الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 66

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 66


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء السادس والستون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ - 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - مثارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 273032 - 278766 - المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث - تلكس / 23644 تراث

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم 28 - * (باب) * * " (الدين الذى لا يقبل الله أعمال العباد الا به) " * الايات: البقرة: وقولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعيسى وما اوتي به النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فانما هم في شقاق (1). أقول: قد مر تفسيرها في الباب الاول (2). 1 - ك، لى: ابن موسى والوراق معا، عن الصوفي، عن الروياني، عن عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي علي بن محمد عليهما السلام فلما بصربي قال لي: مرحبا بك يا أبا القاسم أنت ولينا حقا، قال: فقلت له: يا ابن رسول الله إني اريد أن أعرض عليك ديني، فان كان مرضيا ثبت عليه حتى ألقى الله عزوجل، فقال: هات يا أبا القاسم، فقلت: إني أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شئ خارج من الحدين حد الابطال وحد التشبيه، وأنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر بل هو مجسم الاجسام ومصور الصور وخالق الاعراض والجواهر، ورب كل شئ ومالكه وجاعله ومحدثه، وإن محمدا عبده ورسوله خاتم النبيين، فلا نبي بعده إلى


(1) البقرة: 136 - 137. (2) راجع ج 67 ص 20 - 21.

[2]

يوم القيامة، وإن شريعته خاتمة الشرائع، فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة، وأقول: إن الامام والخليفة وولي الامر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم أنت يا مولاي. فقال عليه السلام: ومن بعد الحسن ابني فكيف للناس بالخلف من بعده، قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي ؟ قال: لانه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، قال: فقلت: أقررت وأقول: إن وليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله، وأقول: إن المعراج حق والمسألة في القبر حق، وإن الجنة حق، و النار حق والصراط حق والميزان حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور: وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة و الصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال علي بن محمد عليهما السلام: يا با القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة (1). بيان: حد الابطال هو أن لا تثبت له صفة، وحد التشبيه أن تثبت له على وجه يتضمن التشبيه بالمخلوقين، كما مر تحقيقه في كتاب التوحيد. 2 - ما: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبان بن عثمان، عن إسماعيل الجعفي قال: دخل رجل على أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام ومعه صحيفة مسائل شبه الخصومة، فقال له أبو جعفر عليه السلام: هذه صحيفة مخاصم على الدين الذي يقبل الله فيه العمل، فقال: رحمك الله هذا الذي اريد فقال أبو جعفر عليه السلام: اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وتقر بما جاء من عند الله، والولاية لنا أهل البيت، والبراءة من عدونا، والتسليم والتواضع والطمأنينة، وانتظار أمرنا فان


(1) كمال الدين ط اسلامية ج 2 ص 51 أمالى الصدوق: 204.

[3]

لنا دولة إن شاء الله جاء بها (1). كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان مثله (2). بيان: في الكافي " مخاصم سائل " أي مناظر مجادل وما قيل: إنه اسم، بعيد " اشهد " بصيغة الامر وفي الكافي شهادة " وتقر " أي وأن تقر وعلى ما في الامالى يحتمل الحالية، وفي الكافي " والتسليم لنا والورع والتواضع " وليس فيه و الطمأنينة، ولعل المراد بها اطمينان القلب وعدم الاضطراب عند الفتن وبالتواضع التواضع لله ولاوليائه أو الاعم " وانتظار أمرنا " وفي الكافي " قائمنا " وهذا يتضمن الاقرار بوجوده وحياته وظهوره وعدم الشك فيه، والتسليم لغيبته، وعدم الاعتراض فيها، والصبر على ما يلقى من الاذى فيها، والتمسك بما في يده من آثارهم والرجوع إلى رواة أخبارهم عليهم السلام وفي الكافي إذا شاء وهو أظهر. 3 - ما: عن المفيد، عن الحسين بن أحمد بن أبي المغيرة، عن حيدر بن محمد عن محمد بن عمر الكشي، عن جعفر بن أحمد، عن أيوب بن نوح، عن نوح بن دراج، عن إبراهيم المخارقي قال: وصفت لابي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام ديني فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله، وأن عليا إمام عدل بعده ثم الحسن والحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن على ثم أنت، فقال: رحمك الله. ثم قال: اتقوا الله ! اتقوا الله ! اتقوا الله ! عليكم بالورع، وصدق الحديث، وأداء الامانة، وعفة البطن والفرج: تكونوا معنا في الرفيق الاعلى (3). 4 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن محمد بن سنان، عن حمزة ومحمد ابني حمران قالا: اجتمعنا عند أبي عبد الله عليه السلام في جماعة من أجلة مواليه، وفينا حمران بن أعين فخضنا في المناظرة، وحمران ساكت، فقال له


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 182. (2) الكافي ج 2 ص 23، وفيه: صحيفة مخاصم يسأل عن الدين. (3) أمالى الطوسى ج 2: 226.

[4]

أبو عبد الله عليه السلام: مالك لا تتكلم يا حمران ؟ فقال: يا سيدى آليت على نفسي (1) أن لا أتكلم في مجلس تكون فيه فقال أبو عبد الله عليه السلام: إني قد أذنت لك في الكلام فتكلم، فقال حمران: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا خارج من الحدين حد التعطيل وحد التشبيه وأن الحق القول بين القولين، لا جبر ولا تفويض، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث بعد الموت حق وأشهد أن عليا حجة الله على خلقه لا يسع الناس جهله، وأن حسنا بعده، وأن الحسين من بعده، ثم على بن الحسين ثم محمد بن علي ثم أنت يا سيدي من بعدهم، فقال أبو عبد الله عليه السلام: الترتر حمران [ثم قال: يا حمران] مد المطمر بينك وبين العالم، قلت: يا سيدي وما المطمر ؟ فقال: أنتم تسمونه خيط البناء، فمن خالفك على هذا الامر فهو زنديق فقال حمران: وإن كان علويا فاطميا ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام وإن كان محمديا علويا فاطميا (2). بيان: " فخضنا " أي شرعنا ودخلنا، وفي القاموس: التر بالضم الخيط يقدر به البناء وقال " المطمار " خيط للبناء يقدر به كالمطمر انتهى، وهذا الخبر ينفي الواسطة بين الايمان والكفر، فمن لم يكن إماميا صحيح العقيدة فهو كافر. 5 - سن: عن علي بن الحكم، عن حسين بن سيف، عن معاذ بن مسلم قال: أدخلت عمر أخي على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: هذا عمر أخي وهو يريد أن يسمع منك شيئا فقال له: سل ما شئت، فقال: أسألك عن الذي لا يقبل الله من العباد غيره ولا يعذرهم على جهله، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، والغسل من الجنابة، وحج البيت، والاقرار بما جاء من عند الله جملة، والايتمام بأئمة الحق من آل محمد، فقال عمر: سمهم لي أصلحك الله، فقال: علي أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد


(1) أي حكمت عليها وألزمتها. (2) معاني الاخبار ص 212.

[5]

ابن علي والخير يعطيه الله من يشاء. فقال له: فأنت جعلت فداك ؟ قال: يجري لاخرنا ما يجري لاولنا، ولمحمد وعلي فضلهما، قال له: فأنت ؟ قال: هذا الامر يجري كما يجري الليل والنهار قال: فأنت ؟ قال: هذا الامر يجري كما يجري حد الزاني والسارق، قال: فأنت جعلت فداك ؟ قال: القرآن، نزل في أقوام وهي تجري في الناس إلى يوم القيامة قال: قلت: جعلت فداك أنت، لتزيدني على أمر (1). 6 - شى: عن هشام بن عجلان قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أسألك عن شئ لا أسأل عنه أحدا بعدك أسألك عن الايمان الذي لا يسع الناس جهله، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والاقرار بما جاء من عند الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان والولاية لنا والبراءة من عدونا وتكون مع الصديقين (2). بيان: " وتكون مع الصديقين " أي إذا فعلت جميع ذلك تكون الاخرة مع الصديقين كما قال تعالى: " اولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين " (3) أو المعنى: ومن الايمان الكون معهم ومتابعتهم كما قال تعالى: " وكونوا مع الصادقين " (4). 7 - كش: عن جعفر بن أحمد بن أيوب، عن صفوان، عن عمرو بن حريث، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت عليه وهو في منزل أخيه عبد الله بن محمد فقلت له: جعلت فداك ما حق لك جعلت فداك ما حق لك إلى هذا المنزل، قال: طلب النزهة، قال: قلت: جعلت فداك ألا أقص عليك ديني الذي أدين [الله] به قال: بلى يا عمرو قلت: إني أدين الله بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا والولاية لعلي بن أبي طالب


(1) المحاسن ص 288. وفيه: هذا الامر يجرى لاخرنا كما يجرى لاولنا. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 117. (3) النساء: 69. (4) براءة: 120.

[6]

أمير المؤمنين بعد رسول الله، والولاية للحسن والحسين والولاية لعلي بن الحسين والولاية لمحمد بن علي من بعده وأنتم أئمتي، عليه أحيى وعليه أموت، وأدين الله به، قال: يا عمرو ! هذا والله ديني ودين آبائي الذي ندين الله به، في السر و العلانية، فاتق الله وكف لسانك إلا من خير، ولا تقل: إني هديت نفسي، بل هداك الله، فاشكر ما أنعم الله عليك، ولا تكن ممن إذا أقبل طعن في عينيه وإذا أدبر طعن في قفاه، ولا تحمل الناس على كاهلك، فانه يوشك إن حملت الناس على كاهلك أن يصدعوا شعب كاهلك (1). كا: عن علي، عن أبيه، وأبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار جميعا عن صفوان مثله (2). بيان: في القاموس: التنزه التباعد والاسم النزهة بالضم، ومكان نزه ككتف ونزيه وأرض نزهة بكسر الزاي ونزيهة بعيدة عن الريف، وغمق المياه، وذبان القرى وومد البحار وفساد الهواء، نزه ككرم وضرب نزاهة ونزاهية، والرحل تباعد عن كل مكروه فهو نزيه، واستعمال التنزه في الخروج إلى البساتين والخضر والرياض غلط قبيح، وهو بنزهة من الماء بالضم ببعد (3). وأقول: كفى باستعماله عليه السلام في هذا المعنى شاهدا على صحته وفصاحته وإن أمكن حمله على بعض المعاني التي ذكرها مع أنهم عليهم السلام قد كانوا يتكلمون بعرف المخاطبين ومصطلحاتهم تقريبا إلى أفهامهم وقال في المصباح: قال ابن السكيت في فصل ما تضعه العامة في غير موضعه خرجنا نتنزه إذا خرجوا إلى البساتين، وإنما


(1) رجال الكشى ص 356. (2) الكافي ج 2 ص 23. مع اختلاف يسير. (3) القاموس ج 4: 294. والريف: أرض فيها زرع وخصب، وقيل: حيث تكون الخضر والمياه، وغمق البحار: نداه يعنى رطوبة الهواء، وذبان جمع ذباب وهى في القرى لقذارة أرضها وهوائها أكثر منها في المدن، وومد البحار: نداها في صميم الحر تقع على الناس ليلا.

[7]

التنزه التباعد من المياه والارياف وقال ابن قتيبة: ذهب أهل العلم في قول الناس خرجوا يتنزهون إلى البساتين أنه غلط، وهو عندي ليس بغلط لان البساتين في كل بلد إنما تكون خارج البلد، فإذا أراد أحد أن يأتيها فقد أراد البعد عن المنازل والبيوت، ثم كثر هذا حتى استعملت النزهة في الخضر والجنان. قوله " أدين به " في الكافي: " أدين الله به " أي أ عبد الله واطيعه بتلك العقائد والاعمال، وفي الكافي " لمحمد بن علي ولك من بعده وأنك أئمتي " قوله عليه السلام: " في السر والعلانية " أي بالقلب واللسان والجوارح، أو في الخلوة والمجامع مع عدم التقية " وكف لسانك " تخصيص كف اللسان بالذكر بعد الامر بالتقوى مطلقا لكون أكثر الشرور منه، وفيه إشعار بالتقية أيضا " ولا تقل إني هديت نفسي " أي لا تفسد دينك بالعجب، واعلم أن الهداية من الله كما قال تعالى " قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان " (1) وفي الكافي " بل الله هداك فأد شكر ما أنعم الله عزوجل به عليك " " ولا تكن ممن إذا أقبل " أي كن من الاخيار ليمدحك الناس في وجهك وقفاك ولا تكن من الاشرار الذين يذمهم الناس في حضورهم وغيبتهم، أو أمر بالتقية من المخالفين، أو بحسن المعاشرة مطلقا " ولا تحمل الناس على كاهلك " أي لا تسلط الناس على نفسك بترك التقية، أو لا تحملهم على نفسك بكثرة المداهنة والمداراة معهم، بحيث تتضرر بذلك، كأن يضمن لهم أو يتحمل عنهم ما لا يطيق أو يطمعهم في أن يحكم بخلاف الحق أو يوافقهم فيما لا يحل، و هذا أفيد وإن كان الاول أظهر، في القاموس: الكاهل كصاحب الحارك أو مقدم أعلى الظهر مما يلي العنق، وهو الثلث الاعلى وفيه ست فقر، أو ما بين الكتفين أو موصل العنق في الصلب، وقال: الصدع الشق في شئ صلب، وقال: الشعب بالتحريك بعدما بين المنكبين. 8 - كش: عن جعفر بن أحمد، عن جعفر بن بشير، عن أبي سلمة الجمال قال: دخل خالد البجلي على أبي عبد الله عليه السلام وأنا عنده فقال له: جعلت فداك إني


(1) الحجرات: 18.

[8]

اريد أن أصف لك ديني الذي أدين الله به، وقد قال له قبل ذلك: إني اريد أن أسألك، فقال له: سلني، فو الله لا تسألني عن شئ إلا حدثتك به على حده لا أكتمه، قال: إن أول ما ابدي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ليس إله غيره، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: كذلك ربنا ليس معه إله غيره، ثم قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: كذلك محمد عبد الله مقر له بالعبودية ورسوله إلى خلقه، ثم قال: وأشهد أن عليا كان له من الطاعة المفروضة على العباد مثل ما كان لمحمد صلى الله عليه وآله على الناس، فقال: كذلك كان على عليه السلام، قال: وأشهد أنه كان للحسن بن علي عليه السلام من الطاعة الواجبة على الخلق مثل ما كان لمحمد وعلى صلوات الله عليهما، قال: فقال: كذلك كان الحسن قال: وأشهد أنه كان للحسين من الطاعة الواجبة على الخلق بعد الحسن ما كان لمحمد وعلي والحسن، قال: فكذلك كان الحسين، قال: وأشهد أن علي بن الحسين كان له من الطاعة الواجبة على جميع الخلق كما كان للحسين عليه السلام قال: فكذلك كان علي بن الحسين، قال: وأشهد أن محمد بن علي عليه السلام كان له من الطاعة الواجبة على الخلق مثل ما كان لعلي بن الحسين، قال: فقال: كذلك كان محمد بن علي قال: وأشهد أنك أورثك الله ذلك كله، قال: فقال أبو عبد الله: حسبك اسكت الان، فقد قلت حقا، فسكت. فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بعث الله نبيا له عقب وذرية إلا أجرى لاخرهم مثل ما أجرى لاولهم، وإنا نحن ذرية محمد صلى الله عليه وآله وقد أجرى لاخرنا مثل ما أجرى لاولنا، ونحن على منهاج نبينا صلى الله عليه وآله لنا مثل ماله من الطاعة الواجبة (1). 9 - كش: عن جعفر بن أحمد بن الحسين، عن داود، عن يوسف قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أصف لك ديني الذي أدين الله به ؟ فان أكن على حق فثبتني وإن أكن على غير الحق فردني إلى الحق قال: هات، قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عليا كان إمامي


(1) رجال الكشى ص 359.

[9]

وأن الحسن كان إمامي، وأن الحسين كان إمامي، وأن علي بن الحسين كان إمامي، وأن محمد بن علي كان إمامي، وأنت جعلت فداك على منهاج آبائك قال: فقال عند ذلك مرارا: رحمك الله ثم قال: هذا والله دين الله ودين ملائكته وديني ودين آبائي الذي لا يقبل الله غيره (1). 10 - كش: عن جعفر وفضالة، عن أبان، عن الحسن بن زياد العطار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: إني اريد أن أعرض عليك ديني وإن كنت في حسناتي ممن قد فرغ من هذا، قال: فاته، قال: قلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله واقر بما جاء به من عند الله فقال لي مثل ما قلت، وأن عليا إمامي فرض الله طاعته، من عرفه كان مؤمنا ومن جهله كان ضالا، ومن رد عليه كان كافرا. ثم وصفت الائمة عليهم السلام حتى انتهيت إليه فقال: ما الذي تريد ؟ أتريد أن أتولاك على هذا ؟ فاني أتولاك على هذا (2) بيان: " وإن كنت في حسناتي " أي بسبب أفعالي الحسنة ومتابعتي إياكم فيها واطميناني بها محسوبا ممن فرغ من تصحيح اصول عقائده، وفرغ منها، و الظاهر أنه كان " حسباني " أي ظني. 11 - كتاب صفات الشيعة: للصدوق رحمه الله باسناده، عن محمد بن عمارة عن أبيه قال قال الصادق عليه السلام: ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء: المعراج، و المسألة في القبر، وخلق الجنة والنار، والشفاعة. وعن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل، عن الرضا عليه السلام قال من أقر بتوحيد الله ونفي التشبيه عنه، ونزهه عما لا يليق به، وأقر أن له الحول والقوة والارادة والمشية، والخلق والامر، والقضاء والقدر، وأن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، وشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأن عليا والائمة بعده حجج الله، ووالى أولياءهم وعادى أعداءهم واجتنب الكبائر، وأقر بالرجعة


(1) رجال الكشى ص 360. (2) رجال الكشى ص 361 وفيه في حسباني:.

[10]

والمتعتين، وآمن بالمعراج، والمسألة في القبر، والحوض والشفاعة، وخلق الجنة والنار، والصراط والميزان، والبعث والنشور، والجزاء والحساب، فهو مؤمن حقا، وهو من شيعتنا أهل البيت (1). 12 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عمن ذكره، عن محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنكم لا تكونون صالحين حتى تعرفوا، ولا تعرفون حتى تصدقوا، ولا تصدقون حتى تسلموا أبوابا أربعة لا يصلح أولها إلا بآخرها، ضل أصحاب الثلاثة، وتاهوا تيها بعيدا إن الله تبارك وتعالى لا يقبل إلا العمل الصالح ولا يتقبل إلا بالوفاء بالشروط والعهود ومن وفى لله بشروطه، واستكمل ما وصف في عهده، نال مما عنده، واستكمل وعده، إن الله عزوجل أخبر العباد بطرق الهدى، وشرع لهم فيها المنار، و أخبرهم كيف يسلكون، فقال: " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " وقال: " إنما يتقبل الله من المتقين " (2) فمن اتقى عزوجل فيما أمره لقي الله عزوجل مؤمنا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله. هيهات هيهات فات قوم وماتوا قبل أن يهتدوا فظنوا أنهم آمنوا وأشركوا من حيث لا يعلمون، إنه من أتى البيوت من أبوابها اهتدى، ومن أخذ في غيرها سلك طريق الردى، وصل الله طاعة ولي أمره بطاعة رسوله، وطاعة رسوله بطاعته، فمن ترك طاعة ولاة الامر لم يطع الله ولا رسوله، وهو الاقرار بما نزل من عند الله " خذوا زينتكم عند كل مسجد " (3) والتمسوا البيوت التي " أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " فانه قد خبركم أنهم " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله - عز وجل - وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار " (4). إن الله قد استخلص الرسل لامره، ثم استخلصهم مصدقين لذلك في نذره


(1) صفات الشيعة ص 189. (2) طه: 82، والمائدة: 37 على الترتيب. (3) الاعراف: 31. (4) النور: 36 و 37

[11]

فقال " وإن من امة إلا خلافيها نذير " (1) تاه من جهل واهتدى من أبصر وعقل إن الله عزوجل يقول: " فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " (2) وكيف يهتدي من لم يبصر، وكيف يبصر من لم ينذر. اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وأقروا بما أنزل الله عزوجل، واتبعوا آثار الهدى فانها علامات الامانة والتقى، واعلموا أنه لو أنكر رجل عيسى بن مريم وأقر بمن سواه من الرسل لم يؤمن، اقتصوا الطريق بالتماس المنار، والتمسوا من وراء الحجب الاثار تستكملوا أمر دينكم، وتؤمنوا بالله ربكم (3). بيان: قد مضى الخبر في كتاب الامامة (4) وشرحناه هناك ونوضح هنا بعض التوضيح " حتى تعرفوا " قيل أي إمام الزمان " حتى تصدقوا " أي الامام وتعده صادقا فيما يقول: " حتى تسلموا أبوابا أربعة " قد مضى الكلام في الابواب مفصلا وقال المحدث الاسترابادي رحمه الله: إشارة إلى الاقرار بالله، والاقرار برسوله والاقرار بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله والاقرار بتراجمة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله. والتيه التحير والذهاب عن الطريق القصد، يقال: تاه في الارض إذا ذهب متحيرا كما في القاموس: " إن الله أخبر العباد " تفصيل لما أجمل عليه السلام سابقا وبيان للابواب و الشروط والعهود المذكورة " وا ؟ ار " جمع منارة على غير قياس يعني موضع النور ومحله. وقيل: كنى بالمنار عن الائمة فانها صيغة جمع على ما صرح به ابن الاثير في نهايته، وبتقوى الله فيما أمره عن الاهتداء إلى الامام والاقتداء به، وباتيان أبوابها عن الدخول في المعرفة من جهة الامام عليه السلام انتهى. " واستكمل وعده " أي استحق وعده كاملا كما قال تعالى " أوفوا بعهدي اوف بعهدكم " (5) " مات قوم " فيما مضى " فات قوم " وهو أظهر أي فاتوا عنا، ولم -


(1) فاطر 28 (2) الحج: 46. (3) الكافي ج 2: 47. (4) مضى شطر منه في ج 23 ص 96 من هذه الطبعة. (5) البقرة: 40.

[12]

يبايعونا أو ماتوا فالثاني تأكيد " من أتى البيوت " أي بيوت الايمان والعلم والحكمة " من أبوابها " وهم الائمة إشارة إلى تأويل قوله تعالى " وأتوا البيوت من أبوابها " (1). " وصل الله " إشارة إلى قوله تعالى " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " (2) وقوله: " أطيعوا الله ورسوله " (3) وقوله " ومن يطع الرسول فقد أطاع الله " (4) " خذوا زينتكم " إما بيان لما نزل، أو استيناف، وأول عليه السلام الزينة بمعرفة الامام والمسجد بمطلق العبادة، والبيوت ببيوت أهل العصمة سلام الله عليهم، والرجال بهم عليهم السلام والمراد بعدم إلهائهم التجارة والبيع عن ذكر الله أنهم يجمعون بين ذين وذاك لا أنهم يتركونهما رأسا كما ورد النص عليه في خبر آخر. قوله عليه السلام: " ثم استخلصهم " الضمير راجع إلى ولاة الامر، و " ذلك " إشارة إلى الامر، أي استخلص واصطفى الاوصياء حال كونهم مصدقين لامر الرسالة في النذر، وهم الرسل فقوله " في نذره " متعلق بقوله: " مصدقين " ويحتمل أن يكون " في نذره " أيضا حالا أي حال كونهم مندرجين في النذر، ويمكن أن يكون ضمير استخلصهم راجعا إلى الرسل أي ثم بعد إرسال الرسل، استخلصهم وأمرهم بأن يصدقوا أمر الخلافة في النذر بعدهم، وهم الاوصياء عليهم السلام وقيل: " ثم " للتراخي في الرتبة، دون الزمان، يعني وقع ذلك الاستخلاص لهم حال كونهم مصدقين لذلك الاستخلاص في سائر نذره أيضا بمعنى تصديق كل منهم لذلك في الباقين واستشهد على استمرارهم في الانذار بقوله تعالى " وإن من امة إلا خلافيها نذير " ثم بين وجوب النذير ووجوب معرفته بتوقف الاهتداء على الابصار، وتوقف الابصار على الانذار، وتوقف الانذار على وجوب النذير ومعرفته، وأشار بآثار الهدى إلى الائمة عليهم السلام. وفي بعض النسخ " ابتغوا آثار الهدى " بتقديم الموحدة على المثناة والغين المعجمة ونبه بقوله " لو أنكر رجل عيسى عليه السلام " على وجوب الايمان بهم جميعا من غير تخلف


(1) البقرة: 182. (2) النساء: 59. (3) الانفال: 20. (4) النساء. 80.

[13]

عن أحد منهم، ثم كرر الوصية بالاقتداء بهم معللا بأنهم منار طريق الله، وأمر بالتماس آثارهم إن لم يتيسر الوصول إليهم. 13 - محص: عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله عزوجل افترضت على عبادي عشرة فرائض إذا عرفوها أسكنتهم ملكوتي، وأبحتهم جناني أولها معرفتي، والثانية معرفة رسولي إلى خلقي والاقرار به والتصديق له، والثالثة معرفة أوليائي وأنهم الحجج على خلقي، من والاهم فقد والاني ومن عاداهم فقد عاداني، وهم العلم فيما بيني وبين خلقي، ومن أنكرهم أصليته ناري، وضاعفت عليه عذابي، والرابعة معرفة الاشخاص الذين اقيموا من ضياء قدسي، وهم قوام قسطي، والخامسة معرفة القوام بفضلهم والتصديق لهم، والسادسة معرفة عدوي إبليس وما كان من ذاته وأعوانه، والسابعة قبول أمري والتصديق لرسلي، والثامنة كتمان سري وسر أوليائي، والتاسعة تعظيم أهل صفوتي والقبول عنهم، والرد إليهم فيما اختلفتم فيه، حتى يخرج الشرح منهم، والعاشرة أن يكون هو وأخوه في الدين والدنيا شرعا سواء، فإذا كانوا كذلك أدخلتهم ملكوتي، وآمنتهم من الفزع الاكبر وكانوا عندي في عليين. بيان: كأن الفرق بين الثالثة والرابعة أن الاولى في الحجج الموجودين وقت الخطاب كعلي والسبطين عليهم السلام والثانية في الائمة بعدهم، أو الاولى في سائر الانبياء والاوصياء، والثانية في أئمتنا عليهم السلام. 14 - دعوات الراوندي: عن أبي الجارود قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: إني امرؤ ضرير البصر، كبير السن، والشقة فيما بيني وبينكم بعيدة، وأنا اريد أمرا أدين الله به وأحتج به وأتمسك به، وابلغه من خلفت، قال: فأعجب بقولي واستوى جالسا فقال: كيف قلت يا أبا الجارود ؟ رد علي، قال: فرددت عليه، فقال: نعم يا أبا الجارود: شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت

[14]

وولاية ولينا وعداوة عدونا، والتسليم لامرنا، وانتظار قائمنا، والورع والاجتهاد. 15 - كا: بإسناده عن أبي الجارود قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: يا ابن رسول الله هل تعرف مودتي لكم وانقطاعي إليكم وموالاتي إياكم ؟ قال: فقال: نعم، قال: فقلت: فاني أسألك مسألة تجيبني فيها فاني مكفوف البصر، قليل المشي لا أستطيع زيارتكم كل حين، قال: هات حاجتك ! قلت: أخبرني بدينك الذي تدين الله عزوجل به أنت وأهل بيتك، لا دين الله عزوجل به، قال: إن كنت أقصرت الخطبة، فقد أعظمت المسألة، والله لاعطينك ديني ودين آبائي الذي ندين الله عزوجل به: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والاقرار بما جاء من عند الله، والولاية لوينا، والبراءة من عدونا والتسليم لامرنا وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع (1). بيان: " أقصرت الخطبة " الظاهر أن الخطبة بضم الخاء أي ما يتقدم من الكلام المناسب قبل إظهار المطلوب، وكأنه عليه السلام عد خطبته قصيرة مع طولها إعظاما للمسألة وإيذانا بأن هذا المقصود الجليل يستدعي أطول من ذلك من الخطبة وقيل: إقصاره إياها اكتفاؤه بالاستفهام من غير بيان وإعلام، ومنهم من قرأ الخطبة بالكسر مستعارة من خطبة النساء وهو تكلف قال في النهاية في الحديث إن أعرابيا جاءه فقال: علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أي جئت بالخطبة قصيرة وبالمسألة عريضة، يعني قللت الخطبة وأعظمت المسألة. " والتسليم لامرنا " أي الرضا قلبا بما يصدر عنهم قولا وفعلا من اختيارهم المهادنة أو القتال أو الظهور أو الغيبة وسائر ما يصدر عنهم مما تعجز العقول عن إدراكه، والافهام عن استنباط علته كما قال تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (2)


(1) الكافي ج 2 ص 21. (2) النساء: 65.

[15]

والاجتهاد بذل الجهد في الطاعات، والورع الاجتناب عن المعاصي، بل الشبهات والمكروهات. 16 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سمعته يسأل أبا عبد الله عليه السلام فقال له: جعلت فداك أخبرني عن الدين الذي افترض الله عزوجل على العباد مالا يسعهم جهله، ولا يقبل منهم غيره ما هو ؟ فقال: أعد علي فأعاد عليه، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا، وصوم شهر رمضان، ثم سكت قليلا ثم قال: والولاية مرتين ثم قال: هذا الذي فرض الله عزوجل على العباد لا يسأل الرب العباد يوم القيامة فيقول: ألا زدتني على ما افترضت عليكم، ولكن من زاد زاده الله، إن رسول الله سن سننا حسنة جميلة ينبغي للناس الاخذ بها (1). توضيح: قوله " مالا يسعهم " عطف بيان للدين أو مبتدأ و " ما هو " خبره قوله " أعد علي " كأن الامر بالاعادة لسماع الحاضرين وإقبالهم إليه، أو لاظهار حسن الكلام والتلذذ بسماعه، وكأنه يدخل في شهادة التوحيد ما يتعلق بمعرفة الله من صفات ذاته وصفات فعله، وفي شهادة الرسالة ما يتعلق بمعرفة الانبياء وصفاتهم، و كذا الاقرار بالمعاد داخل في الاولى أو في الثانية، لاخبار النبي بذلك، و " إقام الصلاة " حذفت التاء للاختصار، وقيل المراد باقامتها إدامتها، وقيل: فعلها على ما ينبغي، وقيل: فعلها في أفضل أوقاتها، وقيل: جاء على عرف القرآن في التعبير من فعل الصلاة بلفظ الاقامة دون أخواتها، وذلك لما اختصت به من كثرة ما يتوقف عليه من الشرايط والفرائض والسنن والفضائل، وإقامتها إدامة فعلها مستوفاة جميع ذلك. أقول: ويمكن أن تكون ذكر الاقامة لتشبيه الصلاة من الايمان بمنزلة العمود من الفسطاط، كما ورد في الخبر، وإنما لم يذكر الجهاد لانه لا يجب


(1) الكافي ج 2: 22.

[16]

إلا مع الامام، فهو تابع للولاية مندرج تحتها، أو لعدم تحقق شرط وجوبه في ذلك الزمان، قوله: " مرتين " أي كرر الولاية تأكيدا. قوله عليه السلام: " هذا الذي فرض الله على العباد " أي علم فرضها ضرورة من الدين " فيقول ألا زدتني " ألا بالتشديد حرف تحضيض وإذا دخل على الماضي يكون للتعيير والتنديم، وكأن المعنى أنه لا يسأل عن شئ سوى هذه من جنسها، كما أنه من أتى بالصلوات الخمس لا يسأل الله عن النوافل، ومن أتى بالزكاة الواجبة لا يسأل عن الصدقات المستحبة وهكذا. 29 * (باب) * * " أدنى ما يكون به العبد مؤمنا " * * " وأدنى ما يخرجه عنه " * 1 - مع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن جعفر الكناسي قال: قلت لابي - عبد الله عليه السلام: ما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا ؟ قال: يشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا عبده ورسوله، ويقر بالطاعة، ويعرف إمام زمانه، فإذا فعل ذلك فهو مؤمن (1). 2 - مع: بالاسناد المتقدم، عن ابن عيسى، عن ابن معروف، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن ابن مسكان، عن أبي الربيع قال: قلت: ما أدنى ما يخرج به الرجل من الايمان ؟ قال الرأي يراه مخالفا للحق فيقيم عليه (2). بيان: " الرأي يراه " أي في اصول الدين أو الاعم عمدا أو الاعم مع تقصير وعلى كل تقدير يحمل الايمان على معنى من المعاني المتقدمة. 3 - كتاب سليم بن قيس: قال أتى أمير المؤمنين عليه السلام رجل فقال له: يا أمير المؤمنين ما أدنى ما يكون به الرجل مؤمنا ؟ وأدنى ما يكون به كافرا ؟ و


(1 و 2) معاني الاخبار: 393.

[17]

وأدنى ما يكون به ضالا قال: سألت فاسمع الجواب، أدنى ما يكون به مؤمنا أن يعرفه الله نفسه فيقر له بالربوبية والوحدانية، وأن يعرفه نبيه فيقر له بالنبوة وبالبلاغة، وأن يعرفه حجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة، قال: يا أمير المؤمنين وإن جهل جميع الاشياء غير ما وصفت ؟ قال: نعم، إذا أمر أطاع وإذا نهى انتهى، وأدنى ما يكون به كافرا أن يتدين بشئ فيزعم أن الله أمره به ما نهى الله عنه، ثم ينصبه فيتبرأ ويتولى، ويزعم أنه يعبد الله الذي أمره به (1) وأدنى ما يكون به ضالا أن لا يعرف حجة الله في أرضه وشاهده على خلقه، الذي أمر الله بطاعته وفرض ولايته، قال: يا أمير المؤمنين سمهم لي، قال: الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه. فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " (2) قال: أوضحهم لي، قال: الذين قال رسول الله في آخر خطبة خطبها ثم قبض من يومه " إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وأهل بيتي فان اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين إصبعي، فتمسكوا بهما لا تضلوا، ولا تقدموهم فتهلكوا، ولا تخلفوا عنهم فتفرقوا ولا تعلموهم فهم أعلم منكم (3). كا: عن علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني عن ابن اذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم مثله (4) بأدنى تغيير.


(1) زاد في الكافي بعده: وانما يعبد الشيطان. (2) النساء: 59. (3) كتاب سليم: 86. (4) الكافي ج 2 ص 414.

[18]

30 - * (باب) * * " (ان العمل جزء الايمان، وأن الايمان) " * * " (مبثوث على الجوارح) " * الايات: البقرة: وما كان الله ليضيع إيمانكم وقال تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر و الملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى إلى قوله: اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون (1). آل عمران: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين (2). فاطر: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه (3). تفسير: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي صلاتكم كما سيأتي واستدل به على أن العمل جزء الايمان، وقال البيضاوي: أي ثباتكم على الايمان وقيل: إيمانكم بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها، لما روي أنه عليه السلام لما وجه إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا ؟ فنزلت (4) " ولكن البر من آمن " أي بر من آمن، أو المراد بالبر البار، ومقابلة الايمان بالاعمال تدل على المغايرة، وآخرها حيث قال: " اولئك الذين صدقوا " أي في دعوى الايمان أو فيما التزموه وتمسكوا به، يومئ إلى الجزئية أو الاشتراط، والايات الدالة على الطرفين كثيرة مفرقة على الابواب وسنتكلم عليها إنشاء الله. وقوله


(1) البقرة: 143 و 176. (2) آل عمران: 97. (3) فاطر: 10. (4) تفسير البيضاوى ص 44.

[19]

سبحانه " ومن كفر " يدل على دخول الاعمال في الايمان، حيث عد ترك الحج كفرا، وإن أوله بعضهم بحمله على جحد فرض الحج أو حمل الكفر على كفران النعمة، فان ترك المأمور به كفران لنعمة الامر. " إليه يصعد الكلم الطيب " قيل: المراد به العقائد الحقة، وقيل: كلمة التوحيد وقيل: كل قول حسن، والصعود كناية عن القبول من صاحبه والاثابة عليه " والعمل الصالح يرفعه " يحتمل وجهين أحدهما إرجاع المرفوع إلى العمل، والمنصوب إلى الكلم أي العمل الصالح يوجب رفع العقائد وصحتها أو كمالها وقبولها، و ثانيهما العكس أي العقائد الحقه شرائط لصحة الاعمال، وعلى الوجه الاول يناسب الباب، وقد يقال: المرفوع راجع إلى الله والمنصوب إلى العمل 1 - كنز الكراجكى: عن أحمد بن محمد بن شاذان، عن أبيه، عن محمد بن الحسن ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن زياد، عن المفضل بن عمر، عن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ملعون ملعون من قال: الايمان قول بلا عمل. 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قيل لامير المؤمنين: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله كان مؤمنا ؟ قال: فأين فرائض الله قال: وسمعته يقول: كان على عليه السلام يقول: لو كان الايمان كلاما لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام، قال: وقلت لابي جعفر عليه السلام: إن عندنا قوما يقولون: إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فهو مؤمن، قال: فلم يضربون الحدود ؟ ولم يقطع أيديهم ؟ وما خلق الله عزوجل خلقا أكرم على الله عزوجل من مؤمن لان الملائكة خدام المؤمنين، وإن جوار الله للمؤمنين، وإن الجنة للمؤمنين وإن الحوار العين للمؤمنين، ثم قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافرا (1) بيان: قوله عليه السلام " فأين فرائض الله " أقول حاصله أن الايمان الذي هو سبب لرفع الدرجات، والتخلص من العقوبات في الدنيا والاخرة، ليس محض العقائد


(1) الكافي ج 2 ص 33.

[20]

وإلا لم يفرض الله الفرائض، ولم يتوعد على المعاصي، وأيضا ما ورد في الايات و الاخبار من كرامة المؤمنين، ودرجاتهم ومنازلهم، ينافي إجراء الحدود عليهم، و إذلالهم وإهانتهم، فلابد من خروجهم عن الايمان حين استحقاقهم تلك العقوبات قوله " فما بال من جحد " لعل المعنى أنه لو كان الايمان محض التكلم بالشهادتين أو الاعتقاد بهما كما تزعمون، لم يكن جحد الفرائض موجبا للكفر، مع أنكم توافقوننا في ذلك، لورود الاخبار فيه، فلم لا تقولون بعدم إيمان تاركي الفرائض و مرتكبي الكبائر أيضا مع ورود الاخبار الكثيرة فيها أيضا، وقيل: المراد بجحد الفرائض تركها عمدا من غير عذر، فانه يؤذن بالاستخفاف والجحد. قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في بيان حقيقة الكفر: عرفه جماعة بأنه عدم الايمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا، سواء كان ذلك العدم بضد أولا بضد فبالضد كأن يعتقد عدم الاصول التي بمعرفتها يتحقق الايمان، أو عدم شئ منها وبغير الضد كالخالي من الاعتقادين أي اعتقاد ما به يتحقق الايمان، واعتقاد عدمه، وذلك كالشاك أو الخالي بالكلية كالذي لم يقرع سمعه شئ من الامور التي يتحقق الايمان بها، ويمكن إدخال الشاك في القسم الاول إذ الضد يخطر بباله، وإلا لما صار شاكا. واعترض عليه بأن الكفر قد يتحقق مع التصديق بالاصول المعتبرة في الايمان كما إذا ألقى إنسان المصحف في القاذورات عامدا أو وطئه كذلك، أو ترك الاقرار باللسان جحدا وحينئذ فينتقض حد الايمان منعا وحد الكفر جمعا. واجيب تارة بأنا لا نسلم بقاء التصديق لفاعل ذلك. ولو سلمنا يجوز أن يكون الشارع جعل وقوع شئ من ذلك علامة وأمارة على تكذيب فاعل ذلك، و عدم تصديقه، فيحكم بكفره عند صدور ذلك منه، وهذا كما جعل الاقرار باللسان علامة على الحكم بالايمان، مع أنه قد يكون كافرا في نفس الامر، وتارة بأنه يجوز أن يكون الشارع حكم بكفره ظاهرا عند صدور شئ من ذلك حسما لمادة جرأة المكلفين على انتهاك حرماته، وتعدي حدوده، وإن كان التصديق في نفس

[21]

الامر حاصلا، وغاية ما يلزم من ذلك جواز الحكم بكون شخص واحد مؤمنا و كافرا، وهذا لا محذور فيه، لانا نحكم بكفره ظاهرا وإمكان إيمانه باطنا فالموضوع مختلف فلم يتحقق اجتماع المتقابلين، ليكون محالا، ونظير ذلك ما ذكرناه من دلالة الاقرار على الايمان، فيحكم به مع جواز كونه كافرا في نفس الامر. وأقول أيضا: إن النقض المذكور لا يرد على جامعية تعريف الكفر وذلك لانه قد تبين أن العدم المأخوذ فيه أعم من أن يكون بالضد أو غيره، وما ذكر من موارد النقض داخل في غير الضد كما لا يخفى وحينئذ فجامعيته سالمة لصدقه على الموارد المذكورة، والناقض والمجيب غفلا عن ذلك. ويمكن الجواب عن مانعية تعريف الايمان أيضا بأن نقول: من عرف الايمان بالتصديق المذكور، جعل عدم الاتيان بشئ من موارد النقض شرطا في اعتبار ذلك التصديق شرعا، وتحقق حقيقة الايمان، والحاصل أنا لما وجدنا الشارع حكم بايمان المصدق، وحكم بكفر من ارتكب شيئا من الامور المذكورة مطلقا، علمنا أن ذلك التصديق إنما يعتبر في نظر الشارع إذا كان مجردا عن إرتكاب شئ من موارد النقض وأمثالها. الموجبة للكفر، فكان عدم الامور المذكورة شرطا في حصول الايمان، ولا ريب أن المشروط عدم عند عدم شرطه، وشروط المعرف التي يتوقف عليها وجود ماهيته ملحوظة في التعريف، وإن لم يصرح بها فيه، للعلم باعتبارها عقلا لما تقرر في بداهة العقول أنه بدون العلة لا يوجب المعلول، والشرط من أجزاء العلة كما صرحوا به في بحثها، والكل لا يوجد بدون جزئه وهذا الجواب واللذان قبله، لم نجدها لغيرنا بل هي من هبات الواهب تعالى وتقدس، ولم نعدم لذلك مثلا وإن لم نكن له أهلا انتهى كلامه قدس سره. وأقول: هذه التكلفات إنما يحتاج إليها إذا جعل الايمان نفس العقائد ولم يدخل فيها الاعمال، ومع القول بدخول الاعمال لا حاجة إليها مع أن هذا التحقيق يهدم ما أسسه سابقا إذ يجري هذه الوجوه في سائر الاعمال والتروك التي نفي كونها داخلة في الايمان، وما ذكره عليه السلام في آخر الحديث من الالتزام على

[22]

المخالفين يومي إلى هذا التحقيق فتأمل. 3 - كا: عن العدة، عن أحمد البرقي، ومحمد بن يحيى، عن ابن عيسى جميعا عن محمد البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الله بن الحسن عن الحسن بن هارون قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام " إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا " قال يسأل السمع عما سمع، والبصر عما نظر إليه والفؤاد عما عقد عليه (1). 4 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان أو غيره، عن العلا، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الايمان فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، والاقرار بما جاء من عند الله، وما استقر في القلوب من التصديق بذلك، قال: قلت: الشهادة أليست عملا ؟ قال بلى، قلت: العمل من الايمان ؟ قال: نعم الايمان لا يكون إلا بعمل، والعمل منه، ولا يثبت الايمان إلا بعمل (2). بيان: " شهادة أن لا إله إلا الله " أي التكلم بكلمة التوحيد، والاقرار به ظاهرا وإنما اكتفي بها عن الاقرار بالرسالة، لتلازمهما، أو هو داخل في قوله " والاقرار بما جاء من عند الله " والضمير في " جاء " راجع إلى الموصول أي الاقرار بكل ما أرسله الله من نبي أو كتاب أو حكم، ما علم تفصيلا، وما لم يعلم إجمالا، وكل ذلك الاقرار الظاهري، وقوله " ما استقر في القلوب " الاقرار القلبي بجميع ذلك وهذا أحد معاني الايمان كما ستعرف. ولا يدخل فيه أعمال الجوارح، سوى الاقرار الظاهري بما صدق به قلبا. ولما كان عند السائل أن الايمان محض العلوم والعقائد، ولا يدخل فيه الاعمال، استبعد كون الشهادة التي هي من عمل الجوارح من الايمان، فأجاب عليه السلام بأن العمل جزء الايمان " ولا يثبت الايمان " أي لا يتحقق واقعا أو لا يثبت


(1) الكافي ج 2 ص 37، والاية في أسرى: 36. (2) الكافي ج 2 ص 38. (*)

[23]

الايمان عند الناس، إلا بالاقرار والشهادة التي هي عمل الجوارح، أو لا يستقر الايمان إلا بأعمال الجوارح، فان التصديق الذي لم يكن معه عمل يزول ولا يبقى. 5 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الايمان، فقال، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: قلت: أليس هذا عمل ؟ قال: بلى، قلت: فالعمل من الايمان قال: لا يثبت له الايمان إلا بالعمل، والعمل منه (1). بيان: " أليس هذا عمل " كذا في النسخ بالرفع، ولعله من النساخ ويمكن أن يقدر فيه ضمير الشأن أو يكون مبنيا على لغة بني تميم، حيث ذهبوا إلى أن " ليس " إذا انتقض نفيه يحمل على ما في الاهمال، والنفي هنا منتقض بالاستفهام الانكاري قوله عليه السلام " لا يثبت له الايمان " الضمير راجع إلى المؤمن المدلول عليه بالايمان. 6 - كا: عن علي، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن القاسم بن بريد، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أيها العالم أخبرني أي الاعمال أفضل عند الله ؟ قال: مالا يقبل الله شيئا إلا به، قلت: وما هو ؟ قال: الايمان بالله الذي لا إله إلا هو أعلى الاعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظا، قال: قلت: ألا تخبرني عن الايمان ؟ أقول هو وعمل أم قول بلا عمل ؟ فقال: الايمان عمل كله، والقول بعض ذلك العمل بفرض من الله بين في كتابه، واضح نوره ثابتة حجته، يشهد له به الكتاب، ويدعوه إليه، قال: قلت: صفه لي جعلت فداك حتى أفهمه قال: الايمان حالات، ودرجات، وطبقات، ومنازل: فمنه التام المنتهى تمامه، ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه. قلت: إن الايمان ليتم وينقص ويزيد ؟ قال: نعم، قلت: كيف ذلك ؟ قال: لان الله تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم، وقسمه عليها، وفرقه


(1) الكافي ج 2 ص 38.

[24]

فيها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلت به اختها فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما، واذناه اللتان يسمع بهما، ويداه اللتان يبطش بهما، ورجلاه اللتان يمشي بهما، وفرجه الذي الباه من قبله، و لسانه الذي ينطق به، ورأسه الذي فيه وجهه، فليس من هذه جارحة إلا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلت به اختها بفرض من الله تبارك وتعالى اسمه، ينطق به الكتاب لها، ويشهد به عليها. ففرض على القلب غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على العينين، وفرض على العينين غير ما فرض على اللسان، وفرض على اللسان غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه. فأما ما فرض على القلب من الايمان فالاقرار والمعرفة والعقد والرضا و التسليم بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، و أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله عليه وآله، والاقرار بما جاء من عند الله من نبي أو كتاب، فذلك ما فرض الله على القلب من الاقرار والمعرفة وهو عمله وهو قول الله عزوجل " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدرا " (1) وقال " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " (2) وقال " الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " (3) وقال " إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " (4) فذلك ما فرض الله عزوجل على القلب من الاقرار والمعرفة وهو عمله وهو رأس الايمان.


(1) النحل: 106 (2) الرعد: 28. (3) المائدة: 41، ونصه يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، الاية (4) البقرة: 264

[25]

وفرض الله تعالى على اللسان القول والتعبير عن القلب بما عقد عليه وأقر به قال الله تبارك وتعالى اسمه " وقولوا للناس حسنا " (1) وقال " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " (2) فهذا ما فرض الله تعالى على اللسان وهو عمله. وفرض على السمع أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرم الله، وأن يعرض عما لا يحل له مما نهى الله عزوجل عنه، والاصغاء إلى ما أسخط الله عزوجل فقال في ذلك " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزئ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " (3) ثم استثنى الله عزوجل موضع النسيان فقال: " وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " (4) وقال " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولوا الالباب " (5) وقال عزوجل " قد أفلح المؤمنون * الذينهم في صلاتهم خاشعون * والذينهم عن اللغو معرضون * والذينهم للزكاة فاعلون " (6) وقال " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " (7) و قال " وإذا مروا باللغو مروا كراما " (8) فهذا ما فرض الله على السمع من الايمان أن لا يصغي إلى مالا يحل له وهو عمله، وهو من الايمان. وفرض على البصر أن لا ينظر إلى ما حرم الله عليه، وأن يعرض عما نهى الله عنه مما لا يحل له وهو عمله، وهو من الايمان، فقال الله تبارك وتعالى " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " (9) فنهاهم من أن ينظروا إلى


(1) البقرة: 83. (2) صدر الاية في البقرة: 135 وذيلها في العنكبوت: 46، فالاية مختلطة. (3) النساء: 134 (4) الانعام: 68. (5) الزمر: 18 (6) المؤمنون: 1 - 4. (7) القصص: 55 (8) الفرقان: 72. (9) النور: 30 و 31.

[26]

عوراتهم، وأن ينظر المرء إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه، وقال " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن " من أن ينظر إحداهن إلى فرج اختها، وتحفظ فرجها من أن ينظر إليها، وقال: كل شئ في القرآن من حفظ الفرج، فهو من الزنا إلا هذه الاية فانها من النظر (1). ثم نظم ما فرض على القلب واللسان والسمع والبصر في آية اخرى فقال: " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم (2) يعني بالجلود الفروج والافخاذ، وقال " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا " (3) فهذا ما فرض الله على العينين من غض البصر عما حرم الله وهو عملهما، وهو من الايمان. وفرض الله على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرم الله وأن يبطش بهما إلى ما أمر الله عزوجل، وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم والجهاد في سبيل الله والطهور للصلوات فقال: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (4) وقال " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " (5) فهذا ما فرض الله على اليدين


(1) وذلك لان حفظ الفرج ههنا قد قرن بغض البصر، فصار كل واحد منهما قرينة متممة للمراد من الاخر نافية لاطلاقه، على حد صنعة الاحتباك كما في قوله تعالى: الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا (غافر: 61) ومثله قوله تعالى: " هو الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا " (يونس: 67) فان تقدير الايتين: جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه والنهار مبصرا لتبتغوا فيه من فضله. وهكذا هنا تقدير الاية: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم من فروج المؤمنين ويحفظوا فروجهم من أبصار المؤمنين. (2) فصلت: 22 (3) أسرى: 36. (4) المائدة: 6 (5) القتال: 4.

[27]

لان الضرب من علاجهما. وفرض على الرجلين أن لا يمشي بهما إلى شئ من معاصي الله، وفرض عليهما المشي إلى ما يرضي الله عزوجل فقال: " ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا " وقال " واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير " (1) وقال فيما شهدت الايدي والارجل على أنفسهما وعلى أربابهما من تضييعهما لما أمر الله عزوجل به وفرضه عليهما " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " (2) فهذا أيضا مما فرض الله على اليدين وعلى الرجلين، وهو عملهما، وهو من الايمان. وفرض على الوجه السجود له بالليل والنهار في مواقيت الصلاة فقال " يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون " (3) فهذه فريضة جامعة على الوجه واليدين والرجلين، وقال في موضع آخر " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " (4). وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها، وذلك أن الله عز وجل لما صرف نبيه صلى الله عليه وآله إلى الكعبة عن البيت المقدس فأنزل الله عزوجل " وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم " (5) فسمى الصلاة إيمانا، فمن لقي الله عزوجل حافظا لجوارحه، موفيا كل جارحة من جوارحه ما فرض الله عزوجل عليها لقي الله تعالى مستكملا لايمانه، وهو من أهل الجنة. ومن خان في شئ منها، أو تعدى ما أمر الله عزوجل فيها، لقي الله عزوجل ناقص الايمان. قلت: قد فهمت نقصان الايمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته، فقال: قول الله عزوجل " وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم


(1) لقمان: 18 و 19 (2) يس: 65. (3) الحج: 77 (4) الجن: 18. (5) البقرة: 143.

[28]

رجسا إلى رجسهم (1) وقال " نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " (2) ولو كان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لاحد منهم فضل على الاخر. ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس. وبطل التفضيل ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله وبالنقصان دخل المفرطون النار (3). قال: قلت له: إن للايمان درجات ومنازل، ويتفاضل المؤمنون فيها عند الله ؟ قال: نعم، قلت: صفه لي رحمك الله حتى أفهمه، قال: إن الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان، ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه، فجعل كل امرء منهم على درجة سبقه، لا ينقصه فيها من حقه، ولا يتقدم مسبوق سابقا ولا مفضول فاضلا، تفاضل بذلك أوائل هذه الامة وأواخرها، ولو لم يكن للسابق إلى الايمان فضل على المسبوق، إذن للحق آخر هذه الامة أولها، نعم ولتقدموهم إذا لم يكن لمن سبق إلى الايمان الفضل على من أبطأ عنه، ولكن بدرجات الايمان قدم الله السابقين، وبالابطاء عن الايمان أخر الله المقصرين لانا نجد من المؤمنين من الاخرين من هو أكثر عملا من الاولين، وأكثرهم صلاة وصوما وحجا وزكاة وجهادا وإنفاقا، ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضا عند الله، لكان الاخرون بكثرة العمل مقدمين على الاولين ولكن أبى الله عزوجل أن يدرك آخر درجات الايمان أولها ويقدم فيها من أخر الله، أو يؤخر فيها من قدم الله. قلت: أخبرني عما ندب الله عزوجل المؤمنين إليه إلى الاستباق فقال: قول الله عزوجل " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله " (4) وقال: " السابقون السابقون اولئك المقربون " (5) وقال " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي


(1) براءة: 124 و 125. 2 - الكهف: 13. (3) الكافي ج 2: 33 - 37. 4 - الحديد: 21. (5) الواقعة: 10 - 11.

[29]

الله عنهم ورضوا عنه " (1) فبدأ بالمهاجرين الاولين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالانصار، ثم ثلث بالتابعين لهم باحسان، فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده. ثم ذكر ما فضل الله عزوجل به أولياءه بعضهم على بعض، فقال عزوجل: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات " (2) إلى آخر الاية، وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض " (3) وقال " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا " (4) وقال " هم درجات عند الله " (5) وقال " ويؤت كل ذي فضل فضله " (6) وقال " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " (7) وقال " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة " (8) وقال " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا " (9) وقال " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات " (10) وقال " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " (11) وقال " وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله " (12) وقال " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " (13) فهذا ذكر درجات الايمان ومنازله عند الله عزوجل (14) تبيين: اعلم أن العياشي ذكر في التفسير أكثر أجزاء هذا الخبر متفرقا


(1) براءة: 100. (2) البقرة: 253. (3) أسرى: 55. (4) أسرى: 21. (5) آل عمران: 163. (6) هود: 3. (7) براءة: 20. (8) النساء 95 و 96. (9) الحديد: 10. (10) المجادلة: 11. (11) براءة: 120. (12) البقرة: 110، المزمل: 20. (13) الزلزال: 7 و 8. (14) الكافي ج 2 ص 40 - 42. (*)

[30]

ولما كان ما في الكافي أجمع وأصح اكتفينا به، وفي الكافي أيضا كان فرقة على بابين (1) فجمعتهما لاتصالهما معنى، واتصال سندهما، ورواه الشيخ الجليل جعفر ابن محمد بن قولويه، عن سعد بن عبد الله باسناده، عن الصادق عليه السلام، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيما ذكر من أنواع آيات القرآن بأدنى تفاوت، وسيأتي مثله برواية النعماني أيضا عن أمير المؤمنين عليه السلام فهذا المضمون مستفيض مؤيد بأخبار اخر أيضا. قوله عليه السلام " الايمان بالله " هو مبتدأ و " أعلى " خبره، ويحتمل أن يكون المراد به جميع العقائد الايمانية اكتفى بذكر أشرفها وأعظمها للزومها لسائرها مع أن كون التوحيد أشرف لا ينافي وجوب البقية، واشتراطه بها والسنا الضوء وبالمد الرفعة، والحظ النصيب والمراد بالقول التصديق القلبي أو هو مع الاقرار اللساني بالعقائد الايمانية وقيل: هو الذي يعبر عنه بالكلام النفسي، وقد يستدل بقوله: " عمل كله " على أن التصديق المكلف به ليس محض العلم إذ هو من قبيل الانفعال بل هو فعل قلبي. قال شارح المقاصد: والمذهب أنه غير العلم والمعرفة، لان من الكفار من كان يعرف الحق ولا يصدق به عنادا واستكبارا قال الله تعالى: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " (2) وقال: " وإن الذين اوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون " (3) وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام لفرعون: " ولقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض " (4) فاحتيج إلى الفرق بين العلم بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وهو معرفته، وبين التصديق، ليصح كون الاول حاصلا للمعاندين دون الثاني، وكون الثاني إيمانا دون الاول، فاقتصر بعضهم على أن ضد التصديق هو الانكار والتكذيب، وضد المعرفة النكارة والجهالة، وإليه أشار الغزالي حيث فسر التصديق بالتسليم، فانه لا يكون مع الانكار والاستكبار، بخلاف


(1) باب أن الايمان مبثوث لجوارح البدن كلها، وباب السبق الى الايمان. (2) البقرة: 146. (3) البقرة: 144. (4) أسرى 102.

[31]

العلم والمعرفة. وفصل بعضهم زيادة التفصيل، وقال: التصديق عبارة عن ربط القلب بما علم من إخبار المخبر، وهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولهذا يؤجر ويثاب عليه بل يجعل رأس العبادات، بخلاف المعرفة، فانها ربما تحصل بلا كسب كمن وقع بصره على جسم فحصل له معرفة أنه جدار أو حجر، وحققه بعض المتأخرين زيادة تحقيق فقال: المعتبر في الايمان هو التصديق الاختياري، ومعناه نسبة التصديق إلى المتكلم اختيارا وبهذا القيد يمتاز عن التصديق المنطقي المقابل للتصور فانه قد يخلو عن الاختيار، كما إذا ادعى النبي النبوة وأظهر المعجزة فوقع في القلب صدقه ضرورة، من غير أن ينسب إليه اختيارا، فانه لا يقال في اللغة أنه صدقه فلا يكون إيمانا شرعيا، كيف ؟ والتصديق مأمور به، فيكون فعلا اختياريا زائدا على العلم، لكونه كيفية نفسانية أو انفعالا وهو حصول المعنى في القلب، والفعل القلبي ليس كذلك، بل هو إيقاع النسبة اختيارا الذي هو كلام النفس ويسمى عقد القلب، فالسو فسطائي عالم بوجود النهار، وكذا بعض الكفار بنبوة النبي صلى الله عليه وآله لكنهم ليسوا بمصدقين لانهم لا يحكمون اختيارا بل ينكرون. وكلام هذا القائل، متردد يميل تارة إلى أن التصديق المعتبر في الايمان نوع من التصديق المنطقي، لكونه مقيدا بالاختيار، وكون التصديق العلمي أعم لا فرق بينهما إلا بلزوم الاختيار وعدمه، وتارة إلى أنه ليس من جنس العلم أصلا لكونه فعلا اختياريا وكون العلم كيفية أو انفعالا وعلى هذا الاخير أصر بعض المعتنبن بتحقيق الايمان، وجزم بأن التسليم الذي فسر به الغزالي التصديق ليس من جنس العلم، بل أمر وراءه معناه " كردن دادن، وكرويدن، وحق دانستن مر آنرا كه حق دانسته باشى ". ويؤيده ما ذكره إمام الحرمين أن التصديق على التحقيق كلام النفس لكن لا يثبت كلام النفس إلا مع العلم، ونحن نقول: لا شك أن التصديق المعتبر في الايمان هو ما يعبر عنه في الفارسية " بگرويدن، وباور كردن، وراست گوى دانستن " إذا

[32]

اضيف إلى الحاكم " وراست دانستن، وحق دانستن " إذا اضيف إلى الحكم، ولا يكفي مجرد العلم والمعرفة الخالي عن هذا المعنى، ثم أطال الكلام في ذلك وآل تحقيقه إلى أنه ليس شئ وراء العلم والمعرفة. وقال المحقق الدواني في شرح العقائد: اعلم أنه لو فسر التصديق المعتبر في الايمان بما هو أحد قسمي العلم، فلابد من اعتبار قيد أخن ليخرج الكفر العنادي وقد عبر عنه بعض المتأخرين بالتسليم والانقياد، وجعله ركنا من الايمان و الاقرب أن يفسر التصديق بالتسليم الباطني والانقياد القلبي، ويقرب منه ما قيل: إن التصديق أن تنسب باختيارك الصدق إلى أحد وهو يحوم حول ذلك وإن لم يصب المنحر انتهى. وأقول: الحق أن إثبات معنى آخر غير العلم والمعرفة مشكل، وكون بعض أفراده حاصلا بغير اختيار لا ينافي التكليف به لمن لم يحصل له ذلك، وترتب الثواب على ما حصل بغير الاختيار إما تفضل أو هو على الثبات عليه وإظهاره و العمل بمقتضاه، والكلام النفسي الذي ذكروه ليس وراء التصور والتصديق شيئا نعم المعنى الذي نفهمه ههنا زائدا على العلم هو العزم على إظهار ما اعتقده، أو على عدم إنكاره ظاهرا بغير ضرورة تدعو إليه ويمكن عده من لوازم الايمان أو شرائطه كما يومئ إليه بعض الايات والاخبار، والعلم لو سلم أنه من قبيل الانفعال فعده عملا على سبيل التوسع باعتبار أسبابه ومباديه. قوله عليه السلام " بفرض " الباء للسببية، وضميرا " نوره وحجته " راجعان إلى الفرض، وكذا ضميرا " به وإليه " راجعان إليه، وضمير " له " إلى العامل وقيل: إلى كونه عملا، وقيل إلى الله والاول أظهر، ومن أرجع ضمير به إلى الفرض وضمير له إلى كونه عملا لو عكس كان أنسب، وضمير يدعوه المستتر راجع إلى الكتاب، والبارز إلى العامل، وقيل: الظاهر أن " يشهد ويدعوه " حال عن فرض، و أن ضمير " له وإليه " راجع إلى الله، وضمير به والبارز في يدعوه للفرض والمراد بدعاء الكتاب ذلك الفرض إليه سبحانه نسبته إليه وبيانه أنه منه، ويحتمل أن يكون

[33]

حالا عن الايمان، وأن يكون ضمير له ويدعوه راجعا إليه وضمير به وإليه للعمل أي يشهد الكتاب للايمان بأنه عمل، ويدعو الكتاب الايمان إلى أنه عمل انتهى ولا يخفى بعدهما وفي تفسير العياشي: يشهد له بها الكتاب ويدعو إليه، فضمير بها راجع إلى الحجة (1) وقوله " واضح " و " ثابتة " نعتان للفرض. " للايمان حالات " كأنه إشارة إلى الحالات الثلاث الاتية أي التام والناقص والراجح، والدرجات مراتب الرجحان فانها كثيرة بحسب الكمية والكيفية والطبقات مراتب النقصان، والمنازل ما يلزم تلك الدرجات والطبقات من القرب إليه سبحانه والبعد عنه، والمثوبات والعقوبات المترتبة عليها. وقيل: إشارة إلى أن للايمان مراتب متكثرة، وهي حالات الانسان باعتبار قيامها به، ودرجات باعتبار ترقيه من بعضها إلى بعض، وطبقات باعتبار تفاوت مراتبها في نفسها وكون بعضها فوق بعض، ومنازل باعتبار أن الانسان ينزل فيها ويأوي إليها. " فمنه التام " وهو إيمان الانبياء والاوصياء عليهم السلام لاشتماله على جميع أجزاء الايمان من فعل الفرائض وترك الكبائر وإن تفاوتت بانضمام سائر المكملات من المستحبات وترك المكروهات زيادة ونقصانا أو المراد بالتام المنتهى تمامه درجة النبي صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام " ومنه الناقص البين نقصانة " وهو أقل مراتب الايمان الذي بعده الكفر، ومنه الراجح، وفيه أفراد غير متناهية باعتبار التفاوت في الكمية والكيفية. ثم إنه يحتمل الكلام وجهين: أحدهما أن يكون الايمان المشتمل على فعل الفرائض وترك الكبائر حاصلا في الجميع لعدم صدق الايمان بدون ذلك، ويكون الدرجات والمنازل باعتبار تلك الاعمال ونقصها، وانضمام فعل سائر الواجبات وترك سائر المحرمات، وفعل المندوبات وترك المكروهات بل المباحات، والاتصاف بالاخلاق السنية والملكات العلية، وثانيهما أن يكون القدر المشترك حصول


(1) في طبعة الكمبانى تقديم وتأخير بين الجملتين.

[34]

الايمان في الجملة، والكامل ما يكون مشتملا على جميع الاجزاء وهو الايمان حقيقة والناقص التام ما لم يكن فيه سوى العقائد الحقة، والدرجات المتوسطة تختلف باعتبار كثرة أجزاء الايمان وقلتها، فالمؤمن حقيقة هو الفرد الاول و إطلاقه على البواقي على التوسع لانتفاء الكل بانتفاء أحد الاجزاء، ولكل منهما شواهد لفظا ومعنى، فتأمل، فلما عسر فهمه على السائل لالفته بمصطلحات المتكلمين أعاد السؤال لمزيد التوضيح. قوله عليه السلام " به يعقل ويفقه ويفهم " قيل: العقل العلم بالقضايا الضرورية، و الفقه ترتيبها لانتاج القضايا النظرية، والفهم العلم بالنتيجة أقول: ويحتمل أن يكون العقل معرفة الاصول العقلية، والفقه العلم بالاحكام الشرعية، والفهم معرفة سائر الامور المتعلقة بالمعاش وغيره، والمراد بالقلب النفس الناطقة سميت به لتعلقها أولا بالروح الحيواني المنبعث منه، أو القلب الصنوبري من حيث تعلق النفس به، وقيل: محل الادراك هذا الشكل الصنوبري عملا بظواهر الايات والاخبار، وسيأتي تحقيقه في محله إنشاء الله. قال الراغب في المفردات: قال بعض الحكماء حيث ما ذكر الله القلب فاشارة إلى العقل والعلم، نحو " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " (1) وحيث ما ذكر الصدر فاشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب و نحوها، وقوله " رب اشرح لي صدري " (2) فسؤال لاصلاح قواه، وكذا قوله " ويشف صدور قوم مؤمنين " (3) إشارة إلى إشفائهم، وقوله " ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " (4) أي العقول التي هي مندرجة بين سائر القوى وليست بمهتدية والله أعلم بذلك (5) وقال قلب الانسان قيل سمي به لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة وسائر ذلك فقوله


(1) ق: 37. (2) طه: 25. (3) براءة: 14. (4) الحج: 46. (5) مفردات غريب القرآن ص 276.

[35]

" وبلغت القلوب الحناجر " (1) أي الارواح " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " أي علم وفهم، وكذلك " وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه " (2) وقوله " وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون " (3) وقوله " ولتطمئن به قلوبكم " (4) أي تثبت به شجاعتكم ويزول خوفكم، وعلى عكسه " وقذف في قلوبهم الرعب " (5) وقوله " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين " (6) وقوله " وقلوبهم شتى " (7) أي متفرقة، وقوله " ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " قيل: العقل، وقيل الروح فأما العقل فلا يصح عليه ذلك ومجازه مجاز قوله " تجري من تحتها الانهار " والانهار لا تجري وإنما يجري الماء الذي فيه انتهى (8). والورود: حضور الماء للشرب والصدر والصدور: الانصراف عنه، وهذا مثل في أنها لا تفعل شيئا إلا بأمره كما يقال في الفارسية لا يشرب الماء إلا بأمره وإذنه، والبطش: تناول الشئ بصولة وقوة، والباه في بعض النسخ بدون الهمزة وفي بعضها بها، قال الجوهري: الباه مثل الجاه لغة في الباءة، وهو الجماع (9) " ينطق به " الجملة نعت للفرض، وضمير " به " في الموضعين للفرض، وضميرا " لها وعليها " للجارحة، واللام للانتفاع، وعلى للاضرار وإرجاع ضمير " به " إلى الايمان كما قيل يقتضي خلو الجملة عن العائد وإرجاع ضمير لها هنا إلى الجارحة يؤيد إرجاع ضمير له سابقا إلى العامل. قوله " فالاقرار " أي الاقرار القلبي لان الكلام في فعل القلب، وإن احتمل أن يكون المراد الاقرار اللساني لانه إخبار عن القلب، لكن ذكره بعد ذلك في عمل اللسان ربما يأبى عن ذلك، وإن احتمل توجيهه، والمعطوفات عليه على


(1) الاحزاب ص 33. (2) الانعام: 25. (3) المنافقون: 3. (4) الانفال: 10. (5) الاحزاب: 26. (6) الفتح: 4. (7) الحشر: 14. (8) مفردات غريب القرآن: 411. (9) الصحاح: 2228.

[36]

الاول عطف تفسير له وكأنها إشارة إلى مراتب اليقين والايمان القلبي، فان أقل مراتبه الاذعان القلبي، ولو عن تقليد أو دليل خطابي، والمعرفة ما كان عن برهان قطعي، والعقد هو العزم على الاقرار اللساني، وما يتبعه ويلزمه عن العمل بالاركان والرضا هو عدم إنكار قضاء الله وأوامره ونواهيه، وأن لا يثقل عليه شئ من ذلك لمخالفته لهوى نفسه، والتسليم هو الانقياد التام للرسول فيما يأتي به لاسيما ما ذكر في أمر أوصيائه وما يحكم به بينهم كما قال تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (1). فظهر أن الاقرار بالولاية أيضا داخل في ذلك بل جميع ما جاء به النبي وقوله " بأن لا إله " متعلق بالاقرار، لان ما ذكر بعده تفسير ومكمل له، والصاحبة الزوجة، والاقرار عطف على الاقرار، والمراد الاقرار بسائر أنبياء الله وكتبه. والمستتر في جاء راجع إلى الموصول، وما قيل: إن قوله " بأن لا إله إلا الله " الخ متعلق بالاقرار والمعرفة والعقد، وقوله " والاقرار بما جاء من عند الله " معطوف على أن لا إله، فيكون الاولان بيانا للاخيرين، والاخير بيانا للاول فلا يخفى ما فيه من أنواع الفساد. وقال المحدث الاسترابادي - ره -: المعرفة جاء في كلامهم لمعان أحدها التصور مطلقا، وهو المراد من قولهم على الله التعريف والبيان أي ذكر المدعى والتنبيه عليها إذ لا يجب خلق الاذعان كما يفهم من باب الشك وغير ذلك من الابواب وثانيها الاذعان القلبي وهو المراد من قولهم أقروا بالشهادتين ولم يدخل معرفة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله في قلوبهم، وثالثها عقد القضية الاجمالية مثل، نعم وبلى وهذا العقد ليس من باب التصور ولا من باب التصديق، ورابعها العلم الشامل للتصور والتصديق، وهو المراد من قولهم العلم والجهل من صنع الله في القلوب انتهى وفيه ما فيه.


(1) النساء: 65. (*)

[37]

والاية الاولى من سورة النحل " من كفر بالله من بعد إيمانه " (1) قيل بدل من الذين لا يؤمنون، وما بينهما اعتراض، أو من اولئك أو من الكاذبون، أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله " فعليهم غضب " ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون من شرطية محذوفة الجواب " إلا من اكره " على الافتراء أو كلمة الكفر، استثناء متصل لان الكفر لغة يعم القول والعقد كالايمان كذا ذكره البيضاوي (2) والظاهر أنه منقطع " وقلبه مطمئن بالايمان " لم يتغير عقيدته " ولكن من شرح بالكفر صدرا " أي اعتقده وطاب به نفسا " فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم " وقد ورد في أخبار كثيرة من طرق الخاصة والعامة أنها نزلت في عمار بن ياسر حيث أكرهه وأبويه ياسرا وسمية كفار مكة على الارتداد، فأبى أبواه فقتلوهما، وهما أول قتيلين في الاسلام وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرها، فقيل: يا رسول الله إن عمارا كفر، فقال: كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلجمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي فجعل النبي صلى الله عليه وآله يمسح عينيه، وقال: مالك إن عادوا لك فعدلهم بما قلت، وعن الصادق عليه السلام: فأنزل الله فيه " إلا من اكره " الاية فقال له النبي صلى الله عليه وآله عندها: يا عمار إن عادوا فعد، فقد أنزل الله عذرك، وأمرك أن تعود إن عادوا، وبالجملة الاية تدل على أن بعض أجزاء الايمان متعلق بالقلب، وإن استدل القوم بها على أن الايمان ليس إلا التصديق القلبي والاية الثانية " الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله " (3) قيل أي انسابه واعتمادا عليه، ورجاء منه، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته، أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه يعني القرآن الذي هو أقوى المعجزات " ألا بذكر الله تطمئن القلوب " أي تسكن إليه، وقال في المجمع: معناه الذين اعترفوا بتوحيد الله على جميع صفاته وبنبوة نبيه وقبول ما جاء به من عند الله، وتسكن قلوبهم بذكر الله، وتأنس إليه، والذكر حضور المعنى للنفس، وقد يسمى العلم ذكرا، والقول الذي فيه المعنى الحاضر للنفس أيضا


(1) النحل: 106. (2) أنوار التنزيل: 233. (3) الرعد: 28.

[38]

يسمى ذكرا " ألا بذكر الله " الخ هذا حث للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد الله به من النعيم والثواب انتهى (1) وكأن استدلاله عليه السلام بالاية مبني على أن المراد بذكر الله العقائد الايمانية، والدلائل المفضية إليها إذ بها تطمئن القلب من الشك والاضطراب ويؤيده قوله في الاية السابقة " وقلبه مطمئن بالايمان ". قوله " الذين آمنوا بأفواههم " كأنه نقل لمضمون الاية إن لم يكن من النساخ أو الرواة، وفي المائدة هكذا: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " وفي رواية النعماني " الذين قالوا آمنا بأفواههم " (2) وهو أظهر. قوله سبحانه " إن تبدوا ما في أنفسكم " (3) قال الطبرسي رحمه الله: أي تظهروها وتعلنوها من الطاعة والمعصية، أو العقائد " أو تخفوه " أي تكتموه " يحاسبكم به الله " أي يعلم الله ذلك فيجازيكم عليه، وقيل: معناه إن تظهروا الشهادة أو تكتموها وأن الله يعلم ذلك ويجازيكم به عن ابن عباس وجماعة، وقيل: إنها عامة في الاحكام التي تقدم ذكرها في السورة، خوفهم الله تعالى من العمل بخلافها. وقال قوم: إن هذه الاية منسوخة بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (4) ورووا في ذلك خبرا ضعيفا، وهذا لا يصح لان تكليف ما ليس في الوسع غير جائز، فكيف ينسخ وإنما المراد بالاية ما يتناوله الامر والنهي من الاعتقادات والارادات وغير ذلك مما هو مستورعنا، وأما مالا يدخل في التكليف من الوساوس والهواجس مما لا يمكن التحفظ عنه من الخواطر فخارج عنه لدلالة العقل، و لقوله عليه السلام " يعفى لهذه الامة عن نسيانها وما حدثت به أنفسها " وعلى هذا يجوز أن تكون الاية الثانية بينت الاولى وأزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجه المراد، وظن أن ما يخطر بالبال أو تتحدث به النفس مما لا يتعلق بالتكليف، فان الله يؤاخذ به، والامر بخلاف ذلك " فيغفر لمن يشاء " منهم رحمة وتفضلا " ويعذب من


(1) مجمع البيان ج 6 ص 291. (2) كما سيجئ تحت الرقم 29. (3) البقرة: 284. (4) البقرة: 286.

[39]

يشاء " منهم ممن استحق العقاب عدلا " والله على كل شئ قدير " من المغفرة والعذاب عن ابن عباس. ولفظ الاية عام في جميع الاشياء والقول فيما يخطر بالبال من المعاصي أن الله سبحانه لا يؤاخذ به وإنما يؤاخذ بما يعزم الانسان ويعقد قلبه عليه، مع إمكان التحفظ عنه، فيصير من أفعال القلب فيجازيه به كما يجازيه على أفعال الجوارح و إنما يجازيه جزاء العزم لا جزاء عين تلك المعصية، لانه لم يباشرها وهذا بخلاف العزم على الطاعة، فان العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه ذلك جزاء تلك الطاعة كما جاء في الاخبار أن المنتظر للصلاة في الصلاة مادام ينتظرها، وهذا من لطائف نعم الله على عباده انتهى (1). والظاهر من الاخبار الكثيرة التي يأتي بعضها في هذا الكتاب عدم مؤاخذة هذه الامة على الخواطر والعزم على المعاصي، فيمكن تخصيص هذه الاية بالعقائد كما هو ظاهر هذه الرواية، وإن أمكن أن تكون نية المعصية والعزم عليها معصية يغفرها الله للمؤمنين، فالمراد بقوله " لمن يشاء " المؤمنون ويؤيده ما ذكره المحقق الطوسي وغيره أن إرادة القبيح قبيحة فتأمل ويظهر من بعض الاخبار أن هذه الاية منسوخة وقد خففها الله عن هذه الامة كما روى الديلمي في إرشاد القلوب باسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام في خبر طويل في معراج النبي صلى الله عليه وآله قال: ثم عرج به حتى انتهى إلى ساق العرش وناجاه بما ذكره الله عزوجل في كتابه قال تعالى " لله ما في السماوات وما في الارض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " وكانت هذه الاية قد عرضت على سائر الامم من لدن آدم إلى بعث محمد صلى الله عليه وآله فأبوا جميعا أن يقبلوها من ثقلها وقبلها محمد صلى الله عليه وآله فلما رأى الله عزوجل منه ومن امته القبول، خفف عنه ثقلها فقال الله عزوجل " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه " ثم إن الله عزوجل تكرم على محمد وأشفق على امته من تشديد الاية التي قبلها هو وامته فأجاب عن نفسه وامته


(1) مجمع البيان ج 2 ص 401.

[40]

فقال " والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " فقال الله عزوجل: لهم المغفرة والجنة إذا فعلوا ذلك، فقال النبي " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " يعني المرجع في الاخرة، فأجابه قد فعلت ذلك بتائبي امتك قد أوجبت لهم المغفرة ثم قال الله تعالى: أما إذا قبلتها أنت وامتك وقد كانت عرضت من قبل على الانبياء والامم فلم يقبلوها فحق علي أن أرفعها عن امتك فقال الله تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت " من خير " و عليها ما اكتسبت " من شر، ألهم الله عزوجل نبيه أن قال " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " فقال الله سبحانه: أعطيتك لكرامتك إلى آخر الخبر (1). وأما المخالفون فهم اختلفوا في ذلك قال الرازي في تفسير هذه الاية: يروى عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الاية جاء أبو بكر وعمر و عبد الرحمان بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا رسول الله كلفنا من العمل مالا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه وإنه لذنب فقال النبي صلى الله عليه وآله فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا، فقولوا سمعنا و أطعنا، فقالوا سمعنا وأطعنا واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولا فأنزل الله تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " فنسخت هذه الاية، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن الله تجاوز عن امتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو تكلموا به. واعلم أن محل البحث في هذه الاية أن قوله " إن تبدوا " الخ يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب، ولا يتمكن من دفعها، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف مالا يطاق، والعلماء أجابوا عنه من وجوه: الاول أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين فمنها ما يوطن الانسان نفسه عليه والعزم على إدخاله في الوجود، ومنها ما لا يكون كذلك، بل يكون امورا خاطرة بالبال مع أن الانسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن نفسه، فالقسم الاول يكون مؤاخذا به، والثاني لا يكون مؤاخذا به، ألا ترى إلى قوله تعالى:


(1) ارشاد القلوب المجلد الثاني.

[41]

" لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " (1) وقال في آخر هذه السورة: " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت " (2) وقال: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة " (3) هذا هو الجواب المعتمد. الوجه الثاني أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فانه في محل العفو وقوله " وإن تبدوا " إلى آخرها فالمراد منه أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهرا أو على سبيل الخفية، وأما ما يوجد في القلب من العزائم والارادات ولم يتصل بالعمل، فكل ذلك في محل العفو، وهذا الجواب ضعيف لان أكثر المؤاخذات إنما يكون بأفعال القلوب، ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب، وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه أيضا، وأفعال الجوارح إذا خلت من أعمال القلوب، لا يترتب عليها عقاب، كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب. والوجه الثالث أنه تعالى يؤاخذ بها ومؤاخذتها من الغموم في الدنيا وروى في ذلك خبرا عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وآله. الوجه الرابع أنه تعالى قال: " يحاسبكم به الله " ولم يقل يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيبا ومحاسبا وجوها منها كونه عالما بها، فرجع المعنى إلى كونه تعالى عالما بالضمائر والسرائر، وروي عن ابن عباس أنه تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم، فالمؤمن يخبره ويعفو عنه، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب. الوجه الخامس أنه تعالى ذكر بعد هذه الاية " فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " فيكون الغفران نصيبا لمن كان كارها لورود تلك الخواطر، والعذاب لمن كان مصرا عليها مستحسنا لها. الوجه السادس قال بعضهم: المراد بهذه الاية كتمان الشهادة، وهو ضعيف وإن كان واردا عقيبه.


(1 و 2) البقرة: 225 و 286. (3) النور: 19.

[42]

الوجه السابع ما مر أنها منسوخة بقوله " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " وهذا أيضا ضعيف لوجوه أحدها أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا إنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتزار عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها وذلك باطل، لان التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال صلى الله عليه وآله: بعثت بالحنيفية السمحة السهلة، والثاني أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الاية على حصول العقاب على تلك الخواطر، وقد بينا أنها لا تدل على ذلك، الثالث أن نسخ الخبر لا يجوز وإنما يجوز نسخ الاوامر والنواهي، واختلفوا في أن الخبر هل ينسخ أم لا انتهى. وقال أبو المعين النسفي: قال أهل السنة والجماعة: العبد مؤاخذ بما عقد بقلبه نحو الزنا واللواطة وغير ذلك أما إذا خطر بباله ولم يقصد فلا يؤاخذ به، وقال بعضهم: لا يؤاخذ في الصورتين جميعا، وحجتهم قوله صلى الله عليه وآله " عفي عن امتي ما خطر ببالهم ما لم يتكلموا ويفعلوا " وحجتنا قوله تعالى " وإن تبدوا ما في أنفسكم " الاية فثبت أنه مؤاخذ بقصده، وما ذكرتم من الحديث فمحمول على ما خطر بباله ولم يقصد أما إذا قصد فلا انتهى. " وهو رأس الايمان " كأن التشبيه بالرأس باعتبار أن بانتفائه ينتفي الايمان رأسا كما أن بانتفاء الرأس لا تبقى الحياة ويفسد جميع البدن، قوله عليه السلام " القول " أي ما يجب التكلم به من الاقوال كاظهار الحق، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر والقراءة والاذكار في الصلاة وأمثالها، فيكون قوله " والتعبير " تخصيصا بعد التعميم، لمزيد الاهتمام. " وقولوا للناس حسنا " (1) قال البيضاوي: أي قولا حسنا وسماه حسنا للمبالغة، وقرأ حمزة ويعقوب والكسائي حسنا بفتحتين انتهى أقول: في بعض الاخبار عن الصادق عليه السلام أنه قال: يعني قولوا محمد رسول الله وفي رواية اخرى عنه عليه السلام


(1) البقرة: 83، راجع تفسير البيضاوى: 35. ط ايران.

[43]

نزلت في اليهود، ثم نسخت بقوله " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " (1) الاية وفي بعض الروايات أنه حسن المعاشرة والقول الجميل، وفي بعضها أنه الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأن التعميم أولى فيناسب التعميم في القول أولا، ويؤيده ما سيأتي نقلا من تفسير النعماني. ثم إن الاية الثانية ليست في المصاحف هكذا ففي سورة البقرة " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط " وفي سورة العنكبوت " وقولوا آمنا بالذي انزل إلينا وانزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " فالظاهر أن التغيير من النساخ أو نقل الايتين بالمعنى وفي النعماني موافق للاولى، ولعله كان في الخبر الايتان فأسقطوا عجز الاولى و صدر الثانية، والتنزه الاجتناب " وأن يعرض " عطف " على أن يتنزه " والاصغاء عطف على الموصول في قوله " عما لا يحل ". " وقد نزل عليكم في الكتاب " (2) هذه الاية في سورة النساء وفي تفسير علي ابن إبراهيم (3) أن آيات الله هم الائمة عليهم السلام، وروى العياشي (4) في تفسيرها إذا سمعت الرجل يجحد الحق ويكذب به ويقع في أهله فقم من عنده ولا تقاعده قال الراغب والخوض الشروع الماء والمرور فيه، ويستعار في الامور وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذ الشروع فيه، وتتمة الاية " إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا " والاستثناء في سورة الانعام حيث قال: " وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان " (5) الاية ويحتمل أن يكون قوله تعالى " وقد نزل عليكم في


(1) براءة: 290. (2) النساء: 136. (3) تفسير القمى ص 469 - 467. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 281. (5) الانعام: 68.

[44]

الكتاب " إشارة إلى ما نزل في سورة الانعام، فهذه الاية كالتفسير لتلك الاية، فذكره عليه السلام آية النساء، لبيان أن الخوض في الايات المذكور في الانعام هو الكفر والاستهزاء بها، وإلا كان المناسب ذكر الاية المتصلة بالاستثناء فتفطن، وروى العياشي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية (1) قال: الكلام في الله والجدال في القرآن وقال منه القصاص " وإما ينسينك الشيطان " أي النهي " فلا تقعد بعد الذكرى " أي بعد أن تذكره " مع القوم الظالمين " أي معهم، فوضع الظاهر موضعه تنبيها على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام أو يغتاب فيه مسلم، إن الله تعالى يقول في كتابه " وإذا رأيت " الاية (2). ثم إن الخطاب في الاية إما خطاب عام أو الخطاب ظاهرا للرسول والمراد به الامة لان النسيان لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله لاسيما إذا كان من الشيطان، فان من جوز السهو والنسيان عليه صلى الله عليه وآله كالصدوق إنما جوز الاسهاء من الله تعالى للمصلحة لا من الشيطان " فبشر عبادي " الاضافة للتشريف، وأحسن القول: ما فيه رضا الله أو أشد رضاه، وما هو أشق على النفس، وهذه كلمة جامعة يندرج فيها القول في اصول الدين وفروعه، والاصلاح بين الناس، والتمييز بين الحق والباطل وإيثار الافضل فالافضل، وفي رواية: هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمع لا يزيد فيه ولا ينقص منه. " اولئك الذين هديهم الله " لدينه " واولئك هم اولوا الالباب " (3) أي العقول السليمة عن منازعة الهوى والوهم والعادات " وعبادي " في النسخ باثبات الياء موافقا لرواية أبي عمرو برواية موسى حيث قرأ في الوصل بفتح الياء وفي


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 362. (2) راجع تفسير القمى ص 192. (3) الزمر: 18. (*)

[45]

الوقف باسكانها، وقرأ الباقون باسقاط الياء والاكتفاء بالكسرة. " الذينهم في صلاتهم خاشعون " قيل: أي خائفون من الله متذللون له يلزمون أبصارهم مساجدهم، وفي تفسير علي بن إبراهيم (1) غضك بصرك في صلاتك، و إقبالك علينا. وسيأتي تفسيره في كتاب الصلاة إنشاء الله " والذينهم عن اللغو معرضون " قيل " اللغو " مالا يعنيهم من قول أو فعل وفي تفسير علي بن إبراهيم يعني عن الغناء والملاهي وفي إرشاد المفيد عن أمير المؤمنين عليه السلام كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله، قال وفي رواية اخرى أنه الغناء والملاهي، وفي الاعتقادات عنه عليه السلام أنه سئل عن القصاص أيحل الاستماع لهم فقال: لا. والحاصل أن اللغو كل مالا خير فيه من الكلام والاصوات، ويكفي في الاستشهاد كون بعض أفراده حراما مثل الغناء والدف والصنج والطنبور و الاكاذيب وغيرها، وقال في سورة القصص " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه " قال علي بن إبراهيم (2): اللغو الكذب واللهو والغناء وقال في الفرقان " وإذا مروا باللغو مروا كراما " (3) أي معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه، و الخوض فيه، وفي أخبار كثيرة تفسير اللغو في هذه الاية بالغناء والملاهي قوله: " من الايمان " من تبعيضية " وأن لا يصغي " عطف بيان لهذا، وقيل " من الايمان " مبتدأ و " أن لا يصغي " خبره (4) وفيه ما فيه. " قل للمؤمنين يغضوا " (5)، الخطاب للرسول صلى الله عليه وآله " ويغضوا " مجزوم بتقدير اللام أي ليغضوا، فالمقصود تبليغهم أمر ربهم أو حكاية لمضمون أمره عليه السلام أو منصوب بتقدير أن أي مرهم أن يغضوا، فان " قل لهم " في معنى " مرهم " وقيل إنه جواب الامر أي قل لهم غضوا يغضوا واعترض بأنه حينئذ ينبغي الفاء أي فيغضوا


(1) تفسير القمى ص 444، وهكذا ما بعده، والاية صدر سورة المؤمنون. (2) تفسير القمى ص 490 والاية في القصص: 55. (3) الفرقان: 72. (4) بل بالعكس. (5) النور: 30.

[46]

وفيه أنه سهل ليكن محذوفا، وأبعد منه ما يقال إن التقدير قل لهم غضوا فانك إن تقل لهم يغضوا، وأصل الغض النقصان والخفض كما في قوله " واغضض من صوتك " (1) وأجاز الاخفش أن تكون من زائدة وأباه سيبويه، وقال إنه للتبعيض ولعله الوجه، وليس المراد نقص المبصرات وتبعيضها ولا الابصار، بل النظر بها، وهو المراد مما قيل: المراد غض البصر وخفضه عما يحرم النظر إليه و الاقتصار به على ما يحل، وكذا قوله " ويحفظوا فروجهم " أي إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فلما كان المستثنى هنا كالشاذ النادر مع كونه معروفا معلوما بخلافه في غض الابصار أطلق الحفظ هنا وقيد الغض بحرف التبعيض، وفي الكشاف: ويجوز أن يراد مع حفظها عن الافضاء إلى مالا يحل حفظها عن الابداء وهذه الرواية وغيرها تدل على أن المراد بحفظ الفرج هنا ستره عن أن ينظر إليه أحد وكذا ظاهر الرواية تخصيص غض البصر بترك النظر إلى العورة. قوله عليه السلام " ثم نظم " أقول في تفسير النعماني: ثم نظم تعالى ما فرض على السمع والبصر والفرج في آية واحدة فقال " وما كنتم " وهو أظهر، وما هنا يحتاج إلى تكلف في إدخال اللسان والقلب، فقيل المراد بالاستتار ترك ذكر الاعمال القبيحة في المجالس " وأن يشهد " بتقدير من أن يشهد متعلقا بالاستتار بتضمين معنى الخوف، فقوله " تستترون " إشارة إلى فرض القلب واللسان معا، ويحتمل أن يكون المراد بالاية الاخرى الجنس أي الايتين والفؤاد داخل في الاية الثانية وكذا اللسان، لان قوله، " لا تقف " عبارة عن عدم متابعة غير المعلوم بعدم التصديق به بالقلب، وعدم إظهار العلم به باللسان " وما كنتم تستترون " قبل هذه الاية في حم تنزيل " ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون " (2) قال الطبرسي قدس سره: أي شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدعاء


(1) لقمان: 19. (2) فصلت: 20.

[47]

إلى الحق فأعرضوا عنه ولم يقبلوه، وأبصارهم بما رأوا من الايات الدالة على وحدانية الله فلم يؤمنوا، وسائر جلودهم بما باشروه من المعاصي والاعمال القبيحة وقيل: في شهادة الجوارح قولان أحدهما أن الله تعالى يبنيها بنية الحي (1) و يلجئها إلى الاعتراف والشهادة بما فعله أصحابها، والاخر أن الله تعالى تفعل الشهادة فيها وإنما أضاف الشهادة إليها مجازا وقيل في ذلك أيضا وجه ثالث: وهو أنه يظهر فيه أماراته الدالة على كون أصحابها مستحقين للنار فسمي ذلك شهادة مجازا كما يقال عيناك تشهدان بسهرك، وقيل: إن المراد بالجلود هنا الفروج على طريق الكناية عن ابن عباس والمفسرين (2) ثم قال " وما كنتم تستترون أن يشهد " أي من أن يشهد عليكم سمعكم معناه وما كنتم تستخفون أي لم يكن مهيئا لكم أن تستتروا أعمالكم عن هذه الاعضاء لانكم كنتم بها تعملون، فجعلها الله شاهدة عليكم في القيامة، وقيل: معناه وما كنتم تتركون المعاصي حذرا أن تشهد عليكم جوارحكم بها، لانكم ما كنتم تظنون ذلك " ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما " كنتم " تعملون " لجهلكم بالله تعالى، فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذلك، وروي عن ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تساروا فقالوا أترى أن الله تعالى يسمع تسارنا ؟ ويجوز أن يكون المعنى أنكم عملتم عمل من ظن أن عمله يخفى على الله كما يقال أهلكت نفسي أي عملت عمل من أهلك النفس، وقيل: إن الكفار كانوا يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، لكنه يعلم ما نظر، عن ابن عباس " و ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرديكم " " ذلكم " مبتدأ و " ظنكم " خبره و " أرديكم " خبر ثان، ويجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلك، ويكون المعنى وظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم، إذ هون عليكم أمر المعاصي وأدى بكم إلى الكفر " فأصبحتم من الخاسرين " أي فظللتم من جملة من


(1) وفى نسخة من المصدر: ينبهها تنبيه الحى. (2) مجمع البيان ج 9 ص 9.

[48]

خسرت تجارته، لانكم خسرتم الجنة، وخضتم في النار انتهى (1) فان قيل: هذه الايات في السور المكية، وكذا قوله " ولا تقف " الخ كما يدل عليه خبر محمد بن سالم أيضا فكيف صارت أعمال الجوارح فيها أجزاء من الايمان، وكيف توعد عليها ؟ قلت: لعل الوعيد فيها باعتبار كفرهم وشركهم لا أنها تدل على أنهم إنما فعلوا ذلك كفرا بالله واستهانة بأمره، وظنهم أنه سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون فالوعيد على شركهم وإتيانهم بتلك الاعمال من جهة الاستخفاف والاستحلال وقفو ما ليس لهم به علم كان في اصول الدين مع أنه قد مر أنه ليس فيها وعيد بالنار وكون جميع آيات حم مكية لم يثبت لعدم الاعتماد على قول المفسرين من العامة ويحتمل أن يكون الغرض هنا محض كون الاعمال متعلقة بالجوارح، وأن لها مدخلا في الايمان، وإن كان مدخليتها في كماله، والمقصود في هذا الخبر أمر آخر وكذا الكلام في قوله " ولا تمش في الارض مرحا " فانها أيضا مكية. قوله " إلى ما حرم الله " مثل القتل والضرب والنهب والسرقة وكتابة الجور والكذب والظلم ومس الاجانب ونحوها " وفرض عليهما من الصدقة وصلة الرحم " إذ إيصال الصدقة إلى الفقراء، والخير إلى الاقرباء، والضرب والبطش والقتل في الجهاد، والطهور للصلاة من فروض اليد، وقيل يفهم منه وجوب استعمال اليد في غسل الوجه، وهو إما لانه الفرد الغالب، أو لانه فرد الواجب التخييري. وأقول: يمكن أن يكون غسل الوجه داخلا فيما سيأتي من قوله " وقال فيما فرض الله ". " فضرب الرقاب " (2) ضرب الرقاب عبارة عن القتل بضرب العنق، وأصله فاضربوا الرقاب ضربا حذف الفعل واقيم المصدر مقامه واضيف إلى المفعول، والاثخان إكثار القتل أو الجراح بحيث لا يقدر على النهوض، والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به، وشده كناية عن الاسر و " منا " و " فداء " مفعول مطلق لفعل محذوف، أي فإما


(1) مجمع البيان ج 9 ص 10 وفيه: حصلتم في النار. (2) القتال: 4.

[49]

تمنون منا وإما تفدون فداء، وأوزار الحرب أثقالها وآلاتها كالسيف والسنان وغيرهما وهو كناية عن انقضاء أمرها والمروي ومذهب الاصحاب أن الاسير إن اخذ والحرب قائمة تعين قتله إما بضرب عنقه أو بقطع يده ورجله من خلاف وتركه حتى ينزف ويموت، وإن اخذ بعد انقضاء الحرب تخير الامام بين المن والفداء والاسترقاق، ولا يجوز القتل، والاسترقاق علم من السنة، والعلاج المزاولة. " أن لا يمشى " بصيغة المجهول والباء في " بهما " للالة، والظرف نائب الفاعل، و قوله عليه السلام " فقال " لعله ليس لتفسير ما تقدم، والاستدلال عليه، بل لبيان نوع آخر من تكليف الرجلين، وهو نوع المشي وما ذكر سابقا كان غاية المشي، وسيأتي ما هو أوفق بالمراد في رواية النعماني، وقال البيضاوي: " واقصد في مشيك " (1) توسط فيه بين الدبيب والاسراع، وعنه صلى الله عليه وآله سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " واغضض من صوتك " وانقص منه وأقصر " إن أنكر الاصوات " أوحشها " لصوت الحمير " والحمار مثل في الذم سيما نهاقه، ولذلك يكنى عنه فيقال طويل الاذنين وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الاستعارة، مبالغة شديدة وتوحيد الصوت لان المراد تفضيل الجنس في النكير دون الاحاد أو لانه مصدر. وقال في قوله سبحانه: " اليوم نختم على أفواههم " (2) بأن نمنعها عن كلامهم " وتكلمنا أيديهم " الخ بظهور آثار المعاصي عليها ودلالتها على أفعالها أو بانطاق الله إياها، وفي الحديث أنهم يجحدون ويخاصمون فيختم على أفواههم وتكلمهم أيديهم وأرجلهم انتهى، وقيل: هذا لا ينافي ما روي أن الناس في هذا اليوم يحتجون لانفسهم ويسعى كل منهم في فكاك رقبته كما قال سبحانه: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " (3) والله يلقن من يشاء حجته كما في دعاء الوضوء اللهم لقني حجتي يوم ألقاك، لان الختم مخصوص بالكفار كما قاله بعض المفسرين أو أن الختم


(1) لقمان: 18، راجع البيضاوي: 335. (2) يس: 65. (3) النحل: 111.

[50]

يكون بعد الاحتجاج والمجادلة كما في الرواية السابقة، وبالجملة الختم يقع في مقام والمجادلة في مقام آخر قوله " فهذا أيضا " كأنه إشارة إلى ما تشهد به الجوارح فمن في قوله " مما " تبعيضية، أو إلى التكليم والشهادة فمن تعليلية، ويحتمل أن يكون إشارة إلى جميع ما تقدم. وقال البيضاوي في قوله تعالى: " اركعوا واسجدوا " (1) أي في صلاتكم أمرهم بهما لانهم ما كانوا يفعلونهما أول الاسلام، أو صلوا وعبر عن الصلاة بهما لانهما أعظم أركانهما، أو اخضعوا لله وخروا له سجدا " واعبدوا ربكم " بسائر ما تعبدكم به " وافعلوا الخير " وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات، وصلة الارحام، ومكارم الاخلاق " لعلكم تفلحون " أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون الفلاح غير متيقنين له واثقين على أعمالكم، وأقول " لعل " من الله موجبة " وهذه فريضة جامعة " أي ما ذكر في هذه الاية من الركوع والسجود والعبادة وفعل الخير ومدخلية الاعضاء المذكورة في تلك الاعمال في الجملة ظاهرة " وأن المساجد لله " (2) ظاهره أنه عليه السلام فسر المساجد بالاعضاء السبعة التي يسجد عليها، أي خلقت لان يعبد الله بها فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها، وهذا التفسير هو المشهور بين المفسرين، والمذكور في صحيحة حماد (3) والمروي عن أبي جعفر الثاني عليه السلام حين سأله المعتصم عنها وبه قال ابن جبير والزجاج والفراء (4)، فلا عبرة بقول من قال: إن المراد بها المساجد المعروفة، ولا بقول من قال: هي بقاع الارض كلها، ولا بقول من قال: هي المسجد الحرام، والجمع باعتبار أنه قبلة لجميع المساجد، ولا بقول من قال: هي السجدات جمع مسجد بالفتح مصدرا أي السجودات لله فعلا تفعل لغيره وقال في الفقيه (5) قال أمير المؤمنين عليه السلام


(1) الحج: 77، راجع البيضاوى: 274. (2) الجن: 18. (3) راجع الكافي ج 3 ص 312. (4) راجع مجمع البيان ج 10 ص 372. (5) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 381.

[51]

في وصيته لابنه محمد ابن الحنفية: يا بني لا تقل مالا تعلم، بل لا تقل كل ما تعلم، فان الله تبارك وتعالى قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحتج بها عليك يوم القيامة ويسألك عنها وساق الحديث إلى أن قال: ثم استعبدها بطاعته فقال عزوجل " يا أيها الذين آمنوا اركعوا - إلى قوله - لعلكم تفلحون " فهذه فريضة جامعة واجبة على الجوارح، وقال عزوجل: " وأن المساجد " الخ يعني بالمساجد الوجه واليدين والركتبين والابهامين الحديث بطوله. قوله " وقال فيما فرض على الجوارح من الطهور والصلاة بها " أي بالجوارح وكأن مفعول القول محذوف، أي ما قال، أو من الطهور مفعوله بزيادة من، أو بتقدير شيئا أو كثيرا، أو المراد قال ذلك أي آية المساجد فيما فرض الله على هذه الجوارح من الطهور والصلاة، لان الطهور أيضا يتعلق بالمساجد، وعلى التقادير قوله " وذلك " إشارة إلى كون الايات السابقة دليلا على كون الايمان مبثوثا على الجوارح، لانها إنما دلت على أن الله تعالى فرض أعمالا متعلقة بتلك الجوارح ولم تدل على أنها إيمان، فاستدل على ذلك بأن الله تعالى سمى الصلاة المتعلقة بجميع الجوارح إيمانا فتم به الاستدلال بالايات المذكورة على المطلوب، والظاهر أن في العبارة سقطا أو تحريفا أو اختصارا مخلا من الرواة، أو من المصنف كما يدل عليه ما سيأتي نقلا من النعماني، وفي رواية ابن قولويه: وقال في موضع آخر " وأن المساجد " الاية فروى أصحابنا في غير هذا الحديث أنه عنى عزوجل بذلك هذه الجوارح الخمس، وقال في موضع آخر فيما فرض على هذه الجوارح من الطهور والصلاة وذلك أن الله تبارك وتعالى لما صرف نبيه صلوات الله عليه وآله إلى الكعبة عن بيت المقدس قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وآله: يا رسول الله أرأيت صلاتنا التي كنا نصلي إلى بيت المقدس ما حالها وحالنا فيها ؟ وحال من مضى من أمواتنا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله عزوجل " وما كان الله " الاية. ويحتمل أن يكون مفعول القول " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أو مبهما يفسره ذلك، حذف لدلالة التعليل عليه، وقوله " وذلك " تعليل للقول أي النزول، وقوله: " فأنزل الله "

[52]

ليس جواب لما، لعدم جواز دخول الفاء عليه، بل الجواب محذوف بتقدير أنزل وجه الحكمة في الصرف فأنزل. قوله " فمن لقي الله " عند الموت أو في القيامة أو الاعم " حافظا لجوارحه " عن المحرمات " موفيا كل جارحة " التوفية إعطاء الحق وافيا تاما ويمكن أن يقرأ كل بالرفع وبالنصب " مستكملا لايمانه " أي مكملا له في القاموس أكمله واستكمله وكمله أتمه وجمله (1) " ومن خان في شئ منها " أي من الجوارح بفعل المنهيات " أو تعدي ما أمر الله عزوجل " في الجوارح، ويحتمل أن تكون الخيانة أعم من ترك المأمورات وفعل المنهيات، والتعدي بايقاع الفرائض على وجه البدعة، و مخالفا لما أمر الله. وأقول: حكم عليه السلام في الاول بدخول الجنة أي من غير عقاب وفي الثاني لم يحكم بدخول النار ولا بعدم دخول الجنة، لانه يدخل الجنة ولو بعد حين، وليس دخوله النار مجزوما به، لاحتمال عفو الله تعالى وغفرانه. قوله " فمن أين جاءت زيادته " يفهم منه أن السائل فهم من الزيادة كون ما يشترط في الايمان متحققا وزائدا عليه لا أنه يكون الزائد بالنسبة إلى الناقص، و إلا فلم يحتج إلى السؤال لان كل نقص إذا سلب كان زائدا بالنسبة إليه فالافراد ثلاثة: " تام الايمان " وهو الذي اعتقد العقائد الحقة كلها، وعمل بالفرائض واجتنب الكبائر، وإن أتى بشئ منها تاب بعده، ولم يصر على الصغائر " وناقص الايمان " وهو الذي أتى مع العقائد الحقة بشئ من الكبائر، ولم يتب منها، أو ترك شيئا من الفرائض ولم يتداركها، أو أصر على الصغائر " وزائد الايمان " وهو الذي زاد في العقائد على ما يجب كما وكيفا كما سيأتي وفي الاعمال باتيانه بسائر الواجبات والمستحبات، وترك الصغائر والمكروهات وكلما زادت العقائد والاعمال كما وكيفا زاد الايمان. فإذا عرفت هذا فلم تحتج إلى ما تكلفه بعضهم أنه لما ذكر عليه السلام أن الايمان مفروض على الجوارح، وأنه يزيد وينقص، وعلم السائل الاول صريحا من


(1) القاموس ج 4 ص 46.

[53]

الايات المذكورة، والثاني ضمنا أو التزاما منها، للعلم الضروري بأن العلم يزيد وينقص، سأل عن الايات الدالة على الثاني صريحا أو قصده من السؤال: أني قد فهمت مما ذكر من نقصان الايمان العملي وتمامه باعتبار أن العمل يزيد وينقص فمن أين جاءت زيادة الايمان التصديقي وأية آية تدل عليها ؟ وفيه حينئذ استخدام إذ أراد بلفظ الايمان الايمان العملي، وبضميره الايمان التصديقي، وعلى التقديرين لا يرد أنه إذا علم نقصان الايمان وتمامه فقد علم زيادته، لان في التام زيادة ليست في الناقص انتهى. " فمنهم " (1) قال البيضاوي فمن المنافقين من يقول إنكارا واستهزاء " أيكم زادته هذه " السورة " إيمانا " ؟ وقرئ أيكم بالنصب على إضمار فعل يفسره زادته " فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا " بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الايمان بها وبما فيها إلى إيمانهم " وهم يستبشرون " بنزولها لانها سبب لزيادة كمالهم، وارتفاع درجاتهم " وأما الذين في قلوبهم مرض " كفر " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " كفرا بها مضموما إلى الكفر بغيرها " وماتوا وهم كافرون " واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه. " وزدناهم هدى " (2) أي هداية إلى الايمان أوزدناهم بسبب الايمان ثباتا و شدة يقين وصبر على المكاره في الدين، كما قال " وربطنا على قلوبهم " فهذه الهداية الخاصة الربانية زيادة على الايمان الذي كانوا به متصفين حيث قال تعالى أولا " إنهم فتية آمنوا بربهم ". " ولو كان كله واحدا " أي كل الايمان واحدا " لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لاحد " من المؤمنين " فضل على الاخر " لان الفضل إنما هو بالايمان، فلا فضل مع مساواتهم فيه " ولا استوت النعم " أي نعم الله بالهدايات الخاصة في الايمان " ولاستوى الناس " في دخول الجنة أو في الخير والشر، وبطل تفضيل بعضهم على بعض بالدرجات والكمالات، واللوازم كلها باطلة بالكتاب و


(1) براءة: 126، راجع البيضاوى: 181. (2) الكهف: 13 وما ذكر بعدها ذيلها.

[54]

السنة " ولكن بتمام الايمان " باعتبار أصل التصديق والعمل بالفرائض، أو بالواجبات وترك الكبائر أو المنهيات " دخل المؤمنون " المتصفون به " الجنة. وبالزيادة في الايمان " بضم سائر الواجبات مع المندوبات، أو المندوبات وترك الصغائر مع المكروهات، أو المكروهات وتحصيل الاداب المرغوبة والاخلاق المطلوبة " تفاضل المؤمنون " المتصفون بها بدرجات الجنة العالية، والمنازل الرفيعة في قربه تعالى " وبالنقصان " في التصديق أو التقصير في الاعمال الواجبة وارتكاب المحرمات " دخل المفرطون " في " النار " إن لم ينجوا بفضله وعفوه سبحانه. قوله " درجات " أي ذو درجات أو نفسه باعتبار إضافة درجات (1) وقيل: الدرجات مراتب الترقيات، والمنازل مراتب التنزلات، ويحتمل أن يكون المقصود منهما واحدا اطلق عليهما اللفظان باعتبارين " إن الله سبق " على بناء التفعيل المعلوم، و " يسبق " على بناء التفعيل المجهول أي قرر السبق وقدره بينهم في الايمان، وندبهم إليه كما يسابق بين الخيل يوم الرهان، والخيل جماعة الافراس لا واحد له، و قيل واحدة خائل لانه يختال وجمعه أخيال وخيول، ويطلق الخيل على الفرسان أيضا والمراهنة والرهان بالكسر المسابقة على الخيل، وكأنه عليه السلام شبه مدة الحياة بالمضمار، والارواح بالفرسان، والابدان بالخيول، والعلم الذي يسبق إليه منتهى مراتب الايمان، والسبق الذي يراهن عليه الجنة فمنهم من سبق الكل وبلغ الغاية وهو رسول الله صلى الله عليه وآله ومنهم من تأخر عن الكل، ومنهم من بقى في وسط الميدان، ومنازلهم بحسب العقائد والاعمال كما وكيفا لا يتناهى. قوله عليه السلام " فجعل كل امرئ منهم " أي أعطاه ما يستحقه من الكرامة و الاجر والذكر الجميل، قيل: في الاقتصار بنفي النقص دون الزيادة إيماء إلى جوازها من باب التفضل وإن لم يستحق " ولا يتقدم " أي في الفضل والثواب " مسبوق " في الايمان " سابقا " فيه " ولا مفضول " في الكمالات والاعمال الصالحة " فاضلا " فيها. " تفاضل " استيناف بياني " بذلك " أي بالسبق " أوائل هذه الامة " أي من تقدم


(1) لا يحتاج الى هذا التوجيه، فان لفظ الحديث هكذا: " ان للايمان درجات ".

[55]

إيمانه من الصحابة " أواخرها " منهم أو الاعم من الصحابة وغيرهم، أو الصحابة على التابعين والتابعين على غيرهم، وظاهره السبق الزمانى إشعارا بأن الغاصبين للخلافة وإن فرض منهم تحقق إسلام وعمل صالح، فلا يجوز تقديمهم على أمير المؤمنين عليه السلام وقد كان أولهم إيمانا وأسبقهم مع قطع النظر من سائر الكمالات والفضائل التي استحق بها التقديم، ويحتمل أن يكون المراد أعم من السبق الزماني والسبق بحسب الرتبة، وكمال اليقين، فالاكثرية بحسب الاعمال المذكورة بعد ذلك الاكثرية بحسب الكمية لا الكيفية، فانها تابعة للكمالات النفسانية، والحقائق الايمانية التي هي من الاعمال القلبية، لكنه بعيد عن السياق. وقوله " نعم " تأكيد لقوله " للحق " وقوله " ولتقدموهم " عطف على قوله " نعم " أو على قوله " للحق " وقوله " إذا لم يكن " إعادة للشرط السابق تأكيدا أو المعنى أنه لو لم يكن للسبق الزماني مدخل في الفضل للزم أن يجوز لحوق المتأخرين السابقين، أو تقدمهم عليهم مع عدم تحقق فضل في أصل الايمان وشرائطه ومكملاته للسابقين على اللاحقين، فاللحوق في صورة المساوات والتقدم في صورة زيادة إيمان اللاحقين على إيمان السابقين، والحال أنه ليس كذلك، فان لهم بالتقدم الزماني فضلا عليهم، فالمراد بالفضل ما هو غير السبق الزماني وقوله " ولكن " إضراب عن قوله " نعم ولتقدموهم " إلخ، والمراد بالدرجات ما هو باعتبار السبق الزماني " من الاولين " أي من بعضهم " مقدمين على الاولين " أي مطلقا، ولكن ليس كذلك بل ربما كان بعض الاولين باعتبار السبق أفضل من كثير من الاخرين وإن كانوا أقل منهم عملا باعتبار تقدمهم وسبقهم وصعوبة الايمان في ذلك الزمان وبسبب أن لهم مدخلا عظيما في إيمان الاخرين. والحاصل أن المسابقة تكون بحسب الرتبة والزمان، فمن اجتمعا فيه كأمير المؤمنين صلوات الله عليه فهو الكامل حق الكمال، والسابق على كل حال ومن انتفى عنه الامران فهو الناقص المستحق للخذلان والوبال، وأما إذا تعارض الامران فظاهر الخبر أن السابق زمانا أفضل وأعلى درجة من الاخر.

[56]

وقال بعض المحققين: الغرض من هذا الحديث أن يبين أن تفاضل درجات الايمان بقدر السبق والمبادرة إلى إجابة الدعوة إلى الايمان، وهذا يحتمل عدة معان: أحدها أن يكون المراد بالسبق السبق في الذر، وعند الميثاق، كما روي أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وآله بأي شئ سبقت ولد آدم ؟ قال: إنني أول من أقر بربي إن الله أخذ ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى فكنت أول من أجاب (1) وعلى هذا يكون المراد بأوائل هذه الامة وأواخرها أوائلها وأواخرها في الاقرار والاجابة هناك، فالفضل للمتقدم في قوله " بلى " والمبادر إلى ذلك ثم المتقدم والمبادر. والمعنى الثاني أن يكون المراد بالسبق السبق في الشرف والرتبة، والعلم والحكمة، وزيادة العقل، والبصيرة في الدين ووفور سهام الايمان الاتي ذكرها (2) ولاسيما اليقين كما يستفاد من الاخبار الاتية، وعلى هذا يكون المراد بأوائل هذه الامة وأواخرها أوائلها وأواخرها في مراتب الشرف والعقل والعلم، فالفضل للاعقل والاعلم والاجمع للكمالات، وهذا المعنى يرجع إلى المعنى الاول لتلازمهما ووحدة مالهما واتحاد محصلهما والوجه في أن الفضل للسابق على هذين المعنيين ظاهر لامرية فيه ومما يدل على إرادة هذين المعنيين اللذين مرجعهما إلى واحد قوله عليه السلام: " ولو لم يكن سوابق يفضل بها المؤمنون " إلى قوله " من قدم الله " ولاسيما قوله " أبى الله أن يدرك آخر درجات الايمان أولها " ومن تأمل في تتمة الحديث أيضا حق التأمل يظهر له أنه المراد إنشاء الله تعالى. والمعنى الثالث أن يكون المراد بالسبق السبق الزماني في الدنيا عند دعوة


(1) راجع الكافي ج 2 ص 10، باب أن رسول الله " ص " أول من أجاب، والاية في الاعراف: 171. (2) يعنى في الكافي ج 2 ص 42 باب درجات الايمان، وانما قال هذا - وهو صدر الدين الشيرازي - فانه من شراح الكافي.

[57]

النبي صلى الله عليه وآله إياهم إلى الايمان، وعلى هذا يكون المراد بأوائل هذه الامة و أواخرها أوائلها وأواخرها في الاجابة للنبي صلى الله عليه وآله وقبول الاسلام، والتسليم بالقلب والانقياد للتكاليف الشرعية طوعا، ويعرف الحكم في سائر الازمنة بالمقايسة، وسبب فضل السابق على هذا المعنى أن السبق في الاجابة للحق دليل على زيادة البصيرة والعقل والشرف التي هي الفضيلة والكمال. والمعنى الرابع أن يراد بالسبق السبق الزماني عند بلوغ الدعوة، فيعم الازمنة المتأخرة عن زمن النبي صلى الله عليه وآله وهذا المعنى يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد بالاوائل والاواخر ما ذكرناه أخيرا وكذا السبب في الفضل، والاخر أن يكون المراد بالاوائل من كان زمن النبي صلى الله عليه وآله وبالاواخر من كان بعد ذلك ويكون سبب فضل الاوائل صعوبة قبول الاسلام، وترك ما نشأوا عليه في تلك الزمن وسهولته فيما بعد استقرار الامر، وظهور الاسلام، وانتشاره في البلاد، مع أن الاوائل سبب لاهتداء الاواخر، إذ بهم وبنصرتهم استقر ما استقر، وقوي ما قوي وبان من استبان، والله المستعان انتهى. قوله " أخبرني عما ندب الله " لما دل كلامه عليه السلام سابقا على أنه تعالى طلب منهم الاستباق إلى الايمان سأله الراوي عن الايات الدالة عليه " سابقوا إلى مغفرة " كذا في سورة الحديد وفي سورة آل عمران " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم " (1) وكان مقتضى الجمع بين الايتين أن المراد بالمسارعة المسابقة أي سارعوا مسابقين إلى سببب مغفرة من ربكم من الايمان والاعمال الصالحة " وجنة " أي إلى جنة " عرضها كعرض السماء والارض " وفي آل عمران " عرضها السموات والارض اعدت للمتقين " قال المحقق الاردبيلي قدس سره: كنى بالعرض عن مطلق المقدار، وهو متعارف، ونقل على ذلك الاشعار في مجمع البيان أو أنه لما علم عرضه الذي هو أقل من الطول عرفا في غير المساوي، علم أن طوله أيضا يكون إما أكثر أو مثله (2) وقال القاضي: ذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريق التمثيل، لانه دون الطول، وعن ابن عباس كسبع سماوات وسبع أرضين


(1) آل عمران: 133. (2) زبدة البيان في أحكام القرآن: 181 ط حجر.

[58]

لو وصل بعضها ببعض (1) وظاهر الاية وجوب المسارعة أو رجحانها إلى الطاعة الموجبة للدخول إلى الجنة - وأعظمها الايمان بالله وكتبه ورسله واليوم الاخر - والترقي إلى مقاماتها العالية " اعدت للذين آمنوا بالله ورسله " ظاهر هذه الاية وغيرها من الايات والروايات أن الجنة مخلوقة الان، وكذا النار، وقال به الاصحاب و صرح به الشيخ المفيد في بعض رسائله، وقال: إن الجنة مخلوقة الان مسكونة سكنتها الملائكة، وظاهر الاية أنها في السماء، والظاهر أن المراد أنه يكون بعضها في السماء ويكون البعض الاخر فوقها، أو يكون أبوابها فيها أو فوق الكل، وما ذكره الحكماء غير مسموع شرعا، وهو ظاهر، كما قيل: إن النار تحت الارض فتكون الاية دليلا على بطلان ما قالوه. وقال البيضاوي: فيه دلالة على أن الجنة مخلوقة، وأنها خارجة عن هذا العالم (2) وذهب جماعة من المعتزلة إلى أنهما غير مخلوقتين وأنهما تخلقان يوم القيامة. وقال البيضاوي في الواقعة: " والسابقون السابقون " (3) قال: أي الذين سبقوا إلى الايمان والطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، أو سبقوا إلى حيازة الفضائل والكمالات، أو الانبياء فانهم مقدموا أهل الاديان، هم الذين عرفت حالهم و عرفت مآلهم كقول أبي النجم " [أنا أبو النجم] وشعري شعري " أو الذين سبقوا إلى الجنة " اولئك المقربون في جنات النعيم " أي الذين قربت درجاتهم في الجنة و اعليت مراتبهم. و " قال " أي في التوبة " والسابقون الاولون " (4) وقد مر الكلام في ذلك مستوفى في كتاب المعاد، في المجمع أي السابقون إلى الايمان أو إلى الطاعات، وإنما مدحهم بالسبق لان السابق إلى الشئ يتبعه غيره، فيكون متبوعا وغيره تابع له، فهو إمام فيه وداع له إلى الخير بسبقه إليه، وكذلك من سبق إلى الشر يكون أسوء حالا


(1 و 2) أنوار التنزيل: 81. (3) الواقعة: 10 و 11، راجع البيضاوى ص 420، والتلعثم: الابطاء. (4) براءة: 100.

[59]

لهذه العلة " من المهاجرين " الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وإلى الحبشة " والانصار " أي ومن الانصار الذين سبقوا نظراءهم من أهل المدينة إلى الاسلام وقرأ يعقوب " والانصار " بالرفع فلم يجعلهم من السابقين، وجعل السبق للمهاجرين خاصة " والذين اتبعوهم باحسان " أي بأفعال الخير والدخول في الاسلام بعدهم، و سلوك منهاجهم، ويدخل في ذلك من بعدهم إلى يوم القيامة " رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم " قال: وفي هذه الاية دلالة على فضل السابقين ومزيتهم على غيرهم، لما لحقهم من أنواع المشقة في نصرة الدين، فمنها مفارقة العشائر والاقربين، ومنها مباينة المألوف من الدين، ومنها نصرة الاسلام مع قلة العدد وكثرة العدو، ومنها السبق إلى الايمان والدعاء إليه انتهى (1). وقال بعضهم: " السابقون الاولون من المهاجرين " هم الذين صلوا إلى القبلتين، وشهدوا بدرا، وأسلموا قبل الهجرة، ومن الانصار أهل بيعة العقبة الاولى، وكانوا سبعة نفر، وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعون وقال بعض المخالفين كلمة " من " للتبيين فيتناول المدح جميع الصحابة قوله عليه السلام " ثم ذكر " كلمة " ثم " للتراخي بحسب المرتبة، إذ سورة البقرة نزلت قبل سورتي التوبة والحديد " فقال الله عزوجل " أي في سورة البقرة " تلك الرسل " قيل: إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة، أو المعلومة للرسول أو جماعة الرسل واللام للاستغراق، " فضلنا بعضهم على بعض " بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره " منهم من كلم الله " تفصيل له وهو موسى، وقيل موسى ومحمد صلى الله عليهما كلم موسى ليلة الحيرة وفي الطور، ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى، وبينهما بون بعيد، وفي المصاحف " ورفع بعضهم درجات " وليس فيها " فوق بعض " (2) فالزيادة إما من الرواة أو النساخ ويؤيده عدمها في رواية النعماني


(1) مجمع البيان ج 5 ص: 64. (2) راجع سورة البقرة: 253.

[60]

أو منه عليه السلام زاده للبيان والتفسير، وهذه الزيادة مذكورة في سورة الزخرف حيث قال: " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات " (1) فيحتمل أن تكون الزيادة للاشارة إلى الايتين. قيل: ورفع بعضهم درجات بأن فضله على غيره من وجوه متعددة، وبمراتب متباعدة، وهو محمد صلى الله عليه وآله، فانه خص بالدعوة العامة، والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرة، والايات المترتبة المتعاقبة بتعاقب الدهر، و الفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر والابهام، لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين، وقيل: إبراهيم خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب، وقيل: إدريس لقوله تعالى " ورفعناه مكانا عليا " (2) وقيل: اولوا العزم من الرسل وبعد ذلك " وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ". " وقال " أي في سورة أسرى " ولقد فضلنا " الخ (3) قال البيضاوي: أي بالفضائل النفسانية والتبرى عن العلائق الجسمانية لا بكثرة الاموال والاتباع حتى داود، فان شرفه بما اوحي إليه من الكتاب لا بما اوتي من الملك، وقيل: هو إشارة إلى تفضيل رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله " وآتينا داود زبورا " تنبيه على وجه تفضيله، وهو أنه خاتم الانبياء، وامته خير الامم، المدلول عليه بما كتب في الزبور، من " أن الارض يرثها عبادي الصالحون " (4). " وقال " أي في سورة أسرى أيضا قيل: هو عطف على " ثم ذكر " لا على قوله " فقال " لعدم اختصاص ما يذكر بعده بالاولياء، بل هو في مطلق المؤمنين " كيف فضلنا " قيل أي في الرزق، وفي المجمع بأن جعلنا بعضهم أغنياء، وبعضهم فقراء وبعضهم موالي، وبعضهم عبيدا، وبعضهم أصحاء، وبعضهم مرضى، على حسب


(1) الزخرف: 32. (2) مريم: 57. (3) أسرى: 55، راجع البيضاوى: 239. (4) الانبياء: 105.

[61]

ما علمناه من المصالح " وللاخرة أكبر درجات " أي درجاتها ومراتبها أعلى وأفضل فينبغي أن تكون رغبتهم فيها وسعيهم لها أكثر (1). " وقال " أي في آل عمران " هم درجات عند الله " قيل: شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أو هم ذو درجات، فقال " والله بصير بما يعملون " (2). " وقال " أي في هود " ويؤت كل ذي فضل " أي في دينه " فضله " (3) أي جزاء فضله في الدنيا والاخرة، ويدل على عدم تفضيل المفضول " وقال " أي في التوبة " وهاجروا " أي إلى الرسول صلى الله عليه وآله وفارقوا الاوطان وتركوا الاقارب والجيران، وطلبوا مرضاة الرحمان " وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم " بصرفها و أنفسهم ببذلها " أعظم درجة عند الله " أي أعلا رتبة وأكثر كرامة ممن لم يستجمع هذه الصفات، أو من أهل السقاية والعمارة عندكم إذ قبلها " أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الاخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ". (4) " وقال " أي في سورة النساء وقبل الاية " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " (5) قال البيضاوي: نصب على المصدر لان فضل بمعنى آجر، أو المفعول الثاني له لتضمنه معنى الاعطاء، كأنه قال: وأعطاهم زيادة على القاعدين أجرا عظيما " درجات منه ومغفرة ورحمة " كل واحد منها بدل من أجرا، ويجوز أن ينتصب درجات على المصدر كقولك ضربته أسواطا، وأجرا على الحال عنها تقدمت عليها، لانها نكرة، ومغفرة ورحمة على المصدر باضمار


(1) راجع مجمع البيان ج 6 ص 407، والاية في أسرى: 21. (2 - 4) الايات في آل عمران: 163، هود: 3. براءة: 19 و 20، كما مر سابقا. (5) النساء: 95.

[62]

فعلهما (1) وتتمة الاية " وكان الله غفورا رحيما ". " وقال " أي في سورة الحديد " لا يستوي منكم " قال البيضاوي: بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم من السبق وقوة اليقين وتحري الحاجات حثا على تحرى الافضل منها، بعد الحث على الانفاق، وذكر القتال للاستطراد وقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، والفتح فتح مكة إذ عز الاسلام به وكثر أهله وقلت الحاجة إلى المقاتلة والانفاق " من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا " أي من بعد الفتح (2) والتتمة " وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير ". " وقال " أي في سورة المجادلة والاية هكذا " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله " والتفسح التوسع " وإذا قيل انشزوا " أي انهضوا للتوسعة أو لما امرتم به كصلاة أو جهاد، أو ارتفعوا في المجلس " يرفع الله الذين آمنوا منكم " بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف الجنان في الاخرة " والذين اوتوا العلم " ويرفع العلماء منهم خاصة " درجات " بما جمعوا من العلم والعمل، وقد مر تفسيرهم بالائمة عليهم السلام. " وقال " أي في سورة التوبة حيث قال: " ما كان لاهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك " قيل: إشارة إلى ما دل عليه قوله " ما كان " من النهي عن التخلف أو وجوب المتابعة " بأنهم " بسبب أنهم " لا يصيبهم ظمأ " أي شئ من العطش " ولا نصب " أي تعب " ولا مخمصة " أي مجاعة " في سبيل الله ولا يطأون " أي لا يدوسون " موطئا " أي مكانا " يغيظ الكفار " أي يغضبهم وطؤه " ولا ينالون من عدو نيلا " كالقتل والاسر والنهب " إلا كتب لهم به عمل صالح " أي إلا استوجبوا الثواب، وذلك مما يوجب المسابقة " إن الله لا يضيع أجر المحسنين " (3).


(1) تفسير البيضاوى: 204. (2) تفسير البيضاوى: 424، والاية في الحديد: 10. (3) براءة: 120.

[63]

" وقال " أي في المزمل " وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله " يمكن أن يكون عدم ذكر تتمة الكلام للاختصار، فان التتمة " هو خيرا وأعظم أجرا " أي من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت، وخيرا ثاني مفعولي تجدوه، وهو تأكيد أو فصل أو هو مبني على قراءة " هو خير " بالرفع كما قرئ في الشواذ فالكلام إلى قوله " عند الله " تمام وقوله " هو " مبتدأ و " خير " خبره وهي جملة اخرى مؤكدة للاولى " ومن يعمل مثقال ذرة " الذرة هي النملة الصغيرة أو الهباء المنبث في الجو. وبالجملة هذه الايات كلها تدل على اختلاف مراتب المؤمنين في الثواب والدرجات عند الله تعالى، والمنازل في الجنة. كما لا يخفى. 7 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حكيم قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: الكبائر تخرج من الايمان ؟ فقال: نعم، وما دون الكبائر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن (1). 8 - كا: بالاسناد، عن ابن أبي عمير، عن علي الزيات، عن عبيد بن زرارة قال: دخل ابن قيس الماصر وعمر بن ذر وأظن معهما أبو حنيفة على أبي جعفر عليه السلام فتكلم ابن قيس الماصر فقال: إنا لا نخرج أهل دعوتنا وأهل ملتنا من الايمان في المعاصي والذنوب، قال: فقال له أبو جعفر: يا ابن قيس أما رسول الله صلى الله عليه وآله فقد قال: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، فاذهب أنت وأصحابك حيث شئت (2). 9 - ل، ن، لى: عن حمزة العلوي، عن علي بن محمد البزاز، عن داود ابن سليمان الفراء قال: حدثني علي بن موسى الرضا عليه السلام، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن


(1) الكافي ج 2 ص 284. (2) الكافي ج 2 ص 285.

[64]

أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين عليهم السلام: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الايمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالاركان. قال حمزة بن محمد: وسمعت عبد الرحمان بن أبي حاتم يقول: سمعت أبي يقول: وقد روى هذا الحديث، عن أبي الصلت الهروي عبد السلام بن صالح، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام بإسناده مثله، قال أبو حاتم: لو قرئ هذا الاسناد على مجنون لبرأ (1). 10 - فس: " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " قال: كلمة الاخلاص، والاقرار بما جاء به من عند الله من الفرائض، والولاية يرفع العمل الصالح إلى الله، وعن الصادق عليه السلام أنه قال: الكلم الطيب قول المؤمن لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وخليفة رسول الله، وقال: " والعمل الصالح " الاعتقاد بالقلب أن هذا هو الحق من عند الله لا شك فيه من رب العالمين. وفي رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لكل قول مصداقا من عمل يصدقه أو يكذبه، فإذا قال ابن آدم وصدق قوله بعمله رفع قوله بعمله إلى الله، وإذا قال وخالف عمله قوله، رد قوله على عمله الخبيث وهوي به إلى النار (2). 11 - ن: عن أحمد بن محمد بن عبد الرحمان القرشي، عن محمد بن خالد ابن الحسن، عن أبي بكر بن أبي داود، عن علي بن حرب، عن أبي الصلت الهروي عن الرضا، عن آبائه صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الايمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان (3). ل، ن: عن سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي، عن علي بن عبد العزيز ومعاذ بن المثنى، عن الهروي بالاسناد مثله (4).


(1) الخصال ج 1: 84، عيون الاخبار ج 1: 227، الامالى: 160. (2) تفسير القمى:... والاية في فاطر: 10. (3) عيون الاخبار ج 1 ص 226. (4) الخصال ج 1 ص 84، عيون الاخبار ج 1 ص 227.

[65]

نهج: عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله (1). ل، ن: عن ابن بندار، عن محمد بن محمد بن جمهور، عن محمد بن عمر بن منصور عن أحمد بن محمد بن يزيد الجمحي، عن الهروي مثله (2). 12 - ل، ن: عن أبيه، عن محمد بن معقل القرميسيني، عن محمد بن عبد الله بن طاهر قال: كنت واقفا على أبي وعنده أبو الصلت الهروي وإسحاق بن راهويه، و أحمد بن محمد بن حنبل فقال أبي: ليحدثني كل رجل منكم بحديث، فقال أبو الصلت الهروي: حدثني علي بن موسى الرضا عليه السلام وكان والله رضا كما سمي، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين، عن أبيه علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الايمان قول وعمل. فلما خرجنا قال أحمد بن حنبل: ما هذا الاسناد ؟ فقال له أبي: هذا سعوط المحانين إذا سعط به المجنون أفاق (3). بيان: " كان والله رضا " أي مرضيا عند الله وعند الخلق " سعوط المجانين " أي هذا السند لاشتماله على الاسماء الشريفة المكرمة كأنه دعاء ينبغي أن يستشفى به للمجنون حتى يفيق أو كناية عن قوته ووثاقته بحيث إذا سمع مجنون يذعن بحقيته فكيف العاقل، والاول أظهر. 13 - ل، ن: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن بكر بن صالح الرازي، عن أبي الصلت الهروي قال: سألت الرضا عليه السلام عن الايمان فقال: الايمان عقد بالقلب، ولفظ باللسان، وعمل بالجوارح، لا يكون الايمان إلا هكذا (4).


(1) نهج البلاغة عبده ج 2 ص 194، تحت الرقم 227 من الحكم. (2) الخصال ج 1 ص 84 عيون الاخبار ج 1 ص 228. (3) الخصال ج 1 ص 84، عيون الاخبار ج 1 ص 228. (4) الخصال ج 1 ص 84، عيون الاخبار ج 1 ص 227.

[66]

مع: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى مثله (1). 14 - ب: عن محمد بن عيسى، عن القداح، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: الايمان قول وعمل أخوان شريكان (2). مع: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن القداح مثله (3). 15 - ب: عن هارون، عن ابن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وسئل ما بال الزاني لا تسميه كافرا وتارك الصلاة قد تسميه كافرا ؟ وما الحجة في ذلك ؟ قال: لان الزاني وما أشبهه إنما يفعل ذلك لمكان الشهوة وإنها تغلبه، وتارك الصلاة لا يتركها إلا استخفافا بها، وذلك أنك لا تجد الزاني يأتي المرأة إلا وهو مستلذ لاتيانه إياها قاصدا إليها وكل من ترك الصلاة قاصدا إليها فليس يكون قصده لتركها اللذة، فإذا انتفت اللذة وقع الاستخفاف، وإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر (4). 16 - ب: عن هارون، عن ابن صدقة قال: وقيل لابي عبد الله عليه السلام: ما فرق بين من نظر إلى امرأة فزنى بها أو خمرا فشربها، وبين من ترك الصلاة حيث لا يكون الزاني وشارب الخمر مستخفا كما استخف تارك الصلاة ؟ وما الحجة في ذلك ؟ وما العلة التي تفرق بينهما ؟ قال عليه السلام: الحجة أن كل ما أدخلت نفسك فيه لم يدعك إليه داع، ولم يغلبك عليه غالب شهوة، مثل الزنا وشرب الخمر فأنت دعوت نفسك إلى ترك الصلاة، وليس ثم شهوة فهو الاستخفاف بعينه وهذا فرق ما بينهما (5). بيان: قوله عليه السلام: " أن كل ما أدخلت " كأن خبر أن محذوف أي هو


(1) معاني الاخبار: 186. (2) قرب الاسناد: 13. (3) معاني الاخبار: 187. (4) قرب الاسناد: 22. (5) قرب الاسناد: 23.

[67]

الاستخفاف بقرينة قوله " فأنت دعوت " ويحتمل أن يكون الخبر لم يدعك، وقيل: المراد بالحجة المعيار لا الدليل، والمراد بالداعي الباعث القوي وإلا فلا يكون فعل اختياري بغير داع وقوله " مثل الزنا " تشبيه للمنفي. 17 - ب: عن علي، عن أخيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن (1). 18 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن النهدي، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن الحلبي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن المؤمن لا يكون سجيته الكذب ولا البخل ولا الفجور، ولكن ربما ألم بشئ من هذا لا يدوم عليه، فقيل له: أفيزني ؟ قال: نعم، هو مفتن تواب، ولكن لا يولد له من تلك النطفة. (2) بيان: " ربما ألم " أي نزل أو قارب في النهاية وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله أي قاربت، وقيل: اللمم مقاربة المعصية من غير إيقاع فعل، وقيل: هو من اللمم صغار الذنوب، وقال: الفتنة الامتحان والاختبار، ومنه الحديث المؤمن خلق مفتنا أي ممتحنا يمتحنه الله بالذنب ثم يتوب، ثم يعود، ثم يتوب، يقال فتنته أفتنه فتنا وفتونا إذا امتحنته، ويقال فيها افتتنه أيضا. 19 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الايمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالاركان (3) صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام مثله (4). 20 - جا، ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن الحسين بن علي المالكي عن أبي الصلت الهروي، عن الرضا علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه، محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:


(1) قرب الاسناد ط النجف ص 149 و 165. (2) الخصال ج 1 ص 64. (3) عيون الاخبار ج 1 ص 227، وتراه في ج 2: 28. (4) صيحفة الرضا عليه السلام: 2.

[68]

الايمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان العقول. قال أبو الصلت: فحدثت بهذا الحديث في مجلس أحمد بن حنبل فقال لي أحمد: يا أبا الصلت لو قرئ بهذا الاسناد على المجانين لافاقوا (1). 21 - ما: عن الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن الايمان فقال: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان (2) 22 - ما: باسناد أخي دعبل، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الايمان إقرار باللسان، ومعرفة بالقلب، وعمل بالجوارح (3). 23 - ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن علي بن محمد بن مهرويه وجعفر ابن إدريس القزوينيين، عن داود بن سليمان الغازي، عن الرضا، وحدثنا عبد الله بن أحمد بن عامر، قال: حدثنا أبي وجدي أحمد بن علي بن مهدي بن صدقة بن هشام ابن غالب، عن أبيه، قالوا: حدثنا علي بن موسى الرضا، عن آبائه صلوات الله عليهم عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: الايمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب، وعمل بالاركان. ولفظ الحديث لداود. قال أبو المفضل: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري، عن عمار بن رجاء الاسترابادي ومحمد بن عطية الرازي وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي وغيرهم جميعا عن أبي الصلت الهروي، قال: حدثنا علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جعفر ابن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبيطالب عليهم السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: الايمان قول باللسان، ومعرفة بالقلب و عمل بالاركان.


(1) مجالس المفيد: 169، أمالى الطوسى ج 1 ص 35. (2) أمالى الطوسى: ج 1 ص 290. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 379.

[69]

قال أبو حاتم: قال أبو الصلت: لو قرئ هذا الاسناد على مجنون لبرئ باذن الله تعالى، قال أبو المفضل: وهذا حديث لم يحدثه عن النبي صلى الله عليه وآله إلا أمير - المؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام من رواية الرضا عن آبائه عليهم السلام أجمع على هذا القول أئمة أصحاب الحديث واحتجوا بهذا الحديث على المرجئة، ولم يحدث به فيما أعلم إلا موسى بن جعفر، عن أبيه صلوات الله عليهما وكنت لا أعلم أن أحدا رواه عن موسى بن جعفر إلا ابنه الرضا حتى حدثناه محمد بن علي بن معمر الكوفي وما كتبته إلا عنه، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد البصري العابد بسورا، قال: حدثنا محمد بن صدقة ومحمد بن تميم، قالا: حدثنا موسى بن جعفر، عن أبيه باسناده مثله سواء (1). 24 - ما: أخبرنا جماعة قالوا: أخبرنا أبو المفضل، قال: حدثنا أبو علي محمد بن همام قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن طاهر بن أحمد المصعبي، قال: كنت في مجلس أخي طاهر ابن عبد الله بن طاهر بخراسان، وفي المجلس يومئذ إسحاق بن راهويه الحنظلي وأبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي وجماعة من الفقهاء وأصحاب الحديث فتذاكروا الايمان فابتدأ إسحاق بن راهويه فتحدث فيه بعدة أحاديث وخاض الفقهاء وأصحاب الحديث في ذلك وأبو الصلت ساكت فقيل له: يا با الصلت ألا تحدثنا ؟ فقال: حدثني الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم وكان والله رضى كما وسم بالرضا، قال: حدثنا الكاظم موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي الصادق جعفر بن محمد، قال: حدثني أبي الباقر محمد بن علي، قال: حدثني أبي السجاد علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين سبط رسول الله صلى الله عليهم أجمعين وسيد الشهداء، قال: حدثني أبي الوصي علي بن أبيطالب صلوات الله عليه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الايمان عقد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالاركان، قال: فخرس أهل المجلس كلهم ونهض أبو الصلت فنهض معه إسحاق بن راهويه والفقهاء فأقبل إسحاق بن راهويه على أبي الصلت، فقال له ونحن نسمع: يا با الصلت أي إسناد هذا ؟ فقال: يا ابن راهويه


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 63.

[70]

هذا سعوط المجانين، هذا عطر الرجال ذوي الالباب (1). 25 - ما: أخبرنا جماعة قالوا: أخبرنا أبو المفضل، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن راشد الطاهري الكاتب في دار عبد الرحمن بن عيسى بن داود بن الجراح وبحضرته إملاء يوم الثلثا لتسع خلون من جمادى الاولى سنة أربع وعشرين وثلاث مائة، قال: حملني علي بن محمد بن الفرات في وقت من الاوقات برا واسعا إلى أبي أحمد عبيدالله بن عبد الله بن طاهر فأوصلته ووجدته على إضاقة شديدة فقبله وكتب في الوقت بديهة: أياديك عندي معظمات جلائل * طوال المدى شكري لهن قصير فان كنت عن شكري غنيا فانني * إلى شكر ما أوليتني لفقير قال: فقلت أعز الله الامير هذا حسن قال أحسن منه ما سرقته منه، فقلت وما هو ؟ قال: حديثان حدثني بهما أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي، قال: حدثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا، قال: حدثي أبي عن جدي جعفر بن محمد عن أبيه، عن جده علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله أسرع الذنوب عقوبة كفران النعمة. وحدثني أبو الصلت بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يؤتى بعبد يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عزوجل، فيأمر به إلى النار، فيقول: أي رب أمرت بي إلى النار وقد قرأت القرآن ؟ فيقول الله أي عبدي إني أنعمت عليك ولم تشكر نعمتي فيقول: أي رب أنعمت علي بكذا فشكرتك بكذا وأنعمت علي بكذا فشكرتك بكذا، فلا يزال يحصي النعم ويعدد الشكر فيقول الله تعالى: صدقت عبدي إلا أنك لم تشكر من أجريت لك نعمتي على يديه، وإني قد آليت على نفسي أن لا أقبل شكر عبد لنعمة أنعمتها عليه حتى يشكر من ساقها من خلقي إليه قال: فانصرفت بالخبر إلى علي بن الفرات وهو في مجلس أبي العباس أحمد بن محمد بن الفرات و ذكرت ما جرى فاستحسن الخبر وانتسخه وردني في الوقت إلى أبي أحمد عبيدالله ابن عبد الله ببر واسع من بر أخيه فأوصلته إليه فقبله وسر به فكتب إليه:


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 64.

[71]

شكراك معقود بايماني * حكم في سري وإعلاني عقد ضمير وفم ناطق * وفعل أعظاء وأركان فقلت: هذا أعز الله الامير أحسن من الاول، فقال: أحسن منه ما سرقته منه، قلت وما هو ؟ قال: حدثنا أبو الصلت عبد السلام بن صالح بنيسابور، قال: حدثني أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، قال: حدثني أبي موسى الكاظم قال: حدثني أبي جعفر الصادق، قال: حدثني أبي محمد بن علي الباقر، قال: حدثني أبي علي السجاد، قال: حدثني أبي الحسين السبط، قال: حدثني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: الايمان عقد بالقلب ونطق باللسان، وعمل بالاركان، قال: فعدت إلى أبي العباس بن الفرات فحدثته الحديث فانتسخه. قال أبو أحمد: فكان أبو الصلت في مجلس أخي بنيشابور، وحضر مجلسه متفقهة نيشابور وأصحاب الحديث منهم، وفيهم إسحاق بن راهويه فأقبل إسحاق على أبي الصلت فقال: يا أبا الصلت أي إسناد هذا ما أغربه وأعجبه ؟ قال: هذا سعوط المجانين الذي إذا سعط به المجنون برأ باذن الله تعالى. قال أبو المفضل: حدثت على أبي علي ابن همام عما تقدمه من حديثه عن أبي أحمد وسألني في الحديث الثاني أن امليه عليه من أجل الزيادة فيه والشعر فأمليته عليه (1). بيان: قوله " برا " يمكن أن يقرأ بضم الباء وكسرها " على إضافة " أي ضيافة والمعنى كان عنده أضياف كثيرون (2) قوله " ما سرقته منه " كأن المعنى ما أخفيته منه ولم أذكره له، والان أذكره، وكأنه سماه سرقة إشارة إلى أنه لما كان قابلا لسماع هذا الحديث ولم أذكره له فكأني سرقته منه، ويمكن أن


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 65 و 66. (2) في المصدر " على اضاقة " وهو المناسب لما بعده، يقال: أضاق الرجل اضاقة: ذهب ماله وافتقر.

[72]

يقرأ " ما سر " على بناء المفعول من السرور " قنه " بكسر القاف وتشديد النون أي عبده، والضمير لابن الفرات " منه " أي من استماعه ويمكن أن يقرأ سر على بناء الفاعل أيضا أي يسر القن المرسل إليه بسببه، والاصوب أنه من السرقة (1) والمعنى ما سرقت هذا الشعر منه، لان الشعر تضمن افتقاره إلى الشكر والحديث دل عليه. قوله " شكراك " كأن التثنية باعتبار النعمتين، وإفراد الخبر باعتبار كل واحد أو الشكرى مصدر كذكري وإن لم يرد في كتب اللغة، وعلى الاول يحتمل أن يكون المراد مطلق التكرير كلبيك، وفي بعض النسخ " شكريك " بالياء أي شكري لك " معقود بأيماني " أي ألزمته على نفسي بالايمان كقوله تعالى " بما عقدتم الايمان " هذا على فتح همزة الايمان، وكان كسرها أنسب بالحديث الذي سرقه منه " حكم " بالتحريك أي حاكم أو محكم، ويحتمل الضم، والفم هنا بالتشديد في القاموس الفم مثلثة أصله فوه وقد تشدد الميم مثلثة، وقوله " حدثت الخ " إشارة إلى الحديث المروي عنه قبل هذا الخبر، وكان الاظهر " ما تقدمه ". 26 - مع: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن ابن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس الايمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الايمان ما خلص في القلب وصدقه الاعمال (2). بيان: " بالتحلي " أي بأن يتزين به ظاهرا من غير يقين بالقلب " ولا بالتمني " بأن يتمنى النجاة بمحض العقائد من غير عمل. 27 - مع: عن أبيه، عن محمد العطار، عن سهل، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن الحسن بن زياد العطار، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنهم يقولون لنا: أمؤمنون أنتم ؟ فنقول: نعم (3) فيقولون: أليس المؤمنون في الجنة ؟ فنقول: بلى فيقولون: أفأنتم في الجنة ؟ فإذا نظرنا إلى أنفسنا ضعفنا وانكسرنا عن الجواب، قال:


(1) ولعلها كانت في مجموعة بعثت إليه مع الرجل فسرقها من تلك المجموعة. (2) معاني الاخبار ص 187. (3) في النسخ هنا زيادة [ان شاء الله تعالى] وهو سهو ظاهر.

[73]

فقال عليه السلام: إذا قالوا لكم: أمؤمنون أنتم ؟ فقولوا: نعم إنشاء الله، قال: قلت: فانهم يقولون إنما استثنيتم لانكم شكاك، قال: فقولوا لهم: والله ما نحن بشكاك، و لكن استثنينا كما قال الله عزوجل " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " (1) وهو يعلم أنهم يدخلونه أولا، وقد سمى الله عزوجل المؤمنين بالعمل الصالح مؤمنين ولم يسم من ركب الكبائر وما وعد الله عزوجل عليه النار في قرآن ولا أثر، ولا نسميهم بالايمان بعد ذلك الفعل (2). بيان: قوله " بالايمان " متعلق بقوله " لم يسم " و " لا نسميهم " معا على التنازع. 28 - يد: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن أبي نجران، عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير، قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن الايمان ما هو ؟ فكتب: الايمان هو إقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالاركان. فالايمان بعضه من بعض، وقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما فالاسلام قبل الايمان، وهو يشارك الايمان، فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزوجل عنها كان خارجا من الايمان، و ساقطا عنه اسم الايمان، وثابتا عليه اسم الاسلام، فان تاب واستغفر عاد إلى الايمان ولم يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال: إذا قال للحلال هذا حرام، و للحرام هذا حلال، ودان بذلك، فعندها يكون خارجا من الايمان والاسلام إلى الكفر، وكان بمنزلة رجل دخل الحرم ثم دخل الكعبة، فأحدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة وعن الحرم، فضربت عنقه، وصار إلى النار. الخبر (3). 29 - تفسير النعماني: بالاسناد الاتي في كتاب القرآن عن أمير المؤمنين عليه السلام: قال: وأما الايمان والكفر والشرك وزيادته ونقصانه، فالايمان بالله


(1) الفتح: 27. (2) معاني الاخبار ص 413 آخر أحاديث الكتاب. (3) توحيد الصدوق ص 230.

[74]

تعالى هو أعلى الاعمال درجة وأشرفها منزلة، وأسناها حظا. فقيل له: الايمان قول وعمل أم قول بلا عمل ؟ فقال: الايمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان وعمل بالاركان، وهو عمل كله، ومنه التام، ومنه الكامل تمامه، ومنه الناقص البين نقصانه، ومنه الزائد البين زيادته، إن الله تعالى ما فرض الايمان على جارحة من جوارح الانسان إلا وقد وكلت بغير ما وكلت به الاخرى، فمنها قلبه الذي يعقل به، ويفقه ويفهم، ويحل ويعقد ويريد، وهو أمير البدن وإمام الجسد الذي لا تورد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره ونهيه، ومنها لسانه الذي ينطق به، ومنها اذناه اللتان يسمع بهما، ومنها عيناه اللتان يبصر بهما ومنها يداه اللتان يبطش بهما، ومنها رجلاه اللتان يسعى بهما، ومنها فرجه الذي الباه من قبله، ومنها رأسه الذي فيه وجهه، وليس جارحة من جوارحه إلا وهي مخصوصة بفرضه. وفرض على القلب غير ما فرض على السمع، وفرض على السمع غير ما فرض على البصر، وفرض على البصر غير ما فرض على اليدين، وفرض على اليدين غير ما فرض على الرجلين، وفرض على الرجلين غير ما فرض على الفرج، وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه، وفرض على الوجه غير ما فرض على اللسان. فأما ما فرض على القلب من الايمان، فالاقرار والمعرفة والعقد عليه والرضا بما فرضه عليه، والتسليم لامره، والذكر والتفكر، والانقياد إلى كل ما جاء عن الله عزوجل في كتابه مع حصول المعجز، فيجب عليه اعتقاده وأن يظهر مثل ما أبطن إلا للضرورة كقوله سبحانه " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " (1) وقوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " (2) وقال سبحانه " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " (3) وقوله تعالى " ألا


(1) النحل: 106. (2) البقرة: 225. (3) المائدة: 41.

[75]

بذكر الله تطمئن القلوب " (1) وقوله سبحانه " ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا " (2) وقوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (3) وقال عزوجل: " فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " (4) ومثل هذا كثير في كتاب الله تعالى وهو رأس الايمان. وأما ما فرضه على اللسان في معنى التعبير لما عقد به القلب وأقر به فقوله تعالى: " قولوا آمنا بالله وما انزل إلينا وما انزل إلى إبراهيم وإسماعيل و إسحاق ويعقوب " الاية (5) وقوله سبحانه " قولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتو الزكوة " (6) وقوله سبحانه " ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد " (7) فأمر سبحانه بقول الحق، ونهى عن قول الباطل. وأما ما فرضه على الاذنين فالاستماع لذكر الله والانصات إلى ما يتلى من كتابه وترك الاصغاء إلى ما يسخطه فقال سبحانه " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون " (8) وقال تعالى " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره " (9) الاية ثم استثنى برحمته لموضع النسيان فقال: " وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين " (10) وقال عزوجل: " فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه اولئك الذين هديهم الله واولئك هم اولوا الالباب " (11) وقال تعالى " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين " (12) وفي كتاب الله تعالى ما معناه


(1) الرعد: 30. (2) آل عمران: 191. (3) القتال: 24. (4) الحج: 46. (5) البقرة: 136. (6) البقرة: 83. (7) النساء: 179. (8) الاعراف: 204. (9) النساء: 134. (10) الانعام: 68. (11) الزمر: 18. (12) القصص: 55.

[76]

معنى ما فرض الله سبحانه على السمع وهو الايمان. وأما ما فرضه على العينين فمنه النظر إلى آيات الله تعالى وغض البصر عن محارم الله قال الله تعالى: " أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الارض كيف سطحت " (1) وقال تعالى: " أولم ينظروا في ملكوت السموات والارض وما خلق الله من شئ " (2) وقال سبحانه: " انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه " (3) وقال: " فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها " (4) وهذه الاية جامعة لابصار العيون وأبصار القلوب قال الله تعالى: " فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور " (5) ومنه قوله تعالى: " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم " (6) معناه لا ينظر أحدكم إلى فرج أخيه المؤمن أو يمكنه من النظر إلى فرجه، ثم قال سبحانه " وقل للمؤمنات يغضض من أبصارهن ويحفظن فروجهن " أي ممن يلحقهن النظر كما جاء في حفظ الفرج، والنظر سبب إيقاع الفعل من الزنا وغيره. ثم نظم تعالى ما فرض على السمع والبصر والفرج في آية واحدة فقال: " وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون " (7) يعني بالجلود هنا الفروج [والافخاذ] وقال تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسئولا " (8) فهذا ما فرض الله تعالى على العينين من تأمل الايات والغض عن تأمل المنكرات وهو من الايمان. وأما ما فرضه سبحانه على اليدين فالطهور وهو قوله " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا


(1) الغاشية: 16 - 19. (2) الاعراف: 185. (3) الانعام: 99. (4) الانعام: 104. (5) الحج: 46. (6) النور: 31 و 30. (7) فصلت: 22. (8) أسرى: 36.

[77]

برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (1) وفرض على اليدين الانفاق في سبيل الله فقال: " أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض " (2) وفرض تعالى على اليدين الجهاد لانه من عملهما وعلاجهما فقال: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق " (3) وذلك كله من الايمان. وأما ما فرضه الله على الرجلين فالسعي بهما فيما يرضيه، واجتناب السعي فيما يسخطه، وذلك قوله سبحانه " فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " (4) وقوله سبحانه " ولا تمش في الارض مرحا " (5) وقوله " واقصد في مشيك واغضض من صوتك " (6) وفرض الله عليهما القيام في الصلاة فقال: " وقوموا لله قانتين " (7) ثم أخبر أن الرجلين من الجوارح التي تشهد يوم القيامة حين تستنطق بقوله سبحانه " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " (8) وهذا مما فرضه الله تعالى على الرجلين في كتابه وهو من الايمان. وأما ما افترضه على الرأس فهو أن يمسح من مقدمه بالماء في وقت الطهور للصلاة بقوله " وامسحوا برؤسكم " (9) وهو من الايمان، وفرض على الوجه الغسل بالماء عند الطهور وقال: " يا أيها الذين آمنوا إذ اقمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم " (10) وفرض عليه السجود وعلى اليدين والركبتين والرجلين الركوع وهو من الايمان وقال فيما فرض على هذه الجوارح من الطهور والصلاة وسماه في كتابه إيمانا حين تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فقال المسلمون: يا رسول الله ذهبت صلاتنا إلى بيت المقدس وطهورنا ضياعا ؟ فأنزل الله تعالى " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف


(1) المائدة: 6. (2) البقرة: 267. (3) القتال: 4. (4) الجمعة: 9. (5 و 6) لقمان: 18 و 19. (7) البقرة: 238. (8) يس: 65. (9 و 10) المائدة: 6.

[78]

رحيم " (1) فسمى الصلاة والطهور إيمانا. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لقي الله كامل الايمان فهو من أهل الجنة ومن كان مضيعا لشئ مما فرضه الله تعالى في هذه الجوارح وتعدى ما أمر الله به وارتكب ما نهاه عنه لقى الله تعالى ناقص الايمان قال الله عزوجل: " وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون " (2) وقال: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " (3) وقال سبحانه: " إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " (4) وقال: " والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقويهم " (5) وقال: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " الاية (6). فلو كان الايمان كله واحدا لا زيادة فيه ولا نقصان، لم يكن لاحد فضل على أحد ولتساوى الناس، فبتمام الايمان وكماله دخل المؤمنون الجنة، ونالوا الدرجات فيها، وبذهابه ونقصانه دخل الاخرون النار، وكذلك السبق إلى الايمان قال الله تعالى: " والسابقون السابقون اولئك المقربون " (7) وقال سبحانه: " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار " (8) وثلث بالتابعين، وقال عزوجل: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس " (9) وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " (10) وقال: " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة


(1) البقرة: 143. (2) براءة: 124 و 125. (3) الانفال 2. (4) الكهف: 13. (5) القتال: 17. (6) الفتح: 4. (7) الواقعة: 10 و 11. (8) براءة: 100. (9) البقرة: 253. (10) أسرى 55.

[79]

أكبر درجات وأكبر تفضيلا " (1) وقال: " هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون " (2) وقال سبحانه: " ويؤت كل ذي فضل فضله " (3) وقال: " الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله " (4) وقال تعالى: " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى " (5) وقال تعالى: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة " (6) وقال: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " (7) فهذه درجات الايمان ومنازلها عند الله سبحانه، ولن يؤمن بالله إلا من آمن برسوله وحججه في أرضه، قال الله تعالى: " من يطع الرسول فقد أطاع الله " (8) وما كان الله عزوجل ليجعل لجوارح الانسان إماما في جسده ينفي عنها الشكوك، ويثبت لها اليقين، وهو القلب ويهمل ذلك في الحجج وهو قوله تعالى " فلله الحجة البالغة فلو شاء لهديكم أجمعين " (9) وقال: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " (10) وقال تعالى: " أن تقولوا ما جائنا من بشير ولا نذير " (11) وقال سبحانه: " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا " (12) الاية. ثم فرض على الامة طاعة ولاة أمره القوام بدينه، كما فرض عليهم طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " (13)


(1) أسرى: 21. (2) آل عمران: 163. (3) هود: 3. (4) براءة: 20. (5) الحديد: 10. (6) النساء 96. (7) براءة: 120. (8) النساء: 80 (9) الانعام: 149. (10) النساء: 165. (11) المائدة: 19. (12) السجدة: 24. (13) النساء: 59.

[80]

ثم بين محل ولاة أمره من أهل العلم بتأويل كتابه فقال عزوجل: " ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " (1) وعجز كل أحد من الناس عن معرفة تأويل كتابه غيرهم، لانهم هم الراسخون في العلم المأمونون على تأويل التنزيل قال الله تعالى: " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " (2) إلى آخر الاية وقال سبحانه: " بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم " (3). وطلب العلم أفضل من العبادة، قال الله عزوجل: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (4) وبالعلم استحقوا عند الله اسم الصدق، وسماهم به صادقين، و فرض طاعتهم على جميع العباد بقوله " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " (5) فجعلهم أولياءه، وجعل ولايتهم ولايته. وحزبهم حزبه فقال: " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون " (6) وقال: " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون " (7). واعلموا رحمكم الله أنما هلكت هذه الامة وارتدت على أعقابها بعد نبيها صلى الله عليه وآله بركوبها طريق من خلا من الامم الماضية، والقرون السالفة الذين آثروا عبادة الاوثان على طاعة أولياء الله عزوجل، وتقديمهم من يجهل على من يعلم فعقبها الله تعالى بقوله " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الالباب " (8) وقال في الذين استولوا على تراث رسول الله بغير حق من بعد وفاته: " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن


(1) النساء: 83. (2) آل عمران: 13. (3) العنكبوت: 49. (4) فاطر: 28. (5) براءة: 119. (6 و 7) المائدة 56 و 55 (8) الزمر: 9. (*)

[81]

يهدى فمالكم كيف تحكمون " (1) فلو جاز للامة الايتام بمن لا يعلم، أو بمن يجهل لم يقل إبراهيم عليه السلام لابيه " لم تعبد مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " (2). فالناس أتباع من اتبعوه من أئمة الحق وأئمة الباطل قال الله عزوجل: " يوم ندعوا كل اناس بامامهم فمن اوتي كتابه بيمينه فاولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا " (3) فمن ائتم بالصادقين حشر معهم، ومن ائتم بالمنافقين حشر معهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحشر المرء مع من أحب، قال إبراهيم عليه السلام: " فمن تبعني فانه مني " (4). وأصل الايمان العلم، وقد جعل الله تعالى له أهلا ندب إلى طاعتهم ومسألتهم فقال: " فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " (5) وقال جلت عظمته: " وأتوا البيوت من أبوابها " (6) والبيوت في هذا الموضع اللاتي عظم الله بناءها بقوله " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " (7) ثم بين معناها لكيلا يظن أهل الجاهلية أنها بيوت مبنية فقال تعالى: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " فمن طلب العلم في هذه الجهة أدركه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا مدينة العلم - وفي موضع آخر أنا مدينة الحكمة - وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها. وكل هذا منصوص في كتابه تعالى إلا ان له أهلا يعلمون تأويله فمن عدل منهم إلى الذين ينتحلون ما ليس لهم، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [وهو تأويله] بلا برهان ولا دليل ولا هدى هلك وأهلك، وخسرت صفقته وضل سعيه يوم " تبرء الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب " (8) وإنما هو حق وباطل، وإيمان، وكفر، وعلم وجهل، وسعادة


(1) يونس: 35. (2) مريم: 42. (3) أسرى: 71. (4) ابراهيم: 36. (5) النحل: 43. (6) البقرة: 189. (7) النور: 36 و 37. (8) البقرة 166.

[82]

وشقوة، وجنة ونار، لن يجتمع الحق والباطل في قلب امرء قال الله تعالى: " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " (1). وإنما هلك الناس حين ساووا بين أئمة الهدى وبين أئمة الكفر، وقالوا: إن الطاعة مفروضة لكل من قام مقام النبي صلى الله عليه وآله برا كان أو فاجرا، فاتوا من قبل ذلك (2) قال الله سبحانه: " أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون " (3) وقال الله تعالى: " هل يستوي الاعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور " (4) فقال: فيمن سموهم من أئمة الكفر بأسماء أئمة الهدى ممن غصب أهل الحق ما جعله الله لهم، وفيمن أعان أئمة الضلال على ظلمهم " إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان " (5) فأخبرهم الله سبحانه بعظيم افترائهم على جملة أهل الايمان بقوله تعالى " إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله " (6) وقوله تعالى: " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله " (7) وبقوله سبحانه: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " (8) وبقوله تعالى: " أفمن كان على بينة من ربه كمن هو أعمى " (9) فبين الله عزوجل بين الحق والباطل في كثير من آيات القرآن، ولم يجعل للعباد عذرا في مخالفة أمره بعد البيان والبرهان، ولم يتركهم في لبس من أمرهم، ولقد ركب القوم الظلم والكفر


(1) الاحزاب: 4. (2) أي أتى هلاكهم من قبل ذلك، يقال: اتى - كعنى - فلان من مأمنه: أي جاءه الهلاك من جهة أمنه. (3) القلم: 35. (4): الرعد 16. (5) الاعراف: 71. (6) النحل: 105. (7) القصص: 50. (8) السجدة: 18. (9) صدر الاية في سورة القتال: 14 ونصها: " أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهوائهم " وذيله في سورة الرعد: 19 ونصها: أفمن يعلم أنما انزل اليك من ربك الحق كمن هو أعمى انما يتذكر اولوا الالباب " والظاهر أن ما بينهما سقط من النسخ.

[83]

في اختلافهم بعد نبيهم وتفريقهم الامة، وتشتيت أمر المسلمين، واعتدائهم على أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن بين لهم من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية بالمخالفة، فاتبعوا أهواءهم وتركوا ما أمرهم الله به ورسوله قال تعالى: " وما تفرق الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة " (1) ثم أبان فضل المؤمنين فقال سبحانه: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " (2). ثم وصف ما أعده من كرامته تعالى لهم وما أعده لمن أشرك به، وخالف أمره وعصى وليه، من النقمة والعذاب، ففرق بين صفات المهتدين، وصفات المعتدين، فجعل ذلك مسطورا في كثير من آيات كتابه ولهذه العلة قال الله تعالى: " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (3) فترى من هو الامام الذي يستحق هذه الصفة من الله عزوجل المفروض على الامة طاعته ؟ من لم يشرك بالله تعالى طرفة عين، ولم يعصه في دقيقة ولا جليلة قط ؟ أم من أنفد عمره وأكثر أيامه في عبادة الاوثان، ثم أظهر الايمان وأبطن النفاق ؟ وهل من صفة الحكيم أن يطهر الخبيث بالخبيث، ويقيم الحدود على الامة من في جنبه الحدود الكثيرة، وهو سبحانه يقول: " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " (4) أولم يأمر الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وآله بتبليغ ما عهده إليه في وصيه، وإظهار إمامته و ولايته، بقوله " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس " (5) فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ما قد سمع، وعلم أن الشياطين اجتمعوا إلى إبليس فقالوا له: ألم تكن أخبرتنا أن محمدا إذا مضى نكثت امته عهده ونقضت سنته، وإن الكتاب الذي جاء به يشهد بذلك، وهو قوله " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " (6) فكيف


(1 و 2) البينة: 4 و 7. (3) القتال: 24. (4) البقرة: 44. (5) المائدة: 67. (6) آل عمران: 144.

[84]

يتم هذا وقد نصب لامته علما، وأقام لهم إماما ؟ فقال لهم إبليس: لا تجزعوا من هذا فان امته ينقضون عهده ويغدرون بوصيه من بعده، ويظلمون أهل بيته، و يهملون ذلك لغلبة حب الدنيا على قلوبهم، وتمكن الحمية والضغائن في نفوسهم واستكبارهم وعزهم فأنزل الله تعالى " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين " (1). بيان: " باللغو في أيمانكم " قال في المجمع: هو ما يجري على عادة الناس من قول " لا والله، وبلى والله " من غير عقد على يمين يقتطع بها مال أو يظلم بها أحد، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وقيل: هو أن يحلف وهو يرى أنه صادق، ثم تبين أنه كاذب فلا إثم عليه ولا كفارة، وقيل: هو يمين الغضب لا يؤاخذ بالحنث فيها، وقال مسروق: كل يمين ليس له الوفاء بها فهي لغو ولا تجب فيها كفارة " بما كسبت قلوبكم " أي بما عزمتم وقصدتم، لان كسب القلب العقد والنية، وفيه حذف أي من أيمانكم وقيل: بأن تحلفوا كاذبين أو على باطل انتهى (2). والاستدلال بآية التفكر لانه من فعل القلب وكذا التدبر فان قوله تعالى " أفلا يتدبرون القرآن " أي أفلا يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر، حتى لا يجسروا على المعاصي، وما فيه من الدلائل والبراهين على جميع اصول الدين فيرتدعوا عن الكفر بها " أم على قلوب أقفالها " لا يصل إليها ذكر، ولا ينكشف لها أمر، وقيل: " أم " منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التقرير، وتنكير القلوب لان المراد قلوب بعض منهم أو للاشعار بأنها لابهام أمرها في القساوة، أو لفرط جهالتها ونكرها، كأنها مبهمة منكورة، وإضافة الاقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها لا تجانس الاقفال المعهودة. " ولكن تعمى القلوب " أي عن الاعتبار، والمعنى ليس الخلل في مشاعرهم


(1) سبأ: 20. (2) مجمع البيان ج 2 ص 323.

[85]

وإنما إيفت عقولهم (1) باتباع الهوى والانهماك في التقليد، وذكر الصدور للتأكيد " سلام عليكم " قيل متاركة لهم وتوديع ودعاء لهم بالسلامة عما هم فيه " لا نبتغي الجاهلين " أي لا نطلب صحبتهم ولا نريدها قوله " وينعه " أي نضجه يقال: ينع الثمر كمنع و ضرب ينعا وينعا وينوعا: حان قطافه قوله عليه السلام: قال الله تعالى " فانها لا تعمى " ذكر الاية هنا بعد ذكرها سابقا للاستشهاد بأن الابصار والعمى يطلقان في ابصار الرؤوس وابصار القلوب. قوله: " من تأمل الايات " أي آيات القرآن أو آياته في الافاق والانفس " فزادهم هدى " قيل: أي زادهم الله بالتوفيق والالهام، أو قول الرسول. " وآتيهم تقويهم " أي بين لهم ما يتقون، أو أعانهم على تقواهم، أو أعطاهم جزاءهما. 30 - كا: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبد الرزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن اناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم، وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله " الاية (2) فالمنسوخات من المتشابهات، والمحكمات من الناسخات. إن الله عزوجل بعث نوحا إلى قومه " أن اعبدوا الله واتقوه و أطيعون " (3) ثم دعاهم إلى الله عزوجل وحده، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ثم بعث الانبياء صلوات الله عليهم - على ذلك إلى أن بلغوا محمدا صلى الله عليه وآله فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وقال: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشاء ويهدي


(1) يقال: آف القوم وأوفوا وايفوا: دخلت عليهم آفة وهو مؤوف. (2) آل عمران: 7. (3) نوح: 3.

[86]

إليه من ينيب " (1) فبعث الانبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله، الاقرار بما جاء به من عند الله، فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك وذلك أن الله ليس بظلام للعبيد، وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار لمن عمل بها فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين، جعل لكل نبي منهم شرعة و منهاجا، والشرعة والمنهاج سبيل وسنة، وقال الله لمحمد صلى الله عليه وآله " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده " (2). وأمر كل نبي بالاخذ بالسبيل والسنة، وكان من السبيل والسنة التي أمر الله عزوجل بها موسى عليه السلام أن جعل عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله أدخله الله الجنة، ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من العمل الذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله عزوجل النار، وذلك حيث استحلوا الحيتان، واحتبسوها وأكلوها يوم السبت، غضب الله عليهم من غير أن يكونوا أشركوا بالرحمن، ولا شكوا، في شئ مما جاء به موسى عليه السلام قال الله عزوجل: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " (3). ثم بعث الله عيسى عليه السلام بشهادة أن لا إله إلا الله، والاقرار بما جاء به من عند الله، وجعل لهم شرعة ومنهاجا فهدمت السبت الذي امروا به أن يعظموه قبل ذلك، وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى، فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار، وإن كان الذي جاء به النبيون جميعا أن لا يشركوا بالله شيئا. ثم بعث الله عزوجل محمدا صلى الله عليه وآله وهو بمكة عشر سنين، فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا أدخله الله الجنة باقراره، وهو إيمان التصديق، ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو


(1) الشورى: 13. (2) النساء: 163. (3) البقرة: 62.

[87]

متبع لمحمد صلى الله عليه وآله على ذلك إلا من أشرك بالرحمن. وتصديق ذلك أن الله عزوجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " إلى قوله تعالى " إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " (1) أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف، ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شئ مما نهي عنه، وأنزل نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها، وقال: " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطأ كبيرا * ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا * ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده و أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا * وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا * ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا * ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا * كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها * ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا " (2). وأنزل في والليل إذا يغشى: " فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصليها إلا الاشقى الذي كذب وتولى " (3) فهذا مشرك، وأنزل في إذا السماء انشقت: " وأما من اوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعوا ثبورا ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور بلى " (4) فهذا مشرك، وأنزل في تبارك " كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جائنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ " (5) فهؤلاء مشركون، وأنزل في الواقعة " وأما إن كان من المكذبين


(1) أسرى: 23 - 30. (2) أسرى: 31 - 39. (3) الليل: 14 - 16. (4) الانشقاق: 10 - 14. (5) الملك: 8 - 9.

[88]

الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم " (1) فهؤلاء مشركون، وأنزل في الحاقة " وأما من اوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم اوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * يا ليتها كانت القاضية * ما أغنى عني ماليه " إلى قوله: " إنه كان لا يؤمن بالله العظيم " (2) فهذا مشرك. وأنزل في طسم " وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون " (3) جنود إبليس ذريته من الشياطين وقوله: " وما أضلنا إلا المجرمون " (4) يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم، وهم قوم محمد صلى الله عليه وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد، وتصديق ذلك قول الله عزوجل: " كذبت قبلهم قوم نوح " (5) " كذب أصحاب الايكة " (6) " كذبت قوم لوط " (7) ليس هم اليهود الذين قالوا عزير ابن الله ولا النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله سيدخل الله اليهود والنصارى النار، ويدخل كل قوم بأعمالهم. وقولهم: " وما أضلنا إلا المجرمون " إذ دعونا إلى سبيلهم، ذلك قول الله عزوجل فيهم حين جمعهم إلى النار " وقالت اوليهم لاخريهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار " وقوله: " كلما دخلت امة لعنت اختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا " (8) برئ بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضا. يريد بعضهم أن يحجج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم، وليس بأوان بلوى ولا اختبار، ولا قبول معذرة ولا حين نجاة، والايات وأشباههن مما نزل به بمكة، ولا يدخل الله النار إلا مشركا.


(1) الواقعة: 92 - 94. (2) الحاقة: 25 - 33. (3) الشعراء: 91 - 95 (4) الشعراء: 99. (5) ص: 12. (6) الشعراء: 176. (7) الشعراء: 160. (8) الاعراف: 38، مع تقديم وتأخير.

[89]

فلما أذن الله لمحمد صلى الله عليه وآله في الخروج من مكة إلى المدينة بنى الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، وأنزل عليه الحدود، وقسمة الفرائض، وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار، لمن عمل بها، و أنزل في بيان القاتل " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما " (1) ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عزوجل: " إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا " (2) وكيف يكون في المشية وقد ألحق به - حين جزاه جهنم - الغضب واللعنة وقد بين ذلك من الملعونون في كتابه ؟ وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " (3) وذلك أن آكل مال اليتيم يجئ يوم القيامة والنار تلتهب في بطنه، حتى يخرج لهب النار من فيه، يعرف أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم وأنزل في الكيل " ويل للمطففين " ولم يجعل الويل لاحد حتى يسميه كافرا قال الله تعالى: " فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (4) " وأنزل في العهد إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " (5) والخلاق النصيب، فمن لم يكن له نصيب في الاخرة فبأي شئ يدخل الجنة وأنزل بالمدينة " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (6) " فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، فانه إذا فعل ذلك خلع عنه الايمان


(1) النساء: 93. (2) الاحزاب: 64 و 65. (3) النساء: 169. (4) مريم: 37. (5) آل عمران: 77. (6) النور: 3.

[90]

كخلع القميص. وأنزل بالمدينة " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا واولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم (1) " فبرأ الله ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالايمان، قال الله عزوجل: " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (2) " وجعله الله منافقا قال الله عزوجل: " إن المنافقين هم الفاسقون " (3) وجعله الله عزوجل من أولياء إبليس قال: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه (4) وجعله الله ملعونا فقال: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " (5) وليست تشهد الجوارح على مؤمن، إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه، قال الله عزوجل: " فأما من اوتي كتابه بيمينه فاولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا " (6). وسورة النور انزلت بعد سورة النساء، وتصديق ذلك أن الله عزوجل أنزل عليه في سورة النساء: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " (7) والسبيل الذي قال الله عزوجل (8): " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون * الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر


(1) النور: 4. (2) السجدة: 18. (3) براءة: 67. (4) الكهف: 50. (5) النور: 23 و 24. (6) أسرى: 71 وصدره: فمن أوتى كتابه الخ. (7) النساء: 14. (8) النور: 1 و 2.

[91]

وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (1). تبيين وتحقيق: قوله " وذلك أن " تعليل لتكلمهم فيه بغير علم، لانهم تكلموا في متشابهه أيضا مع أنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، والمحكم في اللغة المتقن، وفي العرف يطلق على ماله معنى لا يحتمل غيره، وعلى ما اتضحت دلالته، وعلى ما كان محفوظا من النسخ، أو التخصيص، أو منهما جميعا، وعلى ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه يقابله بكل من هذه المعاني. وقال الراغب: المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى وقال الفقهاء: المتشابه مالا ينبئ ظاهره عن مراده. وحقيقة ذلك أن الايات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الاطلاق، ومتشابه على الاطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، و متشابه من جهتهما، فالمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الالفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو الاب ويزفون، وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين. والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو " فان خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم (2) " وضرب لبسط الكلام نحو " ليس كمثله شئ (3) " لانه لو قيل ليس مثله شئ كان أظهر للسامع، وضرب لنظم الكلام نحو: " أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " (4) تقديره " الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا " والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف القيامة، فان تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه.


(1) الكافي ج 2 ص 28 - 33. (2) النساء: 3. (3) الشورى: 11. (4) الكهف: 1.

[92]

والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب: الاول من جهة الكمية كالعموم والخصوص، نحو " اقتلوا المشركين (1) " والثاني من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو " فانكحوا ما طاب لكم من النساء ". والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو " اتقوا الله حق تقاته " (2) والرابع من جهة المكان والامور التي نزلت فيها، نحو " ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها " (3) وقوله عزوجل: " إنما النسيئ زيادة في الكفر " (4) فان من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الاية، والخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح، وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه " الم " وقول قتادة: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ وقول الاصم: المحكم ما اجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب: ضرب لا سبيل للوقوف عليه، كوقت الساعة، وخروج دابة الارض وكيفية الدابة ونحو ذلك، وضرب للانسان سبيل إلى معرفته كالالفاظ الغريبة، والاحكام المغلقة، وضرب متردد بين الامرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم، ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وإذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقوف على قوله: " إلا الله " ووصله بقوله " والراسخون في العلم " جائزان، وأن لكل واحد منهما وجها حسب ما يدل عليه التفصيل المتقدم انتهى (5). قوله تعالى " منه آيات محكمات " قيل أي احكمت عباراتها بأن حفظت عن الاجمال " هن ام الكتاب " أي أصله يرد إليها غيرها. " واخر متشابهات "


(1) براءة: 6. (2) آل عمران: 102. (3) البقرة: 189. (4) براءة: 38. (5) مفردات غريب القرآن 128 و 224.

[93]

قيل أي محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص والنظر، ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها، وردها إلى المحكمات، وليتوصلوا بها إلى معرفة الله وتوحيده وأقول: بل ليعلموا عدم استقلالهم في علم القرآن، واحتياجهم في تفسيره إلى الامام المنصوب من قبل الله، وهم الراسخون في العلم، وروى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن المحكم والمتشابه فقال: المحكم ما يعمل به والمتشابه ما اشتبه على جاهله، وفي رواية اخرى والمتشابه الذي يشبه بعضه بعضا، وفي رواية اخرى فأما المحكم فتؤمن به وتعمل به وتدين به، وأما المتشابه فتؤمن به ولا تعمل به (1). " فأما الذين في قلوبهم زيغ " أي ميل عن الحق كالمبتدعة " فيتبعون ما تشابه منه " فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل " ابتغاء الفتنة " أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، وفي مجمع البيان عن الصادق عليه السلام أن الفتنة هنا الكفر " وابتغاء تأويله " أي وطلب أن يأولوه على ما يشتهونه " وما يعلم تأويله " الذي يجب أن يحمل عليه " إلا الله والراسخون في العلم " الذين تثبتوا وتمكثوا فيه. وأقول: قد مر الكلام منا في تأويل هذه الاية في كتاب الامامة في باب أن الراسخين في العلم هم الائمة عليهم السلام (2). قوله عليه السلام: " فالمنسوخات من المتشابهات " كأن هذا الكلام تمهيد لما سيأتي من اختلاف الايمان المأمور به في مكة قبل الهجرة وفي المدينة بعدها و اختلاف التكاليف فيهما كما وكيفا، ردا على من استدل ببعض الايات على أن الايمان نفس الاعتقاد بالتوحيد والنبوة فقط، بلا مدخلية للاعمال أو الولاية فيه بأن تلك الايات أكثرها نزلت في مكة، وكان الايمان فيها نفس الاعتقاد بالشهادتين أو التكلم بهما ثم نسخ ذلك في المدينة بعد وجوب الواجبات، وتحريم المحرمات


(1) العياشي ج 1: 162. (2) راجع ج 23 ص 188 - 205 من هذه الطبعة.

[94]

ونصب الوالي والامر بولايته، ويحتمل أن لا يكون ذلك من قبيل النسخ، و يكون ذكر النسخ لبيان عجزهم عن فهم معاني الايات وخطائهم في الاستدلال بها كما أنهم لا يعرفون الناسخ من المنسوخ، ويستدلون بالايات المنسوخة على الاحكام مع عدم علمهم بنسخها، وعد المنسوخات التي لا يعلم نسخها من المتشابهات فالمنسوخة أخص مطلقا من المتشابهة. ولما كان المحكم غير المتشابه، والناسخ غير المنسوخ ونقيض الاخص أعم من نقيض الاعم، غير الاسلوب في الفقرة الثانية فقال: " والمحكمات من الناسخات " للاشارة إلى ذلك، وتسمية غير المنسوخ مطلقا ناسخا إما على التوسع وإطلاق لفظ الجزء على الكل، أو لكونها ناسخة للشرائع السالفة، أو للاباحة الاصلية التي كانوا متمسكين بها قبلها، ويمكن حمل الناسخ على معناه وحمل الكلام على القلب، بأن يكون الناسخ أيضا أخص من المحكم، ولا فساد فيه لعدم انحصار الايات حينئذ في الناسخة والمنسوخة. وقيل: لما كان بعض المحكمات مقصور الحكم على الازمنة السابقة، منسوخا بآيات اخر، ونسخها خافيا على أكثر الناس، فيزعمون بقاء حكمها صارت متشابهة من هذه الجهة، ولهذا قال عليه السلام: " فالمنسوخات من المتشابهات " وفي بعض النسخ من المشتبهات، وإنما غير الاسلوب في اختها لان المحكم أخص من الناسخ من وجه بخلاف المتشابه، فانه أعم من المنسوخ مطلقا انتهى، وفيه أن كون المتشابه أعم من مطلق المنسوخ مطلقا لاوجه له إلا أن يخص بمنسوخ لم يعلم نسخه كما أومأنا إليه، وقيل: الظاهر أن الفاء للتفسير لزيادة تفظيع حالهم بأنهم يتبعون المنسوخات والمتشابهات، دون المحكمات والناسخات، لان المنسوخات من باب المتشابهات في التشابه إذ يشتبه عليهم ثباتها وبقاؤها، والمحكمات من قبيل الناسخات في الثبات والبقاء، فإذا اتبعوا المتشابهات اتبعوا المنسوخات، لانهما من باب واحد، وإذا اتبعوا المنسوخات لم يتبعوا الناسخات، وإذا لم يتبعوا الناسخات لم يتبعوا المحكمات، لانهما أيضا من باب واحد.

[95]

قوله عليه السلام: " إن الله عزوجل بعث نوحا " هذا شروع في المقصود، وحاصله أن الايمان في بداية بعثة كل رسول كان مجرد التصديق بالتوحيد والرسالة، ومن مات عليه حينئذ كان مؤمنا، ووجبت له الجنة، فلما استجابوا لهم ذلك وكثرت أتباعهم وضعوا أعمالا وشرائع، وأوجبوها عليهم، وأوعدوا على تركها النار فصارت تلك الاعمال أجزاء للايمان. فأول اولي العزم من الانبياء كان نوحا عليه السلام فحين بعثه أمرهم أولا بالتوحيد والاقرار بنبوته فقط، وكان ذلك الايمان، حيث قال في سورة نوح: " إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم * قال يا قوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله " (1) أي مخلصا من غير شرك " واتقوه " أي اتقوا عذابه الذي قرره على الشرك " وأطيعون " فيما آمركم به، وأذعنوا لنبوتي، فلم يذكر فيما أنذرهم به إلا هذين الامرين " ثم دعاهم " أي ثم بعد ذلك استمر على هذه الدعوة زمانا طويلا فكانت دعوته منحصرة في التوحيد ونفي الشريك، وكان قبولهم ذلك منه مستلزما للاذعان بنبوته. " ثم بعث الانبياء " أي ثم بعث سائر اولي العزم في أول بعثتهم على هذا الامر فقط، إلى أن انتهت سلسلة اولي العزم وسائر الانبياء إلى محمد صلى الله عليه وآله فكان صلى الله عليه وآله في أول بعثته بمكة يدعوهم إلى التوحيد وما يتبعه من الاقرار بالنبوة بل المعاد أيضا فانه أيضا من الامور التي نزلت الايات المشتملة على التهديدات العظيمة فيها، قبل الهجرة، فالمراد جميع اصول الدين سوى الامامة، وذكر التوحيد على المثال أو على أن الاقرار به مستلزم للاقرار بسائر الاصول ويؤيده قوله عليه السلام بعد ذلك " الاقرار بما جاء به من عند الله ". قوله عليه السلام: " وقال " أي في سورة الشورى، وهي مكية على ما ذكره المفسرون إلا قوله " والذين استجابوا " " والذين إذا أصابهم " إلى قوله " لا يحب الظالمين " (2) عن الحسن، وعلى قول ابن عباس وقتادة إلا. أربع آيات منها نزلت


(1) نوح: 10 - 3. (2) الايات 38 - 40.

[96]

بالمدينة " قل لا أسألكم عليه أجرا " إلى قوله " لهم عذاب شديد " (1) وعلى التقادير الايات المذكورة (2) مكية، والاستشهاد بالاية لان الدين المشترك بين جميع الانبياء هي الاصول الدينية التي لا تختلف باختلاف الشرائع، مع أن قوله سبحانه " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " يشعر بأن الدين في ذلك الوقت كانت التوحيد ونفي الشرك مع الاقرار بالنبوة لقوله تعالى " الله يجتبي ". قال الطبرسي رحمه الله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " أي بين لكم ونهج وأوضح من الدين والتوحيد والبراءة من الشرك ما وصى به نوحا " والذي أوحينا إليك " أي وهو الذي أوحينا إليك يا محمد " و " هو " ما وصينا به إبراهيم و موسى وعيسى " ثم بين ذلك بقوله: " أن أقيموا الدين " وإقامة الدين التمسك به والعمل بموجبه، والدوام عليه، والدعاء إليه " ولا تتفرقوا " أي لا تختلفوا " فيه " وائتلفوا فيه واتفقوا وكونوا عباد الله إخوانا " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " من توحيد الله والاخلاص له، ورفض الاوثان، وترك دين الاباء لانهم قالوا: " أجعل الالهة إلها واحدا " وقيل: معناه ثقل عليهم وعظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه، و تخصيصك بالوحي والنبوة دونهم " الله يجتبي إليه من يشاء " أي ليس لهم الاختيار لان الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه بأعباء الرسالة، وقيل: معناه: الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء " ويهدي إليه من ينيب " أي ويرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته، أو يهدي إلى جنته وثوابه من يرجع إليه بالنية والاخلاص (3). قوله عليه السلام: " فمن آمن مخلصا " أي بقلبه ولسانه، دون لسانه فقط، ولم يخلطه بشرك " وذلك أن الله " كأنه إشارة إلى إدخاله الجنة بمجرد الشهادة و الاقرار، وإن لم يعمل من الطاعات شيئا ولم يترك سائر المحرمات، لانه كان


(1) الايات: 23 - 26. (2) يعنى الايات: 13 - 14. (3) مجمع البيان ج 9 ص 24.

[97]

بذلك مؤمنا في ذلك الزمان، وإدخال المؤمن النار ظلم " وذلك أن الله " المشار إليه بذلك، إما عدم تعذيب من ترك العمل بالنار، أو أنه إن لم يدخله الجنة وأدخله النار كان ظالما. وهذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعاصي التي نهي عنها في مكة من المكروهات، ويكون النهي عنها نهي تنزيه، والطاعات التي امر بها فيها من المستحبات فالتعليل حينئذ ظاهر لان التعذيب على ترك المستحبات، وفعل المكروهات في الاخرة ظلم، وثانيهما أن يكون النهي عن المعاصي نهي تحريم، و الامر بالطاعات أمر وجوب لكن لم يوعد على فعل المعاصي وترك الطاعات النار ولم يغلظ فيهما وإنما أوعد النار على الشرك، والاخلال بالعقائد، وإنكار النبوة والمعاد، فهي كانت بمنزلة الفرائض والكبائر وغيرها بمنزلة الصغائر وسائر الواجبات وقد أوجب الله تعالى على نفسه لسعة كرمه ورحمته أن لا يؤاخذ مجتنب الكبائر بفعل الصغائر، فلو عذبهم بها كان ظلما من حيث الاخلال بما أوجب على نفسه من العفو عنهم. أو يقال: التعذيب بالنار مع ترك الايعاد بها ظلم، أو يقال: التعذيب بالنار العظيم الاليم أبدا أو مدة طويلة بمحض النهي من غير تهديد ووعيد وتغليظ، لاسيما ممن كملت قدرته، ووسعت رحمته ظلم، أو يقال: اللطف على الله تعالى واجب وأعظم الالطاف التهديد والوعيد بالنار، فتركه ظلم، أو يقال: اطلق الظلم على خلاف الاولى مجازا، والكل مبني على أن الاعمال والتروك التي هي أجزاء الايمان إنما هي ما يستحق بتركه الدخول في النار، وفي مكة سوى العقائد لم تكن كذلك ولما شرع في المدينة شرائع، وجعل فيها فرائض وكبائر يستحق بترك الاولى و فعل الثانية دخول النار، جعلتا من أجزاء الايمان. " جعل لكل نبي " إشارة إلى قوله تعالى في المائدة وهي مدنية " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " قال البيضاوي: (1) شرعة شريعة، وهي الطريقة إلى الماء


(1) تفسير البيضاوى ص 119 والاية في المائدة: 51.

[98]

شبه بها الدين لانه طريق إلى ما هو سبب الحياة الابدية، وقرئ بفتح الشين " ومنهاجا " وطريقا واضحا في الدين من نهج الامر إذا وضح، واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة انتهى. وقال الراغب: الشرع نهج الطريق الواضح يقال شرعت له طريقا، والشرع مصدر، ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع وشرعة وشريعة، واستعير ذلك للطريقة الالهية من الدين قال تعالى: " لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " (1) فذلك إشارة إلى أمرين أحدهما ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح عباده وعمارة بلاده، وذلك المشار إليه بقوله: " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " (2) الثاني ما قيض له من الدين وأمره به ليتحراه اختيارا مما يختلف فيه الشرائع، ويعترضه النسخ، ودل عليه قوله " ثم جعلناك على شريعة من الامر فاتبعها " (3) قال ابن عباس: الشرعة ما ورد به القرآن، والمنهاج ما ورد به السنة وقوله " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " الاية فاشارة إلى الاصول التي تتساوى فيها الملل ولا يصح عليها النسخ كمعرفة الله ونحو ذلك من نحو مادل عليه قوله " ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر " (4) قال بعضهم: سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء، من حيث أن من شرع فيها على الحقيقة [المصدوقة] روي وتطهر قال: وأعني بالري ما قال بعض الحكماء: كنت أشرب فلا أروى، فلما عرفت الله رويت بلا شرب، وبالتطهر ما قال تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " (5) انتهى. والشرعة والمنهاج متقاربان في المعنى كما أن اللفظين اللذين فسرهما عليه السلام بهما أيضا متقاربان، فيحتمل أن يكونا تفسرين لكل منهما أو يكون


(1) المائدة: 51. (2) الزخرف: 32. (3) الجاثية: 18. (4) النساء: 136. (5) مفردات غريب القرآن ص 258.

[99]

على اللف والنشر، فعلى الاول اطلق على أعمال الدين وأحكامه الشرعة، لايصالها العامل بها إلى الحياة الابدية والتطهر من الادناس الردية، والمنهاج لانها كالطريق الواضح الموصل إلى المقصود من الجنة الباقية، والدرجات العالية، وعلى الثاني المراد بالاول الواجبات، وبالثاني المستحبات ولذا عبر عليه السلام عن الثاني بالسنة أو بالاول العبادات، وبالثاني سائر الاحكام، والوجه الاول أوفق بقوله " وكان من السبيل والسنة " وإن أمكن أن يكون المراد من مجموعهما وإن كان من أحدهما. قال الطبرسي رحمه الله: الشرعة والشريعة واحدة، وهي الطريقة الظاهرة والشريعة هي الطريقة التي يوصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة، فقيل الشريعة في الدين للطريق الذي يوصل منه إلى الحياة في النعيم، وهي الامور التي يعبد الله بها من جهة السمع، والاصل فيه الظهور، والمنهاج الطريق المستمر، يقال: طريق نهج ومنهج أي بين، وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم، قال: وهذه الالفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه، وقد جاء أيضا لمعنى واحد كقول الشاعر أقوى وأقفر (1) وهما بمعنى انتهى (2). قوله " أن جعل عليهم السبت " قال الراغب: أصل السبت قطع العمل، ومنه سبت السير أي قطعه، وسبت شعره حلقه، وقيل: سمي يوم السبت لان الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والارض يوم الاحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره، فقطع عملة يوم السبت، فسمي بذلك، وسبت فلان صار في السبت، وقوله عزوجل: " يوم سبتهم " قيل: يوم قطعهم للعمل " ويوم لا يسبتون " قيل: معناه لا يقطعون العمل وقيل: يوم لا يكونون في السبت، وكلاهما إشارة إلى حالة واحدة، وقوله: " إنما جعل السبت " أي ترك العمل فيه انتهى (3).


(1) نصه: حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم (2) راجع مجمع البيان ج 3 ص 202. (3) مفردات غريب القرآن ص 220، والايات في الاعراف: 163، النحل: 124.

[100]

قوله عليه السلام: " ولم يستحل " الظاهر أن المراد بالاستحلال هنا الجرأة على الله، وانتهاك ما حرم الله فكأنه عده حلالا، لقوله بعد ذلك " ولا شكوا في شئ مما جاء به موسى " وما قيل: دل على أن مخالفة الاحكام كفر يوجب دخول النار مع الاستحلال، والظاهر أنه لا خلاف فيه بين الامة، وما ذلك إلا لان الاقرار بها والعمل بها داخلان في الايمان، وإذا كان كذلك كان تاركها وإن لم يستحل كافرا يعذب بالنار أيضا فلا يخفى وهنه. " حيث استحلوا الحيتان " أي استحلوا صيدها أو أكلها أو حبسها أيضا، وقوله " يوم السبت " ظرف لكل من " احتبسوها " و " أكلوها " أو لاستحلوا، أيضا أي استحلوا أولا حبسها يوم السبت، ثم استحلوا صيدها وأكلها فيه، وقيل: يوم السبت ظرف لاحتبسوها لا لاكلوها أي احتبسوها يوم السبت في مضيق بسد الطريق عليها ثم اصطادوها يوم الاحذ وأكلوها، فعلوا ذلك حيلة ولم تنفعهم، لان احتباسها فيه هتك لحرمته، فخرجوا بذلك من الايمان إلى الكفر، ولذلك غضب الله عليهم من غير أن يشركوا بالرحمان، وأن يشكوا في رسالة موسى وما جاء به، ولذلك لم يصطادوا يوم السبت، فعلم أن الايمان ليس مجرد التصديق، بل هو مع العمل لان المؤمن لا يغضب ولا يدخل النار، وفيه شئ لان استحلالهم الحيتان ينافي ظاهرا عدم شكهم بما جاء به موسى، ويمكن دفعه بأن ما جاء به موسى تحريم الحيتان يوم السبت وهم استحلوها يوم الاحد، ولحق بهم ما لحق بسبب احتباسهم يوم السبت انتهى. وأقول: قد عرفت معنى الاستحلال، وهو معنى شائع في المحاورات فلا يرد ما أورده، وأما الجواب الذي ذكره فهو أيضا لا يسمن ولا يغنى من جوع، لان الاحتباس إذا لم يكن منهيا عنه، فكيف عذبوا عليه، وإن كان داخلا فيما نهوا عنه عاد الاشكال، مع أن ظاهر أكثر الروايات المعتبرة أنهم بعد تلك الحيلة تعدى أكثرهم إلى الصيد والاكل يوم السبت فاعتزلت طائفة منهم فلم يمسخوا وبقيت طائفة منهم فمسخوا أيضا، لتركهم النهي عن المنكر، وإن اختلف المفسرون

[101]

في ذلك. قال في مجمع البيان: اختلف في أنهم كيف اصطادوا ؟ فقيل: إنهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتى كان يقع فيها السمك، ثم كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الاحد، وهذا السبب محظور، وفي رواية ابن عباس اتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها، ولا يمكنها الخروج منها، فيأخذونها يوم الاحد، وقيل: إنهم اصطادوها وتناولوها باليد يوم السبت عن الحسن (1). " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت " (2) قال البيضاوي: السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت، وأصله القطع، امروا أن يجردوه للعبادة، فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام واشتغلوا بالصيد وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها: أيلة، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه، وإذا مضى تفرقت، فحفروا حياضا و شرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الاحد " فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " جامعين بين صورة القردة والخسوء، وهو الصغار والطرد، قال مجاهد: ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله " كمثل الحمار يحمل أسفارا " (3) وقوله: " كونوا " ليس بأمر، إذ لا قدرة لهم عليه، وإنما المراد به سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم انتهى. قوله عليه السلام: " فهدمت " أي الشرعة والمنهاج أيضا لكونه بمعنى الطريق يجوز فيه التأنيث، ويمكن أن يقرأ على بناء المجهول باضمار السنة في السبت، و قوله " أن يعظموه " بدل اشتمال للضمير، و " عامة " عطف على السبت " سبيل عيسى " أي شرائعه المختصة به، قوله عليه السلام " وإن كان الذي جاء به النبيون " أي هدمت


(1) مجمع البيان ج 4 ص 491. (2) البقرة: 62، راجع البيضاوي 32. (3) الجمعة: 5.

[102]

شريعة عيسى عامة ما كانوا عليه، وإن كان الذي جاء به النبيون من التوحيد وسائر الاصول باقيا لم يتغير، أو المعنى أدخله الله النار وإن كان منه الاقرار بما جاء به النبيون وهو التوحيد ونفي الشرك، وقوله " أن لا يشركوا " عطف بيان أو بدل للموصول، وعلى الوجهين يحتمل كون كان تامة وناقصة، وقيل: الموصول اسم كان وأن لا يشركوا خبره، وله أيضا وجه وإن كان بعيدا. قوله عليه السلام: " عشر سنين " أقول: هذا مخالف لما مر في تاريخ النبي صلى الله عليه وآله ولما هو المشهور من أنه صلى الله عليه وآله أقام بعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة فقيل: هو مبني على إسقاط الكسور بين العددين وهو بعيد في مثل هذا الكسر والذي سنح لي أنه مبني على ما يظهر من الاخبار أنه لما نزل " وأنذر عشيرتك الاقربين " (1) وكان أول بعثته دعا بني عبد المطلب وأظهر لهم رسالته، ودعاهم إلى بيعته، والايمان به، فلم يؤمن به إلا علي عليه السلام ثم خديجة رضي الله عنها، ثم جعفر رضي الله عنه، وكان على ذلك ثلاث سنين حتى نزل " فاصدع بما تؤمر و أعرض عن المشركين " (2) فدعا الناس إلى الاسلام فلذا لم يعد عليه السلام تلك الثلاث سنين من أيام البعثة لانها لم تكن بعثة عامة مؤكدة، وقد مرت الاخبار في المجلد الثالث (3) في ذلك ويحتمل أن يكون مبنيا على إسقاط سني الهجرة إلى شعب أبي طالب أو إسقاط الثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه لعدم تمكنه في هاتين المدتين من التبليغ كما ينبغي، لكنهما بعيدان، والاظهر ما ذكرنا أولا. قوله عليه السلام: " يشهد أن لا إله إلا الله " الظاهر أن المراد به الشهادة القلبية بالتوحيد والرسالة وما يلزمهما فقط، أو مع الاقرار باللسان أو عدم الانكار الظاهري لا مجرد الاقرار باللسان، بقرينة قوله " وهو إيمان التصديق " وقد عرفت أن الايمان الظاهري فقط لا ينفع في الاخرة وإن احتمل التعميم ويكون قوله " إلا من أشرك بالرحمن " أي قلبا استثناء منه فيرجع إلى ما ذكرنا أولا، وعلى الاول


(1) الشعراء: 214. (2) الحجر: 94. (3) يعنى كتاب المرآت. (*)

[103]

يكون الاستثناء منقطعا، وعلى التقديرين يكون المراد بقوله " وهو إيمان التصديق " أنه الايمان بمعنى التصديق فقط، ولا يدخل فيه الاعمال لا شرطا ولا شطرا، وإن كانت سببا لكماله، بخلاف الايمان بعد الهجرة، فان الاعمال قد دخلت فيه على أحد الوجهين، وذلك لانهم لم يكلفوا بعد إلا بالشهادتين فحسب، وإنما نهوا عن أشياء نهي أدب وعظة وتخفيف، ثم نسخ ذلك بالتغليظ في الكبائر، والتواعد عليها، ولم يكن التغليظ والتواعد يومئذ إلا في الشرك خاصة، فلما جاء التغليظ والايعاد بالنار في الكبائر ثبت الكفر والعذاب بالمخالفة فيها. " وتصديق ذلك " أي دليل ما ذكرنا من التفاوت في التكاليف، ومعنى الايمان قبل الهجرة وبعدها، وقال الفاضل الاسترابادي: بيان لاول الواجبات على المكلفين، وأن تكاليف الله تعالى ينزل على التدريج، وفي كتاب الاطعمة من تهذيب الاحكام أحاديث صريحة في التدريج في التكاليف انتهى. ولنذكر تفسير الايات التي اسقطت اختصارا إما من الامام عليه السلام أو من الراوي قال تعالى قبل تلك الايات: (1) " لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا " ثم قال: " وقضى ربك " قيل أي أمر أمرا مقطوعا به " أن لا تعبدوا إلا إياه " لان غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الانعام، " وبالوالدين إحسانا " أي بأن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لانهما السبب الظاهر للوجود والتعيش " إما يبلغن " " إما " إن الشرطية، زيدت عليها ما للتأكيد " عندك الكبر " في كنفك وكفالتك " أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما اف " إن أضجراك " ولا تنهرهما " أي ولا تزجرهما إن ضرباك " وقل لهما قولا كريما " أي حسنا جميلا " واخفض لهما جناح الذل " أي تذلل لهما وتواضع " من الرحمة " أي من فرط رحمتك عليهما " وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " جزاء لرحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري. " ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فانه كان للاوابين غفورا "


(1) أسرى: 22 - 25.

[104]

عن الصادق عليه السلام الاوابون التوابون المتعبدون (1) " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا " وهو صرف المال فيمالا ينبغي وإنفاقه على وجه الاسراف " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " أي أمثالهم " وكان الشيطان لربه كفورا " أي مبالغا في الكفر " وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا * ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما " أي فتصير ملوما عند الله وعند الناس بالاسراف وسوء التدبير " محسورا " أي نادما أو منقطعا بك لا شئ عندك " إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " أي يوسعه ويضيقه بمشيته التابعة للحكمة " إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " يعلم سرهم وعلانيتهم. قوله " أدب وعظة " أي كلما ذكر في تلك الايات سوى صدر الاولى وهو قوله " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " تأديب وموعظة، وهذا مبني على أن قوله " وبالوالدين " بتقدير " وأحسنوا " عطفا على جملة " قضى ربك " لان فيها تأكيدا وتهديدا في الجملة ويحتمل أن يكون المراد جميعها، لكن وقع التهديد على الشرك فيما مر وفيما سيأتي من الايات كقوله " ولا تجعل مع الله إلها آخر ". فان قيل: قوله " وآت ذى القربى حقه " إلى قوله " كفورا " فيه وعيد و تهديد، قلنا ليس محض كونهم إخوان الشياطين تهديدا ووعيدا صريحا بالنار، بل قيل قوله " كانوا " يدل على أن في أواخر شرائع ساير اولي العزم كانت كذلك فلا يدل صريحا على أن في تلك الشريعة أيضا كذلك، والاجتراح الاكتساب. " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق " قيل أي مخافة الفاقة وقتلهم أولادهم وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه، وضمن لهم أرزاقهم فقال " نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا " أي ذنبا كبيرا لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع والخطأ الاثم، يقال خطا خطأ كأثم إثما، وقرأ ابن عامر خطأ بالتحريك، وهو اسم من أخطأ يضاد الثواب، وقيل لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر، وقرأ ابن كثير


(1) راجع تفسير العياشي ج 2 ص 286، عن أبى بصير.

[105]

خطاء بالمد والكسر، وهو إما لغة أو مصدر خاطأ وقرئ خطاء بالفتح والمد وخطا بحذف الهمزة مفتوحا ومكسورا، وعلى التقادير ليس فيه تصريح بكونه ذنبا ولا ترتب العقوبة عليه. " ولا تقربوا الزنا " بالقصد وإتيان المقدمات فضلا أن تباشروه " إنه كان فاحشة " فعلة ظاهرة القبح زائدته " وساء سبيلا " أي وبئس طريقا طريقه، وهو الغصب على الابضاع المؤدي إلى قطع الانساب وهيج الفتن " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " قيل أي إلا باحدى ثلاث خصال: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان وقتل مؤمن معصوم عمدا " ومن قتل مظلوما " غير مستوجب للقتل " فقد جعلنا لوليه " للذي يلي أمره بعد وفاته، وهو الوارث " سلطانا " أي تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل " فلا يسرف " أي القاتل في القتل بأن يقتل من لا يحق قتله، فان العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل " إنه كان منصورا " علة النهي على الاستيناف، والضمير إما للمقتول، فانه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله، وفي الاخرة بالثواب، وإما لوليه فان الله نصره حيث أوجب القصاص له، و أمر الولاة بمعونته، وإما للذي يقتله الولي إسرافا بايجاب القصاص والتعزير، و الوزر على المسرف. " ولا تقربوا مال اليتيم " فضلا أن تتصرفوا فيه " إلا بالتي هي أحسن " أي إلا بالطريقة التي هي أحسن " حتى يبلغ أشده " غاية لجواز التصرف الذي يدل عليه الاستثناء " وأوفوا بالعهد " بما عاهدكم الله من تكاليفه، أوما عاهدتموه و غيره " إن العهد كان مسئولا " مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به، أو مسؤلا عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه، أو يسأل العهد لم نكثت تبكيتا للناكث كما يقال للموؤدة " بأي ذنب قتلت " ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسئولا " وأوفوا الكيل إذا كلتم " ولا تبخسوا فيه " وزنوا بالقسطاس المستقيم " بالميزان السوي وهو رومي عرب وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف (1) " ذلك خير


(1) يعنى وقرأ الباقون بضمها.

[106]

وأحسن تأويلا " أي وأحسن عاقبة، تفعيل من آل إذا رجع. " ولا تقف " ولا تتبع " ما ليس لك به علم " ما لم يتعلق به علمك، تقليدا أو رجما بالغيب، قيل: واحتج به من منع من اتباع الظن، وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعا أو ظنا واستعماله بهذا المعنى شائع، وقيل: إنه مخصوص بالعقائد، وقيل: بالرمي وشهادة الزور " إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك " أي كل هذه الاعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤلة عن أحوالها شاهدة على صاحبها، هذا وإن اولاء وإن غلب على العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا، وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم، كقوله: والعيش بعد اولئك الايام (1) " كان عنه مسئولا " في ثلاثتها ضمير كل، أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه، يعني عما فعل به صاحبه، ويجوز أن يكون الضمير في " عنه " لمصدر " ولا تقف " أو لصاحب السمع والبصر. وقيل " مسئولا " مسند إلى " عنه " كقوله " غير المغضوب عليهم " والمعنى يسأل صاحبه عنه، وهو خطاء لان الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم، وقيل: المراد بسؤال الجوارح إما سؤال نفسها، أو سؤال أصحابها، كما يظهر من " اولئك " أو جعلت بمنزلة ذوي العقول، أو هم ذوو العقول مع الله تعالى. " ولا تمش في الارض مرحا " أي ذا مرح وهو الاختيال، وفي القاموس المرح شدة الفرح والنشاط " إنك لن تخرق الارض " لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك " ولن تبلغ الجبال طولا " بتطاولك ومد عنقك، وهوتهكم بالمختال، وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل " كل ذلك كان سيئه " قيل: يعني المنهي عنه، فان المذكور مأمورات ومناهي، وقرأ الحجازيان والبصريان (2) " سيئة " على أنها خبر كان، والاسم ضمير " كل " و " ذلك " إشارة إلى


(1) عجز بيت صدره: ذم المنازل بعد منزلة اللوى، راجع الصحاح ج 6 ص 2544. (2) الحجازيان: عبد الله بن كثير المكى، ونافع بن عبد الرحمان المدنى، والبصريان: أحدهما أبو عمرو بن العلاء، من السبعة، والثانى يعقوب من غيرهم.

[107]

ما نهي عنه خاصة، وعلى هذا قوله " عند ربك مكروها " بدل من سيئة أو صفة لها محمولة على المعنى. " ذلك " إشارة إلى الاحكام المتقدمة " مما أوحى إليك ربك من الحكمة " التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به " ولا تجعل مع الله إلها آخر " كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الامر ومنتهاه، ورأس الحكمة وملاكها " ملوما " تلوم نفسك " مدحورا " مطرودا مبعدا من رحمة الله. وأقول: هذا شروع في ذكر الايات التي نزلت بمكة مشتملة على الوعيد بالنار والتهديد في الشرك ونحوه، بخلاف ما ورد في غيره مما مضى، فان كونه " خطأ كبيرا " و " فاحشة " و " مسئولا " و " مسئولا عنه " و " مكروها " ليس في شئ منها تصريح بالعذاب والنكال الاخروي، ولا يحتاج إلى ما يتكلف بأن " كان خطأ " و " كان فاحشة " و " كان مسئولا " و " كان عنه مسئولا " و " كان سيئة عند ربك مكروها " محمولة على أنها كانت في أواخر الامم السابقة كذلك، وستصير في هذه الامة أيضا بعد ذلك كذلك فانه في غاية البعد، وزيادة " كان " في هذه المقامات كثيرة في الذكر الحميد، كقوله " وكان ربك قديرا " و " كان غفورا رحيما " بل الوجه ما ذكرنا فتفطن. " نارا تلظى " أي تتلهب " لا يصليها " أي لا يلزمها مقاسيا شدتها " إلا الاشقى " قيل: أي إلا الكافر، فان الفاسق وإن دخلها لم يلزمها، ولكن سماه " أشقى " ووصفه بقوله " الذي كذب وتولى " أي كذب بالحق وأعرض عن الطاعة كذا ذكره البيضاوي (1) وقال في قوله تعالى بعد ذلك " وسيجنبها الاتقى ": أي الذي اتقى الشرك والمعاصي فانه لا يدخلها فضلا أن يدخلها ويصلاها، ومفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها ولا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق انتهى. وقال الطبرسي رحمه الله " لا يصليها " أي لا يدخل تلك النار ولا يلزمها " إلا


(1) أنوار التنزيل ص 463، والاية في سورة الليل: 14 - 21.

[108]

الاشقى " وهو الكافر بالله " الذي كذب " بآيات الله ورسله " وتولى " أي أعرض عن الايمان " وسيجنبها " أي سيجنب النار ويجعل منها على جانب " الاتقى " المبالغ في التقوى " الذي يؤتي ماله " أي ينفقه في سبيل الله " يتزكى " أي يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رئاء ولا سمعة. قال القاضي قوله: " لا يصليها " الاية لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما تقوله الخوارج وبعض المرجئة، وذلك لانه نكر النار المذكورة ولم يعرفها فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصليها إلا من هذه حاله، والنيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين (1) فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصليها قوم آخرون، وبعد فان الظاهر من الاية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب وتولى وجمع بين الامرين، فلابد للقوم من القول بخلافه لانهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات وإن لم يكذب، وقيل: إن الاتقى والاشقى المراد بهما التقي والشقي (2) انتهى. ثم اعلم أنه عليه السلام استدل بالايات الاول على أن وعيد النار في مكة إنما كان على الكفار، لانه سبحانه حصر الصلي بالنار على الاشقى الذي كذب الرسول وتولى عن قبول قوله في التوحيد أو الاعم، ومن كذب الرسول وأعرض عما جاء به كافر مشرك، فظهر أنه لم يكن يومئذ يستحق النار غير المشركين والكفار من الفساق، وإليه أشار عليه السلام بقوله " فهذا مشرك " وهذا وجه حسن واستدلال متين، لكن كيف يستقيم على هذا الايات التالية وهي قوله " وسيجنبها الاتقى " الخ فانها تدل على أن غير الاتقى لا يجنب النار. ويمكن الجواب عنه بوجوه: الاول أن المضارع في قوله تعالى: " لا يصليها " للحال، واستعمل الصلي في


(1) كانه يريد قوله تعالى: " ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا " النساء: 144. (2) مجمع البيان ج 10 ص 502.

[109]

سببه مجازا أي الحكم في الحال قبل الهجرة أنه لا يدخلها إلا المشرك وفي قوله: " سيجنبها " للاستقبال القريب إخبارا عن التكاليف المدنية، بعد دخول الاعمال في الايمان، فلا تنافي بينهما، وتكون الايات جمع دالة على الحكمين صريحا. الثاني أن يقال إن الايات التالية نزلت بالمدينة كما روى في تفسير علي بن إبراهيم إنها نزلت في أبي الدحداح بالمدينة لكن ظاهر الرواية أن الايات الاول أيضا نزلت بالمدينة، الثالث أن يقال إن الايات الاخيرة وإن كانت دالة على عدم تجنب الفساق النار، لكنها دلالة ضعيفة بالمفهوم، فما يدل صريحا على دخول النار إنما هو في الكفار، وما يدل على حكم الفجار فليس فيه وعيد صريح، و تهديد عظيم، بل يدل دلالة ضيعفة على عدم الحكم بأنهم لا يدخلونها، لاسيما مع الحصر المتقدم، ولعل السر في هذا الاجمال عدم اجترائهم على المعاصي. " وأما من اوتي كتابه وراء ظهره " (1) أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره قيل: يغل يمناه إلى عنقه ويجعل يسراه وراء ظهره " فسوف يدعوا ثبورا " أي يتمنى الثبور، ويقول: واثبوراه، وهو الهلاك " ويصلى سعيرا " أي نارا مسعرة " إنه كان في أهله " أي في الدنيا " مسرورا " بطرا بالمال والجاه فارغا عن ذكر الاخرة " إنه ظن أن لن يحور " أي لن يرجع بعد أن يموت " بلى " يرجع " إن ربه كان به بصيرا " أي عالما بأعماله، فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه، " فهذا مشرك " لانه أنكر البعث وإنكاره كفر، أو كان لا ينكره حينئذ إلا المشركون. " كلما القي فيها فوج " (2) أي جماعة من الكفرة " سألهم خزنتها " أي خزنة جهنم " ألم يأتكم نذير " يخوفكم هذا العذاب ؟ وهو توبيخ وتبكيت " قالوا بلى قد جائنا نذير فكذبنا " أي الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الانزال رأسا وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال، حيث قالوا بعد ذلك " إن أنتم إلا في ضلال كبير " فهؤلاء مشركون لتكذبيهم بكتب الله ورسله.


(1) الانشقاق: 10. (2) الملك: 8.

[110]

" وأما إن كان من المكذبين " (1) بالبعث والرسل وآيات الله " الضالين " عن الهدى الذاهبين عن الصواب والحق " فنزل من حميم " أي فنزلهم الذى اعد لهم من الطعام والشراب من حميم جهنم " وتصلية جحيم " أي إدخال نار عظيمة، فهولاء مشركون، للتصريح بأنهم كانوا من المكذبين الضالين. " وأما من اوتي كتابه بشماله (2) فيقول " لما رأى من قبح العمل وسوء العاقبة " يا ليتني لم اوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه " الهاء فيهما وفيما بعدهما للسكت: تثبت في الوقف وتسقط في الوصل، وقالوا استحب الوقف لثباتها في الامام (3) ولذلك قرئ باثباتها في الوصل " يا ليتها " أي يا ليت الموتة التي متها " كانت القاضية " أي القاطعة لامري فلم ابعث بعدها، أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي، أو ياليت حياة الدنيا كانت الموتة ولم اخلق حيا " ما أغنى عني ماليه " أي مالي من المال والتبع أو " ما " نفي والمفعول محذوف أو استفهام إنكار مفعول لاغنى، وبعد ذلك " هلك عني سلطانيه " أي ملكي وتسلطي على الناس أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا " خذوه " يقوله الله لخزنة جهنم " فغلوه ثم الجحيم صلوه " أي ثم لا تصلوه إلا الجحيم وهي النار العظمى لانه كان يتعظم على الناس " ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه " أي فأدخلوه فيها بأن تلقوه على جسده " إنه كان لا يؤمن بالله العظيم " فدل على أن هذا الوعيد بالنار لمن لا يؤمن بالله من الكفار فهذا مشرك. قوله " في طسم " أي في الشعراء " وبر زت الجحيم للغاوين " (4) فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها " وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله " أي أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم " هل ينصرونكم " بدفع العذاب عنكم " أو ينتصرون " بدفعه عن أنفسهم، لانهم وآلهتهم يدخلون النار كما


(1) الواقعة: 92. (2) الحاقة: 25. (3) يعنى مصحف عثمان، المسمى بامام المصاحف. (4) الشعراء: 91.

[111]

قال " فكبكبوا فيها هم والغاوون " أي الالهة وعبدتهم " والكبكبة " تكرير الكب لتكرير معناه، كأن من القي في النار ينكب مرة بعد اخرى حتى يستقر في قعرها " وجنود إبليس " قيل متبعوه من عتاة الثقلين أو شياطينه " أجمعون " تأكيد للجنود إن جعل مبتدءا خبره ما بعده، أو للضمير وما عطف عليه وكذا الضمير المنفصل، و ما يعود إليه في قوله " قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين " على أن الله ينطق الاصنام فتخاصم العبدة ويؤيده الخطاب في قوله " إذ نسويكم برب العالمين " أي في استحقاق العبادة، ويجوز أن تكون الضمائر للعبدة كما في قالوا، والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة، والمعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة متحسرون عليها. كذا ذكره البيضاوي في تفسير تلك الايات (1) فقوله عليه السلام " يعني المشركين " هو خبر لقوله " قوله " بحذف العائد أي يعني به، والمعنى أن المراد بالمجرمين المشركون الذين اتبعتهم هؤلاء القائلون على شركهم، وكلاهما من امة محمد صلى الله عليه وآله " وتصديق ذلك " أي تصديق أن المراد بهم المشركون من هذه الامة أن الله تعالى ذكر بعد تلك الايات أحوال المشركين وعبدة الاوثان، من كل امة، ولم يدخل فيهم اليهود والنصارى فالظاهر أن يكون المراد هنا أيضا طائفة مخصوصة وليس هم اليهود والنصارى لقوله تعالى سابقا " فكبكبوا فيها هم والغاوون " لدلالته على أن معبوديهم في النار، فلم يبق إلا أن يكونوا من هذه الامة أو يكتفى بالوجه الاول، ويقال لما كان الظاهر من الايات اللاحقة اختصاص الكلام بعبدة الاوثان فالظاهر هنا أيضا أن يكون المراد به من هو من جنسهم، ولم يبق من الامم المشهورة الذين تعرض الله لذكرهم في القرآن إلا هذه الامة، فهم المرادون به. وقوله: " كذبت قبلهم قوم نوح " (2) كأنه نقل بالمعنى، لان تلك الايات


(1) أنوار التنزيل ص 309. (2) الشعراء: 105.

[112]

في سورة الشعراء، وليس فيها " قبلهم "، وإنما هو في ص والمؤمن (1) ويحتمل أن يكون في مصحفهم عليهم السلام هكذا، هذا ما خطر بالبال، وقيل: لعل المراد أن القائلين بهذا القول أعني قولهم " وما أضلنا إلا المجرمون " هم مشركوا قوم نبينا صلى الله عليه وآله الذين اتبعوا آباءهم المكذبين للانبياء، بدليل أن الله سبحانه ذكر عقيب ذلك في مقام التفصيل المكذبين للانبياء طائفة بعد طائفة وليس المراد بهم أحدا من اليهود والنصارى الذين صدقوا نبيهم، وإنما أشركوا من جهة اخرى وإن كان الفريقان يدخلان النار أيضا، فقوله " سيدخل الله " استدراك لدفع توهم عدم دخولهما النار، وعدم دخول غيرهما ممن أساء العمل انتهى. قوله عليه السلام " ليس هم اليهود " تأكيد لقوله " ليس فيهم " أو المراد بالاول أنه ليس في القائلين والمجرمين، وبالثاني أنه ليس في هؤلاء المكذبين من الامم السابقة، وقيل الاول نفي للتشريك والثاني نفي للاختصاص والاوسط أظهر، و " قولهم " مبتدأ " إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك " من كلامه عليه السلام ذكره تفسيرا للاية، و " قول الله " خبر للمبتدأ، ويحتمل أن يكون ذلك مبتدءا ثانيا إشارة إلى قولهم و " قول الله " خبره، والمجموع خبرا للمبتدأ الاول، وحاصله أن القولين حكايتان عن قصة واحدة، وقيل: حين ظرف لقول الله مجازا من قبيل وضع الدال موضع المدلول. ثم اعلم أن الايات في سورة الاعراف هكذا " حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أينما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين * قال ادخلوا في امم قد خلت من قبلكم من الجن و الانس في النار كلما دخلت امة لعنت اختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت اخريهم لاوليهم ربنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار * قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * وقالت اوليهم لاخريهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون " (2) فظهر أن قوله " وقالت اوليهم لاخريهم " من سهو النساخ


(1) ص: 12، المؤمن: 5. (2) الاعراف: 37 - 39.

[113]

أو الرواة، وأن قوله " كلما دخلت " مقدم على السابق في الترتيب، فالواو في قوله " وقوله " بمعنى " مع " مع أنه لا يدل على الترتيب. " كلما دخلت امة " أي في النار " لعنت اختها " التي ضلت بالاقتداء بها " حتى إذا اداركوا فيها " أصل " اداركوا " " تداركوا " فادغم ومعناه تلاحقوا أي لحق آخرهم أولهم في النار " قالت اخريهم " دخولا ومنزلة وهم الاتباع " لاوليهم " أي لاجل اوليهم إذ الخطاب مع الله لا معهم " ربنا هؤلاء أضلونا " أي سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم " فآتهم عذابا ضعفا من النار " أي مضاعفا لانهم ضلوا وأضلوا " قال لكل ضعف " أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الاتباع فبكفرهم وتقليدهم " ولكن لا تعلمون " ما لكم أو ما لكل فريق " وقالت اوليهم لاخريهم: فما كان لكم علينا من فضل " عطفوا كلامهم على جواب الله لاخريهم وبنوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وأنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب " فذوقوا العذاب " من قول القادة أو من قول الفريقين. " أن يحج بعضا " بضم الحاء أي يغلبه بالحجة في القاموس: الحج الغلبة بالحجة، وفي المصباح حاجه محاجة فحجه بحجة من باب قتل إذا غلبه في الحجة وقال: فلج فلوجا من باب قعد ظفر بما طلب، وفلج بحجته أثبتها، وأفلج الله حجته أظهرها وقال: أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته أنا إذا أطلقته وخلصته يستعمل لازما ومتعديا، وفلت فلتا من باب ضرب لغة وفلته يستعمل أيضا لازما و متعديا وانفلت خرج بسرعة. " وليس بأوان بلوى ولا اختبار " يعني أنهم يطمعون في غير مطمع، فان الاحتجاج وطلب الدليل إنما ينفع في دار التكليف والاختبار لا في دار الجزاء بعد ظهور الامر ودخول النار " ولا حين نجاة " أي ليس هذا الزمان حين نجاة يمكن التخلص من العذاب بالتوبة وغيرها. وفي بعض النسخ " ولات حين نجاة " مقتبسا من قوله تعالى " ولات حين مناص " (1)


(1) ص: 3.

[114]

قال البيضاوي: أي ليس الحين حين مناص " ولا " هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب وثم وخصت بلزوم الاحيان، وحذف أحد المعمولين، وقيل: هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم، وقيل: للفعل والنصب باضماره أي ولا أرى حين مناص، وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام (1) انتهى. " والايات " أي تلك الايات المتقدمة " ولا يدخل الله " الجملة حالية أي نزلت تلك الايات في حال كان الحكم فيها أن لا يدخل الله النار إلا مشركا، قوله عليه السلام " فلما أذن الله " قال المحدث الاسترآبادي: تصريح بأن مصداق الاسلام في مكة أقل من مصداقه في المدينة انتهى، وعد الشهادتين واحدة لتلازمهما وكأن الولاية أيضا داخلة فيهما كما عرفت، وعدم التصريح للتقية، أو أنه عليه السلام استدل بهذا الخبر المشهور بين العامة إلزاما عليهم، وكان ذكر العبادات الاربع وتخصيصها لكونها أهم الفرائض، أو لانها صرحت بها في القرآن واكدت عليها دون غيرها أو أنه بني عليها أولا ثم زيد سائر الفرائض. " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " (2) استدل به من قال بخلود أصحاب الكبائر في النار واول بوجوه: الاول: أن المراد بالمتعمد من قتله لايمانه كما ورد في أخبار كثيرة فيكون كافرا، الثاني أن المراد بالخلود المكث الطويل، الثالث أن المراد أن هذا جزاؤه إن جازاه لكنه سبحانه لا يجازيه كما ورد في بعض أخبارنا، الرابع أن المراد بالمتعمد المستحل، الخامس أنه يفعل فعلا يستحق به دخول النار، و استدل عليه السلام على عدم إيمانه بأن الله لعنه ولا يلعن مؤمنا لقوله تعالى " إن الله لعن الكافرين " وكأنه عليه السلام استدل بمفهوم الوصف فيدل على حجيته، ويمكن أن يكون لخصوص سياق الاية أيضا مدخل فيه. " وكيف يكون في المشية " أي كيف يكون أمر القاتل في مشية الله إن شاء


(1) يعنى مصحف عثمان. (2) النساء: 93.

[115]

عذبه، وإن شاء غفر له " و " الحال أنه " قد ألحق به بعد أن جزاه جهنم الغضب واللعنة " المختصين بالكفار. أقول: كونه في المشية إما مبني على ما ذكره أكثر المتكلمين من أن خلف الوعد قبيح وعلى الله محال، وأما خلف الوعيد فهو حسن ويجوز على الله تعالى وليس بكذب، قال الطبرسي قدس سره: وروى عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس في قوله " فجزاؤه جهنم " قال هي جزاؤه فان شاء عذبه، وإن شاء غفر له وروي عن أبي صالح وبكر بن عبد الله وغيره أنه كما يقول الانسان لمن يزجره عن أمر إن فعلت فجزاؤك القتل والضرب، ثم إن لم يجازه بذلك لم يكن ذلك منه كذبا انتهى (1). أو إشارة إلى قوله تعالى " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (2) فيدل على أن ما دون الشرك مما يغفره الله لمن يشاء، والقتل داخل في ذلك، فيكون داخلا في المشية كما قال في مجمع البيان: قال جماعة من التابعين: الاية اللينة وهي " إن الله لا يغفر أن يشرك به " الاية نزلت بعد الشديدة وهي " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " الاية (3) وعلى الاول فكان جوابه مبني على أن آية القتل ليست مشتملة على الوعيد فقط، بل على أنه ممن غضب الله عليه ولعنه فإذا دخل الجنة من غير توبة، أو غيرها مما يكفره يكون كذبا ولم يكن مغضوبا ولا ملعونا مبعدا من رحمة الله، وعلى الثاني مبني على وجهين: الاول: أن القتل المذكور داخل في الشرك والكفر حيث لعنه الله ولا يلعن إلا الكافر، والثاني أنه لا يكون داخلا فيمن يشاء مغفرته حيث أخبر بأنه مغضوب وملعون، وهذا صريح في عدم المغفرة، والوجوه كأنها متقاربة " وقد بين ذلك " المشار إليه آية الاحزاب أي " إن الله لعن الكافرين ". " وأنزل " أي في سورة النساء أيضا " من أكله " بدل اشتمال لمال اليتيم


(1) مجمع البيان ج 3 ص 93. (2) النساء: 47. (3) مجمع البيان ج 3 ص 93.

[116]

" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " قال في المجمع: أي ينتفعون بأموال اليتامى ويأخذونها ظلما بغير حق، ولم يرد به قصر الحكم على الاكل، وإنما خص لانه معظم منافع المال المقصودة " إنما يأكلون في بطونهم نارا " قيل فيه وجهان: أحدهما أن النار تلتهب من أفواههم وأسماعهم وآنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم آكلة أموال اليتامى، عن السدى وروي عن الباقر عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا فقيل له: يا رسول الله من هؤلاء ؟ فقرأ هذه الاية، والاخر أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث أن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فيمتلئ بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم " وسيصلون سعيرا " أي يلزمون النار المسعرة للاحراق، وإنما ذكر البطون تأكيدا كما يقال نظرت بعيني، وقلت بلساني، وأخذت بيدي، و مشيت برجلي انتهى (1). و " أنزل في الكيل " فان قيل سورة المطففين من السور المكية والغرض هنا بيان التكاليف المتجددة بالمدينة، قلنا: لا عبرة بما ذكره المفسرون في ذلك مع أنهم اختلفوا في هذه السورة قال في مجمع البيان: مكية وقال المعدل مدنية عن الحسن والضحاك وعكرمة، قال: وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثماني آيات منها " هي إن الذين أجرموا " إلى آخر السورة انتهى (2) فالخبر يؤيد قول هؤلاء الجماعة، ويؤيده ما رواه في مجمع البيان في سبب نزول صدر السورة عن عكرمة، عن ابن عباس أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عزوجل " ويل للمطففين " فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وروي عن السدى أنه صلى الله عليه وآله قدم المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة، ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالاخر، فنزلت الايات (3) ويؤنسه أن الطبرسي رحمه الله ذكرها


(1) مجمع البيان ج 3 ص 12 و 13. (2) المصدر ج 10 ص 450 (3) المصدر ج 10 ص 452.

[117]

في ترتيب نزول السور آخر السور المكية (1) فيمكن أن يكون نزولها بعد الهجرة وقبل نزول المدينة. وفي القاموس الويل حلول الشر و " ويل " كلمة عذاب، وواد في جهنم أو بئر أو باب لها انتهى واستدل عليه السلام بأن الويل لم يطلق في القرآن إلا للكافرين كقوله " فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون " (2) " وويل للكافرين من عذاب شديد " (3) " فويل للذين ظلموا من عذاب يوم عظيم " (4) " ويل لكل همزة لمزة " " يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا " (5) " يا ويلنا إنا كنا طاغين " (6) وفي المجمع " ويل للمطففين " هم الذين ينقصون المكيال و الميزان، ويبخسون الناس حقوقهم في الكيل والوزن، قال الزجاج وإنما قيل له مطفف لانه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشي اليسير الطفيف. و " أنزل في العهد " أي في سورة آل عمران وهي مدنية " إن الذين يشترون بعهد الله " (7) لعل المراد بالعهد هنا على ظاهر سياق الحديث ما عاهدوا الله عليه فخالفوه وباليمين الايمان التي يحلفون بها على المستقبل ثم يخالفونها، ويحتمل شموله لليمين الغموس الكاذبة ويحتمل أن يكون العهد شاملا للبيعة، وما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله ثم نقضوه، وقال الراغب: العهد حفظ الشئ ومراعاته حالا بعد حال، وسمي الموثق الذي يلزم مراعاته عهدا، قال عزوجل: " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا " (8) أي أوفوا بحفظ الايمان، وعهد فلان إلى فلان أي ألقى العهد إليه وأوصاه بحفظه، قال عزوجل: " ولقد عهدنا إلى آدم " (9) وعهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بكتا به وبسنة


(1) المصدر ج 10 ص 405، نقلا عن الحاكم الحسكاني. (2) البقرة: 79. (3) ابراهيم: 2. (4) الزخرف: 65. (5) يس: 52. (6) القلم: 31. (7) آل عمران: 77. (8) أسرى: 34. (9) طه: 115.

[118]

رسله، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها انتهى (1). وأما ما ذكره المفسرون في تلك الاية فقال الطبرسي قدس سره: نزلت في جماعة من أحبار اليهود كتموا ما في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وآله وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا تفوتهم الرئاسة، وما كان لهم على أتباعهم، عن عكرمة وقيل: نزلت في الاشعث بن قيس وخصم له في أرض قام ليحلف عند رسول الله صلى الله عليه وآله فلما نزلت الاية نكل الاشعث واعترف بالحق عن ابن جريج وقيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة في تنفيق سلعته عن مجاهد والشعبي ثم قال: " إن الذين يشترون بعهد الله " أي يستبدلون بأمر الله سبحانه ما يلزمهم الوفاء به، وقيل: معناه إن الذين يحصلون بنكث عهد الله ونقضه " وأيمانهم " أي وبالايمان الكاذبة " ثمنا قليلا " أي عوضا نزرا لانه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، ويحصل لهم من العقاب، وقيل: العهد ما أوجبه الله تعالى على الانسان من الطاعة والكف عن المعصية وقيل: هو ما في عقل الانسان من الزجر عن الباطل والانقياد للحق " اولئك لاخلاق لهم " أي لا نصيب وافر لهم في نعيم الاخرة " ولا يكلمهم الله " أي بما يسرهم أولا يكلمهم أصلا وتكون المحاسبة بكلام الملائكة استهانة لهم " ولا ينظر إليهم يوم القيامة " أي لا يعطف عليهم ولا يرحمهم كما يقول القائل للغير: انظر إلي ! يريد ارحمني " ولا يزكيهم " أي لا يطهرهم، وقيل: لا ينزلهم منزلة الازكياء، وقيل لا يطهرهم من دنس الذنوب والاوزار بالمغفرة، بل يعاقبهم وقيل: لا يحكم بأنهم أزكياء ولا يسميهم بذلك. بل يحكم بأنهم كفرة فجرة " ولهم عذاب أليم " مولم موجع (2) انتهى. وقال البيضاوي: أي يستبدلون بما عاهدوا عليه من الايمان بالرسول والوفاء بالامانات " وبأيمانهم " وبما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه، " ثمنا


(1) مفردات غريب القرآن ص 350. (2) مجمع البيان ج 2 ص 462 و 463.

[119]

قليلا " متاع الدنيا " ولا يكلمهم الله " الظاهر أنه كنايه عن غضبه عليهم لقوله " ولا ينظر إليهم يوم القيامة " فان من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه، والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه " ولا يزكيهم " ولا يثني عليهم انتهى (1) وظاهر الخبر أن ناقض العهد واليمين. لا يدخل الجنة أصلا فيمكن حمله على الاستحلال أو على أنه لا يدخل الجنة ابتداء وحمله على المشركين والكافرين كما هو ظاهر المفسرين ينافي سياق الحديث ويمكن حمله على أنهم لا يستحقون دخول الجنة، ولا يلزم على الله ذلك، لعدم الوعد إلا أن يدخلهم الجنة بفضله. " وأنزل بالمدينة " أي في سورة النور وهي مدنية " الزاني لا ينكح " قال في مجمع البيان: اختلف في تفسيره على وجوه أحدها أن يكون المراد بالنكاح العقد ونزلت الاية على سبب، وهو أن رجلا من المسلمين استأذن النبي صلى الله عليه وآله في أن يتزوج ام مهزول، وهي امرأة كانت تسافح ولها رأية على بابها تعرف بها، فنزلت الاية عن ابن عباس وغيره، والمراد بالاية النهي وإن كان ظاهره الخبر، وثانيها أن النكاح ههنا الجماع، والمعنى أنهما اشتركا في الزنا فهي مثله، فيكون نظير قوله " الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات " (2) في أنه خرج مخرج الاغلب الاعم، وثالثها أن هذا الحكم كان في كل زان وزانية ثم نسخ بقوله وأنكحوا الايامى منكم الاية (3) عن سعيد بن المسيب وجماعة، ورابعها أن المراد به العقد وذلك الحكم ثابت فيمن زنا بامرأة فانه لا يجوز له أن يتزوج بها، روي ذلك عن جماعة من الصحابة، وإنما قرن الله سبحانه بين الزاني والمشرك تعظيما لامر الزنا وتفخيما لشأنه، ولا يجوز أن تكون هذه الاية خبرا لانا نجد الزاني يتزوج غير زانية ولكن المراد هنا الحكم في كل زان، أو النهي، سواء كان المراد بالنكاح الوطي أو العقد، وحقيقة النكاح في اللغة الوطي " وحرم ذلك على المؤمنين " أي حرم


(1) أنوار التنزيل: 70. (2) النور: 26. (3) النور: 32.

[120]

نكاح الزانيات أو حرم الزنا على المؤمنين، فلا يتزوج بهن ولا يطأهن إلا زان أو مشرك انتهى (1). ثم المشهور بين الاصحاب كراهة نكاح المشهورات بالزنا وذهب الشيخان وجماعة إلى اشتراط التوبة في الحل سواء زنا بها من أراد نكاحها أو غيره للاية المتقدمة، وبعض الاخبار، واجيب عن الاية تارة بأن المراد بالنكاح الوطي واخرى بأنها منسوخة بقوله تعالى " وأنكحوا الايامى منكم " (2) وبقوله " فانكحوا ما طاب لكم " (3) أو قوله " واحل لكم ما وراء ذلكم " (4) وفي الاول أنه خلاف الظاهر، فانه إن اريد الوطي لم يظهر للكلام فائدة ظاهرة، وفي الثاني أنه خلاف الاصل، مع أن الظاهر من " طاب " حل ومن " وراء ذلكم " سائر أصناف النساء ولا ينافيه عروض الحرمة لعروض زنا ونحوه. والظاهر أنه عليه السلام استدل بالاية على أن الله تعالى أخرج الزناة والزواني في هذه الاية من عداد المؤمنين، حيث قابل بين المؤمنين وبينهما إذ الظاهر من سياق الاية أن المراد أنه لا يليق نكاح الزاني إلا بزانية أو مشركة، ولا نكاح الزانية إلا بزان أو مشرك وأما المؤمن فانه لا يليق به هذا الفعل وهو محرم عليه إما بمعناه أو بمعنى الكراهة الشديدة أو بمعنى المحرومية كما في قوله سبحانه " وحرمنا عليه المراضع (5) فظهر أنه لم يسمهما بالايمان، لما عرفت من المقابلة مع أنه جمع بينهما وبين المشرك والمشركة، ففيه أيضا إيماء بعدم إيمانهما. وهذا وجه حسن خطر بالبال للاية والخبر معا، فان حمل الاية على وجه آخر لا يستقيم ظاهرا فانه إذا حمل النكاح على الوطي، فالكلام إما في قوة النهي أو الخبر، فعلى الاول المعنى النهي عن أن يطأ الزاني سوى الزانية والمشركة، وجواز وطيه لهما وفيه مالا يخفى، وكذا العكس، وعلى الثاني يكون كذبا إن أراد


(1) مجمع البيان ج 7 ص 125. (2) النور: 32. (3) النساء: 3. (4) النساء: 23. (5) القصص: 12.

[121]

بالوطى غير الزنا أو الاعم، وإن اريد به الزنا كان الكلام خاليا عن الفائدة، و إذا حمل على العقد فلو كان في قوة النهي كان مفادها النهي عن أن ينكح الزاني سوى الزانية والمشركة، وتجويز نكاحه إياهما، وتجويز نكاح الزانية بالزاني والمشرك ولم يقل به أحد، ولو كان خبرا لزم الكذب، فلابد من حمل الاية على ما ذكرنا فيتضح استدلاله عليه السلام غاية الوضوح، ويظهر منه عدم تمام الاستدلال بها على تحريم نكاحهما، نعم قوله سبحانه " وحرم ذلك " فيه دلالة على التحريم إن لم نحمله على معنى الحرمان، وحمله على الكراهة الشديدة، مع وجود المعارض غير بعيد، مع أنه يحتمل أن يكون " ذلك " إشارة إلى الزنا بكون الجملة حالية أو تعليلية. قوله عليه السلام " ليس يمتري " الامتراء الشك، والجملة إلى قوله " أنه قال " معترضة، وضمير " فيه " راجع إلى الرسول، وقوله " أنه قال " بدل اشتمال للضمير، وقوله " لا يزني " مفعول " قال " أولا والاعتراض لبيان أن الخبر معلوم متواتر بين الفريقين، وكأن المراد بقوله " حين يزني وحين يسرق " حين يصر عليهما ولم يتب، ولا فساد في مفارقة الايمان بالمعنى الذي ذكرناه، حيث اشتمل على الفرائض وترك الكبائر عنه، وبها يستحق العذاب في الجملة، لا الخلود في النار، ومن لم يقل بذلك أوله بتأويلات بعيدة. قال في النهاية في الحديث " لا يزني الزاني وهو مؤمن " قيل معناه النهي وإن كان في صورة الخبر، والاصل حذف الياء من يزني أي " لا يزن المؤمن ولا يسرق ولا يشرب " فان هذه الافعال لا يليق بالمؤمن، وقيل: هو وعيد يقصد به الردع كقوله " لا إيمان لمن لا أمانة له " و " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " وقيل: معناه لا يزني وهو كامل الايمان، وقيل: معناه أن الهوى يغطي الايمان فصاحب الهوى لا يرى إلا هواه ولا ينظر إلى إيمانه الناهي له عن ارتكاب الفاحشة فكأن الايمان في تلك الحالة قد انعدم، وقال ابن عباس: الايمان نزه فإذا أذنب العبد فارقه، ومنه الحديث الاخر إذا زنى الرجل خرج منه الايمان فوق رأسه كالظلة

[122]

فإذا أقلع رجع إليه الايمان وكل هذا محمول على المجاز ونفي الكمال، دون الحقيقة في رفع الايمان وإبطاله انتهى. وقيل: إنه ليس بمؤمن إذا كان مستحلا، وقيل: ليس بمؤمن من العقاب وقيل: المقصود نفي المدح أي لا يقال له مؤمن بل يقال: زان أو سارق، وقيل: إنه لنفي البصيرة أي ليس هو ذا بصيرة، وقال ابن عباس: أي ليس ذانور، وقيل: أي ليس بمستحضر الايمان، وقيل: أي ليس بعاقل، لان المعصية مع استجضار العقوبة مرجوحة، والحكم بالمرجوح بخلاف العقول، وقيل: المقصود نفي الحياء والحياء شعبة من الايمان، أي ليس بمستحي من الله سبحانه، ولا يخفى ما في أكثر هذه الوجوه من البعد والركاكة. " وأنزل بالمدينة " أي في سورة النور أيضا " والذين يرمون المحصنات " (1) أي يقذفون العفائف من النساء بالزنا " ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " أي بأربعة عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ما رموهن به من الزنا " فاجلدوهم ثمانين جلدة " خبر الذين بتأويل " ولا تقبلوا لهم شهادة " خبر ثان، وتنكير شهادة للعموم أي في أي أمر من الامور كان " أبدا " تأكيد للعموم أي ما لم يتب " واولئك هم الفاسقون " أي هم في أعلا مراتب الفسق حتى كأنه لا فاسق غيرهم، فقد عبر عنهم باسم الاشارة وعرف الخبر وأتى بضمير الفصل مبالغة في ادعاء حصر الفسق فيهم، وقصره عليهم، قيل: ويمكن أن يكون حالا أو اعتراضا يجري مجرى التعليل لعدم قبول الشهادة " إلا الذين تابوا " عن القذف وندموا ورجعوا بالتدارك " من بعد ذلك " أي من بعد إقامة الحد وقيل: من بعد الرمي، " وأصلحوا " سرائرهم وأعمالهم فاستقاموا على مقتضى التوبة، قالوا: ومنه الاستسلام للحد، والاستحلال من المقذوف، والعزم على عدم العود إلى ذلك، وعلى ترك جميع المناهي على قول، وفي المجمع: ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه فيما قاله، فان لم يفعل ذلك لم يجز قبول شهادته (2)


(1) النور: 4. (2) مجمع البيان ج 7 ص 126.

[123]

" فان الله غفور رحيم " علة للاستثناء. قوله عليه السلام " فبرأه الله " الظاهر أنه عليه السلام استدل على عدم وصفهم بالايمان بوصفهم بالفسق، لان في عرف القرآن الفسق لازم للكفر، ولم يطلق فيه الفاسق إلا على الكافر كقوله تعالى " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا " (1) فقابل بين الايمان والفسق فدل على أن الفاسق ليس بمؤمن، وقال " إن المنافقين هم الفاسقون " (2) فحصر الفاسق في المنافق فجعله الله منافقا، " وجعله من أولياء إبليس " حيث أطلق الفسق عليهما، وأيضا إذا نظرت في الايات الكريمة وسبرتها لم تر الفاسق اطلق فيها إلا على الكافر، قال الراغب: فسق فلان خرج من حد الشرع وذلك من قولهم فسق الرطب إذا خرج عن قشره، وهو أعم من الكفر، والفسق يقع بالقليل من الذنوب وبالكثير، لكن تعورف فيما كان كثيرا وأكثر ما يقال الفاسق لمن التزم حكم الشرع وأقر به، ثم أخل بجميع أحكامه أو ببعضه وإذا قيل للكافر الاصلى: فاسق، فلانه أخل بحكم ما ألزمه العقل، واقتضاه الفطرة قال عزوجل " ففسق عن أمر ربه " (3) " ففسقوا فيها فحق عليها القول " (4) " وأكثرهم الفاسقون " (5) و " اولئك هم الفاسقون " (6) " أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون " وقال " ومن يكفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون " (7) وقال تعالى " وأما الذين فسقوا فماويهم النار " (8) " والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون " (9) " والله لا يهدي القوم الفاسقين " (10) " إن المنافقين هم الفاسقون " (11) " وكذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون " انتهى " (12).


(1) السجدة: 18. (2) براءة: 67. (3) الكهف: 50. (4) أسرى: 16. (5) آل عمران: 110. (6) المائدة: 47. (7) النور: 55. (8) السجدة: 20. (9) الانعام: 49. (10) براءة: 25. (11) براءة: 68. (12) يونس: 33 راجع المفردات ص 380.

[124]

و " جعله " أي الرامي " المحصنات " أي العفائف " الغافلات " مما قذفن به " المؤمنات " بالله ورسوله وما جاء به " لعنوا في الدنيا والاخرة " بما طعنوا فيهن " ولهم عذاب عظيم " لعظم ذنوبهم " يوم تشهد عليهم " ظرف لما في " لهم " من معنى الاستقرار لا للعذاب " ألسنتهم وأيديهم " يعترفون بها بانطاق الله إياها بغير اختيارهم أو بظهور آثاره عليها، قوله عليه السلام " وليست تشهد " يدل على أن شهادة الجوارح إنما هي للكفار كما ذكره جماعة من المفسرين، وذكره الشيخ البهائي رحمه الله في الاربعين. قوله عليه السلام " فيعطى كتابه بيمينه " أي فيقرؤه ومن تنطق جوارحه يختم على فيه لقوله تعالى " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم " (1) أو لان سياق آيات شهادة الجوارح تدل على غاية الغضب، والايات النازلة في المؤمنين مشتملة على نهاية اللطف كقوله سبحانه " يوم ندعو كل اناس بامامهم فمن اوتي " أي من المدعوين " كتابه بيمينه " أي كتاب عمله " فاولئك يقرؤن كتابهم " ابتهاجا بما يرون فيه " ولا يظلمون فتيلا " (2) أي ولا ينقصون من اجورهم أدنى شئ، والفتيل المفتول وسمي ما يكون في شق النواة فتيلا لكونه على هيئته، وقيل: هو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ، ويضرب به المثل في الشئ الحقير. ثم اعلم أن هذا المضمون وقع في مواضع من القرآن المجيد: أولها في بني إسرائيل " فمن اوتي كتابه بيمينه " إلى آخر ما في الحديث، وثانيها في الحاقة " فأما من اوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه " (3) وثالثها في الانشقاق " فأما من اوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا " (4) وما في الحديث لا يوافق شيئا منها وإن كان بالاول أنسب، فكأنه من تصحيف النساخ أو كان في قرائتهم عليهم السلام هكذا، أو نقل بالمعنى جمعا بين الايات. " وسورة النور انزلت " كأن هذا جواب عن اعتراض مقدر، وهو أنه لما


(1) يس: 65. (2) أسرى: 71. (3) الحاقة 19. (4) الانشقاق: 8.

[125]

أنزل الله في سورة النساء مرتين " أن الله لا يغفر إن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " وهي تدل على عدم ترتب العذاب على غير الشرك، فيمكن كونها ناسخة للايات الدالة على عقوبات أصحاب الكبائر، وعدم كونهم من المؤمنين. فأجاب عليه السلام بعد التنزل عن عدم المخالفة بين هذه الاية، وتلك الايات لان تجويز المغفرة لمن شاء الله لا ينافي استحقاقهم للعذاب والعقاب، وخروجهم عن الايمان بأحد معانيه، بأن أكثر ما أوردنا من الايات واستدللنا بها إنما هي في سورة النور، وهي نزلت بعد سورة النساء، فكيف تكون آية النساء ناسخة لها فلو احتاج التوفيق إلى القول بالنسخ لكان الامر بعكس ما قلتم، مع أنه لا قائل بالفصل ثم استدل عليه السلام على ذلك بأن الله تعالى قال في سورة النساء: " أو يجعل الله لهن سبيلا " والسبيل هو الذي ذكره من الحد في سورة النور ويحتمل أن يكون الغرض إفادة دليل آخر على ما سبق من نزول الاحكام مدرجا ونسخ الاشد للاضعف، لكن الاول أظهر. " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم " (1) ذهب الاكثر إلى أن المراد بالفاحشة الزنا، وقيل: هي المساحقة " فاستشهدوا عليهن أربعة منكم " الخطاب للائمة والحكام، بطلب أربعة رجال من المسلمين شهودا عليهن، وقيل: الخطاب للازواج " فان شهدوا " أي الاربعة " فأمسكوهن " أي فاحبسوهن " في البيوت حتى يتوفيهن " أي يدركهن الموت، قيل اريد به صيانتهن عن مثل فعلهن، والاكثر على أنه على وجه الحد على الزنا. قالوا: كان في بدو الاسلام إن فجرت المرءة وقام عليها أربعة شهود حبست في البيت أبدا حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين " أو يجعل الله لهن سبيلا " أي ببيان الحكم كما مر، وقيل: بالتوبة أو بالنكاح المغني عن السفاح، وقالوا: لما نزل قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا "


(1) النساء: 15.

[126]

قال النبي صلى الله عليه وآله: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا (1) " سورة " أي هذه سورة أو فيما أوحينا إليك سورة " أنزلناها " صفة " وفرضناها " أي فرضنا ما فيها من الاحكام " لعلكم تذكرون " فتتقون الحرام " الزانية والزاني " قيل: أي فيما فرضنا أو أنزلنا حكمهما وهو الجلد، ويجوز أن يرفعا بالابتداء والخبر " فاجلدوا " إلى قوله " رأفة " أي رحمة " في دين الله " أي في طاعته وإقامة حده فتعطلوه، أو تسامحوا فيه " إن كنتم تؤمنون " فان الايمان يقتضي الجد في طاعة الله. ثم اعلم أن عدم ذكر الولاية في هذا الخبر مع أنه الغرض الاصلي منه لنوع من التقية لانه عليه السلام ذكره إلزاما عليهم حيث أنكروا كون الولاية جزءا من الايمان. تذييل نفعه جليل اعلم أن الذي ظهر لنا من مجموع الايات المتضافرة، والاخبار المتكاثرة الواردة في الايمان والاسلام وحقائقهما وشرائطهما أن لكل منهما إطلاقات كثيرة في الكتاب والسنة، ولكل منها فوائد وثمرات تترتب عليه. فالاول من معاني الايمان مجموع العقائد الحقة والاصول الخمسة والثمرة المترتبة عليه في الدنيا الامان من القتل، ونهب الاموال، والاهانة، إلا أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الحد أو التعزير، وفي الاخرة صحة أعماله واستحقاق الثواب عليها في الجملة، وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة، ويدخل في الكفر المقابل لهذا الايمان من سوى الفرقة الناجية الامامية من فرق الاسلام وغيرهم، فانهم مخلدون في النار، سوى المستضعفين منهم كما سيأتي. الثاني الاعتقادات المذكورة مع الاتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من


(1) وبعده: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم راجع مجمع البيان ج 3 ص 21.

[127]

القرآن، وترك الكبائر التي أوعد الله عليها النار، وعلى هذا المعنى اطلق الكافر على تارك الصلاة وتارك الزكاة وأشباههم، وورد لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن، وثمرة هذا الايمان عدم استحقاق الاذلال والاهانة والعذاب في الدنيا والاخرة. الثالث العقائد المذكورة مع فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات وثمرته اللحوق بالمقربين والحشر مع الصديقين، وتضاعف المثوبات، و رفع الدرجات. الرابع ما ذكر مع ضم فعل المندوبات، وترك المكروهات، بل المباحات كما ورد في أخبار صفات المؤمن، وبهذا المعنى يختص بالانبياء والاوصياء كما ورد في الاخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الايات بالائمة الطاهرين عليهم السلام. وقد ورد في تفسير قوله سبحانه " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (1) أن جميع معاصي الله بل التوسل بغيره تعالى داخلة في الشرك المذكور في هذه الاية، وثمرة هذا الايمان أنه يؤمن على الله فيجيز أمانه وأنه لا يرد الله دعوته وسائر ما ورد في درجاتهم عليهم السلام ومنازلهم عند الله تعالى. وأما الاسلام فيطلق غالبا على التكلم بالشهادتين، والاقرار الظاهري، وإن لم يقترن بالاذعان القلبي ولا بالاقرار بالولاية، كما عرفت سابقا، وثمرته إنما تظهر في الدنيا من حقن دمه وماله، وجواز نكاحه واستحقاقه الميراث، وسائر الاحكام الظاهرة للمسلمين، وليس له في الاخرة من خلاق، وقد يطلق على كل


(1) يوسف: 106، وما ورد من الحديث في ذلك، رواه القمى باسناده عن الفضيل عن أبى جعفر عليه السلام والعياشي ج 2 ص 200 عن زرارة عنه عليه السلام في هذه الاية قال: شرك طاعة وليس شرك عبادة والمعاصي التى يرتكبون فهى شرك طاعة أطاعوا فيها الشيطان فأشراكوا بالله الطاعة لغيره، وليس باشراك عبادة أن يعبدوا غير الله وروى العياشي عن مالك بن عطية، عن أبى عبد الله عليه السلام قال: هو الرجل يقول: لولا فلان لهلكت ولولا فلان لاصبت كذا وكذا، لولا فلان لضاع عيالي، الحديث.

[128]

من معاني الايمان حتى المعنى الاخير، فيكون بمعنى الاستسلام والانقياد التام ثم إن الايات والاخبار الدالة على دخول الاعمال في الايمان يحتمل وجوها الاول أن يحمل على ظواهرها، ويقال إن العمل داخل في حقيقة الايمان على بعض المعاني، الثاني أن يكون الايمان أصل العقايد، لكن يكون تسميتها إيمانا مشروطة بالاعمال، الثالث أن يقال بزيادة الايمان وتفاوته شدة وضعفا و تكون الاعمال كثرة وقلة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب، فانه لا شك أن لشدة اليقين مدخلا في كثرة الاعمال الصالحة وترك المناهي، وقا بسطنا الكلام في ذلك قليلا في كتاب عين الحيوة، وسيتضح لك بعض ما ذكرنا في تضاعيف الاخبار الاتية، ولنذكر هنا بعض ما ذكره أصحابنا في حقيقة الايمان والاسلام، ومعانيهما وشرائطهما. قال المحقق الطوسي قدس سره القدوسي في قواعد العقائد: المسألة الخامسة فيما به يحصل استحقاق الثواب والعقاب قالوا: الاسلام أعم في الحكم من الايمان، وهما في الحقيقة شئ واحد أما كونه أعم فلان من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " (1) وأما كون الاسلام في الحقيقة هو الايمان فلقوله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " (2) واختلفوا في معناه، فقال بعض السلف: الايمان إقرار باللسان، وتصديق بالقلب وعمل صالح بالجوارح، وقالت المعتزلة: اصول الايمان خمسة: التوحيد، والعدل والاقرار بالنبوة، وبالوعد والوعيد، والقيام بالامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقال الشيعة: اصول الايمان ثلاثة: التصديق بوحدانية الله تعالى في ذاته والعدل في أفعاله، والتصديق بنبوة الانبياء. والتصديق بامامة الائمة المعصومين والتصديق بالاحكام التي يعلم يقينا أنه صلى الله عليه وآله حكم بها، دون ما فيه الخلاف والاستتار. والكفر يقابل الايمان، والذنب يقابل العمل الصالح، وينقسم إلى كبائر


(1) الحجرات: 13. (2) آل عمران: 19.

[129]

وصغائر، ويستحق المؤمن بالاجماع الخلود في الجنة، ويستحق الكافر الخلود في العذاب، وصاحب الكبيرة عند الخوارج كافر لانهم جعلوا العمل الصالح جزءا من الايمان، وعند غيرهم خارج فاسق، والمؤمن عند المعتزلة والوعيدية لا يكون فاسقا وجعلوا الفاسق الذي لا يكون كافرا منزلة بين المنزلتين الايمان والكفر، وهو عندهم يكون في النار خالدا، وعند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقا وقد لا يكون، وتكون عاقبة الامر على التقديرين الخلود في الجنة. وقال - ره - في التجريد: الايمان التصديق بالقلب واللسان ولا يكفي الاول لقوله تعالى: " واستيقنتها أنفسهم " (1) ونحوه ولا الثاني لقوله تعالى: " قل لم تؤمنوا " والكفر عدم الايمان إما مع الضد أو بدونه، والفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الايمان به، والنفاق إظهار الايمان به وإخفاء الكفر، والفاسق مؤمن لوجود حده فيه. وقال العلامة نور الله ضريحه في الشرح: اختلف الناس في الايمان على وجوه كثيرة وليس هنا موضع ذكرها، والذي اختاره المصنف رضوان الله أنه عبارة عن التصديق بالقلب واللسان معا ولا يكفي أحدهما فيه، أما التصديق القلبي فانه غير كاف لقوله تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " و قوله تعالى: " فلما جائهم ما عرفوا كفروا به " (2) فأثبت لهم المعرفة والكفر وأما التصديق اللساني فانه غير كاف أيضا لقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا " الاية ولا شك في أن اولئك الاعراب صدقوا بألسنتهم. وقال - ره -: الكفر في اللغة هو التغطية وفي العرف الشرعي هو عدم الايمان إما مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط في الايمان، أو بدون الضد كالشاك الخالي من الاعتقاد الصحيح والباطل، والفسق لغة الخروج مطلقا وفي الشرع عبارة عن الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر، والنفاق في اللغة هو إظهار خلاف الباطن، وفي الشرع إظهار الايمان وإبطان الكفر.


(1) النمل: 14. (2) البقرة: 89.

[130]

واختلف الناس في الفاسق فقالت المعتزلة: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر وأثبتوا له منزلة بين المنزلتين، وقال الحسن البصري: إنه منافق، وقالت الزيدية: إنه كافر نعمة، وقالت الخوارج إنه كافر، والحق ما ذهب إليه المصنف وهو مذهب الامامية والمرجئة وأصحاب الحديث وجماعة الاشعرية، أنه مؤمن والدليل عليه أن حد المؤمن وهو المصدق بقلبه ولسانه في جميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله موجود فيه فيكون مؤمنا انتهى. وقال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب المسائل: اتفقت الامامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة والاقرار لا يخرج بذلك عن الاسلام، وأنه مسلم وإن كان فاسقا بما معه من الكبائر والاثام، ووافقهم على هذا القول المرجئة كافة وأصحاب الحديث قاطبة، ونفر من الزيدية، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، وزعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن ولا مسلم. وقال قدس سره: اتفقت الامامية على أن الاسلام غير الايمان وأن كل مؤمن فهو مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان، ووافقهم على هذا القول المرجئة وأصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على عدم الفرق بينهما. وقال الشهيد الثاني قدس سره في رسالة حقائق الايمان: اعلم أن الايمان لغة التصديق كما نص عليه أهلها، وهو إفعال من الامن بمعنى سكون النفس واطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها وحينئذ فكان حقيقة " آمن به " سكنت نفسه واطمأنت، بسبب قبول قوله، وامتثال أمره. فتكون الباء للسببية، ويحتمل أن يكون بمعنى أمنه التكذيب والمخالفة كما ذكره بعضهم، فتكون الباء فيه زائدة والاول أولى كما لا يخفى وأوفق لمعنى التصديق، وهو يتعدى باللام كقوله تعالى " وما أنت بمؤمن لنا " (1) و " فآمن له لوط " (2) وبالباء كقوله تعالى " آمنا بما أنزلت " (3)


(1) يوسف: 17. (2) العنكبوت: 26. (3) آل عمران: 53.

[131]

وأما التصديق فقد قيل إنه القبول والاذعان بالقلب، كما ذكره أهل الميزان ويمكن أن يقال معناه قبول الخبر أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان ويدل عليه قوله تعالى " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا " فأخبروا عن أنفسهم بالايمان - وهم من أهل اللسان - مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان، لنفيه عنهم بقوله تعالى " قل لم تؤمنوا " وإثبات الاعتراف بقوله تعالى " ولكن قولوا أسلمنا " (1) الدال على كونه إقرارا بالشهادتين وقد سموه إيمانا بحسب عرفهم، والذي نفاه الله عنهم إنما هو الايمان في عرف الشرع. وأما الايمان الشرعي فقد اختلف في بيان حقيقته العبارات بسبب اختلاف الاعتبارات، وبيان ذلك أن الايمان شرعا إما أن يكون من أفعال القلوب فقط، أو من أفعال الجوارح فقد، أو منهما معا. فان كان الاول فهو التصديق بالقلب فقط، وهو مذهب الاشاعرة، وجمع من متقدمي الامامية ومتأخريهم، ومنهم المحقق الطوسى رحمه الله في فصوله، لكن اختلفوا في معنى التصديق، فقال أصحابنا: هو العلم، وقال الاشعرية هو التصديق النفساني وعنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من إخبار المخبر، فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق، ولذا يثاب عليه بخلاف العلم والمعرفة، فانها ربما تحصل بلا كسب كما في الضروريات وقد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين فقال: التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقا، وإن كان معرفة، وسنبين إنشاء الله تعالى قصور ذلك. وإن كان الثاني فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط، وهو مذهب الكرامية، أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها، فرضا ونفلا وهو مذهب الخوارج، وقدماء المعتزلة والعلاف والقاضي عبد الجبار، أو عن جميعها من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل، وهو مذهب أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة.


(1) الحجرات: 13.

[132]

وإن كان الثالث فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات، وهو قول المحدثين وجمع من السلف كابن مجاهد وغيره فانهم قالوا إن الايمان تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان، أو يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة، ونسب إلى طائفة منهم أبو حنيفة، أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الاقرار باللسان وهو مذهب المحقق نصير الدين الطوسى رحمه الله في تجريده فهذه سبعة مذاهب ذكرت في الشرح الجديد للتجريد وغيره. واعلم أن مفهوم الايمان على المذهب الاول يكون تخصيصا للمعنى اللغوي وأما على المذاهب الباقية فهو منقول، والتخصيص خير من النقل، وهنا بحث وهو أن القائلين بأن الايمان عبارة عن فعل الطاعات كقدماء المعتزلة والعلاف والخوارج لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الاصول وحينئذ فما الفرق بينهم وبين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب والجوارح ويمكن الجواب بأن اعتقاد المعارف شرط عند الاولين وشطر عند الاخرين. ثم قال: اعلم أن المحقق الطوسي رحمه الله ذكر في قواعد العقائد أن اصول الايمان عند الشيعة ثلاثة ثم ذكر ما نقلنا عنه سابقا، ثم قال ذكر في الشرح الجديد للتجريد أن الايمان في الشرع عند الاشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلا فيما علم تفصيلا، وإجمالا فيما علم إجمالا، فهو في الشرع تصديق خاص انتهى فهؤلاء اتفقوا على أن حقيقة الايمان هي التصديق فقط، وإن اختلفوا في مقدار المصدق به، والكلام هيهنا في مقامين: الاول في أن التصديق الذي هو الايمان المراد به اليقيني الجازم الثابت، كما يظهر من كلام من حكينا عنه، والثاني في أن الاعمال ليست جزءا من حقيقة الايمان الحقيقي، بل هي جزؤ من الايمان الكمالي. أما الدليل على الاول فآيات بينات منها قوله تعالى " إن الظن لا يغني من الحق شيئا " (1) والايمان حق بالنص والاجماع، فلا يكفي في حصوله وتحققه


(1) النجم: 28.

[133]

الظن، ومنها " إن يتبعون إلا الظن " (1) " إن هم إلا يظنون " (2) " إن بعض الظن إثم (3) " فهذه قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن، والايمان لا يوبخ من حصل له بالاجماع، فلا يكون ظنا، ومنها قوله تعالى " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا (4) " فنفى عنهم الريب، فيكون الثابت هو اليقين، وفي العرف يطلق عدم الريب على اليقين، ومن السنة المطهرة قوله صلى الله عليه وآله " يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك " والثبات هو الجزم والمطابقة، وفيه منع لم لا يجوز أن يكون طلبه عليه السلام لانه الفرد الاكمل. ومن الدلائل أيضا الاجماع حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الايمان إلا بها بالدليل إجماعا من العلماء كافة، والدليل ما أفاد العلم، والظن لا يفيده، وفي صحة دعوى الاجماع بحث لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الاصولية كما سنذكره إن شاء الله تعالى. واعلم أن جميع ما ذكرنا من الادلة لا يفيد شئ منه العلم بأن الجزم والثبات معتبر في التصديق الذي هو الايمان، إنما يفيد الظن باعتبارهما، لان الايات قابلة للتأويل، وغيرها كذلك، مع كونها من الاحاد. ثم قال رفع الله درجته: اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله بالنظر، وأنها لا تحصل بالتقليد إلا من شذ منهم كعبد الله بن الحسن العنبري والحشوية، والتعليمية، حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الاصولية كوجود الصانع، وما يجب له ويمتنع، والنبوة والعدل وغيرها، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة أنه عقلي أو سمعي فالامامية والمعتزلة على الاول، والاشعرية على الثاني، ولا غرض لنا هنا ببيان ذلك، بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه. ثم استدل بوجوب شكر المنعم عقلا، وشكره على وجه يليق بكمال ذاته


(1) النجم: 28. (2) البقرة: 78. (3) الحجرات: 12. (14) الحجرات: 15.

[134]

يتوقف على معرفته، وهي لا تحصل بالظنيات كالتقليد وغيره لاحتمال كذب المخبر، وخطأ الامارة، فلابد من النظر المفيد للعلم، ثم قال: وهذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن والقبح، والاشاعرة ينكرون ذلك، لكن كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل، يدل أيضا على كون الوجوب عقليا، واعترض أيضا بأنه مبني على وجوب مالا يتم الواجب المطلق إلا به، وفيه أيضا منوع للاشاعرة. ومن ذلك أن الامة أجمعت على وجوب المعرفة، والتقليد وما في حكمه لا يوجب العلم إن أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم ويعتقد قدمه، وقد اعترض على هذا بمنع الاجماع كيف والمخالف معروف بل عورض بوقوع الاجماع على خلافه، وذلك لتقرير النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه العوام على إيمانهم، وهم الاكثرون في كل عصر، مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع وصفاته، مع أنهم كانوا لا يعلمونها، وإنما كانوا مقرين باللسان ومقلدين في المعارف، ولو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك مع الحكم بايمانهم، واجيب عن هذا بأنهم كانوا يعلمون الادلة إجمالا كدليل الاعرابي حيث قال " البعرة تدل على البعير، وأثر الاقدام على المسير، أفسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، لا تدلان على اللطيف الخبير " ؟ فلذا أقروا ولم يسألوا عن اعتقاداتهم أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين، ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين. ومن ذلك الاجماع على أنه لا يجوز تقليد غير المحق وإنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا ؟ وحينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر والاستدلال وإذا صار مستدلا امتنع كونه مقلدا، فامتنع التقليد في المعارف الالهية، ونقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات، فانه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعى، فان اكتفي في الاطلاع على ذلك بالظن وإن كان مخطئا في نفس الامر لحط ذلك عنه فليجز مثله في مسائل الاصول، واجيب بالفرق بأن الخطا

[135]

في مسائل الاصول يقتضي الكفر، بخلافه في الفروع، فساغ في الثانية ما لم يسغ في الاولى. احتج من أوجب التقليد في مسائل الاصول بأن العلم بالله تعالى غير ممكن لان المكلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره، وحال امتناع كونه عالما بأمره، يمتنع كونه مأمورا من قبله، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، وإن كان عالما به، استحال أيضا أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل، والجواب عن ذلك على قواعد الامامية والمعتزلة ظاهر، فان وجوب النظر والمعرفة عندهم عقلي لا سمعي نعم يلزم ذلك على قواعد الاشاعرة إذ الوجوب عندهم سمعي. أقول: ويجاب أيضا معارضة بأن هذا الدليل كما يدل على امتناع العلم بالمعارف الاصولية، يدل على امتناع التقليد فيها أيضا، فينسد باب المعرفة بالله تعالى، فكل من يرجع إليه في التقليد لابد وأن يكون عالما بالمسائل الاصولية، ليصح تقليده، ثم يجري الدليل فيه، فيقال: علم هذا الشخص بالله تعالى غير ممكن، لانه حين كلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره بالمقدمات وكل ما أجابوا به فهو جوابنا، ولا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالى غير ممكن أو سمعي فكذلك. فان قيل: ربما يحصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهامه إلى غير ذلك، فيقلده الباقون، قلنا هذا أيضا يبطل قولكم إن العلم بالله تعالى غير ممكن، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلا على امتناع المعرفة بما يسمع، فيكون حجة على الاشاعرة، لا دليلا على وجوب التقليد. واحتجوا أيضا بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى " ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا " (1) والنظر يفتح باب الجدال فيحرم، ولانه عليه السلام رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها، وقال: إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، ولقوله عليه السلام: عليكم بدين العجائز، والمراد ترك النظر فلو كان


(1) غافر: 4.

[136]

واجبا لم يكن منهيا عنه، واجيب عن الاول بأن المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى " وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق " (1) لا الجدال بالحق لقوله تعالى " وجادلهم بالتي هي أحسن " (2) فالامر بذلك يدل على أن الجدال مطلقا ليس منهيا عنه، وعن الثاني بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر، بل عنه في مسألة القدر، كيف وقد ورد الانكار على تارك النظر في قوله تعالى " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله " (3) وقد أثنى على فاعله في قوله " ويتفكرون في خلق السموات والارض " (4) على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمرا غيبيا وبحرا عميقا كما أشار إليه علي عليه السلام بقوله " بحر عميق فلا تلجه " بل كان مراد النبي صلى الله عليه وآله التفويض في مثل ذلك إلى الله تعالى لان ذلك ليس من الاصول التي يجب اعتقادها، والبحث عنها مفصلة. وهيهنا جواب آخر عنهما معا، وهو أن النهي في الاية والحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا عن متعدد بخلاف النظر فانه يكون من واحد، فهو نصب الدليل على غير المدعى، وعن الثالث بالمنع من صحة نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله فان بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري فانه روي أن عمر بن عبد الله المعتزلي قال: إن بين الكفر والايمان منزلة بين المنزلتين، فقالت عجوز: قال الله تعالى " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن " (5) فلم يجعل من عباده إلا الكافر والمؤمن، فسمع سفيان كلامها فقال: عليكم بدين العجائز، على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه وحكمه والانقياد له في أمره ونهيه.


(1) غافر: 5. (2) النحل: 125. (3) الروم: 8 وتمامه: ما خلق الله السموات والارض وما بينهما الا بالحق. (4) آل عمران: 191. (5) التغابن: 2.

[137]

واحتج من جوز التقليد بأنه لو وجب النظر في المعارف الالهية لوجد من الصحابة، إذ هم أولى به من غيرهم، لكنه لم يوجد وإلا لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية، فحيث لم ينقل لم يقع، فلم يجب. واجيب بالتزام كونهم أولى به، لكنهم نظروا وإلالزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى، وكون الواحد منا أفضل منهم، وهو باطل إجماعا، إذا كانوا عالمين، وليس بالضرورة، فهو بالنظر والاستدلال، وأما أنه لم ينقل النظر والمناظرة، فلا تفاقهم على العقائد الحقة لوضوح الامر عندهم، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر، بخلاف الاخلاف بعدهم، فانهم لما كثرت شبه الضالين، واختلفت أنظار طالبي اليقين، لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق احتاجوا إلى النظر والمناظرة، ليدفعوا بذلك شبه المضلين، ويقفوا على اليقين، أما مسائل الفروع لما كانت امورا ظنية اجتهادية خفية لكثرة تعارض الامارات فيها وقع بينهم الخلاف فيها، والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض فلذا نقل. واحتجوا أيضا بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات، والتورط في الضلالات، بخلاف التقليد فانه أبعد عن ذلك، وأقرب إلى السلامة، فيكون أولى، ولان الاصول أغمض أدلة من الفروع وأخفى، فإذا جاز التقليد في الاسهل، جاز في الاصعب، بطريق أولى، ولانهما سواء في التكليف بهما فإذا جاز في الفروع فليجز في الاصول. واجيب عن الاول بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد لزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر، لانتفاء الضرورة، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة، وهي احتمال كذب المخبر، بخلاف الناظر مع نفسه، فانه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره، على أنه لو اتفق الانتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم، أو بالالهام، أو بخلق العلم فيه ضرورة، فهو إنما يكون لافراد نادرة، لانه على خلاف العادة فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة، بل بالوسائط فيكثر احتمال الكذب، بخلاف الناظر فانه لا يكابر نفسه

[138]

ولانه أقرب إلى الوقوع على الصواب، وأما الجواب عن العلاوة فلانه لما كان الطريق إلى العمل بالفروع إنما هو النقل، ساغ لنا التقليد فيها، ولم يقدح احتمال كذب المخبر، وإلا لانسد باب العلم والعمل بها، بخلاف الاعتقاديات فان الطريق إليها بالنظر ميسر. ثم قال رحمه الله بعد إطالة الكلام في الجواب عن حجة الخصام: وأما المقام الثاني وهو أن الاعمال ليست جزءا من الايمان ولا نفسه، فالدليل عليه من الكتاب العزيز والسنة المطهرة والاجماع، أما الكتاب فمن قوله تعالى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " (1) فان العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، فلو كان عمل الصالحات جزءا من الايمان أو نفسه، لزم خلو العطف عن الفائدة، لكونه تكرارا، ورد بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض والنفل، والقائل بكون الطاعات جزءا من الايمان يريد بها فعل الواجبات واجتناب المحرمات وحينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيد لعموم المعطوف، فلم يدخل كله في المعطوف عليه نعم يصلح دليلا على إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلا في حقيقة الايمان كالخوارج. ومنه قوله تعالى " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن " (2) أي حالة إيمانه وهذا يقتضي المغايرة، ومنه قوله تعالى " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " (3) فانه أثبت الايمان لمن ارتكب بعض المعاصي، فلا يكون ترك المنهيات جزءا من الايمان، ومنه قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " (4) فان أمرهم بالتقوى الذي لا تحصل إلا بفعل الطاعات، والانزجار عن المنهيات مع وصفهم بالايمان يدل على عدم حصول التقوى لهم، وإلا لكان أمرا بتحصيل


(1) ترى نصه في آيات كثيرة منها: البقرة: 277. (2) طه: 112. (3) الحجرات: 9. (4) براءة: 119.

[139]

الحاصل، ومنه الايات الدالة على كون القلب محلا للايمان، من دون ضميمة شئ آخر كقوله تعالى " اولئك كتب في قلوبهم الايمان " (1) ولو كان الاقرار أو غيره من الاعمال نفس الايمان أو جزءه لما كان القلب محل جميعه، وقوله تعالى " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " (2) وقوله تعالى " وقلبه مطمئن بالايمان " (3). وكذا آيات الطبع والختم تشعر بأن محل الايمان القلب كقوله تعالى: " اولئك الذين طبع الله على قلوبهم " (4) [وطبع الله على قلوبهم] " فهم لا يؤمنون " (5) " وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله " (6). وأما السنة فكقوله صلى الله عليه وآله: يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عن الايمان فقال: أن تؤمن بالله ورسله، واليوم الاخر. وأما الاجماع فهو أن الامة أجمعت على أن الايمان شرط لسائر العبادات والشئ لا يكون شرطا لنفسه، فلا يكون الايمان هو العبادات. وأما أهل الثاني وهم الكرامية (7) فقد استدلوا على مذهبهم بأن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة كانوا يكتفون في الخروج عن الكفر بكلمتي الشهادتين، فتكون هي الايمان، إذ لا واسطة بين الكفر والايمان. لان الكفر عدم الايمان، ولقوله تعالى " فمنكم كافر ومنكم مؤمن " (8) وبقوله صلى الله عليه وآله امرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وبعثه صلى الله عليه وآله لاسامة، حين قتل من تكلم بالشهادتين:


(1) المجادلة: 22. (2) الحجرات: 13، (3) النحل: 106. (4) النحل: 108. (5) براءة: 93. (6) الجاثية: 23، وصححنا الايات بعرضها على المصحف الشريف. (7) أتباع محمد بن كرام - كشداد - ومن اعتقاده أن معبوده مستقر على العرش وأنه جوهر تعالى الله عن ذلك. (8) التغابن: 2.

[140]

هلا شققت قلبه أو هل شققت قلبه، على بعض النسخ، يريد بذلك الانكار عليه حيث لم يكتف بالشهادتين منه والجواب عن الاول أن الخروج عن الكفر بكلمة الشهادة إن أرادوا به الخروج في نفس الامر بحيث يصير مؤمنا عند الله سبحانه بمجرد ذلك، من دون تصديق فهو ممنوع، لم لا يجوز أن يكون اكتفاؤهم بذلك للترغيب في الاسلام لا للحكم بالايمان ؟ وإن أرادوا به الخروج بحسب الظاهر، فهو مسلم لكن لا ينفعهم، إذ الكلام فيما يتحقق به الايمان عند الله تعالى بحيث يصير المتصف به مؤمنا في نفس الامر، لا فيما يتحقق به الاسلام في ظاهر الشرع، حيث لا يمكن الاطلاع على الباطن، ألا ترى أنهم كانوا يحكمون بكفر من ظهر منه النفاق، بعد الحكم باسلامه، ولو كان مؤمنا في نفس الامر لما جاز ذلك، وأما نفي الواسطة (1) فهو مستقيم على أخذ الحكم في نفس الامر، فان حال المكلف في نفس الامر لا يخلو عن أحدهما، وأما جعل لا إله إلا الله غاية للقتال فلا يدل على أكثر من كونه للترغيب في الاسلام أيضا بسبب حقن الدماء، على أن النبي صلى الله عليه وآله ربما لا يطلع على بواطن الناس، فكيف يؤمر بالقتال على مالا يطلع عليه. وأما أهل الثالث، وهم قدماء المعتزلة، القائلون بأنه جميع الطاعات فرضا ونفلا، فمن أمتن دلائلهم على ذلك قوله تعالى: " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكوة وذلك دين القيمة " (2) والمشار إليه بذلك هو جميع ما حصر بإلا وما عطف عليه، والدين هو الاسلام لقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " (3) والاسلام هو الايمان لقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " (4) ولا ريب أن الايمان مقبول من مبتغيه للنص والاجماع، فيكون إسلاما، فيكون دينا، فيعتبر فيه الطاعات كما دلت عليه الايات.


(1) يعنى في قوله تعالى: فمنكم كافر ومنكم مؤمن. (2) البينة: 5. (3) آل عمران: 1. (4) آل عمران: 85.

[141]

والجواب المنع من اتحاد الدينين في الايتين، فلا يتكرر الوسط، ولو سلم اتحادهما فلا نسلم أن الايمان هو الاسلام، ليكون هو الدين فيعتبر فيه الطاعات لم لا يجوز أن يكون الايمان شرطا للاسلام أو جزءا منه أو بالعكس، وشرط الشئ وجزؤه يقبل مع كونه غيره، ولا يلزم من ذلك أن يكون الايمان هو الدين بل شرطه أو جزؤه، على أنا لو قطعنا النظر عن جميع ذلك فالاية الكريمة إنما تدل على أن من ابتغى وطلب غير دين الاسلام دينا له، فلن يقبل منه ذلك المطلوب، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه، لكنه ترك فعل بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الاسلام، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه، لعدم المنافاة بينهما، فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ولا يخرج بذلك عن ابتغائهما. واستدلوا أيضا بقوله تعالى: " وما كان الله ليضيع إيمانكم " (1) أي صلاتكم إلى بيت المقدس، واعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد به تصديقكم بتلك الصلاة، سلمنا ذلك لكن لا دلالة لهم في الاية، وذلك لانهم زعموا أن الايمان جميع الطاعات، والصلاة إنما هي جزؤ من الطاعات، وجزؤ الشئ لا يكون ذلك الشئ. وأما أهل الرابع، وهم القائلون بكونه عبارة عن جميع الواجبات وترك المحظورات، دون النوافل، فقد يستدل لهم بقوله تعالى: " إنما يتقبل الله من المتقين " (2) والتقوى لا يتحقق إلا بفعل المأمور به، وترك المنهي عنه، فلا يكون التصديق مقبولا ما لم يحصل التقوى، وبما روي أن الزاني لا يزني وهو مؤمن، وبقوله عليه السلام: لا إيمان لمن لا أمانة له، وبقوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون " (3) وقد لا يحكم بما أنزل الله أو يحكم بما لم


(1) البقرة: 143. (2) المائدة: 27. (3) المائدة: 47.

[142]

ينزل الله مصدقا، فلو تحقق الايمان بالتصديق لزم اجتماع الكفر والايمان في محل واحد، وهو محال لتقابلهما بالعدم والملكة. والجواب عن الاول أنه يجوز أن يكون المراد - والله أعلم - الاعمال الندبية، على أنا نقول: إن ظاهر الاية الكريمة متروك، فإنها تدل ظاهرا على أن من أخلص في جميع أفعاله وكان قد سبق منه معصية واحدة لم يثب عليها ويكون جميع أعمال الطاعات اللاحقة غير مقبولة، والقول بذلك مع بعده عن حكمة الله تعالى من أفظع الفظايع، فلا يكون مرادا بل المراد - والله أعلم - أن من عمل عملا إنما يكون مقبولا إذا كان متقيا فيه، بأن يكون مخلصا فيه لله تعالى وحينئذ فلا دلالة لهم في الاية الكريمة مع أنا لو تنزلنا عن ذلك وقلنا بدلالتها على عدم قبول التصديق من دون التقوى، فلا يحصل بذلك مدعاهم الذي هو كون الايمان عبارة عن جميع الواجبات - الخ -، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الايمان عبارة عما ذكرتم مع التصديق بالمعارف الاصولية، وعدم قبول الجزء إنما هو لعدم قبول الكل. وأما الحديث الاول على تقدير تسليمه، فيمكن حمله على المبالغة في الزجر أو تخصيصه بمن استحل، ودليل التخصيص في أحاديث اخر أو على نفي الكمال في الايمان، وكذا الحديث الثاني وأما الاستدلال بالاية فقد تعارض بقوله تعالى: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون (1) " والفاسق مؤمن على المذهب الحق، وبين المنزلتين على غيره، ويمكن أن يقال الفسق لا ينافي الكفر إذ الكافر فاسق لغة، وإن كان في العرف يباينه، لكنه لم يتحقق كونه عرف الشارع، بل المعلوم كونه لاهل الشرع والاصول، فلا تعارض حينئذ. أقول: والحق في الجواب أن المراد - والله أعلم - ومن لم يحكم بما أنزل أي بما علم قطعا أن الله سبحانه أنزله فان العدول عنه إلى غيره مستحلا أو الوقوف عنه كذلك لا ريب في كونه كفرا لانه إنكار لما علم ثبوته ضرورة، فلا يكون


(1) المائدة: 48.

[143]

التصديق حاصلا، وحينئذ فلا دلالة فيها على أن من ارتكب معصية غير مستحل أو مستحلا مع كون تحريمها لم يعلم من الدين ضرورة، يكون كافرا، وإنما ارتكبنا هذا الاضمار في الاية لما دل عليه النص والاجماع من أن الحاكم لو أخطأ في حكمه لم يكفر، مع أنه يصدق عليه أنه لم يحكم بما أنزل الله. واعلم أنه قد ظهر من هذا الجواب وجه آخر للجمع بين الايتين، ورفع التعارض بين ظاهرهما، بأن يراد من إحداهما ما ذكرناه في الجواب، ومن الاخرى ومن لم يحكم غير مستحل مع علمه بالتحريم فهو فاسق، والحاصل أنه يقال لهم: إن أردتم بالطاعات والتروك ما علم ثبوته من الدين ضرورة، فنحن نقول بموجب ذلك، لكن لا يلزم منه مدعاكم، لجواز كون الحكم بكفره إما لجحده ما علم من الدين ضرورة، فيكون قد أخل بما هو شرط الايمان، وهو عدم الجحد على ما قدمناه، أو لكون المذكورات جزء الايمان على ما ذهب إليه بعضهم، وإن أردتم الاعم فلا دلالة لكم فيها أيضا وهو ظاهر. وأما أهل الخامس القائلون بأنه تصديق بالجنان وإقرار باللسان، وعمل بالاركان، فيستدل لهم بما استدل به أهل التصديق مع ما استدل به أهل الاعمال ومن أضاف الاقرار باللسان إلى الجنان، وقد علمت تزييف ما سوى الاول وسيجئ إنشاء الله تعالى تزييف أدلة من أضاف الاقرار، فلم يبق لمذهبهم قرار. نعم في أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يشهد لهم، وقد ذكر في الكافي وغيره منها جملة فمنها ما رواه عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله عليه السلام أسأله عن الايمان ما هو ؟ إلى آخر الخبر (1) ومنها ما رواه عن عجلان أبي صالح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أوقفني على حدود الايمان الخبر (2) ومنها عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن الايمان الخبر (3).


(1) الكافي ج 2 ص 27. وقد مر في ج 68 ص 256 تحت الرقم 15 من الباب 24. (2) الكافي ج 2 ص 18 وقد مر في باب دعائم الاسلام، راجع ج 68 ص 330. (3) راجع الرقم 4 من هذا الباب ص 22.

[144]

ثم قال قدس سره: واعلم أن هذه الاحاديث منها ما سنده غير نقي كالاول فان في سنده عبد الرحيم وهو مجهول مع كونه مكاتبة، وأما الثاني فان سنده وإن كان جيدا إلا أن دلالته غير صريحة فان كون المذكورات حدود الايمان لا يقتضي كونها نفس حقيقته إذ حد الشئ نهايته وما لا يجوز تجاوزه فان تجاوزه خرج عنه، ونحن نقول بموجب ذلك، فان من تجاوز هذه المذكورات بأن تركها جاحدا لا ريب في خروجه عن الايمان، لكن لعل ذلك لكونها شروطا للايمان لا لكونها نفسه، وأما الثالث فان دلالته وإن كانت جيدة إلا أن في سنده إرسالا مع كون العلا مشتركا بين المقبول والمجهول، وبالجملة فهذه الرواية معارضة بما هو أمتن منها دلالة وقد تقدم ذلك، فليراجع، نعم لا ريب في كونها مؤيدة لما قالوه. وأما أهل السادس القائلون بأنه التصديق مع كلمتي الشهادة، ففيما مر من الاحاديث ما يصلح شاهدا لهم، وكذا ما ذكره الكرامية مع ما ذكره أهل التصديق يصلح شاهدا لهم، وقد عرفت ما في الاولين، فلا نعيده. وأما السابع فانه مذهب جماعة من المتأخرين منهم المحقق الطوسي - ره - في تجريده فانه اعتبر في حقيقة الايمان مع التصديق الاقرار باللسان، قال: ولا يكفي الاول لقوله تعالى " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم " (1) أثبت للكفار الاستيقان النفسي، وهو التصديق القلبي فلو كان الايمان هو التصديق القلبي فقط لزم اجتماع الكفر والايمان، وهو باطل لتقابلهما تقابل العدم والملكة، ولا الثاني يعني الاقرار باللسان لقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا " الاية ولقوله تعالى: " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين " (2) فأثبت لهم تعالى في الايتين التصديق باللسان، ونفى عنهم الايمان. أقول: الاستدلال على عدم الاكتفاء بالثاني مسلم موجه، وكذا على عدم الاكتفاء بالاول أما على اعتبار الاقرار ففيه بحث، فان الدليل أخص من المدعى


(1) النمل: 14. (2) الحجرات: 13، البقرة: 8.

[145]

إذ المدعى أن الايمان لا يتحقق إلا بالتصديق مع الاقرار، وبدون ذلك يتحقق الكفر، والاية الكريمة إنما دلت على ثبوت الكفر لمن جحد أي أنكر الايات مع علمه بحقيتها، وبينهما واسطة، فان من حصل له التصديق اليقيني في أول الامر، ولم يكن تلفظ بكلمات الايمان، لا يقال إنه منكر ولا جاحد وحينئذ فلا يلزم اجتماع الكفر والايمان في مثل هذه الصورة مع أنه غير مقر ولا تارك للاقرار جحدا كما هو المفروض، هذا إن قصد بالاية الدلالة على اعتبار الاقرار أيضا، و إلا لكان اعتبار الاقرار دعوى مجردة، وقد علمت ما عليه. وأما دلالة الاية الكريمة على كفره في صورة جحده واستيقانه، فنقول بموجبه لكن ليس لعدم إقراره فقط بل لانه ضم إنكارا إلى استيقان، وبالجملة فهو من جملة العلامات على الحكم بالكفر، كما جعل الاستخفاف بالشارع أو الشرع ووطئ المصحف علامة على الحكم بالكفر، مع أنه قد يكون مصدقا كما سبقت الاشارة إليه، نعم غاية ما يلزم أن يكون إقرار المصدق شرطا لحكمنا بايمانه ظاهرا، و أما قبل ذلك وبعد التصديق فهو مؤمن عند الله تعالى إذا لم يكن تركه للاقرار عن جحد، على أنه يلزمه قدس سره أن من حصل له التصديق بالمعارف الالهيه ثم عرض له الموت فجأة قبل الاقرار يموت كافرا ويستحق العذاب الدائم مع اعتقاده وحدة الصانع وحقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ولا أظن أن مثل هذا المحقق يلتزم ذلك. والحاصل أنه إن أراد رحمه الله أن كون الانسان مؤمنا عند الله سبحانه، كما هو ظاهر كلامه، لا يتحقق إلا بمجموع الامرين، فالواسطة والالتزام لا زمان عليه وإن أراد أن كونه مؤمنا في ظاهر الشرع لا يتحقق إلا بالامرين معا، فالنزاع لفظي فان من اكتفى فيه بالتصديق يريد به كونه مؤمنا عند الله تعالى فقط، وأما عند الناس فلابد في العلم بذلك من الاقرار ونحوه. واعلم أنه استدل بعضهم على هذا المذهب أيضا بأنا نعلم بالضرورة أن الايمان في اللغة هو التصديق، والدلائل عليه كثيرة، فإما أن يكون في الشرع

[146]

كذلك أو يكون منقولا عن معناه في اللغة، والثاني باطل لان أكثر الالفاظ تكرارا في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وآله لفظ الايمان، فلو كان منقولا عن معناه اللغوي لوجب أن يكون حاله كحال سائر العبادات الظاهرة في وجوب العلم به، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه باق على وضع اللغة. إذا ثبت هذه فنقول: ذلك التصديق إما أن يكون هو التصديق القلبي أو اللساني، أو مجموعهما، والاول باطل لقوله تعالى " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " (1) فأثبت لهم المعرفة مع أنه حكم بكفرهم، ولو كان مجرد المعرفة إيمانا لما صح ذلك، وأيضا قوله تعالى " فلما جائتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " (2) ولا يصح أن يكون جحدهم لها بقلوبهم حيث أثبت لهم الاستيقان بها، فلابد أن يكون بألسنتهم حيث لم يقروا بها وإذا كان الجحد باللسان موجبا للكفر كان الاقرار به مع التصديق القلبي موجبا للايمان، فيكون الاقرار من محققات الايمان، وأيضا قوله تعالى حكاية عن موسى على نبينا وآله وعليه السلام إذ يقول لفرعون " لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والارض " (3) فأثبت كونه عالما بأن الله تعالى هو الذي أنزل الايات التي جاء بها موسى عليه السلام فلو كان مجرد العلم هو الايمان لكان فرعون مؤمنا وهو باطل بنص القرآن العزيز، وإجماع الانبياء عليهم السلام من لدن موسى عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وأيضا قوله تعالى " فانهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " (4) ومعنى ذلك والله أعلم أنهم يجحدون ذلك بألسنتهم ولا يكذبونك بقلوبهم أي يعلمون نبوتك، ولا يستقيم أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم لمنافاة يجحدون


(1) البقرة: 89. (2) النمل: 14، وفى نسخة الكمبانى بين صدر الاية وذيلها تقديم وتأخير، والظاهر أن النساخ نقلوا السقط من الهامش الى المتن في غير موضعه. (3) اسرى: 102. (4) الانعام: 33.

[147]

بألسنتهم له، فيلزم أن يكونوا كذبوا بألسنتهم ولم يكذبوا بها، وبطلانه ظاهر فيجب تنزيه القرآن العزيز عنه. ولك أن تقول: لم لا يجوز أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم ولكن يجحدون نبوتك بقلوبهم كما أخبر الله تعالى عن المنافقين في سورتهم حيث قالوا: " نشهد إنك لرسول الله " (1) وكذبهم الله تعالى حيث شهد سبحانه وتعالى بكذبهم فقال " والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " والمراد في شهادتهم أي فيما تضمنته من أنها عن صميم القلب وخلوص الاعتقاد كما ذكره جماعة من المفسرين حيث لم توافق عقيدتهم فقد علم من ذلك أنهم لم يكذبوه بألسنتهم، بل شهدوا له بها ولكنهم جحدوا ذلك بقلوبهم حيث كذبهم الله تعالى في شهادتهم. والجواب، التكذيب لهم ورد على نفس شهادتهم التي هي باللسان، لا على نفس عقيدتهم، وبالجملة فهذا لا يصلح نظيرا لما نحن فيه، على أن معنى الجحد كما قر روه هو الانكار باللسان، مع تصديق القلب، وما ذكر من الاحتمال عكس هذا المعنى. ثم قال: والثاني باطل أما أولا فبالاتفاق من الامامية وأما ثانيا فلقوله تعالى: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " (2) ولا شك أنهم كانوا صدقوا بألسنتهم، وحيث لم يكن كافيا نفى الله تعالى عنهم الايمان مع تحصله وقوله تعالى " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين " (3) فأثبت لهم الاقرار والتصديق باللسان ونفى إيمانهم فثبت بذلك أن الايمان هو التصديق مع الاقرار. ثم قال: لا يقال: لو كان الاقرار باللسان جزء الايمان للزم كفر الساكت لانا نقول لو كان الايمان هو العلم أي التصديق لكان النائم غير مؤمن، لكن لما كان النوم لا يخرجه عن كونه مؤمنا بالاجماع مع كونه أولى بأن يخرج النائم عن


(1) المنافقون: 1 وهكذا ما بعده. (2) الحجرات: 13. (3) البقرة: 8.

[148]

الايمان، لانه لا يبقى معه معنى من الايمان بخلاف الساكت فانه قد بقي معه معنى منه، وهو العلم، لم يكن السكوت مخرجا بطريق أولى، نعم لو كان الخروج عن التصديق والاقرار أو عن أحدهما على جهة الانكار والجحد لخرج بذلك عن الايمان ولذلك قلنا إن الايمان هو التصديق بالقلب، والاقرار باللسان أو ما في حكمهما انتهى محصل ما ذكره. أقول: قوله: إن النائم ينتفي عنه العلم أي التصديق غير مسلم، وإنما المنفي شعوره بذلك العلم، وهو غير العلم، فالتصديق حينئذ باق لكونه من الكيفيات النفسية فلا يزيله النوم وحينئذ فلا يلزم من عدم الحكم بانتفاء الايمان عن النائم عدم الحكم بانتفائه عن الساكت بطريق أولى، نعم الحكم بعدم انتفائه عن الساكت على مذهب من جعل الاقرار جزءا إما للزوم الحرج العظيم بدوام الاقرار في كل وقت، أو أن يكون المراد من كون الاقرار جزءا للايمان الاقرار في الجملة، أو في وقت ما مع البقاء عليه، فلا ينافيه السكوت المجرد، وإنما ينافيه مع الجحد لعدم بقاء الاقرار حينئذ. وأقول: الذي ذكره من الدليل على عدم النقل لا يدل وحده على كون الاقرار جزءا، وهو ظاهر، بل قصد به الدلالة على بطلان ما عدا مذهب أهل التصديق. ثم استدل على بطلان مذهب التصديق بما ذكره من الايات الدالة على اعتبار الاقرار في الايمان، فيكون الايمان الشرعي تخصيصا للغوي كما هو عند أهل التصديق، وهذا جيد لكن دلالة الايات على اعتبار الاقرار ممنوعة، وقد بينا ذلك سابقا أن تكفيرهم إنما كان لجحدهم الاقرار، وهو أخص من عدم الاقرار، فتكفيرهم بالجحد لا يستلزم تكفيرهم بمطلق عدم الاقرار، ليكون الاقرار معتبرا، نعم اللازم من الايات اعتبار عدم الجحد مع التصديق، وهو أعم من الاقرار، واعتبار الاعم لا يستلزم اعتبار الاخص وهو ظاهر. وهذا جواب عن استدلاله بجميع الايات، ونزيد في الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى في الحكاية عن موسى عليه وعلى نبينا وآله الصلاة والسلام:

[149]

" لقد علمت ما أنزل هؤلاء " (1) الاية أنه يجوز أن يكون نسب إلى فرعون العلم على طريق الملاطفة والملاءمة، حيث كان مأمورا عليه السلام بذلك بقوله " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " (2) وهذا شائع في الاستعمال كما يقال في المحاورات كثيرا " وأنت خبير بأنه كذا وكذا " مع أن المخاطب بذلك قد لا يكون عارفا بذلك المعنى أصلا، بل قد لا يكون هناك مخاطب أصلا كما يقع في المؤلفات كثيرا، وعلى هذا فلا تدل الاية على ثبوت العلم لفرعون، ولو سلم ثبوته كان الحكم بكفره للجحد، لا لعدم الاقرار مطلقا كما سبق بيانه. واعلم أن المحقق الطوسي قدس سره اختار في فصوله الاكتفاء بالتصديق القلبي في تحقق الايمان، فكأنه رحمه الله لحظ ما ذكرناه، وقد استدل له بعض الشارحين بقوله تعالى " اولئك كتب في قلوبهم الايمان " (3) وبقوله تعالى " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " (4) فيكون حقيقة فيه، فلو اطلق على غيره لزم الاشتراك أو المجاز، وهما خلاف الاصل، والاقرار باللسان كاشف عنه، والاعمال الصالحة ثمراته. أقول: الذي ظهر مما قررناه أن الايمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته، وبالنبوة وبكل ما علم بالضرورة مجئ النبي صلى الله عليه وآله به مع الاقرار بذلك، وعلى هذا أكثر المسلمين بل ادعى بعضهم إجماعهم على ذلك، والتصديق بامامة الائمة الاثنى عشر عليهم السلام وبامام الزمان وهذا عند الامامية.


(1) أسرى: 102. (2) طه: 44. (3) المجادلة: 22. (4) الحجرات: 13.

[150]

31 - * (باب) * " (في عدم لبس الايمان بالظلم) " الاية الانعام: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون " (1). تفسير: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " قال الطبرسي رحمه الله: معناه الذين عرفوا الله تعالى وصدقوا به، وبما أوجبه عليهم، ولم يخلطوا ذلك بظلم، والشرك هو الظلم، عن ابن عباس وابن المسيب وأكثر المفسرين، وروي عن ابي بن كعب أنه قال ألم تسمع قوله سبحانه " إن الشرك لظلم عظيم " (2) وهو المروي عن سلمان وحذيفة، وروي عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الاية شق على الناس وقالوا يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه فقال عليه السلام إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح " يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " وقال الجبائي والبلخي يدخل في الظلم كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة، قال البلخي ولو اختص الشرك على ما قالوه لوجب أن يكون مرتكب الكبيرة إذا كان مؤمنا كان آمنا، وذلك خلاف القول بالارجاء، وهذا لا يلزم لانه قول بدليل الخطاب، ومرتكب الكبيرة غير آمن، وإن كان ذلك معلوما بدليل آخر " اولئك لهم الامن " من الله بحصول الثواب والامان من العقاب " وهم مهتدون " أي محكوم لهم بالاهتداء إلى الحق والدين، وقيل: إلى الجنة، ثم إنه قيل: إن هذه الاية من تمام قول إبراهيم عليه السلام وروي ذلك عن علي عليه السلام وقيل: إنها من الله على جهة فصل القضاء بين إبراهيم وقومه انتهى (3).


(1) الانعام: 82. (2) لقمان: 13. (3) مجمع البيان ج 4: 327.

[151]

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن الظلم هنا الشك (1) وعنه عليه السلام قال: آمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله من الولاية ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان (2) ويمكن أن يقال: الامن المطلق والاهتداء الكامل لمن لم يلبس إيمانه بشئ من الظلم والمعاصي والامن من الخلود من النار والاهتداء في الجملة لمن صحت عقائده، ثم بينهما مراتب كثيرة يختلف بحسبها الامن والاهتداء. 1 - ج: باسناده عن أبي جعفر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في خطبة الغدير قال بعد أن ذكر عليا عليه السلام وأوصياءه: ألا إن أولياءهم الذين وصفهم الله عزوجل فقال: " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون " (3). 2 - ج: عن أمير المؤمنين عليه السلام في جواب الزنديق المدعي للتناقض في القرآن (4) قال عليه السلام: وأما قوله: " فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا


(1) الكافي ج 2 ص 399. (2) الكافي ج 1 ص 413. (3) الاحتجاج ص 39، والاية في الانعام: 82. (4) يعنى: [حيث قال: وأجده يقول: " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " ويقول: " وانى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " أعلم في الاية الاولى أن الاعمال الصالحة لا تكفر، وأعلم في الثانية أن الايمان والاعمال الصالحات لا تنفع الا بعد الاهتداء] راجع الاحتجاج ص 128 والظاهر أن هذه العبارة التي جعلناه بين المعقوفتين كان في أصل المصنف قدس سره ملحقا بالمتن لكنه كان مكتوبا في الهامش، فنقلها الكتاب في غير موضعه مع اسقاط، كما ترى شطرا من هذه العبارة في نسخة الكمبانى بعد حديث العياشي ج 15 ص 257. وقد مر الحديث في ج 68 ص 264 و 265، باب الفرق بين الايمان والاسلام تحت الرقم 23 ولفظه هكذا: في خبر الزنديق الذى سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عما زعم من التناقض في القرآن حيث قال: أجد الله يقول: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه ويقول: وانى لغفار لمن تاب، فقال عليه السلام وأما قوله ومن يعمل من الصالحات الحديث.

[152]

كفران لسعيه " (1) وقوله " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " (2) فان ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء، وليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة، مما هلك به الغواة، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد وإقرارها بالله، ونجا سائر المقرين بالوحدانية من إبليس فمن دونه في الكفر وقد بين ذلك بقوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون " وبقوله " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " (3). 3 - شى: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " منه ما أحدث زرارة وأصحابه (4). بيان: " منه ما أحدث " أي من الظلم المذكور في الاية القول الباطل الذي أحدثه وابتدعه زرارة، وكأنه قال بمذهب باطل ثم رجع عنه. 4 - شى: عن أبي بصير قال: قلت له: إنه قد ألح علي الشيطان عند كبر سني يقنطني، قال: قل: كذبت يا كافر يا مشرك إني اومن بربي واصلي له وأصوم واثني عليه، ولا ألبس إيماني بظلم (5). 5 - شى: عن جابر الجعفي، عمن حدثه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله في مسير له إذ رأى سوادا من بعيد فقال: هذا سواد لا عهد له بأنيس فلما دنا سلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أين أراد الرجل ؟ قال: أراد يثرب، قال: وما أردت بها ؟ قال: أردت محمدا، قال: فأنا محمد، قال: والذي بعثك بالحق ما رأيت إنسانا مذ سبعة أيام، ولا


(1) الانبياء: 94. (2) طه: 82. (3) الاحتجاج ص 130 والاية الاخيرة في المائدة: 41. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 365. (5) تفسير العياشي ج 1 ص 365، وفى طبعة الكمبانى بعد تمام الخبر هكذا من دون فصل: [وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى أعلم في الاية الاولى......] الى آخر ما نقلناه عن الاحتجاج في الحاشية السابقة والظاهر أنه سهو وتخليط.

[153]

طعمت طعاما إلا ما تناول منه دابتي، قال: فعرض عليه الاسلام فأسلم، قال: فعضته راحلته (1) فمات، وأمر به فغسل وكفن، ثم صلى عليه النبي عليه وآله السلام قال: فلما وضع في اللحد قال: هذا من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم (2). 6 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " الزنا منه ؟ قال: أعوذ بالله من اولئك لا، ولكنه ذنب إذا تاب تاب الله عليه، وقال: مدمن الزنا والسرقة وشارب الخمر كعابد الوثن (3) 7 - شى: عن يعقوب بن شعيب عنه في قوله " ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " قال الضلال فما فوقه (4). 8 - شى: عن أبي بصير عنه عليه السلام بظلم قال: بشك (5). 9 - شى: عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " قال آمنوا بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله من الولاية ولم يخلطوها بولاية فلان وفلان، فهو اللبس بظلم، وقال: أما الايمان فليس ينتقض كله ولكن ينتقض قليلا قليلا، قلت: بين الضلال والكفر منزلة ؟ قال: ما أكثر عرى الايمان (6). بيان: " أما الايمان " لعله عليه السلام ذكر أولا بعض أفراد الظلم ثم بين أن كل ظلم ينقض الايمان وينقصه، لكن لا يذهبه بالكلية كل ظلم، فان بين الكفر والايمان الكامل منازل كثيرة. 10 - شى: عن أبي بصير قال: سألته عن قول الله عزوجل " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " قال: نعوذ بالله يا با بصير أن تكون ممن لبس إيمانه بظلم


(1) العض معروف، ومنه عضاض الدابة يقال: برئت اليك من العضاض والعضيض، إذا باع دابة وبرئ الى مشتريها من عضها الناس. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 366. (3 - 6) المصدر ج 1 ص 366.

[154]

ثم قال: اولئك الخوارج وأصحابهم (1). 11 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي عن هارون بن خارجة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " قال: بشك (2). 32 * (باب) * * " درجات الايمان وحقائقه " * الايات آل عمران: هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون (3). الانعام: نرفع درجات من نشاء وقال تعالى: ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون (4). يوسف: نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (5). أسرى: انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (6). الاحقاف: ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون (7) الواقعة: وكنتم أزواجا ثلثة * فأصحاب الميمنة * ما أصحاب الميمنة * و أصحاب المشئمة * ما أصحاب المشئمة * والسابقون السابقون * اولئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة من الاولين * وقليل من الاخرين - إلى قوله لاصحاب اليمين: ثلة من الاولين * وثلة من الاخرين (8).


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 367. (2) الكافي ج 2 ص 399، وقد مر الاشارة إليه. (3) آل عمران: 162. (4) الانعام: 83 و 132. (5) يوسف: 76. (6) أسرى: 21. (7) الاحقاف: 19. (8) الواقعة: 7 - 39.

[155]

وقال تعالى " فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنة نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين * وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم " (1). الحديد: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل الاية (2). المجادلة: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات (3). الحشر: للفقراء المهاجرين - إلى قوله - إنك رؤف رحيم (4). تفسير: " هم درجات عند الله " شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب أو هم ذو درجات " والله بصير بما يعملون " عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها " نرفع درجات من نشاء " أي في العلم والعمل " ولكل " أي من المكلفين " درجات " أي مراتب مما عملوا " وما ربك بغافل عما يعملون " فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب، وقرئ بالخطاب. " نرفع درجات من نشاء " بالعلم والحكمة كما رفعنا درجة يوسف " وفوق كل ذي علم عليم " أرفع درجة منه في علمه، واستدل به على أنه علمه سبحانه عين ذاته " كيف فضلنا " أي في الدنيا " وللاخرة أكبر درجات " أي التفاوت في الاخرة أكثر، وفي المجمع روي أن ما بين أعلى درجات الجنة وأسفلها مثل ما بين السماء والارض (5) وروى العياشي عن الصادق عليه السلام لا تقولن الجنة واحدة، إن الله يقول " ومن دونهما جنتان " (6) ولا تقولن درجة واحدة، إن الله يقول " درجات بعضها فوق بعض " إنما تفاضل القوم بالاعمال (7) وعن النبي صلى الله عليه وآله إنما يرتفع


(1) الواقعة: 88 - 94. (2) الحديد: 10. (3) المجادلة: 11. (4) الحشر: 8 - 10. (5) مجمع البيان ج 6 ص 407 والاية في أسرى: 21. (6) الرحمن: 63. (7) ترى ذيله في تفسير العياشي ج 388 1، وأخرجه الطبرسي في مجمع البيان ج 9 ص 210، مع زيادة، وقوله " درجات بعضها فوق بعض " اقتباس من القرآن وليس بنص.

[156]

العباد غدا في الدرجات، وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أن الثواب على قدر العقل " ولكل " أي من الجن والانس " درجات مما عملوا " أي مراتب مما عملوا من الخير والشر أو من أجل ما عملوا، قيل: والدرجات غالبة في المثوبة، وهنا جاءت على التغليب " وليوفيهم أعمالهم " أي جزاءها " وهم لا يظلمون " بنقص ثواب وزيادة عقاب. " وكنتم أزواجا " أي أصنافا " فأصحاب الميمنة " قيل: أي اليمين، وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، أو يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، أو أصحاب اليمن والبركة على أنفسهم " ما أصحاب الميمنة " أي أي شئ هم ؟ على التعجيب من حالهم " وأصحاب المشئمة " وهم الذين يعطون كتبهم بشمالهم أو يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، أو المشائيم على أنفسهم بما عملوا من المعصية ثم عجب سبحانه من حالهم تفخيما لشأنهم في العذاب فقال " ما أصحاب المشئمة ". ثم بين الصنف الثالث فقال: " والسابقون السابقون " أي السابقون إلى اتباع الانبياء الذين صاروا أئمة الهدى فهم السابقون إلى جزيل الثواب عند الله أو السابقون إلى طاعة الله، هم السابقون إلى رحمته أو الثاني تأكيد للاول، والخبر " اولئك المقربون " أي السابقون إلى الطاعات يقربون إلى رحمة الله في أعلى المراتب وقيل في السابقين: أنهم السابقون إلى الايمان، وقيل: إلى الهجرة، وقيل: إلى الصلوات الخمس، وقيل: إلى الجهاد، وقيل: إلى التوبة وأعمال البر، وقيل: إلى كل ما دعا الله إليه، وهذا أولى. وعن أبي جعفر عليه السلام قال: السابقون أربعة: ابن آدم المقتول، والسابق في امة موسى وهو مؤمن آل فرعون، والسابق في امة عيسى وهو حبيب النجار، والسابق في امة محمد صلى الله عليه وآله وهو علي بن أبيطالب عليه السلام (1). " ثلة من الاولين " أي هم ثلة أي جماعة كثيرة العدد من الامم الماضية " و


(1) مجمع البيان ج 9 ص 215.

[157]

قليل من الاخرين " من امة محمد صلى الله عليه وآله لان من سبق إلى إجابة نبينا صلى الله عليه وآله قليل بالاضافة إلى من سبق إلى إجابة النبيين قبله، وقيل: معناه جماعة من أوائل هذه الامة، وقليل من أواخرهم ممن قرب حالهم من حال اولئك، وقيل: على الوجه الاول لا يخالف ذلك قوله عليه السلام إن امتي يكثرون سائر الامم لجواز أن يكون سابقوا سائر الامم أكثر من سابقي هذه الامة وتابعوا هذه أكثر من تابعيهم، ولا يرده قوله تعالى في أصحاب اليمين " ثلة من الاولين وثلة من الاخرين " لان كثرة الفريقين لا ينافي أكثرية أحدهما انتهى (1). " لاصحاب اليمين " أي ما ذكر جزاء لاصحاب اليمين " ثلة من الاولين و ثلة من الاخرين " أي جماعة من الامم الماضية وجماعة من مؤمني هذه الامة، وقيل هنا أيضا: إن الثلتين من هذه الامة. " فأما إن كان " أي المتوفى " من المقربين " أي السابقين " فروح " أي فله استراحة، وقيل: هواء تستلذه النفس ويزيل عنها الهم " وريحان " قيل: أي رزق طيب وقيل: الريحان المشموم من ريحان الجنة يؤتى به عند الموت فيشمه، وقيل: الروح الرحمة والريحان كل نباهة وشرف، وقيل: روح في القبر وريحان في الجنة " و جنة نعيم " أي ذات تنعم " فسلام لك من أصحاب اليمين " قيل أي فترى فيهم ما تحب لهم من السلامة من المكاره والخوف، وقيل: أي فسلام لك أيها الانسان الذي هو من أصحاب اليمين من عذاب الله، وسلمت عليك ملائكة الله وقيل: معناه فسلام لك منهم في الجنة لانهم يكونون معك فقوله " لك " بمعنى عليك. " فنزل من حميم " أي نزلهم الذي أعد لهم من الطعام والشراب حميم جهنم " وتصلية جحيم " أي إدخال نار عظيمة. " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل اولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا " (2) بين سبحانه أن الانفاق قبل فتح مكة إذا انضم إليه الجهاد


(1) أنوار التنزيل: 420. (2) الحديد: 10.

[158]

أكثر ثوابا عند الله من النفقة والجهاد بعد ذلك، وذلك أن القتال قبل الفتح كان أشد، والحاجة إلى النفقة وإلى الجهاد كان أكثر وأمس، وقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه، والفتح فتح مكة إذ عز الاسلام به وكثر أهله وقلت الحاجة إلى المقاتلة والانفاق " من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا " أي من بعد الفتح " وكلا وعد الله الحسنى " أي كلا من المنفقين وعد الله المثوبة الحسنى وهي الجنة " والله بما تعملون خبير " عالم بظاهره وباطنه فمجازيكم على حسبه. " يرفع الله الذين آمنوا منكم " (1) قال ابن عباس يرفع الله الذين اوتوا العلم من المؤمنين درجات على الذين لم يؤتوا العلم درجات، وقيل: معناه لكي يرفع الله الذين آمنوا منكم بطاعتهم للرسول صلى الله عليه وآله درجة والذين اوتوا العلم بفضل علمهم وسابقتهم درجات في الجنة وقيل: في مجلس الرسول صلى الله عليه وآله. " للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من ديارهم وأموالهم " (2) فان كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم " يبتغون فضلا من الله ورضوانا " حال مقيدة لاخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم " وينصرون الله ورسوله " بأنفسهم وأموالهم " اولئك هم الصادقون " الذين ظهر صدقهم في إيمانهم " والذين تبوؤا الدار والايمان " عطف على المهاجرين، والمراد بهم الانصار، فانهم لزموا المدينة وتمكنوا فيهما وقيل: المعنى تبوؤا دار الهجرة ودار الايمان، فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الاول وعوض عنه اللام، أو تبوؤا الدار وأخلصوا الايمان " من قبلهم " أي من قبل هجرة المهاجرين، وقيل: تقدير الكلام والذين تبوؤا الدار من قبلهم والايمان (3) " يحبون من هاجر إليهم " ولا يثقل عليهم " ولا يجدون في صدورهم " أي في أنفسهم " حاجة " أي ما يحمل عليه الحاجة كالطلب والحزازة والحسد والغيظ " مما اوتوا " أي مما اعطي المهاجرون وغيرهم " ويؤثرون على أنفسهم " أي


(1) المجادلة: 11. (2) الحشر: 8. (3) أنوار التنزيل: 427.

[159]

يقدمون المهاجرين على أنفسهم " ولو كان بهم خصاصة " أي حاجة " ومن يوق شح نفسه " حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الانفاق " فاولئك هم المفلحون " الفائزون بالثناء العاجل والثواب الاجل. " والذين جاؤا من بعدهم " قيل: هم الذين هاجروا من بعد حين قوي الاسلام أو التابعون باحسان، وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل إن الاية قد استوعبت جميع المؤمنين " يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان " أي يدعون ويستغفرون لانفسهم ولمن سبقهم بالايمان " ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا " حقدا وغشا وعداوة " ربنا إنك رؤف رحيم " أي متعطف على العباد منعم عليهم. وأقول: إنما أوردناها لدلالتها من جهة الترتيب الذكري على فضل المهاجرين من الصحابة على الانصار، وفضلهما على التابعين لهم باحسان. 1 - كا: عن العدة عن البرقي، عن الحسن بن محبوب، عن عمار بن أبي الاحوص عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل وضع الايمان على سبعة أسهم: على البر والصدق، واليقين، والرضا، والوفاء، والعلم، والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم فهو كامل محتمل، وقسم لبعض الناس السهم ولبعض السهمين ولبعض الثلاثة حتى انتهوا إلى السبعة، ثم قال: لا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة فتبهظوهم ثم قال كذلك حتى انتهى إلى السبعة (1). توضيح: البر الاحسان إلى نفسه وإلى غيره، ويطلق غالبا على الاحسان بالوالدين والاقربين والاخوان من المؤمنين كما ورد " من خالص الايمان البر بالاخوان " والصدق: هو القول المطابق للواقع، ويطلق أيضا على مطابقة العمل للقول والاعتقاد، وعلى فعل القلب والجوارح المطابقين للقوانين الشرعية والموارين العقلية، ومنه الصديق وهو من حصل له ملكة الصدق في جميع هذه الامور، ولا


(1) الكافي ج 2 ص 42.

[160]

يصدر منه خلاف المطلوب عقلا ونقلا، كما صرح به المحقق الطوسي - ره - في أوصاف الاشراف. واليقين: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وفي عرف الاخبار هو مرتبة من اليقين يصير سببا لظهور آثاره على الجوارح، ويطلق غالبا على ما يتعلق بامور الاخرة، وبالقضاء والقدر كما ستعرف، وله مراتب اشير إليها في القرآن العزيز وهي علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، كما قال تعالى: " لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين " (1) وقال سبحانه: " وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين " (2). وقالوا: الاول مرتبة أرباب الاستدلال، كمن لم ير النار، واستدل بالدخان عليه، والثاني مرتبة أصحاب المشاهدة والعيان كمن رأى النار بعينها بعينه، والثالث مرتبة أرباب اليقين كمن كان في وسط النار واتصف بصفاتها، وإن لم يصر عينها كالحديدة المحماة في النار فانك تظنها نارا وليست بنار، وهذا هي التي زلت فيها الاقدام، وضلت العقول والاحلام، وليس محل تحقيقها هذا المقام. والرضا: هو اطمئنان النفس بقضاء الله تعالى عند البلاء والرخاء، وعدم الاعتراض عليه سبحانه قوله وفعلا في شئ من الاشياء، والوفاء: هو العمل بعهود الله تعالى من التكاليف الشرعية وما عاهد الله تعالى عليه، وألزم على نفسه من الطاعات، والوفاء ببيعة النبي والائمة صلوات الله عليهم، والوفاء بعهود الخلق ما لم تكن في معصية والعلم: هو معرفة الله ورسوله وحججه وما امر به ونهي عنه، وعلم الشرائع والاحكام والحلال والحرام، والاخلاق ومقدماتها، والحلم: هو ملكة حاصلة للنفس مانعة لها عن المبادرة إلى الانتقام، وطلب التسلط والترفع والغلبة. " فهو كامل " أي في الايمان " محتمل " لشرائطه وأركانه قابل لها كما ينبغي " لا تحملوا على صاحب السهم سهمين " أي لما كانت القابليات والاستعدادات متفاوتة


(1) التكاثر 5 - 7. (2) الواقعة: 94.

[161]

ولم يكلف الله كل امرئ إلا على قدر قابليته، فلا تحملوا في العلوم والاعمال والاخلاق على كل امرئ إلا بحسب طاقته ووسعه، كما مر إنما يداق الله العباد في الحساب على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا (1) نعم للاعلى أن ينقل الادنى إلى درجته بالتعليم والتدريج والرفق حتى يصل إلى درجته إن كان قابلا لذلك كما سيأتي إنشاء الله، وعلى الادنى أن يسعى ويتضرع إلى الله تعالى لان يوفقه للصعود إلى الدرجة العليا " فتبهضوهم " في بعض النسخ بالضاد وفي بعضها بالظاء، وهما معجمتان متقاربان معنى، قال: في القاموس بهضني الامر كمنع وأبهضني: أي فدحني وبالظاء أكثر، وقال: بهضه الامر كمنع غلبه وثقل عليه وبلغ به مشقة والراحلة أوقرها فأتعبها. 2 - كا: عن أبي علي الاشعري عن محمد بن عبد الجبار ومحمد بن يحيى عن أحمد ابن محمد بن عيسى جميعا، عن ابن فضال عن الحسن بن الجهم عن أبي اليقظان عن يعقوب بن الضحاك عن رجل من أصحابنا سراج وكان خادما لابي عبد الله عليه السلام قال: بعثني أبو عبد الله عليه السلام في حاجة وهو بالحيرة أنا وجماعة من مواليه قال: فانطلقنا فيها ثم رجعنا مغتمين (2) قال: وكان فراشي في الحائر الذي كنا فيه نزولا فجئت وأنا بحال فرميت بنفسي، فبينا أنا كذلك إذا أنا بأبي عبد الله قد أقبل قال: فقال قد أتيناك أو قال جئناك، فاستويت جالسا وجلس على صدر فراشي فسألني عما بعثني له، فأخبرته فحمد الله ثم جرى ذكر قوم فقلت: جعلت فداك، إنا نبرأ منهم إنهم لا يقولون ما نقول، فقال: يتولونا ولا يقولون ما تقولون تبرؤون منهم ؟


(1) الكافي ج 1 ص 11، كتاب العقل والجهل تحت الرقم 7. (2) معتمين خ ل، وقوله " مغتمين " اسم مفعول من باب الافعال، وأصله من الغتم وهو شدة الحر الذى يكاد يأخذ بالنفس، والمغتوم: الذى يجد الحر وهو جائع، وعبارة التاج: المغتوم الذى لفحه الحر. وهذا المعنى هو المناسب لما بعده: فجئت وأنا بحال فرميت بنفسى. وأما إذا رجع وهو معتم من الدخول في العتمة، فان وقت العتمة وقت البرد وهبوب الارياح فلا يناسب ما بعده.

[162]

قال: قلت نعم، قال: فهو ذا عندنا ما ليس عندكم فينبغي لنا أن نبرأ منكم ؟ قال: قلت: لا جعلت فداك، قال: وهو ذا عند الله ما ليس عندنا ؟ أفتراه أطرحنا ؟ قال: قلت: لا والله جعلت فداك، ما نفعل، قال: فتولوهم ولا تبرؤا منهم. إن من المسلمين من له سهم، ومنهم من له سهمان، ومنهم من له ثلاثة أسهم، ومنهم من له أربعة أسهم، ومنهم من له خمسة أسهم، ومنهم من له ستة أسهم ومنهم من له سبعة أسهم، فلا ينبغي أن يحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين ولا صاحب السهمين على ما عليه صاحب الثلاثة، ولا صاحب الثلاثة على ما عليه صاحب الاربعة، ولا صاحب الاربعة على ما عليه صاحب الخمسة، ولا صاحب الخمسة على ما عليه صاحب الستة ولا صاحب الستة على ما عليه صاحب السبعة. وسأضرب لك مثلا إن رجلا كان له جار وكان نصرانيا فدعاء إلى الاسلام وزينه له فأجابه فأتاه سحيرا فقرع عليه الباب فقال له: من هذا ؟ قال: أنا فلان، قال: وما حاجتك ؟ قال: توضأ والبس ثوبيك ومر بنا إلى الصلاة، قال: فتوضأ ولبس ثوبيه وخرج معه، قال: فصليا ما شاء الله، ثم صليا الفجر، ثم مكثا حتى أصبحا فقام الذي كان نصرانيا يريد منزله، قال: فقال له الرجل: أين تذهب ؟ النهار قصير، والذي بينك وبين الظهر قليل، قال: فجلس معه إلى صلاة الظهر (1) ثم قال: وما بين الظهر والعصر قليل، فاحتبسه حتى صلى العصر، قال: ثم قام وأراد أن ينصرف إلى منزله، فقال له: إن هذا آخر النهار، وأقل من أوله فاحتبسه حتى صلى المغرب ثم أراد أن ينصرف إلى منزله، فقال له: إنما بقيت صلاة واحدة قال: فمكث حتى صلى العشاء الاخرة، ثم تفرقا. فلما كان سحيرا غدا عليه، فضرب عليه الباب، فقال: من هذا ؟ فقال: أنا فلان، قال: وما حاجتك ؟ قال: توضأ والبس ثوبيك واخرج بنا فصل، قال: اطلب لهذا الدين من هو أفرغ مني وأنا إنسان مسكين وعلي عيال، فقال:


(1) الى أن صلى الظهر خ ل، كما في المصدر.

[163]

أبو عبد الله عليه السلام أدخله في شئ أخرجه منه أو قال: أدخله في مثل ذه وأخرجه من مثل هذا (1). بيان: " الحيرة " بالكسر بلد كان قرب الكوفة، و " أنا " تأكيد للضمير المنصوب في بعثني، وتأكيد المنصوب والمجرور، بالمرفوع جائز " وجماعة " عطف على الضمير أو الواو بمعنى مع " معتمين " الظاهر أنه بالعين المهملة على بناء الافعال والتفعيل، في القاموس العتمة محركة ثلث الليل الاول بعد غيبوبة الشفق، أو وقت صلاة العشاء الاخرة وأعتم وعتم: سار فيها، أو أورد وأصدر فيها، وظلمة الليل ورجوع الابل من المرعى بعد ما تمسي انتهى (2) أي رجعنا داخلين في وقت العتمة وفي أكثر النسخ بالغين المعجمة من الغم (3) وكأنه تصحيف وربما يقرأ مغتنمين من الغنيمة وهو تحريف. والحائر المكان المطمئن والبستان، " وأنا بحال " أي بحال سوء من الضعف والكلال " إنهم لا يقولون ما نقول " أي من مراتب فضائل الائمة عليهم السلام وكمالاتهم ومراتب معرفة الله تعالى، ودقائق مسائل القضاء والقدر، وأمثال ذلك مما يختلف تكاليف العباد فيها، بحسب أفهامهم واستعداداتهم، لا في أصل المسائل الاصولية، أو المراد اختلافهم في المسائل الفروعية، والاول أظهر، وأما حمله على أدعية الصلاة وغيرها من المستحبات كما قيل، فهو في غاية البعد، وإن كان يوافقه التمثيل المذكور في آخر الخبر. " يتولونا ولا يقولون " إلى آخره استفهام على الانكار " فهو ذا عندنا " أي من المعارف والعلوم والاخلاق والاعمال " ما ليس عندكم، فينبغي لنا " على الاستفهام " أطرحنا " أي عن الايمان والثواب، أو عن درجة الاعتبار. قوله " ما نفعل " لما فهم من كلامه عليه السلام نفي التبري، تردد في أنه هل


(1) الكافي ج 2 ص 43 و 44. (2) القاموس ج 4: 147. (3) بل من الغتم كما عرفت.

[164]

يلزمه التولي أو عدم ارتكاب شئ من الامرين، فان نفي أحدهما لا يستلزم ثبوت الاخر. " أن يحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين " أي يقاس حاله بحاله ويتوقع منه ما يتوقع من الثاني من الفهم والمعرفة والعمل " وزينه له " أي حسن الاسلام في نظره " فأتاه سحيرا " وهو تصغير وهو سدس آخر الليل أو ساعة آخر الليل، وقيل قبيل الصبح، والتصغير لبيان أنه كان قريبا من الصبح أو بعيدا منه " ومر بنا " أي معنا " وخرج معه " أي إلى المسجد " ما شاء الله " أي كثيرا " حتى أصبحا " أي دخلا في الصباح، والمراد الاسفار وانتشار ضوء النهار، وظهور الحمرة في الافق قال: في المفردات الصبح والصباح أول النهار، وهو وقت ما احمر الافق بحاجب الشمس، قوله " وأقل من أوله " أي مما انتظرت بعد الفجر لصلاة الظهر " أدخله في شئ " أي من الاسلام صار سببا لخروجه من الاسلام رأسا أو المراد بالشئ الكفر أي أدخله بجهله في الكفر الذي أخرجه منه " أو قال: أدخله في مثل هذا " أي العمل الشديد " وأخرجه من مثل هذا " أي هذا الدين القويم. 3 - كا: عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن موسى، عن أحمد بن عمر، عن يحيى بن أبان، عن شهاب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو علم الناس كيف خلق الله تبارك وتعالى هذا الخلق لم يلم أحد أحدا، فقلت: أصلحك الله، وكيف ذلك ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى خلق أجزاء بلغ بها تسعة وأربعين جزءا ثم جعل الاجزاء أعشارا فجعل الجزء عشرة أعشار، ثم قسمه بين الخلق، فجعل في رجل عشر جزء وفي آخر عشري جزء حتى بلغ به جزءا تاما وفي آخر جزءا وعشر جزء، وفي آخر جزءا وعشري جزء، وفي آخر جزءا وثلاثة أعشار جزء، حتى بلغ به جزئين تامين، ثم بحساب ذلك حتى بلغ بأرفعهم تسعة وأربعين جزءا فمن لم يجعل فيه إلا عشر جزء لم يقدر على أن يكون مثل صاحب العشرين، وكذلك صاحب العشرين لا يكون مثل صاحب الثلاثة الاعشار، وكذلك من تم له جزء لا يقدر على أن يكون مثل صاحب الجزءين، ولو علم الناس أن الله عزوجل خلق هذا الخلق على هذا

[165]

لم يلم أحد أحدا (1). بيان: " لم يلم أحد أحدا " أي في عدم فهم الدقائق، والقصور عن بعض المعارف أو في عدم اكتساب الفضائل والاخلاق الحسنة، وترك الاتيان بالنوافل والمستحبات وإلا فكيف يستقيم عدم الملامة على ترك الفرائض والواجبات، وفعل الكبائر والمحرمات، وقد مر أن الله تعالى لا يكلف الناس إلا بقدر وسعهم، وليسوا بمجبورين في فعل المعاصي، ولا في ترك الواجبات، لكن يمكن أن لا يكون في وسع بعضهم معرفة دقائق الامور، وغوامض الاسرار، فلم يكلفوا بها وكذا عن تحصيل بعض مراتب الاخلاص واليقين وغيرها من المكارم، فليسوا بملومين بتركها فالتكاليف بالنسبة إلى العباد مختلفة بحسب اختلاف قابلياتهم واستعداداتهم. ولا يستحق من لم يكن قابلا لمرتبة من المراتب المذكورة أن يلام لم لا تفهم هذا المعنى، ولم لا تفعل الصلاة كما كان أمير المؤمنين عليه السلام يفعله مثلا وهكذا. قوله عليه السلام " بلغ بها " كأنه جعل كل جزء من السهام السبعة المتقدمة سبعة. قوله عليه السلام " فجعل الجزء عشرة أعشار " كأن هذا للتأكيد والتوضيح ودفع توهم أن المراد جعل كل جزء عشرا من مرتبة فوقه، فيصير المجموع أربعمائة وتسعين عشرا " حتى بلغ به " الباء للتعدية، والضمير راجع إلى الايمان أو إلى الرجل المطلق المفهوم من " رجل " لا إلى الرجل المذكور، ولا إلى آخر لاختلال المعنى، وهذا أظهر، لقوله حتى بلغ بأرفعهم " إلا عشر جزء " أي من القابلية أو قابلية عشر جزء من الايمان، وهكذا في البواقي. 4 - كا: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن بعض أصحابه، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن محمد بن حماد الخزاز، عن عبد العزيز القراطيسي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا عبد العزيز إن الايمان عشر درجات بمنزلة السلم، يصعد منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الاثنين لصاحب الواحد: لست على شئ حتى ينتهي إلى العاشرة، فلا تسقط من هو دونك، فيسقطك من هو فوقك


(1) الكافي ج 2: 44.

[166]

وإذا رأيت من هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق، ولا تحملن عليه مالا يطيق فتكسره، فان من كسر مؤمنا فعليه جبره (1). 5 - ل: عن ابن الوليد عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي، عن أبي عثمان (2) مثله إلا أن فيه: فلا يقولن صاحب الواحد لصاحب الاثنين، وزاد في آخره: وكان المقداد في الثامنة، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة (3). بيان: " القراطيسي " بائع القراطيس " عشر درجات " كأنه عليه السلام عد كل تسعة وأربعين جزءا من السابق درجة أو هذه الدرجات لبعض مراتب الايمان لا لكلها، وقيل: يجوز أن يراد بالايمان هنا التصديق، أو الكامل المركب منه ومن العمل " يصعد " على بناء المجهول و " منه " نائب مناب الفاعل وقيل: من بمعنى في والضمير راجع إلى السلم، والمرقاة بالفتح والكسر اسم مكان أو آلة، وهي الدرجة وفي المصباح المرقى والمرتقى موضع الرقي والمرقاة مثله، ويجوز فيها فتح الميم على أنه موضع الارتقاء، ويجوز الكسر تشبيها باسم الالة كالمطهرة، وأنكر أبو عبيد الكسر انتهى وهي منصوبة على الظرفية للمكان. " لست على شئ " أي من الايمان أو الكمال، والظاهر ما في الكافي وعلى ما في الخصال المعنى أنه إذا سمع ممن هو فوقه في المعرفة شيئا لا يصل إليه عقله لا يقدح فيه ولا يكفره " فلا تسقط " أي من الايمان أو من درجة الاعتبار " من هو دونك " أي أسفل منك بدرجة أو أكثر. " فارفعه إليك " فإن قلت: كيف يرفعه إليه مع أنه لا يطيقه كما مر في الخبر السابق ؟ قلت: يمكن أن تكون الدرجات المذكورة في الخبر السابق درجات القابليات والاستعدادات، ولذا نسبها إلى أصل الخلق


(1) الكافي ج 2: 44 و 45. (2) هو حسن بن على بن أبى عثمان المعروف بسجادة غال، يروى عنه أبو عبد الله الرازي وهو الحسين بن عبيدالله بن سهل في حال استقامته. (3) الخصال ج 2: 59.

[167]

والدرجات المذكورة في هذا الخبر درجات الفعلية والتحقق، فيمكن أن يكون رجلان في درجة واحدة من القابلية فسعى أحدهما وحصل ما كان قابلا له، والاخر لم يسع وبقي في درجة أسفل منه، فلو كلفه أن يفهم دفعة ما فهمه في أزمنة متطاولة يعسر الامر عليه بل يصير سببا لضلالته وحيرته، فينبغي أن يرفق به، ويكمله تدريجا حتى يبلغ إلى تلك الدرجة كما أن الكاتب الجيد الخط إذا كلف اميا لم يكتب قط أن يكتب مثله في يوم أو شهر أو سنة لكان تكليفا لما لا يطاق، بل يجب أن يرقيه تدريجا حتى يصل إلى مرتبته، وكذا في المراتب العقلية من لم يحصل شيئا منها لا يمكن إفهامه دفعة جميع المسائل الغامضة، ولو ألقيت إليه لتحير، بل لم يطق فهمها وضل عن السبيل، والمعلم الاديب الكامل يرقيه أولا من البديهيات إلى أوائل النظريات، ومنها إلى أوساطها، ومنها إلى غوامضها، فلا ينكسر ولا يتحير. ويمكن أن تحمل القدرة المذكورة في الخبر السابق على الوسع، أي الامكان بسهولة فلا ينافي المذكور في هذا الخبر ولكن الاول أظهر، وربما يجاب بأنه لما لم يكن معلوما لصاحب الدرجة العليا عدم قابلية صاحب الدرجة السفلى، بل ربما يظن أنه قابل للترقي فهو مأمور بهذا رجاء لتحقق مظنونه ولا يخفى ما فيه. " فتكسره " أي تكسر إيمانه وتضله، لانه يرفع يده عما هو فيه، ولا يصل إلى الدرجة الاخرى فيتحير في دينه، أو يكلفه من الطاعات مالا يطيقها فيسوء ظنه بما كان يعمله، فيتركهما جميعا كما مر في الباب السابق " فعليه جبره " أي يجب عليه جبره، وربما لا ينجبر، ويلزمه إصلاح ما أفسد من إيمانه وربما لم يصلح. 6 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان عن ابن مسكان، عن سدير قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: إن المؤمنين على منازل منهم على واحدة، ومنهم على اثنتين، ومنهم على ثلاث، ومنهم على أربع، ومنهم على خمس، ومنهم على ست ومنهم على سبع، فلو ذهبت تحمل على صاحب الواحدة ثنتين لم يقو، وعلى صاحب الثنتين ثلاثا لم يقو، وعلى صاحب الثلاث أربعا لم يقو

[168]

وعلى صاحب الاربع خمسا لم يقو، وعلى صاحب الخمس ستا لم يقو، وعلى صاحب الست سبعا لم يقو، وعلى هذه الدرجات (1). توضيح: المراد بالمنازل الدرجات قوله عليه السلام: " على هذه الدرجات " كأن المعنى وعلى هذا القياس الدرجات التي تنقسم هذه المنازل إليها، فان كلا منها ينقسم إلى سبعين درجة كما مر في الخبر الاول، وقيل: أي بقية الدرجات إلى العشر المذكور في الخبر الثاني، أو المراد بالدرجات المنازل أي على هذا الوجه الذي ذكرنا تنقسم الدرجات فيكون تأكيدا والاول أظهر. 7 - كا: عن محمد، عن أحمد، عن علي بن الحكم، عن محمد بن سنان، عن الصباح ابن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما أنتم والبراءة يبرأ بعضكم من بعض ؟ إن المؤمنين بعضهم أفضل من بعض، وبعضهم أكثر صلاة من بعض، وبعضهم أنفذ بصيرة من بعض وهي الدرجات (2). 8 - لى: عن الهمداني، عن علي، عن أبيه، عن نضر بن علي الجهضمي، عن علي بن جعفر، عن أخيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وخزن لسانه، وكف غضبه واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لاهل بيت رسوله، فقد استكمل حقائق الايمان وأبواب الجنة مفتحة له (3). 9 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن حماد، عن عبد العزيز قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام: فذكرت له شيئا من أمر الشيعة ومن أقاويلهم فقال: يا عبد العزيز الايمان عشر درجات بمنزلة السلم، له عشر مراقي، وترتقى منه مرقاة بعد مرقاة، فلا يقولن صاحب الواحدة لصاحب الثانية: لست على شئ، ولا يقولن صاحب الثانية لصاحب الثالثة: لست على شئ - حتى انتهى إلى العاشرة - ثم قال:


(1) الكافي ج 2: 45. (2) المصدر ج 2 ص 45. (3) أمالى الصدوق: 200

[169]

وكان سلمان في العاشرة وأبو ذر في التاسعة والمقداد في الثامنة، يا عبد العزيز لا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك، وإذا رأيت الذي هو دونك فقدرت أن ترفعه إلى درجتك رفعا رفيقا فافعل، ولا تحملن عليه مالا يطيقه فتكسره، فانه من كسر مؤمنا فعليه جبره، لانك إذا ذهبت تحمل الفصيل حمل البازل فسخته (1). بيان: الفصيل ولد الناقة إذا فصل عن امه، والبازل اسم البعير إذا طلع نابه وذلك في تاسع سنيه، والفسخ النقض. 10 - ل: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن البرقي، عن أبيه يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: المؤمنون على سبع درجات: صاحب درجة منهم في مزيد من الله عزوجل لا يخرجه ذلك المزيد من درجته إلى درجة غيره، ومنهم شهداء الله على خلقه، ومنهم النجباء، ومنهم الممتحنة، ومنهم النجداء، ومنهم أهل الصبر ومنهم أهل التقوى، ومنهم أهل المغفرة (2). 11 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن عمار بن أبي الاحوص قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن عندنا أقواما يقولون بأمير المؤمنين عليه السلام ويفضلونه على الناس كلهم، وليس يصفون ما نصف من فضلكم أنتولاهم ؟ فقال لي: نعم، في الجملة، أليس عند الله ما لم يكن عند رسول الله، ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: [من] عند الله ما ليس لنا، وعندنا ما ليس عندكم، وعندكم ما ليس عند غيركم ؟ إن الله تبارك وتعالى وضع الاسلام على سبعة أسهم: على الصبر والصدق، واليقين، والرضا، والوفاء، والعلم، والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم، فهو كامل الايمان محتمل، ثم قسم لبعض الناس السهم، ولبعض السهمين، ولبعض الثلاثة الاسهم، ولبعض الاربعة الاسهم، ولبعض الخمسة الاسهم، ولبعض الستة الاسهم، ولبعض السبعة الاسهم.


(1) الخصال ج 2: 60. (2) الخصال ج 2: 7.

[170]

فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم ولا على صاحب الثلاثة أربعة أسهم، ولا على صاحب الاربعة خمسة أسهم، ولا على صاحب الخمسة ستة أسهم، ولا على صاحب الستة سبعة أسهم، فتثقلوهم وتنفروهم، ولكن ترفقوا بهم وسهلوا لهم المدخل. وسأضرب لك مثلا تعتبر به، إنه كان رجل مسلم وكان له جار كافر، وكان الكافر يرفق المؤمن فأحب المؤمن للكافر الاسلام، ولم يزل يزين له الاسلام ويحببه إلى الكافر حتى أسلم، فغدا عليه المؤمن فاستخرجه من منزله فذهب به إلى المسجد ليصلي معه الفجر في جماعة، فلما صلى قال له: لو قعدنا نذكر الله عزوجل حتى تطلع الشمس، فقعد معه، فقال: لو تعلمت القرآن إلى أن تزول الشمس وصمت اليوم كان أفضل، فقعد معه وصام حتى صلى الظهر والعصر، فقال: لو صبرت حتى تصلي المغرب والعشاء الاخرة كان أفضل، فقعد معه حتى صلى المغرب والعشاء الاخرة ثم نهضا وقد بلغ مجهوده، وحمل عليه مالا يطيق، فلما كان من الغد غدا عليه وهو يريد به مثل ما صنع بالامس، فدق عليه بابه، ثم قال له: اخرج حتى نذهب إلى المسجد، فأجاب أن انصرف عني فان هذا دين شديد لا اطيقه. فلا تخرقوا بهم، أما علمت أن إمارة بني امية كانت بالسيف، والعسف والجور، وأن إمامتنا بالرفق، والتألف، والوقار، والتقية، وحسن الخلطة والورع، والاجتهاد، فرغبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه (1). بيان: الخرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق وأن لا يحسن الرجل العمل والتصرف في الامور ذكره الفيروز آبادي. 12 - ل: في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الايمان، وأبواب الجنة مفتحة له، من أسبغ وضوءه، وأحسن صلاته، وأدى زكاة ماله، وكف غضبه، وسجن لسانه، واستغفر لذنبه، وأدى النصيحة لاهل بيت نبيه (2).


(1) الخصال ج 2: 8. (2) الخصال ج 2: 4 راجع الرقم 8 في ص 168.

[171]

13 - شى: عن عمار بن مروان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن قول الله " أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم بئس المصير " (1) فقال: " هم " الائمة والله يا عمار " درجات " للمؤمنين " عند الله " وبموالاتهم وبمعرفتهم إيانا يضاعف الله للمؤمنين حسناتهم، ويرفع لهم الدرجات العلى، وأما قوله يا عمار " كمن باء بسخط من الله " - إلى قوله -: " المصير " فهم والله الذين جحدوا حق علي بن أبي طالب عليه السلام وحق الائمة منا أهل البيت، فباؤا لذلك بسخط من الله. وعن أبي الحسن الرضا عليه السلام: أنه ذكر قول الله " هم درجات عند الله " قال: الدرجة ما بين السماء إلى الارض (2). 14 - شى: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: بالزيادة في الايمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، قلت: وإن للايمان درجات ومنازل يتفاضل بها المؤمنون عند الله ؟ فقال: نعم، قلت: صف لي ذلك رحمك الله حتى أفهمه، قال: ما فضل الله به أولياءه بعضهم على بعض، فقال: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات " (3) الاية وقال: " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض " (4) وقال: " انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللاخرة أكبر ؟ جات " (5) وقال: " هم درجات عند الله " (6) فهذا ذكر درجات الايمان ومنازله عند الله (7).


(1) آل عمران: 162 وما بعدها ذيلها. (2) تفسير العياشي ج 1: 205. (3) البقرة: 253. (4) أسرى: 55. (5) أسرى: 21. (6) آل عمران: 163. (7) تفسير العياشي ج 1 ص 135، وهى قطعة من الحديث الذى مر تحت الرقم 6 من الباب 30 ص 28.

[172]

15 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا نقول درجة واحدة إن الله يقول " درجات بعضها فوق بعض " إنما تفاضل القوم بالاعمال (1). 16 - شى: عن عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا عبد الرحمن شيعتنا والله لا يتيحهم الذنوب والخطايا، هم صفوة الله الذين اختارهم لدينه، وهو قول الله " ما على المحسنين من سبيل " (2). 17 - شى: عن داود بن الحصين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته، عن قول الله: " ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله " (3) أيثيبهم عليه ؟ قال: نعم، وفي رواية اخرى عنه يثابون عليه ؟ قال: نعم (4). 18 - شى: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل سبق بين المؤمنين كما سبق بين الخيل يوم الرهان، قلت: أخبرني عما ندب الله المؤمن من الاستباق إلى الايمان، قال: قول الله " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله " (5) وقال: " السابقون السابقون اولئك المقربون " وقال: " السابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه " فبدأ بالمهاجرين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالانصار، ثم ثلث بالتابعين لهم باحسان، فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده (6). 16 - شى: عن محمد بن خالد بن الحجاج الكرخي، عن بعض أصحابه رفعه


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 388، وقد مر في أول الباب ص 155. (2) تفسير العياشي ج 2: 105، والاية في براءة: 91. (3) براءة: 99. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 105. (5) قد مرت الاشارة الى مواضيع الايات، راجع ص 28 و 29 فيما سبق. (6) تفسير العياشي ج 2: 105.

[173]

إلى خيثمة قال: قال أبو جعفر عليه السلام في قول الله " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " وعسى من الله واجب، وإنما نزلت في شيعتنا المؤمنين (1). 20 - شى: عن أحمد بن محمد بن أبي نصر رفعه إلى الشيخ في قوله: " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " قال: قوم اجترحوا ذنوبا مثل قتل حمزة وجعفر الطيار ثم تابوا ثم قال: ومن قتل مؤمنا لم يوفق للتوبة إلا أن الله لا يقطع طمع العباد فيه، ورجاءهم منه، وقال: هو أو غيره: إن عسى من الله واجب (2). 21 - شى: عن الحلبي، عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أحدهما قال: المعترف بذنبه قوم اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا (3). 22 - شى: عن أبي بكر الحضرمي قال: قال محمد بن سعيد سل أبا عبد الله عليه السلام فاعرض عليه كلامي وقل له: إني أتولاكم، وأبرأ من عدوكم، وأقول بالقدر أقولي فيه قولك ؟ (4) قال: فعرضت كلامه على أبي عبد الله عليه السلام فحرك يده ثم قال: " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " قال: ثم قال: ما أعرفه من موالي أمير المؤمنين، قلت: يزعم (5) أن سلطان هشام ليس من الله، فقال: ويله ماله ويله أما علم أن الله جعل لادم دولة ولابليس دولة (6).


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 105 نفسه وفيه: في شيعتنا المذنبين، والاية في براءة: 102. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 106. (3) المصدر ج 2: 106. (4) في نسخة الكمبانى وهكذا المصدر: " وقولى فيه قولك " وهو تصحيف ظاهر فانه سائل يعرض كلامه وعقيدته مستفهما عن صحته وبطلانه، لا متحكما يحكم بأن ما يقوله هو قوله عليه السلام، وقول الراوى: " فحرك يده " معناه أن: ليس هذا قولى، فكأنه حرك يده يمينا وشمالا كما يحرك النافي يده منكرا. (5) في المصدر: يزعم ابن عمر، خ. (6) تفسير العياشي ج 2: 106.

[174]

بيان: كأن ابن سعيد كان يقول بالتفويض، وكان لا يقول بمدخلية هداية الله تعالى وتوفيقه وخذلانه في أعمال العباد، وهذا هو مراده بالقول بالقدر، فلذا عده عليه السلام من الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وحرك يده مترددا في قبوله ورده وقال: " ما أعرفه من موالي أمير المؤمنين " لهذا القول، ويحتمل أن يكون " من موالي أمير المؤمنين " استفهاما من السائل، فقال أبو بكر: إنه يزعم أنه ليس لله مدخل أصلا في سلطنة هشام بن عبد الملك، وكان من خلفاء بني امية فأنكر عليه السلام هذا القول، وقال: إن الله جعل لابليس دولة، ولخذلانه تعالى وترك ألطافه بالنسبة إلى العباد، لعدم استحقاقهم بسوء أعمالهم مدخل في ذلك كذا خطر بالبال، والله أعلم بحقيقة المقال. 23 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله " وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا " قال: اولئك قوم مذنبون، يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيبها المؤمنون ويكرهها، فاولئك " عسى الله أن يتوب عليهم " (1). 24 - شى: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلنا له: من وافقنا من علوي أو غيره توليناه، ومن خالفنا برئنا منه من علوي أو غيره، قال: يا زرارة قول الله أصدق من قولك، أين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا (2). 25 - شى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام " ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين " قال: هم المؤمنون من هذه الامة (3). 26 - كش: عن محمد بن مسعود، عن محمد بن نصير قال: حدثني محمد بن عيسى وحمدويه، عن محمد بن عيسى، عن القاسم الصيقل رفع الحديث إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: كنا جلوسا عنده، فتذاكرنا رجلا من أصحابنا، فقال بعضنا: ذلك ضعيف، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن كان لا يقبل ممن دونكم حتى يكون مثلكم لم يقبل منكم حتى تكونوا مثلنا (4).


(1 و 2) تفسير العياشي ج 2: 106. (3) المصدر نفسه والاية في الحجر: 24. (4) رجال الكشى ص، ولم تجده.

[175]

27 - ما: عن الحسين بن عبيدالله، عن التلعكبري، عن ابن عقدة، عن يعقوب ابن يوسف، عن الحصين بن مخارق، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عليا عليه السلام وفد إليه رجل من أشراف العرب فقال له علي عليه السلام: هل في بلادك قوم قد شهروا أنفسهم بالخير لا يعرفون إلا به ؟ قال: نعم، قال: فهل في بلادك قوم قد شهروا أنفسهم بالشر لا يعرفون إلا به ؟ قال: نعم، قال: فهل في بلادك قوم يجترحون السيئات ويكتسبون الحسنات ؟ قال: نعم، قال: تلك خيار امة محمد صلى الله عليه وآله النمرقة الوسطى يرجع إليهم الغالي، وينتهي إليهم المقصر (1). بيان: لعل المراد بالفرقة الاولى قوم من أرباب البدع والمرائين شهروا أنفسهم بالخير، فلذا فضل عليهم الفرقة الاخيرة، أو المراد أن تلك أيضا من الخيار. 28 - كنز الكراجكى: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الايمان في عشرة: المعرفة، والطاعة، والعلم، والعمل، والورع، والاجتهاد، والصبر، واليقين والرضا، والتسليم، فأيها فقد صاحبه بطل نظامه. 33 * (باب) * * " (السكينة وروح الايمان وزيادته ونقصانه) " * الايات: البقرة: قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي (2). الانفال: وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا (3). التوبة: وإذا ما انزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض


(1) أمالى الطوسى ج 2: 262. (2) البقرة: 260. (3) الانفال: 2.

[176]

فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (1). الكهف: إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم (2). الاحزاب: ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (3). الفتح: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم (4). المجادلة: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه (5). تفسير: قوله تعالى: " قال بلى ولكن ليطمئن قلبي " أقول: يدل على أن الايمان واليقين قابلان للشدة والضعف، قال الطبرسي - ره - أي بلى أنا مؤمن ولكن سألت ذاك لازداد يقينا إلى يقيني، وقيل: لاعاين ذلك ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الاستدلال، وقيل: ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي واتخذتني خليلا كما وعدتني (6). وقال في قوله تعالى: " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " معناه وإذا قرئ عليهم القرآن زادتهم آياته تبصرة ويقينا على يقين، وقيل: زادتهم تصديقا مع تصديقهم بما انزل إليهم قبل ذلك، عن ابن عباس، والمعنى أنهم يصدقون بالاولى والثانية والثالثة وكلما يأتي من عند الله فيزداد تصديقهم (7). وقال القاضي: زادتهم إيمانا لزيادة المؤمن به أو لاطمينان النفس ورسوخ اليقين بتظاهر الادلة أو بالعمل بموجبها، وهو قول من قال الايمان يزيد بالطاعة


(1) براءة: 124 و 125. (2) الكهف: 13 - 14. (3) الاحزاب: 22. (4) الفتح: 4. (5) المجادلة: 22. (6) مجمع البيان ج 2: 373. (7) المصدر ج 4: 519.

[177]

وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه (1). قوله تعالى " فمنهم " قال الطبرسي رحمه الله (2): أي من المنافقين " من يقول " على وجه الانكار أي يقول بعضهم لبعض " أيكم زادته هذه " السورة " إيمانا " وقيل: معناه يقول المنافقون للمؤمنين الذين في إيمانهم ضعف: أيكم زادته هذه السورة إيمانا أي يقينا وبصيرة " فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا " قال القاضي: بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة، وانضمام الايمان بها وبما فيها، إلى إيمانهم " وهم يستبشرون " بنزولها لانه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم " فزادتهم رجسا إلى رجسهم " أي كفرا بها مضموما إلى كفرهم بغيرها " وماتوا وهم كافرون " أي استحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه (3). " وزدناهم هدى " في المجمع أي بصيرة في الدين، ورغبة في الثبات عليه بالالطاف المقوية لدواعيهم إلى الايمان " وربطنا على قلوبهم " أي شددنا عليها بالالطاف والخواطر المقوية للايمان حتى وطنوا أنفسهم على إظهار الحق، والثبات على الدين والصبر على المشاق ومفارقة الوطن (4). " ولما رأى المؤمنون الاحزاب " أي ولما عاين المصدقون بالله ورسوله الجماعة الذين تحزبت على قتال النبي صلى الله عليه وآله مع كثرتهم " قالوا " الخ فيه قولان: أحدهما أن النبي صلى الله عليه وآله كان قد أخبرهم أنه يتظاهر عليهم الاحزاب ويقاتلونهم ووعدهم الظفر بهم، فلما رأوهم تبين لهم مصداق قوله، وكان ذلك معجزا له " وما زادهم " مشاهدة عدوهم " إلا إيمانا " أي تصديقا بالله ورسوله، وتسليما لامره، والاخر أن الله وعدهم بقوله " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا - إلى قوله - إن نصر الله قريب " ما سيكون من الشدة التي تلحقهم من


(1) أنوار التنزيل: 161. (2) مجمع البيان ج 5: 84 والاية في براءة: 124. (3) أنوار التنزيل: 182. (4) مجمع البيان ج 6: 454 والاية في الكهف: 13.

[178]

عدوهم، فلما رأوا الاحزاب قالوا هذه المقالة (1). " هو الذي أنزل السكينة " هي أن يفعل الله بهم اللطف الذي يحصل لهم عنده من البصيرة بالحق ما تسكن إليه نفوسهم، وذلك بكثرة ما ينصب لهم من الادلة الدالة عليه، فهذه النعمة التامة للمؤمنين خاصة، وأما غيرهم فتضطرب نفوسهم لاول عارض من شبهة ترد عليهم، إذ لا يجدون برد اليقين، وروح الطمأنينة في قلوبهم، وقيل هي النصرة للمؤمنين لتسكن بذلك قلوبهم، ويثبتوا في القتال، وقيل هي ما أسكن قلوبهم من التعظيم لله ولرسوله " ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " أي يقينا إلى يقينهم بما يرون من الفتوح وعلو كلمة الاسلام على وفق ما وعدوا، وقيل: ليزدادوا تصديقا بشرايع الاسلام، وهو أنهم كلما امروا بشئ من الشرائع صدقوا به، وذلك بالسكينة التي أنزلها الله في قلوبهم عن ابن عباس والمعنى ليزدادوا معارف على المعرفة الحاصلة عندهم (2). " اولئك كتب في قلوبهم الايمان " أي ثبته في قلوبهم بما فعل بهم من الالطاف فصار كالمكتوب، وقيل: كتب في قلوبهم علامة الايمان، ومعنى ذلك أنها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون " وأيدهم بروح منه " أي قواهم بنور الايمان، وقيل: قواهم بنور الحجج والبرهان، حتى اهتدوا للحق وعملوا به وقيل: قواهم بالقرآن الذي هو حياة للقلوب من الجهل، وقيل: أيدهم بجبرئيل في كثير من المواطن ينصرهم ويدفع عنهم (3). أقول: سيأتي في الاخبار أن السكينة هي الايمان، ومعنى روح الايمان. 1 - ب: ابن سعد، عن الازدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقلب اذنين: روح الايمان يساره بالخير، والشيطان يساره بالشر فأيهما ظهر على صاحبه غلبه، قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام: إذا زنى الرجل أخرج الله منه روح الايمان


(1) مجمع البيان ج 8: 349 والاية في الاحزاب: 22. (2) مجمع البيان ج 9: 111، والاية في الفتح: 4. (3) مجمع البيان ج 9: 254: والاية في المجادلة: 22.

[179]

فقلنا الروح التي قال الله تبارك وتعالى " وأيدهم بروح منه " ؟ قال: نعم، وقال أبو عبد الله عليه السلام: لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن، وإنما أعني مادام على بطنها، فإذا توضأ وتاب كان في حال غير ذلك (1). بيان: " فإذا توضأ " أي تطهر واغتسل. 2 - فس: " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " رد على من زعم أن الايمان لا يزيد ولا ينقص (2). 3 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه رفعه، عن محمد بن داود الغنوي، عن الاصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إن ناسا زعموا أن العبد لا يزني وهو مؤمن، ولا يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ولا ياكل الربوا وهو مؤمن، ولا يسفك الدم الحرام وهو مؤمن، فقد ثقل علي هذا وحرج منه صدري حين أزعم أن هذا العبد يصلي صلاتي، ويدعو دعائي ويناكحني واناكحه ويوارثني واوارثه، وقد خرج من الايمان من أجل ذنب يسير أصابه ! فقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: صدقت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول والدليل عليه كتاب الله: خلق الله الناس على ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاث منازل وذلك قول الله عزوجل في الكتاب: " أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة والسابقون " (3) فأما ما ذكره من أمر السابقين فانهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الايمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن، فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين، وبها علموا الاشياء، وبروح الايمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا، وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معاشهم، وبروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء، وبروح البدن دبوا ودرجوا.


(1) قرب الاسناد: 17 ط حجر، ص 25 ط النجف. (2) تفسير القمى: 413، والاية في مريم: 76. (3) راجع الواقعة: 8 - 10.

[180]

فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم، ثم قال: قال الله تعالى " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس " (1) ثم قال في جماعتهم: " وأيدهم بروح منه " يقول أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم. ثم ذكر أصحاب الميمنة وهم المؤمنون حقا بأعيانهم، جعل الله فيهم أربعة أرواح: روح الايمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن، فلا يزال العبد يستكمل هذه الارواح الاربعة حتى يأتي عليه حالات. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين ما هذه الحالات ؟ فقال: أما أولهن فهو كما قال الله عزوجل " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا " (2) فهذا ينتقص منه جميع الارواح، وليس بالذي يخرج من دين الله، لان الفاعل به رده إلى أرذل العمر، فهو لا يعرف للصلاة وقتا، ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار، ولا القيام في الصف مع الناس، فهذا نقصان من روح الايمان، وليس يضره شيئا، ومنهم من ينتقص منه روح القوة ولا يستطيع جهاد عدوه، ولا يستطيع طلب المعيشة، ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها، ولم يقم، وتبقى روح البدن فيه، فهو يدب ويدرج، حتى يأتيه ملك الموت فهذا بحال خير لان الله عزوجل هو الفاعل به، وقد يأتي عليه حالات في قوته وشبابه فيهم بالخطيئة فيشجعه روح القوة، ويزين له روح الشهوة، وتقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة فإذا لامسها نقص من الايمان وتفصى منه، فليس يعود فيه حتى يتوب، فإذا تاب تاب الله عليه، وإن عاد أدخله الله نار جهنم. فأما أصحاب المشأمة فهم اليهود والنصارى يقول الله عزوجل " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم " (3) يعرفون محمدا والولاية في التوراة والانجيل


(1) البقرة: 253. (2) النحل: 70. (3) البقرة: 146.

[181]

كما يعرفون أبناءهم في منازلهم " وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك " أنك الرسول إليهم " فلا تكونن من الممترين " (1) فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم بذلك فسلبهم روح الايمان، وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح: روح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن، ثم أضافهم إلى الانعام فقال: " إن هم إلا كالانعام " (2) لان الدابة إنما تحمل بروح القوة، وتعتلف بروح الشهوة، وتسير بروح البدن، فقال السائل: أحييت قلبي بإذن الله يا أمير المؤمنين (3). ف (4): أتى أمير المؤمنين عليه السلام رجل فقال له: إن اناسا يزعمون وذكر نحوه (5). ير: عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن داود، عن أبي هارون العبدي، عن محمد، عن ابن نباتة مثله (6). بيان: " وحرج منه " أي ضاق " حين أزعم " أي أعتقد وأدعي موافقا لدعواهم " يصلي صلاتي " كأن صلاتي مفعول مطلق للنوع، وكذا دعائي والمراد الدعوة إلى الدين أو دعاء الرب وطلب الحاجة منه في الصلاة وغيرها، والاول أنسب " ويناكحني " أي يعطيني زوجة كبنته واخته، وقيل: المفاعلة في تلك الافعال بمعنى الافعال " ويوارثني " كأن في الاسناد مجازا أي جعل الله له في ميراثي ولي في ميراثه نصيبا (7) وعد الذنب يسيرا بالنسبة إلى الخلل في العقائد، أو اليسير في مقابل الكثير، وفي البصائر: " يصلي إلى قبلتي ويدعو دعوتي - إلى قوله - اخرجه من الايمان " وفيه: " فقال صدقك أخوك إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: خلق الله الخلق " ثم ذكر الاية بتمامها - إلى قوله - " اولئك المقربون " وعلى ما


(1) البقرة: 147. (2) الفرقان: 44. (3) الكافي ج 2: 281. و 282. (4) في نسخة الكمبانى ب رمز قرب الاسناد، وهو سهو. (5) تحف العقول: 185. (6) بصائر الدرجات: 449 و 450 (7) وفى تحف العقول ط اسلامية: يواريني واواريه.

[182]

في الكافي يمكن أن يقرأ " صدقت " على بناء المعلوم المخاطب، أي القول الذي ذكرت عنهم صدق وحق، أو صدقت في أنهم لا يخرجون من الايمان رأسا بحيث تنتفي المناكحة والموارثة وأمثالهما أو في أنهم لا يخرجون بمحض ارتكاب الذنب بل بالاصرار عليه، أو المعلوم الغائب والضمير للناس بتأويل، أو المجهول المخاطب أي صدقوك فيما أخبروك. والاستدلال بالكتاب إما بالايات المذكورة أو غيرها من الايات الدالة على حصر المؤمن في جماعة موصوفين بصفات مخصوصة، وعلى الاول كما هو الظاهر الاستدلال بأن الظاهر من التقسيم وما يأتي بعده أن يكون التقسيم إلى الانبياء والاوصياء وإلى المؤمنين وإلى الكافرين، ووصف أصحاب اليمين وجزاءهم بأوصاف لا تليق إلا بمن لم يستحق عقوبة ولم يرتكب كبيرة موجبة للنار، فلابد من دخول المصرين على الكبائر في أصحاب الشمال أو بأنه تعالى ذكر في وصف أصحاب الشمال الذين يصرون على الحنث العظيم (1) فالاصرار على الذنب العظيم يخرج من الايمان. قوله عليه السلام: " جعل الله فيهم خمسة أرواح " أقول: الروح يطلق على النفس الناطقة، وعلى الروح الحيوانية السارية في البدن، وعلى خلق عظيم إما من جنس الملائكة أو أعظم منهم كما قال تعالى: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا " (2) والارواح المذكورة هنا يمكن أن تكون أرواحا مختلفة متبائنة، بعضها في البدن، وبعضها خارجة عنه، أو يكون المراد بالجميع النفس الناطقة الانسانية باعتبار أعمالها ودرجاتها ومراتبها، أو اطلقت على تلك الاحوال والدرجات كما أنه يطلق عليها النفس الامارة واللوامة والمطمئنة والملهمة بحسب درجاتها ومراتبها في الطاعة، والعقل الهيولائي وبالملكة، وبالفعل، والمستفاد بحسب مراتبها في العلم والمعرفة، ويحتمل أن تكون روح القوة والشهوة والمدرج كلها الروح الحيوانية، وروح الايمان وروح القدس النفس الناطقة


(1) الواقعة: 46. (2) النبأ: 38.

[183]

بحسب كمالاتها، أو تكون الاربعة سوى روح القدس مراتب النفس وروح القدس الخلق الاعظم فان ظاهر أكثر الاخبار مباينة روح القدس للنفس. ويحتمل أن يكون ارتباط روح القدس متفرعا على حصول تلك الحالة القدسية للنفس، فتطلق روح القدس على النفس في تلك الحالة، وعلى تلك الحالة وعلى الجوهر القدسي الذي يحصل له الارتباط بالنفس في تلك الحالة كما أن الحكماء يقولون: إن النفس بعد تخليها عن الملكات الردية وتحليها بالصفات العلية، وكشف الغواشي الهيولانية، ونقض العلائق الجسمانية، يحصل لها ارتباط خاص بالعقل الفعال كارتباط البدن بالروح، فتطالع الاشياء فيها، وتفيض المعارف منه عليها آنا فآنا، وساعة فساعة، وبه يؤولون علم ما يحدث بالليل والنهار، وهذا وإن كان مبتنيا على اصول فاسدة لا نقول بها، لكن إنما ذكرناه للتشبيه والتنظير، وعلم جميع ذلك عند العليم الخبير. قوله عليه السلام " خلق الله الناس على ثلاث طبقات " قيل: الخلق بمعنى الايجاد أو التقدير، ووجه الحصر أن الناس إما كافر، أو مؤمن، والمؤمن إما أن تكون له قوة قدسية مقتضية للعصمة، أو لم تكن، والاول أصحاب المشئمة والاخير أصحاب الميمنة، والثاني السابقون " وذلك قول الله " إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الواقعة " وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الاولين وقليل من الاخرين " إلى آخر الايات وقد مر تفسير الايات في باب درجات الايمان " فإنهم " بكسر الهمزة، وقد يقرأ بفتحها أي فلانهم أنبياء، كأنه عليه السلام غلب الانبياء على الاوصياء لان الاوصياء في الامم السابقة كان أكثرهم أو كلهم أنبياء فهذا يشمل الائمة عليهم السلام. وفي حديث جابر، عن الصادق عليه السلام: فالسابقون هم رسل الله وخاصة الله من خلقه (1) وفي رواية اخرى الانبياء والاوصياء، ويمكن عطف " غير مرسلين "


(1) راجع بصائر الدرجات: 447، وهو يشبه حديث ابن نباتة.

[184]

على الانبياء لكنه أبعد، وكأن فيه نوع تقية وفي البصائر " مرسلين وغير مرسلين " وفي القاموس عالجه علاجا ومعالجة زاوله وداواه، وقال: الشباب الفتاء كالشبيبة وجمع شاب كالشبان وقال: دب يدب دبا ودبيبا مشى على هينته وقال: درج دروجا مشى، وفي الصحاح دب الشيخ مشى مشيا رويدا " فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم " وهاتان الفقرتان ليستا في البصائر في شئ من الروايتين في الموضعين (1) وعلى ما في الكافي كأن الذنب مأول بترك الاولى كما مر مرارا، أو كنايتان عن عدم صدورها عنهم. " تلك الرسل " قال البيضاوي إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة أو المعلومة للرسول، أو جماعة الرسل واللام للاستغراق " فضلنا بعضهم على بعض " بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره " منهم من كلم الله " وهو موسى، وقيل موسى ومحمد عليهما السلام كلم موسى ليلة الحيرة وفي الطور ومحمدا ليلة المعراج، حين كان قاب قوسين أو أدنى، وبينهما بون بعيد " ورفع بعضهم درجات " بأن فضله على غيره من وجوه متعددة وبمراتب متباعدة وهو محمد صلى الله عليه وآله فانه خص بالدعوة العامة، والحجج المتكاثرة، والمعجزات المستمرة، والايات المتراقية، المتعاقبة بتعاقب الدهر والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر والابهام لتفخيم شأنه، كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين وقيل: إبراهيم خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب وقيل: إدريس لقوله تعالى: " ورفعناه مكانا عليا " وقيل: اولوا العزم من الرسل (2). " وآتينا عيسى بن مريم البينات " المعجزات الواضحات كاحياء الموتى وإبراء الاكمه والابرص، والاخبار بالمغيبات أو الانجيل " وأيدناه " وقويناه " بروح القدس " بالروح المقدسة كقولك حاتم الجود، ورجل صدق، أراد به جبرئيل أو روح عيسى ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان، أو لكرامته على الله. ولذلك


(1) يعنى رواية جابر عن الصادق عليه السلام، ورواية الاصبغ عن أمير المؤمنين عليه السلام. (2) أنوار التنزيل: 61.

[185]

أضافها إلى نفسه أو لانه لم تضمها الاصلاب والارحام الطوامث، أو الانجيل، أو اسم الله الاعظم الذي كان يحيي به الموتى، وخص عيسى عليه السلام بالتعيين لافراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه، وجعل معجزاته سبب تفضيله لانها آيات واضحة، ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره. " ثم قال في جماعتهم " ظاهره أن المراد أنه قال ذلك في عموم الانبياء والرسل، وهو مخالف لظاهر سياق الايات، والمشهور بين المفسرين، والايات هكذا " كتب الله لاغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز * لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه " وقال البيضاوي " اولئك " أي الذين لم يوادوهم (1) وأقول: يمكن توجيهه بوجوه: الاول أن يكون اولئك إشارة إلى الرسل في قوله ورسلي وهو وإن كان بعيدا لفظا، فليس ببعيد معنى، ولا ينافي ما مر في بعض الاخبار أنه الروح الذي في المؤمنين جميعا ويفارقهم في وقت المعصية، لانهم أكمل المؤمنين، وفيهم هذا الروح أيضا على وجه الكمال، وإن كان في سائر المؤمنين صنف منه، وهذا غير روح القدس كما مر في الخمسة. الثاني أن يكون إشارة إلى المؤمنين وذكره عليه السلام هذه الاية لبيان أنهم أيضا مؤيدون بهذا الروح لانهم أكمل المؤمنين كما عرفت. الثالث أن يكون المراد بجماعتهم الجماعة المخصوصين بالرسل من خواص اممهم وأتباعهم، وكونه في خواص أتباعهم يستلزم كونه فيهم أيضا. وفي البصائر في حديث جابر بعد قوله وروح البدن: " وبين ذلك في كتابه حيث قال: تلك الرسل فضلنا " الاية وبعدها " ثم قال: في جميعهم وأيدهم بروح منه " وهذا يأبى عن هذا الحمل، بل عن الثاني أيضا إلا بتكلف.


(1) أنوار التنزيل: 426.

[186]

" وهم المؤمنون حقا " أي يكون إيمانهم واقعيا ولا يكون باطنهم مخالفا لظاهرهم، فيكونون منافقين على بعض الاحتمالات السابقة، أو المراد بهم المؤمنون الذين لا يتركون الفرائض، ولا يرتكبون الكبائر إلا اللمم فالذين يفعلون ذلك ولا يتوبون داخلون في أصحاب الشمال، لكنه يأبى عنه ما سيأتي من التخصيص بأهل الكتاب، وسيأتي القول فيه، وقوله: " بأعيانهم " ليس في رواية جابر وكأن المعنى بخصوصهم أو بأنفسهم من غير أن يلحق بهم أتباعهم " يستكمل هذه الارواح " أي يطلب كمالها وتمامها، أو يتصف بها كاملة، وفي البصائر " بهذه الارواح " وفي رواية جابر " مستكملا بهذه الارواح " وهما أظهر، وهما على بناء المفعول، في القاموس استكمله وكمله أتمه وجمله. " إلى أرذل العمر " في مجمع البيان أي أدون العمر وأوضعه أي يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم والخرف، فيظهر النقصان في جوارحه وحواسه وعقله، وروى عن علي عليه السلام أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة، وروي مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن قتادة تسعون سنة " لكيلا يعلم بعد علم شيئا " أي ليرجع إلى حال الطفولية لنسيان ما كان علمه لاجل الكبر، فكأنه لا يعلم شيئا مما كان عليه، وقيل: ليقل علمه بخلاف ما كان عليه في حال شبابه انتهى (1) وقال البيضاوي: وقيل: هو خمس وتسعون سنة (2) وأقول: في روضة الكافي أنه مائة سنة وقيل الكاف في قوله " كما قال الله " لبيان أن القريب من أرذل العمر أيضا داخل في المراد، وليس بالذي يخرج من دين الله. قال بعض المحققين: إن قيل: قد ثبت أن الانسان إنما يبعث على ما مات عليه، فإذا مات الكبير على غير معرفة فكيف يبعث عارفا ؟ قلنا: لما كان مانعه عن الالتفات إلى معارفه أمرا عارضا وهو اشتغاله بتدبير البدن فلما زال ذلك بالموت برزت له معارفه التي كانت كامنة في ذاته بخلاف من لم يحصل المعرفة أصلا


(1) مجمع البيان ج 6: 372. (2) أنوار التنزيل: 230.

[187]

فإنه ليس في ذاته شئ ليبرز له. " لان الفاعل به رده " أي أن الله الفاعل به المدبر لامره رده أو الرب الفاعل به القوى الاربع وخالقها فيه رده، أو فاعل آخر غير نفسه رده، ولا تقصير له فيه والاول أظهر وفي البصائر " لان الله الفاعل ذلك به " وهو أصوب " ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار " كأنه استعمل التهجد هنا في مطلق العبادة أو يقدر فعل آخر كقولهم " علفتها تبنا وماء باردا " وقيل: المراد بالتهجد هنا التيقظ من نوم الغفلة وأصل التهجد مجانبة الهجود في الليل للصلاة وفي القاموس الهجود النوم كالتهجد، وبالفتح المصلى بالليل، والجمع بالضم وهجد وتهجد: استيقظ كهجد ضد، وفي البصائر " ولا الصيام بالنهار " وهو أصوب. " ولا القيام في الصف " أي لصلاة الجماعة ويحتمل الجهاد " وليس يضره شيئا " لان ترك الافعال مع القدرة عليها يوجب نقص الايمان لا مع العذر، ولا يوجب نقص ثوابه أيضا لما ورد في الاخبار أنه يكتب له مثل ما كان يعمله في حال شبابه وقوته وصحته " وفيهم " أي في أصحاب الميمنة أو في أصحاب تلك الحالات " من ينتقص منه روح القوة " أي هي فقط أو بسبب غير الكبر في السن " ومنهم " يحتمل الوجهين المتقدمين وثالثا وهو إرجاع الضمير إلى الذين ينتقص منهم روح القوة، وعلى الوجهين الاخرين كان المراد مع نقص الروح السابقة لقوله " ويبقى روح البدن ". " لم يحن إليها " أي لا يشتاق إليها " ولم يقم " أي إليها لطلبها ومراودتها وقيل: أي لم تقم آلته لها ولا يخفى بعده وفي رواية جابر " وقد يأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الاربعة وذلك قول الله تعالى: " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا " (1) فينتقص روح القوة، ولا يستطيع مجاهدة العدو، ولا معالجة المعيشة، وينتقص منه روح الشهوة، فلو مرت به أحسن بنات


(1) النحل: 70.

[188]

بني آدم لم يحن إليها وتبقى فيه روح الايمان وروح البدن، فبروح الايمان يعبد الله، وبروح البدن يدب ويدرج حتى يأتيه ملك الموت إلى آخر الخبر وكأنه أظهر. " فهذا بحال خير " أي لا يضره هذا النقص في الارواح، وقيل: المعنى أنه يسقط عنه بعض التكاليف الشرعية كالجماع في كل أربعة أشهر، والقسمة بين النساء، ولا يخفى ما فيه " في قوته " كلمة " في " للسببية أو للظرفية أي وقت قوته " نقص " النقص يكون لازما ومتعديا، وهنا يحتملهما فعلى الاول المعنى نقص بعض الايمان فمن بمعنى البعض، أو نقص شئ منه فيكون فاعلا، وعلى الثاني يكون مفعولا " وتفصى منه " بالفاء أي خرج من الايمان أو خرج الايمان منه، في القاموس أفصى: تخلص من خير أو شر كتفصى، وفي النهاية يقال: تفصيت من الامر تفصيا إذا خرجت منه وتخلصت. وربما يقرأ بالقاف أي بعد منه وهو تصحيف. " وإن عاد " أي من غير توبة على وجه الاصرار، وقيل: هو من العادة " أدخله الله نار جهنم " أي يستحق ذلك ويدخله أن لم يعف عنه، لكن يخرجه بعد ذلك إلا أن يصير مستحلا أو تاركا لولاية أهل البيت عليهم السلام، ويؤيده أن في البصائر هكذا " فإذا مسها انتقص من الايمان ونقصانه من الايمان ليس بعائد فيه أبدا أو يتوب فان تاب وعرف الولاية تاب الله عليه، وإن عاد وهو تارك الولاية أدخله الله نار جهنم ". وأقول: كأنه لم يذكر العود مع الولاية وأبهم ذلك إما لعدم اجتراء الشيعة على المعصية، أو لان الاصرار يصير سببا لترك الولاية غالبا أو أحيانا. " فهم اليهود والنصارى " كأن ذكرهما على المثال، والمراد جميع الكفار والمنكرين للعقائد الايمانية الذين تمت عليهم الحجة، ويؤيده ما في رواية جابر حيث قال: وأما ما ذكرت من أصحاب المشئمة فمنهم أهل الكتاب. " الذين آتيناهم الكتاب " قال البيضاوي: يعني علماءهم " يعرفونه " الضمير لرسول الله صلى الله عليه وآله

[189]

وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه، وقيل: للعلم أو القرآن أو التحويل يعني تحويل القبلة " كما يعرفون أبنائهم " يشهد للاول أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم: ولا يلتبسون عليهم بغيرهم " وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن " الحق من ربك " كلام مستأنف، " والحق " إما مبتدأ خبره " من ربك " واللام للعهد والاشارة إلى ما عليه الرسول أو الحق الذي يكتمونه، أو للجنس، والمعنى أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق و " من ربك " حال أو خبر بعد خبر، وقرئ بالنصب على أنه بدل من الاول أو مفعول يعلمون " فلا تكونن من الممترين " الشاكين في أنه من ربك، أو في كتمانهم الحق عالمين به، وليس المراد به نهي رسول الله صلى الله عليه وآله عن الشك فيه، لانه غير متوقع منه، وليس بقصد واختيار، بل إما تحقيق الامر وأنه بحيث لا يشك فيه ناظر، أو أمر الامة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الابلغ (1). قوله " والولاية " أي يعرفون محمدا بالنبوة وأوصياءهم بالامامة والولاية وإنما اكتفى بذكر محمد صلى الله عليه وآله لان معرفته على وجه الكمال يستلزم معرفة أوصيائه أو لانه الاصل والعمدة " أنك الرسول إليهم " بيان للحق وفي البصائر " الحق من ربك: الرسول من الله إليهم بالحق " والظاهر أن قراءتهم عليهم السلام كان على النصب " ابتلاهم الله بذلك " أي بسبب ذلك الجحود وقوله " فسلبهم " بيان للابتلاء. وأقول: يحتمل أن يكون الغرض من ذكر الايه بيان سلب روح الايمان من هؤلاء بقوله تعالى " فلا تكونن من الممترين " فان الظاهر أن هذا تعريض لهم بأنهم من الشاكين على أحد وجهين: أحدهما أنه لما جحدوا ما عرفوا سلب الله منهم التوفيق واللطف، فصاروا شاكين ومع الشك لا يبقى الايمان، فسلب منهم روحه، لانه لا يكون مع عدم الايمان، أو سلب منهم أولا الروح المقوي للايمان


(1) أنوار التنزيل: 44 والاية في البقرة: 136.

[190]

فصاروا شاكين، وثانيهما أنهم لما أنكروا ظاهرا ما عرفوا يقينا نسبهم إلى الامتراء وألحقهم بالشاكين، لان اليقين إنما يكون إيمانا إذا لم يقارن الانكار الظاهري فلذا سلبهم الروح الذي هو لازم الايمان، ويؤيده أن في البصائر " ابتلاهم الله بذلك الذم " وهذان الوجهان مما خطر، بالبال في غاية المتانة. " وأسكن أبدانهم " تخصيص تلك الارواح بالابدان لان الروحين الاخرين ليسا مما يسكن البدن، وإن كانا متعلقين به. واعلم أن الروح يذكر ويؤنث وإنما بسطنا الكلام في شرح هذا الخبر لانه لم يتعرض أحد لايضاح الدقائق المستنبطة منه. 4 - ثو: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار عن صباح بن سيابة قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فقيل له: ترى الزاني حين يزني وهو مؤمن ؟ قال: لا، إذا كان على بطنها سلب الايمان منه، فإذا قام رد عليه قال: فانه إن أراد أن يعود ؟ قال: ما أكثر من يهم أن يعود ثم لا يعود (1). 5 - ثو: عن ابن البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير قال: قلت لابي جعفر عليه السلام في قول رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا زنى الرجل فارقه روح الايمان، قال: هو قوله عزوجل " وأيدهم بروح منه " ذلك الذي يفارقه (2). كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال مثله (3). بيان: حاصله أن يفارقه كمال الايمان ونوره وما به يترتب عليه آثاره إذ الايمان والتصديق بدون تأثيره في فعل الطاعات وترك المناهي كبدن بلا روح وقد عرفت أنه قد يطلق على ملك موكل بقلب المؤمن يهديه، في مقابلة شيطان يغويه، وعلى نصرة ذلك الملك، ولا ريب في أن المؤمن إذا زنى فارقه روح الايمان


(1) ثواب الاعمال: 234، وسيأتى مثله عن الكافي ج 2: 281. (2) ثواب الاعمال: 235. والاية في المجادلة: 22. (3) الكافي ج 2 ص 280.

[191]

بتلك المعاني، فإذا فرغ من العمل فان تاب يعود إليه الروح كاملا وإلا يعود إليه في الجملة، والضمير المجرور في قوله " بروح منه " راجع إلى الله أو إلى الايمان والاول أظهر. 6 - ير: عن عمران بن موسى بن جعفر، عن علي بن معبد، عن عبيدالله بن عبد الله الواسطي، عن درست بن أبي منصور عمن ذكره، عن جابر قال: سألت أبا جعفر عن الروح، قال: يا جابر إن الله خلق الخلق على ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاث منازل، وبين ذلك في كتابه حيث قال: " فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشئمة * والسابقون السابقون * اولئك المقربون " (1) فأما ما ذكر من السابقين فهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين، جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الايمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن وبين ذلك في كتابه حيث قال: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس " (2) ثم قال: في جميعهم " وأيدهم بروح منه " (3) فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين، وبروح القدس علموا جميع الاشياء، وبروح الايمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا، وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معايشهم، وبروح الشهوة أصابوا لذة الطعام ونكحوا الحلال من النساء، وبروح البدن يدب ويدرج. وأما ما ذكرت من أصحاب الميمنة، فهم المؤمنون حقا، جعل فيهم أربعة أرواح: روح الايمان، وروح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن، ولا يزال العبد مستكملا بهذه الارواح الاربعة حتى يهم بالخطيئة، فإذا هم بالخطيئة تزين له روح الشهوة، وشجعه روح القوة، وقاده روح البدن حتى يوقعه في


(1) الواقعة: 8 - 11. (2) البقرة: 253. (3) المجادلة: 22.

[192]

تلك الخطيئة، فإذا لامس الخطيئة انتقص من الايمان وانتقص الايمان منه، فان تاب تاب الله عليه. وقد تأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الاربعة وذلك قول الله تعالى " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا " (1) فتنتقص روح القوة ولا يستطيع مجاهدة العدو، ولا معالجة المعيشة، وتنتقص منه روح الشهوة، فلو مرت به أحسن بنات آدم لم يحن إليها، وتبقى فيه روح الايمان وروح البدن فبروح الايمان يعبد الله، وبروح البدن يدب ويدرج، حتى يأتيه ملك الموت. وأما ما ذكرت من أصحاب المشئمة فمنهم أهل الكتاب قال الله تبارك وتعالى " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين " (2) عرفوا رسول الله والوصي من بعده وكتموا ما عرفوا من الحق بغيا وحسدا فسلبهم روح الايمان وجعل لهم ثلاثة أرواح: روح القوة، وروح الشهوة، وروح البدن، ثم أضافهم إلى الانعام فقال: " إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا " (3) لان الدابة إنما تحمل بروح القوة وتعتلف بروح الشهوة، وتسير بروح البدن (4). 7 - سر: من كتاب موسى بن بكر، عن زرارة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أرأيت قول النبي صلى الله عليه وآله: " لا يزني الزاني وهو مؤمن " قال: ينزع منه روح الايمان ؟ قال: ينزع منه روح الايمان، قال: قلت: فحدثني بروح الايمان، قال: هو شئ ! ثم قال: هذا أجدر أن تفهمه أما رأيت الانسان يهم بالشئ فيعرض بنفسه الشئ يزجره عن ذلك وينهاه ؟ قلت: نعم، قال: هو ذاك. 8 - جا: عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله في آخرين، عن عبد الله بن سالم، عن هشام بن مهران، عن خاله محمد بن زيد


(1) النحل: 70. (2) البقرة: 146 و 147. (3) الفرقان: 44. (4) بصائر الدرجات: 447 - 449

[193]

العطار وكان من كبار أصحاب الاعمش، عن محمد بن أحمد بن الحسن، عن منذر ابن جيفر، عن محمد بن بريد الباني قال: كنت عند جعفر بن محمد عليهما السلام فدخل عليه عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة وعمر بن زر في جماعة من أصحابهم فسألوه عن الايمان فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن " فجعل بعضهم ينظر إلى بعض فقال له عمر بن زر: بم نسميهم ؟ فقال: بما سماهم الله وبأعمالهم قال الله عزوجل: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (1) وقال: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " (2) فجعل بعضهم ينظر إلى بعض، فقال محمد بن يزيد: وأخبرني بشر بن عمر بن زر وكان معهم قال: لما خرجنا، قال عمر بن زر لابي حنيفة: ألا قلت من عن رسول الله ؟ قال: ما أقول لرجل يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (3). بيان: " بم نسميهم " بناء سؤاله على أنه لا واسطة بين الايمان والكفر فإذا لم يكونوا مؤمنين فهم كفار، وبناء الجواب على الواسطة كما عرفت " من عن رسول الله " أي لم لم تسأله من أخبرك بهذا الحديث عن رسول الله ؟ فأجاب بأنه إذا ادعى العلم ونسب القول إليه كيف أستطيع أن أسأله من أخبرك. 9 - ختص: عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن روح الايمان واحدة خرجت من عند واحد ويتفرق في أبدان شتى فعليه ائتلفت وبه تحابت وسيخرج من شتى ويعود واحدا ويرجع إلى عند واحد (4). بيان: فيه إيماء إلى أن روح الايمان هي قوة الايمان والملكة الداعية إلى الخير، فهي معنى واحد، وحقيقة واحدة اتصفت بأفرادها النفوس، وبعد ذهاب النفوس ترد إلى الله وإلى علمه، فيجازيهم بحسبها، ويحتمل أن تكون خلقا واحدا


(1) المائدة: 38. (2) النور: 2. (3) مجالس المفيد: 20. (4) الاختصاص: 249.

[194]

تعين جميع النفوس على الطاعة بحسب إيمانهم وقابليتهم واستعدادهم كما تقول الحكماء في العقل الفعال وأومأنا إليه. 10 - كا: عن الحسين بن محمد ومحمد بن يحيى جميعا، عن علي بن محمد بن سعد، عن محمد بن مسلم، عن أبي سلمة، عن محمد بن سعيد، عن ابن أبي نجران، عن ابن سنان عن أبي خديجة قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام فقال لي: إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بروح منه تحضره في كل وقت يحسن فيه ويتقي. وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي، فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه وتسيخ في الثرى عند إساءته، فتعاهدوا عباد الله نعمه باصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقينا وتربحوا نفيسا ثمينا، رحم الله امرءا هم بخير فعمله، أو هم بشر فارتدع عنه، ثم قال: نحن نؤيد الروح بالطاعة لله والعمل له (1). بيان: قد مر تفسير الروح والاظهر أن المراد هنا أيضا الملك، والمراد بالاحسان الاتيان بالطاعات، وبالاتقاء الاجتناب عن المنهيات، والاعتداء التجاوز عن حدود الشريعة، أو الظلم على غيره بل على نفسه أيضا " تهتز " أي تتحرك سرورا وفي القاموس: هزه وبه حركه، والحادي الابل هزيزا نشطها بحدائه والهزة بالكسر النشاط والارتياح، وتهزهز إليه قلبي ارتاح للسرور، واهتز عرش الرحمن لموت سعد أي ارتاح بروحه واستبشر لكرامته على ربه (2). وقال: ساخت قوائمه أي خاضت، والشئ رسب، والارض بهم انخسفت والثرى قيل: هو التراب الندى، وهو الذي تحت الظاهر من وجه الارض، فان لم يكن نديا فهو تراب ولا يقال ثري، وأقول: يظهر من الاخبار أنه منتهى المخلوقات السفلية وعند ذلك ضل علم العلماء، وقال الفيروزآبادي: الثرى الندى والتراب الندي أو الذي إذا بل لم يصر طينا، والارض، وقال: تعهده وتعاهده تفقده وأحدث العهد به، وفي المصباح عهدت الشئ ترددت إليه وأصلحته وحقيقته


(1) الكافي ج 2 ص 268. (2) القاموس ج 2: 196.

[195]

تجديد العهد به وتعهدته حفظته، وقال ابن فارس: ولا يقال تعاهدته لان التفاعل لا يكون إلا من اثنين، وقال الفارابي تعهدته أصلح من تعاهدته انتهى. والظاهر أن المراد هنا حفظ نعم الله واستبقاؤها واستعمال ما يوجب دوامها وبقاءها، والمراد بالنعم هنا النعم الروحانية من الايمان واليقين والتأييد بالروح والتوفيقات الربانية وتعاهدها إنما يكون بترك الذنوب والمعاصي والاخلاق الدنية التي توجب نقصها أو زوالها كما قال عليه السلام: " باصلاحكم أنفسكم " و " يقينا " تميز وزيادة اليقين لقوله تعالى: " لئن شكرتم لازيدنكم " (1) وأيضا إصلاح النفس يوجب الترقي في الايمان واليقين وما يوجب الفلاح في الاخرة كما قال سبحانه: " قد أفلح من زكيها * وقد خاب من دسيها " (2) والنفيس الكريم الشريف الذي يتنافس فيه، وفي المصباح نفس الشئ نفاسا كرم فهو نفيس، ونفست به مثل ضننت لنفاسته وزنا ومعنى، والثمين العظيم الثمن، والمراد بهما هنا الجنة ودرجاتها العالية، ونعمها الباقية " هم بخير " أي أراده وقصده " فارتدع عنه " أي انزجر عنه وتركه " ونحن نؤيد الروح " أي ونحن نؤيد الروح أي نقويه وفي بعض النسخ " نزيد " فيرجع إلى التأييد أيضا فانه يتقوى بالطاعة كأنه يزيد. 1 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن داود قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا زنى الرجل فارقه روح الايمان، قال: فقال: هو مثل قول الله عزوجل [" ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (3) ثم قال: غير هذا أبين منه، وذلك قول الله عزوجل] " وأيدهم بروح منه " هو الذي فارقه (4).


(1) ابراهيم: 7. (2) الشمس: 9 و 10. (3) البقرة: 268. (4) الكافي ج 2 ص 284، والاية في المجادلة: 22.

[196]

بيان: لم يكن في بعض النسخ من قول الله إلى قول الله، فهو على قياس سائر الاخبار، وعلى تقديره فصدر الاية " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم " أي من حلاله أو من جياده " ومما أخرجنا لكم من الارض " أي ومن طيبات ما أخرجنا من الحبوب والثمر والمعادن، فحذف المضاف لتقدم ذكره " ولا تيمموا الخبيث " أي ولا تقصدوا الردي " منه " أي من المال أو مما أخرجنا، وتخصيصه بذلك لان التفاوت فيه أكثر " تنفقون " حال مقدرة من فاعل " تيمموا " ويجوز أن يتعلق به " منه " ويكون الضمير للخبيث والجملة حالا منه، وروي عن ابن عباس أنهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه، وكأن وجه التشبيه أن الاعمال الصالحة إنفاق من النفس، وإذا فارقها روح الايمان بسبب الاعمال السيئة تصير خبيثا فلا يصلح الانفاق منها إلا بعد تطهيرها بالتوبة والاعمال الصالحة، أو يقال الانفاق من الايمان والايمان المشوب بالكبائر خبيث كالمال الردي الذي كانوا يخرجونها في الزكوات ولا يقبل الله إلا الطيب كما قال تعالى " إنما يتقبل الله من المتقين " وقيل: وجه المماثلة أن إيمان الزاني ناقص، لا أنه معدوم بكله، كما أن الانفاق من مال الخبيث ناقص لا أنه ليس بانفاق أصلا. 12 - نهج: في حديثه عليه السلام: إن الايمان يبدو لمظة في القلب كلما ازداد الايمان ازدادت اللمظة (1). بيان: قال السيد - ره - بعد هذا الكلام: اللمظة مثل النكتة أو نحوها من البياض، ومنه قيل فرس ألمظ إذا كان بجحفلته شئ من البياض انتهى. وقال ابن أبي الحديد: قال أبو عبيد: هي لمظة بضم اللام، والمحدثون يقولون لمظة بالفتح، والمعروف من كلام العرب الضم، وقال: وفي الحديث حجة على من أنكر أن يكون الايمان يزيد وينقص، والجحفلة للبهائم بمنزلة الشفة للانسان.


(1) نهج البلاغة: ج 2 ص 204.

[197]

13 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد عن نعمان الرازي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من زنى خرج من الايمان ومن شرب الخمر خرج من الايمان، ومن أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا خرج من الايمان (1). 14 - كا: بالاسناد، عن يونس، عن محمد بن عبدة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أيزني الزاني وهو مؤمن ؟ قال: لا، إذا كان على بطنها سلب الايمان، فإذا قام رد إليه، فان عاد سلب، قلت: فانه يريد أن يعود ؟ فقال: ما أكثر من يريد أن يعود فلا يعود إليه أبدا (2). بيان: " سلب الايمان " الايمان إما مرفوع بنيابة الفاعل، أو منصوب بكونه ثاني مفعول سلب، والمفعول الاول النائب للفاعل الضمير الراجع إلى الزاني " فقال ما أكثر من يريد " الحاصل أنه ليس لارادة العود حكم العود، كما أن إرادة أصل المعصية ليست كنفس المعصية، فانها صغيرة مكفرة، ولو لم تكن مكفرة بعد الفعل باعتبار ترك التوبة والاصرار على الذنب، فلا ريب أن أصل الفعل أشد. 15 - كا: عن علي، عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يسلب منه روح الايمان مادام على بطنها، فإذا نزل عاد الايمان قال: قلت: أرأيت إن هم ؟ قال: لا، أرأيت إن هم أن يسرق أتقطع يده (3). بيان: " عاد الايمان " أي إليه فالمراد به الايمان الكامل أو الايمان الذي معه الروح، فاللام للعهد وفيه إشارة إلى أن الايمان الذي فارقه الروح ليس بايمان كما أن الجسد الذي فارقه الروح ليس بانسان مع أنه يحتمل أن تكون إضافة الروح إلى الايمان بيانية، ويحتمل أن يكون المراد عاد الايمان إلى كماله أو إلى حاله التي كان عليها قبل الزنا أي كما أنه قبل الزنا كان إيمانه قابلا للشدة والضعف


(1 و 2) الكافي ج 2: 278. (3) الكافي ج 2 ص 281.

[198]

فكذا بعد الزناء قابل لهما بالتوبة وعدمها، فلا ينافي ما روي من عدم العود إليه إلا بعد التوبة. وقيل: لعل المراد أنه يسلب منه شعبة من شعب الايمان وهي إيمان أيضا فان المؤمن يعلم أن الزناء مهلك ويزهر نور هذا العلم في قلبه، ويبعثه على كف الالة عن الفعل المخصوص، وكل واحد منهما أعني العلم والكف إيمان وشعبة من الايمان أيضا، فإذا غلبت الشهوة على العقل، وأحاطت ظلمتها بالقلب، زال عنه نور ذلك العلم، واشتغلت الالة بذلك الفعل، فانتقصت عن الايمان شعبتان، فإذا انقضت الشهوة، وعاد العقل إلى ممالكه، وعلم وقوع الفساد فيها، وشرع في إصلاحها بالندامة عن الغفلة، صار ذلك الفعل كالعدم، وزالت تلك الظلمة عن القلب ويعود نور ذلك العلم، فيعود إيمانه، ويصير كاملا بعد ما صار ناقصا انتهى. قوله " أرأيت إن هم " أي قصد الزنا هل يفارقه روح الايمان أو إن كان بعد الزنا قاصدا للعود هل يمنع ذلك عود الايمان " قال: لا " والاول أظهر " أرأيت إن هم " أقول المعنى أنه كما أن قصد السرقة ليس كنفسها في المفاسد والعقوبات، فكذا قصد الزنا ليس كنفسها في المفاسد، أو يقال لما كان ذكر الزنا على سبيل المثال والحكم شاملا للسرقة وغيرها فالغرض التنبيه بالاحكام الظاهرة على الاحكام الباطنة. فان قيل: على الوجهين هذا قياس فقهي وهو ليس بحجة عند الامامية، قلت: ليس الغرض الاستدلال بالقياس فانه عليه السلام لا يحتاج إلى ذلك، وقوله في نفسه حجة، بل هو تنبيه بذكر نظير للتوضيح، ورفع استبعاد السائل أو إلزام على المخالفين على أن القياس الفقهي إنما لا يكون حجة لاستنباط العلة، وعدم العلم بها، أما مع العلم بها فيرجع إلى القياس المنطقي لكن يرد عليه أنه لما كان العلم بالعلة من جهة قوله عليه السلام فقوله يكفي لثبوت أصل الحكم فيرجع إلى الوجه الاول. 16 - كا: عن الحسن بن محمد، عن أحمد بن إسحاق، عن سعدان، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقلب اذنين، فإذا هم العبد بذنب قال له روح الايمان

[199]

لا تفعل، وقال له الشيطان: افعل، وإذا كان على بطنها نزع منه روح الايمان (1). بيان: " على بطنها " أي المرأة المزني بها، كما في سائر الاخبار. 17 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا ولقلبه اذنان في جوفه: اذن ينفث فيها الوسواس الخناس، واذن ينفث فيها الملك، فيؤيد الله المؤمن بالملك، وذلك قوله " وأيدهم بروح منه " (2). 18 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن علي ابن أبي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: أنزل السكينة [في قلوب المؤمنين] (3) قال: هو الايمان قال: وسألته عن قول الله عزوجل " وأيدهم بروح منه " قال: هو الايمان (4). بيان: كأن المراد بالسكينة الثبات وطمأنينة النفس وشدة اليقين، بحيث لا يتزلزل عند الفتن وعروض الشبهات، بل هذا إيمان موهبي يتفرع على الاعمال الصالحة، والمجاهدات الدينية سوى الايمان الحاصل بالدليل والبرهان، ولذا قال: " ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " والحاصل أن تفسيره عليه السلام السكينة بالايمان إما لكون هذا اليقين كمال الايمان، أو إيمانا موهبيا ينضم إلى الايمان الاستدلالي وهذا مما يدل على أن اليقين يقبل الشدة والضعف كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله وكأن المراد بالروح أيضا الايمان الموهبي لانه قال ذلك بعد قوله: " وكتب في قلوبهم الايمان " أو المراد به قوة الايمان وكماله، ويحتمل أن يكون المراد به


(1) الكافي ج 2: 267. (2) الكافي ج 2: 267 والاية في المجادلة: 22، وفى نسخة الكمبانى بعد هذا الحديث حديث آخر من الكافي مر تحت الرقم 10، مع شرحها نقلا عن المرآت، ولذلك حذفناه. (3) الزيادة من المصدر، والاية في سورة الفتح: 4 (4) الكافي ج 2: 15، والاية الاخيرة في المجادلة: 22.

[200]

أنه سبب الايمان وقوته وكماله لما مر في الاخبار. 19 - كا: عن العدة، عن أحمد البرقي، عن ابن محبوب، عن العلا، عن محمد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: السكينة هي الايمان (1). 20 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن البختري وهشام بن سالم وغيرهما، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين " قال: هو الايمان (2). 21 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن جميل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين " قال: هو الايمان، قال: قلت: " وأيدهم بروح منه " قال: هو الايمان، وعن قوله تعالى: " وألزمهم كلمة التقوى " قال: هو الايمان (3). بيان: فسر أكثر المفسرين كلمة التقوى بكلمة التوحيد فانه يتقى بها من عذاب الله وما فسرها عليه السلام به أظهر، إذ بجميع العقائد الايمانية واجتماعها يتقى من عذاب الله، وفسرت في كثير من الاخبار بالولاية لاستلزامها لسائر العقائد، وفي بعضها بأمير المؤمنين، وفي بعضها بجميع الائمة عليهم السلام أي ولايتهم والاقرار بامامتهم كلمة التقوى، أو أنهم يعبرون عن الله تعالى وما يتقى به من عذابه. 22 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن صفوان، عن أبان عن الفضيل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام " اولئك كتب في قلوبهم الايمان " هل لهم فيما كتب في قلوبهم صنع ؟ قال: لا (4). بيان: يدل على أن الايمان من الله، وليس للعباد فيها صنع وعمل واختيار وإنما كلف العباد بعدم الجحد ظاهرا أو باخراج التعصب والاغراض الباطلة عن النفس، أو مع السعي في الجملة أيضا، ويمكن تخصيصه بمعرفة الصانع تعالى


(1 - 4) الكافي ج 2: 15.

[201]

كما مر (1) أو بكمال المعرفة وقد مر تمام القول فيه في كتاب العدل وفي بعض النسخ " صبغ " بالباء الموحدة والغين المعجمة أي هل لهذه الكتابة صبغ ولون وكأنه تصحيف. تذييل اعلم أن المتكلمين من الخاصة والعامة اختلفوا في أن الايمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا ؟ ومنهم من جعل هذا الخلاف فرع الخلاف في أن الاعمال داخلة فيه أم لا، قال إمامهم الرازي في المحصل: الايمان عندنا لا يزيد ولا ينقص لانه لما كان اسما لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به، وهذا لا يقبل التفاوت فسمي الايمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وعند المعتزلة لما كان اسما لاداء العبادات كان قابلا لهما، وعند السلف لما كان اسما للاقرار والاعتقاد والعمل فكذلك والبحث لغوي ولكل واحد من الفرق نصوص والتوفيق أن يقال الاعمال من ثمرات التصديق، فما دل على أن الايمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفا إلى أصل الايمان. وما دل على كونه قابلا لهما فهو مصروف إلى الايمان الكامل انتهى. وقال الشهيد الثاني قدس سره في رسالة العقائد: حقيقة الايمان بعد الاتصاف بها بحيث يكون المتصف بها مؤمنا عند الله تعالى هل تقبل الزيادة أم لا ؟ فقيل بالثاني لما تقدم من أنه التصديق القلبي الذي بلغ الجزم والثبات فلا تتصور فيه الزيادة عن ذلك سواء أتى بالطاعات وترك المعاصي أم لا، وكذا لا تعرض له النقيصة وإلا لما كان ثابتا، وقد فرضناه كذلك، هذا خلف، وأيضا حقيقة الشئ لو قبلت الزيادة والنقصان لكانت حقائق متعددة، وقد فرضناها واحدة، وهذا خلف.


(1) مر في شرحه للكافى راجع كتاب التوحيد باب البيان ولزوم الجحة وباب الهداية أنها من الله عزوجل.

[202]

إن قلت: حقيقة الايمان من الامور الاعتبارية للشارع وحينئذ فيجوز أن يعتبر الشارع للايمان حقائق متعددة متفاوتة زيادة ونقصانا بحسب مراتب المكلفين في قوة الادراك وضعفه، فانا نقطع بتفاوت المكلفين في العلم والادراك، قلت: لو جاز ذلك وكان واقعا لوجب على الشارع بيان حقيقة إيمان كل فرقة يتفاوتون في قوة الادراك، مع أنه لم يبين، وما ورد من جهة الشارع فيما به يتحقق الايمان من حديث جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وغيره من الاحاديث قد مر ذكره، وليس فيه شئ يدل على تعدد الحقائق بحسب تفاوت قوى المكلفين وأما ما ورد في الكتاب العزيز والسنة المطهرة مما يشعر بقبوله الزيادة والنقصان، كقوله تعالى " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " (1) وقوله تعالى " وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " (2) وقوله تعالى " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين " (3) وكذا ما ورد من أمثال ذلك في القرآن العزيز فمحمول على زيادة الكمال، وهو أمر خارج عن أصل الحقيقة الذي هو محل النزاع والاية الثانية صريحة في ذلك، فان قوله تعالى " مع إيمانهم " يدل على أن أصل الايمان ثابت أو على من كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله، حيث كانوا يسمعون فرضا بعد فرض منه عليه السلام فيزداد إيمانهم به لانهم لم يكونوا مصدقين به قبل أن يسمعوه وحاصله أن الحقيقة الشرعية للايمان لم تكن حصلت بتمامها في ذلك الوقت، فكان كلما حصل منها شئ صدقوا به. واعترض بأن من كان بعد عصر النبي صلى الله عليه وآله يمكن في حقه تجدد الاطلاع على تفاصيل الفرائض المتوقف عليها الايمان، فانه يجب الاعتقاد إجمالا فيما علم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا، ولا ريب أن اعتقاد الامور المتعددة تفصيلا


(1) الانفال: 2. (2) الفتح: 4. (3) المائدة: 93.

[203]

أزيد وأظهر عند النفس من اعتقادها إجمالا فعلم من ذلك قبول حقيقة الايمان الزيادة. أقول: فيه بحث فان الجازم بحقيقة الجملة جازم بحقيقة كل جزء منها وإن لم يعلمه بعينه، ألا ترى أنا بعد علمنا بصدق النبي صلى الله عليه وآله جازمون بصدق كل ما يخبر به، وإن لم نعلم تفصيل ذلك جزءا جزءا حتى لو فصل ذلك علينا واحدا واحدا لما ازداد ذلك الجزم، نعم الزائد في التفصيل، إنما هو إدراك الصور المتعددة من حيث التعدد والتشخص، وهو لا يوجب زيادة في التصديق الاجمالي الجازم، فان هذه الصور قد كانت مجزوما بها على تقدير دخولها في الهيئة الاجمالية وإنما الشاذ عن النفس إدراك خصوصياتها، وهو أمر خارج عن تحقق الحقيقة المجزوم بها، نعم لا ريب في حصول الاكملية به، وليس الكلام فيها. وقد أجاب بعض المفسرين عن الاية الثالثة بأن تكرار الايمان فيها ليس فيه دلالة على الزيادة بل إما أن يكون باعتبار الازمنة الثلاثة، أو باعتبار الاحوال الثلاث حال المؤمن مع نفسه، وحاله مع الناس، وحاله مع الله تعالى، ولذا بدل الايمان بالاحسان كما يرشد إليه قوله صلى الله عليه وآله في تفسيره: الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك، أو باعتبار المراتب الثلاث: المبدأ والوسط والمنتهى أو باعتبار ما ينبغي فانه ينبغي تر ؟ المحرمات حذرا عن العقاب، وترك الشبهات تباعدا عن الوقوع في المحرمات وهو مرتبة الورع، وترك بعض المباحات المؤذنة بالنقص حفظا للنفس عن الخسة، وتهذيبا لها عن دنس الطبيعة، أو يكون هذا التكرار كناية عن أنه ينبغي للمؤمن أن يجدد الايمان في كل وقت بقلبه ولسانه وأعماله الصالحة وعبر [به حرصا] منه على بقائه والثبات عليه عند الذهول، ليصير الايمان ملكة للنفس، فلا يزلزله عروض شبهة انتهى. قيل في بيان قبول الايمان الزيادة: إن الثبات والدوام على الايمان أمر زائد عليه في كل زمان، وحاصل ذلك يرجع إلى أن الايمان عرض لانه من الكيفيات النفسانية، والعرض لا يبقى زمانين، بل بقاؤه إنما يكون بتجدد الامثال. أقول: وهذا مع بنائه على ما لم يثبت حقيته بل نفيه فليس من الزيادة في شئ إذ لا يقال

[204]

للمماثل الحاصل بعد انعدام مثله أنه زائد وهذا ظاهر. وقيل في توجيه قبوله الزيادة أنه بمعنى زيادة ثمرته من الطاعات وإشراق نوره وضيائه في القلب، فانه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. أقول: هذا التوجيه وجيه لو كان النزاع في مطلق الزيادة لكنه ليس كذلك بل النزاع إنما هو في أصل حقيقته لا في كمالها. واستدل بعض المحققين على أن حقيقة التصديق الجازم الثابت يقبل الزيادة والنقصان بأنا نقطع أن تصديقنا ليس كتصديق النبي صلى الله عليه وآله. أقول: لا ريب في أنا قاطعون بأن تصديق النبي صلى الله عليه وآله أقوى من تصديقنا وأكمل، لكن هذا لا يدل على اختلاف أصل حقيقة الايمان التي قدرها الشارع باعتقاد امور مخصوصة على وجه الجزم والثبات، فان تلك الحقيقة إنما هي من اعتبارات الشارع، ولم يعهد من الشارع اختلاف حقيقة الايمان باختلاف المكلفين في قوة الادراك بحيث يحكم بكفر قوي الادراك لو كان جزمه بالمعارف الالهية كجزم من هو أضعف إدراكا منه، نعم الذي تفاوت فيه المكلفون إنما هو مراتب كماله بعد تحقق أصل حقيقته التي يخاطب بتحصيلها كل مكلف ويعتبر بها مؤمنا عند الله تعالى ويستحق الثواب الدائم وبدونها العقاب الدائم. وأما تلك الكمالات الزائدة فانما تكون باعتبار قرب المكلف إلى الله تعالى بسبب استشعاره لعظمة الله وكبريائه، وشمول قدرته وعلمه، وذلك لاشراق نفسه واطلاعها على ما في مصنوعات الله تعالى من الاحكام والاتقان والحكم والمصالح فان النفس إذا لاحظت هذه البدائع الغريبة العظيمة التي تحار في تعلقها مع علمها بأنها تشرك في الامكان والافتقار إلى صانع يبدعها ويبديها، متوحد في ذاته بذاته انكشف عليها كبرياء ذلك الصانع وعظمته وجلاله وإحاطته بكل شئ فيكثر خوفها وخشيتها واحترامها لذلك الصانع، حتى كأنها لا تشاهد سواه، ولا تخشى غيره، فتنقطع عن غيره إليه وتسلم أزمة امورها إليه، حيث علمت أن لا رب غيره وأن المبدأ منه والمعاد إليه، فلا تزال شاخصة منتظرة لامره حتى تأتيها فتفر

[205]

إليه من ضيق الجهالة إلى سعة معرفته (1) ورحمته ولطفه، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. وكذا ما ورد من السنة المطهرة مما يشعر بقبوله الزيادة والنقصان يمكن حمله على ما ذكرناه كحديث الجوارح ذكره في الكافي باسناده، عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام (2) قال: قلت: صفه لي يعني الايمان جعلت فداك حتى أفهمه فقال: الايمان حالات ودرجات - إلى قوله - وبالنقصان دخل المفرطون النار انتهى. ثم قال - رحمه الله -: اعلم أن سند هذا الحديث ضعيف لان في طريقه بكر بن صالح الرازي وهو ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب وأبو عمرو الزبيري وهو مجهول فسقط الاستدلال به. ولو سلم سنده فلا دلالة فيه على اختلاف نفس حقيقة الايمان ألا ترى أنه قال عليه السلام: " ولكن بتمام الايمان دخل المؤمنون الجنة " فأشار بذلك إلى نفس حقيقة الايمان التي يترتب عليها النجاة، وجعل الناقص عنها مما يترتب عليه دخول النار، فلم يكن إيمانا وإلا لم يدخل صاحبه النار لقوله تعالى: " وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات " (3) وجعل الزيادة في الايمان مما يوجب التفاضل في الدرجات، ولا ريب أن هذه الزيادة لو تركت، واقتصر المكلف على ما يحصل به التمام، لم يعاقب على ترك هذه الزيادة، ولانه عليه السلام جعل التمام موجبا للجنة، فكيف يوجب العقاب ترك الزيادة، مع أن ما دونه وهو التمام يوجب الجنة، وعلى هذا فتكون الزيادة غير مكلف بها، فلم تكن داخلة في أصل حقيقة الايمان، لانه مكلف به بالنص والاجماع، فيكون من الكمال، فظهر بذلك كون هذا الحديث دليلا على عدم قبول حقيقة الايمان للزيادة والنقصان لا دليلا على قبولهما.


(1) مغفرته خ ل. (2) مر تحت الرقم 6 ص 23 فراجع. (3) براءة: 72

[206]

وهذا استخراج لم نسبق إليه وبيان لم يعثر غيرنا عليه، على أن هذا الحديث لو قطعنا النظر عما ذكرناه، وحملناه على ظاهره، لكان معارضا بما سبق من حديث جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله حيث سأله عن الايمان فقال: أن تؤمن بالله ورسله واليوم الاخر أي تصدق بذلك، ولو بقي من حقيقته شئ سوى ما ذكره له لبينه له، فدل على أن حقيقته تتم بما أجابه بالقياس إلى كل مكلف، أما للنبي صلى الله عليه وآله فلانه المجاب به حين سأله، وأما لغيره فللتأسي به، وطريق الجمع بينهما حينئذ حمل ما في حديث الجوارح من الزيادة عن ذلك على مرتبة الكمال كما بيناه سابقا. وههنا بحث وهو أن حقيقة الايمان لما كانت من الامور الاعتبارية للشارع كان تحديدها إنما هو بجعل الشارع وتقريره لها، فلا يعلم حينئذ مقداره وحقيقته إلا منه، وحيث رأينا ما وصل إلينا من خطاباته تعالى غير قاطع في الدلالة على تعيين قدر مخصوص من أنواع الاعتقاد أو الاعمال، بحيث تشترك الكل في التكليف به، من غير تفاوت بين قوي الادراك وضعيفه، بل رأيناها متفاوتة في الدلالة على ذلك، يعلم ذلك من تتبع آيات الكتاب العزيز والسنة المطهرة، وقد سبق نبذة من ذلك، ولا يجوز الاختلاف في خطاباته ولا أن يكلف عباده بأمر لا يبين لهم مراده تعالى منه، لاستحالة تكليف مالا يطاق، وإخلاله باللطف، ورأينا الاكثر ورودا في كتابه بذلك الامر بالاعتقاد القلبي من غير تعيين مقدار مخصوص منه بقاطع يوقفنا على اعتباره، أمكن حينئذ أن يكون مراده منه مطلق الاعتقاد العلمي سواء كان علم الطمأنينة، أو علم اليقين، أو حق اليقين، أو عين اليقين، فتكون حقيقة واحدة وهو الاذعان القلبي والاعتقاد العلمي والتفاوت بالزيادة والنقصان إنما هو في أفراد تلك الحقيقة ومن مشخصاتها، فلا يكون داخلا في الحقيقة المذكورة. وما ورد مما ظاهره الاختلاف في الدلالة على مراد الشارع منه يمكن تنزيله على تفاوت الافراد المذكورة كعلم الطمأنينة، وعلم اليقين، وغيرهما، فيكون كل واحد منها مرادا وكافيا في امتثال أمر الشارع، وهذا هو المناسب لسهولة التكليف واختلاف طبقات المكلفين في الادراك كما لا يخفى.

[207]

وبذلك يسهل الخطب في الحكم بايمان أكثر العوام الذين لا يتيسر لانفسهم الاتصاف بالعلم الذي لا يقبل تشكيك المشكك، فان علم الطمأنينة متيسر لكل واحد، وعلى هذا فيكون ما تشعر النفس به من الازدياد في التصديق والاطمينان عند ما تشاهده من برهان أو عيان إنما هو انتقال في أفراد تلك الحقيقة وتبدل واحد بآخر، والحقيقة واحدة. لا يقال: أفراد الحقيقة الواحدة لا تنافي الاجتماع في القوة العاقلة، فان أفراد الحيوان والانسان يصلح اجتماعها في القوة العاقلة، وما نحن فيه ليس كذلك إذ لا يمكن اتصاف النفس بحصول علم الطمأنينة وعلم اليقين في حالة واحدة لتضادهما، ولهذا يزول الاول بحصول الثاني، فلا يكون ما ذكرت أفراد حقيقة واحدة بل حقائق. قلت: لا نسلم أن أفراد كل حقيقة يصح اجتماعها في الحصول عند القوة العاقلة، بل قد لا يصح ذلك لما بينها من التضاد كما في البياض والسواد، فانهما فردان لحقيقة واحدة هي اللون، مع عدم صحة اجتماعهما في محل واحد لا خارجا ولا ذهنا. بقي ههنا شئ وهو أنه لا ريب في تحقق الايمان الشرعي بالتصديق الجازم الثابت، وإن أخل المتصف به ببعض الطاعات، وقارف بعض المنهيات عند من يكتفي في حصول الايمان باذعان الجنان، وإذا كان الامر كذلك فلا معنى للنزاع عند هؤلاء في أن حقيقة الايمان هل تقبل الزيادة والنقصان إذ لو قبلت شيئا منهما لم تكن واحدة بل متعددة، لان القابل غير المقبول، والعارض غير المعروض فان دخل الزائد في مفهوم الحقيقة بحيث صار ذاتيا لها تعددت وتبدلت، وكذا الناقص إذا خرج عنها فلا تكون واحدة، وقد فرضناها كذلك هذا خلف، وإن لم يدخل ولم يخرج شئ منهما كانت واحدة من غير نقصان وزيادة فيها، بل هما راجعان إلى الكمال وعدمه، وحينئذ فيبقى محل النزاع هل يقبل كمالها الزيادة

[208]

والنقصان، وأنت خبير بأن هذا مما لا يختلف في صحته اثنان. وقد ذكر بعض العلماء أن هذا النزاع إنما يتمشى على قول من جعل الطاعات من الايمان، وأقول: الذي يقتضيه النظر أنه لا يتمشى على قولهم أيضا وذلك أن ما اعتبروه في الايمان من الطاعات إما أن يريدوا به توقف حصول الايمان على جميع ما اعتبروه، أو عليه في الجملة، وعلى الاول يلزم كون حقيقته واحدة، فإذا ترك فرضا من تلك الطاعات يخرج من الايمان، وعلى الثاني يلزم كون ما يتحقق به الايمان من تلك الطاعات داخلا في حقيقته، وما زاد عليه خارجا فتكون واحدة على التقديرين فليس الزيادة والنقصان إلا في الكمال على جميع الاقوال انتهى كلامه رفع الله مقامه. وقال شارح المقاصد: ظاهر الكتاب والسنة وهو مذهب الاشاعرة والمعتزلة والمحكي عن الشافعي وكثير من العلماء أن الايمان يزيد وينقص، وعند أبي حنيفة وأصحابه وكثير من العلماء وهو اختيار إمام الحرمين أنه لا يزيد ولا ينقص، لانه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والاذعان، ولا يتصور فيه الزيادة والنقصان، والمصدق إذا ضم الطاعات إليه أو ارتكب المعاصي، فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا وإنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة، ولهذا قال الامام الرازي وغيره: إن هذا الخلاف فرع تفسير الايمان، فان قلنا: هو التصديق فلا تتفاوت، وإن قلنا: هو الاعمال فمتفاوت، وقال إمام الحرمين: إذا حملنا الايمان على التصديق فلا يفضل تصديق تصديقا كما لا يفضل علم علما، ومن حمله على الطاعة سرا وعلنا وقد مال إليه القلانسي فلا يبعد إطلاق القول بأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونحن لا نؤثر هذا. ثم قال: ولقائل أن يقول: لا نسلم أن التصديق لا يتفاوت، بل يتفاوت قوة وضعفا كما في التصديق بطلوع الشمس، والتصديق بحدوث العالم، لانه إما نفس الاعتقاد القابل للتفاوت، أو مبني عليه قلة وكثرة كما في التصديق الاجمالي والتفصيلي الملاحظ لبعض التفاصيل وأكثر، فان ذلك من الايمان لكونه تصديقا

[209]

بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله إجمالا فيما علم إجمالا وتفصيلا فيما علم تفصيلا. لا يقال: الواجب تصديق يبلغ حد اليقين، وهو لا يتفاوت لان التفاوت لا يتصور إلا باحتمال النقيض، لانا نقول: اليقين من باب العلم والمعرفة، وقد سبق أنه غير التصديق ولو سلم أنه التصديق وأن المراد به ما يبلغ حد الاذعان والقبول، ويصدق عليه المعنى المسمى بگرويدن ليكون تصديقا قطعا فلا نسلم أنه لا يقبل التفاوت، بل لليقين مراتب من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات، وكون التفاوت راجعا إلى مجرد الجلاء والخفاء غير مسلم بل عند الحصول وزوال التردد التفاوت بحاله وكفاك قول الخليل " ولكن ليطمئن قلبي " (1) وعن علي عليه السلام " لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " على أن القول بأن المعتبر في حق الكل هو اليقين، وأن ليس للظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال حكم اليقين محل نظر. احتج القائلون بالزيادة والنقصان بالعقل والنقل، أما العقل فلانه لو لم يتفاوت لكان إيمان آحاد الامة بل المنهمك في الفسق مساويا لتصديق الانبياء واللازم باطل قطعا، وأما النقل فلكثرة النصوص الواردة في هذا المعنى قال الله " وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا " (2) " ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم " (3) " ويزداد الذين آمنوا إيمانا " (4) " وما زادهم إلا إيمانا وتسليما " (5) " فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا " (6) وعن ابن عمر قلنا: يا رسول الله إن الايمان يزيد وينقص ؟ قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة، وينقص حتى يدخل صاحبه النار.


(1) البقرة: 260. (2) الانفال: 2. (3) الفتح: 4. (4) المدثر: 31. (5) الاحزاب: 22. (6) براءة: 124.

[210]

واجيب بوجوه: الاول أن المراد الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الازمان والساعات، وهذا ما قال إمام الحرمين: النبي صلى الله عليه وآله يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، والتصديق عرض لا يبقى فيقع للنبي صلى الله عليه وآله متواليا ولغيره على الفترات، فثبت للنبي صلى الله عليه وآله أعداد من الايمان لا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه أكثر، والزيادة بهذا المعنى مما لا نزاع فيه، وما يقال من أن حصول المثل بعد انعدام الشئ لا يكون زيادة، مدفوع بأن المراد زيادة أعداد حصلت، وعدم البقاء لا ينافي ذلك. الثاني أن المراد الزيادة بحسب زيادة المؤمن به والصحابة كانوا آمنوا في الجملة، وكان يأتي فرض بعد فرض وكانوا يؤمنون بكل فرض خاص، وحاصله أن الايمان واجب إجمالا فيما علم إجمالا، وتفصيلا فيما علم تفصيلا، والناس متفاوتون في ملاحظة التفاصيل كثرة وقلة، فيتفاوت إيمانهم زيادة ونقصانا، ولا يختص ذلك بعصر النبي صلى الله عليه وآله على ما يتوهم. الثالث أن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب، فانه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وهذا مما لا خفاء فيه، وهذه الوجوه جيدة في التأويل لو ثبت لهم أن التصديق في نفسه لا يقبل التفاوت، والكلام فيه انتهى. والحق أن الايمان يقبل الزيادة والنقصان سواء كانت الاعمال أجزاءه أو شرائطه أو آثاره الدالة عليه، فان التصديق القلبي بأي معنى فسر لا ريب أنه يزيد و كلما زاد زادت آثاره على الاعضاء والجوارح، فهي كثرة وقلة تدل على مراتب الايمان زيادة ونقصانا، وكل منهما يتفرع على الاخر فان كل مرتبة من مراتب الايمان تصير سببا لقدر من الاعمال يناسبها، فإذا أتى بها قوي الايمان القلبي وحصلت مرتبة أعلى تقتضي عملا أكثر، وهكذا. وجملة القول في ذلك أن للايمان ولكل من الاعمال الايمانية أفرادا كثيرة وحقيقة ونورا وروحا كالصلاة، فان لها روحا هي الاخلاص مثلا، فإذا فارقها كانت جسدا بلا روح لا يترتب عليه أثر، ولا ينهى عن الفحشاء والمنكر، فللايمان

[211]

أيضا مراتب يترتب على كل مرتبة منها آثار، فإذا ارتكب المؤمن الكبائر نقص إيمانه وفارقه روح الايمان وحقيقته، وكيف يؤمن بالله وبالمعاد وبالجنة والنار ويرتكب ما أخبر الله بأنه موجب لدخول النار، فلا يكون ذلك إلا لضعف في اليقين كما ورد في أخبار كثيرة أنهم عليهم السلام سألوا عند ادعاء الايمان أو اليقين ما حقيقة إيمانك، وما حقيقة يقينك، فظهر لهما حقائق مختلفة تظهر بآثارهما. وروح الايمان الواردة في الاخبار يمكن حملها على ذلك، فان الايمان إذا ضعف حتى غلب عليه الشهوات البدنية، فكأنه لا روح له، ولا يترتب عليه أثر، بل لا بقاء له، فان غلب عليه الشهوة، وعاد إلى التوبة، قوي الايمان وعاد إليه الروح، وترتب عليه الاثار، وعاد إليه الملك المؤيد له، ولذا اطلق الروح في بعض الاخبار على ذلك الملك أيضا، وقد يعود إليه بعد انقضاء الشهوة وقوة العقل والايمان، وتصرف العقل في ممالكه، بعد ما صار مغلوبا مقهورا بالشهوات الدنية، فيتذكر قبح فعله، فيعود إليه الملك المؤيد أو شئ من نور الايمان، وإن لم تكمل له التوبة، ولم يقدر على العزم التام على تركها فيما سيأتي ولذا ورد في بعض الاخبار أنه يعود إليه روح الايمان بدون التوبة أيضا، وقد مر بعض القول في ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى.

[212]

34 - * (باب) * * " (ان الايمان مستقر ومستودع، وامكان زوال الايمان) " * الايات: الانعام: وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع (1). تفسير: قال الطبرسي رحمه الله: " وهو الذي أنشأكم " أي أبدعكم وخلقكم " من نفس واحدة " أي من آدم عليه السلام لان الله تعالى خلقنا جميعا منه، وخلق امنا حواء من ضلع من أضلاعه انتهى (2). أقول: وقد مر أن خلقهم من أب واحد لا يقتضي عدم مدخلية الام ولا يكون الام مخلوقة منه، لما مر نفي ذلك في الاخبار. " فمستقر ومستودع " قال المفسرون فيه وجوها: الاول مستقر في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث، والثاني مستقر في بطن الامهات، ومستودع في أصلاب الاباء، الثالث مستقر على ظهر الارض في الدنيا، ومستودع عند الله في الاخرة، الرابع مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، وقيل: مستقرها أيام حياتها، ومستودعها حيث يموت. وأقول: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بكسر القاف والباقون بالفتح، وعلى ما سيأتي من التأويل في الاخبار تستقيم القراءتان فبالفتح أي فلكم استقرار في الايمان، واستيداع فيه أو فمنكم من هو محل استقرار الايمان، ومنكم من هو محل استيداعه، ففيه حذف وإيصال أي مستقر فيه، وبالكسر أي فمنكم مستقر في الايمان، ومنكم مستودع فيه، أو فايمان بعضكم مستقر وإيمان بعضكم مستودع على القراءتين. 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن حسين بن


(1) الانعام: 98. (2) مجمع البيان ج 4: 339.

[213]

نعيم الصحاف قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لم يكون الرجل عند الله مؤمنا قد ثبت له الايمان عنده ثم ينقله الله بعد من الايمان إلى الكفر ؟ قال: فقال: إن الله عزوجل هو العدل، إنما دعا العباد إلى الايمان به لا إلى الكفر، ولا يدعو أحدا إلى الكفر به، فمن آمن بالله ثم ثبت له الايمان عند الله لم ينقله الله عزوجل بعد ذلك من الايمان إلى الكفر. قلت له: فيكون الرجل كافرا قد ثبت له الكفر عند الله ثم ينقله الله بعد ذلك من الكفر إلى الايمان ؟ قال: فقال: إن الله عزوجل خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها، لا يعرفون إيمانا بشريعة، ولا كفرا بجحود، ثم بعث الله الرسل تدعو العباد إلى الايمان به، فمنهم من هدى الله ومنهم من لم يهده الله (1). بيان: يمكن أن يكون بناء الجوابين على أمر واحد، وهو أن هدايته تعالى وخذلانه المعبر عنه بالاضلال ليسا علتين مستقلتين للنقل من الكفر إلى الايمان ومن الايمان إلى الكفر، بل كل منهما باختيار العبد، والهدايات الخاصة لبعض لا تصيره مجبورا على الايمان، وترك تلك الهدايات لبعض لعدم استحقاقه لها لا يصيره مجبورا على الكفر كما مر تحقيقه. ويحتمل أن يكون بناؤها على الفرق بينهما، فحاصل الجواب الاول أن المؤمن الواقعي الذي ثبت إيمانه عند الله، ولم يكن منافقا ومستودعا لا يسلب الله منه توفيقه وهدايته، ولا يرجع عن الايمان أبدا، ومن تراه يرجع فليس بمؤمن واقعي بل هو ممن يظهر الايمان، ولم يستقر في قلبه، كما اختاره بعض المتكلمين وحاصل الثاني أن الكفر لما كان أمرا عدميا والناس في بدو الفطرة لم يتصفوا بالايمان، لكنهم على الفطرة القابلة للايمان، وللكفر بمعنى الجحود لا الكفر بمعنى عدم الايمان، فانه متصف به قبل التصديق والاذعان، فبعث الله الرسل لاتمام الحجة عليهم، ثم بعد ذلك بعضهم يستحق الهدايات والالطاف الخاصة بحسن اختياره، وعدم إبطاله الفطرة الاصلية، فتشمله تلك الالطاف فيختار الايمان


(1) الكافي ج 2 ص 416.

[214]

وبعضهم لم يستحق ذلك فيخذ له الله فيختار الكفر بمعنى الجحود. وكأن هذا أظهر من الخبر، لكن فيه أنه لم يظهر منه أنه هل يمكن أن ينقله الله من كفر الجحود إلى الايمان ؟ والظاهر أن مراد السائل كان استعلام ذلك ويمكن الجواب بوجهين الاول أن نحمل كلام السائل ثانيا على الاخبار أو التعجب لا الاستفهام، ولما كان كلامه موهما لكون ذلك على الجبر أفاد عليه السلام أن هدايته سبحانه وخذلانه لا يوجبان سلب الاختيار، فانهم على الفطرة القابلة لهما، والثاني أن يقال إنه أفاد عليه السلام قاعدة كلية يظهر منه جواب ذلك، وهو أنه يمكن ذلك لكن بهذا النحو المذكور لا بالجبر. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن المؤمن بعد اتصافه بالايمان الحقيقي في نفس الامر، هل يمكن أن يكفر أم لا ؟ ولا خلاف في أنه لا يمكن مادام الوصف، وإنما النزاع في إمكان زواله بضد أو غيره، فذهب أكثرهم إلى جواز ذلك بل إلى وقوعه، وذلك لان زوال الضد بطريان ضده أو مثله على القول بعدم اجتماع الامثال ممكن، لانه لا يلزم من فرض وقوعه محال وظاهر كثير من الايات الكريمة دال عليه كقوله تعالى " إن الذين آمنوا ثم كفروا [ثم آمنوا ثم كفروا] ثم ازدادوا كفرا " (1) وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين اوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين " (2). وذهب بعضهم إلى عدم جواز زوال الايمان الحقيقي بضد أو غيره، وقال الشهيد الثاني قدس الله روحه ونسب ذلك إلى السيد المرتضى رضي الله عنه مستدلا بأن ثواب الايمان دائم، وعقاب الكفر دائم، والاحباط والموافاة عنده باطلان أما الاحباط فلاستلزام أن يكون الجامع بين الاحسان والاساءة بمنزلة من لم يفعلهما مع تساويهما، أو بمنزلة من لم يحسن إن زادت الاساءة، وبمنزلة من لم يسئ مع العكس، واللازم بقسميه باطل قطعا فالملزوم مثله وأما الموافاة فليست


(1) النساء: 137 وتصحيح الاية من المصحف الشريف. (2) آل عمران: 100.

[215]

عندنا شرطا في استحقاق الثواب بالايمان، لان وجوه الافعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق، لا يجوز أن تكون منفصلة عنها ولا متأخرة عن وقت حدوثها، والموافاة منفصلة عن وقت حدوث الايمان، فلا يكون وجها ولا شرطا في استحقاق الثواب. لا يقال: الثواب إنما يستحقه العبد على الفعل كما هو مذهب العدلية، والايمان ليس فعلا للعبد وإلا لما صح الشكر عليه، لكن التالي باطل إذ الامة مجتمعة على وجوب شكر الله تعالى على نعمة الايمان، فيكون الايمان من فعل الله تعالى إذلا يشكر على فعل غيره، وإذا لم يكن من فعل العبد فلا يستحق عليه ثوابا فلا يتم دليله، على أنه لا يتعقبه كفر، لان مبناه على استحقاق الثواب على الايمان. لانا نقول: بل هو من فعل العبد ونلتزم عدم صحة الشكر عليه، ونمنع بطلانه، قولك في إثباته " الامة مجتمعة " الخ قلنا الشكر إنما هو على مقدمات الايمان وهي تمكين العبد من فعله، وإقداره عليه، وتوفيقه على تحصيل أسبابه وتوفيق ذلك له، لا على نفس الايمان الذي هو فعل العبد، فان ادعي الاجماع على ذلك سلمناه، ولا يضرنا، وإن ادعي الاجماع على غيره منعناه فلا ينفعهم. والاعتراض عليه رحمه الله من وجوه أحدها توجه المنع إلى المقدمة القابلة بأن الموافاة ليست شرطا في استحقاق الثواب، وما ذكره في إثباتها من أن وجوه الافعال وشروطها التي يستحق بها ما يستحق لا يجوز أن تكون منفصلة عنها، والموافاة منفصلة عن وقت الحدوث، فلا يكون وجها. لا دلالة له على ذلك، بل إن دل فانما يدل على أن الموافاة ليست من وجوه الافعال، لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون شرطا لاستحقاق الثواب، فلم لا يجوز أن يكون استحقاق الثواب مشروطا بوجوه الافعال مع الموافاة أيضا، لابد لنفي ذلك من دليل. ثانيها الايات الكريمة التي مر بعضها، فانها تدل على إمكان عروض الكفر بعد الايمان بل بعضها على وقوعه، وأجاب السيد عن ذلك بأن المراد والله أعلم من وصفهم بالايمان الايمان اللساني دون القلبي، وقد وقع مثله كثيرا في القرآن

[216]

العزيز كقوله تعالى " آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " (1) وحيث أمكن صحة هذا الاطلاق، ولو مجازا، سقط الاستدلال بها. ثالثها أن الشارع جعل للمرتد أحكاما خاصة به، لا يشاركه فيها الكافر الاصلي، كما هو مذكور في كتب الفروع، وهذا أمر لا يمكن دفعه، ولا مدخل للطعن فيه، فان الكتاب العزيز والسنة المطهرة ناطقان بذلك، والاجماع واقع عليه كذلك، ولا ريب أن الارتداد هو الكفر المتعقب للايمان، كما دل عليه قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه " (2) [" ومن يرتدد منكم عن دينه] فيمت وهو كافر " (3) الاية فقد دل على ما ذكرناه، على أن المؤمن يمكن أن يكفر، أقول: وللسيد رحمه الله أن يجيب عن ذلك بأن ما ذكر إنما يدل على أن من اتصف في ظاهر الشرع بالارتداد، فحكمه كذا وكذا، ولا يدل على أنه صار مرتدا بذلك في نفس الامر فلعله كان كافرا في الاصل، وحكمنا بايمانه ظاهرا للاقرار بما يوجب الايمان مع بقائه على كفره عند الله تعالى، وبفعله ما يوجب الارتداد ظاهرا حكمنا بارتداده أو كان مؤمنا في الاصل وهو باق على إيمانه عند الله تعالى لكن لاقتحامه حرمات الشارع، وتعديه هذه الحدود العظيمة جعل الشارع الحكم بالارتداد عليه عقوبة له لتنحسم بذلك مادة الاقتحام والتعدي من المكلفين، فيتم نظام النواميس الالهية. وأقول: الحق أن المعلومات التي يتحقق الايمان بالعلم بها امور متحققة ثابتة لا تقبل التغير والتبدل، وإذ لا يخفى أن وحدة الصانع تعالى ووجوده وأزليته وأبديته وعلمه وقدرته وحياته إلى غير ذلك من الصفات امور تستحيل تغيرها وكذا كونه تعالى عدلا لا يفعل قبيحا ولا يخل بواجب وكذا النبوة والمعاد، فإذا علمها الشخص على وجه اليقين والثبات، صار علمه بها كعلمه بوجود نفسه، غير


(1) المائدة: 41. (2) المائدة: 54. (3) البقرة: 217، وقد اختلطت الايتان عليه

[217]

أن الاول نظري والثاني بديهي، لكن لما كان النظري إنما يصير يقينيا بانتهائه إلى البديهي ولم يبق فرق بين العلمين، امتنع تغير ذلك العلم وتبدله كما يمتنع تغير علمه بوجود نفسه. والحاصل أن العلم إذا انطبق على المعلوم الحقيقي الذي لا يتغير أصلا فمحال تغيره، وإلا لما كان منطبقا، فعلم أن ما يحصل لبعض الناس من تغيير عقيدة الايمان لم يكن بعد اتصاف أنفسهم بما ذكرناه من العلم، بل كان الحاصل لهم ظنا غالبا بتلك المعلومات، لا العلم بها، والظن يمكن تبدله وتغيره، وإن كان المظنون لا يمكن تبدله، لان الانطباق غير حاصل وإلا لصار علما. إن قلت: يتصور زوال الايمان بصدور بعض الافعال الموجبة للكفر كما تقدم وإن بقي التصديق اليقيني بالمعارف المذكورة فقد صح أن المؤمن قد يكفر بعد اتصافه بالايمان. قلت: لا نسلم إمكان صدور فعل يوجب الكفر ممن اتصف بالعلم المذكور، بل صار ذلك الفعل ممتنعا بالغير الذي هو العلم اليقيني وإن أمكن بالذات، وحينئذ فصدور بعض الافعال المذكورة إنما كان لعدم حصول العلم المذكور، وبالجملة فكلام علم الهدى ومذهبه هنا رضي الله عنه في غاية القوة والمتانة، بعد تدقيق النظر وقد ظهر مما حررناه أن القائلين بامكان زوال الايمان بعروض الكفر إن أرادوا به إمكان زوال العلم بالامور المذكورة، فظاهر أنه ممتنع بالذات، كانقلاب الحقائق وإن أرادوا به إمكان انتفاء الايمان بعروض شئ من الافعال وإن بقي العلم فقد بينا أنه ممتنع بالغير، فان أرادوا بالامكان على هذا التقدير الامكان الذاتي فلا نزاع لاحد فيه، وإن أرادوا به عدم الامتناع ولو بالغير فقد بينا منعه وامتناعه. وبالجملة فظواهر كثير من الايات الكريمة والسنة المطهرة تدل على إمكان طروء الكفر على الايمان، وعلى هذا بناء أحكام المرتدين، وهو مذهب أكثر المسلمين، نعم في الاعتبار ما يدل على عدم جواز طروئه عليه كما أشرنا إليه، إن جعلنا الايمان عبارة عن التصديق مع الاقرار أو حكمه، لكن الاول هو الارجح

[218]

في النفس انتهى. وأقول: إذا اكتفي في الايمان بالظن الحاصل من التقليد أو غيره، فلا ريب في أنه يجوز تبدل الايمان بالكفر، وإن اشترط فيه العلم القطعي ففي جواز زواله إشكال، ولما لم يقم دليل تام على عدم الجواز مع أن ظواهر الايات والاخبار تدل على الجواز، فالجواز أقوى مع أن كثيرا ما يعرض للانسان أنه يقطع بأمر بحيث لا يحتمل عنده خلافه، ثم يتزلزل لشبهة قوية تعرض له، والقول بأنه ظن قوي يتوهم قطعا بعيد، نعم إن اعتبر في الايمان اليقين، وفسر بأنه اعتقاد جازم ثابت مطابق للواقع يمتنع زواله، فبعد زواله انكشف أنه لم يكن مؤمنا لكن اعتبار ذلك أول الكلام، وقد شرحنا الخبر في مرآة العقول وحققنا ذلك بوجه آخر فان أردت الاطلاع عليه فارجع إليه. 2 - سن: عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الحسرة والندامة والويل كله لمن لم ينتفع بما أبصر، ومن لم يدر الامر الذي هو عليه مقيم أنفع هو له أم ضرر، قال: قلت: فبما يعرف الناجي ؟ قال: من كان فعله لقوله موافقا فاثبت له الشهادة بالنجاة، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فانما ذلك مستودع (1). كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان مثله إلى قوله فبما يعرف الناجي من هؤلاء جعلت فداك إلى قوله فاثبتت له الشهادة (2). بيان: " إن الحسرة والندامة والويل " الحسرة اسم من حسرت على الشئ حسرا من باب تعب وهي التلهف والتأسف على فوات أمر مرغوب، والندامة الحزن على فعل شئ مكروه، والويل العذاب، وواد في جهنم يعني هذا كله لمن لم ينتفع بما أبصره وعلمه من العقائد والاحكام والاعمال والاخلاق والاداب، وعدم الانتفاع بها بأن لا يعمل بمقتضى علمه بها، ولم يدر ما الامر الذي هو عليه مقيم من العقائد


(1) المحاسن ص 252. (2) الكافي ج 2: 419.

[219]

والاعمال والاخلاق. " أنفع " بصيغة المصدر أي نافع، ويحتمل الماضي، وكذا " أو ضر " يحتملهما، والاول أظهر فيهما، وفيه حث على مراقبة النفس في جميع الحالات، ومحاسبتها في جميع الحركات والسكنات، ليعلم ما ينفعها، فيجلبها ويزيد منها، وما يضرها فيجتنبها. " فبما يعرف الناجي من هؤلاء " أي من يكون أمره آئلا إلى النجاة من المهالك وعقوبات الاخرة " فقال من كان فعله لقوله موافقا " أي لقوله الحق، وهو ما يأمر الناس به من الخيرات والطاعات وترك المنكرات، أو لما يدعيه من الايمان بالله واليوم الاخر والانبياء والاوصياء عليهم السلام، فان مقتضى ذلك العمل بما يأمره الله تعالى، ويوجب الوصول إلى مثوباته، والنجاة من عقوباته، ومتابعة أئمة الدين في أقوالهم وأفعالهم، أو لما يدعي لنفسه من الكمالات، وما نصب نفسه له من الحالات والدرجات أو الجميع. " فاثبتت له الشهادة " على صيغة المجهول أي يشهد الله تعالى وملائكته وحججه عليهم السلام وكمل المؤمنين بأنه من الناجين، لاتصافه بكمال الحكمة النظرية لقوله الحق، وكمال الحكمة العملية لعمله بأقواله الحقة، وفي بعض النسخ " فأتت ". " ومن لم يكن فعله لقوله موافقا " أي بأن يكون قوله حقا وفعله باطلا كما هو شأن أكثر الخلق " فانما ذلك مستودع " إيمانه، غير ثابت فيه، فيحتمل أن يبقى على الحق ويثبت له الايمان، وتحصل له النجاة، وأن يزول عن الحق ويعود إلى الشقاوة، ويستحق الويل والحسرة والندامة. 3 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري وغيره، عن عيسى شلقان قال: كنت قاعدا فمر أبو الحسن موسى عليه السلام ومعه بهمة، قال: فقلت: يا غلام ما ترى ما يصنع أبوك ؟ يأمرنا بالشئ ثم ينهانا عنه: أمرنا أن نتولى أبا الخطاب، ثم أمرنا أن نلعنه ونتبرأ منه ؟ فقال أبو الحسن عليه السلام وهو غلام: إن الله خلق خلقا للايمان لا زوال له، وخلق خلقا للكفر لا زوال له، وخلق خلقا بين ذلك أعارهم الايمان، يسمون المعارين، إذا

[220]

شاء سلبهم، وكان أبو الخطاب ممن اعير الايمان، قال: فدخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته بما قلت لابي الحسن عليه السلام وما قال لي، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنه نبعة نبوة (1). بيان: في المصباح البهمة ولد الضأن، يطلق على الذكر والانثى، والجمع بهم، مثل، تمرة وتمر، وجمع البهم بهام مثل سهم وسهام، وتطلق البهام على أولاد الضأن والمعز إذا اجتمعت تغليبا، فإذا انفردت قيل لاولاد الضأن بهام ولاولاد المعز سخال، وقال ابن فارس: البهم صغار الغنم، وقال أبو زيد: يقال لاولاد الغنم ساعة تضعها الضأن أو المعز ذكرا كان الولد أو انثى: سخلة ثم هي بهمة والجمع بهم وقال: الغلام الابن الصغير، وأبو الخطاب هو محمد بن مقلاص الاسدي الكوفي وكان في أول الحال ظاهرا من أجلاء أصحاب الصادق عليه السلام ثم ارتد وابتدع مذاهب باطلة، ولعنه الصادق عليه السلام وتبرأ منه، وروى الكشي روايات كثيرة، تدل على كفره ولعنه (2) واختلف الاصحاب فيما رواه في حال استقامته، والاكثر على جواز العمل بها، وكأنه متفرع على المسألة السابقة، فمن ادعى جواز تحقق الايمان وزواله يجوز العمل بروايته لانه حينئذ كان مؤمنا ومن زعم أنه كاشف من عدم كونه مؤمنا لا يجوز العمل بها. " إنه نبعة نبوة " أي علمه من ينبوع النبوة، أو هو غصن من شجرة النبوة والرسالة، في القاموس: نبع الماء ينبع مثلثة نبعا ونبوعا خرج من العين، والنبع شجر للقسي وللسهام ينبت في قلة الجبل (3). 4 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم ابن حبيب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله جبل النبيين على نبوتهم فلا يرتدون أبدا، وجبل الاوصياء على وصاياهم فلا يرتدون أبدا، و


(1) الكافي ج 2: 418. (2) راجع رجال الكشى ص 246 - 260 تحت الرقم 135. (3) القاموس ج 3: 87.

[221]

جبل بعض المؤمنين على الايمان فلا يرتدون أبدا، ومنهم من يعير الايمان عارية فإذا هو دعا وألح في الدعاء مات على الايمان (1). بيان: في القاموس جبلهم الله يجبل ويجبل خلقهم وعلى الشئ طبعه وجبره كأجبله (2) " فإذا هو دعا " فيه حث على الدعاء لحسن العاقبة، وعدم الزيغ، كما كان دأب الصالحين قبلنا، وفيه دلالة أيضا على أن الاتمام والسلب مسببان عن فعل الانسان لانه يصير بذلك مستحقا للتوفيق والخذلان. وجملة القول في ذلك أن كل واحد من الايمان والكفر قد يكون ثابتا، وقد يكون متزلزلا يزول بحدوث ضده، لان القلب إذا اشتد ضياؤه وكمل صفاؤه استقر الايمان وكل ما هو حق فيه، وإذا اشتدت ظلمته وكملت كدورته استقر الكفر وكل ما هو باطل فيه، وإذا كان بين ذلك باختلاط الضياء والظلمة فيه، كان مترددا بين الاقبال والادبار، ومذبذبا بين الايمان والكفر، فان غلب الاول دخل الايمان فيه من غير استقرار، وإن غلب الثاني دخل الكفر فيه كذلك، وربما يصير الغالب مغلوبا فيعود من الايمان إلى الكفر ومن الكفر إلى الايمان، فلابد للعبد من مراعاة قلبه، فان رآه مقبلا إلى الله عزوجل شكره، وبذل جهده، وطلب منه الزيادة لئلا يستدبر وينقلب و يزيغ عن الحق كما ذكر سبحانه عن قوم صالحين " ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب " (3) وإن رآه مدبرا زائغا عن الحق تاب واستدرك ما فرط فيه، وتوكل على الله، وتوسل إليه بالدعاء والتضرع لتدركه العناية الربانية، فتخرجه من الظلمات إلى النور، وإن لم يفعل ربما سلط عليه عدوه الشيطان، واستحق من ربه الخذلان، فيموت مسلوب الايمان كما قال سبحانه " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " (4) أعاذنا الله من ذلك وسائر أهل الايمان.


(1) الكافي ج 2 ص 419. (2) القاموس ج 3 ص 345. (3) آل عمران: 8. (4) الصف: 5.

[222]

5 - كش: عن حمدويه، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن عيسى شلقان قال: قلت لابي الحسن عليه السلام وهو يومئذ غلام قبل أوان بلوغه: جعلت فداك ما هذا الذي يسمع من أبيك ؟ إنه أمرنا بولاية أبي الخطاب ثم أمرنا بالبراءة منه ؟ قال: قال أبو الحسن عليه السلام من تلقاء نفسه: إن الله خلق الانبياء على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق المؤمنين على الايمان فلا يكونون إلا مؤمنين، و استودع قوما إيمانا فان شاء أتمه وإن شاء سلبهم إياه، وإن أبا الخطاب كان ممن أعاره الله الايمان فلما كذب على أبي سلبه الله الايمان. قال: فعرضت هذا الكلام على أبي عبد الله عليه السلام قال: فقال: لو سألتنا عن ذلك ما كان ليكون عندنا غير ما قال (1). 6 - ب: عن معاوية بن حكيم، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: إن جعفرا عليه السلام كان يقول: " فمستقر ومستودع " فالمستقر ما ثبت من الايمان، و المستودع المعار، وقد هداكم الله لامر جهله الناس، فاحمدوا الله على ما من عليكم به (2). 7 - ب: عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: إن الله عزوجل قد هداكم ونور لكم، وقد كان أبو عبد الله عليه السلام يقول: إنما هو مستقر ومستودع فالمستقر الايمان الثابت، والمستودع المعار أتستطيع أن تهدي من أضل الله (3). 8 - شى: عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: " هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع " قال: ما يقول أهل بلدك الذي أنت فيه ؟ قال: قلت: يقولون مستقر في الرحم، ومستودع في الصلب، فقال: كذبوا المستقر ما استقر الايمان في قلبه، فلا ينزع منه أبدا والمستودع الذي يستودع الايمان زمانا


(1) رجال الكشى: 251. (2) قرب الاسناد ط النجف ص 203، والاية في الانعام: 98. (3) المصدر: 225. (*)

[223]

ثم يسلبه، وقد كان الزبير منهم (1). 9 - شى: عن جعفر بن مروان قال: إن الزبير اخترط سيفه يوم قبض النبي صلى الله عليه وآله وقال: لا أغمده حتى ابايع لعلي، ثم اخترط سيفه فضارب عليا فكان ممن اعير الايمان، فمشى في ضوء نوره ثم سلبه الله إياه (2). 10 - شى: عن سعيد بن أبي الاصبع قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يسأل عن مستقر ومستودع، قال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وقد يكون مستودع الايمان ثم ينزع منه، ولقد مشى الزبير في ضوء الايمان ونوره حين قبض رسول الله حتى مشى بالسيف وهو يقول لا نبايع إلا عليا (3). 11 - شى: عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن عليه السلام " هو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع " قال: ما كان من الايمان المستقر فمستقر إلى يوم القيامة - أو أبدا (4) وما كان مستودعا سلبه الله قبل الممات (5). 12 - شى: عن صفوان قال: سألني أبو الحسن عليه السلام ومحمد بن خلف جالس فقال لي: مات يحيى بن القاسم الحذاء ؟ فقلت له: نعم، ومات زرعة، فقال: كان جعفر عليه السلام يقول: " فمستقر ومستودع " فمستقر: قوم يعطون الايمان، ويستقر في قلوبهم، والمستودع: قوم يعطون الايمان ثم يسلبونه (6). 13 - شى: عن أبي الحسن الاول قال: سألته عن قول الله " فمستقر ومستودع " قال: المستقر الايمان الثابت، والمستودع المعار (7). 14 - شى: عن أحمد بن محمد قال: وقف علي أبو الحسن الثاني عليه السلام في بني زريق فقال لي وهو رافع صوته: يا أحمد ! قلت: لبيك، قال: إنه لما قبض


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 371. (2 - 3) المصدر ج 1 ص 371. (4) الترديد من الراوى. (5 - 6) العياشي ج 1 ص 371. (7) تفسير العياشي ج 1 ص 372.

[224]

رسول الله صلى الله عليه وآله جهد الناس على إطفاء نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره بأمير المؤمنين عليه السلام فلما توفي أبو الحسن عليه السلام جهد علي بن أبي حمزة وأصحابه على إطفاء نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره وإن أهل الحق إذا دخل فيهم داخل سروا به، و إذا خرج منهم خارج لم يجزعوا عليه، وذلك أنهم على يقين من أمرهم وإن أهل الباطل إذا دخل فيهم داخل سروا به، وإذا خرج عنهم خارج جزعوا عليه، وذلك أنهم على شك من أمرهم، إن الله يقول: " فمستقر ومستودع " قال: ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: المستقر الثابت، والمستودع المعار (1). كش: عن حمدويه، عن الحسن بن موسى، عن داود بن محمد، عن أحمد مثله (2). 15 - شى: عن محمد بن مسلم قال: سمعته يقول: إن الله خلق خلقا للايمان لا زوال له، وخلق خلقا للكفر لا زوال له، وخلق خلقا بين ذلك فاستودع بعضهم الايمان، فان شاء أن يتمه لهم أتمه، وإن شاء أن يسلبهم إياه سلبهم (3). 16 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام مثله وزاد في آخره: وكان فلان منهم معارا (4). بيان: " خلق خلقا للايمان " قيل: اللام لام العاقبة أي خلق خلقا عاقبتهم الايمان في العلم الازلي لا زوال لايمانهم، وهم الانبياء والاوصياء والتابعون لهم من المؤمنين الثابتين على الايمان، وخلق خلقا عاقبتهم الكفر في علمه عزوجل، و خلق خلقا مترددين بين الايمان والكفر مستضعفين في علمه فمن آمن منهم كان إيمانه مستودعا، فان يشأ الله أن يتمه لهم لحسن استعدادهم وإقبالهم إلى الله عزوجل أتمه


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 372. (2) رجال الكشى ص 377. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 372. (4) الكافي ج 2 ص 417.

[225]

بفضله وتوفيقه، وجعله ثابتا مستقرا فيهم، وإن يشأ أن يسلبهم إياه لزوال استعدادهم الفطري وفساد استعدادهم الكسبي، سلبهم ورفع عنهم توفيقهم، ويفهم بالمقايسة حال من كفر منهم. وأقول: من علم أنهم يموتون على الايمان كان ينبغي أن يدخلهم في القسم الاول على هذا الوجه، ومن علم أنهم يموتون على الكفر في القسم الثاني بل الاحسن أن يقال لما علم الله سبحانه استعداداتهم وقابلياتهم، وما يؤل إليه أمرهم ومراتب إيمانهم وكفرهم، فمن علم أنهم يكونون راسخين في الايمان كاملين فيه وخلقهم فكأنه خلقهم للايمان الكامل الراسخ وكذا الكفر، ومن علم أنهم يكونون متزلزلين مترددين بين الايمان والكفر فكأنه خلقهم كذلك، فهم مستعدون لايمان ضعيف، فمنهم من يختم له بالايمان، ومنهم من يختم له بالكفر فهم المعارون. والظاهر أن المراد بفلان أبو الخطاب وكنى عنه بفلان لمصلحة، فان أصحابه كانوا جماعة كثيرة كان يحتمل ترتب مفسدة على التصريح باسمه، ويحتمل أن يكون كناية عن ابن عباس فانه قد انحرف عن أمير المؤمنين عليه السلام وذهب بأموال البصرة إلى الحجاز، ووقع بينه عليه السلام وبينه مكاتبات تدل على شقاوته وارتداده كما مر والتقية فيه أظهر لكن سيأتي التصريح بأبي الخطاب في خبر شلقان (1) وعلى التقديرين " منهم " خبر كان وضمير الجمع للخلق بين ذلك و " معارا " خبر بعد خبر وقيل: فلان كناية عن عثمان والضمير للخلفاء الثلاثة، والظرف حال عن فلان ومعارا خبر كان، ولا يخفى بعده لفظا ومعنى، فان الثلاثة كانوا كفرة لم يؤمنوا قط. 17 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب والقاسم بن محمد الجوهري، عن كليب بن معاوية الاسدي، عن


(1) يعنى ما مر تحت الرقم 3 مع شرحه فان خبر عيسى شلقان في الكافي باب علامة المعار تحت الرقم 3، وهذا الخبر تحت الرقم 1، وأما التصريح باسم أبى الخطاب فقد عرفت أنه في غير واحد من الاحاديث كما مر عن الكشى تحت الرقم 5.

[226]

أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العبد يصبح مؤمنا ويمسي كافرا، ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا، وقوم يعارون الايمان ثم يسلبونه، ويسمون المعارين، ثم قال: فلان منهم (1). بيان: " ثم يسلبونه " يدل على أن السلب متعد إلى مفعولين (2) بخلاف ما يظهر من كتب اللغة ويومئ إليه أيضا تمثيلهم لبدل الاشتمال بقولهم سلب زيد ثوبه إذ لو كان متعديا إلى مفعولين لما احتاج إلى البدلية لكن لا عبرة بقولهم بعد وروده في كلام أفصح الفصحاء. 18 - كا: عن علي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن عليه السلام قال: إن الله خلق النبيين على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، وخلق المؤمنين على الايمان فلا يكونون إلا مؤمنين وأعار قوما إيمانا فان شاء تممه لهم، وإن شاء سلبهم إياه، وقال: وفيهم جرت " فمستقر ومستودع " وقال لي: إن فلانا كان مستودعا إيمانه، فلما كذب علينا سلب


(1) الكافي ج 2 ص 417. (2) بل الظاهر من مفهومه وهو الانتزاع والاختلاس قهرا احتياجه الى مفعول واحد وهو المسلوب لكنه لما كان المسلوب مما يتعلق بالغير، بحيث لو لم يكن عنده وفى يده لم يتحقق مفهوم السلب وهو الاخذ والانتزاع قهرا بعد المدافعة لزم في الكلام ذكر المسلوب عنه بصورة المفعول ثم ذكر المسلوب عنه بعنوان البدل، كما يقال: سلب فلانا ثوبه إذا أخذه قهرا وسلبا، ومنه قولهم: سلبه فؤاده وعقله، وقوله تعالى: " وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه " فلو قيل: سلب ثوب فلان ونحوه انتفى معنى القهر من السالب والمدافعة من المسلوب عنه وصار مرادفا لقولهم أخذ أو سرق. وأما قوله عليه السلام " يسلبونه " فضمير الجمع هو المفعول وهو المبدل منه رفع بنيابة الفاعل، والضمير المفرد الراجع الى الايمان ليس الا بدل الاشتمال من المفعول سد مسده، يترا آى في الظاهر أنه المفعول الثاني ولو صح الاستناد في ذلك الى قوله عليه السلام " يسلبونه " لكان الاولى الاستناد الى قوله تعالى " وان يسلبهم الذباب شيئا ".

[227]

إيمانه ذلك (1). بيان: قال تعالى: " وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع " قال البيضاوي: أي فلكم استقرار في الاصلاب أو فوق الارض واستيداع في الارحام أو تحت الارض أو موضع الاستقرار والاستيداع، وقرء ابن كثير والبصريان (2) بكسر القاف على أنه اسم فاعل والمستودع [اسم] مفعول أي ومنكم قار ومنكم مستودع لان الاستقرار منا دون الاستيداع انتهى (3) ولعل تأويله عليه السلام أنسب بالقراءة الاخيرة أي فمنكم إيمانه مستقر أي ثابت و بعضكم إيمانه مستودع، أو بعضكم مستقر في الايمان، وبعضكم غير مستقر و " مستودع " اسم مفعول أو اسم مكان، وعلى القراءة الاولى اسم مكان أي بعضكم محل استقرار الايمان، والمستودع يحتمل الوجهين، قوله " سلب إيمانه " يحتمل بناء المفعول والفاعل، وعلى الثاني " ذلك " إشارة إلى الكذب. 19 - نهج: من خطبة له عليه السلام فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت، فعند ذلك يقع حد البراءة، والهجرة قائمة على حدها الاول ما كان لله في أهل الارض حاجة من مستسر الامة ومعلنها لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الارض، فمن عرفها وأقر بها فهو مهاجر، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها اذنه، ووعاها قلبه إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد امتحن الله قلبه للايمان، ولا تعي حديثنا إلا صدور أمينة، وأحلام رزينة. أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلانا بطرق السماء أعلم مني بطرق الارض، قبل أن تشغر فتنة تطأ في خطامها وتذهب بأحلام قومها (4). بيان: العواري جمع العارية بالتشديد فيهما كأنها منسوبة إلى العار، فان


(1) الكافي ج 2 ص 418. (2) هما أبو عمرو بن العلاء، ويعقوب كما مر ص 106. (3) انوار التنزيل ص 137. (4) نهج البلاغة ج 1 ص 386. تحت الرقم 187.

[228]

طلبها عار وعيب، قال ابن ميثم رحمه الله: قوله عليه السلام فمن الايمان إلى آخره قسمة للايمان إلى قسمين أحدهما الثابت المستقر في القلوب الذي صار ملكة، وثانيهما ما كان في معرض الغير والانتقال، واستعار عليه السلام لفظ العواري لكونه في معرض الاسترجاع والرد، وكنى عليه السلام بكونه بين القلوب والصدور عن كونه غير مستقر في القلوب ولا متمكن من جواهر النفوس (1). وقال ابن أبي الحديد: أراد عليه السلام: من الايمان ما يكون على سبيل الاخلاص ومنه ما يكون على سبيل النفاق (2) وقوله عليه السلام " إلى أجل معلوم " ترشيح لاستعارة العواري وهذه القسمة إلى القسمين هي الموجودة في نسخة الرضي رضي الله عنه بخطه وفي نسخ كثير من الشارحين ونسخ كثيرة معتبرة ثلاثة أقسام هكذا " فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب، ومنه ما يكون عواري [في القلوب، ومنه ما يكون عواري] (3) بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم. وقال ابن أبي الحديد في بيانها: إن الايمان إما أن يكون ثابتا مستقرا بالبرهان وهو الايمان الحقيقي، أو ليس بثابت بالبرهان بل بالدليل الجدلي ككثير ممن لم يحقق العلوم العقلية وهو الذي عبر عليه السلام عنه بقوله عواري في القلوب فهو وإن كان في القلب الذي هو محل الايمان الحقيقي إلا أن حكمه حكم العارية في البيت وإما أن يستند إلى تقليد وحسن ظن بالاسلاف وقد جعله عليه السلام عواري بين القلوب والصدور، لانه دون الثاني فلم يجعله حالا في القلب، ورد قوله عليه السلام إلى أجل معلوم إلى القسمين الاخيرين لان من لم يبلغ درجة البرهان ربما ينحط إلى درجة المقلد، فيكون إيمان كل منهما إلى أجل معلوم، لكونه في معرض الزوال. " فإذا كانت لكم براءة " الخ قيل: أي إذا أردتم التبري من أحد فاجعلوه موقوفا إلى حال الموت، ولا تسارعوا إلى البراءة منه قبل الموت، لانه يجوز أن يتوب ويرجع، فإذا مات ولم يتب جازت البراءة منه، لانه ليس له بعد الموت حالة


(1) شرح النهج لابن ميثم: 441. (2) شرح النهج لابن أبى الحديد ج 3 ص 215. (3) ساقط من نسخة الكمبانى.

[229]

تنتظر، وينبغي أن تحمل هذه البراءة على البراءة المطلقة، لجواز التبري من الفاسق وهو حي، ومن الكافر وهو حي، لكن بشرط الاتصاف بأحد الوصفين، بخلاف ما بعد الموت. وقيل: المعنى انتظروا حتى يأتيه الموت فانه ربما يكون معتقدا للحق ويكتم إيمانه لغرض دنيوي، وقيل: هذا إشارة إلى ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله في الصلاة على المنافقين، فإذا كبر أربعا كانوا يعلمون أنه منافق، وإذا كبر خمسا كانوا يعلمون أنه مؤمن، فأشار عليه السلام إلى أنه عند الموت تقع البراءة وتصح بعلامة تكبيراته الاربع، وكلا الوجهين كما ترى. والظاهر أن المراد بالبراءة قطع العلائق الايمانية التي يجوز معها الاستغفار كما يومئ إليه قوله سبحانه " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى " إلى قوله تعالى " فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه " (1). " والهجرة قائمة " الخ وأصل الهجرة المأمور بها الخروج من دار الحرب إلى دار الاسلام، وقال في النهاية: فيه لا هجرة بعد الفتح ولكن جهادونية، وفي حديث آخر لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، الهجرة في الاصل اسم من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرا وهجرانا، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض وترك الاولى للثانية، يقال منه هاجر مهاجرة. والهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها الجنة في قوله " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " (2) فكان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وآله ويدع أهله وماله لا يرجع في شئ منه، وينقطع بنفسه إلى مهاجره، وكان النبي صلى الله عليه وآله يكره أن يموت الرجل بالارض التي هاجر منها، فمن ثم قال " لكن البائس سعد بن خولة " يرثي له أن مات بمكة (3) وقال حين قدم مكة " اللهم لا


(1) براءة: 114. (2) براءة: 111. (3) أي يترقق ويشفق عليه رسول الله صلى الله عليه وآله أن مات سعد بن خولة بمكة

[230]

تجعل منايانا بها " فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة، وانقطعت الهجرة. والهجرة الثانية من هاجر من الاعراب وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الاولى، فهو مهاجر، وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة، وهو المراد بقوله " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة " فهذا وجه الجمع بين الحديثين، وإذا اطلق في الحديث ذكر الهجرتين فانما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة انتهى. وقال ابن أبي الحديد: هذا كلام من أسرار الوصية يختص به علي عليه السلام لان الناس يروون أن النبي صلى الله عليه وآله قال " لا هجرة بعد الفتح " فشفع عمه العباس في نعيم بن مسعود الاشجعي أن يستثنيه فاستثناه، وهذه الهجرة التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليست تلك بل هي الهجرة إلى الامام، وقال بعض الاصحاب: تجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الاسلام مع المكنة ويستحب للقادر على إظهارها، تحرزا عن تكثير سواد المشركين، والمراد بها الامور التي تختص بالاسلام كالاذان والاقامة، وصوم شهر رمضان، وغير ذلك وألحق بعضهم ببلاد الشرك بلاد الخلاف التي لا يتمكن فيها المؤمن من إقامة شعائر الايمان مع الامكان. ولو تعذرت الهجرة لمرض أو عدم نفقة أو غير ذلك فلا حرج لقوله تعالى " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله غفورا رحيما " (1). والظاهر أن قوله عليه السلام " ما كان لله في أهل الارض حاجة " كناية عن بقاء التكليف كما يدل عليه قول النبي صلى الله عليه وآله: لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة وللتجوز مجال واسع وفي الصحيفة السجادية: " ولا ترسلني من يدك إرسال من لا خير فيه، ولا حاجة بك إليه " وقيل كلمة ما هيهنا نافية ووجهوه بتوجيهات


في حجة الوداع حين قال: لكن البائس سعد بن خولة قد مات في الارض التى هاجر منها راجع ترجمته في الاستيعاب بذيل الاصابة ج 2 ص 41. (1) النساء 97.

[231]

ركيكة، والسر ما يكتم واستسر أي استتر واختفى، فالمختفي حينئذ كمن لا يختفي بل يعلن نفسه لانه لا يخاف ولا يتقي لدينه أو غيره، وقيل أي ممن أسر دينه أو أظهره وأعلنه، " ومن " لبيان الجنس، وقيل: زائدة، ولو حذفت لجر المستسر بدلا من أهل الارض. " لا تقع اسم الهجرة " الخ أي يشترط في صدق الهجرة معرفة الامام والاقرار به، والمراد بقوله " فمن عرفها " الخ أنه مهاجر بشرط الخروج إلى الامام، والسفر إليه، أو المراد بالمعرفة المعرفة المستندة إلى المشاهدة والعيان ويحتمل أن يكون المراد أن مجرد معرفة الامام والاقرار بوجوب اتباعه كاف في إطلاق اسم الهجرة كما هو ظاهر الجزء الاخير من الكلام، ويدل عليه بعض أخبارنا، فمعرفة الامام والاقرار به في زمانه قائم مقام الهجرة المطلوبة في زمان الرسول صلى الله عليه وآله. وقال بعض الاصحاب: الهجرة في زمان الغيبة سكنى الامصار لانها تقابل البادية مسكن الاعراب، والامصار أقرب إلى تحصيل الكمالات من القرى والبوادي فان الغالب على أهلها الجفاء والغلظة، والبعد عن العلوم والكمالات كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن الجفاء والقسوة في الفدادين (1) وقيل هي الخروج إلى طلب العلوم فيعم الخروج عن القرى والبوادي، والخروج عن بلد لا يمكن فيه طلب العلم. " ولا يقع اسم الاستضعاف " الخ الاستضعاف عد الشئ ضعيفا أو وجدانه ضعيفا واستضعفه أي طلب ضعفه، والحجة الدليل والبرهان، ويعبر به عن الامام لانه دليل الحق، والمراد به هنا إما دليل الحق من اصول الدين أو الاعم أو الامام بتقدير مضاف أي حجة الحجة. قال القطب الراوندي رحمه الله: يمكن أن يشير بهذا الكلام إلى إحدى آيتين إحداهما " إن الذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا


(1) الفدادون: الجمالون، والرعيان، والبقارون، والحمارون، والفلاحون وأصحاب الوبر: والذين تعلو اصواتهم في حروثهم ومواشيهم، والمكثرون من الابل.

[232]

كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها اولئك مأويهم جهنم وساءت مصيرا " (1) فيكون مراده عليه السلام على هذا أنه لا يصدق اسم الاستضعاف على من عرف الامام وبلغته أحكامه، ووعاها قلبه، وإن بقي في ولده وأهله لم يتجشم السفر إلى الامام، كما صدق على هؤلاء المذكورين في الاية والثانية قوله تعالى بعد ذلك: " إلا المستضعين من الرجال والنساء " الاية فيكون مراده على هذا أن من عرف الامام، وسمع مقالته، ووعاها قلبه، لا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما صدق على هؤلاء، إذ كان المفروض على الموجودين في عصر الرسول المهاجرة بالابدان دون من بعدهم، بل يقنع منهم بمعرفته والعمل بقوله بدون المهاجرة إليه بالبدن. وقال ابن ميثم رحمه الله بعد حكاية كلامه: وأقول: يحتمل أن يريد بقوله ذلك أنه لا عذر لمن بلغته دعوة الحجة فسمعتها اذنه، في تأخيره عن النهوض والمهاجرة إليه، مع قدرته على ذلك ولا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما يصدق على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان حتى يكون ذلك عذرا له، بل يكون في تأخره ملوما مستحقا للعقاب كالذين قالوا كنا مستضعفين في الارض ويكون مخصوصا بالقادرين على النهوض دون العاجزين، فان اسم الاستضعاف صادق عليهم انتهى (2). وأقول: سيأتي شرح هذا الكلام في أخبار كثيرة وأن المراد به أن المستضعف المعذور في معرفة الامام في زمان الهدنة في الجملة، إنما هو إذا لم تبلغه الحجة واختلاف الناس فيه، أو بلغه ولم يكن له عقل يتميز به بين الحق والباطل، كما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى. " إن أمرنا صعب مستصعب " الصعب العسر والابي الذي لا ينقاد بسهولة ضد الذلول واستصعب الامر أي صار صعبا، واستصعبت الامر أي وجدته صعبا


(1) النساء: 97 وما بعدها ذيلها: 98. (2) شرح النهج لابن ميثم: 441.

[233]

وحملته واحتملته، بمعنى، وحملته بالتشديد فاحتمله، والامتحان الاختبار وامتحن الله قلبه أي شرحه ووسعه. قال ابن أبي الحديد قال الله تعالى: " اولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " (1) يقال: امتحن فلان لامر كذا، أي جرب للنهوض به، فهو قوي على احتمال مشاقه ويجوز أن يكون بمعنى المعرفة لان تحقيقك الشئ إنما يكون باختباره فوضع موضعها فيتعلق اللام بمحذوف، أي كائنة له، وهي اللام التي في قولك " أنت لهذا الامر " أي مختص به ويكون مع معمولها منصوبة على الحال، ويجوز أن يكون المعنى ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن لاجل التقوى أي ليثبت ويظهر تقواها ويعلم أنهم متقون، لان التقوى لا يعلم إلا عند الصبر على المحن والشدائد أو أخلص قلوبهم للتقوى أي أذابه وصفاه. ووعيت الحديث أي حفظته وفهمته والغرض حفظ الحديث عن الاذاعة، وضبط الاسرار عن إفضائها إلى غير أهلها أو الاذعان الكامل به، وعدم التزلزل عند العجز عن المعرفة التفصيلية به، فيكون كالتفسير لما قبله، والحلم بالكسر الاناة والعقل، والرزانة: الوقار. وحاصل الكلام أن شأنهم وما هم عليه من الكمال، والقدرة على خوارق العادات صعب لا يحصل لغيرهم، مستصعب الفهم على الخلق، أو فهم علومهم وإدراك أسرارهم مشكل يستصعبه أكثر الخلق، فلا يقبله حق القبول بحيث لا يخرج إلى طرف الافراط بالغلو أو التفريط بعدم التصديق، أو القول بعدم الحق لسوء الفهم إلا قلب عبد شرحه الله وصفاه للايمان، فيحمل كلما يأتون به على وجهه، إذا وجد له محملا، ويصدق إجمالا بكل ما عجز عن معرفته تفصيلا ويرد علمه إليهم عليهم السلام. والمراد بطرق السماء الطرق التي يصعد منها الملائكة ويرفع فيها أعمال العباد، أو منازل سكان السماوات ومراتبهم، أو الامور المستقبلة وما خفي على الناس مما لا يعلم إلا بتعليم رباني فان مجاري نزولها في السماء، أو أحكام الدين وقواعد الشريعة


(1) الحجرات: 3.

[234]

وعلى ما يقابل كل واحد منها يحمل طرق الارض. وشغر البلد كمنع إذا خلا من حافظ يمنعه، وبلدة شاغرة برجلها لم تمنع عن غارة أحد، وشغرت المرأة رفعت رجلها للنكاح، وشغرتها فعلت بها ذلك يتعدى ولا يتعدى، وشغر الكلب إذا رفع أحد رجليه ليبول، وقيل: الشغر البعد والاتساع، وقيل: كني بشغر رجلها عن خلو تلك الفتنة عن مدبر يردها ويحفظ الامور وينظم الدين، ويحتمل أن يكون كناية عن شمولها للبلاد والعباد من الشغر بمعنى الاتساع، أو من شغر الكلب، أو من شغرة المرأة كناية عن تكشفها وعدم مبالاتها بظهور عيوبها وإبداء سوأتها، والوطء الدوس بالرجل، والخطم بالفتح من الدابة مقدم أنفها، وككتاب ما يوضع في أنف البعير ليقتاد به، والوطء في الخطام كناية عن فقد القائد وإذا خلت الناقة من القائد تعثر وتخبط، وتفسد ما تمر عليه بقوائمها. " وتذهب بأحلام قومها " أي تفسد عقول أهلها فكانت أفعالهم على خلاف ما يقتضيه العقل، فالمراد بأهلها المفسدون، أو يتحير أهل زمانها فلا يهتدون إلى طريق التخلص عنها، فأهلها من أصابته البلية، أو يأتي أهل ذلك الزمان إليها رغبة ورهبة ولا يتفحصون عن كونها فتنة لغفلتهم عن وجه الحق فيها.

[235]

35 - * (باب) * " (العلة التى من أجلها لا يكف الله) " " (المؤمنين عن الذنب) " 1 - جا: عن ابن قولويه، عن سعد، عن ابن سعد، عن الاهوازي، عن محمد بن عمير، عن الحارث بن بهرام، عن عمرو بن جميع قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام من جاءنا يلتمس الفقه والقرآن والتفسير فدعوه، ومن جاءنا يبدي عورة قد سترها الله فنحوه، فقال له رجل من القوم: جعلت فداك أذكر حالي لك ؟ قال: إن شئت، قال: والله إني لمقيم على ذنب منذ دهر اريد أن أتحول منه إلى غيره فما أقدر عليه، قال له: إن تكن صادقا فان الله يحبك وما يمنعك من الانتقال عنه إلا أن تخافه (1). 2 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن على بن أسباط عن رجل من أصحابنا من أهل خراسان من ولد إبراهيم بن يسار رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله علم ؟ ؟ الذنب خير للمؤمن من العجب (2) ولولا ذلك ما ابتلى مؤمن بذنب أبدا (3). أقول: سيأتي شرحه ومثله في باب العجب إن شاء الله.


(1) أمالى المفيد ص 14. (2) العجب أن يستعظم الرجل نفسه بما يكون منه من الخيرات والعبادات، فيعد نفسه صالحة مطيعة حق الاطاعة فيبتهج بأعماله ويدل بها كانه يمن على الله باطاعته. وهذا مفسد للعمل. (3) الكافي ج 2: 133.

[236]

36 - * (باب) * * " الحب في الله والبغض في الله " * 1 - م، ع، ن (1) لى: المفسر بإسناده إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله أحبب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فانه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الايمان، وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا عليها يتوادون، وعليها يتباغضون وذلك لا يغني عنهم من الله شيئا، فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عزوجل ؟ ومن ولي الله عزوجل حتى اواليه، ومن عدوه حتى اعاديه فأشار له رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال: أترى هذا ؟ فقال: بلى، قال: ولي هذا ولي الله، فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده، وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك وولدك (2). أقول: قد مر كثير من أخبار الباب في باب صفات المؤمن، وباب صفات خيار العباد، وباب جوامع المكارم، وفي أبواب كتاب الحجة. 2 - ثو (3) لى: عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن سعيد الاعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن من أوثق عرى الايمان أن تحب في الله، وتبغض في الله، وتعطي في الله، وتمنع في الله عزوجل (4).


(1) علل الشرائع ج 1 ص 134، عيون أخبار الرضا عليه السلام ج 1 ص 291. (2) أمالى الصدوق ص 8. (3) ثواب الاعمال ص 152 والافعال بصيغة الغائب. (4) أمالى الصدوق ص 345، واللفظ له.

[237]

سن: عن ابن محبوب مثله (1). جا: عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى مثله (2). 3 - لى: عن ابن الوليد، عن أحمد بن إدريس، عن جعفر الفزاري، عن محمد بن الحسين بن زيد، عن محمد بن سنان، عن العلا بن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب كافرا فقد أبغض الله ومن أبغض كافرا فقد أحب الله، ثم قال عليه السلام: صديق عدو الله عدو الله (3). 4 - فس: " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " (4) يعني الاصدقاء يعادي بعضهم بعضا، وقال الصادق عليه السلام: الأكل خلة كانت في الدنيا في غير الله فانها تصير عداوة يوم القيامة. وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: وللظالم غدا بكفه عضة، والرحيل وشيك، وللاخلاء ندامة إلا المتقين (5). 5 - ل: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران عن سعيد بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هل الدين إلا الحب ؟ إن الله عزوجل يقول " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " (6). 6 - ل: عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن البرقي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من حب الرجل دينه حبه إخوانه (7).


(1) المحاسن ص 263. (2) مجالس المفيد: 97. (3) أمالى الصدوق ص 360 أواخر المجلس 88. (4) الزخرف: 67. (5) تفسير القمى. (6) الخصال ص 5، الرقم 69. والاية في آل عمران: 31. (7) الخصال ص 13 تحت الرقم 4.

[238]

7 - ف: عن أبي جعفر الثاني قال: أوحى الله إلى بعض الانبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة، وأما انقطاعك إلي فتعززك بي، ولكن هل عاديت لي عدوا أو واليت لي وليا (1). 8 - ف: عن أبي محمد العسكري قال: حب الابرار للابرار ثواب للابرار وحب الفجار للابرار فضيلة للابرار، وبغض الفجار للابرار زين للابرار وبغض الابرار للفجار خزي على الفجار (2). سن: عن علي بن محمد القاساني عمن ذكره، عن عبد الله بن القاسم الجعفري عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (3) مع تحريق وسقط. 9 - سن: عن البزنطي، عن صفوان الجمال، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث له قال: يا زياد ويحك وهل الدين إلا الحب ؟ ألا ترى إلى قول الله " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " (4) أو لا ترى قول الله لمحمد صلى الله عليه وآله " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم " وقال: " يحبون من هاجر إليكم " فقال: الدين هو الحب والحب هو الدين (5). 10 - سن: عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فهو ممن كمل إيمانه (6). 11 - سن: عن محمد بن خالد الاشعري، عن إبراهيم بن محمد، عن حسين بن مصعب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أحب الله، وأبغض عدوه، لم يبغضه


(1) تحف العقول ص 479. (2) تحف العقول ص 517. (3) المحاسن ص 266. (4) آل عمران: 31، وما بعدها في الحجرات 7، الحشر: 9، على الترتيب. (5 - 6) والمحاسن: 263.

[239]

لوتر وتره في الدنيا ثم جاء يوم القيامة بمثل زبد البحر ذنوبا كفرها الله له (1). بيان: يقال: وترته نقصته، والوتر بالكسر الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. 12 - كا: عن العدة، عن ابن عيسى والبرقي وعلي بن إبراهيم، عن أبيه وسهل جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أحب [في ا] لله، وأبغض [في ا] لله، وأعطى [في ا] لله فهو ممن كمل إيمانه (2). بيان: " من أحب لله " أي أحب من أحب لان الله يحبه وأمر بحبه من الانبياء والاوصياء عليهم السلام والصلحاء من المؤمنين، لا للاغراض الدنيوية والاطماع الدنية " وأبغض لله " أي أبغض من أبغض لان الله يبغضه وأمر ببغضه من أئمة الضلالة والكفار والمشركين والمخالفين والظلمة والفجار لمخالفتهم لله تعالى " وأعطى لله " أي أعطى من أمر الله باعطائه من أئمة الدين وفقراء المؤمنين وصلحائهم خالصا لله من غير رئاء ولا سمعة، وفي بعض النسخ " في الله " في المواضع فهو أيضا بمعنى " لله " و " في " لتعليل أو المعنى الحب في سبيل طاعته فيرجع إليه أيضا " فهو ممن كمل إيمانه " لان ولاية أولياء الله ومعاداة أعدائه وإخلاص العمل له عمدة الايمان وأعظم أركانه. 13 - كا: بالاسناد المتقدم، عن ابن محبوب، عن مالك بن عطية، عن سعيد الاعرج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أوثق عرى الايمان أن تحب في الله وتبغض في الله، وتعطي في الله، وتمنع في الله (3). ايضاح: العروة ما يكون في الحبل يتمسك به من أراد الصعود، وعروة الكوز ونحوه، والاول هنا أنسب، كأنه عليه السلام شبه الايمان بحبل يرتقى به إلى الجنة


(1) المحاسن: 265. (2) الكافي ج 2 ص 124. (3) الكافي ج 2 ص 125.

[240]

والدرجات العالية والاعمال الايمانية، وأخلاقها بالعرى التي تكون فيه يتمسك بها من أراد الصعود عليه، وفيه إشارة إلى قوله تعالى " ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " (1) والمنع في الله أن يكون عدم بذله وإعطائه لكونه سبحانه منع منه، كالحد المنتهي إلى التبذير أو إعطاء الكفار لغير مصلحة، والفجار لاعانتهم على الفجور، وأمثال ذلك. 14 - كا: بالاسناد، عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الاحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ود المؤمن للمؤمن في الله من أعظم شعب الايمان، ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله فهو من أصفياء الله (2). سن: عن ابن محبوب مثله (3). توضيح: في القاموس: الود والوداد: الحب - ويثلثان - كالودادة والمودة (4) وفي المصباح الشعبة من الشجرة الغصن المتفرع منها، والجمع شعب مثل غرفة وغرف، والشعبة من الشئ الطائفة منه، وانشعبت أغصان الشجرة تفرعت عن أصلها وتفرقت، ويقال: هذه المسألة كثيرة الشعب انتهى " وشعب الايمان " الاعمال والاخلاق التي يقتضي الايمان الاتيان بها، والصفى الحبيب المصافي وخالص كل شئ. 15 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إن المتحابين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور وجوههم ونور أجسادهم ونور منابرهم كل شئ


(1) البقرة: 256. (2) الكافي: ج 125 2. (3) المحاسن: 263. (4) القاموس ج 1 ص 344.

[241]

حتى يعرفوا به، فيقال: هؤلاء المتحابون في الله (1). بيان: " المتحابين في الله " أي الذين يحب كل منهم الاخرين لمحض رضا الله، وكونهم من أحباء الله لا للاغراض الفانية والاغراض الباطلة ويكون أضاء لازما ومتعديا يقال أضاء الشئ وأضاءه غيره ذكره في المصباح. 16 - كا: عن علي، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الحب والبغض أمن الايمان هو ؟ فقال: وهل الايمان إلا الحب والبغض ؟ ثم تلا هذه الاية " حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون " (2). سن: عن أبيه، عن حماد مثله (3). تبيان: " عن الحب والبغض " أي حب الائمة عليهم السلام وبغض أعدائهم أو الاعم منهما ومن حب المؤمنين والطاعة، وبغض المخالفين والمعصية، والغرض من السؤال إما استعلام أن الاعتقاد بامامة الائمة عليهم السلام ومحبتهم، والتبري عن أعدائهم هل هما من أجزاء الايمان واصول الدين كما هو مذهب الامامية ؟ أو من فروع الدين والواجبات الخارجة عن حقيقة الايمان كما ذهب إليه المخالفون، أو استبانة أن حب أولياء الله وبغض أعدائه هل هما من الامور الاختيارية التي يقع التكليف بها ؟ أو هما من فعل الله تعالى وليس للعبد فيه اختيار ؟ فلا يكونان مما كلف الله به والاول أظهر. فأجاب عليه السلام على الاستفهام الانكاري بأن مدار الايمان على الحب والبغض لان الاعتقاد بالشئ لا ينفك عن حبه، وإنكاره عن بغضه، أو عمدة الايمان ولاية الائمة عليهم السلام والبراءة من أعدائهم إذ بهما يتم الايمان، وبدونهما لا ينفع شئ من العقائد والاعمال كما مر مفصلا، فكأن الايمان منحصر فيهما، أو لما كانا


(1) الكافي ج 2 ص 125. (2) الحجرات: 7، راجع الكافي ج 2 ص 125. (3) المحاسن ص 262.

[242]

أصل الايمان وعمدته كيف لم يكونا مكلفا به ؟ وكيف لم تكن مباديهما بالاختيار ؟ والاستشهاد بالاية على الاول ظاهر، وعلى الثاني فلانه لما حصر الله تعالى الرشد والصلاح فيهما، فلو لم يكونا اختياريين لزم الجبر، والتكليف بما لا يطاق وهما منفيان بالدلائل العقلية والنقلية. وأما الاية فقال الطبرسي رحمه الله: " ولكن الله حبب إليكم الايمان " أي جعله أحب الاديان إليكم بأن أقام الادلة على صحته، وبما وعد من الثواب عليه " وزينه في قلوبكم " بالالطاف الداعية إليه " وكره إليكم الكفر " بما وصف من العقاب عليه، وبوجوه الالطاف الصارفة عنه " والفسوق " أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي " والعصيان " أي جميع المعاصي وقيل: الفسوق الكذب، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام " اولئك هم الراشدون " يعني الذين وصفهم بالايمان وزينه في قلوبهم، هم المهتدون إلى معالي الامور، وقيل: هم الذين أصابوا الرشد واهتدوا إلى الجنة انتهى (1). ويحتمل أن يكون المراد بالكفر الاخلال بالعقائد الايمانية وبالفسوق الكبائر وبالعصيان الصغائر أو الاعم، أو بالكفر ترك الايمان ظاهرا وباطنا، وبالفسوق النفاق، وبالعصيان جميع المعاصي. وقد ورد في أخبار كثيرة قد مر بعضها أن الايمان أمير المؤمنين وولايته والكفر والفسوق والعصيان الاول والثاني والثالث (2) فيؤيد المعنى الاول الذي ذكرنا في صدر الكلام. 17 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن عيسى، عن حريز، عن أبي الحسن علي بن يحيى فيما أعلم، عن عمرو بن مدرك الطائي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لاصحابه: أي عرى الايمان أوثق ؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم وقال بعضهم: الصلاة، وقال بعضهم: الزكاة، وقال بعضهم: الصيام، وقال بعضهم: الحج


(1) مجمع البيان ج 9 ص 133. (2) راجع ج 23 ص 380 من هذه الطبعة الحديثة.

[243]

والعمرة، وقال بعضهم: الجهاد، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لكل ما قلتم فضل وليس به ولكن أوثق عرى الايمان الحب في الله، والبغض في الله، وتوالي أولياء الله، والتبري من أعداء الله (1). سن: عن اليقطيني، عن أبي الحسن علي بن يحيى فيما أعلم مثله (2). مع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن اليقطيني، عن علي بن يحيى، عن علي بن مروك الطائي، عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وذكر مثله (3). بيان: الغرض من السؤال امتحان فهم القوم، وشدة اهتمامهم باستعلام ما هو الحق في ذلك، والعمل به، وكان اختيار كل منهم فعلا وذكره على سبيل الاحتمال أو الاستفهام، ولم يكن حكما منهم بأنه كذلك فانه حينئذ يكون قولا بغير علم وفتوى بالباطل، فهذا حرام، فكيف يقررهم صلى الله عليه وآله به ويحثهم عليه ؟ " وليس به " ضمير " ليس " للفضل المذكور، وضمير " به " للاوثق، أو ضمير " ليس " لكل من المذكورات، وضمير " به " للذي أراد صلى الله عليه وآله " وتوالي أولياء الله " الاعتقاد بامامة الذين جعلهم الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم " وأعداء الله " أضدادهم وغاصبوا خلافتهم، أو الاعم منهم ومن سائر المخالفين والكفار. 18 - سن: عن محمد بن علي، عن محمد بن جبلة الاحمسي، عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبرجدة خضراء، في ظل عرشه عن يمينه، وكلتا يديه يمين، وجوههم أشد بياضا من الثلج، وأضوء من الشمس الطالعة، يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب


(1) الكافي ج 2 ص 125. (2) المحاسن ص 264. (3) معاني الاخبار ص 398 ولعل ما في سند الحديث " على بن مروك الطائى " تصحيف " عمرو بن مدرك الطائى ".

[244]

وكل نبي مرسل، يقول الناس: من هؤلاء ؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله (1). كا: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن عمر بن جبلة مثله (2). بيان: " على أرض زبرجدة " الاضافة كخاتم حديد " في ظل عرشه " قال في النهاية أي في ظل رحمته، وقال النووي (3) قيل: الظل عبارة عن الراحة والنعيم، نحو هو في عيش ظليل، والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس لانها وسائر العالم تحت العرش، وقال الابي: (4) ومن جواب شيخنا أنه يحتمل جعل جزء من العرش حائلا تحت فلك الشمس وقال عياض (5) ظاهره أنه سبحانه يظلهم حقيقة من حر الشمس، ووهج الموقف، وأنفاس الخلائق، وهو تأويل أكثرهم وقال بعضهم: هو كناية عن كنهم وجعلهم في كنفه وستره، ومنه قولهم: السلطان ظل الله، وقولهم فلان في ظل فلان أي في كنفه وعزه انتهى. وظاهر الاخبار والايات أن العرش يوضع يوم القيامة في الموقف، وأن له


(1) المحاسن ص 264. (2) الكافي ج 2 ص 126. (3) هو أبو زكريا محيى الدين يحيى بن شرف الدمشقي الشافعي، والنووي منسوب الى نوى بليدة قرب دمشق، قيل وهى منزل أيوب عليه السلام كان محققا مدققا حافظا للحديث عارفا بأنواعه له كتاب المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. (4) هو عز الدين الحسن بن أبى طالب اليوسفي المعروف بالفاضل الابى قال في الكنى والالقاب: عالم فاضل محقق فقيه قوى الفقاهة شارح نافع وتلميذ المحقق، شهرته دون فضله، وعلمه أكثر من ذكره ونقله، وكتابه كشف الرموز كتاب حسن مشتمل على فوائد كثيرة وتنبيهات جيدة وله مع شيخه مباحثات ومخالفات في كثير من المواضع، فرغ من تأليف كتابه سنة 672. (5) هو أبو الفضل بن موسى بن عياض المالكى الاندلسي الاصل، كان امام وقته في الحديث وعلومه، وصنف التصانيف منها مشارق الانوار في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة: الموطأ، صحيح البخاري وصحيح مسلم. توفى بمراكش 544.

[245]

يمينا وشمالا، فيمكن أن يكون المقربون في يمينه، ومن دونهم في شماله، وكلاهما يمين مبارك يأمن من استقر فيهما، وقيل يحتمل أن يراد به الرحمة ولها أفراد متفاوتة، فأقواهما يمين وأدونهما يسار، وكلاهما مبارك ينجي من أهوال القيامة. وقال في النهاية فيه " وكلتا يديه يمين " أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما، لان الشمال ينقص عن اليمين، وكل ما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والايدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله تعالى فانما هو على سبيل المجاز والاستعارة، والله تعالى منزه عن التشبيه والتجسيم انتهى. وفي الكافي " أشد بياضا وأضوأ " وكأنه سقط قوله " من الثلج " من النساخ " يغبطهم " تقول غبطهم كضرب غبطا إذا تمنى مثل ما ناله من غير أن يريد زواله لما أعجبه من حسنه، وكأن المعنى أن الملك والنبي مع جلالة قدرهما، وعظم نعمتهما يعجبهما هذه المنزلة ويعدانها عظيمة، فلا يستلزم كون منزلته دون منزلتهما وربما يقرأ " يغبطهم " على بناء التفعيل أي يعدانهم ذوي غبطة وحسن حال، أو مغبوطين للناس. 19 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن نضر بن سويد، عن هشام ابن سالم، عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إذا جمع الله عزوجل الاولين والاخرين، قام مناد فنادى يسمع الناس فيقول: أين المتحابون في الله ؟ قال: فيقوم عنق من الناس فيقال لهم: اذهبوا إلى الجنة بغير حساب قال فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين ؟ فيقولون: إلى الجنة بغير حساب، قال: فيقولون: فأي ضرب (1) أنتم من الناس ؟ فيقولون: نحن المتحابون في الله قال: فيقولون: وأي شئ كانت أعمالكم ؟ قالوا: كنا نحب في الله، ونبغض في الله قال: فيقولون: نعم أجر العاملين (2).


(1) فأى حزب خ ل. (2) الكافي ج 2 ص 126.

[246]

سن: عن أبيه، عن النضر مثله (1). بيان: " يسمع الناس " على بناء الافعال حال عن فاعل " فنادى " وفي المحاسن " ينادي بصوت يسمع " " فتلقاهم " على بناء المجرد أو على بناء التفعل بحذف إحدى التائين أي تستقبلهم " وأي شئ كانت أعمالكم " أي منصوب بخبرية كانت أي أية مرتبة بلغ تحابكم ؟ وأي شئ فعلتم حتى سميتم بهذا الاسم ؟ وقيل هو استبعاد لكون محض التحاب سبب هذه المنزلة، وفي المحاسن " قالوا وأي شئ " قوله " نعم أجر العاملين " المخصوص بالمدح محذوف أي أجركم وما أعطاكم ربكم. 20 - كا: عن العدة، عن علي بن حسان، عمن ذكره، عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاث من علامات المؤمن: علمه بالله، ومن يحب، ومن يبغض (2). بيان: " علمه بالله " أي بذاته وصفاته بقدر وسعه وطاقته " ومن يحب ومن يبغض " أي من يحبه الله من الانبياء والاوصياء عليهم السلام وأتباعهم، ومن يبغضه الله من الكفار وأهل الضلال، أو الضمير في الفعلين راجع إلى المؤمن أي علمه بمن يجب أن يحبه ويجب أن يبغضه وكأنه أظهر. 21 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم وحفص ابن البختري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل ليحبكم وما يعرف ما أنتم عليه فيدخله الله الجنة بحبكم وإن الرجل ليبغضكم وما يعرف ما أنتم عليه فيدخله الله ببغضكم النار (3). بيان: قوله عليه السلام " إن الرجل ليحبكم " أقول يحتمل وجوها الاول أن يكون المراد بهم المستضعفين من المخالفين، فانهم يحبون الشيعة ولا يعرفون مذهبهم، ويحتمل دخولهم الجنة بذلك، الثاني أن يكون المراد بهم المستضعفين


(1) المحاسن ص 264. (2 و 3) الكافي ج 2 ص 126.

[247]

من الشيعة فانهم يحبون علماء الشيعة وصلحاءهم، ولكن لم يصلوا إلى ما هم عليه من العقائد الحقة والاعمال الصالحة، فيدخلون بذلك الجنة ومنهم من يبغض العلماء والصلحاء فيدخلون بذلك النار، فان كان بغضهم للعلم والصلاح فهم كفرة، وإلا فهم فسقة، كما ورد: كن عالما أو متعلما أو محبا للعلماء ولا تكن رابعا فتهلك الثالث أن يكون المراد بما أنتم عليه: الصلاح والورع، دون التشيع كما ذكره بعض المحققين، الرابع أن يكون المراد بما أنتم عليه: المعصية، كما روي أن حفصا كان يلعب بالشطرنج (1). فالمراد أن من أحبكم لظاهر إيمانكم وتشيعكم مع عدم علمه بالمعاصي التي أنتم عليه فبذلك يدخل الجنة، ومن أبغضكم لكونكم مؤمنين ولم يعلم فسقكم ليبغضكم لذلك فهو من أهل النار، لان بغض المؤمن لايمانه كفر. 22 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن العرزمي، عن أبيه، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا أردت أن تعلم أن فيك خيرا فانظر إلى قلبك فان كان يحب أهل طاعة الله عزوجل ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك وإذا كان (2) يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير، والله يبغضك، والمرء مع من أحب (3). سن: عن العرزمي، عن أبيه، عن جابر مثله (4). ع: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن ابن العرزمي


(1) قال النجاشي في رجاله ص 103: حفص بن البخترى - ضبطه ابن داود بفتح الباء وسكون الخاء المعجمة - مولى بغدادي أصله كوفى ثقة، روى عن أبى عبد الله وأبى الحسن عليهما السلام ذكره أبو العباس، وإنما كان بينه وبين آل أعين نبوة فغمزوا عليه بلعب الشطرنج. (2) في المصدر المطبوع وهكذا في نسخة المحاسن والعلل: وان كان. (3) الكافي ج 2 ص 126. (4) المحاسن ص 263.

[248]

مثله (1). بيان: " يحب أهل طاعة الله " أي سواء وصل منهم ضرر إلى دنياه أولم يصل " ويبغض أهل معصيته " سواء وصل منهم إليه نفع أو لم يصل " وإذا كان يبغض أهل طاعة الله " لضرر دنيوي " ويحب أهل معصيته " لنفع دنيوي. وقيل. أصل المحبة الميل، وهو على الله سبحانه محال، فمحبة الله للعبد رحمته وهدايته إلى بساط قربه ورضاه عنه، وإرادته إيصال الخير إليه وفعله له فعل المحب، وبغضه سلب رحمته عنه وطرده عن مقام قربه ووكوله إلى نفسه، وكون " المرء مع من أحب " لا يستلزم أن يكون مثله في الدرجات أو في الدركات، فان دخوله مع محبوبه في الجنه أو في النار يكفي لصدق ذلك. 23 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبي علي الواسطي، عن الحسين ابن أبان، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لو أن رجلا أحب رجلا لله لاثابه الله على حبه إياه، وإن كان المحبوب في علم الله من أهل النار، ولو أن رجلا أبغض رجلا لله، لاثابه الله على بغضه إياه، وإن كان المبغض في علم الله من أهل الجنة (2). سن: عن أبي علي الواسطي مثله (3). ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن صالح بن فيض بن فياض، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن أبان، عن بعض أصحابنا عنه عليه السلام مثله إلا أنه في الموضعين " وإن كان في علم الله " بدون ذكر المحبوب والمبغض (4). بيان: قوله عليه السلام " لاثابه الله " أقول هذا إذا لم يكن مقصرا في ذلك، ولم يكن مستندا إلى ضلالته وجهالته، كالذين يحبون أئمة الضلالة ويزعمون أن


(1) علل الشرائع ج 1 ص 112. (2) الكافي ج 2 ص 127. (3) المحاسن ص 265. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 234، وفى هذه النسخة من المصدر المطبوع سقط.

[249]

ذلك لله، فان ذلك لمحض تقصيرهم عن تتبع الدلائل واتكالهم على متابعة الاباء وتقليد الكبراء، واستحسان الاهواء، بل هو كمن أحب منافقا يظهر الايمان والاعمال الصالحة، وفي باطنه منافق فاسق، فهو يحبه لايمانه وصلاحه لله وهو مثاب بذلك، وكذا الثاني فان أكثر المخالفين يبغضون الشيعة ويزعمون أنه لله، وهم مقصرون في ذلك كما عرفت. وأما من رأى شيعة يتقي من المخالفين ويظهر عقائدهم وأعمالهم ولم ير ولا سمع منه ما يدل على تشيعه فان أبغضه ولعنه فهو في ذلك مثاب مأجور، وإن كان من أبغضه من أهل الجنة ومثابا عند الله بتقيته، أو كأحد من علماء الشيعة زعم عقيدة من العقائد كفرا، أو عملا من الاعمال فسقا وأبغض المتصف بأحدهما لله ولم يكن أحدهما مقصرا في بذل الجهد في تحقيق تلك المسألة، فهما مثابان وهما من أهل الجنة إن لم يكن أحدهما ضروريا للدين. 24 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن يحيى الحلبي، عن بشير الكناسي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قد يكون حب في الله ورسوله، وحب في الدنيا، فما كان في الله ورسوله فثوابه على الله وما كان في الدنيا فليس بشئ (1). سن: عن أبيه، عن النضر مثله (2). بيان: " قد يكون حب في الله ورسوله " أي لهما كحب الانبياء والائمة صلوات الله عليهم وحب العلماء والسادات والصلحاء والاخوان من المؤمنين لعلمهم وسيادتهم وصلاحهم وإيمانهم، ولامره تعالى ورسوله بحبهم " وحب في الدنيا " كحب الناس لبذل مال وتحصيله، أو لنيل جاه وغرض من الاغراض الدنيوية " فليس بشئ " أي فأقل مراتبه أنه لا ينفع في الاخرة، بل ربما أضر إذا كان لتحصيل الاموال المحرمة، والمناصب الباطلة، أو لفسقهم، أو للعشق الباطل


(1) الكافي ج 2 ص 127. (2) المحاسن ص 265.

[250]

وأمثال ذلك. 25 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة ابن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المسلمين يلتقيان فأفضلهما أشدهما حبا لصاحبه (1). بيان: " فأفضلهما " أي عند الله وأكثرهما ثوابا " أشدهما حبا لصاحبه " في الله كما مر. 26 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن البزنطي وابن فضال، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما التقى مؤمنان قط إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لاخيه (2). 27 - كا: عن الحسين بن محمد، عن محمد بن عمران السبيعي، عن عبد الله بن جبلة، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل من لم يحب على الدين، ولم يبغض على الدين، فلا دين له (3). بيان: " كل من لم يحب على الدين " إن كان المراد أنه لم يكن شئ من حبه وبغضه في الدين فقوله " فلا دين له " على الحقيقة لانه لم يحب النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام أيضا لله ولا أبغض أعداءهم لله، وإن كان المراد غالب حبه وبغضه أو حب أهل زمانه، أو لم يكن جميع حبه وبغضه للدين فالمعنى لا دين له كاملا. 28 - سن: عن بعض أصحابنا، عن صالح بن بشير الدهان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام إن الرجل ليحب ولي الله وما يعلم ما يقول. فيدخله الله الجنة وإن الرجل ليبغض ولي الله وما يعلم ما يقول فيموت ويدخل النار (4). كتاب الغايات: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم لاصحابه: أخبروني بأوثق عرى الاسلام ؟ فقالوا: يا رسول الله الصلاة قال: إن الصلاة، قالوا: يا رسول الله الزكاة، قال: إن الزكاة، قالوا: يا رسول الله الجهاد


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 127. (4) المحاسن ص 265.

[251]

قال: إن الجهاد قال: فقالوا: يا رسول الله فأخبرنا قال: الحب في الله والبغض في الله (1). بيان: قوله صلى الله عليه وآله " إن الصلاة " أي ليس الصلاة كذلك، أو لها فضل لكن ليست كذلك، ويحتمل كون إن نافية لكنه بعيد. 30 - مص: قال الصادق عليه السلام: المحب في الله محب الله، والمحبوب في الله حبيب الله لانهما لا يتحابان إلا في الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المرء مع من أحب فمن أحب عبدا في الله فانما أحب الله، ولا يحب الله تعالى إلا من أحبه الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أفضل الناس بعد النبيين في الدنيا والاخرة المحبون لله المتحابون فيه، وكل حب معلول يورث بعدا فيه عداوة إلا هذين، وهما من عين واحدة يزيدان أبدا ولا ينقصان قال الله عزوجل " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " (2) لان أصل الحب التبري عن سوى المحبوب. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: إن أطيب شئ في الجنة وألذه حب الله، والحب [في ا] لله والحمد لله قال الله عزوجل " وآخر دعويهم أن الحمد لله رب العالمين " وذلك أنهم إذا عاينوا ما في الجنة من النعيم هاجت المحبة في قلوبهم، فينادون عند ذلك: أن الحمد لله رب العالمين (3). 31 - م: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: معاشر الناس أحبوا موالينا مع حبكم لالنا هذا زيد بن حارثة وابنه اسامة بن زيد من خواص موالينا فأحبوهما فو الذي بعث محمدا بالحق نبيا لينفعكم حبهما، قالوا: وكيف ينفعنا حبهما ؟ قال: إنهما يأتيان يوم القيامة عليا عليه السلام بخلق عظيم أكثر من ربيعة ومضر بعدد كل واحد منهما فيقولان: يا أخا رسول الله هؤلاء أحبونا بحب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وبحبك، فيكتب لهم علي عليه السلام جوازا على الصراط، فيعبرون عليه ويردون الجنة سالمين، وذلك أن أحدا لا يدخل الجنة من سائر امة محمد صلى الله عليه وآله إلا بجواز من علي عليه السلام.


(1) مخطوط. (2) الزخرف: 67. (3) مصباح الشريعة: 65، والاية في يونس: 10.

[252]

فان أردتم الجواز على الصراط سالمين، ودخول الجنان غانمين، فأحبوا بعد حب محمد وآله عليهم السلام مواليه، ثم إن أردتم أن يعظم محمد صلى الله عليه وآله عند الله تعالى منازلكم فأحبوا شيعة محمد وعلي وجدوا في قضاء حوائج إخوانكم المؤمنين، فان الله تعالى إذا أدخلكم معاشر شيعتنا ومحبينا الجنان، نادى مناديه في تلك الجنان قد دخلتم عبادي الجنة برحمتي، فتقاسموها على قدر حبكم لشيعة محمد وعلي وقضائكم لحقوق إخوانكم المؤمنين، فأيهم كان أشد للشيعة حبا ولحقوق إخوانهم المؤمنين أشد قضاء، كانت درجاته في الجنان أعلا حتى أن فيهم من يكون أرفع من الاخر بمسير خمسمائة سنة ترابيع قصور وجنان. بيان: كأن المراد بالتراييع المربعات فانها أحسن الاشكال. 32 - جع: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء، يغبطهم الانبياء والشهداء قالوا: يا رسول الله حل لنا قال: هم المتحابون في الله، والمتجالسون في الله والمتزاورون في الله. وقال النبي صلى الله عليه وآله: لو أن عبدين تحابا في الله أحدهما بالمشرق، والاخر بالمغرب لجمع الله بينهما يوم القيامة، وقال النبي صلى الله عليه وآله أفضل الاعمال الحب في الله والبغض في الله، وقال عليه السلام علامة حب الله حب ذكر الله، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحب في الله فريضة، والبغض في الله فريضة (1). بيان: " حل لنا " أي بين من حل العقدة، استعير لحل الاشكال، قال في الاساس: من المجاز فلان حلال للعقد كاف للمهمات. دعوات الراوندي: روي أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام هل عملت لي عملا: ؟ قال: صليت لك، وصمت وتصدقت وذكرت لك، قال الله تبارك وتعالى، وأما الصلاة فلك برهان (2) والصوم جنة، والصدقة ظل، والذكر


(1) جامع الاخبار ص 149. (2) " لك برهان: أي دليل على اسلامك " هذه العبارة في نسخة الكمبانى ص 284 قبل سطرين، ذيل البيان السابق، وهو سهو.

[253]

نور، فأي عمل عملت لي ؟ قال موسى عليه السلام: دلني على العمل الذي هو لك، قال: يا موسى هل واليت لي وليا، وهل عاديت لي عدوا قط ؟ فعلم موسى أن أفضل الاعمال الحب في الله، والبغض في الله. وإليه أشار الرضا عليه السلام بمكتوبه: كن محبا لال محمد وإن كنت فاسقا، ومحبا لمحبيهم وإن كانوا فاسقين. ومن شجون الحديث أن هذا المكتوب هو الان عند بعض أهل كرمند قرية من نواحينا إلى اصفهان ما هي ورفعته (1) أن رجلا من أهلها كان جمالا لمولانا أبي الحسن عليه السلام عند توجهه إلى خراسان، فلما أراد الانصراف قال له: يا ابن رسول الله شر فني بشئ من خطك أتبرك به، وكان الرجل من العامة فأعطاه ذلك المكتوب. وقال النبي صلى الله عليه وآله أوثق عرى الايمان الحب في الله والبغض في الله (2). 34 - جع: أوحى الله إلى موسى عليه السلام هل عملت لي عملا إلى قوله والبغض في الله (3). بيان: في القاموس: الشجن الغصن المشتبك، والحديث ذو شجون: فنون وأغراض، قوله ما هي أي ما هي من إصفهان لكنها في تلك الناحية، وفي القاموس راوند موضع بنواحي إصفهان. وأقول: قد مر كثير من أخبار الباب في باب صفات المؤمن، وصفات الشيعة وكتب الامامة وسيأتي في سائر الابواب.


(1) ورايته خ ل. (2) دعوات الراوندي مخطوط. (3) جامع الاخبار ص 149.

[254]

37 - * (باب) * * " (صفات خيار العباد واولياء الله، وفيه ذكر بعض الكرامات) " * * " (التى رويت عن الصالحين) " * الايات: يونس: ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (1). الحج: الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور (2). المؤمنون: إن الذينهم من خشية ربهم مشفقون * والذينهم بآيات ربهم يؤمنون * والذينهم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * اولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (3). النور: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار * ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (4). الفرقان: وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا * وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها ساءت مستقرا ومقاما * والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل


(1) يونس: 68. (2) الحج: 41. (3) المؤمنون: 57 - 61. (4) النور: 36 و 38.

[255]

ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب إلى الله متابا * والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما * والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا * والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما * اولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما * خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (1). السجدة: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا وفي الاخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم * ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين (2). الاحقاف: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * اولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون * ووصينا الانسان بوالديه إحسانا حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدى وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين * اولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (3). الذاريات: إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ما آتيهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالاسحار هم


(1) الفرقان: 63 - 76. (2) فصلت: 29 - 33. (3) الاحقاف: 12 - 16.

[256]

يستغفرون * وفي أموالهم حق للسائل والمحروم (1). المجادلة: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه اولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (2). الحاقة: فأما من اوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية * كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الايام الخالية (3). المعارج: إلا المصلين * الذينهم على صلوتهم دائمون * والذين في أموالهم حق معلوم * للسائل والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين * والذينهم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون * والذينهم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون * والذينهم لاماناتهم وعهدهم راعون * والذينهم بشهاداتهم قائمون * والذينهم على صلوتهم يحافظون * اولئك في جنات مكرمون (4). الدهر: إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا - إلى


(1) الذاريات: 15 - 19. (2) المجادلة: 22. (3) الحاقة: 19 - 24. (4) المعارج: 23 - 35.

[257]

قوله تعالى - إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (1). العصر: والعصر إن الانسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. تفسير: " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم " (2) قال المفسرون أي في القيامة من العقاب " ولا هم يحزنون " أي لا يخافون، وأقول: يمكن أن يكون المراد أعم من الدنيا والآخرة، فإنهم لرضاهم بقضاء الله، وعدم تعلقهم بالدنيا وما فيها لا خوف عليهم للحوق مكروه، ولا هم يحزنون لفوات مأمول. وقال الطبرسي رحمه الله: اختلف في أولياء الله، فقيل: هم قوم ذكرهم الله بما هم عليه من سيماء الخير والاخبات عن ابن عباس، وقيل: هم المتحابون في الله ذكر ذلك في خبر مرفوع، وقيل: هم " الذين آمنوا وكانوا يتقون " قد بينهم في الاية التي بعدها، وقيل: إنهم الذين أدوا فرائض الله، وأخذوا بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله وتورعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل هذه الدنيا، ورغبوا فيما عند الله واكتسبوا الطيب من رزق الله لمعايشهم، لا يريدون به التفاخر والتكاثر، ثم أنفقوه فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فاولئك الذين يبارك الله لهم فيما اكتسبوا ويثابون على ما قدموا منه لاخرتهم، وهو المروي عن علي بن الحسين عليهما السلام وقيل: هم الذين توالت أفعالهم على موافقة الحق (3). وقال رحمه الله في قوله تعالى: " الذين إن مكناهم في الارض " أي أعطيناهم ما به يصح الفعل منهم وسلطناهم في الارض، أدوا الصلاة بحقوقها، وأعطوا ما افترض الله عليهم من الزكاة " وأمروا بالمعروف " وهو الحق لانه تعرف صحته " ونهوا عن المنكر " وهو الباطل لانه لا يمكن معرفة صحته، ويدل على وجوبهما وقال أبو جعفر عليه السلام: نحن هم والله " ولله عاقبة الامور " أي يبطل كل ملك سوى


(1) الدهر: 5 - 22. (2) يونس: 68. (3) مجمع البيان ج 5 ص 120.

[258]

ملكه، فتصير الامور إليه بلا مانع ولا منازع (1). وقال في قوله: " إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون " (2) أي من عذاب ربهم خائفون، فيفعلون ما أمرهم به، وينتهون عما نهاهم عنه " والذين هم بآيات ربهم يؤمنون " أي بآيات الله وحججه من القرآن وغيره يصدقون. أقول: وفي الاخبار أن الايات هم الائمة عليهم السلام (3). " والذينهم بربهم لا يشركون " من الشرك الجلي والخفي " والذين يؤتون ما آتوا " أي يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة، أو أعمال البر كلها كما قال علي بن إبراهيم رحمه الله: من العبادة والطاعة، ويؤيده قراءة " يأتون ما أتوا " في الشواذ (4) " وقلوبهم وجلة " أي خائفة، قال الحسن: المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وامتنانا، وقال أبو عبد الله عليه السلام: خائفة أن لا تقبل منهم، وفي رواية اخرى يؤتي ما آتى وهو خائف راج، وقيل: إن في الكلام حذفا وإضمارا، وتأويله قلوبهم وجلة أن لا يقبل منهم، لعلمهم " أنهم إلى ربهم راجعون " أي لانهم يوقنون بأنهم يرجعون إلى الله تعالى يخافون أن لا يقبل منهم، وإنما يخافون ذلك لانهم لا يأمنون التفريط أو يخافون من أن مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفى عليهم. وقال الصادق عليه السلام: ما الذي أتوا ؟ أتوا والله الطاعة مع المحبة والولاية وهم في ذلك خائفون ليس خوفهم خوف شك ولكنهم خافوا أن يكونوا مقصرين في


(1) مجمع البيان ج 7 ص 88، سورة الحج الاية: 41. (2) المؤمنون: 57 وما نقله فيما يلى مأخوذ من تفسير مجمع البيان ج 7 ص 110. تفسير البيضاوى ص 288، وغير ذلك. (3) راجع ج 23 ص 206 - 211، من هذه الطبعة الحديثة باب أنهم عليهم السلام آيات الله وبيناته وكتابه. (4) في الشواذ قراءة النبي صلى الله عليه وآله وعائشة وابن عباس وقتادة والاعمش " يأتون ما أتوا " مقصورا، كذا في المجمع.

[259]

محبتنا وطاعتنا (1). " اولئك يسارعون في الخيرات " معناه الذين جمعوا هذه الصفات هم الذين يبادرون إلى الطاعات ويسابقون إليها رغبة منهم فيها، وعلما منهم بما ينالون بها من حسن الجزاء " وهم لها سابقون " أي وهم لاجل تلك الخيرات سابقون إلى الجنة أو هم إليها سابقون، قال ابن عباس: يسابقون فيها أمثالهم من أهل البر والتقوى وروى علي بن إبراهيم، عن الباقر عليه السلام قال: هو علي بن أبي طالب عليه السلام لم يسبقه أحد (2). " في بيوت " (3) أي كمشكوة في بعض بيوت أو توقد في بيوت " أذن الله " أي أمر أو قدر " أن ترفع " بالتعظيم " ويذكر فيها اسمه " بالتلاوة والذكر والدعاء ونزول الوحي وبيان الاحكام. عن الصادق عليه السلام هي بيوت النبي صلى الله عليه وآله (4) وعن الباقر عليه السلام هي بيوت الانبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى، وروى علي ابن إبراهيم عنه عليه السلام هي بيوت الانبياء وبيت علي عليه السلام منها " يسبح له فيها بالغدو والاصال " في الفقيه (5) عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال: كانوا أصحاب تجارة فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وانطلقوا إلى الصلاة وهم أعظم أجرا ممن لا يتجر، وفي المجمع عنهما عليهما السلام مثله (6) " يخافون يوما " مع ما هم عليه من الذكر والطاعة " تتقلب فيه القلوب والابصار " تضطرب وتتغير من الهول " ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله " أشياء لم يعدهم على أعمالهم ولا تخطر ببالهم


(1) الكافي ج 8 ص 229. (2) تفسير القمى ص 447. (3) النور: 36. (4) الكافي ج 8 ص 331. (5) فقيه من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 119 ط دار الكتب بالنجف. (6) مجمع البيان ج 7 ص 144.

[260]

" والله يرزق من يشاء بغير حساب " تقرير للزيادة، وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشية، وسعة الاحسان. " وعباد الرحمن " (1) أي عبيده الخلص الذين عملوا بلوازم العبودية " الذين يمشون على الارض هونا " أي بسكينة وتواضع، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر (2) وروى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام أنه قال في هذه الاية: الائمة عليهم السلام يمشون على الارض هونا خوفا من عدوهم (3) وعن الكاظم عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال: هم الائمة يتقون في مشيهم (4) وعن الباقر عليه السلام قال: هم الاوصياء مخافة من عدوهم (5) " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " قيل: أي تسلما منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر، أو سدادا من القول يسلمون فيه من الايذاء والاثم " والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما " أي في الصلاة، وتخصيص البيتوتة لان العبادة بالليل أحمز وأبعد من الرئاء. " والذين يقولون " إلى قوله " غراما " أي لازما، ومنه الغريم لملازمته وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالفتهم مع الخلق، واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ولا وثوقهم على استمرار أحوالهم " إنها ساءت مستقرا ومقاما " الجملتان تحتملان الحكاية والابتداء من الله " والذين إذا أنفقوا " الخ. قال علي بن إبراهيم: الاسراف الانفاق في المعصية في غير حق " ولم يقتروا " لم يبخلوا عن حق الله جل وعز والقوام العدل والانفاق فيما أمر الله به.


(1) الفرقان: 63. (2) مجمع البيان ج 7 ص 179. (3 و 4) تفسير القمى ص 467. (5) الكافي ج 1 ص 427.

[261]

وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله: من أعطى في غير حق فقد أسرف، ومن منع من حق فقد قتر، وعن علي عليه السلام: ليس في المأكول والمشروب سرف وإن كثر (1) وعن الصادق عليه السلام: إنما الاسراف فيما أفسد المال وأضر بالبدن قيل: فما الاقتار ؟ قال: أكل الخبز والملح وأنت تقدر على غيره، قيل: فما القصد ؟ قال: الخبز واللحم واللبن والخل والسمن مرة هذا ومرة هذا، وعنه عليه السلام أنه تلا هذه الاية فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، قال: هذا الاقتار الذي ذكر الله في كتابه، ثم قبض قبضة اخرى فأرخى كفه كلها ثم قال: هذا الاسراف، ثم أخذ قبضة اخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها وقال: هذا القوام. " حرم الله " أي حرمها بمعنى حرم قتلها " إلا بالحق " متعلق بالقتل المحذوف أو بلا يقتلون " يلق أثاما " أي جزاء " ثم يضاعف " بدل من يلق، وقال علي بن إبراهيم: أثام واد من أودية جهنم من صفر مذاب، قدامها حرة في جهنم يكون فيه من عبد غير الله ومن قتل النفس التي حرم الله، وتكون فيه الزناة ويضاعف لهم فيه العذاب " فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " في العيون عن الرضا عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة تجلى الله عزوجل لعبده المؤمن فيقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يستغفر له لا يطلع الله على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، ويستر عليه ما يكره أن يقف عليه أحد ثم يقول لسيئاته: كونوا حسنات. وأقول: الاخبار في ذلك كثيرة أوردتها في الابواب السابقة لاسيما في باب الصفح عن الشيعة (2). " ومن تاب " بترك المعاصي والندم عليها " وعمل صالحا " بتلافي ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة " فانه يتوب إلى الله " أي يرجع إليه بذلك " متابا " مرضيا عند الله ماحيا للعقاب محصلا للثواب، وقال علي بن إبراهيم: لا يعود إلى شئ من ذلك باخلاص ونية صادقة " والذين لا يشهدون الزور " قال: لا


(1) مجمع البيان ج 7 ص 179. (2) راجع ج 68 ص 98 - 149 من هذه الطبعة.

[262]

يقيمون الشهادة الباطلة، وعن الصادق عليه السلام هو الغناء (1) وقال علي بن إبراهيم الغناء ومجالس اللهو " وإذا مروا باللغو مروا كراما " معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، ومن ذلك الاغضاء عن الفحشاء، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به، وفي المجمع عن الباقر عليه السلام الذين إذا أرادوا ذكر الفرج كنوا عنه (2) وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه: أين نزلتم ؟ قالوا: على فلان صاحب القيان، فقال: كونوا كراما ثم قال: أما سمعتم قول الله عزوجل في كتابه " وإذا مروا باللغو مروا كراما " (3) وفي العيون عن محمد بن أبي عباد كان مشتهرا بالسماع وبشرب النبيذ قال: سألت الرضا عليه السلام عن السماع فقال: لاهل الحجاز رأي فيه، وهو في حيز الباطل واللهو أما سمعت الله يقول " وإذا مروا باللغو مروا كراما ". " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا " أي لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها، كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية، مبصرين بعيون راعية، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال مستبصرين ليسوا بشكاك (4) " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فان المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر به قلبه، وقر بهم عينه، لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة. " واجعلنا للمتقين إماما " في الجوامع عن الصادق عليه السلام إيانا عنى وفي رواية هي فينا وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال: نحن أهل البيت، قال: وروي


(1) راجع الكافي ج 6 ص 431، باب الغناء ذيل كتاب الاشربة، وقد مر أن الزور لغة يطلق على مجلس الغناء. (2) مجمع البيان ج 7 ص 181. (3) الكافي ج 6 ص 432، والقيان. جمع القينة: الجارية المغنية. (4) الكافي ج 8 ص 178.

[263]

أن أزواجنا خديجة، وذرياتنا فاطمة، وقرة أعين الحسين والحسين واجعلنا للمتقين إماما علي بن أبي طالب والائمة عليهم السلام قال: وقرئ عنده عليه السلام هذه الاية فقال: قد سألوا عظيما أن يجعلهم للمتقين أئمة فقيل له: كيف هذا يا ابن رسول الله ؟ قال: إنما انزل " واجعل لنا من المتقين " (1). " اولئك يجزون الغرفة " أي أعلى مواضع الجنة، وهي اسم جنس اريد به الجمع " بما صبروا " أي بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات، ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات " ويلقون فيها تحية وسلاما " أي دعاء بالتعمير وبالسلامة أي يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، أو يحيي بعضهم بعضها ويسلم عليه، أو تبقية دائمة وسلامة من كل آفة " خالدين فيها " لا يموتون ولا يخرجون. " إن الذين قالوا ربنا الله " (2) اعترافا بربوبيته، وإقرارا بوحدانيته " ثم استقاموا " على مقتضاه وفي أخبار كثيرة أن المراد به الاستقامة على الولاية، وفي نهج البلاغة وإني متكلم بعدة الله وحجته قال الله تعالى " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " الاية، وقد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه، وعلى منهاج أمره، وعلى الطريقة الصالحة من عبادته، ثم لا تمرقوا منها ولا تبتدعوا فيها ولا تخالفوا عنها، فان أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة (3) وقد ورد في الاخبار الكثيرة أن المراد بالاستقامة الاستقامة على ولاية الائمة عليهم السلام واحدا بعد واحد (4). " تتنزل عليهم الملائكة " قال الطبرسي رحمه الله: يعني عند الموت، وروي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام، وقيل: تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله تعالى وقيل: إن البشرى تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر، وعند البعث " أن لا تخافوا " عقاب الله " ولا تحزنوا " فوت الثواب، أو


(1) تفسير القمى ص 468 و 469. (2) فصلت: 29. (3) نهج البلاغة تحت الرقم 174 من الخطب. (4) راجع ج 24 ص 25 - 30 من هذه الطبعة الحديثة.

[264]

لا تخافوا مما أمامكم، ولا تحزنوا على ما وراءكم وما خلفكم من أهل وولد، وقيل لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم فاني أغفرها لكم " نحن أوليائكم " أي أنصاركم وأحباؤكم " في الحيوة الدنيا " نتولى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى " وفي الاخرة " نتولاكم بأنواع الاكرام والمثوبة، وقيل: نحرسكم في الدنيا وعند الموت وفي الاخرة عن أبي جعفر عليه السلام وقد روى علي بن إبراهيم وغيره عن الصادق عليه السلام قال: ما يموت موال لنا ومبغض لاعدائنا إلا ويحضره رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام فيراهم ويبشرونه، وإن كان غير موال يراهم بحيث يسوؤهم وقد مضت الاخبار الكثيرة في ذلك " ولكم فيها " أي في الاخرة " ما تشتهي أنفسكم " من الملاذ وتتمنونه من المنافع " ولكم فيها ما تدعون " أنه لكم، فان الله سبحانه يحكم لكم بذلك، وقيل: ما تشتهي أنفسكم من اللذائذ، ولكم فيها ما تدعون ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من الاول " نزلا من غفور رحيم " حال من " تدعون " للاشعار بأن ما يتمنون بالنسبة إلى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف (1). وأقول: قد مضت الاخبار الكثيرة في أن هذه الايات في شأن الائمة عليهم السلام وأن الملائكة يخاطبونهم في الدنيا بحيث يسمعون (2) وفي البصائر عن الباقر عليه السلام أنه قيل له: يبلغنا أن الملائكة تتنزل عليكم ! ؟ قال: إي والله لتنزل علينا وتطأ فرشنا أما تقرأ كتاب الله " إن الذين قالوا ربنا الله " الاية (3). " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله " أي إلى معرفته وعبادته ودينه الذي ارتضاه لعباده " وعمل صالحا " فيما بينه وبين ربه " وقال إنني من المسلمين " قيل تفاخرا به واتخاذا للاسلام دينا ومذهبا.


(1) مجمع البيان ج 9 ص 12 و 13. (2) مضى في المجلد السابع كتاب الامامة من البحار ولم يطبع موضع النص منه في هذه الطبعة، ولك أن تراجع في ذلك كتاب الكافي ج 1 ص 393. (3) بصائر الدرجات ص 90.

[265]

أقول: ويمكن أن يكون المراد به من المنقادين لائمة الدين. " إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا " (1) قيل: أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الامور التي هي منتهى العمل، و " ثم " للدلالة على تأخير رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد، وقال علي بن إبراهيم: ثم استقاموا على ولاية أمير المؤمنين (2) " فلا خوف عليهم " من لحوق مكروه " ولا هم يحزنون " على فوات محبوب، وهذه مرتبة الولاية. " بوالديه حسنا " وقرئ إحسانا (3) وفي المجمع عن علي عليه السلام حسنا بفتحتين (4) " وحمله وفصاله " أي مدتهما " ثلثون شهرا " ذلك كله لما تكابده الام في تربية الولد مبالغة في التوصية بها " حتى إذا بلغ أشده " أي استحكم قوته وعقله " وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني " أي ألهمني وأصله أو لعني من أوزعته بكذا " نعمتك " يعني نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها " وأصلح لي في ذريتي " أي اجعل لي الصلاح ساريا في ذريتي راسخا فيهم " إني تبت إليك " عما لا ترضاه أو يشغل عنك " وإني من المسلمين " المخلصين لك. " أحسن ما عملوا " قيل يعني طاعاتهم، فان المباح حسن ولا يثاب عليه " في أصحاب الجنة " قيل: كائنين في عدادهم أو مثابين أو معدودين فيهم " وعد الصدق "


(1) الاحقاف: 12. (2) تفسير القمى: 592. (3) حق العبارة هكذا: " بوالديه احسانا " وقرئ " حسنا " أي بالضم، فان " احسانا " قراءة الكوفيين ومنهم عاصم بن أبى النجود الذى دار على قراءته كتابة المصحف الشريف، والقراءة الثانية لسائر القراء المكى وهو عبد الله بن كثير، والمدنى وهو نافع بن عبد الرحمان، والبصرى وهو أبو عمرو بن العلاء، والشامي وهو عبد الله بن عامر اليحصبى. (4) مجمع البيان ج 9 ص 84، وفيه روى عن على عليه السلام وأبى عبد الرحمان السلمى.

[266]

مصدر مؤكد لنفسه فان نتقبل ونتجاوز وعد " الذي كانوا يوعدون " أي في الدنيا. وقد مرت أخبار كثيرة في أن الايات نزلت في الحسين صلوات الله عليه وعن الصادق عليه السلام قال: لما حملت فاطمة بالحسين عليه السلام جاء جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن فاطمة ستلد غلاما تقتله امتك من بعدك فلما حملت فاطمة بالحسين كرهت حمله وحين وضعته كرهت وضعه ثم قال عليه السلام لم تر في الدنيا ام تلد غلاما تكرهه ولكنها كرهته لما علمت أنه سيقتل قال وفيه نزلت هذه الاية وفي رواية اخرى: ثم هبط جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويبشرك بأنه جاعل في ذريته الامامة والولاية والوصية، فقال: إني رضيت ثم بشر فاطمة عليها السلام بذلك فرضيت، قال فلولا أنه قال " أصلح لي في ذريتي " لكانت ذريته كلهم أئمة قال: ولم يولد ولد لستة أشهر إلا عيسى بن مريم والحسين عليهما السلام (1). " آخذين ما آتيهم ربهم " (2) قيل: أي قابلين لما أعطاهم راضين به، ومعناه أن كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول " إنهم كانوا قبل ذلك محسنين " قد أحسنوا أعمالهم وهو تعليل لاستحقاقهم ذلك " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون " تفسير لاحسانهم، وعن الصادق عليه السلام كانوا أقل الليالي يفوتهم لا يقومون فيها (3) وعن الباقر عليه السلام كان القوم ينامون ولكن كلما انقلب أحدهم قال: الحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر " وبالاسحار هم يستغفرون " عن الصادق عليه السلام كانوا يستغفرون في الوتر في آخر الليل سبعين مرة " وفي أموالهم حق " أي نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقربا إلى الله وإشفاقا على الناس " للسائل والمحروم " عن الصادق عليه السلام المحروم المحارف الذي قد حرم كديده في الشراء والبيع، وفي رواية اخرى ليس بعقله بأس ولا يبسط له في الرزق وهو محارف وقيل: المحروم المتعفف الذي


(1) راجع ج 43 ص 260 - 237 من هذه الطبعة: باب ولادة الامامين الهامين الحسن والحسين عليهما السلام. (2) الذاريات: 15. (3) الكافي ج 3 ص 446.

[267]

يظن غنيا فيحرم الصدقة (1). يوادون من حاد الله ورسوله " (2) في المجمع أي يوالون من خالف الله ورسوله، والمعنى لا تجتمع موالاة الكفار مع الايمان والمراد به الموالاة في الدين " ولو كانوا آبائهم " أي وإن قربت قرابتهم منهم، فانهم لا يوالونهم إذا خالفوهم في الدين " اولئك " أي الذين لم يوادوهم " كتب في قلوبهم الايمان " أي ثبت في قلوبهم الايمان بما فعل بهم من الالطاف، فصار كالمكتوب، وقيل: كتب في قلوبهم علامة الايمان، ومعنى ذلك أنها سمة لمن شاهدهم من الملائكة على أنهم مؤمنون " وأيدهم بروح منه " أي قواهم بنور الايمان (3) وفي الكافي عنهما عليهما السلام هو الايمان، وعن الصادق عليه السلام ما من مؤمن إلا ولقلبه اذنان في جوفه: اذن ينفث فيها الوسواس الخناس واذن ينفث فيها الملك، فيؤيد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله وأيدهم بروح منه (4) وقد مضت الاخبار في ذلك " رضي الله عنهم " باخلاص الطاعة والعبادة منهم " ورضوا عنه " بثواب الجنة، وقيل: بقضاء الله عليهم في الدنيا فلم يكرهوه " اولئك حزب الله " أي جند الله وأنصار دينه ورعاة خلقه " ألا إن حزب الله هم المفلحون " أي أن جنود الله وأولياءه هم المنجحون الناجون الظافرون بالبغية فيقول تبجحا وإظهارا ا ؟ رح والسرور. " هاؤم اقرؤا كتابيه " (5) " هاؤم " اسم لخذوا، والهاء في كتابيه ونظائره الاتية للسكت: تثبت في الوقف وتسقط في الوصل " إني ظننت " أي تيقنت كذا في التوحيد والاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: والظن ظنان: ظن شك وظن يقين، فما كان من أمر المعاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا


(1) الكافي ج 3 ص 500. (2) المجادلة: 22. (3) مجمع البيان ج 10 ص 255. (4) الكافي ج 2 ص 267. (5) الحاقة: 20.

[268]

فهو ظن شك " أني ملاق حسابيه " قال إني ابعث واحاسب وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام كل امة يحاسبها إمام زمانها ويعرف الائمة أولياءهم وأعداءهم بسيماهم وهو قوله " وعلى الاعراف رجال " وهم الائمة يعرفون كلا بسيماهم فيعطوا أولياءهم كتبهم بأيمانهم، فيمروا إلى الجنة بغير حساب، ويعطوا أعداءهم كتبهم بشمالهم فيمروا إلى النار بلا حساب فإذا نظر أولياؤهم في كتبهم يقولون لاخوانهم " هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه، فهو في عيشة راضية " قال علي بن إبراهيم أي مرضية فوضع الفاعل مكان المفعول، وقيل أي ذات رضى أو جعل الفعل لها مجازا " في جنة عالية " قيل أي مرتفعة المكان، لانها في السماء، أو الدرجات أو الابنية والاشجار " قطوفها " جمع قطف وهو ما يجتنى بسرعة والقطف بالفتح المصدر " دانية " يتناولها القائم والقاعد " كلوا واشربوا " باضمار القول وجمع الضمير للمعنى " هنيئا " أي أكلا وشربا هنيئا أو هنئتم هنيئا " بما أسلفتم " أي بما قدمتم من الاعمال الصالحة " في الايام الخالية " أي الماضية من أيام الدنيا. " إلا المصلين " (1) روى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام قال: ثم استثنى فوصفهم بأحسن أعمالهم [وهو قضاء ما فاتهم من الليل بالنهار وما فاتهم من النهار بالليل] " والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم " في الكافي عن السجاد عليه السلام الحق المعلوم الشئ يخرجه من ماله ليس من الزكاة ولا من الصدقة المفروضتين هو الشئ يخرجه من ماله إن شاء أكثر وإن شاء أقل على قدر ما يملك يصل به رحما ويقوى به ضعيفا ويحمل به كلا ويصل به أخا له في الله أو لنائبة تنوبه (2) وفي معناه أخبار اخر وعن الصادق عليه السلام المحروم المحارف الذي قد حرم كد يده كما مر " والذين يصدقون بيوم الدين " في الكافي عن الباقر عليه السلام قال: بخروج القائم عليه السلام (3) قوله " مشفقون " أي خائفون على أنفسهم.


(1) المعارج: 23. (2) راجع الكافي باب فرض الزكاة الحديث 11. (3) الكافي ج 8 ص 287.

[269]

" إن عذاب ربهم غير مأمون " اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لاحد أن يأمن من عذاب الله، وإن بالغ في طاعته " إلا على أزواجهم " شاملة للمتعة " أو ما ملكت أيمانهم " التحليل داخل في أحدهما على القولين " فاولئك هم العادون " الكاملون للعدوان " راعون " أي حافظون " قائمون " لا يكتمون ولا ينكرون " يحافظون " أي يراعون شرائطها وآدابها وأوقاتها، وفي الكافي والمجمع عن الباقر عليه السلام قال: هي الفريضة " والذينهم على صلوتهم دائمون " النافلة وعن الكاظم عليه السلام اولئك أصحاب الخمسين صلاة من شيعتنا (1) " اولئك في جنات مكرمون " أي معظمون مبجلون بما يفعل بهم من الثواب. " من كأس " (2) قيل: من خمر وهي في الاصل لقدح تكون فيه " كان مزاجها " أي ما يمزج بها " كافورا " لبرده وعذوبته وطيب عرفه " عينا يشرب بها " أي منها " يفجرونها تفجيرا " أي يجرونها حيث شاؤا إجراء سهلا وفي المجالس عن الباقر عليه السلام هي عين في دار النبي صلى الله عليه وآله يفجر إلى دور الانبياء والمؤمنين " يوفون بالنذر " أي النذر الذي نذره أهل البيت عليهم السلام لشفاء الحسنين عليهما السلام " ويخافون يوما كان شره مستطيرا " أي شدائده فاشية منتشرة غاية الانتشار، وعن الباقر عليه السلام كلوحا عابسا. " على حبه " أي حب الله، أو حب الطعام، وعن الباقر عليه السلام عن شهوتهم للطعام وإيثارهم له " مسكينا " قال: من مساكين المسلمين " ويتيما " من يتامى المسلمين " وأسيرا " من اسارى المشركين " إنما نطعمكم لوجه الله " قال عليه السلام يقولون إذا أطعموهم ذلك قال والله ما قالوا هذا لهم، ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله باضمارهم يقولون " لا نريد منكم جزاء " تكافؤننا به " ولا شكورا " تثنون علينا به، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه الله، وطلب ثوابه، " يوما عبوسا " تعبس فيه الوجوه " قمطريرا " شديد العبوس " نضرة وسرورا " قال الباقر عليه السلام نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب " جنة وحريرا " قال عليه السلام: جنة يسكنونها


(1) مجمع البيان ج 10 ص 357، الكافي ج 3 ص 270. (2) الدهر: 5.

[270]

وحريرا يفترشونه ويلبسونه. وقد روى الخاص والعام أن الايات في هذه السورة وهي قوله " إن الابرار يشربون " إلى قوله " وكان سعيكم مشكورا " نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وجارية لهم تسمى فضة والقصة طويلة مرت بأسانيد جمة مع تفسير سائر الايات في أبواب فضائلهم عليهم السلام (1). " والعصر إن الانسان لفي خسر " قيل: اقسم بصلاة العصر، أو بعصر النبوة إن الانسان لفي خسر في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " فانهم اشتروا الاخرة بالدنيا، ففازوا بالحياة الابدية والسعادة السرمدية " وتواصوا بالحق " أي بالثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل " وتواصوا بالصبر " عن المعاصي والطاعات، وعلى المصائب، وهذا من عطف الخاص على العام وعن الصادق عليه السلام إن العصر عصر خروج القائم عليه السلام " إن الانسان لفي خسر " يعني أعداءنا " إلا الذين آمنوا " يعني بآياتنا " وعملوا الصالحات " يعني بمواساة الاخوان " وتواصوا بالحق " يعني الامامة " وتواصوا بالصبر " يعني بالفترة (2) وقد سبقت الاخبار في تأويلها بالولاية وقراءة أهل البيت عليهم السلام فيها (3). 1 - كش: عن نصر بن صباح، عن إسحاق بن محمد، عن فضيل، عن محمد بن زيد عن موسى بن عبد الله، عن عمرو بن شمر قال: جاء قوم إلى جابر الجعفي فسألوه أن يعينهم في بناء مسجدهم قال: ما كنت بالذي اعين في بناء شئ ويقع منه رجل مؤمن فيموت، فخرجوا من عنده وهم يبخلونه ويكذبونه فلما كان من الغد أتموا الدراهم ووضعوا أيديهم في البناء، فلما كان عند العصر نزلت قدم البناء


(1) راجع ج 35 ص 237 - 257 باب نزول هل أتى. (2) راجع اكمال الدين واتمام النعمة باب نوادر الكتاب تحت الرقم 1، (ص 370 ج 2 ط المكتبة الاسلامية). (3) راجع ج 36 ص 183 من هذه الطبعة الحديثة، تفسير القمى 738.

[271]

فوقع فمات (1). 2 - كش: عن نصر، عن إسحاق، عن علي بن عبيد ومحمد بن منصور الكوفي عن محمد بن إسماعيل، عن صدقة، عن عمرو بن شمر قال: جاء العلا بن شريك برجل من جعفي قال: خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد قال: فبينا نحن قعود وراعي قريب منا إذ ثغت نعجة من شائه (2) إلى حمل فضحك جابر فقلت له: ما يضحكك يا با محمد ؟ قال: إن هذه النعجة دعت حملها فلم يجئ فقالت له: تنح عن ذلك الموضع فان الذئب عام أول أخذ أخاك منه، فقلت: لاعلمن حقية هذا أو كذبه، فجئت إلى الراعي فقلت: يا راعي تبيعني هذا الحمل ؟ قال: فقال: لا، فقلت: ولم ؟ قال: لان امه أفره شاة في الغنم وأغزرها درة، وكان الذئب أخذ حملا لها منذ عام الاول من ذلك الموضع فما رجع لبنها حتى وضعت هذا فدرت، فقلت: صدق، ثم أقبلت فلما صرت على جسر الكوفة نظر إلى رجل معه خاتم ياقوت فقال له: يا فلان خاتمك هذا البراق أرنيه قال: فخلعه فأعطاه فلما صار في يده رمى به في الفرات قال الاخر: ما صنعت ؟ قال: تحب أن تأخذه ؟ قال: نعم، قال: فقال بيده إلى الماء فأقبل الماء يعلو بعضه على بعض حتى إذا قرب تناوله وأخذه (3). بيان: " إذ ثغت " بالثاء المثلثة والغين المعجمة أي صوتت " والثغاء " بالضم صوت الشاة، وهذا أصح النسخ وفي بعضها " إذ لعبت " وفي بعضها " إذ نقت " بالنون والقاف المشددة أي صاحت، لكن يطلق غالبا على صياح الضفدع والدجاجة والهر، وفي بعضها " لفت " باللام والفاء المشددة والكل تصحيف إلا الاول والنعجة الانثى من الضأن والشاة الواحدة من الغنم للذكر والانثى، والجمع شاء وفي بعض النسخ " من شائه " بالهمز، والحمل بالتحريك الصغير من أولاد الضأن، والفراهة


(1) رجال الكشى ص 171. (2) الشاء جمع شاة، وفى النسخ " من شاته " وهو تصحيف. (3) رجال الكشى ص 172.

[272]

الحذق وأفرهت الناقة إذا كانت تنتج الفره (1) " أغزرها درة " أي أكثرها لبنا. 3 - كش: عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن علي الهمداني عن علي بن إسماعيل، عن ربعي بن عبد الله قال: حدثني غاسل الفضيل بن يسار قال: إني لاغسل الفضيل بن يسار وإن يده لتسبقني إلى عورته فخبرت بذلك أبا عبد الله عليه السلام فقال لي: رحم الله الفضيل بن يسار وهو منا أهل البيت (2). 4 - مع (3) لى: عن الطالقاني، عن أحمد الهمداني، عن الحسن بن القاسم عن علي بن إبراهيم بن المعلى، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن بكر المرادي عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه للشيخ الذي أتاه من الشام: يا شيخ إن الله عزوجل خلق خلقا ضيق الدنيا عليهم نظرا لهم فزهدهم فيها وفي حطامها، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه، وصبروا على ضيق المعيشة، وصبروا على المكروه، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة، فلقوا الله وهم عنهم راض وعلموا أن الموت سبيل من مضى ومن بقي، فتزودوا لاخرتهم غير الذهب والفضة ولبسوا الخشن، وصبروا على القوت، وقدموا الفضل، وأحبوا في الله، وأبغضوا في الله عزوجل اولئك المصابيح وأهل النعيم في الاخرة والسلام، الخبر (4). كتاب الغايات: مرسلا مثله. 5 - مع: عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: طوبى لعبد نؤمة عرف الناس فصاحبهم ببدنه، ولم يصاحبهم في أعمالهم بقلبه، فعرفوه في الظاهر، وعرفهم


(1) جمع الفاره بصيغة اسم الفاعل. (2) رجال الكشى ص 186. (3) معاني الاخار ص 197 باب معنى الغايات تحت الرقم 4. (4) أمالى الصدوق ص 236: المجلس الثاني والستون تحت الرقم 4.

[273]

في الباطن (1). بيان: قال في النهاية: في حديث علي عليه السلام أنه ذكر آخر الزمان والفتن ثم قال: خير أهل ذلك الزمان كل مؤمن نؤمة، النؤمة بوزن الهمزة الخامل الذكر الذي لا يؤبه له، وقيل: الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر وأهله، وقيل: النومة بالتحريك الكثير النوم وأما الخامل الذي لا يؤبه له فهو بالتسكين ومن الاول حديث ابن عباس أنه قال لعلي: ما النومة ؟ قال: الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شئ، انتهى. وفي نهج البلاغة " وذلك زمان لا ينجو فيه إلا كل مؤمن نؤمة، إن شهد لم يعرف، وإن غاب لم يفتقد، اولئك مصابيح الهدى وأعلام السرى، ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر، اولئك يفتح الله لهم أبواب رحمته ويكشف عنهم ضراء نقمته ". وقال السيد رضي الله عنه: قوله عليه السلام: كل مؤمن نؤمة فانما أراد به الخامل الذكر القليل الشر، والمساييح جمع مسياح وهو الذي يسيح بين الناس بالفساد والنمائم، والمذاييع جمع مذياع، وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ونوه بها والبذر جمع بذور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه انتهى (2). ولم يذكر الجوهري النؤمة بالهمزة وقال: رجل نومة بالضم ساكنة الواو أي لا يؤبه له، ورجل نومة بفتح الواو أي نؤوم وهو الكثير النوم، وفي القاموس وهو نائم ونؤم ونؤمة كهمزة وصرد ثم قال: ونومة كهمزة وأمير مغفل أو خامل والاول بالهمزة والباقي بالواو. وافتقده أي طلبه عند غيبته، والجملتان كالتفسير للنومة على الظاهر، فالمراد


(1) معاني الاخبار ص 380 و 381. (2) نهج البلاغة ج 1 ص 213، تحت الرقم 101 من الخطب.

[274]

به الخامل (1) والسرى كالهدى السير عامة الليل وأعلام السرى كلما يهتدى به في ذلك السير، وفي النهاية ليسوا بالمساييح البذر أي الذين يسعون بالشر والنميمة وقيل: هو من التسييح في الثوب، وهو أن يكون فيه خطوط مختلفة، وقال: المذاييع جمع مذياع من أذاع الشئ إذا أفشاه وقيل أراد الذين يذيعون الفواحش وهو بناء مبالغة، وقال: البذر جمع بذور يقال بذرت الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب أي أفشيته وفرقته انتهى. " يفتح الله لهم " أي ببركاتهم تنزل الخيرات وتندفع الشرور والافات والضراء الحالة التي تضر نقيض السراء. 6 - ب: عن ابن سعد، عن الازدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن من أغبط أوليائي عندي عبد مؤمن ذو حظ من صلاح، وأحسن عبادة ربه، وعبد الله في السريرة، وكان غامضا في الناس، فلم يشر إليه بالاصابع، وكان رزقه كفافا فصبر عليه، تعجلت به المنية فقل تراثه وقلت بواكيه، ثلاثا (2). بيان: " ثلاثا " أي قال قوله فقل إلى آخر الخبر ثلاثا ويحتمل الجميع لكنه بعيد. 7 - ل: عن ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن القاسم، عن جده عن أبي بصير، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر، عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئا من معصيته، فربما وافق سخطه وأنت لا تعلم، وأخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئا من دعائه فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى


(1) وروى الصدوق في معاني الاخبار ص 166 باب معنى النومة عن أبى الطفيل أنه سمع أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ان بعدى فتنا مظلمة عمياء مشككة لا يبقى فيها الا النومة، قيل: وما النومة يا أمير المؤمنين ؟ قال: الذى لا يدرى الناس ما في نفسه. (2) قرب الاسناد ص 28، ط النجف.

[275]

وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله فربما يكون وليه وأنت لا تعلم (1). 8 - ل، عن أبيه، عن سعد، عن أيوب بن نوح، عن ربيع بن محمد المسلى عن عبد الاعلى، عن نوف قال: بت ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلام فكان يصلي الليل كله، ويخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء ويتلو القرآن، قال فمر بي بعد هدوء من الليل، فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق ؟ قلت: بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الاخرة اولئك الذين اتخذوا الارض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن دثارا، والدعاء شعارا، وقرضوا من الدنيا تقريضا، على منهاج عيسى بن مريم عليه السلام. إن الله عزوجل أوحى إلى عيسى بن مريم عليه السلام قل للملاء من بني إسرائيل لا يدخلون بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأكف نقية، وقل لهم اعلموا أني غير مستجيب لاحد منكم دعوة، ولاحد من خلقي قبله مظلمة يا نوف إياك أن تكون عشارا أو شاعرا أو شرطيا أو عريفا أو صاحب عرطبة وهي الطنبور أو صاحب كوبة، وهو الطبل فان نبي الله عليه السلام خرج ذات ليلة فنظر إلى السماء فقال: إنها الساعة التي لا يرد فيها دعوة إلا دعوة عريف أو دعوة شاعر أو دعوة عاشر أو شرطي أو صاحب عرطبة أو صاحب كوبة (2). بيان: في القاموس هد أكمنع هدءا وهدوءا سكن وأتانا بعد هدء من الليل وهدء وهدأة وهدئ ومهدأ وهدوء أي حين هدء الليل والرجل، وفي النهاية فيه إياكم والسمر بعد هدأة الرجل، الهدأة والهدء السكون عن الحركات أي بعد ما يسكن الناس عن المشي والاختلاف في الطرق " اتخذوا الارض بساطا " أي يجلسون على الارض من غير بساط " وترابها فراشا " أي ينامون على التراب من غير فراش " وماءها طيبا " أي يتطيبون بالماء من غير استعمال طيب لعدم


(1) الخصال ج 1 ص 98. (2) الخصال ج 1 ص 164.

[276]

قدرتهم عليه " والقرآن دثارا " أي يلازمون القرآن والدعاء كلزوم الدثار والشعار للانسان، فيدل على أن الدعاء أفضل لان الشعار أهم وأخص وألصق، أو يبتدؤن بالتلاوة قبل النوم بلا دثار كما يبتدئ غيرهم بتحصيل الدثار ولبسه، وفي النهج " والقرآن شعارا والدعاء دثارا " فالامر بالعكس في الاشعار بالفضل " وأكف نقية " أي عن التلوث بالحرام والشبهة أو " شاعرا " أي بالباطل وفي المصباح الشرطة وزان غرفة، وفتح الراء وزان رطبة لغة قليلة، وهي الجند، وصاحب الشرطة الحاكم، والجمع شرط مثل رطب، وهم أعوان السلطان، وإذا نسب إلى هذا قيل: شرطي بالسكون، والعريف القيم بامور القبيلة، وفي النهاية العرطبة العود، وقيل: الطنبور، وقال: الكوبة النرد، وقيل: الطبل، وقيل: البربط. 9 - أقول: قد روي هذا الخبر في النهج هكذا: وعن نوف البكالي قال: رأيت أمير المؤمنين عليه السلام ذات ليلة وقد خرج من فراشه فنظر إلى النجوم فقال: يا نوف أراقد أنت أم رامق ؟ فقلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الاخرة، اولئك قوم اتخذوا الارض بساطا، وترابها فراشا، وماءها طيبا، والقرآن شعارا، والدعاء دثارا، ثم قرضوا الدنيا قرضا على منهاج المسيح عليه السلام. يا نوف إن داود عليه السلام قام في مثل هذه الساعة من الليل، فقال: إنها ساعة لا يدعو فيها عبد ربه إلا استجيب له، إلا أن يكون عشارا أو عريفا أو شرطيا أو صاحب عرطبة وهي الطنبور، أو صاحب كوبة وهي الطبل، وقد قيل أيضا إن العرطبة الطبل والكوبة الطنبور انتهى (1). وقال الجوهري: نوف البكالي كان حاجب أمير المؤمنين عليه السلام وقال ابن ميثم: البكالي بكسر الباء منسوب إلى بكالة قرية من اليمن، وأقول: في بعض النسخ البكالي بفتح الباء، والرقد بالفتح والرقاد والرقود بضمهما النوم، والرقاد خاص


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 104 من الحكم، ط عبده ج 2 ص 165.

[277]

بالليل، ورمقه كنصره أي لحظه لحظا خفيفا، وأقول: سيأتي مزيد شرح الخبر في أبواب المناهي إنشاء الله. 10 - شى: عن عبد الرحمن بن سالم الاشل، عن بعض الفقهاء قال: قال أمير المؤمنين " إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (1) ثم قال تدرون من أولياء الله ؟ قالوا: من هم يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هم نحن وأتباعنا، فمن تبعنا من بعدنا طوبى لنا وطوبى لهم أفضل من طوبى لنا، قال: يا أمير المؤمنين ما شأن طوبى لهم أفضل من طوبى لنا ؟ ألسنا نحن وهم على أمر ؟ قال: لا، لانهم حملوا ما لم تحملوا عليه، وأطاقوا ما لم تطيقوا (2). 11 - شى: عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: وجدنا في كتاب علي بن الحسين عليهما السلام " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " إذا أدوا فرائض الله، وأخذوا سنن رسول الله، وتورعوا عن محارم الله، وزهدوا في عاجل زهرة الدنيا، ورغبوا فيما عند الله، واكتسبوا الطيب من رزق الله لوجه الله لا يريدون به التفاخر والتكاثر، ثم أنفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فاولئك الذين بارك الله لهم فيما اكتسبوا، ويثابون على ما قدموا لاخرتهم (3). 12 - جا: عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن محمد بن أحمد بن خاقان، عن سليم الخادم، عن إبراهيم بن عقبة، عن محمد بن نصر بن قرواش، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن صاحب الدين فكر فعلته السكينة، واستكان فتواضع، وقنع فاستغنى ورضي بما اعطي، وانفرد فكفي الاحزان، ورفض الشهوات، فصار حرا، وخلع الدنيا فتحامى الشرور، وطرح الحسد فظهرت المحبة، ولم يخف الناس فلم يخفهم ولم يذنب إليهم فسلم منهم، وسخط نفسه عن كل شئ ففاز واستكمل الفضل، وأبصر العافية فأمن الندامة (4).


(1) يونس: 68. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 124. (3) المصدر ج 2 ص 124. (4) أمالى المفيد ص 40.

[278]

بيان: " وانفرد " أي عن الناس واعتزل عنهم " فصار حرا " أي من رق الشهوات، وفي القاموس: الحر بالضم خيار كل شئ " فتحامى الشرور " أي احترز عن الشرور، ومنع نفسه عنها، فان الشرور كلها تابعة لحب الدنيا، وفي بعض النسخ بالسين المهملة أي السرور بلذات الدنيا والاول أظهر، وفي القاموس حمى المريض ما يضره منعه إياه فاحتمى، وتحمى امتنع، وتحاماه الناس توقوه واجتنبوه " ولم يخف الناس " على بناء الافعال " فلم يخفهم " على بناء المجرد " عن كل شئ " أي بعوض كل شئ " وأبصر العافية " أي عرف أن العافية في أي شئ واختارها فلم يندم على شئ. 13 - جا: عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، وابن أبي الخطاب معا، عن ابن محبوب، عن ابن سنان، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال موسى بن عمران على نبينا وعليه السلام: إلهي من أصفياؤك من خلقك ؟ قال: الندى الكفين [البري القدمين] يقول صادقا ويمشي هونا فاولئك يزول الجبال ولا يزولون، قال: إلهي فمن ينزل دار القدس عندك ؟ قال: الذين لا ينظر أعينهم إلى الدنيا، ولا يذيعون أسرارهم في الدين، ولا يأخذون على الحكومة الرشا، الحق في قلوبهم، والصدق على ألسنتهم، فاولئك في ستري في الدنيا وفي دار القبس عندي في الاخرة (1). بيان: " الندى الكفين " أي كثير السخاء قال الجوهري: يقال: فلان ندي الكف إذا كان سخيا وقال الفيروزآبادي: تندى تسخى وأفضل كأندى فهو ندي الكف وأندى كثر عطاياه انتهى وفي بعض النسخ الندي القدمين، كناية عن بركتهما وسعيهما في نفع الناس، وفي بعضها البري القدمين أي أنهما بريئان من الخطاء ويحتمل الرسي أي الثابت القدمين في الخير، في القاموس رسا رسوا ورسوا ثبت وكغني العمود الثابت وسط الخباء، والراسخ في الخير والشر. 14 - جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن


(1) أمالى المفيد ص 59.

[279]

ابن مهزيار، عن محمد بن سنان، عن أبي معاذ السدي، عن أبي أراكة قال: صليت خلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه الفجر في مسجدكم فانفتل على يمينه، وكان عليه كآبة ومكث حتى طلعت الشمس على حائط مسجدكم هذا قيد رمح، وليس هو على ما هو عليه اليوم، ثم أقبل على الناس فقال: أما والله لقد كان أصحاب رسول الله وهم يكابدون هذا الليل، يراوحون بين جباههم وركبهم كأن زفير النار في آذانهم، فإذا أصبحوا أصبحوا غبرا صفرا بين أعينهم شبه ركب المعزى، فإذا ذكر الله تعالى مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، وانهملت أعينهم حتى تبتل ثيابهم. قال: ثم نهض وهو يقول: والله لكأنما بات القوم غافلين، ثم لم ير مفترا حتى كان من أمر ابن ملجم لعنه الله ما كان (1). ين: عن محمد بن سنان مثله. بيان: " قيد رمح " بالكسر وقاده قدره، " وليس هو " أي لم يكن ارتفاع الحائط في هذا الزمان بهذا المقدار، ومكابدة الشئ تحمل المشاق في فعله وافتر ضحك ضحكا حسنا وفي ين: حتى كان من الرجل الفاسق ما كان. 15 - كش: عن نصر بن الصباح، عن إسحاق بن محمد البصري، عن محمد بن منصور، عن محمد بن إسماعيل، عن عمرو بن شمر قال: قال: أتى رجل جابر بن يزيد فقال له جابر: تريد أن ترى أبا جعفر ؟ قال: نعم، [قال] فمسح على عيني فمررت وأنا أسبق الريح حتى صرت إلى المدينة قال: فبقيت أنا لذلك متعجبا إذ فكرت فقلت: ما أحوجنى إلى وتد اوتده فإذا حججت عاما قابلا نظرت هيهنا هو أم لا ؟ فلم أعلم إلا وجابر بين يدى يعطيني وتدا، قال: ففزعت قال فقال: هذا عمل العبد باذن الله، فكيف لو رأيت السيد الاكبر، قال: ثم لم أره قال: فمضيت حتى صرت إلى باب أبي جعفر عليه السلام فإذا هو يصيح بي: ادخل لا باس عليك، فدخلت فإذا


(1) أمالى المفيد ص 123.

[280]

جابر عنده، قال: فقال لجابر: يا نوح غرقتهم أولا بالماء، وغرقتهم آخرا بالعلم (1) فإذا كسرت فاجبره، قال: ثم قال: من أطاع الله اطيع، أي البلاد أحب إليك ؟ قال: قلت: الكوفة، قال: بالكوفة فكن، قال: فسمعت اخا النون بالكوفة (2) قال: فبقيت متعجبا من قول جابر، فجئت فإذا به في موضعه الذي كان فيه قاعدا، قال: فسألت القوم هل قام أو تنحى ؟ قال: فقالوا: لا، وكان سبب توحيدي أن سمعت قوله بالالهية في الائمة. هذا حديث موضوع لا شك في كذبه، ورواته كلهم متهمون بالغلو والتفويض (3). بيان: قوله " هذا حديث موضوع " كلام الكشي أو الشيخ لانه موجود في اختياره، ولا ريب في كونه موضوعا، وهو مشتمل على القول بالتناسخ والتشويش في ألفاظه ومعانيه (4) فلهذا لم نتعرض لشرحه. 16 - كش: عن محمد بن مسعود، عن محمد بن نصير، عن محمد بن عيسى وحمدويه ابن نصير، عن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن عروة بن موسى قال: كنت جالسا مع أبي مريم الحناط وجابر عنده جالس، فقام أبو مريم فجاء بدورق (5)


(1) ظاهر النسخة يتبنى على القول بالتناسخ وأن جابرا كان في العهد الاول هو نوح النبي صلوات الله عليه وعلى نبينا وآله، ولذلك قيل: ان في العبارة تصحيفا والصواب " يا جابر ! ان نوحا غرقهم أولا بالماء وغرقتهم آخرا بالعلم " وليس بشئ. (2) فيه تصحيف، والظاهر أنه يقول: فلما قال: " بالكوفة فكن ". صرت بالكوفة أسمع أصوات الناس أو النوق أو النوف - وهو صوت الضبع - بها. (3) رجال الكشى ص 173. (4) قد عرفت افادة الحديث للتناسخ، وهكذا تشويش ألفاظه في قوله " سمعت أخا النون بالكوفة " وأما التشويش في معانيه ففى قوله " وكان سبب توحيدي أن سمعت قوله بالالهية في الائمة ". (5) قال في قاموس الرجال: وقوله " فجاء بدورق " محرف " فجاء بدردق " ففى -

[281]

من ماء بئر مبارك بن عكرمة فقال له جابر: ويحك يابا مريم كأني بك قد استغنيت عن هذه البئر، واغترفت من ههنا من ماء الفرات، فقال له أبو مريم: ما ألوم الناس أن يسمونا كذابين - وكان مولى لجعفر - كيف يجئ ماء الفرات إلى ههنا ؟ قال: ويحك إنه يحفر ههنا نهر، أوله عذاب على الناس، وآخره رحمة، يجري فيه ماء الفرات، فتخرج المرأة الضعيفة والصبي فيغترف منه، ويجعل له أبواب في بني رواس وفي بني موهبة، وعند بئر بني كندة، وفي بني فزارة، (1) حتى تتغامس فيه الصبيان. قال علي: إنه قد كان ذلك، وأن الذي حدث على عهده (2) ولعل انه قد سمع بهذا الحديث قبل أن يكون (3).


- الصحاح: الدردق مكيال للشراب وأراه فارسيا معربا. أقول: نسخ الصحاح في ضبط هذه الكلمة مختلفة، ففى بعض النسخ - ومنه ما راجعه مؤلف قاموس الرجال - " والدردق مكيال " ويوافقه عبارة القاموس: " والدردق الاطفال، وصغار الابل وغيرها، ومكيال للشراب والدورق الجرة ذات العروة " ولكن في غالب النسخ كما في المطبوعة الاخيرة ص 1474 " والدورق: مكيال للشراب واراه فارسيا معربا ". وقال شارح القاموس: مقتضى سياق كلام القاموس " ومكيال للشراب " انه دردق، و هو غلط والصواب أنه الدورق كجوهر كما في العباب، وفى الاساس، جاءوا بدورق من شراب أو دبس، وهو مكيال فارسي معرب. أقول: ولذلك قال في اقرب الموارد: الدورق مكيال للشراب - والجرة ذات العروة، معرب دوره بالفارسية والجمع دوارق. (1) في نسخة الكمبانى بنى زرارة، وما في الصلب مطابق للمصدر ومحكيه في قاموس الرجال ج 2 ص 329. (2) في بعض النسخ كما في متن الكمبانى " وان الذى حدث على وعمره " [عهده خ ل] وقيل: الصواب " ان الذى حدث على عروة " كما في المصدر: " قال على: انه قد كان ذاك وان الذى حدث على عروة بعلانية أنه قد سمع بهذا الحديث قبل أن يكون " والصحيح ما في الصلب. (3) رجال الكشى: 173 و 174.

[282]

بيان: في القاموس الدورق الجرة ذات العروة، " وكان " جملة معترضة و " كيف " تتمة كلام أبي مريم " قال علي " يعني ابن الحكم، والقول لابن عيسى قوله " قد كان ذلك " أي قد كان زمان لم يكن النهر جاريا في هذا الموضع ثم أجروا النهر فيه، وقوله " وإن الذي " كلام ابن عيسى ومعناه أنه يظهر من كلام علي أنه سمع هذا الحديث وعهد الموضع قبل إجراء النهر، وفي بعض النسخ مكان " وعهده " " وعمر " وهو تصحيف. 17 - كش: عن حمدويه بن نصير، عن أيوب بن نوح، عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم، عن أبي حمزة قال كانت بنية لي سقطت فانكسرت يدها فأتيت بها التيمي، فأخذها فنظر إلى يدها فقال: منكسرة، فدخل يخرج الجبائر وأنا على الباب، فدخلتني رقة على الصبية، فبكيت ودعوت فخرج بالجبائر فتناول بيد الصبية فلم ير بها شيئا ثم نظر إلى الاخرى فقال: ما بها شئ، قال: فذكرت ذلك لابي عبد الله عليه السلام فقال: يابا حمزة وافق الدعاء الرضا، فاستجيب لك في أسرع من طرفة عين (1). 18 - كش: قال: أبو النضر سمعت علي بن الحسن يقول: مات يونس بن يعقوب بالمدينة فبعث إليه أبو الحسن الرضا عليه السلام بحنوطه وكفنه وجميع ما يحتاج إليه، وأمر مواليه وموالي أبيه وجده أن يحضروا جنازته، وقال لهم: هذا مولى لابي عبد الله عليه السلام كان يسكن العراق، وقال لهم: احفروا له في البقيع فان قال لكم أهل المدينة: إنه عراقي لاندفنه في البقيع، فقولوا لهم: هذا مولى أبي عبد الله عليه السلام وكان يسكن العراق، فان منعتمونا أن ندفنه في البقيع منعناكم أن تدفنوا مواليكم في البقيع، فدفن في البقيع ووجه أبو الحسن علي بن موسى عليه السلام إلى زميله محمد بن الحباب وكان رجلا من أهل الكوفة: صل عليه أنت. علي بن الحسن قال: حدثني محمد بن الوليد قال: رآني صاحب المقبرة وأنا عند القبر بعد ذلك، فقال لي: من هذا الرجل صاحب هذا القبر ؟ فان أبا


(1) رجال الكشى ص 177. (*)

[283]

الحسن علي بن موسى عليه السلام أوصاني به وأمرني أن أرش قبره أربعين شهرا أو أربعين يوما في كل يوم، قال أبو الحسن: الشك مني. قال: وقال لي صاحب المقبرة: إن السرير عندي يعني سرير النبي صلى الله عليه واله فإذا مات رجل من بني هاشم صر السرير فأقول: أيهم مات حتى أعلم بالغداة فصر السرير في الليلة التي مات فيها هذا الرجل فقلت: لا أعرف أحدا منهم مريضا فمن ذا الذي مات، فلما كان من الغد جاؤا فأخذا مني السرير وقالوا: مولى لابي عبد الله كان يسكن العراق (1). توضيح: صاحب المقبرة المتولي لامرها والقائم بأمر الموتى المدفونين فيها وأبو الحسن كنية علي بن الحسن وفي القاموس: صر يصر صرا وصريرا: صوت وصاح شديدا. 19 - كش: عن محمد بن مسعود، عن علي بن محمد، عن أحمد بن محمد، عن علي ابن مهزيار قال: بينا أنا بالقرعاء (2) في سنة ست وعشرين ومائتين منصرفي عن الكوفة، وقد خرجت في آخر الليل أتوضأ وأنا أستاك، وقد انفردت عن رحلي ومن الناس، فإذا أنا بنار في أسفل مسواكي تلتهب، لها شعاع مثل شعاع الشمس أو غير ذلك، فلم أفزع منها وبقيت أتعجب ومسستها فلم أجد لها حرارة فقلت " الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون " (3) فبقيت أتفكر في مثل هذا، وأطالت النار المكث طويلا حتى رجعت إلى أهلي وقد كانت السماء رشت، وكان غلماني يطلبون نارا ومعي رجل بصري في الرحل فلما أقبلت قال الغلمان: قد جاء أبو الحسن ومعه نار وقال البصري مثل ذلك حتى دنوت فلمس البصري النار فلم يجد لها حرارة ولا غلماني، ثم طفئت بعد


(1) رجال الكشى ص 330. (2) القرعاء: منزل في طريق مكة من الكوفة بعد المغيثة وقبل واقصة، بينها وبين واقصة ثمانية فراسخ. (3) يس: 80.

[284]

طول، ثم التهبت فلبثت قليلا، ثم طفئت قليلا، ثم التهبت، ثم طفئت الثالثة فلم تعد فنظرنا إلى السواك فإذا ليس فيه أثر نار ولا حر ولا شعث ولا سواد، ولا شئ يدل على أنه حرق. فأخذت السواك فخبأته وعدت به إلى الهادي عليه السلام وذلك سنة ست وعشرين ومائتين، بعد موت الجواد عليه السلام [فتحتم الغلط في التنازع] (1) قابلا وكشفت له أسفله وباقيه مغطى وحدثته بالحديث، فأخذ السواك من يدي وكشفه كله وتأمله ونظر إليه، ثم قال: هذا نور، فقلت له: نور جعلت فداك ؟ فقال: بميلك إلى أهل البيت [وبطاعتك لي ولابائي ولابي] وبطاعتك لي ولابائي أراكه الله (2). كش: عن علي، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن علي بن مهزيار مثله (3).


(1) الظاهر أن ما جعلناه بين المعقوفتين ليس من كلام الكشى وروايته، بل كان من كلام بعض المحشين مرتبطا معلقا بهذه الجملة، فاشتبه على النساخ ونقلوه إلى المتن، وذلك لان ابن مهزيار قال في أول الحديث: انه في سنة ست وعشرين ومائتين كان بالقرعاء منصرفه من الكوفة فاتقد مسواكه نورا، ثم قال في آخره " فخبأته وعدت به الى الهادى عليه السلام وذلك سنة ست وعشرين ومائتين بعد موت الجواد عليه السلام قابلا " يعنى في العام القابل فكيف يكون السنة القابلة أيضا سنة ست وعشرين ومائتين فتحتم الغلط في التاريخ، فصحف لفظ التاريخ بالتنازع، وهو غير عزيز في نسخة الكشى. وأما اعتراض ذاك المحشى فهو وارد، فان قول ابن مهزيار " قابلا " يعنى في العام القابل، وان احتمل أن يكون سافر في تلك السنة مرتين، الا ان قوله " بعد موت الجواد عليه السلام " وقد توفى عليه السلام سنة عشرين ومائتين، يظهر منه أن سفره هذا كان قبل فوته عليه السلام، ولعل الصحيح في صدر الحديث: سنة عشرين ومائتين، بدون لفظ الست. (2) رجال الكشى ص 459. (3) المصدر ص 460.

[285]

بيان: في القاموس " القرعاء " منهل بطريق مكة بين القادسية والعقبة وقال: الرش المطر القليل، وأرشت السماء كرشت، قوله " وعدت به " أقول: في النسخ هنا اختلاف كثير ففيما عندنا من نسخة اختيار الكشي " وعدت به إلى الرضا عليه السلام قابلا فكشفت له " (1) وليست فيه الزيادة، وفي بعض كتب الرجال " وعدت به إلى الهادي عليه السلام وذلك سنة ست وعشرين ومائتين بعد موت الجواد عليه السلام فتخم الغلظ في التنازع قابلا وكشفت " وفي بعضها سنة ست وعشرين بعد موت الجواد عليه السلام " فتحتم الغلظ في التنازع " وفي بعضها " فتجشم " وفي بعضها " في سنة عشرين وهي سنة وفاة الجواد عليه السلام " والحاصل أنه قرب التنازع أو تحتم والتنازع إما في حقيقة نور السواك أو في شي آخر من الامامة وغيرها، والنسخة الاولى أظهر. 20 - طا: إن المؤمن إذا كان لله مخلصا أخاف الله منه كل شئ، روينا ذلك باسنادنا إلى البرقي من كتابه كتاب المحاسن عن صفوان الجمال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن المؤمن يخشع له كل شئ، ويهابه كل شئ، ثم قال: إذا كان مخلصا لله أخاف الله منه كل شئ حتى هوام الارض وسباعها، وطير السماء وحيتان البحر. فمن ذلك ما رويناه من كتاب الرجال للكشي وقد ذكرناه في كتاب الكرامات ولم يحضرنا لفظه فنذكر الان معناه أن بعض خواص مولانا علي عليه السلام من شيعته كان قد سجد فتطوق أفعى على حلقه، فلم يتغير من حال سجوده ومراقبة معبوده حتى انفصل الافعى عن رقبته بغير حيلة منه، بل بفضل الله جل جلاله ورحمته. ومن ذلك ما رويناه مرويا عن على الزاهد بن الحسن بن الحسن بن الحسن السبط عليهم السلام إنه كان قائما في الصلاة فانحدر أفعى من رأس جبل فصعد على ثيابه ودخل من زيقه وخرج من تحت ثيابه، فلم يتغير عن حال صلاته، ومراقبته لمالك حياته. ومن ذلك ما رويناه في كتاب السفر وقد نقلناه بلفظه في كتاب الكرامات


(1) وهو يؤيد ما ذكرناه.

[286]

ونذكر ههنا بعض معناه أن عليا بن عاصم الزاهد كان يزور الحسين عليه السلام بكربلا قبل عمارة مشهده بالناس، فدخل سبع إليه فلم يهرب منه، ورأى كف السبع منتفخة بقصبة قد دخلت فيها، فأخرج القصبة منه، وعصر كف السبع وشده ببعض عمامته، ولم يقف من الزوار لذلك بسوء. ومن ذلك ما عرفناه نحن وهو أن بعض الجوار والعيال جاؤني ليلة وهم منزعجون، وكنت إذ ذاك مجاورا بعيالي لمولانا علي عليه السلام فقالوا: قد رأينا مسلخ الحمام تطوى الحصر الذي فيه وتنشر، وما ننظر من يفعل ذلك، فحضرت عند باب المسلخ، وقلت: سلام عليكم قد بلغني عنكم ما قد فعلتم ونحن جيران مولانا على عليه السلام وأولاده وضيفانه، وما أسأنا مجاورتكم، فلا تكدروا علينا مجاورته ومتى فعلتم شيئا من ذلك شكوناكم إليه، فلم نعرف منهم تعرضا لمسلخ الحمام بعد ذلك أبدا. ومن ذلك أن ابنتي الحافظة الكاتبة شرف الاشراف كمل الله لها تحف الالطاف عرفتني أنها تسمع سلاما عليها ممن لا تراه، فوقفت في الموقف فقلت: سلام عليكم أيها الروحانيون، فقد عرفتني ابنتي أشرف الاشراف بالتعرض لها بالسلام، وهذا الانعام مكدر علينا، نحن نخاف منه أن ينفر بعض العيال منه، و نسأل أن لا تتعرضوا لنا بشئ من المكدرات، وتكونوا معنا على جميل العادات فلم يتعرض لها أحد بعد ذلك بكلام. ومن ذلك أنني كنت اصلي المغرب بداري بالحلة، فجاءت حية فدخلت تحت خرقة كانت موضع سجودي فتممت الصلاة، ولم تتعرض لي بسوء، وقتلتها بعد فراغي من الصلاة، وهذا أمر معلوم يعرفه من رآه أو رواه. توضيح: زيق القميص بالكسر ما أحاط بالعنق منه. 21 - ين: عن محمد بن سنان، عن أبي عمار صاحب الاكسية عن البريدي عن أبي أراكة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشية الله فاستكفوا عن المنطق، وإنهم لفصحاء عقلاء، ألباء نبلاء، يسبقون إليه بالاعمال

[287]

الزاكية، لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون له القليل، يرون أنفسهم أنهم شرار وأنهم الاكياس الابرار. 22 - دعوات الراوندي: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن إبراهيم خرج مرتادا لغنمه وبقره مكانا للشتاء، فسمع شهادة أن لا إله إلا الله، فتبع الصوت حتى أتاه فقال: يا عبد الله من أنت ؟ أنا في هذه البلاد مذ ما شاء الله ما رأيت أحدا يوحد الله غيرك، قال: أنا رجل كنت في سفينة غرقت، فنجوت على لوح فأنا ههنا في جزيرة قال: فمن أي شئ معاشك ؟ قال: أجمع هذه الثمار في الصيف للشتاء، قال: انطلق حتى تريني مكانك، قال: لا تستطيع ذلك، لان بيني وبينها ماء بحر، قال: فكيف تصنع أنت ؟ قال: أمشي عليه حتى أبلغ قال: أرجو الذي أعانك أن يعينني قال: فانطلق. فأخذ الرجل يمشي وإبراهيم يتبعه فلما بلغا الماء، أخذ الرجل ينظر إلى إبراهيم عليه السلام ساعة بعد ساعة يتعجب منه حتى عبرا، فأتى بها كهفا قال: ههنا مكاني، قال: فلو دعوت الله وأمنت أنا، قال: أما إني أستحيي من ربي ولكن ادع أنت واؤمن أنا، قال: وما حياؤك ؟ قال: أتيت الموضع الذي رأيتني فيه، فرأيت غلاما أجمل الناس، كأن خديه صفحتا ذهب ذوابة، مع غنم وبقر كان عليها الدهن، فقلت له: من أنت ؟ قال: أنا إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن فسألت الله أن يرينى إبراهيم منذ ثلاثة أشهر، وقد أبطأ ذلك علي قال: فقال عليه السلام: فأنا إبراهيم، فاعتنقا. قال أبو عبد الله عليه السلام: هما أول اثنين اعتنقا على وجه الارض. وعن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: خرج ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يرتادون لاهلهم فأصابتهم السماء فلجئوا إلى جبل فوقعت عليهم صخرة، فقال بعضهم لبعض عفا الاثر ووقع الحجر، ولا يعلم مكانكم إلا الله، ادعوا الله بأوثق أعمالكم، فقال أحدهم: اللهم إن كنت تعلم أنه كانت امرأة تعجبني فطلبتها فأبت علي فجعلت لها جعلا

[288]

فطابت نفسها فلما جلست منها اشتد ارتعادها من خشيتك، فتركتها (1) فان كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك، وخشية عذابك فافرج عنا، قال: فزال ثلث الجبل. وقال الاخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان وكنت أحلب لهما فأتيتهما ليلة وهما نائمان (2) فقمت قائما حتى طلع الفجر فلما استيقظا شربا، فان كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء ثوابك، وخشية عذابك، فافرج عنا فزال ثلث الحجر. فقال الثالث: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت يوما أجيرا فعمل إلى نصف النهار فأعطيته اجرته فسخط ولم يأخذه، فصرفت ذلك إلى التجارة والمواشي وغيرها، فلما جاء يطلب أجره، قلت: خذ هذا كله لك (3)، ولو شئت لم اعطه إلا أجره، فان كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك وخشية عذابك فافرج عنا فزال ثلث الحجر، وخرجوا يتماشون. 23 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان، عن عيسى النهر يرى، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عرف الله


(1) روى البرقى في المحاسن ص 253 كتاب مصابيح الظلم مثل هذا الحديث مسندا الى جابر الجعفي رفعه، وفيه: " فلما جلست منها مجلس الرجل من المرءة ذكرت النار فقمت عنها فرقا منك " الخ. (2) في المحاسن: فأتيتهما بقعب من لبن فخفت - ان أضعه - أن يمج فيه هامة، وكرهت أن اوقظهما من نومهما فيشق ذلك عليهما، فلم أزل كذلك حتى استيقظا وشربا " الخ. (3) في المحاسن: انى استأجرت قوما يحرثون كل رجل منهم بنصف درهم فلما فرغوا أعطيتهم اجورهم فقال أحدهم: قد عملت عمل اثنين، والله لا آخذ الا درهما واحدا: وترك ماله عندي، فبذرت بذلك النصف الدرهم في الارض فأخرج الله من ذلك رزقا، وجاء صاحب النصف الدرهم فأراده فدفعت إليه ثمان عشرة ألف " الخ. وسيجيئ نصه في ج 70 الباب 17 باب الاخلاص ومعنى قربه تعالى.

[289]

وعظمه منع فاه من الكلام، وبطنه من الطعام، وعفى نفسه بالصيام، والقيام، قالوا: بآبائنا وامهاتنا يا رسول الله هؤلاء أولياء الله ؟ قال: إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة، لو لا الاجال التي قد كتب الله عليهم لم تقر أرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب، وشوقا إلى الثواب (1). لى: عن ابن إدريس، عن أبيه، عن أحمد البرقي، عن محمد بن علي الكوفى. عن محمد بن سنان، عن عيسى النهر تيري عنه عليه السلام مثله (2) إلا أنه فيه هكذا: فكان سكوتهم فكرا وتكلموا فكان كلامهم ذكرا. لى: عن ماجيلويه، عن عمه، عن الكوفي، عن محمد بن سنان مثله (3). بيان: قال النجاشي: عيسى بن أعين الجريري الاسدي مولى كوفي ثقة وعده من أصحاب الصادق عليه السلام (4) فما في المجالس أظهر سندا ومتنا لكن في أكثر نسخ المجالس النهر تيري (5) بالتاء كما في بعض نسخ الكافي وفي بعضها النهر بيرى بالباء الموحدة وفي بعضها النهري والاخير كأنه نسبة إلى النهروان (6) ولم أجد الاولين في اللغة (7) وقال الشيخ البهائي قدس سره في حاشية الاربعين:


(1) الكافي ج 2: 237. (2) أمالى الصدوق: 182، وفيه " وعنى نفسه بالصيام ". (3) أمالى الصدوق: 330. (4) رجال النجاشي ص 227، وهكذا عنونه ابن داود في القسم الاول تحت الرقم 1144 وقال: عيسى بن أعين الجريرى بضم الجيم وفتح الراءين المهملتين، منسوب الى جرير بن عباد بالضم والتخفيف ابن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة الاسدي. (5) وفى بعضها " النهزيزى " كما في المطبوعة. (6) النسبة الى النهروان " النهرواني " لا غيره. (7) بل قال الفيروزآبادى: ونهر تيرى كضيزى بالاهواز، فيكون النسبة إليه " نهر تيرى " ظاهرا.

[290]

الجريري بضم الجيم والرائين المهملتين منسوب إلى جرير بن عباد بضم العين وتخفيف الباء. " من عرف الله " قال الشيخ المتقدم رحمه الله: قال بعض الاعلام: أكثر ما تطلق المعرفة على الاخير من الادراكين للشئ الواحد، إذا تخلل بينهما عدم بأن أدركه أولا ثم ذهل عنه، ثم أدركه ثانيا فظهر له أنه هو الذي كان قد أدركه أولا، ومن ههنا سمي أهل الحقيقة بأصحاب العرفان، لان خلق الارواح قبل الابدان كما ورد في الحديث، وهي كانت مطلعة على بعض الاشراقات الشهودية مقرة لمبدعها بالربوبية، كما قال سبحانه: " ألست بربكم قالوا بلى " (1) لكنها لالفها بالابدان الظلمانية، وانغمارها في الغواشي الهيولانية، ذهلت عن مولاها ومبدعها، فإذا تخلصت بالرياضة من أسر دار الغرور، وترقت بالمجاهدة عن الالتفات إلى عالم الزور، تجدد عهدها القديم الذي كاد أن يندرس بتمادي الاعصار والدهور، وحصل لها الادراك مرة ثانية وهي المعرفة التي هي نور على نور. " من الكلام " أي من فضوله، وكذا الطعام، فان الاكثار منه يورث الثقل عن العبادة، ويحتمل أن يكون كناية عن الصوم " وعفى " كذا في بعض النسخ بالفاء أي جعلها صافية خالصة أو جعلها مندرسة ذليلة خاضعة أو وفر كمالاتها قال في النهاية: أصل العفو المحو والطمس، وعفت الريح الاثر محته وطمسته، ومنه حديث أم سلمة " لا تعف سبيلا كان رسول الله صلى الله عليه واله لحبها " (2) أي لا تطمسها وعفى الشئ كثر وزاد، يقال أعفيته وعفيته، وعفا الشئ درس، ولم يبق له أثر، وعفا الشئ صفا وخلص انتهى، وأقول: يمكن أن يحملها بعضهم على الفناء في الله باصطلاحهم والاظهر ما في المجالس وغيره وأكثر نسخ الكتاب " عنا " بالعين المهملة والنون المشددة أي أتعب، والعناء بالفتح والمد النصب. " بآبائنا وامهاتنا " قال الشيخ البهائي رحمه الله: هذه الباء يسميها بعض النحاة باء التفدية، وفعلها محذوف غالبا، والتقدير نقديك بآبائنا وامهاتنا، وهي


(1) الاعراف: 171. (2) يقال: لحب الطريق: سلكه وأوضحه.

[291]

في الحقيقة باء العوض، نحو خذ هذا بهذا، وعد منه قوله تعالى " ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون " (1). " هؤلاء أولياء الله " فهو استفهام محذوف الاداة، ويمكن أن يكون خبرا قصد به لازم الحكم، والتأكيد في قوله " إن أولياء الله " الخ لكون الخبر ملقى إلى السائل المتردد على الاول، ولكون المخاطب حاكما بخلافه على الثاني، إن جعل قوله صلى الله عليه وآله " إن أولياء الله " ردا لقولهم " هؤلاء أولياء الله " أي أولياء الله اناس اخر، صفاتهم فوق هذه الصفات، وإن جعل تصديقا لقولهم، ووصفا للاولياء بصفات اخرى زيادة على صفاتهم الثلاث السابقة، فالتأكيد لكون الخبر ملقى إلى الخلص الراسخين في الايمان، فهو رائج عندهم، متقبل لديهم، صادر عنه صلى الله عليه واله عن كمال الرغبة، ووفور النشاط، لانه في وصف أولياء الله بأعظم الصفات، فكأنه مظنة التأكيد كما ذكره صاحب الكشاف عند قوله تعالى " وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " (2). " فكان سكوتهم ذكرا " أي عند سكوتهم قلوبهم مشغولة بذكر الله، وتذكر صفاته الكمالية، وآلائه ونعمائه وغرائب صنعه وحكمته، وفي رواية المجالس كما أشرنا إليه " فكان سكوتهم فكرا ". وقال الشيخ البهائي رحمه الله: أطلق على سكوتهم الفكر، لكونه لازما له غير منفك عنه، وكذا إطلاق العبرة على نظرهم، والحكمة على نطقهم، والبركة على مشيهم، وجعل صلى الله عليه واله كلامهم ذكرا ثم جعله حكمة إشعارا بأنه لا يخرج عن هذين، فالاول في الخلوة، والثاني بين الناس، ولك إبقاء النطق على معناه المصدري أي إن نطقهم بما نطقوا به مبني على حكمة ومصلحة. " فكان مشيهم بين الناس بركة " لان قصدهم قضاء حوائج الناس، وهدايتهم وطلب المنافع لهم، ودفع المضار عنهم، مع أن وجودهم سبب لنزول الرحمة


(1) النحل: 32. (2) البقرة: 14.

[292]

عليهم، ودفع البلايا عنهم " لم تقر أرواحهم " في المجالس " لم تستقر ". " خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب " فيه إشارة إلى تساوي الخوف والرجاء فيهم وكونهما معا في الغاية القصوى، والدرجة العليا، كما مضت الاخبار فيه. ثم اعلم أن كون الشوق إلى الثواب سببا لمفارقة أرواحهم أوكار أبدانهم وطيرانها إلى عالم القدس، ومحل الانس، ودرجات الجنان ونعيمها ظاهر وأما الخوف من العقاب إما لشدة الدهشة، واستيلاء الخوف عليهم كما فعل بهمام لعدهم أنفسهم من المقصرين، أو يريدون اللحوق بمنازلهم العالية حذرا من أن تتبدل أحوالهم، وتستولي الشهوات عليهم، فيستحقوا بذلك العذاب، فلذا يستعجلون في الذهاب إلى الاخرة. ثم قال الشيخ المتقدم رفع الله درجته: المراد بمعرفة الله تعالى الاطلاع على نعوته وصفاته الجلالية والجمالية، بقدر الطاقة البشرية، وأما الاطلاع على حقيقة الذات المقدسة فمما لا مطمع فيه للملائكة المقربين، والانبياء المرسلين فضلا عن غيرهم، وكفى في ذلك قول سيد البشر " ما عرفناك حق معرفتك " وفي الحديث " إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الابصار، وإن الملا الاعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم " فلا تلتفت إلى من يزعم أنه قد وصل إلى كنه الحقيقة المقدسة، بل احث التراب في فيه، فقد ضل وغوى، وكذب وافترى فان الامر أرفع وأظهر من أن يتلوث بخواطر البشر، وكلما تصوره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ، وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق، فهو غاية مبلغه من التدقيق، وما أحسن ما قال: آنچه پيش تو غير از أو ره نيست * غايت فهم تو است الله نيست بل الصفات التي نثبتها له سبحانه إنما هي على حسب أوهامنا، وقدر أفهامنا فانا نعتقد اتصافه بأشرف طرفي النقيض بالنظر إلى عقولنا القاصرة، وهو تعالى أرفع وأجل من جميع ما نصفه به. وفي كلام الامام أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام إشارة إلى هذا المعنى

[293]

حيث قال: " كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم " ولعل النمل الصغار تتوهم أن لله تعالى زبانيتين فان ذلك كمالها ويتوهم أن عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما، وهذا حال العقلاء فيما يصفون الله تعالى به. انتهى كلامه صلوات الله عليه وسلامه. قال بعض المحققين: هذا كلام دقيق رشيق أنيق صدر من مصدر التحقيق ومورد التدقيق، والسر في ذلك أن التكليف إنما يتوقف على معرفة الله تعالى بحسب الوسع والطاقة، وإنما كلفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها، وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشية عن انتسابها إليهم، ولما كان الانسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيا متكلما سميعا بصيرا كلف بأن يعتقد تلك الصفات في حقه تعالى مع سلب النقائص الناشية عن انتسابها إلى الانسان بأن يعتقد أنه تعالى واجب لذاته لا بغيره عالم بجميع المعلومات، قادر على جميع الممكنات، وهكذا في سائر الصفات ولم يكلف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها بوجه، ولو كلف به لما أمكنه تعقله بالحقيقة، وهذا أحد معاني قوله عليه السلام " من عرف نفسه فقد عرف ربه " انتهى كلامه. ثم قال قدس سره: قد اشتمل هذا الحديث على المهم من سمات العارفين وصفات الاولياء الكاملين، فأولها الصمت وحفظ اللسان الذي هو باب النجاة، وثانيها الجوع وهو مفتاح الخيرات، وثالثها إتعاب النفس في العبادة بصيام النهار، وقيام الليل، وهذه الصفة ربما توهم بعض الناس استغناء العارف عنها وعدم حاجته إليها بعد الوصول وهو وهم باطل، إذ لو استغنى عنها أحد لاستغنى عنها سيد المرسلين وأشرف الواصلين وقد كان عليه السلام يقوم في الصلاة إلى أن ورمت قدماه، وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي إليه ينتهي سلسلة أهل العرفان يصلي كل ليلة ألف ركعة، وهكذا شأن جميع الاولياء والعارفين، كما هو في التواريخ مسطور، وعلى الالسنة مشهور. ورابعها الفكر، وفي الحديث تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة، قال بعض

[294]

الاكابر إنما كان الفكر أفضل لانه عمل القلب، وهو أفضل من الجوارح، فعمله أشرف من عملها ألا ترى إلى قوله تعالى " أقم الصلاة لذكري " (1) فجعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب، والمقصود أشرف من الوسيلة. وخامسها الذكر والمراد به الذكر اللساني وقد اختاروا له كلمة التوحيد لاختصاصها بمزايا ليس هذا محل ذكرها. وسادسها نظر الاعتبار كما قال سبحانه " فاعتبروا يا اولي الابصار " (2). وسابعها النطق بالحكمة والمراد بها ما تضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الاخرى من العلوم والمعارف، أما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط، فليس من الحكمة في شئ. وثامنها وصول بركتهم إلى الناس، وتاسعها وعاشرها الخوف والرجاء وهذه الصفات العشر إذا اعتبرتها وجدتها امهات صفات السائرين إلى الله تعالى يسر الله لنا الاتصاف بها بمنه وكرمه. 24 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابه من العراقيين رفعه قال: خطب الناس الحسن بن علي عليهما السلام فقال: أيها الناس إنما اخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، كان خارجا من سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، كان خارجا من سلطان الجهالة، فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة. كان لا يتشهى، ولا يتسخط، ولا يتبرم، كان أكثر دهره صماتا، فإذا قال بذ القائلين، كان لا يدخل في مراء، ولا يشارك في دعوى، ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا، وكان لا يغفل عن إخوانه ولا يخص نفسه بشئ دونهم، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجد كان ليثا عاديا.


(1) طه: 14. (2) الحشر: 2.

[295]

كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا، كان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول كان إذا ابتزه أمران لا يدري أيهما أفضل، نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، وكان لا يشكو وجعا إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة، كان لا يتبرم، ولا يتسخط، ولا يتشكى، ولا يتشهى، ولا ينتقم ولا يغفل عن العدو، فعليكم بمثل هذه الاخلاق الكريمة، إن أطقتموها، فان لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله (1). نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه وكان خارجا من سلطان بطنه إلى قوله من ترك الكثير (2). تبيين: قال ابن أبي الحديد: قد اختلف الناس في المعنى بهذا الكلام ومن هذا الاخ المشار إليه ؟ فقال قوم: هو رسول الله صلى الله عليه واله واستبعده قوم لقوله عليه السلام " وكان ضعيفا مستضعفا " فانه لا يقال في صفاته صلى الله عليه واله مثل هذه الكلمة و إن أمكن تأويلها على لين كلامه وسجاحة أخلاقه، إلا أنها غير لائقة به عليه السلام وقال قوم: هو أبو ذر الغفاري واستبعده قوم لقوله عليه السلام " فان جاء الجد فهو ليث غاد وصل واد " فان أبا ذر لم يكن من المعروفين بالشجاعة والبسالة، وقال قوم: هو مقداد بن عمرو المعروف بمقداد بن الاسود وكان من شيعة علي عليه السلام و كان شجاعا مجاهدا حسن الطريقة، وقد روي في فضله حديث صحيح مرفوع، و قال قوم: إنه ليس باشارة إلى أخ معين ولكنه كلام خارج مخرج المثل كقولهم فقلت لصاحبي ويا صاحبي وهذا عندي أقوى الوجوه انتهى (3). ولا يبعد أن يقال: إن قوله عليه السلام فان جاء الجد فهو ليث غاد إلى آخره لا يقتضي الشجاعة والبسالة في الحرب، بل المراد الوصف بالتصلب في ذات الله، و


(1) الكافي ج 2 ص 237. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 214. (3) شرح النهج لابن أبى الحديد ج 4 ص 378.

[296]

ترك المداهنة في أمر الدين، وإظهار الحق، بل في العدول عن لفظ الحرب إلى الجد، بعد الوصف بالضعف إشعار بذلك، وقد كان أبو ذر معروفا بذلك، و إفصاحه عن فضائح بني امية في أيام عثمان وتصلبه في إظهار الحق أشهر من أن يحتاج إلى البيان. وقال الشارح ابن ميثم: ذكر هذا الفصل ابن المقفع في أدبه ونسبه إلى الحسن بن علي عليهما السلام والمشار إليه قيل: هو أبو ذر الغفاري وقيل: هو عثمان ابن مظعون انتهى (1). وأقول: لا يبعد أن يكون المراد به أباه عليه السلام عبر هكذا لمصلحة. " وكان رأس ما عظم به في عيني " أي وكان أقوى وأعظم الصفات التي صارت أسبابا لعظمته في عيني، فان الرأس أشرف ما في البدن، وفي القاموس الرأس أعلى كل شئ، والصغر وزان عنب وقفل خلاف الكبر، وبمعنى الذل والهوان، وهو خبر كان، وفاعل عظم ضمير الاخ، وضمير به عائد إلى الموصول والباء للسببية. " كان خارجا من سلطان بطنه " أي سلطنته كناية عن شدة الرغبة في المأكول والمشروب، كما وكيفا، ثم ذكر عليه السلام لذلك علامتين، حيث قال: " فلا يشتهي ما لا يجد " وفي النهج " فلا يتشهى " ويقال تشهى فلان إذا اقترح شهوة بعد شهوة، وهو أنسب " ولا يكثر " في الاكل " إذا وجد " والاكثار من الشئ الاتيان بالكثير منه، والمراد به إما لاقتصار على ما دون الشبع، أو ترك الافراط في الاكل أو ترك الاسراف في تجويد المأكول والمشروب. " كان خارجا من سلطان فرجه " أي لم يكن لشهوة فرجه عليه سلطنة بأن توقعه في المحرمات، أو الشبهات والمكروهات، فذكر لذلك أيضا علامتين فقال: " فلا يستخف له عقله ولا رأيه " في القاموس استخفه ضد استثقله، وفلانا عن رأيه حمله


(1) شرح النهج لابن ميثم ص 616.

[297]

على الجهل والخفة، وأزاله عما كان عليه من الصواب (1) وقال الراغب: " فاستخف قومه " (2) أي حملهم على أن يخفوا معه أو وجدهم خفافا في أبدانهم وعزائمهم قيل: معناه وجدهم طائشين وقوله عزوجل " ولا يستخفنك الذين لا يوقنون " (3) أي لا يزعجنك ويزيلنك عن اعتقادك بما يوقعون من الشبه (4) وقال البيضاوي في قوله سبحانه " فاستخف قومه " فطلب منهم الخفة في مطاوعته، أو فاستخف أحلامهم وقال في قوله تعالى: " ولا يستخفنك " ولا يحملنك على الخفة والقلق " الذين لا يوقنون " بتكذيبهم وإيذائهم. وأقول: هذه الفقرة تحتمل وجوها: الاول أن يكون المستتر في فلا يستخف راجعا إلى الفرج والضمير في " له " راجعا إلى الاخ، ويكون عقله ورأيه منصوبين أي كان لا تجعل شهوة الفرج عقله ورأيه خفيفين مطيعين لها، الثاني أن يكون الضمير في يستخف راجعا إلى الاخ وفي " له " إلى الفرج، أي لا يجعل عقله ورأيه أو لا يجدهما خفيفين سريعين في قضاء حوائج الفرج، الثالث أن يقرأ يستخف على بناء المجهول، وعقله ورأيه، مرفوعين، وضمير " له " إما راجع إلى الاخ أو إلى الفرج، وما قيل أن يستخف على بناء المعلوم، وعقله ورأيه مرفوعان، وضمير له للاخ، فلا يساعده ما مر من معاني الاستخفاف. " كان خارجا من سلطان الجهالة " بفتح الجيم وهي خلاف العلم والعقل " فلا يمد يده " أي إلى أخذ شئ كناية عن ارتكاب الامور " إلا على ثقة " واعتماد بأنه ينفعه نفعا عظيما في الاخرة أو في الدنيا أيضا إذا لم يضر بالاخرة " كان لا يتشهى " أي لا يكثر شهوة الاشياء كما مر " ولا يتسخط " أي لا يسخط كثيرا لفقد المشتهيات أو لا يغضب لايذاء الخلق له أو اقلة عطائهم، في القاموس: السخط بالضم وكعنق


(1) القاموس ج 3 ص 136. (2) الزخرف: 54. (3) الروم: 60. (4) مفردات غريب القرآن: 152.

[298]

وجبل ضد الرضا، وقد سخط كفرح وتسخط وأسخطه أغضبه، وتسخطه تكرهه وعطاءه استقله ولم يقع منه موقعا (1) " ولا يتبرم " أي لا يمل ولا يسأم من حوائج الخلق، وكثرة سؤالهم، وسوء معاشرتهم، في القاموس البرم السأمة والضجر وأبرمه فبرم كفرح وتبرم امله فمل. " كان أكثر دهره " أي عمره و " أكثر " منصوب على الظرفية " صماتا " بفتح الصاد وتشديد الميم وقرئ بضم الصاد وتخفيف الميم، مصدرا فالحمل على المبالغة وفي النهج " صامتا فان قال بذ القائلين، ونقع غليل السائلين " قال في النهاية: في الحديث بذ القائلين أي سبقهم وغلبهم يبذهم بذ انتهى، ونقع الماء العطش أي سكنه والغليل حرارة العطش، ويمكن أن يكون البذ بالفصاحة والنقع بالعلم والجواب الشافي. " كان لا يدخل في مراء " أي مجادلة في العلوم للغلبة وإظهار الكمال، قال في المصباح: ماريته اماريه مماراة ومراء جادلته، ويقال: ماريته أيضا إذا طعنت في قوله تزييفا للقول، وتصغيرا للقائل، ولا يكون المراء إلا اعتراضا " ولا يشارك في دعوى " أي في دعوى غيره لاعانته أو وكالة عنه. " ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا " في المصباح أدلى بحجته أثبتها فوصل بها وفي القاموس أدلى بحجته أحضرها، وإليه بماله دفعه، ومنه " وتدلوا بها إلى الحكام " (2). أقول: وفي النهج " حتى يأتي قاضيا " وهذه الفقرة أيضا يحتمل وجوها: الاول ما ذكره بعض شراح النهج أي لا يدلي بحجته حتى يجد قاضيا، و هو من فضيلة العدل في وضع الاشياء مواضعها انتهى. وأقول: المعنى أنه ليس من عادته إذا ظلمه أحد أن يبث الشكوى عند الناس، كما هو دأب أكثر الخلق، بل يصبر إلى أن يجد حاكما يحكم بينه وبين


(1) القاموس ج 2 ص 361. (2) البقرة: 188.

[299]

خصمه، وذلك في الحقيقة يؤل إلى الكف عن فضول الكلام، والتكلم في غير موقعه. الثاني أن يكون المراد أنه يصبر على الظلم، ويؤخر المطالبة إلى يوم القيامة، فالمراد بالقاضي الحاكم المطلق، وهو الله سبحانه، أو لا ينازع الاعداء إلا عند زوال التقية، فالمراد بالقاضي الامام الحق النافذ الحكم. الثالث أن يكون المراد نفي إتيانه القاضي لكفه عن المنازعة والدعوى وصبره على الظلم أي لا ينشئ دعوى ولا يأتي بحجة حتى يحتاج إلى إتيان القاضي. الرابع ما ذكره بعض الافاضل حيث قرأ " يري " على بناء الافعال، وفسر القاضي بالبرهان القاطع الفاصل بين الحق والباطل، أي كان لا يتعرض للدعوى إلا أن يظهر حجة قاطعة، ولعله أخذه من قول الفيروزآبادي القضاء الحتم، والبيان وسم قاض قاتل، ولا يخفى بعده مع عدم موافقته لما في النهج. " وكان لا يغفل عن إخوانه " أي كان يتفقد أحوالهم في جميع الاحوال كتفقد الاهل والعيال " ولا يخص نفسه بشئ من الخيرات دونهم " بل كان يجعلهم شركاء لنفسه فيما خوله الله، ويحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه. " كان ضعيفا " أي فقيرا ؟ ؟ ورا إليه بعين الذلة والفقر، كما قيل، أو ضعيفا في القوة البدنية خلقة، ولكثرة الصيام والقيام " مستضعفا ") أي في أعين الناس للفقر والضعف، وقلة الاعوان، يقال: استضعفه أي عده ضعيفا، وقال بعض شراح النهج: استضعفه أي عده ضعيفا ووجده ضعيفا وذلك لتواضعه وإن كان قويا. " وإذا جاء الجد كان ليثا عاديا " في أكثر النسخ بالعين المهملة، وفي بعضها بالمعجمة، وفي النهاية فيه ماذئبان عاديان، العادي الظالم، وقد عدا يعدو عليه عدوانا، وأصله من تجاوز الحد في الشئ، والسبع العادي أي الظالم الذي يفترس الناس انتهى، والجد بالكسر ضد الهزل، والاجتهاد في الامر، والمراد به هنا المحاربة والمجاهدة، وفي النهج " فان جاء الجد فهو ليث عاد وصل واد " وفي أكثر نسخه " غاد " بالمعجمة من غدا عليه أي تكبر، وقال بعض شارحيه: الوصف

[300]

بالغادي لانه إذا غدا كان جائعا فصولته أشد، والمناسب حينئذ أن يكون ليث منونا وفي النسخ ليث غاد بالاضافة، فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفي بعض نسخه بالمهملة كما مر وفي بعضها " غاب " بالباء الموحدة بعد العين المهملة وهو الاجمة ويسكنها الاسد والمناسب حينئذ الاضافة، وقال الجوهري: الصل بالكسر الحية التي لا تنفع منها الرقية، يقال إنها لصل صفا إذا كانت منكرة مثل الافعى، ويقال للرجل إذا كان داهيا منكرا: إنه لصل أصلال أي حية من الحيات وأصله في الحيات، شبه الرجل بها انتهى (1) وذكر الوادي لان الاودية لانخفاضها تشتد فيها الحرارة، فيشتد السم في حيتها. " كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا " فيما يقع العذر: أي فيما يمكن أن يكون له فيه عذر، وفي كلمة المثل إشعار بعدم العلم بكون فاعله معذورا، إذ من الجائز أن يكون الفاعل غير معذور، فيجب التوقف حتى يسمع الاعتذار ويظهر الحق، فان لم يكن عذره مقبولا لامه، ويحتمل أن يكون حتى للتعليل أي كان لا يلومه بل يتفحص العذر حتى يجد له عذرا ولو على سبيل الاحتمال وفي النهج " وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتى يسمع اعتذاره " وفي بعض النسخ " على ما لا يجد " بزيادة حرف النفي فالمعنى لا يلوم على أمر لا يجد فيه عذرا بمجرد عدم الوجدان، إذ يحتمل أن يكون له عذر لا يخطر بباله. " وكان يفعل ما يقول ويفعل ما لا يقول " أي يفعل ما يأمر غيره به من الطاعات إشارة إلى قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون " (2) وقد قيل إن المعنى لم لا تفعلون ما تقولون، فانه إذا قال ولم يفعل، فعدم الفعل قبيح لا القول، ويفعل من الخيرات والطاعات ما لا يقوله لمصلحة تقية أو عدم انتهاز فرصة، أو عدم وجدان قابل، كما قال تعالى: " فذكر إن نفعت الذكرى " (3)


(1) الصحاح ص 1745. (2) الصف: 2. (3) الاعلى: 9.

[301]

كذا فهمه الاكثر، ويخطر بالبال أن المعنى أنه يحسن إلى غيره سواء وعده الاحسان أو لم يعده كما فسرت الاية المتقدمة في كثير من الاخبار بخلف الوعد وفي النهج " وكان يقول ما يفعل، ولا يقول ما لا يفعل " وفي بعض نسخه في الاول " وكان يفعل ما يقول ". " كان إذا ابتزه أمران " كذا في أكثر النسخ بالباء الموحدة والزاي على بناء الافتعال، أي استلبه وغلبه وأخذه قهرا، كناية عن شدة ميله إليهما وحصول الدواعي في كل منهما، في القاموس البز الغلبة، وأخذ الشئ بجفاء وقهر كالابتزاز، وبزبز الشئ سلبه كابتزه، ولا يبعد أن يكون في الاصل: " انبراه " بالنون والباء الموحدة على الحذف والايصال أي اعترض له، وفي النهج " وكان إذا بدهه أمران نظر أيهما أقرب إلى الهوى فخالفه " يقال بدهه أمر كمنعه أي بغته وفاجأه. وهذا الكلام يحتمل معنيين الاول أن يكون المعنى إذا عرضت له طاعتان كان يختار أشقهما على نفسه، لكونها أكثر ثوابا، كالوضوء بالماء البارد والحار في الشتاء، كما ورد ذلك في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام والثاني أن يكون معيارا لحسن الاشياء وقبحها، كما إذا ورد عليه فعل لا يدري فعله أفضل أو تركه فينظر إلى نفسه وكلما تهواه يخالفها كما ورد لا تترك النفس وهواها، فان رداها في هواها وهذا هو الغالب، لكن جعلها قاعدة كلية كما تقوله المتصوفة مشكل، لما نقل عن بعضهم أنه مر بعذرة فعرصها على نفسه فأبت فأكلها، والظاهر أن أكلها كان عين هواها لتعده الرعاع (1) من الناس شيخا كاملا، ولكل عذرة آكلا. " إلا عند من يرجو عنده البرء " أي ربه تعالى فانه الشافي حقيقة، أو المراد به الطبيب الحاذق الذي يرجو بمعالجته البرء فانه حينئذ ليس بشكاية، بل هو طلب لعلاجه، فلاستثناء منقطع، وفي النهج " وكان لا يشكو وجعا إلا عند برئه "


(1) الرعاع بالفتح: سقاط الناس وسفلتهم وغوغاؤهم، الواحد رعاعة، وقيل: لا واحد له من لفظه.

[302]

أي يحكيه بعد البرء للشكر والتحدث بنعمة الله، فالاستثناء منقطع، أو اطلقت الشكاية عليها على المشاكلة، وقيل أي كان يكتم مرضه عن إخوانه لئلا يتجشموا زيارته. " ولا يستشير " في المصباح شاورته في كذا واستشرته راجعته لارى رأيه فيه، فأشار علي بكذا: أراني ما عنده فيه من المصلحة، فكانت إشارته حسنة والاسم المشورة، وفيه لغتان سكون الشين وفتح الواو، والثانية ضم الشين وسكون الواو وزان معونة، ويقال: هي من شار الدابة إذا عرضه في المشوار، ويقال: من أشرت العسل شبه حسن النصيحة بشري العسل " إلا من يرجو عنده النصيحة " أي خلوص الرأي، وعدم الغش وكمال الفهم. " كان لا يتبرم " كأن إعادة تلك الخصال مع ذكرها سابقا للتأكيد وشدة الاهتمام بترك تلك الخصال، أو المراد بها في الاول تشهي الدنيا والتسخط من فقدها، والتبرم بمصائب الدنيا، والشكاية عن الوجع، والمراد هنا التبرم من كثرة سؤال الناس وسوء أخلاقهم والتسخط بما يصل إليه منهم، وتشهي ملاذ الدنيا والتشكي عن أحوال الدهر، أو عن الاخوان، والشكاية والتشكي والاشتكاء بمعنى ويمكن الفرق بامور اخر يظهر بالتأمل فيما ذكرنا. " ولا ينتقم " أي من العدو حتى ينتقم الله له كما مر " ولا يغفل عن العدو " أي الاعداء الظاهرة والباطنة كالشيطان والنفس والهوى. " فعليكم بمثل هذه الاخلاق " في النهج " فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، فان لم تستطيعوها فاعلموا أن أخذ القليل خير من ترك الكثير " أقول: لما كان الغرض من ذكر صفات الاخ أن يقتدي السامعون به في الفضائل المذكورة، أمرهم عليه السلام بلزومها والتنافس فيها، أو في بعضها إن لم يمكن الكل. قوله عليه السلام " من ترك الكثير " أي الكل. وأقول: في رواية النهج ترك بعض تلك الخصال وفيها زيادة أيضا وهي قوله " وكان إن غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه

[303]

على أن يتكلم " والمراد بالفقرة الاولى أنه إن غلبه أحد بالجدال والخروج عن الحق عدل إلى السكوت وترك المراء، فكان هو الغالب حقيقة لعدم خروجه عن الحق أو المراد أن سكوته كان أكثر من غيره، فالكلام أعم مما هو في معرض الجدال وأما الثانية فالحرص على الاستماع لاحتمال الانتفاع، وقيل: صيغة التفضيل هنا مثلها في قوله تعالى " أذلك خير أم جنة الخلد " (1). 25 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام قال: صلى أمير المؤمنين عليه السلام بالناس الصبح بالعراق فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواما على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه واله وإنهم ليصبحون ويمسون شعثا غبرا خمصا، بين أعينهم كركب المعزى، يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم ويسألونه فكاك رقابهم من النار والله لقد رأيتهم على هذا وهم خائفون مشفقون (2). ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب مثله (3). توضيح: العراق هنا الكوفة، والعراقان الكوفة والبصرة " لقد عهدت) أي لقيت أو هو في ذكري وفي بالي، وفي المصباح عهدته بمكان كذا لقيته، وعهدي به قريب أي لقائي، وعهدت الشئ ترددت إليه وأصلحته وحقيقته تجديد العهد به وفي القاموس: العهد: الالتقاء والمعرفة، منه عهدي به بموضع كذا، والشعث بالضم جمع الاشعث، كالغبر بالضم جمع الاغبر، والشعث تفرق الشعر وعدم إصلاحه ومشطه وتنظيفه، والاغبر المتلطخ بالغبار، قال في المصباح: شعث الشعر شعثا فهو شعث من باب تعب تغير وتلبد لقلة تعهده بالدهن، ورجل أشعث وامرأة شعثاء، والشعث


(1) الفرقان: 15. (2) الكافي ج 2 ص 236. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 100.

[304]

أيضا الوسخ، ورجل شعث: وسخ الجسد، وشعث الرأس أيضا وهو أشعث أغبر من غير استحداد (1) ولا تنظف، والشعث أيضا التفرق وتلبد الشعر انتهى. فان قيل: التمشط والتدهن والتنظف كلها مستحبة مطلوبة للشارع، فكيف مدحهم عليه السلام بتركها ؟ قلنا: يحتمل أن تكون تلك الاحوال لفقرهم، وعدم قدرتهم على إزالتها، فالمدح على صبرهم على الفقر، أو المعنى أنهم لا يهتمون بازالتها زائدا على المستحب أو يقال: إذا كان تركها لشدة الاهتمام بالعبادة، وغلبة خوف الاخرة يكون ممدوحا. " خمصا " جمع الاخمص، وقيل الخميص أي بطونهم خالية إما للصوم أو للفقر أو لا يشبعون لئلا يكسلوا في العبادة، وقد مر. " كركب المعزى " أي من أثر السجود لكثرته وطوله، وفي القاموس الركبة بالضم ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، أو موضع الوظيف والذراع أو مرفق الذراع من كل شئ والجمع ركب كصرد، وقال: المعز بالفتح وبالتحريك والمعزى ويمد خلاف الضأن من الغنم، والماعز واحد المعز للذكر والانثى، وفي المصباح المعز اسم جنس لا واحد من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم الواحدة شاة، والمعزى ألفها للالحاق لا للتأنيث، ولهذا تنون في النكرة، والذكر ماعز، والانثى ماعزة انتهى. " يبيتون لربهم " تضمين لقوله تعالى في الفرقان " والذين يبتون لربهم سجدا وقياما " (2) قال البيضاوي: وتأخير القيام للروى، وهو جمع قائم أو مصدر اجري مجراه انتهى (3) وقيل: في تقديم الاقدام على الجباه مع التأخير في الاية إشارة إلى أن تقديم السجود فيها لزيادة القرب فيه، ولرعاية موافقة الفواصل وفي النهاية فيه إنه كان يراوح بين قدميه من طول القيام، أي يعتمد على إحداهما مرة وعلى الاخرى مرة، ليوصل الراحة إلى كل منهما، ومنه حديث ابن مسعود


(1) الاستحداد: الحلق بالحديد. (2) الفرقان: 64. (3) أنوار التنزيل ص 305.

[305]

إنه أبصر رجلا صافا قدميه، فقال: لو راوح كان أفضل، ومنه حديث بكر بن عبد الله: كان ثابت يراوح ما بين جبهته وقدميه أي قائما وساجدا يعني في الصلاة. وأقول: ظاهر أكثر أصحابنا استحباب أن يكون اعتماده على قدميه مساويا وأما هذه الاخبار مع صحتها يمكن أن تكون مخصوصة بالنوافل أو بحالي المشقة والتعب، والمناجاة المسارة " وهم خائفون " من رد أعمالهم للاخلال ببعض شرائطها " مشفقون " من عذاب الله، والحاصل أنهم مع هذا الجد والمبالغة في العمل كانوا يعدون أنفسهم مقصرين، ولم يكونوا بأعمالهم معجبين. 26 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن سيف بن عميرة، عن سليمان بن عمرو النخعي قال: وحدثني الحسين بن سيف، عن أخيه علي، عن سليمان، عمن ذكره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل النبي صلى الله عليه واله عن خيار العباد فقال: الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساؤا استغفروا، وإذا اعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا أغضبوا غفروا (1). ل، لى: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن البرقي، عن ابن مهران، عن ابن عميرة، عن سليمان بن جعفر، عن محمد بن مسلم وغيره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل رسول الله صلى الله عليه واله وذكر نحوه (2). بيان: الاحسان فعل الحسنة، ويحتمل الاحسان إلى الغير، وكذا الاساءة يحتملهما، والاستبشار الفرح والسرور. 27 - كا: بالاسناد المتقدم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه واله: إن خياركم اولو النهى، قيل: يا رسول الله ومن اولو النهى ؟ قال: هم اولو الاخلاق الحسنة، والاحلام الرزينة، وصلة الارحام، والبررة بالامهات والاباء والمتعاهدين للفقراء، والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام، ويفشون السلام


(1) الكافي ج 2 ص 240. (2) الخصال ج 1 ص 153، أمالى الصدوق ص 8. (*)

[306]

في العالم، ويصلون والناس نيام غافلون (1). بيان: " اولو النهى " في القاموس النهية بالضم العقل كالنهي، وهو يكون جمع نهية أيضا وقال الراغب: النهية العقل الناهي عن القبائح جمعها نهى، قال عزوجل " إن في ذلك لايات لاولي النهى " انتهى (2) والاحلام جمع حلم بالكسر بمعنى العقل، أو الاناة، وعدم التسرع إلى الانتقام، وهو هنا أظهر وفي القاموس الرزين الثقيل وترزن في الشئ توقر " وصلة الارحام) عطف على الاحلام، ويمكن أن يكون الواو جزء الكلمة والصاد مفتوحة جمع واصل " والمتعاهدين " في أكثر النسخ بالنصب فيكون نصبا على المدح، كما قالوا في قوله تعالى في سورة النساء " والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة " (3) ويمكن على الاحتمال الثاني في " وصلة الارحام " نصب الوصلة على المدح. " والناس نيام غافلون " نيام جمع نائم، وغافلون خبر بعد خبر، أي بعضهم نيام، وبعضهم غافلون، أو صفة كاشفة أي المراد بالنيام الغافلون، كما ورد: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. 28 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن محمد بن عرفة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه واله: ألا اخبركم بأشبهكم بي ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: أحسنكم خلقا، وألينكم كنفا، وأبركم بقرابته، وأشدكم حبا لاخوانه في دينه، وأصبركم على الحق، وأكظمكم للغيظ، وأحسنكم عفوا، وأشدكم من نفسه إنصافا في الرضا والغضب (4). بيان: " وألينكم كنفا " أي لا يتأذى من مجاورتهم ومجالستهم ومن ناحيتهم أحد، في القاموس: أنت في كنف الله محركة: في حرزه وستره، وهو الجانب والظل


(1) الكافي ج 2 ص 240. (2) مفردات غريب القرآن ص 507، والاية في طه: 128 و 45. (3) النساء: 162. (4) الكافي ج 2 ص 240.

[307]

والناحية، ومن الطائر جناحه، وفي النهاية فيه ألا اخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة ؟ أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا، هذا مثل وحقيقته من التوطئة وهي التمهيد والتذلل، وفراش وطئ لا يؤذي جنب النائم، والاكناف الجوانب أراد الذين جوانبهم وطيئة يتمكن فيها من يصاحبهم، ولا يتأذى انتهى. وأقول: في بالي أن في بعض الاخبار أكتافا بالتاء أي أنهم لشدة تذللهم كأنه يركب الناس أكتافهم ولا يتأذون بذلك " لاخوانه في دينه " أي تكون اخوته بسبب الدين لا بسبب النسب " على الحق " أي على المشقة والاذية اللتين تلحقانه بسبب اختيار الحق أو قول الحق " في الرضا " أي عن أحد " والغضب " أي في الغضب له. 29 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه: لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه واله فما أرى أحدا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا قد باتوا سجدا وقياما، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم، إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفا من العقاب، ورجاء للثواب (1). بيان: " شعثا غبرا " إما لفقرهم فالمدح للصبر على الفقر، أو لتركهم زينة الدنيا ولذاتها على ما ذكره الاكثر فينبغي التقييد بعدم القدرة، أو التخصيص ببعض الافراد، أو لتقشف العبادة، وقيام الليل، وصوم النهار، وهجر الملاذ فالغبرة كناية عن صفرة اللون، والسجد جمع ساجد كالقيام جمع قائم أو القيام مصدر اجري مجراه، والتخصيص بالليل لكون العبادة فيه أحمز وأبعد عن الرئاء والمراوحة بين الجبهة والخد وضع كل على الارض حتى يستريح الاخر، أو كأنه يستريح وليس الغرض الاستراحة، وذلك في سجدة الشكر وإن كان وضع الجبهة شاملا لسجود الصلاة، والجمر بالفتح جمع جمرة، وهي النار المتقدة، ووقوفهم


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 204 تحت الرقم 95.

[308]

على مثل الجمر قلقهم واضطرابهم من خوف المعاد وعذاب النار، والمراد ببين أعينهم جباههم مجازا، أو الموضع حقيقة للارغام في السجود، والاول أظهر " وهملت " كضربت ونصرت: أي سالت وفاضت، وجيب القميص ونحوه بالفتح طوقه ومادوا تحركوا واضطربوا، والريح العاصف والعاصفة الشديدة " وخوفا " مفعول له لقوله عليه السلام: " مادوا " فقط فسيلان العين للحب والشوق أو للفعلين جميعا أو للجميع على بعد، ويدل على أن الخوف من العقاب، والرجاء للثواب لا ينافيان الاخلاص. 30 - نهج: قال عليه السلام في بعض خطبه: أين القوم الذين دعوا إلى الاسلام فقبلوه، وقرؤا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الارض زحفا زحفا وصفا صفا، بعض هلك، وبعض نجا، لا يبشرون بالاحياء، ولا يعزون عن الموتى (1) مره العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الالوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، اولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الايدي على فراقهم (2). بيان: كأن المراد بأحكام القرآن حفظ الالفاظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه، وأهاجه أثاره، والمراد به تحريصهم وترغيبهم إليه، والوله بالتحريك ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد من حزن أو فرح، وقيل: هو شدة الحب، يقال: وله كفرح وكوعد على قلة، والوله إلى الشئ الاشتياق إليه واللقاح ككتاب الابل أو الناقة ذات اللبن واللقوح واحدتها، والحاصل أنهم اشتاقوا إلى الحرب بعد الترغيب اشتياق اللقاح إلى أولادها، وفي بعض النسخ " فولهوا اللقاح أولادها " قيل: أي جعلوا اللقاح والهة إلى أولادها بركوبهم إياها عند خروجهم إلى الجهاد، وقوله عليه السلام " (أولادها " نصب باسقاط الجار إذ الفعل أعني " وله " غير


(1) عن القتلى خ ل. (2) نهج البلاغة ج 1 ص 251 تحت الرقم 119.

[309]

متعد إلى مفعولين بنفسه، والغمد بالكسر جفن السيف. " وأخذوا بأطراف الارض " أي أخذوا الارض بأطرافها، كما قيل، أو أخذوا على الناس بأطراف الارض، أي حصروهم، يقال لمن استولى على غيره وضيق عليه: قد أخذ عليه بأطراف الارض قال الفرزدق: أخذنا بأطراف السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع وقيل: المعنى أخذوا أطراف الارض، من قبيل أخذت بالخطام، ويحتمل أن يكون المراد شرعوا في الجهاد في أطراف الارض والمواطن البعيدة، والزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون ومصدر يقال: زحف إليه كمنع زحفا إذا مشى نحوه، والصف واحد الصفوف، ويمكن مصدرا " وزحفا زحفا " أي زحفا بعد زحف متفرقين في الاطراف وكذلك " صفا صفا " والنصب على الحالية نحو جاؤني رجلا رجلا، وقيل: زحفا منصوب على المصدر المحذوف الفعل أي يزحفون زحفا، والثانية تأكيد للاولى وكذلك قوله صفا صفا. وقوله عليه السلام " بعض هلك وبعض نجا " إشارة إلى قوله تعالى " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " (1) والعزاء الصبر أو حسن الصبر وعزيته تعزية أي قلت له: أحسن الله عزاك، أي رزقك الصبر الحسن، وهو اسم من ذلك نحو سلم سلاما قال ابن ميثم رحمه الله: (2) المعنى أنهم لما قطعوا العلائق الدنيوية، إذا ولد لاحدهم مولود لم يبشر به، وإذا مات منهم أحد لم يعزوا عنه وكانت نسخته موافقة لما نقلنا، وفي بعض النسخ " لا يعزون عن القتلى " موافقا لما في نسخة ابن أبي الحديد، قال: أي لشدة ولههم إلى الجهاد لا يفرحون ببقاء حيهم حتى يبشروا به، ولا يحزنون لقتل قتيلهم حتى يعزوا به (3). " مره العيون " يقال: مرهت عينه كفرح أي فسدت لترك الكحل، والمراد


(1) الاحزاب: 23. (2) شرح النهج لابن ميثم ص 284. (3) شرج النهج لابن أبى الحديد ج 2 ص 260.

[310]

هنا مطلق الفساد، وخمص البطن مثلثة الميم أي خلا، وخمص الرجل خمصا كقرب أي جاع، وذبل الشئ ذبولا كقعد: ذهبت نداوته وقل ماؤه، والسهر بالتحريك عدم النوم في الليل كله أو بعضه، والغبرة بالتحريك الغبار والكدورة " فحق لنا أن نفعل " على صيغة المجهول كما في أكثر النسخ، وحققت أن تفعل كذا كعلمت وهو حقيق به أي خليق جدير، وفي بعض النسخ على صيغة المعلوم وظمئ كفرح ظما بالتحريك، أي عطش، وقيل: الظمأ أشد العطش، وظمئ إليه أي اشتاق، وعضضت عليه وعضضته كسمع وفي لغه كمنع أي مسكته بأسناني. 31 - نهج: قال عليه السلام: رحم الله امرءا سمع حكما فوعى ودعي إلى رشاد فدنى، وأخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربه، وخاف ذنبه، قدم خالصا، وعمل صالحا، اكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا، وأحرز عوضا، كابر هواه، وكذب مناه، جعل الصبر مطية نجاته، والتقوى عدة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الاجل، وتزود من العمل (1). توضيح: " سمع حكما " بالضم أي حكمة وعلما نافعا " فوعى " أي حفظ علما وعملا، والرشاد الصلاح وهو خلاف الغي والضلال، وهو إصابة الصواب ورشد كتعب وقتل والاسم الرشاد كذا في المصباح " فدنا " أي من الداعي أو الحق والحجزة بالضم موضع شد الازار ثم قيل للازار: حجزة، للمجاورة، والاخذ بالحجزة مستعار للاعتصام والالتجاء والتمسك بأحد. " فنجا " أي خلص من الضلالة وعواقبها، والمراقبة الترصد والمحافظة، ومراقبة الرب الترصد لامره، والعمل به، والاقبال بالقلب إليه. " قدم خالصا " أي عملا خالصا لله لم يشبه رئاء ولا سمعة، وتقديمه فعله قبل أن يخرج الامر من يده وبعثه إلى دار الجزاء قبل الوصول إليه، والاكتساب الكسب، والمذخور الشئ النفيس المعد لوقت الحاجة إليه، وهو الاعمال


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 136 تحت الرقم 74 من الخطب.

[311]

الصالحة، والمحذور ما يحترز منه من سيئات الاعمال والاخلاق، والغرض الهدف والمراد رمه إصابة الحق كمن رمى الغرض في المراماة ففاز بالسبق، وهو المراد باحراز العوض أي الفوز بالثواب، وقيل: المراد به أن يقصد بفعله غرضا صحيحا. 32 - [نهج]: ومن خطبة له عليه السلام وأشهد أنه عدل عدل، وحكم فصل وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وسيد عباده، كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما، لم يسهم فيه عاهر، ولا ضرب فيه فاجر، ألا وإن الله قد جعل للخير أهلا وللحق دعائم، وللطاعة عصما، وإن لكم عند كل طاعة عونا من الله، يقول على الالسنة ويثبت الافئدة، فيه كفاء لمكتف، وشفاء لمشتف. واعلموا أن عباد الله المستحفظين (1) علمه يصونون مصونه، ويفجرون عيونه، يتواصلون بالولاية، ويتلاقون بالمحبة، ويتساقون بكأس روية ويصدرون برية، لا تشوبهم الريبة، ولا تسرع فيهم الغيبة، على ذلك عقد خلقهم وأخلاقهم، فعليه يتحابون، وبه يتواصلون، فكانوا كتفاضل البذر ينتقى فيؤخذ منه ويلقى، قد ميزه التخليص، وهذبه التمحيص، فليقبل امرؤ كرامة بقبولها، وليحذر قارعة قبل حلولها، ولينظر امرؤ في قصير أيامه وقليل مقامه في منزل حتى يستبدل منزلا فليصنع لمتحوله ومعارف منتقله، فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه، وتجنب من يرديه، وأصاب سبيل السلامة ببصر من بصره، وطاعة هاد أمره، وبادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه، وتقطع أسبابه، واستفتح التوبة، وأماط الحوبة، فقد اقيم على الطريق وهدى نهج السبيل (2). بيان: الظاهر أن الضمير في " أنه " راجع إلى الله، وقيل: راجع إلى القضاء والقدر المذكور في صدر الخطبة، والحكم بالتحريك منفذ الحكم، والفصل القطع والقضاء بين الحق والباطل، والنسخ الازالة والتغيير والابطال، وقال:


(1) المستحفظون خ ل. (2) نهج البلاغة ج 1 ص 456. تحت الرقم 212 من الخطب.

[312]

ابن أبي الحديد: يعني كلما قسم الله الاب الواحد إلى ابنين أعد خيرهما وأفضلهما لولادة محمد صلى الله عليه واله، وسمى ذلك نسخا لان البطن الاول تزول ويخلفه البطن الثاني (1). " لم يسهم فيه عاهر " السهم النصيب والحظ، وفي النهاية وأصله واحد السهام التي يضرب بها في الميسر وهي القداح، ثم سمي به ما يفوز به الفاتح سهمه، ثم كثر حتى سمي كل نصيب سهما انتهى، والسهمة بالضم القرابة، والمساهمة المقارعة، وأسهم بينهم أي أقرع، وكانوا يعملون بالقرعة إذا تنازعوا في ولد والكلمة في بعض النسخ على صيغة المجرد كيمنع، وفي بعضها على بناء الافعال والعاهر الزاني قيل: أي لم يضرب فيه العاهر بسهم، ولم يكن للفجور في أصله شركة. وقال ابن أبي الحديد: (2) في الكلام رمز إلى جماعة من الصحابة في أنسابهم طعن ثم حكى عن الجاحظ أنه قال: قام عمر على المنبر فقال: إياكم وذكر العيوب والطعن في الاصول ثم قال: وروى المدائني هذا الخبر في كتاب امهات الخلفاء، وقال: إنه روي عند جعفر بن محمد عليهما السلام بالمدينة فقال: لا تلمه يا ابن أخي إنه أشفق أن يحدج بقصة نفيل بن عبد العزى وصهاك أمة الزبير بن عبد المطلب، ثم قال: رحم الله عمر إنه لم يعد السنة، وتلا " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا " الاية (3). أقول: قد أوردنا هذه القصة في نسب عمر، والدعامة بالكسر عماد البيت الذي يقوم عليه، والعصم كعنب جمع عصمة وهي المنع والحفظ، وكفاء أصله كفاية والاتيان بالهمزة للازدواج، كما قالوا: الغدايا والعشايا، كما قال صلى الله عليه واله وسلم: مأزوارت غير مأجورات، والاصل الواو، وقال ابن أبي الحديد: أهل الخير هم المتقون ودعائم الحق الادلة الموصلة إليه، المثبتة له في القلوب، وعصم الطاعة هي الادمان


(1) شرح النهج الحديدي ج 3 ص 22. (2) شرح النهج الحديدي ج 3 ص 23. (3) النور: 19.

[313]

على فعلها، والتمرن عليها، لان المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولة عليه، والعون ههنا هو اللطف المقرب من الطاعة، المبعد من القبيح ولما كان العون من الله سبحانه مستهلا للقول أطلق عليه من باب التوسع أنه يقول على الالسنة ولما كان الله تعالى هو الذي يثبت كما قال " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " (1) نسب التثبيت إلى اللطف لانه من فعل الله. وقال ابن ميثم: (2) قوله عليه السلام " ألا وإن الله " ترغيب للسامعين أن يكونوا من أهل الخير، ودعائم الحق، وعصم الطاعة، وكأنه عنى بالعون القرآن، قال تعالى: " لنثبت به فؤادك " (3). و " فيه كفاء " أي في ذلك العون كفاية لطالبي الاكتفاء، أي من الكمالات النفسانية " وشفاء " لمن طلب الشفاء من أمراض الرذائل الموبقة، ويمكن أن يكون المراد بأهل الخير الاتقياء، وبدعائم الحق النبي والائمة عليهم السلام وبعصم الطاعة العبادات التي توجب التوفيق من الله سبحانه وترك المعاصي الموجبة لسلبه أو الملائكة العاصمة للعباد عن اتباع الشياطين، وبالعون الملائكة المرغبة في طاعة الله كما ورد في الاخبار. و " المستحفظين " في أكثر النسخ بالنصب على صيغة اسم المفعول، وهو أظهر يقال استحفظته إياه أي سألته أن يحفظه وفي بعض النسخ على صيغة اسم الفاعل أي الطالبين للحفظ وفي بعض النسخ بالرفع حملا على المحل وكونه خبرا بعيد والمراد بهم الائمة عليهم السلام كما ورد في الادعية والاخبار، وقال الشراح: المراد بهم العارفون أو الصالحون. " يصونون مصونه " أي يكتمون ما ينبغي أن يكتم من أسرار علمه من غير أهله " ويفجرون عيونه " أي يفيضون ما ينبغي إفاضته على عامة الناس، أو كل علم


(1) ابراهيم: 27. (2) شرح النهج لابن ميثم البحراني ص 397. (3) الفرقان: 32.

[314]

على من هو قابل له، أو يتقون في مقامه التقية، ويظهرون الحق عند عدمها والولاية في النسخ بالكسر قال سيبوبه: الولاية بالفتح المصدر وبالكسر الاسم، وقال ابن أبي الحديد: الولاية بفتح الواو المحبة والنصرة، أي يتواصلون وهم أولياء ومثله " ويتلاقون بالمحبة " كما تقول: خرجت بسلاحي، أي وأنا متسلح أو يكون المعنى يتواصلون بالقلوب لا بالاجسام، كما تقول أنا أراك بقلبي وأزورك بخاطري واواصلك بضميري انتهى. وأقول: يحتمل أن يكون المراد ولاية أهل البيت عليهم السلام أي بسببها، أو متصفين بها أو مظهرين لها وماء روي كغني أي كثير مرو، وروي من الماء كرضي ريا بالفتح والكسر أي تنعم، والاسم الرى بالكسر " والرية " في بعض النسخ بالفتح وفي بعضها بالكسر، ولعل المراد التساقي من المعارف والعلوم " والريبة " بالكسر التهمة والشك اسم من الريب بالفتح أي لا تخالطهم شك في المعارف والعقائد أو تهمة في حب أحدهم للاخر، وعدم إسراع الغيبة فيهم لعدم استحقاقهم للغيبة في أقوالهم وأعمالهم واتقائهم مواضع التهم، أو المعنى لا يغتابون الناس ولا يتبعون عيوبهم. و " الخلق " يكون بمعنى التقدير والابداع، وبمعنى الطبيعة كالخليقة و " الاخلاق " جمع خلق بالضم وبضمتين، وهو السجية والطبع، والمروة والدين ويحتمل أن يكون المراد بالخلق ما هو بمنزلة الاصل والمشخص للذات وبالاخلاق الفروع والشعب، والضمير في " عليه " راجع إلى ما اشير إليه بذلك أو إلى العقد. " فكانوا كتفاضل البذر " أي كان التفاضل بينهم وبين الناس كالتفاضل بين ما ينتقى من البذر أي يختار، وبين ما يلقى، فالمعنى كالتفاضل بين الجيد و الردي، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان التفاضل بينهم كالتفاضل بين أفراد المختار من البذر فكما أنه لا تفاضل يعتد به فيما بينها، كذلك فيما بينهم. وخلص الشئ كنصر: أي صار خالصا وخلصه أي جعله كذلك، وخلصه أيضا

[315]

نجاه، والمراد بالتخليص الانتقاء المذكور أي ميزه ذلك عن غيره، أو المعنى ميزه الله تخليصا إياه عن شرور النفس والشيطان عن غيره، وفي بعض النسخ التلخيص بتقديم اللام، وهو التبيين، والتلخيص والتهذيب التنقية والاصلاح، والتمحيص الابتلاء والاختبار. والكرامة الاسم من التكريم والاكرام، والمراد بها هنا نصحه سبحانه و وعظه وتذكيره، أو ما وعده الله على تقدير حسن العمل من المثوبة والزلفى، و قبول الكرامة على الثاني بالعمل الصالح الموجب للفوز بها، وعلى الاول العمل بمقتضاه وبقبولها القبول الحسن اللائق بها، وقرعه كمنعه أي أتاه فجأة وقرع الباب دقه، وقال الاكثر القارعة الموت، ويحتمل القيامة لانها من أسمائها سميت بها، لانها تقرع القلوب بالفزع وأعدها الله للعذاب، أو الداهية التي يستحقها العاصي، يقال: أصابه الله بقارعة أي بداهية تهلكه، وحلولها نزولها واستبدلت الشئ بالشئ أي اتخذت الاول بدلا من الثاني، والمراد بالنظر التدبر والتفكر، والظرف في قوله في " منزل " متعلق بالمقام، و " حتى " لانتهاء غاية المقام، أي الثبات أو الاقامة، أي ليعتبر الانسان بهذه المدة القصيرة، و إقامته القليلة في الدنيا، المنتهية إلى الاستبدال بها واتخاذ غيرها. وقيل: يحتمل أن تكون كلمة " في " لافادة الظرفية الزمانية ويكون قوله " في منزل " متعلقا بالنظر، ومدخول " حتى " علة غائية للنظر، أي لينظر بنظر الاعتبار وليتأمل مدة حياته في الدنيا في شأن ذلك المنزل الفاني حتى تتخذ بدله منزلا لائقا للنزول فالاستبدال حينئذ اتخاذ البدل المستحق لذلك، أو توطين النفس على الارتحال. ورفض المنزل الفاني. " فليصنع " أي فليعمل و " المتحول " بالفتح مكان التحول، وكذلك المنتقل ومعارف المنتقل قيل هي المواضع التي يعرف الانتقال إليها، وقال ابن أبي - الحديد: معارف الدار ما يعرفه المتوسم بها، واحدها معرف، مثل معاهد الدار و معالمها، ومنه معارف المرأة أي ما يظهر منها كالوجه واليدين، وقيل: يحتمل

[316]

أن يكون المراد بمعارف المنتقل ما عرف من أحواله والامور السانحة فيه، فيمكن أن يكون المتحول والمنتقل مصدرين. " من يهديه " يعني نفسه والائمة من ولده عليهم السلام " من يرديه " أي يهلكه بالقائه في مهاوي الجهل والضلالة، والبصر يطلق على الحاسة، ويراد به العلم مجازا وقد يطلق على العلم يقال بصرت بالشئ أي علمته، ويحتمل أن تكون الاضافة لادنى ملابسة أي بالبصر الحاصل للمطيع بتبصير الهادي إياه، والسبب في الاصل الحبل وإغلاق الابواب بالموت، وجوز بعضهم أن يكون الابواب والاسباب عبارة عن نفسه والائمة من ذريته عليهم السلام، فانهم أبواب الفوز والفلاح والاسباب الممدودة من السماء إلى الارض، بهم يصل العبد إلى الله سبحانه، والغلق والقطع كناية عن عدمهم أو غيبتهم عليهم السلام. " واستفتح التوبة " أي طلب فتحها كأنها باب مغلق يطلب فتحها للدخول فيها، ويمكن أن يكون من الاستفتاح بمعنى الاستنصار أي طلب أن تنصره التوبة ومطت كبعت وأمطت أي تنحيت وكذلك مطت غيري وأمطته أي نحيته وقال الاصمعي: مطت أنا وأمطت غيري (1) والحوبة بالفتح الاثم " فقد اقيم على الطريق " أي بهداية الله سبحانه، والنهج بالفتح الطريق الواضح. 33 - مشكوة الانوار: عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: قال الله عزوجل: إن من أغبط أوليائي عندي رجلا خفيف الحال ذا خطر، أحسن عبادة ربه في الغيب، وكان غامضا في الناس، جعل رزقه كفافا فصبر عليه، مات فقل تراثه وقل بواكيه (2). 34 - نهج: من كلام له عليه السلام: قد أحيا عقله، وأمات نفسه، حتى دق جليله، ولطف غليظه، وبرق له لامع كثير البرق، فأبان له الطريق، وسلك به السبيل، وتدافعته الابواب إلى باب السلامة، ودار الاقامة، وثبتت رجلاه بطمأنينة


(1) راجع الصحاح ج 3 ص 1162. (2) مشكوة الانوار ص 22.

[317]

بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه، وأرضى ربه (1). بيان: إحياء العقل بتحصيل المعارف الربانية، وتسليطه على الشيطان والنفس الامارة، وإماتة النفس بجعلها مقهورة للعقل، بحيث لا يكون لها تصرف إلا بحكمه، فكانت في حكم الميت في ارتفاع الشهوات النفسانية كما قيل: موتوا قبل أن تموتوا، ودق الشئ صار دقيقا، وهو ضد الغليظ، والجليل العظيم، ولطف ككرم لطفا ولطافة بالفتح أي صغر ودق وكأن المراد بالجليل البدن، ودقته بكثرة الصيام والقيام، والصبر على المشاق الواردة في الشريعة المقدسة، وبالغليظ النفس الامارة والقوى الشهوانية، ويحتمل العكس والتأكيد أيضا. وبرق كنصر أي لمع أو جاء ببرق، وبرق النجم أي طلع، واللامع هداية الله بالانوار الالهية، والنفحات القدسية، والالطاف الغيبية، وكشف الاستار عن أسرار الكتاب والسنة. وتدافع الابواب يحتمل وجوها: الاول: أنه لم يزل ينتقل من منزلة من منازل قربه سبحانه إلى ما هو فوقه حتى ينتهي إلى مقام إذا دخله كان مستيقنا للسلامة، وهي درجة اليقين، ومنزلة أولياء الله المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الثاني: أنه إذا أدركته التوفيقات الربانية، شرع في طلب الحق وتردد في المذاهب، فكلما تفكر في مذهب من المذاهب الباطلة، دفعته العناية الالهية عن الدخول فيه، فإذا أصاب الحق قر فيه وسكن واطمأن، كما روي عن الصادق عليه السلام إن القلب ليتجلجل (2) في الجوف يطلب الحق فإذا أصابه اطمأن وقر ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام هذه الاية " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " (3) وعنه


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 465 تحت الرقم 218 من الخطب. (2) التجلجل: التحرك مع الصوت. (3) الانعام: 125، والحديث في الكافي ج 2 ص 421.

[318]

عليه السلام قال: إن الله خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الايمان، فإذا أراد استنارة ما فيها، نضحها بالحكمة، وزرعها بالعلم، وزارعها والقيم عليها رب العالمين (1) وعنه عليه السلام قال: إن القلب ليرجج فيما بين الصدر والحنجرة، حتى يعقد على الايمان، فإذا عقد على الايمان قر وذلك قول الله " ومن يؤمن بالله يهد قلبه " (2) قال: يسكن، وسيأتي أمثالها إنشاء الله في باب القلب. الثالث: أن تكون الابواب عبارة عن أسباب القرب من الطاعات، وترك اللذات فان كلا منها باب من أبواب الجنة، فيتنقل منها حتى ينتهي إلى باب الجنة التي هي قرار الامن والراحة. الرابع: أن تكون الابواب عبارة عن اللذات والمطالب النفسانية التي يريد الانسان أن يدخلها بمقتضى طبعه فتمنعه العناية الالهية والعقل السليم عن دخولها حتى ينتهي إلى باب السلامة، وهو باب جنة الخلد في الاخرة، أو الطاعات والعقائد الحقة التي توجب دخولها في الدنيا. الخامس: أن يكون المراد بالابواب طرائق أرباب البدع وأبواب علماء السوء، فيمنعه التوفيق الرباني عن اعتقاد ضلالاتهم والدخول في جهالاتهم حتى يرد باب السلامة، وهو اتباع أئمة الحق صلوات الله عليهم، فانهم أبواب الله إما بالوصول إلى خدمتهم، أو إلى السالكين مسلكهم، والحافظين لاثارهم، ورواة أخبارهم، فتثبت رجلاه على الدين والصراط المستقيم، ولا يفتتن بشبه المغضوب عليهم ولا الضالين، وهو قريب من بعض ما مر وهذا أظهر الوجوه. " وثبات الرجلين " ضد الزلق أو عبارة عن السكون، والطمأنينة بضم الطاء المهملة وفتح الميم وسكون الهمزة السكون، يقال: اطمأن اطمئنانا وطمأنينة، قال الشيخ الرضي رضي الله عنه: مصادر ما زيد فيه من الرباعي نحو تدحرج واحرنجام واقشعرار وأما اقشعر قشعريرة، واطمأن طمأنينة، فهما اسمان واقعان مقام


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 421، والاية في التغابن: 11، والاستشهاد بالاية انما هو على قراءة " يهدء " بالهمز، أو بغير همز بالقلب والحذف.

[319]

المصدر، كما في أنبت نباتا وأعطى عطاء، والقرار بالفتح ما قر فيه الشئ أي سكن ويكون مصدرا، وقرار الامن والراحة الجنة أو ما يوجبهما كما عرفت. 35 - جا: عن المرزباني، عن محمد بن أحمد الكاتب، عن أحمد بن أبي خيثمة عن عبد الملك بن داهر، عن الاعمش، عن عباية الاسدي، عن ابن عباس رحمه الله قال: قال سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، عن قوله تعالى " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (1) فقيل له: من هؤلاء الاولياء ؟ فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هم قوم أخلصوا لله تعالى في عبادته، ونظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، فعرفوا آجلها، حين غر الناس سواهم بعاجلها، فتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم وأماتوا منها ما علموا أنه سيميتهم. ثم قال: أيها المعلل نفسه بالدنيا، الراكض على حبائلها، المجتهد في عمارة ما سيخرب منها، ألم تر إلى مصارع آبائك في البلى ومضاجع أبنائك تحت الجنادل والثرى، كم مرضت بيديك، وعللت بكفيك، تستوصف لهم الاطباء، وتستعتب لهم الاحباء، فلم يغن عنهم غناؤك، ولا ينجع فيهم دواؤك (2). 36 - نهج: قال عليه السلام: إن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا، إذا نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا، ودركهم لها فوتا، أعداء ما سالم الناس، وسلم ما عادى الناس بهم علم الكتاب، وبه علموا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا، لا يرون مرجوا فوق ما يرجون، ولا مخوفا فوق ما يخافون (3). تبيان: مع أن الظاهر اتحاد الراويتين، بينهما اختلاف كثير، وبعض فقرات الرواية الاولى مذكورة في خطبة اخرى سنشير إليها، وقد مر معنى


(1) يونس: 62. (2) مجالس المفيد ص 60. (3) نهج البلاغة ج 2 ص 246 تحت الرقم 432 من الحكم.

[320]

الاخلاص، وباطن الدنيا ما خفي عن أعين الناس من مضارها ووخامة عاقبتها للراغبين إليها، فالمراد بالنظر إليه التفكر فيه، وعدم الغفلة عنه، أو ما لا يلتفت الناس إليه من تحصيل المعارف والقربات فيها، فالمراد بالنظر إليه الرغبة وطموح البصر إليه، وإنما سماه باطنا لغفلة أكثر الناس عنه، ولكونه سر الدنيا وحقيقتها، وغايتها التي خلقت لاجلها، والمراد بظاهرها شهواتها التي تغر أكثر الناس عن التوجه إلى باطنها، والمراد بآجل الدنيا ما يأتي من نعيم الاخرة بعدها اضيف إليها لنوع من الملابسة، أو المراد بآجلها ما يظهر ثمرتها في الاجل من المعارف والطاعات، واطلق الاجل عليه مجازا. " وما علموا أنه سيتركهم " الاموال والاولاد وملاذ الدنيا، والاماتة الاهلاك المعنوي بحرمان الثواب، وحلول العقاب عند الاياب. " وما يميتهم " اتباع الشهوات النفسانية والاتصاف بالصفات الذميمة الدنية وفي الرواية الثانية نسبة الخشية إلى الاماتة والعلم بالترك لان الترك معلوم لا بد منه، بخلاف الاماتة إذ يمكن أن تدركهم رحمة من الله تلحقهم بالسعداء أو للمبالغة في اجتناب المنهيات من الاخلاق والاعمال، بأنهم يتركون ما خشوا أن يميتهم فكيف إذا علموا والاستكثار عد الشئ كثيرا أو جمع الكثير من الشئ، ويقابله الاستقلال بالمعنيين والدرك محركة اللحاق والوصول إلى الشئ يقال: أدركته إدراكا ودركا والضمير في " دركهم " يرجع إلى غيرهم، ويحتمل الرجوع إليهم أيضا. والسلم بالفتح والكسر الصلح يذكر ويؤنث، وفي نسخ النهج بالكسر، و سالمه أي صالحه " وما سالم الناس " ما مالوا إليه من متاع الدنيا وزينتها وملاذها " وما عادى الناس " ما رفضوه من العلوم والعبادات، والرغبة في الاخرة وثوابها و " بهم علم الكتاب " لانه لو لا هم لما علم تفسير الايات، وتأويل المتشابهات وهذه من أوصاف أئمتنا المقدسين صلوات الله عليهم أجمعين، ويحتمل أن تشمل الحفظة لاخبارهم، المقتبسين من أنوارهم، " وبه علموا " لدلالة آيات الكتاب على فضلهم، وشرف منزلتهم كآيات المودة، والتطهير والولاية وغيرها، ولو

[321]

عمم الكلام حتى يدخل فيه العلماء الربانيون، فالمراد به أنه علم فضلهم بالايات الدالة على فضل العلماء كقوله تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (1) و قوله عزوجل " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " (2) وقوله سبحانه " ومن يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا " (3) إلى غير ذلك من الايات، وقيل: " به علموا " لاشتهارهم به عند الناس " وبهم قام الكتاب " أي بهم صارت أحكامه قائمة في الخلق معمولا بها " وبه قاموا " أي ارتفعت منزلتهم،، وفازوا بالزلفى بالعمل بما فيه، أو ببركته انتظم الامر في معاشهم، وقال بعض الشارحين: أي قاموا بأوامره ونواهيه، فلا يكون الباء مثلها في " بهم قام الكتاب " وقال بعضهم: (بهم قام الكتاب) لانهم قرروا البراهين على صدقه وصحته " وبه قاموا " أي باتباع أوامر الكتاب، لانه لو لا تأدبهم بآداب القرآن، وامتثالهم أوامره لما أغنى عنهم علمهم شيئا. " ودون ما يخافون " أي غير ما يخافون من عذاب الاخرة، والبعد من رحمة الله، وفي بعض النسخ " فوق ما يخافون ". قوله عليه السلام " أيها المعلل نفسه " أقول: بعض هذه الفقرات مذكورة في كلام له عليه السلام ذكره حين سمع رجلا يذم الدنيا كما سيأتي وقال الجوهري: علله بالشئ أي لهاه به كما يعلل الصبي بشئ من الطعام يتجزأ به عن اللبن، يقال: فلان يعلل نفسه بتعلة وتعلل به أي تلهى به وتجزء، وقال: الركض تحريك الرجل، وركضت الفرس برجلي إذا استحثثته ليعدو، ثم كثر حتى قيل: ركض الفرس إذا عدا، والحبائل جمع الحبالة وهي التي يصاد بها، أي تركض لاخذ ما وقع في الحبائل التي نصبتها في الدنيا، كناية عن شدة الحرص في تحصيل متمنياتها أو المعنى نصب لك الشيطان مصائد فيها، ليصطادك بها، وأنت تركض إليها حتى


(1) فاطر: 28. (2) الزمر: 9. (3) البقرة: 269.

[322]

تقع فيها جهلا وغرورا. " المجتهد في عمارة ما سيخرب منها " أي تسعى بغاية جهدك في عمارة ما تعلم أنه آئل إلى الخراب ولا تنتفع به، ثم بين عليه السلام ما يمكن أن يستدل به على خرابها وعدم بقائها بقوله: " ألم تر إلى مصارع آبائك " يقال: صرع فلان من دابته على صيغة المجهول أي سقط، وصرعه أي طرحه على الارض، والموضع مصرع، والثرى بالفتح الندى أو التراب الندي وفي المصباح: بلي الثوب يبلى من باب تعب بلى بالكسر والقصر وبلاء بالفتح والمد خلق فهو بال، وبلي الميت أفنته الارض، وقوله: " في البلى " كأنه حال عن آبائك وفي النهج " متى استهوتك أم متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع امهاتك تحت الثرى " (1). والجنادل جمع جندل كجعفر، وهي الحجارة، وقال الجوهري: مرضته تمريضا إذا قمت عليه في مرضه (2) والعلة المرض وعلله أي قام عليه في علته يطلب دواءه وصحته ويتكفل باموره، وقال الجوهري: استوصفت الطبيب لدائي إذا سألته أن يصف لك ما تتعالج به (3) انتهى والاستعتاب الاسترضاء، كناية عن طلب الدعاء أو رضاهم إذا كانت لهم موجدة، وفي بعض النسخ تستغيث وهو أظهر، وفي القاموس أغنى عنه غناء فلان ومغناه ناب عنه وأجزأ مجزأه (4) وقال الراغب: أغنى عنه كذا إذا اكتفاه قال تعالى: " ما أغنى عنه ماله وما كسب " " ما أغنى عني ماليه " وقال: " لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم " " ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " وقال: " لا يغني من اللهب " (5) وفي القاموس نجع الطعام كمنع نجوعا هنأ


(1) راجع نهج البلاغة ج 2 ص 173، تحت الرقم 131 من الحكم. (2) الصحاح ص 1106. (3) المصدر: 1439. (4) القاموس ج 4 ص 371. (5) مفردات غريب القرآن ص 366، والايات في المسد: 2، الحاقة: 28، آل عمران: 10 و 116، الشعراء: 207، المرسلات: 31، على الترتيب.

[323]

آكله، والعلف في الدابة والوعظ والخطاب فيه دخل فأثر كأنجع ونجع (1). 37 - نهج: طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه، وعزل عن الناس شره، ووسعته السنة، ولم ينسب إلى بدعة (2). قال السيد رضي الله عنه: ومن الناس من ينسب هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله. بيان: الذلة في النفس التواضع ضد الاعجاب والترفع، وطيب الكسب أن لا يكون مكسبه من الطرق المحرمة والمكروهة ومواضع الشبهة، " وصلحت " كمنعت أو كحسنت باختلاف النسخ وسريرة الرجل وسره باطنه، وصلاحها ترك النفاق وإضمار الشر، والخلو عن الحسد وغيره والخليقة الطبيعة، وإنفاق الفضل من المال أن لا يمسك لنفسه إلا الكفاف، وإمساك الفضل من الكلام: الاقتصار على ما يعنيه، وعزله كنصره أي نحاه وأبعده " ووسعته السنة " أي لم تتضيق عليه حتى يخرج إلى البدعة وطلبها، وذلك الخروج إما في الاعتقاد، لعدم الرضا بالسنة، وهو مضاد للايمان كما قال سبحانه: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك " (3) الاية وإما في العمل لميل النفس الامارة إلى الباطل، واتباع الشهوات، وهو معصية منافية لكمال الايمان. 38 - عدة الداعي: روى شعيب الانصاري وهارون بن خارجة قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن موسى صلوات الله عليه انطلق ينظر في أعمال العباد، فأتى رجلا من أعبد الناس فلما أمسى حرك الرجل شجرة إلى جنبه فإذا فيها رمانتان، قال: فقال: يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح، أنا ههنا منذ ما شاء الله ما أجد في هذه الشجرة إلا رمانة واحدة، ولو لا أنك عبد صالح ما وجدت رمانتين، قال عليه السلام:


(1) القاموس ج 3 ص 87. (2) نهج البلاغة ج 2 ص 170 تحت الرقم 123 من الحكم. (3) النساء: 65.

[324]

أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران، قال: فلما أصبح قال: تعلم أحدا أعبد منك ؟ قال: نعم، فلان الفلاني. قال: فانطلق إليه فإذا هو أعبد منه كثيرا فلما أمسى اوتي برغيفين وماء فقال: يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء الله وما اوتى إلا برغيف واحد، ولو لا أنك عبد صالح ما اوتيت برغيفين، فمن أنت ؟ قال: أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران، ثم قال موسى: هل تعلم أحدا أعبد منك ؟ قال: نعم، فلان الحداد (1) في مدينة كذا وكذا. قال: فأتاه فنظر إلى رجل ليس بصاحب عبادة، بل إنما هو ذاكر لله تعالى وإذا دخل وقت الصلاة قام فصلى، فلما أمسى نظر إلى غلته فوجدها قد اضعفت قال: يا عبد الله من أنت إنك عبد صالح أنا ههنا منذ ما شاء الله غلتي قريب بعضها من بعض والليلة قد اضعفت فمن أنت ؟ قال: أنا رجل أسكن أرض موسى بن عمران قال: فأخذ ثلث غلته فتصدق بها، وثلثا أعطى مولى له، وثلثا اشترى به طعاما فأكل هو وموسى. قال: فتبسم موسى عليه السلام فقال: من أي شئ تبسمت ؟ قال: دلني نبي بني إسرائيل على فلان فوجدته من أعبد الخلق فدلني على فلان فوجدته أعبد منه فدلني فلان عليك وزعم أنك أعبد منه، ولست أراك شبه القوم، قال: أنا رجل مملوك أليس تراني ذاكرا لله، أو ليس تراني اصلي الصلاة لوقتها، وإذا أقبلت على الصلاة أضررت بغلة مولاي، وأضررت بعمل الناس، أتريد أن تأتي بلادك ؟ قال: نعم، قال: فمرت به سحابة فقال الحداد: يا سحابة تعالي ! قال: فجاءت قال: أين تريدين ؟ قالت اريد أرض كذا وكذا، قال: انصرفي، ثم مرت به اخرى فقال: يا سحابة تعالي ! فجاءته فقال: أين تريدين ؟ قالت اريد أرض كذا وكذا، قال: انصرفي ثم مرت به اخرى فقال: يا سحابة تعالي ! فجاءته فقال: أين تريدين ؟ قالت: اريد أرض موسى بن عمران، قال: فقال احملي هذا حمل رفيق، وضعيه في


(1) الظاهر لما يأتي من قوله " أضررت بغلة مولاى " أن يكون فدانا، وهو الدهقان.

[325]

أرض موسى بن عمران وضعا رفيقا. قال: فلما بلغ موسى بلاده قال: يا رب بما بلغت هذا ما أرى ؟ قال: إن عبدي هذا يصبر على بلائي، ويرضى بقضائي، ويشكر نعمائي. 39 - نهج من كلام له عليه السلام عند تلاوته: " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " (1) قال: إن الله سبحانه جعل الذكر جلاء للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عباد ناجاهم في فكرهم، وكلمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الاسماع والابصار والافئدة، يذكرون بأيام الله، ويخوفون مقامه، بمنزلة الادلة في الفلوات، من أخذ القصد حمدوا إليه طريقة، وبشروه بالنجاة ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق وحذروه من الهلكة. وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات وإن للذكر لاهلا أخذوه من الدنيا بدلا، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه، يقطعون به أيام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين، ويأمرون بالقسط، ويأتمرون به، وينهون عن المنكر، ويتناهون عنه، فكأنما قطعوا الدنيا إلى الاخرة وهم فيها، فشاهدوا ما وراء ذلك، فكأنما اطلعوا غيوب أهل البرزخ في طول الاقامة فيه، وحققت القيامة عليهم عداتها، فكشفوا غطاء ذلك لاهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون. فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، وقد نشروا دواوين أعمالهم، وفرغوا لمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة، امروا بها فقصروا عنها، ونهوا عنها ففرطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم، فضعفوا عن الاستقلال بها، فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون إلى ربهم من مقام ندم واعتراف، لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دجى، قد حفت بهم الملائكة


(1) النور: 37.

[326]

ونزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، واعدت لهم مقاعد الكرامات في مقام اطلع الله عليهم فيه فرضي سعيهم، وحمد مقامهم، يتنسمون بدعائه روح التجاوز، رهائن فاقة إلى فضله، واسارى ذلة لعظمته جرح طول الاسى قلوبهم، وطول البكاء عيونهم، لكل باب رغبة إلى الله منهم يد قارعة بها يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه الراغبون، فحاسب نفسك لنفسك، فان غيرها من الانفس لها حسيب غيرك (1). تبيين: اللهو اللعب، وألهاني الشئ أي شغلني، والذكر يطلق على اللساني والقلبي ولعل الظاهر من الكلمات الاتية أن المراد به ما يعم ذكره باللسان: بالانذار عن عقابه سبحانه والبشارة بثوابه والامر بطاعته والنهي عن معصيته وبالقلب: بمحاسبة النفس في طاعته ومعصيته، والاقدام على طاعته بذكر رحمته والانتهاء عن معصيته بذكر غضبه، والاعتراف بالذنب والندم على المخالفة، فان الجميع مما ينبعث عن ذكره سبحانه بالقلب بالعظمة والجلال والمهابة والانعام والاكرام. وجلا فلان السيف والمرآة جلوا بالفتح وجلاء ككساء أي صقلهما، والوقر الثقل في الاذن وذهاب السمع كله، والعشوة المرة من العشا بالفتح والقصر أي سوء البصر بالليل والنهار أو العمى، وقيل: أن لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار وبرح فلان مكانه كفرح أي زال عنه، وما برح أي دائما " وعزت آلاؤه " أي عظمت وكرمت نعمه وعطاياه، والبرهة بالضم كما في النسخ وبالفتح أيضا المدة أو الزمان الطويل، والفتره بالفتح ما بين كل نبيين من الزمان، وقيل انقطاع الوحي والمناجاة: المخاطبة سرا " في الكفر " أي الالهام، " وكلمهم في ذات عقولهم " أي في الباطن خفيا كما قيل في قوله تعالى " والله عليم بذات الصدور " (2) أي بنفس الصدور، أي ببواطنها وخفياتها والمصباح السراج، واستصبح أي استسرج، ونور


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 473 تحت الرقم 220 من الخطب. (2) آل عمران: 154.

[327]

اليقظة في الاسماع: الاستماع للحكم والمواعظ، وكل كلام نافع في الدين والدنيا والعبرة بسماع أحوال الماضين، وترك الاصغاء إلى الملاهي، وكل كلام باطل وفي الابصار: النظر بعين العبرة، والاستدلال بآثار الصنع على العلم والقدرة، لا بعين الالتذاذ والميل إلى المحرمات، والرغبة في زهرات الدنيا، وفي الافئدة: التفكر في آيات القدرة وكلام الله عزوجل وأحكامه، والحكم والمسائل الدينية، والتفكر فيما نزل بالماضين، وعاقبة المحسنين والمسيئين، وترك الاشتغال بالافكار الباطلة وما يلهي عن ذكر الله عزوجل. " يذكرون بأيام الله " إشارة إلى قوله تعالى " وذكرهم بأيام الله " (1) وقيل: معناه وقايع الله في الامم الخالية، وإهلاك من هلك منهم، وأيام العرب حروبها، وقيل: أي بنعمه وآلائه، وروي عن الصادق عليه السلام أنه يريد بأيام الله سننه وأفعاله في عباده من إنعام وانتقام، وهو القول الجامع، ومقام الله كناية عن عظمته وجلالته المستلزمة للهيبة والخوف، وقيل في قوله تعالى " ولمن خاف مقام ربه جنتان " (2) أي مقامه بين يدي ربه للحساب. والفلاة المفازة لا ماء فيها أو الصحراء الواسعة، والقصد الرشد واستقامة الطريق وضد الافراط والتفريط " وحمدوا إليه " أي منهيا أو متوجها ونحو ذلك كقولهم في أوائل الكتب " أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو " وكذلك " ذموا إليه " والهلكة بالتحريك والهلكاء الهلاك وهلكة هلكاء توكيد. والتجارة ككتابة الاسم من قولك تجر فلان كنصر، واتجر أي باع و اشترى، وقيل: التجارة المعاملة الرابحة، وذكر البيع بعد التجارة مبالغة بالتعميم بعد التخصيص، إن اريد به مطلق المعاوضة، أو بأفراد ما هو أعم من قسمي التجارة فان الربح يتوقع بالشرى ويتحقق بالبيع، وهذا بناء على أن يكون كل من الامرين قسما منها لا جزءا وقيل المراد: بالتجارة الشرى فانه أصلها ومبدؤها.


(1) ابراهيم: 5. (2) الرحمن: 46. (*)

[328]

وهتفت الحمامة كضربت أي صاتت، وهتف به هتافا بالضم أي صاح به ودعاه، وهتف به هاتف أي سمع صوته ولم ير شخصه وفي بعض النسخ " يهتفون " بدون حرف العطف، والقسط بالكسر العدل، يقال: قسط كضرب ونصر وأقسط ويقال قسط قسطا كضرب ضربا أي جاز وعدل عن الحق فهو من الاضداد، و تناهى عن الامر وانتهى عنه أي امتنع. قوله عليه السلام " إلى الاخرة " أي منتهين أو واصلين إليها، وفي بعض النسخ: " وكأنما " بالواو في الموضعين " وغيوب أهل البرزخ " ما غاب عن الناس من أحوالهم والوعد يستعمل في الخير والشر يقال: وعدته خيرا ووعدته شرا فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير الوعد وفي الشر الايعاد، وكشف الغطاء عن العداة بيانها لهم على أوضح وجه، والمقاوم جمع مقام، وشهده كسمعه أي حضره، و الديوان بالكسر وقد يفتح مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وقيل: جريدة الحساب، ويطلق على موضع الحساب وهو معرب. " وفرغوا لمحاسبة أنفسهم " أي فرغوا عن سائر الاشغال، وتركوها لمحاسبة أنفسهم " وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم " أي تدبروا في ثقل الاثام والمعاصي، و طاقة حملهم، فأذعنوا بأن ثقلها يزيد عن قوتهم ولا يطيقون حملها وعذابها، و الاستقلال بالشئ الاستبداد والانفراد به، واستقل القوم أي مضوا وارتحلوا، و استقله أي حمله ورفعه. ونشج الباكي كضرب نشيجا أي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب " وتجاوبوا " أي جاوب بعضهم بعضا، والنحيب أشد البكاء، والظاهر من التجاوب أن نشر الدواوين ومحاسبتهم أنفسهم في مجمعهم ومحضرهم كما هو الظاهر من لفظ المشهودة في أول الكلام، لا أن يحاسب كل واحد نفسه علاحدة، ويحتمل التجوز في لفظ التجاوب، وعج كضر كما في النسخ وكعض (1) عجا وعجيجا أي صاح ورفع صوته " لرأيت " الجملة جزاء للشرط السابق، والدجى جمع دجية بالضم


(1) يعنى من بابى ضرب وعلم.

[329]

أي الظلمة. " وحفت بهم " أي أحاطت وطافت حولهم. والسكينة الطمأنينة والمهابة والوقار ولعل المراد به اليقين الذي تسكن به نفوسهم، وتطمئن قلوبهم، فلا يتزلزل لشبهة أو لما أصابها من فتنة كما قال عزوجل " ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه " (1). " وأبواب السماء " الابواب التي تنزل منها الرحمة أو تصعد الاعمال الصالحة وأعده إعدادا هيأه وأحضره، والنسم محركة نفس الريح، إذا كان ضعيفا كالنسيم وتنسم أي تنفس وتنسم النسيم أي تشممه، والروح بالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح، والمعنى يدعون ويتوقعون بدعائه تجاوزه عن ذنوبهم، والرهينة والمرتهنة الرهن، والاسى الحزن، وأبواب الرغبة كلما يتقرب به إلى الله، واليد القارعة تطرق هذه الابواب بالتقرب بها إلى الله تعالى، والندح بالفتح والضم الارض الواسعة، والمنادح المفاوز، و " عليه " متعلق بيخيب على تضمين معنى القدوم والوفود ونحو ذلك، والحسيب المحاسب، والمراد إما أسرع الحاسبين أو كل أحد من المكلفين، فانه مكلف بأن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب في موقف الحساب. 40 - نهج: ومن دعاء له عليه السلام: اللهم إنك آنس الانسين بأوليائك، و أحضرهم بالكفاية للمتوكلين عليك، تشاهدهم في سرائرهم، وتطلع عليهم في ضمائرهم وتعلم مبلغ بصائرهم، فأسرارهم لك مكشوفة، وقلوبهم إليك ملهوفة، إن أوحشتهم القربة آنسهم ذكرك، وإن صبت عليهم المصائب لجئوا إلى الاستجارة بك، علما بأن أزمة الامور بيدك، ومصادرها عن قضائك، اللهم إن فههت عن مسئلتي أو عمهت عن طلبتي، فدلني على مصالحي، وخذ بقلبي إلى مراشدي، فليس ذلك بنكر من هداياتك، ولا ببدع من كفاياتك، اللهم احملني على عفوك، ولا تحملني


(1) الحج: 11.

[330]

على عدلك (1). بيان: إنما أوردت هذا الدعاء لانه من مناجاة أولياء الله، ومشتمل على كثير من صفاتهم المختصة بهم، رزقنا الله الوصول إلى درجتهم قوله عليه السلام " بأوليائك " في بعض النسخ " لاوليائك " وقال بعضهم الباء أنسب أي أنت أكثرهم انسا بأوليائك وعطفا وتحننا عليهم " وأحضرهم بالكفاية " الحضور ضد الغيبة، والحضر بالضم والاحضار ارتفاع الفرس في عدوه، قيل: أي أبلغهم إحضارا لكفاية المتوكلين وأقومهم بذلك، وقيل أي أسرعهم إحضارا لما استعد منهم من الكمال، والاظهر أن المعنى أشدهم وأكثرهم حضورا عند الكفاية، فانه لا يغيب عن كفايتهم، ولا يعزب عن علمه شئ، وقيل: الكفاية بيان للحضور. والكافي من يقوم بالامر، ويحصل به الاستغناء عن الغير، وتوكل على الله أي اعتمد عليه ووثق به، والبصيرة المعرفة وعقيدة القلب والفطنة وقيل: البصائر العزائم، والملهوف المكروب، والمظلوم المستغيث أي قلوبهم مستغيثة راغبة عند الكرب والحاجة إليك، والمستجير الذي يطلب الامان أو الحفظ، وفهه كفرح أي عيي، وعمه كفرح أيضا أي تردد في الضلال أو تحير في منازعة أو طريق أو لم يعرف الحجة، والمراشد مقاصد الطريق أي ما فيه الاستقامة والفوز بالمقصد " وخذ بقلبي إلى مراشدي " أي جره إليها، والنكر العجيب، والبدع بالكسر الامر المبتدع، أي لم يعهد مثله " واحملني على عفوك " أي عاملني يوم الجزاء بعفوك.


(1) نهج البلاغة ج 1 ص 484 تحت الرقم 225 من الخطب.

[331]

* الجزء الثاني * من كتاب الايمان والكفر (أبواب) مكارم الاخلاق

[332]

بسم الله الرحمن الرحيم ابواب مكارم الاخلاق أقول: وسيجئ ما يناسب هذه الابواب في كتاب العشرة وفى كتاب الاداب والسنن ايضا انشاء الله تعالى 38 * (باب) * جوامع المكارم وآفاتها وما يوجب الفلاح والهدى الايات البقرة: الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون * اولئك على هدى من ربهم و اولئك هم المفلحون (1). وقال تعالى: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي اوف بعهدكم وإياى فارهبون * وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياى فاتقون * ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون * وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة


(1) البقرة: 1 - 5.

[333]

واركعوا مع الراكعين * أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون * واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون (1). وقال سبحانه: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون (2). وقال سبحانه: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلوة وآتى الزكوة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين الباس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون (3). وقال تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله اولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم (4). وقال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (5). آل عمران: الذين يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار (6). وقال تعالى:... من أهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم


(1) البقرة: 40 - 45. (2) البقرة: 83. (3) البقرة: 177. (4) البقرة: 218. (5) البقرة: 277. (6) آل عمران: 16 - 17.

[334]

يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الاخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات واولئك من الصالحين * وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (1). وقال تعالى: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (2). وقال: إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب * الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربهم أني لا اضيع عمل عامل منكم من ذكر أو انثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب (3). النساء: إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفوا قديرا (4).


(1) آل عمران: 113 - 115. (2) آل عمران: 133 - 136. (3) آل عمران: 190 - 195. (4) النساء: 149.

[335]

وقال تعالى: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك والمقيمين الصلوة والمؤتون الزكوة والمؤمنون بالله واليوم الاخر اولئك سيؤتيهم أجرا عظيما (1). المائدة: واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون إلى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلوة وآتيتم الزكوة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لاكفرن عنكم سيئاتكم ولادخلنكم جنات تجري من تحتها الانهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (2). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم * إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون (3). وقال تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين (4). الاعراف: قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين (5).


(1) النساء: 162. (2) المائدة 7 - 12. (3) المائدة: 54 و 55. (4) المائدة: 93. (5) الاعراف: 128.

[336]

وقال: ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكوة والذينهم بآياتنا يؤمنون إلى قوله سبحانه ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون (1). وقال: والدار الاخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون * والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين (2). الانفال: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (3). التوبة: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى اولئك أن يكونوا من المهتدين. إلى قوله تعالى: الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله واولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (4). وقال تعالى: التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الامرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (5). هود: إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات اولئك لهم مغفره وأجر كبير (6). وقال تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون * مثل الفريقين كالاعمى والاصم والسميع


(1) الاعراف 156 - 159. (2) الاعراف: 169. (3) الانفال: 1. (4) براءة: 18 - 22. (5) براءة: 112. (6) هود: 11.

[337]

والبصير هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (1). الرعد: الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء ربهم وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة اولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملئكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (2). وقال تعالى: ويهدي إليه من أناب * الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (3). النحل: إن إبراهيم كان امة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا لانعمه اجتبيه وهداه إلى صراط مستقيم (4). مريم: إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (5). طه: وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (6). الانبياء: وكلا جعلنا صالحين * وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكوه وكانوا لنا عابدين (7).


(1) هود: 23 و 24. (2) الرعد: 18 - 22. (3) الرعد: 27 - 29. (4) النحل: 121 و 122. (5) مريم: 60. (6) طه: 82. (7) الانبياء: 72 و 73.

[338]

وقال تعالى: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (1). الحج: وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلوة ومما رزقناهم ينفقون (2). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سميكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واعتصموا بالله هو موليكم فنعم المولى ونعم النصير (3). النور: ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فاولئك هم الفائزون (4). الفرقان: إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب إلى الله متابا (5). الشعراء: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا (6). النمل: هدى وبشرى للمؤمنين * الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالاخرة هم يوقنون (7).


(1) الانبياء: 90. (2) الحج: 34 و 35. (3) الحج: 77 و 78. (4) النور: 52. (5) الفرقان: 71 و 72. (6) الشعراء: 227. (7) النمل: 2.

[339]

وقال تعالى: إنما امرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وامرت أن أكون من المسلمين * وأن أتلو القرآن (1). العنكبوت: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (2). لقمان: هدى ورحمة للمحسنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالاخرة هم يوقنون * اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون (3). وقال: يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور * ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور * واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير (4). وقال تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن، فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور (5). الاحزاب: إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات و المتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين لفروجهم والحافظات و الذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما (6). فاطر: إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم


(1) النمل 91. (2) العنكبوت: 58 - 59. (3) لقمان: 3 - 5. (4) لقمان: 17 - 19. (5) لقمان: 22. (6) الاحزاب: 35.

[340]

سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور * ليوفيهم اجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (1). الزمر: قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (2). ق: وازلفت الجنة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (3). البلد: فلا اقتحم العقبة * وما أدريك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ذا متربة * ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * اولئك أصحاب الميمنة * والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * عليهم نار مؤصدة (4). تفسير: " هدى للمتقين " قد مر تفسير الايات في الباب الاول من كتاب الايمان والكفر هذا (5). " يا بني إسرائيل " (6) أي ولد يعقوب " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " في تفسير الامام عليه السلام: أن بعثت محمدا وأقررته في مدينتكم ولم أجشمكم الحط والترحال إليه وأوضحت علاماته ودلائل صدقه كيلا يشتبه عليكم حاله " وأوفوا بعهدي " الذي أخذه على أسلافكم أنبياؤهم وأمروهم أن يؤدوه إلى أخلافهم ليؤمنن بمحمد العربي الهاشمي المبان بالايات، والمؤيد بالمعجزات، الذي من آياته علي بن أبي طالب شقيقه ورفيقه، عقله من عقله، وعلمه من علمه، وحلمه من


(1) فاطر: 29 و 30. (2) الزمر: 10. (3) ق: 31 - 33. (4) البلد: 11 - 20. (5) راجع ج 67 ص 17. (6) البقرة: 40.

[341]

حلمه، مؤيد دينه بسيفه " اوف بعهدكم " الذي أوجبت به لكم نعيم الابد في دار الكرامة " وإياي فارهبون " في مخالفة محمد، فاني القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي، وهم يقدرون على صرف انتقامي عنكم إذا آثرتم مخالفتي. وروى العياشي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال: أوفوا بولاية علي فرضا من الله اوف لكم بالجنة (1). أقول: والاية عامة في كل عهد على كل أحد وقال علي بن إبراهيم: قال رجل للصادق عليه السلام: يقول الله: " ادعوني أستجب لكم " وإنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟ فقال: إنكم لا تفون لله بعهده فانه تعالى يقول: " أوفوا بعهدي اوف بعهدكم " والله لو وفيتم لله سبحانه لوفى لكم. " وآمنوا بما أنزلت " على محمد بن ذكر نبوته وإمامة أخيه وعترته " مصدقا لما معكم " فان مثل هذا الذكر في كتابكم " ولا تكونوا أول كافر به " قيل: تعريض بأن الواجب أن تكونوا أول من آمن به لانهم كانوا أهل النظر في معجزاته، والعلم بشأنه، والمستفتحين به، والمبشرين بزمانه. وفي تفسير الامام عليه السلام هؤلاء يهود المدينة جحدوا نبوة محمد وخانوه وقالوا: نحن نعلم أن محمدا نبي وأن عليا وصيه، ولكن لست أنت ذلك ولا هذا، ولكن يأتيان بعد وقتنا هذا بخمسمائة سنة " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " في المجمع عن الباقر عليه السلام في هذه الاية أن حيي بن أخطب وكعب بن الاشرف وآخرين من اليهود كانت لهم مأكلة على اليهود في كل سنة فكرهوا بطلانها بأمر النبي صلى الله عليه واله فحرفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن الذي اريد به في الاية (2) " وإياى فاتقون " في كتمان أمر محمد وأمر وصيه " ولا تلبسوا الحق بالباطل " لا تخلطوه به بأن تقروا به من وجه، وتجحدوه من وجه " وتكتموا الحق " من نبوة هذا وإمامة هذا " وأنتم تعلمون " أنكم تكتمونه تكابرون


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 42. (2) مجمع البيان ج 1 ص 95.

[342]

علومكم وعقولكم " وأقيموا الصلوة " المكتوبة التي جاء بها محمد صلى الله عليه واله وأقيموا أيضا الصلاة على محمد وآله الطاهرين. " وآتوا الزكوة " من أموالكم إذا وجبت، ومن أبدانكم إذا لزمت ومن معونتكم إذا التمست، وفي الاخبار الكثيرة أنها شاملة للفطرة بل نزلت فيها لانها لما نزلت لم يكن للناس أموال وإنما كانت الفطرة " واركعوا مع الراكعين " أي تواضعوا مع المتواضعين لعظمة الله في الانقياد لاولياء الله، وقيل: أي في جماعتهم للصلاة، وقيل: هذا فرد من أفراد ذاك " أتأمرون الناس بالبر " أي بالصدقات وأداء الامانات " وتنسون أنفسكم " تتركونها " وأنتم تتلون الكتاب " أي التوراة الامرة لكم بالخيرات، الناهية عن المنكرات " أفلا تعقلون " ما عليكم من العقاب في ذلك. " واستعينوا بالصبر " قال الامام: أي عن الحرام على تأدية الامانات وعن الرياسات الباطلة على الاعتراف بالحق، واستحقاق الغفران والرضوان ونعيم الجنان وقيل: وعن سائر المعاصي وعلى أصناف الطاعات وأنواع المصيبات على قرب الوصول إلى الجنان، وفي كثير من الاخبار أن الصبر الصيام " والصلاة " قال الامام عليه السلام: الصلوات الخمس والصلاة على النبي وآله الطاهرين، وظاهرها يشمل كل صلاة فريضة ونافلة (14) وفي المجمع والعياشي عن الصادق عليه السلام ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده فيركع ركعتين، فيدعو الله فيها ؟ أما سمعت الله يقول: " واستعينوا بالصبر والصلوة " (1). " وإنها " قال علي بن إبراهيم: يعني الصلاة، وقيل: الاستعانة بهما وقال الامام عليه السلام: إن هذه الفعلة من الصلوات الخمس والصلاة على محمد وآله مع الانقياد لاوامرهم والايمان بسرهم وعلانيتهم، وترك معارضتهم بلم وكيف " لكبيرة " عظيمة، وقيل: ثقيلة شاقة كقوله عزوجل: " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " " إلا على الخاشعين " قال الامام: أي الخائفين عقاب الله في مخالفته


(1) تفسير الامام ص 91. (2) مجمع البيان ج 1 ص 100، تفسير العياشي ج 1 ص 43.

[343]

في أعظم فرائضه " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " في التوحيد والاحتجاج والعياشي عن أمير المؤمنين عليه السلام يوقنون أنهم يبعثون، والظن منهم يقين، وقال عليه السلام: اللقاء البعث والظن ههنا اليقين (1) وفي تفسير الامام عليه السلام يقدرون ويتوقعون أنهم يلقون ربهم اللقاء الذي هو أعظم كرامته لعباده " وأنهم إليه راجعون " إلى كرامته ونعيم جناته، قال: وإنما قال: يظنون لانهم لا يدرون بماذا يختم لهم لان العاقبة مستورة عنهم، لا يعلمون ذلك يقينا لانهم لا يأمنون أي يغيروا أو يبدلوا، قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة ولا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له. " وإذ أخذنا " (2) قال الامام: أي واذكروا إذ أخذنا " ميثاق بني إسرائيل " عهدهم المؤكد عليهم " لا تعبدون إلا الله " لا تشبهوه بخلقه ولا تجوروه في حكمه ولا تعملوا ما يراد به وجهه، تريدون به وجه غيره، قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من شغلته عبادة الله عن مسألته أعطاه أفضل ما يعطي السائلين، وقال الصادق عليه السلام: ما أنعم الله على عبد أجل من أن يكون في قلبه مع الله غيره. " وبالوالدين إحسانا " وأن تحسنوا بهما إحسانا مكافاة عن إنعامهما عليهم وإحسانهما إليهم واحتمال المكروه الغليظ فيهم لترفيههم وقال الامام عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أفضل والديكم وأحقهما بشكركم محمد وعلي وقال علي ابن أبيطالب عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: أنا وعلي أبوا هذه الامة ولحقنا عليهم أعظم من حق أبوي ولادتهم، فانا ننقذهم إن أطاعونا من النار إلى دار القرار، ونلحقهم من العبودية بخيار الاحرار. أقول: وهذا أحد وجوه كون المؤمنين إخوة. " وذي القربى " أي وأن تحسنوا بقراباتهما لكرامتهما، وقال أيضا: هم


(1) الاحتجاج ص 128 و 132، - تفسير العياشي ج 1 ص 44. (2) البقرة: 83.

[344]

قراباتك من أبيك وامك قيل لك: اعرف حقهم كما اخذ العهد به على بني إسرائيل واخذ عليكم معاشر امة محمد معرفة حق قرابات محمد الذين هم الائمة بعده، ومن يليهم بعد من خيار أهل دينهم، قال رسول الله صلى الله عليه واله: من رعى حق قرابات أبويه اعطي في الجنة ألف ألف درجة، ثم فسر الدرجات ثم قال: ومن رعى حق قربى محمد وعلي اوتي من فضائل الدرجات وزيادة المثوبات على قدر زيادة فضل محمد وعلي على أبوي نسبه. " واليتامى " الذين فقدوا آباءهم الكافين لهم امورهم السائقين إليهم قوتهم وغذاءهم المصلحين لهم معاشهم، قال عليه السلام: وأشد من يتم هذا اليتيم يتيم عن إمامه لا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي به من شرائع دينه، ألا فمن كان من شيعتنا عالما بعلومنا، وهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم في حجره، ألا فمن هداه وأرشده وعلمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الاعلى، حدثني بذلك أبي عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه واله. " والمساكين " قال الامام عليه السلام: هو من سكن الضر والفقر حركته، قال ألا فمن واساهم بحواشي ماله وسع الله عليه جنانه، وأناله غفرانه ورضوانه، ثم قال عليه السلام: إن من محبي محمد مساكين مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقر وهم الذين سكنت جوارحهم وضعفت قواهم عن مقابلة أعداء الله، الذين يعيرونهم بدينهم، ويسفهون أحلامهم، ألا فمن قواهم بفقهه وعلمه حتى أزال مسكنتهم ثم سلطهم على الاعداء الظاهرين من النواصب، وعلى الاعداء الباطنين إبليس ومردته، حتى يهزموهم عن دين الله، ويذودوهم عن أولياء آل رسول الله، حول الله تلك المسكنة إلى شياطينهم، وأعجزهم عن إضلالهم، قضى الله بذلك قضاء حقا على لسان رسول الله. " وقولوا للناس " الذين لا مؤنة لهم عليكم " حسنا " عاملوهم بخلق جميل أقول: وسيأتي الكلام في تفسيرها إنشاء الله " وأقيموا الصلوة " قال الامام عليه السلام: باتمام ركوعها وسجودها، وحفظ مواقيتها، وأداء حقوقها التي إذا لم تؤد لم

[345]

يتقبلها رب الخلائق، أتدرون ما تلك الحقوق ؟ هو إتباعها بالصلاة على محمد وعلي وآلهما، منطويا على الاعتقاد بأنهم أفضل خيرة الله، والقوام بحقوق الله، والنصار لدين الله، قال عليه السلام: " وأقيموا الصلوة " على محمد وآله عند أحوال غضبكم ورضاكم وشدتكم ورخائكم، وهمومكم المعلقة بقلوبكم " وآتوا الزكوة " من المال والجاه وقوة البدن " ثم توليتم " أيها اليهود عن الوفاء بالعهد الذي أداه إليكم أسلافكم " إلا قليلا منكم وأنتم معرضون " عن ذلك العهد، تاركين له غافلين عنه. " ليس البر " (1) قال الامام عليه السلام: يعني يا محمد قل: ليس البر أي الطاعة التي تنالون بها الجنان، وتستحقون بها الغفران والرضوان " أن تولوا وجوهكم " بصلاتكم " قبل المشرق " يا أيها النصارى " و " قبل " المغرب " يا أيها اليهود وأنتم لامر الله مخالفون وعلى ولي الله مغتاظون " ولكن البر من آمن " قيل: يعني البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله إلى قوله: " وآتى المال على حبه " أي أعطى في الله تعالى المستحقين من المؤمنين على حبه للمال وشدة حاجته إليه يأمل الحياة، ويخشى الفقر لانه صحيح شحيح " ذوي القربى " أعطى قرابة النبي صلى الله عليه واله الفقراء هدية وبرا لا صدقة، لان الله أجلهم عن الصدقة، وأعطى قرابة نفسه صدقة وبرا " واليتامى " من بني هاشم الفقراء برا لا صدقة، ويتامى غيرهم صدقة وصلة " والمساكين " مساكين الناس " وابن السبيل " المجتاز المنقطع به لا نفقة معه " والسائلين " الذين يتكففون " وفي الرقاب " وفي تخليصها يعني المكاتبين يعينهم ليؤدوا حقوقهم فيعتقوا " وأقام الصلوة " بحدودها " وآتى الزكوة " الواجبة عليه لاخوانه المؤمنين " والموفون بعهدهم إذا عاهدوا " قيل: عطف على من آمن يشمل عهد الله والناس " والصابرين " نصبه على المدح لفضل الصبر على سائر الاعمال " في البأساء " يعني في محاربة الاعداء ولا عدو يحاربه أعدى من إبليس ومردته، يهتف به ويدفعه وإياهم بالصلاة على محمد وآله الطيبين " والضراء "


(1) البقرة: 177.

[346]

الفقر والشدة " وحين البأس " عند شدة القتال يذكر الله ويصلي على رسول الله وعلى علي ولي الله يوالي بقلبه ولسانه أولياء الله، ويعادي كذلك أعداءه " اولئك الذين صدقوا في إيمانهم " وصدقوا أقاويلهم بأفاعيلهم " واولئك هم المتقون " لما امروا باتقائه. قيل: الاية كما ترى جامعة للكمالات الانسانية بأسرها، دالة عليها صريحا أو ضمنا فانها بكثرتها وتشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس، وقد اشير إلى الاول بقوله " من آمن - إلى - والنبيين " وإلى الثاني بقوله " وآتى المال - إلى - وفي الرقاب " وإلى الثالث بقوله " وأقام الصلاة " إلى آخرها، ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق وإليه أشار النبي صلى الله عليه واله بقوله من عمل بهذه الاية فقد استكمل الايمان. وأقول: ما لم ننسب إلى تفسير مخصوص ولم نصدر بقيل فهو من تفسير الامام عليه السلام. " إن الذين آمنوا والذين هاجروا " (1) قيل: نزلت في قصة ابن جحش وأصحابه وقتلهم ابن الحضرمي في رجب حين ظن قوم أنهم إن سلموا من الاثم فليس لهم أجر. " وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة " (2) قيل: عطفهما على ما يعمهما لانافتهما على سائر الاعمال الصالحة " ولا خوف عليهم " من آت " ولا هم يحزنون " على فائت. " الذين يقولون - إلى قوله - بالاسحار " (3) قيل: حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب، فان معاملته مع الله إما توسل وإما طلب، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل، والصبر يشملهما، وإما بالبدن وهو إما قولي


(1) البقرة: 218. (2) البقرة: 277. (3) آل عمران: 16 و 17. (*)

[347]

وهو الصدق، وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة وإما بالمال وهو الانفاق في سبيل الخير وأما الطلب فالاستغفار لان المغفرة أعظم المطالب، بل الجامع لها وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كل واحدة وكمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها وتخصيص الاسحار لان الدعاء فيها أقرب إلى الاجابة، لان العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع، سيما للمتهجدين قيل إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون، وفي المجمع عن الصادق عليه السلام هم المصلون وقت السحر، وقال: من استغفر سبعين مرة في وقت السحر فهو من أهل هذه الاية (1) وستأتي الاخبار في ذلك في محله إنشاء الله. " امة قائمة " (2) أي على الحق وهم الذين أسلموا منهم " يتلون " ألخ أي يتلونها في تهجدهم " يؤمنون بالله " وصفهم بصفات ليست في اليهود فانهم منحرفون عن الحق غير متعبدين بالليل مشركون بالله ملحدون في صفاته واصفون اليوم الاخر بخلاف صفته، مداهنون في الاحتساب، متباطئون عن الخيرات " فلن تكفروه " أي فلن يضيع ولا ينقص ثوابه، ولا ينافي ذلك ما سيأتي في الخبر أن المؤمن مكفر، فان المراد به أنه لا يشكره الناس " والله عليم بالمتقين " قيل: بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدء الخير وحسن العمل. " وسارعوا " (3) أي بادروا " إلى مغفرة " أي إلى أسباب المغفرة وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام إلى أداء الفرائض " وجنة عرضها السماوات والارض " عن الصادق عليه السلام إذا وضعوهما كذا وبسط يديه إحداهما مع الاخرى " اعدت للمتقين " في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام فانكم لن تنالوها إلا بالتقوى " الذين ينفقون في السراء والضراء " أي في حالتي الرخاء والشدة، يعني ينفقون في أحوالهم كلها ما تيسر لهم من قليل أو كثير " والكاظمين الغيظ " الممسكين عليه الكافين عن إمضائه


(1) مجمع البيان ج 2 ص 419. (2) آل عمران: 113 - 115. (3) آل عمران: 133 - 136.

[348]

مع القدرة " والعافين عن الناس " التاركين عقوبة من استحق مؤاخذته " والله يحب المحسنين " قيل: يحتمل الجنس ويدخل تحته هؤلاء، والعهد فتكون الاشارة إليهم، في المجمع روي أن جارية لعلي بن الحسين عليهما السلام جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الابريق من يدها فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية: إن الله يقول " والكاظمين الغيظ " فقال لها كظمت غيظي، قالت " والعافين عن الناس " قال عفى الله عنك، قالت " والله يحب المحسنين " قال اذهبي فأنت حرة لوجه الله (1) " والذين إذا فعلوا فاحشة " أي سيئة بالغة في القبح كالزنا " أو ظلموا أنفسهم " قيل: بأن أذنبوا أي ذنب كان، وقيل الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة وقيل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك وقيل: " أو ظلموا " أي أذنبوا ذنبا أعظم من الزنا " فاستغفروا لذنوبهم " بالندم والتوبة " ومن يغفر الذنوب إلا الله " استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين، والمراد به وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة، والحث على الاستغفار والوعد بقبول التوبة " ولم يصروا على ما فعلوا " أي ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين، وسيأتي معنى الاصرار في بابه إنشاء الله " وهم يعلمون " أي ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به " ونعم أجر العاملين " أي المغفرة والجنات، وفي المجالس عن الصادق عليه السلام قال: لما نزلت هذه الاية صعد إبليس جبلا فصرخ بأعلا صوته بعفاريته فاجتمعوا إليه فقالوا يا سيدنا لما دعوتنا ؟ قال: نزلت هذه الاية فمن لها ؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، قال: لست لها، فقام آخر فقال مثل ذلك فقال: لست لها، فقال الوسواس الخناس: أنالها، قال: بماذا ؟ قال: أعدهم وامنيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فإذا واقعوا الخطيئة أنسيتهم الاستغفار فقال: أنت لها فوكله بها إلى يوم القيامة (2) وسيأتي قصة بهلول النباش في ذلك عند ذكر قصص الخائفين (3) " لايات لاولي


(1) مجمع البيان ج 2 ص 505. (2) أمالى الصدوق ص 278. (3) أمالى الصدوق ص 27 - 29.

[349]

الالباب " (1) أي لدلائل واضحة على التوحيد وكمال علمه سبحانه وحكمته، ونفاذ قدرته ومشيته لذوي العقول الخالصة عن شوائب الحس والوهم " الذين يذكرون الله " في جميع الاحوال، وعلى جميع الهيئات، وعن الصادق عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله من أكثر ذكر الله أحبه الله (2) وعن الباقر عليه السلام " قياما " الصحيح يصلي قائما " وقعودا " المريض يصلي جالسا و " على جنوبهم " الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلي جالسا، وعنه عليه السلام لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر الله قائما أو جالسا أو مضطجعا إن الله يقول: " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " (3). " ويتفكرون في خلق السماوات والارض " ويعتبرون بهما وستأتي الاخبار في فضل التفكر " ربنا ما خلقت هذا " الخلق " باطلا " عبثا ضائعا من غير حكمة يعني يقولون ذلك " سبحانك " تنزيها لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض " فقنا عذاب النار " للاخلال بالنظر فيه والقيام بما يقتضيه " وما للظالمين من أنصار " وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم صار سببا لادخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص، وروى العياشي عن الباقر عليه السلام ما لهم من أئمة يسمونهم بأسمائهم (1) " ربنا إننا سمعنا مناديا " هو الرسول صلى الله عليه واله وقيل القرآن " فاغفر لنا ذنوبنا " قيل: أي كبائرنا فانها ذات تبعات وأذناب " وكفر عنا سيئاتنا " فانها مستقبحة، ولكنها مكفرة عن مجتنب الكبائر " وتوفنا مع الابرار " مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم " على رسلك " أي على ألسنتهم، وإنما سألوا ما وعدوا مع أنه لا يخلف الله وعده تعبدا واستكانة، ومخافة أن يكونوا مقصرين في الامتثال " ولا تخزنا يوم القيامة " بأن تعصمنا عما يقتضي الخزي " إنك لا تخلف الميعاد " باثابة المؤمن وإجابة الداعي، وتكرير " ربنا " للمبالغة


(1) آل عمران: 190 - 195. (2) الكافي ج 2 ص 500. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 211. (4) المصدر نفسه ج 1 ص 211.

[350]

في الابتهال، والدلالة على استقلال المطالب وعلو شانها، وفي المجمع: عن النبي صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الاية قال: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل ما فيها (1). " فاستجاب لهم ربهم " إلى طلبتهم " أني لا اضيع عمل عامل - إلى قوله: - بعضكم من بعض " لان الذكر من الانثى، والانثى من الذكر، أو لانهما من أصل واحد، أو لفرط الاتصال والاتحاد، ولاتفاقهم في الدين والطاعة، وهو اعتراض " فالذين هاجروا " الاوطان والعشائر في الدين " واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي " بسبب إيمانهم بالله ومن أجله " وقاتلوا " الكفار " وقتلوا " في الجهاد. في مجالس الصدوق أن أمير المؤمنين عليه السلام لما هاجر من مكة إلى المدينة ليلحق بالنبي وقد قارع الفرسان من قريش، ومعه فاطمة بنت أسد وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وفاطمة بنت الزبير، فسار ظاهرا قاهرا حتى نزل ضجنان فلزم بها يوما وليلة، ولحق به نفر من ضعفاء المؤمنين، وفيهم ام أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه واله وكان يصلي ليلته تلك هو والفواطم، ويذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فلن يزالوا كذلك حتى طلع الفجر فصلى عليه السلام بهم صلاة الفجر ثم سار لوجهه، فجعل وهن يصنعون ذلك منزلا بعد منزل يعبدون الله ويرغبون إليه كذلك حتى قدم المدينة وقد نزل الوحي بما كان من شأنهم قبل قدومهم، " الذين يذكرون الله " الايات " قوله: من ذكر أو انثى " الذكر علي والانثى الفواطم " بعضكم من بعض " يعني علي من فاطمة أو قال: الفواطم وهن من على (2). وأقول: ظاهر الاية يشمل كل من اتصف بهذه الصفات. " إن تبدوا خيرا " (3) أي تظهروه " أو تعفوا " عن سوء مع قدرتكم على


(1) مجمع البيان ج 2 ص 554. (2) أمالى الصدوق ص... (3) النساء: 149.

[351]

الانتقام وهو المقصود ذكره وما قبله تمهيد له، ولذا رتب عليه قوله: " فان الله كان عفوا قديرا " لم يزل يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام. " لكن الراسخون في العلم منهم " (1) قالوا أي من اليهود كعبد الله بن سلام وأصحابه " والمؤمنون ": أي منهم أو من المهاجرين والانصار " يؤمنون " خبر المبتدأ " والمقيمين الصلوة " قيل: نصب على المدح، أو عطف على " ما انزل إليك " والمراد بهم الانبياء، وقرئ بالرفع عطفا على الراسخون، أو الضمير في " يؤمنون " أو على أنه مبتدأ والخبر " اولئك سنؤتيهم ". " اولئك سنؤتيهم أجرا عظيما " لجمعهم بين الايمان الصحيح، والعمل الصالح. " واذكروا نعمة الله عليكم " (2) بالاسلام ليذكركم المنعم، ويرغبكم في شكره " وميثاقه الذي واثقكم به " قيل: يعني عند إسلامكم بأن تطيعوا الله فيما يفرضه عليكم سركم أو ساءكم، وفي المجمع عن الباقر عليه السلام أن المراد بالميثاق ما بين لهم في حجة الوداع من تحريم المحرمات وكيفية الطهارة وفرض الولاية وغير ذلك (3)، أقول: وهذا داخل في ذاك. " إذ قلتم سمعنا وأطعنا " قال: علي ابن إبراهيم: لما أخذ رسول الله صلى الله عليه واله الميثاق عليهم بالولاية، قالوا: سمعنا وأطعنا ثم نقضوا ميثاقه " واتقوا الله " في إنساء نعمته ونقض ميثاقه " إن الله عليم بذات الصدور " بخفياتها فضلا عن جليات أعمالكم " قوامين " أي بالحق " لله " خالصا له " شهداء بالقسط " أي العدل " ولا يجرمنكم " أي ولا يحملنكم " شنآن قوم " أي شدة عداوتهم وبغضهم " على أن لا تعدلوا " فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيا مما في قلوبكم " اعدلوا " في أوليائكم وأعدائكم " إن الله خبير بما تعملون " فمجازيكم. " أن يبسطوا " أي يبطشوا " إليكم أيديهم " بالقتل والاهلاك " فكف أيديهم


(1) النساء: 162. (2) المائدة: 7 - 12. (3) مجمع البيان ج 3 ص 168.

[352]

عنكم " منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم قال علي بن إبراهيم: يعني أهل مكة من قبل فتحها فكف أيديهم بالصلح يوم الحديبية " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " فانه الكافي لايصال الخير ودفع الشر. " اثني عشر نقيبا " كفيلا أمينا شاهدا من كل سبط ينقب عن أحوال قومه، ويفتش عنها، ويعرف مناقبهم " إني معكم " بالنصرة " وآمنتم برسلي " أي صدقتموهم " وعزرتموهم " أي نصرتموهم وقويتموهم " وأقرضتم الله " بالانفاق في سبيله " لاكفرن عنكم سيئاتكم " لاغطينها. " من يرتد منكم عن دينه " (1) جوابه محذوف يعني فلن يضر دين الله شيئا فان الله لا يخلي دينه من أنصار يحمونه، وقال علي بن إبراهيم: هو مخاطبة لاصحاب رسول الله صلى الله عليه واله الذين غصبوا آل محمد حقهم وارتدوا عن دين الله " يحبهم ويحبونه " يحبهم الله ويحبون الله " أذلة على المؤمنين " رحماء عليهم من الذل بالكسر الذي هو اللين، لا من الذل بالضم الذي هو الهوان " أعزة على الكافرين " غلاظ شداد عليهم من عزه إذا غلبه " يجاهدون في سبيل الله " بالقتال لاعلاء كلمة الله وإعزاز دينه " ولا يخافون لومة لائم " فيما يأتون من الجهاد والطاعة، في المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام: هم أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه، حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين (2) " ذلك فضل الله " أي محبتهم لله سبحانه، ولين جانبهم للمؤمنين، وشدتهم على الكافرين تفضل من الله وتوفيق ولطف منه ومنة من جهته " يؤتيه من يشاء " يعطيه من يعلم أنه محل له " والله واسع " جواد لا يخاف نفاد ما عنده " عليم " بموضع جوده وعطائه، ولا ريب في نزول آية " إنما وليكم الله " في أمير المؤمنين عليه السلام وقد مرت الاخبار في ذلك في المجلد التاسع (3). " فيما طعموا " (4) أي من المستلذات أكلا كان أو شربا فان الطعم يعمهما


(1) المائدة: 54 و 55. (2) مجمع البيان ج 3 ص 208. (3) راجع ج 35 ص 183 - 206 من هذه الطبعة الحديثة. (4) المائدة: 93.

[353]

وفي المجمع في تفسير أهل البيت عليهم السلام فيما طعموا من الحلال " إذا ما اتقوا - إلى - المحسنين " قال علي بن إبراهيم: لما نزل تحريم الخمر والميسر والتشديد في أمرهما قال الناس من المهاجرين والانصار: يا رسول الله قتل أصحابنا وهم يشربون الخمر وقد سماه الله رجسا وجعلها من عمل الشيطان ؟ وقد قلت ما قلت أفيضر أصحابنا ذلك شيئا بعد ما ماتوا ؟ فأنزل الله هذه الاية فهذا لمن مات أو قتل قبل تحريم الخمر، والجناح هو الاثم وهو على من شربها بعد التحريم، وقيل فيما طعموا: أي مما لم يحرم عليهم " إذا ما اتقوا " أي المحرم " وآمنوا وعملوا الصالحات " أي ثبتوا على الايمان والاعمال الصالحة " ثم اتقوا " أي ما حرم عليهم بعد كالخمر " وآمنوا " بتحريمه " ثم اتقوا " أي استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي " وأحسنوا " أي وتحروا الاعمال الجميلة فاشتغلوا بها. قيل: لما كان لكل من الايمان والتقوى درجات ومنازل، كما ورد عنهم عليهم السلام لم يبعد أن يكون تكريرهما في الاية إشارة إلى تلك الدرجات والمنازل فان أوائل درجات الايمان تصديقات مشوبة بالشبه والشكوك على اختلاف مراتبها، ويمكن معها الشرك كما قال سبحانه: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " (1) ويعبر عنها بالاسلام كما قال الله عزوجل: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " (2) والتقوى المتقدمة عليها هي تقوى العام، وأواسطها تصديقات لا يشوبها شك ولا شبهة كما قال الله عزوجل: " الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " (3) وأكثر إطلاق الايمان عليها خاصة كما قال: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون " (4) والتقوى المتقدمة عليها هي تقوى


(1) يوسف: 106. (2) الحجرات: 13. (3) الحجرات: 19. (4) الانفال: 2. (*)

[354]

الخاص وأواخرها تصديقات كذلك مع شهود وعيان ومحبة كاملة لله عزوجل كما قال: " يحبهم ويحبونه " (1) ويعبر عنها تارة بالاحسان كما ورد في الحديث النبوي صلى الله عليه واله: الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه واخرى بالايقان كما قال: " وبالاخرة هم يوقنون " (2) والتقوى المتقدمة عليها هي تقوى خاص الخاص، وإنما قدمت التقوى على الايمان لان الايمان إنما يتحصل ويتقوى بالتقوى، لانها كلما ازدادت ازداد الايمان بحسب ازديادها وهذا لا ينافي تقدم أصل الايمان على التقوى بل ازديادها بحسب ازدياده أيضا لان الدرجة المتقدمة لكل منها غير الدرجة المتأخرة، ومثل ذلك مثل من يمشي بسراج في ظلمة فكلما أضاء له من الطريق قطعة مشى فيها فيصير ذلك المشي سببا لاضاءة قطعة اخرى منه، وهكذا. " واصبروا " (3) أي على أذية فرعون وتهديده " إن الارض لله " الاية وعد لهم منه بالنصرة وتذكير لما كان وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وفي الاخبار أن الاية في الائمة عليهم السلام يورثهم الله الارض في زمن القائم عليه السلام وهم المتقون، والعاقبة لهم (4) وتدل الاية على فضل الاستعانة بالله والصبر والتقوى " وسعت كل شئ " قيل: أي في الدنيا المؤمن والكافر بل المكلف وغيره أو في الدنيا والاخرة، إلا أن قوما لم يدخلوها لضلالهم. " فسأكتبها " (5) فساثبتها واوجبها في الاخرة " للذين يتقون " الشرك والمعاصي " والذينهم بآياتنا يؤمنون " فلا يكفرون بشئ منها " يهدون بالحق " أي بكلمة الحق " وبه " أي وبالحق " يعدلون " بينهم في الحكم. " خير للذين يتقون " (6) محارم الله مما يأخذ هؤلاء " أفلا يعقلون "


(1) المائدة: 54. (2) البقرة: 4. (3) الاعراف: 128. (4) تفسير العياشي ج 2 ص 25. (5) الاعراف: 156. (6) الاعراف: 169.

[355]

فيعلمون ذلك " والذين يمسكون بالكتاب " إلى قوله: " أجر المصلحين " إما عطف على " الذين يتقون " وما بينهما اعتراض، وإما استيناف ووضع الظاهر موضع المضمر لانه في معناه، وللتنبيه على أن الاصلاح مانع من الاضاعة، وعن الباقر عليه السلام نزلت في آل محمد وأشياعهم (1). " فاتقوا الله " (2) قيل: أي في الاختلاف والمشاجرة " وأصلحوا ذات بينكم " أي الحال التي بينكم بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله وتسليم أمره إلى الله والرسول " وأطيعوا الله ورسوله " فيه " إن كنتم مؤمنين " فان الايمان يقتضي ذلك. " إنما يعمر مساجد الله " (3) قيل: أي إنما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية " ولم يخش إلا الله " يعني في أبواب الدين بأن لا يختار على رضا الله رضا غيره " فعسى " ذكره بصيغة التوقع قطعا للاطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم " أعظم درجة " أي ممن لم يستجمع هذه الصفات " واولئك هم الفائزون " المختصون بالفوز ونيل الحسنى عند الله " مقيم " أي دائم. " التائبون " (4) رفع على المدح وفي قراءة أهل البيت " التائبين - إلى قوله: والحافظين " وفي الكافي عن الصادق عليه السلام لما نزلت هذه الاية " إن الله اشترى من المؤمنين " قام رجل إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا نبي الله أرأيتك الرجل يأخذ سيفه فيقاتل حتى يقتل إلا أنه يقترف من هذه المحارم أشهيد هو ؟ فأنزل الله على رسوله " التائبون العابدون " الاية فبشر النبي صلى الله عليه واله المجاهدين من المؤمنين الذين هذه صفتهم وحليتهم بالشهادة والجنة، وقال: " التائبون " من الذنوب " العابدون " الذين لا يعبدون إلا الله ولا يشركون به شيئا " الحامدون " الذين


(1) تفسير القمى ص 229. (2) الانفال: 1. (3) براءة: 18 - 22. (4) براءة: 112.

[356]

يحمدون الله على كل حال في الشدة والرخاء " السائحون " الصائمون " الراكعون الساجدون " الذين يواظبون على الصلوات الخمس، الحافظون لها والمحافظون عليها بركوعها وسجودها، والخشوع فيها وفي أوقاتها " الامرون بالمعروف " بعد ذلك والعاملون به " والناهون عن المنكر " والمنتهون عنه، قال: فبشر من قتل وهو قائم بهذه الشروط بالشهادة والجنة الخبر (1). وأقول: انما فسر السياحة بالصيام لقول النبي صلى الله عليه واله: سياحة امتي الصيام شبه بها لانه يعوق عن الشهوات أو لانه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت، وقيل: السائحون للجهاد أو لطلب العلم، وقيل في قوله: " والناهون " العاطف فيه للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنه قال: الجامعون بين الوصفين وفي قوله: " والحافظون لحدود الله " أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع، للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل، وهذا مجملها، وقيل: إنه للايذان بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام، والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه، ولذلك سمي واو الثمانية. " وبشر المؤمنين " قيل: يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الافهام وتعبير الكلام. " إلا الذين صبروا " (2) أي في الشدة على الضراء إيمانا بالله واستسلاما لقضائه " وعملوا الصالحات " في الرخاء شكرا لالائه سابقها ولاحقها " وأخبتوا إلى ربهم " (3) أي اطمئنوا إليه وخشعوا له. " مثل الفريقين " أي الكافر والمؤمن


(1) الكافي ج 5 ص 15. (2) هود: 11. (3) هود: 23 - 24.

[357]

" كالاعمى والاصم والسميع والبصير " قيل: يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالاعمى لتعاميه عن آيات الله، وبالاصم لتعاميه عن استماع كلام الله وتأبيه عن تدبر معانيه وشبه المؤمن بالسميع والبصير لان الامر بالضد فيكون كل منهما مشبها باثنين باعتبار وصفين، أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضديهما، والعاطف لعطف الصفة على الصفة " مثلا " أي تمثيلا أو صفة أو حالا " أفلا تذكرون " بضرب الامثال والتفكر فيها. " بعهد الله " (1) أي بما عقدوه على أنفسهم لله " ولا ينقضون الميثاق " ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد، وعن الكاظم عليه السلام أنه ميثاق الولاية في الذر " ما أمر الله به أن يوصل " من الرحم ولا سيما رحم آل محمد كما في الاخبار " ويخافون سوء الحساب " خصوصا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، وعن الصادق عليه السلام أنه الاستقصاء والمداقة وقال عليه السلام: الاستقصاء أن تحسب عليهم السيئات ولهم الحسنات (2) " والذين صبروا " على القيام بأوامر الله ومشاق التكاليف وعن المصائب في النفوس والاموال وعن معاصي الله " ابتغاء وجه ربهم " أي طلبا لرضاه " ويدرؤن بالحسنة السيئة " أي يدفعونها بها فيجازون الاساءة بالاحسان ويتبعون الحسنة السيئة فتمحوها، وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله لعلي: يا علي ما من دار فيها فرحة إلا تبعها مرحة وما من هم إلا وله فرج، إلا هم أهل النار، إذا عملت سيئة فأتبعها بحسنة تمحها سريعا وعليك بصنائع الخير فانها تدفع مصارع السوء (3) أقول الخطاب إليه عليه السلام لتعليم غيره " عقبى الدار " أي عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة والعدن الاقامة أي جنات يقيمون فيها " ومن صلح " أي يلحق بهم من صلح منهم ومن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعا لهم وتعظيما لشأنهم وليكونوا مسرورين بهم آنسين


(1) الرعد: 18 - 22. (2) تفسير القمى ص 340. (3) تفسير القمى: 341.

[358]

بصحبتهم " من كل باب " من أبواب غرفهم وقصورهم " بما صبرتم " أي هذا بسبب صبركم وقال علي بن إبراهيم: نزلت في الائمة عليهم السلام وشيعتهم الذين صبروا (1). " من أناب " (2) أي أقبل إلى الحق ورجع عن الفساد " وتطمئن قلوبهم بذكر الله " أي تسكن انسا به واعتمادا عليه ورجاء منه وروى العياشي عن الصادق عليه السلام بمحمد تطمئن وهو ذكر الله وحجابه (3) وقال علي بن إبراهيم: الذين آمنوا الشيعة، وذكر الله أمير المؤمنين عليه السلام والائمة عليهم السلام وقيل: طوبى كبشرى وزلفى مصدر من الطيب وفي الاخبار أنه اسم شجرة في الجنة كما مر وسيأتي (4) والمآب المرجع " قانتا " (5) عن الباقر عليه السلام القانت المطيع، والحنيف المسلم " شاكرا لانعمه " أي لانعم الله معترفا بها روي أنه كان لا يتغدى إلا مع ضيفه " ولا يظلمون شيئا " (6) أي ولا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينتصب شيئا على المصدر. " لمن تاب " (7) أي من الشرك " وآمن " بما يجب الايمان به " ثم اهتدى " إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام كما ورد في الاخبار الكثيرة. " وجعلناهم أئمة " (8) يقتدى بهم " يهدون الناس " إلى الحق " بأمرنا " " وإقام الصلوة " من عطف الخاص على العام " وكانوا لنا عابدين " موحدين مخلصين في العبادة، ولذا قدم الصلة " إنهم كانوا يسارعون في الخيرات " (9) أي يبادرون إلى أبواب الخير " ويدعوننا رغبا ورهبا " قال علي بن إبراهيم: راغبين راهبين، وقيل:


(1) تفسير القمى ص 341. (2) الرعد: 27 - 29. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 211. (4) تفسير القمى ص 342. (5) النحل: 120. (6) مريم: 60. (7) طه: 82. (8) الانبياء: 73. (9) الانبياء: 90

[359]

لعل المراد الرغبة في الطاعة لا في الثواب، والرهبة من المعصية لا من العقاب، لارتفاع مقام الانبياء عن ذلك، وقد يقال: إن أولياء الله قد يعملون بعض الاعمال للجنة وصرف النار، لان حبيبهم يحب ذلك، أو يقال: إن جنة الاولياء لقاء الله وقربه، ونارهم فراقه وبعده، وفي الكافي عن الصادق عليه السلام الرغبة أن تستقبل ببطن كفيك إلى السماء والرهبة أن تجعل ظهر كفيك إلى السماء (1) " وكانوا لنا خاشعين " أي مخبتين أو دائمين الوجل. " وبشر المخبتين " (2) قال علي بن إبراهيم: أي العابدين " وجلت قلوبهم " هيبة منه لاشراق أشعة جلاله عليها " على ما أصابهم " من المصائب " والمقيمي الصلوة " في أوقاتها " ينفقون " في وجوه الخير " واعبدوا ربكم " (3) بسائر ما تعبدكم به " وافعلوا الخير " أي وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون، كنوافل الطاعات، وصلة الارحام، ومكارم الاخلاق " وجاهدوا في الله " الاعداء الظاهرة والباطنة " هو اجتباكم " أي اختاركم لدينه ولنصرته، وعن الباقر عليه السلام إيانا عنى، ونحن المجتبون (4) " من قبل " أي في الكتب التي مضت " وفي هذا " أي القرآن " واعتصموا بالله " أي وثقوا به في مجامع اموركم " هو موليكم " أي ناصركم ومتولي اموركم " فنعم المولى ونعم النصير " هو، إذ لا مثل له في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة. " ومن يطع الله ورسوله " (5) فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن " ويخشى الله " فيما صدر عنه من الذنوب " ويتقه " فيما بقي من عمره، وقرأ حفص بسكون القاف فشبه تقه بكتف فخفف " فاولئك هم الفائزون " بالنعيم المقيم " فاولئك


(1) الكافي ج 2 ص 479. (2) الحج: 34 و 35. (3) الحج: 77. (4) الكافي ج 1 ص 191. (5) النور 52:.

[360]

يبدل الله سيئاتهم حسنات " (1) قد ورد في أخبار كثيرة مضى بعضها وسيأتي بعضها أن تبديل السيئات حسنات في ديوان أعمالهم يوم القيامة، وقال الباقر عليه السلام: هي في المذنبين من شيعتنا خاصة " فانه يتوب إلى الله " أي يرجع إلى الله " وانتصروا من بعد ما ظلموا " (2) قيل: هي استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله، ويكون أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى والحث على طاعته ولو قالوا هجوا أرادوا به الانتصار ممن هجاهم من الكفار، ومكافاة هجاة المسلمين كحسان وأضرابه، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. " هذه البلدة " (3) قال علي بن إبراهيم: يعني مكة شرفها الله " وله كل شئ " أي خلقا وملكا " من المسلمين " أي المنقادين " وأن أتلوا القرآن " قيل: أي وأن اواظب على تلاوته، لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا " لنبوئنهم " (4) أي لننزلنهم " الذين صبروا " على المحن والمشاق ولا يتوكلون إلا على الله " الذين يقيمون الصلوة " (5) بيان لاحسانهم أو تخصيص لهذه الثلاثة من شعبه لفضل اعتداد بها " واولئك هم المفلحون " لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح " أقم الصلوة " (6) تكميلا لنفسك " وامر بالمعروف وانه عن المنكر " تكميلا لغيرك " واصبر على ما أصابك " من الشدائد وفي المجمع عن علي عليه السلام من المشقة والاذى في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (7) " إن ذلك " إشارة إلى الصبر أو إلى كل ما أمره " من عزم الامور " أي مما عزمه الله من الامور أي قطعه قطع إيجاب وإلزام، ومنه الحديث إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه " ولا تصعر


(1) الفرقان: 70 و 71. (2) الشعراء: 227. (3) النمل: 91. (4) العنكبوت: 58. (5) لقمان: 4 و 5. (6) لقمان: 17 - 19. (7) مجمع البيان ج 8 ص 319.

[361]

خدك للناس " أي لا تمله عنهم ولا تولهم صفحة خدك كما يفعله المتكبرون، و قال علي بن إبراهيم: أي لا تذل للناس طمعا فيما عندهم " ولا تمش في الارض مرحا " أي فرحا، مصدر وقع موقع الحال أو تمرح مرحا أو لاجل المرح، وهو البطر، وروى علي بن إبراهيم عن الباقر عليه السلام يقول: بالعظمة " إن الله لا يحب كل مختال فخور " قال الطبرسي: أي كل متكبر فخور على الناس وأقول يطلق الاختيال غالبا على التكبر في المشي، وروى في الفقيه عن النبي صلى الله عليه واله أنه نهى أن يختال الرجل في مشيته، وقال: من لبس ثوبا فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنم، وكان قرين قارون، لانه أول من اختال فخسف به وبداره الاض، ومن اختال فقد نازع الله في جبروته (1) " واقصد في مشيك " أي توسط فيه بين الدبيب و الاسراع، وقال علي بن إبراهيم: أي لا تعجل " واغضض من صوتك " أي اقصر منه، وقال علي بن إبراهيم: أي لا ترفعه " إن أنكر الاصوات " أي أوحشها وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عنه فقال: العطسة القبيحة (2) وفي المجمع عنه عليه السلام قال: هي العطسة المرتفعة القبيحة والرجل يرفع صوته بالحديث رفعا قبيحا إلا أن يكون داعيا أو يقرء القرآن (3). " ومن يسلم وجهه إلى الله (4) بأن فوض أمره إليه وأقبل بشراشره عليه " وهو محسن " في عمله " فقد استمسك " أي تعلق بأوثق ما يتعلق به، وقال علي بن إبراهيم: بالولاية " وإلى الله عاقبة الامور " إذ الكل صائر إليه. " إن المسلمين " (5) أي الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله " والمؤمنين " أي المصدقين بما يجب أن يصدق به " والقانتين " أي المداومين على الطاعة " والصادقين " في القول والعمل " والصابرين " على الطاعات والمعاصي والبلايا


(1) الفقيه ج 4 ص 7. (2) الكافي ج 2 ص 656. (3) مجمع البيان ج 8 ص 320. (4) لقمان: 22. (5) الاحزاب: 35.

[362]

" والخاشعين " أي المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم " والمتصدقين " من أموالهم ابتغاء مرضاة الله " والصائمين " لله بنية صادقة " والحافظين لفروجهم " عن الحرام " والذاكرين الله كثيرا " بقلوبهم وألسنتهم " مغفرة " لذنوبهم " وأجرا عظيما " على طاعتهم. " إن الذين يتلون كتاب الله " (1) قيل: أي يداومون قراءته أو متابعة ما فيه حتى صارت سمة لهم وعنوانا " سرا وعلانية " كيف اتفق من غير قصد إليهما وقيل: السر في المسنونة، والعلانية في المفروضة " يرجون تجارة " تحصيل ثواب بالطاعة وهو خبر إن " لن تبور " لن تكسد ولن تهلك بالخسران صفة للتجارة " ليوفيهم اجورهم " علة لمدلوله أو لمدلول ما عد من امتثالهم أو عاقبة ليرجون " ويزيدهم من فضله " على ما يقابل أعمالهم " إنه غفور " لفرطاتهم " شكور " لطاعاتهم أي مجازيهم عليها وهو علة للتوفية والزيادة أو خبر " إن " و " يرجون " حال من واو " وأنفقوا ". " اتقوا ربكم " (2) أي بلزوم طاعته " للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة " الظرف إما متعلق بأحسنوا أو بحسنة، وعلى الاول تشمل الحسنة حسنة الدارين وعلى الثاني لا ينافي نيل حسنة الاخرة أيضا، والحسنة في الدنيا كالصحة والعافية وفي مجالس الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام إن المؤمن يعمل لثلاث من الثواب إما لخير فان الله يثيبه بعمله في دنياه، ثم تلا هذه الاية، ثم قال: فمن أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم في الاخرة " وأرض الله واسعة " فمن تعسر عليه التوفر على الاحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن منه " إنما يوفى الصابرون " على مشاق الطاعة من احتمال البلاء ومهاجرة الاوطان لها " أجرهم بغير حساب " وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة فيضربونه فيقال لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن أهل الصبر، فيقال لهم: على ما صبرتم ؟ فيقولون: كنا نصبر على طاعة الله ونصبر على معاصي الله، فيقول الله


(1) فاطر: 29 - 30. (2) الزمر: 10.

[363]

عزوجل: صدقوا أدخلوهم الجنة، وهو قول الله عزوجل " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " (1). " وازلفت " (2) أي قربت " غير بعيد " أي مكانا غير بعيد، وقال علي بن إبراهيم: " ازلفت " أي زينت " غير بعيد " قال: بسرعة " هذا ما توعدون " على إضمار القول " لكل أواب " أي رجاع إلى الله بدل من المتقين باعادة الجار " حفيظ " حافظ لحدوده " من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب " قيل بدل بعد بدل، أو بدل من موصوف أواب أو مبتدأ خبره " ادخلوها " على تأويل يقال لهم " ادخلوها " فان " من " بمعنى الجمع و " بالغيب " حال من الفاعل أو المفعول أو صفة لمصدر أي خشية متلبسة بالغيب، حيث خشي عقابه وهو غائب، أو العقاب بعد غيب أو هو غائب عن الاعين لا يراه أحد، وتخصيص الرحمان به للاشعار بأنهم رجوا رحمته وخافوا عذابه، أو بأنهم يخشون مع علمهم بسعة رحمته، ووصف القلب بالانابة إذ الاعتبار برجوعه إلى الله " فلا اقتحم العقبة " (3) أي فلم يشكر تلك الايادي باقتحام العقبة، وهو الدخول في أمر شديد، قيل: العقبة الطريق في الجبل استعارها لما فسرها به من الفك والاطعام " ذي مسغبة " أي مجاعة " ذا - مقربة " أي قرابة " ذا متربة " أ ؟ ؟ ذا فقر، وقال علي بن إبراهيم: لا يقيه من التراب شئ، وفي الكافي عن الرضا عليه السلام كان إذا أكل أتى بصحفة فتوضع قرب مائدته فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شئ شيئا فيضع في تلك الصحفة ثم يأمر بها للمساكين ثم يتلو هذه الاية " فلا اقتحم " ثم يقول: علم الله أنه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم السبيل إلى الجنة (4) وستأتي الاخبار في ذلك، وعن الصادق عليه السلام قال: من أكرمه الله بولايتنا فقد جاز


(1) الكافي ج 2 ص 75. (2) ق: 31 - 33. (3) البلد: 11 - 20. (4) الكافي ج 4 ص 52.

[364]

العقبة، ونحن تلك العقبة التي من اقتحمها نجا، ثم قال: الناس كلهم عبيد النار غيرك وأصحابك، فان الله فك رقابكم من النار بولايتنا أهل البيت وقال عليه السلام: بنا تفك الرقاب وبمعرفتنا، ونحن المطعمون في يوم الجوع وهو المسغبة (1) " وتواصوا " أي أوصى بعضهم بعضا " بالصبر " على طاعة الله " بالمرحمة " أي بالرحمة على عباده أو بموجبات رحمة الله " اولئك أصحاب الميمنة " أي اليمين أو اليمن " والذين كفروا بآياتنا " قيل: أي بما نصبناه دليلا على الحق من كتاب وحجة أو بالقرآن " هم أصحاب المشئمة " أي الشمال أو الشؤم " عليهم نار مؤصدة " أي مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته وقال علي بن إبراهيم: " أصحاب الميمنة " أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام " والذين كفروا بآياتنا " قال: الذين خالفوا أمير المؤمنين عليه السلام " هم أصحاب المشئمة " قال: المشئمة أعداء آل محمد عليهم السلام " نار مؤصدة " قال: أي مطبقة (2). 1 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إن لاهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث، وأداء الامانة، ووفاء بالعهد، وصلة الارحام ورحمة الضعفاء، وقلة المراقبة للنساء، أو قال: قلة المؤاتاة للنساء، وبذل المعروف وحسن الخلق، وسعة الخلق، واتباع العلم، وما يقرب إلى الله عزوجل زلفى طوبى لهم وحسن مآب، وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي محمد صلى الله عليه واله وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها، لا يخطر على قلبه شهوة شئ إلا أتاه به ذلك ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما. ألا ففي هذا فارغبوا ! إن المؤمن من نفسه في شغل والناس منه في راحة، إذا جن عليه الليل افترش وجهه، وسجد لله عزوجل بمكارم بدنه، يناجي الذي


(1) الكافي ج 1 ص 430. (2) تفسير القمى ص 726.

[365]

خلقه في فكاك رقبته، ألا فهكذا كونوا (1). بيان: " إن لاهل الدين " أي الذين اختاروا دين الايمان وعملوا بشرائطه ولوازمه " وقلة المراقبة للنساء " أي الميل إليهن والاعتماد عليهن أو الاهتمام بشأنهن، والخوف من مخالفتهن، وقيل: النظر إليهن وإلى أدبارهن وهو بعيد " أو قال " أي الصادق عليه السلام، والترديد من أبي بصير، والمؤاتاة ": الموافقة والمطاوعة، وفي المصباح رقبته أرقبه من باب قتل حفظته فأنا رقيب ورقبته وترقبته وارتقبته انتظرته فأنا رقيب أيضا، وراقبت الله خفت عذابه، وقال: آتيته على الامر بمعنى وافقته، وفي لغة لاهل اليمن تبدل الهمزة واوا فيقال: واتيته على الامر مواتاة، وهي المشهور على ألسنة الناس، وفي النهاية في الحديث خير النساء المؤاتية لزوجها، المواتاة حسن المطاوعة والموافقة وأصله الهمز فخفف وكثر حتى صار يقال: بالواو الخالصة، وليس بالوجه. " وبذل المعروف " أي الخير وهو الاحسان بالفضل من المال إلى الغير والظاهر أن المراد هنا المال، وإن كان المعروف بحسب اللغة أعم " وحسن الخلق وسعة الخلق " الظاهر أن الخلق بالضم في الموضعين، والمراد أن حسن خلقه عام وسع كل أحد في جميع الاحوال، فان بعض الناس مع حسن الخلق قد يقع منهم الطيش العظيم كما يقال: نعوذ بالله من غضب الحليم، وربما يقرأ الاول بالفتح فان الظاهر عنوان الباطن لكن هذا ليس كليا فان حسن الخلق قد يوجد في غير أهل الدين، كما قال عزوجل في وصف المنافقين: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم " (2) وقيل: المراد حسن الاعضاء الظاهرة بالاعمال الفاضلة، فانه من علامات أهل الدين " واتباع العلم " أي العمل به، وقيل: أي عدم اتباع الظن. " وما يقربهم إلى الله زلفى " أي قربة مفعول مطلق من غير لفظ الفعل، قال الجوهري: الزلفة والزلفى القربة والمنزلة ومنه قوله تعالى: " وما أموالكم ولا


(1) الكافي ج 2 ص 239. (2) المنافقون: 4.

[366]

أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى " (1) وهي اسم المصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا ازدلافا. " طوبى لهم وحسن مآب " إشارة إلى قوله سبحانه: " الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب " وقال البيضاوي: طوبى فعلى من الطيب، قلبت ياؤه واوا لضمة ما قبلها ويجوز فيه الرفع والنصب، ولذلك قرئ " وحسن مآب " (2) بالنصب أي حسن مرجع وهو الجنة (3) وقال في النهاية: طوبى اسم الجنة، وقيل: هي شجرة فيها، وأصلها فعلى من الطيب فلما ضمت الطاء انقلبت الياء واوا وقد تكررت في الحديث، وفيه طوبى للشام لان الملائكة باسطة أجنحتها عليها المراد بها ههنا فعلى من الطيب لا الجنة ولا الشجرة. وقال الراغب في الاية قيل: هو اسم شجرة في الجنة، وقيل: بل إشارة إلى كل مستطاب في الجنة من بقاء بلا فناء، وعز بلا ذل، وغنى بلا فقر " وطوبى شجرة " هذا من كلام الصادق عليه السلام أو من كلام أمير المؤمنين عليه السلام " وليس من مؤمن " كأنه مثال شجرة ولاية أمير المؤمنين تشعبت في صدور المؤمنين " إلا أتاه به ذلك " أي يتدلى ويقربه منه ليأخذه، وقيل: أي ينبت منه " مجدا " أي مسرعا صاحب جد واهتمام " في ظلها " أي ما يحاذي أغصانها فانه لا ظل في الجنة. قال في النهاية: وقد يكنى بالظل عن الكنف والناحية، ومنه الحديث إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام أي في ذراها وناحيتها انتهى، وقد روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه واله قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها وفي اخرى يسير الراكب في ظلها مائة سنة قال عياض: ظلها كنفها، وهو ما تستره أغصانها وقد يكون ظلها نعيمها وراحتها، من قولهم عيش ظليل، واحتيج إلى تأويل الظل بما ذكر، هربا عن الظل في العرف، لانه ما يقي حر الشمس، ولا شمس


(1) سبأ: 37. (2) الرعد: 29. (3) انوار التنزيل ص 213.

[367]

في الجنة ولا برد، وإنما نور يتلالا انتهى. وقال المازري " المضمر " بفتح الضاد وشد الميم ورواه بعضهم بكثر الميم الثانية صفة للراكب المضمر فرسه. " حتى يسقط هرما " إنما خص الغراب بالذكر لانه أطول الطيور عمرا " ففي هذا فارغبوا " الفاء الثانية تأكيد للفاء الاولى " من نفسه في شغل " " من " بكسر الميم، وقد يقرأ بالفتح اسم موصول أي مشغول باصلاح نفسه لا يلتفت إلى عيوب غيره، ولا إلى التعرض لضررهم، ولذا الناس منه في راحة " إذا جن عليه الليل " في مجمع البيان فلما جن عليه الليل أي أظلم وستر بظلامه كل ضياء، وقال: جن عليه الليل وجنه الليل وأجنه الليل إذا أظل حتى يستره بظلمته انتهى (1) والمكارم: جمع مكرمة أي أعضاؤه الكريمة الشريفة كالوجه والجبهة والخدين واليدين والركبتين والابهامين " في فكاك " في للتعليل. 2 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن الهيثم النهدي، عن عبد العزيز بن عمر، عن بعض أصحابه، عن يحيى بن عمران الحلبي قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي الخصال بالمرء أجمل ؟ فقال: وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافاة، و تشاغل بغير متاع الدنيا (2). بيان: " وقار بلا مهابة " الوقار الرزانة، والمهابة أن يخاف الناس من سطوته وظلمه وقيل: اي من غير تكبر، وفي القاموس: الهيبة المخافة والتقية كالمهابة، وقال: سمح ككرم سماحا وسماحة وسماحا ككتاب جاد بلا طلب مكافاة من عوض أو ثناء وشكر، وأصله مهموز، وقد يقلب ألفا " بغير متاع الدنيا " من ذكر الله وما يقرب العبد إليه تعالى. 3 - الشهاب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قائده، والرفق والده، والبر أخوه، والصبر


(1) مجمع البيان ج 4 ص 323. (2) الكافي ج 2 ص 240.

[368]

أمير جنوده (1). 4 - لى: أبي، عن علي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن السكوني عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس وارض بقسم الله تكن أغنى الناس، وكف عن محارم الله تكن أورع الناس وأحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا، وأحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلما (2). جا، ما: المفيد، عن المظفر بن محمد البلخي، عن محمد بن همام، عن حميد بن زياد، عن إبراهيم بن عبيد بن حنان، عن الربيع بن سلمان، عن السكوني مثله (3). 5 - مع، ل، لى: العطار، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان، عن الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى خص رسول الله صلى الله عليه واله بمكارم الاخلاق فامتحنوا أنفسكم، فان كانت فيكم فاحمدوا الله عزوجل وارغبوا إليه في الزيادة منها فذكرها عشرة: اليقين، والقناعة، والصبر، والشكر، والحلم وحسن الخلق، والسخا، والغيرة، والشجاعة والمروءة (4). 6 - مع، لى: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان قال: جاء رجل إلى الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فقال له: يابن رسول الله أخبرني بمكارم الاخلاق، فقال: العفو عمن ظلمك، وصلة من قطعك، وإعطاء من حرمك، وقول الحق ولو على نفسك (5).


(1) في النسخة التى بخط يد المؤلف قدس سره زيادة بعد ذلك وهى: [الضوء: العلم ادراك الشئ بحقيقته، وهو على ضربين: أحدهما ادراك الذات والثانى الحكم على الذات بوجود شئ له أو نفى شئ عنه، والاول يتعدى الى مفعول واحد كقوله تعالى " الله يعلمهم...] ثم بعده بياض أربع صفحات. (2) أمالى الصدوق ص 121. (3) مجالس المفيد ص 215، أمالى الطوسى ج 1 ص 120. (4) معاني الاخبار ص 191، الخصال ج 2 ص 51، أمالى الصدوق ص 133. (5) معاني الاخبار ص 191، أمالى الصدوق ص 165.

[369]

7 - لى: ابن الوليد، عن الصفار، عن النهدي، عن عبد العزيز بن عمر عن أحمد بن عمر الحلبي قال: قلت لابي عبد الله الصادق عليه السلام: أي الخصال بالمرء أجمل ؟ قال: وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافأة، وتشاغل بغير متاع الدنيا (1). ل: العطار، عن سعد، عن النهدي مثله (2). محص: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله. ضا: أروي عن العالم عليه السلام وذكر مثله. 8 - لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن ابن هاشم، عن ابن مرار، عن يونس عن ابن سنان، عن الصادق عليه السلام قال: خمس من لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع، قيل: وما هن يا ابن رسول الله ؟ قال: الدين، والعقل، والحياء، وحسن الخلق، وحسن الادب، وخمس من لم تكن له فيه لم يتهن بالعيش: الصحة والامن، والغنى، والقناعة، والانيس الموافق (3). 9 - مع، لى: العطار، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، يسكنها من امتي من أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام، فقال علي: يا رسول الله ومن يطيق هذا من امتك ؟ فقال: يا علي أو ما تدري ما إطابة الكلام ؟ من قال إذا أصبح وأمسى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر عشر مرات وإطعام الطعام نفقة الرجل على عياله، وأما الصلاة بالليل والناس نيام فمن صلى المغرب والعشاء الاخرة وصلاة الغداة في المسجد في جماعة فكأنما أحيى الليل كله


(1) أمالى الصدوق ص 174. (2) الخصال ج 1 ص 46. (3) أمالى الصدوق ص 175 وقوله لم يتهن أصله لم يتهنأ.

[370]

إفشاء السلام أن لا يبخل بالسلام على أحد من المسلمين (1). 10 - لى: أبي، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ثلاثة هم أقرب الخلق إلى الله عزوجل يوم القيامة حتى يفرغ من الحساب: رجل لم يدعه قدرته في حال غضبه إلى أن أن يحيف على من تحت يديه، ورجل مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الاخر بشعيرة، ورجل قال الحق فيما عليه وله (2). 11 - لى: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان عن المفضل، عن الصادق عليه السلام أنه قال: عليكم بمكارم الاخلاق فان الله عزوجل يحبها، وإياكم ومذام الافعال فان الله عزوجل يبغضها، وعليكم بتلاوة القرآن فان درجات الجنة على عدد آيات القرآن فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارق، فكلما قرأ آية رقى درجة، وعليكم بحسن الخلق فانه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم، وعليكم بحسن الجوار فان الله عزوجل أمر بذلك، وعليكم بالسواك فانها مطهرة، وسنة حسنة، وعليكم بفرائض الله فأدوها، وعليكم بمحارم الله فاجتنبوها (3). 12 - لى: العطار، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن البطائني عن علي بن ميمون قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أراد أن يدخله الله عزوجل في رحمته، ويسكنه جنته، فليحسن خلقه، وليعطي النصفة من نفسه وليرحم اليتيم، وليعن الضعيف، وليتواضع لله الذي خلقه (4). ما: الغضايري، عن الصدوق مثله (5). 13 - ل: أبي، عن علي، عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس رفعه إلى


(1) معاني الاخبار ص 250، أمالى الصدوق ص 198. (2) أمالى الصدوق ص 215. (3) أمالى الصدوق ص 216. (4) المصدر ص 234. (5) أمالى الطوسى ج 2 ص 46.

[371]

أبي عبد الله عليه السلام قال: كان فيما أوصى به رسول الله صلى الله عليه واله عليا عليه السلام يا علي أنهاك عن ثلاث خصال عظام: الحسد، والحرص، والكذب. يا علي ! سيد الاعمال ثلاث خصال: إنصافك الناس من نفسك، ومواساة الاخ في الله عزوجل، وذكرك الله تبارك وتعالى على كل حال. يا علي ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا: لقى الاخوان، والافطار من الصيام والتهجد من آخر الليل. يا علي ثلاثة من لم تكن فيه لم يقم له عمل: ورع يحجزه عن معاصي الله عزوجل، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل. يا علي ثلاث من حقائق الايمان: الانفاق من الاقتار، وإنصاف الناس من نفسك، وبذل العلم للمتعلم. يا علي ثلاث خصال من مكارم الاخلاق: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك. وتعفو عمن ظلمك (1). 14 - ل: العطار، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن يونس، عن عمرو ابن أبي المقدام، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أربع من كن فيه كان في نور الله الاعظم: من كانت عصمة أمره شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ومن إذا أصاب خيرا قال: الحمد لله رب العالمين، ومن إذا أصاب خطيئة قال: أستغفر الله وأتوب إليه (2). سن: أبي، عن يونس، عن عمرو بن جميع مثله (3). ثو: أبي، عن علي بن موسى، عن أحمد بن محمد، عن بكر بن صالح، عن الحسن بن علي، عن عبد الله بن علي، عن علي بن على اللهبي، عن الصادق


(1) الخصال ج 1 ص 62. (2) الخصال ج 1 ص 105. (3) المحاسن ص 8.

[372]

عن آبائه، عن النبي صلوات الله عليهم مثله (1). 15 - ل ابن الوليد، عن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم يقسم بين العباد أقل من خمس: اليقين، والقنوع، والصبر، والشكر، والذي يكمل له به هذا كله العقل (2). 16 - لى، ل: الطالقاني، عن أحمد بن إسحاق بن بهلول، عن أبيه، عن علي بن يزيد، عن أبي شيبة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: تقبلوا إلي بست خصال أتقبل لكم بالجنة: إذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا وإذا ائتمنتم فلا تخونوا، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا أيديكم وألسنتكم (3). 17 - ل أبي، عن الحميري، عن الحسن بن موسى، عن يزيد بن إسحاق عن الحسن بن عطية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المكارم عشر، فان استطعت أن تكون فيك فلتكن فانها تكون في الرجل ولا تكون في ولده وتكون في ولده ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحر، قيل: وما هن يا رسول الله ؟ قال: صدق البأس، وصدق اللسان، وأداء الامانة، وصلة الرحمن، وإقراء الضيف، وإطعام السائل، والمكافأة على الصنايع، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، ورأسهن الحياء (4). جا، ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن علي بن بابويه، عن علي بن إبراهيم عن ابن عيسى، عن النهدي، عن يزيد بن إسحاق مثله (5). 18 - مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن النضر، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام ألا احدثك بمكارم


(1) ثواب الاعمال ص 151. (2) الخصال ج 1 ص 137. (3) أمالى الصدوق ص 55، الخصال ج 1 ص 156. (4) الخصال ج 2 ص 91. (5) أمالى المفيد ص 140، أمالى الطوسى ج 1 ص 9.

[373]

الاخلاق ؟ الصفح عن الناس، ومواساة الرجل أخاه في ماله، وذكر الله كثيرا (1). 19 - مع: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه واله قال: جاء جبرئيل إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى أرسلني إليك بهدية لم يعطها أحدا قبلك، قال رسول الله: قلت، وما هي ؟ قال: الصبر وأحسن منه، قلت: وما هو ؟ قال: الرضا وأحسن منه، قلت: وما هو ؟ قال: الزهد وأحسن منه، قلت: وما هو ؟ قال: الاخلاص وأحسن منه، قلت: وما هو ؟ قال: اليقين وأحسن منه، قلت: وما هو يا جبرئيل ! قال: إن مدرجة ذلك التوكل على الله عزوجل، فقلت: وما التوكل على الله عزوجل ؟ فقال: العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لاحد سوى الله، ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا هو التوكل. قال: قلت: يا جبرئيل فما تفسير الصبر ؟ قال: يصبر في الضراء كما يصبر في السراء، وفي الفاقة كما يصبر في الغناء وفي البلاء كما يصبر في العافية، فلا يشكو حاله (2) عند المخلوق بما يصيبه من البلاء. قلت: فما تفسير القناعة ؟ قال: يقنع بما يصيب من الدنيا: يقنع بالقليل ويشكر اليسير. قلت: فما تفسير الرضا ؟ قال: الراضي لا يسخط على سيده أصاب من الدنيا أم لم يصب ولا يرضى لنفسه باليسير من العمل. قلت: يا جبرئيل فما تفسير الزهد ؟ قال: الزاهد يحب من يحب خالقه ويبغض من يبغض خالقه، ويتحرج من حلال الدنيا، ولا يلتفت إلى حرامها فان حلالها حساب، وحرامها عقاب، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه


(1) معاني الاخبار ص 191. (2) خالقه خ ل. (*)

[374]

ويتحرج من الكلام كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها، ويتحرج عن حطام الدنيا وزينتها كما يتجنب النار أن يغشاها، وأن يقصر أمله، وكان بين عينيه أجله. قلت: يا جبرئيل فما تفسير الاخلاص ؟ قال: المخلص الذي لا يسأل الناس شيئا حتى يجد، وإذا وجد رضي، وإذا بقي عنده شئ أعطاه في الله، فان [من] لم يسأل المخلوق فقد أقر لله عزوجل بالعبودية، وإذا وجد فرضي فهو عن الله راض، والله تبارك وتعالى عنه راض، وإذا أعطى لله عزوجل فهو على حد الثقة بربه عزوجل. قلت: فما تفسير اليقين ؟ قال: المؤمن يعمل لله كأنه يراه، فان لم يكن يرى الله فان الله يراه، وأن يعلم يقينا أن ما أصابه لم يكن [ليخطئه، وما فاته لم يكن] ليصيبه، وهذا كله أغصان التوكل ومدرجة الزهد (1). 20 - ما: المفيد، عن المراغي، عن القاسم بن محمد بن حماد، عن عبيد بن قيس، عن يونس بن بكير، عن يحيى بن أبي حية أبي الحباب، عن أبي العالية عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ست من عمل بواحدة منهن جادلت عنه يوم القيامة، حتى يدخله الجنة، يقول: أي رب قد كان يعمل بي في الدنيا: الصلاة والزكاة، والحج، والصيام، وأداء الامانة، وصلة الرحم (2). جا: المراغي مثله (3). 21 - ما: المفيد، عن الحسين بن أحمد بن أبي المغيرة، عن حيدر بن محمد عن الكشي، عن جعفر بن أحمد، عن أيوب بن نوح، عن نوح بن دراج، عن إبراهيم المخارقي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتقوا الله، اتقوا الله، اتقوا الله عليكم بالورع، وصدق الحديث، وأداء الامانة، وعفة البطن والفرج، تكونوا


(1) معاني الاخبار ص 460 - 261. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 9. (3) مجالس المفيد ص 141.

[375]

معنا في الرفيق الاعلى (1). 22 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن بكر بن صالح، عن الحسين بن علي، عن عبد الله بن إبراهيم، عن الحسن بن زيد عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أقربكم غدا مني في الموقف أصدقكم للحديث، وأداء الامانة، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقا، وأقربكم من الناس (2). جا: المراغي، عن الحسن بن علي الكوفي، عن جعفر بن محمد بن مروان عن أبيه، عن محمد بن إسماعيل الهاشمي، عن عبد المؤمن، عن الباقر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه واله مثله. 23 - ما: بالاسناد إلى أبي قتادة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لداود بن سرحان: يا داود إن خصال المكارم بعضها مقيد ببعض يقسمها الله حيث شاء يكون في الرجل ولا يكون في ابنه، ويكون في العبد ولا يكون في سيده: صدق الحديث، وصدق البأس، وإعطاء السائل والمكافات بالصنايع، وأداء الامانة، وصلة الرحم والتودد إلى الجار والصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء (3). 24 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن محمد بن علي بن الحسين بن زيد، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: عليكم بمكارم الاخلاق فان الله عزوجل بعثني بها، وإن من مكارم الاخلاق أن يعفو الرجل عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، وأن يعود من لا يعوده (4). 25 - ب: أبوالبختري، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أن عليا عليه السلام قال:


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 226. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 233. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 308. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 92.

[376]

لرجل وهو يوصيه: خذ مني خمسا: لا يرجون أحدكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحيي أن يتعلم ما لا يعلم، ولا يستحيي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد (1). 26 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن القاساني، عن الاصبهاني، عن المنقري، عن سفيان بن نجيح، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال سليمان بن داود عليه السلام: اوتينا ما اوتي الناس وما لم يؤتوا، وعلمنا ما علم الناس وما لم يعلموا فلم نجد شيئا أفضل من خشية الله في المغيب والمشهد، والقصد في الغنى والفقر وكلمة الحق في الرضا والغضب، والتضرع إلى الله عزوجل على كل حال (2). ضه، كتاب الغايات: عن أبي جعفر عليه السلام وذكرا مثله. 27 - ن: بالاسانيد الثلاثة، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي عليه السلام: خمسة لو رحلتم فيهن لم تقدروا على مثلهن: لا يخاف عبد إلا ذنبه ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحيي الجاهل إذا سئل عما لا يعلم أن يتعلم، ولا يستحيي أحدكم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم، والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له (3). ل: أحمد بن إبراهيم، عن زيد بن محمد البغدادي، عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام مثله (4). 28 - ل: الحسن بن محمد السكوني، عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن سعيد ابن عمرو الاشعثي، عن سفيان بن عيينة، عن السرى، عن الشعبي قال: قال علي عليه السلام: خذوا عني كلمات لو ركبتم المطايا فأنضيتموها (5) لم تصيبوا مثلهن: ألا


(1) قرب الاسناد ص 95. (2) الخصال ج 1 ص 114. (3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 44، وفيه: لو رحلتم فيهن المطايا. (4) الخصال ج 1 ص 152. (5) يقال: أنضى بعيره انضاءا: إذا هزله بكثرة السير.

[377]

لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحيي إذا لم يعلم أن يتعلم ولا يستحيي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، واعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا خير في جسد لا رأس له (1). 29 - ل: الخليل بن أحمد. عن ابن منيع، عن مصعب، عن مالك، عن أبي عبد الرحمان، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: سبعة يظلهم الله عزوجل في ظله (2) يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزوجل، ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان كانا في طاعة الله عزوجل فاجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله عزوجل خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا يعلم شماله ما يتصدق بيمينه (3). 30 - ل: المظفر العلوي، عن ابن العياشي، عن أبيه، عن الحسين بن اشكيب، عن محمد بن على الكوفي، عن أبي جميلة، عن الحضرمي، عن سلمة بن كهيل رفعه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: سبعة في ظل عرش الله عزوجل يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عزوجل، و رجل تصدق بيمينه فأخفاه عن شماله. ورجل ذكر الله عزوجل خاليا ففاضت عيناه من خشية الله، ورجل لقي أخاه المؤمن فقال: إني لاحبك في الله عزوجل، و رجل خرج من المسجد وفي نيته أن يرجع إليه، ورجل دعته امرأة ذات جمال إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين (4). 31 - سن: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام


(1) الخصال ج 1 ص 152. (2) ظل عرشه خ ل. (3 و 4) الخصال ج 2 ص 2.

[378]

يقول: ما من خطوة أحب إلى الله عزوجل من خطوتين: خطوة يسد بها المؤمن صفا في الله، وخطوة إلى ذي رحم قاطع، وما من جرعة أحب إلى الله عزوجل من جرعتين: جرعة غيظ ردها مؤمن بحلم، وجرعة مصيبة ردها مؤمن بصبر وما من قطرة أحب إلى الله عزوجل من قطرتين: قطرة دم في سبيل الله، وقطرة دمعة في سواد الليل، لا يريد بها عبد إلا الله عزوجل (1). كتاب الغايات: عن أبي حمزة الثمالي وذكر مثله. ين: فضالة، عن الحسين بن عثمان، عن رجل، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. 32 - ل: الفامي، عن ابن بطة، عن البرقي، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: قال إبليس: خمسة ليس لي فيهن حيلة، وسائر الناس في قبضتي: من اعتصم بالله عن نية صادقة واتكل عليه في جميع اموره، ومن كثر تسبيحه في ليله ونهاره، ومن رضي لاخيه المؤمن ما يرضاه لنفسه ومن لم يجزع على المصيبة حتى تصيبه، ومن رضي بما قسم الله له ولم يهتم لرزقه (2). 33 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبان، عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الصبر والبر والحلم وحسن الخلق من أخلاق الانبياء (3). 34 - ل: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب عن أبي ولاد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين يقول: إن المعرفة بكمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعينه، وقلة المراء وحلمه وصبره وحسن


(1) المحاسن ص 292. (2) الخصال ج 1 ص 137 وفيه " حين تصيبه ". (3) الخصال ج 1 ص 121.

[379]

خلقه (1). 35 - ل: أبي، عن محمد العطار وأحمد بن إدريس معا، عن سهل، عن محمد ابن الحسن بن زيد، عن عمرو بن عثمان، عن ثابت بن دينار، عن ابن طريف، عن ابن نباته قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: الصدق أمانة، والكذب خيانة والادب رياسة، والحزم كياسة، والسرف مثواة، والقصد مثراة، والحرص مفقرة والدناءة محقرة، والسخاء قربة، واللوم غربة، والدقة استكانة، والعجز مهانة والهوى ميل، والوفاء كيل، والعجب هلاك، والصبر ملاك (2). 36 - ل: ماجيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثلاث من أشد ما عمل العباد: إنصاف المرء من نفسه، ومواساة المرء أخاه، وذكر الله على كل حال وهو أن يذكر الله عزوجل عند المعصية يهم بها فيحول ذكر الله بينه وبين تلك المعصية، وهو قول الله عزوجل " إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون " (3). 37 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي سعيد القماط، عن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يكمل إيمان العبد حتى يكون فيه أربع خصال: يحسن خلقه، ويستخف نفسه، ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله (4). أقول: قد مضى بعض أخبار الباب في باب صفات المؤمن (5).


(1) الخصال ج 1 ص 139. (2) الخصال ج 2 ص 94. (3) الخصال ج 1 ص 65، والاية في الاعراف 201. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 125. (5) راجع ج 67 ص 261 - 384.

[380]

سن: أبي، عن أبي سعيد القماط مثله (1). 38 - جا، ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أربع من كن فيه كمل إسلامه، واعين على إيمانه، ومحصت ذنوبه، ولقي ربه وهو عنه راض ولو كان فيما بين قرنه إلى قدميه ذنوب حطها الله عنه، وهي: الوفاء بما يجعل لله على نفسه، وصدق اللسان مع الناس، والحياء مما يقبح عند الله وعند الناس، وحسن الخلق مع الاهل والناس. وأربع من كن فيه من المؤمنين أسكنه الله في أعلى عليين في غرف فوق غرف في محل الشرف كل الشرف: من آوى اليتيم، ونظر له فكان له أبا، ومن رحم الضعيف وأعانه وكفاه، ومن أنفق على والديه ورفق بهما وبرهما ولم يحزنهما، و [من] لم يخرق بمملوكه، وأعانه على ما يكلفه، ولم يستسعه فيما لم يطق (2). جا: أحمد مثله (3). 39 - لى: ابن المغيرة، عن جده، عن جده، عن السكوني، عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله لاصحابه: ألا اخبركم بشئ إن أنتم فعلتموه تباعد الشيطان عنكم كما تباعد المشرق من المغرب ؟ قالوا: بلى، قال: الصوم يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله والموازرة على العمل الصالح يقطعان دابره، والاستغفار يقطع وتينه، ولكل شئ زكاة وزكاة الابدان الصيام (4). 40 - فس: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أيها الناس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتواضع من غير منقصة، وجالس أهل التفقة والرحمة، و جالس أهل الذكر والمسكنة، وأنفق مالا جمعه في غير معصية، أيها الناس طوبى لمن


(1) المحاسن ص 8. (2) أمالى المفيد ص 107، أمالى الطوسى ج 1 ص 192. (3) مجالس المفيد ص 184. (4) أمالى الصدوق ص 37.

[381]

ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من كلامه، وعدل عن الناس شره، وسعته السنة، ولم يتعد إلى البدعة، يا أيها الناس طوبى لمن لزم بيته، وأكل كسرته، وبكى على خطيئته وكان من نفسه في تعب، والناس منه في راحة. 41 - لى: ماجيلويه، عن محمد العطار، عن الحسين بن إسحاق، عن علي ابن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن أقربكم مني غدا وأوجبكم علي شفاعة أصدقكم لسانا وأداكم للامانة وأحسنكم خلقا وأقربكم من الناس (1). 42 - ل: أبي، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، الجارود بن المنذر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أشد الاعمال ثلاثة: إنصاف الناس من نفسك حتى لا ترضى لهم منها بشئ، إلا رضيت لهم منها بمثله، ومواساتك الاخ في المال، وذكر الله على كل حال، وليس سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله فقط، ولكن إذا ورد عليك شئ من أمر الله أخذت به وإذا ورد عليك شئ نهى الله عزوجل عنه تركته (2). ما: الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا عن الحسن بن فضال مثله (3). جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن علي ابن مهزيار، عن علي بن عقبة مثله (4).


(1) أمالى الصدوق 304. (2) الخصال ج 1 ص 65. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 293. (4) مجالس المفيد 121.

[382]

43 - ل: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن درست عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ثلاث لا يطيقهن الناس: الصفح عن الناس، ومواساة الاخ أخاه في ماله، وذكر الله كثيرا (1). ين: النضر مثله. 44 - ما: المفيد، عن محمد بن الحسين الحلال، عن الحسن بن الحسين الانصاري، عن زفر بن سليمان، عن أشرس الخراساني، عن أيوب السجستاني عن أبي قلابة قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله من أسر ما يرضى الله عزوجل أظهر الله له ما يسره، ومن أسر ما يسخط الله عزوجل أظهر الله ما يخزيه، ومن كسب مالا من غير حله أفقره الله عزوجل، ومن تواضع لله رفعه الله، ومن سعى في رضوان الله [أرضاه الله] ومن أذل مؤمنا أذله الله، ومن عاد مريضا فانه يخوض في الرحمة وأومأ رسول الله إلى حقويه، فإذا جلس عند المريض غمرته الرحمة، ومن خرج من بيته يطلب علما شيعه سبعون ألف ملك يستغفرون له، ومن كظم غيظا ملا الله جوفه إيمانا، ومن أعرض عن محرم أبدله الله به عبادة تسره، ومن عفى عن مظلمة أبدله الله بها عزا في الدنيا والاخرة، ومن بنى مسجدا ولو مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة. ومن أعتق رقبة فهي فداه من النار كل عضو منها فداء عضو منه، ومن أعطى درهما في سبيل الله كتب الله له سبعمائة حسنة، ومن أماط عن طريق المسلمين ما يؤذيهم كتب الله له أجر قراءة أربع مائة آية كل حرف منها بعشر حسنات، ومن لقي عشرة من المسلمين فسلم عليهم كتب الله له عتق رقبة، ومن أطعم مؤمنا لقمة أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقاه شربة من ماء سقاه الله من الرحيق المختوم، ومن كساه ثوبا كساه الله من الاستبرق والحرير، وصلى عليه الملائكة ما بقي في ذلك الثوب سلك (2).


(1) الخصال ج 1 ص 66. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 185.

[383]

45 - لى: جعفر بن الحسين، عن محمد بن جعفر، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد الله عليه السلام قال: اتي النبي صلى الله عليه واله باسارى فأمر بقتلهم خلا رجل من بينهم، فقال الرجل: بأبي أنت وامي يا محمد كيف أطلقت عني من بينهم ؟ فقال: أخبرني جبرئيل عن الله عزوجل أن فيك خمس خصال يحبه الله عز وجل ورسوله: الغيرة الشديدة على حرمك والسخاء، وحسن الخلق، وصدق اللسان، والشجاعة، فلما سمعها الرجل أسلم وحسن إسلامه وقاتل مع رسول الله صلى الله عليه واله قتالا شديدا حتى استشهد (1). ل: أبي، عن سعد، عن البرقي مثله (2). ص: الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن البرقي مثله. 46 - لى: علي بن أحمد، عن الاسدي، عن سهل، عن عبد العظيم الحسني عن أبي الحسن الثالث عليه السلام قال: لما كلم الله عزوجل موسى بن عمران عليه السلام قال موسى: إلهي ما جزاء من شهد أني رسولك ونبيك، وأنك كلمتني ؟ قال: يا موسى تأتيه ملائكتي فتبشره بجنتي. قال موسى: إلهي فما جزاء من قام بين يديك يصلي ؟ قال: يا موسى اباهي به ملائكتي راكعا وساجدا وقائما وقاعدا ومن باهيت به ملائكتي لم اعذبه. قال موسى: إلهي فما جزاء من أطعم مسكينا ابتغاء وجهك ؟ قال: يا موسى آمر مناديا ينادي يوم القيامة على رؤس الخلائق إن فلان بن فلان من عتقاء الله من النار. قال موسى: إلهي فما جزاء من وصل رحمه ؟ قال: يا موسى انسئ له أجله واهون عليه سكرات الموت، ويناديه خزنة الجنة: هلم إلينا فادخل من أي أبوابها شئت. قال موسى: إلهي فما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه ؟ قال: يا موسى اظله


(1) أمالى الصدوق 163. (2) الخصال ج 1 ص 135.

[384]

يوم القيامة بظل عرشي، وأجعله في كنفي. قال: إلهي فما جزاء من تلا حكمتك سرا وجهرا ؟ قال: يا موسى يمر على الصراط كالبرق. قال: إلهي فما جزاء من صبر على أذى الناس وشتمهم فيك ؟ قال: اعينه على أهوال يوم القيامة. قال: إلهي فما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك ؟ قال: يا موسى أقي وجهه من حر النار واؤمنه يوم الفزع الاكبر. قال: إلهي فما جزاء من ترك الخيانة حياء منك ؟ قال: يا موسى له الامان يوم القيامة. قال: إلهي فما جزاء من احب أهل طاعتك ؟ قال: يا موسى احرمه على ناري. قال: إلهي فما جزاء من قتل مؤمنا متعمدا ؟ قال: لا أنظر إليه يوم القيامة ولا أقيل عثرته. قال: إلهي فما جزاء من دعى نفسا كافرة إلى الاسلام ؟ قال: يا موسى آذن له في الشفاعة يوم القيامة لمن يريد. قال: إلهي فما جزاء من صلى الصلوات لوقتها ؟ قال: اعطيه سؤله وابيحه جنتي. قال: إلهى فما جزاء من أتم الوضوء من خشيتك ؟ قال: أبعثه يوم القيامة وله نور بين عينيه يتلالا. قال: إلهي فما جزاء من صام شهر رمضان لك محتسبا ؟ قال: يا موسى اقيمه يوم القيامة مقاما لا يخاف فيه. قال: إلهي فما جزاء من صام شهر رمضان يريد به الناس ؟ قال: يا موسى ثوابه كثواب من لم يصمه (1). 46 - لى: ابن إدريس، عن أبيه، عن الاشعري، عن محمد بن آدم، عن


(1) أمالى الصدوق ص 125.

[385]

الحسن بن على الخزاز، عن الحسين بن أبي العلا، عن الصادق جعفر بن محمد عليه السلام قال: سمعته يقول: أحب العباد إلى الله عزوجل رجل صدوق في حديثه، محافظ على صلواته وما افترض الله عليه، مع أداء الامانة ثم قال عليه السلام: من اؤتمن على أمانة فأداها فقد حل ألف عقدة من عنقه من عقد النار، فبادروا بأداء الامانة فان من اؤتمن على أمانة وكل به إبليس مائة شيطان من مردة أعوانه ليضلوه ويوسوسوا إليه حتى يهلكوه، إلا من عصم الله عزوجل (1). 47 - ل: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن عبد الله بن محمد الرازي، عن بكر بن صالح، عن أبي أيوب، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زاد الله في رزقه، ومن حسن بره بأهله زاد الله في عمره (2). 48 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن أبي الوليد، عن الحسن بن زياد الصيقل، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وفيه بأهل بيته (3). 48 - ل: ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام: أربع من كن فيه كمل إسلامه، ومحصت ذنوبه، ولقي ربه عزوجل وهو عنه راض: من وفي لله عزوجل بما يجعل على نفسه للناس، وصدق لسانه مع الناس، واستحيا من كل قبيح عند الله وعند الناس، وحسن خلقه مع أهله (4). سن: أبي، عن ابن محبوب مثله (5).


(1) أمالى الصدوق 177. (2) الخصال ج 1 ص 44. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 250. (4) الخصال ج 1 ص 106. (5) المحاسن: 8.

[386]

ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن محبوب مثله (1). 49 - ل: سليمان بن أحمد اللخمي عن عبد الوهاب بن خواجة، عن أبي كريب، عن علي بن جعفر العبسى، عن الحسن بن الحسين، عن أبيه الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي بن ابي طالب عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله قال: ثلاث من لم تكن فيه فليس مني ولا من الله عزوجل قيل: يا رسول الله وما هن ؟ قال: حلم يرد به جهل الجاهل، وحسن خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله عزوجل (2). 50 - ل: أحمد بن علي بن إبراهيم بن هاشم رضي الله عنه، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن ميمون، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع من كن فيه نشر الله عليه كنفه، وأدخله الجنة في رحمته: حسن خلق يعيش به في الناس، ورفق بالمكروب، وشفقة على الوالدين، وإحسان إلى المملوك (3). 51 - ما: المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن البطائني، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أفضل ما توسل به المتوسلون الايمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيل الله، وكلمة الاخلاص فانها الفطرة، وإقامة الصلاة فانها الملة، وإيتاء الزكاة فانها من فرائض الله وصوم شهر رمضان فانه جنة من عذاب الله، وحج البيت فانه ميقاة للدين، ومدحضة للذنب، وصلة الرحم فانه مثراة للمال منساة للاجل، والصدقة في السر فانها تذهب الخطيئة، وتطفئ غضب الرب، وصنايع المعروف فانها تدفع ميتة السوء وتقي مصارع الهوان، ألا فاصدقوا فان الله مع من صدق، وجانبوا الكذب فان


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 71. (2) الخصال ج 1 ص 71. (3) الخصال ج 1 ص 107.

[387]

الكذب مجانب الايمان، ألا وإن الصادق على شفا منجاة وكرامة، ألا وإن الكاذب على شفا مخزاة وهلكة، ألا وقولوا خيرا تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، وأدوا الامانة إلى من ائتمنكم، وصلوا من قطعكم، وعودوا بالفضل عليهم (1). ع: أبي، عن سعد، عن إبراهيم بن مهزيار، عن أخيه علي، عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر رفعه إلى علي بن أبيطالب عليه السلام مثله. سن: أبي، عن حماد، عن إبراهيم بن عمر مثله (2) وسيأتي في أبواب المواعظ. 52 - ل: أبي، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن أبي عبد الله الرازي عن سجادة، عن درست، عن أبي خالد السجستاني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خمس خصال من لم تكن فيه خصلة منها فليس فيه كثير مستمتع، أولها الوفاء والثانية التدبير، والثالثة الحياء، والرابعة حسن الخلق، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال الحرية (3). 53 - ل: أبي، عن سعد، عن ابن يزيد، عن إسماعيل بن قتيبة البصري، عن أبي خالد العجمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خمس من لم يكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع: الدين، والعقل، والادب، والحرية، وحسن الخلق (4). 54 - ل: في خبر الاعمش قال الصادق عليه السلام بعد ذكر الائمة عليهم السلام: ودينهم الورع والعفة والصدق والصلاح والاجتهاد وأداء الامانة إلى البر والفاجر وطول السجود وقيام الليل واجتناب المحارم وانتظار الفرج بالصبر وحسن الصحبة وحسن الجوار (5).


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 220. (2) المحاسن ص 289. (3) الخصال ج 1 ص 137. (4) الخصال ج 1 ص 143. (5) الخصال ج 2 ص 79.

[388]

55 - ل: أبي، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام ثلاث من كن فيه زوجه الله من الحور العين كيف شاء: كظم الغيظ، والصبر على السيوف لله عزوجل، ورجل أشرف على مال حرام فتركه لله عزوجل (1). 56 - ل: عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رحمة الله عليه قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه واله بسبع: أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم وأوصاني أن أستكثر من قول " ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " فانها من كنوز الجنة (2). أقول: سيأتي بأسانيده في أبواب المواعظ. 57 - ل: ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن هاشم، عن القداح، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: قال عيسى بن مريم عليه السلام: طوبى لمن كان صمته فكرا، ونظره عبرا، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته، وسلم الناس من يده ولسانه (3). 58 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن إسحاق بن محمد بن مروان، عن أبيه، عن يحيى بن سالم الفراء، عن حماد بن عثمان، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت فيها قصرا من ياقوت أحمر، يرى باطنه من ظاهره لضيائه ونوره، وفيه قبتان من در وزبرجد، فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر ؟ قال:


(1) الخصال ج 1 ص 43. (2) الخصال ج 2 ص 3. (3) الخصال ج 1 ص 142.

[389]

هو لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجد بالليل والناس نيام. قال علي عليه السلام: فقلت: يا رسول الله وفي امتك من يطيق هذا ؟ فقال: أتدري ما إطابة الكلام ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: من صام شهر الصبر شهر رمضان ولم يفطر منه يوما، أتدري ما إطعام الطعام ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس، أتدري ما التهجد بالليل والناس نيام ؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: من لم ينم حتى يصلي العشاء الاخرة، والناس من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين نيام بينهما (1). 59 - ل: أبي، عن سعد والحميري جميعا، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان، وآفة الحلم السفه، وآفة العبادة الفترة وآفة الظرف الصلف (2)، وآفة الشجاعة البغي، وآفة السخاء المن، وآفة الجمال الخيلاء، وآفة الحسب الفخر (3). 60 - سن: أبي، عن محمد بن سنان، عن خضر، عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ثلاث من كن فيه أو واحدة منهن كان في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل أعطى الناس من نفسه ما هو سائلهم لها، ورجل لم يقدم رجلا حتى يعلم أن ذلك لله رضا أو يحبس، ورجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتى ينفي ذلك العيب عن نفسه، فانه لا ينتفي عنه عيب إلا بداله عيب وكفى بالمرء شغلا بنفسه عن الناس (4).


(1) امالي الطوسى ج 2 ص 73. (2) الظرف الكياسة، وقيل: حسن الوجه والهيئة، وقيل: البراعة وذكاء القلب، ولا يوصف به الا الفتيان الا زوال والفتيات الزولات، لا الشيوخ ولا السادة، ومن كان بهذه الصفة عجب في نفسه وتبختر وجاوز حده فصار مكروها عند الناس. (3) الخصال ج 2 ص 43. (4) المحاسن: 5.

[390]

61 - سن: أبي، عن محمد بن سنان، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من يضمن لي أربعة أضمن له بأربعة أبيات في الجنة: أنفق ولا تخف فقرا وأنصف الناس من نفسك، وأفش السلام في العالم، واترك المراء وإن كنت محقا (1). 62 - ين: ابن سنان، عن ابن وهب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من يضمن لي أربعا بأربعة أبيات الخبر. 63 - سن: أبي، عن ابن يزيد، عن إسماعيل بن عتيبة البصري، عن أبي خالد الجهني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خمس من لم يكن له لم يتهنأ بالعيش: الصحة والامن والغناء والقناعة والانيس الموافق (2). 64 - سن: أبي، عن جعفر بن محمد، عن القداح، عن أبي عبد الله، عن أبيه عليهما السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام لاصحابه: ألا اخبركم بخمس لو ركبتم فيهن المطي حتى تنضوها لم تأتوا بمثلهن ؟ لا يخشى أحدا إلا الله وعمله، ولا يرجو إلا ربه، ولا يستحيي العالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا علم لي، ولا يستحيي الجاهل إذا لم يعلم أن يتعلم، والصبر في الامور بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، فإذا فارق الصبر الامور فسدت الامور (3). 65 - سن: أبي، عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن محمد الاسدي، عن حريب الغزال، عن صدقة القتاب، عن الحسن البصري قال: كنت مع أبي جعفر عليه السلام بمنى وقد مات رجل من قريش فقال: يابا سعيد قم بنا إلى جنازته فلما دخلنا المقابر قال: ألا اخبركم بخمس خصال هن من البر والبر يدعو إلى الجنة، قلت: بلى قال: إخفاء المصيبة وكتمانها، والصدقة تعطيها بيمينك لا تعلم بها شمالك، وبر الوالدين فان برهما لله رضى، والاكثار من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فانه من كنوز الجنة، والحب لمحمد وآل محمد صلى الله


(1) المحاسن: 8. (2 و 3) المحاسن: 9.

[391]

عليه وآله أجمعين (1). 66 - سن: أبي، عن جعفر بن محمد، عن القداح، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: إنما أقبل الصلاة لمن تواضع لعظمتي، ويكف نفسه عن الشهوات من أجلي، ويقطع نهاره بذكري، ولا يتعاظم على خلقي، ويطعم الجايع ويكسو العاري، ويرحم المصاب، ويؤوي الغريب، فذلك يشرق نوره مثل الشمس، أجعل له في الظلمات نورا، وفي الجهالة علما، أكلاه بعزتي وأستحفظه بملائكتي يدعوني فالبيه، ويسألني فاعطيه، فمثل ذلك عندي كمثل جنات الفردوس لا ييبس ثمارها، ولا تتغير عن حالها (2). 67 - سن: بهذا الاسناد، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين عليهم السلام قال: قال موسى بن عمران عليه السلام: يا رب من أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك ؟ قال: فأوحى الله إليه: الطاهرة قلوبهم والتربة أيديهم (3) الذين يذكرون جلالي إذا ذكروا ربهم، الذين يكتفون بطاعتي كما يكتفي الصبي الصغير باللبن، الذين يأوون إلى مساجدي كما تأوي النسور إلى أوكارها، والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلت مثل النمر إذا حرد (4). 68 - سن: أبي، عن محمد بن إسماعيل رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: اوصيك يا علي في نفسك بخصال فاحفظها اللهم أعنه: الاولى الصدق فلا تخرج من فيك كذب أبدا، والثانية الورع فلا تجترء على خيانة أبدا


(1) المحاسن: 9. (2) المحاسن: 16 و 294. (3) التربة ايديهم: كناية عن الفقر، قال الجوهري: ترب الشئ بالكسر - أصابه لتراب، ومنه ترب الرجل: إذا افتقر كانه لصق بالتراب، يقال: تربت يداك وهو على - الدعاء أي لا أصبت خيرا، وقال: الحرد: الغضب، تقول منه حرد - بالكسر - فهو حارد وحردان ومنه قيل: أسد حارد، منه رحمه الله. (4) المحاسن 16 و 293.

[392]

والثالثة الخوف من الله كأنك تراه، والرابعة البكاء لله يبنى لك بكل دمعة بيت في الجنة، والخامسة بذلك مالك ودمك دون دينك، والسادسة الاخذ بسنتي في صلاتي وصومي وصدقتي: فأما الصلاة في الليل والنهار، وأما الصيام فثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أول الشهر والاربعا في وسط الشهر، والخميس في آخر الشهر والصدقة بجهدك حتى تقول: أسرفت ولا تسرف، وعليك بصلاة الليل يكررها أربعا، وعليك بصلاة الزوال، وعليك برفع يديك إلى ربك وكثرة تقلبها وعليك بتلاوة القرآن على كل حال، وعليك بالسواك لكل وضوء، وعليك بمحاسن الاخلاق فارتكبها، وعليك بمساوي الاخلاق فاجتنبها، فان لم تفعل فلا تلومن إلا نفسك (1). 69 - سن: العباس بن الفضل، عن إبراهيم بن محمد، عن موسى بن سابق، عن جعفر، عن أبيه قال: إن الله إذا أراد أن يعذب أهل الارض بعذاب قال: لو لا الذين يتحابون في جلالي، ويعمرون مساجدي، ويستغفرون بالاسحار لانزلت عذابي (2). 70 - سن: أبي، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: ألا اخبرك بالاسلام وفرعه وذروته وسنامه ؟ قال: قلت: بلى جعلت فداك، قال: أما أصله فالصلاة، وفرعه فالزكاة وذروته وسنامه الجهاد، قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير، قلت: نعم جعلت فداك قال: الصوم جنة، والصدقة تذهب بالخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يذكر الله ثم قرأ " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " (3). 71 - سن: الوشاء، عن مثنى، عن منصور بن حازم قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي الاعمال أفضل ؟ قال: الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد


(1) المحاسن: 17. (2) المحاسن: 53. (3) المحاسن 289، والاية في السجدة: 16.

[393]

في سبيل الله (1). 72 - سن: أبي، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن مفرق، عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أفضل العبادة عفة بطن وفرج، وما من شئ أحب إلى الله من أن يسئل، وإن أسرع الشر عقوبة البغي، وإن أسرع الخير ثوابا البر، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، أو ينهى الناس عما لا يستطيع التحول عنه، وأن يوذي جليسه في ما لا يعنيه (2). ختص: عن الثمالي، عن الباقر والسجاد عليهما السلام مثله (3). 73 - سن: أبي، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار عمن سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: ما ضاع مال في بر ولا بحر إلا بتضييع الزكاة، فحصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا نوايب البلايا بالاستغفار، الصاعقة لا تصيب ذاكرا، وليس يصاد من الطير إلا ما ضيع تسبيحه (4). 74 - سن: عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جمع رسول الله صلى الله عليه واله بني عبد المطلب فقال: يا بني عبد المطلب أفشوا السلام، وصلوا الارحام، وتهجدوا والناس نيام، وأطعموا الطعام، وأطيبوا الكلام تدخلوا الجنة بسلام (5). 75 - صح، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أفضل الاعمال عند الله إيمان لا شك فيه، وغزو لا غلول فيه، وحج مبرور، و أول من يدخل الجنة شهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده، و رجل عفيف متعفف ذو عبادة، وأول من يدخل النار أمير متسلط لم يعدل، وذو


(1 و 2) المحاسن 292. (3) الاختصاص 228. (4) المحاسن 294. (5) المحاسن 387.

[394]

ثروة من المال لم يعط المال حقه، وفقير فخور (1). جا: عمر بن محمد، عن ابن مهرويه، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام إلى قوله ذو عبادة (2). 76 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تزال امتي بخير ما تحابوا وأدوا الامانة واجتنبوا الحرام وقروا الضيف، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين (3). 77 - ضا: ونروي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال: بعثت بمكارم الاخلاق أروي عن العالم عليه السلام أن الله جل جلاله خص رسله بمكارم الاخلاق، فامتحنوا أنفسكم فان كانت فيكم فاحمدوا الله، وإلا فاسألوه وارغبوا إليه فيها، فقال: وذكرها عشرة: اليقين، والقناعة، والبصيرة، والشكر، والحلم، وحسن الخلق والسخاء، والغيرة، والشجاعة، والمروءة، وفي خبر آخر زاد فيها الحياء، و الصدق، وأداء الامانة. وأروي عن العالم عليه السلام قال: ما نزل من السماء أجل ولا أعز من ثلاثة التسليم، والبر، واليقين، وأروي عن العالم عليه السلام أنه قال: إن الله جل وعلا أوحى إلى آدم عليه السلام أن أجمع الكلام كله في أربع كلمات فقال: يا رب بينهن لي فأوحى الله إليه: واحدة لي، واخرى لك، واخرى بيني وبينك، واخرى بينك وبين الناس، فالتي لي تؤمن بي ولا تشرك بي شيئا، والتي لك فاجازيك عنها أحوج ما تكون إلى المجازاة، والتي بينك وبيني فعليك الدعاء وعلي الاجابة والتي بينك وبين الناس فأن ترضى لهم ما ترضى لنفسك، وتكره لهم ما تكرهه لنفسك.


(1) صحيفة الرضا عليه السلام ص 3. (2) مجالس المفيد: 67. (3) صحيفة الرضا عليه السلام ص 4.

[395]

وأروي أنه سئل العالم عليه السلام عن خيار العباد فقال: الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤا استغفروا، وإذا اعطوا شكروا، وإذا ابتلوا صبروا، وإذا غضبوا عفوا. 78 - ع: ابن الوليد، عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن الهيثم الخفاف، عن رجل من أصحابنا، عن عبد الملك بن هشام، عن علي الاشعري رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: ما عبد الله بمثل العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه عشر خصال: الخير منه مأمول والشر منه مأمون، يستقل كثير الخير من عنده، و يستكثر قليل الخير من غيره، ولا يتبرم بطلاب الحوايج، ولا يسأم من طلب العلم طول عمره، الفقر أحب إليه من الغنى، والذل أحب إليه من العز، نصيبه من الدنيا القوت، والعاشرة وما العاشرة ؟ لا يرى أحدا إلا قال هو خير مني وأتقى إنما الناس رجلان فرجل هو خير منه وأتقى، وآخر هو شر منه وأدنى، فإذا رأى من هو خير منه وأتقى تواضع له ليلحق به، وإذا لتقى الذي هو شر منه وأدنى قال: عسى أن يكون خير هذا باطنا وشره ظاهرا، وعسى أن يختم له بخير، فإذا فعل ذلك فقد علا مجده، وساد أهل زمانه (1). 79 - سر: ابن محبوب، عن سعد بن أبي خلف، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال لبعض ولده: يا بني إياك أن يراك الله تعالى في معصية نهاك عنها وإياك أن يفقدك الله تعالى عن طاعة أمرك بها، وعليك بالجد ولا تخرجن نفسك عن التقصير في عبادة الله تعالى وطاعته، فان الله تعالى لا يعبد حق عبادته، وإياك والمزاح فانه يذهب بنور إيمانك، ويستخف مروتك، وإياك والضجر والكسل فانهما يمنعانك حظ الدنيا والاخرة. 80 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يابا محمد عليكم بالورع والاجتهاد وأداء الامانة، وصدق الحديث، وحسن الصحابة لمن صحبكم، وطول


(1) علل الشرايع ج 1 ص 110.

[396]

السجود فان ذلك من سنن الاوابين، قال أبو بصير: الاوابون التوابون (1). 81 - جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن ابن أبان، عن ابن اورمة، عن إسماعيل بن أبان، عن الربيع بن بدر، عن أبي حاتم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: يا أنس أكثر من الطهور يزيد الله في عمرك، وإن استطعت أن تكون بالليل والنهار على طهارة فافعل، فانك تكون إذا مت على طهارة شهيدا وصل صلاة الزوال، فانها صلاة الاوابين، وأكثر من التطوع تحبك الحفظة وسلم على من لقيت يزيد الله في حسناتك، وسلم في بيتك يزيد الله في بركتك، ووقر كبير المسلمين وارحم صغيرهم أجيئ أنا وأنت يوم القيامة كهاتين وجمع بين الوسطى والمسبحة (2). 82 - جا: الجعابي، عن عبد الله بن بريد العجلي، عن محمد بن أيوب عن محمد بن علي بن جعفر، عن أبيه، عن أخيه موسى بن جعفر، عن آبائه صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: أربع من كن فيه كتبه الله من أهل الجنة: من كان عصمته شهادة أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، ومن إذا أنعم الله عليه بنعمة قال: الحمد لله، ومن إذا أصاب ذنبا قال: أستغفر الله، ومن إذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون (3). 83 - جا: الصدوق، عن أبيه، عن علي بن إبراهيم، عن اليقطيني، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: سمعته يقول: لا تستكثروا كثير الخير، ولا تستقلوا قليل الذنوب، فان قليل الذنوب تجتمع حتى تكون كثيرا، وخافوا الله عزوجل في السر حتى تعطوا من أنفسكم النصف وسارعوا إلى طاعة الله واصدقوا الحديث، وأدوا الامانة، فانما ذلك لكم ولا تدخلوا فيما لا يحل فانما ذلك عليكم (4).


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 286. (2) مجالس المفيد ص 46. (3) المصدر: 54. (4) المصدر: 102.

[397]

ين: عثمان بن عيسى مثله. 84 - جا: أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن معروف، عن ابن مهزيار، عن ابن أبي عمير، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله في خطبة: ألا اخبركم بخير خلائق الدنيا والاخرة ؟ العفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك، والاحسان إلى من أساء إليك، وإعطاء من حرمك، وفي التباغض الحالقة لا أعني حالقة الشعر ولكن حالقة الدين (1). ين: ابن أبي عمير مثله. 85 - جا: بهذا الاسناد، عن ابن مهزيار، عن فضالة، عن عجلان أبي صالح قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أنصف الناس من نفسك، وأسهمهم في مالك، وارض لهم بما ترضى لنفسك، واذكر الله كثيرا، وإياك والكسل والضجر، فان أبي بذلك كان يوصيني، وبذلك كان يوصيه أبوه، وكذلك في صلاة الليل إنك إذا كسلت لم تؤد إلى الله حقه، وإن ضجرت لم تؤد إلى أحد حقا، وعليك بالصدق والورع وأداء الامانة وإذا وعدت فلا تخلف (2). 86 - جا: بهذا الاسناد، عن ابن مهزيار، عن جعفر بن محمد، عن إسماعيل بن عباد، عن بكير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد صلوات الله عليهما أنه قال: لنحب من شيعتنا من كان عاقلا فهما فقيها حليما مداريا صبورا صدوقا وفيا، ثم قال: إن الله تبارك وتعالى خص الانبياء عليهم السلام بمكارم الاخلاق، فمن كانت فيه فليحمد الله على ذلك، ومن لم تكن فيه فليتضرع إلى الله وليسأله، قال: قلت: جعلت فداك وما هي ؟ قال: الورع والقنوع والصبر والشكر والحلم والحياء والسخاء والشجاعة والغيرة والبر وصدق الحديث وأداء الامانة (3). محص: عن بكير مثله.


(1) مجالس المفيد ص 115. (2) مجالس المفيد ص 116. (3) المصدر نفسه ص 121.

[398]

87 - جا: بالاسناد، عن علي بن مهزيار، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمس عن عمر بن سعيد بن هلال قال: قلت لابي عبد الله: أوصني قال: أوصيك بتقوى الله، والورع والاجتهاد واعلم أنه لا ينفع اجتهاد بلا ورع، وانظر إلى ما هو دونك ولا تنظر إلى من فوقك، فلكثير ما قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه واله: " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم " (1) وقال: " لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا " (2) وإن نازعتك نفسك إلى شئ من ذلك فاعلم أن رسول الله صلى الله عليه واله كان قوته الشعير، وحلواؤه التمر إذا وجده، ووقوده السعف، وإذا اصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله صلى الله عليه واله فان الناس لن يصابوا بمثله أبدا (3). 88 - جا: بالاسناد، عن ابن مهزيار قال: أخبرني ابن اسحاق الخراساني صاحب كان لنا قال: كان أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام يقول: لا ترتابوا فتشكوا فتكفروا ولا ترخصوا لانفسكم فتذهبوا، ولا تداهنوا في الحق فتخسروا إن الحزم أن تتفقهوا، ومن الفقه أن لا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، وإن أغشكم أعصاكم لربه، من يطع الله يأمن ويرشد، ومن يعصه يخب ويندم، واسألوا الله اليقين، وارغبوا إليه في العاقبة، وخير ما دار في القلب اليقين أيها الناس إياكم والكذب، فان كل راج طالب، وكل خائف هارب (4). 89 - جا: الحسن بن حمزة، عن أحمد بن عبد الله، عن جده البرقي، عن أبيه، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الحذاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: ألا اخبركم بأشد ما افترض الله على خلقه: إنصاف الناس من نفسهم، ومواساة الاخوان في الله عزوجل، وذكر الله على كل حال، فان عرضت له طاعة لله عمل بها، وإن عرضت له معصية تركها (5).


(1) براءة: 55. (2) طه: 131. (3) مجالس المفيد ص 122. (4) مجالس المفيد ص 128. (5) المصدر نفسه ص 195.

[399]

90 - ضه: قال سلمان الفارسي رحمة الله عليه: أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله بسبع خصال لا أدعهن على كل حال: أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن احب الفقراء والدنو منهم، وأن أقول الحق وإن كان مرا، وأن أصل إلى رحمي وإن كانت مدبرة، وأن لا أسأل الناس شيئا، وأوصاني أن أقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " فانها من كنوز الجنة. 91 - جع: قال أمير المؤمنين عليه السلام: طلبت القدر والمنزلة فما وجدت إلا بالعلم، تعلموا يعظم قدركم في الدارين، وطلبت الكرامة فما وجدت إلا بالتقوى اتقوا لتكرموا، وطلبت الغنى فما وجدت إلا بالقناعة، عليكم بالقناعة تستغنوا وطلبت الراحة فما وجدت إلا بترك مخالطة الناس لقوام عيش الدنيا، اتركوا الدنيا ومخالطة الناس تستريحوا في الدارين وتأمنوا من العذاب، وطلبت السلامة فما وجدت إلا بطاعة الله أطيعوا الله تسلموا، وطلبت الخضوع فما وجدت إلا بقبول الحق اقبلوا الحق فان قبول الحق يبعد من الكبر، وطلبت العيش فما وجدت إلا بترك الهوى، فاتركوا الهوى ليطيب عيشكم، وطلبت المدح فما وجدت إلا بالسخاوة كونوا الاسخياء تمدحوا، وطلبت نعيم الدنيا والاخرة فما وجدت إلا بهذه الخصال التي ذكرناها (1). 92 - بشا: محمد بن عبد الوهاب الرازي، عن محمد بن أحمد بن الحسين عن محمد بن محمد المقري، عن يحيى بن الحسين بن هارون، عن أبي أحمد بن محمد بن علي العبدي، عن محمد بن جعفر، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن صفوان قال: قال جعفر بن محمد عليهما السلام: من اعتصم بالله عزوجل هدي، ومن توكل على الله عزوجل كفي، ومن قنع بما رزقه الله عزوجل أغنى، ومن اتقى الله عزوجل نجا فاتقوا الله عباد الله بما استطعتم، وأطيعوا وسلموا الامر لاهله تفلحوا، واصبروا إن الله مع الصابرين " ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنسيهم أنفسهم " الاية " لا


(1) جامع الاخبار 144.

[400]

يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون " (1). 93 - ختص: عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول لحمران ابن أعين: يا حمران انظر إلى من هو دونك في المقدرة، ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة، فان ذلك أقنع لك بما قسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك عزوجل، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله عزوجل من العمل الكثير على غير يقين، واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله عزوجل، والكف عن أذى المؤمنين، واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوغ باليسير المجزي، ولا جهل أضر من العجب (2). 94 - ختص: كان رسول الله صلى الله عليه واله إذا خطب قال في آخر خطبته: طوبى لمن طاب خلقه، وطهرت سجيته، وصلحت سريرته، وحسنت علانيته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من كلامه، وأنصف الناس من نفسه (3). 95 - كتاب الامامة والتبصرة: عن القاسم بن علي العلوي، عن محمد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن النوفلي عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله مثله إلا أن فيه، وأمسك الفضل من قوله. ومنه بهذا الاسناد: طوبى لمن طال عمره، وحسن عمله، فحسن منقلبه، إذ رضي عنه ربه، وويل لمن طال عمره، وساء عمله، وساء منقلبه، إذ سخط عليه ربه. 96 - ختص: عن النوفلي، عن السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه واله: من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته وأدى زكاة ماله


(1) بشارة المصطفى ص 116، والاية في الحشر 19 و 20. (2) الاختصاص 227. (3) الاختصاص 228.

[401]

وكف غضبه وسجن لسانه واستغفر لذنبه وأدى النصيحة لاهل بيته فقد استكمل حقايق الايمان وأبواب الجنة مفتحة له (1). 97 - مشكوة الانوار: نقلا عن المحاسن مثله (2). 98 - ختص: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا خير في القول إلا مع العمل، ولا في المنظر إلا مع المخبر، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة ولا في الوطن إلا مع الامن والمسرة (3). 99 - كتاب صفات الشيعة: للصدوق رحمه الله، عن أبيه، عن سعد رفعه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: جعلت فداك صف لي شيعتك، قال: شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يطرح كله على غيره، ولا يسأل غير إخوانه ولو مات جوعا، شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب شيعتنا الخفية عيشهم، المنتقلة ديارهم، شيعتنا الذين في أموالهم حق معلوم ويتواسون وعند الموت لا يجزعون، وفي قبورهم يتزاورن، قال: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء ؟ قال: في أطراف الارض، وبين الاسواق كما قال الله عزوجل في كتابه " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " (4). 100 - ين: فضالة، عن عبد الله بن يزيد، عن علي بن يعقوب قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: لا يغرنك الناس من نفسك، فان الاجر يصل إليك دونهم، ولا تقطع عنك النهار بكذا وكذا، فان معك من يحفظ عليك، ولا تستقل قليل الخير فانك تراه غدا بحيث يسرك، ولا تستقل قليل الشر فانك تراه غدا بحيث يسوؤك، وأحسن فاني لم أر شيئا أشد طلبا ولا أسرع دركا من حسنة محدثه لذنب قديم، إن الله


(1) الاختصاص: 233. (2) مشكوة الانوار: 39. (3) الاختصاص: 243 و 244. (4) صفات الشيعة 169، والاية في المائدة 54.

[402]

تبارك وتعالى يقول: " إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " (1). ختص: عنه عليه السلام مرسلا مثله (2). 101 - ين: ابن محبوب، عن الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: من عمل بما افترض الله عليه فهو من خير الناس، ومن اجتنب ما حرم الله عليه فهو من أعبد الناس، ومن قنع بما أقسم الله له فهو من أغنى الناس. 102 - ين: علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبي شيبة الزهري، عن أحدهما عليهما السلام أنه قال: ويل لمن لا يدين الله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: ومن قال لا إله إلا الله فلن يلج ملكوت السماء حتى يتم قوله بعمل صالح، ولا دين لمن دان الله بغير إمام عادل، ولا دين لمن دان الله بطاعة ظالم، قال: وكل قوم ألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر، قال: ومن أحسن ولم يسئ خير ممن أحسن وأساء، ومن أحسن وأساء خير ممن أساء ولم يحسن، وقال: والوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة. 103 - ين: النضر، عن عبد الله بن سنان، عن رجل من بني هاشم قال: سمعته يقول: أربع من كن فيه كمل إسلامه، ولو كان ما بين قرنه وقدمه خطايا لم ينتقصه ذلك: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر. 104 - محص: عن مهزم الاسدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شحمة اذنه ولا يمتدح بنا معلنا ولا يواصل لنا مبغضا، ولا يخاصم لنا وليا، ولا يجالس لنا عائبا قال: قلت: فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة ؟ قال: فيهم التمحيص، وفيهم التمييز، وفيهم التبديل، تأتي عليهم سنون تفنيهم، وطاعون يقتلهم واختلاف يبددهم، شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل وإن مات جوعا قلت: فأين أطلب هؤلاء ؟ قال: اطلبهم في أطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة ديارهم، الذين إذا شهدوا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم


(1) هود: 114، والمصدر مخطوط. (2) الاختصاص ص 231.

[403]

يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعاودوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن رأوا منكرا ينكروا، وإن يخاطبهم الجاهل سلموا، وإن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموا وعند الموت هم لا يحزنون، وفي القبور يتزاورون، لم تختلف قلوبهم وإن رأيتهم اختلف بهم البلدان (1). 105 - نوادر الراوندي: باسناده، عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: سر سنتين بر والديك، سر سنة صل رحمك، سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيع جنازة، سر ثلاثة أميال أغث ملهوفا، وعليك بالاستغفار فانه المنجاة (2). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: السابقون إلى ظل العرش طوبى لهم قيل: يا رسول الله ومن هم ؟ فقال: الذين يقبلون الحق إذا سمعوه ويبذلونه إذا سئلوه، ويحكمون للناس كحكمهم لانفسهم، هم السابقون إلى ظل العرش (3). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: اعطينا أهل البيت سبعا لم يعطهن أحد كان قبلنا ولا يعطاهن أحد بعدنا. الصباحة والفصاحة والسماحة والشجاعة والعلم والعمل والمحبة في النساء (4) وبهذا الاسناد عن على عليه السلام قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه واله: ما الذي يباعد الشيطان منا ؟ قال: الصوم لله يسود وجهه، والصدقة تكسر ظهره، والحب في الله تعالى والمواظبة على العمل الصالح يقطع دابره، والاستغفار يقطع وتينه (5). وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: اوصي امتي بخمس: بالسمع، والطاعة


(1) قد مر هذا الحديث باسانيد مختلفة في باب صفات الشيعة ج 68 منها في ص 180 عن الكافي وعليه شرح مستوفى. فراجع. (2) نوادر الراوندي ص 5. (3 و 4) المصدر ص 15. (5) المصدر ص 19.

[404]

والهجرة، والجهاد، والجماعة، ومن دعا بدعاء الجاهلية فله جثوة من جثى جهنم (1). 106 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن عبد الله بن الحسين بن إبراهيم العلوي عن إبراهيم بن أحمد العلوي، عن عمه الحسن بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، عن أبيه إسماعيل، عن أبيه إبراهيم بن الحسن بن الحسن، عن امه فاطمة بنت الحسين عن أبيها الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبيطالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من اعطي أربع خصال في الدنيا فقد اعطي خير الدنيا والاخرة، وفاز بحظه منهما: ورع يعصمه عن محارم الله، وحسن خلق يعيش به في الناس، وحلم يدفع به جهل الجاهل، وزوجة صالحة تعينه على أمر الدنيا والاخرة (2). 107 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد الحسني، عن أحمد بن عبد المنعم، عن محمد بن جعفر، عن أبيه الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيد الاعمال ثلاثة إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الاخ في الله وذكر الله على كل حال (3). 108 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن حنظلة بن زكريا، عن محمد بن على ابن حمزة العلوي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا حسب إلا بالتواضع، ولا كرم إلا بالتقوى، ولا عمل إلا بالنية قال: وقال رسول الله صلى الله عليه واله: حسب المرء ماله، ومروته عقله، وحلمه شرفه، وكرمه تقواه (4). 109 - ما: جماعة عن أبي المفضل، عن أحمد بن عبد الرحيم، عن اسماعيل بن محمد العلوي، عن أبيه، عن جده إسحاق بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر قال: سمعت أبي جعفر بن محمد عليهما السلام يقول أحسن من الصدق قائله، وخير من الخير فاعله


(1) نوادر الراوندي ص 21 والجثوة: الكومة. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 189. (3) امالي الطوسى ج 2 ص 190. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 203.

[405]

ثم قال: حدثني أبي محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي عليهم السلام قال: سمعت النبي صلى الله عليه واله يقول: بعثت بمكارم الاخلاق ومحاسنها وسمعته صلى الله عليه واله يقول: استتمام المعروف أفضل من ابتدائه (1). 110 - ما: الحسين بن عبيد الله الغضائري، عن التلعكبري، عن محمد بن علي ابن معمر، عن محمد بن صدقة، عن الكاظم، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تزال امتي بخير ما تحابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وقروا الضيف فان لم يفعلوا ابتلوا بالسنين والجدب (2). 111 - ما: الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن وهبان، عن أحمد بن إبراهيم عن الحسن بن علي الزعفراني، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: ألا اخبرك بأشد ما فرض الله على خلقه ؟ قال: نعم، قال: إن من أشد ما فرض الله على خلقه إنصافك الناس من نفسك، ومواساتك أخاك المسلم في مالك، وذكر الله كثيرا أما إني لا أعني سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، وإن كان منه، لكن ذكر الله عند ما أحل وما حرم فان كان طاعة عمل بها، وإن كان معصية تركها (3). 112 - ما: الحسين، عن ابن وهبان، عن علي بن حبشي، عن العباس بن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن الحسين بن أبي غندر، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كمال المؤمن في ثلاث خصال: تفقه في دينه والصبر على النائبة، والتقدير في المعيشة (4). 113 - ما: بهذا الاسناد، عن أبي وهبان، عن محمد بن أحمد بن زكريا، عن الحسن بن علي بن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمس، عن أبي عبد الله عليه السلام


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 209. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 260. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 278. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 279.

[406]

قال: قلت له: أي الاعمال هو أفضل بعد المعرفة ؟ قال: ما من شئ بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة، ولا بعد المعرفة والصلاة شئ تعدل الزكاة، ولا بعد ذلك شئ يعدل الصوم، ولا بعد ذلك شئ يعدل الحج، وفاتحة ذلك كله معرفتنا وخاتمته معرفتنا، ولا شئ بعد ذلك كبر الاخوان، والمواساة ببذل الدينار والدرهم، فانهما حجران ممسوخان بهما امتحن الله خلقه بعد الذي عددت لك، وما رأيت شيئا أسرع غنا ولا أنفى للفقر من إدمان حج هذا البيت، وصلاة فريضة تعدل عند الله ألف حجة وألف عمره مبرورات متقبلات، والحجة عنده خير من بيت مملو ذهبا لا بل خير من ملء الدنيا ذهبا وفضة ينفقه في سبيل الله عزوجل، والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا لقضاء حاجة امرئ مسلم وتنفيس كربته أفضل من حجة وطواف وحجة وطواف حتى عقد عشرة ثم خلا يده وقال: اتقوا الله ولا تملوا من الخير، ولا تكسلوا، فان الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه واله غنيان عنكم وعن أعمالكم وأنتم الفقراء إلى الله عزوجل وإنما أراد الله عزوجل بلطفه سببا يدخلكم به الجنة (1). ورواه، عن جماعة، عن أبي المفضل، عن حميد، عن القاسم بن إسماعيل عن زريق عنه عليه السلام مثله. 114 - ما: باسناده، عن إبراهيم بن مهزيار، عن جعفر بن بشير، عن سيف عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى أغناه الله بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر، ومن خاف الله أخاف الله منه كل شئ ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ، ومن رضي باليسير من المعاش رضي الله منه باليسير من العمل، ومن لم يستحي من طلب الحلال خفت مؤنته، ونعم أهله ومن زهد في الدنيا أثبت الله الحكمة في قلبه وأطلق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه الله من الدنيا سالما إلى دار السلام (2).


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 305. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 332

[407]

115 - الدرة الباهرة: قال أبو محمد العسكري عليه السلام: إن للسخاء مقدارا فان زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقدارا فان زاد عليه فهو حين، وللاقتصاد مقدارا فان زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقدارا فان زاد عليه فهو تهور، وقال عليه السلام: كفاك أدبا، تجنبك ما تكره من غيرك، وقال عليه السلام: من كان الورع سجيته والافضال حليته، انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه، وتحصن بالذكر الجميل من وصول نقص إليه. 116 - ونقل من خط الشهيد - ره -: باسناد المعافا إلى نصر بن كثير قال: دخلت على جعفر بن محمد عليهما السلام أنا وسفيان الثوري منذ ستين سنة أو سبعين سنة فقلت له: إني اريد البيت الحرام فعلمني شيئا أدعو به، قال: إذا بلغت البيت الحرام فضع يدك على حائط البيت ثم قل: يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، وياكاسي العظام، كما بعد الموت، ثم ادع بعده بما شئت، فقال له سفيان: شيئا لم أفهمه، فقال: يا سفيان أو يا أبا عبد الله إذا جاءك ما تحب فأكثر من " الحمد لله " وإذا جاءك ما تكره فأكثر من " لا حول ولا قوة إلا بالله " وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار قال المعافا: حكي لي عن أبي جعفر الطبري أنه ذكر له هذا الدعاء عن جعفر بن محمد عليهما السلام فاستدعا محبرة وصحيفة فكتبه وكان قبل موته بساعة فقيل له: في هذه الحال ؟ فقال: ينبغي الانسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى يموت. 117 - دعوات الراوندي: عن ربيعة بن كعب قال: قال لي ذات يوم رسول الله صلى الله عليه واله: يا ربيعة خدمتني سبع سنين أفلا تسألني حاجة ؟ فقلت: يا رسول الله أمهلني حتى افكر، فلما أصبحت ودخلت عليه قال لي: يا ربيعة هات حاجتك فقلت: تسأل الله أن يدخلني معك الجنة، فقال لي: من علمك هذا ؟ فقلت: يا رسول الله ما علمني أحد لكني فكرت في نفسي وقلت: إن سألته مالا كان إلى نفاد وإن سألته عمرا طويلا وأولادا كان عاقبتهم الموت، قال ربيعة: فنكس صلى الله عليه واله رأسه ساعة ثم قال: أفعل ذلك، فأعني بكثرة السجود.

[408]

قال ربيعة: وسمعته يقول: ما من عبد يقول كل يوم سبع مرات: أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، إلا قالت النار: يا رب أعذه مني، وسمعته يقول من اعطي له خمسا لم يكن له عذر في ترك عمل الاخرة: زوجة صالحة تعينه على أمر دنياه وآخرته، وبنون أبرار، ومعيشة في بلده، وحسن خلق يداري به الناس وحب أهل بيتي. قال: وسمعته يقول: عليك باليأس مما في أيدي الناس فانه الغنى الحاضر وإياك والطمع في الناس فانه فقر حاضر، وإذا صليت فصل صلاة مودع، وإياك وما يعتذر منه، وسمعته يقول: ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالتزموا علي بن أبيطالب عليه السلام الخبر بتمامه. وقال الصادق عليه السلام: من صدق لسانه زكى عمله، ومن حسنت نيته زيد في عمره، ومن حسن بره أهل بيته زيد في رزقه. 118 - كنز الكراجكى: جاء في الحديث، عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: تكلم أمير المؤمنين عليه السلام بأربع وعشرين كلمة قيمة كل كلمة منها وزن السماوات والارض، قال: رحم الله امرءا سمع [حكما]، فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا وأخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربه، وخاف ذنبه، قدم خالصا، وعمل صالحا اكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا، وأخذ عوضا، كابر هواه، وكذب مناه حذر أملا ورتب عملا، جعل الصبر رغبة حياته، والتقى عدة وفاته، يظهر دون ما يكتم، ويكتفي بأقل مما يعلم، لزم الطريقة الغراء، والمحجة البيضاء اغتنم المهل، وبادر الاجل، وتزود من العمل. 119 - مشكوة الانوار: نقلا من المحاسن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لم ينزل من السماء شئ أقل ولا أعز من ثلاثة أشياء: التسليم والبر واليقين (1). 120 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كن في الفتنة كابن اللبون، لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب.


(1) مشكاة الانوار ص 27.

[409]

وقال عليه السلام: الصبر شجاعة، والزهد ثروة، والورع جنة، ونعم القرين الرضا، والعلم وراثة كريمة، والاداب حلل مجددة، والفكر مرآة صافية، وصدر العاقل صندوق سره، والبشاشة حبالة المودة، والاحتمال قبر العيوب، وفي رواية اخرى والمسالمة خبء العيوب، والصدقة دواء منجح، وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم (1). 121 - نهج: سئل عليه السلام عن الخير ما هو ؟ فقال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك وعملك، وأن يعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، فان أحسنت حمدت الله، وإن أسأت استغفرت الله، ولا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنبا فهو يتداركها بالتوبة، ورجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل مع التقوى. وكيف يقل ما يتقبل (2). 122 - وقال عليه السلام: لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب ولا عقل كالتدبير، ولا كرم كالتقوى، ولا قرين كحسن الخلق، ولا ميراث كالادب، ولا قائد كالتوفيق، ولا تجارة كالعمل الصالح، ولا ربح كالثواب، ولا ورع كالوقوف عند الشبهة، ولا زهد كالزهد في الحرام، ولا علم كالتفكر، ولا عبادة كأداء الفرائض، ولا إيمان كالحياء والصبر، ولا حسب كالتواضع، ولا شرف كالعلم، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة (3). 123 - نهج: قال عليه السلام: طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت خليقته، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه وعزل عن الناس شره، ووسعته السنة، ولم ينتسب إلى البدعة (4). 124 - نهج قال عليه السلام: من اعطي أربعا لم يحرم أربعا: من اعطي الدعاء


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 1 - 6 من الحكم. (2) نهج البلاغة تحت الرقم 94 من الحكم. (3) المصدر الرقم 113 من الحكم. (4) المصدر تحت الرقم 123 من الحكم وفى الاصل: ولم يعدها الى بدعة خ ل.

[410]

يحرم الاجابة، ومن اعطي التوبة لم يحرم القبول، ومن اعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن اعطي الشكر لم يحرم الزيادة، وتصديق ذلك في كتاب الله سبحانه قال الله عزوجل في الدعاء: " ادعوني أستجب لكم " (1) وقال في الاستغفار: " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما " (2) وقال في الشكر: " لئن شكرتم لازيدنكم " (3) وقال في التوبة: " إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما " (4). 125 - وقال عليه السلام: الجود حارس الاعراض، والحلم فدام السفيه (5) والعفو زكاة الظفر، والسلو عوضك ممن قدر، والاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والصبر يناضل الحدثان، والجزع من أعوان الزمان وأشرف الغنى ترك المنى، وكم عن عقل أسير تحت هوى أمير، ومن التوفيق حفظ التجربة، والمودة قرابة مستفادة، ولا تأمنن ملولا (6). 126 - وقال عليه السلام: بكثرة الصمت تكون الهيبة، وبالنصفة يكثر الواصلون وبالافضال تعظم الاقدار، وبالتواضع تتم النعمة، وباحتمال المؤن يجب السؤدد وبالسيرة العادلة يقهر المناوي، وبالحلم عن السفيه يكثر الانصار عليه (7). 127 - وقال عليه السلام: المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شئ صدرا وأذل شئ نفسا، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمه، بعيد همه، كثير


(1) غافر: 60. (2) النساء 110. (3) ابراهيم: 7. (4) النساء: 16، والكلام في المصدر تحت الرقم 135 من الحكم. (5) الفدام: المصفاة تجعل على فم الابريق ليصفى به ما فيه والسلو: الذهول والتناسى. (6) المصدر تحت الرقم 211 من الحكم. (7) المصدر تحت الرقم 224 من الحكم.

[411]

صمته، مشغول وقته، شكور، صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلته، سهل الخليقة لين العريكة، نفسه أصلب من الصلد، وهو أذل من العبد (1). 128 - وقال عليه السلام: لا شرف أعلى من الاسلام، ولا عز أعز من التقوى ولا معقل أحسن من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا كنز أغنى من القناعة ولا مال أذهب للفاقة من الرضا بالقوت، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوء خفض الدعة، والرغبة مفتاح النصب ومطية التعب، والحرص والكبر والحسد دواع إلى التقحم في الذنوب، والشر جامع لمساوي العيوب (2). 129 - وقال عليه السلام: إذا كان في الرجل خلة رائعة فانتظر أخواتها (3). 130 - في القاصعة: (4) فتعصبوا لخلال الحمد: من الحفظ للجوار والوفاء بالذمام، والطاعة للبر، والمعصية للكبر، والاخذ بالفضل، والكف عن البغي، والاعظام للقتل، والانصاف للخلق، والكظم للغيظ، واجتناب الفساد في الارض، واحذروا ما نزل بالامم قبلكم من المثلات بسوء الافعال، وذميم الاعمال، فتذكروا في الخير والشر أحوالهم واحذروا أن تكونوا أمثالهم، فإذا تفكرتم في تفاوت حاليهم فالزموا كل أمر لزمت العزة به شأنهم، وزاحت الاعداء له عنهم، ومدت العافية عليهم، وانقادت النعمة له معهم، ووصلت الكرامة عليه حبلهم، من الاجتناب للفرقة، واللزوم للالفة، والتحاض عليها، والتواصي بها واجتنبوا كل أمر كسر فقرتهم، وأوهن منتهم، من تضاغن القلوب، وتشاحن الصدور، وتدابر النفوس، وتخاذل الايدي، إلى آخر ما مر في المجلد الخامس. 131 - كتاب فضايل الاشهر الثلاثة: عن محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن علي القرشي، عن


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 333 من الحكم. (2) المصدر تحت الرقم 371 من الحكم. (3) المصدر تحت الرقم 445 من الحكم. (4) الخطبة القاصعة تحت الرقم 190. (*)

[412]

محمد بن سنان، عن زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: لما كلم الله عزوجل موسى بن عمران عليه السلام قال موسى: إلهي ما جزاء من شهد أني رسولك ونبيك، وأنك كلمتني ؟ قال: يا موسى تأتيه ملائكتي فتبشره بجنتي. قال موسى: إلهي فما جزاء من قام بين يديك فصلى ؟ فقال: يا موسى اباهي به ملائكتي راكعا وساجدا وقائما وقاعدا ومن باهيت به ملائكتي لا اعذبه. قال موسى: إلهي فما جزاء من أطعم مسكينا ابتغاء وجهك ؟ قال: يا موسى آمر مناديا ينادي يوم القيامة على رؤس الخلائق: إن فلان بن فلان من عتقاء الله من النار. قال موسى: إلهي فما جزاء من وصل رحمه ؟ قال: يا موسى انسئ في عمره واهون عليه سكرات الموت، ويناديه خزنة الجنة: هلم إلينا فادخل من أي أبوابها شئت. قال موسى: إلهي فما جزاء من كف أذاه عن الناس وبذل معروفه ؟ قال: يا موسى يناجيه النار يوم القيامة: لا سبيل لي إليك. قال موسى: إلهي ما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه ؟ قال: يا موسى اظله يوم القيامة بظل عرشي، وأجعله في كنفي. قال: إلهي فما جزاء من تلا حكمتك سرا وجهرا ؟ قال: يا موسى يمر على الصراط كالبرق. قال موسى: فما جزاء من صبر على أذى الناس وشتمهم ؟ قال: اعينه على أهوال يوم القيامة. قال: إلهي فما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك ؟ قال: يا موسى آمن وجهه من حر النار واؤمنه يوم الفزع الاكبر. قال: إلهي فما جزاء من صبر عند مصيبته وأنفذ أمرك ؟ قال: يا موسى له بكل نفس يتنفسه درجة في الجنة والدرجة خير من الدنيا وما فيها.

[413]

قال: إلهي فما جزاء من صبر على فرائضك ؟ قال: يا موسى له بكل فريضة يؤديها درجة من درجات العلى. قال: إلهي فما جزاء من مشى في ظلمة الليل إلى طاعتك ؟ قال: اوجب له النور الدائم يوم القيامة ويكتب له من الحسنات بعدد كل شئ مر عليه سواد الليل وضوء القمر ونور الكواكب. قال: إلهي فما جزاء من لم يكف عن معاصيك ؟ قال: يا موسى اعطيه كتابه بشماله من وراء ظهره. قال: إلهي فما جزاء من زنا فرجه ؟ قال: يدخن يوم القيامة بدخان أنتن من ريح الجيف ويرفع فوق الناس. قال: إلهي فما جزاء من أحب أهل طاعتك لحبك ؟ قال: يا موسى احرمه على ناري. قال: إلهى فما جزاء من لم يصر لسانه عن ذكرك والتضرع والاستكانة لك في الدنيا ؟ قال: يا موسى اعينه على شدائد الاخرة. قال: إلهي فما جزاء من قتل مؤمنا متعمدا ؟ قال: لا أنظر إليه يوم القيامة ولا أقيله عثرته. قال: إلهي فما جزاء من دعا نفسا كافرة إلى الاسلام ؟ قال: يا موسى آذن له يوم القيامة في الشفاعة لمن يريد. قال: إلهي فما جزاء من دعا نفسا مسلمة إلى طاعتك ونهاها عن معصيتك ؟ قال: يا موسى أحشره يوم القيامة في زمرة المتقين. قال: إلهي فما جزاء من صلى الصلاة لوقتها لم يشغله عن وقتها دنيا ؟ قال: يا موسى اعطيه سؤله وابيحه جنتي. قال: إلهي فما جزاء من كفل اليتيم ؟ قال: اظله يوم القيامة في ظل عرشي.

[414]

قال: فما جزاء من أتم الوضوء من خشيتك ؟ قال: يا موسى أبعثه يوم القيامة له نور يتلالا بين عينيه. قال: إلهي فما جزاء من صام شهر رمضان يريد به الناس ؟ قال: يا موسى ثوابه كثواب من لم يصمه. قال: إلهي فما جزاء من صام في بياض النهار يلتمس بذلك رضاك ؟ قال: يا موسى له جنتي وله الامان من كل خوف والعتق من النار (1). 132 - كتاب الامامة والتبصرة: لعلي بن بابويه، عن سهل بن أحمد عن محمد بن محمد بن الاشعث، عن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الرفق كرم، والحلم زين، والصبر خير مركب.


(1) قد مر الحديث مختصرا تحت الرقم 46 من الامالى.

[415]

كلمة المصحح: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، محمد وآله امناء الله. وبعد: فمن سعادتي الخالدة - والشكر لواهبها ومنعمها - أن وفقني الله العزيز لخدمة الدين القويم، والخوض في تراثه الذهبي الخالد القيم، تحقيقا لاثار الوحي والرسالة، وتصحيحها وتبريزها بصورة تناسب أدنى شأنها. وفي مقدمها هذه الموسوعة الكبرى بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار، الباحث عن المعارف الاسلامية، الدائرة بين المسلمين، فلله المن والشكر على توفيقه لذلك. وهذا الجزء الذي نقدمه إلى القراء الكرام هو الجزء الثالث من المجلد الخامس عشر وقد اعتمدنا في تصحيح الاحاديث وتحقيقها على النسخة المصححة المشهورة بكمباني بعد تخريجها من المصادر، وتعيين موضع النص منها، إلا في المصادر المخطوطة أما من الباب 38 (أعني الجزء الثاني من المجلد الخامس عشر) فقد قابلناها على نسخة الاصل أيضا والنسخة لخزانة كتب الحبر الفاضل حجة الاسلام الحاج الشيخ حسن المصطفوى دام إفضاله، وسيأتي مزيد توضيح مع صورة فتوغرافية منها في صدر الجزء التالي (الجزء 70) من هذه الطبعة النفيسة الرائقة إنشاء الله تعالى. نرجو من الله العزيز أن يوفقنا لاتمام ذلك ويعيننا في إخراج سائر أجزائه متواليا متواترا، وأن يعصمنا عن الزلل والخطأ، إنه ولي العصمة والتوفيق. جمادى الثانية 1386 محمد الباقر البهبودى

[416]

بسمه تعالى إلى هنا انتهى الجزء الثالث من المجلد الخامس عشر وهو الجزء السادس والستون حسب تجزئتنا يحتوي على أحد عشر بابا. ولقد بذلنا الجهد في تصحيحه ومقابلته فخرج بعون الاطهار، الباحث عن المعارف الاسلامية، الدائرة بين المسلمين، فلله المن والشكر على توفيقه لذلك. وهذا الجزء الذي نقدمه إلى القراء الكرام هو الجزء الثالث من المجلد الخامس عشر وقد اعتمدنا في تصحيح الاحاديث وتحقيقها على النسخة المصححة المشهورة بكمباني بعد تخريجها من المصادر، وتعيين موضع النص منها، إلا في المصادر المخطوطة أما من الباب 38 (أعني الجزء الثاني من المجلد الخامس عشر) فقد قابلناها على نسخة الاصل أيضا والنسخة لخزانة كتب الحبر الفاضل حجة الاسلام الحاج الشيخ حسن المصطفوى دام إفضاله، وسيأتي مزيد توضيح مع صورة فتوغرافية منها في صدر الجزء التالي (الجزء 70) من هذه الطبعة النفيسة الرائقة إنشاء الله تعالى. نرجو من الله العزيز أن يوفقنا لاتمام ذلك ويعيننا في إخراج سائر أجزائه متواليا متواترا، وأن يعصمنا عن الزلل والخطأ، إنه ولي العصمة والتوفيق. جمادى الثانية 1386 محمد الباقر البهبودى

[416]

بسمه تعالى إلى هنا انتهى الجزء الثالث من المجلد الخامس عشر وهو الجزء السادس والستون حسب تجزئتنا يحتوي على أحد عشر بابا. ولقد بذلنا الجهد في تصحيحه ومقابلته فخرج بعون الله ومشيته نقيا من الاغلاط إلا نزرا زهيدا زاغ عنه البصر وحسر عنه النظر، وبالله العصمة والاعتصام. السيد ابراهيم الميانجى * محمد الباقر البهبودى

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية