الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




بحار الأنوار - العلامة المجلسي ج 65

بحار الأنوار

العلامة المجلسي ج 65


[1]

بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار تأليف: العلم العلامة الحجة فخر الامة المولى الشيخ محمد باقر المجلسي " قدس الله سره " الجزء الخامس والستون دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان الطبعة الثالثة المصححة 1403 ه‍ 1983 م دار احياء التراث العربي بيروت - لبنان - بناية كليوباترا - شارع دكاش - ص. ب 7957 / 11 تلفون المستودع: 274696 - 278766 273023 المنزل 830711 - 830717 برقيا: التراث تلكس 44632 / LE تراث

[1]

بسم الله الرحمن الرحيم 15 (باب) * " (فضائل الشيعة) " * الايات، النساء: ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا * ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما (1). المائدة: ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون (2). الاحزاب: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (3). المؤمن: الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا


(1) النساء: 69 و 70. (2) المائدة: 56. (3) الاحزاب: 41 - 44 (*).

[2]

واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (1). الحجرات: ولكن الله حبب إليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (2). تفسير: " ومن يطع الله " قال الطبرسي: قيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله (3) وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وآله قليل الصبر عنده فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه فقال عليه السلام: يا ثوبان ما غير لونك ؟ فقال: يا رسول الله ما بي من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لاني عرفت أنك ترفع مع النبيين وإني إن ادخلت الجنة كنت في منزلة أدني من منزلتك وإن لم ادخل الجنة فلا أحسب أن أراك أبدا فنزلت الآية. ثم قال صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده، والناس أجمعين. وقيل: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قالوا: ما ينبغى لنا أن نفارقك فانا لا نراك إلا في الدنيا فأما في الاخرة فانك ترفع فوقنا بفضلك، فلا نراك. فنزلت الاية عن قتادة ومسروق بن الاجدع. ثم قال: والمعنى " ومن يطع الله " بالانقياد لامره ونهيه " والرسول " باتباع


(1) المؤمن: 7 - 9. (2) الحجرات: 7 - 8. (3) أخرج السيوطي في الدر المنثور ج 2 ص 182 في ذلك روايات عن الطبراني وابن مردويه وأبى نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهم (*).

[3]

شريعته والرضا بحكمه " فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم " في الجنة ثم بين المنعم عليهم فقال " من النبيين والصديقين " يريد أنه يستمتع برؤيتهم وزيارتهم و الحضور معهم، فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلا عليين أنه لا يراهم، وقيل في معنى الصديق: إنه المصدق بكل ما أمر الله به وبأنبيائه لا يدخله في ذلك شك ويؤيده قوله: " والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون " (1). " والشهداء " يعني المقتولين في الجهاد " والصالحين " أي صلحاء المؤمنين الذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيين والصديقين والشهداء " وحسن اولئك رفيقا " معناه من يكون هؤلاء رفقاؤه فأحسن بهم من رفيق أو فما أحسنهم من رفيق ثم روى ما سيأتي برواية العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام (2) ثم قال: " ذلك " إشارة إلى الكون مع النبيين والصديقين، و " الفضل من الله " ما تفضل الله به على من أطاعه " وكفى به عليما " بالعصاة والمطيعين والمنافقين والمخلصين، و قيل: معناه حسبك الله عالما بكنه جزاء المطيعين على حقه وتوفير الحظ فيه انتهى (3). وأقول: قد مضت أخبار كثيرة في كتاب الامامة (4) في أن الصديقين و الشهداء هم الائمة عليهم السلام بل الصالحين أيضا وقد روى الكليني ره في روضة الكافي (5) في حديث طويل عن الصادق عليه السلام: ألم تسمعوا ما ذكر الله من فضل اتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون قال: " اولئك مع الذين أنعم الله عليهم إلى قوله وحسن اولئك رفيقا " فهذا وجه من وجوه فضل اتباع الائمة فكيف بهم وبفضلهم.


(1) الحديد: 19. (2) أبو بصير عن أبى عبد الله عليه السلام أنه قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه ثم تلا هذه الاية، وقال: فالنبى رسول الله، ونحن الصديقون والشهداء. وأنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله تعالى. (3) مجمع البيان ج 3 ص 72. (4) راجع ج 24 ص 30 - 40. من هذه الطبعة الحديثة. (5) الكافي ج 8 ص 10 في رسالة أبى عبد الله عليه السلام إلى جماعة الشيعة (*).

[4]

وفي تفسير علي بن إبراهيم " النبيين " رسول الله " والصديقين " علي " و الشهداء " الحسن والحسين " والصالحين " الائمة " وحسن اولئك رفيقا " القائم من آل محمد صلوات الله عليهم (1). " ومن يتولى الله " هذه الاية بعد قوله سبحانه " إنما وليكم الله ورسوله و الذين آمنوا " (2) وقد مر أن الذين آمنوا أمير المؤمنين والائمة صلوات الله عليهم، بالروايات المتواترة من طرق العامة والخاصة (3) فمن تولاهم ونصرهم و اتخذهم أئمة فهم حزب الله وأنصاره، وهم الغالبون في الدنيا بالحجة، وفي الاخرة بالانتقام من أعدائهم، وظهور حجتهم، بل في الدنيا أيضا في زمن القائم عليه السلام. " هو الذي يصلي عليكم وملائكته " (4) في المجمع الصلاة من الله تعالى المغفرة والرحمة، وقيل الثناء، وقيل هي الكرامة وأما صلاة الملائكة فهى دعاؤهم، وقيل طلبهم إنزال الرحمة من الله تعالى " ليخرجكم من الظلمات إلى النور " أي من الجهل بالله سبحانه إلى معرفته فشبه الجهل بالظلمات والمعرفة بالنور، لان هذا يقود إلى الجنة وذلك يقود إلى النار، وقيل من الضلالة إلى الهدى بألطافه وهدايته، و قيل من ظلمات النار إلى نور الجنة " وكان بالمؤمنين رحيما " خص المؤمنين بالرحمة دون غيرهم، لان الله سبحانه جعل الايمان بمنزلة العلة في إيجاب الرحمة والنعمة العظيمة التي هي الثواب " تحيتهم يوم يلقونه سلام " أي يحيي بعضهم بعضا يوم يلقون ثواب الله، بأن يقولوا: السلامة لكم من جميع الافات، ولقاء الله سبحانه لقاء ثوابه عزوجل. وروي عن البراء بن عازب أنه قال: يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه، فعلى هذا يكون المعنى تحية المؤمن من ملك الموت، يوم يلقونه


(1) تفسير القمى ص 131. (2) المائدة: 55. (3) راجع ج 35 ص 183 - 206 من هذه النفيسة. (4) الاحزاب: 42 (*).

[5]

أن يسلم عليهم وملك الموت مذكور في الملائكة " وأعد لهم أجرا كريما " أي ثوابا جزيلا انتهى (1). وأقول: روى العامة بأسانيد جمة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يصل فيها أحد غيري وغيره (2). وروى الصدوق في التوحيد في حديث طويل (3) عن علي عليه السلام يقول فيه وقد سأله رجل عما اشتبه عليه من الايات: واللقاء هو البعث فان جميع ما في كتاب الله من لقائه فانه يعني بذلك البعث وكذلك قوله " تحيتهم يوم يلقونه سلام " يعني أنه لا يزول الايمان عن قلوبهم يوم يبعثون. وقال في المجمع في قوله تعالى: " والذين يحملون العرش " عبادة لله وامتثالا. لامره " ومن حوله " يعني الملائكة المطيفين بالعرش وهم الكروبيون وسادة الملائكة " يسبحون بحمد ربهم " أي ينزهون ربهم عما يصفه به هؤلاء المجادلون، وقيل يسبحونه بالتسبيح المعهود ويحمدونه على إنعامه " ويؤمنون به " أي ويصدقون به ويعترفون بوحدانيته " ويستغفرون " أي يسألون الله المغفرة " للذين آمنوا " من أهل الارض، أي صدقوا بوحدانية الله، واعترفوا بإلهيته، وبما يجب الاعتراف به، ويقولون في دعائهم لهم " ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما " أي وسعت رحمتك وعلمك كل شئ. والمراد بالعلم المعلوم. كما في قوله " ولا يحيطون بشئ من علمه " (4) أي بشئ من معلومه على التفصيل فجعل العلم في موضع المعلوم، والمعنى أنه لا


(1) مجمع البيان ج 8 ص 362 و 363. (2) أخرجها ابن شهر آشوب في مناقب آل أبى طالب ج 2 ص 16، عن جمع من أصحاب السنن، وترى في البحار ج 38 ص 201 - 288 أحاديث في ذلك. أخرجها المصنف من المصادر المختلفة فراجع الطبعة الحديثة. (3) التوحيد ص 274، في حديث يذكره من ص 259 - 277. (4) البقرة: 255 (*).

[6]

اختصاص لمعلوماتك، بل أنت عالم بكل معلوم، ولا يختص رحمتك حيا دون حي بل شملت جميع الحيوانات، وفي هذا تعليم الدعاء ليبدأ بالثناء عليه قبل السؤال " فاغفر للذين تابوا " من الشرك والمعاصي " واتبعوا سبيلك " الذي دعوت إليه عبادك وهو دين الاسلام " وقهم " أي وادفع عنهم " عذاب الجحيم ". وفي هذه الاية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله، إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج فيه إلى مساءلتهم، بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة " ربنا وأدخلهم " مع قبول توبتهم ووقايتهم النار " جنات عدن التي وعدتهم " على ألسن أنبيائك " ومن صلح من آبائهم وذرياتهم " ليكمل انسهم ويتم سرورهم " إنك أنت العزيز " القادر على ما تشاء " الحكيم " في أفعالك " وقهم السيئات " أي وقهم عذاب السيئات ويجوز أن يكون العذاب هو السيئات، وسماه السيئات اتساعا كما قال " وجزاء سيئة سيئة مثلها " (1) " ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته " أي ومن تصرف عنه شر معاصيه فتفضلت عليه يوم القيامة باسقاط عقابها فقد أنعمت عليه " وذلك هو الفوز العظيم " أي الظفر بالبغية والفلاح العظيم انتهى (2). وأقول: روى الصدوق في العيون عن الرضا عليه السلام في حديث طويل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وإن الملائكة لخد امنا وخدام محبينا يا علي " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا " بولايتنا (3). وفي الكافي باسناده عن ابن أبي عمير رفعه قال: إن الله أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطى خصلة منها جميع أهل السماوات والارض لنجوا بها، قوله: " الذين يحملون العرش ومن حوله - إلى قوله - وذلك هو الفوز العظيم " (4).


(1) الشورى: 40. (2) مجمع البيان ج 8 ص 515. (3) عيون اخبار الرضا " ع " ج 1 ص 262. (4) الكافي ج 2 ص 432 (*).

[7]

" ولكن الله حبب إليكم الايمان " قد مر تفسيره (1) في باب فضل الايمان. 1 - لى: عن القطان، عن عبد الرحمن بن محمد الحسيني، عن أحمد بن عيسى العجلي، عن محمد بن أحمد العرزمي، عن علي بن حاتم، عن شريك، عن سالم الافطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: يا علي شيعتك هم الفائزون يوم القيامة، فمن أهان واحدا منهم فقد أهانك، ومن أهانك فقد أهانني ومن أهانني أدخله الله نار جهنم خالدا فيها وبئس المصير، يا علي أنت مني وأنا منك، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، وشيعتك خلقوا من فضل طينتنا فمن أحبهم فقد أحبنا، ومن أبغضهم فقد أبغضنا، ومن عاداهم فقد عادانا، ومن ودهم فقد ودنا. يا علي إن شيعتك مغفور لهم على ما كان فيهم من ذنوب وعيوب، يا علي أنا الشفيع لشيعتك غدا إذا قمت المقام المحمود، فبشرهم بذلك يا علي شيعتك شيعة الله وأنصارك أنصار الله وأولياؤك أولياء الله، وحزبك حزب الله، يا علي سعد من تولاك، وشقي من عاداك، يا علي لك كنز في الجنة وأنت ذو قرنيها (2) بشا: محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن أحمد بن عيسى العجلي مثله (3). توضيح: أقول: قد مر شرح قوله صلى الله عليه وآله وأنت ذو قرنيها في المجلد التاسع (4) قال في النهاية فيه أنه قال لعلي عليه السلام: إن لك بيتا في الجنة وأنت ذو قرنيها أي طرفي الجنة وجانبيها، قال أبو عبيد: وأنا أحسب أنه أراد ذو قرني الامة، فأضمر وقيل: أراد الحسن والحسين. ومنه حديث علي عليه السلام وذكر قصة ذي القرنين ثم قال: وفيكم مثله، فيرى


(1) راجع ج 67 ص 55. والاية في الحجرات: 7. (2) أمالى الصدوق ص 11. (3) بشارة المصطفى ص 199 و 22. (4) راجع الباب 73 ص 39 - 43 (*).

[8]

أنه إنما عنى نفسه لانه ضرب على رأسه ضربتين إحداهما يوم الخندق، والاخرى ضربة ابن ملجم لعنه الله وذو القرنين هو الاسكندر سمى بذلك لانه ملك الشرق والغرب وقيل: لانه كان في رأسه شبه قرنين، وقيل: رأى في النوم أنه أخذ بقرني الشمس (1). أقول: قد مضى في باب جوامع مناقب علي عليه السلام عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه السلام: إنه لن يرد على الحوض مبغض لك، ولن يغيب عنه محب لك حتى يرد الحوض معك (2). 2 - لى: عن ابن سعيد الهاشمي، عن فرات، عن محمد بن ظهير، عن محمد بن الحسين البغدادي، عن محمد بن يعقوب النهشلي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل، عن الله جل جلاله: أن عليا حجتي في السماوات والارضين على جميع من فيهن من خلقي، لا أقبل عمل عامل منهم إلا بالاقرار بولايته مع نبوة أحمد رسولي وهو يدي المبسوطة على عبادي وهو النعمة التي أنعمت بها على من أحببته من عبادي، فمن أحببته من عبادي وتوليته عرفته ولايته ومعرفته، ومن أبغضته من عبادي أبغضته لا نصرافه عن معرفته وولايته فبعزتي حلفت وبجلالي أقسمت إنه لا يتولى عليا عبد من عبادي إلا زحزحته عن النار، وأدخلته الجنة، ولا يبغضه عبد من عبادي ويعدل عن ولايته إلا أبغضته وأدخلته النار وبئس المصير (3). بيان: قال الجوهري: زحزحته عن كذا أي باعدته عنه فتزحزح أي تنحى (4). 3 - لى: عن الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوى، عن أحمد بن عبد الله ابن عمار، عن محمد بن عبد الله، عن أبي الجارود، عن أبي الهيثم، عن أنس بن مالك


(1) النهايه ج 3: 247. (2) راجع الباب 91 من المجلد التاسع. (3) أمالى الصدوق ص 134. (4) الصحاح ص 371 (*).

[9]

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى يبعث اناسا وجوههم من نور على كراسي من نور، عليهم ثياب من نور، في ظل العرش بمنزلة الانبياء وليسوا بالانبياء، وبمنزلة الشهداء وليسوا بالشهداء فقال رجل: أنا منهم يا رسول الله ؟ قال: لا، قال آخر: أنا منهم يا رسول الله ؟ قال: لا، قيل: من هم يا رسول الله ؟ قال: فوضع يده على رأس علي عليه السلام وقال: هذا وشيعته (1). بيان: الرجلان أبو بكر وعمر كما يدل عليه غيره من الاخبار. 4 - لى: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن حمزة ابن حمران، عن حمران بن أعين، عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: قال سلمان الفارسي رحمة الله عليه: كنت ذات يوم جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: يا علي ألا ابشرك ؟ قال: بلى يا رسول الله قال: هذا حبيبي جبرئيل يخبرني عن الله جل جلاله أنه قد أعطى محبك وشيعتك سبع خصال: الرفق عند الموت، والانس عند الوحشة، والنور عند الظلمة، والامن عند الفزع، والقسط عند الميزان، والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل سائر الناس من الامم بثمانين عاما (2). 5 - ن (3) لى: عن ابن ناتانة، عن علي، عن أبيه، عن الريان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة (4). 6 - لى: عن الحسين بن علي بن شعيب، عن عيسى بن محمد العلوي، عن الحسين بن الحسن الحيري، عن عمرو بن جميع، عن أبي المقدام قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: نزلت هاتان الايتان (5) في أهل ولايتنا وأهل عداوتنا " فأما إن


(1) أمالى الصدوق ص 147. (2) أمالى الصدوق ص 202. (3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 52. (4) أمالى الصدوق ص 217. (5) الواقعة ص 88 و 89 (*).

[10]

كان من المقربين فروح وريحان " يعني في قبره " وجنة نعيم " يعني في الاخرة " وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم " يعني في قبره " وتصلية جحيم " يعني في الاخرة (1). 7 - لى: عن ما جيلويه، عن أبيه، عن البرقي، عن أبيه، عن خالد بن حماد، عن أبي الحسن العبدي، عن الاعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل جابر ابن عبد الله الانصاري عن علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ذاك خير خلق الله من الاولين والاخرين، ما خلا النبيين والمرسلين، إن الله عزوجل لم يخلق خلقا بعد النبيين والمرسلين أكرم عليه من علي بن أبي طالب عليه السلام والائمة من ولده بعده. قلت: فما تقول فيمن يبغضه وينتقصه ؟ فقال: لا يبغضه إلا كافر ولا ينتقصه إلا منافق، قلت: فما تقول فيمن يتولاه ويتولى الائمة من ولده بعده ؟ فقال: إن شيعة علي والائمة من ولده هم الفائزون الامنون يوم القيامة، ثم قال: ما ترون ؟ لو أن رجلا خرج يدعو الناس إلى ضلالة، من كان أقرب الناس منه ؟ قالوا: شيعته وأنصاره قال: فلو أن رجلا خرج يدعو الناس إلى هدى، من كان أقرب الناس منه ؟ قالوا: شيعته وأنصاره قال: فكذلك علي بن أبي طالب عليه السلام بيده لواء الحمد يوم القيامة أقرب الناس منه شيعته وأنصاره (2). 8 - فس: في قوله تعالى " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتيهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من بعدهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (3). حدثني أبي، عن ابن محبوب، عن أبى عبيدة الحذاء. عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: هم والله شيعتنا، إذا دخلو الجنة، واستقبلوا الكرامة من الله


(1) أمالى الصدوق ص 284. (2) أمالى الصدوق ص 298. (3) آل عمران: 169 و 170 (*).

[11]

استبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من المؤمنين في الدنيا ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون (1). 9 - ل: عن عمار بن الحسين، عن علي بن محمد بن عصمة، عن أحمد بن محمد الطبري، عن الحسين بن الليث، عن سنان بن فروخ، عن همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: كنت ذات يوم عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل بوجهه على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا ابشرك يا أبا الحسن ؟ فقال: بلى يا رسول الله فقال: هذا جبرئيل يخبرني عن الله جل جلاله أنه قال: قد أعطى شيعتك ومحبيك تسع (2) خصال: الرفق عند الموت، والانس عند الوحشة، والنور عند الظلمة، والامن عند الفزع، والقسط عند الميزان، والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل سائر الناس، ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم (3). بيان: روى الصدوق هذا الحديث في باب السبعة وذكر فيه سبع خصال ورواه في باب التسعة أيضا من غير اختلاف في المتن والسند (4) إلا أنه قال: فيه تسع خصال، وكأنه باعتبار اختلاف نسخ المأخوذ منه، والاول مبني على عد دخول الجنة إلى آخره خصلة واحدة والثاني على عدها ثلاث خصال: الاول دخول الجنة قبل سائر الناس، والي سعي نورهم بين أيد يهم، والثالث سعي نورهم بأيمانهم، أو الاول دخول الجنة الثاني قبل سائر الناس والثالث سعي النور، والقسط عند الميزان إما بمعنى العدل فاختصاصه بالشيعة لان غيرهم يدخلون النار بغير حساب، أو بمعنى النصيب لان لكل منهم نصيبا من الرحمة بحسب حاله وأعماله.


(1) تفسير القمى ص 115. (2) سبع خصال، خ ل. (3) الخصال ج 2 ص 36 و 42. (4) وقد مر عن الامالى بسند آخر تحت الرقم 4 (*).

[12]

10 - فس: في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " ولا يزالون مختلفين " (1) في الدين " إلا من رحم ربك " يعني آل محمد وأتباعهم، يقول الله: " ولذلك خلقهم " يعني أهل رحمة لا يختلفون في الدين (2). 11 - فس: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمر بن شيبة، عن أبي جعفر عليه السلام في خبر طويل قال: إذا كان يوم القيامة كان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام وشيعته على كثبان من المسك الاذفر، على منابر من نور، يحزن الناس ولا يحزنون، ويفزع الناس ولا يفزعون، ثم تلا هذه الاية " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون " (3) فالحسنة والله ولاية علي عليه السلام ثم قال: " لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون " (4). 12 - فس: " والذين جاهدوا فينا " (5) أي صبروا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله " لنهدينهم سبلنا " أي لنثبتنهم " وإن الله لمع المحسنين " في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال: هذه الاية لال محمد صلى الله عليه وآله وأشياعهم (6). 13 - فس: عن أبي العباس، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن النضر بن سويد، عن سماعة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: ليهنكم الاسم قلت: ما هو جعلت فداك: قال " وإن من شيعته لابراهيم " (7) وقوله " فاستغاثه الذي


(1) هود: 118. (2) تفسير القمى 315. (3) النمل: 89. (4) تفسير القمى ص 434، والاية الاخيرة في الانبياء: 103. (5) العنكبوت: 69. (6) تفسير القمى ص 498. (7) الصافات: 83 (*).

[13]

من شيعته على الذي من عدوه " (1) فليهنكم الاسم (2). بيان: في المصباح هنوء الشئ بالضم مع الهمز هناءة بالفتح والمد تيسر من غير مشقة ولا عناء فهو هنئ ويجوز الابدال والادغام وهنأني الولد يهنؤني مهموز من بابي نفع وضرب أي سرني، وتقول العرب في الدعاء ليهنئك الولد بهمزة ساكنة وبابدالها ياء، وحذفها عامي ومعناه سرك وهنأني الطعام يهنأني ساغ ولذ وأكلته هنيئا مريئا أي بلا مشقة انتهى. وأقول: لو كان الخبر مضبوطا بهذا الوجه يدل على أن الحذف ليس بعامي وحاصل الخبر أن لفظ الشيعة الذي يطلق على أتباع الائمة عليهم السلام لقب شريف وصف الله النبيين وأتباع الانبياء الماضين به، فسروا به ولا تبالوا بتشنيع المخالفين بذلك عليكم. 14 - فس: " وإن للطاغين لشر مآب " (3) هم الاولان وبنو امية ثم ذكر من كان بعدهم ممن غصب آل محمد حقهم فقال " وآخر من شكله أزواج هذا فوج مقتحم معكم " وهم بنو السباع فيقول بنو أمية " لا مرحبا بهم، إنهم صالوا النار " فيقول بنو فلان " بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا " وبدأتم بظلم آل محمد " فبئس القرار " ثم يقول بنو أمية " ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار " يعنون الاولين، ثم يقول أعداء آل محمد في النار " مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار " في الدنيا وهم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام " اتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار " ثم قال: " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " فيما بينهم، وذلك قول الصادق والله إنكم لفي الجنة تحبرون، وفي النار تطلبون (4). بيان: " آخر من شكله " قال المفسرون: أي يذوق أو عذاب آخر وعلى


(1) القصص ص 15. (2) تفسير القمى ص 557. (3) ص 55 وما بعدها ذيلها. (4) تفسير القمى ص 571 (*).

[14]

تأويله عليه السلام ويدخل فوج آخر مثل الفوج الاول في الشقاوة " أزواج " أي أجناس متشابهة " هذا فوج " هو حكاية ما يقال للطاغين الاولين " وبنو السباع " كناية عن بني العباس " لا مرحبا بهم " دعاء من المتبوعين على أتباعهم فيقول بنو فلان أي بنوا العباس لبني أمية " بل أنتم لا مرحبا بكم " أي بل أنتم أحق بهذا القول لضلالكم وإضلالكم " أنتم قدمتموه " أي العذاب أو الصلى لنا باغوائنا " فبئس القرار " جهنم " عذابا ضعفا " أي مضاعفا والاولان أبو بكر وعمر " أتخذناهم سخريا " قيل إنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم " أم زاغت عنهم الابصار " قيل معادلة لقوله " مالنا " كأنهم قالوا ليسوا هنا أم زاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم أو ل‍ " أتخذناهم " بمعنى أي الامرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أم تحقيرهم فان زيغ الابصار كناية عنه على معنى إنكارهما على أنفسهم " تحبرون " على بناء المجهول أي تسرون أو تتنعمون. 15 - فس: " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " الاية قال: نزلت في شيعة أمير المؤمنين عليه السلام خاصة. حدثنا جعفر بن محمد، عن عبد الكريم، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: لا يعذر الله يوم القيامة أحدا يقول يا رب لم أعلم أن ولد فاطمة هم الولاة على الناس كافة، وفي شيعة ولد فاطمة أنزل الله هذه الاية (1) خاصة " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " (2). 16 - ب: عن السندي بن محمد، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عن يمين الله - وكلتا يديه يمين - عن يمين العرش قوم على وجوههم نور، لباسهم من نور، على كراسي من نور، فقال له علي: يا رسول الله ما هؤلاء ؟ فقال له: شيعتنا وأنت إمامهم (3).


(1) الزمر: 53. (2) تفسير القمى ص 578. (3) قرب الاسناد ص 29 (*).

[15]

بيان: قوله عليه السلام " عن يمين العرش " بدل عن قوله " عن يمين الله " وهو خبر " قوم " وسمى هذا الجانب يمينا لانه محل رحمة الله، وموقف أهل اليمين والبركة ولما كان الشمال في الانسان أنقص أزال توهم ذلك بقوله " وكلتا يديه يمين " أي ليس فيه نقص بوجه وكما أن رحمته على الكمال غضبه أيضا في غاية الشدة، أو لما كان الشمال منسوبة إلى الشر بين أنه ليس فيه جهة شر ولا يصدر منه شر، بل كلما يصدر منه خير كما يشير إليه قوله عليه السلام: والخير في يديك. قال في النهاية فيه: الحجر الاسود يمين الله في الارض، هذا كلام تمثيل وتخييل وأصله أن الملك إذا صافح رجلا قبل الرجل يده، فكأن الحجر الاسود بمنزلة اليمين للملك حيث يستلم ويلثم، ومنه الحديث الاخر " وكلتا يديه يمين " أي أن يديه تبارك وتعالى بصفة الكمال لا نقص في واحدة منهما، لان الشمال ينقص عن اليمين، وكلما جاء في القرآن والحديث من إضافة اليد والايدي واليمين وغير ذلك من أسماء الجوارح إلى الله تعالى فانما هو على سبيل المجاز والاستعارة، والله تعالى منزه عن التجسيم والتشبيه. 17 - ب: عن ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه، عن على ابن أبي طالب عليهم السلام قال: يخرج أهل ولايتنا يوم القيامة من قبورهم مشرقة وجوههم مستورة عوراتهم، آمنة روعاتهم، قد فرجت عنهم الشدايد، وسهلت لهم الموارد يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون، وقد اعطوا الامن والايمان وانقطعت عنهم الاحزان حتى يحملوا على نوق بيض لها أجنحة، عليهم نعال من ذهب شركها النور حتى يقعدون في ظل عرش الرحمن، على منابر من نور، بين أيديهم مائدة يأكلون عليها حتى يفرغ الناس من الحساب (1). بيان: الشرك ككتب جمع شراك ككتاب وهو سير النعل. 18 - ب: بالاسناد المتقدم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يبعث الله عبادا يوم القيامة تهلل وجوههم نورا عليهم ثياب من


(1) قرب الاسناد ص 49 (*).

[16]

نور، فوق منابر من نور، بأيديهم قضبان من نور، عن يمين العرش وعن يساره بمنزلة الانبياء، وليسوا بأنبياء، وبمنزلة الشهداء، وليسوا بشهداء، فقام رجل فقال: يا رسول الله أنا منهم ؟ فقال: لا، فقام آخر فقال: يا رسول الله أنا منهم ؟ فقال: لا، فقال: من هم يا رسول الله ؟ قال: فوضع يده على منكب علي عليه السلام فقال: هذا وشيعته (1) 19 -: وبهذا الاسناد عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: إذا حمل أهل ولايتنا على الصراط يوم القيامة نادى مناد: يا نار اخمدي ! فتقول النار: عجلوا جوزوني فقد أطفأ نوركم لهبي (2). 20 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المؤمن أعظم حرمة من الكعبة (3). 21 - ل: عن ابن المتوكل، عن الحميري، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، عن عبد المؤمن الانصاري، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل أعطى المؤمن ثلاث خصال: العز في الدنيا والدين، والفلح في الاخرة، والمهابة في صدور العالمين (4). بيان: " الفلج " في أكثر النسخ بالجيم، وفي بعضها بالحاء المهلمة، وفي القاموس الفلج الظفر والفوز كالافلاج، والاسم بالضم وقال: الفلح محركة والفلاح الفوز والنجاة والبقاء في الخير. 22 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن أبي أيوب عن عبد المؤمن، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله عزوجل أعطى المؤمن ثلاث خصال: العزة في الدنيا، والفلج في الاخرة، والمهابة في صدور


(1 و 2) المصدر ص 49. (3) الخصال ج 1 ص 16. (4) الخصال ج 1 ص 68 (*).

[17]

الظالمين ثم قرأ " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " (1) وقرأ " قد أفلح المؤمنون " إلى قوله " هم فيها خالدون " (2). 23 - ل: علي بن محمد بن الحسن القزويني، عن عبد الله بن زيدان، عن الحسن بن محمد، عن حسن بن حسين، عن يحيى بن مساور، عن أبي خالد، عن زيد ابن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حسد من يحسدني فقال: يا علي أما ترضى أن تكون أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت وذرارينا خلف ظهورنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا (3). بيان: يمكن أن يكون أحد الاربعة الرسول صلى الله عليه وآله والثاني عليا عليه السلام و الثالث الذراري، والرابع الشيعة، وكون علي عليه السلام أولهم لانه عليه السلام صاحب الراية، وهو مقدم في الدخول كما مر، ويحتمل أن يكون المراد بالذراري الحسنان عليهما السلام تتمة الاربعة والظاهر أنه سقط شئ من الخبر كما يدل عليه ما سيأتي من خبر الارشاد (4). 24 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: المؤمن يتقلب في خمسة من النور: مدخله نور، ومخرجه نور، و علمه نور، وكلامه نور، ومنظره يوم القيامة إلى النور (5). ل: في الاربعمائة قال أمير المؤمنين عليه السلام: شيعتنا بمنزلة النحل، لو يعلم الناس ما في أجوافها لاكلوها (6).


(1) المنافقون: 8. (2) الخصال ج 1 ص 72، والايات صدر سورة المؤمنون. (3) الخصال ج 1 ص 121. (4) راجع الرقم 67. (5) المصدر ج 1 ص 133. (6) الخصال ج 2 ص 163 (*).

[18]

وقال عليه السلام: لمحبينا أفواج من رحمة الله ولمبغضينا أفواج من غضبب الله (1). وقال عليه السام: إن أهل الجنة لينظرون إلى منازل شيعتنا كما ينظر الانسان إلى الكواكب في السماء (2). وقال عليه السلام: سراج المؤمن معرفة حقنا (3). وقال عليه السلام إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الارض فاختارنا، واختار لنا شيعة ينصروننا، ويفرحون بفرحنا، ويحزنون لحزننا ; ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا اولئك منا وإلينا (4). 25 - ن: عن المفسر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن أبي محمد العسكري عن آبائه، عن موسى بن جعفر عليهم السلام قال: كان قوم من خواص الصادق عليه السلام جلوسا بحضرته في ليلة مقمرة مصحية، فقالوا يا ابن رسول الله ما أحسن أديم هذه السماء، وأنور هذه النجوم والكواكب ؟ فقال الصادق عليه السلام: إنكم لتقولون هذا و إن المدبرات الاربعة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام ينظرون إلى الارض فيرونكم وإخوانكم في أقطار الارض، ونوركم إلى السماوات وإليهم أحسن من نور هذه الكواكب، وإنهم ليقولون كما تقولون: ما أحسن أنوار هؤلاء المؤمنين (5). بيان: " المقمرة " ليلة فيها القمر " والمصحية " على بناء الافعال من قولهم أصحت السماء إذا ذهب غيمها، والملائكة الاربعة، مدبرات لانها تدبر امور العالم باذنه تعالى كما قال سبحانه " والمدبرات أمرا " (6). 26 - ن: بالاسانيد الثلاثة عن الرضا عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده، و


(1 - 4) الخصال ج 2 ص 165 و 167 و 169 على الترتيب. (5) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 2. (6) النازعات: 5 (*).

[19]

إنه لاكرم على الله عزوجل من ملك مقرب (1). صح: عنه عليه السلام مثله (2). 27 - ن: بهذه الاسانيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه آله: أتاني جبرئيل عن ربي تبارك وتعالى وهو يقول: ربي يقرئك السلام ويقول: يا محمد بشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ويؤمنون بك وبأهل بيتك بالجنة فلهم عندي جزاء الحسنى، و سيد خلون الجنة (3). صح: عنه عليه السلام مثله (4). 28 - ن: بالاسانيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي من كرامة المؤمن على الله أنه لم يجعل لاجله وقتا حتى يهم ببائقة فاذاهم ببائقة قبضه إليه. قال: وقال جعفر بن محمد عليه السلام: تجنبوا البوائق البوائق يمد لكم في الاعمار (5). 29 - ن: باسناد التميمي، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله: أنا وهذا - يعني عليا - كهاتين، وضم بين أصبعيه وشيعتنا معنا ومن أعان مظلوما كذلك (6). 30 - ن: بهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: [توضع] يوم القيامة: منابر حول العرش لشيعتي وشيعة أهل بيتي المخلصين في ولايتنا ويقول الله عزوجل: هلم يا عبادي إلى لانشر عليكم كرامتي، فقد أوذيتم في الدنيا (7). 31 - ن: بهذا الاسناد عن علي عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: ترد شيعتك


(1) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 33. (2) صحيفة الرضا عليه السلام ص 8. (3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 33. (4) صحيفة الرضا " ع " ص 8. (5) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 36 والبائقة: الداهية والشر. (6) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 58. (7) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 60 (*).

[20]

يوم القيامة رواة غير عطاش، ويرد عدوك عطاشا يستسقون فلا يسقون (1). 32 - ما: عن المفيد، عن الحسين بن أحمد بن المغيرة،. عن حيدر بن محمد السمرقندي، عن محمد بن عمر الكشي، عن العياشي، عن جعفر بن معروف، عن ابن يزيد، عن ابن عذافر، عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا ابن يزيد أنت والله منا أهل البيت قلت: جعلت فداك من آل محمد ؟ قال: إي والله من أنفسهم قلت: من أنفسهم جعلت فداك ؟ قال: إي والله من أنفسهم يا عمر أما تقرأ كتاب الله عزوجل " إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " (2) أو ما تقرأ قول الله عز اسمه " فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم (3) ". 33 - جا (4) ما: عن المفيد، عن محمد بن الحسين المقري، عن عمر بن محمد الوراق، عن علي بن العباس، عن حميد بن زياد، عن محمد بن نسيم، عن الفضل ابن دكين، عن مقاتل بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول الله عزوجل " والسابقون السابقون اولئك المقربون في جنات النعيم " (5) فقال: قال لي جبرئيل عليه السلام: ذاك علي وشيعته هم السابقون إلى الجنة المقربون من الله بكرامته لهم (6). 34 - ما: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن الحسن بن على بن أبي حمزة، عن عبد الله بن الوليد قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام في زمن مروان فقال: ممن أنتم ؟ فقلنا: من أهل الكوفة


(1) عيون أخبارا الرضا ج 2 ص 60. (2) آل عمران: 68. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 44. والاية الثانية في ابراهيم: 36. (4) مجالس المفيد ص 184. (5) الواقعة: 12. (6) أمالى الطوسى ج 1 ص 70 (*).

[21]

فقال: ما من البلدان أكثر محبا لنا من أهل الكوفة، لا سيما هذه العصابة، إن الله هداكم لامر جهله الناس فأحببتمونا وأبغضنا الناس، وتابعتمونا وخالفنا الناس وصدقتمونا وكذبنا الناس، فأحياكم الله محيانا، وأماتكم مماتنا فأشهد على أبي أنه كان يقول: ما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقر به عينه أو يغتبط إلا أن تبلغ نفسه هكذا - وأهوى بيده إلى حلقه - وقد قال الله عزوجل في كتابه " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية " (1) فنحن ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله (2). بيان: " لا سيما هذه العصابة " أي الشيعة فانها أخص. وفي القاموس الغبطة بالكسر حسن الحال والمسرة وقد اغتبط. 35 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: إن في السماء الرابعة ملائكة يقولون في تسبيحهم: سبحان من دل هذا الخلق القليل من هذا الخلق الكثير على هذا الدين العزيز (3). 36 - ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن محمد بن محمد بن سعيد الهمداني، عن الحسين بن عتبة، عن أحمد بن النضر، عن محمد بن الصامت قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده قوم من البصريين فحدثهم بحديث أبيه، عن جابر بن عبد الله في الحج أملاه عليهم فلما قاموا قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الناس أخذوا يمينا وشمالا وإنكم لزمتم صاحبكم فالى أين ترون يريد بكم ؟ إلى الجنة والله، إلى الجنة والله إلى الجنة والله. (4) بشا: عن أبي علي ابن الشيخ، عن والده، عن المفيد مثله (5).


(1) الرعد: 38. (2) امالي الطوسى ج 1 ص 143. (3) المصدر ج 1 ص 143. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 158. (5) بشارة المصطفى ص 111 (*).

[22]

37 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن أبي محمد الانصاري، عن معاوية بن وهب قال: كنت جالسا عند جعفر بن محمد عليهما السلام إذ جاء شيخ قدا نحنى من الكبر، فقال: السلام عليك ورحمة الله فقال له أبو عبد الله: وعليك السلام ورحمة الله يا شيخ ! ادن مني، فدنا منه وقبل يده وبكى فقال له أبو عبد الله عليه السلام: وما يبكيك يا شيخ ؟ قال له: يا ابن رسول الله أنا مقيم على رجاء منكم منذ نحو من مائة سنة أقول هذه السنة، وهذا الشهر، وهذا اليوم، ولا أراه فيكم فتلومني أن أبكي ؟ قال: فبكى أبو عبد الله عليه السلام ثم قال: يا شيخ إن أخرت منيتك كنت معنا، وإن عجلت كنت يوم القيامة مع ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال الشيخ: ما ابالي ما فاتني بعد هذا يا ابن رسول الله. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا شيخ إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله المنزل، وعترتي أهل بيتي، نجئ وأنت معنا يوم القيامة الخبر (1). 38 - جا (2) ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن جعفر بن محمد بن سليمان عن داود بن رشيد، عن محمد بن إسحاق التغلبي، عن ابن عقدة قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: نحن خيرة الله من خلقه، وشيعتنا خيرة الله من أمة نبيه (3) 39 - ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن العباس بن بكر، عن محمد بن زكريا عن كثير بن طارق، عن زيد بن علي، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: أنت يا علي وأصحابك في الجنة أنت يا علي وأتباعك في الجنة (4). 40 - ما: عن المفيد، عن علي بن خالد، عن محمد بن صالح، عن عبد الاعلى


(1) أمالى الصدوق ج 1 ص 163. (2) المجالس ص 189. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 76. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 57 (*).

[23]

ابن واصل، عن مخول بن إبراهيم، عن علي بن حزور، عن ابن نباته، عن عمار ابن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها زينك بالزهد في الدنيا وجعلك لا ترزأ منها شيئا ولا ترزأ منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى بهم أتباعا ويرضون بك إماما فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب عليك، فأما من أحبك وصدق فيك فاولئك جيرانك في دارك وشركاؤك في جنتك وأما من أبغضك وكذب عليك فحق على الله أن يوقفه موقف الكذابين (1). بيان: " الرزء " النقص أي لم تأخذ من الدنيا شيئا ولم تنقص الدنيا من قدرك شيئا قال في النهاية فيه فلم يرزأني شيئا أي لم يأخذ مني شيئا يقال رزأته أرزؤه، وأصله النقص. 41 - ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن عمر بن أسلم، عن سعيد بن يوسف البصري، عن خالد بن عبد الرحمن المدائني، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن أبي ذر الغفاري ره قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ضرب كتف علي بن أبي طالب عليه السلام بيده وقال: يا علي من أحبنا فهو العربي ومن أبغضنا فهو العلج، شيعتنا أهل البيوتات والمعادن والشرف، ومن كان مولده صحيحا، وما على ملة إبراهيم عليه السلام إلا نحن وشيعتنا وسائر الناس منها براء، وإن لله ملائكة يهدمون سيئات شيعتنا كما يهدم القوم البنيان (2). جا: عن الجعابي مثله (3). توضيح: المراد بأهل البيوتات والمعادن القبائل الشريفة والانساب الصحيحة في القاموس البيت الشرف والشريف وفي النهاية بيت الرجل شرفه قال العباس في مدح النبي صلى الله عليه وآله.


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 57. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 194 والعلج: الكافر. (3) مجالس المفيد ص 108 (*).

[24]

حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق أراد شرفه فجعله في أعلى خندف بيتا وقال معادن العرب أصولها التى ينتسبون إليها ويتفاخرون بها " كما يهدم القوم " في بعض النسخ القدوم وهو بتخفيف الدال آلة ينحت بها الخشب. 42 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن يونس، عن ابن محبوب، عن أبي محمد الوابشي، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: إذا أحسن العبد المؤمن ضاعف الله عمله لكل حسنة سبع مائة ضعف، وذلك قوله عزوجل " والله يضاعف لمن يشاء " (1). 43 - ما: عن الفحام، عن عمه عمر بن يحيى، عن إبراهيم بن عبد الله الكنجي، عن أبي عاصم، عن الصادق عليه السلام قال: شيعتنا جزء منا خلقوا من فضل طينتنا، يسوؤهم ما يسوؤنا ويسرهم ما يسرنا، فإذا أرادنا أحد فليقصدهم فانهم الذي يوصل منه إلينا (2). 44 - ما: باسناد أبي قتادة ; عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حقوق شيعتنا علينا أوجب من حقوقنا عليهم، قيل له: وكيف ذلك يا ابن رسول الله ؟ فقال: لانهم يصابون فيناولا نصاب فيهم (3). 45 - ما: عن الحفار، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن زاذان، عن عباد ابن يعقوب، عن يحيى بن يسار، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي عليه السلام وعن الحارث عنه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: مثلي مثل (4) شجرة أنا أصلها وعلي فرعها والحسن والحسين ثمرتها والشيعة ورقها فأبى أن يخرج من الطيب إلا الطيب (5).


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 227. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 305 وفيه الكنيخى بدل الكنجى. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 310. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 363. (5) في بشارة المصطفى: مثلى ومثل على بن أبى طالب شجرة (*).

[25]

بشا: محمد بن أحمد بن شهريار، عن محمد بن محمد بن الحسين، عن الحسن بن محمد التميمي، عن علي بن الحسين بن سفيان، عن علي بن العباس، عن عباد بن يعقوب مثله (1). بيان: " فأبى " أي أبى الله وفي أمالي الشيخ نفسه فأنى يخرج وهو أظهر. 46 - ما: عن ابن شبل، عن ظفر بن حمدون، عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عبد الله بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن يعقوب بن ميثم التمار مولى علي بن الحسين قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني وجدت في كتب أبي أن عليا عليه السلام قال لابي ميثم: احبب حبيب آل محمد وإن كان فاسقا زانيا، وأبغض مبغض آل محمد وإن كان صواما قواما فاني سمعت رسول الله وهو يقول " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية (2) ثم التفت إلى وقال: هم والله أنت وشيعتك يا علي وميعادك وميعادهم الحوض غدا غرا محجلين [مكتحلين] متوجين فقال أبو جعفر عليه السلام: هكذا هو عيانا في كتاب علي (3). بيان: قال في النهاية وفي الحديث " غر محجلون من آثار الوضوء "، الغر جمع الاغر من الغرة بياض الوجه. يريد بياض وجوههم بنور الوضوء يوم القيامة، وقال: المحجل هو الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويجاوز الارساغ، ولا يجاوز الركبتين لانها مواضع الاحجال وهى الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين ما لم يكن معها رجل أو رجلان ومنه الحديث امتي الغر المحجلون أي بيض مواضع الوضوء من الايدي والاقدام، استعار أثر الوضوء في الوجه واليدين والرجلين للانسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس ويديه ورجليه وقال: توجته ألبسته التاج. 47 - مع: عن ابن مسرور، عن ابن عامر، عن عمه، عن الحسن بن علي


(1) بشارة المصطفى ص 76. (2) البينة: 8. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 19 (*).

[26]

ابن فضال، عن ثعلبة، عن عمر بن أبان الرفاعي، عن الصباح بن سيابة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الرجل ليحبكم وما يدري ما تقولون فيدخله الله الجنة وإن الرجل ليبغضكم وما يدري ما تقولون فيدخله الله النار، وإن الرجل منكم ليملا صحيفته من غير عمل. قلت: وكيف يكون ذاك ؟ قال: يمر بالقوم ينالون منا فإذا رأوه قال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل من شيعتهم، ويمر بهم الرجل من شيعتنا فينهرونه ويقولون فيه فيكتب الله عزوجل بذلك حسنات حتى يملا صحيفته من غير عمل (1). بيان: " وما يدري ما تقولون " ظاهره المستضعفون من العامة، فان حبهم للشيعة علامة استضعافهم، ويحتمل المستضعفون من الشيعة أيضا أي ما يدري ما تقولون من كمال معرفة الائمة عليهم السلام وفي القاموس: نهر الرجل: زجره كانتهره ويقولون فيه أي ما يسوءه من الذم والشتم. 48 - مع: عن الطالقاني، عن الجلودي، عن عبد الله بن محمد العبسي، عن محمد ابن هلال، عن نائل بن نجيح، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام عن قول الله عزوجل " كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها " (2) قال: أما الشجرة فرسول الله صلى الله عليه وآله وفرعها علي عليه السلام وغصن الشجرة فاطمة بنت رسول الله، وثمرها أولادها عليهم السلام وورقها شيعتنا، ثم قال عليه السلام: إن المؤمن من شيعتنا ليموت فيسقط من الشجرة ورقة وإن المولود من شيعتنا ليولد فتورق الشجرة ورقة (3). أقول: قد مر مثله كثيرا مع شرحها في كتاب الامامة (4). 49 - ير: عن أحمد بن محمد، ويعقوب بن يزيد، عن ابن فضال، وعن أبي


(1) معاني الاخبار ص 392. (2) ابراهيم: 24 و 25. (3) معاني الاخبار ص 400. (4) راجع ج 24 ص 136 - 143. من هذه الطبعة (*).

[27]

جميلة، عن محمد الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال إن الله مثل لي امتي في الطين وعلمني أسماءهم كلها كما علم آدم الاسماء كلها، فمر بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعلي وشيعته، إن ربي وعدني في شيعة علي خصلة، قيل: يا رسول الله وما هي ؟ قال: المغفرة منهم لمن آمن واتقى لا يغادر منهم صغيرة ولا كبيرة، ولهم تبدل السيئات حسنات. (1) بيان: " في الطين " كأنه حال عن الامة، وكونهم في الطين كناية عن عدم خلق أجسادهم كما ورد " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " ويحتمل كونه حالا عن الضمير في " لي " أو عنهما معا، والمغادرة الترك، وتبدل السيئات حسنات أن يكتب الله لهم مكان كل سيئة يمحوها حسنة، أو يوفقهم لان يعملوا الطاعات بدل المعاصي، ولان يتصفوا بمكارم الاخلاق بدل مساويها ; والاول أظهر. 50 - ير: عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن جيلة، عن معاوية بن عمار عن جعفر، عن أبيه، عن جده عليهم السالم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي لقد مثلت لي امتي في الطين حتى رأيت صغيرهم وكبيرهم أرواحا قبل أن يخلق الاجساد وإني مررت بك وبشيعتك فاستغفرت لكم، فقال: علي يا نبي الله زدني فيهم، قال: نعم يا علي تخرج أنت وشيعتك من قبور كم ووجوهكم كالقمر ليلة البدر، وقد خرجت عنكم الشدائد، وذهبت عنكم الاحزان، تستظلون تحت العرش، يخاف الناس ولا تخافون، ويحزن الناس ولا تحزنون، وتوضع لكم مائدة والناس في الحساب (2). فضائل الشعية للصدوق عن معاوبن عمار مثله (3). 51 - سن: عن القاسم بن يحيى، عن جده الحسن، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: والله ما بعدنا غيركم وإنكم معنا في السنام الاعلى، فتنافسوا في


(1) بصائر الدرجات ص 85. (2) بصائر الدرجات 84. (3) فضائل الشيعة ص 153 (*).

[28]

الدرجات (1). بيان: " السنام الاعلى " بفتح السين أعلى عليين، في النهاية سنام كل شئ أعلاه " فتنافسوا في الدرجات " أي أنتم معنا في الجنة فارغبوا في أعالي درجاتها فان لها درجات غير متناهية، صورة ومعنى، أو أنتم في درجاتنا العالية في الجنة لكن لها أيضا درجات كثيرة مختلفة بحسب القرب والبعد منا فارغبوا في علو تلك الدرجات وهذا أظهر قال في النهاية: التنافس من المنافسة وهي الرغبة في الشئ، والانفراد به، وهو من الشئ النفيس الجيد في نوعه. 52 - سن: عن أبيه، عن سعدان بن مسلم، عن الحسين بن أبي العلا قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن لكل شئ جوهرا وجوهر ولد آدم محمد صلى الله عليه وآله ونحن وشيعتنا (2). 53 - سن: عن أبيه، عن سعدان بن مسلم، عن سدير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أنتم آل محمد، أنتم آل محمد (3). بيان: هذا على المبالغة كقولهم: سلمان منا أهل البيت. 54 - سن: عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أنتم والله نور في ظلمات الارض (4). بيان: النور ما يصير سببا لظهور الاشياء، والظملة ضده، والعلم والمعرفة والايمان مختصة بالشيعة، لاخذهم جميع ذلك عن أئمتهم عليهم السلام، ومن سواهم من الكفرة والمخالفين فليس معهم إلا الكفر والضلالة، فالشيعة هادون مهتدون منورون للعالم في ظلمات الارض. 55 - سن: عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله، عن إسحاق بن عمار، عن علي ابن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: والله إني لاحب ريحكم وأرواحكم


(1) المحاسن ص 142. (2 و 3) المحاسن ص 143. (4) المحاسن ص 162 (*).

[29]

ورؤيتكم وزيارتكم وإني لعلى دين الله، ودين ملائكته، فأعينوا على ذلك بورع أنا في المدينة بمنزلة الشعيرة أتقلقل حتى أرى الرجل منكم فأستريح إليه (1). توضيح: " الارواح " هنا إما جمع الروح بالضم أو بالفتح وهو الرحمة ونسيم الريح " وإني لعلى دين الله " أي أنتم أيضا كذلك وملحقون بنا فأعينونا على شفاعتكم بالورع، عن المعاصي " بمنزلة الشعيرة " أي في قله الاشباه والموافقين في المسلك والمذهب، وفي بعض النسخ الشعرة أي كشعرة بيضاء مثلا في ثور أسود وهو أظهر " والتقلقل، التحرك والاضطراب، والاستراحة الانس والسكون. 56 - سن: عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن عبد الله بن الوليد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول ونحن جماعة: والله إني لاحب رؤيتكم وأشتاق إلى حديثكم (2). 57 - سن: عن أبيه، عمن ذكره، عن أبي علي حسان العجلي قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا جالس عن قول الله عزوجل " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر او لولا الالباب " (3) قال: نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون، وشيعتنا أولو الالباب (4). مشكوة الانوار: عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (5). 58 - سن: عن ابن يزيد، عن نوح المضروب، عن أبي شيبة، عن عنبسة العابد عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل " كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين " (6) قال: هم شيعتنا أهل البيت (7).


(1 و 2) المحاسن: 163. (3) الزمر: 9. (4) المحاسن ص 169. (5) مشكوة الانوار: 95. (6) المدثر: 38 و 39. (7) المحاسن ص 171 (*).

[30]

59 - سن: عن ابن يزيد، عن بعض الكوفيين، عن عنبسة، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " (1) قال: هم شيعتنا أهل البيت (2). 60 - سن عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن يحيى بن زكريا أخي دارم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام كان أبي يقول: إن شيعتنا آخذون بحجزتنا، ونحن آخذون بحجزة نبينا، ونبينا آخذ بحجزة الله (3). سن: عن أبيه، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا كان يوم القيامة أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بحجزة ربه وأخذ علي بحجزة رسول الله وأخذنا بحجزة علي عليه السلام وأخذ شيعتنا بحجزتنا فأين ترون يوردنا رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قلت: إلى الجنة (4). بيان: قال في النهاية: فيه إن الرحم أخذت بحجزة الرحمن أي اعتصمت به والتجأت إليه مستجيرة، وأصل الحجزة موضع شد الازار ثم قيل للازار حجزة للمجاورة واحتجز الرجل بالازار إذا شده على وسطه فاستعاره للاعتصام والالتجاء و التمسك بالشئ والتعلق به، ومنه الحديث الاخر ياليتني آخذ بحجزة الله، أي بسبب منه. وذكر الصدوق معاني للحجزة، منها الدين، ومنها الامر، ومنها النور وأورد الاخبار فيها (5). 62 - سن: عن ابن فضال، عن ابن مسكان، عمن حدثه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان علي بن الحسين يقول: إن أحق الناس بالورع والاجتهاد فيما يحب الله ويرضى، الاوصياء وأتباعهم، أما ترضون أنه لو كانت فزعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم وفزعتم إلينا، وفزعنا إلى نبينا ؟ إن نبينا آخذ بجحزة


(1) البينة: 7. (2) المحاسن ص 171. (3 و 4) المصدر ص 182. (5) راجع معاني الاخبار ص 16 - و 236 (*).

[31]

ربه ونحن آخذون بحجزة نبينا، وشيعتنا آخذون بحجزتنا (1). 63 - سن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن بريد بن معاوية قال: قال أبو جعفر عليه السلام: ما تبغون أو ما تريدون غير أنها لو كانت فزعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم، وفزعنا إلى نبينا وفزعتم إلينا (2). بيان: " ما تبغون " أي أي شئ تطلبون في جزاء تشيعكم وبازائه " غير أنها " أي أتطلبون شيئا غير فزعكم إلينا في القيامة ؟ أي ليس شئ أفضل وأعظم من ذلك 64 - شا: عن محمد بن عمران المرزباني، عن علي بن محمد بن عبد الله الحافظ عن علي بن الحسين بن عبيد الكوفي، عن إسماعيل بن أبان، عن سعد بن طالب عن جابر بن يزيد، عن محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: سئلت أم سملة زوج النبي صلى الله عليه وآله عن علي بن أبي طالب عليه السلام قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن عليا وشيعته هم الفائزون (3). 65 - شا: عن محمد بن عمران، عن أحمد بن محمد الجوهري، عن محمد بن هارون بن عيسى الهاشمي، عن تميم بن محمد العلا، عن عبد الرزاق، عن يحيى بن العلا، عن سعد بن طريف، عن ابن نباتة، عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن لله قضيبا من ياقوت أحمر، لا يناله إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منه بريؤون (4). 66 - شا: عن محمد بن عمران، عن علي بن محمد بن عبد الله الحافظ، عن علي ابن الحسين بن عبيد الكوفي، عن إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن حريث، عن داود بن السليل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، قال: ثم التفت إلى على عليه السلام فقال: هم شيعتك


(1) المحاسن ص 182. (2) المحاسن ص 183. (3 - 4) الارشاد ص 18 (*).

[32]

وأنت إمامهم (1). مشكوة الانوار: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام مثله (2). 67 - شا: عن محمد بن عمران، عن أحمد بن عيسى الكرخي، عن محمد بن القاسم، عن محمد بن عائشة، عن إسماعيل بن عمرو البجلي، عن عمر بن موسى، عن زيد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حسد الناس إياي فقال: يا علي إن أول أربعة يدخلون الجنة أنا وأنت والحسن والحسين، وذريتنا خلف ظهورنا، وأحباؤنا خلف ذريتنا، وأشياعنا عن أيماننا وشمائلنا (3). بيان: " إن أول أربعة " أي أول الاربعات الذين يدخلون الجنة فالجميع إلى قوله عليه السلام: والحسين خبر، أو المعنى أن الاربعة الذين يدخلون أولهم أنا فخبر البواقي مقدر بقرينة المقام. 68 - شى: عن عبد الله بن جندب، عن الرضا عليه السلام قال: حق على الله أن يجعل ولينا رفيقا للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا (4). 69 - شى: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال " اولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين " الاية فرسول الله في هذا الموضع النبي ونحن الصديقون والشهداء وأنتم الصالحون، فتسموا بالصلاح كما سماكم الله (5). مجمع البيان: عن أبي بصير مثله (6). بيان: " فتسموا بالصلاح " أي انتسبوا إليه، أو ارتفعوا بسببه أو اتصفوا به


(1) الارشاد ص 18. (2) مشكوة الانوار: 96. (3) الارشاد ص 19. (4 و 5) تفسير العياشي ج 1 ص 370 والاية في النساء: 69. (6) مجمع البيان ج 3 ص 72 (*).

[33]

حتى يسميكم الناس صالحين في القاموس سما سموا: ارتفع، وبه أعلاه كأسماه وسماه فلانا وبه وتسمى بكذا وبالقوم وإليهم انتسب. 70 - م: قال النبي صلى الله عليه وآله: عند حنين الجذع: معاشر المسلمين هذا الجذع يحن إلى رسول رب العالمين، ويحزن لبعده عنه، ففي عباد الله الظالمين أنفسهم من لا يبالي قرب من رسول الله أم بعد، ولولا أني احتضنت هذا الجذع، ومسحت بيدي عليه ما هدئ حنينه إلى يوم القيامة، وإن من عباد الله وإمائه لمن يحن إلى محمد رسول الله وإلى علي ولي الله كحنين هذا الجذع وحسب المؤمن أن يكون قلبه على موالاة محمد وعلي وآلهما الطيبين منطويا أرأيتم شدة حنين هذا الجذع إلى محمد رسول الله وكيف هدئ لما احتضنه محمد رسول الله ومسح بيده عليه ؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي بعثني بالحق نبيا إن حنين خزان الجنان، وحور عينها وسائر قصورها، ومنازلها إلى من توالى محمدا وعليا وآلهما الطيبين وتبرأ من أعدائهما لاشد من حنين هذا الجذع الذي رأيتموه إلى رسول الله، وإن الذي يسكن حنينهم وأنينهم ما يرد عليهم من صلاة أحدكم معاشر شيعتنا على محمد وآله الطيبين أو صلاة نافلة أو صوم أو صدقة وإن من عظيم ما يسكن حنينهم إلى شيعة محمد وعلي ما يتصل بهم من إحسانهم إلى إخوانهم المؤمنين، ومعونتهم لهم على دهرهم، يقول أهل الجنان بعضهم لبعض: لا تستعجلوا صاحبكم فما يبطئ عنكم إلا للزيادة في الدرجات العاليات في هذه الجنان بإسداء المعروف إلى إخوانه المؤمنين. وأعظم من ذلك مما يسكن حنين سكان الجنان وحورها إلى شيعتنا ما يعرفهم الله من صبر شيعتنا على التقية، واستعمالهم التورية ليسملوا بها من كفرة عباد الله و فسقتهم، فحينئذ يقول خزان الجنان وحورها: لنصبرن على شوقنا إليهم وحنيننا كما يصبرون على سماع المكروه في ساداتهم وأئمتهم، وكما يتجرعون الغيظ و يسكتون عن إظهار الحق لما يشاهدون من ظلم من لا يقدرون على دفع مضرته. فعند ذلك يناديهم ربنا عزوجل: يا سكان جناني، ويا خزان رحمتي ما لبخل أخرت عنكم أزواجكم وساداتكم إلا ليستكملوا نصيبهم من كرامتي بمواساتهم

[34]

إخوانهم المؤمنين والاخذ بأيدي الملهوفين، والتنفيس عن المكروبين، وبالصبر على التقية من الفاسقين الكافرين حتى إذا استكملوا أجزل كراماتي نقلتهم إليكم على أسر الاحوال، وأغبطها، فأبشروا فعند ذلك يسكن حنينهم وأنينهم. (1). توضيح: في القاموس حضن الصبي حضنا وحضانة بالكسر جعله في حضنه أو رباه كاحتضنه، وقال الحضن بالكسر ما دون الابط إلى الكشح أو الصدر والعضدان وما بينهما، وقال: هدأ كمنع هدءا وهدوءا سكن، وقال: أسدى إليه أحسن. 71 - م: قال تعالى: " وبشر الذين آمنوا " (2) بالله وحده وصدقوك بنبوتك فاتخذوك إماما وصدقوك في أقوالك وصوبوك في أفعالك، واتخذوا أخاك عليا بعدك إماما ولك وصيا مرضيا، وانقادوا لما يأمرهم به وصاروا إلى ما أصارهم إليه، ورأوا له ما يرون لك إلا النبوة التي افردت بها، وأن الجنان لا تصير لهم إلا بموالاته وموالاة من ينص عليه من ذريته وموالاة سائر أهل ولايته، ومعاداة أهل مخالفته وعداوته، وأن النيران لا تهدأ عنهم، ولا يعدل بهم عن عذابها إلا بتنكبهم عن موالاة مخالفيهم وموازرة شانئيهم " وعملوا الصالحات " من إدامة الفرائض و اجتناب المحارم ولا يكونوا كهؤلاء الكافرين بك بشرهم " أن لهم جنات " بساتين " تجري من تحتها الانهار " (3). 72 - شى: عن عبد الرحمن بن سالم الاشل، عن بعض الفقهاء قال: قال أمير المؤمنين " إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (4) ثم قال: تدرون من أولياء الله ؟ قالوا: من هم يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هم نحن وأتباعنا، فمن تبعنا من بعدنا طوبى لنا، وطوبى لهم أفضل من طوبى لنا، قال: يا أمير المؤمنين ما شأن طوبى لهم أفضل من طوبى لنا ؟ ألسنا نحن وهم على أمر ؟ قال: لا، لانهم حملوا


(1) تفسير الامام العسكري ص 75. (2) البقرة: 25. (3) تفسير الامام ص 80. (4) يونس: 62 (*).

[35]

ما لم تحملوا عليه، وأطاقوا ما لم تطيقوا (1). بيان: " لانهم حملوا " إشارة إلى شدة تقية الشيعة بعده عليه السلام وكثرة وقوع الظلم من بني امية وغيرهم عليهم. 73 - شى: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من تولى آل محمد وقدمهم على جميع الناس بما قدمهم من قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله فهو من آل محمد لمنزلته عند آل محمد، لا أنه من القوم بأعيانهم، وإنما هو منهم بتوليه إليهم و اتباعه إياهم، وكذلك حكم الله في كتابه " ومن يتولهم منكم فانه منهم " (2) و قول إبراهيم " فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم " (3). 74 - شى: عن عقبة بن خالد قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأذن لي وليس هو في مجلسه فخرج علينا من جانب البيت من عند نسائه، وليس عليه جلباب فلما نظر إلينا رحب بناثهم جلس (4) ثم قال: أنتم أولوا الالباب في كتاب الله قال الله " إنما يتذكر أولوا الالباب " (5). بيان: كأن المراد بالجلباب هنا الرداء مجازا أو القميص في القاموس الجلباب كسرداب وسنمار القميص، وثوب واسع للمرأة دون الملحفة، أوما تغطي به ثيابها من فوق كالملحفة أو هو الخمار. 75 - شى: عن أبي بصير قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام وهو يقول: نحن أهل بيت الرحمة، وبيت النعمة، وبيت البركة، ونحن في الارض بنيان وشيعتنا عرى الاسلام، وما كانت دعوة إبراهيم إلا لنا وشيعتنا، ولقد استثنى الله إلى يوم


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 124. (2) المائدة: 51. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 231، والاية في ابراهيم: 36. (4) في المصدر: فلما نظر إلينا قال احب لقاءكم ثم جلس، والظاهر أنه تصحيف. (5) تفسير العياشي ج 2 ص 207، والاية في الرعد: 19 (*).

[36]

القيامة إلى إبليس فقال " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " (1). بيان: البنيان بالضم البناء المبني والمراد بيت الشرف والنبوة والامامة و الكرامة ولا يبعد أن يكون في الاصل بنيان الايمان " عرى الاسلام " أي يستوثق و يستمسك بهم الاسلام، أو من أراد الصعود إلى الاسلام أو إلى ذروته يتعلق بهم، و يأخذ منهم. قال في المصباح قوله عليه السلام: " وذلك أوثق عرى الايمان " على التشبيه بالعروة التي يستمسك بها ويستوثق، وكأن المراد بدعوة إبراهيم قوله عليه السلام " ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب " (2) ويحتمل أن يكون المراد قوله: " واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " (3) والاول أظهر. 76 - شى: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله " إخوانا على سرر متقابلين " (4) قال: والله ما عنى غيركم (5). 77 - شى: عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: سمعته يقول: أنتم والله الذين قال الله " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " إنما شيعتنا أصحاب الاربعة الاعين، عين في الرأس وعين في القلب، ألا و الخلايق كلهم كذلك، إلا أن الله فتح أبصاركم، وأعمى أبصارهم (6). بيان: " عين في الرأس " المراد بها الجنس أي عينان أو المعنى كل عين في الرأس بازائها عين في القلب " فتح أبصاركم " أي أبصار قلوبكم. 78 - شى: عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليس منكم رجل ولا امرأة إلا وملائكة الله يأتونه بالسلام وأنتم الذين قال الله " ونزعنا ما في صدورهم


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 243. والاية في الحجر: 42. (2) ابراهيم: 40. (3) ابراهيم: 37. (4) الحجر: 47. (5 - 6) تفسير العياشي ج 2 ص 244 (*).

[37]

من غل إخوانا على سرر متقابلين " (1). 79 - م - قال علي بن الحسين عليه السلام: عباد الله اجعلوا حجتكم مقبولة مبرورة وإياكم أن تجعلوها مردودة عليكم أقبح الرد وأن تصدوا عن جنة الله يوم القيامة أقبح الصد ألا وإن ما محلها محل القبول ما يقرن بها من موالاة محمد وعلي وآلهما الطيبين، وإن ما يسفلها ويرذلها ما يقرن بها من اتخاذ الانداد من دون أئمة الحق وولاة الصدق علي بن أبي طالب عليه السلام والمنتجبين ممن يختاره من ذريته وذويه. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى للموالين عليا عليه السلام إيمانا بمحمد و تصديقا لمقاله، كيف يذكرهم اله بأشرف الذكر من فوق عرشه، وكيف يصلي عليهم ملائكة العرش والكرسي والحجب والسماوات والارض والهواء وما ببين ذلك وما تحتها إلى الثرى وكيف يصلي عليهم أملاك الغيوم والامطار وأملاك البراري و البحار وشمس السماء وقمرها ونجومها وحصباء الارض ورمالها وسائر ما يدب من الحيوانات فيشرف الله تعالى بصلاة كل واحد منها لديه محالهم، ويعظم عنده جلالهم حتى يردوا عليه يوم القيامة وقد شهروا بكرامات الله على رؤوس الاشهاد، و جعلوا من رفقاء محمد وعلي عليهما السلام صفي رب العالمين. والويل للمعاندين عليا كفرا بمحمد وتكذيبا بمقاله، وكيف يلعنهم الله بأخس اللعن من فوق عرشه، وكيف يلعنهم حملة العرش والكرسي والحجب و السماوات والارض والهوى وما بين ذلك وما تحتها إلى الثرى، وكيف يلعنهم أملاك الغيوم والامطار وأملاك البراري والبحار وشمس السماء وقمرها ونجومها وحصباء الارض ورمالها وسائر ما يدب من الحيوانات فيسفل الله بلعن كل واحد منهم لديه محالهم ويقبح عنده أحوالهم حتى يردوا عليه يوم القيامة، وقد شهروا بلعن الله ومقته على رؤوس الاشهاد، وجعلوا من رفقاء إبليس ونمرود وفرعون أعداء رب العباد. وإن من عظيم ما يتقرب به خيار أملاك الحجب والسماوات الصلاة على


(1) تفسير العياشس ج 2 ص 244 (*).

[38]

محبينا أهل البيت واللعن لشانئينا (1). 80 - جا: عن محمد ببن الحسين المقري، عن أبي عبد الله الاسدي، عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن يحيى بن هاشم، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علمت سبعا من المثاني ومثلت لي امتي في الطين حتى نظرت إلى صغيرها وكبيرها، ونظرت في السماوات كلها فلما رأيت رأيتك يا علي فاستغفرت لك ولشيعتك إلى يوم القيامة (2). 81 - جا: عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضال عن عاصم بن خميد، عن الثمالي، عن جيش بن المعتمر قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهوفي الرحبة متكئ فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته كيف أصبحت ؟ قال: فرفع رأسه ورد علي وقال: أصبحت محبا لمحبنا، ومبغضا لمن يبغضنا، إن محبنا ينتظر الروح والفرج في كل يوم وليلة، وإن مبغضنا بنى بناء فأسس بنيانه على شفا جرف هار، كفان بنيانه هار فانهاربه في نار جهنم، يا أبا المعتمر إن محبنا لا يستطيع أن يبغضنا، قال: ومبغضنا لا يستطيع أن يحبنا إن الله تبارك وتعالى جبل قلوب العباد على حبنا، وخذل من يبغضنا، فلن يستطيع محبنا يبغضنا، ولن يستطيع مبغضنا، ولن يستطيع مبغضنا يحبنا، ولن يجتمع حبنا وحب عدونا في قلب أحد " ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه " (3) يحب بهذا قوما ويحب بالاخر أعداءهم (4). توضيح: قال الراغب: (5) شفا البئر والنهر طرفه، ويضرب به المثل في القرب من الهلكة قال تعالى: " على شفا جرف هار " وقال: يقال للمكان الذي يأكله


(1) تفسير الامام ص 259. (2) مجالس المفيد ص 61. الرقم 10. (3) الاحزاب: 4. (4) مجالس المفيد ص 145، الرقم ص 27. (5) مفردات غريب القرآن ص 264 و 91 (*).

[39]

السيل فيجرفه أي يذهب به جرف، ويقال: هار البناء يهور إذا سقط نحو انهار قال تعالى: " على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم " (1) وقرئ هار يقال: بئر هار وهار وهائر ومنهار، ويقال: انهار فلان إذا سقط من مكان عالى، ورجل هار وهائر ضعيف في أمره تشبيها بالبئر الهائر. " ما جعل الله لرجل من قلبين " الخبر يدل على أن المراد بعدم القلبين عدم أمرين متضادين في إنسان واحد، كالايمان والكفر، وحب رجل وبغضه أوما يستلزم بغضه. قال في المجمع في سياق معاني الاية: وقيل هو رد على المنافقين والمعنى ليس لاحد قلبان يؤمن بأحدهما ويكفر بالاخر، ثم قال: وقيل يتصل بما قبله، والمعنى أنه لا يمكن الجمع بين اتباعين متضادين بين اتباع الوحي والقرآن واتباع أهل الكفر والطغيان، فكنى عن ذلك بذكر القلبين لان الاتباع يصدر عن الاعتقاد والاعتقاد من أفعال القلوب، فكما لا يجتمع قلبان في جوف واحد لا يجتمع اعتقادان متضادان في قلب واحد، وقال أبو عبد الله عليه السلام: ما جعل الله لرجل من قلبين يحب بهذا قوما ويحب بهذا أعداءهم (2). أقول: وسيأتي تمام القول فيه في باب القلب إن شاء الله (3). 82 - كش: عن حمدويه، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن أبي خالد، عن عبد الله بن ميمون، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا ابن ميمون كم أنتم بمكة ؟ قلت: نحن أربعة، قال: إنكم نور في ظلمات الارض (4). 83 - كشف: من كتاب الحافظ عبد العزيز: روي أنه قال سلمان لعلي عليه السلام: ما جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا عنده إلا وضرب عضدي أوبين كتفي، وقال: يا


(1) براءة 109 راجع المفردات: 546. (2) مجمع البيان ج 8 ص 336. (3) يعنى في المجلد الرابع عشر. (4) رجال الكشى ص 212 (*).

[40]

سلمان هذا وحزبه المفلحون (1). ومن مناقب الخوارزمي عن أنس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وقد رأيته في النوم: ما حملت على أن لا تودي ما سمعت مني في علي بن أبي طالب عليه السلام حتى أدركتك العقوبة، ولولا استغفار علي بن أبي طالب لك ما شممت رائحة الجنة أبدا ولكن انشر في بقية عمرك، إن أولياء علي وذريته ومحبيهم السابقون الاولون إلى الجنة وهم جيران الله وأولياء الله حمزة، وجعفر، والحسن والحسين، وأما علي فهو الصديق الاكبر لا يخشى يوم القيامة من أحبه. ومنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحب عليا قبل الله عنه صلاته وصيامه وقيامه واستجاب دعاءه، ألا ومن أحب عليا أعطاه الله بكل عرق في بدنه مدينة في الجنة ألا ومن أحب آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط ألا و من مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الانبياء، ألا ومن أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه " آيس من رحمة الله " (2). 85 - رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي، عن أبي عبد الله عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام: يا علي إن الله وهب لك حب المساكين و الفقراء في الارض فرضيت بهم إخوانا ورضوا بك إماما فطوبى لمن أحبك، وويل لمن أبغضك، يا علي أهل مو - تك كل أواب حفيظ، وكل ذي طمرين لو أقسم على الله لابره يا علي أحباؤك كل محتقر عند الخلق عظيم عند الحق، يا علي محبوك في الفردوس الاعلى، جيران الله لا يأسفون على ما فاتهم من الدنيا يا علي إخوانك ذبل الشفاه، تعرف الرهبانية في وجوههم، يفرحون في ثلاث مواطن: عند الموت، وأنا شاهدهم، وعند المسألة في قبورهم وأنت هناك تلقنهم، وعند العرض الاكبر إذا دعي كل اناس بامامهم. يا علي بشر إخوانك أن الله قد رضي عنهم، يا علي أنت أمير المؤمنين وقائد


(1) كشف الغمة ص 28 ط قديم. (2) كشف الغمة ص 30 (*).

[41]

الغر المحجلين، وأنت وشيعتك الصافون المسبحون، ولولا أنت وشيعتك ما قام لله دين، ولولا من في الارض منكم ما نزل من السماء قطر، يا علي لك في الجنة كنز وأنت ذوقرنيها وشيعتك حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، يا علي أنت وشيعتك القائمون بالقسط، وأنت على الحوض تسقون من أحبكم، وتمنعون من أخل بفضلكم وأنتم الامنون يوم الفزع الاكبر. يا علي: أنت وشيعتك تظللون في الموقف، وتنعمون في الجنان، يا علي: إن الجنة مشتاقة إليك وإلى شيعتك وإن ملائكة العرش المقربين يفرحون بقدومهم والملائكة تستغفر لهم، يا علي: شيعتك الذين يخافون الله في السر والعلانية، يا علي: شيعتك الذين يتنافسون من الدرجات، ويلقون الله ولا حساب عليهم، يا علي: أعمال شيعتك تعرض علي في كل جمعة فأفرح بصالح أعمالهم وأستغفر لسيئاتهم. يا علي: ذكرك وذكر شيعتك في التوراة بكل خير، قبل أن يخلقوا وكذلك في الانجيل فانهم يعظمون أليا وشيعته، يا علي: ذكر شيعتك في السماء أكثر من ذكرهم في الارض فبشرهم بذلك، يا علي: قل لشيعتك وأحبائك يتنزهون من الاعمال التي يعملها عدوهم، يا علي: اشتد غضب الله على من أبغضك وأبغض شيعتك. بيان: في القاموس الطمر بالكسر الثوب الخلق أو الكساء البالي من غير الصوف " ذبل الشفاه " أي من الصوم، أو من كثرة الدعاء والتلاوة. ثم اعلم أن ظاهر الاية (1) أن الصافون والمسبحون وصف الملائكة، قال الطبرسي: أي الصافون حول العرش ننتظر الامر والنهي من الله تعالى وقيل القائمون صفوفا في الصلاة أوصافون بأجنحتنا في الهواء للعبادة والتسبيح وإنا لنحن المسبحون أي المصلون المنزهون الرب عما لا يليق به والقائلون " سبحان الله " على وجه التعظيم انتهى (2). لكن ورد في أخبار كثيرة تأويلها بل تأويل قوله تعالى " وما منا إلا له مقام


(1) الصافات: 166 و 167. (2) مجمع البيان ج 8 ص 461 (*).

[42]

معلوم " (1) بالائمة عليهم السلام وكأنه من بطون الايات، ويمكن أن يكون بعضها كهذا الخبر محمولا على التشبيه والمبالغة في المدح قوله صلى الله عليه وآله " لك في الجنة كنز " أي ثواب عظيم مدخر وفي روايات العامة أن ذلك بيت في الجنة وقد مر شرح ذوقرنيها. وقال في النهاية فيه لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنه أي أجرها مدخر لقائلها والمتصف بها كما يدخر الكنز. 86 - رياض الجنان: بإسناده عن جابر الجعفي قال: كنت مع محمد بن علي عليهما السلام قال: يا جابر خلقنا نحن ومحبونا من طينة واحدة بيضاء نقية من أعلا عليين، فخلقنا نحن من أعلاها وخلق محبونا من دونها، فإذا كان يوم القيامة التحقت العليا بالسفلى، فضربنا بأيدينا إلى حجزة نبينا، وضربت شيعتنا بأيديهم إلى حجزتنا، فأين ترى يصير الله نبيه وذريته ؟ وأين ترى يصير ذريته محبينا ؟ فضرب جابر بن يزيد على يده وقال: دخلناها ورب الكعبة. ومنه بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل " شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء " (2) فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا أصلها، وعلي فرعها والائمة أغصانها، وعلمنا ثمرتها وشيعتنا ورقها. يا أبا حمزة فهل ترى فيها فضلا ؟ فقلت والله ما أرى فيها فضلا، فقال يا أبا حمزة إن المولود ليولد من شيعتنا فتورق ورقة، وإن الميت ليموت فتسقط ورقة منها. بيان: " فهل ترى فيها فضلا " أي فهل تكون في الشجرة غير هذه الامور المذكورة ؟ فقال الراوي والله ما أرى فيها فضلا فبين عليه السلام بذلك أن أهل النجاة والسعادة منحصرون في هؤلاء لان الله تعالى ضرب للكلمة الطيبة التي هي الايمان وأهله بالشجرة الطيبة وبين أجزاء الشجرة فالمخالفون بريؤون من تلك الشجرة وداخلون في الشجرة الخبيثة المذكورة بعدها، ثم بين عليه السلام أن جميع الشيعة


(1) الصافات: 164. (2) راجع تأويلها في ج 24 ص 87 وبعدها. (2) ابراهيم: 24 و 25 (*).

[43]

داخلون في تلك الشجرة بقوله: " إن المولود ليولد " وقد مر تمام القول فيه في كتاب الامامة (1). 87 - بشا: عن ابن شيخ الطائفة، عن أبيه، عن المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن جعفر بن عبد الله، عن سعدان بن سعيد، عن سفيان بن إبراهيم قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: بنا يبدء البلاء، ثم بكم، وبنا يبدء الرخاء ثم بكم والذي يحلف به لينتصرن الله بكم كما انتصر بالحجارة (2). جا: عن الجعابي مثله (3). بيان: " والذي يحلف به " أي بالله أو بكل شئ يحلف به " لينتصرن الله بكم " أي لينتقمن الله من المخالفين بكم في زمن القائم عليه السلام كما انتقم بحجارة من سجيل من أصحاب الفيل، أولكم كما انتقم لبيته من أصحاب الفيل، والتعبير عن البيت بالحجارة للاشارة إلى أن المؤمن أشرف منه والاول أظهر. 88 - بشا: بالاسناد المتقدم عن الجعابي، عن جعفر بن محمد بن سليمان عن داود بن رشيد، عن محمد بن إسحاق الثعلبي قال: سمعت جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: نحن خيرة الله من خلقه، وشيعتنا خيرة الله من امة نبيه (4). 89 - بشا: عن إبراهيم بن الحسين الرفاء، عن محمد بن الحسين بن عتبة عن محمد بن الحسين الفقيه، عن محمد بن وهبان، عن علي بن حبشي بن قوني، عن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، عن يحيى بن زكريا بن شيبان، عن نصر بن مزاحم عن محمد بن عمران بن عبد الكريم، عن أبيه، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: دخل أبي المسجد فإذا هوباناس من شيعتنا فدنا منهم فسلم ثم قال لهم: والله إني لاحب ريحكم وأرواحكم، وإني لعلى دين الله، وما بين أحدكم وبين أن يغتبط بما هو فيه إلا أن تبلغ نفسه ههنا - وأشار بيده إلى حنجرته - فأعينونا بورع واجتهاد ومن


(1) راجع ج 24 ص 138. (2) بشارة المصطفى ص 10 و 113. (3) مجالس المفيد ص 186. (4) بشارة المصطفى ص 14 و 115 (*).

[44]

يأتم منكم بامام فليعمل بعمله. أنتم شرط الله، وأنتم أعوان الله، وأنتم أنصار الله، وأنتم السابقون الاولون والسابقون الاخرون، وأنتم السابقون إلى الجنة، قد ضمنا لكم الجنان بضمان الله ورسوله، كأنكم في الجنة تنافسون في فضائل الدرجات. كل مؤمن منكم صديق، وكل مؤمنة منكم حوراء، قال أمير المؤمنين عليه السلام يا قنبر قم فاستبشر فالله ساخط على الامة ما خلا شيعتنا ألا وإن لكل شئ شرفا وشرف الدين الشيعة، ألا وإن لكل شئ عمادا وعماد الدين الشيعة، ألا وإن لكل شئ سيدا وسيد المجالس مجلس شيعتنا، ألا وإن لكل شئ شهودا وشهود الارض أرض سكان شيعتنا فيها، ألا ومن خالفكم منسوب إلى هذه الاية " وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية " (1) ألا ومن دعا منكم فدعوته مستجابة، ألا ومن سأل منكم حاجة فله بها مائة حاجة، يا حبذا حسن صنع الله إليكم، تخرج شيعتنا يوم القيامة من قبورهم مشرقة ألوانهم ووجوههم قد أعطوا الامان، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والله أشد حبا لشيعتنا منا لهم (2) بيان: " إنهم شرط الله " بضم الشين وفتح الراء أي نخبة جنوده وأعوانه وعساكره قال في النهاية شرط السلطان نخبة أصحابه، الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، وقال: الشرطة أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة، وقال: الاشراط من الاضداد يقع على الاشراف والارذال، والعماد بالكسر الخشبة التي يقوم عليها البيت 90 - ارشاد القلوب: بالاسناد إلى حمد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك من نوره الاعظم، ثم رش من نورنا على جميع الانوار من بعد خلقه لها، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى إلينا، ومن


(1) الغاشية 2 - 4. (2) بشارة المصطفى ص 16 (*).

[45]

أخطأه ذلك النور ضل عنا، ثم قرأ: " ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور " يهتدي إلي نورنا وروى مسندا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد من عباد الله، ومن والانا وائتم بنا، وقبل منا ما اوحي إلينا، وعلمناه إياه، وأطاع الله فينا، فقد والى الله، ونحن خير البرية، وولدنا منا، ومن أنفسنا، وشيعتنا منا من آذاهم آذانا ومن أكرمهم أكرمنا، ومن أكرمنا كان من أهل الجنة 91 - بشا: بالاسناد إلى الصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن القاسم، عن جده، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله على منبره: يا علي إن الله عزوجل وهب لك حب المساكين والمستضعفين في الارض فرضيت بهم إخوانا ورضوا بك إماما، فطوبى لمن أحبك وصدق عليك وويل لمن أبغضك وكذب عليك. يا علي أنت العلم لهذه الامة من أحبك فاز، ومن أبغضك هلك، يا علي أنا المدينة وأنت بابها، يا علي أهل مودتك كل أواب حفيظ، وكل ذي طمر لو أقسم على الله لبر قسمه (1). يا علي إخوانك كل طاهر زكي مجتهد عند الخلق، عظيم المنزلة عند الله عزوجل، يا علي محبوك جيران الله في دار الفردوس، لا يأسفون على ما فاتهم من الدنيا، يا علي أنا ولي لمن واليت، وأنا عدو لمن عاديت، يا علي من أحبك فقد أحبني، ومن أبغضك فقد أبغضني، يا على إخوانك الذبل الشفاه، تعرف الرهبانية في وجوههم. يا علي إخوانك يفرحون في ثلاث مواطن: عند خروج أنفسهم وأنا شاهدهم وأنت، وعند المسألة في قبورهم، وعند العرض، وعند الصراط إذا سئل الخلق عن إيمانهم فلم يجيبوا، يا علي حربك حربي، وسلمك سلمي، وحربي حرب الله وسلمي سلم الله، ومن سالمك فقد سالمني، ومن سالمني فقد سالم الله عزوجل.


(1) الطمر: الثوب الخلق البالى، يلبس ازارا اورداء، وابرار القسم امضاؤه (*).

[46]

يا علي بشر إخوانك فان الله عزوجل قد رضي عنهم إذ رضيك لهم قائدا ورضوا بك وليا، يا علي أنت أمير المؤمين، وقائد الغر المحجلين، يا علي شيعتك المنتجبون، ولو لا أنت وشيعتك ما قام لله عزوجل دين، ولو لا من في الارض منكم لما أنزلت السماء قطرها، يا علي لك كنز في الجنة وأنت ذو قرنيها، شيعتك تعرف بحزب الله عزوجل، يا علي أنت وشيعتك الفائزون بالقسط، وخيرة الله من خلقه. يا علي أنا أول من ينفض التراب عن رأسه وأنت معي ثم سائر الخلق يا علي أنت وشيعتك على الحوض تسقون من أحببتم، وتمنعون من كرهتم، وأنتم الامنون يوم الفزع الاكبر في ظل العرش، يفزع الناس ولا تفزعون، ويحزن الناس ولا تحزنون، فيكم نزلت هذه الاية " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون " (1) وفيهم نزلت " لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون " (2). يا علي أنت وشيعتك تطلبون في الموقف، وأنتم في الجنان تتنعمون، يا علي إن الملائكة والخزان يشتاقون إليكم، وإن حملة العرش والملائكة المقربين ليخصونكم بالدعاء، ويسألون الله لمحبيكم، ويفرحون لمن قدم عليهم منكم، كما يفرح الاهل بالغائب القادم بعد طول الغيبة. يا علي شيعتك الذين يخافون الله في السر وينصحونه في العلانية، يا علي شيعتك الذين يتنافسون في الدرجات، لانهم يلقون الله عزوجل وما عليهم ذنب يا علي إن أعمال شيعتك ستعرض علي في كل جمعة فأفرح بصالح ما يبلغي من أعمالهم، وأستغفر لسيئاتهم. يا علي ذكرك في التوراة وذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكل خير، وكذلك في الانجيل فاسأل أهل الانجيل وأهل الكتاب يخبرونك عن أليا، مع علمك بالتوراة


(1) الانبياء 101. (2) الانبياء: 103 (*).

[47]

والانجيل وما أعطاك الله عزوجل من علم الكتاب وإن أهل الانجيل ليتعاظمون أليا وما يعرفونه وما يعرفون شيعته، وإنما يعرفونهم بما يجدونهم في كتبهم. يا علي إن أصحابك ذكرهم في السماء أكبر وأعظم من ذكر أهل الارض لهم بالخير، فليفرحوا بذلك وليزدادوا اجتهادا، يا علي إن أرواح شيعتك لتصعد إلى السماء في رقادهم ووفاتهم، فتنظر الملائكة إليها كما ينظر الناس إلى الهلال شوقا إليهم، ولما يرون من منزلتهم عند الله عزوجل، يا علي قل لاصحابك العارفين بك يتنزهون عن الاعمال التي يقارفها عدوهم فما من يوم ولا ليلة إلا ورحمة الله تبارك وتعالى تغشاهم فليجتنبوا الدنس. يا علي اشتد غضب الله عزوجل على من قلاهم وبرئ منك ومنهم، واستبدل بك وبهم، ومال إلى عدوك، وتركك وشيعتك، واختار الضلال، ونصب الحرب لك ولشيعتك، وأبغضنا أهل البيت، وأبغض من والاك ونصرك واختارك وبذل مهجته وماله فينا. يا علي أقرئهم مني السلام من رآني منهم ومن لم يرني، وأعلمهم أنهم إخواني الذين أشتاق إليهم، فليلقوا عملي إلى من [لم] يبلغ قرني من أهل القرون من بعدي وليتمسكوا بحبل الله وليعتصموا به، وليجتهدوا في العمل فانا لا نحرجهم من هدى إلى ضلالة، وأخبرهم أن الله عزوجل راض عنهم، وأنه يباهي ملائكته، وينظر إليهم في كل جمعة برحمته، ويأمر الملائكة أن تستغفر لهم. يا علي لا ترغب عن نصرة قوم يبلغهم أو يسمعون أني احبك فأحبوك لحبي إياك، ودانوا الله عزوجل بذلك، وأعطوك صفو المودة من قلوبهم، واختاروك على الاباء والاخوة والاولاد، وسلكوا طريقك، وقد حملوا على المكاره فينا فأبوا إلا نصرنا، وبذل المهج فينا مع الاذى وسوء القول، وما يقاسونه من مضاضة ذلك. فكن بهم رحيما واقنع بهم، فإن الله عزوجل اختارهم بعلمه لنا من بين الخلق، وخلقهم من طينتنا، واستودعهم سرنا، وألزم قلوبهم معرفة حقنا، وشرح

[48]

صدورهم متمسكين بحبلنا لا يؤثرون علينا من خالفنا معما يزول من الدنيا عنهم أيدهم الله وسلك بهم طريق الهدى فاعتصموا به، فالناس في عمه الضلالة، متحيرون في الاهواء، عموا عن الحجة، وما جاء من عند الله عزوجل فهم يصبحون ويمسون في سخط الله، وشيعتك على منهاج الحق والاستقامة، لا يستأنسون إلى من خالفهم وليست الدنيا منهم وليسوا منها، اولئك مصابيح الدجى اولئك مصابيح الدجى (1). فضائل الشيعة: للصدوق باسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2) ايضاح: في القاموس: البر بالفتح الصدق في اليمين، ويكسر وقد بررت وبررت وبرت اليمين وتبر كيمل ويحل برا وبرا وبرورا وأبرها أمضاها على الصدق وقال: المهجة الدم أو دم القلب والروح، والمقاسات المكابدة وتحمل المشاق في الامر والمضاضة وجع المصيبة، ومض الكحل العين آلمها. 92 - بشا: عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن أبي الحسين بن أبي الطيب، عن أحمد بن القاسم القرشي، عن عيسى بن مهران، عن إسماعيل بن امية، عن عنبسة العابد، عن جابر بن عبد الله، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كنا جلوسا معه فتلا رجل هذه الاية: " كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين " (3) فقال رجل من أصحاب اليمين ؟ قال: شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام (4). 93 - كا: من الروضة عن العدة، عن سهل، عن محمد بن سليمان، عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام: إذ دخل عليه أبو بصير وقد حفزة النفس فلما أخذ مجلسه قال له أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد ما هذا النفس العالي ؟ فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله، كبرت سي ودق عظمي وأقترب أجلي مع أنني لست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا محمد وإنك لتقول هذا ؟ قال: جعلت فداك فيكف لا أقول ؟ فقال: يا أبا محمد أما عملت أن الله تعالى يكرم الشباب منكم


(1) بشارة المصطفى ص 221 - 224. (2) فضائل الشيعة 145 - 147. (3) المدثر: 38 - 39. (4) بشارة المصطفى ص 198 (*).

[49]

ويستحيي من الكهول ؟ قال: قلت: جعلت فداك فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول ؟ فقال: يكرم الشباب أن يعذبهم ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم. قال: قلت: جعلت فداك هذا لنا خاصة أم لاهل التوحيد ؟ قال: فقال: لا والله إلا لكم خاصة دون العالم، قال: قلت: جعلت فداك فانا نبزنا نبزا انكسرت له ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام الرافضة ؟ قال: قلت: نعم، قال: لا والله ما هم سموكم، ولكن الله سماكم به، أما علمت يا أبا محمد أن سبعين رجلا من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه، لما استبان لهم ضلالهم فلحقوا بموسى صلى الله عليه لما استبان لهم هداه، فسموا في عسكر موسى الرافضة، لانهم رفضوا فرعون، وكانوا أشد أهل ذلك العسكر عبادة، وأشدهم حبا لموسى وهارون، وذريتهما عليهما السلام فأوحى الله عزوجل إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فاني قد سميتهم به، ونحلتهم إيا ه فأثبت موسى صلى الله عليه وآله الاسم لهم ثم ذخر الله عزوجل لكم هذا الاسم حتى نحلكموه. يا أبا محمد رفضوا الخير ورفضتم الشر، افترق الناس كل فرقة، وتشعبوا كل شعبة، فانشعبتم مع أهل بيت نبيكم صلى الله عليه وآله وذهبتم حيث ذهبوا، واخترتم من اختار الله لكم، وأردتم من أراد الله فأبشروا ثم أبشروا فأنتم والله المرحومون، المتقبل من محسنكم، والمتجاوز عن مسيئكم، من لم يأت الله عزوجل بما أنتم عليه يوم القيامة لم يتقبل منه حسنة، ولم يتجاوز له عن سيئة، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. قال: فقال: يا أبا محمد إن الله عزوجل ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا، كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه، وذلك قوله عزوجل " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا " (1) استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق يا أبا محمد فهل سررتك، قال قلت: جعلت فداك زدني. قال: يا أبا محمد لقد ذكر كم الله في كتابه، فقال: " من المؤمنين رجال صدقوا


(1) غافر: 7 (*).

[50]

ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا " (1) إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا، وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا، ولو لم تفعلوا لعير كم الله كما عيرهم، حيث يقول جل ذكره " وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثر هم لفاسقين " (2) يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. فقال: يا أبا محمد ولقد ذكر كم الله في كتابه فقال " إخوانا على سرر متقابلين " (3) والله ما أراد بهذا غيركم يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. قال: فقال: يا أبا محمد " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " (4) والله ما أراد بهذا غيركم يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. فقال: يا أبا محمد لقدك ذكرنا الله عزوجل وشيعتنا وعدونا في آية من كتابه فقال عزوجل " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الالباب " (5) فنحن الذين يعلمون، وعدونا الذين لا يعلمون، وشيعتنا هم اولوا الالباب، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. فقال: يا أبا محمد والله ما استثني الله عز ذكره بأحد من أوصياء الانبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته، فقال في كتابه وقوله الحق " يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله " (6) يعني بذلك عليا وشيعته يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت جعلت فداك زدني. قال: لقد ذكر كم الله في كتابه إذ يقول " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " (7) والله ما أراد بهذا غيركم، فهل سررتك يا أبا محمد، قال: قلت: جعلت فداك زدني.


(1) الاحزاب: 23. (2) الاعراف: 102 (3) الحجر: 47. (4) الزخرف: 67. (5) الزمر: 9. (6) الدخان: 41. (7) الزمر: 52 (*).

[51]

فقال: يا أبا محمد لقد ذكر كم الله في كتابه فقال: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " (1) والله ما أراد بهذا إلا الائمة عليهم السلام وشيعتهم، فهل سررتك يا أبا محمد ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني. قال: يا أبا محمد لقد ذكر كم الله في كتابه فقال " فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا " (2) فرسول الله في الاية النبيون ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء، وأنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله عزوجل يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت جعلت فداك زدني. قال: يا أبا محمد لقد ذكر كم الله إذ حكى عن عدوكم في النار بقوله " وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار " (3) والله ما عني [الله] ولا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار الناس وأنتم والله في الجنة تحبرون وفي النار تطلبون، يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت جعلت فداك زدني. قال: يا أبا محمد ما من آية نزلت تقود إلى الجنة، ولا يذكر أهلها بخير، إلا وهي فينا وفي شيعتنا، وما من آية نزلت تذكر أهلها بشر ولا تسوق إلى النار إلا وهي في عدونا ومن خالفنا فهل سررتك يا أبا محمد ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني فقال: يا أبا محمد ليس على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس من ذلك براء يا أبا محمد فهل سررتك ؟ وفي رواية اخرى فقال حسبي (4). ختص: عن ابن الوليد، عن الحسن بن متيل، عن النهاوندي، عن أحمد بن سليان، عن أبيه، عن أبي بصير مثله (5) بأدنى تغيير وقد مر في باب أحوال أصحاب


(1) الحجر: 42. (2) النساء: 69. (3) ص: 62 - 63. (4) الكافي ج 8 ص 33 - 35. (5) الاختصاص ص 104 - 107 (*).

[52]

الصادق عليه السلام (1) وروى الصدوق في كتاب فضائل الشيعة، عن ابن الوليد، عن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن أبيه مثله (2). توضيح: قال في النهاية " الحفز " الحث والاعجال، ومنه حديث أبي بكرة إنه دب إلى الصف [راكعا] وقد حفزه النفس، و " الشباب " بالفتح جمع شاب وفي القاموس الكهل من وخطه الشيب - أي خالطه - ورأيت له بجالة - أي عظمة - أو من جاوز الثلاثين أو أربعا وثلاثين إلى إحدى وخمسين. وقال " النبز " بالفتح اللمز ومصدر نبزه ينبزه لقبه كنبزه، وبالتحريك اللقب والتنابز التعاير والتداعي بالالقاب وقال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشارا أي سر وتقول أبشر بخير بقطع الالف. " صدقوا ما عاهدوا الله عليه " أي وفوا بما عاهدوا الله عليه أن لا يفروا عند لقائهم العدو " فمنهم من قضى نحبه " أي وفي بنذره وعهده، فقاتل حتى استشهد وقال الجوهري النحب المدة والوقت يقال: قضى فلان نحبه إذا مات، وقد مر في أخبار كثيرة (3) أن الاية نزلت في أمير المؤمنين وحمزة وجعفر وعبيدة عليهم السلام قال الثلاثة الاخيرة استشهدوا وعلي عليه السلام ينتظر الشهادة " وما بدلوا " شيئا من الدين " تبديلا ". " يوم لا يغني مولى " أي قريب أو حميم أو صاحب أو ناصر عن صاحبه شيئا من الاغناء والنفع والدفع " ولا هم ينصرون " والضمير لمولى الاول أو لهما " أسرفوا على أنفسهم " أي أفرطوا في الجناية عليها بالاسراف في المعاصي " ليس لك عليهم سلطان " عدم سلطانه بالنسبة إلى الشيعة بمعنى أنه لا يمكنه أن يخرجهم من دينهم الحق أو يمكنهم دفعه بالاستعاذة والتوسل به تعالى.


(1) راجع ج 47 ص 390. (2) فضائل الشيعة ص 148. (3) كما مر في ج 35 ص 408 وج 36 ص 103 (*).

[53]

وقال الجوهري: قال تعالى " فهم في روضة يحبرون " (1) أي ينعمون ويكرمون ويسرون، قوله " براء " بكسر الباء ككرام وفي بعض النسخ برآء كفقهاء وكلاهما جمع برئ. 94 - كنز: عن محمد بن العاس، عن علي بن العباس، عن جعفر بن محمد عن موسى بن زياد، عن عنبسة العابد، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عزوجل: " فسلام لك من أصحاب اليمين " (2) قال: هم الشيعة قال الله تعالى لنبيه " فسلام لك من أصحاب اليمين " يعني أنك تسلم منهم لا يقتلون ولدك. وقال أيضا: حدثنا علي بن عبد الله، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن عمران، عن عامر بن حميد، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في هذه الاية قال أبو جعفر عليه السلام: هم شيعتنا ومحبونا. 95 - كنز: عن محمد بن العباس، عن أحمد بن الهيثم، عن الحسن بن عبد الواحد، عن حسن بن حسين، عن يحيى بن مساور، عن إسماعيل بن زياد، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يزيد بن شراحيل كاتب علي عليه السلام قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا مسنده إلى صدري، وعائشة عند أذني فأصغت عائشة تسمع ما يقول، فقال: أي أخي ألم تسمع قول الله تعالى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " (3) هم أنت وشيعتك، وموعدي وموعدك الحوض إذا جئت الامم تدعون غرا محجلين شباعا مرويين. 96 - كنز: عن محمد بن العباس، عن أحمد بن هوذة، عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الله بن عباد، عن عمرو بن شمر، عن أبي مخنف، عن يعقوب بن ميثم أنه وجد في كتب أبيه أن عليا عليه السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " (4) ثم التفت إلي فقال: هم أنت


(1) الروم: 15. (2) الواقعة: 91. (3 و 4) البينة: 7 (*).

[54]

يا علي وشيعتك وميعادك وميعادهم الحوض، يأتون غرا محجلين متوجين قال يعقوب: فحدثت به أبا جعفر عليه السلام فقال: هكذا هو عندنا في كتاب علي صلوات الله عليه. 97 - كنز: عن محمد بن العباس، عن أحمد بن محمد الوراق، عن أحمد بن إبراهيم، عن الحسن بن أبي عبد الله، عن مصعب بن سلام، عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه لفاطمة عليها السلام: يا بنية بأبي أنت وامى أرسلي إلى بعلك فادعيه لي، فقالت للحسن عليه السلام: انطلق إلى أبيك فقال له: إن جدي يدعوك فانطلق إليه الحسن فدعاه فأقبل أميرا لمؤمنين حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة عنده وهي تقول: واكرباه لكربك يا أبتاه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كرب على أبيك بعد اليوم، يا فاطمة إن النبي لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى [له] بالويل ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العين، وقد يوجع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، ولو عاش إبراهيم لكان نبيا. ثم قال: يا علي ادن مني فدنا منه، ثم قال: فأدخل أذنك في فمي ففعل فقال: يا أخى ألم تسمع قول الله في كتابه " إن الذين آمنوا وعلموا الصالحات اولئك هم خير البرية " قال: بلى يا رسول لله، قال: هم أنت وشيعتك تجيئون غرا محجلين، شباعا مرويين أو لم تسمع قول الله عزوجل في كتابه " إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها اولئك هم شر البرية " (1). قال: بلى يا رسول الله قال: هم عدوك وشيعتهم يجيؤن يوم القيامة مسودة وجوههم ظماء مظمئين أشقياء معذبين، كفارا منافقين، ذاك لك ولشيعتك، وهذا لعدوك وشيعتهم. بيان: في القاموس " خمش وجهه يخمشه ويخمشه خدشه ولطمه وضربه وقطع عضوا منه، قوله عليه السلام " ولو عاش إبراهيم لكان نبيا " ولذا لم يعش لانه لا نبي بعده " مظمئين " على بناء الافعال أو التفعيل أي يبقون على العطش ولا يسقون


(1) البينة: 6 (*).

[55]

أو مبالغة في شدة العطش 98 - كنز: عن محمد بن العباس، عن جعفر بن محمد الحسيني ومحمد بن أحمد الكاتب، عن محمد بن علي بن خلف، عن أحمد بن عبد الله، عن معاوية بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع أن عليا عليه السلام قال لاهل الشورى: أنشد كم الله هل تعلمون يوم أتيتكم وأنتم جلوس مع رسول الله فقال: هذا أخي قد أتاكم ثم التفت إلى ثم إلى الكعبة وقال ورب الكعبة المبنية إن عليا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثم أقبل نحوكم وقال: أما إنه أو لكم إيمانا وأقولكم بأمر الله، وأوفاكم بعهد الله، وأقضاكم بحكم الله، وأعدلكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية وأعظمكم عند الله مزية فأنزل الله سبحانه " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " (1) فكبر النبي صلى الله عليه وآله وكبرتم، وهنأتموني بأجمعكم فهل تعلمون أن ذلك كذلك ؟ قالوا: اللهم نعم. 99 - فر: عن الحسن بن العباس معنعنا، عن أصبغ بن نباته قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: لا يكون الناس في حال شدة إلا كان شيعتي أحسن الناس حالا أما سمعتم الله يقول في كتابه المبين " الان خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا " (2) فخفف عنهم ما لا يخفف عن غيرهم (3). 100 - فر: عن جعفر بن محمد الفزاري، معنعنا، عن خيثمة الجعفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال لي: يا خيثمة أبلغ موالينا منا السلام وأعلمهم أنهم لم ينالوا ما عند الله إلا بالعمل، وقال رسول الله: سلمان منا أهل البيت إنما عنى بمعرفتنا وإقراره بولايتنا وهو قوله تعالى: " خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم " (4) وعسى من الله واجب، وإنما نزلت في شيعتنا المذنبين (5).


(1) البينة: 7. (2) الانفال: 66. (3) تفسير فرات ص 51. (4) براءة: 102. (5) تفسير فرات ص 57 (*).

[56]

101 - فر: عن علي بن محمد بن عمر الزهري معنعنا، عن زيد بن سلام الجعفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت: أصلحك الله إن خيثمة الجعفي حدثني عنك أنه سألك عن قول الله " وما آمن معه إلا قليل " (1) فأخبرته أنها جرت في شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله فقال: والله صدق خيثمة كذا حدثته (2). 102 - فر: عن محمد بن أحمد بن علي الكسائي معنعنا، عن حنان بن سدير الصيرفي قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام وعلى كتفه مطرف من خز فقلت له: يا ابن رسول الله ما يثبت الله شيعتكم على محبتكم أهل البيت ؟ قال: أولم يؤمن قلبك ؟ قلت: بلى إلا أن قلبي قرحة، ثم قال لخادم له: ائتني ببيضة بيضاء فوضعها على النار حتى نضجت ثم أهوى بالقشر إلى النار وقال: أخبرني أبي عن جدي أنه إذا كان يوم القيامة هوى مبغضنا في النار هكذا ثم أخرج صفرتها فأخذها على كفه اليمين ثم قال: والله إنا لصفوة الله كما هذه الصفرة صفوة هذه البيضة ! ثم دعا بخاتم فضة فخالط الصفرة مع البياض والبياض مع الصفرة قال: أخبرني أبي، عن آبائي، عن جدي، عن رسول الله أنه قال: إذا كان يوم القيامة كان شيعتنا هكذا بنا مختلطين وشبك بين أصابعه ثم قال: " إخوانا على سرر متقابلين " (3). 103 - فر: عن محمد بن القاسم بن عبيد معنعنا، عن سليمان الديلمي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه أبو بصير وقد حفزه نفسه فلما أن أخذ مجلسه قال له أبو عبد الله: يا أبا محمد ما هذا النفس العالي ؟ قال: جعلت فداك يا ابن رسول الله كبرت سني ودق عظمي ولست أدري ما أرد عليه من أمر آخرتي فقال أبو عبد الله: يا أبا محمد إنك لتقول هذا ؟ فقال: جعلت فداك وكيف لا أقول هذا ؟ فذكر كلاما فقال: يا أبا محمد لقد ذكر كم الله في كتابه فقال: " إخوانا على سرر


(1) هود: 40. (2) تفسير فرات ص 68. (3) تفسير فرات ص 82 (*).

[57]

متقابلين " (1) والله ما أراد بهذا غيركم يا أبا محمد فهل سررتك ؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني ! فقال: ذكر كم الله في كتابه فقال: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " (2) والله ما أراد بها إلا الائمة وشيعتهم فهل سررتك (3). 104 - فر: عن محمد بن أحمد معنعنا، عن أصبغ بن نباته، عن علي عليه السلام في قوله تعالى: " وهم من فزع يومئذ آمنون " (4) قال: فقال لي علي: بلى يا أصبغ ما سألني أحد عن هذه الاية، ولقد سألت النبي صلى الله عليه وآله كما سألتني فقال لي: سألت جبرئيل عليه السلام عنها فقال: يا محمد إذا كان يوم القيامة حشرك الله وأهل بيتك ومن يتولاك وشيعتك، حتي يقفوا بين يدي الله تعالى فيستر الله عوراتهم، ويؤمنهم من الفزع الاكبر لحبهم لك وأهل بيتك، ولعلي بن أبي طالب عليه السلام يا علي شيعتك والله آمنون فرحون، يشفعون فيشفعون ثم قرأ " فلا أنساب بينهم يومئذ و لا يتسائلون " (5). 105 - فر: عن الحسين بن سعيد معنعنا عن زيد بن علي عليه السلام قال: ينادي مناد يوم القيامة أين " الذين تتوفيهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم " (6) ؟ قال: فيقوم قوم مبياضين الوجوه فيقال لهم: من أنتم ؟ فيقولون: نحن المحبون لامير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فيقال لهم: بما أحببتموه ؟ يقولون: يا ربنا بطاعته لك ولرسولك فيقال لهم: صدقتم " ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون " (7)


(1) الحجر: 47. (2) الحجر: 42. (3) تفسير فرات ص 83. (4) النمل: 89. (5) المؤمنون: 101، راجع تفسير فرات ص 83 ذيل آية النمل 89، وص 115 ذيل آية المؤمنون. (6) النحل: 32. (7) تفسير فرات ص 84 (*).

[58]

106 - فر: عن جعفر بن محمد الفزاري معنعنا، عن خيثمة الجعفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقال لي: يا خيثمة أبلغ موالينا منا السلام وأعلمهم أنهم لن ينالوا ما عند الله إلا بالعمل، ولن ينالوا ولايتنا إلا بالورع، يا خيثمة ليس ينتفع من ليس معه ولايتنا ولا معرفتنا أهل البيت، والله إن الدابة لتخرج فتكلم الناس مؤمن وكافر وإنها تخرج من بيت الله الحرام فليس يمر بها أحد من الخلق إلا قال: مؤمن أو كافر، وإنما كفروا بولايتنا لا يوقنون يا خيثمة كانوا بآياتنا لا يقرون. يا خيثمة ! الله الايمان، وهو قوله " المؤمن المهيمن " ونحن أهله وفينا مسكنه يعني الايمان، ومنا يشعب ومنا عرف الايمان ونحن الاسلام، ومنا عرف شرائع الاسلام، وبنا تشعب يا خيثمة، من عرف الايمان، واتصل به لم ينجسه الذنوب كما أن المصباح يضئ وينفذ النور، وليس ينقص من ضوئه شئ كذلك من عرفنا وأقر بولايتنا غفر الله له ذنوبه (1). 107 - فر: محمد بن عيسى بن زكريا الدهقان معنعنا، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن لله تعالى قضيبا من ياقوتة حمراء خلقه بقدرته ثم دلاه إلى الارض ثم آلى على نفسه أن لا ينال القضيب منها إلا من تولى محمدا وآل محمد، ثم قال: ما ينتظر ولينا إلا أن يتبوأ مقعده من الجنة وما ينتظر عدونا إلا أن يتبوأ مقعده من النار ثم أومأ إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: أولياء هذا أولياء الله، وأعداء هذا أعداء الله، فضلا من الله على لسان النبي صلى الله عليه وآله وقال: خاب من افترى (2). 108 - فر: عن جعفر بن محمد الفزاري معنعنا، عن أبي جعفر عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس من صعيد واحد من الاولين والاخرين عراة حفاة، فيقفون على طريق المحشر، حتى يعرقوا عرقا شديدا، وتشتد أنفاسهم


(1) تفسيرات فرات: 84. (2) تفسير فرات: 92 (*).

[59]

فيمكثون بذلك مقدار خمسين عاما قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: فثم قول الله تعالى " فلا تسمع إلا همسا " (1) قال: ثم ينادي مناد من تلقاء العرش أين النبي الامي قال: فيقول الناس: قد أسمعت فسم باسمه، قال: فينادي: أين نبي الرحمة محمد بن عبد الله الامي ؟ قال: فيقدم رسول الله أمام الناس كلهم حتى ينتهي إلى الحوض طوله ما بين ابلة إلى صنعاء فيقف عليه ثم ينادي بصاحبكم فيتقدم أمام الناس فيقف معه، ثم يؤذن للناس ويمرون. قال أبو جعفر عليه السلام: فبين وارد يومئذ وبين مصروف عنه من محبينا فإذا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك بكا وقال يا رب شيعة علي أراهم قد صرفوا تلقاء أصحاب النار ومنعوا عن الحوض، قال: فيقول له الملك: إن الله يقول لك قد وهبتهم لك يا محمد وصفحت لك عن ذنوبهم، وألحقتهم بك وبمن كانوا يقولون، وجعلتهم في زمرتك وأوردتهم على حوضك، فقال أبو جعفر عليه السلام: فكم من باك يومئذ وباكية ينادي يا محمداه إذا رأوا ذلك قال: فلا يبقى أحد يومئذ كان محبنا ويتولانا ويتبرأ من عدونا ويبغضهم إلا كان في حيزنا (2) وورد حوضنا (3). 109 - فر: عن الحسين بن سعيد معنعنا، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا معشر الخلائق غضوا أبصاركم حتى تمر بنت حبيب الله إلى قصرها فتأتي فاطمة عليها السلام ابنتي عليها ريطتان (4) خضراوان حواليها سبعون ألف حوراء فإذا بلغت إلى باب قصرها وجدت الحسن قائما والسحين نائما مقطوع الرأس فتقول للحسن: من هذا ؟ فيقول: هذا أخي إن أمة أبيك قتلوه وقطعوا رأسه فيأتيها النداء من عند الله يا بنت حبيب الله إني إنما أريتك ما فعلت به امة أبيك أني ادخرت لك عندي تعزية بمصيبتك فيه إني جعلت تعزية اليوم أني لا أنظر في محاسبة العباد حتى تدخلي الجنة أنت وذريتك


(1) طه: 108. (2) حزبنا خ.. (3) تفسير فرات ص 93. (4) الريطة: الملاءة كلها نسج واحد (*).

[60]

وشيعتك ومن أولاكم معروفا ممن ليس هو من شيعتك قبل أن أنظر في محاسبة العباد، فتدخل فاطمة ابنتي الجنة وذريتها وشيعتها ومن أولاها معروفا ممن ليس من شيعتها فهو قول الله عزوجل " لا يحزنهم الفزع الاكبر " (1) قال: هول يوم القيامة " وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون " هي والله فاطمة وذريتهما وشيعتها ومن أولاهم معروفا وليس هو من شيعتها (2) 110 - فر: عن أحمد بن علي بن عيسى الزهري معنعنا، عن أصبغ بن نباته قال: توجهت إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام لاسلم عليه فلم ألبث أن خرج فقمت قائما على رجلى فاستقبلته فضرب بكفه إلى كفي فشبك أصابعه في أصابعي فقال لي: يا أصبغ بن نباته فقلت: لبيك وسعديك يا أمير المؤمنين فقال: إن ولينا ولي الله، فإذا مات كان في الرفيق الاعلى وسقاه الله من نهر أبرد من الثلج وأحلى من الشهد، فقلت: جعلت فداك يا أمير المؤمنين وإن كان مذنبا ؟ قال: نعم ألم تقرأ كتاب الله (3) اولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " (4). 111 - فر: عن أحمد بن موسى معنعنا، عن جعفر عليه السلام قال: نزلت هذه الاية فينا وفي شيعتنا " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " (5) وذلك حين نادى الله بفضلنا وبفضل شيعتنا، حتى أنا لنشفع ويشفعون، قال: فلما رأى ذلك من ليس منهم قالوا: " فما لنا من شافعين ولا صديق حميم " (6). 112 - فر: عن جعفر بن أحمد الاودى معنعنا، عن سماعة بن مهران قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: ما حالكم عند الناس قال: قلت: ما أحد أسوء حالا منا


(1) الانبياء: 102 و 103. (2) تفسير فرات: 97. (3) الفرقان: 70. (4) تفسير فرات ص 108. (5) الشعراء: 100. (6) تفسير فرات ص 111 (*).

[61]

عندهم [نحن عندهم] أشر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا، قال: لا والله لا يري في النار منكم اثنان لا والله ولا واحد، وإنكم الذين نزلت فيهم آية " وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار * أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار " (1). 113 - فر: عن عبيد بن كثير معنعنا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله على الحوض، ومعنا عترتنا، فمن أرادنا فليأخذ بقولنا وليعمل بأعمالنا فانا أهل البيت لنا شفاعة فتنافسوا في لقائنا على الحوض فانا نذود عنه أعداءنا ونسقي منه أولياءنا، ومن شرب منه لم يظمأ أبدا، وحوضنا مترع فيه مثعبان ينصبان من الجنة أحدهما تسنيم والاخر معين، على حافتيه الزعفران، وحصباه الدر والياقوت، وإن الامور إلى الله وليست إلى العباد، و لو كانت إلى العباد ما اختاروا علينا أحدا ولكنه يختص برحمته من يشاء من عباده فاحمد الله على ما اختصكم به من النعم وعلى طيب المولد فان ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والاسقام ووسواس الريب وإن حبنا رضى الرب والاخذ بأمرنا و طريقتنا معنا غدا في حظيرة القدس والمنتظر لامرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله ومن سمع واعيتنا فلم ينصرنا أكبه الله على منخريه في النار. نحن الباب إذا بعثوا فضاقت بهم المذاهب، نحن باب حطة وهو باب الاسلام من دخله نجا ومن تخلف عنه هوى. بنا فتح الله وبنا يختم، وبنا يمحو الله ما يشاء ويثبت، وبنا ينزل الغيث، فلا يغرنكم بالله الغرور لو تعلمون مالكم في الغناء (2) بين أعدائكم وصبركم على الاذى لقرت أعينكم، ولو فقدتموني لرأيتم امورا يتمنى أحدكم الموت مما يرى من الجور والعدوان والاثرة والاستخفاف بحق الله والخوف، فإذا كان كذلك فاعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وعليكم بالصبر والصلاة والتقية. واعلموا أن الله تبارك وتعالى يبغض من عباده المتلون، فلا تزولوا عن الحق وولاية أهل الحق فانه من استبدل بنا هلك، ومن اتبع أثرنا لحق، ومن سلك


(1) تفسير فرات ص 131. والاية في سورة ص 62 و 63. (2) بالفتح: الاقامة والمقام (*).

[62]

غير طريقنا غرق، وإن لمحبينا أفواجا من رحمة الله، وإن لمبغضينا أفواجا من عذاب الله طريقنا القصد وفي أمرنا الرشد، أهل الجنة ينظرون إلى منازل شيعتنا كما يرى الكوكب الدرى في السماء لا يضل من اتبعنا، ولا يهتدي من أنكرنا ولا ينجو من أعان علينا [عدونا] ولا يعان من أسلمنا، فلا تخلفوا عنا لطمع دنيا بحطام زائل عنكم [وأنتم] تزولون عنه، فانه من آثر الدنيا علينا عظمت حسرته وقال الله تعالى " يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله " (1). سراج المؤمن معرفة حقنا، وأشد العمى من عمي من فضلنا، وناصبنا العداوة بلا ذنب إلا أن دعوناه إلى الحق ودعاه غيرنا إلى الفتنة فأثرها علينا، لنا رأية من استظل بها كنته، ومن سبق إليها فاز، ومن تخلف عنها هلك، ومن تمسك بها نجا، أنتم عمار الارض [الذين] استخلفكم فيها، لينظر كيف تعملون، فراقبوا الله فيما يرى منكم، وعليكم بالمحجة العظمى فاسلكوها لا يستبدل بكم غيركم " سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض اعدت للمتقين " (2). فاعلموا أنكم لن تنالوها إلا بالتقوى، ومن ترك الاخذ عمن أمر الله بطاعته قيض الله له شيطانا فهو له قرين. ما بالكم قد ركنتم إلى الدنيا، ورضيتم بالضيم، وفرطتم فيما فيه عزكم وسعادتكم وقوتكم على من بغي عليكم، لا من ربكم تستحيون ولا لانفسكم تنظرون، وأنتم في كل يوم تضامون ولا تنتبهون من رقدتكم، ولا تنقضي فترتكم أما ترون [إلى] دينكم يبلى وأنتم في غفلة الدنيا قال الله عز ذكره " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون. (1) توضيح: " اترع " كافتعل امتلا، قاله الفيروز آبادي: وقال: مثاعب المدينة مسايل مائها، وقال الواعية الصراخ والصوت، لا الصارخة، ووهم الجوهري وقال: كنه ستره وقال: قيض الله فلانا لفلان، جاء به وأتاحه له، وقيضنا لهم قرناء سببنا


(1) الزمر: 56. (2) الحديد: 21. (3) تفسير فرات: 137 - 139. والاية في هود: 113 (*).

[63]

لهم من حيث لا يحتسبونه، وقال: الضيم الظلم. 114 - فر: عن أحمد بن محمد بن علي الزهري، عن أحمد بن الحسين بن المفلس، عن زكريا بن محمد، عن عبد الله بن مسكان وأبان بن عثمان، عن بريد بن معاوية العجلي وإبراهيم الاحمري قالا: دخلنا على أبي جعفر عليه السلام وعنده زياد الاحلام فقال أبو جعفر: يا زياد مالي أرى رجليك متفلقين ؟ قال: جعلت لك الفداء جئت على نضولي أعاتبه الطريق (1) وما حملني على ذلك إلا حب لكم وشوق إليكم، ثم أطرق زياد مليا ثم قال: جعلت لك الفداء إني ربما خلوت فأتاني الشيطان فيذكرني ما قد سلف من الذنوب والمعاصي فكأني آيس ثم أذكر حبي لكم وانقطاعي إليكم، قال: يا زياد وهل الدين إلا الحب والبغض ؟ ثم تلا هذه الثلاث آيات كأنها في كفه " ولكن الله حبب إليكم الايمان، وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (2) " وقال: " يحبون من هاجر إليهم (3) " وقال: " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (4) ". أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني أحب الصوامين ولا أصوم واحب المصلين ولا اصلي، وأحب المتصدقين ولا اصدق، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أنت مع من أحببت ولك ما كسبت أما ترضون أن لو كانت فزعة من السماء فزع كل


(1) قال الجوهري: عتب البعير يعتب ويعتب (ض ن) عتبانا: أي مشى على ثلاث قوائم: وكأن المراد أنى جئت على نضولى - يعنى بعيره المهزول - وكنت أحمله وأكلفه مشى الطريق بالعتبان لما به من العقر، وفى المصدر المطبوع بالنجف: على نضولى عامة الطريق. (2) الحجرات: 7 و 8. (3) الحشر: 9. (4) آل عمران: 31 (*).

[64]

قوم إلى مأمنهم، وفزعنا إلى رسول الله، وفزعتم إلينا (1). بيان: في القاموس فلقه يفلقه شقه كفلقه فانفلق وتفلق، وفي رجله فلوق: شقوق، وقال: النضو بالكسر المهزول من الابل وغيرها " كأنها في كفه " أي من غير تفكر ومكث كأنها كانت مكتوبة في كفه، وتعجب السائل من ذلك يدل على قصور معرفته " ولا أصوم " أي كثيرا وكذا البواقي " فزعة " أي ما يوجب الفزع والخوف، وفزع إلبه كفرح لجأ. 115 - ختص: عن الصادق عليه السلام قال: والله إن المؤمن ليزهر نوره لاهل السماء كما تزهر نجوم السماء لاهل الارض. وقال: إن المؤمن ولي الله فيعينه وينصره ويصنع له، ولا يقول عليه إلا الحق ولا يخاف غيره. وقال: والله إن المؤمن لاعظم حقا من الكعبة. (2) 116 - ختص: بإسناده عن سهل بن زياد، عن عروة بن يحيى، عن أبي سعيد المدائني قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما معنى قول الله عزوجل في محكم كتابه: " وما كنت بجانب الطور إذ نادينا " فقال عليه السلام كتاب لنا كتبه الله يا با سعيد في ورق قبل أن يخلق الخلائق بألفي عام، صيره معه في عرشه أو تحت عرشه، فيه: يا شيعة آل محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من أتاني منكم بولاية آل محمد أسكنته جنتي برحمتي (3). 117 - صفات الشيعة: للصدوق بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له الدوانيقي بالحيرة أيام أبي العباس يا أبا عبد الله ما بال الرجل من شيعتكم يستخرج ما في جوفه في مجلس واحد حتى يعرف مذهبه ؟ فقال: ذلك لحلاوة الايمان في صدورهم من حلاوته يبدونه تبديا (4).


(1) تفسير فرات ص 165. (2) الاختصاص ص 28. (3) الاختصاص ص 111. (4) صفات الشيعة ص 170 (*).

[65]

118 - ومنه: بإسناده عن محمد بن عمران، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خرجت أنا وأبي ذات يوم إلى المسجد فإذا هو باناس من أصحابه بين القبر والمنبر، قال: فدنا منهم وسلم عليهم، وقال: والله إني لاحب ريحكم وأرواحكم فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد. واعلموا أن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد، من ائتم منكم بقوم فليعمل بعملهم (1) أنتم شيعة الله، وأنتم أنصار الله، وأنتم السابقون الاولون، والسابقون الاخرون، والسابقون في الدنيا إلى محبتنا، والسابقون في الاخرة إلى الجنة ضمنت لكم الجنة بضمان الله عزوجل وضمان النبي صلى الله عليه وآله وأنتم الطيبون، ونساؤكم الطيبات، كل مؤمنة حوراء، وكل مؤمن صديق. كم من مرة قال أمير المؤمنين لقنبر: أبشروا وبشروا فوالله لقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساخط على امته إلا الشيعة. ألا وإن لكل شئ عروة وعروة الدين الشيعة، ألا وإن لكل شئ شرفا وشرف الدين الشيعة، ألا وإن لكل شئ سيدا وسيد المجالس مجالس الشيعة، ألا وإن لكل شئ إماما وإمام الارض أرض تسكنها الشيعة، ألا وإن لكل شئ شهوة وشهوة الدنيا سكنى شيعتنا فيها. والله لو لا ما في الارض منكم ما استكمل أهل خلافكم طيبات مالهم في الاخرة فيها نصيب، كل ناصب وإن تعبد واجتهد منسوب إلى هذه الاية " خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية " (2) ومن دعا مخالفا لكم فاجابة دعائه لكم، ومن طلب منكم إلى الله تبارك وتعالى اسمه حاجة فله مائة ومن سأل منكم مسألة فله مائة، ومن دعا دعوة فله مائة، ومن عمل حسنة فلا يحصى تضاعفا، ومن أساء سيئة فمحمد صلى الله عليه وآله حجيجه على تبعتها. والله إن صائمكم ليرتع في رياض الجنة تدعو له الملائكة بالفوز حتى يفطر


(1) ومن ائتم منكم بامام فليعمل بعمله خ ل. (2) الغاشية: 3 و 4 (*).

[66]

وإن حاجكم ومعتمركم لخاصة الله، وإنكم جميعا لاهل دعوة الله وأهل ولايته لا خوف عليكم ولا حزن، كلكم في الجنة فتنافسوا في الصالحات، والله ما أحد أقرب من عرش الله بعدنا يوم القيامة من شيعتنا، ما أحسن صنع الله إليهم لو لا أن تفتنوا ويشمت بكم عدوكم، ويعظم الناس ذلك، لسلمت عليكم الملائكة قبلا. قال أمير المؤمنين عليه السلام: يخرج أهل ولايتنا من قبورهم يخاف الناس ولا يخافون ويحزن الناس ولا يحزنون. قال: وقد حدثني بهذا الحديث ابن الوليد باسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام إلا أن حديثه لم يكن بهذا الطول وفي هذه زيادات ليست في ذلك والمعاني متقاربة (1). 119 - مشكوة الانوار: عن علي بن حمران، عن أبيه، عنه عليه السلام مثله إلى قوله ما أحسن صنع الله إليهم ثم قال: قال علي رضوان الله عليه: يخرج أهل ولايتنا يوم القيامة مشرقة وجوههم، قريرة أعينهم، قد اعطوا الامان مما يخاف الناس يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون، والله ما يشعر أحد منكم يقوم إلى الصلاة وقد اكتنفته الملائكة يصلون عليه، ويدعون له، حتى يفرغ من صلاته ألا وإن لكل شئ جوهرا وإن جوهر بني آدم محمد صلى الله عليه وآله ونحن وشيعتنا ما أقربهم من عرش الله وأحسن صنع الله إليهم يوم القيامة، والله لو لا زهوهم لعظم ذلك لسلمت إليهم الملائكة قبلا (2). بيان: في القاموس الزهو الكبر والتيه والفخر. 120 - صفات الشيعة: بإسناده عن عامر الجهني قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد ونحن جلوس وفينا أبو بكر وعمر وعثمان، وعلي عليه السلام ناحية فجاء النبي صلى الله عليه وآله فجلس إلى جانب علي عليه السلام فجعل ينظر يمينا وشمالا ثم قال: إن عن يمين العرش وعن يسار العرش لرجالا على منابر من نور، تتلألأ وجوههم نورا.


(1) الحديث مستخرج من فضائل الشيعة ص 141، لا صفات الشيعة. وهكذا فيما سيأتي. (2) مشكوة الانوار: 92 - 94 (*).

[67]

قال: فقام أبو بكر فقال: بأبي أنت وامي يا رسول الله أنا منهم ؟ قال له: اجلس ثم قام إليه عمر فقال له مثل ذلك، فقال له: اجلس، فلما رأى ابن مسعود ما قال لهما النبي صلى الله عليه وآله قام حتى استوى قائما على قدميه، ثم قال: بأبي أنت وامي يا رسول الله صفهم لنا نعرفهم بصفتهم، قال: فضرب يده على منكب علي عليه السلام ثم قال: هذا وشيعته هم الفائزون (1). 121 - ومنه: عن أبيه، عن سعد، عن عباد بن سليمان، عن سدير الصيرفي قال: دخلت عليه وعنده أبو بصير وميسر وعدة من جلسائه فلما أن أخذت مجلسي أقبل علي بوجهه وقال: يا سدير أما إن ولينا ليعبد الله قائما وقاعدا ونائما وحيا وميتا، قال: قلت: جعلت فداك أما عبادته قائما وقاعدا وحيا فقد عرفنا فكيف يعبد الله نائما وميتا ؟ قال: إن ولينا ليضع رأسه فيرقد فإذا كان وقت الصلاة وكل به ملكين خلقا من الارض لم يصعدا إلى السماء، ولم يريا ملكوتهما، فيصليان عنده حتى ينتبه فيكتب الله ثواب صلاتهما له، والركعة من صلاتهما تعدل ألف صلاة من صلاة الادميين وإن ولينا ليقبضه الله إليه فيصعد ملكاه إلى السماء فيقولان: يا ربنا عبدك فلان بن فلان انقطع واستوفى أجله، ولانت أعلم منا بذلك فائذن لنا نعبدك في آفاق سمائك وأطراف أرضك قال: فيوحي الله إليهما أن في سمائي لمن يعبدني ومالي في عبادته من حاجة بل هو أحوج إليها، وإن في أرضي لمن يعبدني ومالي في عبادته من حاجة وما خلقت خلقا أحوج إلي منه، فاهبطا إلى قبر وليي. فيقولان: يا ربنا من هذا يسعد بحبك إياه ؟ قال: فيوحي الله إليهما ذلك من اخذ ميثاقه بمحمد عبدي ووصيه وذريتهما بالولاية اهبطا إلى قبر وليي فلان بن فلان، فصليا عنده إلى أن أبعثه في القيامة. قال: فيهبط الملكان فيصليان عند القبر إلى أن يبعثه الله، فيكتب ثواب صلاتهما له، والركعة من صلاتهما تعدل ألف صلاة من صلاة الادميين.


(1) فضائل الشيعة ص 151 (*).

[68]

قال سدير: جعلت فداك يا ابن رسول الله فإذا وليكم نائما وميتا أعبد منه حيا وقائما ! قال: فقال: هيهات يا سدير إن ولينا ليؤمن على الله عزوجل يوم القيامة فيجيز أمانه (1). 122 - ومنه: بإسناده عن معاوية بن عمار، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة يؤتى بأقوام على منابر من نور تتلألأ وجوههم كالقمر ليلة البدر يغبطهم الاولون والاخرون، ثم سكت ثم أعاد الكلام ثلاثا فقال عمر بن الخطاب: بأبي أنت وامي هم الشهداء ؟ قال: هم الشهداء وليس هم الشهداء الذين تظنون، قال: هم الانبياء ؟ قال: هم [الانبياء وليس هم الانبياء الذين تظنون، قال: هم الاوصياء قال: هم] الاوصياء وليس هم الاوصياء الذين تظنون، قال: فمن أهل السماء أم من أهل الارض ؟ قال: هم من أهل الارض قال: فأخبرني من هم ؟ قال: فأومأ بيده إلى علي عليه السلام فقال: هذا وشيعته، ما يبغضه من قريش إلا سفاحي، ولا من الانصار إلا يهودي ولا من العرب إلا دعي ولا من سائر الناس إلا شقي، يا عمر كذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا (2). 123 - ومنه: باسناده عن محمد بن قيس وعامر بن السمط، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اله صلى الله عليه وآله يأتي يوم القيامة قوم عليهم ثياب من نور، على وجوههم نور، يعرفون بآثار السجود، يتخطون صفا بعد صف حتى يصيروا بين يدي رب العالمين، يغبطهم النبيون والملائكة والشهداء والصالحون، ثم قال: اولئك شيعتنا وعلي إمامهم (3). 124 - ومنه: باسناده عن مالك الجهني، عن أبي عبد الله قال: يا مالك أما ترضون أن تقيموا الصلاة، وتؤدوا الزكاة، وتكفوا أيديكم وتدخلوا الجنة ؟ ثم قال: يا مالك إنه ليس من قوم ائتموا بامام في دار الدنيا إلا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه إلا أنتم، ومن كان بمثل حالكم، ثم قال: يا مالك إن الميت منكم على


(1 - 3) فضائل الشيعة: 151 - 153 (*).

[69]

هذا الامر شهيد بمنزلة الضارب بسيفه في سبيل الله. قال: وقال مالك: بينما أنا عنده ذات يوم جالس وأنا احدث نفسي بشئ من فضلهم، فقال لي: أنتم والله شيعتنا لاتظنن أنك مفرط في أمرنا يا مالك إنه لا يقدر على صفة الله، فكما لا يقدر على صفة الله كذلك لا يقدر على صفة الرسول صلى الله عليه وآله وكما لا يقدر على صفة الرسول فكذلك لا يقدر على صفتنا، وكما لا يقدر على صفتنا فكذلك لا يقدر على صفة المؤمن. يا مالك إن المؤمن ليلقى أخاه فيصافحه لا يزال الله ينظر إليهما والذنوب تتحات عن وجوههما حتى يتفرقا وإنه لن يقدر على صفة من هو هكذا، وقال: إن أبي عليه السلام كان يقول: لن تطعم النار من يصف هذا الامر (1). 125 - ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن إسحاق، عن عثمان ابن عبد الله ; عن عبد الله بن لهيعة ; عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: بينا النبي بعرفات، وعلي تجاهه، ونحن معه، إذا أومأ النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال: ادن مني يا علي فدنا منه فقال: ضع خمسك يعني كفك في كفي فأخذ بكفه فقال يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن من أغصانها أدخله الله الجنة (2). 126 - (ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن الحسن بن علي بن زكريا عن صهيب بن عباد بن صهيب، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، وأغصان الشجرة ذاهبة على ساقها، فأي رجل تعلق بغصن من أغصانها أدخله الله الجنة برحمته، قيل: يا رسول الله قد عرفنا الشجرة وفرعها، فمن أغصانها ؟ قال: عترتي، فما من عبد أحبنا أهل البيت، وعمل بأعمالنا، وحاسب نفسه قبل أن


(1) فضائل الشيعة 156. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 223 (*).

[70]

يحاسب إلا أدخله الله عز وجل الجنة (1). 127 - ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن موسى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن أبيه عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن خاله علي بن الحسين، عن الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب، عن أبيهما علي بن أبيطالب عليهم السلام قال: جاء رجل من الانصار إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ما أستطيع فراقك، وإني لادخل منزلي فأذكرك فأترك صنيعتي وأقبل حتى أنظر إليك حبا لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة وأدخلت الجنة فرفعت في أعلى عليين فكيف لي بك يا نبي الله ؟ فنزل " ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا " (2) فدعا النبي الرجل فقرأها عليه وبشره بذلك (3). 128 - ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن محمد ابن أحمد بن نصر، عن موسى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن آبائه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله رجل يحب من يصلي ولا يصلي إلا الفريضة، ويحب من يتصدق ولا يتصدق إلا بالواجب، ويحب من يصوم ولا يصوم إلا شهر رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: المرء مع من أحب (4). 129 - ما: عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر، عن أحمد بن رزق الغمشاني، عن محمد بن عبد الرحمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تستخفوا بشيعة علي فان الرجل منهم ليشفع بعدد ربيعة ومضر (5). 130 - ما: بهذا الاسناد، عن أحمد بن رزق، عن يحيى بن العلا، عن


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 224. (2) النساء: 69. (3 و 4) أمال الطوسى ج 2 ص 234. (5) أمال الطوسى ج 2 ص 283 (*).

[71]

أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو في بيت ام سلمة فلما رآه قال: كيف أنت يا علي إذا جمعت الامم، ووضعت الموازين، وبرز لعرض خلقه، ودعي الناس إلى ما لابد منه، قال: فدمعت عين أمير المؤمنين عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا علي تدعى والله أنت وشيعتك غرا محجلين رواء مرويين، ومبياضة وجوهكم ويدعى بعدوك مسوادة وجوههم أشقياء معذبين أما سمعت إلى قو الله تعالى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " (1) أنت وشيعتك " والذين كفروا بآياتنا اولئك هم شر البرية " عدوك يا علي. بيان: " الذين كفروا " اختصار في الاية ونقل بالمعنى. 131 - سعد السعود للسيد ابن طاوس: قال: رأيت في مختصر تفسير محمد بن العباس بن مروان حدثنا أحمد بن محمد بن موسى النوفلي وجعفر بن محمد الحسيني ومحمد بن أحمد الكاتب ومحمد بن حسين البزاز قالوا: حدثنا عيسى بن مهران قال: أخبرنا محمد بن بكار الهمداني، عن يوسف السراج قال: حدثني أبو هريرة العماري من ولد عمار بن ياسر، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله: " طوبى لهم وحسن مآب " (2) أتى المقداد بن الاسود الكندي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله وما طوبى ؟ قال: شجرة في الجنة لو سار الراكب الجواد لسار في ظلها مائة عام قبل أن يقطعها ورقها برود خضر، وزهرها رياض صفر، وأقناؤها سندس واستبرق، وثمرها جلل خضر، وصمغها (3) زنجبيل وعسل، وبطحاؤها ياقوت أحمر، وزمرد أخضر وترابها مسك وعنبز، وحشيشها زعفران ينيع، وألنجوج يتأجج من غير وقود


(1) البينة 7 وما بعدها مأخوذ من الاية 6: " ان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية ". (2) الرعد: 29. (3) ضمجها خ ل (*).

[72]

ويتفجر من أصلها السلسبيل، والرحيق والمعين، فظلها مجلس من مجالس شيعة علي بن أبي طالب يجمعهم. فبينما هم يوما في ظلها يتحدثون إذا جائتهم الملائكة يقودون نجبا قد جبلت من الياقوت، لم ينفخ فيها الروح، مزمومة بسلاسل من ذهب كأن وجوهها المصابيح نضارة وحسنا، وبرها حشو أحمر،، ومرعز أبيض، مختلطان لم ينظر الناظرون إلى مثلها حسنا وبهاء ذلل من غير مهانة، نجب من غير رياضة، عليها رجال ألوانها من الدر والياقوت، مفضضة باللؤلؤ والمرجان، صفائحها من الذهب الاحمر ملبسة بالعبقرى والارجوان فأناخوا تلك النجائب (1) إليهم ثم قالوا لهم: ربكم يقرئكم السلام فتزورونه فينظر إليكم ويحييكم ويزيدكم من فضله وسعته، فانه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم. قال: فيتحول كل رجل منهم على راحلته، فينطلقون صفا واحدا معتدلا لا يفوت منهم شئ شيئا ولا يفوت اذن ناقة ناقتها، ولا بركة ناقة بركتها، ولا يمرون بشجرة من شجر الجنة إلا أتحفتهم بثمارها، ورحلت لهم من طريقه كراهية لان تنثلم طريقتهم، وأن يفرق بين الرجل ورفيقه. فلما رفعوا إلى الجبار تبارك وتعالى قالوا: ربنا أنت السلام ومنك السلام ولك يحق الجلال والاكرام قال: فقال: أنا السلام ومني السلام ولي يحق الجلال والاكرام، فمرحبا بعبادي الذين حفظوا وصيتي في أهل بيتي، وراعوا حقي و خلفوني بالغيب، وكانوا مني على كل حال مشفقين. قالوا: أما وعزتك وجلالك ما قدرناك حق قدرك، وما أدينا إليك كل حقك، فائذن لنا بالسجود، قال لهم ربهم عزوجل: إني قد وضعت عنكم مؤونة العبادة، وأرحت لكم أبدانكم، فطالما أنصبتم لي الابدان، وعنتم لي الوجوه فالان أفضيتم إلى روحي ورحمتي فاسألوني ما شئتم، وتمنوا علي أعطكم أمانيكم وإني لم أجزكم اليوم بأعمالكم، ولكن برحمتي وكرامتي وطولي وعظيم شأني و


(1) البخاتى خ ل (*).

[73]

بحبكم أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله. فلم يزالوا يا مقداد محبي علي بن أبي طالب في العطايا والمواهب حتى أن المقصر من شيعته ليتمنى في أمنيته مثل جميع الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم القيامة قال لهم ربهم تبارك وتعالى: لقد قصرتم في أمانيكم، ورضيتم بدون ما يحق لكم فانظروا إلى مواهب ربكم فإذا بقباب وقصور في أعلا عليين من الياقوت الاحمر و الاخضر والابيض والاصفر، يزهر نورها، فلو لا أنه مسخر مسخد إذا للمعت الابصار منها. فما كان من تلك القصور من الياقوت مفروش بالسندس الاخضر، وما كان منها من الياقوت الابيض فهو مفروش بالرياط الصفر مبثوثة بالزبرجد الاخضر، و الفضة البيضاء والذهب الاحمر، قواعدها وأركانها من الجوهر، ينور من أبوابها وأعراضها، نور شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضئ وإذا على باب كل قصر من تلك القصور جنتان مدهامتان فيهما من كل فاكهة زوجان. فلما أرادوا الانصراف إلى منازلهم حولوا على براذين من نور، بأيدي ولدان مخلدين، بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين، لجمها وأعنتها من الفضة البيضاء، وأثفارها من الجواهر فإذا دخلوا منازلهم وجدوا الملائكة يهنؤنهم بكرامة ربهم حتى إذا استقر قرارهم قيل لهم: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ قالوا: نعم ربنا رضينا فارض عنا قال: برضاي عنكم وبحبكم أهل بيت نبيي حللتم داري، وصافحتم الملائكة، فهنيئا هنيئا عطاء غير مجذوذ، ليس فيه تنغيص، فعندها قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب. قال لنا أبو محمد النوفلي أحمد بن محمد بن موسى: قال لنا عيسى بن مهران: قرأت هذا الحديث يوما على قوم من أصحاب الحديث فقلت: أبرأ إليكم من عهدة الحديث فان يوسف السراج لا أعرفه فلما كان من الليل رأيت في منامي كأن إنسانا جاءني ومعه كتاب وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم من محمود بن إبراهيم وحسن بن الحسين و

[74]

يحيى بن الحسن القزاز وعلي ابن القاسم الكندي من تحت شجرة طوبى، وقد أنجز لنا ربنا ما وعدنا فاحتفظ بما في يديك من هذه الاية، فانك لم تقرأ منها كتابا إلا أشرقت له الجنة (1). بيان: " وأقناؤها " بالقاف جمع قنو، بالكسر والضم، وهو من النخل بمنزلة العنقود من العنب وفي بعض النسخ بالفاء أي عرصاتها، وهي غير مناسبة، وفي بعضها أفنانها بالنونين جمع الفنن محركة وهو الغصن، وفي القاموس ينع الثمر كمنع وضرب حان قطافه كأينع، واليانع الاحمر من كل شئ والثمر الناضج كالينيع وقال يلنجوج ويلنجج وألنجج والالنجوج: عود البخور، وقال: الاجيج تلهب النار كالتأجج، وقال النجيب وكهمزة الكريم الحسيب والجمع أنجاب ونجباء ونجب وناقة نجيب ونجيبة والجمع نجائب. وقال المرعز والمرعزى: ويمد إذا خفف وقد تفتح الميم في الكل الزغب الذي تحت شعر العنز، وقال عبقر موضع كثير الجن وقرية ثيابها في غاية الحسن والعبقري الكامل [من كل شئ] والسيد وضرب من البسط. وقال البيضاوي: العبقري منسوب إلى عبقر تزعم العرب أنه اسم بلد الجن فينسبون إليه كل شئ عجيب وفي القاموس الارجوان بالضم الاحمر، وثياب حمر وصبغ أحمر والحمرة وأحمر أرجواني قانئ وقال البرك أي بالفتح الصدر كالبركة بالكسر. وأقول: الظاهر أن المراد بقوله لا يفوت منهم شئ شيئا أي لا يسبق جزء من كل منها جزءا من الاخرى، فهو لبيان اعتدال الصفوف وضمير ذوي العقول على المجاز، لتشريفها، مع أنه لا استبعاد في كونها من ذوي العقول وقوله " ناقتها " المراد بها الناقة التي معها قال في المصباح فاته فلان بذراع سبقه بها وفي القاموس المسخد كمعظم الخاثر النفس، والمصفر الثقيل المورم، وسخد ورق الشجر بالضم تسخيدا ندى وركب بعضه بعضا وقال: لمع البرق بالشئ ذهب. وقال: الريطة كل ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد وقطعة واحدة، وكل


(1) سعد السعود ص 109 (*).

[75]

ثوب لين رقيق، والجمع ريط ورياط " مدهامتان " قال البيضاوي خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الخضرة " زوجان " أي صنفان غريب ومعروف، وأو رطب ويابس و " الحكمة " محركة ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه وفيها العذاران، وقال: الثقر بالتحريك السير في مؤخر السرج، وقد يسكن وتنغيص العيش تكديره. وأقول: الرواية كانت سقيمة فصححتها من سائر المواضع بحسب الامكان والله المستعان. 132 - ما: عن أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن العباس بن عامر، عن أحمد بن رزق، عن مهزم بن أبي بردة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أنت أحصيت ما على الارض من شيعة علي عليه السلام فلست تلاقي إلا من هو حطب لجهنم، إنه لينعم على أهل خلافكم بجواركم إياهم، ولولا ما على الارض من شيعة علي عليه السلام ما نظرت إلى غيث أبدا إن أحدكم ليخرج وما في صحيفته حسنة فيملاها الله له حسنات قبل أن ينصرف وذلك أنه يمر بالمجلس وهم يشتموننا، فيقال: اسكتوا هذا من الفلانية، فإذا مضى عنهم شتموه فينا (1). 133 - مشكوة الانوار: بن ربيعة بن ناجد قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: إنما مثل شيعتنا مثل النحل الطير، [ليس شئ من الطير] إلا وهو يستضعفها ولو أن الطير تعلم ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك (2). أقول: قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: روى جعفر الاحمر، عن مسلم الاعور، عن حبة العرني قال: قال علي عليه السلام: من أحبني كان معي أما إنك لو صمت الدهر كله، وقمت الليل كله، ثم قتلت بين الصفا والمروة، أو قال بين الركن والمقام، لما بعثك الله إلا مع هواك، بالغا ما بلغ، إن في جنة ففي جنة وإن في نار ففي نار. بيان: " مع هواك " أي مع من تهواه وتحبه، فإن كان هو في الجنة فأنت


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 287. (2) مشكوة الانوار: 63 (*).

[76]

معه في الجنة، وإن كان النار فأنت معه في النار. 134 - العلل: لمحمد بن علي بن إبراهيم: العلة في شيعة آل محمد أنهم منهم أن كل من والى قوما فهو منهم، وإن لم يكن من جنسهم، وذلك قول الله عزوجل " يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس * وقال أولياؤهم من الانس " (1) فالجن بخلاف الانس، لكنهم لما والوهم نسبهم الله إليهم، فكذلك كل من توالى آل محمد فهو منهم. 135 - ومنه: قال: العلة في أن رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما هما الوالدان قول الله عزوجل " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " (2) قال الصادق عليه السلام: هما رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما والعلة في أن الشيعة كلهم أيتام أن هذين الوالدين قد قبضا عنهم، والعلة في اسم فاطمة صلوات الله عليها أن الله فطم بها شيعتها من النار. 136 - كتاب المسلسلات: حدثنا محمد بن علي بن الحسين قال: حدثني أحمد بن زياد بن جعفر قال: حدثني أبو القاسم جعفر بن محمد العلوي العريضي قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن خليل: قال: أخبرني علي بن محمد بن جعفر الاهوازي قال: حدثني بكر بن أحنف قال: حدثتنا فاطمة بنت علي بن موسى الرضا عليه السلام قالت: حدثتني فاطمة وزينب وأم كلثوم بنات موسى بن جعفر عليهما السلام قلن حدثتنا فاطمة بنت جعفر بن محمد عليهما السلام قالت: حدثتني فاطمة بنت محمد بن علي عليهما السلام قالت: حدثتني فاطمة بنت علي بن الحسين عليهما السلام قالت: حدثتني فاطمة وسكينة ابنتا الحسين بن علي عليهما السلام عن أم كلثوم بنت علي عليه السلام عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لما اسري بي إلى السماء دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من درة بيضاء مجوفة، وعليها باب مكلل بالدر و الياقوت، وعلى الباب ستر فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب " لا إله إلا الله


(1) الانعام: 128. (2) النساء: 36 (*).

[77]

محمد رسول الله علي ولي القوم " وإذا مكتوب على الستر بخ بخ من مثل شيعة علي ؟ فدخلته فإذا أنا بقصر من عقيق أحمر مجوف، وعليه باب من فضة مكلل بالزبرجد الاخضر، وإذا على الباب ستر، فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الباب " محمد رسول الله علي وصي المصطفى " وإذا على الستر مكتوب: " بشر شيعة علي بطيب المولد ". فدخلته فإذا أنا بقصر من زمرد أخضر مجوف لم أر أحسن منه، وعليه باب من ياقوتة حمراء مكللة باللؤلوء وعلى الباب ستر فرفعت رأسي فإذا مكتوب على الستر شيعة علي هم الفائزون، فقلت: حبيبي جبرئيل لمن هذا ؟ فقال: يا محمد لابن عمك ووصيك علي بن أبي طالب عليه السلام يحشر الناس كلهم يوم القيامة حفاة عراة إلا شيعة على ويدعى الناس بأسماء امهاتهم ما خلا شيعة علي عليه السلام فانهم يدعون بأسماء آبائهم فقلت: حبيبي جبرئيل وكيف ذاك ؟ قال: لانهم أحبوا عليا فطاب مولدهم. بيان: " فطاب مولدهم " لعل المعنى أنه لما علم الله من أرواحهم أنهم يحبون عليا وأقروا في الميثاق بولايته طيب مولد أجسادهم. 137 - كا: عن العدة، عن سهل، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لابي بصير: يا با محمد إن لله ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق في أوان سقوطه، وذلك قوله عزوجل " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا " استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق (1). 138 - كا: عن محمد بن أحمد، عن عبد الله بن الصلت، عن يونس عمن ذكره عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا با محمد إن لله عز ذكره ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما تسقط الريح الورق من الجشر أوان سقوطه، وذلك


(1) الكافي ج: والاية في المؤمن: 7 (*).

[78]

قوله عزوجل " يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا " والله ما أراد [بهذا] غيركم (1) 139 - فس: عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل: الملائكة أكثر أم بنو آدم ؟ فقال: والذي نفسي بيده لملائكة الله في السماوات أكثر من عدد التراب في الارض وما في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك يسبحه ويقدسه، ولا في الارض شجرة ولا مدر إلا وفيها ملك موكل بها يأتي الله كل يوم بعملها، والله أعلم بها، ومأمنهم أحد إلا ويتقرب كل يوم إلى الله بولايتنا أهل البيت، ويستغفر لمحبينا ويلعن أعداءنا ويسأل الله عزوجل أن يرسل عليهم العذاب إرسالا. وقوله " الذين يحملون العرش " يعني رسول الله صلى الله عليه وآله والاوصياء من بعده يحملون علم الله " ومن حوله " يعني الملائكة " يسبحون بحمد ربهم ويستعفرون للذين آمنوا " يعني شيعة آل محمد " ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا " من ولاية فلان وفلان وبني اميه " واتبعوا سبيلك " أي ولاية ولي الله " وقهم عذاب الجحيم " إلى قوله " الحكيم " يعني من تولى عليا عليه السلام فذلك صلاحهم " وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته " يعني يوم القيامة " وذلك هو الفوز العظيم " لمن نجاه الله من هؤلاء، يعني ولاية فلان وفلان (2). 140 - م: " صراط الذين أنعمت عليهم " أي قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك وطاعتك، وهم الذين قال الله تعالى: " ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء و الصالحين وحسن اولئك رفيقا " وحكي هذا بعينه عن أمير المؤمنين عليه السلام. قال: ثم قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحة البدن وإن كان كل هذا نعمة من الله ظاهرة ألا ترون أن هؤلاء قد يكونون كفارا أو فساقا فما ندبتم إلى


(1) الكافي ج 8 ص 304. (2) تفسير القمى ص 583 (*).

[79]

أن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراطهم، وإنما امرتم بالدعاء لان ترشدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم بالايمان بالله، وتصديق رسول الله، وبالولاية لمحمد وآله الطيبين، و أصحابه الخيرين المنتجين، وبالتقية الحسنة التي يسلم بها من شر عباد الله ومن الزيادة في آثام أعداء الله وكفرهم، بأن تداريهم ولا تغريهم بأذاك وأذى المؤمنين وبالمعرفة بحقوق الاخوان من المؤمنين. فإنه ما من عبد ولا أمة والى محمدا وآل محمد وأصحاب محمد، وعادى من عاداهم إلا كان قد اتخذ من عذاب الله حصنا منيعا، وجنة حصينة. وما من عبد ولا أمة دارى عباد الله بأحسن المدارة، فلم يدخل بها في باطل ولم يخرج بها من حق إلا جعل الله نفسه تسبيحا وزكى عمله، وأعطاه بصيرة على كتمان سرنا، واحتمال الغيظ لما يستمعه من أعدائنا، وأعطاه ثواب المتشحط بدمه في سبيل الله. وما من عبد أخذ نفسه بحقوق إخوانه فوفاهم حقوقهم جهده، وأعطاهم ممكنه ورضي منهم بعفوهم، وترك الاستقصاء عليهم فيما يكون من زللهم، وغفرها لهم إلا قال الله عزوجل له يوم القيامة: يا عبدي قضيت حقوق إخوانك، ولم تستقص عليهم فيما لك عليهم، فأنا أجود وأكرم وأولى بمثل ما فعلته من المسامحة والتكرم فأنا أقضيك اليوم على حق وعدتك، وأزيدك من فضلي الواسع، ولا أستقصي عليك في تقصيرك في بعض حقوقي، قال: فيلحقه بمحمد وآله وأصحابه، ويجعله في خيار شيعتهم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله أحب في الله و أبغض في الله ووال في الله، فانه لا ينال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد الرجل طعم الايمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون، وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنه من الله شيئا. فقال الرجل: يا رسول الله فكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله

[80]

ومن ولي الله حتى أو إليه، ومن عدوه حتى اعاديه ؟ فأشار له رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: هذا ؟ قال: بلى هذا ولي الله فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده، وال ولي هذا ولو أنه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنه أبوك وولدك (1). 141 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: خرجت أنا وأبي حتى إذا كنا بين القبر والمنبر إذا هو باناس من الشيعة، فسلم عليهم، ثم قال: إني والله لاحب رياحكم وأرواحكم، فأعينوني على ذلك بورع واجتهاد، واعلموا أن ولايتنا لا تنال إلا بالورع والاجتهاد، من أئتم منكم بعبد فليعمل بعلمه (2). أنتم شيعة الله، وأنتم أنصار الله، وأنتم السابقون الاولون، والسابقون الاخرون، والسابقون في الدنيا [إلى محبنا] والسابقون في الاخرة إلى الجنة، قد ضمنا لكم الجنة بضمان الله عزوجل، وضمان رسول الله صلى الله عليه وآله والله ما على درجة الجنة أكثر أرواحا منكم فتنافسوا في فضائل الدرجات أنتم الطيبون، ونسائكم الطيبات، كل مؤمنة حوراء عيناء، وكل مؤمن صديق. ولقد قال أمير المؤمنين عليه السلام لقنبر: يا قنبر أبشر وبشر واستبشر، فو الله لقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو على امته ساخط إلا الشيعة، ألا وإن لكل شئ عزا وعز الاسلام الشيعة، ألا وإن لكل شئ دعامة ودعامة الاسلام الشيعة، ألا وإن لكل شئ ذروة وذروه الاسلام الشيعة، ألا وإن لكل شئ سيدا وسيد المجالس مجالس الشيعة ألا وإن لكل شئ شرفا وشرف الاسلام الشيعة، ألا وإن لكل شئ إماما وإمام الارض أرض تسكنها الشيعة. والله لولا ما في الارض منكم ما رأيت بعين عشبا أبدا، والله لو لا ما في الارض منكم ما أنعم الله على أهل خلافكم، ولا أصابوا الطيبات، ما لهم في الدنيا ولا لهم في الاخرة من نصيب، كل ناصب وإن تعبد واجتهد منسوب إلى هذه الاية " عاملة


(1) تفسير الاما ص 17 (2) مر مثل هذا الحيث تحت الرقم 118 (*).

[81]

ناصبة * تصلى نارا حامية " (1) فكل ناصب مجتهد فعمله هباء، شيعتنا ينطقون بأمر الله عزوجل، ومن يخالفهم ينطقون بتفلت (2). والله ما من عبد من شيعتنا ينام إلا أصعد الله عزوجل روحه إلى السماء، فيبارك عليها، فإن كان قد أتى عليها أجلها، جعلها في كنوز من رحمته وفي رياض جنته وفي ظل عرشه، وإن كان أجلها متأخرا بعث بها مع أمنته من الملائكة ليردوها إلى الجسد الذي خرجت منه، لتسكن فيه، والله إن حاجكم وعماركم لخاصة الله عزوجل، وإن فقراء كم لاهل الغنى، وإن أغنياءكم لاهل القناعة، وإنكم كلكم لاهل دعوته وأهل إجابته (3). 142 - وروى أيضا، عن العدة، عن سهل، عن ابن شمون، عن الاسم، عن عبد الله بن القاسم. عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وزاد فيه: ألا وإن لكل شئ جوهرا وجوهر ولد آدم محمد صلى الله عليه وآله ونحن وشيعتنا بعدنا حبذا شيعتنا، ما أقربهم من عرش الله عزوجل وأحسن صنع الله إليهم يوم القيامة والله لو لا أن يتعاظم الناس ذلك أو يدخلهم زهو لسلمت عليهم الملائكة قبلا والله ما من عبد من شيعتنا يتلوا القرآن في صلاته قائما إلا وله بكل حرف مائة حسنة ولا قرأ في صلاته جالسا إلا وله بكل حرف خمسون حسنة، ولا في غير صلاة إلا وله بكل حرف عشر حسنات، وإن للصامت من شيعتنا لاجر من قرأ القرآن ممن خالفه. أنتم والله على فرشكم نيام لكم أجر المجاهدين، وأنتم والله في صلاتم لكم أجر الصافين في سبيله أنتم والله الذين قال الله عزوجل " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " (4) إنما شيعتنا أصحاب


(1) الغاشيه ص 4. (2) تفلت إلى الشئ نازع إليه، يقال: أراه يتفلت إلى صحبتك أي ينازع إليها والمعنى أنهم يبتدرون إلى الكلام من دون تلبث وتمكث. (3) الكافي ج 8 ص 213. (4) الحجر: 47 (*).

[82]

الاربعة الاعين: عينان في الرأس، وعينان في القلب، ألا والخلائق كلهم كذلك إلا أن الله عزوجل فتح أبصار كم وأعمى أبصارهم (1). توضيح: " الرياح " جمع الريح والمراد هنا الريح الطيبة أو الغلبة أو القوة أو النصرة، أو الدولة، " والارواح " إما جمع الروح بالضم أو بالفتح بمعنى نسيم الريح أو الراحة على ذلك، أي على ما هو لازم الحب من الشفاعة في " حوراء " أي في الجنة على صفة الحورية في الصباحة والجمال والكمال " أبشر " أي خذ هذه البشارة و " بشر " أي غيرك، و " استبشر " أي افرح وسر بذلك، والدعامة بالكسر عماد البيت " بتفلت " أي يصدر عنهم فلتة من غير تفكر وروية، واخذ من صادق. " لاهل الغنى " أي غنى النفس والاستغناء عن الخلق بتوكلهم على ربهم " لاهل دعوته " أي دعاكم الله إلى دينه وطاعته فأجبتموه إليهما " وجوهر ولد آدم " شبههم بالجوهر من بين سائر أجزاء الارض في الحسن والبهاء والندرة وكثرة الانتفاع، أو المعنى ليست حقيقة الانسانية وجبلتها إلا فيهم، وهم مستحقون لهذا الاسم، وسائر الناس كالانعام والهمج والنسناس، أو هم المقدمون والمقدمون في طلب السعادات واكتساب الكمالات، في القاموس الجوهر كل حجر يستخرج منه شئ ينتفع به ومن الشئ ما وضعت عليه جبلته، والجري المقدم وقال: حبذا الامر أي هو حبيب جعل حب وذا كشئ واحد وهم اسم وما بعده مرفوع به، ولزم ذاحب وجرى كالمثل بدليل قولهم في المؤنث حبذا لا حبذة (2). " لولا أن يتعاظم الناس " أي يعدوه عظيما ويصير سببا لغلوهم فيهم، وفي القاموس رأيته قبلا محركة وبضمتين، وكصرد وكعنب أي عيانا ومقابلة " ممن خالفه " أي أجره التقديري أي لو كان له أجر مع قطع النظر عما يتفضل به على الشيعة، كأنه له أجر واحد، فهذا ثابت للساكت من الشيعة " أجر المجاهدين " أي في سائر أحوالهم غير حالة المصافة مع العدو " وفتح أبصاركم " أي أبصار قلوبكم.


(1) الكافي ج 8 ص 214. (2) القاموس ج 1 ص 50 (*).

[83]

أقول: إنما كررت إيراد هذا الخبر لكثرة الاختلاف بين الروايات، و غزارة فوائدها، وقد مضى في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وفي أبواب الحوض والشفاعة وأحوال القيامة، كثير من فضائل الشيعة. 16. * (باب) * " " (ان الشيعة هم أهل دين الله، وهم على دين) " " * " أنبيائه، وهم على الحق، ولا يغفر الا لهم " * * " ولا يقبل الا منهم " * الايات، آل عمران: إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (1). ابراهيم: فمن تبعني فانه مني (2). تفسير: " إن أولى الناس بابراهيم " في المجمع (3) أي أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة " للذين اتبعوه " في وقته وزمانه، وتولوه بالنصرة على عدوه " وهذا النبي والذين آمنوا " يتولون نصرته بالحجة لما كان عليه من الحق " والله ولي المؤمنين " لانه يتولى نصرتهم، والمؤمن ولي الله، لهذا المعنى بعينه وقيل: إنه يتولي نصرة ما أمر الله به من الدين. وفي هذه الاية دلالة على أن الولاية ثبتت بالدين لا بالنسب، ويعضد ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام إن أولى الناس بالانبياء أعملهم (4) بما جاؤا به، ثم تلا


(1) آل عمران: 68. (2) ابراهيم: 36. (3) مجمع البيان ج 3 ص 457. (4) اعلمهم خ ل (*).

[84]

هذه الاية فقال: إن ولي محمد من أطاع الله، وإن بعدت لحمته، وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت قرابته، ثم روى رواية علي بن إبراهيم الاتية. " فمن تبعني فانه مني " خصه أكثر المفسرين بذريته، وظاهر الاخبار أنه أعم منهم. 1 - فس: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أنتم والله من آل محمد، فقلت: من أنفسهم جعلت فداك ؟ قال: نعم والله من أنفسهم ثلاثا ثم نظر إلي ونظرت إليه، فقال: يا عمر إن الله تبارك و تعالى يقول: في كتابه " إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " (1). شى: عن عمر بن يزيد مثله. (2) مجمع البيان: عن علي بن إبراهيم مثله (3). 2 - شى: عن علي بن النعمان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله " إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين " قال: هم الائمة وأتباعهم (4). 3 - شى: عن أبي الصباح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلا يقول: في قول الله " إن أولى الناس بابراهيم " إلى قوله " والله ولي المؤمنين " ثم قال: علي والله على دين إبراهيم ومنهاجه وأنتم أولى الناس به (5). بيان: الضمير في " به " راجع إلى علي أو إبراهيم عليهما السلام. 4 - شى: عن حبابة الوالبية قالت: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: ما أعلم


(1) تفسير القمى ص 95. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 177. (3) مجمع البيان ج 3 ص 458. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 177. (5) المصدر ج 1 ص 177 (*).

[85]

أحدا على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا (1). 5 - شى: عن جابر الجعفي عن محمد بن علي عليهما السلام قال: ما من أحد من هذه الامة يدين بدين إبراهيم غيرنا وشيعتنا (2). 6 - شى: عن عمران بن ميثم قال: سمعت الحسين بن علي صلوات الله عليه يقول: ما أحد على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها براء (3). 7 - شى: عن أبي ذر قال: قال: والله ما صدق أحد ممن أخذ الله ميثاقه فوفى بعهد الله غير أهل بيت نبيهم، وعصابة قليلة من شيعتهم، وذلك قول الله " وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين " (4) وقوله " ولكن أكثر الناس لا يؤمنون " (5). 8 - شى: عن علي بن عقبة، عن أبيه، قال: دخلت أنا والمعلى على أبي عبد الله عليه السلام فقال: أبشروا إنكم على إحدى الحسنيين من الله أما إنكم إن بقيتم حتى تروا ما تمدون إليه رقابكم شفى الله صدور كم وأذهب غيظ قلوبكم، و أدا لكم على عدوكم، وهو قول الله " ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم " (6) وإن مضيتم قل أن تروا ذلك مضيتم على دين الله الذي رضيه لنبيه عليه وآله السلام ولعلي عليه السلام (7). 9 - شى: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " (8) أما إنه لم يعن الناس كلهم، أنتم اولئك، ونظراؤكم، إنما مثلكم في


(1) المصدر ج 1 ص 185. (2 و 3) المصدر ج 1 ص 388. (4) الاعراف: 102. (5) تفسير العياشي ج 2 ص 23. والاية الثانية في هود: 17. (6) براءة: 15 والادالة على العدو: الكرة عليهم. (7) تفسير العياشي ج 2 ص 79. (8) ابراهيم: 37 (*).

[86]

الناس مثل الشعرة البيضاء في الثور الاسود أو مثل الشعرة السوداء في الثور الابيض ينبغي للناس أن يحجوا هذا البيت، ويعظموه لتعظيم الله إياه، وأن يلقونا حيث كنا، نحن الادلاء على الله (1). 10 - شى: عن ثعلبة بن ميمون، عن ميسرة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أبانا إبراهيم كان مما اشترط على ربه فقال: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ". 11 - وفي رواية اخرى عنه قال: كنا في الفسطاط عند أبي جعفر عليه السلام نحو من خمسين رجلا قال: فجلس بعد سكوت كان منا طويلا فقال: مالكم لا تنطقون لعلكم ترون أني نبي ؟ لا والله ما أنا كذلك، ولكن لي قرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله قريبة، وولادة، من وصلها وصله الله، ومن أحبها أحبه الله، ومن أكرمها أكرمه الله. أتدرون أي البقاع أفضل عند الله منزلة ؟ فلم يتكلم أحد فكان هو الراد على نفسه، فقال: تلك مكة الحرام التي رضيها لنفسه حرما وجعل بيته فيها ثم قال: أتدري أي بقعة أفضل من مكة ؟ فلم يتكلم أحد وكان هو الراد على نفسه فقال: ما بين حجر الاسود إلى باب الكعبة، ذلك حطيم إبراهيم نفسه، الذي كان يزود (2) فيه غنمه ويصلي فيه. فوالله لو أن عبدا صف قدميه في ذلك المكان قام النهار مصليا حتى يجنه الليل وقام الليل مصليا حتى يجنه النهار، ثم لم يعرف لنا حقنا أهل البيت وحرمتنا لم يقبل الله منه شيئا أبدا، إن أبانا إبراهيم صلوات الله عليه كان فيما اشترط على ربه أن قال: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " أما إنه لم يقل الناس كلهم أنتم اولئك رحمكم الله ونظراؤكم، إنما مثلكم في الناس مثل الشعرة البيضاء في الثور الاسود، أو الشعرة السوداء في الثور الابيض، ينبغي للناس أن يحجوا هذا البيت وأن يعظموه لتعظيم الله إياه، وأن يلقونا أينما كنا نحن الادلاء على الله.


(1) تفسير العياشي ج 2 ص 233. (2) الظاهر كما في المصدر، " يذود " أي يطردها فيه للتعليف، والمذود، معتلف الدابة، والمذاد: المرتع (*).

[87]

وفي خبر آخر أتدرون أي بقعة أعظم حرمة عند الله ؟ فلم يتكلم أحد وكان هو الراد على نفسه فقال: ذلك ما بين الركن الاسود [والمقام] إلى باب الكعبة ذلك حطيم إسماعيل الذي كان يذود فيه غنيمته، ثم ذكر الحديث (1). بيان: في القاموس الزود تأسيس الزاد، وكمنبر وعاؤه، وآزدته: زودته فتزود. 12 - شى: عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: نظر إلى الناس يطوفون حول الكعبة فقال: هكذا كانوا يطوفون في الجاهلية إنما أمروا أن يطوفوا ثم ينفروا إلينا، فيعلمونا ولايتهم، ويعرضون علينا نصرهم، ثم قرأ هذه الاية: " فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم " فقال: آل محمد آل محمد، ثم قال: إلينا إلينا (2). 13 - كش: عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى، عن كليب بن معاوية الاسدي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: والله إنكم لعلى دين الله ودين ملائكته فأعينوني بورع واجتهاد، فوالله ما يقبل الله إلا منكم، فاتقوا الله وكفوا ألسنتكم صلوا في مساجدهم، فإذا تميز القوم فتميزوا (3). 14 - بشا: عن الحسن بن الحسين بن بابويه، عن شيخ الطائفة، عن المفيد عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن يونس، عن كليب الاسدي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أما والله إنكم لعلى دين الله وملائكته، فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد، علكيم بالصلاة والعبادة، عليكم بالورع. وعنه، عن عمه محمد، عن أبيه الحسن، عن عمه الصدوق، عن ابن المتوكل عن الحميري، عن ابن هاشم، عن ابن مرار، عن يونس مثله (4). 15 - سن: عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله، عن جميل بن دراج، عن حسان


(1 و 2) المصدر ج 2 ; 234. (3) رجال الكشى: 289 وفيه كما في نسخة الكمبانى: مساجدكم. (4) بشارة المصطفى ص 55 و 174 (*).

[88]

أبي علي العجلي، عن عمران بن ميثم، عن حبابة الوالبية قال: دخلنا على امرأة قد صفرتها العبادة أنا وعباية بن ربعي فقالت: من الذي معك ؟ قلت: ابن أخيك ميثم، قالت: ابن أخي والله حقا أما إني سمعت أبا عبد الله الحسين بن علي عليهما السلام يقول: ما أحد على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها براء (1). 16 - سن: عن أبيه وابن أبي نجران، عن حماد بن عيسى، عن حسين بن المختار، عن عبد الرحمان بن سيابة، عن عمران بن ميثم، عن حبابة الوالبية قال: دخلت عليها فقالت: من أنت ؟ قلت: ابن أخيك ميثم، فقالت: أخي والله لاحدثنك بحديث سمعته من مولاك الحسين بن علي عليهما السلام إني سمعته يقول والذي جعل أحمس خير بجيلة (2) وعبد القيس خير ربيعة (3) وهمدان خير اليمن (4)


(1) المحاسن ص 147. (2) بجيلة بفتح الباء - بطن عظيم ينتسب إلى أمهم بجيلة وهم بنو أنمار بن أراش بن كهلان من القحطانية، يتفرعون إلى عدة بطون: منهم قسر وهو مالك بن عبقر بن أنمار وبنو أحمس بن الغوث بن انمار، وعرينة، فالمراد من الاحمس ليس معنى الحمس لتشددهم في دينهم، فان الحمس قبائل من العرب: قريش وكنانة ومن دان بدينهم من بنى عامر ابن صعصعة وهم كلاب وكعب وعامر، ومن دينهم، انهم كانوا لا يستظلون أيام منى ولا يدخلون البيت من أبوابها ويتركون الوقوف على عرفة والافاضة منها مع اعترافهم بأنها من المشاعر والحج في دين ابراهيم عليه الصلاة والسلام، وغير ذلك مما ابتدعوها في سنن الحج كما تراه في سيرة ابن هشام ج 1 ص 199 - 202. فالمراد بأحمس هو أحمس بن الغوث بن انمار وهم في بطون بجيلة خير من سائر البطون. (3) ربيعة، المراد هنا ربيعة بن نزار، شعب عظيم، فيه قبائل عظام وبطون وأفخاد ينتسب إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، ويعرف بربيعة الفرس، وأفخرهم وأشرفهم بطن عبد القيس وهم بنو عبد القيس بن أفصى. (4) همدان بطن من كهلان، من القحطانية، وهم بنو همدان بن مالك بن زيد بن أو سلة بن ربيعة بن الخيار [الحيان] بن مالك بن زيد بن كهلان، وهم أشرف من سكن اليمن، وكانوا شيعة لعلى بن أبى طالب عليه الصلاة والسلام (*).

[89]

إنكم خير الفرق، ثم قال: ما على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا وسائر الناس منها براء (1). توضيح: قال الجوهري: الاحمس الشجاع وإنما سميت قريش وكنانة حمسا لتشددهم في دينهم، وقال بجيلة حى من اليمن، ويقال إنهم من معد وقال عبد القيس أبو قبيلة من أسد وهو عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد ابن ربيعة وقال: ربيعة الفرس أبو قبيلة وهو ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وقال همدان قبيلة من اليمن. 17 - سن: عن أبيه ومحمد بن عيسى، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن عباد بن زياد قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا عباد ما على ملة إبراهيم أحد غيركم وما يقبل الله إلا منكم، ولا يغفر الذنوب إلا لكم (2). 18 - سن: عن ابن فضال، عن حماد بن عثمان، عن عبد الله بن سليمان الصيرفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا " (3) ثم قال: أنتم والله على دين إبراهيم، ومنهاجه وأنتم أولى الناس به (4). 19 - سن: عن الوشاء، عن مثنى الحناط، عن أحمد، عن رجل، عن أبي المغيرة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: اتقوا الله ولا يخدعنكم إنسان، ولا يكذبنكم إنسان، فانما ديني دين واحد دين آدم الذي ارتضاه الله، وإنما أنا عبد مخلوق ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، وما أشاء إلا ما شاء الله (5). 20 - سن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أبي المغرا، عن يزيد بن خليفة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لنا ونحن عنده: نظرتم والله حيث نظر الله، واخترتم من اختار الله وأخذ الناس يمينا وشمالا وقصدتم قصد محمد صلى الله عليه وآله


(1 و 2) المحاسن ص 147. (3) آل عمران: 68. (4 - 5) المحاسن ص 148 (*).

[90]

أما والله إنكم لعلى المحجة البيضاء (1). 21 - سن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن حر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أنتم والله على دين الله ودين رسوله ودين علي بن أبي طالب عليه السلام وما هي إلا آثار عندنا من رسول الله صلى الله عليه وآله فكنزها (2). 22 - سن: عن أبيه، عن حمزة بن عبد الله، عن جميل بن دراج، عن سعيد ابن يسار قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو على السرير فقال: يا سعيد إن طائفة سميت مرجئة وطائفة سميت الخوارج وسميتم الترابية (3). 23 - سن: عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن حبيب الخثعمي والنضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن حبيب قال: قال لنا أبو عبد الله عليه السلام: ما أحد أحب إلي منكم إن الناس سلكوا سبلا شتى منهم آخذ بهواه، ومنهم آخذ برأيه، وإنكم أخذتم بأمر له أصل (4). 24 - سن: في حديث آخر لحبيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الناس أخذوا هكذا وهكذا فطائفة أخذوا بأهوائهم، وطائفة قالوا بالرواية، وإن الله لهداكم لحبه وحب من ينفعكم حبه عنده (5). 25 - سن: عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن بشير الدهان قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إن هذه المرجئة وهذه القدرية، وهذه الخوارج ليس منهم أحد إلا وهو يرى أنه على الحق وإنكم إنما أجبتمونا في الله ثم تلا " أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " (6) و " ما آتيكم الرسول فخذوه وما نهيكم عنه فانتهوا " (7) " من يطع الرسول فقد أطاع الله " (8) " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني


(1) المحاسن: 148 (2) المحاسن ص 146. (3 - 5) المحاسن ص 156. (6) النساء: 59. (7) الحشر: 7. (8) النساء: 79 (*).

[91]

يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " (1) ثم قال: والله لقد نسب الله عيسى بن مريم في القرآن إلى إبراهيم من قبل النساء قال: " ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله ويحيى وعيسى " (2). بيان: والله لقد نسب الله، أقول استدل عليه السلام بذلك على أنهم من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله. 26 - سن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن بشير في حديث سليمان مولى طربال قال: ذكرت هذه الاهواء عند أبي عبد الله عليه السلام قال: لا والله ما هم على شئ مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله إلا استقبال الكعبة فقط (3). 27 - سن: عن أبيه وحسين بن حسن، عن ابن سنان، عن أبي الجارود قال: خرج أبو جعفر عليه السلام على أصحابه يوما وهم ينتظرون خروجه وقال لهم: تحروا البشرى من الله ما أحد يتحرى البشرى من الله غيركم (4). 28 - سن: عن ابن فضال، عن أبي كهمس قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول أخذ الناس يمينا وشمالا ولزمتم أهل بيت نبيكم فابشروا، قال: جعلت فداك أرجوا أن لا يجعلنا الله وإياهم سواء، فقال: لا والله لا والله ثلاثا (5). 29 - سن: عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الاحول، عن بريد العجلي و زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم قالوا: قال لنا أبو جعفر عليه السلام: ما الذي تبغون ؟ أما لو كانت فزعة من السماء لفزع كل قوم إلى مأمنهم، ولفزعنا نحن إلى نبينا، و فزعتم إلينا، فأبشروا ثم أبشروا ثم أبشروا، لا والله لا يسويكم الله وغيركم ولا كرامة لهم (6).


(1) آل عمران: 31. (2 و 3) المحاسن ص 156. (4) المحاسن ص 160، وفيه بدل التحرى التنجز في الموضعين. (5) المحاسن ص 160. (6) المحاسن: 161 (*).

[92]

30 - سن: عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبي كهمس، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: عرفتمونا وأنكرنا الناس، وأجبتمونا وأبغضنا الناس، ووصلتمونا وقطعنا الناس رزقكم، الله مرافقة محمد صلى الله عليه وآله وسقاكم من حوضه (1). 31 - سن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن بشير الكناسي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وصلتم وقطع الناس، وأحببتم وأبغض الناس، و عرفتم وأنكر الناس وهو الحق (2). 32 - سن: عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن بشير الدهان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: عرفتم في منكرين كثيرا، وأحببتم في مبغضين كثير، وقد يكون حب في الله ورسوله وحب في الدنيا، فما كان في الله ورسوله فثوابه على الله، وما كان في الدنيا فليس بشئ، ثم نقض يده (3). 33 - سن: عن أبيه، عمن ذكره، عن حنان أبي علي، عن ضريس الكناسي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله " وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد " (4)، فقال: هو والله هذا الامر الذي أنتم عليه (5). بيان: " وهدوا إلى الطيب من القول " في المجمع أي ارشدوا في الجنة إلى التحيات الحسنة، يحيي بعضهم بعضا، ويحييهم الله وملائكته بها، وقيل: معناه ارشدوا إلى شهادة أن لا إله إلا الله والحمد لله عن ابن عباس، وزاد ابن زيد والله أكبر، وقيل معناه أرشدوا إلى القرآن عن السدي، وقيل: إلى القول الذي يلتذونه ويشتهونه وتطيب به نفوسهم، وقيل إلى ذكر الله فهم به يتنعمون " وهدوا إلى صراط الحميد " والحميد هو الله المستحق للمحمد المستحد إلى عباده بنعمه، أي الطالب منهم أن يحمدوه وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ما أحد أحب إليه الحمد من الله عز


(1 - 3) المحاسن ص 161 و 162. (4) الحج: 24. (5) المحاسن ص 169 (*).

[93]

ذكره، وصراط الحميد طريق الاسلام وطريق الجنة انتهى (1). وظاهر الخبر أن المراد به الهداية في الدنيا، ويحتمل الاخرة أيضا أي يثبتون على العقائد الحقة ويظهرونها ويلتذون بها. 34 - سن: عن ابن أبي نصر، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " كل شئ هالك إلا وجهه " (2) قال: من أتى الله بما أمر به من طاعته وطاعة محمد صلى الله عليه وآله فهو الوجه الذي لا يهلك، ولذلك " من يطع الرسول فقد أطاع الله " (3). 35 - سن: عن ابن فضال، عن علي بن عقبة بن خالد، عن أبيه قال: دخلت أنا ومعلى بن خنيس، على أبي عبد الله عليه السلام وليس هو في مجلسه فخرج علينا من جانب البيت من عند نسائه وليس عليه جلباب، فلما نظر إلينا رحب فقال: مرحبا بكما وأهلا، ثم جلس وقال: أنتم اولو الالباب في كتاب الله قال الله تبارك و تعالى " إنما يتذكر اولوا الالباب " (4) فأبشروا، أنتم على إحدى الحسنيين من الله (5) أما إنكم إن بقيتم حتى تروا ما تمدون إليه رقابكم، شفى الله صدوركم وأذهب غيظ قلوبكم، وأدالكم على عدوكم: وهو قول الله تبارك وتعالى " ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم " (6) وإن مضيتم قبل أن تروا ذلك، مضيتم على دين الله الذي رضيه لنبيه صلى الله عليه وآله وبعث عليه (7).


(1) مجمع البيان ج 7 ص 78. (2) القصص: 88. (3) المحاسن ص 219 والاية الثانية في النساء: 79. (4) الرعد: 19. (5) كما قال الله عزوجل: " قل هل تربصون بنا الا احدى الحسنيين " الاية 53. من سورة براءة. (6) براءة: 14 و 15. (7) المحاسن ص 170 (*).

[94]

36 - سن: عن أبيه، عن علي بن النعمان عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " (1) فقال: ليس على هذه العصابة خاصة سلطان، قلت: وكيف وفيهم ما فيهم ؟ فقال: ليس حيث تذهب إنما هو ليس لك سلطان أن يحبب إليهم الكفر، ويبغض إليهم الايمان (2). 37 - سن: عن ابن محبوب، عن حنان بن سدير وابن رئاب، عن زرارة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: قوله: " لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لا تينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين " (3) فقال أبو جعفر عليه السلام: يا زرارة إنما صمد لك ولاصحابك، فأما الاخرين فقد فرغ منهم (4). بيان: " لاقعدن لهم " أي أرصد لهم كما يقعد قاطع الطريق للسائل " صراطك المستقيم " أي طريق الايمان ونصبه على الظرف " ثم لاتينهم من بين أيديهم " إلى آخره قيل: أي من جميع الجهات، مثل قصده إياهم بالتسويل والاضلال من أي وجه يمكنه باتيان العدو من الجهات الاربع. وروي عن ابن عباس " من بين أيديهم " من قبل الاخرة " ومن خلفهم " من قبل الدنيا " وعن أيمانهم وعن شمائلهم " من جهة حسناتهم وسيئاتهم، وقيل " من بين أيديهم " من حيث يعلمون ويقدرون التحرز عنه " ومن خلفهم " من حيث لا يعلمون ولا يقدرون " عن أيمانهم وعن شمائلهم " من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم، " ولا تجد أكثرهم شاكرين " أي مطيعين والصمد: القصد. 38 - سن: عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبان بن تغلب


(1) الحجر: 42. (2) المحاسن 171. (3) الاعراف: 15 و 16. (4) المحاسن ص 171 (*).

[95]

قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إذا قدمت الكوفة إنشاء الله فاروعني هذا الحديث " من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة " فقلت: جعلت فداك يجئني كل صنف من الاصناف، فأروي لهم هذا الحديث ؟ قال: نعم يا أبان بن تغلب إنه إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الاولين والاخرين في روضة واحدة فيسلب لا إله إلا الله إلا ممن كان على هذا الامر (1). 39 - سن: عن أبيه، عن صفوان، عن أبي سعيد المكاري، عن أبي بصير عن الحارث [بن المغيرة] النضري قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل " كل شئ هالك إلا وجهه " (2) فقال: كل شئ هالك إلا من أخذ الطريق الذي أنتم عليه (3). بيان: على هذا التأويل المراد بالوجه الجهة التي أمر الله أن يوتى منه. 40 - سن: عن محمد بن علي، عن عبيس بن هشام الناشري، عن الحسن بن الحسين، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة، عن أبي الطفيل قال: قام أمير المؤمنين علي عليه السلام على المنبر فقال: إن الله بعث محمدا بالنبوة واصطفاه بالرسالة، فأنال في الناس وأنال، وعندنا أهل البيت مفاتيح العلم، وأبواب الحكمة، وضياء الامر وفصل الخطاب، ومن يحبنا أهل البيت ينفعه إيمانه، ويتقبل منه عمله، ومن لا يحبنا أهل البيت لا ينفعه إيمانه، ولا يتقل منه عمله، وإن أدأب الليل والنهار لم يزل (4). بيان: " فأنال في الناس وأنال " أي أعطى الناس ونشر فيهم العلوم الكثيرة فمنهم من غير، ومنهم من نسي، ومنهم من لم يفهم المراد فأخطأ، فنصب أوصياءه المعصومين عن الخطاء والزلل، ليميزوا بين الحق والباطل، وجعل عندهم مفاتيح العلم، وأبواب الحكمة، وضياء الامر ووضوحه، والخطاب الفاصل بين الحق و


(1) المحاسن ص 181 ومثله في ص 33. (2) القصص 88. (3 - 4) المحاسن ص 199 (*).

[96]

الباطل، فيجب الرجوع إليه فيما اختلفوا، وقد مرت الاخبار الكثيرة في ذلك في كتاب العلم، وفي القاموس دأب في عمله كمنع دأبا ويحرك ودؤوبا بالضم جد وتعب وأدأبه (1). 41 - سن: عن ابن بزيغ، عن منصور بن يونس، عن جليس لابي حمزة الثمالي عن أبي حمزة قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: قول الله " كل شئ هالك إلا وجهه " (2) فقال: فيهلك كل شئ ويبقى الوجه، ثم قال: إن الله أعظم من أن يوصف، ولكن معناها كل شئ هالك إلا دينه، والوجه الذي يؤتى منه (3). 13 - سن: عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، عن أبي سعيد، عن أبي بصير عن الحارث بن المغيرة النضري قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله " كل شئ هالك إلا من أخذ طريق الحق (4). 17. * " (باب) " * * " (فضل الرافضة ومدح التسمية بها) " * 1 - سن: عن علي بن أسباط، عن عتيبة بياع القصب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: والله لنعم الاسم الذي منحكم الله مادمتم تأخذون بقولنا، ولا تكذبون علينا قال: وقال لي أبو عبد الله عليه السلام: هذا القول، أني كنت خبرته أن رجلا قال لي: إياك أن تكون رافضيا (5). بيان: " إني كنت " أي إنما قال عليه السلام هذا القول لاني كنت أخبرته.


(1) القاموس ج 1 ص 64. (2) القصص ص 88. (3) المحاسن: 218. (4) المحاسن ص 219. (5) المحاسن ص 157 (*).

[97]

2 - سن: عن ابن يزيد، عن صفوان، عن زيد الشحام، عن أبي الجارود قال: أصم الله أذنيه كما أعمى عينيه إن لم يكن سمع أبا جعفر عليه السلام ورجل يقول: إن فلانا سمانا باسم، قال: وما ذاك الاسم ؟ قال: سمانا الرافضة، فقال أبو جعفر عليه السلام بيده إلى صدره: وأنا من الرافضة وهو مني قالها ثلاثها (1). 3 - سن: عن ابن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمد بن سليمان، عن رجلين عن أبي بصير قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك اسم سمينا به استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا، قال: وما هو ؟ قال: الرافضة، فقال أبو جعفر عليه السلام: إن سبعين رجلا من عسكر فرعون رفضوا فرعون فأتوا موسى عليه السلام فلم يكن في قوم موسى أحد أشد اجتهادا وأشد حبا لهارون منهم فسماهم قوم موسى الرافضة، فأوحى الله إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فاني نحلتهم، وذلك اسم قد نحلكموه الله (2). 4 - فر: عن محمد بن القاسم بن عبيد، عن الحسن بن جعفر، عن الحسين، عن محمد يعني ابن عبد الله الحنظلي، عن وكيع، عن سليمان الاعمش قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قلت: جعلت فداك إن الناس يسمونا روافض، وما الروافض ؟ فقال: والله ما هم سمو كموه، ولكن الله سماكم به في التوراة الانجيل على لسان موسى ولسان عيسى عليهما السلام وذلك أن سبعين رجلا من قوم فرعون رفضوا فرعون ودخلوا في دين موسى فسماهم الله تعالى الرافضة، وأوحى إلى موسى أن أثبت لهم في التوراة حتى يملكوه على لسان محمد صلى الله عليه واله. ففرقهم الله فرقا كثيرة وتشعبوا شعبا كثيرة، فرفضوا الخير فرفضتم الشر واستقمتم مع أهل بيت نبيكم عليهم السلام فذهبتم حيث ذهب نبيكم، واخترتم من اختار الله ورسوله، فأبشروا ثم أبشروا فأنتم المرحومون، المتقبل من محسنهم والمتجاوز عن مسيئهم، ومن لم يلق الله بمثل ما لقيتم لم تقبل حسناته ولم يتجاوز عن سيئاته، يا سليمان هل سررتك ؟ فقلت: زدني جعلت فداك، فقال: إن لله عزوجل ملائكة * (1 و 2) المحاسن ص 157 (*).

[98]

يستغفرون لكم، حتى تتساقط ذنوبكم، كما تتساقط ورق الشجر في يوم ريح، و ذلك قول الله تعالى: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم و يستغفرون للذين آمنوا " (1) هم شيعتنا وهي والله لهم يا سليمان، هل سررتك ؟ فقلت: جعلت فداك زدني ! قال: ما على ملة إبراهيم عليه السلام إلا نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها برئ (2). 18. * (باب) * * " (والصفح عن الشيعة وشفاعة ائمتهم) " * " (صلوات الله عليهم فيهم) * 1 - ن: عن أحمد بن أبي جعفر البيهقي، عن علي بن جعفر المدني، عن علي بن محمد بن مهرويه القزويني، عن داود بن سليمان، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة ولينا حساب شيعتنا فمن كانت مظلمته فيما بينه وبين الله عزوجل حكمنا فيها فأجابنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبين الناس استوهبناها فوهبت لنا، ومن كانت مظلمته فيما بينه وبيننا كنا أحق من عفا وصفح (3). 2 - ن: بإسناد التميمي، عن الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: بشر شيعتك أني الشفيع لهم يوم القيامة وقت لا تنفع فيه إلا شفاعتي (4). 3 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن الحسين بن محمد بن عامر، عن


(1) غافر: 7. (2) تفسير فرات ص 139. (3) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 57. (4) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 68 (*).

[99]

المعلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن ابن محبوب، عن أبي محمد الوابشي، عن أبي الورد قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد من الاولين والاخرين، عراة حفاة، فيوقفون على طريق المحشر حتى يعرقوا عرقا شديدا وتشتد أنفاسهم، فيمكثون كذلك ما شاء الله، وذلك قوله تعالى " فلا تسمع إلا همسا " (1). قال: ثم ينادى مناد من تلقاء العرش: أين النبي الامي ؟ قال: فيقول الناس: قد أسمعت كلا فسم باسمه، قال: فينادي أين نبي الرحمة محمد بن عبد الله ؟ قال: فيقوم رسول الله صلى الله عليه وآله فيتقدم أمام الناس كلهم حتى ينتهي إلى حوض طوله ما بين أبلة وصنعاء، فيقف عليه، ثم ينادي بصاحبكم فيقوم (2) أمام الناس فيقف معه، ثم يؤذن للناس فيمرون. قال أبو جعفر عليه السلام: فبين وارد يومئذ، وبين مصروف، فإذا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من يصرف عنه من محبينا أهل البيت بكى وقال: يا رب شيعة علي يا رب شيعة علي، قال: فيبعث الله عليه ملكا فيقول له: ما يبكيك يا محمد ؟ قال: فيقول: و كيف لا أبكي لاناس من شيعة أخي علي بن أبي طالب أراهم قد صرفوا تلقاء أصحاب النار، ومنعوا من ورود حوضي ؟ قال: فيقول الله عزوجل له: يا محمد قد وهبتهم لك وصفحت لك عن ذنوبهم، وألحقتهم بك، وبمن كانوا يتولون من ذريتك، وجعلتهم في زمرتك، وأوردتهم حوضك، وقبلت شفاعتك فيهم، وأكرمتك بذلك. ثم قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام: فكم من باك يومئذ وباكية، ينادون يا محمداه إذا رأوا ذلك، قال: فلا يبقى أحد يومئذ كان يتوالانا ويحبنا ويتبرأ من عدونا، ويبغضهم إلا كان في حزبنا ومعنا وورد حوضنا (3).


(1) طه: 108. (2) فيتقدم خ ل. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 65 (*).

[100]

فس: عن أبيه، عن ابن محبوب مثله (1). بيان: الهمس: الصوت الخفي والابلة بضم الهمزة والباء وتشديد اللام بلد قريب البصرة، ولعله كان موضع البصرة المعروفة الان بها وفي بعض النسخ أيلة بفتح الهمزة، وسكون الياء المثناة التحتانية، وهو بلد معروف فيما بين مصر والشام. 4 - جا (9) ما: عن المفيد، عن أبي غالب الزراري، عن عمه علي بن سليمان عن الطيالسي (2) عن العلاء، عن محمد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل " فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما " (3) فقال عليه السلام: يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتى يقام بموقف الحساب، فيكون الله تعالى هو الذي يتولى حسابه لا يطلع على حسابه أحدا من الناس، فيعرفه ذنوبه، حتى إذا أقر بسيئاته قال الله عزوجل للكتبة: بدلوها حسنات، وأظهروها للناس، فيقول الناس حينئذ: ما كان لهذا العبد سيئة واحدة، ثم يأمر الله به إلى الجنة فهذا تأويل الاية، فهي في المذنبين من شيعتنا خاصة (4). 5 - ما: عن المفيد، عن علي بن الحسين البصري، عن أحمد بن علي بن مهدي عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حبنا أهل البيت يكفر الذنوب، ويضاعف الحسنات، وإن الله تعالى ليتحمل عن محبينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد، إلا ما كان منهم فيها على إضرار وظلم للمؤمنين فيقول: للسيئات كوني حسنات (5). 6 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن همام، عن علي بن محمد ابن مسعدة، عن جده مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: والله لا يهلك هالك على حب علي إلا رآه في أحب المواطن إليه [والله لا يهلك هالك


(1) تفسير القمى ص 423. (2) مجالس المفيد ص 184. (3) الفرقان: 70. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 70. (5) أمالى الطوسى ج 1 ص 166 (*).

[101]

على بغض علي إلا رآه في أبغض المواطن إليه] (1). 7 - جا (2) ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أبي عوانه موسى ابن يوسف، عن محمد بن سلميان، عن الحسين الاشقر، عن قيس، عن ليث، عن أبي ليلى، عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الزموا مودتنا أهل البيت فانه من لقي الله يوم القيامة وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا والذي نفسي بيده لا ينفع عبدا عمله (3) إلا بمعرفة حقنا (4). 8 - ما: عن الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث عن أبائه، عن الباقر عليهم السلام، عن جابر، قال الفحام: وحدثني عمي عمير بن يحيى عن إبراهيم بن عبد الله البلخي، عن أبي عاصم الضحاك، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله أنا من جانب وعلي أمير المؤمنين صلوات الله عليه من جانب إذ أقبل عمر بن الخطاب ومعه رجل (5) قد تلبب به فقال: ما باله، قال: حكى عنك يا رسول الله أنك قلت: من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة، وهذا إذا سمعته الناس فرطوا في الاعمال، أفأنت قلت ذلك يا رسول الله ؟ قال: نعم، إذا تمسك بمحبة هذا وولايته (6). 9 - ما: بهذا الاسناد، عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي إن الله عزوجل قد غفر لك ولشيعتك ولمحبي شيعتك ومحبي محبي شيعتك، فأبشر، فانك الانزع البطين: منزوع من الشرك


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 166. (2) مجالس المفيد ص 35 15. (3) في المصدر: لا ينتفع عبد بعلمه. (4) أمالى الطوسى ج 1 ص 190. (5) والرجل أبو هريرة الدوسى وقصته مشهورة مروية في كتب الفريقين رواه مسلم في ج 1 من صحيحه باب من لقى الله تعالى بالايمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة، ونقله في مشكاة المصابيح ص 15. (6) أمالى الطوسى ج 1 ص 288 (*).

[102]

بطين من العلم (1). صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام مثله (2). توضيح: كأن المراد بالشيعة هنا الكمل من المؤمنين كسلمان وأبي ذر والمقداد رضي الله عنهم، وبمحبهم من لم يبلغ درجتهم، مع علمهم وورعهم وبمحب محبهم الفساق من الشيعة، ويحتمل شمولهما للمستضعفين من المخالفين فان حبهم للمؤمنين ولمحبيهم علامة استضعافهم، وفي النهاية في صفة علي عليه السلام " البطين الانزع " كان أنزع الشعر، له بطن، وقيل: معناه الانزع من الشرك المملوء البطن من العلم والايمان. 10 - ما: الحفار، عن إسماعيل بن علي الدعبلي، عن أبيه، عن جده، عن أبيه، علي بن علي عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله عزوجل: من آمن بي وبنبيي وبوليي أدخلته الجنة، على ما كان من عمله (3). 11 - سن: عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي داود الحداد، عن موسى بن بكر قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال رجل في المجلس: أسأل الله الجنة فقال أبو عبد الله عليه السلام: أنتم في الجنة فاسألوا الله أن لا يخرجكم منها فقالوا: جعلنا فداك نحن في الدنيا ؟ فقال: ألستم تقرون بامامتنا ؟ قالوا: نعم، فقال: هذا معنى الجنة الذي من أقر به كان في الجنة فاسألوا الله أن لا يسلبكم (4). بيان: لما كانت الولاية سببا لدخول الجنة سميت بها مبالغة لا أنه ليست الجنة إلا ذلك.


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 300. (2) صحيفة الرضا ص 32. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 376. (4) المحاسن ص 161 (*).

[103]

12 - سن عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عمن أخبره، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لن يطعم النار من وصف هذا الامر (1). بيان: المراد بوصف هذا الامر معرفة الامامة، والاعتقاد بها، وبما تستلزمه من سائر العقائد الحقة التي وصفوها. 13 - سن: عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن مالك بن أعين الجهني، وعن ابن فضال، عن أبي جميلة، عن مالك ابن أعين قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا ألسنتكم و تدخلوا الجنة ؟ قال: ورواه أبي، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان (2). بيان: " وتكفوا ألسنتكم " أي عما يخالف التقية أو عن الاعم منه ومن سائر ما نهى الله عنه، والتخصيص باللسان لان أكثر المعاصي تصدر منه وبتوسطه، كما روي وهل يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم. 14 - سن: عن ابن محبوب، عن ابن رئاب وابن بكير، عن يوسف بن ثابت عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يضر مع الايمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل، ثم قال: ألا ترى أنه قال تبارك وتعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون " (3). بيان: " لا يضر مع الايمان عمل " أي ضررا عظيما يوجب الخلود في النار أو المراد بالايمان ما يدخل فيه اجتناب الكبائر أو المراد بالضرر عدم القبول، وهو بعيد، وعلى الاولين الاستشهاد بالاية لقوله " ولا ينفع مع الكفر عمل " والاية في سورة التوبة هكذا " إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " (4) وقال تعالى بعدها بآيات كثيرة " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وما توا وهم فاسقون " وقال: في


(1) المحاسن ص 161. (2 و 3) المحاسن ص 166. (4) براءة: 54، وما بعدها: 84 و 124 (*).

[104]

أواخر السورة: " وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وما توا وهم كافرون " فلما كانت الايات كلها في شأن المنافقين يمكن أن يكون عليه السلام نقلها بالمعنى إشارة إلى أن كلها في شأنهم وأن عدم القبول مشروط بالموت على النفاق والكفر، مع أنه يحتمل كونها في قراءتهم عليهم السلام هكذا، أو كونها من تحريف النساخ. 15 - سن: عن أبيه، عن حدثه، عن أبي سلام النخاس، عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: والله لا يصف عبد هذا الامر فتطعمه النار، قلت: إن فيهم من يفعل ويفعل ! ؟ فقال: إنه إذا كان ذلك ابتلى الله تبارك وتعالى أحدهم في جسده، فان كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلا ضيق الله عليه في رزقه، فإن كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلا شدد الله عليه عند موته حتى يأتي الله ولا ذنب له ثم يدخله الجنة (1). 16 - سن: عن ابن محبوب، عن محمد بن القاسم، عن داود بن فرقد، عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لابي عبد الله رجل يعمل بكذا وكذا - ولم أدع شيئا إلا قلته - وهو يعرف هذا الامر ؟ فقال: هذا يرجى له، والناصب لا يرجى له، وإن كان كما تقول لا يخرج من الدنيا حتى يسلط الله عليه شيئا يكفر الله عنه به إما فقرا وإما مرضا (2). 17 - صح: عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي إذا كان يوم القيامة أخذت بحجزة الله، وأخذت، أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزتهم، فترى أين يومر بنا (3). 18 - شى: عن ابن أبي يعفور قال: قلت: لابي عبد الله عليه السلام إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلانا وفلانا لهم أمانة وصدق ووفاء ! ؟ وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الامانة ولا الوفاء ولا الصدق ! قال: فاستوى


(1 و 2) المحاسن ص 172. (3) صحيفة الرضا عليه السلام ص 5 (*).

[105]

أبو عبد الله عليه السلام جالسا وأقبل علي كالغضبان ثم قال: لا دين لمن دان بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عدل من الله، قال: قلت: لا دين لاولئك ولا عتب على هؤلاء ؟ ! فقال: نعم، لا دين لاولئك ولا عتب على هؤلاء ثم قال: أما تسمع لقول الله " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " يخرجهم من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كل إمام عادل من الله، وقال: " والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات " قال: قلت: أليس الله عنى بها الكفار حين قال: " والذين كفروا " ؟ قال: فقال: وأي نور للكافر وهو كافر فاخرج منه إلى الظلمات ؟ إنما عنى الله بهذا أنهم كانوا على نور الاسلام فلما أن تولوا كل إمام جائر ليس من الله، خرجوا بولايتهم إياهم من نور الاسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب لهم النار مع الكفار، فقال: " اولئك أصحاب النارهم فيها خالدون " (1). كنز: عن المفيد في كتاب الغيبة عن ابن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن ابن أبي يعفور مثله. كا: عن العدة، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب مثله (2). أقول: سيأتي شرحه في مقام آخر إنشاء الله تعالى. 19 - شى: عن مهزم الاسدي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قال الله تبارك وتعالى: لاعذبن كل رعية دانت بامام ليس من الله، وإن كانت الرعية في أعمالها برة تقية، ولاعفون عن كل رعية دانت بكل إمام من الله وإن كانت الرعية في أعمالها مسيئة، قلت: فيعفو عن هؤلاء ويعذب هؤلاء ؟ قال: نعم إن الله يقول " الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور " ثم ذكر الحديث الاول حديث ابن أبي يعفور رواية محمد بن الحسين وزاد فيه: فأعداء علي أمير المؤمنين هم الخالدون في النار وإن كانوا في أديانهم على غاية الورع والزهد والعبادة، و


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 138، والاية في البقرة 256. (2) الكافي ج 1 ص 375 (*).

[106]

المؤمنون بعلي عليه السلام [هم الخالدون في الجنة] وإن كانوا في أعمالهم مسيئة على ضد ذلك (1). 20 - م: قوله عزوجل " اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " (2) قال الامام موسى بن جعفر عليه السلام " اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " باعوا دين الله، واعتاضوا منه الكفر بالله " فما ربحت تجارتهم " أي ما ربحوا في تجارتهم في الاخرة، لانهم اشتروا النار وأصناف عذابها بالجنة التي كانت معدة لهم لو آمنوا " وما كانوا مهتدين " إلى الحق والصواب. فلما أنز الله عزوجل هذه الاية، حضر رسول الله صلى الله عليه وآله قوم فقالوا: يا رسول الله سبحان الرزاق ألم تر فلانا كان يسير البضاعة، خفيف ذات اليد، خرج مع قوم يخدمهم في البحر فرعوا له حق خدمته، وحملوه معهم إلى الصين وعينوا له يسيرا من مالهم قسطوه على أنفسهم له، وجمعوه فاشتروا له به بضاعة من هناك فسلمت فربح الواحد عشرة، فهو اليوم من مياسير أهل المدينة ؟ وقال قوم آخرون بحضرة رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله ألم تر فلانا كانت حسنة حاله، كثيرة أمواله، جميلة أسبابه، وافرة خيراته، مجتمعا شمله، أبى إلا طلب الاموال الجمة، فحمله الحرص على أن تهور، فركب البحر في وقت هيجانه والسفينة غير وثيقة، والملاحون غير فارهين، إلى أن توسط البحر فلعبت بسفينته ريح عاصف فأزعجتها إلى الشاطئ وفتقتها في ليل مظلم، وذهبت أمواله وسلم بحشاشته فقيرا وقيرا ينظر إلى الدنيا حسرة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا أخبركم بأحسن من الاول حالا، وبأسوء من الثاني حالا ؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أما أحسن من الاول حالا فرجل اعتقد صدقا بمحمد رسول الله وصدقا باعظام علي أخي رسول الله ووليه، وثمرة قلبه ومحض طاعته، فشكر له ربه ونبيه ووصي نبيه، فجمع الله تعالى له بذلك خير


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 139، ومثله في الكافي ج 1 ص 376 في حديثين. (2) البقرة: 16 (*).

[107]

الدنيا والاخرة، ورزقه لسانا لالاء الله تعالى ذاكرا، وقلبا لنعمائه شاكرا، و بأحكامه راضيا، وعلى احتمال مكاره أعداء محمد وآله نفسه موطنا، لاجرم أن الله تعالى سماه عظيما في ملكوت أرضه وسماواته، وحباه برضوانه وكراماته، فكانت تجارة هذا أربح، وغنيمته أكثر وأعظم. وأما أسوء من الثاني حلالا فرجل أعطا أخا محمد رسول الله ببيعته، وأظهر له موافقته وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، ثم نكث بعد ذلك وخالف ووالى عليه أعداءه فختم له بسوء أعماله، فصار إلى عذاب لا يبيد ولا ينفد، قد خسر الدنيا و الاخرة ذلك هو الخسران المبين. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: معاشر عباد الله عليكم بخدمة من أكرمه الله بالارتضاء واجتباه بالاصطفاء، وجعله أفضل أهل الارض والسماء، بعد محمد سيد الانبياء علي بن أبي طالب عليه السلام وبموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وقضاء حقوق إخوانكم الذين هم في موالاته ومعاداة أعدائه شركاؤكم فان رعاية علي صلوات الله عليه أحسن من رعاية هؤلاء التجار الخارجين بصاحبكم - الذي ذكرتموه - إلى الصين الذين عرضوه للغناء وأعانوه بالثراء. أما إن من شيعة علي عليه السلام لمن يأتي يوم القيامة وقد وضع له في كفة سيئاته من الاثام ما هو أعظم من جبال الرواسي والبحار التيارة، يقول الخلائق: هلك هذا العبد، فلا يشكون أنه من الهالكين، وفي عذاب الله تعالى من الخالدين فيأتيه النداء من قبل الله تعالى: يا أيها العبد الخاطئ الجاني ! هذه الذنوب الموبقات، فهل بازائها حسنة تكافئها وتدخل جنة الله برحمة الله ؟ أو تزيد عليها فتدخلها بوعد الله، يقول العبد: لا أدري فيقول منادي ربنا عزوجل: إن ربي يقول ناد في عرصات القيامة ألا إني فلان بن فلان من بلد كذا وكذا أو قرية كذا وكذا قد رهنت بسيئات كأمثال الجبال والبحار، ولا حسنة لي بازائها فأي أهل هذا المحشر كانت لي عنده يد أو عارفة فليغثنى بمجازاتي عنها، فهذا أوان شدة حاجتي إليها.

[108]

فينادي الرجل بذلك فأول من يجيبه علي بن أبيطالب عليه السلام لبيك لبيك لبيك أيها الممتحن في محبتي، المظلوم بعداوتي، ثم يأتي هو ومن معه عدد كثير وجم غفير، وإن كانوا أقل عددا من خصمائه الذين لهم قبله الظلامات فيقول ذلك العدد: يا أمير المؤمنين نحن إخوانه المؤمنون كان بنا بارا، ولنا مكرما وفي معاشرته إيانا مع كثرة إحسانه إلينا متواضعا وقد نزلنا له عن جميع طاعاتنا، وبذلناها له فيقول علي عليه السلام: فبماذا تدخلون جنة ربكم ؟ فيقولون: برحمة الله الواسعة التي لا يعدمها من والاك، ووالاآلك يا أخا رسول الله. فيأتي النداء من قبل الله تعالى يا أخا رسول الله هؤلاء إخوانه المؤمنون قد بذلوا له فأنت ما ذا تبذل له فاني أنا الحكم ما بيني وبينه من الذنوب، قد غفرتها له بموالاته إياك، وما بينه وبين عبادي من الظلامات فلا بد من فصلي بينه وبينهم فيقول علي عليه السلام يا رب أفعل ما تأمرني فيقول الله تعالى: يا علي اضمن لخصمائه تعويضهم عن ظلاماتهم قبله، فيضمن لهم علي عليه السلام ذلك، ويقول لهم: اقترحوا علي ما شئتم أعطكم عوضا من ظلاماتكم قبله. فيقولون: يا أخا رسول الله تجعل لنا بازاء ظلاماتنا قبله ثواب نفس من أنفاسك ليلة بيتوتك على فراش محمد رسول الله صلى الله عليه وآله فيقول علي عليه السلام: قد وهبت ذلك لكم فيقول الله عزوجل فانظروا يا عبادي الان إلى ما نلتموه من علي فداء لصاحبه من ظلاماتكم، ويظهر لهم ثواب نفس واحد في الجنان من عجائب قصورها وخيراتها فيكون ذلك ما يرضي الله عزوجل به خصماء اولئك المؤمنين، ثم يريهم بعد ذلك من الدرجات والمنازل ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. يقولون: يا ربنا هل بقي من جنانك شئ إذا كان هذا كله لنا فأين تحل سائر عبادك المؤمنين والانبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ويخيل إليهم عند ذلك أن الجنة بأسرها قد جعلت لهم فيأتي النداء من قبل الله تعالى يا عبادي هذا ثواب نفس من أنفاس علي بن أبي طالب عليه السلام الذي اقترحتموه عليه، قد جعله لكم فخذوه، وانظروا فيصيرون هم وهذا المؤمن الذي عوضهم علي عليه السلام في تلك

[109]

الجنان ثم يرون ما يضيفه الله عزوجل إلى ممالك علي عليه السلام في الجنان ما هو أضعاف ما بذله عن وليه الموالي له، مما شاء من الاضعاف التي لا يعرفها غيره. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم " المعدة لمخالفي أخي ووصيي علي بن أبي طالب عليه السلام (1). توضيح: " خفيف ذات اليد " أي كان ما في يده من الاموال خفيفا قليلا " قسطوه " بالتخفيف والتشديد أي قسموه على أنفسهم بالسوية أو بالعدل على نسبة حالهم. وفي المصباح " جمع الله شملهم " أي ما تفرق من أمرهم " وفرق شملهم " أي ما اجتمع من أمرهم، وقال: " مال جم " أي كثير وفي القاموس تهور الرجل وقع في الامر بقلة مبالاة. وقال: فره ككرم فراهة وفراهية حذق فهو فاره بين الفروهية وقال: فتقه شقه كفتقه وفي بعض النسخ وفتتها من الفت وهو الدق والكسر بالاصابع كما في القاموس وقال الحشاش والحشاشة بضمهما بقية الروح في المريض والجريح. وقال: " الوقير " القطيع من الغنم أو صغارها، وفقير وقير تشبيه بصغار الشاء أو إتباع، وقال: أمحضه الود أخلصه كمحضه، والغناء بالفتح والمد الاكتفاء، و بالكسر والقصر ضد الفقر، والثراء بالفتح والمد كثرة المال، وقال الجوهري: والتيار الموج ويقال: قطع [عرقا] تيارا أي سريع الجرية ويقال: أوليته يدا أي نعمة، والعارفة المعروف والاحسان، وقال الجوهري: الظلامة والمظلمة ما تطلبه عند الظالم، وهو اسم ما أخذ منك، والجم الغفير العدد الكثير، وفي المصباح نزلت عن الحق تركته وفي القاموس الاقتراح ارتجال الكلام وابتداع الشئ والتحكم. 21 - م: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يبعث يوم القيامة أقواما تمتلئ من جهة السيئات موازينهم فيقال لهم: هذه السيئات فأين الحسنات ؟ وإلا فقد عطبتم فيقولون: يا ربنا ما نعرف لنا حسنات، فإذا النداء من قبل الله عزوجل لئن لم تعرفوا


(1) تفسير الامام ص 47 (*).

[110]

لانفسكم عبادي حسنات فاني أعرفها لكم واوفرها عليكم، ثم يأتي برقعة صغيرة يطرحها في كفة حسناتهم فترجح بسيئاتهم بأكثر ما بين السماء إلى الارض فيقال لاحدهم: خذ بيد أبيك، وامك وإخوانك وأخواتك، وخاصتك وقراباتك وأخدانك ومعارفك فأدخلهم الجنة. فيقول أهل المحشر: يا رب أما الذنوب فقد عرفناها فماذا كانت حسناتهم ؟ فيقول الله عزوجل: يا عبادي مشى أحدهم ببقية دين لاخيه إلى أخيه فقال: خذها فاني احبك بحبك علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له الاخر: قد تركتها لك بحبك علي بن أبي طالب عليه السلام ولك من مالي ما شئت فشكر الله تعالى ذلك لهما فحط به خطاياهما، وجعل ذلك في حشو صحيفتهما وموازينهما، وأوجب لهما و لوالديهما الجنة (1). 22 - شى: عن مصقلة الطحان ; عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما يمنعكم من أن تشهدوا على من مات منكم على هذا الامر أنه من أهل الجنة ؟ إن الله يقول: " كذلك حقا علينا ننجي المؤمنين " (2). بيان: " كذلك حقا علينا " في المجمع (3) قال الحسن: معناه كنا إذا أهلكنا امة من الامم الماضية نجينا نبيهم ونجينا الذين آمنوا به أيضا كذلك إذا أهلكنا هؤلاء المشركين نجيناك يا محمد، والذين آمنوا بك، وقيل معناه " كذلك حقا علينا " أي واجبا علينا من طريق الحكمة " ننجي المؤمنين " من عذاب الاخرة كما ننجيهم من عذاب الدنيا، قال أبو عبد الله عليه السلام لاصحابه: ما يمنعكم من أن تشهدوا - إلى آخر الخبر. 23 - شى: عن الحسن بن محبوب، عن أبي ولاد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك إن رجلا من أصحابنا ورعا مسلما كثير الصلاة قد ابتلي


(1) تفسير الامام ص 54. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 138 والاية في يونس: 103. (3) مجمع البيان ج 5 ص 138 (*).

[111]

بحب اللهو، وهو يسمع الغنا، فقال: أيمنعه ذلك من الصلاة لوقتها أم من صوم أو من عيادة مريض أو حضور جنازة أو زيارة أخ ؟ قال: قلت: لا، ليس يمنعه ذلك من شئ من الخير والبر قال: فقال: هذا من خطوات الشيطان، مغفور له ذلك إنشاء الله ثم قال: إن طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات أعني لكم الحلال ليس الحرام، قال: فأنف الله للمؤمنين من ولد آدم من تعيير الملائكة لهم قال: فألقى الله في همة اولئك الملائكة اللذات والشهوات كي لا يعيبوا المؤمنين. قال: فلما أحسوا ذلك من هممهم عجوا إلى الله من ذلك، فقالوا: ربنا عفوك عفوك، ردنا إلى ما خلقنا له، وأجبرتنا عليه، فانا نخاف أن نصير في أمر مريج (1) قال: فنزع الله ذلك من هممهم، قال: فإذا كان يوم القيامة وصار أهل الجنة في الجنة استأذن اولئك الملائكة على أهل الجنة، فيؤذن لهم، فيدخلون عليهم فيسلمون عليهم، ويقولون لهم: سلام عليكم بما صبرتم في الدنيا عن اللذات والشهوات الحلال (2). 24 - جا: عن ابن قولويه، عن الحسن بن محمد بن عامر، عن أحمد بن علوية عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن توبة بن الخليل، عن عثمان بن عيسى، عن أبي عبد الرحمان، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله: في سفر إذ نزل فسجد خمس سجدات، فلما ركب قال له بعض أصحابه: رأيناك يا رسول الله صنعت ما لم تكن تصنعه ؟ قال: نعم، أتاني جبرئيل عليه السلام فبشرني أن عليا في الجنة، فسجدت شكرا لله فلما رفعت رأسي قال: وفاطمة في الجنة فسجدت شكرا لله تعالى، فلما رفعت رأسي قال: والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة فسجدت شكرا لله تعالى فلما رفعت رأسي قال: ومن يحبهم في الجنة، فسجدت شكرا لله تعالى فلما رفعت رأسي قال: ومن يحب من يحبهم في الجنة [فسجدت شكرا لله تعالى] (3).


(1) يقال أمر مريج أي مختلط أو ملتبس. (2) تفسير العياشي ج 2 ص 211. (3) مجالس المفيد ص 20 (*).

[112]

25 - جا: عن الحسن بن الفضل، عن علي بن أحمد، عن محمد بن هارون الهاشمي، عن إبراهيم بن مهدي، عن إسحاق بن سليمان، عن أبيه، عن هارون الرشيد، عن أبيه، عن أبي جعفر المنصور، عن أبيه، عن جده علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أيها الناس نحن في القيامة ركبان أربعة، ليس غيرنا، فقال له قائل: بأبي أنت وامي يا رسول الله من الركبان ؟ قال: أنا على البراق، وأخي صالح على ناقة الله الذي عقرها قومه، وابنتي فاطمة على ناقتي العضباء، وعلي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة خطامها من لؤلوء رطب، وعيناها من ياقوتتين حمراوين، وبطنها من زبر جد أخضر عليها قبة من لؤلوء بيضاء، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، ظاهرها من رحمة الله، وباطنها من عفو الله إذا أقبلت زفت، وإذا أدبرت زفت، وهو أمامي على رأسه تاج من نور، يضئ لاهل الجمع، ذلك التاج له سبعون ركنا كل ركن يضئ كالكوكب الدري في أفق السماء، وبيده لواء الحمد، وهو ينادي في القيامة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " فلا يمر بملاء من الملائكة إلا قالوا: نبي مرسل ولا يمر بنبي مرسل إلا قال: ملك مقرب فينادي مناد من بطنان العرش يا أيها الناس ليس هذا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولا حامل عرش هذا علي بن أبي طالب، وتجئ شيعته من بعده فينادي مناد لشيعة من أنتم ؟ فيقولون نحن العلويون فيأتيهم النداء يا أيها العلويون أنتم آمنون، ادخلوا الجنة مع من كنتم توالوان (1). بشا: عن الحسن بن الحسين بن بابويه، عن محمد بن الحسن الطوسي، عن المفيد، عن الحسن بن الفضل مثله (2). 26 - جا: عن المظفر بن محمد، عن محمد بن همام، عن الحسن بن زكريا عن عمر بن المختار، عن أبي محمد البرسي، عن النضر، عن ابن مسكان، عن أبي بصير عن أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف


(1) مجالس المفيد ص 167. (2) بشارة المصطفى ص 74 (*).

[113]

بك يا علي إذا وقفت على شفير جهنم، وقد مد الصراط، وقيل للناس: جوزوا وقلت لجهنم: هذا لي وهذا لك ؟ فقال علي عليه السلام: يا رسول الله ومن اولئك ؟ قال: اولئك شيعتك، معك حيث كنت (1). 27 - نى: عن الكليني، عن علي بن محمد، عن ابن جمهور، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن الله لا يستحيي أن يعذب امة دانت بإمام ليس من الله، وإن كانت في أعمالها برة تقية، وإن الله يستحيي أن يعذب امة دانت بإمام من الله، وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة (2). 28 - كش: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل، عن ابن محبوب، عن البطائني عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: ما فعل أبو حمزة الثمالي ؟ قلت، خلفته عليلا قال: إذا رجعت إليه فأقرئه مني السلام وأعلمه أنه يموت في شهر كذا في يوم كذا، قال أبو بصير: فقلت: جعلت فداك والله لقد كان [لكم] فيه انس وكان لكم شيعة، قال: صدقت ما عندنا خير لكم قلت: شيعتكم معكم ؟ قال: إن هو خاف الله وراقب نبيه، وتوفى الذنوب، فإذا هو فعل كان معنا في درجاتنا قال علي: (3) فرجعنا تلك السنة فما لبث أبو حمزة إلا يسيرا حتى توفي (4). 29 - كش: عن محمد بن مسعود، عن عبد الله بن محمد، عن أبي داود المسترق عن عبد الله بن راشد، عن عبيد بن زرارة قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده البقباق (5) فقلت له: جعلت فداك رجل أحب بني أمية أهو معهم ؟ قال: نعم


(1) مجالس المفيد ص 202. (2) غيبة النعماني ص 65، الكافي ج 1 ص 376. (3) هو على بن أبى حمزة المعروف بالبطائنى، الراوى عن أبى بصير. (4) رجال الكشى ص 177. (5) هو أبو العباس فضل بن عبد الملك البقباق مولى كوفى ثقة، ولعله كان مذياعا للحديث فأخفى أبو عبد الله عليه السلام حديثه ذلك عنه لئلا يذيعه في جهلة الشيعة (*).

[114]

قلت: رجل أحبكم أهو معكم ؟ قال: نعم، قلت: وإن زنى وإن سرق ؟ قال: فنظر إلى البقباق فوجد منه غفلة ثم أومأ برأسه نعم (1). 30 - كش: عن نصر بن الصباح، عن ابن أبي عثمان، عن محمد بن الصباح عن زيد الشحام قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: يا زيد ! جدد التوبة وأحدث عبادة، قال: قلت: نعيت إلى نفسي، قال: فقال لي: يا زيد ما عندنا لك خير وأنت من شيعتنا، إلينا الصراط، وإلينا الميزان، وإلينا حساب شيعتنا، والله لانا لكم أرحم من أحد كم بنفسه يا زيد كأني أنظر إليك في درجتك من الجنة و رفيقك فيها الحارث بن المغيرة النضري (2). 31 - كش: عن محمد بن مسعود، عن عبد الله بن محمد بن خالد، عمن يثق به يعني أمه، عن خالد محمد قال: فقال له عمرو بن إلياس قال: دخلت أنا وأبي إلياس ابن عمرو على أبي بكر الحضرمي وهو يجود بنفسه، فقال: يا عمرو ليست ساعة الكذب أشهد على جعفر بن محمد أني سمعته يقول: لا يمس النار من مات وهو يقول بهذا الامر (3). 32 - كش: عن محمد بن علي بن القاسم، عن الصفار، عن عبد الله بن محمد بن خالد، عن الوشاء، عن خاله عمرو بن إلياس قال: دخلت على أبي بكر الحضرمي وهو يجود بنفسه فقال لي: أشهد على جعفر بن محمد أنه قال: لا يدخل النار منكم أحد (4). 33 - فض، يل: بالاسناد يرفعه إلى صفوان الجمال قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: جعلت فداك سمعتك تقول: شيعتنا في الجنة وفيهم أقوام مذنبون، يركبون الفواحش، ويأكلون أموال الناس، ويشربون الخمور ويتمتعون في دنياهم، فقال عليه السلام: هم في الجنة اعلم أن المؤمن من شيعتنا لا يخرج من الدنيا حتى يبتلي بدين أو بسقم أو بفقر، فان عفي عن هذا كله شدد الله عليه في النزع عند خروج روحه حتى يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه، قلت: فداك


(1 و 2) رجال الكشى ص 286. (3 و 4) رجال الكشى ص 355 (*).

[115]

أبي وأمي فمن يرد المظالم ؟ قال: الله عزوجل يجعل حساب الخلق إلى محمد وعلي عليهما السلام فكل ما كان على شيعتنا حاسبناهم مما كان لنا من الحق في أموالهم وكل ما بينه وبين خالقه استوهبناه منه، ولم نزل به حتى ندخله الجنة برحمة من الله، وشفاعه من محمد وعلي عليهما السلام. غو: عن صفوان مثله. 34 - كشف: من كتاب كفاية الطالب، عن أبي مريم السلولي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يا علي إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد بزينة أحب إلى الله منها، الزهد في الدنيا، وجعلك لا تنال من الدنيا شيئا ولا تنال الدنيا منك شيئا، ووهب لك حب المساكين، فرضوا بك إماما ورضيت بهم أتباعا، فطوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب عليك، فأما الذين أحبوك و صدقوا فيك فهم جيرانك في دارك، ورفقاؤك في قصرك، وأما الذين بغضوك وكذبوا عليك فحق على الله أن يوقفهم موقف الكذابين يوم القيامة، قال: وذكره ابن مردويه في مناقبه (1). 35 - جش: عن الحسن بن علي ابن بنت إلياس روى عن جده إلياس قال: لما حضرته الوفاة قال لنا: اشهدوا علي وليست ساعة الكذب هذه الساعة، لسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: والله لا يموت عبد يحب الله ورسوله ويتولى الائمة فتمسه النار، ثم أعاد الثانية والثالثة من غير أن أسأله (2). 36 - رياض الجنان: لفضل الله بن محمود الفارسي بالاسناد عن أبي محمد الحسن الحراني، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: مامن شيعتنا أحد يقارف أمرا نهيناه عنه فيموت حتى يبتليه الله ببلية تمحص بها ذنوبه، إما في ماله أو ولده، وإما في نفسه حتى يلقى الله محبنا وماله ذنب، وإنه ليبقى عليه شئ من ذنوبه فيشدد عليه عند موته


(1) كشف الغمة ج 1 ص 228 الطبعة الحروفية وهكذا ص 217، عن مناقب الخوارزمي. (2) رجال النجاشي ص 30 (*).

[116]

فتمحص ذنوبه. 37 - بشا: عن محمد بن أحمد بن شهريار، عن حمزة بن محمد ين يعقوب، عن محمد بن أحمد الجواليقي، عن محمد بن أحمد بن الوليد، عن سعدان، عن علي، عن حسين بن نصر، عن أبيه، عن الصباح المزني، عن الثمالي، عمن حدثه، عن أبي رزين، عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه قال: من أحبنا لله نفعه حبنا، ولو كان في جبل الديلم، ومن أحبنا لغير ذلك فان الله يفعل ما يشاء، إن حبنا أهل البيت يساقط عن العباد الذنوب كما تساقط الريح الورق من الشجر (1). 38 - بشا: بالاسناد إلى الصدوق، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن البرقي عن ابن معروف، عن محمد بن يحيى، عن طلحة بن زيد، عن الصادق، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسو الله صلى الله عليه وآله: أتاني جبرئيل من قبل ربي جل جلاله فقال: يا محمد إن الله عزوجل يقرئك السلام، ويقول لك: بشر أخاك عليا بأني لا اعذب من تولاه، ولا أرحم من عاداه (2). 39 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن محمد بن همام، عن الحميري عن محمد بن موسى بن عبد الله بن مهران، عن محمد بن سنان، عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لو أن كافرا وصف ما تصفون عند خروج نفسه، ما طعمت النار من جسده شيئا (3). 40 - ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن عبد الله بن محمد بن محمود، عن أحمد بن عبد الرحمان الذهلي، عن عبد الرحمان بن أبي حماد، عن أبي العلاء الخفاف يعني خالد بن طهمان، عن شجرة قال: قال أبو جعفر الباقر عليه السلام: يا شجرة بحبنا تغفر لكم الذنوب (4).


(1) بشارة المصطفى ص 3. (2) بشارة المصطفى ص 18. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 34. (4) أمالى الطوسى ج 2 ص 68 (*).

[117]

41 - ما: عن الفحام، عن المنصوري، عن سهل بن يعقوب بن إسحاق، عن الحسن بن عبد الله بن مطهر، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق عليه السلام فقال له: يا سماعة من شر الناس ؟ قال: نحن يا ابن رسول الله، قال: فغضب حتى احمرت وجنتاه ثم استوى جالسا وكان متكئا فقال: يا سماعة من شر الناس عند الناس ؟ فقلت: والله ما كذبتك يا ابن رسول الله نحن شر الناس عند الناس لانهم سمونا كفارا ورافضة، فنظر إلي ثم قال: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنة، وسيق بهم إلى النار ؟ فينظرون إليكم ويقولن: " مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار " يا سماعة بن مهران إنه من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع فيه فنشفع، والله لا يدخل النار منكم عشرة رجال، والله لا يدخل النار منكم خمسة رجال، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد، فتنافسوا في الدرجات واكمدوا عدوكم بالورع (1). بيان: في القاموس الكمدة بالضم والكمد بالفتح والتحريك تغير اللون وذهاب صفائه، والحزن الشديد، ومرض القلب منه، كمد كفرح فهو كامد وأكمده فهو مكمود. 42 - ما: عن الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن أبي الحسن الثالث، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: إذا حشر الناس يوم القيامة ناداني مناد يارسول الله إن الله جل اسمه قد أمكنك من مجازاة محبيك ومحبي أهل بيتك الموالين لهم فيك، والمعادين لهم فيك فكافئهم بما شئت وأقول يا رب الجنة فابوءهم منها حيث شئت، فذلك المقام المحمود الذي وعدت به (2). 43 - ما: بإسناد أخي دعبل، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 301، والاية في سورة ص: 62. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 304 (*).

[118]

رسول الله: في قوله عزوجل " ألقيا في جهنم كل كفار عنيد " قال: نزلت في وفي علي بن أبي طالب وذلك أنه إذا كان يوم القيامة شفعني ربي وشفعك يا علي وكساني وكساك يا علي، ثم قال لي ولك يا علي: " ألقيا في جهنم كل من أبغضكما وأدخلا في الجنة كل من أحبكما " فان ذلك هو المؤمن (1). 44 - ير: عن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن جبلة، عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال: حججت مع أبي عبد الله عليه السلام فلما كنا في الطواف، قلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله يغفر الله لهذا الخلق ؟ فقال: يا أبا بصير إن أكثر من ترى قردة وخنازير، قال: قلت له. أرنيهم، قال: فتكلم بكلمات ثم أمره يده على بصري فرأيتهم قردة وخنازير، فهالني ذلك ثم أمر يده على بصري فرأيتهم كما كانوا في المرة الاولى، ثم قال: يا أبا محمد أنتم في الجنة تحبرون، وبين أطباق النار تطلبون، فلا توجدون، والله لا يجتمع في النار منكم ثلاثة، لا والله ولا اثنان لا والله ولا واحد (2). 45 - ك: عن ابن المتوكل عن الاسدي عن النخعي، عن النوفلي، عن الحسن ابن علي بن أبي حمزة الثمالي (3)، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حدثني جبرئيل عن رب العزة جل جلاله أنه قال: من علم أنه لا إله إلا أنا وحدي، وأن محمدا عبدي ورسولي، وأن علي ابن أبيطالب خليفتي، وأن الائمة من ولده حججي أدخلته الجنة برحمتي ونجيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، وأوجبت له كرامتي، وأتممت عليه نعمتي وجعلته من خاصتي وخالصتي، إن ناداني لبيته، وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء رحمته، وإن فر مني دعوته، وإن رجع إلى قبلته، وإن قرع بابي فتحته. ومن لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي أو شهد ولم يشهد أن محمدا عبدي ورسولي


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 378، والاية في سورة ق: 24. (2) بصائر الدرجات ص 270. (3) البطائني. ظ (*).

[119]

أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي أو شهد بذلك ولم يشهد أن الائمة من ولده حججي فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أسمع دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني، وما أنا بظلام للعبيد (1). أقول: تمامه في باب نص النبي صلى الله عليه وآله (2). 46 - سن: عن أبيه عن النضر عن يحيى الحلبي عن عبد الله بن مسكان عن بدر بن الوليد الخثعمي قال: دخل يحيى بن سابور على أبي عبد الله عليه السلام ليودعه فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما والله إنكم لعلى الحق، وإن من خالفكم لعلى غير الحق، والله ما أشك أنكم في الجنة، فاني لارجو أن يقر الله أعينكم إلى قريب (3). 47 - سن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي حعفر عليه السلام قال: لا تطعم النار واحدا وصف هذا الامر (4). 48 - سن: عن أحمد، عن ابن فضال، عن بكار بن أبي بكر الحضرمي قال: قيل لابي جعفر عليه السلام: إن عكرمة مولى ابن عباس قد حضرته الوفاة، قال: فانتقل (5) ثم قال: إن أدركته علمته كلاما لم تطعمه النار، فدخل عليه داخل فقال: قد هلك قال: فقال له [أبي]: فعلمناه ! فقال: والله ما هو إلا هذا الامر الذي


(1) اكمال الدين ص 150 وفى ط الاسلامية ج 1 ص 371. (2) راجع ج 36 ص 251 و 252 من هذه الطبعة. (3) المحاسن ص 146. (4) المحاسن ص 149. (5) أي انتقل عن جلسته التى كان عليها، ولعله كان متكئا فانتقل وجلس على ركبته كما في نظائره (*).

[120]

أنتم عليه (1). 49 - بشا: عن إبراهيم بن الحسين بن إبراهيم، عن محمد بن الحسين بن عتبة عن محمد بن الحسين بن أحمد الفقيه، عن حمويه بن علي، عن محمد بن عبد الله بن المطلب عن محمد بن علي بن مهدى، عن محمد بن على بن عمر بن ظريف، عن أبيه، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابلي، عن الاصبغ بن نباتة قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه السلام في نفر من الشيعة، وكنت فيهم، فجعل الحارث يتأود في مشيته (2) ويخبط الارض بمحجنه، وكان مريضا فأقبل عليه أمير المؤمنين وكانت له منه منزلة فقال: كيف تجدك يا حارث ؟ (3) قال: نال الدهر مني يا أمير - المؤمنين وزادني أو زاد غليلا اختصام أصحابك ببابك، قال: وفيم خصومتهم ؟ قال: في شأنك، والثلاثة من قبلك، فمن مفرط غال، ومقتصد تال، ومن متردد مرتاب لا يدري أيقدم أم يحجم ؟ قال: بحسبك يا أخا همدان، ألا إن خير شيعتي النمط الاوسط إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق التالي قال: فقال له الحارث: لو كشفت فداك أبي وأمي الريب عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا، قال: قدك فانك امرء ملبوس عليه إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية احق فاعرف الحق تعرف أهله، يا حارث إن الحق أحسن الحديث، والصادع به مجاهد، وبالحق اخبرك فارعني سمعك ثم خبر به من كانت له حصافة من أصحابك. ألا إني عبد الله وأخو رسول الله وصديقه الاكبر: صدقته وآدم بين الروح والجسد، ثم إني صديقه الاول في امتكم حقا فنحن الاولن، ونحن الاخرون


(1) المحاسن ص 149. (2) أي كان ينعطف في مشيته: يستقيم صلبه مرة ويعوج اخرى والمحجن وهكذا المحجنة - كمنبر ومكنسة -: العصا المعوجة رأسها، والخبط الضرب الشديد، يقال: خبط البعير بيده الارض: وطئه شديدا. (3) يا حارث: في بعض النسخ " يا حار " على الترخيم في المواضع كلها. منه رحمه الله (*).

[121]

ألا وإني خاصته يا حارث وصنوه ووصيه ووليه وصاحب نجواه وسره اوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب، وعلم القرآن، واستودعت ألف مفتاح يفتح كل مفتاح ألف باب يفضي كل باب إلى ألف ألف عهد وأيدت أو قال امددت بليلة القدر نفلا وإن ذلك ليجري لي وللمستحفظين من ذريتي كما يجري الليل والنهار حتى يرث الله الارض ومن عليها وابشرك يا حارث ليعرفني وليي وعدوي في مواطن شتى ليعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند الحوض، وعند المقاسمة قال الحارث: وما المقاسمة يا مولاي ؟ قال: مقاسمة النار اقاسمها قسمة صحاحا: أقول هذا وليي [فاتركيه] وهذا عدوي [فخذيه]. ثم أخذ أمير المؤمنين علي عليه السلام بيد الحارث فقال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدي فقال لي وقد اشتكيت إليه حسد قريش والمنافقين: إنه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل أو بحجزة يعني عصمة من ذي العرش تعالى وأخذت أنت يا علي بحجزتي، وأخذت ذريتك بحجزتك وأخذت شيعتكم بحجزتكم فماذا يصنع الله عزوجل بنبيه، وماذا يصنع نبيه بوصيه ؟ خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة أنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت قالها ثلاثا فقال الحارث - وقام يجر ردائه جذلا (1) -: ما ابالي وربي بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني. قال جميل بن صالح: فأنشدني أبو هاشم السيد بن محمد في كلمة له: قول علي لحارث عجب * كم ثم اعجوبة له حملا يا حارهمدان من يمت يرني * من مؤمن أو منافق قبلا يعرفني طرفه وأعرفه * بعينه واسمه وما عملا وأنت عند الصراط تعرفني * فلا تخف عثرة ولا زللا أسقيك من بارد على ظماء * تخاله في الحلاوة العسلا أقول للنار حين توقف للعر * ض على جسرها ذري الرجلا


(1) جذلا أي فرحا أو سريعا، وفى مجالس المفيد: فقام الحارث يجر رداءه ويقول ما أبالى الخ (*).

[122]

ذريه لا تقربيه إن له * حبلا بحبل الوصي متصلا هذا لنا شيعة وشيعتنا * أعطاني الله فيهم الاملا (1). جا: عن المفيد، عن علي بن محمد بن الزبير، عن محمد بن علي بن مهدى مثله (2). ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن محمد بن علي مثله (3). بيان: " يتأد " أي يتثبت ويتأنى من التؤدة، وفي بعض النسخ يتأود أي يتعطف ويعوج والمحجن كمنبر العصا المعوجة " وزادني أو زاد " الترديد من الراوي وفي ما: " أوارا وغليلا " والاوار بالضم حرارة الشمس وحرارة العطش، والغليل الحقد والضغن وحرارة الحب والحزن، ومقتصد أي متوسط بين الافراط والتفريط تال يتلو أئمة الحق ويتبعهم، وفي بعض النسخ " قال " أي مبغض لائمة الجور، و الاول أظهر، وأحجم عنه كف أو نكص هيبة " حسبك " في بعض النسخ بحسبك فالباء زائدة أو هو على صيغة المضارع، وقال الفيروز آبادي: قد مخففة حرفية واسمية وهي على وجهين اسم فعل مرادفة ليكفي: قدني درهم، وقد زيدا درهم أي يكفي واسم مرادف لحسب وتستعمل مبنية غالبا: قد زيد درهم، ومعربة قد زيد بالرفع وقال: الصدع الشق وقوله تعالى " فاصدع بما تؤمر " أي شق جماعاتهم بالتوحيد أو اجهر بالقرآن وأظهر أو احكم بالحق وافصل بالامر أو اقصد بما تؤمر أو افرق به بين الحق والباطل. وقال: أرعني وراعني سمعك استمع لمقالي، وقال الجوهري: أرعيته سمعي أي أصغيت إليه " من كانت له حصافة " أي استحكام عقل وضبط للكلام، في القاموس حصف ككرم: استحكم عقله، وأحصف الامر أحكمه، قوله عليه السلام: " نفلا "


(1) بشارة المصطفى ص 4 - 6. (2) مجالس المفيد ص 11، إلى قوله متصلا. (3) أمالى الطوسى ج 2 ص 239، واستخرجه بلفظه في ج 39 ص 239 - 241 من هذه الطبعة (*).

[123]

أي زائدا على ما اعطيت من الفضائل والمكارم، في النهاية النفل بالسكون وقد يحرك الزيادة " وللمستحفظين " على بناء المفعول أي الائمة الذين طلب منهم حفظ العلم والدين كما قال تعالى: " بما استحفظوا من كتاب الله " وفي القاموس وفي المثل قصيرة من طويلة أي تمرة من نخلة، يضرب في اختصار الكلام (1) قوله فأنشدني في جا وما وأنشدني أبو هاشم السيد الحميري رحمه الله فيما تضمنه هذا الخبر قول علي عليه السلام الخ. قوله " جذلا " بكسر الذال أي فرحا أو بالتحريك مصدرا، و " كم ثم " أي حمل حارث هناك أعاجيب كثيرة له " يا حار همدان " قال شارح الديوان: الترخيم هنا لضرورة الشعر إذ لا يجوز ترخيم المنادى المضاف في غيرها وفي القاموس رأيته قبلا محركة وبضمتين وكصرد وكعنب أي عيانا ومقابلة وقال: خال الشئ يخاله ظنه " على جسرها " في الديوان " ذريه لا تقربي الرجلا " وفي ما: " دعيه لا تقبلي الرجلا ". 50 - بشا: عن الحسن بن الحسين بن بابويه، عن عمه محمد بن الحسن، عن أبيه الحسن بن الحسين، عن عمه أبي جعفر بن بابويه، عن القطان، عن ابن زكريا عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن أبيه، عن أبي الحسن العبدي، عن سليمان ابن مهران، عن عباية بن ربعي قال: قلت لعبد الله بن العباس: لم كنى رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام أبا تراب ؟ قال: لانه صاحب الارض، وحجة الله على أهلها بعده، وبه بقاؤها، وإليه سكونها، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنه إذا كان يوم القيامة ورأى الكافر ما أعد الله تعالى لشيعة علي من الثواب والزلفى والكرامة، قال: " يا ليتني كنت ترابا " أي يا ليتني كنت من شيعة علي وذلك قول الله عزوجل: " ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا " (2). 51 - بشا: بالاسناد إلى الصدوق، عن محمد بن عمر، عن محمد بن أحمد بن ثابت


(1) قال ابن الاعرابي: الطويلة: النخلة والقصيرة: التمرة، راجع مجمع الامثال ج 2 ص 106 تحت الرقم 2887. (2) بشارة المصطفى ص 11، والاية في النبأ: 40 (*).

[124]

عن محمد بن العباس، عن الحسن بن الحسين العرني، عن عمر بن ثابت، عن عطاء بن السائب، عن ابن يحيى، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة، ولو أتوني بذنوب أهل الارض: الضارب بسيفه أمام ذريتي، والقاضي لهم حوائجهم عند ما اضطروا عليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه (1). 52 - بشا: بالاسناد إلى الصدوق، عن العسكري، عن محمد بن منصور وأبي يزيد القرشي، عن نصر بن علي الجهضمي، عن علي بن جعفر، عن موسى بن جعفر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد الحسن والحسين فقال: من أحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة (2). بشا: عن أبي محمد الجبار بن علي، عن عبد الرحمان بن أحمد، عن أحمد بن الحسن الباقلاني، عن عمر بن إبراهيم الزهري، عن إسماعيل بن محمد الكاتب، عن الحسن ابن علي بن زكريا، عن علي بن جعفر مثله. 53 - بشا: عن محمد بن عبد الوهاب الرازي، عن محمد بن أحمد بن الحسين النيسابوري، عن عقيل بن الحسين العلوي، عن الحسن بن العباس الكرماني عن علي بن إسماعيل العبدي، عن دحية بن الحسن، عن محمد بن عبد الله البلخي عن قتيبة بن سعيد، عن حماد بن زيد، عن عبد الرحمان السراج، عن نافع، عن ابن عمر قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن علي بن أبي طالب عليه السلام فغضب وقال: ما بال أقوام يذكرون منزلة من منزلته من الله كمنزلتي، من له منزلة كمنزلتي ألا ومن أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني رضي الله عنه، ومن رضي الله عنه كافاه الجنة ألا ومن أحب عليا تقبل الله صلاته وصيامه وقيامه، واستجاب الله له دعاءه. ألا ومن أحب عليا استغفرت له الملائكة وفتحت له أبواب الجنة الثمانية


(1) بشارة المصطفى ص 20. (2) بشارة المصطفى ص 38 (*).

[125]

فدخل من أي باب شاء بغير حساب، ألا ومن أحب عليا لا يخرج من الدنيا حتى يشرب من الكوثر، ويأكل من شجرة طوبى ويرى مكانه من الجنة، ألا ومن أحب عليا هون الله تعالى عليه سكرات الموت، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، ألا ومن أحب عليا أعطاه الله بعدد كل عرق في بدنه حوراء، ويشفع في ثمانين من أهل بيته، وله بكل شعرة على بدنه مدينة في الجنة. ألا ومن أحب عليا بعث الله إليه ملك الموت برفق، ورفع الله عزوجل عنه هول منكر ونكير، ونور قبره وبيض وجهه، ألا ومن أحب عليا عليه السلام أظله الله في ظل عرشه مع الشهداء والصديقين، ألا ومن أحب عليا نجاه الله من النار ألا ومن أحب عليا تقبل الله منه حسناته، وتجاوز عن سيئاته، وكان في الجنة رفيق حمزة سيد الشهداء، ألا ومن أحب عليا أثبت الله الحكمة في قلبه وأجرى على لسانه الصواب، وفتح الله له أبواب الرحمة، ألا ومن أحب عليا سمي في السماوات أسير الله في الارض. ألا ومن أحب عليا ناداه ملك من تحت العرش أن: يا عبد الله استأنف العمل فقد غفر الله لك الذنوب كلها، ألا ومن أحب عليا جاء يوم القيامة كالقمر ليلة البدر ألا ومن أحب عليا وضع الله على رأسه تاج الملك وألبسه حلة الكرامة، ألا ومن أحب عليا عليه السلام: مر على الصراط كالبرق الخاطف، ألا ومن أحب عليا وتولاه كتب الله له براءة من النار، وجوازا من الصراط وأمانا من العذاب، ألا ومن أحب عليا لا ينشر له ديوان، ولا ينصب له ميزان، ويقال أو قيل له: ادخل الجنة بغير حساب ألا ومن أحب عليا صافحته الملائكة وزارته الانبياء: وقضى الله له كل حاجة كانت له عند الله عزوجل، ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة قالها ثلاثا. قال قتيبة بن سعيد أبو رجاء: كان حماد بن زيد يفتخر بهذا الحديث ويقول هو الاصل لمن يقربه (1).


(1) بشارة المصطفى ص 44 (*).

[126]

أقول: رواه الصدوق رحمه الله في فضائل الشيعة عن أبيه عن المؤذب عن أحمد ابن علي الاصبهاني رفعه إلى نافع مثله (1) مع أدنى تفاوت وزيادة. 54 - بشا: عن محمد بن أحمد بن شهريار، عن محمد بن محمد بن الحسين، عن محمد بن حمزة ابن الحسين عن الحسين بن على بن بابويه عن محمد الحسين بن النحوي عن سعد ابن عبد الله، عن عبد الله بن أحمد بن كليب، عن جعفر بن خالد، عن صفوان بن يحيى عن حذيفة بن منصور قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل فقال: جعلت فداك إن لي أخا لا يؤتى من محبتكم وإجلالكم وتعظيمكم غير أنه يشرب الخمر فقال الصادق عليه السلام: أما إنه لعظيم أن يكون محبنا بهذه الحالة، ولكن ألا انبئكم بشر من هذا ؟ الناصب لنا شر منه. وإن أدنى المؤمنين وليس فيهم دني ليشفع في مائتي إنسان، ولو أن أهل السماوات السبع والارضين السبع، والبحار السبع، شفعوا في ناصبى ما شفعوا فيه ألا إن هذا لا يخرج من الدنيا حتى يتوب أو يبتليه الله ببلاء في جسده، فيكون تحبيطا لخطاياه حتى يلقى الله عزوجل لا ذنب له، إن شيعتنا على السبيل الاقوم إن شيعتنا لفي خير ثم قال عليه السلام: إن أبي كان كثيرا ما يقول: احبب حبيب آل محمد وإن كان مرهقا ذيالا وابغض بغيض آل محمد وإن كان صواما قواما (2). بيان: " لا يؤتى من محبتكم " أي لا يأتيه الشيطان من جهة محبتكم أو لا يهلك بسبب ترك المحبة في القاموس أتيته: جئته وأتى عليه الدهر، أهلكه، و أتي فلان كعني أشرف عليه العدو، وفي النهاية يقال رجل فيه رهق إذا كان يخف إلى الشر ويغشاه، والرهق: السفه، وغشيان المحارم، ومنه حديث أبي وائل أنه صلى على امرأة كانت ترهق أي تتهم بشر، ومنه الحديث الاخر فلان مرهق أي متهم بسوء وصفه، وكأن المراد بالذيال من يجر ذيله للخيلاء قال في النهاية في حديث مصعب بن عمير كان مترفا في الجاهلية يدهن بالعبير، ويذيل يمنة اليمن


(1) فضائل الشيعة ص تحت الرقم 1. (2) بشارة المصطفى ص 45 (*).

[127]

أي يطيل ذيلها وفي القاموس ذال فلان تبختر فجر ذيله، والذيال الطويل القد الطويل الذيل، المتبختر في مشيه. 55 - بشا: عن عمر بن إبراهيم بن حمزة وسعيد بن محمد الثقفي معا عن محمد ابن على بن الحسن العلوي عن محمد بن الحجاج الجعفي عن زيد بن محمد العامري عن علي بن الحسين القرشي عن إسماعيل بن أبان عن عمر بن ثابت عن ميسرة بن حبيب عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: إنا يوم القيامة آخذون بحجزة نبينا، وإن شيعتنا آخذون بحجزتنا (1). 56 - بشا: عن يحيى بن محمد الجوانى عن الحسين بن علي بن الداعي، عن جعفر بن محمد الحسيني، عن محمد بن عبد الله الحافظ، عن علي بن محمد الحسيني، عن محمد ابن موسى الشامي، عن عبيد الله بن محمد التيمي، عن إسماعيل بن عمرو البجلي، عن الاجلح، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن أبي ضمرة، عن علي عليه السلام قال: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله: أن أول من يدخل الجنة أنا وفاطمة والحسن والحسين قلت: يا رسول الله فمحبونا ؟ قال: من ورائكم (2). 57 - بشا: عن محمد بن أحمد بن شهريار، عن محمد بن محمد البرسي، عن عبيد الله بن محمد الشيباني، عن محمد بن الحسين التيملى، عن علي بن العباس، عن جعفر بن محمد الرماني عن الحسن بن الحسين العابد، عن حسين بن علوان، عن الثمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: إن الله سبحانه يبعث شيعتنا يوم القيامة من قبورهم على ما كان منهم من الذنوب والعيوب، ووجوههم كالقمر ليلة البدر، مسكنة روعاتهم، مستورة عوراتهم، قد اعطوا الامن والامان، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس و لا يحزنون، يحشرون على نوق لها أجنحة من ذهب تتلألأ، قد ذللت من غير رياضة أعناقها من ياقوت أحمر، ألين من الحوير، لكرامتهم على الله (3). 58 - بشا: عن يحيى بن محمد الحسيني، عن الحسين بن علي الحسني، عن جعفر بن


(1) بشارة المصطفى ص 51. (2 و 3) بشارة المصطفى ص 55 و 56 (*).

[128]

محمد الحسيني، عن محمد بن عبد الله الحافظ، عن محمد بن هارون الدقيقي، عن سمانة بنت حمران، عن أبيها، عن عمرو بن زياد اليوناني، عن عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا وفاطمة والحسن والحسين وعلي في حظيرة القدس في قبة بيضاء، وهي قبة المجد وشيعتنا عن يمين الرحمن تبارك وتعالى (1). 59 - بشا: عن عمر بن إبراهيم العلوي وسعيد بن محمد الثقفى، عن محمد بن علي ابن عبد الرحمان، عن أبيه، عن أحمد بن علي المرهبي، عن علي بن مجالد عن جعفر بن حفص، عن سوادة بن محمد، عن أبي العباس الضرير، عن أبي الصباح، عن همام أبي علي قال: قلت لكعب الحبر: ما تقول في هذه الشيعة شيعة علي بن أبيطالب عليه السلام ؟ قال: يا همام إني لاجد صفتهم في كتاب الله المنزل أنهم حزب الله و أنصار دينه، وشيعة وليه، وهم خاصة الله من عباده، ونجباؤه من خلقه، اصطفاهم لدينه، وخلقهم لجنته، مسكنهم الجنة، إلى الفردوس الاعلى خيام الدر وغرف اللؤلوء، وهم في المقربين الابرار، يشربون من الرحيق المختوم، وتلك عين يقال لها تسنيم، لا يشرب منها غيرهم، وإن تسنيما عين وهبها الله لفاطمة بنت محمد زوجة علي بن أبيطالب تخرج من تحت قائمة قبتها، على برد الكافور، وطعم الزنجبيل، وريح المسك، ثم تسيل فيشرب منها شيعتها وأحباؤها. وإن لقبتها أربع قوائم قائمة من لؤلؤة بيضاء تخرج من تحتها عين تسيل في سبل أهل الجنة، يقال لها السلسبيل، وقائمة من درة صفراء تخرج من تحتها عين يقال لها طهور، وقائمة من زمردة خضراء تخرج من تحتها عينان نضاختان من خمر وعسل، فكل عين منها تسيل إلى أسفل الجنان إلا التسنيم، فانها تسيل إلى عليين، فيشرب منها خاصة أهل الجنة، وهم شيعة علي وأحباؤه، وتلك قول الله عزوجل في كتابه " يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون " (2) فهنيئا لهم. ثم قال كعب: والله


(1) بشارة المصطفى ص 57. (2) المطففين: 25 - 28 (*).

[129]

لا يحبهم إلا من أخذ الله عزوجل منه الميثاق. ثم قال المصنف قدس الله روحه: قال محمد بن أبي القاسم يحرى أن تكتب الشيعة هذا الخبر بالذهب لانمائه وتحفظه وتعمل بما فيه بما تدرك به هذه الدرجات العظيمة لا سيما رواية روتها العامة، فتكون أبلغ في الحجة وأوضح في الصحة رزقنا الله العلم والعمل بما أدوا إلينا الهداة الائمة عليهم الصلاة والسلام (1). بيان: لانمائه أي لا ذاعته وإفشائه. 59 - بشا: عن عمرو بن محمد العلوي وسعيد بن محمد الثقفي، عن محمد بن على بن الحسين، عن علي بن العباس، عن جعفر بن محمد الزهري، عن عثمان بن سعيد، عن يونس بن أبي يعفور الجعفي، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام: أنه قال: لن يغفر الله إلا لنا ولشيعتنا، إن شيعتنا هم الفائزون يوم القيامة (2). وبهذا الاسناد عن محمد بن على، عن محمد بن عبد الله الجعفي، عن ابن عقدة، عن يعقوب بن يوسف، وأحمد بن حازم، عن يعقوب، عن عبد الله بن موسى، عن خالد بن طهمان، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بحبنا يغفر لكم (3). 60 - بشا: بالاسناد إلى المفيد عن الحسين بن أحمد بن المغيرة عن حيدر بن محمد عن محمد بن عمر عن العياشي عن محمد النهدي عن معاويه بن حكيم عن شريف بن سابق عن حمار السمندى قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أدخل بلاد الشرك وإن من عندنا يقولون: إن مت ثم حشرت معهم، قال فقال لي: يا حماد إذا كنت ثم تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قلت: نعم، قال: فإذا كنت في هذه المدن مدن الاسلام تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قال: قلت: لا، فقال لي: إنك إن مت ثم حشرت امة وحدك وسعى نور بين يديك (4).


(1) بشارة المصطفى ص 60. (2) بشارة المصطفى ص 76. (3) بشارة المصطفى ص 81. (4) بشارة المصطفى ص 82 (*).

[130]

61 - بشا: عن محمد ين عيسى بن عبد الوهاب، عن محمد بن أحمد النيسابوري عن عبد الملك بن محمد، عن أبيه، عن يعقوب، عن إسحاق بن أحمد، عن أحمد بن محمد بن إسحاق، عن عبيد بن موسى الروياني، عن محمد بن علي بن خلف، عن الحسين الاشقر، عن الاعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس آدم عليه السلام فالهم أن قال: الحمد لله رب العالمين، فأوحى الله إليه أن يا آدم، حمدتني فوعزتي وجلالي لولا عبدين اريد أن أخلقهما في آخر الدنيا ما خلقتك، قال: أي رب فمتى يكونان ؟ وما سميتهما ؟ فأوحى الله إليه أن ارفع رأسك، فرفع رأسه فإذا تحت العرش مكتوب " لا إله إلا الله محمد رسول الله نبي الرحمة وعلي مفتاح الجنة اقسم بعزتي أن أرحم من تولاه واعذب من عاداه (1). 62 - بشا: عن محمد بن شهريار، عن محمد بن محمد البرسي، عن محمد بن الحسين القرشي، عن أحمد بن أحمد بن حمران، عن محمد بن علي المقري، عن عبيد الله ابن محمد الايادي، عن عمر بن مدرك، عن محمد بن زياد المكي، عن جرير بن عبد الحميد، عن الاعمش، عن عطية العوفي قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام فلما وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم ائتزر بازار، وارتدى بآخر، ثم فتح صرة فيها سعد فنثرها على بدنه، ثم لم يخط خطوة إلا ذكر الله حتى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه فألمسته فخر على القبر مغشيا عليه فرششت عليه شيئا من الماء فأفاق. ثم قال: يا حسين - ثلاثا - ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنى لك بالجواب، وقد شحطت أوداجك على أثباجك (2) وفرق بين بدنك ورأسك فأشهد أنك ابن النبيين وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى. وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء، ومالك لا تكون


(1) بشارة المصطفى ص 82. (2) جمع ثبج: ما بين الكاهل إلى الظهر (*).

[131]

هكذا وقد غذتك كف سيد المرسلين، وربيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الايمان، وفطمت بالاسلام، فطبت حيا وطبت ميتا غير أن قلوب المؤمنين غير طيبة لفراقك ولا شاكة في الخيرة لك (1) فعليك سلام الله ورضوانه وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا. ثم جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيها الارواح التي حلت بفناء الحسين، وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين والذي بعث محمدا بالحق لقد شاركنا كم فيما دخلتم فيه. قال عطية: فقلت لجابر: وكيف ولم نهبط واديا، ولم نعل جبلا، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرق بين رؤسهم وأبدانهم، واوتمت أولادهم وأرملت الازواج ؟ فقال لي: يا عطية سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل القوم اشرك في عملهم، والذي بعث محمدا بالحق نبيا إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه، خذوا بي نحو أبيات كوفان، فلما صرنا في بعض الطريق فقال لي: يا عطية هل اوصيك ؟ وما أظن أنني بعد هذه السفرة ملاقيك، أحب محب آل محمد ما أحبهم، وأبغض مبغض آل محمد ما أبغضهم، وإن كان صواما قواما، وارفق بمحب آل محمد فانه إن تزل [لهم] قدم بكثرة ذنوبهم، ثبتت لهم اخرى بمحبتهم، فان محبهم يعود إلى الجنة ومبغضهم يعود إلى النار (2). 63 - بشا: عن أبي علي ابن شيخ الطائفة، عن أبيه، عن المفيد، عن المراغي عن ابن عيسى، عن ابن البطائني. وعن المفيد أيضا، عن أحمد بن الوليد عن أبيه، عن الصفار، عن عبد الله بن الوليد قال: دخلنا على أبي عبد الله عليه السلام في زمن بني مروان فقال: ممن أنتم ؟ قلنا: من أهل الكوفة، قال: ما من أهل البلدان أكثر محبا


(1) في حياتك خ ل والشاكة جمع شائك: ذو الشوك. (2) بشارة المصطفى: 89 (*).

[132]

لنا من أهل الكوفة، لا سيما هذه العصابة، إن الله هداكم لامر جهله الناس فأحببتمونا وأبغضنا الناس، وتابعتمونا وخالفنا الناس، وصدقتمونا وكذبنا الناس، فأحياكم الله محيانا، وأما تكم مماتنا، فأشهد علي أبي أنه كان يقول: ما بين أحدكم وبين أن يرى ما تقربه عينيه أو يغتبط إلا أن تبلغ نفسه ههنا وأهوى بيده إلى حلقه وقد قال الله عزوجل في كتابه " ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية " فنحن ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله (1). 64 - بشا: عن عمر بن محمد بن حمزة العلوي وسعيد بن محمد الثقفي، عن محمد ابن عبد الرحمن العلوي، عن جعفر بن محمد الجعفري وزيد بن جعفر بن حاجب، عن محمد بن القاسم المحاربي، عن الحسن بن محمد بن عبد الواحد، عن حرب بن حسن الطحان، عن يحيى بن مساور، عن بشير النبال، كان يرمي بالنبل، قال: اشتريت بعيرا نضوا فقال لي قوم يحملك، وقال قوم: لا يحملك، فركبت ومشيت حتى وصلت المدينة، وقد تشقق وجهي ويداي ورجلاي فأتيت باب أبي جعفر فقلت: يا غلام استأذن لي عليه، قال: فسمع صوتي فقال: ادخل يا بشير مرحبا يا بشير ما هذا الذي أرى بك ؟ قلت: جعلت فداك اشتريت بعيرا نضوا فركبت ومشيت فشقق وجهي ويداي ورجلاي، قال: فما دعاك إلى ذلك ؟ قال: قلت: حبكم والله جعلت فداك، قال: إذا كان يوم القيامة فزع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الله، وفزعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وفزعتم إلينا فالى أين ترونا نذهب بكم ؟ إلى الجنة ورب الكعبة إلى الجنة ورب الكعبة (2). بيان: " وكان يرمي بالنبل " أي لقب بالنبال لرميه بالنبل، لا لانه كان صانعه، في القاموس النبل أي بالفتح السهام بلا واحد أو نبلة، والجمع أنبال ونبال والنبال صاحبه وصانعه ونبله رماه به وقال: النضو بالكسر المهزول من الابل و غيرها، " فركبت " أي أحيانا " ومشيت " أحيانا.


(1) المصدر ص 98 والاية في الرعد: 38. (2) المصدر ص 105 (*).

[133]

65 - بشا: عن محمد بن عبد الوهاب الرازي، عن محمد بن أحمد بن الحسين عن الحسن بن علي الصفار، عن أبي عمران مهدي، عن ابن عقدة، عن محمد بن أحمد القطواني، عن إبراهيم بن أنس، عن إبراهيم بن جعفر بن عبد الله، عن ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله فأقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وآله: قد أتاكم أخي ثم التفت إلى الكعبة، فضربها بيده وقال: والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ثم قال: إنه أولكم إيمانا معي، وأوفاكم بعهد الله، وأقومكم بأمر الله عزوجل، وأعدلكم في الرعية وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية، قال: ونزلت " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية " (1). 66 - بشا: عن يحيى بن محمد الجواني، عن الحسين بن علي الداعي عن جعفر بن محمد الحسيني، عن محمد بن عبد الله الحافظ، عن عبد الباقي بن نافع والحسن بن محمد الازهري، عن محمد بن زكريا بن دينار، عن يحيى بن أبي كثير عن أبيه، عن أبي هريرة قال: إنما سميت فاطمة فاطمة صلوات الله عليها لان الله فطم من أحبها من النار. وعن يحيى، عن جامع بن أحمد، عن علي بن الحسن بن العباس، عن إبراهيم بن محمد الثعالبي، عن يعقوب بن أحمد السري، عن محمد بن عبد الله بن محمد عن عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما سميت ابنتي فاطمة لان الله فطمها وفطم من أحبها من النار (2). 67 - بشا: عن ابن شيخ الطائفة، عن أبيه، عن الفحام، عن المنصوري، عن عم أبيه، عن علي بن محمد العسكري، عن آبائه، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه عليهم السلام، عن جابر، قال الفحام وحدثني عمي عمر بن يحيى، عن إبراهيم بن


(1) المصدر ص 110، والاية في البينة: 7. (2) بشارة المصطفى ص 159 (*).

[134]

عبد الله البلخي، عن الضحاك بن مخلد، عن الصادق، عن أبيه عليهما السلام، عن جابر ابن عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله أنا من جانب، وعلي أمير المؤمنين عليه السلام من جانب إذ أقبل عمر بن الخطاب ومعه رجل قد تلبب به (1) فقال: ما باله ؟ قال: حكى عنك يا رسول الله أنك قلت يارسول الله: " من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة " وهذا إذا سمعه الناس فرطوا في الاعمال، أفأنت قلت ذاك يارسول الله: قال: نعم، إذا تمسك بمحبة هذا وولايته (2). 68 - بشا: عن أبي علي ابن شيخ ! الطائفة، عن أبيه، عن الحسن بن يحيى الفحام، عن عمه عمر بن يحيى، عن محمد بن سليمان بن عاصم، عن أحمد بن محمد العبدي عن علي بن الحسن الاموي، عن العباس بن عبيد الله، عن ابن طريف، عن ابن نباته عن ابي مريم، عن سلمان قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وآله إذ أقبل علي بن أبي طالب عليه السلام فناوله النبي صلى الله عليه وآله الحصاة فلما استقرت الحصاة في كف علي عليه السلام نطقت وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبعلي ابن أبي طالب وليا ثم قال النبي صلى الله عليه وآله: من أصبح منكم راضيا بالله، وبولاية علي ابن أبي طالب عليه السلام فقد أمن خوف الله وعقابه (3). 69 - بشا: عن يحيى بن محمد الجواني، عن جامع بن أحمد، عن علي بن الحسن بن العباس، عن أحمد بن محمد الثعالبي، عن يعقوب بن أحمد السرى عن محمد بن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن أحمد بن عامر، عن أبيه، عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول لله صلى الله عليه وآله: يا علي [إذا كان] يوم القيامة أخذت بحجزة الله عزوجل، وأخذت أنت بحجزتي، وأخذ ولدك بحجزتك، وأخذ شيعة ولدك بحجزتهم، فترى أين يؤمر بنا ؟ قال أبو القاسم الطائي: سألت أبا العباس ثعلب عن الحجزة، فقال: هي السبب، وسألت نفطويه النحوي، عن ذلك فقال: هي السبب، قال محمد بن أبي القاسم الطبري: وهي العصمة من الله تعالى


(1) والرجل أبو هريرة الدوسى على ما هو المشهور في أحاديثهم. (2 و 3) بشارة المصطفى: 162 و 163 وأمالى الطوسى ج 1 ص 288 و 289 (*).

[135]

وذمته التي لا تخفر، وحبله الذي من تمسك به لم ينقطع عنه، وقد أمر الله تعالى بالتمسك به فقال: " واعتصموا بحبل الله جميعا " يعني بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام وولاية الائمة المعصومين عليهم السلام وفقنا الله وإياكم لطاعته وطاعة أولي الامر ومحبته ومحبتهم بحق محمد وآله صلى الله عليه وعليهم (1). 70 - بشا: عن ابن شيخ الطائفة، عن والده، عن الفحام، عن عمه عمر بن يحيى، عن عبد الله بن عامر، عن أبيه أحمد بن عامر، عن الرضا، عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة أنا لهم الشفيع يوم القيامة المحب لاهل بيتي، والموالي لهم والمعادي فيهم، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم فيما ينوبهم من امورهم (2). 71 - بشا: عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن علي ابن الحسن القطان، عن محمد بن رميح، عن أحمد بن يعقوب، عن محمد بن خالد ابن سليمان، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن لله عمودا من ياقوتة حمراء مشبكة بقوائم العرش لا ينالها إلا علي وشيعته (3). وبهذا الاسناد عن محمد بن عبد الله السجستاني، عن أحمد بن عبيد الله، عن إسماعيل بن بشر، عن أحمد بن يعقوب مثله (4). 72 - بشا: بهذا الاسناد عن عبد الله بن أحمد الصفار البخاري، عن عبد الله ابن محمد بن يعقوب، عن محمد بن الحسين بن حفص، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن قصبة، عن سوار الاعمى، عن داود بن أبي عوف أبي الجحاف، عن محمد بن عمير، عن فاطمة، عن ام سلمة قالت: كانت ليلتي من رسول الله عندي


(1) بشارة المصطفى ص 166، والاية في آل عمران: 103. (2) بشارة المصطفى ص 171، أمالى الطوسى ج 1 ص 286. (3) المصدر ص 186. (4) المصدر ص 192 (*).

[136]

فجاءت فاطمة وتبعها علي عليهما السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أبشر يا علي أنت وأصحابك في الجنة، أبشر يا على أنت وشيعتك في الجنة تمام الخبر (1). 73 - بشا: عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن أبي الحسين بن أبي الطيب بن شعيب، عن أحمد بن أبي القاسم القرشي، عن عيسى ابن مهران، عن مخول بن إبراهيم، عن جابر الجعفي، عن عبيدالله بن شريك عن الحارث، عن علي عليه السلام قال: أتيت أمير المؤمنين عليا بعد هدأة من الليل فقال: ما جاء بك يا أعور ؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين حبك، قال: الله الذي لا إله إلا هو ؟ وأعاد علي ذلك ثلاثا، وقال: أما إنك ستراني في ثلاث مواطن: حين تبلغ نفسك ههنا وأشار مخول إلى حلقه، وعلى الصراط، وعند الحوض (2). بيان: في القاموس هدأ كمنع هدءا وهدوءا: سكن، وأتانا بعد هدء من الليل وهدء وهدأة أي حين هدأ الليل والرجل، أو الهدء أول الليل إلى ثلثه (3) " الله " مجرور على القسم، بتقدير حرف الاستفهام. 74 - بشا: عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن أحمد بن أبي جعفر البيهقي، عن محمد بن إبراهيم بن حسنويه، عن عبد الله بن علي، عن محمد بن صالح، عن موسى بن عمران، عن أبي عمرو الفراء، عن داود بن أبي السبيك، عن أبي هارون العبدي قال: خرجت عام الحرة، فإذا جمع من الناس، فقلت: ما هذا الجمع ؟ فقيل: هذا أبو سعيد الخدري قال: فانتهيت إليه وقلت: حدثني في علي بن أبيطالب عليه السلام فقال أبو سعيد: أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله مناديا ينادي: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة، فاستقبل المنادي عمر بن الخطاب فسأله أعام هو أم خاص ؟ قال: فرجع المنادي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: أمرتني أن انادي في الناس وإن عمر استقبلني فقال: أعام هو أم خاص ؟ قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله بيده على.


(1) بشارة المصطفى ص 188. (2) المصدر ص 187. (3) القاموس ج 1 ص 33 (*).

[137]

منكب علي عليه السلام فقال: هي لهذا وشيعته (1). 75 - بشا: عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن الصدوق عن محمد بن عمر الحافظ، عن عبد الله بن يزيد، عن محمد بن ثواب، عن إسحاق بن منصور، عن كادح، عن أبي جعفر البجلي، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الرحمن ابن زياد، عن سالم بن يسار، عن جابر بن عبد الله قال: لما قدم علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بفتح خيبر، قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: لو لا أن يقول فيك طوايف من امتي ما قالت النصارى للمسيح عيسى بن مريم لقلت اليوم فيك مقالا لا تمر بملاء إلا أخذوا التراب من تحت رجليك، ومن فضل طهورك يستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك، وإنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا نه لا نبي بعدي. وإنك تبرئ ذمتي وتقاتل على سنتي، وإنك غدا على الحوض خليفتي و إنك أول من يرد علي الحوض وإنك أول من يكسى معي، وإنك أول داخل الجنة من أمتي، وإن شيعتك على منابر من نور مضيئة وجوههم حولي أشفع لهم ويكونوا غدا في الجنة جيراني، وإن حربك حربي، وسلمك سلمي، وإن سرك سري وعلانيتك علانيتي، وإن سريرة صدرك كسريرتي، وإن ولدك ولدي، وإنك تنجز عداتي، وإن الحق معك وعلى لسانك وقلبك وبين عينيك والايمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وإنه لن يرد علي الحوض مبغض لك ولن يغيب عنك محب لك حتى يرد الحوض معك. فخر ساجدا وقال: الحمد لله الذي أنعم علي بالاسلام، وعلمني القرآن، و حببني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين إحسانا منه وفضلا علي، فقال النبي صلى الله عليه وآله: لو لا أنت لم يعرف المؤمنون بعدي (2). 76 - جع: قال النبي صلى الله عليه وآله: من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا و


(1) المصدر ص 189. (2) المصدر ص 190 (*).

[138]

من مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة، ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره قرار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة و الجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه " آيس من رحمة الله " ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافرا، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة (1). 77 - بشا: عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن أحمد ابن محمد بن عباد الرازي، عن محمد بن أحمد المدايني، عن جابر بن عبد الله، عن محمد ابن علي [عن أبيه] زين العابدين أنه أتاه رجل فقال: أخبرني بحديث فيكم خاصة، قال: نعم نحن خزان علم الله، وورثة وحي الله، وحملة كتاب الله طاعتنا فريضة وحبنا إيمان، وبغضنا نفاق، محبونا في الجنة، ومبغضونا في النار، خلقنا ورب الكعبة من طينة عذب لم يخلق منها سوانا، وخلق محبونا من طين أسفل، فإذا كان يوم القيامة الحقت السفلى بالعليا، فأين ترى الله يفعل بنبيه ؟ وأين ترى نبيه يفعل بولده ؟ وأين ترى ولده يفعلون بمحبيهم وشيعتهم كل إلى جنان رب العالمين. (2). 78 - بشا: بهذا الاسناد، عن عبد الصمد، عن إبراهيم بن أحمد، عن محمد بن الفيض الغاني، عن هشام بن عمار، عن خالد بن عبد الله، عن أيوب السجستاني، عن أبي قلابة قال: سألت أم سلمة رضي الله عنها عن شيعة علي عليه السلام: فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: شيعة علي هم الفائزون يوم القيامة (3). 79 - بشا: بهذا الاسناد عن عبد الصمد، عن محمد بن عبد الله بن محمد، عن عبد الملك بن محمد، عن أحمد بن يحيى الاودى، عن إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن حريث، عن


(1) جامع الاخبار ص 193. (2) بشارة المصطفى ص 192. (3) المصدر ص 197 (*).

[139]

داود بن السليل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يدخل الجنة من امتي سبعون ألفا لاحساب عليهم ولا عذاب، ثم التفت إلى علي عليه السلام فقال: هم شيعتك وأنت إمامهم (1). فض، يل: عن ابن عباس، عنه صلى الله عليه وآله مثله. 80 - بشا: بهذا الاسناد عن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن دينار، عن أبيه عن أحمد بن سالم، عن محمد بن يحيى بن ضريس، عن محمد بن جعفر، عن نصر ابن مزاحم وابن أبي حماد، عن أبي داود عن عبد الله بن شريك، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أقبل أبو بكر وعمر والزبير و عبد الرحمن بن عوف جلسوا بفناء رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله: فجلس إليهم فانقطع شسعه، فرمى بنعله إلي علي بن أبي طالب عليه السلام ثم قال: إن عن يمين الله عزوجل - أو عن يمين العرش - قوما منا على منابر من نور، وجوههم من نور، وثيابهم من نور، تغشى وجوههم أبصار الناظرين دونهم، قال أبو بكر: من هم يا رسول الله ؟ فسكت، فقال الزبير: من هم يا رسول الله ؟ فسكت ؟ فقال عبد الرحمن: من هم يا رسول الله ؟ فسكت فقال علي عليه السلام: من هم يا رسول الله ؟ فقال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أنساب ولا أموال اولئك شيعتك وأنت إمامهم يا علي. (2). بيان: " بروح الله " أي برحمته أو بدينه وعلمه أو بخلفائه، والحاصل أن حبهم لله لا للاحساب والاموال والانساب، وسائر الامور الدنيوية. 81 - بشا: بالاسناد إلى الصدوق، عن الدقاق، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن عمر بن عبد الله، عن الحسن بن الحسين بن عاصم، عن عبد الله بن محمد العلوي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام قال: حدثني سلمان الخير رضي الله عنه فقال: يا أبا الحسن قل ما أقبلت أنت وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله: إلا قال:


(1) المصدر ص 199. (2) المصدر ص 200 (*).

[140]

يا سلمان هذا وحزبه هم المفلحون يوم القيامة (1). 82 - كنز: بحذف الاسناد مرفوعا، عن مولانا علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: المؤمن على أي حال مات وفي أي ساعة قبض، فهو شهيد، ولقد سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن المؤمن إذا خرج من الدنيا وعليه مثل ذنوب أهل الارض، لكان الموت كفارة لتلك الذنوب، ثم قال عليه السلام: من قال: لا إله إلا الله بالاخلاص، فهو برئ من الشرك ومن خرج من الدنيا لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ثم تلا هذه الاية " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (2) وهم شيعتك ومحبوك يا علي، فقلت: يا رسول الله هذا لشيعتي ؟ فقال: إي وربي لشيعتك ومحبيك، خاصة، وإنهم ليخرجون من قبورهم، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله، فيؤتون بحلل خضر من الجنة، وأكاليل من الجنة وتيجان من الجنة ويلبس كل واحد منهم حلة خضراء وتاج الملك وإكليل الكرامة، ويركبون النجائب فتطير بهم إلى الجنة " لا يحزنهم الفزع الاكبر، وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون " (3). 83 - نبه: كتب أحمد بن حماد أبو محمود إلى أبي جعفر عليه السلام كتابا طويلا فأجابه في بعض كتابه: أما الدنيا فنحن فيه مفترقون في البلاد، ولكن من هوى هوى صاحبه، ودان بدينه فهو معه، وإن كان نائيا عنه، وأما الاخرة فهي دار القرار. 84 - كنز: روي علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الله بن شريك العامري، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) المصدر ص 219. (2) النساء: 48. (3) الانبياء: 103 (*).

[141]

لعلي عليه السلام: يا علي يخرج يوم القيامة قوم من قبورهم بياض وجوههم كبياض الثلج، عليهم ثياب بياضها كبياض اللبن، عليهم نعال الذهب شراكها من اللؤلؤ يتلالا، فيؤتون بنوق من نور، عليها رحائل الذهب، مكللة بالدر والياقوت فيركبون عليها حتى ينتهوا إلى عرش الرحمن، والناس في الحساب يهتمون ويغتمون وهؤلاء يأكلون ويشربون، فرحون، فقال أمير المومنين عليه السلام: من هؤلاء يا رسول الله ؟ قال: هم شيعتك وأنت إمامهم، وهو قول الله عزوجل " يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا " على الرحائل و " نسوق المجرمين إلى جهنم وردا (1) " وهم أعداؤك يساقون إلى النار بلا حساب. توضيح: قال الجوهري: الرحالة سرج من جلود ليس فيه خشب كانوا يتخذونه للركض الشديد والجمع الرحائل. 85 - مجمع البيان: عن العياشي بالاسناد، عن منهال القصاب قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ادع الله أن يرزقني الشهادة فقال: المؤمن شهيد، ثم تلا " والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ". روي أيضا، عن الحارث بن المغيرة قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام، فقال: العارف منكم هذا الامر المنتظر له المحتسب فيه الخير كمن جاهد والله مع قائم آل محمد بسيفه، ثم قال: بل والله كمن جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله بسيفه، ثم قال الثالثة: بل والله كمن استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله في فسطاطه، وفيكم آية في كتاب الله: قلت: وأي آية جعلت فداك ؟ قال: قول الله تعالى: " والذين آمنوا بالله ورسله اولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم " ثم قال صرتم والله صادقين، شهداء عند ربكم. (2) 86 - كنز: روى صاحب كتاب البشارات مرفوعا إلى الحسين بن أبي حمزة عن أبيه قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك قد كبر سني ودق عظمي و


(1) مريم: 85 - 86. (2) مجمع البيان ج 9 ص 238. والاية في سورة الحديد: 19 (*).

[142]

اقترب أجلي وقد خفت أن يدركني قبل هذا الامر الموت، قال: فقال لي: يا أبا حمزة أو ما ترى الشهيد إلا أن قتل ؟ قلت: نعم جعلت فداك، فقال لي: يا أبا حمزة من آمن بنا وصدق حديثنا، وانتظر أمرنا، كان كمن قتل تحت راية القائم، بل والله تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله. وعن أبى بصير قال: قال لي الصادق عليه السلام: يا أبا محمد إن الميت على هذا الامر شهيد، قال: قلت: جعلت فداك وإن مات على فراشه ؟ قال: وإن مات على فراشه، فانه حي يرزق. 87 - كنز: روي مرفوعا، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلق الله من نور وجه علي بن أبيطالب عليه السلام سبعين ألف ملك، يستغفرون له و لمحبيه إلى يوم القيامة. وروى أبو نعيم، عن محمد بن حميد باسناده عن عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام: قال: قال سلمان الفارسي: يا أبا الحسن ما طلعت على رسول الله صلى الله عليه وآله: إلا وضرب بين كتفي وقال: يا سلمان هذا وحزبه هم المفلحون. 88 - ختص: عن محمد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم عن حبيب السجستاني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: لاعذ بن كل رعية في الاسلام أطاعت كل إمام ليس من الله، وإن كانت الرعية بارة تقية ولاعفون عن كل رعية أطاعت كل إمام عادل من الله وإن كانت الرعية ظالمة مسيئة (1). أقول: رواه الصدوق في كتاب فضائل الشيعة بإسناده، عن السجستاني وفيه دانت لولاية كل إمام في الموضعين (2). 89 - وبإسناده عن الثمالي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أنتم أهل تحية


(1) الاختصاص ص 259. (2) فضائل الشيعة ص 144، وهكذا الاحاديث الاتية (*).

[143]

الله وسلامه، وأنتم أهل أثرة الله برحمته، وأهل توفيق الله وعصمته، وأهل دعوة الله بطاعته لا حساب عليكم ولا خوف ولا حزن. قال أبو حمزة وسمعته يقول: رفع القلم عن الشيعة بعصمة الله وولايته، قال: وسمعته عليه السلام يقول: إني لاعلم قوما قد غفر الله لهم ورضي عنهم، وعصمهم و رحمهم وحفظهم من كل سوء، وأيدهم وهداهم إلى كل رشد، وبلغ بهم غاية الامكان، قيل: من هم يا أبا عبد الله، قال: اولئك شيعتنا الابرار، شيعة علي عليه السلام. وقال عليه السلام: نحن الشهداء على شيعتنا، وشيعتنا شهداء على الناس، وبشهادة شيعتنا يجزون ويعاقبون. بيان: في المصباح آثرته بالمد فضلته واستأثر بالشئ استبد به والاسم الاثرة كقصبة وفي القاموس الاثره بالضم المكرمة المتوارثة والبقية من العلم تؤثر كالاثرة والاثارة وآثر اختار، وفلان أثيري أي من خلصائي. والاكثر هنا مناسب. 90 - فضائل الشيعة: عن أبيه، عن سعد، عن عباد بن سليمان، عن محمد ابن سليمان، عن أبيه، عن ابن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: جعلت فداك " فلا اقتحم العقبة " قال: فقال من أكرمه الله بولايتنا فقد جاز العقبة، ونحن تلك العقبة من اقتحمها نجا، قال: فسكت ثم قال: هلا أفيدك حرفا خيرا من الدنيا وما فيها ؟ قال: قلت: بلى جعلت فداك قال: قوله تعالى: " فك رقبة " الناس كلهم عبيد النار غيرك وأصحابك، فان الله عزوجل فك رقابهم من النار بولايتنا أهل البيت (1). وباسناده عن أبي عبد الله الجدلي قال: قال علي عليه السلام: يا أبا عبد الله ألا احدثك بالحسنة التي من جاء بها أمن من فزع يوم القيامة، والسيئة التي من جاء بها أكبه الله على وجهه في النار ؟ قال: قلت: بلى، قال: الحسنة حبنا


(1) فضائل الشيعة ص 150، والاية في البلد: 13 (*).

[144]

والسيئة بغضنا (1) وباسناده عن ابن فضال، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أنتم للجنة، والجنة لكم، أسماؤكم عندنا الصالحون والمصلحون، أنتم أهل الرضى عن الله لرضاه عنكم، والملائكة إخوانكم في الخير إذا اجتهدوا (2). وبهذا الاسناد عنه عليه السلام قال: دياركم لكم جنة وقبوركم لكم جنة، للجنة خلقتم، وإلى الجنة تصيرون (3). - 91 - كنز عن الصدوق، عن ماجيلويه باسناده عن رجاله، عن حنظلة، عن ميسرة قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: والله لا يرى منكم في النار اثنان لا والله ولا واحد، قال: قلت: فأين ذلك من كتاب الله ؟ قال: فأمسك عني سنة قال: فاني معه ذات يوم في الطواف إذ قال لي: اليوم اذن لي في جوابك عن مسألة كذا، قال: فقلت: فأين هو من القرآن ؟ قال: في سورة الرحمن وهو قول الله عزوجل " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه " منكم " إنس ولا جان " (4) فقلت له: ليس فيها " منكم " قال: إن أول من غيرها ابن أروى (5) وذلك أنها حجة عليه، وعلى أصحابه ولو لم يكن فيها منكم لسقط عقاب الله عن خلقه، إذا لم يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فلمن يعاقب إذا كان يوم القيامة ؟. 92 - محص، رياض الجنان: عن فرات بن أحنف قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجل من هؤلاء الملاعين فقال: والله لاسوءنه في شيعته فقال: يا أبا عبد الله أقبل إلي فلم يقبل إليه فأعاد فلم يقبل إليه، ثم أعاد الثالثة فقال: ها أنا ذا مقبل


(1) فضائل الشيعة ص 154. (2 و 3) فضائل الشيعة ص 155. (4) الرحمن: 36. (5) يعنى به عثمان نسبه عليه السلام إلى امه اروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وامها البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله (*).

[145]

فقل، ولن تقول خيرا فقال: إن شيعتك يشربون النبيذ فقال: وما بأس بالنبيذ أخبرني أبي عن جابر بن عبد الله أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يشربون النبيذ فقال: ليس أعنيك النبيذ أعنيك المسكر، فقال: شيعتنا أزكى وأطهر من أن يجري للشيطان في أمعائهم رسيس، وإن فعل ذلك المخذول منهم فيجد ربا رؤفا ونبيا بالاستغفار له عطوفا ووليا له عند الحوض ولوفا، وتكون أنت وأصحابك ببرهوت ملوفا. قال: فافحم الرجل وسكت، ثم قال: ليس أعنيك المسكر إنما أعنيك الخمر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: سلبك الله لسانك ما لك تؤذينا في شيعتنا منذ اليوم أخبرني أبي، عن علي بن الحسين، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله، عن جبرئيل صلوات الله عليهم، عن الله عزوجل أنه قال: يا محمد إنني حظرت الفردوس على جميع النبيين حتى تدخلها أنت وعلي وشيعتكما إلا من اقترف منهم كبيرة فاني أبلوه في ماله أو بخوف من سلطانه، حتى تلقاه الملائكة بالروح والريحان، وأنا عليه غير غضبان، فيكون ذلك حلا لما كان منه، فهل عند أصحابك هؤلاء شئ من هذا ؟ فلم أودع. بيان: " رسيس " أي شئ ثابت كناية عن الاعتياد أو قليل أوجب للحرام أو ابتداؤه في القاموس: الرس ابتداء الشئ، ومنه رس الحمى ورسيسها والاصلاح والافساد والحفر والدس والرسيس الشئ الثابت وابتداء الحب والحمى، وقال: الوليف البرق المتتابع اللمعان، كالولوف، وضرب من العد وتقع القوائم معا وأن يجئ القوم معا (1). والولاف والمؤالفة الالاف والاعتزاء والاتصال، وقال: لاف الطعام


(1) القاموس ج 3 ص 206، وقال في الهامش: وأن يجئ القوم معا، هكذا في سائر النسخ ومثله في العباب والصحاح، وفى اللسان، وكذلك أن تجيئ القوائم معا، فانظره وتأمل انتهى. أقول: وفى الصحاح المطبوعة أخيرا ص 1441: ضرب من العدو وهو أن تقع القوائم معا وكذلك أن يجيئ القوم معا قال الكميت: وولى باجريا ولاف كأنه * على الشرف الاقصى يساط ويكلب (*).

[146]

كمنع أكله أكلا جيدا وقال: لفت الطعام لوفا أكلته أو مضغته، واللؤف من الكلاء والطعام مالا يشتهى وكلا ملوف قد غسله المطر. " فلم أودع " أي إذا عرفت ذلك فان شئت فلم أي اثبت على الملامة فتعذب أو اترك الملامت لتنجو منه. 93 - محص: عن الكناني قال: كنت أنا وزرارة عند أبي عبد الله عليه السلام فقال: لا تطعم النار أحدا وصف هذا الامر، فقال زرارة: إن ممن يصف هذا الامر يعمل بالكبائر ؟ فقال: أو ما تدري ما كان أبي يقول في ذلك ؟ إنه كان يقول: إذا أصاب المؤمن من تلك الموبقات شيئا ابتلاه الله ببلية في جسده أو بخوف يدخله الله عليه حتى يخرج من الدنيا وقد خرج من ذنوبه. 94 - محص: عن زكريا ابن آدم قال: دخلت على أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال: يا زكريا ابن آدم شيعة علي رفع عنهم القلم، قلت: جعلت فداك فما العلة في ذلك ؟ قال: لانهم اخروا في دولة الباطل يخافون على أنفسهم، ويحذرون على إمامهم يا زكريا ابن آدم ما أحد من شيعة علي أصبح صبيحة أتى بسيئة أو ارتكب ذنبا إلا أمسى وقد ناله غم حط عنه سيئته، فكيف يجري عليه القلم. 95 - ما: بإسناده، عن إبراهيم بن صالح، عن سلام الحناط، عن هاشم ابن سعيد وسليمان الديلمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كنت مع أبي حتى انتهينا إلى القبر والمنبر فإذا اناس من أصحابه فوقف عليهم فسلم، وقال: والله إني لاحبكم واحب ريحكم وأرواحكم، فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد، فانكم لن تنالوا ولايتنا إلا بالوع والاجتهاد، من أئتم بإمام فليعمل بعمله. ثم قال: أنتم شرطة الله، وأنتم شيعة الله، وأنتم السابقون الاولون والسابقون الاخرون أنتم السابقون في الدنيا إلى محبتنا، والسابقون في الاخرة إلى الجنة ضمنا لكم الجنة بضمان الله عزوجل، وضمان رسوله، أنتم الطيبون، ونساؤكم الطيبات، كل مؤمن صديق وكل مؤمنة حوراء كم من مرة قد قال علي عليه السلام لقنبر: بشر و أبشر واستبشر، فوالله لقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وإنه لساخط على جميع امته

[147]

إلا الشيعة. إن لكل شئ عروة وإن عروة الدين الشيعة، ألا وإن لكل شئ شرفا وشرف الدين الشيعة، ألا وإن لكل شئ إماما وإن إماما الارض تسكنها الشيعة ألا وإن لكل شئ شهوة وإن شهوة الدنيا لسكني الشيعة فيها، والله لولا ما في الارض منكم ما رمت بعشب أبدا، ومالهم في الارض من نصيب، كل مخالف والله وإن تعبد واجتهد منسوب إلى هذه الاية " عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية " (1) والله ما دعا مخالف دعوة خير إلا كانت إجابة دعوته لكم، ولا دعا أحد منكم دعوة إلا كانت له من الله مائة، ولا سأله مسألة إلا كانت له من الله مائة، ولا عمل أحد منكم حسنة إلا لم يحص تضاعيفها، والله إن صائمكم ليرتع في رياض الجنة والله إن حاجكم ومعتمر كم لمن خاصة الله، وإنكم جميعا لاهل دعوة الله، وأهل إجابته، لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون كلكم في الجنة فتنافسوا في الدرجات، فوالله ما أحد أقرب إلى عرش الله بعدنا من شيعتنا، حبذا شيعتنا ما أحسن صنع الله إليهم والله لقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: يخرج شيعتنا من قبورهم مشرقة وجوههم، قريرة أعينهم، قد اعطوا الامان يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون والله ما سعى أحد منكم إلى الصلاة إلا وقد اكتنفته الملائكة من خلقه، يدعون الله له بالفوز حتى يفرغ، ألا إن لكل شئ جوهرا وجوهر ولد آدم محمد صلى الله عليه وآله ونحن وأنتم. قال سليمان: وزاد فيه عيثم بن أسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو لا مال في الارض منكم ما زخرفت الجنة ولا خلقت حوا، ولا رحم وطفل، ولا أرتعت بهيمة والله إن الله أشد حبالكم منا (2). 96 - كتاب زيد النرسسى: قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: الرجل من مواليكم يكون عارفا يشرب الخمر، ويرتكب الموبق من الذنب نتبرأ منه ؟ فقال:


(1) الغاشية: 3 - 4. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 332 (*).

[148]

تبروأ من فعله ولا تبرؤوا منه، أحبوه وابغضوا عمله، قلت: فيسعنا أن نقول: فاسق فاجر ؟ فقال: لا، الفاسق الفاجر: الكافر الجاحد لنا الناصب لاوليائنا أبى الله أن يكون ولينا فاسقا فاجرا، وإن عمل ما عمل، ولكنكم تقولون فاسق العمل فاجر العمل، مؤمن النفس خبيث الفعل، طيب الروح والبدن، والله ما يخرج ولينا من الدنيا إلا والله ورسوله ونحن عنه راضون، يحشره الله على ما فيه من الذنوب مبيضا وجهه، مستورة عورته، آمنة روعته، لا خوف عليه ولا حزن، وذلك أنه لا يخرج من الدنيا حتى يصفى من الذنوب، إما بمصيبة في مال أو نفس أو ولد أو مرض، وأدنى ما يصفى به ولينا أن يريه الله رؤيا مهولة فيبح حزينا لما رأى فيكون ذلك كفارة له، أو خوفا يرد عليه من أهل دولة الباطل، أو يشدد عليه عند الموت، فيلقى الله طاهرا من الذنوب، آمنا روعته بمحمد صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام ثم يكون أمامه أحد الامرين: رحمة الله الواسعة التي هي أوسع من ذنوب أهل الارض جميعا، وشفاعة محمد وأمير المؤمنين صلى الله عليهما، إن أخطأته رحمة ربه أدركته شفاعة نبيه وأمير المؤمنين صلى الله عليهما فعندها تصيبه رحمة ربه الواسعة. 97 - سن: عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه، عن سليمان خالد قال: كنت في محملي أقرء إذ ناداني أبو عبد الله عليه السلام أقرئ يا سليمان فأنا في هذه الايات التي في آخر تبارك " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما " (1) فقال: هذه فينا أما والله لقد وعظنا وهو يعلم أنا لا نزني، اقرأ يا سليمان فقرأت حتى انتهيت إلى قوله " إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " قال: قف هذه فيكم إنه يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عزوجل فيكون هو الذي يلي حسابه، فيوقفه على سيئاته شيئا شيئا فيقول: عملت كذا في يوم كذا في ساعة كذا، فيقول: أعرف يا رب حتى يوقفه على سيئاته كلها كل ذلك يقول: أعرف، فيقول: سترتها عليك في الدنيا وأغفرها لك اليوم


(1) الفرقان: 67 وما بعدها ذيلها إلى الاية: 70 (*).

[149]

فبدلوها لعبدي حسنات، قال: فترفع صحيفته للناس، فيقولون: سبحان الله [أ] ما كانت لهذا العبد سيئة واحدة ؟ فهو قول الله عزوجل: " فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات " (1). أقول: قد مرت أخبار كثيرة من هذا الباب في أبواب المعاد من الحوض و الشفاعة وأحوال المؤمنين والمجرمين في القيامة وغيرها وأبواب فضائل الائمة عليهم السلام. 19. * ((باب)) * * " (صفات الشيعة، وأصنافهم) " * * " (وذم الاغترار، والحث على العمل والتقوى) " * 1 ب: عن هارون، عن ابن صدقة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلوات كيف محافظتهم عليها ؟ وإلى أسرارنا كيف خفظهم لها عند عدونا ؟ وإلى أموالهم كيف مواساتهم لاخوانهم فيها ؟ (2). 2 - ل عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الاشعري، عن محمد بن عيسى، عن أبي محمد الانصاري، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: قال لي أبو جعفر عليه السلام: يا أبا المقدام إنما شيعة علي عليه السلام الشاحبون الناحلون (3) الذابلون، ذابلة شفاههم، خميصة بطونهم، متغيرة ألوانهم مصفرة وجوههم، إذا جنهم الليل اتخذوا الارض فراشا، واستقبلوا الارض بجباههم، كثير سجودهم


(1) المحاسن ص 170. (2) قرب الاسناد ص 52، الطبعة الحروفية. (3) الشاحب: المتغير اللون، والناحل: المهزول الذاهب الجسم من مرض أو سقم أو سفر أو كآبة، والذابل: الذى ذهب نضارته وماء جلده بعد الرى، ذبل شفتاه ولسانه من عطش أو كرب: جفت ويبست، وخمص بطنه: ضمر كأنه لصق بطنه بظهره، واصفرار الوجوه كناية عن شدة حالهم وفقرهم (*).

[150]

كثيرة دموعهم، كثير دعاؤهم، كثير بكاؤهم، يفرح الناس وهم محزنون (1). تم: باسناده عن سعد، عن محمد بن عيسى مثله. بيان: " اتخذوا الارض فراشا " أي يسجدون على الارض بدلا من النوم على الفراش أو ينامون على الارض بدون فرش " واستقبلوا الارض بجباههم " للسجود. 3 - ن: عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن منصور بن عبد الله الاصفهاني، عن علي بن عبد الله الاسكندراني، عن أحمد بن علي بن مهدى الرقي عن أبيه، عن علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي طوبى لمن أحبك وصدق بك وويل لمن أبغضك وكذب بك، محبوك معروفون في السماء السابعة، والارض السابعة السفلى وما بين ذلك هم أهل الدين والورع والسمت الحسن، والتواضع لله عزوجل خاشعة أبصارهم وجلة قلوبهم لذكر الله عزوجل، وقد عرفوا حق ولايتك، وألسنتهم ناطقة بفضلك وأعينهم ساكبة تحننا عليك وعلى الائمة من ولدك يدينون الله بما أمرهم به في كتابه وجاءهم به البرهان من سنة نبيه عاملون بما يأمرهم به اولوا لامر منهم، متواصلون غير متقاطعين، متحابون غير متباغضين، إن الملائكة لتصلي عليهم، وتؤمن على دعائهم، وتستغفر للمذنب منهم، وتشهد حضرته وتستوحش لفقده إلى يوم القيامة (2). بيان: في النهاية السمت الهيئة الحسنة، ومنه فينظرون إلى سمته وهديه: أي حسن هيئته ومنظره في الدين، وفلان حسن السمت أي حسن القصد، وفي القاموس الحنين الشوق وشدة البكاء والطرب أو صوت الطرب، عن حزن أو فرح وتحنن ترحم، وقال: الدين بالكسر الجزاء والعبادة والطاعة والذل واسم لجميع ما يتعبد الله عزوجل به ودنته أدينه خدمته وأحسنت إليه، ودان يدين ذل وأطاع. 4 - شا، ما: روي أن أمير المؤمنين عليه السلام خرج ذات ليلة من المسجد، و كانت ليلة قمراء فأم الجبانة، ولحقه جماعة يقفون أثره، فوقف عليهم ثم قال:


(1) الخصال ج 2 ص 58. (2) عيون الاخبار الرضا " ع " ج 1 ص 261 (*).

[151]

من أنتم ؟ قالوا: شيعتك يا أمير المؤمنين ؟ فتفرس في وجوههم ثم قال: فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة ؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟ فقال: صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من البكاء، حدب الظهور من القيام، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، عليهم غبرة الخاشعين (1). صفات الشيعة: للصدوق، عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت عن أحمد بن محمد رفعه، عن السندي بن محمد مثله (2). 5 - ومنه: عن ابن المتوكل، عن الحميري رفعه إلى ابن نباته قال: خرج علي عليه السلام ذات يوم ونحن مجتمعون، فقال: من أنتم ؟ وما اجتماعكم ؟ فقلنا: قوم من شيعتك يا أمير المؤمنين، فقال: مالي لا أرى سيماء الشيعة عليكم ؟ فقلنا: و ما سيماء الشيعة ؟ فقال: صفر الوجوه من صلاة الليل، عمش العيون من مخافة الله ذبل الشفاه من الصيام، عليهم غبرة الخاشعين (3). ايضاح: الحدب بالضم جمع الاحدب. والحدب محركة خروج الظهر ودخول الصدر والبطن، " عليهم عبرة الخاشعين " في بعض النسخ بالعين المهملة أي بكاؤهم وفي بعضها بالمعجمة أي ذلهم وشعثهم، واغبرارهم، وفي القاموس الغبراء من السنين الجدبة، وبنو غبراء الفقراء، والمغبرة قوم يغبرون بذكر الله أي يهللون و يرددون الصوت بالقراءة وغيرها، سموا بها لانهم يرغبون الناس في الغابرة أي الباقية وفي النهاية في غبراء الناس بالمد أي فقرائهم، ومنه قيل للمحاويج بنو غبراء كأنهم نسبوا إلى الارض والتراب. 6 - ما: عن الغضائري، عن الصدوق، عن المكتب، عن ابن زكريا، عن ابن حبيب، عن ابن بهلول، عن جعفر بن عثمان الاحول، عن سليمان بن مهران قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام وعنده نفر من الشيعة وهو يقول: معاشر الشيعة كونوا لنا زينا ولا تكونوا علينا شينا، قولوا للناس حسنا، واحفظوا


(1) ارشاد المفيد ص 114. أمالى الطوسى ج 1 ص 219. (2) صفات الشيعة تحت الرقم: 20. (3) صفات الشيعة ص 171 (*).

[152]

ألسنتكم، وكفوها عن الفضول، وقبح القول. (1) بيان: " كونوا لنا زينأ " أي كونوا من أهل الورع والتقوى والعمل الصالح لتكونوا زينة لنا فان حسن أتباع الرجل زينة له، إذ يمدحونه بحسن تأديب أصحابه بخلاف ما إذا كانوا فسقة فانه يصير سببا لتشنيع رئيسهم، ويكونون شينا وعيبا لرئيسهم، وعمدة الغرض في هذا المقام رعاية التقية وحسن العشرة مع المخالفين لئلا يصير سببا لنفرتهم عن أئمتهم، وسوء القول فيهم، بقرينة ما بعده " وقولوا للناس حسنا " (2) فيه تضمين للاية الكريمة قال الطبرسي - ره -: اختلف في معنى قوله حسنا فقيل: هو القول الحسن الجميل والخلق الكريم عن ابن عباس، وقيل: هو الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال الربيع: حسنا أي معروفا وروى جابر عن أبي جعفر عليه السلام في قوله " قولوا للناس حسنا " قال قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم فان الله يبغض اللعان السباب الطعان على المؤمنين، الفاحش المتفحش السائل الملحف، ويحب الحليم العفيف ثم اختلف فيه من وجه آخر فقيل هو عام في المؤمن والكافر على ما روي عن الباقر عليه السلام وقيل هو خاص في المؤمن، واختلف من قال إنه عام فقيل إنه منسوخ بآية السيف، وقد روي أيضا عن الصادق عليه السلام وقال الاكثرون: إنها ليست بمنسوخة لانه يمكن قتالهم مع حسن القول في دعائهم إلى الايمان كما قال الله تعالى " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " (3) وقال في آية اخرى " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم " (4) انتهى. وأقول: عمدة الغرض هنا حسن القول مع المخالفين تقية، وكذا المراد بحفظ الالسنة حفظها عما يخالف التقية، والفضول زوائد الكلام، وما لا منفعة فيه، قال في المصباح الفضل الزيادة، والجمع فضول كفلس وفلوس، وقد استعمل


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 55. (2) البقرة: 83. (3) النحل: 125. (4) الانعام: 108، راجع مجمع البيان ج 1 ص 149 (*).

[153]

الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه، ولهذا نسب إليه على لفظه فقيل فضولي لمن يشتغل بمالا يعنيه. 7 - ما: عن أبى عمرو، عن ابن عقدة، عن أحمد بن يحيى، عن جعفر بن عنبسة، عن إسماعيل بن أبان، عن مسعود بن سعد، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما شيعتنا من أطاع الله عزوجل (1). 8 - ل: عن حمزة العلوي، عن علي، عن أبيه، عن محمد البرقي، عن خلف بن حماد، عن معوية بن وهب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: الشيعة ثلاث: محب واد فهو منا، ومتزين بنا ونحن زين لمن تزين بنا، ومستأكل بنا الناس، و من استأكل بنا افتقر (2) بيان: التزين بهم هو أن يجعلوا الانتساب إليهم وموالاتهم زينة لهم وفخرا بين الناس، ولا زينة أرفع من ذلك والاستئكال بهم عليهم السلام هو أن يجعلوا إظهار مولاتهم ونشر علومهم وأخبارهم وسيلة لتحصيل الرزق، وجلب المنافع من الناس، فينتج خلاف مطلوبهم، ويصير سببا لفقرهم، والقسم الاول هو الذي يحبهم ويواليهم في الله ولله، وهو ناج في الدنيا والاخرة. 9 - ير: عن سلمة بن الخطاب، عن عبد الله بن محمد، عن عبد الله بن القاسم ابن الحارث البطل، عن مرازم قال: دخلت المدينة فرأيت جارية في الدار التي نزلتها فعجبتني فأردت أن أتمتع منها فأبت أن تزوجني نفسها قال: فجئت بعد العتمة فقرعت الباب فكانت هي التي فتحت لي فوضعت يدي على صدرها فبادرتني حتى دخلت فلما أصحبت دخلت علي أبي الحسن عليه السلام فقال: يا مرازم ليس من شيعتنا من خلا ثم لم يرع قلبه (3). 10 - سن: عن محمد بن علي، عن محمد بن أسلم، عن الخطاب الكوفي ومصعب بن عبد الله الكوفي قالا: دخل سدير الصيرفي على أبي عبد الله عليه السلام وعنده جماعة من أصحابه


(1 أمالى الطوسى ج 1 ص 279. (2) الخصال ج 1 ص 51. (3) بصائر الدرجات ص 247 (*).

[154]

فقال: يا سدير لا تزال شيعتنا مرعيين محفوظين مستورين معصومين، ما أحسنوا النظر لانفسهم فيما بينهم وبين خالقهم، وصحت نياتهم لائمتهم، وبروا إخوانهم فعطفوا على ضعيفهم، وتصدقوا على ذوي الفاقة منهم، إنا لا نأمر بظلم ولكنا نأمركم بالورع، الورع الورع، والمواساة المواساة لاخوانكم، فان أولياء الله لم يزالوا مستضعفين قليلين منذ خلق الله آدم عليه السلام (1). 11 - م: قال عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اتقوا الله معاشر الشيعة فان الجنة لن تفوتكم وإن أبطأت بها عنكم قبايح أعمالكم، فتنافسوا في درجاتها، قيل: فهل يدخل جهنم أحد من محبيك ومحبي علي عليه السلام ؟ قال من قذر نفسه بمخالفة محمد وعلي وواقع المحرمات، وظلم المؤمنين والمؤمنات، وخالف ما رسم له من الشريعات جاء يوم القيامة قذرا طفسا، يقول محمد وعلي عليهما السلام يا فلان أنت قذر طفس لا تصلح لمرافقة مواليك الاخيار، ولا لمعانقة الحور الحسان، ولا الملائكة المقربين لا تصل إلى ما هناك إلا بأن تطهر عنك ما ههنا، يعني ما عليك من الذنوب، فيدخل إلى الطبق الاعلى من جهنم فيعذب ببعض ذنوبه. ومنهم من يصيبه الشدائد في المحشر ببعض ذنوبه ثم يلقطه من هنا ومن هنا من يبغثهم إليه مواليه من خيار شيعتهم، كما يلقط الطير الحب، ومنهم من يكون ذنوبه أقل وأخف فيطهر منها بالشدائد والنوائب من السلاطين وغيرهم، ومن الافات في الايدان في الدنيا ليدلي في قبره وهو طاهر، ومنهم من يقرب موته وقد بقيت عليه سية فيشتد نزعه ويكفر به عنه، فان بقي شئ وقويت عليه، يكون له بطر واضطراب في يوم موته فيقل من بحضرته فيلحقه به الذل فيكفر عنه، فان بقي شئ اتي به ولما يلحد فيوضع فيتفرقون عنه، فيطهر. فإن كان ذنوبه أعظم وأكثر طهر منها بشدائد عرصات يوم القيامة، فإن كانت أكثر وأعظم طهر منها في الطبق الاعلى من جهنم وهؤلاء أشد محبينا عذابا وأعظمهم ذنوبا، ليس هؤلاء يسمون بشيعتنا، ولكنهم يسمون بمحبينا والموالين لاوليائنا والمعادين لاعدائنا. إن شيعتنا من شيعنا، واتع آثارنا، واقتدى بأعمالنا.


(1) المحاسن ص 158 (*).

[155]

وقال الامام عليه السلام: قال رجل لرسول الله: يا رسول الله فلان ينظر إلى حرم جاره فان أمكنه مواقعة حرام لم يرع عنه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ائتوني به فقال رجل آخر: يا رسول الله إنه من شيعتكم ممن يعتقد موالاتك وموالاة علي ويبرأ من أعدائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقل إنه من شيعتنا فانه كذب، إن شيعتنا من شيعنا وتبعنا في أعمالنا، وليس هذا الذي ذكرته في هذا الرجل من أعمالنا. وقيل لامير المؤمنين وإمام المتقين ويعسوب الدين وقائد الغر المحجلين ووصي رسول رب العالمين عليه السلام: إن فلانا سرف على نفسه بالذنوب الموبقات، و هو مع ذلك من شيعتكم، فقال أمير المؤمنين: قد كتبت عليك كذبة، أو كذبتان إن كان مسرفا بالذنوب على نفسه يحبنا ويبغض أعداءنا فهو كذبة واحدة لانه من محبينا لامن شيعتنا، وإن كان يوالي أولياءنا، ويعادي أعداءنا وليس بمسرف على نفسه كما ذكرت فهو منك كذبة لانه لا يسرف في الذنوب وإن كان يسرف في الذنوب ولا يوالينا ولا يعادي أعداءنا فهو منك كذبتان. وقال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فاسأليها عني أني من شيعتكم أم ليس من شيعتكم ؟ فسألتها فقالت: قولي له: إن كنت تعمل بما أمرناك، وتنتهي عما زجرناك عنه، فأنت من شيعتنا وإلا فلا، فرجعت فأخبرته فقال: يا ويلي ومن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذا خالد في النار، فان من ليس من شيعتهم فهو خالد في النار. فرجعت المرأة فقالت لفاطمة ما قال زوجها، فقالت فاطمة: قولي له: ليس هكذا، شيعتنا من خيار أهل الجنة وكل محبينا وموالي أوليائنا ومعادي أعداءنا والمسلم بقلبه ولسانه لنا ليسوا من شيعتنا إذا خالفوا أو امرنا ونواهينا في سائر الموبقات وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها أو في الطبق الاعلى من جهنم بعذابها إلى أن نستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا.

[156]

وقال رجل للحسن بن علي عليهما السلام: إني من شيعتكم فقال الحسن بن علي عليه السلام: يا عبد الله إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد صدقت، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها لا تقل لنا: أنا من شيعتكم، ولكن قل: أنا من مواليكم ومحبيكم ومعادي أعدائكم، وأنت في خير وإلى خير. وقال رجل للحسين بن علي عليهما السلام: يا ابن رسول الله أنا من شيعتكم، قال: اتق الله ولا تدعين شيئا يقول الله لك كذبت وفجرت في دعواك، إن شيعتنا من سلمت قلوبهم من كل غش وغل ودغل، ولكن قل أنا من مواليكم ومحبيكم. وقال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: يا ابن رسول الله أنا من شيعتكم الخلص فقال له: يا عبد الله فإذا أنت كابراهيم الخليل عليه السلام الذي قال الله " وإن من شيعته لابراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم " (1) فان كان قلبك كقلبه فأنت من شيعتنا، وإن لم يكن قلبك كقلبه وهو طاهر من الغش والغل، فأنت من محبينا وإلا فانك إن عرفت أنك بقولك كاذب فيه، إنه لمبتلى بفالج لا يفارقك إلى الموت أو جذام ليكون كفارة لكذبك هذا. وقال الباقر عليه السلام لرجل فخر على آخر وقال: أتفاخرني وأنا من شيعة آل محمد الطيبين ؟ فقال الباقر عليه السلام: ما فخرت عليه ورب الكعبة وغبن منك على الكذب يا عبد الله، أمالك معك تنفقه على نفسك أحب إليك أم تنفقه على إخوانك المؤمنين ؟ قال: بل أنفقه على نفسي، قال: فلست من شيعتنا، فاننا نحن ما ننفق على المنتحلين من إخواننا أحب إلينا ولكن قل: أنا من محبيكم ومن الراجين النجاة بمحبتكم. وقيل للصادق عليه السلام: إن عمارا الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة فقال له القاضي: قم يا عمار فقد عرفناك لا تقبل شهادتك لانك رافضي فقام عمار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء فقال له ابن أبي ليلى: أنت رجل من أهل العلم والحديث إن كان يسوءك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض فأنت من إخواننا، فقال له عمار: يا هذا ما ذهبت والله حيث ذهبت، ولكن بكيت


(1) الصافات: 83 و 84 (*).

[157]

عليك وعلي، أما بكائي على نفسي فانك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها زعمت أني رافضي ويحك لقد حدثني الصادق عليه السلام أن أول من سمي الرفضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى في عصاه آمنوا به واتبعوه، ورفضوا أمر فرعون، واستسلموا لكل ما نزل بهم، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه، فالرافضي كل من رفض جميع ما كره الله، وفعل كل ما أمره الله، فأين في هذا الزمان مثل هذا ؟. وإن ما بكيت على نفسي خشيت أن يطلع الله عزوجل على قلبي وقد تلقبت هذا الاسم الشريف على نفسي فيعاتبني ربي عزوجل ويقول: يا عمار أكنت رافضا للاباطيل، عاملا بالطاعات كما قال لك ؟ فيكون ذلك بي مقصرا في الدرجات إن سامحني، وموجبا لشديد العقاب علي إن ناقشني، إلا أن يتداركني موالي بشفاعتهم. وأما بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله أن صرفت أشرف الاسماء إلي، وإن جعلته من أرذلها كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه ؟. فقال الصادق عليه السلام: لو أن على عمار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات و الارضين لمحيت عنه بهذه الكلمات وإنها لتزيد في حسناته عند ربه عزوجل حتى يجعل كل خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرة. قال: وقيل لموسى بن جعفر عليه السلام: مررنا برجل في السوق وهو ينادي: أنا من شيعة محمد وآل محمد الخلص، وهو ينادي على ثياب يبيعها: من يزيد ؟ فقال موسى عليه السلام: ما جهل ولا ضاع امرؤ عرف قدر نفسه، أتدرون ما مثل هذا ؟ هذا شخص قال أنا مثل سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار وهو مع ذلك يباخس (1) في بيعه ويدلس عيوب المبيع على مشتريه ويشتري الشئ بثمن فيزايد الغريب يطلبه فيوجب له ثم إذا غاب المشتري قال لا اريده إلا بكذا بدون ما كان طلبه منه، أيكون هذا كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ؟ حاش لله أن يكون هذا كهم، ولكن ما يمنعه من أن يقول إني من محبي محمد وآل محمد ومن يوالي أولياءهم ويعادي أعداءهم. قال عليه السلام: ولما جعل المأمون إلى علي بن موسى الرضا عليهما السلام ولاية العهد


(1) يناجش ظ، وما ذكر بعد ذلك كأنه بيان النجش (*).

[158]

دخل عليه آذنه وقال: إن قوما بالباب يستأذنون عليك يقولون نحن شيعة علي فقال عليه السلام: أنا مشغول فاصرفهم، فصرفهم فلما كان من اليوم الثاني جاؤا وقالوا كذلك مثلها فصرفهم إلى أن جاؤا هكذا يقولون ويصرفهم شهرين ثم أيسوا من الوصول وقالوا للحاجب: قل لمولانا إنا شيعة أبيك علي بن أبي طالب عليه السلام وقد شمت بنا أعداؤنا في حجابك لنا، ونحن ننصرف هذه الكرة ونهرب من بلدنا خجلا وأنفة مما لحقنا، وعجزا عن احتمال مضض ما يلحقنا بشماتة الاعداء ! فقال علي بن موسى الرضا عليه السلام: ائذن لهم ليدخلوا، فدخلوا عليه فسلموا عليه فلم يرد عليهم ولم يأذن لهم بالجلوس، فبقوا قياما فقالوا: يا ابن رسول الله ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد هذا الحجاب الصعب ؟ أي باقية تبقي منا بعد هذا ؟ فقال الرضا عليه السلام: اقرؤا " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير " (1) ما اقتديت إلا بربي عزوجل فيكم، وبرسول الله وبأمير المؤمنين ومن بعده من آبائي الطاهرين عليهم السلام، عتبوا عليكم فاقتديت بهم، قالوا لماذا يا ابن رسول الله ؟ قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ويحكم إنما شيعته الحسن والحسين وأبو ذر وسلمان والمقداد وعمار و محمد بن أبي بكر الذين لم يخالفوا شيئا من أوامره، ولم يركبوا شيئا من فنون زواجره، فأما أنتم إذا قلتم إنكم شيعته، وأنتم في أكثر أعمالكم له مخالفون مقصرون في كثير من الفرائض، متهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا يجب التقية، وتتركون التقية حيث لابد من التقية، فلو قلتم إنكم موالوه ومحبوه، والموالون لاوليائه، والمعادون لاعدائه، لم انكره من قولكم ولكن هذه مرتبة شريفة ادعيتموها إن لم تصدقوا قولكم بفعلكم هلكتم إلا أن تتدارككم رحمه من ربكم. قالوا: يا ابن رسول الله فانا نستغفر الله ونتوب إليه من قولنا، بل نقول كما عملنا مولانا: نحن محبوكم ومحبوا أوليائكم ومعادوا أعدائكم، قال الرضا عليه السلام:


(1) الشورى: 30 (*).

[159]

فمرحبا بكم يا إخواني وأهل ودي ارتفعوا ارتفعوا ارتفعوا فما زال يرفعهم حتى ألصقهم بنفسه، ثم قال لحاجبه: كم مرة حجبتهم ؟ قال: ستين مرة فقال لحاجبه: فاختلف إليهم ستين مرة متوالية، فسلم عليهم وأقرئهم سلامي فقد محوا ما كان من ذنوبهم باستغفارهم وتوبتهم، واستحقوا الكرامة لمحبتهم لنا وموالاتهم، وتفقد امورهم وأمور عيالاتهم فأوسعهم بنفقات ومبرات وصلات، ورفع معرات. قال عليه السلام: ودخل رجل على محمد بن علي الرضا عليهما السلام وهو مسرور فقال: مالي أراك مسرورا ؟ قال: يا ابن رسول الله سمعت أباك يقول أحق يوم بأن يسر العبد فيه يوم يرزقه الله صدقات ومبرات ومدخلات من إخوان له مؤمنين، فانه قصدني اليوم عشرة من إخواني الفقراء، لهم عيالات، فقصدوني من بلد كذا وكذا فأعطيت كل واحد، منهم، فلهذا سروري. فقال محمد بن علي عليهما السلام: لعمري إنك حقيق بأن تسر إن لم تكن أحبطته أو لم تحبطه فيما بعد، فقال الرجل: فكيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص ؟ قال: هاه قد أبطلت برك باخوانك وصدقاتك، قال: وكيف ذاك يا بن رسول الله ؟ قال له محمد بن علي عليه السلام: اقرء قول الله عزوجل " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " (1) قال: يا ابن رسول الله ما مننت على القوم الذين تصدقت عليهم ولا آذيتهم، قال له محمد بن علي عليه السلام إن الله عزوجل إنما قال " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى " ولم يقل بالمن على من تتصدقون عليه، وبالاذى لمن تتصدقون عليه وهو كل أذى، أفترى أذاك القوم الذين تصدقت عليهم أعظم أم أذاك لحفظتك وملائكة الله المقربين حواليك أم أذاك لنا ؟ فقال الرجل: بل هذا يا ابن رسول الله فقال: لقد آذيتني وآذيتهم، وأبطلت صدقتك، قلا: لما ذا ؟ قال: لقولك، و كيف أحبطته وأنا من شيعتكم الخلص ؟ ثم قال: ويحك أتدري من شيعتنا الخلص ؟ قال: لا، قال: فان شيعتنا الخلص حزبيل المؤمن مؤمن آل فرعون، وصاحب يس الذي قال الله تعالى " وجاء من أقصي


(1) البقرة: 264 (*).

[160]

المدينة رجل يسعى " (1) وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار، سويت نفسك بهؤلاء أما آذيت بهذا الملائكة، وآذيتنا ؟ فقال الرجل: أستغفر الله وأتوب إليه، فكيف أقول ؟ قال: قل: أنا من مواليك ومحبيك ومعادي أعدائك، وموالي أوليائك، قال: فكذلك أقول، وكذلك أنا يا ابن رسول الله، وقد تبت من القول الذي أنكرته وأنكرته الملائكة، فما أنكرتم ذلك إلا لانكار الله عزوجل، فقال محمد بن علي عليهما السلام الان قد عادت إليك مثوبات صدقاتك، وزال عنها الاحباط. قال أبو يعقوب يوسف بن زياد وعلي بن سيار رضي الله عنهما (2): حضرنا ليلة على غرفة الحسن بن علي بن محمد عليهم السلام وقد كان ملك الزمان له معظما وحاشيته له مبجلين إذ مذ مر علينا والى البلد - والي الجسرين - ومعه رجل مكتوف، و الحسن بن علي مشرف من روزنته، فلما رآه الوالي ترجل عن دابته إجلالا له فقال الحسن بن علي عليهما السلام: عد إلى موضعك، فعاد وهو معظم له، وقال يا ابن رسول الله أخذت هذا في هذه الليلة على باب حانوت صير في فاتهمته بأنه يريد نقبه والسرقة منه، فقبضت عليه، فلما هممت أن أضربه خمسمائة سوط وهذه سبيلي فيمن اتهمته ممن آخذه لئلا يسألني فيه من لا أطيق مدافعته ليكون قد شقي ببعض ذنوبه قبل أن يأتيني من لا اطيق مدافعته، فقال لي: اتق الله ولا تتعرض لسخط الله فاني من شيعة أمير المؤمنين، وشيعة هذا الامام أبي القائم بأمر الله عليه السلام فكففت عنه، وقلت: أنا مار بك عليه، فان عرفك بالتشيع أطلقت عنك، وإلا قطعت يدك ورجلك، بعد أن أجلدك ألف سوط، وقد جئتك به يا ابن رسول الله، فهل هو من شيعة علي عليه السلام كما ادعى ؟ فقال الحسن بن علي عليهما السلام: معاذ الله، ما هذا من شعية علي وإنما ابتلاه الله في يدك لاعتقاده في نفسه أنه من شيعة علي عليه السلام فقال الوالي: كفيتني مؤنته


(1) يس: 20. (2) رجلان مجهولان يروى عنهما محمد بن أبى القاسم المفسر كتاب تفسير الامام العسكري عليه السلام، وفيه كلام ليس هذا مقامه (*).

[161]

الان أضربه خمسمائة لا حرج علي فيها، فلما نحاه بعيدا فقال: ابطحوه فبطحوه وأقام عليه جلا دين واحدا عن يمينه وآخر عن شماله فقال: أو جعاه فأهويا إليه بعصيهما لا يصيبان إسته شيئا إنما يصيبان الارض فضجر من ذلك، فقال: ويلكم تضربون الارض ؟ اضربوا إسته، فذهبوا يضربون إسته فعدلت أيديهما فجعلا يضرب بعضهما بعضا ويصيح ويتأوه. فقال لهما: ويحكما أمجانين أنتما يضرب بعضكما بعضا ؟ اضربا الرجل فقالا ما نضرب إلا الرجل، وما نقصد سواه، ولكن يعدل أيدينا حتى يضرب بعضنا بعضا قال: فقال: يا فلان ويا فلان حتى دعا أربعة وصاروا مع الاولين ستة، وقال: أحيطوا به فأحاطوا به، فكان يعدل بأيديهم، ويرفع عصيهم إلى فوق، فكانت لا تقع إلا بالوالي فسقط عن دابته، وقال: قتلتموني قتلكم الله ما هذا ؟ فقالوا: ما ضربنا إلا إياه. ثم قال لغيرهم: تعالوا فاضربوا هذا فجاؤا فضربوه بعد فقال: ويلكم إياي تضربون ؟ قالوا: لا والله ما نضرب إلا الرجل قال الوالي: فمن أين لي هذه الشجات (1) برأسي ووجهي وبدني إن لم تكونوا تضربوني ؟ فقالوا شلت أيماننا إن كنا قد قصدناك بضرب. قال الرجل: يا عبد الله يعني الوالي أما تعتبر بهذه الالطاف التي بها يصرف عني هذا الضرب ويلك ردني إلى الامام وامتثل في أمره، قال: فرده الوالي بعد إلى بين يدي الحسن بن علي عليهما السلام وقال: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله: عجبنا لهذا أنكرت أن يكون من شيعتكم ومن لم يكن من شيعتكم فهو من شيعة إبليس وهو في النار وقد رأيت له من المعجزات مالا يكون إلا للانبياء ؟ فقال الحسن بن علي عليهما السلام قل أو للاوصياء، فقال: أو للاوصياء. فقال الحسن بن علي عليهما السلام للوالي: يا عبد الله إنه كذب في دعواه أنه من شيعتنا كذبة لو عرفها ثم تعمدها لابتلى بجميع عذابك، ولبقي في المطبق ثلاثين سنة


(1) الشجة: جراحة الرأس خاصة، وقد تستعار لغيره من الاعضاء (*).

[162]

ولكن الله رحمه لاطلاق كلمة على ما عنى، لا على تعمد كذب، وأنت يا عبد الله اعلم أن الله عزوجل قد خلصه بأنه من موالينا ومحبينا، وليس من شيعتنا، فقال الوالي: ماكان هذا كله عندنا إلا سواء فما الفرق ؟ قال الامام: الفرق أن شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا، ويطيعونا في جميع أوامرنا ونواهينا، فاولئك شيعتنا، فأما من خالفنا في كثير مما فرضه الله عليه فليسوا من شيعتنا. قال الامام عليه السلام للوالي: وأنت قد كذبت كذبة لو تعمدتها وكذبتها لا ابتلاك الله عزوجل بألف سوط وسجن ثلاثين سنة في المطبق، قال: وما هي يا ابن رسول الله ؟ قال: بزعمك أنك رأيت له معجزات إن المعجزات ليست له إنما هي لنا أظهرها الله فيه إبانة لحجتنا، وإيضاحا لجلالتنا وشرفنا، ولو قلت: شاهدت فيه معجزات، لم انكره عليك، أليس إحياء عيسى الميت معجزة ؟ أفهي للميت أم لعيسى ؟ أو ليس خلقه، من الطين كهيئة الطير فصار طيرا باذن الله أهي للطائر أو لعيسى ؟ أو ليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة فهي معجزة للقردة أو لنبي ذلك الزمان، فقال الوالي: أستغفر الله ربي وأتوب إليه. ثم قال الحسن بن علي عليه السلام للرجل الذي قال إنه من شيعة علي عليه السلام: يا عبد الله لست من شيعة علي عليه السلام إنما أنت من محبيه، إنما شيعة علي عليه السلام الذين قال الله عزوجل فيهم: " والذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون " (1) هم الذين آمنوا بالله، ووصفوه بصفاته، ونزهوه عن خلاف صفاته، وصدقوا محمدا في أقواله وصوبوه في أفعاله، ورأوا عليا بعده سيدا إماما وقرما هماما، لا يعدله من امة محمد أحد، ولا كلهم لو جمعوا في كفة يوزنون بوزنه بل يرجح عليهم كما يرجح السماء على الارض، والارض على الذرة، و شيعة علي عليه السلام هم الذين لا يبالون في سبيل الله أوقع الموت عليهم أو وقعوا على الموت، وشيعة علي عليه السلام هم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ولو كان بهم


(1) البقرة: 82 (*).

[163]

خصاصة، وهم الذين لا يراهم الله حيث نهاهم، ولا يفقدهم حيث أمرهم، وشيعة علي هم الذين يقتدون بعلي عليه السلام في إكرام إخوانهم المؤمنين. ما عن قولي أقول لك هذا، بل أقوله عن قول محمد صلى الله عليه وآله، فذلك قوله " وعملوا الصالحات " قضوا الفرايض كلها، بعد التوحيد واعتقاد النبوة والامامة وأعظمها قضاء حقوق الاخوان في الله واستعمال التقية من أعداء الله عزوجل (1) ايضاح: قال: الفيروز آبادي: الطفس محركة قذر الانسان إذا لم يتعهد نفسه، وهو طفس ككتف قذر نجس قوله فهو منك كذبة أي كذبت في نسبته إلى الاسراف، وهو غير مسرف وفى القاموس غبن الشئ وفيه كفرح غبنا وغبنا نسيه أو أغفله أو غلط فيه والغبن محركة الضعف والنسيان وقال: أفرغه صبه كفرغه والدماء أراقها، وتفريغ الظروف إخلاؤها، واستفرغ تقيأ ومجهوده بذل طاقته وافترغت لنفسي ماء صببته، وقال: المضض محركة وجع المصيبة، وقال: المعرة الاثم والاذى والغرم والدية والخيانة. قوله عليه السلام: على المنتحلين أي المدعين للتشيع ولم يكونوا كذلك فكيف إذا كان من شيعتنا حقا " ما ذهبت " بصيغة المتكلم " حيث ذهبت " بصيغة الخطاب وفي القاموس كتف فلانا كضرب شد يديه إلى خلف بالكتاف وهو حبل يشد به، و قال: بطحه ألقاه على وجهه فانبطح، والمطبق كأنه كان اسم السجن ولم يذكره اللغويون أو المراد به الجنون المطبق وفي القاموس القرم السيد وقال: الهمام كغراب الملك العظيم الهمة والسيد الشجاع السخي. 12 - م: قال أمير المؤمنين عليه السلام أما المطيعون لنا فسيغفر الله ذنوبهم امتنانا إلى إحسانهم، قالوا: يا أمير المؤمنين ومن المطيعون لكم ؟ قال: الذين يوحدون ربهم، ويصفونه بما يليق به من الصفات، ويؤمنون بمحمد نبيه صلى الله عليه وآله ويطيعون الله في إتيان فرائضه وترك محارمه، ويحيون أوقاتهم بذكره، وبالصلاة على نبيه محمد وآله الطيبين، ويتقون على أنفسهم الشح والبخل، ويؤدون


(1) تفسير الامام ص 123 - 125 (*).

[164]

كل ما فرض عليهم من الزكات ولا يمنعونها (1). 13 - سر: من كتاب أبي القاسم بن قولويه، عن محمد بن عمر بن حنظلة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، اولئك شيعتنا. وعن أبي زيد، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: ليس من شيعتنا من يكون في مصر يكون فيه آلاف ويكون في المصر أورع منه. 14 - جا: عن ابن قولويه، عن أبيه، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس معا، عن علي بن محمد الاشعري، عن الحسين بن النصر بن مزاحم، عن أبيه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعت جابر بن عبد الله بن حرام الانصاري يقول: لو نشر سلمان وأبو ذر رحمهما الله لهؤلاء الذين ينتحلون مودتكم أهل البيت لقالوا: هؤلاء كذابون ولو رأى هؤلاء اولئك لقالوا: مجانين (2). 15 - نى: عن ابن عقدة، عن القاسم بن محمد بن حازم، عن عبيس، عن ابن جبلة، عن أبي خالد المكفوف، عن بعض أصحابه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ينبغي لمن ادعى هذا الامر في السر أن يأتي عليه ببرهان في العلانية، قلت: وما هذا البرهالن الذي يأتي به في العلانية ؟ قال: يحل حلال الله ويحرم حرام الله، و يكون له ظاهر يصدق باطنه (3). 16 - نى: عن أحمد بن هوذة، عن النهاوندي، عن عبد الله بن حماد عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه دخل عليه بعض أصحابه فقال له: جعلت فداك إني والله احبك واحب من يحبك، يا سيدي ما أكثر شيعتكم ؟ فقال له: اذكرهم


(1) تفسير الامام ص 330. (2) مجالس المفيد ص 133. (3) غيبة النعماني: 56 (*).

[165]

فقال: كثير، فقال: تحصيهم ؟ فقال: هم أكثر من ذلك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه (1) ولا يمدح بنا غاليا، ولا يخاصم لنا واليا، ولا يجالس لنا عائبا ولا يحدث لنا ثالبا ولا يحب لنا مبغضا، ولا يبغض لنا محبا. فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنهم يتشيعون ؟ فقال: فيهم التمييز وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم وسيوف تقتلهم، واختلاف تبددهم، إنما شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب (2) ولا يسأل الناس بكفه وإن مات جوعا قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة ؟ فقال: اطلبهم في أطراف الارض اولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن خطبوا لم يزوجوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، اولئك الذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولا يختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان (3). وروي أيضا، عن محمد بن همام، عن حميد بن زياد الكوفي، عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن علي بن منصور، عن إبراهيم ابن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام: مثله إلا أنه زاد فيه: وإن رأوا مؤمنا أكرموه وإن رأوا منافقا هجروه، وعند الموت لا يجزعون، وفي قبورهم يتزاورون


(1) الشجاء خ، والشحناء: الحقد والعداوة التى امتلات منها النفس، وسيجئ مثله تحت الرقم 28 فراجع. (2) هرير الكلب صوته دون النباح إذا تجهم على الغريب، يقال: هر في وجه السائل: إذا تجهمه، ومنه قولهم: " هر في وجهه كما يهر الكلب " وقولهم: " المرأه التي تهار زوجها " والغراب بالضم طائر معروف ضرب به المثل لطمعه، وسيأتى توضيح ذلك أجمع تحت الرقم 39 ذيل حديث الكافي. (3) غيبة النعماني ص 107 (*).

[166]

تمام الحديث (1) بيان: في القاموس، ثلبه يثلبه: لامه وعابه وقد مر شرح سائر أجزائه. 17 - كش: عن حمدويه بن نصير، عن أيوب بن نوح، عن صفوان بن يحيى عن داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أصحابي اولوا النهى و التقى، فمن لمن يكن من أهل النهى والتقى فليس من أصحابي (2). 18 - كش عن ابن مسعود، عن عبد الله بن محمد الطيالسي، عن الوشاء، عن محمد ابن حمران، عن أبي الصباح الكناني قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إنا نعير بالكوفة فيقال لنا جعفرية، قال: فغضب أبو عبد الله عليه السلام: ثم قال: إن أصحاب جعفر منكم لقليل، إنما أصحاب جعفر من اشتد ورعه وعمل لخالقه (3). 19 - كش: عن حمدويه، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن إبراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: إن ممن ينتحل هذا الامر لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا (4). 20 - كش: عن خالد بن حماد، عن الحسن بن طلحة رفعه، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن زيد الشامي قال: قال أبو الحسن عليه السلام: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما أنزل الله سبحانه وتعالى آية في المافقين إلا وهي فيمن ينتحل التشيع (5). 21 - بشا: عن الحسن بن الحسين بن بابويه، عن عمه محمد بن الحسن، عن أبيه عن عمه أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن صالح بن السندي عن يونس، عن يحيى الحلبي، عن عبد الحميد بن عواض، عن عمر بن يحيى بن


(1) غيبة النعماني ص 108. (2) رجال الكشى ص 219. (3) المصدر ص 220. (4) المصدر ص 252. (5) رجال الكشى ص 254 (*).

[167]

بسام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام: يقول: إن أحق الق ناس بالورع آل محمد و شيعتهم كي تقتدي الرعية بهم (1). 22 - بشا: بهذا الاسناد عن أبي جعفر بن بابويه، عن محمد بن علي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن مرار، عن يونس، عن يحيى الحلبي، عن أبي المغرا، عن يزيد بن خليفة قال: قال لنا أبو عبد الله عليه السلام ونحن عنده: نظرتم حيث نظر الله واخترتم من اختار الله، أخذ الناس يمينا وشمالا وقصدتم محمدا صلى الله عليه وآله أما إنكم لعلى المحجة البيضاء، فأعينوا على ذلك بورع، ثم قال حيث أردنا أن نخرج: وما على أحدكم إذا عرفه الله هذا الامر أن لا يعرفه الناس، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله (2) 23 - صفات الشيعة للصدوق رحمه الله: عن ابن المتوكل، عن محمد العطار عن النخعي، عن النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير قال: قال الصادق عليه السلام: شيعتنا أهل الورع والاجتهاد وأهل الوفاء والامانة، وأهل الزهد والعبادة أصحاب إحدى وخمسين ركعة في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار يزكون أموالهم ويحجون البيت ويجتنبون كل محرم (3). 24 - ومنه: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام قال: شيعتنا المسلمون لامرنا الاخذون بقولنا، المخالفون لاعدائنا، فمن لم يكن كذلك فليس منا (4). 25 - ومنه: عن أبيه، عن الحميري، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي نجران قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: من عادى شيعتنا فدق عادانا، ومن والاهم فقد والانا، لانهم منا، خلقوا من طينتنا، من أحبهم فهو منا، ومن أبغضهم فليس منا، شيعتنا ينظرون بنور الله، ويتقلبون في رحمة الله، ويفوزون بكرامة الله، ما


(1) بشارة المصطفى ص 171. (2) بشارة المصفطى ص 175. (3 - 4) صفات الشيعة ص 163 و 164 (*).

[168]

مامن أحد من شيعتنا يمرض إلا مرضنا لمرضه، ولا اغتم إلا اغتممنا لغمه، ولا يفرح إلا فرحنا لفرحه، ولا يغيب عنا أحد من شيعتنا أين كان في شرق الارض أو غربها ومن ترك من شيعتنا دينا فهو علينا، ومن ترك منهم مالا فهو لورثته، شعيتنا الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويحجون البيت الحرام، ويصومون شهر رمضان ويوالون أهل البيت، ويتبرؤن من أعدائهم، اولئك أهل الايمان والتقى، وأهل الورع والتقوى، من رد عليهم فقد رد على الله، ومن طعن عليهم فقد طعن على الله لانهم عباد الله حقا، وأولياؤه صدقا، والله إن أحدهم ليشفع في مثل ربيعة ومضر فيشفعه الله فيهم لكرامته على الله عزوجل (1). 26 - ومنه: عن ابن المتوكل، عن البرقي، رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: والله ما شيعة علي عليه السلام إلا من عف بطنه وفرجه، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه وخاف عقابه (2). 27 - ومنه: عن أبيه، عن محمد بن أحمد بن علي بن الصلت، عن أبيه بإسناده، عن محمد بن عجلان قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فدخل رجل فسلم فسأله كيف من خلفت من إخوانك ؟ فأحسن الثناء وزكى وأطرى فقال: كيف عيادة أغنيائهم لفقرائهم ؟ قال: قليلة، قال: فكيف مواصلة أغنيائهم لفقرائهم في ذات أيديهم ؟ فقال: إنك تذكر أخلاقا ماهي فيمن عندنا، قال: كيف يزعم هؤلاء أنهم لنا شيعة (3). 28 - ومنه: بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال: يا جابر إنما شيعة علي عليه السلام من لا يعدو صوته سمعه ولا شحناؤه ببدنه، لا يمدح لنا قاليا، و لا يواصل لنا مبغضا ولا يجالس لنا عائبا، شيعة علي عليه السلام من لا يهر هرير الكلب، و لا يطمع طمع الغرابب، ولا يسأل الناس وإن مات جوعا، اوزلئك الخفيضة عيشهم المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا وإن ماتوا لم يشهدوا، في قبورهم تيزاورون قلت: وأين أطلب هؤلاء ؟ قال: في أطراف


(1) صفات الشيعة 163. (2 و 3) صفات الشيعة ص 166 (*).

[169]

الارض بين الاسواق وهو قول الله عزوجل " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين " (1). 29 - ومنه: عن ما جيلويه، عن عمه، عن هاون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال سئل أبو عبد الله عليه السلام عن شيعتهم فقال: شيعتنا من قدم ما استحسن و أمسك ما استقبح، وأظهر الجميل، وسارع بالامر الجليل، رغبة إلى رحمة الجليل فذاك منا وإلينا ومعنا حيثما كنا (2) 30 - ومنه: عن أبيه، عن علي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، عن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي بن الحسين عليه السلام قاعدا في بيته إذ قرع قوم عليهم الباب فقال: يا جارية انظري من بالباب ؟ فقالوا: قوم من شيعتك، فوثب عجلا حتى كاد أن يقع فلما فتح الباب ونظر إليهم رجع فقال: كذبوا فأين السمت في الوجوه ؟ أين أثر العبادة ؟ أين سيماء السجود ؟ إنما شيعتنا يعرفون بعبادتهم وشعثهم، قد قرحت العببادة منهم الاناف، ودثرت الجباه والمساجد خمص البطون، ذبل الشفاه، قد هيجت العبادة وجوههم، وأخلق سهر الليالي وقطع الهواجر جثثهم، المسبحون إذا سكت الناس، والمصلون إذا نام الناس، و المحزونون إذا فرح الناس (3) [يعرفون بالزهد، كلامهم الرحمة، وتشاغلهم بالجنة]. بيان: الاناف جمع الانف كالانوف، وقرحها إما لكثرة السجود، لانها من المساجد المستحبة أو لكثرة البكاء في القاموس الدثور الدروس، والداثر الهالك وفي النهاية فيه إن القلب يدثر كما يدثر السيف فجلاؤه ذكر الله أي يصدأ كما يصدأ السيف وفي القاموس هاج يهيج ثار كاهتاج وتهيج وأثار والنبت يبس، والهائجة أرض يبس بقلها أو اصفر وأهاجه أيبسه وكان يحتمل النسخة الباء الموحدة من قولهم هبجه


(1) صفات الشيعة ص 169، والاية في المائدة: 54. (2) صفات الشيعة ص 171. (3) صفات الشيعة ص 177 (*).

[170]

تهبيجا: ورمه. 31 - ومنه: بإسناده عن محمد بن صالح، عن أبي العباس الدينوري، عن محمد ابن الحنفية قال: لما قدم أمير المؤمنين عليه السلام البصرة بعد قتال أهل الجمل دعاه الاحنف بن قيس واتخذ له طعاما فبعث إليه صلوات الله عليه وإلى أصحابه فأقبل ثم قال: يا أحنف ادع لي أصحابي، فدخل عليه قوم متخشعون كأنهم شنان بوالي (1) فقال الاحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي نزل بهم ؟ أمن قلة الطعام ؟ أو من هول الحرب ؟. فقال صلوات الله عليه: لا يا أحنف إن الله سبحانه أجاب (2) أقواما تنسكوا له في دار الدنيا تنسك من هجم على ما علم من قربهم من يوم القيامة، من قبل أن يشاهدوها: فحملوا أنفسهم على مجهودها وكانوا إذا ذكروا صباح يوم العرض على الله سبحانه توهموا خروج عنق يخرج من النار يحشر الخلائق إلى ربهم تبارك وتعالى وكتاب يبدو فيه على رؤس الاشهاد فضايح ذنوبهم، فكادت أنفسهم تسيل سيلانا أو تطير قلوبهم بأجنحة الخوف طيرانا، وتفارقهم عقولهم إذا غلبت بهم مراجل المجرد (3) إلى الله سبحانه غليانا. فكانوا يحنون حنين الواله في دجى الظلم، وكانوا يفجعون من خوف ما أو قفوا عليه أنفسهم، فمضوا ذبل الاجسام، حزينة قلوبهم، كالحة وجوههم، ذابلة شفاههم، خامصة بطونهم، تراهم سكارى سمار وحشة الليل متخشعون كأنهم شنان بوالي، قد أخلصوا لله أعمالا سرا وعلانية، فلم تأمن من فزعه قلوبهم. بل كانوا كمن حرسوا قباب خراجهم (4) فلو رأيتهم في ليلتهم وقد نامت العيون، وهدأت


(1) الشنان جمع الشن - بالفتح - القربة الخلقة الصغيرة، لكن يكون الماء فيها أبرد من غيرها، فالبوالى صفة تأكيدية. (2) أثاب خ ل، وفى المصدر المطبوع: أحب. (3) المجرد: اناء يغلى لتصفية ما فيه من العصير، وفى المصدر: من أجل التجرد وهو تصحيف. (4) جر ثوابت جراحهم خ، حرسوا قباب خراجهم خ، والجملة مصحفة (*).

[171]

الاصوات، وسكنت الحركات، من الطير في الوكور، وقد نهنههم هول يوم القيامة بالوعيد عن الرقاد كما قال سبحانه: " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون " (1) فاستيقظوا لها فزعين، وقاموا إلى صلواتهم معولين، باكين تارة واخرى مسبحين، يبكون في محاريبهم، ويرنون، يصطفون ليلة مظلمة بهماء يبكون. فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياما على أطرافهم منحنية [ظهورهم، يلتون] أجزاء القرآن لصلواتهم قد اشتدت إعوالهم ونحيبهم وزفيرهم، إذا زفروا خيلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفدت في أعناقهم فلو رأيتهم في نهارهم إذا لرأيت قوما يمشون على الارض هونا، ويقولون للناس حسنا " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وإذا مروا باللغو مروا كراما " (2) قد قيدوا أقدامهم من التهمات، وأبكموا ألسنتهم أن يتكلموا في أعراض الناس وسجموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض، وكحلوا أبصارهم بغض البصر عن المعاصي وانتحوا دار السلام التي من دخلها كان آمنا من الريب والاحزان. فلعلك يا أحنف شغلك نظرك في وجه واحدة تبدي الاسقام بغاضرة وجهها، و دار قد اشتغلت بنفس روأتها (3) ستور قد علقتها، والريح والاجام موكلة بثمرها وليست دارك هذه دار البقاء فأحمتك الدار التي خلقها الله سبحانه من لؤلؤة بيضاء ونشفق فيها أنهارها (4) [وغرس فيها أشجارها، وظلل عليها بالنضج من أثمارها] وكبسها بالعوابق من حورها، ثم أسكنها أولياءه وأهل طاعته. فلو رأيتهم يا أحنف وقد قدموا على زيادات ربهم سبحانه، فإذا ضربت


(1) الاعراف: 97 (2) الفرقان: 63. (2) في المصدر: اشغلت بنقش رواقها، وهو الصحيح المناسب لقوله بعده " وستور قد علقتها ". (3) الزيادة من المصدر المطبوع (*).

[172]

جنائبهم، صوتت رواحلهم بأصوات لم يسمع السامعون بأحسن منها، وأظلتهم غمامة فأمطرت عليهم المسك والرادن وصهلت خيولها بين أغراس تلك الجنان، وتخللت بهم نوقهم بين كثب الزعفران، ويتطأ من تحت أقدامهم اللؤلؤ والمرجان، واستقبلتهم قهارمتها بمنابر الريحان، وتفاجت لهم (1) ريح من قبل العرش فنثرت عليهم الياسمين والاقحوان، وذهبوا إلى بابها فيفتح لهم الباب رضوان، ثم سجدوا لله في فناء الجنان فقال لهم الجبار: ارفعوا رؤوسكم فاني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة، وأسكنتكم جنة الرضوان. فان فاتك يا أحنف ما ذكرت لك في صدر كلامي لتتركن في سرابيل القطران ولتطوفن بينها وبين حميم آن، ولتسقين شرابا حار الغليان في أنضاجه، فكم يومئذ في النار من صلب محطوم، ووجه مهشوم، ومشوه مضروب على الخرطوم قد أكلت الجامعة كفه، والتحم الطوق بعنقه. فلو رأيتهم يا أحنف ينحدرون في أوديتها، ويصعدون جبالها، وقد البسوا المقطعات من القطران، واقرنوا مع فجارها وشياطينها، فإذا استغاثوا بأسوء أخذ من حريق شدت عليهم عقاربها وحياتها، ولو رأيت مناديا ينادي وهو يقول: يا أهل الجنة ونعيمها ويا أهل حليها وحللها، خلدوا فلا موت، فعندها ينقطع رجاؤهم و تنغلق الابواب، وتنقطع بهم الاسباب، فكم يومئذ من شيخ ينادي: واشيبتاه ! و كم من شاب ينادي واشباباه ! وكم من امرأة تنادي وافضيحتاه، هتكت عنهم الستور، فكم يومئذ من مغموس، بين أطباقها محبوس، يا لك غمسة ألبستك بعد لباس الكتان، والماء المبرد على الجدران، وأكل الطعام ألوانا بعد ألوان لباسا لم يدع لك شعرا ناعما كنت مطعمه إلا بيضه، ولا عينا كنت تبصر بها إلى حبيب إلا فقأها، هذا ما أعد الله للمجرمين، وذلك ما أعد الله للمتقين (2).


(1) في المصدر: وهاجت. (2) صفات الشيعة ص 183 (*).

[173]

توضيح: " المراجل " جمع المرجل كمنبر، وهو القدر من الحجارة و النحاس، والمحرد بالحاء المهملة من الحرد بمعنى القصد أو التحي والاعتزال عن الخلق، وعن كل شئ سوى الله في القاموس: حرده يحرده قصده، ورجل حرد وحرد وحريد ومتحرد من قوم، حراد وحرداء معتزل متنح وحي حريد منفرد، إما لعزته أو لقلته، وحرد كضرب وسمع غضب وأحرد في السير أغذ انتهى والكل مناسب وفي بعض النسخ بالجيم وكأنه على المفعول من بناء التفعيل من قولهم تجرد للامر أي جد فيه، وانجرد بنا السير أي امتد أو من التجريد وهو التعرية من الثياب كناية عن قطع العلائق متوجها إلى الله سحانه، والاول أظهر، وفي القاموس: سمر سمرا وسمورا لم ينم، وهم السمار، وقال: نهنهه عن الامر فتنهنه كفه وزجره فكف وقال: " أعول " رفع صوته بالبكاء والصياح كعول، والاسم العول والعولة والعويل، وقال: صفده يصفده شده وأوثقه كأصفده وصفده " من التهمات " أي من مواضع التهمة، أو من تتبع عيوب الناس واتهامهم. قوله: " وسجموا أسماعهم " أي كفوها ومنعوها عن " أن يلجها " أي يدخلها كلمات المبطلين، قال الزمخشري في الاساس: سجم عن الامر أبطأ وانقبض وقال: خاضوا في الحديث وتخاوضوا فيه وهو يخوض مع الخائضين أي يبطل مع المبطلين، وهم في خوض يلعبون وقال الراغب: الخوض هو الشروع في الماء و المرور فيه، ويستعار في الامور وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذم الشروع فيه نحو قوله " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب " (1) " وخضتم كالذي خاضوا " (2) وقال تعالى: " فذرهم في خوضهم يلعبون " (3)


(1) براءة: 65. (2) براءة: 69. (3) الانعام: 91، والاية هكذا منقولة في المصدر المطبوع، وفى المصحف الشريف " قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون "، نعم في المصحف الشريف " فذرهم يخضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون، في سورة المعارج 42، وسورة الزخرف " 83 (*).

[174]

و " إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره " (1) وتقول: أخضت دابتي في الماء " انتهى. وأقول: يمكن أن يقرأ سجموا هنا على بناء التفعيل أو على بناء المجرد فيكون أسماعهم بالرفع بدلا عن الضمير، ونحاه وانتحاه قصده، وانتحى جد " في وجه واحدة " أي دار واحدة " وتظهر (2) الاسقام بغاضرة وجهها " من الغضارة وهي النعمة والسعة والحسن وطيب العيش، أي في عين النضارة والغضارة تظهر أنواع البلاء " قد اشتغلت " أي شغلتك عن الاخرة بنفائس روأتها وحسنها والاجام بالجيم من قولهم تأجم النهار أي اشتد حره أو بالحاء المهملة والميمين من قولهم أحم الماء سخنه. " فأحمتك " الضمير للدار المقدمة، وهي الدنيا، أي منعتك دار الدنيا عن دار الاخرة. في القاموس: حمى الشئ يحميه حميا وحماية: منعه، وحمى المريض ما يضره منعه إياه، فاحتمى وتحمى: امتنع، وأحمى المكان جعله حمى لا يقرب، وحمي من الشئ كرضي أنف، وقال: كبس البئر و النهر يكسبهما طمهما بالتراب، ورأسه في ثوبه أخفاه وأدخله فيه، وداره هجم عليه واحتاط، وقال: عبق به الطيب كفرح لزق به. أو هو بالتاء المثناة الفوقانية جمع عاتق، وهي الجارية أول ما أدركت والتي لم تتزوج ذكره الفيروز آبادي وقال: الحور جمع أحور وحوراء، وبالتحريك أن يشتد بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيض ما حواليها، أو شدة بياضها وسواها في شدة بياض الجسد أو اسوداد العين كلها مثل الظباء ولا يكون في بني آدم بل يستعار لها. قوله: " على زيادات ربهم " أي نعمهم الزائدة عن قدر أعمالهم كما قال سبحانه: " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " وقال: " ولدينا مزيد " (3).


(1) الانعام: 68. (2) كان لفظ الحديث، " تبدى ". (3) يونس: 26، ق 35 (*).

[175]

" فإذا ضربت " أي أسرعت أو على بناء المجهول " والجنائب " جمع الجنيبة، وهي الفرس تقاد ولا تركب و " الرواحل " جمع الراحلة وهي المركب من الابل ذكرا كان أو انثى، وقيل هي الناقة التي تصلح أن ترحل " والرادن " الزعفران أو هو الالوان أي أنواع الطيب أو الارجوان بالضم أي الورد الاحمر، أو الثوب الارغواني والوردان جمع ورد لكنه لم يذكر في كتب اللغة " والكثب " بالضم جمع الكثيب وهو التل من الرمل و " يتطأ من تحت أقدامهم " افتعال من الوطئ في القاموس وطئه بالكسر يطاؤه داسه كوطأه ووطأته توطئة، واستوطأه وجده وطيئا ووطئه هيأه ودمثه وسهله كوطأ في الكل فاتطأ، واتطأ كافتعل استقام وبلغ نهايته، وتهيأ ورجل موطئ الاكناف كمعظم سهل دمث كريم مضياف. وقال في الاساس: اطمأن بالمكان، ووتد الله الارض بالجبال فاطمأنت، و من المجاز وقار وطمأنينة، ورأيته قلقا فرقا فطامنت منه حتى اطمأن، ومن المجاز في فلان وقار وتطأ من، وتقول قلبه آمن، وجاشه متطامن، وأرض مطمئنة ومتطأمنة منخفضة انتهى. وأقول: فيتحمل أن يكون " من " جزء الكلمة من " يتطأمن " أي يمشون على اللؤلوء والمرجان من غير عسر وحزونة، وكأن الاول أظهر. " والقهارمة " جمع القهرمان، وفي النهاية هو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحت يده والقائم بامور الرجل بلغة الفرس " بمنابر الريحان " أي ما اجتمع وارتفع منه في القاموس نبر الشئ رفعه، ومنه المنبر بكسر الميم، وقال: النبرة كل مرتفع من شئ ويمكن أن يكون منائر بالهمز من النور بالفتح أي الازهار، و " تفاجت " من الفجأة بالتخفيف والحذف وأصله تفاجأت أي ثارت فجأة وفي بعض النسخ هاجت من الهيجان وفي القاموس السربال بالكسر القميص أو الدرع أو كل ما لبس. " من قطران " قال البيضاوي: وجاء قطران وقطران (1) لغتين فيه وهو ما يتحلب من الا بهل فيطبخ فيهنأ به الابل الجربى فيحرق الجرب بحدته، وهو


(1) تفسير البيضاوي ص 220، والاية في ابراهيم: 50 (*).

[176]

أسود منتن يشتعل فيه النار بسرعة يطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقميص ليجتمع عليهم لذع القطران، ووحشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم، وعن يعقوب من قطر آن والقطر النحاس أو الصفر المذاب والاني المتناهي حره، وقال: " يطوفون بينها " أي بين النار يحرقون بها و " بين حميم آن " أي ماء حار بلغ النهاية في الحرارة، يصب عليهم أو يسقون منه، وقيل إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم (1) و " الحطم " الكسر و " الهشم " كسر اليابس، و شوهه الله: قبح وجهه، و " الخرطوم " كزنبور الانف قال تعالى: " سنسمه على الخرطوم " (2) و " الجامعة " الغل و " التحم الطوق " أي دخل في اللحم ونشب فيه " خلدوا " أي كونوا مخلدين. و " تنقطع بهم الاسباب " إشارة إلى قوله سبحانه: " إذ ترأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الاسباب " قال البيضاوي: الاسباب الوصل التي كانت بينهم من الاتباع والاتفاق على الدين والاغراض الداعية إلى ذلك " على الجدران " لانهم كانوا يضعونه فوق الجدار ليزيد تبريده " كنت مطعمه " أي رزقته على بناء المجهول فيهما مجازا. وهذا الخبر كان في غاية السقم ولم أجده في كتاب آخر اصححه به، وكان فيه بعض التصحيف والحذف. 32 - فضائل الشيعة: للصدوق رحمه الله باسناده، عن أبي بصير، عن أبي - عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أنا الراعى راعي الانام، أفترى الراعي لا يعرف غنمه ؟ قال: فقام إليه جويرية وقال: يا أمير المؤمنين فمن غنمك ؟ قال: صفر الوجوه، ذبل الشفاه من ذكر الله (3). 33 - محص: عن الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: سمعته يقول: أما والله إن أحب أصحابي إلى أورعهم وأكتمهم لحديثنا، وإن أسوأهم عندي حالا


(1) تفسير البيضاوي: 419. والاية في الرحمن: 40. (2) القلم: 16. (3) فضائل الشيعة ص 150 (*).

[177]

وأمقتهم إلى الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا ويروى عنا، فلم يعقله ولم يقبله قلبه اشمأزت منه وجحده وكفر بمن دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج وإلينا اسند، فكيون بذلك خارجا عن ولايتنا. بيان: اشمأز انقبض واقشعر. 34 - ما: جماعة، عن أبي المفضل، عن أبي الطيب محمد بن الحسين اللخمي عن جعفر بن عبد الله العلوي، عن منصور بن أبي بريرة، عن نوح بن دراج عن ثابت بن أبي صفية، عن يحيى بن أم الطويل، عن نوف بن عبد الله البكالي قال: قال لي علي عليه السلام: يا نوف خلقنا من طينة طيبة، وخلق شيعتنا من طينتنا، فإذا كان يوم القيامة الحقوا بنا، قال نوف: فقلت: صف لي شيعتك، يا أمير المؤمنين فبكى لذكرى شيعته وقال: يا نوف شيعتي والله الحلماء، العلماء بالله ودينه العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبه، أنضاء عبادة، أحلاس زهادة، صفر الوجوه من التهجد، عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاه من الذكر، خمص البطون من الطوى، تعرف الربانية في وجوههم والرهبانية في سمتهم، مصابيح كل ظلمة وريحان كل قبيل، لا يثنون من المسلمين سلفا، ولا يقفون لهم خلفا، شرورهم مكنونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، أنفسهم منهم في عناء، والناس منهم في راحة، فهم الكاسة الالباء، والخالصة النجباء، فهم الرواغون فرارا بدينهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، أولئك شيعتي الاطيبون وإخواني الاكرمون، ألاهاه شوقا إليهم (1). بيان: " الانضاء " جمع النضو بالكسر، وهو المهزول من الابل وغيرها " أحلاس زهادة " أي ملازمون للزهد أو ملازمون للبيوت لزهدهم، في النهاية في حديث الفتن عد منها فتنة الاحلاس، الاحلاس: جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، وفيه كونوا أحلاس بيوتكم أي الزموها " ريحان كل قبيل " أي الشيعة عزيز كريم بين كل قبيلة بمنزلة الريحان، ولذا يطلق


(1) أمالى الطوسى ح 2 ص 188 (*).

[178]

الريحان على الولد وعلى الرزق " ولا يقفون " أي لا يتهمون ولا يقذفون أولا يتبعونهم بغير حجة في القاموس قفوته تبعته، وقذفته بالفجور صريحا، ورميته بأمر قبيح " فهم الرواغون ": أي يميلون عن الناس ومخالطتهم، أو يجادلون في الدين ويدخلون الناس فيه بالحكمة والموعظة الحسنة، وفي القاموس: راغ الرجل والثعلب روغا وروغانا مال وحاد عن الشئ، وهذه روغتهم وياغتهم بكسرهما أي مصطر عهم وأخذتني بالرويغة بالحيلة من الروغ وأراغ أراد وطلب، و المراوغة المصارعة. 35 - مشكوة الانوار: عن علي بن الحسين عليه السلام: قال: صلى أمير المؤمنين عليه السلام: ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قيد رمح، وأقبل على الناس بوجهه فقال: والله لقد أدركنا أقواما كانوا يبيتون لربهم سجدا وقياما يراوحون بين جباههم وركبهم، كأن زفير النار في آذانهم، إذا ذكر الله عندهم مادوا كما يميد الشجر، كأن القوم باتوا غافلين، قال: ثم قام فما رئي ضاحكا حتى قبض صلوات الله عليه (1). 36 - ومنه: عن عمرو بن سعيد بن بلال قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ونحن جماعة فقال: كونوا النمرقة الوسطى يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي واعلموا يا شيعة آل محمد ! ما بيننا وبين الله من قرابة، ولا لنا على الله حجة، ولا يقرب إلى الله إلا بالطاعة، من كان مطيعا نفعته ولايتنا، ومن كان عاصيا لم تنفعه ولايتنا. قال: ثم التفت إلينا وقال: لا تغتروا ولا تفتروا، قلت: وما النمرقة الوسطى ؟ قال: ألا ترون أهلا تأتون أن تجعلوا للنمط الاوسط فضله (2). بيان: النمرقة بضم النون والراء وكسرهما الوسادة، والنمط الطريقة من الطرايق، والجماعة من الناس أمرهم واحد، وأصله ضرب من البسط له خمل رقيق " ألا ترون إلخ " أي تدخلون بيتا فيه أنماط ونمارق تتوجهون إلى الوسط منها و


(1) مشكوة الانوار ص 61 تراه مشروحا في ج 67 ص 360. (2) مشكوة الانوار ص 60 (*).

[179]

ترون فضله على سائر الوسائد والبسط، فهذا على الاستعارة وقد مر الكلام فيه. 37 - المشكوة: روى محمد بن نبيك قال: حدثني أبو عبد الله جعفر بن محمد بن مقبل القمي، عن علي بن محمد الزائدي، عن الحسن بن أسد، عن الهيثم بن واقد عن مهزم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فذكرت الشيعة فقال: يا مهزم إنما الشيعة من لا يعدو سمعه صوته، ولا شجنه بدنه (1) ولا يحب لنا مبغضا، ولا يبغض لنا محبا، ولا يجالس لنا غاليا، ولا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل الناس وإن مات جوعا، المتنحي عن الناس، الخفي عليهم، وإن اختلفت بهم الدار لم تختلف أقاويلهم إن غابوا لم يفقدوا، وإن حضروا لم يؤبه بهم (2) وإن خطبوا لم يزوجوا، يخرجون من الدنيا وحوائجهم في صدورهم، إن لقوا مؤمنا أكرموه، وإن لقوا كافرا هجروه، وإن أتاهم ذو حاجة رحموه، وفي أموالهم يتواسون. ثم قال: يا مهزم قال جدي رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي رضوان الله عليه: يا علي كذب من زعم أنه يحبني ولا يحبك، أنا المدينة وأنت الباب، ومن أين تؤتى المدينة الا من بابها. وروى أيضا مهزم هذا الحديث إلى قوله: وإن مات جوعا، قال: قلت: جعلت فداك أين أطلب هؤلاء ؟ قال: هؤلاء اطلبهم في أطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم، المنقلة ديارهم، القليلة منازعتهم، إن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، وإن خاطبهم جاهل سلموا، وعند الموت لا يجزعون، وفي أموالهم متواسون إن التجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه، لم يختلف قولهم، وإن اختلف بهم البلدان ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كذب يا علي من زعم أنه يحبني ويبغضك (3)


(1) الشجن: الحزن والهم، وفى المصدر المطبوع بالحاء المهملة، والشحن بالتحريك: الحقد والعداوة كالشحناء، وقد مر مثله تحت الرقم 16 و 28 وهكذا سيجئ تحت الرقم 39 عن الكافي مشروحا وفيه " ولا شحناؤه بدنه " فراجع. (2) أي لم يلتفت إليهم لخمولهم ولم يكترث بشأنهم. (3) مشكوة الانوار ص 61 و 62 (*).

[180]

38 - ومنه: عن ميسر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا ميسر ألا اخبرك بشيعتنا ؟ قلت: بلى جعلت فداك قال: إنهم حصون حصينة وصدور أمينة وأحلام رزينة ليسوا بالمذاييع البذر، ولا بالجفاة المرائين، رهبان بالليل، اسد بالنهار (1). والبذر: القوم الذين لا يكتمون الكلام. وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أصحاب علي عليه السلام كانوا المنظور إليهم في القبائل وكانوا أصحاب الودايع مرضيين عند الناس سهار الليل، مصابيح النهار (2). 39 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن مهزم وبعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن محمد بن إسحاق الكاهلي، وأبي علي الاشعري عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن ربيع بن محمد جميعا، عن مهزم الاسدي قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: يا مهزم شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شحناؤه بدنه، ولا يمتدح بنا معلنا، ولا يجالس لنا عائبا، ولا يخاصم لنا قاليا إن لقي مؤمنا أكرمه، وإن لقي جاهلا هجره. قلت: جعلت فداك فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة ؟ قال: فيهم التمييز وفيهم التبديل، وفيهم التمحيص تأتي عليهم سنون تفنيهم، وطاعون يقتلهم، و اختلاف يبددهم، شيعتنا من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل عدونا وإن مات جوعا، قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء ؟ قال: في أطراف الارض اولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، ومن الموت لا يجزعون، وفي القبور يتزاورون، وإن لجأ إليهم ذو حاجة منهم رحموه، لن تختلف قلوبهم، وإن اختلفت بهم الدار، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا المدينة وعلي الباب، وكذب من زعم أنه يدخل المدينة لا من قبل الباب، وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا عليه السلام (3).


(1 و 2) مشكوة الانوار ص 62 و 63. والمذاييع جمع المذياع: الذى لا يكتم الاسرار بل يفشيها. (3) الكافي ج 2 ص 239 (*).

[181]

تبيين: " من لا يعدو " أي لا يتجاوز وفي بعض النسخ لا يعلوا صوته سمعه كأنه كناية عن عدم رفع الصوت كثيرا، ويحمل على ما إذا لم يحتج إلى الرفع لسماع الناس كما قال تعالى: " واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير " (1). أو على الدعاء والتلاوة والعبادة، فان حفض الصوت فيها أبعد من الرئاء، و يمكن أن يكون المراد بالسمع الاسماع كما ورد في اللغة، أو يكون بالاضافة إلى المفعول أي السمع منه، أي لا يرفع الصوت زائدا على إسماع الناس، أو يكون بضم السين وتشديد الميم المفتوحة جمع سامع أي لا يتجاوز صوته السامعين منه، و قرئ السمع بضمتين جمع سموع بالفتح: أي لا يقول شيئا إلا لمن يسمع قوله ويقبل منه. " ولا شحناؤه بدنه " أي لا يتجاوز عداوته بدنه أي يعادي نفسه ولا يعادي غيره، أو إن عادى غيره في الله لا يظهره تقية. وفي بعض النسخ " يديه " أي لا تغلب عليه عداوته، بل هي بيديه واختياره يدفعها باللطف والرفق أو لا يتجاوز أثر عداوته من يده إلى الخصم بأن يضبط نفسه عن الضرب، أو لا يضمر العداوة في القلب وإن كانت المكافاة باليد أيضا مذمومة لكن هذا أشد وسيأتي (2) عن غيبة النعماني " ولا شجاه بدنه " وعن مشكوة الانوار " ولا شجنه بدنه " والشجا الحزن وما اعترض في الحلق، والشجن محركة الهم والحزن، وحاصلهما عدم إظهار همه وحزنه لغيره كما مر أن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أي لا يصل ضرر حزنه إلى غيره ولا يمتدح بنا معلنا: في القاموس: مدحه كمنعه مدحا ومدحة أحسن الثناء عليه كمدحه وامتدحه و تمدحه وتمدح تكلف أن يمدح وتشبع بما ليس عنده، والارض والخاصرة اتسعتا كامتدحت (3) وقال: اعتلن ظهر وأعلنته وبه وعلنته أظهرته.


(1) لقمان: 19. (2) بل قد مر تحت الرقم 16 عن غيبة النعماني، وتحت الرقم 28 عن صفات الشيعة والرقم 37 عن مشكوة الانوار. (3) القاموس ج 1 ص 248 (*).

[182]

أقول: فالكلام يحتمل وجوها: الاول: أن يكون الظرف متعلقا بمعلنا كما في نظائره، والامتداح بمعنى المدح أي لا يمدح معلنا لامامتنا فانه لتركه التقية لا يستحق المدح. الثاني: ان يكون الامتداح بمعنى التمدح كما في بعض النسخ أي لا يطلب المدح ولا يمدح نفسه بسب قوله بامامتنا علانية، وذلك أيضا لترك التقية، وفيه إشعار بأنه ليس بشيعة لنا لتركه أمرنا بل يتكلف ذلك. الثالث: أن تكون الباء زائدة أي لا يمدحنا معلنا وهو بعيد. " لنا عائبا " الظرف متعلق بقوله عائبا " ولا يخاصم لنا قاليا " أي مبغضا لنا " وإن لقي جاهلا " كأن المراد به غير المؤمن الكامل أي العالم العامل بقرينة المقابلة فيشمل الجاهل والعالم غير العامل بعلمه، بل الهجران عنه أهم، وضرر مجالسته أتم " فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة " أي الذين يدعون التشيع، وليس لهم صفاته وعلاماته و الكلام يحتمل وجهين: أحدهما: أن المعنى كيف أصنع بهم حتى يكونوا هكذا ؟ فأجاب عليه السلام بأن هذا ليس من شأنك بل الله يمحصهم ويبدلهم. والثاني: أن المعنى ما أعتقد فيهم ؟ فالجواب أنهم ليسوا بشيعة لنا، والله تعالى يصلحهم ويذهب بمن لا يقبل الصلاح منهم. وفيهم التمييز، قيل كلمة " في " في المواضع للتعليل والظرف خبر للمبتدأ والتقديم للحصر واللام في الثلاثة للعهد إشارة إلى ماروي عن أمير المؤمنين حيث قال: لتبلبلن بلبلة ولتغر بلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم إلى آخر الخبر (1) وأقول: قد روي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام ويل لطغاة العرب من أمر اقترب، قلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب، قال: نفر يسير، قلت: والله إن من يصف هذا الامر منهم لكثير ! قال: لابد للناس من أن يمحصوا ويميزوا ويغربلوا


(1) النهج تحت الرقم 16 من الخطب (*).

[183]

ويستخرج في الغربالي خلق كثير (1). وذكر عليه السلام امورا توجب خروجهم من الفرقة الناجية أو هلاكهم بالاعمال والاخلاق الشيعة في الدنيا والاخرة: احدها: التمييز بين الثابت الراسخ وغيره، في المصباح يقال: مزته ميزا من باب باع بمعنى عزلته وفصلته من غيره، والتثقيل مبالغة وذلك يكون في المشتبهات نحو " ليميز الله الخبيث من الطيب " (2) وفي المختلطات نحو " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " (3) وتمييز الشئ انفصاله من غيره. وثانيها: التبديل أي تبديل حالهم بحال أخس أو تبديلهم بقوم آخرين لا يكونون أمثالهم كما قال تعالى: " وإن تتولوا يستبدل قوما غير كم ثم لا يكونوا أمثالكم " (4). وثالثها:: التمحيص وهو الابتلاء والاختبار والتخليص يقال: محصت الذهب بالنار إذا خلصته مما يشوبه. ورابعها: السنون وهي الجدب والقحط قال الله تعالى: " ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين " (5) والواحد السنة، وهي محذوفة اللام وفيها لغتان إحداهما جعل اللام هاء والاصل سنهة، وتجمع على سنهات، مثل سجدة وسجدات وتصغر على سنيهة وأرض سنهاء أصابتها السنة وهي الجدب، والثانية جعلها واوا و الاصل سنوة وتجمع على سنوات مثل شهوة وشهوات وتصغر على سنية وأرض سنواء أصابتها لسنوة، وتجمع في اللغتين كجمع المذكر السالم أيضا فيقال: سنون وسنين، وتحذف النون للاضافة وفي لغة تثبت الياء في الاحوال كلها.


(1) غيبة النعماني باب التمحيص ص 111. (2) الانفال: 37. (3) يس: 59. (4) القتال: 38. (5) الاعراف: 130 (*).

[184]

تجعل النون حرف إعراب تنون في التنكير ولا تحذف مع الاضافة كأنها من اصول الكلمة، وعلى هذه اللغة قوله صلى الله عليه وآله: " اللهم اجعلها عليهم سنينا كسنين يوسف " (1) كل ذلك ذكرها في المصباح. وخامسها: الطاعون وهو الموت من الوباء. وسادسها: اختلاف يبددهم: أي اختلاف بالتدابر والتقاطع والتنازع يبددهم ويفرقهم تفريقا شديدا تقول: بددت الشئ من باب قتل إذا فرقته و التثقيل مبالغة وتكثير، وقيل يأتي عليهم سنون إلى هنا دعاء عليهم ولا يخفى بعده. " لا يهر هرير الكلب " أي لا يجزع عند المصائب، أو لا يصول على الناس بغير سبب كالكلب، قال في القاموس: هر الكلب إليه يهر أي بكسر الهاء هريرا وهو صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد، وقد هره البرد صوته كأهره، وهر يهر بالفتح ساء خلقه " ولا يطمع طمع الغراب " طمعه معروف يضرب به المثل، فانه يذهب إلى فراسخ كثيرة لطلب طعمته " وإن مات جوعا " كأنه على المبالغة أو محمول على إمكان سؤال غير العدو، وإلا فالظاهر أن السؤال مطلقا عند ظن الموت من الجوع واجب وقيل: المراد به السؤال من غير عوض، وأما معه كالاقتراض فالظاهر أنه جائز " فأين أطلب هؤلاء " أي لا أجد بين الناس من اتصف بتلك الصفات، قال: في أطراف الارض لانهم يهربون من المخالفين تقية أو يستوحشون من الناس لاستيلاء حب الدنيا والجهل عليهم حذرا من أن يصيروا مثلهم، وما قيل إن " في " معنى عند كما قيل في قوله تعالى " فما متاع الحيوة الدنيا في الاخرة إلا قليل " (2) والاطراف جمع طريف بمعنى النفيس والمراد بهم العلماء فلا يخفى بعده " اولئك الخفيض عيشهم " أي هم خفيفوا المؤنة يكتفون من الدنيا بأقلها فلا يتعبون في تحصيلها وترك الملاذ أسهل من ارتكاب المشاق في القاموس الخفض الدعة، وعيش خافض، والسير اللين وغض الصوت، وأرض خافضة السقيا سهلة السقي وخفض القول يا فلان لينه و الامر هونه " المنتقلة ديارهم " لفرارهم من شرار الناس من أرض إلى أرض، أو


(1) راجع مجمع البيان وغيره في تفسير سورة الدخان. (2) براءة: 38 (*).

[185]

يختارون الغربة لطلب العلم " إن شهدوا لم يعرفو " لعدم شهرتهم، وخمول ذكرهم بين الناس، وقيل لاختيارهم الغربة لطلب العلم " وإن غابوا لم يفتقدوا " أي لم يطلبوا لاستنكاف الناس عن صحبتهم، وعدم اعتنائهم بشأنهم، وقيل لغربتهم بينهم كما مر وفي القاموس افتقده وتفقده طلبه عند غيبته، ومات غير فقيد ولا حميد وغير مفقود غير مكترث لفقدانه. " ومن الموت لا يجزعون " لان أولياء الله يحبون الموت ويتمنونه، وقيل: " من " للتعليل والظرف متعلق بالنفي لا بالمنفي والتقديم للحصر أي عدم جزعهم من أحوال الدنيا وأهلها وما يصيبه منهم من المكاره إنما هو لعلمهم بالموت والانتقام منهم بعده، ولا يخفى بعده. " وفي القبور يتزاورون " أي أنهم لشدة التقية وتفرقهم قلما يمكنهم زيارة بعضهم لبعض، وإنما يتزاورون في عالم البرزخ لحسن حالهم ورفاهيتهم، أو أنهم مختفون من الناس لا يزارون إلا بعد الموت، أو مساكنهم المقابر والمواضع الخربة في تلك المواطن يلقي بعضهم بعضا وقيل: أي يزور أحياؤهم أمواتهم في المقابر وقيل القبور: عبارة عن مواضع قوم ماتت قلوبهم لترك ذكر الله كما قال تعالى: " وما أنت بمسمع من في القبور " (1) أي لا تمكنهم الزيارة في موضع تكون فيه جماعة من الضلال والجهال الذينهم بمنزلة الاموات والاول أظهر. " لن تختلف قلوبهم وإن اختلفت بهبم الدار " أي هم على مذهب واحد و طريقة واحدة، وإن تباعد بعضهم بعضها في الديار، فانهم تابعون لائمة الحق ولا اختلاف عندهم، وقيل: أي قلب كل واحد منهم غير مختلف ولا متغير من حال إلى حال، وإن اختلفت دياره ومنازله، لانسه بالله، وعدم تعلقه بغيره، فلا يستوحش بالوحدة والغربة، واختلاف الديار، لان مقصوده وأنيسه واحد حاضر معه في الديار كلها، بخلاف غيره لان قلبه لما كان متعلقا بغيره تعالى يأنس به إذا وجده، و يستوحش إذا فقده. انتهى ولا يخفى بعده.


(1) فاطر: 22 (*).

[186]

" أنا المدينة " كأن ذكر هذا الخبر لبيان علة اتفاق قلوبهم، فانهم عاملون بهذا الخبر أو لبيان أن تلك الصفات إنما تنفع إذا كانت مع الولاية، أو لبيان لزوم اختيار تلك الصفات، فانها من أخلاق مولى المؤمنين، وهو باب مدينة الدين والعلم والحكمة، فلا بد لمن ادعى الدخول في الدين أن يتصف بها. 40 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن الحسن زعلان، عن أبي إسحاق الخراساني، عن عمرو بن جميع العبدي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شيعتنا الشاحبون الذابلون الناحلون، الذين إذا جهنم الليل استقبلوه بحزن (1). بيان: " شيعتنا الشاحبون " وفي نادر من النسخ " السايحون " بالمهملتين بينهما مثناة تحتانية قيل: أي الملازمون للمساجد والسيح أيضا الذهاب في الارض للعبادة وقال في النهاية: الشاحب المتغير اللون والجسم لعارض من مرض أو سفر ونحوهما، و قال: ذبلت بشرته أي قل ماء جلده وذهبت نضارته، وفي الصحاح ذبل الفرس ضمر وقال: النحول الهزال، وجمل ناحل مهزول، وقال: جن عليه الليل يجن جنونا ويقال: أيضا جنه الليل وأجنه الليل بمعنى. وأقول: تعريف الخبر باللام للحصر، والحاصل أنه ليس شيعتنا إلا الذين تغيرت ألوانهم من كثرة العبادة والسهر، وذبلت أجسادهم من كثرة الرياضة، أو شفاههم من الصوم، وهزلت أبدانهم مما ذكر: الذين إذا سترهم الليل استقبلوه بحزن أي اشتغلوا بالعبادة فيه مع الحزن للتفكر في أمر الاخرة وأهوالها. 41 - كا: عن علي، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: شيعتنا أهل الهدى، وأهل التقى وأهل الخير، وأهل الايمان، وأهل الفتح والظفر (2). بيان: " أهل الهدى " أي الهداية إلى الدين المبين وهو مقدم على كل شئ ثم أردفه بالتقوى وهو ترك المنهيات ثم بالخير وهو فعل الطاعات ثم بالايمان


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 233 (*).

[187]

أي الكامل فانه متوقف عليها وأما الفتح والظفر فالمراد به إما الفتح والظفر على المخالفين بالحجج والبراهين أو على الاعادي الظاهرة إن أمروا بالجهاد فانهم أهل اليقين والشجاعة أو على الاعادي الباطنة بغلبة جنود العقل على عساكر الجهل والجنود الشيطانية بالمجاهدات النفسانية كما مر في كتاب العقل، أو المراد أنهم أهل لفتح أبواب العنايات الربانية والافاضات الرحمانية، وأهل الظفر بالمقصود كما قيل إن الاول إشارة إلى كمالهم في القوة النظرية، والثاني إلى كمالهم في القوة العملية، حتى بلغوا إلى غايتهما، وهو فتح أبواب الاسرار، والفوز بقرب الحق. 42 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بزرج، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إياك والسفلة، فانما شيعة علي عليه السلام من عف ببطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، و خاف عقابه، فإذا رأيت اولئك فاولئك شيعة جعفر (1). ل: عن أبيه، عن سعد، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن المفضل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنما شيعة جعفر إلى آخر الخبر (2). مشكوة الانوار: مرسلا مثله (3). كش: عن إبراهيم بن علي الكوفي، عن إبراهيم بن إسحاق الموصلي عن يونس، عن العلاء، عن المفضل، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إياك والسفلة إلى قوله: وخاف عقابه (4). بيان: في القاموس: السفل والسفلة بكسرهما نقيض العلو، وسفل في خلقه وعلمه ككرم سفلا ويضم وسفالا ككتاب وفي الشئ سفولا بالضم نزل من أعلاه إلى أسفله، وسفلة الناس الكسر وكفرحة أسافلهم وغوغاؤهم، وفي النهاية:


(1) الكافي ج 2 ص 233. (2) الخصال ج 1 ص 142. (3) مشكوة الانوار ص 58. (4) رجال الكشى ص 259 (*).

[188]

فقالت امرأة من سفلة الناس: السفلة بفتح السين وكسر الفاء: السقاط من الناس والسفالة النذالة، يقال هو من السفلة، ولا يقال هو سفلة والعامة تقول رجل سفلة من قوم سفل، وليس بعربي وبعض العرب يخفف فيقول فلان من سفلة الناس فينقل كسرة الفاء إلى السين انتهى. وأقول: ربما يقرأ سفلة بالتحريك، جمع سافل، والحاصل أن السفلة أراذل الناس وأدانيهم، وقد ورد النهي عن مخالطتهم ومعاملتهم وفسر في الحديث بمن لا يبالي ما قال ولا ما قيل له، وههنا قوبل بالشيعة الموصوفين بالصفات المذكورة، و حذر عن مخالطتهم ورغب في مصاحبة هؤلاء. والجهاد هنا الاجتهاد والسعي في العبادة أو مجاهدة النفس الامارة " وعمل لخالقه " أي خالصا له، والتبعير بالخالق تعليل للحكم، وتأكيد له، فان من كان خالقا ومعطيا للوجود، والقوى والجوارح ولجميع ما يحتاج إليه، فهو المستحق للعبادة ولا يجوز عقلا تشريك غيره معه فيها. 43 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن شيعة علي عليه السلام كانوا خمص البطون، ذبل الشفاه، أهل رأفة وعلم وحلم، يعرفون بالرهبانية فأعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد (1). صفات الشيعة: عن أبيه، عن سعد والحميري، عن أحمد بن محمد رفعه عنه عليه السلام مثله (2). محص: عن ابن أبى يعفور عنه عليه السلام مثله وزاد في آخره: والصبر. بيان: خماص البطن كناية، عن قلة الاكل أو كثرة الصوم، أو العفة، عن أكل أموال الناس، وذبل الشفاه، إما كناية عن الصوم، أو كثرة التلاوة والدعاء والذكر والخمص بالضم جمع أخمص أو بالفتح مصدر والحمل للمبالغة، وربما يقرأ


(1) الكافي ج 2 ص 233. (2) صفات الشيعة ص 167 (*).

[189]

خمصا بضمتين جمع خميص كرغف ورغيف والذبل قد يقرأ بالفتح مصدرا والحمل كما مر، أو بالضم أو بضمتين أو كركع والجميع جمع ذابل وقال في القاموس: الخمصة الجوعة، والمخمصة المجاعة، وقد خمصه الجوع خمصا ومخمصة وخمص البطن مثلثة الميم خلا، وقال: ذبل النبات كنصر وكرم ذبلا وذبولا ذوي، وذبل الفرس ضمر، وقنى ذابل رقيق لاصق بالليط والجمع ككتب وركع، وفي النهاية رجل خمصان وخميص إذا كان ضامر البطن، وجمع الخميص الخماص، ومنه الحديث " خماص البطون خفاف الظهور " أي أنهم أعفة عن أموال الناس، فهم ضامروا البطون من أكلها، خفاف الظهور من ثقل وزرها انتهى. والرهبانية هنا ترك زوائد الدنيا وعدم الانهماك في لذاتها أو صلاة الليل كما ورد في الخبر " فأعينوا على ما أنتم عليه " أي أعينونا في شفاعتكم زائدا على ما أنتم عليه من الولاية أو كائنين على ما أنتم عليه وقد ورد " أعينونا بالورع " ويحتمل أن يكون المراد بما أنتم عليه من المعاصي أي أعينوا أنفسكم أو أعينونا لدفع ما أنتم عليه من المعاصي وذمائم الاخلاق أو العذاب المرتب عليها بالورع وهذا أنسب لفظا فانه يقال أعنه على عدوه. 44 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان عن مفصل بن عمر، عن أبي أيوب العطار، عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنما شيعة علي عليه السلام الحلماء العلماء، الذبل الشفاه، تعرف الرهبانية على وجوههم (1). بيان: " تعرف الرهبانية " أي آثار الخوف والخشوع وترك الدنيا أو أثر صلاة الليل كما مر. 45 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا أردت أن تعرف أصحابي فانظر إلى من اشتد ورعه، وخاف خالقه، ورجا ثوابه، فإذا رأيت هؤلاء


(1) الكافي ج 2 ص 235 (*).

[190]

فهؤلاء أصحابي (1). توضيح: " أن تعرف أصحابي " أي خلص أصحابي، والذين ارتضيتهم لذلك " من اشتد ورعه " أي اجتنابه عن المحرمات والشبهات " وخاف خالقه " إشارة إلى أن من عرف الله بالخالقية ينبغي أن يخاف عذابه ويرجو ثوابه لكمال قدرته عليهما. 46 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله ابن عمرو بن الاشعث، عن عبد الله بن حماد الانصاري، عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: شيعتنا المتباذلون في ولايتنا، المتحابون في مودتنا، المتزاورون في إحياء أمرنا الذين إن غضبوا لم يظلموا وإن رضوا لم يسرفوا، بركة على من جاوروا، سلم لمن خالطوا (2) ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن الحسن بن فضال، عن ظريف بن ناصح، عن عمرو بن أبي المقدام عنه عليه السلام مثله (3) المشكوة: مرسلا مثله (4). تبيين: " المتباذلون في ولايتنا " الظاهر أن " في " للسببية، والتباذل بذل بعضهم بعضا فضل ماله، والولاية إما بالفتح بمعنى النصرة، أو بالكسر بمعنى الامامة والامارة، والاول أظهر، والاضافة إلى المفعول، والتحابب حب بعضهم بعضا " في مودتنا " أي لان المحبون يحبنا، أو لان المحب يودنا، أو الاعم، أو لنشر مودتنا وإبقائها بينهم، والتزاور زيارة بعضهم بعضا " في إحياء أمرنا " أي لا حياء ديننا، وذكر فضائلنا وعلومنا، وإبقائها، لئلا تندرس بغلبة المخالفين وشبهاتهم وفي الخصال " لاحياء ". " وإن رضوا " عن أحد وأحبوه " لم يسرفوا " أي لم يجاوزوا الحد في المحبة


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 236. (3) الخصال ج 2 ص 33. (4) مشكوة الانوار ص 61 (*).

[191]

والمعاونة، والاسراف في المال بعيد هنا " بركة " أي يصل نفعهم إلى من جاوروه في البيت، أو في المجلس أعم من المنافع الدنيوية والاخروية، وفي الخصال " لمن جاوروا " " سلم " بالكسر أو الفتح أي مسالم، وعلى الاول مصدر، والحمل للمبالغة في القاموس السلم بالكسر المسالم والصلح ويفتح. 47 - كنز الكراجكى: عن محمد بن طالب، عن أبي المضل الشيباني، عن عبد الله ابن جعفر الازدي، عن خالد بن يزيد الثقفي، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال علي لمولاه نوف الشامي وهو معه في السطح: يا نوف أرامق أم نبهان ؟ قال: نبهان أرمقك يا أمير المؤمنين قال: هل تدري من شيعتي ؟ قال: لا والله، قال: شيعتي الذبل الشفاه، الخمص البطون، اذين تعرف الرهبانية، والربانية في وجوههم، رهبان بالليل، اسد بالنهار، الذين إذا جهنم الليل اتزروا على أوساطهم، وارتدوا على أطرافهم، و صفوا أقدامهم، وافترشوا جباههم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء كرام نجباء أبرار أتقياء. يا نوف شيعتي الذين اتخذوا الارض بساطا، والماء طيبا، والقرآن شعارا إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، شيعتي الذين في قبورهم يتزاورون وفي أموالهم يتواسون، وفي الله يتباذلون، يا نوف درهم ودرهم، وثوب وثوب، وإلا فلا شيعتي من لا يهر هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولم يسأل الناس وإن مات جوعا، إن رأى مؤمنا أكرمه، وإن رأى فاسقا هجره، هؤلاء والله يا نوف شيعتي شرورهم مأمونة، وقلوبهم محزونة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، اختلف بهم الابدان، ولم تختلف قلوبهم. قال: قلت: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك، أين أطلب هؤلاء ؟ قال: فقال لي: في أطراف الارض، يا نوف يجيئ النبي صلى الله عليه وآله يوم القيامة آخذا بحجزة بربه جلت أسماؤه، يعني بحبل الدين وحجزة الدين، وأنا آخذ بحجزته، وأهل بيتى آخذون بحجزتي، وشيعتنا آخذون بحجزتنا، فالى أين ؟ إلى الجنة ورب الكعبة

[192]

قالها ثلاثا. بيان: في المصباح رمقه بعينه رمقا من باب قتل أطال النظر، والنبهان المنتبه من النوم. والمعنى أتنظر إلي أم أنت منتبه من النوم من غير نظر ; قوله عليه السلام درهم ودرهم أي يواسي إخوانه بأن يأخذ درهما ويعطي درهما، ويأخذ ثوبا ويعطي ثوبا " وإلا فلا " أي وإن لم يفعل فليس من شيعتي. 48 - وبالاسناد: عن أبي المفضل، عن جعفر بن محمد العلوي، عن أحمد ابن محمد الوابشي، عن عاصم بن حميد، وعن أبي المفضل، عن محمد بن علي البندار عن الحسن بن علي بن بزيع، عن مالك بن إبراهيم، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، عن رجل من قومه يعني يحيى بن ام الطويل أنه أخبره، عن نوف البكالي قال: عرضت لي إلى أمير المؤمنين علي بن أبيطالب عليه السلام حاجة فاستتبعت إليه جندب بن زهير والربيع بن خثيم وابن اخته همام بن عبادة بن خثيم وكان من أصحاب البرانس، فأقبلنا معتمدين لقاء أمير المؤمنين عليه السلام فألفيناه حين خرج يؤم المسجد فأفضى ونحن معه إلى نفر مبدنين قد أفاضوا في الاحدوثات تفكها، وبعضهم يلهي بعضا فلما أشرف لهم أمير المؤمنين عليه السلام أسرعوا إليه قياما فسلموا فرد التحية ثم قال: من القوم ؟ قالوا: اناس من شيعتك يا أمير المؤمنين فقال لهم خيرا ثم قال: يا هؤلاء مالي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا أهل البيت ؟ فأمسك القوم حياء. قال نوف: فأقبل عليه جندب والربيع فقالا: ماسمة شيعتكم وصفتهم يا أمير المؤمنين ؟ فتثاقل عن جوابهما، وقال: اتقيا الله أيها الرجلان وأحسنا فان الله مع الذين اتقوا والذينهم محسنون. فقال همام بن عبادة وكان عابدا مجتهدا: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت وخصكم وحباكم، وفضلكم تفضيلا إلا أنبأتنا بصفة شيعتكم، فقال: لا تقسم فسانبئكم جميعا وأخذ بيد همام فدخل المسجد فسبح ركعتين أو جزهما وأكملهما وجلس وأقبل علينا، وحف القوم به، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله

[193]

ثم قال: أما بعد فان الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، خلق خلقه فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته، وقسم بينهم معايشهم، ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم، وهو في ذلك غني عنهم، لا تنفعه طاعة من أطاعه، ولا تضره معصية من عصاه منهم، لكنه علم تعالى قصورهم عما تصلح عليه شؤونهم، وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم و آجلهم، فارتبطهم باذنه في أمره ونهيه، فأمرهم تخييرا، وكلفهم يسيرا، وأثابهم كثيرا وأماز سبحانه بعدل حكمه وحكمته، بين الموجف من أنامه إلى مرضاته و محبته، وبين المبطئ عنها والمستظهر على نعمته منهم بمعصيته. فذلك قول الله عزوجل " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون (1). ثم وضع أمير المؤمنين صلوات الله عليه يده على منكب همام بن عبادة فقال: ألا من سأل عن شيعة أهل البيت، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم في كتابه مع نبيه تطهيرا، فهم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل والفواضل منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، بخعوا لله تعالى بطاعته، و خضعوا له بعبادته، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء رضى عن الله بالقضاء، فلولا الاجال التي كتب الله لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى لقاء الله والثواب، وخوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون، وهم والنار كمن ادخلها فهم فيها يعذبون، قلوبهم محزونة ; وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحوائجهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة ومعونتهم في الاسلام عظيمة. صبروا أياما قليلة فأعقبتهم راحة طويلة، وتجارة مربحة يسرها لهم رب كريم، اناس أكياس، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وطلبتهم


(1) الجاثية: 21 (*).

[194]

فأعجزوها. أما الليل فصافون أقدامهم، تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه، تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه جل جلاله في فكاك رقابهم، هذا ليلهم ; فأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء، براهم خوف باريهم فهم أمثال القداح، يحسبهم الناظر إليهم مرضى وما بالقوم من مرض، أوقد خولطوا، وقد خالط القوم من عظمة ربهم، وشده سلطانه أمر عظيم. طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استقاموا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزاكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لانفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إن زكي أحدهم خاف مما يقولون، وقال: أنا أعلم بنفسي من غيري، وربي أعلم بي، اللهم لا تؤا خذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون، واغفر لي مالا يعلمون، فانك علام الغيوب، وساتر العيوب. هذا ومن علامة أحدهم أن ترى له قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا على علم، وفهما في فقه، وعلما في حلم، وكيسا في رفق، وقصدا في غنى، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدة، وخشوعا في عبادة، ورحمة للمجهود، و إعطاء في حق، ورفقا في كسب، وطلبا في حلال، وتعففا في طمع، وطمعا في غير طبع أي دنس - ونشاطا في هدى، واعتصاما في شهوة، وبرا في استقامة، لا يغره ما جهله ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وجل يصبح وشغله الذكر، ويمسي وهمه الشكر، يبيت حذرا من سنة الغفلة، ويصبح فرحا لما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره، لم يعطها سؤلها فيما إليه تشره، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، قد قرن العمل بالعلم والعلم بالحلم، يظل دائما نشاطه، بعيدا كسله، قريبا أمله، قليلا زلله، متوقعا أجله، خاشعا قلبه، ذاكرا ربه، قانعة نفسه، عازبا جهله، محرزا دينه، ميتا

[195]

داؤه، كاظما غيظه، صافيا خلقه، آمنا منه جاره، سهلا أمره، معدوما كبره بينا صبره، كثيرا ذكره، لا يعمل شيئا من الخير رئاء، ولا يتر كه حياء. الخير منه مأمول، والشر منه مأمون، إن كان بين الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان مع الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، قريب معروفه، صادق قوله، حسن فعله، مقبل خيره مدبر شره، غايب مكره، في الزلا زل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، ولا يدعي ما ليس له، ولا يجحد ما عليه، يعترف بالحق قبل أن يشهد به عليه، لا يضيع ما استحفظه، ولا ينابز بالالقاب، لا يببغي على أحد، ولا يغلبه الحسد، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصاب مؤد للامانات، عامل بالطاعات، سريع إلى الخيرات، بطئ عن المنكرات، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه، لا يدخل في الامور بجهل ولا يخرج من الحق بعجز، إن صمت لم يعيه الصمت، وإن نطق لم يعيه اللفظ، وإن ضحك لم يعل به صوته، فانع بالذي قدر له، لا يجمح به الغيظ، ولا يغلبه الهوى، ولا يقهره الشح يخالط الناس بعلم، ويفارقهم بسلم، يتكلم ليغنم، ويسأل ليفهم، نفسه منه في عناء والناس منه في راحة، أراح الناس من نفسه، وأتعبها لاخرته، إن بغي عليه صبر ليكون الله تعالى هو المنتصر له، يقتدي بمن سلف من أهل الخير قبله، فهو قذوة لمن خلف من طالب البر بعده اولئك عمال الله، ومطايا أمره وطاعته، وسرج أرضه وبريته، اولئك شيعتنا وأحبتنا، ومنا ومعنا، ألا ها شوقا إليهم، فصاح همام بن عبادة صيحة وقع مغشيا عليه فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا رحمة الله عليه. فاستعبر الربيع باكيا وقال: لاسرع ما أودت موعظتك يا أمير المؤمنين بابن أخي ولوددت لو أني بمكانه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها، أما والله لقد كنت أخافها عليه، فقال له قائل: فما بالك أنت يا أمير المؤمنين ؟ فقال: ويحك، إن لكل واحد أجلا لن يعدوه، وسببا لن يجاوزه. فمهلا لا تعد لها، فانما نفثها على لسانك الشيطان، قال: فصلى عليه أمير المؤمنين

[196]

عليه السلام عشية ذلك اليوم، وشهد جنازته ونحن معه. قال الراوي عن نوف: فصرت إلى الربيع بن خثيم فذكرت له ما حدثني نوف، فبكى الربيع حتى كادت نفسه أن تفيض، وقال: صدق أخي، لاجرم أن موعظة أمير المؤمنين وكلامه ذلك مني بمرءى ومسمع، وما ذكرت ما كان من همام ابن عبادة يومئذ وأنا في بلهنية إلا كدرها، ولا شدة إلا فرجها. بيان: قد مر هذا الخبر بروايات عديدة في باب صفات المؤمن (1) وشرحناها هناك، ونوضح هيهنا ما يختص بهذه الرواية " نوف " بفتح النون وسكون الواو وقال الجوهري: نوف البكالي كان حاجب علي رضوان الله عليه، قال تغلب: هو منسوب إلى بكالة قبيلة انتهى، وقيل: هو بالكسر منسوب إلى بكالة قرية باليمن، و سيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى " فاستتبعت " أي جعلتهما تابعين لي في المضي إليه وفي النسخ هنا الربيع بن خثيم بتقديم المثناة على المثلثة، وفي كتب اللغة و الرجال بالعكس مصغرا وهو أحد الزهاد الثمانية، ورأيت بعض الطعون فيه وهو المدفون بالمشهد المقدس الرضوي صلوات الله على مشرفه، وقال الجوهري: البرنس قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام، أي كان من الزهاد والعباد المشهورين بذلك، وفي المصباح أفضيت إلى الشئ وصلت إليه. " مبدنين " بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة أي سمانا ملحمين كما هو هيئة المترفين بالنعم في القاموس البادن والبدين والمبدن كمعظم الجسيم، وفي أساس اللغة بدنت لما بدنت أي سمنت لما أسننت، يقال: بدن الرجل وبدن بدنا وبدانة فهو بدين وبادن، وبادنني فلان وبدنته أي كنت أبدن، ورجل مبدان مبطان سمين ضخم وفي القاموس أفاضوا في الحديث اندفعوا، وحديث مفاض فيه وقال: الاحدوثة ما يتحدث به، وقال: فكههم بملح الكلام تفكيها أطرفهم بها، و هو فكه وفاكه طيب النفس ضحوك، أو يحدث صحبه فيضحكهم، وفاكهه مازحه وتفكه تندم، وبه تمتع، وقال: لها لهوا لعب كالتهى وألهاه ذلك ولهى عنه غفل


(1) راجع ج 67 ص 315 و 341 و 365 ومثله في كتاب الروضة ج 78 ص 28 (*).

[197]

وترك ذكره كلها كدعا لهيا ولهيانا. فسبح أي صلى السبحة وهي النافلة، وكأنها صلوة التحية. في النهاية قد يطلق التسبيح على صلاة التطوع والنافلة، ويقال أيضا للذكر ولصلاة النافلة سبحة، يقال: قضيت سبحتي، وإنما خصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لان التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة لانها نافلة كالتسبيحات والاذكار في أنها غير واجبة " أو جزهما " أي كما و " أكملهما " أي كيفية من رعاية حضور القلب والخشوع وغير ذلك " جل ثناؤه " عن أن يأتي به كما هو أهله أحد " وتقدست أسماؤه " عن أن تدل على نقص أو عن أن يبلغ إلى كنهها أحد " دهماؤهم " أي أكثرهم أو جماعتهم مع كثرتهم، في القاموس الدهماء العدد الكثير " فأماز " على بناء الافعال أي ميز وفرق، في القاموس مازه يميزه ميزا عزله وفرزه كأمازه وميزه، فامتاز وانماز وتميز، والشئ فضل بعضه على بعض، والايجاف الاسراع وإيجاف الخيل والبعير ركضهما، والوجيف نوع من عدو الابل، واستعير هنا للاسراع في الطاعات، والاستظهار الاستعانة وكأن المراد هنا من يستعين على تحصيل نعمة الله ورزقه المقدر له بمعصية الله كالخيانة، ويحتمل أن يكون على القلب أي يستعين بنعمة الله على معصيته " أم حسب الذين اجترحوا السيئات " قال البيضاوي: أم منقطعة، ومعنى الهمزة إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب " أن نجعلهم " أن نصيرهم " كالذين آمنوا وعملوا الصالحات " مثلهم وهو ثاني مفعول يجعل، وقوله " سواء محياهم ومماتهم " بدل منه، إن كان الضمير لموصول الاول لان المماثلة فيه إذ المعنى إنكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيان في البهجة والكرامة، كما هو للمؤمنين، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص " سواء " بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف، أو المفعولية، والكاف حال، وإن كان للثاني فحال منه أو استيناف يبين المقتضي للانكار وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني، وضمير الاول، والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة أو استيناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في

[198]

الهدى والضلال، وقرئ مماتهم بالنصب على أن محياهم ومماتهم ظرفان كمقدم الحاج " ساء ما يحكمون " ساء حكمهم هذا، وبئس شيئا حكموا به. وفي القاموس الفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل، والاسم الفاضلة، والفواضل الايادي الجسيمة أو الجميلة، وقال: بخع نفسه كمنع قتلها غما وبالحق بخوعا أقر به وخضع له، كبخع بالكسر بخاعة وبخوعا " فمضوا " أي في الطاعة أو إلى الاخرة " خوف باريهم " أي خالقهم، وكونه من البري بعيد " هذا " أي خذ هذا، و هو فصل في الكلام شايع " في طمع " كأن في بمعنى " عن " وإن لم يكن مذكورا في الكتب المشهورة أو بمعنى " مع " فالمراد الطمع من الله " أي دنس " كأنه كلام الكراجكي ويحتمل غيره من الرواة وفي النهاية الطبع بالتحريك الدنس وأصله من الدنس والوسخ يغشيان السيف ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الاوزار والاثام وغيرهما من المقابح ومنه الحديث أعوذ بالله من طمع يهدي إلى طبع أي يؤدي إلي شين وعيب، ومنه حديث ابن عبد العزيز لا يتزوج من العرب في الموالي إلا الطمع الطبع " لا يغره ما جهله " أي من عيوبه والاظهر " ثناء من جهله " كما مر والاعتصام الامتناع، وفي القاموس شره كفرح غلب حرصه فهو شره " عازبا " أي غائبا " محرزا " بكسر الراء أو بفتحها " دينه " بالنصب أو الرفع " لم يعيه الصمت " أي لا يصير صمته سببا لقلة علمه و إعيائه عن بيان الحق بل صمته تدبر وتفكر أو ليس صمته بسبب الاعياء والعجز عن الكلام بل لمفاسد الكلام، وهو بعيد لفظا، " به " أي بالضحك أو الباء للتعدية " بعلم " أي مع علمه بمن صاحبه، وأنه أهل لذلك، أو لتحصيل العلم ليوافق ما مر وإن كان بعيدا. " بسلم " أي مع مسالمة ومصالحة لا لعداوة ومنازعة و " المطايا " جمع المطية وهي الدابة تمطو أي تسرع في مسيرها أي يحملون أوامر الله وطاعاته إلى الخلق ويعلمونهم ويروون لهم أو يتحملونها ويعملون بها مسرعين في ذلك " ألاها " ألا حرف تنبيه، وها إما اسم فعل بمعنى خذ، أو حكاية عن تنفس طويل تحسرا على عدم لقائهم و " شوقا " على الاول مصدر فعل محذوف أي أشتاق شوقا وعلى الثاني يحتمل ذلك، وأن يكون علة لما يدل عليه " ها " من التحسر والتحزن، وفي كلامه عليه السلام

[199]

في مواضع اخرى " آه آه شوقا إلى رؤيتهم " وفي القاموس أودى: هلك، وبه الموت ذهب، وقال البلهنية بضم الباء الرخاء وسعة العيش. 20. * (باب) * * " (النهى عن التعجيل على الشيعة) " * " (وتمحيص ذنوبهم) * 1 - ب: عن ابن أبي الخطاب، عن البزنطي، عن الرضا عليه السلام قال: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لا تعجلوا على شيعتنا، إن تزل لهم قدم تثبت لهم اخرى (1). - 2 ن: عن محمد بن علي بن عمرو البصري، عن صالح بن شعيب، عن زيد ابن محمد البغدادي، عن علي بن أحمد العسكري، عن عبد الله بن داود بن قبيصة، عن علي بن موسى القرشي، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: رفع القلم عن شيعتنا فقلت: يا سيدي كيف ذاك ؟ قال: لانهم اخذ عليهم العهد بالتقية في دولة الباطل يأمن الناس ويخافون، ويكفرون فينا ولا نكفر فيهم، ويقتلون بنا ولا نقتل بهم مامن أحد من شيعتنا ارتكب ذنبا أو خطبا إلا ناله في ذلك غم محص عنه ذنوبه ولو أنه أتى بذنوب بعدد القطر والمطر، وبعدد الحصى والرمل، وبعدد الشوك والشجر، فان لم ينله في نفسه ففي أهله وماله، فان لم ينله في أمر دنياه ما يغتم به تخايل له في منامه ما يغتم به فيكون ذلك تمحيصا لذنوبه (2). 3 - ما: عن المفيد، عن الجعابي، عن ابن عقدة، عن أبي حاتم، عن محمد ابن الفرات، عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر عليه السلام قال ما ثبت الله حب علي عليه السلام في قلب أحد فزلت له قدم إلا ثبتت له قدم اخرى (3).


(1) قرب الاسناد ص 171. (2) عيون أخبار الرضا " ع " ج 2 ص 237. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 132 (*).

[200]

4 - ل: الاربعمائة قال أمير المؤمنين: عليه السلام: اطلب لاخيك عذرا فان لم تجد له عذرا فالتمس له عذرا (1). 5 - سن: عن ابن محبوب، عن زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن ولي علي عليه السلام إن تزل به قدم تثبت اخرى (2). 6 - محص: عن عمر [صاحب] السابري قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني لارى من أصحابنا من يرتكب الذنوب الموبقة، فقال: يا عمر لا تشنع على أولياء الله، إن ولينا ليرتكب ذنوبا يستحق بها من الله العذاب، فيبتليه الله في بدنه بالسقم حتى تمحص عنه الذنوب فان عافاه في بدنه ابتلاه في ماله فان عافاه في ماله ابتلاه في ولده، فان عافاه من بوائق الدهر شدد عليه خروج نفسه، حتى يلقى الله حين يلقاه وهو عنه راض، قد أوجب له الجنة. رياض الجنان: باسناده، عن عمر السابري مثله إلى قوله ابتلاه في ولده فان عافاه في ولده ابتلاه الله في أهله، فان عافاه في أهله ابتلاه بجار سوء يؤذيه، فان عافاه من بوائق الدهر إلى آخر الخبر. 21. (باب) * " (دخول الشيعة مجالس المخالفين) " * " " (وبلاد الشرك) " * 1 - ما: عن المفيد، عن الحسين بن أحمد بن المغيرة، عن حيدر بن محمد ابن نعيم، عن محمد بن عمر، عن محمد بن مسعود، عن محمد بن أحمد النهدي، عن معاوية بن حكيم، عن التفليسي، عن حماد السمندري قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: إني أدخل بلاد الشرك وإن من عندنا يقولون: إن مت ثم حشرت معهم


(1) الخصال ج 2 ص 161. (2) المحاسن ص 158 (*).

[201]

قال: فقال لي: يا حماد إذا كنت ثم تذكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قال: قلت: نعم، قال: فإذا كنت في هذه المدن مدن الاسلام تذاكر أمرنا وتدعو إليه ؟ قال: فقلت: لا، قال: فقال لي: إنك إن تمت ثم حشرت امة وحدك، وسعى نورك بين يديك (1). 2 - ما: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن أبي فاختة قال: كنت أنا وأبو سلمة السراج ويونس بن يعقوب والفضيل بن يسار عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام فقلت له: جعلت فداك إني أحضر مجالس هؤلاء القوم فأذكركم في نفسي فأي شئ أقول ؟ فقال: يا حسين إذا حضرت مجالس هؤلاء فقل: " اللهم أرنا الرخاء والسرور. فإنك تأتي على ما تريد " (2). بيان: " فانك تأتي على ما تريد " (3) أي يريك الله الرخاء والسرور في دينك أو يعطيك الله ثواب ما تريد الفوز به من ظهور دين الحق. 22. * (باب) * " " (في أن الله تعالى انما يعطى الدين الحق) " * " (والايمان والتشيع من أحبه، وأن) " " (التواخى لا يقع على الدين، وفى ترك) " " (دعاء الناس إلى الدين) " 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن ابن بكير عن حمزة بن حمران، عن عمر بن حنظلة قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا الصخر


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 44. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 53 في حديث. (3) الخطاب مع الله عزوجل وهو الفعال لما يريد (*).

[202]

إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض (1) ولا يعطي هذا الامر إلا صفوته من خلقه أنتم والله على ديني ودين آبائي إبراهيم وإسماعيل، لا أعني علي بن الحسين ولا محمد بن علي وإن كان هؤلاء على دين هؤلاء (2). تبيان: " من يحب ومن يبغض " أي من يحبه الله ومن يبغضه الله، أو من يحب الله ومن يبغض الله، والاول أظهر، " ولا يعطي هذا الامر " أي الاعتقاد بالولاية واختيار دين الامامية " إلا صفوته من خلقه " أي من اصطفاه واختاره وفضله من جميع خلقه بسبب طيب روحه وطينته كما مر، أو المعنى أن ذا المال والجاه و النعمة في الدنيا يمكن أن يكون محبوبا لله أو مبغوضا لله، وليست سببا لحب الله ولا علامة له، بخلاف دين الحق فان من اوتيه يكون لا محالة محبوبا لله مختارا عنده، وعلى الوجهين الغرض بيان فضل الولاية والشكر عليها، وعدم الشكاية بعد حصولها عن فقر الدنيا وذلها وشدائدها، وحقارة الدنيا واهلها عند الله، وأنها ليست مناط الشرف والفضل. قوله عليه السلام: " ودين آبائي " والمعنى أن اصول الدين مشتركة في ملل جميع الانبياء، وإنما الاختلاف في بعض الخصوصيات فان الاعتقاد بالتوحيد والعدل و المعاد مما اشترك فيه جميع الملل، وكذا التصديق بنبوة الانبياء، والاذعان بجميع ما جاؤا به، وأهمها الايمان بأوصيائهم، ومتابعتهم في جميع الامور، وعدم العدول عنهم إلى غيرهم، كان لازما في جميع الملل، وإنما الاختلاف في خصوص النبي و خصوص الاوصياء وخصوص بعض العبادات فمن أقر بنبينا صلى الله عليه وآله وبجميع ما جاء


(1) قال بعض المحشين: الحب انجذاب خاص من المحب نحو المحبوب ليجده، ففيه شوب من معنى الانفعال وهو بهذا المعنى وان امتنع أن يتصف به الله سبحانه لكنه تعالى يتصف به من حيث الاثر كسائر الصفات من الرحمة والغضب وغيرهما، فهو تعالى يحب خلقه من حيث انه يريد أن يجده وينعم عليه بالوجود والرزق ونحوهما، وهو تعالى يحب عبده المؤمن من حيث أنه يريد أن يجده ولا يفوته فينعم عليه بنعمة السعادة والعاقبة الحسنى فالمراد بالمحبة في هذه الروايات المحبة الخاصة. (2) الكافي ج 2 ص 215 (*).

[203]

به وبجميع أوصيائه ولم يعدل عنهم إلى غيرهم فهو على دين جميع الانبياء. ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في كثير من الاخبار أن الاقرار بنبينا صلى الله عليه وآله وأوصيائه عليهم السلام كان مأخوذا على جميع الانبياء عليهم السلام وأممهم وقيل: المراد أنه مأخوذ في دين الاسلام نفي الشرك ونصب غير من نصبه الله للامامة والرجوع إليه نوع من الشرك، فالتوحيد الذي هو دين جميع الانبياء مخصوص بالشيعة، وما ذكرنا أوضح وأمتن. 2 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن عاصم بن حميد عن مالك بن أعين الجهني قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: يا مالك إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض، ولا يعطي دينه إلا من يحب (1). سن: عن الوشاء ومحمد بن عبد الحميد العطار، عن عاصم مثله (2). 3 - كا: بالاسناد المتقدم، عن الوشاء، عن عببد الكريم بن عمرو الخثعمي عن عمر بن حنظلة وعن حمزة بن حمران، [عن حمران]، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن هذه الدنيا يعطيها الله البر والفاجر، ولا يعطي الايمان إلا صفوته من خلقه (3). سن: عن الوشاء مثله (4). بيان: قال الجوهري: صفوة الشئ خالصه ومحمد صفوة الله من خلقه و مصطفاه، أبو عبيدة: يقال له صفوة مالي وصفوة مالي وصفوة مالي فإذا نزعوا الهاء قالوا: له صفو مالي بالفتح لا غير (5). 4 - كا: عن محمد ين يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن


(1) الكافي ج 2 ص 215. (2) المحاسن ص 261. (3) الكافي ج 2 ص 215. (4) المحاسن ص 217، وهو الذى ذكره تحت الرقم: 6 فلا تغفل. (5) الصحاح ص 2401 (*).

[204]

أبي سليمان، عن ميسر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الدنيا يعطيها الله عزو جل من أحب ومن أبغض، وإن الايمان لا يعطيه إلا من أحب (1). 5 - سن: عن أبيه، عن علي بن النعمان، عن أبي سليمان، عن ميسر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الدنيا يعطيها الله من أحب وأبغض، وإن الايمان لا يعطيه إلا من احب (2). 6 - سن: عن الوشاء، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن عمر بن حنظلة، عن حمزة بن حماد، عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: إن هذه الدنيا يعطاها البر والفاجر، وإن هذا الدين لا يعطاه إلا أهله خاصة (3). 7 - سن: عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن حمزة بن حمران، عن عمر ابن حنظلة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله يعطي الدنيا من يحب ويبغض ولا يعطي الايمان إلا أهل صفوته من خلقه (4). 8 - سن: عن محمد بن خالد الاشعري، عن حمزة بن حمران، عن عمر بن حنظلة قال: بينا أنا أمشي مع أبي عبد الله عليه السلام: في بعض طرق المدينة إذا التفت إلي فقال: إن الله يعطي، البر والفاجر الدنيا، ولا يعطي الدين إلا أهل صفوته من خلقه (5). سن: عن محمد بن عبد الحميد، عن عاصم بن حميد، عن عمرو بن أبي المقدام عن رجل من أهل البصرة مثله (6). 9 - سن: عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن فضيل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله يعطي المال البر والفاجر، ولا يعطي الايمان إلا من أحب (7). 10 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن سنان، عن حمزة بن


(1) الكافي ج 2 ص 215. (2) المحاسن ص 216. (7 3) المحاسن ص 217 (*).

[205]

محمد الطيار، عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: لم تتواخوا على هذا الامر ولكن تعارفتم عليه (1). تبيان: " لم تتواخوا على هذا الامر " أقول: الخبر يحتمل وجوها: الاول: ما أفاده الوالد قدس الله روحه، وهو أن التواخى بينكم لم يقع على التشيع، ولا في هذه النشأة، بل كانت اخوتكم في عالم الارواح قبل الانتقال إلى الاجساد، وإنما حصل تعارفكم في هذا العالم بسبب الدين، فكشف ذلك عن الاخوة في العليين، وذلك مثل رجلين كانت بينهما مصاحبة قديمة فافترقا زمانا طويلا ثم تلا قيا فعرف كل منهما صاحبه. ويؤيده الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وآله الارواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، وهذا الخبر وإن كان عاميا لكن ورد مثله في أخبارنا بأسانيد جمة. منها ما روى الصفار في البصائر بأسانيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لاحبك، فقال: كذبت، فقال الرجل: سبحان الله كأنك تعرف ما في قلبي، فقال علي عليه السلام: إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام ثم عرضهم علينا، فأين كنت لم أرك ؟ (2). وعن عمارة قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ أقبل رجل فسلم عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين والله إني لاحبك، فسأله ثم قال له: إن الارواح خلقت قبل الابدان بألفي عام ثم اسكنت الهواء، فما تعارف منها ثم ائتلف ههنا، و ما تناكر منها ثم اختلف ههنا، وإن روحي أنكر روحك (3). وبسنده أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام مثله إلا أنه قال: إن الله خلق الارواح قبل الابدان بألفي عام، فأسكنها الهواء، ثم عرضها علينا أهل البيت، فوالله ما منها روح إلا وقد عرفنا بدنه، فوالله ما رأيتك فيها فأين كنت ؟ (4).


(1) الكافي ج 2 ص 168. (2 - 4) بصائر الدرجات ص 87 و 88 (*).

[206]

وروي الصدوق - ره - في العلل بسند موثق عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الارواح جنود مجندة، فما تعارف منها في الميثاق ائتلف ههنا، وما تناكر منها في الميثاق اختلف ههنا (1). وروى بسند آخر عنه عليه السلام أنه قال لرجل من أصحابه: ما تقول في الارواح أنها جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ؟ قال: فقلت: إنا نقول ذلك، قال: فانه كذلك إن الله عزوجل أخذ على العباد ميثاقهم وهم أظلة قبل الميلاد، وهو قوله عزوجل " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم " (2)، الاية قال: فمن أقر له يومئذ جاءت الفته ههنا ومن أنكره يومئذ جاء خلافه ههنا. وقال ابن الاثير في النهاية: فيه الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، مجندة أي مجموعة، كما يقال الوف مؤلفة، وفناطير مقنطرة، ومعناه الاخبار عن مبدء كون الارواح وتقدمها على الاجساد، أي أنها حلقت أول خلقها على قسمين من ائتلاف واختلاف، كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابل الارواح ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة والاخلاق في مبدء الخلق، يقول إن الاجساد التي فيها الارواح تلتقي في الدنيا، فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، ولهذا ترى الخير، يحب الاخيار ويميل إليهم والشرير يحب الاشرار ويميل إليهم انتهى. وقال الخطابي: خلقت قبلها تلتقي فلما التبست بالابدان تعارفت بالذكر الاول انتهى. وأقول: استدل بهذا الحديث على أمرين: الاول خلق الارواح قبل الابدان والثاني أن الارواح الانسانية مختلفة في الحقيقة وقد أشبعنا القول في هذه المطالب في كتاب السماء والعالم.


(1) علل الشرائع ج 1 ص 79، بتفاوت والذى يأتي بعده في ص 80 من المصدر. (2) الاعراف: 172 (*).

[207]

الثاني: ما قيل إن المعنى أنكم لم تتواخوا على التشيع إذ لو كان كذلك لجرت بينكم جميعا المواخاة وأداء الحقوق، وليس كذلك، بل إنما أنتم متعارفون على التشيع، يعرف بعضكم بعضا عليه من دون مواخاة وعلى هذا يجوز أن يكون الحديث واردا مورد الانكار، وأن يكون واقعا موقع الاخبار، أو المعنى أن مجرد القول بالتشيع لا يوجب التواخي بينكم، وإنما يوجب التعارف بينكم وأما التواخي فانما يوجبه امور اخر غير ذلك لا يجب بدونها. الثالث: أن المعنى انه لم تكن مواخاتكم بعد حدوث هذا المذهب، و أتصافكم به، ولكن كانت في حال الولادة وقبلها وبعدها، فان المواخاة بسبب اتحاد منشأ الطين والارواح كما مر، وهذا يرجع إلى الوجه الاول أو قريب منه. 11 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن كليب بن معاوية الصيداوي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إياكم والناس، إن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة فتركه وهو يجول لذلك ويطلبه، ثم قال: لو أنكم إذا كلمتم الناس قلتم: ذهبنا حيث ذهب الله، واخترنا من اختار الله واختار الله محمدا واخترنا آل محمد صلى الله عليه وآله (1). بيان: " إياكم والناس " أي احذروا دعوتهم في زمن شدة التقية، وعلل ذلك بأن من كان قابلا للهداية وأراد الله ذلك به " نكت في قلبه نكتة " من نور كناية عن أنه يلقي في قله ما يصير به طالبا للحق متهيئا لقبوله، في القاموس: النكت أن تضرب في الارض بقضيب فيؤثر فيها، والنكتة بالضم النقطة، ثم بين عليه السلام طريقا لينا لمعارضتهم، والاحتجاج عليهم وهدايتهم، بحيث لا يصير سببا لمزيد تعصبهم وإضرارهم، ولا يتضمن التصريح بكفرهم وضلالتهم، بأن قال: " لو أنكم " و " لو " للتمني و " قلتم " جواب " إذا " " حيث ذهب الله " أي حيث أمر الله بالذهاب إليه " واخترنا من اختار الله " أي اخترنا الامامة من أهل بيت اختارهم الله فان النبي


(1) الكافي ج 2 ص 212 (*).

[208]

مختار الله، والعقل يحكم بأن أهل بيت المختار إذا كانوا قابلين للامامة أولى من غيرهم، وهذا دليل إقناعي تقبله طباع أكثر الخلق (1). 12 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن محمد بن إسماعيل، عن أبي إسماعيل السراج، عن ابن مسكان، عن ثابت بن أبي سعيدة قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا ثابت مالكم وللناس ؟ كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى أمركم، فوالله لو أن أهل السماء وأهل الارض اجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا، كفوا عن الناس ولا يقول أحدكم أخي وابن عمي وجاري، فان الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه، فلا يسمع بمعروف إلا عرفه، ولا بمنكر إلا أنكره، ثم يقذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره (2). بيان: قد مر أمثاله في كتاب العدل، وقد تكلمنا هناك في معنى الهداية والاضلال، وفهم هذه الاخبار في غاية الاشكال، ومنهم من أول إرادة الهداية بالعلم أو التوفيق والتأييد الذي استحق بحسن اختياره " ولا يقول أحد كم أخي " أي هذا أخي ترحما عليه، لارادة هدايته " طيب روحه " أي جعلها قابلة لفهم الحق و قبوله، إما في بدو الخلق أو بعده في عالم الاجساد، والكلمة التي يقذفها في قلبه هي اعتقاد الامامة، فإنها جامعة لاصلاح جميع اموره في الدارين، ولا يشتبه عليه أمر من الامور. 13 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان ين يحيى عن محمد بن مروان، عن الفضيل قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: ندعو الناس إلى هذا الامر ؟ فقال: يا فضيل إن الله إذا أراد بعبد خيرا أمر ملكا فأخذ بعنقه حتى أدخله


(1) ولعل المراد: قولوا ذهبنا إلى بيت ذهب الله إليه وهو بيت عبد المطلب، واخترنا من ذلك البيت من اختاره الله، وهو محمد صلى الله عليه وآله، فلما ذهب محمد " ص " لم نرجع عن ذلك البيت، بل اخترنا من ذلك البيت المختار من كان تاليا له صلى الله عليه وآله يصلح لان يقوم مقامه وهو على بن أبى طالب رأس العترة الطاهرة. (2) الكافي ج 2 ص 213 (*).

[209]

في هذا الامر طائعا أو كارها (1). 14 - كا: عن محمد ين يحيى، عن ابن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة، عن أبيه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: اجعلوا أمركم هذا لله، ولا تجعلوه للناس، فانه ما كان لله فهو لله، وما كان للناس فلا يصعد إلى السماء، ولا تخاصموا بدينكم الناس، فان المخاصمة ممرضة للقلب، إن الله عزوجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله: " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " وقال: " أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " (2) ذرو الناس فان الناس أخذوا عن الناس، وإنكم أخذتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام ولا سواء وإنني سمعت أبي يقول: إذا كتب الله على عبد أن يدخله في هذا الامر كان أسرع إليه من الطير إلى وكره (3). تبيان: " اجعلوا أمركم هذا " أي دينكم ودعوتكم الناس إليه " لله " بأن تدعوا الناس إليه في مقام تعلمون رضى الله فيه، ولا تدعوا في مقام التقية فانه نهى الله عنه " ولا تجعلوه للناس " باظهار الفضل، وحب الغلبة على الخصم، والعصبية فتدعوهم في مقام التقيه أيضا فيعود ضرره عليكم وعلينا، فانه " ما كان لله " أي خالصا لوجهه تعالى " فهو لله " أي يقبله الله، ويثيب عليه، أو ما كان لله في الدنيا فهو لله في الاخرة، ومآلهما واحد " فلا يصعد إلى السماء " أي لا يقبل، إشارة إلى قوله تعالى " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " (4) " ولا تخاصموا بدينكم " أي لا تجادلوا مجادلة يكون غرضكم فيها المغالبة والمعاندة، بالقاء الشبهات الفاسدة، لا ظهور الحق، فان المخاصمة على هذا الوجه تمرض القلب بالشك والشبهة، والاغراض الباطلة، وإن كان غرضكم إجبارهم على الهداية، فانها ليست بيدكم كما قال تعالى لنبيه: " إنك لا تهدى من أحببت " وقال " أفأنت تكره الناس ". وقوله عليه السلام " ذروا الناس " يحتمل أن يكون المراد به أن غرضكم من


(1 و 3) الكافي ج 2 ص 213. (2) القصص: 56. يونس: 99. (4) فاطر: 10 (*).

[210]

المجادلة إن كان ظهور الحق لكم فلا حاجة لكم إلى ذلك، فان حقيتكم أظهر من ذلك، فانكم أخذتم دينكم عن الله بالايات المحكمات، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله بالاخبار المتواترة من الجانبين، وعن علي عليه السلام المقبول من الطرفين، وهم أخذوا من الاخبار الموضوعة المنمية إلى النواصب والمعاندين، والشبهات الواهية التي يظهر بأدنى تأمل بطلانها، ولا سواء مأخذكم ومأذخهم، ووكر الطائر عشه. 15 - كا: عن علي، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى، عن ابن اذينه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل خلق قوما للحق فإذا مر بهم الباب من الحق قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه، وإذا مر بهم الباطل أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه، وخلق قوما لغير ذلك، فإذا مر بهم الباب من الحق أنكرته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه، وإذا مر بهم الباب من الباطل قبلته قلوبهم وإن كانوا لا يعرفونه (1). بيان: " خلق قوما للحق " كأن اللام للعاقبة، أي عالما بأنهم يختارون الحق أو يختارون خلافه " وإن كانوا لا يعرفونه " قيل هذا مبني على أنه قد يحكم الانسان بأمر ويذعن به، وهو مبني على مقدمة مر كوزة في نفسه لا يعلم بها أو بابتناء إذعانه عليها، والغرض من ذكره في هذا الباب أن السعي لا مدخل له كثيرا في الهداية وإنما هو لتحصيل الثواب فلا ينبغي فعله في موضع التقية لعدم ترتب الثواب عليه. 16 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الحميد بن أبي العلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة من نور، فأضاء لها سمعه وقلبه، حتى يكون أحرص على ما في أيديكم منكم وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء فأظلم لها سمعه وقلبه، ثم تلا هذه الاية " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء " (2).


(1) الكافي ج 2 ص 214. (2) المصدر نفسه، والاية في الانعام: 125 (*).

[211]

بيان: كأن النكت في الاول كناية عن التوفيق لقبول الحق أو إفاضة علم يقيني ينتقش فيه " فأضاء له سمعه وقلبه " أي يسمع الحق ويقبله بسهولة، ويصير طالبا لدين الحق، وفي الثاني كناية عن منع اللطف منه، لعدم استحقاقه لذلك فيخلي بينه وبين الشيطان، فينكت في قلبه الشكوك والشبهات " فمن يرد الله أن يهديه " قيل أي يعرفه طريق الحق ويوفقه للايمان " يشرح صدره للاسلام " فيتسع له ويفسح ما فيه مجاله، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه " ومن يرد أن يضله " أي يمنع عنه لطفه " يجعل صدره ضيقا حرجا " بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الايمان " كأنما يصعد في السماء " شبهه مبالغه في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه، فان صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة. 17 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء، وفتح مسامع قلبه، ووكل به ملكا يسدده، وإذا أراد بعبد سوءا نكت في قلبه نكتة سوداء وسد مسامع قلبه، ووكل به شيطانا يضله (1). 23. * " " (باب آخر) " " * * " (في أن السلامة والغنا في الدين، وما أخذ) " * * " (على المؤمن من الصبر على ما يلحقه في الدين) " * 1 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن أيوب بن الحر، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل " فوقاه الله سيئات ما مكروا " فقال: أما لقد بسطوا عليه وقتلوه، ولكن أتدرون ما وقاه ؟ وقاه أن يفتنوه في دينه (2).


(1) الكافي ج 2 ص 214. (2) الكافي ج 2 ص 215، والاية في غافر: 40 (*).

[212]

تبيان: " فوقاه الله " الضمير راجع إلى المؤمن آل فرعون، حيث توكل على الله، وفوض أمره إليه، حين أراد فرعون قتله، بعد أن أظهر إيمانه بموسى ووعظهم ودعاهم إلى الايمان فقال: " وافوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد * فوقاه الله سيئات ما مكروا " أي صرف الله عنه شدائد مكرهم، قال بعض المفسرين: إنه جاء مع موسى حتى عبر البحر معه، وقيل إنهم هموا بقتله فهرب إلى جبل فبعث فرعون رجلين في طلبه فوجداه قائما يصلي وحوله الوحوش صفوفا فخافا فرجعا هاربين، والخبر يرد هذين القولين كما يرد قول من قال إن الضمير راجع إلى موسى عليه السلام، ويدل على أنهم قتلوه " لقد بسطوا عليه " أي أيديهم في القاموس بسط يده مدها، والملائكة باسطوا أيديهم أي مسلطون عليهم، كما يقال بسطت يده عليه أي سلط عليه، وفي بعض النسخ " سطوا عليه " في القاموس سطا عليه وبه سطوا وسطوة صال أو قهر بالبطش انتهى. و " ما " في قوله " ما وقاه " موصولة أو استفهامية وفي القاموس الفتنة بالكسر الضلال والاثم والكفر والفضيحة، والاضلال وفتنه يفتنه أوقعه في الفتنة كفتنه وأفتنه فهو مفتن ومفتون لازم متعد كافتتن فيهما. 2 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن أبي جميلة قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه: اعلموا أن القرآن هدى الليل والنهار، ونور الليل المظلم، على ما كان من جهد وفاقة، فإذا حضرت بلية فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم فاعلموا أن الهالك من هلك دينه، والحريب من حرب دينه، ألا وإنه لا فقر بعد الجنة، ألا وإنه لا غنى بعد النار، لا يفك أسيرها ولا يبرأ ضريرها (1). تبيين: " هدى الليل والنهار " إضافة للمصدر إلى ظرف الزمان، وقيل: يحتمل أن يكون الليل والنهار كناية عن الباطل والحق كما قال تعالى: " وهديناه النجدين " (2) " ونور الليل المظلم " الظاهر أن الليل المظلم كناية عن زمان الشدة


(1) الكافي ج 2 ص 216. (2) البلد: 10 (*).

[213]

والبلاء، فقوله " على ما كان " متعلق بالمظلم، أي كونه مظلما بناء " على ما كان من جهد " أي مشقة وفاقة فالمعنى أن القرآن في أحوال الشدة والفاقة منور للقلب، و مذهب للهم لما فيه من المواعظ والنصائح، ولانه يورث الزهد في الدنيا فلا يبالي بما وقع فيها، ويحتمل أن يكون المعنى أنه نور في ظلم الجهالة والضلالة، وعلى أي حال كان من أحوال الدنيا، من مشقة وفقر وغير ذلك، أي ينبغي أن يرضى بالشدة والفاقة مع نور الحق والهداية، و " من " في قوله " من جهد " للبيان أو التبعيض والتفريع في قوله " فإذا حضرت " بهذا ألصق وقال ابن ميثم: أراد بالفاقة الحاجة إلى ما ينبغي من الهداية والكمال النفساني (1) ولا يخفى ما فيه. والمراد بالبلية ما يمكن دفعه بالمال، وبالنازلة ما لا يمكن دفعه إلا ببذل النفس أو ببذل الدين، أو البلية في امور الدنيا، والنازلة في امور الاخرة، والمراد بها مالا تقية فيه، وإلا فالتقية واجبة " من هلك دينه " إما بذهابه بالمرة أو بنقصه بترك الفرائض وارتكاب الكبائر، أو الاعم وفي المصباح حرب حربا من باب تعب اخذ جميع ما له فهو حريب، وحرب على البناء للمفعول فهو محروب، وفي القاموس حربه حربا كطلبه طلبا أسلب ماله فهو محروب وحريب، والجمع حربى وحرباء، وحريبته ماله الذي سلب أو ماله الذي يعيش به " لا فقر بعد الجنة " أي بعد فعل ما يوجبها، وكذا قوله " بعد النار " أي بعد فعل ما يوجبها. ثم بين عليه السلام عدم الغناء مع استحقاق النار ببيان شدة عذابها، من حيث إن أسيرها والمقيد فيها بالسلاسل والاغلال لا يفك أبدا " ولا يبرأ ضريرها " أي من عمي عينه فيها أو من ابتلي فيها بالضر، أو المراد عدم فك أسيرها في الدنيا من قيد الشهوات وعدم برء من عمي قلبه في الدنيا بالكفر، والاول أظهر، وفي القاموس الضرير الذاهب البصر، والمريض المهزول، وكل ما خالطه ضر. 3 - كا: عن علي، عن أبيه، عن حماد، عن ربعي، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سلامة الدين وصحة البدن خير من المال، والمال زينة من


(1) في قوله " ليس لاحد بعد القرآن من فاقة " راجع الخطبة 174 (*).

[214]

زينة الدنيا حسنة (1). كا: عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن حماد، عن ربعي عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام مثله (2). بيان: " سلامة الدين " أي مما فيه شائبة الشرك من العقائد الباطلة والاعمال القبيحة " وصحة البدن " من الامراض البدنية " خير " من زوائد المال أما خيرية الاولى فظاهرة، وأما الثانية فلانه ينتفع بالصحة مع عدم المال ولا ينتفع بالمال مع فقد الصحة، والمال أي المال الصالح والحلال زينة حسنة لكن بشرط أن لا يضر بالدين. 4 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن بعض أصحابه قال: كان رجل يدخل على أبي عبد الله عليه السلام من أصحابه به فصبر زمانا لا يحج فدخل عليه بعض معارفه فقال له: فلان ما فعل ؟ قال: فجعل يضجع الكلام فظن [أنه] انما يعني الميسرة والدنيا، فقال أبو عبد الله عليه السلام: كيف دينه ؟ فقال: كما تحب، فقال: هو والله الغنى (3). سن: عن ابن فضال مثله إلا أن فيه فصبر حينا، إلى قوله: بعض معارفه ممن كان يدخل عليه معه، إلى قوله: يظن أنه إنما عنى، إلى قوله: كيف حاله في دينه (4). بيان: فصبر زمانا في بعض النسخ " فغبر زمان " أي مضى، وفي بعضها فغبر زمانا أي مكث، في القاموس غبر غبورا مكث وذهب ضد " فلان ما فعل " أي كيف حاله ؟ ولم تأخر عن الحج ؟ " قال " أي بعض الاصحاب الراوي " فجعل " أي شرع بعض المعارف " يضجع الكلام " أي يخفضه أو يقصر ولا يصرح بالمقصود، ويشير إلى سوء حاله لئلا يغتم الامام عليه السلام بذلك، كما هو الشائع في مثل هذا المقام، قال في القاموس: أضجعت الشئ أخفضته، وضجع في الامر تضجيعا قصر " فظن " في


(1 - 3) الكافي ج 2 ص 216. (4) المحاسن ص 217 (*).

[215]

بعض النسخ يظن، وهو أظهر " انما يعني " أنما بفتح الهمزة (1) وما موصولة وهي اسم أن كقوله تعالى: " واعلموا أنما غنمتم من شئ " (2) أو ما كافة مثل قوله: أنما إلهكم إله واحد " (3) وعند الزمخشري أنه يفيد الحصر كالمكسور، فعلى الاول مفعول يعني وهو عائد ما، محذوف، وتقديره أن ما يعنيه، والميسرة خبر أن وعلى الثاني الميسرة مفعول يعني، وعلى التقديرين المستتر في يعني راجع إلى الامام عليه السلام " كما تحب " أي على أحسن الاحوال، " فقال هو الله الغنى " أقول تعريف الخبر باللام المفيد للحصر وتأكيده بالقسم للتنبيه على أن الغنا الحقيقي ليس إلا الغنا الاخروي، الحاصل بسلامة الدين، كما روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الفقر الموت الاحمر، فقيل له: الفقر من الدينار والدرهم ؟ فقال: لا ولكن من الدين. 5 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن النعمان عن داود بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا تصدق مقالته، ولا ينتصف من عدوه، وما من مؤمن يشفي نفسه إلا بفضيحتها لان كل مؤمن ملجم (4). بيان: " على أن لا تصدق " أي على الصبر على أن لا تصدق مقالته في دولة الباطل، أو أهل الباطل مطلقا، والانتصاف الانتقام، وفي القاموس: انتصف منه استوفى حقه منه كاملا حتى صار كل على النصف سواء، كاستنصف منه " يشفي نفسه " يقال: شفاه يشفيه من باب ضرب فاشتفى هو، وهو من الشفاء بمعنى البرء من الامراض ويستعمل في شفاء القلب من الامراض النفسانية والمكاره القلبية كما يستعمل في


(1) ذكر هذا التوجيه بناء على نسخته " فظن أنما يعنى الخ " وأما على النسخة الكافي المطبوعة وهكذا المحاسن " فظن أنه انما يعنى " فانما بكسر الهمزة: والوجه ظاهر. (2) الانفال: 41. (3) الكهف: 110. (4) الكافي ج 2 ص 249 (*).

[216]

شفاء الجسم من الامراض البدنية وكون شفاء نفسه من غيظ العدو موجبا لفضيحتها ظاهر، لان الانتقام من العدو مع عدم القدرة عليه يوجب الفضيحة والمذلة، و مزيد الاهانة، والضمير في " بفضيحتها " راجع إلى النفس " لان كل مؤمن ملجم " قيل يعني إذا أراد المؤمن أن يشفي غيظه بالانتقام من عدوه افتضح وذلك لانه ليس بمطلق العنان خليع العذار (1) يقول ما يشاء ويفعل ما يريد، إذ هو مأمور بالتقية والكتمان، والخوف من العصيان، والخشية من الرحمان، ولان زمام أمره بيد الله سبحانه لانه فوض أمره إليه، فيفعل به ما يشاء مما فيه مصلحته وقيل أي ممنوع من الكلام الذي يصير سببا لحصول مطالبه الدنيوية في دولة الباطل. وأقول: يحتمل أن يكون المعنى أنه ألجمه الله في الدنيا، فلا يقدر على الانتقام في دول اللئام أو ينبغي أن يلجم نفسه ويمنعها عن الكلام، أي الفعل الذي يخالف التقية كما مر، وقال في النهاية: فيه من سئل عما يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة: الممسك عن الكلام ممثل بمن ألجم نفسه بلجام، ومنه الحديث يبلغ العرق منهم ما يلجمهم، أي يصل إلى أفواههم، فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام. 6 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد ; ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا عن ابن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله أخذ ميثاق المؤمن على بلايا أربع أشدها عليه مؤمن يقول بقوله يحسده، أو منافق يقفو أثره، أو شيطان يغويه، أو كافر يرى جهاده فما بقاء المؤمن بعد هذا (2).


(1) العذار - بالكسر - ماسال من اللجام على خد الفرس، أو ما يضم حبل الخطام إلى رأس البعير، ويكنى عنه بالحياء، يقال للمنهمك في الغى المتبع هواه: خلع عذاره أي الحياء، يعنى أنه يقول ويفعل وما يبالى بشئ كالدابة بلارسن، تجمح وتطمح. (2) الكافي ج 2 ص 249 (*).

[217]

بيان: " على بلايا أربع " قيل أي إحدى بلايا للعطف بأو، وللحديث الرابع (1) وأربع مجرور صفة للبلايا " وأشدها " خبر متبدأ محذوف أي هي أشدها، والضمير المحذوف راجع إلى " إحدى " والضمير المجرور راجع إلى البلايا، و " مؤمن " مرفوع وهو بدل أشدها، وإبدال النكرة من المعرفة جائز إذا كانت النكرة موصوفة نحو قوله تعالى: " بالناصية ناصية كاذبة " (2) و " أو منافق " عطف على أشدها، وفي بعض النسخ " أيسرها " وقال بعضهم: أيسرها صفة لبلايا أربع، وفيه إشعار بأن للمؤمن بلايا اخر أشد منها، قال: وفي بعض النسخ أشدها بدل أيسرها فيفيد أن هذه الاربع أشد بلاياه، وقوله: " مؤمن " خبر مبتدأ محذوف أي هو مؤمن، وقيل إن أيسرها مبتدأ ومؤمن خبره وإن أشدها أولى من أيسرها، لئلا ينافي قوله عليه السلام، فيما بعد: " ومؤمن يحسده وهو أشدهن عليه " (3) و " مؤمنا يحسده وهو أشدهم عليه " (4) وفيه أن أيسرها أو أشدها صفة لما تقدم فلا يتم ما ذكر وكون هذه الاربع أيسر من غيرها لا ينافي أن يكون بعضها أشد من بعض، ولو جعل مبتدأ كما زعم لزم أن لا يكون المؤمن الحاسد أشد من المنافق، وما بعده وهو مناف لما سيأتي. وأقول: يمكن أن يكون أو للجمع المطلق بمعنى الواو، فال نحتاج إلى تقدير إحدى، ويكون أشدها مبتدءا ومؤمن خبره، وعبر عن الاول بهذه العبارة لبيان الاشدية، ثم عطف عليه ما بعده كأنه عطف على المعنى ولكل من الوجوه السابقة وجه، وكون مؤمن بدل أشدها أوجه. " يقول بقوله " أي يعتقد مذهبه، ويدعي التشيع، لكنه ليس بمؤمن كامل


(1) يعنى الحديث الرابع في باب ما أخذه الله على المؤمن لكتاب الايمان والكفر من الكافي، وهو الذى يأتي تحت الرقم 8. (2) العلق: 15 و 16. (3) يعنى في الحديث الاتى تحت الرقم 8. (4) يعنى في الحديث الاتى تحت الرقم 12 (*).

[218]

بل يغلبه الحسد " أو منافق يقفو أثره " أي يتبعه ظاهرا وإن كان منافقا أو يتتبع عيوبه فيذكرها للناس، وهو أظهر " أو شيطان " أي شيطان الجن أو الاعم منه ومن شيطان الانس " يغويه " أي يريد إغواءه وإضلاله عن سبيل الحق بالوساوس الباطلة كما قال تعالى حاكيا عن الشيطان: " لاقعدن لهم صراطك المستقيم " (1) الاية وقال سبحانه: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " (2) وقال: " وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون "، (3) وربما يقرأ يغويه على بناء التفعيل، أي ينسبه إلى الغواية وهو بعيد " أو كافر يرى جهاده " أي لازما فيضره بكل وجه يمكنه " فما بقاء المؤمن بعد هذا " استفهام إنكار أي كيف يبقى المؤمن على إيمانه بعد الذي ذكرنا، ولذا قل عدد المؤمنين، أو لا يبقى في الدنيا بعد هذه البلايا والهموم والغموم، أو لا يبقى جنس المؤمن في الدنيا إلا قليل منهم. 7 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن عيسى، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث ولربما اجتمعت الثلاثة عليه: إما بعض من يكون معه في الدار يغلق عليه بابه يؤذيه، أو جاره يؤذيه، أو من في طريقه إلى حوائجه يؤذيه، ولو أن مؤمنا على قلة جبل لبعث الله عزوجل إليه شيطانا يؤذيه، ويجعل الله له من إيمانه انسا لا يستوحش معه إلى أحد. بيان: " ما أفلت المؤمن " أي ما تخلص، في المصباح أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته إذا أطلقته وخلصته، يستعمل لازما ومتعديا، والظاهر أن " بعض " مبتدأ و " يؤذيه " خبره، ويحتمل أن يكون بعض خبر مبتدأ محذوف ويؤذيه صفة أو حالا و " يغلق " على بناء المجهول أو المعلوم والاول أظهر فبابه نائب الفاعل، و ضمير عليه راجع إلى ما يرجع إلى المستتر في يكون وجملة يغلق حال، عن ضمير


(1) الاعراف: 16. (2) الانعام: 112. (3) الانعام: 121 (*).

[219]

يكون أي داخل في داره يكون معه، فيها، والمراد بالشيطان إما شيطان الجن لان معارضته للمؤمن أكثر أو شيطان الانس، وذكروا لتسليط الشياطين والكفرة على المؤمنين وجوها من الحكمة: الاول أنه لكفارة ذنوبه، الثاني أنه لاختباره صبره وإدراجه في الصابرين، الثالث أنه لتزهيده في الدنيا لئلا يفتتن بها ويطمئن إليها فيشق عليه الخروج منها، الرابع توسله إلى جناب الحق سبحانه في الضراء، و سلوكه مسلك الدعاء، لدفع ما يصيبه من البلاء، فترتفع بذلك درجته، الخامس وحشته عن المخلوقين وانسه برب العالمين، السادس إكرامه برفع الدرجة التي لا يبلغها الانسان بكسبه، لانه ممنوع من إيلام نفسه شرعا وطبعا، فإذا سلط عليه في ذلك غيره أدرك ما لا يصل إليه بفعله كدرجة الشهادة مثلا، السابع تشديد عقوبة العدو في الاخرة، فانه يوجب سرور المؤمنين به. والغرض من هذا الحديث وأمثاله حث المؤمن على الاستعداد لتحمل النوائب والمصائب وأنواع البلاء بالصبر والشكر، والرضا بالقضاء. 8 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نصر، عن داود بن سرحان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أربع لا يخلو منهن المؤمن أو واحدة منهن مؤمن يحسده، وهو أشد هن عليه، ومنافق يقفو أثره، أو عدو يجاهده، أو شيطان يغويه (1). بيان: " أربع " أي أربع خصال " أو واحدة " أي أو من واحدة " مؤمن يحسده " أي حسد مؤمن " وهو أشد هن عليه " لان صدور الشر من القريب المجانس أشد وأعظم من صدوره من البعيد المخالف، لتوقع الخير من الاول دون الثاني " أو عدو " أي مجاهر بالعداوة يجاهده بلسانه ويده. 9 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن محمد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام: فشكا إليه رجل الحاجة، فقال: اصبر فان الله سيجعل لك فرجا، قال: ثم سكت ساعة، ثم أقبل على الرجل فقال: أخبرني


(1) الكافي ج 2 ص 250 (*).

[220]

عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال: أصلحك الله ضيق منتن وأهله بأسوء حال، قال: فانما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة ؟ أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن (1). محص: عن ابن عجلان مثله إلا أن فيه فقال: أصلحك الله فيه أصحابه بأسوء حال. بيان: " فان الله سيجعل لك فرجا " أي بتهيئة أسباب الرزق كما قال سبحانه: " سيجعل الله بعد عسر يسرا "، وقال: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (2) أو بالموت فان للمؤمن بعده السرور والراحة والحبور كما يومئ إليه ما بعده " الدنيا سجن المؤمن " هذا الحديث مع تتمة " وجنة الكافر " منقول من طرق الخاصة والعامة قال الراوندي ره في ضوء الشهاب بعد نقل هذه الرواية: شبه رسول الله صلى الله عليه وآله المؤمن بالمسجون، من حيث هو ملجم بالاوامر والنواهي مضيق عليه في الدنيا، مقبوض على يده فيها، مخوف بسياط العقاب، مبتلى بالشهوات، ممتحن بالمصائب، بخلاف الكافر الذي هو مخلوع العذار، متمكن من شهوات البطن والفرج، بطيبة من قلبه، وانشراح من صدره، مخلى بينه وبين ما يريد، على ما يسول له الشيطان، لا ضيق عليه، ولا منع، فهو يغدو فيها و يروح، على حسب مراده وشهوة فؤاده، فالدنيا كأنها جنة له يتمتع بملاذها، و يتمتع بنعيمها كما أنها كالسجن للمؤمن، صارفا له عن لذاته، مانعا من شهواته وفي الحديث أنه قال صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام: يا فاطمة تجرعي مرارة الدنيا لحلاوة الاخرة، وروي أن يهوديا تعرض للحسن بن علي عليهما السلام وهو في شظف (3) من حاله وكسوف من باله، والحسن عليه السلام راكب بغلة فارهة عليه ثياب حسنة


(1) الكافي ج 2 ص 250. (2) الطلاق الاية 7 و 2. (3) الشظف - محركة - ضيق العيش وشدته، يقال: هو في شظف من العيش: أي ضيقه (*).

[221]

فقال: جدك يقول: إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فأنا في السجن وأنت في الجنة فقال عليه السلام: لو علمت مالك وما يرقب لك من العذاب، لعلمت أنك مع هذا الضر ههنا في الجنة، ولو نظرت إلى ما أعد لي في الاخرة لعلمت أني معذب في السجن ههنا انتهى. وأقول: فالكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعنى أن المؤمن غالبا في الدنيا بسوء حال وتعب وخوف، والكافر غالبا في سعة وأمن ورفاهية، فلا ينافي كون المؤمن نادرا بحال حسن، والكافر نادرا بمشقة، وثانيهما أن يكون المعنى أن المؤن في الدنيا كأنه في سجن لانه بالنظر إلى حاله في الاخرة وما أعد الله له من النعيم كأنه في سجن، وإن كان بأحسن الاحوال بالنظر إلى أهل الدنيا، و الكافر بعكس ذلك لان نعيمه منحصر في الدنيا، وليس له في الاخرة إلا أشد العذاب، فالدنيا جنته، وإن كان بأسوء الاحوال، وظهر وجه آخر مما ذكرنا سابقا. 10 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن سنان، عن عمار بن مروان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله جعل وليه في الدينا غرضا لعدوه (1). بيان: " الغرض " بالتحريك هدف يرمى فيه أي جعل محبه في الدنيا هدفا لسهام عداوة عدوه، وحيله وشروره. - 11 كا: عن العدة عن البرقي، عن محمد بن علي، عن إبراهيم الحذاء عن محمد بن صغير، عن جده شعيب قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الدنيا سجن المؤمن فأي سجن جاء منه خير (2). بيان: فأي سجن استفهام للانكار، والمعنى أنه ينبغي للمؤمن أن لا يتوقع الرفاهية في الدنيا. 12 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 250 (*).

[222]

أبي عبد الله عليه السلام قال: ما من مؤمن إلا وقد وكل الله به أربعة: شيطانا يغويه يريد أن يضله، وكافرا يقاتله، ومؤمنا يحسده، وهو أشد هم عليه، ومنافقا يتبع عثراته (1). بيان: " يريد أن يضله " بيان ليغويه لئلا يتوهم أنه يقبل إغواءه ويؤثر فيه، بل إنما ابتلاؤه به بسبب أنه يوسوسه وهو يشتغل بمعارضته، وقد مر أن الشيطان يحتمل الجن والانس والاعم، " وكافرا يقاتله " وفي بعض النسخ " يغتاله " وفي المصباح غاله غولا من باب قال: أهلكه، واغتاله قتله على غرة، والاسم الغيلة بالكسر " يتبع " كيعلم أو على بناء الافتعال، أي يتفحص ويتطلب عثراته أي معاصيه التي تصدر عنه أحيانا على الغفلة وعيوبه. 13 - كا: عن العدة، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمرو بن شمر عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا مات المؤمن خلي على جيرانه من الشياطين عدد ربيعة ومضر، كانوا مشتغلين به (2). بيان: " خلي على جيرانه " على بناء المعلوم والاسناد مجازي لان موته صار سببا لاشتغال شياطينه بجيرانه، أو هو على بناء المجول، والتعدية بعلى، لتضمين معنى الاستيلاء أي ترك على جيرانه أو خلي بين الشياطين المشتغلين به أيام حياته و بين جيرانه، والحاصل أن الشياطين كانوا مشغولين بإضلاله ووسوسته، لان إضلاله كان أهم عندهم، أو بايذائه وحث الناس عليه، فإذا مات تفرقوا على جيرانه لا ضلالهم أو إيذائهم، وقيل: الباء للسببية وضمير كانوا إما راجع إلى الشياطين أو الجيران، أي كان الشياطين ممنوعين عن إضلال الجيران بسببه، لانه كان يعظهم ويهديهم، أو كان الجيران ممنوعين عن المعاصي بسببه، وكأنه دعاه إلى ذلك قال الجوهري: يقال: شغلت بكذا على ما لم يسم فاعله، واشتغلت. ولا يخفى ما فيه و " ربيعة " كقبيلة و " مضر " كصرد قبيلتان عظيمتان من العرب يضرب بهما المثل في الكثرة، وهما في النسب ابنا نزار بن معد بن عدنان، ومضر الجد السابع


(1 و 2) المصدر ج 2 ص 251 (*).

[223]

عشر للنبي صلى الله عليه وآله. 14 - كا: عن العدة، عن سهل، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان ولا يكون وليس بكائن مؤمن إلا وله جار يؤذيه، ولو أن مؤمنا في جزيرة من جزائر البحر لانبعث له من يؤذيه (1). محص: عن إسحاق مثله. بيان: كأن المراد بالجار هنا أعم من جار الدار والرفيق والمعامل والمصاحب وفي الحديث الجار إلى أربعين دارا " لانبعث له " أي من الشيطان، وفي بعض النسخ " لابتعث الله له " كما في التمحيص فالاسناد على المجاز، يقال بعثه كمنعه أرسله كابتعثه فانبعث. 15 - كا: عن محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما كان فيما مضى ولا فيما بقي ولا فيما أنتم فيه، مؤمن إلا وله جار يؤذيه (2). بيان: " ولا فيما بقي " أي فيما يأتي " ولا فيما أنتم فيه " أي وليس فيما أنتم فيه. 16 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية ابن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: ما كان ولا يكون إلى أن يقوم الساعة مؤمن إلا وله جار يؤذيه (3). 17 - شى: عن أبي خالد الكابلي قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: لوددت أنه اذن لي فكلمت الناس ثلاثا ثم صنع الله بي ما أحب، قال بيده على صدره ثم قال: ولكنها عزمة من الله أن نصبر ; ثم تلا هذه الاية " ولتسمعن من الذين اوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وأن تبصروا وتتقوا فان ذلك


(1 و 2) المصدر ج 2 ص 251. (3) المصدر ج 2 ص 252 (*).

[224]

من عزم الامور " وأقبل يرفع يده ويضعها على صدره (1) بيان: الغرض أن الله تعالى لم يؤذن لنا في دولة الباطل أن نظهر الحق علانية، ونخرج ما في صدورنا من علوم لا يحتملها الناس، ولو كنا مأذونين لاظهرناها ولم نبال بما أصابنا منهم، ولكن الله عزم علينا بالصبر والتقية في دول الظالمين، و لذا أشار عليه السلام بيده إلى صدره، فان العلم مكتوم فيه، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن ههنا لعلما جما لو وجدت له حملة (2). 18 - ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن يزيد، عن محمد بن سنان يرفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: أخذ الله ميثاق المؤمن على أن لا يقبل قوله، و لا يصدق حديثه، ولا ينتصف من عدوه، ولا يشفي غيظه إلا بفضيحة نفسه، لان كل مؤمن ملجم (3). 19 - ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن أبي الخطاب، عن ابن أسباط، عن مالك عن مسمع بن مالك، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: يا سماعة لا ينفك المؤمن من خصال أربع: من جار يؤذيه، وشيطان يغويه، ومنافق يقفو أثره، ومؤمن يحسده ثم قال: يا سماعة أما إنه أشدهم عليه، قلت: كيف ذاك ؟ قال: إنه يقول فيه القول فيصدق عليه (4).


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 210، والاية في آل عمران 186. (2) نهج البلاغة - عبده - ج 2 ص 178. (3 و 4) الخصال ج 1 ص 109 (*).

[225]

24 * (باب) * " " (الفرق بين الايمان والاسلام وبيان) " " * " معانيهما، وبعض شرائطهما " * الايات البقرة: ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا امة مسلمة لك - إلى قوله تعالى - إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين * ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (1). وقال عزوجل: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (2). آل عمران: إن الدين عند الله الاسلام - إلى قوله تعالى -: فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين اوتو الكتاب والاميين ءأسلمتم فان أسلموا فقد اهتدوا (3). وقال سبحانه: قال الحواريون نحن انصار الله آمنا باالله واشهد بأنا مسلمون - إلى قوله تعالى - وقل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (4). وقال سبحانه: ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (5).


(1) البقرة: 128 - 133. (2) البقرة: 208. (3) آل عمران: 19 و 20. (4) آل عمران: 52 - 64. (5) آل عمران: 67 (*).

[226]

وقال تعالى: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون - إلى قوله تعالى - أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها وإليه يرجعون * قل آمنا بالله وما انزل علينا وما انزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق - إلى قوله -: ونحن له مسلمون * ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين (1). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (2). النساء: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (3). وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا (4). المائدة: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علكيم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (5). وقال تعالى: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم (6). وقال سبحانه: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا: آمنا واشهد بأننا مسلمون (7). الانعام: وامرنا لنسلم لرب العالمين وقال تعالى: فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام (8).


(1) آل عمران: 80 - 85. (2) آل عمران: 102 - 103. (3) النساء: 65. (4) النساء: 94. (5) المائدة: 3. (6) المائدة: 41. (7) المائدة 111. (8) الانعام: 71 و 125 (*).

[227]

هود: فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما انزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (1). يوسف: توفني مسلما وألحقني بالصالحين (2). الحجر: ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (3). النحل: كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (4). وقال تعالى: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لك شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (5). وقال سبحانه: قل نزله روح القدس من ربك بالحق لنثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (6). الانبياء: قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (7). الحج: فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (8). النمل: واوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وقال تعالى: وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين (9). وقال سبحانه: وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون وقال تعالى: إنما امرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وامرت أن أكون من المسلمين (10). القصص: الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (11).


(1) هود: 14. (2) يوسف: 101. (3) الحجر: 2. (4) النحل: 81. (5) النحل: 89. (6) النحل: 102. (7) الانبياء: 108. (8) الحج 34. (9) النمل: 42 و 44. (10) النمل: 81 و 91. (11) القصص: 52 - 53 (*).

[228]

العنكبوت وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (1). الروم: وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (2). الزمر: أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله اولئك في ضلال مبين (3). الزخرف: الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (4). الحجرات: قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم - إلى قوله تعالى -: يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمان إن كنتم صادقين (5). الذاريات: فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (6). التحريم: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات (7). القلم: أقنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون (8). الجن: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فاولئك تحروا رشدا (9) تفسير: " واجعلنا مسلمين لك " (10) قيل أي مخلصين لك، من أسلم لك وجهه أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد، والمراد طلب الزيادة في الاخلاص و


(1) العنكبوت: 46. (2) الروم: 58. (3) الزمر: 22. (4) الزخرف: 69 - 70. (5) الحجرات: 13 - 17. (6) الذاريات: 35 - 36. (7) التحريم: 6. (8) القلم: 33 و 34. (9) الجن: 14. (10) البقرة: 128 (*).

[229]

الاذعان، أو الثبات عليه " ومن ذريتنا " أي واجعل بعض ذريتنا " امة " أي جماعة يؤمون أي يقصدون ويقتدى بهم، وقيل أراد بالامة امة محمد صلى الله عليه وآله وعن الصادق عليه السلام: هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وفي رواية العياشي (1) عنه عليه السلام أنه أارد بالامة بني هاشم خاصة " إذ قال له ربه أسلم " تدل هذه الايات على أن السلام قد يطلق على أعلا مدارج الايمان " ووصى بها " أي بالملة أو راجع إلى أسلمت بتأويل الكلمة أو الجملة " اصطفى لكم الدين " أي دين الاسلام الذي هو صفوة الاديان " فلا تموتن " ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الاسلام، والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا والامر بالثبات على الاسلام (2) كقولك لا تصل إلا وأنت خاشع، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الاسلام موت لا خير فيه وأن من حقه أن لا يحل بهم " ونحن له مسلمون " حال من فاعل نعبد، أو مفعوله أو منهما، ويحتمل أن يكون اعتراضا. " في السلم كافة " (3) قال: البيضاوي (4) السلم بالكسر والفتح الاستستلام والطاعة ولذلك يطلق في الصلح، والاسلام، وفتحه ابن كثير ونافع والكسائي وكسره الباقون و " كافة " اسم للجملة لانها تكف الاجزاء من التفرق، حال من الضمير أو السلم لانها تؤنث كالحرب، والمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 61. (2) المراد بالاسلام معناه اللغوى، وهو التسليم لامر الله، والجملة كناية عن مواظبتهم على طاعة الله والاجتناب عن معاصيه في كل الاحوال، وذلك لان الموت لا يعلم وقته حتى يسلم الله حينذاك فيفوز بالسعادة وحسن الخاتمة، بل الموت متوقع في كل حال وهو لا يؤمن على نفسه منه في حال من الحالات، حتى يجترئ ويعارض ربه بالمعاصى في تلك الحالة فعلى المؤمن الذى يرغب في حسن الختام والفوز بالسعادة جزما وقطعا أن يكون في كل حالاته مسلما لله عزوجل حتى يأتيه الموت، وهو مسلم. (3) البقرة: 208. (4) انوار التنزيل 53 (*).

[230]

والخطاب للمنافق أو ادخلوا في الاسلام بكليتكم، ولا تخلطوا به غيره، والخطاب لمؤمني أهل الكتاب، فانهم بعد إسلامهم عظلموا السبت وحرموا الابل وألبانها، أو في شرائع الله تعالى كلها: بالايمان بالانبياء والكتب جميعا، والخطاب لاهل الكتاب، أو في شعب الاسلام وأحكامه كلها، فلا تخلوا بشئ والخطاب للمسلمين " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " بالتفرق والتفريق " إنه لكم عدو مبين " ظاهر العداوة انتهى. وفي الكافي والعياشي (1)، عن الباقر عليه السلام " في السلم " في ولايتنا، والعياشي عن الصادق في ولاية علي عليه السلام وعنهما عليهما السلام امروا بمعرفتنا، وفي العياشي، عن الصادق عليه السلام خطوات الشيطان ولاية الاول والثاني، وفي تفسير الامام عليه السلام (2) في السلم في المسالمة إلى دين الاسلام " كافة " جماعة ادخلوا فيه، وادخلوا في جميع الاسلام فتقبلوه واعملوا به، ولا تكونوا ممن يقبل بعضه ويعمل به، ويأبى بعضه و يهجره، قال: ومنه الدخول في قبول ولاية علي عليه السلام فانه كالدخول في قبول نبوة رسول الله، فانه لا يكون مسلما من قال إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله فاعترف به، ولم يعترف بأن عليا وصيه وخليفته وخير امته وقال: خطوات الشيطان ما يتخطى بكم إليه من طرق الغي والضلالة، ويأمركم به من ارتكاب الاثام الموبقات. " إن الدين عند الله الاسلام " (3) أي لا دين مرضي عند الله سوى الاسلام، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله " أسلمت وجهي لله " أي أخلصت نفسي وجملتي له لا اشرك فيها غيره، قيل عبر عن النفس بالوجه لانه أشرف الاعضاء الظاهرة، ومظهر القوى والحواس " ومن اتبعن " أي وأسلم من اتبعني " والاميين " أي الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب " ءأسلمتم " كما أسلمت لما وضحت لكم الحجة أم أنتم بعد على كفركم ؟ " فان أسلموا فقد اهتدوا " أي فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال. " نحن أنصار الله " (4) أي أنصار دينه " واشهد بأنا مسلمون " أي في


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 102. (2) تفسير الامام ص 264. (3) آل عمران: 19. (4) آل عمران: 52 (*).

[231]

القيامة حين يشهد الرسل " إلى كلمة سواء بيننا وبينكم " (1) أي لا يختلف فيها الكتب و الرسل وتفسيرها ما بعدها " أن لا نعبد إلا الله " أي نوحده بالعبادة ونخلص فيها " ولا نشرك به شيئا " أي لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلا لان يعبد " ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا " كعزير والمسيح والاحبار وإطاعتهم فيما أحدثوا من التحريم والتحليل " فان تولوا " عن التوحيد " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرسل " ولكن كان حنيفا " أي مائلا عن العقائد الزائغة " مسلما " أي منقادا لله. " بعد إذ أنتم مسلمون " (2) وقع الاسلام هنا مقابلا للكفر " أفغير دين الله يبغون " أي أفبعد هذه الايات والحجج تطلبون دينا غير دين الاسلام " وله أسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها " قيل أي عند الميثاق كما روي عن ابن عباس وقيل أي أقر بالعبودية وإن كان فيهم من أشرك في العبادة كقوله تعالى: " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " (3) وقيل أسلم المؤمن طوعا والكافر كرها عند الموت، وقيل أي استسلم له بالانقياد والذلة، وقيل معناه أكره قوم على الاسلام وجاء قوم طائعين، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كرها أي فرقا من السيف، وقال الحسن: الطوع لاهل السماوات خاصة، وأما أهل الارض فمنهم من أسلم طوعا ومنهم من أسلم كرها، وقد روي العياشي (4) عن الصادق عليه السلام أنها نزلت في القائم عليه السلام وفي رواية اخرى تلاها فقال: إذا قام القائم لا تبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " وإليه يرجعون " أي إلى جزائه يصيرون. " قل آمنا بالله " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأن يقول عن نفسه وعن امته قال


(1) آل عمران: 64 (2) آل عمران: 81. (3) الزخرف: 87. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 182 (*).

[232]

الطبرسي قدس سره: فان قيل: ما معنى قوله: " ونحن له مسلمون " بعدما سبق الاقرار بالايمان على التفصيل ؟ قلنا: معناه ونحن له مسلمون بالطاعة والانقياد في جميع ما أمر به ونهى عنه، وأيضا فان أهل الملل المخالفة للاسلام، كانوا يقرون كلهم بالايمان، ولكن لم يقروا بلفظة الاسلام، فلهذا قال: " ونحن له مسلمون ". " ومن يبتغ " أي يطلب " غير الاسلام دينا " يدين به " فلن يقبل منه " بل يعاقب عليه " وهو في الاخرة من الخاسرين " أي من الهالكين لان الخسران ذهاب رأس المال، وفي هذا دلالة على أن من ابتغى غير الاسلام دينا لن يقبل منه، فدل ذلك على أن الدين والاسلام والايمان واحد، وهي عبارات عن معبر واحد انتهى (1). " حق تقاته " (2) أي حق تقواه وما يجب منها، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجبات، والاجتناب عن المحرمات، وفي المعاني (3) والعياشي (4) سئل الصادق عليه السلام عن هذه الاية قال: يطاع ولا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، والعياشي (5) عنه عليه السلام أنه سئل عنها فقال: منسوخة، قيل: وما نسخها ؟ قال: قول الله " فاتقوا الله ما استطعتم " (6). " ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " أي لا تكونن على حال سوى حال الاسلام إذا أدرككم الموت، في المجمع عن الصادق عليه السلام و أنتم مسلمون بالتشديد، ومعناه مستسلمون لما أتى به النبي صلى الله عليه وآله منقادون له (7) والعياشي (8) عن الكاظم عليه السلام أنه قال لبعض أصحابه: كيف تقرأ هذه الاية " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم " ماذا ؟ قال: " مسلمون " فقال: سبحان الله يوقع عليهم الايمان فيسميهم مؤمنين، ثم يسألهم الاسلام، و الايمان قوق الاسلام، قال: هكذا يقرأ في قراءة زيد، قال: إنما هي في قراءة علي عليه السلام وهو التنزيل الذي نزل به جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله " إلا وأنتم


(1) مجمع البيان ج 2 ص 470. (2) آل عمران: 102. (3) معاني الاخبار ص 240. (4 و 5 و 8) تفسير العياشي ج 1 ص 194. (6) التغابن: 16. (7) مجمع البيان ج 2 ص 482 (*).

[233]

مسلمون " لرسول الله ثم الامام من بعده. " واعتصموا بحبل الله " (1) قيل: بدينه الاسلام، أو بكتابه لقوله صلى الله عليه وآله: القرآن حبل الله المتين، استعار له الحبل، وللوثوق به الاعتصام، من حيث إن التمسك به سبب النجاة، عن الردى، كما أن التمسك بالحبل الموثوق به سبب السلامة من التردي وقال علي بن إبراهيم: الحبل التوحيد والولاية (2) والعياشي عن الباقر عليه السلام آل محمد هم حبل الله المتين الذي أمر بالاعتصام به فقال: " فاعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " وعن الكاظم: علي بن أبي طالب حبل الله المتين وفي مجالس الصدوق: نحن الحبل. وأقول: وقد مر الاخبار في ذلك وشرحها في كتاب الامامة (3) " جميعا " أي مجتمعين عليه " ولا تفرقوا " أي ولا تتفرقوا عن الحق بايقاع الاختلاف بينكم، وروى علي بن إبراهيم (4) عن الباقر عليه السلام أن الله تبارك وتعالى علم أنهم سيفترقون بعد نبيهم ويختلفون، فنهاهم عن التفرق كما نهى من كان قبلهم فأمرهم أن يجتمعوا على ولاية آل محمد عليهم السلام ولا يتفرفوا. " فيما شجر بينهم " (5) أي فيما اختلف بينهم أو اختلط " حرجا مما قضيت " أي ضيقا مما حكمت به " ويسلموا تسليما " أي ويناقدوا لك انقيادا بظاهرهم وباطنهم، وفي الكافي عن الباقر عليه السلام (6) لقد خاطب الله أمير المؤمنين عليه السلام في كتابه في قوله: " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما * فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " قال: فيما تعاقدوا عليه لئن أمات الله محمدا لا يردوا هذا الامر في بني هاشم " ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا


(1) آل عمران: 103. (2) تفسير القمى ص 98، العياشي ج 1 ص 199. (3) راجع ج 24 ص 82 - 85. (4) تفسير القمى ص 98. (5) النساء: 65. (6) الكافي ج 1 ص 391 (*).

[234]

مما قضيت " عليهم، من القتل أو العفو " ويسلموا تسليما " وقال علي بن إبراهيم: (1) " جاؤك يا علي " قال: هكذا نزلت. أقول: وسيأتي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنها نزلت في مثل ذلك، وبالجملة تدل على أن الايمان مشروط بالتسليم والانقياد التام. " إذا ضربتم في سبيل الله " (2) أي سافرتم للغزو " فتبينوا " أي فاطلبوا بيان الامر وميزوا بين الكافر والمؤمن، وقرئ " فتثبتوا " في الموضعين أي توقفوا وتأنوا حتى تعلموا من يستحق القتل، والمعنيان متقاربان، يعنى لا تعجلوا في القتل لمن أظهر إسلامه ظنا منكم بأنه لا حقيقة لذلك " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام " وقرئ السلم بغير ألف وهما بمعنى الاستسلام والانقياد، وفسر السلام بتحية الاسلام أيضا والعياشي (3) نسب قراءة السلام إلى الصادق عليه السلام " لست مؤمنا " وإنما فعلت ذلك خوفا من القتل " تبتغون عرض الحياة الدنيا " أي تطلبون ماله الذي هو حطام سريع الزوال، وهو الذي يبعثكم على العجلة وترك التثبت، " فعند الله مغانم كثيرة " تغنيكم عن قتل أمثاله لماله " كذلك كنتم من قبل " أي أول ما دخلتم في الاسلام، و تفوهتم بكلمتي الشهادة، فحصنت بها دماؤكم وأموالكم، من غير أن تعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم " فمن الله " عليكم بالاشتهار بالايمان، والاستقامة في الدين " فتبينوا " وافعلوا بالداخلين في الاسلام ما فعل الله بكم، ولا تبادروا إلى قتلهم ظنا بأنهم دخلوا فيه اتقاء وخوفا، وتكريرها تأكيد لتعظيم الامر، وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم " إن الله كان بما تعملون خبيرا " عالما به وبالغرض منه فلا تتها فتوا في القتل، ولا تحتالوا فيه. وقال علي بن إبراهيم (4) وغيره: إنها نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة خيبر، وبعث اسامة بن زيد في خيل إلى بعض اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الاسلام وكان رجل من اليهود يقال له: مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى، فلما أحس بخيل رسول الله صلى الله عليه وآله جمع أهله وماله وصار في ناحية الجبل


(1) تفسير القمى ص 130. (2) النساء: 94. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 268. (4) تفسير القمى ص 134 (*).

[235]

فأقبل يقول أشهد أن لاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فمر به اسامة بن زيد فطعنه فقتله فلما رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أخبره بذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أفلا شققت الغطاء عن قلبه، لاما قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف اسامة بعد ذلك أن لا يقاتل أحدا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فتخلف عن أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه وأنزل الله في ذلك " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام " الاية. وفي رواية العامة أن مرداسا أضاف إلى الكلمتين السلام عليكم، وهي تؤيد قراءة السلام وتفسيره بتحية السلام. وأقول: لا يخفى أن اسامة فعله الاخير كان أشنع من فعله الاول، وكان عذره أشد وأفحش منهما، وهذا منه دليل على أنه كان من المنافقين. " اليوم أكملت لكم دينكم " (1) قد مر أنها نزلت بعد نصب أمير المؤمنين عليه السلام يوم الغدير، فتدل على أن الامامة داخلة في الدين والاسلام وأن بها كماله. " لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر " (2) أي صنع الذين يقعون في إظهار الكفر سريعا إذا وجدوا منه فرصة من الذين قالوا آمنا بأفواههم " أي من المنافقين والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا والواو يحتمل الحال، والعطف، والاية تدل علي أن الايمان باللسان لا ينفع ما لم يوافقه القلب. " وإذ أو حيث إلى الحواريين " روى العياشي (3) عن الباقر عليه السلام: الهموا " بأننا مسلمون " أي مخلصون. " فمن يرد الله أن يهديه " (4) أي يعرفه الحق ويوفقه للايمان " يشرح صدره للاسلام " فيتسع له ويفسح فيه مجاله، وهو كناية عن جعل القلب قابلا للحق


(1) المائدة: 3. (2) المائدة: 41. (3) تفسير العياشي ج 1 ص 350، والاية في المائدة: 111. (4) الانعام: 125 (*).

[236]

مهيئا لحلوله فيه، مصفى عما يمنعه وينافيه، في المجمع (1) قد وردت الرواية الصحيحة أنه لما نزلت هذه الاية سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن شرح الصدر ما هو ؟ فقال: نور يفذفه الله في قلب المؤمن فيشرح صدره وينفسح، قالوا: فهل لذلك أمارة يعرف بها ؟ فقال: نعم والانابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله. " فان لم يستجيبوا لكم " (2) أيها المؤمنون من دعوتموهم إلى المعارضة، أو أيها الكافرون من دعوتموهم إلى المعاونة " فاعلموا أنما انزل بعلم الله " أي متلبسا بما لا يعلمه إلا الله، ولا يقدر عليه سواه " وأن لا إله إلا هو " لانه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره، لظهور عجز المدعوين " فهل أنتم مسلمون " أي ثابتون على الاسلام، راسخون فيه ؟ أو داخلون في الاسلام مخلصون فيه. " توفني مسلما " يدل (3) على إطلاق الاسلام على الايمان الكامل " وألحقني بالصالحين " أي في الرتبة والكرامة. " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " (4) أي إذا عاينوا في القيامة حالهم وحال المسلمين، قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين وفي تفسيري العياشي وعلي بن إبراهيم (5) عن الباقر والصادق عليهما السلام: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله لا يدخل الجنة إلا مسلم فيومئذ يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين وفي المجمع (6) مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا: بلى: قالوا: فما أغنى عنكم إسلاماكم وقد صرتم معنا في النار ؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فاخذنا


(1) المصدر ج 4 ص 363. (2) هو د: 14. (3) يوسف: 101. (4) الحجر: 2. (5) تفسير العياشي ج 2 ص 239، تفسير القمى: 349. (6) مجمع البيان ج 6 ص 328 (*).

[237]

بها فسمع الله عز اسمه ما قالوا، فأمر من كان في النار من أهل الاسلام فاخرجوا منها، فحينئذ يقول الكفار يا ليتنا كنا مسلمين. " لعلكم تسلمون " (1) أي تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به وتنقادون لحكمه. " تبيانا " أي (2) بيانا بليغا وروى العياشي (4) عن الصادق عليه السلام قال: نحن والله نعلم ما في السماوات وما في الارض، وما في الجنة وما في النار، وما بين ذلك ثم قال: إن ذلك في كتاب الله ثم تلا هذه الاية، وعنه عليه السلام أن الله أنزل في القرآن تبيان كل شئ حتى والله ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد، حتى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا انزل في القرآن، إلا أنزله الله فيه، وقد مضت الاخبار الكثيرة في ذلك في كتاب الامامة. " قل نزله روح القدس " (4) يعني جبرئيل عليه السلام " من ربك بالحق " أي متلبسا بالحكمة " ليثبت الذين آمنوا " أي على الايمان بأنه كلام الله، فانهم إذا سمعوا الناسخ، وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة، رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم " وهدى وبشرى للمسلمين " المنقادين لحكمه. " قل إنما يوحى إلي " (5) قيل أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد، وذلك لان المقصود الاصلي من بعثته مقصور على التوحيد " فهل أنتم مسلمون " مخلصون العبادة لله على مقتضى الوحي ؟ وفي المناقب عن الصادق عليه السلام: فهل أنتم مسلمون الوصية بعدي، نزلت مشددة، ومآلهما واحد، لان مخالفة الوصية عبادة للهوى والشيطان وأيضا التوحيد لا يتم إلا بالولاية، إذ بالامام يعرف الله، ويعرف طريق عبادته، فهي كمال التوحيد، وأصله وأساسه وغايته. " فله أسلموا " (6) أي أخلصوا التقرب والذكر ولا تشوبوه بالاشراك " وبشر * (الهامش) * (1) النحل: 81. (2) النحل: 89. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 266. (4) النحل: 102. (5) الانبياء: 108. (6) الحج: 34 (*).

[238]

المخبتين " قيل أي المتواضعين أو المخلصين فان الاخبات صفتهم وقال علي بن إبراهيم: أي العابدين. " وما أنت بهادي العمي " (1) سماهم عميا لفقدهم المقصود الحقيقي من الابصار أو لعمى قلوبهم أن تسمع فان إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ، وتدبر المعنى أو المراد بالمؤمن المشارف للايمان أو من هو في علم الله كذلك " فهم مسلمون " أي مخلصون من أسلم وجهه لله " وله كل شئ " (2) أي خلقا وملكا " وامرت أن أكون من المسلمين " أي المنقادين أو الثابتين على ملة الاسلام. " الذين آتيناهم الكتاب " (3) قيل نزلت في مؤمني أهل الكتاب، وقيل: في أربعين من أهل الانجيل من أهل الحبشة والشام " قالوا آمنا به " أي بأنه كلام الله " إنه الحق من ربنا " استيناف لبيان ما أوجب إيمانهم به " إنا كنا من قبله مسلمين " استيناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذ. وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة، وكونهم على دين الاسلام قبل نزول القرآن أو تلاوته عليهم، باعتقادهم صحته في الجملة. " وقولوا آمنا " (4) قيل هي المجادلة بالتي هي أحسن، وعن النبي صلى الله عليه وآله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله، فان قالوا باطلا لم تصدقوهم، وإن قالوا حقا لم تكذبوهم " ونحن له مسلمون " أي مطيعون له خاصة، وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " أفمن شرح اللله صدره للاسلام " (5) حتى تمكن فيه بيسر، عبر به عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله، غير متأبية عنه، لان الصدر محل القلب، المنبع للروح، المتعلق للنفس القابل للاسلام " فهو على نور من ربه " يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق، وقد مر الخبر في ذلك، وخبر " من " محذوف دل عليه قوله " فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله "


(1) النمل: 81. (2) النمل: 91. (3) القصص: 52. (4) العنكبوت 46. 5) الزمر: 22 (*).

[239]

أي من أجل ذكره، في رواية علي بن إبراهيم (1) نزل صدر الاية في أمير المؤمنين عليه السلام. وفي رواية العامة: نزل في حمزة وعلي، وما بعده في أبي لهب و ولده، وروى علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام: أن القسوة والرقة من القلب و هو قوله " فويل " الاية. " وكانوا مسلمين " (2) ظاهره كون الاسلام فوق الايمان. " قالت الاعراب آمنا " قال الطبرسي (3) قدس سره هم قوم من بني أسد أتوا النبي صلى الله عليه وآله في سنة جدبة، وأظهروا الاسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر إنما كانوا يطلبون الصدقة، والمعنى أنهم قالوا صدقنا بما جئت به، فأمره الله سبحانه أن يخبرهم بذلك ليكون آية معجزة له فقال " قل لم تؤمنوا " أي لم تصدقوا على الحقيقة في الباطن " ولكن قولوا أسلمنا " أي انقدنا واستسلمنا مخافة السبي والقتل. ثم بين سبحانه أن الايمان محله القلب دون اللسان فقال " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " قال الزجاج: الاسلام إظهار الخضوع، والقبول لما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله وبذلك يحقن الدم، فان كان مع ذلك الاظهار اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الايمان وصاحبه المسلم المؤمن حقا فأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدق، وقد أخرج هؤلاء من الايمان بقوله: " ولما يدخل الايمان في قلوبكم " إن لم تصدقوا بعد ما أسلمتم تعوذا من القتل، فالمؤمن مبطن من التصديق مثل ما يظهر، والمسلم التام الاسلام مظهر للطاعة، وهو مع ذلك مؤمن بها، والذي أظهر الاسلام تعوذا من القتل غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين. وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله: الاسلام علانية، والايمان في القلب - وأشار إلى صدره. ثم قال سبحانه: " وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا " (4)


(1) تفسير القمى: 577. (2) الزخرف: 69. (3) مجمع البيان ج 9 ص 138. والاية في الحجرات: 13. (4) الحجرات: 14 (*).

[240]

أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا " إن الله غفور رحيم * إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا " أي لم يشكوا في دينهم بعد الايمان " وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون " أي الذين صدقوا في ادعاء الايمان، فيدل على أن للاعمال مدخلا في الايمان إما بالجزئية، أو الاشتراط أو هي كاشفة منه كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله " قل أتعلمون الله بدينكم " أي أتخبرونه به بقولكم آمنا " والله يعلم ما في السموات وما في الارض والله بكل شئ عليم " هو تجهيل لهم وتوبيخ. روي أنه لما نزلت الاية المتقدمة جاؤا وحلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه " يمنون عليك أن أسلموا " أي يعدون إسلامهم عليك منة، وهي النعمة لا يستثيب مولاها ممن نزلها إليه " قل لا تمنوا علي إسلامكم " أي باسلامكم، فنصب بنزع الخافض، أو تضمين الفعل معنى الاعتداد " يل الله يمن عليكم أن هديكم للايمان " على ما زعمتم مع أن الهداية لا يلزم الاهتداء " إن كنتم صادقين " في ادعاء الايمان، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم. وفي سياق الاية لطف، وهو أنهم لما سموا ما صدر عنهم إيمانا ومنوا به نفى أنه إيمان وسماه إسلاما بأن قال يمنون عليك بما هو في الحقيقة إسلام، وليس بجدير أن يمن عليك بل لو صح ادعاؤهم للايمان فلله المنة عليهم بالهداية له لا لهم. " فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " (1) قال البيضاوي: استدل به على اتحاد الايمان والاسلام وهو ضعيف، لان ذلك لا يقتضي إلا صدق المؤمن والمسلم على من اتبعه، وذلك لا يقتضي اتحاد مفهوميهما، لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة. وقال في قوله تعالى: " مسلمات مؤمنات " (2) مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات.


(1) الذاريات: 36. (2) التحريم: 6 (*).

[241]

" أفنجعل المسلمين كالمجرمين " (1) قيل إنكار لقولهم إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه، لم يفضلونا، بل نكون أحسن حالا منهم، كما نحن عليه في الدنيا. " ومنا القاسطون " (2) أي الجائرون عن طريق الحق " فاولئك تحروا رشدا " أي توخوا رشدا عظيما يبلغهم إلى دار الثواب، وروى على بن إبراهيم (3) عن الباقر عليه السلام أي الذين أقروا بولايتنا. أقول: إذا تأملت في هذه الايات، والايات المتقدمة في الباب السابق عرفت أن للايمان والاسلام معاني شتى كما سنفصله إنشاء الله تعالى. الاخبار: - 1 ب: عن هارون، عن ابن صدقة، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: أنه قال له: إن الايمان قد يجوز بالقلب دون اللسان ؟ فقال له: إن كان ذلك كما تقول فقد حرم علينا قتال المشركين، وذلك أنا لا ندري بزعمك لعل ضميره الايمان فهذا القول، نقض لامتحان النبي صلى الله عليه وآله من كان يجيئه يريد الاسلام، وأخذه إياه بالبيعة عليه وشروطه وشدة التأكيد، قال مسعدة: ومن قال بهذا فقد كفر البتة من حيث لا يعلم (4). توضيح: " أنه قال له " ضمير قال راجع إلى الصادق عليه السلام، ورجوعه إلى مسعدة بعيد، وعلى الاول الكلام محمول على الاستفهام، " وقد " للتقليل وعلى الثاني يحتمل التحقيق أيضا فلا يكون استفهاما، ويكون النسبة إلى الاب بأن يكون نسب الجواب إلى أبيه عليهما السلام ولذا صار بعيدا، وحاصل الجواب أنه لو كان الاسلام محض الاعتقاد القلبي ولم يكن مشروطا بعدم الانكار الظاهري أو بوجود الاذعان والانقياد الظاهري، لم يجز قتال المشركين، إذ يحتمل إيمانهم باطنا وقوله عليه السلام:


(1) القلم: 33. (2) الجن: 14. (3) تفسير القمى: 699. (4) قرب الاسناد ص 23، ط حجر، ص 33 ط النحف (*).

[242]

" فهذا القول " يحتمل أن يكون وجها آخر وهو أن هذا القول مناقض لفعل النبي صلى الله عليه وآله من تكليفه من يريد الاسلام بالبيعة والتأكيد فيها فانها أفعال سوى الاعتقاد، أو يكون مرجع الجميع إلى دليل واحد هو أنه لو كان أمرا قلبيا فأما أن يكتفي في إثبات ذلك أو نفيه بقوله أم لا، فعلى الثاني لا يمكن قتل المشرك و قتاله أصلا، وعلى الاول فلا بد من الاكتفاء باقراره، فلا حاجة إلى التبعية و غيرها، مما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعتبره ويهتم به. 2 - ن: باسناد التميمي، عن الرضا، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد حرم علي دماؤهم وأموالهم. تبيين: روت العامة هذا الخبر بطرق مختلفة (1) وزيادة ونقصان في الالفاظ فمنها مارووه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، وقال الحسين بن مسعود في شرح السنة: حتى يقولوا لا إله إلا الله، أراد به عبدة الاوثان دون أهل الكتاب، لانهم يقولون لا إله إلا الله ثم لا يرفع عنهم السيف حتى يقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله أو يعطوا الجزية، وقوله: " وحسابهم على الله " معناه فيما يستسرون به، دون ما يخلون به، من الاحكام الواجبة عليهم في الظاهر، فانهم إذا أخلوا بشئ مما يلزمهم في الظاهر يطالبون بموجبه انتهى. وأقول: كأن الاكتفاء بإحدى الشهادتين لتلازمهما، والمراد بها الشهادتان معا، بل مع ما تستلزمانه من الاقرار بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله فانهم رووا أيضا أنه صلى الله عليه وآله قال: امرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام، وحسابهم على الله، وفي رواية اخرى: حتى


(1) مشكاة المصابيح: 12 - 14 (*).

[243]

يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين، وفي رواية اخرى: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها. قال القاضي عياض من علماء العامة: إختصاص عصم النفس والمال بمن قال لا إله إلا الله، تعبير عن الاجابة إلى الايمان أو أن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الاوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الاسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله، إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، ولذلك جاء في الحديث الاخر: وأني رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. 3 - سن: عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن الحكم بن أيمن، عن القاسم الصيرفي شريك المفضل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الاسلام يحقن به الدم، وتؤدى به الامانة، ويستحل به الفرج، والثواب على الايمان (1). كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير مثله (2). بيان: يدل الخبر على عدم ترادف الايمان والاسلام، وأن غير المؤمن من فرق أهل الاسلام لا يستحق الثواب الاخروي أصلا، كما هو الحق والمشهور بين الامامية، وستعرف أن كلا من الاسلام والايمان، يطلق على معان، والظاهر أن المراد بالايمان في هذا الخبر الاذعان بوجوده سبحانه وصفاته الكمالية، و بالتوحيد والعدل والمعاد، والاقرار بنبوة نبينا صلى الله عليه وآله وإمامة الائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم، وبجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ما علم منها تفصيلا وما لم يعلم إجمالا، وعدم الاتيان بما يخرجه عن الدين، كعبادة الصنم، والاستخفاف بحرمات الله.


(1) المحاسن ص 285. (2) الكافي ج 2 ص 24 (*).

[244]

والاسلام هو الاذعان الظاهري بالله وبرسوله، وعدم إنكار ما علم ضرورة من دين الاسلام، فلا يشترط فيه ولاية الائمه عليهم السلام ولا الاقرار القلبي، فيدخل فيه المنافقون، وجميع فرق المسلمين، ممن يظهر الشهادتين، عدا النواصب والغلاة والمجسمة، ومن أتى بما يخرجه عن الدين كعبادة الصنم، وإلقاء المصحف في القاذورات عمدا، ونحو ذلك، وسيأتي تفصيل القول في جميع ذلك إنشاء الله. ثم إنه عليه السلام ذكر من الثمرات المترتبة على الاسلام ثلاثة الاول حقن الدم، قال في القاموس حقنه يحقينه ويحقنه حبسه، ودم فلان أنقذه من القتل انتهى وترتب هذه الفائدة على الاسلام الظاهري ظاهر لان في صدر الاسلام وفي زمن الرسول كانوا يكتفون في كف اليد عن قتل الكفار باظهارهم الشهادتين، و بعده صلى الله عليه وآله لما حصلت الشبه بين الامة واختلفوا في الامامة خرجت عن كونه من ضروريات دين الاسلام فدم المخالفين وسائر فرق المسلمين محفوظة إلا الخوارج والنواصب فان ولاية أهل البيت عليهم السلام أي محبتهم من ضروريات دين جميع المسلمين وإنما الخلاف في إمامتهم، والباغي على الامام يجب قتله بنص القرآن، وهذا الحكم إنما هو إلى ظهور القائم عليه السلام إذ في ذلك الزمان ترتفع الشبه، ويظهر الحق بحيث لا يبقى لاحد عذر، فحكم منكر الامامة في ذلك الزمان حكم سائر الكفار في وجوب قتلهم وغير ذلك. وأما المنافقون المظهرون للعقائد الحقة، المبطنون خلافها، فيحتمل عدم قبول ذلك عنهم لحكمه عليه السلام بعلمه في أكثر الاحكام، ويحتمل أيضا قبوله منهم إلى أن يظهر منهم خلافه، كما هو ظاهر أخبار دابة الارض، والجزم بأحدهما مشكل. الثاني أداء الامانة، وظاهره عدم وجوب رد وديعة من لم يظهر الاسلام، و هو خلاف المشهور، وأكثر الاخبار، فان المشهور بين الاصحاب وجوب رد الوديعة، ولو كان المودع كافرا، وقال أبو الصلاح إن كان حربيا وجب أن يحمل ما أودعه إلى سلطان الاسلام، ويمكن حمل الخبر علي أن الرد علي المسلم آكد

[245]

أو أنه يحكم به أهل الاسلام أو على أن المراد بالامانة غير الوديعة مما حصل من أمواله، في يد غيره أو أن الاسلام يصير سببا لان يؤدي الامانات إلى أهلها وفي الكل تكلف، والحمل على مذهب أبي الصلاح أيضا يحتاج إلى تكلف لانه أيضا يوجب رد أمانة الذمي، فيتكلف بأن رد أمانة الذمي أيضا بسبب الاسلام لتشبثه بذمة المسلمين. الثالث استحلال الفرج بالاسلام، فيدل على عدم جواز نكاح الكافرة مطلقا بل بملك اليمين أيضا إلا ما خرج بالدليل، وكذا إنكاح الكافر،، وعلى جواز نكاح المسلمة مطلقا، وكذا إنكاح المسلم من أي الفرق كان. أما الاول فلا خلاف في عدم جواز نكاح المسلم غير الكتابية، وفي تحريم الكتابية أقوال: التحريم مطلقا، جواز متعة اليهودية والنصرانية اختيارا والدوام اضطرارا، عدم جواز العقد بحال وجواز ملك المين، جواز المتعة وملك اليمين لليهودية والنصرانية وتحريم الدوام كما هو مختار أكثر المتأخرين، تحريم نكاحهن مطلقا اختيارا وتجويزه مطلقا اضطرارا وتجويز الوطي بملك اليمين، الجواز مطلفا كما ذهب إليه الصدوق. وفى المجوسية اختلاف في الاقوال والروايات، و الاقرب جواز وطئها بملك اليمين، والاحوط الترك في غير ذلك، نعم إذا أسلم زوج الكتابية فالنكاح باق وإن لم يدخل بها. وأما الثاني وهو تزويج غير المؤمن من فرق المسلمين فالمشهور اعتبار الايمان في جانب الزوج دون الزوجة، وذهب جماعة إلى عدم اعتباره، مطلقا، والاكتفاء بمجرد الاسلام ولا يخلو من قوة في زمان الهدنة، ولا يصح نكاح الناصب المبغض لاهل البيت عليهم السلام مطلقا. ثم ذكر عليه السلام ثمرة الايمان، وهو ترتب الثواب على أعماله في الاخرة فغير المؤمن الاثنى عشري المصدق قلبا لا يترتب على شئ من أعماله ثواب في الاخرة، وهو يستلزم خلوده في النار كما مر وسيأتي إنشاء الله. 4 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن العلاء، عن محمد، عن

[246]

أحدهما عليهما السلام قال: الايمان إقرار وعمل، والاسلام إقرار بلا عمل (1). بيان: هذا الخبر يدل على اصطلاح آخر للايمان والاسلام، وهو أن الاسلام نفس العقائد، والايمان العقائد مع العمل بمقتضاها، من الاتيان بالفرائض وترك الكبائر، وربما يأول بأن المراد بالاقرار الاقرار بالشهادتين، وبالعمل عمل القلب وهو التصديق بجميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله أو بأن المراد بالاقرار ترك الايذاء والانكار، وبالعمل العمل الصحيح، والحمل فيهما على المجاز، أي الايمان سبب لان يقر على دينه ولا يؤذى، ويحكم عليه بأحكام المسلمين، وسبب لصحة أعماله بخلاف الاسلام، فانه يصير سببا للاول دون الثاني ولا يخفى بعده. ويحتمل أن يراد بالاقرار إظهار الشهادتين، وبالعمل ما يقتضيه من التصديق بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ومنها الولاية، فيرجع إلى الخبر الاول. 5 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فقال: ألا ترى أن الايمان غير الاسلام (2). بيان: أقول قد مر تفسير الاية وهي مما استدل به على عدم ترادف الاسلام والايمان، كما استدل عليه السلام بها عليه، وربما يجاب عنه بأن المراد بالاسلام هنا الاستسلام والانقياد الظاهري وهو غير المعنى المصطلح، والجواب أن الاصل في الاطلاق الشرعي الحقيقة الشرعية، وصرفة عنها يحتاج إلى دليل، واستدل بها أيضا على أن الايمان هو التصديق فقط لنسبته إلى القلب، والجواب أنها لا تنفي اشتراط الايمان القلبي بعمل الجوارح، وإنما تنفي الجزئية، مع أن فيه أيضا كلاما. 6 -: كا: عن محمد ين يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سفيان بن المسط قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام عن الاسلام والايمان، ما الفرق


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 24. والاية في الحجرات: 13 (*).

[247]

بينهما ؟ فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثم التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل فقال له أبو عبد الله عليه السلام: كأنه قد أزف منك رحيل ؟ فقال: نعم، فقال: فالقني في البيت، فلقيه فسأله عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما ؟ فقال: الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، فهذا الاسلام، وقال: الايمان معرفة هذا الامر، مع هذا فان أقر بها ولم يعرف هذا الامر كان مسلما وكان ضالا (1). توضيح: كأن تأخير الجواب للتقية والمصلحة، وفي القاموس أزف الترحل كفرح أزفا وأزوفا دنا. اقول: ويظهر من الرواية أن بين الايمان والاسلام فرقين أحدهما أن الاسلام هو الانقياد الظاهري، ولا يعتبر فيه التصديق والاذعان القلبي بخلاف الايمان، فانه يعتبر فيه الاعتقاد القبي بل القطعي كما سيأتي وثانيهما اعتبار اعتقاد الولاية فيه، وذكر الاعمال إما بناء على اشتراط الايمان بالاعمال أو المراد الاعتقاد بها، ويرشد إليه قوله " فان أقر بها " أو الغرض بيان العقائد وجل الاعمال المشتركة بين أهل الاسلام والايمان، والوصف بالضلال وعدم إطلاق الكفر عليهم إما للتقية في الجملة، أو لعدم توهم كونهم في الاحكام الدنيوية في حكم الكفار. 7 - كا: الحسين بن محمد، عن المعلى ; والعدة، عن أحمد بن محمد جميعا، عن الوشاء، عن أبان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " فمن زعم أنهم آمنوا فقد كذب ومن زعم أنهم لم يسلموا فقد كذب (2). بيان: " فمن زعم " فيه تنبيه على مغايره المفهومين، وتحقق مادة الافتراق بينهما، وأن الاسلام أعم.


(1) الكافي ج 2 ص 24. (2) الكافي ج 2 ص 25 (*).

[248]

8 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل ابن صالح، عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني عن الاسلام والايمان أهما مختلفان ؟ فقال: إن الايمان يشارك الاسلام، والاسلام لا يشارك الايمان فقلت: فصفهما لي، فقال: الاسلام، شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله صلى الله عليه وآله به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والايمان الهدى، وما يثبت في القلوب من صفة الاسلام، وما ظهر من العمل به. والايمان أرفع من الاسلام بدرجة إن الايمان يشارك الاسلام في الظاهر، والاسلام لا يشارك الايمان في الباطن، وإن اجتمعا في القول والصفة (1). تبيين: " أهما مختلفان " أي مفهوما وحقيقة أم مترادفان " يشارك الاسلام " المشاركة وعدمها إما باعتبار المفهوم، فان مفهوم الاسلام داخل في مفهوم الايمان دون العكس، أو باعتبار الصدق فان كل مؤمن مسلم، دون العكس، أو باعتبار الدخول: فان الداخل في الايمان داخل في الاسلام دون العكس، وإن كان يرجع إلى ما سبق، أو باعتبار الاحكام فان أحكام الاسلام ثابتة للايمان دون العكس " فصفهما لي " أي بين لي حقيقتهما " شهادة أن لا إله الا الله " بيان لاجزاء الاسلام " به حقنت " بيان لاحكام الاسلام ; ويدل على التوارث بين جميع فرق المسلمين كما هو المشهور. والظاهر أن المراد بالشهادة والتصديق الاقرار الظاهري ; ويحتمل التصديق القلبي، فيكون إشارة إلى معنى آخر للاسلام، ولا يبعد أن يكون أصل معناه الاقرار القلبي، وإن ترتبت الاحكام على الاقرار الظاهري، بناء على الحكم بالظاهر، ما لم يظهر خلافه، لعدم إمكان الاطلاع على القلب كما قال النبي صلى الله عليه وآله لاسامة: " فهلا شققت قلبه " ولذا قال عليه السلام: " وعلى ظاهره جماعة الناس " بل مدار الاحكام على الظاهري في سائر الامور القلبية كالعقود والايقاعات، والايمان وأشباهها، وعلى هذا فلا فرق بين الايمان والاسلام إلا بالولاية والاقرار بالائمة عليهم السلام ولوازمها إذ


(1) الكافي ج 2 ص 25 (*).

[249]

في الايمان أيضا يحكم بالظاهر، ولعل الاول أظهر، والمراد بالهدى الولاية، و الاهتداء بالائمة عليهم السلام " وما يثبت في القلوب " إشارة إلى العقائد القلبية بالشهادات الظاهره الاسلامية، فكلمة " من " في قوله " من صفة الاسلام " بيانية، وتحتمل الابتدائية أي ما يسري من أثر الاعمال الظاهرة إلى الباطن وقوله " وما ظهر من العمل " يدل على أن الاعمال أجزاء الايمان، وإن أمكن حمله على التكلم بالشهادتين كما يومئ إليه آخر الخبر " أرفع من الاسلام " لانه يصير سببا لاحراز المثوبات الاخروية، أو لاعتبار الولاية فيه، فيكون أكمل وأجمع. قوله عليه السلام: " الايمان يشارك الاسلام " ظاهره أنه لا فرق بين العقائد الاسلامية والايمانية، وإنما الفرق في اشتراط الاذعان القلبي في الايمان دون الاسلام وقد يأول بأنه أراد أن الايمان يشارك الاسلام في جميع الاعمال الظاهرة المعتبرة في الاسلام مثل الصلاة والزكاة وغيرهما، والاسلام لا يشارك الايمان في جميع الامور الباطنة المعتبرة في الايمان لانه لا يشاركه في التصديق بالولاية، وإن اجتمعا في الشهادتين والتصديق بالتوحيد والرسالة. 9 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن موسى بن بكر، عن فضيل بن يسار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الايمان يشارك الاسلام، و الاسلام لا يشارك الايمان (1). 10 - كا: عن علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن الفضيل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الايمان يشارك الاسلام، ولا يشاركه الاسلام، إن الايمان ما وقر في القلوب، والاسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء، والايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان (2). بيان: وقر [في القلب] كوعد أي سكن فيه وثبت، من الوقار، والحلم والرزانة كذا في النهاية.


(1) الكافي ج 2 ص 25. (2) الكافي ج 2 ص 26 (*).

[250]

11 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن الكناني قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أيهما أفضل ؟ الايمان أم الاسلام ؟ فان من قبلنا يقولون: إن الاسلام أفضل من الايمان، فقال: الايمان أرفع من الاسلام قلت: فأوجدني ذلك، قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام معتمدا ؟ قال: قلت: يضرب ضربا شديدا قال: أصبت فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمدا ؟ قلت: يقتل، قال: أصبت ألا ترى أن الكعبة أفضل من المسجد، وإن الكعبة تشرك المسجد والمسجد لا تشرك الكعبة، وكذلك الايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان (1). سن: عن ابن محبوب مثله (2). توضيح: " أيهما أفضل " مبتدأ وخبر، والايمان والاسلام تفسيران لمرجع الضمير، أو هما مبتدأ وأيهما أفضل خبره، " أوجدني ذلك " أي اجعلني أجده وأفهمه في القاموس وجد المطلوب كوعد وورم يجده ويجده بضم الجيم وجدا وجدة أدركه وأوجده أغناه، وفلانا مطلوبه أظفره به، قوله " معتمدا " أي لا ساهيا ولا مضطرا، و يدل على كفر من استخف بالكعبة، فانها من حرمات الله، ووجوب تعظيمها من ضروريات دين الاسلام " ألا ترى أن الكعبة " شبه عليه السلام المعقول بالمحسوس تفهيما للسائل، وبيانا للعموم والخصوص، ولشرف الايمان على الاسلام " وإن الكعبة تشرك المسجد " أي في حكم التعظيم في الجملة أو في أنها يصدق عليها أنها مسجد وكعبة، أو في أن من دخل الكعبة يحكم بدخوله في المسجد، بخلاف العكس " والمسجد " أي جيمع أجزائه " لا يشرك الكعبة " في قدر التعظيم وعقوبة من استخف بها، أو لا يصدق على كل جزء من المسجد أنه كعبة، أو في أن من دخلها دخل الكعبة كما سيأتي، ووجه الشبه على جميع الوجوه ظاهر. 12 - كا: عن العدة، عن سهل ; ومحمد ين يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن


(1) الكافي ج 2 ص 26. (2) المحاسن ص 285 (*).

[251]

ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام: قال: سمعته يقول: الايمان ما استقر في القلب وأفضى به إلى الله عزوجل، وصدقه العمل بالطاعة لله، والتسليم لامره، والاسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج فخرجوا بذلك من الكفر واضيفوا إلى الايمان، والاسلام لا يشرك الايمان، والايمان يشرك الاسلام، و هما في القول والفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد، والمسجد ليس في الكعبة، وكذلك الايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان، وقد قال الله عزوجل " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم " فقول الله عزوجل أصدق القول. قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شئ من الفضائل والاحكام والحدود وغير ذلك ؟ فقال: لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحدا ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقربان به إلى الله عزوجل قلت: أليس الله عزوجل يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (1) وزعمت أنهم مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحج مع المؤمن ؟ قال: أليس قد قال الله عزوجل " يضاعفه له أضعافا كثيرة " (2) فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عزوجل لهم حسناتهم، لكل حسنة سبعين ضعفا، فهذا فضل المؤمن ويزيد الله في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا كثيرة، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير. قلت: أرأيت من دخل في الاسلام أليس هو داخلا في الايمان ؟ فقال: لا ولكنه قد أضيف إلى الايمان وخرج به من الكفر، وسأضرب لك مثلا تعقل به فضل الايمان على الاسلام، أرأيت لو أبصرت رجلا في المسجد أكنت تشهد أنك رأيته في الكعبة ؟ قلت: لا يجوز لي ذلك، قال: فلو أبصرت رجلا في الكعبة أكنت شاهدا أنه قد دخل المسجد الحرام " قلت: نعم قال: وكيف ذلك ؟ قلت:


(1) الانعام: 160. (2) البقرة: 245 (*).

[252]

لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد، قال: أصبت وأحسنت، ثم قال كذلك الايمان والاسلام (1) بيان: قوله عليه السلام: " وأفضى به إلى الله " الضمير إما راجع إلى القلب أو إلى صاحبه أي أوصله إلى معرفة الله وقربه وثوابه، فالضمير في أفضى راجع إلى " ما " ويحتمل أن يكون راجعا إلى المؤمن، وضمير به راجعا إلى الموصول أي وصل بسب ذلك الاعتقاد أو أوصله ذلك الاعتقاد إلى الله كناية عن علمه سبحانه بحصوله في قلبه، وقيل: أي جعل وجه القلب إلى الله من الفضائل والاحكام أي الفضائل الدنيوية، والاحكام الشرعية، قال في المصباح: أفضى الرجل بيده إلى الارض بالالف مسها بباطن راحته، قاله ابن فارس وغيره وأفضيت إلى الشئ وصلت إليه والسر أعلمته به انتهى وقيل: أشار به إلى أن المراد بما استقر في القلب مجموع التصديق بالتوحيد والرسالة والولاية، لان هذا المجموع هو المفضى إلى الله، و قوله: " وصدقه العمل " مشعر بأن العمل خارج عن الايمان، ودليل عليه، لان الايمان وهو التصديق أمر قلبي يعلم بدليل خارجي مع ما فيه من الايماء إلى أن الايمان بلا عمل ليس بايمان " والتسليم لامره " أي الامامة، عبر هكذا تقية أو الاعم فيشملها أيضا، ويحتمل أن يكون عدم ذكر الولاية لان التصديق القلبي الواقعي بالشهادتين مستلزم للاقرار بالولاية فكأن المخالفين ليس إذعانهم بالشهادتين إلا إذعانا ظاهريا لاخلالهم بما يستلز مانه من الاقرار بالولاية، فلذا أطلق عليهم في الاخبار اسم النفاق أو الشرك فتفطن. " والاسلام ما ظهر من قول أو فعل " أي قول بالشهادتين أو الاعم وفعل بالطاعات كالصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، فيدل على أن الاسلام يطلق على مجرد الطاعات والشهادات من غير اشتراط تصديق " فخرجوا بذلك من الكفر " أي من أن يجري عليهم في الدنيا أحكام الكفار " واضيفوا إلى الايمان " أي نسبوا إلى الايمان ظاهرا، وإن لم يكونوا متصفين به حقيقة " وهما في القول والفعل


(1) الكافي ج 2 ص 26 (*).

[253]

يجتمعان " أي في الشهادتين والعبادات الظاهرة، وإن خص الايمان بالولاية، و ظاهر سياق الحديث لا يخلو من شوب تقية، وكأن المراد بالفضائل ما يفضل به في الدنيا من العطاء والاجراء وأمثاله لا الفضائل الواقعية الاخروية أو ما يفضل به على الكافر من الانفاق والاعطاء والاكرام والرعاية الظاهرية، وقيل: أي في التكليف بالفضائل، بأن يكون المؤمن مكلفا ولا يكون المسلم مكلفا بها. أقول: سيظهر مما سنقل من تفسير العياشي (1) أن الفضائل تصحيف " القضايا ". في " أعمالهما " أي صحتها وقبولها " وما يتقربان به إلى الله " أي من العقائد والاعمال فيكون تأكيدا أو تعميما بعد التخصيص، لشموله للعقائد أيضا أو المراد بالاول صحة الاعمال، وبالثاني كيفياتها، فان المؤمن يعمل بما أخذه من إمامه، و المسلم يعمل ببدع أهل الخلاف، وقيل: المراد به الامام الذي يتقرب بولايته و متابعته إلى الله تعالى فان إمام المؤمن مستجمع لشرئط الامامة، وإمام المسلم لشرائط الفسق والجهالة. قوله " أليس الله يقول " أقول: هذا السؤال والجواب يحتمل وجوها الاول وهو الظاهر أن السائل أراد أنه إذا كانا مجتمعين في الحسنات، والحسنة بالعشر، فكيف يكون له فضل عليه في الاعمال والقربات ؟ مع أن الموصول من أدوات العموم، فيشمل كل من فعلها ؟ فأجاب عليه السلام بأنهما شريكان في العشر، والمؤمن يفضل بما زاد عليها، ويرد عليه أنه على هذا يكون لاعمال غير المؤمنين أيضا ثواب، وهو مخالف للاجماع والاخبار المستفيضة، إلا أن يحمل الكلام على نوع من التقية أو المصلحة، لقصور فهم السائل، أو يكون المراد بالايمان الايمان الخالص، و بالاسلام أعم من الايمان الناقص وغيره، ويكون الثواب للاول، وهو غير بعيد عن سياق الخبر، بل لا يبعد أن يكون المراد بالمسلم المستضعف من المؤمنين الذين يظهرون الايمان ولم يستقر في قلوبهم كما يرشد إليه قوله " وهما في القول والفعل يجتمعان " وقد عرفت اختلاف الاصطلاح في الايمان فيكون هذا الخبر موافقا لبعض مصطلحاته.


(1) تحت الرقم: 39 (*).

[254]

وقيل في الجوابب: لعل عمل غير المؤمن ينفعه في تخفيف العقوبة، ورفع شدتها، لا في دخول الجنة، إذ دخولها مشروط بالايمان. الثاني أنه تعالى قال: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " (1) والقرض الحسن هو العبادة الواقعة على كمالها وشرايط قبولها، ومن جملة شرائطها هو الايمان، فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عزوجل لهم حسناتهم لا غيرهم، فيعطيهم لكل حسنة عشرة وربما يعطيهم لكل حسنة سبعين ضعفا، فهذا فضل المؤمن على المسلم، ويزيد الله في حسناته على قدر صحة إيمانه وحسب كماله أضعافا كثيرة حتى أنه يعطي بواحدة سبعمائة أو أزيد، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير الذي لا يعلمه إلا هو، كما قال " ولدينا مزيد " (2). وقيل: أراد بما يشاء من الخير إيتاء العلم والحكمة وزيادة اليقين والمعرفة الثالث ما ذكره بعض الافاضل ويرجع إلى الثاني، وهو أن المراد بالقرض الحسن صلة الامام عليه السلام كما ورد في الاخبار فالغرض من الجواب أنه كما أن القرض يكون حسنا وغير حسن، والحسن الذي هو صلة الامام، يصير سببا لتضاعف أكثر من عشرة، فكذلك الصلاة والزكاة والحج تكون حسنة وغير حسنة والحسنة ما كان مع تصديق الامام، وهو يستحق المضاعفة لا غيره، فالفاء في قوله: " فالمؤمنون " للبيان، وقوله: " يضاعف الله " بتقدير قد يضاعف الله، وإلا لكان الظاهر عشرة أضعاف " ويزيد الله " أي على السبعين أيضا. قوله: " أرأيت من دخل في الاسلام " كأن السائل لم يفهم الفرق بين الايمان والاسلام بما ذكره عليه السلام فأعاد السؤال، أو أنه لما كان تمكن في نفسه ما اشتهر بين المخالفين من عدم الفرق بينهما، أراد أن يتضح الامر عنده، أو قاس الدخول في المركب من الاجزاء المعقولة بالدخول في المركب من الاجزاء المقدارية فان من دخل جزءا من الدار صدق عليه أنه دخل الدار، فلذا أجابه عليه السلام بمثل


(1) البقرة: 245. (2) ق: 35 (*).

[255]

ذلك لتفهيمه، فقال: المتصف ببعض أجزاء الايمان لا يلزم أن يتصف بجميع أجزائه حتى يتصف بالايمان، كما أن من دخل المسجد لا يحكم عليه بأنه دخل الكعبة ومن دخل الكعبة يحكم عليه بأنه دخل المسجد، فكذا يحكم على المؤمن أنه مسلم ولا يحكم على كل مسلم أنه مؤمن. ثم اعلم أنه استدل بهذه الاخبار على كون الكعبة جزءا من المسجد الحرام ويرد عليه أنه لا دلالة في أكثرها على ذلك، بل بعضها يومي إلى خلافه، كهذا الخبر، حيث قال: أكنت شاهدا أنه قد دخل المسجد ؟ ولم يقل أكنت شاهدا أنه في المسجد، وكذا قوله: " لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد " نعم بعض الاخبار تشعر بالجزئية. 13 - سن: عن أبيه، عن ابن سنان، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القلب ليترجج فيما بين الصدر والحنجرة، حتى يعقد على الايمان، فإذا عقد على الايمان قر وذلك قول الله " ومن يؤمن بالله يهد قلبه " قال: يسكن (1). 14 - كا: محمد بن يحيي، عن أحمد بن محمد، عن ابن سنان مثله إلا أنه ليس فيه قال: يسكن (2): بيان: الرج التحريك والتحرك والاهتزاز، والرجرجة الاضطراب كالارتجاج والترجرج، والحنجرة الحلقوم، وكأنه كان في قراءتهم عليهم السلام يهدأ قلبه، بالهمز وفتح الدال، ورفع قلبه كما قرئ في الشواذ قال البيضاوي: يهد قلبه للثبات والاسترجاع عند المصيبة، وقرئ يهد قلبه بالرفع على إقامته مقام الفاعل، و بالنصب على طريق سفه نفسه ويهدأ بالهمز أي يسكن (3) وقال الطبرسي ره: قرأ عكرمة وعمرو بن دينار يهدأ قلبه أي يطمئن قلبه كما قال سبحانه: " وقلبه مطمئن


(1) المحاسن ص 249. (2) الكافي ج 2 ص 421، والاية في التغابن: 11. (3) تفسير البيضاوي ص 433 (*).

[256]

بالايمان (1) انتهى ويحتمل أن يكون على القراءة المشهورة بيانا لحاصل المعنى كما أشرنا إليه في تفسير الايات. 15 - كا: علي بن إبراهيم، عن العباس بن معروف، عن ابن أبي نجران عن حماد بن عثمان، عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك إلى أبي - عبد الله عليه السلام: أسأله عن الايمان ما هو ؟ فكتب إلي مع عبد الملك بن أعين: سألت رحمك الله عن الايمان، والايمان هو الاقرار باللسان، وعقد في القلب وعمل بالاركان، والايمان بعضه من بعض، وهو دار، وكذلك الاسلام دار، والكفر دار، فقد يكون العبد مسلما قبل أن يكون مؤمنا، ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما فالاسلام قبل الايمان، وهو يشارك الايمان، فإذا أتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عزوجل عنها كان خارجا من الايمان، ساقطا عنه اسم الايمان، وثابتا عليه اسم الاسلام، فان تاب واستغفر عاد إلى دار الايمان ولا يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال، بأن يقول للحلال هذا حرام، وللحرام هذا حلال، ودان بذلك، فعندها يكون خارجا من الاسلام والايمان، داخلا في الكفر، وكان بمنزلة من دخل الحرم، ثم دخل الكعبة وأحدث في الكعبة حدثا فاخرج عن الكعبة، وعن الحرم، فضربت عنقه، وصار إلى النار (2). بيان: قوله عليه السلام: " والايمان هو الاقرار " هذا تفسير للايمان الكامل، و الاخبار في ذلك كثيرة سيأتي بعضها، وعليه انعقد اصطلاح المحدثين منا كما صرح به الصدوق رحمه الله في الهداية وقال المفيد قدس سره في كتاب المسائل أقول: إن مرتكبي الكبائر من أهل المعرفة والاقرار مؤمنون بايمانهم بالله ورسله وبما جاء من عنده، وفاسقون بما معهم من كبائر الاثام، ولا اطلق لهم اسم الفسوق ولا اسم الايمان، بل أقيدهما جميعا في تسميتهم بكل واحد منهما، وأمتنع من الوصف لهم


(1) مجمع البيان ج 10 ص 299، والاية في النحل: 106. (2) الكافي ج 2 ص 27 (*).

[257]

بهما على الاطلاق، واطلق لهم اسم الاسلام بغير تقييد وعلى كل حال، وهذا مذهب الامامية إلا بني نوبخت رحمهم الله فانهم خالفوا فيه وأطلقوا على الفساق اسم الايمان انتهى. قوله: " والايمان بعضه من بعض " أي يترتب أجزاء الايمان بعضها على بعض، فان الاقرار بالعقائد يصير سببا للعقائد القلبية، والعقائد تصير سببا للاعمال البدنية. أو المعنى أن أفراد الايمان ودرجاته يترتب بعضها على بعض فان الادنى منها يصير سببا لحصول الاعلى، وهكذا إلى حصول أعلى درجاته، فان حصول قدر من التصديق يصير سببا للاتيان بقدر من الاعمال الحسنة، فإذا أتى بتلك الاعمال زاد الايمان القلبي فيزيد أيضا العمل، وهكذا، فيترتب كمال كل جزء من الايمان على كمال الجزء الاخر، ويحتمل أن يكون إشارة إلى اشتراط بعض أجزاء الايمان ببعض فإن العمل لا ينفع بدون الاعتقاد، والاعتقاد أيضا مشروط في كماله وترتب الاثار عليه بالعمل. " وهو دار " أي الايمان كدار فيها الانسان كأنه حصن له " وهو يشارك الايمان " أي كلما يتحقق الايما فهو يشاركه في التحقق، وأما ما مضى في الاخبار أنه لا يشارك الايمان فمعناه أنه ليس كلما تحقق تحقق الايمان، فلا تنافي بينهما ويحتمل أن يكون سقط من الكلام شئ وكان هكذا " وهو يشارك الاسلام والاسلام لا يشارك الايمان " على وتيرة ما سبق (1) ويحتمل أن يكون المراد هنا المشاركة في الاحكام الظاهرة، وفيما سبق نفي المشاركة في جميع الاحكام. قيل: وسر ذلك أن الاقرار بالتوحيد والرسالة مقدم على الاقرار بالولاية والعمل، والمؤمن والمسلم بسبب الاول يخرجان من دار الكفر، ويدخلان في دار الاسلام ثم المسلم بسبب الاكتفاء يستقر في هذه الدار، والمؤمن بسبب الثاني يترقى وينزل في دار الايمان، ومنه لاح أن الاسلام قبل الايمان وأنه يشارك


(1) تحت الرقم: 8 و 9 و 10 في هذا الباب (*).

[258]

الايمان فيما هو سبب للخروج من دار الكفر، لا فيما هو سبب للدخول في دار الايمان وبهذا التقرير تندفع المنافاة بين القولين قوله عليه السلام: " أو صغيرة " يدل على أن الصغيرة أيضا مخرجة من الايمان مع أنها مكفرة مع اجتناب الكبائر، ويمكن حمله على الاصرار كما يومئ إليه ما بعده، أو على أن المراد بها الكبيرة أيضا لكن بعضها صغيرة بالاضافة إلى بعضها التي هي أكبر الكبائر فالمراد بقوله " نهى الله عنها " نهيه عنها في القرآن، وإيعاده عليها النار فيه، والخبر يدل على أن جحود المعاصي و استحلالها موجبان للارتداد، وكأنه محمول على ما إذا كان من ضروريات الدين فيؤيد التأويل الثاني، فان أكثر ما نهي عنه في القرآن كذلك أو على ما إذا جحد واستحل بعد العلم بالتحريم، ويدل على أن المرتد مستحق للقتل، وإن كان يفعل ما يؤذن بالاستخفاف في الدين، ويومئ إليه عدم قبول توبته للمقابلة، فيحمل على الفطري وعلى أنه مستحق للنار وإن تاب. وجملة القول فيه أن المرتد على ما ذكره الشهيد رفع الله درجته في الدروس وغيره: هو من قطع الاسلام بالاقرار على نفسه بالخروج منه، أو ببعض أنواع الكفر، سواء كان مما يقر أهله عليه أولا، أو بانكار ما علم ثبوته من الدين ضرورة أو باثبات ما علم نفيه كذلك، أو بفعل دال عليه صريحا كالسجود للصنم والشمس وإلقاء المصحف في القذر قصدا، أو إلقاء النجاسة على الكعبة، أو هدمها أو إظهار الاستخفاف بها. وأما حكمه فالمشهور بين الاصحاب أن الارتداد على قسمين: فطرى وملي فالاول ارتداد من ولد على الاسلام بأن انعفد [نطفته] حال إسلام أحد أبويه، وهذا لا يقبل إسلامه لو رجع عليه، ويتحتم قتله، وتبين منه امرأته وتعتد منه عدة الوفاة وتفسم أمواله بين ورثته، وهذا الحكم بحسب الظاهر لا إشكال فيه بمعنى تعين قتله وأما فيما بينه وبين الله، فاختلفوا في قبول توبته فأكثر المحققين ذهبوا إلى القبول حذرا من تكليف ما لا يطاق، لو كان مكلفا بالاسلام، أو خروجه عن التكليف مادام حيا كامل العقل وهو باطل بالاجماع، فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله

[259]

فتاب قبلت توبته فيما بينه وبين الله تعالى، وصحت عباداته ومعاملاته، ولكن لا تعود ماله وزوجته إليه بذلك، ويجوز له تجديد العقد عليها بعد العدة أو فيها على احتمال، كما يجوز للزوج العقد على المعتدة بائنا حيث لا تكون محرمة أبدا، ولا تقتل المرءة، بل تحبس دائما، وإن كانت مولودة على الفطرة وتضرب أوقات الصلوات. والثاني أن يكون مولودا على الكفر فأسلم ثم ارتد فهذا يستتاب على المشهور فان امتنع قتل، واختلف في مدة الاستتابة فقيل ثلاثة أيام لرواية مسمع (1) وقيل القدر الذي يمكن معه الرجوع، ويظهر من ابن الجنيد أن الارتداد قسم واحد و أنه يستتاب فان تاب وإلا قتل، وهو مذهب العامة لكن لا يخلو من قوة من جهة الاخبار وسيأتي تمام الكلام في ذلك في محله إنشاء الله تعالى. 16 كا: عن العدة، عن البرقي، عن عثمان بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له ما الاسلام ؟ فقال: دين الله اسمه الاسلام، وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم، وبعد أن تكونوا، فمن أقر بدين الله فهو مسلم، ومن عمل بما أمر الله عزوجل به فهو مؤمن (2) بيان: " دين الله اسمه الاسلام " لقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " وقوله " ومن يبتغ غير الاسلام دينا " (3) " وهو دين الله قبل أن تكونوا حيث كنتم " أي قبل أن تكونوا في عالم من العوالم أي حين لم تكونوا في عالم الاجساد ولا في عالم الارواح " وبعد أن تكونوا " في أحد العوالم، أو قبل أن تكونوا وتوجدوا على هذا الهيكل المخصوص، حيث كنتم في الاظلة أو في العلم الازلي، وبعد أن تكونوا في عالم الابدان والاول أظهر، وعلى التقديرين المراد عدم التغير في


(1) هو مسمع بن عبد الملك كردين أبوسيار الكوفى، راجع الكافي ج 7 ص 258 باب حد المرتد تحت الرقم: 17. (2) الكافي ج 2 ص 38. (3) آل عمران: 19 و 85 على الترتيب (*).

[260]

الاديان والازمان " فمن أقر بدين الله " أي العقايد التي أمر الله بالاقرار بها في كل دين قلبا وظاهرا " فهو مسلم ومن عمل " أي مع ذلك الاقرار " بما أمر الله عزوجل به " من الفرائض وترك الكبائر أو الاعم " فهو مؤمن " وهذا أحد المعاني التي ذكرنا من الاسلام والايمان. 17 كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام (1). 18 كا: عن علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الكبائر القنوط من رحمة الله، والاياس من روح الله، والامن من مكر الله، وقتل النفس التي حرم الله، وعقوق الوالدين وأكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا بعد البينة، والتعرب بعد الهجرة، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، فقيل له: أرأيت المرتكب للكبيرة يموت عليها أتخرجه من الايمان ؟ وإن عذب بها فيكون عذابه كعذاب المشركين ؟ أوله انقطاع ؟ قال: يخرج من الاسلام إذا زعم أنها حلال، ولذلك يعذب أشد العذاب وإن كان معترفا بأنها كبيرة وهي عليه حرام، وأنه يعذب عليها وأنها غير حلال، فانه معذب عليها، وهو أهون عذابا من الاول، ويخرجه من الايمان ولا يخرجه من الاسلام (2). 19 - شى: عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله عليه السلام: " يا أيها الذين آمنوا " فسماهم مؤمنين، [وليسوا هم بمؤمنين] ولا كرامة، قال: " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا " (3) إلى قوله: " فأفوز فوزا


(1) الكافي ج 2 ص 52. (2) الكافي ج 2 ص 280. (3) بعده: وان منكم لمن ليبطئن فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على اذلم أكن معهم شهيدا، ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كان لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتنى كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (*).

[261]

عظيما " ولو أن أهل السماء والارض قالوا: قد أنعم الله علي إذ لم أكن مع رسول الله صلى الله عليه وآله لكانوا بذلك مشركين، وإذا أصابهم فضل من الله قال يا ليتني كنت معهم فاقاتل في سبيل الله (1). 20 - ن: عن ابن عبدوس، عن ابن قتيبة، عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون الرضا عليه السلام أن يكتب له محض الاسلام على إيجاز واختصار فكتب عليه السلام: إن محض الاسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا قيوما سميعا بصيرا قديرا قديما باقيا، عالما لا يجهل، قادرا لا يعجز غنيا لا يحتاج، عدلا لا يجور، وأنه خالق كل شئ، وليس كمثله شئ لا شبه له ولا ضد له ولا كفو له، وأنه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة، و أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله وأمينه وصفيه وصفوته من خلقه، وسيد المرسلين وخاتم النبيين، وأفضل العالمين، لا نبي بعده ولا تبديل لملته، ولا تغيير لشريعته. وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله هو الحق المبين، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه، والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، و أنه المهيمن على الكتب كلها وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه و بمتشابهه، وخاصه وعامه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وقصصه و أخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله. وأن الدليل بعده والحجة على المؤمنين، والقائم بأمر المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه أخوه وخليفته ووصيه ووليه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، علي بن أبيطالب عليه السلام أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، ووارث علم النبيين والمرسلين، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة أجمعين ثم علي بن الحسين زين العابدين ثم محمد بن علي باقر علم النبيين، ثم جعفر بن محمد الصادق وارث علم الوصيين


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 257 والايات في سورة النساء: 71 - 73 (*).

[262]

ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي، ثم علي ابن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة القائم المنتظر ولده صلوات الله عليهم أجمعين. وأشهد لهم بالوصية والامامة، وأن الارض لا تخلو من حجة الله تعالى على خلقه في كل عصر وأوان، وأنهم العروة الوثقى وأئمة الهدى، والحجة على أهل الدنيا، إلى أن يرث الله الارض ومن عليها، وأن كل من خالفهم ضال مضل تارك للحق والهدى، وأنهم المعبرون عن القرآن والناطقون عن الرسول صلى الله عليه وآله بالبيان، من مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، وأن من دينهم الورع والعفة والصدق، وساق إلى قوله: وحب أولياء الله عزوجل واجب وكذلك بغض أعداء الله والبراءة منهم، ومن أئمتهم. إلى قوله عليه السلام: وأن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى خلق تقدير لا خلق تكوين، والله خالق كل شئ، ولا يقول بالجبر والتفويض، ولا يأخذ الله عزوجل البرئ بالسقيم، ولا يعذب الله تعالى الاطفال بذنوب الاباء، ولا تزر وازرة وزر اخرى، وأن ليس للانسان إلا ما سعى، ولله عزوجل أن يعفو ويتفضل، ولا يجور ولا يظلم، لانه تعالى منزه عن ذلك، ولا يفرض الله طاعة من يعلم أنه يضلهم ويغويهم، ولا يختار لرسالته، ولا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به وبعبادته ويعبد الشيطان دونه. وأن الاسلام غير الايمان، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم بمؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وأصحاب الحدود مسلمون، لا مؤمنون، ولا كافرون، والله عزوجل لا يدخل النار مؤمنا وقد وعده الجنة، ولا يخرج من النار كافرا وقد أوعده النار، والخلود فيها، ولا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومذنبو أهل التوحيد يدخلون في - النار ويخرجون منها والشفاعة جائزة لهم، وأن الدار اليوم دار تقية وهي دار الاسلام، لا دار كفر ولا دار إيمان. والايمان هو أداء الامانة، واجتناب جميع الكبائر، وهو معرفة بالقلب

[263]

وإقرار باللسان وعمل بالاركان إلى أن قال عليه السلام: وتؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، والبعث بعد الموت، والميزان والصراط. والبراءة من الذين ظلموا آل محمد وهموا باخراجهم، وسنوا ظلمهم، و غيروا سنة نبيهم، والبراءة من الناكثين والقاسطين والمارقين، الذين هتكوا حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله ونكثوا بيعة إمامهم وأخرجوا المرأة، وحاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوا الشيعة رحمة الله عليهم، واجبة (1). والبراءة ممن نفى الاخيار وشردهم، وآوى الطرداء اللعناء، وجعل الاموال دولة بين الاغنياء، واستعمل السفهاء مثل معاوية، وعمرو بن العاص، لعيني رسول الله صلى الله عليه وآله والبراءة من أشياعهم الذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام وقتلوا الانصار والمهاجرين، وأهل الفضل والصلاح من السابقين والبراءة من أهل الاستيثار ومن أبي موسى الاشعري وأهل ولايته " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا اولئك الذين كفروا بآيات ربهم " بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولقائه كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته " فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " (2) فهم كلاب أهل النار. والبراءة من الانصاب والازلام أئمة الضلال، وقادة الجور كلهم، أولهم و آخرهم، والبراءة من أشباه عاقري الناقة، أشقياء الاولين والاخرين، وممن يتولاهم، والولاية لامير المؤمنين عليه السلام والذين مضوا على منهاج نبيهم صلى الله عليه وآله ولم يغيروا ولم يبدلوا مثل سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الاسود وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وأبي الهيثم التيهان، وسهل بن حنيف، و عبادة بن الصامت، وأبي أيوب الانصاري، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وأبي سعيد الخدري وأمثالهم رضي الله عنهم، والولاية لاتباعهم وأشياعهم، والمهتدين بهديهم


(1) كأنه خبر لقوله في صدر الجملة: والبراءة. (2) الكهف: 104 و 105 (*).

[264]

وللسالكين منهاجهم رضوان الله عليهم ورحمته. إلى آخر الخبر الطويل (1). وروى أيضا عن حمزة بن محمد العلوي، عن قنبر بن علي بن شاذان، عن أبيه عن الفضل بن شاذان ; وعن جعفر بن نعيم بن شاذان، عن عمه محمد بن شاذان، عن الرضا عليه السلام مثله (2). أقول: قد مر الخبر بتمامه مشروحا في أبواب الاحتجاجات. 21 - ج: في خبر الشامي الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام مسائل فأجابه فقال الشامي: أسلمت لله، فقال عليه السلام له: بل آمنت بالله الساعة، إن الاسلام قبل الايمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون، والايمان عليه يثابون (3). بيان: " بل آمنت " أي كنت قبل ذلك مسلما لانه كان من المخالفين، فلما أقر بالائمة عليهم السلام صار من المؤمنين، ويدل على أن الاسلام هو الاعتقاد بالتوحيد والرسالة والمعاد، وما يلزمها سوى الامامة، والايمان هو الاعتقاد بجميع العقائد الحقة التي عمدتها الاقرار بامامة جميع الائمة عليهم السلام، ويدل على أن الاحكام الدنيوية تترتب على الاسلام والثواب الاخروي لا يكون إلا بالايمان، فالمخالفون لا يدخلون الجنة، وعلى أنه يجوز نكاح المخالفين وإنكاحهم ويكون التوارث بينهم وبين المؤمنين، وعلى عدم دخول الاعمال في الايمان، وإن أمكنت المناقشة فيه وقبلية الاسلام إما ذاتي كتقدم الكلي على الجزئي أو الجزء على الكل أو زماني بمعنى إمكان حصوله قبل الايمان، بيانا للعموم والخصوص فتأمل. 22 - فس: عن أبيه، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله فضل الايمان على الاسلام بدرجة كما فضل الكعبة على المسجد الحرام. 23 - ج: في خبر الزنديق الذي سأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه عما زعم من


(1) عيون أخبار الرضا " ع " ج 2 ص 121. (2) عيون الاخبار ج 1 ص 127. (3) الاحتجاج ص 199، وتراه في الكافي ج 1 ص 173 (*).

[265]

التناقض في القرآن حيث قال أجد الله يقول: " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " (1) ويقول: " وإني لغفار لمن تاب " (2) فقال عليه السلام: وأما قوله " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " وقوله " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " فان ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء وليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد وإقرارها بالله، ونجا سائر المقرين بالوحدانية من إبليس فمن دونه في الكفر، وقد بين الله ذلك بقوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون " (3) وبقوله " الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم " (4). وللايمان حالات ومنازل يطول شرحها، ومن ذلك أن الايمان قد يكون على وجهين ايمان بالقلب وإيمان باللسان كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله لما قهرهم السيف، وشملهم الخوف، فانهم آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم فالايمان بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلم الامور لمالكها لم يستكبر عن أمره كما استكبر إبليس عن السجود لادم واستكبر أكثر الامم عن طاعة أنبيائهم فلم ينفعهم التوحيد، كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فانه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام، لم يرد بها غير زخرف الدنيا والتمكين من النظرة فلذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة، وطريق الحق وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته، وإرسال رسله لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه، ومتعلم على سبيل نجاة، اولئك هم الاقلون عددا. وقد بين الله ذلك في امم الانبياء، وجعلهم مثلا لمن تأخر مثل قوله في


(1) الانبياء: 94. (2) طه: 82. (3) الانعام: 82. (4) المائدة: 41 (*).

[266]

قوم نوح " وما آمن معه إلا قليل " (1) وقوله فيمن آمن من قوم موسى " ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون " (2) وقوله في حواري عيسى حيث قال لسائر بني إسرائيل " من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون " (3) يعني أنهم يسلمون لاهل الفضل فضلهم ولا يستكبرون عن أمر ربهم فما أجابه منهم إلا الحواريون، وقد جعل الله للعلم أهلا وفرض على العباد طاعتهم بقوله " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " (4) وبقوله " ولو ردوه إلى الرسول وإلى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " (5) وبقوله " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " (6) وبقوله " وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم " (7) وبقوله " وأتوا البيوت من أبوابها " (8) والبيوت هي بيوت العلم الذي استودعه الانبياء وأبوابها أوصياؤهم. فكل عمل من أعمال الخير يجري على غير أيدي أهل الاصطفاء وعهودهم وحدودهم وشرائعهم وسنتهم ومعالم دينهم، مردود غير مقبول، وأهله بمحل كفر وإن شملتهم صفة الايمان ألم تسمع إلى قول الله تعالى " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله وماتوا وهم كافرون " (9) فمن لم يهتد من أهل الايمان إلى سبيل النجاة لم يغن عنه إيمانه بالله مع دفعه حق أوليائه، وحبط عمله وهو في الاخرة من الخاسرين، وكذلك قال الله سبحانه " فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " (10) وهذا كثير في كتاب الله عزوجل، والهداية في الولاية كما قال الله عزوجل " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون " (11).


(1) هود: 40. (2) الاعراف: 150. (3) آل عمران: 52. (4) النساء: 59. (5) النساء: 82. (6) براءة: 119. (7) آل عمران: 7. (8) البقرة: 189. (9) براءة: 54 و 126. (10) غافر: 85. (11) المائدة: 56 (*).

[267]

والذين آمنوا في هذا الموضع هم المؤتمنون على الخلائق من الحجج والاوصياء في عصر بعد عصر، وليس كل من أقر أيضا من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمنا إن المنافقين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ويدفعون عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بما عهد به من دين الله وعزائمه، وبراهين نبوته إلى وصيه و يضمرون من الكراهة لذلك والنقض لما أبرمه منه عند إمكان الامر لهم فيما قد بينه الله لنبيه بقوله " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (1) وبقوله " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " (2) ومثل قوله: " لتركبن طبقا عن طبق " (3) أي لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الامم في الغدر بالاوصياء بعد الانبياء، وهذا كثير في كتاب الله عزوجل وقد شق على النبي صلى الله عليه وآله ما يؤول إليه عاقبة أمرهم واطلاع الله إياه على بوارهم، فأوحى الله عزوجل إليه " فلا تذهب نفسك عليه حسرات " (4) " ولا تأس على القوم الكافرين " (5). بيان: " وإن شملتهم صفة الايمان " أي ببعض معانيه، وهو الاسلام الظاهري وإن احتمل أن يكون المراد به الاعمال التي تقع من جهال الشيعة على خلاف جهة الحق، لكن الاول أظهر، قوله " وماتوا وهم كافرون " كأنه سقط هنا شئ إذ في سورة التوبة تتمة هذه الا هكذا " بالله وبرسوله ولا يأتون الصلوة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " (6) وفي ما بعده " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون " (7) وفي موضع آخر: " وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " (8) ويمكن أن يكون جمع عليه السلام بين مضامين الايات مشيرا إليها جميعا فانها كلها في وصف المنافقين


(1) النساء: 65. (2) آل عمران: 144. (3) الانشقاق: 19. (4) فاطر: 8. (5) المائدة: 68 والحديث في الاحتجاج ص 130. (6) براءة: 54. (7) براءة: 84. (8) براءة: 126 (*).

[268]

أو يكون قوله " وماتوا " من كلامه عليه السلام اقتباسا من الاية، أو يكون في قراءتهم عليهم السلام هكذا وقوله عليه السلام: " وحبط عمله " إشارة إلى قوله تعالى: " ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الاخرة من الخاسرين " (1) فكأنه عليه السلام استشهد بهذه الاية على عدم قبول أعمال المنافقين، لاثبات الكفر لهم في الاية السابقة ثم لما ذكر عليه السلام أولا أنه: ليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة، وقال: للايمان حالات ومنازل، أشار عليه السلام هنا إلى بعض شرايط الايمان، وبعض الحالات التي لا يقبل الايمان فيها، وهي حال رؤية البأس، فقال: " وكذلك قال الله سبحانه ". " وهذا كثير " أي شروط الايمان أو خصوص هذا الشرط، وهو عدم كونه عند رؤية البأس، وإنما ذكر ذلك لرفع استبعاد السائل اشتراط قبول الاعمال بالاهتداء ثم عاد إلى بيان الاهتداء وأن المراد به الولاية، وحاصل الجواب أنه لا تنافي بين الايتين إذ في الاية الاولى شرط الايمان الاعمال الصالحة، والايمان مشروط بالولاية، وصلاح العمل لا يكون إلا بالاخذ عن الائمة، فالاهتداء داخل في الاولى إجمالا وفي الثانية تفصيلا أيضا وللايمان درجات ومعان فيمكن أن يراد بالايمان في إحدى الايتين غير ما هو المراد في الاخرى. " ويدفعون عهد رسول الله " أي خلافة أمير المؤمنين ووصايته " انقلبتم على أعقابكم " كما ارتدوا بعد موته بترك وصيه، وبيعة العجل والسامري " فلا تهذب نفسك " أي لا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب، و بعده " إن الله عليم بما يصنعون " أي فيجازيهم عليه. وقوله: " ولا تأس " من آية اخرى في المائدة وهي " يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التورية والانجيل وما انزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما انزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين " (2).


(1) المائدة: 5. (2) المائدة 68 (*).

[269]

فإبدال الفاء بالواو إما من النساخ أو منه عليه السلام باسقاط الفاء لاسقاط صدر الاية، و الواو للعطف على الاية السابقة. وروى العياشي في قوله: " وما انزل إليكم من ربكم " عن الباقر عليه السلام أنه قال هو ولاية أمير المؤمنين عليه السلام (1) " فلا تأس " أي ولا تحزن ولا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم، فان ضرر ذلك يرجع إليهم لا يتخطاهم، وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم. 24 - ل: عن محمد بن جعفر البندار، عن محمد بن محمد بن جمهور، عن صالح بن محمد البغدادي، عن العباس بن الوليد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن منصور بن سعد، عن ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من استقبل قبلتنا وصلى صلواتنا، وأكل ذبيحتنا، فله مالنا وعليه ما علينا (2). بيان: " سياه " بكسر السين المهملة وتخفيف الياء المثناة التحتانية ثم الالف والهاء مذكور في رجال العامة في رواة أنس، والخبر عامي ضعيف ويدل على اشتراك جميع فرق المسلمين في الاحكام الظاهرة، وحمل على ما إذا لم ينكر شيئا من ضروريات دين الاسلام، وبعد عندنا خلاف في بعض الاحكام. 25 - ل: عن الخليل بن أحمد السجزي (3)، عن محمد بن إسحاق بن خزيمة عن علي بن حجر، عن شريك، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن خراش، عن


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 344. (2) الخصال ج 1 ص 84. (3) السجزى - بالفتح والكسر - نسبة إلى سجستان الاقليم المعروف منه الخليل ابن أحمد القاضى. قاله الفيروز آبادى، والتحقيق أنه معرب " سكزى " وسكز - بالكاف الفارسية - جبل شاهق في زابل ما بين كليج ومكران يجرى في جنبه نهر سند، وكان يعرف ساكنوه بالسكزى عندهم، ثم إذا أضافوا إليها لفظ " استان " وهو عند الفارسين بمعنى المسكن والماوى، قالوا " سگزستان " ثم حففوها وقالو سگستان تارة ومعربه سجستان وسيستان مرة اخرى (*).

[270]

علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربعة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله بعثني بالحق، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر (1). بيان: " بالقدر " أي بقضاء الله وقدره، ردا على التفويض البحت، أو بقدرة العبد واختياره نفيا للجبر، والاول أظهر، وقد مر تحقيقه في كتاب العدل. 26 - مع، ل: عن أبيه، عن سعد، عن ابن هاشم، عن ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له رجل: أصلحك الله إن بالكوفة قوما يقولون مقالة ينسبونها إليك، فقال: وماهي ؟ قال: يقولون إن الايمان غير الاسلام، فقال أبو جعفر عليه السلام: نعم، فقال له الرجل: صفه لي، قال: من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأقر بما جاء به من عند الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام شهر رمضان، وحج البيت فهو مسلم. قلت: فالايمان ؟ قال: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وأقر بما جاء من عند الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام شهر رمضان، و حج البيت، ولم يلق الله بذنب أو عد عليه النار. فهو مؤمن، قال أبو بصير: جعلت فداك وأينا لم يلق الله بذنب اوعد عليه النار ؟ فقال: ليس هو حيث تذهب، إنما هو لم يلق الله بذنب اوعد عليه النار ولم يتب منه (2). 27 - ل: في خبر الاعمش عن الصادق عليه السلام قال: الاسلام غير الايمان، و كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ومؤمن، ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وأصحاب الحدود مسلمون، ولا مؤمنون ولا كافرون، فان الله تبارك وتعالى لا يدخل النار مؤمنا وقد وعده الجنة ولا يخرج من النار كافرا وقد أوعده النار، والخلود فيها، ويغفر ما دون ذلك


(1) الخصال ج 1 ص 93. (2) معاني الاخبار ص 381، الخصال ج 2 ص 40 (*).

[271]

لمن يشاء فأصحاب الحدود فساق، لا مؤمنون ولا كافرون، ولا يخلدون في النار، و يخرجون منها يوما ما، والشفاعة جائزة لهم، وللمستضعفين إذا ارتضى الله عز وجل دينهم (1). 27 - ن: فيما بين الرضا عليه السلام من شرايع الدين مثله إلى قوله: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ثم قال: ومذنبو أهل التوحيد يدخلون في النار، ويخرجون منها، والشفاعة جائزة لهم (2). بيان: كأن المراد بالمستضعفين في رواية الاعمش المستضعفون من الشيعة، و يحتمل أن يكون إذا ارتضى راجعا إلى الاول. 28 - ما: المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام ما الايمان ؟ فجمع لي الجواب في كلمتين فقال: الايمان بالله وأن لا تعصي الله، قلت: فما الاسلام ؟ فجمعه في كلمتين فقال: من شهد شهادتنا، ونسك نسكنا، وذبح ذبيحتنا (3). بيان: الايمان بالله مستلزم للايمان بجميع ما جاء من عنده سبحانه من النبوة والامامة والمعاد وغيرها، و " أن لا يعصي الله " شامل للطاعات والمعاصي جميعهما بل يكن إدخال بعض العقائد فيه أيضا " ونسك نسكنا " أي عبد كعبادتنا من الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها والنسك يطلق على الذبح أيضا لكن التأسيس أولى قال الراغب: النسك العبادة، والناسك العابد، واختص بأعمال الحج والنسيكة مختصة بالذبيحة. 29 - مع: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: سألته عليه السلام عن الايمان والاسلام فقلت له: أفرق بين الايمان


(1) الخصال ج 2 ص 154. (2) قدر مر في الحديث المرقم 20 ص 263. (3) أمالى الطوسى ج 1 ص 138 (*).

[272]

والاسلام ؟ فقال: أو أضرب لك مثلا ؟ قال: قلت: أو ذاك، قال: مثل الايمان من الاسلام مثل الكعبة الحرام من الحرم، قد يكون الرجل في الحرم ولا يكون في الكعبة ولا يكون في الكعبة حتى يكون في الحرم، فقد يكون مسلما ولا يكون مؤمنا، ولا يكون مؤمنا حتى يكون مسلما، قال: فقلت: فيخرجه من الايمان شئ ؟ قال: نعم، قلت: فيصيره إلى ما ذا، قال: إلى الاسلام أو الكفر، وقال: لو أن رجلا دخل الكعبة فأفلت منه بوله اخرج من الكعبة ولم يخرج من الحرم، ولو خرج من الحرم فغسل ثوبه وتطهر ثم لم يمنع أن يدخل الكعبة، ولو أن رجلا دخل الكعبة فبال فيها معاندا اخرج من الكعبة ومن الحرم فضربت عنقه (1). بيان: " أو ذاك " كأن المعنى " لا تقول أو تقول " رعاية للادب لئلا يتحتم عليه، أو بمعنى بل إضرابا عن التردد الذي يظهر منه عليه السلام أو من عدم إرادة السائل ذلك كما يتوهم من سؤاله عليه السلام ذلك، أو يكون الهمزة للاستفهام والواو للعطف أو زائدة أي أو يكون لذلك مثل ؟ أو يكون بتشديد الواو أمرا من الايواء وهو أبعد من الجميع وفي الكافي (2) " أورد ذلك " فلا تكلف وفي بعض نسخ المعاني " أد ذلك " من الاداء، ولا يخلو من وجه. " فيخرجه من الايمان شئ " ما يخرجه من الايمان فقط إما المعاصي وترك الطاعات، بناء على دخول الاعمال في الايمان أو إنكار الامامة ولوازمها، وما يخرجه عن الايمان والاسلام معا الارتداد، وما ينافي دين الاسلام قولا أو فعلا فالترديد في قوله عليه السلام " إلى الاسلام أو الكفر " لذلك، وفي القاموس: كان الامر فلتة أي فجاءة من غير تردد وتدبر، وأفلتني الشئ وتفلت مني وانفلت وأفلته غيره وافتلت على بناء المفعول مات فجاءة وبأمر كذا فوجئ به قبل أن يستعد له، و في المصباح أفلت الطائر وغيره إفلاتا تخلص وأفلته إذا أطلقته وخلصته، يستعمل لازما ومتعديا انتهى وقوله " ولو خرج من الحرم " ليس في الكافي ولعله زيد من النساخ إلا أن يكون المراد بالحرم المسجد الحرام.


(1) معاني الاخبار ص 186 وفيه: أود ذلك. (2) الكافي ج 2 ص 28 (*).

[273]

30 - فس: " الذين يؤمنون بالغيب " قال: يصدقون بالبعث والنشور والوعد والوعيد، والايمان في كتاب الله على أربعة أوجه: فمنه إقرار باللسان قد سماه الله إيمانا، ومنه تصديق بالقلب، ومنه الاداء، ومنه التأييد. فأما الايمان الذي هو إقرار باللسان وقد سماه الله تبارك وتعالى إيمانا و نادى أهله به فقوله " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وإن منكم لمن ليبطئن فان أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم يكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما " (1) فقال الصادق عليه السلام: لو أن هذه الكلمة قالها أهل الشرق وأهل الغرب لكانوا بها خارجين من الايمان، ولكن قد سماهم الله مؤمنين باقرارهم، وقوله " يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله " (2) فقد سماهم مؤمنين باقرار اللسان ثم قال لهم صدقوا. وأما الايمان الذي هو التصديق فقوله " الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحيوة الدنيا وفي الاخرة " (3) يعني صدقوا وقوله " وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله " (4) أي لا نصدقك، وقوله " يا أيها الذين آمنوا آمنوا " أي يا أيها الذين أقروا صدقوا، فالايمان الخفي هو التصديق وللتصديق شروط لايتم التصديق إلا بها وقوله " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الاخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس اولئك الذين صدقوا واولئك هم المتقون " (5) فمن أقام هذه الشروط فهو مؤمن مصدق.


(1) النساء: 71 - 73. (2) النساء: 136. (3) يوس: 63 - 64. (4) البقرة: 55. (5) البقرة: 177 (*).

[274]

وأما الايمان الذي هو الاداء فهو قوله لما حول الله قبلة رسوله إلى الكعبة قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله فصلاتنا إلى بيت المقدس بطلت ؟ فأنزل الله تبارك وتعالى " وما كان الله ليضيع إيمانكم " (1) فسمى الصلاة إيمانا. والوجه الرابع من الايمان هو التأييد الذي جعله الله في قلوب المؤمنين من روح الايمان فقال: " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه " (2) والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله " لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يسرق السارق وهو مؤمن، يفارقه روح الايمان مادام على بطنها فإذا قام عاد إليه، قيل: وما الذي يفارقه ؟ قال الذي يدعه في قلبه، ثم قال عليه السلام: ما من قلب إلا وله اذنان على أحدهما ملك مرشد، وعلى الاخر شيطان مفتن، هذا يأمره وهذا يزجره. ومن الايمان ما قد ذكره الله في القرآن خبيث وطيب فقال: " ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " (3) ومنهم من يكون مؤمنا مصدقا ولكنه يلبس إيمانه بظلم، وهو قوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون " (4) فمن كان مؤمنا ثم دخل في المعاصي التي نهى الله عنها فقد لبس إيمانه بظلم، فلا ينفعه الايمان حتى يتوب إلى الله من الظلم الذي لبس إيمانه حتى يخلص الله إيمانه، فهذه وجوه الايمان في كتاب الله (5). بيان: قوله عليه السلام: " لو أن هذه الكلمة " استدل عليه السلام باطلاق الايمان على الاقرار باللسان بهذه الاية لانه تعالى خاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم قال: " وإن منكم " الخ فالظاهر أن هؤلاء كانوا بين المخاطبين، وما نسب إليهم يدل على أشد


(1) البقرة: 143. (2) المجادلة: 22. (3) آل عمران: 179. (4) الانعام: 82. (5) تفسير القمى ص 27 (*).

[275]

النفاق فظهر أن المؤمن قد يطلق على المنافق بأحد معانيه، قال الطبرسي رحمه الله في قوله " وإن منكم لمن ليبطئن " قيل إنها نزلت في المؤمنين لانه سبحانه خاطبهم بقوله " وإن منكم " وقد فرق بين المؤمنين والمنافقين بقوله " ما هم منكم " (1). وقال أكثر المفسرين: نزلت في المنافقين وإنما جمع بينهم بالخطاب من جهة الجنس والنسب، لا من جهة الايمان، وهو اختيار الجبائي انتهى (2) وما في الخبر أظهر وقد مر أن الاظهر أن الخطاب في قوله " يا أيها الذين آمنوا آمنوا " للمنافقين، وهو مختار أكثر المفسرين. قوله " فمن أقام هذه الشروط " الخ لانه تعالى قال: " اولئك الذين صدقوا " أي في دعوى الايمان واتباع الحق، فقد حصر الصدق في الايمان لهم، والمراد بالاداء أداء ما افترض الله على عباده في الايمان، قوله عليه السلام " من روح الايمان " " من " للبيان أو للتعليل، قوله " خبيث وطيب " أي وصفهم أولا بالايمان ثم أطلق على بعضهم الخبيث، وعلى بعضهم الطيب " مفتن " أي مضل. 31 - ف: دخل على الصادق عليه السلام رجل فقال له: ممن الرجل ؟ فقال: من محبيكم ومواليكم، فقال له جعفر: لا يحب الله عبدا حتى يتولاه، ولا يتولاه حتى يوجب له الجنة، ثم قال له: من أي محبينا أنت ؟ فسكت الرجل ؟ فقال له سدير: وكم محبوكم يا ابن رسول الله ؟ فقال: على ثلاث طبقات: طبقة أحبونا في العلانية، ولم يحبونا في السر، وطبقة يحبوننا في السر ولم يحبونا في العلانية وطبقة يحبوننا في السر والعلانية، هم النمط الاعلى، شربوا من العذب الفرات وعلموا تأويل الكتاب، وفصل الخطاب، وسبب الاسباب، فهم النمط الاعلى الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا وفتنوا، فمن بين مجروح ومذبوح، متفرقين في كل بلاد قاصية بهم يشفى الله السقيم ويغني العديم، وبهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، وهم الأقلون عددا الاعظمون عند الله قدرا وخطرا والطبقة الثانية النمط الاسفل أحبونا في العلانية، وساروا بسيرة الملوك، فألسنتهم معنا وسيوفهم علينا.


(1) براءة: 58. (2) مجمع البيان ج 3: 74 (*).

[276]

والطبقة الثالثة النمط الاوسط أحبونا في السر ولم يحبونا في العلانية و لعمري لئن كانوا أحبونا في السر دون العلانية فهم الصوامون بالنهار، القوامون باليل، ترى أثر الرهبانية في وجوههم، أهل سلم وانقياد. قال الرجل: فأنا من محبيكم في السر والعلانية، قال جعفر عليه السلام: إن لمحبينا في السر والعلانية علامات يعرفون بها، قال الرجل: وما تلك العلامات ؟ قال: تلك خلال أولها أنهم عرفوا التوحيد حق معرفته، وأحكموا علم توحيده والايمان بعد ذلك بما هو ؟ وما صفته ؟ ثم علموا حدود الايمان وحقائقه، وشروطه وتأويله. قال سدير: يا ابن رسول الله ما سمعتك تصف الايمان بهذه الصفة ؟ قال: نعم يا سدير، ليس للسائل أن يسأل عن الايمان ما هو ؟ حتى يعلم الايمان بمن ؟ قال سدير، يا ابن رسول الله إن رأيت أن تفسر ما قلت، قال الصادق عليه السلام: من زعم أنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك، ومن زعم أنه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقر بالطعن، لان الاسم محدث، ومن زعم أنه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكا، ومن زعم أنه يعبد المعنى بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غائب ومن زعم أنه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد، لان الصفة غير الموصوف ومن زعم أنه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغر الكبير و " ما قدروا الله حق قدره " قيل: له: فكيف سبيل التوحيد ؟ قال: باب البحث ممكن، وطلب المخرج موجود، إن معرفة عين الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغايب قبل عينه، قيل: و كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته ؟ قال: تعرفه وتعلم علمه، وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، وتعلم أن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف " إنك لانت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي " (1) فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره، ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب أما ترى الله يقول " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " (2)


(1) يوسف: 90. (2) النمل: 60 (*).

[277]

يقول: ليس لكم أن تنصبوا إماما من قبل أنفسكم تسمونه محقا بهوى أنفسكم وإرادتكم. ثم قال الصادق عليه السلام: ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من أنبت شجرة لم ينبته الله يعني من نصب إماما لم ينصبه الله، أو جحد من نصبه الله، ومن زعم أن لهذين سهما في الاسلام وقد قال الله " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " (1). صفة الايمان: قال عليه السلام: معنى الايمان الاقرار والخضوع لله بذلك (2) الاقرار والتقرب إليه به، والاداء له بعلم كل مفروض من صغير أو كبير، من حد التوحيد فما دونه إلى آخر باب من أبواب الطاعة أولا فأولا، مقرون ذلك كله بعضه إلى بعض، موصول بعضه ببعض، فإذا أدى العبد ما فرض عليه مما وصل إليه على صفة ما وصفناه، فهو مؤمن مستحق لصفة الايمان، مستوجب للثواب، وذلك أن معنى جملة الايمان الاقرار، ومعنى الاقرار التصديق بالطاعة، فلذلك ثبت أن الطاعة كلها صغيرها وكبيرها مفرونة بعضها إلى بعض، فلا يخرج المؤمن من صفة الايمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا، وإنما استوجب واستحق اسم الايمان ومعناه بأداء كبار الفرائض موصولة، وترك كبار المعاصي واجتنابها، وإن ترك صغار الطاعة وارتكب صغار المعاصي، فليس بخارج من الايمان ولا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة، ولم يرتكب شيئا من كبار المعاصي، فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " (3) يعني المغفرة ما دون الكبائر، فان هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها وكبارها معاقبا عليها معذبا بها، فهذه صفة الايمان، وصفة المؤمن المستوجب للثواب. صفة الاسلام: وأما معنى الاسلام فهو الاقرار بجميع الطاعة الظاهر الحكم


(1) القصص: 69 (2) في المصدر: بذل الاقرار. (3) النساء: 31 (*).

[278]

والاداء له، فإذا أقر المقر بجميع الطاعة في الظاهر، من غير العقد عليه بالقلوب فقد استحق اسم الاسلام ومعناه، واستوجب الولاية الظاهرة، وإجازة شهادته والمواريث، وصار له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، فهذه صفة الاسلام. وفرق ما بين المسلم والمؤمن أن المسلم إنما يكون مؤمنا بأن يكون مطيعا في الباطن مع ما هو عليه في الظاهر، فإذا فعل ذلك بالظاهر كان مسلما، وإذا فعل ذلك بالظاهر والباطن بخضوع وتقرب بعلم كان مؤمنا، فقد يكون العبد مسلما ولا يكون مؤمنا ولا يكون مؤمنا إلا وهو مسلم. صفة الخروج من الايمان: وقد يخرج من الايمان بخمس جهات من الفعل كلها متشابهات معروفات: الكفر، والشرك، والضلال، والفسق، وركوب الكبائر، فمعنى الكفر كل معصية عصي الله بها بجهة الجحد والانكار والاستخفاف والتهاون في كل ما دق وجل، وفاعله كافر، ومعناه معنى كفر، من أي مله كان ومن أي فرقة كان، بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات، فهو كافر. ومعنى الشرك كل معصية عصي الله بها بالتدين، فهو مشرك صغيرة كانت المعصية أو كبيرة ففاعلها مشرك. ومعنى الضلال الجهل بالمفروض وهو أن يترك كبيرة من كبائر الطاعة التي لا يستحق العبد الايمان إلا بها، بعد ورود البيان فيها، والاحتجاج بها، فيكون التارك لها تاركا بغير جهة الانكار، والتدين بانكارها وجحودها، ولكن يكون تاركا على جهة التواني والاغفال والاشتغال بغيرها فهو ضال متنكب طريق الايمان، جاهل به خارج منه مستوجب لاسم الضلالة ومعناها، مادام بصفته التي وصفناه بها. فان كان هو الذي مال بهواه إلى وجه من وجوه المعصية بجهة الجحود والاستخفاف والتهاون كفر، وإن هو مال بهواه إلى التدين بجهة التأويل والتقليد والتسليم والرضا بقول الاباء والاسلاف فقد أشرك وقل ما يلبث الانسان على ضلالة حتى يميل بهواه إلى بعض ما وصفناه من صفته. ومعنى الفسق فكل معصية من المعاصي الكبار فعلها فاعل، أو دخل فيها داخل

[279]

بجهة اللذة والشهوة والشوق الغالب، فهو فسق، وفاعله فاسق خارج من الايمان بجهة الفسق، فان دام في ذلك حتى يدخل في حد التهاون والاستخفاف، فقد وجب أن يكون بتهاونه واستخفافه كافرا. ومعنى راكب الكبائر التي بها يكون فساد إيمانه، فهو أن يكون منهمكا على كبائر المعاصي بغير الجحود ولا التدين ولا لذة ولا شهوة، ولكن من جهة الحمية والغضب يكثر القرف والسب والقتل وأخذ الاموال وحبس الحقوق وغير ذلك من المعاصي الكبائر التي يأتيها صاحبها بغير جهة اللذة، ومن ذلك الايمان الكاذبة وأخذ الربا وغير ذلك التي يأتيها من أتاها بغير استلذاذ: الخمر والزنا واللهو ففاعل هذه الافعال كلها مفسد للايمان خارج منه من جهة ركوبه الكبيرة على هذه الجهة، غير مشرك، ولا كافر، ولا ضال جاهل على ما وصفناه من جهة الجهالة، فان هو مال بهواه إلى أنواع ما وصفناه من حد الفاعلين، كان من صفاته (1). بيان: " حتى يتولاه " أي يتولى الله ويطيعه أو يتولاه الله، وفي القاموس النمط محركة ضرب من البسط، والطريقة، والنوع من الشئ، وجماعة أمرهم واحد، قوله عليه السلام " من العذب الفرات " أي من العلم الصافي من الشك والشبهة والمراد بالعديم عادم المال، أي الفقير " بما هو وما صفته ؟ " أي التوحيد " بتوهم القلوب " أي بعقله فقط بدون معلم ينتهي علمه إلى الوحي والالهام، أو بما تتوهمه الاوهام من الجسم والصورة والمكان وأشباه ذلك " فقد أقر بالطعن " أي في الله وفي ربوبيته لانه جعله حادثا، قوله عليه السلام " بالصفة لا بالادراك " كأنه إشارة إلى نفي ما يقوله القائلون بالاشتراك اللفظي أي بأن يصفه بشئ لا يدرك معناه " فقد أحال على غائب " أي على شئ غاب عن ذهنه ولم يدركه بوجه " أنه يعبد الصفة والموصوف " أي ذاتا موصوفة بصفات زائدة موجودة بأن يعبدهما معا " ومن زعم أنه يضيف الموصوف " هو أن يقول بالصفات الزائدة لكن لم يعبد الصفات مع الذات، بل الذات الموصوفة بها، فهو وإن لم يشرك بالعبادة لكن " صغر الكبير " حيث جعل


(1) تحف العقول ط اسلامية: 340 - 345 (*).

[280]

ذاته سبحانه محتاجة في كمالها إلى غيرها، وهي الصفات وكل محتاج ممكن. " باب البحث ممكن " أي طريق التفحص عن التوحيد ممكن، وطلب المخرج عن الشبهات حاصل، والحاص أن الله تعالى نصب لكم حجة يمكنكم أن تعرفوه وتتعلوا منه التوحيد، ثم قال عليه السلام: معرفة عين الحاضر قبل معرفة صفاته كما أن زيدا تراه أولا ثم تعرف أنه عالم أو جاهل ونسبه وسائر أحواله " ومعرفة صفة الغائب قبل عينه " لانه إنما يعرف بالصفات، ويحتمل أن يكون المراد أن الامام الذي يؤخذ منه التوحيد إن كان حاضرا يعرف عينه أولا ثم يعرف استحقاقه للامامة بالدلائل والمعجزات والعلامات، والغائب بالعكس، ويحتمل أن يراد بالشاهد الممكنات والمخلوقات وبالغائب الخالق. ثم سئل عليه السلام " كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته " أي كيف يعرف عينه وصفاته ؟ قال: " تعرفه " بالصفات التي تكون في الامام " وتعلم علمه " أي تأخذ عنه العلم حتى أنك " تعرف نفسك " وصفاتها به " و " الحال أنك " لا تعرف نفسك " التي هي أقرب الاشياء منك " بنفسك من " قبل " نفسك " وهو يعرفك إياها، أو المعنى تعلم كونه عالما بالسؤال عن غوامض العلوم وأنواعها ويعرف ما في نفسك أي يخبرك بما في قلبك وبما أنت غافل عنه من صفات نفسك ; وعلى الاول فيه إيماء إلى أنه إذا لم تعرف نفسك إلا ببيان الامام وهي أقرب الاشياء منك تتوقع أن تعرف ربك بعقلك ؟ " وتعلم أن ما فيه " أي ما يدعيه من الامامة " له وبه " أي حاصلة له ومختصة به. ثم استشهد عليه السلام لكون معرفة عين الشاهد قبل صفته بقصة يوسف و إخوته، حيث عرفوا ذاته أولا بالمشاهدة، ثم عرفوا صفته، وأنه أخوهم بما شاهدوا منه وسمعوا، فعرفوا صفته أيضا بذاته، كذلك الامام تعرف صفته من ذاته وبما يسمع ويرى منه من علومه ومعجزاته. قوله عليه السلام " ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب " أي كما يعرف الامور الغائبة بالدلائل العقلية أو النقلية. ثم أكد عليه السلام ما أومأ إليه سابقا من أن الامام لا بد من أن يكون معروفا

[281]

بصفات خاصة لا توجد في غيره، وأن الامامة لا تكون باختيار الامة، صرح ذلك بتأويل قوله تعالى: " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " (1) بأن المراد بالشجر الامام كما ورد في قوله تعالى " ومثل شجرة طيبة " (2) أن المراد بها شجرة النبوة والامامة، وبانباتها نصبة إماما بهوى أنفسهم، وكأنه إشارة إلى أنه إذا لم يكن لهم القدرة والاختيار في إنبات شجرة خلقها الله لمصلحة دينه من الامور الدنيوية كيف يفوض إليهم ويمكنهم من نصب الامام الذي هو مناط نظام العالم، وعلة خلقه و بقائه، وبه تناط مصالح الدين والدنيا. قوله " ومن زعم " يدل على أن القول بعدم كفر المخالف كفر أو قريب منه، وفي الخبر فوائد جليلة ستعرف تفصيلها فيما سيأتي وتنتفع بها بعد التأمل فيها في حل الاخبار الاتية. 32 - سن: عن أبيه، عن ابن سنان، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي - عبد الله عليه السلام، قال: لو أن العباد وصفوا الحق وعملوا به، ولم يعقد قلوبهم على أنه الحق ما انتفعوا (3). 33 - سن: عن هارون بن الجهم، عن الحسين بن ثوير، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني جئتك ابايعك على الاسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ابايعك على أن تقتل أباك، قال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إنا والله لا نأمركم بقتل آبائكم، ولكن الان علمت منك حقيقة الايمان، وأنك لن تتخذ من دون الله وليجة، أطيعوا آباءكم فيما أمروكم، ولا تطيعوهم في معاصي الله (4). بيان: في النهاية وليجة الرجل بطانته ودخلاؤه وخاصته. 34 - سن: عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن مدرك [بن عبد الرحمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته


(1) النمل: 60. (2) ابراهيم: 24. (3) المحاسن ص 249. (4) المحاسن ص 248 (*).

[282]

الوفاء، ومروءته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت (1). 35 - سن: عنه، عن أبيه،، عن] (2) ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس إني امرت أن اقاتلكم حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، فإذا فعلتم ذلك حقنتم بها أموالكم ودماءكم إلا بحقها، وكان حسابكم على الله (3). 36 - سن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن أيوب بن الحر، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له سلام: إن خيثمة بن أبي خيثمة حدثنا أنه سألك عن الاسلام، فقلت له: إن الاسلام: من استقبل قبلتنا، وشهد شهادتنا، ونسك نسكنا، ووالى ولينا، وعادى عدونا، فهو مسلم، قال: صدق. وسألك عن الايمان فقلت: الايمان بالله، والتصديق بكتابه، وأن أحب في الله، و أبغض في الله، فقال: صدق خيثمة (4). 37 - سن: عن أبيه، عن صفوان، عن العلا، عن محمد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الايمان، فقال: الايمان ما كان في القلب، والاسلام ما كان عليه المناكح والمواريث، وتحقن به الدماء، والايمان يشرك الاسلام والاسلام لا يشرك الايمان (5). 38 - يج: روي عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسير في بعض ميسره فقال لاصحابه: يطلع عليكم من بعض هذه الفجاج شخص ليس له


(1) المحاسن ص 286. (2) أضفنا الزيادة من المصدر بقرينة ذكر السند، فالظاهر سقوط هذه الزيادة من نسخة الكمباني. (3) المحاسن ص 284. (4 و 5) المحاسن ص 285 (*).

[283]

عهد بابليس منذ ثلاثة أيام، فما لبثوا أن أقبل أعرابي قد يبس جلده على عظمه وغارت عيناه في رأسه، واخضرت شفتاه من أكل البقل، فسأل عن النبي صلى الله عليه وآله في أول الرفاق حتى لقيه، فقال له: اعرض علي الاسلام، فقال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله، قال: أقررت، قال تصلي الخمس، وتصوم شهر رمضان، قال: أقررت، قال: تحج البيت الحرام، وتؤدي الزكاة، وتغتسل من الجنابة، قال: أقررت فتخلف بعير الاعرابي ووقف النبي فسأل عنه فرجع الناس في طلبه فوجدوه في آخر العسكر قد سقط خف بعيره في حفرة من حفر الجرذان فسقط فاندقت عنق الاعرابي وعنق البعير، وهما ميتان، فأمر النبي فضربت خيمة فغسل فيه ثم دخل النبي فكفنه، فسمعوا للنبي حركة فخرج وجبينه يترشح عرقا وقال: إن هذا الاعرابي مات وهو جائع، وهو ممن آمن ولم يلبس إيمانه بظلم، فابتدره الحور العين بثمار الجنة يحشون بها شدقه، هذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه، وهذه تقول: يا رسول الله اجعلني في أزواجه (1). 39 - شى: عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: أرأيت المؤمن له فضل على المسلم في شئ من المواريث والقضايا والاحكام حتى يكون للمؤمن أكثر مما يكون للمسلم في المواريث أو غير ذلك ؟ قال: لا هما يجريان في ذلك مجرى واحدا إذا حكم الامام عليهما ولكن للمؤمن فضلا على المسلم في أعمالهما، وما يتقربان به إلى الله، قال: فقلت: أليس الله يقول: " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (2) وزعمت أنهم مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحج مع المؤمن ؟ قال: فقال: أليس الله قد قال " والله يضاعف لمن يشاء. أضعافا كثيرة " فالمؤمن هم الذين يضاعف الله لهم الحسنات لكل حسنة سبعين ضعفا، فهذا من فضلهم ويزيد الله المؤمن في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا مضاعفة كثيرة، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء (3).


(1) الخرائج والجرائج ص 184. (2) الانعام: 160. (3) العياشي ج 1 ص 146 (*).

[284]

بيان: " والله يضاعف " أقول الاية في البقرة في موضعين: أحدهما " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة " (1) وثانيهما " مثل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم " (3) وكأنه جمع بين الايتين إشارة إليهما لو لم يكن من تحريف الرواة، كما يدل عليه ما مر من رواية الكافي (3). 40 - شى: عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قوله: " إن الدين عند الله الاسلام " فقال: يعني الدين فيه الايمان (4). 41 شى: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قوله: " ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " قال: في هذه الاية تكفير أهل القبلة بالمعاصي، لانه من لم يكن يدعو إلى الخيرات و يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر من المسلمين، فليس من الامة التي وصفها الله لانكم تزعمون أن جميع المسلمين من امة محمد، قد بدت هذه الاية وقد وصفت امة محمد بالدعاء إلى الخير، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن لم يوجد فيه الصفة التي وصفت بها، فكيف يكون من الامة، وهو على خلاف ما شرطه الله على الامة ووصفها به (5). بيان: كأن المعنى أن الامة امتان: امة دعوة، وامة إجابة، وامة الدعوة تشمل الكفار أيضا وامة الاجابة هم الذين أجابوا الرسول فيما دعاهم إليه، فالامة المذكورة في هذه الاية امة الاجابة، وقد وصفهم بأوصاف، فمن لم تكن فيه تلك الاوصاف لم تكن منها لكن روى في الكافي في كتاب الجهاد خبرا آخرا عن هذا


(1) البقرة: 245. (2) البقرة: 261. (3) تحت الرقم: 12. (4) تفسير العياشي ج 1 ص 166، والاية في آل عمران: 19. (5) العياشي ج 195 1، والاية في آل عمران 104 (*).

[285]

الراوي بعينه (1) وفيه دلالة على أن المراد بالامة الائمة عليهم السلام، فيمكن أن يكون لامة الاجابة أيضا مراتب كما أن للمؤمنين منازل. 42 - م: قوله عزوجل " الذين يؤمن بالغيب " قال الامام عليه السلام: ثم وصف هؤلاء المتقين الذين هذا الكتاب هدى لهم، فقال: " الذين يؤمنون بالغيب " يعني بما غاب عن حواسهم من الامور التي يلزمهم الايمان بها، كالبعث والحساب و الجنة والنار، وتوحيد الله وسائر ما لا يعرف بالمشاهدة، وإنما يعرف بدلائل قد نصبها الله عزوجل عليها كآدم، وحواء، وإدريس، ونوح، وإبراهيم والانبياء الذين يلزمهم الايمان بهم، وبحجج الله تعالى وإن لم يشاهدوهم ويؤمنون بالغيب وهم من الساعة مشفقون (2). 43 - م: قوله عزوجل " والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون " قال الامام عليه السلام: ثم وصف بعد هؤلاء الذين يقيمون الصلاة فقال: والذين يؤمنون بما انزل إليك " يا محمد " وما انزل من قبلك " على الانبياء الماضين، كالتوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة على أنبيائه، بأنه حق وصدق من عند رب عزيز، صادق حكيم " وبالاخرة هم يوقنون " بالدار الاخرة بعد هذه الدنيا، لا يشكون فيها بأنها الدار التي فيها جزاء الاعمال الصالحة بأفضل مما عملوه، وعقاب الاعمال بمثل ما كسبوه، قال الامام عليه السلام: من دفع فضل أمير المؤمنين صلوات الله عليه على جميع من بعد النبي صلى الله عليه وآله فقد كذب بالتوراة والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وسائر كتب الله المنزلة، فانه ما نزل شئ منها إلا وأهم ما فيه بعد الامر بتوحيد الله تعالى والاقرار بالنبوة، الاعتراف بولايته والطيبين من آله عليه السلام. ولقد قال رجل لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما تقول في رجل يؤمن بما انزل على محمد صلى الله عليه وآله وما انزل من قبله ويؤمن بالاخرة ويصلي ويزكي ويصل الرحم


(1) الكافي ج 5 ص 13 - 19. (2) تفسير الامام ص 24 (*).

[286]

ويعمل الصالحات، لكنه يقول مع ذلك: لا أدري الحق لعلي أو فلان ؟ فقال علي بن الحسين عليهما السلام: ما تقول أنت في رجل يفعل هذه الخيرات كلها إلا أنه يقول: لا أدري النبي محمد أو مسيلمة ؟ هل ينتفع بشئ من هذه الافعال ؟ فقال: لا قال: فكذلك صاحبك هذا، كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب من لا يدري أمحمد نبي أم مسيلمة وكذلك كيف يكون مؤمنا بهذه الكتب والاخرة أو منتفعا بشئ من أعماله من لا يدري أعلي محق أم فلان ؟ قوله: عزوجل " اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون " قال الامام عليه السلام: ثم أخبر الله جل جلاله عن هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة فقال: " اولئك " أهل هذه الصفات " على هدى " بيان وصواب " من ربهم " وعلم بما أمرهم به " واولئك هم المفلحون " الناجون مما منه يوجلون، الفائزون بما به يؤمنون. قوله عزوجل: " إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " قال الامام: فلما ذكر هؤلاء المؤمنين ومدحهم، ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم، فقال: " إن الذين كفروا " بالله وبما آمن به هؤلاء المؤمنون بتوحيد الله وبنبوة محمد رسول الله وبوصية علي ولي الله ووصي رسول الله والائمة الطيبين الطاهرين خيار عباد الله الميامين القوامين بمصالح خلق الله تعالى، " سواء عليهم ءأنذرتهم " خوفتهم " أم لم تنذرهم " لم تخوفهم " لا يؤمنون " أخبر عن علمه فيهم، وهم الذين قد علم الله عزوجل أنهم لا يؤمنون (1). 44 - م: قوله عزوجل " يا أيها الناس " قال الامام العسكري عليه السلام: قال علي بن الحسين: يعني سائر المكلفين من ولد آدم عليه السلام " اعبدوا ربكم " أجيبوا ربكم من حيث أمركم أن تعتقدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا شبيه ولا مثل، عدل لا يجور، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حكيم لا يخطل، وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله الطيبين، وبأن آل محمد أفضل آل النبيين وأن عليا أفضل آل محمد، وأن أصحاب محمد المؤمنين منهم أفضل صحابة المرسلين، و


(1) تفسير الامام: 32، والايات في البقرة: 4 - 6 (*).

[287]

وبأن امة محمد أفضل امم المرسلين " الذي خلقكم " نسما، وسواكم من بعد ذلك و صوركم فأحسن صوركم " والذين من قبلكم " قال: وخلق الذين من قبلكم من سائر أصناف الناس " لعلكم تتقون " قال: لها وجهان: أحدهما خلقكم وخلق الذين من قبلكم لعلكم تتقون أي لتتقوا كما قال الله " وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون " (1) والوجه الاخر: اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم أي اعبدوه لعلكم تتقون النار " ولعل " من الله واجب لانه أكرم من أن يعني عبده بلا منفعة، ويطعمه في فضله ثم يخيبه، ألا ترى أنه كيف قبح من عبد من عباده إذا قال لرجل: أخدمني لعلك تنتفع مني، وتخدمني ولعلي أنفعك بها. فيخدمه ثم يخيبه ولا ينفعه، فالله عزوجل أكرم في أفعاله وأبعد من القبيح في أعماله من عباده (2). بيان: في القاموس: الخطل محركة خفة وسرعة، والكلام الفاسد الكثير خطل كفرح فهو أخطل، وخطل فيهما والاضطراب في الانسان " لها وجهان " أقول: الفرق بينهما أنه على الاول علة الخلق، وعلى الثاني علة العبادة، والقاضي ذكر الاول وضعفه بأنه لم يرد في اللغة واختار أنه حال عن الضمير في " اعبدوا " أو عن مفعول خلقكم، قوله عليه السلام " من أن يعني " بالنون على بناء التفعيل أو الافعال أي يوقعه في التعب والنصب وفي بعض النسخ بالياء وهو قريب منه، من قولهم أعيى السير البعير أي أكله، والاول أظهر. 45 - شى: عن أبي العباس، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله " سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا " قال: هي سنة محمد ومن كان قبله من الرسل وهو الاسلام (3) 46 - كتاب سليم بن قيس الهلالي: قال: قلت لامير المؤمنين عليه السلام: ما الايمان وما الاسلام ؟ قال: أما الايمان فالاقرار بعد المعرفة (4) والاسلام فما أقررت به


(1) الذاريات: 56. (2) تفسير الامام ص 52، والاية في البقرة: 21. (3) تفسير العياشي ج 2 ص 308، والاية في أسرى: 77. (4) في المصدر: الاقرار بالمعرفة (*).

[288]

والتسليم للاوصياء والطاعة لهم، وفي رواية اخرى والاسلام إذا ما أقررت به، قلت: الايمان الاقرار بعد المعرفة ؟ قال: من عرفه الله نفسه [ونبيه] وإمامه ثم أقر بطاعته فهو مؤمن. وعن أبان، عن سليم قال: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام وسأله رجل عن الايمان فقال يا أمير المؤمنين أخبرني عن الايمان، لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فقال له مثل مقالتك فأخذ يحگثه ثم قال له: افعل (1) آمنت، ثم أقبل علي عليه السلام على الرجل فقال: أما علمت أن جبرئيل أتى رسول الله صلى الله عليه وآله في صورة آدمي فقال له: ما الاسلام ؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصيام شهر رمضان والغسل من الجنابة، قال: فما الايمان ؟ قال: نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالحياة بعد الموت، وبالقدر كله خيره وشره وحلوه ومره، فلما قام الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا جبرئيل جاءكم يعلمكم دينكم، فكان رسول الله كلما قال له شيئا قال: له: صدقت، قال: فمتى الساعة ؟ قال ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: صدقت، ثم قال علي عليه السلام: بعد ما فرغ من قول جبرئيل " صدقت " ألا إن الايمان بني على أربع دعائم: على اليقين، و الصبر، والعدل، والجهاد (2). أقول: ساق الحديث إلى آخر ما سيأتي في باب دعائم الاسلام. 47 - نوادر الراوندي: بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تعالى جعل الاسلام دينه، وجعل كلمة الاخلاص حسنا له، فمن استقبل قبلتنا، وشهد شهادتنا، وأحل ذبيحتنا فهو مسلم، له مالنا وعليه ما علينا (3).


(1) أي افعل هذه الصفات التى وصفتها، فإذا فعلتها فقد آمنت، فان الايمان هو العمل. (2) كتاب سليم بن قيس ص 87 - 88. (3) نوادر الراوندي ص 21 (*).

[289]

وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربعة يستأنفون العمل: المريض إذا برئ، والمشرك إذا أسلم، والحاج إذ فرغ، والمنصرف من الجمعة إيمانا واحتسابا (1). 48 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام: في بعض ما احتج به على الخوارج: وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجم الزاني ثم صلى عليه، ثم ورثه أهله، وقتل القاتل وورث ميراثه أهله، وقطع السارق وجلد الزاني غير المحصن ثم قسم عليهما من الفئ ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وآله بذنوبهم، وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الاسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله، وساقه إلى قوله عليه السلام: والزموا السواد الاعظم فان يد الله على الجماعة، وإياكم والفرقة، فان الشاذ من الناس للشيطان، كما أن الشاذة من الغنم للذئب، ألا من دعا إلى هذه الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه (2). توضيح: غرضه عليه السلام رفع شبهتهم لعنهم الله في الحكم بكفر أصحاب الكبائر مطلقا، ولذا كفروه صلوات الله عليه للرضا بالتحكيم، فاحتج عليهم بأن النبي صلى الله عليه وآله لم يخرج أصحاب الكبائر من الاسلام، وأجرى فيهم أحكام المسلمين فأبطل بذلك ما زعموا أن الدار دار كفر لا يجوز الكف عن أحد من أهلها، وقتلوا الناس حتى الاطفال، وقتلوا البهائم أيضا لذلك " والسواد " العدد الكثير، والجماعة من الناس، و " يد الله " كناية عن الحفظ والدفاع أي أن الجماعة المجتمعين على إمام الحق في كنف الله وحفظه، وما استدل به على العمل بالمشهورات و الاجماعات الغير الثابت دخول المعصوم فيها، فلا يخفى وهنه، لو رود الاخبار المتكاثرة ودلالة الايات المتظافرة على أن أكثر الخلق على الضلال والحق مع القليل وكأن " هذا الشعار " إشارة إلى قولهم " لا حكم إلا لله " ولا حكم إلا الله وقيل كان شعارهم أنهم كانوا يحلقون وسط رؤوسهم، ويبقون الشعر مستديرا حوله كالاكليل وقيل هو مفارقة


(1) النادر ص 24. (2) نهج البلاغة، ط عبده ج 1 ص 260 الخطبة: 125 (*).

[290]

الجماعة والاستبداد بالرأي " ولو كان تحت عمامتي " أي ولو اعتصم بأعظم الاشياء حرمة، وقيل كنى بها عن أقصى القرب من عنايته، وقيل: أراد: ولو كان الداعي أنا. وأقول: قد مضى تمام الكلام مشروحا في كتاب الفتن. 49 - نهج: إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا نهج الخير تهتدوا، واصدفوا عن سمت الشر تقصدوا، الفرائض الفرائض أدوها إلى الله تؤدكم إلى الجنة إن الله حرم حراما غير مجهول، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، ولا يحل أذى المسلم إلا بما يجب بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم، وهو الموت، إلى قوله " واتقوا الله في عباده و بلاده، فإنكم مسؤلون حتى عن البقاع والبهائم. الخطبة (1) بيان: النهج بالفتح الطريق الواضح و " صدف عنه " كمنع أي أعرض و " السمت " الطريق " والقصد " استقامة الطريق، يقال: قصد فلان كضرب إذا رشد " والفرائض " مكررا نصب على الاغراء " والحرم " جمع حرمة، وهو اسم من الاحترام، وشد الحقوق بالاخلاص والتوحيد وربطه بهما، هو الله تعالى أوجب على المخلصين الموحدين المحافظة عليها، وجعلها مكملا لهما و " معاقدها " مواضعها " وما يجب " أي ما يلزم ويثبت وهو كالتأكيد لقوله إلا بالحق والمراد بالمبادرة إلى الموت الرضا به والتهيؤله، والاستعداد لما بعده، والموت وإن كان يعم كل حيوان إلا أن له مع كل أحد خصوصية وكيفية مخالفة لحاله مع غيره، والتقوى في العباد اتباع أمر الله في المعاملات، والامور الدائرة بين الناس، وفي البلاد القيام بحق المقام، والعمل في كل مكان بما امر به، والسؤال عن البقاع لم أخربتم هذه ؟ ولم عمرتم هذه ؟ ولم لم تعبدوا الله فيها ؟ وعن البهائم لم أجعتموها ؟ أو أوجعتموها، ولم لم تقوموا بشأنها ورعاية حقها.


(1) النهج، الخطبة: 165، وهى في ط عبده ج 1 ص 334 (*).

[291]

50 - الهداية: الاسلام هو الاقرار بالشهادتين، وهو الذي يحقن به الدماء والاموال، ومن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقد حقن ماله ودمه، إلا بحقيهما وعلى الله حسابه، والايمان هو إقرار باللسان، وعقد بالقلب، وعمل بالجوارح وأنه يزيد بالاعمال وينقص بتركها، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، ومثل ذلك مثل الكعبة والمسجد: فمن دخل الكعبة فقد دخل المسجد وليس كل من دخل المسجد دخل الكعبة، وقد فرق الله عزوجل اسمه في كتابه بين الاسلام والايمان، فقال: " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولو أسلمنا " (1) وقد بين الله عز وجل أن الايمان قول وعمل لقوله: " إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * اولئك هم المؤمنون حقا " (2) وأما قوله عزوجل " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " (3) فليس ذلك بخلاف ما ذكرنا، لان المؤمن يسمى مسلما والمسلم لا يسمى مؤمنا حتى يأتي مع إقراره بعمل، وأما قوله عزوجل " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين " (4) فقد سئل الصادق عليه السلام عن ذلك، فقال: هو الاسلام الذي فيه الايمان. 51 - مشكوة الانوار: نقلا من كتاب المحاسن، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني جئت لابايعك على الاسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: على أن تقتل أباك، فقبض الرجل يده وانصرف، ثم عاد وقال: يا رسول الله إني جئت لابايعك على الاسلام، فقال له: أن تقتل أباك ؟ قال: نعم، فقال له رسول الله: إن المؤمن يرى يقينه في عمله، والكافر يرى


(1) الحجرات: 13. (2) الانفال: 2 - 4. (3) الذاريات: 35 - 36. (4) آل عمران: 85 (*).

[292]

إنكاره في عمله، فوالذي نفسي بيده ما عرفوا أمرهم، فاعتبروا إنكار الكافرين و المنافقين بأعمالهم الخبيثة (1). بيان: كأن قوله " فوالذي " من كلام أبي عبد الله عليه السلام وفاعل " عرفوا " المخالفون " أمرهم " أي أمر دينهم. 52 - المشكوة: من المحاسن عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وآمن بنبينا، وشهد شهادتنا، دخل في ديننا، أجرينا عليه حكم القرآن، وحدود الاسلام، ليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى ألا وإن للمتقين عند الله أفضل الثواب، وأحسن الجزاء والمآب (2). 53 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن سلام الجعفي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام فقال: الايمان أن يطاع الله فلا يعصى (3). بيان: أقول هذا أحد معاني الايمان، وحمله القوم على الايمان الكامل، قال بعض المحققين قدس سره: هذا مجمل القول في الايمان ويفصله سائر الاخبار بعض التفصيل، وأما الضابط الكلي الذي يحيط بحدوده ومراتبه، ويعرفه حق التعريف أن الايمان الكامل الخالص المنتهى تمامه، هو التسليم لله تعالى والتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله لسانا وقلبا على بصيرة، مع امتثال جميع الاوامر والنواهي كما هي، وذلك إنما يمكن تحققه بعد بلوغ الدعوة النبوية إليه في جميع الامور أما من لم تصل إليه الدعوة في جميع الامور أو في بعضها لعدم سماعه أو عدم فهمه فهو ضال أو مستضعف، ليس بكافر ولا مؤمن، وهو أهون الناس عذابا بل أكثر هؤلاء لا يرون عذابا وإليهم الاشارة بقوله سبحانه " إلا المستضعفين من الرجال و النساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا " (4).


(1) مشكوة الانوار ص 38. (2) المصدر ص 38. (3) الكافي ج 2 ص 33. (4) النساء: 98 (*).

[293]

ومن وصلت إليه الدعوة فلم يسلم، ولم يصدق ولو ببعضها إما لاستكبار و علو أو لتقليد للاسلاف وتعصب لهم، أو غير ذلك، فهو كافر بحسبه، أي بقدر عدم تسليمه، وترك تصديقه كفر جحود، وعذابه عظيم على حسب جحوده، وإليهم الاشارة بقوله سبحانه " إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم " (1). ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وظاهره، لعصمة ماله أو دمه، أو غير ذلك من الاغراض، وأنكرها بقلبه وباطنه، لعدم اعتقاده بها، فهو كافر كفر نفاق وهو أشدهم عذابا وعذابه أليم بقدر نفاقه وإليهم الاشارة بقوله سبحانه " ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون - إلى قوله - إن الله على كل شئ قدير " (2). ومن وصلت إليه الدعوة فاعتقدها بقلبه وباطنه لظهور حقيقتها لديه، وجحدها أو بعضها بلسانه، ولم يعترف بها حسدا وبغيا وعتوا وعلوا أو تقليدا وتعصبا أو غير ذلك فهو كافر كفر تهود، وعذابه قريب من عذاب المنافق، وإليهم الاشارة بقوله عزوجل " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " (3) وقوله " فلما جائهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين " (4) وقوله " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " (5) وقوله " ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * اولئك هم الكافرون حقا " (6) وقوله " أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض " إلى قوله " أشد


(1) البقرة: 6 - 7. (2) البقرة: 8 - 20. (3) البقرة: 146. (4) البقرة: 89. (5) البقرة: 159. (6) النساء: 150 (*).

[294]

العذاب " (1) ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وقلبه، ولكن لا يكون علي بصيرة من دينه، إما لسوء فهمه مع استبداده بالرأي، وعدم تابعيته للامام، أو نائبه المقتفي أثره حقا وإما لتقليد وتعصب للاباء والاسلاف المستبدين بآرائهم مع سوء أفهامهم، أو غير ذلك، فهو كافر كفر ضلالة، وعذابه على قدر ضلالته و قدر ما يضل فيه من أمر الدين وإليهم الاشارة بقوله عزوجل " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق " (2) حيث قالوا عزير ابن الله أو المسيح ابن الله وبقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " (3) وبقول نبينا صلى الله عليه وآله: اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلو فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وقلبه على بصيرة واتباع للامام أو نائبه الحق إلا أنه لم يمتثل جميع الاوامر والنواهي، بل أتى ببعض دون بعض بعد أن اعترف بقبح ما يفعله، ولكن لغلبة نفسه وهواه عليه، فهو فاسق عاص، والفسق لا ينافي أصل الايمان، ولكن ينافي كماله، وقد يطلق عليه الكفر وعدم الايمان أيضا، إذا ترك كبار الفرائض أو أتى بكبار المعاصي كما في قوله عزوجل " ولله على الناس حج البيت من الاستطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين " (4) وقول النبي صلى الله عليه وآله: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وذلك لان إيمان مثل هذا لا يدفع عنه أصل العذاب ودخول النار، وإن دفع عنه الخلود فيها، فحيث لا يفيده في جميع الاحوال فكأنه مفقود. والتحقيق فيه أن المتروك إن كان أحد الا صول الخمسة التي بني الاسلام عليها، أو المأتي به إحدى الكبائر من المنهيات، فصاحبه خارج عن أصل الايمان أيضا ما لم يتب أو لم يحدث نفسه بتوبة، لعدم اجتماع ذلك مع التصديق القلبي فهو كافر كافر استخفاف، وعليه يحمل ما روي من دخول العمل في أصل الايمان


(1) البقرة 85. (2) النساء 171. (3) المائدة: 87. (4) آل عمران: 97 (*).

[295]

روى ابن أبي شعبة عن الصادق عليه السلام في حديث طويل (1) أنه قال: لا يخرج المؤمن من صفة الايمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا وإنما استوجب واستحق اسم الايمان ومعناه بأداء كبار الفرائض موصولة، وترك كبار المعاصي واجتنابها وإن ترك صغار الطاعة وارتكب صغار المعاصي فليس بخارج من الايمان، ولا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة، وارتكاب شئ من المعاصي، فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله " إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم و ندخلكم مدخلا كريما " (2) يعني مغفرة ما دون الكبائر، فان هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها وكبارها معاقبا عليها معذبا بها. إلى هنا كلام الصادق عليه السلام. إذا عرفت هذا فاعلم أن كل من جهل أمرا من امور دينه، بالجهل البسبيط، فقد نقص إيمانه بقدر ذلك الجهل، وكل من أنكر حقا واجب التصديق لاستكبار أو هوى أو تقليد أو تعصب فله عرق من كفر الجحود، وكل من أظهر بلسانه ما لم يعتقد بباطنه وقلبه، لغير غرض ديني كالتقية في محلها ونحو ذلك أو عمل عملا اخرويا لغرض دنيوي، فله عرق من النفاق، وكل من كتم حقا بعد عرفانه أو أنكر ما لم يوافق هواه، وقبل ما يوافقه، فله عرق من التهود، وكل من استبد برأيه ولم يتبع إمام زمانه أو نائبه الحق أو من هو أعلم منه في أمر من الامور الدينية، فله عرق من الضلالة، وكل من أتى حراما أو شبهة أو تواني في طاعة مصرا على ذلك، فله عرق من الفسوق، فان كان ذلك ترك كبير فريضة أو إتيان كبير معصية فله عرق من كفر الاستخفاف، ومن أسلم وجهه لله في جميع الامور من غير غرض وهوى، واتبع إمام زمانه أو نائبه الحق، آتيا بجميع أوامر الله ونواهيه، من غير توان ولا مداهنة، فإذا أذنب ذنبا استغفر من قريب وتاب أو زلت قدمه استقام وأناب، فهو المؤمن الكامل الممتحن ودينه هو الدين الخالص وهو الشيعي حقا والخالص صدقا، اولئك أصحاب أمير المؤمنين بل هو من أهل


(1) مر تحت الرقم: 31. (2) النساء: 31 (*).

[296]

البيت عليهم السلام إذا كان عالما بأمرهم محتملا لسرهم كما قالوا: سلمان منا أهل البيت. 54 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن النضر، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر، عن أبي بصير قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال له: سلام إن خيثمة بن أبي خيثمة يحدثنا عنك أنه سألك عن الاسلام، فقلت: إن الاسلام: من استقبل قبلتنا، وشهد شهادتنا، ونسك نسكنا، ووالى ولينا، و عادى عدونا فهو مسلم، فقال: صدق خيثمة، قلت: وسألك عن الايمان فقلت: الايمان بالله، والتصديق بكتاب الله تعالى وأن لا يعصي الله فقال: صدق خيثمة (1). بيان: " سلام " يحتمل ابن المستنير الجعفي وابن أبي عمرة الخراساني و كلاهما مجهولان من أصحاب الباقر عليه السلام " وخيثمة " بفتح الخاء ثم الياء المثناة الساكنة ثم المثلثة المفتوحة غير مذكور في الرجال قوله: " من استقبل قبلتنا " أي دين من استقبل، فقوله: فهو مسلم تفريع وتأكيد، أو قوله " فهو مسلم " قائم مقام العائد لانه بمنزلة: فهو صاحبه، أو فهو المتصف به، وفي بعض النسخ " ما استقبل " ولا يستقيم إلا بتكلف بأن استعمل ما مكان من، أو يكون تقديره ما استقبل به المرؤ قبلتنا " وشهد شهادتنا " أي شهادة جميع المسلمين " ونسك نسكنا " أي عبد كعبادة المسلمين فيأتي بالصلاة والزكاة والصوم والحج أو المراد بالنسك أفعال الحج أو الذبح، قال الراغب: النسك العبادة، والناسك العابد واختص بأعمال الحج، والمناسك مواقف النسك وأعمالها والنسيكة مختصة بالذبيحة، قال " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " وقال تعالى " فإذا قضيتم مناسككم " وقال " منسكا هم ناسكوه " (2). " ووالى ولينا " أي والى جميع المسلمين، " وعادى عدونا " أي عدو جميع المسلمين، وهم المشركون وسائر الكفار فهذا يشمل جميع فرق المسلمين، فالتصديق بكتاب الله يدخل فيه الاقرار بالرسالة والامامة والعدل والمعاد " وأن لا يعصي الله "


(1) الكافي ج 2 ص 38. (3) المفردات ص 491، والايات في البقرة: 196 و 200، وفى الحج: 67 (*).

[297]

بالعمل بالفرائض وترك الكبائر أو العمل بجميع الواجبات وترك جميع المحرمات. والحاصل أنه يحتمل أن يكون المراد بالاسلام الاسلام الظاهري وإن لم يكن مع التصديق القلبي، وبالايمان العقائد القلبية مع الاقرار بالولاية والاتيان بالاعمال ويحتمل أن يكون المراد بقوله " والى ولينا وعادى عدونا " موالاة أولياء الائمة عليهم السلام ومعاداة أعدائهم، فالاسلام عبارة عن الاذعان بجميع العقائد الحقة ظاهرا أو ظاهرا وباطنا، والايمان عبارة عن انضمام العقائد القلبية والاعمال معه، أو الاعمال فقط، على كل تقدير يرجع إلى أحد المعاني المتقدمة لهما. 55 - كا: عن محمد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن الاشعث بن محمد، عن محمد بن حفص ابن خارجة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وسأله رجل عن قول المرجئة في الكفر والايمان وقال: إنهم يحتجون علينا ويقولون كما أن الكافر عندنا هو الكافر عند الله فكذلك نجد المؤمن إذا أقر بايمانه أنه عند الله مؤمن، فقال: سبحان الله كيف يستوي هذان ؟ والكفر إقرار من العبد ؟ فلا يكلف بعد إقراره ببينة والايمان دعوى لا تجوز إلا ببينة وبينته عمله ونيته، فإذا اتفقا فالعبد عند الله مؤمن، والكفر موجود بكل جهة من هذه الجهات الثلاث من نية أو قول أو عمل، والاحكام تجري على القول والعمل، فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالايمان، ويجري عليه أحكام المؤمنين وهو عند الله كافر، وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله (1). بيان: مفعول " يقول " قوله " سبحان الله " إلى آخر الكلام، وإعادة فقال للتأكيد لطول الفصل، وقد مر أن المرجئة قوم يقولون إنه لا يضر مع الايمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، ويظهر من هذا الخبر أنهم كانوا يقولون بأن الايمان هو الاقرار الظاهري ولا يشترط فيه الاعتقاد القلبي، وكذا الكفر لكنه غير مشهور عنهم. قال في المواقف وشرحه: من كبار الفرق الاسلامية: المرجئة لقبوا به لانهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرونه أو لانهم يقولون لا يضر مع الايمان معصية


(1) الكافي ج 2 ص 39 (*).

[298]

كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يعطون الرجاء وعلى هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ المرجئة، وفرقهم خمس اليونسية، أصحاب يونس النميري قالوا الايمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، والمحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو مؤمن، و لا يضر معها ترك الطاعات وارتكاب المعاصي ولا يعاقب عليها والعبيدية أصحاب العبيد المكذب، زادوا على اليونسية أن علم الله لا يزال شيئا معه غيره، وأنه تعالى على صورة الانسان، والغسانسية أصحاب غسان الكوفي قالوا: الايمان هو المعرفة بالله ورسوله، وبما جاء من عندهما إجمالا لا تفصيلا، وهو لا يزيد ولا ينقص وغسان كان يحكيه عن أبي حنيفة وهو افتراء عليه فانه لما قال: الايمان هو التصديق ولا يزيد ولا ينقص ظن به الارجاء بتأخير العمل عن الايمان، والثوبانية أصحاب ثوبان المرجي قالوا: الايمان هو المعرفة والاقرار بالله ورسوله، وبكل ما لا يجوز في العقل أن يعقله، وأما ما جاز في العقل أن يعقله فليس الاعتقاد به من الايمان، وأخروا العمل كله من الايمان، والثومنية أصحاب أبي معاذ الثومني قالوا: الايمان هو المعرفة والتصديق والمحبة والاخلاص والاقرار بما جاء به الرسول، وترك كله أو بعضه كفر وليس بعضه إيمانا ولا بعض إيمان وكل معصية لم يجمع على أنه كفر فصاحبه يقال إنه فسق وعصى، وأنه فاسق، ومن ترك الصلاة مستحلا كفر لتكذيبه بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله ومن تركها بنية القضاء لم يكفر، وقالوا السجود للصنم ليس كفرا بل هو علامة الكفر، فهذه في المرجئة الخالصة، ومنهم من جمع إلى الارجاء القدر انتهى. قوله " كما أن الكافر " كأنه قاس الايمان بالكفر فان من أنكر ضروريا من ضروريات الدين ظاهرا من غير تقية فهو كافر، وإن لم يعتقد ذلك، فإذا أقر بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون مؤمنا غير معذب، وإن لم يعتقد بقلبه شيئا من ذلك، ولم يضم إليه أفعال الجوارح من الطاعات وترك المعاصي، فأجاب عليه السلام بأنه مع بطلان القياس لا سيما في المسائل الاصولية فهو قياس مع الفارق، ثم شبه عليه السلام الامرين بالاقرار والانكار، ليظهر الفرق فان إنكار الضروري مستلزم لترك جزء

[299]

من أجزاء الايمان، وهو الاقرار الظاهري، فهو بمنزلة إقرار الانسان على نفسه فانه لا يكلف بينة على إقراره، بل يحكم بمحض الاقرار عليه، وإن شهدت البينة على خلافه، بخلاف إظهار الايمان والتكلم به، فانه وإن أتى بجزء من الايمان وهو الاقرار الظاهري، لكن عمدة أجزائه التصديق القلبي، وهو في ذلك مدع لا بد له من شاهد من عمل الجوارح عند الناس، ومن النية والتصديق عند الله، فإذا اتفق الشاهدان، وهما التصديق والعمل، ثبت إيمانه عند الله، ولما كان التصديق القلبي أمرا لا يطلع عليه غير الله، لم يكلف الناس في الحكم بايمانه إلا بالاقرار الظاهري والعمل، فانهما شاهدان عدلان يحكم بهما ظاهرا وإن كانا كاذبين عند الله. والحاصل أنه عليه السلام شبه الاقرار الظاهري بالدعوى في سائر الدعاوي وكما أن الدعوى في سائر الدعاوي لا تقبل إلا ببينة، فكذا جعل الله تعالى هذه الدعوى غير مقبولة إلا بشاهدين من قلبه وجوارحه، فلا يثبت عنده إلا بهما، وأما عند الناس فيكفيهم في الحكم الاقرار والعمل الظاهري، كما يكتفي عند الضرورة بالشاهد واليمين، فالايمان مركب من ثلاثة أجزاء ولا يثبت الايمان الواقعي إلا يتحقق الجميع، فهو من هذه الجهة يشبه سائر الدعاوي للزوم ثلاثة أشياء في تحققها: الدعوى، والشاهدين، ويمكن أن يكون الاصل في الايمان الامر القلبي ولما لم يكن ظهوره للناس إلا بالاقرار والعمل، فجعلهما الله من اجزء الايمان أو من شرائطه ولوازمه " وقد أصاب " أي حكم بالحكم والصواب. 56 - كا (1): عن علي بن إبر اهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله ابن سنان قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يرتكب الكبيرة من الكبائر فيموت، هل يخرجه ذلك من الاسلام، وإن عذب كان عذابه كعذاب المشركين أم له مدة وانقطاع ؟ فقال عليه السلام: من ارتكب كبيرة من الكبائر، فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الاسلام، وعذب أشد العذاب، وإن كان معترفا أنه أذنب


(1) الكافي ج 2 ص 285 (*).

[300]

ومات عليه، أخرجه من الايمان، ولم يخرجه من الاسلام، وكان عذابه أهون من عذاب الاول (1). * (تذييل وتفصيل) * قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في كتاب حقائق الايمان: قيل: الاسلام و الايمان واحد، وقيل بتغايرهما والظاهر أنهم أرادوا الوحدة بحسب الصدق لا في المفهوم، ويظهر من كلام جماعة من الاصوليين أنهما متحدان بحسب المفهوم أيضا حيث قالوا: إن الاسلام هو الانقياد والخضوع لالوهية الباري تعالى والاذعان بأوامره ونواهيه، وذلك حقيقة التصديق الذي هو الايمان على ما تقدم. وأما القائلون بالتغاير صدقا ومفهوما فانهم أرادوا أن الاسلام أعم من الايمان مطلقا، وقد أشرنا فيما تقدم في أوائل المقدمة الاولى أن المحقق نصير الدين -


(1) طبع في نسخة الكمبانى بعد تمام هذا الخبر - قائلا في هامشه: هكذا نسخة الاصل - شطرا ناقصا غير مفهوم من حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله في شرايع الاسلام من دون رمز إلى مصدر الحديث، هكذا: " شئ لم يكن علمه منى ولا سمعه، فعليه بعلى بن أبى طالب فانه قد علم كما قد علمته، و ظاهره وباطنه ومحكمه ومتشابهه " إلى آخر ما نقله وهو نحو عشرة أبيات كما سيأتي في الباب 27 تحت الرقم 41. وهذا الحديث تمامه عشرون بيتا من باب واحد ملتئم الاجزاء لا يصح تقطيعها، يعرف فيه شرائع الاسلام، ولذا نقله المؤلف العلامة رضوان الله عليه بتمامه في آخر باب دعائم الاسلام نقلا عن كتاب الطرف بروايته عن عيسى بن المستفاد عن موسى بن جعفر عن أبيه قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله أبا ذر وسلمان والمقداد فقال لهم: أتعرفون شرايع الاسلام وشروطه ؟ -. إلى أن قال:. وعلى أن تحللوا حلال القرآن وتحرموا حرامه وتعملوا بالاحكام، وتردوا المتشابه إلى أهله، فمن عمى عليه شئ لم يكن علمه منى " الخ. فالظاهر أن هذا الشطر من الحديث كان مكتوبا على ورقة مبدوا في أول السطر بقوله: " شئ لم يكن علمه " فوقعت مسودة في البين، وكان على المؤلف العلامة أن يضرب عليها، فغفل عن ذلك، وبقى النسخة كما نقلت في الكمبانى، فراجعه (*).

[301]

الطوسي قدس سره نقل في قواعد العقائد أن الاسلام أعم في الحكم من الايمان لكنه في الحقيقة هو الايمان، وهذه عبارته رحمه الله تعالى: " قالوا الاسلام أعم في الحكم من الايمان، لان من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين، لقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " (1) وأما كون الاسلام في الحقيقة هو الايمان، فلقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " (2) ثم قال: واختلفوا في معناه يعني الايمان فقال بعض السلف كذا وقالت المعتزلة: اصول الايمان خمسة وعدها، وقالت الشيعة: اصول الايمان ثلاثة وعدها أيضا وقال أهل السنة: هو التصديق بالله تعالى إما على ما تقدم تفصيله فليراجع. أقول ظاهره قوله رحمه الله: " قالوا " أي هؤلاء المختلفون في معنى الايمان كما يدل عليه قوله " واختلفوا " وظاهر هذا النقل يعطي أنه لا نزاع في أن حقيقتهما واحدة والمغايرة إنما هي في الحكم فقط بمعنى أنا قد نحكم على شخص في ظاهر الشرع بكونه مسلما لاقراره بالشهادتين ولا نحكم عليه بالايمان حتى نعلم من حاله التصديق وما نقلناه من المذهبين الاولين يقتضي وقوع النزاع في الحقيقة والحكم. أما أهل المذهب الاول وهم القائلون باتحادهما مطلقا صدقا ومفهوما أو صدقا فقط، فانهم صرحوا باتحادهما في الحكم أيضا حيث قالوا: لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا وأما أهل المذهب الثاني وهم القائلون بالتغاير، فانهم صرحوا بتغايرهما صدقا ومفهوما وحكما، حيث قالوا: إن حقيقة الاسلام هي الانقياد والاذعان باظهار الشهادتين، سواء اعترف مع ذلك بباقي المعارف أم لا، فيكون أعم مفهوما من الايمان، فتبين مما حررناه أن المذاهب في بيان حقيقة الاسلام ثلاثة. احتج أهل المذهب الاول بقوله تعالى " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين " (3) وجه الاستدلال أن " غير " هذا للاستثناء بمعنى


(1) الحجرات: 13. (2) آل عمران: 19. (3) الذاريات: 35 و 36 (*).

[302]

إلا، وهذا استثناء مفرغ متصل، فيكون من الجنس إذ المعنى والله أعلم: فما وجدنا فيها بيتا من بيوت المؤمنين إلا بيتا من المسلمين، وبيت المسلم إنما يكون بيت المؤمن إذا صدق المؤمن على المسلم كما هو مقتضى الاتحاد في الجنس إذ من المعلوم أن المراد من البيت هنا أهله لا الجدران، على حد قوله تعالى واسئل القرية " (1) وصدق المؤمن على المسلم يقتضي كون الايمان أعم من الاسلام أو مساويا له، لكن لا قائل بالاول فتعين الثاني، واعترض بأن المصحح للاستثناء هو تصادق المستثنى والمستثنى منه في الفرد المخرج، لا في كل فرد، وهو يتحقق بكون الاسلام أعم كما يتحقق بكونه مساويا والامر هنا كذلك فانه على تقدير كون الايمان أخص يتصادق المؤمن والمسلم في البيت المخرج الموجود، فانه بيت لوط عليه وعلى نبينا السلام على أن دلالة هذه الاية معارضة بقوله تعالى " قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " فوصفهم تعالى بالاسلام حيث جوز لهم الاخبار عن أنفسهم به، ونفى عنهم الايمان، فدل على تغايرهما. واحتج أهل المذهب الثاني على المغايرة بهذه الاية، والتقريب ما تقدم في بيان المعارضة، وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة رضي الله عن المؤمنين منهم أنهم كانوا يكتفون في الاسلام باظهار الشهادتين ثم بعد ذلك ينبهون المسلم على بعض المعارف الدينية التي يتحقق بها الايمان. أقول: إن الاية الكريمة إنما تدل على المغايرة في الجملة وكما يجوز أن يكون بحسب الحقيقة، يجوز أن يكون في الحكم دون الحقيقة، كما اختاره أهل المذهب الثالث، ويؤيد ذلك أن الله سبحانه لم يثبت لهم الاسلام صريحا ولا وصفهم به، حيث لم يقل ولكن أسلمتم كما قال لم تؤمنوا، بل أحال الاخبار به على مقالتهم فقال تعالى: " ولكن قولوا أسلمنا " وحينئذ فيجوز أن يكون المراد والله أعلم أنكم لم تؤمنوا حتى تدخل المعارف قلوبكم ولما تدخل، لكن ما زعمتموه من الايمان فانما هو إسلام ظاهري، يمكن الحكم عليكم به في ظاهر الشرع، حيث أقررتم


(1) يوسف: 82 (*).

[303]

بألسنتكم دون قلوبكم. فلكم أن تخبروا عن أنفسكم وأما الاسلام الحقيقي فلم يثبت لكم عند الله تعالى كالايمان، فلذا لم يخبر عنكم به، وقد يظهر من ذلك الجواب عن الثاني أيضا. إن قلت: إن الاسلام من الحقائق الاعبتارية للشارع، كالايمان، فلا يعلم إلا منه، وحيث أذن لهم في أن يخبروا عن أنفسهم بأنهم أسلموا مع أن الايمان لم يكن دخل قلوبهم كما دل عليه آخر الاية، تدل على أنه لم يكن له حقيقة وراء ذلك عند الشارع، وإلا لما جوز لهم ذلك الاخبار، واحتمال المجاز يدفعه أن الاصل في الاطلاق الحقيقة، ولزوم الاشتراك على تقدير الحقيقة، يدفعه أنه متواطئ أو مشكك، حيث بينا أن مفهومه هو الانقياد والاذعان بالشهادتين، سواء اقترن بالمعارف أم لا، فيكون إسلام الاعراب فردا منه. قلت: لا ريب أنه لو علم عدم تصديق من أقر بالشهادتين لم يعتبر ذلك الاقرار شرعا ولم نحكم باسلام فاعله، لانه حينئذ يكون مستهزئا أو مشككا، وإنما حكم الشارع باسلامه ظاهرا في صورة عدم علمنا بموافقة قلبه للسانه، بالنسبة إلينا تسهيلا ودفعا للحرج عنا، حيث لا يعلم السرائر إلا هو، وأما عنده تعالى فالمسلم من طابق قلبه لسانه كما قال تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " (1) مع أن الدين لا يكون إلا مع الاخلاص لقوله تعالى " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " (2) إلى قوله تعالى " وذلك دين القيمة ". فالاسلام لا يكون إلا مع الاخلاص أيضا بقرينة أنه ذكر الاسلام معرفا و ذلك يفيد حصر الاسلام في الدين المخلص، فكأن المعنى والله أعلم: لا إسلام إلا ما هو دين عند الله تعالى كما يقال زيد العالم أي لا غيره، والفرق ظاهر بين أن يقال الدين المخلص إسلام، أو هو الاسلام كما قررناه، فعلم أن الاسلام اللساني ليس داخلا في حقيقة الاسلام عند الله، والكلام إنما هو فيما يعد إسلاما وإيمانا عند الشارع لا عندنا، بحيث لا يجتمع مع ضده الذي هو الكفر في موضع واحد


(1) آل عمران: 19. (2) البينة: 5 (*).

[304]

في زمان واحد، والاقرار باللسان دون القلب يجامع الكفر فلا يكون إسلاما حقيقة، ولعل هذا هو السر في إحالة الاخبار بالاسلام على قول الاعراب دون قوله تعالى، كما أشرنا إليه سابقا، إن قلت: إذا لم يكن إسلام الاعراب إسلاما عند الله تعالى كان مغريا لهم بالكذب حيث أمرهم أن يخبروا عن أنفسهم بالاسلام فقال: " قولوا أسلمنا " وهو محال عليه تعالى. قلت: إنما أمرهم أمرا إرشاديا بأن يخبروا بالاسلام الظاهري وهو حق في الظاهر، فلم يكن مغريا لهم بالكذب. حيث لم يأمرهم بأن يخبروا بأنهم مسلمون عند الله تعالى بالاسلام مطلقا، وقد تقدم ما يصلح دليلا لما ادعيناه من التخصيص، على أنه يمكن أن يقال إن الله سبحانه وتعالى لم يأمرهم بالاخبار أصلا لا ظاهرا، ولا غيره، بل أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يأمرهم، حيث قال تعالى " قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا " (1) أي ولكن قل لهم قولوا أسلمنا، فالامر لهم بقول أسلمنا إنما هو من النبي صلى الله عليه وآله لا من الله تعالى لما تقرر في الاصول من أن الامر بالامر بالشئ ليس أمرا بذلك الشئ. واحتج أهل المذهب الثالث على كل من جزءي مدعاهم أما على أن الاسلام أعم في الحكم فبآية الاعراب المتقدمة، والتقريب ما تقدم، لكن لا يرد عليهم شئ مما أوردناه على استدلال أهل المذهب الثاني بها لانهم يدعون دلالتها على مغايرة الاسلام للايمان حقيقة، وهم يدعون المغايرة في الحكم ظاهرا دون الحقيقة، بل ما ذكرناه من الايرادات محقق لاستدلالهم بها، إذ لا يتم لهم بدونه كما لا يخفى على من أحاط بما ذكرناه في بيان معنى هذاه الاية مما من به الواهب الكريم. إن قلت: إن الشارع حكم بايمان من أقر بالمعارف الاصولية ظاهرا وإن كان في نفس الامر غير معتقد لذلك، إذا لم يطلع عليه، على حد ما ذكرتم في الاسلام فكما أن الايمان والاسلام الاعتقاديين متحدان فكذا الظاهريان، فما وجه عموم


(1) الحجرات: 13 (*).

[305]

الاسلام في الحكم وما معناه ؟. قلت: الاسلام يكفي في الحكم به ظاهرا الاقرار بالشهادتين، مع عدم علم الاستهزاء والشك من المعتبر، بخلاف الايمان، فانه لا بد في الحكم به ظاهرا مع ذلك من الاعتراف بأنه يعتقد الاصول الخمسة، مع إقراره بها، أو يقتصر على الاقرار بها مع عدم علمنا منه بما ينافي ذلك من استهزاء أو شك، فهو أخص حكما من الاسلام، وهذا الذي ذكرناه يشهد به كثير من الاحاديث، وحكم علماء الامامية أيضا باسلام أهل الخلاف وعدم إيمانهم، يؤيد ما قلناه. وأما على أن الاسلام في الحقيقة هو الايمان فبقوله تعالى " فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين " (1) الاية والتقريب ما تقدم في بيان استدلال أهل المذهب الاول بها، والاعتراض الاعترض، لكن ما ذكر هناك من المعارضة بآية الاعراب لا يرد هنا لانا بينا أنها إنما تدل على المغايرة في الحكم، وهو لا ينافي الاتحاد في الحقيقة وأما هناك فلما كان المدعى الاتحاد مطلقا حكما وحقيقة، أمكن المعارضة بها في الجملة. وقد تقدم في كلام المحقق الطوسي قدس سره: أنهم استدلوا على كون حقيقتهما واحدة بقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " ويمكن تقريره بوجهين أحدهما: أن الايمان هو الدين والدين هو الاسلام، فالايمان هو الاسلام أما الكبرى فللاية وأما الصغرى فلقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " (2) ولا ريب أن الايمان مقبول من يبتغيه دينا للاجماع، فيكون الايمان دينا فيكون هو الاسلام، وفيه أنه لا يلزم من صحة حمل الاسلام عليه كونهما واحدا في الحقيقة لجواز كون المحمول أعم، ويمكن الجواب بما ذكرناه سابقا من إفادة مثل ذلك حصر الاسلام في الدين، لكن يرد على دليل الصغرى أن اللازم منه كون الايمان دينا أما كونه نفس الدين ليكون هو الاسلام، فلا، لجواز أن يكون جزءا منه أو جزئيا له، أو شرعا كذلك، ولا ريب أن جزء الشئ أو جزئيه أو شرطه


(1) الذاريات: 35. (2) آل عمران: 85 (*).

[306]

يقبل معه، وإن كان مغايرا له، فعلم أن المراد من الغير في الاية الكريمة غير ذلك. وأيضا يرد عليه: أن هذا الدليل إنما يستقيم على مذهب من يقول: إن الطاعات جزء من الايمان، وذلك لان الظاهر أن الدين المحمول عليه الاسلام هو دين القيمة في قوله تعالى " وذلك دين القيمة " (1) والمشار إليه بذلك ما تقدم من الاخلاص في الدين، مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. وثانيهما أن العبادات المعتبرة شرعا هي الدين، والدين هو الاسلام، والاسلام هو الايمان، أما الاولى فلقوله تعالى " وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " (2) وأما الثانية فلقوله تعالى " إن الدين عند الله الاسلام " وأما الثالثة فلقوله تعالى " ومن يبتغ غير الاسلام دينا " الاية، وقد تقدم بيان ذلك، ويرد عليه جميع ما يرد على الوجه الاول، ويزيد عليه أن النتيجة كون العبادات هي الايمان والمدعى كون الاسلام هو الايمان أو عكسه، ولا ينطبق على المدعى. ولو سلم استلزامه للمدعى لاقتضاء المقدمة الثالثة ذلك، قلنا فبقية المقدمات مستدركة إذ يكفي أن يقال: الاسلام، هو الايمان لقوله تعالى " ومن يبتغ " الاية. أقول: قد عرفت أن هذا الاستدلال بوجهيه إنما يستقيم على مذهب من يجعل الطاعات الايمان أو جزءا منه، فان كان المستدل به هؤلاء، فذلك قد علم مع ما يرد عليه، وإن كان غيرهم فهو ساقط الدلالة أصلا ورأسا، ثم نقول على تقدير تسليم دلالة هذه الايات على اتحادهما: إن الحكم بعموم الاسلام في الحكم على مذهب من يجعل الطاعات الايمان ظاهرا أن الايات دلت على اتحادهما في الحقيقة عند الله تعالى، وعلى هذا من لم يأت بالطاعات أو بعضها فلا دين له، فلا إسلام، فلا إيمان له عند الله تعالى ولا في الظاهر، إذا لم يعرف منه ذلك. وأما من اكتفى بالتصديق في تحقق حقيقة الايمان، وجعل الاتيان بالطاعات من المكملات، فيلزم عليه بمقتضى هذه الايات أن يسلمه بأن يكون بين الاسلام


(1 و 2) البينة: 5 (*).

[307]

والايمان عموم من وجه، لتحققهما فيمن صدق بالمسائل الاصولية، وأتى بالطاعات مخلصا، وانفراد الاسلام فيمن أقر بالشهادتين ظاهرا مع كونه غير مصدق بقلبه وانفراد الايمان فيمن صدق بقلبه بالمعارف، وترك الطاعات غير مستحل، فانه لا دين له حيث لم يقم الصلاة ولا آتى الزكاة كما هو المفروض، فلا إسلام له، لان الدين عند الله الاسلام، وهو في غاية البعد والاستهجان ولم يذهب أحد إلى أنه قد يكون المكلف مؤمنا ولا يكون مسلما. هذا إن اعتبرنا النسبة بين مطلق الاسلام والايمان حقيقيا أو ظاهريا وإن اعتبرنا النسبة بين الحقيقيين فقط أي ما هو إسلام وإيمان عند الله تعالى، كانا متحدين عند من جعلهما الطاعات، وعند من اكتفى بالتصديق يكون الايمان أعم مطلقا وهو أيضا غريب، إذ لم يذهب إليه أحد، ولا مخلص له عن هذا الالزام إلا بالتزامه إذ يدعي أن تارك الطاعات غير مستحل مسلم أيضا ويتأول الدين في قوله تعالى " وذلك دين القيمة " بالدين الكامل، ويكون المراد بالدين في قوله تعالى: " إن الدين عند الله الاسلام " الدين الاصلي الذي لا يتحقق أصل الايمان إلا به، وحينئذ فيكون الاسلام والايمان الحقيقيان متحدين أيضا عنده، ويؤيد ذلك ما ذكره بعضهم من أن الاستدلال بآية الاخلاص إنما يتم باضمار لفظ المذكر، ونحوه، فان الاشارة في قوله تعالى: " وذلك دين القيمة " يرجع إلى متعدد، وهو العبادة مع الاخلاص في الدين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، بل مع جميع الطاعات، بناء على أنه اكتفى عن ذكرها بذكر الاعظم منها، وأنها قد ذكرت إجمالا في قوله تعالى: " ليعبدوا " وذكر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة لشدة الاعتناء بهما فكان حق الاشارة أن يكون " اولئك " ونحوه تطابقا بين الاشارة والمشار إليه، ولما كانت الاشارة مفردة ارتكب المذكور، وحيث لا بد من الاضمار فللخصم أن يضمر الاخلاص أو التدين المدلول عليهما بقوله " مخلصين له الدين " والترجيح لهذه، لقربه من المعنى اللغوى للايمان، وبعد ذلك فلم يكن في الاية دلالة على أن الطاعات هي الايمان، فلم يتكرر الاوسط في قولنا عبادة الله تعالى مع الاخلاص وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة كالدين

[308]

والدين هو الاسلام، والاسلام هو الايمان، لقوله تعالى " ومن يبتغ " الاية فالطاعات هي الاسلام والايمان، لانه يقال: لا نسلم أن المراد من الدين في المقدمة الاولى ما يراد في المقدمة الثانية. وقد ظهر من هذا تزييف الاستدلال بهذه الايات على كون الطاعات معتبرة في حقيقة الايمان، لانه لم يناف ما نحن فيه من اتحاد الاسلام والايمان، لكن لا يخفى أنه مناف لما قد بيناه من أن البحث كله على تقدير تسليم دلالة هذه الايات وما ذكر من التأويل مناف للتسليم المذكور، ويمكن الجواب عنه فتأمل. وههنا بحيث يصلح لتزييف الاستدلال بهذه الايات على المطلبين: مطلب كون الطاعات معتبرة في حقيقة الايمان، ومطلب اتحادهما في الحقيقة فنقول: لو سلمنا أن المراد من الدين في الايات الثلاث واحد وأن الطاعات معتبرة في أصل حقيقة الاسلام، فلا يلزم أن تكون معتبرة في أصل حقيقة الايمان، ولا أن يكون الاسلام والايمان متحدين حقيقة، وذلك لان الاية الكريمة إنما دلت على أن من ابتغى أي طلب غير دين الاسلام دينا له فلن يقبل منه ذلك المطلوب، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه، لكنه ترك بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الاسلام، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه، لعدم المنافاة بينهما، فان الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها، لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ولا يخرج بذلك عن ابتغائها، وقد تقدم هذا الاعتراض في المقالة الاولى على دليل القائلين بالاتحاد. إن قلت: على تقدير تسليم اتحاد معنى الدين في الايات فما يصنع من اكتفى في الايمان بالتصديق، فيما إذا صدق شخص بجميع ما أمره الله تعالى به ولو إجمالا لكنه لم يفعل بعد شيئا من الطاعات لعدم وجوبها عليه، كما لو توقفت على سبب أو شرط ولم يحصل أو وجد مانع من ذلك فانه يسمى مؤمنا ولا يسمى مسلما لعدم الاتيان بالطاعات التي هي معتبرة في حقيقة الاسلام، وكذا الحكم على من وجبت عليه وتركها تقصيرا غير مستحل مع كونه مصدقا بجميع ما امر به ومريدا للطاعات

[309]

فانه يسمي حينئذ مؤمنا لا مسلما، ويلزم الاستهجان المذكور سابقا. قلت: الامر على ما ذكرت، ولا مخلص من هذا إلا بالتزام ارتكاب عدم تسليم اتحاد معنى الدين في الايات، أو التزامه، ونمنع من استهجانه، فانه لما كان حصول التصديق مع ترك الطاعات فردا نادر الوقوع، لم تلتفت النفس إليه فلذا لم يتوجهوا إلى بيان النسبة بين الاسلام والايمان على تقديره، وبالجملة فظواهر الايات تعطي قوة القول بأن الاسلام والايمان الحقيقيان تعتبر فيهما الطاعات، وتحقق حصول الايمان في صورة حصول التصديق قبل وجوب الطاعات يفيد قوة القول بأن الايمان هو التصديق فقط والطاعات مكملات. انتهى كلامه ضوعف في الجنة إكرامه، ولم نتعرض لتبيين ما حققه وما يخطر بالبال في كل منها لخروجه عن موضع كتابنا وفي بالي - إن فرغني الله تعالى عن بعض ما يصدني عن الوصول إلى آمالي - أن أكتب في ذلك كتابا مفردا إنشاء الله تعالى، وهو الموفق للخير والصواب، وإليه المرجع والمآب. 25. * (باب) * * " " (نسبة الاسلام) " " * 1 - مع، لى: عن ما جيلويه، عن عمه، عن البرقي، عن أبيه، عن محمد بن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي: الاسلام هو التسليم، والتسليم هو التصديق، والتصديق هو اليقين، واليقين هو الاداء، والاداء هو العمل، إن المؤمن أخذ دينه عن ربه، ولم يأخذه عن رأيه أيها الناس دينكم دينكم، تمسكوا به لا يزيلكم أحد عنه، لان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره لان (1) السيئة فيه تغفر، والحسنة في غيره


(1) تعليل لقوله عليه السلام: " لان السيئة فيه خير من الحسنة في غيره " وذلك لان > (*).

[310]

لا تقبل (1). بيان: " دينكم " نصب على الاغراء، أي خذوا دينكم وتمسكوا به، قوله عليه السلام: " لان السيئة فيه تغفر " أقول: يحتمل وجهين الاول أن يكون مبنيا على أن العمل غير المقبول ربما يعاقب عليه، فانه كالصلاة بغير وضوء، فهو بدعة يستحق عليها العقاب وأيضا ترك العمل الذي وجب عليه، لانه لم يأت به مع شرائطه فيستحق عقابين أحدهما بفعل العمل المبتدع، وثانيهما بترك العمل المقبول، و هو لعدم الايمان لا يستحق العفو، والسيئة من المؤمن مما يمكن أن يغفر له إن لم يوجب له المغفرة، فهذه السيئة خير من تلك الحسنة، وأقرب إلى المغفرة، و الثاني أن يكون المراد خيرية المؤمن المسيئ بالنسبة إلى المخالف المحسن في مذهبه لان الاول يمكن المغفرة في حقه، ومع عدمها لا يدوم عقابه، بخلاف المخالف المتعبد، فانه لا تنفعه عبادته، ويخلد في النار بسوء اعتقاده، وكلاهما مما خطر بالبال وكأن الاول أظهر. 2 - ما: باسناد المجاشعي، عن الصادق، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل (2).


< السيئة في دين الاسلام مغفور عنها لقوله تعالى: " ان الحسنات يذهبن السيئات " بل صاحبها موعود بالجنة لقوله تعالى: " ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما " أما الحسنة في غيره فليست بمقبولة حتى يثاب عليها، بل هو خاسر في عمله لقوله تعالى: " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الاخرة من الخاسرين ". ولا يذهب عليك ان كلامه عليه السلام هذا مبتن على كون السيئة بمعنى الصغائر كما هو الظاهر من المقابلة في قوله تعالى: " ان تجتنبوا " الخ فان السيئات جعلت في مقابلة الكبائر فكل ما كانت كبيرة فهى من الموبقات التى وعد عليها النار، وكل ما كانت صغيرة وبعبارة أخرى سيئة فهى مكفرة لهذه الامة. (1) معاني الاخبار ص 185، أمالى الصدوق ص 211. (2) أمالى الطوسى ج 2 ص 137 وفيه: الاداء هو العلم (*).

[311]

3 - فس: عن محمد بن علي البغدادي رفع الحديث إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال: لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي ولا ينسبها أحد بعدي: الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل، المؤمن أخذ دينه عن ربه إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وإن الكافر يعرف كفره بانكاره، أيها الناس دينكم فان الحسنة فيه خير من الحسنة في غيره، وإن السيئة فيه تغفر، وإن الحسنة في غيره لا تقبل (1). 4 - سن: عن بعض أصحابنا رفعه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لانسبن اليوم الاسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي إلا بمثل ذلك: الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، و الاقرار هو العمل، والعمل هو الاداء إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه، ولكن أتاه عن ربه وأخذ به، إن المؤمن يرى يقينه في عمله، والكافر يرى إنكاره في عمله فو الذي نفسي بيده ما عرفوا أمر ربهم، فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة (2). كا: عن العدة، عن البرقي، عن بعض أصحابنا مثله إلا أن فيه لانسبن الاسلام إلى قوله: أتاه من ربه فأخذه، إلى قوله: ما عرفوا أمرهم (3). بيان: " لانسبن " يقال نسبت الرجل كنصرت أي ذكرت نسبه، والمراد بيان الاسلام، والكشف التام عن معناه، وقيل: لما كان نسبة شئ إلى شئ يوضح أمره وحاله، وما يؤول هو إليه، اطلق هنا على الايضاح من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم.


(1) تفسير القمى: 91. (2) المحاسن ص 222. (3) الكافي ج 2 ص 45 (*).

[312]

وأقول: كأن المراد بالاسلام هنا المعنى الاخص منه المرادف للايمان كما يومئ إليه قوله " إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه " وقوله " إن المؤمن يرى يقينه في عمله " وحاصل الخبر أن الاسلام هو التسليم والانقياد. والانقياد التام لا يكون إلا باليقين، واليقين هو التصديق الجازم، والاذعان الكامل بالاصول الخمسة أو تصديق الله ورسوله والائمة الهداة، والتصديق لا يظهر أولا يفيد إلا بالاقرار الظاهري، والاقرار التام لا يكون أولا يظهر إلا بالعمل بالجوارح، فان الاعمال شهود الايمان، والعمل الذي هو شاهد الايمان هو أداء ما كلف الله تعالى به لا اختراع الاعمال وإبداعها كما تفعله المبتدعة، والاداء اسم المصدر الذي هو التأدية، ويحتمل أن يكون المراد بالاداء تأديته وإيصاله إلى غيره، فيدل على أن التعليم ينبغي أن يكون بعد العمل، وأنه من لوازم الايمان، فظهر أن الحمل في بعضها حقيقي وفي بعضها مجازي. وقيل: أشار عليه السلام إلى أن الاسلام وهو دين الله الذي أشار إليه جل شأنه بقوله " إن الدين عند الله الاسلام " (1) يتوقف حصوله على ستة امور، والعبارة لا تخلو من لطف، وهو أنه جعل التصديق الذي هو الايمان الخالص الحقيقي بين ثلاثة وثلاثة واشتراك الثلاثة التي قبله في أنها من مقتضياته وأسباب حصوله، و اشتراك الثلاثة التي بعده في أنها من لوازمه وآثاره وثمراته، وبالجملة جعل التصديق الذي هو الايمان وسطا وجعل أول مراتبه الاسلام، ثم التسليم ثم اليقين وجعل أول مراتبه من جهة المسببات الاقرار بما يجب الاقرار به، ثم العمل بالجوارح، ثم أداء ما افتراض الله به انتهى. " إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه كأنه بيان لما بين سابقا وقرره من أن الاسلام لا يكون إلا بالتسليم لائمة الهدى، والانقياد لهم فيما أمروا به و هوا عنه، وأنه لا يكون ذلك إلا بتصديق النبي والائمة صلوات الله عليهم، و الاقرار بما صدر عنهم، وأداء الاعمال على نهج ما بينوه لان الايمان ليس أمرا


(1) آل عمران: 19 (*).

[313]

يمكن اختراعه بالرأي والنظر، بل لابد من الاخذ عمن يؤدي عن الله " فالمؤمن يرى " على بناء المجهول أو المعلوم من باب الافعال " يقينه " بالرفع أو النصب " في عمله " بأن يكون موافقا لما صدر عنهم، ولم يكن مأخوذا من الاراء والمقاييس الباطلة والكافر بعكس ذلك " ما عرفوا " أي المخالفون أو المنافقون " أمرهم " أي امور دينهم فروعا واصولا فضلوا وأضلوا لعدم اتباعهم أئمة الهدى، وأخذهم العلم منهم " فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة " المخالفة لمحكمات الكتاب والسنة، المبنية على آرائهم الفاسدة، والمخالفون داخلون في الاول أو في الثاني، بل فيهما حقيقة. فأقول روى السيد الرضي رضي الله عنه في نهج البلاغة جزءا من هذا الخبر هكذا وقال عليه السلام: لانسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الاسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو الاداء، والاداء هو العمل (1). وقال ابن أبي الحديد: خلاصة هذا الفصل يقتضي صحة مذهب أصحابنا المعتزلة في أن الاسلام والايمان عبارتان عن معنى واحد، وأن العمل داخل في مفهوم هذه اللفظة، ألا تراه جعل كل واحدة من اللفظات قائمة مقام الاخرى في إفادة المفهوم كما يقال الليث هو الاسد والاسد هو السبع والسبع هو أبو الحارث فلا شبهة أن الليث يكون أبا الحارث أي أن الاسماء مترادفة، فإذا كان أول اللفظات الاسلام، وآخرها العمل، دل على أن العمل هو الاسلام، وهكذا يقول أصحابنا: إن تارك العمل أي تارك الواجب لا يسمى مسلما. فان قلت: كيف يدل على أن الاسلام هو الايمان ؟ قلت: لان كل من قال إن العمل داخل في مسمى الاسلام، قال إن الاسلام هو الايمان. فان قلت: لم يقل عليه السلام كما تقوله المعتزلة، لانهم يقولون الاسلام اسم واقع على العمل وغيره من الاعتقاد والنطق باللسان، وهو جعل الاسلام هو العمل.


(1) نهج البلاغة عبده ط مصر ج 2 ص 171، تحت الرقم 125 من الحكم (*).

[314]

قلت: لا يجوز أن يريد غيره، لان لفظ العمل يشمل الاعتقاد والنطق باللسان وحركات الاركان بالعبادات، إذ كل ذلك عمل وفعل، وإن كان بعضه من أفعال القلوب، وبعضه من أفعال الجوارح، والقول بأن الاسلام هو العمل بالاركان خاصة لم يقل به أحد، انتهى (1). وقال ابن ميثم: هذا قياس مفصول مركب من قياسات (2) طويت نتائجها وينتج القياس الاول أن الاسلام هو اليقين، والثاني أنه التصديق، والثالث أنه الاقرار، والرابع أنه الاداء، والخامس أنه العمل أما المقدمة الاولى فلان الاسلام هو الدخول في الطاعة، ويلزمه التسليم لله، وصدق اللازم على ملزومه ظاهر، وأما الثانية فلان التسليم الحق إنما يكون ممن تيقن استحقاق المطاع للتسليم له، فاليقين من لوازم التسليم لله، وأما الثالثة فلان اليقين بذلك مستلزم للتصديق بما جاء به على لسان رسوله، من وجوب طاعته، فصدق على اليقين به أنه تصديق له، وأما الرابعة فلان التصديق لله في وجوب طاعته إقرار بصدق الله، وأما الخامسة فلان الاقرار والاعتراف بوجوب أمر يستلزم أداء المقر المعترف لما أقر به، وكان إقراره أداء لازما، السادسة أن أداء ما اعترف به لله من الطاعة الواجبة لا يكون إلا عملا، ويؤول حاصل هذا الترتيب إلى إنتاج أن الاسلام هو العمل لله، بمقتضى أوامره، وهو تفسير بالخاصة كما سبق بيانه انتهى (3) وكأن ما ذكرنا أنسب وأوفق. وقال الكيدري رحمه الله: " الاسلام هو التسليم " يعني: الدين هو الانقياد للحق والاذعان له " والتسليم هو اليقين " أي صادر عنه ولازم له، فكأنه هو من فرط تعلقه به " والتصديق هو الاقرار " أي إقرار الذهن وحكمه " والاقرار هو الاداء " أي مستلزم للاداء وشديد الشبه بالعلة له، لان من تيقن حقية الشئ، وأن


(1) شرح النهج لابن أبى الحديد ج 4 ص 302. (2) يعنى بالمفصول: المفصول النتائج، وهى من اقسام القياس المركب. (3) شرح النهج لابن ميثم البحراني ص 256 (*).

[315]

مصالحه منوطة بفعله، ومفاسده مترتبة على تركه، كان ذلك مقويا لداعيه على فعله غاية التقوية يعني من حق المسلم الكامل في إسلامه أن يجمع بين علم اليقين، و العمل الخالص، ليحط رحله في المحل الا رفع، ويجاور الرفيق الاعلى. وقال الشهيد الثاني رفع الله درجته في رسالة حقائق الايمان بعد إيراد هذا الكلام من أمير المؤمنين عليه السلام ما هذا لفظه: البحث عن هذا الكلام يتعلق بأمرين الاول ما المراد من هذا النسبة ؟ الثاني ما المراد من هذا المنسوب ؟ أما الاول فقد ذكر بعض الشارحين أن هذه النسبة بالتعريف أشبه منها بالقياس، فعرف الاسلام بأنه التسليم لله، والدخول في طاعته، وهو تفسير لفظ بلفظه أعرف منه، والتسليم بأنه اليقين، وهو تعريف بلازم مساو، إذ التسليم الحق إنما يكون ممن تيقن صدق من سلم له، واستحقاقه التسليم، واليقين بأنه التصديق أي التصديق الجازم المطابق البرهاني، فذكر جنسه ونبه بذلك على حده أو رسمه والتصديق بأنه الاقرار بالله ورسله، وما جاء من البينات وهو تعريف لفظ بلفظ أعرف، والاقرار بأنه الاداء أي أداء ما أقر به من الطاعات، وهو تعريف بخاصة له، والاداء بأنه العمل، وهو تعريف له ببعض خواصه انتهى. أقول: هذا بناء على أن المراد من الاسلام المعرف في كلامه عليه السلام ما هو الاسلام حقيقة عند الله تعالى في نفس الامر أو الاسلام الكامل عند الله تعالى أيضا و إلا فلا يخفى أن الاسلام يكفي في تحققه في ظاهر الشرع الاقرار بالشهادتين، سواء علم من المقر التصديق بالله تعالى والدخول في طاعته أم لا ؟ كما صرحوا به في تعريف الاسلام في كتب الفروع وغيرها، فعلم أن الحكم بكون تعريف الاسلام بالتسليم لله الخ تعريفا لفظيا، إنما يتم على المعنى الاول، وهو الاسلام في نفس الامر أو الكامل. ويمكن أن يقال إن التعريف حقيقي وذلك لان الاسلام لغة هو مطلق الانقياد والتسليم، فإذا قيد التسليم بكونه لله تعالى والدخول في طاعته كان بيانا للماهية التي اعتبرها الشارع إسلاما فهو من قبيل ما ذكر جنسه ونبه على حده

[316]

أو رسمه. وأقول أيضا: في جعله الاقرار بالله تعالى إلى آخره تعريف لفظ بلفظ أعرف للتصديق بحث لا يخفى لان المراد من التصديق المذكور هنا القلبي لا اللساني حيث فسره بأنه الجازم المطابق الخ والاقرار المراد منه الاعتراف باللسان، إذ هو المتبادر منه، ولذا جعله بعضهم قسيما للتصديق في تعريف الايمان، حيث قال: هو التصديق مع الاقرار وحينئذ فيكون بين معنى اللفظين غاية المباينة، فكيف يكون تعريف لفظ بلفظ ؟ اللهم إلا أن يراد من الاقرار بالله ورسله مطلق الانقياد والتسليم بالقلب واللسان، على طريق عموم المجاز، ولا يخفى ما فيه. والذي يظهر لي أنه تعريف بلازم عرفي، وذلك لان من أذعن بالله و رسله وبيناتهم لا يكاد ينفك عن إظهار ذلك بلسانه، فان الطبيعة جبلت على إظهار مضمرات القلوب، كما دل عليه قوله عليه السلام " ما أضمر أحدكم شيئا إلا وأظهره الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه " (1) ولما كان هذا الاقرار هنا مطلوبا للشارع مع كونه في حكم ما هو من مقتضيات الطبيعة، نبه عليه السلام على أن التصديق هو الاقرار مع تأكيد طلبه، حتى كأن التصديق غير مقبول إلا به، أو غير معلوم للناس إلا به، وكذا أقول في جعله الاداء خاصة للاقرار، فان خاصة الشئ لا تنفك عنه، والاداء قد ينفك عن الاقرار، فان المراد من الاداء هنا عمل الطاعات، والاقرار لا يسلتزمه، ويمكن الجواب بأنه عليه السلام أراد من الاقرار الكامل فكأنه لا يصير كاملا حتى يردفه بالاداء الذي هو العمل. وأما الثاني: فقد علم من هذه النسبة الشارحة [أن] المنسوب أي المشروح هو الاسلام الكامل أو ما هو إسلام عند الله تعالى بحيث لا يتحقق بدون الاسلام في الظاهر، وعلم أيضا أن هذا الاسلام هو الايمان إما الكامل، أو ما لا يتحقق حقيقته المطلوبة للشارع في نفس الامر إلا به، لكن الثاني لا ينطبق إلا على مذهب من قال بأن حقيقة الايمان هو تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالاركان، وقد عرفت تزييف


(1) نهج البلاغة تحت الرقم 25 من الحكم (*).

[317]

ذلك فيما تقدم، وأن الحق عدم اعتبار جميع ذلك في أصل حقيقة الايمان، نعم هو معتبر في كماله، وعلى هذا فالمنسوب إن كان هو الاسلام الكامل كان الايمان والاسلام الكاملان واحدا، وأما الاصليان فالظاهر اتحادهما أيضا مع احتمال التفاوت بينهما، وإن كان هذا المنسوب ما اعتبره الشارع في نفس الامر إسلاما لا غيره، لزم كون الايمان أعم من الاسلام، ولزم ما تقدم من الاستهجان، فيحصل من ذلك أن الاسلام إما مساو للايمان، أو أخص، وأما عمومه فلم يظهر له من ذلك احتمال إلا على وجه بعيد فليتأمل. 26. (باب الشرايع) 1 - سن: عن أبي إسحاق الثقفي، عن محمد بن مروان، عن أبان بن عثمان عمن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرايع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى: التوحيد، والاخلاص، وخلع الانداد، والفطرة والحنيفية السمحة، لا رهبانية ولا سياحة، أحل فيها الطيبات، وحرم فيها الخبيثات ووضع عنهم إصرهم، والاغلال التي كانت عليهم، فعرف فضله بذلك ثم افترض عليها فيه الصلاة والزكاة والصيام والحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، و الحلال والحرام، والمواريث والحدود والفرائض والجهاد في سبيل الله وزاده الوضوء وفضله بفاتحة الكتاب وبخواتيم سورة البقرة والمفصل وأحل له المغنم والفئ، ونصره بالرعب وجعل له الارض مسجدا وطهورا، وأرسله كافة إلى الابيض والاسود والجن والانس، وأعطاه الجزية وأسر المشركين وفداهم ثم كلف ما لم يكلف أحدا من الانبياء أنزل عليه سيفا من السماء في غير غمد، و قيل له: " قاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ". عباس بن عامر: وزاد فيه بعضهم: فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه، يعني الولاية (1).


(1) المحاسن ص 287 والاية في النساء: 84 (*).

[318]

كا: عن علي، عن أبيه، عن البزنطي ; والعدة، عن البرقي، عن إبراهيم بن محمد الثقفي، عن محمد بن مروان جميعا، عن أبان مثله إلا أن فيه والفطرة الحنيفية، وحرم فيها الخبائث، إلى قوله ثم افترض عليه فيها الصلاة (1) تبيين: قوله عليه السلام " شرايع نوح " يحتمل أن يكون المراد بالشرايع اصول الدين، ويكون التوحيد والاخلاص وخلع الانداد بيانا لها " والفطرة الحنيفية " معطوفة على الشرايع وإنما خص عليه السلام ما به الاشتراك بهذه الثلاثة، مع اشتراكه عليه السلام معهم في كثير من العبادات، لاختلاف الكيفيات فيها، دون هذه الثلاثة ولعله عليه السلام لم يرد حصر المشتركات فيما ذكر، لعدم ذكر سائل اصول الدين كالعدل والمعاد، مع أنه يمكن إدخالها في بعض ما ذكر، لا سيما الاخلاص بتكلف (2). ويمكن أن يكون المراد منها الاصول، واصول الفروع المشتركة، وإن اختلفت في الخصوصيات والكيفيات، وحينئذ يكون جميع تلك الفقرات إلى قوله عليه السلام " وزاده " بيانا للشرايع، ويشكل حينئذ ذكر الرهبانية والسياحة، إذ المشهور أن عدمهما من خصائص نبينا صلى الله عليه وآله إلا أن يقال المراد عدم الوجوب وهو مشترك أو يقال إنهما لم يكونا في شريعة عيسى عليه السلام أيضا وإن استشكل بالجهاد وأنه لم يجاهد عيسى عليه السلام فالجواب أنه يمكن أن يكون واجبا عليه لكن لم يتحقق شرائطه، و لذا لم يجاهد، ولعل قوله عليه السلام " زاده وفضله " بهذا الوجه أوفق، وكأن المراد بالتوحيد نفي الشريك في الخلق، وبالاخلاص نفي الشريك في العبادة، و خلع الانداد تأكيد لهما، أو المراد به ترك اتباع خلفاء الجور وأئمة الضلالة أو نفي الشرك الخفي، أو المراد بالاخلاص نفي الشرك الخفي وبخلع الانداد نفي الشريك في استحقاق العبادة، والانداد جمع ند، وهو مثل الشئ الذي يضاده في اموره، ويناده أي يخالفه. والفطرة ملة الاسلام التي فطر الله الناس عليها، كما مر، والحنيفية: المائلة


(1) الكافي ج 2 ص 17. (2) والذى يظهر لى من الخبر أن اولى العزم من الرسل وهم خمسة كانوا صاحب > (*).

[319]

من الباطل إلى الحق، أو الموافقة لملة إبراهيم عليه السلام قال في النهاية: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم وأصل الحنف الميل، ومنه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة، وفي القاموس: السمحة الملة التي ما فيها ضيق. وفي النهاية: فيه لا رهبانية في الاسلام، وهي من رهبنة النصارى، وأصله من الرهبة الخوف، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وترك ملاذها و الزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتعمد مشاقها، حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنفاها النبي صلى الله عليه وآله عن الاسلام ونهى المسلمين عنها انتهى. وقال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى: " ورهبانية ابتدعوها " (1): هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسة، أو انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الامور التي يظهر فيها نسك صاحبه، والمعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم، وقيل إن الرهبانية التي ابتدعوها في رفض النساء، واتخاذ الصوامع عن قتادة، قال: وتقديره ورهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها، وقيل إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري والجبال في خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وآله فما رعوها الذين بعدهم حق رعايتها، وذلك لتكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وآله عن ابن عباس، وقيل: إن الرهبانية


< شريعة ولكن اختص كل واحد منهم لاقتضاء الجو والمحيط بخصيصة ممتازة ظهر فيها كونه صاحب عزم وارادة كما خصص كل واحد منهم بمعجزة خاصة تظهره على أهل زمانه. فقد قام نوح عليه السلام في جو الشرك وأهل الاشراك فخص بالتوحيد وكان جل سعيه وراء ذلك، وقام ابراهيم عليه السلام بالاخلاص في العبادة وموسى بخلع الانداد مثل فرعون ذى الاوتاد، وعيسى بالفطرة وتطهير الوجدان، وخص محمد صلى الله عليه وآله بالحنيفية السمحة، لا رهبانية ولا سياحة: وهى احلال الطيبات وتحريم الخبائث إلى آخر ما ذكر عليه السلام فتفطن. (1) الحديد: 27 (*).

[320]

هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة " ما كتبناها " أي ما فرضناها " عليهم " وقال الزجاج إن تقديره " ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله " وابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر الله، لهذا وجه، قال: وفيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم مالا يصبرون عليه، وفاتخذوا أسرابا وصوامع، وابتدعوا ذلك، فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع، ودخلوا عليه، لزمهم إتمامه كما أن الانسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه. قال: وقوله " فما رعوها حق رعايتها " على ضربين أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم، والاخر وهو الاجود أن يكونوا حين بعث النبي صلى الله عليه وآله فلم يؤمنوا به، وكانوا تاركين لطاعة الله، فما رعوها [أي] تلك الرهبانية حق رعايتها ودليل ذلك قوله " فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم " يعني الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله " وكثير منهم فاسقون " أي كافرون انتهى كلام الزجاج. ويعضد هذا ما جاءت به الرواية عن ابن مسعود، قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار فقال: يا ابن ام عبد، هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل ! ! الرهبانية ؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي الله، فغضب أهل الايمان فقاتلوهم فهزم أهل الايمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرق في الارض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام يعنون محمدا صلى الله عليه وآله فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه، ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الاية " ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم " إلى آخرها ثم قال يا ابن ام عبد أتدري ما رهبانية امتي ؟ قلت: الله ورسله أعلم، قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة. وفي حديث آخر عن ابن مسعود، أنه صلى الله عليه وآله قال: من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها، ومن لم يؤمن بي فاولئك هم الهالكون انتهى (1)


(1) مجمع البيان ج 9 ص 243 (*).

[321]

وقال في النهاية: فيه لا سياحة في الاسلام، يقال: ساح في الارض يسيح سياحة إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على الارض، أراد مفارقة الامصار، وسكنى البراري، وترك شهود الجمعة والجماعات، وقيل: أراد الذين يسيحون في الارض بالشر والنميمة والافساد بين الناس، ومن الاول الحديث سياحة هذه الامة الصيام، قيل للصائم سائح لان الذي يسيح في الارض متعبدا، يسيح ولا زاد معه ولا ماء، فحين يجد يطعم والصائم يمضى نهاره لا يأكل ولا يشرب شيئا فشبه به انتهى. قوله عليه السلام: " أحل فيها الطيبات " (1) إشارة إلى قوله تعالى في الاعراف " الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم " الاية قال الطبرسي قدس سره: " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة، ويحرم عليهم القبائح، وما تعافه الانفس، وقيل: يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب، و يحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث، وقيل يحل لهم ما حرمه عليهم رها بينهم وأحبارهم، وما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر والسوائب وغيرها ويحرم عليهم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذكر معها " ويضع عنهم إصرهم " أي ثقلهم شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل، وذلك أن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا، وجعل توبة هذه الامة الندم بالقلب حرمة للنبي صلى الله عليه وآله عن الحسن، وقيل الاصر هو العهد الذي كان الله سبحانه أخذه على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة عن ابن عباس والضحاك والسدي ويجمع المعنيين قول الزجاج الاصر ما عقدته من عقد ثقيل " والاغلال التي كانت عليهم " معناه ويضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم، وجعل تلك العهود بمنزلة الاغلال التي تكون في الاعناق للزومها كما يقال: هذا طوق في عنقك، وقيل يريد بالاغلال ما امتحنوا به من قتل


(1) الاعراف: 157 (*).

[322]

نفوسهم في التوبة، وقرض ما يصيبه البول من أجسادهم، وما أشبه ذلك من تحريم السبت وتحريم العروق والشحوم وقطع الاعضاء الخاطئة، ووجوب القصاص دون الدية عن أكثر المفسرين (1) انتهى. وأقول: استدل أكثر أصحابنا على تحريم كثير من الاشياء مما تستقذره طباع أكثر الخلق بهذه الاية، وهو مشكل، إذا الظاهر من سياق الاية مدح النبي صلى الله عليه وآله وشريعته، بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا وإن لم نفهم طيبه وما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا وإن لم نعلم خبثه، كالطعام المستلذ الذي يكون من مال اليتيم أو مال السرقة تستلذه الطبع وهو خبيث واقعا وأكثر الادوية التي يحتاج الناس إليها في غاية البشاعة وتستقذرها الطبع، ولم أر قائلا بتحريمها، فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص ويكون موافقا لقواعد الامامية من الحسن والقبح العقليين، أولى من الحمل على معنى لا بد فيه من تخصيصات كثيرة، بل ما يخرج منهما أكثر مما يدخل فيهما كما لا يخفى على من تتبع مواردهما. ويمكن أن يقال هذه الاية كالصريحة في الحسن والقبح العقليين، ولم يستدل بها الاصحاب رضي الله عنهم، وقيل الاصر الثقل الذي يأصر حامله، أي يحبسه في مكانه لفرط ثقله، وقال الزمخشري هو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الانفس في حصة توبتهم، وكذلك الاغلال مثل لما كان في شرايعهم من الاشياء الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطاء من غير شرع الدية، وقطع الاعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثواب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت، وعن عطا كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة انتهى. قوله عليه السلام: " ثم افترض عليه " أي على نبينا صلى الله عليه وآله " فيها " أي في الفطرة التي هي ملته، وكأن " ثم " للتفاوت في الرتبة، وقيل: المراد بالحلال ما عدا الحرام


(1) مجمع البيان ج 4 ص 487 (*).

[323]

فيشمل الاحكام الاربعة، والمراد بالفرائض المواريث ذكرت تأكيدا أو مطلق الواجبات، وقيل: الفرائض ماله تقدير شرعي من المواريث، وهي أعم منها ومن غيرها، مما ليس له تقدير، وقيل: المراد بالفرائض ما فرض من القصاص بقدر الجناية وقوله " وزاده الوضوء " يدل على عدم شرع الوضوء في الامم السابقة، و ينافيه ما ورد في تفسير قوله تعالى " فطفق مسحا بالسوق والاعناق " (1) أنهم مسحوا ساقهم وعنقهم وكان ذلك وضوءهم إلا أن يقال: المراد زيادة الوضوء كما في بعض النسخ " وزيادة الوضوء " عطفا على الجهاد. قوله عليه السلام " وفضله " إشارة إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: اعطيت مكان التوراة السبع الطول، ومكان الانجيل المثاني ومكان الزبور المئين وفضلت بالمفصل وفي رواية واثلة بن الاصقع وأعطيت مكان الانجيل المئين ومكان الزبور المثاني، واعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة من تحت العرش لم يعطها نبي قبلي وأعطاني ربى المفصل نافلة. قال الطبرسي روح الله روحه: فالسبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء والمائدة، والانعام، والاعراف والانفال مع التوبة لانهما تدعيان القرينتين، ولذلك لم يفصل بينهما بالبسملة، وقيل: إن السابعة سورة يونس، والطول جمع الطولى تأنيث الاطول، وإنما سميت هذه السور الطول، لانها أطول سور القرآن، و أما المثانى فهي السور التالية للسبع الطول أولها يونس وآخرها النحل، وإنما سميت المثاني لانها ثنت الطول أي تلتها، وكان الطول هي المبادي، والمثاني لها ثواني، وواحدها مثنى مثل المعنى والمعاني، وقال الفراء: وحدها مثناة وقيل المثاني سور القرآن كلها طوالها وقصارها، من قوله تعالى " كتابا متشابها مثاني " (2) وأما المئون فهي كل سورة تكون نحوا من مائة آية أو فويق ذلك أو دوينه، وهي سبع سور أولها سورة بني إسرائيل وآخرها المؤمنون، وقيل إن المئين ما ولي السبع الطول


(1) سورة ص: 33. (2) الزمر: 23 (*).

[324]

ثم المثاني بعدها، وهي التي تقصر عن المئين وتزيد على المفصل، وسميت المثاني لان المئين مبادلها، وأما المفصل فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن، سميت مفصلا لكثرة الفصول بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم انتهى (1). وأقول: اختلف في أول المفصل فقيل من سورة ق وقيل من سورة محمد صلى الله عليه وآله وقيل من سورة الفتح، وعن النووي مفصل القرآن من محمد إلى آخر القرآن، وقصاره من الضحى إلى آخره، ومطولاته إلى عم ومتوسطاته إلى الضحى، وفي الخبر المفصل ثمان وستون سورة، وسيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب القرآن. " وأحل له المغنم " في النهاية الغنيمة والغنم المغنم والغنائم هو ما اصيب من أموال أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، وقال: الفئ ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد، وأصل الفئ الرجوع يقال فاء يفئ فيئة وفيئا، كأنه في الاصل لهم ثم رجع إليهم انتهى. أقول: ويحتمل أن يكون المراد بالمغنم المنقولات وبالفئ الاراضي سواء اخذت بحرب أم لا وعلى التقديرين في قوله " له " توسع أي له ولاهل بيته وامته، و يحتمل أن تكون اللام سببية لا صلة للاحلال فيكون من أحل له غير مذكور فيشمل الجمع والاختصاص لما مر أن الامم السابقة كانوا لا تحل لهم الغنيمة، بل كانوا يجمعونها فتنزل نار من السماء فتحرقها، وكان ذلك بلية عظيمة عليهم، حتى كان قد يقع فيها السرقة فيقع الطاعون بينهم، فمن الله على هذه الامة باحلالها، و نصره بالرعب مع قلة العدة والعدة، وكثرة الاعداء، وشدة بأسهم " والرعب " الفزع والخوف، فكان الله تعالى يلقي رعبه في قلوب الاعداء حتى إذا كان بينه و بينهم مسيرة شهرها بوه وفزعوا منه. " وجعل له الارض مسجدا " أي مصلى يجوز لهم الصلاة في أي موضع شاؤا بخلاف الامم السابقة فان صلاتهم كانت في بيعهم وكنايسهم إلا من ضرورة " وطهورا "


(1) مجمع البيان ج 1 ص 14 (*).

[325]

أي مطهرا أو ما يتطهر به: تطهر أسفل القدم والنعل ومحل الاستنجاء وتقوم مقام الماء عند تعذره في التيمم، والمراد بكونها طهورا أنها بمنزلة الطهور في استباحة الصلاة بها وحمله السيد رحمه الله على ظاهره فاستدل به على ما ذهب إليه من أن التيمم يرفع الحدث إلى وجود الماء. " وأرسله كافة " إشارة إلى قوله تعالى " وما أرسلناك إلا كافة للناس " و " كافة " في الاية (1) إما حال عما بعدها أي إلى الناس جميعا، ومن لم يجوز تقديم الحال على ذي الحال المجرور قال هي حال عن الضمير المنسوب في أرسلنا، والتاء للمبالغة أو صفة لمصدر محذوف أي إرسالة كافة، أو مصدر كالكاذبة والعافية، ولعل الاخيرين في الخبر أنسب، وظاهره أن غيره صلى الله عليه وآله لم يبعث في الكافة وهو خلاف المشهور. ويحتمل أن يكون الحصر إضافيا أو يكون المراد به بعثه على جميع من بعده إذ لا نبي بعده بخلاف سائر اولي العزم فانهم لم يكونوا كذلك، بل نسخت شريعتهم " والابيض والاسود " العجم والعرب، أو كل من اتصف باللونين ليشمل جميع الناس، قال في النهاية: فيه بعثت إلى الاحمر والاسود أي العجم والعرب لان الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض، وعلى ألوان العرب الادمة والسمرة وقيل: الجن والانس، وقيل: أراد بالاحمر الابيض مطلقا، فان العرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء، ومنه الحديث اعطيت الكنزين الاحمر والابيض هي ما أفاء الله على امته من كنوز الملوك، فالاحمر الذهب والابيض الفضة، و الذهب كنوز الروم لانه الغالب على نقودهم، والفضة كنوز الاكاسرة لانها الغالبة على نقودهم، وقيل: أراد العرب والعجم جمعهم الله على دينه وملته انتهى والكلام في اختصاص البعث على الجن والانس به صلى الله عليه وآله كالكلام فيما سبق. ويدل الخبر أيضا على اختصاص الجزية والاسر والفداء به صلى الله عليه وآله " والجزية " المال الذي يقرره الحاكم على الكتابي إذا أقره على دينه، وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله وأسره، " والفداء " بالكسر والمد وبالفتح والقصر، فكاك الاسير بالمال الذي قرره الحاكم عليه، يقال فداه يفديه فداء " ثم كلف " على بناء


(1) سبأ: 28 (*).

[326]

المفعول و " ثم " هنا أيضا مثل ما سبق، لان هذا التكليف أعظم التكليفات وأشقها فقد ثبت صلى الله عليه وآله في حرب أحد وحنين بعد انهزام أصحابه مصرحا باسمه لا يبالي شيئا " وانزل عليه سيف من السماء " أي ذو الفقار أو غيره وكونه بلا غمد تحريض على الجهاد وإشارة إلى أن سيفه ينبغي أن لا يغمد وقيل السيف عبارة عن آية سورة براءة " فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين " (1) فانها يقال لها آية السيف و كونه من غير غمد كناية عن أنها من المحكمات ولا يخفى بعده، " والغمد " بالكسر الغلاف، وقال البيضاوي " قاتل في سبيل الله " إن تثبطوا وتركوك وحدك " لا تكلف إلا نفسك " أي إلا فعل نفسك، لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم، فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد، فان الله ناصرك لا الجنود. 2 - سن: عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: قول الله " فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل " (2) فقال: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وعلى جميع أنبياء الله ورسله، قلت: كيف صاروا اولي العزم ؟ قال: لان نوحا بعث بكتاب وشريعة فكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم عليه السلام بالصحف، وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به فكل نبي جاء بعد إبراهيم جاء بشريعة إبراهيم ومنهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وبعزيمة ترك الصحف، فكل نبي جاء بعد موسى أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح بالانجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه، فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد صلى الله عليه وآله فجاء بالقرآن وشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء اولوا العزم من الرسل (3). كا: عن العدة، عن البرقي مثله (4).


(1) براءة: 5. (2) الاحقاف: 35. (3) المحاسن ص 261. (4) الكافي ج 2 ص 17 (*).

[327]

بيان: " فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل " قال الطبرسي رحمه الله: أي فاصبر يا محمد على أذى هؤلاء الكفار، وعلى ترك إجابتهم لك، كما صبر الرسل و " من " هنا لتبيين الجنس، فالمراد جميع الانبياء لانهم عزموا على أداء الرسالة و تحمل أعبائها، وقيل: إن " من " ههنا للتبعيض، وهو قول أكثر المفسرين و الظاهر في روايات أصحابنا ثم اختلفوا فقيل هم من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم عن ابن عباس وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام قالا: وهم سادة النبيين وعليهم دارت رحى المرسلين، وقيل: هم ستة نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد وذهاب البصر، ويوسف صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر عن مجاهد. وقيل هم الذين امروا بالجهاد والقتال وأظهروا المكاشفة وجاهدوا في الدين عن السدى والكلبي، وقيل: هم أربعة إبراهيم ونوح وهود ورابعهم محمد صلى الله عليه وآله عن أبي العالية، والعزم هو الوجوب والحتم واولوا العزم من الرسل هم الذين شرعوا الشرايع وأوجبوا على الناس الاخذ بها، والانقطاع عن غيرها انتهى (1). قوله عليه السلام: " لا كفرا به " أي إنكارا لحقيته بل إيمانا به وبصلاحه في وقت دون آخر، وللنسخ مصالح كثيرة والعبد مأمور بالتسليم، وكان من جملتها ابتلاء الخلق واختبارهم في ترك ما كانوا متمسكين به، قوله: " ومنهاجه " كأنه إشارة إلى قوله تعالى " ولكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا " (2). 3 - فس: قوله: " شرع لكم من الدين " (3) مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله " ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك " يا محمد " وما وصينا به إبراهيم وموسى و عيسى أن أقيموا الدين " أي تعلموا الدين، يعني التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت والسنن والاحكام التي في الكتب والاقرار بولاية


(1) مجمع البيان ج 9 ص 94. (2) المائدة: 48. (3) الشورى: 13 - 15 (*).

[328]

أمير المؤمنين عليه السلام " ولا تتفرقوا فيه " أي لا تختلفوا فيه " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " من ذكر هذه الشرايع، ثم قال " الله يجتبي إليه من يشاء " أي يختار " ويهدي إليه من ينيب " وهم الائمة الذين اختارهم واجتباهم قال: " وما تفرقوا إلا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم " قال لم يتفرقوا بجهل ولكنهم تفرقوا لما جائهم العلم وعرفوه، فحسد بعضهم بعضا وبغى بعضهم على بعض، لما رأوا من تفاضل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر الله فتفرقوا في المذاهب وأخذوا بالاراء والاهواء. ثم قال عزوجل: " ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم " قال: لولا أن الله قد قدر ذلك أن يكون في التقدير الاول، لقضي بينهم إذا اختلفوا وأهلكهم ولم ينظرهم، ولكن أخرهم إلى أجل مسمى " وإن الذين اورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب " كناية عن الذين نقضوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قال: " فلذلك فادع " يعني لهذه الامور والذي تقدم ذكره وموالاة أمير المؤمنين " واستقم كما امرت ". قال: فحدثني أبي، عن علي بن مهزيار، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، في قول الله " أن أقيموا الدين " قال الامام: " ولا تفرقوا فيه " كناية عن أمير المؤمنين ثم قال: " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " من أمر ولاية علي " الله يجتبي إليه من يشاء " كناية عن علي عليه السلام " ويهدي إليه من ينيب " ثم قال: " فلذلك فادع " يعني إلى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، " ولا تتبع أهوائهم فيه " وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وامرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم " إلى قوله " و إليه المصير (1).


(1) تفسير القمى ص 600 (*).

[329]

27 * (باب) * * " (دعائم الاسلام والايمان) * * " (وشعبهما وفضل الاسلام) " * 1 - كا: عن الحسين بن محمد، عن المعلى، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان عن الفضيل، عن ابي حمزة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية، ولم يناد بشئ كما نودي بالولاية (1). 2 - كا: عن أبي علي الاشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن عباس ابن عامر، عن أبان، عن الفضيل عنه عليه السلام مثله وزاد في آخره فأخذ الناس بأربع و تركوا هذه، يعني الولاية (2). 3 - سن: عن ابن محبوب، عن أبي حمزة مثله بتقديم الحج على الصوم إلى قوله ما نودي بالولاية، ثم قال: وزاد فيها عباس بن عامر: وأخذ الناس بأربع إلى آخره (3). بيان: " بني الاسلام على خمس " يحتمل أن يكون المراد بالاسلام الشهادتين وكأنهما موضوعتان على هذه الخمسة، لا تقومان إلا بها، أو يكون المراد بالاسلام الايمان، وبالبناء عليها كونها أجزاءه وأركانه فحينئذ يمكن أن يكون المراد بالولاية ما يشمل الشهادتين أيضا، أو يكون عدم ذكرهما للظهور وأما ذكر الولاية التي هي من العقائد الايمانية مع العبادات الفرعية، مع تأخيرها عنها، إما للمماشاة مع العامة، أو المراد بها فرط المودة والمتابعة اللتان هما من مكملات الايمان أو المراد بالاربع الاعتقاد بها، والانقياد لها، فتكون من اصول الدين لانها


(1 و 4) ج 2 ص 18. (3) المحاسن ص 286 وقد مر مثله في الباب 26 تحت الرقم: 1 (*).

[330]

من ضرورياته، وإنكارها كفر، والاول أظهر " كما نودي بالولاية " أي في يوم الغدير أو في الميثاق وهو بعيد " والولاية " بالكسر الامارة وكونه أولى بالحكم و التدبير، وبالفتح المحبة والنصرة وهنا يحتملهما. 4 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عجلان أبي صالح قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أوقفني على حدود الايمان، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والاقرار بما جاء من عند الله، وصلاة الخمس، وأداء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، وولاية ولينا، و عداوة عدونا، والدخول مع الصادقين (1). توضيح: " حدود الايمان " هنا أعم من أجزائه وشرائطه ومكملاته " و الاقرار بما جاء من عند الله " المرفوع في جاء راجع إلى الموصول، وفي بعض النسخ " جاء به "، فالمرفوع للنبي صلى الله عليه وآله والمراد الاقرار إجمالا قبل العلم، وتفصيلا بعده كما سيأتي إنشاء الله " والدخول مع الصادقين " متابعة الائمة الصادقين في جميع الاقوال والافعال، أي المعصومين كما قال سبحانه " وكونوا مع الصادقين " (2) وقد مر الكلام فيه في كتاب الامامة (3). 5 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن العرزمي، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام: قال: أثافي الاسلام ثلاثة الصلاة و الزكاة والولاية، لا تصح واحدة منهن إلا بصاحبتيها (4). بيان: " الاثافي " جمع الاثفية بالضم والكسر وهي الاحجار التي عليها القدر وأقلها ثلاثة وإنما اقتصر عليها لانها أهم الاجزاء، ويدل على اشتراط قبول كل منها بالاخريين، ولا ريب في كون الولاية شرطا لصحة الاخريين. 6 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ألا أخبرك بأصل الاسلام


(1 و 4) الكافي ج 2: 18. (2) براءة: 119. (3) راجع ج 24 ص 30 الباب 26 من كتاب الامامة (*).

[331]

وفرعه وذروة سنامه ؟ قلت: بلى جعلت فداك، قال: أما أصله فالصلاة، وفرعه الزكاة، وذروة سنامه الجهاد ثم قال: إن شئت أخبرتك بأبواب الخير قلت: نعم جعلت فداك، قال: الصوم جنة من النار والصدقة تذهب بالخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يذكر الله ثم قرأ " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " (1). ين: عن علي بن النعمان مثله إلى قوله الجهاد وفي الموضعين وسنامه. توضيح: " وذروة سنامه " الاضافة بيانية أو لاميه إذ للسنام الذي هو ذروة البعير ذورة أيضا هي أرفع أجزائه، وإنما صارت الصلاة أصل الاسلام لانه بدونها لا يثبت على ساق، والزكاة فرعه لانه بدونها لا تتم، والجهاد ذروة سنامه لانه سبب لعلوه وارتفاعه، وقيل: لانه فوق كل بر، كما ورد في الخبر. وذكر من الابواب التي تفتح الخيرات الجليلة على صاحبها ثلاثة: أحدها الصوم أي الواجب أو الاعم لانه جنة من النار ومما يؤدي إليها من الشهوات وثانيها الصدقة الواجبة أو الاعم فانها تكفر الخطايا وتذهبها، وثالثها صلاة الليل لمدحه سبحانه فاعلها بقوله " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " حيث حصر الايمان فيهم أولا ثم مدحهم بما مدحهم به ثم عظم وأبهم جزاءهم حيث قال: " إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خر سجدا وسبحوا بحمد ربهم ولا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون " وقيل: المراد بأبواب الخير الصوم فقط، وذكر ما بعده استطرادا ولا يخفى بعده. 7 - كا: عن العدة، عن سهل، عن مثنى الحناط، عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس دعائم: الولاية والصلاة والزكاة وصوم شهر رمضان والحج (2) * هامش) * (1) الكافي ج 2 ص 23 ج 4 ص 62 والاية في السجدة: 16. (2) الكافي ج 2 ص 21 (*).

[332]

8 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن أبان، عن الفضيل، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس: الولاية و الصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يناد بشئ ما نودي بالولاية يوم الغدير (1). 9 - كا: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن فضالة ابن أيوب، عن أبي زيد الحلال، عن عبد الحميد بن أبي العلاء الازدي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن الله عزوجل فرض على خلقه خمسا فرخص في أربع ولم يرخص في واحدة (2). بيان: قوله عليه السلام: " فرخص في أربع " كالتقصير في الصلاة في السفر، وتأخيرها عن وقت الفضيلة مع العذر، وترك كثير من واجباتها في بعض الاحيان، أو سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء، وعن فاقد الطهورين أيضا إن قيل به، والزكاة عمن لم يبلغ ماله النصاب أو مع فقد سائر الشرايط، والحج مع فقد الاستطاعة أو غيرها من الشرائط، والصوم عن المسافر والكيبر وذوي العطاش وأمثالهم، بخلاف الولاية فانها مع بقاء التكليف لا يسقط وجوبها في حال من الاحوال، ويحتمل أن يراد بالرخصة أنه لا ينتهي تركها إلى حد الكفر والخلود في النار، بخلاف الولاية، فان تركها كفر، والاول أظهر. 10 - كا: عن علي عن أبيه وعبد الله بن الصلت جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية، قال زرارة: فقلت: وأي شئ من ذلك أفضل ؟ قال: الولاية أفضل لانها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن، قلت: ثم الذي يلي ذلك في الفضل ؟ فقال الصلاة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الصلاة عمود دينكم، قال: قلت: ثم الذى يليها في الفضل ؟ قال: الزكاة لانها قرنها بها، وبدأ بالصلاة قبلها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الزكاة تذهب الذنوب، قلت:


(1) الكافي ج 2 ص 21. (2) الكافي ج 2 ص 22 (*).

[333]

والذي يليها في الفضل ؟ قال: الحج قال الله عزوجل: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن العالمين " (1) وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لحجة مقبولة خير من عشرين صلاة نافلة، ومن طاف بهذا البيت طوافا أحصى فيه اسبوعه، وأحسن ركعتيه، غفر له، وقال في يوم عرفة و يوم المزدلفة ما قال. قلت: فما ذا يتبعه ؟ قال: الصوم، قلت: وما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع ؟ قال: (2) قال رسول الله: الصوم جنة من النار، قال: ثم قال إن أفضل الاشياء ما إذا فاتك لم تكن منه توبة دون أن ترجع إليه فتؤديه بعينه، إن الصلاة والزكاة والحج والولاية ليس ينفع شئ مكانها دون أدائها، وإن الصوم إذا فاتك أو قصرت أو سافرت فيه أديت مكانه أياما غيرها، وجزيت ذلك الذنب بصدقة ولا قضاء عليك وليس من تلك الاربعة شئ يجزيك مكانه غيره. قال: ثم قال: ذروة الامر وسنامه ومفتاحه وباب الاشياء ورضى الرحمان الطاعة للامام بعد معرفته، إن الله عزوجل يقول " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا " (3) أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره، و تصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله، فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه، ولا كان من أهل الايمان ثم قال: اولئك المحسن منهم يدخله الله الجنة بفضل رحمته (4). سن: عن أبي طالب عبد الله بن الصلت مثله (5). شى: عن زرارة مثله إلى قوله يجزيك مكانه غيره (6).


(1) آل عمران: 97. (2) وقد قال ظ، صح. (3) النساء: 80. (4) الكافي ج 2 ص 18. (5) المحاسن ص 286، (6) تفسير العياشي ج 1 ص 191 (*).

[334]

بيان: " الولاية أفضل " لا ريب في أن الولاية والاعتقاد بامامة الائمة عليهم السلام و الاذعان بها من جملة اصول الدين، وأفضل من جميع الاعمال البدنية " لانها مفتاحهن " أي بها تفتح أبواب معرفة تلك الامور، وحقائقها وشرائطها وآدابها أو مفتاح قبولهن " والوالي " أي الامام المنصوب من قبل الله هو الدليل عليهن يدل النسا من قبل الله على وجوبها وآدابها وأحكامها و " العمود " الخشبة التي يقوم عليها البيت، ويمكن أن يكون عليه السلام شبه الدين بالفسطاط وأثبت العمود له على المكنية والتخييلية، فإذا زال العمود لا ينتفع بالفسطاط لا بغشائه ولا بطنبه ولا بوتده فكذلك مع ترك الصلاة لا ينتفع بشئ من أجزاء الدين كما صرح به في أخبار اخر والمراد بالصلاة: المفروضة أو الخمس كما في بعض الاخبار، صرح بها لانه قرنها بها، استدل على أن فضل الزكاة بعد الصلاة، وقبل غيرها بمجموع مقارنتهما في الذكر مع البداءة بذكر الصلاة، ثم أكد الجزء الاخير بذكر الحديث، و ليس هو دليلا تاما على الافضلية، لان الحج أيضا يذهب الذنوب إلا أن يقال إنه عليه السلام علم أن الا ذهاب الذي يحصل في الزكاة أقوى مما يحصل في الحج. ثم استدل عليه السلام على فضل الحج بتسميته سبحانه تركه كفرا وترك ذكر العقاب المترتب عليه، وذكر الاستغناء الدال على غاية السخط " من عشرين صلاة نافلة " فيه دلالة على أن المراد بالصلاة المفضلة في أول الخبر الفريضة، وهذا أحد وجوه الجمع بين الاخبار المختلفة الواردة في تفضيل الصلاة على الحج و العكس، وسيأتي تفصيله في كتاب الصلاة إنشاء الله " أحصى فيه اسبوعه " أي حفظ طوافه من غير زيادة ولا نقصان ولا سهو ولا شك " وأحسن ركعتيه " أي بفعلهما في وقتهما ومكانهما مع رعاية الشرايط والكيفيات والاداب المرعية فيهما " وقال في يوم عرفة ويوم المزدلفة " أي قال في اليومين في فضل الحج وأعماله أو في فضل اليومين وأعمالهما " ما قال " قوله " فما ذا يتبعه " وفي بعض النسخ " بما ذا يتبعه " أي الرب أو المكلف وفي المحاسن " ثم ماذا " ولا يخفى أن هذا السؤال لا فائدة فيه ظاهرا، لانه مع ذكر الصوم أولا في الاعمال المعدودة وتفضيل ما سواه

[335]

علم أن الصوم بعدها، إلا أن يكون ذلك تمهيدا للسؤال الثاني أو يقال: لما لم يكن كلامه عليه السلام أولا صريحا في كون تلك الاعمال أفضل من غيرها، فهذا السؤال لاستعلام أنه هل بين الصوم والحج عمل يكون أفضل منه. قوله " قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله " في بعض النسخ " وقال رسول الله " فيكون من كلام الراوي أي كيف يكون مؤخرا عنها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله فيه ذلك وعلى النسخة الاخرى لعله إنما ذكر عليه السلام حديثا في فضل الصوم دفعا لما عسى أن يتوهم السائل أنه مما لا فضل فيه، أو أنه قليل الاجر، " وكونه جنة من النار " لان أعظم أسباب النار الشهوات، والصوم يكسرها، والظرف متعلق بجنة لتضمنه معنى الوقاية أو الستر أو التبعيد. ثم ذكر عليه السلام للفضل قاعدة كلية، وهو أن الافضل ما لم يقم شئ آخر مقامه، وكأن المراد بالتوبة هنا المعنى اللغوى بمعنى الرجوع أو اطلقت على ما ينوب مناب الشئ مجازا، أو أنه عليه السلام لما أطلق الذنب على الترك وإن كان لعذر أطلق على ما يتداركه التوبة، قوله " أو قصرت " يعني في شئ من شرائطه أو أركانه وفي المحاسن " أو قصرت وسافرت " أي قصرت بسبب السفر. والحاصل أنه عليه السلام أشار إلى أقسام الفوات وأحكامه إجمالا، لان الفوات إما للعذر مثل المرض وغره، أو التقصير أو التعمد في تركه، أو السفر وشبهه واللازم إما القضاء فقط أو الكفارة فقط أو هما معا، أولا هذا ولا ذاك، وتفصيله في كتب الفروع، والغرض بيان الفرق بين الصوم والاربعة الباقية بأن الاربعة لا تسقط مع الاستطاعة والصوم يسقط في السفر مع القدرة عليه وذكر السفر على المثال، ويمكن أن يكون عدم ذكر المرض لانه قد ينتهي إلى حال لا يقدر على الصوم فيه ومع السقوط في السفر يؤدي مكانه أياما، وقد يسقط القضاء أيضا كما إذا استمر مرضه إلى رمضان آخر وكان فيه دلالة على بطلان قول من قال إن فاقد الطهورين تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء ويحتمل أن يكون ذكر الشق الاول استطرادا ويكون الغرض أن الصوم

[336]

إذا فات قد يجب قضاؤه، وقد لا يجب ويسقط أصلا بخلاف الاربعة فانها لا تسقط بحيث لا يجب قضاؤها فقوله " وجزيت " مقابل لقوله " أديت " أي وقد يكون كذلك. فان قلت: صلاة الحائض أيضا ليس لها قضاء قلت: هناك لم يتعلق الوجوب بها أصلا لا أداء ولا قضاء، ولا بدلا، وههنا عوض عن الصوم بشئ فيدل على أن للصوم عوضا يقوم مقامه. وذروة الشئ بالضم والكسر أعلاه وسنام البعير كسحاب معروف، ويستعار لارفع الاشياء، والمراد بالامر الدين، وبطاعة الامام انقياده في كل ما أمر ونهى ولما كان معرفة الامام مع طاعته مستلزمة لمعرفة سائر اصول الدين وفروعه، فهي كأنها أرفع أجزائه وكالسنام بالنسبة إلى سائر أجزاء البعير، وكالمفتاح الذي يفتح به جميع الامور المغلقة، والمسائل المشكلة، وكالباب لقرب الحق سبحانه، و للوصول إلى مدينة علم الرسول صلى الله عليه وآله " وتوجب رضى الرحمن " ولا يحصل إلا بها والضمير في قوله " بعد معرفته " راجع إلى الامام، ويحتمل رجوعه إلى الله، و الاستشهاد بالاية لجميع ما ذكر أو للاخير إما مبنى على أن الاية إنما نزلت في ولاية الائمة عليهم السلام أو على أن طاعة الامام هي بعينها طاعة الرسول: إما لانه أمر بطاعته أو أنه نائب منابه، فحكمه حكم المنوب عنه، وقيل: لان الرسول في الاية شامل للامام وهو بعيد. قوله عليه السلام: " ما كان له على الله حق " لانه لا تشمله آيات الوعد لانه إنما وعد المؤمنين الثواب بالجنة، وهو ليس من المؤمنين فلا يستحق الثواب بمقتضى الوعد أيضا وإن كان المؤمنون المحسنون أيضا لا يستحقون الثواب بمحض أعمالهم لكن يجب على الله إثابتهم بمقتضى وعده " اولئك المحسن منهم " الظاهر أنه إشارة إلى المخالفين والمراد بهم المستضعفون، فانهم مرجون لامر الله ولذا قال بفضل رحمته في مقابلة قوله " ما كان له على الله حق " والحاصل أن المؤمنين لهم على الله حق لوعده، والمستضعفون ليس لهم على الله حق، لانه لم يعدهم الثواب، بل قال إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، فان أدخلهم الجنة فبمحض فضله، ويحتمل أن يكون

[337]

إشارة إلى المؤمنين العارفين أي إنما يدخل المؤمنين الجنة، وإدخالهم أيضا بفضله لا باستحقاقه والاول أظهر. 11 - كا: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان بن يحيى، عن عيسى ابن السرى أبي اليسع قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أخبرني بدعائم الاسلام التي لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شئ منها، التي من قصر عن معرفة شئ منها فسد عليه دينه، ولم يقبل منه عمله، ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه، وقبل منه عمله ولم يضق به مما هو فيه لجهل شئ من الامور جهله، قال: فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، والايمان بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله، والاقرار بما جاء به من عند الله، وحق في الاموال الزكاة، والولاية التي أمر الله عزوجل بها ولاية آل محمد صلى الله عليه وآله، قال: فقلت له: هل في الولاية شئ دون شئ فضل يعرف لمن أخذ به ؟ قال: نعم، قال الله عزوجل " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " (1) وقال رسول الله: " من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وكان عليا عليه السلام وقال الاخرون وكان معاوية، ثم كان الحسن عليه السلام ثم كان الحسين عليه السلام وقال الاخرون: يزيد بن معاوية وحسين بن علي ولا سواء ولا سواء [ولا سواء] قال: ثم سكت، ثم قال: أزيدك ؟ فقال له حكم الاعور: نعم جعلت فداك قال: ثم كان علي بن الحسين، ثم كان محمد بن علي أبا جعفر، وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى كان أبو جعفر، ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم، وحلالهم وحرامهم، حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس وهكذا يكون الامر، والارض لا تكون إلا بامام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وأحوج ما تكون إلى ما أنت عليه إذا بلغت نفسك هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - وانقطعت عنك الدنيا تقول: لقد كنت على أمر حسن (2).


(1) النساء: 59. (2) الكافي ج 2 ص 19 و 20 (*).

[338]

كا: عن أبي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن عيسى بن السري أبي اليسع، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (1). بيان: قوله عليه السلام: " ولم يضق به " الباء للتعدية، و " من " في قوله: " مما هو فيه " للتبعيض، وهو مع مدخوله فاعل " لم يضق " أي لم يضيق عليه الامر شئ مما هو فيه ويمكن أن يقرأ لجهل بالتنوين وشئ بالرفع، فشئ فاعل لم يضق و في بعض النسخ " فيما " مكان مما فلعل الاخير فيه متعين وفي بعض النسخ ولم يضر به فيمكن أن يقرأ على بناء المجهول و " جهله " فعل ماض و " من " في " مما " صلة الضرر، أو على بناء الفاعل وجهله على المصدر فاعله و " من " ابتدائية يقال صره وضر به، وفي رواية العياشي الاتية (2) ولم يضره ما هو فيه بجهل شئ من الامور إن جهله، وهو أصوب. وقيل: يعني لم يضق أو لم يضر به من أجل ما هو فيه من معرفة دعائم الاسلام والعمل بها جهل شئ جهله من الامور التي ليست هي من الدعائم فقوله " مما هو فيه " تعليل لعدم الضيق أو الضرر، وقوله " لجهل شئ " تعليل للضيق أو الضرر، وقوله " جهله " صفة لشئ، وقوله " من الامور " عبارة عن غير الدعائم من شعائر الاسلام انتهى، ولا يخفى ما فيه " وحق في الاموال " إما مجرور بالعطف على ما جاء، والزكاة بدله، ويكون تخصيصا بعد التعميم، وربما يخص ما جاء بالصلاة بقرينة ذكر الزكاة وسائر الاخبار المتقدمة وهو بعيد، وإما مرفوع بالخبرية للزكاة والزكاة مبتدأ ويمكن أن يقرأ " حق " على بناء الماضي المجهول وعلى التقديرين الجملة معترضة للتأكيد والتبيين وإنما لم يذكر الصلاة لظهور أمرها، فاكتفى عنها بما جاء به، و أما رفعه بالعطف على الشهادة كما قيل، فهو بعيد لانه عليه السلام لم يتعرض فيه لسائر العبادات، بل اقتصر فيه على الاعتقادات، وقيل: أراد عليه السلام بالولاية المأمور بها من الله بالكسر الامارة وأولوية التصرف وبالامر بها ما ورد فيها من الكتاب


(1) الكافي ج 2 ص 19 و 20. (2) تفسير العياشي ج 1 ص 252 وسيجى تحت الرقم 37 (*).

[339]

والسنة كالاية المذكورة في هذا الحديث، وكآية " إنما وليكم الله " (1) وحديث الغدير وغير ذلك أقول بل الولاية بالفتح بمعنى المحبة والنصرة والطاعة، واعتقاد الامامة هنا أنسب كما لا يخفى. قوله " هل في الولاية شئ دون شئ الخ " أقول: هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد: هل في الامامة شرط مخصوص وفضل معلوم يكون في رجل خاص من آل محمد بعينه يقتضي أن يكون هو ولي الامر دون غيره يعرف هذا الفضل لمن أخذ به أي بذلك الفضل وادعاه وادعى الامامة، فيكون من أخذ به الامام أو يكون معروفا لمن أخذ وتمسك به وتابع إماما بسببه، ويكون حجته على ذلك، فالمراد بالموصول الموالي للامام. الثاني أن يكون المراد به هل في الولاية دليل خاص يدل على وجوبها ولزومها " فضل " أي فضل بيان وحجة، وربما يقرأ بالصاد المهملة أي برهان فاصل قاطع يعرف هذا البرهان لمن أخذ به أي بذلك البرهان والاخذ يحتمل الوجهين، ولكل من الوجهين شاهد فيما سيأتي. ويمكن الجمع بين الوجهين بأن يكون قوله " شئ دون شئ " إشارة إلى الدليل وقوله " فضل " إشارة إلى شرائط الامامة وإن كان بعيدا وحاصل جوابه عليه السلام أنه لما أمر الله تعالى بطاعة اولي الامر مقرونة بطاعة الرسول وبطاعته فيجب طاعتهم ولا بد من معرفتهم، وقال الرسول صلى الله عليه وآله: من مات ولم يعرف إمام زمانه أي من يجب أن يقتدى به في زمانه مات ميتة جاهلية، والميتة بالكسر مصدر للنوع أي كموت أهل الجاهلية على الكفر والضلال، فدل على أن لكل زمان إماما لا بد من معرفته ومتابعته. " وكان رسول الله صلى الله عليه وآله " أي من كان تجب طاعته في زمن الرسول هو صلى الله عليه وآله وكان بعده صلى الله عليه وآله عليا، وقال آخرون مكانه معاوية، وإنما لم يذكر الغاصبين الثلاثة تقية وإشعارا بأن القول بخلافتهم بالبيعة يستلزم القول بخلافة مثل معاوية فاسق جاهل كافر، وبالجملة لما كان هذا أشنع، خصه بالذكر


(1) المائدة: 55 (*).

[340]

مع أن بطلان خلافته يستلزم بطلان خلافتهم. " ثم كان الحسن " أي في زمن معوية أيضا، ثم كان الامام الحسين في بعض زمن معاوية، وبعض زمن يزيد عليهما اللعنة " وحسين بن على، ثانيا كأنه زيد من الرواة أو النساخ ويؤيده عدم التكرار في رواية الكشي (1) ويحتمل أن يكون جملة حالية بخذف الخبر أي وحسين بن علي حي وقد يقرأ " حسين " بالتنوين فيكون " ابن على " خبرا أو يكون ذكره أولا لمقابلته عليه السلام بمعاوية وثانيا لمقابلة بيزيد فالمعنى وقال آخرون يزيد بن معاوية والحسين معارضان، أو الواو بمعنى مع، ولا سواء خبر مبتدأ محذوف، وفي بعض النسخ مكرر ثلاث مرات أي علي ومعاوية لا سواء، وحسن ومعاوية لا سواء، وحسين ويزيد لا سواء. والحاصل أن الامر أوضح من أن يشتبه على أحد فانه لا يريب عاقل في أنه إذا كان لا بد من إمام وتردد الامر بين على ومعاوية، فعلي عليه السلام أولى بالامامة " وكان " في الكل ناقصة، لقوله " عليا وأبا جعفر " ومن قال نصب أبا جعفر بتقدير أعني غفل عن ذلك، ولكن في قوله " كانت الشيعة " وقوله " أن يكون أبو جعفر " وقوله " حتى كان أبو جعفر " تامة، والمراد بالكون في الاخيرين ظهور أمره ورجوع الناس إليه وقيل كان ناقصة والظرف خبره، والمراد بالناس في الموضعين علماء المخالفين ورواتهم " وهكذا يكون الامر " أي هكذا يكون أمر الامامة دائما مرددا بين عالم معصوم من أهل البيت بين فضله وورعه وعصمته، وجاهل فاسق بين الجهالة والفسق من خلفاء الجور " والارض لا تكون إلا بامام " معصوم عالم بجميع ما تحتاج إليه الامة، ومن لم يعرفه مات ميتة جاهلية، و " أحوج " مبتدأ مضاف إلى " ما " وهي مصدرية و " تكون " تامة، ونسبة الحاجة إلى المصدر مجاز، والمقصود نسبة الحاجة إلى فاعل المصدر باعتبار بعض أحوال وجوده و " إلى " متعلق بأحوج، و " ما " موصولة وعبارة عن التصديق بالولاية، وإذا ظرف، وهو خبر أحوج " وأهوى " كلام الراوى وقع بين كلامه عليه السلام. 12 - كا: عن على، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله


(1) رجال الكشى ص 362 (*).

[341]

عن أبيه عليهما السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الايمان له أركان أربعة: التوكل على الله، وتفويض الامر إلى الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لامر الله عزوجل (1). بيان: " له أركان أربعة " لعدم استقرار الايمان وثباته إلا بها، " التوكل على الله، أي الاعتماد عليه في جميع الامور والمهمات وقطع النظر عن الاسباب الظاهرة، وإن كان يجب التوسل بها ظاهرا، لكن من كمل يقينه بالله وأنه القادر على كل شئ، وأنه المسبب للاسباب، لا يعتمد عليها بل على مسببها، " و تفويض الامر إلى الله " أي في دفع الاعادي الظاهرة والباطنة، كما فوض مؤمن آل فرعون أمره إلى الله فوقاه الله سيئات ما مكروا، ولا ريب أن هذا وما قبله متفرعان على قوة الايمان بالله ويصيران سببا لشدة اليقين أيضا " والرضا بقضاء الله " في الشدة والرخاء، والعافية والبلاء، وهذا أيضا يحصل من الايمان بكونه سبحانه مالكا لنفع العباد وضرهم، ولا يفعل بهم إلا ما هو الاصلح لهم، ويصير أيضا سببا لكمال اليقين " والتسليم لامر الله " أي الانقياد له في كل ما أمر به ونهى عنه، ولنبيه وأوصيائه فيما صدر عنهم من الاقوال والافعال كما قال سبحانه: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " ومدخلية هذه الخصلة في الايمان وكماله أظهر من أن يحتاج إلى البيان والله المستعان. 13 - كا: عن العدة، عن أحمد بن محمد، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله خلق الاسلام، فجعل له عرصة، وجعل له نورا، وجعل له حصنا، وجعل له ناصرا: فأما عرصته فالقرآن، وأما نوره فالحكمة، وأما حصنه فالمعروف، وأما أنصاره فأنا وأهل بيتي وشعيتنا، فأحبوا أهل بيتي وشيعتهم وأنصارهم فانه لما اسري بي إلى السماء الدنيا فنسبني جبرئيل عليه السلام لاهل السماء استودع الله حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم في قلوب الملائكة فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة، ثم هبط بي إلى أهل الارض، فنسبني إلى أهل الارض فاستودع الله حبي وحب أهل بيتي وشيعتهم


(1) الكافي ج 2 ص 56 (*).

[342]

في قلوب مؤمني امتي، فمؤمنو امتي يحفظون وديعتي في أهل بيتي إلى يوم القيامة ألا فلو أن الرجل من امتي عبد الله عزوجل عمره أيام الدنيا ثم لقي الله عزوجل مبغضا لاهل بيتي وشيعتي ما فرج الله صدره إلا عن نفاق (1). 14 - بشا: عن محمد بن علي بن عبد الصمد، عن أبيه، عن جده، عن أحمد بن محمد بن عباد الرازي، عن عبد العظيم مثله إلا أن فيه فهبط بي إلى الارض ونسبني لاهل الارض إلى قوله: في قلوب أهل الارض إلى قوله: عدة أيام الدنيا إلى قوله: ما فرج الله قلبه إلا عن النفاق (2). توضيح: " فجعل له عرصة " العرصة كل بقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء والظاهر أنه عليه السلام شبه الاسلام برجل لا بدار كما زعم، وشبه القرآن بعرصة يجول الاسلام فيه، وشبه الحكمة والعلوم الحقة بسراج ونور يستنير به الاسلام أو يبصر به صاحبه، فان بالعلم يظهر حقائق الاسلام وأوامره ونواهيه و أحكامه " وأما حصنه فالمعروف " أي الاحسان أو ما عرف بالعقل والشرع حسنه كما هو المراد في الامر بالمعروف، فانه بكل من المعنيين يكون سببا لحفظ الاسلام وبقائه، وعدم تطرق شياطين الانس والجن للخلل فيه، أو المراد به الامر بالمعروف فالتشبيه أظهر. وأما كونهم عليهم السلام وشيعتهم أنصار الاسلام فهو ظاهر، وغيرهم يخربون الاسلام ويضيعونه " فنسبني " أي ذكر نسبي أو وصفني وذكر نبوتي ومناقبي وأما ذكر نسبه لاهل الارض فبالايات التي أنزلها فيه، وفي أهل بيته، ويقرؤها الناس إلى يوم القيامة، أو ذكر فضله ونادى به بحيث سمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، كنداء إبراهيم عليه السلام بالحج، وقيل لما وجبت الصلوات الخمس في المعراج فلما هبط صلى الله عليه وآله علمها الناس، وكان من أفعالها الصلاة على محمد وآله في التشهد فدلهم بذلك على أنهم أفضل الخلق، لانه لو كان غيرهم أفضل لكانت الصلاة عليهم أوجب، والاول أظهر.


(1) الكافي ج 2 ص 46. (2) بشارة المصطفى ص 193 وفيه: ما قدح الله قلبه الا على النفاق (*).

[343]

" ثم لقي الله " أي عند الموت أو في القيامة، وتفريج الصدر كناية عن إظهار ما كان كامنا فيه على الناس في القيامة، أو عن علمه تعالى به والاول أظهر. 15 - كا: عن العدة، عن البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن مدرك بن عبد الرحمان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوفاء، ومروته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت (1). كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم مثله (2). سن: عن أبيه مثله (3). لى: عن العطار، عن سعد، عن ابن يزيد، عن زياد القندي، عن علي بن معبد، عن عبد الله بن القاسم، عن مبارك بن عبد الرحمان، عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام مثله (4). بيان: " الاسلام عريان " شبه عليه السلام الاسلام برجل والحياء بلباسه، فكما أن اللباس يستر العورات والقبائح الظاهرة، فكذلك الحياء يستر القبائح والمساوي الباطنة، ولا يبعد أن يكون المراد بالاسلام المسلم من حيث إنه مسلم أو يكون إسناد العري واللباس إليه على المجاز، أي لباس صاحبه، وكذا الفقرات الاتية تحتملهما فتفطن " وزينته الوفاء " أي بعهود الله ورسوله وحججه وبعهود الخلق و وعودهم، وقيل إيفاء كل ذي حق حقه وافيا " ومروته العمل الصالح " المروءة بالضم مهموزا وقد يخفف الهمزة، فيشد الواو: الانسانية أي العمل بمقتضاها قال في القاموس: مروة ككرم مروءة فهو مرئ أي ذو مروءة وإنسانية وفي المصباح


(1 و 2) الكافي ج 2 ص 46. (3) للمحاسن ص 286، وقد مر تحت الرقم 34. من الباب 24 ص 281. (4) أمالى الصدوق ص 161، والظاهر أن مبارك بن عبد الرحمان في سنده تصحيف مدرك بن عبد الرحمان كما في سائر المصادر (*).

[344]

المروءة آداب نفسانية تحمل مراعاتها الانسان على الوقوف عند محاسن الاخلاق وجميل العادات، يقال مرؤ الانسان فهو مرئ مثل قرب فهو قريب أي صار ذا مروءة وقال الجوهري: وقد يشدد فيقال مروة انتهى. والحاصل أن العمل الصالح من لوازم الاسلام، ومما يجعل الاسلام حقيقا بأن يسمى إسلاما كما أن المروءة من لوازم الانسان ومما يصير به الانسان حقيقا بأن يسمى إنسانا أو المسلم من حيث إنه مسلم مروته العمل الصالح فلا يسمى مرءا حقيقة أو مسلما إلا به " وعماده الورع " العماد بالكسر ما يسند به، وعماد الخيمة والسقف ما يقام به، والحاصل أن ثبات الاسلام وبقاءة واستقراره بالورع، أي ترك المحرمات بل الشبهات أيضا كما أن بالمعاصي يتزلزل بل يزول، والاس بالضم والاساس بالفتح أصل البناء وأصل كل شئ والاساس بالكسر جمع إس والحاصل أنه كما يستقر البناء ولا يستقيم بغير أساس، فكذلك الاسلام لا يتحقق ولا يستقر إلا بحبهم الملزوم للقول بولايتهم وإمامتهم، فان من أنكر حقهم فهو أعدى عدوم، وقوله صلى الله عليه وآله " حبنا " أي حبي وحب أهل بيتي، ويحتمل كون الفقرة الاخيرة كلام الصادق عليه السلام لكنه بعيد. 16 - نهج: قال عليه السلام في بعض خطبه: ثم إن هذا الاسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبته. أذل الاديان بعزه، ووضع الملل برفعه، وأهان أعداء بكرامته، و خذل محاديه بنصره، وهدم أركان الضلالة بركنه، وسقى من عطش من حياضه، وأتاق الحياض بمواتحه، ثم جعله لا انفصام لعروته، ولا فك لحلقته ولا انهدام لاساسه، ولا زوال لدعائمه، ولا انقلاع لشجرته، ولا انقطاع لمدته ولا عفاء لشرائعه، ولا جذ لفروعه، ولا ضنك لطرقه، ولا وعوثة لسهولته ولا سواد لوضحه، ولا عوج لانتصابه، ولا عصل في عوده، ولا وعث لفجه، ولا انطفاء لمصابيحه، ولا مرارة لحلاوته، فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها، وثبت لها أساسها، وينابيع عزرت عيونها، ومصابيح شبت نيرانها، ونار اقتدى بها

[345]

سفارها، وأعلام قصد بها فجاجها، ومناهل روي بها ورادها، جعل الله فيه منتهى رضوانه، وذروة دعائمه، وسنام طاعته، فهو عند الله وثيق الاركان، رفيع البنيان منير البرهان، مضئ النيران، عزيز السلطان، مشرف المنار، معوز المثار فشرفوه واتبعوه، وأدوا إليه حقه، وضعوه مواضعه (1). بيان: الاصطفاء، الاختيار أي اختاره لان يكون طريقا إلى طاعته وسبيلا إلى جنته، والاصطناع افتعال من الصنيعة وهي العطية والكرامة والاحسان، و اصطنعه أي اختاره واتخذه صنيعة واصطنع خاتما أي أمر أن يصنع له، وقال: بعض شراح النهج: تقول اصنع لي كذا على عيني، أي اصنعه صنعة كالتي تصنعها وأنا حاضر أشاهدها بعيني، فالمعنى أمر بأن يصنع الاسلام كالمصنوع المشاهد للامر أي أسس قواعده على ما ينبغي، وعلى علم منه بدقائقه، وقيل أي على علم منه بشرفه وفضله، وقيل أي اختاره أو أمر بأن يصنع حافظا له كما يقال في الدعاء بالحفظ والحياطة: " عين الله عليك " و " على " يفيد الحال على الوجوه، واصطفيت الشئ أي آثرته واصطفيته الود أي أخلصته. " وأصفاه خيرة خلقه " أي آثر واختار للبعثة به خيرة خلقه، أو جعل خيرة خلقه خالصا لتبليغه دون غيره، والخيرة بالكسر وكعنبة الاسم من الاختيار، و الدعامة بالكسر عماد البيت، والضمير في محبته للاسلام أو لله " وذلة الاديان " نسخها أو المراد ذلة أهلها، وكذا وضع الملل، وهو الحط ضد الرفع يحتملهما وخذله كنصره ترك نصرته، والمحادة المخالفة ومنع ما يجب عليك من الحد بمعنى المنع وركن الشئ جانبه الذي يستند إليه ويقوم به، وأركان الضلالة العقائد المضلة أو رؤساء أهل الضلال، أو الاصنام، وركنه اصوله وقواعده أو النبي صلى الله عليه وآله أو كلمة التوحيد، وحياضه قوانينه أو النبي والائمة صلوات الله عليهم، أو العلماء أيضا وماؤها العلم والهداية، وتئق الحوض كفرح أي امتلا وأتاقه: أملاه، والماتح المستقي الذي يستخرج الدلو والحياض هنا المستفيدون ومواتحه الائمة الاخذون


(1) نهج البلاغة ط عبده ج 1 ص 433 تحت الرقم 196 من الخطب (*).

[346]

شرائعه عن النبي صلى الله عليه وآله أو المستنبطون من القرآن، أو العلماء المستنبطون معالم الكتاب والسنة بأفكارهم، أو الاخذون عن النبي والائمة عليهم السلام ويحتمل أن يراد بالحياض القواعد وبالمواتح المؤسسون لها بأمر الله المبينون لها للمستضيئين بأنوارهم أو يراد بالحياض اولي العلم الذين ملا الله صدورهم من زلال المعرفة و الهداية، وبالمواتح المبلغون عن الله، من الملائكة وروح القدس والا لها مات الربانية. والانفصام: الانكسار أو من غير إبانه، والعروة من الدلو والكوز المقبض والفك: الفصل، والعفاء الدروس وذهاب الاثر، والشريعة ما شرع الله لعباده أي سن وأوضح، والجذ بالجيم والذال المعجمة القطع، أو القطع المستأصل، و في بعض النسخ بالحاء المهملة، وهو القطع، وفي بعضها بالجيم والدال المهملة وهو القطع أيضا والفعل في الجميع كمد، والضنك الضيق، ووعوثة الطريق تعسر سلوكه، وأصله من الوعث وهو الرمل، والمشي فيه يشتد ويشق ومنه وعثاء السفر، لشدته ومشقته، وعن النبي صلى الله عليه وآله بعثت إليكم بالحنيفية السمحة السهلة البيضاء، والوضح بالتحريك البياض وبياض الاسلام صفاؤه عن كدر الباطل ونصبت الشئ أي أقمته ورفعته فانتصب، والعصل بالتحريك الاستواء والاعوجاج أو الاعوجاج في صلابة، والفج الطريق الواسع بين الجبلين، وطفئت النار كفرح وانطفأت أي ذهب لهبها. وحلاوة الدين لذة القرب من الله والنعيم الدائم، وساخ الشئ في الارض أي غاب وغار، والسنخ بالكسر الاصل، والاساس كسحاب أصل البناء والينبوع العين ينبع منه الماء أي يخرج، وقيل الجدول الكثير الماء وهو أنسب، وغزر العين ككرم أي كثر ماؤه وشبت النار على المعلوم والمجهول توقدت لازم متعد ولا يقال شابة بل مشبوبة، وفي النسخ على المجهول، والنيران جمع نار، والمنار جمع منارة، وهو العلم يهتدى به، وقيل المنار والمنارة موضع النور، وسفر الرجل كنصر أي خرج للارتحال فهو سافر، والفج الطريق الواسع الواضح

[347]

بين جبلين، والمنهل المشرب والموضع الذي فيه المشرب، وروي كرضي، ضد العطش والوراد: الذين يردون الماء ضد الصادرين وذروة الشئ بالضم والكسر أعلاه، وكذلك السنام كسحاب مأخوذ من سنام البعير، والوثيق المحكم الثابت وركن الشئ بالضم جانبه والبنيان ما يبنى ومصدر بنيت الدار وغيره، والبرهان الحجة، والعزة القوة والغلبة وضد الذلة، والسلطان يحتمل الحجة والسلطنة وأشرف الموضع أي ارتفع، وأعوزه الشئ أي احتاج إليه فلم يقدر عليه وأعوز فلان إذا افتقر وأعوزه الدهر أي أحوجه. وثار الغبار: هاج وسطع، وثار به الناس: وثبوا عليه، وثار فلان إلى الشر أي نهض، والمثار الموضع والمصدر قيل: أي يعجز الناس إثارته وإزعاجه لقوته وثباته، وقال بعضهم: أي يعجز الخلق إثارة دفائنه وما فيه من كنوز الحكمة ولا يمكنهم استقصاؤها وروى بعض " معوز المثال " باللام أي يعجز الخلق عن الاتيان بمثله. " فشرفوه " أي عدوه شريفا واعتقدوه كذلك، وكذلك عظموه، وأداء حقه الاتباع الكامل، ووضعه مواضعه: الكف عن تغيير أحكامه والعلم بمرتبته ومقداره الذي جعله الله له، أو العمل بجميع ما تضمنه من الاوامر والنواهي. 17 - نهج: الحمد لله الذي شرع الاسلام فسهل شرائعه لمن ورده، وأعز أركانه على من غالبه، فجعله أمنا لمن علقه، وسلما لمن دخله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، ونورا لمن استضاء به، وفهما لمن عقل، ولبا لمن تدبر، وآية لمن توسم، وتبصرة لمن عزم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاة لمن صدق، وثقة لمن توكل، وراحة لمن فوض، وجنة لمن صبر، فهو أبلج المناهج، واضح الولايج، مشرف المنار، مشرق الجوار، مضئ المصابيح، كريم المضمار، رفيع الغاية، جامع الحبلة، متنافس السبقة، شريف الفرسان، التصديق منهاجه والصالحات مناره، والموت غايته، والدنيا مضماره، والقيامة حلبته، والجنة سبقته (1).


(1) نهج البلاغة ط عبده ج 1 ص 219 تحت الرقم 104 من الخطب (*).

[348]

وقال رضي الله عنه في موضع آخر: وسئل عليه السلام عن الايمان فقال: الايما على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، فالصبر منها على أربع شعب: على الشوق، والشفق، والزهد، والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات ومن أشفق من النار اجتنب المحرمات، ومن زهد في الدنيا استهان بالمصيبات ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات. واليقين منها على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين، فمن تبصر في الفطنة تبينت له الحكمة، ومن تبينت له الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة فكأنما كان في الاولين. والعدل منها على أربع شعب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزهرة الحكم ورساخة الحلم، فمن فهم علم غور العلم ومن علم غور العلم صدر عن شرايع الحكم ومن حلم لم يفرط في أمره وعاش في الناس حميدا. والجهاد منها على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، و الصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم انوف المنافقين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الافاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة (1). والكفر على أربع دعائم: على التعمق، والتنازع، والزيغ، والشقاق، فمن تعمق لم ينب إلى الحق، ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه عن الحق، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيئة، وسكر سكر الضلالة، ومن شاق وعرت عليه طرقه وأعضل عليه أمره وضاق مخرجه. والشك على أربع شعب: على التماري، والهول، والتردد، والاستسلام فمن جعل المراء ديدنا لم يصبح ليله، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه ومن تردد في الريب وطئته سنابك الشياطين، ومن استسلم لهلكة الدنيا و


(1) نهج البلاغة ط عبده ج 2 ص 150، تحت الرقم 30 من الحكم (*).

[349]

الاخرة هلك فيهما (1). ثم قال رضي الله عنه: وبعد هذا كلام تركنا ذكره خوف الاطالة والخروج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب. وقال رحمه الله في موضع آخر: وسأله عليه السلام رجل أن يعرفه ما الايمان ؟ فقال: إذا كان غد فأتني حتي اخبرك على أسماع الناس، فان نسيت مقالتي حفظها عليك غيرك، فان الكلام كالشاردة يثقفها هذا ويخطئها هذا، وقد ذكرنا ما أجابه به فيما تقدم من هذا الباب وهو قوله عليه السلام: الايمان على أربع شعب (2). بيان: أقول إنما أوردنا هذه الفصول متصلة لما يظهر من سائر الروايات اتصالها، وإنما فرقها وحذف أكثرها على عادته قدس سره وأخرنا شرح ما أورده منها إلى ذكر سائر الروايات لكونها أجمع وأفيد، وسنشير إلى الاختلاف بينها وبينها قوله " فإذا كان غد " كان ههنا تامة أي إذا حدث غد ووجد، وتقول إذا كان غدا فأتني بالنصب باعتبار آخر إي إذا كان الزمان غدا أي موصوفا بأنه الغد، ومن النحويين من يقدره إذا كان الكون غدا لان الفعل يدل على المصدر، والكون هو التجدد والحدوث، والشاردة النافرة، " وثقفه " كعلمه أي صادفه أو أخذه أو ظفر به و " يخطئها " أي لا يدركها ولا يفهمها أولا يحفظها وينساها. 18 - كا: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه ; ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى ; وعدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد جميعا عن الحسن بن محبوب عن يعقوب السراج، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام وبأسانيد مختلفة، عن الاصبغ ابن بناته قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام في داره - أو قال في القصر - ونحن مجتمعون ثم أمر صلوات الله عليه فكتب في كتاب وقرئ على الناس ; وروى غيره أن ابن الكوا سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن صفة الاسلام والايمان والكفر والنفاق فقال: أما بعد فان الله تبارك وتعالى شرع الاسلام، وسهل شرايعه لمن ورده، و


(1) نهج البلاغة ط عبده ج 2 ص 151، تحت الرقم 31 من الحكم. (2) نهج البلاغة ط عبده ج 2 ص 208، تحت الرقم 266 من الحكم (*).

[350]

أعز أركانه لمن جأر به، وجعله عزا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وزينة لمن تجلله، وعذرا لمن انتحله، وعروة لمن اعتصم به، وحبلا لمن استمسك به، وبرهانا لمن تكلم به، ونورا لمن استضاء به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وعلما لمن وعاه، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى، وحلما لمن جرب، ولباسا لمن تدبر (1) وفهما لمن تفطن، ويقينا لمن عقل، وبصيرة لمن عزم، وآية لمن توسم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاة لمن صدق، وتؤدة لمن أصلح، وزلفى لم اقترب، وثقة لمن توكل، ورجاء لمن فوض، وسبقة لمن أحسن، وخيرا لمن سارع، وجنة لمن صبر، ولباسا لمن اتقى، وظهيرا لمن رشد، وكهفا لمن آمن، وأمنة لمن أسلم، ورجاء لمن صدق وغنى لمن قنع. فذلك الحق سبيله الهدى، ومأثرته المجد، وصفته الحسنى، فهو أبلج المنهاج مشرق المنار، ذاكي المصباح، رفيغ الغاية، يسير المضمار، جامع الحلبة، سريع السبقة، أليم النقمة، كامل العدة، كريم الفرسان. فالايمان منهاجه، والصالحات مناره، والفقه مصابيحه، والدنيا مضماره والموت غايته، والقيامة حلبته، والجنة سبقته، والنار نقمته، والتقوى عدته، و المحسنون فرسانه، فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه وبالفقه يرهب الموت، وبالموت يختم الدنيا، وبالدنيا تجوز القيامة، وبالقيامة تزلف الجنة، والجنة حسرة أهل النار، والنار موعظة للمتقين، والتقوى سنخ الايمان (2). 19 - كا: بالاسناد المتقدم (3) عن أبي جعفر عليه السلام قال سئل أمير المؤمنين


(1) في نسخة النهج كما مر: " ولبا لمن تدبر " وهو الصحيح، وبين النسخ كما سيأتي من المصنف اختلافات، والصيحح في بعض نسخة الكافي وفى بعض نسخة النهج. (2) الكافي ج 2 ص 49 و 50. (3) في المصدر: بالاسناد الاول، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج، عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام (*).

[351]

عليه السلام عن الايمان فقال: إن الله عزوجل جعل الايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. فالصبر من ذلك على أربع شعب: على الشوق، والاشفاق، والزهد، و الترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق عن النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، ومعرفة العبرة وسنة الاولين، فمن أبصر الفطنة عرف الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما كان مع الاولين واهتدى إلى التي هي أقوم، ونظر إلى من نجا بما نجا، ومن هلك بما هلك، وإنما أهلك الله من هلك بمعصيته، وأنجا من أنجا بطاعته. والعدل على أربع شعب غامض الفهم، وغمر العلم، وزهرة الحكم، و روضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن علم عرف شرايع الحكم، ومن حلم لم يفرط في أمره، وعاش في الناس حميدا. والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، وأمن كيده، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شئ الفاسقين غضب لله ومن غضب لله غضب الله له فذلك الايمان ودعائمه وشعبه (1). جا، ما: عن المفيد، عن المرزباني، عن أحمد بن سليمان الطوسي، عن الزبير بن بكار، عن عبد الله بن وهب، عن السدي، عن عبد خير، عن جابر الاسدي قال: قام رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فسأله عن الايمان فقام عليه السلام خطيبا فقال: الحمد لله الذي شرع الاسلام وساق نحوه إلى قوله غضب


(1) الكافي ج 2 ص 50 و 51 (*).

[352]

لله، ومن غضب لله تعالى فهو مؤمن حقا فهذه صفة الايمان ودعائمه، فقال له السائل: لقد هديت يا أمير المؤمنين وأرشدت فجزاك الله عن الدين خيرا (1). ولنوضح هذه الرواية الشريفة مشيرا إلى اختلاف النسخ في الكتب: " أما بعد " أي بعد الحمد والصلاة " فسهل شرائعه لمن ورده " الشرع والشريعة بفتحهما ما شرع الله لعباده من الدين أي سنه وافترضه عليهم، وشرع الله لنا كذا أي أظهره وأوضحه، والشريعة مورد الابل على الماء الجاري وكذلك المشرعة قال الازهري ولا تسميها العرب مشرعة إلا إذا كان الماء غير منقطع كماء الانهار ويكون ظاهرا معينا ولا يستقى منه برشاء، فان كان من ماء الامطار فهو الكرع بفتحتين، ووردت الماء كوعدت إذا حضرته لتشرب، وقيل الشريعة مورد الشاربة ويقال لما شرع الله تعالى لعباده، إذ به حياة الارواح كما بالماء حياة الابدان " وأعز أركانه لمن حاربه " ركن الشئ جانبه أو الجانب الاقوى منه، والعز و المنعة، وما يتقوى به من ملك وجند وغيره، كما يستند إلى الركن من الحائط عند الضعف، والعز القوة والشدة والغلبة، وأعزه أي جعله عزيزا، أي جعل اصوله وقواعده أو دلائله وبراهينه قاهرة غالبة منيعة قوية لمن أراد محاربته أي هدمه وتضييعه، وقيل محاربته كناية عن محاربة أهله وفي بعض النسخ " جأر به " كسأل بالجيم والهمز أي استغاث به ولجأ إليه، وفي النهج على من غالبه أي حاول أن يغلبه ولعله أظهر، وفي تحف العقول (2) على من جانبه. " وجعله عزا لمن تولاه " أي جعله سببا للعزة والرفعة والغلبة لمن أحبه وجعله وليه في الدنيا من القتل والاسر والنهب والذل، وفي الاخرة من العذاب والخزي وفي مجالس الشيخ " لمن والاه " وفي النهج مكانه " فجعله أمنا لمن علقه "


(2) أمالى المفيد: 170، أمالى الطوسى ج 1 ص 35. (2) راجع تحف العقول ص 158 - وسيأتى تحت الرقم 32 نقل الحديث منه. وقد مر مرارا الاشارة إلى أن هذه التعليقات الواردة ههنا منقولة عن شرح المؤلف العلامة على الكافي المسمى بمرآت العقول، ولذلك ترى أنه قدس سره يذكر النسخة التى لم ينقل بعد هنا (*).

[353]

أي نشب واستمسك به " وسلما لمن دخله " والسلم بالكسر كما في النهج وبالفتح أيضا الصلح، ويطلق على المسالم أيضا بالتحريك الاستسلام، إذ من دخله يؤمن من المحاربة والقتل والاسر " لمن تجلله " كأنه على الحذف والايصال أي تجلل به، أو علاه الاسلام وظهر عليه، أو أخذ جلاله وعمدته قال الجوهري تجليل الفرس أن تلبسه الجل، وتجلله أي: علاه، وتجلله: أي أخذ جلاله انتهى، و ربما يقرأ بالحاء المهملة، ويفسر بأن جعله حلة على نفسه ولا يخفى ما فيه وفي المجالس والتحف " لمن تحلى به " وهو أظهر. " وعذرا لمن انتحله " الانتحال أخذه نحلة ودينا، ويطلق غالبا على ادعاء أمر لم يتصف به، فعلى الثاني المراد أنه عذر ظاهرا في الدنيا. ويجري به عليه أحكام المسلمين، وإن لم ينفعه في الاخرة، والعروة من الدلو والكوز المقبض و كل ما يتمسك به، شبه الاسلام تارة بالعروة التي في الحبل يتمسك بها في الارتقاء إلى مدارج الكمال، والنجاة من مهاوي الحيرة والضلال، كما قال تعالى: " فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها " (1) وتارة بالحبل المتين يصعد بالتمسك به إلى درجات المقربين والحبل يطلق على الرسن وعلى العهد وعلى الذمة و على الامان. والكل مناسب، وقيل: شبهه بالعروة لان من أخذ بعروة الشئ كالكوز مثلا ملك كله، وكذلك من تمسك بالاسلام اتسولى على جميع الخيرات. " وبرهانا لمن تكلم به " البرهان: الحجة والدليل، أي الاسلام إذا أحاط الانسان باصوله وفروعه يحصل منه براهين ساطعة على من أنكرها إذ لا تحصل الاحاطة التامة إلا بالعلم بالكتاب والسنة وفيهما برهان كل شئ " ونورا لمن استضاء به " شبهه بالنور للاهتداء به إلى طرق النجاه، ورشحه بذكر الاستضاءة (2).


(1) البقرة: 256. (2) الترشيح: من توابع الاستعارة بالكناية، وهى أن تثب احد لوازم المشبه به للمشبه لينتقل السامع إلى حقيقة التشبيه كما في المثال المعروف: مخالب المنية نشبت بفلان فقد شبه المنية بالسبع، ثم اثبت للمشبه وهو المنية أحد لوازم المشبه به وهى المخالب > (*).

[354]

" وشاهدا لمن خاصم به " إذ باشتماله على البراهين الحقة يشهد بحقيته من خاصم به " وفلجا لمن حاج به " الفلج بالفتح الظفر والفوز كالافلاج، والاسم بالضم والمحاجة المغالبة بالحجة " وعلما لمن وعاه " أي سببا لحصول العلم وإن كان مسببا عنه أيضا في الجملة. إذ العلم به يزداد ويتكامل و " حديثا لمن روى " أي يتضمن الاحاطة بالاسلام أحاديث وأخبارا لمن أراد روايتها، ففي الفقرة السابقة حث على الدراية وفي هذه الفقرة حث على الرواية " وحكما لمن قضى " أي يتضمن ما به يحكم بين المتخاصمين لمن قضى بينهما، وفي المجالس رواه وقضى به " وحلما لمن جرب " الحلم بمعنى العقل أو بمعنى الاناة وترك السفه، وكلاهما يحصلان باختيار الاسلام، وتجربة ما ورد فيه من المواعظ والاحكام، واختصاص التجربة بالاسلام لان من سفه وبادر بسبب غضب عرض له، يلزمه في دين الاسلام أحكام من الحد والتعزير والقصاص من جربها واعتبر بها تحمله التجربة على العفو والصفح وعدم الانتقام لا سيما مع تذكر العقوبات الاخروية على فعلها، والمثوبات الجليلة على تركها، وكل ذلك يظهر من دين الاسلام. " ولباسا لمن تدبر " أي لباس عافية لمن تدبر في العواقب أو في أوامره و نواهيه، بتقريب ما مر أو لباس زينة، والاول أظهر " وقد يقرأ تدثر " بالثاء المثلثة أي لبسه وجعله مشتملا على نفسه كالدثار، وهو تصحيف لطيف وفي النهج والكتابين (1) ولبا لمن تدبر، واللب بالضم العقل وهو أصوب " وفهما لمن تفطن " الفهم العلم وجودة تهيؤ الذهن لقبول ما يرد عليه، والفطنة الحذق، والتفطن طلب الفطانة أو إعماله. وظاهر أن الاسلام والانقياد للرسول والائمة عليهم السلام يصير سببا للعلم وجودة الذهن لمن أعمل الفطنة فيما يصدر عنهم من المعارف والحكم


(1) بالكناية، فيكون ذكر النشوب ترشيحا وتزيينا لهذه الاستعارة، وههنا استعير السراج للاسلام لكنه لم يذكر المشبه به الذى هو المستعار منه كما في المثال المعروف بل كنى عنها بذكر النور الذى هو من لوازم السراج، فيكون ذكر الاستضاءة ترشيحا لها. فافهم. (1) أمالى الطوسى وأمالى المفيد (*).

[355]

وفي المجالس " لمن فطن ". " ويقينا لمن عقل " أي يصير سببا لحصول اليقين لمن تفكر وتدبر، يقال عقلت الشئ عقلا كضربت أي تدبرته، وعقل كعلم لغة فيه، ويمكن أن يراد بمن عقل من كان من أهل العقل، وهو قوة بها يكون التمييز بين الحسن والقبيح وقيل: غريزة يتهيا بها الانسان لفهم الخطاب " وبصيرة لمن عزم " وفي النهج و المجالس " وتبصرة " قال الراغب يقال لقوة القلب المدركة: بصيرة، وبصر، و منه " أدعو إلى الله على بصيرة " (1) أي على معرفة وتحقق، وقوله " تبصرة " أي تبصيرا وتبيينا يقال: بصرته تبصيرا وتبصرة كما يقال: ذكرته تذكيرا وتذكرة، وقال: العزم والعزيمة عقد القلب على إمضاء الامر يقال: عزمت الامر وعزمت عليه واعتزمت انتهى أي تبصرة لمن عزم على الطاعة كيف يؤديها أو في جميع الامور فان في الدين كيفية المخرج في جميع امور الدين والدنيا، وأيضا من كان ذا دين لا يعزم على أمر إلا على وجه البصيرة. " وآية لمن توسم " أي الاسلام مشتمل على علامات لمن تفرس ونظر بنور العلم واليقين إشارة إلى قوله تعالى " إن في ذلك للايات للمتوسمين " (2) قال: الراغب: (3) الوسم التأثير، والسمة الاثر، قال تعالى " سيماهم في وجوههم من أثر السجود " وقال: " تعرفهم بسيماهم " وقوله تعالى " إن في ذلك لايات للمتوسمين " أي للمعتبرين العارفين المتفطنين، وهذا التوسم هو الذي سماه قوم الذكاء، و قوم الفطنة، وقوم الفراسة، وقال صلى الله عليه وآله: اتقوا فراسة المؤمن، وقال: المؤمن ينظر بنور الله، وتوسمت تعرفت السمة. " وعبرة لمن اتعظ " العبرة بالكسر ما يتعظ به الانسان ويعتبره ليتسدل به على غيره، والاتعاظ قبول الوعظ " ونجاة لمن صدق " بالتشديد، ويحتمل التخفيف كما ورد في الخبر من صدق نجا، والاول هو المضبوط في نسخ النهج " وتؤدة " كهمزة


(1) يوسف: 108. (2) الحجر: 75. (3) المفردات: 524، والايات في الفتح: 29، البقره: 273 (*).

[356]

بالهمز " لمن أصلح " وفي القاموس: التؤدة بفتح الهمزة وسكونها الرزانة والتأني، وقد اتأد وتوأد (1) وفي المصباح اتأد في مشيه على افتعل اتئادا ترفق ولم يعجل، وهو يمشي على تؤدة وزان رطبة، وفيه تؤدة أي تثبت، وأصل التاء فيها واو انتهى أي يصير الاسلام سبب وقار ورزانة لمن أصلح نفسه بشرائعه وقوانينه، أو أصلح اموره بالتأني أو يتأنى في الاصلاح بين الناس أو بينه وبين الناس وفي بعض النسخ ومودة وهو بالاخير أنسب. وفي المجالس: " ومودة من الله لمن أصلح " وفي التحف " ومودة من الله لمن صلح " أي يوده الله أو يلقي حبه في قلوب العباد كما قال سبحانه: " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمان ودا " (2) " وزلفى لمن اقترب " الزلفى كحبلى القرب والمنزلة والحظوة، والاقتراب الدنو، وطلب القرب وكأن المعنى الاسلام سبب قرب من الله تعالى لمن طلب ذلك بالاعمال الصالحة التي دل عليها دين الاسلام وشرائعه، وفي بعض النسخ " لمن اقترن " أي معه ولم يفارقه، وكأنه تصحيف وفي المجالس والتحف " لمن ارتقب " أي انتظر الموت أو رحمة الله، أو حفظ شرايع الدين وترصد مواقيتها، في القاموس الرقيب الحافظ والمنتظر، والحارس ورقبه انتظره كترقبه وارتقبه، والشئ حرسه كراقبه مراقبة، وارتقب أشرف وعلا. " وثقة لمن توكل " الثقة من يؤتمن ويعتمد عليه، يقال وثقت به أثق بكسرهما ثقة ووثوقا أي ائتمنته، ووثق الشئ بالضم وثاقة فهو وثيق أي ثابت محكم، و توكل عليه أي فوض أمره إليه أي الاسلام ثقة مأمون لمن وكل اموره إليه أي راعى في جميع الامور قوانينه، فلا يخدعه، أو يصير الاسلام سببا لوثوق المرء على الله إذا توكل عليه ويعلم به أن الله حسبه ونعم الوكيل. " ورجاء لمن فوض " أي الاسلام سبب رجاء لمن فوض اموره إليه أو إلى الله


(1) القاموس ج 1 ص 343. (2) مريم: 96 (*).

[357]

على الوجهين السابقين، وفي بعض النسخ بالخاء المعجمة أي سعة عيش، وفي النهج والكتابين وراحة وهو أظهر " وسبقة لمن أحسن " في القاموس: سبقه يسبقه و يسبقه تقدمه، والفرس في الحلبة جلى، والسبق محركة والسبقة بالضم الخطر يوضع بين أهل السباق وهما سبقان بالكسر أي يستبقان (1) انتهى والظاهر هنا سبقة بالضم أي الاسلام متضمن لسبقة لمن أحسن المسابقة أو لمن أحسن إلى الناس فانه من الامور التي تحسن المسابقة فيه أو لمن أحسن صحبته، أو لمن أتى بأمر حسن فيمشل جميع الطاعات، ولا يبعد أن يكون إشارة إلى قوله تعالى " والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان " (2) بأن يكون المعنى اتبعوهم في الاحسان " وخيرا لمن سارع " على الوجوه المتقدمة إشارة إلى قوله سبحانه في مواضع " يسارعون في الخيرات (3). " وجنة لمن صبر " الجنة بالضم الترس وكل ما وقي من سلاح وغيره، فالاسلام يحث على الصبر وهو جنة لمخاوف الدنيا والاخرة، وقيل استعار لفظ الجنة للاسلام لانه يحفظ من صبر على العمل بقواعده وأركانه من العقوبة الدنيوية و الاخروية، وقيل جنة لمن صبر في المناظرة مع أعادي الدين " ولباسا لمن اتقى " كأنه إشارة إلى قوله تعالى " ولباس التقوى ذلك خير " (4) بناء على أن المراد بلباس التقوى خشية الله، أو الايمان، أو العمل الصالح، أو الحياء الذي يكسب التقوى، أو السمت الحسن، وقد قيل كل ذلك أو اللباس الذى هو التقوى، فانه يستر الفضائح والقبائح، ويذهبها، لا لباس الحرب كالدرع والمغفر والالات التي تتقى بها عن العدو كما قيل، فالاسلام سبب للبس لباس الايمان والتقوى و الاعمال الصالحة، والحياء وهيئة أهل الخير لمن اتقى وعمل بشرائعه.


(1) القاموس ج 3 ص 243. (2) براءة: 100. (3) آل عمران: 114، الانبياء 90، المؤمنون: 61. (4) الاعراف: 25 (*).

[358]

" وظهيرا لمن رشد " أي معينا لمن اختار الرشد والصلاح، في القاموس: رشد كنصر وفرح رشدا ورشدا ورشادا اهتدى والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه " وكهفا لمن آمن " الكهف كالغار في الجبل، والملجأ أي محل أمن من مخاوف الدنيا والعقبى، لمن آمن بقلبه، لا لمن أظهر بلسانه و نافق بقلبه، " وأمنة لمن أسلم " الامنة بالتحريك الامن، وقيل: في الاية (1) جمع كالكتبة والظاهر أن المراد بالاسلام هنا الانقياد التام لله ولرسوله ولائمة المؤمنين فان من كان كذلك فهو آمن في الدنيا والاخرة من مضارهما " ورجاء لمن صدق " أي الاسلام باعتبار اشتماله على الوعد بالمثوبات الاخروية، والدرجات العالية سبب لرجاء من صدق به، ويمكن أن يقرأ بالتخفيف، ويؤيده أن في التحف " وروحا للصادقين " وفي بعض نسخ الكتاب أيضا روحا ومنهم من فسر الفقرتين بأن الاسلام أمنة في الدنيا لمن أسلم ظاهرا وروح في الاخرة لمن صدق باطنا أقول: وكأنه يؤيده قوله تعالى: " فأما إن كان من المقربين فروح وريحان و جنة نعيم " (2). " وغنى لمن قنع " أي الاسلام لاشتماله على مدح القناعة وفوائدها فهو يصير سببا لرضا من قنع بالقليل وغناه عن الناس، وقيل: لان التمسك بقواعده يوجب وصول ذلك القدر إليه كما قال عز شأنه: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " (3) ويحتمل أن يراد به أن الاسلام باعتبار اشتماله على ما لا بد للانسان منه، من العلوم الحقة والمعارف الالهية، والاحكام الدينية يغني من قنع به عن الرجوع إلى العلوم الحكمية، والقوانين الكلامية، والاستحسانات العقلية، والقياسات الفقهية وإن كان بعيدا. " فذلك الحق " أي ما وصفت لك من صفة الاسلام حق أو " ذلك " إشارة إلى الاسلام أي فلما كان الاسلام متصفا بتلك الصفات فهو الحق الثابت الذي لا يتغير


(1) آل عمران: 154. (2) الواقعة: 88. (3) الطلاق: 3 (*).

[359]

أولا بشوبه باطل أو ذلك هو الحق الذي قال الله تعالى: " أفمن يعلم أن ما انزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر اولوا الالباب " (1) وقوله: " سبيله الهدى " استيناف بياني آو الحق صفة لاسم الاشارة، وسبيله الهدى خبره أي هذا الدين الحق الذي عرفت فوائده وصفاته سبيله الهدى كما قيل في قوله سبحانه " اولئك على هدى من ربهم " (2) وكأنه إشارة إليه أيضا، والمراد بالهدى الهداية الربانية الموصلة إلى المطلوب. " ومأثرته المجد " المأثرة بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الثاء وفتحها وفتح الراء: واحدة المآثر وهي المكارم من الاثر، وهو النقل والرواية لانها تؤثر و تروى، وفي القاموس المكرمة المتوارثة. والمجد نيل الكرم والشرف، ورجل ماجد أي كريم شريف، ويطلق غالبا على ما يكون بالاباء فكأن المعنى أنه يصير سببا لمجد صاحبه حتى يسري في أعقابه أيضا " وصفته الحسنى " أي موصوف بأنه أحسن الاخلاق والاحوال والاعمال، وفي المجالس بعد قوله " وجنة لمن صبر " الحق سبيله، والهدى صفته، والحسنى مأثرته. " فهو أبلج المنهاج " في القاموس بلج الصبح أضاء وأشرق كابتلج وتبلج وأبلج و كل متضح أبلج، والنهج والمنهج والمنهاج: الطريق الواضح وأنهج: وضح وأوضح وفي النهج بعده " أوضح الولائج " أي المداخل " مشرق المنار " المنار جمع منارة و هي العلامة توضع في الطريق، وكأنها سميت بذلك لانهم كانوا يضعون عليها النار لاهتداء الضال في الليل، وفي القاموس المنارة والاصل منورة موضع النور كالمنار والمسرجة والمأذنة، والجمع مناور، ومنائر، والمنار العلم انتهى، وفي النهج " مشرف " بالفاء أي العالي وبعده " مشرق الجواد " جمع الجادة و " ذاكي المصباح " وفي النهج والكتابين " مضئ المصابيح " وفي القاموس ذكت النار واستذكت اشتد لهبها، وهي ذكية، وأذكاها وذكاها أوقدها " رفيع الغاية " الغاية منتهى السباق أو الراية المنصوبة في آخر المسافة، وهي خرقة تجعل على قصبة وتنصب في آخر


(1) الرعد: 19. (2) البقرة: 5 (*).

[360]

المدى، يأخذها السابق من الفرسان وكأن الرفعة كناية عن الظهور كما ستعرف وقيل: هو من قولهم رفع البعير في مسيره بالغ أي يرفع إليها. " يسر المضمار " في النهاية تضمير الخيل هو أن تضامر عليها بالعلف، حتى يسمن، ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف، وقيل: تشد عليها سروجها وتجلل بالاجلة حتى تعرق فيذهب رهلها (1) ويشتد لحمها، وفي حديث حذيفة " اليوم مضمار وغدا السباق " أي اليوم العمل في الدنيا للاستباق في الجنة، والمضمار الموضع الذي تضمر فيه الخيل، ويكون وقتا للايام التي تضمر فيها، وفي القاموس المضمار: الموضع الذي يضمر فيه الخيل، وغاية الفرس في السباق انتهى، والحاصل أن المضمار يطلق على موضع تضمير الفرس للسباق وزمانه، وعلى الميدان الذي يسابق فيه. شبه عليه السلام أهل الاسلام بالخيل التي تجمع للسباق، ومدة عمر الدنيا بالميدان الذي يسابق فيه، والموت بالعلم المنصوب في نهاية الميدان، فان ما يتسابق فيه من الاعمال الصالحة إنما هو قبل الموت، والقيامة موضع تجمع فيه الخيل بعد السباق ليأخذ السبقة من سبق بقدر سبقه، ويظهر خسران من تأخر، والجنة بالسبقة، و النار بما يلحق المتأخر من الحرمان والخسران، أو شبه عليه السلام الدنيا بزمان تضمير الخيل أو مكانه، والقيامة بميدان المسابقة، فمن كان تضميره في الدنيا أحسن، كانت سبقته في الاخرة أكثر، كما ورد التشبيه كذلك في قوله عليه السلام في خطبة اخرى: " ألا وإن اليوم المضمار، وغدا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار " (2) ولكن ينافيه ظاهرا قوله: " والموت غايته " إلا أن يقال: المراد بالموت ما يلزمه من دخول الجنة أو النار، إشارة إلى أن آثار السعادة والشقاوة الاخروية تظهر عند الموت كما ورد " ليس بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت " وعلى التقديرين المراد بقوله: " يسير المضمار " قلة مدته وسرعة ظهور السبق وعدمه: أو سهولة قطعه و عدم وعورته أو سهولة التضمير فيه وعدم صعوبته لقصر المدة وتهيئى الاسباب من


(1) الرهل: محركة: استرخاء اللحم، والرخاوة مع انتفاخ. (2) تحت الرقم 28 من خطب النهج (*).

[361]

الله تعالى. وفي " النهج: " كريم المضمار " فكأن كرمه لكونه جامعا لجهات المصلحة التي خلق لاجله، وهي اختبار العباد بالطاعات، وفوز الفائزين بأرفع الدرجات، ولا ينافي ذلك ما ورد في ذم الدنيا، لانه يرجع إلى ذم من ركن إليها وقصر النظر عليها، كما بين عليه السلام ذلك في خطبة نوردها في باب ذم الدنيا إنشاء الله. " جامع الحلبة " الحلبة بالفتح خيل تجمع للسباق من كل أوب أي ناحية، لا تخرج من اصطبل واحد، ويقال للقوم إذا جاؤا من كل أوب للنصرة قد أحلبوا وكون الحلبة جامعة عدم خروج أحد منها أو المراد بالحلبة محلها وهو القيامة كما سيأتي فالمراد أنه يجمع الجميع للحساب، كما قال تعالى: " ذلك يوم مجموع له الناس " (1). " سريع السبقة " السبقة بالفتح كما في النهج أي يحصل السبق سريعا في الدنيا للعاملين، أو في في القيامة إلى الجنة، أو بالضم أي يصل إلى السابقين عوض السباق وهو الجنة سريعا لان مدة الدنيا قليلة وهو أظهر، وفي النهج والمجالس والتحف " متنافس السبقة " فالضم أصوب، وإن كان المضبوط في نسخ النهج بالفتح، والتنافس الرغبة في الشئ النفيس الجيد في نوعه " أليم النقمة " أي مولم انتقام من تأخر في - المضمار، لانه النار. " كامل العدة " العدة بالضم والشد ما أعددته وهيأته من مال أو سلاح أو غير ذلك مما ينفعك يوما ما، والمراد هنا التقوى وكماله ظاهر " كريم الفرسان " وفي النهج " شريف الفرسان " والفرسان بالضم جمع فارس كالفوارس. ثم فسر صلوات الله عليه ما أبهم من الامور المذكورة فقال: " فالايمان منهاجه " هذا ناظر إلى قوله " أبلج المنهاج " أي المنهاج الواضح للاسلام هو التصديق القلبي بالله وبرسوله وبما جاء به، والبراهين القاطعة الدالة عليه، وفي النهج و غيره " فالتصديق منهاجه " وهو أظهر " والصالحات مناره " ناظر إلى قوله: " مشرق


(1) هود: 103 (*).

[362]

المنار " شبه الاعمال الصالحة والعبادات الموظفة، بالاعلام والمنائر التي تنصب على طريق السالكين لئلا يضلوا فمن اتبع الشريعة النبوية وأتى بالفرائض والنوافل يهديه الله للسلوك إليه، وبالعمل يقوى إيمانه، وبقوة الايمان يزداد عمله، و كلما وصل إلى علم يظهر له علم آخر، ويزداد يقينه بحقية الطريق إلى أن يقطع عمره، ويصل إلى أعلا درجات كماله بحسب قابليته التي جعلها الله له، أو شبه الايمان بالطريق، والاعمال بالاعلام، فكما أن بسلوك الطريق تظهر الاعلام فكذلك بالتصديق بالله ورسله وحججه عليهم السلام تعرف الاعمال الصالحة، وقيل: الاعمال الصالحة علامات لاسلام المسلم، وبها يستدل على إيمانه ولا يتم حينئذ التشبيه. " والفقه مصابيحه " الفقه العلم بالمسائل الشرعية أو الاعم، وبه يرى طريق السلوك إلى الله وأعلامه، وهو ناظر إلى قوله " ذاكي المصباح " إذ علوم الدين وشرايعه ظاهرة واضحة للناس بالانبياء والاوصياء عليهم السلام وبما أفاضوا عليهم من العلوم الربانية. " والدنيا مضماره " قال ابن أبي الحديد: (1) كأن الانسان يجري في الدنيا إلى غاية الموت وإنما جعلها مضمار الاسلام، لان السلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لاخرته، فالدنيا كالمضمار للفرس إلى الغاية المعينة " والموت غايته " قد عرفت وجه تشبيه الموت بالغاية، وقال ابن أبي الحديد: أي إن الدنيا سجن المؤمن و بالموت يخلص من ذلك السجن، وقال ابن ميثم (2) إنما جعل الموت غاية أي الغاية القريبة التي هي باب الوصول إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالموت موت الشهوات فانها غاية قريبة للاسلام أيضا وهذا ناظر إلى قوله رفيع الغاية، وفي سائر الكتب هذه الفقرة مقدمة على السابقة، فالنشر على ترتيب اللف، وعلى ما في الكتاب يمكن أن يقال لعل التأخير هنا لاجل أن ذكر الغاية بعد ذكر المضمار أنسب بحسب الواقع، والتقديم سابقا باعتبار الرفعة والشرف، وأنها الفائدة المقصودة، فاشير


(1) شرح النهج لابن أبى الحديد ج 2 ص 220. (2) شرح النهج لابن ميثم ص 260 (*).

[363]

إلى الجهتين الواقعيتين بتغيير الترتيب. " والقيامة حلبته " أي محل اجتماع الحلبة إما للسباق أو لحيازة السبقة كما مر وإطلاق الحلبة عليها من قبيل تسمية المحل باسم الحال، وقال ابن أبي - الحديد: حلبته أي ذات حلبته، فحذف المضاف كقوله تعالى: " هم درجات عند الله " (1) أي ذووا درجات " والجنة سبقته " في أكثر نسخ النهج سبقته بالفتح فلذا قال الشراح: أي جزاء سبقته، فحذف المضاف والظاهر سبقته بالضم فلا حاجة إلى تقدير كما عرفت " والنار نقمته " أي نصيب من تأخر ولم يحصل له استحقاق للسبقة أصلا النار زائدا عن الحسرة والحرمان " والتقوى عدته " ناظر إلى قوله " كامل العدة " لان التقوى تنفع في أشد الاهوال وأعظمها وهو القيامة، كما أن العدة من المال و غيره تنفع صاحبها عند الحاجة إليها " والمحسنون فرسانه " لانهم بالاحسان و الطاعات يتسابقون في هذا المضمار. " فبالايمان يستدل على الصالحات " إذ تصديق الله ورسوله وحججه يوجب العلم بحسن الاعمال الصالحة وكيفيتها من واجبها وندبها، وقيل: لان الايمان منهج الاسلام وطريقه، ولا بد للطريق من زاد يناسبه، وزاد طريق الاسلام هو الاخلاق والاعمال الصالحة، فيدل الايمان عليها كدلالة السبب على المسبب وقيل: أي يستدل بوجوده في قلب العبد على ملازمته لها انتهى، وكأنه حمل الكلام على القلب وإلا فلا معنى للاستدلال بالامر المخفي في القلب على الامر الظاهر نعم يمكن أن يكون المعنى أن بالايمان يستدل على صحة الاعمال وقبولها فانه لا تقبل أعمال غير المؤمن، وهذا معنى حسن لكن الاول أحسن. " وبالصالحات تعمر الفقه " لان العمل يصير سببا لزيادة العلم، كما أن من بيده سراجا إذا وقف لا يرى إلا ما حوله، وكلما مشى ينتفع بالضوء ويرى ما لم يره، كما ورد: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وقد مر أن العلم يهتف بالعمل فان أجاب وإلا ارتحل عنه (2) وقيل: الفقرتان مبنيتان على أن المراد


(1) آل عمران: 163. (2) الكافي ج 1 ص 44 (*).

[364]

بالعمل الصالح ولاية أهل البيت عليهم السلام كما ورد في تأويل كثير من الايات، وظاهر أن بالايمان يستدل على الولاية، وبها يعمر الفقه لاخذه عنهم. " وبالفقه يرهب الموت " أي كثرة العلم واليقين سبب لزيادة الخشية كما قال تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " (1) فالمراد بخشية الموت خشية ما بعد الموت، أو يخشى نزول الموت قبل الاستعداد له ولما بعده، فقوله: " و بالموت تختم الدنيا " كالتعليل لذلك لان الدنيا التي هي مضمار العمل، تختم بالموت، فلذا يرهبه لحيلولته بينه وبين العمل، والاستعداد للقاء الله، لا لحب الحياة واللذات الدنيوية، والمألوفات الفانية " وبالدنيا تجوز القيامة " هذه الفقرة أيضا كالتعليل لما سبق، أي إنما ترهب الموت لان بالدنيا والاعمال الصالحة المكتسبة فيها تجوز من أهوال القيامة، وتخرج عنها إلى نعيم الابد، بأن يكون على صيغة الخطاب من الجواز، وفي بعض النسخ بصيغة الغيبة أي يجوز المؤمن أو الانسان، وفي بعضها يجاز على بناء المجهول، وهو أظهر، وفي بعضها يحاز بالحاء المهملة من الحيازة أي تحاز مثوبات القيامة، وعلى التقادير فالوجه فيه أن كل ما يلقاه العبد في القيامة فانها هو نتائج عقائده وأعماله وأخلاقه المكتسبة في الدنيا، فبالدنيا تجاز القيامة أو تحاز، ومنهم من قرأ تحوز بالحاء المهملة، أي سبب الدنيا وأعمالها تجمع القيامة الناس للحساب والجزاء، فان القيامة جامع الحلبة كما مر وفي التحف " تحذر القيامة " وكأنه أظهر. " وبالقيامة تزلف الجنة " أي تقرب للمتقين كما قال تعالى " وازلفت الجنة للمتقين " وفي المجالس " وتزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين " وقال: البيضاوي (2): " وازلفت الجنة للمتقين " بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها، و " برزت الجحيم للغاوين " فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها، وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد انتهى.


(1) فاطر: 28. (2) تفسير البيضاوى ص 309، والاية في الشعراء: 90 (*).

[365]

" والجنة حسرة أهل النار " في القيامة حيث لا تنفع الحسرة والندامة، وتلك علاوة لعذابهم العظيم " والنار موعظة للمتقين " في الدنيا، حيث ينفعهم فيتركون ما يوجبها ويأتون بما يوجب البعد عنها " والتقوى سنخ الايمان " أي أصله وأساسه في القاموس السنخ بالكسر الاصل. " على أربع دعائم " الدعامة بالكسر عماد البيت، ودعائم الايمان ما يستقر عليه ويوجب ثباته واستمراره وقوته " على الصبر واليقين والعدل والجهاد " قال ابن ميثم (1) فاعلم أنه عليه السلام أراد الايمان الكامل، وذلك له أصل وله كمالات بها يتم أصله، فأصله هو التصديق بوجود الصانع، وماله من صفات الكمال ونعوت الجلال، وبما تنزلت به كتبه، وبلغته رسله، وكمالاته المتممة هي الاقوال المطابقة ومكارم الاخلاق والعبادات، ثم إن هذا الاصل ومتمماته هو كمال النفس الانسانية لانها ذات قوتين علمية وعملية وكمالها بكمال هاتين القوتين فأصل الايمان هو كمال القوة العلمية منها ومتمماته وهي مكارم الاخلاق، والعبادات هي كمال القوة العملية. إذا عرفت هذا فنقول: لما كانت اصول الفضائل الخلقية التي هي كمال الايمان أربعا: هي الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدل، أشار إليها واستعار لها لفظ الدعائم باعتبار أن الايمان الكامل لا يقوم في الوجود إلا بها، كدعائم البيت فعبر عن الحكمة باليقين، والحكمة منها علمية وهي استكمال القوة النظرية بتصور الامور والتصديق بالحقائق النظرية والعلمية بقدر الطاقة ولا تسمى حكمة حتى يصير هذا الكمال حاصلا لها باليقين والبرهان، ومنها عملية وهي استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانية الخلقية، وكيفية اكتسابها ووجوه الرذائل النفسانية وكيفية الاحتزاز عنها واجتنابها، وظاهر أن العلم الذي صار ملكة هو اليقين، وعبر عن العفة بالصبر، والعفة هي الامساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة، وعدم الانقياد للشهوة، وقهرها وتصريفها بحسب الرأي


(1) شرح النهج ص 582 (*).

[366]

الصحيح ومقتضى الحكمة المذكورة. وإنما عبر عنها بالصبر لانها لازم من لوازمه إذ رسمه أنه ضبط النفس و قهرها عن الانقياد لقبائح اللذات، وقيل: هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها، ويلزم في العقل احتماله، أو يلزمها حب مشتهى يتوق الانسان إليه ويلزمه في حكم العقل اجتنابه حتى لا يتناوله على غير وجهه، وظاهر أن ذلك يلازم العفة. وكذلك عبر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إياها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه، والشجاعة هي ملكة الاقدام الواجب على الامور التي يحتاج الانسان أن يعرض نفسه لاحتمال المكروه والالام الواصلة إليه منها، وأما العدل فهو ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاث المذكورة وتلزمها، إذ كل واحدة من هذه الفضائل محتوشة برذيلتين هما طرفا الافراط والتفريط منها، ومقابلة برذيلة هي ضدها انتهى. " على أربع شعب " الشعبة من الشجرة بالضم الغصن المتفرع منها، وقيل: الشعبة ما بين الغصنين والقرنين، والطائفة من الشئ، وطرف الغصن، والمراد هنا فروع الصبر وأنواعه أو أسباب حصوله " على الشوق والاشفاق " وفي سائر الكتب " والشفق والزهد " وفي المجالس " والزهادة والترقب " الشوق إلى الشئ بنزوع النفس إليه وحركة الهوى، والشفق بالتحريك الحذر والخوف كالاشفاق والزهد ضد الرغبة، والترقب الانتظار، أي انتظار الموت والمداومة ذكره و عدم الغفلة عنه. ولما كان للصبر أنواع ثلاثة كما سيأتي في بابه: الصبر عند البلية، والصبر على مشقة الطاعة، والصبر على ترك الشهوات المحرمة، وكان ترك الشهوات قد يكون للشوق إلى اللذات الاخروية، وقد يكون للخوف من عقوباتها، جعل بناء الصبر على أربع على الشوق إلى الجنة ثم بين ذلك بقوله " فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات " أي نسيها وصبر على تركها، يقال سلا عن الشئ أي نسيه وسلوت عنه سلوا كقعدت قعودا أي صبرت، وعلى الاشفاق عن النار، وبينها بقوله

[367]

" ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات " وفي المجالس والتحف " عن الحرمات " ويمكن أن تكون الشهوات المذكورة سابقا شاملة للمكروهات أيضا، وعلى الزهد وعدم الرغبة في الدنيا وما فيها من الاموال والازواج والاولاد، وغيرها من ملاذها ومألوفاتها، وبينها بقوله " ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصائب " وفي بعض النسخ والكتابين " المصيبات " وفي النهج استهان بالمصيبات أي عدها سهلا هينا واستخف بها لان المصيبة حينئذ بفقد شئ من الامور التي زهد عنها ولم يستقر في قلبه حبها وعلى ارتقاب الموت وكثرة تذكره، وبينها بقوله " ومن راقب الموت سارع إلى الخيرات " وفي الكتابين (1) " ومن ارتقب " وفي النهج " في الخيرات ". ثم إن تخصيص الشوق إلى الجنة، والاشفاق من النار بترك المشتهيات والمحرمات مع أنهما يصيران سببين لفعل الطاعات أيضا إما لشدة الاهتمام بترك المحرمات وكون الصبر عليها أشق وأفضل كما سيأتي في الخبر، أو لان فعل الطاعات أيضا داخلة فيهما، فان المانع من الطاعات غالبا الاشتغال بالشهوات النفسانية، فالسلو عنها يستلزم فعلها، بل لا يبعد أن يكون الغرض الاصلي من الفقرة الاولى ذلك، بل يمكن إدخال فعل الواجبات في الفقرة الثانية، لان ترك كل واجب محرم، ويدخل ترك المكروهات وفعل المندوبات في الفقرة الاولى. " واليقين على أربع شعب: تبصرة الفطنة " التبصرة مصدر باب التفعيل، والفطنة الحذق وجودة الفهم، وقال ابن ميثم: هي سرعة هجوم النفس على حقائق ما تورده الحواس عليها، وقال: تبصرة الفطنة إعمالها. أقول: يمكن أن تكون الاضافة إلى الفاعل أي جعل الفطنة الانسان بصيرا أو إلى المفعول أي جعل الانسان الفطنة بصيرة، ويحتمل أن تكون التبصرة بمعنى الابصار والرؤية، فرؤيتها كناية عن التوجه والتأمل فيها وفي مقتضاها، فالاضافة إلى المفعول، وحمله على الاضافة إلى الفاعل محوج إلى تكلف في قوله " فمن أبصر


(1) أمالى الطوسى وأمالى المفيد، أقول: وهكذا في نسخة النهج (*).

[368]

الفطنة ". " وتأول الحكمة " التأول والتأويل تفسير ما يؤل إليه الشئ، وقيل أول الكلام وتأوله: أي دبره وقدره وفسره، والحكمة العلم بالاشياء على ماهي عليه، فتأول الحكمة التأول الناشي من العلم والمعرفة، وهو الاستدلال على الاشياء بالبراهين الحقة، وقال ابن ميثم: هو تفسير الحكمة واكتساب الحقائق ببراهينها واستخراج وجوه الفضائل ومكارم الاخلاق من مظانها ككلام يؤثر أو عبرة يعتبر. وقال الكيدري: تأول الحكمة هو العلم بمراد الحكماء فيما قالوا وأول الحكمة. بأن يعلم قول الله ورسوله، قال تعالى: " ويزكيهم ويعلمهم الكتاب و الحكمة " " ومعرفة العبرة " وفي سائر الكتب " وموعظة العبرة " والعبرة ما يتعظ به الانسان ويعتبره ليستدل به على غيره، والموعظة تذكير ما يلين القلب و " موعظة العبرة " أن تعظ العبرة الانسان فيتعظ بها " وسنة الاولين " السنة السيرة محمودة كانت أم مذمومة، أي معرفة سنة الماضين، وما آل أمرهم إليه من سعادة أو شقاوة فيتبع أعمال السعداء، ويجتنب قبائح الاشقياء. ثم بين عليه السلام فوائد هذه الشعب وكيفية ترتب اليقين عليها، فقال: " فمن أبصر الفطنة " أي جعلها بصيرة أو نظر إليها وأعملها، كأن من لم يعملها ولم يعمل بمقتضاها لم يبصرها، وفي سائر الكتب " تبصر في الفطنة " وهو أظهر " عرف الحكمة وفي النهج " تبينت له الحكمة " وفي التحف " تأول الحكمة " وفي المجالس " تبين الحكمة " والكل حسن، وقال الكيدري: " تبصر " أي نظر وتفكر وصار ذا بصيرة وقال: الحكمة العلم الذي يدفع الانسان عن فعل القبيح مستعار من حكمة اللجام " ومن تأول الحكمة " وعرفها كما هي " عرف العبرة " بأحوال السماء والارض، و الدنيا وأهلها، فتحصل له الحكمة النظرية والعملية، وفي النهج " ومن تبينت له الحكمة " وفي المجالس " ومن تبين الحكمة ". " ومن عرف العبرة عرف السنة " أي سنة الاولين وسنة الله فيهم، فانها من

[369]

أعظم العبر " ومن عرف السنة فكأنما كان مع الاولين " في حياتهم أو بعد موتهم أيضا فان المعرفة الكاملة تفيد فائده المعاينة لاهلها، " واهتدى " أي بذلك " إلى التي هي أقوم " أي إلى الطريقة التي هي أقوم الطرائق. ثم بين عليه السلام كيفية العبرة فقال: " ونظر إلى من نجا " أي من الاولين " بما نجا " من متابعة الانبياء والمرسلين، والاوصياء المرضيين، والاقتداء بهم علما وعملا " ومن هلك بما هلك " من مخالفة أئمة الدين، ومتابعة الاهواء المضلة والشهوات المزلة، وليست هذه الفقرات من قوله " واهتدى " إلى قوله " بطاعته " في سائر الكتب. " والعدل على أربع شعب " كأن المراد بالعدل هنا ترك الظلم، والحكم بالحق بين الناس، وإنصاف الناس من نفسه، لا ما هو مصطلح الحكماء من التوسط في الامور فانه يرجع إلى سائر الاخلاق الحسنة " غامض الفهم " الغامض خلاف الواضح من الكلام ونسبته إلى الفهم مجاز، وكأن المعنى فهم الغوامض، أو هو من قولهم أغمض حد السيف أي رققه، وفي النهج والتحف " غائص " من الغوص وهو الدخول تحت الماء لاخراج اللؤلؤ وغيره، وقال الكيدري: وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف للتأكيد والفهم الغائص ما يهجم على الشئ فيطلع على ما هو عليه كمن يغوص على الدر و اللؤلؤ " وغمر العلم " أي كثرته، في القاموس: الغمر الماء الكثير، وغمر الماء غمارة وغمورة كثر، وغمره الماء غمرا واغتمره غطاه وفي النهج " وغور العلم " وغور كل شئ قعره، والغور الدخول في الشئ وتدقيق النظر في الامر " وزهرة الحكم " الزهرة بالفتح البهجة، والنضارة والحسن والبياض ونور النبات، والحكم بالضم القضاء والعلم والفقه " وروضة الحلم " الاضافة فيها وفي الفقرة السابقة من قبيل لجين الماء، وفيهما مكنية وتخييلية، حيث شبه الحكم الواقعي بالزهرة لكونه معجبا ومثمرا لانواع الثمرات الدنيوية والاخروية والحلم بالروضة لكونه رائقا ونافعا في الدارين وفي النهج " ورساخة الحلم " يقال: رسخ كمنع رسوخا بالضم ورساخة بالفتح أي ثبت والحلم الاناة والتثبت، وقيل: هو الامساك عن المبادرة

[370]

إلى قضاء وطر الغضب ورساخة الحلم قوته وكماله. " فمن فهم فسر جميع العلم ومن علم عرف شرائع الحكم " أي من فهم غوامض العلوم، فسر ما اشتبه على الناس منها، ومن كان كذلك عرف شرائع الحكم بين الناس، فلا يشتبه عليه الامر، ولا يظلم ولا يجور، وبعده في المجالس " ومن عرف شرايع الحكم لم يضل " " ومن حلم لم يفرط في أمره " ولم يغضب على الناس وتثبت في الامر، وفي النهج " فمن فهم علم غور العلم ومن علم غور العلم صدر عن شرايع الحكم ومن حلم " الخ والصدر الرجوع عن الماء والشريعة ومورد الناس للاستقاء، والصدور عن شرايع الحكم كناية عن الاصابة فيه، وعدم الوقوع في الخطاء " ولم يفرط " على بناء التفعيل أي لم يقصر فيما يتعلق به من امور القضاء والحكم، أو مطلقا وفي بعض نسخ النهج على بناء الافعال أي لم يجاوز الحد " وعاش في الناس حميدا " والعيش الحياة والحميد المحمود المرضي. " والجهاد على أربع شعب " تلك الشعب إما أسباب الجهاد أو أنواعه الخفية ذكرها لئلا يتوهم أنه منحصر في الجهاد في السيف، مع أنه أحد أفراد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر بل الجهاد استفراغ الوسع في إعلاء كلمة الله واتباع مرضاته وترويج شرايعه باليد واللسان والقلب. قال الراغب: (1) الجهاد والمجاهدة استفراغ الوسع في مدافعة العدو والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله " وجاهدوا في الله حق جهاده * وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله * إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله " (2) وقال صلى الله عليه وآله: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم، والمجاهدة تكون باليد واللسان قال عليه السلام: " جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم ". " على الامر بالمعروف " هو الذي عرفه الشارع وعده حسنا فان كان واجبا


(1) المفردات: 101 (2) الايات على الترتيب في الحج 78، الحجرات: 15، الانفال: 72 (*).

[371]

فالامر واجب وإن كان مندوبا فالامر مندوب " والنهي عن المنكر " أي ما أنكره الشارع وعده قبيحا، وهما مشروطان بالعلم بكونه معروفا أو منكرا، وتجويز التأثير، وعدم المفسدة، وهما يجبان باليد واللسان والقلب " والصدق في المواطن " أي ترك الكذب على كل حال إلا مع خوف الضرر، فيوري فلا يكون كذبا والمواطن مواضع جهاد النفس، وجهاد العدو، وجهاد الفاسق بالامر والنهي، و مواطن الرضا والسخط والضر والنفع ما لم يصل إلى حد تجويز التقية، وأصل الصدق والكذب أن يكونا في القول ثم في الخبر من أصناف الكلام كما قال تعالى " ومن أصدق من الله قيلا " " ومن أصدق من الله حديثا " (1) وقد يكونان بالعرض في غيره من أنواع الكلام كقول القائل: أزيد في الدار، لتضمنه كونه جاهلا بحال زيد، وكما إذا قال: واسني، لتضمنه أنه محاج إلى المواساة، ويستعملان في أفعال الجوارح، فيقال: صدق في القتال إذا وفى حقه، وصدق في الايمان إذا فعل ما يقتضيه من الطاعة، فالصادق الكامل من يكون لسانه موافقا لضميره، وفعله مطابقا لقوله، ومنه الصديق حيث يطلق على المعصوم فيحتمل أن يكون الصدق هنا شاملا لجميع ذلك. " وشنآن الفاسقين " الشنآن بالتحريك والسكون وقد صحح بهما في النهج: البغض، يقال: شنئه كسمعه، ومعه شنئا مثلثة وشنائة وشنآنه، وهذا اولى مراتب النهي عن المنكر، وقيل: هو مقتضى الايمان ويجب على كل حال وليس داخلا في النهي عن المنكر " شد ظهر المؤمن " وفي النهج " ظهور المؤمنين " وشد الظهر كناية عن التقوية. كما أن قصم الظهر كناية عن ضدها، والامر بالمعروف يقوي المؤمن لانه يريد ترويج شرايع الايمان، وعسى أن لا يتمكن منه. " أرغم أنف المنافق " إرغام الانف كناية عن الاذلال، وأصله إلصاق الانف بالرغام، وهو التراب، ويطلق على الاكراه على الامر، ويقال: فعلته على رغم أنفه أي على كره منه، والرغم مثلثة الكره، والمنكر مطلوب للمنافقين


(1) النساء: 122 و 87 (*).

[372]

والفساق الذينهم صنف منهم حقيقة، والنهي عن المنكر يرغم انوفهم. " ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه " وفي سائر الكتب سوى الخصال " قضى ما عليه " أي من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا لم يقدر على أكثر من ذلك، أو من جميع التكاليف فان الصدق في الايمان والعقائد يقتضي العمل بجميع التكاليف فعلا وتركا أو لانه يأتي بها لئلا يكون كاذبا إذا سئل عنها " ومن شنئ الفاسقين " المضبوط في النهج بكسر النون. " ولنتمم كلام المحقق البحراني (1) وإن لم يكن فيه كثير فائدة، بعد ما ذكرنا قال بعد ما مر: وأما شعب هذه الدعائم فاعلم أنه جعل لكل دعامة منها أربع شعب من الفضائل، تتشعب منها وتتفرع عليها فهي كالفروع لها والاغصان. أما شعب الصبر الذي هو عبارة عن ملكة العفة فأحدها الشوق إلى الجنة، و محبة الخيرات الباقية، الثاني الشفق وهو الخوف من النار، وما يؤدي إليها، الثالث الزهد في الدنيا وهو الاعراض بالقلب عن متاعها وطيباتها، الرابع ترقب الموت و هذه الاربع فضائل منبعثة عن ملكة العفة لان كلا منها يستلزمها. وأما شعب اليقين فأحدها تبصرة الفطنة وإعمالها، الثاني تأول الحكمة و هو تفسيرها، الثالث موعظة العبرة، الرابع أن يلحظ سنة الاولين حتى يصير كأنه فيهم، وهذه الاربع هي فضائل تحت الحكمة كالفروع لها، وبعضها كالفرع للبعض. وأما شعب العدل فأحدها غوص الفهم أي الفهم الغائص فأضاف الصفة إلى الموصوف، وقدمها للاهتمام بها، ورسم هذه الفضيلة أنها قوة إدراك المعنى المشار إليه بلفظ أو كناية أو إشارة ونحوها، الثاني غور العلم وأقصاه وهو العلم بالشئ كما هو تحقيقه وكنهه، الثالث نور الحكم أي تكون الاحكا م الصادرة عنه نيرة واضحة لا لبس فيها ولا شبهة، الرابع ملكة الحلم وعبر عنها بالرسوخ لان شأن الملكة ذلك، والحلم هو الامساك عن المبادرة إلى قضاء وطر الغضب، فيمن يجني عليه


(1) شرح النهج لابن ميثم: 261 (*).

[373]

جناية يصل مكروهها إليه. واعلم أن فضيلتي جودة الفهم وغور العلم، وإن كانتا داخلتين تحت الحكمة وكذلك فضيلة الحلم داخلة تحت ملكة الشجاعة إلا أن العدل لما كان فضيلة موجودة في الاصول الثلاثة كانت في الحقيقة هي وفروعها شعبا للعدل بيانه أن الفضائل كلها ملكات متوسطة بين طرفي إفراط وتفريط، وتوسطها ذلك هو معنى كونها عدلا فهي بأسرها شعب له وجزئيات تحته. وأما شعب الشجاعة المعبر عنها بالجهاد، فأحدها الامر بالمعروف، والثاني النهي عن المنكر، والثالث الصدق في المواطن المكروهة، ووجود الشجاعة في هذه الشعب الثلاث ظاهر، والرابع شنآن الفاسقين، وظاهر أن بغضهم مستلزم لعداوتهم في الله، وثوران القوة الغضبية في سبيله لجهادهم، وهو مستلزم للشجاعة. وأما ثمرات هذه الفضائل فأشار إليها للترغيب في مثمراتها، فثمرات شعب العفة أربع أحدها ثمرة الشوق إلى الجنة، وهو السلو عن الشهوات وظاهر كونه ثمرة له، إذا لسالك إلى الله ما لم يشتق إلى ما وعد المتقون لم يكن له صارف عن الشهوات الحاضرة، مع توفر الدواعي إليها، فلم يسل عنها، الثانية ثمرة الخوف من النار، وهو اجتناب المحرمات، الثالثة ثمرة الزهد وهي الاستهانة بالمصيبات، لان غالبها وعامها، إنما يلحق بسبب فقد المحبوب من الامور الدنيوية فمن أعرض عنها بقلبه كانت المصيبة بها هينئة عنده، الرابعة ثمرة ترقب الموت وهي المسارعة في الخيرات، والعمل له ولما بعده، وأما ثمرات اليقين فان بعض شعبه ثمرة لبعض فان تبين الحكمة وتعلمها ثمرات لاعمال الفطنة والفكرة، ومعرفة العبر ومواقع الاعتبار بالماضين والاستدلال بذلك على صانع حكيم ثمرة لتبين وجوه الحكمة وكيفية الاعتبار. وأما ثمرات العدل فبعضها كذلك أيضا وذلك أن جودة الفهم وغوصه مستلزم للوقوف على غور العلم وغامضه، والوقوف على غامض العلم مستلزم للوقوف على شرايع الحكم العادل، والصدور عنها بين الخلق من القضاء الحق، وأما ثمرة الحلم

[374]

فعدم وقوع الحليم في طرف التفريط والتقصير عن هذه الفضيلة، وهي رذيلة الجبن وأن يعيش في النار محمودا بفضيلته، وأما ثمرات الجهاد فأحدها ثمرة الامر بالمعروف، وهو شد ظهور المؤمنين ومعاوتنهم على إقامة الفضيلة، الثانية ثمرة النهي عن المنكر وهي إرغام انوف المنافقين وإذلالهم بالقهر عن ارتكاب المنكرات وإظهار الرذيلة، الثالثة ثمرة الصدق في المواطن المكروهة، وهي قضاء الواجب من أمر الله تعالى في دفع أعدائه والذب عن الحريم، والرابعة ثمرة بغض الفاسقين والغضب لله، وهي غضب الله لمن أبغضهم، وإرضاؤه يوم القيامة في دار كرامته. وأقول: فرق الكليني قدس الله روحه الخبر على أربعة أبواب فجمعنا ما أورده في بابي الاسلام والايمان هنا، وسنورد ما أورده في بابي الكفر والنفاق في بابيها مع شرح تتمة ما أورده السيد وصاحب التحف وغيرهما إنشاء الله تعالى. 20 - نهج: قال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة: إن الله تعالى خصكم بالاسلام واستخلصكم له، وذلك لانه اسم سلامة وجماع كرامة اصطفى الله تعالى منهجه و بين حججه، من ظاهر علم، وباطن حكم، لا تفنى غرائبه، ولا تنقضي عجائبه مرابيع النعم، ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلا بمفاتحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابحه، قد أحمى حماه، وأرعى مرعاه، فيه شفاء المشتفي، وكفاية المكتفي (1). بيان: ظاهره أن الاسلام مشتق من السلامة أي من آفات الدنيا ومهالك الاخرة إذا أدى حقه، فليس بمعنى الانقياد والدخول في السلم، وجماع الشئ ككتاب جمعه، وفي الحديث الخمر جماع الاثم أي مظنته، ومجمعه، والمنهج و المنهاج الطريق الواضح، وحججه الادلة على صحته وكلمة " من " للتفسير وتفصيل الحجج، وظاهر العلم الاحكام الواضحة المبينة للناس من محكمات القرآن، وما اتضح من السنة، وباطن الحكم الاحكام المخزونة عند أهلها، كتأويل المتشابهات وأسرار الشريعة، وقيل: يعني بظاهر علم، وباطن حكم: القرآن، ألا تراه كيف


(1) نهج البلاغة عبده ج 1 ص 293 الخطبة: 150 (*).

[375]

أتى بعده بصفات ونعوت لا يكون إلا للقرآن، ولا ريب في اتحاد حجج الاسلام والقرآن، ولا يبعد أن يكون القرآن في جملة كلام حذف السيد رضي الله عنه على عادته في الالتقاط والاختصار، وفي بعض النسخ " عزائمه " مكان " غرائبه " أي آياته المحكمة، وبراهينه العازمة، أي القاطعة، وعدم فناء العزائم أو الغرائب إما ثباتها واستقرارها على طول المدة وتغير الاعصار، أو كثرتها عند البحث والتفتيش عنها، وعدم انقضاء العجائب هو أنه كلما تأمل فيه الانسان استخرج لطائف معجبة والمرابيع أمطار أول الربيع تحيى بها الارض، وتنبت الكلاء، وفي بعض النسخ " بمفاتيحه وبمصابيحه " مع الياء وفي بعضها بدونها. وحميت المكان من الناس كرميت أي منعته منهم، والحماية اسم منه وكلاء حمي كرضي أي محمي وأحميت المكان حعلته حمى لا يقرب منه ولا يجترء عليه والرعي بالكسر الكلاء، وبالفتح المصدر والمرعى الرعي والمصدر والموضع، قيل: أحمى حماه أي جعله الله عرضة لان يحمى كما تقول أقتلت الرجل أي جعلته عرضة لان يقتل، أي قد عرض الله حمى القرآن ومحارمه لان يجتنب، وعرض مرعاه لان يرعى، أي مكن من الانتفاع بمواعظه وزواجره لانه خاطبنا بلسان عربي مبين ولم يقنع ببيان ما لم يعلم إلا بالشرع حتى نبه في أكثره على أدلة العقل. وقيل: استعار لفظ الحمى لحفظه وتدبره والعمل بقوانينه، ووجه الاستعارة أن بذلك يكون حفظ الشخص وحراسته أما في الدنيا فمن أيدي كثير من الظالمين لاحترامهم حملة القرآن ومفسريه ومن يتعلق به، وأما في الاخرة فلحمايته حفظته ومتدبريه والعامل به من عذاب الله كما يحمي الحمى من يلوذ به وقيل: أراد بحماه محارمه أي منع بنواهيه وزواجره أن يستباح محارمه. " وأرعى مرعاه " أي هيأه لان يرعى، واستعار لفظ المرعى للعلوم والحكم والاداب التي يشتمل عليها القرآن ووجه المشابهة أن هذه مراعي النفوس وغذاؤها الذي به يكون نشوها العقلي، وتمامها الفعلى كما أن النبات والعشب غذاء للابدان الحيوانية الذي يقوم بها وجودها (*).

[376]

وأقول: يحتمل أن يكون المراد به أنه جعل له حدودا وحرمات، ونهى عن انتهاكها وارتكاب نواهيه وتعدي حدوده، ورخصا أباح للناس الانتفاع بها و التمتع منها، ويمكن أن يقال: " أحمى حماه " أي منع المغيرين من تغيير قواعده " وأرعى مرعاه " أي مكن المطيعين من طاعته، وهي الغذاء الروحاني الذي به حياتهم الباقية في النشأة الاخرة. والمشتفي طالب الشفاء كالمستشفي كما في بعض النسخ أي فيه شفاء من الامراض المعنوية كالجهل والضلال كما قال تعالى " شفاء لما في الصدور " (1) أو منها ومن الامراض البدنية أيضا بالتعوذ ونحوه كما قال سبحانه " وننزل من القرآن ما هو شفاء " (2) والكفاية بالكسر ما به يحصل الاستغناء عن غيره، وهذه الكفاية لاهله، ومن أخذ غوامضه منهم ورجع في تأويل المتشابهات ونحوه إليهم. 21 - ل: عن ابن الوليد، عن سعد، عن ابن عيسى، عن القاسم بن الحسن بن علي بن يقطين، عن ابن أبي نجران وجعفر بن سليمان، عن علا بن رزين، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: بني الاسلام على خمس: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والولاية لنا أهل البيت، فجعل في أربع منها رخصة، ولم يجعل في الولاية رخصة، من لم يكن له مال لم تكن عليه الزكاة، ومن لم يكن عنده مال فليس عليه حج، ومن كان مريضا، صلى قاعدا وأفطر شهر رمضان، والولاية صحيحا كان أو مريضا، وذا مال أو لا مال له فهي لازمة (3). 22 - لى: عن ابن المتوكل، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه عن محمد بن سنان، عن المفضل، عن الصادق عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس دعائم: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج وولاية أمير المؤمنين والائمة من ولده


(1) يونس: 57. (2) أسرى: 82. (3) الخصال ج 1 ص 133 (*).

[377]

صلوات الله عليهم (1). 23 ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن سهل، عن محمد ابن سنان، عن المفضل، عن ابن ظبيان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المحمدية السمحة إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، والطاعة للامام وأداء حقوق المؤمن فان من حبس حق المؤمن أقامه الله يوم القيامة خمس مائة عام على رجليه، حتى يسيل من عرقه أودية، ثم ينادي مناد من عند الله جل جلاله هذا الظالم الذي حبس عن الله حقه، قال فيوبخ أربعين عاما ثم يؤمر به إلى نار جنهم (2). 24 - ثو، ل: عن ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن سعدان ابن مسلم، عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: عشر من لقي الله عز وجل بهن دخل الجنة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والاقرار بما جاء به من عند الله عزوجل، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان وحج البيت، والولاية لاولياء الله، والبراءة من أعداء الله، واجتناب كل مسكر (3) سن: عن أبيه، عن سعدان مثله (4). ل: عن الطالقاني، عن الحسن بن علي العدوي، عن صهيب بن عباد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام مثله بتقديم حج البيت على صوم شهر رمضان (5). 25 - ل: عن أبيه، عن محمد العطار، عن الاشعري، عن إبراهيم بن إسحاق عن محمد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن ابن بكير، عن زرارة قال: قال أبو جعفر


(1) أمالى الصدق ص 161. (2) الخصال ج 1 ص 159. (3) ثواب الاعمال: 15، الخصال ج 2 ص 52. (4) المحاسن ص 13. (5) الخصال ج 2 ص 52 (*).

[378]

عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بني الاسلام على عشرة أسهم: على شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة، والصلاة وهي الفريضة، والصوم وهو الجنة، والزكاة وهي الطهارة، والحج وهو الشريعة، والجهاد وهو العز، والامر بالمعروف وهو الوفاء، والنهي عن المنكر وهي المحجة، والجماعة وهي الالفة، والعصمة وهي الطاعة (1). ما: عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن ابن عيسى عن ابن أبي عمير مثله (2). بيان: " وهي الملة " أي عمدتها وأساسها " وهي الفريضة " أي أعظم الفرائض وأسبقها " وهي الطهارة " أي مطهرة للمال " وهو الشريعة " أي هو من معظم الشرايع " وهو العز " أي يصير سببا لعز الاسلام وغلبته على الاديان " وهو الوفاء " أي بعهد الله تعالى وفي بعض النسخ الوقار أي موجب لوقار الدين وتمكينه " وهو المحجة " أي طريقة الانبياء أو يصير سببا لظهور طرق الدين وفي بعض النسخ الحجة، وهو أظهر أي يصير سببا للزوم الحجة على العاصي " والجماعة " أي في الصلاة أو الاجتماع على الحق وعدم التفرق في المذاهب " والعصمة " أي عن المعاصي أو الاعتصام بحبل أئمة الدين كما قال تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " (3) ويؤيده الخبر الاتي (4) حيث عد العاشرة الطاعة وقال " وهي العصمة " أي يصير سببا لعصمة الدماء أو العصمة عن الذنوب. 26 - ما: عن المفيد، عن المراغي، عن القاسم بن محمد بن حماد، عن عبيد بن قيس، عن يونس بن بكير، عن يحيى بن أبي حية، عن أبي العالية قال: سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ست من عمل بواحدة منهن جادلت عنه يوم القيامة حتى تدخله الجنة، تقول: أي رب قد كان يعمل بي في الدنيا: الصلاة


(1) الخصال ج 2 ص 59. (2) أمالى الطوسى ج 1 ص 43. (3) آل عمران: 103. (4) تحت الرقم: 30 (*).

[379]

والزكاة، والحج، والصيام، وأداء الامانة، وصلة الرحم (1). 27 - ما: عن المفيد، عن محمد بن الحسين البصير، عن أحمد بن نصر بن سعيد عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عبد الله بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله مناسكه من حجة الوداع ركب راحلته وأنشأ يقول: لا يدخل الجنة إلا من كان مسلما، فقام إليه أبو ذر الغفاري رحمه الله فقال: يا رسول الله: وما الاسلام ؟ فقال صلى الله عليه وآله: الاسلام عريان ولباسه التقوى، و زينته الحياء، وملاكه الورع، وكماله الدين، وثمرته العمل، ولكل شئ أساس وأساس الاسلام حبنا أهل البيت (2). بيان: قال في النهاية فيه ملاك الدين الورع: الملاك بالكسر والفتح قوام الشئ ونظامه، وما يعتمد عليه فيه. 28 - ما: عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى عن ابن محبوب، عن الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: بني الاسلام على خمس دعائم: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت الحرام، والولاية لنا أهل البيت (3). 29 - ما: عن جماعة، عن أبي المفضل، عن الفضل بن محمد بن المسيب عن هارون بن عمرو بن عبد العزيز المجاشعي، عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال المجاشعي: وحدثنا الرضا علي بن موسى عليه السلام، عن أبيه موسى عليه السلام، عن أبيه جعفر بن محمد وقالا جميعا: عن آبائه، عن علي أمير المؤمنين عليهم السلام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: بني الاسلام على خمس خصال: على الشهادتين والقرينتين، قيل له: أما الشهادتان فقد عرفناهما، فما القرينتان ؟


(1) أمالى الطوسى ج 1 ص 9. (2) المصدر ج 1 ص 82. (3) المصدر ج 1 ص 124 (*).

[380]

قال: الصلاة والزكاة، فانه لا يقبل أحدهما إلا بالاخرى، والصيام وحج بيت الله من استطاع إليه سبيلا وختم ذلك بالولاية، فأنزل الله عزوجل " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " (1). 30 - العلل: عن علي بن حاتم، عن أحمد بن علي العبدي، عن الحسن ابن إبراهيم الهاشمي، عن إسحاق بن إبراهيم الديري، عن عبد الرزاق بن حاتم عن معمر بن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جاءني جبرئيل فقال لي: يا أحمد الاسلام عشرة أسهم، وقد خاب من لا سهم له فيها، أولها شهادة أن لا إله إلا الله وهي الكلمة، والثانية الصلاة وهي الطهر، والثالثة الزكاة وهي الفطرة، والرابعة الصوم وهي الجنة، والخامسه الحج وهي الشريعة، والسادسة الجهاد وهو العز، والسابعة الامر بالمعروف وهو الوفاء، والثامنة النهي عن المنكر وهو الحجة، والتاسعة الجماعة وهي الالفة، والعاشرة الطاعة وهي العصمة. قال حبيبي جبرئيل: إن مثل هذا الدين كمثل شجرة ثابتة، الايمان أصلها والصلاة عروقها، والزكاة ماؤها، والصوم سعفها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن المحارم ثمرها، فلا تكمل شجرة إلا بالثمر، كذلك الايمان لا يكمل إلا بالكف عن المحارم. بيان: " وهي الكلمة " أي كلمة التقوى التي قال الله تعالى " وألزمهم كلمة التقوى " (2) أو هي الكلام التام الذي هي أصدق الكلم وأنفعها فكأنها تستحق هذا الاسم دون سائر الكلم أو كلمة التوحيد " وهي الفطرة " أي فطرة الله التي فطر الناس عليها أي هي من أجزاء الدين ولا يتم إلا بها، أو هي سبب لحفظ خلقة الانسان، فان أكثر آيات الزكاة إنما وردت في زكاة الفطرة إذ لم يكن للمسلمين يومئذ مال تجب فيه الزكاة كما ورد في الخبر، والمعنى أن الانسان مفطور على تصديق حسنه، فان إعانة المحتاجين وبذل الاموال في الصدقات مما يحكم بحسنه كل عقل، وكل


(1) أمالى الطوسى ج 2 ص 131، والاية في المائدة: 3. (2) الفتح: 26 (*).

[381]

من أقر بشرع، في: القاموس: الفطرة صدقة الفطر، والخلقة التي خلق عليها المولود في رحم امه، والدين. و " السعف " محركة جريد النخل أو ورقه، والمراد هنا الاول. 31 - ف: قال كميل بن زياد: سألت أمير المؤمنين عليه السلام عن قواعد الاسلام ما هي ؟ فقال: قواعد الاسلام سبعة، فأولها العقل، وعليه بني الصبر، والثاني صون العرض وصدق اللهجة، والثالثة تلاوة القرآن على جهته، والرابعة الحب في الله والبغض في الله، والخامسة حق آل محمد ومعرفة ولايتهم، والسادسة حق الاخوان و المحامات عليهم، والسابعة مجاورة الناس بالحسنى. قلت: يا أمير المؤمنين العبد يصيب الذنب فيستغفر الله منه فما حد الاستغفار قال: يا ابن زياد ! التوبة، قلت: بس ؟ قال: لا، قلت: فكيف ؟ قال إن العبد إذا أصاب ذنبا يقول: أستغفر الله بالتحريك، قلت: وما التحريك ؟ قال: الشفتان واللسان يريد أن يتبع ذلك بالحقيقة ؟ قلت: وما الحقيقة ؟ قال: تصديق في القلب وإضمار أن لا يعود إلى الذنب الذي استغفر منه، قال كميل: فإذا فعلت ذلك فأنا من المستغفرين ؟ قال: لا، قال كميل: فكيف ذاك ؟ قال: لانك لم تبلغ إلى الاصل بعد، قال كمل: فأصل الاستغفار ما هو ؟ قال: الرجوع إلى التوبة من الذنب الذي استغفرت منه، و هي أول درجة العابدين، وترك الذنب، والاستغفار اسم واقع لمعاني ست: أولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود أبدا، والثالث أن تؤدي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم، والرابع أن تؤدي حق الله في كل فرض، والخامس أن تذيب اللحم الذي نبت على السحت والحرام حتى يرجع الجلد إلى عظمه ثم تنشئ فيما بينهما لحما جديدا، والسادس أن تذيق البدن ألم الطاعات كما أذقته لذات المعاصي (1). بيان: إنما عد عليه السلام صون العرض وصدق اللهجة خصلة واحدة، لان أعظم أسباب صون العرض صدق اللهجة كما أن عمدة أسباب هتك العرض كذبها


(1) تحف العقول ط اسلامية ص 192 (*).

[382]

" على جهته " أي بالترتيل والتدبر وسائر شرائط التلاوة، وفي القاموس: بس (1) بمعنى حسب أو هو مسترذل. 32 - ف: عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: إن الله ابتدأ الامور فاصطفى لنفسه منها ما شاء، واستخلص منها ما أحب، فكان مما أحب أنه ارتضى الايمان فاشتقه من اسمه، فنحله من أحب من خلقه، ثم بينه فسهل شرائعه لمن ورده ; وأعز أركانه على من جانبه، وجعله عزا لمن والاه، وأمنا لمن دخله، وهدى لمن ائتم به وزينة لمن تحلى به، ودينا لمن انتحله، وعصمة لمن اعتصم به، وحبلا لمن استمسك به، وبرهانا لمن تكلم به، وشرفا لمن عرفه، وحكمة لمن نطق به، ونورا لمن استضاء به، وحجة لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى، وحلما لمن حدث، ولبا لمن تدبر، وفهما لمن تفكر، ويقينا لمن عقل، وبصيرة لمن عزم، وآية لمن توسم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاتا لمن آمن به، ومودة من الله لمن صلح، وزلفى لمن ارتقب، وثقة لمن توكل، وراحة لمن فوض، وسبقة لمن أحسن، وخيرا لمن سارع، وجنة لمن صبر، ولباسا لمن اتقى، وتطهيرا لمن رشد، وأمنة لمن أسلم، وروحا للصادقين. فالايمان أصل الحق ; وأصل الحق سبيله الهدى، وصفته الحسنى، ومأثرته المجد، فهو أبلج المنهاج، مشرق المنار، مضئ المصابيح، رفيع الغاية، يسير المضمار، جامع الحلبة، متنافس السبقة، قديم العدة، كريم الفرسان، الصالحات مناره، والعفة مصابيحه، والموت غايته، والدنيا مضماره، والقيامة حلبته، و الجنة سبقته، والنار نقمته، والتقوى عدته، والمحسنون فرسانه. فبالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يعمر الفقه، وبالفقه يرهب الموت، وبالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحذر الاخرة، وبالقيامة تزلف الجنة، والجنة حسرة أهل النار، والنار موعظة التقوى، والتقوى سنخ الاحسان، والتقوى


(1) هي كلمة فارسية (*).

[383]

غاية لا يهلك من تبعها ولا يندم من يعمل بها لان بالتقوى فاز الفائزون، وبالمعصية خسر الخاسرون، فليزدجر اولوا النهى، وليتذكر أهل التقوى. فالايمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد، فالصبر على أربع شعب: على الشوق، والشفق، والزهد، والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات. واليقين على أربع شعب: على تبصرة الفطنة، وتأول الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الاولين، فمن تبصر في الفطنة تأول الحكمة، ومن تأول الحكمة عرف العبرة، ومن عرف العبرة عرف السنة، ومن عرف السنة فكأنما عاش في الاولين. والعدل على أربع شعب: على غائص الفهم، وغمرة العلم، وزهرة الحكم وروضة الحلم، فمن فهم فسر جميع العلم، ومن عرف الحكم لم يضل، ومن حلم لم يفرط في أمره، وعاش به في الناس حميدا. والجهاد على أربع شعب: على الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، و الصدق عند المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف الكافرين، ومن صدق في المواطن قضى ما عليه، ومن شنئ الفاسقين غضب لله، ومن غضب لله غضب الله له، فذلك الايمان ودعائمه وشعبه ;. والكفر على أربع دعائم: على الفسق، والغلو، والشك، والشبهة ; فالفسق من ذلك على أربع شعب: الجفا، والعمى، والغفلة، والعتو، فمن جفا حقر المؤمن، ومقت الفقهاء، وأصر على الحنث، ومن عمي نسي الذكر، وبذأ خلقه وألح عليه الشيطان، ومن غفل وثب على ظهره (1) وحسب غيه رشدا وغرته الاماني، وأخذته الحسرة إذا انقضى الامر وانكشف عنه الغطاء، وبدا له من الله


(1) في المصدر: ومن غفل جنى علي نفسه، وانقلب على ظهره، الخ ؟ (*).

[384]

ما لم يكن يحتسب، ومن عتا عن أمر الله، تعالى الله عليه (1) ثم أذله بسلطانه وصغره بجلاله كما فرط في جنابه واغتر بربه الكريم. والغلو على أربع شعب: على التعمق،، والتنازع، والزيغ، والشقاق فمن تعمق لم ينته إلى الحق، ولم يزدد إلا غرقا في الغمرات لا تنحبس عنه (2) فتنة إلا غشيته اخرى، فهو يهوي في أمر مريج، ومن نازع وخاصم قطع بينهم الفشل وبلى أمرهم من طول اللجاج، ومن زاغ ساءت عنده الحسنة، وحسنت عنده السيئة وسكر سكر الضلال، ومن شاق أعورت عليه طريقه واعترض أمره، وضاق مخرجه، وحري أن ينزع من دينه من اتبع غير سبيل المؤمنين. والشك على أربع شعب: على المرية، والهول، والتردد، والاستسلام (3) فبأي آلاء ربك يتمارى الممترون، ومن هاله ما بين يديه نكص على عقبيه، ومن تردد في ريبه سبقه الاولون، وأدركه الاخرون، ووطئته سنابك الشياطين، ومن استسلم لهلكة الدنيا والاخرة هلك فيهما، ومن نجا [من ذلك] فبفضل اليقين. والشبهة على أربع شعب: على إعجاب بالزينة، وتسويل النفس، وتأول العوج، ولبس الحق بالباطل، وذلك أن الزينة تؤل عن البينة، و [تسويل] النفس تقحم إلى الشهوة، والعوج يميل ميلا عظيما، واللبس ظلمات بعضها فوق بعض، فذلك الكفر ودعائمه وشعبه. والنفاق على أربع دعائم: على الهوى، والهوينا، والحفيظة، والطمع فالهوى من ذلك على أربع شعب: على البغي، والعدوان، والشهوة، والعصيان فمن بغي كثرت غوايله وتخلى منه، ونصر عليه، ومن اعتدى لم تؤمن بوائقه ولم يسلم قلبه، ومن لم يعدل نفسه عن الشهوات، خاض في الحسرات، وسبح فيها ومن عصى ضل عمدا بلا عذر ولا حجة. وأما شعب الهوينا: فالهيبة، والغرة، والمماطلة، والامل، وذلك أن الهيبة ترد عن الحق، والاغترار بالعاجل تفريط الاجل، وتفريط المماطلة مورط


(1) في المصدر: ومن عتا عن أمر الله شك ومن شك تعالى الله عليه. (2) لا تنحسر خ ل. (3) كأنه سقط من هنا شئ وفي نسخة الكافي وهو قول الله عزوجل (*).

[385]

في العمي، ولولا الامل علم الانسان حساب ما هو فيه، ولو علم حساب ما هو فيه مات خفاتا من الهول والوجل. وأما شعب الحفيظة، فالكبر والفخر، والحمية، والعصبية، فمن استكبر أدبر، ومن فخر فجر، ومن حمى أصر، ومن أخذته العصبية جار، فبئس الامر أمر بين إدبار، وفجور، وإصرار، وجور عن الصراط. وشعب الطمع: الفرح، والمرح، واللجاجة، والتكبر، فالفرح مكروه عند الله، والمرح خيلاء، واللجاجة بلاء لمن اضطرته إلى حمله الاثام، والتكبر له ولعب وشغل واستبدال الذي هو أدنى الذي هو خير. فذلك النفاق ودعائمه وشعبه، والله قاهر فوق عباده تعالى ذكره، واستوت به مرته، واشتدت قوته، وفاضت بركته، واستضاءت حكمته، وفلجت حجته وخلص دينه، وحقت كلمته، وسبقت حسناته، وصفت نسبته، وأقسطت موازينه وبلغت رسالاته، وحضرت حفظته، ثم جعل السيئة ذنبا، والذنب فتنة، والفتنة دنسا، وجعل الحسنى غنما، والعتبى توبة، والتوبة طهورا، فمن تاب اهتدى ومن افتتن غوى، ما لم يتب إلى الله ويعترف بذنبه، ويصدق بالحسنى، ولا يهلك على الله إلا هالك. فالله الله ما أوسع مالديه من التوبة والرحمة والبشرى والحلم العظيم، وما أنكر ما لديه من الانكال والجحيم والعزة والقدرة والبطش الشديد، فمن ظفر بطاعة الله اختار كرامته، ومن لم يزل في معصية الله ذاق وبيل نقمته، هنالك عقبى الدار (1). 33 - كتاب الغارات لابراهيم بن محمد الثقفي بأسانيد عنه عليه السلام قال: قال علي عليه السلام أما بعد فان الله شرع الاسلام فسهل شرايعه لمن ورده، وساق الحديث نحو ما مر إلى قوله: هنالك عقبى الدار، لا يخشى أهلها غيرها وهنالك خيبة ليس لاهلها اختيار، نسأل الله ذا السلطان العظيم، والوجه الكريم الخير، والخير عافية


(1) تحف العقول ص 158 - 163. ط اسلامية (*).

[386]

للمتقين، والخير مرد يوم الدين. 34 - سن: عن محمد بن على وأبي الخزرج معا، عن سفيان بن إبراهيم الجويري، عن أبيه، عن أبي صادق قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: أثافي الاسلام ثلاث لا تنفع واحدة منهن دون صاحبتيها: الصلاة، والزكاة، والولاية (1) 35 - سن: عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن علي بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ألا اخبرك بأصل الاسلام وفرعه وذروته وسنامة ؟ قال: قلت: بلى جعلت فداك قال: أصله الصلاة، وفرعه الزكاة، وذروته وسنامه الجهاد في سبيل الله، ألا اخبرك بأبواب الخير ؟ الصوم جنة، والصدقة تحط الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل يناجي ربه ثم تلا " تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون " (2). ما: عن الغضائري، عن أحمد العطار، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال مثله إلى قوله: الصوم جنة من النار (3). 36 - سن: عن أبيه، عن النضر، عن يحيى الحلبي، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك أخبرني عن الفرائض التي افترض الله على العباد ما هي ؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة، والخمس، والزكاة، وحج البيت، وصوم شهر رمضان، والولاية فمن أقامهن وسدد وقارب، واجتنب كل منكر دخل الجنة (4). بيان: قال في النهاية: فيه سددوا وقاربوا، أي اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الامر والعدل فيه، وقال: أي اقتصدوا في الامور كلها واتركوا الغلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في اموره إذا اقتصد، ومنه


(1) المحاسن ص 286. (2) المحاسن ص 289، والاية في السجدة: 16. (3) لم نجده في أحاديث الغضائري. (4) المحاسن ص 290 (*).

[387]

الحديث ما من مؤمن يؤمن بالله ثم يسدد أي يقتصد فلا يغلو ولا يسرف، ومنه وسئل عن الازار فقال: سدد وقارب ! أي اعمل به شيئا لا تعاب على فعله، فلا تفرط في إرساله ولا تشميره انتهى وفي بعض النسخ: " كل مسكر " مكان " كل منكر ". 37 - شى: عن عيسى بن السري قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام أخبرني بدعائم الاسلام الذي بنى الله عليه الدين لا يسع أحدا التقصير في شئ منها، الذي من قصر عن معرفة شئ منها فسد عليه دينه، ولم يقبل منه عمله، ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه، وقبل منه عمله، ولم يضره ما هو فيه بجهل شئ من الامور إن جهله فقال: نعم شهادة أن لا إله إلا الله، والايمان برسوله صلى الله عليه وآله والاقرار بما جاء من عند الله، وحق من الاموال الزكاة، والولاية التي أمر الله بها ولاية آل محمد. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، فكان الامام علي ثم كان الحسن بن علي، ثم كان الحسين بن على، ثم كان علي بن الحسين، وكان محمد بن علي أبو جعفر، وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم، ولا حلالهم ولا حرامهم، حتى كان أبو جعفر فنهج لهم وبين مناسك حجهم، وحلالهم وحرامهم، حتى استغنوا عن الناس، وصار الناس يعلمون منهم، بعد ما كانوا يتعلمون من الناس، وهكذا يكون الامر، والارض لا يكون إلا بامام (1). 38 - فض، يل: بالاسناد يرفعه إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بني الاسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكوة وصوم شهر رمضان، والحج إلى البيت، والجهاد وولاية علي ابن أبيطالب قال أبو سعيد: ما أظن القوم إلا هلكوا بترك الولاية، قال صلى الله عليه وآله: ما تصنع يا باسعيد إذا هلكوا. 39 - بيان أنواع القرآن: برواية ابن قولويه عن سعد بن عبد الله باسناده


(1) تفسير العياشي ج 1 ص 252 (*).

[388]

عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: حدود الفروض التي فرضها الله على خلقه هي خمسة من كبار الفرائض: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والولاية الحافظة لهذه الفرائض الاربعة، وهي فلكل الفرائض والسنن وجميع امور الدين والشرايع. فكبار حدود الصلاة أربعة، وهي معرفة الوقت، ومعرفة القبلة والتوجه إليها، والركوع، والسجود، ولها خامسة لا تتم الصلاة وتثبت إلا بها، وهي الوضوء على حدوده التي فرضها الله، وبينها في كتابه، وإنما صارت هذه كبار حدود الصلاة لانها عوام في جميع العالم معروفة مشهورة بكل لسان في الشرق والغرب فجميع الناس العاقل والعالم وغير العالم يقدر على أن يتعلم هذه الحدود الكبار ساعة تجب عليه، لانها تتعلم بالرؤية والاشارة، من ضبط الوضوء، والوقت، والقبلة والركوع والسجود لا عذر لاحد في تأخير تعليم ذلك. وسائر حدود الصلاة وما فيها من السنن، فليس كل أحد يحسن ويتهيأ له أن يتعلم ما فيها من السنن من القراءة والدعاء والتسبيح والتشهد والاذان والاقامة فجعل الله تبارك وتعالى هذه كبار حدود الصلاة، لعلمه عزوجل أن الناس كلهم يستطيعون أن يؤدوا جميع هذه الاشياء في حالة وجوبها عليهم وجعلها فريضة، وجعل سائر ما فيها سنة واجبة على من أحسنها، ووسع لمن لم يحسنها في إقامتها حتى يتعلمها، لانها تصعب على الاعاجم خاصة لقلة ضبطهم العربية، ولاختلاف ألسنتهم ولا عذر لهم في ترك التعليم ومجاهدته، ولهم العذر في إقامته حتى يتعلموه. وكبار حدود الزكاة أربعة معرفة القدر الذي يجب عليه فيه الزكاة، وما الذي يجب الزكاة عليه من الاموال، ومعرفة الوقت الذي يجب فيه الزكاة، ومعرفة العدد والقيمة، ومعرفة الموضع الذي توضع فيه. فأما معرفة العدد والقيمة، فهو أنه يجب أن يعلم الانسان كم الاشياء التي تجب الزكاة عليها، من الاموال التي فرض الله عليهم فيه الزكاة، وهو الذهب والفضة، والحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والابل، والبقر، والغنم

[389]

فهذه تسعة أشياء، وليس عليم فيما سوى ذلك من أموالهم زكاة، ويجب أن يعرفوا من ذلك ما يجب من العدد، وقد بين الله ذلك، ووضع لمعرفة ما يحتاجون إليه مما فرض عليهم أربعة أشياء وهي الكيل، والوزن، والمساحة، والعدد، فالعدد في الابل والبقر والغنم، والكيل في الحنطة والشعير والزبيب والتمر، والوزن في الذهب والفضة، فإذا عرف الانسان هذه الاشياء كان مؤديا للزكاة على ما فرض الله تبارك وتعالى عليه، فان لم يعرف ذلك لم يحسن أن يؤدي هذه الفرائض، ثم يحتاج بعد ذلك أن يعرف الموضع الذي يجب أن يضع فيه زكاته، فيضعها فيه، و إلا لم يكن مؤديا لما أمر الله، ولم يقبل منه، فهذه كبار حدود الزكاة. وكبار حدود الحج أربعة، فأول ذلك الاحرام من الوقت الموقت لا يتقدم على ذلك ولا يتأخر عنه إلا لعلة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة والوقوف بالموفقين: عرفة والمزدلفة، وهي المشعر الحرام، فهذه كبار حدود الحج وعليه بعد أن يتعلم ما يحتاج إليه في عمرته وحجه وما يلزم من ذبح وحلق و تقصير ورمي الجمار حتى يؤدي ذلك كما يجب وكما سنه رسول الله صلوات الله عليه وآله. وكبار حدود الصوم أربعة: وهي اجتناب الاكل والشرب والنكاح و الارتماس في الماء، فهذه كبار حدود الصوم، وعليه بعد ذلك أن يجتنب القئ متعمدا والكذب، وقول الزور، وإنشاد الشعر، وغير ذلك مما قد نهي عنه، وجاء به الخبر، مما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله وأمر به. وكبار حدود الوضوء للصلاة أربعة: وهي غسل الوجه، واليدين إلى المرافق والمسح على الرأس، والمسح على الرجلين إلى الكعبين كما أمر الله، وسائر ذلك سنة. وكبار حدود ولاية الامام المفروض الطاعة أن يعلم أنه معصوم من الخطاء والزلل، والعمد، ومن الذنوب كلها صغيرها وكبيرها: لا يزل ولا يخطأ ولا يلهو بشئ من الامور الموبقة للدين، ولا بشئ من الملاهي، وأنه أعلم الناس بحلال الله و

[390]

وحرامه، وفرائضه، وسننه، وأحكامه، مستغن عن جميع العالم، وغيره محتاج إليه، وأنه أسخى الناس، وأشجع الناس. والعلة في وجوب العصمة أنه إن لم يكن معصوما لم يؤمن منه أن يدخل في بعض ما يدخل فيه الناس، من ارتكاب المحارم بغلبة الشهوات فإذا دخل في شئ من الذنوب احتاج إلى من يقيم عليه الحدود التي فرضها الله، ولا يجوز أن يكون إماما على الناس مؤديا لهم من يكون بهذه الصفة من ارتكاب الذنوب، والعلة في أن يكون أعلم الناس أنه إن لم يكن عالما بجميع الحلال والحرام، وفنون العلوم التي يحتاج الناس إليها في امور دينهم ودنياهم، لم يؤمن منه أن يقلب شرايع الله وأحكامه وحدوده، فيقطع من لا يجب عليه القطع، ويقتل ويصلب السارق، و يحد ويضرب المحارب، والعلة في أنه يجب أن يكون أسخى الناس أنه خازن المسلمين، والمؤتمن على أموالهم وفيئهم، وإن لم يكن سخيا تاقت نفسه إلى أموالهم فأخذها، والعلة في أنه يجب أن يكون أشجع الناس لانه فئة المسلمين: إليه يرجعون في الحروب، وإن لم يكن أشجعهم لم يؤمن منه أن يهرب ويفر من الزحف و يسلمهم للقتل والعطب فيبوء بغضب من الله كما قال عزوجل " ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله " (1) فلا يجوز أن يفر من الحرب ويبوء بغضب من الله. وجعل الله عزوجل لهذه الفرائض الاربع دلالتين، وهما أعظم الدلائل في السماء الشمس والقمر، فدلالة الصلاة التي هي أعظم هذه الاربعة وهي عمود الدين وهي أشرفها وأجلها: الشمس يقول الله عزوجل " أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " (2) فلا تعرف مواقيت الصلاة إلا بالشمس: أولها الزوال عن كبد السماء، وهو وقت الظهر، ثم العصر بعدها، ودليلها ما تقدم من الزوال، والمغرب إذا سقط القرص (3) وهو من الشمس


(1) الانفاق: 16. (2) أسرى: 78. (3) يعنى بذهاب الحمرة (*).

[391]

والعشاء الاخرة إذا ذهب الشفق، وهو من الشمس، وصلاة الفجر إذا طلع الفجر وهو من الشمس، وجعل عزوجل دلالة الزكاة مشتركة بين الشمس والقمر، فإذا حال الحول وجبت الزكاة، وجعل دلالة الحج والصوم، القمر لا تعرف هاتان الفريضتان إلا بالقمر لقول الله تبارك وتعالى " يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج " وقوله عزوجل " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه " (1) ففرض الحج والصوم لا يعرف إلا بالشهور [والشهور] لا تعرف إلا بالقمر دون الشمس. 40 - تفسير النعماني: باسناده، عن الصادق عليه السلام، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: أما ما فرضه الله سبحانه في كتابه فدعائم الاسلام، وهي خمس دعائم: وعلى هذه الفرائض الخمس بني الاسلام، فجعل سبحانه لكل فريضة من هذه الفرايض أربعة حدود، لا يسع أحدا جهلها، أولها الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الولاية، وهي خاتمتها والجامعة لجميع الفرائض والسنن. فحدود الصلاة أربعة: معرفة الوقت، ثم ذكر نحوا مما مر بتغيير ما إلى آخر الخبر. بيان: كان في نسختي الروايتين سقم وتشويش، لا سيما في حدود الزكاة، و في النعماني بعد قوله والبقر والغنم فأما المساحة فمن باب الارضين والمياه وكأن ذكر القيمة لانه قد يجوز أداء القيمة بدل العين، وذكر المساحة لانه قد يضمن العامل حصة الفقراء بعد الخرص قبل الحصاد، فيحتاج إلى المساحة، وسنبين جميع ذلك في أبوابها إنشاء الله تعالى، وكأن مدخلية الشمس في الزكاة لان الغلات حولها إدراكها، وهي تابعة للفصول التابعة لحركة الشمس، وفي النعماني مكان قوله: " وجعل الله عزوجل لهذه الفرائض الاربع إلى آخره " هكذا: وقد جعل الله لهذه الفرائض الاربع دليلين أبان لنا بهما المشكلات، وهما الشمس والقمر أي النبي ووصيه بلا فصل.


(1) البقرة: 185 (*).

[392]

41 - كتاب الطرف: للسيد علي بن طاووس رضي الله عنه باسناده إلى عيسى ابن المستفاد مما رواه في كتاب الوصية قال: حدثني موسى بن جعفر عليه السلام قال سألت أبي جعفر بن محمد عليهما السلام عن بدء الاسلام كيف أسلم علي وكيف أسلمت خديجة ؟ فقال لي أبي: إنهما لما دعاهما رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا علي ويا خديجة إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الاسلام فأسلما تسلما، وأطيعا تهديا ! فقالا: فعلنا وأطعنا يارسول الله، فقال: إن جبرئيل عندي يقول لكما: إن للاسلام شروطا وعهودا ومواثيق فابتدياه بما شرط الله عليكما لنفسه ولرسوله أن تقولا نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه، ولم يلده والد ولم يتخذ صاحبة، إلها واحدا مخلصا وأن محمدا عبده ورسوله أرسله إلى الناس كافة بين يدي الساعة، ونشهد أن الله يحيي ويميت، ويرفع ويضع، ويغني ويفقر، ويفعل ما يشاء، ويبعث من في القبور، قالا شهدنا قال وإسباغ الوضوء على المكاره: غسل الوجه واليدين والذراعين ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين، وغسل الجنابة في الحر والبرد، وإقام الصلاة وأخذ الزكاة من حلها، ووضعها في أهلها، وحج البيت، وصوم شهر رمضان والجهاد في سبيل الله، وبر الوالدين، وصلة الرحم، والعدل في الرعية، والقسم بالسوية، والوقوف عند الشبهة إلى الوصول إلى الامام. فانه لا شبهة عنده، وطاعة ولي الامر بعدي، ومعرفته في حياتي وبعد موتي، والائمة من بعده واحدا واحدا وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله، والبراءة من الشيطان الرجيم، وحزبه و أشياعه، والبراءة من الاحزاب تيم وعدي وامية، وأشياعهم وأتباعهم والحياة على ديني وسنتي، ودين وصيي وسنته إلى يوم القيامة، والموت على مثل ذلك وترك شرب الخمر، وملاحاة الناس، يا خديجة فهمت ما شرط ربك عليك ؟ قالت نعم، وآمنت وصدقت، ورضيت وسلمت قال علي عليه السلام وأنا على ذلك، فقال: يا علي تبايعه على ما شرطت عليك ؟ قال: نعم قال: فبسط رسول الله كفه فوضع كف علي عليه السلام في كفه فقال: بايعني يا علي على ما شرطت عليك، وأن تمنعني مما تمنع منه نفسك، فبكى علي عليه السلام فقال: بأبي وامي لاحول ولا قوة إلا

[393]

بالله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اهتديت ورب الكعبة، ورشدت ووفقت، وأرشدك الله يا خديجة، ضعي يدك فوق يد علي فبايعي له فبايعت على مثل ما بايع عليه علي ابن أبي طالب عليه السلام على أنه لا جهاد عليه. ثم قال: يا خديجة هذا علي مولاك ومولى المؤمنين، وإمامهم بعدي، قالت: صدقت يا رسول الله قد بايعته على ما قلت، اشهد الله واشهدك وكفى بالله شهيدا عليما وعنه، عن أبيه، قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله أبا ذر وسلمان والمقداد فقال لهم: تعرفون شرايع الاسلام وشروطه ؟ قالوا: نعرف ما عرفنا الله ورسوله، فقال: هي والله أكثر من أن تحصى، أشهدوني على أنفسكم وكفى بالله شهيدا، وملائكته عليكم بشهادة أن لا إله إلا الله مخلصا لا شريك له في سلطانه ولا نظير في ملكه وأني رسول الله، بعثني بالحق، وأن القرآن إمام من الله، وحكم عدل، وأن القبلة قبلتي شطر المسجد الحرام لكم قبلة. وأن علي بن أبي طالب وصي محمد أمير المؤمنين ومولاهم وأن حقه من الله مفروض واجب، وطاعته طاعة الله ورسوله والائمة من ولده، وأن مودة أهل بيته مفروضة واجبة على كل مؤمن ومؤمنة، مع إقامة الصلاة لوقتها، وإخراج الزكاة من حلها، ووضعها في أهلها. وإخراج الخمس من كل ما يملكه أحد من الناس حتى يرفعه إلى ولي المؤمنين وأميرهم وبعده ولده، فمن عجز ولم يقدر إلا على اليسير من المال فليدفع ذلك إلى الضعيفين من أهل بيتي من ولد الائمة، فان لم يقدر فلشيعتهم ممن لا يأكل بهم الناس ولا يريد بهم إلا الله، وما وجب عليهم من حقي، والعدل في الرعية والقسم بالسوية، والقول بالحق، وأن حكم الكتاب على ما عمل عليه أمير المؤمنين، والفرائض على كتاب الله وأحكامه، وإطعام الطعام على حبه، و حج البيت، والجهاد في سبيل الله، وصوم شهر رمضان، وغسل الجنابة، والوضاء

[394]

الكامل على الوجه واليدين والذراعين إلى المرافق، والمسح على الرأس والقدمين إلى الكعبين، لا على خف ولا على خمار، ولا على عمامة، والحب لاهل بيتي في الله، وحب شيعتهم لهم، والبغض لاعدائهم، وبغض من والاهم، والعداوة في الله وله، والايمان بالقدر: خيره وشره وحلوه ومره. وعلى أن تحللوا حلال القرآن وتحرموا حرامه، وتعملوا بالاحكام، و تردوا المتشابه إلى أهله، فمن عمي عليه من عمله شئ لم يكن علمه مني ولا سمعه فعليه بعلي بن أبي طالب فانه قد علم كما قد علمته، وظاهره وباطنه، ومحكمه ومتشابهه، وهو يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله، وموالاة أولياء الله محمد وذريته والائمة خاصة، موالاة من والاهم وشايعهم، والبراءة والعداوة لمن عاداهم وشاقهم، كعداوة الشيطان الرجيم، والبراءة ممن شايعهم وتابعهم، والاستقامة على طريق الامام. واعلموا أني لا اقدم على علي أحدا، فمن تقدمه فهو ظالم والبيعة بعدي لغيره ضلالة، وفلتة وزلة: الاول ثم الثاني ثم الثالث، وويل للرابع، ثم الويل له، ويل له ولابيه، مع ويل لمن كان قبله، ويل لهما ولصاحبيهما، لا غفر الله لهم فهذه شروط الاسلام، وما بقي أكثر، قالوا: سمعنا وأطعنا وقبلنا وصدقنا ونقول مثل ذلك، ونشهد لك على أنفسنا بالرضا به أبدا حتى نقدم عليك آمنا بسرهم وعلانيتهم، ورضينا بهم أئمة وهداة وموالي، قال: وأنا معكم شهيد. ثم قال: نعم، وتشهدون أن الجنة حق وهي محرمة على الخلائق حتى أدخلها، قالوا: نعم قال: تشهدون أن النار حق وهي محرمة على الكافرين حتى يدخلها أعداء أهل بيتي، والناصبون لهم حربا وعداوة، ولاعنهم ومبغضهم وقاتلهم كمن لعنني أو أبغضني أو قاتلني هم في النار، قالوا: شهدنا وعلى ذلك أقررنا، قال: وتشهدون أن عليا صاحب حوضي، والذائد عنه، وهو قسيم النار، يقول: ذلك لك فاقبضيه ذميما، وهذا لي فلا تقربيه، فينجو سليما، قالوا: شهدنا على ذلك، و

[395]

نؤمن به، قال: وأنا على ذلك شهيد. وبهذا الاسناد، عن موسى بن جعفر، عن أبيه عليه السلام قال: لما هاجر النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة وحضر خروجه إلى بدر دعا الناس إلى البيعة فبايع كلهم على السمع والطاعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا خلا دعا عليا فأخبره بمن يفي منهم ومن لا يفي ويسأله كتمان ذلك، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وحمزة وفاطمة عليهم السلام فقال لهم: بايعوني بيعة الرضا، فقال حمزة: بأبي أنت وامي على ما نبايع ؟ أليس قد بايعنا ؟ فقال: يا أسد الله وأسد رسوله تبايع لله ولرسوله بالوفاء والاستقامة لابن أخيك، إذن تستكمل الايمان، قال: نعم سمعا وطاعة، وبسط يده، فقال له: يد الله فوق أيديهم، علي أمير المؤمنين، وحمزة سيد الشهداء، وجعفر الطيار في الجنة، وفاطمة سيدة نساء العالمين، والسبطان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. هذا شرط من الله على جميع المسلمين من الجن والانس أجمعين: فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ثم قرأ " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " (1). قال: ولما كانت الليلة التي اصيب حمزة في يومها، دعاه رسول الله فقال: يا حمزة يا عم رسول الله يوشك أن تغيب غيبة بعيدة فما تقول لو وردت على الله تبارك وتعالى وسألك عن شرائع الاسلام وشروط الايمان، فبكى حمزة فقال: بأبي أنت وامي أرشدني وفهمني فقال: يا حمزة تشهد أن لا إله إلا الله مخلصا وأني رسول الله بعثني بالحق، قال حمزة: شهدت قال: وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الصراط حق والميزان حق، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وفريق في الجنة وفريق في السعير (2).


(1) الفتح: 10. (2) اقتباس من قوله تعالى في سورة الزلزال: 7 - 8 وقوله تعالى في سورة الشورى: 7 (*).

[396]

وأن عليا أمير المؤمنين، قال حمزة: شهدت وأقررت وآمنت وصدقت وقال: الائمة من ذريته الحسن والحسين، والامامة في ذريته، قال حمزة: آمنت وصدقت وقال: وفاطمة سيدة نساء العالمين، قال: نعم صدقت، قال: وحمزة سيد الشهداء وأسد الله وأسد رسوله وعم نبيه، فبكى حمزة حتى سقط على وجهه، وجعل يقبل عيني رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: جعفر ابن أخيك طيار في الجنة مع الملائكة وأن محمدا وآله خير البرية تؤمن يا حمزة بسرهم وعلانيتهم، وظاهرهم وباطنهم، و تحيى على ذلك وتموت، وتوالي من والاهم، وتعادي من عاداهم، قال: نعم يا رسول الله، اشهد الله واشهدك، وكفى بالله شهيدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: سددك الله ووفقك (1). وبهذا الاسناد: عن الكاظم، عن أبيه عليهما السلام قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وآله العباس عند موته فخلا به، وقال له: يا أبا الفضل ! اعلم أن من احتجاج ربي علي تبليغي الناس عامة، وأهل بيتي خاصة، ولاية علي عليه السلام فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر يا أبا الفضل جدد للاسلام عهدا وميثاقا وسلم لولي الامر إمرته ولا تكن كمن يعطي بلسانه، ويكفر بقلبه، يشاقني في أهل بيتي ويتقدمهم ويستأمر عليهم ويتسلط عليهم ليذل قوما أعزهم الله، ويعز قوما لم يبلغوا، ولا يبلغون ما مدوا إليه أعينهم، يا أبا الفضل إن ربي عهد إلي عهدا أمرني أن ابلغه الشاهد من الانس والجن، وأن آمر شاهدهم أن يبلغوا غائبهم، فمن صدق عليا ووازره وأطاعه ونصره وقبله، و أدى ما عليه من الفرائض لله، فقد بلغ حقيقة الايمان، ومن أبى الفرائض فقد أحبط الله عمله حتى يلقى الله ولا حجة له عنده، يا أبا الفضل فما أنت قائل ؟ قال: قبلت منك يا رسول الله وآمنت بما جئت به وصدقت وسلمت فاشهد علي (2).


(1) الطرف ص 8 - 10. (2) المصدر ص 17.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية