الامر كله (1). أقول: سيأتي فيما كتب أمير المؤمنين عليه السلام لمحمد بن أبي بكر مدح المتقين (2). 22 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن سليمان بن محمد، عن محمد بن عمران، عن محمد بن عيسى الكندي، عن الصادق عليه السلام قال: من أخرجه الله من ذل المعصية إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن خاف الله عزوجل أخاف الله منه كل شئ، ومن لم يخف الله عز وجل أخافه الله من كل شئ (3). ما: عن المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر، عن ابن عقدة مثله (4). 23 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني (5) عن علي بن إبراهيم عن اليقطيني، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: جلس جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ينتسبون ويفتخرون، وفيهم سلمان رحمه الله فقال عمر: ما نسبك أنت يا سلمان ؟ وما أصلك ؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله بمحمد عليه السلام وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد عليه السلام وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد عليه السلام فهذا حسبي ونسبي يا عمر، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر له سلمان ما قال عمر، وما أجابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا معشر قريش إن حسب المرء دينه، ومروته خلقه، وأصله عقله، قال الله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 154 وفي نسخة الاصل رمز الخصال. (2) أمالي الطوسي ج 1 ص 24. (3) أمالي الطوسي ج 1 ص 205. (4) أمالي الطوسي ج 1 ص 139. (5) تراه في روضة الكافي ص 181 مع اختلاف في اللفظ.

[290]

إن أكرمكم عند الله أتقيكم (1) ثم أقبل على سلمان رحمه الله فقال له: يا سلمان إنه ليس لاحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عزوجل، فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه (2). 24 - ما: المفيد، عن إسماعيل بن محمد الكاتب، عن أحمد بن جعفر المالكي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذر رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتق الله حيث كنت، وخالق الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة فاعمل حسنة يمحوها (3). 25 - ما: المفيد، عن محمد بن محمد بن طاهر، عن ابن عقدة، عن يحيى بن الحسن العلوي، عن إسحاق بن موسى، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المتقون سادة، والفقهاء قادة، والجلوس إليهم عبادة (4). 26 - ما: ابن مخلد، عن جعفر بن محمد بن نصير، عن الحارث بن محمد بن أبي اسامة، عن داود بن المحبر، عن عباد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمران، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: كم من عاقل عقل عن الله عزوجل أمره، وهو حقير عند الناس دميم المنظر، ينجو غدا، وكم من طريف اللسان، جميل المنظر عند الناس، يهلك غدا في القيامة (5). 27 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن الحسن بن محمد بن اشكاب، عن أبيه عن علي بن حفص المدايني، عن أيوب بن سيار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: أقبل العباس ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان العباس


(1) الحجرات: 11. (2) أمالي الطوسي ج 1 ص 146. (3) أمالي الطوسي ج 1 ص 189. (4) أمالي الطوسي ج 1 ص 229. (5) أمالي الطوسي ج 2 ص 7.

[291]

طوالا حسن الجسم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله تبسم إليه وقال: إنك يا عم لجميل فقال العباس: ما الجمال بالرجل يارسول الله ؟ قال: بصواب القول بالحق قال: فما الكمال ؟ قال: تقوى الله عزوجل وحسن الخلق (1). 28 - مع، ع: ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وقع بين سلمان وبين رجل كلام فقال له: من أنت وما أنت ؟ فقال سلمان: أما اولاي واولاك فنطفة قذرة، وأما اخراي واخراك فجيفة منتنة، فإذا كان يوم القيامة ونصبت الموازين، فمن خف ميزانه فهو اللئيم، ومن ثقل ميزانه فهو الكريم (2). 29 - ع: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن إبراهيم بن هاشم، عن جعفر بن محمد بن إبراهيم الهمداني، عن العباس بن عامر، عن إسماعيل بن دينار يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: افتخر رجلان عند أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أتفتخران بأجساد بالية، وأرواح في النار ؟ إن يكن لك عقل فان لك خلقا وإن يكن لك تقوى فان لك كرما، وإلا فالحمار خير منك ولست بخير من أحد. 30 - مع: الوراق، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه، عن الحسن بن سعيد، عن الحارث بن محمد بن النعمان، عن جميل بن صالح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أتقى الناس فليتوكل على الله الخبر (3). أقول: قد مضى بعض الاخبار في باب أصناف الناس في الايمان. 31 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن النضر، عن أبي الحسين، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 112. (2) معاني الاخبار ص 207. (3) معاني الاخبار ص 196.

[292]

عزوجل: " اتقوا الله حق تقاته " قال: يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر (1). ين: النضر مثله. سن: عن أبيه: عن النضر مثله (2). شى: عن أبي بصير مثله (3). 32 - مع: ابن المتوكل، عن الحميري، عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الوليد بن عباس قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الحسب الفعال، والشرف المال، والكرم التقوى (4). 33 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن محمد بن هارون بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عيسى بن أبي الورد، عن أحمد بن عبد العزيز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يقل مع التقوى عمل، وكيف يقل ما يتقبل (5). جا: الجعابي مثله (6). جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن ابن فضال، عن ابن سنان، عن الفضيل بن عثمان، عن الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام مثله (7).


(1) معاني الاخبار ص 240. (2) المحاسن ص 204. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 194. (4) معاني الاخبار ص 405. (5) أمالي الطوسي ج 1 ص 60. (6) أمالي المفيد ص 26. (7) أمالي المفيد ص 122.

[293]

كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان مثله (1). بيان: " وكيف يقل ما يتقبل " لان الله يقول: " إنما يتقبل الله من المتقين (2). 34 - فس: " إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر " (3) قال: من لم ينهه الصلاة عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا (4). 35 - فس: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يبعث الله يوم القيامة قوما بين أيديهم نور كالقباطى ثم يقال له: كن هباء منثورا ثم قال: أما والله يا أبا حمزة إنهم كانوا يصومون ويصلون، ولكن كانوا إذا عرض لهم شئ من الحرام أخذوه، وإذا ذكر لهم شئ من فضل أمير - المؤمنين عليه السلام أنكروه، وقال: والهباء المنثور هو الذي تراه يدخل البيت في الكوة من شعاع الشمس (5). 36 - ص: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الوشاء، عن الحسن بن الجهم، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: كان في بني إسرائيل رجل يكثر أن يقول: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، فغاظ إبليس ذلك فبعث إليه شيطانا فقال: قل: العاقبة للاغنياء، فجاءه فقال ذلك، فتحاكما إلى أول من يطلع عليهما على قطع يد الذي يحكم عليه فلقيا شخصا فأخبراه بحالهما، فقال: العاقبة للاغنياء فرجع، وهو يحمد الله ويقول: العاقبة للمتقين، فقال له: تعود أيضا فقال: نعم على يدي الاخرى فخرجا فطلع الآخر فحكم عليه أيضا فقطعت يده الاخرى، وعاد أيضا يحمد الله


(1) الكافي ج 2 ص 75. (2) المائدة 27. (3) العنكبوت: 45. (4) تفسير القمى ص 497. (5) تفسير القمي ص 465.

[294]

ويقول: العاقبة للمتقين، فقال له: تحاكمني على ضرب العنق ؟ فقال: نعم فخرجا فرأيا مثالا فوقفا عليه فقال: إني كنت حاكمت هذا وقصا عليه قصتهما قال: فمسح يديه فعادتا ثم ضرب عنق ذلك الخبيث وقال: هكذا العاقبة للمتقين. 37 - سن: أبي، عن هارون بن الجهم ومحمد بن سنان، عن الحسين بن يحيى عن فرات بن أحنف، عن رجل من أصحاب علي عليه السلام قال: إن وليا لله وعدوا لله اجتمعا فقال ولي الله: الحمد لله والعاقبة للمتقين، وقال الآخر: الحمد لله والعاقبة للاغنياء - وفي رواية اخرى والعاقبة للملوك - فقال ولي الله: ارض بيننا بأول طالع يطلع من الوادي، قال: فاطلع إبليس في أحسن هيئة فقال ولي الله: الحمد لله والعاقبة للمتقين، فقال الآخر: الحمد لله والعاقبة للملوك، فقال إبليس: كذا (1). 38 - سن: علي بن السندي، عن المعلى بن محمد، عن ابن أسباط، عن عبد الله ابن محمد صاب الحجال قال: قلت لجميل بن دراج: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أتاكم شريف [قوم] فأكرموه ؟ قال: نعم فقلت: فما الحسب ؟ فقال: الذي يفعل الافعال الحسنة بماله وغير ماله، فقلت: فما الكرم ؟ فقال: التقى (2). 39 - ضا: أروي من أراد أن يكون أعز الناس فليتق الله في سره وعلانيته. وأروي عن العالم عليه السلام في تفسير هذه الآية (3) " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " قال: يجعل له مخرجا في دينه ويرزقه من حيث لا يحتسب في دنياه. 40 - مص: قال الصادق عليه السلام: اتق الله وكن حيث شئت ومن أي قوم شئت، فانه لا خلاف لاحد في التقوى، والمتقي محبوب عند كل فريق، وفيه جماع كل خير ورشد، وهو ميزان كل علم وحكمة، وأساس كل طاعة مقبولة


(1) المحاسن ص 247. (2) المحاسن ص 328. (3) الطلاق: 2.

[295]

والتقوى ما ينفجر من عين المعرفة بالله، يحتاج إليه كل فن من العلم، وهو لا يحتاج إلا إلى تصحيح المعرفة، بالخمود تحت هيبة الله وسلطانه، ومزيد التقوى يكون من أصل اطلاع الله عزوجل على سر العبد بلطفه. فهذا أصل كل حق وأما الباطل فهو ما يقطعك عن الله متفق عليه أيضا عند كل فريق، فاجتنب عنه، وافرد سرك لله تعالى بلا علاقة قال النبي صلى الله عليه وآله: أصدق كلمة قالتها العرب كلمة لبيد: ألا كل شئ ماخلا الله باطل * وكل نعيم لا محالة زائل فالزم ما أجمع عليه أهل الصفا والتقى، من اصول الدين وحقائق اليقين والرضا والتسليم، ولا تدخل في اختلاف الخلق ومقالاتهم، فتصعب عليك، وقد اجتمعت الامة المختارة بأن الله واحد ليس كمثله شئ، وأنه عدل في حكمه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا يقال له في شئ من صنعه: لم ؟ ولا كان ولا يكون شئ إلا بمشيته، وأنه قادر على ما يشاء، صادق في وعده ووعيده، وأن القرآن كلامه وأنه مخلوق، وأنه كان قبل الكون والمكان والزمان، وأن إحداث الكون والفناء عنده سواء، ما ازداد بإحداثه علما ولا ينقص بفنائه ملكه، عز سلطانه وجل سبحانه. فمن أورد عليه ما ينقض هذا الاصل فلا تقبله، وجرد باطنك لذلك ترى بركاته عن قريب، وتفوز مع الفائزين (1). 41 - مص: قال الصادق عليه السلام: التقوى على ثلاثة أوجه: تقوى الله في الله وهو ترك الحلال فضلا عن الشبهة وهو تقوى خاص الخاص، وتقوى من الله وهو ترك الشبهات فضلا عن حرام، وهو تقوى الخاص، وتقوى من خوف النار والعقاب وهو ترك الحرام وهو تقوى العام، ومثل التقوى كماء يجري في نهر ومثل هذه الطبقات الثلاث في معنى التقوى كأشجار مغروسة على حافة ذلك النهر، من كل لون وجنس وكل شجرة منها يستمص الماء من ذلك النهر، على قدر جوهره وطعمه


(1) مصباح الشريعة ص 44 و 45.

[296]

ولطافته وكثافته، ثم منافع الخلق من ذلك الاشجار والثمار على قدرها وقيمتها قال الله تعالى: " صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ويفضل بعضهما على بعض في الاكل " (1) الآية. فالتقوى للطاعات كالماء للاشجار، ومثل طبايع الاشجار والثمار في لونها وطعمها مثل مقادير الايمان، فمن كان أعلا درجة في الايمان وأصفا جوهرا بالروح كان أتقى، ومن كان أتقى كانت عبادته أخلص وأطهر، ومن كان كذلك كان من الله أقرب، وكل عبادة غير مؤسسة على التقوى فهو هباء منثور قال الله عزوجل: " أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم " (2) الآية وتفسير التقوى ترك ما ليس بأخذه بأس حذرا عما به بأس، وهو في الحقيقة طاعة، وذكر بلا نسيان، وعلم بلا جهل مقبول غير مردود (3). 57. (باب) * " (الورع واجتناب الشبهات) " * 1 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن زيد الشحام، عن عمرو بن سعيد بن هلال الثقفي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني لا ألقاك إلا في السنين فأخبرني بشئ آخذ به فقال: اوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه (4). بيان: لعل المراد بالتقوى ترك المحرمات، وبالورع ترك الشبهات، بل


(1) الرعد: 5. (2) براءة: 109. (3) مصباح الشريعة ص 56 و 57. (4) الكافي ج 2 ص 76.

[297]

بعض المباحات، وبالاجتهاد بذل الجهد في فعل الطاعات، يقال: وقاه الله السوء يقيه وقاية أي حفظه، واتقيت الله اتقاء أي حفظت نفسي من عذابه أو عن مخالفته والتقوى اسم منه، والتاء مبدلة من واو، والاصل وقوى من وقيت لكل ابدل لزمت التاء في تصاريف الكلمة وفي النهاية: فيه: ملاك الدين الورع، الورع في الاصل الكف عن المحارم، والتحرج منها، يقال: ورع الرجل يرع بالكسر فيهما، ورعا ورعة فهو ورع وتورع من كذا ثم استعير للكف عن المباح والحلال " لا ينفع " أي نفعا كاملا. 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن حديد بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع (1). بيان: يدل على أن بترك الورع عن المحرمات يصير الايمان بمعرض الضياع والزوال، فان فعل الطاعات وترك المعاصي حصون للايمان من أن يذهب به الشيطان. 3 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن يزيد بن خليفة قال: وعظنا أبو عبد الله عليه السلام فأمر وزهد، ثم قال: عليكم بالورع، فانه لا ينال ما عند الله إلا بالورع (2). بيان: فأمر أي بالطاعات وما يوجب الفوز بأرفع الدرجات، وزهد على بناء التفعيل أي أمر بالزهد في الدنيا وترك مشتهياتها المانعة عن قربه سبحانه قال الجوهري: التزهيد في الشئ وعن الشئ خلاف الترغيب فيه. 4 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه (3). 5 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن فضالة بن أيوب، عن الحسن


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 76. (3) الكافي ج 2 ص 77.

[298]

ابن زياد الصيقل، عن فضيل بن يسار قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إن أشد العبادة الورع (1). بيان: " أن أشد العبادة الورع " إذ ترك المحرمات أشق على النفس من فعل الطاعات، وأفضل الاعمال أحمزها. 6 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن حنان بن سدير قال: قال أبو الصباح الكناني لابي عبد الله عليه السلام: ما نلقى من الناس فيك ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: وما الذي تلقى من الناس في ؟ ! فقال: لا يزال يكون بيننا وبين الرجل الكلام فيقول: جعفري خبيث، فقال: يعيركم الناس بي ؟ فقال له أبو الصباح: نعم، قال: فما أقل والله من يتبع جعفرا منكم، إنما أصحابي من اشتد ورعه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، هؤلاء أصحابي (2). توضيح: قال الشيخ البهائي رحمه الله: يعلم منه أنه لم يرتض عليه السلام ما قاله أبو الصباح، لما فيه من الخشونة وسوء الادب " وعمل لخالقه " أي أخلص العمل لله " ورجا ثوابه " كأنه إشارة إلى أن رجاء الثواب إنما يحسن مع الورع والطاعة، وإلا فهو غرور كما مر، وإلى أنه مع العمل أيضا لا ينبغي اليقين بالثواب لكثرة آفات العمل، ويمكن أن يكون ما ذكره عليه السلام إيماء إلى أن ما تسمعون من المخالفين إنما هو لعدم الطاعة إما بترك الطاعات والاعمال الرضية أو لترك ما أمرتكم به من التقية. 7 - ما: بالاسناد المتقدم، عن حنان، عن أبي سارة الغزال، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله عزوجل: ابن آدم اجتنب ما حرمت عليك تكن من أورع الناس (3). بيان: كأن الاورع بالنسبة إلى من يجتنب المكروهات ويأتي بالسنن، ويجترئ على المحارم وترك الطاعات كما هو الشايع بين الناس أو هو تعريض بأرباب البدع


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 77.

[299]

الذين يحرمون ما أحل الله على أنفسهم ويسمونه ورعا أو تنبيه على أن الورع إنما هو بترك المعاصي لا بالمبالغة في الطاعات والاكثار منها. 8 - كا: عن علي، عن أبيه وعلي بن محمد، عن القاسم بن محمد، عن سليمان المنقري، عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الورع من الناس فقال: الذي يتورع عن محارم الله عزوجل (1). 9 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن النعمان، عن أبي اسامة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عليك بتقوى الله، والورع والاجتهاد وصدق الحديث، وأداء الامانة، وحسن الخلق، وحسن الجوار، وكونوا دعاة إلى أنفسكم بغير ألسنتكم وكونوا زينا ولا تكونوا شينا، وعليكم بطول الركوع والسجود، فان أحدكم إذا أطال الركوع والسجود هتف إبليس من خلفه فقال: يا ويله أطاع وعصيت، وسجد وأبيت (2). ايضاح: " حسن الجوار " لكل من جاوره وصاحبه أو لجار بيته " وكونوا دعاة " أي كونوا داعين للناس إلى طريقتكم المثلى ومذهبكم الحق بمحاسن أعمالكم، ومكارم أخلاقكم، فان الناس إذا رأوكم على سيرة حسنة وهدي جميل نازعتهم أنفسهم إلى الدخول فيما ذهبتم إليه من التشيع وتصويبكم فيما تقلدتم من طاعة أئمتكم عليهم السلام " وكونوا زينا " أي زينة لنا " ولا تكونوا شينا " أي عيبا وعارا علينا. وفي النهاية في حديث أبي هريرة إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله، الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، ومعنى النداء فيه يا ويلي ويا حزني وياهلاكي ويا عذابي احضر فهذا وقتك وأوانك، فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الامر الفظيع وهو الندم على ترك السجود لآدم عليه السلام وأضاف الويل إلى ضمير الغائب


(1 - 2) الكافي ج 2 ص 77.

[300]

حملا على المعنى، وعدل عن حكاية قول إبليس يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه انتهى. وقال النووي: هو من أدب الكلام أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء، صرف الحاكي عن نفسه إلى الغيبة صونا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه انتهى. وقيل: الضمير راجع إلى الساجد ودعا إبليس له بالعذاب والويل، أو هو من كلام الامام والضمير لابليس والجملة معترضة، ولا يخفى بعدهما، ويحتمل على الاول أن يكون المنادى محذوفا نحو ألا يا اسجدوا، أي يا قوم احضروا ويلي. 9 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن أبي زياد، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل عيسى بن عبد الله القمي فرحب به وقرب مجلسه، ثم قال: يا عيسى بن عبد الله ليس منا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون، وكان في ذلك المصر أحد أورع منه (1). بيان: قال الجوهري: الرحب بالضم السعة، وقولهم مرحبا وأهلا أي أتيت سعة وأتيت أهلا، فاستأنس ولا تستوحش، وقد رحب به ترحيبا إذا قال له: مرحبا، انتهى، وفي النهاية وقيل: معناه رحب الله بك مرحبا فجعل المرحب موضع الترحيب انتهى. وقوله: " ولا كرامة " جملة معترضة أي لا كرامة له عند الله، أو عندنا أو أعم منهما " فيه مائة ألف " أي من المخالفين أو الاعم ويدل على مدح عيسى بن عبد الله، وروى الشيخ المفيد في مجالسه حديثا يدل على مدح عظيم له، وأنه قال عليه السلام فيه: هو منا أهل البيت، وزعم الاكثر أنه الاشعري جد أحمد بن محمد والاظهر عندي أنه غيره لبعد ملاقاة الاشعري الصادق عليه السلام بل ذكروا أن له مسائل عن الرضا عليه السلام. 10 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن


(1) الكافي ج 2 ص 78.

[301]

علي بن عقبة، عن أبي كهمش، عن عمرو بن سعيد بن هلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أوصني قال: اوصيك بتقوى الله، والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه (1). 11 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أعينونا بالورع، فانه من لقي الله عزوجل منكم بالورع كان له عند الله فرجا، إن الله عزوجل يقول: " ومن يطع الله ورسوله فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا " (2) فمنا النبي، ومنا الصديق، والشهداء والصالحون (3). تبيان " أعينونا بالورع " إشارة إلى أن الائمة عليهم السلام متكفلون لنجاة شيعتهم من العذاب، فكلما كان ورعهم أشد وأكمل، كانت الشفاعة عليهم أسهل، فالورع إعانة لهم عليهم السلام على ذلك، فان قلت: مع الورع أي حاجة إلى الشفاعة، فانه يجب عليه سبحانه بمقتضى وعده إدخالهم الجنة وإبعادهم من العذاب ؟ قلت: يحتمل أن يكون المراد عدم تجشم الشفاعة أو يكون الورع ترك المعاصي فقط، فلا ينافي الاحتياج إلى الشفاعة للتقصير في الواجبات، أو يكون المراد بالورع ترك الكبائر أو أعم من ترك كل المعاصي أو بعضها، مع أنه لااستبعاد في الحاجة إلى الشفاعة مع فعل الطاعات وترك المعاصي لسرعة دخول الجنة أو التخلص من أهوال القيامة أو عدم الحساب أو تخفيفه. " كان له عند الله فرجا " اسم كان الضمير المستتر الراجع إلى الورع، وقيل: إلى اللقاء " وفرجا " بالجيم خبره، وربما يقرأ بالحاء المهملة، وعلى التقديرين التنوين للتعظيم " من يطع الله ورسوله " في سورة النساء " والرسول " وكأنه نقل


(1) الكافي ج 2 ص 78. (2) النساء: 69. (3) الكافي ج 2 ص 78.

[302]

بالمعنى، مع الاشارة إلى ما في سورة النور " ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون " (1) وإطاعة الله والرسول لا تكون إلا مع الورع فالاستشهاد لذلك، وقيل: المراد بطاعة الله ورسوله إطاعتهما في الاعتقاد بامامة أئمة الهدى عليهم السلام وإن كان مع المعاصي فالاستشهاد للشفاعة. " فمنا " أي من بني هاشم وكان المراد بالصديق أمير المؤمنين عليه السلام وبالشهداء الحسنان عليهما السلام أو الحسين وبالصالحين باقي الائمة عليهم السلام، أو المراد بالشهداء جميع الائمة عليهم السلام وبالصالحين شيعتهم، وقد فسرت الآية بالوجهين في الاخبار. 12 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنا لانعد الرجل مؤمنا حتى يكون لجميع أمرنا متبعا ومريدا ألا وإن من اتباع أمرنا وإرادته الورع، فتزينوا به يرحمكم الله وكيدوا أعداءنا به ينعشكم الله (2). بيان: " إنا لانعد الرجل مؤمنا " هذا أحد معاني الايمان التي مضت " مريدا " أي لجميع أمرنا " يرحمكم الله " جواب الامر أو جملة دعائية وكذا قوله " ينعشكم الله " يحتمل الوجهين " وكيدوا به " في أكثر النسخ بالياء المثناة أي حاربوهم بالورع لتغلبوا أو ادفعوا به كيدهم، سمي كيدا مجازا أي الورع يصير سببا لكف ألسنتهم عنكم، وترك ذمهم لكم، أو احتالوا بالورع ليرغبوا في دينكم كما مر في قوله عليه السلام " كونوا دعاة " الخ وكأنه أظهر. وفي بعض النسخ بالياء الموحدة المشددة من الكبد بمعنى الشدة والمشقة أي أوقعوهم في الالم والمشقة لانه يصعب عليهم ورعكم، والاول أكثر وأظهر " ينعشكم الله " أي يرفعكم الله في الدنيا والآخرة، في القاموس نعشه الله كمنعه رفعه كأنعشه ونعشه، وفلانا جبره بعد فقر، والميت ذكره ذكرا حسنا.


(1) النور: 52. (2) الكافي ج 2 ص 78.

[303]

13 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحجال، عن العلا، عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فان ذلك داعية (1). ايضاح: " فان ذلك داعية " أي للمخالفين إلى الدخول في دينكم كما مر والتاء للمبالغة، وسيأتي هذا الخبر في باب الصدق بأدنى تفاوت في السند والمتن (2) وفيه الصدق مكان الصلاة. 14 - كا: عن الحسين بن محمد، عن علي بن محمد بن سعد، عن محمد بن مسلم عن محمد بن حمزة العلوي قال أخبرني عبيد الله بن علي، عن أبي الحسن الاول عليه السلام قال: كثيرا ماكنت أسمع أبي يقول: ليس من شيعتنا من لا يتحدث المخدرات بورعه في خدورهن، وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم من خلق الله أورع منه (3). بيان: في القاموس الخدر بالكسر ستر يمد للجارية في ناحية البيت، وكل ما واراك من بيت ونحوه والجمع خدور وأخدار، وبالفتح إلزام البنت الخدر كالاخدار والتخدير، وهي مخدور ومخدرة، ومخدرة انتهى (4) والمعنى اشتهر ورعه بحيث تتحدث النساء المستورات غير البارزات بورعه في بيوتهن، وقيل إنه يدل على أن إظهار الصلاح ليشتهر أمر مطلوب، ولكن بشرط أن لا يكون لقصد الرياء والسمعة بل لغرض صحيح، مثل الاقتداء به، والتحفظ من نسبة الفسق إليه ونحوهما وفيه نظر. 15 - مع: أبي، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن فضيل بن عياض، عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: من الورع من الناس ؟ فقال: الذي يتورع عن محارم الله، ويجتنب هؤلاء، وإذا لم يتق الشبهات وقع في الحرام، وهو لا يعرفه.


(1) الكافي ج 2 ص 78. (2) الكافي ج 2 ص 105. (3) الكافي ج 2 ص 79. (4) القاموس: ج 2 ص 18.

[304]

وإذا رأى المنكر ولم ينكره وهو يقوى عليه، فقد أحب أن يعصى الله، ومن أحب أن يعصى الله فقد بارز الله بالعداوة، ومن أحب بقاء الظالمين فقد أحب أن يعصى الله إن الله تبارك وتعالى حمد نفسه على هلاك الظلمة فقال " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " (1). فس: أبي، عن الاصبهاني الحديث (2). 16 - مع: في خبر أبي ذر: يابا ذر لا عقل كالتدبير ولا ورع كالكف ولا حسب كحسن الخلق (3). 17 - لى (4) مع: سئل أمير المؤمنين عليه السلام أي الاعمال أفضل عند الله ؟ قال التسليم والورع (5). 18 - ل: أبي، عن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فضل العلم أحب إلى الله عزوجل من فضل العبادة، وأفضل دينكم الورع (6). 19 - ل: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن علي بن سليمان بن رشيد، عن موسى بن سلام، عن أبان بن سويد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: ما الذي يثبت الايمان في العبد ؟ قال: الذي يثبته فيه الورع والذي يخرجه منه الطمع (7). 20 - ل: الخليل بن أحمد، عن أبي منيع، عن هارون بن عبد الله، عن


(1) معاني الاخبار ص 252، والاية في الانعام: 44. (2) تفسير القمي ص 188. (3) معاني الاخبار ص 335. (4) أمالي الصدوق ص 238. (5) معاني الاخبار ص 199. (6) الخصال ج 1 ص 6. (7) الخصال ج 1 ص 8.

[305]

سليمان بن عبد الرحمان، عن خالد بن أبي خالد الازرق، عن محمد بن عبد الرحمان وأظنه ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: أفضل العبادة الفقه وأفضل الدين الورع (1). 21 - ل: فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام: يا علي ثلاث من لم تكن فيه لم يقم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله عزوجل، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل (2). سن: أبي، عن النوفلي، عن السكوني، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام عنه صلى الله عليه وآله مثله (3). 22 - ل: قال النبي صلى الله عليه وآله: كف عن محارم الله تكن أورع الناس. 23 - لى: العطار، عن أبيه، عن الاشعري، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن عبد الله بن سنان، عن الصادق، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: سئل أمير المؤمنين صلوات الله عليه ما ثبات الايمان ؟ فقال: الورع، فقيل له ما زواله ؟ قال: الطمع (4). 24 - لى: في خطبة الوسيلة: لا معقل أحرز من الورع (5). 25 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن ابن معروف، عن أبي شعيب رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال أورع الناس من وقف عند الشبهة، أعبد الناس من أقام الفرائض، أزهد الناس من ترك الحرام، أشد الناس اجتهادا من ترك


(1) الخصال ج 1 ص 17. (2) الخصال ج 1 ص 62. (3) المحاسن ص 6. (4) أمالي الصدوق ص 174. (5) أمالي الصدوق ص 193.

[306]

الذنوب (1). 26 - ما: ابن الحمامي، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن إسماعيل بن محمد ابن أبي كثير، عن علي بن إبراهيم، عن السرى بن عامر قال: صعد النعمان بن بشير، على المنبر بالكوفة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن لكل ملك حمى وإن حمى الله حلاله وحرامه، والمشتبهات بين ذلك كما لو أن راعيا رعى إلى جانب الحمى لم تلبث غنمه أن تقع في وسطه فدعوا المشتبهات (2). 27 - جا، ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن يونس، عن كليب بن معاوية، عن الصادق عليه السلام قال: أم والله إنكم لعلى دين الله و ملائكته، فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد، عليكم بالصلاة والعبادة، عليكم بالورع (3). 28 - ما: المفيد، عن الحسين بن أحمد بن أبي المغيرة، عن حيدر بن محمد، عن أبي عمرو الكشي، عن جعفر بن أحمد، عن أيوب بن نوح، عن نوح بن دراج، عن إبراهيم المحاربي، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: اتقوا الله اتقوا الله عليكم بالورع و صدق الحديث وأداء الامانة وعفة البطن والفرج تكونوا معنا في الرفيع الاعلى (4). 29 - ما: الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث عن آبائه عليهم السلام قال: قال الصادق عليه السلام: عليكم بالورع فانه الدين الذي نلازمه و ندين الله به، ونريده ممن يوالينا، لا تتعبونا بالشفاعة (5). 30 - ل: الاربعمائة (6) قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أحبنا فليعمل بعملنا


(1) الخصال ج 1 ص 11. (2) أمالي الطوسي ج 1 ص 390. (3) أمالي الطوسي ج 1 ص 31. (4) أمالي الطوسي ج 1 ص 226. (5) أمالي الطوسي ج 1 ص 287. (6) الخصال ج 2 ص 155.

[307]

وليستعن بالورع، فانه أفضل ما يستعان به في أمر الدنيا والآخرة. 31 - ل: أمير المؤمنين عليه السلام قال: شكر كل نعمة الورع عما حرم الله (1). 32 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: لا يجمع الله عزوجل لمؤمن الورع والزهد في الدنيا إلا رجوت له الجنة (2). 33 - ثو: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب عن الوصافي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله به موسى عليه السلام أن يا موسى أبلغ قومك أنه ما تعبد لي المتعبدون بمثل الورع عن محارمي، قال موسى: فماذا أثبتهم على ذلك ؟ قال: إني افتش الناس عن أعمالهم ولا افتشهم حياء منهم (3). اقول: تمامه في باب الزهد. 34 - سن: أبي، عن ابن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي عبيدة، عن أبي جميلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أيها الناس لاخير في دين لاتفقه فيه، ولا خير في دنيا لاتدبير فيها، ولا خير في نسك لا ورع فيه (4). 35 - مص: قال الصادق عليه السلام: اغلق أبواب جوارحك عما يرجع ضرره إلى قلبك، ويذهب بوجاهتك عند الله، وتعقب الحسرة والندامة يوم القيامة، والحياء عما اجترحت من السيآت، والمتورع يحتاج إلى ثلاثة اصول: الصفح عن عثرات الخلق أجمع، وترك خوضه (5) فيهم، واستواء المدح والذم. وأصل الورع دوام المحاسبة، وصدق المقاولة، وصفاء المعاملة، والخروج من كل شبهة، ورفض كل [عيبة و] ريبة، ومفارقة جميع ما لا يعنيه، وترك فتح أبواب لا يدري كيف يغلقها، ولا يجالس من يشكل عليه الواضح، ولا يصاحب مستخفي


(1) الخصال ج 1 ص 11. (2) ثواب الاعمال ص 121 ويأتى تمامه في ص 314. (3) ثواب الاعمال ص 156. (4) المحاسن ص 5. (5) خطيئته خ ل كما في المصدر. (*)

[308]

الدين، ولا يعارض من العلم ما لا يحتمل قلبه، ولا يتفهمه من قائل، ويقطع من يقطعه عن الله (1). 36 - سر: من كتاب حريز، عن الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال لي: يا فضيل أبلغ من لقيت من موالينا عنا السلام، وقل لهم إني لا اغني عنهم من الله شيئا إلا بالورع، فاحفظوا ألسنتكم وكفوا أيديكم، وعليكم بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين. 37 - ما: ابن الصلت، عن ابن عقدة، عن محمد بن عيسى الضرير، عن محمد ابن زكريا المكي، عن كثير بن طارق، عن زيد بن علي، عن أبيه عليه السلام قال: الورع نظام العبادة، فإذا انقطع الورع ذهبت الديانة، كما أنه إذا انقطع السلك اتبعه النظام (2) 38 - مشكوة الانوار: نقلا من كتاب المحاسن عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتقوا الله وصونوا دينكم بالورع. وعنه عليه السلام قال: لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه. وعنه عليه السلام قال: لن أجدى أحد عن أحد شيئا إلا بالعمل ولن تنالوا ما عند الله إلا بالورع (3). وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله عزوجل: يا ابن آدم اجتنب ما حرمت عليك تكن من أورع الناس. وسئل الصادق عليه السلام من الاورع من الناس ؟ قال: الذي يتورع عن محارم الله. وعن الباقر عليه السلام قال: عليك بتقوى الله والاجتهاد في دينك واعلم أنه لا يغني عنك اجتهاد ليس معه ورع. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: فيما ناجى الله تبارك وتعالى به موسى صلوات الله


(1) مصباح الشريعة ص 23. (2) أمالي الطوسي ج 2 ص 314. (3) مشكاة الانوار ص 44 ومعنى لن أجدى أي ما أغنى أبدا.

[309]

عليه يا موسى ما تقرب إلى المتقربون بمثل الورع عن محارمي فاني أمنحهم جنات عدني لا اشرك معهم أحدا (1). ومنه نقلا من كتاب صفات الشيعة عن ابن أبي يعفور قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الاجتهاد والصدق والورع وعن خيثمة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخلت عليه لاودعه فقال: أبلغ موالينا السلام عنا، وأوصهم بتقوى الله العظيم، وأعلمهم يا خيثمة أنا لانغني عنهم من الله شيئا إلا بعمل، ولن ينالوا ولايتنا إلا بورع وإن أشد الناس حسرة يوم القيامة من وصف عدلا ثم خالفه إلى غيره (2). (58) * (باب) * الزهد ودرجاته الايات: آل عمران: لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم (3). طه: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (4). الحديد: ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (5). 1 - مع (6) لى: في خبر الشيخ الشامي: سأل أمير المؤمنين عليه السلام أي الناس


(1) مشكاة الانوار ص 45. (2) مشكاة الانوار ص 46. (3) آل عمران: 153. (4) طه: 131. (5) الحديد: 22 و 23. (6) معاني الاخبار ص 199.

[310]

خير عند الله عزوجل ؟ قال: أخوفهم لله، وأعملهم بالتقوى، وأزهدهم في الدنيا (1). كتاب الغايات: مرسلا مثله. 2 - مع: أبي، عن علي، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل لامير المؤمنين عليه السلام: ما الزهد في الدنيا ؟ قال تنكب حرامها (2). 3 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن مالك بن عطية الاحمسي، عن معروف بن خربوذ، عن أبي الطفيل قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: الزهد في الدنيا قصر الامل، وشكر كل نعمة الورع عما حرم الله عليك (3). 4 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن الجهم بن الحكم عن السكوني قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس الزهد في الدنيا باضاعة المال، ولا بتحريم الحلال، بل الزهد في الدنيا أن لا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يد الله عزوجل (4). 5 - مع: ابن الوليد، عن سعد، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن علي بن هاشم بن البريد، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام أن رجلا سأله عن الزهد فقال: الزهد عشرة أشياء وأعلى درجات الزهد أدنى درجات الورع، وأعلى درجات الورع أدنى درجات اليقين، وأعلى درجات اليقين أدنى درجات الرضا، ألا وإن الزهد في آية من كتاب الله عزوجل " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " (5). دعوات الراوندي: عن علي بن الحسين عليهما السلام مثله. 6 - مع (6) ن، لى: المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن


(1) أمالي الصدوق ص 237. (2 - 4) معاني الاخبار ص 251. (5) معاني الاخبار ص 252. (6) معاني الاخبار ص 287.

[311]

ابن علي بن الناصر، عن أبيه، عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: سئل الصادق عليه السلام عن الزاهد في الدنيا، قال: الذي يترك حلالها مخافة حسابه، ويترك حرامها مخافة عذابه (1). 7 - لى: قد مضى في باب اليقين قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن صلاح أول هذه الامة بالزهد واليقين، وهلاك آخرها بالشح والامل (2). 8 - فس: أبي، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حفص قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما حد الزهد في الدنيا ؟ فقال: فقد حده الله في كتابه فقال عزوجل: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " إن أعلم الناس بالله أخوفهم بالله، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهدهم فيها (3). ل، لى: أبي (4)، عن سعد، عن الاصبهاني إلى قوله بما آتيكم (5). 9 - ضه: قال النبي صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم الرجل قد اعطي الزهد في الدنيا فاقتربوا منه، فانه يلقي الحكمة. وقال صلى الله عليه وآله: المؤمن بيته قصب، وطعامه كسر، ورأسه شعث وثيابه خلق، وقلبه خاشع، ولا يعدل بالسلامة شيئا. 10 - فس: أبي، عن الاصبهاني، عن المنقري رفعه قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: ما الزهد ؟ قال: الزهد عشرة أجزاء فأعلى درجات الزهد أدنى درجات الرضا، ألا وإن الزهد في آية من كتاب الله " ليكلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " (6).


(1) أمالي الصدوق ص 215، عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 2 ص 52. (2) أمالي الصدوق ص 137 راجع ص 173 فيما سبق. (3) تفسير القمي ص 493 وتراه في الكافي ج 2 ص 128. (4) في الامالى: محمد بن موسى المتوكل عن سعد الخ. (5) أمالي الصدوق ص 367. (6) تفسير القمي 587 والاية في الحديد: 23.

[312]

أقول: قد مضى في باب الورع عن أمير المؤمنين عليه السلام أزهد الناس من ترك الحرام (1). 11 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن أحمد بن محمد، عن بعض النوفليين ومحمد بن سنان رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: كونوا على قبول العمل أشد عناية منكم على العمل، الزهد في الدنيا قصر الامل، وشكر كل نعمة الورع عما حرم الله عزوجل، من أسخط بدنه أرضى ربه، ومن لم يسخط بدنه عصى ربه (2). 12 - ل: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن إبراهيم بن داود اليعقوبي، عن أخيه سليمان رفعه قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وآله يارسول الله علمني شيئا إذا أنا فعلته أحبني الله من السماء وأحبني الناس من الارض، فقال له: ارغب فيما عند الله عزوجل يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس (3). 13 - ل: أبي، عن سعد، عن أيوب بن نوح، عن الربيع بن محمد المسلي عن عبد الاعلى، عن نوف، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، اولئك الذين اتخذوا الارض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن دثارا والدعاء شعارا وقرضوا من الدنيا تقريضا على منهاج عيسى بن مريم عليه السلام الخبر (4). 14 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه رفعه قال: سأل النبي صلى الله عليه وآله جبرئيل عليه السلام عن تفسير الزهد قال: الزاهد يحب من يحب خالقه، ويبغض من يبغض خالقه، ويتحرج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها، فان حلالها حساب، وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ويتحرج من


(1) راجع الباب 57 تحت الرقم 25 ص 305. (2) الخصال ج 1 ص 11. (3) الخصال ج 1 ص 32. (4) الخصال ج 1 ص 164.

[313]

الكلام كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها، ويتحرج عن حطام الدنيا وزينتها، كما يتجنب النار أن يغشاها، وأن يقصر أمله، وكان بين عينيه أجله (1). 15 - ل (2) لى: محمد بن أحمد بن علي الاسدي، عن عبد الله بن سليمان وعبد الله بن محمد الواهبي وأحمد بن عمير ومحمد بن أبي أيوب قالوا: حدثنا عبد الله ابن هاني، عن أبيه، عن عمه إبراهيم، عن ام الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أصبح معافى في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه فكأنما خيرت له الدنيا يا ابن خثعم يكفيك منها ما سد جوعك، ووارى عورتك فان يكن بيت يكنك فذاك، وإن تكن دابة تركبها فبخ بخ، وإلا فالخبز وماء الجر، وما بعد ذلك حساب عليك أو عذاب (3). 16 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن جعفر بن بشير، عن سيف، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من لم يستحي من طلب المعاش خفت مؤنته، ورخي باله، ونعم عياله، ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه، وأنطق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه منها سالما إلى دار السلام (4). 7 - ثو: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب عن الوصافي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان فيما ناجى الله به موسى عليه السلام على الطور أن يا موسى أبلغ قومك أنه ما يتقرب إلي المتقربون بمثل البكاء من خشيتي، وما تعبد لي المتعبدون بمثل الورع عن محارمي، ولاتزين لي المتزينون بمثل الزهد في الدنيا عما بهم الغنا عنه. قال: فقال موسى عليه السلام: يا أكرم الاكرمين فماذا أثبتهم على ذلك ؟ فقال:


(1) معاني الاخبار ص 261. (2) الخصال ج 1 ص 77. (3) أمالي الصدوق ص 232. (4) ثواب الاعمال ص 151.

[314]

يا موسى أما المتقربون إلي بالبكاء من خشيتي، فهم في الرفيق الاعلى لا يشركهم فيه أحد وأما المتعبدون لي بالورع عن محارمي فاني افتش الناس عن أعمالهم ولا افتشهم حياء منهم، وأما المتقربون إلي بالزهد في الدنيا فاني ابيحهم الجنة بحذافيرها، يتبوؤن منها حيث يشاؤن (1). 18 - سن: أبي رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لرجل: أحكم أهل الآخرة [أمر آخرتهم] كما أحكم أهل الدنيا أمر دنياهم فانما جعلت الدنيا شاهدا يعرف بها ما غاب عنها من الآخرة، فاعرف الآخرة بها، ولا تنظر إلى الدنيا إلا باعتبار (2). 19 - ضا: أروي عن العالم عليه السلام أنه قال: إن الدنيا قد ترحلت مدبرة وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، وكونوا من الزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، لان الزاهدين اتخذوا الارض بساطا، والتراب فراشا، والماء طيبا وقرضوا الدنيا تقريضا. ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب، ألا إن لله عبادا شرورهم مأمونة [وقلوبهم] محزونة وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، صبروا أياما فصارت لهم العقبى راحة طويلة أما آناء الليل، فصافوا على أقدامهم، وآناء النهار فخلصوا مخلصا وهم عابدون يسعون في فكاك رقابهم، بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول: مرضى. وروي عن المسيح عليه السلام أنه قال للحواريين: أكلي ما أنبتته الارض للبهايم وشربي ماء الفرات بكفي، وسراجي القمر، وفراشي التراب، ووسادتي المدر ولبسي الشعر، ليس لي ولد يموت، ولا لي امرأة تحزن، ولا بيت يخرب، ولا مال يتلف، فأنا أغنى ولد آدم. وأروي عن العالم عليه السلام أنه سئل عن قول الله تبارك وتعالى: " وكان تحته


(1) ثواب الاعمال ص 156. (2) المحاسن ص 299 وفيه أحكم أمر الاخرة كما الخ.

[315]

كنز لهما " (1) فقال والله: ما كان ذهبا ولا فضة، ولكنه كان لوح من ذهب، مكتوب عليه أربعة أحرف: أنا الله لا إله إلا أنا، من أيقن بالموت لم يضحك سنه، ومن أيقن بالحساب لم يفرح قلبه، ومن أيقن بالقدر علم أنه لا يصيبه إلا ما قدر عليه. وأروي من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب، وإذا اشتهى وإذا غضب، حرم الله جسده على النار. وسألت العالم عليه السلام عن أزهد الناس قال: الذي لا يطلب المعدوم حتى ينفد الموجود. 20 - مص: قال الصادق عليه السلام: الزهد مفتاح باب الآخرة، والبراءة من النار، وهو تركك كل شئ يشغلك عن الله، عن غير تأسف على فوتها، ولا إعجاب في تركها، ولا انتظار فرج منها، ولا طلب محمدة عليها، ولا عوض منها، بل ترى فوتها راحة، وكونها آفة، وتكون أبدا هاربا من الآفة، معتصما بالراحة والزاهد الذي يختار الآخرة على الدنيا، والذل على العز، والجهد على الراحة والجوع على الشبع، وعاقبة الآجل على محبة العاجل، والذكر على الغفلة ويكون نفسه في الدنيا وقلبه في الآخرة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حب الدنيا رأس كل خطيئة، ألا ترى كيف أحب ما أبغضه الله، وأي خطاء أشد جرما من هذا. وقال بعض أهل البيت عليهم السلام: لو كانت الدنيا بأجمعها لقمة في فم طفل لرجمناه، فكيف حال من نبذ حدود الله وراء ظهره في طلبها، والحرص عليها والدنيا دار لو أحسنت إلى ساكنها لرحمتك وأحسنت وداعك. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما خلق الله الدنيا أمرها بطاعته، فأطاعت ربها فقال لها: خالفي من طلبك، ووافقي من خالفك، فهي على ما عهد إليها الله، وطبعها عليه (2).


(1) الكهف: 82. (2) مصباح الشريعة ص 22 و 23.

[316]

21 - شى: عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن رجل حدثه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رفع عيسى بن مريم عليه السلام بمدرعة صوف من غزل مريم، ومن نسج مريم، ومن خياطة مريم، فلما انتهى إلى السماء نودي يا عيسى ألق عنك زينة الدنيا (1). 22 - جا: المراغي عن الحسين بن محمد، عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن يحيى بن هاشم الغساني، عن أبي عاصم النبيل، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن علقمة بن قيس، عن نوف البكالي قال: بت [ليلة عند] أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فرأيته يكثر الاختلاف من منزله وينظر إلى السماء قال: فدخل كبعض ماكان يدخل، قال: أنائم أنت أم رامق ؟ فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين مازلت أرمقك منذ الليلة بعيني وأنظر ما تصنع، فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، قوم يتخذون أرض الله بساطا، وترابه وسادا، وكتابه شعارا ودعاءه دثارا، وماءه طيبا، يقرضون الدنيا قرضا على منهاج المسيح عليه السلام. ان الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام يا عيسى عليك بالمنهاج الاول تلحق ملاحق المرسلين، قل لقومك: يا أخا المنذرين أن لا تدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأيد نقية، وأبصار خاشعة، فاني لاأسمع من داع دعاءه، ولاحد من عبادي عنده مظلمة، ولا أستجيب له دعوة ولي قبله حق لم يرده إلي. فان استطعت يا نوف ألا تكون عريفا ولا شاعرا ولا صاحب كوبة ولا صاحب عرطبة فافعل، فان داود عليه السلام رسول رب العالمين خرج ليلة من الليالي فنظر في نواحي السماء ثم قال: والله رب داود إن هذه الساعة لساعة ما يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، إلا أن يكون عريفا أو شاعرا أو صاحب كوبة أو صاحب عرطبة (2). 23 - ضه: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الزهد ثروة، والورع جنة، وأفضل


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 175. (2) مجالس المفيد ص 85.

[317]

الزهد إخفاء الزهد، الزهد يخلق الابدان، ويحدد الآمال، ويقرب المنية ويباعد الامنية، من ظفر به نصب، ومن فاته تعب، ولا كرم كالتقوى، ولا تجارة كالعمل الصالح، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة، ولا زهد كالزهد في الحرام. الزهد كلمة بين كلمتين قال الله تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم " (1) فمن لم يأس على الماضي، ولم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه، أيها الناس الزهادة قصر الامل، والشكر عند النعم، والورع عند المحارم فان عزب ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم، ولا تنسوا عند النعم شكركم، فقد أعذر الله إليكم بحجج مسفرة ظاهرة، وكتب بارزة العذر واضحة. 24 - ين: فضالة، عن عبد الله بن فرقد، عن أبي كهمش، عن عبد المؤمن الانصاري، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: استحيوا من الله حق الحياء، فقيل: يارسول الله ومن يستحيي من الله حق الحيا ؟ فقال: من استحيى من الله حق الحياء فليكتب أجله بين عينيه، وليزهد في الدنيا وزينتها، ويحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، ولا ينسى المقابر والبلى. 25 - ين: النضر، عن درست، عن إسحاق بن عمار، عن ميسر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما نزلت هذه الآية " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا " (2) استوى رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا ثم قال: من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن اتبع بصره ما في أيدي الناس طال همه ولم يشف غيظه، ومن لم يعرف لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب قصر علمه، ودنا عذابه. 26 - ين: ابن المغيرة، عن السكوني يرفع الحديث إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال: قيل له: ما الزهد في الدنيا ؟ قال: حرامها فتنكبه. 27 - ين: ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي يعقوب قال: سمعت


(1) الحديد: 23. (2) طه: 131.

[318]

أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنا لنحب الدنيا وأن لانعطاها خير لنا، وما اعطي أحد منها شيئا إلا نقص من حظه من الآخرة. 28 - ين: النضر، عن عاصم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جاءني ملك فقال: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن شئت جعلت لك بطحاء مكة رضراض ذهب، قال: فرفع النبي صلى الله عليه وآله رأسه إلى السماء فقال: يا رب أشبع يوما فأحمدك، وأجوع يوما فأسألك. 29 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد بن عبيد بن ياسين عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من أصبح والآخرة همه استغنى بغير مال واستأنس بغير أهل وعز بغير عشيرة (1). 30 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد الحسني، عن محمد بن علي بن الحسين بن زيد، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما ابن آدم ليومه، فمن أصبح آمنا في سربه معافى في جسده، عنده قوت يومه فكأنما خيرت له الدنيا (2). 31 - ما: الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه محمد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي اسامة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يشبع من خبز بر ثلاثة أيام قط قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما أكله قط قلت: فأي شئ كان يأكل ؟ قال: كان طعام رسول الله صلى الله عليه وآله الشعير إذا وجده، وحلواه التمر، ووقوده السعف (3). 32 - ما: الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن الحسن بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمش، عن عمرو بن


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 192. (2) أمالي الطوسي ج 2 ص 201. (3) أمالي الطوسي ج 2 ص 276.

[319]

سعيد بن هلال قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أوصني فقال: اوصيك بتقوى الله والورع والاجتهاد، واعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع فيه، وانظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك فكثيرا ما قال الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وآله " ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " (1) وقال عز ذكره: " ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا " (2) فان نازعتك نفسك إلى شئ من ذلك فاعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قوته الشعير، وحلواه التمر، ووقوده السعف، وإذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله فان الناس لم يصابوا بمثله أبدا (3). 33 - الدرة الباهرة: سئل الرضا عليه السلام عن صفة الزاهد فقال: متبلغ بدون قوته، مستعد ليوم موته، متبرم بحياته. 34 - نهج: قال عليه السلام: أفضل الزهد إخفاء الزهد. وقال عليه السلام: ازهد في الدنيا يبصرك الله عوراتها، ولا تغفل فلست بمغفول عنك (4). 35 - نهج: عن نوف البكالي قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة وقد خرج من فراشه، فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق ؟ فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة اولئك قوم اتخذوا الارض بساطا وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا والدعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح عليه السلام. يا نوف إن داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل فقال: إنها ساعة لا يدعو فيها عبد ربه إلا استجيب له، إلا أن يكون عشارا أو عريفا أو شرطيا أو صاحب عرطبة، وهي الطنبور أو صاحب كوبة وهي الطبل، وقد قيل أيضا: إن


(1) براءة: 85. (2) طه: 131. (3) أمالي الطوسي ج 2 ص 294. (4) نهج البلاغة ج 2 ص 148.

[320]

العرطبة الطبل والكوبة الطنبور (1). وقال عليه السلام: الزهد كلمة بين كلمتين من القرآن قال الله سبحانه " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " (2) فلم لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه (3). وقال عليه السلام: أيها الناس الزهادة قصر الامل، والشكر عند النعم، والورع عند المحارم، فان عزب عنكم ذلك فلا يغلب الحرام صبركم، ولا تنسوا عند النعم شكركم، فقد أعذر الله إليكم بحجج سافرة ظاهرة، وكتب بارزة العذر واضحة (4). 36 - من خطبة له عليه السلام: في صفة الزهاد: كانوا قوما من أهل الدنيا وليسوا من أهلها، فكانوا فيها كمن ليس منها، عملوا فيها بما يبصرون، وبادروا فيها ما يحذرون، تقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة، يرون أهل الدنيا يعظمون موت أجسادهم، وهم أشد إعظاما لموت قلوب أحبائهم. 37 - ومن كتاب كتبه إلى سهل بن حنيف: يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الالوان و تنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه، ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدي به، ويستضيئ بنور علمه ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، فوالله ما كنزت في دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا. إلى قوله عليه السلام: ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 165. (2) الحديد: 23. (3) نهج البلاغة ج 2 ص 248. (4) نهج البلاغة ج 1 ص 141.

[321]

هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة، ولعل بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أو أن أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى، وأكباد حرى، فأكون كما قال القائل: وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد إلى آخر ما مر مشروحا في كتاب الفتن (1). 38 - عدة الداعي: روي أن نوحا عليه السلام عاش ألفي عام وخمسمائة عام ومضى من الدنيا ولم يبن فيها بيتا، وكان إذا أصبح يقول: لا امسي وإذا أمسى يقول: لا اصبح، وكذلك نبينا صلى الله عليه وآله خرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة. وأما إبراهيم عليه السلام فكان لباسه الصوف وأكله الشعير، وأما يحيى عليه السلام فكان لباسه الليف وأكله ورق الشجر، وأما سليمان عليه السلام فقد كان مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر، وإذا جنه الليل شد يديه إلى عنقه فلا يزال قائما حتى يصبح باكيا، وكان قوته من سفائف الخوص، يعملها بيده. وروي أن نبينا صلى الله عليه وآله أصابه يوما الجوع، فوضع صخرة على بطنه، ثم قال: ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا رب نفس كاسية ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب متخوض متنعم فيما أفاء الله على رسوله ماله في الآخرة من خلاق، ألا إن عمل أهل الجنة حزنة بربوة ألا إن عمل أهل النار كلمة سهلاء بشهوة، ألا رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا يوم القيامة. وقال سويد بن غفلة: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما بويع بالخلافة وهو جالس على حصير صغير، وليس في البيت غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئا مما يحتاج إليه البيت ؟ فقال عليه السلام: يا ابن


(1) نهج البلاغة ج 2 ص 72.

[322]

غفلة إن اللبيب لا يتأثث (1) في دار النقلة، ولنا دار أمن قد نقلنا إليها خير متاعنا، وإنا عن قليل إليها صائرون. وكان عليه السلام إذا أراد أن يكتسي دخل السوق فيشتري الثوبين فيخير قنبرا أجودهما، ويلبس الآخر، ثم يأتي النجار فيمد له إحدى كميه ويقول: خذه بقدومك، ويقول: هذه تخرج في مصلحة اخرى ويبقي الكم الاخرى بحالها، ويقول: هذه تأخذ فيها من السوق للحسن والحسين عليهما السلام (2). وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما تعبدوا لله بشئ مثل الزهد في الدنيا. وقال عيسى عليه السلام للحواريين: ارضوا بدني الدنيا مع سلامة دينكم، كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة دنياهم، وتحببوا إلى الله بالبعد منهم وأرضوا الله في سخطهم، فقالوا: فمن نجالس يا روح الله ؟ قال: من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله (3).


(1) يعنى لا يتخذ أثاثا للبيت يقال: تأثث فلان، أصاب خيرا وفي الصحاح: أصاب رياشا وفي المفردات: أصاب أثاثا، والاثاث متاع البيت بلا واحد وقيل هو ما يتخذ للاستعمال والمتاع لا للتجارة. (2) يعنى أنه عليه السلام كان يخيط من احدى كميه كيسا ليشترى فيه من السوق. (3) عدة الداعي ص 87.

[323]

59. * (باب) * * " (الخوف والرجاء وحسن الظن بالله تعالى) " * الايات: البقرة: وإياي فارهبون (1) وقال تعالى: وإياي فاتقون (2). وقال سبحانه: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمت الله (3). آل عمران: ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير (4). وقال: ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد (5). وقال سبحانه: يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية (6). وقال سبحانه: إنما ذلكم الشيطان يخوف أوليائه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين (7). النساء: وترجون من الله ما لا يرجون (8). المائدة: وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب (9). وقال تعالى حاكيا عن ابن آدم عليه السلام: إني أخاف الله رب العالمين (10).


(1 - 2) البقرة: 40 - 41. (3) البقرة: 218. (4 - 5) آل عمران: 28 و 29. (6) آل عمران: 154. (7) آل عمران: 175. (8) النساء: 104. (9) المائدة: 23. (10) المائدة: 28.

[324]

وقال تعالى: ألم تعلم أن الله له ملك السموات والارض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير (1). وقال تعالى: فلا تخشوا الناس واخشون (2). وقال: ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (3). وقال سبحانه: اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم * ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (4). الانعام: قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين (5). وقال: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون (6). وقال حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالامن إن كنتم تعلمون (7). الاعراف: أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون * أو لم يهد للذين يرثون الارض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (8). وقال: وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون (9).


(1) المائدة: 40. (2) المائدة: 44. (3) المائدة: 84. (4) المائدة: 99. (5) الانعام: 15 و 16. (6) الانعام: 51. (7) الانعام: 81. (8) الاعراف: 97 - 99. (9) الاعراف: 154.

[325]

وقال تعالى: قال عذابي اصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذينهم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الامي إلى قوله: اولئك هم المفلحون (1). الانفال: واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (2). التوبة: أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (3). وقال تعالى: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى اولئك أن يكونوا من المهتدين (4). هود: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد * إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة (5). يوسف: أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (6). الرعد: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (7). وقال تعالى: ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (8). وقال تعالى: أولم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (9). ابراهيم: ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (10).


(1) الاعراف: 156 و 157. (2) الانفال: 25. (3) براءة: 13. (4) براءة: 18. (5) هود: 102 و 103. (6) يوسف: 107. (7) الرعد: 6. (8) الرعد: 21. (9) الرعد: 41. (10) ابراهيم: 14.

[326]

الحجر: نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي لهو العذاب الاليم (1). وقال سبحانه: وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (2). النحل: أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم على تخوف فان ربكم لرؤف رحيم (3). وقال تعالى: ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون * وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فاياي فارهبون * وله ما في السموات والارض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (4). اسرى: عسى ربكم أن يرحكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا * إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (5). وقال تعالى: ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا - إلى قوله تعالى: ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (6). طه: إلا تذكرة لمن يخشى (7).


(1) الحجر: 49 و 50. (2) الحجر: 82 و 84. (3) النحل: 45 - 47. (4) النحل: 49 - 52. (5) أسرى: 8 - 10. (6) أسرى: 54 - 57. (7) طه: 3.

[327]

وقال تعالى: أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لاولي النهى (1). الانبياء: وهم من خشيته مشفقون (2). وقال تعالى: قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون - إلى قوله تعالى: أفلا يرون أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (3). وقال سبحانه: ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين * الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (4). وقال تعالى: وكانوا لنا خاشعين (5). الحج: وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (6). المؤمنون: إن الذينهم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله تعالى: والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (7). النور: يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار (8). وقال تعالى: ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فاولئك هم الفائزون (9). الشعراء: إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين (10). وقال تعالى: والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (11).


(1) طه: 128. (2) الانبياء: 28. (3) الانبياء: 42 - 44. (4) الانبياء: 47 - 48. (5) الانبياء: 90، وفي نسخة الاصل وهكذا نسخة الكمبانى ههنا تكرار. (6) الحج: 34. (7) المؤمنون: 57 - 60. (8) النور: 37. (9) النور: 52. (10) الشعراء: 51. (11) الشعراء: 82.

[328]

النمل: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدى المرسلون * إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فاني غفور رحيم (1) القصص: يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (2). العنكبوت: من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت وهو السميع العليم (3). وقال تعالى: يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون * وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير * والذين كفروا بآيات الله ولقائه اولئك يئسوا من رحمتي واولئك لهم عذاب أليم (4). لقمان: يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق (5). الاحزاب: لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (6). وقال تعالى: وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه (7). وقال سبحانه: الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (8). فاطر: إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلوة (9). وقال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء (10). يس: إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة


(1) النمل: 11 - 10. (2) القصص: 31. (3) العنكبوت: 5. (4) العنكبوت: 23. (5) لقمان: 33. (6) الاحزاب: 21. (7) الاحزاب: 37. (8) الاحزاب: 39. (9) فاطر: 18. (10) فاطر: 28.

[329]

وأجر كريم (1). ص: إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (2). الزمر: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه (3). وقال تعالى: قل إنى أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم إلى قوله تعالى: ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون إلى قوله تعالى: مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله (4). السجدة: إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (5). حمعسق: تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (6). وقال تعالى: وما يدريك لعل الساعة قريب * يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق (7). الفتح: الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جنهم وساءت مصيرا (8). ق: من خشي الرحمن بالغيب وقال تعالى: فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (9). الذاريات: وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الاليم (10). الطور: قالوا إنا كنا من قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا


(1) يس: 11. (2) ص: 46. (3) الزمر: 9. (4) الزمر: 13، 16، 23. (5) السجدة: 43. (6) الشورى: 5. (7) الشورى: 17 - 18. (8) الفتح: 6. (9) ق: 33، 45. (10) الذاريات: 37.

[330]

عذاب السموم (1). الرحمن: سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يا معشر الجن والانس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان إلى قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان (2). الحشر: لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله (3). الملك: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير إلى قوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير * ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير * أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير * أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور * أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (4). المعارج: والذينهم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مامون (5). نوح: مالكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوار (6). المدثر: كلا بل لا يخافون الآخرة - إلى قوله تعالى: هو أهل التقوى وأهل المغفرة (7).


(1) الطور: 26 و 27. (2) الرحمن: 31 - 34. (3) الحشر: 21. (4) الملك: 12 - 21. (5) المعارج: 27 و 28. (6) نوح: 13 - و 14. (7) المدثر: 53 - 56.

[331]

الدهر: ويخافون يوما كان شره مستطيرا إلى قوله تعالى: إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقيهم نضرة وسرورا إلى قوله تعالى: نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا إلى قوله تعالى: يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما (1). النازعات: وأهديك إلى ربك فتخشى إلى قوله تعالى: إن في ذلك لعبرة لمن يخشى (2). وقال تعالى: وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هي المأوى (3). الانفطار: علمت نفس ما قدمت وأخرت * يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك * فسويك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك (4). البروج: إن بطش ربك لشديد إلى قوله تعالى: وهو الغفور الودود (5). الاعلى: سيذكر من يخشى * ويتجنبها الاشقى * الذي يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا يحيى (6). البينة: رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه (7). تفسير: " وإياي فارهبون " (8) قيل: الرهبة خوف معه تحرز ويدل على أن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحدا إلا الله " وإياي فاتقون " (9) أي بالايمان واتباع


(1) الدهر: 7 - 10 - 11 - 28 - 31. (2) النازعات: 19 - 26. (3) النازعات: 40 - 41. (4) الانفطار: 5 - 8. (5) البروج: 12 - 14. (6) الاعلى: 10 - 13. (7) البينة: 8. (8 و 9) البقرة: 40 و 41.

[332]

الحق والاعراض عن الدنيا وقيل: الرهبة مقدمة التقوى. " اولئك يرجون رحمة الله " (1) أقول كأن فيه دلالة على أن الرجاء لا يكون إلا مع العمل، وبدونه غرة، وقيل: أثبت لهم الرجاء إشعارا بأن العمل غير موجب و لا قاطع في الدلالة سيما والعبرة بالخواتيم. " ويحذركم الله نفسه " (2) قيل: هو تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح وذكر النفس ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة وكرره ثانيا للتوكيد والتذكير " والله رؤف بالعباد " (3) إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم، ومراعاة لصلاحهم، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب فترجى رحمته ويخشى عذابه. " يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية " (4) هذا وصف لحال المنافقين في غزوة احد، قيل أي يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به، وظن الجاهلية بدله، وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها، أقول: ويدل على حرمة سوء الظن بالله واليأس من رحمته. " إنما ذلكم الشيطان " (5) يعني من يعوقهم عن العود إلى قتال الكفار بعد غزوة احد، وهو نعيم بن مسعود " وخافون " أي في مخالفة أمري " إن كنتم مؤمنين " فان الايمان يقتضي إيثار خوف الله على خوف الناس. " وترجون " (6) أي أيها المؤمنون " من الله " الرحمة والنصرة " مالا يرجون " أي الكفار فيدل على فضل الرجاء وأنه من صفات المؤمنين.


(1) البقرة: 218. (2 و 3) آل عمران: 28 و 29. (4) آل عمران، 154. (5) آل عمران: 175. (6) النساء: 104.

[333]

" من الذين يخافون " (1) أي يخافون الله ويتقونه، ويدل على مدح الخوف " ألم تعلم " (2) الخطاب للنبي أو لكل أحد، وفيها تخويف وتبشير " فلا تخشو الناس واخشون " (3) قيل: نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم. " وأنذر " (4) أي عظ وخوف " به " أي بالقرآن أو بالله " الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم " في المجمع يريد المؤمنين يخافون يوم القيامة وما فيها من شدة الاهوال، وقيل: معناه يعلمون، وقال الصادق عليه السلام: أنذر بالقرآن من يرجون الوصول إلى ربهم برغبتهم فيما عنده فان القرآن شافع مشفع " ليس لهم من دونه " أي غير الله " لعلهم يتقون " أي كي يخافوا في الدنيا وينتهوا عما نهيتهم عنه (5). " وكيف أخاف ما أشركتم " (6) ولا يتعلق به ضرر " ولا تخافون أنكم أشركتم بالله " وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لانه إشراك للمصنوع بالصانع وتسوية بين المقدور العاجز والقادر الضار النافع، " سلطانا " أي حجة والحاصل أن الكفر والخطايا مظنة الخوف فلا ينبغي معه الامن. " أفامن أهل القرى " (7) أي المكذبون لنبينا " أن يأتيهم بأسنا ضحى " أي ضحوة النهار، وهو في الاصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت " وهم يلعبون " أي يشتغلون بما لا ينفعهم " أفأمنوا مكر الله " مكر الله استعارة لاستدراجه العبد والاخذ من حيث لا يحتسب وقال علي بن إبراهيم: المكر من الله العذاب (8).


(1) المائدة: 23. (2) المائدة: 40. (3) المائدة: 44. (4) الانعام: 51. (5) مجمع البيان ج 3 ص 304 و 305. (6) الانعام: 81. (7) الاعراف: 97 - 99. (8) تفسير القمي ص 219.

[334]

وقال الطبرسي رحمه الله: أي أفبعد هذا كله أمنوا عذاب الله أن يأتيهم من حيث لا يشعرون، وسمى العذاب مكرا لنزوله بهم من حيث لا يعلمون كما أن المكر ينزل بالممكور به من جهة الماكر من حيث لا يعلمه، وقيل إن مكر الله استدراجه إياهم بالصحة والسلامة، وطول العمر وتظاهر النعمة، " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ". يسئل عن هذا فيقال إن الانبياء والمعصومين أمنوا مكر الله وليسوا بخاسرين وجوابه من وجوه أحدها أن معناه لا يأمن مكر الله من المذنبين إلا القوم الخاسرون بدلالة قوله سبحانه " إن المتقين في مقام أمين " (1) وثانيها أن معناه لا يأمن عذاب الله للعصاة إلا الخاسرون، والمعصومون لا يؤمنون عذاب الله للعصاة، ولهذا سلموا من مواقعة الذنوب، وثالثها لا يأمن عقاب الله جهلا بحكمته إلا الخاسرون ومعنى الآية الابانة عما يجب أن يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله ليسارع إلى طاعته واجتناب معاصيه، ولا يستشعر الامن من ذلك فيكون قد خسر في دنياه وآخرته بالتهالك في القبائح (2). " أو لم يهد للذين يرثون الارض " أي يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم وإنما عدى يهد باللام لانه بمعنى يبين " أن لو نشاء " أي أنه لو نشاء " أصبناهم بذنوبهم " أي بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم " ونطبع على قلوبهم " مستأنف يعني ونحن نطبع على قلوبهم " فهم لا يسمعون " سماع تفهم واعتبار. " للذين هم لربهم يرهبون " (3) أي يخشون ربهم فلا يعصونه ويعملون بما فيها (4). " عذابي اصيب به من أشاء " قال في المجمع: أي ممن عصاني واستحقه بعصيانه، وإنما علقه بالمشية لجواز الغفران " ورحمتي وسعت كل شئ " قال


(1) الدخان: 51. (2) مجمع البيان ج 4 ص 453. (3) الاعراف: 154. (4) يعني التوراة. (*)

[335]

الحسن وقتادة إن رحمته في الدنيا وسعت البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتقين خاصة، وقال العوفي وسعت كل شئ ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار في الاخرة وجب للمؤمنين خاصة كالمستضئ بنار غيره، إذا ذهب صاحب السراج بسراجه، وقيل: معناه أنها تسع كل شئ إن دخلوها، فلو دخل الجميع فيها لوسعتهم إلا أن فيهم من لايدخل فيها لضلاله " فسأكتبها للذين يتقون " أي فساوجب رحمتي للذين يتقون الشرك أي يجتنبونه، وقيل: يجتنبون الكبائر والمعاصي (1). " لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " (2) قيل: بل يعمهم وغيرهم كالمداهنة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وافتراق الكلمة وظهور البدع، وروى العياشي في هذه الآية قال: أصابت الناس فتنة بعد ما قبض الله نبيه حتى تركوا عليا وبايعوا غيره وهي الفتنة التي فتنوا بها، وقد أمرهم رسول الله باتباع علي والاوصياء من آل محمد عليهم السلام (3) وفي المجمع عن علي والباقر عليهما السلام أنهما قرءا " لتصيبن " (4). " فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين " (5) بعقاب الله وثوابه ويدل على أن خشية الله تعالى من لوازم الايمان " ولم يخش إلا الله " (6) قيل يعني في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضا الله رضا غيره، فان الخشية عن المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها، وفي المجمع: أي لم يخف سوى الله أحدا من المخلوقين وهذا راجع إلى قوله " أتخشونهم " أي إن خشيتموهم فقد ساويتموهم في الاشراك


(1) مجمع البيان ج 4 ص 486. (2) الانفال: 25. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 53. (4) مجمع البيان ج 4 ص 532. (5) براءة: 13. (6) براءة: 18.

[336]

كما قال " فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله " الاية (1). " وكذلك " (2) أي ومثل ذلك الاخذ " أخذ ربك إذا أخذ القرى " أي أهلها " وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد " أي وجيع صعب، وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله أن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم تلا هذه الآية (3) " إن في ذلك " أي فيما نزل بالامم الهالكة " لآية " أي لعبرة " لمن خاف عذاب الآخرة " لعلمه بأنه انموذج منه. " غاشية من عذاب الله " (4) أي عقوبة تغشاهم وتشملهم " بغتة " أي فجاءة من غير سابقة علامة " وهم لا يشعرون " باتيانها غير مستعدين لها. " ويخافون سوء الحساب " (5) خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا وروي علي بن إبراهيم (6) والكليني (7) والصدوق (8) والعياشي (9) عن الصادق عليه السلام: أنه تلا هذه الاية حين وافى رجلا استقصى حقه من أخيه وقال أتراهم يخافون أن يظلمهم أو يجور عليهم، ولكنهم خافوا الاستقصاء والمداقة فسماه الله سوء الحساب، فمن استقصى فقد أساء، وفي المجمع (10) والعياشي (11) عنه عليه السلام أن تحسب عليهم السيئات، وتحسب لهم الحسنات، وهو الاستقصاء. " ننقصها من أطرافها " (12) قيل: أي بذهاب أهلها، وفي الاحتجاج عن


(1) مجمع البيان ج 5 ص 14. (2) هود: 102 و 103. (3) مجمع البيان ج 10 ص 191. (4) يوسف: 107. (5) الرعد: 21. (6) تفسير القمي ص 340. (7) الكافي ج 5 ص 100. (8) معاني الاخبار ص 246. (9) تفسير العياشي ج 2 ص 210. (10) مجمع البيان ج 6 ص 289. (11) تفسير العياشي ج 2 ص 210. (12) الرعد: 41.

[337]

أمير المؤمنين عليه السلام: يعني بذلك ما يهلك من القرون فسماه إتيانا، وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الآية فقال: فقد العلماء، وقال علي بن إبراهيم هو موت علمائها (1) وفي الكافي (2) عن الباقر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: إنه يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله تعالى " أو لم يروا أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها " وهو ذهاب العلماء " لا معقب لحكمه " أي لا راد له، والمعقب الذي يعقب الشئ فيبطله " وهو سريع الحساب " فيحاسبهم عما قليل. " ذلك " (3) أي إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين " لمن خاف مقامي " أي موقفي للحساب " وخاف وعيد " أي وعيدي بالعذاب. " نبئ عبادي " الآية (4) فيها حث على الرجاء والخوف معا لكن في توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الرجاء. " آمنين " (5) من الانهدام، ونقب اللصوص، وتخريب الاعداء لوثاقتها أو من العذاب لفرط غفلتهم " ما كانوا يكسبون " أي من بناء البيوت الوثيقة، واستكثار الاموال والعدد. " مكروا السيئات " (6) أي المكرات السيئات قيل: هم الذين احتالوا لهلاك الانبياء والذين مكروا رسول الله صلى الله عليه وآله وراموا صد أصحابه عن الايمان " أن يخسف الله بهم الارض " كما خسف بقارون " أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون " بغتة من جانب السماء، كما فعل بقوم لوط " أو يأخذهم في تقلبهم " إذا جاؤوا وذهبوا في


(1) تفسير القمي ص 343. (2) الكافي ج 1 ص 38. (3) ابراهيم: 14. (4) الحجر: 49. (5) الحجر: 82. (6) النحل: 84.

[338]

متاجرهم وأعمالهم " فما هم بمعجزين " أي فليسوا بفائتين وما يريده الله بهم من الهلاك لا يمتنع عليه " أو يأخذهم على تخوف " قيل أي على مخافة بأن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون، أو على تنقص بأن ينقصهم شيئا بعد شئ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، من تخوفته إذا تنقصته، وقال علي بن إبراهيم: أي على تيقظ (1) وبالجملة هو خلاف قوله " من حيث لا يشعرون ". وروى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه قال: هم أعداء الله وهم يمسخون ويقذفون ويسيخون في الارض (2) وفي الكافي عن السجاد عليه السلام في كلام له في الوعظ والزهد في الدنيا ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئات، فان الله يقول: في محكم كتابه " أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الارض " الآية فاحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه لئلا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعد به القوم الظالمين في الكتاب، والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم، فان السعيد من وعظ بغيره (3). " وهم لا يستكبرون " (4) أي عن عبادته " يخافون ربهم من فوقهم " أي يخافونه وهو فوقهم بالقهر " وهو القاهر فوق عباده " (5) " ويفعلون ما يؤمرون " في المجمع قد صح عن النبي صلى الله عليه وآله أن لله ملائكة في السماء السابعة سجودا منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من مخافة الله، لا تقطر من دموعهم قطرة إلا صار ملكا فإذا كان يوم القيامة، رفعوا رؤوسهم وقالوا: ما عبدناك حق عبادتك (6).


(1) تفسير القمى ص 361. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 261. (3) الكافي ج 8 ص 74. (4) النحل: 49. (5) الانعام: 18 و 61. (6) مجمع البيان ج 6 ص 365.

[339]

قال بعض أهل المعرفة: إن أمثال هذه الآيات تدل على أن العالم كله في مقام الشهود والعبادة إلا كل مخلوق له قوة التفكر، وليس إلا النفوس الناطقة الانسانية والحيوانية خاصة من حيث أعيان أنفسهم لا من حيث هياكلهم فان هياكلهم كسائر العالم في التسبيح له والسجود، فأعضاء البدن كلها مسبحة ناطقة ألا تراها تشهد على النفوس المسخرة لها يوم القيامة من الجلود والايدي والارجل، والالسنة، والسمع والبصر، وجميع القوى فالحكم لله العلي الكبير. " إنما هو إله واحد " (1) أكد العدد في الموضعين دلالة على العناية به فانك لو قلت إنما هو إله لخيل أنك أثبت الالهية لا الوحدانية " فاياي فارهبون " كأنه قيل وأنا هو فاياي فارهبون لا غير " وله ما في السموات والارض " خلقا وملكا " وله الدين " أي الطاعة " واصبا " قيل أي لازما وروى العياشي عن الصادق عليه السلام قال: واجبا (2) " أفغير الله تتقون " ولا ضار سواه كما لا نافع غيره كما قال: " وما بكم من نعمة فمن الله " (3). " حصيرا " (4) أي محبسا لا يقدرون على الخروج منها أبدا " للتي هي أقوم " أي للطريقة التي هي أقوم الطرق، وأشد استقامة، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أي يدعو وعنه عليه السلام يهدي إلى الامام (5) وروى العياشي عن الباقر عليه السلام يهدي إلى الولاية (6) " وأن الذين " أي يبشر المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم. " وما أرسلناك عليهم وكيلا " (7) أي موكولا إليك أمرهم، تجبرهم على


(1) النحل: 51. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 262. (3) النحل: 53. (4) أسرى: 8 - 10. (5) الكافي ج 1 ص 216. (6) تفسير العياشي ج 2 ص 283. (7) أسرى: 54 - 57.

[340]

الايمان، وإنما أرسلناك مبشرا ونذيرا فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم " كان محذورا " أي حقيقا بأن يحذره كل أحد حتى الملائكة والرسل. " لمن يخشى " (1) أي لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالانذار. " أفلم يهد لهم " (2) قال علي بن إبراهيم: أي يبين لهم " يمشون في مساكنهم " أي يشاهدون آثار هلاكهم " لاولي النهى " أي لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي. " وهم من خشيته " (3) أي من عظمته ومهابته " مشفقون " أي مرتعدون وأصل الخشية خوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء والاشفاق خوف مع اعتناء فان عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس. " قل من يكلؤكم " (4) أي يحفظكم " من الرحمن " أي من بأسه " إن أراد بكم " وفي لفظ الرحمن تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة وأن اندفاعه بها مهلة " بل هم عن ذكر ربهم معرضون " لا يخطرونه ببالهم فضلا أن يخافوا بأسه. " أنا نأتي الارض " قيل: أرض الكفرة " ننقصها من أطرافها " قيل: أي بتسلط المسلمين عليها، وهو تصوير لما يجريه الله على أيدي المسلمين " أفهم الغالبون " رسول الله والمؤمنين، وفي الكافي والمجمع عن الصادق عليه السلام ننقصها يعني بموت العلماء، قال: نقصانها ذهاب عالمها، وقد مر الكلام فيه. " الفرقان " (5) أي الكتاب الجامع لكونه فارقا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وذكرا يتعظ به المتقون " بالغيب " حال من الفاعل أو المفعول " مشقون " أي خائفون. " وكانوا لنا خاشعين " (6) أي مخبتين أو دائمي الوجل.


(1) طه: 3. (2) طه: 128. (3) الانبياء: 28. (4) الانبياء: 42 و 44. (5) الانبياء: 47 و 48. (6) الانبياء: 90.

[341]

" وبشر المخبتين " (1) قيل: أي المتواضعين أو المخلصين فان الاخبات صفتهم، قال علي بن إبراهيم: أي العابد (2) " وجلت قلوبهم " هيبة منه، لاشراق أشعة جلاله عليها. " من خشية ربهم مشفقون " (3) قيل: أي من خوف عذابه حذرون " والذين يؤتون ما آتوا " قيل: يعطون ما اعطوه من الصدقات وقال علي بن إبراهيم: من العبادة والطاعة، ويؤيده قراءة يأتون ما أتوا في الشواذ (4) وما يأتي من الروايات " وقلوبهم وجلة " أي خائفة أن لا يقبل منهم، وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذ به " أنهم إلى ربهم راجعون " أي لان مرجعهم إليه أو من أن مرجعهم إليه، وهو يعلم ما يخفى عليهم، وقد روى الكليني في الروضة باسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال: هي أشفاقهم ورجاؤهم، يخافون أن ترد عليهم أعمالهم إن لم يطيعوا الله عز ذكره، ويرجون أن تقبل منهم (5). وفي الاصول باسناده عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال في حديث: ألا ومن عرف حقنا، ورجا الثواب فينا، ورضي بقوته نصف مد في كل يوم، وما ستر عورته، وما أكن رأسه، وهم والله في ذلك خائفون وجلون ودوا أنه حظهم من الدنيا وكذلك وصفهم الله تعالى فقال: " والذين يؤتون " الآية فقال: ما الذي أتوا أتوا والله الطاعة مع المحبة والولاية، وهم في ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شك ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في محبتنا وطاعتنا (6).


(1) الحج: 34. (2) تفسير القمي: 440. (3) المؤمنون: 57. (4) في الشواذ قراءة النبي صلى الله عليه وآله وعائشة وابن عباس وقتادة والاعمش يأتون ما أتوا مقصورا. (5) الكافي ج 8 ص 229. (6) الكافي ج 2 ص 457.

[342]

وفي المجمع قال أبو عبد الله عليه السلام: معناه خائفة أن لا يقبل منهم وفي رواية اخرى يؤتي ما آتى وهو خائف راج (1). " يخافون يوما " (2) أي مع ما هم عليه من الذكر والطاعة " تتقلب فيه القلوب والابصار " قيل أي تضطرب وتتغير من الهول أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه، وتبصر الابصار ما لم تكن تبصر، أو تتقلب القلوب من توقع النجاة وخوف الهلاك، والابصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتابهم. " ومن يطع الله ورسوله " (3) فيما يأمرانه " ويخشى الله " على ما صدر عنه من الذنوب " ويتقه " فيما بقي من عمره " فاولئك هم الفائزون " بالنعيم المقيم. " أن كنا " (4) أي لان كنا " أول المؤمنين " من أتباع فرعون أو من أهل المشهد. " أن يغفر لي خطيئتي " (5) قيل ذكر ذلك هضما لنفسه وتعليما للامة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر، وطلب لان يغفر لهم ما يفرط منهم، و استغفارا لما عسى يندر منه من ترك الاولى. " لا تخف " (6) قيل أي من غيري ثقة بي أو مطلقا لقوله " إني لا يخاف لدي المرسلون " حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق، فانهم أخوف الناس أي من الله أولا يكون لهم عندي سوء عاقبة، فيخافون منه " إلا من ظلم " المشهور أن الاستثناء منقطع وقال علي بن إبراهيم: (7) معنى " إلا من ظلم " لا من ظلم فوضع حرف مكان حرف، وقيل عاطفة قال في القاموس: وتكون عاطة بمنزلة


(1) مجمع البيان ج 7 ص 110. (2) النور: 37. (3) النور: 52. (4) الشعراء: 51. (5) الشعراء: 82. (6) النمل: 10، 11. (7) تفسير القمي ص 476.

[343]

الواو " لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم " وقرئ في الشواذ " ألا " بالفتح والتخفيف. " إنك من الآمنين " (1) أي من المخاوف كما مر " من كان يرجو لقاء الله " (2) قيل المراد بلقاء الله الوصول إلى ثوابه أو إلى العاقبة من الموت والبعث والحساب والجزاء على تمثيل حاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد وقد اطلع السيد على أحواله فاما أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله أو بسخط لما سخطه منها، وقال علي بن إبراهيم: قال: من أحب لقاء الله جاءه الاجل (3) وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام يعني من كان يؤمن بأنه مبعوث فان وعد الله لآت من الثواب والعقاب، قال: فاللقاء ههنا ليس بالرؤية، واللقاء هو البعث " وهو السميع " لاقوال العباد " العليم " بعقائدهم وأعمالهم. " وإليه تقلبون " (4) أي تردون " وما أنتم بمعجزين " ربكم عن إدراككم " في الارض ولا في السماء " إن فررتم من قضائه بالتواري في إحداهما " من ولي ولا نصير " يحرسكم عن بلائه ولقائه بالبعث " اولئك يئسوا من رحمتي " لانكارهم البعث والجزاء " واولئك لهم عذاب أليم " بكفرهم. " لا يجزي والد عن ولده " (5) أي لا يقضي عنه، وقرئ لا يجزئ من أجزأ أي لا يغني " إن وعد الله حق " بالثواب والعقاب. " اسوة حسنة " (6) قيل: أي خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد " لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر " أي ثواب الله أو لقاءه ونعيم الآخرة أو أيام الله واليوم الآخر خصوصا والرجاء يحتمل الاصل


(1) القصص: 31. (2) العنكبوت: 5. (3) تفسير القمي ص 494. (4) العنكبوت: 23. (5) لقمان: 33. (6) الاحزاب: 21.

[344]

والخوف وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة فان المؤتسي بالرسول من كان كذلك. " وتخشى الناس " (1) أي تعييرهم إياك " والله أحق أن تخشاه " إن كان فيه ما يخشى " وكفى بالله حسيبا " (2) فينبغي أن لا يخشى إلا منه. " الذين يخشون ربهم بالغيب " (3) قيل: أي غائبين عن عذابه أو عن الناس في خلواتهم، أو غائبا عنهم عذابه " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (4) إذ شرط الخشية معرفة المخشي، والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله: إني أخشاكم لله وأتقاكم له، " إن الله عزيز غفور " تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه، غفور للتائب عن عصيانه، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام يعني بالعلماء من صدق قوله فعله، ومن لم يصدق قوله فعله فليس بعالم، وفي الحديث أعلمكم بالله أخوفكم لله (5) وفي الكافي عن السجاد عليه السلام: وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان، فمن عرف الله خافه، وحثه الخوف على العمل بطاعة الله، وإن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه، وقد قال الله: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (6) وعن الصادق عليه السلام إن من العباد شدة الخوف من الله، ثم تلا هذه الآية، وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام: دليل الخشية التعظيم لله والتمسك بخالص الطاعة، وأوامره، والخوف والحذر، ودليلهما العلم ثم تلا هذه الآية (7).


(1) الاحزاب: 37. (2) الاحزاب: 39. (3) فاطر: 18. (4) فاطر: 28. (5) مجمع البيان ج 8 ص 407، وتراه في الكافي ج 1 ص 36. (6) الكافي ج 8 ص 16. (7) مصباح الشريعة ص 4.

[345]

" إنما تنذر " (1) أي إنذارا يترتب عليه الاثر " من اتبع الذكر " قيل: هو القرآن وفي الحديث أنه علي عليه السلام " وخشي الرحمن بالغيب " قيل: أي خاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله، أو في سريرية ولا يغتر برحمته، فانه كما هو رحمن منتقم قهار. " إنا أخلصناهم بخالصة " (2) أي جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لاشوب فيها هي " ذكرى الدار " تذكرهم للآخرة دائما، فان خلوصهم في الطاعة بسببها وذلك لانه كان مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون، جوار الله والفوز بلقائه، وإطلاق الدار للاشعار بأنها الدار الحقيقية والدنيا معبر. " أم من هو قانت " (3) أي قائم بوظائف الطاعات، " آناء الليل " أي ساعاته " يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه " يدل على مدح الجمع بين الخوف والرجاء. " ذلك يخوف الله به عباده " (4) أي ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليجتنبوا ما يوقعهم فيه " يا عباد فاتقون " ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي. " مثاني " (5) في المجمع سمي بذلك لانه يثنى فيه القصص والاخبار والاحكام والمواعظ، بتصريفها في ضروب البيان، ويثنى أيضا في التلاوة فلا يمل لحسن مسموعه " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم " أي يأخذهم قشعريرة خوفا مما في القرآن من الوعيد " ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله " إذا سمعوا ما فيه من الوعد بالثواب والرحمة، والمعنى أن قلوبهم تطمئن وتسكن إلى ذكر الله الجنة والثواب فحذف مفعول الذكر للعلم به. وروي عن العباس بن


(1) يس: 11. (2) ص: 46. (3) الزمر: 9. (4) الزمر: 16. (5) الزمر: 23.

[346]

عبد المطلب أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما تتحات عن الشجرة اليابسة ورقها، وقال قتادة: هذا نعت لاولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان (1). " تكاد السموات يتفطرن " (2) أي يتشققن من عظمة الله وروى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام أي يتصد عن " من فوقهن " أي من جهتن الفوقانية أو من فوق الارضين " لمن في الارض " قال: للمؤمنين من الشيعة التوابين خاصة ولفظ الآية عام والمعنى خاص (3) وفي الجوامع عن الصادق عليه السلام: ويستغفرون لمن في الارض من المؤمنين. " قريب " (4) أي إتيانها " يستعجل بها " أي استهزاء " مشفقون " منها أي خائفون منها مع اعتناء بها لتوقع الثواب " ويعلمون أنها الحق " الكائن لا محالة. " الظانين بالله ظن السوء " (5) وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين " عليهم دائرة السوء " أي دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم. " من يخاف وعيد " (6) فانه لا ينتفع به غيره. " آية " (7) أي علامة " للذين يخافون " فانهم المعتبرون بها. " مشفقين " (8) قال علي بن إبراهيم: أي خائفين من العذاب " فمن الله علينا " بالرحمة " عذاب السموم " أي عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم، وقال علي بن إبراهيم:


(1) مجمع البيان ج 8 ص 495. (2) الشورى: 5. (3) تفسير القمى ص 595. (4) الشورى: 17. (5) الفتح: 6. (6) ق: 45. (7) الذاريات: 37. (8) الطور: 26.

[347]

السموم الحر الشديد (1). " سنفرغ لكم " (2) قيل أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم القيامة فانه ينتهي يومئذ شؤون الخلق كلها فلا يبقى إلا شأن واحد وهو الجزاء، فجعل ذلك فراغا على سبيل التمثيل، وقيل تهديد مستعار من قولك لمن تهدده سأفرغ لك فان المتجرد للشئ كان أقوى عليه وأجد فيه، والثقلان الجن والانس " إن استطعتم أن تنفذوا " أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والارض هاربين من الله فارين من قضائه " فانفذوا " فاخرجوا " لا تنفذون " أي لا تقدرون على النفوذ " إلا بسلطان " قيل أي إلا بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السماوات والارض فانفذوا لتعلموا، لكن لا تنفذون ولا تعلمون إلا ببينة نصبها الله فتعرجون عليها بأفكاركم. وأقول: قد مرت الاخبار في ذلك في كتاب المعاد. " ولمن خاف مقام ربه " قال البيضاوي (3) أي موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين، فأضاف إلى الرب تفخيما وتهويلا أو ربه ومقام مقحم للمبالغة " جنتان " جنة للخائف الانسي والاخرى للخائف الجني فان الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما، أو لكل واحد جنة لعقيدته واخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات، واخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها، واخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية. " لو أنزلنا هذا القرآن على جبل " (4) الآية في المجمع: تقديره لو كان


(1) تفسير القمي ص 650. (2) الرحمن: 31 - 36. (3) أنوار التنزيل ص 419. (4) الحشر: 21.

[348]

الجبل مما ينزل عليه القرآن ويشعر به مع غلظه وجفاء طبعه وكبر جسمه لخشع لمنزله وانصدع من خشيته، تعظيما لشأنه، فالانسان أحق بهذا لو عقل الاحكام التي فيه، وقيل: معناه لو كان الكلام ببلاغته يصدع الجبل لكان هذا القرآن يصدعه وقيل إن المراد ما يقتضيه الظاهر بدلالة قوله " وإن منها لما يهبط من خشية الله " وهذا وصف للكافر بالقسوة، حيث لم يلن قلبه بمواعظ القرآن الذي لو نزل على جبل لتخشع ويدل على أن هذا تمثيل قوله " وتلك الامثال " الخ (1). " بالغيب " (2) أي يخافون عذابه غائبا عنهم لم يعاينوه بعد، أو غائبين عنه أو عن أعين الناس، أو بالمخفي فيهم، وهو قلوبهم " لهم مغفرة " لذنوبهم " وأجر كبير " يصغر دونه لذائذ الدنيا " أأمنتم من في السماء " يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم " أن يخسف بكم الارض " فيغيبكم فيها كما فعل بقارون " فإذا هي تمور " أي تضطرب " أن يرسل عليكم حاصبا " أي يمطر عليكم حصباء " فستعلمون كيف نذير " أي كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به، ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ " فكيف كان نكير " أي إنكاري عليهم بانزال العذاب، وهو تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وتهديد لقومه " صافات " أي باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها فانهن إذا بسطتها صففن قوادمها " ويقبضن " أي وإذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستعانة به على التحريك " ما يمسكهن " في الجو على خلاف الطبع " إلا الرحمن " الواسع رحمته كل شئ " إنه بكل شئ بصير " يعلم كيف ينبغي أن يخلقه. " أم من هذا الذي هو جند لكم " (3) يعني أو لم تنظروا في أمثال هذه الصنايع، فتعلموا قدرتنا على تعذيبكم بنحو خسف وإرسال حاصب، أم هذا الذي تعبدونه من دون الله لكم جند ينصركم من دون الله أن يرسل عليكم عذابه، فهو


(1) مجمع البيان ج 9 ص 266. (2) الملك: 12. (3) الملك: 21.

[349]

كقوله " أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا " (1) وفيه إشعار بأنهم اعتقدوا القسم الثاني حيث أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم " إلا في غرور " أي لا معتمد لهم " إن أمسك رزقه " أي بامساك المطر وسائر الاسباب المحصلة و الموصلة له إليكم " بل لجوا " أي تمادوا " في عتو " أي عناد " ونفور " أي شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه. " مشفقون " (2) أي خائفون على أنفسهم " إن عذاب ربهم " اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لاحد أن يأمن من عذاب الله، وإن بالغ في طاعته. " لا ترجون لله وقارا " (3) قال البيضاوي: أي لا تأملون له توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه، فتكونون على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم أولا تعتقدون له عظمة فتخافوا عصيانه، وإنما عبر عن الاعتقاد التابع لادنى الظن مبالغة " وقد خلقكم أطوارا " حال مقدرة للانكار من حيث إنها موجبة للرجاء فان خلقهم أطوارا أي تارات إذ خلقهم أولا عناصر، ثم مركبات تغذي الانسان ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم أنشأهم خلقا آخر يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة اخرى فيعظمهم بالثواب وعلى أنه تعالى عظيم القدرة تام الحكمة (4). وقال علي بن إبراهيم: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " لا ترجون لله وقارا " يقول لا تخافون لله عظمة، وقال علي بن إبراهيم في قوله " وقد خلقكم أطوارا " قال على اختلاف الاهواء والارادات والمشيات (5) " كلا " (6) قيل ردع عن اقتراحهم الآيات " بل لا يخافون الآخرة " فلذلك


(1) الانبياء: 43. (2) المعارج: 27 و 28. (3) نوح: 13 و 14. (4) أنوار التنزيل: 443. (5) تفسير القمي ص 697. (6) المدثر: 53 - 56. (*)

[350]

أعرضوا عن التذكرة " هو أهل التقوى " أي حقيق بأن يتقى عقابه " وأهل المغفرة " أي حقيق بأن يغفر عباده، وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال: قال الله تعالى: أنا أهل أن اتقى ولا يشرك بي عبدي شيئا، وأنا أهل إن لم يشرك بى أن ادخله الجنة. " كان شره " (1) قيل: أي شدائده " مستطيرا " أي فاشيا منتشرا غاية الانتشار وفيه إشعار بحسن عقيدتهم، واجتنابهم عن المعاصي، وفي المجالس للصدوق (2) عن الباقر عليه السلام يقول: كلوحا عابسا وقال علي بن إبراهيم: المستطير العظيم (3) " يوما " أي عذاب يوم " عبوسا " أي يعبس فيه الوجوه أو يشبه الاسد العبوس في ضراوته " قمطريرا " شديد العبوس كالذي يجمع ما بين عينيه، وقال علي بن إبراهيم: القمطرير الشديد " ولقيهم نضرة وسرورا " عن الباقر عليه السلام نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب " وشددنا أسرهم " أي وأحكمنا ربط مفاصلهم بالاعصاب وقال علي بن إبراهيم: أي خلقهم " بدلنا أمثالهم تبديلا " أي أهلكناهم وبدلنا أمثالهم في الخلقة وشدة الاسر يعني النشأة الآخرة أو المراد تبديلهم بغيرهم ممن يطيع في الدنيا " في رحمته " بالهداية والتوفيق للطاعة وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام في ولايتنا. " وأهديك إلى ربك " (4) قيل: أي وأرشدك إلى معرفته " فتخشى " بأداء الواجبات وترك المحرمات إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة " لمن يخشى " لمن كان شأنه الخشية " مقام ربه " أي مقامه بين يديه لعلمه بالمبدء والمعاد " ونهى النفس عن الهوى " لعلمه بأن الهوى يرديه قال علي بن إبراهيم: هو العبد إذا وقف


(1) الانسان: 7 إلى آخر السورة. (2) أمالي الصدوق ص 155 - 157. (3) تفسير القمي ص 707. (4) النازعات: 19 - 26.

[351]

على معصية الله وقدر عليها ثم تركها مخافة الله ونهى النفس عنها فمكافاته الجنة (1). " علمت نفس ما قدمت وأخرت " (2) أي من خير وشر وقيل: وما أخرت من سنة حسنة استن بها بعده، أو سنة سيئة استن بها بعده " ما غرك بربك الكريم " أي أي شئ خدعك وجرأك على عصيانه قيل: ذكر الكريم للمبالغة في المنع عن الاغترار، والاشعار بما به يغره الشيطان، فانه يقول: افعل ما شئت فان ربك كريم لا يعذب أحدا وقيل: إنما قال سبحانه: " الكريم " دون سائر أسمائه وصفاته، لانه كأنه لقنه الجواب حتى يقول: غرني كرم الكريم، وفي المجمع روي أن النبي صلى الله عليه وآله لما تلا هذه الآية قال: غره جهله (3) " فسويك " جعل أعضاءك سليمة مسواة معدة لمنافعها " فعدلك " جعل بنيتك معتدلة متناسبة الاعضاء " في أي صورة ما شاء ركبك " أي ركبك في أي صورة شاء، وما مزيدة وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال: لو شاء ركبك على غير هذه الصورة (4). " إن بطش ربك لشديد " (5) مضاعف عنفه فان البطش أخذ بعنف " وهو الغفور الودود " لمن تاب وأطاع. " سيذكر من يخشى " (6) أي سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله " ويتجنبها " أي يتجنب الذكرى " النار الكبرى " قال: نار يوم القيامة " ثم لا يموت فيها " فيستريح " ولا يحيى " حياة تنفعه، فيكون كما قال الله: " ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت " (7). " ورضوا عنه " (8) لانه بلغهم أقصى أمانيهم " ذلك لمن خشي ربه " فان


(1) تفسير القمي ص 711. (2) الانفطار: 5 - 8. (3 و 4) مجمع البيان ج 10 ص 34 ص 449. (5) البروج: 12 - 14. (6) الاعلى: 10 - 17. (7) ابراهيم: 17. (8) البينة: 8.

[352]

الخشية ملاك الامر والباعث على كل خير. 1 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن منصور بن يونس، عن الحارث بن المغيرة أو أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما كان في وصيه لقمان، قال: كان فيها الاعاجيب، وكان أعجب ما [كان] فيها أن قال لابنه: خف الله عزوجل خيفة لو حبئته ببر الثقلين لعذبك، وارج الله رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك. ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبي عليه السلام يقول: إنه ليس من عبد مؤمن إلا في قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا (1). بيان: الاعاجيب جمع الاعجوبة، وهي ما يعجبك حسنه أو قبحه، والمراد هنا الاول، ويدل على أنه ينبغي أن يكون الخوف والرجاء كلاهما كاملين في النفس ولا تنافي بينهما فان ملاحظة سعة رحمة الله وغنائه وجوده ولطفه على عباده سبب الرجاء، والنظر إلى شدة بأس الله وبطشه وما أوعد العاصين من عباده موجب للخوف، مع أن أسباب الخوف ترجع إلى نقص العبد وتقصيره وسوء أعماله وقصوره عن الوصول إلى مراتب القرب والوصال وانهماكه فيما يوجب الخسران والوبال، وأسباب الرجاء تؤول إلى لطف الله ورحمته وعفوه وغفرانه ووفور إحسانه وكل منهما في أعلا مدارج الكمال. قال بعضهم: كلما يلاقيك من مكروه ومحبوب ينقسم إلى موجود في الحال وإلى موجود فيما مضى، وإلى منتظر في الاستقبال: فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي فكرا وتذكرا وإن كان ما خطر بقلبك موجودا في الحال سمي إدراكا وإن كان خطر ببالك وجود شئ في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك سمي انتظارا وتوقعا، فان كان المنتظر مكروها حصل منه ألم في القلب سمي خوفا وإشفاقا وإن كان محبوبا حصل من انتظاره وتعلق القلب به وإخطار وجوده بالبال لذة


(1) الكافي ج 2 ص 67.

[353]

في القلب وارتياح يسمى ذلك الارتياح رجاء. فالرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب، ولكن ذلك المحبوب المتوقع لابد وأن يكون له سبب فان كان انتظاره لاجل حصول أكثر أسبابه، فاسم الرجاء عليه صادق، وإن كان ذلك انتظارا مع عدم تهيئ أسبابه واضطرابها، فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء، وإن لم تكن الاسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء، فاسم التمني أصدق على انتظاره لانه انتظار من غير سبب. وعلى كل حال، فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه، أما ما يقطع به فلا، إذ لا يقال: أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع، وأخاف غروبها وقت الغروب، لان ذلك مقطوع به، نعم يقال: أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه. وقد علم أرباب القلوب أن الدنيا مزرعة الآخرة، والقلب كالارض، والايمان كالبذر فيه، والطاعات جارية مجرى تقليب الارض وتطهيرها، ومجرى حفر الانهار وسياقة الماء إليها، والقلب المستغرق بالدنيا كالارض السبخة التي لا ينمو فيها البذر، ويوم القيامة الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمو زرع إلا من بذر الايمان، وقلما ينفع إيمان مع خبث القلب وسوء أخلاقه، كما لاينبو بذر في أرض سبخة. فينبغي أن يقاس رجاء العبد للمغفرة برجاء صاحب الزرع، فكل من طلب أرضا طيبة وألقى فيها بذرا جيدا غير عفن ولا مسوس، ثم أمده بما يحتاج إليه وهو سياق الماء إليه في أوقاته ثم نقى الارض عن الشوك والحشيش، وكل ما يمنع نبات البذر أو يفسده، ثم جلس منتظرا من فضل الله رفع الصواعق والآيات المفسدة إلى أن يثمر الزرع ويبلغ غايته، سمي انتظاره رجاء، وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب الماء إليها، ولم يشغل بتعهد البذر أصلا ثم انتظر حصاد الزرع يسمى انتظاره حمقا وغرورا، لا رجاء، وإن بث البذر في أرض طيبة ولكن لا ماء لها، وينتظر مياه الامطار حيث لاتغلب الامطار ولا يمتنع، سمي انتظاره تمنيا لا رجاء.

[354]

فإذا اسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله بصرف القواطع والمفسدات. فالعبد إذا بث بذر الايمان، وسقاه بماء الطاعة، وطهر القلب عن شوك الاخلاق الردية، وانتظر من فضل الله تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره رجاء حقيقيا محمودا في نفسه، باعثا له على المواظبة والقيام بمقتضى الايمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت، وإن انقطع عن بذر الايمان تعهده بماء الطاعات، أو ترك القلب مشحونا برذائل الاخلاق وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور كما قال تعالى: " فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا " (1) وإنما الرجاء بعد تأكد الاسباب، ولذا قال تعالى: " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله " (2). وأما من ينهمك فيما يكرهه الله، ولا يذم نفسه عليه، ولا يعزم على التوبة والرجوع، فرجاؤه المغفرة حمق كرجاء من بث البذر في أرض سبخة وعزم أن لا يتعهدها بسقي ولا تنقية. فإذا عرفت حقيقة الرجاء ومظنته، فقد عرفت أنها حالة أثمرها العلم بجريان أكثر الاسباب، وهذه الحالة تثمر الجهد للقيام ببقية الاسباب على حسب الامكان فان من حسن بذره، وطابت أرضه، وغزر ماؤه، صدق رجاؤه فلا يزال يحمله صدق الرجاء على تفقد الارض وتعهده، وتنقية كل حشيش ينبت فيه، ولا يفتر عن تعهده أصلا إلى وقت الحصاد، وهذا لان الرجاء يضاده اليأس، واليأس يمنع من التعهد، والخوف ليس بضد للرجاء، بل هو رفيق له وباعث آخر بطريق الرهبة، كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة انتهى.


(1) الاعراف: 169. (2) البقرة: 218.

[355]

ثم ظاهر الخبر أنه لابد أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء، لا يغلب أحدهما على الآخر، إذ لو رجح الرجاء لزم الامن لا في موضعه وقال تعالى: " أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " (1) ولو رجح الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك، كما قال سبحانه: " ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " (2). وقيل: يستحب أن يغلب في حال الصحة الخوف، فإذا انقضى الاجل يستحب أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحب إليه، إذ هو سبحانه الرحمن الرحيم ويحب الرجاء. وقيل: ثمرة الخوف الكف عن المعاصي، فعند دنو الاجل زالت تلك الثمرة، فينبغي غلبة الرجاء، وقال بعضهم: الخوف ليس من الفضائل والكمالات العقلية في النشأة الآخرة، وإنما هو من الامور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي وفعل الطاعات مادامت في دار العمل، وأما عند انقضاء الاجل والخروج من الدنيا فلا فائدة فيه، وأما الرجاء فانه باق أبدا إلى يوم القيامة، لا ينقطع، لانه كلما نال العبد من رحمة الله أكثر، كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشد، لان خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لاتبيد ولا تنقص، فثبت أن الخوف منقطع، والرجاء أبدا لا ينقطع انتهى. والحق أن العبد مادام في دار التكليف لابد له من الخوف والرجاء وبعد مشاهدة امور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها. 2 - كا: محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله ابن جبلة، عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا إسحاق ! خف الله كأنك تراه وإن كنت لا تراه فانه يراك، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية، فقد جعلته من أهون الناظرين


(1) الاعراف: 99. (2) يوسف: 87.

[356]

عليك (1). توضيح: اعلم أن الرؤية تطلق على الرؤية بالبصر وعلى الرؤية القلبية وهي كناية عن غاية الانكشاف والظهور، والمعنى الاول هنا أنسب، أي خف الله خوف من يشاهده بعينه وإن كان محالا، ويحتمل الثاني أيضا فان المخاطب لما لم يكن من أهل الرؤية القلبية ولم يرتق إلى تلك الدرجة العلية، فانها مخصوصة بالانبياء والاوصياء عليهم السلام قال: كأنك تراه، وهذه مرتبة عين اليقين وأعلى مراتب السالكين. وقوله: " فان لم تكن تراه " أي إن لم تحصل لك هذه المرتبة من الانكشاف والعيان فكن بحيث تتذكر دائما أنه يراك، وهذه مقام المراقبة كما قال تعالى: " أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت إن الله كان عليكم رقيبا " (2) والمراقبة مراعاة القلب للرقيب واشتغاله به، والمثمر لها هو تذكر أن الله تعالى مطلع على كل نفس بما كسبت، وأنه سبحانه عالم بسرائر القلوب وخطراتها، فإذا استقر هذا العلم في القلب جذبه إلى مراقبة الله سبحانه دائما، وترك معاصيه خوفا وحياء والمواظبة على طاعته وخدمته دائما. وقوله " وإن كنت ترى " تعليم لطريق جعل المراقبة ملكة للنفس فتصير سببا لترك المعاصي والحق أن هذه شبهة عظيمة للحكم بكفر أرباب المعاصي ولا يمكن التقصي عنها إلا بالاتكال على عفوه وكرمه سبحانه، ومن هنا يظهر أنه لا يجتمع الايمان الحقيقي مع الاصرار على المعاصي، كما مرت الاشارة إليه. " ثم برزت له بالمعصية " أي أظهرت له المعصية أو من البراز للمقاتلة كأنك عاديته وحاربته " و " عليك " متعلق بأهون. 3 - كا: عن العدة، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله الجعفري


(1) الكافي ج 2 ص 67. (2) النساء: 1.

[357]

عن جميل بن دراج، عن أبي حمزة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من عرف الله خاف الله، ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا (1). بيان: يقال سخي عن الشئ يسخى من باب تعب ترك، ويدل على أن الخوف من الله لازم لمعرفته كما قال تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وذلك لان من عرف عظمته وغلبته على جميع الاشياء وقدرته على جميع الممكنات بالايجاد والافناء خاف منه وأيضا من علم احتياجه إليه في وجوده، وبقائه وسائر كمالاته في جميع أحواله خاف سلب ذلك منه، ومعلوم أن الخوف من الله سبب لترك ملاذ الدنيا وشهواتها الموجبة لسخط الله. 4 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن أبي نجران، عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت ؟ فقال: هؤلاء قوم يترجحون في الاماني كذبوا ليسوا براجين، إن من رجا شيئا طلبه ومن خاف من شئ هرب منه. ورواه علي بن محمد رفعه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن قوما من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون نرجو، فقال: كذبوا ليسوا لنا بموال اولئك قوم ترجحت بهم الاماني من رجا شيئا عمل له، ومن خاف من شئ هرب منه (2). بيان: " ويقولون نرجو " أي رحمة الله وغفرانه " حتى يأتيهم الموت " أي بلا توبة ولا تدارك والترجح تذبذب الشئ المعلق في الهواء والتميل من جانب إلى جانب، وترجحت به الارجوحة مالت، وهي حبل يعلق ويركبه الصبيان فكأنه عليه السلام شبه أمانيهم بارجوحة يركبه الصبيان يتحرك بأدنى نسيم وحركة فكذا هؤلاء يميلون بسبب الاماني من الخوف إلى الرجاء بأدنى وهم، و " في " يحتمل الظرفية والسببية وكونه بمعنى " على "، ولما كان الخوف والرجاء متلازمين ذكر الخوف أيضا فان رجاء كل شئ مستلزم للخوف من فواته، وفي


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 68.

[358]

القاموس: ألم: باشر اللمم، وبه: نزل كلم، واللمم: صغار الذنوب. " ليسوا لنا بموال " لان الموالاة ليست مجرد القول بل هي اعتقاد ومحبة في الباطن ومتابعة وموافقة في الظاهر لا ينفك أحدهما عن الآخر وروى في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال بعد كلام طويل لمدع كاذب أنه يرجو الله: يدعي أنه يرجو الله، كذب والله العظيم، ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله وكل من رجا عرف رجاؤه في عمله إلا رجاء الله، فانه مدخول، وكل خوف محقق إلا خوف الله فانه معلول، يرجو الله في الكبير، ويرجو العباد في الصغير فيعطي العبد مالا يعطي الرب فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده ألا تخاف أن تكون في رجائك له كاذبا أو تكون لا تراه للرجاء موضعا، وكذلك إن هو خاف عبدا من عبيده أعطاه من خوفه مالا يعطي ربه فجعل خوفه من العباد نقدا وخوفه من خالقه ضمارا ووعدا (1). وقال ابن ميثم في شرح هذا الكلام: المدخول الذي فيه شبهة وريبة، و المعلول الغير الخالص، والضمار الذي لا يرجى من الموعود. قال: وبيان الدليل أن كل من رجا أمرا من سلطان أو غيره فانه يخدمه الخدمة التامة، ويبالغ في طلب رضاه، ويكون عمله له بقدر قوة رجائه له وخلوصه، ويرى هذا المدعي للرجاء غير عامل فيستدل بتقصيره في الاعمال الدينية على عدم رجائه الخالص في الله، وكذلك " كل خوف محقق إلا خوف الله فانه معلول " توبيخ للسامعين في رجائه مع تقصيرهم في الاعمال الدينية انتهى (2). والحاصل أن الاحاديث الواردة في سعة عفو الله سبحانه وجزيل رحمته و وفور مغفرته كثيرة جدا، ولكن لابد لمن يرجوها ويتوقعها من العمل الخالص المعد لحصولها، وترك الانهماك في المعاصي المفوت لهذا الاستعداد، كما عرفت


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 158 من الخطب. (2) شرح النهج لابن ميثم ص 329.

[359]

في التمثيل بالبارزين سابقا. فاحذر أن يغرك الشيطان، ويثبطك عن العمل، ويقنعك بمحض الرجاء والامل، وانظر إلى حال الانبياء والاولياء، واجتهادهم في الطاعات، وصرفهم العمر في العبادات، ليلا ونهارا، أما كانوا يرجون عفو الله ورحمته ؟ بلى والله إنهم كانوا أعلم بسعة رحمته، وأرجالها منك، ومن كل أحد، ولكن علموا أن رجاء الرحمة من دون العمل غرور محض، وسفه بحت، فصرفوا في العبادات أعمارهم وقصروا على الطاعات ليلهم ونهارهم. 5 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابه، عن صالح بن حمزة رفعه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن من العبادة شدة الخوف من الله عزوجل " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (1) وقال جل ثناؤه: " فلا تخشوا الناس واخشوني " (2) وقال تبارك وتعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " (3) قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: إن حب الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب (4). بيان: " إن من العبادة " أي من أعظم أسبابها، أو هي بنفسها عبادة أمر الله بها كما سيأتي، والخوف مبدؤه تصور عظمة الخالق ووعيده، وأهوال الآخرة والتصديق بها، وبحسب قوة ذلك التصور وهذا التصديق يكون قوة الخوف وشدته، وهي مطلوبة ما لم تبلغ حد القنوط. " إنما يخشى الله من عباده العلماء " هم الذين علموا عظمة الله وجلاله وعزه وقهره وجوده وفضله علما يقينيا يورث العمل، ومعاينة أحوال الآخرة وأهوالها كما مر.


(1) فاطر: 28. (2) المائدة: 44. (3) الطلاق: 2. (4) الكافي ج 2 ص 69.

[360]

وقال المحقق الطوسي قدس سره في أوصاف الاشراف ما حاصله: إن الخوف والخشية وإن كانا بمعنى واحد في اللغة إلا أن بينهما فرقا بين أرباب القلوب وهو أن الخوف تألم النفس من المكروه المنتظر والعقاب المتوقع، بسبب احتمال فعل المنهيات وترك الطاعات وهو يحصل لاكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة جدا، والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل، والخشية حالة نفسانية تنشأ عن الشعور بعظمة الرب وهيبته، وخوف الحجب عنه، وهذه الحالة لا تحصل إلا لمن اطلع على جلال الكبرياء وذاق لذة القرب ولذلك قال سبحانه: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " والخشية خوف خاص وقد يطلقون عليها الخوف أيضا انتهى. " ومن يتق الله يجعل له مخرجا " التقوى على مراتب أولها التبري عن الشرك وما يوجب الخلود في النار، وثانيها التجنب عما يؤثم والاتقاء عن العذاب مطلقا، وثالثها التنزه عما يشغل القلب عن الحق، وبناء الكل على الخوف من العقوبة والبعد عن الحق. ولعل المراد هنا إحدى الاخيرتين أي ومن يتق الله خوفا منه يجعل له مخرجا من شدائد الدنيا والآخرة كما روي عن ابن عباس، أو من ضيق المعاش كما يشعر به قوله تعالى: " ويرزقه من حيث لا يحتسب " قيل: وكأن السر في الاول أن شدائد الدارين من الحرص على الدنيا، واقتراف الذنوب، والغفلة عن الحق والمتقي منزه عن جميع ذلك، وفي الثاني أن فيضه تعالى وجوده عام لابخل فيه وإنما المانع من قبول فيضه هو بعد العبد عنه، وعدم استعداده له بالذنوب، فإذا اتقى منها قرب منه تعالى، واستحق قبول فيضه بلا تعب ولا كلفة، فيجمع بذلك خير الدنيا والآخرة. " إن حب الشرف والذكر " أي حب الجاه والرياسة والعزة في الناس وحب الذكر والمدح والثناء منهم، والشهرة فيهم " لا يكونان في قلب الخائف الراهب " لان حبهما من آثار الميل إلى الدنيا وأهلها، والخائف الراهب منزه

[361]

عنه، وأيضا حبهما من الامراض النفسانية المهلكة، والخوف والرهبة ينزهان النفس عنها، وذكر الراهب بعد الخائف من قبيل ذكر الخاص بعد العام إذ الرهبة بمعنى الخشية، وهي أخص من الخوف. 6 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن البرقي، عن الحسن بن الحسين، عن محمد ابن سنان، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إن رجلا ركب البحر بأهله فكسر بهم فلم ينج ممن كان في السفينة إلا امرأة الرجل، فانها نجت على لوح من ألواح السفينة، حتى الجئت إلى جزيرة من جزائر البحر، وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق ولم يدع لله حرمة إلا انتهكها، فلم يعلم إلا والمرأة قائمة على رأسه. فرفع رأسه إليها فقال: إنسية أم جنية ؟ فقالت: إنسية فلم يكلمها كلمة حتى جلس منها مجلس الرجل من أهله فلما أن هم بها اضطربت فقال لها: ما لك تضطربين فقالت: أفرق من هذا وأومأت بيدها إلى السماء قال: فصنعت من هذا شيئا ؟ قالت: لا وعزته، قال: فأنت تفرقين منه هذا الفرق ولم تصنعي من هذا شيئا ؟ وإنما استكرهتك استكراها فأنا والله أولى بهذا الفرق والخوف وأحق منك، قال: فقام ولم يحدث شيئا ورجع إلى أهله، وليس له همة إلا التوبة والمراجعة. فبينما هو يمشى إذ صادفه راهب يمشي في الطريق فحميت عليهما الشمس، فقال الراهب للشاب: ادع الله يظلنا بغمامة فقد حميت علينا الشمس، فقال الشاب: ما أعلم أن لي عند ربي حسنة فأتجاسر على أن أسأله شيئا قال: فأدعوا أنا وتؤمن أنت، قال: نعم، فأقبل الراهب يدعو والشاب يؤمن فما كان بأسرع من أن أظلتهما غمامة فمشيا تحتها مليا من النهار ثم انفرقت الجادة جادتين فأخذ الشاب في واحدة و أخذ الراهب في واحدة، فإذا السحاب مع الشاب، فقال الراهب: أنت خير مني لك استجيب ولم يستجب لي فخبرني ما قصتك ؟ فأخبره بخبر المرأة فقال: غفر لك ما مضى حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل (1).


(1) الكافي ج 2 ص 69.

[362]

توضيح: " ركب البحر " البحر مفعول به أو مفعول فيه أي ركب السفينة في البحر، وقيل أراد بالبحر السفينة من قبيل تسمية الحال باسم المحل بقرينة رجوع الضمير المستتر في قوله " فكسر " إليه والباء في " بأهله " بمعنى " مع " و انتهاك الحرمة تناولها بما لا يحل والحرمة بالضم مالا يحل انتهاكه " فلم يعلم " أي تلك الواقعة إلا في حالة كانت المرأة قائمة على رأسها " مجلس الرجل " أي وقت الجماع ويقال فرق كتعب أي خاف والمصدر الفرق بالتحريك، وصادفه وجده ولقيه، وحمي الشمس كرضي اشتد حرها وتجاسر عليه اجترأ، وتؤمن على بناء التفعيل أي تقول آمين. " فما كان " أي شئ أسرع من تظليل الغمامة، وفي النهاية الملي طائفة من الزمان لا حد لها، يقال مضى ملي من النهار وملي من الدهر أي طائفة منه. ويدل على أن ترك كبيرة واحدة مع القدرة عليها، خوفا من الله وخالصا لوجهه موجب لغفران الذنوب كلها ولو كان حق الناس لان الرجل كان يقطع الطريق مع احتمال أن تكون المغفرة للخوف مع التوبة إلى الله، والمراجعة إلى الناس في حقوقهم، كما يفهم من قوله وليس له همة إلا التوبة والمراجعة. 7 - كا: عن محمد بن يحيى، عن البرقي، عن علي بن النعمان، عن حمزة بن حمران قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن مما حفظ من خطب النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ألا إن المؤمن يعمل بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته، وفي الشبيبة قبل الكبر، وفي الحياة قبل الممات، فوالله الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من مستعتب، وما بعدها من دار إلا الجنة والنار (1). تبيين: " إن لكم معالم " في القاموس معلم الشئ كمقعد مظنته، وما يستدل به، وفي الصحاح المعلم الاثر يستدل به على الطريق والمراد هنا إما الآيات


(1) الكافي ج 2 ص 70.

[363]

القرآنية لاسيما الآيات الدالة على إمامة أئمة الدين، ووجوب متابعتهم، أو كل ما يعلم منه حكم من أحكام الدين اصولا وفروعا من الكتاب والسنة، بل البراهين القاطعة العقلية أيضا، ويمكن شموله لكل ما يعتبر به من آيات الله في الآفاق و الانفس، أو المراد بها أئمة الدين عليهم السلام فانهم معالم الحلال والحرام والحكم والاحكام كما مر في الاخبار، والنهاية بالكسر الغاية التي ينتهى إليها والمراد هنا إما الامام بقرينة الافراد إذ ليس في كل عصر إلا إمام واحد، أو المراد نهاية كل شخص في القرب والكمال، بحسب استعداده وقابليته: وقيل المستقر في الجنة، والقرار دار القرار، وقيل المراد به الاجل الموعود وهو بعيد. قوله " بين أجل قد مضى " المراد بالاجل هنا العمر، وقيل: دل هذا على أن الخوف يطلق بالنسبة إلى ما مضى، ولا يخفى وهنه، لان الخوف ليس من الاجل بل من العقوبة المترتبة على ما عمل في ما مضى من العمر فالخوف من المستقبل بل المعنى يعمل بين سبب مخافتين. وقوله " لا يدري ما الله قاض فيه " شامل للمصائب الدينية والدنيوية معا " فليأخذ العبد من نفسه لنفسه يعني ليجتهد في الطاعة والعبادة ويروض نفسه بالاعمال الصالحة في أيام قلائل لراحة الابد والنعيم المخلد " ومن دنياه لآخرته " بأن ينفق ما حصله في دنياه لتحصيل آخرته. " وفي الشبيبه قبل الكبر " كذا في بعض النسخ " الشبيبة " بالبائين كسفينة قال الجوهري الشباب الحداثة وكذلك الشبيبة وهو خلاف الشيب، وفي بعض النسخ " وفي الشبيبة " وهي كبر السن وابيضاض الشعر. وعلى الاول وهو الاظهر المعنى: وليعمل في سن الشباب قبل سن الشيخوخة لانه قد لا يصل إلى الكبر وإن وصل فالعمل في الحالتين أفضل من العمل في حالة واحدة مع أن المرء في الشباب أقوى على العمل منه في المشيب وإذا صار العمل ملكة في الشباب تصير سببا لسهولة العمل عليه في المشيب وأيضا إذا أقبل

[364]

على الطاعات في شبابه لا يتكدر ولا يرين مرآة قلبه بالفسوق والمعاصي، وإذا أقبل على المعاصي وران قلبه بها قلما ينفك عنها ولو تركها قلما تصفو نفسه من كدوراتها. وعلى الثاني المراد بالكبر سن الهرم والزمن، أي ينبغي أن يغتنم أوايل الشيخوخة للطاعة، قبل تعطل القوى وذهاب العقل، فيكون قريبا من الفقرة الآتية " وفي الحياة قبل الممات " أي ينبغي أن يغتنم كل جزء من الحياة ولا يسوف العمل، لاحتمال انقطاع الحياة بعده، والمستعتب إما مصدر أو اسم مكان، والاستعتاب الاسترضاء، قال في النهاية: أعتبني فلان إذا عاد إلى مسرتي واستعتب طلب أن يرضى عنه، كما يقول استرضيته فأرضاني، والمعتب المرضى، ومنه الحديث لايتمنين أحدكم الموت أما محسنا فلعله يزداد وأما مسيئا فلعله يستعتب أي يرجع عن الاساءة، ويطلب الرضا، ومنه الحديث ولابعد الموت من مستعتب أي ليس بعد الموت من استرضاء لان الاعمال بطلت وانقضى زمانها وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل، والعتبى الرجوع عن الذنب والاساءة. 8 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن داود الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " ولمن خاف مقام ربه جنتان " (1) قال: من علم أن الله يراه ويسمع ما يقول ويفعله ويعلم ما يعمله من خير أو شر فيحجزه ذلك عن القبيح من الاعمال فذلك " الذي خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى " (2). بيان: قوله " فذلك الذي " إشارة إلى تفسير آية اخرى تنبيها على تقارب مضموم الآيتين واتحاد الموصول في الموضعين، وأن نهي النفس عن الهوى مراد في تلك الآية أيضا، فان الخوف بدون ترك المعاصي ليس بخوف حقيقة ووحدة الجنة فيها لا تنافي التثنية في الاخرى لان المراد بها الجنس وأشار عليه السلام إلى أن الخوف


(1) الرحمن: 46. (2) الكافي ج 2 ص 70 والاية في النازعات: 40. (*)

[365]

تابع للعلم كما قال سبحانه " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (1). 9 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن الحسن ابن أبي سارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا ولايكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو (2). 10 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن فضيل بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما صنع الله فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إلا خائفا ولا يصلحه إلا الخوف (3). 11 - سن: عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي جميلة، عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون " (4) قال: يعملون ما عملوا من عمل، وهم يعلمون أنهم يثابون عليه (5). 12 - سن: عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يعملون ويعلمون أنهم سيثابون عليه (6). 13 - الفقيه: في مناهي النبي صلى الله عليه وآله من عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة الله عزوجل، حرم الله عليه النار، وآمنه من الفزع الاكبر، وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله عزوجل: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " (7). 14 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح عن بريد بن معاوية، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال وهو على منبره: والذي لا إله إلا هو ما اعطي مؤمن


(1) فاطر: 28. (2 - 3) الكافي ج 2 ص 70. (4) المؤمنون: 60. (5 - 6) المحاسن ص 247. (7) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 7 و 8.

[366]

قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له وحسن خلقه والكف عن اغتياب المؤمنين، والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصير من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن لان الله كريم بيده الخيرات يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاه، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه (1). بيان: قوله عليه السلام: " إلا بحسن ظنه " قيل: معناه حسن ظنه بالغفران إذا ظنه حين يستغفر، وبالقبول إذا ظنه حين يتوب، وبالاجابة إذا ظنه حين يدعو، وبالكفاية إذا ظنها حين يستكفي لان هذه صفات لا تظهر إلا إذا حسن ظنه بالله تعالى وكذلك تحسين الظن بقبول العمل عند فعله إياه فينبغي للمستغفر والتائب والداعي والعامل أن يأتوا بذلك موقنين بالاجابة بوعد الله الصادق فان الله تعالى وعد بقبول التوبة الصادقة والاعمال الصالحة وأما لو فعل هذه الاشياء وهو يظن أن لا يقبل ولا ينفعه فذلك قنوط من رحمة الله والقنوط كبيرة مهلكة وأما ظن المغفرة مع الاصرار وظن الثواب مع ترك الاعمال فذلك جهل وغرور يجر إلى مذهب المرجئة، والظن هو ترجيح أحد الجانبين بسبب يقتضي الترجيح، فإذا خلا عن سبب فانما هو غرور وتمن للمحال. 15 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: أحسن الظن بالله فان الله عزوجل يقول: أنا عند حسن ظن عبدي المؤمن بي إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا (2). بيان: " أنا عند حسن ظن عبدي " أقول: هذا الخبر مروي من طريق العامة أيضا وقال الخطابي: معناه أنا عند ظن عبدي في حسن عمله وسوء عمله، لان من حسن عمله حسن ظنه، ومن ساء عمله ساء ظنه.


(1) الكافي ج 2 ص 71. (2) الكافي ج 2 ص 72.

[367]

16 - كا: عن علي، عن أبيه، عن الجوهري، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: حسن الظن بالله أن لا ترجو إلا الله ولا تخاف إلا ذنبك (1). بيان: فيه إشارة إلى أن حسن الظن بالله ليس معناه ومقتضاه ترك العمل والاجتراء على المعاصي اتكالا على رحمة الله، بل معناه أنه مع العمل لا يتكل على عمله، وإنما يرجو قبوله من فضله وكرمه، ويكون خوفه من ذنبه وقصور عمله لا من ربه، فحسن الظن لا ينافي الخوف بل لابد من الخوف وضمه مع الرجاء وحسن الظن كما مر. 17 - كا: (2) عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الهيثم بن أبي مسروق، عن يزيد بن إسحاق شعر، عن الحسين بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المكارم عشر فان استطعت أن تكون فيك فلتكن فانها تكون في الرجل ولا تكون في ولده وتكون في الولد ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحر، قيل: وماهن ؟ قال: صدق البأس، وصدق اللسان، وأداء الامانة، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، وإطعام السائل، والمكافاة على الصنايع، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب ورأسهن الحياء (3).


(1) الكافي ج 2 ص 72. (2) من هذا الحديث الى الحديث المرقم 22 خمسة أحاديث منقولة من الكافي باب المكارم، وكما ستطلع على مضامينها، انما يناسب باب جوامع المكارم - وقد كان أراد المؤلف قدس الله سره ذلك وكتب كتابه على صدر الصفحات - من نسخة الاصل وهي عندنا " - جوامع المكارم " رمزا واشارة الى أنها من أحاديث باب جوامع المكارم ليلحق بذاك الباب لكنه اختلط نظم الكراس فجعلت هذه الكراسة عند تجليد الكتاب في هذا الموضع كما أشرنا إليه قبل ذلك، وقد اختل نظم تبييض البحار بعد وفات مؤلفه رحمه الله، وهذا من ذاك. كما سيجئ في هذا الباب غير ذلك من هذا الاختلال. (3) الكافي ج 2 ص 55.

[368]

تبيين: في القاموس: الكرم محركة ضد اللؤم: كرم بضم الراء كرامة فهو كريم ومكرمة وأكرمه وكرمه عظمه ونزهه، والكريم الصفوح والمكرم والمكرمة بضم رائهما فعل الكرم، وأرض مكرمة كريمة طيبة انتهى، والمكارم جمع المكرمة أي الاخلاق والاعمال الكريمة الشريفة التي توجب كرم المرء وشرافته " فان استطعت " يدل على أن تحصيل تلك الصفات أو كمالها لا يتيسر لكل أحد، فانها من العنايات الربانية والمواهب السبحانية التابعة للطينات الحسنة الطيبة، وبين عليه السلام ذلك بقوله " فانها تكون في الرجل ولا تكون في ولده " مع شدة المناسبة والخلطة والمعاشرة بينهما وكذا العكس، ولا مدخل للشرافة النسبية في ذلك، ولا الكرامة الدنيوية، وبين عليه السلام ذلك بقوله " وتكون في العبد " الخ. فان قيل: إذا كانت هذه الصفات من المواهب الربانية فلا اختيار للعباد فيها فلا يتصور التكليف بها والمذمة على تركها ؟ قلت: يمكن أن يجاب عنه بوجهين: الاول أن يكون المراد بالاستطاعة سهولة التحصيل لا القدرة والاختيار، وتكون العناية الالهية سببا لسهولة الامر لا التمكن منه، الثاني أن تكون الاستطاعة في المستحبات كاقراء الضيف وإطعام السائل والتذمم والحياء لا في الواجبات كصدق اللسان وأداء الامانة. قوله عليه السلام " صدق البأس " في بعض نسخ الكتاب ومجالس الشيخ وغيره (1) بالياء المثناة التحتانية وفي بعضها بالباء الموحدة، فعلى الاول المراد به اليأس عما في أيدي الناس وقصر النظر على فضله تعالى ولطفه، والمراد بصدقه عدم كونه بمحض الدعوى من غير ظهور آثاره، إذ قد يطلق الصدق في غير الكلام من أفعال الجوارح فيقال صدق في القتال إذا وفي حقه، وفعل على ما يجب وكما يجب وكذب في القتال إذا كان بخلاف ذلك، وقد يطلق على مطلق الحسن نحو قوله تعالى " مقعد صدق - وقدم صدق ". وعلى الثاني المراد بالبأس إما الشجاعة والشدة في الحرب وغيره أي الشجاعة


(1) راجع ج 69 باب جوامع المكارم ص 375.

[369]

الحسنة الصادقة في الجهاد في سبيل الله وإظهار الحق والنهي عن المنكر. أو من البؤس والفقر كما قيل: اريد بصدق البأس موافقة خشوع ظاهره و إخباته، لخشوع باطنه وإخباته، لا يرى التخشع في الظاهر أكثر مما في باطنه انتهى، وهو بعيد عن اللفظ إذ الظاهر حينئذ البؤس بالضم وهو خلاف المضبوط من الرسم، قال في القاموس: البأس العذاب والشدة في الحرب بؤس ككرم بأسا فهو بئيس شجاع وبئس كسمع بؤسا اشتدت حاجته، والتباؤس التفاقر، و أن يرى تخشع الفقراء إخباتا وتضرعا أنتهى، وكأنه أخذه من المعنى الآخير ولا يخفى ما فيه. وقال بعضهم: " صدق البأس " أي الخوف أو الخضوع أو الشدة والفقر و منه البائس الفقير أو القوة: وصدق الخوف من المعصية بأن يتركها، ومن التقصير في العمل بأن يسعى في كماله، ومن عدم الوصول إلى درجة الابرار بأن يسعى في اكتساب الخيرات، وصدق الخضوع بأن يخضع لله لا لغيره، وصدق الفقر بأن يترك عن نفسه هواها ومتمنياتها، وصدق القوة بأن يصرفها في الطاعات انتهى وفي أكثرها تكلف مستغنى عنه. " وأداء الامانة " الامانة ضد الخيانة وما يؤتمن عليه وكأنها تعم المال والعرض والسر وغيرها من حقوق الله وحقوق النبي والائمة عليهم السلام وسائر الخلق كما قال تعالى: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها " (1) وقد فسرت الامانة في هذه الآية وغيرها بالودايع والتكاليف والامامة والخلافة في أخبار كثيرة مر بعضها، وفي النهاية قد تكرر في الحديث ذكر صلة الرحم وهي كناية عن الاحسان إلى الاقربين من ذوي النسب والاصهار والتعطف عليهم والرفق بهم، والرعاية لاحوالهم وكذلك إن بعدوا وأساؤا، وقطع الرحم ضد ذلك كله، يقال: وصل رحمه يصلها وصلا وصلة، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة، فكأنه بالاحسان إليهم وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر انتهى وشمولها للاصهار لا يخلو


(1) النساء: 58.

[370]

من نظر، وإن كان حسنا. " وإقراء الضيف " كذا في نسخ الكتاب وغيره إلا في رواية اخرى رواها الشيخ في المجالس موافقة المضامين لهذه الرواية فان فيها قرى الضيف، وهو أظهر وأوفق لما في كتب اللغة، في القاموس قرى الضيف قرى بالكسر والقصر والفتح والمد أضافه واستقرى واقترى وأقرى طلب ضيافة انتهى، لكن قد نرى كثيرا من الابنية مستعملة في الاخبار والعرف العام والخاص لم يتعرض لها اللغويون، وقد يقال الافعال هنا للتعريض نحو أباع البعير. وقيل: إقراء الضيف طلبه للضيافة ولم أدر من أين أخذه وكأنه أخذه من آخر كلام الفيروزآبادي ولا يخفى ما فيه (1) والقرى والاطعام إما مختصان بالمؤمن أو بالمسلم مطلقا كما يدل عليه بعض الاخبار وإن كان يأباه بعضها أو الاعم منه ومن الكفار كما اشتهر على الالسن أكرم الضيف ولو كان كافرا، أما الحربي فالظاهر العدم ثم هنا يتفاوتان في الفضل بحسب تفاوت نية القاري أو المطعم، واحتياجهما واستحقاق الضيف أو السائل وصلاحهما، والغالب استحبابهما، وقد يجبان عند خوف هلاك الضيف والسائل. " والمكافاة على الصنايع " أي المجازاة على الاحسان في القاموس كافأه مكافأة وكفاء جازاه، وفي النهاية الاصطناع افتعال من الضيعة وهي العطية والكرامة والاحسان، ولعلها من المستحبات والآداب، لجواز الاخذ من غير عوض، لما رواه إسحاق بن عمار قال: قلت له: الرجل [الفقير] يهدي إلي الهدية يتعرض لما عندي فاخذها ولا اعطيه شيئا ؟ قال: نعم، هي لك حلال، ولكن لا تدع أن تعطيه (2).


(1) ذكره مرة في اليائى، وقال: " وأقرى: طلب ضيافة ومرة اخرى في الواوى وقال: " وأقرى: طلب القرى " ولو كان القرى بمعنى الاضافة كان طلب القرى طلب الاضافة وهو المعنى الذى ذكره صاحب القيل. (2) الكافي ج 5 ص 143.

[371]

وهذا هو الاشهر الاقوى، وعن الشيخ أن مطلق الهبة يقتضي الثواب (1) ومقتضاه لزوم بذله، وإن لم يطلبه الواهب، وهو بعيد وعن أبي الصلاح أن هبة الادنى للاعلى تقتضي الثواب، فيعوض عنها بمثلها، ولايجوز التصرف فيها ما لم يعوض والاظهر خلافه، نعم إن اشترط الواهب على المتهب العوض وعينه لزم وإن أطلق ولم يتفقا على شئ فالظاهر أنه يلزم المتهب مثل الموهوب أو قيمته إن أراد اللزوم، وهل يجب على المتهب الوفاء بالشرط أو له التخيير فيه وفي رد العين فيه قولان. وفي النهاية التذمم للصاحب هو أن يحفظ ذمامه ويطرح عن نفسه ذم الناس له، إن لم يحفظه، وفي القاموس تذمم استنكف، يقال: لو لم أترك الكذب تأثما لتركته تذمما، والحاصل أن يدفع الضرر عمن يصاحبه سفرا أو حضرا وعمن يجاوره في البيت أو في المجلس أيضا أو من أجاره وآمنه خوفا من اللوم والذم لكنه مقيد بما إذا لم ينته إلى الحمية والعصبية بأن يرتكب المعاصي لاعانته، في القاموس الجار المجاور والذي أجرته من أن يظلم، والمجير والمستجير والحليف " ورأسهن الحياء " لان جميع ما ذكر إنما يحصل ويتم بالحياء من الله أو من الخلق، فهي بالنسبة إليها كالرأس من البدن، والحياء انقباض النفس عن القبائح وتركها لذلك. 18 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خص رسله بمكارم الاخلاق فامتحنوا أنفسكم فان كانت فيكم فاحمدوا الله، واعلموا أن ذلك من خير، وإن لا تكن فيكم فاسألوا الله وارغبوا إليه فيها، قال: فذكر عشرة: اليقين، والقناعة، والصبر والشكر، والحلم، وحسن الخلق، والسخاء، والغيرة، والشجاعة، والمروة قال: وروى بعضهم بعد هذه الخصال العشرة وزاد فيها: الصدق، وأداء الامانة (2).


(1) يعنى بالثواب المكافاة والجزاء وهو اصطلاح أيضا. (2) الكافي ج 2 ص 56. (*)

[372]

بيان: الخلق بالضم ملكة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة، ومنها ما تكون خلقية، ومنها ما تكون كسبية بالتفكر والمجاهدة والممارسة، وتمرين النفس عليها، فلا ينافي وقوع التكليف بها، كما أن البخيل يعطي أولا بمشقة ومجادلة للنفس، ثم يكرر ذلك حتى يصير خلقا وعادة له، والمراد بتخصيص الرسل بها أن الفرد الكامل منها مقصورة عليهم أو هم مقصورون عليها، دون أضدادها فان الباء قد تدخل على المقصور، كما هو المشهور، وقد تدخل على المقصور عليه أو المعنى خص الرسل بانزال المكارم عليهم وأمرهم بتبليغها كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: بعثت لاتمم مكارم الاخلاق. " واعلموا أن ذلك من خير " أي من خير عظيم أراد الله بكم أو علم الله فيكم من صفاء طينتكم أو من عمل خير أو نية خير صدر عنكم فاستحققتم أن يتفضل عليكم بذلك، أو اعلموا أن ذلك من توفيق الله سبحانه ولا يمكن تحصيل ذلك إلا به، أو عدوه من الخيرات العظيمة أو خص رسله من بين سائر الخلق بالنبوة والرسالة والكرامة، بسبب مكارم الاخلاق التي علمها فيهم. واليقين أعلا مراتب الايمان، بحيث يبعث على العمل بمقتضاه كما مر، والقناعة الاجتزاء باليسير من الاعراض المحتاج إليها، يقال: قنع يقنع قناعة إذا رضي والاظهر عندي أنها الاكتفاء بما أعطاه الله تعالى وعدم طلب الزيادة منه قليلا كان أم كثيرا، والصبر هو حبس النفس عن الجزع عند المصيبة وعن ترك الطاعة لمشقتها وعن ارتكاب المعصية لغلبة شهوتها، والشكر مكافاة نعم الله في جميع الاحوال باللسان والجنان والاركان، والحلم ضبط النفس عن المبادرة إلى الانتقام فيما يحسن لا مطلقا. وحسن الخلق هو المعاشرة الجميلة مع الناس بالبشاشة والتودد والتلطف والاشفاق، واحتمال الاذى عنهم، والسخاء بذل المال بسهولة على قدر لايؤدي إلى الاسراف في موضعه وأفضله ماكان بغير سؤال والغيرة الحمية في الدين، وترك المسامحة فيما يرى في نسائه وحرمه من القبايح، لا تغير الطبع بالباطل والحمية

[373]

فيه، والقتل والضرب بالظن من غير ثبوت شئ عليه شرعا وأمثال ذلك، والشجاعة الجرأة في الجهاد مع أعادي الدين مع تحقق شرائطه، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومجاهدة النفس والشيطان. والمروءة بالهمز وقد يشدد الواو بتخفيف الهمزة: هي الانسانية، وهي صفات إذا كانت في الانسان يحق أن يسمى إنسانا أو يحق للانسان من حيث إنه إنسان أن يأتي بها فهو مشتق من المرء فهي من امهات الصفات الكمالية قال في المصباح: المروءة آداب نفسانية تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الاخلاق وجميل العادات انتهى، وقريب منه معنى الفتوة ويعبر عنها بالفارسية بمردي وجوانمردي، ويرجع أكثر ما يندرج فيه إلى البذل والسخاء، وحسن المعاشرة، وكثرة النفع للعباد، والاتيان بما يعظم عند الناس من ذلك. وروى الصدوق رحمه الله في معاني الاخبار بسند مرفوع إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: تذاكرنا أمر الفتوة عنده، فقال: أتظنون أن الفتوة بالفسق والفجور ؟ إنما الفتوة طعام موضوع، ونائل مبذول، وبشر معروف، وأذى مكفوف، وأما تلك فشطارة (1) وفسق، ثم قال: ما المروءة ؟ قلنا: لا نعلم، قال: المروءة والله أن يضع الرجل خوانه في فناء داره (2). قوله: " قال وروى بعضهم " الظاهر أن فاعل قال: البرقي، حيث روى من كتابه ويحتمل ابن مسكان أيضا وعلى التقديرين قوله: " روى وزاد فيها " تنازعا في الصدق، فقوله: وزاد فيها تأكيد للكلام السابق لئلا يتوهم أنه أتى بهما بدلا من خصلتين من العشر تركهما فلابد من سقوط عشرة من الرواية الاخيرة كما في الرواية الآتية أو إبدالها باثنتي عشرة، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: وزاد فيها أنه زاد في الاصل العدد أيضا بما ذكرنا من الابدال، والله أعلم بحقيقة الحال.


(1) الشطارة بالفتح اعياء الرجل اهله لؤما وخبثا، وترك موافقتهم. (2) معاني الاخبار ص 119.

[374]

19 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن بكر بن صالح، عن جعفر بن محمد الهاشمي، عن إسماعيل بن عباد قال بكر: وأظنني قد سمعته من إسماعيل، عن عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنا لنحب من كان عاقلا فهما فقيها حليما مداريا صبورا صدوقا وفيا، إن الله عزوجل خص الانبياء بمكارم الاخلاق فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم تكن فيه فليتضرع إلى الله عزوجل وليسأله إياها، قال: قلت: جعلت فداك وماهن ؟ قال: هن الورع، والقناعة والصبر، والشكر، والحلم، والحياء، والسخاء، والشجاعة، والغيرة، والبر وصدق الحديث، وأداء الامانة (1). بيان: قد مر تفسير العقل في أول الكتاب والاظهر هنا أنه ملكة للنفس تدعو إلى اختيار الخير والنافع، واجتناب الشرور والمضار، وبها تقوى النفس على زجر الدواعي الشهوية والغضبية والوساوس الشيطانية، والفهم هو جودة تهيئ الذهن لقبول ما يرد عليه من الحق، وينتقل من المبادي إلى المطالب بسرعة والفقه العلم بالاحكام من الحلال والحرام وبالاخلاق وآفات النفوس وموانع القرب من الحق وقيل: بصيرة قلبية في أمر الدين تابعة للعلم والعمل، مستلزمة للخوف والخشية. وقال الراغب: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم قال تعالى " فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (2) بأنهم قوم لا يفقهون " (3) إلى غير ذلك من الآيات والفقه العلم بأحكام الشريعة، يقال: فقه الرجل إذا صار فقيها، وتفقه: إذا طلبه فتخصص به قال تعالى " ليتفقهوا في الدين " (4). والمداراة الملاطفة والملاينة مع الناس وترك مجادلتهم ومناقشتهم، وقد


(1) الكافي ج 2 ص 56. (2) النساء: 78. (3) الانفال: 65، براءة: 127، الحشر: 13. (4) براءة: 122.

[375]

يهمز قال في القاموس: درأه كجعله دفعه ودارأته داريته ودافعته ولاينته ضد وفي النهاية فيه كان لا يداري ولا يماري أي لا يشاغب، ولا يخالف، وهو مهموز فأما المداراة في حسن الخلق والصحبة فغير مهموز وقد يهمز انتهى. والوفي الكثير الوفاء بعهود الله، وعهود الخلق، وهو قريب من الصدق ملازم له كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: الوفاء توأم الصدق (1) ويؤمي الحديث إلى التحريص على محبة الموصوف بالصفات المذكورة، واختيار مصاحبته، والورع قريب من التقوى بل أخص منها ببعض معانيها، فانه يعتبر فيه الكف عن الشبهات بل المكروهات، وبعض المباحات، قال في النهاية فيه: ملاك الدين الورع، الورع في الاصل الكف عن المحارم والتحرج منه ثم استعير للكف عن المباح والحلال والبر هو الاحسان بالوالدين والاقربين، بل بالناس أجمعين، وقد يطلق على جميع الاعمال الصالحة والخيرات. 20 - كا: عن العدة، عن سهل، وعلي، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب عن ابن رئاب، عن أبي حمزة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ألا اخبركم بخير رجالكم ؟ قلنا: بلى يارسول الله، قال: إن من خير رجالكم التقي النقي السمح الكفين، النقي الطرفين، البر بوالديه ولا يلجئ عياله إلى غيره (2). توضيح: بخير رجالكم ربما يتوهم التنافي بين هذا وبين قوله " من خير رجالكم " واجيب بأن المراد بالاول الصنف وبالثاني كل فرد من هذا الصنف أو الحصر في الاول إضافي بالنسبة إلى من لم يوجد فيه الصفات المذكورة دون الخير على الاطلاق. وأقول: يحتمل أن يكون عليه السلام أراد ذكر الكل ثم اكتفى بذكر البعض أو المراد أن المتصف بكل من الصفات المذكورة من جملة الخير أو المراد بقوله " بخير رجالكم " ببعضهم، بقرينة الاخير، ومرجعه إلى بعض الوجوه المتقدمة


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 100. (2) الكافي ج 2 ص 57.

[376]

" التقي " أي من الشرك، وما يوجب الخروج من الايمان، أو من سائر المعاصي أيضا فقوله " النقي الطرفين " تخصيص بعد التعميم أو المراد به الاحتراز عن الشبهات، والنقي النظيف الطاهر من الاوساخ الجسمانية والادناس النفسانية من رزائل العقائد والاخلاق. " السمح الكفين " قال: في نهاية سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء انتهى، والاسناد إلى الكفين لظهور العطاء منهما، والتثنية للمبالغة، أو إشارة إلى عطاء الواجبات والمندوبات، " النقي الطرفين " أي الفرج عن الحرام والشبهة واللسان عن الكذب والخناء، والافتراء والفحش، والغيبة، وسائر المعاصي ومالايفيد من الكلام أو الفرجين أو الفرج والفم عن أكل الحرام و الشبهة أو المراد كريم الابوين والاول أظهر قال في النهاية: طرفا الانسان لسانه وذكره ومنه قولهم: لا يدري أي طرفيه أطول، وفيه وما أدري أي طرفيه أسرع أراد حلقه ودبره أي أصابه القئ والاسهال، فلم أدر أيهما أسرع خروجا من كثرته انتهى والمعنى الثالث أيضا حسن لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن أكثر ما يدخل النار الاجوفان، قالوا: يارسول الله وما الاجوفان ؟ قال: الفرج والفم (1) وأيضا قرنوا في أخبار كثيرة في بيان المهلكات بين شهوة البطن والفرج وروى في معاني الاخبار أنه قال: من ضمن لي مابين لحييه وما بين رجليه، ضمنت له الجنة، وحمله الاكثر على المعنى الاول قال الصدوق رحمه الله: يعني من ضمن لي لسانه وفرجه، وأسباب البلايا تنفتح من هذين العضوين انتهى. البر بوالديه أي المحسن إليهما والمطيع لهما، والمتحري لمحابهما " ولا يلجئ عياله إلى غيره " أي لم يضطرهم لعدم الانفاق عليهم مع القدرة عليه، إلى السؤال عن غيره، يقال: ألجأته إليه ولجأته بالهمزة والتضعيف أي اضطررته وكرهته (2). 21 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عبد الله بن سنان عن رجل من بني هاشم قال: أربع من كن فيه كمل إسلامه، ولو كان من قرنه


(1) الخصال ج 1 ص 39. (2) في نسخة الاصل هناك صفحة زائدة راجع بيانها في مقدمتنا على هذا الجزء.

[377]

إلى قدمه خطايا لم تنقصه: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر (1). بيان: كأن المراد برجل من بني هاشم الصادق عليه السلام عبر هكذا لشدة التقية أو الرجل راو وضمير قال له عليه السلام: " أربع " أي أربع خصال " لم تنقصه " ضمير المفعول للاسلام أو الموصول أي لم ينقصه شيئا من الاسلام وقيل: أي يوفقه الله للتوبة بسبب تلك الخصال، فلا ينقصه شيئا من ثواب الآخرة، مع أن حصول تلك الصفات يوجب ترك أكثر المعاصي ويستلزمه (1). 22 - لى: أبي، عن سعد والحميري جميعا، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن البطائني، عن أبي بصير، عن الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: كان في بني إسرائيل رجل ينبش القبور فاعتل جار له فخاف الموت فبعث إلى النباش فقال: كيف كان جواري لك ؟ قال: أحسن جوار قال: فان لي إليك حاجة، قال: قضيت حاجتك، قال: فأخرج إليه كفنين فقال: احب أن تأخذ أحبهما إليك وإذا دفنت فلا تنبشني، فامتنع النباش من ذلك وأبى أن يأخذه فقال له الرجل: احب أن تأخذه فلم يزل به حتى أخذ أحبهما ومات الرجل. فلما دفن قال النباش: هذا قد دفن، فما علمه بأني تركت كفنه أو أخذته لآخذنه فأتى قبره فنبشه فسمع صائحا يقول ويصيح به: لا تفعل، ففزع النباش من ذلك فتركه وترك ماكان عليه، وقال لولده: أي أب كنت لكم ؟ قالوا: نعم الاب كنت لنا، قال: فان لي إليكم حاجة قالوا: قل ما شئت فانا سنصير إليه إنشاء الله، قال: فاحب إذا أنا مت أن تأخذوني فتحرقوني بالنار، فإذا صرت رمادا فدفوني (2) ثم تعمدوا بي ريحا عاصفا فذروا نصفي في البر ونصفي في البحر قالوا: نفعل. فلما مات فعل بعض ولده ما أوصاهم به، فلما ذروه قال الله عزوجل للبر: اجمع ما فيك، وقال للبحر: اجمع ما فيك، فإذا الرجل قائم بين يدى الله جل جلاله قال الله عزوجل: ما حملك على ما أوصيت ولدك أن يفعلوه بك ؟ قال:


(1) في نسخة الاصل وهكذا الكمبانى تكرر هنا الحديث 20 مع شرحها. (2) يقال دف الشئ: استأصله ونسفه.

[378]

حملني على ذلك وعزتك خوفك، فقال الله جل جلاله: فاني سارضي خصومك وقد آمنت خوفك وغفرت لك (1). 23 - لى: أبي، عن الحميري، عن ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن علي ابن فضال، عن مثنى، عن ليث بن أبي سليم، قال: سمعت رجلا من الانصار يقول: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله مستظل بظل شجرة في يوم شديد الحر، إذ جاء رجل فنزع ثيابه ثم جعل يتمرغ في الرمضاء يكوي ظهره مرة، وبطنه مرة، وجبهته مرة، ويقول: يانفس ذوقي فما عند الله عزوجل أعظم مما صنعت بك، ورسول الله ينظر إلى مايصنع، ثم إن الرجل لبس ثيابه ثم أقبل فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وآله: بيده ودعاه فقال له: يا عبد الله لقد رأيتك صنعت شيئا ما رأيت أحدا من الناس صنعه فما حملك على ما صنعتك ؟ [فقال الرجل: حملني على ذلك مخافة الله عزوجل وقلت لنفسي: يانفس ذوقي فما عند الله أعظم مما صنعت بك] (2) فقال النبي صلى الله عليه وآله: لقد خفت ربك حق مخافته فان ربك ليباهي بك أهل السماء ثم قال لاصحابه: يا معاشر [من حضر ادنوا من صاحبكم حتى يدعو لكم، فدنوا منه فدعا لهم وقال لهم: اللهم اجمع أمرنا على الهدى واجعل] (3) التقوى زادنا والجنة مآبنا (4). 24 - لى: سئل أمير المؤمنين عليه السلام أي الناس خير عند الله عزوجل ؟ قال: أخوفهم لله، وأعملهم بالتقوى، وأزهدهم في الدنيا (5). 25 - لى: في خبر مناهي النبي صلى الله عليه وآله قال صلى الله عليه وآله: من عرضت له فاحشة أو شهوة فاجتنبها من مخافة الله عزوجل حرم الله عليه النار، وآمنه من الفزع الاكبر، وأنجز له ما وعده في كتابه في قوله " ولمن خاف مقام ربه جنتان " (6).


(1) أمالي الصدوق ص 197. (2 و 3) مابين العلامتين ساقط من الاصل والكمبانى أضفناه من المصدر. (4) أمالي الصدوق ص 205. (5) أمالي الصدوق ص 237. (6) أمالي الصدوق ص 257، والاية في سورة الرحمن: 46.

[379]

26 - فس: قال الصادق عليه السلام: كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا. 27 - فس: " وأما من خاف مقام ربه فنهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى " (1) قال: هو العبد إذا وقف على معصية الله وقدر عليها، ثم يتركها مخافة الله ونهى النفس عنها، فمكافأته الجنة (2). 28 - ل: الخليل بن أحمد، عن ابن المعاذ، عن الحسين المروزي، عن عبد الله بن عوف، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله تبارك وتعالى وعزتي وجلالي لاأجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة (3). أقول: قد مر كثير من الاخبار في باب جوامع المكارم وفي باب صفات الشيعة وسيأتي في أبواب المواعظ. 29 - ل: الخليل بن أحمد، عن محمد بن إسحاق السراج، عن الوليد بن شجاع، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بينا ثلاثة نفر فيمن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء والله ما ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله عزوجل أنه قد صدق فيه. فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق (4) ارز فزرعته فصار من أمره إلى [أن] اشتريت من ذلك الفرق بقرا ثم أتاني فطلب أجره فقلت: اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال: إنما لي عندك فرق من ارز، فقلت اعمد إلى تلك البقر فسقها فانها من ذلك فساقها، فان كنت تعلم [أني فعلت ذلك


(1) النازعات: 41. (2) تفسير القمي ص 711. (3) الخصال ج 1 ص 39. (4) الفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا.

[380]

من خشيتك ففرج عنا، فانساحت الصخرة عنهم. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم] (1) أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ذات ليلة فأتيتهما وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع (2) وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن اوقظهما من رقدتهما، وكرهت أن أرجع فيستيقظا (3) لشربهما، فلم أزل أنتظرهما حتى طلع الفجر، فان كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساحت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت على إلا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت عليها، فجئت بها فدفعتها إليه فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها وتركت لها المائة، فان كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عزوجل عنهم فخرجوا (4). أقول: قد مضى باسناد آخر في باب قصة أصحاب الكهف (5) وأوردناه بتغيير ما في باب الاخلاص (6). 30 - ل: أنواع الخوف خمسة: خوف، وخشية، ووجل، ورهبة، وهيبة:


(1) مابين العلامتين ساقط من الاصل أضفناه من المصدر، وقد تنبه لذلك مصحح طبعة الكمبانى، لكنه استدرك السقط طبقا لرواية المحاسن المتقدمة في باب الاخلاص فراجع. (2) يقال: تضاغى من الطوى: تضور من الجوع وصاح، ومنه قولهم " بات صبيانه يتضاغون من الجوع ". (3) يعنى يستيقظان لاثر الجوع فلا يأخذهما النوم ويبتليان بالسهر. (4) الخصال ج 1 ص 87. (5) راجع ج 14 ص 426 و 421 نقلا عن أمالى الطوسى ج 2 ص 10 وص 252 ط الحجرية وقصص الانبياء. (6) نقله عن المحاسن ص 253 راجع ص 244 فيما مضى.

[381]

فالخوف للعاصين، والخشية للعالمين، والوجل للمخبتين، والرهبة للعابدين، والهيبة للعارفين، أما الخوف فلاجل الذنوب قال الله عزوجل: " ولمن خاف مقام ربه جنتان " (1) والخشية لاجل رؤية التقصير قال الله عزوجل: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (2) وأما الوجل فلاجل ترك الخدمة قال الله عزوجل: " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " (3) والرهبة لرؤية التقصير قال الله عزوجل: " ويحذركم الله نفسه " (4) يشير إلى هذا المعنى. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان إذا صلى سمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من الهيبة، حدثنا بذلك أبو عبد الله بن حامد رفعه إلى بعض الصالحين عليهم السلام (5). 31 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن أسباط عن عمه، عن أبي الحسن العبدي، عن الصادق عليه السلام قال: ما كان عبد ليحبس نفسه على الله إلا أدخله الله الجنة (6). 32 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن سليمان بن محمد الهمداني عن محمد بن عمران، عن محمد بن عيسى الكندي، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: من خاف الله عزوجل أخاف الله منه كل شئ، ومن لم يخف الله عزوجل أخافه الله من كل شئ الخبر (7). 33 - ما: المفيد، عن الحسن بن حمزة العلوي، عن محمد بن عبد الله بن جعفر عن أبيه، عن هارون، عن ابن زياد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: في


(1) الرحمن: 46. (2) فاطر: 28. (3) الانفال: 2. (4) آل عمران: 28 و 30. (5) الخصال ج 1 ص 135. (6) أمالي الطوسي ج 1 ص 122. (7) أمالي الطوسي ج 1 ص 139.

[382]

حكمة آل داود ياآبن آدم كيف تتكلم بالهدى وأنت لا تفيق عن الردى يا ابن آدم أصبح قلبك قاسيا وأنت لعظمة الله ناسيا فلو كنت بالله عالما وبعظمته عارفا لم تزل منه خائفا، ولمن وعده راجيا، ويحك كيف لاتذكر لحدك، وانفرادك فيه وحدك (1). 34 - ما: المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عم أبيه الحسين بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: إن المؤمن لا يصبح إلا خائفا وإن كان محسنا، ولا يمسي إلا خائفا وإن كان محسنا، لانه بين أمرين: بين وقت قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد اقترب لا يدري ما يصيبه من الهلكات الخبر (2). 35 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن الثمالي قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول: ابن آدم ! لا تزال بخير ماكان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا والحزن لك دثارا، ابن آدم ! إنك ميت ومبعوث وموقوف بين يدي الله عزوجل، ومسؤول فأعد جوابا (3). 36 - ما: بالاسناد إلى أبي قتادة، عن صفوان قال: قال الصادق عليه السلام للمعلى بن خنيس: يا معلى اعتزز بالله يعززك الله، قال: بماذا يا ابن رسول الله ؟ قال: يا معلى خف الله يخف منك كل شئ الخبر (4). 37 - ما: ابن بسران، عن الحسن بن صفوان، عن عبد الله بن محمد، عن أبي خيثمة، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن نافع أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بينما ثلاثة رهط يتماشون أخذهم المطر


(1) أمالي الطوسي ج 1 ص 206. (2) أمالي الطوسي ج 1 ص 211. (3) أمالي الطوسي ج 1 ص 114. (4) أمالي الطوسي ج 1 ص 310.

[383]

فأووا إلى غار في جبل فبينما هم فيه انحطت صخرة فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أفضل أعمال عملتموها فاسألوه بها لعله يفرج عنكم. قال أحدهم: اللهم إنه كان لي والدان كبيران وكانت لي امرأة وأولاد صغار فكنت أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم غنمي بدأت بوالدي فسقيتهما فلم أت حتى نام أبواي فطيبت الاناء ثم حلبت ثم قمت بحلابي عند رأس أبوى والصبية يتضاغون عند رجلي أكره أن أبدأ بهم قبل أبوى وأكره أن اوقظهما من نومهما فلم أزل كذلك حتى أضاء الفجر اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء ففرج له فرجة فرأى منها السماء. وقال الآخر: اللهم إنه كان لي بنت عم فأحببتها حبا كانت أعز الناس إلي فسألتها نفسها فقالت: لا حتى تأتيني بمائة دينار، فسعيت حتى جمعت مائة دينار فأتيتها بها فلما كنت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فيها فرجة ففرج الله لهم فيها فرجة. وقال الثالث: اللهم إني كنت استأجرت أجيرا بفرق ذرة، فلما قضى عمله عرضت عليه فأبى أن يأخذها ورغب عنه فلم أزل اعتمل به حتى جمعت منه بقرا ورعاءها فجاءني، وقال اتق الله وأعطني حقي ولا تظلمني فقلت له: اذهب إلى تلك البقر ورعاتها فخذها، فذهب واستاقها اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما بقي منها ففرج الله عنهم فخرجوا يتماشون (1). 38 - ع: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن قوما أصابوا ذنوبا فخافوا منها وأشفقوا فجاءهم قوم آخرون فقالوا لهم: مالكم ؟ فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا فخفنا منها وأشفقنا فقالوا لهم: نحن نحملها عنكم، فقال الله تبارك وتعالى: يخافون وتجترؤن علي ؟ فأنزل الله عليهم العذاب.


(1) أمالي الطوسي ج 2 ص 10، وقد مر الاشارة إلى الحديث قبل ذلك. (2) علل الشرايع ج 2 ص 209.

[384]

39 - لى: ابن البرقي، عن أبيه، عن جده، عن حمزة بن عبد الله الجعفري عن جميل بن دراج، عن الثمالي قال: قال الصادق عليه السلام: ارج الله رجاء لا يجرئك على معاصيه وخف الله خوفا لا يؤيسك من رحمته (1). 40 - لى: ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن القاشاني عن الاصبهاني، عن المنقري، عن حماد بن عيسى، عن الصادق عليه السلام قال: كان فيما أوصى به لقمان ابنه يا بني خف الله خوفا لو وافيته ببر الثقلين خفت أن يعذبك وارج الله رجاء لو وافيته بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر لك (2). أقول: قد مضى باسناد آخر في باب مواعظ لقمان (3). 41 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن القاشاني، عمن ذكره، عن عبد الله ابن القاسم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: الخائف من لم يدع له الرهبة لسانا ينطق به (4). 42 - فس: أني، عن ابن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام حديث ترويه الناس فيمن يؤمر به آخر الناس إلى النار فقال: أما إنه ليس كما يقولون، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن آخر عبد يؤمر به إلى النار فإذا أمر به التفت فيقول الجبار: ردوه فيردونه فيقول له: لم التفت ؟ فيقول: يا رب لم يكن ظني بك هذا فيقول: وما كان ظنك بي ؟ فيقول: يا رب كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي، وتسكنني جنتك، قال: فيقول الجبار: يا ملائكتي وعزتي وجلالي وآلائي وعلوي وارتفاع مكاني ما ظن بي عبدي هذا ساعة من خير قط ولو ظن بي ساعة من خير ماروعته بالنار، أجيزوا له كذبه وأدخلوه الجنة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس من عبد يظن بالله خيرا إلا كان عند ظنه به


(1) أمالي الصدوق ص 10. (2) أمالي الصدوق ص 397. (3) راجع ج 13 ص 412 من هذه الطبعة الحديثة. (4) معاني الاخبار ص 238.

[385]

وذلك قوله: " وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أدريكم فأصبحتم من الخاسرين " (1). 43 - ثو: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير مثله (2) بتغيير ما قد مضى في باب ما يظهر من رحمة الله في القيامة. اقول: قد مر بعض الاخبار في باب التوكل والتفويض. 44 - ن: جعفر بن نعيم، عن عمه محمد بن شاذان، [عن الفضل بن شاذان] عن ابن بزيع، عن الرضا عليه السلام قال: أحسن بالله الظن فان الله عزوجل يقول: أنا عند حسن ظن عبدي المؤمن بي إن خير فخير، وإن شر فشر (3). 45 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أبن عيسى، عن ابن محبوب، عن داود بن كثير، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال الله عزوجل: لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملون بها لثوابي، فانهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين، غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي، فيما يطلبون من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع الدرجات العلى في جواري، ولكن برحمتي فليثقوا وفضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا، فان رحمتي عند ذلك تدركهم وبمني ابلغهم رضواني والبسهم عفوي، فانى أنا الله الرحمن الرحيم بذلك تسميت (4). 46 - ما: الحفار، عن محمد بن إبراهيم بن كثير، عن الحسن بن هانئ عن هانئ بن حماد بن سلمة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يموتن أحدكم حتى يحسن ظنه بالله عزوجل، فان حسن الظن بالله عزوجل


(1) تفسير القمى ص 592، والاية في فصلت: 23. (2) ثواب الاعمال ص 157، وقد مضى في ج 7 ص 287. (3) عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 2 ص 20 في حديث. (4) أمالي الطوسي ج 1 ص 215.

[386]

ثمن الجنة (1). 47 - ل: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن محمد بن آدم رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي لا تشاورن جبانا فانه يضيق عليك المخرج ولا تشاورن البخيل فانه يقصر بك عن غايتك، ولا تشاورن حريصا فانه يزين لك شرها، واعلم يا علي أن الجبن والبخل والحرص غريزة واحدة يجمعها سوء الظن (2). 48 - ثو: ابن الوليد، عن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام قال: يا إسحاق خف الله كأنك تراه [فان كنت لا تراه] فانه يراك، فان كنت ترى أنه [لا] يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم استترت عن المخلوقين بالمعاصي وبرزت له بها، فقد جعلته في حد أهون الناظرين إليك (3). 49 - ثو: أبي، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي عمير، عن حفص ابن البختري قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن قوما أذنبوا ذنوبا كثيرة فأشفقوا منها وخافوا خوفا شديدا وجاء آخرون فقالوا: ذنوبكم علينا، فأنزل الله عزوجل عليهم العذاب، ثم قال تبارك وتعالى: خافوني واجترأتم (4). سن: أبي، عن ابن أبي عميره مثله (5). 50 - سن: أبي رفعه إلى سلمان رضوان الله عليه قال: قال: أضحكتني ثلاث وأبكتني ثلاث فأما الثلاث التي أبكتي ففراق الاحبة رسول الله صلى الله عليه وآله [وحزبه] والهول عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين، يوم تكون السريرة


(1) أمالي الطوسي ج 1 ص 389. (2) الخصال ج 1 ص 50. (3) ثواب الاعمال ص 133. (4) ثواب الاعمال ص 216. (5) المحاسن ص 116.

[387]

علانية، لا أدري إلى الجنة أصير أم إلى النار، وأما الثلاث التي أضحكتني فغافل ليس بمغفول عنه، وطالب الدنيا والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه لا يدري أراض عنه سيده أم ساخط عليه (1). 51 - سن: أبي، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم، عن بعض أصحابنا عن أبي جعفر عليه السلام قال: يوقف عبد بين يدي الله يوم القيامة فيأمر به إلى النار فيقول: لا وعزتك ماكان هذا ظني بك [فيقول: ماكان ظنك بي ؟] فيقول: [كان] ظني بك أن تغفر لي، فيقول: قد غفرت لك، قال أبو جعفر عليه السلام: أما والله ما ظن به في الدنيا طرفة عين، ولو كان ظن به طرفة عين ما أوقفه ذلك الموقف لما رأى من العفو (2). اقول: أوردنا مثله في باب ما يظهر من رحمة الله تعالى في القيامة (3). 52 - ص: بالاسناد إلى الصدوق باسناده إلى ابن محبوب، عن أبي جمزة عن ابى جعفر عليه السلام قال: خرجت امرأة بغى [على] شباب من بني إسرائيل فأفتنتهم فقال بعضهم: لو كان العابد فلانا لو رآها افتنته وسمعت مقالتهم فقالت: والله لاأنصرف إلى منزلي حتى أفتنه فمضت نحوه في الليل فدقت عليه، فدلك (4) فقالت: آوي عندك فأبى عليها فقالت: إن بعض شباب بني إسرائيل راودوني عن نفسي فان أدخلتني وإلا لحقوني وفضحوني. فلما سمع مقالتها فتح لها، فلما دخلت عليه رمت بثيابها فلما رأى جمالها وهيئتها وقعت في نفسه، فضرب يده عليها ثم رجعت إليه نفسه، وقد كان يوقد تحت قدر له فأقبل حتى وضع يده على النار فقالت: أي شئ تصنع ؟ [فقال:] احرقها لانها عملت العمل فخرجت حتى أتت جماعة بني إسرائيل، فقالت: الحقوا


(1) المحاسن ص 4. (2) المحاسن ص 25. (3) راجع ج 7 ص 286 - 290. (4) أي ماطله ولم يفتح لها الباب وفي بعض النسخ لا توجد هذه الكلمة.

[388]

فلانا فقد وضع يده على النار، فأقبلوا فلحقوه وقد احترقت يده. 53 - ص: عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام أن عابدا كان في بني إسرائيل فأضاف امرأة من بني إسرائيل فهم بها، فأقبل كلما هم بها قرب أصبعا من أصابعه إلى النار فلم يزل ذلك دأبه حتى أصبح، فقال: اخرجي لبئس الضيف كنت لي. 54 - ص: الصدوق، عن أبيه [عن سعد] رفعه قال كان يحيى بن زكريا يصلي ويبكي حتى ذهب لحم خده، وجعل لبدا وألزقه بخده حتى يجري الدموع عليه وكان لاينام فقال أبوه يا بني إني سألت الله أن يرزقنيك لافرح بك وتقر عيني قم فصل قال فقال له يحيى: إن جبرئيل حدثني أن أمام النار مفازة لا يجوزها إلا البكاؤن فقال يا بني فابك وحق لك أن تبكي. 55 - صح: عن الرضا عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تبارك وتعالى يا ابن آدم لا يغرنك ذنب الناس عن ذنبك، ولا نعمة الناس من نعمة الله عليك، ولا تقنط الناس من رحمة الله تعالى وأنت ترجوها لنفسك (1). ن: عنه عليه السلام مثله (2). 56 - ضا: روي أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى داود عليه السلام: فلانة بنت فلانة معك في الجنة في درجتك، فسار إليها فسألها عن عملها فخبرته فوجده مثل أعمال سائر الناس، فسألها عن نيتها فقالت: ما كنت في حالة فنقلني منها إلى غيرها إلا كنت بالحالة التي نقلني إليها أسر مني بالحالتي التي كنت فيها، فقال: حسن ظنك بالله عزوجل. وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: والله ما اعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله عزوجل، ورجائه منه، وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين، وأيم الله لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء الظن


(1) صحيفة الرضا عليه السلام ص 4. (2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 29.

[389]

بالله وتقصيره من رجائه لله، وسوء خلقه، ومن اغتيابه للمؤمنين، والله لا يحسن عبد مؤمن ظنا بالله إلا كان الله عند ظنه به، لان الله عزوجل كريم يستحيي أن يخلف ظن عبده ورجائه، فأحسنوا الظن بالله، وارغبوا إليه وقد قال الله عزوجل: " الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء " (1). وروي أن داود عليه السلام قال: يا رب ما آمن بك من عرفك، فلم يحسن الظن بك. وروي أن آخر عبد يؤمر به إلى النار فيلتفت فيقول: يا رب لم يكن هذا ظني بك، فيقول: ما كان ظنك بي ؟ قال: كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي وتسكني جنتك، فيقول الله عزوجل: يا ملائكتي وعزتي وجلالي وجودي وكرمي وارتفاعي في علوي ما ظن بي عبدي خيرا ساعة قط ولو ظن بي ساعة خيرا ماروعته بالنار، أجيزوا له كذبه، وأدخلوه الجنة. ثم قال العالم عليه السلام: قال الله عزوجل: ألا لا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فانهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي، كانوا مقصرين غير بالغين في عباداتهم كنه عبادتي فيما يظنونه (2) عندي من كرامتي، ولكن برحمتي فليثقوا، ومن فضلي فليرجوا، وإلى حسن الظن [بي] فليطمئنوا فان رحمتي عند ذلك تدركهم، ومنتي تبلغهم، ورضواني ومغفرتي يلبسهم، فاني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك سميت. وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: إن الله أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام أن [اجعل] في الحبس رجلين من بني إسرائيل فحبسهما ثم أمره باطلاقهما قال: فنظر إلى أحدهما فإذا هو مثل الهدبة، فقال له: ما الذي بلغ بك ما أرى منك ؟ قال: الخوف من الله، ونظر إلى الآخر لم يتشعب منه شئ فقال له: أنت وصاحبك كنتما في أمر واحد وقد رأيت بلغ الامر بصاحبك وأنت لم يتغير ؟ فقال له الرجل: إنه كان ظني بالله جميلا حسنا فقال: يا رب قد سمعت مقالة عبديك فأيهما أفضل ؟ قال:


(1) الفتح: 6. (2) فيما يطلبونه خ.

[390]

صاحب الظن الحسن أفضل. وأروي عن العالم عليه السلام: أن الله أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام يا موسى قل لبني إسرائيل أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء يجدني عنده. ونروي: من خاف الله سخت نفسه عن الدنيا، ونروي خف الله كأنك تراه فان كنت لا تراه فانه يراك، وإن كنت لا تدري أنه يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنه يراك ثم استترت عن المخلوقين بالمعاصي وبرزت له بها، فقد جعلته أهون الناظرين إليك. ونروي: من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شئ هرب منه، مامن مؤمن يجتمع في قلبه خوف ورجاء، إلا أعطاه الله ما أمل، وأمنه مما يخاف. ونروي: من مات آمنا أن يسلب سلب، ومن مات خائفا أن يسلب أمن السلب. 57 - مص: قال الصادق عليه السلام: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام ذكر عبادي من آلائي ونعمائي فانهم لم يروا مني إلا الحسن الجميل، لئلا يظنوا في الباقي إلا مثل الذي سلف مني إليهم، وحسن الظن يدعو إلى حسن العبادة، والمغرور يتمادى في المعصية، ويتمنى المغفرة، ولا يكون محسن الظن في خلق الله إلا المطيع له، يرجو ثوابه، ويخاف عقابه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله يحكى عن ربه تعالى: أنا عند حسن ظن عبدي بي يا محمد فمن زاغ عن وفاء حقيقة موجبات ظنه بربه، فقد أعظم الحجة على نفسه وكان من المخدوعين في أسر هواه (1). 58 - مص: قال الصادق عليه السلام: الخوف رقيب القلب، والرجاء شفيع النفس ومن كان بالله عارفا، كان من الله خائفا وإليه راجيا، وهما جناحا الايمان، يطير العبد المحقق بهما إلى رضوان الله، وعينا عقله يبصر بهما إلى وعد الله ووعيده والخوف طالع عدل الله ناهي وعيده، والرجاء داعي فضل الله، وهو يحيي القلب والخوف يميت النفس.


(1) مصباح الشريعة 58 و 59.

[391]

قال النبي صلى الله عليه وآله: المؤمن بين خوفين: خوف ما مضى، وخوف ما بقي، وبموت النفس يكون حياة القلب، وبحياة القلب البلوغ إلى الاستقامة، ومن عبد الله على ميزان الخوف والرجاء لا يضل ويصل إلى مأموله، وكيف لا يخاف العبد وهو غير عالم بما تختم صحيفته، ولا له عمل يتوسل به استحقاقا، ولا قدرة له على شئ ولا مفر، وكيف لا يرجو وهو يعرف نفسه بالعجز، وهو غريق في بحر آلاء الله ونعمائه، من حيث لا تحصى ولا تعد، فالمحب يعبد ربه على الرجاء بمشاهدة أحواله بعين سهر، والزاهد يعبد على الخوف. قال اويس لهرم بن حيان: قد عمل الناس على رجاء فقال: بل نعمل على الخوف والخوف خوفان ثابت وعارض، فالثابت من الخوف يورث الرجا، والعارض منه يورث خوفا ثابتا، والرجاء رجاءان: عاكف وباد، فالعاكف منه يقوى نسبة العبد (1) والبادي منه يصحح أمل العجز والتقصير والحياء (2). 59 - شى: عن صفوان الجمال قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام فأطرق ثم قال: اللهم لاتؤمني مكرك ثم جهم (3) فقال: " لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " (4). 60 - م: قال الله تعالى: " إن الذين آمنوا بالله " (5) وبما فرض الايمان به من نبوة نبي الله وولاية علي بن أبي طالب والطيبين من آله " والذين هادوا " يعني اليهود " والنصارى " الذين زعموا أنهم في دين الله متناصرون " والصابئين " الذين زعموا أنهم صبوا إلى دين الله وهم بقولهم كاذبون " من آمن بالله " من هؤلاء


(1) المحبة خ ل. (2) مصباح الشريعة ص 60 و 61. (3) اختار في المصدر المطبوع نسخة " جهر " بدل " جهم " والتجهم هو التعبس يقال: جهمه: استقبله بوجه مكفهر باسر. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 23، والاية في الاعراف: 99. (5) البقرة: 62.

[392]

الكفار ونزع عن كفره ومن آمن من هؤلاء المؤمنين في مستقبل أعمارهم وأخلص ووفى بالعهد والميثاق المأخوذين عليه لمحمد وعلي وخلفائهما الطاهرين " وعمل صالحا " من هؤلاء المؤمنين " فلهم أجرهم " ثوابهم " عند ربهم " في الآخرة " ولا خوف عليهم " هناك حين يخاف الفاسقون " ولا هم يحزنون " إذا حزن الظالمون لانهم لم يعملوا من مخافة الله ما يخاف من فعله ولا يحزن له. ونظر أمير المؤمنين عليه السلام إلى رجل أثر الخوف عليه، فقال: ما بالك قال: إني أخاف الله، فقال: يا عبد الله خف ذنوبك، وخف عدل الله عليك في مظالم عباده، وأطعه فيما كلفك، ولا تعصه فيما يصلحك، ثم لا تخف الله بعد ذلك فانه لا يظلم أحدا، ولا يعذبه فوق استحقاقه أبدا إلا أن تخاف سوء العاقبة بأن تغير أو تبدل، فان أردت أن يؤمنك الله سوء العاقبة، فاعلم أن ما تأتيه من خير فبفضل الله وتوفيقه، وما تأتيه من سوء فبامهال الله وإنظاره إياك وحلمه وعفوه عنك (1). 61 - جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن محمد بن سنان، عن الحسن بن أبي سارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يكون العبد مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا، ولايكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو (2). ين: ابن سنان مثله. 62 - جا: بالاسناد، عن ابن مهزيار، عن القاسم بن محمد، عن علي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن قول الله عزوجل " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال: من شفقتهم ورجائهم يخافون أن ترد إليهم أعمالهم إذا لم يطيعوا وهم يرجون أن يتقبل منهم (3).


(1) تفسير الامام ص 125. (2) مجالس المفيد ص 122. (3) مجالس المفيد 123 والاية في المؤمنون 60. (*)

[393]

ين: القاسم بن محمد مثله. 63 - قيه: ذكر أبو جعفر أحمد القمي في كتاب زهد النبي صلى الله عليه وآله أن جبرئيل أتاه عند الزوال في ساعة لم يأته فيها وهو متغير اللون، وكان النبي صلى الله عليه وآله يسمع حسه وجرسه فلم يسمعه يومئذ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل ! مالك جئتني في ساعة لم تكن تجيئني فيها ؟ وأرى لونك متغيرا وكنت أسمع حسك وجرسك فلم أسمعه ؟ فقال: إني جئت حين أمر الله بمنافخ النار، فوضعت على النار. فقال النبي صلى الله عليه وآله: أخبرني عن النار يا جبرئيل حين خلقها الله تعالى فقال: الله سبحانه أوقد عليها ألف عام فاحمرت ثم أوقد عليها ألف عام فابيضت ثم أوقد عليها ألف عام فاسودت فهي سوداء مظلمة لا يضئ جمرها ولا ينطفي لهبها، والذي بعثك بالحق نبيا لو أن مثل خرق أبرة خرج منها على أهل الارض لاحترقوا عن آخرهم، ولو أن رجلا دخل جهنم ثم اخرج منها لهلك أهل الارض جميعا حين ينظرون إليه لما يرون به، ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله تعالى في كتابه وضع على جميع جبال الدنيا لذابت عن آخرها، ولو أن بعض خزان التسعة عشر نظر إليه أهل الارض لماتوا حين ينظرون إليه، ولو أن ثيابا من ثياب أهل جهنم خرج إلى الارض لمات أهل الارض من نتن ريحه. فأكب النبي صلى الله عليه وآله، وأطرق يبكي وكذلك جبرئيل، فلم يزالا يبكيان حتى ناداهما ملك من السماء يا جبرئيل ويا محمد إن الله قد أمنكما من أن تعصيانه فيعذبكما. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: رأيت في المنام رجلا قد هوت صحيفته قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه، ورأيت رجلا من امتي قد هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله فاستخرجه من ذلك. 64 - ضه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كان بالله أعرف كان من الله أخوف و قال صلى الله عليه وآله: يا ابن مسعود اخش الله بالغيب كانك تراه، فان لم تره، فانه يراك

[394]

يقول الله تعالى " من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب * ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود " (1). وروي أن النبي صلى الله عليه وآله كان يصلي وقلبه كالمرجل يغلي من خشية الله تعالى. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: يا بني خف الله خوفا أنك لو أتيته بحسنات أهل الارض لم يقبلها منك، وارج الله رجاء أنك لو أتيته بسيأت أهل الارض غفرها لك. وقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا اقشعر قلب المؤمن من خشية الله تحاتت عنه خطاياه كما تتحات من الشجر ورقها. وعن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي بن أبي طالب عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال وهو على منبره: والله الذي لا إله إلا هو ما اعطي مؤمن خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله، ورجائه وحسن خلقه، والكف عن اغتياب المؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمنا بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله، وتقصير من رجائه بالله، وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين، والله الذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن به، لان الله كريم بيده الخيرات، يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن والرجاء ثم يخلف ظنه ورجاءه له، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه. وقال عليه السلام: ليس من عبد ظن به خيرا إلا كان عند ظنه به وذلك قوله عزوجل " ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين " (2). عنه عليه السلام قال: قال داود النبي صلى الله عليه: يا رب ما آمن بك من عرفك فلم يحسن الظن بك. 65 - مشكوة الانوار: نقلا عن كتاب المحاسن، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام إلى آخر الاخبار الثلاثة (3).


(1) ق: 33 و 34. (2) فصلت: 23. (3) مشكاة الانوار ص 35 و 36.

[395]

روضة الواعضين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله فان حسن الظن بالله ثمن الجنة (1). ومن سائر الكتب: عن أبي عبد الله عليه السلام قال كان في زمن موسى بن عمران رجلان في الحبس فأما أحدهما فسمن وغلظ وأما الآخر فنحل فصار مثل الهدبة فقال موسى بن عمران للمسمن: ما الذي أرى بك من حسن الحال في بدنك ؟ قال: حسن الظن بالله وقال للآخر: ما الذي أرى بك من سوء الحال في بدنك ؟ قال: الخوف من الله، فرفع موسى يده إلى الله تعالى فقال يا رب قد سمعت مقالتهما فأعلمني أيهما أفضل ؟ فأوحى الله تعالى إليه صاحب حسن الظن بي (2). 66 - كا: عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحكم ابن مسكين، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان ملك في بني إسرائيل وكان له قاض وللقاضي أخ، وكان رجل صدق وله امرأة قد ولدتها الانبياء، فأراد الملك أن يبعث رجلا في حاجة فقال للقاضي: أبغني رجلا ثقة، فقال ما أعلم أحدا أوثق من أخي، فدعاه ليبعثه فكره ذلك الرجل، وقال لاخيه إني أكره أن اضيع امرأتي فعزم عليه فلم يجد بدا من الخروج فقال لاخيه: يا أخي إني لست أخلف شيئا أهم علي من امرأتي، فاخلفني فيها، وتول قضاء حاجتها قال: نعم. فخرج الرجل وقد كانت المرأة كارهة لخروجه، فكان القاضي يأتيها و يسألها عن حوائجها ويقوم لها فأعجبته فدعاها إلى نفسه فأبت عليه، فحلف عليها لئن لم تفعل لنخبرن الملك أنك قد فجرت فقالت: اصنع مابدا لك لست اجيبك إلى شئ مما طلبت، فأتى الملك فقال: إن امرأة أخي قد فجرت وقد حق ذلك عندي، فقال له الملك: طهرها فجاء إليها فقال: إن الملك قد أمرني برجمك فما تقولين تجيبني وإلا رجمتك ؟ فقالت: لست اجيبك فاصنع مابدا لك.


(1 و 2) مشكاة الانوار ص 36 و 37.

[396]

فأخرجها فحفر لها فرجمها ومعه الناس فلما ظن أنها قد ماتت تركها. وانصرف وجن بها الليل، وكان بها رمق، فتحركت فخرجت من الحفيرة ثم مشت على وجهها حتى خرجت من المدينة فانتهت إلى دير فيها ديراني فنامت على باب الدير فلما أصبح الديراني فتح الباب ورآها فسألها عن قصتها فخبرته فرحمها وأدخلها الدير، وكان له ابن صغير لم يكن له غيره، وكان حسن الحال فداواها حتى برئت من علتها واندملت ثم دفع إليها ابنه فكانت تربيه. وكان للديراني قهرمان (1) يقوم بأمره فأعجبته فدعاها إلى نفسه، فأبت فجهد بها فأبت، فقال: لئن لم تفعلي لاجتهدن في قتلك، فقالت: اصنع مابدا لك فعمد إلى الصبي فدق عنقه وأتى الديراني فقال له: عمدت إلى فاجرة قد فجرت فدفعت إليها ابنك فقتلته، فجاء الديراني فلما رآها قال لها: ما هذا فقد تعلمين صنيعي بك فأخبرته بالقصة فقال لها: [ليس تطيب نفسي أن تكون عندي، فاخرجي ! فأخرجها ليلا ودفع إليها عشرين درهما وقال لها:] (2) تزودي هذه الله حسبك فخرجت ليلا فأصبحت في قرية فإذا فيها مصلوب على خشبة وهو حى فسألت عن قصته فقالوا: عليه دين عشرون درهما ومن كان عليه دين عندنا لصاحبه صلب حتى يؤدي إلى صاحبه فأخرجت عشرين درهما ودفعتها إلى غريمه وقالت: لا تقتلوه فأنزلوه عن الخشبة فقال لها: ما أحد أعظم علي منة منك، نجيتني من الصلب ومن الموت، فأنا معك حيث ما ذهبت. فمضى معها ومضت حتى انتهيا إلى ساحل البحر فرأى جماعة وسفنا فقال لها: اجلسي حتى أذهب أنا أعمل لهم وأستطعم وآتيك به، فأتاهم فقال لهم: ما في سفينتكم هذه ؟ قالوا: في هذه تجارات وجوهر وعنبر وأشياء من التجارة وأما هذه فنحن فيها، قال: وكم يبلغ ما في سفينتكم، قالوا: كثير لانحصيه قال:


(1) القهرمان: الوكيل، يكون أمين الدخل والخرج، فارسي دخيل ومعناه " كارفرما " على ما في البرهان. (2) مابين العلامتين ساقط من الاصل.

[397]

فان معي شيئا هو خير مما في سفينتكم، قالوا: وما معك ؟ قال: جارية لم تروا مثلها قط فقالوا: بعناها قال: نعم على شرط أن يذهب بعضكم فينظر إليها ثم يجيئني فيشتريها ولا يعلمها، ويدفع إلي الثمن ولا يعلمها حتى أمضي أنا، فقالوا: ذلك لك، فبعثوا من نظر إليها فقال: ما رأيت مثلها قط فاشتروها منه بعشرة آلاف درهم، ودفعوا إليه الدراهم، فمضى بها، فلما أمعن أتوها فقالوا لها: قومي وادخلي السفينة، قالت: ولم ؟ قالوا: قد اشتريناك من مولاك ؟ قالت: ما هو بمولاي قالوا: لتقومين أو لنحملنك، فقامت ومضت معهم. فلما انتهوا إلى الساحل لم يؤمن بعضهم بعضا عليها فجعلوها في السفينة التي فيها الجوهر والتجارة وركبوا هم في السفينة الاخرى فدفعوها، فبعث الله عزوجل عليهم رياحا فغرقتهم وسفينتهم ونجت السفينة التي كانت فيها حتى انتهت إلى جزيرة من جزائر البحر وربطت السفينة، ثم دارت في الجزيرة فإذا فيه ماء وشجر فيه ثمر، فقالت: هذا ماء أشرب منه، وثمر آكل منه، أ عبد الله في هذا الموضع فأوحى الله عزوجل إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن يأتي ذلك الملك، فيقول: إن في جزيرة من جزائر البحر خلقا من خلقي فاخرج أنت ومن في مملكتك حتى أتوا خلقي هذا فتقروا له بذنوبكم ثم تسألوا ذلك الخلق أن يغفر لكم، فان غفر لكم غفرت لكم. فخرج الملك بأهل مملكته إلى تلك الجزيرة فرأوا امرأة فتقدم إليها الملك فقال لها: إن قاضي هذا أتاني فخبرني أن امرأة أخيه فجرت، فأمرته برجمها ولم يقم عندي البينة، فأخاف أن أكون قد تقدمت علي ما لا يحل لي فاحب أن تستغفري لي، فقالت: غفر الله لك اجلس ثم أتى زوجها ولا يعرفها فقال: إنه كان لي امرأة وكان من فضلها وصلاحها.. وإني خرجت عنها وهي كارهة لذلك فاستخلفت أخي عليها فلما رجعت سألت عنها فأخبرني أخي أنها فجرت فرجمها وأنا أخاف أن أكون قد ضيعتها فاستغفري لي غفر الله لك، فقالت: غفر الله لك اجلس فأجلسته إلى جنب الملك، ثم أتى القاضى فقال: إنه كان لاخي امرأة وإنها

[398]

أعجبتني فدعوتها إلى الفجور فأبت فأعلمت الملك أنها قد فجرت وأمرني برجمها فرجمتها، وأنا كاذب عليها، فاستغفري لي قالت: غفر الله لك ثم أقبلت على زوجها فقالت: اسمع ! ثم تقدم الديراني فقص قصته، وقال: أخرجتها بالليل وأنا أخاف أن تكون قد لقيها سبع فقتلها، فقالت: غفر الله لك اجلس، ثم تقدم القهرمان فقص قصته فقالت للديراني: اسمع غفر الله لك، ثم تقدم المصلوب فقص قصته فقالت: لا غفر الله لك. قال: ثم أقبلت على زوجها فقالت: أنا امرأتك، وكل ما سمعت فانما هو قصتي وليست لي حاجة في الرجال، وأنا احب أن تأخذ هذه السفينة وما فيها، وتخلي سبيلي فأ عبد الله عزوجل في هذه الجزيرة، فقد ترى ما لقيت من الرجال، ففعل وأخذ السفينة وما فيها، وخلى سبيلها، وانصرف الملك وأهل مملتكه (1). 67 - ختص (2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من ترك معصية من مخافة الله عزوجل أرضاه الله يوم القيامة. 68 - ين: فضالة، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: " يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " (3) قال: يأتي ما أتى وهو خاش راج. 69 - ين: عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي بصير والنضر، عن عاصم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله: " يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة " قال: يعملون ويعلمون أنهم سيثابون. 70 - نوادر الراوندي: باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من قال: إني خير الناس فهو من شر الناس، ومن قال: * (هامش *) (1) الكافي ج 5 ص 556 - 559. (2) في نسخة الاصل والكمبانى تكرر هنا الحديث السادس من دون شرحه راجع ص 361. (3) المؤمنون: 60.

[399]

إني في الجنة فهو في النار (1). 71 - نهج: قال عليه السلام: لا تأمنن على خير هذه الامة عذاب الله يقول الله سبحانه: " فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " (2) ولا تيأسن لشر هذه الامة من روح الله لقوله سبحانه: " لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " (3). 72 - عدة الداعي: روي عن العالم عليه السلام أنه قال: والله ما اعطي مؤمن قط خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله عزوجل، ورجائه له، وحسن خلقه والكف عن اغتياب المؤمنين، والله تعالى لا يعذب عبدا بعد التوبة والاستغفار، إلا بسوء ظنه وتقصيره في رجائه لله عزوجل، وسوء خلقه، واغتيابه المؤمنين وليس يحسن ظن عبد مؤمن بالله عزوجل إلا كان الله عند ظنه، لان الله كريم يستحيي أن يخلف ظن عبده ورجائه، فأحسنوا الظن بالله وارغبوا إليه فان الله تعالى يقول " الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم " الآية (4) وقال أمير المؤمنين عليه السلام إن استطعتم أن يحسن ظنكم بالله، ويشتد خوفكم منه، فاجمعوا بينهما، فانما يكون حسن ظن العبد بربه على قدر خوفه منه، و إن أحسن الناس بالله ظنا لاشدهم منه خوفا. علي بن محمد رفعه قال قلت لابي عبد الله عليه السلام إن قوما من مواليك يلمون بالمعاصي، ويقولون: نرجو، فقال: كذبوا اولئك ليسوا لنا بموال، اولئك قوم رجحت بهم الاماني، ومن رجا شيئا عمل له، ومن خاف شيئا هرب منه. وقد روي أن إبراهيم عليه السلام كان يسمع تأوهه على حد ميل حتى مدحه الله تعالى بقوله: " إن إبراهيم لحليم أواه منيب " (5) وكان في صلاته يسمع له أزيز


(1) نوادر الراوندي ص 11. (2) الاعراف: 99. (3) نهج البلاغة ج 2 ص 236، والاية في يوسف: 87. (4) عدة الداعي ص 106، والاية في سورة الفتح: 6. (5) هود: 75.

[400]

كأزيز المرجل (1)، وكذلك كان يسمع من صدر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله مثل ذلك. وكان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أخذ في الوضوء يتغير وجهه من خيفة الله تعالى وكانت فاطمة عليها السلام تنهج (2) في الصلاة من خيفة الله تعالى، وكان الحسن إذا فرغ من وضوئه تتغير لونه، فقيل له في ذلك، فقال حق على من أراد أن يدخل على ذي العرش أن تتغير لونه، ويروى مثل هذا عن زين العابدين عليه السلام. وروى المفضل بن عمر، عن الصادق عليه السلام قال حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن بن علي عليهما السلام كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشيا ورمى ماشيا وربما مشى حافيا وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عزوجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله الجنة، وتعوذ بالله من النار (3). وقالت عايشة: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه (4). 73 - كتاب زيد النرسى: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من عرف الله خافه، ومن خاف الله حثه الخوف من الله على العمل بطاعته، والاخذ بتأديبه، فبشر المطيعين المتأدبين بأدب الله، والآخذين عن الله، إنه حق على الله أن ينجيه من مضلات الفتن، وما رأيت شيئا هو أضر لدين المسلم من الشح. 74 - مشكوة الانوار: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بعث عيسى بن مريم رجلين


(1) المرجل: القدر، والازيز: صوت غليانه قال الجوهري: وفى الحديث: أنه كان يصلى ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء. (2) أي تتابع نفسه وتنبهر. (3) عدة الداعي ص 108. (4) عدة الداعي ص 109.

[401]

من أصحابه في حاجة فرجع أحدهما مثل الشن البالي والآخر شحما وسمينا، فقال للذي مثل الشن: ما بلغ منك ما أرى ؟ قال: الخوف من الله، وقال للآخر السمين: ما بلغ بك ما أرى ؟ فقال: حسن الظن بالله (1). 75 - نوادر على بن اسباط: عن هارون بن خارجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان عابد من بني إسرائيل فطرقته امرأة بالليل فقالت له: أضفني فقال: امرأة مع رجل لا يستقيم قالت: إني أخاف أن يأكلني السبع فتأثم فخرج وأدخلها قال و القنديل بيده فذهب يصعد به فقالت له أدخلتني من النور إلى (2) الظلمة قال فرد القنديل فما لبث أن جاءته الشهوة فلما خشي على نفسه قرب خنصره إلى النار فلم يزل كلما جاءته الشهوة أدخل أصبعه النار حتى أحرق خمس أصابع فلما أصبح قال: اخرجي فبئست الضيفة كنت لي.


(1) مشكاة الانوار ص 36. (2) من الظلمة الى النور ظ.

[402]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله - والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله امناء الله. وبعد: فقد تفضل الله علينا حيث اختارنا وقيضنا لتصحيح هذه الموسوعة الكبيرة وهي الباحثة عن المعارف الاسلامية الدائرة بين المسلمين: أعني بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار عليهم الصلوات والسلام. وهذا الجزء الذي نقدمه إلى القراء الكرام هو الجزء الرابع من المجلد الخامس عشر، وقد اعتمدنا في تصحيح الاحاديث وتحقيقها على النسخة المصححة المشهورة بكمباني، بعد تخريجها من المصادر، وتعيين موضع النص من المصدر وقابلناها مع ذلك على النسخة الوحيدة من نسخة الاصل لخزانة كتب الحبر الفاضل حجة الاسلام الحاج الشيخ حسين المصطفوي دام إفضاله، ولابد ههنا من تعريف لهذه النسخة ومبلغ قيمتها وأرجها في مقام التصحيح فنقول: قد جاء في ظهر هذه النسخة مرة هكذا: " الجزء الثاني من كتاب الايمان والكفر ومكارم الاخلاق وهو المجلد الخامش والعشر (!) من الكتاب (!) من كتاب بحار الانوار، وهي نسخة الاصل ويكون فيه خطوط المصنف طاب ثراه كثيرا ". ثم صحح قوله: " نسخة الاصل " بقوله: " كنسخة الاصل " وعلق عليه: " وهي أبسط من نسخة الاصل (1) ولعله طاب ثراه ألحق ثانيا ولم يلحق بالاصل ". وجاء في ظهرها مرة اخرى بغير هذا الخط: " الجزء الثاني من كتاب الايمان والكفر ومكارم الاخلاق وهو المجلد الخامس عشر نسخة الاصل بخط


(1) لم نجد بين هذه النسخة وبين مطبوعة الكمبانى اختلافا يصدق هذا المقال.

[403]

المجلسي قدس سره، واستنسخ منها البحار المطبوع، وهي من نفايس الدهر وغنائم الزمان، اشتريتها من السيد الاصفهاني. " -. والذي حققته من مطالعتي وإشرافي عليها عند المقابلة أنها مسودة من نسخة الكتاب من دون أن تخرج إلى البياض في حياة المؤلف - رحمه الله - كانت جزوات وكراسات قد كتب في أعلى ذروتها - تذكرة - من باب كذا وكذا - من باب كذا وكذا، ومعذلك عند تأليف الجزوات وتنظيم الكراسات اشتبه الامر على ناظمها ومؤلفها كما ترى في ص 161 و 162، ثم في ص 367 و 376. وهذه النسخة هي التي كانت عند مصححي طبعة أمين الضرب المشهور بكمباني وكانت هي الاصل استنسخوها للطبع حرفا بحرف بما كان فيها من تكرار أو غلط أو تصحيف أو سقط وغير ذلك، وكل ذلك أصلحناها وصححناها بعد العرض على المصدر وجعلنا السقطات بين هاتين العلامتين (....) ترى الايعاز إلى بعضها في ذيل الصفحات. وقد تنبه مصحح البحار الفاضل الحجة الحاج السيد محمد خليل الموسوي الاصفهاني رحمه الله لبعض هذه السقطات فاستدرك في هامش تلك النسخة بخط يده وتوشيحه شطرا من حديث المحاسن (تراها ص 244 تحت الرقم 17 من باب الاخلاص) وهذا مما يسلم لنا أن هذه النسخة كانت عند مصححي طبعة الكمباني كما جاء في خاتمة الجزء الاول من المجلد الخامس عشر من طبعة الكمباني ولفظه: " تم بعون الله وقد بذل جهده في مقابلة هذا الكتاب مع نسخة الاصل من خط مؤلفه قدس سره الجناب العلام الفهام الشيخ محمد باقر مع أقل السادات والطلاب محمد تقي الموسوي ". ومما هو جدير بالذكر أن كاتب النسخة كان يكتب رمز المصادر في منتهى الهامش منها ويخلي محله بياضا ليكتب الرموز بعد تمام الاستنساخ بالحمرة، ثم إنه جاء بعد ليكتب الرموز فاشتبه عليه أحيانا قراءتها فكتب رمز ين بدل رمز سن لمشابهتهما في الكتابة كما في ص 243 عند الرقم 14 ورمز شى بدل رمز م كما في ص 246، وكتب رمز ل في كثير من المواضع بصورة ك فانتقل تلك الاغلاط

[404]

في نسخة الكمبانى من دون أي تصحيح، لكنا صححنا كل ذلك. وفي هذه النسخة كلما ذكر تفسير الآيات فهي بقلمه وخط يده الشريفة وهكذا في بعض الموارد سطر أو سطران وأكثر وأما عناوين الابواب فالمعهود من النسخ المبيضة في حياته - ره - كتابتها بخط يده ولكن لا توجد في هذه النسخة ولا عنوان واحد، بل كلها مكتوبة بغير خطه. إنه جاء بعد ليكتب الرموز فاشتبه عليه أحيانا قراءتها فكتب رمز ين بدل رمز سن لمشابهتهما في الكتابة كما في ص 243 عند الرقم 14 ورمز شى بدل رمز م كما في ص 246، وكتب رمز ل في كثير من المواضع بصورة ك فانتقل تلك الاغلاط

[404]

في نسخة الكمبانى من دون أي تصحيح، لكنا صححنا كل ذلك. وفي هذه النسخة كلما ذكر تفسير الآيات فهي بقلمه وخط يده الشريفة وهكذا في بعض الموارد سطر أو سطران وأكثر وأما عناوين الابواب فالمعهود من النسخ المبيضة في حياته - ره - كتابتها بخط يده ولكن لا توجد في هذه النسخة ولا عنوان واحد، بل كلها مكتوبة بغير خطه. ويوجد في هذه النسخة أثناء الباب 59 باب الخوف والرجاء بعد الحديث المتمم للعشرين (راجع ص 376) صفحة أولها: " تداك الناس عليه ثلاثة أيام متواليات " وآخرها وهو السطر الخامس عشر " قال فرأينا ذلك "، وكتب في أعلا ذروتها - تذكرة - " لابد أن يكتب صدر هذا الخبر من الكتاب الذي نقل هذا الخبر عنه وليسئل ملا ذو الفقار.. " (1) والكلمة الاخيرة غير مقروة، لكنا بعد ما تفحصنا وجدناها منقولة في أحوال الامام الصادق عليه الصلاة والسلام (ج 47 ص 93 و 94) من طبعتنا هذه مستخرجة من نوادر علي بن أسباط تحت الرقم 106 من باب معجزاته واستجابة دعواته عليه السلام، فرأينا الساقط من صدر الحديث لا يزيد عن ثلاثة أسطر ولما لم يكن لايراده في هذا الكتاب (المجلد الخامس عشر) وجه أضربنا عنه كما أضرب عليه في مطبوعة الكمباني. محمد الباقر البهبودى شوال المكرم 1386


(1) الظاهر أنه كان أحد كتاب العلامة المؤلف. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية